######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shia_000049Vols
#META# 000.BookURI :: NOCODE
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: ابن إدريس الحلي
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: 598
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: السرائر
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: فقه الشيعة الى القرن الثامن
#META# 022.BookVOLS :: 3
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shia_000049Vols
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/49_السرائر-ابن-إدريس-الحلي-ج-1
#META# 031.LibURL :: NODATA
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: لجنة التحقيق
#META# 041.EdNUMBER :: الثانية
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: 1410
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#META#Header#End#
# " هذا كتاب السرائر " بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي الحمد لله الذي
~~خلق الإنسان فعدله، وعلمه البيان ففضله، وألبسه الإيمان فجمله وعرفه الدين
~~فكمله، أحمده على ستر أسبله، ونيل نوله، حمد معترف وله مطلق بالحمد مقوله،
~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بكتاب نزله، وآي فصله ودين كمله، وشرع
~~سبله، فاضطلع بما حمله، حتى حل بعضله من البهتان مشكله، وأرشد إلى الرحمن
~~من جهله، وصلى الله عليه وآله ومن قبله ما كبر الله مكبر وهلله.
# أما بعد فإن الفقه أجمل ما التحفته الهمة، وعرفته هذه الأمة، وما زالت
~~صدور الصدور له محلا، ولباتهم به يتحلا، ومجتمعاتهم ميدان محله، ومكان
~~رويته وارتحاله، يرشف فيه ثغورهم، ويخطف لديه نورهم، ثم تقلص ذلك البرد
~~الضافي وتكدر ذاك الورد الصافي، وزهد في اقتناء المعارف، وعريت الهمم من
~~تلك المطارف، وأصبح العلم قد دجت مطالعه، وخوي طالعه.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: إني لما رأيت زهد أهل هذا العصر في علم
~~الشريعة المحمدية والأحكام الإسلامية وتثاقلهم طلبها، وعداوتهم لما يجهلون،
~~وتضييعهم لما يعلمون، ورأيت ذا السن من أهل دهرنا هذا لغلبة الغباوة عليه،
~~وملكه الجهل لقياده، مضيعا لما استودعته الأيام، مقصرا في البحث عما يجب
~~عليه علمه، حتى كأنه ابن يومه ونتيج ساعته، ورأيت الناشئ المستقبل ذا
~~الكفاية والجدة مؤثرا للشهوات، صادفا عن سبل الخيرات، ورأيت العلم عنانه في
~~يد الامتهان، وميدانه قد عطل من الرهان، تداركت منه الذماء الباقي،
~~PageV01P041
# وتلافيت نفسا بلغت التراقي، وحبوت أهله مع معرفتي بفضل إذاعته إليهم،
~~وفرط بصيرتي بما في إظهاره لديهم، من الثواب الجزيل، والذكر الجميل،
~~والأحدوثة الباقية على مر الدهور، فلم يصان العلم بمثل بذله، ولن تستبقي
~~النعمة فيه بمثل نشره.
# قال بعض العلماء مادحا للعلم، وتخليده في الكتب " والكتاب قد يفضل صاحبه
~~ويقدم مؤلفه، ويرجح قلمه على لسانه، وعقله على بيانه بأمور:
# منها: إن الكتاب يقرأ بكل مكان، ويظهر ما فيه على كل لسان، ثم يوجد مع كل
~~زمان على تفاوت ما بين الأعصار وتباعد ما ms0001 بين الأمصار، وذلك أمر يستحيل في
~~واضع الكتاب، والمنازع بالمسألة والجواب، ومناقلة اللسان وهدايته لا يجوزان
~~مجلس صاحبه، ومبلغ صوته، وقد يذهب الحكيم وتبقى كتبه، ويفنى العاقل ويبقى
~~أثره، ولهذا أثر الجلة من المحققين، وأهل العبر والفكرة من الديانين، وضع
~~الكتب والاشتغال بها، واجتهاد النفس في تخليدها وتوريثها، على صوم النهار
~~وقيام الليل، ولولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها، وخلدت من عجائب حكمتها،
~~ودونت من أنواع سيرها حتى شاهدنا بها ما غاب عنا، وفتحنا بها كل مستغلق كان
~~علينا، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم نكن ندركه إلا بهم، لقد خس
~~حظنا من الحكمة، وصعبت سبلنا إلى المعرفة، ولو ألجئنا إلى قدر قوتنا، ومبلغ
~~خواطرنا، ومنتهى تجاربنا لما أدركته حواسنا، وشاهدته نفوسنا، لقد قلت
~~المعرفة، وقصرت الهمة، وانتقصت المنة، وعاد الرأي عقيما، والخاطر سقيما،
~~ولكل الحد وتبلد العقل، فإن الكتاب نعم الذخر والعقد، ونعم الجليس والعقدة،
~~ونعم النشرة والنزهة، ونعم المشتغل والحرفة، ونعم الأنيس في ساعة الوحدة،
~~ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والرحيل، ونعم الوزير والنزيل.
# والكتاب وعاء ملئ علما، وظرف حشي طرفا، وإناء شحن مزاحا وجدا، إن شئت كان
~~أبين من سحبان وآيل، وإن شئت كان أعني من ناقل، وإن شئت ضحكت من نوادره،
~~وإن شئت أشجتك مواعظه، ومن لك بواعظ PageV01P042
# ملهي، وبزاجر مغري، وبناسك فاتك، وبناطق أخرس، وبمؤنس لا ينام إلا بنومك،
~~ولا ينطق إلا بما تهوى، آمن من في الأرض، وأكتم للسر من صاحب السر، وأضبط
~~لحفظ الوديعة من أرباب الوديعة.
# وقال ذو الرمة لعيسى بن عمر اكتب شعري: فالكتاب أعجب إلي من الحفظ، إن
~~الأعرابي ينسى الكلمة وقد سهرت في طلبها ليلة، فيضع في موضعها كلمة في
~~وزنها، ثم ينشده الناس، والكتاب لا ينسى ولا يبدل كلاما بكلام.
# قال والكتاب هو الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق
~~الذي لا يملك والمستميح الذي لا يستزيدك، والجار الذي لا يستبطئك، والصاحب
~~الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق، ولا بالمكر، ولا يخدعك ms0002 بالنفاق، ولا
~~يحتال لك بالكذب، والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك،
~~وبسط لسانك، وجود بيانك، ومنحك تعظيم العوام، وصداقة الملوك، وعرفت به في
~~شهر ما لا تعرفه من أفواه الرجال في دهر، والكتاب هو الذي يطيعك بالليل
~~طاعته بالنهار، ويطيعك في السفر طاعته في الحضر، لا يقبل بنوم، ولا يعتريه
~~كلال السهر.
# قال: قال أبو عبيدة: قال المهلب لبنيه في وصيته: يا بني لا تقوموا في
~~الأسواق إلا على زراد (1) أو وراق.
# قال: وحدثني صديق لي قال: قرأت على شيخ شامي كتابا فيه مآثر غطفان فقال
~~لي: ذهبت المكارم إلا من الكتب.
# قال: وسمعت الحسن اللؤلؤي يقول: غبرت أربعين سنة ما قلت ولا بت إلا
~~والكتاب موضوع على صدري، قال: والإنسان لا يعلم حتى يكثر سماعه،
# PageV01P043
# ولا يعلم ولا يجمع ولا يختلف حتى يكون الإنفاق عليه من ماله ألذ عنده من
~~الإنفاق من مال عدوه، ومن لم يكن نفقته التي تخرج من الكتب، ألذ عنده من
~~إنفاق عشاق القيان (1)، والمستهترين بالبنان لم يبلغ في العلم مبلغا رضيا،
~~وليس ينتفع بإنفاقه حتى يؤثر اتخاذ الكتب إيثار الأعرابي فرسه باللبن على
~~عياله، وحتى يؤمل في العلم ما يؤمل الأعرابي في فرسه ولأن سخاء النفس
~~بالإنفاق على الكتب دليل على تعظيم العلم، وتعظيم العلم دليل على شرف
~~النفس، وعلى السلامة من سكر الآفات.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: وقد روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
~~أنه قال: قيدوا العلم بالكتابة (2) فحداني ما حكيته، وبعثني ما أوردته على
~~أن أجيل قدحي في ربابتهم، وأقتفي أثر جماعتهم.
# واعلم أبقاك الله وأيدك بالتوفيق، أنه ليس لمن أتى في زماننا هذا بمعنى
~~غريب وأوضح عن قول معيب، ورد شاردة خاطر غير مصيب، عند هؤلاء الأغمار
~~الأغفال، وذوي النزالة والسفال، إلا أنه متأخر محدث، وهل هذا لو عقلوا إلا
~~فضيلة له، ومنبهة عليه، لأنه جاء في زمان يعقم الخواطر، ويصدي الأذهان،
~~ولله در المتنبي حيث يقول:
# أتى الزمان بنوه في شبيبته ms0003 * فسرهم وآتيناه على الهرم ولقد أحسن الحيص في
~~قوله في هذا المعنى:
# تفضلون قديم الشعر عن سفه الفضل في الفضل لا في العصر والدار وقال
~~المبرد: ليس بقدم العهد يفضل القائل، ولا لحدثان العهد يهتضم المصيب، ولكن
~~يعطى كل واحد منهما ما يستحق، فالعاقل اللبيب الذي يتوخى الإنصاف فلا يسلم
~~إلى المتقدم إذا جاء بالردى لتقدمه، ولا يبخس
# PageV01P044
# المتأخر حق الفضيلة إذا أتى بالحسن لتأخره، وكأين نظر للمتأخر ما لم
~~يسبقه المتقدم إليه ولا أتى بمثله: إما استحقاقا أو اتفاقا، فمن العدل أن
~~يذكر الحسن ولو جاء ممن جاء، ويثبته للآتي به كائنا من كان، ولا ينظر إلى
~~سبق المتقدم وتبع المتأخر، فإن الحكمة ضالة المؤمن على ما ورد عن النبي صلى
~~الله عليه وآله وسلم (1) والخبر المشهور عن أمير المؤمنين عليه السلام من
~~قوله: انظر إلى ما قال ولا تنظر إلى من قال (2). ولا تغتر أيها اللبيب
~~وتركن إلى قول ابن الرقاع، فإنه ختار ذو خداع وقد ذكر عثمان بن جني النحوي
~~في كتاب الخصائص قال: قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: ما على الناس شر
~~أضر من قولهم: ما ترك الأول للآخر شيئا، وقال الطائي الكبير يقول: من يطرق
~~أسماعه كم ترك الأول للآخر، بل تمسك بقول أمير المؤمنين عليه السلام: أعرف
~~الحق تعرف أهله (3)، وأحسن الحديث والاستشهاد كتاب الله، فإنه مدح قوما
~~بقوله: " الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه " (4) وأني لأستحسن قول لبيد
~~في هذا المعنى:
# قوم لهم عرفت معد فضلها * والفضل يعرفه ذووا الألباب وقال ابن الرومي:
# ومستخف بقدر الشعر قلت له * لا ينفق العطر إلا عند معطار وقال خلاد
~~الأرقط: لقيني ابن مناذر بمكة، فأنشدني قصيدته: " كل حي لاقى الحمام فمودي
~~" ثم قال: إقرأ أبا عبيدة السلام، وقل له: يقول لك ابن مناذر: اتق الله
~~واحكم بين شعري وشعر عدي ابن زيد، ولا تقل ذاك جاهلي وهذا إسلامي، فتحكم
~~بين العصرين، ولكن أحكم بين الشعرين ودع العصبية.
# PageV01P045
# وبعد هذا الإسهاب، أطال الله بقاء من يقف ms0004 على كتابي هذا، فيوسعني إنصافا
~~أو يتركني، والميل على مع هواه كفافا، فإنه كتاب لم أزل على فارط الحال،
~~وتقادم الوقت، ملاحظا له، عاكفا الفكر عليه، منجذب الرأي والروية إليه،
~~وادا أن أجد مهلا (أضله) به، أو خللا أرتقه بعمله، والوقت يزداد بنواديه
~~ضيقا، ولا ينهج لي إلى الابتداء طريقا.
# هذا مع إعظامي له واعتصامي بالأسباب المشاطة إليه، فاعتقادي فيه أنه من
~~أجود ما صنف في فنه، وأسبقه لأبناء سنه، وأذهبه في طريق البحث والدليل
~~والنظر، لا الرواية الضعيفة والخبر، فأني تحريت فيه التحقيق، وتنكبت ذلك كل
~~طريق، فإن الحق لا يعدو أربع طرق: إما كتاب الله سبحانه، أو سنة رسوله صلى
~~الله عليه وآله المتواترة المتفق عليها، أو الإجماع، أو دليل العقل، فإذا
~~فقدت الثلاثة، فالمعتمد في المسائل الشرعية عند المحققين الباحثين عن مأخذ
~~الشريعة التمسك بدليل العقل فيها، فإنها مبقاة عليه وموكولة إليه، فمن هذا
~~الطريق يوصل إلى العلم بجميع الأحكام الشرعية في جميع مسائل أهل الفقه،
~~فيجب الاعتماد عليها، والتمسك بها، فمن تنكب عنها عسف، وخبط خبط عشواء،
~~وفارق قوله من المذهب، والله تعالى يمدكم وإيانا بالتوفيق والتسديد، ويحسن
~~معونتنا على طلب الحق وإثارته، ورفض الباطل وإبادته، فقد قال السيد المرتضى
~~رضي الله عنه وذكر في جواب المسائل الموصليات الثانية الفقهية، وقدم مقدمة
~~وأشار وأومأ إليها أن تكون هي الأدلة على جميع جوابات مسائلهم، اكتفي بها
~~عن الدلالة في تضاعيف الجوابات، فقال: اعلم أنه لا بد في الأحكام الشرعية
~~من طريق يوصل إلى العلم بها لأنا متى لم نعلم الحكم ونقطع بالعلم على أنه
~~مصلحة، جوزنا كونه مفسدة، فيقبح الإقدام منا عليه، لأن الإقدام على ما لا
~~نأمن كونه فسادا وقبيحا كالإقدام على ما نقطع على كونه فسادا، ولهذه الجملة
~~أبطلنا أن يكون القياس في الشريعة الذي يذهب مخالفونا PageV01P046
# إليه طريقا إلى الأحكام الشرعية، من حيث كان القياس يوجب الظن، ولا يفضي
~~إلى العلم. ألا ترى إنا نظن بحمل الفرع في التحريم على أصل محرم بشبه يجمع ms0005
~~بينهما أنه محرم مثل أصله، ولا يعلم من حيث ظننا أنه يشبه المحرم إنه محرم،
~~ولذلك أبطلنا العمل في الشريعة بأخبار الآحاد، لأنها لا توجب علما ولا
~~عملا، وأوجبنا أن يكون العمل تابعا للعلم، لأن خبر الواحد إذا كان عدلا
~~فغاية ما يقتضيه الظن لصدقه، ومن ظننت صدقه يجوز أن يكون كاذبا، وإن ظننت
~~به الصدق، فإن الظن لا يمنع من التجويز، فعاد الأمر في العمل بأخبار الآحاد
~~إلى أنه إقدام على ما لا نأمن كونه فسادا وغير صلاح. قال: وقد تجاوز قوم من
~~شيوخنا رحمهم الله في إبطال القياس في الشريعة، والعمل فيها بأخبار الآحاد
~~إلى أن قالوا: إنه مستحيل من طريق العقول العبادة بالقياس في الأحكام،
~~وأحالوا أيضا من طريق العقول العبادة بالعمل بأخبار الآحاد، وعولوا على أن
~~العمل يجب أن يكون تابعا للعلم، وإذا كان غير متيقن في القياس وأخبار
~~الآحاد لم تجز العبادة بهما، قال: والمذهب الصحيح هو غير هذا، لأن العقل لا
~~يمنع من العبادة بالقياس والعمل بخبر الواحد، ولو تعبد الله تعالى بذلك
~~لشاع ولدخل في باب الصحة، لأن عبادته تعالى بذلك توجب العلم الذي لا بد أن
~~يكون العمل تابعا له، فإنه لا فرق بين أن يقول عليه السلام: قد حرمت عليكم
~~كذا وكذا فاجتنبوه، وبين أن يقول: إذا أخبركم عني مخبر، له صفة العدالة،
~~بتحريمه فحرموه، في صحة الطريق إلى العلم بتحريمه، وكذلك إذا قال: لو غلب
~~في ظنكم شبه بعض الفروع ببعض الأصول في صفة، يقتضي التحريم فحرموه، فقد
~~حرمته عليكم لكان هذا أيضا طريقا إلى العلم بتحريمه، وارتفاع الشك
~~والتجويز، وليس متناول العلم هنا هو متناول الظن على ما يعتقده قوم لا
~~يتأملون، لأن متناول الظن هاهنا هو صدق الراوي إذا كان واحدا، ومتناول
~~العلم هو تحريم الفعل المخصوص الذي تضمنه الخبر، وما علمناه PageV01P047
# غير ما ظنناه وكذلك في القياس متناول الظن شبه الفرع بالأصل في علة
~~التحريم، ومتناول العلم كون الفرع محرما، وإنما منعنا من القياس بالشريعة
~~وأخبار الآحاد ms0006 مع تجويز العبادة بهما من طريق العقول، لأن الله تعالى ما
~~تعبد بهما ولا نصب دليلا عليهما، فمن هذا الوجه أطرحنا العمل بهما، ونفينا
~~كونهما طريقين إلى التحريم والتحليل.
# قال المرتضى قدس الله روحه: وإنما أردنا بهذه الإشارة أن أصحابنا كلهم،
~~سلفهم وخلفهم، ومتقدمهم ومتأخرهم، يمنعون من العمل بأخبار الآحاد، ومن
~~العمل بالقياس في الشريعة، ويعيبون أشد عيب على الذاهب إليهما، والمتعلق في
~~الشريعة بهما، حتى صار هذا المذهب لظهوره وانتشاره معلوما، ضرورة منهم وغير
~~مشكوك فيه من أقوالهم.
# قال المرتضى رضي الله عنه: وقد استقصينا الكلام في القياس، وفرعناه
~~وبسطناه، وانتهينا فيه إلى أبعد الغايات في جواب مسائل، وردت من أهل الموصل
~~متقدمة، أظنها في سنة نيف وثمانين وثلاثمائة، فمن وقف عليها استفاد منها
~~جميع ما يحتاج إليه في هذا الباب. قال: وإذا صح ما ذكرناه، فلا بد لنا فيما
~~ثبتناه من الأحكام فيما نذهب إليه من ضروب العبادات، من طريق يوجب العلم
~~ويقتضي اليقين. قال: فطريق العلم في الشرعيات هي الأقوال التي قد قطع
~~الدليل على صحتها، وأمن العقل من وقوعها على شئ من جهات القبح كلها، كقول
~~الله عز وجل، وكقول الرسول عليه السلام، والأئمة الذين يجرون في العصمة
~~مجراه عليه السلام، ولا بد لنا من طريق إلى إضافة الخطاب إلى الله تعالى
~~إذا كان خطابا له، وكذلك في إضافته إلى الرسول وإلى الأئمة عليهم السلام.
~~قال: وقد سلك قوم في إضافة خطابه إليه تعالى طرقا غير مرضية، وأصحها
~~وأبعدها من الشبه، أن يشهد الرسول صلى الله عليه وآله المؤيد بالمعجزات في
~~بعض الكلام أنه كلام الله تعالى، فيعلم بشهادته أنه كلامه، PageV01P048
# كما فعل نبينا صلى الله عليه وآله في القرآن فعلمنا بإضافته له إلى ربه
~~أنه كلامه، فصار جميع القرآن دالا على الأحكام، وطريقا إلى العلم.
# فأما الطريق إلى معرفة كون الخطاب، مضافا إلى الرسول صلى الله عليه وآله
~~وسلم والأئمة عليهم السلام فهو المشافهة والمشاهدة لمن حاضرهم وعاصرهم،
~~فأما من نأى عنهم، أو وجد بعدهم، ms0007 فمن الخبر المتواتر المفضي إلى العلم
~~المزيل للشك والريب، وهاهنا طريق آخر يتوصل به إلى العلم بالحق، والصحيح في
~~الأحكام الشرعية، عند فقد ظهور الإمام، وتمييز شخصه، وهو إجماع الفرقة
~~المحقة، وهي الإمامية التي قد علمنا أن قول الإمام - وإن كان غير متميز
~~الشخص - داخل في أقوالها، وغير خارج عنها، فإذا أطبقوا على مذهب من المذاهب
~~علمنا أنه هو الحق الواضح، والحجة القاطعة، لأن قول الإمام هو الحجة في
~~جملة أقوالها، فكأن الإمام قائله ومتفرد به.
# ثم قال السيد المرتضى بعد شرح وإيراد طويل حذفناه: فإن قيل: فما تقولون
~~في مسألة شرعية اختلف فيها قول الإمامية، ولم يكن عليها دليل من كتاب أو
~~سنة مقطوع بها، كيف الطريق إلى الحق فيها؟ قال: قلنا هذا الذي فرضتموه قد
~~أمنا وقوعه، لأنا قد علمنا أن الله تعالى لا يخلي المكلف من حجة وطريق
~~للعلم بما كلفه، وهذه الحادثة التي ذكرتموها إذا كان لله تعالى فيها حكم
~~شرعي، واختلفت الإمامية في وقتنا هذا، فلم يمكن الاعتماد على إجماعهم الذي
~~يتفق بأن الحجة فيه لأجل وجود الإمام في جملتهم، فلا بد من أن يكون على هذه
~~المسألة دليل قاطع، من كتاب أو سنة مقطوع بها، حتى يفوت المكلف طريق للعلم
~~يصل به إلى تكليفه. اللهم إلا أن يفرض وجود حادثة ليس للإمامية فيها قول
~~على سبيل اتفاق واختلاف، وقد يجوز عندنا في مثل ذلك إن اتفق أن يكون لله
~~تعالى حكم شرعي، فإذا لم نجد في الأدلة الموجبة للعلم طريقا إلى علم حكم
~~هذه الحادثة، كنا فيها على ما يوجب العقل وحكمه. PageV01P049
# قال السيد: فإن قيل أليس شيوخ هذه الطائفة قد عولوا في كتبهم في الأحكام
~~الشرعية على الأخبار التي رووها عن ثقاتهم، وجعلوها العمدة والحجة في هذه
~~الأحكام حتى رووا عن أئمتهم عليهم السلام فيما يجئ مختلفا من الأخبار عند
~~عدم الترجيح كله، أن يؤخذ منه ما هو أبعد من قول العامة، وهذا ينقض ما
~~قدمتموه.
# قلنا: ليس ينبغي أن يرجع عن الأمور ms0008 المعلومة، والمذاهب المشهورة، المقطوع
~~عليها، بما هو مشتبه ملتبس محتمل، وقد علم كل موافق ومخالف: أن الشيعة
~~الإمامية تبطل القياس في الشريعة من حيث إنه لا يؤدي إلى علم، وكذلك تقول:
# في أخبار الآحاد حتى أن منهم من يزيد على ذلك، فيقول: ما كان يجوز من
~~طريق العقل أن يتعبد الله تعالى في الشريعة بقياس، ولا عمل بأخبار الآحاد،
~~ومن كان هذا مذهبه، كيف يجوز أن يثبت الأحكام الشرعية بأخبار لا يقطع على
~~صحتها، ويجوز كذب رواتها كما يجوز صدقهم؟ وهل هذا إلا من أقبح المناقضة
~~وأفحشها، والعلماء الذين عليهم المعول، ويدرون ما يأتون ويذرون ما يجوزون
~~لم يحتجوا بخبر واحد لا يوجب علما، ولا يقدر أحد أن يحكي عنهم في كتاب ولا
~~غيره خلاف ما ذكرناه، فأما أصحاب الحديث من أصحابنا، فإنهم رووا ما سمعوا
~~وبما حدثوا به، ونقلوا عن أسلافهم، وليس عليهم أن يكون حجة ودليلا في
~~الأحكام الشرعية، أو لا يكون كذلك، فإن كان في أصحاب الحديث من يحتج في حكم
~~شرعي بحديث غير مقطوع على صحته، فقد زل ووهل، وما يفعل ذلك من يعرف أصول
~~أصحابنا في نفي القياس والعمل بأخبار الآحاد حق معرفتها، بل لا يقع مثل ذلك
~~إلا من غافل، وربما كان غير مكلف.
# ألا ترى أن هؤلاء بأعيانهم قد يحتجون في أصول الدين من التوحيد والعدل
~~والنبوة والإمامة بأخبار الآحاد، ومعلوم عند كل عاقل: أنها ليست بحجة في
~~PageV01P050
# ذلك، وربما ذهب بعضهم إلى الجبر وإلى التشبيه، اغترارا بأخبار الآحاد
~~المروية، ومن أشرنا إليه بهذه الغفلة يحتج بالخبر الذي ما رواه، ولا حدث
~~به، ولا سمعه من ناقله فعرفه بعد بعدالة أو غيرها، حتى لو قيل له في بعض
~~الأحكام: من أين أتيته وذهبت إليه؟ جوابه: لأني وجدته في كتاب الفلاني،
~~ومنسوبا إلى رواية فلان بن فلان، ومعلوم عند كل من نفي العلم بأخبار الآحاد
~~أو من أثبتها وعمل بها، أن هذا ليس بشئ يعتمد، ولا طريق يقصد، وإنما هو
~~غرور وزور.
# قال: فأما ms0009 الرواية بأن يعمل بالحديثين المتعارضين بأبعدهما من مذهب
~~العامة، فهو لعمري قد روي، وإذا كنا لا نعمل بأخبار الآحاد في الفروع، كيف
~~نعمل بها في الأصول التي لا خلاف في أن طريقها العلم والقطع؟
# قال السيد المرتضى رحمه الله: وإذا قد قدمنا ما احتجنا إلى تقديمه، فهو
~~الذي يعتمد عليه في جميع المسائل الشرعية. هذا آخر كلام المرتضى رضي الله
~~عنه حرفا فحرفا.
# قال محمد بن إدريس: فعلى الأدلة المتقدمة أعمل وبها آخذ وأفتي وأدين الله
~~تعالى ولا ألتفت إلى سواد مسطور، وقول بعيد عن الحق مهجور، ولا أقلد إلا
~~الدليل الواضح، والبرهان اللائح، ولا أعرج إلى أخبار الآحاد، فهل هدم
~~الإسلام إلا هي، وهذه المقدمة هي أيضا من جملة بواعثي على وضع كتابي هذا،
~~ليكون قائما بنفسه، ومقدما في جنسه، وليغني الناظر فيه، إذا كان له أدنى
~~طبع عن أن يقرأه من فوقه، وإن كان لأفواه الرجال معنى لا يوصل إليه من أكثر
~~الكتب في أكثر الأحوال، وعزمت على أنه: إن مر في أثناء الأبواب مسألة فيها
~~خلاف بين أصحابنا المصنفين رحمهم الله أومأت إلى ذلك، وذكرت ما عندي فيه،
~~وما أعتمد عليه، وقادني الدليل إليه، وإن كان في بعض كتب أصحابنا كلام
~~متضاد العبارة، متفق المعنى، أو مسألة صعبة القياد جموح لا تنقاد، أو كلمة
~~لغوية أعربت عنها بالتعجيم، وأزلت اللبس فيها والتصحيف، وإن كان
~~PageV01P051
# لبعض الأصحاب فتوى في كتاب له، أو قول قد رجع عنه في كتاب له آخر، ذكرته
~~فإن كان قد أورده على جهة الرواية لا بمجرد العمل ذكرته، فكثيرا ما يوجد
~~لأصحابنا في كتبهم ذلك، حتى أن قليل التأمل، ومن لا بصيرة له بهذا الشأن
~~يحتج به، ويجعله اعتقادا له ومذهبا يدين الله تعالى به، أو قد ذكر ذلك
~~وأودعه كتابه على جهة الحجاج على خصمه، لأنه عند خصمه حجة وإن لم يكن عنده
~~كذلك، فقد قال الشيخ السعيد الصدوق أبو جعفر الطوسي (رضي الله عنه، وتغمده
~~الله تعالى برحمته) ذكر ذلك في عدته ms0010 جوابا لسؤال يسأل نفسه، فقال: ليس كل
~~الثقات نقل حديث الجبر والتشبيه، ولو صح أنه نقله، لم يدل على أنه كان
~~معتقدا لما تضمنه الخبر، ولا يمتنع أن يكون إنما رواه ليعلم أنه لم يشذ عنه
~~شئ من الروايات، لا لأنه يعتقد ذلك وقال رضي الله عنه في هذا الكتاب المشار
~~إليه: وقد ذكرت ما ورد عنهم عليهم السلام من الأحاديث المختلفة التي يختص
~~الفقه في كتابي المعروف بالاستبصار، وفي كتابي تهذيب الأحكام، ما يزيد على
~~خمسة آلاف حديث، وذكرت في أكثرها اختلاف الطائفة في العمل بها، وذلك أشهر
~~من أن يخفى، حتى أنك لو تأملت اختلافهم في هذه الأحكام، وجدته يزيد على
~~اختلاف أبي حنيفة والشافعي ومالك. هذا آخر كلام الشيخ أبي جعفر رحمه الله.
# وذكر الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان رضي الله عنه في جواب سائل
~~سأله فقال: كم قدر ما تقعد النفساء عن الصلاة؟ وكم مبلغ أيام ذلك؟ فقد رأيت
~~في كتابك كتاب أحكام النساء أحد عشر يوما، وفي الرسالة المقنعة ثمانية عشر
~~يوما، وفي كتاب الأعلام أحد وعشرين يوما، فعلى أيها العمل دون صاحبته؟
~~فأجابه بأن قال: الواجب على النفساء أن تقعد عشرة أيام، وإنما ذكرت في كتبي
~~ما روي من قعودها ثمانية عشر يوما، وما روي في النوادر استظهارا بأحد
~~وعشرين يوما، وعملي في ذلك على عشرة أيام، لقول الصادق PageV01P052
# عليه السلام: لا يكون دم نفاس زمانه أكثر من زمان الحيض. هذا آخر كلام
~~الشيخ المفيد رحمه الله.
# وقال الشيخ أبو جعفر رضي الله عنه في خطبة كتابه المبسوط: وكنت على قديم
~~الوقت وحديثه متشوق النفس إلى عمل كتاب يشتمل على ذلك، تتوق نفسي إليه،
~~فيقطعني عن ذلك القواطع، ويشغلني الشواغل، ويضعف نيتي أيضا فيه قلة رغبة
~~هذه الطائفة فيه، وترك عنايتهم به، لأنهم ألفوا الأخبار، وما رووه من صريح
~~الألفاظ حتى أن مسألة لو غير لفظها، وعبر عن معناها بغير اللفظ المعتاد
~~لهم، تعجبوا منها وقصر فهمهم عنها، وكنت عملت على قديم ms0011 الوقت كتاب النهاية،
~~وذكرت جميع ما رواه أصحابنا في مصنفاتهم وأصولها من المسائل، وفرقوه في
~~كتبهم، ورتبته ترتيب الفقه، وجمعت بين النظائر، ورتبت فيه الكتب على ما رتب
~~للعلة التي بينتها هناك، ولم أتعرض للتفريع على المسائل، ولا لتعقيد
~~الأبواب وترتيب المسائل وتعليقها، والجمع بين نظائرها، بل أوردت جميع ذلك
~~أو أكثره بالألفاظ المنقولة، حتى لا يستوحشوا من ذلك، ثم قال مادحا لكتابه:
# إذا سهل الله تعالى إتمامه، يكون كتابا لا نظير له في كتب أصحابنا، ولا
~~في كتب المخالفين ثم قال: أما أصحابنا فليس لهم في هذا المعنى شئ يشار
~~إليه، بل لهم مختصرات، وأوفى ما عمل في هذا المعنى كتابنا النهاية، وهو على
~~ما قلت فيه.
# فانظر أبقاك الله إلى كلام الشيخ رحمه الله وما قال في نهايته، واعتذاره
~~عما أودعه فيها، وقوله: قصر فهمهم عنها يعني: أصحابه فكيف يحال على الرجل
~~وينسب إلى أن جميع ما أورده حق وصواب لا يحل رده، ولا خلافه، ولا اعتبار
~~بالعوام العثر الذين لا نظام لهم، ولا تحصيل عندهم، فإن فساد كل صناعة من
~~فهم الأدعياء، وقلة الصرحاء، فطلاب الفقه كثير، ومحصلوه قليل، وخصوصا
~~اليوم.
# وقال الخليل بن أحمد رحمه الله: وقد كنا نعدهم قليلا وقد صاروا أقل من
~~القليل وروي أن الدوري المحدث قال: أردت الخروج إلى البصرة، فصرت
~~PageV01P053
# إلى أحمد بن حنبل، فسألته الكتاب إلى مشايخها، فكلما فرغ من كتاب قرأته،
~~فإذا فيه وهذا فتى ممن يطلب الحديث، ولم يكتب من أصحاب الحديث، وأهل عصرنا
~~رضوا بالاسم دون المسمى، وعزيمتي التلخيص والاختصار، والاقتصار فيما أورده
~~على مجرد الفقه والفتوى، دون التطويل بذكر الأدعية والتسبيح، من الآداب
~~الخارجة عن قانون الفقه وعموده، فالحاجة إلى ما ذكرنا أمس، ولأن في ما يوجد
~~من ذلك في كتب العبادات كفاية وزيادة عليها، إلا أن يعرض مهم، يحتاج فيه
~~إلى كشف وإيضاح، وتطويل وإفصاح وإيراد أدلة وأمثلة، فإني إذا شبهت شيئا
~~بشئ، فعلى جهة المثال والتنبيه، لا على وجه حمل أحدهما على الآخر، فإن ms0012 ذلك
~~على أصولنا باطل، وقد رسمته بكتاب السرائر، الحاوي لتحرير الفتاوى، والله
~~المستعان وعليه التكلان. PageV01P054
# كتاب الطهارة PageV01P055
# كتاب الطهارة باب في الباب الطهارة وجهة وجوبها وكيفية أقسامها وحقيقتها
~~الطهارة في اللغة هي النظافة فأما في عرف الشرع فهي عبارة عن إيقاع أفعال
~~في البدن مخصوصة على وجه مخصوص.
# وبعضهم يحدها بأنها في الشريعة اسم لما يستباح به الدخول في الصلاة.
# وهذا ينتقض بإزالة النجاسة عن ثوب المصلي وبدنه، لأنه لا يجوز له أن
~~يستبيح الصلاة إلا بعد إزالة النجاسة التي لم يعف عنها الشرع، وإزالة
~~النجاسة ليست بطهارة في عرف الشرع.
# وأيضا قوله: اسم لما يستباح به الدخول في الصلاة يلوح بهذا القيد، أن كل
~~طهارة لا يستباح بها الصلاة لا يسمى طهارة. وهذا ينتقض بوضوء الحايض
~~لجلوسها في مصلاها، وهي طهارة شرعية وإن لم يجز لها أن تستبيح بها الصلاة.
# وقد تحرز بعض أصحابنا في كتاب له مختصر وقال: الطهارة في الشريعة اسم لما
~~يستباح به الدخول في الصلاة، ولم يكن ملبوسا أو ما يجري مجراه وهذا قريب من
~~الصواب.
# فإن قيل: فما معنى قولكم في حدكم إيقاع أفعال في البدن مخصوصة؟
# قلنا: " في البدن " احتراز من الثياب وإزالة النجاسات العينية من البدن
~~على ما مضى القول فيه.
# وقولنا: " مخصوصة " أردنا الأفعال الواقعة في البدن، لا أبعاض البدن،
~~ومواضع منه مخصوصة، لأن الغسل الأكبر يعم البدن، فلو أردنا بمخصوصة بعض
~~مواضع البدن، أو مكانا منه مخصوصا، لا ينتقض ذلك، بل بمخصوصة راجعة إلى
~~PageV01P056
# الأفعال الحالة الواقعة في البدن لا المحال وقولنا: " على وجه مخصوص "
~~كونها على وجه القربة إلى الله سبحانه دون الرياء والسمعة، وما بنا حاجة
~~إلى ما يستباح بها الصلاة، لما بيناه على ما ذهب إليه بعض المصنفين وهي على
~~ضربين: كبرى وصغرى. وقال بعض أصحابنا في كتاب له:
# وهي تنقسم إلى قسمين: وضوء وتيمم، وهذا غير واضح ولا تقسيم مستقيم، لأنه
~~يؤدي إلى إسقاط الغسل الأكبر من البين. لأن الوضوء عندهم عبارة عن الطهارة
~~الصغرى المائية ms0013 دون الترابية التي هي التيمم، وقد رجع هذا القائل عن هذا
~~التقسيم في كتاب آخر له.
# والكبرى عبارة عن الأغسال، والصغرى عبارة عن الوضوء إذا فعلتا بالماء
~~فالكبرى تعم جميع البدن غسلا، والصغرى تعم ستة أعضاء: ثلاثة مغسولة وثلاثة
~~ممسوحة، وقول بعضهم: تعم أربعة أعضاء: عضوين مغسولين وعضوين ممسوحين، تساهل
~~وتسامح وتجاوز، والحقيقة ما قلناه، فإذا فعلتا بالتراب إختصت الكبرى
~~والصغرى بثلاثة أعضاء فقط، إلا أن للكبرى ضربتين وللصغرى ضربة.
# والوضوء على ضربين: واجب وندب، فالواجب هو الذي يجب لأسباب الصلاة
~~الواجبة، أو الطواف الواجب، لا وجه لوجوبه إلا بهذين الوجهين، والندب فإنه
~~مستحب في مواضع كثيرة لا تحصى.
# وأما الغسل فعلى ضربين أيضا، واجب وندب، فالواجب يجب للأمرين اللذين
~~ذكرناهما، ولاستيطان المساجد، وللجواز في المسجدين، ومس كتابة المصحف، وغير
~~ذلك مما الطهارة الكبرى شرط في فعله، هذه الجملة ذكرها بعض أصحابنا، فإنه
~~قال: لدخول المساجد، وتحرزنا نحن بقولنا: ولاستيطان المساجد وللجواز في
~~المسجدين، وهو لم يتحرز، لأن للجنب الدخول إلى المساجد PageV01P057
# مجتازا إلا المسجدين.
# والذي عندي أن الغسل لا يجب ولا يكون نيته واجبة إلا للأمرين اللذين وجب
~~الوضوء لهما فحسب، لأنه شرط في الصلاة وفعل من أفعالها، وكذلك الطواف فإذا
~~لم يكن الصلاة ولا الطواف على المكلف واجبين، فلا يجب الغسل ولنا في هذا
~~مسألة قد بلغنا فيها إلى أبعد الغايات وأقصى النهايات فمن أرادها وقف عليها
~~من حيث أرشدناه، وربما أوردناها في باب الجنابة إن شاء الله تعالى.
# فأما ما يوجب أو الغسل فسنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
# والطهارة بالماء هي الأصل وإنما يعدل عنها إلى الطهارة بالتراب عند
~~الضرورة، وعدم الماء.
# وتسمية التيمم بالطهارة صحيح لا خلاف فيه، لأنه حكم شرعي، لأن الرسول
~~عليه السلام قال: جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا (1) وأخبارنا مملؤة
~~بتسمية ذلك طهارة.
# وينبغي أولا أن نبدأ بما تكون به الطهارة من المياه وأحكامها ثم نذكر بعد
~~ذلك كيفية فعلها وأقسامها ثم نعقب ذلك بذكر ما ينقضها ويبطلها والفرق بين ms0014
~~ما يوجب الوضوء والغسل ثم نعود بعد ذلك إلى أقسام التيمم على ما بيناه.
# باب المياه وأحكامها كل ما استحق إطلاق هذه السمة التي هي قولنا ماء على
~~اختلاف محاله وأسماء أماكنه وعذوبة في طعمه وملوحة فهو طاهر لا يمتنع من
~~التطهير به
# PageV01P058
# وشربه إلا أن يعلم فيه نجاسة فيحظر استعماله أو يتغير عن حاله، لما يقتضي
~~إضافته وتقييد الاسم المطلق له، فلا يجوز حينئذ التطهر به وإن كان في نفسه
~~طاهرا وهو على ضربين: طاهر، ونجس.
# فالطاهر على ضربين: طهور وغير طهور.
# ومعنى طهور: إنه مع طهارته يزيل الأحداث ويرفع حكمها بغير خلاف.
# وهو على ثلاثة أضرب: مملوك ومباح ومغصوب.
# فالقسمان الأولان: لا خلاف أنهما يزيلان النجاسة الحكمية والعينية، ومعنى
~~الحكمية: ما يحتاج في رفعها إلى نية القربة. وقيل: ما لم يدركها الحس ومعنى
~~العينية: ما لا يحتاج في رفعها وإزالتها إلى نية القربة. وقيل ما أدركها
~~الحس.
# وأما القسم الثالث: فلا خلاف بين أصحابنا أنه لا يرفع الحكمية. لأن
~~الحكمية تحتاج في رفعها إلى نية القربة ولا يتقرب إلى الله سبحانه بالمعاصي
~~والمغصوب. فأما رفع العينية به فيجوز ويزول وإن كان الإنسان في استعماله
~~معاقبا لأن نية القربة لا تراعى في إزالة النجاسة العينية.
# والطاهر الذي ليس بطهور: ما خالطه جسم طاهر فسلبه إطلاق اسم الماء واقتضى
~~إضافته عليه أو اعتصر من جسم، أو استخرج منه أو كان مرقا سلبته المرقية
~~إطلاق اسم المائية كماء الورد والآس والباقلا وما أشبه ذلك فهذا الماء طاهر
~~في نفسه، غير مطهر لغيره، فإن خالطه شئ من النجاسات فقد نجس قليلا كان أو
~~كثيرا بغير خلاف ولا اعتبار للكر هاهنا ولا يرفع به نجاسة حكمية بغير خلاف
~~بين المحصلين.
# وفي إزالة النجاسة العينية به خلاف بين الأصحاب والصحيح من المذهب أنها
~~لا يزول حكمها به، وإن كان السيد المرتضى وجماعة من أصحابنا يذهبون إلى
~~أنها يزول حكمها به. PageV01P059
# فأما الرد عليهم بقوله تعالى: " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به "
~~(1) فليس بشئ ms0015 يعتمد، لأنه ليس في الآية أن غير الماء المنزل يطهرنا فهذا
~~عند محققي أصول الفقه أخفض رتبة من دليل الخطاب، لأن الحكم تعلق بذكر عين
~~لا حكم صفة والنص عندهم إذا تناول عينا بحكم لم يدل على أن ما عداها من
~~الأعيان مخالف لها في ذلك هذا على مذهب القائلين بدليل الخطاب وعلى مذهب
~~المبطلين له وإنما اخترناه لدليل غير هذا وهو أن النجاسة معلومة في الثوب
~~والبدن بيقين فلا يزال إلا بيقين وإذا أزيلت بالماء المطلق يحصل اليقين
~~وأيضا فالماء المضاف لاقى نجاسة، فنجس بملاقاتها فصار هذا الفعل تكثيرا
~~للنجاسة وليس كذلك إزالتها بالماء المطلق، لأن لورود الماء على النجاسة
~~حكما وليس كذلك ورود المضاف فإن أضيف إلى الماء المطلق المطهر جسم طاهر
~~تغير به أحد أوصافه فهو باق على حكم التطهير به، ما لم يسلبه إطلاق اسم
~~الماء عنه، لأن التغير غير السلب، لأن السلب هو غلبة الأجزاء المخالطة
~~للماء حتى تسلبه إطلاق اسم الماء عنه وتخرجه عن معنى المياه.
# والنجس هو الماء القليل الذي خالطه شئ من النجاسة، غيره أو لم يغيره أو
~~الكثير، أو الجاري الذي تخالطه النجاسة، وتغير بعض صفاته من لون أو طعم أو
~~ريح.
# وحد الماء القليل ما نقص عن مقدار كر. وحد الكثير ما بلغ كرا فصاعدا.
# وحد الكر ما وزنه ألف ومائتا رطل بالرطل العراقي وهو البغدادي على الصحيح
~~من المذهب لأن بعض أصحابنا يذهب إلى أنه بالمدني من جملتهم المرتضى رضي
~~الله عنه هذا إذا كان الاعتبار بالوزن. فأما إذا كان الاعتبار بمساحة المحل
~~فبأن يكون محله ثلاثة أشبار ونصفا طولا في مثلها عرضا في مثل عمقا على
~~الصحيح من المذهب.
# وذهب بعض أصحابنا وهم القميون: إلى أنه يكون محله ثلاثة أشبار في
# PageV01P060
# عمق مثلها في عرض مثلها طولا، دون اعتبار النصف، والاعتبار بالأشبار
~~المعتادة لا الأشبار القصار ولا الطوال.
# والاعتبار بالكر إنما هو في الماء الواقف دون مياه الآبار النابعة فأما
~~مياه الآبار: فهي تجري وإن كثر ماؤها مجرى ms0016 ما نقص عن الكر من مياه المصانع
~~والغدران والواقف في أي موضع كان في آن حلول النجاسة ووقوعها فيها، من غير
~~تغير لها ينجسها، سواء بلغ ماؤها كرا أو نقص عنه، بغير خلاف بين أصحابنا
~~وسنبين كيفية تطهيرها إن شاء الله تعالى.
# والماء المستعمل في تطهير الأعضاء والبدن الذي لا نجاسة عليه إذا جمع في
~~إناء كان طاهرا مطهرا سواء كان مستعملا في الطهارة الكبرى أو الصغرى على
~~الصحيح من المذهب، لأن بعض أصحابنا يقول: إذا كان مستعملا في الطهارة
~~الكبرى لا يرفع به حدث حكمي ويرفع به النجاسة العينية ويزيلها وهذا منه
~~تحكم، لأنه إن كان مضافا فالماء المضاف عند هذا القائل لا يزيل به النجاسة
~~الحكمية ولا العينية وإن كان مطهرا باقيا على ما كان عليه قبل الاستعمال
~~فما باله يزيل النجاسة العينية، ولا يرفع الحكمية؟
# فإن تمسك بأن هذا ماء أزيل به نجاسة فلا يجوز استعماله فيقال له: فالماء
~~المستعمل في الطهارة الصغرى قد أزيل به نجاسة، فامتنع من التطهير به، فإن
~~قال: الماء المستعمل في الطهارة الصغرى أزيل به نجاسة حكمية لا عينية، قلنا
~~له: كذلك هذا الماء فإن قال: هذا ماء مضاف قلنا: حقيقة الإضافة ما أضيف من
~~الأجسام الطاهرة إلى الماء فسلبته إطلاق اسم الماء على ما مضى بيانه، وما
~~يستخرج أيضامن أجرام الأجسام بعصر أو تصعيد، وليس هذا حاصلا في هذا الماء
~~المنازع فيه، ثم إن امتنعت من استعماله لهذه العلة، وهي كونه مضافا، فامتنع
~~من استعمال الماء المستعمل في الطهارة الصغرى فمهما أجبت به فهو جوابي لك
~~بعينه في هذا الماء. PageV01P061
# وأيضا فالظاهر من الآيات والأخبار يقتضي طهارة هذا الماء، ورفع الحدث به،
~~لأنه بعد استعماله في الطهارة الكبرى باق على ما كان عليه من تناول اسم
~~الماء له بالإطلاق، ومنزل من السماء.
# وموت ما لا نفس له سائلة: كالذباب والجراد والزنابير والعقارب وما أشبه
~~ذلك لا ينجس الماء، سواء كان الماء قليلا أو كثيرا جاريا أو راكدا من مياه
~~الآبار أو ms0017 غيرها.
# ولا بأس بالوضوء والغسل بسؤر الجنب والحائض على كراهية لسؤر الحائض إذا
~~كانت متهمة، وهي التي لا تتوقى من النجاسات، فأما إذا كانت مأمونة وهي التي
~~تتوقى من النجاسات، فلا كراهية في ذلك.
# وجملة الأمر وعقد الباب أن نقول: الماء على ضربين: جار وواقف فالجاري
~~طاهر مطهر، إلا أن يتغير بعض أوصافه، لونه أو طعمه أو رائحته بجسم نجس،
~~فإنه ينجس ويطهر بزوال الأوصاف عنه. والطريق إلى تطهيرها تقويتها بالمياه
~~الجارية ودفعها حتى يزول عنها التغير.
# والواقف على ضربين: مياه الآبار وغير مياه الآبار.
# فغير مياه الآبار على ضربين: قليل وكثير.
# فالكثير ما بلغ كرا فصاعدا على ما مضى بيانه. فحكم هذا الماء حكم الجاري
~~لا ينجسه شئ يقع فيه من النجاسات، إلا ما تغير به أحد أوصافه، فإن تغير أحد
~~أوصافه بنجاسة تحصل فيه، فلا يجوز استعماله إلا عند الضرورة للشرب لا غير.
# والطريق إلى تطهيره أن يطرء عليه من المياه الطاهرة المطلقة ما يرفع ذلك
~~التغير عنه فحينئذ يجوز استعماله. وإن ارتفع التغير عنه من قبل نفسه، أو
~~بتراب يحصل فيه، أو بالرياح التي تصفقها أو بجسم طاهر يحصل فيه، أو بطرو
~~أقل من الكر من المياه المطهرة لم يحكم بطهارته، لأنه لا دليل على ذلك،
~~ونجاستها معلومة بيقين، فلا يرجع عن اليقين إلا بيقين مثله. PageV01P062
# فإن كان تغير هذه المياه لا بنجاسة بل من قبل نفسها أو بما يجاورها من
~~الأجسام الطاهرة مثل الحمئة والملح، أو نبت فيها مثل الطحلب والقصب وغير
~~ذلك، أو لطول المقام، لم يمنع ذلك من استعمالها بحال.
# والقليل ما نقص عن الكر الذي قدمنا مقداره وذلك ينجس بكل نجاسة تقع فيه
~~قليلة كانت النجاسة، أو كثيرة، غيرت أحد أوصافه أو لم تغير، من غير استثناء
~~لنجاسة يمكن التحرز منها أو لا يمكن، لأن بعض أصحابنا ذكر في كتاب له: إلا
~~ما لا يمكن التحرز منه مثل رؤوس الإبر من الدم وغيره وهذا غير واضح، لأنه
~~ماء قليل وقعت فيه نجاسة فيجب ms0018 أن تنجسه، ومن استثنى نجاسة دون نجاسة، يحتاج
~~إلى دليل ولن يجده.
# والطريق إلى تطهير هذا الماء أن يزاد زيادة تبلغه الكر أو أكثر منه، إذا
~~كانت الزيادة ينطلق عليها اسم الماء على الصحيح من المذهب. وعند المحققين
~~من نقاد الأدلة والآثار وذوي التحصيل والاعتبار، لأن بلوغ الماء عند
~~أصحابنا هذا المبلغ مزيل لحكم النجاسة التي تكون فيه وهو مستهلك بكثرته
~~لها، فكأنها بحكم الشرع غير موجودة إلا أن تؤثر في صفات الماء، فإذا كان
~~الماء بكثرته وبلوغه إلى هذا الحد مستهلكا للنجاسة الحاصلة فيه، فلا فرق
~~بين وقوعها فيه بعد تكامل كونه كرا وبين حصولها في بعضه قبل التكامل، لأن
~~على الوجهين معا النجاسة في ماء كثير، فيجب أن لا يكون لها تأثير فيه مع
~~عدم تغيير الصفات.
# والظواهر على طهارة هذا الماء بعد البلوغ المحدد، أكثر من أن تحصى أو
~~تستقصى. فمن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وآله المجمع عليه عند المخالف
~~والمؤالف: إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا (1)، فالألف واللام في الماء عند
~~أكثر الفقهاء وأهل اللسان للجنس المستغرق، فالمخصص للخطاب العام
# PageV01P063
# الوارد من الشارع يحتاج إلى دليل، فلا خلاف بين المخالف والمؤالف من
~~أصحابنا في تصنيفهم وتقسيمهم في كتبهم الماء فإنهم يقولون: الماء على
~~ضربين: طاهر ونجس، وقد حصل الاتفاق من الفريقين على تسمية الماء النجس
~~بالماء، ووصفه بالنجس لا يخرجه عن إطلاق اسم الماء حتى يصير في حكم ماء
~~الورد وماء الباقلا، لأنه لو شربه من حلف أن لا يشرب ماء يحنث الحالف بغير
~~خلاف فلو لم ينطلق عليه اسم الماء لم يحنث الحالف.
# وأيضا قول الرسول صلى الله عليه وآله المتفق على رواية ظاهرة، أنه قال:
~~خلق الماء طهورا لا ينجسه شئ إلا ما غير طعمه أو لونه أو رائحته (1).
# فمنع عليه السلام من نجاسته إذا لم يتغير، إلا ما أخرجه الدليل وهذا
~~بخلاف قول المخالف والمنازع في هذا الماء.
# وأيضا قوله تعالى: " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به " وهذا (2)
~~عام ms0019 في الماء المنازع فيه وغيره، لأنه لا يخرج عن كونه منزلا من السماء،
~~وليس لأحد أن يخص ذلك بتنزله من السماء في حال نزوله ألا ترى أن ماء دجلة
~~إذا استعمل ونقل من مكان إلى مكان، لم يخرج من أن يكون ماء دجلة.
# وأيضا قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا ".
# (3) فالواجد للماء المختلف فيه، واجد لما تناوله الاسم بغير خلاف.
# وأيضا قوله تعالى: " ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا " (4) فأجاز
~~تعالى الدخول في الصلاة بعد الاغتسال، ومن اغتسل بالماء المنازع فيه تناوله
~~اسم مغتسل بلا شك.
# وأيضا قوله عليه السلام لأبي ذر رضي الله عنه: إذا وجدت الماء فامسسه
# PageV01P064
# جلدك (1) ومن وجد هذا الكر واجد للماء.
# وقوله عليه السلام: أما أنا فأثحو على رأسي ثلاث حثيات من ماء، فإذا إنا
~~قد طهرت. ولم يخص ماء من ماء، وماء في الخبر منكر، والنكرة مستغرقة لجنسها
~~فالظواهر من القرآن والسنة التي يتمسك بها على طهارة الكر المختلف فيه،
~~كثيرة على ما ترى جدا.
# وأيضا حسن الاستفهام عند المحققين لأصول الفقه، يدل على اشتراك الألفاظ
~~بغير خلاف فيما بينهم، ولا خلاف في أن من قال عندي ماء، يحسن أن يستفهم عن
~~قوله: أنجس أم طاهر؟ وليس كذلك إذا قال عندي ماء للطهارة في أنه لا يحسن
~~استفهامه، لأن القرينة أخلصته من الاشتراك، وهو قوله للطهارة.
# وعلى هذا آية التيمم في قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " المراد به
~~الطاهر لأجل القرينة، وهي ذكر الطهارة في سياق الآية.
# فإن قيل: كيف يكون مثلا نصف كر منفردا نجسا والنصف الآخر أيضا نجسا فإذا
~~خلطا وبلغا الكر مجتمعا يصير طاهر؟ وهل هذا إلا عجيب!
# قلنا: لا يمتنع أن يكون البعض نجسا إذا كان متفرقا، وكذلك البعض.
# الآخر، فإذا اجتمعا حدث معنى وهو البلوغ والاجتماع، فتغير الحكم عما كان
~~عليه أولا، فيخرجه من النجاسة إلى الطهارة فيطهر حينئذ بالبلوغ، ولهذا
~~أمثله كثيرة عقلا وسمعا، فمن ذلك المشرك نجس العين عندنا، ويخرجه الإيمان
~~عن النجاسة إلى الطهارة. ms0020
# فإن قيل: إن العين على ما كانت عليه؟
# قلنا: غير مسلم، لأن اعتقاد الإسلام والإيمان يمنع من أن يطلق عليها إنها
~~على ما كانت عليه، إلا أن يراد بالعين نفس الجواهر فهو كذلك، إلا أنه غير
# PageV01P065
# مؤثر، ألا ترى أن عصير العنب قبل أن يشتد حلال طاهر، فإذا حدثت الشدة
~~حرمت العين ونجست، والعين التي هي جواهر على ما كانت عليه، وإنما حدث معنى
~~لم يكن، وكذلك إذا انقلب خلا زالت الشدة عن العين وطهرت، وهي على ما كانت
~~عليه، وكذلك الحي من الناس المسلمين، يكون طاهرا في حال حياته فإذا مات صار
~~نجسا، والعين على ما كانت عليه، ولم يحصل من التغير أكثر من عدم معنى هو
~~الحياة، وحلول معنى هو الموت، وإذا جاز أن ينجس العين الطاهرة بعدم الحياة
~~وحلول الموت، جاز أن يطهر العين النجسة بعدم الكفر ووجود الإيمان على أن
~~الجواهر متماثلة، والعين النجسة من جنس العين الطاهرة، وإنما تفارقها بما
~~يحلها من المعاني والأعراض والأحكام، فإذا لا مانع شرعا وعقلا أن يثبت
~~للماء النجس متفرقا قبل اجتماعه وبلوغه الكر حكم بعد اجتماعه وبلوغه الحد
~~المحدود، فالدليل كما يقال يعمل العجب ويزيل الريب.
# وأيضا إجماع أصحابنا على هذه المسألة إلا من عرف اسمه ونسبه وقوله:
# وإذا تعين المخالف في المسألة لا يعتد بخلافه.
# وأيضا فالشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله الذي يتمسك بخلافه ويقلد في هذه
~~المسألة، ويجعل دليلا يقوي القول، والفتيا بطهارة هذا الماء في كثير من
~~أقواله، وأنا أبين إن شاء الله أن أبا جعفر رحمه الله يفوح من فيه رائحة
~~تسليم المسألة بالكلية إذا تؤمل كلامه وتصنيفه حق التأمل وأبصر بالعين
~~الصحيحة وأحضر له الفكر الصافي، فإنه فيه نظر ولبس ولتفهم عني ما أقول.
# إعلم رعاك الله أن المقرر المعلوم من مذهب هذا الشيخ الفقيه وقوله وفتياه
~~وتصنيفه الشايع عنه وخلافه فيه وقوله الذي لم يرجع عنه في كتبه، يكاد يعلم
~~من أصحابنا، ضرورة أن الماء المستعمل في الطهارة الكبرى، مثل غسل الجنابة ms0021
~~والحيض والاستحاضة والنفاس، إذا كان البدن خاليا من نجاسة عينية، بأن عنده
~~هذا الماء لا يرفع الحدث، ولا يجوز استعماله في رفع الأحداث، وإن كان
~~PageV01P066
# طاهرا، إلا أنه عده غير مطهر، وهذا معلوم من مذهبه وقوله على ما بيناه،
~~وحجته إن هذا ماء مستعمل في إزالة نجاسة حكمية.
# ثم قال في مبسوطه ما هذا حكايته: الماء المستعمل على ضربين: أحدهما ما
~~استعمل في الوضوء وفي الأغسال المسنونة، فما هذا حكمه يجوز استعماله في رفع
~~الأحداث، والآخر ما استعمل في غسل الجنابة والحيض، فلا يجوز استعماله في
~~رفع الأحداث وإن كان طاهرا، فإن بلغ ذلك كرا زال حكم المنع من رفع الحدث به
~~لأنه قد بلغ حدا لا يحتمل النجاسة وإن كان أقل من كر كان طاهرا غير مطهر،
~~هذه ألفاظ الشيخ أبي جعفر رحمه الله بعينها لا زيادة فيها ولا نقصان. (1)
~~ألا ترى أن هذا الماء المستعمل في الطهارة الكبرى عنده غير رافع للأحداث،
~~ثم قال: فإن بلغ ذلك كرا زال حكم المنع من رفع الحدث به قال:
# لأنه قد بلغ حدا لا يحتمل النجاسة، فأتى باللام المعللة التي معناها لأجل
~~أنه، فكان عنده قبل بلوغه الكر غير رافع، فلما بلغ الكر صار رافعا للحدث،
~~وزال بالبلوغ عنه المنع من رفع الحدث، فانظر أيها المعتبر وتأمل، هل صيره
~~مطهرا رافعا للحدث شئ سوى المبلوغ المحدود بالكرية فيلزمه على قود
~~الاستدلال والتعليل والالتزام منه أن يحكم في الماء النجس القليل غير متغير
~~الأوصاف بنجاسة أنه غير رافع للنجاسة الحكمية والعينية، وكذا يقول: ونقول
~~فإذا بلغ الكر زال حكم المنع من رفع الأحداث وإزالة النجاسات به، وإلا فما
~~الفرق والفاصل بينهما مع البلوغ كرا؟
# فإن خطر في الخاطر ولاح خيال وسراب ونهض مقعد فقال: الفرق بينهما واضح،
~~وهو أن الماء المستعمل في الطهارة الكبرى الذي لم يبلغ كرا طاهرا، لكنه غير
~~مطهر، والماء النجس الذي هو أقل من الكر غير طاهر ولا مطهر، فقد افترقا من
~~هذا الوجه.
# PageV01P067
# قلنا: المزيل لهذا الخيال ms0022 والسراب، أنه لا فرق بينهما عنده، في أن هذا
~~الماء غير مطهر، وهذا غير مطهر، فقد اشتركا من هذا الوجه والحكم بكونه غير
~~مطهر، فإذا بلغ صار مطهرا وليس علة المنع عنده كونه طاهرا فليس له في كونه
~~طاهرا مزية عنده فقد تساويا في المنع، والحكم المطلوب والمعنى المقصود من
~~أنه لا يرفع هذا حدثا ولا يزيل به نجسا، وكذلك حكم الآخر عنده، فهما
~~متساويان في هذا الوجه غير مختلفين، لكونهما غير مطهرين، وإن كان أحدهما
~~طاهرا فغير مفيد له هذا الوصف، ولا مؤثر فيه حكما من رفع حدث به، أو إزالة
~~نجاسة بل هو والماء النجس في المنع من رفع الأحداث وإزالة النجاسات، شيئان
~~مشتركان متساويان، فتسمية الماء المستعمل الناقص عن الكر غير مكتسب له حكم
~~النجس ولا مؤثر في رفع الحدث به وإزالة النجاسة، (1) بل المؤثر في رفع
~~الحدث به إطلاق اسم الماء عليه، وبلوغه الكر عند الشيخ، وإلا فماء الورد
~~بلا خلاف طاهر ولو بلغ ألف كر لا يرفع حدثا لأنه لا ينطلق اسم الماء،
~~وهاتان الصفتان قائمتان في الماء النجس، وهما انطلاق اسم الماء على الماء
~~النجس على ما بيناه وأوضحناه أولا وبلوغه الكر، فيجب أن يحصل له من رفع
~~الحدث ما حصل لذلك الماء المستعمل وهو من التأثير في رفع الحدث به وإزالة
~~النجس إذا حصلتا له، وهما حاصلتان للماء النجس بهذا التقرير، فالمؤثر عند
~~الشيخ في رفع الحدث به بلوغه كرا لا كونه طاهرا فقد صار كونه طاهرا ووجود
~~هذا الوصف له وعدمه سواء، فقد تساويا في كونهما غير مطهرين، وهو المنع من
~~رفع الحدث، وإزالة النجاسة العينية بهما، فلا فرق بينهما عنده من هذا
~~الوجه، بل هما متساويان في المنع من رفع الحدث بهما وفي كونهما غير مطهرين،
~~وإن اختلفا في وجه غير مقيد للماء الذي سمي به، ولا مكتسب له حكما مؤثرا في
~~رفع
# PageV01P068
# الأحداث به، بل المكتسب له والمؤثر في الأحداث بلوغه كرا فحسب، لا كونه
~~طاهرا، فكان المانع له من ms0023 رفع الحدث به نقصان مقداره عن الكر، والرافع لهذا
~~الحكم عند زيادة مقداره وبلوغه الكر، لا كونه طاهرا فيجب أن يكون المانع من
~~رفع الحدث بالماء النجس نقصان مقداره عن الكر، والرافع لهذا الحكم زيادة
~~مقداره، وهو بلوغه كرا، لأنه جعل الحكم الرافع للمنع في الماء المستعمل
~~بلوغه الكر، لا كونه طاهرا. وعلل بقوله: لأنه قد بلغ حدا لا يحتمل النجاسة،
~~والتعليل قائم في الماء النجس الناقص عن الكر، فإذا بلغه يجب أن يزول عنه
~~ذلك الحكم، لأنه قد بلغ حدا لا يحتمل النجاسة، لأنه الحد المؤثر الذي بلغه
~~الماء المستعمل، وهو المزيل، لما كان عليه من المنع المؤثر في رفع الحدث به
~~لا كونه طاهرا، فصار التعليل لازما للشيخ أبي جعفر رضي الله عنه كالطوق في
~~حلق الحمام فهذا الشيخ المخالف في الفتيا في هذه المسألة في بعض أقواله
~~محجوج بقوله هذا الذي أوضحناه على ما ترى، فآل الأمر بحمد الله إلى اضمحلال
~~الخلاف فيها.
# ولنا في هذا مسألة منفردة نحو من عشر ورقات، قد بلغنا فيها أقصى الغايات،
~~رجحنا القول فيها والأسؤلة والأدلة والشواهد من الآيات والأخبار، فمن
~~أرادها وقف عليها من هناك.
# وأما مياه الآبار، فإنها تنجس بما يقع فيها من سائر النجاسات، قليلا كان
~~الماء أو كثيرا، غيرت النجاسة الواقعة فيها أحد أوصاف الماء أو لم تغيره،
~~بغير خلاف بين أصحابنا.
# ثم النجاسة الواقعة فيها على ضربين: منصوص عليها، أو غير منصوص عليها.
# فالنجاسات المنصوص عليها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يوجب نزح الجميع مع
~~الإمكان وفقد التعذر، ونجاسة توجب نزح مقدار لا بالدلاء، ونجاسة توجب نزح
~~دلاء معدودة.
# فالأول: اختلف أصحابنا، منهم: من يذهب إلى نزح الجميع، من ثمان
~~PageV01P069
# نجاسات، ومنهم من قال: يوجب نزح الجميع من تسع نجاسات، ومنهم من قال:
~~يوجب نزح جميعها من عشر نجاسات والصحيح الأول، لأنه متفق عليه، وما عداه
~~داخل في قسم ما لم يرد به نص، وسيأتي بيانه بعون الله سبحانه.
# فالمتفق عليه الخمر، من قليله وكثيره، وكل ms0024 مسكر، والفقاع، والمني، من
~~سائر الحيوانات مأكول اللحم وغير مأكول اللحم، ودم الحيض، والاستحاضة،
~~والنفاس، والبعير إذا مات فيه، سواء كان ذكرا أو أنثى، لأن البعير اسم جنس،
~~فإذا أردت الذكر قلت جمل، وإذا أردت الأنثى قلت ناقة، كما أن الإنسان اسم
~~جنس يدخل تحته الذكران والإناث، فإذا أردت ذكر قلت الرجل، وإذا أردت الأنثى
~~قلت المرأة.
# فإن تعذر ذلك بأن يكون الماء كثيرا غزيرا، لا يمكن نزح جميعه، تراوح على
~~نزحها أربعة رجال من أول النهار إلى آخره، وأول النهار حين يحرم على الصائم
~~الأكل والشرب، وآخره حين يحل له الإفطار، وقد يوجد في كتب بعض أصحابنا من
~~الغدوة إلى العشية، وليس في ذلك ما ينافي ما ذكرناه، لأن أول الغدوة أول
~~النهار، لأن الغدوة والغداة عبارة عن أول النهار بغير خلاف بين أهل اللغة
~~العربية.
# وكيفية التراوح: أن يستقي اثنان بدلو واحد، يتجاذبانه إلى أن يتعبا، فإذا
~~تعبا قام الاثنان، إلى الاستقاء، وقعد هذان يستريحان إلى أن يتعب القائمان،
~~فإذا تعبا قعدا وقاما هذان واستراح الآخران، هكذا.
# فأما إن تغير أحد أوصاف الماء بنجاسة، فإن كانت النجاسة منصوصة على ما
~~ينزح منها، فإن كانت مما ينزح منها الجميع، فيجب نزح الجميع ولا كلام، فإن
~~تعذر النزح للغزارة، فالتراوح يوما من أوله إلى آخره، على ما مضى شرحه
~~وبيانه، فإن زال التغير، فذاك المقصود وقد طهر الماء، وإن لم يزل التغير من
~~نزح اليوم، فيجب أن ينزح إلى أن يزول التغير، ولا يتقدر ذلك بمدة، بل بزوال
~~التغير سواء كان في مدة قليلة أو كثيرة. PageV01P070
# وإن كانت النجاسة المغيرة مما يوجب نزح مقدار محدود، فيجب نزح المقدار،
~~فإن زال التغير فقد طهرت، وإن لم يزل، فيجب أن ينزح إلى أن يزول التغير.،
~~لقولهم عليهم السلام: ينزح منها حتى تطيب (1)، وقولهم: حتى يذهب الريح وقد
~~طهرت (2) ولأن الحكم إذا تعلق بسبب، زال بزوال ذلك السبب، وهذا مذهب شيخنا
~~محمد بن محمد بن النعمان رحمه الله في مقنعته (3)، وفي رسالته إلى ms0025 ولده
~~(4).
# وإن كانت النجاسة المغيرة لأحد الأوصاف غير منصوص عليها بمقدار فالواجب
~~نزح الجميع بغير خلاف، لأنه داخل في قسم ما لم يرد به نص، فإذا تعذر نزح
~~الجميع لغزارة الماء وكثرته، فالواجب أن يتراوح عليها أربعة، رجال من أول
~~النهار إلى آخره، على ما مضى شرحنا له، فإن زال التغير في بعض اليوم
~~المذكور، فالواجب تمام ذلك اليوم، وإن لم يزل التغير بنزح اليوم، فالواجب
~~بعد تمام اليوم النزح منها إلى أن يزول التغير، وإن كان ذلك في بعض يوم،
~~بعد استيفاء اليوم الأول.
# فمن ألحق من أصحابنا قسما تاسعا قال: وكل نجاسة غيرت أحد أوصاف الماء، إن
~~أراد بقوله: كل نجاسة غيرت أحد أوصاف الماء ولم يزل التغير قبل نزح الجميع،
~~وكان نزح الجميع غير متعذر، والنجاسة المغيرة لأحد أوصاف الماء منصوص
~~عليها، فإنه مصيب في إلحاقه هذا القسم، وإن أراد بالنجاسة المغيرة:
# أي نجاسة كانت، سواء كانت منصوصا عليها أو غير منصوص عليها، فإنه غير
~~مصيب في تقسيمه، لأن النجاسة المغيرة، إذا كانت غير منصوص عليها، فهي
# PageV01P071
# داخلة في غير هذا القسم، بل في القسم الثاني وهو النجاسة الواقعة في
~~البئر التي لم يرد بها نص معين فليلحظ هذا ويتأمل تأملا جيدا.
# وإن أردت تلخيص الكلام وتجميله في الأشياء التي تقع في البئر وتوجب نزح
~~الماء جميعه، فطريقته أن يقول: الواقع في البئر من النجاسات على ضربين:
# أحدهما يغير أحد أوصاف الماء، والثاني لا يغيره، فإن غير أحد أوصافه
~~فالمعتبر فيه الأخذ بأعم الأمرين، من زوال التغير، وبلوغ الغاية المشروعة
~~في مقدار النزح منه، فإن زال التغير قبل بلوغ المقدار المشروع في تلك
~~النجاسة، وجب تكميله، وإن نزح ذلك المقدار ولم يزل التغير، وجب النزح إلى
~~أن يزول لأن طريقة الاحتياط تقتضي ذلك، والإجماع عليه، لأن العامل به عامل
~~على يقين.
# وما لا يغير أحد أوصاف الماء على ضربين:
# أحدهما يوجب نزح جميع الماء، أو تراوح أربعة رجال على نزحه من أول النهار
~~إلى آخره، إذا كان ms0026 له مادة قوية يتعذر معها نزح الجميع. والضرب الآخر يوجب
~~نزح بعضه.
# فما يوجب نزح الجميع، أو المراوحة، عشرة أشياء على هذه الطريقة: الخمر،
~~وكل شراب مسكر، والفقاع، والمني، ودم الحيض، ودم الاستحاضة، ودم النفاس،
~~وموت البعير فيه، وكل نجاسة غيرت أحد أوصاف الماء، ولم يزل التغير قبل نزح
~~الجميع، وكل نجاسة لم يرد في مقدار النزح منها نص، فهذا التحرير على هذه
~~الطريقة صحيح.
# وما يوجب نزح البعض فعلى ضربين.
# أحدهما يوجب نزح كر، وهو موت خمس من الحيوان: الخيل، والبغال، والحمير
~~أهلية كانت أو غير أهلية، والبقر وحشية كانت أو غير وحشية، أو ما ماثلها في
~~مقدار الجسم.
# والآخر ما يوجب نزح دلاء، فأكثرها موت الإنسان المحكوم بطهارته قبل
~~PageV01P072
# موته، وتنجيس الماء، سواء كان صغيرا أو كبيرا سمينا أو مهزولا ينزح سبعون
~~دلوا.
# قال محمد بن إدريس: وكأني بمن يسمع هذا الكلام ينفر منه ويستبعده، ويقول:
~~من قال هذا؟ ومن سطره في كتابه؟ ومن أشار من أهل هذا الفن الذين هم القدوة
~~في هذا إليه؟
# وليس يجب إنكار شئ، ولا إثباته إلا بحجة تعضده، ودليل يعتمده، وقد علمنا
~~كلنا بغير خلاف بين المحققين المحصلين من أصحابنا: أن اليهودي وكل كافر من
~~أجناس الكفار، إذا باشر ماء البئر ببعض من أبعاضه نجس الماء، ووجب نزح
~~جميعها مع الإمكان، أو التراوح يوما إلى الليل، على ما مضى شرحنا له، وعموم
~~أقوالهم وفتاويهم على هذا الأصل.
# وأيضا فقد ثبت بغير خلاف بيننا: أن الكافر إذا نزل إلى ماء البئر،
~~وباشره، وصعد منه حيا، أنه يجب نزح مائها أجمع، فأي عقل أو سمع أو نظر أو
~~فقه يقضي أنه إذا مات بعد نزوله إليها، ومباشرته لمائها بجسمه وهو حي فقد
~~وجب نزح جميعها، فإذا مات بعد ذلك ينزح سبعون دلوا وقد طهرت! وهل هذا إلا
~~تغفيل من قائله وقلة تأمل أتراه عنده بموته انقلب جنسه، وطهر؟ ولا خلاف أن
~~الموت ينجس الطاهر، ويزيد النجس نجاسة.
# فإن قيل: فقد ورد أنه ينزح إذا ms0027 مات إنسان في البئر سبعون دلوا لموته (1)،
~~وهذا عام في المؤمن والكافر ولم يفصل، فيجب العمل بالمعلوم إلى أن يقوم
~~دليل الخصوص. وقد أورد أبو جعفر الطوسي رحمه الله في كتاب النهاية ذلك (2)،
~~وقال: إذا مات إنسان في البئر ينزح منها سبعون دلوا وقد طهرت ولم يفصل،
~~وكذلك ذكر الشيخ المفيد رحمه الله في مقنعته (3)، وابن بابويه في رسالته.
~~(4) قلنا: الجواب عن هذا الإيراد من وجوه:
# PageV01P073
# أحدها: إن ألفاظ الأجناس إذا كانت منكرات لا تفيد عند محققي أصول الفقه
~~الاستغراق والعموم والشمول، فأما إذا كانت معها الألف واللام، كانت
~~مستغرقة، كما قال الله تعالى: " والعصر. إن الإنسان لفي خسر " وأيضا
~~الرواية كما وردت بما ذكره السائل فقد وردت أيضا، وأوردها من ذكر من
~~المشايخ المصنفين في كتبهم أنه إذا ارتمس الجنب في البئر، نزح منها سبع
~~دلاء وقد طهرت (1)، أورد ذلك أبو جعفر الطوسي في نهايته (2)، والشيخ المفيد
~~في مقنعته (3)، وابن بابويه في رسالته (4)، ولم يفصلوا. والرواية بذلك
~~عامة، فمن قال في الإنسان أنه عام ولم يفصل، يلزمه أن يقول في الجنب أنه
~~عام، ولا يفصل أيضا، فهما سيان، والكلام على القولين واحد حذو النعل
~~بالنعل، ولا أحد من أصحابنا يقدم فيقول: ينزح سبع دلاء لارتماس الجنب، أي
~~جنب كان، سواء كافرا أو مسلما محقا، وهذا كما تراه وزان المسألة بعينه.
# فأما العموم فصحيح ما قاله السائل فيه، إلا أن الحكيم إذا خاطبنا
~~بجملتين: إحداهما عامة، والأخرى خاصة في ذلك الحكم والقصة بعينها، فالواجب
~~علينا أن نحكم بالخاص على العام، ولم يجز العمل على العموم، وذلك إن القضاء
~~والحكم بالعموم يرفع الحكم الخاص بأسره، والقضاء بالخصوص لا يرفع حكم اللفظ
~~العام من كل وجوهه، وما جمع العمل بالمشروع بأسره أولى مما رفع بعضه، مثال
~~ما ذكرناه من كتاب الله تعالى قوله تعالى: " والذين هم لفروجهم حافظون. إلا
~~على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين " (5)، وهذا عموم من
~~ارتفاع اللوم عن وطي الأزواج على كل حال،
# PageV01P074
# والخصوص قوله تعالى: ms0028 " ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في
~~المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن " (1). فلو قضينا بالعموم في الآية الأولى
~~لرفعنا حكم آية الحيض جملة ولو تركنا العمل بأحدهما لخالفنا الأمر في قوله
~~تعالى: " واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم " (2) فلم يبق إلا القضاء
~~بالخصوص على العموم حسب ما بيناه.
# فلما قال الشارع: إذا وقع في البئر إنسان ومات فيها، يجب نزح سبعين دلوا،
~~علمنا أن هذا عموم، ولما أجمعنا على أنه إذا باشرها كافر وجب نزح جميع
~~مائها، علمنا أنه خصوص، لأن الإنسان على ضربين: مسلم محق، وكافر مبطل هذا
~~إنسان، وهذا إنسان بغير خلاف، فانقسم الإنسان إلى قسمين، والكافر لا ينقسم،
~~لا يقال: هذا كافر وليس هذا بكافر، فإن أريد بالكافر الإنسان على القسمين
~~معا كان مناقضة في الأدلة، والأدلة لا تتناقض، فلم يبق إلا أنه أراد
~~بالإنسان ما عدا الكافر الذي هو أحد قسمي الإنسان، وما هذا إلا كإستدلالنا
~~كلنا على المعتزلة في تعلقهم بعموم آيات الوعيد، مثل قوله تعالى: " وإن
~~الفجار لفي جحيم " (3) ففجار أهل الصلاة داخلون في عموم الآية، فيجب أن
~~يدخلوا النار ولا يخرجوا منها فجوابنا لهم: إن الفجار على ضربين: فاجر
~~كافر، وفاجر مسلم، وقد علمنا بالأدلة القاهرة من أدلة العقول التي لا
~~يدخلها الاحتمال إن فاجر أهل الصلاة غير مخلد في النار، وهو مستحق للثواب
~~بإيمانه، قال الله تعالى في آية أخرى: " جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ
~~عليهم ومأويهم جهنم وبئس المصير " (4)، فعلمنا أن الفجار في الآية من عدا
~~فجار أهل الصلاة من فجار الكفار، لأنه ليس كل فاجر كافرا وكل كافر فاجرا،
~~فأعطينا كل آية حقها وكنا عاملين بهما جميعا فالعموم قد يخص بالأدلة لأنه
~~لا صيغة له عندنا.
# PageV01P075
# ومثال آخر: إذا خاطبنا الحكيم بجملتين متماثلتين في العموم، فإن كانت
~~الجملة الأولى أعم، والثانية أخص، دل ذلك على أنه أراد بالجملة الأولى ما
~~عدا ما ذكر في الجملة الثانية، وإن كانت الجملة الثانية أعم دل ذلك على أنه
~~أراد بالثانية ما ms0029 عدا ما ذكره في الجملة الأولى، ونظيره: اقتلوا المشركين،
~~ويقول بعده:
# لا تقتلوا اليهود والنصارى، فإن ذلك يفيد أنه أراد بلفظ المشركين ما عدا
~~اليهود والنصارى، وإلا كانت مناقضة أو بداء وذلك لا يجوز، ونظير الثاني أن
~~يقول أولا: لا تقتلوا اليهود والنصارى، ثم يقول بعده: اقتلوا المشركين، فإن
~~ذلك يدل على أنه أراد بلفظ المشركين الثانية، ما عدا ما ذكر في الجملة
~~الأولى، ولولا ذلك لأدى إلى ما قدمناه وأبطلناه.
# وليس لأحد أن يقول هلا حملتم الجملة الثانية على أنها ناسخة للجملة
~~الأولى؟
# قلنا: من شأن النسخ أن يتأخر عن حال الخطاب على ما علم في حد النسخ،
~~وإنما ذلك من أدلة التخصيص التي يجب مقارنتها للخطاب، فعلى هذا:
# ينبغي أن يحمل كل ما يرد من هذا الباب، ويعرف الأصل فيه، فإنه يشرف
~~المحكم له على حقيقة العمل بمقتضاه، وليس يخفى أمثال هذه الفتيا إلا على
~~غير محصل لشئ من أصول الفقه جملة وتفصيلا بلغت به سواء الكتب يمينا وشمالا،
~~لا يقف على الشئ وضده ويفتي به وهو لا يشعر، نعوذ بالله من سوء التوفيق،
~~وله الحمد على إدراك التحقيق.
# وإن مات فيها كلب أو شاة أو أرنب أو ثعلب أو سنور أو غزال أو خنزير أو
~~ابن آوى أو ابن عرس أو ما أشبه ذلك في مقدار الجسم على التقريب نزح منها
~~أربعون دلوا.
# فأما ما روي في بعض الروايات أن الكلب إذا وقع في ماء البئر وخرج حيا
~~ينزح منها سبع دلاء وقد طهرت (1) فليس بشئ يعتمد ويعمل عليه والواجب
# PageV01P076
# العدول عن الرواية الضعيفة، ونزح أربعين دلوا.
# فإن قيل: إذا لم يعمل بالرواية، فلم ينزح منها أربعون دلوا؟ ولم لا ينزح
~~جميع مائها؟ لأنه داخل في حكم ما لم يرد به نص معين.
# قيل له: لا خلاف بين أهل النظر، والتأمل في أصول الفقه، أن الموت يزيد
~~النجس نجاسة، فإذا كان الكلب بموته في البئر ينزح منها أربعون دلوا، فما
~~يكون وقوعه فيها وهو حي يزيد على ms0030 نجاسة موته، وبعد فإنه يلزمه ما ألزمناه،
~~في نزول الإنسان الكافر إلى البئر، وتنجيسه لها، ووجوب نزح جميع مائها،
~~لأنه عنده لم يرد به نص، فإذا مات بعد ذلك فيها، وجب نزح سبعين دلوا، أتراه
~~انقلب جنسه وزال ذلك الحكم، ولا خلاف أن الموت ينجس الطاهر، ويزيد النجس
~~نجاسة، وهذا قلة فقه. ثم أصول المذهب تدفعه، لأن نجاسة البئر لا يرفعها إلا
~~إخراج بعضه أو جميعه، وهذا ما أخرج شيئا حتى يتغير حكمه.
# وينزح منها لموت الطائر، جميعه، نعامة كان الطائر أو غيرها، من كباره أو
~~صغاره، ما عدا العصفور، وما في قدر حجمه وما شا كله تقريبا في الجسمية، سبع
~~دلاء.
# وللعصفور وما أشبهه في المقدار، دلو واحد، وكذلك ينزح للخطاف والخفاش دلو
~~واحد، لأنه طائر في قدر جسم العصفور.
# وينزح للفارة إذا تفسخت، وحد تفسخها انتفاخها سبع دلاء، فإن لم تنفسخ
~~فثلاث دلاء.
# وإذا وقع جماعة من الجنس الواحد الذي يجب نزح بعض ماء البئر بموته فيها،
~~مثل أن يموت فيها ألف كلب، فينزح منها ما ينزح لكلب واحد فحسب.
# فأما إن مات فيها أجناس مختلفة، مثال ذلك: كلب وخنزير وسنور وثعلب وأرنب،
~~فالواجب أن ينزح لكل جنس عدده، لأن عموم الأخبار وظواهر النصوص تقتضيه، فمن
~~ادعى تداخلها فعليه الدلالة، ودليل الاحتياط يعضده أيضا ويشيده.
~~PageV01P077
# وبول بني آدم على ضربين: بول الرجال، وبول النساء.
# فبول الذكور على ثلاثة أضرب: بول ذكر بالغ، وبول ذكر غير بالغ، قد أكل
~~الطعام، واستغنى به عن اللبن والرضاع، وبول رضيع لم يستغن بالطعام عن اللبن
~~والرضاع، فالأول: ينزح لبوله أربعون دلوا، سواء كان مؤمنا أو كافرا أو
~~مستضعفا والثاني: ينزح لبوله سبع دلاء، وقد روي ثلاث دلاء، وهو اختيار
~~السيد المرتضى رضي الله عنه (1) وابن بابويه في رسالته (2). والأول أحوط
~~وعليه العمل والإجماع. والثالث: ينزح لبوله دلو واحد، وهو بول الرضيع، وحده
~~من كان له من العمر دون الحولين، سواء أكل في الحولين الطعام، أو لم يأكل،
~~لأنه في الحولين رضيع، فغاية ms0031 الرضاع الشرعي مدة الحولين، سواء فطم فيها أو
~~لم يفطم، فإذا جاوزها خرج من هذا الحد، سواء فطم أو لم يفطم، ودخل في القسم
~~الثاني.
# فأما بول النساء فقسم واحد، سواء كن كبائر أو صغائر، رضائع أو فطائم،
~~ينزح لبولهن أربعون دلوا، وحملهن على تقسيم الذكور قياس، والقياس متروك عند
~~أهل البيت عليهم السلام.
# فإن قيل: فمن أين نزح لبولهن أربعون دلوا؟
# قلنا: الأخبار المتواترة عن الأئمة الطاهرة: بأن ينزح لبول الإنسان
~~أربعون دلوا، وهذا عموم في جنس الناس، إلا ما أخرجه الدليل، وهن من جملة
~~الناس، والإنسان اسم جنس يقع على الذكر والأنثى بغير خلاف، ويعضد ذلك قوله
~~تعالى: " إن الإنسان لفي خسر " (3) ولم يرد تعالى الرجال الذكور دون
~~النساء.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي في التبيان في تفسير قوله تعالى: " أو عجبتم
~~أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ". فقال: الرجل هو إنسان، خارج عن حد
~~الصبي من الذكر، وكل رجل إنسان، وليس كل إنسان رجلا، لأن
# PageV01P078
# المرأة إنسان، هذا آخر كلامه (1).
# وينزح لعذرة بني آدم الرطبة واليابسة المذابة المتقطعة، خمسون دلوا، فإن
~~كانت يابسة غير مذابة ولا متقطعة، فعشر دلاء بغير خلاف.
# وينزح لسائر الدماء النجسة من سائر الحيوان، سواء كان الحيوان مأكول
~~اللحم، أو غير مأكول اللحم، نجس العين، أو غير نجس العين ما عدا دم الحيض
~~أو الاستحاضة والنفاس، إذا كان الدم كثيرا، وحد أقل الكثير دم شاة، خمسون
~~دلوا، وللقليل منه وحده ما نقص عن دم شاة، فإنه حد كثير القليل (2) عشر
~~دلاء بغير خلاف، إلا من شيخنا المفيد في مقنعته، فإنه يذهب إلى أن لكثير
~~الدم عشر دلاء، ولقليله خمس دلاء (3)، والأحوط الأول، وعليه العمل.
# وحد القلة والكثرة قد رواه أصحابنا منصوصا عن الأئمة عليهم السلام، هذا
~~ما لم يغير أحد أوصاف الماء، فإن تغير بذلك أحد أوصاف الماء فقد ذكرنا حكمه
~~مستوفى، فليعتبر ذلك فيه.
# وينزح لارتماس الجنب الخالي بدنه من نجاسة عينية، المحكوم بطهارته قبل
~~جنابته، سبع دلاء، وحد ارتماسه ms0032 أن يغطي ماء البئر رأسه، فأما إن نزل فيها
~~ولم يغط رأسه ماؤها، فلا ينجس ماؤها على الصحيح من المذهب والأقوال، وإن
~~كان بعض أصحابنا في كتاب له يذهب إلى أن نزوله فيها ومباشرته لمائها مثل
~~ارتماسه فيها وتغطية رأسه ماؤها، والأول الأظهر، لأن الأصل الطهارة، ولولا
~~الإجماع على الارتماس لما كان عليه دليل، والمرتمس لا يطهر بارتماسه، ولا
~~يزول حكم نجاسته.
# وينزح لذرق الدجاج الجلال خمس دلاء، فأما غير الدجاج الجلال فلا ينزح
~~لذرقه
# PageV01P079
# شئ، لأنه طاهر، لأن ذرق مأكول اللحم طاهر بغير خلاف بين أصحابنا، فأما
~~الجلال: فإنه غير مأكول اللحم ما دام جلالا، وقد اتفقنا على نجاسة ذرق غير
~~مأكول اللحم من سائر الطيور، وقد رويت رواية شاذة لا يعول عليها، أن ذرق
~~الطائر طاهر، سواء كان مأكول اللحم أو غير مأكول والمعول عند محققي أصحابنا
~~والمحصلين منهم، خلاف هذه الرواية، لأنه هو الذي يقتضيه أخبارهم المجمع
~~عليها.
# وحد الجلل: هو أن يكون غذاؤه أجمع عذرة الإنسان لا يخلطها بغيرها.
# فأما المخلط من الدجاج، فإن ذرقه طاهر إلا أنه مكروه، فأما الذي لا يكون
~~جلالا ولا مخلطا فذرقه طاهر ليس بمكروه، فقد عاد الدجاج على هذا التحرير
~~على ثلاثة أضرب: منه ما هو نجس ينزح له إذا وقع في ماء البئر خمس دلاء، وهو
~~ذرق الجلال. ومنه ما هو مكروه وليس بنجس. ومنه ما ليس بنجس ولا مكروه،
~~فليتأمل ذلك.
# وسمي جلالا لأكله الجلة وهي البعر، إلا أن قد عاد العرف أنه هو الذي يأكل
~~عذرة بني آدم دون غيرها من الأبعار والأرواث النجاسات.
# فأما ما يوجد في التصنيف لبعض أصحابنا من قوله: وروث وبول ما يؤكل لحمه،
~~إذا وقع في الماء لا ينجس، إلا ذرق الدجاج خاصة، فإذا وقع في البئر نزح
~~منها خمس دلاء (1) فإطلاق موهم، وعبارة فيها إرسال، فإن أراد الجلال فيكون
~~استثناء غير حقيقي، بل مجازيا، والكلام في الحقيقة، دون المجاز.
# فإن اعتذر له معتذر، وقال يكون استثناء حقيقيا، لأنه قبل كونه جلالا ms0033 يؤكل
~~لحمه، فقد استثنى المصنف من حاله الأولى فيصير حقيقيا، فإنه غير وجه في
~~الاعتذار، وإن أراد المصنف سواء كان جلالا أو غير جلال، مأكول اللحم أو غير
~~مأكول اللحم، فقد قدمنا أن إجماع أصحابنا منعقد، والأخبار به متواترة، وإن
~~كل مأكول اللحم من سائر الحيوان ذرقه وروثه طاهر، فلا يلتفت إلى خلاف ذلك،
~~إما من رواية شاذة، أو قول مصنف معروف، أو فتوى غير محصل
# PageV01P080
# وربما أطلق القول وذهب في بعض كتبه (1) شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله
~~إلى نجاسة ذرق الدجاج، سواء كان جلالا أو لم يكن، لأن استثناءه من مأكول
~~اللحم يفيد ذلك، ويعلم منه، إلا أنه رجع في استبصاره (2) ومبسوطه، فقال في
~~مبسوطه في آخر كتاب الصيد والذبايح: فأما الهازبي وهو السمك الصغير الذي
~~يقلى، (ولا يقلى) ما في جوفه من الرجيع، فعندنا يجوز أكله، لأن رجيع ما
~~يؤكل لحمه ليس بنجس عندنا (3).
# وقال أيضا في مبسوطه في كتاب الأطعمة: (الجلالة البهيمة) التي تأكل
~~العذرة، كالناقة والبقرة والشاة والدجاجة، فإن كان هذا أكثر علفها، كره أكل
~~لحمها، بلا خلاف بين الفقهاء، وقال قوم من أصحاب الحديث: هو حرام، والأول
~~مذهبنا، هذا آخر كلامه رحمه الله (4) فالحظه بالعين الصحيحة.
# فأما ما يوجد في بعض الكتب لبعض أصحابنا وهو قوله: ومتى وقع في البئر ماء
~~خالطه شئ من النجاسات كماء المطر والبالوعة وغير ذلك، نزح منها أربعون دلوا
~~للخبر (5)، فإنه قول غير واضح ولا محكك، بل يعتبر النجاسة المخالطة للماء
~~الواقع في ماء البئر، فإن كانت منصوصا عليها، أخرج المنصوص عليها، وإن كانت
~~النجاسة غير منصوص عليها فتدخل في قسم ما لم يرد به نص معين بالنزح،
~~فالصحيح من المذهب والأقوال الذي يعضده الإجماع والنظر والاعتبار والاحتياط
~~للديانات عند الأئمة الأطهار، نزح جميع ماء البئر، فإن تعذر، فالتراوح على
~~ما شرحنا له.
# PageV01P081
# وقد قال الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مبسوطه: وكل نجاسة تقع في
~~البئر وليس فيها قدر منصوص، فالاحتياط يقتضي نزح جميع الماء وإن قلنا ms0034 بجواز
~~أربعين دلوا منها، لقولهم عليهم السلام: ينزح منها أربعون دلوا (1)، وإن
~~صارت مبخرة (2) كان سايغا، غير أن الأول أحوط.
# وقال أيضا: ومتى نزل إلى البئر كافر، وباشر الماء بجسمه، نجس الماء، ووجب
~~نزح جميع الماء، لأنه لا دليل على مقدر منه، والاحتياط يقتضي ما قلناه (3)
~~فانظر رعاك الله إلى قول هذا المصنف رحمه الله، وانقده، واعتبره إن أراد
~~بقوله لقولهم عليهم السلام: ينزح منها أربعون دلوا، وإن صارت مبخرة أن
~~أخبارهم بذلك متواترة، أو الإجماع عليها وإن كانت آحادا، فلا يجوز العدول
~~عنها، لأن الأخبار المتواترة دليل قاطع، وحجة واضحة، وكذلك الإجماع، فلا
~~يجوز العدول عن الدليل إلى غيره، بل صار الأخذ بذلك هو الواجب الذي لا يجوز
~~العدول عنه إلى غيره، لأن فيه الاحتياط، والعدول إلى ما سواه هو ترك
~~الاحتياط وضده.
# وإن أراد بقولهم عليهم السلام فلا يجوز عليهم الرجوع إليها ولا العمل
~~بها، لأن خبر الواحد لا يوجب علما ولا عملا كائنا من كان راويه، فإن
~~أصحابنا بغير خلاف بينهم، ومن المعلوم الذي يكاد يحصل، ضرورة أن مذهب
~~أصحابنا ترك العمل بأخبار الآحاد، ما خالف فيه أحد منهم، ولا شذ، فعلى هذا
~~التحرير ما أراد المصنف بقوله إلا خبر الواحد، ولأجل ذلك قال: غير أن الأول
~~أحوط، وهو نزح جميع مائها.
# وأيضا فقد أجمعنا واتفقنا على نجاسة مائها فيحتاج طهارته إلى إجماع
~~واتفاق، مثل الإجماع على النجاسة، ولا إجماع ولا اتفاق إلا إذا نزح جميع
~~الماء،
# PageV01P082
# فإن تعذر النزح للجميع، فالتراوح على ما قدمناه.
# وينزح لموت الحية ثلاث دلاء، تفسخت أو لم تتفسخ بغير خلاف لأن التفسخ لا
~~يعتبر إلا في الفارة فحسب.
# فأما إذا ماتت فيها عقرب، أو وزغة، فلا ينجس، ولا يجب أن ينزح منها شئ
~~بغير خلاف من محصل، ولا يلتفت إلى ما يوجد في سواد الكتب (1) من خبر واحد،
~~أو رواية شاذة ضعيفة مخالفة لأصول المذهب، وهو أن الإجماع حاصل منعقد: إن
~~موت ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء، ولا ms0035 المايع بغير خلاف بينهم، وقد
~~رجع مصنف النهاية عما أورده في نهايته، في مصباحه (2) واستبصاره (3)
~~ومبسوطه (4)، فإنه قال في تقسيمه: ويكره ما مات فيه الوزغ والعقرب خاصة،
~~وقال في جمله وعقوده: وكل ما ليس له نفس سائلة لا يفسد الماء بموته فيه
~~(5)، وقد اعتذرنا للمصنفين من أصحابنا رحمهم الله في خطبة كتابنا هذا ما
~~فيه كفاية، وقلنا: إنما يوردون في الكتب ما يوردونه على جهة الرواية، بحيث
~~لا يشذ من الأخبار شئ دون تحقيق العمل عليه، والفتوى به، والاعتقاد له، فلا
~~يظن ظان فيهم خلاف هذا، فيخطى عليهم، وابن بابويه في رسالته يذهب إلى ما
~~اخترناه، من أنه لا ينزح من موت العقرب في البئر شئ (6).
# والدلو المراعى في النزح: دلو العادة الغالبة دون الشاذة النادرة، التي
~~يستقي بها، دون الدلاء الكبار أو الصغار الخارجة عن المعتادة والغالب
~~الشامل، لأنه لم
# PageV01P083
# يقيد في الخبر.
# والنية لا تجب في نزح الماء وإن يقصد به التطهير، لأنه لا دليل عليها،
~~وليس من العبادات التي لا تراعى فيها النية، بل ذلك جار مجرى إزالة أعيان
~~النجاسات التي لا تراعى فيها النية، فعلى هذا الوجه لو نزح البئر من يصح
~~منه النية، ومن لا يصح النية، من المسلم، والكافر، والصبي، والمجنون، حكم
~~بتطهير البئر.
# والأسآر على ضربين: سؤر بني آدم، وسؤر غير بني آدم، فسؤر بني آدم على
~~ثلاثة أضرب: سؤر مؤمن ومن حكمه حكم المؤمن، وسؤر مستضعف ومن حكمه حكم
~~المستضعف، وسؤر كافر ومن حكمه حكم الكافر، فالأول والثاني طاهر مطهر،
~~والثالث نجس منجس.
# فالمؤمن في عرف الشرع: هو المصدق بالله، وبرسله، وبكل ما جاءت به.
# والمستضعف: من لا يعرف اختلاف الناس في الآراء والمذاهب، ولا يبغض أهل
~~الحق، بل لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، كما قال الله تعالى (1). وكل من
~~أبغض المحق على اعتقاده ومذهبه، فليس بمستضعف، بل هو الذي ينصب العداوة
~~لأهل الإيمان.
# فأما الكافر: فمن خالف المؤمن والمستضعف، وهو الذي يستحق العقاب الدائم،
~~والخلود في نار جهنم طول الأبد، ms0036 نعوذ بالله منها، فليلحظ هذه التقسيمات.
# وفرق آخر جاءت به الآثار عن الأئمة الأطهار بين هذه الأسئار، وهو أن سؤر
~~المؤمن طاهر فيه الشفاء، وسؤر المستضعف طاهر لا شفاء فيه، وسؤر الكافر نجس
~~لا شفاء فيه.
# فأما سؤر غير بني آدم، فينقسم إلى قسمين: سؤر الطيور، وغير الطيور.
# فأسآر الطيور كلها طاهر مطهرة، سواء كانت مأكولة اللحم، أو غير
# PageV01P084
# مأكولة اللحم، جلالة أو غير جلالة، تأكل الجيف أو لا تأكل الجيف.
# فأما غير الطيور على ضربين: حيوان الحضر، وحيوان البر.
# وحيوان الحضر على ضربين: مأكول اللحم، وغير مأكول اللحم. فمأكول اللحم
~~سؤره طاهر مطهر. وغير مأكول اللحم فما أمكن التحرز منه سؤره نجس، وما لا
~~يمكن التحرز منه فسؤره طاهر، فعلى هذا سؤر الهرة وإن شوهدت قد أكلت الفأرة،
~~ثم شربت في الإناء، يكون بقية الماء الذي هو سؤرها طاهر، سواء غابت عن
~~العين، أو لم تغب إلا أن يكون الدم مشاهدا في الماء، أو على جسمها، فينجس
~~الماء لأجل الدم، وكذلك لا بأس بأسآر الفأر والحيات وجميع حشرات الأرض.
# فأما سؤر حيوان البر فجميعه طاهر، سواء كان مأكول اللحم أو غير مأكول
~~اللحم، سبعا كان أو غيره، من ذوات الأربع، مسخا كان أو غير مسخ، وحشرات
~~الأرض إلا الكلب والخنزير فحسب، وما عداها فلا بأس بسؤره.
# والسؤر: عبارة عما شرب منه الحيوان أو باشره بجسمه، من المياه وسائر
~~المايعات.
# وإذا كان مع الإنسان إناءان أو أكثر من ذلك، فوقع في واحد منهما نجاسة،
~~ولم يعلمه بعينه، لم يستعمل شيئا منهما بحال بغير خلاف، ولا يجوز له التحري
~~(1) والواجب عليه التيمم، ولا يجب عليه إهراقهما، وله إمساكهما، أما لخوف
~~العطش، فإنه يجب عليه إمساكهما. فإن لم يخف العطش، فله إمساكهما، فإنه قادر
~~على تطهير مائهما على بعض الوجوه.
# فأما ما يوجد في بعض الكتب، من قوله: وجب عليه إهراق جميعه والتيمم
~~للصلاة، فغير واضح، لأنه لا يجب عليه إهراق مائه النجس، بل له إمساكه على
~~ما قررناه.
# فإن قال قائل: ms0037 إذا لم يهرقه كيف يجوز له التيمم مع وجود الماء؟ فلهذا قال
~~المصنف يجب عليه إهراق الماء، بحيث يجوز له التيمم.
# PageV01P085
# قلنا: هذا اعتذار، تركه أعود على من اعتذر له به، وذلك أن هذا ماء وجوده
~~كعدمه، لأن شاهد الحال وقرينة الحكم يدل على وجود الماء الطاهر، فمع وجود
~~القرينة لم يحتج إلى إهراق هذا الماء، ولو عرى الكلام من شاهد الحال لما
~~جاز التيمم، لأن اسم الماء ينطلق على الطاهر والنجس.
# وإذا أخبره عدل بنجاسة الماء، لم يجز قبول قوله، ولا يجوز له التيمم. فإن
~~كانا عدلين يحكم بنجاسة الماء، لأن وجوب قبول شهادة الشاهدين والحكم به
~~معلوم في الشرع. وإن كان الطريق إلى صدقهما مظنونا، ولا يلتفت إلى قول من
~~يقول في كتابه إن شهادة الشاهدين تطرح ويستعمل الماء، فإن الأصل الطهارة،
~~ولا يرجع عن المعلوم بالمظنون، وهو شهادة الشاهدين، لأن أكثرها يثمر الظن،
~~وهذا ليس بشئ يعتمد، بل الشارع جعل الأصل، لأن قبول شهادة الشاهدين، وجوب
~~العمل بهما في الشريعة، فقد نقلنا من معلوم إلى معلوم، ولو سلكنا هذا
~~الطريق، مضى معظم الشريعة، فإنه كان يقال ويحتج بأن الأصل أن لا صوم واجب
~~في شهر رمضان، فمن أوجبه فقد رجع عن الأصل الذي هو الإباحة أو لا تكليف،
~~فلأن الأصل وجوب صوم رمضان، فمن ادعى سقوطه عن المكلفين به يحتاج إلى دليل.
# وإذا شهد شاهدان بأن النجاسة في أحد الإناءين، وشهد آخران بأنه وقع في
~~الآخر، فإن كانتا - أعني الشهادتين - غير متنافيتين، ويمكن الجميع بينهما
~~بأن يشهد هذان بولوغ الكلب في هذا الإناء في صدر النهار، والآخران يشهدان
~~بولوغ كلب آخر، أو ولوغ ذلك الكلب في الإناء الآخر عند سقوط الشمس، فقد
~~نجسا معا بغير خلاف عند التأمل للأقوال.
# وإن كان لا يمكن الجمع بينهما، وهو أن يشهد اثنان بولوغ كلب معين في أحد
~~الإناءين عند زوال الشمس بلا تأخير، وشهد آخران بولوغ ذلك الكلب بعينه في
~~الإناء الآخر في ذلك الوقت بلا تأخير، فقد قال الشيخ ms0038 أبو جعفر PageV01P086
# الطوسي رحمه الله في مسائل الخلاف (1): سقطت شهادتهما، وأطلق القول، ولم
~~يفصل هل الشهادة على وجه يمكن الجمع بينهما، أو على وجه لا يمكن الجمع
~~بينهما؟ فإن أراد على وجه يمكن الجمع بينهما، فهذا لا يصح، ولا يجوز القول
~~به، لأن وجوب قبول شهادة الشاهدين في الشرع معلوم. وإن أراد على وجه لا
~~يمكن الجمع بينهما، فإن ذلك مذهب الشافعي في تقابل البينتين، فإنه يسقطهما،
~~ويرجع إلى الأصل، وهو ما كان قبل الشهادتين فيحكم به.
# فأما مذهب أصحابنا في هذه المسألة فمعروف، إذا تقابل البينتان، ولم يترجح
~~إحداهما على الأخرى بوجه من الوجوه، وأشكل الأمر، فإنهم يرجعون إلى القرعة،
~~لأن أخبارهم ناطقة متظاهرة متواترة، في أن كل أمر مشكل فيه القرعة (2)، وهم
~~مجمعون على ذلك، وهذا أمر مشكل، ولم يرد فيه نص معين، فهو داخل في عموم
~~قولهم عليهم السلام.
# والذي أعتمده ويقوى عندي: أن لا تؤثر هذه الشهادة في هذا الماء شيئا، لأن
~~الأصل فيه الطهارة والأصل أيضا الإباحة، فمن حظر استعماله ونجسه، يحتاج إلى
~~دليل شرعي، وليس للقرعة هاهنا طريق، لأن القرعة تستعمل في مواضع مخصوصة،
~~ولا أحد من أصحابنا قال: إذا اشتبهت الأواني، أو الثياب، أو كان أحد
~~الإناءين، نجسا والآخر طاهرا، وكذلك الثوبان اختلطا ولم يتحقق النجس منهما
~~من الطاهر، يقرع بينهما، بل أطبقوا على ترك استعمال الإناءين، ومسألتنا لم
~~نتحقق نجاسة واحد من الإناءين، وليس الرجوع إلى شهادة العدلين بأولى من
~~شهادة العدلين الآخرين، وإنما حصل شك في نجاسة أحدهما، ولا يرجع بالشك عن
~~اليقين الذي هو الطهارة والإباحة.
# PageV01P087
# والأولى عندي بعد هذا جميعه، قبول شهادة الشهود الأربعة، لأن ظاهر الحكم،
~~وموجب الشرع أن شهادتهم صحيحة مقبولة غير مردودة، ولأن شهادة الإثبات لها
~~مزية على شهادة النفي، لأنها قد شهدت بأمر زائد قد يخفى على من شهد بالنفي،
~~لأن النفي هو الأصل، وشهادة الإثبات ناقلة عنه، وزيادة عليه، فكل من
~~الشاهدين قد شهد بأمر زائد قد يخفى على الشاهدين الآخرين. وهذا كرجل ادعى ms0039
~~على رجل عشرين دينارا، وأقام بها شاهدين، وأقام المشهود عليه بقضاء العشرين
~~دينارا شاهدين، قبلنا شهادة الشاهدين اللذين شهدا بالقضاء، لأنهما أثبتا
~~بشهادتهما أمرا قد يخفى على الشاهدين الأولين، ففي شهادة الآخرين مزية
~~وزيادة حكم، ولهذا أمثلة كثيرة في الشريعة، وبهذا القول أفتي، وعليه أعمل.
# والماء النجس لا يجوز استعماله في الوضوء والغسل معا، ولا في غسل الثوب
~~وإزالة النجاسة، ولا في الشرب مع الاختيار، فمن استعمله في الوضوء، أو
~~الغسل، أو غسل الثوب، ثم صلى بذلك التطهير، أو في تلك الثياب، وجب عليه
~~إعادة الوضوء، أو الغسل، أو غسل الثوب بماء طاهر، وإعادة الصلاة، سواء كان
~~عالما في حال استعماله لها، أو لم يكن عالما، إذا كان قد سبقه العلم بحصول
~~النجاسة فيها، فإن لم يتيقن حصول النجاسة فيها قبل استعماله لها، لم يجب
~~عليه إعادة الصلاة، ولا إعادة التطهر، سواء كان الوقت باقيا أو خارجا، على
~~الصحيح من المذهب والأقوال، واستمرار النظر والاعتبار، بل يجب عليه غسل
~~الثوب فحسب، وغسل ما أصابه من بدنه من ذلك الماء فحسب، لأن الإعادة تحتاج
~~إلى دليل شرعي، وكذلك القضاء فرض ثان، يحتاج في ثبوته إلى دليل ثان، وليس
~~في الشرع ما يدل على ذلك، فلا يجوز إثبات ما لا دلالة عليه، وأيضا فقد توضأ
~~وضوء شرعيا مأمورا به، وصلى صلاة مأمورا بها، وأيضا فلا يخلو إما أن رفع
~~بطهارته الحدث، أو لم يرفعه، فإن كان رفعه لا يجب عليه إعادة الصلاة، ولا
~~الطهور، وإن كان لم يرفع الحدث. فيجب عليه إعادة الصلاة، PageV01P088
# سواء تقضى الوقت، أو كان باقيا، لأن من صلى بلا طهور يجب عليه إعادة
~~الصلاة، على كل حال، بغير خلاف، متعمدا كان أو ناسيا، تقضى الوقت، أو لم
~~يتقض، بلا خلاف.
# وقال شيخنا المفيد في مقنعته (1): يجب عليه إعادة الصلاة، وهو الذي يقوى
~~في نفسي، وأفتي به، وأعمل عليه، لأنه يتيقن معه براءة الذمة مما وجب عليها،
~~والأول مذهب شيخنا أبي جعفر في جميع كتبه، ومعه بذلك أخبار اعتمد ms0040 عليها.
# وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي في نهايته: اللهم إلا أن يكون الوقت باقيا
~~فإنه يجب عليه غسل الثوب، وإعادة الوضوء، وإعادة الصلاة، فإن كان قد مضى
~~الوقت، لم يجب عليه إعادة الصلاة (2)، إلا أن أبا جعفر الطوسي رضي الله عنه
~~رجع عن هذا القول، وعن هذه الرواية، في استبصاره (3) ونقده للأخبار، وتوسطه
~~بينها، والجمع بين الصحيح والفاسد، فإن قلده مقلد فقد رجع الشيخ عنها.
# وقال رحمه الله في نهايته: فإن استعمل شئ من هذه المياه النجسة في عجين
~~يعجن ويخبز، لم يكن بأس بأكل ذلك الخبز، لأن النار قد طهرته (4).
# والصحيح عندي خلاف ذلك، لأن النار لا تطهر الخبز، إلا إذا أحالته وصيرته
~~رمادا، لأن ما تطهره النار معلوم مضبوط، وليس في جملة ذلك الخبز، وقد رجع
~~عن هذا القول في الجزء الثاني من نهايته، في باب الأطعمة المحظورة
~~والمباحة، فإنه قال: وإذا نجس الماء بحصول شئ من النجاسات فيه، ثم عجن به،
~~وخبز منه، لم يجز أكل ذلك الخبز وقد رويت رخصة في جواز أكله، وذكر أن النار
~~قد طهرته، والأحوط ما قدمناه (5)، وهذا يدل على أنه ما جعله في باب المياه
~~على جهة الفتيا، بل أورده على جهة طريق الرواية والإيراد، دون العمل
~~والاعتقاد.
# وماء الحمام سبيله سبيل الماء الجاري، إذا كانت له مادة من المجرى، فإن
# PageV01P089
# لم يكن له مادة، فإن كان كرا فصاعدا فهو طاهر مطهر، لا ينجسه حصول شئ من
~~النجاسات، إلا ما تغير أحد أوصافه، على ما قدمنا القول فيه، وشرحناه، وإن
~~كان أقل من كر، فهو على أصل الطهارة، ما لم يعلم فيه نجاسة، فإن علمت فيه
~~نجاسة، وجرت المادة التي هي البزال له فقد طهر، وجاز استعماله، وإن لم يبلغ
~~الكر مع اتصال المجرى به، فإن انقطع المجرى اعتبرنا كونه كرا، فإن كان أنقص
~~من الكر، فهو أيضا على أصل الطهارة، مثل الاعتبار الأول، إلا أن يقع فيه
~~نجاسة، ثم لا يزال هذا الاعتبار ثابتا فيه.
# والمادة المذكورة لا تعدو ثلاثة ms0041 أقسام: إما يعلم طهارتها يقينا، أو يعلم
~~نجاستها يقينا أو لا يعلم الطهارة ولا النجاسة. فإن علمت الطهارة، فالحكم
~~ما تقدم، وكذلك إذا لم يعلم طهارة ولا نجاسة، فهو على أصل الطهارة في
~~الأشياء كلها، والحكم ما تقدم. فأما إذا علمت أنها نجسة يقينا، وتعيينا،
~~فلا يجوز اعتبار ما تقدم، لأنه لا خلاف أن الماء النجس لا يطهر بجريانه.
# فإن قيل: الكلام في المادة مطلق، لأن ألفاظ الأخبار عامة، بأن ماء الحمام
~~سبيله سبيل الماء الجاري، إذا كانت له مادة من المجرى، فمن قيدها وخصها
~~يحتاج إلى دليل.
# قلنا: الإطلاق والعموم قد يخص بالأدلة، بغير خلاف بين من ضبط هذا الفن
~~وأصول الفقه، ومن المعلوم الذي لا خلاف فيه، أن الماء النجس لا يطهر
~~بجريانه، ولا يطهر غيره، إذا لم يبلغ كرا على ما مضى شرحنا له، وفحوى
~~الخطاب من الأخبار ينبه على ما قلناه، لأن المعهود في مادة المجرى أن لا
~~يعلم بطهارة ولا نجاسة، فهي المرادة بالخطاب، لأن الإنسان داخل الحمام لا
~~يعلم ولا يبصر ما وراء الحائط، فيحكم بأن المادة عند هذه الحال على أصل
~~الطهارة وشاهد الحال أيضا يحكم بما قلناه، فهذا هو المعنى بالمادة، دون
~~المادة المعتبر نجاستها.
# وغسالة الحمام، وهو المستنقع الذي يسمى الجئة لا يجوز استعمالها على
~~PageV01P090
# حال، وهذا إجماع، وقد وردت به عن الأئمة عليهم السلام آثار (1) معتمدة قد
~~أجمع عليها، لا أحد خالف فيها، فحصل الإجماع والاتفاق على متضمنها، ودليل
~~الاحتياط يقتضي ذلك أيضا.
# ومتى ولغ الكلب في الإناء وجب غسله ثلاث مرات، أولاهن بالتراب، وبعض
~~أصحابنا (2) في كتاب له يجعل التراب مع الوسطى، والأول أظهر في المذهب،
~~وكيفية ذلك أن يجعل الماء فيه، ويترك التراب، أو يترك فيه التراب، ويصب
~~الماء عليه بمجموع الأمرين، لا بانفراد أحدهما عن الآخر، لأنه إذا غسل
~~بمجرد التراب، لا يسمى غسلا، لأن حقيقة الغسل جريان المايع على الجسم
~~المغسول، والتراب لا يجري وحده، وإن غسلته بالماء وحده، فما غسلته بالماء
~~والتراب، لأن الباء هاهنا ms0042 للإلصاق بغير خلاف، فيحتاج أن يلصق أحد الجسمين
~~بالآخر.
# ولا يراعى التراب إلا في ولوغ الكلب خاصة، دون سائر الحيوان، ودون كل شئ
~~من أعضاء الكلب، لأن بعض أصحابنا ذكر في كتاب له أن مباشرة الكلب الإناء
~~بسائر أعضائه، يجري مجرى الولوغ في أحكامه (3)، والأول الأظهر، لأنه مجمع
~~عليه.
# وبعض أصحابنا ألحق في كتاب له أن حكم الخنزير في وجوب غسل الإناء من
~~ولوغه، ثلاث مرات، إحداهن بالتراب، حكم الكلب سواء، وتمسك متمسكين اثنين:
~~أحدهما: إن الخنزير يسمى كلبا في اللغة، فينبغي أن يتناوله الأخبار الواردة
~~في ولوغ الكلب، والثاني: إنا قد بينا أن سائر النجاسات يغسل منها الإناء
~~ثلاث مرات، والخنزير نجس بلا خلاف (4) وهذا استدلال غير واضح، لأن أهل
~~اللغة العربية لا يسمون الخنزير كلبا، بغير خلاف بينهم،
# PageV01P091
# فالدعوى عليهم دعوى عرية من برهان، والعرف خال منه، لأن أحدا لا يفهم من
~~قوله: عندي كلب، أي عندي خنزير، بل الذي يتبادر إلى الفهم هذه الدابة
~~المخصوصة، ولو أن حالفا أو ناذرا حلف أو نذر إن رأى خنزيرا فلله عليه أن
~~يتصدق بقدر مخصوص من ماله على الفقراء، ثم رأى كلبا أو نذر أنه إن رأى
~~كلبا، فرأى خنزيرا، لم يتعلق به وفاء النذر، بغير خلاف بين المسلمين، لا
~~لغة ولا عرفا، والثاني من قوله: إنا قد بينا أن سائر النجاسات يغسل منها
~~الإناء ثلاث مرات، والخنزير نجس بلا خلاف، وهذا أيضا استدلال يضحك الثكلى،
~~إن لم يكن الخنزير عند هذا القائل يسمى كلبا، فكيف يراعى التراب في إحدى
~~الغسلات، هذا مع التسليم له بأن الإناء يغسل من سائر النجاسات ثلاث مرات،
~~وليس كل إناء يجب غسله ثلاث مرات، يراعى في إحدى الغسلات التراب، والإجماع
~~حاصل من الفرقة، إن التراب لا يراعى إلا في ولوغ الكلب خاصة، دون سائر
~~النجاسات، بغير خلاف بين فقهاء أهل البيت عليهم السلام، ودون التسليم له -
~~الغسلات الثلاث فيما عدا آنية الولوغ وآنية الخمر والمسكر - خرط القتاد لأن
~~الصحيح من الأقوال والمذهب، والذي عليه ms0043 الاتفاق والإجماع، مرة واحدة مع
~~إزالة عين النجاسة، وقد طهر، ولا يراعى العدد في غسل الأواني، إلا في آنية
~~الولوغ والخمر والمسكر فحسب.
# وأيضا فهذا القائل وهو الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله يذهب في مسائل
~~خلافه، وهو الكتاب الذي وضعه لمناظرة الخصم إلى أن العدد في الغسلات لا
~~يراعى إلا في الولوغ خاصة، ويقول: دليلنا إن العدد يحتاج إلى دليل، وحمله
~~على الولوغ قياس لا نقول به (1).
# فمن يقول هذا في استدلاله كيف يقول هذا في استدلاله على ولوغ الخنزير،
# PageV01P092
# مع تسليمه أنه لا يسمى كلبا، بذلك الدليل؟ إن هذا لعجيب، وقد ذهب في
~~نهايته (1)، وجمله وعقوده (2) إلى أنه لا يعتبر غسل الإناء بالتراب إلا في
~~ولوغ الكلب خاصة.
# ومتى مات في الإناء حيوان له نفس سائلة، نجس الماء إذا كان أقل من كر،
~~ووجب غسل الإناء مرة واحدة، سواء كان الميت فأرة أو غيرها، وقد روي أنه
~~يغسل لموت الفارة فيه سبع مرات (3)، والصحيح مرة واحدة.
# وكل ما وقع في الماء فمات فيه، مما ليس له نفس سائلة، فلا بأس باستعمال
~~ذلك الماء، وقد استثنى بعض أصحابنا الوزغ والعقرب خاصة، ذكر ذلك الشيخ أبو
~~جعفر في نهايته (4)، وذلك أورده على طريق الرواية دون العمل، على ما ذكرناه
~~عنه واعتذرنا له.
# وكذلك ما أورده في هذا الكتاب المشار إليه، إن الوزغ إذا وقع في الماء،
~~ثم خرج منه، لم يجز استعماله على حال، والصحيح خلاف ذلك، لأنا قد دللنا أن
~~موت ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء، ولا يفسده، وهذا مذهب أهل البيت،
~~والأول من القول مذهب المخالف، فإذا كان بموته فيه لا ينجسه فكيف ينجسه
~~بوقوعه فيه، وقد دللنا على أن أسئار حشرات الأرض طاهرة بغير خلاف بيننا.
# ومتى حصل الإنسان عند غدير أو مصنع، ولم يكن معه ما يغترف به الماء
~~لطهارته الصغرى، فليدخل يده فيه، ويأخذ منه ما يحتاج إليه لوضوئه، فإن أراد
~~الغسل للجنابة، فكذلك، هذا مع خلو يده من نجاسة عينية، ويكون ms0044 الماء دون
~~الكر، فإن كان الماء دون الكر، وعلى يده نجاسة أفسده.
# وقال بعض أصحابنا (5) في كتاب له: وإن أراد الغسل للجنابة، وخاف إن نزل
~~إليه فساد الماء فليرش عن يمينه ويساره وأمامه وخلفه، ثم ليأخذ كفا كفا
# PageV01P093
# من الماء، فيغتسل به، ففي الطهارة الصغرى التي هي الوضوء، وافق على أخذه
~~الماء (1) من غير إفساد له، وإن رجع من استعماله إليه، وفي الكبرى لم
~~يوافق، لأن عند هذا القائل أن الماء المستعمل في الطهارة الصغرى طاهر مطهر،
~~فأما المستعمل في الطهارة الكبرى فلا يرفع به الحدث، فلأجل هذا قال: فليأخذ
~~كفا كفا من الماء يستعمل به، يريد قبل أن ينزل من استعماله إلى باقي الماء،
~~فيصير ماء مستعملا في الطهارة الكبرى، فلا يرتفع الحدث عنده به.
# وقوله: فليرش، يريد به نداوة جلده وبلله من قبل نيته واغتساله، بحيث
~~يكفيه بعد بلل جسده، اليسير من الماء، فيجري على جسده من قبل أن ينزل إلى
~~باقي الماء لئلا يصير الماء الباقي قبل فراغه، مستعملا في الكبرى، فلا يرفع
~~الحدث عنده به.
# وليس قول من يقول المراد بالرش عن يمينه ويساره وأمامه وخلفه، على الأرض،
~~دون ميامن جسده ومياسره وخلفه وأمامه، بشئ يلتفت إليه، لأنه لا معنى له
~~ليرجع إليه لأنه إذا تندت الأرض من هذه الجهات الأربع، كان أسرع إلى نزول
~~ما يغتسل به بعد ذلك إلى الماء الباقي قبل فراغ المغتسل من اغتساله فيصير
~~الباقي ماء مستعملا، فلا يرتفع الحدث به عنده.
# وهذا جميعه على رأي شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله في أن الماء
~~المستعمل في الأغسال الواجبة لا يرفع الحدث، وقد دللنا على خلاف ذلك، وبينا
~~الصحيح منه قبل هذا المكان في هذا الكتاب، فعلى المذهب الصحيح من أقوال
~~أصحابنا لا حاجة بنا إلى الرش المذكور.
# ويستحب أن يكون بين البئر التي يستقى منها وبين البالوعة سبع أذرع، إذا
~~كانت البئر تحت البالوعة، وكانت الأرض سهلة، وخمس أذرع، إذا كانت فوقها،
~~والأرض أيضا سهلة، فإن كانت الأرض صلبة، فليكن ms0045 بينها وبين البئر،
# PageV01P094
# خمس أذرع من جميع جوانبها، هذا جميعه على الاستحباب، وإلا فلو كان بين
~~البئر وبين البالوعة شبر أو أقل، لم يكن بذلك بأس، ما لم يتغير أحد أو صاف
~~ماء البئر بالنجاسة.
# والماء المسخن على ثلاثة أضرب: ماء سخنته النار، وماء سخن بالشمس، وماء
~~مسخن من ذاته، وهو ماء العيون الحارة الحامية، فالذي سخن بالنار لا يكره
~~استعماله على حال، وما أسخنته الشمس بجعل جاعل له في إناء، وتعمده لذلك،
~~فإنه مكروه في الطهارتين معا فحسب وما كان مسخنا من ذاته، وهو ماء العيون
~~الحامية، فإنه يكره استعماله في التداوي فحسب.
# باب أحكام الاستنجاء والاستطابة، وكيفية الوضوء وأحكامه ينبغي لمن أراد
~~الغائط أن يتجنب شطوط الأنهار، ومساقط الثمار، والطرق النافذة، وفي النزال،
~~وجحرة الحيوان، والمياه الجارية والراكدة، ولا يبولن فيهما، ولا في أفنية
~~الدور، ولا في مواضع اللعن، وفي الجملة كل موضع يتأذى به الناس، كل ذلك على
~~طريق الاستحباب، دون الفرض والإيجاب فمن فعل ذلك لا يكون فاعلا لقبيح، ولا
~~مخلا بواجب.
# فإذا دخل المبرز، فالمستحب أن يقول: أعوذ بالله من الرجس النجس، - بكسر
~~الراء في الرجس، وكسر النون في النجس، لأن هذه اللفظة إذا استعملت مع
~~الرجس، قيل رجس نجس، بخفض الراء والنون، وإذا استعملت مفردا، قيل نجس، بفتح
~~النون والجيم معا - الخبيث المخبث الشيطان الرجيم.
# فإذا أراد القعود لحاجته، فالواجب عليه أن لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها
~~ببول ولا غائط، فهذان تركان واجبان في الصحارى والبنيان على الأظهر من
~~المذهب، وإن وجد في بعض الكتب (1) لفظ الكراهية فليس بشئ يعتمد، إلا
# PageV01P095
# أن يكون الموضع مبنيا على وجه لا يتمكن فيه من الانحراف عن القبلة.
# ويستحب له أن لا يستقبل قرصي الشمس والقمر، ولا يستقبل الريح بالبول خاصة
~~لئلا يرده عليه، ولا يطمح ببوله في الهواء، ولا يبولن في الأرض الصلبة.
# والاستنجاء فرض واجب، ويجوز استعمال الأحجار فيه، أو ما يقوم مقامها في
~~إزالة العين، من سائر الأجسام ما لم يكن مطعوما، أو عظما، أو ms0046 روثا، أو جسما
~~صقيلا، أو جسما له حرمة، فإن استعمل هذه الأجسام المنهي عن استعمالها، فلا
~~يجزيه في استنجائه فإن كان قد توضأ وصلى، عامدا فعل ذلك أو ناسيا، أو لم
~~يفعل الاستنجاء بشئ من الأجسام بالجملة عامدا أو ناسيا، فالواجب عليه
~~الاستنجاء بما يجب الاستنجاء به، وإعادة الصلاة، دون الطهارة، إذا لم يكن
~~أحدث، أو فعل ما ينقضها ويبطلها.
# ويستعمل الأحجار أو ما يقوم مقام الأحجار، سوى ما ذكرناه فيما لم يتعد
~~المخرج وينتشر، فإن انتشر وتعدى المخرج، لم يجزه إلا الماء، مع وجوده،
~~والجمع بين الحجارة والماء أفضل، والاقتصار على الأحجار يجزي.
# فأما البول، فلا بد من غسله بالماء، والاستنجاء باليد اليسرى إلا إذا كان
~~بها عذر.
# والمسنون في عدد أحجار الاستنجاء ثلاثة، وإن أنقاد حجر واحد، لم يقتصر
~~عليه، بل يجب عليه أن يكمل العدد، على الصحيح من الأقوال. وإن كان شيخنا
~~المفيد محمد بن محمد بن النعمان يذهب إلى الاقتصار على حجر واحد، إذا نقي
~~به الموضع، وهو مذهب المخالف، والأول أظهر، ودليل الاحتياط يعضده، ويقتضيه،
~~لأن فيه اليقين ببراءة الذمة، والإجماع بإزالة العين، والحكم المتعلق بذلك،
~~فإن لم ينق الموضع بالأحجار الثلاثة، فالواجب استعمال ما ينقى به الموضع،
~~وتكون الأحجار أبكارا غير مستعملة في إزالة النجاسة أو عليه نجاسة.
# والاستبراء في الطهارة الصغرى، عند بعض أصحابنا واجب، وكيفيته أن يمسح
~~بإصبعه من عند مخرج النجو إلى أصل القضيب ثلاث مرات، ثم يمر PageV01P096
# إصبعه على القصيب، ويخرطه ثلاث مرات وباقي أصحابنا يذهبون إلى استحبابه،
~~إلى أنه إن لم يفعل ذلك، ورأي بعد وضوئه بللا، فالواجب عليه الإعادة بلا
~~خلاف بينهم، وإن كان قد فعل الاستبراء، ثم رأى بللا بعد ذلك فلا خلاف بينهم
~~أنه لا يجب عليه إعادة الطهارة، وإنما ذلك من الحبايل، وهي عروق الظهر.
# ولا استنجاء من ريح، وإن كان فيها الوضوء.
# فإذا استنجى بالماء، فليغسل موضع النجو، إلى أن ينقى ما هناك أثرا وعينا
~~دون الرائحة.
# وليس لما يستعمل من الماء حد محدود، ms0047 إلا سكون النفس فحسب.
# وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن حده خشونة الموضع، وأن يصر، وهذا ليس بشئ
~~يعتمد، لأنه يختلف باختلاف المياه والزمان، فماء المطر المستنقع في الغدران
~~لا يخشن الموضع، ولو استعمل منه مائة رطل، والماء البارد في الزمان البارد،
~~يخشن الموضع بأقل قليل، والمذهب: الأول.
# وليغسل رأس إحليله، والإحليل هو الثقب، دون سائر العضو بالماء، ولا يجوز
~~الاقتصار على غيره مع وجوده، على ما تقدم ذكره، وأقل ما يجزي من الماء
~~لغسله ما يكون جاريا، ويسمى غسلا.
# وقد روي أن أقل ذلك مثلا ما عليه من البول، وإن زاد على ذلك كان أفضل
~~(1).
# ويكره الكلام وهو على حال الغائط إلا أن تدعوه إلى ذلك الكلام ضرورة.
# ويستحب له أن يغسل يده قبل أن يدخلها الإناء، من حدث الغائط مرتين، ومن
~~البول مرة، وكذلك من النوم، ومن الجنابة ثلاث مرات، ولا بأس بما ينتضح من
~~ماء الاستنجاء على الثوب والبدن، إذا كانت الأرض طاهرة، ولم
# PageV01P097
# يصعد متلوثا، وهذا إجماع من أصحابنا سواء كان من الكف الأول، أو الكف
~~الأخير.
# فأما كيفية الوضوء:
# فالنية واجبة في كل طهارة، سواء كانت وضوء أو غسلا أو تيمما، من جنابة
~~كانت الطهارة، أو من غيرها، فإن كانت الطهارة واجبة بأن تكون وصلة إلى
~~استباحة واجب تعين، نوى وجوبه على الجملة، أو الوجه الذي له وجب، وكذا إن
~~كان ندبا، ليتميز الواجب من الندب، ولوقوعه على الوجه الذي كلف إيقاعه،
~~ويجوز أن يؤدي بالطهارة المندوبة الفرض من الصلاة، بدليل الإجماع من
~~أصحابنا.
# والفرض الثاني الذي تقف صحة الطهارة عليه، مقارنة النية لها، وذكر بعض
~~أصحابنا في كتاب له، هي مقارنة آخر جزء من النية لأول جزء، منها حتى يصح
~~تأثير ها بتقدم جملتها على جملة العبادة، لأن مقارنتها على غير هذا الوجه
~~بأن يكون زمان فعل الإرادة هو زمان فعل العبادة أو بعضها متعذر، لا يصح
~~تكليفه، أو فيه حرج يبطله ما علمناه من نفي الحرج في الدين، ولأن ذلك يخرج
~~ما وقع ms0048 من أجزاء العبادة. وتقدم وجوده على وجود جملة النية عن كونه عبادة
~~من حيث وقع عاريا عن جملة النية، لأن ذلك هو المؤثر في كون الفعل عبادة، لا
~~بعضه.
# والفرض الثالث استمرار حكم هذه النية إلى حين الفراغ من العبادة، وذلك
~~بأن يكون ذاكرا لهام غير فاعل لنية تخالفها.
# ويستحب أن ينوي المتطهر عند غسل يديه في الطهارة الكبرى، وإن كانت صغرى
~~عند المضمضة والاستنشاق، إذ كانت المضمضة والاستنشاق أول ما يفعل من
~~الوضوء، فينبغي مقارنة النية لابتدائهما، لأنهما وإن كانا مسنونين، فهما من
~~جملة العبادة، ومما يستحق بهما الثواب، ولا يكونان كذلك إلا بالنية، على ما
~~قال تعالى: " وما لأحد عنده من نعمة تجزى. إلا ابتغاء وجه ربه PageV01P098
# الأعلى " (1).
# وفرض الوضوء غسل الوجه، وحده من قصاص شعر رأسه إلى محاذ الذقن، بالذال
~~المعجمة وفتح القاف طولا، وما دارت عليه الإبهام والوسطى عرضا، من مستوي
~~الخلقة في الأغلب والأعم، دون النادر الشاذ.
# وغسل اليدين من المرافق إلى أطراف الأصابع، وعند بعض أصحابنا أن البدءة
~~في الغسل، من المرافق واجب، لا يجوز خلافه، فمتى خالفه، وجبت عليه الإعادة،
~~والصحيح من المذهب إن خلاف ذلك مكروه شديد الكراهة، حتى جاء بلفظ الحظر،
~~لأن الحكم إذا كان عندهم شديد الكراهة يجئ بلفظ الحظر، وكذلك إذا كان الحكم
~~شديد الاستحباب، جاء بلفظ الوجوب، كما جاء عنهم عليهم السلام إن غسل يوم
~~الجمعة واجب (2)، لما كان شديد الاستحباب، لأنه لا دليل على الحظر، بل
~~القرآن يعضد مذهب من قال ذلك على الاستحباب، وخلافه مكروه، لأنه تعالى
~~أمرنا بأن نكون غاسلين، ومن غسل يده من الأصابع إلى المرافق (3)، فقد
~~تناوله اسم غاسل بغير خلاف.
# ومسح مقدم الرأس ببلة يده، ومسح ظاهر القدمين من الأصابع إلى الكعبين،
~~وتجب البدءة بالأصابع والانتهاء إلى الكعبين، لأن القرآن (4) يشهد بذلك
~~بالبلة أيضا.
# وقد ذهب بعض أصحابنا في كتاب له، إلى جواز مسحهما من الكعبين إلى رؤوس
~~الأصابع، وذلك منه على جهة لفظ الخبر وإيراده، لا على سبيل الفتوى والعمل،
~~لأن ms0049 هذا القائل هو شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله، أورد ذلك في نهايته
~~إيرادا لا اعتقادا، ومذهبه وفتواه ما حققه في جمله وعقوده (5)، فإنه ذهب
# PageV01P099
# إلى ما اخترناه في الجمل والعقود، ولأن الإجماع حاصل على براءة ذمة
~~المتطهر إذا فعل ما قلناه، وليس كذلك خلافه، فالاحتياط يوجب عليه ذلك.
# والكعبان، هما العظمان اللذان في ظهر القدمين، عند معقد الشراك والواجب
~~في العضوين المغسولين، الدفعة الواحدة، والمرتان سنة وفضيلة بإجماع
~~المسلمين، ولا يلتفت إلى خلاف من خالف من أصحابنا، بأنه لا يجوز المرة
~~الثانية، لأنه إذا تعين المخالف، وعرف اسمه ونسبه، فلا يعتد بخلافه. والشيخ
~~أبو جعفر محمد بن بابويه يخالف في ذلك، وما زاد على المرتين بدعة، والعضوان
~~الممسوحان لا تكرار في مسحهما، فمن كرر في ذلك كان مبدعا، ولا يبطل وضوءه
~~بغير خلاف.
# ولو استقبل في مسح رأسه الشعر لأجزأه وكذلك لو غسل الوجه منكوسا يبدأ من
~~المحادر إلى القصاص لأجزأه على الصحيح من المذهبين، وقال شيخنا أبو جعفر
~~الطوسي رحمه الله في مبسوطه (1): لا يجزيه، والأول أظهر، لأنه يتناوله اسم
~~غاسل، وإذا تناوله فقد امتثل الأمر وأتى بالمأمور به بلا خلاف.
# وأقل ما يجزي من الماء في الأجزاء المغسولة ما يكون منه غاسلا، وإن كان
~~مثل الدهن، بفتح الدال، بعد أن يكون جاريا على العضو، فإن لم يكن الماء
~~جاريا فلا يجزيه، لأنه يكون ماسحا ولا يكون غاسلا، والأمر بالغسل غير الأمر
~~بالمسح، وبعض أصحابنا يذهب في كتاب له إلى إطلاق الدهن، من غير تقييد
~~للجريان، وتقييده في كتاب آخر له، والصحيح تقييده بالجريان، لأنه موافق
~~للبيان الذي أنزل به القرآن (2).
# وقال السيد المرتضى رحمه الله في المسائل الناصريات (3): والذي يجب أن
~~يعول عليه، إن الله تعالى أمر في الجنابة بالاغتسال (4)، وفي الطهارة
~~الصغرى
# PageV01P100
# بغسل الوجه واليدين (1)، فيجب أن يفعل المتطهر من الجنابة، والمتوضي ما
~~يسمى غسلا، ولا يقتصر على ما يسمى مسحا ولا يبلغ الغسل، فأما الأخبار
~~الواردة (2) بأنه يجزيك ولو مثل الدهن، فإنها محمولة على دهن ms0050 يجري على
~~العضو ويكثر عليه حتى يسمى غسلا، ولا يجوز غير ذلك. قال محمد بن إدريس وهذا
~~هو الصحيح المحصل المعتمد عليه.
# والمسنون للرجال أن يبتدؤا بظاهر الذراع بالكف الأول، وبباطن الذراع
~~بالكف الثاني، والمسنون للنساء عكس ذلك، وهذا على جهة الندب، لا الوجوب
~~للرجال والنساء، ولا بد من إدخال المرافق في الغس، على طريق الوجوب.
# والترتيب واجب في الطهارتين معا الكبرى والصغرى.
# والموالاة واجبة في الصغرى فحسب، وحدها المعتبر عندنا على الصحيح من
~~أقوال أصحابنا المحصلين، هو أن لا يجف غسل العضو المقدم في الهواء المعتدل،
~~ولا يجوز التفريق بين الوضوء بمقدار ما يجف معه غسل العضو الذي انتهى إليه،
~~وقطع الموالاة منه في الهواء المعتدل.
# وبعض أصحابنا يوجب الموالاة على غير هذا الاعتبار، ويذهب إلى أن اعتبار
~~الجفاف يكون عند الضرورة لانقطاع الماء وغيره من الأعذار، فأما مع زوال
~~الأعذار، فلا يعتبر جفاف ما وضأه.
# وأقل ما يجزي في مسح الناصية، ما وقع عليه اسم المسح، والأفضل أن يكون
~~مقدار ثلاث أصابع مضمومة، سواء كان مختارا أو مضطرا، وقال بعض أصحابنا:
~~الواجب في حال الاختيار مقدار ثلاث أصابع مضمومة، وفي حال الضرورة إصبع
~~واحدة، والأول أظهر بين أصحابنا، لأن دليل القرآن يعضده، لأن من مسح ما
~~اخترناه، يسمى ماسحا بغير خلاف، ومن ادعى الزيادة يحتاج إلى شرع.
# PageV01P101
# فالشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله يذهب إلى ما اخترناه، في جمله وعقوده
~~(1)، ويورد المقالة الأخرى في نهايته (2)، على جهة الإيراد على ما نبهنا
~~عليه من قبل.
# ويكره استقبال شعر ذراعك في غسله، وكذلك يكره استقبال شعر ناصيتك في
~~مسحها.
# ثم تضع يديك جميعا بما بقي فيهما من البلة على ظهر قدميك، فتمسحهما من
~~أطراف الأصابع إلى الكعبين اللذين تقدم وصفهما، ولا يجوز أن يأخذ للرأس
~~والرجلين ماء جديدا، ولا يجزي غسل الرجلين عن مسحهما، وكذلك الرأس، وإن
~~عرضت حاجة إلى غسل الرجلين للتنظيف أو غيره، وجب أن تقدم على الوضوء ليميز
~~بين المفروض والمسنون، فإن جعل غسلهما بين أعضاء الطهارة ms0051 فمكروه.
# ويعتبر جفاف ما وضاه على ما مضى شرحنا له.
# ومسح الأذنين أو غسلهما بدعة عند أهل البيت عليهم السلام.
# ولا يجوز المسح على الخفين، ولا الجوربين، ولا الجرموقين، ولا على الخمار
~~والعمامة، فأما النعال فما كان منها حائلا بين الماء وبين القدم لم يجز
~~المسح عليه، وما لم يمنع من ذلك جاز المسح عليه، سواء كان منسوبا إلى العرب
~~أو العجم.
# ويجوز المسح على الجبائر عند الضرورة وخوف المضرة بحل العضو.
# قال محمد بن إدريس: في مسائل الخلاف للسيد المرتضى " التساخين:
# الخفاف، بالتاء المنقطة من فوقها بنقطتين المفتوحة والسين غير المعجمة
~~المفتوحة والخاء المعجمة المكسورة والياء المنقطة من تحتها بنقطتين المسكنة
~~والنون " فأوردت الكلمة هاهنا لئلا تصحف.
# ويجب في الوضوء الترتيب، وهو أن يغسل الوجه، ثم اليدين، ويمسح الرأس، ثم
~~الرجلين، فمن قدم مؤخرا أو أخر مقدما لم يجزه ذلك في رفع حدثه
# PageV01P102
# وكان عليه تداركه، كما أنه قدم غسل يديه على وجهه، فالواجب أن يرجع فيغسل
~~وجهه ثم يديه وكذلك سائر الأعضاء.
# ومن قدم غسل يده اليسرى على اليمنى وجب عليه الرجوع إلى غسل اليمنى ثم
~~يعيد غسل اليسرى، ودليل ذلك إجماع أهل البيت عليهم السلام.
# فإن غسل اليدين قبل الوجه، ثم غسل الوجه بعدهما فإن كان لم ينو عند
~~المضمضة والاستنشاق نية الطهارة، ولا نواها عند غسل وجهه، فإنه يجب أن يعيد
~~غسل وجهه ثانيا بنية، لأنه غسل بغير نية، وإن كان قد نوى عند المضمضة فلا
~~يجب عليه إعادة غسل وجهه ثانيا، وكذلك إن لم ينو عند المضمضة ونوي عند غسل
~~وجهه نية الطهارة، فلا يجب عليه إعادة غسله ثانيا بل إعادة غسل يديه فحسب
~~ومسح رأسه ورجليه مرتبا إذا لم يجف الماء الذي على وجهه، فإن جف وجب عليه
~~إعادة غسله ثانيا، فهذا تحرير ذلك.
# والموالاة في الوضوء أيضا واجبة، ومعناها غير معنى الترتيب، لأن الترتيب
~~هو أن يكون كل تطهير عضو بعد صاحبه من غير تفصيل، لفور أو تراخ، والموالاة
~~أن يوالي بين الأعضاء ms0052 من غير تراخ، فيصل غسل اليدين بغسل الوجه، ومسح
~~الرجلين بمسح الرأس، ويتعمد أن يكون فراغه من مسح رجليه وعلى أعضائه
~~المغسولة والممسوحة نداوة الماء.
# ومن فرق وضوءه لانقطاع الماء عنه أو لغيره من ضروب الأعذار أو باختياره
~~حتى يجف ما تقدم، وجب عليه استيناف الوضوء من أوله أو من حيث جف، وإن كان
~~التفريق لم يجف معه ما تقدم، وصل من حيث قطع، ومن ذكر أنه لم يمسح برأسه
~~وفي يده بلة الوضوء، مسح عليه وعلى رجليه بما بقي في يده من البلة، من غير
~~استيناف ماء مجدد، وكذلك القول في الرجلين إذا ذكر أنه لم يمسح عليهما، فإن
~~لم يكن في يده بلل أخذه من حاجبيه أو من لحيته أو من أشفار عينيه، إن كان
~~في ذلك نداوة، ومسح بها وإن كانت قليلة، فإن لم يبق شئ PageV01P103
# من النداوة أصلا، وجب عليه إعادة الوضوء، من أوله.
# وكذلك إن ذكر أنه لم يغسل ذراعيه، وجب أن يغسلهما، ثم يمسح برأسه ورجليه،
~~وكل هذا ما لم يجف طهارة العضو المتقدم على المنسي كما أنه ذكر أنه لم يغسل
~~ذراعيه وقد جفت طهارة وجهه، أو ذكر أنه لم يمسح رأسه وقد جفت طهارة ذراعيه،
~~فمن كانت هذه حاله وجب أن يستأنف الوضوء من أوله.
# ومن كان قائما في الماء وتوضأ، ثم أخرج رجليه من الماء ومسح عليهما، من
~~غير أن يدخل يديه في الماء، فلا حرج عليه، لأنه ماسح بغير خلاف والظواهر من
~~الآيات والأخبار متناولة له، ولنا في هذا مسألة طويلة فمن أرادها وقف
~~عليها.
# ومن عرض له - وهو في حال الوضوء لم يخرج عنه - شك في أنه ترك بعض أعضائه
~~أو قدم مؤخرا أو أخر مقدما، وجب عليه أن يعيد الوضوء من أوله حتى يكون على
~~يقين من كمال طهارته، إلا أن يكثر ذلك منه ويتواتر فلا يلتفت إليه، ويمضي
~~فيما أخذ فيه.
# فإن كان الشك العارض بعد فراغه وانصرافه من مغتسله وموضعه لم يحفل بالشك
~~وألغاه، لأنه لم ms0053 يخرج عن حال الطهارة إلا على يقين من كمالها، وليس ينقض
~~الشك اليقين، اللهم إلا أن يتيقن ويذكر أنه أهمل شيئا أو قدم مؤخرا أو أخر
~~مقدما فيكون الحكم على ما قدمناه.
# وقد قال بعض أصحابنا في كتاب له، أنه ليس من العادة أن ينصرف الإنسان من
~~حال الوضوء إلا بعد الفراغ من استيفائه على الكمال، وهذا غير واضح، إلا أنه
~~رجع في آخر الباب ويقول: إن انصرف من حال الوضوء وقد شك في شئ من ذلك، لم
~~يلتفت إليه ومضى على يقينه، وهذا القول أوضح وأبين في الاستدلال.
# ومن تيقن الطهارة والحدث معا، ولم يعلم أيهما سبق صاحبه، وجب عليه الوضوء
~~ليزول الشك ويحصل على يقين بالطهارة. PageV01P104
# ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث، عمل على اليقين ولم يحفل بالشك، وإن كان
~~المتيقن هو الحدث والمشكوك فيه هو الطهارة عمل على اليقين واستأنف الطهارة.
# ومن كان في يده خاتم، فالمستحب له أن يحركه عند غسل يده، وإن كان واسعا
~~يدخل الماء تحته، وإن كان ضيقا لا يدخل الماء تحته فليحوله من موضعه إلى
~~موضع آخر، وكذلك المرأة في الدملج وما أشبهه.
# وذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه (1) إلى أنه متى صلى الظهر بطهارة
~~ولم يحدث، وجدد الوضوء، ثم صلى العصر، ثم ذكر أنه ترك عضوا من أعضاء
~~الطهارة، فإنه يعيد صلاة الظهر ولا يعيد صلاة العصر، ويحكى عن الشافعي أنه
~~يعيد الظهر.
# وفي إعادة العصر قولان: أحدهما لا يعيد مثل ما قلناه، إذا قال إن تجديد
~~الوضوء يرفع الحدث. والآخر أنه يعيد، إذا لم يقل إن تجديد الوضوء يرفع حكم
~~الحدث.
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: والذي يقوى في نفسي ويقتضيه أصول
~~مذهبنا أنه يعيد الصلاتين معا الظهر والعصر، لأن الوضوء الثاني ما استبيح
~~به الصلاة ولا رفع به الحدث، وإجماعنا منعقد على أنه لا تستباح الصلاة إلا
~~بنية رفع الحدث، أو نية استباحة الصلاة بالطهارة، فأما إن توضأ الإنسان
~~بنية دخول المساجد أو الكون على طهارة ms0054 أو الأخذ في الحوائج لأن الإنسان
~~يستحب له أن يكون في هذه المواضع على طهارة - فلا يرتفع حدثه ولا استبيح
~~بذلك الوضوء الدخول في الصلاة وإلى هذا القول والتحرير يذهب شيخنا أبو جعفر
~~الطوسي رحمه الله في جواب المسائل الحلبيات التي سئل عنها، فأجاب بما
~~حررناه.
# PageV01P105
# فأما إن كان قد أحدث عقيب كل طهارة فإنه يجب عليه إعادة جميع صلاته.
# ومقدار الماء لإسباغ الوضوء مد، وهو رطلان وربع بالعراقي، وللغسل صاع وهو
~~أربعة أمداد، يكون تسعة أرطال بالعراقي، ومن اغتسل أو توضأ بأقل من ذلك
~~أجزأه بعد أن يقسمه في ثلاث أكف، كف للوجه، وكفان لليدين، وقد روي أنه "
~~يجزي من الوضوء ما جرى مجرى الدهن " (1) إلا أنه لا بد أن يكون مما يتناوله
~~اسم الغسل، ولا ينتهي في القلة إلى ما يسلب الاسم، على ما قدمنا شرحنا له
~~وحققناه.
# باب أحكام الأحداث الناقضة للطهارة ما ينقض الوضوء على ثلاثة أضرب: أحدها
~~ينقضه ولا يوجب الغسل، وثانيها ينقضه ويوجب الغسل، وثالثها إذا حصل على وجه
~~نقض الوضوء لا غير، وإذا حصل على وجه آخر وجب الغسل.
# فما يوجب الوضوء لا غير: البول، والغائط سواء خرج من الموضع المعتاد أو
~~خرج من غير ذلك الموضع، لقوله تعالى: " أو جاء أحد منكم من الغائط " (2)
~~ولم يعين موضعا دون موضع.
# وبعض أصحابنا يقيد ذلك بموضع في البدن دون المعدة، ويستشهد على ذلك بعموم
~~قوله تعالى: " أو جاء أحد منكم من الغائط " وما روي من الأخبار أن الغائط
~~ينقض الوضوء (3) يتناول ذلك، وقال: ولا يلزم ما فوق المعدة، لأن ذلك لا
~~يسمى غائطا، وهذا استدلال منه غير واضح، لأنه استدلال بعموم
# PageV01P106
# الآية، تم خصص اللفظ من غير تخصيص فيه، أو في دليله، فما بقي لدون المعدة
~~معنى بالتقييد، بل لأنه لا يسمى غائطا، فإن سمي غائطا أو خرج الغائط من فوق
~~المعدة يلزمه ما لزمه من دون المعدة، لشمول اللفظ وعموم الآية، وإلا بطل
~~استدلاله بها رأسا، فالأولى إطلاق خروجه من موضع في البدن، ms0055 من غير تقييد،
~~حتى يصح الاستدلال بالآية والأخبار.
# والريح الخارج من الدبر على وجهه متيقن إما بأن يسمع الصوت أو يشم الريح،
~~فأما غير ذلك من الخارج من غير الدبر، إما فرج المرأة يعني قبلها أو مسام
~~البدن، أو ريح متوهمة مشكوك فيها غير متيقنة، فلا ينقض ذلك الوضوء.
# والنوم الغالب على السمع والبصر بمجموع الحاستين على جميع أحوال النائم
~~من صحيح الحاسة. فأما غير صحيح الحاسة، فبأن ينام نوما لو نامه صحيح الحاسة
~~لما سمع ولما أبصر، وإجماع أصحابنا على أن النوم حدث ينقض الوضوء منعقد
~~وقول الرسول " العين وكاء السنة " (1) بالسين غير المعجمة المشددة المفتوحة
~~وبالهاء غير المنقلبة عن تاء، وهي حلقة الدبر، قال الشاعر:
# - أدع أحيحا باسمه لا تنسه * إن أحيحا هو صبيان السه - يعضد ما ذهبنا
~~إليه لأنه مجمع عليه، وكل ما أزال العقل، وفقد معه التحصيل والتمييز من
~~إغماء وجنون ومرة وسكر وغير ذلك من جميع أنواع الأمراض التي يفقد معها
~~التحصل ويزول التكليف.
# وما يوجب الغسل، فخروج المني على كل حال، سواء كان دافقا أو غير دافق،
~~بشهوة كان أو بغير شهوة، وما يوجد في بعض كتب أصحابنا من تقييده بالدفق
~~فغير واضح، إلا أنه لما كان الأغلب في أحواله الدفق، قيد بذلك.
# وغيبوبة الحشفة في فرج آدمي، سواء كان الفرج قبلا أو دبرا على
# PageV01P107
# الصحيح من الأقوال، لأنه إجماع المسلمين، ويعضد ذلك قوله تعالى: " أو
~~لمستم النساء " (1) ولا خلاف إن من أولج حشفته في دبر امرأة ينطلق عليه أنه
~~لامس النساء حقيقة وضعية وحقيقة عرفية شرعية، وأيضا يسمى الدبر فرجا بغير
~~خلاف بين أهل اللغة، على أن هذه اللفظة إن كانت مشتقة من الانفراج فهو
~~موجود في القبل والدبر، وإن كانت مختصة بقبل المرأة فذلك ينتقض بقوله
~~تعالى: " والذين هم لفروجهم حافظون: إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم
~~فإنهم غير ملومين " (2) ومعلوم أنه تعالى أراد بذلك الرجال دون النساء،
~~وسمي ذكر الرجل وآلة جماعه فرجا، وهذا ينقض أن تكون اللفظة مختصة بقبل ms0056
~~المرأة.
# وأما الأخبار المتضمنة لذكر غيبوبة الحشفة، فهي أيضا عامة على الفرجين،
~~ودالة على الأمرين لأن غيبوبة الحشفة في كل واحد من الفرجين، تقتضي تناول
~~الاسم، وفي الأخبار ما هو أوضح في تناول الأمرين من غيره.
# روى محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن العلا بن
~~رزين، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام (3) قال: سألته متى يجب
~~الغسل على الرجل والمرأة؟ قال: إذا أدخلته فقد وجب الغسل والمهر والرجم،
~~وفي لفظ آخر إذا غيبت الحشفة (4).
# وروى حماد، عن ربعي بن عبد الله، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال:
~~جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله فقال: ما تقولون في
~~الرجل يأتي أهله فخالطها ولم ينزل؟ فقالت الأنصار: الماء من الماء، وقال
~~المهاجرون: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل. وقال عمر لعلي بن أبي طالب
~~عليه السلام: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال عليه السلام: أتوجبون عليه الرجم
~~ولا
# PageV01P108
# توجبون عليه صاعا من ماء (1).
# وقد روي هذا المعنى من طرق كثيرة، وهذا تنبيه منه عليه السلام على أن هذه
~~الأحكام يتبع بعضها بعضا، وإذا كنا نوجب في الوطئ في الدبر من المرأة الحد
~~كما نوجب في القبل، وجب الغسل في الجميع بشهادة أمير المؤمنين عليه السلام.
# وأما الأخبار المتضمنة لتعليق الغسل بالتقاء الختانين (2) فلا دلالة فيها
~~عليها، لأن أكثر ما يقتضيه أن يتعلق وجوب الغسل بالتقاء الختانين، وقد توجب
~~ذلك، وليس هذا بمانع من إيجابه في موضع آخر لا التقاء فيه لختانين إلا من
~~حيث دليل الخطاب، وذلك غير معتمد ولا معول عليه عند المحققين لأصول الفقه،
~~على أنهم يوجبون الغسل بالإيلاج في قبل المرأة، وإن لم يكن هناك ختان، فقد
~~عملوا بخلاف ظاهر الخبر.
# فإذا قالوا: المرأة وإن لم تكن مختونة فذلك موضع الختان من غيرها؟ قلنا:
# هذا على كل حال عدول عن الظاهر، لأن الخبر علق الحكم فيه بالختان لا
~~بتقدير موضعه، وإذا أوجبنا حكم الغسل فيما ms0057 لم يلتق فيه ختانان على الحقيقة،
~~فبدليل آخر، وهكذا نصنع فيما خالفتم فيه.
# وأما ما يوجد في الروايات والأخبار والكتب فلو كان صريحا في تضمنه خلاف
~~ما ذكرناه، لم يجب الالتفات إليه فيما يدل القرآن والإجماع والأخبار
~~المتظاهرة المشهورة على خلافه، فضلا أن يكون لفظه محتملا، لأنهم يدعون أن
~~من وطأ امرأة في دبرها ولم ينزل فلا غسل عليه، ويمكن حمله على وطئها من جهة
~~الدبر دون الفرج، وكما أنه يطأ من جهة القبل في الفرج وفيما دونه، فكذلك قد
~~يطأ من جهة الدبر في الفرج وفيما دونه، ويوجد في روايات أصحابنا
# PageV01P109
# ما هو صريح في أن الوطئ في الدبر بغير إنزال يقتضي الغسل (1)، فهو معارض
~~لتلك الأخبار.
# فإن قيل: قد دللتم على أن الفاعل يجب عليه الغسل، فمن أين أن الغسل أيضا
~~واجب على المفعول به؟ قلنا: كل من أوجب ذلك على الفاعل أوجبه على المفعول
~~به، والقول بخلاف ذلك خروج عن الإجماع.
# فأما ما يوجد في بعض كتب شيخنا أبي جعفر رحمه الله مما يخالف ما اخترناه،
~~ويقتضي ظاهره ضد ما بيناه، فيمكن تأويل ما أورده بالمذكور، وأيضا فقد
~~اعتذرنا له في مواضع، وقلنا أورده إيرادا لا اعتقادا.
# والدليل على ذلك ما أورده في مبسوطه في الجزء الثالث في كتاب النكاح،
~~قال: فصل في ذكر ما يستباح من الوطئ وكيفيته، قال: يكره إتيان النساء في
~~أحشاشهن يعني أدبارهن وليس بمحظور، قال: والوطئ في الدبر يتعلق به أحكام
~~الوطئ في الفرج، من ذلك إفساد الصوم، ووجوب الكفارة، ووجوب الغسل، وإن
~~طاوعته كان حراما محضا، كما لو أتى غلاما وإن أكرهها فعليه المهر، ويستقر
~~به المسمى، ويجب به العدة، قال: وروي في بعض أخبارنا أن نقض الصوم، ووجوب
~~الكفارة، والغسل، لا يتعلق بمجرد الوطئ، إلا أن ينزل، فإن لم ينزل فلا
~~يتعلق عليه ذلك، فانظر أرشدك الله فهل هذا قول موافق لما اخترناه أو مخالف
~~له؟ وقال في مبسوطه في الجزء الأول في فصل في ذكر غسل الجنابة وأحكامها:
~~فأما ms0058 إذا أدخل ذكره في دبر المرأة أو الغلام، فلأصحابنا فيه روايتان،
~~إحداهما يجب الغسل عليهما، والثانية لا يجب عليهما، هذا آخر كلامه رحمه
~~الله.
# قال محمد بن إدريس: إذا كانت إحدى الروايتين يعضدها القرآن والأدلة،
# PageV01P110
# فالعمل بها هو الواجب، ورفض الرواية الأخرى لتعريها عن البرهان، وقال
~~رحمه الله في كتاب الصوم في الجزء الأول من مبسوطه أيضا: والجماع في الفرج
~~أنزل أو لم ينزل، سواء كان قبلا أو دبرا فرج امرأة أو غلام، أو ميتة، أو
~~بهيمة، وعلى كل حال، على الظاهر من المذهب (1). هذا آخر كلامه، ألا تراه
~~رحمه الله قد سمى الدبر فرجا، وقوله في الجماع في الفرج " سواء كان قبلا أو
~~دبرا ".
# وأفتى في الحائريات في المسألة الثانية والأربعين عن الرجل إذا جامع
~~امرأته في عجيزتها وأنزل الماء أو لم ينزل، ما الذي يجب عليه؟ فقال:
~~الجواب، الأحوط أن عليهما الغسل أنزلا أو لم ينزلا. وفي أصحابنا من قال: لا
~~غسل في ذلك إذا لم ينزلا، والأول أحوط. فهذا فتوى منه وتصنيفه، وما أومأت
~~إلى ما أومأت، إلا بحيث لا ينبغي أن يقلد إلا الأدلة دون الرجال والكتب.
# والحيض، والنفاس، ومس الأموات من الناس بعد بردهم بالموت، وقبل تطهيرهم
~~بالغسل، على خلاف بين الطائفة، والصحيح وجوب الغسل.
# والقسم الثالث دم الاستحاضة، فإنه إذا خرج قليلا لا ينقب الكرسف، نقض
~~الوضوء لا غير، وإن نقب أوجب الغسل، وقد يوجد في بعض كتب أصحابنا عبارة عن
~~حد القليل غير واضحة، بأن قال: وحده أن لا يظهر على القطنة، والمقصود من
~~ذلك أن لا يظهر على القطنة إذا استدخلتها المرأة إلى الجانب الآخر، وهو أن
~~يثقبها ويظهر عليها، فلا يظن ظان أنه أراد بالعبارة أن لا يظهر على القطنة
~~جملة، من أي جانب كان، فليس هذا المراد، لأنه إن لم يظهر عليها جملة، فليس
~~هي مستحاضة، ولا ينقض الوضوء شئ سوى ما ذكرناه.
# وجملة الأمر وعقد الباب أن يقول: ناقض الطهارة المائية اثنا عشر شيئا.
# ستة تنقض الوضوء ولا توجب ms0059 الغسل، وستة منها تنقض الوضوء وتوجب
# PageV01P111
# الغسل، والذي ينقض الوضوء ولا يوجب الغسل، البول، والغائط، والريح،
~~والنوم الغالب على السمع والبصر، وكل ما أزال العقل، من سائر أنواع المرض،
~~والاستحاضة على بعض الوجوه، وهو أن يكون الدم قليلا لا ينقب الكرسف على ما
~~مضى شرحنا له.
# وقد يوجد في بعض الكتب، خمسة تنقض الوضوء ولا يذكرون السادس والاعتذار
~~عنهم إن تركهم لذكره، لأنهم ما ذكروا إلا الذي هو ناقض الوضوء هو بنفسه،
~~غير منقسم في نفسه مثال ذلك أحد الخمسة البول غير منقسم في نفسه لأنه ليس
~~له حالة أخرى ينقض الوضوء ويوجب الغسل، والقسم السادس له حالة أخرى ينقض
~~الوضوء ويوجب الغسل وهو إذا كثر الدم ونقب، فلأجل ذلك قالوا خمسة يعنون
~~الناقض الذي لا ينقسم في نفسه، والمحصل والمحقق ما ذكرناه أولا.
# والستة التي توجب الأغسال: إنزال المني، وغيبوبة الحشفة في فرج آدمي،
~~سواء كان ذكرا أو أنثى كبيرا أو صغيرا ميتا أو حيا، والحيض، والنفاس،
~~والاستحاضة على بعض الوجوه، احترازا من القسم الذي ينقض الوضوء ولا يوجب
~~الغسل، وهو القليل الذي لا ينقب الكرسف، وهذا القسم المراد به الكثير الذي
~~ينقب الكرسف فإنه يوجب الغسل، ومس الأموات من الناس بعد بردهم بالموت، وقبل
~~تطهيرهم بالغسل، فهذه اثنا عشر شيئا.
# فأما ناقض الطهارة الترابية فجميع ذلك، ويزيد عليها وجود الماء مع التمكن
~~من استعماله، فصارت نواقض الطهارة الترابية، ثلاثة عشر شيئا فجميع الأغسال
~~الرافعة للأحداث لا يستباح بمجردها الصلوات، إلا غسل الجنابة فحسب، فإن
~~الصلاة تستباح بمجرده، من غير خلاف بين فقهاء أهل البيت عليهم السلام، فأما
~~ما عداه من الأغسال، فقد اختلف قول أصحابنا فيه، فمنهم من يستبيح بمجرده
~~الصلاة، ويجعله مثل غسل الجنابة، يحتج بأن الصغير يدخل PageV01P112
# في الكبير، ومنهم وهم المحققون المحصلون الأكثرون، لا يستبيحون الصلاة
~~بمجرده، ولا بد لهم في استباحة الصلاة من الوضوء، إما قبله أو بعده.
# وقد يوجد في بعض كتب أصحابنا، إن كيفية غسل الحائض مثل كيفية غسل الجنب،
~~ويزيد بوجوب ms0060 تقديم الوضوء على الغسل، وهذا غير واضح من قائله، بل الزيادة
~~على غسل الجنابة، أن لا تستبيح الحائض إذا طهرت بغسل حيضها وبمجرده الصلاة،
~~كما يستبيح الجنب، سواء قدمت الوضوء أو أخرت، فإن أراد يجب تقديم الوضوء
~~على الغسل، فغير صحيح، بغير خلاف.
# والذي يدل على ما اخترناه من القولين، قول الله سبحانه: " يا أيها الذين
~~آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا
~~برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين " (1) فأوجب على كل قائم إلى الصلاة مسح بعض
~~الرأس، ومسح الرجلين، فمن استباح الصلاة بمجرد الغسل لم يمتثل الأمر، ولا
~~أتى بالمأمور به، لأنه ما مسح والله تعالى أمرنا إذا أردنا الصلاة أن نكون
~~غاسلين ماسحين.
# فإن قيل: هذا يلزمكم مثله في غسل الجنابة؟ قلنا: أنت موافق لنا في غسل
~~الجنابة، ودليل ذلك قوله تعالى: " وإن كنتم جنبا فاطهروا " ومن اغتسل فقد
~~تطهر، فما أوجب على الجنب إذا أراد استباحة الصلاة إلا أن يطهر بالاغتسال
~~فحسب، فأخرجنا الجنب بهذا اللفظ، وبقي الباقي على عمومه وشموله.
# وأيضا الإجماع حاصل على استباحة الجنب الصلاة بمجرد الغسل، وليس ينتقض
~~الوضوء بشئ خارج عما ذكرناه من قلس بفتح اللام، أو دم سائل، أو قئ، أو مذي،
~~أو ودي بالدال غير المعجمة، أو مس فرج، أو غير ذلك، فما وقع الخلاف فيه،
~~وذكره يطول، فأما الدود الخارج من أحد السبيلين، أو الشيافة، أو الحقنة
~~بالمايعات، فإن خرج شئ من ذلك خاليا من نجاسة، فلا
# PageV01P113
# وضوء وإن كان عليه شئ من العذرة أو البول فحسب انتقضت الطهارة بما صحبها
~~من ذلك، لا بخروج ذلك الشئ.
# باب الجنابة وأحكامها وكيفية الطهارة منها الجنابة في اللغة هي البعد،
~~قال الأعشى: أتيت حريثا زايرا عن جنابة، يعني عن بعد، وهي في الشريعة كذلك،
~~لأن الجنب بعد عن أحكام المتطهرين، لأن المتطهر يستبيح ما لا يستبيحه
~~الجنب، من الجلوس في المساجد وغير ذلك، والجنب بعد عن ذلك، لحدثه، ويصير
~~الإنسان جنبا، ويتعلق به أحكام المجنبين، من طريقين فحسب لا ms0061 ثالث لهما.
# أحدهما إنزال الماء الذي هو المني سواء خرج دافقا أو مقارنا للشهوة، أو
~~لم يكن كذلك، في النوم كان، أو في اليقظة، وعلى كل حال، على ما مضى شرحنا
~~له.
# والآخر غيبوبة الحشفة، على ما ذكرناه وحققناه من قبل، وهذان الحكمان
~~يشترك فيهما الرجال والنساء، فإن جامع الرجل امرأته فيما دون الفرج الذي
~~حققناه وبيناه، وأنزل، وجب عليه الغسل، وإن لم ينزل فليس عليه الغسل، وكذلك
~~المرأة.
# وذكر بعض أصحابنا (1) في كتاب له، فقال: فإن جامع الرجل امرأته فيما دون
~~الفرج، وأنزل، وجب عليه الغسل، ولا يجب عليها ذلك، فإن لم ينزل فليس عليه
~~أيضا الغسل، فإن أراد بقوله الفرج القبل فحسب، فغير مسلم، وإن أراد بالفرج
~~القبل والدبر معا، وأراد بجماعه فيما دونهما، فصحيح قوله على ما بيناه
~~وأوضحناه، فكلامه محتمل، فلا يظن بمصنف الكتاب، إلا ما قام عليه الدليل،
~~دون ما لم يقم عليه، إذا كان الكلام محتملا، مع إيرادنا كلامه وقوله
~~وفتواه، من غير احتمال للتأويل الذي ذكره في مبسوطه (2)، وجوابات
# PageV01P114
# الحائريات (1).
# ومتى انتبه الرجل، فرأى على ثوبه، أو فراشه، منيا، ولم يذكر الاحتلام،
~~ولم يكن ذلك الثوب أو الفراش يشاركه فيه غيره، وينام فيه سواه، وجب عليه
~~الغسل، سواء قام من موضعه ثم رأى بعد ذلك أو لم يقم. فأما إن شاركه في لبسه
~~والنوم فيه مشارك، ممن يحتلم، فلا يجب عليه الاغتسال سواء قام من موضعه ثم
~~رأى بعد ذلك، أو لم يقم.
# وذكر بعض أصحابنا في كتاب له، أنه إذا انتبه الرجل فرأى على ثوبه أو
~~فراشه منيا، ولم يذكر الاحتلام، وجب عليه الغسل، فإن قام من موضعه، ثم رأى
~~بعد ذلك، فإن كان ذلك الثوب أو الفراش مما يستعمله غيره، لم يجب عليه
~~الغسل، وإن كان مما لا يستعمله غيره، وجب عليه الغسل، فاعتبر المشاركة بعد
~~القيام من موضعه، ولم يعتبرها قبل قيامه.
# والصحيح ما اخترناه وإلى هذا ذهب السيد المرتضى رحمه الله في مسائل خلافه
~~(2) فقال: عندنا أنه من وجد ms0062 ذلك في ثوب أو فراش يستعمله هو وغيره، ولم يذكر
~~الاحتلام فلا غسل يجب عليه، لتجويزه أن يكون من غيره، فإن وجد فيما لا
~~يستعمله سواه، ولا يجوز فيما وجده من غيره فيلزمه الغسل، وإن لم يذكر
~~الاحتلام.
# وقال أبو حنيفة ومالك ومحمد والثوري والأوزاعي: يغتسل، وإن لم يذكر
~~الاحتلام.
# وقال ابن حي: إن وجده حين استيقظ، اغتسل، وإن وجده بعد ما يقوم ويمشي،
~~فلا غسل عليه.
# وقال الشافعي: أحب له أن يغتسل، هكذا حكى الطحاوي عنه في الاختلاف، والذي
~~قاله الشافعي في الأم مثل ما حكينا من مذهبنا من والدليل على صحة مذهبنا،
~~أنه إذا وجد المني ولم يذكر الاحتلام، وهو يجوز
# PageV01P115
# أن يكون من غيره، ولا يقين معه بما يوجب الغسل، وهو على يقين متقدم
~~ببراءة ذمته منه، فإنه على أصل الطهارة، فلا يخرج عن ذلك اليقين إلا بيقين
~~مثله، وإذا وجده فيما لا يشتبه، ولا يستعمله غيره، فقد أيقن بأنه منه، فوجب
~~الغسل، إذ قد بينا أنه لا يعتبر بمقارنة خروجه للشهوة.
# فأما فرق ابن حي، بين أن يصادفه حين انتباهه، وبين أن يقوم ويمشي، فلا
~~وجه له، من حيث كان إذا فارق الموضع، يجوز أن يكون من غيره، فإذا صادفه في
~~الحال، لم يكن إلا منه، والتقسيم الذي ذكرناه أولى، لأنه إذا جوز فيما
~~يصادفه أن يكون من غيره، كتجويزه فيما يفارقه، لم يجب عليه الغسل في
~~الموضعين، فلا معنى لاعتبار المشي، بل المعتبر ما ذكرناه، هذا آخر كلام
~~المرتضى رحمه الله فهو واضح، سديد في موضعه.
# وذكر بعض أصحابنا في كتاب له، وهو شيخنا أبو جعفر في نهايته (1) فقال:
~~ومتى خرج من الإنسان ماء كثير لا يكون دافقا لم يجب عليه الغسل، ما لم يعلم
~~أنه مني، وإن وجد من نفسه شهوة، إلا أن يكون مريضا، فإنه يجب عليه حينئذ
~~الغسل متى وجد من نفسه شهوة، ولم يلتفت إلى كونه دافقا، وغير دافق، فإن
~~أراد هذا القائل باستثنائه المريض، أنه إذا خرج منه ماء كثير ms0063 ولا يكون منيا
~~ووجد من نفسه شهوة يجب عليه الغسل، فهذا غير واضح، إذ قد بينا أن الجنابة
~~لا تكون إلا بشيئين فحسب، ولا يتعلق على الإنسان أحكام المجنبين إلا من
~~طريقين: إحديهما: خروج المني على كل حال، سواء كان دافقا أو غير دافق،
~~بشهوة أو غير شهوة، والأخرى: غيبوبة الحشفة في فرج آدمي، لا ثالث لهما وإن
~~استثناه من الدفق، فلا اعتبار بالشهوة، ولا بالدفق، بانفراد كل واحد منهما،
~~أو باجتماعهما، من مريض جاء أو من صحيح، إذا لم يكن المني موجودا،
# PageV01P116
# فأذن لا وجه لاستثنائه إذا كان المعتبر المني فحسب، سواء كان من صحيح أو
~~مريض، معه دفق وشهوة، أو لم يكونا مقارنين له، والظاهر من كلامه في كتابه
~~أنه زاد بما ذكره قسما ثالثا على المني والتقاء الختانين، بدليل قوله عقيب
~~ذلك، ومتى حصل الإنسان جنبا بأحد هذه الأشياء فقد جمع وأقل الجمع ثلاثة عند
~~المحققين، ولو لم يرد ذلك، لقال بأحد هذين الشيئين، يعني المني والتقاء
~~الختانين، فليتأمل ذلك ويلحظ، فإنه واضح للمستبصر.
# ومتى صار الإنسان جنبا بما قدمناه من الحكمين فلا يدخل شيئا من المساجد
~~إلا عابر سبيل إلا المسجد الحرام، ومسجد الرسول عليه السلام، فإنه لا
~~يدخلهما على حال فإن كان نائما في أحدهما واحتلم وأراد الخروج، فإنه يجب
~~عليه أن يتيمم من موضعه، ثم يخرج، وليس عليه ذلك في غيرهما من المساجد.
# وجملة الأمر وعقد الباب، أنه يحرم عليه ستة أشياء، قراءة العزائم من
~~القرآن، ومس كتابه القرآن، ومس كتابة أسماء الله تعالى، وأسماء أنبيائه،
~~وأئمته عليهم السلام، والجلوس في المساجد ووضع شئ فيها، ولا بأس بأخذ ما
~~يكون له فيها، محلل له ذلك، جايز سايغ، والجواز في مسجدين، المسجد الحرام،
~~ومسجد النبي صلى الله عليه وآله محرم، وله أن يقرأ جميع القرآن، سوى ما
~~استثناه من الأربع السور، من غير استثناء لسواهن، على الصحيح من المذهب
~~والأقوال. وبعض أصحابنا لا يجوز إلا ما بينه وبين سبع آيات، أو سبعين آية،
~~والزائد على ms0064 ذلك يحرمه، مثل الأربع السور، والأظهر الأول، لقوله تعالى:
# " فاقرءوا ما تيسر من القرآن " (1) وحرمنا ما حرمناه بالإجماع، وبقي
~~الباقي داخلا تحت قوله تعالى: " فاقرءوا ما تيسر من القرآن ".
# ويكره أن يأكل الجنب طعام، أو يشرب الشراب، فإن أرادهما
# PageV01P117
# فليتمضمض أولا، وليستنشق، ويكره له أن ينام قبل الاغتسال، فإن أراد ذلك
~~توضأ ونام إلى وقت الاغتسال.
# فإذا أراد الجنب الاغتسال من الجنابة، فمن السنن والآداب أن يجتهد في
~~البول إن كان رجلا ليخرج بقية المني إن كانت، فإن لم يتيسر البول فلينتر
~~(1) قضيبه من أصله إلى رأسه نترا يستخرج شيئا إن كان بقي فيه، ثم يغسل يديه
~~ثلاثا، قبل إدخالهما الإناء، ثم يغسل فرجه، وما يليه، ويزيل ما لعله تبقى
~~من النجاسة عليه، ثم ليتمضمض ثلاثا، ويستنشق ثلاثا.
# وبعض أصحابنا يذهب إلى أن الاستبراء بالبول أو الاجتهاد، واجب على
~~الرجال، وبعضهم يذهب إلى أنه مندوب شديد الندبية، وهو الأصح، لأن الأصل
~~براءة الذمة، ولا يعلق عليها شئ إلا بدليل قاطع وقد بينا أن الإجماع غير
~~منعقد على ذلك فيحتاج مثبته إلى دليل، غير الإجماع، ولا دليل على ذلك.
# فأما باقي ما ذكرناه فآداب وسنن بغير خلاف.
# ويجب على المغتسل، أن يوصل الماء إلى جميع بشرته وأعضائه، حتى لا يبقى شئ
~~من ذلك لا يوصل الماء إليه، ويجتهد فيما ذكرناه غاية الاجتهاد.
# والترتيب واجب فيه، وهو أن يقدم غسل رأسه، ثم ميامن جسده، ثم مياسره، فإن
~~أخر مقدما، أو قدم مؤخرا، رجع فتداركه كما قلناه في الوضوء، فإن غسل
~~الإنسان مياسره أولا، ثم رأسه ثانيا، ثم ميامنه ثالثا، فإن كان نوى عند
~~المضمضة والاستنشاق، أو عند غسل اليدين المستحب، أو عند غسل رأسه، فلا يجب
~~عليه إعادة غسل رأسه ثانيا، ولا إعادة غسل ميامنه، لأنه قد حصلت مرتبة، بل
~~يجب عليه إعادة غسل مياسره ثانيا، ولا يجزيه ما فعله من غسلها، فإن كان لم
~~ينو عند المضمضة والاستنشاق، أو عند غسل يديه ولا عند غسل
# PageV01P118
# رأسه، فإنه يجب عليه إعادة غسل ms0065 رأسه ثانيا، وإعادة غسل ميامنه، لأنه حصل
~~مغسولا بغير نية الطهارة، فليلحظ ذلك، وليتأمل، وهكذا إذا غسل ميامنه أولا،
~~ثم رأسه ثانيا، ثم مياسره ثالثا، والقول في ذلك على ما حررناه وبيناه،
~~فالطريقة واحدة، والله الموفق للصواب.
# والموالاة التي أوجبناها في الوضوء لا تجب في الغسل، وجائز أن يفرقه، كما
~~أنه يغسل رأسه في أول النهار، ويتم الباقي من جسده في وقت آخر.
# فإن أحدث فيما بين الوقتين حدثا، من جملة الستة التي تنقض الوضوء ولا
~~توجب الغسل، فقد اختلف أصحابنا في ذلك على ثلاثة أقوال: قائل يقول يجب عليه
~~إعادة غسل رأسه.
# وقائل يقول لا يجب عليه إعادة غسل رأسه، بل يتمم غسل ميامنه ومياسره،
~~فإذا أراد الصلاة، فلا بد له من وضوء، ولا يستبيحها بمجرد ذلك الغسل.
# وقائل يقول لا يجب عليه إعادة غسل رأسه، وإن أراد الصلاة يستبيحها بمجرد
~~غسله بعد إتمامه باقي جسده.
# وهذا القول هو الذي تقتضيه الأدلة وأصول المذهب، لأن إعادة غسل رأسه لا
~~وجه لها لأن بالإجماع أن ناقض الطهارة الصغرى لا يوجب الطهارة الكبرى بغير
~~خلاف.
# فأما القائل بأنه لا يعيد غسل رأسه، بل يتمم غسل باقي جسده، فإذا أراد
~~الصلاة فلا بد له من الوضوء، فباطل أيضا، لأن هذا بعد حدثه الأصغر جنب،
~~وأحكام المجنبين يتناوله، بغير خلاف، من قوله تعالى: " وإن كنتم جنبا
~~فاطهروا " (1) وقوله تعالى: " ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا " (2)
~~فأجاز تعالى
# PageV01P119
# الدخول في الصلاة بعد الاغتسال، وهذا قد اغتسل بغير خلاف، لأن هذا القائل
~~يوافق على أنه قد ارتفع حدثه الأكبر وقد اغتسل، فالآية بمجردها تقتضي
~~استباحة الصلاة بمجرد اغتساله، فمن منعه وأوجب عليه شيئا آخر مع الاغتسال
~~يحتاج إلى دليل، وزيادة في القرآن وإضمار لم يقم عليه دليل عقلي ولا سمعي
~~وأيضا فالإجماع منعقد بغير خلاف، أن بمجرد غسل الجنابة تستباح الصلاة، على
~~ما مضى شرحنا له، وهذا قد اغتسل بغير خلاف، ولم يحدث بعد غسله، وكما له، ما
~~ينقض طهارته.
# ويزيد ما اخترناه وضوحا، ms0066 ما ذكره السيد المرتضى رحمه الله في مسائل خلافه
~~عند مناظرته المخالفين في الماء المستعمل في الطهارة الصغرى والكبرى، قال:
# الماء المستعمل عندنا طاهر مطهر يجوز الوضوء والاغتسال به، وذلك مثل أن
~~يجمع الإنسان وضوءه من الحدث أو غسله من الجنابة في إناء نظيف، ويتوضأ به،
~~ويغتسل به دفعة أخرى، بعد أن لا يكون على بدنه شئ من النجاسات، واستدل
~~فقال: لو كان استعمال الماء يمنع من جواز الطاهرة به، لكان ملاقاته لأول
~~العضو موجبا لاستعماله، ومانعا من إجرائه على بقية العضو، وهذا يقتضي أن
~~يأخذ لكل جزء ماء جديدا، فلما اتفقوا على أن صب أحدنا الماء على رأسه،
~~وإفاضته على بدنه، يجزيه في الطهارة، مع ملاقاته لأول جزء من بدنه، دل ذلك
~~على أن استعمال الماء، لا يمنع من الوضوء به.
# فإن قالوا: الماء لا يحكم له بحكم الاستعمال، حتى يسقط عن جميع العضو
~~ويفارقه، وما دام على العضو، فليس بمستعمل.
# قلنا لهم: لا فرق بينكم وبين من قال والماء لا يحكم له بحكم الاستعمال
~~حتى يسقط عن الأعضاء كلها، لأن حكم الحدث لا يزول، والطهارة لا تتم إلا بعد
~~غسل كلها، لأنها تجري مجرى العضو الواحد في حكم العضو، فإذا جعلتموه
~~PageV01P120
# مستعملا في أحد الأعضاء دون جميعها لزمكم أن يكون مستعملا في بعض العضو.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: هذا آخر كلام المرتضى رحمه الله، ألا ترى
~~إلى قوله: لأن حكم الحدث لا يزول، والطهارة لا تتم إلا بغسل كلها، لأنها
~~تجري مجرى العضو الواحد، فإذا كانت تجري مجرى العضو الواحد، فغسل بعضها غير
~~معتد به، وبقية بعضها مثل بقيتها جميعها، وحكمه حكمها قبل الشروع فيها،
~~فليلحظ ما قد حققه رضي الله عنه.
# وقد يوجد في بعض الكتب، إن للجنب أن يغسل رأسه بالغداة، ثم يغسل سائر
~~جسده بالعشي، فيعتقد من يقف على ذلك أن المراد بالعشي دخول الليل والعشاء
~~الأول، والمراد بالعشي في هذا الموضع خلاف ما اعتقده من يعتقده، بل المراد
~~بالعشي هنا آخر النهار. ms0067 قال حميد بن ثور الهلالي:
# - فلا الظل من برد الضحى نستطيعه * ولا الفئ من برد العشي نذوق - وإن
~~ارتمس الجنب ارتماسة واحدة أجزأه، ويسقط الترتيب وقال بعض أصحابنا: يترتب
~~حكما، وليس بواضح، بل الأظهر سقوط الترتيب، للإجماع الحاصل على ذلك، وأحكام
~~الشريعة تثبتها بحسب الأدلة الشرعية.
# والمستحب أن يفيض على رأسه ثلاث أكف من الماء، ويغسل رأسه بها، وما يليه
~~من عنقه، ويخلل شعر رأسه، وشعر لحيته، ويميزه، حتى يصل الماء إلى أصوله، ثم
~~يأخذ ثلاث أكف لجانبه الأيمن، فيغسل بها من عنقه إلى تحت قدمه الأيمن، ثم
~~يأخذ ثلاث أكف لجانبه الأيسر، فيفعل فيه كما فعل بالجانب الأيمن، وكف واحد
~~هو الواجب إذا استوعب العضو المغسول به، فإن لم يستوعبه، فالواجب عليه
~~الزيادة على ذلك حتى يغسله جميعه ويستوعبه غسلا، ولو بلغت الزيادة مائة كف
~~مثلا، بل المستحب بعد استيعاب العضو المغسول، كفان آخران، ويمر يديه على
~~جميع جسده، ويجتهد في وصول الماء إلى جميع بشرته، والبشرة هي ظاهر الجلد.
~~PageV01P121
# وإمرار اليد عندنا غير واجب، بل مستحب، وكذلك في الطهارة الصغرى، إمرار
~~اليد على الوجه والذراعين غير واجب، بل الواجب الغسل فحسب، بما يتأثر (1)
~~به الغسل، سواء كان ذلك باليد، أو بتغويص الوجه في الماء، وكذلك الذراع
~~واليد، أو بانسكاب بزال (2) على ذلك، حتى يستوعبه غسلا.
# ومن وجد بعد الغسل بللا، وكان قد بال، أو اجتهد إذا لم يتأت له البول،
~~فلا غسل عليه، ولا وضوء، إلا أن يكون بال، ولم يمسح تحت الأنثيين، ولا نتر
~~القضيب، فإنه يجب عليه الوضوء، دون إعادة الغسل، لبقية البول في قضيبه،
~~وهذا حكم جميع من بال من الرجال وتوضأ قبل أن يستبرء ثم وجد بللا، سواء كان
~~جنبا أو غيره، وهذه الأحكام، إنما تلزم الجنب إذا كانت جنابته عن إنزال،
~~فأما إن كانت جنابته عن غيبوبة الحشفة، ولم ينزل، فلا يلزمه إعادة الغسل،
~~سواء وجد بللا بعد غسله، أو لم يجد، بال قبل غسله، أو لم يبل، فإن كانت
~~جنابته عن إنزال، ms0068 فإن كان لم يبل أعاد الغسل، إذا وجد البلل بلا خلاف على
~~القولين، عند من لا يرى وجوب الاستبراء، وعند من رآه.
# فأما إذا بال قبل اغتساله، واغتسل، ثم وجد بعد اغتساله بللا، يقطع على
~~أنه مني، فيجب عليه الغسل أيضا، بلا خلاف، لقوله عليه السلام: الماء من
~~الماء (3) وليس كذلك إذا وجد بللا بعد بوله واغتساله، ولم يقطع على أنه
~~مني، فليلحظ ذلك.
# والمرأة إذا رأت بللا بعد الغسل، لم تعده، على كل حال، لأن ذلك إنما هو
~~من ماء الرجل على ما وردت به الرواية عنهم عليهم السلام (4) فهذا التفصيل
~~وارد.
# والأولى عندي، أنها إن تيقنت وقطعت على أن البلل مني، فإنها يجب عليها
~~الغسل، لقوله عليه السلام: الماء من الماء، فإن لم تتيقن أنه مني، فلا يجب
~~عليها الغسل، وإن لم تستبرء قبل غسلها بخلاف الرجل، فظهر الفرق بينهما
~~وبان.
# PageV01P122
# وقد يوجد في بعض الأخبار والكتب، أنه إذا لم يبل الجنب قبل غسله، ثم
~~اغتسل، ووجد بللا، فإنه يجب عليه إعادة الغسل، والصلاة، إن كان قد صلى.
# قال محمد بن إدريس: إعادة الصلاة تحتاج إلى دليل، وإنما يجب عليه إعادة
~~الغسل فحسب، لقوله عليه السلام: الماء من الماء، فالغسل الثاني غير الأول،
~~وموجبه غير موجبه، فبالأول قد طهر، فصلاته صحيحة قبل رؤية البلل، وقت كونه
~~طاهرا، وإعادة الصلاة يحتاج إلى دليل قاهر.
# وغسل المرأة، كغسل الرجل، إلا أنه يستحب لها أن تنقض المظفور من شعرها،
~~فإذا كان مانعا من وصول الماء إلى البشرة، وأصول شعرها، وجب عليها حله
~~ونقضه، لأنه لا يتم غسلها إلا به.
# والغسل من الجنابة، يجزي عن الأغسال الكثيرة المفروضة والمسنونة، سواء
~~تقدم عليها، أو تأخر عنها، ويكون الحكم له، والنية نيته. مثال ذلك: إذا
~~جامع الرجل زوجته، فقبل أن تغتسل من جنابتها، رأت دم الحيض فلم تغتسل، فإذا
~~طهرت من حيضها، اغتسلت غسلا واحدا للجنابة، دون غسل الحيض، وكذلك إن كانت
~~حائضا ثم طهرت، فقبل أن تغتسل، جامعها زوجها، فالواجب عليها أن تغتسل ms0069 غسل
~~الجنابة، دون غسل الحيض، لأن غسل الجنابة له مزية وقوة وترجيح على غسل
~~الحيض.
# وذلك أنه لا خلاف أنه يستباح بمجرده الصلوات، وليس كذلك غسل الحيض، وأيضا
~~عرف وجوبه من القرآن وغسل الحيض من جهة السنة، وإن كان في هذا الأخير ضعف،
~~لأن ما يثبت من جهة السنة المتواترة، فهو دليل، فلا فرق بينه في الدلالة
~~وبين ما يثبت من جهة الكتاب، والمعتمد في ذلك على الإجماع، بل ذكرنا ما
~~ذكروا، وأوردنا ما أورده غيرنا.
# والأغسال المفروضات، اختلف قول أصحابنا في عددها، فبعض يذهب إلى أنها
~~خمسة فحسب، وبعض يذهب إلى أنها ستة، وبعض يذهب إلى أنها PageV01P123
# سبعة، والمعتمد من الأقوال الثلاثة أوسطها، وهو القول بأنها ستة، أحدها
~~الغسل من الجنابة، وغسل الحيض، وغسل النفاس، وغسل الاستحاضة على بعض الوجوه
~~على ما مضى شرحنا له، وغسل الموتى من الناس المحكوم بتغسيلهم، فهذا مذهب
~~صاحب الخمسة، وغسل من مس ميتا بعد برده بالموت وقبل تطهيره بالاغتسال، فهذا
~~هو السادس، وهو أوسط الأقوال الثلاثة، وغسل قاضي صلاة الكسوف مع احتراق
~~القرص جميعه، وكان قد ترك الصلاة متعمدا، فهذا هو السابع.
# وذهب بعض أصحابنا إلى وجوب غسل الإحرام فعلى هذا يكون الأقوال أربعة.
# والأغسال المسنونات فكثيرة، وآكدها ما أنا ذاكره.
# غسل يوم الجمعة، ووقته من عند طلوع الفجر من يوم الجمعة إلى وقت الزوال،
~~وقد رخص في تقديمه يوم الخميس، لمن خاف الفوت.
# ويستحب قضاؤه لمن فاته، إما بعد الزوال، أو يوم السبت.
# وكلما قرب من الزوال كان أفضل.
# وإذا اجتمع غسل جنابه، وغسل يوم جمعة وغيرها، من الأغسال المفروضات
~~والمسنونات، أجزأ عنها كلها غسل الجنابة، على ما مضى شرحنا له، فإن نوى
~~الجنابة أجزأ عن الجميع، وإن نوى بالغسل الغسل المسنون دون غسل الجنابة، لم
~~يجزه عن شئ من ذلك، هكذا أورده شيخنا أبو جعفر، في مسائل خلافه (1) قال:
~~لأن غسل الجمعة إنما يراد للتنظيف، ومن هو جنب لا يصح ذلك فيه.
# قال محمد بن إدريس: الأقوى عندي أنه يحصل له ms0070 ثواب غسل الجمعة وإن كان
~~جنبا، إذ لا تنافي بينهما، ويعارض شيخنا أبا جعفر بأن الحائض يصح منها غسل
~~الإحرام، والجمعة، مع كونها حائضا، فأذن لا فرق بينهما إذا لم يكن
# PageV01P124
# معه إجماع بالفرق بينهما، ولو كان إجماع من أصحابنا لذكره في استدلاله.
# وغسل ليلة النصف من رجب، وغسل يوم السابع والعشرين منه، وليلة النصف من
~~شعبان، وأول ليلة من شهر رمضان، وليلة النصف منه، وليلة سبع عشرة منه وهي
~~ليله الفرقان، لأن الله تعالى فرق بين الحق والباطل فيها: لأنها ليلة بدر،
~~ووقعة بدر كان القتال في صبيحتها في شهر رمضان، سنة اثنتين من الهجرة بعد
~~نزول فرض الصيام، لأنه نزل فرض صيام شهر رمضان يوم الثاني من شعبان، سنة
~~اثنتين من الهجرة.
# وليلة تسع عشرة منه، وليلة إحدى وعشرين منه، وليلة ثلاث وعشرين منه،
~~وليلة الفطر، ويوم الفطر، ووقته من طلوع الفجر الثاني إلى قبل الخروج إلى
~~المصلى، فإن فاته ذلك فلا قضاء عليه، ولا ندب إليه، كما ندب إلى قضاء غسل
~~يوم الجمعة.
# وغسل يوم الأضحى، ووقته وقت غسل يوم الفطر.
# وغسل الإحرام أي إحرام كان، سواء كان لحج أو لعمرة.
# وغسل دخول الحرم، وغسل دخول مكة، وغسل دخول المسجد الحرام وغسل دخول
~~الكعبة، وغسل دخول المدينة، وغسل دخول مسجد الرسول عليه السلام، وغسل
~~زيارته عليه السلام، وغسل زيارة كل واحد من الأئمة عليهم السلام، وغسل يوم
~~الغدير، ويوم المباهلة، وهو يوم الرابع والعشرين من ذي الحجة على أصح
~~الأقوال، وغسل المولود، وغسل قاضي صلاة الكسوف إذا احترق القرص كله وتركها
~~متعمدا، وإن كان بعض أصحابنا يذهب إلى وجوب هذا الغسل على ما بيناه، وغسل
~~صلاة الحاجة، وغسل صلاة الاستخارة، وغسل التوبة، وغسل يوم عرفة.
# والكافر إذا أسلم لا يجب عليه الغسل، بل يستحب له ذلك، وهو داخل في غسل
~~التوبة، اللهم إلا أن يكون عليه الغسل للجنابة وغيرها قبل إسلامه،
~~PageV01P125
# فإنه إذا أسلم يجب عليه الغسل، لأنه في حال كفره لا يصح منه الغسل، لأنه
~~لا ms0071 يصح منه نية القربة، لأنه لا يعرف المتقرب إليه، وإن كان مخاطبا
~~بالشرايع عندنا، وعند الأكثر من العلماء.
# وقد ذهب بعض أصحابنا في كتاب له (1) وهو الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله
~~إلى أنه إذا رأى الإنسان على ثوبه الذي لا يشاركه فيه غيره منيا، فإنه يجب
~~عليه الغسل وإعادة صلاته من آخر غسل اغتسل لرفع الحدث.
# والذي أذهب إليه، وأفتي به في ذلك، أنه لا يجب عليه إعادة الصلوات
~~الواقعة فيما بين الغسلين والاحتلامين، لأن إعادة الصلاة تحتاج إلى دليل
~~شرعي قاطع للعذر، مزيل للريب، والإنسان المصلي قاطع متيقن لبراءة ذمته
~~بصلاته التي صلاها في ذلك الثوب، وهو مجوز أن تكون هذه الجنابة من نومه فيه
~~هذه الليلة، ومجوزاتها من ليالي قبلها، والصلوات التي صلاهن متيقنات، وقد
~~وقعن شرعيات، فلا يترك المتيقن للمشكوك فيه، بل يجب عليه إعادة صلاته التي
~~انتبه وصلاها فحسب، وفي الأخبار ما يدل على ذلك قد أورده المذكور في
~~استبصاره (2) عن زرعة، عن سماعة قال: سألته عليه السلام عن الرجل يرى في
~~ثوبه المني بعد ما أصبح، ولم يكن رأى في منامه أنه قد احتلم، قال: فليغتسل،
~~وليغسل ثوبه، ويعيد صلاته. وما قال يعيد صلواته من آخر غسل اغتسل.
# وقالوا عليهم السلام: اسكتوا عما سكت الله تعالى عنه (3) ولم يورد
~~المذكور رحمه الله بإعادة الصلاة إلا هذا الخبر فحسب.
# ثم قد علمنا بمتضمنه، إذا أحسنا الظن برواية، وعملنا بأخبار الآحاد، فكيف
~~والراوي فطحي المذهب، غير معتقد للحق، بل معاند له، كافر! مع أن
# PageV01P126
# الأخبار وإن كانت رواتها عدولا، فمذهب أصحابنا لا يجوز العمل بها ولا
~~يسوغه، بل معلوم من مذهبهم ترك العمل بها، لأن العمل تابع للعلم، وأخبار
~~الآحاد لا تثمر علما، ولا عملا، وهذا يكاد يعلم من مذهبنا ضرورة، على ما
~~أصلناه وحكيناه عن السيد المرتضى رحمه الله في خطبة كتابنا هذا، ثم إن
~~السيد المرتضى رحمه الله قد ذكر المسألة في مسائل خلافه على ما أوردناه،
~~ولم يتعرض لا عادة الصلاة جملة.
# ثم ms0072 إن الشيخ أبا جعفر رحمه الله قال ذلك على سبيل الاحتياط، هذا دليله في
~~المسألة، وما أورد دليلا غيره، ولا متمسكا سواه، ولا ادعى إجماعا، ولا
~~أخبارا.
# ثم يمكن أن يعمل بما ذهب إليه رحمه الله على بعض الوجوه، وهو إذا لبس
~~ثوبا جديدا، ونام فيه ليلة، ثم نزعه، ولبس ثوبا غيره، ونام فيه ليالي، ثم
~~بعد ذلك وجد المني في ذلك الثوب الأول المنزوع، فإنه يجب عليه حينئذ إعادة
~~الصلوات، من وقت نزعه الأول إلى وقت وجوده فيه، إذا لم يكن قد اغتسل بعد
~~نزعه وكان قد اغتسل قبل لبسه الأول بلحظة، فيجب عليه في هذه الصورة إعادة
~~الصلاة التي وقعت بين الغسلين، فقد عملنا بقوله على ما ترى على بعض الوجوه.
# ونية الغسل لا بد منها، وكذلك كل طهارة، وضوء كانت أو تيمما.
# فأما وقت النية، فالمستحب، أن يفعل إذا ابتدأ بغسل اليدين، ويتعين فعلها
~~إذا ابتدأ بغسل الوجه في الوضوء، أو الرأس في غسل الجنابة، وغيره من
~~الأغسال، لا يجزي ما تقدم على ذلك ولا يلزمه استدامتها إلى آخر الغسل
~~والوضوء بل يلزم استمراره على حكم النية، ومعنى ذلك أن لا ينتقل من تلك
~~النية إلى نية تخالفها، فإن انتقل إلى نية تخالفها وقد غسل بعض أعضاء
~~الطهارة ثم تمم لم يرتفع حدثه فيما غسل بعد نقل النية ونقضها، فإن رجع إلى
~~النية PageV01P127
# الأولى نظرت، فإن كانت الأعضاء التي وضاها ندية بعد بنى عليها، وإن كانت
~~قد نشفت، استأنف الوضوء، كمن قطع الموالاة.
# فأما في غسل الجنابة فإنه يبني على كل حال، لأن الموالاة ليست شرطا فيها.
# والتسمية عند الطهارة مستحبة غير واجبة.
# فأما نية هذا الغسل، فإن كان الجنب، عليه صلاة واجبة، أو قد دخل عليه وقت
~~صلوات واجبة، أو قد تعين عليه طواف واجب، وأراد الاغتسال من جنابته، فيجب
~~عليه أن ينوي الاغتسال لرفع الحدث واجبا، قربة إلى الله تعالى، ويكون الغسل
~~هاهنا واجبا عليه، وكذلك النية، لأن الغسل طهارة كبرى، هي شرط في استباحة ms0073
~~الصلاة، فمهما لم تجب الصلاة على الجنب لا تجب عليه هذه الطهارة التي هي
~~شرط فيها، فإن لم يدخل عليه وقت صلاة واجبة، ولا عليه صلاة واجبة، ولا تعين
~~عليه طواف واجب، فغسله ونيته مندوبان والذي يدل على ذلك، ما ذكره محققوا
~~هذا الفن، ومصنفو كتب أصول الفقه، وهو أن الغسل قبل وقت الصلاة المفروضة،
~~والطواف المفروض، لا يشارك الغسل بعد دخول الوقت، في وجه الوجوب، لأن وجه
~~وجوب الغسل كونه شرطا في صلاة هي واجبة على المكلف المغتسل في الحال، وذمته
~~مشغولة بها، وهذا الوجه غير قائم في الغسل قبل دخول وقت الصلاة المفروضة،
~~وقد ورد عن الأئمة عليهم السلام ما يدل بصريحه وفحواه على ما ذكرناه (1)،
~~وقد أورد بعضه الشيخ السعيد أبو جعفر الطوسي رحمه الله في كتابه تهذيب
~~الأحكام: قال روي فلان عن فلان ورفع الحديث إلى الصادق عليه السلام قال:
~~قلت له: امرأة جامعها زوجها فقامت لتغتسل، فهي في المغتسل جاءها دم الحيض
~~قبل أن تغتسل، أتغتسل من جنابتها أم لا، فقال عليه السلام: قد جاءها شئ
~~يفسد عليها
# PageV01P128
# الصلاة، لا تغتسل (1) ألا تراه عليه السلام إنما علقه بالصلاة ولا جل
~~الصلاة فلما سقط تكليفها بالصلاة لأجل الحيض، قال: لا تغتسل، إنما كانت
~~تغتسل لأجل الصلاة، لشئ سوى ذلك.
# وأيضا فإن الرسول عليه السلام، كان يطوف على تسع نساء بغسل واحد، فلو كان
~~واجبا، لما جاز له تركه، لأنه كان يخل بالاغتسال الذي هو الواجب، ويتركه،
~~ولا خلاف في أن ترك الواجب قبيح عقلا وسمعا، وحوشي عليه السلام عن ذلك.
# وأيضا فلا خلاف بين المسلمين، وخصوصا علماء أهل البيت عليهم السلام
~~وطائفتهم أن الإنسان إذا أجنب أول الليل له أن يترك الاغتسال،، وينام إلى
~~دخول وقت صلاته، فحينئذ يجب عليه الاغتسال لأجل الصلاة، فلو كان الغسل من
~~الجنابة واجبا على كل حال، وإن المكلف إذا صار جنبا يجب عليه الاغتسال
~~بعده، وفي كل وقت، لكان يلزم على ذلك أشياء، لا قبل لملتزمها إلا العود عن
~~مقالته، ms0074 والرجوع إلى جماعته، أو الخروج عن إجماع أهل نحلته، أو العناد
~~لديانته، من جملتها أنه إذا جامع زوجته ونزع وتخلص من حال مجامعته، يجب
~~عليه الاغتسال لوقته بلا فصل وساعته، فإن كان عنده ماء في منزله وأراد تركه
~~والخروج منه والاغتسال خارجه من نهر أو حمام، يحظر عليه الخروج منه إلى
~~النهر أو الحمام، لأنه يكون مخلا بواجب، تاركا له، وترك الواجب وبدله قبيح
~~على ما بيناه أولا وأوضحناه فإن قيل الواجب عندكم على ضربين: واجب موسع،
~~وواجب مضيق، فالموسع الذي له بدل، وهو العزم على أدائه قبل خروج وقته،
~~وتقضي حاله وزمانه، فللمكلف تركه مع إقامته البدل مقامه.
# PageV01P129
# والمضيق هو الذي لا بدل له يقوم مقامه فغسل الجنابة من الواجبات الموسعات
~~واتقضى من تلك الالزامات، وأتخلص من تيك الشناعات، كما أن الصلاة بعد دخول
~~وقتها وقبل تضيقه من الواجبات الموسعات، فلمكلفها أن يتركها إذا فعل العزم
~~الذي هو البدل إلى آخر وقتها، غير حرج في ذلك ولا آثم، بغير خلاف عندكم، بل
~~الإجماع منعقد منكم عليه.
# قيل له: الذي يفسد هذا الاعتراض، ويدمر على هذا الخيال، أن أول ما نقوله
~~ونقرره ونحرره، إن القياس في الشريعة عند أهل البيت عليهم السلام باطل غير
~~معمول عليه ولا مفروع إليه، ولا خلاف بين شيعتهم المحقين، وعلمائهم
~~المحققين في ذلك، لأدلة ليس هذا موضع ذكرها، فمن أرادها أخذها من مظانها،
~~فإنها في كتب المشيخة محققة واضحة، لولا الأدلة القاهرة وأقوال الأئمة
~~الطاهرة، في تأخير ما صوره السائل من المسائل في الاعتراض، وغير ذلك من
~~الصور، عن أول وقته وإقامة البدل مقامه، لكان داخلا فيما قررناه وحررناه،
~~فأخرجنا منه ما أخرجناه، لأجل الإجماع والأدلة، وبقي ما عداه على ما أصلناه
~~من أن ترك الواجب قبيح، والإخلال بالفرض المتعين لا يجوز، على أن بعض
~~أصحابنا وهو شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان رحمه الله (1) يذهب إلى
~~أن تارك الصلاة في أول وقتها من غير عذر مخل بواجب، تارك له، معاقب مأثوم،
~~إلا أنه ms0075 إذا فعله يعفو الله تعالى عن ذنبه تفضلا منه ورحمة، ذكر ذلك في
~~كتبه، وحكاه عنه تلميذه شيخنا السعيد أبو جعفر الطوسي رحمه الله في عدته
~~(2) وربما قواه أبو جعفر في بعض الأوقات، وربما زيفه في وقت آخر.
# فإن اعترض معترض وخطر بالبال فقال: قد بقي سؤال، وهو إن كان غسل الجنابة
~~لا يجب، إلا عند دخول وقت الصلاة على ما قررته وشرحته، فما
# PageV01P130
# تقول إذا جامع الإنسان امرأته أو احتلم في ليل رمضان وترك الاغتسال
~~متعمدا حتى يطلع الفجر، وقال أنا لا أريد أن اغتسل لأن الغسل عندك قبل طلوع
~~الفجر، مندوب غير واجب على ما ذهبت إليه، فقال هذا المكلف لا أريد أن أفعل
~~المندوب، الذي هو الاغتسال في هذا الوقت، الذي هو قبل طلوع الفجر، بلا
~~تأخير ولا فصل، فإن قلت: يجب عليه في هذا الوقت الاغتسال، سلمت المسألة
~~بغير إشكال، لأنه غير الوقت الذي عينته لوجوب الاغتسال، وإن قلت:
# لا يغتسل، خالفت الإجماع، وفيه ما فيه من الشناع، وعندنا بإجماعنا أن
~~الصيام لا يصح إلا لطاهر من الجنابة قبل طلوع فجره، وإنه شرط في صحة صيامه،
~~بغير خلاف فيجب حينئذ الاغتسال، لوجوب ما لا يتم الواجب إلا به، وهذا مطرد
~~في الأدلة والاعتلال.
# قيل: ينحل هذا الإشكال، ويزول هذا الخيال، من وجهين اثنين، وهو أن الأمة
~~بين قائلين: قائل يقول بوجوب هذا الاغتسال في جميع الشهور والأيام والأوقات
~~والساعات، وهذا المعترض منهم، وقائل يقول بوجوبه فيما عيناه وشرحناه، وليس
~~هاهنا قائل ثالث يقول بأنه ندب في طول أوقات السنة، ما عدا الأوقات التي
~~عينتموها، وواجب في ليالي شهر رمضان، فانسلخ من الإجماع بحمد الله تعالى
~~كما تراه وحسبه بهذا عارا وشنارا (1).
# فأما الوجه الآخر وهو قوله كل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب مثله،
~~فصحيح ظاهره ومعناه، إلا أن مسألتنا ليست من هذا الإلزام بسبيل، ولا من هذا
~~القول بقبيل لأن الواجب الذي هو صيام رمضان يتم من دون نية الوجوب
~~للاغتسال، وهو أن ms0076 يغتسل لرفع الحدث مندوبا قربة لله تعالى، وقد ارتفع حدثه،
~~وصح صومه، بلا خلاف، فقد تم الواجب من دون نية الوجوب التي تمسك
# PageV01P131
# الخصم بأنه لا يتم الواجب إلا به، وقد أريناه أنه يتم الواجب دونه
~~وبغيره، ولولا أن معرفة القديم سبحانه لا طريق لنا إليها إلا بالنظر في
~~الأدلة، لما وجب علينا ولا تعين، ولو كان لنا طريق سواه لما وجب تعيينا
~~وتحتم.
# فإن قيل: أليس الأمر بمجرده عندكم في عرف الشرع يقتضي الوجوب دون الندب،
~~والفور دون التراخي؟ قلنا: بلى.
# قال: فقد قال سبحانه: " وإن كنتم جنبا فاطهروا " وهذا أمر للجنب بالتطهير
~~متى كان جنبا بغير خلاف، فغسل الجنابة واجب بهذا الأمر؟
# قلنا: هذه الآية الثانية التي هي معطوفة على الآية الأولة، وهي قوله
~~تعالى:
# " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى
~~المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين " (1) فأمرنا أن نكون غاسلين
~~وماسحين إذا أردنا القيام إلى الصلاة، وقبل دخول وقت الصلاة لا يجب علينا
~~القيام إليها، ولا الغسل لها، فلما عرفنا سبحانه حكم الطهارة الصغرى، عطف
~~عليها حكم الطهارة الكبرى وهي غسل الجنابة، وهو إذا أردنا القيام إلى
~~الصلاة بعد دخول وقتها يجب علينا الاغتسال، وهذا مذهبنا بعينه.
# فإن قال: هما جملتان لكل واحدة منهما حكم نفسها؟
# قلنا: صحيح إنهما جملتان، إلا أن الجملة الثانية معطوفة على الجملة
~~الأولة بواو العطف، بلا خلاف عند أهل اللسان والمحصلين لهذا الشأن،
~~والمعطوف عندهم له حكم المعطوف عليه ويتنزل منزلته، ويشاركه في أحكامه بغير
~~خلاف، لأن واو العطف عندهم تنوب وتقوم مقام الفعل، فاستغنوا بها عن تكرره
~~اختصارا للكلام، وإيجازا وبلاغة.
# فإن ظن ظان وتوهم متوهم، أن السيد المرتضى رحمه الله قد ذكر في
# PageV01P132
# ذريعته (1)، في فصل هل الأمر يقتضي المرة الواحدة أو التكرار، فقال: كلام
~~السيد يدل على أن غسل الجنابة واجب في سائر الأوقات؟
# قلنا: معاذ الله أن يذهب السيد إلى ما تو همه عليه، لأن هذا قول من لا
~~يفهم ما وقف ms0077 عليه، وإنما السيد أورد متمسك الخصم بأن قال الخصم أنا أريك أن
~~الأمر يقتضي بمجرده المرات دون المرة الواحدة، وصور الصورة في غسل الجنابة.
# قال السيد: الكلام عليه، إنما أوجبه من أوجبه، لأن كون الجنابة علة عند
~~من قال بالعلل والقياس، لا لتكرر الأمر واقتضائه التكرار، بل لتكرر العلة
~~التي هي الجنابة، فلما تكررت تكرر معلولها، قال ذلك دافعا للخصم، وملزما له
~~ما يلتزم به من مذهبه، ورادا عليه ما يعتقده، من كون العلل لها أثر في
~~الشرعيات، وحوشي السيد من أن يكون هذا اعتقاده ومذهبه.
# يدل على ما ذكرته من مقصود السيد المرتضى رحمه الله ما ذكره الشيخ المفيد
~~محمد بن محمد بن النعمان في كتابه أصول الفقه في هذا الفصل بعينه في آخر
~~الفصل بعد إيراد أدلة واحتجاجات كثيرة، قال: فقيل مع أن أكثر المتفقهة إنما
~~أوجبوا تكرار الغسل بتكرر الجنابة، وتكرار الحد بتكرار الزنا، لما ذهبوا
~~إليه من كون الجنابة علة للغسل، أو كون الزنا علة في الحد، ولم يوجبوا ذلك
~~بالصفة حسب، وهذا أيضا يسقط ما ظنه صاحب الاستدلال (2) هذا آخر كلام الشيخ
~~المفيد.
# والذي يزيد مقصود السيد المرتضى رحمه الله بيانا ويوضحه برهانا، ما أورده
~~وذكره في مسائل خلافه في الجريدة، قال السيد: عندنا إن من السنة أن يدرج مع
~~الميت في أكفانه جريدتان خضراوتان رطبتان قدر كل واحدة منهما عظم الذراع،
~~وخالف من عدا فقهاء الشيعة في ذلك، دليلنا على ما ذهبنا إليه:
# PageV01P133
# ما رواه فلان عن فلان، وأورد أخبارا عدة، من طرق الخاصة والعامة وطول في
~~الإيراد نحوا من صفحة، ثم بعد ذلك قال من طريق الاستدلال: وقد سأل بعض
~~أصحابنا الماضين رحمهم الله نفسه في هذا المعنى فقال: إن قال قائل ما معنى
~~وضعكم الجريدة مع الميت في أكفانه، ثم قال: قيل له: ما معنى الدور حول
~~البيت، وتقبيل الحجر، وحلق الرأس، ورمي الجمار؟ فكل ما أجاب به في ذلك فهو
~~جوابنا بعينه في الجريدة. ثم قيل له: إن الذي تعبدنا بغسل ms0078 الميت، وتكفينه،
~~هو الذي تعبدنا بوضع الجريدة والحنوط معه في أكفانه ولا معنى له غيره، وإلا
~~فلأي معنى أوجب الله تعالى غسل الميت وقد مات وسقطت الفرائض عنه، والطهارة
~~إنما تجب لأداء الفرائض؟ قال السيد المرتضى رحمه الله:
# وهذا كلام سديد في موضعه.
# ألا ترى أن السيد رحمه الله قد أورد هذا الكلام عن أصحابه إيراد راض به
~~متعجبا منه، ونكتة ذلك والمقصود والمراد، بقوله: الطهارة إنما تراد لأداء
~~الفرائض، فغسل الجنابة طهارة بلا خلاف، فلا يجب إلا لأداء الفرائض.
# ثم قال السيد متمما للمسألة: وليس يجب أن يعرف علل العبادات على التعيين،
~~وإن كنا على سبيل الجملة نعلم أنها إنما وجبت أو ندب إليها للمصالح
~~الدينية، وإن كان المخالف يخالف في ورود العبادة بالجريدة فما تقدم مما
~~ذكرناه وغيره مما لم نذكره الأخبار الكثيرة المتظاهرة حجة فيه، وإن طالب
~~بعلة معينة، فلا وجه لمطالبته بذلك، لأن العبادات لا يعرف عللها بعينها.
# وذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي في مبسوطه قال: وإن ارتمس الجنب في الماء
~~ارتماسة واحدة، أو قعد تحت المجرى، أو وقف تحت المطر أجزاه، ويسقط الترتيب
~~في هذه الموضع، وفي أصحابنا من قال: يترتب حكما (1) هذا آخر كلامه.
# PageV01P134
# والذي يقتضيه أصول مذهبنا، وانعقد عليه إجماعنا أن الترتيب في غسل
~~الجنابة واجب على جميع الصور والأشكال والأحوال إلا في حال الارتماس، فيسقط
~~الترتيب في هذه الحال، دون غيرها من الأحوال.
# فأما المطر والمجرى إذا قام تحته الإنسان، فإنه يجب عليه الترتيب في
~~اغتساله، لا يجزيه في رفع حدثه سواه، لأن اليقين يحصل معه بلا ارتياب، ولم
~~يقل أحد من أصحابنا ولا خص الإجماع إلا في حال الارتماس، دون سائر الأحوال
~~فليلحظ ذلك.
# باب التيمم وأحكامه جملة القول في التيمم يشتمل على ذكر شروطه، وبيان
~~كيفيته، وبأي شئ يكون من الأجسام، وهل يستباح به من الصلوات، مثل ما يستباح
~~بطهارة الماء وما ينقضه فأما شروطه: فهي فقد الماء الطاهر، أو تعذر الوصول
~~إليه، أو الخوف على النفس، أو زيادة الضرر ms0079 في المرض، في سفر أو حضر، وقد
~~يتعذر الوصول إليه مع وجوده بفقد الآلات التي تستقي بها، كالأرشية أو
~~غيرها، أو المشارع التي يحتاج إليها في تناوله، وما جرى مجراها، أو لعدو
~~حائل عنه.
# فأما الخوف على النفس، فقد يكون للمرض، أو البرد الشديد الذي يخاف معه من
~~استعماله على النفس، أو لأن الحاجة داعية إلى الموجود منه للشرب.
# ومن شروطه: طلب الماء، والاجتهاد في طلبه، وحد ما وردت به الروايات،
~~وتواتر به النقل في طلبه، إذا كانت الأرض سهلة غلوة سهمين، وإذا كانت حزنة
~~فغلوة سهم واحد، هذا مع ارتفاع الخوف للطلب، فإذا خاف المكلف على نفسه، أو
~~متاعه، فقد يسقط عنه الطلب.
# ولا يجوز له التيمم قبل دخول وقت الصلاة، بل لا يجوز التيمم إلا في آخر
~~وقت الصلاة، وعند تضيقها وغلبة الظن لفواتها. PageV01P135
# ومن شروطه: النية، والترتيب، والموالاة.
# فأما كيفية التيمم للحدث حدثا يوجب الوضوء ولا يوجب الغسل، هو أن يضرب
~~براحتيه ظهر الأرض، وبسطهما، ثم يرفعهما، وينفض إحديهما بالأخرى، ثم يسمح
~~بهما وجهه من قصاص شعر رأسه إلى طرف أنفه الذي يرغم به في سجوده، ويشتبه
~~على كثير من المتفقهة الطرف المذكور، فيظن أنه الطرف الذي هو المارن،
~~لإطلاق القول في الكتب، ودليل ما نبهنا عليه أن الأصل براءة الذمة مما زاد
~~على ما قلناه.
# وأيضا قوله تعالى: " فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه " (1) والباء عندنا
~~للتبعيض بغير خلاف، ومن مسح على ما قلناه، فقد امتثل الآية.
# وأيضا فبعض أصحابنا يذهب إلى أن مسح الوجه يكون إلى الحاجبين، وقد وردت
~~أخبار بما ذكرناه إذا تؤملت حق التأمل، من جملة ذلك ما قد أورده الشيخ أبو
~~جعفر رحمه الله في كتاب الإستبصار: أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي بن فضال،
~~عن مروان بن مسلم وعمار الساباطي قال: ما بين قصاص الشعر إلى طرف الأنف
~~مسجد، أي ذلك أصبت به الأرض أجزاك (2).
# ومن المعلوم أنه إذا أصاب الأرض بالمارن، الذي هو طرف الأنف الأخير، في
~~سجوده لا يجزيه سجوده ms0080 بغير خلاف، فما أراد إلا من أول الجبهة الذي هو قصاص
~~الشعر إلى آخرها، الذي هو مما يلي الطرف الأول من الأنف، وما أوردت هذا
~~الحديث إلا على سبيل التنبه، لا الاستدلال والاعتماد، على ما قدمناه ثم
~~يمسح بكفه اليسرى ظاهر كفه اليمنى، من الزند إلى أطراف الأصابع، ويمسح بكفه
~~اليمنى ظاهر كفه اليسرى على هذا الوجه.
# وقد ذهب بعض أصحابنا إلى استيعاب الوجه جميعا، وكذلك اليدين من
# PageV01P136
# المرافق إلى الأصابع.
# وقد ذهب بعض أصحابنا إلى المسح على اليدين من أصول الأصابع إلى رؤوس
~~الأصابع، والأول أظهر، وعليه العمل.
# وإذا كان تيممه من حدث يوجب الغسل كالجنابة وما أشبهها، ضرب بيديه على
~~الأرض ضربة أولة، على ما وصفناه، ومسح بهما وجهه، على ما حددناه، ثم ضرب
~~الأرض ثانية، ومسح كفيه على النحو الذي تقدم ذكره وصفته.
# وقد روي: أن الضربة الواحدة للوجه والكفين تجزي في الوضوء والجنابة وكل
~~حدث (1). وذهب إليه قوم من أصحابنا، والأول هو الأظهر في الروايات، والعمل،
~~وهو الذي أفتي به.
# وهذا الترتيب الذي ذكرناه واجب كما قلناه في الطهارة بالماء، فمن أخل به
~~رجع، فتلافاه.
# والموالاة أيضا واجبة على ما قدمنا القول فيه وبيناه.
# فأما ما به يكون التيمم: فالتراب الطاهر، والأرض الطاهرة، وكل ما جرى
~~مجراها، مما يقع عليه اسم الأرض بالإطلاق، ولا يتغير تغيرا يسلبه هذا
~~الاسم.
# ولا يجوز التيمم بجميع المعادن، وتعداد ذلك يطول، وقد أجاز قوم من
~~أصحابنا التيمم بالنورة، والصحيح الأول. ويكره بالسبخ، وبالأرض الرملة.
# ولا يجوز التيمم بالرماد، ولا بالدقيق، ولا بالأشنان، ولا بالسعد،
~~والسدر، ولا ما أشبهه في نعومته وانسحاقه.
# ولا يعدل إلى الحجر إلا إذا فقد التراب، ولا يعدل إلى غبار ثوبه إلا إذا
~~فقد الحجر والمدر، ولا يعدل عن غبار ثوبه إلى الوحل إلا إذا فقد الغبار من
~~ثوبه الذي يكون فيه.
# PageV01P137
# والغبار الذي يجوز التيمم به، هو أن يكون غبار التراب والأرض. فأما إذا
~~كان فيه غبار النورة أو الأشنان أو غير ذلك، فلا يجوز التيمم ms0081 به، وكذلك
~~غبار معرفة دابته، ولبد سرجه، بعد فقدانه غبار ثوبه، فإذا فقد الجميع صار
~~إلى الوحل إن وجده.
# وكيفية تيممه منه ككيفية تيممه من الأرض، فإن حصل في أرض قد غطاها الثلج
~~ولا يتمكن من غيره، جاز له أن يضرب عليه بيديه، ويتيمم بنداوته وقال بعض
~~أصحابنا: فليكسره وليتوضأ بمائه فإن خاف على نفسه من ذلك وضع بطن راحته
~~اليمنى على الثلج، وحركها على تحريكا باعتماد، ثم رفعها بما فيها من نداوة،
~~فمسح بها وجهه كالدهن، ثم يضع راحته اليسرى على الثلج، ويصنع بها كما صنع
~~باليمنى ويمسح بها يده اليمنى من مرفقه إلى أطراف الأصابع ثم يضع يده
~~اليمنى على الثلج، كما وضعها أولا، ويسمح بها يده اليسرى، من مرفقه إلى
~~أطراف الأصابع، ثم يرفعها، فيمسح بها مقدم رأسه، ويمسح ببلل يديه من الثلج
~~قدميه.
# وإن كان محتاجا في التطهير إلى الغسل، صنع بالثلج كما صنع به عند وضوءه
~~من الاعتماد عليه، ومسح به رأسه وبدنه، حتى يأتي على جميعه.
# فإن خاف على نفسه من ذلك، أخر الصلاة حتى يتمكن من الطهارة بالماء، أو
~~يجد الأرض فيتيمم بها، والأول قول السيد المرتضى، والثاني قول الشيخ المفيد
~~والشيخ أبي جعفر الطوسي رحمهم الله والذي أقوله وأفتي به وأذهب إليه، ما
~~اختاره الشيخان من تأخير الصلاة.
# ولا يجوز له أن يتيمم بالثلج، لأن الإجماع منعقد على أن التيمم لا يكون
~~إلا بالأرض، وما ينطلق عليه اسم الأرض بالإطلاق، والثلج ليس بأرض، ولا
~~أختار قولهما رحمهما الله، ولا أجوز ما ذهبا إليه، من مسح الوجه واليدين
~~بالثلج، والوضوء به، وبالمسح على الأعضاء المغسولة، وكذلك لا أجوز للجنب
~~الغسل PageV01P138
# لجميع بدنه بالمسح، لأن الله تعالى أوجب علينا عند قيامنا إلى صلاتنا أن
~~نكون غاسلين وماسحين، وغاسلين في الجنابة، وحد الغسل، ما جرى على العضو
~~المغسول، والممسوح بخلافه، وهذا لا خلاف بين فقهاء أهل البيت أن الغسل غير
~~المسح، فكيف يستباح الصلاة بمجرد المسح فيها يجب غسله، وإذا عدمنا ما يكون
~~غاسلين به، ms0082 فإن الله سبحانه نقلنا إذا لم نجد الماء الكافي لغسلنا
~~ولأعضائنا المغسولة، إلى التراب والأرض والتيمم، فإذا فقدنا ما نتيمم به،
~~فقد سقط تكليفنا الآن بالصلاة وأخرناها إلى أن نجد الماء، فنغتسل به، أو
~~التراب فنتيمم به، لقوله عليه السلام: لا صلاة إلا بطهور (1) والطهور مفقود
~~في هذه المسائل، فليتأمل ذلك ويلحظ عني ما قلته بالعين الصحيحة، ويترك
~~التقليد، وأسماء الرجال جانبا، فقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: انظر
~~إلى ما قال ولا تنظر إلى من قال (2) والله الموفق للصواب.
# فأما استباحة الصلاة بالتيمم، فلفاعله أن يصلي ما لم يحدث، أو يجد الماء،
~~ويتمكن من استعماله ما شاء من صلوات الليل والنهار، والفرائض، والنوافل.
# والكلام فيما ينقض التيمم فقد تقدم في باب نواقض الطهارة بالماء.
# ومن دخل في الصلاة بالتيمم، ثم أصاب الماء، وقدر على استعماله، فقد اختلف
~~قول أصحابنا في هذه المسألة، فبعض يقول: إن كان قد ركع مضى فيها، وإن لم
~~يركع انصرف وتوضأ، وهذا قول شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته
~~(3)، إلا أنه رجع عنه في مسائل خلافه (4).
# وبعض قال: إذا دخل في صلاته بتكبيرة الإحرام، فالواجب عليه المضي فيها،
~~فإذا فرغ منها توضأ لما بعد تلك الصلاة، من الصلوات.
# وبعض قال: يحب عليه الانصراف ما لم يقرأ، فإذا قرأ مضى في صلاته،
# PageV01P139
# ولا يجوز له الانصراف.
# والصحيح من الأقوال، أنه إذا دخل في صلاته بتكبيرة الإحرام مضى فيها، ولا
~~يجوز له قطعها بحال، وعلى هذا يعتمد ويفتي السيد المرتضى قدس سره في مسائل
~~خلافه، وكذلك الشيخ أبو جعفر في مسائل الخلاف (1).
# ومن نسي الماء في رحله، فتيمم وصلى، ثم علم به من بعد لا إعادة عليه، وهو
~~قول أبي حنيفة ومحمد، وقال الشافعي وأبو يوسف: يجب عليه أن يعيد، وقال
~~مالك: يعيد في الوقت، فإذا خرج الوقت فلا إعادة عليه، وقد ذهب بعض أصحابنا
~~في كتاب له إلى ما ذهب إليه مالك بعينه، وهذا لا يجوز لأحد من أصحابنا أن
~~يقوله، لأن التيمم عند ms0083 جميع أصحابنا إلا من شذ ممن لا يعتمد بقوله، لأنه قد
~~عرف باسمه ونسبه، إنما يجب في آخر الوقت، وعند خوف فوت الصلاة وخروج وقتها،
~~ولا يجوز أن يستعمل قبل آخره وتضيقه على وجه من الوجوه، وآخر الوقت من
~~شرطه، كما أن عدم الماء بعد طلبه من شرطه، فكيف يصح أن يقوله فيمن تيمم قبل
~~الوقت وصلى، فإنه لا صلاة. له جملة، ويجب عليه أن يصلي صلاة مبتدأة بالماء
~~إذا ذكره.
# فأما من تيمم قبل آخر الوقت وصلى، ثم خرج الوقت وذكر ما كان فيه، فإنه
~~يجب عليه الوضوء وإعادة الصلاة، لأن ما مضى من فعله لم يكن صلاة، لأنه كان
~~بغير طهور.
# ومن دفع إلى تغسيل ميت ولم يجد الماء، استعمل فيه من التيمم ما بيناه من
~~قبل، إنه فرض من وجب عليه الغسل.
# ومن كان معه من الماء قدر ما يزيل به النجاسة عن بدنه أو ثوبه الذي
# PageV01P140
# يفتقر إليه في ستر عورته، ولا يتسع ذلك الماء لغيره، وأحدث حدثا يوجب
~~الغسل أو الوضوء، وجب أن يستعمل ذلك الماء في إزالة النجاسة، ويتيمم للحدث.
# ومن أجنب ومعه من الماء ما لا يكفيه لغسل جميع أعضائه، وجب أن يتيمم.
# فإن أحدث بعد ذلك حدثا يوجب الوضوء، فالصحيح من المذهب والأظهر من
~~الأقوال، إنه يعيد تيممه ضربتين، لأن حدثه الأول باق، ما ارتفع، والدليل
~~على ذلك أنه إذا وجد الماء اغتسل، فلو كان حدثه الأكبر قد ارتفع بتيممه، ما
~~وجب عليه الغسل إذا وجد الماء.
# وقال السيد المرتضى رحمه الله: يستعمل ذلك الماء إن كفاه للوضوء، ولا
~~يجوز له التيمم عند حدثه ما يوجب الطهارة الصغرى وقد وجد من الماء ما يكفيه
~~لها، فيجب عليه استعماله ولا يجزيه تيممه، والأول أبين وأوضح.
# ومن لم يجد الماء إلا بثمن وافر، زايد الغلا، خارج عن العادة، وكان واجدا
~~للثمن، بذله فيه، ولم يجزيه التيمم إلا أن يبلغ ثمنه مقدارا يضربه في
~~الحال.
# وليس على جميع من صلى بتيمم إعادة شئ من صلاته ms0084 إذا وجد الماء، من مريض أو
~~مسافر، أو خائف على نفسه، من برد، وغير ذلك.
# وقد روي (1) أنه إذا كان غسله من جنابة تعمدها، وجب عليه الغسل، وإن لحقه
~~البرد، إلا أن يبلغ ذلك حدا يخاف على نفسه التلف، فإنه يجب عليه حينئذ
~~التيمم والصلاة، فإذا زال الخوف، وجب عليه الغسل، وإعادة تلك الصلاة.
# PageV01P141
# وقد روي (1) أن المتيمم إذا أحدث في الصلاة حدثا ينقض الطهارة ناسيا، وجب
~~عليه الطهارة، والبناء على ما انتهى إليه من الصلاة، ما لم يستدبر القبلة،
~~أو يتكلم بما يفسد الصلاة، وإن كان حدثه متعمدا، وجب عليه الطهارة واستيناف
~~الصلاة، والصحيح ترك العمل بهذه الرواية، لأنه لا خلاف بين الطهارتين، وإن
~~التروك الواجبة متى كانت من نواقض الطهارة فإن الصلاة تفسد، ويجب
~~استينافها، سواء كان عن عمد أو سهو أو نسيان.
# وإنما ورد هذا الخبر فأوله بعض أصحابنا في كتاب له فقال: أخصه بصلاة
~~المتيمم، والصحيح أنه لا فرق بينهما، إذ قد بينا أنه لا يلتفت إلى أخبار
~~الآحاد، بل الاعتماد على المتواتر من الأخبار.
# ويكره أن يؤم المتيمم المتوضئين، على الصحيح من المذهب، وبعض أصحابنا
~~يذهب إلى أنه لا يجوز.
# وقد روي (2) أنه إذا اجتمع ميت ومحدث وجنب ومعهم من الماء مقدار ما يكفي
~~أحدهم فليغتسل به الجنب، وليتيمم المحدث، ويدفن الميت بعد أن يؤمم حسب ما
~~قدمناه والصحيح أن هذا الماء إن كان مملوكا لأحدهم فهو أحق به، ولا يجب
~~عليه إعطاؤه لغيره، ولا يجوز لغيره أخذه منه بغير إذنه، فإن كان موجودا
~~مباحا، فكل من حازه فهو له، فإن تعين عليهما تغسيل الميت، ولم يتعين عليهما
~~أداء الصلاة لخوف فواتها وضيق وقتها، فعليهما أن يغسلاه بالماء الموجود،
~~فإن خافا فوت الصلاة، فإنهما يستعملان الماء، فإن أمكن جمعه ولم تخالطه
~~نجاسة، عينية فيغسلانه به على ما بيناه من قبل، في أن الماء المستعمل في
~~الطهارة الكبرى يجوز استعماله كاستعمال الماء المستعمل في الطهارة الصغرى
~~على الصحيح من المذهب.
# PageV01P142
# باب أحكام الحيض والاستحاضة والنفاس الحيض ms0085 والمحيض عبارتان عن معنى واحد،
~~وهو الدم الأسود الخارج بحرارة ودفع، في أغلب الأوقات والأحوال في زمان
~~مخصوص من شخص مخصوص، فهذا الحد أسلم من حد من قال: إن الحائض هي التي ترى
~~الدم الأسود الحار الذي له دفع، وبهذه الصفات يتميز من دم الاستحاضة،
~~والعذرة والقرح وغيرها، وهذا لا يصح، لأنها لو رأت الدم بهذه الصفات في أقل
~~من ثلاثة أيام لم يكن حيضا بالإجماع، وكذلك لو رأته المرأة بعد العشرة أيام
~~بهذه الصفات لم يكن حيضا، وإن شئت قلت: هو الدم الذي له تعلق بانقضاء العدة
~~على وجه، إما بظهوره أو بانقطاعه، فقولنا بظهوره المراد به أنها إذا رأت
~~المطلقة الدم الثالث أول قطرة منه بانت على الصحيح من الأقوال، هذا إذا كان
~~لها عادة مستقيمة، ورأته فيها، لأن العادة والغالب كالمتيقن في حكم
~~الشرعيات، فأما إذا لم يكن لها عادة مستقيمة، فلا تخرج من العدة برؤية
~~القطرة من الدم الثالث، إلا بعد اليقين بأن ذلك الدم دم حيض، وهو أن يتوالى
~~ثلاثة أيام متتابعة، لأنها في العدة بيقين، ولا يجوز أن يخرج من اليقين إلا
~~بيقين مثله، ولا يقين لها إذا رأت القطرة، إلا إذا دام ثلاثة أيام، إلا أن
~~تراه في أيام عادتها المستقيمة، فيحكم بأنه حيض، لما قدمناه من أن العادة
~~والأغلب كالمتيقن الحاصل، فليلحظ هذا الموضع وليتأمل.
# وبعض أصحابنا قال: إن كان طلاقها في أول طهرها بانت بذلك، وإن كان طلاقها
~~في آخر طهرها فلا تخرج من العدة إلا بعد انقطاعه واستيفاء أيامه، فهذا معنى
~~قولهم بظهوره أو بانقطاعه على هذا القول والمذهب، وهو مذهب شيخنا المفيد
~~محمد بن محمد النعمان رحمه الله.
# والأول مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله وهو أنها تخرج من
~~PageV01P143
# العدة برواية لقطرة من الدم الثالث، وقد قلنا ما عندنا في ذلك وحققناه،
~~وهو أنها إن كانت لها عادة مستقيمة مستمرة، فمذهب شيخنا أبي جعفر وقوله
~~صحيح، وإن لم يكن لها عادة مستمرة فلا تخرج من العدة، إلا بعد ms0086 استيفاء
~~ثلاثة أيام متتابعات، لأنها في العدة بيقين، فلا تخرج من اليقين إلا بيقين
~~مثله، فهذا تحرير القولين.
# وإذا رأت المرأة دم الحيض، تعلق بها عشرون حكما، لا يجب عليها الصلاة،
~~ولا يجوز منها فعل الصلاة، ولا يصح منها الصوم، ويحرم عليها دخول المساجد
~~إلا عابر سبيل، إلا المسجدين، ولا يصح منها الاعتكاف، ولا يصح منها الطواف،
~~ويحرم عليها قراءة العزائم، ويحرم عليها مس كتابة القرآن، ويحرم على زوجها
~~وطؤها، ويجب عليه إذا وطأها متعمدا الكفارة، إن كان في أوله فدينار، وإن
~~كان في وسطه فنصف دينار، وإن كان في آخره فربع دينار، ويجب عليه التعزير.
# وهل الكفارة واجبة أو مندوبة؟ لأصحابنا فيه قولان، الأظهر من المذهب أنها
~~على الوجوب، والآخر أنها على الندب، فالسيد المرتضى رحمه الله وجماعة من
~~أصحابنا مذهبهم الأول، والشيخ أبو جعفر موافق لهذا القول في جمله وعقوده
~~(1)، وذكر في نهايته (2) أنها على الندب والاستحباب، فقوله في جمله وعقوده
~~هو فتواه، وما ذكره في نهايته عذره فيه قد أوضحناه فإذا كرر الوطء الأظهر
~~أن عليه تكرار الكفارة، لأن عموم الأخبار يقتضي أن عليه بكل دفعة كفارة،
~~والأقوى عندي والأصح أن لا تكرار في الكفارة، لأن الأصل براءة الذمة،
~~وشغلها بواجب أو ندب يحتاج إلى دلالة شرعية، فأما العموم فلا يصلح التعلق
~~به في مثل هذه المواضع، لأن هذه أسماء
# PageV01P144
# الأجناس والمصادر، ألا ترى أن من أكل في نهار شهر رمضان متعمدا، وكرر
~~الأكل، لا يجب عليه تكرار الكفارة بلا خلاف.
# ويجب عليها، الاغتسال عند نقائها من حيضها، ولا يصح طلاقها إذا كانت
~~مدخولا بها وغير غائب عنها زوجها غيبة مخصوصة، وبعض أصحابنا يطلق هذا
~~الموضع ويقول: ولا يصح طلاقها، وهذا لا بد من تقييده بما قيدناه، وإلا
~~فالحائض التي غير مدخول بها والغائب عنها غيبة مخصوصة، يصح طلاقها بغير
~~خلاف، ولا بد من التقيد.
# ولا يصح منها الغسل ولا الوضوء على وجه يرفعان الحدث ويصح منها الغسل
~~والوضوء على وجه لا يرفع بهما الحدث مثل غسل ms0087 الإحرام والجمعة والعيدين،
~~ووضوئها لجلوسها في محرابها لتذكر الله تعالى بمقدار زمان صلاتها، وهما غسل
~~ووضوء مأمور بهما شرعيان، فهذا معنى قولنا: على وجه يرفعان الحدث.
# ولا يجب عليها قضاء الصلاة بإجماع المسلمين، ويجب عليها قضاء الصوم
~~بالإجماع أيضا.
# ويكره لها قراءة ما عدا العزائم، ومس ما عدا المكتوب من المصحف وحمله،
~~ويكره لها الخضاب.
# ومتى رأت المرأة الدوم لدون تسع سنين، لم يكن ذلك دم حيض.
# وتيأس المرأة من الحيض إذا بلغت خمسين سنة مع تغير عادتها، فمتى رأت بعد
~~ذلك كان دم استحاضة.
# وأقل أيام الحيض ثلاثة أيام متتابعات، وأكثره عشرة أيام، لا خلاف بين
~~أصحابنا في هذين الحدين والمقدارين، بل اختلفوا في كيفية الأقل، فمنهم من
~~قال: تكون الثلاثة متوالية، ومنهم من قال: سواء كانت متتابعة أو متفرقة إذا
~~كانت في جملة العشرة، والقول الأول هو الأظهر، لأن الأصل بعد تكليفها الصوم
~~والصلاة، فمن ادعى سقوط تكليفها بالصوم والصلاة، يحتاج إلى دليل،
~~PageV01P145
# وهذا الذي ذكره صاحب الجمل والعقود في جمله (1)، وذكر في نهايته (2)
~~القول الآخر، وقد بينا عذره في مثل ذلك، لأن كتابه - أعني نهايته - كتاب
~~خبر، لا كتاب بحث ونظر.
# فإن اشتبه دم الحيض بدم العذرة في زمان الحيض، فلتدخل المرأة قطنة، فإن
~~خرجت منغمسة بالدم، فذاك دم حيض، وإن خرجت متطوقة بالدم فذاك دم عذرة.
# فإن اشتبه عليها دم الحيض بدم القرح في أيام الحيض فلتدخل إصبعها، فإن
~~كان الدم خارجا من الجانب الأيمن فهو دم قرح، وإن كان خارجا من الجانب
~~الأيسر فهو دم حيض.
# والصفرة في أيام الحيض حيض، وفي أيام الطهر طهر.
# فإن كانت المرأة مبتدأة في الحيض، فأي دم رأته مع دوامه ثلاثة أيام
~~متتابعات على أي صفة كان فهو دم حيض، فإن رأته إلى تمام العشرة الأيام
~~فالجميع حيض.
# وإن تجاوز العشرة فلها أربعة أحوال:
# أحدها: أن يتميز لها بالصفة فلتعمل على التميز.
# والثاني: أن لا يتميز لها وجاء الدم لونا واحدا، فلترجع إلى عادة نسائها
~~من أهلها.
# والثالث: لا ms0088 يكون لها نساء من أهلها، فلترجع إلى من هو من أبناء سنها،
~~فلتعمل على عادتهن.
# الرابع: لا يكون لها نساء من أبناء سنها، فعند ذه الحال اختلف قول
# PageV01P146
# أصحابنا فيها على ستة أقوال:
# منهم من قال تترك الصلاة والصوم في الشهر الأول أقل أيام الحيض وفي الشهر
~~الثاني أكثر أيام الحيض، وتصوم وتصلي باقي أيام الشهرين.
# ومنهم من يعكس هذا.
# ومنهم من يقول بترك الصلاة والصوم في كل شهر سبعة أيام في أوائل كل شهر،
~~وتصلي وتصوم باقي أيام الشهرين.
# ومنهم من يقول ستة أيام فحسب.
# ومنهم من يقول بترك الصلاة والصوم في كل شهر ثلاثة أيام فحسب، وتصلي
~~وتصوم باقي الأيام.
# ومنهم من يقول تعدد عشرات، عشرة حيض، وعشرة طهر، هذا مع استمراره ودوامه،
~~ثم لا يزال هذا دأبها إلى أن تستقر لها عادة، بأن يتوالى عليها شهران
~~متتابعان ترى الدم في كل شهر منهما أياما سواء في أوقات سواء، مثاله أن ترى
~~الدم في الشهر الأول بعد الهلال خمسة أيام، ثم ينقطع تمام الشهر، ثم يهل
~~الشهر الثاني، فتراه في أوله بلا فصل خمسة أيام، فهذا معنى قولنا أعداد
~~وأوقات سواء.
# فإن رأته في النصف الثاني خمسة أيام، لم يكن ذلك عادة، لأنها ما رأت
~~الخمسة في أوقات الخمسة في الشهر الأول فتجعل ذلك عادتها.
# فأما غير المبتدأة وهي التي تكون لها عادة، فلتلتزم عادتها إذا تجاوز
~~دمها العشر، فأما إذا لم يتجاوز دمها العشر، فأي دم رأته بعد عادتها وقبل
~~تجاوز العشر فهو دم حيض، لقولهم عليهم السلام: الكدرة والصفرة في أيام
~~الحيض حيض، وفي أيام الطهر طهر (1) يعنون بأيام الحيض العشرة الأيام التي
~~هي حد الأكثر.
# فإن قيل: فيبطل قول (2) الأئمة عليهم السلام: ترجع إلى العادة، أو تمسك
# PageV01P147
# عادتها، أو ترجع إلى عادتها، على اختلاف الألفاظ.
# قلنا ذلك إذا تجاوز الدم العادة والعشرة الأيام، فحينئذ ترجع إلى عادتها،
~~وتجعل ما جاوز العادة والعشرة استحاضة، فأما إذا تجاوز الدم العادة ولم
~~يتجاوز العشرة الأيام التي هي أكثر ms0089 أيام الحيض، فلا ترجع إلى العادة، بل
~~يكون جميع ذلك وجميع تلك الأيام حيضا، لقولهم عليهم السلام: الصفرة والكدرة
~~في أيام الحيض حيض، وفي أيام الطهر طهر، وهذه أيام الحيض فقد عملنا
~~بالقولين، ولم نتعد النصين، ولا مناقضة بين ذلك، فليتأمل، وليلحظ ما قلناه،
~~فكثيرا يشتبه هذا على الفقهاء.
# فإذا تقرر هذا، فمتى اتصل الدم بالعادة وتجاوز العشرة الأيام فإنها تمسك
~~العادة، تجعل ما عداها استحاضة، سواء تقدم العادة واتصل بها، أو تأخر عنها
~~متصلا بها وجاوز العشرة، لما أصلناه وقررناه من قولهم عليهم السلام المجمع
~~عليه: ترجع إلى عادتها، وتمسك عادتها. فعلى هذا التحرير: إذا رأت خمسة أيام
~~دما قبل عادتها، وخمسة أيام في عادتها، وكانت عادتها خمسة أيام وخمسة أيام
~~دما بعد عادتها، فالواجب عليها الرجوع إلى العادة والتمسك بها، وتكون
~~الخمسة الأولة والخمسة الأخيرة استحاضة، وكذلك إذا رأت عشرة قبلها، واتصل
~~بها، فإنها تلزم عادتها، وتكون العشرة استحاضة، فكذلك إذا رأت خمسة أيام
~~عادتها، واتصل بها عشرة أيام بعد الخمسة، فإنها ترجع إلى عادتها، وتمسك
~~بها، وتجعل العشرة استحاضة.
# فأما إذا لم يتصل بالعادة وكانت ثلاثة أيام متتابعات بعد أن مضى لها أقل
~~الطهر، وهو عشرة أيام نقاء فإنه حيض، لأنه في أيام الحيض لقولهم عليهم
~~السلام: الكدرة والصفرة في أيا الحيض حيض، وفي أيام الطهر طهر، على ما
~~حررناه وقررناه فليلحظ هذه الجملة، فإنها إذا حصلت اطلع بها وأشرف على ما
~~استوعب من دقائق هذا الكتاب.
# فإن اضطربت عادتها، وتغيرت عن أوقاتها وأزمانها وصارت ناسية لهذا
~~PageV01P148
# ولهذا فإذا استمر بها الدم بعد العشرة الأيام، فالواجب عليها اعتباره
~~بالصفات فإذا تميز لها فلترجع إليه، وتعمل عليه، وتكون لها بمنزلة العادة،
~~وقد قدمنا حكمها وبيناه، فإن اشتبه عليها الدم وجاء لونا واحد ولم يتميز
~~لها، فهي في هذه الحال حكمها حكم المبتدأة في الحال الرابعة حرفا فحرفا،
~~وقد قدمنا الأحكام والأقوال فيها، والاختلاف مستوفى، فهذا خلاصة فقه الحائض
~~ودقائق أحكامها، فإذا حصل فما بعده سهل يسير.
# ومن لم ms0090 تكن لها عادة، ورأت الدم اليوم واليومين، فلا يجوز لها ترك الصلاة
~~والصيام، لأنها من تكليفها بالصلاة والصيام على يقين، وهي في شك من الحيض
~~في هذين اليومين، فكيف يجوز لها أن تترك اليقين بالشك؟
# وما يوجد في بعض الكتب من أن المرأة إذا رأت الدم اليوم أو اليومين تركت
~~الصلاة والصيام، فإن استمر بها الدم اليوم الثالث فذلك دم حيض وإن لم يستمر
~~بها الدم قضت الصلاة والصيام، وكذلك إذا انقطع الدم عنها بعد تمام عادتها،
~~وقبل تجاوز العشرة يوجد في الكتب أنها تستظهر بيوم أو يومين في ترك الصلاة
~~والصيام، فأخبار آحاد لا يعرج عليها، ولا يلتفت إليها، بلا الاستظهار لها
~~في دينها وتكليفها وبراءة ذمتها، فعل الصلاة والصيام إلى أن يتبين أنها غير
~~مكلفة بهما، فحينئذ يجب عليها تركهما لما أصلناه من أنها لا تترك اليقين
~~بالشك، فليلحظ ذلك ويحقق، إلا أن يكون لها عادة مستقيمة مستمرة، فترى الدم
~~في أولها يوما أو يومين، فالواجب عليها عند رؤية الدم ترك الصلاة والصيام،
~~لأن العادة تجري مجرى اليقين، وكذلك الأغلب يجري مجرى المعلوم، فهذه بخلاف
~~تلك في الحكم، لما بيناه ونبهنا على دليله ومفارقته لحكم غيره، أو ترى بعد
~~العادة المستقيمة الصفرة أو الكدرة قبل خروج العشرة الأيام وبعد عادتها إذا
~~كانت عادتها أقل من عشرة أيام فحينئذ يجب عليها ترك الصلاة والصيام،
~~والاستظهار بيوم أو يومين أو ثلاثة، لأنها بحكم الحائض إلا أنها ترى
~~PageV01P149
# النقاء وتترك الصلاة على ما يظنه من لا بصيرة له، وقد حقق ذلك شيخنا في
~~الإستبصار (1).
# والحبلى الحامل المستبين حملها اختلف قول أصحابنا، واختلفت أخبارهم، فبعض
~~منهم يقول إنها تحيض، وحكمها حكمها قبل حملها، ومنهم وهم الأكثرون،
~~المحصلون يذهبون إلى أنها لا ترى دم الحيض ولا تحيض وأي دم تراه فهو دم
~~استحاضة أو فساد، وهذا هو الصحيح وبه أفتي وأعمل.
# والدليل على ذلك الحاسم للشغب أنه لا خلاف بين المخالف منهم في المسألة
~~والمؤالف إن طلاق الحائض المدخول بها التي ما غاب ms0091 زوجها عنها غيبة، مخصوصة،
~~لا يقع ولا يجوز، وإنه بدعة محظورة، ولا تبين به، ولا يقع جملة، هذا
~~إجماعهم عليه بغير خلاف، ولا خلاف أيضا بين الفريقين بل الإجماع منعقد من
~~أصحابنا جميعهم إن طلاق الحامل يقع على كل حال، سواء كانت وقت طلاقها عالمه
~~بالدم، متيقنة له، أو لم تكن كذلك، فلو كانت الحامل تحيض وترى دم الحيض،
~~لما جاز طلاقها في حال حيضها، ولتناقضت الأدلة، وبطل الإجماع من الفريقين
~~وهذا أمر مرغوب عن المصير إليه والوقوف عليه.
# وقد بينا أنه لا يجوز لزوجها مجامعتها في قبلها خاصة، لموضع الدم وله
~~مجامعتها فيما دون ذلك من سائر بدنها دبرا كان أو غيره على الأصح والأظهر
~~من المذهب، وبعض أصحابنا يذهب إلى تحريم وطئها في دبرها كتحريم وطئها في
~~قبلها، وهو السيد المرتضى في مسائل خلافه، والدليل على ما اخترناه قوله
~~تعالى: " فاعتزلوا النساء في المحيض " (2) ولا يخلو المراد به اعتزلوا
~~النساء في زمان الحيض، أو في موضع الحيض الذي هو الدم، فإن كان الأول فهذا
~~خلاف إجماع المسلمين، فما بقي إلا القسم الآخر وإنما وردت أخبار (3) بأن له
~~منها ما
# PageV01P150
# فوق المئزر، وذلك محمول على كراهية ما دون القبل.
# فإذا انقطع عنها الدم فالأولى لزوجها أن لا يقربها بجماع في قبلها حتى
~~تغتسل، وليس ذلك عند أصحابنا بمحظور، فإن كان شبقا وغلبته الشهوة، فليأمرها
~~بغسل فرجها، وقد زالت عنه الكراهة سواء انقطع لأكثر الحيض، أو لأقله، لأن
~~الله تعالى قال: " ولا تقربوهن حتى يطهرن " (1) وهذه قد طهرت من وإذا أصبحت
~~المرأة صائمة ثم حاضت، فلتفطر أي وقت رأت الدم، ويستحب لها الإمساك تأديبا
~~إذا رأت الدم بعد الزوال، فأما إذا كانت حائضا ثم طهرت، فالمستحب لها
~~الإمساك تأديبا، سواء كان طهرها قبل الزوال أو بعده.
# فإذا أرادت الاغتسال، فكيفية غسلها مثل غسل الجنابة سواء، إلا أنها لا
~~تستبيح الصلاة بمجرده، على ما قدمنا القول فيه وبيناه، فإذا كان اغتسالها
~~في وقت صلاة، وأرادت تقديم الوضوء على الغسل، نوت بوضوئها ms0092 استباحة الصلاة،
~~واجبا قربة إلى الله تعالى، ولا تنوي رفع الحدث، لأن حدثها الأكبر باق وهو
~~الغسل، وإن أرادت تأخير الوضوء عن الغسل، نوت بغسلها رفع الحدث، ونوت
~~بوضوئها استباحة الصلاة، لأن حدثها قد ارتفع واجبا قربة إلى الله تعالى،
~~وإن كان غسلها في غير وقت صلاة، وأرادت تقديم الوضوء على الغسل نوت بوضوئها
~~استباحة الصلاة مندوبا، قربة إلى الله تعالى، ونوت أيضا بغسلها مندوبا ترفع
~~به الحدث، وإن كان غسلها قبل وضوئها نوت به رفع الحدث مندوبا قربة إلى الله
~~تعالى، ونوت بوضوئها بعده استباحة الصلاة من غير أن ترفع به الحدث.
# وإذا كانت المرأة جنبا فجاءها الحيض قبل أن تغتسل غسل الجنابة، فتدع
~~الغسل إلى أن تطهر من حيضها، فإذا طهرت اغتسلت غسلا واحدا للجنابة، وقد
~~أجزأها على ما قدمناه في باب الجنابة وحررناه.
# PageV01P151
# والمستحاضة هي التي ترى الدم بعد أكثر أيام الحيض، وبعد أكثر أيام
~~النفاس، وبعد استبانة حملها، على ما حققناه، وأسلفنا القول فيه، وبعد خمسين
~~سنة، وتغيير عادتها، وبعد تجاوز دمها عادتها، والعشرة الأيام، واستمراره
~~على ما قدمناه، فيكون ما عدا العادة استحاضة وإن كان بعضها في العشرة
~~الأيام، هذا مع استمراره وتجاوزه العادة والعشرة الأيام ففي جميع هذه
~~الأحوال هي مستحاضة وكذلك إذا رأت الدم أقل من ثلاثة أيام، فهي أيضا
~~مستحاضة، ومتى رأت هذا الدم وجب عليها أن تستبرء نفسها بقطنة، ولها ثلاثة
~~أحكام:
# أحدها: أن تراه يسيرا لا يثقب الكرسف الذي هو القطن، فالواجب عليها
~~الوضوء لكل صلاة، وتغيير القطن والخرقة، ولا يجوز لها أن تجمع بين صلاتين
~~بوضوء واحد، بل يجب عليها لكل صلاة وضوء، وتغيير القطنة والخرقة، وإتيان
~~الصلاة بعد وضوئها بلا فصل، وأما إذا توضأت أولا في أول الوقت ولم تصل إلا
~~في ثانيه أو وسطه أو آخره، فإن صلاتها غير صحيحة، لأن قولهم عليهم السلام:
# " يجب الوضوء عليها عند كل صلاة " (1) يقتضي المقارنة، لأن (عند) في لسان
~~العرب لا تصغر، فهي للمقارنة كما أن قبيلا وبعيدا للمقارنة، فكذلك ms0093 عند،
~~لأنها مع ترك التصغير بمنزلة بعيد وقبيل في التصغير.
# قال شيخنا في مبسوطه: إذا توضأت المستحاضة وقامت إلى الصلاة، فانقطع عنها
~~الدم قبل أن تكبر تكبيرة الإحرام، فلا يجوز لها الدخول في الصلاة، إلا بعد
~~أن تتوضأ ثانيا، لأن انقطاع دم الاستحاضة حدث يوجب الوضوء، ثم قال: فإن
~~انقطع بعد تكبيرة الإحرام ودخولها في الصلاة تمضي في صلاتها، ولا يجب عليها
~~استينافها (2).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: إذا كان انقطع دم
# PageV01P152
# الاستحاضة حدثا، فيجب عليها قطع الصلاة واستيناف الوضوء، وإنما هذا كلام
~~الشافعي، أورده شيخنا لأن الشافعي يستصحب الحال، وعندنا إن استصحاب الحال
~~غير صحيح، وإن هذه الحال غير ذلك، وما يستصحب فيه الحال فبدليل، وهو إجماع
~~على المتيمم إذا دخل في الصلاة ووجد الماء فإنا لا وجب عليها الاستيناف
~~بإجماعنا، لا إنا قائلون باستصحاب الحال، فليلحظ ذلك وليتأمل.
# والحكم الثاني: أن ترى الدم أكثر من ذلك، وهو أن يثقب الدم الكرسف ولا
~~يسيل، فيجب عليها أن تعمل ما عملته في الحكم الأول سواء، ويزيد عليه الغسل
~~لصلاة الغداة.
# والحكم الثالث: أن ترى الدم يثقب الكرسف ويسيل، فيجب عليها أن تفعل ما
~~فعلته في الحكم الثاني، ويزيد على ذلك وجوب غسلين ينضافان إلى الغسل الذي
~~في الحكم الثاني، فإذا فعلت ذلك في أيام استحاضتها، فهي في حكم الطاهرات في
~~جميع الشرعيات، إلا أنه يكره لها دخول الكعبة، وإذا وجب عليها حد الجلد لا
~~يقام حتى ينقطع عنها دم الاستحاضة، لأنها مريضة، والمريضة لا يقام عليها حد
~~الجلد حتى تبرأ، فإن لم تفعل ما وصفناه، وصامت وصلت، وجب عليها إعادة
~~صلاتها وصيامها، ولا يحل لزوجها وطؤها.
# وإن كانت قد أكلت في زمان استحاضتها، فإنه يجب عليها قضاء الصوم
~~والكفارة، لأنها أكلت في زمان الصيام متعمدة لذلك.
# وتجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد، وكذلك بين العشاء الأولى والآخرة،
~~والجمع منها بين هاتين الفريضتين، بأن تؤخر الفريضة المتقدمة إلى آخر
~~وقتها، وتصلي الفريضة الأخيرة في أول وقتها يجمع بينهما في ms0094 الحال، وذلك على
~~الاستحباب دون الفرض والإيجاب.
# وقد يوجد في بعض الأخبار والآثار والكتب المصنفات، مثل تهذيب PageV01P153
# الأحكام (1) ومسائل الخلاف للسيد المرتضى رحمه الله: إن دم الحيض أسود
~~بحراني، وفي خبر آخر: دم الحيض أحمر بحراني.
# قال محمد ابن إدريس بحراني بالباء المنقطة من تحتها نقطة واحدة المفتوحة،
~~وبالحاء غير المعجمة المسكنة، وبالراء غير المعجمة المفتوحة، وبعدها ألف
~~والنون المكسورة، وبعدها ياء مشددة ليست للنسب، وهو الشديد الحمرة والسواد،
~~كما يقال أبيض يقق وأسود حالك وحانك، وأحمر بحراني، وباحري، هكذا أورده ابن
~~الأعرابي في نوادره، فأوردته كما أورده تنبيها عليه.
# والنفساء: هي التي تضع الحمل، وترى الدم، لأنها مشتقة من النفس التي هي
~~الدم، بدلالة قولهم: كل ما لا نفس له سائلة يريدون كل ما لا دم له سائل.
# فإذا رأت الدم بعد رضعها الحمل بلا فصل، أو قبل مضي عشرة أيام من وقت
~~وضعها الحمل فهي نفساء وحكمها حكم الحائض سواء، في جميع الأحكام اللازمة
~~للحائض، بغير خلاف، وفي أكثر أيامها على الصحيح من الأقوال والمذهب، لأن
~~بعض أصحابنا يذهب إلى أن أكثر أيام النفاس عند استمرار دمها ثمانية عشرة
~~يوما "، ذهب إليه السيد المرتضى رحمه الله في بعض كتبه (2) وكذلك الشيخ
~~المفيد (3)، وعادا عنه في تصنيف آخر لهما.
# عاد السيد عن ذلك في مسائل خلافه (4) بأن قال: عندنا الحد في نفاس المرأة
~~أيام حيضها التي تعهدها وقد روي أنها تستظهر بيوم ويومين (5)، وروي في
~~أكثره خمسة عشر يوما (6)، وروي أكثر من هذا (7)، وإلا ثبت ما تقدم.
# PageV01P154
# ورجع الشيخ المفيد رحمه الله في كتابه أحكام النساء (1) وفي شرح كتاب
~~الأعلام (2)، والذي يدل على أصل المسألة وما اخترناه، إنها مخاطبة، ومكلفة،
~~وهي داخلة في عموم الأوامر بالصلوات والصوم، وإنما يخرجها في الأيام التي
~~حددناها للإجماع، ولا إجماع ولا دليل فيما زاد على ذلك، فيجب دخولها تحت
~~عموم الأوامر، ولو لم يكن إلا أن فيه استظهارا للفرض واحتياطا له لكفى.
# وتفارق النفساء الحائض في حد أقل النفاس، فإنه ليس لقليل النفاس ms0095 حد بل
~~حده انقطاع الدم، فإذا استمر بها الدم فوق العشرة الأيام وتجاوزها، فعلت ما
~~تفعله المستحاضة، لا الحائض، لأن الحيض لا يتعقب النفاس، لما بينا إن
~~النفاس حكمه حكم الحيض في جميع الأشياء، فإن رأت الدم بعد وضعها الحمل بلا
~~فصل مثلا يوما واحدا أو يومين وانقطع إلى تمام العشرة الأيام، فهي نفساء في
~~اليوم واليومين فحسب، فإذا رأته قبل مضي العشرة الأيام لحظة واحدة فاليوم
~~واليومان وما بعدها إلى تمام العشرة نفاس، لأنه لم يمض لها بين الدمين طهر،
~~فإن مضى بين الدمين عشرة أيام نقاء فالدم الثاني إذا توالى ثلاثة أيام حيض،
~~فإن لم يمض بين الدمين طهر، وتجاوز العشرة الأيام منها نقاء ومنها دم،
~~فالدم الثاني استحاضة ولا يكون نفاسا، لأنه قد جاوز العشرة الأيام بعد
~~وضعها الحمل وهي أقصى مدته، ولا يكون حيضا، لأنه ما تقدمه طهر، فليلحظ ذلك
~~ويحقق.
# ويكون النقاء الذي في العشرة الأيام أيضا هي فيه بحكم الطاهرات، يجب
~~عليها فيه قضاء الصلاة والصوم.
# وإن وضعت ولم تر الدم إلى اليوم التاسع أو العاشر، فهي طاهر، وحكمها حكم
~~طاهرات إلى أن رأت الدم، وهي نفساء، وحكمها حكم النفساء في اليوم التاسع
~~والعاشر فحسب، لأنا قد بينا أن النفساء مشتقة من النفس التي
# PageV01P155
# هي الدم، والاشتقاق غير حاصل في الأيام الثمانية، فيجب أن يكون غير نفساء
~~ونفساء في الزمان الذي رأت فيه الدم، لأنه بعد وضع الحمل، وقبل خروج العشرة
~~الأيام التي هي أقصى مدة النفساء والنفاس.
# فإن قيل أيام النقاء أقل من الطهر، لأن الطهر عندنا عشرة أيام أقله، فكيف
~~حكمتم بأنها طهر، وحكمها حكم الطاهرات فيها؟
# قلنا: ولا تقدمها حيض ولا نفاس، بل تقدمها طهر وأطهار، لأن الحامل على ما
~~بيناه لا ترى دم الحيض، فالأيام وما تقدمها بمجموع ذلك أجمع طهر.
# فإن رأته بعد وضعها ساعة، ثم انقطع تسعة أيام، ثم رأته اليوم العاشر،
~~كانت جميع الأيام نفاسها، لأنها نفساء عند رؤية الدم بعد الوضع، ولم يحصل
~~لها في أيام ms0096 الانقطاع طهر وهو عشرة أيام، ورأت الدم الثاني قبل خروج العشرة
~~وهي أقصى مدة النفاس، فكان الجميع نفاسا وهي نفساء في الجميع.
# وإذا ولدت المرأة توأمين، ورأت الدم عقيبهما، فإن النفاس يكون من ولد
~~الأول، لأن النفاس عندنا هو الدم الخارج عقيب الولادة، ولا يمنع كون أحد
~~الولدين باقيا في بطنها من أن يكون نفاسا، وأيضا لا يختلف أهل اللغة في أن
~~المرأة إذا ولدت وخرج الدم عقيب الولادة، فإنه يقال قد نفست، ولا يعتبرون
~~بقاء ولد في بطنها، ويسمون الولد منفوسا، قال الشاعر وهو أبو صخر الهذلي
~~يمدح آل خالد بن أسيد بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس:
# إذا نفس المنفوس من آل خالد * بدا كرم للناظرين وطيب فسمى الولد منفوسا
~~ومحال أن يكون الولد منفوسا إلا والأم نفساء، لأن الدم نفسه يسمى نفسا على
~~ما قدمناه فإذا ولدت الولد الثاني ورأت الدم عقيب ولادتها، اعتبرت أقصى مدة
~~النفاس من وقت ولادة الثاني، لأن كل واحد من الدمين يستحق الاسم بأنه نفاس،
~~فينبغي أن يتناول كل واحد منهما اللفظ، وإذا تناول الدم الأخير الاسم
~~PageV01P156
# عددنا منه أكثر أيام النفاس، واستوفينا أقصاه من الأخير، لتناول الاسم
~~له.
# فإن قيل: إذا رأته عند وضع الأول مثلا خمسة أيام، ثم وضعت الثاني ورأت
~~الدم عقيب وضعه عشرة أيام، فقد صار خمسة عشرة يوما، وعندكم على ما بينتم إن
~~أقصى مدة النفاس عشرة أيام، فكيف يكون الحكم في ذلك؟
# قلنا: ما هذا دم ولادة واحدة، بل دم عقيب ولادتين، وإن كان الحمل واحدا،
~~وعندنا بلا خلاف بيننا، إن النفاس هو الدم الذي تراه المرأة عقيب ولادتها
~~الولد، وقد رأت عقيب ولادتها الأول خمسة أيام، فحكمنا بأنها نفاس لتناول
~~الاسم لها، فإذا وضعت الثاني ورأت عقيبه الدم فقد رأت الدم عقيب ولادتها
~~الولد الأخير، فينبغي أن يتناوله الاسم، فيجب أن يستوفي أقصى مدة النفاس من
~~يوم وضعها الولد الأخير، لتناول الاسم، فليلحظ ذلك ويحقق، فقد شاهدت جماعة
~~ممن عاصرت من أصحابنا، لا ms0097 تحقق القول في ذلك وتقف على مسطور لبعض المصنفين،
~~ولا تبينه ولا تحققه، وتحتج عنده، وتخطي، فالله نسأل التوفيق والتسديد في
~~المقال والفعال.
# باب غسل الأموات وما يتقدم ذلك في آداب المرض، والعيادة وتلقين
~~المحتضرين، وما يتصل بذلك الأولى بالمريض والأفضل له أن يكتم مرضه ولا
~~يشكوه، وقد روي في حد الشكاية للمرض، عن الصادق عليه السلام، أن الرجل يقول
~~حممت اليوم، وسهرت البارحة، وقد صدق وليس هذا شكاية، إنما الشكاية أن يقول:
~~ابتليت بما لم يبتل به أحد وأصابني ما لم يصب أحدا (1).
# PageV01P157
# وفي العيادة للمؤمنين فضل كثير وثواب جميل، والرواية بذلك متظاهرة (1)
~~ويستحب للمريض أن يأذن للعائدين حتى يدخلوا عليه، فربما كانت لأحدهم دعوة
~~مستجابة.
# ولا عيادة في أقل من ثلاثة أيام، فإذا وجبت، جعلت غبا يوما فيوما ثم يغب
~~يومين، فإذا طالت مدة العلة ترك المريض وعياله.
# ولا عيادة في وجع العين.
# ومن السنة تخفيف العيادة، وتعجيل القيام، إلا أن يكون المريض يحب الإطالة
~~عنده.
# ولا يعاد أهل الذمة ولا تشهد جنائزهم.
# وقد روي أنه ليس على النساء عيادة المرضى (2).
# ويلقن المحتضر الشهادتين، وكلمات الفرج، وقد يأتي ذكرها، فإن عسر عليه
~~النزع، نقل إلى المكان الذي كان يكثر الصلاة فيه.
# ويستحب أن يوجه إلى القبلة، بأن يجعل باطن قدميه إليها، بحيث لو جلس لكان
~~مستقبلا إليها، فإذا قضى نحبه، والنحب المدة والوقت، يقال قضى فلان نحبه
~~إذا مات، فلتغمض عيناه، ويطبق فوه، ويمد يداه إلى جنبيه، ورجلاه، ويكون
~~عنده من يذكر الله تعالى، ويقرأ القرآن، ويقدم النظر في أمره عاجلا، ولا
~~ينتظر به دخول الوقت، ولا خروجه، إلا أن يكون غريقا، أو مصعوقا، أو مبطونا
~~وهو الذي علته الذرب وهو الإسهال، - وكان زين العابدين عليه السلام يوم
~~الطف مريضا بالذرب - أو مدخنا، أو مهدوما عليه، فإن هؤلاء ينتظر بهم إلى أن
~~يتغيروا، لأجل الاستظهار، وتسبر حالهم بعلامات الموت وأماراته، فإن عرف
~~حالهم، وإلا تركوا ثلاثة أيام.
# وغسل الميت المؤمن أو المحكوم بإيمانه ومن في حكمه، فرض واجب، ms0098 وهو من
# PageV01P158
# فروض الكفاية.
# واعلم أنه كغسل الجنب في الصفة والترتيب، يبدأ فيه بغسل اليدين على طريق
~~الاستحباب، ثم الفرج، ثم الرأس، ثم الميامن، ثم المياسر، وشرح ذلك:
# أن يوضع الميت على سرير غسله، ويستحب أن يستقبل هاهنا بوجهه القبلة، على
~~ما ذكرناه أولا في حال الاحتضار، ويجب أن تستر عورته بثوب يضعه عليها، أو
~~بقميصه بعد نزعه عنه، ويقصد إلى تليين مفاصله برفق، حتى لا ينكسر منه عضو،
~~فإن عسر عليه ذلك تركه، ولم يتعرض له، ويمسح بطنه مسحا رقيقا في الغسلتين
~~الأولتين، ولا يمسحها في الثالثة ولا يغمزها بحال، وهذا الحكم سواء كان
~~الميت رجلا أو امرأة، إلا أن يكون حاملا، فلا يمسح بطنها في شئ من الغسلات
~~ثم يغسل يديه بماء قراح، والقراح هو الخالص البحث وقد روي أنه يوضأ وضوء
~~الصلاة، وذلك شاذ، والصحيح خلافه، وشيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله يراه
~~احتياطا في نهايته (1) وفي مبسوطه (2) وقال: قد روي أنه يوضأ الميت قبل
~~غسله (3)، فمن عمل بها كان جائزا، غير أن عمل الطائفة على ترك العمل بذلك،
~~لأن غسل الميت كغسل الجنابة ولا وضوء في غسل الجنابة.
# قال محمد بن إدريس: فإذا كان عمل الطائفة على ترك العمل بذلك، فإذن لا
~~يجوز العمل بالرواية، لأن العامل بذلك يكون مخالفا للطائفة، وفيه ما فيه.
# ثم يغسل رأسه ولحيته برغوة السدر ثلاث مرات، ثم يقلبه على جنبه الأيسر،
~~ليبدو له الأيمن، ويغسله بماء السدر ثلاثا أيضا، كما ذكرناه في الرأس من
~~أصل العنق إلى قدمه، ثم يقلبه على جنبه الأيمن، ليبدو له الأيسر ويغسله على
~~ما ذكرناه في الأيمن في الصفة والعدة.
# PageV01P159
# والمفروض من الأكفان للرجال والنساء ثلاثة أثواب، مئزر وقميص وإزار، مع
~~القدرة والاختيار، على الصحيح من المذهب، وبعض أصحابنا يذهب إلى أن الواجب
~~في حال الاختيار قطعة واحدة، وهو سلار.
# والمسنون للرجال، أن يزاد لفافة أخرى، إما حبرة، بكسر الحاء وفتح الباء،
~~أو ما يقوم مقامها، وخرقة يشد بها فخذاه.
# ويستحب أن يزاد أيضا عمامة ms0099 يعمم بها محنكا، وإن كان امرأة زيدت على مستحب
~~الرجال لفافة أخرى، لشد ثدييها، وروي نمط (1) والصحيح الأول وهذا مذهب
~~شيخنا الطوسي رحمه الله في كتاب الإقتصاد (2) لأن النمط هو الحبرة، وقد
~~زيدت على أكفانها، لأن الحبرة مشتقة من التزين (3) والتحسين، وكذلك النمط
~~هو الطريقة وحقيته الأكسية والفرش ذات الطرائق، ومنه سوق الأنماط بالكوفة،
~~يقال فلان على نمط واحد، أي على طريقة واحدة، قال زهير:
# تعالين أنماطا عتاقا وكلة.
# وإذا اختلف الورثة في الكفن، اقتصر على المفروض منه وهو ثلاث قطع.
# وإذا أخذ السيل الميت أو أكله السبع وبقي الكفن، كان للورثة دون غيرهم
~~ويحصل الكافور، والأعلى في الاستحباب وزن ثلاثة عشر درهما وثلت، الذي لم
~~تمسه النار، الخالص، الخام، الجلال، ومعنى الجلال الجليل وهو الجيد، يقال:
~~جليل وجلال وطويل وطوال، فهو من أوزان المبالغة في أوصاف الجودة.
# ويليه في مقدار المستحب أربعة دراهم، وفي بعض الكتب أربعة مثاقيل،
~~والمراد بها الدراهم هاهنا، ويليه في مقدار المستحب درهم واحد، والواجب ما
~~وقع.
# عليه اسم الكافور مع الوجدان.
# ويحصل أيضا شئ من السدر للغسلة الأولى، وقيل كافور للغسلة الثانية،
# PageV01P160
# وشئ من القطن ليحشي به دبره، والمواضع التي يخاف خروج شئ منها، وشئ من
~~الذريرة المعروفة بالقمحة، ذكر شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في كتاب
~~التبيان (1) قال: الذريرة، فتات قصب الطيب، وهو قصب يجاء به من الهند، كأنه
~~قصب النشاب.
# وذكر المسعودي، وهو علي بن الحسين المسعودي الهذلي رجل من جلة أصحابنا له
~~كتب عدة، في كتابه المعروف المترجم بمروج الذهب ومعادن الجوهر، في التواريخ
~~وغيرها، وهذا الكتاب كتاب حسن، يشتمل على أشياء حسنة قال: أصل الطيب خمسة
~~أصناف، المسك، والكافور، والعود، والعنبر، والزعفران، كلها تحمل من أرض
~~الهند إلا أن الزعفران، والعنبر، قد يوجد بأرض الزنج، والأندلس، قال:
~~وأنواع الأدوية خمسة وعشرون صنفا، ذكر من جملة ذلك السليخة والورس واللاذن
~~والزباد وقصب الذريرة (2).
# قال محمد بن إدريس: والذي أراه إنها نبات طيب غير الطيب المعهود، يقال له
~~القمحان نبات طيب ms0100 يجعلونه على رأس دن الخمر ويطين عليه ليكسبها منه الريح
~~الطيبة. قد ذكره النابغة الذبياني في شعره، وفسره علماء أهل اللغة على ما
~~شرحناه وذكرناه.
# وقال صاحب كتاب التاريخ (3): قال الأصمعي وغيره: يقال للذي يعلو الخمر،
~~مثل الذريرة القمحان. وقال النابغة الجعدي:
# إذا فضت خواتمه علاه * بنثر القمحان من المدام وهل الكافور الذي للغسلة
~~الثانية من جملة الثلاثة عشر درهما وثلت، أم من غيرها؟ اختلف أصحابنا في
~~ذلك، فبعض قال: من جملتها، وبعض قال:
# من غيرها لا منها، وهذا هو الأظهر بينهم.
# PageV01P161
# وتنثر الذريرة المتقدم ذكرها، على الأكفان.
# ويكتب على الأكفان: فلان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله،
~~بتربة الحسين عليه السلام وقال الشيخ المفيد في رسالته إلى ولده: تبل
~~التربة بالماء ويكتب بها (1).
# وباقي المصنفين من أصحابنا يطلقون في كتبهم ويقولون يكتب ذلك بتربة
~~الحسين عليه السلام، والذي اختاره ما ذكره الشيخ المفيد رحمه الله، لأنه
~~الحقيقة والمعهود في الكتابة، لأن حقيقة ذلك التأثير، وليس إطلاقهم مما
~~ينافي ذلك، فإن لم توجد التربة، فبالأصبع عند الضرورة.
# ويستحب أن يكون الكفن قطنا محضا أبيض، والكتان مكروه. وليس بمحظور،
~~والإبريسم المحض لا يجوز، وجملة الأمر وعقد الباب أن كل ثوب يجوز فيه
~~الصلاة يجوز التكفين به، إلا أن بعض الثباب أفضل من بعض، وما لا تجوز فيه
~~الصلاة من الإبريسم المحض لا يجوز التكفين به.
# والواجب أن يغسل ثلاث غسلات، الأولى بماء السدر، والثانية بماء جلال
~~الكافور، والثالثة بماء القراح، والماء القراح هو البحت الخاص، من غير
~~إضافة شئ إليه على ما ذكرناه وكيفية غسله، مثل غسل الجنابة، يغسل الغاسل يد
~~الميت ثلاث مرات، ثم ينحيه بقليل أشنان، وآخر يقلب الماء عليه، فإذا نحاه
~~بدأ بغسل رأسه ولحيته ثلاث مرات، ثم يغسل جانبه الأيمن ثلاث مرات، ثم
~~الأيسر ثلاث مرات، وآخر يقلب الماء عليه.
# ثم يقلب بقية ماء السدر، ويغسل الأواني، ويطرح ماء آخر، ويطرح القليل من
~~الكافور، ويضربه، ويغسله الغسلة الثانية مثل ذلك.
# PageV01P162
# ثم يقلب بقية ms0101 ماء الكافور، ويغسل الأواني، ويطرح فيها ماء القراح، ويغسله
~~الغسلة الثالثة مثل ذلك بالماء القراح، ويمسح الغاسل يده على بطنه في
~~الغسلتين الأولتين، ولا يمسح في الغسلة الثالثة، وقد ذكرنا طرفا من ذلك
~~فيما مضى، وأعدناه هاهنا للبيان، وكلما قلبه استغفر الله وسأله العفو، ثم
~~ينشفه بثوب نظيف.
# ويغتسل الغاسل فرضا واجبا إما في الحال أو فيما بعد، فإن مس مايعا قبل
~~اغتساله وخالطه لا يفسده ولا ينجسه، وكذلك إذا لاقى جسد الميت من قبل غسله
~~إناء ثم أفرغ في ذلك الإناء قبل غسله مايع فإنه لا ينجس ذلك المايع، وإن
~~كان الإناء يجب غسله، لأنه لاقى جسد الميت، وليس كذلك المايع الذي حصل فيه،
~~لأنه لم يلاق جسد الميت وحمله على ذلك قياس، وتجاوز في الأحكام بغير دليل،
~~والأصل في الأشياء الطهارة، إلى أن يقوم دليل قاطع للعذر، وإن كنا متعبدين
~~بغسل ما لاقى جسد الميت، لأن هذه نجاسات حكميات، وليست عينيات، والأحكام
~~الشرعيات نثبتها بحسب الأدلة الشرعية.
# ولا خلاف أيضا بين الأمة كافة إن المساجد يجب أن تنزه، وتجنب النجاسات
~~العينيات، وقد أجمعنا بلا خلاف ذلك بيننا على أن لمن غسل ميتا أن يدخل
~~المسجد، ويجلس فيه، فضلا عن مروره، وجوازه، ودخوله إليه، فلو كان نجس العين
~~لما جاز ذلك وأدى إلى تناقض الأدلة.
# وأيضا فإن الماء المستعمل في الطهارة على ضربين، ماء استعمل في الصغرى
~~والآخر في الكبرى، فالماء المستعمل في الصغرى لا خلاف بيننا أنه طاهر مطهر،
~~والماء المستعمل في الطهارة الكبرى الصحيح عند محققي أصحابنا أنه أيضا طاهر
~~مطهر، ومن خالف فيه من أصحابنا قال: هو طاهر يزيل به النجاسات العينيات ولا
~~يرفع به الحكميات، فقد اتفقوا جميعا على أنه طاهر، ومن جملة الأغسال
~~والطهارات الكبار: غسل من غسل ميتا، فلو نجس ما يلاقيه من المايعات، لما
~~كان الماء الذي قد استعمله في غسله وإزالة حدثه طاهرا PageV01P163
# بالاتفاق والإجماع اللذين أشرنا إليهما.
# والأفضل أن لا يكفنه إلا بعد أن يغتسل، فإن لم يفعل توضأ ثم ms0102 كفنه، فيأخذ
~~الخرقة التي هي الخامسة ويترك عليها شيئا من القطن وينثر عليها شيئا من
~~الذريرة ويشد بها فخذيه، ويضمهما ضما شديدا ويحشو القطن على حلقة الدبر،
~~وبعض أصحابنا يقول في كتاب له: ويحشو القطن في دبره، والأول أظهر، لأنا
~~نجنب الميت كل ما نجنبه الأحياء، ويستوثق من الخرقة.
# ثم يؤزره ويلبسه القميص، وفوق القميص الإزار، وفوق الإزار الجرة، ويترك
~~معه جريدتين رطبتين من النخل إن وجدا، ومن الشجر الرطب، ويكتب عليها ما كتب
~~على الأكفان، ويضع إحديهما من ترقوته اليمنى، ويلصقها بجلده، والأخرى من
~~الجانب الأيسر، بين القميصين والإزار.
# ويضع الكافور على مساجده: جبهته، ويديه، وعيني ركبتيه، وطرف أصابع
~~الرجلين فإن فضل منه شئ تركه على صدره، ولا يجعل في عينه، ولا في سمعه، ولا
~~في فيه، ولا في أنفه، شيئا من الكافور والقطن، إلا أن يخاف خروج شئ من ذلك
~~فيجعل عليه شيئا من القطن.
# ويكره قطع الكفن بالحديد، ويكره أيضا بل الخيط لخياطته بالريق.
# ثم يحمل إلى المصلى، فيصلى عليه، وعلى ما نذكره في كتاب الصلاة.
# وأفضل ما يمشي المشيع للجنازة خلفها، ويجوز بين جنبيها، ويكره أن يتقدمها
~~مع الاختيار.
# فإذا صلي عليه حمل إلى قبره، فيترك عند رجلي القبر إن كان رجلا، وقدام
~~القبر مما يلي القبلة إن كانت امرأة.
# ثم ينزل إلى القبر من يأمره الولي، بحسب الحاجة إن شاء شفعا، وإن شاء
~~وترا، فيؤخذ الميت الرجل من عند رجلي القبر، والمرأة من قدامه، فيسل سلا في
~~ثلاث دفعات ولا يفاجأ به القبر دفعة واحدة، ويوضع في لحده، وهو أفضل من
~~PageV01P164
# الشق، ويحل عقد الأكفان، ويلقنه الذي يدفنه الشهادتين، والإقرار بالنبي
~~والأئمة عليهم السلام، ثم يضع معه شيئا من تربة الحسين عليه السلام، وقال
~~الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله: تكون التربة في لحده مقابلة وجهه (1).
~~وقال في اقتصاده: يكون في وجهه (2) وقال الشيخ المفيد محمد بن محمد بن
~~النعمان:
# تكون التربة تحت خده وهو الذي يقوى عندي ويضع خده على التراب، ثم يشرج
~~عليه ms0103 اللبن. ويخرج من عند رجلي القبر.
# ويكره أن ينزل إلى القبر بحذاء أو خف.
# ويطم القبر ويرفع من الأرض مقدار أربع أصابع مفرجات، ولا يعلى أكثر من
~~ذلك، ويربع، ويكره أن يطرح فيه من غير ترابه.
# ويستحب لمن حضره أن يطرح بظهر كفه ثلاث مرات التراب، ويترحم عليه، فإذا
~~فرغ من تسوية القبر، ينضح الماء على القبر من أربع جوانبه يبدأ الرأس، فإذا
~~فضل من الماء شئ صبه على وسط القبر.
# ويترحم عليه من حضره، وينصرف، ويتأخر الولي أو من يأمره الولي ويستقبل
~~القبلة، ويجعل القبر أمامه، وينادي بأعلى صوته معيدا للتلقين الأول، فإنه
~~على ما روي (3) يكفي عن مسألة القبر إن شاء الله.
# وذهب بعض أصحابنا في كتاب له وهو الفقيه أبو الصلاح الحلبي تلميذ السيد
~~المرتضى رحمه الله إلى أن الملقن هاهنا يستدبر القبلة، ويستقبل وجه الميت
~~ويلقنه (4).
# ويكره تسخين الماء لغسل الأموات، إلا أن يدعو إلى ذلك حاجة.
# PageV01P165
# ويكره أن يصب الماء الذي يغسل به الميت في الكنيف، بل المستحب اتخاذ
~~حفيرة ليدخل الماء إليها.
# ويكره أن يركب الميت في حال غسله، بل يكون الغاسل على جانبه الأيمن، ولا
~~يقعده ولا يغمز بطنه.
# ويستحب لمن شيع جنازة المؤمن أن يربع جنازته، بأن يحملها من أربع جوانبه،
~~يبدأ بمقدم السرير الأيمن، يمر عليه ويدور من خلفه إلى الجانب الأيسر، ثم
~~يمر عليه حتى يرجع إلى المقدم كذلك دور الرحى.
# وفي بعض الكتب ولا يفدحه بالقبر دفعة واحدة الفدح الأخذ بالشدة.
# والموتى المأمور بغسلهم على ثلاثة أضرب، فضرب منهم لا يجب غسله، لا قبل
~~الموت ولا بعد الموت، وهو الشهيد المقتول بين يدي إمام عدل، أو بين يدي من
~~نصبه في نصرته، ولا يكفن، ويدفن معه جميع ما ينطلق عليه اسم الثياب، سواء
~~أصابها دمه أو لم يصبها، ولا يكفن إلا أن يجرد ويسلب، فحينئذ يجب تكفينه،
~~فأما غير الثياب فينقسم إلى قسمين، سلاح وغير سلاح، فالسلاح يجب نزعه عنه،
~~سواء أصابه دمه أو لم يصبه بغير خلاف، وغير ms0104 السلاح وهو الفرو والقلنسوة
~~والخف، فإن كان أصاب شيئا من ذلك دمه، فقد اختلف قول أصحابنا فيه، فبعض
~~ينزعه عنه وإن كان قد أصابه دمه، وبعض لا ينزعه عنه إلا أن يكون ما أصابه
~~دمه، فأما إن كان أصابه دمه فلا ينزعه، وهذا الذي يقوى في نفسي.
# فإن نقل من المعركة وبه رمق، ومات في غير المعركة وجب غسله.
# وذكر السيد المرتضى رحمه الله في مسائل خلافه في مسألة غسل الشهيد قال:
~~فإن قيل: لا خلاف في أنه إذا أرتث يغسل مع وجوب الشهادة. قلنا: إذا أرتث
~~فلم يمت في المعركة هذا آخر كلام المرتضى.
# قال: محمد بن إدريس: أرتث بالألف والراء الساكنة، غير المعجمة والتاء
~~PageV01P166
# المضمومة المنقطة من فوقها بنقطتين والثاء المنقطة ثلاث نقط المشددة: إذا
~~طعن أو ضرب فسقط، وتأويله أنه صار مرميا به، كما يلقى رث المتاع، وكذلك
~~فلان رث الثياب، ويقال كل غث ورث، يقال: قد أرتث فلان صريعا إذا فعل به ما
~~قدمناه، هكذا أورده المبرد في كتاب الاشتقاقات (1).
# والضرب الثاني يجب أن يغتسل قبل موته، ولا يجب غسله بعد موته وقتله، وهو
~~المقتول قودا، والمرجوم، فإنهما يؤمران بالاغتسال، فإذا اغتسلا قتلا، ولا
~~يجب غسلهما بعد قتلهما.
# ويجب على من مسهما بعد القتل الغسل: لأنه قد مس ميتا بعد برده بالموت
~~وقبل تغسيله بعد الموت.
# ولا يظن ظان أن هذا ما مسه إلا بعد تطهيره.
# قلنا ما مسه بعد تطهيره بعد موته، بل ما مسه إلا قبل تطهيره بعد موته.
# ولا يكفنان أيضا بعد القتل، لأنهما يؤمران بالتكفين والتحنيط قبل القتل.
# والضرب الثالث يجب غسله بعد الموت وتكفينه، ظالما كان أو مظلوما، وإذا
~~وجد من المقتول قطعة، فإن كان فيها عظم وكان ذلك العظم عظم الصدر، وجب على
~~من مسه الغسل، ووجب تغسيل القطعة، وتكفينها، والصلاة عليها، وحكمها حكم
~~الميت نفسه، وإن كان العظم غير الصدر، يجب جميع الأحكام الماضية إلا الصلاة
~~عليها فإنها لا تجب.
# قال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مسائل ms0105 خلافه: مسألة: إذا وجد
~~قطعة من ميت فيها عظم، وجب غسلها، ثم استدل فقال: دليلنا إجماع الفرقة
~~وأخبارهم، وأيضا روي أن طائرا ألقت يدا بمكة من وقعة الجمل، فعرفت بالخاتم
~~وكانت يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، فغسلها أهل مكة، وصلوا عليها (2).
# PageV01P167
# قال محمد بن إدريس: الصحيح، إن اليد ألقيت باليمامة، ذكر ذلك البلاذري في
~~تاريخه (1)، وهو أعرف بهذا الشأن، وأسيد بفتح الألف وكسر السين.
# وإن كانت القطعة خالية من العظم، دفنت، ولا يجب تكفينها، ولا غسلها، ولا
~~الصلاة عليها، ولا يجب على من مسها الغسل، بل يجب عليه غسل ما مسها به
~~فحسب.
# وحكم قطعة قطعت من حي آدمي ذلك الحكم.
# والمحرم إذا مات غسل كما يغسل الحلال، ويكفن كتكفينه، غير أنه لا يقرب
~~شيئا من الكافور.
# وإن كان الميت صبيا يغسل كغسل الرجال، ويكفن، ويحنط كذلك مثل الرجال، وإن
~~كان الصبي ابن ثلاث سنين أو أقل من ذلك، فلا بأس أن يغسله النساء، عند عدم
~~الرجال مجردا من ثيابه، وكذلك الصبية إذا كان لها ثلاث سنين فما دونها، جاز
~~للرجال تغسيلها عند عدم النساء، فإن زادت على ذلك لم يجز، وبعض أصحابنا
~~يجوز في الصبي أن يغسله النساء إلى خمس سنين عند عدم الرجال، والأول أظهر
~~في المذهب.
# ولا بأس أن يغسل الرجل امرأته، والمرأة زوجها، وكذلك كل محرم محرم يغسل
~~ذا رحمه من فوق الثياب في حال الاختيار، وهو الأظهر عند أصحابنا، ومذهب
~~شيخنا أبي جعفر في سائر كتبه، إلا في استبصاره فإنه قال:
# ذلك عند الاضطرار دون الاختيار (2).
# وإن ماتت المرأة ومات الصبي معها في بطنها دفن معها.
# فإن كانت ذمية، دفنت في مقابر المسلمين لحرمة ولدها، وجعل ظهرها إلى
~~القبلة، وليكون وجه الولد إلى القبلة، إذا كان من مسلم
# PageV01P168
# وإذا ماتت المرأة ولم يمت ولدها، شق بطنها من الجانب الأيسر، وأخرج
~~الولد، وخيط الموضع، وغسلت، ودفنت.
# فإن مات الولد، ولم تمت هي، ولم يخرج منها، أدخلت القابلة أو غيرها من
~~الرجال يده في فرجها، ms0106 فقطع الصبي، وأخرجه قطعة، قطعة، وغسل، وكفن وحنط،
~~ودفن.
# ولا يقص شئ من شعر الميت، ولا من أظفاره، ولا يسرح رأسه، ولا لحيته، فإن
~~سقط منه شئ، جعل معه في أكفانه.
# وإذا خرج من الميت شئ من النجاسة عند الفراغ من تغسيله، غسل منه، ولا يجب
~~عليه إعادة الغسل، فإن أصاب ذلك كفنه، فالصحيح أنه يغسل منها، ولا يقرض ما
~~لم يوضع في القبر، فإن وضع في القبر، وأصابته النجاسة، قرض الموضع من الكفن
~~بالمقراض، ولا يغسل.
# وقال بعض أصحابنا: يقرض بالمقراض، ولم يفصل ما فصلناه، بل أطلق ذلك
~~إطلاقا، وما اخترناه مذهب الشيخ الصدوق علي بن بابويه في رسالته (1).
# وإذا لم يوجد لغسله كافور، ولا سدر، فلا بأس أن يغسل ثلاث غسلات بالماء
~~القراح، وإن وجد الكافور والسدر فلا بد منه، فإن ذلك واجب، لا مستحب جعله
~~على أصح الأقوال، وإن كان بعض أصحابنا وهو سلار لا يوجب الثلاث غسلات، بل
~~غسلة واحدة، ولا يوجب الكافور ولا السدر في الغسلتين الأولتين.
# وإذا مات الإنسان في البحر في مركب، ولم يقدر على الأرض لدفنه، غسل،
~~وحنط، وكفن، وصلي عليه، ثم ينقل بشئ، ويطرح في البحر ليرسب إلى قرار الماء،
~~وهذا هو الأظهر من الأقوال.
# وقال بعض أصحابنا: يترك في خابية ويشد رأسها وترمى في البحر، ورد بذلك
~~بعض الروايات واختاره شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مسائل الخلاف
~~(2).
# PageV01P169
# ولا يجوز حمل ميتين على جنازة واحدة مع الاختيار، لأن ذلك بدعة، ويستحب
~~أن يكون حفر القبر قدر قامة، أو إلى الترقوة.
# ويكره نقل الميت من الموضع الذي مات فيه ليدفن في بلد غيره، إلا إذا نقل
~~إلى واحد من مشاهد الأئمة، فإن ذلك مستحب، ما لم يخف عليه الحوادث
~~والانفجار فإذا دفن في موضع فلا يجوز تحويله، ولا نبشه، ونقله من موضعه،
~~سواء نقل إلى مشهد أو إلى غيره بل ذلك بدعة في شريعة الإسلام.
# وذكر شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مسائل خلافه، مسألة: إذا أنزل
~~الميت القبر ms0107 (1) يستحب أن يغطى القبر بثوب، وبه قال الشافعي، وقال أبو
~~حنيفة: إن كانت امرأة غطي، وإن كان رجلا لم يغط.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: ما وقفت لأحد من أصحابنا في هذه المسألة
~~على مسطور فأحكيه، فالأصل براءة الذمة من واجب، أو ندب، وهذا مذهب الشافعي،
~~فلا حاجة لنا إلى موافقته على ما لا دليل عليه، وقد يوجد في بعض نسخ أحكام
~~النساء للشيخ المفيد إن المرأة يجلل القبر عند دفنها بثوب، والرجل لا يمد
~~عليه ثوب، فإن كان ورد هذا، فلا نعديه إلى قبر الرجل، فليلحظ ذلك.
# ولا يترك من وجب عليه الصلب، على خشبته، أكثر من ثلاثة أيام، فإن صلي
~~عليه، وهو على خشبته، يستقبل بوجهه، وجه المصلى ويكون هو مستدبر القبلة،
~~هكذا يكون الصلاة عليه، عند بعض أصحابنا المصنفين.
# والصحيح من الأقوال والأظهر أنه ينزل بعد الثلاثة الأيام، ويغسل، ويكفن،
~~ويحنط ويصلى عليه، لأن الصلاة قبل الغسل والتكفين لا تجوز، وهذا مذهب شيخنا
~~المفيد وشيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله إلا أن شيخنا أبا جعفر، لا يصلب
~~المحارب، إلا إذا قتل، ويقول: يقتل قودا لا حدا ذكر ذلك في
# PageV01P170
# الجزء السادس من مبسوطه في كتاب قطاع الطريق، فلزمه على ذلك أن يأمره
~~بالغسل، والتكفين، والتحنيط، ثم يصلبه، لأن المقتول قودا بلا خلاف بيننا
~~يؤمر أولا بالغسل، والتكفين، ثم يقاد بعد ذلك، وهو لا يغسله ولا يكفنه إلا
~~بعد موته، وإنزاله من خشبته.
# والصحيح أنه يقتل حدا، لا قودا، لأن القتل يتحتم عليه، وإن عفى ولي
~~المقتول، وهذا مذهب شيخنا المفيد إن المحارب إذا شهر السلاح، الإمام مخير
~~بين الصلب، وبين قطعه من خلاف، وبين النفي، والآية (1) معه، عاضدة لقوله.
# ويكره تجصيص القبور، وتطيينها والتظليل عليها، والمقام عندها وتجديدها
~~بعد اندراسها، ولا بأس بتطينها ابتداء.
# والكفن يؤخذ من نفس تركة الميت، قبل إخراج جميع الحقوق، من دين، ووصية،
~~ونذر، وكفارة، وميراث وإن كان الميت امرأة لزم زوجها أكفانها، وتجهيزها،
~~ولا يلزم ذلك في مالها، فإن آثر الزوج ms0108 أن يكفنها مما يخصه من تركتها
~~ونصيبها، فلا بأس به إذا لم يحسبه من أصل تركتها على ورثتها.
# باب التعزية والسنة في ذلك وهيئة المصاب وما ينبغي أن يكون عليه من
~~علامات المصيبة تعزية صاحب المصيبة سنة، ينبغي أن تراعى، ولا تهمل، وفيها
~~أجر كبير، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من عزى حزينا كسي
~~في الموقف حلة يحبر بها (2).
# ويجوز التعزية قبل الدفن وبعده، والأولى أن يكون بعد الدفن، وإذا عزى
~~الرجل أخاه في الدين فليقل: ألهمك الله صبرا واحتسابا، ووفر لك الأجر
# PageV01P171
# والثواب ورحم الله المتوفى، وأحسن الخلف على مخلفيه، وإن قال: أحسن الله
~~لك العزاء، وربط على قلبك بالصبر، ولا حرمك الأجر، كان حسنا، ويجزيه أن
~~يقول له: آجرك الله. وإن حضر ولم يتكلم أجزأه الحضور عن الكلام، وإن كان
~~الكلام مع الحضور أفضل.
# وإن كان المعزى جزعا قلقا، وعظه إن تمكن من ذلك، وسلاه بذكر الله تعالى،
~~وذكر رسوله، والأسوة به عليه السلام، وعرفه ما عليه من الوزر في جزعه،
~~والأجر على صبره.
# وإن كان المعزى يتيما مسح يده على رأسه، وسكته بلطف ورفق، ودعا له بحسن
~~الخلافة، وترحم على ميته.
# وليس في تعزية النساء سنة.
# ولا يجوز تعزية الضلال عن الحق، والمخالفين للاعتقاد الصحيح، وأصناف
~~الكفار، فإن اضطر الإنسان إلى تعزيتهم إن اقتضت المصلحة له في دينه ودنياه
~~ذلك، فليعزهم، وليدع لهم في التعزية بإلهام الصبر ولا يدع لهم بالأجر، ولا
~~بأس أن يدعو لهم بالبقاء، بذلك ثبت الخبر عن أئمة الهدي من آل محمد عليهم
~~السلام (1) والمستحب لمشيع الجنازة، وحاضري أصحاب المصائب، أن لا ينصرفوا
~~حتى يأذنوا لهم في الانصراف، بذلك جرت السنة، فإن كان المعزى جاهلا بما
~~ينبغي له من الإذن لهم في الانصراف، فسكت عنهم، انصرفوا بغير إذنه.
# وينبغي لصاحب المصيبة أن يتميز من غيره.
# ولا يجوز للوالدين شق جيبهما على ولدهما، فإن فعلا ذلك أثما، وكانت
~~عليهما كفارة يمين، على كل واحد منهما، على ما روي في ms0109 بعض أخبارنا (2)
# PageV01P172
# واستغفرا ربهما.
# وينبغي لإخوان الميت أن يصنعوا لأهله طعاما على حسب إمكانهم مدة ثلاثة
~~أيام، لشغل أهل المصيبة بمصيبتهم، عن إعداد ما يحتاجون إليه لأنفسهم، فإنهم
~~يحوزون أجرا، ويتبعون به سنة ثابتة (1) عن النبي عليه السلام فيما صنعه
~~بأهل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، ليله ورود الخبر عليهم بشهادته
~~رحمه الله، فاشتغلوا عن صلاح شؤونهم بالمصاب به عليه السلام ثم البكاء ليس
~~به بأس. وأما اللطم، والخدش، وجر الشعر والنوح بالباطل، فإنه محرم إجماعا.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه: ويكره الجلوس للتعزية يومين وثلاثة (2)
~~قال محمد بن إدريس: لم يذهب أحد من أصحابنا المصنفين إلى ذلك، ولا وضعه في
~~كتابه، وإنما هذا من فروع المخالفين وتخريجاتهم، وأي كراهة في جلوس الإنسان
~~في داره للقاء إخوانه، والدعاء لهم، والتسليم عليهم، واستجلاب الثواب لهم،
~~في لقائه، وعزائه.
# وقال شيخنا أيضا في مبسوطه: يجوز لصاحب الميت أن يتميز من غيره، بإرسال
~~طرف العمامة، أو أخذ مئزر فوقها، على الأب والأخ، فأما غيرهما فلا يجوز على
~~حال. (3) قال: محمد بن إدريس: لم يذهب إلى هذه سواه رحمه الله والذي يقتضيه
~~أصول مذهبنا أنه لا يجوز اعتقاد ذلك، وفعله، سواء كان على الأب، أو الأخ،
~~أو غيرهما، لأنه ذلك حكم شرعي، يحتاج إلى دليل شرعي، ولا دليل على ذلك،
~~فيجب اطراحه، لئلا يكون الفاعل له مبدعا، لأنه اعتقاد جهل
# PageV01P173
# باب تطهير الثياب من النجاسات والبدن والأواني والأوعية الدم على ضربين،
~~نجس وطاهر، قليله وكثيره، فالطاهر على مذهب أهل البيت بغير خلاف بينهم دم
~~السمك، والبراغيث، والبق، وما أشبه ذلك، مما ليس بمسفوح، وهو مذهب أبي
~~حنيفة وأصحابه، وقال مالك في دم البراغيث:
# إذا تفاحش غسل، فإن لم يتفاحش لا بأس به، وقال: يغسل دم السمك والذباب،
~~وسوى الشافعي بين الدماء كلها في النجاسة.
# قال محمد بن إدريس: فقد يوجد في بعض كتب أصحابنا أن النجاسة على ضربين،
~~دم وغير دم، فعم ولم يخص، وهذا تسامح وتساهل في التصنيف، على ms0110 أن العموم قد
~~يخص بالأدلة، فلا يتوهم متوهم، إذا وقف على ذلك المسطور أنه صحيح ظاهره.
# والدليل على طهارة دم السمك أنه لا خلاف في جواز أكله بدمه، من غير أن
~~يسفح دمه، ألا ترى أن سائر الدماء لما كانت نجسة، لم يجز أكل الحيوان الذي
~~هي فيه إلا بعد سفحها.
# وأيضا قوله تعالى: " قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه "
~~إلى قول: " أو دما مسفوحا " (1) فأخبر تعالى إن ما عدا المسفوح ليس بمحرم
~~ودم السمك ليس بمسفوح، فوجب أن لا يكون محرما.
# وأيضا قوله تعالى: " أحل لكم صيد البحر وطعامه " (2) يقتضي ظاهره، إباحة
~~أكل السمك وطهارته بجميع أجزائه، لأن التحليل يقتضي الإباحة من جميع
~~الوجوه.
# فإن قال قائل: كما أنه تعالى خص الدم المسفوح بالآية التي ذكرتم فقد عم
# PageV01P174
# أيضا بسائر الدماء بقوله تعالى: " حرمت عليكم الميتة والدم " (1) وهذه
~~الآية تقتضي تحريم سائر الدماء المسفوح وغيره؟
# قلنا: دم السمك مخصوص من الآية العامة بما قدمناه من الدلائل، وبعد فإن
~~الله تعالى لما قال حرمت عليكم الميتة، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
~~أحلت لنا ميتتان، وقال تعالى: " أحل لكم صيدا البحر وطعامه " ثم اتفقوا على
~~أن آية الإباحة مرتبة على آية الحظر، كأنه تعالى قال: حرمت عليكم الميتة،
~~إلا الجراد والسمك فوجب أن يكون حكم الدم كذلك، فتكون آية الإباحة، مرتبة
~~على آية الحظر، ويكون التقدير، حرمت عليكم الميتة والدم إلا دم السمك، ما
~~أشبهه مما ليس بمسفوح.
# وأيضا فإن العام يبنى على الخاص والمطلق على المقيد، مثاله إذا ورد حكم
~~مطلق في موضع، ثم ورد ذلك الحكم بعينه في موضع آخر مقيدا بصفة، فإن مطلقه
~~يكون محمولا على مقيده، ويتبين بذلك التقييد مراد المخاطب بالمطلق، وهذا
~~مما لا خلاف فيه بين من تكلم في أصول الفقه.
# فأما مسألة الخلاف أن يثبت حكم في موضع مطلقا، ثم يرد ما هو من جنس ذلك
~~الحكم لا بعينه في موضع آخر مقيدا، فهل يجب حمل المطلق ms0111 هاهنا على ذلك
~~المقيد أم لا؟ والصحيح من الأقوال، أن لكل منهما حكم نفسه، لأنهما حكمان
~~متغايران، وإن كان جنسهما واحدا، ومثاله كفارة الظهار مطلقة، وكفارة قتل
~~الخطأ مقيدة، فلا يحمل المطلق على المقيد هاهنا، إلا بدليل منفصل، لأنه
~~يكون قياسا، والقياس متروك عند أهل البيت عليهم السلام، وقد روي عن أمير
~~المؤمنين عليه السلام أنه قال: لا بأس بدم ما لم يذك (2).
# PageV01P175
# فأما الكلام في دم البق والبراغيث وما أشبههما، فالدليل على ما ذهبنا
~~إليه فيه، الآية التي تقدمت، وهو قوله تعالى: " قل لا أجد في ما أوحي إلي
~~محرما " إلى قوله " أو دما مسفوحا " ودم البراغيث والبق ليس بمسفوح وليس
~~هذا اعتمادا على تعلق الحكم بصفة، وتعويلا على دليل الخطاب، بل الحكم متعلق
~~بشرط متى لم يقصر عليه لم يكن مؤثرا، وخرج من أن يكون شرطا على ما ذكرناه
~~فيما تقدم، فإن عورضنا بعموم قوله تعالى: " حرمت عليكم الميتة والدم " كان
~~الكلام على ذلك ما تقدم، وعلى ما اخترناه إجماع أصحابنا وفتاويهم
~~وتصانيفهم.
# فمنهم السيد المرتضى رضي الله عنه يفتي به في مسائل خلافه ويناظر الخصم
~~عليه، وكذلك شيخنا أبو جعفر الطوسي يفتي به في مسائل خلافه (1) ويناظر
~~الخصم عليه. فأما قوله في جمله وعقوده (2) النجاسة على ضربين دم وغير دم،
~~وعد دم السمك، وأدخله في جملة عموم قوله النجاسة، فتسامح وتساهل في التصنيف
~~على ما قدمناه، واعتذرنا لمن وجد ذلك في كلامه وتصنيفه، بأن العموم مخصوص
~~بالأدلة، وقد يوجد مثل ذلك في كلام الله سبحانه، وكلام أنبيائه وأئمته
~~عليهم السلام، ولا يكون ذلك مناقضة في الأدلة، وذلك لا يجوز بغير خلاف.
# وجملة الأمر وعقد الباب أن الدم على تسعة أقسام، ثلاثة منها قليلها
~~وكثيرها طاهر، وهي دم السمك والبق والبراغيث، وما ليس بمسفوح على ما مضى
~~القول فيه.
# وثلاثة منها قليلها وكثيرها نجس، لا يجوز الصلاة في ثوب، ولا بدن، أصابه
~~منها قليل، ولا كثير إلا بعد إزالته بغير خلاف عندنا، وهي دم الحيض
~~والاستحاضة والنفاس.
# ودمان ms0112 نجسان إلا أنهما عفت الشريعة عمن هما به، ولا يمكنه التحرز منهما
# PageV01P176
# في كل وقت، بأن يكونا على صفة السيلان، بأن لا يرقيا في وقت من الأوقات،
~~وهما الجراح الدامية، والقروح اللازمة، فلا بأس بالصلاة في الثوب والبدن
~~إذا كانا على هذه الصفة، وهما فيهما كثرا أو قلا للمكلف الذي هما به فحسب،
~~من غير اعتبار الدرهم وسعته، فإذا انقطع سيلانهما عمن هما به، اعتبر ما
~~يعتبره غيره من سعة الدرهم، وأقل من ذلك، وعمل عليه على ما يأتي بيانه فيما
~~بعد إن شاء الله تعالى.
# والدم التاسع ما عدا ما ذكرناه من الثمانية الأجناس، وهو دم سائر
~~الحيوان، سواء كان مأكول اللحم أو غيره، نجس العين أو غير نجس العين.
# وقد ذكر بعض أصحابنا المتأخرين من الأعاجم، وهو الراوندي المكنى بالقطب،
~~إن دم الكلب والخنزير لا يجوز الصلاة في قليله ولا كثيره مثل دم الحيض،
~~قال: لأنه دم نجس العين، وهذا خطأ عظيم، وزلل فاحش، لأن هذا هدم وخرق
~~لإجماع أصحابنا.
# فهذا الدم أعني التاسع من الدماء نجس، إلا أن الشارع عفى عن ثوب وبدن
~~أصابه منها دون سعة الدرهم الوافي، وهو المضروب من درهم وثلث، وبعضهم
~~يقولون دون قدر الدرهم البغلي، وهو منسوب إلى مدينة قديمة، يقال لها بغل،
~~قريبة من بابل، بينها وبينها قريب من فرسخ، متصلة ببلدة الجامعين، تجد فيها
~~الحفرة والغسالون دراهم واسعة، شاهدت درهما من تلك الدراهم، وهذا الدرهم
~~أوسع من الدينار المضروب بمدينة السلام، المعتاد، تقرب سعته من سعة أخمص
~~الراحة.
# وقال بعض من عاصرته، ممن له علم بأخبار الناس والأنساب: إن المدينة
~~والدراهم منسوبة إلى ابن أبي البغل، رجل من كبار أهل الكوفة اتخذ هذا
~~الموضع قديما، وضرب هذا الدرهم الواسع، فنسب إليه الدرهم البغلي، وهذا غير
~~صحيح، لأن الدراهم البغلية كانت في زمن الرسول عليه السلام قبل الكوفة، فما
~~كانت سعته أعني سعة الدم في الثوب والبدن، سعة هذا الدرهم، لا وزنه
~~PageV01P177
# وثقله، وكان مجتمعا في مكان واحد، فلا يجوز الصلاة ms0113 إلا بعد إزالته.
# وبعض أصحابنا يقول: سواء كان مجتمعا في مكان واحد، أو متفرقا بحيث لو جمع
~~كان بمقدار الدرهم، لا يجوز الصلاة فيه، وهذا أحوط للعبادة، والأول أقوى
~~وأظهر في المذهب، لأن الأصل براءة الذمة، لأن الإجماع على سعة قدر الدرهم،
~~فكل موضع ليست هي بسعة قدر الدرهم لا يجب إزالتها فمن ادعى أنه إذا اجتمع
~~كان بقدر الدرهم، يحتاج إلى دليل.
# وما ليس بدم من النجاسات، يجب إزالة قليله وكثيره، من ذلك البول،
~~والغائط، من الآدمي وغيره من الحيوان الذي لا يؤكل لحمه، ويكون له دم سائل
~~مسفوح، وما أكل لحمه، فلا بأس ببوله، وروثه، وذرقه، وبعض أصحابنا يستثني من
~~هذه الجملة ذرق الدجاج خاصة، فإن أراد هاهنا بالدجاج، غير الجلال،
~~فاستثناؤه له وجه، وإن أراد الدجاج الجلال، فلا وجه لاستثنائه: لأنه
~~استثناء من مأكول اللحم والجلال غير مأكول اللحم في حال جلله، فصير
~~الاستثناء غير حقيقي، لأنه استثناء من غير الجنس والكلام في الحقائق.
# والصحيح إن الدجاج إذا كان غير الجلال، فإنه لا بأس بذرقة: لأن الإجماع
~~من الطائفة حاصل، على أن روث وبول وذرق كل مأكول اللحم من الحيوان طاهر،
~~والدجاج من ذلك، فالمراد بالدجاج هاهنا الجلال، لأنه محتمل للجلال وغيره
~~فيحمل إطلاق ذلك على المقيد على ما مضى شرحه أولا، لئلا تتناقض الأدلة.
# وما يكره لحمه، يكره بوله وروثه، مثل البغال، والحمير، والدواب، وإن كان
~~بعضه أشد كراهة من بعض، وفي أصحابنا من قال، بول البغال، والحمير، والدواب،
~~وأرواثها نجس، يجب إزالة قليله وكثيره، والصحيح خلاف هذا القول.
# والمني نجس، من كل حيوان، سواء كان مأكول اللحم، أو غير مأكول اللحم، يجب
~~غسله ولا يجزي فيه الفرك.
# والخمر نجس، بلا خلاف، ولا تجوز الصلاة في ثوب، ولا بدن، أصابه
~~PageV01P178
# منها، قليل ولا كثير، إلا بعد إزالتها، مع العلم بها، وقد ذهب بعض
~~أصحابنا في كتاب له (1) وهو ابن بابويه، إلى أن الصلاة تجوز في ثوب أصابه
~~الخمر، قال:
# لأن الله حرم شربها، ولم يحرم الصلاة ms0114 في ثوب أصابته، معتمدا على خبر (2)
~~روي، وهذا اعتماد منه على أخبار آحاد، لا توجب علما، ولا عملا، وهو مخالف
~~للإجماع من المسلمين، فضلا عن طائفته، في أن الخمر نجسة، وقد أجمع أصحابنا
~~على أن الصلاة لا تجوز في ثوب أصابته نجاسة، إلا بعد إزالتها، سواء كانت
~~النجاسة قليلة أو كثيرة، إلا ما خرج بالإجماع من الدم التاسع، والدم الذي
~~لا يرقا لموضع الضرورة لمن هو به، على ما مضى ذكرنا لهم.
# وألحق أصحابنا الفقاع بالخمر في جميع الأحكام.
# وأسآر الكفار على اختلاف ضروبهم، من مرتد وكافر أصلي، وكافر ملي ومن حكمه
~~حكمهم.
# وجملة الأمر وعقد الباب، أن ما يؤثر بالتنجيس، على ثلاثة أضرب:
# أحدها يؤثر بالمخالطة، وثانيها بالملاقات، وثالثها بعدم الحياة، فالأول:
~~أبوال وخرء كل ما لا يؤكل لحمه، وما يؤكل لحمه إذا كان جلالا، والشراب
~~المسكر، والفقاع، والمني، والدم المسفوح، وكل مايع نجس بغيره. والثاني: أن
~~يماس الماء وغيره حيوان نجس العين، وهو الكلب والخنزير والكافر. والثالث:
~~أن يموت في الماء وغيره حيوان له نفس سائلة، ولا حكم لما عدا ما ذكرناه في
~~التنجيس.
# وكل نجاسة تجب إزالة قليلها وكثيرها، فإنه يجب إزالتها عن الثياب
~~والأبدان، أدركها الطرف، أو لم يدركها، إذا تحقق ذلك، فإن لم يتحقق ذلك،
~~وشك فيه، لم يحكم بنجاسة الثوب، إلا ما أدرك الحس، فمتى لم يدركها فالثوب
~~على أصل الطهارة.
# PageV01P179
# وليس لغلبة الظن هنا حكم، لأنه مذهب أبي حنيفة، فإن وجد في بعض كتبنا
~~وتصنيف أصحابنا شئ من ذلك، فإنه محمول على التقية.
# وقال بعض أصحابنا: إذا ترشش على الثوب أو البدن مثل رؤوس الإبر، فلا ينجس
~~بذلك، والصحيح والأول، لأن الإجماع على ذلك حاصل.
# وإذا تحقق حصول النجاسة في الثوب، ولم يعلم موضعه بعينه، وجب غسل الثوب
~~كله، وإن علم أنه في موضع مخصوص، وجب غسل ذلك الموضع، لا غير، ولا يتعدى
~~إلى غير ذلك الموضع، سواء كانت النجاسة رطبة أو يابسة.
# وإن علم أن النجاسة حصلت في أحد الكمين ولم يتميز، ms0115 غسلهما معا، ولم يجز
~~له التحري (1).
# والماء الذي ولغ فيه الكلب والخنزير، إذا أصاب الثوب، وجب غسله لأنه نجس،
~~وإن أصابه الماء الذي يغسل به الإناء، فإن كان من الغسلة الأولة، يجب غسله
~~وإن كان من الغسلة الثانية أو الثالثة، لا يجب غسله، وقال بعض أصحابنا: لا
~~يجب غسله سواء كان من الغسلة الأولة أو الثانية، وما اخترناه المذهب.
# وقال السيد المرتضى في الناصريات قال الناصر: ولا فرق بين ورود الماء على
~~النجاسة، وبين ورود النجاسة على الماء، قال السيد المرتضى: وهذه المسألة لا
~~أعرف فيه نصا لأصحابنا ولا قولا صريحا. والشافعي يفرق بين ورود الماء على
~~النجاسة، وورودها عليه، فيعتبر القلتين في ورود النجاسة على الماء، ولا
~~يعتبر في ورود الماء على النجاسة، وخالفه سائر الفقهاء في هذه المسألة
~~ويقوى في نفسي عاجلا إلى أن يقع التأمل لذلك صحة ما ذهب إليه الشافعي،
~~والوجه فيه: إنا لو حكمنا بنجاسة الماء القليل الوارد على النجاسة، لأدى
~~ذلك إلى أن الثوب لا يطهر من النجاسة، إلا بإيراد كر من الماء عليه، وذلك
~~يشق، فدل على
# PageV01P180
# أن الماء إذا ورد على النجاسة يعتبر فيه القلة والكثرة، كما يعتبر فيما
~~يرد النجاسة عليه قال محمد بن إدريس رحمه الله: وما قوى في نفس السيد صحيح،
~~مستمر على أصل المذهب وفتاوى الأصحاب.
# ولا بأس بعرق الجنب، والحائض، إذا كانا خاليين من نجاسة، فإن كان في
~~بدنهما نجاسة، وعرقا، نجس الثوب الذي عرقا فيه، سواء كانت الجنابة من حلال،
~~أو حرام، على الصحيح من الأقوال وأصول المذهب وقال بعض أصحابنا: إن كانت
~~الجنابة من حرام، وجب غسل ما عرق فيه.
# وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مبسوطه (1) على ما رواه بعض
~~أصحابنا ثم قال في موضع آخر من مبسوطة: فإن عرق فيه وكانت الجنابة من حرام،
~~روى أصحابنا أنه لا يجوز الصلاة فيه وإن كانت من حلال، لم يكن به بأس (2)
~~ويقوى في نفسي أن ذلك تغليظ في الكراهة، دون فساد الصلاة، لو ms0116 صلى فيه، ألا
~~ترى إلى قوله رضوان الله عليه الأول: رواه بعض أصحابنا، وقوله الثاني: روى
~~أصحابنا، وفي الأول قال رواه بعض أصحابنا، وشيخنا المفيد رحمه الله رجع عما
~~ذكره في مقنعته (3) وفي رسالته إلى ولده (4) والغرض من هذا التنبيه، إن من
~~قال إذا كانت الجنابة من حرام وجب، غسل ما عرق فيه، ورجع عن قوله في كتاب
~~آخر فقد صار ما اخترناه إجماعا.
# وعرق الإبل الجلالة يجب إزالته، على ما ذهب إليه بعض أصحابنا، دون عرق
~~غيرها من الجلالات (5).
# وأما أسئار الجلال، فقد بينا أن أسئار جميع الحيوان من البهائم، وذوات
# PageV01P181
# الأربع، مأكول اللحم وغير مأكول اللحم، والطيور جميعها طاهرة، ما عدا
~~الكلب والخنزير فلا وجه لإعادته.
# وكل نجاسة أصابت الثوب أو البدن والنجاسة يابسة والثوب كذلك، لا يجب
~~غسلهما، وإنما يستحب مسح اليد بالتراب، ونضح الثوب.
# وإذا أصاب الأرض، أو الحصير، أو البارية بول أو غيره، من المايعات
~~النجسة، وطلعت عليه الشمس وجففته، فإنه يطهر بذلك، ويجوز السجود عليه،
~~والتيمم به، وإن جففته غير الشمس، لم يطهر، ولا يطهر غير ما قلناه من
~~الثياب بطلوع الشمس عليه، وتجفيفه، وقد روي أن ما طلعت عليه الشمس فقد
~~طهرته من الثياب (1) وهذه رواية شاذة ضعيفة، لا يلتفت إليها، ولا يعرج
~~عليها، والعمل على ما قلناه، غير أنه يجوز الوقوف عليه في الصلاة، إذا كان
~~موضع السجود طاهرا، ولم تكن النجاسة رطبة تتعدى إليه.
# وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مسائل الخلاف: الأرض إذا
~~أصابتها نجاسة، مثل البول وما أشبهه، وطلعت عليها الشمس، أو هبت عليها
~~الريح، حتى زالت عين النجاسة، فإنها تطهر، وبه قال الشافعي في القديم (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: وهذا غير واضح، لا يجوز القول به، لأنه
~~مخالف لمذهبنا، وإجماعنا على الشمس، دون هبوب الرياح، وهذا مذهب الشافعي،
~~اختاره الشيخ هاهنا، ثم رجع عنه في مسألة في الكتاب المشار إليه بأن قال:
~~مسألة: إذا بال على موضع من الأرض، وجففته الشمس طهر الموضع، وإن ms0117 جف بغير
~~الشمس لم يطهر، وكذلك الحكم في البواري والحصر سواء، قال الشافعي إذا زالت
~~أوصافها بغير الماء، بأن تجففها الشمس، أو
# PageV01P182
# تهب عليها الريح، فإنه يطهر في قوله القديم (1) فهذا يدلك على ما بيناه
~~ولا يجوز إزالة شئ من النجاسات بغير الماء المطلق، من سائر المايعات، ولا
~~يحكم بطهارة الموضع بذلك، وفي أصحابنا من اختاره.
# ومن صلى في ثوب فيه نجاسة غير معفو عنها مع العلم بذلك، بطلت صلاته، وإن
~~علم أن فيه نجاسة ثم نسيها، وصلى، كان مثل الأول، عليه الإعادة، سواء خرج
~~الوقت أو لم يخرج الوقت، بغير خلاف بين أصحابنا، في المسألتين معا، إلا من
~~شيخنا أبي جعفر في استبصاره (2) فحسب، دون سائر كتبه فإنه ذهب في الإستبصار
~~إلى أنه: إذا كان بثوب الإنسان نجاسة قد علم بها ثم نسيها، وصلى فإن كان
~~الوقت باقيا، وجبت عليه الإعادة، وإن كان الوقت خرج وتقضى، فلا إعادة عليه،
~~والصحيح وجوب الإعادة مع تقدم العلم، سواء خرج الوقت أو لم يخرج، نسيها أو
~~علمها.
# وإن لم يعلم، وصلى على أصل الطهارة ثم علم أنه كان نجسا بعد خروج وقت تلك
~~الصلاة، فلا يجب عليه الإعادة أيضا بلا خلاف، فإن كان الوقت باقيا، فبين
~~أصحابنا خلاف في هذه المسألة، فبعض يذهب إلى وجوب الإعادة عليه، وبعض منهم
~~من يقول لا يجب عليه الإعادة وهذا الذي يقوى في نفسي، وبه أفتي، لأن
~~الإعادة فرض ثان، يحتاج إلى دليل شرعي، وهذا المكلف امتثل الأمر، وصلى صلاة
~~شرعية مأمورا بها، بلا خلاف، وهذا مذهب شيخنا أبي جعفر في استبصاره (3)
~~وتأويل أخباره، واعتماده، وإن كان في أول نهايته (4)
# PageV01P183
# يذهب إلى خلاف هذا.
# والمذي والوذي طاهران عندنا، لا تجب إزالتهما.
# والقئ ليس بنجس، وفي أصحابنا من قال هو نجس والأول المعتمد عليه.
# والصديد والقيح، حكمهما حكم القئ، سواء.
# وكل ما لا يتم الصلاة فيه منفردا، مثل الخف، والنعل، والقلنسوة، والتكة،
~~والجورب، والسيف، والمنطقة، والخاتم والسوار، والدملج، وما أشبه ذلك إذا
~~أصابه نجاسة لم يكن بالصلاة ms0118 فيه بأس، إذا انطلق عليه اسم اللباس والملبوس.
# فأما ما لا ينطلق عليه اسم الملبوس، ولم يكن لباسا، فلا يجوز في شئ منه
~~الصلاة إذا أصابته نجاسة، وإن كان لا يتم الصلاة فيه منفردا، لأنه غير
~~لباس.
# وما لا نفس له سائلة من الميتات، لا ينجس الثوب ولا البدن، ولا المايع
~~الذي يموت فيه، ماء كان أو غيره، وآن تغير أوصاف الماء به.
# وطين الطريق لا بأس به، ما لم يعلم فيه نجاسة.
# وإذا أصاب الثوب ماء المطر، وقد خالطه شئ من النجاسة، فإن كان جاريا من
~~الميزاب، والمطر متصل من السماء، فلا ينجس الثوب والبدن، ما لم يتغير أحد
~~أو صاف الماء، فإن سكنت السماء، وبقي ماء المطر مستنقعا اعتبر فيه ما
~~ذكرناه من حكم المياه الراكدة غيره مياه الآبار بالقلة والكثرة وتغير أحد
~~الأوصاف بالنجاسة، فيحكم فيه بذلك، وهذا حكم الوكف (1) مع اتصال المطر من
~~السماء، وانقطاعه.
# والماء الذي يستنجى به، أو يغتسل به من الجنابة، إذا رجع عليه، أو على
~~ثوبه، لم يكن به بأس بغير خلاف، فإن انفصل منه، ووقع على نجاسة، ثم رجع
~~عليه، وجب إزالته.
# وإذا حصل معه ثوبان، أحدهما نجس، والآخر طاهر، ولم يتميز له الطاهر،
# PageV01P184
# ولا يتمكن من غسل أحدهما، قال بعض أصحابنا، يصلي في كل واحد منهما، على
~~الانفراد، وجوبا، وقال بعض منهم: ينزعهما ويصلي عريانا، وهذا الذي يقوى في
~~نفسي، وبه أفتي، لأن المسألة بين أصحابنا فيها خلاف، ودليل الإجماع منفي،
~~فإذا كان كذلك، فالاحتياط يوجب ما قلناه.
# فإن قال قائل: بل الاحتياط يوجب الصلاة فيهما على الانفراد، لأنه إذا صلى
~~فيهما جميعا، تبين وتيقن بعد فراغه من الصلاتين معا أنه قد صلى في ثوب
~~طاهر؟.
# قلنا: المؤثرات في وجوه الأفعال، يجب أن تكون مقارنة لها، لا متأخرة
~~عنها، والواجب عليه عند افتتاح كل فريضة، أن يقطع على ثوبه بالطهارة، وهذا
~~يجوز عند افتتاح كل صلاة، من الصلاتين أنه نجس، ولا يعلم أنه طاهر، عند
~~افتتاح كل صلاة فلا يجوز ms0119 أن يدخل في الصلاة إلا بعد العلم بطهارة ثوبه،
~~وبدنه، لأنه لا يجوز أن يستفتح الصلاة، وهو شاك في طهارة ثوبه، ولا يجوز أن
~~تكون صلاته موقوفة على أمر يظهر فيما بعد، وأيضا كون الصلاة واجبة وجه تقع
~~عليه الصلاة، فكيف يؤثر في هذا الوجه، ما يأتي بعده ومن شأن المؤثر في وجوه
~~الأفعال، أن يكون مقارنا لها، لا يتأخر عنها، على ما بيناه.
# فإن قيل: أليس الداخل في الصلاة، يعلم أن وجوب ما دخل فيه، موقوف على
~~تمامه؟
# قلنا: معاذ الله أن نقول ذلك، بل كل فعل يأتيه في الوقت، فهو واجب، ولا
~~يقف على أمر منتظر، وإنما يقف صحته على الاتصال، والمراد بذلك، أنه إذا
~~اتصل، فلا قضاء عليه، وإذا لم يتصل، فالقضاء واجب، فأما الوجوب، واستحقاق
~~الثواب، فلا يتغير بالوصل، والقطع، يبين ذلك أنه ربما وجب القطع، وربما وجب
~~الوصل، فلو تغير بالقطع والوصل وجوبه، لم يصح دخوله في الوجوب.
# وليس لأحد أن يقول: إنه بعد الفراغ من الصلاتين، يقطع على براءة
~~PageV01P185
# ذمته، وإن العبادة مجزية.
# قلنا، لا يصح ذلك، لأن بعد الفراغ قد سقط عنه التكليف، وينبغي أن يحصل له
~~اليقين في حال ما وجب عليه، وينبغي أن يتميز له في حال ما وجب عليه، حتى
~~يصح منها الإقدام عليه، وتمييزه له من غيره، وذلك يكون قبل فراغه من الصلاة
~~وقد ذكر السيد المرتضى في مسائل خلافه عند مناظرته لأبي حنيفة، في أن
~~المتيمم، إذا دخل في صلاته، ثم وجد الماء، فالواجب عليه، أن يمضي في صلاته،
~~وعند أبي حنيفة، الواجب عليه قطعها قياسا على الصغيرة التي تعتد بالشهور،
~~ثم اعتدت شهرا، ثم رأت الدم، وانتقلت عدتها إلى الأقراء، لأن الشهور قد
~~حصلت بدلا من الأقراء، كذلك التيمم، قال المرتضى: نحن نقول إذا انتقلت
~~عدتها إلى الأقراء، احتسب لها مما مضى قروء، فأما من يقول لا يحتسب، فله أن
~~يفرق بينها وبين المتيمم، وذلك أن المرأة قد تعتد بعدة مشكوك فيها عندهم،
~~لا يعلم ما حكمها، ms0120 ويكون أمرها موقوفا على ما ينكشف فيما بعد فإن ظهر حمل،
~~اعتدت به، وإن لم يظهر حمل، اعتدت بالأقراء، وليس كذلك المتيمم، لأنه لا
~~يجوز أن يستفتح الصلاة وهو شاك فيها، ولا يجوز أن تكون موقوفة على أمر
~~يظهر، فلم يلزم من رأى الماء في الصلاة، الاستيناف لهذه العلة، وإن لزم
~~المعتدة بالشهور الانتقال إلى الأقراء (1) هذا آخر كلام المرتضى رحمه الله،
~~ألا ترى إلى قوله: لا يجوز أن يستفتح الصلاة وهو شاك فيها، ولا يجوز أن
~~تكون موقوفة على أمر يظهر، فهذا يدلك على ما نبهنا عليه، من أدلة المسألة،
~~فإنها هي بعينها.
# ومن كان معه ثوب نجس، ولا يقدر على الماء، نزعه، وصل عريانا، فإن لم
~~يتمكن من نزعه، خوفا على نفسه من البرد، صلى فيه، ولا إعادة عليه، وقد
# PageV01P186
# روي أنه إذا تمكن من نزعه أو غسله، أعاد الصلاة (1).
# وبول الصبي الرضيع وحده من لم يبلغ سنتين، نجس، إذا أصاب الثوب يكفي أن
~~يصب الماء عليه، من غير عصر له، وقد طهر.
# وبول الصبية لا بد من عصره مرتين، مثل بول البالغين، وإن كان للصبية دون
~~الحولين.
# فإذا تم للصبي حولان وجب عصر الثوب من بوله.
# وقال بعض أصحابنا في كتاب له: وإذا أصاب ثوب الإنسان، كلب، أو خنزير، أو
~~ثعلب، أو أرنب، أو فأرة، أو وزغة، وكان رطبا، وجب غسل الموضع الذي أصابه،
~~فإن لم يتعين الموضع، وجب غسل الثوب كله، وكذلك إن مس الإنسان بيده أحد ما
~~ذكرناه، أو صافح ذميا وجب عليه غسل يده إن كان رطبا، وإن كان يابسا، مسحه
~~بالتراب.
# قال محمد بن إدريس: هذا القول غير واضح: لأن هذا خبر، من أخبار الآحاد،
~~أورده المصنف على ما وجده، أما الكلب والخنزير فصحيح ما قال، وأما الثعلب
~~والأرنب، فلا خلاف بين أصحابنا الآن إن أسئار السباع طاهرة، وكذلك السباع
~~طاهرة، عندهم بغير خلاف الآن، وإنما أبو حنيفة، يذهب إلى أن السباع نجسة،
~~فعلى هذا لا يصح ما قاله هذا القائل.
# وأما قوله ms0121 الفأرة والوزغة، فلا خلاف أيضا في أن سؤر الفأر، طاهر، وأنه
~~يدخل المايع، ويخرج منه، ولا ينجسه بغير خلاف.
# وأما الوزغة، فإنها لا نفس لها سائلة، كالذباب، والزنابير، وما لا نفس له
~~سائلة لا ينجس المايع بموته فيه، فكيف يصح القول بأن سؤره نجس وما لاقاه
~~وهو رطب ينجسه؟
# PageV01P187
# وأما الذمي، فصحيح ما قال فيه فليلحظ ذلك.
# ودم الحيض يجب غسله، ويستحب حته (1) وقرصه، وليسا بواجبين، فإن اقتصر على
~~الغسل أجزأه، فإن بقي له أثر يستحب صبغه بالمشق، بكسر الميم وتسكين الشين
~~وهو الغرة بتحريك الغين المعجمة، وهو طين أصفر يقال له المشق، وما كان منه
~~أحمر يقال له المصر يصبغ به الثياب والأزدية، ومنه رداء ممصر، وثوب ممصر،
~~بالصاد غير المعجمة أي مصبوغ بالمصر، الذي هو المغرة، أو بما يغير لونه.
# ويجوز الصلاة في ثوب الحائض، ما لم يعلم فيه نجاسة، كذلك في ثوب الجنب.
# والمذي والوذي طاهران ولا يجوز الصلاة في ثياب الكفار التي باشروها
~~بأجسامهم الرطبة، أو كانت الثياب رطبة، ولا بأس بثياب الصبيان، ما لم يعلم
~~فيها نجاسة. والنجاسة إذا كانت يابسة، لا ينجس بها الثوب.
# والعلقة نجسة، والمراد بذلك الدم الذي يستحيل منه المضغة، لا الدود الذي
~~يقال له العلق.
# إذا بال الإنسان على الأرض، فتطهيره، أن يطرح عليه ذنوب من ماء والذنوب:
~~الدلو الكبيرة، ويحكم بطهارة الأرض وطهارة الموضع، الذي ينتقل إليه ذلك
~~الماء.
# فإن بال اثنان وجب أن يطرح مثل ذلك وعلى هذا أبدا، لأن النبي صلى الله
~~عليه وآله أمر بذنوب من ماء، على بول الأعرابي.
# إذا بال في موضع، فإنه يزول حكم نجاسته بستة أشياء، أحدها: أن يكاثر
# PageV01P188
# عليه الماء حتى يستهلكه، فلا يرى له لون ظاهر، ولا رائحة.
# الثاني: أن يمر عليه سيل، أو ماء جار فإنه يطهره.
# الثالث: أن يحفر الموضع في حال رطوبة البول، فينتقل جميع الأجزاء الرطبة،
~~فيحكم بطهارة ما عداه.
# الرابع: أن يحفر الموضع، وينتقل ترابه، حتى يغلب على الظن، أو يعلم أنه
~~نقل جميع الأجزاء ms0122 التي أصابتها النجاسة.
# الخامس: أن يجئ عليها مطر، أو يجئ عليها سيل، فيقف فيه بمقدار ما يكون
~~كرا من الماء.
# السادس: أن يجف الموضع بالشمس، فإنه يحكم بطهارته، فإن جف بغير الشمس لم
~~يطهر.
# النجاسة على ضربين: مايع وجامد، فالمايع قد قدمنا حكمه، وكيفية تطهيرها
~~من الأرض، والجامد لا يخلو من أحد أمرين، أما أن يكون عينا قائمة متميزة عن
~~التراب، أو مستهلكة فيه، فإن كان عينا قائمة، كالعذرة، والدم، وجلد الميتة،
~~ولحمه، نظرت فإن كانت نجاسة يابسة، فإذا أزالها عن المكان، كان مكانها
~~طاهرا، وإن كانت رطبة، فإذا أزالها، بقيت رطوبتها في المكان، فتلك الرطوبة
~~بمنزلة البول وقد مضى حكمه وإن كانت العين مستهلكة فيها، كجلود الميتة،
~~ولحمها، والعذرة، ونحو ذلك، فهذا المكان لا يطهر بصب الماء عليه.
# من حمل حيوانا طاهرا، مثل الطيور وغيرها، أو مثل حمل صغير، أو صبيا
~~صغيرا، لم تبطل صلاته، فإن حمل قارورة فيها نجاسة، مشدودة الرأس بالشمع، أو
~~بالرصاص، فجعلها في كمه، أو جيبه بطلت صلاته، لأنه حامل النجاسة.
# وفي الناس من قال لا تبطل صلاته، قياسا على حمل حيوان في جوفه نجاسة،
~~والأول هو الصحيح، لأن القياس عند فقهاء آل الرسول صلى الله عليهم متروك،
~~ولا يجوز للمشرك دخول شئ من المساجد، لا بالإذن، ولا بغير PageV01P189
# الإذن، ولا يحل لمسلم أن يأذن له في ذلك، لأن المشرك نجس، والمساجد تنزه
~~عن النجاسات.
# ولا يجوز الدباغ إلا بالأجسام الطاهرة، مثل قشور الرمان والعفص (1)
~~والقرظ (2)، والشبث بالثاء المنقطة ثلاث نقط، وهو نبت طيب الريح مر الطعم
~~يدبغ به، قال تأبط شرا:
# - كأنما حثحثوا حصبا قوادمه * أو أم خشف بذي شبث وطباق - قال الأصمعي:
~~هما نبتان، هكذا ذكره الجوهري في كتاب الصحاح.
# قال محمد بن إدريس: وليس هو الشب (3) الذي هو الحجارة، فهي بالباء
~~المنقطة نقطة واحدة، فإنها لا يدبغ بها، وإنما نبهت على ذلك، بأن شيخنا أبا
~~جعفر رحمه الله قد أورده في المبسوط (4).
# ولا يجوز الدباغ، إلا بما يكون طاهرا، مثل الشبث والقرظ، ms0123 وسمعت بعض
~~أصحابنا، يصحف ذلك، فيقول الشب بالباء المنقطعة من تحتها بنقطة واحدة،
~~فأردت إيضاح ذلك وأن لا يجري تصحيف فيه.
# PageV01P190
# كتاب الصلاة PageV01P191
# كتاب الصلاة آكد عبادات الشرع، وأعمها فرضا، الصلاة، لأنها لا تسقط عن
~~المكلفين في حال من الأحوال، مع ثبات العقل، وإن تغيرت أوصافها، من قيام،
~~أو قعود، إلى غير ذلك، وباقي العبادات قد يسقط على بعض الوجوه، وعن قوم دون
~~قوم، فلذلك بدئ بها في أول كتب العبادات.
# واعلم أن الصلاة أفعال مخصوصة تتضمن تحليلا وتحريما، والقول فيها لا يخرج
~~عن ذكر شروطها، وبيان كيفية فعلها، وما يجب أو يستحب فيها، من ذكر أو غيره،
~~والفرق بين فرضها ونفلها، وبين ما يعرض فيها فيفسدها ويوجب القضاء وبين ما
~~يعرض فلا يوجب القضاء، لكنه يوجب تلافيا مخصوصا، وبين ما لا يوجب ذلك،
~~وبيان ضروبها، كصلاة المنفرد والمؤتم، والإمام، وما يضاف منها إلى أوقاتها،
~~كصلاة الجمعة والعيدين وما يضاف منها إلى أسبابها كصلاة المسافر، والمعذور،
~~والخسوف، والكسوف، والزلازل، والرياح، والآيات المهولة، والخوف،
~~والاستسقاء، والنذر، والطواف، والقضاء، والجنازة، وغير ذلك، وهذه جملة لا
~~يكاد يخرج عن معناها شئ من أحكام الصلاة، ونحن نفسر ذلك بمشية الله تعالى
~~وعونه.
# باب أعداد الصلاة وعدد ركعاتها من المفروض والمسنون الصلاة المرتبة في
~~اليوم والليلة تنقسم قسمين: مفروض ومسنون، وكل واحد منهما ينقسم قسمين
~~فرائض الحضر وسننه، وفرائض السفر وسننه. PageV01P192
# فأما فرائض الحضر فسبع عشرة ركعة، الظهر أربع ركعات، بتشهدين، أحدهما في
~~الثانية بغير تسليم، والثاني في الرابعة بتسليم بعده وفريضة العصر مثل ذلك.
# وفريضة المغرب ثلاث ركعات، بتشهدين أحدهما في الثانية من غير تسليم،
~~والثاني في الثالثة بتسليم بعده.
# وفريضة عشاء الآخرة مثل فريضة الظهر والعصر.
# والغداة ركعتان بتشهد في الثانية وتسليم بعده وأما سنن الحضر فأربع
~~وثلاثون ركعة، ثماني ركعات بعد زوال الشمس قبل الفريضة، وثماني بعد الفريضة
~~قبل فريضة العصر، وأربع بعد المغرب، وركعتان من جلوس بعد العشاء الآخرة
~~تعدان بركعة.
# قولهم: تعدان بركعة، لأن نوافل الحضر أربعة وثلاثون ركعة، فإن ms0124 عدت هاتان
~~الركعتان ركعتين كانت نوافل الحضر، خمسا وثلاثين ركعة، وخرجت أن تكون أربعا
~~وثلاثين، فقال أصحابنا: تعدان بركعة لأجل ضبط جملة العدد الأول وإحدى عشرة
~~ركعة صلاة الليل، وركعتان نافلة الفجر، بتشهد في كل ركعتين من هذه النوافل
~~كلها وتسليم.
# وكذلك جميع النوافل كل ركعتين بتشهد وتسليم بعده لا يجوز غير ذلك، وقد
~~روي رواية (1) في صلاة الأعرابي أنها أربع بتسليم بعدها، فإن صحت هذه
~~الرواية وقف عليها، ولا يتعداها لأن الإجماع حاصل على ما قلناه، هذه فرائض
~~الحاضر ونوافله في يومه وليلته.
# فأما فرائض المسافر، فإحدى عشرة ركعة، الظهر ركعتان بتشهد في الثانية
~~وتسليم بعده، وكذلك العصر والعشاء الآخرة، والمغرب ثلاث ركعات كحالها في
# PageV01P193
# الحضر، والغداة كحالها أيضا في الحضر، لأنه لا قصر إلا في الرباعيات
~~فحسب.
# وأما سنن المسافر فسبع عشرة ركعة، على النصف من نوافل الحاضر، أربعة بعد
~~المغرب كحالها أيضا في الحاضر، وإحدى عشرة ركعات صلاة الليل، وركعتان نافلة
~~الفجر، وتسقط الوتيرة، وهي الركعتان من جلوس بعد العشاء الآخرة.
# ويوجد في بعض كتب أصحابنا، ويجوز يصلي الركعتان من جلوس اللتان يصليهما
~~في الحضر، بعد العشاء الآخرة، فإن لم يفعلهما لم يكن به بأس، وهذا مستور،
~~ووضع غير واضح، إن أراد بقوله: " يجوز أن تصلى الركعتان " على أنهما من غير
~~نوافل السفر، ولا يعتقدهما مصليهما من نوافل المسافر المرتبة بل يتطوع
~~الإنسان بصلاة ركعتين من جلوس نافلة، لا إنهما من جملة نوافل المسافر
~~المرتبة عليه، غير ساقطة عنه في حال سفره، فصحيح ما قال، وإن أراد إنهما في
~~حال سفره ما سقطتا عنه، وهما على ما كانتا عليه في حال حضره، فغير واضح، بل
~~قول خارج عن الإجماع، لأن الإجماع حاصل من أصحابنا على سقوط سبع عشرة ركعة،
~~من نوافل الحاضر عن المسافر، هاتان الركعتان من جملة الساقط عنه.
# وقد سئل الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله عن هذه المسألة في جملة المسائل
~~الحائريات المنسوبة إلى أبي الفرج بن الرملي، فقال السائل: وعن الركعتين
~~اللتين بعد ms0125 العشاء الآخرة من جلوس، هل تصلى في السفر أم لا؟ وما الذي يعمل
~~عليه، وما العلة في تركها أو لزومها؟ فأجاب الشيخ أبو جعفر بأن قال تسقطان
~~في السفر، لأن نوافل السفر سبع عشرة ركعة، ليست منها هذه الصلاة (1) وكذلك
~~يذهب في جمله وعقوده (2) ويوردها في نهايته (3) في الموضع الذي ذكرناه،
~~وتحدثنا عليه فليلحظ ذلك.
# PageV01P194
# باب أوقات الصلاة المرتبة في اليوم والليلة والأوقات المكروه فيها فعلها
~~إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر، فإذا مضى مقدار أداء صلاة أربع ركعات،
~~اشتركت الصلاتان الظهر والعصر، في الوقت إلى أن يبقى إلى مغيب الشمس مقدار
~~أداء أربع ركعات، فيخرج وقت الظهر، ويبقى وقت العصر، وبالغروب ينقضي وقت
~~العصر.
# فإذا غربت الشمس ويعرف غروبها بذهاب الحمرة من ناحية المشرق، فإذا ذهبت
~~دخل وقت صلاة المغرب، وإذا مضى مقدار أداء ثلاث ركعات، دخل وقت العشاء
~~الآخرة، واشتركت الصلاتان في الوقت، إلى أن يبقى إلى انتصاف الليل مقدار
~~أداء أربع ركعات، فيخرج وقت المغرب، ويخلص ذلك المقدار للعشاء الآخرة، ووقت
~~صلاة الغداة طلوع الفجر، وهو البياض المتجلل أفق الشرق، ثم يمتد إلى قبيل
~~طلوع قرن الشمس، فإذا طلعت خرج الوقت.
# ووقت صلاة الليل من انتصاف الليل إلى طلوع الفجر الثاني، وقال السيد
~~المرتضى: إلى طلوع الفجر الأول.
# والقول الأول أظهر في المذهب.
# ووقت ركعتي الفجر، بعد الفراغ من صلاة الليل، وآخره طلوع الحمرة.
# وقال بعض أصحابنا: أوله طلوع الفجر الأول، والأول من القولين هو الأظهر،
~~لقولهم عليهم السلام المجمع عليه دسهما في صلاة الليل دسا (1) وسميت
~~الدساستين لهذا المعنى.
# والذي اخترناه، مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله في جيع كتبه
# PageV01P195
# النهاية (1) والمبسوط (2) والجمل والعقود (3) ما خلا مصباحه.
# وأداء الصلاة في أول الوقت أفضل من آخره، بغير خلاف، ما خلا صلاة الليل،
~~أعني نافلة صلاة الليل، فإن فعلها في الربع الأخير من الليل أفضل، وقيل
~~السدس، وهذا الذي اخترناه من الأوقات، هو المعمول عليه، المحقق من المذهب،
~~المجمع عليه.
# وقد ذهب بعض أصحابنا، وهو مذهب شيخنا ms0126 أبي جعفر رحمه الله في سائر كتبه،
~~إلى أن لكل صلاة وقتين، أولا وآخرا، فالوقت الأول، لمن لا عذر له، والثاني
~~لمن له عذر، فأول وقت الظهر للمختار زوال الشمس وآخره إلى قبل أن يصير ظل
~~كل شئ مثله، بمقدار أداء فريضة الظهر، فإذا صار ظل كل شئ مثله، قبل أن يصلي
~~المختار الفريضة، صارت الظهر قضاء لا أداء، وأول وقت العصر عنده للمختار،
~~بعد فريضة الظهر، وآخره قبل أن يصير ظل كل شئ مثليه، بمقدار أداء فريضة
~~العصر، فإذا صار ظل كل شئ مثليه، قبل أن يصلي المختار الفريضة صارت الظهر
~~قضاء لا أداء وأول وقت المغرب، عدم الحمرة من ناحية المشرق، وآخره للمختار،
~~قبل غيبوبة الشفق من ناحية المغرب، بمقدار أداء فريضة المغرب، فإذا عدمت
~~الحمرة من ناحية المغرب، ولم يصل المختار الفريضة صارت قضاء لا أداء.
# وأول وقت العشاء الآخرة، بعد صلاة المغرب، وآخره قبل ثلث الليل، بمقدار
~~أداء فريضة العشاء الآخرة، فإذا صار الثلث من الليل، ولم يصل المختار صلاة
~~العشاء الآخرة، صارت قضاء لا أداء فيجعل الوقتين المكلفين للمختار الوقت
~~الأول ولمن له عذر الوقت الأخير.
# ولا خلاف في أن أول الوقت لأداء الصلاة أفضل من آخره، وإن لكل
# PageV01P196
# صلاة وقتين، ولو قيل أن لكل صلاة وقتا، وللوقت أول، وآخر كان صوابا جيدا.
# وإنما الخلاف بين أصحابنا في أن هذين الوقتين لمكلف واحد، أو لمكلفين،
~~فالصحيح أن الوقتين لمكلف واحد، إلا أن الصلاة في الوقت الأول أفضل.
# من الوقت الأخير على ما قدمناه.
# والذي يدل على ما اخترناه، ويعضد ما قويناه، بعد الإجماع قوله تعالى:
# " أقم الصلاة طرفي النهار " (1) يعني الفجر والعصر، وطرف الشئ ما يقرب من
~~نهايته، ولا يليق ذلك إلا بقول من قال: إن وقت العصر ممتد إلى قرب غروب
~~الشمس، لأن مصير ظل كل شئ مثله أو مثليه، يقرب من الوسط، ولا يقرب من
~~الغاية والنهاية، ولا معنى لقول من حمل الآية على الفجر والمغرب، لأن
~~المغرب ليس هي في طرف النهار، ms0127 وإنما هي في طرف الليل، بدلالة أن الصائم يحل
~~له الإفطار في ذلك الوقت، والإفطار لا يحل في بقية النهار.
# وأيضا قوله تعالى: " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " (2) وغسق
~~الليل عندنا انتصافه، فظاهر هذا الكلام يقتضي أن وقت الظهر ابتداؤه من دلوك
~~الشمس، وهو زوالها، وإنه يمتد إلى غسق الليل، وخرج منه بالدليل و والإجماع
~~وقت غروب الشمس، فبقي ما قبله.
# وأيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إنما أجلكم في أجل ما
~~خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس (3) وظاهر هذا القول يقتضي
~~التناهي وقصر المدة، ولا يليق ذلك إلا بما اخترناه ونظير هذا الخبر في
~~إفادة قصر المدة ما روي من قوله صلى الله عليه وآله:
# بعثت والساعة كهاتين، وأشار صلى الله عليه وآله بالسبابة والوسطى (4).
# PageV01P197
# وأيضا ما روي من أن النبي صلى الله عليه وآله صلى الظهر في الوقت الذي
~~صلى فيه العصر بالأمس وهذا يقتضي أن الوقت وقت لهما جميعا.
# ومن ادعى إن هذا الخبر منسوخ، وإنه كان قبل استقرار المواقيت، فقد ادعى
~~ما لا برهان عليه.
# وأيضا ما رواه ابن عباس عنه صلى الله عليه وآله من أنه جمع بين الصلاتين
~~في الحضر، لا لعذر (1) وهذا يدل على اشتراك الوقت.
# وليس لأحد أن يحمل هذا الخبر، على أنه صلى الظهر في آخر وقتها، والعصر في
~~أول وقتها، لأن هذا ليس بجمع بين الصلاتين، وإنما هو فعل كل صلاة في وقتها،
~~وذكر العذر في الخبر، يبطل هذا التأويل، لأن فعل الصلاة في وقتها المخصوص
~~بها، لا يحوج إلى عذر.
# ويدل أيضا على ما ذهبنا إليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من
~~قوله: من فاتته صلاة العصر، حتى غربت الشمس، فكأنما وتر أهله وماله (2)،
~~فعلق الفوات بغروب الشمس، وتعليقه به، يدل على أن الوقت ممتد إلى الغروب.
# وأيضا ما روي عنه صلى الله عليه وآله، وعن الأئمة عليهم السلام، من قولهم
~~لا يخرج وقت صلاة، ms0128 ما لم يدخل وقت صلاة أخرى (3) وهذا يدل على أنه، إذا لم
~~يدخل وقت صلاة أخرى، وهي المغرب، فإنه لا يخرج وقت العصر.
# فأما الأخبار (4) التي وردت ورواه أصحابنا في الأقدام والأذرع، وظل كل شئ
~~مثله، وظل كل شئ مثليه، ليتميز وقت الظهر والعصر، والذراع والذراعان،
~~والقامة والقامتان، وسبع الشخص، وسبعا الشخص، وما أشبه
# PageV01P198
# ذلك من الأخبار، فمحمول على تحديد وقت النوافل، دون الفرائض، لأنه إذا
~~صار ظل كل شئ مثله، ولم يصل المكلف نافلة الظهر، فقد خرج وقتها، وصارت قضاء
~~بغير خلاف.
# وكذلك نافلة العصر، إذا صار ظل كل شئ مثليه، ولم يصل المكلف نافلته فقد
~~خرج وقتها، وصارت قضاء بغير خلاف، وإن كان وقت الظهر والعصر باقيا، ولو
~~كانت الأذرع والظلل والقامة، أوقاتا للفرائض، ما اختلفت هذا الاختلاف
~~وتباينت هذا التباين، وإنما هذا الاختلاف، لأجل أوقات النوافل، ليقع
~~التنفل، والتسبيح، والدعاء في هذا الزمان على قدر تطويل المكلف في نافلته،
~~وتسبيحه ودعائه، فمن طول في نافلته، كان أكبر المقادير له وقتا ومن قصر دون
~~ذلك في نافلته، كان أوسط المقادير له وقتا، ومن قصر في نافلته، كان أقصر
~~المقادير المضروبة وقتا لنافلته، وهذا هو الأفضل والأولى، فجعلت الأقدام
~~والأذرع والأسباع والأظلة والقامات حدا للنافلة والفضل لا للجواز، ومن
~~هاهنا جاء الاشتباه على بعض أصحابنا وزلت الأقدام، فجعل وقت النافلة وقتا
~~للفريضة، على ما أسلفنا القول فيه، وبيناه، وبهذه الجملة يلوح السيد
~~المرتضى رضي الله عنه في جوابات المسائل الناصريات (1).
# وأيضا لا خلاف بين المخالف في المسألة والموافق من أصحابنا، أن الذي أفاض
~~من عرفات، لا يصلي المغرب إلا بالمزدلفة، وإن ذهب ربع الليل، وذلك هو
~~الأفضل المستحب ولو لم يكن وقتا لها، لما جاز له تأخير المغرب إلى خروج
~~وقتها، سواء كان مسافرا أو حاضرا، مضطرا أو مختارا، لأنه ليس للمسافر أن
~~يصلي الصلاة في غير وقتها، كما أن ليس للحاضر ذلك.
# فأما ما يوجد في بعض الكتب، ويقوله بعض أصحابنا، من أنه إذا زالت
# PageV01P199
# الشمس فقد دخل ms0129 الوقتان معا، إلا أن هذه قبل هذه، وكذلك إذا غربت الشمس،
~~فقد دخل الوقتان جميعا، إلا أن هذه قبل هذه، فهذا ضد الصواب، وخطأ من
~~القول، لأن الشمس إذا زالت دخل وقت الظهر فحسب، فإذا مضى مقدار ما يصلي
~~الفريضة، اشترك الوقتان معا، إلا أن هذه قبل هذه، وكذلك إذا غربت الشمس،
~~فقد دخل وقت المغرب، من غير اشتراك، إلا أن يمضي مقدار ما يصلي فيه
~~الفريضة، فإذا مضى ذلك الوقت، اشترك الوقتان جميعا، إلا أن الأولى قبل
~~الثانية.
# فإذا بقي من النهار مقدار ما يصلى فيه فريضة العصر، فقد خرجت المشاركة،
~~واختص الوقت بالعصر فحسب، كما أن بالزوال اختص الوقت بالظهر، ولم يشارك
~~العصر الظهر، وكذلك إذا بقي من النهار مقدار أداء فريضة العصر، اختص به،
~~ولم يشارك الظهر العصر، وكذلك القول في المغرب والعشاء الآخرة، فليلحظ ذلك،
~~وليتأمل، فإنه قول المحصلين من أصحابنا الذين يلزمون الأدلة والمعاني، لا
~~العبارات والألفاظ.
# ولا ينبغي لأحد أن يصلي، حتى يتيقن دخول الوقت، فإن شك لغيم أو غيره،
~~استظهر حتى يزول الريب عنه في دخوله.
# ومتى صلى صلاة في حال فقدان الأمارات والدلالات على الأوقات، ومع
~~الاستظهار، وظهر له بعد الفراغ منها، إن الوقت لم يدخل، وجب عليه الإعادة
~~بلا خلاف بين أصحابنا في ذلك، فأما إن ظهر له وهو في خلالها، قبل الفراغ
~~منها، إن الوقت لم يدخل، فذهب بعض أصحابنا، إلى أنه يعيد، إن كانت الصلاة
~~وقعت كلها خارج الوقت، وإن كان قد دخل عليه وقت الصلاة، وهو فيها، لم يفرغ
~~منها، لم يلزمه الإعادة.
# وذهب قوم من أصحابنا، إلى وجوب الإعادة، إذا ظهر له بعد الفراغ منها، أو
~~هو في خلالها، إن الوقت لم يدخل، لا فرق بينهما عنده، وهذا مذهب السيد
~~PageV01P200
# المرتضى رضي الله عنه، والأول هو المعمول عليه، والأظهر في المذهب، وبه
~~تنطق الأخبار (1) المتواترة المتظاهرة عن الأئمة الطاهرة عليهم السلام، وهو
~~مذهب شيخنا المفيد رحمه الله وأبي جعفر الطوسي رحمه الله.
# وأيضا فإن هذا المكلف عند ms0130 هذه الأحوال، تكليفه غلبة ظنه وقد امتثل ذلك،
~~ودخل في صلاته دخولا شرعيا مأمورا به، وإعادة صلاته المأمور بها، أو هدمها
~~من أولها، يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه فأما إن كان دخوله في هذه الصلاة
~~لا عند غلبة ظنه، واستظهاره، ولا عند فقدان أمارات أوقاته، ودلالاته،
~~فالقول عندي، ما قاله السيد المرتضى في هذه الحال فليلحظ ذلك.
# والأوقات التي ورد النهي عن الصلاة التي لا سبب لها فيه ابتداء طلوع
~~الشمس، وبعد صلاة الغداة، وبعد صلاة العصر، وعند غروب الشمس، وعند قيامها
~~نصف النهار قبل الزوال، إلا في يوم الجمعة خاصة.
# فأما الصلاة التي لها سبب. فإنها لا تكره في وقت من الأوقات.
# ومتى صار ظل كل شئ مثله، ومعرفة ذلك إذا انتصف النهار، ورأيت الظل ينقص،
~~فإن الشمس لم تزل، فإذا زاد الظل، فقد زالت الشمس، غير أن أطول ما يكون ظل
~~الزوال، إذا كانت الشمس في أول الجدي، وهو أول الشتاء، حين انقضى الخريف،
~~وظل العود يومئذ، ساعة تزول الشمس، مثله مرة وثلث، وأقصر ما يكون الظل، إذا
~~كانت الشمس في أول السرطان، وذلك أول الصيف حين انقضاء الربيع، وظل الزوال
~~يومئذ بالعراق نصف سدس طول العود الذي تقيمه، وتقع في الشمس في الأيار،
~~فإذا زالت الشمس على أي ظل كان من الطول والقصر، فقد دخل وقت الظهر، فإذا
~~زاد على طول الزوال
# PageV01P201
# مثل طول العود، فهو آخر وقت نوافل الظهر، فإذا صار كذلك، ولم يكن قد صلى
~~من النوافل شيئا، بدأ بالفريضة أولا، ويؤخر النوافل.
# وإن كان قد صلى منها ركعة أو ركعتين، فليتممها، وليخفف قراءتها، ثم يصلي
~~الفرض.
# وكذلك يصلي نوافل العصر، ما بين الفراغ من الظهر، إلى أن يصير ظل كل شئ
~~مثليه، على ما قدمناه، فإن صار كذلك، ولم يكن قد صلى شيئا منها، بدأ بالعصر
~~وأخر النوافل، وإن كان قد صلى منها شيئا، أتم ما بقي عليه، ثم صلى العصر،
~~ونوافل المغرب كذلك، الاعتبار فيها وفي وقتها، حصول شئ منها قبل خروجه. ms0131
# ووقت الركعتين من جلوس، بعد العشاء الآخرة، فإن كان ممن يريد أن يتنفل
~~آخرهما، يختم صلاته بهاتين الركعتين.
# وآخر وقتهما نصف الليل، فإن قارب انتصافه، وأراد أن يصلي صلاة، فليبدأ
~~بهما ثم يتنفل بما أراد.
# ووقت صلاة الليل، بعد انتصافه، على ما قدمناه، إلى طلوع الفجر، وكلما
~~قارب الفجر كان أفضل، فإن طلع الفجر ولم يكن قد صلى من صلاة الليل شيئا،
~~بدأ بصلاة الغداة، وأخر صلاة الليل، وإن كان قد صلى من صلاة الليل عند طلوع
~~الفجر أربع ركعات. أتم صلاة الليل، وخفف القراءة فيها، ثم صلى الغداة، فإن
~~قام إلى صلاة الليل، وقد قارب الفجر، خفف الصلاة، واقتصر من القراءة على
~~الحمد وحدها، ولا يطول الركوع والسجود، لئلا يفوته فضل أول وقت صلاة
~~الغداة.
# ولا يجوز تقديم صلاة الليل في أوله، إلا لمسافر يخاف فوتها، أو شاب يمنعه
~~من قيام آخر الليل رطوبة رأسه، ولا يجعل ذلك عادة، على ما روي في بعض
~~الروايات (1).
# PageV01P202
# والأحوط والأظهر، لزوم أصول المذهب، وأن لا يصلي فريضة ولا نافلة قبل
~~دخول وقتها، لا لعذر ولا لغيره، بل قضاء الصلاة لهذين المكلفين هو المعمول
~~عليه الأظهر، لا على جهة الأفضل بين القضاء، وبين تقديمها، قبل دخول وقتها
~~ووقت ركعتي نافلة الغداة، عند الفراغ من صلاة الليل، على ما قدمناه، وإن
~~كان ذلك قبل طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر، ولم يكن قد صلى من صلاة الليل
~~شيئا، صلى الركعتين ما بينه وبين طلوع الحمرة، فإذا طلعت الحمرة، ولم يكن
~~قد صلى الركعتين، أخرهما، وصلى الغداة.
# ومن فاتته صلاة فريضة فليقضها أي وقت ذكرها، من ليل أو نهار، ما لم يتضيق
~~وقت صلاة حاضرة، فإن تضيق وقت صلاة حاضرة، بدأ بها، ثم بالتي فاتته، فإن
~~كان قد دخل في الصلاة الحاضرة، قبل تضيق وقتها وقد صلى منها شيئا قبل
~~الفراغ منها، فالواجب عليه، العدول بنيته إلى الصلاة الفائتة، ثم يصلي بعد
~~الفراغ منها الصلاة الحاضرة، وعلى هذا إجماع أصحابنا منعقد.
# ويصلي ركعتي الإحرام، وركعتي الطواف، ms0132 والصلاة على الجنازة، وصلاة الكسوف،
~~في جميع الأحوال، ما لم يكن وقت صلاة فريضة قد تضيق وقتها.
# ومن فاته شئ من صلاة النوافل، فليقضها أي وقت شاء، من ليل أو نهار، ما لم
~~يدخل وقت فريضة، وقد روي (1) إلا عند طلوع الشمس أو غروبها، فإنه يكره صلاة
~~النوافل وقضاؤها، في هذين الوقتين، وقد وردت رواية (2) بجواز النوافل في
~~الوقتين اللذين ذكرناهما.
# قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله في نهايته ويعرف زوال الشمس بالأصطرلاب (3)
~~قال محمد بن إدريس: الأصطرلاب، معناه مقياس النجوم، وهو باليونانية
~~(اصطرلافون)، واصطر هو النجم، ولا فون هو المرآة، ومن ذلك
# PageV01P203
# قيل لعلم النجوم أصطر نوميا، وقد يهذي بعض المولعين بالاشتقاقات في هذا
~~الاسم بما لا معنى له، وهو أنهم يقولون، إن لأب اسم رجل، وأسطر جمع سطر،
~~وهو الخط، وهو اسم يوناني، واشتقاقه من لسان العرب جهل وسخف.
# باب القبلة وكيفية التوجه إليها وتحريها يجب على المصلي أن يتوجه إلى
~~الكعبة، وتكون صلاته إليها بعينها، إذا أمكنه ذلك، فإن تعذر، فإلى جهتها،
~~فإن لم يتمكن من الأمرين، تحرى جهتها، وصلى إلى ما يغلب على ظنه، بعد
~~الاجتهاد أنه جهة الكعبة، وقد روي أن الله تعالى جعل الكعبة قبلة لأهل
~~المسجد، وجعل المسجد قبلة لأهل الحرم، وجعل الحرم قبلة لأهل الدنيا (1).
# والحرم يكون عن يمين الكعبة أربعة أميال، وعن يسارها ثمانية أميال، فلهذا
~~أمر كل من يتوجه إلى الركن العراقي من أهل العراق وغيرهم، أن يتياسروا في
~~بلادهم عن السمت الذي يتوجهون إليه قليلا، ليكون ذلك أشد في الاستظهار
~~والتحرز من الخروج عن جهة الحرم، وهذه الرواية مذهب لبعض أصحابنا، من
~~جملتهم شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله، فإن هذا مذهبه في سائر كتبه.
# والأول مذهب السيد المرتضى وغيره من أصحابنا، وهو الذي يقوى في نفسي، وبه
~~أفتي.
# ومن أشكلت عليه جهة القبلة ليلا، يجعل الكوكب المعروف بالجدي (بفتح جيم،
~~مكبر غير مصغر، لأن بعض من عاصرناه من مشايخنا كان يصغره وهو خطأ، ولقد
~~سألت ابن العطار إمام ms0133 اللغة ببغداد عن تصغيره فأنكر ذلك، وقال: ما يصغر،
~~واستشهد بالشعر على تكبيره ببيت لم أحفظه، وقد أورد ابن
# PageV01P204
# قتيبة في كتابه الأنواء ببيت مهلهل:
# - كأن الجدي جدي بنات النعش * يكب على اليدين فيستدير وقال الأخطل وذكر
~~بني سليم:
# وما يلاقون قراصا إلى نسب * حتى يلاقي جدي الفرقد القمر وقال الأعشى:
# فأما إذا ما أدلجت فترى لها * رقيبين، جديا ما يغيب وفرقدا) على منكبه
~~الأيمن وتوجه.
# فمن لم يتمكن من ذلك لغيم أو غيره، وفقد سائر الأمارات والعلامات، وتساوت
~~في ظنه الجهات، كان عليه أن يصلي إلى أربع جهات يمينه، وشماله، وأمامه،
~~ووراءه، تلك الصلاة بعينها، وينوي لكل صلاة منها أداء فرضه، ولا شئ عليه
~~غير ذلك.
# فمن لم يتمكن من الصلاة إلى الجهات الأربع، لمانع من ضيق وقت أو خوف، صلى
~~إلى أي جهة شاء، وليس يلزمه مع الضرورة غير ذلك.
# فإن أخطأ القبلة، وظهر له بعد صلاته، أعاد في الوقت بغير خلاف، فإن كان
~~قد خرج الوقت فلا إعادة عليه، على الصحيح من المذهب، لأن الإعادة فرض ثان،
~~يحتاج إلى دليل قاطع للعذر.
# وقد روي أنه إن كان خطاؤه بأن استدبر القبلة، أعاد على كل حال (1)،
~~والأول هو المعمول عليه، ووافقنا فيما ذهبنا إليه مالك، وقال أبو حنيفة
~~وأصحابه:
# إن صلاته ماضية، ولا إعادة عليه على كل حال.
# وقال الشافعي في الجديد: أن من أخطأ القبلة، ثم تبين له خطأه، لزمه
~~الإعادة على كل حال، وقوله في القديم مثل قول أبي حنيفة.
# PageV01P205
# دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الإجماع، قوله تعالى: " وحيث ما كنتم
~~فولوا وجوهكم شطره " (2) فأوجب التوجه على كل مصل، إلى شطر البيت، فإذا لم
~~يفعل ذلك، كان الأمر عليه باقيا، فيلزمه الإعادة.
# فإن قيل: الآية تقتضي وجوب التوجه على كل مصل، وليس فيها دلالة على أنه
~~إذا لم يفعل لزمته الإعادة؟
# قلنا: لم نحتج بالآية على وجوب القضاء وإنما بينا بالآية وجوب التوجه على
~~كل مصل، فإذا لم يأت بالمأمور به، فهو باق في ms0134 ذمته، فيلزمه فعله.
# وليس لأحد أن يقول: هذه الآية إنما يصح أن يحتج بها الشافعي، لأنه يوجب
~~الإعادة على كل حال، في الوقت وبعد خروج الوقت، وأنتم تفصلون بين الأمرين
~~فظاهر الآية يقتضي أن لا فصل بينهما، فلا دليل لكم على مذهبكم في الآية.
# قلنا: إنما أمر الله تعالى كل مصل للظهر مثلا بالتوجه إلى شطر البيت، ما
~~دام في الوقت، ولم يأمره بالتوجه بعد خروج الوقت، لأنه إنما يأمر بأداء
~~الصلاة، لا بقضائها، والأداء ما كان في الوقت، والقضاء ما خرج عن الوقت،
~~فهو إذا تحرى القبلة وصلى إلى جهة، ثم تبين له الخطأ، وتيقن أنه صلى إلى
~~غير القبلة، وهو في الوقت، لم يخرج عنه، فحكم الأمر باق عليه، ووجوب الصلاة
~~متوجها إلى القبلة باق في ذمته، وما فعله غير مأمور به، ولا يسقط عنه
~~الفرض، فيجب أن يصلي ما دام الوقت وقت الصلاة، المأمور بها وهي التي تكون
~~إلى جهة الكعبة، لأنه قادر عليها، وهو متمكن منها، وبعد خروج الوقت، لا
~~يقدر على فعل المأمور به بعينه، لأنه قد فات بخروج الوقت، والقضاء في
~~الموضع الذي يجب فيه، إنما نعلمه بدليل غير دليل وجوب الأداء هكذا يقتضي
~~أصول الفقه عند محققي هذا الشأن.
# PageV01P206
# وليس لأحد أن يقول: إن المصلي في حال اشتباه القبلة عليه، لا يقدر على
~~التوجه إلى القبلة، فالآية مصروفة إلى من يقدر على ذلك، لأن هذا القول
~~تخصيص لعموم الآية بغير دليل، ولأنه إذا تبين له الخطأ في الوقت، فقد زال
~~الاشتباه، فيجب أن تكون الآية متناولة له، ويجب أن يفعل الصلاة إلى جهة
~~القبلة.
# فإن تعلقوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: رفع عن أمتي
~~الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (1).
# فالجواب عن ذلك، إنا نقول: إن خطأه مرفوع، وإنه غير مؤاخذ به، وإنما يجب
~~عليه الصلاة، بالأمر الأول، لأنه لم يأت بالمأمور به.
# فإن تعلقوا بما روي من أن قوما أشكلت عليهم القبلة، لظلمة عرضت، فصلى
~~بعضهم إلى جهة، ms0135 وبعضهم إلى غيرها، وعلموا ذلك، فلما أصبحوا رأوا تلك الخطوط
~~إلى غير القبلة، ولما قدموا من سفرهم، سألوا النبي صلى الله عليه وآله عن
~~ذلك، فسكت، فنزل قوله تعالى: " فأينما تولوا فثم وجه الله " (2) فقال النبي
~~صلى الله عليه وآله أجزأتكم صلاتكم (3).
# والجواب عن ذلك: إنما نحمل هذا الخبر، على أنهم سألوه عن ذلك بعد خروج
~~الوقت، وهذا صريح في الخبر، لأنه كان سؤالهم بعد قدومهم من السفر، فلم
~~يأمرهم صلى الله عليه وآله بالإعادة، لأن الإعادة على مذهبنا لا تلزم بعد
~~خروج الوقت.
# وهذه الأدلة أوردها السيد المرتضى رحمه الله على المخالفين محتجا بها
~~عليهم، ونعم ما أورد، ففيه الحجة وطريق المحجة.
# PageV01P207
# ولا تجزي الصلاة في حال الاختيار، إلا مع التوجه إلى القبلة، إلا النافلة
~~في السفر فقد يجوز أن يصليها على الراحلة، أينما توجهت، بعد أن يكبر
~~مستقبلا للقبلة تكبيرة الإحرام.
# وقد يجزي في حال الاضطرار، صلاة الفرض والنفل إلى غير جهة القبلة، كصلاة
~~المسايف، والمعانق، في حال التحام الحرب، وما أشبه ذلك من أحوال العذر،
~~وهذا بين عند ذكر صلاة المعذور بمشية الله تعالى.
# ومن جملة أمارات القبلة، وعلاماتها، أنه إذا راعى زوال الشمس، ثم استقبل
~~عين الشمس، بلا تأخير، فإذا رآها على طرف حاجبه الأيمن، مما يلي جبهته في
~~حال الزوال، علم أنه مستقبل القبلة، وإن كان عند طلوع الفجر، جعل الضوء
~~المعترض في أفق السماء في زمان الاعتدال، على يده اليسرى، ويستقبل القبلة،
~~وإن كان عند غروبها، جعل الشفق الذي في جهة المغرب، على يده اليمنى، وهذه
~~العلامات، علامات لم توجه إلى الركن العراقي، من أهل العراق، وخراسان،
~~وفارس، وخوزستان، ومن والاهم، فأما غير هذه البلدان، فلهم علامات غير هذه
~~العلامات.
# باب الأذان والإقامة وأحكامهما وعدد فصولهما اختلف قول أصحابنا في الأذان
~~والإقامة، فقال قوم: إن الأذان والإقامة، من السنن المؤكدة في جميع الصلوات
~~الخمس، وليسا بواجبين، وإن كانا في صلاة الجماعة، وفي صلاة الفجر، والمغرب،
~~وصلاة الجمعة، أشد تأكيدا وهذا الذي أختاره وأعتمد عليه. ms0136
# وذهب بعض أصحابنا إلى وجوبهما، على الرجل في كل صلاة جماعة، في سفر أو
~~حضر، ويجبان عليهم جماعة وفرادى، في سفر أو حضر في الفجر والمغرب وصلاة
~~الجمعة، والإقامة دون الأذان، تجب عليهم في باقي الصلوات المكتوبات،
~~PageV01P208
# وهذا الذي ذهب إليه السيد المرتضى رحمه الله في مصباحه (1).
# وبالأول يقول الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مبسوطه (2) ومسائل
~~خلافه (3).
# ويذهب في نهايته (4) وجمله وعقوده (5) إلى أنهما واجبان على الرجال في
~~صلاة الجماعة.
# والدلالة على صحة ما اخترناه، أن الأصل نفي الوجوب، فمن أعاده فعليه
~~الدلالة الموجبة للعلم، ولأنه لا خلاف في أن الأذان والإقامة، مشروعان
~~مسنونان، وفيهما فضل كثير، وإنما الخلاف في الوجوب، والوجوب زائد على الحكم
~~المجمع عليه فيهما، فمن ادعاه فعليه الدليل لا محالة.
# وبعد فإن الأذان والإقامة مما يعم البلوى به، ويتكرر فعله في اليوم
~~والليلة، فلو كان واجبا حتما، لو رد وجوبه، وورد مثله، فيما يوجب العلم،
~~ويرفع الشك.
# ويدل أيضا على ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله، من قوله " الأئمة
~~ضمناء، والمؤذنون أمناء " (6).
# فالأمين متطوع بالأمانة، وليس بواجب عليه.
# ومن ترك الأذان والإقامة متعمدا، ودخل في الصلاة، فلينصرف، وليؤذن وليقم،
~~أو ليقم ما لم يركع، ثم يستأنف الصلاة.
# وإن تركهما ناسيا، حتى دخل في الصلاة ثم ذكر، مضى في صلاته، ولا يستحب له
~~الإعادة، كالاستحباب في الأول، بل هاهنا لا يجوز له الرجوع عن صلاته.
# ومن أقام ودخل في الصلاة ثم أحدث ما يجب عليه إعادة الصلاة، فليس عليه
~~إعادة الإقامة، إلا أن يكون قد تكلم فإنه يستحب له إعادة الإقامة أيضا.
# PageV01P209
# ومن فاتته صلاة، وأراد قضاءها، قضاها كما فاتته بأذان وإقامة، أو بإقامة
~~على ما روي (1).
# وليس على النساء أذان ولا إقامة، بل يتشهدن الشهادتين، بدلا من ذلك، فإن
~~أذن وأقمن، كان أفضل، إلا أنهن لا يرفعن أصواتهن أكثر من إسماع أنفسهن، ولا
~~يسمعن الرجال.
# ويستحب أن يكون المؤذن عدلا أمينا عارفا بالمواقيت، مضطلعا بها، معناه
~~قيما بها. قال لقيط الأيادي: ms0137
# وقلدوا أمركم لله دركم * رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا ويستحب أن يكون
~~عالي الصوت، جهوريا، ليكثر الانتفاع بصوته، حسن الصوت، مرتلا مبينا للحروف،
~~مفصحا بها، مع بيان ألفاظها.
# ويكره أن يكون أعمى.
# ولا يؤذن ولا يقيم إلا من يوثق بدينه، فإن كان الذي يؤذن، غير موثوق
~~بدينه، أذنت لنفسك، وأقمت، هذا في الجماعات المنعقدات.
# وكذلك إن صليت خلف من لا تقتدي به، أذنت لنفسك وأقمت.
# وإذا صليت خلف من تقتدي به، فليس عليك أذان ولا إقامة، وإن لحقت بعض
~~الصلاة، فإن فاتتك الصلاة معه، أذنت لنفسك وأقمت.
# ولا بأس أن يؤذن الصبي الذي لم يبلغ الحلم، ويقيم، وإن تولى ذلك الرجال
~~كان أفضل.
# والأذان هو الإعلان في لسان العرب، وهو في الشريعة كذلك، إلا أنه تخصص
~~بإعلام دخول وقت صلاة الخمس، دون سائر الصلوات، فعلى هذا لا يجوز الأذان
~~قبل دخول الوقت، فمن أذن قبل دخوله أعاد بعد دخوله.
# PageV01P210
# وقد روي (1) جواز تقديم الأذان في صلاة الغداة خاصة، إلا أنه يستحب
~~إعادته بعد دخول الفجر ودخول وقته، والأصل ما قدمناه، لأن الأذان دعاء إلى
~~الصلاة، وعلم على حضورها، ولا يجوز قبل دخول وقتها، لأنه وضع الشئ في غير
~~موضعه.
# وروى عاص بن عامر عن بلال أن رسول صلى الله عليه وآله قال له:
# لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر كذا، ومد يده عرضا (2).
# وليس لأحد أن يحمل اسم الأذان هاهنا على الإقامة، ويستشهد بما روي عنه
~~صلى الله عليه وآله من قوله: بين كل أذانين صلاة (3)، يعني الأذان
~~والإقامة.
# وذلك أن إطلاق اسم الأذان لا يتناول الإقامة فلا يجوز حمله عليها إلا
~~بدلالة.
# والأفضل أن لا يؤذن الإنسان إلا وهو على طهر، فإن أذن وهو على غير طهارة
~~أجزأه ولا يقيم إلا وهو على طهر.
# والأفضل أن لا يؤذن الإنسان وهو راكب، أو ماش، ويتأكد ذلك في الإقامة،
~~وكذلك الأفضل أن لا يوذن الإنسان ووجهه إلى غير القبلة، ويتأكد ذلك في
~~الشهادتين، وكذلك في الإقامة.
# ويكره الكلام في حال الأذان، ms0138 ويتأكد ذلك في حال الإقامة، فإن تكلم بين
~~فصول الأذان فلا تستحب له إعادته، وإن تكلم بين فصول الإقامة، فالمستحب له
~~إعادتها، وإذا قال: قد قامت الصلاة، فقد حرم الكلام على الحاضرين، ومعنى
~~يحرم يكره الكلام على الحاضرين كراهية شديدة، لا أنه محظور حرام، لأن الحظر
~~يحتاج إلى دليل قاطع للعذر وإنما إذا كان الشئ شديد
# PageV01P211
# الكراهة أتوا به على لفظ الحظر والحرام، وكذلك إذا كان الشئ على جهة
~~الاستحباب المؤكد، أتوا به على جهة الوجوب، إلا بما يتعلق بالصلاة من تقديم
~~إمام، أو تسوية صف.
# والترتيب واجب في الأذان والإقامة، فمن قدم حرفا منه على حرف، رجع فقدم
~~المؤخر، وأخر المقدم منه.
# فإن قيل: عندكم أن الأذان والإقامة مندوبان، ومع ذلك فالترتيب فيهما
~~واجب؟
# قلنا: غرضنا بما قلنا من وجوب الترتيب مع كون الأذان مندوبا إليه، أن من
~~أتى بهما غير مرتبين يستحق به الإثم، غير إنا نقول استحقاقه الإثم ليس هو
~~بسبب أنه أخل بواجب عليه فعله، وإنما هو بسبب ارتكابه بدعة وشيئا غير
~~مشروع، باعتبار أنه لو ترك الأذان والإقامة وجميع صفاتهما، فإنه لا يستحق
~~بذلك إثما، فانكشف بذلك إن استحقاق الإثم فيهما إذا فعلا غير مرتبين، إنما
~~هو بارتكاب البدعة، لا بالإخلال بالواجب.
# ولا يجوز التثويب في الأذان، اختلف أصحابنا في التثويب ما هو، فقال قوم
~~منهم: هو تكرار الشهادتين دفعتين، وهذا هو الأظهر، لأن التثويب مشتق من ثاب
~~الشئ إذا رجع، وأنشد المبرد لما سئل عن التأكيد فقال:
# لو رأينا التأكيد خطة عجز * ما شفعنا الأذان بالتثويب وقال قوم منهم:
~~التثويب هو قول: الصلاة خير من النوم، وعلى القولين لا يجوز فعل ذلك، فمن
~~فعله لغير تقية كان مبدعا مأثوما.
# وكذلك اختلف الفقهاء في تفسيره.
# والدليل على أن فعله لا يجوز، إجماع طائفتنا بغير خلاف بينهم. وأيضا لو
~~كان التثويب مشروعا لوجب أن يقوم دليل شرعي يقطع العذر على ذلك، ولا دليل
~~عليه.
# وأيضا فلا خلاف في أن من ترك التثويب لا يلحقه ذم، ولا ms0139 عقاب، لأنه
~~PageV01P212
# إما أن يكون مسنونا على قول بعض الفقهاء، أو غير مسنون على قول البعض
~~الآخر، وفي كلا الأمرين لا ذم في تركه، ويخشى من فعله أن يكون بدعة ومعصية،
~~يستحق بها الذم، فتركه أولى وأحوط في الشريعة.
# والإقامة مثنى مثنى، وهو مذهب أصحابنا كلهم.
# ولا يجوز الأذان لشئ من صلاة النوافل ولا الفرائض سوى الخمس.
# والأذان والإقامة خمسة وثلاثون فصلا، الأذان ثمانية عشر فصلا، والإقامة
~~سبعة عشر فصلا.
# والأذان: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر الله أكبر - أشهد أن لا إله
~~إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله - أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن
~~محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) - حي على الصلاة، حي على الصلاة - حي
~~على الفلاح، حي على الفلاح - حي على خير العمل، حي على خير العمل - الله
~~أكبر، الله أكبر - لا إله إلا الله، لا إله إلا الله.
# والإقامة سبعة عشر فصلا على ما قدمناه، لأن فيها نقصان ثلاثة فصول من
~~الأذان، وزيادة فصلين، فالنقصان تكبيرتان من الأربع الأولى، وإسقاط التكرير
~~من لفظ لا إله إلا الله في آخره، والاقتصار على دفعة واحدة، والزيادة أن
~~يقول بعد حي على خير العمل - قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة.
# ولا يعرب أواخر الكلم، بل تكون موقوفة بغير إعراب.
# والمستحب أن يرتل الأذان، ويحدر الإقامة، والترتيل هو التبيين في تثبت
~~وترسل، والحدر هو الإرسال والاستعجال، ثم يقف فيها دون زمان الوقف والتثبت
~~في الأذان.
# ومن أذن فالمستحب له أن يرفع صوته، فإذا لم يستطع، فإلى الحد الذي يسمع
~~معه نفسه.
# ومن صلى منفردا فالمستحب له أن يفصل بين الأذان والإقامة، بسجدة أو
~~PageV01P213
# جلسة أو خطوة، والسجدة أفضل، إلا في الأذان للمغرب خاصة، فإن الجلسة أو
~~الخطوة السريعة فيها أفضل.
# وإذا صلى في جماعة فمن السنة أن يفصل بين الأذان والإقامة بشئ من نوافله،
~~ليجمع الناس في زمان تشاغله بها، إلا صلاة المغرب فإنه لا يجوز ذلك فيها.
# ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول مثل ms0140 قوله، وقد يوجد في بعض كتب أصحابنا.
# وينبغي أن يفصح فيهما بالحروف وبالهاء في الشهادتين، والمراد بالهاء هاء
~~إله، لا هاء أشهد، ولا هاء الله، لأن الهاء في أشهد، مبينة، مفصح بها، لا
~~لبس فيها، وهاء الله، موقوفة مبينة أيضا لا لبس فيها، وإنما المراد هاء
~~إله، لأن بعض الناس ربما أدغم الهاء في لا إله إلا الله.
# ذكر شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه (1) إن الأذان لا يختص بمن كان من نسل
~~مخصوص، كأبي محذورة وسعد القرظ وقال الشافعي: أحب أن يكون من ولد من جعل
~~النبي صلى الله عليه وآله فيهما الأذان، مثل أبي محذورة وسعد القرظ.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: (أبو محذورة بالميم المفتوحة والحاء
~~المسكنة غير المعجمة والذال المضمومة المعجمة والواو غير المعجمة والهاء
~~واسمه سلمان ويقال سمرة الحمجي القرشي وكان مؤذن الرسول صلى الله عليه
~~وآله، ويقال أوس بن مغير وسعد القرظ بالقاف المفتوحة والراء المفتوحة غير
~~المعجمة والظاد المعجمة، وكان سعد القرظ مولى لعمار بن ياسر كان يؤذن على
~~عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وأبي بكر بقبا، فلما ولي عمر، أنزله
~~المدينة) أحببت أن أذكر هذين الاسمين، لئلا يجري فيهما تصحيف، فإني سمعت
~~بعض أصحابنا يصحفهما، فيقول أبي محدورة بالدال غير المعجمة، ويقول سعد
~~القرظ بالطاء غير المعجمة، وبضم القاف وسكون الراء، وهو تصحيف.
# PageV01P214
# والدليل على ذلك ما ذكره شيخنا، أنه من خص ذلك في نسب معين، يحتاج إلى
~~دليل، والأخبار الواردة في الحث على الأذان، عامة في كل أحد.
# وأخذ الأجر على الأذان محظور، ولا بأس بأخذ الرزق عليه من سلطان الإسلام،
~~ونوابه.
# ويستحب للإمام أن يلي الأذان والإقامة، ليحصل له الفضل وثواب الجميع، إلا
~~أن يكون أمير جيش، أو أمير سرية، فالمستحب أن يلي الأذان والإقامة غيره،
~~ويلي الإمامة هو على ما اختاره شيخنا المفيد رحمه الله في رسالته إلى ولده
~~(1).
# باب ذكر أعمال الصلاة المفروضة وما يلحق بذل من الشروط علم أن المفروض من
~~ذلك هو الطهارة، ms0141 والتوجه إلى القبلة، والمعرفة بالوقت، وأعداد الفرائض،
~~وستر العورة، والقيام مع القدرة، أو ما قام مقامه مع العجز، والنية،
~~وتكبيرة الافتتاح، والقراءة في الركعتين الأوليين، والتسبيح أو القراءة في
~~الأخيرتين، والركوع، والتسبيح فيه، أو ذكر الله، والسجود، والتسبيح فيه، أو
~~الذكر، والتشهدان، الأول والثاني، والصلاة على النبي وآله صلى الله عليهم
~~فيهما.
# ومن فروض الصلاة ما يجري مجرى الترك، نحو أن لا يكون على بدن المصلي
~~وثوبه نجاسة، منعت الشريعة من الصلاة، وهي فيه، أو في موضع سجوده نجاسة.
# وإن لا يتكلم، ولا يضحك ولا يأكل، ولا يشرب، ولا يفعل فعلا يخرج به من
~~أفعال الصلاة.
# PageV01P215
# فمتى ترك شيئا مما ذكرناه عامدا من غير عذر، فلا صلاة له، وعليه الإعادة.
# ومتى تركه ساهيا كانت له أحكام نذكرها في باب السهو وبيان أحكامه إن شاء
~~الله تعالى.
# باب كيفية فعل الصلاة على سبيل الكمال المشتمل على الفرض والنفل ينبغي
~~لمن أراد الصلاة وكان منفردا، بعد ما شرطناه من التوجه إلى القبلة، والنية،
~~والأذان، والإقامة، وغير ذلك، أن يبتدي فيكبر ثلاث تكبيرات متواليات يرفع
~~بكل واحدة منهن يديه حيال وجهه، وقد بسط كفيه من غير أن يفرق بين أصابعه،
~~إلا الإبهام، فإنه يفرق بينها وبين المسبحة، ولا يتجاوز بيديه في رفعهما
~~شحمتي أذنيه، وإذا أرسل في الثالثة، يديه، قال: اللهم أنت الملك الحق
~~المبين لا إله إلا أنت سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي ذنبي إنه لا يغفر
~~الذنوب إلا أنت.
# ثم يكبر تكبيرتين على الصفة التي ذكرناها ويقول: لبيك وسعديك، ومعنى
~~لبيك: أي إقامة على إجابتك وطاعتك بعد إقامة، من قولهم: الب فلان بالمكان،
~~أي أقام به، والخير في يديك، والمهدي من هديت، عبدك وابن عبديك بين يديك،
~~لا ملجأ منك إلا إليك، سبحانك وحنانيك، الحنان الرحمة، تباركت وتعاليت،
~~سبحانك رب البيت.
# ثم يكبر تكبيرتين ليكمل التكبيرات سبعا.
# ومن اقتصر على تكبيرة واحدة، وهي تكبيرة الافتتاح، أجزأته، وهي الواجبة
~~التي بها وبالنية معا تنعقد الصلاة، ويحرم عليه ما كان يحل له ms0142 قبلها، فلذلك
~~سميت تكبيرة الإحرام، وتكبيرة الافتتاح، لأن بها تفتح الصلاة ويجب التلفظ
~~بها، ويقدم الله على أكبر، ولا يمد أكبر فيقول أكبار، لأن ذلك جمع كبر،
~~PageV01P216
# بفتح الكاف وفتح الباء التي تحتها نقطة واحدة، وهو الطبل الذي له وجه
~~واحد، قال الشاعر، يهجو قوما:
# حاجيتكم من أبوكم يا بني عصب * شتى ولكنكم للعاهر الحجر فجئتم عصبا من كل
~~ناحية * نوعا مخانيث في أعناقها الكبر بل يأتي بها على وزان أفعل ويقول:
~~وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي،
~~ونسكي، ومحياي ومماتي، لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا من
~~المسلمين.
# ثم يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ويفتتح القراءة بالبسملة.
# وينبغي أن يلزم المصلي في صلاته الخشوع، والخضوع، والوقار، ويطرح
~~الأفكار، ويقبل بقلبه كله على صلاته، يكون مفرغا قلبه من علائق الدنيا،
~~وليقم منتصبا، من غير أن ينحني ظهره، وليكن نظره في حال قيامه إلى موضع
~~سجوده، ويفرق بين قدميه، ويجعل بينهما قدر شبر، أو نحوه إن كان رجلا، ولا
~~يضع يدا على يد، ولا يقدم رجلا على أخرى.
# فإذا تعوذ فليفتتح ببسم الله الرحمن الرحيم يجهر بها في كل صلاة يجهر
~~فيها بالقراءة، أو لم يجهر في الأوليين فحسب.
# وقوم من أصحابنا يرون أن الجهر بها في كل صلاة، إنما هو للإمام، وأما
~~المنفرد فيجهر بها في صلوات الجهر، ويخافت فيما عدا ذلك.
# ويقرأ الحمد، وسورة معها أي سورة شاء، إلا عزائم السجود التي تقدم ذكرها،
~~وهي: سجدة لقمان وسجدة الحواميم وسورة النجم واقرأ باسم ربك، فإنهن يقتضين
~~سجودا واجبا، وذلك لا يجوز في صلاة الفريضة، فإن سجد بطلت صلاته، لأنه يكون
~~قد زاد سجودا متعمدا في صلاته، فإن لم يسجد بطلت صلاته أيضا، لأنه بقراءة
~~العزيمة يتحتم، ويتضيق عليه السجود، فإذا فعل فعلا يمنعه من الواجب المضيق،
~~يكون ذلك الفعل قبيحا، والقبيح لا يتقرب به إلى PageV01P217
# الله تعالى فتكون صلاته منهيا عنها، والنهي يدل على فساد المنهي عنه.
# فإن كان ms0143 قراءته لها ناسيا، لا على طريق التعمد، فالواجب عليه، المضي في
~~صلاته، فإذا سلم، قضى السجود ولا شئ عليه، لأنه ما تعمد بطلان صلاته،
~~فاختلف الحال بين العمد والنسيان.
# ولا بأس بقراءة العزائم في صلاة النوافل، ويجب عليه أن يسجد، ولا تبطل
~~بذلك نافلته.
# فأما الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الركعتين الأخيرتين، فلا يجوز،
~~لأن الأخيرتين لا يتعين فيهما القراءة، وإنما الإنسان مخير بين التسبيح
~~والقراءة، والدليل على ذلك أن الصلاة عندهم على ضربين: جهرية وإخفاتية.
# فالاخفاتية الظهر والعصر، فإن الجهر بالبسملة في الركعتين الأوليين
~~مستحب، لأن فيهما يتعين القراءة فأما الأخيرتان فلا يتعين فيهما القراءة.
# والصلاة الجهرية وهي الصبح، والمغرب، والعشاء الآخرة، فإن الجهر بالبسملة
~~واجب كوجوبه في جميع الحمد.
# وأما الآخرتان فلا يجوز الجهر بالقراءة، إن أرادها المصلي، فقد صار
~~المراد بالجهرية الركعتين الأوليين، دون الأخيرتين، ولا خلاف بيننا في أن
~~الصلاة الإخفاتية لا يجوز فيها الجهر بالقراءة، والبسملة من جملة القراءة،
~~وإنما ورد في الصلاة الإخفاتية التي يتعين فيها القراءة، ولا يتعين القراءة
~~إلا في الركعتين الأوليين فحسب.
# وأيضا فطريق الاحتياط، يوجب ترك الجهر بالبسملة في الأخيرتين، لأنه لا
~~خلاف بين أصحابنا بل بين المسلمين في صحة صلاة من لا يجهر بالبسملة في
~~الأخيرتين، وفي صحة صلاة من جهر فيهما خلاف.
# وأيضا فلا خلاف بين أصحابنا في وجوب الإخفات في الركعتين الأخيرتين، فمن
~~ادعى استحباب الجهر في بعضها وهو البسملة، فعليه الدليل. PageV01P218
# فإن قيل: عموم الندب والاستحباب بالجهر بالبسملة.
# قلنا: ذلك فما يتعين ويتحتم القراءة فيه، لأنهم عليهم السلام قالوا يستحب
~~الجهر بالبسملة فيما يجب فيه القراءة بالإخفات، والركعتان الآخرتان خارجتان
~~من ذلك.
# فقد قال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في جمله وعقوده في قسم المستحب:
~~والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الموضعين (1) يريد بذلك الظهر والعصر،
~~فلو أراد الآخرتين من كل فريضة لما قال في الموضعين، بل كان يقول في
~~المواضع.
# وأيضا فلا خلاف في أن من ترك الجهر بالبسملة في الآخرتين لا يلحقه ms0144 ذم،
~~لأنه إما أن يكون مسنونا على قول المخالف في المسألة، أو غير مسنون على
~~قولنا وفي كلا الأمرين لا ذم على تاركه، وما لا ذم في تركه ويخشى في فعله
~~أن يكون بدعة ومعصية يستحق بها الذم ومفسدا لصلاته، فتركه أولى وأحوط في
~~الشريعة.
# وأيضا فقد ورد في ألفاظ الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام، تنبيه
~~على ما قدمناه أورد ذلك حريز بن عبد الله السجستاني في كتابه، وهو حريز،
~~بالحاء غير المعجمة والراء غير المعجمة والزاي المعجمة، وهو من جملة
~~أصحابنا، وكتابه معتمد عندهم، قال فيه: وقال زرارة: قال أبو جعفر عليه
~~السلام: لا يقرأ في الركعتين الآخرتين من الأربع ركعات المفروضات شيئا،
~~إماما كنت أو غير إمام، قلت: فما أقول فيهما، قال: إن كنت إماما فقل: سبحان
~~الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. ثلاث مرات، ثم تكبر وتركع،
~~وإن كنت خلف إمام، فلا تقرأ شيئا في الأوليين، وأنصت لقراءته ولا تقولن
~~شيئا في الآخرتين، فإن الله عز وجل يقول للمؤمنين: " وإذا قرئ القرآن "
~~يعني في الفريضة خلف الإمام " فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون "
~~والآخرتان تبع الأولتين. قال
# PageV01P219
# زرارة قال أبو جعفر عليه السلام: كأن الذي فرض الله على العباد من الصلاة
~~عشرا، فزاد رسول الله صلى الله عليه وآله سبعا، وفيهن السهو وليس فيهن
~~قراءة، فمن شك في الأوليين أعاد حتى يحفظ، ويكون على يقين، فمن شك في
~~الأخيرتين بنى على ما توهم (1).
# فليلحظ قوله، وليس فيهن قراءة.
# ولا يجوز أن يقرأ في الفريضة بعض سورة.
# ويكره أن يقرأ سورتين، مضافتين إلى أم الكتاب، فإن قرأ ذلك لا تبطل
~~صلاته.
# وقد ذكر شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته، أن صلاته تبطل بذلك،
~~(2) ورجع عن ذلك في استبصاره، وقال: ذلك على طريق الكراهة (3).
# وهذا الذي يقوى عندي، وأفتي به، لأن الإعادة، وبطلان الصلاة يحتاج إلى
~~دليل، وأصحابنا قد ضبطوا قواطع الصلاة، وما يوجب الإعادة، ولم يذكروا ذلك
~~في جملتها، والأصل صحة الصلاة، والإعادة ms0145 والبطلان بعد الصحة، يحتاج إلى
~~دليل، ويجوز ذلك في النافلة.
# فإذا أراد أن يقرأ الإنسان كل واحدة من سورة والضحى وألم نشرح، منفردة عن
~~الأخرى في الفريضة، فلا يجوز له ذلك، لأنهما سورة واحدة عند أصحابنا، بل
~~يقرأهما جميعا وكذلك سورة الفيل ولإيلاف، فمن أراد قراءة كل واحدة من الضحى
~~وألم نشرح في الفرض، جمع بينهما في ركعة، وكذلك من أراد قراءة كل واحدة من
~~سورة الفيل ولإيلاف، جمع بينهما، وفي النوافل ليس يلزم ذلك.
# قال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في التبيان: روى أصحابنا أن ألم
~~نشرح مع الضحى سورة واحدة، لتعلق بعضها ببعض، ولم يفصلوا بينهما ببسم
# PageV01P220
# الله الرحمن الرحيم، وأوجبوا قراءتهما في الفرائض في ركعة، وأن لا يفصل
~~بينهما، ومثله قالوا في سورة ألم تر كيف ولإيلاف، وفي المصحف هما سورتان،
~~فصل بينهما ببسم الله الرحم الرحيم (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: والذي تقتضيه الأدلة، وعليه الإجماع، إن
~~الإنسان إذا أراد قراءة ألم نشرح مع سور الضحى بسمل في الضحى وفي ألم نشرح،
~~والدليل على ذلك إثبات البسملة في المصحف، فلو لم تكن البسملة من جملة
~~السورة ما جاز ذلك، وهو إجماع من المسلمين، ولا يمنع مانع أن يكون في سورة
~~واحدة بسملتان، كما في سورة النمل، وأصحابنا أطلقوا القول بقراءتهما جميعا،
~~فمن أسقط البسملة بينهما ما قرأهما جميعا وأيضا فلا خلاف في عدد آياتهما
~~فإذا لم يبسمل بينهما نقصتا من عددهما، فلم يكن قد قرأهما جميعا.
# وشيخنا أبو جعفر يحتج على المخالفين، بأن البسملة آية من كل سورة، بأنها
~~ثابتة في المصاحف، يعني البسملة، بإجماع الأمة بخلاف العشرات، وهو موافق
~~بإثبات البسملة بينهما، في المصحف.
# وأيضا طريق الاحتياط يقتضي ذلك لأن بقراءة البسملة تصح الصلاة بغير خلاف
~~وفي ترك قراءتها خلاف، وكل سورة تضم إلى أم الكتاب يجب أن يبتدئ فيها -
~~ببسم الله الرحمن الرحيم.
# ويتحتم الحمد عندنا في الركعتين الأولين، من كل فريضة، وهل يجب أن يضم
~~إليها سورة أخرى أم تجزي بانفرادها ms0146 للمختار؟ اختلف أصحابنا على قولين، فبعض
~~منهم يذهب إلى أن قراءة الحمد وحدها تجزي للمختار، وبعضهم يقول لا بد من
~~سورة أخرى مع الحمد، وتحتمها كتحتم الحمد، وهو الأظهر من
# PageV01P221
# المذهب. وبه يفتي السيد المرتضى، والشيخ أبو جعفر في مسائل خلافه (1) وفي
~~جمله وعقوده (2) والاحتياط يقتضي ذلك.
# فأما الآخرتان فلا خلاف بينهم في أن الحمد لا يتعين، بل الإنسان مخير بين
~~الحمد والتسبيح.
# واختلفوا في عدد التسبيح، منهم من قال أقله أربع تسبيحات، وهو مذهب شيخنا
~~المفيد رحمه الله، ومنهم من يقول الواجب عشر تسبيحات، ومنهم من يقول الواجب
~~اثنتا عشرة تسبيحة، والذي أراه ويقوى عندي العشر، وأخص الأربع للمستعجل.
# فإن أراد أن يقرأ الحمد، يجب عليه الإخفات بجميع حروفها على ما مضى شرحنا
~~لذلك، فإن أراد التسبيح فالأولى له الإخفات به، فإن جهر به لا يبطل صلاته،
~~وحمله على القراءة قياس، والقياس عند أهل البيت عليهم السلام متروك، فإن
~~جهر بالقراءة في الحمد بطلت صلاته، إذا فعل ذلك متعمدا.
# ولا بأس بقراءة المعوذتين في الفريضة، ولا يلتفت إلى خلاف ابن مسعود، "
~~في أنهما ليستا من القرآن ".
# ولا بأس للمعجل والعليل بأن يقتصرا في الفريضة على أم الكتاب وحدها.
# وللمصلي إذا بدأ بسورة، أن يرجع عنها ما لم يبلغ نصفها، إلا قل هو الله
~~أحد وقل يا أيها الكافرون، فإنه لا يرجع عنهما، وهما أفضل ما قرئ في الصلاة
~~ويستحب له أن يقرأ في صلاة الصبح بعد الفاتحة، سورة من طوال المفصل، مثل هل
~~أتى على الإنسان، وإذا الشمس كورت، وما أشبه ذلك.
# ويستحب له أن يقرأ في صلاة الليل بشئ من السور الطوال، مثل
# PageV01P222
# الكهف، والأنعام، والحواميم.
# وأن يقرأ في صلاة المغرب، والعشاء الآخرة من ليلة الجمعة، في الأولى
~~الحمد، وسورة الجمعة، وفي الثانية الحمد، وسبح اسم ربك الأعلى.
# وفي صلاة الفجر من يوم الجمعة في الأولى، الحدم والجمعة، وفي الثانية
~~الحمد وقل هو الله أحد. وروي مكان قول هو الله أحد، سورة المنافقين (1)،
~~وفي الظهر والعصر، الجمعة والمنافقين، ms0147 تقدم الجمعة في الأولى، وتؤخر سورة
~~المنافقين في الثانية.
# وإن كنت مصليا الفجر، أو المغرب، أو العشاء الآخرة، أو نوافل الليل جهرت
~~بالقراءة في الركعتين الأولتين، وهما اللتان يتعين فيهما القراءة وإن كنت
~~مصليا ما عدا ذلك، من ترتيب اليوم والليلة، خافت، من غير أن تنتهي إلى حد
~~لا تسمع مع أذناك ما تقرأه.
# والجهر فيما يجب الجهر فيه واجب، على الصحيح من المذهب، حتى أنه إن تركه
~~متعمدا، بطلت صلاته، ووجبت عليه الإعادة وقال السيد المرتضى رضي الله عنه
~~في مصباحه، ذلك من السنن المؤكدة ومن جهر فيما يجب فيه الإخفات متعمدا،
~~وجبت عليه الإعادة وأدنى الجهر أن تسمع من عن يمينك، أو شمالك، ولو علا
~~صوته فوق ذلك لم تبطل صلاته.
# وحد الإخفات أعلاه أن تسمع أذناك بالقراءة، وليس له حد أدنى، بل إن لم
~~تسمع أذناه القراءة فلا صلاة له، وإن سمع من عن يمينه أو شماله صار جهرا،
~~فإذا فعله عامدا بطلت صلاته.
# وينبغي أن يرتل قراءته، ويبينها، ولا يعجل فيها، فإذا فرغ من قراءته كبر،
# PageV01P223
# رافعا يديه حيال وجهه، على ما تقدم ذكره، ثم يركع.
# وينبغي للراكع أن يمد عنقه، ويسوي ظهره، ويفتح إبطيه مجنحا بهما عن
~~ملاصقة أضلاعه، ويملأ كفيه من ركبتيه مفرقا بين أصابعه، ويجعل رأسه حذاء
~~ظهره، غير منكس له، ولا رافع، ولا يجمع بين راحتيه، ويجعلها بين ركبتيه،
~~لأن ذلك هو التطبيق المنهى عنه.
# ظهره، غير منكس له، ولا رافع، ولا يجمع بين راحتيه، ويجعلهما بين ركبتيه،
~~لأن ذلك هو التطبيق المنهي عنه.
# وليكن نظره في حال الركوع إلى ما بين رجليه، ويقول في ركوعه: اللهم لك
~~ركعت، ولك خشعت، ولك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وأنت ربي، خشع لك قلبي،
~~وسمعي، وبصري، وشعري، وبشري، ولحمي، ودمي، ومخي، وعظامي، وعصبي، وما أقلته
~~الأرض مني، ثم يقول: سبحان ربي العظيم وبحمده، وإن شئت ثلاثا، وإن شئت
~~خمسا، وإن شئت سبعا، والزائد أفضل، وتسبيحة واحدة يجزي، وهو أن يقول: سبحان
~~الله، أو يذكر ms0148 الله تعالى بأن يقول: لا إله إلا الله والله أكبر، وما أشبه
~~من ذلك من الذكر الذي يقتضي المدحة والثناء.
# وقال بعض أصحابنا: أقل ما يجزي تسبيحة واحدة، وكيفيتها أن يقول:
# سبحان ربي العظيم وبحمده، فإذا قال: سبحان الله لا يجزيه، والأول أظهر:
~~لأنه لا خلاف بينهم في أن التسبيح لا يتعين، بل ذكر الله تعالى، ولا خلاف
~~في أن من قال سبحان الله فقد ذكر الله تعالى، والأصل براءة الذمة في هذه
~~الكيفية المدعاة، لأن الكيفيات عبادات زائدة على الأفعال.
# والقول في تسبيح السجود والخلاف فيه، كالقول في تسبيح الركوع.
# ثم يرفع رأسه من الركوع، وهو يقول بعد فراغه من الرفع: سمع الله لمن
~~حمده، الحمد لله رب العالمين، أهل الكبرياء والعظمة والجود والجبروت.
~~والرفع واجب ويستوي قائما.
# والطمأنينة واجبة في القيام، وكذلك في الركوع، بقدر ما ينطق بالذكر
~~PageV01P224
# الواجب، وما زاد على ذلك فمستحب.
# وينبغي للمرأة إذا ركعت أن يكون تطأطؤها دون تطأطؤ الرجل، وتضع يديها على
~~فخذيها، إذا أهوت للركوع.
# ويكون قيامها، وهي جامعة بين قدميها غير مباعدة بينهما.
# فإذا عاد الراكع إلى انتصابه واستوى قائما، كبر رافعا يديه على ما تقدم،
~~وأهوى إلى السجود، ويلتقي الأرض بيديه جميعا قبل ركبتيه، ويكون سجوده على
~~سبعة أعظم: الجبهة، ومفصل الكفين من الزندين، وعظمي الركبتين، وطرف إبهامي
~~الرجلين.
# والارغام بطرف الأنف مما يلي الحاجبين، وهو من السنن المؤكدة، والسجود
~~على السبعة الأعضاء فريضة، والثامن سنة وفضيلة.
# ومن كان في جبهته علة، ووصل إلى الأرض من حد قصاص شعر رأسه إلى الحاجبين
~~مقدار الدرهم، أجزأه، فإن لم يتمكن من ذلك أجزأه أن يسجد على ما بين الجبهة
~~والصدغين منحرفا، فإن لم يتمكن من ذلك، سجد على ذقنه.
# وينبغي أن يتخوى في سجوده كما يتخوى البعير الضامر عند بروكه، ومعنى
~~يتخوى يتجافى، يقال خوى البعير تخوية: إذا جافى بطنه عن الأرض في بروكه،
~~وكذلك الرجل في سجوده، وهو أن يكون معلقا لا يلصق عضديه بجنبيه، ولا ذراعيه
~~بعضديه، ولا فخذيه ببطنه، ms0149 ولا يفترش ذراعيه كافتراش السبع، بل يرفعهما،
~~ويجنح بهما، ويكون نظره في حال السجود إلى طرف أنفه وجملة الأمر وعقد
~~الباب، في نظر المصلي، في جميع صلاته على خمسة أضرب، وهي مستحبة حال قيامه،
~~قاريا إلى موضع سجوده، وفي حال قنوته إلى باطن كفيه، وحال ركوعه إلى ما بين
~~قدميه، وفي هذه الحال خاصة يستحب أن يكون مغمض العينين، وفي حال سجوده إلى
~~طرف أنفه، وفي حال جلوسه إلى حجره.
# ويكره للساجد أن ينفخ موضع سجوده، فإن كان نفخه بحرفين فقد قطع صلاته.
~~PageV01P225
# ولا بأس بأن تكون أعضاء السجود غير الجبهة مستورة، وتقع على غير ما يجوز
~~السجود عليه، وإن كانت بارزة، وعلى ما تقع عليه الجبهة كان أفضل.
# وينبغي أن يكون موضع سجوده مساويا في العلو والهبوط لموضع قيامه، ويقول
~~في السجود: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وعليك توكلت، وأنت ربي،
~~سجد لك وجهي، وجسمي، وشعري وبشري، ومخي، وعصبي، وعظامي، سجد وجهي للذي خلقه
~~وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين، سبحان ربي الأعلى
~~وبحمده.
# الواجبة واحدة، والمستحب ثلاث، والأفضل خمس، والأكمل سبع، وقد ذكرنا فيما
~~تقدم فقه ذلك.
# سجود التلاوة في جميع القرآن مسنون إلا أربع سور، فإن فيها سجودا واجبا،
~~على ما قدمناه على القاري والسامع والمستمع وهو الناصت.
# وذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، إلى أنه يجب على القاري والمستمع،
~~دون السامع، وهو اختيار الشافعي (1)، فأما باقي أصحابنا، لم يفصلوا ذلك،
~~وأطلقوا القول بأن سجود أربع المواضع يجب على القاري ومن سمع، وهو الصحيح،
~~وعليه إجماعهم منعقد.
# وروى أبو بصير، (2)، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا قرئ شئ من
~~العزايم الأربع فسمعتها، فاسجد وإن كنت على غير وضوء وإن كنت جنبا، وإن
~~كانت المرأة لا تصلي، وسائر القرآن أنت فيه بالخيار إن شئت سجدت، وإن شئت
~~لم تسجد.
# وينبغي للمرأة إذا أرادت السجود أن تجلس، ثم تسجد لا طية بالأرض،
# PageV01P226
# مجتمعة، واضعة ذراعيها على الأرض، بخلاف ما ذكرناه في هيأة ms0150 سجود الرجل،
~~ولو كانت على هيأة الرجل لم تبطل بذلك صلاتها، ولو كان الرجل على هيأتها لم
~~تبطل بذلك صلاته، وإنما سن لها هذه الهيأة وللرجل تلك الهيأة.
# ثم يرفع رأسه من السجود، رافعا يديه بالتكبير، مع رفع رأسه، ويجلس متمكنا
~~على الأرض، مفترشا فخذه اليسرى مماسا بوركه الأيسر، مع ظاهر فخذه اليسرى
~~الأرض، رافعا فخذه اليمنى عنها، جاعلا بطن ساقه الأيمن على بطن رجله
~~اليسرى، (1) مبسوطة على الأرض، وباطن فخذه اليمني على عرقوبه الأيسر، وينصب
~~طرف إبهام رجله اليمنى على الأرض، ويستقبل بركبتيه معا القبلة ولا بأس
~~بالإقعاء بين السجدتين من الأولى والثانية والثالثة والرابعة، وتركه أفضل،
~~ويكره أشد من تلك الكراهة في حال الجلوس للتشهدين، وقد يوجد في بعض كتب
~~أصحابنا: ولا يجوز الاقعاء في حال التشهدين، وذلك على تغليظ الكراهة، لا
~~الحظر، لأن الشئ إذا كان شديد الكراهة قيل لا يجوز، ويعرف ذلك بالقرائن.
# ويستحب أن يكبر لرفع رأسه من السجود، بعد التمكن من الجلوس، وكذلك الراكع
~~يكون قوله سمع الله لمن حمده بعد انتصابه قائما، وأنه إذا كان تكبيره
~~للدخول في فعل من أفعال الصلاة، ابتدأ بالتكبير في حال الابتداء به وإذا
~~كان تكبيره للخروج عنه، جعل التكبير بعد الانفصال عنه، وحصوله فيما يليه.
# وينبغي أن يكون نظر الجالس إلى حجره على ما قدمناه، ويقول في الجلسة بين
~~السجدتين: اللهم اغفر لي، وارحمني، وادفع عني، واجبرني، إني لما أنزلت إلي
~~من خير فقير.
# ثم يرفع يديه بالتكبير، ويسجد الثانية على الوصف الذي مضى في الأولة.
# PageV01P227
# ثم يرفع رأسه ويكبر، ويجلس متمكنا على الأرض على ما تقدم من وصفه، ثم
~~ينهض إلى الركعة الثانية وهو يقول: بحول الله وقوته أقوم وأقعد، فإذا استوى
~~قائما قرأ الحمد وسورة معها، فإذا فرغ من القراءة، بسط كفيه، حيال صدره،
~~إلى القنوت، وجعل باطنهما مما يلي السماء، وظاهرهما مما يلي الأرض.
# ويكون نظره إلى باطنهما، على ما أسلفنا القول فيه والأفضل أن يكون
~~ظاهرهما يلي السماء وباطنهما يلي الأرض في جميع ms0151 الصلاة إلا في حال القنوت.
# وتكون الأصابع مضمومة، إلا الإبهام، إلا في الركوع، فيستحب أن تكون
~~مفرجات الأصابع.
# ويكبر للقنوت على أظهر الأقوال، وبعض أصحابنا يذهب إلى أن تركه أفضل.
# والذي ينبغي أن يكون في القنوت على الجملة حمدا لله، والثناء عليه،
~~والصلاة على نبيه وآله، وهو مخير بعد ذلك في ضروب الأدعية، وروي أن أفضل
~~ذلك كلمات الفرج (1) ويجوز للقانت أن يدعو لنفسه، ويسأل حاجته في قنوته،
~~ويدعو على أعداء الدين، والظلمة، والكافرين، ويسميهم بأسمائهم، فإن الرسول
~~صلى الله عليه وآله، قنت ودعا على قوم من الكافرين، وسماهم بأسمائهم، فروي
~~أنه قال: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، (وعياش بن أبي ربيعة)
~~والمستضعفين من المؤمنين، وفي بعضها والمستضعفين بمكة، واشدد وطأتك على
~~مضر، ورعل، وذكوان (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: رعل بالراء غير المعجمة المكسورة، والعين
~~غير المعجمة المسكنة، واللام، وذكوان بالذال المعجمة، وهما قبيلتان من بني
~~سليم.
# PageV01P228
# وروي أنه صلى الله عليه وآله دعا أيضا في الصلاة واستعاذ من فتنة المحيا
~~والممات، وفتنة المسيح الدجال (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: المسيح بالحاء غير المعجمة، وسمي مسيحا لأن
~~عينه ممسوحة خلقة.
# ولا بأس إن تسمت العاطس وأنت في الصلاة، يقول يرحمك الله، لأنه دعاء لا
~~يقطع الصلاة.
# ورعل وذكوان والمسيح، أوردهم شيخنا في مسائل خلافه (2)، فذكرتهم لئلا
~~يجري تصحيف، وكذلك فعل أمير المؤمنين عليه السلام والقنوت مستحب في جميع
~~الصلوات الفرض والسنة، وهو في الفرض آكد، وفيما يجهر فيه بالقراءة آكد، وفي
~~المغرب والفجر آكد، ومحله بعد القراءة في الثانية، وقبل الركوع، وهو قنوت
~~واحد في الصلاة وروي أن في الجمعة قنوتين (3)، والأظهر الأول، لأن هذا مروي
~~من طريق الآحاد، والقنوت الواحد مجمع على استحبابه.
# ويجهر به في الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة، ويخافت به فيما يخافت فيه
~~بالقراءة وقد روي أن القنوت يجهر به على كل حال (4).
# فإذا فرغ من قنوته رفع يديه، وكبر للركوع على ما وصفناه، وسجد السجدتين،
~~فإذا جلس من السجدة ms0152 الثانية متمكنا على ما تقدم به الوصف، وضع كفه اليمنى
~~على فخذه اليمنى، دون ركبتيه، وكفه اليسرى على فخذه اليسرى دون ركبتيه.
# ثم ليقل إن كان مصليا فرضا سوى الفجر: بسم الله وبالله، والحمد لله،
# PageV01P229
# والأسماء الحسنى كلها لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
~~وأشهد أن محمدا عبده ورسول، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا، بين يدي الساعة،
~~اللهم صل على محمد وآل محمد، كأفضل ما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم
~~إنك حميد مجيد، وإن كان في صلاة الفجر يتشهد كتشهد الذي نذكره، وفي أثره
~~التسليم.
# فإذا فرغ من التشهد الذي ذكرناه، نهض قائما وهو يقول: بحول الله وقوته
~~أقوم وأقعد.
# وبعض أصحابنا ينهض إلى الركعات بالتكبير، لا بحول الله وقوته أقوم وأقعد،
~~وهو مذهب شيخنا المفيد رحمه الله: ولا يكبر للقنوت، لأنه جعل في الصلوات
~~الخمس أربعا وتسعين تكبيرة، وشيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله بخمس وتسعين
~~تكبيرة، وهو الأظهر في الأقوال والروايات، فالخلاف بينهما في تكبيرة واحدة،
~~لأن الشيخ المفيد يقول: أنا أقوم إلى الثوالث بالتكبير، فلأربع فرائض، لهن
~~ثوالث، ففيهن أربع تكبيرات، والفجر لا ثالثة لها، فلا تكبيرة لها، ويوافق
~~في أعداد التكبيرات الباقيات في أحوال الصلاة، ولا يقنت بالتكبير.
# والشيخ أبو جعفر رحمه الله يقول: أنا أقنت في الخمس الفرائض، أمد يدي
~~بالتكبير، فيهن خمس تكبيرات، وعدد التكبيرات في الخمس الصلوات خمس وتسعون
~~تكبيرة، خمس منها تكبيرة الإحرام واجبة، وتسعون مسنونة، منها خمس للقنوت،
~~في الظهر اثنتان وعشرون تكبيرة، وفي العصر والعشاء الآخرة مثل ذلك، وفي
~~المغرب سبع عشرة تكبيرة، وفي الفجر اثنتا عشرة تكبيرة.
# ويسبح في الركعتين الآخرتين من الظهر، والعصر والعشاء الآخرة، وفي الركعة
~~الثالثة من المغرب عشرة تسبيحات، على ما مضى القول فيه يقول:
# " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله " ثلاث مرات، ويزيد في الثالثة
~~" والله أكبر "، وإن شاء قرأ الحمد، والتسبيح أفضل، على الأظهر من المذهب،
~~PageV01P230
# وبعض أصحابنا لا يفضل أحدهما على الآخر، وبعضهم يقول توسطا ms0153 بين الأخبار،
~~الحمد أفضل للإمام خاصة.
# فإذا جلس للتشهد الثاني، قال: التحيات لله، والصلوات الطيبات الطاهرات
~~الزاكيات الناعمات الغاديات الرايحات المباركات الحسنات لله، ما طاب وطهر
~~وزكى وخلص (بفتح اللام) ونمى أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له،
~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة،
~~وأشهد أن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله
~~يبعث من في القبور، وأشهد أن ربي نعم الرب، وأن محمدا صلى الله عليه وآله
~~نعم الرسول، وأشهد أن ما على الرسول إلا البلاغ المبين، اللهم صل على محمد
~~وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد، كأفضل ما صليت وباركت على إبراهيم وآل
~~إبراهيم إنك حميد مجيد - والصلاة على محمد والصلاة على آله واجبتان في
~~التشهدين جميعا، الأول والأخير - السلام عليك أيها النبي ورحمة الله
~~وبركاته، السلام على أنبياء الله المرسلين، وعلى ملائكته المقربين، السلام
~~على محمد بن عبد الله خاتم النبيين، السلام على عباد الله الصالحين.
# ثم يسلم تسليمة واحدة مستقبل القبلة، وينحرف بوجهه قليلا إلى يمينه إن
~~كان منفردا، أو إماما وإن كان مأموما يسلم تسليمتين، واحدة عن يمينه على كل
~~حال، وأخرى عن شماله، إلا أن تكون جهة شماله خالية من أحد فيسلم عن يمينه
~~ويدع التسليم على شماله، ولا يترك التسليم عن يمينه على كل حال، كان في تلك
~~الجهة أحد، أو لم يكن على ما قدمناه، والذي ذكرناه من كيفية التشهدين فضل،
~~لا حرج على تاركه، وأدنى ما يجزى فيهما، الشهادتان، والصلاة على النبي صلى
~~الله عليه وآله، والصلاة على آله عليهم السلام.
# والتسليم، الأظهر أنه مستحب، وذهب السيد المرتضى رضي الله عنه إلى
~~PageV01P231
# وجوبه، واحتج بما روي عنه عليه السلام من قوله: مفتاحها التكبير وتحليلها
~~التسليم (1).
# وهذا أولا خبر واحد، لا يوجب علما ولا عملا، خصوصا عند هذا السيد، وأيضا
~~لو كان متواترا، فهو دليل الخطاب، ودليل الخطاب أيضا عنده وعندنا متروك
~~بدليل آخر، وأيضا فما ms0154 روي عنه عليه السلام من قوله: إنما صلاتنا هذه تكبير
~~وقراءة وركوع وسجود (2) يعارض خبره، وفيه ما يقويه وهو لفظة " إنما "
~~المحققة المثبتة للمذكور، النافية لما عداه، وما ذكر التسليم إنه من جملة
~~صلاتنا، وأيضا لو كان منها لكان إذا سلم المصلي ساهيا أو ناسيا في غير موضع
~~التسليم، لا يجب عليه سجدتا السهو، ولا يقطع صلاته به وهذا ألا يقوله أحد
~~من أصحابنا.
# وما اخترناه مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي في نهايته (3) وجمله وعقوده (4)
~~وهو مذهب شيخنا المفيد رضي الله عنه، والأصل براءة الذمة، فإن المرتضى قال
~~في الناصريات: ما وجدت لأصحابنا في ذلك نصا (5) فقد أقر أنه لم يجد لهم في
~~ذلك نصار ولا قولا.
# وقد ورد عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: اسكتوا عما سكت الله عنه (6) وهذا
~~من ذلك.
# ويستحب بعد التسليم والخروج من الصلاة أن يكبر وهو جالس ثلاث تكبيرات،
~~يرفع بكل واحدة يديه إلى شحمتي أذنيه، ثم يرسلهما إلى فخذيه في ترسل واحد.
# PageV01P232
# ثم يقول لا إله إلا الله وحده وحده وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وأعز
~~جنده، وغلب الأحزاب وحده، فله الملك وله الحمد، يحيي ويميت ويميت ويحيي،
~~وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شئ قدير.
# ثم يسبح تسبيح الزهراء عليها السلام، وهو أربع وثلاثون تكبيرة، التكبير
~~أول بلا خلاف، وثلاث وثلاثون تحميدة على الصحيح من المذهب، وأنه بعد
~~التكبير، وقال بعض أصحابنا يجعل التسبيح بعد التكبير، والأول أظهر في
~~الفتوى والقول، وثلاث وثلاثون تسبيحة.
# ثم يصلي على النبي، ويستغفر من ذنوبه، ويدعو بما أحب، ويسجد سجدة الشكر،
~~وصفتها أن يلصق ذراعيه وجؤجؤه بالأرض، ويضع جبهته على موضع سجوده، ثم خده
~~الأيمن، ثم خده الأيسر، ثم يعيد جبهته، ويدعو الله في خلال ذلك، ويسبحه
~~ويعترف بنعمته، ويجتهد في الشكر عليها.
# وقد روي (1) فيما يقال في سجدة الشكر أشياء كثيرة، من أرادها أخذها من
~~مواضعها، وأوجزها أن يقول: شكرا شكرا شكرا ويكرر ذلك مرارا، أدناها ثلاثا،
~~أو حتى ينقطع النفس، وإن شاء ms0155 عفوا عفوا.
# وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول إذا سجد: وعظتني فلم أتعظ،
~~وزجرتني عن محارمك فلم أنزجر، وغمرتني أياديك فما شكرت، عفوك عفوك يا كريم
~~(2).
# ويستحب له إذا رفع رأسه من السجود، أن يضع باطن كفه اليمنى على موضع
~~سجوده، ثم يمسح بها وجهه وصدره.
# وهذا التعقيب يستحب في دبر كل فريضة ونافلة، والسجود والتعفير، إلا
# PageV01P233
# فريضة المغرب، فالمستحب أن يكون تعقيبها بهذا الدعاء، والسجود والتعفير،
~~ما خلا تسبيح الزهراء، فإنه بعد نافلتها، وبذلك تظاهرت الآثار عن الأئمة
~~الأطهار عليهم السلام، ومن سجد وعقب بما ذكرناه كان فاعلا فضلا، ومن ترك
~~ذلك فلا شئ عليه.
# وسجدة الشكر مستحبة عند تجديد نعم الله، ودفع البلايا والنقم، وأعقاب
~~الصلوات.
# وروي عنه عليه السلام أنه لما أتي برأس أبي جهل لعنه الله تعالى سجد شكرا
~~لله (1).
# وروي (2) أنه رأى نغاشيا فسجد، والنغاشي بالنون المضمومة والغين المعجمة
~~المفتوحة والشين المعجمة المكسورة والياء المشددة: الرجل القصر الزري.
# باب ذكر أحكام الأحداث التي تعرض في الصلاة وما يتبع ذلك كل شئ عرض
~~للإنسان في الصلاة، على وجه لا يتمكن من دفعه، وهو مما لا ينقض الطهارة،
~~كالقئ، والرعاف، فعليه أن يغسله، ويزيله، ويعود فيبني على ما مضى من صلاته،
~~بعد أن لا يكون قد استدبر القبلة، وزال عن جهتها بالكلية، أو أحدث ما يوجب
~~قطع الصلاة من كلام أو غيره أو ما يوجب نقض الطهارة من سائر الأحداث إلا أن
~~يكون تكلم ناسيا في الحال التي يأخذ فيها في إزالة ما عرض له من الرعاف
~~الذي يلزم معه إزالته من ثيابه وبدنه، وهو أن يكون بلغ درهما فصاعدا.
# فأما القئ، فلا يجب عليه إزالته ولا انصرافه من صلاته: لأنه عندنا طاهر
~~لم يكن عليه شئ، وجاز له البناء على ما مضى، ويجري ذلك مجرى أن يتكلم في
# PageV01P234
# الصلاة ناسيا، وكذلك من سلم في غير موضع التسليم ناسيا ثم تكلم بعد سلامه
~~متعمدا، لأن عمده هاهنا في حكم السهو، لأنه لو علم أنه في ms0156 الصلاة بعد، لم
~~يتكلم، فيجب عليه البناء على صلاته على الصحيح من أقوال أصحابنا.
# وروي خلاف ذلك، والعمل على ما قدمناه، إلا أن يكون في الحال التي أخذ
~~فيها ليزيل الدم أحدث ما ينقض الطهارة، فيجب عليه الاستيناف عامدا كان أو
~~ناسيا.
# وعلى المصلي أن يدرأ هذه العوارض ما استطاع، فإذا غلبت وقهرت فالحكم ما
~~ذكرناه.
# فإن كان ذلك العارض مما ينقض الطهارة كان على المصلي إعادة الصلاة سواء
~~كان فعله الناقض للطهارة متعمدا أو ناسيا، في طهارة مائية أو ترابية على
~~الأظهر من المذهب.
# وبعض أصحابنا يقول: يعيد الطهارة، ويبني على صلاته، والصحيح الأول، يعضد
~~ذلك دليل الاحتياط فإن الصلاة في الذمة بيقين فلا تسقط عنها إلا بيقين
~~مثله، وقد علمنا أنه إذا أعاد الصلاة من أولها فقد تيقن براءتها، وليس كذلك
~~إذا بنى على ما صلاه منها فإن ذمته ما برئت بيقين، وإذا أعاد فقد برئت
~~بيقين فوجبت الإعادة وأيضا ما روي عند عليه السلام من قوله: إن الشيطان
~~يأتي أحدكم وهو في الصلاة فينفخ بين أليتيه فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد
~~ريحا (1) وهذا المحدث الذي كلامنا فيه قد سمع الصوت ووجد الريح فيجب
~~انصرافه عن الصلاة.
# فإن قال المخالف: نحن إذا أوجبنا عليه أن ينصرف من الصلاة ليتوضأ، ثم
~~يبني (2) على ما فعل فقد قلنا بموجب الخبر.
# PageV01P235
# قلنا: الخبر يقتضي انصرافا عن الصلاة، وأنتم تقولون إنه ما انصرف عنها،
~~بل هو فيها وإن تشاغل بالوضوء.
# وأيضا فقد روي بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لا صلاة
~~إلا بطهور، ومن سبقه الحدث فلا طهور له (1) فوجب أن لا يكون في الصلاة، وأن
~~يخرج لعدم الطهور عنها.
# وقد روي أيضا عنه عليه السلام أنه قال: إذا فسا أحدكم في الصلاة، فلينصرف
~~وليتوضأ وليعد صلاته (2).
# فإن قيل: نحمل هذا الخبر على العمد (3).
# قلنا: ظاهر الخبر يتناول العمد وغير العمد، ولا يجوز أن نخصه إلا بدليل،
~~وظاهر الأمر الوجوب، ولا نحمله على الاستحباب إلا بدليل.
# والتبسم ms0157 الذي لا يبلغ حد القهقهة لا يقطعها.
# ويرد المصلي السلام إذا سلم عليه قولا لا (4) فعلا، ولا يقطع ذلك صلاته،
~~سواء رد بما يكون في لفظ القرآن، أو بما خالف ذلك إذا أتى بالرد الواجب
~~الذي تبرء ذمته به إذا كان المسلم عليه قال له: سلام عليكم أو سلام عليك أو
~~السلام عليكم أو عليكم السلام (5) فله أن يرد عليه بأي هذه الألفاظ كان،
~~لأنه رد سلام مأمور به، وينويه رد سلام لا قراءة قرآن إذا سلم الأول بما
~~قدمنا ذكره.
# فإن سلم بغير ما بيناه، فلا يجوز للمصلي الرد عليه، لأنه ما تعلق بذمته
~~الرد، لأنه غير سلام.
# وقد أورد شيخنا أبو جعفر رضي الله عنه في مسائل خلافه (6) خبرا عن
# PageV01P236
# محمد بن مسلم قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام وهو في صلاته فقلت:
# السلام عليكم. فقال: السلام عليكم. قلت كيف أصبحت؟ فسكت، فلما انصرف فقلت
~~له أيرد السلام وهو في الصلاة؟ قال: نعم مثل ما قيل له (1) أورد هذا الخبر
~~إيراد راض به، مستشهدا به، محتجا على الخصم بصحته.
# فأما ما أورده في نهايته (2) فخبر عثمان بن عيسى عن أبي عبد الله عليه
~~السلام، وقد ذهب بعض أصحابنا إلى خبر عثمان بن عيسى فقال: ويرد المصلي
~~السلام على من سلم عليه ويقول له في الرد: سلام عليكم، ولا يقول:
# وعليكم السلام، وإن قال له المسلم: عليكم السلام، فلا يرد مثل ذلك بل
~~يقول: سلام عليكم (3).
# والأصل ما ذكرناه، لأن التحريم يحتاج إلى دليل.
# ولا بأس إن عرض للمصلي الأمر لهم الذي لا يحتمل التأخر، فيشير بيده، أو
~~يتنحنح، أو يسبح، ليفهم مراده بذلك.
# وكذلك لا بأس بقتل الحية، أو العقرب، أو ما جرى مجراهما مما يخاف ضرره في
~~الصلاة.
# ولا يجوز التكفير في الصلاة، وهو أن يضع يمينه على يساره، أو يساره على
~~يمينه في حال قيامه، فمن فعل ذلك مختارا في صلاته فلا صلاة له.
# فإن فعله للتقية والخوف لم تبطل صلاته.
# ويستحب التوجه بسبع تكبيرات ms0158 منها واحدة فريضة، وهي تكبيرة الإحرام بينهن
~~ثلاثة أدعية في جمع الصلوات المفروضات والمندوبات.
# وبعض أصحابنا يذهب إلى أن هذا الحكم والتوجه بالسبع في سبع مواضع
# PageV01P237
# فحسب، في أول كل فريضة وفي أول ركعة من ركعتي الإحرام، وفي أول ركعة من
~~الوتيرة، وفي أول ركعة من صلاة الليل، وفي المفردة من الوتر، وفي أول ركعة
~~من نوافل المغرب.
# وبعض أصحابنا يقول: في الفرائض الخمس يكون التوجه بالسبع فحسب.
# وبعضهم يقول: لا يكون إلا في الفرائض فحسب.
# والأول أظهر، لأنه داخل في قوله تعالى: " واذكروا الله ذكرا كثيرا " (1)
~~وقوله: " ادعوني أستجب لكم " (2) وهذا دعاء، والمنع يحتاج إلى دليل، وهو
~~مذهب شيخنا أبي جعفر في المبسوط (3) وفي مصباحه (4).
# والعمل القليل الذي لا يفسد الصلاة لا بأس به وحده ما لا يسمى في العادة
~~كثيرا، مثل إيماء إلى شئ، أو قتل حية أو عقرب، أو تصفيق أو ضرب حائط تنبيها
~~على حاجة، وما أشبه ذلك.
# وبخلاف ذلك الفعل الكثير الذي ليس من أفعال الصلاة فإنه يفسدها إذا فعله
~~الإنسان عامدا، وحده ما يسمى في العادة كثيرا بخلاف العمل القليل، فإن
~~شيخنا أبا جعفر الطوسي رضي الله عند حد العمل القليل في المبسوط (5) فقال:
~~وحده ما لا يسمى في العادة كثيرا، فيجب أن يكون حد الكثير بخلاف حد القليل،
~~وهو ما يسمى في العادة كثيرا، مثل الأكل والشرب واللبس وغير ذلك مما إذا
~~فعله الإنسان لا يسمى مصليا، بل يسمى آكلا وشاربا، ولا يسمى فاعله في
~~العادة مصليا، فهذا تحقيق الفعل الكثير الذي يفسد الصلاة، ويورد في الكتب
~~التروك وقواطع الصلاة، فليلحظ ذلك.
# PageV01P238
# باب تفصيل أحكام ما تقدم ذكره في الصلاة من المفروض فيها والمسنون وما
~~يجوز فيها وما لا يجوز والذي ذكرناه في صفات الصلاة يشتمل على المفروض منها
~~والمسنون، وأنا أفصل كل واحد منهما من صاحبه ليعرف الحقيقة فيه إن شاء الله
~~المفروض من الصلاة أداؤها في وقتها، واستقبال القبلة لها، والنية، والقيام
~~مع القدرة عليه، أو ما قام مقامه مع العجز ms0159 عنه، وتكبيرة الافتتاح،
~~والقراءة، والركوع، والتسبيح فيه أو الذكر لله، والسجود والتسبيح فيه،
~~والتشهدان، والصلاة على محمد وآله فيهما معا، فمن ترك شيئا من هذا متعمدا
~~بطلت صلاته، وإن كان تركه ناسيا فسنبين حكمه في باب السهو إن شاء الله
~~تعالى.
# ومن ترك الطهارة متعمدا وصلى وجبت عليه إعادة الصلاة، فإن تركها ناسيا ثم
~~ذكر بعد أن صلى وجبت أيضا عليه الإعادة.
# ومن صلى بغير أذان وإقامة متعمدا، كانت صلاته ماضية، ولم يجب عليه
~~إعادتها.
# ومن دخل في صلاة قد حضر وقتها بنيتها، ثم ذكر أن عليه صلاة فائتة ولم يكن
~~قد تضيق وقت الحاضرة، فليعدل بنيته إلى الصلاة الفائتة.
# وتكبيرة الافتتاح فريضة على ما ذكرناه، والتلفظ بها واجب، وأدنى ذلك أن
~~تسمع أذناه، وتقديم الله على أكبر واجب، والإتيان بأكبر على وزن أفعل واجب.
# فمن تركها متعمدا أو ساهيا وجبت عليه الإعادة.
# ومن ترك القراءة متعمدا وجبت عليه الإعادة. والواجب من القراءة ما
~~قدمناه، وهو الحمد وسورة أخرى في الأوليين للمختار، ولا يجزيه غير ذلك.
# وإن تركها ناسيا حتى يركع، لم تجب عليه إعادة الصلاة، ولا حكم سوى
~~الإعادة. PageV01P239
# والركوع واجب في كل ركعة، وأقل ما يجزي من الركوع أن ينحني إلى موضوع
~~يمكنه وضع يديه على عيني ركبتيه مع الاختيار، وما زاد على ذلك في الانحناء
~~فمندوب إليه.
# ووضع اليدين على الركبتين، وتفريج الأصابع، مندوب غير واجب والتسبيح في
~~الركوع أو ما قام مقامه من ذكر الله واجب تبطل بتركه متعمدا الصلاة.
# وإن تركه ناسيا حتى رفع رأسه، لم يكن عليه شئ من إعادة وغيرها.
# فمن ترك الركوع ناسيا أو متعمدا بطلت صلاته.
# وقد يوجد في بعض كتب أصحابنا: فإن تركه ناسيا ثم ذكر في حال السجود، وجبت
~~عليه الإعادة، فإن لم يذكر حتى صلى ركعة أخرى ودخل في الثالثة ثم ذكر، أسقط
~~الركعة الأولى وبنى كأنه قد صلى ركعتين.
# وكذلك إن كان قد ترك الركوع في الثانية وذكر في الثالثة، أسقط الثانية
~~وجعل الثالثة وتمم الصلاة، أورد ms0160 هذا الخبر الشيخ أبو جعفر رضي الله عنه في
~~نهايته (1) وليس بواضح، والصحيح خلاف ذلك، وهذا القول يخالف أصول المذهب،
~~لأن الإجماع حاصل على أنه متى لم تسلم الركعتان الأولتان بطلت صلاته، وكذلك
~~الإجماع حاصل على أن الركوع ركن، متى أخل به ساهيا أو عامدا حتى فات وقته
~~وأخذ في حالة أخرى بطلت صلاته، وإنما أورد الشيخ هذا الخبر على جهته وإن
~~كان اعتقاده بخلافه، والاعتذار له ما أسلفناه، والشيخ يرجع عن هذا الإيراد
~~في جميع كتبه ويفتي ببطلان الصلاة.
# والسجود فرض في كل ركعة مرتين، فمن تركهما أو واحدة منهما متعمدا وجبت
~~عليه الإعادة.
# PageV01P240
# وإن تركهما ناسيا ودخل في حالة أخرى وتقضت حالهما، مثاله، تركهما حتى قام
~~إلى الركوع ثم ذكر وجبت عليه الإعادة.
# فإن ترك واحدة منهما ناسيا، ثم ذكر بعد قعوده أو قيامه قبل الركوع، عاد
~~فسجد سجدة أخرى، فإذا فرغ منها قام إلى الصلاة فاستأنف القراءة أو التسبيح
~~إن كان مما يسبح فيه.
# فإن لم يذكر حتى يركع مضى في صلاته ثم قضاها بعد التسليم وعليه سجدتا
~~السهو، وليس كذلك حكم من ترك السجدتين بمجموعهما، لأنهما بمجموعهما ركن
~~وليس كذلك السجدة الواحدة، فليلحظ ذلك.
# والتسبيح في السجود واجب أو الذكر فيه فمن تركه متعمدا وجبت عليه
~~الإعادة، ومن تركه ناسيا لم يكن عليه شئ.
# والتشهد في الصلاة واجب، وأقل ما يجزي فيه أن يقول: أشهد أن لا إله إلا
~~الله وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، فمن تركهما متعمدا وجبت
~~عليه الإعادة، ومن تركهما ناسيا أو ساهيا قضاهما، ولم يجب عليه إعادة
~~الصلاة، ووجب عليه سجدتا السهو. وكذلك الصلاة على الرسول وعلى الأئمة عليهم
~~السلام، فمن تركهما متعمدا بطلت صلاته ووجب عليه الإعادة، ومن تركهما ناسيا
~~قضاهما بعد التسليم ولا شئ عليه غير القضاء، بخلاف التشهد، لأن من تركه
~~ناسيا قضاه بعد التسليم ووجب عليه سجدتا السهو.
# الكلام في التسليم وهو سنة وليس بفرض على ما قدمناه من تركه متعمدا لا
~~تبطل صلاته. ms0161
# والتكبيرات السبع مع سائر التكبيرات سنة ما عدا تكبيرة الإحرام على
~~الصحيح من المذهب، وإن كان بعض أصحابنا يذهب إلى وجوب تكبيرة السجود
~~والركوع وهو سلار. PageV01P241
# ورفع اليدين مع كل تكبيرة سنة، فمن ترك ذلك متعمدا أو ناسيا لم تبطل
~~صلاته، وإن كان السيد المرتضى رضي الله عنه يذهب إلى وجوب رفع اليدين مع كل
~~تكبيرة إن أراد أن يكبر التكبيرات المندوبات، فإن لم يرد أن يكبر وترك
~~التكبيرات لا يوجب عليه الرفع إلا في تكبيرة الإحرام فحسب، لأنه لا بد أن
~~يكبرها.
# والصحيح أن رفع اليدين مع كل تكبيرة لا يجب، سواء كانت التكبيرة واجبة أو
~~مندوبة إليها.
# ومن ترك الجهر فيما يجهر فيه، أو جهر فيها يخافت فيه متعمدا، وجبت عليه
~~الإعادة، وإن فعل ذلك ناسيا لم يكن عليه شئ.
# والقنوت في الصلاة كلها سنة مؤكدة، فمن تركه متعمدا كان تاركا سنة
~~وفضيلة، ومن تركه ناسيا ثم ذكره في الركوع قضاه بعد الركوع استحبابا، فإن
~~لم يذكر إلا بعد الدخول في الركعة الثالثة مضى في صلاته ثم قضاه بعد الفراغ
~~من الصلاة وجملة الأمر وعقد الباب إن ما يقارن حال الصلاة على ثلاثة أقسام:
# أفعال وكيفياتها وتروك، وكل واحد منهما على ضربين: مفروض ومسنون.
# فالمفروض على ضربين. ركن وغير ركن، فالأركان خمسة: القيام مع القدرة أو
~~ما قام مقامه مع العجز عنه، والنية، وتكبيرة الإحرام، والركوع، والسجود.
# فمتى أخل بالركن عامدا أو ساهيا ولم يذكر حتى تقضى حاله ودخل في حالة
~~أخرى، بطلت صلاته، سواء خرج وقت الصلاة أو لم يخرج، وسواء كان الركن من
~~الركعتين الأولتين أو الآخرتين، ولا يلتفت إلى ما يوجد في بعض الكتب بخلاف
~~ذلك، فهذا حد الركن، وهو أنه متى أخل به عامدا أو ساهيا حتى دخل في حالة
~~أخرى بطلت الصلاة ووجبت إعادتها.
# وغير الركن من المفروض ينقسم إلى قسمين: إن أخل به عامدا حتى دخل في حالة
~~أخرى ألحق بالركن، وإن أخل به ساهيا ينقسم إلى ثلاثة أقسام: PageV01P242
# منه ما لا ms0162 يجب إعادته ولا الإتيان بحكم آخر بدله، وهو القراءة وتسبيح
~~الركوع والسجود.
# ومنه ما يجب إعادته والإتيان بحكم آخر معه، وهو التشهد وسجدة واحدة من
~~السجدتين.
# ومنه ما يجب تركه، فإن فعله ناسيا أو ساهيا كالكلام والقيام في حال
~~القعود والتسليم في غير موضعه والجلوس في حال القيام فما هاهنا شئ يجب
~~إعادته، بل يجب الإتيان بحكم غيره بدله وهو سجدتا السهو، وسنبين مواضعهما
~~وكيفيتهما إن شاء الله تعالى.
# والكيفيات الواجبات متى ترك المصلي منها شيئا عامدا بطلت صلاته، وإن
~~تركها ناسيا أو ساهيا فلها أحكام نذكرها في خلال الأفعال إن شاء الله.
# وأما التروك الواجبة فتنقسم إلى قسمين: أحدهما متى فعله الإنسان عامدا
~~بطلت صلاته، ومتى فعله ناسيا لا تبطل صلاته بل لها أحكام.
# والقسم الثاني متى فعله الإنسان عامدا أو ناسيا بطلت صلاته على كل حال،
~~سواء كانت الصلاة صلاة متيمم أو صلاة متطهر بالماء على الصحيح من المذهب،
~~وهو جميع نواقض الطهارة، فمتى أحدث الإنسان ما ينقض الطهارة عامدا كان أو
~~ساهيا وجبت عليه إعادة صلاته.
# وما عدا الناقض من التروك إذا فعله عامدا وجبت الإعادة، وإذا فعله ناسيا
~~أو ساهيا لا يوجب الإعادة، بل يوجب بعضه سجدتي السهو مثل الكلام ساهيا،
~~والتسليم في غير موضعه كذلك فإنه يوجب سجدتي السهو.
# فأما الكتف الذي هو التكفير فلا يوجب سجدتي السهو إذا فعله ناسيا، وكذلك
~~حكم الالتفات إلى ما وراءه، وهكذا حكم الفعل الكثير وحده ما لا يسمى فاعله
~~في العادة مصليا على ما حررناه فما مضى وشرحناه، فليلحظ هذه الجملة ويحصل
~~معناها، فإنها جليلة الخطر والقدر. PageV01P243
# باب أحكام السهو والشك في الصلاة الشك والسهو لا حكم لهما مع غلبة الظن،
~~لأن غلبة الظن تقوم مقام العلم في وجوب العمل عليه مع فقدان دليل العلم،
~~وإنما يحتاج إلى تفصيل أحكام السهو عند اعتدال الظن وتساويه.
# وقال بعض أصحابنا: وإنما الحكم لما يتساوى فيه الظنون أو الشك المحض،
~~بخفض كاف الشك، وضاد المحض على (1) المجرور، الذي هو لما، لا ms0163 على الظنون،
~~لأن الشك ليس هو عددا فيتساوى كالظنون.
# إن اعترض معترض على هذا العبارة فقال: الظن معلوم وهو تغليب بالقلب لأحد
~~المجوزين ظاهري التجويز، وحد الشك هو خطور الشئ بالبال من غير ترجيح لنفيه
~~أو ثبوته، فقال: الظن إذا تساوى في الشئ ولم يترجح فقد صار شكا، فإن هذه
~~حقيقة على ما مضى من حده.
# فيقال له: لا يمتنع أن يختلف اللفظ وإن كان المعنى واحدا كما قالوا، وورد
~~في أدعيتنا عن الأئمة عليهم السلام: إيمانا بك وتصديقا بكتابك، والإيمان هو
~~التصديق، والتصديق هو الإيمان.
# وكما قال الشاعر: " وهند أتى من دونها النأي والبعد " والبعد هو النأي،
~~وقال آخر: كذبا ومينا، والمين: الكذب، وقال آخر: أقوى وأقفر بعد أم الهيثم،
~~وهذا كثير جدا.
# ويمكن أن يقال: إذا كان الحدان مختلفين فهذا غير هذا، وهو أن الشك المحض
~~غير تساوي الظنون وإن كان حكمهما واحدا في الفقه، والحكم وهو أن هاهنا
~~ظنونا غير أنها متساوية، وفي المسألة الأخرى شك محض، فالعبارة صحيحة.
# PageV01P244
# والسهو المعتدل فيه الظن على ضروب ستة: فأولها: ما يجب فيه إعادة الصلاة
~~على كل حال. وثانيها: ما لا حكم له ولمزية لوجوده على عدمه.
# وثالثها: ما يجب فيه العمل على الغالب في الظن. ورابعها: ما يقتضي
~~التدارك والتلافي في الحال أو بعده فيتدارك بعضه لا جميعه. وخامسها: ما يجب
~~فيه الاستظهار والاحتياط في الصلاة. وسادسها: ما يجب فيه جبران الصلاة فأما
~~الضرب الأول وهو المقتضي للإعادة على كل حال فهو أن يسهو في الركعتين
~~الأوليين من كل رباعية، أو يسهو في فريضة الغداة، أو المغرب.
# فإن قيل: إذا قلتم الأوليان من كل فريضة فلا حاجة لكم أن تقولوا المغرب،
~~لأن لها أوليين بخلاف فريضة الغداة.
# قلنا: لأن ثالثة المغرب بمنزلة أولة الظهر فلذلك ذكرناها.
# أو الجمعة مع الإمام يعني الإمام والمأموم جميعا، أو صلاة السفر، أو يسهو
~~عن الركوع ثم لا يذكره حتى يدخل في حالة السجود بحيث لو كان شاكا فيه ودخل
~~في الحال الثانية لا ms0164 يلتفت إليه، أو يسهو عن النية، أو يسهو عن تكبيرة
~~الافتتاح ثم لا يذكرها حتى يركع،، أو يسهو فيترك السجدتين من ركعة أي ركعة
~~كانت، سواء كانت من الأوليين أو الآخرتين على الصحيح من المذهب: لأنهما
~~بمجموعهما ركن على ما بيناه، ومن أخل بركن حتى تنقضي حاله فيجب عليه إعادة
~~الصلاة على ما سلف القول فيه، ثم لا يذكر حتى ينفصل من حال السجود ودخل في
~~حالة أخرى بحيث لو كان شاكا لما وجب عليه شئ ولا يلتفت إليه.
# أو ينقص ساهيا من الفرض شيئا من هذا الفرض ركعة أو أكثر، أو يزيد شيئا ثم
~~لا يذكر ذلك حتى يحدث ما ينقض الطهارة، أو يزيد في صلاته ركعة.
# فأما من صلى الظهر مثلا أربع ركعات وجلس في دبر الرابعة فتشهد لها وصلى
~~على النبي وآله عليهم السلام ثم قام ساهيا عن التسليم، فصلى ركعة خامسة،
~~فعلى مذهب من أوجب التسليم فالصلاة باطلة، وعلى مذهب من لم PageV01P245
# يوجبه، فالأولى أن يقال: الصلاة صحيحة، لأنه ما زاد في صلاته ركعة، لأنه
~~بقيامه خرج من صلاته، وإلى هذا القول يذهب شيخنا أبو جعفر في استبصاره (1)
~~ونعم ما قال.
# أو يسهو وهو في حال الصلاة ولم يدر كم صلى، ولا حصل شيئا من العدد، ولم
~~يدر أزاد على الفرض أم نقص.
# وكذلك يجب إعادة الصلاة على من سها فدخل فيها بغير طهارة ثم ذكر بعد ذلك،
~~سواء تقضى الوقت أو لم يتقض وكذلك من صلى قبل دخول الوقت ساهيا.
# ومن صلى إلى يمين القبلة أو شمالها وذكر والوقت باق، يجب عليه الإعادة،
~~فإن علم بعد خروجه فلا إعادة عليه.
# وكذلك من كان فرضه الصلاة إلى أربع جهات فصلى إلى جهة واحدة مع الاختيار
~~والإمكان ومع غير ضرورة ولم تكن تلك الجهة القبلة ثم تبين بعد خروج الوقت،
~~فإنه يجب عليه الإعادة.
# فأما من صلى صلاة واحدة في حال الضرورة إلى جهة ثم بعد خروج الوقت علم أن
~~كانت الجهة استدبار القبلة، فبعض أصحابنا يوجب ms0165 عليه الإعادة على كل حال،
~~والباقون المحصلون لا يوجبون الإعادة مع هذه الحال بعد خروج الوقت، وهذا هو
~~الصحيح الذي تقتضيه أصول المذهب ويشهد به المتواتر من الأخبار، وقد قدمنا
~~ذلك، وشرحناه، وهو اختيار السيد المرتضى رضي الله عنه في جوابات الناصريات
~~(2).
# ومن صلى في ثوب نجس مع تقدم علمه بذلك ساهيا فإنه يجب عليه إعادة الصلاة،
~~سواء كان الوقت باقيا أو خارجا بغير خلاف.
# PageV01P246
# فأما إذا لم يتقدم له العلم بنجاسة وذكر بعد خروج الوقت فلا إعادة عليه،
~~فإن ذكر والوقت باق، فقد ذهب بعض أصحابنا إلى وجوب الإعادة، وقال الباقون
~~لا إعادة عليه، وهو الصحيح، لأن الإعادة فرض ثان يحتاج إلى دليل مستأنف
~~والأصل براءة الذمة من العبادات، وبهذا القول يفتي شيخنا أبو جعفر الطوسي
~~رضي الله عنه في جمله وعقوده (1) وفي استبصاره (2) وإن كان في نهايته (3)
~~يورد من طريق الخبر خلاف ذلك، وقد بينا عذره في هذا الكتاب فيما يورده في
~~نهايته، وقلنا أورده إيرادا لا اعتقادا.
# ومن صلى في مكان مغصوب مع تقدم علمه بالغصب، سواء كان الموضع دارا أو
~~بستانا.
# فإن قيل: البساتين قد ورد أنه لا بأس بالصلاة فيها من غير إذن من
~~أصحابها، وهذا مطلق، وأصحابنا يفتون بذلك من غير تقييد.
# قلنا: لا خلاف في أن العموم قد يخص بالأدلة، فقد ورد عاما في البساتين
~~وورد الخاص وهو من صلى في مكان مغصوب يجب عليه الإعادة، فإذا عملنا بالخاص
~~فقد عملنا ببعض العام، وإذا عملنا بالعام فقد تركنا الخاص رأسا، وهذا يعلم
~~من بناء العام على الخاص، فليلحظ ذلك.
# فإن لم يتقدم له العلم بالغصب فلا إعادة عليه، سواء علم قبل خروج الوقت
~~أو بعد خروجه بغير خلاف في هذا.
# أو (4) لم يكن مختارا للصلاة فيه فلا إعادة عليه أيضا، سواء خرج منه
~~والوقت باق أو كان مقتضيا بغير خلاف أيضا.
# ومن صلى في ثوب مغصوب كذلك حرفا فحرفا.
# PageV01P247
# ومن سها في صلاة الخسوف والكسوف، ومن سها في صلاة العيدين إذا كانت
~~واجبة، ms0166 ومن سها في صلاة الطواف الواجب، فجميع ذلك يوجب الإعادة، لأن
~~أصحابنا متفقون على أنه لا سهو في الأوليين من كل صلاة، ولا في المغرب،
~~والفجر، وصلاة السفر، وعلى هذا الإطلاق لا سهو في هذا الصلوات.
# وقد ذكر ذلك السيد المرتضى رضي الله عنه وذهب إليه في الرسيات (1).
# فأما الضرب الثاني من السهو، وهو الذي لا حكم له، فهو الذي يكثر ويتواتر،
~~وحده أن يسهو في شئ واحد، أو فريضة واحدة ثلاث مرات، فيسقط بعد ذلك حكمه،
~~أو يسهو في أكثر الخمس فرائض أعني ثلاث صلوات من الخمس، كل منهن قام إليها
~~فسها فيها، فيسقط بعد ذلك حكم السهو، ولا يلتفت إلى سهوه في الفريضة
~~الرابعة.
# أو يقع الشك في حال قد تقضت وأنت في غيرها، كمن شك، في تكبيرة الافتتاح
~~وهو في فاتحة الكتاب، أو يشك (2) في فاتحة الكتاب وهو في السورة التالية
~~لها، أو سها في السورة وهو في الركوع.
# وقد يلتبس على غير المتأمل عبارة يجدها في الكتب، وهي من شك في القراءة
~~وهو في حال الركوع، فيقول: إذا شك في الحمد وهو في حال السورة التالية
~~للحمد، يجب عليه قراءة الحمد وإعادة السورة، ويحتج بقول أصحابنا:
# من شك في القراءة وهو قائم قرأ.
# فيقال له: نحن نقول بذلك، وهو أنه يشك في جميع القراءة قبل انتقاله من
~~سورة إلى غيرها، فالواجب على القراءة، فأما إذا شك في الحمد بعد انتقاله
~~إلى حالة السورة التالية لها فلا يلتفت لأنه في حال أخرى.
# وما أوردناه وقلنا به وصورناه، قد أورده الشيخ المفيد رضي الله عنه في
# PageV01P248
# رسالته إلى ولده، حرفا فحرفا، وهو الصحيح الذي تقتضيه أصول مذهبنا.
# أو يشك في الركوع وهو في حال السجود، أو يشك في السجود بعد انفصاله من
~~حاله وقيامه إلى الركوع وهذا الحكم في جميع أبعاض الصلاة، إذا شك في شئ من
~~ذلك بعد أن فارقه وانفصل عنه، فكل هذا المواضع لا حكم للسهو فيها، اللهم
~~إلا أن يستيقن فيعمل على اليقين، ولا ms0167 حكم أيضا للسهو في النافلة (1)، وكذلك
~~لا حكم للسهو في السهو.
# أو يشك في التشهد الأول وقد قام إلى الثالثة، ومن سها عن تسبيح الركوع
~~وقد رفع رأسه.
# فأما من قال من أصحابنا وأورد في بعض كتبه في هذا القسم: ومن ترك ركوعا
~~في الركعتين الآخرتين، وسجد بعده، حذف السجود، وأعاد الركوع، ومن ترك
~~السجدتين في واحدة منهما، بنى على الركوع في الأول، وسجد السجدتين، فهو
~~اعتماد منه على خبر من أخبار الآحاد، لا يلتفت إليه، ولا يعرج عليه، ولا
~~يترك لأجله أصول المذهب، وهو أن الركن إذا أخل به عامدا أو ساهيا وذكره بعد
~~تقضي حاله ووقته، فإنه يجب عليه إعادة صلاته بغير خلاف، ولا خلاف في أن
~~الركوع ركن، وكذلك السجدتين بمجموعهما على ما شرحناه من قبل وبيناه.
# فإن قيل: ذلك في الركوع من الأولتين، وكذلك سجدتا الأوليين.
# قلنا: هذا تخصيص بغير دليل.
# وأخبار الآحاد غير أدلة تخصص بها العموم، بغير خلاف بين أصحابنا قديما
~~وحديثا، إلا ما يذهب إليه شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في بعض كتبه،
~~وإن كان في أكثر كتبه يزيف القول بأخبار الآحاد، ويرد القول بها في
~~الاحتجاج، ويقول: لا يرجع عن الأدلة بأخبار الآحاد، وهو الحق اليقين الذي
# PageV01P249
# إطباق الطائفة عليه خلفا وسلفا، يعيبون الذاهبين إلى خلافه أشد عيب، على
~~ما بيناه في خطبة كتابنا هذا عن المرتضى رضي الله عنه وغيره من أصحابنا،
~~ومن خالف من أصحابنا في شئ، وكان معروف العين، فلا يلتفت إلى خلافه، لأن
~~الحجة في غير قوله، لأنه من المعلوم أنه غير معصوم، والحجة في قول المعصوم،
~~فليلحظ ذلك.
# وأما الضرب الثالث من السهو، وهو الذي يعمل فيه على غالب الظن، فهو كمن
~~سها فلم يدر صلى اثنتين أم ثلاثا، وغلب على ظنه أحد الأمرين، فالواجب العمل
~~على ما غلب في ظنه، وإطراح الأمر الآخر.
# وكذلك إن كان شكه بين الثلاث والأربع، والاثنتين والأربع، أو غير ذلك من
~~الأعداد، بعد أن يكون اليقين حاصلا بالأولتين، فالواجب في ms0168 جميع هذا الشك
~~العمل على ما هو أقوى وأغلب في ظنه، وأرجح عنده.
# وكذلك إذا سها وهو قائم، فلم يدر أركع أم لم يركع، وغلب على ظنه أنه لم
~~يركع، واعتراه وهم ضعيف أنه ركع، وجب عليه البناء على الأغلب وفعل الركوع،
~~وكذلك إن كان الأغلب أنه قد ركع، بنى عليه، وكذلك القول في السجود،
~~والتشهد، وسائر الأفعال، إذا التبس أمرها، وكان الظن قويا في إحدى الجهات،
~~إن الواجب عليه العمل على الأغلب في الظن والأقوى.
# وأما الضرب الرابع من السهو وهو المقتضي للتلافي في الحال، كمن سها عن
~~قراءة فاتحة الكتاب حتى ابتدأ بالسورة التي تليها، ثم ذكر، فيجب عليه أن
~~يتلافى ذلك بقطع السورة، والابتداء بالفاتحة، ثم يعود إلى السورة، أو إلى
~~غيرها، وهذا القول يعضد ما قدمناه ولا يتوهم أن هذا عين المسألة التي
~~قدمناها وقلنا: إن من شك في الحمد وهو في السورة التالية لها، فلا يلتفت
~~إلى شكه، ويمضي فيما أخذ فيه، لأن هاهنا ذكر بعد سهوه وشكه، وما قلناه لما
~~أخذ في السورة التالية ما ذكر أن الحمد لم PageV01P250
# يقرأها، بل شك في ذلك، وما تيقن، ولا ذكر أنه لم يقرأ الحمد، فليتأمل
~~ذلك.
# وكذلك إن كان سها عن تكبيرة الافتتاح، وذكرها وهو في القراءة قبل الركوع،
~~فعليه أن يكبرها، ثم يقرأ.
# وكذلك إن سها عن الركوع، وذكر أنه لم يركع، وهو قائم فعليه أن يركع.
# وكذلك إن نسي سجدة من السجدتين، وذكرها في حال القيام قبل أن يركع، وجب
~~عليه أن يرسل نفسه فيسجدها، ثم يعود إلى القيام، فإن لم يذكرها حتى يركع
~~الثانية، وجب عليه أن يقضيها بعد التسليم، ويسجد سجدتي السهو على ما
~~سنذكره.
# وكذلك إن سها عن التشهد الأول حتى قام، وذكره في حال القيام، فعليه أن
~~يجلس، ويتشهد، ثم يرجع إلى القيام.
# وكذلك إن سلم ساهيا في الجلوس للتشهد الأخير، قبل أن يتشهد، أو قبل أن
~~يصلي على النبي وعلى آله عليهم السلام، وذكر ذلك وهو جالس، من غير ms0169 أن
~~يتكلم، أو قد تكلم، لا فرق بين الأمرين، فعليه أن يعيد التشهد، أو ما فاته
~~منه، ويسجد سجدتي السهو، لأنه سلم في غير موضع التسليم.
# وأما الضرب الخامس من السهو، وهو الموجب للاحتياط للصلاة، فكمن سها، فلم
~~يدر أركع أم لم يركع، وهو قائم لم يركع، وتساوت في ذلك ظنونه، فعليه أن
~~يركع، ليكون على يقين.
# فإن ركع، ثم ذكر وهو في حال الركوع أنه كان ركع، فعليه أن يرسل نفسه إلى
~~السجود إرسالا، من غير أن يرفع رأسه، ولا يقيم صلبه.
# فإن كان ذكره أنه قد كان ركع بعد القيام من الركوع والانتصاب، كان عليه
~~إعادة الصلاة، لزيادته فيها ركوعا، وسواء كان هذا الحكم في الركعتين
~~الأوليين، أو الركعتين الأخريين، على الصحيح من الأقوال، وهذا مذهب السيد
~~المرتضى رضي الله عنه، والشيخ أبي جعفر الطوسي رحمه الله في جمله
~~PageV01P251
# وعقوده (1).
# وقال في نهايته: ومن شك في الركوع أو السجود في الركعتين الأولين أعاد
~~الصلاة، فإن كان شكه في الركوع في الثالثة أو الرابعة وهو قائم، فليركع،
~~فإن ذكر في حال ركوعه إنه كان قد ركع، أرسل نفسه إلى السجود، من غير أن
~~يرفع رأسه فإن ذكر بعد رفع رأسه من الركوع أنه كان قد ركع، أعاد الصلاة (2)
~~فخص الإرسال بالركعتين الأخريين.
# والصحيح ما ذهب إليه في الجمل والعقود (3)، لأنه موافق لأصول المذهب، لأن
~~الإنسان إذا شك في شئ قبل الانتقال من حاله، فالواجب عليه الإتيان به،
~~ليكون على يقين، ولا يجوز له هدم فعله وإبطال صلاته.
# وقال في هذا الكتاب أيضا: فإن شك في السجدتين وهو قاعد أو قد قام قبل أن
~~يركع عاد فسجد السجدتين، فإن ذكر بعد ذلك أنه كان قد سجدهما، أعاد الصلاة،
~~فإن شك بعد ما يركع مضى في صلاته، وليس عليه شئ.
# وقال أيضا: فإن شك في واحدة من السجدتين وهو قاعد أو قائم قبل الركوع،
~~فليسجد، فإن ذكر بعد ذلك أنه كان سجد لم يكن عليه شئ، فإن كان شكه فيها بعد ms0170
~~الركوع، مضى في صلاته وليس عليه شئ.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: هذا الذي حكيته عن الشيخ أبي جعفر رضي الله
~~عنه في نهايته مخالف لما ذهب إليه في جمله وعقوده، ولما عليه أصول المذهب
~~والعمل والفتوى من فقهاء العصابة، لأن هذه المسائل من القسم الذي لا حكم
~~له، وهو من شك في شئ وقد انتقل إلى حالة أخرى، مثاله من شك في تكبيرة
~~الافتتاح وهو في حال القراءة أو في القراءة، وهو في حال الركوع، أو في
~~الركوع وهو في حال السجود، أو شك في السجود وهو في حال القيام، أو في
# PageV01P252
# التشهد الأول وقد قام إلى الثالثة.
# وهذا مذهب أصحابنا بأجمعهم لا خلاف بينهم في ذلك، وهذا أيضا مذهبه في
~~المجل والعقود والمبسوط والاقتصاد وسائر كتبه.
# وقد بينا وجه الاعتذار له في غير موضع واعتذر أيضا هو لنفسه عما يوجد في
~~كتاب النهاية في خطبة المبسوط، على ما أومأنا إليه من قبل، وقال: قد أوردت
~~الألفاظ على جهتها ولم أغير شيئا منها، وذكرت ما ورد من الأخبار.
# وقلنا: إنه رضي الله عنه أورده أيضا إيرادا لا اعتقادا لصحته، والفتوى
~~والعمل به، فهذا وجه الاعتذار له، وإلا كيف يقول من شك في السجدتين وهو
~~قاعد أو قد قام قبل أن يركع عاد فسجدهما، ولا خلاف في أنه إذا شك فيهما بعد
~~قيامه وانفصاله من حال السجود، لا يلتفت إلى شكه، وكان وجود شكه كعدمه بغير
~~خلاف، بل إذا كان شكه في السجدتين في حال سجوده وجلوسه قبل قيامه، فإنه يجب
~~عليه أن يسجدهما، ليكون على يقين من براءة ذمته: لأن حالهما ما تقضت، فأما
~~إذا قام من حال السجود، ثم شك فيهما لا يلتفت إلى الشك، ولا يرجع عن يقينه
~~بشكه، لأنه ما قام إلا بعد يقينه بسجودهما، فإذا لا فرق بين أن يشك فيهما
~~بعد ركوعه، أو بعد قيامه، وقبل ركوعه، فليلحظ ذلك، وكذلك قوله إن شك في
~~واحدة من السجدتين وهو قاعد أو قائم قبل الركوع، ms0171 فليسجد، أما سجوده وهو
~~قاعد، فصحيح، وأما وهو قائم، فليس بصحيح، على ما بيناه وحققناه، ، ولا يقلد
~~إلا الأدلة، دون المسطور، عاد القول إلى تمام الضرب الخامس.
# وكذلك إن سها فلم يدر أسجد اثنتين أم واحدة، وقد رفع رأسه قبل القيام،
~~فعليه أن يسجد واحدة، حتى يكون على يقين من الاثنتين، فإن سجدها
# PageV01P253
# ثم ذكر أنه قد كان سجد سجدتين، وجب عليه إعادة الصلاة، لمكان زيادته فيها
~~ركنا.
# وإن سها فلم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا، وتكافت في ذلك ظنونه وأوهامه،
~~فعليه أن يبني على الثلاث، ويتمم صلاته، ثم يأتي بعد سلامه بركعتين، من
~~جلوس، يقومان مقام ركعة واحدة من قيام، فإن كان بانيا على النقصان، كان
~~فيما فعله تمام صلاته، وإن كان بنى على الكمال، كانت الركعتان نافلة، وإن
~~شاء بدلا من الركعتين من جلوس، أن يصلي ركعة من قيام، يتشهد فيها ويسلم،
~~جاز له ذلك، فبكل واحد من الأمرين جاءت الرواية.
# فإن كان سهوه وشكه بين الثلاث والأربع، وتساوت ظنونه، فحكمه ما ذكرناه
~~بعينه.
# فإن سها بين اثنتين وأربع، وتساوت ظنونه، فليبن على أربع فإذا سلم، قام
~~فصلى ركعتين، يقرأ في كل واحدة منهما فاتحة الكتاب، أو يسبح فيهما ويتشهد
~~ويسلم، فإن كان الذي بنى عليه ركعتين، فهاتان الركعتان تمام صلاته، وإن كان
~~الذي بنى عليه أربعا، كانت هاتان له نافلة.
# وإن كان سهوه بين ركعتين وثلاث وأربع، بنى على الأربع وتشهد وسلم، ثم قام
~~فصلى ركعتين من قيام، فإذا تشهد وسلم منهما، صلى ركعتين من جلوس، فإن كان
~~الذي بنى عليه على الحقيقة أربع ركعات، كان ما صلاه نافلة، وإن كان اثنتين،
~~فالركعتان اللتان من قيام تمام صلاته، واللتان من جلوس نافلة، وإن كان
~~ثلاثا، فالركعتان من جلوس، وهما مقام واحدة من قيام فيها، تمام الصلاة،
~~والركعتان من قيام نافلة، وهذا المسمى بالاحتياط.
# وجملة الأمر فيه وعقد بابه، أن مسائله أربع في الفريضة فحسب، وجميعها عند
~~شكه وتساوي ظنونه، أعني ظنون المصلي يبني على أكثر ركعاته، وأكثر ms0172 صلاته،
~~على ما سطره مصنفوا أصحابنا رحمهم الله، ولا ينتظر (1) شيئا آخر، ولا
# PageV01P254
# يصلي ركعة أخرى ويسلم، إلا في مسألة واحدة من الأربع لا يسلم وقت شكه
~~وتساويه، بل الواجب عليه الإتيان بما بقي عليه، وهي الركعة المتيقنة، فإذا
~~أتى بها، فالواجب عليه السلام والإتيان بعد السلام بركعة احتياطا، وهي من
~~شك بين الاثنتين والثلاث، فلا يجوز له هاهنا أن يسلم قبل الإتيان بالركعة
~~المتيقنة، لأنه قاطع على أنه بقي عليه ركعة من فريضته.
# فإن قيل: فما بنى على الأكثر. قلنا: قد بنى على الأكثر، وهي الثلاث،
~~وصلاته رباعية، والثلاث أكثر من الاثنتين، فهو متيقن أنه قد بقي عليه ركعة
~~قبل سلامه.
# وأيضا هذا الحكم أعني الاحتياط بعد التسليم بالركعات، لا يكون إلا في
~~الصلوات الرباعيات مع سلام الأولتين.
# فأصحابنا يقولون يبني على الأكثر، ويسلم، ويعنون بذلك، كأنه قد صلى
~~الأربع، بحيث يسلم بعد الأربع لا قبل الأربع، لأن محل السلام في الرباعيات
~~بعد الأربع، فلأجل هذا قالوا يبني على الأربع، بحيث أنه إذا لم يبن على
~~الأربع فكيف يجوز له أن يسلم قبل تمام الصلاة متعمدا، ومن سلم قبل تمام
~~صلاته متعمدا بطلت صلاته؟ فقالوا: يبني على الأربع، أي كأنه في الحكم قد
~~فرغ من جميع ركعاته وصلاته ويسلم بعد ذلك، فيكون السلام في محله، ثم بعد
~~التسليم يبني على الأقل، كأنه ما صلى إلا ركعتين، أو كأنه ما صلى إلا
~~ثلاثا، ليكون على يقين من براءة ذمته، فقبل سلامه يبني على الأكثر، لأجل
~~التسليم، على ما نبهنا عليه، وبعد التسليم يبني على الأقل، كأنه ما صلى إلا
~~ما تيقنه وما شك فيه يأتي به ليقطع على براءة ذمته.
# وقد قال السيد المرتضى رحمه الله في جوابات المسائل الناصريات: (1)
~~المسألة الثانية والمائة، قال صاحب المسائل: من شك في الأولتين استأنف
~~الصلاة،
# PageV01P255
# ومن شك في الأخريين بنى على اليقين، قال المرتضى: هذا مذهبنا، وهو الصحيح
~~عندنا.
# ألا ترى إلى قوله رضي الله عنه: بنى على اليقين، إن أراد بنى على ms0173 اليقين
~~بعد سلامه ويصلي ما تساوت ظنونه فيه وتوهمه، فقول صحيح محقق على ما بيناه،
~~وإن أراد وقت شكه وقبل سلامه فهذا، بخلاف عبارة أصحابنا، لأنهم يقولون يبني
~~على الأكثر ويسلم، والأكثر هو ما توهمه، ولم يقطع عليه، فيبني كأنه قد صلاه
~~بحيث يسلم، ولو بنى هاهنا على اليقين، لما سلم، ولا كان يجوز له التسليم،
~~لأن يقينه ثابت في الركعتين الأولتين فحسب، وهو في شك مما عداهما، فلو بنى
~~عليهما، لما سلم ولأتى بما بقي عليه، بعد قطعه على يقينه قبل سلامه
~~وانفصاله بسلامه منها، فليلحظ ذلك بعين التأمل الصافي.
# وركعات الاحتياط تجب فيها النية، احتياطا واجبا قربة إلى الله، وتجب فيها
~~تكبيرة الإحرام.
# ومن أحدث بعد سلامه وقبل صلاة الاحتياط، فإنه لا يفسد صلاته، بل يجب عليه
~~الإتيان بالاحتياط، لأن هذا ما أحدث في الصلاة، بل أحدث بعد خروجه من
~~الصلاة بالتسليم، والاحتياط حكم آخر متجدد غير الصلاة الأولة، وإن كان من
~~توابعها ومتعلقاتها.
# فإن شك وهو قائم هل قيامه الذي هو فيه للركعة الرابعة أو للركعة الخامسة،
~~فإنه يجب عليه الجلوس من غير ركوع، فإذا جلس تشهد وسلم وقام بعد سلامه فصلى
~~ركعة احتياطا، وقد برئت ذمته، ولا يجوز له أن يركع في حال قيامه قبل أن
~~يجلس، لأنه لا يأمن أن يكون قد صلى أربعا، فيكون ركوعه زيادة في صلاته،
~~فتفسد الصلاة.
# فإن قيل: لا يأمن أن يكون قد صلى أربعا. قلنا: قد تمت صلاته، وصلاته
~~لركعة الاحتياط بعد تسليمه، غير مفسدة لها، لأنها منفصلة عنها بالتسليم.
~~PageV01P256
# فإن قيل: فلم لا يجزيه سجدتا السهو، ولا يجب عليه ركعة الاحتياط. قلنا:
# مواضع سجدتي السهو محصورة مضبوطة، وليس هذا واحدا منها، ولنا في ذلك
~~مسألة، قد جنحنا الكلام فيها، وفرعناه، وسألنا أنفسنا عما تعرض، وبلغنا
~~فيها أبعد الغايات.
# وأما الضرب السادس من السهو، وهو ما يجب فيه جبران الصلاة، فهو كمن سها
~~عن سجدة من السجدتين، ثم ذكرها بعد الركوع في الثانية، فعليه أن يمضي في
~~صلاته، فإذا ms0174 سلم قضى تلك السجدة، وسجد بعدها سجدتي السهو، وقد روي (1) في
~~هذا الموضع أنه يقضي السجدة، وليس عليه سجدتا السهو.
# ومن نسي التشهد الأول ثم ذكره بعد الركوع في الثالثة، فعليه أن يمضي في
~~صلاته، فإذا سلم قضاه، بأن يتشهد ثم يسجد سجدتي السهو.
# فإن نسي الصلاة على محمد وآله، دون التشهد، حتى جاوز محله ووقته، فلا
~~إعادة عليه ولا قضاؤه، لأن حمله على التشهد قياس لا نقول به، فليلحظ ذلك
~~ويحصل ويتأمل.
# ومن تكلم في صلاته ساهيا، بما لا يكون مثله في الصلاة، فعليه سجدتا
~~السهو.
# ومن سلم في غير موضع التسليم ساهيا، فعليه سجدتا السهو.
# ومن قعد في حال قيام أو قام في حال قعود فعليه سجدتا السهو.
# فإن قيل: الجبران لا يكون إلا فيما يقطع المصلي على أنه فعله أو تركه
~~ناسيا، فيجبر فعله ذلك بسجدتي السهو، وليس هو مثل الاحتياط، فكيف القول في
~~مسألة من سها بين الأربع والخمس.
# قلنا: المصلي قاطع على الأربع، ويشك في الركعة الخامسة، فقد صار
# PageV01P257
# قاطعا على الأربع، وفي شك من الخمس، فما خلا من القطع.
# فإن سها المصلي في صلاته بما يوجب سجدتي السهو مرات كثيرة، في صلاة
~~واحدة، أيجب عليه بكل مرة سجدتا السهو، أو سجدتا السهو عن الجميع؟
# قلنا: إن كانت المرات من جنس واحد، فمرة واحدة يجب سجدتا السهو، مثلا
~~تكلم ساهيا في الركعة الأولة، وكذلك في باقي الركعات، فإنه لا يجب عليه
~~تكرار السجدات، بل يجب عليه سجدتا السهو فحسب، لأنه لا دليل عليه، وقولهم
~~عليهم السلام: من تكلم في صلاته ساهيا يجب عليه سجدتا السهو (1)، وما قالوا
~~دفعة واحدة أو دفعات.
# فأما إذا اختلف الجنس، فالأولى عندي بل الواجب، الإتيان عن كل جنس بسجدتي
~~السهو، لأنه لا دليل على تداخل الأجناس، بل الواجب إعطاء كل جنس ما تناوله
~~اللفظ، لأن هذا قد تكلم مثلا، وقام في حال قعود، وأخل بإحدى السجدتين، وشك
~~بين الأربع والخمس، وأخل بالتشهد الأول، ولم يذكره إلا بعد الركوع في
~~الثالثة، ms0175 وقالوا عليهم السلام: من فعل كذا يجب عليه سجدتا السهو، ومن فعل
~~كذا في صلاته ساهيا يحب عليه سجدتا السهو، وهذا قد فعل الفعلين فيجب عليه
~~امتثال الأمر، ولا دليل على تداخلهما، لأن الفرضين لا يتداخلان بلا خلاف من
~~محقق.
# وهما سجدتان بعد التسليم، على الصحيح من المذهب، سواء كانتا لزيادة في
~~الصلاة أو لنقصان - وبعض أصحابنا يذهب إلى أنهما إن كانتا لنقصان، كانتا
~~قبل التسليم، وإن كانتا لزيادة كانتا بعد التسليم، والأول أظهر - بغير
~~ركوع، ولا قراءة، ولا تكبيرة الإحرام، بل لا بد من النية للوجوب.
# والذي يقال في كل واحدة منهما: بسم الله وبالله اللهم صل على محمد وآل
# PageV01P258
# محمد، وإن شاء قال مكان ذلك: بسم الله وبالله السلام عليك أيها النبي
~~ورحمة الله بالجميع وردت الرواية (1) ثم يرفع رأسه، ويتشهد تشهدا خفيفا،
~~ومعنى ذلك أن يأتي بالواجب من الألفاظ فحسب، ويسلم بعده ولا بد من الكون
~~على طهارة إذا فعلهما، فإن أحدث قبل الإتيان بهما وبعد سلامه، لا يجب عليه
~~إعادة صلاته، بل يجب عليه التطهر، وفعلهما، ولنا فيهما مسألة قد جنحنا
~~الكلام فيها وأشبعناه وانتهينا في ذلك إلى الغاية القصوى.
# وبين أصحابنا فيما يوجب سجدتي السهو خلاف، فذهب بعضهم إلى أنها أربع
~~مواضع، وقال آخرون في خمس مواضع، وقال الباقون الأكثرون المحققون في ست
~~مواضع، وهو الذي اخترناه، لما فيه من الاحتياط، لأن العبادات يجب أن يحتاط
~~لها، ولا يحتاط عليها.
# وقد بينا أنه إذا سها عن التشهد الأول ولم يذكره حتى ركع في الثالثة،
~~فالواجب عليه المضي في صلاته، فإذا سلم منها قضاه وسجد سجدتي السهو، فإن
~~أحدث بعد سلامه وقبل الإتيان بالتشهد المنسي وقبل سجدتي السهو، فلا تبطل
~~صلاته بحدثه الناقض لطهارته، بعد سلامه منها، لأنه بسلامه انفصل منها، فلم
~~يكن حدثه في صلاته، بل بعد خروجه منها بالتسليم الواجب عليه.
# فإذا كان المنسي هو التشهد الأخير، وأحدث ما ينقض طهارته قبل الإتيان به،
~~فالواجب عليه إعادة صلاته من أولها، مستأنفا لها، لأنه بعد ms0176 في قيد صلاته،
~~لم يخرج منها، ولا فرغ بسلام يجب عليه، بل ما فعله من السلام ساهيا في غير
~~موضعه، كلا سلام، بل هو في قيد الصلاة بعد، لم يخرج منها بحال، فليلحظ
~~الفرق بين المسألتين والتسليمين، فإنه واضح للمتأمل المحصل.
# PageV01P259
# باب القول في لباس المصلي والقول في أماكن الصلاة وما يجوز أو تكره
~~الصلاة إليه أو عليه وما يتعلق بذلك كل مصل من الذكران يجب عليه ستر
~~عورتيه، وهما قبله ودبره، وقد روي أن عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبتيه
~~(1)، وقد ذهب إلى ذلك بعض أصحابنا، وهو الفقيه ابن البراج، وهو مذهب
~~الشافعي، والإجماع من فقهاء أهل البيت على المذهب الأول، وهو القبل والدبر
~~فحسب، وما عدا ذلك فندب مستحب، وبعضه أفضل من بعض، وأكمل من الجميع التجمل
~~في الصلاة بلبس جميل الثياب وأن يكون معمما محنكا مسر ولا مرتديا برداء.
# فأما العريان فإن قدر على ما يستر به عورته من خرق أو ورق أو حشيش أو طين
~~يطلي به، وجب عليه أن يسترها، فإن لم يقدر على ذلك، صلى قائما، مؤميا
~~بالركوع والسجود، سواء كان بحيث لا يطلع عليه غيره، أو بحيث يطلع عليه
~~غيره، وقد روي أنه إن كان بحيث يطلع عليه غيره، صلى جالسا مؤميا (2).
# فإن كانوا جماعة صلوا صفا واحدا من جلوس بلا خلاف، ويتقدمهم إمامهم
~~بركبتيه.
# وأما المرأة الحرة البالغة، فإنه يجب عليها ستر رأسها وبدنها من قرنها
~~إلى قدمها، ولا يجب عليها ستر الوجه والكفين والقدمين، فإن سترت ذلك كان
~~أفضل، والأولى لها ستر جميع بدنها ما خلا وجهها فحسب، وإلى هذا يذهب شيخنا
~~أبو جعفر في مسائل الخلاف (3) والجمل والعقود (4) وبه أفتي، لعموم الأخبار.
# PageV01P260
# والفضل لها في ثلاثة أثواب، مقنعة وقميص ودرع.
# وأما الأمة فلا يجب عليها ستر رأسها، سواء كانت مطلقة أو مدبرة، أو أم
~~ولد، مزوجة كانت أو غير مزوجة، أو مكاتبة مشروطة عليها، فأما ما عدا الرأس
~~فإنه يجب عليها تغطيته من جميع جسدها.
# والصبية التي لم تبلغ ms0177 فلا يجب عليها تغطية الرأس، وحكمها حكم الأمة، فإن
~~بلغت في خلال الصلاة بالحيض، بطلت صلاتها، وإن بلغت بغير ذلك وجب عليها ستر
~~رأسها، وتغطيته مع قدرتها على ذلك، وكذلك حكم الأمة إذا أعتقت في خلال
~~الصلاة.
# ولا بأس بالصلاة في قميص واحد، إذا كان يستر ظاهر الجلدة، ولا يشف ولا
~~يصف ما تحته.
# ويستحب له إذا صلى مؤتزرا بغير قميص أن يلقي على كتفه شيئا ولو كالخيط
~~ومن كان عليه قميص يشف، فالأولى أن يأتزر تحته، ولا يجعل المئزر فوقه، فإنه
~~مكروه.
# ولا بأس أن يصلي الرجل في إزار واحد، يأتزر ببعضه ويرتد بالبعض الآخر.
# ويكره السدل في الصلاة، كما تفعل اليهود، وهو أن يتلفف بالإزار، ولا
~~يرفعه على كتفيه، وهذا تفسير أهل اللغة في اشتمال الصماء، هو اختيار السيد
~~المرتضى رضي الله عنه.
# فأما تفسير الفقهاء لاشتمال الصماء الذي هو السدل، قالوا هو أن يلتحف
~~بالإزار، ويدخل طرفيه من تحت يده ويجعلهما جميعا على منكب واحد.
# وكذلك يكره التوشح بالإزار فوق القميص.
# ويكره الصلاة في القباء المشدود إلا من ضرورة في حرب أو غيرها.
# ويجوز الصلاة في ثمانية أجناس من اللباس: القطن، والكتان، وجميع ما ينبت
~~من الأرض من أنواع الحشيش والنبات، ووبر الخز الخالص لا جلده، PageV01P261
# لأن جلد ما لا يؤكل لحمه لا يجوز الصلاة فيه بغير خلاف من غير استثناء،
~~وكذلك صوف ووبر وشعر ما لا يؤكل لحمه، إلا وبر الخز، والصوف والشعر والوبر
~~إذا كان مما يؤكل لحمه، سواء كان مذكى ما أخذ منه، أو غير مذكى، وجلد ما
~~يؤكل لحمه إذا كان مذكى، فإن كان ميتا، فلا تجوز الصلاة فيه، ولو دبغ ألف
~~دبغة.
# وينبغي أن يجمع شرطين، أحدهما جواز التصرف فيه، إما بالملك أو الإباحة،
~~والثاني أن يكون خاليا من نجاسة لم يعف الشارع عنها، كالدم الذي قدمناه ولا
~~تجوز الصلاة في جلد ما لا يؤكل لحمه، سواء كان مذكى، أو لم يكن كذلك، ولا
~~في وبره ولا صوفه ولا شعره أيضا، إلا ms0178 وبر الدابة المسماة بالخز فحسب.
# فأما جلد ما لا يؤكل لحمه، فلا تجوز الصلاة فيه بغير استثناء، على ما
~~قدمناه، فعلى هذا لا تجوز الصلاة في السمور والسنجاب والفنك والثعالب
~~والأرانب وغير ذلك، وقد يوجد في بعض كتب أصحابنا أنه لا بأس بالصلاة في
~~السنجاب، ذكره في النهاية (1) شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله وعاد عن ذلك
~~في مسائل الخلاف فقال: لا تجوز الصلاة عندنا في جلد ما لا يؤكل لحمه، ثم
~~قال: وقد وردت رواية (2) في السنجاب (3) فجعل ذلك رواية.
# ورجع عن ذلك أيضا في الجزء الثاني من نهايته، في باب ما يحل من الميتة
~~ويحرم من الذبيحة، فقال: لا تجوز الصلاة في جلود السباع كلها، مثلا النمر،
~~والذئب، والفهد، والسبع، والسمور والسنجاب، والأرنب، وما أشبه ذلك من
~~السباع، والبهائم، وقد رويت (4) رخصة في جواز الصلاة في السمور والسنجاب
~~والفنك (5).
# PageV01P262
# والأصل ما قدمناه، فجعل ذلك هاهنا رواية.
# ولا يجوز الصلاة في الإبريسم المحض للرجال، ولا بأس بما كان ممزوجا بغير
~~الإبريسم الذي يجوز الصلاة فيه، سواء كان السدي، أو اللحمة، أو أقل، أو
~~أكثر، بعد أن يكون ينسب إليه بالجزئية كعشر وتسع وثمن وسبع وأمثال ذلك.
# ويجوز الصلاة في المحض للنساء، وإن تنزهن عنه كان أفضل.
# وتكره الصلاة في الثوب المشبع الصبغ.
# وكذا تكره في الثوب الذي عليه الصور والتماثيل من الحيوان، فأما صور غير
~~الحيوان فلا بأس، ولا كراهة في ذلك، كصور الأشجار.
# ويجوز الصلاة في الخف والنعل العربية، يعني كل نعل لا يغطي ظاهر القدم،
~~مما يجوز المسح عليها.
# ولا بأس بالصلاة في الجرموق، بضم الجيم وهو الخف الواسع الذي يلبس فوق
~~الخف، أقصر منه.
# وعلى المصلي أن يكون ثوبه وبدنه ومصلاه خاليا من النجاسات وجوبا، إلا
~~مصلاه على طريق الندب، ولا يجوز الصلاة في ثوب فيه شئ من النجاسة، قليلا أو
~~كثيرا سوى الدم الذي قدمنا شرحه.
# وإذا غسل الثوب من الدم، فبقي أثر النجاسة بعد زوال عين ما أتى عليه
~~الغسل، جازت الصلاة فيه.
# ويستحب ms0179 صبغه بشئ يذهب أثره على ما قدمناه.
# ولا يجوز الصلاة في ثوب فيه خمر، أو شئ من الأشربة المسكرة، وكذلك
~~الفقاع.
# وما لا تتم الصلاة فيه - من جمع الملابس، وما ينطلق عليه اسم الملبوس
~~منفردا، كالتكة والجورب بفتح الجيم، والقلنسوة بفتح القاف واللام وضم
~~PageV01P263
# السين، والخف، والنعل، والخاتم، والدملج بضم الدال واللام، للمرأة،
~~والخلخال، والمنطقة، وغير ذلك، مثل السيف والسكين - تجوز الصلاة فيه، وإن
~~كان عليه نجاسة وأما ما لا يكون ملبوسا، ولا ينطلق اسم الملبوس عليه، لا
~~تجوز الصلاة فيه إذا كان فيه نجاسة، لأنه يكون حاملا للنجاسة، والأول خرج
~~بالإجماع من الفرقة على ذلك.
# ولا يظن ظان أنه لا يجوز إلا في التكة والجورب والقلنسوة والخف والنعل
~~فحسب، لم نجده في بعض الكتب.
# وذلك أن أصحابنا قالوا: كل ما لا يتم الصلاة به منفردا تجوز الصلاة فيه
~~وإن كان عليه نجاسة، ثم ضربوا المثل فقالوا: مثل التكة والخف، وعددوا أشياء
~~على طريق ضرب المثل، والمثل عند المحققين غير مستوعب للممثل، فلا يتوهم
~~إنهم لما لم يذكروا غير ما ذكروا مما لا تجوز الصلاة فيه منفردا واقتصروا
~~عليه أنهم يمنعون من غيره - فقد قال الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله في
~~مبسوطه في كتاب صلاة الخوف: إذا أصاب السيف الصقيل نجاسة، فمسح ذلك بخرقة
~~من أصحابنا من قال إنه يطهر، ومنهم من قال لا يطهر، غير أنه يجوز الصلاة
~~فيه، لأنه لا تتم الصلاة فيه منفردا - فلو أرادوا الاقتصار على ما ضربوا
~~المثل فيه لما قال ذلك، ولما تعداه إلى غيره، فليلحظ فإنما أوردت هذا
~~تنبيها.
# ويجوز الصلاة في جميع الأراضي، لأن الأرض كلها مسجد يجوز الصلاة فيها،
~~إلا ما كان منها مغصوبا، أو يكون موضع السجود منه نجسا.
# وأفضل الأماكن للصلاة المساجد المبنية لها، إلا نافلة صلاة الليل خاصة،
~~فإنها تكره في المساجد.
# وتكره الصلاة في وادي ضجنان، وهو جبل بتهامة، ووادي الشقرة بفتح الشين
~~وكسر القاف وهي واحدة الشقر وهو شقايق النعمان، قال الشاعر:
# " وعلى الخيل دماء ms0180 كالشقر " يريد كشقايق النعمان. PageV01P264
# والأولى عندي أن وادي الشقرة، موضع بعينه مخصوص، سواء كان فيه شقايق
~~النعمان، أو لم يكن، وليس كل وادي يكون فيه شقايق النعمان يكره الصلاة فيه،
~~بل بالموضع المخصوص فحسب، وهو بطريق مكة، لأن أصحابنا قالوا: يكره الصلاة
~~في طريق مكة بأربعة مواضع، من جملتها وادي الشقرة، والذي ينبه على ما
~~اخترناه، ما ذكره ابن الكلبي في كتاب الأوايل وأسماء المدن، قال: رود
~~والشقرة ابنتا يثرب بن قابية بن مهليل (1) بن رام بن عبيل (2) بن عوض بن
~~ارم بن سام بن نوح عليه السلام هذا آخر كلام ابن الكلبي النسابة، فقد جعل
~~زرود والشقرة موضعين سميا باسم امرأتين، وهو أبصر بهذا الشأن والبيداء،
~~لأنها أرض خسف على ما روي في الأخبار، أن جيش السفياني، يأتي إليها قاصدا
~~مدينة الرسول صلى الله عليه وآله فيخسف الله تعالى به تلك الأرض (2)،
~~وبينها وبين ميقات أهل المدينة الذي هو ذو الحليفة ميل واحد وهو ثلث فرسخ
~~فحسب.
# وكذلك يكره الصلاة في كل أرض خسف، ولهذا كره أمير المؤمنين عليه السلام،
~~الصلاة في أرض بابل (3) (4) فلما عبر الفرات إلى الجانب الغربي وفاته لأجل
~~ذلك أول الوقت، ردت له الشمس إلى موضعها في أول الوقت، وصلى بأصحابه صلاة
~~العصر، ولا يحل أن يعتقد أن الشمس غابت، ودخل الليل، وخرج وقت العصر
~~بالكلية، وما صلى الفريضة عليه السلام، لأن هذا من معتقده جهل بعصمته عليه
~~السلام، لأنه يكون مخلا بالواجب المضيق عليه، وهذا لا يقوله من عرف إمامته
~~واعتقد عصمته عليه السلام.
# وذات الصلاصل، والصلاصل جمع صلصال وهي الأرض التي لها صوت ودوي.
# PageV01P265
# وبين المقابر على الصحيح من المذهب.
# وأرض الرمل المنهال الذي لا تستقر الجبهة عليه، وأرض السبخة بفتح الياء،
~~فأما إذا كان نعتا للأرض كقولك الأرض السبخة، فبكسر الباء، فليلحظ هذا
~~الفرق، فإنه ذكره الخليل بن أحمد رحمه الله في كتاب العين، وهو رب ذلك
~~وجهبذه.
# ومعاطن الإبل، وهي مباركها، حول المياه للشرب، هذا حقيقة المعطن عند أهل
~~اللغة، إلا ms0181 أن أهل الشرع لم يخصصوا ذلك بمبرك دون مبرك.
# وقرى النمل، وجوف الوادي، ومجاري المياه، فعلى هذا الصلاة في الزورق،
~~تكره مع القدرة على الجدد.
# وجواد الطرق بتشديد الدال والحمامات، ما عدا البيت المسمى بالمسلخ، فإنه
~~ليس بحمام لعدم الاشتقاق.
# وتكره الفريضة جوف الكعبة خاصة، ويستحب صلاة النوافل فيها:
# وقال بعض أصحابنا: لا تجوز الصلاة الفريضة مع الاختيار في جوف الكعبة على
~~طريق الحظر، ذهب إلى ذلك شيخنا أبو جعفر الطوسي في مسائل الخلاف (1) وإن
~~كان في نهايته (2)، وجمله وعقوده (3)، يذهب إلى ما اخترناه، وهو الصحيح
~~لأنه إجماع الطائفة، ولا دليل على بطلان الصلاة، ولا حظرها في الكعبة.
# ويستحب أن يجعل بينه وبين ما يمر به ساترا ولو عنزة، والعنزة العصا التي
~~لها زج حديد ولا تسمى عنزة إلا أن يكون لها زج حديد، وتكون قائمة مغروزة في
~~الأرض، هذا إذا خاف اعتراض ما يعترض بينه وبين الجهة التي يؤمها، أو حجرا،
~~أو كومة - بضم الكاف - من تراب.
# PageV01P266
# وليس يقطع صلاته مرور إنسان، أو امرأة أو غيرهما من الدواب، معترضا
~~لقبلته، وعليه أن يدرأ ذلك ما استطاع بالتسبيح والإشارة.
# ويكره للرجل أن يصلي وامرأة تصلي متقدمة له، أو محاذية لجهته، ولا يكون
~~بينه وبينها عشره أذرع، على الصحيح من المذهب.
# وقد ذهب بعض أصحابنا إلى حظر ذلك، وبطلان الصلاتين وهو شيخنا أبو جعفر
~~الطوسي رحمه الله في نهايته (1) اعتمادا على خبر (2) رواه عمار الساباطي،
~~وعمار هذا فطحي المذهب، كافر ملعون، والأول مذهب السيد المرتضى رحمه الله،
~~ذكره في مصباحه، وهو الصحيح الذي يقتضيه أصول المذهب، لأن قواطع الصلاة
~~مضبوطة، قد ضبطها مشيخة الفقهاء بالعدد، ومن جملتهم شيخنا أبو جعفر، قد ضبط
~~ذلك بالحصر، ولم يذكر المسألة ولا تعرض لها بقول، وأي فقه ونظر يقتضي أن
~~المرأة تصلي في ملكها والرجل يصلي في ملكه وهو آخر الأوقات وتكليف الصلاة
~~عليهما جميعا تكليف مضيق، أو هما في محمل كذلك يكون الصلاة باطلة، وإذا لم
~~يكن عليها إجماع، ولا دليل قاطع، فردها إلى ms0182 أصول المذهب هو الواجب، ولا
~~يلتفت إلى أخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا، خصوصا إذا أوردها
~~ورواها الكفار ومخالفوا المذهب مثل عمار وغيره.
# وقد روى الثقات ما يخالف هذه الرواية الضعيفة، ويضادها ويعارضها، فالعامل
~~بأخبار الآحاد لا يعمل بالخبر إلا إذا كان راويه عدلا.
# ولا بأس أن يصلي الرجل وفي جهة قبلته إنسان نائم، ولا فرق بين أن يكون
~~ذكرا أو أنثى، والأفضل أن يكون بينه وبينه ما يستر بعض المصلي عن المواجهة.
# ولا يجوز السجود إلا على الأرض الطاهرة، وعلى ما أنبتته، إلا ما أكل أو
# PageV01P267
# لبس، ويدخل في المأكول جميع الثمار التي يتغدى بها، وما لبس إنما هو
~~القطن والكتان وما اتخذ منهما.
# وعقد الباب (1) أن السجود لا يجوز إلا على الأرض، أو ما أنبتته الأرض، ما
~~لم يكن مأكولا أو ملبوسا بمجرى العادة ولا يجوز السجود على الزجاج، ولا على
~~جميع المعادن، من النورة، والحديد، والصفر، والنحاس، والذهب، والفضة،
~~والقار، والرصاص، والعقيق، وغير ذلك من المعادن.
# ولا يجوز السجود على الرياش، ولا على الجلود، ولا على الرماد، ولا على
~~الحصر المنسوجة بالسيور، وهي المدينة، إذا كانت السيور ظاهرة، تقع الجبهة
~~عليها، فإن كانت السيور غير ظاهرة، والنبات ظاهرا فلا بأس بها، وصارت
~~كغيرها من الحصر.
# ولا بأس بالسجود على القرطاس، ويكره المكتوب لمن يراه ويحسن القراءة،
~~لأنه ربما شغله عن صلاته، وما خرج عن معنى الأرض وما أنبتته (2) إلا ما
~~استثنيناه فلا يجوز السجود عليه، وذكر جميعه يطول.
# وقد ذهب بعض أصحابنا وقال: لا يجوز الصلاة في ثوب قد أصابته نجاسة، مع
~~العلم بذلك، أو غلبة الظن، فمن صلى فيه والحال ما وصفناه وجبت عليه الإعادة
~~أما قوله. " مع العلم " فصحيح، وأما قوله " أو غلبة الظن " فغير واضح، لأن
~~الأشياء على أصل الطهارة، فلا يرجع عن هذا الأصل إلا بعلم، فأما بغلبة ظن،
~~فلا يرجع عن المعلوم بالمظنون.
# ويكره الصلاة في الثياب السود كلها ولا يكره في العمامة السوداء، ولا
~~الخف الأسود.
# PageV01P268
# ويكره أن يصلي ms0183 الإنسان في عمامة لا حنك لها، وهذا هو الاقتعاط، " بالقاف
~~والتاء المنقطة نقطتين من فوق، والعين غير المعجمة، والطاء غير المعجمة "،
~~المنهي عنه في الحديث، يرويه المخالف والمؤلف قد ذكره أبو عبيدة القسم بن
~~سلام في غريب الحديث.
# فأما الصلاة في الثوب الذي يكون تحت وبر الثعلب، أو الثوب الذي فوقه،
~~فجائزة، لأن هذه الأوبار طاهرة، ولو كانت نجسة لما تعدت نجاستها إلى الثوب،
~~لقوله عليه السلام: ما بين يابسين من نجاسة (1) وقد يوجد في بعض الكتب أنه
~~لا يجوز الصلاة في الثوب الذي يكون تحت وبر الثعلب، ولا الذي فوقه، أورد
~~ذلك شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته (2) على جهة الإيراد لا
~~الفتوى، والاعتقاد.
# ولا يجوز الصلاة في القلنسوة، والتكة، إذا عملا من وبر الأرانب.
# وتكره الصلاة فيهما إذا عملا من حرير محض.
# وتكره الصلاة إذا كان مع الإنسان شئ من حديد مشهور، مثل السكين، والسيف.
# وإذا عمل كافر من أي أجناس الكفار، مجوسيا كان أو غيره، ثوبا لمسلم، لا
~~تجوز الصلاة فيه إلا بعد غسله.
# وقد أورد شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته: وإذا عمل مجوسي
~~ثوبا لمسلم، يستحب أن لا يصلي فيه إلا بعد غسله (3) وهذا خبر من أخبار
~~الآحاد، أورده إيرادا، لا اعتقادا، بل اعتقاده وفتواه ما ذكره في مبسوطه
~~أنه لا يجوز الصلاة فيه إلا بعد تطهيره (4) وأيضا إجماع أصحابنا منعقد، على
~~أن أسئار جميع الكفار
# PageV01P269
# نجسة، بغير خلاف بينهم.
# ويكره أن تصلي المرأة وفي يدها خلاخل لها صوت، أو رجلها، على ما روي في
~~بعض الأخبار (1).
# ويكره الصلاة في الخاتم الذي فيه صورة حيوان.
# ويكره الصلاة في بيوت النيران، والخمور، وبيوت المجوس، والبيع، والكنائس.
# ويكره أن يصلي وفي قبلته نار مضرمة.
# ويكره صلاته وفي قبلته سلاح مشهور، كل ذلك على سبيل الكراهة دون الحظر
~~والتحريم، وإن كان قد ورد في ألفاظ أخبار الآحاد أنه لا يجوز الصلاة في شئ
~~من ذلك (2)، لأنه لا دليل على بطلان الصلاة من كتاب ولا ms0184 سنة مقطوع بها، ولا
~~إجماع.
# وقد ورد ما يعارض تلك الأخبار، قال عبد الله بن جعفر الحميري في كتابه
~~قرب الإسناد: سأل علي بن جعفر أخاه موسى بن جعفر عن الخاتم، يكون فيه نقش
~~تماثيل سبع أو طير، أيصلى فيه؟ قال: لا بأس (3) وقد قلنا أن الشئ إذا كان
~~شديد الكراهة يأتي بلفظ لا يجوز، وإذا كان شديد الاستحباب يأتي بلفظ
~~الوجوب، وإنما يعرف ذلك بشواهد الحال وقرائنها.
# ولا تجوز الصلاة في المكان المغصوب مع تقدم العلم بذلك، والاختيار على ما
~~ذكرناه، سواء كان الغاصب أو غيره، مع علمه، وكذلك لا يجوز الصلاة في الثوب
~~المغصوب، مع تقدم العلم بذلك، فإن تقدم العلم بالغصب للمكان والثوب، ثم نسي
~~ذلك وسها العلم بهما وقت صلاته، فلا إعادة عليه وحمله
# PageV01P270
# على النجاسة في الثوب، وتقدم العلم بها، قياس محض، ونحن لا نقول به، لأن
~~الرسول عليه السلام قال: رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه
~~(1) ولعمري أن المراد بذلك أحكام النسيان، فمن أوجب الإعادة فما رفع عنه
~~الأحكام، ولولا إجماع أصحابنا المنعقد على إعادة صلاة من تقدم علمه
~~بالنجاسة ونسيها، لما أوجبنا الإعادة عليه، وليس معنا، فيما نحن فيه، ذلك
~~الإجماع، ولا يلتفت إلى ما يوجد، إن وجد في بعض المصنفات لرجل من أصحابنا
~~معروف، فليلحظ ذلك، فالعامل بذلك مقلد لما يجده في بعض المختصرات (2).
# ومن اضطر إلى الصلاة فوق الكعبة، فليقم قائما عليها ويصلي، وقد روي:
# فليستلق على قفاه، وليتوجه إلى البيت المعمور، وليؤم إيماء (3).
# ويكره أن يصلي وفي قبلته مصحف مفتوح.
# وإذا خاف الإنسان الحر الشديد من السجود على الأرض، أو على الحصى، ولم
~~يكن معه ما يسجد عليه، لا بأس أن يسجد على كمه، فإن لم يكن معه ثوب، سجد
~~على كفه.
# وإذا حصل في موضع فيه ثلج، ولم يكن معه ما يسجد عليه، ولا يقدر على
~~الأرض، لم يكن بالسجود عليه بأس، بعد أن يصلبه بيده.
# ويكره للإنسان الصلاة وهو معقوص الشعر، فإن صلى كذلك متعمدا، جازت ms0185 صلاته،
~~ولا يجب عليه الإعادة وقد روي أنه يجب عليه إعادة الصلاة (4) قال بذلك
~~شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله وأصول المذهب يقتضي أن لا إعادة عليه، لأن
~~الإعادة فرض ثان، وهذا خبر واحد، لا يوجب علما ولا عملا، وقد بينا أن أخبار
~~الآحاد عند أصحابنا غير معمول عليها، ولا يلتفت
# PageV01P271
# إليها، وكررنا القول في ذلك، والإجماع غير حاصل على بطلان الصلاة،
~~وقواطعها مضبوطة، محصورة قد حصرها فقهاء أصحابنا، ولم يعددوا في جملة ذلك
~~الشعر المعقوص للرجل، بل سلار قال في رسالته: ويكره الصلاة في شعر معقوص
~~(1).
# باب أحكام قضاء الفائت من الصلوات كل صلاة فريضة فاتت، إما للنسيان أو
~~غيره من الأسباب، فيجب قضاؤها في حال الذكر لها، من غير توان في سائر
~~الأوقات، إلا أن يكون آخر وقت فريضة حاضرة يغلب فيه على ظن المصلي أنه متى
~~شرع في قضاء الفائتة خرج الوقت، وفاتت الصلاة الحاضر وقتها، فيجب أن يبدأ
~~بالحاضرة، ويعقب بالفائتة، والأوقات التي ذكرناها أن النهي تناولها، يجب
~~فيها قضاء الصلاة المفروضة، عند الذكر لها، وإنما يكره فيه ابتداء النوافل،
~~ومتى لم يخش ضيق الوقت الحاضر عن قضاء الماضية، وصلاة الوقت، وجب تقديم
~~قضاء الصلاة الفائتة، والتعقيب بصلاة الوقت والترتيب واجب في قضاء الصلوات،
~~يبدأ بقضاء الأول، فالأول، سواء دخل في حد التكرار، أو لم يدخل، فإن لم يكن
~~يتسع الوقت لقضاء جميع الفوائت، وخشي من فوت صلاة الوقت، بدأ بما يتسع
~~الوقت له، من القضاء على الترتيب، ثم عقب بصلاة الوقت، وأتى بعد ذلك بباقي
~~القضاء فإن صلى الحاضر وقتها قبل تضيق الوقت يجب أن يكون ما فعله غير مجزئ
~~عنه، وإن يجب عليه إعادة تلك الصلاة في آخر وقتها، لأنه منهي عن هذه
~~الصلاة، والنهي يقتضي الفساد وعدم الإجزاء، ولأن هذه الصلاة أيضا مفعولة في
~~غير وقتها المشروع لها، لأنه إذا ذكر أن عليه فريضة فائتة، فقد تعين عليه
~~بالذكر أداء
# PageV01P272
# تلك الفائتة، في ذلك الوقت بعينه، وقد تعين الوجوب وضاق، فإذا صلى في ms0186 هذا
~~الوقت غير هذه الصلاة، كان مصليا لها في غير وقتها المشروع لها، فيجب عليه
~~الإعادة لا محالة فإن قيل: وجوب الإعادة يحتاج إلى دليل. فقد ذكرنا الدليل
~~على ذلك.
# فإن قيل: فقد أوقعها مكلفها بنيتها المخصوصة، وأتي بجميع أحكامها،
~~وشروطها في وقت يصح فعلها فيه بإجماع، فإعادتها بعد فعلها على هذا الوجه
~~يحتاج إلى دليل.
# قيل له: لا نسلم أنه أوقع هذه الصلاة على جميع شرائطها المشروعة، وفي وقت
~~يصح فعلها فيه، لأن من شرط هذه الصلاة مع ذكر الفائتة، أن يؤدي بعد قضاء
~~الفائتة، فالوقت الذي أداها فيه وقت لم يضرب لها الآن، وإن كان يصح أن يكون
~~وقتا لها لو لم يذكر الفائتة، وهذا مما لا شبهة فيه للمتأمل، وأيضا
~~فالفائتة وقتها مضيق، والإتيان بها بعد الذكر لها، واجب مضيق، والمؤداة قبل
~~تضيق وقتها، الإتيان بها واجب موسع له بدل وهو العزم على أدائه قبل تضيق
~~وقته وخروجه، الفائت واجب مضيق لا بدل له، فالواجب فعل الفائت المضيق الذي
~~لا بدل له، وترك الواجب الموسع الذي له بدل يقوم مقامه، إلى أن يتضيق وقته،
~~وكل ما منع من الواجب المضيق، فهو قبيح بغير خلاف، والمؤداة تمنع من الواجب
~~المضيق، ففعلها لا يجوز، لأنه قبيح منهي عنه، مثاله رد الوديعة بعد مطالبة
~~صاحبها بها، فإنه واجب مضيق، فلما زالت الشمس طالب بالوديعة صاحب المودع،
~~فقام إلى صلاة الظهر ليصليها بعد مطالبة صاحبها بها، فإذا صلى والحال ما
~~وصفناه، فإن صلاته باطلة بلا خلاف، لأنه عدل من فعل واجب مضيق إلى فعل واجب
~~موسع، فمنع من الواجب المضيق، فكان قبيحا على ما قررناه، ولنا في المضايقة
~~كتاب خلاصة الاستدلال، على من منع من صحة المضايقة بالاعتلال، بلغنا فيه
~~إلى أبعد الغايات وأقصى النهايات، بسطنا القول فيه، وجنحناه وتغلغلنا في
~~شعابه، وذكرنا فيه ما لم يوجد في كتاب بانفراده، فمن PageV01P273
# أراد الوقوف عليه فليطلبه من حيث أرشدناه.
# ومن عليه صلوات كثيرة لا يمكنه قضاؤها إلا في زمان طويل، فالواجب أن ms0187
~~يقضيها في كل زمان، إلا في وقت فريضة حاضرة يخاف فوتها متى تشاغل بالقضاء،
~~فيقدم حينئذ أداء الحاضرة، ثم يعود إلى التشاغل بالقضاء، فإن كان محتاجا
~~إلى تعيش يسد به جوعته وما لا يمكنه دفعه من خلته (1) كان ذلك الزمان الذي
~~يتشاغل فيه بالتعيش، مستثنى من أوقات القضاء، كما استثنينا منها زمان
~~الصلاة الحاضرة وقتها مع تضيقه، ولا يجوز له الزيادة على مقدار الزمان الذي
~~لا بد منه في طلب ما يمسك الرمق، وإنما أبحنا له العدول عن القضاء الواجب
~~المتعين لضرورة التعيش، فيجب أن يكون ما زاد عليها غير مباح، وحكم من عليه
~~فرض نفقة في وجوب تحصيلها كحكم نفقته في نفسه. فأما فرض يومه وليلته في
~~زمان التعيش، فلا يجوز له أن يفعله إلا في آخر الوقت، كما قلناه من قبل،
~~فإن الوجه في ذلك لا يتغير بإباحة التعيش، فأما النوم فيجزي ما يمسك الحياة
~~منه في وجوب التشاغل به مجرى ما يمسك الحياة من من الغذاء وتحصيله.
# وإذا دخل المصلي في صلاة العصر، فلما صلى بعضها ذكر أن عليه صلاة الظهر،
~~فالواجب عليه نقل نيته إلى صلاة الظهر ونوى أن ما صلاه ويصليه إنما هو عن
~~الظهر، ويصلي العصر بعدها، وكذلك إن صلى من المغرب بعضها وذكر أن عليه صلاة
~~العصر، أو صلى من العشاء الآخرة ركعة أو ما زاد عليها وذكر أن عليه المغرب
~~يجب عليه نقل النية، فإن لم يفعل بطلت الصلاة التي افتتحها، وما أجزأت عن
~~التي ذكرها، لأنه لم يصلها بنيتها.
# ومن نسي صلاة فريضة من الخمس وأشكل عليه أيها هي بعينها، فليصل اثنين
~~وثلاثا وأربعا بثلاث تكبيرات إحرام، وثلاث نيات، فإن كان الذي
# PageV01P274
# فاته الفجر كانت الركعتان عنها، لأنه نوى بهما الفجر، وإن كانت المغرب
~~فالثلاث عنها، لأنه نوى بها المغرب، وإن كان الظهر أو العصر أو العشاء
~~الآخرة فالأربع بدل عنها، لأنه نوى الذي فاته، وعلمه الله تعالى، لأن
~~تعيينه ليس في مقدوره، بل ينوي أصلي إن ظهرا فظهر، وإن عصرا ms0188 فعصر، وإن عشاء
~~آخرة الذي فاتني (1) فعشاء آخرة.
# فإن كان فاتته تلك الصلاة مرات كثيرة فعل ذلك وصلى اثنتين وثلاثا وأربعا
~~مرات كثيرة، إلى أن يغلب على ظنه براءة ذمته، وأنه قد قضى ما فاته، هذا في
~~حق الحاضر ومن في حكمه من المسافرين.
# فأما المسافر إذا فاتته صلاة من الخمس ولم يدر أيها هي، فالواجب عليه أن
~~يصلي الخمس صلوات، الظهر ركعتين والعصر كذلك، والعشاء الآخرة كذلك، والمغرب
~~ثلاث ركعات، والفجر ركعتين، وحمل ذلك على المسألة المتقدمة قياس وهو باطل
~~عندنا، ولولا الإجماع المنعقد على عين تلك المسألة، لما قلنا به، لأن
~~الصلاة في الذمة بيقين، ولا تبرأ إلا بيقين مثله، ولم يورد ويجمع أصحابنا
~~إلا على صورة المسألة وتعيينها في حق من فرضه أربع ركعات من الحاضرين ومن
~~في حكمهم، فالتجاوز عن ذلك قياس بغير خلاف، وفيه ما فيه فليلحظ ذلك.
# ومن فاتته الخمس بأجمعها، فليصلها بأجمعها، مرتبا لها، بخمس نيات، وخمس
~~تكبيرات إحرام، وسبع عشرة ركعة، عددا إن كان حاضرا، وإن كان مسافرا وقد
~~فاتته في حال سفره، فإحدى عشرة ركعة.
# فإن فاته ذلك مرارا كثيرة، وأياما متتابعة، ولم يحصها عددا، ولا أياما،
~~فليصل على هذا الاعتبار، ومن هذا العدد، ويد من ذلك، ويكثر منه حتى يغلب
~~على ظنه أنه قد قضى ما فاته.
# PageV01P275
# وقضاء النوافل مستحب، وليس بواجب.
# ولا يجوز أن يبدأ بقضاء شئ من النوافل حتى يؤدي جميع الفرائض الفائتة
~~والحاضر وقتها.
# ويجوز أن يقضي نوافل الليل بالليل، ونوافل النهار بالنهار، ونوافل النهار
~~بالليل، ونوافل الليل بالنهار، فبكل وردت الروايات (1) ويقضي الوتر وترا
~~كما فاته (2) وإذا أسلم الكافر، وطهرت الحائض والنفساء، وبلغ الصبي، وأفاق
~~المجنون، والمغمى عليه، قبل غروب الشمس، في وقت يتسع لفعل فرض الظهر والعصر
~~معا والطهارة لهما، وجب على كل واحد منهم أداء الصلاتين، أو قضاؤهما إن
~~أخرهما، وكذلك إن تغيرت أحوالهم من آخر الليل، صلوا المغرب والعشاء الآخرة،
~~وصلاة الليل، وقضوا إن فرطوا.
# ومتى حاضت الطاهر، بعد أن كان يصح لها ms0189 لو صلت في أول الوقت الصلاة لزمها
~~قضاء تلك الصلاة.
# والمغمى عليه لمرض أو غيره مما لا يكون هو السبب في دخوله عليه بمعصية
~~يرتكبها، لا يجب عليه قضاء ما فاته من الصلوات إذا أفاق، بل يجب أن يصلي
~~الصلاة التي أفاق في وقتها، وقد روي أنه إذا أفاق آخر النهار، قضى صلاة ذلك
~~اليوم، وإذا أفاق آخر الليل، قضى صلاة تلك الليلة (3). ولا بد من أن يعتبر
~~في إفاقته الحد الذي يتمكن معه من الصلاة، لأنه إذا لم يفق على هذا الوجه،
~~كانت إفاقته كإغمائه، وقد روي في المغمى عليه أنه يقضي صلاة ثلاثة أيام إذا
~~أفاق (4). وروي أنه يقضي صلاة شهر (5)، والمعول عليه، (6) الوجه الأول.
# PageV01P276
# والمرتد إذا تاب، وجب عليه قضاء جميع ما تركه في حال ردته من الصلاة
~~وغيرها من العبادات، لأنه بحكم الإسلام.
# والعليل إذا وجبت عليه صلاة، فأخرها عن أوقاتها حتى مات، قضاها عنه ولده
~~الأكبر من الذكران، ويقضي عنه ما فاته من الصيام الذي فرط فيه، ولا يقضي
~~عنه إلا الصلاة الفائتة في حال مرض موته فحسب، دون ما فاته من الصلوات، في
~~حال غير مرض الموت.
# باب صلاة الجماعة وأحكامها وكيفيتها وشروطها وأحكام الأئمة والمأمومين
~~وغير ذلك مما يتعلق بها الاجتماع في صلاة الفرائض كلها مستحب، مندوب إليه،
~~مؤكد، وفيه فضل كبير، وثواب جزيل.
# وأقل ما تكون الجماعة وتنعقد، باثنين فصاعدا، فإذا حضر اثنان، فليتقدم
~~أحدهما، ويقف الآخر على جانبه الأيمن، ولا بد من تقدم الإمام عليه بقليل،
~~ووقوفه على جانبه الأيمن على طريق الندب والاستحباب، دون الفرض والإيجاب،
~~ولو وقف خلفه أو عن شماله جازت الصلاة، وإنما ذلك سنة الموقف.
# وإذا كانوا جماعة، فليتقدم أحدهم ويقف في وسط الصفوف، بارزا، ويقف
~~الباقون خلفه، إلا إذا كانوا عراة، فإنه لا يتقدمهم أمامهم بل يقف معهم في
~~الصف، غير بارز كبروز غير العريان، إلا أنه لا بد من تقدمه بقليل على
~~المأمومين، فإن وقف الإمام في طرف، وجعل المأمومين كلهم على يمينه، أو
~~شماله، ms0190 جازت الصلاة، إلا أن ذلك أفضل، لأنه من سنن موقف صلاة الجماعات.
~~PageV01P277
# واعلم أن الصلاة في الجماعة أفضل من صلاة الفسذ (1) فقد (2) روي أن صلاة
~~الجماعة تفضل صلاة المنفرد بخمس وعشرين صلاة.
# ويكره لمن تمكن من الجماعة ولم يكن له عذر يخصه، أو يتعلق بمن يأتم به،
~~أن يخل بها، ويعدل عنها.
# ويستحب لمن يريد دخول المسجد أن يتعاهد نعله، أو خفه، أو غير ذلك، مما هو
~~عليه أو معه، لئلا يكون فيه شئ من النجاسات، سواء كانت النجاسة مما عفي
~~عنها في الصلاة، أو لم يعف بابه (3) ويقدم رجله اليمنى على اليسرى، وإذا
~~خرج، قدم رجله اليسرى على اليمنى، عكس دخوله وخروجه إلى المبرز، ويسلم على
~~الحاضرين فيه، وإن كانوا في صلاة، فإن كانوا ممن ينكرون ذلك، سلم تسليما
~~خفيا، ونوى الملائكة بسلامه، ويصلي ركعتين قبل جلوسه، إن لم يكن الوقت فد
~~تضيق للفريضة.
# ويكره له أن يبصق، ويمتخط فيه، فإن اضطر إلى ذلك، لم يبصق في جهة القبلة،
~~وانحرف يمينا أو شمالا، ويستر ما يلقيه من فيه، ولا ينبغي أن يتخذ المساجد
~~متاجر، ولا مجالس للحديث، لا سيما بالهزل، وما لا يتضمن ذكر الله تعالى
~~وتعظيمه.
# وبناء المساجد فيه فضل كبير وثواب جزيل، ويستحب أن لا يعلى المساجد بل
~~تكون وسطا، وروي أنه يستحب أن لا تكون مظللة، ولا يجوز أن تكون مزخرفة، أو
~~مذهبة، أو فيها شئ من التصاوير، أو مشرفة بل المستحب أن تبنى جما (4).
# ويكره أن تبنى المنارة في وسط المسجد، بل ينبغي أن تبنى مع حائطه، أو
~~خارجه، ويكره أن تعلى عليه على ما روي في الأخبار (5).
# PageV01P278
# ويكره أن يكون في المساجد محاريب داخلة في الحائط.
# وينبغي أن يكون الميضاة على أبوابها، ولا يجوز أن تكون داخلها.
# وإذا استهدم مسجد فينبغي أن يعاد مع التمكن من ذلك، فإن لم يتمكن من
~~إعادته فلا بأس باستعمال آلته في بناء غيره من المساجد ولا يجوز أن يؤخذ شئ
~~من المساجد، لا في ملك ولا في طريق. ms0191
# ويكره الجواز فيها، وجعل ذلك طريقا ليقرب عليه ممره.
# وينبغي أن تجنب المجانين والصبيان، والضالة، وإقامة الحدود، وإنشاد
~~الشعر، ورفع الأصوات إلا بذكر الله تعالى.
# ولا بأس بالأحكام فيها، وليس ذلك بمكروه، لأن أمير المؤمنين عليه السلام
~~حكم في جامع الكوفة، وقضى فيه بين الناس، بلا خلاف، ودكة القضاء إلى يومنا
~~هذا معروفة، وقد قال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته: ينبغي أن
~~تجنب المساجد الأحكام (1) ورجع عن ذلك في مسائل الخلاف (2) وهذا هو الصحيح،
~~وإنما أورد ما رواه من أخبار الآحاد، ولو لم يكن الأمر على ما قلناه، كان
~~يكون مناقضا لأقواله.
# ولا يجوز التوضؤ من الغائط والبول وإزالة النجاسات في المساجد، ولا بأس
~~بالوضوء فيها من غير ذلك.
# ويكره النوم في المساجد كلها وأشدها كراهة المسجد الحرام، ومسجد الرسول
~~صلى الله عليه وآله.
# وإذا أجنب الإنسان في أحد هذين المسجدين، تيمم من مكانه على طريق الوجوب،
~~ثم يخرج على ما قدمناه، ولا يلزمه ذلك في غيرهما.
# ويستحب كنس المساجد، وتنظيفها، والإسراج فيها.
# PageV01P279
# ولا ينبغي لمن أكل شيئا من المؤذيات، مثل الثوم والبصل والكراث أن يقرب
~~المسجد، حتى تزول رائحته عنه.
# ولا يجوز الدفن في شئ من المساجد، ومن كان في داره مسجد قد جعله للصلاة،
~~جاز له تغييره، وتبديله، وتوسيعه، وتضييقه، حسب ما يكون أصلح له، لأنه لم
~~يخرجه عن ملكه بالوقفية، فإن وقفه باللفظ والنية فلا يجوز له شئ من ذلك.
# وإذا بنى خارج داره في ملكه مسجدا فإن وقفه (1) ونوى القربة وصلى فيه
~~الناس، ودخلوه زال ملكه عنه، وإن لم ينو ذلك فملكه باق بحاله.
# ويكره سائر الصناعات في المساجد.
# ويكره كشف العورة فيها، ويستحب ستر ما بين السرة إلى الركبة وصلاة
~~الفريضة في المسجد أفضل منها في البيت، وصلاة نافلة الليل خاصة في البيت،
~~أفضل منها في المسجد ولا تصح الصلاة إلا خلف معتقد الحق بأسره، عدل في
~~ديانته، وحد العدل، هو الذي لا يخل بواجب، ولا يرتكب قبيحا، ومعه من القرآن
~~ما ms0192 يصح به الصلاة، فإن ضم إلى ذلك صفات أخر فذلك على جهة الفضل، بل الواجب
~~والشرط في صحة الانعقاد شرطان: العدالة والقراءة فحسب، فأما الفقه،
~~والهجرة، والسن، وصباحة الوجه، فعلى جهة الأفضل والأولى والأحق بها ممن لا
~~يكون على صفاته، فعلى هذا لا يجوز الصلاة خلف الفساق، وإن كانوا معتقدين
~~للحق، ولا خلف أصحاب البدع، والمعتقدين خلاف الحق.
# ولا يؤم بالناس الأغلف، وولد الزنا.
# ويكره إمامة الأجذم والأبرص، وصاحب الفالج الأصحاء، فيما عدا الجمعة
~~والعيدين فأما في الجمعة والعيدين فإن ذلك لا يجوز، وقد ذهب بعض
# PageV01P280
# أصحابنا إلى أن أصحاب هذه الأمراض، لا يجوز أن يؤموا الأصحاء، على طريق
~~الحظر، والأظهر ما قلناه.
# ولا يجوز إمامة المحدود الذي لم يتب.
# ويكره أن يؤم الأعرابي المهاجر.
# ولا يجوز إمامة المقعد بالزمانة، ولا المقيد المطلقين، ولا الجالس
~~القيام، ويكره إمامة المتيمم المتوضئين وبعض أصحابنا يذهب إلى أنه لا يجوز
~~ذلك ويكره للمسافر أن يؤم بالمقيمين، وللمقيم أن يؤم بالمسافرين في الصلوات
~~التي يختلف فرضهما فيها.
# فإن دخل المسافر في صلاة المقيم، سلم في الركعتين، وانصرف، وإن شاء قام
~~فصلى معه فرضا آخر، إن كان عليه.
# وإن دخل المقيم في صلاة المسافر، يستحب أن لا ينفتل من مصلاه بعد سلامه،
~~حتى يتم المقيم صلاته.
# ولا يجوز إمامة الأمي لمن معه من القرآن ما يقيم به صلاته، فإن أم أمي،
~~أميين مثله، جاز ذلك له.
# ولا يجوز إمامة الشديد اللثغة الذي لا يقيم الحروف ولا ينطق بها على
~~وجهها.
# ولا يجوز إمامة اللحنة الذي يغير بلحنه معاني القرآن.
# ولا يجوز إمامة المرأة الرجال على وجه.
# ويجوز للرجال أن يؤموا النساء، ويكون مقامها وراءه، فإنه من آداب سنن
~~الموقف على ما قلناه (1).
# ويجوز للمرأة أن تؤم النساء في الفرائض والنوافل، وذهب بعض أصحابنا وهو
~~السيد المرتضى إلى أنه لا يجوز لها أن تؤم النساء في الفرائض ويجوز في
# PageV01P281
# النوافل، والأول أظهر في المذهب.
# ولا بأس بإمامة العبد والأعمى إذا كانا على الصفات التي توجب التقدم. ms0193
# والسلطان المحق أحق بالإمامة، من كل أحد في كل موضع إذا حضر، نريد بذلك
~~رئيس الكل، ثم صاحب المنزل في منزله، وصاحب المسجد في مسجده، فإن لم يحضر
~~أحد من هؤلاء فيؤم القوم أقرأهم، فإن تساووا، فأكبرهم سنا في الإسلام، فإن
~~تساووا فأعلمهم بالسنة، وأفقههم في الدين، فإن تساووا في ذلك فأقدمهم هجرة،
~~فإن تساووا فقد روي أصبحهم وجها (1).
# وقد يجوز إمامة أهل الطبقة التالية لغيرها إذا أذن لهم أهل الطبقة
~~المتقدمة، إلا أن يكون الإمام الأكبر الذي هو رئيس الزمان، فإنه لا يجوز
~~لأحد التقدم عليه على وجه من الوجوه.
# ومن ظهر له أنه اقتدى بإمام كافر أو فاسق، لا إعادة عليه، سواء كان الوقت
~~باقيا أو خارجا، على الصحيح من الأقوال والأظهر من المذهب، وذهب السيد
~~المرتضى رضي الله عنه إلى وجوب الإعادة، ولا دليل على ذلك، لأن الإعادة فرض
~~ثان، والأصل براءة الذمة من واجب أو ندب، والإجماع حاصل منعقد على خلافه.
# وأفضل الصفوف أوائلها، وأفضل أوائلها ما دنا من الإمام وحاذاه، وأفضل
~~الصفوف في صلاة الجنازة أواخرها.
# وينبغي أن يقرب من موقف الإمام من إذا اضطر الإمام إلى الخروج من الصلاة
~~استخلفه، وكان أولاهم بمقامه، وإذا اجتمع رجال وخصيان وخناثى ونساء وصبيان
~~كان الرجال مما يلي الإمام، ثم الخصيان، ثم الخناثى، ثم الصبيان، ثم
~~النساء، وبالعكس من ذلك في ترتيب جنائزهم، إذا كان الصبيان لهم دون ست
~~سنين، ويتقدم الأشراف غيرهم، والأحرار يتقدمون العبيد.
# PageV01P282
# ولتتمم الصفوف بأن يتقدم إليها ويتأخر حتى تتمم، وكذلك لا بأس لمن وجد
~~ضيقا في الصف، أن يتأخر إلى الصف الذي يليه، بعد أن لا يعرض عن القبلة، بل
~~يخطو منحرفا.
# ومن دخل المسجد، فلم يجد مقاما له في الصفوف أجزأه أن يقوم وحده محاذيا
~~لمقام الإمام.
# وينبغي أن يكون بين كل صفين قدر مسقط جسد الإنسان أو مربض عنز إذا سجد،
~~فإن تجاوز ذلك إلى القدر الذي لا يتخطأ كان مكروها شديد الكراهة، حتى أنه
~~قد ورد بلفظ لا يجوز (1).
# ولا ms0194 يجوز أن يكون مكان الإمام ومقامه أعلى من مقام المأموم، كسطوح
~~البيوت، والدكاكين العالية، وما أشبهها، فإن كان أعلى منه بشئ يسير لا يعتد
~~بمثله في العرف والعادة، ولا يعلم تفاوته، فلا بأس وجاز ذلك، فأما إن كانت
~~الأرض منحدرة، ومحدودبة فلا بأس بأن يقف الإمام في الموضع العالي، ويقف
~~المأموم في المنحدر المنخفض، وإنما كان ذلك في المكان الذي اتخذ بناء.
# ويجوز أن يكون مقام الإمام أسفل من مقام المأموم، بعد أن لا ينتهي إلى حد
~~لا يمكنه معه الاقتداء به.
# ومقام الإمام قدام المأمومين إذا كانوا رجالا أكثر من واحد، فإن كان
~~المأموم رجلا واحدا صلى عن يمينه، وإن كانت امرأة واحدة أو جماعة صلين
~~خلفه، وإن كان المأموم رجلا واحدا وامرأة أو جماعة من النساء، صلى الرجل عن
~~يمين الإمام، وصلت المرأة أو النساء الجماعة خلفهما، وذلك على جهة
~~الاستحباب، دون الفرض والإيجاب، على ما قدمناه، لأنه من سنن الموقف الذي
~~فيه الإمام والمأموم.
# PageV01P283
# ويجهر الإمام ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين، فيما يجهر فيه
~~بالقراءة على طريق الوجوب، ويستحب ذلك فيما يخافت فيه ويتعين القراءة عليه
~~فيه، ولا يجهر فيما سوى ذلك من باقي ركعاته الثوالث والروابع.
# واختلفت الرواية في القراءة خلف الإمام الموثوق به، فروي أنه لا قراءة
~~على المأموم في جميع الركعات والصلوات، سواء كانت جهرية أو إخفاتية (1) وهي
~~أظهر الروايات، والتي يقتضيها أصول المذهب، لأن الإمام ضامن للقراءة بلا
~~خلاف بين أصحابنا.
# ومنهم من قال يضمن القراءة والركوع والسجود، لقوله عليه السلام: الأئمة
~~ضمناء (2).
# وروي أنه لا قراءة على المأموم في الأوليين في جميع الصلوات التي يخافت
~~فيها بالقراءة، أو يجهر بها، إلا أن تكون صلاة جهر لم يسمع فيه المأموم
~~قراءة الإمام، فيقرأ لنفسه (3).
# وروي أنه ينصت فيما جهر الإمام فيه بالقراءة، ولا يقرأ هو شيئا، ويلزمه
~~القراءة فيما خافت (4).
# وروي أنه بالخيار فيما خافت فيه الإمام (5).
# فأما الركعتان الأخريان فقد روي أنه لا قراءة على المأموم فيهما ولا
~~تسبيح (6) وروي أنه ms0195 يقرأ فيهما أو يسبح (7) والأول أظهر لما قدمناه.
# فأما من يؤتم به على سبيل التقية، ممن ليس بأهل للإمامة، فلا خلاف في
~~وجوب القراءة خلفه، إلا أنه لا بد له من إسماعه أذنيه، وما ورد أنه مثل
~~حديث النفس (8) فإنه على طريق المبالغة والاستيعاب، لأنه لا يسمى قارئا.
# PageV01P284
# وينبغي للإمام والأفضل له أن تكون صلاته على قدر صلاة أضعف من يقتدي به،
~~ولا يطولها، فيشق ذلك على من يأتم به، فأما إن كان وحده فالتطويل هو
~~الأفضل، فإنها العبادة.
# ويفتح المأموم على الإمام إذا تجاوز شيئا من القرآن، أو بدله أو ارتج
~~عليه، ومن أدرك الإمام وهو راكع، وإن لم يدرك تكبيرة الركوع، فقد أدرك
~~الركعة، واعتد بها، فإن رفع رأسه، فقد فاتته الركعة.
# ولا يجب عليه إذا أدركه أن يكبر سوى تكبيرة الافتتاح، فأما تكبيرة الركوع
~~فلا تجب عليه، وذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رضي الله عنه في نهايته (1) إلى
~~أنه يجب عليه أن يكبر تكبيرة الافتتاح، وتكبيرة الركوع، وإلى أنه إن لم
~~يلحق تكبيرة الركوع وإن لحقه راكعا وأدركه في حال ركوعه وركع معه ما لم
~~يلحق تكبيرة الركوع، فلا يعتد بتلك الركعة، والأول مذهب السيد المرتضى
~~وباقي أصحابنا، وهو الصحيح الذي تقتضيه الأصول، ويشهد بصحته النظر والخبر
~~المتواتر.
# ومن أدركه ساجدا، جاز أن يكبر تكبيرة الافتتاح، ويسجد معه غير أنه لا
~~يعتد بتلك الركعة والسجدة.
# ومن أدرك الإمام راكعا، فخاف أن يسبقه بالقيام، جاز له أن يركع عند دخول
~~المسجد، ويمشي في ركوعه حتى يدخل في الصف.
# ويستحب للإمام إذا أحس بداخل إلى المسجد، بأن يتوقف ويتثاقل حتى يدخل في
~~الصف معه، فإن كان راكعا جاز له أن يتوقف مثل قدر ركوعه، وزائدا عليه، فإن
~~انقطع الحاضرون، وإلا انتصب قائما.
# ومن لحق الإمام في تشهده، وقد بقيت عليه منه بقية، فدخل في صلاته،
# PageV01P285
# وجلس معه، لحق فضيلة الجماعة، ثم ينهض فيصلي لنفسه، فإن كان لما كبر، نوى
~~الصلاة وتكبيرة الإحرام بتكبيرته، أجزأه أن يقوم بها ولا يستأنف ms0196 تكبيرة
~~الإحرام، فإن لم يكن نوى ذلك، كبر وافتتح صلاته مستأنفا لها.
# وإذا سبق الإمام المأموم بشئ من ركعات الصلاة، جعل المأموم ما أدركه معه
~~أول صلاته، وما يصليه وحده آخرها، كأنه (1) أدرك من صلاة الظهر أو العصر أو
~~العشاء الآخرة ركعتين وفاتته ركعتان، فالمستحب أن يقرأ فيما أدركه في نفسه
~~بأم الكتاب، فإذا سلم الإمام، قام فصلى الأخريين مسبحا فيهما، أو قارئا على
~~التخيير كما مضى شرحه، وكذلك إذا أدرك ركعة واحدة، قرأ فيها خلف الإمام على
~~طريق الاستحباب، فإذا سلم الإمام، قام فقرأ في الأولى مما ينفرد به، ثم
~~أضاف إليها الركعتين الأخريين بالتسبيح، إن كانت الصلاة رباعية، وإن كانت
~~ثلاثية أضاف واحدة، وفي الفجر يقتصر على الاثنتين بالقراءة.
# وقال بعض أصحابنا في هذه المسائل، يجب عليه القراءة قراءة السورتين معا،
~~ومنهم من قال قراءة الحمد وحدها، والأول الأظهر، وهو الذي يقتضيه أصول
~~المذهب، فأما قولهم: يجعل أول ما يلحق معه أول صلاته احترازا من مذهب
~~المخالف للإمامية، وهو أنه يجعل ما يلحق معه آخر صلاته، ويقضي الأول، هكذا
~~يذهب المخالف لمذهب أهل البيت عليهم السلام، وفقهاء أهل الحق (2) يجعلون ما
~~يلحق معه أول صلاته، فإذا سلم الإمام، قام فأتم ما فاته من غير قضاء.
# فأما قولهم يقرأ فيما يلحقه الحمد والسورة، أو الحمد على القول الآخر،
~~يريدون به أن القراءة تتعين في الأولتين، فإذا لم يقرأ فيما يلحقه، تعين
~~عليه أن يقرأ في الأخريين، لئلا يقلب صلاته، فيجعل أولها آخرها، وقد ورد
~~بهذا أخبار آحاد، فلأجل هذه الأخبار قالوا يقرأ.
# والصحيح من الأقوال، أن القراءة الأمر بها على جهة الاستحباب، دون
# PageV01P286
# الفرض والإيجاب، لأن قراءة الإمام قراءة المأموم، وإن هذه الصلاة ما خلت
~~من القراءة لأن القائل بذلك يقول إذا لم يقرأ فيما يلحق، ففي الأخريين لا
~~يتعين عليه القراءة بل هو مخير بين التسبيح والقراءة، فإذا اختار التسبيح
~~خلت الصلاة من قراءة الحمد، بناء منه على هذا الأصل، وقد بينا أن قراءة
~~الإمام كافية للمأموم، وأن ms0197 صلاته ما خلت من القراءة، لأن صلاته مرتبطة
~~بصلاة إمامه في الصحة والفساد، فهي كالجزء منها، وهي لم تخل من القراءة،
~~فليلحظ ذلك ويتأمل.
# ومن أدرك الركعة الثانية مع الإمام، فجلس لها الإمام، وهي للمأموم أولى،
~~فليجلس بجلوسه متجافيا غير متمكن، فإذا صلى الإمام الثالثة وهي للمأموم
~~ثانية ونهض، تلبث عنه قليلا، بقدر ما يتشهد تشهدا خفيفا، ثم يلحق به في
~~القيام، ولا يقوم المأموم لإتمام صلاته الفائتة، إلا بعد تسليم الإمام، وإن
~~كان عليه سهو فحين يهوي إلى السجدة الأولى.
# وإذا علم الإمام أن فيمن دخل في صلاته من بقي عليه منها ما يحتاج إلى
~~إتمامه، لم ينتقل عن مصلاه بعد تسليمه، حتى يتم من بقي عليه ذلك.
# ولا يدع الإمام القنوت في صلوات الجهر والإخفات معا.
# ويسلم الإمام واحدة تجاه القبلة، وينحرف بعينه قليلا إلى يمينه، والمنفرد
~~يسلم أيضا واحدة، ويكون انحرافه إلى يمينه أقل من انحراف الإمام، والمأموم
~~يسلم يمينا وشمالا، فإن لم يكن على يساره أحد، اقتصر على التسليم على يمينه
~~على ما قدمناه ذكره، ولا يترك التسليم على اليمنى، وإن لم يكن على يمينه
~~أحد.
# وليس على المأموم إذا سها خلف الإمام فيما يوجب سجدتي السهو سجدتا السهو،
~~لأن الإمام يتحمل ذلك عنه.
# وينبغي للإمام إذا أحدث حدثا يوجب انصرافه، وأراد أن يقدم من يقوم مقامه،
~~أن لا يقدم مسبوقا في تلك الصلاة، بل من أدرك أولها، وأفضل من ذلك من قد
~~شهد الإقامة، فإن قدم مسبوقا بركعة أو أكثر، صلى بالقوم، فإذا أتم
~~PageV01P287
# صلاتهم، أومأ إليهم يمينا وشمالا حتى ينصرفوا، ثم يكمل هو ما فاته من
~~الصلاة، فإن كان هذا المقدم مكان الإمام، لا يعلم ما تقدم من صلاة القوم،
~~فيبني عليها، جاز أن يدخل في الصلاة، فإن أخطأ سبح القوم، حتى يبني على
~~الصلاة المتقدمة بتحقيق.
# وإذا مات الإمام قبل إتمام الصلاة فجأة، كان للمأمومين أن يقدموا غيره
~~ويعتدوا بما تقدم، ويطرحون الميت وراءهم.
# ولا يجوز للمأموم أن يبتدئ بشئ من أفعال الصلاة ms0198 قبل إمامه، فإن سبقه على
~~سهو عاد إلى حاله، حتى يكون به مقتديا، فإن فعل ذلك عامدا لا ساهيا، فلا
~~يجوز له العود، فإن عاد بطلت صلاته، لأنه يكون قد زاد ركوعا.
# وإذا اختلف رجلان، فقال كل واحد منهما لصاحبه: كنت إمامك، فصلاتهما معا
~~تامة.
# وإذا اختلفا، فقال كل واحد منهما للآخر: كنت أئتم بك، فسدت صلاتهما،
~~وعليهما أن يستأنفا.
# ومن صلى بقوم وهو على غير وضوء من غير علم منهم بحاله، فأعلمهم بذلك من
~~حاله، لزمته الإعادة، ولم يلزم القوم، وقد روي أنه إن أعلمهم في الوقت،
~~لزمتهم أيضا الإعادة (1) وإنما تسقط عنهم الإعادة بخروج الوقت، فإن انتقضت
~~طهارة الإمام بعد أن صلى بعض الصلاة، أدخل من يقوم مقامه، وأعاد هو الصلاة،
~~وتمم القوم صلاتهم، ومن صلى بقوم ركعتين، ثم أخبرهم أنه لم يكن على طهارة،
~~أتم القوم صلاتهم، وبنوا عليها ولم يعيدوها، هكذا روى جميل بن دراج عن
~~زرارة (2) وهو الصحيح، وفي رواية حماد عن الحلبي أنهم يستقبلون صلاتهم (3)
~~ومن صلى بقوم إلى غير القبلة، ثم أعلمهم بذلك، كانت عليه الإعادة،
# PageV01P288
# دونهم، وقال بعض أصحابنا: إن الإعادة تجب على الجميع ما لم يخرج الوقت،
~~وهذا هو الصحيح، وبه أقول وأفتي، والأول مذهب السيد المرتضى، والثاني مذهب
~~شيخنا أبي جعفر الطوسي رضي الله عنه، وهو الذي تقتضيه أصول المذهب.
# وإذا أم الكافر قوما، ثم علموا بذلك من حاله، كان القول فيه، كالقول فيمن
~~علموا أنه كان على غير طهارة.
# ويجوز أن يقتدي المؤدي بالقاضي، والقاضي بالمؤدي، والمفترض بالمتنفل،
~~والمتنفل بالمفترض، ومن يصلي الظهر بمن يصلي العصر، ومن يصلي العصر بمن
~~يصلي الظهر، كل ذلك جائز مع اختلاف نيتهما ومن صلى جماعة أو منفردا، ثم لحق
~~جماعة أخرى، فالمستحب له، أن يعيد مرة أخرى تلك الصلاة، بنية الاستحباب أي
~~الخمس كانت ولا تكون جماعة، وبين المصلي وبين الإمام، أو بين الصف حائل من
~~حائط أو غيره.
# ومن صلى وراء المقاصير، لا تكون صلاته جماعة، إلا أن يكون مخرمة، وقد
~~وردت ms0199 رخصة للنساء أن يصلين، إذا كان بينهن وبين الإمام حائط (1) والأول
~~الأظهر، والأصح.
# وإذا صلى في مسجد جماعة، كره أن تصلي الجماعة تلك الصلاة بعينها.
# وإذا دخل الإنسان في صلاة نافلة، ثم أقيمت الصلاة، جاز له أن يقطعها،
~~ويدخل في الجماعة.
# فإن دخل في صلاة فريضة، وكان الإمام الذي يصلي خلفه، إمام الكل ورئيس
~~الناس، جاز له أيضا قطعها، ويدخل معه في الجماعة، فإن لم يكن رئيس الكل،
~~وكان ممن يقتدى به، فليتمم صلاته التي دخل فيها، ركعتين يخففهما ويحسبهما
~~من التطوع، على ما روي في بعض الأخبار (2)، ويدخل في
# PageV01P289
# الجماعة، وإن كان الإمام ممن لا يقتدى به، فليبن على صلاته، ويدخل معه في
~~الصلاة، فإذا فرغ من صلاته، سلم وقام مع الإمام، فصلى ما بقي له، واحتسبه
~~من النافلة، فإن وافق حال تشهده، حال قيام الإمام ، فليقتصر في تشهده على
~~الشهادتين، ويسلم إيماء، ويقوم مع الإمام.
# ولا يجوز للإمام أن يصلي بالقوم القيام، وهو جالس، إلا أن يكونوا عراة،
~~فإنهم يصلون كلهم جلوسا، ولا يتقدمهم إمامهم إلا بركبتيه على ما قدمناه.
# وإذا أقيمت الصلاة التي يقتدى بالإمام فيها، لا يجوز أن يصلي النوافل.
# وإذا صليت خلف مخالف، وقرأ سورة يجب فيها السجود، وكنت مستمعا لقراءته،
~~ولم يسجد هو، وخفت أن تسجد وحدك، فأوم إيماء، وقد أجزاك، وإن لم تكن مستمعا
~~لقراءته فلا يجب عليك ذلك.
# باب صلاة الجمعة وأحكامها صلاة الجمعة فريضة على من لم يكن معذورا بما
~~سنذكره من الأعذار بشروط، أحدها حضور الإمام العادل أو من نصبه للصلاة،
~~واجتماع خمسة نفر فصاعدا، الإمام أحدهم على الصحيح من المذهب، وقال بعض
~~أصحابنا وهو شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله: لا يجب الاجتماع إلا أن يبلغ
~~العدد سبعة، والأول مذهب السيد المرتضى، والشيخ المفيد، وجماعة من أصحابنا،
~~وهو الذي تعضده الظواهر والآيات، وبه أفتي.
# والأعذار والأسباب التي تسقط معها الجمعة، الصغر والكبر الذي لا حراك
~~معه، والسفر، والعبودية، والجنون، والتأنيث، والمرض، والعمى، والعرج، وأن
~~تكون المسافة بين المصلي وبينها ms0200 أكثر من فرسخين، وروي، أن من يخاف ظلما
~~يجري عليه على نفسه، أو ماله، هو أيضا معذور في الإخلال بها (1).
# PageV01P290
# وكذلك من كان متشاغلا بجهاز ميت، أو بعليل والد أو من يجري مجراه، من ذوي
~~الحرمات الوكيدة، يسعه أن يتأخر عنها، فأما المحبوس عنها، والممنوع، فلا شك
~~في عذرهما.
# ومن كان في مصره والإمام فيه، وجب عليه الجمع معه، لأنه ليس للإمام أن
~~يكلها إلى غيره في بلده مع القدرة والتمكن، وسقوط الأعذار، ومن كان نائيا
~~عن الإمام جمع بها مع خلفائه، ومع من أذن له في الجمع بالناس.
# ولا ينبغي ولا يجوز أن يكون بين المسجدين اللذين يجمع فيهما أقل من ثلاثة
~~أميال.
# ومن حضر من ذوي الأعذار من المكلفين الذين ذكرناهم الجمعة صلاها مع
~~الإمام جمعة ركعتين، لأن العذر رخص له في التأخر، فإذا حضر، زالت الرخصة،
~~ولزم الفرض.
# والخطبتان لا بد منهما، ولا تنعقد الجمعة إلا بهما، ويجب على الحاضرين
~~استماعهما.
# ومن شرطهما الطهارة، وحضور من تنعقد الجمعة بحضوره، فإن خطب على غير
~~طهارة، أو خطب وكان على طهارة إلا أنه لم يحضر خطبته إلا ثلاثة نفر، لم يجز
~~ذلك، ووجب عليه إعادة الخطبة، فإن لم يعدها لم تصح صلاته جمعة، والذي ينبغي
~~تحصيله، أن الطهارة ليست شرطا في صحة الخطبة بل حضور العدد فحسب، إذ لا
~~دليل على كون ذلك شرطا في صحة الخطبة، من كتاب ولا إجماع، والأصل أن لا
~~تكليف، وإنما ذهب إلى ذلك شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مسائل خلافه
~~(1).
# وعقد الباب (2) أن الجمعة لا تجب إلا إذا اجتمعت شروط، وهي على ضربين،
~~أحدهما يرجع إلى مكلفها، والثاني يرجع إلى غيره، فما يرجع إليه تسع.
# PageV01P291
# شرائط: الذكورة، وكمال العقل، والحرية، والصحة من المرض، وارتفاع العمى،
~~وارتفاع العرج، وارتفاع الشيخوخة التي لا حراك معها، وأن لا يكون مسافرا،
~~وأن لا يكون بينه وبين الموضع الذي يصلي فيه الجمعة مسافة فرسخين، ومع
~~اجتماع هذه الشروط، لا تنعقد إلا بأربعة شروط، وهي الشروط الراجعة ms0201 إلى
~~غيره، السلطان العادل، أو من ينصبه للصلاة، العدد خمسة، وأن يكون بين
~~الجمعتين ثلاثة أميال فما زاد، وأن يخطب الإمام خطبتين.
# وأقل ما تكون الخطبة أربعة أصناف: حمد الله تعالى، والصلاة على النبي
~~وآله، والوعظ والزجر، وقراءة سورة خفيفة القرآن.
# وقد يورد بعض أصحابنا عبارة ينبغي أن يتجافى عنها، وهي أن قال تسقط
~~الجمعة عن عشرة، وعدد في جملة العشرة المجنون والصبي، وهذان ما هما مكلفان،
~~ولا كان عليهما شئ فسقط، وإنما هذا لفظ الحديث، أورده على ما هو، فهذا وجه
~~الاعتذار له، فأما قول بعض أصحابنا، فما يرجع إلى مكلفها من الشرائط فعشرة،
~~وعدد البلوغ قسما، وكمال العقل قسما آخر، فلا حاجة بنا إلى ذلك، بل إذا
~~قلنا كمال العقل أجزأنا عن البلوغ، وإذا قلنا البلوغ لم يجزئنا فالكمال
~~شامل يدخل فيه القسم الآخر، ولا حاجة بنا إلى القسمين الآخرين، في عدد من
~~يسقط عنه الجمعة، على ما قدمناه.
# وما يرجع إلى الجواز الإسلام والعقل، فالعقل شرط في الوجوب والجواز معا،
~~والإسلام شرط في الجواز لا غير، دون الوجوب، لأن الكافر عندنا متعبد،
~~ومخاطب بالشرائع، وإنما قلنا ذلك، لأن من ليس بعاقل، أو ليس بمسلم، لا يصح
~~منه الجمعة، وما عدا هذين الشرطين من الشرائط المقدم ذكرها، شرط في الوجوب،
~~دون الجواز، لأن جميع من قدمنا ذكره، يصح منه فعل الجمعة.
# والناس في باب الجمعة على ضروب، من تجب عليه وتنعقد به، ومن لا تجب عليه
~~ولا تنعقد به، ومن تنعقد به ولا تجب عليه، ومن تجب عليه ولا تنعقد به.
~~PageV01P292
# فأما من تجب عليه وتنعقد به، فهو كل من جمع الشرائط المقدم ذكرها.
# ومن لا تجب عليه ولا تنعقد به، فهو الصبي والمجنون والمرأة قبل حضورها
~~المسجد مع الإمام، فأما إن تكلفت الحضور، وجب عليها صلاة ركعتين، غير أنها
~~لا يتم بها العدد ولا تنعقد بها الجمعة، وأما من تنعقد به، ولا تجب عليه،
~~فهو المريض، والأعمى، والأعرج، والشيخ الذي لا حراك به، ومن كان على رأس ms0202
~~أكثر من فرسخين، والعبد، والمسافر، فهؤلاء لا يجب عليهم الحضور، فإن حضروا
~~الجمعة، وتم بهم العدد، وجب عليهم، وانعقدت بهم الجمعة، ويتم بهم العدد،
~~وأما من تجب عليه ولا تنعقد به، فهو الكافر، والمحدث الذي على غير طهارة،
~~فهما مخاطبان عندنا بالعبادة، ومع هذا لا تنعقد بهما، أنهما لا تصح منهما
~~الصلاة، وهما على ما هما عليه.
# من كان في بلد وجب عليه حضور الجمعة، سمع النداء، أو لم يسمع، فإن كان
~~خارجا عنه، وبينه وبينه أقل من فرسخين فما دون، وجب عليه أيضا الحضور، فإن
~~زادت المسافة على ذلك لا يجب عليه.
# ثم لا يخلو، إما أن يكون فيهم العدد الذي ينعقد بهم الجمعة، أم لا، فإن
~~كانوا كذلك، وجب عليهم الجمعة بشرط أن يكون فيهم الإمام، أو من نصبه الإمام
~~للصلاة، وإن لم يكونوا، لم يجب عليهم غير الظهر أربع ركعات.
# ومتى كان بينهم وبين البلد أقل من فرسخين، وفيهم العدد الذي تنعقد بهم
~~الجمعة، جاز لهم إقامتها، ويجوز لهم حضور البلد.
# ومن وجب عليه الجمعة، فصلى الظهر عند الزوال، لم يجزه عن الجمعة، فإن لم
~~يحضر الجمعة، وخرج الوقت، وجب عليه إعادة الظهر أربعا، لأن ما فعله أولا،
~~لم يكن فرضه.
# إذا كان في قرية جماعة تنعقد بهم الجمعة، والشرائط حاصلة، فكل من كان
~~بينه وبينهم أقل من فرسخين فما دونهما، وليس منهم العدد الذي تنعقد بهم
~~الجمعة، وجب عليهم الحضور، وإن كان فيهم العدد جمعوا. PageV01P293
# ومن سنن الجمعة، الغسل، وهو من وكيد سننها، وابتداؤه من طلوع الفجر
~~الثاني إلى زوال الشمس، وأفضل أوقاته، ما قرب من الزوال، ومن ذلك التزين
~~بأنظف الثياب.
# وروي كراهية لبس السراويل قائما، لأنه يورث الحبن (1) بالحاء غير المعجمة
~~المفتوحة، والباء المنقطة من تحتها نقط واحدة المفتوحة، والنون وهو السقي
~~وهو ورم البطن، وقال ابن بابويه في رسالته: هو الماء الأصفر، والأول قول
~~أهل اللغة، وإليهم المرجع فيه.
# ومس شئ من الطيب، وإماطة الأذى عن الجسد، وأخذ الشارب، وتقليم الأظفار،
~~وأن يبدأ ms0203 بخنصره اليسرى، ويختم بخنصره اليمنى، وتطريف الأهل بالفاكهة،
~~والتقرب إلى الله تعالى بشئ من الصدقة.
# وينبغي للإمام أن يعتم شاتيا كان أو قايظا، ويلبس بردا (2) فبذلك حرت
~~السنة.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ويستحب أن يلبس العمامة شاتيا كان أم
~~قايظا، ويرتدي ببرد يمنية أو عدني (3).
# قال محمد بن إدريس: يقال ترديت أتردى ترديا فأنا مترد، فلا يظن ظان أن
~~ذلك لا يجوز، ويقال أيضا أرتدي يرتدي فهو مرتد، كل صحيح جائز، ذكر ذلك
~~الفضل بن سلمة في كتاب البارع، وقال الرداء الثوب الذي يلبس على الكتفين،
~~ممدود.
# ويأخذ بيده ما يتوكأ عليه، من قضيب، أو عنزة، أو غيرهما.
# ويعلو على مرتفع من الأرض، كمنبر أو غيره، فإذا رقي المنبر، فليكن بوقار،
~~وأناة وتؤدة، ولا ينبغي له أن يعلو من مراقي المنبر أكثر من عدد مراقي منبر
~~رسول الله صلى الله عليه وآله.
# PageV01P294
# فإذا بلغ إلى مقامه، جعل وجهه إلى الناس، وسلم عليهم. وقال بعض أصحابنا،
~~وهو الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مسائل خلافه: ليس ذلك بمستحب (1)،
~~والأول مذهب المرتضى، ولا أرى بذلك بأسا، وإن كان بالمدينة، ابتدأ بالسلام
~~على رسول الله صلى الله عليه وآله.
# ثم يجلس حتى يؤذن (بين يديه، وفي المنائر في وقت واحد.
# فإذا فرغ من الأذان، قام الإمام متوكيا على ما في يده، فابتدأ بالخطبة
~~الأولى، معلنا بالتحميد لله تعالى، والتمجيد، والثناء بآلائه، وشاهدا لمحمد
~~نبيه صلى الله عليه وآله بالرسالة، وحسن الإبلاغ والإنذار، ويوشح خطبته
~~بالقرآن، ومواعظه وآدابه، ثم يجلس جلسة خفيفة، ثم يقوم فيفتتح الخطبة
~~الثانية، بالحمد لله، والاستغفار، والصلاة على النبي وعلى آله عليهم
~~السلام، ويثني عليهم بما هم أهله، ويدعو لأئمة المسلمين، ويسأل الله تعالى
~~أن يعلي كلمة المؤمنين، ويسأل لنفسه، وللمؤمنين، حوائج الدنيا والآخرة،
~~ويكون آخر كلامه: " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى
~~عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون " (2).
# وإذا كان الإمام يخطب، حرم الكلام، ووجب الصمت، لأن سماع الخطبة واجب على
~~الحاضرين، ms0204 ويكره من الالتفات وغيره من الأفعال ما لا يجوز مثله في الصلاة
~~(3) ولا بأس للرجل أن يتكلم إذا فرغ الإمام من الخطبة ما بينه وبين أن تقام
~~الصلاة.
# ثم ينزل الإمام عن المنبر بعد فراغه من إكمال الخطبتين، ويبتدئ المؤذن
~~الذي بين يديه، بالإقامة، وينادي باقي المؤذنين، والمكبرين الصلاة الصلاة.
# ولا يجوز الأذان بعد نزوله مضافا إلى الأذان الأول الذي عند الزوال، فهذا
# PageV01P295
# هو الأذان المنهي عنه، ويسميه بعض أصحابنا الأذان الثالث، لا يجوز يريد
~~به إلا هذا، وسماه ثالثا، لانضمام الإقامة فكأنها أذان آخر.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله: الخطبة يوم الجمعة تكون عند قيام
~~الشمس نصف النهار، فإذا زالت الشمس، نزل فصلى بالناس، وحكي عن السيد
~~المرتضى أنه قال: يجوز أن يصلي عند قيام الشمس يوم الجمعة خاصة (1).
# قال محمد بن إدريس: ولم أجد للسيد المرتضى تصنيفا ولا مسطورا بما حكاه
~~شيخنا عنه، بل بخلافه، وما قدمته وشرحته أولا واخترته، من أن الخطبة لا
~~تجوز إلا بعد الزوال، وكذلك الأذان لا يجوز إلا بعد دخول الوقت في سائر
~~الصلوات، على ما أسلفنا القول فيه في باب الأذان والإقامة، هو مذهب المرتضى
~~وفتواه واختياره في مصباحه، وهو الصحيح، لأنه الذي يقتضيه أصول المذهب،
~~ويعضده النظر والاعتبار، ولأنه عمل جميع الأعصار، ولقوله تعالى: " إذا نودي
~~للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع " (2) والنداء
~~للصلاة، هو الأذان لها، فالأذان لا يجوز قبل دخول وقت الصلاة، ولعل شيخنا
~~أبا جعفر، سمعه من المرتضى في الدرس، وعرفه منه مشافهة، دون المسطور، وهذا
~~هو العذر البين، فإن الشيخ ما يحكي بحمد الله تعالى إلا الحق اليقين، فإنه
~~أجل قدرا، وأكثر ديانة من أن يحكي عنه ما لم يسمعه ويحققه منه.
# وقال شيخنا أبو جعفر في التبيان، في تفسير سورة الجمعة قوله تعالى: " يا
~~أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ":
~~قال معناه إذا سمعتم أذان يوم الجمعة، فامضوا إلى الصلاة، وقال في قوله: ms0205 "
~~وذروا البيع " معناه إذا دخل وقت الصلاة، فاتركوا البيع والشرى، قال
~~الضحاك: إذا زالت الشمس حرم البيع والشرى، وقال الحسن: كل بيع تفوت فيه
~~الصلاة يوم
# PageV01P296
# الجمعة، فإنه بيع حرام لا يجوز، وهو الذي يقتضيه مذهبنا، لأن النهي يدل
~~على فساد المنهي عنه (1).
# قال محمد بن إدريس: وهذا الذي ذكره في تبيانه، دليل على رجوعه عما قال في
~~نهايته، ووفاق لما اخترناه، أن الخطبة والأذان لا يكونان إلا بعد زوال
~~الشمس فليلحظ ذلك.
# فإذا دخل الإمام في الصلاة، فالمستحب له أن يقرأ في الأولى بسورة الجمعة،
~~وفي الثانية بالمنافقين، جاهرا بقراءتهما، وذهب بعض أصحابنا، أن قراءة
~~السورتين له واجب، لا يجزيه أن يقرأ بغيرهما.
# والمستحب للمنفرد يوم الجمعة أيضا قراءتهما، وأنه إن ابتدأ بغيرهما كان
~~له أن يرجع إليهما، وإن كان ابتداؤه أيضا بسورة الإخلاص، وسورة الجحد،
~~اللتين لا يرجع عنهما، إذا أخذ فيهما، ما لم يبلغ نصف السورة، فإن بلغ
~~النصف تمم السورة، وجعلها ركعتي نافلة، وابتدأ الصلاة بالسورتين، وذلك على
~~جهة الأفضل في هذه الفريضة خاصة، لأنه لا يجوز نقل النية من الفرض إلى
~~الندب، إلا في هذه المسألة وفي موضع آخر، ذكرناه في باب الجماعة.
# فأما نقل النية من النفل إلى الفرض، فلا يجوز في موضع من المواضع على وجه
~~من الوجوه، فليلحظ ذلك على ما روي في بعض الأخبار (2)، وأورده شيخنا في
~~نهايته (3)، والأولى عندي ترك العمل بهذه الرواية، وترك النقل، إلا في موضع
~~أجمعنا عليه.
# ويستحب أن يقرأ في العصر من يوم الجمعة بالسورتين أيضا، وفي الغداة من
~~يوم الجمعة بالجمعة في الأولى، وقل هو الله أحد في الثانية، وروي
~~بالمنافقين في الثانية (4)، وهو اختيار المرتضى في انتصاره (5)، وكذلك
~~يستحب أن يقرأ في المعرب،
# PageV01P297
# من ليلة الجمعة بسورة الجمعة، وسبح اسم ربك الأعلى في الثانية، وكذلك في
~~صلاة العشاء الآخرة، وشيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله ذهب في مصباحه إلى
~~أنه يقرأ في الثانية من المغرب مكان " سبح اسم ربك الأعلى "، " قل هو الله
~~أحد ms0206 " (1) وذهب في نهايته (2) ومبسوطه (3) إلى ما اخترناه.
# فأما المنفرد بصلاة الظهر يوم الجمعة، فقد روي أن عليه، أن يجهر بالقراءة
~~استحبابا (4) وروي أن الجهر إنما يستحب لمن صلاها مقصورة، بخطبة أو صلاها
~~ظهرا أربعا في جماعة، ولا جهر على المنفرد (5)، وهذا حكاه سيدنا المرتضى
~~رحمه الله في مصباحه.
# والثاني الذي يقوى في نفسي، وأعتقده، وأفتي به، وأعمل عليه، لأن شغل
~~الذمة بواجب أو مندوب يحتاج إلى دليل شرعي، لأن الأصل براءة الذمة،
~~والإجماع فغير حاصل، والرواية مختلفة، فلم يبق إلا لزوم الأصول، وهو براءة
~~الذمم، وأيضا في تركه الاحتياط، لأن تاركه عند جميع أصحابنا، أعني تارك
~~الجهر بالقراءة في صلاة الظهر يوم الجمعة، غير ملوم، ولا مذموم، وصلاته
~~صحيحة بغير خلاف، وفاعل الجهر غير آمن من جميع ذلك، لأنه إما أن يكون
~~مسنونا على قول بعض أصحابنا، أو غير مسنون على قول البعض الآخر، وفي كلا
~~الآمرين لا ذم على تاركه، وما لا ذم في تركه ويخشى في فعله أن يكون بدعة
~~ومعصية يستحق بها الذم، ومفسدة (6) للصلاة، وقاطعا لها، فتركه أولى وأحوط
~~في الشريعة.
# وعلى الإمام أن يقنت في صلاة الجمعة، وقد اختلفت الرواية في قنوت الإمام
~~يوم الجمعة، فروي أنه يقنت في الأولى قبل الركوع وكذلك الذين خلفه،
# PageV01P298
# ومن صلاها (1) منفردا، أو في جماعة ظهرا، إماما كان أو مأموما، قنت في
~~الثانية، قبل الركوع وبعد القراءة أيضا (2) وروي أن على الإمام إذا صلاها
~~جمعة قصورة قنوتين، في الأولى قبل الركوع وفي الثانية بعد الركوع (3).
# قال محمد بن إدريس: والذي يقوى عندي، أن الصلاة لا يكون فيها إلا قنوت
~~واحد، أي صلاة كانت، هذا الذي يقتضيه مذهبنا وإجماعنا، فلا نرجع عن ذلك
~~بأخبار الآحاد التي لا تثمر علما ولا عملا.
# فإذا فرغ الإمام من الركعتين، سلم تسليمة واحدة على الوجه الذي ذكرناه
~~فيما تقدم، حيث بينا تسليم الإمام والمأموم.
# وإن وقع سهو على الإمام فيما يوجب إعادة الصلاة، وقد صلاها جمعة مقصورة،
~~أعاد هو ومن اقتدى به.
# ومن صحت ms0207 له مع الإمام ركعة يسجد فيها، أما الأولى ثم خرج منها إما لرعاف،
~~أو ما يجري مجراه مما لا ينقض الوضوء، أو الثانية، فعليه أن يتمها ركعتين.
# ومن فاتته الجمعة مع الإمام صلاها ظهرا أربعا، وكذلك من زحمه الناس فلم
~~يصح له ركعة يسجد فيها مع الإمام.
# فأما من كبر مع الإمام وركع ولم يقدر على السجود لازدحام الناس، ثم قام
~~الإمام والناس في الركعة الثانية، وقام معهم، ثم ركع الإمام فلم يقدر عند
~~الركوع في الثانية لأجل الزحام، ثم قدر على السجود، فإن ركعته الأولى تامة
~~إلى وقت السجود، إلا أن عليه أن يسجد لها، فإن كان نوى بسجوده لما سجد في
~~الثانية أنه عن سجدتي الركعة الأولى، فقد تمت له الأولى، وعليه إذا سلم
~~الإمام أن يقوم فيصلي ركعة، يسجد فيها ثم يتشهد، ويسلم، وإن لم ينو ذلك
~~ونوى أنهما للركعة الثانية، لم تجز عنه الركعة الأولى ولا الثانية، ويبتدئ
~~فيسجد
# PageV01P299
# سجدتين وينوي بهما الركعة الأولى، وعليه بعد ذلك ركعة تامة، وقد تمت
~~جمعته، وهذا الذي ذهب إليه شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مسائل
~~الخلاف (1) وقال في نهايته: وإن لم ينو بهاتين السجدتين أنهما للأولى، كان
~~عليه إعادة الصلاة (2)، والذي ذكره في نهايته هو الصحيح، لأنه موافق لأصول
~~المذهب، لأن الأول يكون قد زاد في ركعة واحدة سجدتين، ومن زاد سجدتين في
~~ركعة واحدة سواء كان فعله عامدا أو ساهيا، بطلت صلاته بغير خلاف، والذي
~~ذكره في مسائل الخلاف رواية حفص بن غياث القاضي، وهو عامي المذهب، فلا يجوز
~~الرجوع إلى روايته وترك الأصول، وأيضا فإن السجود لا يحتاج إلى نية
~~بانفراده، بل العبادة إذا كانت ذات أبعاض، فالنية في أولها كافية لجميع
~~أفعالها، ففي الخبر أيضا ما يبطله من هذا الوجه، وأيضا فما استدام النية
~~إذا نوى بسجدتيه أنهما للركعة الثانية، لأنهما من حقهما، أن يكونا للركعة
~~الأولى فإذا لم يستدم النية، فقد بطلت صلاته بغير خلاف.
# وجملة الأمر، أن السجود بانفراده لا يحتاج إلى ms0208 النية، بل الاستدامة كافية
~~على ما قدمناه، وما قاله شيخنا في مسائل خلافه مذهب السيد المرتضى في
~~مصباحه، وما ذهب شيخنا إليه في نهايته هو الصحيح على ما اخترناه وقدمناه،
~~لأن فيه الاحتياط، لأنه لا خلاف أن الذمة مشغولة بالصلاة بيقين، وإذا
~~أعادها برئت بيقين، وليس كذلك إذا لم يعدها.
# والمسافر إذا أم مسافرين في الجمعة، لم يحتج إلى خطبتين، وصلاها ركعتين،
~~لأن فرض الجمعة ساقط عنه وعنهم، وفرضه قصر الظهر، وصلاتها ركعتين.
# فإن دخل في صلاته مقيم، لم يسلم، وأتمها أربعا.
# PageV01P300
# وإن دخل مسافر في صلاة حاضر قاصر لها، أجزأته عن فرضه.
# وإذا اجتمع عيد وجمعة في يوم واحد صليت صلاة العيد، وكان الناس بالخيار
~~في حضور الجمعة، وعلى الإمام أن يعلمهم ذلك في خطبة العيد.
# وليس للإمام أن يتأخر عنهما معا.
# فإن اجتمع كسوف وجمعة في وقت واحد، قدمت الجمعة، وأخرت صلاة الكسوف.
# وإن اجتمع استسقاء وكسوف وجمعة لم يقدم على الجمعة غيرها، ثم صليت صلاة
~~الكسوف، ثم الاستسقاء، بعد تجلي المنكسف، هذا إذا غلب في الظن وكانت
~~الأمارة قوية في أن وقت الكسوف لا يفوت، ولا يخرج وقته، فأما إذا خيف خروج
~~وقت صلاة الكسوف، فالواجب التشاغل بصلاتها، وترك صلاة الجمعة في أول الوقت،
~~فإن وقتها لا يفوت، إلا إذا بقي من النهار مقدار أربع ركعات، ووقت صلاة
~~الكسوف، بانجلاء بعض المكسوف يفوت.
# فأما النوافل يوم الجمعة، فالمسنون فيها، زيادة أربع ركعات على النوافل
~~في كل يوم، واختلف أصحابنا في ترتيبها فذهب السيد المرتضى رحمه الله إلى أن
~~يصلي عند انبساط الشمس ست ركعات، فإذا اتضح النهار وارتفعت الشمس، صليت
~~ستا، فإذا زالت، صليت ركعتين، فإذا صليت الظهر، صليت بعدها ستا.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله يصلي عند انبساط الشمس ست ركعات،
~~وست ركعات عند ارتفاعها، وست ركعات بعد ذلك، وركعتين عند الزوال، وبالجملة
~~أنه قال: ويقدم نوافل الجمعة كلها قبل الزوال، هذا هو الأفضل في يوم الجمعة
~~خاصة، فأما في غيره من الأيام، فلا ms0209 يجوز تقديم النوافل قبل الزوال، وهذا هو
~~الصحيح، وبه أفتي، لأن عمل الطائفة عليه، وتقديم الخيرات أفضل، والروايات
~~به متظاهرة (1)، وقال ابن بابويه من أصحابنا: الأفضل تأخير
# PageV01P301
# النوافل كلها، أعني نوافل يوم الجمعة إلى بعد الزوال، وهذا غير واضح، ولا
~~معتمد.
# ووقت ركعتي الزوال، قبل الزوال، ولا يجوز أن يصلي بعد الزوال، لأن
~~الأخبار (1) وردت عن الأئمة الأطهار بأنهم سئلوا عن وقت ركعتي الزوال، أقبل
~~الأذان أو بعده؟ فقالوا: قبل الأذان، والأذان لا يكون إلا بعد الزوال فمن
~~ذلك، ما أورده (2) أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، صاحب الرضا عليه
~~السلام في جامعه قال: وسألته عن الزوال يوم الجمعة ما حده؟ قال: إذا قامت
~~الشمس فصل ركعتين، فإذا زالت فصل الفريضة ساعة تزول، فإذا زالت قبل أن تصلي
~~الركعتين، فلا تصلهما، وابدأ بالفريضة، واقض الركعتين بعد الفريضة، قال:
# وسألته عن ركعتي الزوال يوم الجمعة، قبل الأذان أو بعده، قال: قبل
~~الأذان، فتحقق وتحصل من هذا، أن ركعتي الزوال، تصلى قبل الزوال، لا يجوز
~~غير ذلك، وشاهدت جماعة من أصحابنا يصلونهما بعد الزوال، ويدلك على ما
~~اخترناه، قول شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان رحمه الله في مقنعته
~~يصلي لتحقيق الزوال (3).
# وقال بعض أصحابنا وهو شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته: ولا
~~بأس بأن يجتمع المؤمنون في زمان التقية، بحيث لا ضرر عليهم، فيصلون جماعة
~~بخطبتين، فإن لم يتمكنوا من الخطبة، جاز لهم أن يصلوا جماعة لكنهم يصلون
~~أربع ركعات (4) فدل قوله الأول على أنهم إذا صلوها بخطبتين، أجزأتهم صلاة
~~ركعتين عن الأربع وانعقدت جمعة.
# وقال في مسائل الخلاف: من شرط انعقاد الجمعة، الإمام أو من يأمره الإمام
~~بذلك، من قاض أو أمير ونحو ذلك، ومتى أقيمت بغيره، لم تصح، ثم
# PageV01P302
# قال: دليلنا أنه لا خلاف أنها تنعقد بالإمام أو بأمره، وليس على انعقادها
~~إذا لم يكن إمام ولا أمره دليل، ثم قال: وأيضا عليه إجماع الفرقة، فإنهم لا
~~يختلفون أن من شرط الجمعة الإمام أمره ثم ms0210 قال: وأيضا فإنه إجماع، فإن من
~~عهد النبي صلى الله عليه وآله إلى وقتنا هذا، ما أقام الجمعة إلا الخلفاء،
~~والأمراء، ومن ولي الصلاة، فعلم أن ذلك إجماع أهل الأعصار، ولو انعقدت
~~بالرعية لصلوها كذلك، ثم سأل نفسه رضي الله عنه فقال: فإن قيل: أليس قد
~~رويتم فيما مضى، وفي كتبكم، أنه يجوز لأهل القرايا والسواد والمؤمنين، إذا
~~اجتمع العدد الذين ينعقد بهم، أن يصلوا الجمعة، فأجاب بجواب عجيب، بأن قال:
~~قلنا ذلك مأذون فيه، مرغب فيه فجري ذلك مجرى أن ينصب الإمام من يصلي بهم
~~(1).
# قال محمد بن إدريس: نحن نقول في جواب السؤال، القرايا والسواد، إذا اجتمع
~~العدد الذين تنعقد بهم الجمعة، وكان فيهم نواب الإمام أو نواب خلفائه،
~~ونحمل الأخبار على ذلك، فأما قوله رضي الله عنه: " ذلك مأذون مرغب فيه،
~~فجرى ذلك مجرى أن ينصب الإمام من يصلي بهم "، فيحتاج إلى دليل على هذه
~~الدعوى وبرهان، لأن الأصل براءة الذمة من الوجوب أو الندب، ولو جرى ذلك
~~مجرى أن ينصب من يصلي بهم، لوجبت الجمعة على من يتمكن من الخطبتين، ولا كان
~~يجزيه صلاة أربع ركعات، وهذا لا يقوله منا أحد، والذي يقوى عندي، صحة ما
~~ذهب إليه في مسائل خلافه، وخلاف ما ذهب إليه في نهايته، للأدلة التي ذكرها
~~من إجماع أهل الأعصار، وأيضا فإن عندنا بلا خلاف بين أصحابنا، أن من شرط
~~انعقاد الجمعة، الإمام أو من نصبه الإمام للصلاة، وأيضا الظهر أربع ركعات
~~في الذمة بيقين، فمن قال صلاة ركعتين تجزي عن الأربع، يحتاج إلى دليل، فلا
~~نرجع عن المعلوم بالمظنون، وأخبار الآحاد التي
# PageV01P303
# لا توجب علما ولا عملا.
# وقد ذكر السيد المرتضى رحمه الله في جواب المسائل الميافارقيات فقال
~~السائل: صلاة الجمعة يجوز أن تصلي خلف المؤالف والمخالف جميعا؟ وهل هي
~~ركعتان مع الخطبة، يقوم مقام الأربع؟ فقال المرتضى رحمه الله: صلاة الجمعة
~~ركعتان من غير زيادة عليهما، ولا جمعة إلا مع إمام عادل أو من ينصبه الإمام
~~العادل، فإذا عدم صليت ms0211 الظهر أربع ركعات (1).
# وذكر سلار في رسالته: ولفقهاء الطائفة أيضا أن يصلوا بالناس في الأعياد
~~والاستسقاء، فأما الجمع فلا (2) هذا آخر كلام سلار، في رسالته، وهو الصحيح،
~~وقد اعتذرنا في عدة مواضع، للشيخ أبي جعفر رحمه الله فيما يورده في كتاب
~~النهاية، وقلنا أورده إيرادا لا اعتقادا، لأن هذا الكتاب، أعني كتاب
~~النهاية كتاب خبر، لا كتاب بحث ونظر، وقد قال هو رحمه الله في كتابه هذا ما
~~قاله في خطبة مبسوطه، فكيف يعتمد ويقلد ما يوجد فيه، وقد تنصل المصنف من
~~ذلك ويستحب الجمع بين الفرضين في يوم الجمعة خاصة من جهة الوقت والزمان
~~معا، وكذلك يستحب الجمع بينهما بعرفة، من جهة المكان والزمان معا، وكذلك
~~يستحب الجمع بن المغرب والعشاء الآخرة بالمشعر الحرام، ليلة العيد من جهة
~~المكان والزمان معا، وحد الجمع أن لا يصلي بينهما نافلة، فأما التسبيح
~~والأدعية فمستحب ذلك، وليس بمانع للجمع.
# فإذا فرغ الإمام من صلاة الجمعة، صلى العصر بإقامة فحسب، دون الأذان،
~~فأما من صلى الظهر أربعا منفردا، أو مجمعا في جماعة، فالمستحب له الأذان
~~والإقامة جميعا لصلاة العصر، مثل سائر الأيام، وقد يشتبه على كثير من
~~أصحابنا المتفقهة هذا الموضع لما يقفون عليه، فيما أورده شيخنا أبو جعفر
~~الطوسي
# PageV01P304
# رحمه الله في نهايته، في باب الجمعة، من قوله: ولا يجوز الأذان لصلاة
~~العصر يوم الجمعة، بل ينبغي إذا فرغ من فريضة الظهر، أن يقيم للعصر، ثم
~~يصلي، إماما كان أو مأموما، وهذا عند التأمل لا درك على المصنف، ولا اشتباه
~~فيه، وهو أن الإمام، إذا فرغ من صلاة الظهر يوم الجمعة، وصلى الجمعة، يقيم
~~للعصر من غير أذان له، والذي يدلك على ما قلناه أن المسألة، أوردها في باب
~~الجمعة لا الجماعة، لا أن مقصود المصنف كل من صلاها أربعا، وقد قال الشيخ
~~المفيد في مقنعته ما اخترناه، وحقق ما ذكرناه، فقال: فليؤذن، وليقم لصلاة
~~العصر (1) وكذلك قال في كتاب الأركان: ثم قم فأذن للعصر وأقم، وتوجه بسبع
~~تكبيرات على ما شرح ms0212 ذلك في صلاة الظهر، واقرأ فيها السورتين كما قدمناه
~~(2).
# وقال ابن البراج في كتابه الكامل قال: فإذا فرغ من ذلك - يعني من صلاة
~~الظهر يوم الجمعة، ودعائها - فليؤذن وليقم لصلاة العصر، ثم يصليها كما صلى
~~الظهر، ثم قال: ومن صلى فرض الجمعة بإمام يقتدى به، فليصل العصر بعد الفراغ
~~من فرض الجمعة، ولا يفصل بينهم إلا بالإقامة (3) قال محمد بن إدريس: فليس
~~الشيخ أبو جعفر رحمه الله بأن يقلد في نهايته، بأولى من ابن البراج، والشيخ
~~المفيد بالتقليد في كتاب أركانه، ومقنعته، إن كان يجوز التقليد، ونعوذ
~~بالله من ذلك، فكيف وكلام الشيخ أبي جعفر محتمل لما قاله الشيخ المفيد،
~~وكلام الشيخ المفيد رحمه الله غير محتمل، مع أن أصول المذهب والإجماع حاصل
~~منعقد من المسلمين بأجمعهم، طائفتنا وغيرها، أن الأذان والإقامة لكل صلاة
~~من الصلوات الخمس المفترضات مندوب إليهما، مستحب إلا ما خرج بالدليل في
~~المواضع التي ذكرناها، وخرجت بالإجماع أيضا،
# PageV01P305
# وبقي الباقي على أصله من تأكيد الندب والاستحباب، فليلحظ ذلك، ويعمل فيه
~~بالأدلة، فإن العمل تابع للعلم.
# وإذا صلى الإنسان خلف من لا يقتدى به جمعة للتقية، فإن تمكن أن يقدم
~~صلاته على صلاته فعل، وإن لم يتمكن، يصلي معه ركعتين، فإذا سلم الإمام، قام
~~فأضاف إليهما ركعتين أخرتين، ويكون ذلك تمام صلاته.
# باب النوافل المرتبة في اليوم والليلة ونوافل شهر رمضان وغيرها من
~~النوافل قد بينا أوقات النوافل في اليوم والليلة، وعدد ركعاتها، غير أنا
~~نرتبها هاهنا على وجه أليق به.
# إذا زالت الشمس فليصل ثماني ركعات للزوال، يقرأ فيها ما شاء من السور
~~والآيات، وأفضل ذلك، " قل هو الله أحد " ويسلم في كل ركعتين منها، ويقنت،
~~وهذا حكم جميع النوافل، كل ركعتين بتسليم، لا يجوز غير ذلك، لأن الإجماع
~~حاصل، منعقد عليه، وقد روي في صلاة الأعرابي، أنها أربع ركعات بتسليم (1).
# ويصلي ثماني ركعات بعد الفراغ، من فريضة الظهر.
# ويصلي بعد المغرب أربع ركعات بتشهدين وتسليمين.
# ويصلي ركعتين من جلوس، بعد العشاء الآخرة، يعدان بركعة، وهي ms0213 المسماة
~~بالوتيرة، ويجعل هاتين الركعتين بعد كل صلاة يريد أن يصليها، وهذا هو
~~الصحيح، وقد روي أنه يصلي بعدهما ركعتين (2) وهذه رواية شاذة أوردها الشيخ
~~أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مصباحه (3)، وأورد في نهايته بخلاف ذلك
# PageV01P306
# فقال: ويجعل هاتين الركعتين بعد كل صلاة يريد أن يصليها، ويقوم بعدهما
~~إلى فراشه (1) لأن السهر بما لا يجدي (2) نفعا مكروه، إلا أن يكون في
~~الفقه، فقد روي أن من أحيى أول ليله خرب آخره (3).
# ويستحب أن لا ينام إلا وهو على طهر، فإن نسي ذلك، وذكر عند منامه فليتيمم
~~من فراشه، ومن خاف أن لا ينتبه (4) آخر الليل، فليقل عند منامه: " قل إنما
~~أنا بشر مثلكم " (5) إلى أخر السورة، ثم يقول: اللهم أيقظني لعبادتك في وقت
~~كذا، فإنه ينتبه إن شاء الله على ما ورد الحديث به (6).
# فإذا انتصف الليل، قام إلى صلاة الليل، ولا يصليها في أوله على كل حال،
~~سواء كان مسافرا، أو شابا، بل القضاء هو الأولى لهما.
# فإذا قام فالمستحب له أن يعمد إلى السواك، بكسر السين، وليسك فاه فإن فيه
~~فضلا كثيرا في هذا الوقت خصوصا، وإن كان في سائر الأوقات مندوبا إليه.
# ثم ليستفتح الصلاة بسبع تكبيرات، على ما رتبناه سنة، ثم ليصلي (7) ثماني
~~ركعات، يقرأ في الركعتين الأولتين: " الحمد " و " قل هو الله أحد " ستين
~~مرة، في كل واحدة منهما ثلاثين مرة، وقد روي أن في الثانية يقرأ بدل
~~الثلاثين مرة " قل هو الله أحد "، " قل يا أيها الكافرون " (8) وهو مذهب
~~الشيخ المفيد (9) والأول أظهر في الرواية، (10) وهو مذهب شيخنا أبي جعفر
~~الطوسي رحمه الله وفي الست البواقي، ما شاء من السور، إن شاء طول، وإن شاء
~~قصر، والأفضل قراءة السور.
# PageV01P307
# الطوال، مثل الأنعام، والكهف، والحواميم، إذا كان عليه وقت كثير.
# فإذا فرغ منها، صلى ركعتي الشفع، يقرأ فيهما الحمد والمعوذتين، ويسلم
~~بعدهما، ويستحب أن يقرأ فيهما سورة الملك وهل أتى على الإنسان.
# ثم يقوم إلى الوتر، ويتوجه فيه أيضا، على ما قدمناه.
# فإذا قام ms0214 إلى صلاة الليل، ولم يكن قد بقي من الوقت مقدار ما يصلي كل
~~ليلة، وخاف طلوع الفجر، خفف صلاته، واقتصر على الحمد وحدها، فإن خاف مع ذلك
~~طلوع الفجر، صلى ركعتين، وأوتر بعدهما، ويصلي ركعتي الفجر، ثم يصلي
~~الفريضة، ثم يقضي الثماني ركعات، فإن لم يطلع الفجر، أضاف إلى ما صلى ست
~~ركعات، ثم أعاد ركعة الوتر وركعتي الفجر.
# هذا قول الشيخ المفيد في مقنعته (1) وقال ابن بابويه في رسالته: يعيد
~~ركعتي الفجر فحسب (2)، والأول الذي حكيناه عن شيخنا المفيد أظهر وأفقه،
~~لأنه قد صلى المفردة من الوتر في غير وقتها، ولهذا أعاد بالاتفاق منهما
~~ركعتي الفجر، فإن اعترض بركعتي الشفع، قلنا: الإجماع حاصل على أن لا يعادا.
# وإن كان قد صلى أربع ركعات من صلاة الليل، ثم طلع الفجر، تمم ما بقي عليه
~~أداء، وخففها، ثم صلى الفرض.
# ومن نسي ركعتين من صلاة الليل، ثم ذكر بعد أن أوتر قضاهما، وأعاد الوتر،
~~على ما روي في بعض الأخبار (3).
# ومن نسي التشهد في النافلة، ثم ذكر بعد أن ركع، أسقط الركوع، وجلس وتشهد
~~وسلم.
# وإذا فرغ من صلاة الليل، قام فصلى ركعتي الفجر، وإن لم يكن الفجر
# PageV01P308
# الأول قد طلع بعد.
# ويستحب أن يضطجع بعد صلاة نافلة الغداة التي هي الدساسة، يقول في حال
~~اضطجاعه الدعاء المعروف في ذلك، وإن جعل مكان الضجعة سجدة، كان ذلك جائزا.
# ولا بأس أن يصلي الإنسان النوافل جالسا إذا لم يتمكن من الصلاة قائما فإن
~~تمكن منها قائما وأراد أن يصليها جالسا، لم يكن بذلك أيضا بأس، وجاز ذلك
~~على ما أورده شيخنا في نهايته (1) وهو من أخبار الآحاد التي لا توجب علما
~~ولا عملا، كما أورد أمثاله إيرادا، لا اعتقادا، والأولى عندي ترك العمل
~~بهذه الرواية، لأنها مخالفة لأصول المذهب، لأن الصلاة لا تجوز مع الاختيار
~~جالسا، إلا ما خرج بالدليل والإجماع، سواء كانت نافلة أو فريضة، إلا
~~الوتيرة.
# فإن قيل: يجوز عندكم صلاة النافلة على الراحلة مختارا في السفر وفي
~~الأمصار، قلنا: ms0215 ذلك الإجماع منعقد عليه، وهو الذي يصححه، فلا نقيس غيره
~~عليه، لأن القياس عندنا باطل، فلا نحمل مسألة على مسألة بغير دليل قاطع،
~~فليلحظ ذلك، إلا أنه يستحب له، والحال ما وصفناه، أن يصلي لكل ركعة ركعتين.
# ومن كان في دعاء الوتر، ولم يرد قطعه، ولحق عطش، وبين يديه ماء، جاز له
~~أن يتقدم خطى فيشرب الماء، ثم يرجع إلى مكانه، فيتمم صلاته، من غير أن
~~يستدبر القبلة، هذا إذا كان في عزمه الصيام من الغد، على ما روي في الأخبار
~~(2)، ولا يجوز شرب الماء للمصلي في صلاته في سائر النوافل، ما عدا هذه
~~المسألة، ولا يجوز أن يتعداها إلى غيرها، وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه
~~الله في مسائل الخلاف: يجوز عندنا شرب الماء في النافلة (3) وأطلق ذلك،
~~وإطلاقه غير واضح، لأن القياس عندنا باطل، لأنه ما ورد إلا في عين هذه
~~المسألة، فلا يجوز تعديها إلى غيرها، هذا إذا كان على الرواية إجماع منعقد.
# PageV01P309
# فأما نوافل شهر رمضان، فإنه يستحب أن يزاد فيه على المعتاد في غيره من
~~الشهور، زيادة ألف ركعة بغير خلاف بين أصحابنا، إلا من عرف اسمه ونسبه، وهو
~~أبو جعفر محمد بن بابويه، وخلافه لا يعتد به، لأن الإجماع تقدمه وتأخر عنه،
~~وإنما اختلف أصحابنا في ترتيب الألف، فذهب فريق منهم إلى أنه يصلي من أول
~~ليلة إلى عشرين ليلة، كل ليله عشرين ركعة، ثمان بعد الفراغ من فريضة المغرب
~~ونافلتها، كل ركعتين بتشهد وتسليم بعده، واثنتي عشره ركعة بعد العشاء
~~الآخرة قبل الوتيرة، ويختم صلاته بالوتيرة، ويزيد في ليلة تسع عشرة مائة
~~ركعة، بعد الفراغ من جميع صلوات، ويختم صلاته بالوتيرة، ما لم يتجاوز نصف
~~الليل، فإن لم يفرغ إلا بعد نصف الليل، صلى الوتيرة قبل نصف الليل، لئلا
~~تصير قضاء بخروج وقتها، ويصلي في العشر الأواخر، كل ليلة ثلاثين ركعة،
~~ثماني بعد المغرب، واثنتين وعشرين ركعة بعد العشاء الآخرة، ويصلي في ليلة
~~إحدى وعشرين، ولا ثلاث وعشرين، زيادة على ما فيهما مائة ms0216 ركعة كل ليلة (1)
~~فيكون تمام الألف ركعة وقال فريق منهم: يصلي إلى تسع عشرة منه، في كل ليلة
~~عشرين ركعة، ثماني ركعات بعد المغرب، واثنتا عشرة ركعة بعد العشاء الآخرة
~~قبل الوتيرة، ويختم الصلاة بالوتيرة، وفي ليلة تسع عشرة، مائة ركعة، وفي
~~ليلة إحدى وعشرين أيضا مثل ذلك، وفي ليلة ثلاث وعشرين أيضا مثل ذلك، ويصلي
~~في ثماني ليال من العشر الأواخر، في كل ليلة ثلاثين ركعة، يصلي بعد المغرب
~~ثماني ركعات، واثنتين وعشرين ركعة بعد العشاء الآخرة، فهذه تسعمائة وعشرون
~~ركعة، ويصلي في كل يوم جمعة من شهر رمضان أربع ركعات، لأمير المؤمنين،
~~وركعتين صلاة فاطمة عليهما السلام، وأربع ركعات صلاة جعفر بن أبي طالب رحمة
~~الله عليه ويصلي في آخر جمعة من الشهر، عشرين ركعة صلاة أمير المؤمنين،
# PageV01P310
# وفي عشية تلك الجمعة، عشرين ركعة صلاة فاطمة عليها السلام، فهذه تمام
~~الألف، والمذهب الأول مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله في كتاب
~~الإقتصاد (1) وفي مسائل الخلاف (2)، وأفتى به، وعمل عليه، ودل (3) على
~~صحته، وجعل ما خالفه من المذهب الثاني رواية (4) ما التفت إليها، ومذهب
~~شيخنا المفيد أيضا في كتاب الأشراف (5).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: وهو الذي أفتي به، ويقوى عندي، لأن الأخبار
~~به أكثر، وأعدل رواة، ويعضده أن الله تعالى، لا يكلف تكليف ما لا يطاق، لا
~~في فرض ولا في نافلة، وقد جعل لهذه النافلة وقتا، والوقت ينبغي أن يفضل على
~~العبادة، ولا تفضل العبادة عليه، أو يكون كالقالب لها، وهو الصيام، هذا
~~الذي يقتضيه أصول الفقه، وفي أقصر ليالي الصيف، وهي تسع ساعات، لا يمكن
~~الإتيان بهذه النافلة، إذا كانت آخر ليلة سبت في الشهر، لأن الوقت يضيق عن
~~الفرض والنافلة المرتبة، والعشرين ركعة من صلاة فاطمة عليها السلام وعن
~~الأكل، والشرب، وللافطار، وقضاء حاجة لا بد منها، وغير ذلك، ومن كابر، وقال
~~أنا أصليها أو صليتها على هذا الترتيب، فإن سلم له ذلك، فصلاة على غير
~~تؤدة، ولا يكون تاليا للقرآن كما أنزل، ms0217 ولا راكعا ولا ساجدا السجود
~~المشروع، وهذا مرغوب عنه على ضجر وملال، وقد روي في الحديث لا يمل الله حتى
~~تملو (6).
# ويستحب أن يصلي ليلة النصف، مائة ركعة يقرأ في كل ركعة الحمد (7) وقل هو
~~الله أحد، عشر مرات.
# PageV01P311
# ويستحب أن يصلي ليله الفطر ركعتين، ويقرأ في أول ركعة منهما، الحمد مرة،
~~وقل هو الله أحد ألف مرة، وفي الثانية الحمد مرة، وقل هو الله أحد مرة
~~واحدة.
# فأما صفة صلاة أمير المؤمنين عليه السلام، فإنها أربع ركعات بتسليمين،
~~يقرأ في كل ركعة الحمد، وخمسين مرة قل هو الله أحد.
# وصفة صلاة فاطمة عليها السلام، ركعتان يقرأ في الأولى منهما الحمد مرة
~~واحدة، وإنا أنزلناه مائة مرة، وفي الثانية الحمد مرة، وقل هو الله أحد
~~مائة مرة.
# وصفة صلاة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أربع ركعات بثلاث مائة مرة "
~~سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " يبتدئ الصلاة، فيقرأ
~~الحمد ويقرأ في الأولى منها " إذا زلزلت " فإذا فرغ منها، سبح خمس عشرة
~~مرة، ثم ليركع، ويقول ذلك عشرا، فإذا رفع رأسه قاله عشرا، فإذا سجد قاله
~~عشرا، فإذا رفع رأسه من السجود قاله عشرا، فإذا سجد الثانية قاله عشرا،
~~فإذا رفع رأسه ثانيا، قاله عشرا، فهذه خمس وسبعون مرة، ثم لينهض إلى
~~الثانية، وليصل أربع ركعات على هذا الوصف ويقرأ في الثانية " والعاديات "
~~بعد الحمد، وفي الثالثة بعد الحمد " إذا جاء نصر الله والفتح " وفي الرابعة
~~بعد الحمد " قل هو الله أحد ".
# ويستحب أن يصلي الإنسان يوم الغدير إذا بقي إلى الزوال نصف ساعة بعد أن
~~يغتسل ركعتين، يقرأ في كل واحدة منهما الحمد مرة، وقل هو الله أحد عشر
~~مرات، وآية الكرسي عشر مرات، وإنا أنزلناه عشر مرات. وروي أن آية الكرسي
~~تكون أخيرا، وقبلها إنا أنزلناه (1) فإذا سلم دعا بعدهما بالدعاء المسطور
~~في كتب العبادات ويستحب أن يصلي الإنسان ليلة المبعث، واثنتي عشرة ركعة،
~~ويوم المبعث أيضا وهو يوم السابع والعشرين من رجب، ms0218 اثنتي عشرة ركعة، يقرأ
~~في كل
# PageV01P312
# واحدة منها الحمد ويس، فإن لم يتمكن قرأ ما سهل عليه من السور، فإذا فرغ
~~منها جلس في مكانه، قرأ أربع مرات سورة الحمد وقل هو الله أحد مثل ذلك،
~~والمعوذتين بكسر الواو، كل واحدة منهما أربع مرات، ثم يقول " سبحان الله
~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " أربع مرات، ويقول: " الله الله
~~ربي لا أشرك به شيئا " أربع مرات.
# ويستحب أن يصلي ليلة النصف من شعبان، أربع ركعات، يقرأ في كل واحدة منها
~~الحمد مرة، وقل هو الله أحد مائة مرة.
# وبالجملة يستحب إحياء هذه الليلة، بالصلوات والأدعية، فإنها ليلة شريفة
~~عظيمة الثواب.
# وإذا أراد الإنسان أمرا من الأمور لدينه أو دنياه، يستحب له أن يصلي
~~ركعتين، يقرأ فيهما ما شاء، ويقنت في الثانية، فإذا سلم، دعا بما أراد ثم
~~ليسجد، وليستخر الله في سجوده مائة مرة، يقول: أستخير الله في جميع أموري
~~خيرة في عافية، ثم يفعل ما يقع في قلبه، والروايات (1) في هذا الباب كثيرة،
~~والأمر فيها واسع، والأولى ما ذكرناه.
# فأما الرقاع، والبنادق، والقرعة، فمن أضعف أخبار الآحاد، وشواذ الأخبار،
~~لأن رواتها فطحية ملعونون مثل زرعة ورفاعة وغيرهما فلا يلتفت إلى ما اختصا
~~بروايته، ولا يعرج عليه، والمحصلون من أصحابنا ما يختارون في كتب الفقه،
~~إلا ما اخترناه، ولا يذكرون البنادق، والرقاع، والقرعة، إلا في كتب
~~العبادات، دون كتب الفقه فشيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله لم يذكر في
~~نهايته (2) ومبسوطه (3) واقتصاده (4)، إلا ما ذكرناه واخترناه، ولم يتعرض
# PageV01P313
# للبنادق، وكذا شيخنا المفيد في رسالته، إلى ولده (1) لم يتعرض للرقاع ولا
~~للبنادق، بل أورد روايات كثيرة فيها صلوات وأدعية، ولم يتعرض لشئ من
~~الرقاع، والفقيه عبد العزيز بن البراج رحمه الله أورد ما اخترناه، فقال:
~~وقد ورد في الاستخارة وجوه عدة، وأحسنها ما ذكرناه، وأيضا فالاستخارة في
~~كلام العرب الدعاء، وهو من استخارة الوحش، وذلك أن يأخذ القانص ولد الظبية
~~فيعرك أذنه، فيبغم، فإذا سمعت أمه بغامه، لم تملك ms0219 أن تأتيه، فترمي بنفسها
~~عليه، فيأخذها القانص حينئذ.
# قال حميد بن ثور الهلالي، وذكر ظبية وولدها، ودعاؤه لها لما أخذه القانص،
~~فقال:
# رأت مستخيرا فاستزال، فؤادها * بمحنية تبدو لها وتغيب أراد رأت داعيا،
~~فكان معنى استخرت الله، استدعيته إرشادي.
# وكان يونس بن حبيب اللغوي يقول: إن معنى قولهم استخرت الله، استفعلت من
~~الخير، أي سألت الله أن يوفق لي خير الأشياء التي أقصدها، فمعنى صلاة
~~الاستخارة على هذا أي صلاة الدعاء.
# وإذا عرض للإنسان حاجة فليصم الأربعاء والخميس والجمعة، ثم ليبرز تحت
~~السماء في يوم الجمعة، وليصل ركعتين، يقرأ فيهما بعد الحمد مائتي مرة، وعشر
~~مرات قل هو الله أحد على ترتيب صلاة التسبيح، إلا أنه يجعل بدل التسبيح في
~~صلاة جعفر خمس عشرة مرة قل هو الله أحد في الركوع والسجود، وفي جميع
~~الأحوال، فإذا فرغ منها، سأل الله تعالى حاجته، فإذا قضى حاجته، فليصل
~~ركعتين، شكرا لله تعالى، يقرأ فيهما، الحمد وإنا أنزلناه، أو سورة قل هو
~~الله أحد، ثم ليشكر الله تعالى على ما أنعم به عليه، في حال السجود والركوع
# PageV01P314
# وبعد التسليم إن شاء الله تعالى.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مختصر (1) المصباح: ويستحب صلاة أربع ركعات، وشرح
~~كيفيتها في يوم النيروز نوروز الفرس " ولم يذكر أي يوم هو من الأيام، ولا
~~عينه بشهر من الشهور الرومية، ولا العربية، والذي قد حققه بعض محصلي أهل
~~الحساب، وعلماء الهيأة، وأهل هذه الصنعة في كتاب له، أن يوم النيروز، يوم
~~العاشر من أيار، وشهر أيار، أحد وثلاثون يوما، فإذا مضى منه تسعة أيام، فهو
~~يوم النيروز يقال: نيروز ونوروز لغتان، وأما نيروز المعتضد الذي يقال
~~النيروز المعتضدي، فإنه اليوم الحادي عشر من حزيران، وذلك أن أهل السواد
~~والمزارعين شكوا إليه أمر الخراج، وأنه يفتح قبل أخذ الغلة، وحصادها
~~وارتفاعها، فيستدينون عليها، فيجحف ذلك بالناس والرعية، فيقدم أن لا يفتح
~~ويطالب بالخراج، إلا في أحد عشر يوما من شهر حزيران، قال بعض من امتدحه من
~~الشعراء على هذا الفعال ms0220 والمنقبة والرقة والأفضال:
# يوم نيروزك يوم واحد لا يتأخر * من حزيران يوافي أبدا في أحد عشر ذكر ذلك
~~جميعه الصولي في كتاب الأوراق.
# باب صلاة العيدين صلاة العيدين فريضة بتكامل الشروط التي ذكرناها في لزوم
~~الجمعة، من حضور السلطان العادل، واجتماع العدد المخصوص، وغير ذلك من
~~الشرائط التي تقدم ذكرها، وتجب على ما (2) تجب عليه صلاة الجمعة، وتسقط عمن
~~تسقط عنه، وهما سنة إذا صليا على الانفراد، عند فقد الإمام، أو نقصان
~~العدد، أو اختلال ما عدا ذلك من الشروط، ومعنى قول أصحابنا على الانفراد،
~~ليس المراد بذلك أن يصلي كل واحد منهم منفردا، بل الجماعة أيضا عند
~~انفرادها من دون
# PageV01P315
# الشرائط مسنونة مستحبة، ويشتبه على بعض المتفقهة هذا الموضع، بأن يقول
~~على الانفراد أراد مستحبة إذا صليت (1) كل واحد وحده، قال: لأن الجمع في
~~صلاة النوافل لا يجوز، فإذا عدمت الشرائط صارت نافلة، فلا يجوز الاجتماع
~~فيها. قال محمد بن إدريس رحمه الله: وهذا قلة تأمل من قائله، بل مقصود
~~أصحابنا على الانفراد ما ذكرناه من انفرادها عن الشرائط، فأما تعلقه بأن
~~النوافل لا يجوز الجمع فيها، فتلك النافلة التي لم تكن على وجه من الوجوه،
~~ولا في وقت من الأوقات واجبة ما خلا صلاة الاستسقاء، وهذه الصلاة أصلها
~~الوجوب، وإنما سقط عند عدم الشرائط، وبقي جميع أفعالها وكيفياتها على ما
~~كانت عليه من قبل، وأيضا فإجماع أصحابنا يدمر ما تعلق به، وهو قولهم
~~بأجمعهم يستحب في زمان الغيبة لفقهاء الشيعة، أن يجمعوا بهم صلوات الأعياد،
~~فلو كانت الجماعة فيها لا تجوز، لما قالوا ذلك، وأيضا فشيخنا أبو جعفر
~~الطوسي رحمه الله سأله السائل في المسايل الحائريات، عن الجماعة اليوم في
~~صلاة العيدين، فأجاب بأن قال ذلك مستحب ندوب إليه (1).
# وعدد صلاة كل واحد من العيدين ركعتان باثنتي عشرة تكبيرة بغير خلاف،
~~والقراءة فيها عندنا، قبل التكبيرات في الركعتين معا، وإنما الخلاف بين
~~أصحابنا في القنتات، منهم من يقنت تسمع قنتات، ومنهم من يقنت ثمان قنتات،
~~والأول مذهب شيخنا ms0221 أبي جعفر الطوسي رحمه الله، والثاني مذهب شيخنا المفيد،
~~لأن الشيخ المفيد يقوم إلى الركعة الثانية بتكبيرة، ويجعل هذه التكبيرة من
~~جملة التكبيرات الخمس، فيسقط لها قنوتها، لأن في دبر كل تكبيرة قنوتا ما
~~عدا تكبيرة الإحرام، وتكبيرتي الركوع، وشيخنا أبو جعفر لا يقوم إلى الثانية
~~بتكبيرة فإذا قام، قرأ، ثم كبر أربع تكبيرات، يقنت في دبر كل تكبيرة
# PageV01P316
# ثم يكبر الخامسة، يركع بها، وهذا أظهر في الروايات (1) والعمل، وبه أفتي.
# وترتيبها، ركعتان باثنتي عشرة تكبيرة على ما قدمناه، سبع في الأولى وخمس
~~في الثانية، يفتتح صلاته بتكبيرة الإحرام، ويتوجه إن شاء، ثم يقرأ سورة
~~الحمد، وسورة الأعلى، ثم يكبر خمس تكبيرات، يقنت في دبر كل تكبيرة قنوتا
~~بالدعاء المعروف في ذلك، وإن قنت بغيره كان أيضا جايزا، ثم يكبر السابعة،
~~ويركع بها، فإذا قام إلى الثانية، قام بغير تكبير، ثم يقرأ الحمد، ويقرأ
~~بعدها، والشمس، وضحاها، وروي سورة الغاشية (2) ثم يكبر أربع تكبيرات، يقنت
~~في دبر كل تكبيرة منها، ثم يكبر الخامسة، ويركع بها.
# وليس في صلاة العيدين أذان ولا إقامة، ولكن ينادي لها الصلاة، ثلاث مرات،
~~ويجهر الإمام فيهما، كما يجهر في الجمعة.
# والخطبتان فيهما واجبة على الإمام كوجوبهما في الجمعة، إلا أنهما في
~~الجمعة قبل الصلاة، وفي العيدين بعد فراغه من الصلاة، ولا يجب على
~~المأمومين استماعهما، بخلاف الجمعة.
# ولا منبر في العيدين ينقل نقلا، بل يوضع للإمام من الطين ما يعلو عليه،
~~ويخطب.
# ووقتهما من طلوع الشمس إلى زوالها من ذلك اليوم، إلا أنه يستحب في صلاة
~~الأضحى تعجيل الخروج والصلاة، ويستحب في صلاة الفطر خلاف ذلك ويستحب لمن
~~خرج إلى صلاة العيد أن يخرج في طريق، ويجئ في طريق غيرها.
# ويستحب أن يكون الوقوف والسجود في صلاة العيدين على الأرض نفسها، من غير
~~حائل، وليس قبلها تطوع بصلاة، ولا بعدها، لا قضاء ولا أداء إلى زوال الشمس،
~~ولا بأس بقضاء الفرائض، وإنما الكراهة في صلاة النافلة، إلا بالمدينة، فإن
~~من غدا إلى صلاة العيد مجتازا ms0222 على مسجدها استحب له أن
# PageV01P317
# يصلي فيه ركعتين.
# وليس على من فاتته صلاة العيدين مع الإمام قضاء واجب، وإن استحب له أن
~~يأتي بها مفردا.
# والسنة لأهل الأمصار أن يصلوا العيدين مصحرين، بارزين من الأبنية، إلا
~~أهل مكة خاصة، فإنهم يصلون في المسجد الحرام، لحرمة البيت، وقد ألحق قوم
~~بذلك مسجد الرسول صلى الله عليه وآله والأول هو المعمول عليه، وتكون الصلاة
~~في صحن المسجد الحرام، دون موضع الظلال منه.
# ويكره خروج الإمام والمسلمين يوم العيد إلى المصلى بالسلاح، إلا لخوف من
~~عدو يخاف مكيدته، ويكون الخروج في طريق، والرجوع في غيره.
# ومن السنة المؤكدة في العيدين، الغسل، ووقته من طلوع الفجر الثاني، إلى
~~قبل الخروج إلى المصلى، والتزين والتطيب، كما ذكرناه في الجمعة، ولبس
~~الثياب الجدد، وأن يطعم الغادي في يوم الفطر شيئا من الحلاوة، وأفضله
~~السكر، وروي من تربة سيدنا الشهيد أبي عبد الله الحسين بن علي عليهما
~~السلام (1) والأول أظهر، لأن هذه الرواية شاذة، من أضعف أخبار الآحاد، لأن
~~أكل الطين على اختلاف ضروبه حرام بالإجماع، إلا ما خرج بالدليل من أكل
~~التربة الحسينية على متضمنها أفضل السلام للاستشفاء، فحسب القليل منها، دون
~~الكثير، للأمراض، وما عدا ذلك فهو باق على أصل التحريم، والإجماع.
# ويكون أكله وإفطاره على الحلاوة قبل الخروج إلى الصلاة، وفي عيد يوم
~~الأضحى لا يطعم شيئا حتى يرجع من الصلاة، ولهذا سن تعجيل الخروج إلى المصلى
~~في صلاة الأضحى، وتأخير الخروج إليه في صلاة الفطر.
# والتكبير في ليلة الفطر ابتداؤه دبر صلاة المغرب، إلى أن يرجع الإمام من
# PageV01P318
# صلاة العيد، فكأنه في دبر أربع صلوات أولهن المغرب من ليلة الفطر، وآخر
~~هن صلاة العيد، وقال بعض أصحابنا: وهو ابن بابويه في رسالته في دبر ست
~~صلوات (1) الصلوات المذكورات، والظهر والعصر من يوم العيد، والأول هو
~~الأظهر بين الطائفة، وعليه عملهم.
# وفي الأضحى التكبير على من كان بمنى عقيب خمس عشرة صلاة، أولها صلاة
~~الظهر من يوم العيد، وآخرها صلاة الصبح من يوم النفر ms0223 الأخير، ومن كان في
~~غير منى، من أهل سائر الأمصار، يكبر في دبر عشر صلوات، أولهن صلاة الظهر من
~~يوم العيد، وآخر هن صلاة الصبح من يوم النفر الأول.
# وصفة التكبير وكيفيته: " الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله
~~أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا " هذا في تكبير عيد الفطر،
~~فإن كان تكبير صلاة الأضحى، زيد في آخره بعد قوله: والحمد لله على ما
~~أولانا " ورزقنا من بهيمة الأنعام " وهل هذا التكبير في دبر هذه الصلوات
~~واجب، أو مندوب، اختلف أصحابنا على قولين: فذهب قوم منهم إلى أنه واجب،
~~وذهب قوم آخرون إلى أنه مستحب، فالأول مذهب المرتضى واختياره، والثاني مذهب
~~شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله واختياره في نهايته (2) ومبسوطه (3) وهو
~~الذي يقوى عندي، لأن الأصل براءة الذمة من الواجب والندب، إلا بدليل قاطع،
~~وإذا كان لا إجماع على الوجوب، فبقي أن الأصل براءة الذمة، وفقدان دليل
~~الوجوب، والأخبار ناطقة عن الأئمة الأطهار بالاستحباب، دون الفرض والإيجاب،
~~يعضد (4) دليل براءة الذمة، ويؤيده.
# ويستحب لمن لم يشهد الموقف بعرفات، أن يعرف في بعض المشاهد
# PageV01P319
# الشريفة، وقد (1) روي في التعريف في مشهد سيدنا أبي عبد الله الحسين بن
~~علي عليهما السلام فضل كثير، وثواب جزيل، فينبغي أن لا يدعه الإنسان مع
~~الاختيار.
# ويكره أن يخرج من البلد مسافرا بعد فجر يوم العيد، إلا بعد أن يشهد صلاة
~~العيد، فإن خالف فقد ترك الأفضل، فأما قبل ذلك فلا بأس به، فأما بعد طلوع
~~الشمس، فلا يجوز له السفر إلا بعد الصلاة، إذا كان ممن تجب عليه صلاة
~~العيد.
# ويستحب أن يرفع يديه مع كل تكبيرة، وإذا أدرك مع الإمام بعض التكبيرات،
~~تممها مع نفسه، فإن خاف فوت الركوع وإلى بينها من غير قنوت.
# وينبغي للإمام أن يحث الناس في خطبته في الفطر (2) على الفطرة، ويذكر
~~وجوبها، ووزنها، وجنسها، ووقت إخراجها، ومن المستحق لها، وعلى من تجب، ومن
~~يستحب له إخراجها إذا لم تجب عليه، ويبالغ في شرح ms0224 جميع ذلك.
# وفي الأضحى، يحثهم على الأضحية ويصفها، ويذكر أجناسها، ويبالغ في ذلك.
# ومن لا تجب عليه صلاة العيد من المسافر والعبد وغيرهما، يجوز لهما
~~إقامتهما منفردين سنة.
# ولا بأس بخروج العجائز، ومن لا هيأة لها من النساء، في صلاة الأعياد،
~~ليشهدن الصلاة، ولا تجوز ذلك لذوات الهيئات منهن والجمال.
# ووقت صلاة العيد إذا طلعت الشمس، وارتفعت، وانبسطت، والوقت باق إلى زوال
~~الشمس، فإذا زالت، فقد فاتت ولا قضاء على ما بيناه.
# باب صلاة الكسوف صلاة كسوف الشمس وخسوف القمر فرض واجب، يقال: كسفت الشمس
~~تكسف كسوفا، وكسفها الله تعالى كسفا يتعدى ولا يتعدى، وكذلك
# PageV01P320
# كسف القمر، إلا أن الأجود فيه، أن يقال خسف القمر، والعامة تقول:
# انكسفت الشمس، قد وضعها بعض مصنفي أصحابنا في كتاب له، وهي لفظة عامية،
~~والأولى تجنبها، واستعمال ما عليه أهل اللغة في ذلك، قد ذكره الجوهري في
~~صحاحه وغيره من أهل اللغة.
# وكذلك عند الزلازل، والرياح المخوفة، والظلمة الشديدة، والآيات التي لم
~~تجر بها العادة تجب الصلاة لها مثل ذلك.
# ويستحب أن تصلى هذه الصلاة جماعة، وإن صليت فرادى كان جائزا.
# ومن ترك هذه الصلاة عند كسوف قرص الشمس والقمر بأجمعهما متعمدا وجب عليه
~~قضاء الصلاة بغسل، واختلف قول أصحابنا في هذا الغسل، منهم من ذهب إلى
~~وجوبه، ومنهم من ذهب إلى استحبابه، وهو الذي يقوى في نفسي، لأن الأصل براءة
~~الذمة ولا إجماع على الوجوب، ولا دليل عليه، والأول اختيار سلار، والثاني
~~اختيار شيخنا المفيد وأبي جعفر الطوسي، والمرتضى رحمهم الله.
# وإن تركها ناسيا، والحال ما وصفناه، قضاها بغير غسل، لا فرضا ولا ندبا،
~~بغير خلاف هاهنا في الغسل على القولين معا.
# ومتى احترق بعض قرص الشمس، أو القمر، وترك الصلاة متعمدا، وجب عليه
~~القضاء بغير غسل أيضا بلا خلاف، وإن تركها ناسيا والحال ما قلناه، لم يكن
~~عليه قضاؤها، وقد ذهب بعض أصحابنا إلى وجوب القضاء في هذه الحال، وهو
~~اختيار شيخنا المفيد في مقنعته (1)، وهو الذي يقوى في نفسي، للإجماع
~~المنعقد ms0225 من جميع أصحابنا بغير خلاف، على أن من فاتته صلاة أو نسيها، فوقتها
~~حين يذكرها، والخبر المجمع عليه عند جميع الأمة، من قول الرسول
# PageV01P321
# عليه السلام، أن من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها (1) ودليل
~~الاحتياط أيضا، والأول قول شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله، ووقت هذه
~~الصلاة، إذا ابتدأ قرص الشمس، أو القمر في الانكساف، إلى أن يأخذ في
~~الابتداء للإنجلاء فإذا ابتدأ في ذلك فقد مضى وقتها، وصارت قضاء.
# ويتوجه فرض هذه الصلاة إلى الذكر والأنثى، والحر، والعبد، والمقيم،
~~والمسافر، وإلى كل من كان مخاطبا بفرض الصلاة، ولم يكن له عذر يبيح الإخلال
~~بالفرض، ويسقط ذلك العذر تكليفه الصلاة، كالحيض، والنفاس.
# وجملة القول في وقت هذه الصلاة وتحقيق ذلك، أنه عند ظهور الكسوف للبصر في
~~المشاهدة، أو العلم به، فيمن لم يكن مشاهدا، من أعمى، وغيره، إلا أن يخشى
~~فوت فرض صلاة حاضرة قد تضيق وقتها، فيبدأ بذلك الفرض.
# وإن دخل وقت فرض، وأنت في صلاة الكسوف، وخشيت خروج الوقت، قطعت الصلاة،
~~وأتيت بالفرض، ثم عدت إلى صلاة الكسوف بانيا على ما تقدم، محتسبا بما مضى.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مبسوطه: فمتى كان وقت صلاة
~~الكسوف وقت فريضة، فإن كان أول الوقت صلى صلاة الكسوف، ثم صلاة الفرض، فإن
~~تضيق الوقت بدأ بصلاة الفرض، ثم قضى صلاة الكسوف، وقد روي (2) أنه يبدأ
~~بالفرض على كل حال، وإن كان في أول الوقت، وهو الأحوط، فإن دخل في صلاة
~~الكسوف، فدخل عليه الوقت، قطع صلاة الكسوف، ثم صلى الفرض، ثم استأنف صلاة
~~الكسوف، وإن كان وقت صلاة الليل، صلى أولا صلاة الكسوف، ثم صلاة الليل (3).
# PageV01P322
# وهذا مذهبه في نهايته (1)، وقد رجع عن هذا القول، في جمله وعقوده، فقال:
# خمس صلوات تصلى في كل وقت ما لم يتضيق وقت فريضة حاضرة، من فاتته صلاة
~~فريضة فوقتها حين يذكرها، وكذلك قضاء النوافل ما لم يدخل وقت فريضة، وصلاة
~~الكسوف (2).
# وهذا هو الصحيح الذي يعضده الأدلة، لأن ms0226 وقت الفريضة ممتد، موسع، لا يخشى
~~فوته، وهذه الصلاة يخشى فوتها.
# وأيضا لا يجوز قطع صلاة شرعية مأمور بالدخول فيها، وهذا الذي اخترناه،
~~مذهب السيد المرتضى، والإجماع عليه أيضا، وشيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله
~~وافق في جمله وعقوده ورجع، على ما حكيناه عنه، وكذلك في أول كلامه في
~~مبسوطه ثم قال: وقد روي (3). فلا نرجع عن الأدلة برواية غير مجمع على
~~صحتها.
# ولا أذان لهذه الصلاة في جمع ولا فرادى.
# وهي عشر ركوعات (4)، بأربع سجدات، يفتتح الصلاة بالتكبير، ثم يستفتح،
~~ويقرأ أم الكتاب وسورة، ويستحب أن يكون من طوال السور، وتجهر بالقراءة،
~~فإذا فرغت منها، ركعت، فأطلت الركوع، بمقدار قراءتك، إن استطعت، على جهة
~~الاستحباب، ثم ترفع رأسك من الركوع، وتقول الله أكبر، وتقرأ أم الكتاب
~~وسورة، ثم تركع الثانية، وتطيل، على ما تقدم، ثم تعود إلى الانتصاب،
~~والقراءة حتى تستتم خمس ركوعات، ولا تقل سمع الله لمن حمده، إلا في
~~الركعتين اللتين يليهما السجود، وهما الخامسة والعاشرة، فإذا انتصبت من
~~الركعة الخامسة، كبرت وسجدت سجدتين، تطيل فيهما أيضا التسبيح، ثم تنهض،
~~فتفعل من القراءة والركوع مثل ما تقدم، ثم تتشهد وتسلم.
# PageV01P323
# ولا بأس بأن تقرأ السورة التي تلي أم الكتاب في أكثر من ركعة واحدة، بأن
~~تبعضها، فإذا فعلت ذلك أجزأك أن لا تقرأ أم الكتاب، وتبتدئ بما بلغت إليه
~~من السورة التي قرأت بعضها، فإذا استأنفت أخرى، فالمستحب أن تقرأ أم
~~الكتاب.
# وجملة القول، في قراءة هذه الصلاة، أن قراءة الحمد تجب في الخمس ركعات
~~الأوائل، في أول الركوعات، ويتعين، ولا يجب تكرارها في باقي الخمسة، فإذا
~~سجد وقام إلى الخمسة الركوعات وجب عليه، قراءة الحمد في الأول منها، ويتعين
~~ذلك، ولا يجب تكرار قراءة الحمد في باقي الركوعات، لأن الخمس بمنزلة ركعة
~~واحدة، من صلاة الخمس.
# وينبغي أن يكون لك بين كل ركوعين، قنوت كامل، تقنت قبل الركعة الثانية،
~~ثم قبل الرابعة، ثم قبل السادسة، ثم قبل الثامنة، ثم قبل العاشرة وينبغي أن
~~تقدر الفراغ من ms0227 صلاتك (1) بقدر انجلاء المكسوف، فإن فرغت منها قبل
~~الانجلاء، فلا تجب عليك إعادة الصلاة، بل يستحب لك الدعاء والتسبيح إلى أن
~~ينجلي، وربما ذهب بعض أصحابنا إلى وجوب الإعادة، وهذا غير واضح، لأنه ليس
~~عليه دليل، والأصل براءة الذمة، والإعادة فرض ثان، والأمر فقد امتثل
~~بالصلاة الأولى، وذهب بعض أصحابنا إلى أن الإعادة تستحب، ولا دليل على ذلك
~~أيضا.
# وقال السيد المرتضى في مصباحه، ومن فاتته صلاة الكسوف، وجب عليه قضاؤها،
~~إن كان قرص المنكسف احترق كله فإن كان إنما احترق بعضه فلا يجب عليه
~~القضاء، وقد روي وجوب القضاء على كل حال (2) والأول أظهر، وروي أن من تعمد
~~ترك هذه الصلاة وجب عليه مع القضاء الغسل (3)
# PageV01P324
# قال محمد بن إدريس: وقد قلنا ما عندنا في ذلك من القضاء وغيره، فلا وجه
~~لإعادته.
# باب صلاة الاستسقاء والمسنون عند منع السماء قطرها، وجدب الأرض، أن ينذر
~~الإمام الناس، بعزمه على الاجتماع للاستسقاء، إما في خطبته يوم الجمعة، أو
~~بأن ينادي بذلك فيهم، ويأمرهم بالاستعداد لذلك، وأخذ الأهبة له، من تقديم
~~التوبة، والإخلاص لله تعالى، والانقطاع إليه، فإذا خرجوا لذلك، فينبغي أن
~~يلبسوا أخشن ثيابهم، ويمشوا وهم مطرقون، مخبتون، مكثرون لذكر الله تعالى،
~~والاستغفار لذنوبهم، وسئ أعمالهم، ويمنع من الحضور معهم أهل الذمة، وجميع
~~الكفار، والمتظاهرين بالفسوق، والمنكر، والخلاعة، من أهل الإسلام، ويخرجوا
~~معهم من النساء العجائز، والأطفال والبهائم، ويغدوا الإمام في اليوم الذي
~~أخذ الوعد فيه، ويستحب أن يكون ذلك اليوم، يوم الاثنين، مصحرا إلى المصلى،
~~بحيث يصلي صلاة العيدين، وقد تقدم المؤذنون بين يديه، وفي أيديهم العنز
~~والعنز جمع العنزة، وهي عصا، فيها زج حديد، ويمشي في أثرهم، والمنبر محمول
~~بين يديه، فإذا انتهى إلى الموضع الذي يكون فيه، تقدم إلى (1) المؤذنين،
~~بأذان الناس بالصلاة، بأن يقولوا: الصلاة الصلاة، بغير أذان، ولا إقامة.
# وقال بعض أصحابنا: إن المنبر لا يحمل، بل المستحب أن يكون، مثل منبر صلاة
~~العيد، معمول من طين، وهذا هو الأظهر في الرواية والقول، والأول مذهب السيد ms0228
~~المرتضى، ذكره في مصباحه.
# ثم يصلي بالناس ركعتين، يجهر فيهما بالقراءة، على صفة صلاة العيد، وعدد
~~تكبيرها وهيأتها.
# PageV01P325
# فإذا سلم من الصلاة، رقي المنبر، فخطب، وحمد الله تعالى، وأثنى عليه،
~~وعدد نعمه، وآلاءه، وصلى عليه نبيه محمد صلى الله عليه وآله وبالغ في
~~الوعظ، والزجر، والإنذار، وفي بعض الروايات، أن هذه الخطبة تكون قبل
~~الصلاة، والذي ذكرناه أثبت، وعليه الإجماع.
# فإذا فرغ من الخطبة، قلب رداءه، فجعل ما كان على يمينه، على شماله، وما
~~كان على شماله، على يمينه، ثم يستقبل القبلة، فيكبر الله تعالى مائة
~~تكبيرة، رافعا بها صوته، ويكبر الناس، بتكبيره، غير رافعين لأصواتهم.
# ثم يلتفت إلى يمينه، ويسبح الله تعالى مائة تسبيحة، رافعا بها صوته،
~~ويسبح الناس معه.
# ثم يلتفت إلى يساره، فيهلل الله تعالى مائة تهليلة، رافعا بها صوته،
~~ويهلل الناس معه.
# ثم يستقبل الناس بوجهه، فيحمد الله تعالى مائة تحميدة، رافعا بها صوته،
~~ثم يجلس فيرفع يديه، ويدعو الله تعالى بالسقيا، ويدعو الناس معه، وليؤمنوا
~~على دعائه.
# وذهب بعض أصحابنا إلى غير هذا الترتيب، وقال: إذا فرغ من صلاة الركعتين،
~~وسلم منهما، استقبل القبلة، وكبر الله تعالى مائة تكبيرة، يرفع بها صوته،
~~ويكبر معه من حضر، ويلتفت عن يمينه، فيسبح الله مائة مرة، يرفع بها صوته،
~~ويسبح معه من حضر، ثم يلتفت عن يساره، فيهلل الله مائة مرة، يرفع بها صوته،
~~ويقول ذلك من حضر معه، ثم يستقبل الناس بوجهه، ويحمد الله مائة مرة، يرفع
~~بها صوته، ويقول ذلك من حضر معه، ثم يدعو، ويصعد المنبر بعد ذلك، فيخطب
~~بخطبة الاستسقاء، المروية عن أمير المؤمنين عليه السلام، فيجعل الخطبة بعد
~~التكبيرات المائة، والتسبيحات، والتهليلات المائة، والتحميدات المائة.
# والأول مذهب السيد المرتضى، وشيخنا المفيد، والثاني مذهب شيخنا أبي جعفر
~~الطوسي والذي يقوى في نفسي الأول. PageV01P326
# ويستحب لأهل الخصب، أن يدعو لأهل الجدب، فإن خرجوا فسقوا قبل أن يصلوا
~~صلوا شكرا لله تعالى، فإن صلوا ولم يسقوا، خرجوا ثانيا، وثالثا، لأنه لا
~~مانع من ذلك.
# وإذا نضب ms0229 ماء العيون أو مياه الآبار، جاز صلاة الاستسقاء، لأنه لا مانع
~~من ذلك.
# ولا يجوز أن يقول مطرنا بنوء كذا، لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن
~~ذلك.
# باب صلاة المسافر السفر على أربعة أقسام: واجب مثل الحج والعمرة، وندب
~~مثل الزيارات وما أشبهها، ومباح مثل تجارة، وطلب معيشة، وما أشبه ذلك فهذه
~~الأنواع الثلاثة، كلها يجب فيها التقصير في الصوم والصلاة، والرابع سفر
~~معصية، مثل سفر الباغي، والعادي، أو سعاية، أو قطع طريق، أو إباق عبد من
~~مولاه، أو نشوز زوج من زوجها، أو اتباع سلطان جائر في معونته وطاعته
~~مختارا، أو طلب صيد للهو والبطر، فإن جميع ذلك، لا يجوز فيه التقصير، لا في
~~الصوم ولا في الصلاة، فأما الصيد الذي لقوته، وقوت عياله، فإنه يجب فيه
~~التقصير في الصوم والصلاة.
# فأما إن كان الصيد للتجارة دون الحاجة للقوت، روى أصحابنا بأجمعهم أنه
~~يتم الصلاة، ويفطر الصوم (1).
# وكل سفر أوجب التقصير في الصلاة، أوجب التقصير في الصوم، وكل سفر أوجب
~~التقصير في الصوم، أوجب تقصير الصلاة، إلا هذه المسألة فحسب، للإجماع
~~عليها، فصار سفر الصيد، على ثلاثة أضرب، وكل ضرب منها، يخالف
# PageV01P327
# الآخر ويباينه، فصيد اللهو والبطر، يجب فيه تمام الصلاة والصوم، وصيد
~~القوت للعيال والنفس، يجب فيه تقصير الصلاة والصوم، بالعكس من الأول، وصيد
~~التجارة، يجب فيه تمام الصلاة، وتقصير الصوم.
# واعلم أن فرض السفر، في كل صلاة من الصلوات الخمس، ركعتان، إلا المغرب
~~وحدها، فإنها ثلاث ركعات.
# والنوافل التي أكد الإتيان بها في السفر، سبع عشرة ركعة، أربع بعد
~~المغرب، وصلاة الليل ثماني ركعات، وثلاث الشفع والوتر، وركعتا الفجر.
# وفرض السفر التقصير، كما أن فرض الحضر الإتمام، فالمتمم مع السفر،
~~كالمقصر في الحضر.
# ومن تعمد الإتمام في السفر بعد حصول العلم بوجوبه عليه، وجبت عليه
~~الإعادة، لتغييره فرضه، فإن نسي التقصير، فأتم، أعاد ما دام في الوقت، وبعد
~~خروج الوقت، لا إعادة عليه، وقال بعض أصحابنا: يجب عليه الإعادة على كل
~~حال، والأول هو الصحيح، لأن ms0230 عليه الإجماع،، وبه تواترت الأخبار (1) وعليه
~~العمل والفتوى، من محصلي فقهاء آل الرسول عليهم السلام.
# وحد السفر الذي يجب معه التقصير، بريدان، والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ
~~ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع، على ما ذكره المسعودي في كتاب مروج
~~الذهب (2) فإنه قال: الميل أربعة آلاف ذراع بذراع الأسود، وهو الذراع الذي
~~وضعه المأمون، لذرع الثياب، ومساحة البنا، وقسمة المنازل، والذراع أربعة
~~وعشرون إصبعا.
# وأصل البريد، أنهم كانوا (3) ينصبون في الطرق أعلاما، فإذا بلغ بعضها،
~~راكب البريد نزل عنه، وسلم ما معه من الكتب إلى غيره، فكان ما به من الحر
~~والتعب
# PageV01P328
# يبرد في ذلك، أو ينام فيه الراكب، والنوم يسمى بردا فسمي ما بين الموضعين
~~بريدا، وإنما الأصل الموضع الذي ينزل فيه الراكب، ثم قيل للدابة بريد،
~~وإنما كانت البرد للملوك ثم قيل للسير بريد.
# وقال مزرد بن ضرار يمدح عرابة الأوسي.
# فدتك عراب اليوم نفسي وأسرتي * وناقتي الناجي إليك بريدها فمن كان قصده
~~إلى مسافة هذا قدرها، وكان ممن يجب عليه التقصير، لزمه، وتحتم عليه القصر.
# وإن كانت قدر المسافة أربعة فراسخ للمار إليها ونوى، وأراد الرجوع من
~~يومه، عند الخروج من منزله، لزمه أيضا التقصير، فإن لم ينو الرجوع من يومه،
~~ولا أراده، وجب عليه التمام، ولا يجوز له التقصير.
# وقال بعض أصحابنا: يكون مخيرا بين الإتمام والتقصير، في الصوم والصلاة،
~~وهو مذهب شيخنا المفيد.
# وقال بعض أصحابنا: يكون مخيرا، بين إتمام صلاته وتقصيرها، ويجب عليه
~~إتمام صيامه، ولا يكون مخيرا فيه، وهذا مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي (1).
# وقال بعض أصحابنا: لا يكون مخيرا في شئ من العبادتين، بل يجب عليه
~~تمامهما معا، وهذا الذي اخترناه أولا، وبه يقول السيد المرتضى، وهو الصحيح
~~الذي تقتضيه أصول المذهب، ويقويه النظر، والأدلة، والإجماع، لأنه لا خلاف
~~عندهم في حد المسافة التي تجب ويتحتم القصر، على من قصدها، ووجوب إتمام
~~الصلاة على من لم يقصدها، فقد أجمعوا على تقصير صلاة القاصد لها، ولا إجماع
~~منهم، على تقصير صلاة من لم يقصدها. ms0231
# وأيضا فالأصول تقتضي أن الإنسان لا يكون مخيرا في تمام صلاته،
# PageV01P329
# وقصرها، بل الواجب عليه إما تمامها، أو قصرها، إلا ما خرج بالدليل،
~~الإجماع من تخييره في البقاع المذكورة.
# وأيضا فالإنسان المكلف بالصلاة إما أن يكون حاضرا، أو مسافرا، فالحاضر
~~ومن في حكمه، يجب عليه بالإجماع تمام الصلاة، والمسافر، ومن في حكمه، يجب
~~عليه أيضا، بالإجماع، تقصير الصلاة، ولا ثالث معنا، وأيضا إسقاط الركعتين
~~من الصلاة الرباعية بعد اشتغال الذمة بها، يحتاج إلى دليل شرعي، كدليل
~~ثبوتهما، ولا دليل ولا إجماع على ذلك، لأنا قد بينا اختلاف أصحابنا في
~~المسألة، ومن قال بها، اختلفوا في كيفيتها، وهل يكون مخيرا بين تمام الصلاة
~~والصوم وبين قصرهما أو يكون مخيرا بين تمام الصلاة وقصرها دون الصوم، على
~~ما حكيناه عن أصحابنا المصنفين، فإذا كان الاختلاف في المسألة حاصلا فلا
~~يرجع، عن المعلوم المفروض المحتم على الذمم، المجمع على وجوبه، واشتغالها
~~به بأخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا، وخصوصا على مذهب أصحابنا فقهاء أهل
~~البيت عليهم السلام، سلفهم وخلفهم، في أخبار الآحاد، وأنهم مجمعون على ترك
~~العمل بها، على ما بيناه، وأوضحناه في صدر كتابنا هذا.
# ودليل الاحتياط أيضا يقتضي ما اخترناه، لأنه لا خلاف بين أصحابنا جميعهم،
~~في أن المكلف، إذا تمم صلاته وصومه، في المسألة المختلفة فيها، فإن ذمته
~~بريئة، وإذا قصر، ففيه الخلاف، فبالإجماع لا ذم على تارك القصر، وما لا ذم
~~في تركه، ويخشى في فعله أن يكون بدعة، ومعصية، ولا تبرأ الذمة معه، ويستحق
~~بتركه الذم، فتركه أولى وأحوط في الشريعة بغير خلاف.
# وشيخنا أبو جعفر قال في جمله وعقوده: ومن يلزمه الصوم في السفر، عشرة، من
~~نقص سفره عن ثمانية فراسخ (1).
# PageV01P330
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: ولا خلاف عنده، وعند جميع أصحابنا، أن من
~~وجب عليه إتمام الصوم، ولزمه يجب عليه إتمام الصلاة، ويلزمه، وكذلك من وجب
~~عليه إتمام الصلاة، ولزمه، يجب عليه إتمام الصوم ويلزمه، طردا وعكسا، إلا
~~مسألة واحدة استثناها أصحابنا، وهو طالب ms0232 الصيد للتجارة، فإنه يجب عليه
~~إتمام الصلاة والتقصير في الصيام، فليلحظ ذلك، ويتأمل وقال في مبسوطه: ويجب
~~الإتمام في الصلاة والصوم على عشرة من بين المسافرين، أحدها من نقص سفره عن
~~ثماني فراسخ (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: وهذا رجوع منه عما ذهب إليه في نهايته (2)
~~بلا خلاف.
# وابتداء وجوب التقصير على المسافر، من حيث يغيب عنه أذان مصره المتوسط،
~~أو تتوارى عنه جدران مدينته، والاعتماد عندي على الأذان المتوسط، دون
~~الجدران.
# والسفر، خلاف الاستيطان والمقام، فأذن لا بد من ذكر حد الاستيطان، وحده
~~ستة أشهر فصاعدا، سواء كانت متفرقة أو متوالية.
# فعلى هذا التقرير (3) والتحرير، من نزل في سفره قرية، أو مدينة، وله فيها
~~منزل مملوك، قد استوطنه ستة أشهر، أتم، وإن لم يقم المدة التي توجب على
~~المسافر الإتمام، أو لم ينو المقام عشرة أيام، وإن لم يكن كذلك قصر.
# ولا يزال المسافر في تقصير، حتى يصل إلى موضع منزله، أو الموضع الذي يسمع
~~أذان بلده منه، فإن حيل بين منزله وبينه، بعد الوصول إلى ذلك الموضع، أتم.
# ومن دخل بلدا، ونوى أنه يقيم فيه عشرة أيام فصاعدا، وجب عليه الإتمام،
~~فإن كان مشككا، لا يدري كم يقيم، يقول غدا أخرج، أو بعد غد، فليقصر ما بينه
~~وبين شهر. فإذا مضى الشهر أتم.
# PageV01P331
# ولو أن مسافرا دخل في صلاته، بنية التقصير، ثم نوى خلال ذلك الصلاة
~~الإقامة، أتم الصلاة، فإن كان مقيما، ودخل في الصلاة، بنية الإتمام، بعد أن
~~كان صلى صلاة على التمام، ثم نوى السفر قبل فراغه منها، لم يكن له القصر.
# والروايات مختلفة، فيمن دخل عليه وقت صلاة، وهو حاضر فسافر، أو دخل عليه
~~الوقت، وهو مسافر، فحضر، والأظهر بين محصلي أصحابنا، أنه يصلي بحسب حاله
~~وقت الأداء، فيتم الحاضر، ويقصر المسافر، ما دام في وقت من الصلاة، وإن كان
~~أخيرا، فإن خرج الوقت لم يجز إلا قضاؤها بحسب حاله، عند دخول أول وقتها.
# وقال بعض أصحابنا في كتاب له: فإن خرج من منزله، ms0233 وقد دخل الوقت، وجب عليه
~~التمام، إذا كان قد بقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه على التمام، فإن تضيق
~~الوقت، قصر ولم يتمم، وإن دخل من سفره بعد دخول الوقت، وكان قد بقي من
~~الوقت، مقدار ما يتمكن فيه من أداء الصلاة على التمام، فليصل، وليتمم، وإن
~~لم يكن قد بقي مقدار ذلك، قصر، ذكر ذلك شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في
~~نهايته (1) وهذا غير واضح، ولا مستمر على أصول المذهب، وإنما هو خبر أورده،
~~على جهة الإيراد لا الاعتقاد، على ما اعتذرنا له فيما مضى.
# وقد رجع عنه في مسائل خلافه فقال: مسألة: إذا خرج إلى السفر وقد دخل
~~الوقت، إلا أنه مضى مقدار ما يصلي الفرض أربع ركعات، جاز له التقصير،
~~ويستحب له الإتمام، وقال الشافعي: إن سافر بعد دخول الوقت، فإن كان مضى
~~مقدار ما يمكنه أن يصلي فيه أربعا، كان (2) له التقصير، قال: وهذا قولنا،
~~وقول الجماعة، إلا المزني، فإنه قال: عليه الإتمام، ولا يجوز
# PageV01P332
# له التقصير، دليلنا: قوله تعالى: " وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح
~~أن تقصروا من الصلاة " (1) ولم يخص وهذا ضارب، فيجب أن يجوز له التقصير،
~~وأيضا فقد ثبت أن الوقت ممتد، وإذا لم يفت الوقت، جاز له التقصير.
# وروى إسماعيل بن جابر قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: يدخل علي وقت
~~الصلاة، وأنا في السفر، فلا أصلي حتى أدخل أهلي، قال: صل وأتم الصلاة، قلت:
~~يدخل علي وقت الصلاة، وأنا في أهلي أريد السفر، فلا أصلي حتى أخرج، قال: صل
~~وقصر، فإن لم تفعل: فقد والله خالفت رسول الله صلى الله عليه وآله (2) فأما
~~الاستحباب الذي قلناه، فلما رواه بشير النبال قال: خرجت مع أبي عبد الله
~~عليه السلام حتى أتينا الشجرة، فقال لي أبو عبد الله: يا نبال. قلت: لبيك،
~~قال:
# إنه لم يجب على أحد من أهل هذا العسكر أن يصلي أربعا غيري، وغيرك، وذلك
~~أنه دخل وقت الصلاة، قبل أن نخرج (3) فلما اختلفت الأخبار، حملنا ms0234 الأول على
~~الأجزاء، وهذا على الاستحباب (4) هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه
~~الله.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: أما ما ذكره في النهاية، فلا يجوز القول
~~به، والعمل عليه. لأنه مخالف لأصول المذهب، على ما قلناه، (5) لأن الوقت
~~باق، وفرض الحاضر غير فرض المسافر، فكيف يتم المسافر صلاته مع قوله تعالى:
# " وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة " والإجماع
~~حاصل على وجوب القصر للمسافر، بغير خلاف، وأيضا كان يلزم عليه أن يقصر
~~الإنسان في منزله، إذا دخل من سفره على ما قاله رضي الله عنه، وهذا مما لم
~~يذهب إليه أحد، ولم يقل به فقيه، ولا منصف ذكره في كتابه، لا منا،
# PageV01P333
# ولا من مخالفينا، وما ذكره في مسائل خلافه أيضا فغير واضح، لأنه قال: جاز
~~له التقصير، ويستحب له الإتمام، ثم استشهد واستدل بما يقضى عليه، ويبطل ما
~~ذهب إليه، من الآية والخبر، وهما يوجبان القصر، ويحتمانه، ثم رجع بخبر
~~واحد، وهو خبر النبال (1)، إلى الاستحباب، وإذا كان مع أحد الخبرين القرآن
~~والإجماع، فكيف يعمل بالخبر المنفرد عن الأدلة القاهرة، وأيضا فما عمل بخبر
~~النبال، لأن خبر النبال لفظ الوجوب، لأنه قال عليه لسلام إنه لم يجب على
~~أحد من أهل العسكر أن يصلي أربعا غيري وغيرك، وإنما حداه على ذلك والرجوع
~~عن كتاب له إلى كتاب آخر، اختلاف الأخبار، وقد بينا أن أخبار الآحاد، لا
~~يجوز العمل بها في الشريعة، والرجوع عن الأدلة القاهرة (2) إليها، وأيضا
~~فقد تعارضت، ومع تعارضها، ينبغي أن يعمل بما عضده منها الدليل.
# والصحيح ما ذهبنا إليه أولا، واخترناه، لأنه موافق للأدلة، وأصول المذهب،
~~وعليه الإجماع، وهو مذهب السيد المرتضى، ذكره في مصباحه والشيخ المفيد
~~وغيرهما من أصحابنا، ومذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله في تهذيبه (3)
~~فإنه حقق القول في ذلك، وبالغ فيه، ورجع عما ذكره في نهايته (4)، ومسائل
~~خلافه (5) في تهذيب الأحكام، في باب أحكام فوائت الصلاة (6).
# فأما إذا لم يصل، لا في منزله، ولا ms0235 لما خرج إلى السفر، وفاته أداء
~~الصلاة، فالواجب عليه قضاؤها، بحسب حاله، عند دخول أول وقتها، على ما
~~قدمناه، وهذا مذهب الشيخ أبي جعفر الطوسي رحمه الله في تهذيب الأحكام، فإنه
~~حقق
# PageV01P334
# ذلك، وبينه، وفصله، وشرحه، شرحا جليا، في باب أحكام فوائت الصلاة أيضا
~~على ما قدمناه، فليلحظ من هناك، وشيخنا المفيد، وابن بابويه، في رسالته (1)
~~والسيد المرتضى في مصباحه، وهو الصحيح، لأن العبادات، تجب بدخول الوقت،
~~وتستقر بإمكان الأداء، كما لو زالت الشمس على المرأة الطاهرة، فأمكنها
~~الصلاة، فلم تفعل حتى حاضت، استقر القضاء.
# فإن قيل، الأخبار ناطقة، متظافرة، متواترة، والإجماع حاصل، منعقد، على أن
~~من فاتته صلاة في الحضر، فذكرها في السفر، وجب عليه قضاؤها، صلاة الحاضر
~~أربعا، كما فاتته، ومن فاتته صلاة في السفر، فذكرها في الحضر، وجب عليه
~~قضاؤها، صلاة المسافر (2) اثنتين كما فاتته، وهذا بخلاف ما ذهبتم إليه.
# قلنا: ما ذهبنا إلى خلاف ما سأل السائل عنه، بل إلى وفاق ما قاله، وإنما
~~يقضي ما فاته في حال الحضر، ولو صلاها في الحضر، قبل خروجه، كأن يصلي
~~الرباعية أربع ركعات، ففاتته صلاة أربع ركعات، فيجب عليه أن يقضيها، كما
~~فاتته في حال السفر (3)، وكذلك كان يجب عليه أن يصلي الرباعية في حال السفر
~~ركعتين، فأخل بها إلى أن خرج الوقت، وصار حاضرا، فيقضي ما فاته كما فاته،
~~وهي صلاة السفر ركعتان، فهي الفائتة، فلو صلاها في سفره لما كان يصلي إلا
~~ركعتين، ففاتته صلاة الركعتين، فيجب عليه أن يقضيها كما فاتته، فليلحظ ذلك،
~~فإنه موافق للأدلة، وعليه إجماع أصحابنا، على ما قدمناه من أقوالهم، مثل
~~شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله قد ذكره في مبسوطه (4)، وابن بابويه قد
~~ذكره في رسالته (5)، والمرتضى في مصباحه، وشيخنا المفيد في بعض أقواله،
~~اللهم على ما مر بي وقد تقدم فيما مضى ذكره (6) في باب الجماعة حكم
# PageV01P335
# دخول المسافر، في صلاة المقيم، والمقيم في صلاة المسافر.
# ومن اضطر إلى الصلاة في سفينة، فأمكنه أن يصلي قائما، لم يجزه غير ms0236 ذلك،
~~وإن خاف الغرق، وانقلاب السفينة، جاز أن يصلي جالسا، ويتحرى القبلة، ليكون
~~توجهه إليها، فإن توجه إليها في افتتاح صلاته، ثم التبست عليه من بعد،
~~أجزأه التوجه الأول.
# ولا يجوز لأحد أن يصلي الفريضة راكبا، إلا من ضرورة شديدة، وعليه تحري
~~القبلة.
# ويجوز أن يصلي النوافل، وهو راكب مختارا، ويصلي حيث ما توجهت به راحلته،
~~وإن افتتح الصلاة مستقبلا للقبلة، كان أولى، هذا قول السيد المرتضى،
~~والصحيح أنه واجب عليه افتتاح الصلاة مستقبلا للقبلة، لا يجوز غير ذلك، وهو
~~قول جماعة أصحابنا، إلا من شد منهم.
# ومن صلى ماشيا لضرورة، أومأ بصلاته، فجعل السجود أخفض من الركوع، والركوع
~~أخفض من الانتصاب.
# ولا يجوز التقصير للمكاري، والملاح، والراعي، والبدوي، إذا طلب القطر
~~والنبت، فإن أقام في موضع عشرة أيام، فهذا يجب عليه التقصير، إذا سافر عن
~~موضعه سفرا يوجب التقصير، فقد صار البدوي على ضربين، أحدهما له دار مقام
~~جرت عادته فيها بالإقامة، فهذا يجب عليه التقصير إذا سافر عن دار مقامه
~~سفرا يوجب التقصير، والآخر لا يكون له دار مقام، وإنما يتبع مواضع النبت،
~~ويطلب مواضع القطر، وطلب المرعى والخصب، فهذا يجب عليه التمام، ولا يجوز له
~~التقصير.
# ولا يجوز التقصير، للذي يدور في جبايته، والذي يدور في إمارته، ومن يدور
~~في تجارته، من سوق إلى سوق، والبريد، وقال ابن بابويه في رسالته: (1)
~~والمكاري،
# PageV01P336
# والكري، فالكري هو المكاري، فاللفظ مختلف، وإن كان المعنى واحدا. وقال
~~عذافر الكندي:
# لو شاء ربي لم أكن كريا * ولم أسق بشعفر المطيا الشعفر بالشين المعجمة،
~~والعين غير المعجمة والفاء والراء غير المعجمة، اسم امرأة من العرب.
# بصرية تزوجت بصريا، * يطعمها المالح والطريا تخاله إذا مشى خصيا * من طول
~~ما قد حالف الكرسيا والكري من الأضداد، قد ذكره أبو بكر بن الأنباري، في
~~كتاب الأضداد يكون بمعنى المكاري، ويكون بمعنى المكتري.
# وقال ابن بابويه أيضا في رسالته: ولا يجوز التقصير للاشتقان، بالشين
~~المعجمة، والتاء المنقطة من فوقها بنقطتين، والقاف، والنون، هكذا سماعنا
~~على من لقيناه، ms0237 وسمعنا عليه من الرواة، ولم يبينوا لنا ما معناه (1).
# قال محمد بن إدريس رضي الله عنه: وجدت في كتاب الحيوان للجاحظ، ما يدل
~~على أن الاشتقان، الأمين الذي يبعثه السلطان على حفاظ البيادر، قال الجاحظ:
~~وكان أبو عباد النميري، أتى باب بعض العمال، يسأله شيئا من عمل السلطان،
~~فبعثه اشتقانا فسرقوا (2) كل شئ في البيدر، وهو لا يشعر، فعاتبه في ذلك،
~~فكتب إليه أبو عباد:
# كنت بازا أضرب الكر * كي والطير العظاما فتقنصت بي الصعوفأ وهنت القدامى
~~وإذا ما أرسل البا * زي على الصعو تعامى (2)
# PageV01P337
# وأظنها كلمة أعجمية، غير عربية، فعلى هذا التحرير، يجب عليه الإتمام،
~~لأنه في عمل السلطان.
# ومن كان سفره أكثر من حضره، والأصل في جميع هؤلاء، أن سفرهم أكثر من
~~حضرهم، فقد عاد الأمر إلى أن من سفره أكثر من حضره، يجب عليه التمام، ولا
~~يجوز له التقصير، وجميع الأقسام المقدم ذكرها، داخلون في ذلك، والذي يدلك
~~على هذا التحرير، ما أورده السيد المرتضى في كتاب الإنتصار، فإنه قال:
~~مسألة: ومما انفردت به الإمامية القول بأن من سفره أكثر من حضره،
~~كالملاحين، والجمالين،. ومن جرى مجراهم، لا تقصير عليه (1) فجعل من سفره
~~أكثر من حضره، أصلا في المسألة ومثل الملاحين والجمالين به.
# ثم قال السيد المرتضى رضي الله عنه في استدلاله على المسألة:
# والحجة على ما ذهبنا إليه، إجماع الطائفة، وأيضا فإن المشقة التي تلحق
~~المسافر، هي الموجبة للتقصير، في الصوم والصلاة، ومن ذكرنا حاله، ممن سفره
~~أكثر من حضره لا مشقة عليه في السفر، بل ربما كانت المشقة عليه في الحضر،
~~لاختلاف العادة.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله، في كتاب الجمل والعقود، في فصل في
~~حكم المسافرين، والسفر الذي يجب فيه الإفطار، يحتاج إلى ثلاثة شروط، أن لا
~~يكون معصية، وتكون المسافة بريدين، ثمانية فراسخ، أربعة وعشرون ميلا ولا
~~يكون المسافر سفره أكثر من حضره (2). فأتى بهذا القسم، ولم يذكر باقي
~~الأقسام، لأنهم داخلون فيه، وكل هؤلاء، يجب عليهم التمام في السفر، فإن ms0238 كان
~~لهم مقام في بلدهم عشرة أيام، وجب عليهم إذا خرجوا
# PageV01P338
# إلى السفر التقصير، فإن عادوا إلى بلدهم من سفرهم بعد تقصيرهم، ولم
~~يقيموا فيه عشرة أيام، خرجوا متمين، وهكذا يعتبرون حالهم، وليس يصير
~~الإنسان بسفره واحدة، إذا ورد إلى منزله، ولم يقم عشرة أيام، ممن سفره أكثر
~~من حضره، بل بأن يتكرر هذا منه، ويستمر دفعات، على توال، أدناها ثلاث
~~دفعات، لأن هذا طريقة العرف والعادة، بأن يقال فلان سفره أكثر من حضره، لأن
~~من أقام في منزله مثلا مائة سنة، ثم سافر سفرة واحدة، ثم ورد إلى منزله،
~~ولم يقم فيه عشرة أيام، ثم سافر فإنه يجب عليه في سفره الثاني التقصير، وإن
~~كان لم يقم عشرة أيام، لأنه لا يقال في العرف والعادة، أن فلانا هذا سفره
~~أكثر من حضره، بسفرة واحدة حتى يتكرر هذ الفعال منه.
# فإن قيل: فإن سافر الإنسان أول سفرة، بعد الإقامة في المنزل مائة سنة،
~~وأقام في السفر مثلا شهرا، ثم ورد إلى منزله فأقام فيه أقل من عشرة أيام ثم
~~خرج، فقد صار سفره أكثر من حضره الذي في منزله، وهو أقل من عشرة.
# أيام، وكان سفره شهرا.
# قلنا: فإن كان أقام في سفره خمسة أيام، ثم ورد إلى منزله وأقام فيه
~~ثمانية أيام، فقد صار حضره أكثر من سفر، (1) والسائل يخرجه عن هذا التقدير
~~متمما فلم يستقم له سؤاله واعتراضه الأول.
# وقول بعض المصنفين، في كتاب له: ومن كان سفره أكثر من حضره، وحده أن لا
~~يقيم في منزله عشرة أيام، يريد به أن من كان سفره أكثر من حضره، لا يزال في
~~أسفاره متمما، ما لم يكن له في بلدته مقام عشرة أيام، فإذا كان له في بلدته
~~مقام عشرة أيام، أخرجناه من ذلك الحكم، لا أن المراد بقوله: إن كل من لم
~~يقم في بلدته عشرة أيام، يخرج متمما من سائر
# PageV01P339
# المسافرين، بل من كان سفره أكثر من حضره، وعرف بالعادة ذلك من حاله،
~~وانطلق عليه هذا الاسم، ms0239 وتكرر، فالهاء في قوله وحده يرجع إلى هذا الذي تكرر
~~منه الفعل، وانطلق عليه في العرف والعادة، وصار سفره أكثر من حضره، فحد
~~هذا، أن لا يرجع إلى التقصير في أسفاره، إلا بمقام عشرة أيام في منزله، فإن
~~لم يقم عشرة أيام، وخرج إلى السفر، يخرج متمما، على ما كان حكمه في أسفاره
~~أولا، فليلحظ ذلك، فإن بعض من لحقناه من أصحابنا رحمهم الله، كان يزل في
~~هذه المسألة ويوجب بسفرة واحدة عليه التمام.
# وكلام السيد المرتضى في انتصاره، في استدلاله الذي قدمناه عنه، يشعر بصحة
~~ما قلناه، لأنه قال ومن ذكرنا حاله، ممن سفره أكثر من حضره، لا مشقة عليه
~~في السفر، بل ربما كانت المشقة عليه في الحضر، لاختلاف العادة.
# قال محمد بن إدريس: ومن أقام في منزله مثلا مائة سنة، وسافر عنه ثلاثة
~~أيام فحسب، ثم حضر فيه يومين، ثم سافر عنه، مشقة في سفره الثاني، كمشقته في
~~سفره الأول، وليس هذا ممن لا مشقة عليه في السفر الثاني، ولا ممن ربما كانت
~~المشقة عليه في الحضر، لاختلاف العادة، لأنه ما تكرر ذلك منه، ولا تعوده
~~بدفعة واحدة، العادة التي ربما كانت المشقة عليه في مقامة، والراحلة له في
~~سفره.
# فأما صاحب الصنعة من المكارين، والملاحين، ومن يدور في تجارته، من سوق
~~إلى سوق، ومن يدور في أمارته، فلا يجرون مجرى من لا صنعة له، ممن سفره أكثر
~~من حصره، ولا يعتبر فيهم ما اعتبرناه فيه، من الدفعات، بل يجب عليهم
~~التمام، بنفس خروجهم إلى السفر، لأن صنعتهم تقوم مقام تكرر من لا صنعة له،
~~ممن سفره أكثر من حضره، لأن الأخبار (1) وأقوال أصحابنا
# PageV01P340
# وفتاويهم مطلقة، في وجوب التمام على هؤلاء، فليلحظ ذلك، ففيه غموض يحتاج
~~إلى تأمل، ونضر، وفقه.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رضي الله عنه في نهايته: فإن كان لهم في
~~بلدهم مقام عشرة أيام، وجب عليهم التقصير، وإن كان مقامهم في بلدهم خمسة
~~أيام، قصروا بالنهار، وتمموا الصلاة بالليل (1) وهذا غير واضح، ولا ms0240 يجوز
~~العمل به، بل يجب عليهم التمام بالنهار وبالليل، بغير خلاف، ولا نرجع عن
~~المذهب، بأخبار الآحاد، لأن الإجماع على أن هؤلاء إذا لم يقيموا في بلادهم
~~عشرة أيام، خرجوا متمين لصلواتهم بغير خلاف، وقد اعتذرنا لشيخنا أبي جعفر
~~الطوسي رضي الله عنه فيما يوجد في كتاب النهاية، وقلنا أورده إيرادا لا
~~اعتقادا، وقد اعتذر هو في خطبة مبسوطه، عن هذا الكتاب - يعني النهاية - بما
~~قدمنا ذكره.
# فإن خرج الإنسان بنية السفر، ثم بدا له قبل أن يبلغ مسافة التقصير، وكان
~~قد صلى قصرا، فليس عليه شئ، ولا قضاء، ولا إعادة، فإن لم يكن قد صلى، أو
~~كان في الصلاة، وبدا له من السفر، قبل أن يبلغ المسافة تمم صلاته،.
# وذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رضي الله عنه في استبصاره، إلى وجوب الإعادة،
~~على من صلى (2) ثم بدا له عن السفر، ما دام الوقت باقيا (3).
# وما اخترناه، هو اختياره في نهايته (4)، وهو الصحيح، لأنه صلى صلاة شرعية
~~مأمورا بها، ما كان يجوز له في حال ما صلاها إلا هي، والإعادة فرض ثان،
~~يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، فعمل على خبر زرارة (5) في
# PageV01P341
# نهايته، وعمل على خبر سليمان بن حفص المروزي (1) في استبصاره، والذي
~~ينبغي أن يعمل عليه من الخبرين، ما عضده الدليل، لا بمجرد الخبر، لأنا قد
~~بينا، أن العمل بأخبار الآحاد لا يجوز عندنا، فإذا عزم المسافر على مقام
~~عشرة أيام في بلد (2)، وجب عليه التمام، فإن صلى صلاة واحدة، بعد عزمه على
~~المقام، أو أكثر من ذلك على التمام، يعني رباعية، ثم بدا له في المقام،
~~فليس له أن يقصر، إلا بعد خروجه من البلد، وإن لم يكن صلى صلاة على التمام،
~~ثم بدا له في المقام، فعليه التقصير، ما بينه وبين شهر، على ما قدمناه.
# ومن خرج إلى ضيعة له، وكان له فيها منزل، قد استوطنه الاستيطان المقدم
~~ذكره، وجب عليه التمام، فإن لم يكن له ذلك، وجب عليه التقصير.
# ويستحب الإتمام في أربعة مواطن ms0241 في السفر، في نفس المسجد الحرام، وفي نفس
~~مسجد المدينة، وفي مسجد الكوفة، والحائر على متضمنه السلام، والمراد
~~بالحائر ما دار سور المشهد، والمسجد عليه، دون ما دار سور البلد عليه، لأن
~~ذلك هو الحائر حقيقة، لأن الحائر في لسان العرب، الموضع المطمئن الذي يحار
~~الماء فيه، وقد ذكر ذلك شيخنا المفيد في الإرشاد، في مقتل الحسين عليه
~~السلام، لما ذكر من قتل معه من أهله، فقال: والحائر محيط بهم، إلا العباس
~~رحمة الله عليه، فإنه قتل على المسناة (3) فتحقق ما قلناه، والاحتياط أيضا
~~طريقته تقتضي ما بيناه، لأنه مجمع عليه، وما عداه غير مجمع عليه.
# وذهب بعض أصحابنا إلى استحباب الإتمام في مكة جميعها، وكذلك في المدينة،
~~وهو مذهب شيخنا أبي جعفر في نهايته (4)، وذهب السيد
# PageV01P342
# المرتضى، إلى استحباب الإتمام، في السفر عند قبر كل إمام، من أئمة الهدى
~~عليهم السلام، والذي اخترناه، هو الصحيح، وأنه لا يجوز الإتمام، إلا عند
~~قبر الحسين عليه السلام، دون قبور باقي الأئمة عليهم السلام، وفي نفس
~~المسجدين، دون مكة والمدينة، لأن عليه الإجماع، والأصل التقصير في حال
~~السفر، وما عداه فيه الخلاف، وقال بعض أصحابنا: لا يجوز التقصير في حال
~~السفر، في هذه المواضع، وما اخترناه هو الأظهر، بين الطائفة وعليه عملهم
~~وفتواهم.
# وليس على المسافر صلاة الجمعة، ولا صلاة العيدين.
# والمشيع لأخيه المؤمن، يجب عليه التقصير، والمسافر في طاعة، إذا مال إلى
~~الصيد لهوا وبطرا وجب عليه التمام، فإذا رجع إلى السفر، عاد إلى التقصير.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته: وإذا خرج قوم إلى
~~السفر، وساروا أربعة فراسخ، وقصروا من الصلاة، ثم أقاموا ينتظرون رفقة لهم
~~في السفر، فعليهم التقصير، إلى أن يتيسر لهم العزم على المقام، فيرجعون إلى
~~التمام، ما لم يتجاوز ثلاثين يوما على ما قدمناه.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: وهذا قول صحيح، محقق ثم قال شيخنا أبو جعفر
~~بعد ذلك: وإن كان مسيرهم أقل من أربعة فراسخ، وجب عليه التمام، إلى أن ms0242
~~يسيروا، فإذا ساروا رجعوا إلى التقصير (1) وهذا قول غير واضح، ولا مستقيم،
~~بل هو خبر، أورده إيرادا لا اعتقادا، ولا فرق بين المسألتين، وقد رجع في
~~مبسوطه، عن هذا القول الذي حكيناه عنه في نهايته، فقال: من خرج من البلد،
~~إلى موضع بالقرب مسافة فرسخ، أو فرسخين، بنية أن ينتظر الرفقة هناك، المقام
~~عشرة أيام فصاعدا، فإذا تكاملوا، ساروا سفرا عليهم (2) التقصير، لا يجوز أن
~~يقصروا،
# PageV01P343
# إلا بعد المسير من الموضع الذي يجتمعون فيه، لأنه ما نوى بالخروج إلى هذا
~~الموضع سفرا يجب فيه التقصير، فإن لم ينو المقام عشرة أيام، وإنما خرج بنية
~~أنه متى تكاملوا ساروا، قصر ما بينه وبين شهر، ثم يتمم (1) فإن أراد
~~بالمسألة الثانية في النهاية، أنه ما نوى بالخروج إلى دون الأربعة فراسخ،
~~سفرا يجب فيه التقصير، وإنما خرج بنية أنه متى تكاملوا ووجد الرفقة، سافر،
~~فإنه يجب عليه التمام، فهذا مستقيم، صحيح، وإن أراد الخروج للسفر وبنية
~~السفر، فلما وصل إلى دون الأربعة فراسخ، توقف، لينتظر الرفقة، وما عزم على
~~مقام عشرة أيام، ولا بدا له عن الرجوع من السفر، فليس بصحيح، ولا مستقيم،
~~بل الواجب عليه، عند هذه الحال التقصير، مثل المسألة الأولى سواء (2)
~~فليلحظ ذلك.
# ويستحب للمسافر أن يقول، عقيب كل صلاة، ثلاثين مرة: " سبحان الله والحمد
~~لله ولا إله إلا الله والله أكبر " فإن ذلك جبران للصلاة، ولا بأس أن يجمع
~~الإنسان بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء الآخرة، في حال السفر،
~~وكذلك لا بأس أن يجمع بينهما في الحضر، إلا أنه إذا جمع بينهما، لا يجعل
~~بينهما شيئا من النوافل.
# وليس على المسافر شئ من نوافل النهار فإذا سافر بعد زوال الشمس، قبل أن
~~يصلي نوافل الزوال، فليقضها في السفر، بالليل أو بالنهار، وعليه نوافل
~~الليل كلها، حسب ما قدمناه، إلا الوتيرة.
# إذا أبق للإنسان عبد، فخرج في طلبه، فإن قصد بلدا يقصر في مثله الصلاة،
~~وقال: إن وجدته قبله رجعت معه، لم يجز له أن يقصر، لأنه لم ms0243 يقصد سفرا تقصر
~~فيه الصلاة، فإن لم يقصد بلدا، لكنه نوى أن يطلبه، حيث بلغ، لم يكن له
~~القصر، لأنه شاك في المسافة التي تقصر فيها الصلاة، وإن نوى قصد
# PageV01P344
# ذلك البلد، سواء وجد العبد، قبل الوصول إليه، أو لم يجد، كان عليه
~~التقصير، لأنه نوى سفرا يجب عليه فيه التقصير.
# إذا خرج حاجا إلى مكة، وبينه وبينها مسافة تقصر فيها الصلاة، ونوى أن
~~يقيم بها عشرا، قصر في الطريق، فإذا وصل إليها، ونوى المقام عشرا، أتم.
# فإن خرج إلى عرفة، يريد قضاء نسكه، ولا يريد مقام عشرة أيام، إذا رجع إلى
~~مكة، كان له القصر عند خروجه من مكة إلى عرفات، لأنه نقض مقامه، بسفر بينه
~~وبين بلدته، يقصر في مثله الصلاة.
# وإن كان يريد إذا قضى نسكه، مقام عشرة أيام بمكة، أتم بمنى، وعرفات، ومكة
~~حتى يخرج من مكة مسافرا، فيقصر.
# من نسي في السفر، فصلى صلاة مقيم، لم يلزمه الإعادة، إلا إذا كان الوقت
~~باقيا على ما قدمناه.
# ومتى صلى صلاة مقيم متعمدا، أعاد، على كل حال، اللهم إلا أن لم يعلم وجوب
~~التقصير، فحينئذ يسقط عنه فرض الإعادة.
# إذا قصر المسافر مع الجهل بجواز التقصير، بطلت صلاته، لأنه صلى صلاة
~~يعتقد أنها باطلة.
# إذا سافر إلى بلد له طريقان، فسلك الأبعد لغرض، أولا لغرض، لزمه التقصير،
~~وإن كان الأقرب لا يجب فيه التقصير، لأن ما دل على وجوب التقصير عام.
# إذا كان قريبا من بلده وصار بحيث يغيب عنه أذان مصره، فصلى بنية التقصير،
~~فلما صلى ركعة، عرف، فانصرف إلى أقرب بنيان البلد، بحيث يسمع الأذان من
~~مصره، ليغسله، بطلت صلاته، لأن ذلك فعل كثير، فإن صلى في موضعه الآن، تمم،
~~لأنه في وطنه، وسامع لأذان مصره، فإن لم يصل، وخرج إلى السفر، والوقت باق،
~~قصر، فإن فاتت الصلاة، قضاها على التمام، لأنه فرط في الصلاة، وهو في وطنه.
~~PageV01P345
# فإن دخل في طريقه بلدا يعزم فيه على المقام عشرا، لزمه التمام، فإن خرج
~~منه، وفارقه، بحيث ms0244 لا يسمع أذانه، لزمه التقصير، فإن عاد إليه لقضاء حاجة،
~~أو أخذ شئ نسيه، لم يلزمه التمام إذا أراد الصلاة فيه، لأنه لم يعد إلى
~~وطنه، فكان هذا فرقا بين هذه المسألة والتي قبلها.
# باب صلاة الخوف وما يجري مجراها من حال المطاردة والمسايفة واعلم أن
~~الخوف إذا انفرد عن السفر، لزم فيه التقصير في الصلاة، مثل ما يلزم في
~~السفر إذا انفرد، على الصحيح من المذهب، وقال بعض أصحابنا لا قصر إلا في
~~حال السفر، والأول عليه العمل والفتوى من الطائفة.
# وصفة صلاة الخوف، أن يفرق الإمام أصحابه، إذا كان العدو في خلاف جهة
~~القبلة فرقتين، فرقة يجعلها بإزاء العدو، وفرقة خلفه، ثم يكبر، ويصلي بمن
~~وراءه ركعة واحدة، فإذا نهض إلى الثانية، صلوا لأنفسهم ركعة أخرى، ونووا
~~مفارقته، والانفراد بصلاتهم، وهو قائم يطول القراءة، ثم جلسوا، فتشهدوا (1)
~~وسلموا وانصرفوا، فقاموا مقام أصحابهم، وجاءت الفرقة الأخرى، فلحقوه قائما
~~في الثانية، فاستفتحوا الصلاة، وانصتوا لقراءته، إن كانت الصلاة جهرية،
~~فإذا ركع، ركعوا بركوعه، وسجدوا بسجوده، فإذا جلس للتشهد، قاموا فصلوا ركعة
~~أخرى، وهو جالس، ثم جلسوا معه، فسلم بهم، وانصرفوا بتسليمه.
# وقد روي أنه إذا جلس الإمام للثانية تشهد، وسلم ثم قام من خلفه، فصلوا
~~الركعة الأخرى وصلوا لأنفسهم، وما ذكرناه أولا، هو الأظهر في المذهب،
~~والصحيح من الأقوال (2) فإن كانت الصلاة صلاة المغرب، صلى الإمام بالطائفة
~~الأولى ركعة واحدة، فإذا قام إلى الثانية، أتم القوم الصلاة ركعتين، يجلسون
~~في الثانية
# PageV01P346
# والثالثة، ثم يسلمون، وينصرفون إلى مقام أصحابهم، بإزاء العدو، والإمام
~~منتصب مكانه، وتأتي الطائفة الأخرى، فتدخل في صلاة الإمام، وليصلي بهم
~~ركعة، ثم يجلس في الثانية، فيجلسون بجلوسه، ويقوم إلى الثالثة، وهي لهم
~~ثانية، فيسبح هو، ويقرؤون هم لأنفسهم، هكذا ذكره السيد المرتضى رضي الله
~~عنه في مصباحه والصحيح عند أصحابنا المصنفين والإجماع حاصل عليه، أنه لا
~~قراءة عليهم، فإذا ركع ركعوا، ثم يسجد ويسجدون، ويجلس للتشهد، فإذا جلس
~~للتشهد، قاموا فأتموا ما بقي عليهم، فإذا جلسوا سلم بهم. ms0245
# ويجب على الفريقين معا أخذ السلاح، سواء كان عليه نجاسة، أو لم يكن، لأنه
~~مما لا تتم الصلاة به منفردا، وهو من الملابس، وقد ذكر شيخنا في مبسوطه، أن
~~السيف إذا كان عليه نجاسة، فلا بأس بالصلاة فيه، وهو على الإنسان، لأنه مما
~~لا تتم الصلاة فيه منفردا (1) وحقق ذلك.
# وإذا كانت الحال، حال طراد وطعان، وتزاحف، وتواقف، ولم يتمكن من الصلاة
~~التي ذكرناها، وصورناها، وجبت الصلاة بالإيماء، وينحني المصلي، لركوعه،
~~وسجوده، ويزيد في الانحناء للسجود، وكذلك القول في المواجه للسبع، الذي
~~يخاف وثبته، ويجزيه أن يصلي إلى حيث توجه، إذا خاف من استقبال القبلة، من
~~وثبة السبع، أو إيقاع العدو به.
# فأما عند اشتباك الملحمة، والتضارب بالسيوف، والتعانق، وتعذر كل ما
~~ذكرناه، فإن الصلاة حينئذ، تكون بالتكبير والتهليل والتسبيح والتحميد، كما
~~روي أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى ذريته فعل هو وأصحابه، ليلة
~~الهرير (2) يقول: " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر "
~~فيكون
# PageV01P347
# ذلك، مكان كل ركعة.
# وجملة الأمر وعقد الباب، أن صلاة الخوف التي تكون جماعة بإمام، ويفرق
~~الناس فرقتين، على ما صورناه أولا، تقصر سفرا وحضرا، وما عداها من صلاة
~~الخائفين الذين ليسوا بمجمعين (1)، بل فرادى، يقصرون سفرا في الركعات
~~والهيئات، ويتمون حضرا، إذا لم يكونوا في المسافة، بل يقصرون في هيئات
~~الصلاة دون أعدادها.
# وأما السابح في لجة البحر، ولا يتمكن من مفارقتها، والموتحل الذي لا يقدر
~~على استيفاء حدود الصلاة، فيصلي كل واحد منهما بالإيماء، ويتحرى التوجه إلى
~~القبلة بجهده، وقد قدمنا أن جميع صلاة الخائفين والمضطرين، إذا كانوا غير
~~مسافرين، تمام في عدد الركعات الرباعيات، وتقصير في الهيئات، إذا كانوا
~~حاضرين غير مسافرين، ما عدا القسم الأول الذي (2) يفرقهم الإمام فرقتين،
~~فإن هؤلاء يقصرون الصلاة في أعدادها، وهيئاتها، سفرا وحضرا للآية (3)،
~~وباقي الأقسام، ويقصرون هيئاتها، دون عدد ركعاتها، لأن الصلاة في الذمة
~~بيقين، فمن أسقط منها شيئا من جملة الركعات، يحتاج إلى دليل ويقين في سقوطه
~~عن ذمته.
# باب صلاة ms0246 المريض والعريان وغير ذلك من المضطرين الصلاة يختلف فرضها بحسب
~~الطاقة، فمن أطاق القيام، تلزمه الصلاة حسب ما تلزم الصحيح، ولا يسقط عنه
~~فرضها، إذا كان عقله ثابتا، فإن تمكن من الصلاة قائما لزمه كذلك، وإن لم
~~يتمكن من القيام بنفسه، وأمكنه أن يعتمد على حائط، أو عصا، أو عكاز،
~~فليفعل، وليصل قائما، لا يجزيه غير ذلك، فإن لم يتمكن من ذلك، فليصل جالسا،
~~وليقرأ، فإذا أراد الركوع، قام، فركع،
# PageV01P348
# فإذا لم يقدر على ذلك، فليركع جالسا، وليسجد مثل ذلك، فإن لم يتمكن من
~~السجود، إذا صلى جالسا، جاز له أن يرفع خمرة " مضمومة الخاء المعجمة " وهي
~~سجادة صغيرة من سعف النخل، أو ما يجوز السجود عليه فيسجد عليه، وإن لم
~~يتمكن من الصلاة جالسا، فليصل مضطجعا على جانبه الأيمن، وليسجد ويكون على
~~جنبه في هذه الحال، كما يكون الميت في قبره، فإن لم يتمكن من السجود، أومأ
~~إيماء، فإن لم يتمكن من الاضطجاع على جنبه الأيمن، صلى على جنبه الأيسر،
~~فإن لم يتمكن من الاضطجاع، فليستلق على قفاه، وليصل مؤميا، يبدأ الصلاة
~~بالتكبير، ويقرأ، فإذا أراد الركوع، غمض عينيه، فإذا أراد رفع رأسه من
~~الركوع، فتحهما، فإذا أراد السجود، غمضهما، فإذا أراد رفع رأسه من السجود،
~~فتحهما، فإذا أراد السجود ثانيا غمضهما، فإذا أراد رفع رأسه ثانيا، فتحهما،
~~وعلى هذا يكون صلاته.
# والموتحل، والغريق، والسابح، إذا دخل عليهم وقت الصلاة، ولم يتمكنوا من
~~موضع يصلون فيه، فليصلوا إيماء ويكون ركوعهم وسجودهم بالإيماء، على ما
~~قدمناه، فيما مضى، ويلزمهم في هذه الأحوال كلها، استقبال القبلة، مع
~~الإمكان، فإن لم يمكنهم، فليس عليهم شئ.
# وإذا كان المريض مسافرا، ويكون راكبا، جاز له أن يصلي الفريضة على ظهر
~~دابته، ويسجد على ما يتمكن منه، ويجزيه في النوافل أن يؤمي إيماء وإن لم
~~يسجد.
# وحد المرض الذي يبيح الصلاة جالسا، ما يعلمه الإنسان، من حال نفس، أنه لا
~~يتمكن من الصلاة قائما، وهو أبصر بشأنه، قال الله تعالى: " بل الإنسان على
~~نفسه بصيرة ms0247 " (2) أي حجة.
# والمريض من سلس البول على ضربين، أحدهما أن يتراخى زمان الحدث
# PageV01P349
# منه، فيتوضأ للدخول (1) في الصلاة، فإذا بدره الحدث، وهو فيها، خرج عن
~~مكانه، من غير استدبار للقبلة، ولا تعمد لكلام ليس من الصلاة، فتوضأ وبنى
~~على صلاته، فإن كان الماء، عن يمينه، أو شماله أو بين يديه، فهو أهون عليه
~~في تجديد الوضوء، والبناء على ما أسلفناه من الصلاة.
# والضرب الآخر، أن يبادره الحدث على التوالي، من غير تراخ بين الأحوال
~~فينبغي له أن يتوضأ عند دخوله إلى الصلاة، ويستعمل خريطة، يجعل فيها
~~إحليله، ويمضي في صلاته، ولا يلتفت إلى الحادث المستديم، على اتصال
~~الأوقات، فإذا فرغ من صلاته الأولى، توضأ وضوء آخر، للفريضة الثانية، ولا
~~يجمع بين صلاتين بوضوء واحد، لأنه محدث في جميع أوقاته، وإنما لأجل
~~الضرورة، ساغ له أن يصلي الفريضة مع الحدث.
# ومن به سلس الثفل، فحكمه حكم من به سلس البول، وهو على ضربين، كما بيناه،
~~فإن كان الحدث تتراخى أوقاته، فعل كما رسمناه، لمن به سلس البول، على تراخي
~~الأوقات، وإن كان ما به تتوالى أوقاته، ويحدث على الاتصال، توضأ عند دخوله
~~في الصلاة، واشتد (2) وجعل على الموضع تحت الشداد، كرسفا، وخرقا، وأوثق
~~المكان، وعمل في ذلك، بما شرحناه في حكم المستحاضة، ومضت صلاته، بحسب
~~الإمكان، إلا أنه ليس ممن يجب عليه الغسل، بحسب ما أوجبناه على المستحاضة،
~~في الأوقات التي ذكرناها، وبينا الحكم فيها على التفصيل والبيان، لأن
~~القياس عندنا باطل، بغير خلاف، وإنما يجب عليه، بعد فراغه من الصلاة، تطهير
~~الموضع، بعينه، وما لقيته النجاسة من أعضائه، وثيابه، دون ما سواها، من
~~سائر جسده، إذ لا طهارة عليه بما قدمناه، وإنما طهارته وضوء الصلاة ثانيا،
~~وإزالة النجاسة عما لاقته من الأعضاء، واللباس.
# PageV01P350
# ومن كانت حاله بالبلوى (1) بالحدث ما ذكرناه، من تواليه وعدم تمكنه من
~~ضبطه، فليخفف الصلاة، ولا يطلها، وليقتصر فيها، على أدنى ما يجزي المصلي
~~عند الضرورة، من قراءة القرآن، والتسبيح، والتشهد، والدعاء، ويجزيه إذا
~~كانت حاله ما ms0248 وصفناه، أن يقرأ في الأولتين من فرضه، فاتحة الكتاب خاصة، وفي
~~الأخرتين بالتسبيح، يسبح في كل ركعة منها أربع تسبيحات، فإن لم يتمكن من
~~قراءة فاتحة الكتاب، سبح في جميع الركعات، فإن لم يتمكن من التسبيحات
~~الأربع، لتوالي الحدث منه، فليقتصر على دون ذلك من التسبيح، في العدد،
~~ويجزيه منه تسبيحة واحدة، في قيامه، ومثلها في ركوعه، ومثلها في سجوده، وفي
~~التشهد، ذكر الشهادتين خاصة، الصلاة على محمد وآله، في التشهدين معا لا بد
~~منه، ويصلي على أحوط ما يقدر عليه، في بدار الحدث، من جلوس، أو اضطجاع، وإن
~~كان صلاته بالإيماء أحوط له في حفظ الحدث، ومنعه من الخروج، صلى مؤميا، على
~~ما قدمناه، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، في الصلاة بالإيماء، وإن كان الشد
~~لموضع الحدث، على ما أسلفنا القول بوصفه، يضر بالإنسان ضررا يخاف معه
~~الهلاك، أو ما يعقبه الهلاك، أو طول المرض، لم يلزمه من ذلك، واحتاط في حفظ
~~لباسه منه، وصلى على ما يتمكن منه، ويتهيأ له من الأفعال والهيئات التي
~~يكون عليها في حال الصلاة، ولم يلتفت إلى ما يخرج من حدثه، إذا كانت صورته
~~في الضرورة ما ذكرناه.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مسائل خلافه: المستحاضة، ومن به
~~سلس البول، يجب عليه تجديد الوضوء، عند كل صلاة فريضة، ولا يجوز لهما، أن
~~يجمعا بوضوء واحد، بين صلاتي فرض (2) وقال في مبسوطه: ولا يجوز للمستحاضة،
~~أن تجمع بين فرضين، بوضوء واحد، وأما من به سلس البول،
# PageV01P351
# فيجوز له أن يصلي بوضوء واحد، صلوات كثيرة لأنه لا دليل على تجديد
~~الوضوء، وحمله على الاستحاضة قياس، لا نقول به، وإنما يجب عليه أن يشد رأس
~~الإحليل، بقطن، ويجعله في كيس، أو خرقة، ويحتاط في ذلك (1) وما قدمناه،
~~تقتضيه أصول المذهب، ودليل الاحتياط، لأن من به سلس البول، إذا فرغ من
~~صلاته، فقد انتقض وضوؤه، فيجب عليه إعادة طهارته، وليس ذلك قياسا كما ذكره،
~~وإنما لو تقدر منه، أن يصلي فرضين، من غير أن ms0249 يحدث بينهما، ما ينقض الوضوء،
~~لجاز ذلك، لأنه لا مانع منه، وكان يكون حمله على المستحاضة قياسا، كما
~~ذكره، وما صورناه بخلاف ذلك.
# ومن انكسر به المركب في البحر، فاضطر إلى السباحة، أو تكسرت به سفينته أو
~~انقلبت في المياه، وكان مشغولا بالسباحة، لخلاص نفسه من الهلاك، وحضرت
~~الصلاة، فليتوضأ، وهو يسبح في الماء وضوء الصلاة، ويخرج رجليه حال سباحته
~~من الماء ليمسح على ظاهرهما في الفضاء، وليصل بالإيماء، وهو في سباحته،
~~ويتوجه إلى القبلة، إن عرفها، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، وكذلك حكم الحائض
~~في الماء.
# والموتحل، إذا كان على طهارته بالماء، وإن لم يجد ماء في الوحل، فليتيمم
~~من غبار ثوبه إن وجد فيه غبارا وإن لم يجد وضع يده على الوحل، وضعا رفيقا،
~~ثم رفعهما، ومسحهما، حتى يذهب رطوبة الوحل، من يده، ثم أمرهما على وجهه،
~~حسب ما تقدم من وصفه، في باب التيمم، وصلى بالإيماء.
# وصلاة المقيدين والممنوعين من حركة جوارحهم، والمحبوسين في الأمكنة
~~النجسة، بالأغلال والرباط، يصلي كل واحد من هؤلاء، بحسب إمكانه واستطاعته،
~~وتحرى القبلة في توجهه، وركوعه، وسجوده، فإن كان ممنوعا عن
# PageV01P352
# القبلة، بصرف وجهه إلى استدبارها، سقطت عنه الصلاة إلى القبلة، وكان عليه
~~أن يصلي إلى الجهة التي يقدر عليها.
# فإن منع من الطهارة بالماء، والتيمم للصلاة، سقط عنه فرضها، في تلك
~~الحال، ووجب عليه قضاؤها مع التمكن من الطهارة (1).
# وقال شيخنا المفيد في رسالته إلى ولده، كان عليه أن يذكر الله عز اسمه،
~~في أوقات الصلوات، بمقدار صلاته من المفروضات، وليس عليه قضاء الصلاة،
~~وكذلك حكم المحبوسين في الأمكنة النجسة، إذا لم يجدوا ماء، ولا ترابا
~~طاهرا، ذكروا الله تعالى، بمقدار صلاتهم، وليس عليهم قضاء إذا وجدوا
~~المياه، أو الأتربة الطاهرة.
# والصحيح من قول أصحابنا، أنه يجب عليهم القضاء، لقول الرسول عليه السلام:
~~لا صلاة إلا بطهور (2) فنفى أن تكون صلاة شرعية، إلا بطهور.
# فأما العريان، إذا لم يكن معه ما يستر به عورتيه، وكان وحده، بحيث لا يرى
~~أحد سوأته، ms0250 صلى قائما، وإن كان معه غيره، أو كان بحيث لا يأمن من اطلاع
~~غيره عليه، صلى جالسا، هذا مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله في سائر
~~كتبه وكذلك شيخنا المفيد.
# وذهب السيد المرتضى في مصباحه إلى أن العريان الذي لا يجد ما يستر به
~~عورته، يجب أن يؤخر الصلاة إلى آخر أوقاتها، طمعا في وجدان ما يستتر به،
~~فإن لم يجده، صلى جالسا، ويضع يده على فرجه، ويؤمي بالركوع والسجود إيماء،
~~ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن كانوا جماعة، وأرادوا أن يجمعوا بالصلاة،
~~قام الإمام في وسطهم، وصلوا جلوسا، على الصفة التي ذكرناها هذا
# PageV01P353
# آخر كلام السيد المرتضى رضي الله عنه: ولم يقسم حال العريان، بل أوجب
~~عليه الصلاة جالسا، في سائر حالاته.
# وشيخانا قسما حاله إلى أنه يجب عليه إذا أمن من اطلاع غيره عليه، أن يصلي
~~قائما بالإيماء، وإن لم يأمن من اطلاع غيره عليه، يجب أن يصلي جالسا
~~بالإيماء.
# واستدل شيخنا أبو جعفر على وجوب صلاة العريان قائما في مسائل خلافه،
~~فقال: دليلنا على وجوب الصلاة قائما طريقة الاحتياط، فإنه إذا صلى كذلك
~~برئت ذمته بيقين، وإذا صلى من جلوس لم تبرأ ذمته بيقين، قال: وأما إسقاط
~~القيام بحيث قلناه، فلإجماع الفرقة، قال: وأيضا ستر العورة واجب، فإذا لم
~~يمكن ذلك إلا بالقعود، وجب عليه ذلك (1) وهذا دليل منه رضي الله عنه غير
~~واضح.
# ولقائل أن يقول، يمكن ستر العورة، وهو قائم، بأن يجعل يديه على سوأتيه،
~~فإن كان على القعود إجماع كما ذكره، وإلا فدليله على وجوب القيام، قاض
~~عليه، في هذه المسألة التي أوجب عليه فيها القعود.
# وقال في مسائل خلافه في الجزء الأول في كتاب الجماعة: مسألة: يجوز للقاعد
~~أن يأتم بالمومئ، ويجوز للمكتسي أن يأتم بالعريان (2).
# قال محمد بن إدريس: إن أراد شيخنا بالعريان، الجالس، فهذا لا يجوز
~~بالإجماع، أن يأتم قائم بقاعد، فلم يبق إلا أنه أراد بالعريان القائم، يكون
~~إماما للمكتسي القائم أيضا، فإذا كان كذلك، فعنده، العريان الذي لا ms0251 يأمن من
~~اطلاع غيره عليه، لا يجوز أن يصلي إلا جالسا، وهذا معه غيره، فكيف يصلي
~~قائما، وهذا رجوع عما ذهب إليه في نهايته (3)، من قسمة للعريان، ولا أرى
~~بصلاة المكتسي القائم خلف العريان القائم، بأسا، إذا لا دليل على بطلانها،
~~من
# PageV01P354
# كتاب ولا سنة، ولا إجماع، على ما ذهب إليه في مسائل خلافه.
# فأما أخبار أصحابنا فقد اختلفت في ذلك، وليس فيها ما يقطع العذر
~~بالتخصيص، وليس للمسألة دليل، سوى الإجماع، فإن أصحابنا في كتبهم، يقسمون
~~حال العريان، بغير خلاف بينهم.
# فأما إذا صلوا جماعة عراة، فلا خلاف ولا قسمة بين أصحابنا، في حالهم، بل
~~الإجماع منعقد على أن صلاة جماعتهم، من جلوس، إلا أن شيخنا أبا جعفر الطوسي
~~رحمه الله يذهب إلى أن صلاة الإمام بالإيماء، ومن خلفه من العراة بركوع،
~~وسجود، وباقي أصحابنا مثل السيد المرتضى، وشيخنا المفيد، وغيرهما، يذهبون
~~إلى أن صلاة المأمومين بالإيماء، مثل صلاة الإمام، وهو الصحيح، لأن عليه
~~الإجماع، لأنه لا خلاف بينهم، في أن العريان يصلي بالإيماء، على سائر
~~حالاته، ويسقط عنه الركوع والسجود.
# واختلف قول أصحابنا، في صلوات أصحاب الأعذار، فقال بعضهم:
# الواجب على العريان ومن في حكمه، من أصحاب الضرورات، تأخير الصلاة إلى
~~آخر أوقاتها، وقال الأكثر منهم: الواجب عليهم، الإتيان بها، مثل من عداهم،
~~إن شاؤوا في أوائل أوقاتها، وإن شاؤوا في أواخرها، إلا المتيمم فحسب،
~~للإجماع على ذلك، وما عداه داخل تحت عمومات الأوامر، وهذا الذي يقتضيه أصول
~~المذهب وبه أفتي وأعمل، وهو مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله،
~~واختياره، والأول مذهب السيد المرتضى، وسلار رحمهما الله.
# باب الصلاة على الأموات هذه الصلاة: فرض على الكفاية، إذا قام بها البعض،
~~سقط عن الباقين، وليس فيها قراءة، ولا ركوع، ولا سجود، ولا تسليم، وإنما هي
~~تكبيرات، واستغفار، ودعاء. PageV01P355
# وعدد التكبيرات خمس، يرفع اليد في الأولى منهن، ولا يرفع اليد في
~~التكبيرات الباقيات، وهذه أشهر الروايات وهو مذهب السيد المرتضى، وشيخنا
~~المفيد، وشيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله في ms0252 نهايته، وذهب في استبصاره إلى
~~أن الأفضل، رفع اليدين في جميع التكبيرات الخمس، والصحيح ما قدمناه، لأن
~~الإجماع عليه.
# وموضع الدعاء للميت أو عليه، بعد التكبيرة الرابعة، فإذا كبر الخامسة،
~~خرج من الصلاة بغير تسليم، وهو يقول: اللهم عفوك عفوك.
# ويستحب للإمام أن يقيم مكانه حتى ترفع الجنازة.
# ولا يجب هذه الصلاة إلا على من وجبت عليه الصلاة، وكان مكلفا بها، أو كان
~~غيره أمر بتكليفه، إياها، تمرينا له، دون الأطفال الذين لم يبلغوا ست سنين،
~~ومن بلغ من الأطفال ست سنين، وجبت الصلاة عليه، ومن نقص عن ذلك الحد، لا
~~تجب الصلاة عليه، بل تستحب الصلاة عليه، إلا أن يكون هناك تقية.
# ولا تجب الصلاة إلا على المعتقدين للحق، أو كان بحكمهم من أطفالهم، الذين
~~بلغوا ست سنين، على ما قدمناه، ومن المستضعفين، وقال بعض أصحابنا: تجب
~~الصلاة على أهل القبلة، ومن يشهد الشهادتين والأول مذهب شيخنا المفيد،
~~والثاني مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله والأول الأظهر في المذهب،
~~ويعضده القرآن، وهو قوله تعالى: " ولا تصل على أحد منهم مات " (4) يعني
~~الكفار، والمخالف للحق كافر، بلا خلاف بيننا.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: مسألة: ولد الزنا، يغسل ويصلى
# PageV01P356
# عليه، ثم قال: دليلنا إجماع الفرقة، وعموم الأخبار (1) التي وردت بالأمر
~~بالصلاة على الأموات، وأيضا قوله صلى الله عليه وآله: صلوا على من قال لا
~~إله إلا الله (2) هذا آخر المسألة (3).
# ثم قال في مسائل خلافه، أيضا: مسألة: إذا قتل أهل العدل رجلا من أهل
~~البغي، فإنه لا يغسل، ولا يصلى عليه، ثم استدل فقال دليلنا على ذلك، أنه قد
~~ثبت أنه كافر بأدلة، ليس هذا موضع ذكرها، ولا يصلى على كافر، بلا خلاف (4)
~~هذا آخر المسألة قال محمد بن إدريس: لا استجمل لشيخنا، هذا التناقض في
~~استدلاله، يقول في قتيل أهل البغي، لا يصلى عليه، لأنه قد ثبت كفره
~~بالأدلة، وولد الزنا لا خلاف بيننا، أنه قد ثبت كفره بالأدلة أيضا بلا
~~خلاف، فكيف يضع هاتين المسألتين، ms0253 ويستدل بهذين الدليلين، وما المعصوم إلا
~~من عصمه الله تعالى، فأما الشهادتان، فهذا يفعلهما، وهذا أيضا يفعلهما،
~~وهذه المسألة الأخيرة، بعد المسألة الأولى، ما بينهما، إلا مسألة واحدة
~~فحسب، وهذا منه رحمه الله إغفال في التصنيف.
# وتجوز الصلاة، على الأموات بغير طهارة، والطهارة أفضل، ويصلى على الميت،
~~في كل وقت من ليل، أو نهار.
# وأولى الناس بالصلاة على الميت، الولي، أو من يقدمه الولي، فإن حضر
~~الإمام العادل، كان أولى بالتقدم، ويجب على الولي تقديمه، ولا يجوز لأحد
~~التقدم عليه، فإن لم يحضر الإمام العادل، وحضر رجل من بني هاشم، معتقد
# PageV01P357
# للحق استحب للولي أن يقدمه، فإن لم يفعل، لم يجز له أن يتقدم، فإن حضر
~~جماعة من الأولياء، كان الأب أولى بالتقدم، ثم الولد، ثم ولد الولد، ثم
~~الجد من قبل الأب، ثم الأخ من قبل الأب والأم، ثم الأخ من قبل الأب، ثم
~~الأخ من قبل الأم، ثم العم، ثم الخال، ثم ابن العم، ثم ابن الخال.
# وجملته، إن من كان أولى بميراثه، كان أولى بالصلاة عليه، لقوله تعالى:
# " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض " (1) وذلك عام.
# وإذا اجتمع جماعة في درجة، قدم الأقرأ، ثم الأفقه، ثم الأسن، لقوله عليه
~~السلام: " يؤمكم أقرأكم " الخبر (2). فإن تساووا في جميع الصفات، أقرع
~~بينهم.
# والولي الحر، أولى من المملوك في الصلاة على الميت، وكذلك الذكر، أولى من
~~الأنثى، إذا كان ممن يعقل (3) الصلاة.
# ويجوز للنساء أن يصلين على الجنازة، مع عدم الرجال وحدهن، إن شئن فرادى،
~~وإن شئن جماعة، فإن صلين جماعة، وقفت الإمامة وسطهن، المعمول به من وقت
~~النبي صلى الله عليه وآله إلى وقتنا هذا، في الصلاة على الجنازة، أن تصلي
~~جماعة، فإن صلى فرادى جاز، كما صلي على النبي صلى الله عليه وآله.
# الأوقات المكروهة للنوافل يجوز أن يصلي فيها على الجنازة.
# لا بأس بالصلاة والدفن ليلا، وإن فعل بالنهار كان أفضل، إلا أن يخاف على
~~الميت.
# إذا اجتمع جنازة رجل، وامرأة، وخنثى، ومملوك، وصبي، فإن كان للصبي دون ms0254 ست
~~سنين، قدم أولا إلى القبلة، ثم المرأة، ثم الخنثى، ثم المملوك،
# PageV01P358
# ثم الرجل، فإن كان للصبي ست سنين فصاعدا، جعل مما يلي الرجل، وصلي عليهم
~~على الترتيب الذي قدمناه، وإن صلي عليهم فرادى، كان أفضل.
# يسقط فرض الصلاة على الميت، إذا صلى عليه واحد.
# والزوج، أحق بالصلاة على المرأة، من جميع أوليائها.
# فإذا أراد الصلاة، وكانوا جماعة، تقدم الإمام، ووقفوا خلفه صفوفا، فإن
~~كان فيهم نساء، وقفن آخر الصفوف، وإن كان فيهن حائض، وقفت وحدها في صف،
~~بارزة عنهم وعنهن.
# وإن كانوا نفسين، تقدم واحد، ووقف الآخر خلفه، بخلاف صلاة ذات الركوع، في
~~الجماعات، ولا يقف على يمينه.
# فإن كان الميت رجلا، وقف الإمام، في وسط الجنازة، وإن كان امرأة وقف عند
~~صدرها.
# وينبغي أن يكون بين الإمام، وبين الجنازة شئ يسير، ولا يبعد عنها.
# ويتحفى عند الصلاة عليه، إن كان عليه نعلان، فإن لم يكن عليه نعل، أو كان
~~عليه خف، صلى عليه كذلك ولا ينزعه.
# وكيفية الصلاة عليه، أن يرفع يديه بالتكبير، على ما قدمناه، ويكبر
~~تكبيرة، ويشهد أن لا إله إلا الله، ثم يكبر تكبيرة أخرى، ولا يرفع يديه
~~بها، على ما أسلفنا القول فيه، ويصلي على النبي وآله صلوات الله عليهم ثم
~~يكبر الثالثة، ويدعو للمؤمنين، ثم يكبر الرابعة، ويدعو للميت إن كان مؤمنا،
~~وعليه إن كان مخالفا لاعتقاد الحق، ويلعنه ويبرأ منه، وإن كان مستضعفا قال:
~~" ربنا اغفر للذين تابوا واتبعوا " إلى آخر الآية، فإن كان لا يعرف مذهبه،
~~(1) يسأل الله تعالى، أن يحشره مع من كان يتولاه، وإن كان طفلا سأله أن
~~يجعله له ولأبويه فرطا، بفتح الفاء والراء، والفرط في لغة العرب، هو
~~المتقدم على القوم، ليصلح لهم ما يحتاجون إليه، والدليل على ذلك قول الرسول
~~صلوات الله عليه أنا فرطكم على
# PageV01P359
# الحوض (1) ثم يكبر الخامسة.
# ولا يبرح من مكانه، إن كان إماما، حتى ترفع الجنازة، ويراها على أيدي
~~الرجال.
# ومن فاته شئ من التكبيرات، أتمها عند فراغ الإمام متتابعة، فإن رفعت ms0255
~~الجنازة، كبر عليها وإن كانت مرفوعة، وإن بلغت إلى القبر، كبر على القبر،
~~إن شاء.
# الأفضل أن لا يرفع يديه، فيما عدا الأولة من التكبيرات الخمس، على ما
~~بيناه.
# وإن كبر تكبيرة قبل الإمام، أعادها مع الإمام.
# ومن فاتته الصلاة على الجنازة، جاز أن يصلي على القبر، بعد الدفن يوما
~~وليلة، وقال بعض أصحابنا ثلاثة أيام، والأول هو الأظهر بين الطائفة، ولا
~~يجوز الصلاة على غائب مات في بلد آخر، لأنه لا دليل عليه، فإن اعترض معترض،
~~بصلاة الرسول صلى الله عليه وآله على النجاشي، وقد مات ببلاد الحبشة، فإنما
~~دعا له والصلاة تسمى دعاء في أصل الوضع.
# ويكره أن يصلى على جنازة واحدة دفعتين جماعة، فأما فرادى فلا بأس بذلك.
# وإذا دخل وقت الصلاة وقد حضرت جنازة، ولم يتضيق وقت الصلاة الحاضرة، ولم
~~يخش على الجنازة حدوث حادث، فالبدأة بالصلاة أفضل، وتؤخر الصلاة على
~~الجنازة، فإن خيف حدوث الحادث بالجنازة، فالبدأة بالصلاة على الجنازة هو
~~الأفضل والأولى، وإن كان وقت الحاضرة قد ضاق، فالبدأة بالحاضرة هو الواجب
~~الذي لا يجوز العدول عنه إلى ما سواه وأفضل ما يصلى على الجنائز، في
~~مواضعها الموسومة بذلك.
# PageV01P360
# ويكره الصلاة عليها في المساجد، ومتى صلى على جنازة ثم بان أنها كانت
~~مقلوبة، أي رجلا الميت إلى يمين المصلي، سويت، وأعيد الصلاة عليها، ما لم
~~يدفن، فإذا دفن فقد مضت الصلاة.
# والأفضل أن لا يصلى على الجنازة إلا على طهر، فإن فاجأته جنازة ولم يكن
~~على طهارة، تيمم، وصلى عليها، فإن لم يمكنه، صلى عليها بغير طهارة، وإن صلى
~~من غير تيمم جاز أيضا، إذ قد بينا فيما سلف، أن الطهارة ليست شرطا في هذه
~~الصلاة.
# وإذا كبر الإمام على جنازة تكبيرة، أو تكبيرتين، وأحضرت جنازة أخرى كان
~~مخيرا بين أن يتم خمس تكبيرات على الجنازة الأولة، ثم يستأنف الصلاة بنية
~~على الأخرى، وبين أن ينوي الصلاة عليهما معا ويكبر الخمس تكبيرات من الموضع
~~الذي انتهى إليه، وقد أجزأه عن الصلاة عليهما.
# ومتى صلى ms0256 جماعة عراة على ميت، فلا يتقدم إمامهم، بل يقف قائما في الوسط،
~~فإن كان الميت عريانا، أنزل (1) في القبر أولا وغطيت سوأته، ثم يصلى عليه
~~بعد ذلك، ويدفن.
# فإذا فرغ من الصلاة عليه حمل إلى القبر.
# تم كتاب الصلاة مكملا ولله المنة (2)
# PageV01P361
# كتاب الصيام PageV01P363
# كتاب الصيام باب حقيقة الصوم ومن يجب عليه ذلك ومن لا يجب عليه الصوم في
~~اللغة: هو الإمساك والكف، يقال: صام الماء إذا سكن وصام النهار إذا قام في
~~وقت الظهيرة، قال الشاعر:
# خيل صيام وخيل غير صائمة * تحت العجاج وأخرى (1) تعلك اللجما وقال آخر:
~~صام النهار وقالت العفر.
# وفي الشرع: هو إمساك خصوص، على وجه مخصوص، في زمان مخصوص، ممن هو على صفة
~~مخصوصة.
# ومن شرط انعقاده النية المقارنة فعلا أو حكما، لأنه لو لم ينو، وأمسك عن
~~جميع ذلك، لم يكن صائما، وقولنا: إمساك مخصوص، أردنا الإمساك عن المفطرات
~~التي سنذكرها، وأردنا على وجه مخصوص، العمد دون النسيان، لأنه لو تناول
~~جميع ذلك ناسيا لم يبطل صومه، وقولنا: في زمان مخصوص، أردنا به النهار، دون
~~الليل، فإن الإمساك عن جميع ذلك ليلا، لا يسمى صوما، وقولنا:
# ممن هو على صفة مخصوصة، أردنا به من كان مسلما، لأن الكافر، لو أمسك عن
~~جميع ذلك، لم يكن صائما، وأردنا به أيضا أن لا تكون حائضا، لأنها لا يصح
~~منها الصوم، وكذلك لا يكون مسافرا، سفرا مخصوصا، عندنا، لأن المسافر لا
~~ينعقد صومه الفرض، وقولنا: من شرطه مقارنة النية له، فعلا أو حكما، معناه:
# PageV01P364
# أن يفعل النية، في الوقت الذي يجب فعلها فيه، وحكما: أن يكون ممسكا، عن
~~جميع ذلك، وإن لم يفعل النية، كالنائم طول شهر رمضان، والمغمى عليه، فإنه
~~لا نية لهما، ومع ذلك يصح صومهما، وكذلك من أمسكه غيره، عن جميع ما يجب
~~إمساكه، يكون في حكم الصائم، إذا نوى، وإن لم يكن في الحقيقة ممتنعا، لأنه
~~لا يتمكن منها، هذا جميعه، ذكره شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مبسوطه
~~(1) والذي يلوح لي، ms0257 ويقوى في نفسي أن النائم الذي ذكره، والمغمى عليه، غير
~~مكلفين بالصيام، ولا هما صائمان صياما شرعيا، فذكره لهما غير واضح، وسيأتي
~~الكلام في باب المغمى عليه، ونذكر ما عندنا في ذلك، واختلاف أصحابنا فيه.
# والنية، وإن كانت إرادة، لا تتعلق إلا بالحدوث، بأن يكون الشئ قائما
~~يتعلق في الصوم، بإحداث توطين النفس، وقهرها، على الامتناع بتجديد الخوف،
~~من عقاب الله تعالى، وغير ذلك، أو فعل كراهة، لحدوث هذه الأشياء، فتكون
~~متعلقة على هذه الوجه، فلا ينافي الأصول.
# وقال السيد المرتضى رحمه الله: الصوم الشرعي: هو توطين النفس، على الكف
~~عن تناول ما يفسد الصيام، من أكل، وشرب، وجماع، وما أشبه ذلك.
# وقال شيخنا المفيد رحمه الله: الصوم في الشرع: هو كف الجوارح، عما حظر
~~على العبد استعماله منه، مع حال الصيام، ومن شرط وجوبه: كمال العقل،
~~والطاقة، وليس الإسلام شرطا في الوجوب، لأن الكافر عندنا، تجب عليه
~~العبادات الشرعية، وإن لم يكن مسلما، إلا أن الأداء لا يصح منه، لأن النية
~~للقربة من شرطه، وهذا شئ يرجع إليه، لأن في مقدوره، أن يسلم، ويعرف من
~~يتقرب إليه، فهو كالمحدث، إذا دخل وقت الصلاة، فإنه مكلف بالصلاة،
# PageV01P365
# ولا يصح منه الأداء، لأن إزالة الحدث في مقدوره، لا لأمر راجع إلى غيره،
~~لا يصح منه فعله، إلا أنه لا يلزمه القضاء، متى أسلم، لأن القضاء فرض ثان،
~~ومن شرطه: الإسلام، وكمال العقل.
# وأما المرتد عن الإسلام، إذا رجع، فإنه يلزمه قضاء الصوم، وجميع ما فاته،
~~من العبادات في حال ارتداده، لأنه كان بحكم الإسلام، لالتزامه له، أولا،
~~فلأجل ذلك، وجب عليه القضاء، فأما إن ارتد، ثم عاد إلى الإسلام، قبل أن
~~يفعل ما يفطره، فلا يبطل صومه بالارتداد، لأنه لا دليل عليه.
# فأما كمال العقل، شرط في وجوبه عليه، لأن من ليس كذلك، لا يكون مكلفا، من
~~المجانين، وغيرهم، ولا فرق بين أن لا يكون كامل العقل في الأصل، أو يزول
~~عقله فيما بعد، في أن التكليف يزول عنه، اللهم إلا ms0258 أن يزول عقله، بفعل
~~يفعله، على وجه يقتضي، زواله، بمجرى العادة، فإنه إذا كان كذلك، لزمه قضاء
~~جميع ما يفوته، في تلك الأحوال، وذلك مثل السكران وغيره، فإنه يلزمه قضاء
~~ما فاته، من العبادات كلها، وإن كان جنى (1) جناية، زال معها عقله، على وجه
~~لا يعود، بأن يصير مجنونا مطبقا، فإنه لا يلزمه قضاء ما يفوته، وأما إذا
~~زال عقله بفعل الله، مثل الإغماء، والجنون، وغير ذلك، فإنه لا يلزمه قضاء
~~ما يفوته، في تلك الأحوال، فعلى هذا، إذا دخل عليه شهر رمضان، وهو مغمى
~~عليه، أو مجنون، أو نائم، وبقي كذلك، يوما، أو أياما، كثيرة، أفاق في
~~بعضها، أو لم يفق، لم يلزمه قضاء شئ، مما مر به، سواء أفطر فيه، أو طرح في
~~حلقه، على وجه المداواة له، فإنه لا يلزمه القضاء حينئذ.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مبسوطه: لا يلزمه القضاء، لشئ
~~مما مر به، إلا ما أفطر فيه، أو طرح في حلقه على وجه المداواة له، فإنه
# PageV01P366
# يلزمه حينئذ القضاء، لأن، ذلك لمصلحته ومنفعته، وسواء أفاق في بعض
~~النهار، أو لم يفق، فإن الحال لا يختلف فيه (1) وما ذكره رحمه الله كلام
~~المخالفين، فلا يظن ظان أنه قوله واعتقاده، لأن هذا ينافي أصول المذهب،
~~الخطاب بالعبادات، لا يتوجه إلا إلى كاملي العقول، وأيضا القضاء فرض ثان،
~~يحتاج إلى دليل شرعي، في إثباته، فإن القضاء، غير تابع للمقضي، لأنه يحتاج
~~إلى دليل شرعي.
# وأما البلوغ، فهو شرط في وجوب العبادات الشرعية، وحده في الرجل، إما
~~بالاحتلام، أو بلوغ خمس عشرة سنة، أو الإنبات، وهو خشونة العانة، والمرأة
~~تعرف بلوغها، من خمس طرائق: إما الاحتلام، أو الإنبات، أو بلوغ تسع سنين،
~~وذكر شيخنا أبو جعفر رحمه الله في مبسوطه في كتاب الصوم: عشر سنين (2) وفي
~~نهايته: تسع سنين (3) وهو الصحيح، الظاهر في المذهب، لأنه لا خلاف بينهم،
~~أن حد بلوغ المرأة تسع سنين، فإذا بلغتها، وكانت رشيدة، سلم الوصي إليها
~~مالها، وهو بلوغها الوقت الذي ms0259 يصح أن تعقد على نفسها عقدة النكاح، ويحل
~~للبعل الدخول بها، بغير خلاف بين الشيعة الاثني عشرية والحيض، والحمل،
~~وهكذا يذكر في الكتب، والمحصل من هذا، بلوغ التسع سنين، لأنها لا تحيض قبل
~~ذلك، ولا تحمل قبل ذلك، فعاد الأمر إلى بلوغ التسع سنين، وإنما أوردنا ما
~~أورده غيرنا من المصنفين، فأما قبل ذلك، فإنما يستحب أخذه به، على وجه
~~التمرين له، والتعليم.
# والصوم على ضربين: مفروض، ومسنون، وقال بعض أصحابنا في كتاب له: الصوم
~~على خمسة أضرب، واجب ومندوب، وصوم إذن، وصوم تأديب، وصوم قبيح، وهذا ما لا
~~حاجة إليه، لأنا نحد الصوم الشرعي، وما هو تكليف لنا،
# PageV01P367
# والصوم القبيح غير شرعي، ولا هو تكليف لنا، فأما صوم الإذن، وصوم
~~التأديب، فداخلان في صوم المسنون، فعاد الأمر على هذا التحرير، إلى أن
~~الصوم الشرعي، على ضربين: واجب، ومندوب، لا قسم لهما ثالث، فإذا تقرر ذلك،
~~فالمفروض على ضربين: ضرب منهما، واجب من غير سبب، وهو صوم شهر رمضان، فحسب،
~~والضرب الآخر، واجب عند سبب، وهذا الضرب، نحو من خمسة عشر قسما، وقال شيخنا
~~أبو جعفر الطوسي رحمه الله في جمله وعقوده:
# أحد عشر قسما (1) أوردها فهي معلومة، فأما المزيد عليها، من الأقسام، فهو
~~كفارة خلاف النذر، وكفارة خلاف العهد، وصوم من أفاض من عرفات، قبل غروب
~~الشمس متعمدا، ولم يجد الجزور، فإنه، يجب عليه أن يصوم بدله ثمانية عشر
~~يوما.
# والمفروض على ضربين أيضا بطريقة أخرى: متعين، وغير متعين، فالمتعين على
~~ضربين: متعين بزمان، ومتعين بصفة، والمتعين بزمان، على ضربين، أحدهما، لا
~~يمكن أن يقع فيه غير ذلك الصوم، والشرع على ما هو عليه، والآخر يمكن ذلك
~~فيه، أو كان يمكن، هذا تقسيم شيخنا أبي جعفر في مبسوطه (2)، وتقسيمه في
~~الجمل والعقود، قال: فإن كان الصوم متعينا بزمان مخصوص، على كل حال، مثل
~~شهر رمضان، فيكفي فيه نية القربة، دون نية التعيين، وإن لم يكن متعينا، أو
~~كان يجوز ذلك فيه، احتاج إلى نية التعيين، وذلك كل صوم، عدا ms0260 شهر رمضان (3)
~~واحترازه في العبارتين بقوله: والآخر يمكن ذلك فيه، أو كان يمكن، وبقوله في
~~جمله وعقوده: وإن لم يكن متعينا، أو كان يجوز ذلك فيه،
# PageV01P368
# مقصوده ومراده، بقوله: وإن لم يكن متعينا، النذر الغير متعين (1) بيوم،
~~وبقوله: أو كان يجوز ذلك فيه، النذر المعين بيوم، يريد به (2) كان يجوز أن
~~لا ينذره ناذره، فلا يكون متعينا بيوم أو أيام، فالأول صوم شهر رمضان، فإنه
~~لا يمكن أن يقع فيه غيره، إذا كان مقيما في بلده، أو بلد غير بلده، إذا كان
~~قد نوى مقام عشرة أيام.
# قال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله: وما هذه حاله، لا يحتاج في انعقاده
~~إلى نية التعيين، ويكفي فيه نية القربة وقال في مبسوطه: ومعنى نية القربة،
~~أن ينوي أنه صائم شهر رمضان (3) وقال في مسائل الخلاف: ونية القربة يكفي،
~~أن ينوي أنه يصوم متقربا به إلى الله تعالى، وإن أراد الفضل، نوى أنه يصوم
~~غدا، صوم شهر رمضان، ونية التعيين، أن ينوي الصوم الذي يريده، ويعينه
~~بالنية (4)، والذي ذكره في مسائل خلافه، هو الصحيح، إذا زاد فيه واجبا، مثل
~~أن ينوي أنه يصوم واجبا متقربا به إلى الله تعالى.
# ولا يظن ظان، أنه إذا نوى واجبا، فقد عين، لأن الواجب يشتمل على ضروب من
~~الصيام الواجب، وما ذكره في مبسوطه، من كيفية نية القربة غير واضح، وهو
~~مذهب الشافعي، فلا يظن ظان، أنه قوله واعتقاده، لأنه قد ذكره عنه وحكاه
~~عنه، في مسائل الخلاف، لأن القول بذلك، يؤدي إلى أنه، لا فرق بين نية
~~التعيين، ونية القربة، لأن نية القربة، لا تعين المنوي، بل يتقرب بالصوم
~~إلى الله سبحانه وتعالى، لأنه زمان لا يقع فيه غير الصوم الذي هو واجب فيه،
~~فعلى ما أورده في مبسوطه، جمع بين نية القربة، ونية التعيين، لأنه قال:
# ينوي أنه صائم شهر رمضان، وجملة الأمر وعقد الباب أن ما عدا شهر رمضان،
~~عند هذا الفقيه رضي الله عنه لا بدله من نية التعيين، ونية القربة معا، ms0261
~~ورمضان
# PageV01P369
# يكفي فيه نية القرية فحسب، دون نية التعيين.
# والصحيح ما ذهب سيدنا المرتضى رضي الله عنه إليه، من أن كل زمان يتعين
~~فيه الصوم، كشهر رمضان، والنذر المعين، بيوم أو أيام، لا يجب فيه نية
~~التعيين، بل نية القربة فيه كافية، حتى لو نوى صومه، عن غيره، لم يقع إلا
~~عنه، وإنما يفتقر إلى تعيين النية، في الزمان الذي لا يتعين فيه الصوم.
# وذكر السيد المرتضى رضي الله عنه في جواب مسألة من جملة المسائل
~~الطرابلسيات: الثالثة ما قوله، حرس الله مدته، فيمن نذر أن يصوم يوما، يبلغ
~~فيه مرادا، واتفق ذلك اليوم، يوم عيد، أو يوما قد تعين صومه عليه، بنذر
~~آخر، هل يجزيه صوم اليوم الذي تقدم وجوب صومه عليه بالنذر المتقدم، عن يوم
~~يجعله بدلا منه، إذا اتفق في النذر الثاني، أم لا؟ وهل يسقط عنه صوم اليوم
~~الثاني (1) الذي اتفق يوم عيد بغير بدل منه، أم ببدل؟ فأجاب المرتضى: بأن
~~قال: إذا نذر صوم يوم عليه ببعض الشروط، واتفق حصول ذلك الشرط، في يوم قد
~~تعين عليه صومه بنذر متقدم، لنذره هذا، فالأولى، أن لا قضاء عليه، لأن
~~نذره، تعلق بما يستحيل، فلم ينعقد، وإذا لم ينعقد، فلا قضاء، وإنما قلنا
~~إنه مستحيل، لأن صوم ذلك اليوم، قد تعين صومه بنذر سابق، يستحيل أن يجب
~~بسبب آخر، فكأنه نذر ما يستحيل وقوعه، وجرى مجرى أن يعلق نذره باجتماع
~~الضدين، والذي يكشف عن استحالة ما نذره، أنه إذا قال: علي أن أصوم يوم قدوم
~~فلان، فكأنه نذر صيام هذا اليوم، على وجه يكون صيامه مستحقا بقدوم ذلك
~~القادم، وهذا اليوم الذي فرضنا، أنه متعين صومه بسبب متقدم، يستحيل فيه أن
~~يستحق صومه بسبب آخر، من الأسباب وهذا بين وهذا آخر كلام المرتضى رحمه الله
~~(2)
# PageV01P370
# والمقصود من هذا، أنه جعله كرمضان، وأنه يستحيل أن يقع فيه صوم غيره،
~~وذلك إنما يحتاج إلى النية المعينة للصوم، في الزمان الذي ليس بمعين، حتى
~~يعينه، وهذا الزمان في نفسه معين، ms0262 فهو كرمضان سواء، وقول شيخنا أبي جعفر
~~الطوسي رحمه الله: أو كان يجوز ذلك فيه، يريد به أن النذر المعين كان يجوز
~~أن لا يكون معينا، على ما تقدمت الإشارة منا في تفسيره.
# فلقائل أن يقول له: وكان يجوز أن لا يكلفنا الله تعالى، صيام شهر رمضان،
~~بأن لا يوجبه (1) علينا، فمهما لزمنا في النذر المعين من الجواب، يلزمه
~~مثله، حذو النعل بالنعل، فاحترازه مما احترز، غير مجد عليه نفعا.
# فرمضان، عنده يمتاز من سائر ضروب الصيام الواجب بثلاثة أحكام:
# أحدها، إن نية القربة، كافية فيه، ونية واحدة، تجزي للشهر جميعه، ويجوز
~~أن يتقدمه على بعض الوجوه، على ما يذهب إليه شيخنا أبو جعفر ورواه من طريق
~~أخبار الآحاد، بأن يعزم في شعبان، أنه إذا حضر رمضان، صامه ثم حضر رمضان،
~~وعلمه، ثم نسي، وصام ذلك، أجزأته تلك النية المتقدمة، وكان صومه صحيحا،
~~مجزيا عنه فأما من لم يعلم باستهلال الشهر وأصبح صائما بنية التطوع، فإنه
~~يجزيه صيامه سواء علم قبل الزوال أو بعد الزوال فأما من أصبح بنية الإفطار
~~ثم قامت عنده البينة بدخول الشهر فإن كان ذلك قبل الزوال ولم يتناول ما
~~يفسد الصيام فيجدد النية وقد تم، صومه، ولا قضاء عليه، وإن كان ذلك بعد
~~الزوال، فيجب عليه الإمساك، باقي نهاره، ويجب عليه القضاء، فإن لم يمسك
~~باقي نهاره، وأفطر، فإنه يجب عليه مع القضاء، الكفارة، لأنه قد أكل في نهار
~~رمضان، بعد حصول علمه به.
# ووقت النية ليلة الصوم، من أولها إلى طلوع الفجر، فأي وقت نوى الصوم، فقد
~~انعقد صومه، ومتى لم ينو متعمدا، مع العلم بأنه شهر رمضان، حتى يصبح
# PageV01P371
# فقد فسد صومه، وعليه القضاء، وإن لم يعلم أنه من شهر رمضان، لعدم رؤيته،
~~أو لشبهة، ثم علم بعد أن أصبح، جاز له أن يجدد النية، إلى الزوال، وصح
~~صومه، ولا إعادة عليه، وإن فاتت إلى بعد الزوال، أمسك بقية النهار، وكان
~~عليه القضاء، كما قدمناه.
# وجملة الأمر، وعقد الباب: إن الصوم المتعين، مع ms0263 الذكر له، يجب أن ينوي
~~مكلفه من الليل، وجميع الليل، محل لنيته، فإن تركها متعمدا، فإنه يجب عليه
~~القضاء، وإن تركها ساهيا، أو بأن لا يعلمه، فله أن ينوي ما بينه وبين زوال
~~الشمس، فإن زالت فقد فاتته، ويجب عليه القضاء، والذي ينبغي تحصيله، فإنه
~~يوجد في الكتب، أن رمضان لو صام الإنسان فيه، بنية النذر، أو بنية الكفارة،
~~أو القضاء، أو الندب، وقع عن رمضان، لأنه زمان لا يصح أن يقع فيه صوم، سوى
~~صوم رمضان، والذي يجب أن يقال، هذا مع عدم علم المكلف، بأنه رمضان، وصام
~~بنية صيام غيره، وقع عنه وأجزأ.
# فأما إذا علمه، وحققه، فلا يجزيه إلا أن ينويه، لأن النية، تحتاج إلى أن
~~يطابق المنوي، لقول الرسول عليه السلام: الأعمال بالنيات، وإنما لإمرء ما
~~نوى (1) فكيف يجزي صوم النفل، عن الصوم الواجب، الذي قد علمه المكلف، وحقق
~~زمانه، وإنما يجزي ذلك للناسي، وغير العالم، فإطلاق ما يوجد في كتب
~~أصحابنا، راجع إلى غير العالم المتحقق لزمان رمضان، فأما العالم، فلا بد
~~له، مع ذكره، لنية الوجوب (2)، فحسب، دون نية التعيين، لأن الواجب على
~~ضروب، فإذا نوى أصوم واجبا، فلم يعين، فإذا قال: أصوم واجبا رمضان، فقد
~~عين، فلا يظن ظان، أن إذا قال: أصوم واجبا، فقد عين.
# PageV01P372
# وأما الصوم الغير المتعين فمحل النية، طول ليلة نهاره وإلى قبل زوال
~~الشمس من يومه، سواء تركها عامدا، أو ناسيا، فهذا الفرق، بين ضربي الصوم
~~الواجب.
# فأما صوم التطوع، فله أن ينوي ما دام في نهاره، سواء كان بعد الزوال، أو
~~قبله، على الصحيح من الأقوال والأخبار.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مبسوطه: ومتى فاتت، إلى بعد
~~الزوال، فقد فات وقتها، إلا في النوافل خاصة، فإنه روي في بعض الروايات،
~~جواز تجديدها، بعد الزوال (1)، وتحقيقها، أنه يجوز تجديدها، إلى أن يبقى من
~~النهار بمقدار ما يبقى (2) زمان بعدها يمكن أن يكون صوما، فأما إذا كان
~~انتهاء النية، مع انتهاء النهار، فلا صوم بعده، على ms0264 حال (3).
# وهذا القول منه رحمه الله، يدل على تضعيفه للرواية، لأنه قال: فإنه روي
~~في بعض الروايات، جعله رواية، ثم قال في بعض، زاده ضعفا آخر: والصحيح ما
~~قدمناه، واخترناه، لأنه إجماع من الفرقة، على ذلك، وهو مذهب السيد المرتضى،
~~يناظر عليه المخالف له في الإنتصار (4).
# وإذا جدد نية الإفطار، في خلال النهار، وكان قد عقد الصوم في أوله، فإنه
~~لا يصير مفطرا، حتى يتناول ما يفطر، وكذلك إن كره الامتناع من الأشياء
~~المخصوصة، لأنه لا دليل على ذلك.
# وقال السيد المرتضى رضي الله عنه ووقت النية في الصيام الواجب، من قبل
~~طلوع الفجر، إلى قبل زوال الشمس، وفي صيام التطوع، إلى بعد الزوال.
# والذي يقع الإمساك عنه، على ضربين: واجب ومندوب، فالواجب على ضربين:
~~أحدهما إذا لم يمسك عنه، لا يجب عليه قضاء، ولا كفارة، بل كان
# PageV01P373
# مأثوما، وإن لم يبطل ذلك صومه، وهو المشي إلى المواضع المنهي عنها،
~~والكذب على غير الله تعالى، وغير رسوله، وأئمته عليهم السلام، والغناء،
~~وقول الفحش، والنظر إلى ما لا يجوز النظر إليه، والحسد، وقال بعض أصحابنا:
~~التحاسد، الأولى الإمساك عنه، والصحيح أنه داخل فيما يجب الإمساك عنه.
# والضرب الآخر، من قسمي الواجب، ينقسم إلى قسمين: أحدهما يوجب القضاء
~~والكفارة معا، والآخر يوجب القضاء دون الكفارة.
# فما يوجب القضاء والكفارة، اختلف أصحابنا فيه، فقال شيخنا أبو جعفر
~~الطوسي رحمه الله في الجمل والعقود: تسعة أشياء، الأكل والشرب، والجماع في
~~الفرج، وإنزال الماء - الذي هو المني، وشيخنا قيده بالدافق، ولا حاجة بنا
~~على مذهبنا، إلى هذا التقييد لأنا إنما نراعي خروج المني عامدا سواء كان
~~دافقا أو غير دافق في جميع ما نراعي من الاغتسال وغير ذلك، والكذب على الله
~~تعالى، وعلى رسوله والأئمة عليهم السلام، متعمدا، والارتماس في الماء،
~~وإيصال الغبار الغليظ إلى الحلق متعمدا، مثل غبار الدقيق، وغبار النفض، وما
~~جرى مجراه، والمقام على الجنابة متعمدا، حتى يطلع الفجر، ومعاودة النوم بعد
~~انتباهتين، حتى يطلع الفجر (1).
# وما يوجب القضاء دون الكفارة، فثمانية ms0265 أشياء: الإقدام على الأكل، والشرب،
~~أو الجماع، قبل أن يرصد الفجر، مع القدرة على مراعاته، ويكون طالعا، وترك
~~القبول عن من قال إن الفجر طلع، والإقدام على تناول ما ذكرناه، ويكون قد
~~طلع، وتقليد الغير في أن الفجر لم يطلع، مع قدرته على مراعاته، ويكون قد
~~طلع، وتقليد الغير في دخول الليل مع القدرة على مراعاته، والإقدام على
~~الإفطار، ولم يدخل، وكذلك الإقدام على الإفطار، لعارض يعرض في السماء
# PageV01P374
# من ظلمة، ثم تبين أن الليل لم يدخل، ومعاودة النوم، بعد انتباهة واحدة،
~~قبل أن يغتسل من جنابة، ولم ينتبه حتى يطلع الفجر، ودخول الماء إلى الحلق
~~لمن يتبرد، بتناوله، دون المضمضة للطهارة، سواء كانت الطهارة للصلاة، أو
~~لما يستحب فعلها، من الكون عليها، وغير ذلك.
# وقال شيخنا: دون المضمضة للصلاة، ذكره في هذا المختصر أعني جمله وعقوده
~~(1).
# وقال في نهايته: ومن تمضمض للتبرد، دون الطهارة (2) وهو الصحيح.
# والحقنة بالمايعات، هذه الأحكام في الصوم الذي يتعين صومه، مثل صوم شهر
~~رمضان، والنذر المعين.
# وقال السيد المرتضى رضي الله عنه، من تعمد الأكل والشرب، أو استنزال
~~الماء الدافق، بجماع أو غيره، أو غيب فرجه في فرج حيوان محرم، أو محلل له،
~~أفطر، وكان عليه القضاء والكفارة، قال: وقد ألحق قوم من أصحابنا بما
~~ذكرناه، في وجوب القضاء والكفارة، اعتماد الكذب، على الله تعالى، وعلى
~~رسوله صلى الله عليه وآله وعلى الأئمة عليهم السلام، والارتماس في الماء،
~~والحقنة، والتعمد للقئ، والسعوط، وبلع ما لا يؤكل، كالحصى وغيره قال:
# وقال قوم: إن ذلك ينقض الصوم، وإن لم يبطله، قال: وهو الأشبه وقالوا في
~~تعمد الحقنة، وما يتيقن وصوله إلى الجوف، من السعوط، وفي اعتماد القئ، وبلع
~~الحصى، أنه يوجب القضاء من غير كفارة، وقد روي أن من أجنب في ليل شهر رمضان
~~وتعمد البقاء إلى الصباح، من غير اغتسال، كان عليه القضاء والكفارة (3)
~~وروي أن عليه القضاء دون الكفارة (4)، ولا خلاف أنه لا شئ
# PageV01P375
# عليه، إذا لم يتعمد ذلك، وغلبه النوم إلى أن يصبح، ms0266 ومن ظن أن الشمس قد
~~غربت، فأفطر، وظهر فيما بعد، طلوعها، فعليه القضاء خاصة، ومن تمضمض
~~للطهارة، فوصل الماء إلى جوفه، فلا شئ عليه، وإن فعل ذلك متبردا، كان عليه
~~القضاء خاصة، هذا آخر قول السيد المرتضى رضي الله عنه أوردته على وجهه.
# والذي يقوى في نفسي، وأفتي به، وأعتقد صحته، ما ذهب إليه المرتضى، إلا ما
~~استثنيته، لأن الأصل براءة الذمة، فمن علق عليها شيئا، يحتاج إلى دليل
~~شرعي، وشيخنا أبو جعفر، رجع عما ذهب إليه في الارتماس، وقال في الإستبصار،
~~قال: لأنه لا يمتنع أن يكون الفعل محظورا، لا يجوز ارتكابه، وإن لم يوجب
~~القضاء والكفارة، ولست أعرف حديثا في إيجاب القضاء والكفارة، أو إيجاب
~~أحدهما على من ارتمس في الماء (1) هذا قول الشيخ أبي جعفر في الإستبصار،
~~وقال في مبسوطه، في وجوب القضاء والكفارة، والارتماس في الماء على أظهر
~~الروايات (2) وفي أصحابنا من قال إنه لا يفطر.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: ينبغي للعاقل أن يتعجب من اختلاف قوليه،
~~اللذين ذكرهما في كتابيه، الإستبصار والمبسوط، فإنه قال في استبصاره:
# ولست أعرف حديثا في إيجاب القضاء، والكفارة، أو إيجاب أحدهما، ثم قال في
~~مبسوطه: يجب القضاء، والكفارة، على أظهر الروايات، فإذا لم يعرف حديثا
~~بهما، أي روايات تبقى، حتى تكون ظاهرة، وهذا فيه مع الفكر، والإنصاف، وترك
~~التقليد، وحسن الرأي بالرجال، ما فيه، والله المستعان، والمعصوم من عصمه
~~الله تعالى، فإذا لم يجد حديثا، ولا ورد به خبر، والإجماع من الفرقة غير
~~حاصل، بل هي مسألة خلاف بينهم فما بقي لوجوب الكفارة
# PageV01P376
# والقضاء دليل، يعتمد عليه، ولا شئ يستند إليه، بل بقي الأصل براءة الذمة،
~~من أن يعلق عليها شئ، إلا بدليل شرعي، ولا دليل شرعي على ذلك، لأن ما تعرف
~~به المسألة (1) الشرعية، أربع طرق، إما كتاب الله تعالى، أو السنة
~~المتواترة، أو الإجماع، أو دليل العقل، فإذا فقدنا الثلاث، بقي الرابع، وهو
~~دليل العقل.
# وأما الكذب على الله سبحانه، وعلى رسوله، والأئمة عليهم السلام، متعمدا، ms0267
~~فقد فقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه: وفي أصحابنا من قال، إن ذلك لا يفطر،
~~وإنما ينقص وقال في مبسوطه: والارتماس في الماء، على أظهر الروايات، وفي
~~أصحابنا من قال إنه لا يفطر مع ما قال في استبصاره، من أنه ما وجدت به
~~حديثا، وفي هذا تناقض ظاهر، وقول غير واضح.
# فأما غبار النفض، فالذي يقوى في نفسي، أنه يوجب القضاء، دون الكفارة، إذا
~~تعمد الكون، في تلك البقعة، من غير ضرورة، فأما إذا كان مضطرا إلى الكون في
~~تلك البقعة، وتحفظ، واحتاط في التحفظ، فلا شئ عليه، من قضاء وغيره، لأن
~~الأصل براءة الذمة من الكفارة، وبين أصحابنا في ذلك خلاف، والقضاء مجمع
~~عليه.
# فأما المقام على الجنابة متعمدا، حتى يطلع الفجر، فالأقوى عندي، وجوب
~~القضاء والكفارة، للإجماع على ذلك من الفرقة، ولا يعتد بالشاذ الذي يخالف
~~في ذلك.
# وكذلك يقوى في نفسي القضاء والكفارة، على من ازدرد شيئا، يقصد به إفساد
~~الصوم، سواء كان مطعوما معتادا، مثل الخبز واللحم، أو لا يكون معتادا، مثل
~~التراب، والحجر والفحم (3)، والحصى، والخرف، والبرد، وغير ذلك، لأنه إجماع
~~من الفرقة.
# ومن ظن أن الشمس قد غابت، لعارض يعرض في السماء، من ظلمة أو قتام، ولم
~~يغلب على ظنه ذلك، ثم تبين الشمس بعد ذلك، فالواجب عليه القضاء، دون
~~الكفارة، فإن كان مع ظنه، غلبة قوية، فلا شئ عليه، من
# PageV01P377
# قضاء ولا كفارة، لأن ذلك فرضه، لأن الدليل قد فقده، فصار تكليفه في
~~عبادته غلبة ظنه، فإن أفطر لا عن إمارة، ولا ظن، فيجب عليه القضاء
~~والكفارة.
# ومن تمضمض للتبرد، فوصل الماء إلى جوفه، فعليه القضاء، دون الكفارة
~~للإجماع على ذلك.
# والحقنة بالمايعات، فقد اختلف في ذلك، من أصحابنا من يوجب القضاء فحسب،
~~ومنهم من لا يوجبه، وهو الذي أراه، وأفتي به، لأن الأصل براءة الذمة،
~~والإجماع فغير حاصل عليه، وكذلك تعمد القئ، والسعوط، وتقطير الدهن في
~~الأذن، ومن طعن بطنه، فوصل السنان إلى جوفه.
# والكفارة اللازمة، عتق رقبة مؤمنة، وبعض أصحابنا لا ms0268 يعتبر الإيمان في
~~الرقبة، إلا في قتل الخطأ، فحسب، والصحيح من المذهب، اعتبار الإيمان، في
~~الرقاب في جميع الكفارات.
# فإن قيل: فما قيد بالإيمان، إلا في كفارة قتل الخطأ، قلنا: فقد قال الله
~~سبحانه:
# " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " (1) والعتق من جملة الإنفاق، والكافر
~~خبيث بغير خلاف، فقد نهانا عن إنفاقه الذي هو اعتاقه، والنهي يدل على فساد
~~المنهي عنه شرعا، بغير خلاف بيننا، وهذا مذهب السيد المرتضى رضي الله عنه
~~وغيره من أصحابنا.
# وشيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله لا يعتبر الإيمان، إلا في كفارة قتل
~~الخطأ، وما قدمناه، واخترناه أظهر، وأبرأ للذمم، وفيه الاحتياط، لأنه إذا
~~أعتق مؤمنة، فبالإجماع قد برئت ذمته مما تعلق عليها، ولا إجماع إذا خالف
~~ذلك.
# أو إطعام ستين مسكينا، لكل مسكين مد، على الصحيح من المذهب، لأن الأصل
~~براءة الذمة مما زاد على المد، وذهب بعض أصحابنا إلى المدين.
# ولا يجزي إخراج القيم، في الكفارات، ويجوز إخراج القيم، في الزكوات
~~عندنا.
# PageV01P378
# ومستحقها، هو مستحق زكاة الأموال.
# أو صيام شهرين متتابعين.
# واختلف أصحابنا، منهم من قال: إن هذه الكفارة مرتبة، ومنهم من قال:
# إنها مخير فيها، وهو الأقوى والأظهر.
# فمن لم يقدر على أحد ما ذكرناه، فليصم ثمانية عشر يوما، وذهب بعض
~~أصحابنا، وهو السيد المرتضى إلى أن الثمانية عشر، متتابعات.
# فإن لم يقدر، تصدق بما وجد، أو صام ما استطاع.
# وأما المندوب مما يقع الإمساك عنه، فإنشاد الشعر، وما يجري مجرى ذلك، مما
~~نبينه في مواضعه، إن شاء الله تعالى.
# وصوم شهر رمضان، يلزم صيامه، لسائر المكلفين، من الرجال، والنساء،
~~والعبيد، والأحرار، إلا من لم يطقه، لمرض، أو عجز من كبر أو غيره، والحائض،
~~والنفساء، والمسافر سفرا مخصوصا عندنا.
# والذين يجب عليهم الصيام، على ضربين، منهم من إذا لم يصم متعمدا من غير
~~عذر إباحة ذلك، وجب عليه القضاء والكفارة، أو القضاء لصاحب العذر، ومنهم من
~~لا يجب عليه ذلك، فالذين يجب عليهم ذلك، كل من كان ظاهره، ظاهر الإسلام،
~~والذين لا يجب ms0269 عليهم، هم الكفار، من سائر أصناف من خالف الإسلام.
# قال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته: فإنه وإن كان الصوم
~~واجبا عليهم، فإنما يجب بشرط الإسلام (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: إن أراد بقوله، فإنما يجب بشرط الإسلام،
~~الصيام، فغير واضح، لأن عندنا العبادات أجمع، واجبة على الكفار، وإن أراد
~~بقوله فإنما يجب بشرط الإسلام، القضاء والكفارة، فصحيح، لأن القضاء فرض
# PageV01P379
# ثان، والكفارة، فقول الرسول عليه السلام: يسقطها (1) الإسلام يجب ما
~~قبله، والأصل أيضا براءة الذمة، وشغلها، يحتاج إلى دليل، فأما الأداء، فلا
~~يصح منهم، لشئ يرجع إليهم، لأنه في مقدورهم، على ما بيناه فيما أسلفناه.
# وقال شيخنا في مسائل خلافه: إذا أتى بهيمة، فأمنى، كان عليه القضاء
~~والكفارة، فإن أولج، ولم ينزل، فليس لأصحابنا فيه نص، لكن يقتضي المذهب، أن
~~عليه القضاء، لأنه لا خلاف فيه، فأما الكفارة، فلا تلزمه، لأن الأصل براءة
~~الذمة، وليس في وجوبها دلالة (2).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب رضي الله عنه، لما وقفت على كلامه،
~~كثر تعجبي، والذي دفع به الكفارة، به يدفع القضاء، مع قوله لا نص لأصحابنا
~~فيه، وإذا لم يكن نص، مع قولهم عليهم السلام: اسكتوا عما سكت الله عنه (3)
~~فقد كلفه القضاء بغير دليل، وأي مذهب لنا يقتضي وجوب القضاء، بل أصول
~~المذهب، تقتضي نفيه، وهي براءة الذمة، والخبر المجمع عليه.
# باب علامة شهر رمضان وكيفية العزم عليه ووقت فرض الصوم ووقت الإفطار
~~علامة الشهور، رؤية الأهلة، مع زوال العوارض والموانع، فمتى رأيت الهلال،
~~وجب عليك الصوم، سواء ردت شهادتك، أو لم ترد، شهد معك غيرك، أو لم يشهد،
~~فإن خفي عليك، وشهد عندك، من قامت الدلالة على صدقه، وجب أيضا عليك الصوم،
~~وكذلك إن تواتر الخبر برؤيته، وشاع ذلك، وجب أيضا الصوم، وكذلك إن شهد
~~برؤيته شاهدان عدلان، وجب
# PageV01P380
# عليك الصوم، سواء كانت السماء مصحية، أو فيها علة، أو كانا من خارج
~~البلد، أو داخله، وعلى كل حال.
# وذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه ms0270 الله في نهايته (1) إلى أن قال: فإن كان
~~في السماء علة، ولم يره جميع أهل البلد، ورآه خمسون نفسا، وجب أيضا الصوم،
~~ولا يجب الصوم، إذا رآه واحد، أو اثنان، بل يلزم فرضه لمن رآه، حسب، وليس
~~على غيره شئ، ومتى كان في السماء علة ولم ير في البلد الهلال أصلا، ورآه
~~خارج البلد، شاهدان عدلان، وجب أيضا الصوم، وإن لم يكن هناك علة، وطلب فلم
~~ير، لم يجب الصوم، إلا أن يشهد خمسون نفسا، من خارج البلد، إنهم رأوه.
# قال محمد بن إدريس رضي الله عنه: والأول هو الصحيح، والأظهر بين الطائفة،
~~والذي تدل عليه أصول المذهب، لأن الأحكام في الشريعة جميعها، موقوفة على
~~شهادة الشاهدين العدلين، إلا ما خرج بالدليل، من حد الزنا، واللواط،
~~والسحق، والأيدي تقطع بشهادة الشاهدين، وتستباح الفروج، وتعتق الرقاب،
~~وتقتل الأنفس، وتستباح الأموال، وغير ذلك، ويحكم بالكفر والإيمان، وهو مذهب
~~سيدنا المرتضى رضي الله عنه ذكره في جمل العلم والعمل (2) ومذهب شيخنا
~~المفيد محمد بن محمد بن النعمان رحمه الله ذكره في المقنعة (3) وهي رأس
~~تصنيفه في الفقه، وجميع أصحابنا، إلا من شذ، وقلد كتابا يجده، أو خبر واحد
~~يعتمده، وقد بينا أنه لا يجوز العمل، بأخبار الآحاد، لأنها لا تثمر علما
~~ولا عملا، والعمل بها خلاف مذهب أهل البيت عليهم السلام، ومذهب شيخنا أبي
~~جعفر الطوسي رحمه الله أيضا في مسائل خلافه (4)، وفي جمله
# PageV01P381
# وعقوده (1)، لأنه قال في الجمل والعقود: وعلامة دخوله، رؤية الهلال، أو
~~قيام البينة برؤيته، فأطلق كلامه، وقال: البينة، والإطلاق، يرجع إلى
~~المعهود الشرعي، والبينة في الشريعة المعهودة، هي شهادة الشاهدين، إلا ما
~~خرج بالدليل، والكلام يرد، ويحمل على الشامل العام، دون النادر الشاذ، فأما
~~قوله في مسائل خلافه، فمفصل غير مجمل، قال: مسألة: علامة شهر رمضان، ووجوب
~~صومه، أحد شيئين، إما رؤية الهلال، أو شهادة شاهدين، ثم قال:
# دليلنا الأخبار المتواترة، عن النبي وعن الأئمة عليهم السلام، ذكرناها،
~~في تهذيب الأحكام، وبينا القول فيما يعارضها، من شواذ الأخبار، فجعل ms0271 عمدة
~~الدليل، الأخبار المتواترة، ولم يلتفت إلى أخبار الآحاد، فدل على أن
~~الأخبار، بشهادة الشاهدين متواترة، وليس هي بشهادة الخمسين كذلك، وإنما
~~أورده في نهايته إيرادا، لا اعتقادا، على ما اعتذرنا له من قبل، لأن هذا
~~الكتاب أعني كتاب النهاية، أورد فيه ألفاظ الأحاديث المتواترة، والآحاد،
~~وإنما هي رواية شاذة، ومن أخبار الآحاد الضعيفة، عن يونس بن عبد الرحمن، عن
~~حبيب الجماعي (2) ويونس بن عبد الرحمن، قد وردت أخبار عن الرضا عليه السلام
~~بذمه، ومع هذا، فإنه واحد، وقد بينا أن أخبار الآحاد، لا يلتفت إليها، ولا
~~يعرج عليها، عند أصحابنا المحصلين، والخلاف بين أصحابنا الشاذ منهم، إنما
~~هو في هلال رمضان، فأما غيره من الشهور، فلا خلاف بينهم، في أنه يثبت
~~بشهادة الشاهدين على كل حال.
# قال الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مسائل الخلاف: مسألة: لا يقبل
# PageV01P382
# في هلال شوال، إلا شاهدان، وبه قال جميع الفقهاء، وقال أبو ثور: يثبت
~~بشاهد واحد، دليلنا: الإجماع، فإن أبا ثور، لا يعتد به، ومع ذلك فقد انقرض
~~خلافه، وسبقه الإجماع، وأيضا بشهادة الشاهدين، يجوز الإفطار، بلا خلاف (1)
~~هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر.
# وذكر في مسائل الخلاف، مسألة، لا توافق ما ذكره في نهايته، ولا توافق
~~مذهب أصحابنا، ولا المسألة التي حكيناها عنه، قبل هذا، من أن علامة شهر
~~رمضان، ووجوب صومه، أحد شيئين، إما رؤية الهلال، أو شهادة شاهدين، فقال:
~~مسألة: لا يقبل في رؤية هلال رمضان، إلا شهادة شاهدين، فأما الواحد فلا
~~يقبل فيه، هذا مع الغيم، فأما مع الصحو، فلا يقبل إلا خمسين (2) قسامة، أو
~~اثنان من خارج البلد (3) فقبل الشاهدين، وعمل بشهادتهما، مع الغيم، ومع
~~الصحو أيضا، عمل بشهادتهما، إذا كانا من خارج البلد، فأما إذا كانا من داخل
~~البلد، مع الصحو، فلا يقبل إلا شهادة الخمسين قسامة، وفي نهايته مع الصحو،
~~لا تقبل إلا شهادة الخمسين، سواء كانوا من خارج البلد، أو داخله، ومع
~~الغيم، إذا كانوا من داخل البلد أيضا، لا تقبل إلا شهادة ms0272 الخمسين. فأما من
~~خارجه مع الغيم، فتقبل شهادة الشاهدين، وهذا يدل على اضطراب الفتوى والقول
~~عنده رحمه الله في المسألة، وفي اختلاف أقواله، فيها ما فيه، فلينصف من يقف
~~على قولي هذا، ويطرح التقليد جانبا، وذكر القديم والمتقدم. ثم قال رضي الله
~~عنه في دليل المسألة، دليلنا: إجماع الفرقة، والأخبار التي ذكرناها في
~~الكتابين المقدم ذكرهما. وأيضا فلا خلاف أن شاهدين يقبلان، فدل رحمه الله
~~بإجماع الفرقة، وأراد على الشاهدين، لا على الخمسين،
# PageV01P383
# بدلالة قوله: وأيضا فلا خلاف أن شاهدين يقبلان، وأيضا فكتابه كتاب
~~الإستبصار، عمله لما اختلف فيه من الأخبار، بحيث يتوسط ويلائم بين الأخبار،
~~وما أورد فيه أخبار الخمسين، ولا ذكرها رأسا، بل أورد أخبار الشاهدين،
~~وقواها، واعتمد عليها، ورد على من خالفها، من العدد، والحساب، والجدول،
~~وغير ذلك، فدل على أنه رحمه الله غير قائل بالخمسين.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: فإن فقد المكلف للصيام، جميع الدلائل، التي
~~قدمناها، عد من الشهر الماضي ثلاثين يوما، وصام بعد ذلك بنية الفرض، فإن
~~ثبت بعد ذلك ببينة عادلة، أنه كان قد رؤي الهلال قبله، بيوم قضيت يوما
~~بدله.
# والأفضل، أن يصوم الإنسان، يوم الشك على أنه من شعبان، فإن قامت له
~~البينة بعد ذلك، أنه كان من رمضان، فقد وفق له، وأجزأ عنه، ولم يكن عليه
~~قضاء، وإن لم يصمه، فليس عليه شئ، ولا يجوز له أن يصوم ذلك اليوم، على أنه
~~من شهر رمضان، ولا أن يصومه، وهو شاك فيه، لا ينوي به صيام يوم غير رمضان،
~~فإن صام على هذا الوجه، ثم انكشف له أنه كان من شهر رمضان، لم يجز عنه،
~~وكان عليه القضاء، لأنه منهي عنه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه.
# والنية واجبة في الصيام، على ما قدمنا القول فيه، وأسلفناه، وشرحناه،
~~ويكفي في نية صيام الشهر كله، أن ينوي في أول الشهر، ويعزم على أن يصوم
~~الشهر كله، فإن جدد النية كل يوم، على الاستئناف، كان أفضل.
# وإن نسي أن يعزم على ms0273 الصوم في أول الشهر، وذكر قبل الزوال، جدد النية،
~~وقد أجزأه، وإن كان الذكر بعد الزوال، فإنه يجب عليه قضاء ذلك اليوم.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته: وذكر في بعض النهار،
~~جدد النية، وقد أجزأه (1) وهذا غير واضح، لأن بعد الزوال، بعض النهار، فلا
~~بد
# PageV01P384
# من تقييد البعض، ولا يجوز إطلاقه، من غير تقييد.
# ومن كان في موضع، لا طريق له إلى العلم بالشهر، فتوخى شهرا فصامه، فوافق
~~ذلك شهر رمضان، أو كان بعده، فقد أجزأه عن الفرض، وإن انكشف له أنه كان قد
~~صام قبل شهر رمضان، وجب عليه استئناف الصوم، وقضاؤه.
# والوقت الذي يجب فيه الإمساك، عن المفطرات، من الأكل، والشرب، هو طلوع
~~الفجر المعترض، الذي يجب عنده الصلاة، وقد بيناه في كتاب الصلاة وأوضحناه،
~~ومحلل الأكل والشرب، إلى ذلك الوقت، فأما الجماع، فإنه محلل إلى قبل ذلك،
~~بمقدار ما يتمكن الإنسان من الاغتسال، فإن غلب على ظنه، وخشي أن يلحقه
~~الفجر، قبل الغسل، لم يحل له ذلك، فإن غلب على ظنه خلاف ذلك، ثم واقع أهله،
~~وطلع الفجر، وهو مخالط لأهله، فالواجب عليه النزوع، فإن تحرك حركة تعينه
~~على الدخول والجماع، فإنه يجب عليه القضاء والكفارة.
# ووقت الإفطار، سقوط القرص، وعلامته ما قدمناه، من زوال الشفق، الذي هو
~~الحمرة، من ناحية المشرق، وهو الوقت الذي، يجب فيه الصلاة، والأفضل أن لا
~~يفطر الإنسان، إلا بعد صلاة المغرب، فإن لم يستطع الصبر على ذلك، صلى
~~الفرض، وأفطر، ثم عاد، فيصلي نوافله، فإن لم يمكنه ذلك، أو كان عنده من
~~يحتاج إلى الإفطار معه، قدم الإفطار، إذا كان في أول الوقت، فإنه أفضل،
~~والحال ما وصفناه، فإن خاف فوات الفريضة، فالواجب عليه الإتيان بالصلاة، لا
~~يجوز له غيره.
# باب ما يجب على الصائم اجتنابه مما يفسد الصيام وما لا يفسده والفرق بين
~~ما يلزم بفعله القضاء والكفارة وبين ما يلزم منه القضاء دون الكفارة قد
~~ذكرنا طرفا من ذلك، وجملة مقنعة، في باب حقيقة الصوم، ms0274 وقسمنا PageV01P385
# أقساما، وذكرنا اختلاف أصحابنا، فيما يوجب القضاء والكفارة، وما يوجب
~~القضاء دون الكفارة، ودللنا على الصحيح من ذلك، وبيناه، وأوضحناه، ونحن
~~الآن ذاكرون ما جانس ذلك، مما لم نذكره هناك، على الاستيفاء والبيان.
# متى وطأ الإنسان زوجته نهارا في شهر رمضان، كان عليهما القضاء والكفارة،
~~إن كانت طاوعته على ذلك، وإن كان أكرهها، لم يكن عليها شئ، وكان عليه
~~كفارتان، وقضاء واحد عن نفسه فحسب، لأن صومها صحيح، فإن كانت أمته، والحال
~~ما وصفناه، فلا يلزمه غير كفارة واحدة، وحملها على الزوجة قياس، لا نقول به
~~في الأحكام الشرعيات، وكذلك إن كانت مزنى بها (1)، وجميع ما قدمناه في ذلك
~~الباب، متى فعله الإنسان ناسيا، أو ساهيا، أو جاهلا، غير عالم بالحكم، لم
~~يكن عليه شئ.
# ومتى فعله متعمدا، وجب عليه ما قدمناه، وكان على الإمام أن يعزره، بحسب
~~ما يراه.
# فإن تعمد الإفطار، ثلاث مرات، يرفع فيها إلى الإمام، فإن كان عالما
~~بتحريم ذلك عليه، قتله في الثالثة، وإن لم يكن عالما، لم يكن عليه شئ.
# ويكره للصائم، الكحل، إذا كان فيه مسك، أو شئ من الصبر، فإن لم يكن فيه
~~ذلك، لم يكن به بأس.
# ولا بأس أن يحتجم، ويفتصد، إذا احتاج إلى ذلك، ما لم يخف الضعف، فإن خاف
~~ذلك كره له فعله، إلا عند الضرورة الداعية إليه.
# ويكره له تقطير الدهن في أذنه، إلا عند الحاجة إليه.
# ويكره له أن يبل الثوب على جسده، ولا بأس أن يستنقع في الماء إلى عنقه،
~~ولا يرتمس فيه، فإنه محظور، لا يجوز حسب ما قدمناه، ولا يمتنع أن يكون
# PageV01P386
# الفعل محظورا، وإن لم يجب فيه القضاء والكفارة.
# ويكره الاستنقاع في الماء للنساء، على الصحيح من الأقوال، وإن كان بعض
~~أصحابنا قد ذهب إلى حظره، ولزوم الكفارة والقضاء، وهو ابن البراج (1)،
~~والأظهر ما قدمناه، لأن الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل، ولا
~~دليل من إجماع وغيره على ذلك.
# ويكره للصائم السعوط، وكذلك الحقنة بالجامدات، ولا يجوز له الاحتقان
~~بالمايعات، ms0275 فإن فعل ذلك، كان مخطئا مأثوما، ولا يجب عليه القضاء، وهو مذهب
~~المرتضى وشيخنا أبي جعفر الطوسي رضي الله عنهما في الإستبصار (2) وفي
~~نهايته (3)، وهو الصحيح، وإن كان قد ذهب إلى وجوب القضاء، في الجمل والعقود
~~(4).
# ولا يجوز له أن يتقيأ متعمدا، فإن فعل ذلك، كان مخطئا، ولا يجب عليه
~~القضاء، على الصحيح من المذهب، وهو قول السيد المرتضى، وغيره من أصحابنا،
~~وإن كان قد ذهب إلى وجوب القضاء قوم منهم، من جملتهم، شيخنا أبو جعفر
~~الطوسي رحمه الله، وإنما اخترنا ما ذكرناه، لأن الإجماع غير حاصل في
~~المسألة، فما بقي معنا إلا دليل الأصل، وهو براءة الذمة.
# فإن ذرعه القئ، بالذال المعجمة، لم يكن عليه شئ، وليبصق بما يحصل في فيه،
~~فإن بلعه متعمدا بعد خروجه من حلقه، قاصدا إفساد صومه وأكله، فإنه يجب عليه
~~القضاء والكفارة، لأنه قد أكل، أو ازدرد متعمدا في نهار صيامه.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته: عليه القضاء (5) ولم
~~يذكر الكفارة، وليس هذا دليلا على أنه لا يوجبها عليه، لأن تركه لذكرها، لا
~~يدل
# PageV01P387
# على أنه غير قائل بأنها واجبة عليه.
# وقال ابن بابويه في رسالته: لا ينقض الرعاف، ولا القلس، ولا القئ، إلا أن
~~يتقيأ متعمدا (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: القلس بفتح القاف واللام والسين غير
~~المعجمة، ما خرج من الحلق: ملأ الفم، أو دونه، وليس بقئ، فإن عاد، فهو
~~القئ، هكذا ذكره الجوهري في كتاب الصحاح عن الخليل، وقال اليزيدي:
# القلس، خروج الطعام أو الشراب إلى الفم من البطن، أعاده صاحبه أو ألقاه،
~~وهذا أقوى مما قال الجوهري. وقال ابن فارس في المجمل: القلس القئ قلس إذا
~~قاء، فهو قالس، والقلس بفتح القاف، وسكون اللام، مصدر قلس قلسا، إذا قاء
~~قال ابن دريد، القلس من الحبال، ما أدري ما صحته. وقال الجوهري:
# القلس حبل عظيم، من ليف، أو خوص، من قلوس السفن، فهذا جملة ما قيل، في
~~القاف واللام والسين ويكره له دخول الحمام، إذا خاف ms0276 الضعف، فإن لم يخف،
~~فليس بمكروه.
# ولا بأس بالسواك، بكسر السين، للصائم، بالرطب منه، واليابس، فإن كان
~~يابسا، فلا بأس أن يبله أيضا بالماء، وليحفظ نفسه من ابتلاع ما يحصل في
~~فيه، من رطوبته.
# ويكره له شم النرجس، وغيره من الرياحين، وليس كراهية شم النرجس، مثل
~~الرياحين، بل هي آكد.
# ولا بأس أن يدهن، بالأدهان الطيبة، وغير الطيبة.
# ويكره له شم المسك، وما يجري مجراه.
# ولا بأس بالكحل ما لم يكن ممسكا أو يكون حادا مثل الذرور، أو فيه شئ من
~~الصبر، بكسر الباء، وقال ابن بابويه في رسالته: ولا بأس بالكحل ما
# PageV01P388
# لم يكن ممسكا، وقد روي (1) فيه رخصة، لأنه يخرج على عكدة لسانه.
# قال محمد بن إدريس رضي الله عنه: العكدة، بالعين غير المعجمة المفتوحة،
~~والكاف المفتوحة، والدال غير المعجمة المفتوحة وهي أصل اللسان، والعكرة
~~بالراء أيضا، ففي بعض النسخ العكدة بالدال، وفي بعضها بالراء، وكلاهما
~~صحيحان.
# ويكره للصائم أيضا القبلة، وكذلك مباشرة النساء، وملاعبتهن، فإن باشرهن
~~بما دون الجماع، أو لاعبهن بشهوة، فأمذى، لم يكن عليه شئ، فإن أمني، كان
~~عليه ما على المجامع، فإن أمني من غير ملامسة، بل لسماع كلام، أو نظر، لم
~~يكن عليه شئ، ولا يعود إلى ذلك، وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أنه إن نظر إلى من
~~يحرم عليه النظر إليه فأمنى، كان عليه القضاء دون الكفارة، والصحيح أنه لا
~~قضاء عليه، لأنه لا دليل على ذلك، والأصل براءة الذمة.
# ولا بأس بالصائم، أن يزق الطائر، والطباخ، أن يذوق المرق، والمرأة أن
~~تمضغ الطعام للصبي، ولا تبلع شيئا من ذلك.
# ولا ينبغي للصائم، مضغ العلك، وكل ما له طعم، وقال بعض أصحابنا:
# عليه القضاء، والأظهر أن لا قضاء عليه، ولا بأس أن يمص ما ليس له طعم،
~~مثل الخرز والخاتم، وما أشبه ذلك.
# قال الشيخ أبو جعفر في مسائل خلافه (2): مسألة: من جامع في نهار رمضان،
~~متعمدا من غير عذر، وجب عليه القضاء والكفارة، ثم قال: دليلنا:
# إجماع الفرقة، ثم استشهد بأخبار، ms0277 من جملتها ما رواه أبو هريرة قال: أتى
~~رجل النبي صلى الله عليه وآله فقال: هلكت، فقال: ما شأنك؟ قال: وقعت على
# PageV01P389
# امرأتي في رمضان، فقال: تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن
~~تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟
# قال: لا، قال: اجلس، فأتى النبي صلى الله عليه وآله بعرق فيه تمر، فقال:
~~تصدق به (1).
# قال محمد بن إدريس رضي الله عنه: العرق بالعين غير المعجمة المفتوحة،
~~والراء غير المعجمة المفتوحة، والقاف، الزنبيل قد ذكره الهروي في غريب
~~الحديث، وأهل اللغة في باب العين والراء والقاف، وسمعت بعض أصحابنا، صحف
~~الكلمة، فقال: العذق بالذال المعجمة، فالعذق بكسر العين، والذال المسكنة،
~~الكباسة، وهي العرجون، بما عليه من (2) الشماريخ وبفتح العين، النخلة
~~نفسها، فليلحظ ذلك، فالغرض التنبيه لئلا تصحف الكلمة.
# باب حكم المسافر والمريض والعاجز عن الصيام وغير ذلك شروط السفر الذي
~~يوجب الإفطار، ولا يجوز معه صوم شهر رمضان، في المسافة والصفة، وغير ذلك،
~~هي الشروط التي ذكرناها في كتاب الصلاة، الموجبة لقصرها، فإن تكلف المسافر
~~الصوم، مع العلم بسقوطه عنه، حرج وأثم، ووجب عليه القضاء، على كل حال، وإن
~~لم يكن عالما به، كان صومه ماضيا.
# ويكره للإنسان السفر في شهر رمضان، إلا عند الضرورة الداعية له إلى ذلك،
~~من حج، أو عمرة، أو الخوف من تلف مال، أو هلاك أخ، أو ما يجري مجراه، أو
~~زيارة بعض المشاهد المقدسة، فإذا مضى ثلاثة وعشرون يوما من الشهر، جاز له
~~الخروج إلى حيث شاء، ولم يكن سفره مكروها.
# PageV01P390
# ومتى كان سفره أربعة فراسخ، ولم يرد الرجوع فيه من يومه، لم يجز له
~~الإفطار، ويجب عليه الصيام، وكذا يجب عليه إتمام الصلاة، وقد وردت رواية
~~شاذة، بأنه يكون مخيرا بين إتمام الصلاة، وبين قصرها (1) وهو الذي أورده
~~شيخنا أبو جعفر الطوسي، في نهايته (2)، وذهب شيخنا المفيد، إلى التخيير في
~~الصلاة والصيام، والأول هو المعتمد، وقد أشبعنا القول في هذا في كتاب
~~الصلاة.
# وإذا ms0278 خرج الإنسان إلى السفر، بعد طلوع الفجر، أي وقت كان من النهار، وكان
~~قد بيت نيته من الليل للسفر، وجب عليه الإفطار، بغير خلاف بين أصحابنا، وإن
~~لم يكن قد بيت نيته من الليل للسفر، ثم خرج بعد طلوع الفجر، فقد اختلف قول
~~أصحابنا في ذلك، فذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله إلى أنه يجب عليه
~~إتمام ذلك اليوم، وليس عليه قضاؤه، فإن أفطر فيه، وجب عليه القضاء
~~والكفارة، ويستدل بقوله تعالى: " ثم أتموا الصيام إلى الليل " (3).
# والذي يقال في ذلك، أن هذا خطاب لمن يجب عليه الصيام، ومكلف به في جميع
~~يومه، ويخرج المسافر من تلك الآية، قوله تعالى: " فمن كان منكم مريضا أو
~~على سفر فعدة من أيام أخر " (4) وأيضا فالحائض في وسط النهار، يجب عليها أن
~~تعتقد أنها مفطرة، بغير خلاف، وخرجت من الآية، وما وجب عليها الإتمام،
~~وكذلك من بيت نيته للسفر من الليل، هو قبل خروجه من منزله وقبل أن يغيب عنه
~~أذان مصره، مخاطب بالصيام، مكلف به، لا يجوز له الإفطار، فإذا توارى عنه
~~الأذان، يجب عليه الإفطار، وما وجب عليه التمام للصيام الذي كان واجبا عليه
~~الإمساك والصيام قبل خروجه، وبالإجماع يجب عليه الإفطار، ولم يجب عليه
~~الإتمام فقد خرج من عموم الآية المستدل بها،
# PageV01P391
# وخصص، فإذا ساغ له التخصيص ساغ لخصمه ذلك وبطل استدلاله بالعموم، لأنه
~~المستدل به وما سلم له، وكل من استدل بعموم، ولم يسلم له، وخصصه، ساغ لخصمه
~~تخصيصه، لأنه ما هو أولى بالتخصيص من خصمه ويبطل استدلاله بالعموم.
# وذهب شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان رحمه الله إلى أنه متى خرج
~~إلى السفر قبل الزوال، فإنه يحب عليه الإفطار، فإن صامه، لا يجزيه صيامه،
~~ووجب عليه القضاء، وإلى هذا القول أذهب، وبه أفتي، لأنه موافق لطاهر
~~التنزيل، والمتواتر من الأخبار.
# وقال ابن بابويه في رسالته: يجب عليه الإفطار، وإن خرج بعد العصر
~~والزوال، وهذا القول عندي أوضح من جميع ما قدمته من الأقوال،، لأن أصحابنا
~~مختلفون ms0279 في ذلك، وليس على المسألة ولا قول بها (1) إجماع منعقد، ولا أخبار
~~مفصلة متواترة بالتفصيل والتخصيص، وإذا كان كذلك، فالتمسك بالقرآن أولى،
~~لأن هذا مسافر، بلا خلاف، ومخاطب بخطاب المسافرين، من تقصير صلاة وغير ذلك.
# وإذا خرج الرجل والمكلف بالصيام إلى السفر، فلا يتناول شيئا من الطعام أو
~~الشراب، أو غير ذلك من المفطرات إلى أن يغيب عنه أذان مصره، وقد روي، أو
~~يتوارى عنه جدران بلده (2) والاعتماد على الأذان المتوسط.
# ويكره له أن يتملى من الطعام، ويروي من الشراب، ويزيد الكراهة، وتتأكد في
~~قرب الجماع، إلا عند الحاجة الشديدة إلى ذلك.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله: ولا يجوز له أن يقرب الجماع، وهذا
~~اللفظ الذي هو لا يجوز يحتمل تغليظ الكراهة، ويحتمل الحظر، ولا دليل على
~~الحظر، لأنه غير مكلف بالصيام، وهو داخل في قوله تعالى: " نساؤكم
# PageV01P392
# حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " (1) وغير ذلك من الآيات المقتضية
~~للإباحة، والشئ إذا كان عندهم شديد الكراهة، قالوا لا يجوز، وهذا شئ يعرف
~~بالقرائن والضمائم.
# ويكره صيام النوافل في السفر على كل حال، وهو مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي
~~رحمه الله في نهايته (2) واستبصاره (3)، ومذهب شيخنا المفيد رحمه الله فإنه
~~ذكر في مقنعته فقال: ولا يجوز لأحد أن يصوم في السفر تطوعا، ثم قال: وقد
~~روي حديث في جواز التطوع في السفر بالصيام (4)، وجاءت أخبار بكراهية ذلك،
~~وأنه (5) ليس من البر الصيام في السفر (6) وهي أكثر، وعليها العمل، عند
~~فقهاء العصابة، فمن عمل على أكثر الروايات، واعتمد على المشهور منها، في
~~اجتناب الصيام في السفر، على كل وجه، كان أولى بالحق، والله الموفق للصواب
~~(7) هذا آخر كلام المفيد.
# وهذا القول هو الحق والصواب، لأن الأصل براءة الذمة، من الواجب والمندوب،
~~فمن أدعى تكليفا مندوبا أو واجبا، فإنه يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي،
~~وإلا فالأصل عدم التكليف، وهو أيضا مذهب جلة المشيخة الفقهاء من أصحابنا
~~المحصلين، فإذا كان دليل الإجماع على المسألة مفقودا، لأنهم مختلفون فيها،
~~بقي أن الأصل ms0280 براءة الذمة من التكليف، فمن شغلها بواجب أو ندب يحتاج إلى
~~دليل.
# وصيام الثلاثة الأيام في الحج واجب في السفر، كما قال الله تعالى: "
~~فصيام ثلاثة أيام في الحج " (8) وقد وردت الرغبة في صيام ثلاثة أيام،
~~بالمدينة لصلاة
# PageV01P393
# الحاجة (1).
# ومن كان عليه صيام فريضة أو قضاء شهر رمضان، أو كفارة ظهار، أو كفارة قتل
~~الخطأ، أو غير ذلك، من وجوه الصيام المفروضة، لم يجز له أن يصومه في السفر،
~~فإن فعل في السفر شيئا يلزمه به الصيام، انتظر قدومه إلى بلده، ولا يصوم في
~~السفر، فإن نوى مقام عشرة أيام فصاعدا، في بلد غير بلده، جاز له حينئذ
~~الصيام.
# وأما صيام النذر، فإن كان الناذر قد نذر أن يصوم أياما بأعيانها، أو يوما
~~بعينه، ووافق ذلك اليوم أو الأيام أن يكون مسافرا، وجب عليه الإفطار، وكان
~~عليه القضاء، وكذلك إن اتفق أن يكون ذلك اليوم، يوم عيد، وجب عليه الإفطار،
~~ولا قضاء عليه، على الصحيح الأقوال.
# وذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله إلى وجوب القضاء في نهايته (2)،
~~ورجع عنه في مبسوطه (3)، لأن القضاء عما انعقد عليه النذر، ويوم العيد، لا
~~يجوز نذره، ولا ينعقد، وهو مستثنى من الأيام، وإلى ما اخترناه ذهب ابن
~~البراج، وغيره من أصحابنا، وما أورده شيخنا في نهايته، خبر واحد، لا يوجب
~~علما ولا عملا، وقد بينا إن أخبار الآحاد، لا يجوز العمل بها في الشريعة،
~~عند أهل البيت عليهم السلام، وإنما أورده إيرادا لا اعتقادا، على ما ذكرناه
~~من الاعتذار.
# وإن كان الناذر نذر أن يصوم ذلك اليوم، أو الأيام على كل حال، مسافرا كان
~~أو حاضرا، فإنه يجب عليه الصيام في حال السفر.
# ويجوز صيام الاعتكاف في حال السفر، وكذلك صيام الثمانية عشر يوما، لمن
~~أفاض من عرفات قبل غروب الشمس عامدا، ولم يجد الجزور.
# PageV01P394
# والمريض الذي لا يقدر على الصيام، أو يضربه، يجب عليه الإفطار، ولا يجزي
~~عنه إن صامه، بعد تقدم علمه بوجوب الإفطار، فإن لم يتقدم له العلم بذلك،
~~ولا ms0281 عرف الحكم فيه، وصام، فإن صيامه صحيح، ولا يجب عليه القضاء.
# فإن أفطر في أول النهار، ثم صح فيما بقي منه، أمسك تأديبا، وكان عليه
~~القضاء.
# فإن لم يصح المريض، ومات من مرضه الذي أفطر فيه، يستحب لولده الأكبر من
~~الذكور، أن يقضي عنه، ما فاته من الصيام، وليس ذلك بواجب عليه.
# فإن برئ من مرضه ذلك، ولم يقض ما فاته، ثم مات، وجب على وليه أن يقضي
~~عنه، وكذلك إن كان قد فاته شئ من الصيام في السفر، ثم مات قبل أن يقضي،
~~وكان متمكنا من القضاء، وجب على وليه أن يصوم عنه.
# فإن فات المريض صوم شهر رمضان، واستمر به المرض إلى رمضان آخر، ولم يصح
~~فيما بينهما، صام الحاضر وقضى الأول.
# وذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله إلى أنه يتصدق عن الأول عن كل يوم،
~~بمدين من طعام، فإن لم يمكنه فبمد منه، فإن لم يتمكن، لم يكن عليه شئ، وليس
~~عليه قضاء.
# والأول يعضده ظاهر التنزيل، وهو قوله تعالى: " فمن كان مريضا أو على سفر
~~فعدة من أيام أخر " (1) فأوجب على المريض القضاء، فمن أسقطه يحتاج إلى
~~دليل، ولا إجماع معنا في المسألة، والقائل بما ذهب إليه شيخنا قليل، فبقي
~~ظاهر التنزيل، فلا يجوز العدول عنه بغير دليل، وإنما قد ورد به أخبار آحاد،
~~لا توجب علما ولا عملا.
# وذهب ابن بابويه في رسالته، إلى أن الرجل إذا مرض، وفاته صوم شهر
# PageV01P395
# رمضان كله، ولم يصمه إلى أن يدخل عليه شهر رمضان قابل، فعليه أن يصوم
~~الذي دخل، ويتصدق عن الأول كل يوم بمد من طعام، وليس عليه القضاء، إلا أن
~~يكون صح فيما بين شهري رمضان، فإن كان كذلك، ولم يصح، فعليه أن يتصدق ع
~~الأول لكل يوم، بمد من طعام، ويصوم الثاني، فإذا صام الثاني، قضى الأول
~~بعده، فإن فاته شهرا رمضان، حتى دخل الشهر الثالث:
# من مرض، فعليه أن يصوم الذي دخل، ويتصدق عن الأول، لكل يوم بمد من طعام،
~~ويقضي الثاني، ms0282 هذا آخر كلامه، ألا تراه، قد أوجب قضاء الثاني مع استمرار
~~المرض.
# وبالجملة، إن المسألة فيها خلاف، وليس على ترك القضاء إجماع منعقد، فإن
~~صح فيما بين الرمضانين، ولم يقض ما عليه، وكان في عزمه القضاء، قبل رمضان
~~الثاني، ثم مرض، صام الثاني، وقضى الأول، وليس عليه كفارة، وإن أخر قضاءه
~~بعد الصحة توانيا، وجب عليه أن يصوم الثاني، ويتصدق عن الأول، ويقضيه أيضا
~~بعد ذلك، وحكم ما زاد على رمضانين حكم رمضانين على السواء، وكذلك لا يختلف
~~الحكم، في أن الذي فاته الشهر كله أو، بعضه، بل الحكم فيه سواء، هذا ذهب
~~شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته (1)، وجمله وعقوده (2)، إلا أنه
~~لم يذكر في مسألة من كان في عزمه القضاء، قبل رمضان الثاني ثم مرض فرقا.
# قال محمد بن إدريس: وجه الفتوى في التواني، والعزم على ما أورده رحمه
~~الله أنه إذا كان عازما على أدائه وقضائه، قبل تضيق أيامه وأوقاته، ثم لما
~~تضيق، مرض في الزمان المضيق، حتى أسهل رمضان الثاني، فلا تجب عليه الكفارة،
~~فأما إذا لم يمرض في زمان التضييق، فإنه يجب عليه الكفارة، لأنه
# PageV01P396
# متوان، ولا ينفعه عزمه، لأنه فرض مضيق، فلا يكون العزم، بدلا منه، فافترق
~~الأمر بين المسألتين، وشئ آخر، وهو أن العزم بدل من فعل الواجب الموسع،
~~فإذا تركه فقد أخل بالواجب الذي هو العزم، فيجب عليه الكفارة، لأجل تركه
~~الواجب الذي هو العزم.
# فأما إذا عزم، وضاق الوقت، وترك الصوم فقد توانى، فيجب عليه الكفارة،
~~لأنه صار واجبا مضيقا، فما بقي يفيد (1) العزم.
# فأما إذا عزم، وضاق الوقت، ومرض، فلا يجب الكفارة، لأنه ما أخل بالواجب
~~الذي هو العزم، فأما إذا لم يعزم، ومرض في الزمان الذي قد تضيق عليه، فيجب
~~أيضا عليه الكفارة، لإخلاله بالواجب الذي هو العزم، فهذا يمكن أن يكون وجه
~~الفتيا، على ما أورده شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله.
# والذي أعتقده، وأفتي به، سقوط الكفارة عمن أوجبها عليه، لأن الأصل براءة
~~الذمة من ms0283 العبادات، والتكاليف، وإخراج الأموال، إلا بالدليل الشرعي القاطع
~~للأعذار، والقرآن خال من هذه الكفارة، والسنة المتواترة خالية أيضا،
~~والإجماع غير منعقد على وجوب هذه الكفارة، لأن أكثر أصحابنا لا يذهبون
~~إليها، ولا يوردونها في كتبهم، مثل الفقيه سلار، والسيد المرتضى، وغيرهما،
~~ولا يذهب إلى الكفارة في هذه المسألة، إلا شيخنا المفيد محمد بن محمد بن
~~النعمان في الجزء الثاني من مقنعته ولم يذكرها في كتاب الصيام منها، ولا في
~~غيرها من كتبه، وشيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله، ومن تابعهما، وقلد
~~كتبهما، أو يتعلق (2) بأخبار الآحاد التي ليست عند أهل البيت عليهم السلام
~~حجة، على ما شرحناه، فلم يبق في المسألة، إلا لزوم دليل الأصل، وهو براءة
~~الذمة، فمن شغلها بشئ، يحتاج إلى دليل شرعي، ولا دليل له على ذلك.
# PageV01P397
# والمريض إذا كان قد وجب عليه صيام شهرين متتابعين، ثم مات، تصدق عنه، عن
~~شهر، ويقضي عنه وليه، شهرا آخر، هذا مذهب شيخنا أبي جعفر في نهايته (1)
~~أورده، وقال في جمله وعقوده: وكل صوم كان واجبا على المريض، بأحد الأسباب
~~الموجبة له، ثم مات، تصدق عنه، أو يصوم عنه وليه (2) وهذا أولى مما ذكره في
~~نهايته.
# وقال السيد المرتضى، في انتصاره: يتصدق عنه لكل يوم بمد، من طعام، فإن لم
~~يكن له مال، صام عنه وليه، فإن كان له وليان، فأكبرهما (3).
# وقال شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان في كتاب الأركان: يجب على
~~وليه أن يقضي عنه كل صيام فرط فيه، من نذر، أو كفارة، أو قضاء رمضان.
# قال مصنف هذا الكتاب: والذي أقوله في ذلك، أن هذين الشهرين، إن كانا
~~نذرا، وقدر على الإتيان بهما، فلم يفعل، فالواجب على وليه، وهو أكبر أولاده
~~الذكور، الصيام للشهرين، ويكون تكليفه ذلك، لا يجزيه غيره، وإن كان عليه
~~كفارة مخيرة فيها، فإنه أيضا مخير في أن يصوم شهرين، أو يكفر من ماله، قبل
~~قسمة تركته، أعني الولي، ولا يتعين عليه الصيام، ولا يجزيه، إلا أن يفعل من
~~الكفارة جنسا واحدا، أما ms0284 صياما، أو إطعاما، هذا إذا كانت الكفارة مخيرا
~~فيها، فليتأمل ما قلنا من فقه المسألة.
# قال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله: والمرأة أيضا، حكمها ما ذكرناه، في
~~أن ما يفوتها من الصيام، بمرض أو طمث، لا يجب على أحد القضاء عنها، إلا أن
~~تكون قد تمكنت من القضاء، فلم تقضه، فإنه يجب القضاء عنها، ما يفوتها
~~بالسفر، حسب ما قدمناه في حكم الرجال، هكذا أورده شيخنا أبو جعفر
# PageV01P398
# الطوسي رحمه الله في نهايته (1)، والصحيح من المذهب، والأقوال، إن إلحاق
~~المرأة في هذا الحكم بالرجال، يحتاج إلى دليل، وإنما إجماعنا منعقد، على
~~الوالد يتحمل ولده الأكبر، ما فرط فيه من الصيام، ويصير ذلك تكليفا للولد،
~~وكذلك ما يفوته من صلاة مرضته التي توفي فيها، يجب على الولد الأكبر الذكر،
~~قضاء ذلك عنه، فأما ما فاته من الصلوات في زمانه كله، سواء كان صحيحا، أو
~~مريضا، لا يجب على الولد القضاء عنه، إلا ما فاته في مرضته التي مات فيها،
~~على ما بيناه، وليس هذا مذهبا لأحد من أصحابنا، وإنما أورده شيخنا إيرادا
~~لا اعتقادا، وأورد في جمله وعقوده فقال: فإن برئ المريض، وجب عليه القضاء،
~~فإن لم يقض، ومات، وجب على وليه القضاء، والولي هو أكبر أولاده الذكور، فإن
~~كانوا جماعة، في سن واحد، كان عليهم القضاء بالحصص، قال: أو يقوم به بعضهم،
~~فيسقط عن الباقين (2) وهذا غير واضح، لأن هذا تكليف واحد بعينه، وليس هو من
~~فروض الكفايات، بل من فروض الأعيان، فإذا صام واحد منهم ما يجب على جميعهم،
~~لم تبرأ إلا ذمة من صام ما وجب عليه، فحسب، وذمم الباقين مرتهنة، حتى
~~يصوموا ما تعين عليهم، ووجب في ذمة كل واحد بانفراده.
# والذي تقتضيه الأدلة، ويجب تحصيله في هذه الفتيا، أنه لا يجب على واحد
~~منهم قضاء ذلك، لأن الأصل براءة الذمة، والإجماع غير منعقد على ذلك،
~~والقائل بهذا، شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله، والموافق له من أصحابنا
~~المصنفين قليل جدا، والسيد المرتضى، لم يتعرض لذلك، ms0285 وكذلك شيخنا المفيد
~~محمد بن محمد بن النعمان، وغيرهما، من المشيخة الجلة، وإنما أجمعنا على
~~تكليف
# PageV01P399
# الولد الأكبر، وليس هاهنا ولد أكبر، والتعليل غير قائم هاهنا، من
~~استحقاقهم السيف، والمصحف، وثياب بدنه، فجميع ما قيل، وورد في عين مسألة
~~الولد الأكبر، لم يصح في الجماعة.
# وحد المرض الذي يجب معه الإفطار، إذا علم الإنسان من حال نفسه، أنه إن
~~صام، زاد ذلك في مرضه، أو أضربه، والإنسان على نفسه بصيرة، وسواء الحكم، أن
~~يكون المرض في الجسم، أو يكون رمدا، أو وجع الأضراس، فإن عند جميع ذلك، يجب
~~الإفطار مع الخوف من الضرر.
# والعاجز عن الصيام، على ثلاثة أضرب، الأول: لا يجب عليه قضاء، ولا كفارة،
~~وهو الشيخ الهرم، والشيخة كذلك، اللذان لو تكلفا الصوم بمشقة، لما أطاقاه.
# الثاني: يكفر، ولا قضاء عليه، وهو الشيخ الذي إذا تكلفه أطاقه، لكن بمشقة
~~شديدة يخشى المرض منها، والضرر العظيم، فإن له أن يفطر، ويكفر عن كل يوم
~~بمد من طعام، وكذلك الشاب، إذا كان به العطاش، الذي لا يرجى شفاؤه، فإن كان
~~العطاش عارضا، يتوقع زواله، ويرجى برؤه، أفطر، ولا كفارة عليه، فإذا برئ
~~وجب عليه القضاء.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله: يجب على هذا الذي يرجى برؤه،
~~ويتوقع زواله، القضاء والكفارة، وهذا القول غير واضح، لأنه بخلاف القرآن،
~~وإجماع الطائفة، وما اخترناه مذهب السيد المرتضى، وشيخنا المفيد رضي الله
~~عنهما، وهو الصحيح، لأن هذا مريض، والمريض بالإجماع، يجب عليه الإفطار،
~~فإذا برئ، يجب عليه القضاء، من غير كفارة، بغير خلاف في ذلك، فمن أوجب
~~الكفارة هاهنا يحتاج إلى دليل.
# الثالث: الحامل المقرب، والمرضع القليلة اللبن، إذا خافتا على ولدهما من
~~الصوم الضرر، أفطرتا، وتصدقتا عن كل يوم بمد من طعام، وتقضيان ذلك اليوم،
~~وقد ذهب بعض أصحابنا، إلى أنه لا قضاء عليهما، وهو الفقيه سلار،
~~PageV01P400
# والأول هو الأظهر، الذي يقتضيه أصول المذهب، ويشهد بصحته ظاهر القرآن.
# وكل هؤلاء الذين ذكرناهم، وأنهم يجوز لهم الإفطار، فليس لهم أن يأكلوا
~~شبعا ms0286 من الطعام، ولا أن يشربوا ريا من الشراب، ولا يجوز لهم أن يواقعوا
~~النساء، هكذا أورده شيخنا في نهايته (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: والصحيح، أن ذلك مكروه، شديد الكراهة، دون
~~أن يكون محرما محظورا، لأنا قد بينا فيما سلف، أن الشئ إذا كان شديد
~~الكراهة، قالوا لا يجوز، فلفظة لا يجوز، يحتمل الكراهة والحظر.
# باب حكم من أسلم في شهر رمضان ومن بلغ فيه، والمسافر إذا قدم أهله،
~~والحائض إذا طهرت والمريض إذا برئ من أسلم في شهر رمضان، وقد مضت منه أيام،
~~فليس عليه قضاء شئ مما فاته من الصيام، وعليه صيام ما يستأنف من الأيام،
~~وحكم اليوم الذي يسلم فيه، إن أسلم قبل طلوع الفجر، كان عليه صيام ذلك
~~اليوم، فإذا لم يصمه، وكان عالما بوجوب الصيام، كان عليه القصاء والكفارة،
~~وإن لم يكن عالما بوجوب الصيام عليه، لم يكن عليه إلا القضاء، فحسب، وإن
~~أسلم بعد طلوع الفجر، لم يجب عليه صيام ذلك اليوم، وكان عليه أن يمسك
~~تأديبا، إلى آخر النهار، ولا يجب عليه قضاء ذلك اليوم، وكذلك الغلام، إذا
~~احتلم، والجارية إذا بلغت أوان الحيض، وهو تسع سنين، على ما أسلفنا القول
~~فيه، والسيد المرتضى رضي الله عنه وشيخنا المفيد، يقولان: والجارية إذا
~~بلغت الحيض، يريدان بذلك إذا بلغت أوان الحيض، لأن الحائض يسقط عنها
~~الصيام، فإنها
# PageV01P401
# ليست مكلفة بالصيام - في أنهما يجب عليهما صيام ما بقي من الأيام، بعد
~~بلوغهما، وليس عليهما قضاء ما قد مضى، مما لم يكونا بلغا فيه.
# قال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في الجزء الأول من مسائل خلافه، في
~~كتاب الصلاة: مسألة: الصبي إذا دخل في الصلاة، أو الصوم، ثم بلغ في خلال
~~الصلاة، أو خلال الصوم بالنهار، بما لا يفسد الصلاة، من كمال خمس عشرة سنة،
~~أو الإنبات، دون الاحتلام الذي يفسد الصلاة، ينظر فيه، فإن كان الوقت
~~باقيا، أعاد الصلاة من أولها، وإن كان ماضيا لم يكن عليه شئ، وأما الصوم،
~~فإنه يمسك فيه ms0287 بقية النهار تأديبا، وليس عليه قضاء، ثم استدل فقال: دليلنا
~~على وجوب إعادة الصلاة، مع بقاء الوقت، أنه مخاطب بها بعد البلوغ، وإذا كان
~~الوقت باقيا، وجب عليه فعلها، وما فعله قبل البلوغ، لم يكن واجبا عليه،
~~وإنما كان مندوبا إليه، ولا يجزي المندوب عن الواجب، وأما الصوم، فلا يجب
~~عليه إعادته، لأن أول النهار لم يكن مكلفا به، فيجب عليه العبادة، وبقية
~~النهار لا يصح صومه، ووجوب الإعادة عليه يحتاج إلى دليل والأصل براءة الذمة
~~(1).
# ثم قال في هذا الجزء بعينه (2) في كتاب الصيام: مسألة: الصبي إذا بلغ،
~~والكافر إذا أسلم، والمريض إذا برئ، وقد أفطروا أول النهار، أمسكوا بقية
~~النهار تأديبا، ولا يجب ذلك بحال، فإن كان الصبي نوى الصوم من أوله، وجب
~~عليه الإمساك، وإن كان المريض نوى ذلك، لم يصح، لأن صوم المريض لا يصح
~~عندنا، ثم استدل، فقال: دليلنا إجماع الفرقة، وأيضا الأصل براءة الذمة، ولا
~~يوجب عليها شيئا، إلا بدليل (3).
# قال محمد بن إدريس: المسألة التي ذكرها في كتاب الصلاة، هي
# PageV01P402
# الصحيحة، ودليلها، ما استدل به رحمه الله، فأما المسألة الأخيرة، ووجوب
~~الإمساك على الصبي الذي، إذا بلغ، فلا دليل على ذلك، بل إجماع أصحابنا
~~منعقد على خلافها، وإنما يستحب له الإمساك، ولا يجب على الصبي، إذا بلغ في
~~خلال الصوم، الإمساك، وإنما هذه فروع المخالفين، فلا يلتفت إليها، لأنها
~~مخالفة لأصول مذهبنا.
# والمسافر، إذا قدم أهله، وكان قد أفطر قبل قدومه، فلا فرق بين أن يصل قبل
~~الزوال، أو بعد الزوال، في أنه لا يجب عليه صيام ذلك اليوم، بل يمسك تأديبا
~~لا فرضا ووجوبا، فأما إذا لم يكن قد تناول ما يفسد الصيام، وقدم أهله، فإن
~~كان قدومه قبل الزوال، إلى مكان يسمع فيه أذان مصره، فالواجب عليه تجديد
~~النية، وصيام ذلك اليوم وجوبا، لا مندوبا، ويجزيه، ولا يجب عليه القضاء،
~~فإن لم يصمه، والحال ما وصفناه، وأفطره، فإنه يجب عليه القضاء والكفارة،
~~لأنه أفطر متعمدا في زمان الصيام، وإن قدم إلى ms0288 المكان الذي يسمع منه أذان
~~مصره، بعد الزوال، فإنه يمسك تأديبا، لا وجوبا، وعليه قضاء ذلك اليوم.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته: والمسافر إذا قدم أهله،
~~وكان قد أفطر، فعليه أن يمسك بقية النهار، تأديبا، وكان عليه القضاء، فإن
~~لم يكن قد فعل شيئا ينقض الصوم، وجب عليه الإمساك، ولم يكن عليه القضاء (1)
~~ولم يفصل ما فصلناه، ولا قال بعد الزوال، أو قبل الزوال، بل أطلق ذلك، ولم
~~يقيده، فعلى إطلاقه أنه إذا قدم بعد الزوال، ولم يكن قد تناول ما يفسد
~~الصيام، يجب عليه الإمساك، ولا يجب عليه القضاء، وهذا بخلاف الإجماع، وقد
~~رجع عن هذا القول، في مبسوطه (2) وفصل ما فصلناه، وهو الصحيح الذي لا خلاف
~~فيه بين أصحابنا، والأصل الذي يقتضيه المذهب، لأن بعد
# PageV01P403
# الزوال، خرج محل النية، وفات وقتها، بغير خلاف على ما شرحناه فيما مضى.
# فإن طلع الفجر وهو بعد خارج البلد، كان مخيرا بين الإمساك، مما ينقض
~~الصوم، ويدخل بلده، ويتمم صومه ذلك اليوم، وبين أن يفطر، فإذا دخل في بلده،
~~أمسك بقية النهار تأديبا، ثم قضاه حسب ما قدمناه، والأفضل إذا علم أنه يصل
~~إلى بلده، أن يمسك عما ينقض الصيام، فإذا دخل إلى بلده، تمم صومه، ولم يكن
~~عليه قضاء.
# والحائض إذا طهرت: بفتح الطاء والهاء، وهو الأفصح، وطهرت بفتح الطاء وضم
~~الهاء، في وسط النهار، أمسكت بقيته تأديبا، وكان عليها القضاء، سواء كانت
~~أفطرت قبل ذلك، أو لم تفطر، ويجب عليها قضاء ما فاتها، من الصيام في أيام
~~حيضها.
# والمريض إذا برئ في وسط النهار، أو قدر على الصوم، وكان قد تناول ما يفسد
~~الصوم، كان عليه الإمساك بقية نهاره، تأديبا، وعليه القضاء، وإن لم يكن قد
~~فعل شيئا مما يفسد الصيام، فحكمه حكم المسافر، في اعتبار برئه قبل الزوال،
~~أو بعد الزوال، فإن كان قبل الزوال، وجب عليه تجديد النية، والصيام، وأجزأه
~~صيامه، ولا يجب عليه القضاء، فإن لم يصمه والحال ما وصفناه، وجب عليه
~~القضاء ms0289 والكفارة، وإن كان برؤه بعد الزوال، أمسك بقية نهاره تأديبا، وعليه
~~القضاء.
# وشيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله، أورد المسألة في نهايته، إيرادا غير
~~واضح، بل فيه إبهام، فقال: والمريض إذا برئ في وسط النهار، وقدر على الصوم،
~~وكان قد تناول ما يفسد الصوم، كان عليه الإمساك بقية نهاره، تأديبا، وعليه
~~القضاء، وإن لم يكن قد فعل شيئا مما يفسد الصيام، أمسك بقية يومه، وقد تم
~~صومه، وليس عليه القضاء (1).
# .
# PageV01P404
# قال محمد بن إدريس رضي الله عنه: وهذا على ما تراه غير واضح، ووسط النهار
~~الذي عناه، لا يخلو إما أن يكون قبل الزوال، أو بعده، فإن كان قبله، ولم
~~يكن قد تناول ما يفسد الصيام، فيصح ما قاله، وإن كان بعد الزوال، فلا يصح
~~ما قاله، ووسط النهار أيضا، لا يتقدر، ولا يتصور هاهنا، لأن وسط الشئ لا بد
~~من أن يكون بعض نصفه الأول، وبعض نصفه الثاني، لا النهار (1) ليس وسط
~~النهار هاهنا، شيئا خارجا عن النصفين، فيقال به، فإن كان برؤه في النصف
~~الأول، فهو قبل الزوال، وإن كان برؤه في النصف الثاني، فهو بعد الزوال،
~~وذهب في مبسوطه إلى ما قلناه واخترناه، بأن قال: وحكم المريض إذا برئ، حكم
~~المسافر إذا قدم أهله (2). وقال في موضع آخر في مبسوطه: والمريض إذا برئ في
~~وسط النهار، أو قدر على الصوم، وكان قد تناول ما يفسد الصيام، أمسك بقية
~~النهار تأديبا، وعليه القضاء، وإن لم يكن فعل ما يفطر، أمسك بقية النهار،
~~وقد تم صومه، إذا كان قبل الزوال، فإن كان بعده وجب عليه القضاء (3).
# باب قضاء شهر رمضان ومن أفطر فيه على العمد والنسيان من فاته شئ من شهر
~~رمضان، بمرض، أو سفر، أو شئ من الأسباب التي توجب الإفطار، فليقضه أي زمان
~~أمكنه، إلا زمان السفر ولا يجوز له أن يبتدئ بصيام تطوع، وعليه شئ من صيام
~~شهر رمضان، ولا غيره من الصيام الواجب، حتى يأتي به.
# وإذا أراد قضاء ما فاته من رمضان، فقد اختلف ms0290 قول أصحابنا في ذلك، فبعض
~~يذهب إلى أن الأفضل الإتيان به متتابعا، وبعض منهم يقول: الأفضل
# PageV01P405
# أن يأتي به متفرقا، ومنهم من قال: إن كان الذي فاته عشرة أيام، أو
~~ثمانية، فليتابع بين ثمانية، أو بين ستة، ويفرق الباقي، والأول هو الأظهر
~~بين الطائفة، وبه أفتي، لأن الأصل يقتضيه، وإلى ذلك ذهب شيخنا أبو جعفر
~~الطوسي رحمه الله، وإن فرقه كان أيضا جائزا.
# ولا بأس أن يقضي ما فاته من شهر رمضان، في أي شهر كان، فإن اتفق أن يكون
~~مسافرا، انتظر وصوله إلى بلده، أو المقام في بلد بنية المقام عشرة أيام، ثم
~~يقضيه إن شاء.
# ومن أكل، أو شرب، أو فعل ما ينقض الصيام، في يوم يقضيه، من شهر رمضان
~~ناسيا، تمم صيامه، وليس عليه شئ، وكذلك حكم المتطوع بصيامه، فإن فعله
~~متعمدا، وكان قبل الزوال، أفطر يومه ذلك، ثم يقضيه يعني اليوم الفائت
~~الأصلي، الذي أفطره في رمضان، وكثيرا يطلق في الكتب، ويوجد ما أنا ذاكره،
~~وإن فعل ذلك بعد الزوال، قضى ذلك اليوم يعني اليوم الذي أفطره في رمضان،
~~فإن أريد قضى ذلك اليوم، إن الإشارة راجعة إلى اليوم القضاء الذي ليس من
~~شهر رمضان، فكان يجب عليه قضاء يومين، لأن يوم أداء شهر رمضان، الذي أفطر
~~فيه، يجب عليه أيضا القضاء عنه، وهذا لا يقوله أحد من الفقهاء، وكان عليه
~~بعد القضاء، أو قبل القضاء، الكفارة لأنهما فرضان، اجتمعا، بأيهما شاء بدأ،
~~وهي إطعام عشرة مساكين، فإن لم يتمكن، كان عليه صيام ثلاثة أيام، متتابعات،
~~وقال بعض أصحابنا: إن عليه كفارة اليمين، وقال ابن البراج رحمه الله: يجب
~~عليه كفارة من أفطر يوما أداء من شهر رمضان.
# ومتى أصبح الرجل جنبا، وقد طلع الفجر، عامدا كان، أو ناسيا، فليفطر ذلك
~~اليوم، ولا يصمه، ويصوم غيره من الأيام، على ما روي في الأخبار (1) وليس
~~كذلك قضاء يوم نذر صومه فأفطره، فأخذ في القضاء، فأفطر، فإنه لا
# PageV01P406
# يجب عليه كفارة، سواء أفطر قبل الزوال، أو بعده، لأن ms0291 حمله على من أفطر
~~يوما يقضيه من رمضان قياس.
# ومن أصبح صائما متطوعا، جاز له أن يفطر، أي وقت شاء، إلا أن يدعوه أخوه
~~المؤمن، فإن الأفضل له الإفطار، إذا لم يعلمه بأنه صائم.
# ومن أصبح بنية الإفطار، جاز له أن يجدد النية، لقضاء شهر رمضان، ما بينه
~~وبين نصف النهار، فإذا زالت الشمس، لم يجز له تجديد النية، للصوم الواجب،
~~فأما المندوب فله أن يجدد النية، إلى أخر النهار، بمقدار ما يمر عليه زمان،
~~يكون ممسكا فيه، على ما قدمناه.
# والحائض يجب عليها قضاء ما فاتها، من الأيام في شهر رمضان، فإن كانت
~~مستحاضة في شهر رمضان، فإنها يجب عليها الصيام، إذا فعلت ما تفعله
~~المستحاضة، فإن لم تفعل ما تفعله المستحاضة، وأمسكت وصامت، فإنها يجب عليها
~~القضاء، بغير كفارة، فإن لم تمسك عن المفطرات، فإنها يجب عليها مع القضاء،
~~الكفارة، لأنها أفطرت في زمان، يجب عليها الإمساك، وهي مخاطبة بالصيام.
# فإذا جاءت أيام عادتها بالحيض، تركت الصيام، ثم تقضي تلك الأيام.
# ومتى أصبحت المرأة صائمة، ثم رأت الدم، فقد أفطرت، وإن كان ذلك بعد
~~العصر، أو قبل غيبوبة الشمس بقليل، أمسكت تأديبا، وعليها قضاء ذلك اليوم.
# ومتى أصبحت بنية الإفطار، ثم طهرت في بقية يومها، أمسكت ما بقي من
~~النهار، وكان عليها القضاء.
# ومن أجنب في أول الشهر، ونسي أن يغتسل، وصام الشهر كله، وصلى، وجب عليه
~~الاغتسال، وقضاء الصلاة، بغير خلاف، فأما الصوم، فلا يجب عليه قضاؤه، لأنه
~~ليس من شرط صحة الصوم في الرجال، الطهارة، إلا إذا تركها الإنسان متعمدا،
~~من غير اضطرار، من الليل إلى النهار، وهذا ما تركها متعمدا.
# وذهب بعض أصحابنا في كتاب له، وهو شيخنا أبو جعفر الطوسي PageV01P407
# رحمه الله، إلى وجوب قضاء الصوم عليه، ولم يقل أحد بذلك من محققي
~~أصحابنا، لأنه لا دليل عليه، والأصل براءة الذمة.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مبسوطه في فصل في حكم قضاء ما
~~فات من الصوم، قال: من فاته شئ من ms0292 شهر رمضان لمرض، لا يخلو حاله من ثلاثة
~~أقسام: إما أن يبرأ من مرضه، أو يموت فيه، أو يستمر به المرض إلى رمضان
~~أخر، فإن برئ وجب عليه القضاء، فإن لم يقض ومات فيما بعد، كان على وليه
~~القضاء عنه، والولي هو أكبر أولاده الذكور، فإن كانوا جماعة في سن واحد،
~~كان عليهم القضاء بالحصص، أو يقوم به بعضهم، فيسقط عن الباقين، وإن كانوا
~~إناثا، لم يلزمهن القضاء، وكان الواجب الفدية، من ماله عن كل يوم بمدين، من
~~طعام وأقله مد (1).
# قال محمد بن إدريس: أما قوله رحمه الله: أو يقوم به بعضهم، فيسقط عن
~~الباقين، فقد قلنا فيما تقدم ما عندنا فيه، وأما قوله، وإن كانوا إناثا، لم
~~يلزمهن القضاء، فنعم ما قال، وذهب إليه، فإنه الصحيح من الأقوال، وذهب
~~شيخنا المفيد رحمه الله إلى خلاف ذلك، وأوجب على الكبرى منهن، مثل ما أوجب
~~على الأكبر من الذكور، والأظهر الأول، لأن الأصل براءة الذمة من التكاليف،
~~فأما قوله: وكان الواجب الفدية، فغير واضح، لأن الأصل براءة الذمة، ولم يقل
~~به أحد من أصحابنا المحققين.
# وقال السيد المرتضى في انتصاره: يتصدق عنه لكل يوم بمد، من طعام، فإن لم
~~يكن له مال، صام عنه وليه، فإن كان له وليان فأكبرهما (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: أما الصدقة، فلا تجب، لأن الميت ما وجبت
~~عليه كفارة، بل صوم لا بدل له، والولي هو المكلف بقضائه، لا يجزيه غيره،
# PageV01P408
# والإجماع منعقد من أصحابنا على ذلك، ولم يذهب إلى ما قاله السيد غيره.
# والمغمى عليه إذا كان مفيقا في أول الشهر، ونوى الصوم، ثم أغمي عليه،
~~واستمر به أياما، لم يلزمه قضاء شئ فاته، وإن لم يكن مفيقا في أول الشهر،
~~بل كان مغمى عليه، وجب عليه القضاء، على قول بعض أصحابنا، منهم السيد
~~المرتضى والشيخ المفيد. وذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله إلى أنه لا
~~قضاء عليه أصلا، وعندي أن الصحيح، ما ذهب إليه شيخنا أبو جعفر رحمه الله
~~والدليل ms0293 على صحة قوله، إن هذا المغمى عليه، غير مكلف بالعبادات، لأن عقله
~~زائل، بغير خلاف، والخطاب يتوجه إلى العقلاء المكلفين للصيام، وليس هذا
~~بداخل تحت خطابهم.
# فإن قيل: فهذا مريض ويجب على المريض قضاء ما فاته في حال مرضه، لأن الله
~~تعالى قال: " ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " (1) فأوجب على
~~المريض عدة من أيام أخر، بعدد ما فاته في حال مرضه، لأن الله تعالى قال: "
~~ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " (1) فأوجب على المريض عدة من
~~أيام أخر، بعدد ما فاته، فهذا داخل في عموم هذه الآية.
# قلنا: العموم قد يخص بالأدلة، بغير خلاف، ومن جملة مخصصات العموم، أدلة
~~العقول، وقد علمنا بعقولنا، أن الله تعالى لا يكلف إلا من أكمل شروط " يا
~~أيها الناس اعبدوا ربكم " (3) فعلمنا أن الأمر بالعبادة في الآية لأنهما من
~~جملة الناس والمريض على ضربين: مريض يكون مرضه قد أزال عقله، ومريض يكون
~~مرضه غير زايل (4) لعقله، فهذا هو المخاطب في الآية بالقضاء، دون الأول،
~~فخصصنا الأول بالدليل العقلي.
# واحتج شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله، على صحة ما ذهب إليه، من
# PageV01P409
# سقوط القضاء عنه، بأن قال في مبسوطه: وعندي لا قضاء عليه أصلا، لأن نيته
~~المتقدمة كافية في هذا الباب، وإنما يجب ذلك، على مذهب من راعى تعيين
~~النية، أو مقارنة النية التي هي للقربة، ولسنا نراعي ذلك (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: وهذا لا حاجة بنا إليه، لأنه غير واضح (2)،
~~والأحسم للشغب: ما استدللنا به، لأنه لا اعتراض عليه، ولا استدراك فيه، ولا
~~طريق للخصم بالطعن إليه، وهب، إنا التزمنا تعيين النية، أو مقارنة النية،
~~فأي شئ كان يلزمنا على استدلالنا نحن، فأما على استدلال شيخنا، فيتجه عليه
~~إلزام الخصم، بوجوب القضاء، لأنه لا يخلو، إما أن يلتزم بأنه مكلف عاقل،
~~أعني المغمى عليه، أو لا يلتزم بأنه مكلف للصيام، فإن التزم بأنه مكلف
~~عاقل، فإنه يحتاج إلى ما قال، وإن لم يلتزم ms0294 بأنه مكلف للصوم عاقل، فلا حاجة
~~به إلى ما قال رحمه الله.
# وقال ابن بابويه في رسالته: (3) وإذا قضيت شهر رمضان، أو النذر كنت
~~بالخيار في الإفطار، إلى زوال الشمس، فإذا أفطرت بعد الزوال، فعليك
~~الكفارة، مثل ما على من أفطر يوما من شهر رمضان.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: أما من أفطر في قضاء نذر بعد الزوال، فليس
~~عليه من الكفارة، ما على من أفطر في قضاء شهر رمضان بعد الزوال، لأن حمل
~~قضاء النذر على قضاء رمضان قياس، والقياس عندنا باطل، بغير خلاف، والأصل
~~براءة الذمة من الكفارة، ولا دليل عليها بحال.
# فأما مقدار كفارة من أفطر في قضاء رمضان بعد الزوال، فكفارة يمين، على
~~الصحيح، من أقوال أصحابنا، ويقوي ذلك، أن الأصل براءة الذمة.
# PageV01P410
# باب ما يجري مجرى شهر رمضان في وجوب الصوم وما حكم من أفطر فيه على العمد
~~أو النسيان بكسر النون وسكون السين الذي يجري مجراه، صيام شهرين متتابعين،
~~فيمن قتل خطأ إذا لم يحد العتق وصيام شهرين متتابعين، على من أفطر يوما من
~~شهر رمضان متعمدا إذا لم يختر العتق، ولا الإطعام وصيام شهرين متتابعين، في
~~كفارة الظهار، على من لم يجد عتق رقبة، فمن وجب عليه شئ من هذا الصيام، وجب
~~عليه أن يصومه متتابعا، كما قال سبحانه (1) مع ارتفاع المرض والحيض، فإن
~~أفطر مختارا، من غير مرض أو حيض، في الشهر الأول، أو الثاني قبل أن يصوم
~~منه يوما واحدا، كان عليه الاستئناف بغير خلاف، وإن كان إفطاره، بعد أن صام
~~من الثاني، ولو يوما واحدا، كان مخطئا، وجاز له البناء، ولا يجوز لأحد من
~~أصحابنا أن يقول، حد البناء في الشهرين المتتابعين، أن يصوم الشهر الأول،
~~ومن الثاني شيئا، بل حد التتابع، أن يصوم الشهرين متتابعين، كما قال تعالى،
~~بل أجمعنا على أنه يجوز له البناء، إذا صام من الثاني شيئا، وإن كان مخطئا
~~في إفطاره، مع اختياره وغير ممتنع أن يكون مخطئا بإفطاره، ويجوز له البناء
~~على ما ms0295 صام.
# ولا يجوز لأحد وجب عليه صيام هذه الأشياء، أن يصومه في السفر، ولا أن
~~يصومه أيام العيدين، ولا أيام التشريق إذا كان بمنى، فإن وافق صومه أحد هذه
~~الأيام، وجب عليه أن يفطر، ويقضي يوما مكانه، إذا كان إفطاره بعد صيام
~~الشهر الأول، ومن الثاني يوما واحدا، وإن كان إفطاره قبل ذلك، وجب عليه
~~الاستئناف.
# وشيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله أطلق ذلك في نهايته، فقال: وجب
# PageV01P411
# عليه أن يفطر ثم ليقض يوما مكانه، ولا بد من التقييد في هذا الحكم، قال
~~شيخنا أبو جعفر: إلا أن يكون الذي وجب عليه الصيام، القاتل في الأشهر
~~الحرم، فإنه يجب عليه صيام شهرين متتابعين من الأشهر الحرم، وإن دخل فيهما
~~صيام يوم العيد، وأيام التشريق (1) وقد أورد هذا من طريق الخبر، وهو في حيز
~~الآحاد، دون التواتر، لأن الإجماع والتواتر، منعقد على أن صيام العيد محرم،
~~فإن أجاز صيامه، يحتاج في جوازه في هذه الكفارة إلى دليل، وإجماع منعقد،
~~مثل ذلك الإجماع الذي انعقد على تحريمه.
# وذهب شيخنا المفيد، إلى جواز صوم الكفارة في حال السفر، والأظهر بين
~~الطائفة أن الصوم الواجب، لا يجوز في السفر، سواء كان صوم رمضان، أو غيره
~~من الصيام الواجب، إلا ما أخرجه الدليل، من النذر المقيد بحال السفر، وصيام
~~ثلاثة أيام بدل هدي المتمتع، وصيام الاعتكاف المنذور، وصيام كفارة من أفاض
~~من عرفات قبل مغيب الشمس عامدا، ولم يجد الجزور، وهو ثمانية عشر يوما.
# ومن وجب عليه صيام شهرين متتابعين، في أول شعبان، فليتركه إلى انقضاء شهر
~~رمضان، ثم يصوم شهرين متتابعين، بعد العيد، فإن صام شعبان ورمضان، لم يجزه،
~~إلا أن يكون قد صام مع شعبان، شيئا مما تقدم من الأيام، فيكون قد زاد على
~~الشهر، فيجوز له البناء عليه، ويتم شهرين.
# ومن نذر أن يصوم شهرا متتابعا، فصام خمسة عشر يوما، وأفطر، جاز له
~~البناء، وإن لم يكن زاد على النصف شيئا آخر، وفي الشهرين لا بد أن يكون قد
~~زاد على النصف ms0296 شيئا آخر، من الشهر الثاني، وهذا فرق، تواترت به الأخبار، عن
~~أئمة آل محمد الأطهار ولا يتعدى إلى غير هذين الحكمين.
# PageV01P412
# وقد ذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله، في جمله وعقوده (1) إلى أن
~~العبد، إذا كانت كفارته صيام شهر فصام نصفه، جاز له التفريق للباقي،
~~والبناء على ما مضى، حملا على الشهر المنذور، أو خبر واحد، قد ورد بذلك.
# والأظهر ما أجمعنا عليه، وترك التعرض لما عداه يعمل فيه، على ما يقتضيه
~~أصول المذهب، وعموم الآي والنصوص.
# وأما صيام النذر فقد بينا حكمه فيما تقدم.
# فمن أفطر في يوم، قد نذر صومه، متعمدا، وجب عليه ما يجب على من أفطر يوما
~~من شهر رمضان، عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا،
~~فإن لم يتمكن، صام ثمانية عشر يوما، فإن لم يقدر، تصدق بما يتمكن منه، فإن
~~لم يستطع، استغفر الله، وليس عليه شئ.
# ومن نذر أن يصوم حينا من الزمان، وجب عليه أن يصوم ستة أشهر.
# وإن نذر أن يصوم زمانا، كان عليه أن يصوم خمسة أشهر.
# ومن نذر أن يصوم بمكة، أو بالمدينة، أو أحد المواضع المعينة، شهرا بعينه،
~~فحضره، وصام بعضه، ولم يتمكن من المقام، جاز له أن يخرج، فإذا رجع إلى
~~بلده، قضاه، متمما له، وبانيا على ما صامه، ولا يجب عليه استئنافه.
# وإن كان الشهر، غير معين بزمان، فإنه يجب عليه صيامه في ذلك البلد، إذا
~~تمكن من المقام، لا يجزيه غير ذلك، مع الاختيار للخروج من البلد.
# فإن نذره متتابعا، وخرج من البلد مختارا، فإنه لا يجزيه ما صامه، ولا
~~يجوز له البناء عليه، وإن لم يتمكن من المقام، فإن كان صام نصف الشهر، فله
~~البناء على التمام في بلده، لأن من نذر صيام شهر متتابعا، وصام نصفه،
~~وأفطر، فله البناء عليه، وإن كان خروجه قبل صيام النصف، فلا يجوز له
~~البناء، لأن
# PageV01P413
# السفر عندنا يقطع التتابع، سواء كان مضطرا إليه، أو مختارا. فأما إذا لم
~~يكن الشهر المنذور، لا متعينا، ms0297 ولا متتابعا بالشرط، فلا يجزيه إلا أن يصومه
~~في البلد الذي عينه فيه، أي وقت قدر عليه.
# ومتى عجز الإنسان عن صيام ما نذر فيه، تصدق عن كل يوم بمد من طعام، هكذا
~~أورده شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته (1) وهذا ينبغي أن يقيد،
~~ويقال: متى عجز بمرض، يرجى برؤه، وشفاؤه، فلا يكون هذا حكمه، بل يجب عليه
~~قضاؤه بلا كفارة، إذا برئ لأن المريض لا يجب عليه بإفطاره في حال مرضه في
~~الصوم المعين، كفارة، بل يجب عليه القضاء إذا برئ فحسب، بغير خلاف، فأما
~~إذا كان العجز بكبر، أو بمرض، لا يرجى برؤه، ولا شفاؤه، فيكون الحكم ما
~~قاله شيخنا، ولا قضاء عليه، فليتأمل ذلك، ففقهه ما ذكرناه.
# وصوم كفارة اليمين، واجب أيضا، وهو ثلاثة أيام متتابعات، لا يجوز الفصل
~~بينهما بالإفطار، مختارا، إلا أن يعرض مرض، أو حيض، فيجوز البناء على ما
~~صام، سواء كان جاوز أكثر من النصف، أو أقل من ذلك، فأما إذا فصل بين
~~الثلاثة الأيام، لغير حيض، أو مرض، فإنه يجب عليه الاستئناف، والحر والعبد
~~في هذا الحكم سواء.
# وصيام أذى حلق الرأس واجب، إذا لم ينسك، ولم يتصدق.
# وصيام ثلاثة أيام، لمن لم يجد دم المتعة، في الحج، متتابعات، وهي بدل
~~الهدي، مع عدمه لا بدل ثمنه، وذهب بعض أصحابنا إلى أن الصيام بدل الثمن،
~~لأن عند هذا القائل، أنه لا يجزيه الصيام، مع وجود الثمن، والأول أظهر، لأن
~~الله تعالى، (2) نقلنا مع عدم الهدي إلى الصيام، ولم يجعل بينهما واسطة،
~~فمن ادعاها
# PageV01P414
# خالف ظاهر التنزيل.
# ولا يجوز التفريق بين الثلاثة الأيام إلا في موضع واحد، وهو إذا صام يوم
~~التروية، ويوم عرفة، فإنه يبني على صيامه بعد أيام التشريق، فأما إذا لم
~~يكن المانع من التتابع العيد، أو كان المانع العيد، ولم يحصل صيام يومين
~~قبله، فلا يجوز التفريق بحال.
# وشيخنا أبو جعفر، في جمله وعقوده، جعله في قسم الصيام الذي إذا أفطر
~~المكلف به في حال دون حال ms0298 بنى. فقال: وصوم ثلاثة أيام في دم المتعة، إن صام
~~يومين ثم أفطر بنى، وإن صام يوما وأفطر أعاد (1). وهذا الإطلاق، لا يصح إلا
~~في موضع واحد، وهو أنه يكون، قد صام يوم التروية، ويوم عرفة، فإنه يبني بعد
~~أيام التشريق، فأما إذا لم يكن صام اليومين المذكورين، وصام بعد أيام
~~التشريق، فإنه لا يبني إذا صام يومين ثم أفطر.
# فأما صيام السبعة الأيام، فإذا عاد، ورجع إلى وطنه، يصومهن إن شاء
~~متتابعة، وإن شاء متفرقة، ولا يجب عليه التتابع، ولا يجوز له أن يصومهن،
~~إلا إذا رجع، ولا يجوز صيامهن في الطريق والسفر، فإن جاور بمكة، انتظر قدوم
~~أهل بلده إلى بلدهم، إذا كان ذلك دون الشهر، فإن كان أكثر من ذلك، انتظر
~~شهرا، ثم صام بعد ذلك.
# فإن مات المكلف بهذا الصيام بعد القدرة عليه، قال بعض أصحابنا: لا يجب
~~على وليه القضاء عنه. والأولى أنه يجب ذلك على الولي، لأن الإجماع منعقد
~~على أن كل صوم كان واجبا على الميت، وقدر عليه ولم يفعله، فالواجب على
~~الولي القيام به.
# وصوم جزاء الصيد، بحسب قيمة جزائه، متفرقا ومتتابعا، ولا يجوز صيامه في
~~السفر، وقال ابن بابويه في رسالته: يجوز صيامه في السفر (2). والأظهر بين
~~أصحابنا الأول.
# PageV01P415
# وصيام الاعتكاف المنذور واجب أيضا، فأما الاعتكاف المندوب، فصيامه مندوب
~~بغير خلاف من محصل، وسنشبع الكلام، في باب الاعتكاف إن شاء الله تعالى.
# وصيام النذر، له ثلاث مسائل، ينبغي أن يحقق، وقد اطلع على فقه النذر،
~~وهن: إذا نذر الإنسان صيام شهر معين، مثلا رجب أو شعبان. الثانية (1): نذر
~~صيام شهر متتابع، إلا أنه غير معين بزمان، بل موصوف بصفة، وهي التتابع.
# الثالثة: إذا نذر صيام شهر، ولم يعينه، ولا وصفه بصفة.
# فأما الأولى، فإنه إذا صام بعضه، سواء كان ذلك البعض، النصف، أو أقل من
~~النصف، أو أكثر من النصف، وعلى كل حال، فإنه يبني، ولا يستأنف، بل يجب عليه
~~القضاء لما أفطره، والكفارة.
# الثانية إذا أفطر، فلا يخلو إفطاره، إما ms0299 أن يكون قبل النصف، أو بعد
~~النصف، فإن كان قبل النصف، فإنه يجب عليه الاستئناف، ولا يعتد بما صام، ولا
~~يجب عليه فيما أفطر كفارة، ولا قضاء، بل يجب عليه الاستئناف للصيام، فأما
~~إن كان أفطر بعد النصف فإنه يبني، ولا يستأنف، ولا يجب عليه الكفارة في
~~الحالين معا.
# فأما الثالثة فإنه يبني على كل حال، سواء كان إفطاره قبل النصف، أو بعده،
~~ولا كفارة عليه، لأن نذره غير معين بزمان، ولا موصوف بصفة، وهي التتابع.
# ومن تعين عليه صيام شهرين متتابعين، لأحد ما ذكرناه من إفطار يوم، من شهر
~~رمضان عامدا، أو نذر معين، أو اعتكاف معين، أو ظهار، أو غير ذلك مما أشبهه،
~~أو نذر صومهما، وجب عليه أن يبتدئ شهرين عربيين، يمكن الموالاة فيهما، (2)،
~~دون شعبان، لأجل شهر رمضان، ودون شوال، لأجل يوم الفطر، ودون ذي الحجة فإذا
~~دخل في الصوم، وجب عليه المضي فيه حتى يكمل الشهرين.
# فإن أفطر في شئ منهما، مضطرا بنى على ما صامه، ولو كان يوما واحدا،
# PageV01P416
# وإن كان مختارا، في الشهر الأول، وقبل أن يدخل في الثاني، استأنف الصيام،
~~من أوله، وإن أفطر بعد أن صام من الثاني يوما واحدا، فما زاد، تمم على ذلك،
~~وجاز له البناء على ما مضى.
# ومن مات، وعليه شئ من ضروب الصيام، لم يؤده، مع تعين فرضه عليه، وتفريطه
~~فيه، فعلى وليه القضاء عنه، وإن لم يتعين ذلك عليه لم يتعين الصوم على
~~وليه، ولا يجب على الولي الصيام، وقد قدمنا طرفا من ذلك، فيما تقدم، وكذلك
~~صيام الشهرين المتتابعين، وأعدناه هاهنا تأكيدا، وشرح بيان.
# ومن نذر أن يصوم يوما، ويفطر يوما، صوم داود عليه السلام، فوالى الصوم،
~~فإنه يجب عليه كفارة خلاف النذر، وقد بيناها، لأنه نذر أن يفطر، فصام، وإن
~~والى الإفطار مختارا، لم يجزه، ولزمه القضاء، لأيام الصوم، وكفارة من أفطر
~~يوما من شهر رمضان، عن كل يوم أفطره، وكان يجب عليه صيامه، ويجب عليه
~~القضاء، على ما قدمناه، لأن زمان القضاء ms0300 مستثنى، على ما قدمناه في نذر
~~الدهر.
# باب صيام التطوع، وما يكون صاحبه فيه بالخيار وصوم التأديب، والإذن، وما
~~لا يجوز صيامه أما المسنون من الصيام، فجميع أيام السنة، إلا الأيام التي
~~يحرم صيامها، غير أن فيها ما هو أشد تأكيدا، فمن ذلك صوم ثلاثة أيام في كل
~~شهر مستحب، مندوب إليه، مؤكد فيه، وهو أول خميس في العشر الأول، وأول
~~أربعاء في العشر الثاني، وآخر خميس في العشر الأخير، فإن اتفق خميسان في
~~العشر الأخير، فالخميس الأخير منهما هو المؤكد صيامه، دون الأول، فإن حاء
~~الشهر ناقصا، فلا شئ عليه، فينبغي أن لا يتركه الإنسان مع الاختيار، فإن لم
~~يقدر على صيام هذه الأيام في أوقاتها، جاز له تأخيرها من شهر إلى شهر، ثم
~~يقضيها، وكذلك PageV01P417
# لا بأس أن يؤخرها من الصيف إلى الشتاء، ثم يقضيها بحسب ما فاته، فإن عجز
~~عن الصيام، جاز له أن يتصدق عن كل يوم بدرهم، أو بمد من طعام.
# ويستحب صيام الأربعة الأيام في السنة، وهي يوم السابع والعشرين من رجب،
~~وهو يوم مبعث النبي صلى الله عليه وعلى آله، ويوم السابع عشر من شهر ربيع
~~الأول، وهو يوم مولده عليه السلام، ويوم الخامس والعشرين من ذي القعدة، وهو
~~يوم دحيت فيه الأرض من تحت الكعبة، ومعنى دحيت أي سطحت وبسطت، ويوم الثامن
~~عشر من ذي الحجة، وهو يوم الغدير، نصب فيه رسول الله صلى الله عليه وآله
~~عليا أمير المؤمنين عليه السلام إماما للأنام، وفي هذا اليوم بعينه قتل
~~عثمان بن عفان، وبايع الناس المهاجرون والأنصار عليا عليه السلام طائعين
~~مختارين، ما خلا أربعة أنفس، منهم عبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وسعد
~~بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، وفي هذا اليوم فلج موسى بن عمران عليه السلام
~~على السحرة، وأخزى الله عز وجل فرعون وجنوده، وفيه نجى الله تعالى إبراهيم
~~عليه السلام من النار، وفيه نصب موسى وصيه يوشع بن نون، ونطق بفضله على
~~رؤوس الأشهاد، وفيه أظهر عيسى وصيه ms0301 شمعون الصفا، وفيه أشهد سليمان بن داود
~~سائر رعيته على استخلاف آصف بن برخيا وصيه، وهو يوم عظيم، كثير البركات.
# وفي الرابع والعشرين من ذي الحجة، باهل رسول الله صلى الله عليه وآله،
~~بأمير المؤمنين والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام، نصارى نجران، وفيه
~~تصدق أمير المؤمنين عليه السلام بخاتمه.
# وفي اليوم الخامس والعشرين من هذا الشهر، نزلت في أمير المؤمنين عليه
~~السلام، وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، هل أتى.
# وفي اليوم السادس والعشرين منه، سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، طعن عمر بن
~~الخطاب. PageV01P418
# وفي التاسع والعشرين منه، قبض عمر بن الخطاب، فينبغي للإنسان أن يصوم هذه
~~الأيام، فإن فيها فضلا كبيرا، وثوابا جزيلا، وقد يلتبس على بعض أصحابنا يوم
~~قبض عمر بن الخطاب، فيظن أنه يوم التاسع من ربيع الأول، وهذا خطأ من قائله،
~~بإجماع أهل التاريخ والسير، وقد حقق ذلك شيخنا المفيد، في كتابه كتاب
~~التواريخ، وذهب إلى ما قلناه.
# ويستحب صيام أول يوم غرة ذي الحجة، وهو يوم ولد فيه إبراهيم الخليل عليه
~~السلام.
# ويستحب صيام يوم عرفة، إذا حقق هلال ذي الحجة، فأما إذا لم يحقق، وشك
~~فيه، والتبست معرفته، فإن صيام عرفة، والحال ما وصفناه، مكروه، لأن الإنسان
~~لا يأمن من قيام البينة بأنه يوم عيد.
# ويستحب صيام رجب بأسره، فإن لم يتمكن، فما تيسر منه، وكذلك شعبان، ويصله
~~بشهر رمضان، فهو شهر شريف، وصيامه سنة، من سنن الرسول عليه السلام، وفي
~~اليوم الثاني منه، سنة اثنتين من الهجرة، نزل فرض صيام شهر رمضان، فعلى هذا
~~التقدير، والتاريخ، يكون قد صام الرسول عليه السلام، ثمان رمضانات على
~~التحقيق.
# وأيام البيض من كل شهر، وهي يوم الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: يقال هذه أيام البيض، أي أيام الليالي
~~البيض، وسميت هذه الليالي بيضا، لطلوع القمر من أولها إلى آخرها، والعامة
~~تقول الأيام البيض، حتى أن بعض أصحابنا جرى في كتبه المصنفة، على عادات
~~العوام في ذلك، وهو خطأ، لأن الأيام ms0302 كلها بيض.
# وصوم يوم عاشوراء على وجه حزن بمصاب آل الرسول عليهم السلام.
# وذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته إلى أن صيام أيام
~~الليالي البيض، وصيام عرفة، وصيام يوم عاشوراء، من القسم المخير فيه، دون
~~PageV01P419
# القسم المؤكد، لأنه عدد المؤكد، ثم قال بعد ذلك: والصوم الذي يكون صاحبه
~~فيه بالخيار، كذا وكذا (1).
# وأما صوم الإذن، فلا تصوم المرأة تطوعا إلا بإذن زوجها، فإن صامت من غير
~~إذنه، فلا ينعقد صومها، ولا يكون شرعيا، وله مواقعتها فيه، وإلزامها
~~الإفطار، ويجب عليها مطاوعته، فإن كانت صائمة في (2) الواجبات، فليس له
~~عليها ولاية، ولا يجوز له منعها من ذلك، ولا ينعقد نذرها بصيام، ما دامت في
~~حبال بعلها، فإن كانت قد نذرت الصيام، قبل عقده عليها، فقد صح وانعقد، وليس
~~له منعها منه، وكذلك النذر بالحج منها.
# والعبد لا يصوم تطوعا إلا بإذن مولاه، والضيف لا يصوم تطوعا إلا بإذن
~~مضيفه، فإن صاما من غير إذن، فلا ينعقد لهما صيام شرعي، ويكونان مأزورين،
~~ولا يكونان مأجورين.
# وأما الصوم التأديب، فإن يؤخذ الصبي إذا راهق بالصوم تأديبا، ومعنى راهق:
~~قارب البلوغ ودنا منه، وكذلك من أفطر لمرض في أول النهار، ثم قوى بقية
~~نهاره، أمر بالإمساك بقية يومه تأديبا، وليس بفرض، وكذلك المسافر إذا أفطر
~~أول النهار، ثم قدم أهله، أمسك بقية يومه تأديبا، وكذلك الحائض، إذا أفطرت
~~في أول النهار، أو لم تفطر، ثم طهرت في بقية يومها، أمسكت تأديبا، وعليها
~~قضاؤه.
# وأما الذي لا يجوز صومه بحال، فيوم الفطر، ويوم الأضحى، وثلاثة أيام
~~التشريق، لمن كان بمنى، وصوم يوم الشك، بنية أنه من رمضان، وصوم الوصال،
~~وهو أن يصوم يومين، من غير أن يفطر بينهما ليلا، وفسره شيخنا أبو جعفر
~~الطوسي رحمه الله في نهايته بغير هذا، فقال: وهو أن يجعل عشاءه سحوره (3)
# PageV01P420
# والأول هو الأظهر والأصح، وإليه ذهب في اقتصاده (1) وصوم الصمت، وصوم نذر
~~المعصية، وصوم الدهر.
# باب الاعتكاف الاعتكاف في اللغة، هو اللبث الطويل، وفي عرف الشرع، ms0303 هو طول
~~اللبث للعبادة، وله شروط ثلاثة، أحدها يرجع إلى الفاعل، وثانيها يرجع إلى
~~الفعل، وثالثها يرجع إلى البقعة.
# فالراجع إلى الفاعل، هو أن يكون مسلما، بالغا، عاقلا، لأن من كان بخلاف
~~ذلك، لا يصح اعتكافه.
# وما يرجع إلى الفعل، فهو أن يكون مع طول اللبث، صائما، فإن كان الاعتكاف
~~واجبا، كان الصوم واجبا، لأنه من توابعه وشروطه، وإن كان مندوبا كان الصوم
~~مندوبا، وقد يشتبه على كثير من المتفقهة من أصحابنا، فيظن أن صوم الاعتكاف
~~على كل حال واجب، لأن الصوم شرط في انعقاد الاعتكاف.
# والراجع إلى البقعة، هو أن يكون الاعتكاف، في مساجد مخصوصة، وهي أربعة
~~مساجد: المسجد الحرام، ومسجد النبي عليه السلام، ومسجد الكوفة، ومسجد
~~البصرة.
# وقد ذهب بعض أصحابنا وهو ابن بابويه، إلى أن أحد الأربعة، مسجد المدائن،
~~وجعل مسجد البصرة رواية، ويحسن في هذا الموضع، قول اقلب تصب، لأن الأظهر
~~بين الطائفة، ما قلناه أولا، فإن كانت قد رويت بمسجد المدائن رواية، فهي في
~~حيز الآحاد (2). ومن شاذ الأحاديث.
# ولا ينعقد الاعتكاف في غير هذه المساجد، لأن من شرط المسجد الذي ينعقد
~~فيه الاعتكاف، عند أصحابنا، أن يكون صلى فيه نبي، أو إمام عادل،
# PageV01P421
# جمعة بشرائطها، وليست إلا هذه التي ذكرناها.
# وحكم المرأة وحكم الرجل في هذا الباب سواء، ولا يصح اعتكافها في مسجد
~~بيتها قال السيد المرتضى، في كتابه الإنتصار: ومما انفردت به الإمامية،
~~القول بأن الاعتكاف لا ينعقد إلا في مسجد صلى فيه إمام عدل بالناس، الجمعة،
~~وهي أربعة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد الكوفة، ومسجد
~~البصرة، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك. ثم ذكر أقاويلهم، ثم قال: وذهب
~~حذيفة إلى أن الاعتكاف لا يصح، إلا في ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجد
~~الرسول عليه السلام، ومسجد إبراهيم عليه السلام (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: مسجد إبراهيم عليه السلام، هو مسجد الكوفة،
~~ذكر ذلك في كتاب الكوفة.
# والاعتكاف أصل في نفسه في الشرع، دون أن يكون له أصل يرد إليه، والاعتكاف
~~على ضربين، ms0304 واجب وندب، فالواجب ما أوجبه الإنسان على نفسه بالنذر، أو
~~العهد، والمندوب هو ما يبتديه، من غير إيجاب على نفسه، فالمندوب لا يجب
~~المضي فيه بعد الدخول، والتلبس به، بل أي وقت أراد المكلف الرجوع فيه، جاز
~~له ذلك، ويكون الصوم له بنية الندب، دون نية الوجوب، لأن عندنا، العبادة
~~المندوب إليها، لا تجب بالدخول فيها، بخلاف ما يذهب إليه أبو حنيفة، ما خلا
~~الحج المندوب، فإنه يجب بالدخول فيه، وحمل باقي المندوبات عليه قياس، ونحن
~~لا نقول به.
# فأما الواجب، من قسمي الاعتكاف، فإنه على ضربين، مقيد نذره بزمان، وغير
~~مقيد نذره بزمان، فالمقيد بزمان، إذا شرط ناذره العود فيه، إن عرض له ما
~~يمنعه منه، وعرض ذلك، فله العود فيه والرجوع، ولا يجب عليه إتمامه، ولا
~~قضاؤه، ولا كفارة عليه، لأن شرطه، لم يصادف صفته، فما حصل شرط النذر على
~~صفته.
# PageV01P422
# فأما إذا لم يشرط فيه العود، إن عرض العارض، فحينئذ يجب عليه إتمامه، ولا
~~يجب عليه استئنافه، ولا يجب عليه كفارة.
# فأما إذا لم يكن اعتكافه ونذره، مقيدا بزمان بعينه، بل شرط فيه التتابع،
~~فإن شرط على ربه تعالى فيه، فله البناء والإتمام، دون الاستئناف، وإن لم
~~يشرط، وعرض العارض، فيجب عليه استئنافه، دون البناء عليه، ولا يجب عليه
~~كفارة.
# فإن كان نذره غير متعين بزمان، ولا شرط فيه التتابع، بل أطلقه من الأمرين
~~معا، فمتى اعتكف أقل من ثلاثة أيام متتابعة، فيجب عليه الاستئناف، ويراعي
~~فيه ثلاثة ثلاثة، ولا كفارة عليه إذا أفطر فيه.
# ومتى أراد الإنسان أن يعتكف فلا يعتكف أقل من ثلاثة أيام، فإنه لا اعتكاف
~~في الشريعة أقل من ذلك، وأكثره لا حد له، إذا كان الزمان يصح فيه الصوم،
~~ومن شرط صحته الصوم، سواء كان الصوم واجبا، أو مندوبا، فإن كان الاعتكاف
~~واجبا، كان الصوم واجبا مثله، وإن كان الاعتكاف مندوبا، فالصوم يكون
~~مندوبا، وقد يلتبس على كثير من أصحابنا، هذه المسألة، ويذهب إلى أن الصوم
~~في الاعتكاف واجب، سواء كان الاعتكاف ms0305 واجبا، أو مندوبا، لأجل مسطور، ولفظ
~~محتمل، يجده في النهاية، فإن شيخنا أبا جعفر الطوسي رحمه الله قال: ولا بد
~~أن يصوم واجبا، لأنه لا اعتكاف إلا بصوم (1). ولما عدد في الجمل والعقود،
~~الصوم الواجب، قال: وصوم الاعتكاف واجب (2) وهذا كلام محتمل، ولفظ عام
~~وعموم، والعموم قد يخص بالأدلة، فيخص قوله: بأن الاعتكاف، إذا كان منذورا
~~واجبا، كان الصوم واجبا (3).
# PageV01P423
# وقد رجع شيخنا، في مسائل الخلاف، وحقق القول في المسألة، فقال:
# مسألة: لا يصح الاعتكاف إلا بصوم، أي صوم كان، عن نذر، أو رمضان، أو
~~تطوعا، ثم قال: دليلنا إجماع الفرقة (1). فدل بالإجماع على المسألة، فعلم
~~أنه أراد في نهايته ما قلناه.
# وقال السيد المرتضى، في مسائل الطبريات: المسألة الخامسة والثلاثون
~~والمائة: من شرع في الاعتكاف، ثم أفسده، لزمه القضاء، قال السيد المرتضى:
# الذي نقوله في هذه المسألة، ليس يخلو الاعتكاف من أن يكون واجبا بالنذر،
~~أو تطوعا، فإن كان واجبا، لزم مع إفساده القضاء، وإن كان تطوعا، لم يلزمه
~~القضاء، لأن التطوع لا يجب عندنا بالدخول فيه هذا آخر كلام المرتضى رضي
~~الله عنه.
# فإذا تحقق وتقرر ما شرحناه، فما أورده شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله
~~في نهايته (2)، وفي مبسوطه (3)، من قوله: فمن اعتكف ثلاثة أيام، كان فيما
~~زاد عليها بالخيار، إن أراد أن يزداد، ازداد، وإن أراد أن يرجع، رجع فإن
~~صام بعد الثلاثة الأيام، يومين آخرين، لم يجز له الرجوع، وكان عليه إتمام
~~ثلاثة أيام أخر، فإن كان قد زاد يوما واحدا، جاز له أن يفسخ الاعتكاف. وهذه
~~أخبار آحاد، لا يلتفت إليها، ولا يعرج عليها.
# وينبغي للمعتكف، أن يشرط على ربه في حال ما يعزم على الاعتكاف، كما يشرط
~~في حال الإحرام، بأنه إن عرض له عارض، جاز له أن يرجع فيه، أي وقت شاء، فإن
~~لم يشرط لم يكن له الرجوع فيه، إلا أن يكون أقل من يومين، فإن مضى عليه
~~يومان، وجب عليه تمام ثلاثة أيام، حسب ما قدمناه، هكذا أورده شيخنا أبو ms0306
~~جعفر في النهاية (4)، والأصل ما قدمناه، وشرحناه، وحررناه.
# والأولى بالمعتكف، أن يجتنب جميع ما يجتنبه المحرم، إلا ما خرج بالدليل،
# PageV01P424
# من النساء والطيب، والرياحين، والكلام الفحش، والمماراة، والبيع،
~~والشراء، ولا يفعل شيئا من ذلك.
# وقال شيخنا أبو جعفر، في جمله وعقوده: ويجب عليه تجنب ما يجب على المحرم
~~تجنبه (1) وقال في مبسوطه: وقد روي أنه يجتنب ما يجتنبه المحرم، وذلك مخصوص
~~بما قلناه، لأن لحم الصيد لا يحرم عليه، وعقد النكاح مثله (2). هذا آخر
~~كلامه في مبسوطه، فجعله رواية، وفي الجمل جعله دراية. والأولى، أن لا يحرم
~~عليه ما يحرم على المحرم، إلا ما قام الدليل عليه.
# ولا يجوز له أن يخرج من المسجد الذي اعتكف فيه، إلا لضرورة، تدعوه إلى
~~ذلك، من تشييع أخ مؤمن، أو جنازة، أو عيادة مريض، أو قضاء حاجة، لا بدله
~~منها، فمتى خرج لشئ من هذه الأشياء التي ذكرناها، فلا يقعد في موضع، ولا
~~يمشي تحت الظلال، ولا يقف فيها، إلا عند ضرورة إلى ذلك، إلى أن يعود إلى
~~المسجد.
# ولا يصلي المعتكف في غير المسجد الذي اعتكف فيه، إلا بمكة خاصة، فإنه
~~يجوز له أن يصلي بمكة، في أي بيوتها شاء.
# ومتى اعتل المعتكف، فله أن يخرج من المسجد إلى بيته، فإذا برئ، قضى
~~اعتكافه، وصومه، على التفصيل الذي فصلناه أولا وشرحناه.
# واعتكاف المرأة، كاعتكاف الرجل سواء، وحكمها حكمه، في جميع الأشياء، فإن
~~حاضت، خرجت من المسجد، فإذا طهرت، عادت، وقضت الاعتكاف والصوم.
# ولا يجوز للمعتكف، مواقعة النساء، لا بالليل، ولا بالنهار، فمتى واقع
~~الرجل امرأته، وهو معتكف، ليلا، كان عليه ما على من أفطر يوما من شهر
~~رمضان، فإن كانت مواقعته لها بالنهار، في شهر رمضان، أو في غيره، كان عليه
# PageV01P425
# كفارتان، فإن كانت المرأة معتكفة بإذنه، ووطأها ليلا مكرها لها كان عليه
~~كفارتان، ولا يبطل اعتكافها، ولا كفارة عليها، وإن كانت مطاوعة له، كان
~~عليها كفارة، وفسد اعتكافها، وعليه مثلها، وإن كان وطؤه لها بالنهار، مكرها
~~لها، كان عليه أربع كفارات، ms0307 وإن كانت مطاوعة له، على الفعال، لم يتحمل
~~كفارتها، وكان عليها كفارتان وعليه كفارتان، وفسد اعتكافهما، ووجب عليهما
~~استئنافه.
# ولا يجوز للمرأة أن تعتكف تطوعا، إلا بإذن زوجها، ولا للعبد، والأمة، إلا
~~بإذن السيد.
# وإذا مرض المعتكف، واضطر إلى الخروج منه، خرج، فإن زال العذر، رجع، فبنى
~~على ما مضى، من اعتكافه.
# وإذا باع المعتكف، فالظاهر أنه لا ينعقد، لأنه منهي عنه.
# والنظر في العلم، ومذاكرة أهله، لا يبطل الاعتكاف، وهو أفضل من الصلاة
~~تطوعا، عند جميع الفقهاء.
# ولا يفسد الاعتكاف جدال، ولا خصومة ولا سباب، ولا بيع ولا شراء، وإن كان
~~لا يجوز له فعل ذلك أجمع، هكذا أورده شيخنا في مبسوطه (1).
# والأولى عندي، أن جميع ما يفعله المعتكف، من القبائح، ويتشاغل به، من
~~المعاصي، والسيئات، يفسد اعتكافه، فأما ما يضطر إليه، من أمور الدنيا، من
~~الأفعال المباحات، فلا يفسد به اعتكافه، لأن حقيقة الاعتكاف في عرف الشرع،
~~هو اللبث للعبادة، والمعتكف اللابث للعبادات، إذا فعل قبائح، ومباحات، لا
~~حاجة إليها، فما لبث للعبادة، وخرج من حقيقة المعتكف، اللابث للعبادة،
~~وإنما أورد شيخنا في مبسوطه، كلام المخالفين، وفروعهم، وما يصح عندهم،
~~ويقتضيه مذهبهم، لأن هذا الكتاب معظمه فروع المخالفين.
# PageV01P426
# كتاب الزكاة PageV01P427
# كتاب الزكاة فصل في حقيقة الزكاة وما تجب فيه وبيان شروطها الزكاة في
~~اللغة، هي النمو، يقال: زكا الزرع، إذا نما، وزكا الفرد، إذا صار زوجا،
~~فشبه (1) في الشرع، إخراج بعض المال زكاة، لما يؤول إليه من زيادة الثواب،
~~وقيل أيضا: إن الزكاة هي التطهير، لقوله تعالى: " أقتلت نفسا زكية " (2) أي
~~طاهرة من الذنوب، فشبه (3) إخراج المال زكاة، من حيث تطهر ما بقي، ولولا
~~ذلك، لكان حراما، من حيث أن فيه حقا للمساكين، وقيل أيضا: تطهير المالك من
~~مآثم منعها.
# ومدار الزكاة على أربعة فصول: أحدها: ما تجب فيه الزكاة، وبيان أحكامه.
~~وثانيها: من تجب عليه الزكاة وبيان شروطه، وثالثها مقدار ما تجب فيه.
# (4) ورابعها: بيان المستحق وكيفية القسمة.
# فأما الذي تجب فيه الزكاة فتسعة أشياء: الإبل والبقر، ms0308 والغنم، والدنانير،
~~والدراهم، والحنطة، والعلس (بالعين المفتوحة غير المعجمة واللام المفتوحة،
~~والسين، غير المعجمة ضرب من الحنطة، إذا ديس، بقي كل حبتين، في كمام، ثم لا
~~يذهب ذلك حتى يدق، أو يطرح في رحى خفيفة، ولا يبقى بقاء الحنطة، وبقاؤها في
~~كمامها، ويزعم أهلها أنها إذا هرست، أو طرحت في
# PageV01P428
# رحى خفيفة، خرجت على النصف، فإذا اجتمع عنده حنطة، وعلس، ضم بعضه إلى
~~بعض، لأنها كلها حنطة) والشعير، والسلت (بضم السين غير المعجمة، واللام
~~المسكنة، والتاء المنقطة، نقطتين من فوقها، وهو شعير، فيه ما في الشعير،
~~فإذا اجتمع عنده شعير وسلت، ضم بعضه إلى بعض: لأنه كله شعير، لونه لون
~~الشعير وطعمه طعمه إلا أن حبه أصغر من حب الشعير) والتمر والزبيب.
# وشروط وجوب الزكاة في هذه الأجناس التسعة، أن يكون مالكها حرا، بالغا،
~~كامل العقل موسرا، وحد اليسار: ملك النصاب، وأن يكون في يد مالكه، وهو غير
~~ممنوع من التصرف فيه. ولا زكاة في المال الغائب عن صاحبه، الذي لا يتمكن من
~~الوصول إليه، ولا زكاة في الدين، إلا أن يكون تأخر قبضه، من جهة مالكه، وأن
~~يكون بحيث متى رامه قبضه.
# وقال بعض أصحابنا، وهو شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله: وشروط وجوب
~~الزكاة من هذه الأجناس، ستة، اثنان يرجعان إلى المكلف، وأربعة ترجع إلى
~~المال، فما يرجع إلى المكلف: الحرية، وكمال العقل، وما يرجع إلى المال:
~~الملك والنصاب، والسوم، وحؤول الحول. وينبغي أن يلحق شرطا سابعا، فيما يرجع
~~إلى المكلف، وهو إمكان التصرف طول الحول، فيصير ثلاثة ترجع إلى المكلف،
~~فالحرية شرط في الأجناس كلها، لأن المملوك لا يجب عليه الزكاة، لأنه لا
~~يملك شيئا، وكمال العقل شرط في الدنانير، والدراهم فقط، فأما ما عداهما،
~~فإنه يجب فيه الزكاة، وإن كان مالكها ليس بعاقل، من الأطفال، والمجانين،
~~والصحيح من المذهب، الذي تشهد بصحته، أصول الفقه والشريعة، إن كمال العقل،
~~شرط في الأجناس التسعة، على ما قدمناه أولا، واخترناه، وهو مذهب السيد
~~المرتضى رحمه الله، والشيخ الفقيه سلار، ms0309 والحسن بن أبي عقيل العماني، في
~~كتابه، كتاب المتمسك بحبل آل الرسول، وهذا الرجل وجه من وجوه أصحابنا، ثقة،
~~فقيه، متكلم، كثيرا كان يثني عليه شيخنا المفيد، وكتابه PageV01P429
# كتاب حسن كبير، هو عندي، قد ذكره شيخنا أبو جعفر في الفهرست، وأثنى عليه.
# وقد ذهب إليه أيضا، أبو علي محمد بن أحمد بن الجنيد، الكاتب، الإسكافي،
~~وهذا الرجل، جليل القدر، كبير المنزلة، صنف وأكثر، ذكره في كتابه، مختصر
~~الأحمدي للفقه المحمدي، وإنما قيل له الإسكافي، منسوب إلى إسكاف، وهي مدينة
~~النهروانات، وبنو الجنيد، متقدموها قديما، من أيام كسرى، وحين ملك المسلمون
~~العراق، في أيام عمر بن الخطاب، فأقرهم عمر على تقدم المواضع، والجنيد هو
~~الذي عمل الشاذروان على النهروانات في أيام كسرى، وبقيته إلى اليوم، مشاهدة
~~موجودة، والمدينة يقال لها إسكاف بني الجنيد، قد ذكره المرتضى رحمه الله،
~~في جمل العلم والعمل (1) الذي اختار فيه، وحقق، وعقد، وجمل أصول الديانات،
~~وأصول الشرعيات.
# والدليل على صحة ذلك من وجوه كثيرة: أحدها ظاهر كتاب الله تعالى، وهو
~~قوله سبحانه: " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " (2) فكان ظاهر الخطاب في
~~الزكاة، متوجها إلى من توجه في الصلاة، لاقترانهما في الظاهر، واجتماعهما
~~في معنى التوجه بالاتفاق، فلما بطل توجه الخطاب في الصلاة، إلى المجانين
~~والأطفال، بطل توجهه إليهم في الزكاة، كما بيناه، وقوله تعالى في الأمر
~~لرسوله عليه السلام بأخذ الزكاة " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها "
~~(3) والطفل لا ذنب له، فتكون الصدقة تطهيرا له منه، والمجنون لا جرم له،
~~فتكون التزكية كفارة له عنه، وهذا بين بحمد الله، لمن تدبره، وترك تقليد ما
~~يجده في بعض الكتب.
# وأيضا فالخطاب في جميع العبادات، ما توجه، إلا إلى البالغين، المكلفين،
~~بغير خلاف، فمن أدخل من لا يعقل، في الخطاب، يحتاج إلى دليل، فإن فزع إلى
~~الإجماع، فلا خلاف بين أصحابنا، أن في المسألة خلافا بين أصحابنا،
# PageV01P430
# فبعض منهم، يوجب الزكاة فيما عدا الدنانير والدراهم، في أموال الأطفال،
~~والمجانين، وبعض منهم لا يوجب ذلك، والجميع متفقون على أنه ms0310 لا زكاة عليهم،
~~في الدنانير والدراهم، وإنما اختلفوا فيما عدا الدنانير والدراهم، فإذا
~~فقدنا دليل الإجماع، والأصل براءة الذمة من العبادات، وإنما الخطاب لا
~~يتوجه إلا إلى العقلاء، وظاهر (1) التنزيل من الآيتين المقدم ذكرهما، فلا
~~معدل عن دليل الأصل، وظاهر الكتاب إذا فقدنا الإجماع.
# فإن قيل: فقد روي عن الرسول عليه السلام أنه قال: أمرت أن آخذ الصدقة، من
~~أغنيائكم، فأردها في فقرائكم (1). ولا خلاف أن الطفل، والمجنون، متى كان
~~لهما مال، فهما غنيان، فيجب أخذ صدقتهما على كل حال.
# فأول ما نقوله في ذلك، أن هذا من أخبار الآحاد، التي لا توجب علما ولا
~~عملا، على ما قدمناه، ثم لو سلمناه تسليم جدل، قلنا: هذا دليل لنا على
~~المسألة، دون المخالف فيها، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله، واجه بخطابه
~~البالغين ولم يواجه الأطفال والمجانين فظاهر الكلام على هذا الترتيب، لا
~~ينصرف عن المواجهين إلى غيرهم إلا بدليل، والدليل يمنع من خالف القوم في
~~الوصف، وفارقهم في المعنى، لعدم كمال العقل، لاستحالة إرادتهم بالمواجهة،
~~والتفهيم، والمخاطبة، ووجوب كون الداخل في المواجهة له، من حكم جواب
~~المخاطبة، ما كان لمن قصدهم المخاطب بالمواجهة، مع قوله تعالى في الأمر له
~~بأخذ الصدقات: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " (2) والطفل لا
~~ذنب له، فتكون الصدقة تطهيرا له منه، والمجنون لا جرم معه، فتكون التزكية
~~كفارة له عنه، على ما أسلفنا القول في ذلك، وشرحناه.
# والملك شرط في الأجناس كلها وكذلك النصاب، والسوم شرط في المواشي لا غير،
~~وحؤول الحول شرط في المواشي، والدراهم، والدنانير، لأن
# PageV01P431
# الغلات لا يراعى فيها حؤول الحول، فهذه شرائط الوجوب.
# وقال شيخنا أبو جعفر، في جمله وعقوده (1) لا تجب الزكاة، في الإبل إلا
~~بشروط أربعة:
# الملك، والنصاب، والسوم، وحؤول الحول. وكذلك قال في البقر، والغنم،
~~والذهب، والفضة، فإنه قال: شروط زكاة الذهب والفضة أربعة: الملك، والنصاب
~~والحول، وكونهما مضروبين دنانير ودراهم. قال: محمد بن إدريس رحمه الله:
~~الأظهر أن يزاد في شروط الإبل، والبقر، والغنم، شرطان ms0311 آخران، وهما إمكان
~~التصرف، بلا خلاف بين أصحابنا، وكمال العقل، على الصحيح من المذهب، على ما
~~قدمناه.
# فأما الذهب والفضة، فيزاد الشرطان، بلا خلاف، على رأي شيخنا (2) وعند
~~جميع أصحابنا، لأن الذهب، والفضة، إذا كانا للأطفال، والمجانين، فلا خلاف
~~بين أصحابنا، أن الزكاة غير واجبة فيهما، عليهما، فإذن لا بد من اعتبار
~~شروط ستة، في الذهب والفضة، فليلحظ ذلك، فما المعصوم إلا من عصمه الله، فإن
~~الخواطر لا تحضر في كل وقت، والله الموفق للصواب.
# فأما شرائط الضمان، فاثنان: الإسلام، وإمكان الأداء، لأن الكافر وإن وجبت
~~عليه الزكاة، لكونه مخاطبا بالعبادات كلها، عندنا، فلا يلزمه ضمانها إذا
~~أسلم، وإمكان الأداء، لا بد منه، لأن من لا يتمكن من الأداء، وإن وجبت
~~عليه، ثم هلك المال، لم يكن عليه ضمان، ونحن نذكر الجميع، في فصل، ثم نذكر
~~لكل جنس من ذلك، بابا مفردا إن شاء الله.
# فصل في الأصناف التي تجب فيها الزكاة على الجملة وكيفية ذلك فرض الزكاة
~~يتعلق بثلاثة أصناف: الأموال الصامتة، والحرث، والأنعام.
# PageV01P432
# فأما فرض زكاة الصامتة، فيختص بكل حر، بالغ، كامل العقل، بشرط أن يكون
~~الصامت، بالغا نصابه، حائلا عليه الحول، من غير أن يتخلله نقصان، ولا تبدلت
~~(1) أعيانه، متمكنا مالكه من التصرف فيه، بالقبض أو الإذن، فإذا تكاملت هذه
~~الشروط، وبلغ العين عشرين مثقالا، والورق مائتي درهم، مضروبة، منقوشة،
~~للتعامل، فإذا تكسرت هذه المضروبة دنانير ودراهم، وصارت قراضة، فحكمها حكم
~~الدنانير والدراهم، لأنها ليست حليا، ولا سبائك، وقد ذكر هذا شيخنا أبو
~~جعفر الطوسي رحمه الله في مبسوطه، في زكاة الغنم (2).
# ففي العين نصف دينار، وفي الورق خمسة دراهم، ولا شئ فيما زاد على ذلك،
~~حتى تبلغ زيادة العين أربعة دنانير، وزيادة الورق أربعين درهما، فيكون في
~~تلك عشر دينار، وفي هذه درهم، ثم على هذا الحساب بالغا ما بلغ العين والورق
~~من كل عشرين مثقالا نصف مثقال، ومن كل أربعة دنانير، بعد العشرين عشر
~~مثقال، وفي كل مائتي درهم خمسة دراهم ومن كل أربعين درهما ms0312 درهم، ولا زكاة
~~فيما بين النصابين.
# ومن مسنون الزكاة تزكية البضائع، إذا حال عليها الحول، وهي تفي برأس
~~المال، أو زيادة، تحسب ما ابتيعت به، من عين أو ورق، كزكاة العين والورق،
~~ومن ذلك أن يقرر ذو المال، على ماله في كل جمعة، أو في كل شهر، شيئا معينا،
~~يخرجه في أبواب البر، ومن ذلك افتتاح النهار، وختامه بالصدقة، وافتتاح
~~السفر، والقدوم منه بها، وإعطاء السائل، ولو بشق تمرة، واصطناع ذوي اليسار
~~الطعام في كل يوم، أو كل جمعة، أو كل شهر لذوي الفاقة من المؤمنين، وتفقد
~~مخلفي المؤمن، في غيبته، وبعد وفاته، وقرض ذي الحاجة، وإنظاره إلى ميسرة،
~~وتحليل المؤمن بعد وفاته، مما في ذمته من الدين، والتكفل به لمدينه.
# PageV01P433
# وأما فرض زكاة الحرث، فمختص بالحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، دون سائر
~~ما تخرجه الأرض، من الحبوب، والثمار، والخضر، إذا بلغ كل صنف منها
~~بانفراده، خمسة أوسق، والوسق ستون صاعا، والصاع تسعة أرطال بالبغدادي، يكون
~~ذلك الفين وسبعمائة رطل، بأوزان بغداد، على كل من وجب عليه زكاة الدراهم
~~والدنانير، على ما قدمنا القول فيه، وشرحناه، وقويناه بالأدلة، وأوضحناه،
~~بعد المؤن التي تنمى الغلة بها، وتزيد، ولها فيها صلاح، إما من حفاظ، أو
~~زيادة ريع فيها، وبعد حق المزارع، وخراج السلطان، إن كانت الأرض خراجية، أن
~~يخرج منه، إن كان سقي حرثه سيحا، أو بعلا، أو عذبا، العشر، وإن كان سقى
~~بالغرب، والنواضح، فنصف العشر، وإن سقى بعض مدة الحاجة سيحا، وبعض تلك
~~المدة بالنواضح، والغروب، زكى بأكثر المدتين، فإن تساوت مدة الشربتين زكى
~~نصفه بالعشر، ونصفه بنصف العشر، ويزكي ما زاد على النصاب، بزكاته، ولو كانت
~~حفنة واحدة، ولا يلزم (1) تكرير الزكاة فيه، وإن بقي في ملك مزكيه أحوالا.
# ومن مسنون صدقة الحرث، أن يزكي كل ما دخل المكيال، من الحبوب (2) إذا بلغ
~~كل جنس منها، نصاب ما يجب فيه الزكاة، وهو خمسة أو سق، بالعشر، أو نصف
~~العشر، فإن نقص عن ذلك، تصدق بما تيسر، ومن ذلك الصدقة، حين ms0313 صرام النخل،
~~وقطاف الكرم، وحصاد الزرع، بالضغث من الزرع، والضغثين، والعذق بكسر العين،
~~والعذقين، والعنقود من العنب، والعنقودين، فإذا صار الرطب تمرا، والعنب
~~زبيبا، والغلة حبا، وأراد المالك رفع ذلك، تصدق منه بالقبضة، والقبضتين،
~~ومن ذلك إباحة عابر السبيل، تناول اليسير، مما تنبته الأرض، من الثمار،
~~والمباطخ.
# وأما فرض زكاة الأنعام، فمتعين على كل من وجبت عليه زكاة الدنانير
# PageV01P434
# والدراهم، بشرط أن تكون سائمة، ويبلغ كل جنس منها النصاب ويحول عليه
~~الحول كاملا، لا يتخلله نقصان، ولا يتبدل أعيانه، ويكون المالك متمكنا من
~~التصرف فيه طول الحول، غير ممنوع منه بضلال، أو اغتصاب، ولكل منها حكم.
# فأما الإبل فلا شئ فيها، حتى تبلغ خمسا، ففيها شاة، وفي عشر شاتان، وفي
~~خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين، أربع شياه، وفي خمس وعشرين، خمس شياه، وفي
~~ست وعشرين، بنت مخاض، وهي التي قد كملت حولا، وسميت بصفة أمها المتمخضة
~~بالحمل، إلى خمس وثلاثين فإذا بلغت ستا وثلاثين، ففيها بنت لبون، وهي التي
~~قد كملت حولين، ودخلت في الثالث، وسميت بأمها اللبون، بأختها، إلى خمس
~~وأربعين فإذا بلغت ستا وأربعين، ففيها حقة، وهي التي قد كمل لها، ثلاث
~~سنين، ودخلت في الرابعة، وسميت بذلك من حيث يحق لها، أن يطرقها الفحل،
~~ويحمل على ظهرها، إلى ستين. فإذا بلغت إحدى وستين، ففيها جذعة بفتح الذال،
~~وهي التي قد كمل لها أربع سنين، ودخلت في الخامسة، إلى خمس وسبعين، فإذا
~~بلغت ستا وسبعين، ففيها بنتا لبون إلى تسعين. فإذا زادت واحدة، ففيها
~~حقتان، إلى مائة وعشرين. فإذا زادت على ذلك، أسقط هذا الاعتبار، وأخرج من
~~كل أربعين، بنت لبون، ومن كل خمسين حقة.
# ومن وجبت عليه سن، ولم تكن عنده، وعنده أعلى منها بدرجة، أخذت منه، وأعطي
~~شاتين، أو عشرين درهما فضة، وإن كان عنده أدنى منها بدرجة، أخذت منه، ومعها
~~شاتان، أو عشرون درهما. وقال بعض أصحابنا: وإن كان بينهما درجتان فأربع
~~شياه. وإن كان ثلاث درج، فست شياه، أو ما في مقابلة ذلك، ms0314 من الدراهم، وهذا
~~ضرب من الاعتبار، والقياس، والمنصوص عن الأئمة عليهم السلام، والمتداول من
~~الأقوال، والفتيا بين أصحابنا أن هذا الحكم فيما يلي السن، الواجبة من
~~الدارج، دون ما بعد عنها، وحكم البخت والنجب حكم الإبل العربية، وأما زكاة
~~البقر، فلا شئ فيها حتى تبلغ ثلاثين، ففيها تبيع حولي، أو PageV01P435
# تبيعة، مخير بين الذكر والأنثى، في النصاب الأول في البقر (1)، إلى تسع
~~وثلاثين، فإذا بلغت أربعين، ففيها مسنة، ثم على هذا، بالغا ما بلغت.
# ولا يجوز إخراج الذكران في النصاب الثاني من البقر، إلا بالقيمة، من كل
~~ثلاثين تبيع أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، وحكم الجواميس حكم البقر.
# فأما زكاة الغنم، فلا شئ فيها حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغتها، ففيها شاة،
~~إلى عشرين ومائة. فإذا زادت واحدة، ففيها شاتان، إلى مائتين: فإذا زادت
~~واحدة، ففيها ثلاث شياه، إلى ثلاثمائة، فإذا زادت على ذلك، أسقط هذا
~~الاعتبار، وأخرج من كل مائة شاة، بالغا ما بلغت الغنم، وحكم المعز حكم
~~الضأن.
# وقال بعض أصحابنا: إذا زادت الغنم على ثلاثمائة واحدة، ففيها أربع شياه،
~~إلى أربعمائة، فإذا بلغت أربعمائة، أسقط هذا الاعتبار، وأخرج من كل مائة
~~شاة، وهذا مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله، والأول مذهب السيد
~~المرتضى، وشيخنا المفيد، وسلار، وغيرهم من المشيخة، وهو الأظهر، والأصح،
~~ويعضده أن الأصل براءة الذمة، وأما الإجماع، فغير منعقد على المسألة، بل
~~بين أصحابنا فيها خلاف ظاهر، فما بقي إلا لزوم الأصول، من حفاظ الأموال على
~~أربابها، وإخراجها من أيديهم يحتاج إلى دليل شرعي، ويقوي ذلك أيضا قوله
~~تعالى: " ولا يسئلكم أموالكم " (2). وقال شيخنا أبو جعفر رحمه الله، في
~~جمله وعقوده، في فصل زكاة الغنم: العفو خمسة،، أولها تسعة وثلاثون، والثاني
~~ثمانون، والثالث أيضا ثمانون، وهو ما بين مائة وواحد وعشرين، إلى مائتين
~~وواحدة.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: هذا سهو منه رحمه الله، ووهم في الحساب،
~~لأن العفو الثالث تسعة وسبعون، ثمانون إلا واحدة، والسبر بيننا وبينه، لأن
~~الحساب كما يقال، عبد ms0315 صالح، وسلار في رسالته قد حقق ذلك، وقال:
# PageV01P436
# النصاب الثالث، في الغنم ثمانون، ونعم ما قال، لأن تمام العفو الذي هو
~~ثمانون إلا واحدة، فإذا تمت واحدة، صار ثمانين، فكمل نصابا (1).
# وقد يوجد في بعض نسخ الجمل والعقود (2)، العفو الثالث ثمانون، إلا واحدة،
~~وخط المصنف بيده، ثمانون، من غير استثناء، وقد استدرك شيخنا في مبسوطه على
~~نفسه فقال: الثالث تسعة وسبعون (3). ونعم ما قال.
# وقد روي أنه لا يعد في شئ من الأنعام، فحل الضراب، والأظهر أنه يعد، وذهب
~~سلار من أصحابنا إلى أن الذكورة لا زكاة فيها وهذا القول لا يلتفت إليه،
~~ولا يعرج عليه، لأنه بخلاف الإجماع، وما عليه عموم النصوص.
# ولا يعد ما لم يحل عليه الحول، في الملك متبع أو منتوج.
# ولا زكاة فيما بين النصابين، من الأعداد.
# ولا تؤخذ ذات عوار، ولا هرمة، بل تؤخذ من أوساطها، ولا يجوز أن يكون له
~~أقل من سبعة أشهر، إن كان من الضان، فإن كان من المعز فسنة، وقد دخل في جزء
~~من الثانية.
# ولا يؤخذ الربي، وهي التي تربي ولدها، ومثل الربي من الضأن، الرغوث (4)
~~ومن بنات آدم النفساء.
# ولا يؤخذ المخاض، وهي الحامل، ولا الأكولة، وهي السمينة المعدة للأكل،
~~ولا يؤخذ الفحل، وأسنان الغنم.
# أول ما تلد الشاة، يقال لولدها سخلة، ذكرا كان أو أنثى، في الضان والمعز
~~سواء، ثم يقال بعد ذلك بهمة، ذكرا كان أو أنثى، فهما سواء، فإذا بلغت أربعة
~~أشهر، فهي من المعز، جفر بالجيم المفتوحة، والفاء المسكنة، والراء غير
~~المعجمة،
# PageV01P437
# للذكر والأنثى جفرة، وجمعها جفار، فإذا جازت أربعة أشهر، فهي العتود،
~~وعريض، ومن حين تولد، إلى هذه الغاية، يقال لها عناق للأنثى، وللذكر جدي،
~~فإذا استكمل سنة، ودخل في جزء من الثانية، فالأنثى عنز، والذكر تيس.
# ومن مسنون صدقة الأنعام، أن يجعل من أصوافها، وأوبارها، وأشعارها،
~~وألبانها، قسط للفقراء، ويمنح الناقة، والشاة، والبقرة الحلوبة، من لا
~~حلوبة له، ويعان بظهر الإبل، وأكتاف البقر، على الجهاد، والحج، والزيارة،
~~من لا ظهر له، ms0316 ويسعد بذلك الفقراء، على مصالح دينهم، ودنياهم.
# ومن وكيد السنة أن تزكى، إناث الخيل السائمة، بعد حؤول الحول، عن كل فرس
~~عتيق ديناران، وعن كل هجين دينار.
# وذكر شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في الجزء الأول من مسائل خلافه.
# مسألة المتولد بين الظباء والغنم إن كان يسمى غنما، أخرج منه، وإن كان لا
~~يسمى غنما، لا يخرج منه، الزكاة، ثم قال في استدلاله، وقد قيل إن الغنم
~~المكية، آباؤها الظباء، وتسمية ما تولد بين الظباء والغنم، رقل، وجمعه
~~رقال، لا يمتنع من تناول اسم الغنم له، فمن أسقط عنها الزكاة، فعليه
~~الدلالة (1) هذا آخر المسألة.
# قال محمد بن إدريس، مصنف هذا الكتاب رحمه الله: ما وجدت في كتب اللغة، في
~~الذي يبنى من الراء والفاء واللام، ما يقارب ما ذكره شيخنا، وأظن هذه
~~الصورة، جرى فيها تصحيف، أو طغيان قلم، إما من الكتاب الذي نقلت منه، أو من
~~النساخ، لخلل في نظام الكتابة، وقصور فيها، فرأى الكاتب النون المنفصلة عن
~~القاف، والدال كان فيها طول، فظنها لاما وظن النون المنفصلة عن القاف راء
~~فكتبها رقل، وإنما هي نقد، محركة القاف، والنقد بالتحريك،
# PageV01P438
# والدال غير المعجمة، جنس من الغنم، قصار الأرجل، قباح الوجوه، يكون
~~بالبحرين، هكذا ذكره الجوهري، في كتاب الصحاح، وغيره من أهل اللغة، وقال
~~ابن دريد في الجمهرة: دقال الغنم، صغارها يقال شاة دقلة، على وزن فعلة، إذا
~~كانت صغيرة، بالدال غير المعجمة المفتوحة، والقاف، وهذا أقرب إلى تصحيف
~~الكلمة، والأول هو الذي يقتضيه ظاهر الكلام، فعلى قول ابن دريد في الجمهرة،
~~يكون الناسخ، قد قصر مده الدال الفوقانية، فظنها راء وهذا وجه التصحيف.
# والزكاة على ضربين، مفروض ومسنون، وكل واحد منهما، ينقسم قسمين، فقسم
~~منهما، زكاة الأموال، والثاني زكاة الرؤوس، وهي المسماة بزكاة الفطرة، فأما
~~زكاة المال، فيحتاج في معرفتها إلى ستة أشياء، أحدها معرفة وجوب الزكاة،
~~والثاني معرفة من تجب عليه، ومن لا تجب، والثالث معرفة ما تجب فيه الزكاة،
~~وما لا تجب، والرابع معرفة المقدار ms0317 الذي تجب فيه، ومعرفة مقدار ما لا تجب،
~~والخامس معرفة الوقت الذي تجب فيه، والسادس معرفة من يستحق ذلك، ومقدار ما
~~يعطى من أقل وأكثر.
# وأما زكاة الرؤوس، فيحتاج فيها أيضا إلى معرفة ستة أشياء، أحدها معرفة
~~وجوبها، والثاني معرفة من تجب عليه، والثالث معرفة ما يجوز إخراجه وما لا
~~يجوز، والرابع معرفة مقدار ما يجب، والخامس معرفة الوقت الذي تجب فيه،
~~والسادس من المستحق لها، وكم أقل ما يعطى، وأكثر، وليس يكاد يخرج عن هذه
~~الضروب، شئ مما يتعلق بأبواب الزكاة، ونحن نأتي عليها قسما قسما، ونستوفيه
~~على حقه إن شاء الله تعالى.
# قال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مسائل خلافه: مسألة: ذهب
~~الشافعي، إلى أن لجام الدابة، لا يجوز أن يكون محلى بفضة، وهو حرام، ثم
~~أورد أقوال أصحاب الشافعي، قالوا: المصحف لا يجوز أن يحليه بفضة، وأما
~~تذهيب المحاريب، وتفضيضها، قال أبو العباس: ممنوع منه، وكذلك قناديل
~~PageV01P439
# الفضة والذهب، قال والكعبة وسائر المساجد في ذلك سواء، قال شيخنا أبو
~~جعفر: لا نص لأصحابنا، في هذه المسائل، غير أن الأصل الإباحة، فينبغي أن
~~يكون ذلك مباحا (1).
# قال محمد بن إدريس: هذه المسائل، بعضها منصوص على تحريمها، والبعض الآخر
~~معلوم تحريمه على الجملة، لأنه داخل في الإسراف، والإسراف فعله محرم بغير
~~خلاف، وأما تفضيض المحاريب، فلا خلاف بيننا في أن ذلك لا يجوز، وأنه حرام،
~~وإن تزويق المساجد، وزخرفتها لا يجوز، منصوص على ذلك، عن الأئمة عليهم
~~السلام، قد أورد ذلك شيخنا في نهايته (2)، وغيره من أصحابنا في كتبهم، وإن
~~اتخاذ الأواني والآلات من الفضة والذهب، عندنا محرم، لأنه من السرف،
~~والقناديل أواني، وحلية المصحف، ولجام الدابة، من السرف أيضا، وإن ذلك غير
~~مشروع، ولو كان جائزا لنقل، كما نقل أمثاله من المباحات، مثل الخاتم الفضة،
~~والمنطقة، وحلية السيف، فليلحظ ذلك، ويتأمل.
# ثم إن شيخنا قال في مسألة قبل هذه: إذا كان له لجام لفرسه محلى بذهب أو
~~فضة، لم تلزمه زكاته، واستعمال ذلك حرام، لأنه من ms0318 السرف (3) فلتلحظ المسألة
~~في مسائل خلافه، ويحصل ما قلناه.
# باب وجوب الزكاة ومعرفة من تجب عليه الزكاة المفروضة في شريعة الإسلام
~~واجبة، بدليل القرآن، وإجماع المسلمين على كل مكلف حر، رجلا كان أو امرأة،
~~وهم ينقسمون قسمين، قسم منهم إذا لم يخرجوا ما يجب عليهم الزكاة، كان ثابتا
~~في ذممهم، وهم جميع من هو على ظاهر الإسلام.
# PageV01P440
# والقسم الآخر متى لم يخرجوا ما يجب عليهم من الزكاة، لم يلزمهم قضاؤه،
~~وهم جميع من خالف الإسلام، فإن الزكاة، وإن كانت واجبة عليهم عندنا، هي
~~وباقي العبادات واجبة، لأنهم مخاطبون بالشرعيات، فإذا لم يخرجوا الزكاة
~~لكفرهم، فمتى أسلموا لا تجب عليهم إعادتها.
# وأما المجانين، ومن ليس بكامل العقل، فلا يجب عليهم شئ، من الزكوات، على
~~ما مضى شرحنا لذلك، وحكم الأطفال، حكم من ليس بعاقل من المجانين، ومن ليس
~~بكامل العقل، فإنه لا يجب في أموالهم الصامتة، وغير الصامتة، على ما
~~اخترناه الزكاة.
# فإن اتجر متجر بأموالهم نظرا لهم، روي (1) أنه يستحب له، أن يخرج من
~~أموالهم الزكاة، وجاز له أن يأخذ من أموالهم ما يأكله قدر كفايته، وإن اتجر
~~لنفسه دونهم، وكان في الحال متمكنا من ضمان ذلك المال، كانت الزكاة عليه،
~~والربح له، فإن لم يكن متمكنا في الحال، من مقدار ما يضمن به مال الطفل،
~~وتصرف فيه لنفسه، من غير وصية، ولا ولاية، لزمه ضمانه، وكان الربح لليتيم،
~~ويخرج منه الزكاة، هكذا أورده شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله، في نهايته
~~(2) وهذا غير واضح.
# ولا يجوز لمن اتجر في أموالهم، أن يأخذ الربح، سواء كان في الحال متمكنا
~~من مقدار ما يضمن به مال الطفل، أو لم يكن، والربح في الحالين معا، لليتيم.
# ولا يجوز للولي والوصي أن يتصرف في المال المذكور، إلا بما يكون فيه صلاح
~~المال، ويعود نفعه إلى الطفل، دون المتصرف فيه، وهذا هو الذي يقتضيه أصل
~~المذهب، فلا يجوز العدول عنه بخبر واحد، لا يوجب علما ولا عملا، وإنما
# PageV01P441
# أورده رحمه الله إيرادا لا اعتقادا. ms0319
# باب ما تجب فيه الزكاة وما لا تجب وما يستحب فيه الزكاة الذي تجب فيه
~~الزكاة، فرضا لازما عند أهل البيت عليهم السلام تسعة أشياء: الذهب والفضة
~~إذا كانا مضروبين، دنانير ودراهم، منقوشين للتعامل، فإذا كانا سبائك، أو
~~حليا، فلا يجب فيهما الزكاة، سواء قصد صاحبهما الفرار بهما من الزكاة أو لم
~~يقصد.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته: متى فعل ذلك قبل حال
~~وجوب الزكاة، استحب له أن يخرج منهما الزكاة، وإن جعله كذلك بعد دخول الوقت
~~لزمته الزكاة على كل حال (1). قوله رحمه الله: وإن جعله كذلك بعد دخول
~~لزمته الزكاة على كل حال، هذا لا خلاف فيه بين المسلمين، وإنما الخلاف في
~~جعله كذلك قبل دخول الوقت، فذهب فريق من أصحابنا إلى أن الزكاة واجبة عليه
~~بالفرار، وقال فريق منهم لا تجب، وهو الأظهر الذي يقتضيه أصول المذهب، وهو
~~أن الإجماع منعقد على أنه لا زكاة إلا في الدنانير والدراهم، بشرط حؤول
~~الحول، والسبائك والحلي ليسا بدنانير ودراهم، والإنسان مسلط على ماله، يعمل
~~فيه ما شاء، وهذا مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته. وقال في
~~جمله وعقوده (2) بخلاف ذلك.
# وذهب سيدنا المرتضى رحمه الله، إلى أنه لا زكاة في ذلك، ذهب إليه في
~~الطبريات، في مسألة ذكر الشفعة، وقال: إذا فر الرجل بسهامه من دار، فوهبها
~~له، ولم يأخذ منه عن ذلك ثمنا، وأعطاه ذلك الموهوب له شيئا، على سبيل
# PageV01P442
# الهدية، والهبة، سقط حق الشفعة عن هذا الموهوب، لأنه عقد بغير عوض، ولم
~~يلزمه فيه الشفعة، بخروجه عن الصفة التي يستحق معها الشفعة.
# فإن قال: ألستم تروون أن من فر من الزكاة، بأن سبك الدراهم والدنانير
~~سبائك، حتى لا تلزمه الزكاة، وما جرى هذا المجرى، من فنون الهرب، من
~~الزكاة، فإن الزكاة تلزمه، ولا ينفعه هربه.
# قلنا: ليس يمتنع أن يكون لزوم الزكاة من هرب من الزكاة، لسبك السبائك،
~~وما أشبهها، لم يجب عليه بالسبب الأول الذي يجب له فيه الزكاة ms0320 في الأصل،
~~لأن الزكاة لا تجب عندنا فيما ليس بمضروب من العين والورق، وأن تكون الزكاة
~~إنما تلزمه هاهنا عقوبة على فراره من الزكاة، لا لأن هذه العين في نفسها
~~تستحق الزكاة فيها، ويمكن أن يكون ما ورد من الرواية في الأمر بالزكاة لمن
~~هرب من الزكاة، هو على سبيل التغليظ والتشديد، لا على سبيل الحتم والإيجاب
~~(1) هذا آخر كلام السيد المرتضى.
# والإبل، والبقر، والغنم، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، وكل ما عدا
~~هذه التسعة الأجناس فإنه لا تجب فيه الزكاة.
# ولا زكاة على مال غائب، إلا إذا كان (2) صاحبه متمكنا منه، أي وقت شاء،
~~بحيث متى رامه قبضه، فإن كان متمكنا منه، لزمته الزكاة، وقد وردت الرواية:
# إذا غاب عنه سنين، ولم يكن متمكنا، منه فيها، ثم حصل عنده، يخرج منه زكاة
~~سنة واحدة (3) وذلك على طريق الاستحباب، دون الفرض والإيجاب.
# وقال بعض أصحابنا: زكاة الدين إن كان تأخره من جهة من هو عليه، فالزكاة
~~لازمة له، وإن كان تأخره من جهة من هو له، فزكاته عليه.
# وقال الآخرون من أصحابنا: زكاته على من هو عليه على كل حال، ولم
# PageV01P443
# يفرق بالفرق الذي فرقه الأولون، فمن جملة من قال بهذا، ابن أبي عقيل، في
~~كتابه الموسوم، بكتاب المتمسك بحبل آل الرسول، فإنه قال: ولا زكاة في
~~الدين، حتى يرجع إلى صاحبه، فإذا رجع إليه فليس فيه زكاة، حتى يحول عليه
~~الحول في يده، وزكاة الدين على الذي عليه الدين، وإن لم يكن له مال غيره،
~~إذا كان مما تجب فيه الزكاة، إذا حال عليه الحول في يده، بذلك جاء التوقيف
~~عنهم عليهم السلام. ثم قال: ومن استودعه ماله، وجب عليه زكاته، إذا حال
~~عليه الحول، إذا كان مما تجب فيه الزكاة، فإن قيل: فلم لا قلتم في الدين،
~~كما قلتم في المال المستودع، إذا كان لك على رجل دين، وهو عندك ممن إذا
~~اقتضيته، أعطاك. قال: قيل له: الفرق بينهما، أن الدين مال مجهول العين، ليس
~~بقائم، ولا مشار إليه، ms0321 ولا زكاة في مال هذا سبيله، والوديعة، سبيلها سبيل
~~ما في منزلي يتولى أخذها بعينها، وحرام على المستودع الانتفاع بها وإن ضاعت
~~لم يضمن، وليس له أن يتصرف فيها، وليس كذلك الدين، هذا آخر كلام الحسن بن
~~علي بن أبي عقيل رحمه الله. وكان من جلة أصحابنا المصنفين المتكلمين،
~~والفقهاء المحصلين، قد ذكره شيخنا أبو جعفر، في فهرست المصنفين، وأثنى
~~عليه، وذكر كتابه، وكذلك شيخنا المفيد كان يثني عليه.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: وإلى هذا القول، والمذهب أذهب، لوضوحه
~~عندي: ولأن الأصل براءة الذمة، فمن أوجب الزكاة على مال ليست أعيانه في
~~ملكه، يحتاج إلى دليل، وهذا يدل على ما ننبه عليه، من فساد بيع الدين، إلا
~~على من هو عليه.
# وإلى ما اخترناه، ذهب شيخنا أبو جعفر رحمه الله في كتاب الإستبصار، فإنه
~~قال: لا زكاة في الدين، حتى يقبضه صاحبه، ويحول بعد ذلك عليه الحول (1).
~~بخلاف قوله في جمله وعقوده (2).
# PageV01P444
# وإلى هذا يذهب أبو علي بن الجنيد في الأحمدي، ومال القرض، ليس فيه زكاة
~~على المقرض، بل يجب على المستقرض، إن تركه بحاله حتى يحول عليه الحول، بغير
~~خلاف، بين أصحابنا في مال القرض، وإن تصرف فيه بتجارة وما أشبهها، لزمه
~~الزكاة استحبابا، إذا طلب برأس المال، أو الربح.
# ولا تجب في عروض التجارة الزكاة، لا منها ولا من قيمتها، على الصحيح من
~~أقوال أصحابنا، فإن قوما منهم يذهبون إلى وجوب الزكاة، فيها، يقومونها ذهبا
~~وفضة، ويخرجون من القيمة، إذا حال الحول، والأظهر من المذهب الأول، وقد روي
~~(1) أنه إن طلبت أمتعة التجارة من صاحبها بوضيعة، فلا زكاة عليه، وإن طلبت
~~بربح أو برأس المال، فأخر بيعها، فعليه الزكاة وهي سنة مؤكدة، غير واجبة.
# وكل ما يدخل الميزان والمكيال، ما عدا الفواكه، والخضر، من الحبوب،
~~وغيرها، مثل الدخن، والذرة، والقرطمان، والأرز، والسمسم، والباقلا، والفول،
~~وهو الباقلا والجلبان وهو الماش، والجلجلان، وهو السمسم، وقال بعض أهل
~~اللغة: هو الكزبرة، والدجر بالدال المفتوحة غير المعجمة، والجيم المسكنة،
~~والراء ms0322 غير المعجمة، وهو اللوبيا، والفث، بالفاء المفتوحة، والثاء المنقطة،
~~فوقها ثلاث نقط، وهو برر الأشنان (2)، والثفاء، بالثاء المنقطة، فوقها ثلاث
~~نقط المضمومة، والفاء وهو الخردل، وبرزقوطنا، وحب الرشاد، والجزر، والترمس،
~~وهو الباقلي المصري وبرز الكتان، والقطنية وهو ما يقطن في البيوت من
~~الحبوب، (مثل العدس، والحمص) بكسر القاف، وتسكين الطاء، وما أشبه ذلك،
~~يستحب أن يخرج منه الزكاة، سنة مؤكدة، إذا بلغ مقادير ما يجب فيه الزكاة من
~~الغلات.
# وأما الإبل، والبقر، والغنم، فليس في شئ منها زكاة إلا إذا كانت سائمة،
# PageV01P445
# طول الحول بكماله، ولا يعتبر الأغلب في ذلك.
# ولا زكاة في شئ من العوامل، ولا المعلوف (1)، فإن كانت المواشي معلوفة أو
~~للعمل في بعض الحول، وسائمة في بعضه، حكم بالأغلب، فإن تساويا فالأحوط
~~إخراج الزكاة، هذا قول شيخنا أبي جعفر في مبسوطه (2) ومسائل خلافه (3)، ثم
~~قال في أثناء ذلك في مبسوطه: وإن قلنا لا تجب فيها الزكاة، كان قويا، لأنه
~~لا دليل على وجوب ذلك في الشرع أو الأصل براءة الذمة.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: نعم ما قال شيخنا أخيرا، فإن ما قواه هو
~~الصحيح الذي لا يجوز خلافه، وما قاله في صدر المسألة، أضعف وأوهن من بيت
~~العنكبوت.
# وحكم الجواميس، حكم البقر، على ما قدمناه، وكذلك حكم المعز، حكم الضان،
~~وقد قدمنا أيضا ذلك.
# وأما الخيل، ففيها الزكاة مستحبة، بشرط أن تكون إناثا سائمة، لا يلزم
~~مالكها عنها مؤنة، فإن لزمته عنها مؤنة، فليس فيها شئ مستحب.
# وما تجب فيه الزكاة على ضربين، منه ما يعتبر مع ملك النصاب، حول الحول
~~عليه، وهو الدنانير، والدراهم، والإبل، والبقر، والغنم، وما عدا ذلك لا
~~اعتبار للحول فيه، بل بلوغ حد النصاب فيه.
# ويجوز إخراج القيمة عندنا في الزكاة، دون العين المخصوصة، فأما الكفارات
~~فلا يجوز إخراج القيم فيها.
# باب المقادير التي تجب فيها الزكاة وكمية ما تجب أما الذهب، فليس في شئ
~~منه زكاة، ما لم يبلغ عشرين مثقالا، فإذا بلغ
# PageV01P446
# ذلك، على الصفة المتقدم بيانها، كان ms0323 فيه نصف دينار.
# وقال بعض أصحابنا، وهو ابن بابويه، في رسالته: أنه لا يجب في الذهب
~~الزكاة، حتى يبلغ أربعين مثقالا (1). وهذا خلاف إجماع المسلمين، ثم ليس فيه
~~شئ، ما لم يزد أربعة دنانير، على العشرين الأولة، فإذا زاد ذلك كان فيه
~~قيراطان، مضافان إلى ما في العشرين دينارا، وهو نصف دينار، ثم على هذا
~~الحساب، في كل عشرين نصف دينار، وفي كل أربعة بعد العشرين، قيراطان بالغا
~~ما بلغ الذهب.
# وأما زكاة الفضة، فليس فيها شئ، ما لم تبلغ مائتي درهم، فإذا بلغت ذلك،
~~كان فيها خمسة دراهم، ثم ليس فيها شئ، إلى أن تزيد أربعين درهما، فإن زادت
~~ذلك، كان فيها درهم (2). ثم على هذا الحساب، كلما زادت أربعين درهما كان
~~فيها زيادة درهم، بالغا ما بلغت، وليس فيما دون الأربعين بعد المائتين شئ
~~من الزكاة.
# وقال بعض أصحابنا: وإذا خلف الرجل دراهم أو دنانير، نفقة لعياله، لسنة،
~~أو سنتين، أو أكثر من ذلك، وكان مقدار ما تجب فيه الزكاة، وكان الرجل
~~غائبا، لم تجب فيها زكاة، فإن كان حاضرا، وجبت عليه الزكاة فيها، ذكر ذلك
~~شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته (3)، وهذا غير واضح بل حكمه حكم
~~المال الغائب، إن قدر على أخذه، متى أراده، بحيث متى رامه أخذه، فإنه يجب
~~عليه فيه الزكاة، سواء كان نفقة، أو مودعا، أو كنزه في كنز، فإنه ليس بكونه
~~نفقة، خرج من ملكه، ولا فرق بينه وبين المال الذي له في يد وكيله، ومودعه،
~~وخزانته، وإنما أورده في نهايته إيرادا لا اعتقادا، فإنه خبر من أخبار
~~الآحاد، لا يلتفت إليه.
# وأما زكاة الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، فعلى حد سواء، وليس في
# PageV01P447
# شئ من هذه الأجناس زكاة، ما لم يبلغ كل جنس منها على حدته، خمسة أوسق،
~~ومبلغه الفان وسبعمائة، رطل، بالبغدادي، بعد إخراج المؤن المقدم ذكرها،
~~أولا ومقاسمة السلطان، إن كانت الأرض خراجية، فإذا بلغ ذلك، كان فيه العشر،
~~إن كان سقى سيحا، أو شرب بعلا، والبعل الذي ms0324 يشرب بعروقه، فيستغني عن السقي،
~~يقال قد استبعل النخل، قال أبو عمرو البعل، والعذي واحد، وهو ما سقته
~~السماء، وقال الأصمعي: العذي ما سقته السماء، والبعل ما شرب بعروقه من غير
~~سقي.
# وإن كان مما قد سقي بالغرب، والدوالي، والنواضح، وما أشبه ذلك كان فيه
~~نصف العشر.
# وإن كان مما سقي سيحا، وغير سيح، اعتبر الأغلب في سقيه، فإن كان سقيه
~~سيحا أكثر، كان حكمه حكم ما يؤخذ منه العشر، وإن كان سقيه بالغرب والدوالي
~~وما أشبههما أكثر، كان حكمه حكمه، يؤخذ منه نصف العشر، فإن استويا في ذلك،
~~يؤخذ من نصفه بحساب العشر، ومن النصف الآخر بحساب نصف العشر، وما زاد على
~~خمسة أوسق، كان حكمه حكم الخمسة الأوسق، في أن يؤخذ منه العشر، أو نصف
~~العشر، قليلا كان أو كثيرا.
# وأما زكاة الإبل، فليس في شئ منها زكاة إلى أن تبلغ خمسا. فإذا بلغت ذلك
~~كان فيها شاة، وليس فيما زاد عليها شئ، إلى أن تبلغ عشرا. فإذا بلغت ذلك،
~~كان فيها شاتان، وليس فيما زاد عليها شئ، إلى أن تبلغ خمس عشرة.
# فإذا بلغت ذلك، كان فيها ثلاث شياه، ثم كذلك ليس فيها شئ، إلى أن تبلغ
~~عشرين. فإذا بلغت ذلك، كان فيها أربع شياه، ثم كذلك ليس فيها شئ، إلى أن
~~تبلغ خمسا وعشرين. فإذا بلغت ذلك، كان فيها خمس شياه.
# والشاة المخرجة عنها، إن كانت من الضأن، فأقل ما يجزي الجذع، محركة
~~الذال، وهو الذي تم له سبعة أشهر، وإن كانت من المعز، فلا تجزي إلا ما تم
~~له سنة، ودخل في جزء من الثانية. PageV01P448
# فإن زاد على خمس وعشرين واحدة، كانت فيها بنت مخاض، أو ابن لبون، وليس
~~فيها شئ بعد ذلك، إلى أن تبلغ خمسا وثلاثين، وتزيد واحدة، فإذا بلغت ذلك،
~~كان فيها بنت لبون، وليس فيها شئ، إلى أن تبلغ ستا وأربعين.
# فإذا بلغت ذلك، كان فيها حقة، وليس فيما زاد عليها شئ، إلى أن تبلغ إحدى
~~وستين. فإذا بلغت ذلك، كان ms0325 فيها جذعة، محركة الذال، ثم ليس فيها شئ، إلى أن
~~تبلغ ستا وسبعين. فإذا بلغت ذلك، كان فيها بنتا لبون، ثم ليس فيها شئ، إلى
~~أن تبلغ إحدى وتسعين، فإذا بلغت ذلك، كان فيها حقتان، ثم ليس فيها شئ إلى
~~أن تبلغ مائة وإحدى وعشرين. فإذا بلغت ذلك، تركت هذه العبرة، ويؤخذ من كل
~~خمسين، حقة، ومن كل أربعين بنت لبون.
# قال السيد المرتضى في انتصاره: إن الإبل، إذا بلغت مائة وعشرين، ثم زادت،
~~فلا شئ في زيادتها، حتى تبلغ مائة وثلاثين، فإذا بلغتها ففيها حقة واحدة.
# وابنتا لبون، وأنه لا شئ في الزيادة ما بين العشرين والثلاثين (1) هذا
~~آخر كلامه، رحمه الله.
# والذي تقتضيه أدلتنا، وتشهد به أصول مذهبنا، والمتواتر من الأخبار،
~~والإجماع منعقد عليه، ما ذكره شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، فإنه قال:
# مسألة: إذا بلغت الإبل مائة وعشرين، ففيها حقتان، بلا خلاف، وإذا زادت
~~واحدة، فالذي يقتضيه المذهب، أن تكون فيه ثلاث بنات لبون، إلى مائة
~~وثلاثين، ففيها حقة وبنتا لبون، إلى مائة وأربعين، ففيها حقتان وبنت لبون
~~(2) هذا آخر كلامه رحمه الله وهذا هو الصحيح المتفق عليه، المجمع، والسيد
~~المرتضى، قد رجع عما قاله، في جواب الناصريات (3)، وحقق ذلك، وناظر الفقهاء
~~على صحة مذهبنا.
# PageV01P449
# فإن كان الذي يجب عليه زكاة الإبل، ليس معه عين ما يجب عليه، جاز أن يعطي
~~قيمته، فإن لم يكن معه القيمة، وكان معه من غير السن الذي وجب عليه، جاز أن
~~يؤخذ منه، فإن كان دون ما يستحق عليه، أخذ منه مع ذلك ما يكون تماما للذي
~~وجب عليه. وإن كان فوق الذي يجب عليه، أخذ منه ورد عليه ما فضل له، مثال
~~ذلك، أنه إذا وجبت عليه بنت مخاض، وعنده ابن لبون، أخذ منه ذلك نصا، لا
~~بالقيمة عندنا، وليس عليه شئ، ولا له شئ، فإن كان عنده بنت لبون، وقد وجبت
~~عليه بنت مخاض، أخذت منه، وأعطاه المصدق بتشديدة واحدة على الدال، وهو
~~العامل، شاتين أو عشرين درهما. ms0326 فإن كانت قد وجبت عليه بنت لبون، وعنده بنت
~~مخاض، أخذت منه، وأخذ معها شاتان، أو عشرون درهما. وإذا وجبت عليه حقة،
~~وليست عنده، وعنده بنت لبون، أخذت منه، وأعطى معها شاتين، أو عشرين درهما.
~~وإن كانت قد وجبت عليه بنت لبون وعنده حقة، أخذت منه ورد عليه شاتان أو
~~عشرون درهما. وإذا أوجبت عليه جذعة، وليست عنده، وعنده حقة، أخذت منه وأعطى
~~معها شاتين أو عشرين درهما. فإن وجبت عليه حقة، وعنده جذعة، أخذت منه، ورد
~~عليه شاتان، أو عشرون درهما.
# وأما زكاة البقر، فليس في شئ منها زكاة، إلى أن تبلغ ثلاثين. فإذا بلغت
~~ذلك، كان فيها تبيع، أو تبيعة، وهو الذي تم له حول كامل، ودخل في جزء من
~~الثاني، وهو مخير بين الذكر والأنثى، ثم ليس فيما زاد عليها شئ، إلى أن
~~تبلغ أربعين. فإذا بلغت ذلك، كان فيها مسنة، وهي التي تم لها سنتان، ودخلت
~~في جزء من الثالث، ولا يجزي إلا الأنثى. وكل ما زاد على ذلك، كان هذا حكمه،
~~في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة، بالغا ما بلغت.
# وأما الغنم فليس فيها زكاة، إلى أن تبلغ أربعين. فإذا بلغت ذلك، كان فيها
~~شاة، ثم ليس فيها شئ إلى أن تبلغ مائة وعشرين. فإذا بلغت ذلك، PageV01P450
# وزادت واحدة كان فيها شاتان، إلى أن تبلغ مائتين. فإذا بلغت ذلك، وزادت
~~واحدة، كان فيها ثلاث شياه، إلى أن تبلغ ثلاثمائة، فإذا بلغت ذلك، وزادت
~~واحدة، طرحت هذه العبرة، وأخذ من كل مائة شاة، بالغا ما بلغت على الصحيح من
~~الأقوال، على ما قدمنا القول فيه.
# ومن حصل عنده من كل جنس تجب فيه الزكاة، أقل من النصاب الذي فيه الزكاة،
~~وإن كان لو جمع لكان أكثر من النصاب، والنصابين، لم يكن عليه شئ، حتى يبلغ
~~كل جنس الحد الذي تجب فيه الزكاة ولو أن إنسانا ملك من المواشي، ما تجب فيه
~~الزكاة، وإن كانت في مواضع متفرقة، وجب عليه فيها الزكاة.
# وإن ms0327 وجد في موضع واحد من المواشي، ما تجب فيه الزكاة لملاك جماعة، لم يكن
~~عليهم فيها شئ على حال، وقول الرسول عليه السلام للعامل: لا تجمع بين
~~متفرق، ولا تفرق بين مجتمع (1) يريد به، لا تجمع بين متفرق في الأملاك، حتى
~~تأخذ منه الزكاة، وقوله لا تفرق بين مجتمع يريد به في الملك، حتى لا يأخذ
~~منه الزكاة، لا ما يذهب إليه المخالف.
# ولا بأس أن يخرج الإنسان ما يجب عليه من الزكاة، من غير الجنس الذي تجب
~~فيه بقيمته، وإن أخرج من الجنس كان أفضل.
# باب الوقت الذي تجب فيه الزكاة لا زكاة في الذهب والفضة، حتى يحول عليهما
~~الحول، بعد حصولهما في الملك، فإن كان مع إنسان مال، أقل مما تجب فيه
~~الزكاة، ثم أصاب تمام
# PageV01P451
# النصاب، في وسط الحول، فليس عليه فيه الزكاة، حتى يحول على الجميع الحول.
# من وقت كمال النصاب، وإذا استهل هلال الثاني عشر، فقد حال على المال
~~الحول، ووجبت الزكاة في المال ليلة الهلال، لا باستكمال جميع الشهر الثاني
~~عشر، بل بدخول أوله.
# فإن أخرج الإنسان المال عن ملكه، أو تبدلت أعيانه، سواء كان البدل من
~~جنسه، أو غير جنسه قبل استهلال الثاني عشر، سقط عنه فرض الزكاة، وإن أخرجه
~~من ملكه بعد دخول الشهر الثاني عشر وجبت عليه الزكاة، وكانت في ذمته، إلى
~~أن يخرج منه.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله، في بعض تصنيفه: أنه إن بادل
~~بجنسه، بنى على الحول المبدل، وإن بادل بغير جنسه فلا يبني على الحول
~~المبدل، والصحيح ما قلناه، لأن هذه الطريقة، تفريع المخالف، ومقالته، ذكره
~~في المبسوط (1) ومسائل الخلاف (2)، ومن المعلوم أنه رحمه الله يذكر في هذا
~~الكتاب، أقوال المخالفين ولا يميز قولنا من قولهم، فأما نصوص أصحابنا،
~~وكتبه كتب الأخبار، وروايات أصحابنا، فإنه رحمه الله ا لم يتعرض فيه لشئ من
~~ذلك، لأنها خالية من ذلك، وكذلك باقي أصحابنا المصنفين، لم يتعرضوا فيها
~~لشئ، ولا أورده أحد منهم.
# وأيضا إجماعنا، بخلاف ما ذهب ms0328 إليه في مبسوطه، وأصول مذهبنا منافية لذلك،
~~لأنهم عليهم السلام أو جبوا الزكاة في الأعيان، دون غيرها من الذمم، بشرط
~~حؤول الحول على العين، ومن أوله إلى آخره، فيما يعتبر فيه الحول، ومن
~~المعلوم أن عين البدل غير عين المبدل، وإن إحداهما لم يحل عليها الحول
~~وأيضا الأصل براءة الذمة فمن شغلها بشئ يحتاج إلى دليل.
# PageV01P452
# وأما الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، فلها أحوال ثلاثة: حال تجب فيها،
~~ولا يجب الإخراج، ولا الضمان. وحال تجب فيها، ويجب الإخراج، ولا يجب
~~الضمان. وحال يجب فيها، ويجب الإخراج. ويجب الضمان.
# فالحالة الأولة، عند اشتداد الحب، واحمرار البسر، وانعقاد الحصرم، فإنه
~~تجب فيها الزكاة، ولا يجب الإخراج منها، وإن حضر المستحق، ولا يجب الضمان
~~إن تلفت، والذي يدل على أن الزكاة تجب فيها، أن مالكها إذا باعها بعد بدو
~~الصلاح، فإن الزكاة عليه، دون المشتري، ولو باعها قبل بدو الصلاح، كانت
~~الزكاة على المشتري، إذا بدا الصلاح فيها وهي على ملكه.
# فأما الحالة الثانية، فعند الذراوة، والكيل، والتصفية، والجداد بفتح
~~الجيم، وبالدالين غير المعجمتين، وبعض المتفقهة يقول بالذالين المعجمتين،
~~والأول قول أهل اللغة، وإليهم المرجع في ذلك، والصرام بشرط التشميس، والوزن
~~تمرا فإنه يجب الإخراج إذا حضر المستحق، ولا يجب الضمان إذا لم يحضر
~~المستحق.
# فأما الحالة الثالثة، فإنه إذا حضر المستحق، ولم يعطه المالك، وذهب
~~المال، فإنه يجب عليه الضمان، لأنه يجب عند هذه الحالة، الإخراج، ويجب
~~الضمان إذا لم يخرجها.
# فإذا أخرج زكاة هذه الغلات، والثمار الأربع، فليس فيها بعد ذلك شئ، وإن
~~حال عليها حول وأحوال.
# وأما الإبل، والبقر، والغنم، فليس في شئ منها زكاة، حتى يحول عليها
~~الحول، من يوم يملكها وكل ما لم يحل عليها الحول، من صغار الإبل، والبقر،
~~والغنم، لا يجب فيها الزكاة، ولا يعد مع أمهاته، ولا منفردا.
# ولا يجوز تقديم الزكاة قبل دخول وقتها. فإن حضر مستحق لها، قبل وجوب
~~الزكاة جاز أن يعطى شيئا، ويجعل دينا عليه، وقرضا. فإذا جاء الوقت، وهو على
~~الصفة ms0329 التي يستحق معها الزكاة، احتسب بذلك من الزكاة إن شاء وإن كان قد
~~استغنى بعينها، فيجوز أن يحتسب بذلك من الزكاة، وإن كان قد PageV01P453
# استغنى بغيرها، فلا يجوز أن يحتسب بذلك من الزكاة، وكان على صاحب المال
~~أن يخرجها من رأس، مستأنفا.
# وقال بعض أصحابنا (1): وكان على صاحب المال أن يخرجها من الرأس، والأولى
~~عند أهل اللغة، أن يقال من رأس بغير ألف ولام، ولا يقال من الرأس، ويجعلونه
~~فيما يخطي فيه العامة.
# وإذا حال الحول، فعلى الإنسان أن يخرج ما يجب عليه، إذا حضر المستحق، فإن
~~أخر ذلك، إيثارا به مستحقا، غير من حضر، فلا إثم عليه بغير خلاف، إلا أنه
~~إن هلك قبل وصوله إلى من يريد إعطاؤه إياه، فيجب على رب المال الضمان.
# وقال بعض أصحابنا: إذا حال الحول، فعلى الإنسان أن يخرج ما يجب عليه على
~~الفور، ولا يؤخره، فإن أراد على الفور، وجوبا مضيقا، فهذا بخلاف إجماع
~~أصحابنا، لأنه لا خلاف بينهم، في أن للإنسان أن يخص بزكاته فقيرا دون فقير،
~~ولا يكون مخلا بواجب، ولا فاعلا لقبيح، وإن أراد بقوله على الفور، يريد به
~~أنه إذا حضر المستحق، فإنه يجب عليه إخراج الزكاة، فإن لم يخرجها طلبا
~~وإيثارا بها لغير من حضر من مستحقها، وهلك المال، فإنه يكون ضامنا وتجب
~~عليه الغرامة للفقراء، فهذا الذي ذهبنا إليه، واخترناه.
# فإن عدم المستحق له، عزله من ماله، وانتظر به المستحق، فإن هلك بعد عزله،
~~من غير تفريط، فلا ضمان، ولا غرامة، فإن حضرته الوفاة، وصى به أن يخرج عنه.
# وما روي عنهم عليم السلام، من الخبار، في جواز تقديم الزكاة، وتأخيرها
~~(2)، فالوجه فيه ما قدمناه، في أن ما تقدم، يجعل قرضا، ويعتبر فيه ما
~~ذكرناه، وما يؤخر منه، إنما يؤخر انتظارا لمستحق، فأما مع وجوده فالأفضل
# PageV01P454
# إخراجه إليه على البدار، هكذا أورده وذكره شيخنا أبو جعفر في نهايته (1)،
~~وهو الذي قال في هذا الباب: وإذا حال الحول، فعلى الإنسان أن يخرج ما يجب
~~عليه، على الفور ms0330 ولا يؤخره.
# قال محمد بن إدريس: وقد ذكرنا ما عندنا في ذلك، وتكلمنا عليه قبل هذا،
~~والذي ذهب شيخنا إليه أخيرا، هو الصحيح الذي يقتضيه الأدلة، وظواهر النصوص
~~والإجماع.
# قال بعض أصحابنا في كتاب له: إذا أيسر من دفع إليه شئ من الزكاة، قبل
~~وجوبها، على جهة القرض، ثم حال الحول، وهو موسر، فإن كان أيسر بغير ما دفع
~~إليه من المال، فلا يجوز لمن وجبت عليه الزكاة، الاحتساب بها، ولا يجزي
~~عنه، وإن كان أيسر واستغنى بما دفع إليه، فإنها تجزي عن دافع الزكاة.
# قال محمد بن إدريس: الذي يقتضيه الأدلة، ويحكم بصحته النظر، وأصول المذهب
~~أنه إذا كان عند حؤول الحول، غنيا، فلا يجزي عن الدافع، لأن الزكاة لا
~~يستحقها الغني، سواء كان غناه بها، أو بغيرها، على كل حال، لأنه وقت الدفع
~~والاحتساب غني، وله مال وهو القرض، لأن المستقرض يملك مال القرض، دون
~~القارض بلا خلاف بيننا، وهو حينئذ غني، وعندنا أن من عليه دين، وله من
~~المال الذهب والفضة بقدر الدين، وكان ذلك المال الذي معه نصابا، فلا يعطى
~~من الزكاة، ولا يقال أنه فقير يستحق الزكاة، بل يجب عليه إخراج الزكاة مما
~~معه، لأن الدين عندنا لا يمنع من وجوب الزكاة، لأن الدين في الذمة، والزكاة
~~في العين.
# باب مستحق الزكاة وأقل ما يعطى منها وأكثر الذي يستحق الزكاة، هم
~~الثمانية الأصناف الذين ذكرهم الله تعالى في
# PageV01P455
# محكم التنزيل وهو قوله تعالى: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين
~~والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن
~~السبيل " (1).
# فأما الفقير فهو الذي لا شئ معه، وأما المسكين فهو الذي له بلغة من
~~العيش، لا يكفيه طول سنته وقال بعض أصحابنا عكس ذلك، وهو شيخنا أبو جعفر
~~الطوسي رحمه الله في نهايته (2) وقال في جمله وعقوده (3) وفاق ما ذهبنا
~~إليه، واخترناه، وهكذا في مسائل خلافه (4)، ومبسوطه (5)، وهو الصحيح من
~~أقوال أهل اللغة والفقهاء، لأن بين الفريقين اختلاف في ذلك، والذي يدل على
~~صحة ذلك قوله ms0331 تعالى: " أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر " (6)
~~فسماهم مساكين، ولهم سفينة بحرية، تساوي جملة من المال، وهذا بخلاف ما يذهب
~~إليه المخالف في المسألة، وقوله تعالى: " إنما الصدقات للفقراء " ووجه
~~الدلالة من الآية أن القرآن نزل على لسان العرب، ولغتها، ومذاهبها،
~~ومخاطباتها، وموضوع كلامها، والعرب تبدأ بالأهم فالأهم، فلما كان الفقير
~~أسوأ حالا من المسكين، بدأ به تعالى، ولا يلتفت إلى قول الشاعر:
# - أما الفقير الذي كانت حلوبته * وفق العيال فلم يترك له سبد - لأنه لا
~~يجوز العدول عن الآيتين من القرآن إلى بيت شعر. وأيضا فالبيت المتمسك به،
~~ليس فيه دلالة على موضع الخلاف، لأن كل واحد من الفقير والمسكين، إذ ذكر
~~على الانفراد، دخل الآخر فيه، وإنما يمتاز أحدهما عن الآخر، ويحتاج إلى
~~الفرق إذا اجتمعا في اللفظ، وآيات القرآن جمعتهما في اللفظ.
# وأما العاملون عليها، فهم الذين يسعون في جباية الصدقات.
# PageV01P456
# وأما المؤلفة قلوبهم: فهم الذين يتألفون يستمالون إلى الجهاد، فإنهم
~~يعطون سهما من الصدقات، مع الغنى، والفقر، والكفر، والإسلام، والفسق، لأنهم
~~على ضربين مؤلفة الكفر ومؤلفة الإسلام.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله: المؤلفة ضرب واحد وهي مؤلفة
~~الكفر، والأول مذهب شيخنا المفيد، وهو الصحيح، لأنه يعضده ظاهر التنزيل
~~وعموم الآية، فمن خصصها يحتاج إلى دليل، والعامل يعطى مع الغنى والفقر، ولا
~~يجوز أن يعطى مع الفسق، ولا يكون من بني هاشم، لأن عمالة الصدقات حرمها
~~الرسول عليه السلام على بني هاشم قاطبة، لأنهم لا يجوز لهم أن يأخذوا
~~الصدقة المفروضة. وقال قوم: يجوز ذلك، لأنهم يأخذون على وجه العوض،
~~والأجرة، فهو كسائر الإجارات، والأول هو الصحيح، لأن الفضل بن العباس،
~~والمطلب بن ربيعة، سألا النبي، صلى الله عليه وعلى آله أيوليهما العمالة،
~~فقال لهما: الصدقة، إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد وآل محمد هذا
~~إذا كانوا متمكنين من الأخماس، فأما إذا لم يكونوا كذلك، فإنه يجوز لهم أن
~~يتولوا الصدقات، ويجوز لهم أيضا أخذ الزكوات الواجبات عند الحاجة
~~والاضطرار.
# فأما موالي ms0332 بني هاشم، فإنه يجوز لهم أن يتولوا العمالة، ويجوز لهم أن
~~يأخذوا من الزكوات، بلا عمالة.
# وسهم المؤلفة والعمال ساقط اليوم لأن المؤلف إنما يتألفه الإمام، ليجاهد
~~معه والعامل إنما يبعثه الإمام، لجباية الصدقات.
# وفي الرقاب وهم العبيد عندنا، والمكاتبون بغير خلاف، ويعتبر فيهم الإيمان
~~والعدالة.
# والغارمون، وهم الذين ركبتهم الديون، في غير معصية، ولا فساد.
# وفي سبيل الله، وهو كل ما يصرف في الطريق التي يتوصل بها إلى رضى الله
~~وثوابه، ويدخل في ذلك الجهاد، وغيره من جميع أبواب البر، للقرب إلى
~~PageV01P457
# الله تعالى، من معونة الحاج، والزوار، وتكفين الموتى، وبناء المساجد،
~~والقناطر، وغير ذلك.
# وبعض أصحابنا، يقصر السهم على الجهاد، فحسب، ذهب إلى ذلك شيخنا أبو جعفر
~~رحمه الله في نهايته (1) والأظهر الأصح، ما اخترناه أولا، لأنه يعضده ظاهر
~~التنزيل، وعموم الآية، والمخصص يحتاج إلى دليل، وشيخنا أبو جعفر رجع عما في
~~نهايته، في مسائل خلافه (2)، فقال بما قلناه، واخترناه.
# وابن السبيل، وهو المنقطع به، يقال المنقطع، بفتح الطاء، ولا يقال
~~المنقطع بكسر الطاء، في الأسفار، ويكون محتاجا في الحال، وإن كان له يسار
~~في بلده وموطنه.
# وقال بعض أصحابنا في كتاب له: إذا أقام هذا، في بلد بنية المقام عشرة
~~أيام، خرج من أن يكون ابن سبيل. وهذا ليس بواضح، وإنما يخرج من حكم
~~المسافرين، في تقصير الصوم والصلاة، ولا يخرج من كونه ابن سبيل، ولا منقطعا
~~به، لحاجته إلى النفقة إلى وطنه، إلا أن يعزم على الاستيطان في هذا البلد،
~~ويترك السفر إلى بلده، ونزوعه إليه، ويستوطن غيره، فحينئذ يخرج من كونه ابن
~~السبيل.
# ويعتبر فيه الإيمان والعدالة، وأن لا يقدر على الاكتساب، بقدر ما ينهضه
~~إلى بلده ومؤنته.
# وإذا كان الإمام ظاهرا أو من نصبه الإمام حاصلا، فيستحب حمل الزكاة إليه،
~~ليفرقها على هذه الأصناف الثمانية، ويقسم بينهم على حسب ما يراه.
# ولا يلزمه أن يجعل لكل صف، جزء من ثمانية، بل يجوز له تفضيل بعض منهم على
~~بعض.
# PageV01P458
# وإذا لم يكن الإمام ظاهرا، ولا ms0333 من نصبه الإمام حاصلا، فرقها الإنسان
~~بنفسه، على ستة أصناف، ويسقط بعض السادس، لا جميعه، على ما حررناه وشرحناه.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته (1) إذا لم يكن الإمام ظاهرا، ولا من نصبه
~~الإمام حاصلا، فرقت الزكاة على خمسة أصناف، من الذين ذكرناهم، وهم الفقراء
~~والمساكين وفي الرقاب والغارمون وابن السبيل، ويسقط سهم المؤلفة قلوبهم،
~~وسهم السعاة، وسهم الجهاد، وقد قلنا نحن إن السهم الذي هو في سبيل الله،
~~ليس هو مخصوصا بالجهاد، على انفراده دون غيره من أبواب البر، قال رحمه
~~الله: لأن هؤلاء لا يوجدون إلا مع ظهور الإمام، لأن المؤلفة إنما يتألفهم
~~الإمام ليجاهدوا معه، والسعاة إنما يكونون أيضا من قبله في جمع الزكوات،
~~والجهاد أيضا إنما يكون به أو بمن نصبه، فإذا لم يكن ظاهرا، ولا من نصبه،
~~فرق فيمن عداهم.
# والذين يفرق فيهم الزكاة اليوم، ينبغي أن يحصل فيهم مع إحدى الصفات
~~الأصلية، وهي المسكنة والفقر، وكونه ابن سبيل، وكونه غارما، أن ينضاف خمس
~~صفات أخر إلى الصفة الأصلية، فتجتمع فيه ست صفات، وهي الفقر، والإيمان،
~~والعدالة، أو حكمهما (2)، وأن لا يقدر على الاكتساب الحلال بقدر ما يقوم
~~بأوده، وسد خلته وأود من يجب عليه نفقته، والأود بفتح الواو، الاعوجاج، ولا
~~يكون من بني هاشم، مع تمكنهم من أخماسهم، ومستحقاتهم، ولا يكون ممن يجبر
~~المعطى على نفقته، وهم العمودان، الآباء، وإن علوا، والأبناء وإن سفلوا،
~~والزوجة، والمملوك، فإن لم يكونوا كذلك، فلا يجوز أن يعطوا منها شيئا، فمن
~~أدى زكاته لغير من سميناه، مع العلم بحاله، فإنه لا تبرأ ذمته، مما وجب
~~عليه بغير خلاف، ووجب عليه إخراجها ثانيا بغير خلاف أيضا، وإن لم يعرفه (3)
~~فقد برئت ذمته، وأخذها من أخذها حراما، إذا علم إنها من الزكاة، وإنه غير
~~مستحق لها.
# PageV01P459
# ولو أن مخالفا أخرج زكاته إلى أهل معتقده، من الإسلاميين، ثم استبصر،
~~وعاد إلى الحق، كان عليه إعادة الزكاة، دون سائر ما فعله من العبادات
~~الشرعيات، قبل رجوعه واستبصاره، لأن الزكاة حق للآدميين، وباقي ms0334 العبادات حق
~~لله تعالى، وقد فعلها على ما كان يعتقده.
# ولا بأس أن يعطى الزكاة أطفال المؤمنين، سواء كان آباؤهم المؤمنون فساقا،
~~أو عدولا، وكل خطاب دخل فيه المؤمنون، دخل فيه من جمع بين الفسق والإيمان،
~~وإلى هذا ذهب السيد المرتضى في الطبريات (1) وشيخنا أبو جعفر الطوسي في
~~التبيان (2)، وستراه محققا محررا في باب الوقوف من كتابنا هذا (3) إن شاء
~~الله تعالى، وهو الصحيح الذي لا خلاف فيه من محصل.
# ولا يجوز أن يعطى أطفال مخالفي الحق، من سائر الأديان.
# ومتى لم يجد من وجبت عليه الزكاة، مستحقا لها في بلده، وبعث بها إلى بلد
~~آخر، لتفرق هناك، فأصيبت في الطريق، وكان الطريق آمنا، لم تظهر فيه أمارة
~~الخوف، فقد أجزأت عنه، وإن كان قد وجد لها في بلده مستحقا، فلم يعطه، وآثر
~~من يكون في بلد آخر، كان ضامنا لها، إن هلكت، ووجب عليه إعادتها.
# ومن وصي إليه بإخراج الزكاة، أو أعطي شيئا منها ليفرقه على مستحقه، فوجده
~~ولم يعطه من غير عذر أباح له التأخير، ثم هلكت، كان ضامنا للمال.
# ولا تحل الصدقة الواجبة في الأموال لبني هاشم قاطبة، قال شيخنا أبو جعفر
~~الطوسي في نهايته: وهم الذين ينتسبون إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وجعفر
~~بن أبي طالب، وعقيل بن أبي طالب، وعباس بن عبد المطلب (4).
# قال محمد بن إدريس: وهذا القول ليس بواضح، والصحيح إن قصي بن
# PageV01P460
# كلاب، واسمه زيد، وكان يسمى مجمعا، لأنه جمع قبائل قريش، وأنزلها مكة،
~~وبنى دار الندوة، ولد عبد مناف، وعبد الدار، وعبد العزى وعبدا.
# فأما عبد مناف، فاسمه المغيرة، فولد هاشما، وعبد شمس، والمطلب ونوفلا
~~وأبا عمرو. فأما هاشم بن عبد مناف، فولد عبد المطلب، وأسدا وغيرهما، ممن،
~~لم يعقب، فولد عبد المطلب عشرة من الذكور، وست بنات أسماؤهم، عبد الله وهو
~~أب النبي عليه السلام، والزبير، وأبو طالب، واسمه عبد مناف، والعباس،
~~والمقوم، وحمزة، وضرار، وأبو لهب، واسمه عبد العزى، والحرث، والغيداق،
~~واسمه جحل، الجيم قبل الحاء، بفتح الجيم، وسكون ms0335 الحاء، والجحل، اليعسوب
~~العظيم، وأسماء البنات، عاتكة، وأميمة، والبيضاء، وبرة، وصفية، وأروى،
~~هؤلاء الذكور والإناث لأمهات شتى، فلم يعقب هاشم إلا من عبد المطلب عليه
~~السلام ولم يعقب عبد المطلب من جميع أولاده الذكور، إلا من خمسة، وهم عبد
~~الله، وأبو طالب، والعباس والحرث، وأبو لهب، فجميع هؤلاء، وأولاد هؤلاء،
~~تحرم عليهم الزكاة الواجبة، مع تمكنهم من أخماسهم، ومستحقاتهم على ما
~~قدمناه، وهؤلاء بأعيانهم أيضا مستحقوا الخمس، وإلى ما حررناه واخترناه،
~~يذهب شيخنا في مسائل خلافه (1) وإنما أورده إيردا في نهايته، للحديث
~~الواحد، لا اعتقادا.
# فأما ما عدا صدقة الأموال الواجبة، فلا بأس أن يعطوا إياها، ولا بأس أن
~~يعطوا صدقة الأموال مواليهم، ولا بأس أن يعطي بعضهم بعضا، صدقة الأموال
~~الواجبة، في حال تمكنهم من مستحقاتهم، وإنما يحرم عليهم صدقة من ليس من
~~نسبهم.
# ولا يجوز أن يعطى الزكاة لمحترف، يقدر على اكتساب ما يقوم بأوده، وأود
# PageV01P461
# عياله على ما قدمناه، فإن كانت صناعته لا تقوم به، جاز له أن يأخذ ما
~~يتسع به على أهله.
# واختلف أصحابنا فيمن يكون معه مقدار من المال، ويحرم عليه تملك (1) ذلك
~~المال أخذ الزكاة، فقال بعضهم: إذا ملك نصابا من الذهب، وهو عشرون دينارا،
~~فإنه يحرم عليه أخذ الزكاة، وقال بعضهم: لا تحرم على من ملك سبعين دينارا.
~~وقال بعضهم: لا أقدره بقدر، بل إذا ملك من الأموال ما يكون قدر كفايته
~~لمؤنته، طول سنته على الاقتصاد فإنه يحرم عليه أخذ الزكاة، سواء كانت (2)
~~نصابا، أو أقل من نصاب، أو أكثر من النصاب، فإن لم يكن بقدر كفايته سنته
~~فلا يحرم عليه أخذ الزكاة، وهذا هو الصحيح، وإليه ذهب شيخنا أبو جعفر
~~الطوسي رحمه الله في مسائل الخلاف.
# ومن ملك دارا يسكنها بقدر حاجته، وخادما يخدمه، جاز له أن يقبل الزكاة،
~~فإن كانت داره، دار غلة تكفيه ولعياله، لم يجز له أن يقبل الزكاة، فإن لم
~~تكن له في غلتها كفاية، جاز له أن يقبل الزكاة.
# وقد روي (3) أنه ينبغي، أن يعطى ms0336 زكاة الذهب والفضة، للفقراء والمساكين
~~المعروفين بذلك ويعطى زكاة الإبل والبقر والغنم أهل التجمل، فإن عرف
~~الإنسان من يستحق الزكاة، وهو يستحي من التعرض لذلك، ولا يؤثر أن تعلمه
~~أنها من الزكاة، جاز لك أن تعطيه الزكاة، وإن لم تعلمه أنه منها، وقد أجزأت
~~عنك، إذا نويت.
# وإن كان لك على إنسان دين، ولا يقدر على قضائه، وهو مستحق له، جاز لك أن
~~تقاصه من الزكاة، وكذلك إن كان الدين على ميت، جاز لك أن تقاصه منها، وإن
~~كان على أخيك المؤمن دين، وقد مات، جاز لك أن تقضي عنه من الزكاة، وكذلك إن
~~كان الدين على والدك، أو والدتك أو ولدك (4)، جاز لك أن
# PageV01P462
# تقضيه عنهم، سواء كانوا أحياء أو أمواتا، من الزكاة، لأن قضاء الدين لا
~~يجب أن يقضيه الولد عن الوالد، وإن كانت نفقته واجبة عليه، إلا أن قضاء
~~دينه غير واجب على من تجب عليه نفقته.
# وإذا صرفت سهما في الرقاب، وأعتق الذي اشتري من الزكاة، فإن أصاب بعد ذلك
~~مالا، ثم مات، ولا وارث له، كان ميراثه لأرباب الزكاة.
# وروي أن من أعطى غيره زكاة الأموال، ليفرقها على مستحقيها، وكان مستحقا
~~للزكاة، جاز له يأخذ منها بقدر ما يعطي غيره، اللهم إلا أن يعين موكله له
~~أعيانا بأسمائهم، فإنه لا يجوز له حينئذ أن يأخذ منها شيئا، ولا أن يعدل
~~عنهم إلى غيرهم.
# والأولى عندي ترك العمل بهذه الرواية، وإن كان قد أوردها شيخنا أبو جعفر
~~في نهايته (1)، إلا أنه حقق القول فيها، وفي أمثالها، في مبسوطه في الجزء
~~الثاني، فإنه قال: إذا وكله في إبراء غرمائه لم يدخل هو في الجملة، وكذلك
~~في حبس غرمائه، ومخاصمتهم، وكذلك إذا وكله في تفرقة ثلثه، في الفقراء
~~والمساكين، لم يجز له أن يصرف إلى نفسه من شيئا، وإن كان فقيرا مسكينا، لأن
~~المذهب الصحيح، إن المخاطب لا يدخل في أمر المخاطب إياه، في أمر غيره، فإذا
~~أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بأن يأمر أمته ms0337 أن يفعلوا كذا، لم
~~يدخل هو في ذلك الأمر (2) هذا آخر كلامه رحمه الله في مبسوطه وهو سديد في
~~موضعه.
# واختلف أصحابنا في أقل ما يعطى الفقير من الزكاة في أول دفعة، فقال بعض
~~منهم: أقله ما يجب في النصاب الأول، من سائر أجناس الزكاة. وقال بعض منهم:
~~أخصه بأول، نصاب الذهب والفضة، فحسب. وبعض قال: أقله
# PageV01P463
# ما يجب في النصاب الثاني من الذهب والفضة، وذهب بعض آخر إلى أنه يجوز أن
~~يعطى من الزكاة الواحد من الفقراء، القليل، والكثير، ولا يحد القليل بحد لا
~~يجزئ غيره، وهذا هو الأقوى عندي، لموافقته طاهر التنزيل، وإليه ذهب السيد
~~المرتضى رحمه الله، في جمل العلم والعمل (1)، وما روي من الأخبار (2) في
~~المقدار، فمحمول على الاستحباب، دون الفرض والإيجاب، ولأنه إذا آتاها في
~~الزكاة، وأخرجها قليلا، في دفعات عدة، فلا خلاف أنه ينطلق عليه اسم مؤت
~~ومعط، فإن الله تعالى قال: " أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " (3) وهذا قد
~~آتاها، وامتثل ما أمر به.
# وأيضا الأصل براءة الذمة، من المقادير والكيفيات، لأنها أمور شرعيات،
~~تحتاج في إثباتها إلى أدلة شرعية، ولا دليل على ذلك، لأن في المسألة بين
~~أصحابنا خلافا، على ما صورناه، وإذا لم يكن إجماع فيبقى الأصل، وهو براءة
~~الذمة.
# وليس لأكثر ما يعطى الفقير حد محدود، بل إذا أعطاه دفعة واحدة، فجائز له
~~ما أراد، ولو كان ألف قنطار.
# وقال شيخنا المفيد في مقنعته، في باب من الزيادات في الزكاة: وروى حماد
~~عن حريز عن بريد العجلي، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:
# بعث أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآله مصدقا، من الكوفة إلى باديتها،
~~ثم أورد الحديث بطوله، إلى قوله: ولا تعدل بهن عن نبت الأرض إلى جواد
~~الطرق، في الساعات التي تريح، وتعنق، وأرفق بهن جهدك (4).
# PageV01P464
# قال محمد بن إدريس، مصنف هذا الكتاب: سمعت من يقول: تريح وتغبق بالغين
~~المعجمة، والباء، يعتقده أنه من الغبوق، وهو الشرب بالعشي، وهذا تصحيف
~~فاحش، وخطأ قبيح، وإنما هو (1) بالعين غير المعجمة ms0338 المفتوحة، والنون
~~المفتوحة، وهو ضرب من سير الإبل، وهو سير شديد، قال الزاجر:
# - يا ناق سيري عنقا فسيحا * إلى سليمان فنستريحا - لأن معنى الكلام، أنه
~~لا تعدل بهن عن نبت الأرض إلى جواد الطرق، في الساعات التي لها فيها راحة،
~~ولا في الساعات التي عليها فيها مشقة، ولأجل هذا قال تريح من الراحة، ولو
~~كان فيها من الرواح، لقال تروح، وما كان يقول تريح، ولأن الرواح عند العشي
~~يكون قريبا منه، والغبوق هو شرب العشي، على ما ذكرناه، فلم يبق له معنى،
~~وإنما المعنى ما بيناه، وإنما أوردت هذه اللفظة في كتابي، لأني سمعت جماعة
~~من أصحابنا الفقهاء يصحفونها.
# باب وجوب زكاة الفطرة (2) ومن تجب عليه الفطرة واجبة على كل مكلف مالك
~~قبل استهلال شوال أحد الأموال الزكاتية، فأما من ملك غير الأموال الزكاتية،
~~فلا تجب عليه إخراج الفطرة، على الصحيح من الأقوال، وهذا مذهب جميع مصنفي
~~أصحابنا. ومذهب شيخنا أبي جعفر في سائر كتبه، إلا في مسائل خلافه (3)
~~والصحيح ما وافق فيه أصحابه، لأن الأصل براءة الذمة، فمن شغلها بشئ يحتاج
~~إلى دليل شرعي، ويلزمه أن يخرجها عنه، وعن جميع من يعول، ممن نجب عليه
~~نفقته، أو من يتطوع بها عليه، من صغير وكبير، حر وعبد، ذكر وأنثى، ملي، أو
~~كتابي، ويجب عليه إخراج الفطرة عن عبده، سواء كان آبقا أو غير آبق، مغصوبا
~~أو غير مغصوب،
# PageV01P465
# لعموم أقوال أصحابنا، وإجماعهم على وجوب إخراج الفطرة عن العبيد، وكذلك
~~تجب إخراج الفطرة عن الزوجات، سواء كن نواشز أو لم يكن، وجبت النفقة عليهن
~~أو لم يجب، دخل بهن، أو لم يدخل، دائمات أو منقطعات، للإجماع والعموم، من
~~غير تفصيل من أحد من أصحابنا، فأما الأولاد والوالدان، فإن كانوا في عياله
~~وضيافته، فيجب عليه إخراج الفطرة عنهم، وإن لم يكونوا في عيلته وضيافته،
~~فلا يجب عليه إخراج الفطرة عنهم، سواء وجبت نفقتهم عليه، أو لم تجب، بخلاف
~~الزوجات والعبيد، على ما قدمناه، لأن أصحابنا خصوا ذلك، وأجمعوا عليه، وذكر
~~شيخنا أبو ms0339 جعفر في مبسوطه قال: ويلزم الرجل إخراج الفطرة عن خادم زوجته
~~(1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: لا يلزمه ذلك، إلا إذا كان الخادم في عيلته
~~وضيافته، إذا لم يملكه، فليلحظ ذلك ويتأمل تأملا جيدا.
# ويجب إخراج الفطرة عن الضيف، بشرط أن يكون آخر الشهر في ضيافته، فأما إذا
~~أفطر عنده مثلا ثمانية وعشرين يوما، ثم انقطع باقي الشهر، فلا فطرة على
~~مضيفه، فإن لم يفطر عنده إلا في محاق الشهر، وأخره، بحيث يتناوله اسم ضيف،
~~فإنه يجب عليه إخراج الفطرة عنه، ولو كان إفطاره عنده، في الليلتين
~~الأخيرتين فحسب.
# وإن رزق ولدا في شهر رمضان، وجب عليه أن يخرج عنه إذا رزقه في جزء من
~~نهار شهر رمضان، وإن رزقه بعد خروج شهر رمضان، فإنه لا يجب عليه إخراج
~~الفطرة، بل يستحب ذلك، ولو كان ذلك قبل الزوال من يوم العيد، فأما إذا ولد
~~بعد الزوال فلا يجب ولا يستحب.
# وكذلك من أسلم ليلة الفطر، أو يوم الفطر، قبل الزوال، يستحب له أن يخرج
~~زكاة الفطرة، وليس ذلك بفرض، فإن كان إسلامه في جزء من نهار
# PageV01P466
# رمضان، وجب عليه أيضا إخراج الفطرة.
# ومن لا يملك أحد الأموال الزكاتية، يستحب له أن يخرج زكاة الفطرة أيضا عن
~~نفسه وعن جميع من يعول، فإن كان ممن يحل له أخذ الفطرة، أخذها، ثم أخرجها
~~عن نفسه وعن عياله، فإن كان به حاجة شديدة إليها، فليدر ذلك على من يعوله،
~~حتى ينتهي إلى آخرهم، ثم يخرج رأسا واحدا إلى غيرهم، وقد أجزأ عنهم كلهم.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مبسوطه: وإذا كان له مملوك
~~غائب، يعرف حياته، وجبت عليه فطرته، رجى عوده أو لم يرج، فإن لم يعلم
~~حياته، لا يلزمه إخراج فطرته (1).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: يجب عليه إخراج الفطرة عن عبده، وإن
~~لم يقطع على حياته، ولا يعلمها حقيقة ويقينا، ولهذا يعتقه في الكفارات،
~~بغير خلاف، ولم يشرط أصحابنا، علمه بالحياة، وقطعه عليها.
# وقال أيضا ms0340 في كتابه المبسوط: وإن كان له عبد مغصوب، لا يلزمه فطرته، ولا
~~يلزم الغاصب أيضا (2).
# قوله رحمه الله: ولا يلزم الغاصب صحيح، وقوله: ولا يلزم سيده الذي هو
~~المغصوب منه، غير صحيح.
# وليس التمكين، شرطا في وجوب إخراج الفطرة عن عبيد الإنسان، بل الواجب
~~إخراج الفطرة عن مماليك الإنسان، سواء كان متمكنا من التصرف فيهم، أو غير
~~متمكن، لأن شيخنا أبا جعفر قال: لأنه غير متمكن منه، فجعل التمكن شرطا في
~~وجوب الفطرة.
# وقال رحمه الله في المبسوط: وإن كان له عبد مقعد، وهو المعضوب، بالضاد
~~المعجمة، قال: لا يلزمه فطرته، لأنه ينعتق عليه أما قوله (3) في المقعد،
~~فصحيح،
# PageV01P467
# وأما تفسيره بالمعضوب فغير واضح، لأن المعضوب غير المقعد، وهو النضو
~~الخلقة النحيف، وإن كان أعضاؤه صحيحة فالمعضوب لا ينعتق على مالكه، بل
~~المقعد، لأن أصحابنا لم يرووا في أن ينعتق العبد، إلا إذا أقعد بزمانة، أو
~~جذام، أو عمى، فبهذه الآفات ينعتق، فحسب، ولم يقولوا ينعتق المعضوب.
# وقال شيخنا: والمرأة الموسرة، إذا كانت تحت معسر، أو مملوك، لا يلزمها
~~فطرة نفسها، وكذلك أمة الموسر، إذا كانت تحت معسر أو مملوك، لا يلزم المولى
~~فطرتها.
# قال محمد بن إدريس: بل الواجب على المرأة الموسرة، وسيد الأمة، إخراج
~~الفطرة عنهما لأنها مكلفة بإخراج الفطرة عن نفسها، وكذلك المولى، فإن أراد
~~الشيخ أبو جعفر، ما كان يجب على الزوج، فصحيح، لأن الزوج كان يجب عليه أن
~~يخرج، فسقط لفقره، وبقي ما يجب عليها وعلى المولى للأمة، كما يجب أن يخرج
~~عن الضيف مضيفه، ويجب أن يخرج الضيف عن نفسه إذا كان موسرا.
# وذكر في المبسوط أنه لا يلزم الرجل، فطرة زوجته الناشزة، والصحيح أنه
~~يلزمه، وكذلك يلزمه إخراج الفطرة، عن الزوجة التي لا يجب عليه نفقتها، من
~~النكاح المؤجل، لعموم قولهم عليهم السلام، يجب إخراج الفطرة عن الزوجة (1).
# باب ما يجوز إخراجه في الفطرة ومقدار ما يجب منه أفضل ما يخرجه الإنسان
~~في زكاة الفطرة، التمر، ثم الزبيب، ويجوز إخراج الحنطة، والشعير، والأرز ms0341
~~والأقط، واللبن، والأصل في ذلك أن يخرج كل واحد مما يغلب على قوته في أكثر
~~الأحوال، ومن عدم الأقوات الغالبة على بلده، أو أراد أن يخرج ثمنها بقيمة
~~الوقت ذهبا أو فضة، لم يكن بذلك بأس، وإن
# PageV01P468
# كانت موجودة، لأنه يجوز عندنا، إخراج القيمة في الزكوات، دون الكفارات
~~على ما قدمنا القول في ذلك.
# فأما القدر الذي يجب إخراجه عن كل رأس، فصاع، من أحد الأشياء التي قدمنا
~~ذكرها، وقدره تسعة أرطال، بالبغدادي، وستة أرطال بالمدني، إلا اللبن، فمن
~~يريد إخراجه، أجزاه ستة أرطال بالبغدادي، وأربعة بالمدني، وقدر الصاع أربعة
~~أمداد، والمد مائتان واثنان وتسعون درهما ونصف، والدرهم ستة دوانيق،
~~والدانق ثمان حبات من أوسط حبات الشعير، وقد روي أنه يجوز أن يخرج عن كل
~~رأس درهم، وقد روي أيضا أربعة دوانيق، والأحوط الذي تقتضيه الأصول، أن يخرج
~~قيمة الصاع يوم الأداء.
# وذكر شيخنا في مبسوطه، فقال: ويجوز إخراج القيمة عن أحد الأجناس التي
~~قدمناها، سواء كان الثمن سلعة، أو حبا أو خبزا (1).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب رحمه الله: الحب والخبز هو الأصل
~~المقوم، وليس هو القيمة، وإنما هذا مذهب الشافعي، ذكره هاهنا، فلا يظن بعض
~~غفلة أصحابنا أنه مذهبنا، بل نحن نخرج الحب الذي هو الحنطة والشعير، وغير
~~ذلك، وكذلك يخرج الخبز لا بالقيمة، بل هو الأصل المقوم.
# باب الوقت الذي يجب فيه إخراج الفطرة ومن يستحقها تجب زكاة الفطرة على
~~مكلفها بدخول شوال واستهلاله، ويتضيق وقت التأكد (2) يوم الفطر، قبل صلاة
~~العيد، فإن لم يخرجها في ذلك الوقت، فإنه يجب عليه إخراجها، وهي في ذمته
~~إلى أن يخرجها. وبعض أصحابنا يقول تكون قضاء، وبعضهم يقول سقطت، ولا يجب
~~إخراجها، وهذا بعيد من الصواب،
# PageV01P469
# لأنه لا دليل على سقوطها بعد وجوبها، لأن من ادعى سقوطها بعد موافقته على
~~وجوبها، فعليه الدلالة، ومن قال أنها قضاء بعد ذلك، فغير واضح، لأن الزكاة
~~المالية والرأسية، تجب بدخول وقتها، فإذا دخل، وجب الأداء، ولا يزال
~~الإنسان مؤديا لها، لأن ms0342 بعد دخول وقتها هو وقت الأداء في جميعه.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي في نهايته: الوقت الذي تجب فيه إخراج الفطرة،
~~يوم الفطر قبل صلاة العيد (1). وذهب في جمله وعقوده (2) إلى ما ذكرناه أولا
~~واخترناه، وإنما أورد ما ذكره في نهايته، من طريق أخبار الآحاد إيرادا لا
~~عملا واعتقادا.
# فإن قدمها إنسان على الوقت الذي قدمناه، فيجعل ذلك قرضا على ما بيناه في
~~زكاة المال، وتقديمها قبل وجوبها وحلولها، ويعتبر فيه ما قدمناه عند
~~وجوبها، والأفضل لزوم الوقت، فإن لم يجد لها مستحقا، عزلها من ماله، ثم
~~يسلمها إليه، إذا وجده، فإن وجد لها أهلا، وأخرها وهلكت، كان ضامنا إلى أن
~~يسلمها إلى أربابها، فإن لم يجد لها أهلا، وأخرجها من ماله، لم يكن عليه
~~ضمان.
# وله أن يحملها من بلد إلى بلد، إذا لم يجد المستحق، كما أن له حمل زكاة
~~المال، ويعتبر في هلاكها في الطريق، ما اعتبرناه في هلاك زكاة المال حرفا
~~فحرفا.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ولا يجوز حمل الفطرة من بلد إلى بلد (3).
# وهذا على طريق الكراهية، دون الحظر.
# وقال في مختصر المصباح: ويجوز إخراج الفطرة من أول الشهر رخصة.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: لا يجوز العمل بهذه الرخصة (4) إلا على ما
~~قدمناه، من تقديمها على جهة القرض، وينوي الأداء عند هلال شوال، وإلا فكيف
~~يكون ما فعل قبل تعلق وجوبه بالذمة مجزيا عما يتعلق بها في
# PageV01P470
# المستقبل، وقد ذكر شيخنا أبو جعفر في الجزء الثالث من مسائل خلافه في
~~كتاب الايمان، أنه لا يجوز تقديم الكفارات والزكوات قبل وجوبها بحال عندنا
~~(1) وناظر على ذلك وهو الحق اليقين.
# وينبغي أن تحمل الفطرة إلى الإمام، ليضعها في مواضعها حيث يراه، فإن لم
~~يكن هناك إمام، حملت إلى فقهاء شيعة ليفرقوها في مواضعها، فإنهم أعرف بذلك.
# وإذا أراد الإنسان أن يتولى ذلك بنفسه، جاز له ذلك غير أنه لا يعطيها إلا
~~لمستحق زكاة المال، فإن لم يجدها مستحقا، انتظر بها المستحق، ولا يجوز ms0343 له
~~أن يعطها لغيره، فإنه لا يجزيه.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته: فإن لم يوجد لها مستحق
~~من أهل المعرفة، جاز أن يعطي مكلفها المستضعفين، من غيرهم، ولا يجوز
~~إعطاؤها لمن لا معرفة له، إلا عند التقية، أو عدم مستحقيه من أهل المعرفة
~~(2) وهذا غير واضح، بل ضد الصواب والصحيح والصواب ما ذكره في جمله وعقوده،
~~من أنه لا يجوز أن يعطى إلا لمستحق زكاة المال، فإن لم يوجد، عزلت، وانتظر
~~بها مستحقها (3) وإنما أورده إيرادا من طريق أخبار الآحاد، دون الاعتقاد
~~منه والفتيا، وقال في نهايته أيضا: والأفضل أن يعطي الإنسان من يخافه من
~~غير الفطرة، ويضع الفطرة مواضعها (4).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: والأصل ما قدمناه فلا يجوز العدول عنه بغير
# PageV01P471
# دليل، وما ذكره من طريق أخبار الآحاد، فأورده إيرادا لا اعتقادا.
# ولا يجوز أن يعطي أقل من زكاة رأس واحد لواحد، مع الاختيار، على ما وردت
~~به الأخبار، فإن حضر جماعة محتاجون، وليس هناك من الأصواع بقدر ما يصيب كل
~~واحد منهم صاع، جاز أن يفرق عليهم، ولا بأس أن يعطي الواحد صاعين، أو
~~أصواعا، دفعة واحدة، سواء قلت الأصواع، أو كثرت.
# والأفضل أن لا يعدل الإنسان بالفطرة إلى إلا باعد، مع وجود القرابات، ولا
~~إلى الأقاصي، مع وجود الجيران، فإن فعل خلاف ذلك، كان تاركا فضلا، ولم يكن
~~عليه بأس.
# ذكر شيخنا في الجزء الأول من مسائل خلافه في كتاب الزكاة، أنه لا زكاة في
~~الحلي، ثم استدل، بأن قال: وردت فريعة بنت أبي أمامة، قالت:
# حلاني رسول الله صلى الله عليه وآله رعاثا، وحلي أختي، وكنا في حجره، فما
~~أخذ منا زكاة حلي قط (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله مصنف هذا الكتاب: فريعة، بالفاء اسمها
~~الفارعة، وإنما صغرت واسم أختها حبيبة، ولهما أخت أخرى اسمها كبشة، وهن
~~بنات أبي أمامة، أسعد بن زرارة الأنصاري الخزرجي العقبي، رأس النقباء، أول
~~مدفون بالبقيع، مات في حياة الرسول صلى الله عليه وآله، ms0344 وأوصى ببناته، إليه
~~عليه السلام، والرعاث بالراء غير المعجمة المكسورة، والعين غير المعجمة
~~المفتوحة، والثاء المنقطة ثلاث نقط، وهي الحلق، والقرطة، مأخوذ من رعثات
~~(2) الديك، وذكر أيضا شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مسائل الخلاف أن
~~التحلية بالذهب حرام كله على الرجال، إلا عند الضرورة، وذلك مثل أن يجدع
~~أنف إنسان، فيتخذ أنفا من ذهب، أو يربط به أسنانه (3).
# PageV01P472
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب رحمه الله: فإن قال قائل: وأي ضرورة
~~هاهنا يربط أسنانه بفضة أو بنحاس، أو بحديد، وغير ذلك، وكذلك يعمل أنفا من
~~فضة. قلنا: جميع ذلك ينتن، إلا الذهب فإنه لا ينتن، فلأجل ذلك قال إلا عند
~~الضرورة.
# باب الجزية وأحكامها الجزية واجبة على أهل الكتاب، ومن حكمه حكمهم، ممن
~~أبى منهم الإسلام، وأذعن بها. والتزم أحكامها، فأهل الكتاب: اليهود
~~والنصارى، ومن حكمه حكمهم: المجوس.
# وهي واجبة على جميع الأصناف المذكورة، إذا كانوا بشرائط المكلفين، ويسقط
~~عن الصبيان والمجانين، والبله والنساء منهم، فأما من عدا الأصناف المذكورة
~~الثلاثة، من جميع الكفار، فليس يجوز أن يقبل منهم إلا الإسلام، أو القتل.
# ومن وجبت عليه الجزية، وحل الوقت، فأسلم قبل أن يعطيها، سقطت عنه، ولم
~~يلزمه أداؤها، على الصحيح من المذهب، وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أنها لا
~~تسقط، والأول هو الأظهر، والذي يعضده دليل الأصل.
# وكل من وجبت عليه الجزية، فالإمام مخير بين أن يضعها على رؤوسهم، أو على
~~أرضيهم، فإن وضعها على رؤوسهم فليس له أن يأخذ من أرضيهم شيئا.
# وإن وضعها على أرضيهم، فليس له أن يأخذ من رؤوسهم شيئا.
# وليس للجزية عند أهل البيت عليهم السلام، حد محدود، ولا قدر موظف بل ذلك
~~موكول إلى تدبير الإمام ورأيه، فيأخذ منهم على قدر أحوالهم، من الغني
~~والفقير، بقدر ما يكون به صاغرا.
# والصغار اختلف المفسرون فيه، والأظهر أنه التزام أحكامنا عليهم،
~~PageV01P473
# واجراؤها وإن لا (1) يقدر الجزية، فيوطن نفسه عليها، بل يكون بحسب ما
~~يراه الإمام، بما يكون (2) معه ذليلا، صاغرا، خائفا، فلا يزال ms0345 كذلك، غير
~~موطن نفسه على شئ، فحينئذ يتحقق الصغار الذي هو الذلة، وذهب بعض أصحابنا
~~وهو شيخنا المفيد، إلى أن الصغار هو أن يأخذهم الإمام، بما لا يطيقون، حتى
~~يسلموا، وإلا فكيف يكون صاغرا، وهو لا يكترث بما يؤخذ منه، فيألم لذلك
~~فيسلم.
# وكان المستحق للجزية على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، المهاجرين
~~دون غيرهم، على ما روي (3)، وهي اليوم لمن قام مقامهم، مع الإمام في نصرة
~~الإسلام، والذب عنه، ولمن يراه الإمام، من الفقراء والمساكين، من سائر
~~المسلمين.
# ولا بأس بأن تؤخذ الجزية من أهل الكتاب، مما أخذوه، من ثمن الخمور،
~~والخنازير، والأشياء المحرمة التي لا يحل للمسلمين بيعها، والتصرف فيها
~~بغير خلاف، وروى أصحابنا، أنهم متى تظاهروا بشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير،
~~أو نكاح المحرمات في شرعنا، والربا، نقضوا بذلك العهد (4).
# وروي عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال في أهل الذمة لا تبدأوهم
~~بالسلام، واضطروهم إلى أضيق الطرق، ولا تساووهم في المجالس (5).
# وأما مماليك أهل الذمة، فلا جزية عليهم، لقوله عليه السلام: لا جزية على
~~العبد (6).
# فأما المستأمن، والمعاهد، فهما عبارتان عن معنى واحد، وهو من دخل إلينا
# PageV01P474
# بأمان، لا للبقاء، والتأبيد فلا يجوز للإمام، أن يقره في بلد الإسلام
~~سنة، بلا جزية، لكن يقره أقل من سنة، على ما يراه، بعوض، أو غير عوض.
# وأما عقد الجزية، فهو عقد الذمة، ولا يصح إلا بشرطين، التزام (1) الجزية،
~~وأن يجري عليهم أحكام المسلمين مطلقا، من غير استثناء، وهو الصغار المذكور
~~في الآية، على الأظهر من الأقوال.
# والفقير الذي لا شئ معه يجب عليه الجزية، لأنه لا دليل على إسقاطها عنه،
~~وعموم الآية يقتضيه، ثم ينظر، فإن لم يقدر على الأداء، كانت في ذمته، فإذا
~~استغنى، أخذت منه الجزية، من يوم ضمنها، وعقد العقد له، بعد أن يحول عليه
~~الحول، هذا قول شيخنا أبي جعفر في مبسوطه (2)، وقال في مسائل الخلاف:
# لا شئ عليه (3) واستدل بقوله تعالى: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " (4)
~~وما ذكره في ms0346 مبسوطه أقوى وأظهر، ولي في ذلك نظر.
# البلاد التي ينفذ فيها حكم الإسلام على ثلاثة أضرب: ضرب أنشأه المسلمون
~~وأحدثوه، وضرب فتحوه عنوة، وضرب فتحوه صلحا، فأما البلاد التي أنشأها
~~المسلمون، مثل البصرة والكوفة، فلا يجوز للإمام أن يقر أهل الذمة، على
~~إنشاء بيعة، أو كنيسة، ولا صومعة راهب، ولا مجتمع لصلاتهم، فإن صالحهم على
~~شئ من ذلك، بطل الصلح بلا خلاف، وكذلك البلاد التي فيها البيع والكنائس،
~~وكانت في الأصل قبل بنائها، وأما البلاد التي فتحت عنوة، فإن لم يكن فيها
~~بيع ولا كنائس، أو كانت، لكن هدموها وقت الفتح، فحكمها حكم بلاد الإسلام،
~~لا يجوز صلحهم على إحداث ذلك فيها.
# وأما ما فتح صلحا، فعلى ضربين أحدهما أن يصالحهم على أن تكون البلاد ملكا
~~لهم، ويكونوا فيها مواد عين على مال بذلوه، وجزية عقدوها على أنفسهم،
# PageV01P475
# فهاهنا يجوز إقرارهم على بيعهم وكنائسهم، وإحداثها، وإنشائها، وإظهار
~~الخمور، والخنازير، وضرب النواقيس فيها، لأن الملك لهم، يصنعون به ما
~~أحبوا، وإن كان الصلح على أن يكون ملك البلد لنا، والسكنى لهم، إن شرط أن
~~يقرهم على البيع والكنائس، جاز، وإن لم يشرط ذلك لهم، لم يكن لهم ذلك،
~~لأنها صارت للمسلمين.
# وأما دور أهل الذمة، على ثلاثة أضرب، دار محدثة، ودار مبتاعة، ودار
~~مجددة، أما المحدثة فهو أن يشتري عرصة يستأنف فيها بناء، فليس له أن يعلو
~~على بناء المسلمين، لقوله عليه السلام: " الإسلام يعلو ولا يعلى عليه " (1)
~~وإن ساوى بناء المسلمين، ولم يعل عليه، فعليه أن يقصره عنه، وأما الدور
~~المبتاعة، فإنها تقر على ما كانت عليه، لأنه هكذا ملكها، وأما البناء الذي
~~يعاد بعد انهدامه، فالحكم فيه، كالحكم في المحدث ابتداء، لا يجوز له أن
~~يعلو به على بناء المسلمين، ولا المساواة، على ما قلناه، ولا يلزم أن يكون
~~أقصر من بناء مسلمي أهل البلد كلهم، وإنما يلزمه أن يقصره، عن بناء محلته،
~~ولا يجوز أن يمكنوا أن يدخلوا شيئا من المساجد في سائر البلاد، لا بإذن،
~~ولا بغير ms0347 إذن، لأنهم أنجاس، والنجاسة تمنع المساجد.
# باب أحكام الأرضين وما يصح التصرف فيه منها بالبيع والشراء وما لا يصح
~~الأرضون على أربعة أقسام: ضرب منها أسلم أهلها عليها طوعا، من قبل نفوسهم،
~~من غير قتال، مثل أرض المدينة، فيترك في أيديهم. ويؤخذ منهم العشر، أو نصف
~~العشر، بحسب سقيها، وهي ملك لهم، يصح لهم التصرف
# PageV01P476
# فيها، بالبيع والشراء والوقف، وسائر أنواع التصرفات، وهذا حكم أرضيهم إذا
~~عمروها، وقاموا بعمارتها، فإن تركوها خرابا، أخذها إمام المسلمين، وقبلها
~~من يعمرها، وأعطى أصحابها طسقها، وأعطى المتقبل حصته، وما يبقى، فهو متروك
~~لمصالح المسلمين، في بيت مالهم، على ما روي في الأخبار (1) أورد ذلك شيخنا
~~أبو جعفر.
# والأولى عندي ترك العمل بهذه الرواية، فإنها تخالف الأصول، والأدلة
~~العقلية، والسمعية، فإن ملك الإنسان لا يجوز لأحد أخذه، ولا التصرف فيه
~~بغير إذنه، واختياره، فلا نرجع عن الأدلة بأخبار الآحاد.
# والطسق: الوضيعة توضع على صنف من الزرع، لكل جريب، وهو بالفارسية تسك،
~~وهو كالأجرة للإنسان، فهذا حقيقة الطسق.
# والضرب الثاني من الأرضين، ما أخذ عنوة بالسيف، عنوة بفتح العين، وهو ما
~~أخذ عن خضوع وتذلل، قال الله تعالى: " وعنت الوجوه للحي القيوم " (2) أي
~~خضعت وذلت، فإن هذه الأرض تكون للمسلمين بأجمعهم، المقاتلة وغير المقاتلة،
~~وكان على الإمام أن يقبلها لمن يقوم بعمارتها، بما يراه من النصف أو الثلث
~~أو الربع أو غير ذلك، وكان على المتقبل إخراج ما قبل به، من حق الرقبة،
~~يأخذه الإمام، فيخرج منه الخمس يقسمه على مستحقيه، والباقي منه يجعله في
~~بيت مال المسلمين، يصرف في مصالحهم، من سد الثغور وتجهيز الجيوش، وبناء
~~القناطر، وغير ذلك، وليس في هذا السهم الذي هو حق الرقبة، زكاة، لأن أربابه
~~وهم المسلمون، ما يبلغ نصيب كل واحد منهم، ما يجب فيه الزكاة، وما يبقى
~~للمتقبل، يخرج منه الزكاة إذا بلغ النصاب بحسب سقيه، وهذا الضرب من
~~الأرضين، لا يصح التصرف فيه، بالبيع، والشراء، والوقف، والهبة، وغير ذلك،
~~أعني نفس الرقبة.
# PageV01P477
# فإن قيل: نراكم تبيعون، وتشترون، ms0348 وتقفون أرض العراق، وقد أخذت عنوة قلنا:
~~إنما نبيع، ونقف، تصرفنا فيها، وتحجيرنا، وبناءنا فأما نفس الأرض لا يجوز
~~ذلك فيها وللإمام أن ينقلها من متقبل إلى غيره، عند انقضاء مدة تقبيله، وله
~~التصرف فيها بحسب ما يراه، صلاحا للمسلمين، لأن هذه الأرضين للمسلمين
~~قاطبة، وارتفاعها يقسم فيهم كلهم، المقاتلة، وغيرهم، فإن المقاتلة ليس لهم
~~على جهة الخصوص، إلا ما يحويه العسكر، من الغنائم وأمكن نقله.
# والضرب الثالث، كل أرض صالح أهلها عليها، وهي أرض الجزية، يلزمهم ما
~~يصالحهم الإمام عليه، من النصف، أو الثلث، أو الربع، وغير ذلك، وليس عليهم
~~غيره، فإذا أسلم أربابها، كان حكم أرضيهم حكم أرض من أسلم عليها طوعا
~~ابتداء من قبل نفوسهم، ويسقط عنهم الصلح، لأنه جزية، بدلا من جزية رؤوسهم،
~~وقد سقطت عنهم بالإسلام، وهذا الضرب من الأرضين، يصح التصرف فيه بالبيع،
~~والشرى، والهبة، وغير ذلك من أنواع التصرف، وكان للإمام أن يزيد وينقص ما
~~صالحهم عليه، بعد انقضاء مدة الصلح، حسب ما يراه من زيادة الجزية ونقصانها.
# والضرب الرابع، كل أرض انجلى أهلها عنها، أو كانت مواتا، فأحييت، أو كانت
~~آجاما، وغيرها مما لم يزرع فيها، فاستحدثت (1) مزارع فإن هذه الأرضين كلها
~~للإمام خاصة، ليس لأحد معه فيها نصيب، وكان له التصرف فيها، بالقبض،
~~والهبة، والبيع، والشرى، حسب ما يراه، وكان له أن يقبلها بما يراه، من
~~النصف، أو الثلث، أو الربع، وجاز له أيضا، بعد انقضاء مدة القبالة، نزعها
~~من يد من قبله إياها، وتقبيلها لغيره، وقد استثني من ذلك الأرض التي أحييت
~~بعد مواتها، فإن الذي أحياها، أولى بالتصرف فيها، ما دام تقبلها بما يقبلها
~~غيره
# PageV01P478
# فإن أبى ذلك، كان للإمام أيضا نزعها من يده، وتقبيلها لمن يراه، على ما
~~روي في بعض الأخبار (1) وعلى المتقبل بعد إخراجه مال القبالة، والمؤن، فيما
~~يحصل في حصته، العشر، أو نصف العشر، بحسب الماء، إذا بلغ الأوساق الخمسة،
~~وكان أيضا على الإمام في حصته الزكاة، إذا بلغت الأوساق الخمسة.
# وقال شيخنا المفيد محمد ms0349 بن محمد بن النعمان في مقنعته في باب من الزيادات
~~في الزكاة، أورد خبرا، قال: روى إسماعيل بن مهاجر، عن رجل من ثقيف، قال
~~استعملني علي بن أبي طالب عليه السلام على بأنقياء وسواد من سواد الكوفة
~~(2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: بأنقياء هي القادسية، وما والاها، وأعمالها
~~وإنما سميت القادسية، بدعوة إبراهيم الخليل عليه السلام، لأنه قال: كوني
~~مقدسة للقادسية، أي مطهرة من التقديس، وإنما سميت القادسية بأنقياء، لأن
~~إبراهيم عليه السلام، اشتراها بمائة نعجة من غنمه، لأن " با " مائة و "
~~نقيا " شاة، بلغة النبط، وقد ذكر بانقيا أعشى قيس في شعره، وفسره علماء
~~اللغة، وواضعوا كتب الكوفة، من أهل السيرة، بما ذكرناه.
# والبلاد على ضربين: بلاد الإسلام وبلاد الشرك. فبلاد الإسلام على ضربين:
~~عامر، وغامر. فالعامر ملك لأهله، لا يجوز لأحد الشروع فيه، والتصرف إلا
~~بإذن صاحبه، وروي عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وآله كتب لبلال بن
~~الحرث المزني: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أقطع بلال بن الحرث المزني عن
~~معادن القبلية، جلسيها وغوريها، وحيث ما يصلح للزرع (3) ولم يعطه حق مسلم،
~~وجلسيها بالجيم، واللام بعده والسين، ما كان إلى ناحية نجد، وغوريها ما كان
~~إلى ناحية الغور، قال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي:
# - لقد جئت غوري البلاد وجلسيها * وقد ضربتني شمسها وظلولها -
# PageV01P479
# جلسيها يريد نجدها، لأن جلسا، هو نجد، والقبلية محرك القاف، والباء التي
~~تحتها نقطة واحدة منسوبة إلى القبل، وهو كل نشر من الأرض، يستقبلك يقال:
~~رأيت بذلك (1) القبل شخصا، والجلس بالجيم المفتوحة، واللام المسكنة، والسين
~~غير المعجمة: نجد.
# إذا ثبت هذا فإن مرافقها، التي لا بدلها منها، مثل الطريق ومسيل الماء،
~~ومطارح التراب، وغير ذلك، فإنها في معنى العامر، من حيث أن صاحب العامر أحق
~~به، ولا يجوز لأحد أن يتصرف فيه إلا بإذنه، فعلى هذا إذا حفر بئرا في موات،
~~ملكها، وكان أحق بها وبحريمها الذي هو من مرافقها على حسب الحاجة.
# فأما الغامر بالغين المعجمة وهو الخراب، فعلى ms0350 ضربين: غامر لم يجر عليه
~~ملك لمسلم، وغامر جرى عليه ملك مسلم. فأما الذي لم يجر عليه ملك مسلم، فهو
~~لإمام المسلمين يفعل به ما شاء.
# وأما الذي جرى عليه ملك مسلم، فمثل قرى المسلمين التي خربت وتعطلت، فإنه
~~ينظر، فإن كان صاحبه أو وارثه، معينا فهو أحق به، وهو في معنى العامر، ولا
~~يخرج بخرابه عن ملك صاحبه، وإن لم يكن له صاحب معين، ولا عقب، ولا وارث،
~~فهي لإمام المسلمين خاصة، فإذا ثبت ذلك، ثبت أنها مملوكة، لا يملكها من
~~يحييها إلا بإذن الإمام.
# وأما بلاد الشرك فعلى ضربين: عامر وغامر: فالعامر ملك لأهله، وكذلك كلما
~~كان به صلاح العامر من الغامر، كان صاحب العامر أحق به، كما قلنا في العامر
~~في بلاد الإسلام، حرفا فحرفا، ولا فرق بينهما أكثر من أن العامر في بلاد
~~الإسلام لا يملك بالقهر والغلبة، والعامر في بلاد الشرك يملك بالقهر
~~والغلبة.
# وأما الغامر في بلاد الشرك فعلى ضربين: أحدهما لم يجر عليه ملك لأحد،
~~والآخر جرى عليه ملك، والذي لم يجر عليه ملك أحد، فهي للإمام خاصة،
# PageV01P480
# لعموم الأخبار (1)، وأما الذي جرى عليه ملك، فإنه ينظر، فإن كان صاحبه
~~معينا، فهو له، ولا يملك بالإحياء، بلا خلاف، وإن لم يكن له صاحب معين، ولا
~~وارث، فهو للإمام عندنا.
# والأرضون الموات، عندنا للإمام خاصة، لا يملكها أحد بالإحياء، إلا أن
~~يأذن الإمام له.
# وأما الذمي، فلا يملك إذا أحيا أرضا في بلاد الإسلام، وكذلك المستأمن،
~~إلا أن يأذن له الإمام.
# فأما ما به يكون الإحياء، قال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في
~~مبسوطه: لم يرد الشرع ببيان ما يكون إحياء، دون ما لا يكون، غير أنه إذا
~~قال النبي عليه السلام: من أحيا أرضا ميتة فهي له (2)، ولم يوجد في اللغة
~~معنى ذلك، فالمرجع فيه إلى العرف والعادة، فما عرفه الناس إحياء في العادة،
~~كان إحياء وملك به الموات، كما أنه عليه السلام قال: البيعان بالخيار ما لم
~~يفترقا (3) وإنه نهى عن ms0351 بيع ما لم يقبض (4) رجع في جميع ذلك إلى العادة (5)
~~هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر رحمه الله.
# ونعم ما قال، فهو الحق اليقين، فهذا الذي يقتضيه أصل المذهب، ولا يلتفت
~~إلى قول المخالفين، فإن لهم في ذلك تفريعات وتقسيمات، فلا يظن ظان إذا وقف
~~عليها، أن يعتقدها قول أصحابنا، ولا مما ورد به خبر، أو قال مصنف من
~~أصحابنا، وإنما أورده شيخنا أبو جعفر الطوسي، رحمه الله، بعد أن حقق ما
~~يقتضيه مذهبنا.
# PageV01P481
# فجملة ما عند المخالف في ذلك، أن الأرض تحيى للدار، والحظيرة، والزراعة،
~~فإحياءها للدار عندهم فهو بأن يحوط عليها حائط، ويسقف عليه.
# فإذا فعل ذلك، فقد أحياها عندهم، وملكها ملكا مستقرا، ولا فرق بين أن
~~يبني الحائط بطين، أو بآجر وطين، أو آجر وجص، أو خشب، هذا عند المخالف،
~~فأما عندنا فلو خص عليها خصا، أو حجرها، أو حوطها بغير الطين، والآجر
~~والجص، ملك التصرف فيها، وكان أحق بها، من غيره، ثم قال المخالف: فأما إذا
~~أخذها للحظيرة، فقدر الإحياء، أن يحوطها بحائط من آجر، أو لبن، أو طين، وهو
~~الرهص، أو خشب، وليس من شرط الحظيرة أن يجعل لها سقف، وتعليق الأبواب في
~~الدور، والحظيرة ليس من شرطه، وفيهم من قال، هو شرط، وأما الإحياء للزراعة،
~~فهو أن يجمع حولها ترابا، وهو الذي يسمى مرزا، الراء قبل الزاء، وأن يرتب
~~لها الماء، إما ساقية يحفرها لسوق الماء فيها أو بقناة يحفرها، أو بئر، أو
~~عين يستنبطها، فهذا جميعه أورده شيخنا في كتابه المقدم ذكره، شارحا، وذاكرا
~~تقسيمات المخالف، وما هو عندهم إحياء، وكيفيات ذلك، بعد أن أحكم في الأول،
~~ما هو عندنا إحياء، والذي يقتضيه مذهبنا، من الرجوع فيه إلى العرف والعادة،
~~لأنه قال: لم يرد الشرع ببيان ما يكون إحياء دون ما لا يكون، غير أنه إذا
~~قال النبي صلى الله عليه وآله: من أحيا أرضا ميتة فهي له، ولم يوجد في
~~اللغة معنى ذلك، فالمرجع فيه إلى العرف والعادة (1).
# ثم أورد بعد ذلك ms0352 تقسيمات المخالف، في كيفية الإحياء، فلا يتوهم من يقف
~~عليها، أنها مقالة أصحابنا، فإن هذا الكتاب، أعني المبسوط، قد ذكر فيه
~~مذهبنا، ومذهب المخالف، ولم يميز أحد المذهبين من الآخر تمييزا جليا وإنما
~~يحققه ويعرفه من اطلع على المذهبين معا، وسبر قول أصحابنا وحصل خلافهم،
# PageV01P482
# وما تقتضيه أصول مذهبهم، وإلا فالقارئ فيه، يخبط خبط عشواء.
# قال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله: إذا تحجر أرضا، وباعها، لم يصح
~~بيعها، وفي الناس من قال يصح، وهو شاذ، قال شيخنا: فأما عندنا فلا يصح
~~بيعه، لأنه لا يملك رقبة الأرض بالإحياء، وإنما يملك التصرف، بشرط أن يؤدي
~~إلى الإمام ما يلزمه عليها، وعند المخالف لا يجوز، لأنه لا يملك بالتحجر
~~قبل الإحياء فكيف يبيع ما لا يملك (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: وهذا يدلك، أرشدك الله أن التحجر عند
~~المخالف، غير الإحياء، وأن الإحياء غير التحجر، وشيخنا جعل التحجر مثل
~~الإحياء الذي قسمة المخالف التقسيمات الأول (2)، ولا فرق عندنا بين التحجر
~~الذي هو الآثار، وسواء كانت للدار، أو الزراعة أو الحظيرة، أو (3) الإحياء
~~الذي يذهب إليه المخالف ويقسمه إلى ثلاثة أقسام للدار، والحظيرة، والزراعة.
# وأما المعادن فعلى ضربين: ظاهرة، وباطنة فالباطنة لها موضع نذكره إن شاء
~~الله تعالى. وأما الظاهرة، فهي الماء، والقير، والنفط، والموميا، والكبريت،
~~والملح، وما أشبه ذلك، فهذا لا يملك بالإحياء ولا يصير أحد أولى به بالتحجر
~~من غيره، وليس للسلطان أن يقطعه، بل الناس كلهم فيه سواء، يأخذون منه قدر
~~حاجتهم، بل يجب عندنا فيه الخمس، ولا خلاف في أن ذلك لا يملك بالإحياء.
# وأما المعادن الباطنة مثل الذهب، والفضة، والنحاس، والرصاص، وحجارة
~~البرام، وغيرها مما يكون في بطون الأرض، والجبال، ولا يظهر إلا بالعمل
~~فيها، والمؤونة عليها، فهل تملك بالإحياء أم لا؟ قيل فيه (4) قولان: أحدهما
~~أنه (5) تملك، وهو الصحيح، وذلك مذهبنا. والثاني: قال المخالف، لا تملك،
~~لأنه لا خلاف في أنه لا يجوز بيعه، فلو ملك لجاز بيعه، وعندنا يجوز بيعه
~~بغير
# PageV01P483
# خلاف بيننا، فإذا ms0353 ثبت أنها تملك بالإحياء، فإن إحياءه أن يبلغ نيله، وما
~~دون البلوغ، تحجر، وليس بإحياء، فيصير أولى به، وهذا عند المخالف، فأما
~~عندنا لا فرق بين التحجر والأحياء، وقد أورد شيخنا المفيد رحمه الله في
~~مقنعته في باب الخراج وعمارة الأرضين، خبرا، وهو: روى يونس بن إبراهيم، عن
~~يحيى بن الأشعث الكندي، عن مصعب بن يزيد الأنصاري، قال: استعملني أمير
~~المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه على أربعة رساتيق، المدائن،
~~والبهقباذات، وبهرسير، ونهر حريز، ونهر الملك (1).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب، رحمه الله: بهر سير بالباء المنقطة
~~من تحتها نقطة واحدة، والسين الغير معجمة هي المدائن، والدليل على ذلك، أن
~~الراوي قال استعملني على أربعة رساتيق، ثم عدد خمسة، فذكر المدائن ثم ذكر
~~من جملة الخمسة بهر سير، فعطف على اللفظ، دون المعنى، فإن قيل: لا يعطف
~~الشئ على نفسه. قلنا: إنما عطفه على لفظه، دون معناه، وهذا كثير في القرآن
~~والشعر، قال الشاعر:
# - إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم - فكل الصفات
~~راجعة إلى موصوف واحد، وقد عطف بعضها على بعض، لاختلاف ألفاظها. وقول
~~الحطيئة:
# * وهند أتى من دونها النأي والبعد * والبعد هو النأي ويدل على ما قلناه
~~أيضا ما ذكره أصحاب السيرة في كتاب صفين، قالوا: لما سار أمير المؤمنين
~~عليه السلام، إلى صفين، قالوا: ثم مضى نحو ساباط، حتى إنتهى إلى مدينة بهر
~~سير، وإذا رجل من أصحابه ينظر إلى آثار كسرى، وهو يتمثل بقول ابن يعفور
~~التميمي:
# - جرت الرياح على محل ديارهم * فكأنما كانوا على ميعاد -
# PageV01P484
# فقال عليه السلام: أفلا قلت: " كم تركوا من جنات وعيون. وزروع ومقام
~~كريم. ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوما آخرين الآية " (1)
~~فأما البهقباذات فهي ثلاثة، البهقباز الأعلى، وهو ستة طساسيج، طسوج بابل
~~وخطرنية والفلوجة العليا والسفلى والنهرين وعين التمر والبهقباز الأوسط
~~أربعة طساسيج طسوج الجبة ولبداة وسوراء وبريسما، ونهر الملك، وباروسما،
~~والبهقباز الأسفل، خمسة طساسيج، منها طسوج فرات، وبادقلي وطسوج السيلحين،
~~الذي فيه ms0354 الخورنق، والسدير، ذكر ذلك عبيد الله بن خرداذبة، في كتابه
~~الممالك والمسالك.
# باب الخمس والغنائم الخمس يجب في كل ما يغنم من دار الحرب، ما يحويه
~~العسكر، وما لم يحوه، وما يمكن نقله إلى دار الإسلام، وما لا يمكن، من
~~الأموال والذراري والأرضين، والعقارات، والسلاح، والكراع، وغير ذلك مما يصح
~~تملكه، وكان في أيديهم على وجه الإباحة، أو الملك، ولم يكن غصبا لمسلم ويجب
~~أيضا الخمس في جميع المعادن، ما ينطبع منها: مثل الذهب، والفضة، والحديد،
~~والصفر، والنحاس، والرصاص، والزئبق، وما لا ينطبع: مثل الكحل، والزرنيخ،
~~والياقوت، والزبرجد، والبلخش، والفيروزج، والعقيق، والزمرذ، بالذال
~~المعجمة.
# ويجب أيضا في القير، والكبريت، والنفط، والملح، والموميا، وكل ما يخرج من
~~البحر، وفي العنبر، وهو نبات من البحر، ذكر ذلك شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه
~~الله، في كتاب الإقتصاد (2) وفي المبسوط (3) أنه نبات من البحر، وقال
~~الجاحظ في كتاب الحيوان: العنبر يقذفه البحر إلى جزيرة، فلا يأكل منه
# PageV01P485
# شئ إلا مات ولا ينقره طائر بمنقاره، إلا نصل فيه منقاره، وإذا وضع رجليه
~~عليه، نصلت أظفاره، فإن كان قد أكل منه، قتله ما أكل، وإن لم يكن أكل منه،
~~فإنه ميت لا محالة، لأنه إذا بقي بغير منقار، لم يكن للطائر شئ يأكل به،
~~والعطارون يخبروننا بأنهم ربما وجدوا المنقار والظفر (1) كذا ذكره الجاحظ.
# وقال المسعودي صاحب كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر: أصل الطيب خمسة
~~أصناف: المسك والكافور والعود والعنبر والزعفران كلها تحمل من أرض الهند،
~~إلا الزعفران والعنبر قد يوجد بأرض الزنج والأندلس، قال:
# والأفاوية، خمسة وعشرون صنفا، ذكر من جملة ذلك السليخة، والورس، وقصب
~~الذريرة، واللاذن، والزبادة، وقال ابن جزلة المتطبب في كتاب منهاج البيان:
# العنبر هو من عين في البحر، واللاذن، هو رطوبة وطل يقع من السماء، فيتعلق
~~بشعر المعزى الراعية، ولحاها إذا رعت نباتا بفلسوس (2) والزياد عرق دابة
~~مثل السنور (3).
# وفي المغرة، والنورة، وكلما يتناوله اسم المعدن، على اختلاف ضروبه،
~~سميناه وذكرناه، أو لم نذكره، فقد حصره بعض أصحابنا، وهو شيخنا أبو ms0355 جعفر
~~الطوسي رحمه الله في جمله وعقوده، فقال: الخمس يجب في خمسة وعشرين جنسا
~~(4). وهذا غير واضح، وحصر ليس بحاصر، ولم يذكر في جملة ذلك الملح، ولا
~~الزمرذ، ولا المغرة، ولا النورة.
# ويجب الخمس أيضا في أرباح التجارات، والمكاسب، وفيما يفضل من الغلات
~~والزراعات، على اختلاف أجناسها، عن مؤونة السنة، له ولعياله.
# وفي الكنوز التي توجد في دار الحرب، من الذهب والفضة، والدراهم،
~~والدنانير، سواء كان عليها أثر الإسلام، أو لم يكن عليها أثر الإسلام، فأما
# PageV01P486
# الكنوز التي توجد في بلد (1) الإسلام، فإن وجدت في ملك الإنسان، وجب أن
~~يعرف أهله، فإن عرفه كان له، وإن لم يعرفه، أو وجدت في أرض، لا مالك لها،
~~أخرج منها الخمس، وكان له الباقي.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مبسوطه: فهي على ضربين، ما كان
~~عليها أثر الإسلام، مثل أن يكون عليها سكة الإسلام، فهي بمنزلة اللقطة، وإن
~~لم يكن عليها أثر لإسلام، أو كان عليها أثر الجاهلية، من الصور المجسمة،
~~وغير ذلك، فإنه يخرج منها الخمس، وكان الباقي لمن وجدها (2).
# والصحيح ما قدمناه أولا، في أنه يخرج منها الخمس، سواء كان عليها أثر
~~الإسلام أو لم يكن، وما ذكره شيخنا في مبسوطه، مذهب الشافعي، والصحيح ما
~~ذكره في مسائل خلافه فإنه قال: يجب في الجميع الخمس، وأورد خلاف الشافعي،
~~وقرقه ولم يلتفت إليه، وقال: دليلنا عموم الأخبار في وجوب الخمس، من
~~الكنوز، ولم يفرقوا بين كنز وكنز (3).
# وإذا اختلط المال الحرام بالحلال، حكم فيه بحكم الأغلب، فإن كان الغالب
~~حراما احتاط في إخراج الخمس منه، فإن لم يتميز له أخرج الخمس، وصار الباقي
~~حلالا، والتصرف فيه مباحا، وكذلك إن ورث ما لا يعلم إن صاحبه جمع بعضه من
~~جهات محظورة، من غصب، وربا، وغير ذلك، ولم يعلم إن مقداره، أخرج الخمس،
~~واستعمل الباقي استعمالا مباحا، وإن غلب في ظنه، أو علم إن الأكثر حرام،
~~احتاط في إخراج الحرام منه، هذا إذا لم يتميز له الحرام، فإن تميز له
~~بعينه، ms0356 أو بمقداره، وجب إخراجه، قليلا كان أو كثيرا، ولا يجب عليه إخراج
~~الخمس منه، ويرده إلى أربابه، إذا تميزوا، فإن لم يتميزوا جد في طلبهم،
~~وطلب وراثهم، فإن لم يجدهم، وقطع على انقراضهم، سلمه إلى إمام
# PageV01P487
# المسلمين، فإنه ماله، إن كان ظاهرا، أو حفظه عليه، إن كان مستترا غائبا
~~من أعدائه، وقد روي أنه يتصدق به عنهم (1).
# وإذا اشترى ذمي من مسلم أرضا، كان عليه فيها الخمس.
# والعسل الذي يؤخذ من الجبال، وكذلك المن، يؤخذ منه الخمس، وجميع
~~الاستفادات، من الصيود، والاحتطاب، و الاحتشاش، والاستقاء، والإجارات،
~~والمجتنيات، والاكتسابات، يخرج منه الخمس، بعد مؤونة مستفيدة طول سنته، على
~~الاقتصاد دون التقتير والإسراف.
# والمعدن يملك منه أصحاب الخمس خمسهم، والباقي لمن استخرجه، إذا كان في
~~المباح، فأما إذا كان في الملك، فالخمس لأهله، والباقي لمالكه.
# ولا يعتبر في شئ من المعادن والكنوز التي يجب فيها الخمس، الحول، لأنه
~~ليس بزكاة بل يجب إخراجه عند أخذها، ولا يضم أيضا إلى ما معه من الأموال
~~الزكاتية، لأنه لا يجب فيها الزكاة، فإذا حال بعد إخراج الخمس منه حول، كان
~~عليه فيه الزكاة، إن كان دراهم أو دنانير، وإن كان غيرهما، فلا شئ فيه.
# وجميع ما ذكرناه يجب فيه الخمس، قليلا كان أو كثيرا، إلا الكنوز فحسب،
~~فإنه لا يجب فيها الخمس، إلا إذا بلغت إلى القدر الذي يجب فيه الزكاة،
~~فيكون مقدارها أو قيمتها عشرين دينارا، والغوص لا يجب فيه الخمس، إلا إذا
~~بلغ دينارا أو ما قيمته دينار.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله: إلا الكنوز، ومعادن الذهب والفضة،
~~وهذا ليس بواضح، لأن إجماع أصحابنا، منعقد على استثناء الكنوز، واعتبار
~~المقدار فيها، وكذلك الغوص، ولم يستثنوا غير هذين الجنسين، فحسب، بل
~~إجماعهم منعقد على وجوب إخراج الخمس، من المعادن جميعها، على اختلاف
# PageV01P488
# أجناسها، قليلا كان المعدن أو كثيرا، ذهبا كان أو فضة، من غير اعتبار
~~مقدار، وهذا إجماع منهم بغير خلاف.
# ويجب إخراج الخمس من المعادن والكنوز على الفور، بعد أخذها، ولا ms0357 يعتبر
~~مؤون السنة، بل يعتبر بعد إخراج مؤنها ونفقاتها، إن كانت تحتاج إلى ذلك.
# وأما ما عدا الكنوز، والمعادن، من سائر الاستفادات، والأرباح، والمكاسب،
~~والزراعات، فلا يجب فيها الخمس، بعد أخذها وحصولها، بل بعد مؤونة المستفيد،
~~ومؤونة من تجب عليه مؤونته، سنة هلالية، على جهة الاقتصاد، فإذا فضل بعد
~~نفقته طول سنته شئ، أخرج منه الخمس، قليلا كان الفاضل، أو كثيرا، ولا يجب
~~عليه أن يخرج منه الخمس، بعد حصوله له، وإخراج ما يكون بقدر نفقته، لأن
~~الأصل براءة الذمة، وإخراج ذلك على الفور، أو وجوبه ذلك الوقت، يحتاج إلى
~~دليل شرعي، والشرع خال منه، بل إجماعنا منعقد بغير خلاف أنه لا يجب إلا بعد
~~مؤونة الرجل طول سنته، فإذا فضل بعد ذلك شئ، أخرج منه الخمس، من قليله
~~وكثيره، وأيضا فالمؤونة لا يعلمها، ولا يعلم كميتها، إلا بعد تقضي سنته،
~~لأنه ربما ولد له الأولاد، أو تزوج الزوجات، أو انهدمت داره، ومسكنه، أو
~~ماتت دابته، التي يحتاج إليها، أو اشترى خادما يحتاج إليه، أو دابة يحتاج
~~إليها، إلى غير ذلك مما يطول تعداده وذكره، والقديم، ما كفله إلا بعد هذا
~~جميعه، ولا أوجب عليه شيئا، إلا فيما يفضل عن هذا جميعه طول سنته، وقول
~~شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله، في جمله وعقوده: ووقت وجوب الخمس فيه،
~~وقت حصوله (1) يريد به المعادن التي عددها، بدليل قوله واستثنائه الكنوز،
~~فإنه قال: إلا الكنوز، فإنه يراعى فيها النصاب الذي فيه الزكاة، والغوص
~~يراعى فيه مقدار دينار، وما عداهما لا يراعى فيه مقدار، ولو
# PageV01P489
# أراد شيخنا جميع ما يجب فيه الخمس، على اختلافه لما قال: ووقت وجوب الخمس
~~فيه وقت حصوله، لأن أحدا لا يقول بذلك، لأنه وغيره من أصحابنا يقول في
~~المكاسب، والأرباح، والزراعات، والاستفادات، لا يجب فيها الخمس، إلا بعد
~~مؤونة الرجل طول سنته، ولا يطلقون الوجوب فيها وقت حصوله، بل يقيدونه،
~~ويقولون لا يجب فيها الخمس، إلا بعد مؤونة الرجل طول سنته، وقد ذكر ابن
~~البراج في كتابه الموسوم ms0358 بالتعريف، قال: والوقت الذي يجب إخراج الخمس فيه
~~من المعادن، هو وقت أخذها (1) فلو كان يجب إخراج الخمس من جميع ما يجب فيه
~~الخمس من الأجناس، وقت حصوله، لما أفرد المعادن بالذكر، دون غيرها فليتأمل
~~ذلك.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مبسوطه: وما يصطاد من البحر، من
~~سائر أنواع الحيوان، لا خمس فيه، لأنه ليس بغوص، فأما ما يخرج منه بالغوص،
~~أو يوجد قفيا على رأس الماء، ففيه الخمس (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: أما قوله رحمه الله لأنه ليس بغوص، فصحيح،
~~بل هو استفادة. ومكتسب، وعندنا بلا خلاف أن في الاستفادة، الخمس، بعد
~~المؤونة، ففارق ما يصطاد من البحر، والغوص. بأن الخمس لا يجب فيه إلا إذا
~~بلغت قيمته دينارا، ولا يعتبر مؤونة السنة فيه، وما يصطاد بلا غوص، لا
~~يعتبر فيه مقدار الدينار، بل يعتبر فيه مؤونة السنة لأنه استفادة، وليس
~~بغوص، فليحصل عني ما ذكرته، ففيه غموض.
# وقال بعض أصحابنا: إن الميراث والهدية، والهبة، فيه الخمس، ذكر ذلك أبو
~~الصلاح الحلبي، في كتاب الكافي (3) الذي صنفه، ولم يذكره أحد من أصحابنا،
~~إلا المشار إليه، ولو كان صحيحا لنقل نقل أمثاله متواترا، والأصل براءة
~~الذمة، فلا نشغلها، ونعلق عليها شيئا إلا بدليل، وأيضا قوله تعالى: " ولا
~~يسئلكم أموالكم " (4).
# PageV01P490
# سؤال: إن قيل في غايص غاص دفعة، فأخرج أقل من قيمة دينار، ثم غاص ثانية،
~~فأخرج أقل من قيمة دينار، إلا أن بمجموعهما، يكونان دينارا، فهل عليه فيهما
~~الخمس؟ قيل له: نعم، يجب عليه فيهما الخمس، لأن الغوص مصدر، ومعناه المغوص،
~~والمغوص اسم جنس، يتناول الدفعة، والدفعات، وكذلك القول في رجل، وجد كنزا،
~~ينقص عن عشرين دينارا، ثم وجد دفعة ثانية كنزا، ينقص عن عشرين مثقالا،
~~المسألة واحدة، والجواب عنهما سواء.
# والأولى عندي والأقوى، أنه لا يجب في المسألتين معا الخمس، إلا أن يبلغ
~~كل دفعة في (1) المغوص والمكنوز المقدار المراعى في كل واحد منهما،
~~بانفراده لا مجتمعا مع الدفعة الأخرى، لأن كل دفعة ينطلق عليه ms0359 اسم الغوص
~~عليه حقيقة لا مجازا، وكذلك المكنوز، ويعضد ذلك، أن الأصل براءة الذمة
~~وقوله تعالى: " ولا يسئلكم أموالكم " وأيضا إذا وجد الإنسان لقطة أقل من
~~قيمة الدرهم، ثم وجد أخرى أقل من قيمة الدرهم، فلا خلاف أنه لا يجب عليه
~~التعريف، وإن كانتا بمجموعهما تبلغان الدرهم وأكثر.
# قال محمد بن إدريس: ولي في الأولى نظر.
# باب قسمة الغنائم والأخماس ومن يستحقها كل ما يغنمه المسلمون من دار
~~الحرب من جميع الأصناف التي قدمنا ذكرها، فما حواه العسكر، يخرج منه الخمس
~~بعد ما يصطفي الإمام عليه السلام ما يختاره، ما لم يجحف بالغانمين، وأربعة
~~أخماس ما يبقى، يقسم بين المقاتلة، وما لم يحوه العسكر من الأرضين،
~~والعقارات، وغيرها من أنواع الغنائم، يخرج منه الخمس، والباقي يكون
~~للمسلمين قاطبة، مقاتلتهم وغير مقاتلتهم، من حضر ومن لم يحضر، من ولد، ومن
~~لم يولد، يقسمه الإمام، بينهم على قدر ما يراه من مؤونتهم،
# PageV01P491
# هكذا ذكره شيخنا في نهايته (1).
# قال محمد بن إدريس: ولا أرى لهذا وجها، لأن المؤونة هاهنا غير معتبرة، بل
~~الواجب قسمة الغنيمة بين الغانمين، على رؤوسهم، وخيلهم، دون مؤونتهم، بغير
~~خلاف، بين أصحابنا في ذلك، للمقاتل سهمه، سواء كان قليل المؤونة، أو
~~كثيرها.
# والخمس يأخذه الإمام، فيقسمه ستة أقسام، قسما لله، وقسما لرسوله، وقسما
~~لذي القربى، فقسم الله، وقسم رسوله، وقسم ذي القربى، للإمام خاصة، يصرفه في
~~أمور نفسه، وما يلزمه من مؤونة من يجب عليه نفقته، وسهم ليتامى بني هاشم،
~~وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم. وليس لغير بني هاشم شئ من الأخماس،
~~وهؤلاء الذين يحرم عليهم زكاة الأموال الواجبة، مع تمكنهم من مستحقاتهم،
~~وأخماسهم، وقد شرحناهم، وحققنا نسبهم، فيما مضى من أبواب الزكاة، فلا نطول
~~بذكره هاهنا.
# وعلى الإمام أن يقسم سهامهم فيهم على قدر كفايتهم، ومؤونتهم، في السنة
~~على الاقتصاد، فإن فضل من ذلك شئ، كان هو الحافظ له، والمتولي لحفظه عليهم،
~~ولا يجوز أن يتملك منه شيئا لنفسه، لأن الحق لهم، فلا يجوز له أن يأخذ من ms0360
~~مالهم شيئا، وما يوجد في بعض كتب أصحابنا (2) من القول المسطور، فإن فضل من
~~ذلك شئ كان له خاصة، معناه كان له القيام عليه، والولاية بالحفظ (1)،
~~والتدبير دون رقبته، وقد يضاف الشئ إلى الغير، بأن يكون قائما عليه،
~~ومتوليا لحفظه، فيقال إنه له، وفي القرآن مثل ذلك قال الله تعالى: " ولا
~~تؤتوا السفهاء أموالكم " (3) فأضاف تعالى المال إلينا وإن كان مالا لليتيم،
~~ولا يملك المتولي والوصي رقبته بحال، بغير خلاف، بل أضافه إلينا، لأنا
~~القوام عليه، والحفاظ له، ومثله في كلام العرب كثير، ويدلك على ما قلناه،
~~أنه لا خلاف بين
# PageV01P492
# المسلمين، ولا بين الشيعة خاصة، أن سهام هؤلاء أعني اليتامى، والمساكين،
~~وأبناء السبيل، من بني هاشم خاصة عندنا، لا يستحق الإمام منها شيئا جملة بل
~~له سهمه ولهم سهمهم، لأن الله تعالى كما ملكه سهمه بلام الملك، والاستحقاق،
~~ملكهم سهمهم بذلك اللام، الذي الواو نائبة عنه، لأن المعطوف في لسان العرب،
~~له حكم المعطوف عليه، بغير خلاف.
# وقد يوجد أيضا في سواد الكتب، وشواذ الأخبار، وإن نقص، كان عليه أن يتم
~~من خاصته وهذا غير صحيح، والكلام عليه ما تقدم قبله، بلا فصل، لأن الله
~~تعالى ملكه سهمه بلام الملك والاستحقاق، بنص القرآن، والأصل براءة ذمة
~~الإمام لا ذمة غيره، إلا بدليل شرعي، وذلك مفقود هاهنا، وقوله تعالى: " ولا
~~يسئلكم أموالكم "، دليل أيضا، والقرآن والإجماع من أصحابنا دليلان على
~~استحقاقه عليه السلام، لنصف الخمس، فمن أخرج منه شيئا، وشغل ذمته بتمام.
~~كفاية الغير الذين لا يجب عليه نفقتهم، ولا هم ممن يجبر الإنسان على نفقته،
~~يحتاج إلى دليل، ولن تجده بحمد الله تعالى، بل دونه خرط القتاد، أو
~~المكابرة والعناد، وما يوجد في سواد بعض الكتب، فإنه من أضعف أخبار الآحاد،
~~لأنه مرسل غير مسند، وعند من يعمل بأخبار الآحاد، لا يعمل بذلك، لأنه لا
~~يعمل إلا بالمسانيد التي يرويها العدول دون المراسيل، قد أورده شيخنا أبو
~~جعفر الطوسي رحمه الله في تهذيب الأحكام فقال: محمد بن الحسن الصفار، ms0361 عن
~~أحمد بن محمد قال حدثنا بعض أصحابنا، وأرسله وذكر الحديث بطوله، حذفته
~~مخافة التطويل، وأثبت منه المقصود، وقال في آخر الخبر: فأما الخمس فيقسم
~~ستة أسهم: سهم لله، وسهم للرسول صلى الله عليه وآله، وسهم لذي القربى، وسهم
~~لليتامى وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، فالذي لله، فلرسوله صلى الله
~~عليه وآله، ورسول الله أحق به، فهو له، والذي للرسول، هو لذي القربى،
~~والحجة في زمانه فالنصف له خاصة والنصف لليتامى، والمساكين، وأبناء
~~PageV01P493
# السبيل، من آل محمد عليهم السلام، الذين لا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة،
~~عوضهم الله مكان ذلك الخمس، فهو يعطيهم على قدر كفايتهم، فإن فضل شئ فهو
~~له، وإن نقص عنهم، ولم يكفهم، أتمه من عنده، كما صار له الفضل كذلك يلزمه
~~النقصان (1) ثم أورد خبرا آخر مرسلا، غير مسند، أضعف من الخبر الأول، فقال:
~~الحسن بن علي بن فضال (2) قال: حدثني علي بن يعقوب أبو الحسن البغدادي، عن
~~الحسن بن إسماعيل بن صالح الصيمري قال: حدثني الحسن بن راشد، قال: حدثني
~~حماد بن عيسى، قال: رواه لي بعض أصحابنا، ذكر عن العبد الصالح أبي الحسن
~~الأول عليه السلام. قال: الخمس من خمسة أشياء، وذكر في آخر الحديث فقال:
~~فله - يعني الإمام - نصف الخمس كملا، ونصف السهم الباقي بين أهل بيته
~~ثلاثة: سهم لأيتامهم، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم، يقسم بينهم على
~~الكفاف والسعة (3)، ما يستغنون به في سنتهم، فإن فضل عنهم شئ يستغنون، فهو
~~للوالي، وإن عجز أو نقص (4) استغناؤهم كان على الوالي أن ينفق من عنده،
~~بقدر ما يستغنون به، وإنما صار عليه أن يمونهم، لأن له ما فضل عنهم (5).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: فهذان الحديثان الضعيفان، أوردهما في تهذيب
~~الأحكام الذي لم يصنف كتابا في الأخبار أكبر منه، ولم يورد فيه غيرهما مع
~~ما قد جمع فيه من الأخبار المتواترة، والآحاد، والمراسيل، والمسانيد، وإلا
~~فالسبر (6) بيننا وبين المخالف في ذلك، فهل يحل لمن له أدنى تأمل ومعرفة،
~~أن يعدل عن كتاب الله ms0362 تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه،
~~إلى
# PageV01P494
# هذين الخبرين المرسلين، وراوي أحدهما فطحي المذهب، كافر ملعون، مع كونه
~~مرسلا وهو الحسن بن الفضال، وبنو فضال كلهم فطحية، والحسن رأسهم في الضلال،
~~ثم لو سلمناهما تسليم جدل، ما كان فيهما ما ينافي ما ذكرناه، لأنه قال
~~فيهما: وإن نقص استغناؤهم، كان على الوالي أن ينفق من عنده، بقدر ما
~~يستغنون به، لأنه عليه السلام القائم بأمور الرعية، الناظر في أحوالهم،
~~سواء كانوا هاشميين، أو عاميين، فإنه يجب عليه أن ينفق عليهم من بيت مال
~~المسلمين، لا من ماله، لأن لهم في بيت المال حظا مثل سائر الناس، وليس
~~المال الذي في بيت مال المسلمين مختصا بأرباب الزكوات، بل الناس جميعهم فيه
~~شرع سواء، وهو المتولي لتفرقته عليهم، فقوله: من عنده، أي من تحت يده،
~~وأيضا فقد بينا أنه لا يجوز العمل بأخبار الآحاد، وإن كانت رواتها ثقات،
~~عند أهل البيت عليهم السلام، لأنها لا توجب علما ولا عملا، وأكثر ما يثمر
~~غلبة الظن، ولا يجوز العدول عن المعلوم الذي هو كتاب الله تعالى إلى
~~المظنون، وأدلة العقول تعضد ذلك، وتشهد به، لأن مال الغير لا يجوز التصرف
~~فيه، إلا بإذنه ولو لم يكن في ذلك إلا طريقة الاحتياط لبراءة الذمة، لكفى،
~~لأن الذمة مشغولة بهذا المال، وإيصاله إلى صاحبه، ومستحقه، فإذا فعل ذلك
~~تيقن براءة ذمته مما لزمها، وإذا أعطاه لغيره ففيه الخلاف، ولم يتيقن براءة
~~ذمته، وإذا لم يكن مع المخالف إجماع، فدليل القرآن، وأدلة العقول، ودليل
~~الاحتياط، المتمسك بها في المسألة، هو الواجب الذي لا يجوز العدول عنه، لذي
~~لب وتأمل وتحصيل، وأيضا فالمسألة الشرعية، لا نعلمها إلا من أربع طرق، كتاب
~~الله العزيز، وسنة رسوله المتواترة، وإجماع الشيعة الإمامية، لدخول قول
~~معصوم فيه، فإذا فقدنا الثلاث الطرق، فدليل العقد المفزع إليه فيها، فهذا
~~معنى قول الفقهاء: دلالة الأصل، فسبرنا كتاب الله تعالى، فما وجدنا فيه، أن
~~مال ابن الحسن، يعطى لغيره، ويستحقه سواه، ms0363 ويسلم إليه بغير إذنه، وكذلك
~~السنة المتواترة، ولا أجمعنا PageV01P495
# على أن مال ابن الحسن، يستحقه غيره، ويسلم إلى سواه، بغير إذنه، فلم يبق
~~معنا من الأدلة والطرق الأربع، سوى دليل العقل، ودليل العقل يحظر علينا
~~التصرف في مال الغير بغير إذنه، هذا لا معدل للمنصف المتأمل عن هذا
~~الاستدلال إلا إليه، أعوذ بالله من سوء التوفيق، ثم لا تجد مصنفا من
~~أصحابنا، بعد ذكره لهذه المسألة، إلا ويودع في كتابه، ويفتي ويقول: إن نصف
~~الخمس، يوصى به لصاحبه، أو يحفظ لصاحبه، أو يودع لصاحبه، على اختلاف
~~العبارات، فلو أراد أنه يستحقه غيره مع غيبته، ويسلم إلى من سواه، لكانوا
~~مناقضين في أقوالهم، والأدلة لا تتناقض، وإلا فالسبر بيننا.
# وهؤلاء الذين يستحقون الخمس، هم الذين قدمنا ذكرهم، ممن يحرم عليهم
~~الزكاة، ذكرا كان أو أنثى، فإن كان هناك، من أمه، من غير أولاد المذكورين،
~~وكان أبوه منهم حل له الخمس، ولم تحل له الزكاة، وإن كان ممن أبوه من غير
~~أولادهم، وأمه منهم، له يحل له الخمس، وحلت له الزكاة.
# واليتامى وابن السبيل، يعطيهم مع الفقر والغنى، لأن الظاهر يتناولهم.
# وينبغي أن يفرق الخمس في الأولاد، وأولاد الأولاد، ولا يخص بذلك الأقرب
~~فالأقرب، لأن الاسم يتناول الجميع، وليس ذلك على وجه الميراث، ولا يفضل ذكر
~~على الأنثى، من حيث كان ذكرا، لأن التفرقة إنما هي على قدر حاجتهم إلى ذلك،
~~وذلك يختلف بحسب أحوالهم، ويعطى الصغير منهم والكبير، لتناول الاسم لهم،
~~والظاهر يقتضي أن يفرق في جميع من تناوله الاسم، في بلد الخمس كان، أو في
~~غيره من البلاد، قريبا كان، أو بعيدا، إلا أن ذلك يشق، والأولى أن نقول:
~~نخص به من حضر البلد الذي فيه الخمس، ولا يحمل إلى غيره، إلا مع عدم
~~مستحقه.
# ولو أن إنسانا حمل ذلك إلى بلد آخر، ووصل إلى مستحقه، لم يكن عليه شئ،
~~إلا أنه يكون ضامنا، إن هلك، مثل الزكاة.
# ولا ينبغي أن يعطي إلا من كان مؤمنا، أو بحكم الإيمان، ويكون ms0364 عدلا
~~PageV01P496
# مرضيا، فإن فرق في الفساق جاز ذلك، ولم يكن عليه ضمان، لأن الظاهر
~~يتناولهم.
# ومتى حضر الثلاثة الأصناف، ينبغي أن لا يخص به قوم دون قوم، بل الأفضل
~~تفريقه في جميعهم، وإن لم يحضر عند المعطي، إلا فرقة منهم، جاز له أن يفرق
~~فيهم، ولا ينتظر غيرهم ولا يحمل إلى بلد آخر، إلا على ما قلناه وحررناه.
# باب في ذكر الأنفال ومن يستحقها الأنفال هي جمع نفل، ونفل يقال بسكون
~~الفاء وفتحها، وهو الزيادة، وهي كل أرض خربة باد أهلها، إذا كانت قد جرى
~~عليها ملك أحد، وكل أرض ميتة خربة لم يجر عليها ملك لأحد وكل أرض لم يوجف
~~عليها بخيل ولا ركاب، الإيجاف: السير السريع، أو أسلمها أهلها طوعا بغير
~~قتال، ورؤوس الجبال، وبطون الأودية، والآجام التي ليست في أملاك المسلمين،
~~بل التي كانت مستأجمة قبل فتح الأرض، والمعادن التي في بطون الأودية، التي
~~هي ملكه، وكذلك رؤوس الجبال، فأما ما كان من ذلك في أرض المسلمين، ويد مسلم
~~عليه، فلا يستحقه عليه السلام، بل ذلك في الأرض المفتتحة عنوة، والمعادن
~~التي في بطون الأودية مما هي له، والأرضون الموات التي لا أرباب لها، وصوا
~~في الملوك وقطائعهم التي كانت في أيديهم، لا على وجه الغصب، وميراث من لا
~~وارث له ومن الغنائم قبل أن تقسم، الجارية الرائعة الحسناء، والفرس الجواد
~~- وقال بعض أصحابنا في كتاب له: الفرس الفارة، وأهل اللغة يأبون هذا،
~~ويقولون: إن الفرس لا يقال له فاره، بل يقال فرس جواد، وحمار فاره - والثوب
~~المرتفع، وما أشبه ذلك، من الدرع الحصينة، والسيف القاطع، مما لا نظير له،
~~من رقيق، أو متاع، ما لم يجحف بالغانمين.
# وإذا قاتل قوم أهل حرب بغير أمر الإمام، فغنموا، كانت الغنيمة خاصة
~~للإمام، دون غيره، فجميع ما ذكرناه، كان للنبي عليه السلام خاصة، وهو لمن
~~PageV01P497
# قام مقامه من الأئمة، في كل عصر، لأجل المقام لا وراثة، فلا يجوز لأحد
~~التصرف في شئ من ذلك، إلا بإذنه، فمن تصرف في ms0365 شئ من ذلك بغير إذنه، كان
~~غاصبا، وما يحصل منه من الفوائد والنماء للإمام، دون غيره.
# ومتى تصرف في شئ منه بأمر الإمام وبإباحته، أو بضمانه، وقبالته، كان عليه
~~أن يؤدي ما يصالحه الإمام عليه، من نصف، أو ثلث، أو ما تقرر بينهما،
~~والباقي له، وكل منهما تجب عليه الزكاة، إذا بلغت حصته النصاب.
# هذا إذا كان في حال ظهور الإمام، وانبساط يده، فأما في حال الغيبة
~~وزمانها واستتاره عليه السلام، من أعدائه، خوفا على نفسه، فقد رخصوا
~~لشيعتهم التصرف في حقوقهم، مما يتعلق بالأخماس وغيرها، مما لا بد لهم، من
~~المناكح، والمتاجر - والمراد بالمتاجر أن يشتري الإنسان مما فيه حقوقهم
~~عليهم السلام ويتجر في ذلك، ولا يتوهم متوهم، أنه إذا ربح في ذلك المتجر
~~شيئا، لا يخرج منه الخمس، فليحصل ما قلنا، فربما اشتبه - والمساكن، فأما ما
~~عدا الثلاثة الأشياء، فلا يجوز التصرف فيه على حال.
# وما يستحقونه من الأخماس، في الكنوز، والمعادن، والأرباح، والمكاسب،
~~والزراعات، الفاضلة عن مؤونة السنة، وغير ذلك في حال الغيبة، فقد اختلفت
~~أقوال الشيعة الإمامية في ذلك، وليس فيه نص معين، فقال بعضهم: إنه جار في
~~حال الاستتار، مجرى ما أبيح لنا من المناكح والمتاجر والمساكن، وهذا لا
~~يجوز العمل عليه، ولا يلتفت إليه، ولا يعرج عليه، لأنه ضد الدليل، ونقيض
~~الاحتياط، وأصول المذهب، وتصرف في مال الغير، بغير إذن قاطع.
# وقال قوم: إنه يجب حفظه ما دام الإنسان حيا، فإذا حضرته الوفاة، وصى به
~~إلى من يثق بديانته، من إخوانه، ليسلم إلى صاحب الأمر، إذا ظهر، ويوصي به،
~~كما وصي إليه إلى أن يصل إلى صاحبه عليه السلام وقال قوم: يجب دفنه، لأن
~~الأرضين تخرج ما فيها، عند قيام القائم، مهدي الأنام عليه السلام، واعتمد
~~في ذلك على خبر واحد. PageV01P498
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: والأولى عندي الوصية به، والوديعة، ولا
~~يجوز دفنه، لأنه لا دليل عليه.
# وقال قوم: يجب أن يقسم الخمس، ستة أقسام: فثلاثة أقسام للإمام، يدفن أو
~~يودع من ms0366 يوثق بأمانته، والثلاثة الأقسام الأخر، تفرق على مستحقيها، من
~~أيتام بني هاشم، ومساكينهم، وأبناء سبيلهم، لأنهم المستحقون لها، وهم
~~ظاهرون، وعلى هذا يجب أن يكون العمل والاعتماد والفتيا، لأن مستحقها ظاهر،
~~وإنما المتولي لقبضها وتفريقها ليس بظاهر، فهو مثل الزكاة، في أنه يجوز
~~تفرقتها، وإن كان الذي يجبي الصدقات ويتولاها ليس بظاهر، فأما القول الأول
~~فلا يجوز العمل به على حال.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: هذا الذي اخترناه، وحققناه، وأفتينا به، هو
~~الذي يقتضيه الدين، وأصول المذهب، وأدلة العقول، وأدلة الفقه، وأدلة
~~الاحتياط، وإليه يذهب ويعول عليه، جميع محققي أصحابنا المصنفين، المحصلين،
~~الباحثين، عن مأخذ الشريعة، وجهابذة الأدلة، ونقاد الآثار، فإن جميعهم
~~يذكرون في باب الأنفال هذه المقالة، ويعتمدون على القول الأخير الذي
~~ارتضيناه، بغير خلاف بينهم، ويقولون ما حكيناه. ويذكرون ما شرحناه، ويصرحون
~~بأنه ليس فيه نص معين، فلو كان الخبران الضعيفان صحيحين، ما كانوا يقولون
~~ليس فيه نص معين.
# وشيخنا المفيد، يقول: وإنما اختلفوا في ذلك، لعدم ما يلجأ إليه من صريح
~~المقال، وما سطرناه، واخترناه، مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله
~~واختياره في مبسوطه (1)، وهذا الكتاب، اللهم آخر ما صنفه في الفقه، فإنه
~~بعد النهاية، والتهذيب والاستبصار، والجمل والعقود، ومسائل الخلاف، وإن كان
# PageV01P499
# في جميع كتبه هذا اختياره، وفتواه، واعتقاده، مع اختلاف عباراته في كتبه،
~~وتصنيفاته، وإن كان المعنى واحدا، وقد أفتى فتيا صريحة، في جواب المسائل
~~الحائريات، فقال له السائل: وعن رجل وجد كنزا، لم يجد من يستحق الخمس منه،
~~ولا من يحمله إليه، ما يصنع به؟ فقال: الجواب، الخمس نصفه لصاحب الزمان،
~~يدفنه أو يودعه عند من يثق به، ويأمره بأن يوصي بذلك إلى أن يصل إلى
~~مستحقه، والنصف الآخر يقسمه في يتامى آل الرسول، ومساكينهم، وأبناء سبيلهم،
~~فإنهم موجودون، وإن خاف من ذلك، أودع الخمس كله، أو دفنه (1) هذا آخر فتياه
~~رحمه الله، فلو كان يرى أن حق صاحب الزمان، يجوز صرفه إلى بني هاشم، في حال
~~الغيبة، لما أفتى بما ms0367 ذكرناه عنه.
# والسيد المرتضى رضي الله عنه أفتى في المسائل الموصليات الثانية الفقهية،
~~وهي المسألة الثلاثون فقال: والخمس ستة أسهم، ثلاثة منها للإمام القائم
~~بخلافة الرسول، وهي سهم الله، وسهم رسوله، وسهم الإمام، والثلاثة الباقية،
~~ليتامى آل الرسول، ومساكينهم، وأبناء سبيلهم، خاصة، دون الخلق أجمعين.
# وتحقيق هذه المسألة، إن إخراج الخمس واجب، في جميع الغنائم، والمكاسب،
~~وكل ما استفيد بالحرب (2) وما استخرج أيضا من المعادن، والغوص، والكنوز،
~~وما فضل من أرباح التجارات، والزراعات، والصناعات، عن المؤونة والكفاية،
~~وقسمة هذا الخمس، وتمييز أهله، هو أن يقسم على ستة سهام ثلاثة منها للإمام
~~القائم مقام الرسول عليهما السلام وهي سهم الله، وسهم رسوله، وسهم ذي
~~القربى، لأن إضافة الله تعالى ذلك إلى نفسه، هي في المعنى للرسول عليه
~~السلام، إنما (3) أضافها إلى - نفسه، تفخيما لشأن الرسول، وتعظيما، كإضافة
~~طاعة الرسول عليه السلام إليه تعالى، وكما أضاف رضاه عليه السلام وأذاه
~~إليه، جلت عظمته.
# PageV01P500
# والسهم الثاني المذكور المضاف إلى الرسول عليه السلام، له بصريح الكلام،
~~وهذان السهمان معا للرسول عليه السلام في حياته، ولخليفته القائم مقامه
~~بعده.
# فأما المضاف إلى ذي القربى، فإنما عني به ولي الأمر من بعده، لأنه القريب
~~إليه، الخصيص به.
# والثلاثة أسهم الباقية، ليتامى آل محمد عليهم السلام ومساكينهم، وأبناء
~~سبيلهم، وهم بنو هاشم خاصة، دون غيرهم.
# وإذا غنم المسلمون شيئا من دار الكفر، بالسيف، قسمه الإمام على خمسة
~~أسهم، فجعل أربعة منها بين من قاتل عليه، وجعل السهم الخامس على ستة أسهم،
~~وهي التي قدمنا بيانها، ثلاثة منها، له عليه السلام، وثلاثة للثلاثة
~~الأصناف من أهله، من أيتامهم، ومساكينهم، وأبناء سبيلهم، والحجة في ذلك
~~إجماع الفرقة المحقة عليه، وعملهم به.
# فإن قيل: هذا تخصيص لعموم الكتاب، لأن الله تعالى يقول: " واعلموا أنما
~~غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى " (1) فأطلق، وعم، وأنتم
~~جعلتم المراد بذي القربى واحدا، ثم قال: " واليتامى والمساكين وابن السبيل
~~" وهذا عموم، فكيف خصصتموه ببني هاشم خاصة؟.
# فالجواب عن ذلك، أن العموم قد ms0368 يخص بالدليل القاطع، وإذا كانت الفرقة
~~المحقة، قد أجمعت على الحكم الذي ذكرناه خصصنا بإجماعهم، الذي هو غير محتمل
~~الظاهر المحتمل، على أنه لا خلاف بين الأمة، في تخصيص هذه الظواهر، لأن
~~إطلاق قوله تعالى " ذي القربى " يقتضي عمومه، قرابة النبي عليه السلام،
~~وغيره، فإذا خص به قرابة النبي عليه السلام، فقد عدل عن الظاهر، وكذلك
# PageV01P501
# إطلاق لفظة اليتامى، والمساكين، وابن السبيل تقتضي دخول من كان بهذه
~~الصفة، من مسلم وذمي، وغني، وفقير، ولا خلاف في أن عموم ذلك، غير مراد،
~~وأنه مخصوص على كل حال (1) هذا آخر كلام السيد المرتضى لا زيادة فيه ولا
~~نقصان.
# قال محمد بن إدريس: فهل ترى أرشدك الله، خللا في كلام السيد، أو أنه أعطى
~~مال ابن الحسن لغيره، أو تمم لشركائه عليه السلام من سهمه، إذا نقص سهمهم
~~عن كفايتهم، بل قسمه على ما قسمه الله سبحانه، وأعطى كل ذي حق حقه، ولم
~~يلتفت إلى خبر شاذ، وقول سخيف، ومذهب ضعيف، وإلى هذا القول ذهب رحمه الله
~~في كتابه كتاب الإنتصار (2).
# وأما شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان رحمه الله، فقد قال في
~~مقنعته:
# وقد اختلف قوم من أصحابنا في ذلك، عند الغيبة، وذهب كل فريق منهم إلى
~~مقال، فمنهم من يسقط (3) فرض إخراجه لغيبة الإمام، وما تقدم من الرخص فيه،
~~من الأخبار، وبعضهم يوجب كنزه، ويتأول خبرا (4) ورد أن الأرض تظهر كنوزها،
~~عند ظهور القائم، مهدي الأنام عليه السلام، وأنه عليه السلام إذا قام، دله
~~الله سبحانه على الكنوز، فيأخذها من كل مكان، وبعضهم يرى صلة الذرية به،
~~وفقراء الشيعة على طريق الاستحباب، ولست أدفع قرب هذا القول من الصواب،
~~وبعضهم يرى عزله لصاحب الأمر عليه السلام، فإن (5) خشي إدراك المنية قبل
~~ظهوره، وصى به إلى من يثق به، في عقله وديانته، ليسلمه إلى الإمام عليه
~~السلام، إن أدرك قيامه، في
# PageV01P502
# الثقة والديانة، ثم على هذا الشرط إلى أن يظهر إمام الزمان عليه السلام.
~~وهذا القول عندي أوضح من جميع ما ms0369 تقدم، لأن الخمس حق واجب، لغائب لم يرسم
~~قبل غيبته رسما يجب الانتهاء إليه، فوجب حفظه عليه، إلى وقت إيابه، أو
~~التمكن من إيصاله إليه، أو وجود من انتقل بالحق إليه، وجرى أيضا مجرى
~~الزكاة التي يعدم عند حلولها مستحقها فلا يجب عند عدمه سقوطها، ولا يحل
~~التصرف فيها، على حسب التصرف في الأملاك، ويجب حفظها بالنفس، والوصية بها
~~إلى من يقوم بإيصالها إلى مستحقها، من أهل الزكاة من الأصناف وإن ذهب ذاهب
~~إلى صنع ما وصفناه، في شطر الخمس الذي هو حق خالص للإمام عليه السلام، وجعل
~~الشطر الآخر في يتامى آل الرسول عليهم السلام، وأبناء سبيلهم، ومساكينهم،
~~على ما جاء في القرآن، لم تبعد أصابته الحق في ذلك، بل كان على صواب، وإنما
~~اختلف أصحابنا في هذا الباب، لعدم ما يلجأ إليه فيه من صريح الألفاظ، وإنما
~~عدم ذلك لموضع تغليظ المحنة، مع إقامة الدليل بمقتضى العقل والأثر، من.
~~لزوم الأصول في حظر التصرف في غير المملوك، إلا بإذن المالك، وحفظ الودائع
~~لأهلها ورد الحقوق (1) هذا آخر قول شيخنا المفيد رحمه الله في مقنعته.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: وهذا الشيخ المفيد جليل القدر، مقتدى
~~بأقواله، وفتاويه، انتهت رياسة الشيعة الإمامية في عصره وزمانه إليه، على
~~ما حكاه شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله عنه، وهو صاحب النظر الثاقب،
~~والمناظرات في الإمامة، والمقالات المستخرجة التي لم تسبق إليها، فانظر
~~أرشدك الله تعالى إلى قوله: " وإنما اختلف أصحابنا في هذا الباب لعدم ما
~~يلجأ إليه فيه من صريح الألفاظ " فلو كان فيه نص صريح، وأخبار متواترة، ما
~~جاز له أن
# PageV01P503
# يقول ذلك. ثم قال: " وإنما عدم ذلك لموضع تغليظ المحنة، ثم قال: مع إقامة
~~الدليل بمقتضى العقل والأثر من لزوم الأصول، في حظر التصرف في غير المملوك
~~إلا بإذن المالك " مقصوده، أن الله تعالى لا يكلفنا شيئا إلا وينصب عليه
~~الأدلة، وإلا يكون تكليفا لما لا يطاق، وتعالى الله عن ذلك، فلما عدمت
~~النصوص، والخطاب من جهة الشارع، ms0370 كان لنا أدلة العقول منارا وعلما، على
~~المسألة، نهتدي بها إليها، على ما مضى شرحه في باب قسمة الغنائم والأخماس،
~~فقد أشبعنا القول في ذلك، وحققناه وقلنا: إذا عدم أدلة الكتاب، والأخبار
~~المتواترة، والإجماع في المسألة الشرعية، كان فرضنا وتكليفنا فيها، العمل
~~بما يقتضيه العقل، لأنها تكون مبقاة عليه بغير خلاف من محصل، ولو اقتصر في
~~المسألة على دليل الاحتياط، لكفى، فكيف والأدلة العقلية، والسمعية قائمة
~~عليها؟
# ثم قال الشيخ المفيد، في جواب المسائل التي سأله عنها محمد بن محمد بن
~~الرملي وهي مشهورة: سؤال: وعن رجل وجد كنزا، ثم لم يجد من يستحق الخمس منه،
~~ولا من يحمل إليه، ما يصنع به، وليس له في بلده الذي هو فيه، أهل يدفع
~~إليه، ما يصنع به؟ جواب: يصرف نصف الخمس، ليتامى آل محمد عليهم السلام،
~~ومساكينهم، وأبناء سبيلهم، ويجوز النصف الآخر، لولي الأمر عليه السلام، فإن
~~أدركه، سلمه إليه، وإن لم يدركه، وصى به له، وجعله عند ثقة، يوصله إليه،
~~فإن لم يجده الموصى إليه، وصى به إلى من جعله يقوم مقامه، في ذلك، وإذا لم
~~يجد في بلده من يتامى آل محمد عليهم السلام، ومساكينهم، وأبناء سبيلهم،
~~أحدا نفذه إلى بلد يكون فيه، ليصل إليهم منه، فانظر إلى فتوى هذا الشيخ
~~رحمه الله. PageV01P504
# كتاب الحج PageV01P505
# كتاب الحج باب حقيقة الحج والعمرة وشرائط وجوبهما الحج في اللغة هو
~~القصد، وفي الشريعة كذلك، إلا أنه اختص بقصد البيت الحرام، لأداء مناسك
~~مخصوصة عنده، متعلقة بزمان مخصوص، والعمرة هي الزيارة في اللغة، وفي
~~الشريعة عبارة عن زيارة البيت الحرام، لأداء مناسك (1) عنده، ولا يختص
~~بزمان مخصوص، إذا كانت مبتولة. فأما العمرة المتمتع بها إلى الحج، فإنها
~~تختص بزمان مخصوص، مثل الحج سواء، لأنها داخلة في الحج، وما ذكرته من حقيقة
~~الحج في الشريعة، ذكره شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مبسوطه (2) وفي
~~جمله وعقوده (3).
# والأولى أن يقال: الحج في الشريعة، هو القصد إلى مواضع مخصوصة، لأداء
~~مناسك مخصوصة عندها، متعلقة بزمان ms0371 مخصوص، وإنما قلنا ذلك، لأن الوقوف بعرفة
~~وقصدها واجب، وكذلك المشعر الحرام، ومنى، فإذا اقتصرنا في الحد على البيت
~~الحرام فحسب، خرجت هذه المواضع من القصد، وهذا لا يجوز، فأما ما ذكره في
~~حقيقة العمرة المبتولة، فحسن، لا استدراك عليه فيه، لأن الوقوف بعرفة
~~والمشعر ومنى لا يجب في العمرة المبتولة، بل قصد البيت الحرام فحسب، ولو
~~قيد العمرة بالمبتولة كان حسنا، بل أطلقها، وإن كان مقصوده رحمه الله ما
~~ذكرناه.
# PageV01P506
# وهما على ضربين: مفروض، ومسنون، فالمفروض منهما على ضربين، مطلق من غير
~~سبب، وواجب عند سبب. فالمطلق من غير سبب، هو حجة الإسلام، وعمرة الإسلام.
# وشرائط وجوبهما ثمانية: البلوغ، وكمال العقل، والحرية، والصحة، ووجود
~~الزاد والراحلة، والرجوع إلى كفاية، إما من المال، أو الصناعة، أو الحرفة،
~~وتخلية السرب من الموانع، وإمكان المسير.
# قولهم: إمكان المسير، هو غير تخلية السرب، لأن السرب الطريق، بفتح السين،
~~وإمكان المسير، يراد به، أنه وجد القدرة من المال في زمان لا يمكنه الوصول
~~إلى مكة، لضيق الوقت، مثال ذلك، أن رجلا من بغداد، وهو فقير، استغنى، ووجد
~~شرائط الحج، في أول ذي الحجة، أو كان قد بقي ليوم عرفة، ثلاثة أيام، أو أقل
~~من ذلك، والطريق مخلى، أمين، فلا يجب عليه في هذه السنة الحج، لأنه لا
~~يمكنه المسير بحيث يدرك الحج، وأوقاته، وأمكنته في هذه المدة، فإن وجد
~~المال والشرائط، ومعه من الزمان ما يمكنه الوصول، وإدراك هذه المواضع في
~~أوقاتها، فقد أمكنه المسير، فهذا معنى إمكان المسير.
# ومتى اختل شئ من هذه الشرائط الثمان، سقط الوجوب، ولم يسقط الاستحباب،
~~هذا على قول بعض أصحابنا، فإنهم مختلفون في ذلك، فبعض يذهب إلى أنه لا يجب
~~إلا مع هذه الشرائط الثمانية (1) وبعض منهم، يقول: يجب الحج على كل حر،
~~مسلم، بالغ، عاقل، متمكن من الثبوت على الراحلة، إذا زالت المخاوف
~~والقواطع، ووجد من الزاد والراحلة ما ينهضه في طريقه، وما يخلفه لعياله من
~~النفقة.
# وعبارة أخرى لمن لا يراعي الثماني شرائط، بل يسقط الرجوع ms0372 إلى كفاية،
~~ويراعي سبع شرائط فحسب، قال: الحج يجب على كل حر، بالغ، كامل، العقل، صحيح
~~الجسم، يتمكن من الاستمساك على الراحلة، مخلى السرب من الموانع، يمكنه
~~المسير، واجد للزاد والراحلة، ولما يتركه من نفقة من تجب عليه
# PageV01P507
# نفقته على الاقتصاد، ولما ينفقه على نفسه ذاهبا وجائيا بالاقتصاد، وإلى
~~المذهب الأول ذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله، في سائر كتبه إلا في
~~استبصاره (1)، ومسائل خلافه (2)، وإلى المذهب الثاني ذهب السيد المرتضى، في
~~سائر كتبه، حتى أنه ذهب في الناصريات، إلى أن الاستطاعة التي يجب معها
~~الحج، صحة البدن، وارتفاع الموانع، والزاد، والراحلة فحسب، وقال رحمه الله:
# وزاد كثير من أصحابنا، أن يكون له سعة يحج ببعضها، وتبقى بعضا لقوت
~~عياله، ثم قال رضي الله عنه: دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه، بعد الإجماع
~~المتكرر ذكره، أنه لا خلاف في أن من حاله ما ذكرناه، أن الحج يلزمه (3).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: والذي يقوى في نفسي، وثبت عندي، وأختاره
~~وأفتي به، وأعتقد صحته، ما ذهب إليه السيد المرتضى، وأختاره، لأنه إجماع
~~المسلمين قاطبة، إلا مالكا فإنه لم يعتبر الراحلة، ولا الزاد، إذا كان ذا
~~صناعة يمكنه الاكتساب بها في طريقه، وإن لم يكن ذا صناعة، وكان يحسن
~~السؤال، وجرت عادته به، لزمه أيضا الحج، فإن لم يجر عادته به لم يلزمه
~~الحج.
# فأما ما ذهب إليه الفريق الآخر، من أصحابنا، فإنهم يتعلقون بأخبار آحاد،
~~لا توجب علما ولا عملا، ولا يخصص بمثلها القرآن، ولا يرجع عن ظاهر التنزيل
~~بها، بل الواجب العمل بظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: " ولله على الناس حج
~~البيت من استطاع إليه سبيلا " (4) ولا خلاف أن من ذكرنا حاله قادر على
~~إتيان البيت، وقصده، لأنه تعالى قال " من استطاع إليه سبيلا " ولولا إجماع
~~المسلمين على إبطال قول مالك، لكان ظاهر القرآن معه، بل أجمعنا على تخصيص
~~المواضع التي أجمعنا عليها، وخصصناها بالإجماع، بقي الباقي، فظاهر
# PageV01P508
# الآية (1) على عمومها، فمن خصص ما لم يجمع على تخصيصه، ms0373 يحتاج إلى دليل،
~~ألا ترى إلى استدلال السيد المرتضى رضي الله عنه وقوله: " دليلنا على صحة
~~ما ذهبنا إليه بعد الإجماع المتكرر ذكره، أنه لا خلاف في أن من حاله ما
~~ذكرناه، أن الحج يلزمه " فقد استدل بإجماع الفرقة، وإجماع المسلمين، بقوله
~~" لا خلاف في أن من حاله ما ذكرناه أن الحج يلزمه " واستدل أيضا على بطلان
~~قول مالك، وصحة ما ذهب السيد إليه، واختاره (2) بما روي أن النبي صلى الله
~~عليه وآله سئل عن قول تعالى: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه
~~سبيلا " فقيل له: يا رسول الله، ما الاستطاعة؟ فقال: الزاد والراحلة (3).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: وأخبارنا متواترة عامة في وجوب الحج، على
~~من حاله ما ذكرناه، قد أوردها أصحابنا في كتب الأخبار، من جملتها ما ذكره
~~شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في كتابه تهذيب الأحكام (4) وفي الإستبصار
~~فمما أورده في الإستبصار، عن الكليني محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن
~~أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن يحيى الخثعمي، قال سأل حفص الكناسي أبا
~~عبد الله عليه السلام، وأنا عنده، عن قول الله عز وجل:
# " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " ما يعني بذلك؟ قال: من
~~كان صحيحا في بدنه، مخلى سربه، له زاد وراحلة، فلم يحج، فهو ممن يستطيع
~~الحج، قال: نعم (5).
# عنه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن
~~الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، في قول الله عز وجل: ولله على الناس
~~حج البيت
# PageV01P509
# من استطاع إليه سبيلا قال: أن يكون له ما يحج به، قال: قلت من عرض عليه
~~ما يحج به، فاستحيى من ذلك، أهو ممن يستطيع إليه سبيلا قال: نعم، ما شأنه
~~يستحيي، ولو يحج على حمار أبتر، فإن كان يطيق أن يمشي بعضا، ويركب بعضا،
~~فليحج (1) موسى بن القاسم، عن معاوية بن وهب، عن صفوان، عن العلا، عن محمد
~~بن مسلم، ms0374 قال: قلت لأبي جعفر، قوله تعالى: " ولله على الناس حج البيت من
~~استطاع إليه سبيلا، قال: يكون له ما يحج به، قلت: فإن عرض عليه الحج،
~~فاستحيى، قال: هو ممن يستطيع، ولم يستحيي، ولو على حمار أجدع أبتر، قال:
~~فإن كان يستطيع أن يمشي بعضا ويركب بعضا فليفعل (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: فجعل شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله، هذه
~~الأخبار عمدته، وبها صدر الباب في ماهية الاستطاعة، وإنها شرط في وجوب
~~الحج، وهذه طريقته في هذا الكتاب، أعني كتاب الإستبصار، يقدم في صدر الباب
~~ما يعمل به من الأخبار ويعتمد عليه، ويفتي به، وما يخالف ذلك يؤخره، ويتحدث
~~عليه، هذه عادته، وسجيته، وطريقته في هذا الكتاب، فمذهبه في الإستبصار، هو
~~ما اخترناه، وقد رجع عن مذهبه في نهايته (3) وجمله وعقوده (4) واختار في
~~استبصاره ما ذكرناه، ثم قال رحمه الله: فأما ما رواه الحسين بن سعيد، عن
~~القاسم بن أحمد، عن علي، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام،
~~قول الله عز وجل: و " لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا "، قال:
~~يخرج ويمشي، إن لم يكن عنده مركب، قلت: لا يقدر على المشي، قال: يمشي
~~ويركب، قلت: لا يقدر على ذلك، أعني المشي، قال: يخدم القوم ويخرج معهم (5).
# PageV01P510
# عنه، عن فضالة بن أيوب، عن معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله عليه
~~السلام، عن رجل عليه دين، أعليه أن يحج؟ قال: نعم، إن حجة الإسلام واجبة،
~~على من أطاق (1) المشي من المسلمين، ولقد كان من حج مع النبي عليه السلام،
~~أكثرهم مشاة، ولقد مر رسول الله صلى الله عليه وآله بكراع الغميم، فشكوا
~~إليه الجهد والعياء (2) فقال: شدوا أزركم (3)، واستبطؤا (4) ففعلوا ذلك،
~~فذهب عنهم (5) (6).
# قال رحمه الله: فلا تنافي بين هذين الخبرين، والأخبار الأولة المتقدمة،
~~لأن الوجه فيهما أحد شيئين، أحدهما أن يكونا محمولين على الاستحباب، لأن من
~~أطاق المشي، مندوب إلى الحج، وإن لم يكن واجبا يستحق بتركه العقاب، ويكون ms0375
~~إطلاق اسم الوجوب عليه على ضرب من التجوز مع إنا قد بينا أن ما هو مؤكد
~~شديد الاستحباب، يجوز أن يقال فيه أنه واجب وإن لم يكن فرضا.
# والوجه الثاني: أن يكونا محمولين على ضرب من التقية، لأن ذلك مذهب بعض
~~العامة، ألا ترى أنه رحمه الله قد اعتمد على الأخبار الأولة، في وجوب الحج
~~على من وجد الزاد والراحلة، ونفقة طريقه ذاهبا وجائيا، وما يخلفه نفقة من
~~يجب عليه نفقته مدة سفره وغيبته، ولم يذكر فيها الرجوع إلى كفاية، إلا في
~~خبر أبي الربيع الشامي، فإن فيه اشتباها، على غير الناقد المتأمل، بل عند
~~تحقيقه ونقده، هو موافق لغيره من الأخبار التي اعتمد شيخنا عليها، لا تنافي
~~بينها وبينه وذلك أنه قال أبو الربيع: سئل أبو عبد الله عليه السلام، عن
~~قول الله عز وجل: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " فقال:
~~ما يقول الناس في الاستطاعة؟ قال: فقيل له الزاد والراحلة، قال: فقال أبو
~~عبد الله عليه السلام:
# PageV01P511
# قد سئل أبو جعفر عن هذا، فقال: هلك الناس إذن، لئن كان من كان له زاد
~~وراحلة قدر ما يقوت عياله، ويستغني به عن الناس، ينطلق، فيسلبهم إياه، لقد
~~هلكوا إذن، فقيل له: فما السبيل، قال: فقال: السعة في المال إذا كان يحج
~~ببعض، ويبقى ببعض لقوت عياله (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: وليس في الخبر ما ينافي ما ذهبنا إليه،
~~واخترناه، بل ما يلائمه ويعضده، وهو دليل لنا، لا علينا، بل نعم ما قال
~~عليه السلام، لأنه قال: ما يقول الناس في الاستطاعة؟ قال: فقيل له: الزاد
~~والراحلة، فقال أبو عبد الله عليه السلام: سئل أبو جعفر عليه السلام عن هذا
~~فقال: هلك الناس إذن، لئن كان من كان له زاد وراحلة، قدر ما يقوت عياله،
~~ويستغني به عن الناس، ينطلق، فيسلبهم إياه، لقد هلكوا إذن، ونحن نقول بما
~~قال عليه السلام، ولا نوجب الحج على الواجد للزاد والراحلة فحسب، بل نقول
~~ما قال عليه ms0376 السلام، لما قيل له: فما السبيل، قال: فقال: السعة في المال،
~~إذا كان يحج ببعض، ويبقي بعض، يقوت عياله وكذا نقول، وهذا مذهبنا الذي
~~ذهبنا إليه، لأنه عليه السلام قال: السبيل، السعة في المال، ثم فسرها فقال:
~~إذا كان يحج ببعض ويبقي بعض يقوت عياله، ولم يذكر في الخبر عليه السلام
~~ويرجع إلى كفاية، إما من صناعة، أو مال، بل قال عليه السلام: يحج ببعض،
~~ويبقى بعض يقوت عياله، وهو الصحيح، لأنا أوجبنا الحج، بأن يجد الزاد
~~والراحلة، ونفقته، ذاهبا وجائيا، وما يخلفه نفقة من يجب عليه نفقته، من
~~عياله، وكذلك قال عليه السلام: يحج ببعض، ويبقي بعض يقوت عياله، يعني نفقة
~~عياله، فأما إن لم يبق ما يقوت عياله، مدة سفره، وغيبته، فلا يجب عليه
~~الحج، وهل هذا الخبر فيه، ما ينافي ما قلناه، أو يرجع به عن ظاهر التنزيل،
~~والمتواتر من
# PageV01P512
# الأخبار، ولو وجد أخبار آحاد، فلا يلتفت إليها، ولا يعرج عليها، لأنها لا
~~توجب علما ولا عملا، ولا يترك لها ظاهر القرآن، وإجماع أصحابنا، فإنهم عند
~~تحقيق أقوال الفريقين، تجدهم متفقين على ما ذهبنا إليه، وأنا أدلك على ذلك،
~~وذاك أنه لا خلاف بينهم، أن العبد إذا لحقه العتاق، قبل الوقوف بأحد
~~الموقفين، فإن حجته مجزية عن حجة الإسلام، ويجب عليه النية للوجوب والحج،
~~ولم يعتبر أحد منهم، هل هو ممن يرجع إلى كفاية أو صنعة، لأن العبد عندهم لا
~~يملك شيئا فإذن لا مال له يرجع إليه، ولا أحد منهم اعتبر رجوعه إلى صناعة،
~~في صحة حجه، وهذا منهم إجماع منعقد بغير خلاف.
# وكذلك أيضا، من عرض عليه بعض إخوانه نفقة الحج، فإنه يجب عليه عند أكثر
~~أصحابنا أيضا، ولم يعتبروا في وجوب الحج عليه رجوعه إلى كفاية، إما من
~~المال، أو الصناعة والحرفة، بل أوجبوه عليه، بمجرد نفقة الحج، وعرضها عليه،
~~وتمكنه منها فحسب.
# وأيضا فقد ذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله، إلى ما ذهبنا إليه، في
~~مسألة من مسائل خلافه (1) مضافا إلى استبصاره ms0377 (2) فقال: مسألة، المستطيع
~~ببدنه الذي يلزمه فعل الحج بنفسه، أن يكون قادرا على الكون على الراحلة،
~~ولا يلحقه مشقة غير محتملة في الكون عليها، فإذا كانت هذه صورته، فلا يجب
~~عليه فرض الحج، إلا بوجود الزاد والراحلة، فإن وجد أحدهما، لا يجب عليه فرض
~~الحج، وإن كان مطيقا للمشي قادرا عليه، ثم قال في استدلاله على صحة ما صوره
~~في المسألة، دليلنا إجماع الفرقة، ولا خلاف أن من اعتبرناه، يجب عليه الحج
~~وليس على قول من خالف ذلك دليل، وأيضا قوله تعالى: " ولله على الناس حج
~~البيت من استطاع إليه سبيلا "، والاستطاعة تتناول القدرة، وجميع
# PageV01P513
# ما يحتاج إليه، فيجب أن يكون من شرطه، وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه
~~وآله، أنه قال: الاستطاعة الزاد والراحلة، لما سئل عنها روى ذلك ابن عمر،
~~وابن عباس، وابن مسعود، وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وجابر بن عبد الله
~~وعائشة، وأنس بن مالك، ورووا (1) أيضا عن علي عليه السلام، عن النبي صلى
~~الله عليه وآله، هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر في المسألة، ألا ترى أرشدك
~~الله إلى قوله رحمه الله، ولا خلاف أن من اعتبرناه يجب عليه الحج، وما
~~اعتبر فيما صوره في المسألة الرجوع إلى كفاية ودل أيضا، بإجماع الفرقة على
~~صحة ما صوره في المسألة.
# وأيضا ذكر مسألة أخرى، فقال: مسألة، الأعمى يتوجه عليه فرض الحج، إذا كان
~~له من يقوده ويهديه، ووجد الزاد والراحلة، لنفسه ولمن يقوده، ولا يجب عليه
~~الجمعة، وقال الشافعي: يجب عليه الحج، والجمعة، معا، وقال أبو حنيفة:
# لا يجب عليه الحج، وإن قدر على جميع ما قلناه، دليلنا قوله تعالى: " ولله
~~على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا "، وهذا مستطيع، فمن أخرجه من
~~العموم، فعليه الدلالة (2) هذا آخر كلام شيخنا ألا ترى أرشدك الله، إلى
~~استدلاله، فإن كان يعتبر الرجوع إلى الكفاية، على ما يذكره في بعض كتبه في
~~وجوب الحج، فقول أبي حنيفة صحيح، لا حاجة به إلى الرد عليه، بل ms0378 رد عليه
~~بالآية وعمومها، ونعم ما استدل به، فإنه الدليل القاطع، والضياء الساطع،
~~والشفاء النافع.
# وقال أيضا في مبسوطه شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله: مسألة، إذا بذل له
~~الاستطاعة، قدر ما يكفيه ذاهبا وجائيا، ويخلف لمن يجب عليه نفقته، لزمه فرض
~~الحج، لأنه مستطيع (3) هذا آخر كلامه في مبسوطه، وجعل هذا الكلام مسألة في
~~مسائل خلافه أيضا (4) فهل يحل لأحد أن يقول، إن الشيخ أبا جعفر الطوسي رحمه
~~الله، ما يذهب إلى ما يذهب إليه المرتضى في هذه المسألة، بعد ما
# PageV01P514
# أوردناه عنه، وإن كان في بعض كتبه يقول بغير هذا، فنأخذ ما اتفقا عليه،
~~ونترك القول الذي انفرد به أحدهما، إن قلدا في ذلك ونعوذ بالله من ذلك، بل
~~يجب علينا الأخذ بما قام الدليل عليه من كان القائل به من (1).
# وأيضا فقد بينا أنه إذا اختلف أصحابنا الإمامية، في مسألة، ولم يكن عليها
~~إجماع منهم، منعقد، فالواجب علينا التمسك بظاهر القرآن، إن كان عليها ظاهر
~~تنزيل، وهذه المسألة فلا إجماع عليها، بغير خلاف عند من خالفنا وذهب إلى
~~غير ما اخترناه، وإذا لم يكن له إجماع عليها، قلنا نحن، ظاهر التنزيل دليل
~~عليها، وعموم الآية، ولا يجوز العدول عنه، ولا تخصيصه، إلا بأدلة قاطعة
~~للأعذار، إما من كتاب الله تعالى مثله، أو سنة متواترة مقطوع بها، يجري
~~مجراه أو إجماع، وهذه الأدلة مفقودة بحمد الله تعالى في المسألة، فيجب
~~التمسك بعموم القرآن، فهو الشفاء لكل داء.
# ومن شرط صحة أداء حجة الإسلام وعمرته. الإسلام، وكمال العقل، لأن الكافر،
~~وإن كان واجبا عليه، لكونه مخاطبا بالشرائع عندنا، فلا يصح منه أداءهما،
~~إلا بشرط الإسلام، وعند تكامل شروط وجوبهما، يجبان في العمر مرة واحدة، وما
~~زاد عليها مستحب، ومندوب إليه، وخصوصا لذوي اليسار والأموال الواسعة، فإنهم
~~يستحب لهم أن يحجوا كل سنة.
# ووجوبهما على الفور، دون التراخي، بغير خلاف بين أصحابنا.
# وما يجب عند سبب، فهو ما يجب بالنذر، أو العهد، أو إفساد حج مندوب، دخل
~~فيه، أو عمرة ms0379 كذلك، ولا سبب لوجوبهما غير ذلك، وذلك بحسب النذر، أو العهد،
~~إن كان واحدا فواحدا، وإن كان أكثر فأكثر.
# فأما المفسودة، فإنه يجب عليه الإتيان بحجة صحيحة، ولو تكرر الفساد لها
~~دفعات.
# ولا يصح النذر والعهد بهما، إلا من كامل العقد، حر، ومن لا ولاية عليه،
~~فأما من ليس كذلك، فلا ينعقد نذره، ولا يراعى في صحة انعقاد النذر،
# PageV01P515
# ما روعي في حجة الإسلام، من الشروط.
# وإذا حصلت الاستطاعة، ومنعه من الخروج مانع، من سلطان، أو عدو، أو مرض،
~~ولم يتمكن من الخروج بنفسه، كان عليه أن يخرج رجلا يحج عنه، فإذا زالت عنه
~~بعد ذلك الموانع، كان عليه إعادة الحج، لأن الذي أخرجه، إنما كان يجب عليه
~~في ماله، وهذا يلزمه على بدنه، وماله، ذكر هذا بعض أصحابنا في كتاب له، وهو
~~شيخنا أبو جعفر الطوسي رضي الله عنه في نهايته (1) وهذا غير واضح، لأنه إذا
~~منع، فما حصلت له الاستطاعة التي هي القدرة على الحج، ولا يجب عليه أن يخرج
~~رجلا يحج عنه، لأنه غير مكلف بالحج حينئذ بغير خلاف، وإنما هذا خبر أورده
~~إيرادا، لا اعتقادا.
# فإن كان متمكنا من الحج والخروج، فلم يخرج وأدركه الموت، وكان الحج قد
~~استقر عليه، ووجب، وجب أن يخرج عنه من صلب ماله، ما يحج به من بلده، وما
~~يبقى بعد ذلك يكون ميراثا، فإن لم يخلف إلا قدر ما يحج به (2)، وكانت الحجة
~~قد وجبت عليه قبل ذلك، واستقرت، وجب أن يحج به عنه من بلده، وقال بعض
~~أصحابنا: بل من بعض المواقيت ولا يلزم الورثة الإجارة من بلده، بل من بعض
~~المواقيت، والصحيح الأول، لأنه كان يجب عليه نفقة الطريق من بلده، فلما مات
~~سقط الحج عن بدنه، وبقي في ماله بقدر ما كان يجب عليه، لو كان حيا، من نفقة
~~الطريق من بلده، فأما إذا لم يخلف إلا قدر ما يحج به، من بعض المواقيت، وجب
~~أيضا أن يحج عنه من ذلك الموضع، وما اخترناه مذهب شيخنا أبي ms0380 جعفر الطوسي
~~رحمه الله في نهايته (3) وبه تواترت أخبارنا، ورواية أصحابنا والمقالة
~~الأخرى ذكرها وذهب إليها في مبسوطه (4) وأظنها مذهب المخالفين.
# PageV01P516
# وإن خلف قدر ما يحج به عنه، أو أقل من ذلك ولم يكن قد وجب عليه الحج قبل
~~ذلك واستقر في ذمته، كان ميراثا لورثته، فهذا معنى قولنا وجبت الحجة
~~واستقرت، ووجبت وما استقرت، لأن من تمكن من الاستطاعة، وخرج للأداء، من غير
~~تفريط، ولا توان، بل في سنة تمكنه من الاستطاعة، خرج ومات قبل تفريطه، فلا
~~يجب أن يخرج من تركته ما يحج به عنه، لأن الحجة ما استقرت في ذمته، فأما
~~إذا فرط فيها، ولم يخرج تلك السنة، وكان متمكنا من الخروج، ثم مات، يجب أن
~~يخرج ما تركته ما يحج به عنه من بلده، قبل قسمة الميراث.
# ومن لم يملك الاستطاعة، وكان له ولد، له مال، وجب عليه أن يأخذ من ماله،
~~قدر ما يحج به على الاقتصاد، ويحج، ذكر هذا شيخنا أبو جعفر في نهايته (1)
~~ورجع عنه في استبصاره (2) ورجوعه عنه هو الصحيح، وإنما أورده إيرادا في
~~نهايته، لا اعتقادا، ثم قال في النهاية: فإن لم يكن له ولد، وعرض عليه بعض
~~إخوانه، ما يحتاج إليه من مؤونة الطريق، وجب عليه الحج أيضا، وقال: ومن ليس
~~معه مال، وحج به بعض إخوانه، فقد أجزأه ذلك عن حجة الإسلام، وإن أبسر بعد
~~ذلك (3).
# قال محمد بن إدريس: والذي عندي في ذلك، أن من يعرض عليه بعض إخوانه، ما
~~يحتاج إليه من مؤونة الطريق فحسب، لا يجب عليه الحج، إذا كان له عائلة تجب
~~عليه نفقتهم، ولم يكن له ما يخلفه نفقة بهم، بل هذا يصح فيمن لا يجب عليه
~~نفقة غيره، بشرط أن يملكه ما يبذل له، ويعرض عليه، لا وعدا بالقول دون
~~الفعال، وكذا أقول فيمن حج به بعض إخوانه، بشرط أن يخلف لمن تجب عليه
~~نفقته، إن كان ممن تجب عليه نفقته وفي المسألتين معا، ما راعى شيخنا أبو
~~جعفر الطوسي في نهايته، الرجوع ms0381 إلى كفاية، إما من المال، أو الصناعة،
# PageV01P517
# وهذا يدلك أيضا على ما قدمناه أولا.
# ومتى عدم المكلف الاستطاعة، جاز له أن يحج عن غيره، وإن كان صرورة لم يحج
~~بعد حجة الإسلام، وتكون الحجة مجزية عمن حج عنه، وهو إذا أيسر بعد ذلك كان
~~عليه إعادة الحج.
# ومتى نذر الرجل أن يحج لله تعالى، وجب عليه الوفاء به، فإن حج الذي نذر،
~~ولم يكن حج حجة الإسلام (فقد أجزأت حجته عن حجة الإسلام) وإن خرج بعد النذر
~~بنية حجة الإسلام لم يجزأه عن الحجة التي نذرها، وكانت في ذمته، ذكر ذلك
~~شيخنا أبو جعفر الطوسي في نهايته (1) والصحيح أنه إذا حج بنية النذر لا
~~تجزيه حجته المنذورة عن حجة الإسلام، لأن الرسول عليه السلام قال:
# الأعمال بالنيات، وعليه حجتان، فكيف تجزيه حجة واحدة، عن حجتين، وإنما
~~هذا خبر واحد، أورده إيرادا، لا اعتقادا، على ما كررنا الاعتذار له في عدة
~~مواضع، فإنه رجع عنه في جمله وعقوده (2) وفي مسائل خلافه (3) وقال: الفرضان
~~لا يتداخلان، وجعل ما ذكره في النهاية رواية، ما اعتد بها، ولا التفت
~~إليها.
# ومن نذر أن يحج ماشيا، ثم عجز، فليركب، ولا كفارة عليه، ولا شئ يلزمه عل
~~الصحيح من المذهب، وهذا مذهب شيخنا المفيد في مقنعته (4).
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته (5) فليسق بدنه، وليركب،
~~وليس عليه شئ، وإن لم يعجز عن المشي، كان عليه الوفاء به فإذا إنتهى إلى
~~مواضع العبور، فليكن قائما فيها، وليس عليه شئ.
# ومن حج من أهل القبلة، وهو مخالف لاعتقاد الحق ولم يخل بشئ من
# PageV01P518
# أركانه، فقد أجزأته حجته عن حجة الإسلام، ويستحب له إعادة الحج بعد
~~استبصاره، وإن كان قد أخل بشئ من أركان الحج، لم يجزه ذلك عن حجة الإسلام،
~~وكان عليه قضاؤها فيما بعد، وذهب شيخنا في مسائل خلافه إلى أنه قال: مسألة،
~~من قدر على الحج عن نفسه، لا يجوز أن يحج عن غيره، وإن كان عاجزا عن الحج
~~عن نفسه، لفقد الاستطاعة، ms0382 جاز له أن يحج عن غيره، وبه قال الثوري، وقال
~~مالك وأبو حنيفة: يجوز له أن يحج عن غيره، على كل حال، قدر عليه، أو لم
~~يقدر، وكذلك يجوز له أن يتطوع به، وعليه فرض نفسه، وبه نقول (1).
# قال محمد بن إدريس: قوله رحمه الله وبه نقول، غير واضح، والمذهب يقتضي
~~أصوله أن من وجب عليه حجة الإسلام، لا يجوز له أن يتطوع بالحج قبلها، لأن
~~وجوب حجة الإسلام عندنا على الفور، دون التراخي، بغير خلاف، فالواجب
~~المضيق، كل ما منع منه، فهو قبيح، وإنما هذا مذهب أبي حنيفة، اختاره شيخنا
~~أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مسائل خلافه، وقوله في غير هذا الكتاب، بخلاف
~~ما ذهب إليه فيه.
# باب في أقسام الحج الحج على ثلاثة أقسام، تمتع بالعمرة إلى الحج، وقران،
~~وإفراد، وإنما كان ذلك لاختلاف المكلفين في الجهات، وإلا لو كان عالم الله
~~نائيا عن الحرم، كان الحج قسما واحدا، وهو التمتع بالعمرة إلى الحج، ولو
~~كان العالم مستوطنين الحرم، كان الحج ضربا واحدا، إما قرانا، أو إفرادا،
~~فالتمتع، هو فرض من نأى عن الحرم، وحده، من كان بينه وبين المسجد الحرام،
~~ثمانية وأربعون ميلا، من أربعة جوانب البيت، من كل جانب اثنا عشر ميلا، فلا
~~يجوز لهؤلاء،
# PageV01P519
# إلا التمتع، مع الإمكان، فإذا لم يمكنهم التمتع، أجزأتهم الحجة المفردة،
~~مع الضرورة، وعدم الاختيار.
# وأما من كان من أهل حاضري المسجد الحرام، وهو من كان بينه وبين المسجد
~~الحرام، أقل من اثني عشر ميلا، من أربعة جوانبه، ففرضه القران، أو الإفراد،
~~مخير في ذلك، ولا يجزيه التمتع بحال.
# فسياقة، أفعال حج المتمتع، الإحرام من الميقات، في وقته، مع نية الحج (1)
~~والتلبية الأربع، يجب عليه أن يتلفظ بها دفعة واحدة، ليعقد إحرامه بها،
~~فإنها تتنزل في انعقاد إحرامه منزلة تكبيرة الإحرام، في انعقاد صلاة
~~المصلي.
# ويستحب أن يكررها، ويكون عليها إلى أن يشاهد بيوت مكة، فإذا شاهدها قطع
~~التلبية التي كان مندوبا إلى تكرارها.
# فإذا كان حاجا على طريق المدينة، ms0383 قطع التلبية إذا بلغ عقبة المدنيين.
# وإن كان على طريق العراق، قطع التلبية، إذا بلغ عقبة ذي طوى، هذا إذا كان
~~متمتعا.
# فإن كان قارنا، أو مفردا، فلا يقطع التلبية إلا عند الزوال يوم عرفة.
# وقال شيخنا المفيد، في مقنعته: فإذا عاين بيوت مكة، قطع التلبية، وحد
~~بيوت مكة، عقبة المدنيين، وإن كان قاصدا إليها، من طريق المدينة، فإنه يقطع
~~التلبية، إذا بلغ عقبة ذي طوى (2) والأول الأظهر، وهو اختيار شيخنا أبي
~~جعفر الطوسي في مصباحه (3)، وسلار في رسالته (4) وهو الصحيح.
# واغتسل مندوبا.
# ويستحب أن يدخلها حافيا.
# PageV01P520
# وإن كان دخولها من طريق المدينة، دخلها من أعلاها.
# ثم دخل المسجد، فطاف بالبيت سبعا، وصلى عند المقام ركعتين.
# ثم يخرج إلى الصفا، والمروة، فيسعى بينهما، سبعة أشواط.
# ثم يقصر من شعر رأسه، أو من أظفاره، وقد أحل من كل شئ أحرم منه، وتحل له
~~النساء، من دون طوافهن، لأن كل إحرام، بحج، أو بعمرة، سواء كان الحج واجبا،
~~أو مندوبا، وكذلك العمرة، فلا تحل النساء، إلا بطوافهن.
# ويجب عليه طواف النساء، لتحل النساء له، إلا إحرام العمرة المتمتع بها
~~إلى الحج، وهي هذه فلا يجب طواف النساء، بل يحللن له، ممن دون الطواف الذي
~~يلزم كل محرم.
# ثم ينشئ إحراما آخر، من مكة بالحج، يوم التروية، ويمضي إلى منى، فيبيت
~~بها، على جهة الاستحباب، دون الفرض، والإيجاب، ليلة عرفة، ويغدو منها إلى
~~عرفات، فيقف هناك إلى غروب الشمس، ويفيض منها إلى المشعر الحرام، فيصلي بها
~~المغرب والعشاء الآخرة، فإذا طلع الفجر، من يوم النحر، وقف بالمشعر وقوفا
~~واجبا، والوقوف به ركن، من أركان الحج، من تركه متعمدا بطل حجه، وكذلك
~~الوقوف بعرفة، ويتوجه إلى منى، فيقضي مناسكه يوم العيد بها، على ما نبينه،
~~ويمضي إلى مكة، فيطوف بالبيت طواف الزيارة، وهو طواف الحج، ويصلي عن المقام
~~ركعتين، ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يطوف طواف النساء، وقد أحل من كل شئ
~~أحرم منه، وقد قضى مناسكه كلها، للعمرة والحج، وكان متمتعا ثم يعود ms0384 إلى
~~منى، أيام التشريق (1) واجب عليه الرجوع إليها، والمبيت بها، ورمي الجمار
~~بها أيضا، وغير ذلك إن شاء الله تعالى وأما القارن، فهو الذي يحرم من
~~الميقات، ويقرن بإحرامه، سياق الهدي، ويمضي إلى عرفات، ويقف بها، ويفيض
~~منها، إلى المشعر الحرام، ويقف به،
# PageV01P521
# ويجئ إلى منى يوم النحر، فيقضي مناسكه بها، ثم يجئ إلى مكة، فيطوف
~~بالبيت، ويصلي عند المقام ركعتي الطواف، ويسعى بين الصفا والمروة، ويطوف
~~طواف النساء، وقد قضى مناسكه كلها للحج، فحسب دون العمرة.
# والمفرد، مناسكه كذلك، إلا أنه لا يقرن بإحرامه سياق هدي، وباقي المناسك
~~هما فيها سواء، فإن طافا بالبيت قبل وقوفهما بعرفة، والمشعر، يستحب لهما
~~تجديد النية (1) عند كل طواف، ثم يخرجان إلى التنعيم، أو أحد المواضع التي
~~يحرم منها، فيحرمان من هناك، بالعمرة المبتولة، ويرجعان إلى مكة، فيطوفان
~~بالبيت ويصليان عند المقام، ويسعيان بين الصفا والمروة، ويقصران، أو
~~يحلقان، ثم يطوفان، طواف النساء، واجب ذلك عليهما، ولا يجب ذلك على
~~المتمتع، في عمرته، على ما قدمناه. وقد أديا عمرتهما الواجبة عليهما، فتكون
~~عمرة مفردة، ونحن نبين ذلك زيادة بيان في مواضعه (2) ونزيده شرحا.
# من جاور بمكة، سنة واحدة، أو سنتين، كان فرضه التمتع، فيخرج إلى ميقات
~~بلده، ويحرم بالحج متمتعا، فإن جاور بها ثلاث سنين، لم يجز له التمتع، وكان
~~حكمه حكم أهل مكة، وحاضريها، على ما جاءت به الأخبار المتواترة (3).
# وإذا أراد الإنسان أن يحج متمتعا، فيستحب له أن يوفر شعر رأسه ولحيته، من
~~أول ذي القعدة ولا يمس شيئا منهما، وقال بعض أصحابنا بوجوب توفير ذلك، فإن
~~حلقه، وجب عليه دم شاة، وهو مذهب شيخنا المفيد في مقنعته (4) وإليه ذهب
~~شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله، في نهايته (5) واستبصاره (6)، وقال
# PageV01P522
# في جمله وعقوده (1) بما اخترناه أولا وهو الصحيح، لأن الأصل براءة الذمة،
~~فمن شغلها بواجب، أو مندوب، يحتاج إلى دليل شرعي، وأيضا قبل الإحرام،
~~الإنسان محل، ولا خلاف أن المحل لم يحظر عليه حلق رأسه، وإنما حظر ذلك على
~~المحرم، ولا ms0385 إجماع معنا على وجوب توفير شعر الرأس من هذا الوقت.
# فإذا جاء إلى ميقات أهله، أحرم بالحج متمتعا، على ما قدمناه، ومضى إلى
~~مكة، فإذا شاهد بيوتها، فليقطع التلبية المندوب تكرارها، ثم يدخلها، فإذا
~~دخلها طاف بالبيت سبعا، وصلى عند المقام ركعتين، ثم سعى بين الصفا والمروة،
~~وقصر من شعر رأسه، وقد أحل من جميع ما أحرم منه، على ما قدمناه، إلا الصيد،
~~فإنه لا يجوز له ذلك، لا لكونه محرما، بل لكونه في الحرم.
# ثم يستحب أن يكون على هيئته هذه إلى يوم التروية، عند الزوال، فإذا كان
~~ذلك الوقت، صلى الظهر، وأحرم بعده بالحج، ومضى إلى منى، ثم ليغد منها إلى
~~عرفات، فليصل بها الظهر والعصر، ويقف إلى غروب الشمس، ثم يفيض إلى المشعر،
~~فيبيت بها تلك الليلة، فإذا أصبح، وقف بها على ما قدمناه، ثم غدا منها إلى
~~منى، فقضى (2) مناسكه هناك، ثم يجيئ يوم النحر أو من الغد، والأفضل أن لا
~~يؤخر ذلك عن الغد، فإن أخره فلا بأس ما لم يهل المحرم ويطوف بالبيت طواف
~~الحج، ويصلي ركعتي الطواف، ويسعى بين الصفا والمروة، وقد فرغ من مناسكه
~~كلها، وحل له كل شئ إلا النساء، والصيد، وبقي عليه لتحلة النساء طواف،
~~فليطف أي وقت شاء، في مدة مقامه بمكة، فإذا طاف طواف النساء، حلت له
~~النساء، وعليه هدي واجب، ينحره، أو يذبحه بمنى، يوم النحر، فإن لم يتمكن
~~منه، كان عليه صيام عشرة أيام، ثلاثة في الحج، يوم قبل التروية، ويوم
~~التروية، ويوم عرفة، فإن فاته صوم يوم قبل
# PageV01P523
# التروية، صام يوم التروية، ويوم عرفة، فإذا انقضت أيام التشريق، صام
~~اليوم الآخر، بانيا على ما تقدم من اليومين، فإن فاته صوم يوم التروية، فلا
~~يصوم يوم عرفة، فإن صامه، لا يجوز له البناء عليه، فإذا كان بعد أيام
~~التشريق، صام ثلاثة أيام متواليات، لا يجزيه غير ذلك، وسبعة، إذا رجع إلى
~~أهله.
# والمتمتع، إنما يكون متمتعا، إذا وقعت عمرته في أشهر الحج، وهي شوال، وذو
~~القعدة، ms0386 وذو الحجة، في تسعة أيام منه، وإلى طلوع الشمس، من اليوم العاشر،
~~فإن وقعت عمرته في غير هذه المدة المحدودة، لم يجز له أن يكون متمتعا بتلك
~~العمرة، وكان عليه لحجته، عمرة أخرى، يبتدئ بها في المدة التي قدمناها.
# وكذلك لا يجوز الإحرام بالحج مفردا، ولا قارنا، إلا في هذه المدة، فإن
~~أحرم في غيرها، فلا حج له، اللهم إلا أن يجدد الإحرام، عند دخول هذه المدة.
# وأما القارن، فعليه أن يحرم من ميقات أهله، ويسوق معه هديا، يشعره من
~~موضع الإحرام، يشق سنامه، ويلطخه بالدم، أو يعلق في رقبته نعلا، مما كان
~~يصلي فيه، وليسق الهدي معه إلى منى، ولا يجوز له أن يحل، إلى أن يبلغ الهدي
~~محله.
# وقال شيخنا المفيد في كتاب الأركان: فمتى لم يسق من الميقات، أو قبل دخول
~~الحرم، إن لم يقدر على ذلك من الميقات، لم يكن قارنا، فإذا أراد أن يدخل
~~مكة، جاز له ذلك، لكنه يستحب له أن لا يقطع التلبية، وإن أراد أن يطوف
~~بالبيت تطوعا، فعل ذلك، إلا أنه كلما طاف بالبيت، يستحب له، أن يلبي عند
~~فراغه، وليس ذلك بواجب عليه.
# وقال شيخنا أبو جعفر رحمه الله في نهايته: إلا أنه كلما طاف بالبيت، لبى
~~عند فراغه من الطواف، ليعقد إحرامه بالتلبية، وإنما يفعل ذلك، لأنه لو لم
~~يفعل ذلك، دخل في كونه محلا، وبطلت حجته، وصارت عمرة (1) وهذا غير واضح،
# PageV01P524
# بل تجديد التلبية مستحب، عند فراغه من طوافه المندوب، وقوله رحمه الله
~~ليعقد إحرامه، قال محمد بن إدريس رحمه الله: إحرامه منعقد قبل ذلك، فكيف
~~يقول ليعقد إحرامه؟ وقوله وإنما يفعل ذلك، لأنه لو لم يفعل ذلك، دخل في
~~كونه محلا، وبطلت حجته، وصارت عمرة، وهذا قول عجيب، كيف يدخل في كونه محلا،
~~وكيف يبطل حجته، وتصير عمرة، ولا دليل على ذلك، من كتاب، ولا سنة، مع قول
~~الرسول عليه السلام: الأعمال بالنيات (1) وإنما لامرئ ما نوى (2).
# وقد رجع شيخنا أبو جعفر عن هذا في جمله وعقوده ms0387 (3)، ومبسوطه (4) فقال:
# وتميز القارن، من المفرد، بسياق الهدي، ويستحب لهما تجديد التلبية، عند
~~كل طواف، وإنما أورد ما ذكره في نهايته إيرادا، لا اعتقادا، وقد بينا أنه
~~ليس له أن يحل إلى أن يبلغ الهدي محله، من يوم النحر، وليقض مناسكه كلها،
~~من الوقوف بالموقفين، وما يجب عليه من المناسك بمنى، ثم يعود إلى مكة،
~~فيطوف بالبيت سبعا، ويسعى بين الصفا والمروة سبعا، ثم يطوف طواف النساء،
~~وقد أحل من كل شئ أحرم منه، وكانت عليه العمرة بعد ذلك.
# والمتمتع إذا تمتع، سقط عنه فرض العمرة، لأن عمرته التي يتمتع بها بالحج
~~(5) قامت مقام العمرة المبتولة، ولم يلزمه (6) إعادتها.
# وأما المفرد بكسر الراء، فإن عليه ما على القارن سواء، لا يختلف حكمهما
~~في شئ، من مناسك الحج، وإنما يتميز القارن من المفرد، بسياق الهدي، فأما
~~باقي المناسك، فهما مشتركان فيه على السواء.
# ويستحب لهما، أن لا يقطعا التلبية إلا بعد الزوال من يوم عرفة.
# PageV01P525
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ولا يجوز لهما أن يقطعا التلبية، إلا بعد
~~الزوال، من يوم عرفة (1). فإن أراد بقوله: لا يجوز، التأكيد على فعل
~~الاستحباب، فنعم ما قال، وإن أراد ذلك على جهة التحريم، فغير واضح، لأن
~~تجديد التلبية، وتكرارها، بعد التلفظ بها دفعة واحدة، وانعقاد الإحرام بها،
~~غير واجب، أعني تكرارها، وإنما ذلك مستحب، مؤكد الاستحباب، دون الفرض
~~والإيجاب، وليس عليهما هدي وجوبا، فإن ضحيا استحبابا، كان لهما فيه فضل
~~جزيل، وليس ذلك بواجب.
# باب المواقيت معرفة المواقيت واجبة، لأن الإحرام لا يجوز إلا منها، فلو
~~أن إنسانا أحرم قبل ميقاته، كان إحرامه باطلا، اللهم إلا أن يكون قد نذر
~~لله تعالى على نفسه، أن يحرم من موضع بعينه، فإنه يلزمه الوفاء به، حسب ما
~~نذره، على ما روي في الأخبار (2) فمن عمل بها، ونذر الحج، أو العمرة
~~المتمتع بها إلى الحج، فإنها حج أيضا، وداخلة فيه، فلا ينعقد إلا إذا وقع
~~في أشهر الحج، فإن كان الموضع الذي نذر منه الإحرام، بينه ms0388 وبين مكة، أكثر
~~من مدة أشهر الحج، فلا ينعقد الإحرام بالحج أيضا، وإن كان منذورا، لأن
~~الإجماع حاصل منعقد، على أنه لا ينعقد إحرام حج، ولا عمرة متمتع بها إلى
~~الحج، إلا في أشهر الحج، فإذا وردت أخبار، بأنه إذا كان منذورا، انعقد قبل
~~المواقيت، فإن العمل يصح بها، ويخص بذلك الإجماع، وأمكن العمل بها، فإن
~~قيل: فإنها عام، قلنا: فالعموم قد يخص بالأدلة.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: والأظهر الذي يقتضيه الأدلة، وأصول
# PageV01P526
# مذهبنا، أن الإحرام لا ينعقد إلا من الميقات، سواء كان منذورا، أو غيره،
~~ولا يصح النذر بذلك أيضا، لأنه خلاف المشروع، ولو انعقد بالنذر، كان ضرب
~~المواقيت لغوا، والذي اخترناه، يذهب إليه السيد المرتضى رحمه الله، وابن
~~أبي عقيل، من أصحابنا، وشيخنا أبو جعفر، في مسائل خلافه، فإنه قال: مسألة،
~~من أفسد الحج، وأراد أن يقضي، أحرم من الميقات، ثم استدل فقال: دليلنا، إنا
~~قد بينا أن الإحرام قبل الميقات لا ينعقد، وهو إجماع الفرقة، وأخبارهم،
~~عامة في ذلك، فلا يتقدر على مذهبنا هذه المسألة (1) هذا آخر كلامه، فلو كان
~~ينعقد الإحرام قبل الميقات إذا كان منذورا، لما قال فلا يتقدر على مذهبنا
~~هذه المسألة، وهي تتقدر عند من قال يصح الإحرام قبل الميقات، وينعقد إذا
~~كان منذورا، فليلحظ ذلك.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته: ومن عرض له مانع من
~~الإحرام، جاز له أن يؤخر أيضا عن الميقات، فإذا زال المنع، أحرم من الموضع
~~الذي انتهى إليه (2).
# قال محمد بن إدريس: قوله رحمة الله: جاز له أن يؤخره، مقصوده كيفية
~~الإحرام الظاهرة، وهو التعري، وكشف الرأس، والارتداء، والتوشح والاتزار،
~~فأما النية، والتلبية، مع القدرة عليها، فلا يجوز له ذلك، لأنه لا مانع
~~يمنع من ذلك، ولا ضرورة فيه، ولا تقية، وإن أراد، وقصد شيخنا غير ذلك، فهذا
~~يكون قد ترك الإحرام متعمدا من موضعه، فيؤدي إلى إبطال حجه بغير خلاف،
~~فليتأمل ذلك.
# وإن قدم إحرامه قبل الوقت، وأصاب صيدا، لم يكن ms0389 عليه شئ، لأنه لم ينعقد
~~إحرامه، وإن أخر إحرامه عن الميقات، وجب عليه أن يرجع إليه، ويحرم منه،
~~متعمدا كان أو ناسيا، فإن لم يمكنه الرجوع إلى الميقات، وكان قد ترك
# PageV01P527
# الإحرام متعمدا، فلا حج له، وإن كان تركه ناسيا، فليحرم من موضعه، لأن
~~الإحرام واجب وركن (1) والأركان في الحج متى تركها الإنسان متعمدا بطل حجه،
~~إذا فات أوقاتها، ومحالها، وأزمانها، وأمكنتها، فإن تركها ناسيا، لا يبطل
~~حجه، والواجب الذي ليس بركن، إذا تركه الإنسان متعمدا، لا يبطل حجه، بل له
~~أحكام نذكرها، عند المصير إليها إن شاء الله تعالى.
# فإن كان قد دخل مكة، ثم ذكر أنه لم يحرم، ولم يمكنه الرجوع إلى الميقات،
~~لخوف الطريق، أو لضيق الوقت، وأمكنه الخروج إلى خارج الحرم، فليخرج إليه،
~~وليحرم منه، وإن لم يمكنه ذلك أيضا، أحرم من موضعه، وليس عليه شئ، وقد وقت
~~(2) رسول الله صلى الله عليه وآله، لأهل كل صقع، ولمن حج على طريقهم
~~ميقاتا، فوقت لأهل العراق العقيق، فمن أي جهاته وبقاعه أحرم ينعقد الإحرام
~~منها، إلا أن له ثلاثة أوقات، أولها المسلخ، يقال بفتح الميم وبكسرها، وهو
~~أوله، وهو أفضلها عند ارتفاع التقية، وأوسطها غمرة، وهي تلي المسلخ، في
~~الفضل مع ارتفاع التقية (3) وآخرها ذات عرق، وهو (4) أدونها في الفضل، إلا
~~عند التقية، والشناعة، والخوف، فذات عرق حينئذ أفضلها في هذه الحال، ولا
~~يتجاوز ذات عرق إلا محرما على كل حال.
# ووقت لأهل المدينة ذا الحليفة، وهو مسجد الشجرة، ووقت لأهل الشام،
~~الجحفة، وهي المهيعة، بتسكين الهاء، وفتح الياء، مشتقة من المهيع، وهو
~~المكان الواسع، ووقت لأهل الطائف، قرن المنازل، وقال بعض أهل اللغة، وهو
~~الجوهري صاحب كتاب الصحاح، في الصحاح: قرن بفتح الراء، ميقات أهل نجد،
~~والمتداول بين الفقهاء، وسماعنا على مشائخنا، رحمهم الله، قرن المنازل،
~~بتسكين الراء، واحتج صاحب الصحاح، بأن أويس القرني منسوب
# PageV01P528
# إليه، ووقت لأهل اليمن جبلا يقال له يلملم، ويقال الملم. وميقات أهل مصر،
~~ومن صعد من البحر، جدة.
# وإذا حاذى الإنسان ms0390 أحد هذه المواقيت، أحرم من ذلك الموضع، إذا لم يجعل
~~طريقه أحدها.
# ومن كان منزله دون هذه المواقيت، إلى مكة فميقاته منزله، فعليه أن يحرم
~~منه.
# والمجاور بمكة الذي لم يتم له ثلاث سنين، إذا أراد أن يحج، فعليه أن يخرج
~~إلى ميقات صقعه، وليحرم منه، وإن لم يتمكن فليخرج إلى خارج الحرم، فيحرم
~~منه، وإن لم يتمكن من ذلك أيضا، أحرم من المسجد الحرام.
# وقد ذكر أن من جاء إلى الميقات، ولم يقدر على الإحرام، لمرض، أو غيره،
~~فليحرم عنه وليه، ويجنبه ما يجتنب المحرم، وقد تم إحرامه، وهذا غير واضح،
~~بل إن كان عقله ثابتا، عليه فالواجب عليه، أن ينوي هو، ويلبي، فإن لم يقدر
~~فلا شئ عليه، وانعقد إحرامه بالنية، وصار بمنزلة الأخرس، ولا يجزيه نية
~~غيره عنه، وإن كان زائل العقل، فقد سقط عنه الحج، مندوبا، كان أو واجبا،
~~فإن أريد بذلك، أن وليه لا يقربه شيئا مما يحرم على المحرم استعماله، فحسن،
~~وإن أريد بأنه ينوي عنه، ويحرم عنه، فقد قلنا ما عندنا في ذلك.
# باب كيفية الإحرام الإحرام فريضة، لا يجوز تركه، فمن تركه متعمدا فلا حج
~~له، وإن تركه ناسيا كان حكمه ما قدمناه في الباب الأول، إذا ذكر، فإن لم
~~يذكر أصلا حتى يفرغ من جميع مناسكه، فقد تم حجه، ولا شئ عليه، إذا كان قد
~~سبق في عزمه الإحرام على ما روي في أخبارنا (1) والذي تقتضيه أصول المذهب
~~أنه لا
# PageV01P529
# يجزيه، وتجب عليه الإعادة، لقوله عليه السلام: الأعمال بالنيات (1) وهذا
~~عمل بلا نية، فلا يرجع عن الأدلة بأخبار الآحاد، ولم يورد هذا، ولم يقل به
~~أحد، من أصحابنا، سوى شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله، فالرجوع إلى الأدلة
~~أولى من تقليد الرجال.
# وإذا أراد الإنسان أن يحرم بالحج متمتعا، فإذا انتهى إلى ميقاته، تنظف،
~~وقص أظفاره، وأخذ شيئا من شاربه، ويزيل الشعر من تحت إبطيه، وعانته، ثم
~~ليغتسل، كل ذلك مستحب، غير واجب، ثم يلبس ثوبي إحرامه، يأتزر بأحدهما،
~~ويتوشح بالآخر، ms0391 أو يرتدي به.
# وقد أورد شيخنا أبو جعفر رحمه الله في كتاب الإستبصار، في الجزء الثاني،
~~في باب كيفية التلفظ بالتلبية، خبرا عن الرضا عليه السلام، قال فيه: وآخر
~~عهدي بأبي، أنه دخل على الفضل بن الربيع، وعليه ثوبان وساج (2).
# قال محمد بن إدريس: وساج يريد طيلسانا، لأن الساج بالسين غير المعجمة،
~~والجيم، الطيلسان الأخضر، أو الأسود، قال أبو ذويب:
# - فما أضحى همي الماء حتى * كأن على نواحي الأرض ساجا - ولا بأس أن يغتسل
~~قبل بلوغه الميقات، إذا خاف عوز الماء، فإن وجد الماء عند الميقات
~~والإحرام، أعاد الغسل، فإنه أفضل، وإذا اغتسل بالغداة، كان غسله كافيا لذلك
~~اليوم، أي وقت أراد أن يحرم فيه فعل، وكذلك إذا اغتسل أول الليل، كان كافيا
~~له إلى آخره، سواء نام أو لم ينم، وقد روي أنه إذا نام بعد الغسل قبل أن
~~يعقد الإحرام، كان عليه إعادة الغسل استحبابا (3) والأول هو الأظهر، لأن
~~الأخبار عن الأئمة الأطهار، جاءت في أن من اغتسل نهاره، كفاه ذلك الغسل،
~~وكذلك من اغتسل ليلا.
# PageV01P530
# ومتى اغتسل للإحرام ثم أكل طعاما لا يجوز للمحرم أكله، أو لبس ثوبا لا
~~يجوز له لبسه لأجل الإحرام، يستحب له إعادة الغسل.
# ولا بأس أن يلبس المحرم، أكثر من ثوبي إحرامه، ثلاثة، أو أربعة، أو أكثر
~~من ذلك، إذا اتقى بها الحر، أو البر، ولا بأس أيضا أن يغير ثيابه، وهو
~~محرم.
# فإذا دخل إلى مكة، وأراد الطواف، فالأفضل له أن لا يطوف إلا في ثوبيه،
~~اللذين أحرم فيهما.
# وأفضل الثياب للإحرام القطن، والكتاب البياض (1)، وإنما يكره التكفين في
~~الكتان، ولا يكره الإحرام في الكتان.
# وجميع ما تصح الصلاة فيه من الثياب للرجال، يصح لهم الإحرام فيه.
# فأما النساء، فالأفضل لهن الثياب البياض (2) من القطن والكتان، ويجوز لهن
~~الإحرام في الثياب الإبريسم المحض، لأن الصلاة فيها جائزة لهن، وإلى هذا
~~القول ذهب شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان الحارثي رحمه الله، في
~~كتابه أحكام النساء (3)، وهو الصحيح، لأن حظر الإحرام ms0392 لهن في الإبريسم،
~~يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، والأصل براءة الذمة، وصحة التصرف في
~~الملك وحمل ذلك على الرجال قياس، ونحن لا نقول به.
# وأفضل الأوقات التي يحرم الإنسان فيها، بعد الزوال، ويكون ذلك بعد فريضة
~~الظهر، فعلى هذا يكون ركعتا الإحرام المندوبة، قبل فريضة الظهر، بحيث يكون
~~الإحرام عقيب صلاة الظهر، وإن اتفق أن يكون الإحرام في غير هذا الوقت، كان
~~أيضا جائزا، والأفضل أن يكون الإحرام، بعد صلاة فريضة وأفضل ذلك، بعد صلاة
~~الظهر، فإن لم تكن صلاة فريضة، صلى ست ركعات، ونوى بها صلاة الإحرام،
~~مندوبا قربة إلى الله تعالى، وأحرم في دبرها،
# PageV01P531
# فإن لم يتمكن من ذلك، أجزأه ركعتان، وليقرأ في الأولة منهما بعد التوجه،
~~الحمد، وقل هو الله أحد، وفي الثانية الحمد، وقل يا أيها الكافرون، فإذا
~~فرغ منهما، أحرم عقيبهما، بالتمتع بالعمرة إلى الحج، فيقول: اللهم إني أريد
~~ما أمرت به، من التمتع بالعمرة إلى الحج، على كتابك وسنة نبيك، صلى الله
~~عليه وآله، فإن عرض لي عارض، يحبسني، فحلني حيث حبستني، لقدرك الذي قدرت
~~علي، اللهم إن لم يكن حجة، فعمرة أحرم لك شعري، وجسدي، وبشري من النساء،
~~والطيب، والثياب، أبتغي بذلك وجهك، والدار الآخرة، وكل هذا القول مستحب،
~~غير واجب.
# وإن كان قارنا، فليقل: اللهم إني أريد ما أمرت به من الحج قارنا، وإن كان
~~مفردا فليذكر ذلك، نطقا في إحرامه، فإنه مستحب.
# فأما نيات الأفعال، وما يريد أن يحرم به، فإنه يجب ذلك، ونيات القلوب،
~~فإنه لا ينعقد الإحرام إلا بالنية، والتلبية للمتمتع والمفرد، وأما القارن،
~~فينعقد إحرامه بالنية، وانضمام التلبية، أو الإشعار، أو التقليد، مخير بين
~~ذلك، وذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا ينعقد الإحرام، في جميع أنواع الحج، إلا
~~بالتلبية فحسب، وهو (1) السيد المرتضى رحمة الله، وبه أقول، لأنه مجمع
~~عليه، والأول اختيار شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله.
# قال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته: ومن أحرم من غير صلاة
~~وغير غسل، كان عليه ms0393 إعادة الإحرام، بصلاة وغسل (2) فأقول: إن أراد أنه نوى
~~الإحرام، وأحرم، ولبى، من دون صلاة وغسل، فقد انعقد إحرامه، فأي إعادة تكون
~~عليه، وكيف يتقدر ذلك، وإن أراد أنه أحرم بالكيفية الظاهرة، من دون النية
~~والتلبية، على ما قدمنا القول في مثله (3)، ومعناه، فيصح ذلك ويكون لقوله
~~وجه.
# PageV01P532
# ولا بأس أن يصلي الإنسان صلاة الإحرام، أي وقت كان من ليل أو نهار، ما لم
~~يكن قد تضيق وقت فريضة حاضرة، فإن تضيق الوقت بدأ بالفريضة، ثم بصلاة
~~الإحرام، وإن لم يكن تضيق بدأ بصلاة الإحرام.
# ويستحب للإنسان، أن يشترط في الإحرام، إن لم يكن حجة فعمرة، وإن يحله حيث
~~حبسه، سواء كانت حجته تمتعا، أو قرانا، أو إفرادا، وكذلك الحكم في العمرة،
~~وإن لم يكن الاشتراط لسقوط فرض الحج في العام المقبل، فإن من حج حجة
~~الإسلام، وأحصر، لزمه الحج من قابل، وإن كانت تطوعا، لم يكن عليه ذلك،
~~وإنما يكون للشرط تأثير، وفائدة، أن يتحلل المشترط، عند العوائق، من مرض،
~~وعدو، وحصر، وصد، وغير ذلك، بغير هدي.
# وقال بعض أصحابنا: لا تأثير لهذا الشرط، في سقوط الدم عند الحصر والصد،
~~ووجوده كعدمه، والصحيح الأول، وهو مذهب السيد المرتضى، وقد استدل على صحة
~~ذلك، بالإجماع، وبقول الرسول عليه السلام، لضباعة بنت الزبير بن عبد
~~المطلب: حجي واشترطي وقولي: اللهم فحلني حيث حبستني (1).
# ولا فائدة لهذا الشرط، إلا التأثير فيما ذكرناه من الحكم، فإن احتجوا
~~بعموم قوله تعالى: " وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من
~~الهدي " قلنا:
# نحمل ذلك على من لم يشترط، هذا آخر استدلال السيد المرتضى.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مسائل الخلاف: مسألة، يجوز
~~للمحرم، أن يشترط في حال إحرامه، أنه إن عرض له عارض يحبسه أن يحله حيث
~~حبسه من مرض، أو عدو، أو انقطاع نفقة، أو فوات وقت، وكان ذلك صحيحا، يجوز
~~له أن يتحلل إذا عرض له شئ من ذلك، وروي ذلك عن
# PageV01P533
# عمر وابن مسعود، وبه قال الشافعي، وقال ms0394 بعض أصحابه: إنه لا تأثير للشرط،
~~وليس بصحيح عندهم، والمسألة على قول واحد في القديم، وفي الجديد على قولين،
~~وبه قال أحمد، وإسحاق، وقال الزهري، ومالك، وابن عمر، الشرط لا يفيد شيئا،
~~ولا يتعلق به التحلل، وقال أبو حنيفة: المريض له التحلل من غير شرط، فإن
~~شرط، سقط عنه الهدي، دليلنا: إجماع الفرقة، ولأنه شرط، لا يمنع منه الكتاب،
~~ولا السنة، فيجب أن يكون جائزا، لأن المنع يحتاج إلى الدليل، وحديث ضباعة
~~بنت الزبير، يدل على ذلك، وروت عائشة أن النبي عليه السلام، دخل على ضباعة
~~بنت الزبير، فقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج، وأنا شاكية، فقال النبي
~~صلى الله عليه وآله: إحرمي، واشترطي، وقولي أن تحلني (1) حيث حبستني (2)
~~وهذا نص.
# ثم قال رحمه الله بعد هذه المسألة بلا فصل: مسألة: إذا شرط على ربه في
~~حال الإحرام، ثم حصل الشرط، وأراد التحلل فلا بد من نية التحلل، ولا بد من
~~الهدي، وللشافعي فيه قولان، في النية والهدي معا، دليلنا: عموم الآية، في
~~وجوب الهدي، على المحصر، وطريقة الاحتياط (3)، هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر
~~رحمه الله.
# قال محمد بن إدريس: في المسألة الأولة، يناظر شيخنا رحمه الله، ويخاصم،
~~من قال أن الشرط لا تأثير له، ووجوده كعدمه، وأنه لا يفيد شيئا، ثم يستدل
~~على صحته وتأثيره، ولا شرط لا يمنع منه الكتاب، ولا السنة، فيجب أن يكون
~~جائزا، ويستدل بحديث ضباعة بنت الزبير، وفي المسألة الثانية، يذهب إلى أن
~~وجوده كعدمه، ولا بد من الهدي، وإن اشترط، ويستدل بعموم الآية، في وجوب
~~الهدي على المحصر، وهذا عجيب، طريف، فيه ما فيه.
# PageV01P534
# ولا بأس أن يأكل الإنسان لحم الصيد، وينال النساء، ويشم الطيب بعد عقد
~~الإحرام، ما لم يلب، فإذا لبى، حرم عليه جميع ذلك، كذا أورده شيخنا أبو
~~جعفر في نهايته (1) وهذا غير واضح، لأنه قال بعد عقد الإحرام:
# والإحرام لا ينعقد إلا بالتلبية، أو الإشعار، والتقليد (2)، للقارن، ثم
~~قال: ما لم يلب، فإذا لم يلب فما انعقد ms0395 إحرامه.
# والأولى أن يقال: إنما أراد بقوله بعد عقد الإحرام، لبس ثوبي الإحرام،
~~والصلاة، والاغتسال من الكيفية الظاهرة، على ما أسلفنا القول في معناه، وإن
~~كان الحاج قارنا، فإذا ساق، وأشعر البدنة، أو قلدها، حرم أيضا عليه ذلك،
~~وإن لم يلب، لأن ذلك يقوم مقام التلبية، في حق القارن.
# والإشعار، هو أن يشق سنام البدنة، من الجانب الأيمن، فإن كانت بدنا
~~كثيرة، صفها صفين، ويشعر إحديهما من جانبها الأيمن، والأخرى من جانبها
~~الأيسر.
# وينبغي إذا أراد الإشعار، أن يشعرها وهي باركة، وإذا أراد نحرها، نحرها
~~وهي قائمة.
# والتقليد، يكون بنعل قد صلى فيه، لا يجوز غيره.
# وإذا أراد المحرم أن يلبي جاهرا بالتلبية، بعد انعقاد إحرامه بالتلبية
~~المخفت بها التي أدنى التلفظ بها، أن تسمع أذناه، التي يقال يلبي سرا،
~~يريدون بذلك، غير جاهر بها، بل متلفظا، بحيث تسمع أذناه الكلام، ثم أراد أن
~~يكررها، جاهرا بها، فالأفضل له إذا كان حاجا على طريق المدينة، أن يجهر
~~بها، إذا أتى البيداء، وهي الأرض التي يخسف بها جيش السفياني، التي تكره
~~فيها الصلاة عند الميل، فلو أريد بذلك التلبية التي ينعقد بها الإحرام، لما
~~جاز ذلك، لأن البيداء بينها وبين ذي الحليفة، ميقات أهل المدينة، ثلاث
~~فراسخ، وهو ميل، فكيف يجوز له أن يتجاوز الميقات من غير إحرام، فيبطل بذلك
~~حجه وإنما
# PageV01P535
# المقصود والمراد ما ذكرناه من الإجهار بها، في حال تكرارها.
# وإذا كان حاجا على غير طريق المدينة. جهر من موضعه بتكرار التلبية
~~المستحبة، إن أراد، وإن مشى خطوات ثم لبى، كان أفضل.
# والتلبية التي ينعقد بها الإحرام فريضة، لا يجوز تركها على حال، والتلفظ
~~بها دفعة واحدة، هو الواجب، والجهر بها على الرجال مندوب، على الأظهر من
~~أقوال أصحابنا، وقال بعضهم: الجهر بها واجب، فأما تكرارها مندوب مرغب فيه،
~~والإتيان بقول لبيك ذا المعارج إلى آخر الفصل مندوب، أيضا شديد الاستحباب.
# وكيفية التلبية الأربع الواجبة التي تتنزل في انعقاد الإحرام بها منزلة
~~تكبيرة الإحرام في انعقاد الصلاة، هو أن ms0396 يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك إن
~~الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك فهذه التلبيات الأربع فريضة، لا
~~بد منها.
# فإذا لبى بالتمتع، ودخل إلى مكة، وطاف، وسعى، ثم لبى، بالحج، قبل أن
~~يقصر، فقد بطلت متعته، على قول بعض أصحابنا، وكانت حجته مبتولة، هذا إذا
~~فعل ذلك متعمدا، فإن فعله ناسيا، فليمض فيما أخذ فيه، وقد تمت متعته، وليس
~~عليه شئ.
# ومن لبى بالحج مفردا، ودخل مكة، وطاف، وسعى، جاز له أن يقصر ويجعلها
~~عمرة، ما لم يلب بعد الطواف، فإن لبى بعده، فليس له متعة، وليمض في حجته،
~~هكذا أورده شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته (1). ولا أرى لذكر
~~التلبية هاهنا وجها، وإنما الحكم للنية، دون التلبية، لقوله عليه السلام:
# الأعمال بالنيات (2).
# وينبغي أن يلبي الإنسان، ويكرر التلبيات الأربع، وغيرها من الألفاظ،
# PageV01P536
# مندوبا، في كل وقت، وعند كل صلاة، وإذا هبط واديا، أو صعد شرفا، وفي
~~الأسحار.
# والأخرس، يجزيه في تلبيته، تحريك لسانه، وإشارته، بالإصبع.
# ويقطع المتمتع، التلبية، المكررة المندوبة، إذا شاهد بيوت مكة، فإذا
~~شاهدها، يستحب له قطعها، فإن كان قارنا أو مفردا قطع تلبيته يوم عرفة بعد
~~الزوال، وإذا كان معتمرا قطعها إذا دخل الحرم، فإن كان المعتمر ممن قد خرج
~~من مكة، ليعتمر، فلا يقطعها، إلا إذا شاهد الكعبة.
# ويجرد الصبيان، من لبس المخيط، من فخ، و " فخ " بالفاء والخاء المعجمة
~~المشددة، إذا حج بهم على طريق المدينة، لأن فخا على هذه الطريق، فأما إذا
~~كان إحرامهم من غير ميقات أهل المدينة، فلا يجوز لبس المخيط لهم، بل يجر
~~دون من المخيط وقت الإحرام، و " فخ " هي الموضع الذي قتل به الحسين بن علي
~~بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن أمير المؤمنين عليه السلام، وهي من مكة، على
~~رأس فرسخ، إذا أريد الحج بهم.
# ويجنبون، كلما يجتنبه المحرم، ويفعل بهم، ما يجب على المحرم فعله، وإذا
~~حج بهم متمتعين، وجب أن يذبح عنهم، ويكون الهدي من مال من حج بالصبي، دون ms0397
~~مال الصبي، وينبغي أن يوقف الصبي بالموقفين معا، ويحضر المشاهد كلها، ويرمى
~~عنه، ويناب عنه، في جميع ما يتولاه الرجل بنفسه، وإذا لم يوجد لهم هدي، كان
~~على الولي الذي أدخلهم في الحج، أن يصوم عنه.
# وأفعال الحج على ضربين: مفروض، ومسنون، في الأنواع الثلاثة.
# والمفروض على ضربين: ركن، وغير ركن.
# فأركان المتمتع عشرة له النية، والإحرام من الميقات في وقته، وطواف
~~العمرة، والسعي بين الصفا والمروة لها، والإحرام بالحج، من جوف مكة، لأنها
~~ميقاته، والنية له، والوقوف بعرفات، والوقوف بالمشعر، وطواف الزيارة،
~~والسعي للحج.
# وما ليس بركن، فثمانية أشياء: التلبيات الأربع على قول بعض أصحابنا وعلى
~~قول PageV01P537
# الباقين، هي ركن. وهو الأظهر والأصح، لأن حقيقة الركن، ما إذا أخل به
~~الإنسان في الحج عامدا، بطل حجه، والتلبية هذا حكمها، والي هذا يذهب شيخنا
~~أبو جعفر، في النهاية في باب فرائض الحج، (1) ويذهب في الجمل والعقود، إلى
~~أن التلبية واجبة، غير ركن (2)، أو ما قام (3) مقامها مع العجز، وركعتا
~~طواف العمرة، والتقصير بعد السعي، والتلبية عند الإحرام بالحج، أو ما يقوم
~~مقامها، على رأي من لا يرى أنها ركن، والهدي، أو ما يقوم مقامه، من الصوم
~~مع العجز، ولا يجوز إذا عدمنا القدرة على الهدي، الانتقال إلا إلى الصوم،
~~دون الثمن، لأن الله تعالى (4) ما نقلنا إلى ثالث، بل نقلنا إذا عدمنا
~~الهدي، إلى بدله، وهو الصوم، وبعض أصحابنا قال: لا يجوز الانتقال إلى
~~الصوم، إلا بعد عدم ثمنه، والأول أظهر، ودليله ما قدمناه، وركعتا طواف
~~الزيارة، وطواف النساء، وركعتا الطواف له.
# وأركان القارن والمفرد ستة: النية، والإحرام، والوقوف بعرفات، والوقوف
~~بالمشعر، وطواف الزيارة، والسعي.
# وما ليس بركن فيهما أربعة أشياء: التلبية، أو ما يقوم مقامها للقارن، من
~~تقليد، أو إشعار، على أحد المذهبين، وركعتا طواف الزيارة، وطواف النساء،
~~وركعتا الطواف له.
# ويتميز القارن من المفرد بسياق الهدي.
# ويستحب لهما تجديد التلبية عند كل طواف.
# وأشهر الحج، قال بعض أصحابنا: ثلاثة أشهر وهي: شوال وذو القعدة وذو
~~الحجة، وقال بعض ms0398 أصحابنا: شهران، وتسعة أيام، وقال بعض منهم:
# PageV01P538
# شهران وعشرة أيام، فالأول مذهب شيخنا المفيد، في كتابه الأركان، ويناظر
~~مخالفه على ذلك، وهو أيضا مذهب شيخنا أبي جعفر رحمه الله في نهايته (1)
~~وقال في جمله وعقوده: شهران وتسعة أيام (2) وقال في مسائل خلافه (3)
~~ومبسوطه (4).
# وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وإلى يوم النحر، قبل طلوع الفجر منه، فإذا
~~طلع، فقد مضى أشهر الحج، ومعنى ذلك، أنه لا يجوز أن يقع إحرام الحج إلا
~~فيه، ولا إحرام العمرة التي يتمتع بها إلى الحج، إلا فيها، وأما إحرام
~~العمرة المبتولة، فجميع أيام السنة وقت له.
# والذي يقوي في نفسي، مذهب شيخنا المفيد، وشيخنا أبي جعفر، في نهايته،
~~والدليل على ما اخترناه، ظاهر لسان العرب، وحقيقة الكلام، وذلك أن الله
~~تعالى قال في محكم كتابه: " الحج أشهر معلومات " (5) فجمع سبحانه، ولم يفرد
~~بالذكر، ولم يثن، ووجدنا أهل اللسان، لا يستعملون هذا القول، فيما دون أقل
~~من ثلاثة أشهر، فيقولون: فلان غاب شهرا، إذا أكمل الشهر لغيبته، وفلان غاب
~~شهرين، إذا كان فيهما جميعا غائبا، وفلان غاب ثلاثة أشهر، إذا دامت غيبته
~~في الثلاثة، فثبت أن أقل ما يطلق عليه لفظ الأشهر، في حقيقة اللغة ثلاثة
~~منها، فوجب أن يجري كلام الله تعالى، وكتابه على الحقيقة، دون المجاز، لأن
~~الكلام في الحقائق، دون المجازات، والاستعارات.
# ويزيد ذلك بيانا ما روي عن الأئمة من آل محمد عليهم السلام أن أشهر الحج
~~ثلاثة: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة (6) ويصحح هذه الرواية، عن الأئمة
# PageV01P539
# عليهم السلام، ما أجمعت عليه الطائفة عنهم عليهم السلام في جواز ذبح
~~الهدي طول ذي الحجة، وطواف الحج، وسعي الحج، طول ذي الحجة، وكذلك طواف
~~النساء عندنا، وقالوا عليهم السلام، فإن لم يجد الهدي حتى يخرج ذو الحجة،
~~أخره إلى قابل، فإن أيام الحج قد مضت، فجعلوا عليهم السلام آخر منتهى الحج،
~~آخر ذي الحجة.
# فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون آخر أشهر الحج، اليوم العاشر من ذي
~~الحجة، بدلالة إجماع الأمة، على أنه ms0399 ليس لأحد أن يهل بالحج، ولا يقف بعرفة،
~~بعد طلوع الفجر من يوم النحر، وذلك أنه لو كان باقي ذي الحجة من أشهر الحج،
~~لجاز فيه ما ذكرناه.
# قيل له قد تقدم القول في بطلان هذا المذهب، بما ذكرناه من كلام العرب،
~~وحقيقة اللسان، وقد قال الله تعالى: " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه
~~ليبين لهم " (1) وقال تعالى: " قرآنا عربيا غير ذي عوج " (2) فلو كان الأمر
~~على ما يذهب إليه مخالفنا في المسألة، لكان القرآن واردا على غير مفهوم
~~اللغة، وذلك ضد الخبر الذي تلوناه من الكتاب، على أن هذا الذي عارض به
~~الخصم، بين الاضمحلال، وذلك أن أشهر الحج، إنما هي على ترتيب عمله، فبعضها
~~وقت للإهلال، وبعضها وقت للطواف والسعي، وبعضها وقت للوقوف، وقد اتفقنا
~~جميعا بغير خلاف، أن طواف الزيارة من الحج، وهو بعد الفجر من يوم النحر،
~~وكذلك السعي، وطواف النساء عندنا، على ما مضى بيانه، والمبيت ليالي التشريق
~~بمنى، ورمي الجمار بعد يوم النحر، فثبت بذلك، أن القول في ذلك على ما
~~اخترناه.
# واختلف أصحابنا، في أقل ما يكون بين العمرتين، فقال بعضهم: شهر، وقال
~~بعضهم: يكون في كل شهر تقع عمرة، وقال بعضهم: عشرة أيام، وقال بعضهم: لا
~~أوقت وقتا، ولا أجعل بينهما مدة، وتصح في كل يوم عمرة، وهذا
# PageV01P540
# القول يقوى في نفسي، وبه أفتي، وإليه ذهب السيد المرتضى، في الناصريات
~~وقال: الذي يذهب إليه أصحابنا، أن العمرة جائزة في سائر أيام السنة. وقال:
# وقد روي أنه لا يكون بين العمرتين أقل من عشرة أيام (1) وروي أنها لا
~~تجوز إلا في كل شهر مرة (2). ثم قال: دليلنا على جواز فعلها على ما ذكرناه،
~~قوله صلى الله عليه وآله: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما (3) ولم يفصل
~~عليه السلام (4).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: وما روي في مقدار ما يكون بين العمرتين،
~~فأخبار آحاد، لا توجب علما ولا عملا، ولا يجوز إدخال العمرة على الحج، ولا
~~إدخال الحج على العمرة، ومعنى ذلك ms0400 أنه إذا أحرم بالحج، لا يجوز أن يحرم
~~بالعمرة، قبل أن يفرغ من مناسك الحج، وكذلك إذا أحرم بالعمرة، لا يجوز أن
~~يحرم بالحج، حتى يفرغ من مناسكها الحج، فإن فاته وقت التحلل، مضى على
~~إحرامه، وجعلها حجة منفردة، ولا يدخل أفعال العمرة في أفعال الحج.
# والمتمتع إذا أحرم بالحج من خارج مكة، وجب عليه الرجوع إليها مع الإمكان،
~~فإن تعذر ذلك لم يلزمه شئ وتم حجه ولا دم عليه، لأجل ذلك.
# والقارن والمفرد، إذا أرادا أن يأتيا بالعمرة بعد الحج، وجب عليهما أن
~~يخرجا إلى خارج الحرم، ويحرما منه، فإن أحرما من جوف مكة لم يجزهما.
# والمستحب لهما، أن يأتيا بالإحرام، من الجعرانة (بفتح الجيم، وكسر العين،
~~وفتح الراء، وتشديدها، هكذا سماعنا من بعض مشائخنا، والصحيح ما قاله
~~نفطويه، في تاريخه، قال: كان الشافعي يقول: الحديبية بالتخفيف، ويقول أيضا:
~~الجعرانة بكسر الجيم، وسكون العين، وهو أعلم بهذين الموضعين. قال محمد بن
~~إدريس رحمه الله: وجدتها كذلك، بخط أثق (5) به، قال ابن دريد في
# PageV01P541
# الجمهرة: الجعرانة بكسر الجيم، والعين، وفتح الراء، وتشديدها، وهذا الذي
~~يعتمد عليه) أو التنعيم.
# باب ما يجب على المحرم اجتنابه وما لا يجب إذا عقد المحرم إحرامه
~~بالتلبية، إن كان متمتعا، أو مفردا أو بالإشعار، أو التقليد، إن كان قارنا
~~حرم عليه لبس الثياب المخيطة، وغير المخيطة، إذا كان فيها طيب إلا بعد
~~إزالته، والنساء، نظرا، ولمسا، وتقبيلا، ووطيا وعقدا له ولغيره، يستوي
~~المحرمات والمحللات في ذلك، والطيب على اختلاف أجناسه، والصيد، ولحم الصيد،
~~والإشارة إليه، والدلالة عليه.
# وأفضل ما يحرم الإنسان فيه من الثياب، ما يكون قطنا محضا بيضا، فإن كان
~~غير بيض كان جائزا، ولا يكره الإحرام في الثياب الكتان، إنما يكره التكفين
~~بها، ويكره الإحرام في الثياب السود.
# وقال شيخنا في نهايته: لا يجوز الإحرام في الثياب السود (1). وإنما أراد
~~شدة الكراهة، دون أن يكون ذلك محضورا، وجملة الأمر، وعقد الباب في هذا، أن
~~كل ثوب يجوز للرجال فيه الصلاة، يجوز فيه الإحرام. ms0401
# ويكره الإحرام في الثياب المصبوغة بالعصفر، وما أشبه ذلك، لأجل الشهرة،
~~وإن لم يكن ذلك محظورا.
# ولا يحرم الإنسان إلا في ثياب طاهرة، نظيفة، فإن كانت وسخة، غسلها قبل
~~الإحرام، وإن توسخت بعد الإحرام، فإنه يكره غسلها، وإن لم يكن ذلك محظورا،
~~إلا إذا أصابها شئ من النجاسة، فإنه يجب عليه غسلها.
# ولا بأس أن يستبدل بثيابه في حال الإحرام، غير أنه إذا طاف، لا يطوف
# PageV01P542
# إلا فيما أحرم فيه، وإن كان لو طاف في غيره، مما استبدل لم يكن محظورا،
~~ولا وجب عليه بذلك شئ.
# ويكره له النوم على الفرش المصبوغة.
# وإن أصاب ثوب المحرم شئ من خلوق الكعبة، وزعفرانها، لم يكن به بأس.
# وإذا لم يكن مع الإنسان ثوبا لإحرامه، وكان معه قباء، فليلبسه منكوسا،
~~ومعنى ذلك أن يجعل ذيله فوق أكتافه، وقال بعض أصحابنا: فليلبسه مقلوبا، ولا
~~يدخل يديه في يدي القباء، وإلى ما فسرناه يذهب ويعني بقوله مقلوبا، لأن
~~المقصود بذلك أنه لا يشبه لبس المخيط، إذا جعل ذيله على أكتافه، فأما إذا
~~قلبه، ولبسه وجعل ذيله إلى تحت، فهذا يشبه لبس المخيط، وما فسرناه به قد
~~ورد صريحا عن الأئمة في ألفاظ الأحاديث، أورده البزنطي (بالباء المنقطة، من
~~تحتها نقطة واحدة المفتوحة، والزاي المفتوحة المعجمة، والنون المسكنة،
~~والطاء غير المعجمة، صاحب الرضا عليه السلام) في نوادره، ويجوز له أن يلبس
~~السراويل، إذا لم يجد الإزار، ولا كفارة عليه ولا حرج.
# ويكره لبس الثياب المعلمة في حال الإحرام، ولا يجوز للرجل، أن يلبس
~~الخاتم يتزين به، ولا بأس بلبسه للسنة.
# ولا يجوز للمحرم أن يلبس الخفين، وعليه أن يلبس النعلين، فإن لم يجدهما،
~~واضطر إلى لبس الخف، لم يكن به بأس، وقال بعض أصحابنا: يشق ظاهر قدمه، وهو
~~قول بعض المخالفين لأهل البيت عليهم السلام، والذي رواه أصحابنا، وأجمعوا
~~عليه، لبسهما من غير شق (1) وهو الصحيح، وعليه يعتمد شيخنا أبو جعفر في
~~نهايته (2). وقال: بقول بعض المخالفين، في مسائل خلافه (3)
# PageV01P543
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه ms0402 الله أيضا في نهايته: ويحرم على المرأة
~~في حال الإحرام، من لبس الثياب، جميع ما يحرم على الرجال، ويحل لها ما يحل
~~له (1) قال وقد وردت رواية، بجواز لبس القميص للنساء، والأصل ما قدمناه،
~~فأما السراويل فلا بأس بلبسه لهن على كل حال، سواء كانت ضرورة، أو لم تكن
~~(2).
# قال محمد بن إدريس: والأظهر عند أصحابنا، أن لبس الثياب المخيطة غير محرم
~~على النساء، بل عمل الطائفة وفتواهم، وإجماعهم، على ذلك، وكذلك عمل
~~المسلمين.
# ولا يجوز لهن لبس القفازين، ولا شئ من الحلي مما لم تجر عادتهن بلبسه قبل
~~الإحرام. فأما ما كن يعتدن لبسه فلا بأس به، غير أنها لا تظهره لزوجها، ولا
~~تقصد به الزينة، فإن قصدت به الزينة، كان أيضا غير جائز.
# والقفازان في الأصل وعند العرب، شئ تتخذه النساء باليدين، تحشى بقطن،
~~ويكون له أزرار، تزر على الساعدين، من البرد، تلبسه النساء، والقفاز أيضا
~~الدستبانج، الذي يتخذ للجوارح، من جلد يمده الرجل على يده، قال الشاعر:
# - تبا لذي أدب يرضى بمعجزة * ولا يكون كباز فوق قفاز - وقد روي أنه لا
~~بأس بأن تلبس المرأة المحرمة الخلخالين، والمسك.
# قال محمد بن إدريس: المسك بفتح الميم، والسين غير المعجمة المفتوحة،
~~والكاف، أسورة من ذبل أو عاج قال جرير:
# - ترى العيس الحولي جوبا بكوعها * لها مسك من غير عاج ولا ذبل - ويكره
~~لها أن تلبس الثياب المصبوغة المفدمة يعني المشبعة.
# ولا بأس أن تلبس المرأة المحرمة، الخاتم، وإن كان من ذهب.
# PageV01P544
# ويحرم على المحرم الرفث، وهو الجماع.
# ويحرم عليه أيضا الفسوق، وهو الكذب، والجدال، وهو قول الرجل: لا والله،
~~وبلى والله.
# ولا يجوز له قتل شئ من الدواب، ولا يجوز له أن ينحي عن بدنه القمل، يرمي
~~به عنه، ولا بأس بتحويله له من مكان من بدنه إلى مكان منه، ولا بأس أن ينحي
~~عنه القراد، والحلمة.
# ولا يجوز له، أن يمس شيئا من الطيب، على ما قدمناه، وقال بعض أصحابنا:
~~الطيب الذي يحرم مسه، وشمه، وأكل طعام يكون ms0403 فيه المسك، والعنبر والزعفران،
~~والورس بفتح الواو، وهو نبت أحمر، قاني، يوجد على قشور شجر، ينحت منها،
~~ويجمع، وهو شبيه بالزعفران المسحوق، ويجلب من اليمن، طيب الريح، والعود،
~~والكافور.
# فأما ما عدا هذا من الطيب والرياحين، فمكروه، يستحب اجتنابه، وإن لم يلحق
~~في الحظر بالأول، وهذا مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته
~~(1).
# والأظهر بين الطائفة، تحريم الطيب على اختلاف أجناسه، لأن الأخبار عامة
~~في تحريم الطيب على المحرم، فمن خصصها بطيب دون طيب، يحتاج إلى دليل.
# وكذلك يحرم عليه الإدهان بدهن فيه طيب، فإن اضطر إلى أكل طعام فيه طيب،
~~أكله غير أنه يقبض على أنفه، ولا بأس بالسعوط، وإن كان فيه طيب، عند الحاجة
~~إليه.
# ومتى أصاب ثوب الإنسان شئ من الطيب، كان عليه إزالته.
# ومتى اجتاز المحرم في موضع يباع فيه الطيب، لم يكن عليه شئ، فإن باشره.
# بنفسه أمسك على أنفه منه.
# PageV01P545
# ولا يمسك على أنفه من الروائح الكريهة.
# ولا بأس بأن يستعمل المحرم الحنا، للتداوي به، ويكره ذلك للزينة، ويكره
~~للمرأة الخضاب إذا قاربت حال الإحرام.
# ولا يجوز له الصيد البري، ولا الإشارة إليه، ولا الدلالة عليه، على ما
~~قدمناه، ولا أكل ما صاده غيره، ولا يجوز له أن يذبح شيئا من الصيد، فإن
~~ذبحه، كان حكمه حكم الميتة، لا يجوز لأحد أكله.
# ولا يجوز للرجل، ولا للمرأة أن يكتحلا بالأثمد، إلا عند الحاجة الداعية
~~إلى ذلك، ولا بأس بأن يكتحلا بكحل ليس بأسود، إلا إذا كان فيه طيب، فإنه لا
~~يجوز ذلك.
# ولا يجوز للمحرم النظر في المرآة، وبعض يكره ذلك.
# ولا يجوز له استعمال الأدهان التي فيها طيب، قبل أن يحرم، إذا كانت مما
~~يبقى رائحته إلى بعد الإحرام، ولا بأس عند الضرورة باستعمال ما ليس بطيب
~~منها، مثل الشيرج، والسمن، والزيت، فأما أكلها فلا بأس به على جميع
~~الأحوال.
# والأدهان الطيبة، إذا زالت عنها الرائحة، جاز استعمالها.
# ولا يجوز للمحرم أن يحتجم، إلا إذا خاف ضررا على نفسه.
# ولا يجوز ms0404 له إزالة شئ من الشعر، في حال الإحرام، فإن اضطر إلى ذلك، بأن
~~يريد مثلا أن يحتجم، ولا يتأتى له ذلك، إلا بعد إزالة شئ من الشعر، فليزله،
~~وليس عليه شئ من الإثم، بل يجب عليه دم شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام
~~ستة مساكين، مخير في ذلك.
# ولا يجوز للمحرم تغطية رأسه، ولا أن يرتمس في الماء، بأن يغطي رأسه، فأما
~~المرأة، فلا بأس بها، أن تغطي رأسها، غير أنها يجب عليها أن تسفر عن وجهها،
~~ولا يجوز أن تتنقب، فإن غطى الرجل رأسه ناسيا، ألقى الغطاء عن PageV01P546
# رأسه، وجدد التلبية استحبابا، وليس عليه شئ، ولا بأس أن يغطي وجهه، ويعصب
~~رأسه، عند حاجته إلى ذلك.
# ولا يجوز للمحرم أن يظلل على نفسه سائرا، إلا إذا خاف الضرر العظيم،
~~ويجوز له أن يمشي تحت الظلال، ويجلس تحت الظلال، والسقوف، والخيم، وغير
~~ذلك، وإنما منع المحرم من الضلال، إذا كان سائرا، فأما إذا نزل، فلا بأس أن
~~يستظل، بما أراد.
# والمحرم إذا كان مزاملا لعليل، جاز له أن يظلل على العليل، ولا يجوز له
~~أن يظلل على نفسه، ولا بأس بأن تستظل المرأة، وتغطي محملها، وهي سائرة،
~~بخلاف الرجال.
# ولا يحك المحرم جلده حكا يدميه، ولا يستاك سواكا يدمي فاه، ولا يدلك
~~جسده، ووجهه، ولا رأسه، في الوضوء والغسل، لئلا يسقط منهما شئ من الشعر.
# ولا يجوز له قص الأظافير، على حال.
# ولا يجوز للمحرم أن يتزوج، أو يزوج، فإن فعل كان العقد باطلا، ولا يجوز
~~له أيضا أن يشهد العقد، ولا أن يشهد على عقد النكاح، ما دام محرما ولا بأس
~~بإقامته الشهادة، بعد إحلاله من إحرامه، وإنما يحرم عليه إقامتها في حال
~~إحرامه، فإن أقامها، يردها الحاكم حينئذ، ولا يقبلها.
# ولا بأس أن يشتري الجواري.
# ويجوز له تطليق النساء.
# ويكره له دخول الحمام، فإن دخله، فلا يدلك جسده، بل يصب عليه الماء صبأ.
# والمحرم إذا مات، غسل كتغسيل المحل، ويكفن كتكفينه، غير أنه لا يقرب شيئا
~~من ms0405 الكافور.
# ويكره له أن يلبي من دعاه، بل يقول يا سعد. PageV01P547
# ولا يجوز للمحرم لبس السلاح، إلا عند الضرورة، والخوف.
# ولا بأس أن يؤدب الرجل غلامه، وخادمه، وهو محرم، غير أنه لا يزيد على
~~عشرة أسواط - أورد شيخنا في أثناء مسألة من مسائل خلافه (1) - وعليه ردع من
~~زعفران، بالراء غير المعجمة، المفتوحة، والدال غير المعجمة، المسكنة،
~~والعين غير المعجمة، قال محمد بن إدريس: يقال به ردع من زعفران، أو دم أي
~~لطخ وأثر.
# باب ما يلزم المحرم عن جناياته من كفارة وفدية وغير ذلك فيما يفعله عمدا
~~أو خطأ ما يفعله المحرم من محظورات الإحرام على ضربين، أحدهما يفعله عامدا،
~~والآخر يفعله ساهيا وناسيا، فكل ما يفعله من ذلك على وجه السهو والنسيان،
~~لا يتعلق به كفارة، ولا فساد الحج إلا الصيد خاصة، فإنه يلزمه فداؤه، عامدا
~~كان، أو ساهيا، وما عداه إذا فعله عامدا، لزمته الكفارة، وإذا فعله ساهيا،
~~لم يلزمه شئ.
# فمن ذلك، إذا جامع المرأة في الفرج، سواء كان قبلا، أو دبرا، قبل الوقوف
~~بالمشعر، عامدا، وبعض أصحابنا يقول: ويعتبر قبل الوقوف بعرفة، والأول هو
~~الأظهر، فإنه يفسد حجه، ويجب عليه المضي في فاسده، وعليه الحج من قابل،
~~قضاء عن هذه الحجة، سواء كانت حجته فرضا، أو نفلا، ويلزم مع ذلك، كفارة،
~~وهي بدنة، والمرأة إن كانت محلة، لا يتعلق بها شئ، وإن كانت محرمة، فلا
~~يخلو إما أن تكون مطاوعة له، أو مكرهة عليها، فإن طاوعته على ذلك، كان
~~عليها مثل ما عليه من الكفارة، والحج، من قابل، وينبغي أن يفترقا، إذا
~~انتهيا إلى المكان الذي فعلا فيه ما فعلا، إلى أن يقضيا المناسك، وقد
# PageV01P548
# روي أن حد الافتراق، أن لا يخلو بأنفسهما، إلا ومعهما ثالث (1).
# وإن كان أكرهها على ذلك، لم يكن عليها شئ، ولا يتعلق به فساد حجها.
# وتضاعفت الكفارة على الرجل، يتحملها عنها، وهي بدنة أخرى، فأما حجة أخرى
~~فلا يلزمه عنها، لأن حجتها ما فسدت.
# وإن كان جماعه فيما دون الفرج، كان ms0406 عليه بدنة، ولم يكن عليه الحج من
~~قابل.
# وإن كان الجماع في الفرج بعد الوقوف بالمشعر، كان عليه بدنة، وليس عليه
~~الحج من قابل، سواء كان ذلك قبل التحلل، أو بعده، وعلى كل حال، فإذا قضى
~~الحج في القابل، فأفسد حجه أيضا، كان عليه مثل ما لزمه في العام الأول، من
~~الكفارة، والحج من قابل، وكذلك ما زاد عليه إلى أن تسلم له حجة غير مفسودة،
~~لعموم الأخبار (2).
# وإذا جامع أمته، وهي محرمة، وهو محل، فإن كان إحرامها بإذنه، كان عليه
~~كفارة، يتحملها عنها، وإن كان إحرامها من غير إذنه، لم يكن عليه شئ، لأن
~~إحرامها لم ينعقد، وكذا الاعتبار في الزوجة، في حجة التطوع، دون حجة
~~الإسلام، فإن لم يقدر على بدنة، كان عليه دم شاة، أو صيام ثلاثة أيام، وإن
~~كان هو أيضا محرما، تعلق به فساد حجه، والكفارة، مثل ما قلناه، في الحرة
~~سواء.
# وإذا وطأ بعد وطئ لزمته كفارة، بكل وطئ، سواء كفر عن الأول، أو لم يكفر
~~لعموم الأخبار.
# ومن أفسد الحج، وأراد القضاء، أحرم من الميقات، وكذلك من أفسد العمرة،
~~أحرم فيما بعد من الميقات، والمفرد إذا حج، ثم اعتمر بعده، فأفسد
# PageV01P549
# عمرته، قضاها، وأحرم من أدنى الحل، والمتمتع إذا أحرم بالحج، من مكة، ثم
~~أفسد حجه قضاه، وأحرم من الموضع الذي أحرم منه بالحج، من مكة، بعد ما يقدم
~~العمرة المتمتع بها، على إحرامه من مكة، في سنة واحدة.
# وهل تكون الحجة الثانية، هي حجة الإسلام، أو الأولى الفاسدة؟ قال شيخنا
~~أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته: الأولى الفاسدة، هي حجة الإسلام،
~~والثانية عقوبة (1) وقال في مسائل خلافه: بل الثانية هي حجة الإسلام (2)
~~وهذا هو الصحيح الذي تشهد به أصول المذهب، لأن الفاسد لا يجزي ولا تبرأ
~~الذمة بفعله، والفاسد غير الصحيح.
# فإن قيل: إذا كانت الثانية هي حجة الإسلام، دون الأولى، وكان يراعى فيها
~~شرائط الوجوب، فكان إذا حج في العام القابل، والشرائط مفقودة، لا تجزيه
~~حجته إذا أيسر بعد ذلك، ms0407 وحصلت له شرائط الوجوب، ولا يعتبر أحد ذلك، بل حجته
~~في العام القابل تجزيه، ولو حبا حبوا، فدل هذا الاعتبار، على أن الأولى هي
~~حجة الإسلام، دون الثانية.
# قلنا: من حصلت له شرائط الوجوب، وفرط فيها، يجب عليه الحج، فإذا حج
~~فقيرا، أو ماشيا بعد ذلك، أجزأته حجته، ولا يعتبر شرائط الوجوب، بعد ذلك
~~فعلى هذا التحرير والتقرير الاعتراض ساقط، لأنه بإفساده للأولى فرط، فلا
~~اعتبار في الثانية بشرائط الوجوب.
# ومتى جامع الرجل قبل طواف الزيارة كان عليه جزور، فإن لم يتمكن كان عليه
~~دم بقرة، فإن لم يتمكن كان عليه دم شاة.
# ومتى طاف الإنسان من طواف الزيارة شيئا، ثم واقع أهله، قبل أن يتمه،
# PageV01P550
# كان عليه بدنة، وإعادة الطواف.
# وإن كان قد سعى من سعيه شيئا، ثم جامع كان عليه الكفارة، ويبني على ما
~~سعى، ومن سعى بين الصفا والمروة ستة أشواط، وظن أنه كان سعى سبعة، فقصر،
~~وجامع، وجب عليه دم بدنة، وروي بقرة (1) ويسعى شوطا آخر، وإنما وجبت عليه
~~الكفارة، لأجل أنه خرج من السعي، غير قاطع، ولا متيقن إتمامه، بل خرج عن ظن
~~منه، وهاهنا لا يجوز له أن يخرج مع الظن، بل مع القطع واليقين، وهذا ليس هو
~~بحكم الناسي، وهذا يكون في سعي العمرة المتمتع بها إلى الحج، فلو كان في
~~سعي الحج، كان يجب عليه الكفارة، ولو سلم له سعيه، وخرج منه على يقين، لأنه
~~قاطع على وجوب طواف النساء عليه، وليس كذلك العمرة المتمتع بها، لو سلم له
~~سعيه، وقصر لم يجب عليه الكفارة، لأنه قد أحل بعد تقصيره من جميع ما أحرم
~~منه، لأن طواف النساء غير واجب في العمرة المتمتع بها إلى الحج، فليتأمل ما
~~قلناه، فلا يصح القول بهذه المسألة، فإنها ما ذكرها الشيخ المفيد في مقنعته
~~(2)، إلا بما حررناه.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي في نهايته: وإن كان قد انصرف من السعي ظنا
~~منه أنه تممه، ثم جامع، لم يلزمه الكفارة، وكان عليه تمام السعي (3) فجعله
~~في ms0408 حكم الناسي، ولا يصح هذا أيضا، إلا في سعي العمرة المتمتع بها إلى الحج،
~~على ما حررناه.
# ومتى جامع الرجل بعد قضاء مناسكه، قبل طواف النساء، كان عليه بدنة، فإن
~~كان قد طاف من طواف النساء شيئا، فإن كان أكثر من النصف،
# PageV01P551
# بنى عليه بعد الغسل، ولم تلزمه الكفارة، على ما روي في بعض الأخبار (1)،
~~وقد ذكره شيخنا أبو جعفر في نهايته (2)، وإن كان قد طاف أقل من النصف، كان
~~عليه الكفارة، وإعادة الطواف.
# قال محمد بن إدريس: أما اعتبار النصف في صحة الطواف، والبناء عليه،
~~فصحيح، وأما سقوط الكفارة، ففيه نظر، لأن الإجماع حاصل على أن من جامع قبل
~~طواف النساء وجبت عليه الكفارة، وهذا جامع قبل طواف النساء، فالاحتياط
~~يقتضي وجوب الكفارة.
# ومتى عبث بذكره، حتى أمنى، فإن الواجب عليه الكفارة، وهي بدنة، فحسب، ولا
~~يفسد حجه، وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي، في نهايته:
# حكمه حكم من جامع، على السواء (3) وقد رجع عن هذا، في استبصاره (4)
~~ومسائل خلافه (5)، وهو الصحيح، لأن الأصل براءة الذمة، والكفارة مجمع
~~عليها، وما زاد على ذلك، يحتاج إلى دليل شرعي.
# ومن نظر إلى غير أهله، فأمنى، كان عليه بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم
~~يجد فشاة.
# وإذا نظر إلى امرأته فأمنى أو أمذى، لم يكن عليه شئ، إلا أن يكون نظر
~~إليها بشهوة فأمنى، فإنه يلزمه الكفارة، وهي بدنة.
# فإن مسها بشهوة، كان عليه دم بدنة، إذا أنزل، وإن لم ينزل، فدم شاة، وإن
~~مسها من غير شهوة، لم يكن عليه شئ، أمنى أو لم يمن.
# ومن قبل امرأته من غير شهوة كان عليه دم شاة، فإن قبلها بشهوة، كان عليه
~~دم شاة إذا لم يمن، فإن أمنى كان عليه جزور.
# PageV01P552
# ومن لاعب امرأته، فأمنى من غير جماع، كان عليه بدنة.
# ومن تسمع لكلام امرأة، أو استمع على من يجامع، من غير رويه لهما، فأمنى،
~~لم يكن عليه شئ.
# ولا بأس أن يقبل الرجل أمه وهو محرم.
# ومن تزوج امرأة وهو محرم، ms0409 فرق بينهما، ولم تحل له أبدا، سواء كان قد دخل
~~بها، أو لم يدخل، إذا كان عالما بتحريم ذلك عليه، فإن لم يكن عالما به، جاز
~~له أن يعقد عليها بعد الإحلال.
# والمحرم إذا عقد لمحرم على زوجة، ودخل بها الزوج، كان على العاقد بدنة،
~~وعلى الزوج الداخل بها، الواطئ لها، ما على المحرم، إذا وطأ امرأته من
~~الأحكام.
# ولا يجوز للمحرم أن يعقد لغيره، على امرأة، فإن فعل ذلك، كان النكاح
~~باطلا، ولا يجوز له أن يشهد على عقد نكاح، فإن أقام الشهادة بذلك، لم تسمع
~~شهادته.
# ومن قلم ظفرا من أظفاره، كان عليه مد من طعام، وكذلك الحكم فيما زاد
~~عليه، فإذا قلم أظفار يديه جميعا، كان عليه دم شاة، فإن قلم أظفار يديه
~~ورجليه جميعا، وكان في مجلس واحد، كان عليه دم، وإن كان ذلك منه في مجلسين،
~~كان عليه دمان.
# ومن أفتى غيره بتقليم ظفر، فقلمه المستفتي، فأدمى إصبعه، كان عليه دم
~~شاة.
# ومن حلق رأسه لأذى، كان عليه دم شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو يتصدق على
~~ستة مساكين، لكل مسكين مدمن طعام، أي ذلك فعل، فقد أجزأه.
# ومن ظلل على نفسه، كان عليه دم، إذا فعل ذلك وهو سائر على ما قدمناه.
# ومن جادل وهو محرم، صادقا مرة، أو مرتين، فليس عليه من الكفارة شئ، ويجب
~~عليه التوبة والاستغفار، فإن جادل ثلاث مرات، فصاعدا كان عليه دم شاة، وإن
~~جادل كاذبا مرة، كان عليه دم شاة، فإن جادل مرتين كاذبا، كان عليه دم بقرة،
~~فإن جادل ثلاث مرات كاذبا، عليه بدنة. PageV01P553
# ومن نحى عن جسمه قملة، فرمى بها، أو قتلها، كان عليه كف من طعام، ولا بأس
~~أن يحولها، من مكان من جسده إلى مكان آخر، ولا بأس أن ينزع الرجل القراد
~~والحلمة عن بدنه، وعن بعيره.
# وإذا مس المحرم لحيته، أو رأسه، فوقع منهما شئ من شعره، كان عليه أن يطعم
~~كفا من طعام، فإن سقط شئ من شعر رأسه ولحيته، بمسه لهما ms0410 في حال الطهارة، لم
~~يكن عليه شئ.
# والمحرم إذا نتف إبطه، كان عليه أن يطعم ثلاثة مساكين، فإن نتف إبطيه
~~جميعا، كان عليه دم شاة.
# ومن لبس ثوبا لا يحل له لبسه، لأجل الإحرام، وكونه محرما، أو أكل طعاما
~~كذلك، مثل الثوب، كان عليه دم شاة.
# والشجرة إذا كان أصلها في الحرم، وفرعها في الحل، لم يجز (1) قلعها،
~~وكذلك إذا كان أصلها في الحل، وفرعها في الحرم، لا يجوز قلعها على حال.
# وفي الشجرة الكبيرة دم بقرة، وفي الصغيرة دم شاة، على ما ذهب إليه شيخنا
~~أبو جعفر رحمه الله في مسائل خلافه (2)، والأخبار (3) عن الأئمة الأطهار،
~~(ع) واردة بالمنع من قلع شجر الحرم، وقطعه، ولم يتعرض فيها للكفارة، لا في
~~الشجرة الكبيرة، ولا في الصغيرة.
# وكل شئ ينبت في الحرم من الأشجار، والحشيش، فلا يجوز قلعه على حال، إلا
~~النخل، وشجر الفواكه، والأذخر.
# ولا بأس أن تقلع ما أنبته أنت في الحرم من الأشجار.
# ولا بأس أن يقلع ما ينبت في دار الإنسان بعد بنائه لها، إذا كانت ملكه،
# PageV01P554
# فإن كان نابتا قبل بنائه لها، لم يجز له قلعه.
# ولا بأس أن يخلي الإنسان إبله لترعى، ولا يجوز أن يقلع الحشيش، ويعلفه
~~إبله.
# وحد الحرم الذي لا يجوز قلع الشجر منه بريد في بريد.
# ومن رمى طيرا على شجرة أصلها في الحرم وفرعها في الحل، كان عليه الفداء،
~~وإن كان الطير في الحل.
# وإذا لبس المحرم قميصا، كان عليه دم شاة، فإن لبس ثيابا جماعة، في موضع
~~واحد، كان عليه أيضا دم واحد، فإن لبسها في مواضع متفرقة، كان عليه لكل ثوب
~~منها فداء.
# والأدهان على ضربين، طيب، وغير طيب، فالطيب مثل دهن الورد، والبنفسج،
~~والبان، والزنبق، بالنون بعد الزاء، وهو دهن الياسمين، تسميه الأطباء
~~والصيادلة، السوسن، وما أشبه ذلك، فمتى استعمله المحرم، يجب عليه دم، سواء
~~استعمله في حال الاضطرار إليه، أو حال الاختيار.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي في الجمل والعقود: وهو مكروه (1)، وقال في
~~مسائل خلافه ms0411 (2) وفي نهايته (3) بتحريم استعماله، وبوجوب الكفارة على
~~مستعمله، وهو الصحيح.
# فأما غير الطيب، مثل دهن السمسم، والسمن، والزيت، فلا يجوز الإدهان به،
~~فإن فعل ذلك، لا تجب عليه كفارة، ويجب عليه التوبة والاستغفار، فأما أكله،
~~فلا بأس به بغير خلاف.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي، في مبسوطه، في فصل ما يلزم المحرم من
~~الكفارة،
# PageV01P555
# الطيب على ضربين أحدهما يجب فيه (1) الكفارة، والآخر على ثلاثة أضرب (2)
~~ثم أورد في جمله ما لا يتعلق به كفارة، الشيح، والقيصوم، والأذخر، وحبق
~~الماء.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: حبق الماء، بالحاء غير المعجمة، المفتوحة،
~~والباء المنقطة من تحتها، نقطة واحدة، المفتوحة، والقاف، وهو الحندقوق،
~~ويسمى الغاغ، بالغينين المعجمتين، وقال الجوهري، في كتاب الصحاح:
# الحبق، بالتحريك: الفوذنج، بالفاء المضمومة، والواو المسكنة، والذال
~~المعجمة المفتوحة، والنون المسكنة والجيم، وما قلناه أوضح وأبين، وقال ابن
~~الجزلة المتطبب، في كتاب منهاج البيان: هو بالفارسية فوذنج، وقيل هو ورق
~~الخلاف، وهو ثلاثة أنواع جبلي، وبستاني، ونهري، وهو نبات طيب الرائحة، حديد
~~الطعم، ورقه مثل ورق الخلاف.
# وإذا صاد المحرم نعامة، فقتلها، كان عليه جزور، فإن لم يقدر على ذلك، قوم
~~الجزاء، والمقوم عندنا هو الفداء، دون المصيد، وفض ثمنه على البر، وتصدق
~~على كل مسكين نصف صاع، فإن زاد ذلك على إطعام ستين مسكينا، لم يلزمه أكثر
~~منه، وكانت الزيادة له، وإنما الواجب عليه إطعام هذه العدة، هذا المقدار،
~~وإن كان أقل من إطعام ستين مسكينا، فقد أجزأه، ولا يلزمه غير ذلك، فإن لم
~~يقدر على إطعام ستين مسكينا، صام عن كل نصف صاع يوما، فإن لم يقدر على ذلك،
~~صام ثمانية عشر يوما.
# فإن قتل حمار وحش، أو بقرة وحش، كان عليه دم بقرة، فإن لم يقدر، قومها
~~وفض ثمنها، على البر، وأطعم كل مسكين نصف صاع، فإن زاد ذلك على إطعام
~~ثلاثين مسكينا، لم يكن عليه أكثر من ذلك، وله أخذ الزيادة، كما قدمناه في
~~النعامة، فإن لم يقدر على ذلك أيضا، صام عن كل نصف ms0412 صاع يوما،
# PageV01P556
# فإن لم يقدر على ذلك صام تسعة أيام.
# ومن أصاب ظبيا، أو ثعلبا، أو أرنبا، كان عليه دم شاة، فإن لم يقدر على
~~ذلك، قوم الجزاء الذي هو الشاة، وفض ثمنها على البر، وأطعم كل مسكين منه
~~نصف صاع، فإن زاد ذلك على إطعام عشرة مساكين، فليس عليه غير ذلك، وإن نقص
~~عنه، لم يلزمه أيضا أكثر منه، فإن لم يقدر عليه، صام عن كل نصف صاع يوما،
~~فإن لم يقدر على ذلك، صام ثلاثة أيام.
# واختلف أصحابنا في هذه الكفارة، أعني كفارة الصيد على قولين، فبعض منهم
~~يذهب إلى أنها على التخيير، وبعض منهم يذهب إلى أنها على الترتيب، والذي
~~يقوى في نفسي، وأفتي به، القول فيها بالتخيير، وإلى هذا ذهب شيخنا أبو جعفر
~~الطوسي رحمه الله في مسائل الخلاف (1) والجمل والعقود (2) وإلى الترتيب ذهب
~~في نهايته (3) وهو مذهب السيد المرتضى، في الإنتصار (4) والذي يدل على صحة
~~ما اخترناه قوله تعالى: " فجزاء مثل ما قتل من النعم، يحكم به ذوا عدل منكم
~~" إلى قوله " أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما " (5) وأو للتخيير بلا
~~خلاف، بين أهل اللسان، والعدول عن الحقيقة إلى المجاز، يحتاج إلى دليل قاطع
~~للأعذار، وأيضا الأصل براءة الذمة، والترتيب حكم زائد، يحتاج في ثبوته إلى
~~دليل شرعي، فمن شغلها بشئ، وادعى الترتيب، يحتاج إلى دلالة الإجماع (6)
~~فغير حاصل، على أحد القولين، بل ظاهر التنزيل يعضد ما قلناه، ودليل على ما
~~اخترناه، فلا يعدل عنه، إلا بدليل مثله.
# ومن أصاب قطاة، ومات أشبهها، كان عليه حمل قد فطم، ورعي من الشجر،
# PageV01P557
# وحده ما أتى عليه أربعة أشهر، فإن أهل اللغة بعد أربعة أشهر يسمون ولد
~~الضأن حملا.
# ومن أصاب يربوعا، أو قنفذا، أو ضبا، أو ما أشبه ذلك، كان عليه جدي.
# ومن أصاب عصفورا، أو صعوة، أو قنبرة، وما أشبهها، كان عليه مد من طعام،
~~وذهب علي بن بابويه في رسالته، إلى أن في الطائر، جميعه دم شاة، ما عدا
~~النعامة، فإن فيها ms0413 جزورا (1)، وقال أيضا في رسالته، وإن أكلت جرادة، فعليك
~~دم شاة، وذهب إلى أن إرسال ذكور الإبل، أو ذكور (2) الغنم، لا يكون إلا إذا
~~كان البيض فيه فراخ يتحرك، فأما إذا لم يتحرك الفرخ، وكان البيض لا فراخ
~~فيه، فإنه يوجب قيمة البيضة، فحسب (3) والصحيح في ذلك كله، ما عليه المنظور
~~إليه من أصحابنا، وقد ذكرناه، فإن إجماعهم منعقد عليه.
# ومن قتل زنبورا خطأ، لم يكن عليه شئ، فإن قتله عمدا، كان عليه كف من
~~طعام.
# ومن أصاب حمامة وهو محرم في الحل، كان عليه دم، فإن أصابها وهو محل في
~~الحرم، كان عليه درهم، فإن أصابها وهو محرم في الحرم كان عليه دم، والقيمة
~~الشرعية التي هي الدرهم (4).
# وإن قتل فرخا وهو محرم في الحل، كان عليه حمل، وإن قتله في الحرم وهو محل
~~كان عليه نصف درهم، وإن قتله وهو محرم في الحرم، كان عليه الجزاء والقيمة،
~~وإن أصاب بيض الحمام، وهو محرم في الحل، كان عليه درهم لكل بيضة، فإن أصابه
~~وهو محل في الحرم، كان عليه ربع درهم، وإن أصابه وهو محرم في الحرم، كان
~~عليه الجزاء والقيمة معا، ولا يختلف الحكم في هذا، سواء كان الحمام أهليا،
~~أو من حمام الحرم، إلا أن حمام الحرم يشتري بقيمته علف لحمام الحرم.
# والطير الأهلي، يتصدق بقيمته الشرعية على المساكين، بعد أن يغرم لصاحبه
# PageV01P558
# قيمته العرفية السوقية.
# وبيض الحمام خاصة، لا يجب على من أصابه إرسال فحولة الغنم، ولا الإبل في
~~إناثها بعدد البيض، بل يجب عليه ما ذكرناه فحسب، لأن البيض على ثلاثة أضرب
~~ضرب لا يجب الإرسال فيه، وهو بيض الحمام، ويدخل في الحمام، كل مطوق يعب في
~~شربه، والضربان الآخران يجب فيها الإرسال، وهو بيض النعام، الذي لم يتحرك
~~فيه الفرخ، وكذلك بيض القطا، والقبح، وغير ذلك، وسنبين حكمه عند المصير
~~إليه إن شاء الله تعالى.
# وكل من كان معه شئ من الصيد، وأدخله الحرم، وجب عليه تخليته، فإن كان معه
~~طير، وكان مقصوص الجناح، ms0414 فليتركه معه، يقيم به حتى ينبت ريشه، ثم يخليه.
# وقد روي أنه لا يجوز صيد حمام الحرم، وإن كان في الحل (1) والأصل
~~الإباحة، لأنه ما حرم اصطياده، إلا لكونه في البقعة المخصوصة التي هي
~~الحرم، وإلى هذا يذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مبسوطه (2)
~~ومسائل خلافه في كتاب الأطعمة، والصيد والذبائح (3) وإلى الرواية الأولى
~~يذهب في نهايته (4)، وقد قلنا ما عندنا في ذلك.
# ومن نتف ريشة من حمام الحرم، كان عليه صدقة يتصدق بها، باليد التي نتف
~~بها.
# ولا يجوز أن يخرج شئ من حمام الحرم من الحرم، فمن أخرج شيئا منه، كان
~~عليه رده، فإن مات، كان عليه قيمته.
# ويكره شراء القماري وما أشبهها، وإخراجها من مكة، على ما روي في
# PageV01P559
# الأخبار (1). والأولى عندي اجتناب إخراجها من الحرم، لأن جميع الصيد لا
~~يجوز إخراجه من الحرم، إلا ما أجمعنا عليه.
# ومن أدخل طيرا الحرم، كان عليه تخليته، وليس له أن يخرجه منه، فإن أخرجه
~~كان عليه دم شاة.
# ومن أغلق بابا على حمام من حمام الحرم، وفراخ، وبيض، فهلكت، فإن كان أغلق
~~عليها قبل أن يحرم فإن عليه لكل طير درهما، ولكل فرخ نصف درهم، ولكل بيضة
~~ربع درهم وإن كان أغلق عليها بعد ما أحرم، فإن عليه لكل طير شاة، ولكل فرخ
~~حملا، ولكل بيضة درهما.
# وجملة الأمر وعقد الباب، أن من قتل حمامة، وفرخها، وكسر بيضتها، في الحل،
~~فإن عليه في الحمامة شاة، وفي الفرخ حملا، وفي البيضة درهما، فإن فعل ذلك
~~في الحرم، وهو محرم أيضا فعليه في الحمامة شاة ودرهم، وفي الفرخ حمل ونصف
~~درهم، وفي البيضة درهم وربع درهم، فإن فعل ذلك محل في الحرم، كان عليه في
~~الحمامة درهم، وفي فرخها نصف درهم، وفي بيضتها درهم وربع درهم، فهذا تحرير
~~الفتيا.
# ومن نفر حمام الحرم، فعليه دم شاة إذا رجعت، فإن لم ترجع كان عليه لكل
~~طير شاة.
# ومن دل على صيد، فقتل كان عليه فداؤه، فحسب، سواء كان محرما في ms0415 الحرم، أو
~~في الحل، وهو محرم، أو كان محلا في الحرم.
# وإذا اجتمع جماعة محرمون على صيد فقتلوه، وجب على كل واحد منهم الفداء،
~~ومتى اشتروا لحم صيد، وأكلوه، كان أيضا على كل واحد منهم الفداء وإذا رمى
~~اثنان صيدا، فأصاب أحدهما، وأخطأ الآخر، كان على كل واحد
# PageV01P560
# منهما الفداء، على ما روي في بعض الأخبار (1) والذي يقتضيه أصول المذهب،
~~إن الذي لم يصب، ولم يقتل، لا كفارة عليه، إلا أن يكون دل القاتل، ثم رمى
~~معه، فأخطأ فتكون الكفارة للدلالة، لا لرميه، فأما إذا لم يدل، فلا كفارة
~~عليه بحال.
# وإذا قتل اثنان صيدا، أحدهما محل، والآخر محرم في الحرم، كان على المحرم
~~الفداء والقيمة، وعلى المحل فداء واحد، والمحرم عليه فداءان.
# ومن ذبح صيدا في الحرم، وهو محل، كان عليه دم، لا غير.
# وإذا أو قد جماعة نارا، فوقع فيها طائر، ولم يكن قصدهم وقوع الطائر فيها،
~~ولا الاصطياد بها، كان عليهم كلهم فداء واحد، وإن كان قصدهم ذلك، كان على
~~كل واحد منهم الفداء.
# وفي فراخ النعام، مثل ما في النعام، على ما روي (2)، وروي مثل سنه (3)،
~~وهو الذي يقتضيه الأصول، والأظهر، لأن الأصل براءة الذمة، فإن ظاهر التنزيل
~~دليل عليه.
# وإذا أصاب المحرم بيض نعام، فعليه أن يعتبر حال البيض، فإن كان قد تحرك
~~فيه الفرخ، كان عليه عن كل بيضة من صغار الإبل، وروي بكارة من الإبل (4)،
~~قال ابن الأعرابي في نوادره: يقال بكار بلا هاء، تثبت فيها للإناث، وبكارة
~~بإثبات الهاء للذكران.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: فلا يظن ظان أن البكارة للأنثى من الإبل،
~~وإنما البكارة جمع بكر بفتح الباء، فأوجب الشارع، في كل بيضة قد تحرك فيها
# PageV01P561
# الفرخ، واحدا من هذا الجمع.
# وإن لم يكن قد تحرك فعليه أن يرسل فحولة الإبل في إناثها، بعدد البيض،
~~فما نتج كان هديا لبيت الله تعالى، والمعتبر في الإرسال، وعدد الإبل،
~~الإناث تكون بعدد البيض، لا الفحول، فلو أرسل فحل واحد في عشر إناث، ms0416 لم يكن
~~به بأس، فإن لم يقدر على ذلك، كان عليه عن كل بيضة شاة، يذبح الشاة، أو ما
~~نتج، إن كان حاجا، في منى، وإن كان معتمرا بمكة، فإن لم يقدر على الشاة،
~~كان عليه إطعام عشرة مساكين، عن كل بيضة، فإن لم يقدر على ذلك، كان عليه
~~صيام ثلاثة أيام عن كل بيضة أيضا.
# وإذا اشترى محل لمحرم بيض نعام فأكله المحرم، كان على المحل لكل بيضة
~~درهم، وعلى المحرم عن كل بيضة شاة، ولا يجب عليه الإرسال هاهنا، وكل ما
~~يصيبه المحرم من الصيد في الحل، كان عليه الفداء لا غير، وإن أصابه في
~~الحرم، كان عليه جزاءان معا، لأنه جمع بين الإحرام والحرم.
# وذهب السيد المرتضى إلى أن من صاد متعمدا وهو محرم في الحل، كان عليه
~~جزاءان، فإن كان ذلك منه في الحرم، وهو محرم عامدا إليه، تضاعف ما كان يجب
~~عليه في الحل.
# ومن ضرب بطير على الأرض، وهو محرم في الحرم، فقتله، كان عليه دم،
~~وقيمتان، قيمة لحرمة الحرم، وقيمة لاستصغاره إياه، وكان عليه التعزير.
# ومن شرب لبن ظبية في الحرم، كان عليه دم وقيمة اللبن معا، على ما روي في
~~بعض الأخبار (1) وقد ذكره شيخنا أبو جعفر في نهايته (2).
# وما لا يجب فيه دم، مثل العصفور وما أشبهه، إذا أصابه المحرم في الحرم،
# PageV01P562
# كان عليه قيمتان.
# وإذا صاد المحرم في الحرم، كان عليه جزاءان، أو القيمة مضاعفة، إن كان له
~~قيمة منصوصة.
# وقال بعض أصحابنا وهو شيخنا أبو جعفر في نهايته: وما يجب فيه التضعيف، هو
~~ما لم يبلغ بدنة، فإذا بلغ ذلك، لم يجب عليه غير ذلك (1)، وباقي أصحابنا
~~أطلقوا القول، وأوجبوا التضعيف، إذا جمع الصفتين، الإحرام وكونه في الحرم،
~~سواء بلغ بدنة، أو لم يبلغ.
# ووافق شيخنا أصحابه في مسائل الخلاف فإنه قال: وصيد الحرم، إذا تجرد عن
~~الإحرام، يضمن، فإن كان القاتل محرما، تضاعف الجزاء، وإن كان محلا لزمه
~~جزاء واحد (2)، وأطلق القول بذلك، واستدل بإجماع الطائفة، وطريقة الاحتياط، ms0417
~~والذي يقوى عندي مضاعفة الكفارة.
# وكلما تكرر من المحرم الصيد، كان عليه الكفارة، سواء كان ذلك منه نسيانا
~~أو عمدا، وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: إذا كان ذلك منه نسيانا، فإن فعله
~~متعمدا، مرة، كان عليه الكفارة، وإن فعله مرتين، فهو ممن ينتقم الله منه،
~~وليس عليه الجزاء (3). وذهب في مسائل الخلاف، إلى تكرار الكفارة بالدفعات
~~الكثيرة، سواء كان عامدا، أو ناسيا (4)، وهو الأظهر في المذهب، ويعضده ظاهر
~~التنزيل (5)، ومن تمسك من أصحابنا بالآية وقوله تعالى: " ومن عاد فينتقم
~~الله منه " ليس فيها ما يوجب إسقاط الجزاء، لأنه لا يمتنع أن يكون
~~بالمعاودة ينتقم الله منه، وإن لزمه الجزاء، لأنه لا تنافي بينهما، وتحمل
~~الآية على عمومها، لأنه تعالى قال: " ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما
~~قتل من
# PageV01P563
# النعم " ولم يفرق بين الأول والثاني، وقوله بعد ذلك ومن عاد فينتقم الله
~~منه، لا يوجب إسقاط الجزاء، لأنه لا يمتنع أن يكون بالمعاودة، ينتقم الله
~~منه، وإن لزمه الجزاء، على ما قدمناه، والمخصص يحتاج إلى دليل، وماله
~~منصوص، يجب فيه ما نص عليه، فإن فرضنا أن يحدث ما لا نص فيه، رجعنا فيه إلى
~~قول عدلين، على ما يقتضيه ظاهر القرآن، وما له مثل، تلزم قيمته وقت
~~الإخراج، دون الاتلاف، وما لا مثل له، يلزم قيمته حال الاتلاف، دون حال
~~الإخراج، لأن حال الاتلاف، وجب عليه قيمته، فالاعتبار بذلك، دون حال
~~الإخراج، لأن القيمة قد استقرت في ذمته.
# الجوارح من الطير، كالبازي، والصقر، والشاهين، والعقاب، ونحو ذلك،
~~والسباع من البهايم، كالنمر، والفهد، وغير ذلك، لا جزاء في قتل شئ منه، لأن
~~الأصل، براءة الذمة، فمن علق عليها شيئا، فعليه الدليل.
# ومن وجب عليه جزاء صيد أصابه، وهو محرم، فإن كان حاجا، أو معتمرا عمرة
~~متمتعا بها إلى الحج، نحر، أو ذبح ما وجب عليه، بمنى، وإن كان معتمرا، عمرة
~~مبتولة، نحر بمكة، أو ذبح قبالة الكعبة، فإن أراد أن ينحر، أو يذبح بمنى،
~~نحر أي مكان شاء منها، وكذلك ms0418 بمكة، ينحر حيث شاء، غير أن الأفضل، أن ينحر
~~قبالة الكعبة، في الموضع المعروف بالحزورة.
# ومن قتل صيدا وهو محرم، في غير الحرم، كان عليه، فداء واحد، فإن أكله،
~~كان عليه فداء آخر، على ما روي (1) وقال بعض أصحابنا: عليه قيمة ما أكل، أو
~~شرب من اللبن.
# والمحل إذا قتل صيدا في الحرم، كان عليه فداؤه، وإذا جمع بينهما تضاعف.
# وإذا كسر المحرم قرني الغزال، كان عليه نصف قيمته، فإن كسر أحدهما، كان
~~عليه ربع القيمة، فإن فقأ عينيه، كان عليه القيمة، فإن فقأ واحدة منهما،
# PageV01P564
# كان عليه نصف القيمة، فإن كسر إحدى يديه، كان عليه نصف قيمته، فإن كسرهما
~~جميعا كان عليه قيمته، فإن كسر إحدى رجليه، كان عليه نصف قيمته، فإن كسرهما
~~جميعا، كان عليه قيمته، فإن قتله، لم يكن عليه أكثر من قيمة واحدة.
# وإذا أصاب المحرم بيض القطا، أو القبج، أو الدراج، فعليه أن يعتبر حال
~~البيض، فإن كان قد تحرك فيه الفراخ، كان عليه عن كل بيضة مخاض من الغنم،
~~نريد بالمخاض، ما يصح أن يكون ماخضا ولا يريد به الحامل، فإن لم يكن تحرك
~~فيه شئ، كان عليه أن يرسل فحولة الغنم في إناثها، بعدد البيض، فما نتج كان
~~هديا لبيت الله تعالى، فإن لم يقدر، كان حكمه حكم بيض النعام، عند تعذر
~~الإرسال، هكذا ذكره شيخنا أبو جعفر في نهايته (1)، وقد وردت بذلك أخبار
~~(2)، ومعنى قوله: حكمه حكم بيض النعام، أن النعام إذا كسر بيضه، فتعذر
~~الإرسال، وجب في كل بيضة شاة، والقطا إذا كسر بيضه، وتعذر إرسال الغنم، وجب
~~في كل بيضة شاة، فهذا وجه المشابهة بينهما، فصار حكمه حكمه، عند تعذر
~~الإرسال، ولا يمتنع ذلك، إذا قام الدليل عليه.
# وقال شيخنا المفيد في مقنعته (3) ومن وطأ بيض نعام، وهو محرم، فكسره، كان
~~عليه أن يرسل فحولة الإبل على إناثها، بعدد ما كسر من البيض، فما نتج منها،
~~كان المنتوج، هديا لبيت الله عز وجل، فإن لم يقدر على ذلك، كفر عن ms0419 كل بيضة،
~~بإطعام ستين مسكينا، فإن لم يجد الإطعام، صام عن كل بيضة شهرين متتابعين،
~~فإن لم يستطع صيام شهرين متتابعين، صام ثمانية عشر يوما، عوضا عن إطعام كل
~~عشرة مساكين، بصيام ثلاثة أيام، فإن وطأ بيض القبح، أو الدراج، أرسل من
~~فحولة الغنم على إناثها، بعدد المكسور من البيض،
# PageV01P565
# فما نتج، كان هديا لبيت الله عز وجل، فإن لم يجد، ذبح عن كل بيضة شاة،
~~فإن لم يجد، أطعم عن كل بيضة، عشرة مساكين، فإن لم يقدر على ذلك، صام عن كل
~~بيضة ثلاثة أيام.
# وقال: ومن قتل زنبورا، وهو محرم، كفر عن ذلك بتمرة، وكذلك إن قتل جرادة،
~~فإن قتل جرادا كثيرا، كفر بمد من تمر، وإن كان قليلا كفر بكف من تمر،
~~فشيخنا المفيد، ما جعل بيض القبح، والدراج، والقطا، إذا فقد الإرسال، حكمه
~~حكم بيض النعام، وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته:
# حكمه، حكم بيض النعام (1) على ما حكيناه عنه، وقدمناه، وحررناه، وشرحناه
~~وذلك إذا فقد الإرسال، وقد بينا ما يلزم.
# من كسر بيض الحمام، وينبغي أن يعتبر حاله، فإن كان قد تحرك فيه الفرخ،
~~لزمه عن كل بيضة حمل، وقال بعض أصحابنا: شاة، وإن لم يكن قد تحرك، لم يكن
~~عليه إلا القيمة، حسب ما قدمناه.
# ومن رمى صيدا فأصابه، ولم يؤثر فيه، ومشى مستويا، لم يكن عليه شئ،
~~فليستغفر الله (2) فإن لم يعلم هل أثر فيه أم لا، ومضى على وجهه، كان عليه
~~الفداء، فإن أثر فيه، بأن دماه، وكسر يده، أو رجله، ثم رآه بعد ذلك، وقد
~~صلح، كان عليه ربع الفداء، وقال بعض أصحابنا، وهو شيخنا أبو جعفر في
~~نهايته: ولا يجوز لأحد أن يرمي الصيد، والصيد يؤم الحرم، وإن كان محلا، فإن
~~رماه أو أصابه، ودخل الحرم، ثم مات، كان لحمه حراما، وعليه الفداء (3) وهذا
~~غير واضح، والأظهر الذي يقتضيه أصول المذهب، أن الصيد الذي هو محرم، على
~~المحرم وعلى المحل، صيد الحرم، دون سائر الأرض، وهذا ليس ms0420 بمحرم ولا الصيد
~~في الحرم، فكيف يلزمه فداء، وهو مخالف لما عليه الإجماع، وإنما أورد
# PageV01P566
# هذا شيخنا إيرادا، لا اعتقادا، على ما وجده في أخبار الآحاد.
# ومن ربط صيدا بجنب الحرم، فدخل الحرم، صار لحمه وثمنه حراما، ولا يجوز له
~~إخراجه منه، ولا التعرض به (1) وقد روي أن من أصاب صيدا، وهو محل فيما بينه
~~وبين الحرم، على بريد، كان عليه الجزاء (2) والأظهر خلاف هذا، ولا يلتفت
~~إلى هذه الرواية، لأنها من أضعف أخبار الآحاد، وقد قدمنا ما ينبه على مثل
~~هذا، فلا وجه لا عادته.
# والمحل إذا كان في الحرم، فرمى صيدا في الحل، كان عليه الفداء، ومن أصاب
~~جرادة فعليه أن يتصدق بتمرة، فإن أصحاب جرادا كثيرا أو أكله كان عليه دم
~~شاة.
# ومن قتل جرادا، على وجه لا يمكنه التحرز منه، بأن يكون في طريقه، ويكون
~~كثيرا، لم يكن عليه شئ.
# وكل صيد يكون في البحر، فلا بأس بأكله طريه ومملوحه، وقال بعض أصحابنا:
~~ومالحه، وهذا لا يجوز في لغة العرب.
# وكل صيد يكون في البر والبحر معا، فإن كان مما يبيض ويفرخ في البحر، فلا
~~بأس بأكله وإن كان مما يبيض ويفرخ في البر، لم يجز صيده ولا أكله.
# وإذا أمر السيد غلامه الذي، هو مملوكه، بالصيد كان على السيد الفداء، وإن
~~كان الغلام محلا.
# ولا بأس أن يقتل الإنسان جميع ما يخافه في الحرم، وإن كان محرما، مثل
~~السباع، والهوام، والحيات، والعقارب، وقد روي أن من قتل أسدا لم يرده، كان
~~عليه كبش (3) والصحيح أنه لا شئ عليه.
# ولا يجوز للمحرم أن يقتل البق، والبراغيث، وما أشبهها في الحرم فإن
# PageV01P567
# كان محلا لم يكن به بأس.
# وكل ما يجوز للمحل ذبحه أو نحره في الحرم، كان أيضا ذلك للمحرم جائزا مثل
~~الإبل، والبقر، والغنم، والدجاج الحبشي.
# وكل ما يدخله المحرم الحرم، أسيرا من السباع، أو اشتراه فيه، فلا بأس
~~بإخراجه، مثل السباع، والفهود، وما أشبهها.
# وإذا اضطر المحرم إلى أكل الميتة، والصيد، اختلف أصحابنا في ms0421 ذلك، واختلفت
~~الأخبار أيضا، فبعض قال: يأكل الميتة، وبعض قال: يأكل الصيد، ويفديه، وكل
~~منهما أطلق مقالته، وبعض قال: لا يخلو الصيد، إما أن يكون حيا، أو لا، فإن
~~كان حيا، فلا يجوز له ذبحه، بل يأكل الميتة، لأنه إذا ذبحه، صار ميتة بغير
~~خلاف. فأما إن كان مذبوحا فلا يخلو ذابحه، إما أن يكون محرما أو محلا، فإن
~~كان محرما، فلا فرق بينه وبين الميتة. وإن كان ذابحه محلا، فإن ذبحه في
~~الحرم، فهو ميتة أيضا، وإن ذبحه في الحل، فإن كان المحرم المضطر قادرا على
~~الفداء، أكل الصيد، ولم يأكل الميتة، وإن كان غير قادر على فدائه، أكل
~~الميتة، وهذا الذي يقوى في نفسي، لأن الأدلة تعضده، وأصول المذهب تؤيده،
~~وهو الذي اختاره شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في استبصاره (1) وذكر في
~~نهايته أنه يأكل الصيد، ويفديه، ولا يأكل الميتة، فإن لم يتمكن من الفداء،
~~جاز له أن يأكل الميتة (2).
# قال محمد بن إدريس: والأقوى عندي، أنه يأكل الميتة على كل حال، لأنه مضطر
~~إليها، ولا عليه في أكلها كفارة، ولحم الصيد ممنوع منه لأجل الإحرام على كل
~~حال، لأن الأصل براءة الذمة من الكفارة.
# PageV01P568
# وإذا ذبح المحرم صيدا في غير الحرم، أو ذبحه محل في الحرم، لم يجز أكله،
~~وكان حكمه حكم الميتة سواء.
# وكل ما أتلفه المحرم، من عين حرم عليه إتلافها، فعليه مع تكرار الاتلاف،
~~تكرار الفدية، سواء كان ذلك في مجلس واحد، أو في مجالس، كالصيد الذي يتلفه
~~من جنس واحد، أو أجناس مختلفة، وسواء كان قد فدى العين الأولى، أو لم
~~يفدها، عامدا كان، أو ناسيا، وهذا حكم الجماع بعينه، إلا في النسيان، وأما
~~ما لا نفس له كالشعر، والظفر، فحكم مجتمعه، بخلاف حكم متفرقة، في قص أظفار
~~اليدين والرجلين مجتمعة، ومتفرقة، فأما إذا اختلف النوع، كالطيب واللبس،
~~فالكفارة واجبة عن كل نوع منه، وإن كان المجلس واحدا. وهذه جملة كافية في
~~هذا الباب، مثال الأول: الصيد، فعلى أي وجه فعله، دفعة ms0422 أو دفعتين، أو دفعة
~~بعد دفعة، في وقت أو وقتين، فعن كل صيد جزاء بلا خلاف، وكذلك حكم الجماع،
~~إلا في النسيان، ومثال الثاني:
# حلق الشعر، وتقليم الأظفار، فإن حلق دفعة واحدة، فعليه فدية واحدة، وإن
~~فعل ذلك في أوقات، حلق بعضه بالغداة، وبعضه الظهر، وبعضه العصر، فعليه لكل
~~فعل كفارة، وكذلك حكم اللباس والطيب.
# باب دخول مكة والطواف بالبيت يستحب للمحرم إذا أراد دخول الحرم أن يكون
~~على غسل، إن تمكن من ذلك، فإن لم يتمكن جاز له أن يؤخر الغسل إلى بعد
~~الدخول، ثم يغتسل، إما من بئر ميمون بن الحضرمي (وهي بأبطح مكة، وكان حفرها
~~في الجاهلية، وأخوه العلا بن الحضرمي، واسم الحضرمي، عبد الله بن ضماد، من
~~حضر موت وكان حليفا لبني أمية)، أو من فخ، وهي على رأس فرسخ من مكة، إذا
~~كان قادما من طريق المدينة، على ما قدمناه، فإن لم يتمكن اغتسل في مكة،
~~بالموضع الذي ينزل فيه. PageV01P569
# ويستحب أيضا لمن أراد دخول الحرم، أن يمضغ شيئا من الإذخر، مكسور الأول،
~~ليطيب به فمه.
# وإذا أراد دخول مكة، فليدخلها من أعلاها، إن كان جائيا من طريق المدينة،
~~وإذا أراد الخروج منها، خرج من أسفلها.
# ويستحب أن لا يدخل مكة إلا على غسل أيضا، ويستحب له أن يخلع نعليه، ويمشي
~~حافيا على سكينة ووقار.
# وإذا أراد دخول المسجد الحرام اغتسل أيضا استحبابا، ويستحب أن يدخل
~~المسجد من باب بني شيبة، وقد روي أن هبل الصنم، مدفون تحت عتبة باب بني
~~شيبة، فسن الدخول منها، ليطأ ويدخله حافيا استحبابا، على سكينة ووقار.
# فإذا أراد الطواف بالبيت، فليفتتحه من الحجر الأسود، فإذا دنى، منه رفع
~~يديه، وحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي، صلى الله عليه وآله.
# ويستحب له أن يستلم الحجر، ويقبله، وحقيقة استلام الحجر، وتقبيله، فهي ما
~~قال السيد المرتضى، استلام الحجر هو غير مهموز، لأنه افتعال من السلام،
~~التي هي الحجارة واستلامه إنما هو مباشرته، وتقبيله، والتمسح به، وحكى ثعلب
~~وحده في هذه ms0423 اللفظة، الهمزة، وجعله وجها ثانيا لترك (1) الهمزة، وفسره بأنه
~~اتخذه جنة وسلاحا، من اللامة، وهو الدرع، وما هذا الوجه الذي حكاه ثعلب، في
~~هذه اللفظة إلا مليح، إذا كان مسموعا. فأما الغرض في استلام الحجر، فهو
~~أداء العبادة، وامتثال أمر الرسول صلى الله عليه وآله، والتأسي بفعله، لأنه
~~أمر عليه السلام باستلام الحجر، والعلة في هذه العبادة، على سبيل الجملة،
~~هي مصلحة للمكلفين، وتقريبهم من الواجب، وترك القبيح، وإن كنا لا نعلم (2)
~~الوجه على سبيل التفصيل، فإن لم يستطع أن
# PageV01P570
# يستلم الحجر، ويقبله، استلمه بيده، فإن لم يقد (على ذلك أيضا، أشار بيده
~~إليه، وقال: " أمانتي أديتها، وميثاقي تعاهدته، لتشهد لي بالموافاة، اللهم
~~تصديقا بكتابك " إلى آخر الدعاء.
# ثم يطوف بالبيت سبعة أشواط، ويستحب أن يقول في طوافه: " اللهم إني أسألك
~~باسمك الذي يمشي به على ظلل الماء، كما يمشي به على جدد الأرض " وكلما
~~انتهيت إلى باب الكعبة، صليت على النبي صلى الله عليه وآله، ودعوت، فإذا
~~انتهيت إلى مؤخر الكعبة، وهو المستجار، دون الركن اليماني بقليل، في الشوط
~~السابع، بسطت يديك على البيت، وألصقت خدك، وبطنك، بالبيت، وقلت:
# " اللهم البيت بيتك، والعبد عبدك " إلى آخر الدعاء المذكور، في كتب
~~المناسك والعبادات، فإن لم يقدر على ذلك، لم يكن عليه شئ، لأن ذلك مندوب.
# وقال شيخنا أبو جعفر، في نهايته: بسطت يديك على الأرض، وألصقت خدك وبطنك
~~بالبيت (2) وإنما ورد بهذا اللفظ حديث، فأورده على جهته، وورد حديث آخر بما
~~اخترناه، أورده رحمه الله في تهذيب الأحكام وهو معاوية بن عمار، قال: قال
~~أبو عبد الله عليه السلام: إذا فرغت من طوافك، وبلغت مؤخر الكعبة، وهو
~~بحذاء المستجار، دون الركن اليماني بقليل، فابسط يديك على البيت، والصق
~~بطنك وخدك بالبيت، وقل: " اللهم البيت بيتك، والعبد عبدك، وهذا مقام العائذ
~~بك من النار " ثم أقر لربك بما عملت، فإنه ليس من عبد مؤمن، يقر لربه
~~بذنوبه، في هذا المكان، إلا غفر الله له، إن شاء الله (2). فلو أورد شيخنا
~~رحمه ms0424 الله في نهايته، هذا الحديث، مكان ذلك الحديث، كان حسنا (3)، لأن في
~~ذلك اشتباها.
# PageV01P571
# ويجب عليه أن يختم الطواف بالحجر الأسود كما بدأ به.
# ويستحب له أن يستلم الأركان كلها، وأشدها تأكيدا، الركن الذي فيه الحجر،
~~ثم الركن اليماني.
# وينبغي أن يكون الطواف بالبيت، فيما بين مقام إبراهيم عليه السلام،
~~والبيت، يخرج المقام في طوافه، ويدخل الحجر في طوافه، ويجعل الكعبة على
~~شماله، فمتى أخل بهذه الكيفية، أو بشئ منها، بطل طوافه.
# ويستحب أن يكون الطواف على سكون، لا سرع فيه ولا أبطأ (1).
# ومن طاف بالبيت ستة أشواط ناسيا، وانصرف، فليضف إليها شوطا آخر، ولا شئ
~~عليه، فإن لم يذكر حتى يرجع إلى أهله، أمر من يطوف عنه الشوط الباقي، فإن
~~ذكر أنه طاف أقل من سبعة، وذكر في حال السعي، رجع، فتمم، إن كان طوافه
~~أربعة أشواط، فصاعدا، وإن كان أقل منه استأنف الطواف، ثم عاد إلى السعي،
~~فتممه.
# ومن شك في طوافه، وكان شكه فيما دون السبعة، وهو في حال الطواف، قبل
~~انصرافه منه، فإن كان طواف فريضة، وجب عليه الإعادة، وإن كان نافلة، بنى
~~على الأقل، وإن كان شكه بعد الانصراف من حاله، لم يلتفت إليه، ومضى على
~~طوافه.
# ومن طاف ثمانية أشواط، متعمدا، وجبت عليه الإعادة.
# ومن طاف على غير طهارة، ناسيا أو متعمدا، وجبت عليه الإعادة.
# ومن ذكر في الشوط الثامن، قبل أن يتممه، ويبلغ الركن، أنه طاف سبعا، قطع
~~الطواف، وإن لم يذكر، حتى يجوزه فلا شئ عليه، وكان طوافه صحيحا.
# ومن شك، فلم يعلم سبعة طاف، أم ثمانية، قطع الطواف، وصلى الركعتين، وليس
~~عليه شئ.
# ولا يجوز أن يقرن بين طوافين، في فريضة، ولا بأس بذلك، في النوافل، وذلك
~~على جهة تغليظ الكراهة، في الفرائض، دون الحظر، وفساد الطواف،
# PageV01P572
# وإن كان قد ورد: لا يجوز القران بين طوافين في الفريضة (1) فإن الشئ إذا
~~كان شديد الكراهة، قيل لا يجوز، ويعرف ذلك بقرائن، وشاهد حال.
# ومن أحدث في طواف الفريضة، ما ينقض طهارته، وقد ms0425 طاف بعضه، فإن كان قد جاز
~~النصف، فليتطهر، ويتمم ما بقي، وإن كان حدثه قبل أن يبلغ النصف، فعليه
~~إعادة الطواف من أوله.
# ومن قطع طوافه بدخول البيت، أو بالسعي في حاجة له، أو لغيره، فإن كان قد
~~جاز النصف، بنى عليه، وإن لم يكن جاز النصف، وكان طواف الفريضة، أعاد
~~الطواف، وإن كان طواف نافلة، بنى عليه، على كل حال.
# كان قد جاز النصف، بنى عليه، وإن لم يكن جاز النصف، وكان طواف الفريضة،
~~أعاد الطواف، وإن كان طواف نافلة، بنى عليه، على كل حال.
# ومن كان في الطواف، فتضيق عليه وقت الصلاة المكتوبة، فالواجب عليه قطعه،
~~والإتيان بالمكتوبة، ثم يتمم الطواف، من حيث انتهى إليه، فإن لم يتضيق
~~الوقت، بل دخل عليه، وهو في الطواف، فالمستحب له، الإتيان بالصلاة، ثم يتمم
~~الطواف، وإن تمم الطواف، ثم صلى، فلا بأس.
# والمريض الذي يستمسك الطهارة، فإنه يطاف به، ولا يطاف عنه، وإن كان مرضه
~~مما لا يمكنه معه (2) استمساك الطهارة، ينتظر به، فإن صلح، طاف هو بنفسه،
~~وإن لم يصلح، طيف عنه، ويصلي هو الركعتين، وقد أجزأه.
# ومن طاف بالبيت أربعة أشواط، ثم مرض، ينتظر به يوم، أو يومان، فإن صلح،
~~تمم طوافه، وإن لم يصلح، أمر من يطوف عنه، ما بقي عليه، ويصلي هو الركعتين،
~~وإن كان طوافه أقل من ذلك وبرأ، أعاد الطواف من أوله، وإن لم يبرأ، أمر من
~~يطوف عنه أسبوعا.
# PageV01P573
# ومن حمل غيره، فطاف به، ونوى لنفسه أيضا الطواف، كان ذلك مجزيا عنه.
# ولا يجوز للرجل أن يطوف بالبيت، وهو غير مختون، على ما روى أصحابنا في
~~الأخبار (1) ولا بأس بذلك للنساء.
# ولا يجوز للإنسان أن يطوف، وفي ثوبه شئ من النجاسة، ولا على بدنه، سواء
~~كانت النجاسة قليلة، أو كثيرة، دما، أو غيره، وسواء كان الدم دون الدرهم،
~~أو درهما فصاعدا، لأن العموم، يجب العمل به، حتى يقوم دليل الخصوص، ولا
~~مخصص هاهنا، وحمل هذا الموضع، على الصلاة قياس، ونحن لا نقول به، فإن ms0426 لم
~~يعلم بالنجاسة، ورأها في حال الطواف، رجع فغسل ثوبه، إن كانت عليه، أو
~~بدنه، إن كانت فيه، ثم عاد فتمم طوافه، فإن علم بعد فراغه من الطواف، كان
~~طوافه جائزا، ويصلي في ثوب طاهر.
# ومن نسي طواف الزيارة، الذي هو طواف الحج، لأن أصحابنا يسمون طواف الحج،
~~طواف الزيارة، حتى رجع (2) إلى أهله، ووطأ النساء، وجبت عليه بدنة، على ما
~~روي (3)، والأظهر أنه لا شئ عليه من الكفارة، لأنه في حكم الناسي، بل
~~الواجب عليه، الرجوع إلى مكة، وقضاء طواف الزيادة، مع تمكنه من الرجوع، فإن
~~لم يتمكن، فليستنب من يطوف عنه، وإن كان طواف النساء هو المنسي، وذكر بعد
~~رجوعه إلى أهله، جاز له أن يستنيب غيره فيه، مع التمكن، والاختيار، فإن
~~أدركه الموت، قضي عنه.
# ومن طاف بالبيت، جاز له أن يؤخر السعي، إلى بعد ساعة، ولا يجوز له أن
~~يؤخر ذلك، إلى غد يومه.
# ولا يجوز أن يقدم السعي على الطواف، فإن قدم سعيه على الطواف، كان
# PageV01P574
# عليه أن يطوف، ثم يسعى بين الصفا والمروة، فإن طاف بالبيت أشواطا، ثم
~~قطعه ناسيا، وسعى بين الصفا والمروة، كان عليه أن يتمم طوافه، وليس عليه
~~استئنافه، فإن ذكر أنه لم يكن أتم طوافه، وقد سعى بعض السعي، قطع السعي،
~~وعاد، فتمم طوافه، ثم تمم السعي.
# والمتمتع إذا أهل بالحج، لا يجوز له أن يطوف ويسعى، إلا بعد أن يأتي منى،
~~ويقف بالموقفين، وقد روي أنه إذا كان شيخا كبيرا، لا يقدر على الرجوع إلى
~~مكة، أو مريضا، أو امرأة تخاف الحيض، فيحول (1) بينها وبين الطواف، فإنه لا
~~بأس بهم، أن يقدموا طواف الحج والسعي، والأظهر ترك العمل بهذه الرواية، فإن
~~شيخنا أبا جعفر أوردها في نهايته (2) إيرادا، ورجع عنها في مسائل خلافه،
~~فقال: روى أصحابنا، رخصة في تقديم الطواف والسعي، قبل الخروج إلى منى
~~وعرفات (3).
# وأما المفرد والقارن، فحكمهما حكم المتمتع، في أنها لا يجوز لهما تقديم
~~الطواف، قبل الوقوف بالموقفين، على الصحيح من الأقوال، لأنه لا خلاف ms0427 فيه،
~~وقد روي (4) أنه لا بأس بهما، أن يقدما الطواف قبل أن يأتيا عرفات، وأما
~~طواف النساء فإنه لا يجوز إلا بعد الرجوع من منى، مع الاختيار، فإن كان
~~هناك ضرورة تمنعه من الرجوع إلى مكة، أو امرأة تخاف الحيض، جاز لهما تقديم
~~طواف النساء، ثم يأتيان الموقفين ومنى، ويقضيان مناسكهما، ويذهبان حيث شاء،
~~على ما روي في بعض الأخبار (5)، والصحيح خلاف ذلك، لأن الحج مرتب بعضه على
~~بعض، لا يجوز تقديم المؤخر، ولا تأخير المقدم.
# PageV01P575
# ولا يجوز تقديم طواف النساء على السعي، فمن قدمه عليه، كان عليه إعادته،
~~وإن قدمه ناسيا، أو ساهيا، لم يكن عليه شئ، وقد أجزأه، ولا بأس أن يعول
~~الإنسان على صاحبه، في تعداد الطواف، وإن تولى ذلك بنفسه، كان أفضل، ومتى
~~شكا جميعا في عدد الطواف، استأنفا من أوله، وقد روي أنه لا يجوز للرجل أن
~~يطوف، وعليه برطلة (1)، وذلك محمول على الكراهة، إن كان ذلك في طواف الحج،
~~لأن له أن يغطي رأسه في هذا الطواف، فأما طواف العمرة المتمتع بها إلى
~~الحج، فلا يجوز له تغطية رأسه.
# ويستحب للإنسان أن يطوف بالبيت، ثلاثمائة وستين أسبوعا، فإن لم يتمكن من
~~ذلك طاف ثلاثمائة وستين شوط فإن لم يتمكن طاف ما تيسر منه.
# وقد روي، أنه من نذر أن يطوف على أربع، كان عليه أن يطوف طوافين، أسبوع
~~ليديه، وأسبوع لرجليه (2)، والأولى عندي أن نذره لا ينعقد، لأنه غير مشروع،
~~وإذا لم يكن مشروعا، فلا ينعقد، وانعقاده يحتاج إلى دليل شرعي، لأنه حكم
~~شرعي، يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، لأن الرسول عليه السلام، قال (3): كل
~~شئ لا يكون على أمرنا، فهو رد (4)، وهذا خلاف سنة الرسول عليه السلام.
# فإذا فرغ الإنسان من طوافه، أتى مقام إبراهيم، بفتح الميم، ومن الاستيطان
~~بضم الميم، ويصلي فيه ركعتين، يقرأ في كل ركعة منهما الحمد، وسورة مما تيسر
~~له من القرآن، ما عدا سورة العزائم.
# وركعتا طواف الفريضة، فريضة، مثل الطواف، على الصحيح من أقوال أصحابنا،
~~وقد ms0428 ذهب شاذ منهم إلى أنهما مسنونان، والأظهر الأول، ويعضده قوله
# PageV01P576
# تعالى: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) (1) والأمر في عرف الشرع، يقتضي
~~الوجوب، عندنا، بغير خلاف بيننا، وموضع المقام حيث هو الساعة، وهي سنة سبع
~~وثمانين وخمسمائة.
# فمن نسي هاتين الركعتين، أو صلاهما في غير المقام، ثم ذكرهما، فليعد إلى
~~المقام، فليصل فيه، ولا يجوز له أن يصلي في غيره، فإن خرج من مكة، وكان قد
~~نسي ركعتي الطواف، وأمكنه الرجوع إليها، رجع، وصلى عند المقام، وإن لم
~~يمكنه الرجوع، صلى حيث ذكر، وليس عليه شئ وإذا كان في موضع المقام، زحام،
~~فلا بأس أن يصلي خلفه، فإن لم يتمكن من الصلاة هناك، فلا بأس أن يصلي
~~حياله.
# ووقت ركعتي الطواف، إذا فرغ منه، أي وقت كان، من ليل أو نهار، سواء إن
~~ذلك، في الأوقات المكروهة لابتداء النوافل فيها، أو في غيرها.
# ومن نسي ركعتي الطواف، فأدركه الموت، قبل أن يقضيهما، كان على وليه
~~القضاء عنه.
# ومن دخل مكة، يدخلها على أربعة أقسام: أحدها: يدخلها لحج، أو عمرة، فلا
~~يجوز أن يدخلها إلا بإحرام، بلا خلاف.
# والثاني: يدخلها لقتال، عند الحاجة الداعية إليه، جاز أن يدخلها محلا،
~~كما دخل النبي صلى الله عليه وآله عام الفتح، وعليه المغفر، على رأسه، بلا
~~خلاف.
# الثالث: لحاجة لا تتكرر، مثل تجارة، وما جرى مجراها، فلا يجوز عندنا أن
~~يدخلها إلا بإحرام، إذا كان قد مضى شهر، من وقت خروجه منها، فإن كان أقل من
~~شهر، فإنه يجوز أن يدخلها بغير إحرام.
# الرابع: يدخلها لحاجة تتكرر مثل الرعاة، والحطابة، وغيرهما، جاز لهم، أن
~~يدخلوها عندنا بغير إحرام.
# PageV01P577
# باب السعي وأحكامه السعي بين الصفا والمروة، ركن من أركان الحج، فمن تركه
~~(1)، فلا حج له، والأفضل، إذا فرغ من الطواف، أن يخرج إلى السعي، ولا
~~يؤخره.
# ولا يجوز تقديم السعي على الطواف، فإن قدمه لم يجزه، وكان عليه الإعادة،
~~فإذا أراد الخروج إلى الصفا، استحب له، استلام الحجر الأسود، بجميع بدنه،
~~وأن يأتي زمزم، فيشرب من ms0429 مائها، ويصب على بدنه، دلوا منه، ويكون ذلك من
~~الدلو الذي بحذاء الحجر، وليخرج من الباب المقابل للحجر الأسود، حتى يقطع
~~الوادي، فإذا صعد إلى الصفا، نظر إلى البيت، واستقبل الركن الذي فيه الحجر،
~~وحمد الله، وأثنى عليه، وذكر من آلائه، وبلائه وحسن ما صنع به، ما قدر
~~عليه، ويستحب له أن يطيل الوقوف على الصفا، فإن لم يمكنه، وقف بحسب ما تيسر
~~له، ودعا بما تيسر له، من الأدعية، فإنها كثيرة، مذكورة مورودة، في كتب
~~المناسك، والأدعية، والعبادات، لم نوردها هاهنا، مخافة التطويل، والصعود
~~على الصفا، غير واجب، بل الواجب، السعي بن الصفا والمروة، وكذلك صعود
~~المروة، غير واجب، ثم ينحدر إلى المروة، ماشيا، أو راكبا، والمشي أفضل،
~~فإذا انتهى إلى الموضع الذي يرمل فيه، أي يهرول فيه والرمل الإسراع، هو أن
~~يملأ فروجه، استحب له السعي فيه، والسعي هو الإسراع الذي ذكرناه، فإذا
~~انتهى إلى آخره، كف عن السعي، ومشى مشيا، فإذا جاء من عند المروة، مشى
~~مشيا، فإذا وصل إلى موضع السعي، سعى فيه، فإذا قطعه، كف عن السعي، ومشى
~~مشيا، والسعي هو أن يسرع الإنسان في مشيه، إن كان ماشيا، وإن كان راكبا،
~~حرك دابته، في الموضع الذي ذكرناه، وذلك على الرجال، دون النساء.
# PageV01P578
# وقطع مسافة ما بين الصفا والمروة، فريضة، وركن، على ما قدمناه، فمن تركه
~~متعمدا، فلا حج له، ومن تركه ناسيا، كان عليه إعادة السعي، لا غير، فإن خرج
~~من مكة، ثم ذكر أنه لم يكن قد سعى، وجب عليه الرجوع، وقطع ما بين الصفا
~~والمروة، فإن لم يتمكن من الرجوع، جاز له أن يأمر من يسعى عنه، وإن ترك
~~الرمل، بفتح الراء والميم، وقد فسرناه، لم يكن عليه شئ.
# ويجب البدأة بالصفا، قبل المروة، والختم بالمروة، فمن بدأ بالمروة قبل
~~الصفا، وجب عليه إعادة السعي.
# والسعي المفروض ما بين الصفا والمروة، سبع مرات، فمن سعى أكثر منه
~~متعمدا، فلا سعي له، ووجب عليه إعادته، فإن فعل ذلك ناسيا، أو ساهيا، طرح
~~الزيادة، ms0430 واعتد بالسبعة.
# وليس من شرطه الطهارة، كما كان ذلك من شرط الطواف.
# ومتى سعى ثماني مرات، ويكون قد بدأ بالصفا، فإن شاء أن يضيف إليها شيئا
~~(1) فعل، وإن شاء أن يقطع، قطع، وإن سعى ثماني مرات، وهو عند المروة، أعاد
~~السعي، لأنه بدأ من المروة، وكان يجب عليه البدأة بالصفا، يعني بالمرات،
~~الأشواط، دون الوقفات، لأنه لو أريد بذلك الوقفات، كان سعيه صحيحا، لأن آخر
~~وقفه، وهي الثامنة تكون على المروة، وذلك صحيح، وهو الواجب، فيحصل له أربع
~~وقفات على الصفا، وأربع على المروة، بينهما سبعة أشواط، وإنما المراد بذلك،
~~الأشواط، فيكون في الشوط الثامن، على المروة، فيكون قد بدأ بها، وذلك لا
~~يجوز فلأجل ذلك، وجب عليه إعادة السعي.
# ومن سعى تسع مرات، وكان عند المروة في التاسعة، فليس عليه إعادة السعي،
~~لأنه بدأ بالصفا، وختم بالمروة، كما أمر الله تعالى، والمرات هاهنا، على ما
~~قدمناه.
# PageV01P579
# ومتى سعى الإنسان أقل من سبع مرات، ناسيا، وانصرف، ثم ذكر أنه نقص منه
~~شيئا، رجع، فتمم ما نقص، منه، فإن لم يعلم كم نقص منه، وجب عليه إعادة
~~السعي.
# وإن كان قد واقع أهله قبل إتمامه السعي، وجب عليه دم بقرة، وكذلك إن قصر
~~أو قلم أظفاره، كان عليه دم بقرة، وإتمام ما نقص (1)، إذا فعل ذلك عامدا.
# ولا بأس أن يجلس الإنسان بين الصفا والمروة، في حال السعي للاستراحة، ولا
~~بأس أن يقطع السعي، لقضاء حاجة له، أو لبعض إخوانه، ثم يعود، فيتمم ما قطع
~~عليه.
# ومن نسي الهرولة في حال السعي، حتى يجوز موضعه، ثم ذكر، فليرجع القهقرى،
~~إلى المكان الذي يهرول فيه، استحبابا.
# ومتى فرغ من سعي العمرة المتمتع بها إلى الحج، وهو هذا السعي، قصر، فإذا
~~قصر، أحل من كل شئ أحرم منه، من النساء، والطيب وغير ذلك مما حرم عليه،
~~لأجل الإحرام، لأنه ليس في العمرة المتمتع بها، طواف النساء.
# وأدنى التقصير، أن يقص أظفاره، أو شيئا من شعره، وإن كان يسيرا، ولا يجوز
~~له أن يحلق ms0431 رأسه كله، فإن فعله، كان عليه دم شاة، فإذا كان يوم النحر، أمر
~~الموسى على رأسه وجوبا، حين يريد أن يحلق، هذا إذا كان حلقه متعمدا، فإن
~~كان حلقه ناسيا، لم يكن عليه شئ فإذا حلق بعض رأسه لا كله، فقد قصر أيضا
~~على ما ذكره، شيخنا أبو جعفر الطوسي في مبسوطه (2) وفي نهايته (3) ما منع
~~إلا من حلق رأسه كله.
# فإن نسي التقصير، حتى يهل بالحج، فلا شئ عليه، وقد روي، أن عليه دم شاة
~~وقد تمت متعته، فإن تركه متعمدا، فقد بطلت متعته، وصارت حجته
# PageV01P580
# مفردة، على ما ذكره بعض أصحابنا المصنفين، وروي في الأخبار (1).
# والذي تقتضيه الأدلة، وأصول المذهب، أنه لا ينعقد إحرامه بحج، لأنه بعد
~~في عمرته، لم يتحلل منها، وقد أجمعنا على أنه لا يجوز إدخال الحج على
~~العمرة، ولا إدخال العمرة على الحج، قبل فراغ مناسكهما.
# والأصلع، يمر الموسى على رأسه، استحبابا، لا وجوبا، يوم النحر، وعند
~~التقصير، يأخذ من شعر لحيته، أو حاجبيه، أو يقلم أظفاره.
# وليس على النساء حلق، وفرضهن التقصير، في جميع المواضع.
# ومن حلق رأسه في العمرة المتمتع بها، يجب عليه حلقه يوم النحر، فإن لم
~~ينبت شعره، أمر الموسى على رأسه.
# ويستحب للمتمتع، إذا فرغ من متعته، وقصر أن لا يلبس المخيط، ويتشبه، بضم
~~الهاء، بالمحرمين، بعد إحلاله، قبل الإحرام بالحج.
# ومتى جامع قبل التقصير، كان عليه بدنة، إن كان موسرا، وإن كان متوسطا،
~~فبقرة، وإن كان فقيرا، فشاة.
# ولا ينبغي للمتمتع بالعمرة إلى الحج أن يخرج من مكة، قبل أن يقضي مناسكه
~~كلها، إلا لضرورة، فإذا اضطر إلى الخروج، خرج إلى حيث لا يفوته الحج ويخرج
~~محرما بالحج، فإن أمكنه الرجوع إلى مكة، وإلا مضى إلى عرفات.
# فإن خرج بغير إحرام، ثم عاد، فإن كان عوده في الشهر الذي خرج فيه، لم
~~يضره أن يدخل مكة بغير إحرام، وإن كان عوده إليها في غير ذلك الشهر، دخلها
~~محرما بالعمرة إلى الحج، وتكون العمرة الأخيرة، هي التي يتمتع بها ms0432 إلى
~~الحج.
# ويجوز للمحرم المتمتع، إذا دخل مكة، أن يطوف ويسعى، ويقصر، إذا علم، أو
~~غلب على ظنه، أنه يقدر على إنشاء الإحرام بالحج بعده، والخروج إلى
# PageV01P581
# عرفات، والمشعر، ولا يفوت شئ من ذلك، سواء كان ذلك، ودخوله إلى مكة، قبل
~~الزوال، أو بعد الزوال، يوم التروية، أو ليلة عرفة، أو يوم عرفة، قبل
~~زواله، أو بعد زواله، على الصحيح والأظهر، من أقوال أصحابنا، لأن وقت
~~الوقوف بعرفة، للمضطر، إلى طلوع الفجر، من يوم النحر.
# وقال بعض أصحابنا: وهو اختيار شيخنا المفيد، إذا زالت الشمس، من يوم
~~التروية، ولم يكن أحل من عمرته، فقد فاتته المتعة، ولا يجوز له التحلل
~~منها، بل يبقى على إحرامه، ويكون حجة مفردة.
# والأول مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله، وقد دللنا على صحته، وإن
~~كانت قد وردت بذلك القول أخبار آحاد (1) لا يلتفت إليها، ولا يعرج عليها،
~~لأنها لا توجب علما ولا عملا.
# وإذا غلب على ظنه، أنه يفوته ذلك، أقام على إحرامه، وجعلها حجة مفردة أي
~~وقت كان ذلك، على ما قدمناه، والأفضل، إذا كان عليه زمان، أن يطوف، ويسعى،
~~ويقصر ويحل وينشئ الإحرام بالحج، يوم التروية، عند الزوال، فإن لم يلحق
~~مكة، إلا ليلة عرفة، أو يوم عرفة، جاز أيضا أن يطوف ويسعى، ويقصر ثم ينشئ
~~الإحرام، للحج على ما قدمناه.
# وقال بعض أصحابنا في كتاب له: ينشئ الإحرام للحج، ما بينه، وبين الزوال،
~~من يوم عرفة، فإذا زالت الشمس، من يوم عرفة، فقد فاتته العمرة، وتكون حجة
~~مفردة هذا إذا غلب على ظنه، أنه يلحق بعرفات (2)، على ما قلناه، وإن غلب
~~على ظنه، أنه لا يلحقها، فلا يجوز له أن يحل، بل يقيم على إحرامه على ما
~~قلناه، وهذا القول، يقوله شيخنا أبو جعفر الطوسي أيضا في نهايته (3)
# PageV01P582
# ومبسوطه (1)، واستبصاره (2)، والأول وهو ما اخترناه، مذهبه، وقوله في
~~جمله وعقوده (3) وفي اقتصاده (4) ومبسوطه (5) في فصل ذكر الإحرام بالحج،
~~والقول الأول في فصل، في السعي وأحكامه.
# باب الإحرام بالحج قد قلنا في ms0433 الباب الأول، أن الأفضل، أن يحرم بالحج يوم
~~التروية، ويكون ذلك عند الزوال، بعد أن يصلي فريضة الظهر، فإن لم يتمكن من
~~ذلك (6) جاز أن يحرم بقية نهاره أي وقت (7) شاء بعد أن يعلم، أو يغلب على
~~ظنه، أنه يلحق عرفات في وقتها، وقد بينا أن وقت عرفات، ممتد إلى طلوع الفجر
~~من يوم النحر، على ما أسلفنا القول فيه، وشرحناه.
# وينبغي له أن يفعل عند هذا الإحرام، جميع ما فعله عند الإحرام الأول من
~~الغسل، والتنظيف، وإزالة الشعر عن جسده، وأخذ شئ من شاربه، وتقليم أظفاره،
~~وغير ذلك، ثم يلبس ثوبي إحرامه، ويدخل المسجد حافيا، عليه السكينة والوقار
~~ويصلي ركعتين عند المقام، أو في الحجر، فإن صلى ست ركعات للإحرام، كان
~~أفضل، وإن صلى فريضة الظهر، ثم أحرم في دبرها، كان أفضل، ويصلي ركعات
~~الإحرام قبل الفريضة، ثم يصلي الفريضة، ويحرم في دبرها.
# وأفضل المواضع التي يحرم منها، المسجد الحرام، وفي المسجد من عند المقام
~~ومن أحرم من غير المسجد، كان أيضا جائزا، لأن ميقاته مكة جميعها، لا يجوز
# PageV01P583
# له أن يحرم من غيرها، فإن أحرم من غيرها، وجب الرجوع إليها، والإحرام
~~منها، ويحرم بالحج مفردا، ويدعو بالدعاء، كما كان يدعو عند الإحرام الأول
~~إلا أنه يذكر الحج مفردا، لأن عمرته قد مضت، فإن كان ماشيا، جهر بالتلبية،
~~من موضعه الذي عقد الإحرام فيه، وإن كان راكبا، لبى إذا نهض به بعيره، فإذا
~~انتهى إلى الردم، وأشرف على الأبطح، رفع صوته بالتلبية، ثم ليخرج إلى منى،
~~ويكون على تلبيته إلى زوال الشمس، من يوم عرفة، فإذا زالت، قطع التلبية.
# ومن سها في حال الإحرام بالحج، فأحرم بالعمرة، عمل على أنه أحرم بالحج،
~~وليس عليه شئ.
# وإذا أحرم بالحج، لا ينبغي له أن يطوف بالبيت، إلى أن يرجع من منى فإن
~~سها، فطاف بالبيت، لم ينتقض إحرامه، سواء جدد التلبية، أو لم يجددها، وقال
~~شيخنا أبو جعفر في نهايته: غير أنه يعقده بتجديد التلبية (1).
# قال محمد بن إدريس: إحرامه منعقد، ms0434 لم ينتقض، فلا حاجة به إلى انعقاد
~~المنعقد.
# ومن نسي الإحرام بالحج، إلى أن يحصل بعرفات، جدد الإحرام بها، وليس عليه
~~شئ، فإن لم يذكر حتى يرجع إلى بلده، فإن كان قد قضى مناسكه، كلها، لم يكن
~~عليه شئ على ما ذكره شيخنا أبو جعفر رحمه الله، في نهايته (2)، وقال في
~~مبسوطه: أما النية فهي ركن في الأنواع الثلاثة، من تركها فلا حج له، عامدا
~~كان، أو ناسيا، إذا كان من أهل النية ثم قال بعد ذلك: وعلى هذا إذا فقد
~~النية، لكونه سكران (3) هذا آخر كلامه رحمه الله.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: الذي يقتضيه أصول المذهب، ما ذهب إليه
# PageV01P584
# باب الغدو إلى عرفات يستحب للإمام، أن لا يخرج من منى، إلا بعد طلوع
~~الشمس، من يوم عرفة، ومن عدا الإمام، يجوز له الخروج بعد أن يصلي الفجر
~~ويوسع له أيضا إلى طلوع الشمس.
# ويكره له أن يجوز وادي محسر، إلا بعد طلوع الشمس، وقال شيخنا أبو جعفر في
~~نهايته: ولا يجوز له أن يجوز وادي محسر، إلا بعد طلوع الشمس، وذلك على
~~تغليظ الكراهة، دون الحظر وقال أيضا: ومن اضطر إلى الخروج، قبل طلوع الفجر،
~~جاز له أن يخرج، ويصلي في الطريق، ومع الاختيار، دون الاضطرار، يكون
~~مكروها، لا محضورا لأنا قد بينا، أن المبيت بها سنة مندوب إليها، دون
~~فريضة، واجبة، محظور تركها.
# فإذا توجه إلى عرفات، فليقل: (اللهم إياك صمدت، وإياك اعتمدت، ووجهك
~~أردت، أسألك أن تبارك لي في رحلتي، وأن تقضي لي حاجتي وأن تجعلني ممن تباهي
~~به اليوم، من هو أفضل مني).
# ويستحب أن يكون، على تكرار تلبيته، على ما ذكرناه إلى زوال الشمس، فإذا
~~زالت، اغتسل وصلى الظهر والعصر جميعا، يجمع بينهما، بأذان واحد وإقامتين،
~~لأجل البقعة، ثم يقف بالموقف، ويدعو لنفسه، ولوالديه، ولاخوانه المؤمنين
~~والأدعية في ذلك كثيرة لا تحصى، من أرادها، رجع إليها في كتب المناسك
~~والعبادات لم نوردها هاهنا خوف الإطالة.
# ويستحب أن يضرب الإنسان، خباءه بنمرة، بفتح النون، ms0435 وكسر الميم، وهي بطن
~~عرنة بضم العين، وفتح الراء، والنون، دون الموقف ودون الجبل،
# PageV01P585
# في مبسوطه، لقوله تعالى: ﴿وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه
~~الأعلى﴾ (1)، وقول الرسول صلى الله عليه وآله: الأعمال بالنيات (2)،
~~وإنما لامرئ ما نوى (3) وهذا الخبر مجمع عليه وبهذا أفتي وعليه أعمل، فلا
~~نرجع عن الأدلة، بأخبار الآحاد، إن وجدت.
# باب نزول منى يستحب لمن أراد الخروج إلى منى، أن لا يخرج من مكة، حتى
~~يصلي الظهر، يوم التروية بها، ثم يخرج إلى منى، إلا الإمام خاصة، فإن عليه
~~أن يصلي الظهر والعصر، يوم التروية بمنى، ويقيم بها، إلى طلوع الشمس
~~استحبابا، لا إيجابا، من يوم عرفة، ثم يغدو إلى عرفات، فإن اضطر الإنسان
~~إلى الخروج بأن يكون عليلا، يخاف أن لا يلحق، أو يكون شيخا كبيرا، أو يخاف
~~الزحام، جاز له أن يتعجل، قبل أن يصلي الظهر.
# فإذا توجه إلى منى فليقل: (اللهم إياك أرجو، وإياك أدعو فبلغني أملي،
~~وأصلح لي عملي).
# فإذا نزل مني، فليقل: (اللهم هذه منى، وهي مما مننت به علينا من المناسك،
~~فأسألك أن تمن علي، بما مننت به على أوليائك، فإنما أنا عبدك وفي قبضتك).
# ونزول منى عند التوجه إلى عرفات، والمبيت بها ليلة عرفة، مندوب غير واجب.
# وحدها من العقبة، إلى وادي محسر، بكسر السين وتشديدها.
# PageV01P586
# اقتداء بالرسول عليه السلام، لأنه عليه السلام ضرب خباءه، وقبته هناك، ثم
~~أتى الموقف.
# وحد عرفة، من بطن عرنة وثوية، بفتح الثاء وتشديد الياء، ونمرة، إلى ذي
~~المجاز ولا يرتفع إلى الجبل، إلا عند الضرورة إلى ذلك، ويكون وقوفه على
~~السهل، ولا يترك خللا إن وجده، إلا سده بنفسه، ورحله.
# ولا يجوز الوقوف تحت الأراك، ولا في نمرة، ولا ثوية، ولا عرفة، ولا ذي
~~المجاز، فإن هذه المواضع ليست من عرفات، فمن وقف بها، فلا حج له، ولا بأس
~~بالنزول فيها، غير أنه إذا أراد الوقوف، بعد الزوال، جاء إلى الموقف، فوقف
~~هناك والوقوف بميسرة ms0436 الجبل، أفضل من غيره، وليس ذلك بواجب، بل الواجب
~~الوقوف بسفح الجبل، ولو قليلا بعد الزوال، وأما الدعاء والصلاة في ذلك
~~الموضع، فمندوب غير واجب، وإنما الواجب الوقوف ولو قليلا فحسب.
# وقال شيخنا في مسائل خلافه (1) ومبسوطه: إن وقت الوقوف بعرفة، من الزوال
~~يوم عرفة، إلى طلوع الفجر يوم العيد (2).
# والصحيح أن وقتها، من الزوال إلى غروب الشمس، من يوم عرفة، لأنه لا خلاف
~~في ذلك، وما ذكره في الكتابين، مذهب بعض المخالفين باب الإفاضة من عرفات
~~والوقوف بالمشعر الحرام إذا غربت الشمس، من يوم عرفة، فليفض الحاج، من
~~عرفات إلى المزدلفة وإن أفاض بعد غروب الشمس، لم يكن عليه إثم، إذا أدرك
~~المشعر الحرام في وقته، ووقته من طلوع الفجر، من يوم النحر، إلى طلوع
~~الشمس، من ذلك اليوم، وذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، إلى أن وقت
~~المشعر، ليلة العيد (3) وهو
# PageV01P587
# مذهب المخالفين، والأول هو المذهب، وهو اختياره في نهايته، ولا يجوز
~~الإفاضة قبل غيبوبة الشمس، فمن أفاض قبل مغيبها متعمدا، كان عليه بدنة، فإن
~~عاد إليها قبل مغيبها ثم أفاض عند مغيبها لم يكن عليه كفارة.
# والبدنة، ينحرها يوم النحر، بمنى، فإن لم يقدر على البدنة، صام ثمانية
~~عشر يوما، إما في الطريق، أو إذا رجع إلى أهله.
# وإن كانت الإفاضة قبل مغيب الشمس، على طريق السهو، أو يكون جاهلا، بأن
~~ذلك لا يجوز، لم يكن عليه شئ.
# فإذا أراد أن يفيض، فيستحب له أن يقول: (اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا
~~الموقف، وارزقنيه أبدا ما أبقيتني، واقلبني اليوم، مفلحا منجحا، مستجابا
~~لي، مرحوما، مغفورا، بأفضل ما ينقلب به اليوم، أحد من وفدك عليك وأعطني
~~أفضل ما أعطيت أحدا منهم، من الخير، والبركة، والرحمة، والرضوان، والمغفرة،
~~وبارك لي، فيما أرجع إليه، من مال، أو أهل، أو قليل، أو كثير، وبارك لهم
~~في) واقتصد في السير، وسر سيرا جميلا، فإذا بلغت إلى الكثيب الأحمر، عن
~~يمين الطريق، فقل: (اللهم ارحم موقفي، وزد في عملي، وسلم لي ms0437 ديني، وتقبل
~~مناسكي).
# ويستحب أن لا يصلي المغرب والعشاء الآخرة، إلا بالمزدلفة، وإن ذهب من
~~الليل ربعه، أو ثلثه.
# ويستحب له أن يجمع بين الصلاتين، بالمزدلفة ليلة النحر، بأذان واحد،
~~وإقامتين، وحد الجمع، أن لا يصلي بينهما، نوافل، فإن فصل بين الفرضين
~~بالنوافل، لم يكن مأثوما، غير أن الأفضل ما قدمناه.
# وحد المشعر الحرام، ما بين المازمين، بسكر الزاء، إلى الحياض، وإلى وادي
~~محسر، فلا ينبغي أن يقف الإنسان، إلا فيما بين ذلك، فإن ضاق عليه الموضع،
# PageV01P588
# جاز له أن يرتفع إلى الجبل، فإذا أصبح يوم النحر، صلى فريضة الغداة، ووقف
~~للدعاء، وليحمد الله تعالى، وليثن عليه، وليذكر من آلائه، وحسن بلائه، ما
~~قدر عليه، ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله.
# ويستحب للضرورة، وهو الذي لم يحج، إلا تلك السنة، أن يطأ المشعر برجله.
# وإن كان الوقوف واجبا عليه، وركنا من أركان الحج عندنا، من تركه متعمدا،
~~فلا حج له، وأدناه، أن يقف (1) بعد طلوع الفجر، إما قبل صلاة الغداة، أو
~~بعدها، بعد أن يكون قد طلع الفجر الثاني، ولو قليلا، والدعاء، وملازمة
~~الموضع، إلى طلوع الشمس مندوب، غير واجب.
# وإذا طلعت الشمس، رجع إلى منى، ورجوعه الآن إلى منى واجب، لأن عليه بها
~~يوم النحر، ثلاثة مناسك، مفروضة.
# ويكره له أن يجوز وادي محسر، إلا بعد طلوع الشمس، ولا يجوز الخروج من
~~المشعر الحرام، قبل طلوع الفحر للمختار، فإن خرج قبل طلوعه متعمدا، فلا حج
~~له، وقال شيخنا أبو جعفر، في نهايته: كان عليه دم شاة.
# والصحيح الأول، وما ذكره رحمه الله، خبر واحد، أورده إيرادا، لا اعتقادا،
~~والذي يدل على صحة ما قلناه، أن الوقوف بالمشعر الحرام، في وقته ركن من
~~أركان الحج، بغير خلاف بيننا، ولا خلاف أنه، من أخل بركن من أركان الحج
~~متعمدا، بطل حجه، فإن كان خروجه ساهيا، أو ناسيا، لم يكن عليه شئ.
# وقد رخص للمرأة، والرجل، الذي يخاف على نفسه، أن يفيضا إلى منى، قبل طلوع
~~الفجر، فإذا بلغ وادي محسر، ms0438 فليهرول فيه، حتى يقطعه، وذلك على طريق
~~الاستحباب، فإن كان راكبا، حرك مركوبه.
# ويستحب له أن يأخذ حصى الجمار من المشعر الحرام، ليلة النحر، وإن
# PageV01P589
# أخذه من منى، ومن سائر الحرم، كان أيضا جائزا، سوى المسجد الحرام، ومسجد
~~الخيف، ومن حصى الجمار، ولا يجوز آخذ الحصى من غير الحرم، ولا يجوز أن يرمي
~~الجمار، إلا بالحصى، فحسب.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: لا يجوز الرمي، إلا بالحجر، وما كان
~~من جنسه، من البرام، والجوهر، وأنواع الحجارة، ولا يجوز بغيره كالمدر،
~~والآجر، والكحل، والزرنيخ، والملح، وغير ذلك، من الذهب، والفضة (1)، إلى
~~هاهنا آخر كلامه.
# وما ذكرناه، هو الصحيح، لأنه لا خلاف في إجزائه، وبراءة الذمة معه، وما
~~عدا الحصى، فيه الخلاف، وروي عنه عليه السلام، أنه قال غداة جمع، التقط
~~حصيات من حصى الخذف، فلما وضعهن في يده، قال: بأمثال هؤلاء، فارموا، بأمثال
~~هؤلاء فارموا، ومثل الحصى حصى (2). وروي أنه قال عليه السلام، لما هبط مكان
~~محسرا: أيها الناس عليكم بحصى الخذف (3) وقد رجع شيخنا أبو جعفر، في جمله
~~وعقوده، عما ذكره في مسائل خلافه، فقال:
# لا يجزي غير الحصا (4).
# ويكره أن تكون صما، ويستحب أن تكون برشا، ويستحب أن يكون قدرها، مثل
~~الأنملة، منقطة، كحلية، ويكره أن يكسر من الحصى شئ، بل يلتقط بعدد ما يحتاج
~~الإنسان إليه، ويستحب أن لا ترمى، إلا على طهر، فإن رميت على غير طهر، لم
~~يكن عليه شئ.
# فإذا رماها، فإنه يجب أن يرميها خذفا، والخذف عند أهل اللسان، رمي الحجر،
~~بأطراف الأصابع، هكذا ذكره الجوهري في كتاب الصحاح، يضع كل حصاة منها، على
~~بطن إبهامه، ويدفعها بظفر السبابة، ويرميها من بطن الوادي.
# PageV01P590
# وينبغي أن يرمي يوم النحر، جمرة العقبة، وهي التي إلى مكة، أقرب بسبع
~~حصيات، يرميها من قبل وجهها، وحدها ذلك اليوم فحسب.
# ويستحب أن يكون بينه، وبين الجمرة، قدر عشرة أذرع، إلى خمسة عشر ذراعا،
~~ويقول حين يريد أن يرمي، الحصى (اللهم هؤلاء حصياتي، فاحصهن لي، وارفعهن في
~~عملي) ms0439 ويقول مع كل حصاة: (اللهم أدحر عني الشيطان، اللهم تصديقا بكتابك،
~~وعلى سنة نبيك، صلى الله عليه وآله، اللهم اجعله حجا مبرورا، وعملا مقبولا
~~وسعيا مشكورا، وذنبا مغفورا).
# ويجوز أن يرميها راكبا، وماشيا، والركوب أفضل، لأن النبي صلى الله عليه
~~وآله رماها راكبا، ويكون مستقبلا لها، مستدبرا للكعبة، وإن رماها عن
~~يسارها، جاز.
# وجميع أفعال الحج، يستحب أن يكون مستقبل القبلة، من الوقوف بالموقفين،
~~ورمي الجمار، إلا رمي جمرة العقبة، يوم النحر، فحسب.
# ولا يأخذ الحصى، من المواضع التي تكون فيها نجاسة، فإن أخذها وغسلها،
~~أجزأه، وإن لم يغسلها، ترك الأفضل، وأجزأه، لأن الاسم يتناولها.
# باب الذبح الهدي واجب على المتمتع بالعمرة، إلى الحج، وإن كان قارنا، ذبح
~~هديه الذي ساقه، وإن كان مفردا، لم يكن عليه شئ. وإن تطوع بالأضحية، كان له
~~فضل كثير، ومن وجب عليه الهدي، فلم يقدر عليه، قال بعض أصحابنا.
# فإن كان معه ثمنه، خلفه عند من يثق به، حتى يشتري له هديا، يذبح عنه في
~~العام المقبل، في ذي الحجة، فإن أصابه في مدة مقامه بمكة، إلى انقضاء ذي
~~الحجة، جاز له أن يشتريه، ويذبحه، وإن لم يصبه، فعلى ما ذكرناه، فإن لم
~~يقدر على الهدي، ولا على ثمنه، وجب عليه صيام عشرة أيام، والأظهر الأصح،
~~PageV01P591
# إذا لم يجد الهدي، ووجد ثمنه، لا يلزمه أن يخلفه، بل الواجب عليه إذا عدم
~~الهدي، الصوم، سواء وجد الثمن، أو لم يجد، لأن الله سبحانه، لم ينقلنا عند
~~عدم الهدي، إلا إلى الصوم، ولم يجعل بينهما واسطة، فمن نقلنا إلى ما لم
~~ينقلنا الله تعالى إليه، يحتاج إلى دليل شرعي.
# وإلى ما اخترناه يذهب، شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في جمله وعقوده،
~~في فصل في نزول منى وقضاء المناسك بها، قال: فهدي المتمتع فرض مع القدرة،
~~ومع العجز فالصوم بدل منه هذا آخر كلامه.
# والصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، فالثلاثة الأيام،
~~يوم قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة، فإن فإنه صوم ms0440 هذه الأيام، صام
~~يوم الحصبة، وهو يوم النفر، ويومان بعده، متواليات، وسمي يوم النفر الثاني،
~~يوم الحصبة، لأنه يستحب لمن نفر في النفر الثاني، التحصيب، ولا يستحب لمن
~~نفي في النفر الأول، التحصيب، وهو نزول المحصب، وهو ما بين العقبة، وبين
~~مكة، وهي أرض ذات حصى صغار، مستوية بطحاء، إذا رحل من منى، حصل فيها يستحب
~~له النزول هناك قليلا اقتداء بالرسول صلى الله عليه وآله، لأنه نزل هناك،
~~ونفذ عائشة مع أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر، إلى التنعيم، فأحرمت بالعمرة
~~المفردة وجاءت إلى مكة، وطافت، وسعت، وقصرت، وفرغت من مناسكها جميعا، ثم
~~جاءت إلى الرسول صلى الله عليه وآله، فرحل قاصدا إلى المدينة.
# فإن فاته ذلك أيضا، صامهن في بقية ذي الحجة، فإن أهل المحرم، ولم يكن
~~صام، وجب عليه دم شاة، واستقر في ذمته. وليس له صوم.
# فإن مات من وجب عليه الهدي، ولم يكن صام الثلاثة الأيام، مع القدرة
~~عليها، والتمكن من الصيام، صام عنه وليه، الثلاثة، الأيام، فأما السبعة
~~الأيام، فقد قال بعض أصحابنا: لا يلزم الولي قضاء السبعة، والأولى عندي
~~والأحوط، أنه يلزم الولي القضاء عنه، إذا تمكن من وجبت عليه من صيامهن، ولم
~~يفعل، PageV01P592
# لأن الإجماع حاصل، منعقد على أن الولي يلزمه أن يقضي عمن هو ولي له، ما
~~فاته من صيام، تمكن منه، فلم يصمه، وهذا الصيام، من جملة ذلك، وداخل تحته،
~~فإذا صام الثلاثة الأيام، ورجع إلى أهله، صام السبعة الأيام، ولا يجوز له
~~أن يصومهن في السفر، ولا قبل رجوعه إلى أهله، فإن جاور بمكة، انتظر مدة
~~وصول أهل بلده إلى بلده، إن كان وصولهم في أقل من شهر، فإن كان أكثر من
~~شهر، انتظر شهرا، ولو كان من أبعد بعد، ثم صام بعد ذلك، السبعة الأيام.
# ومن فاته صوم يوم قبل التروية، صام يوم التروية، ويوم عرفة، ثم صام يوما
~~آخر، بعد أيام التشريق، ولا يجوز له أن يصوم أيام التشريق، فإن فاته صوم
~~يوم التروية، فلا يصم يوم ms0441 عرفة، بل يوم الثلاثة الأيام، بعد انقضاء أيام
~~التشريق، متتابعات.
# وقد رويت (١) رخصة في تقديم الصوم الثلاثة أيام، من أول العشر، والأحوط
~~الأول.
# فإن قيل: كيف يصام بدل الهدي، قبل وجوب الهدي، لأن الهدي ما يجب ذبحه إلا
~~يوم النحر، ولا يجوز قبله؟
# قلنا: إذا أحرم بالحج متمتعا، وجب عليه الدم، ويستقر في ذمته، وبه قال
~~أبو حنيفة، والشافعي، وقال عطا: لا يجب حتى يقف بعرفة، وقال مالك: لا يجب
~~حتى يرمي جمرة العقبة، دليلنا: قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج، فما استيسر من الهدي﴾
~~(2) فجعل تعالى الحج غاية لوجوب الهدي، فالغاية وجود أول الحج، دون إكماله،
~~يدل عليه قوله تعالى: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) كانت الغاية، دخول أول
~~الليل، دون إكماله كله، وإجماع أصحابنا أيضا، منعقد على ذلك، إلا أنهم
~~أجمعوا، على أنه لا يجوز الصيام إلا يوم قبل التروية،
# PageV01P593
# ويوم التروية، ويوم عرفة، وقبل ذلك لا يجوز، ولولا إجماعهم، لجاز ذلك،
~~لعموم الآية، وصيام هذه الأيام، يجوز، سواء أحرم بالحج، أو لم يحرم، لأجل
~~الإجماع من أصحابنا أيضا وإلا فما كان يجوز الصيام، إلا بعد إحرام الحج،
~~لأنه قال تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) فجعل الحج غاية لوجوب الهدي،
~~فإذا لم يحرم، ما وجدت الغاية، بل الإجماع مخصص لذلك، ويمكن أن يقال:
~~العمرة المتمتع بها إلى الحج، حج، وحكمها، حكم الحج، لأنها لا ينعقد
~~الإحرام بها، إلا في أشهر الحج، فعلى هذا إذا أحرم بها، فقد وجد أول الحج.
# إذا تلبس بالصوم، ثم وجد الهدي، لم يجب عليه أن يعود إليه، وله المضي
~~فيه، وله الرجوع إلى الهدي، بل هو الأفضل.
# ومن لم يصم الثلاثة الأيام، وخرج عقيب أيام التشريق، صامها في الطريق،
~~فإن لم يتمكن، صامهن مع السبعة الأيام، إذا رجع إلى أهله، إذا كان ذلك، قبل
~~أن يهل المحرم، فإن أهل المحرم، استقر في ذمته الدم، على ما بيناه ولا بأس
~~بتفريق الصوم السبعة الأيام.
# والمتمتع إذا كان ms0442 مملوكا، وحج بإذن مولاه كان فرضه الصيام، فإن أعتق
~~العبد، قبل انقضاء الوقوف بالمشعر الحرام، كان عليه الهدي، ولم يجزه الصوم،
~~مع الإمكان، فإن لم يقدر عليه، كان حكمه حكم الأحرار، في الأصل، على ما
~~فصلناه.
# والصوم بعد أيام التشريق، يكون أداء، لا قضاء لأن وقته باق.
# وإذا أحرم بالحج، ولم يكن صام، ثم وجد الهدي، لم يجز له الصوم، فإن مات،
~~وجب أن يشتري الهدي، من تركته، من أصل المال، لأنه دين عليه.
# ولا يجوز أن يذبح الهدي الواجب في الحج، والعمرة المتمتع بها إلى الحج،
~~إلا بمنى، يوم النحر، أو بعده، فإن ذبح بمكة، أو بغير منى، لم يجزه، وما
~~ليس بواجب، جاز ذبحه، أو نحره، بمكة. PageV01P594
# وإذا ساق هديا في الحج، فلا يذبحه أيضا إلا بمنى، فإن ساقه في العمرة
~~المبتولة، نحره بمكة، قبالة الكعبة، بالموضع المعروف بالحزورة.
# وأيام النحر بمنى، أربعة أيام، يوم النحر، وثلاثة أيام بعده، وفي غيرها
~~من البلدان، ثلاثة أيام، يوم النحر، ويومان بعده، هذا في التطوع، فأما هدي
~~المتعة، فإنه يجوز ذبحه طول ذي الحجة، إلا أنه يكون بعد انقضاء هذه الأيام،
~~قضاء، هكذا قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه (1) والأولى عندي، أن لا يكون
~~قضاء، لأن ذي الحجة بطوله، من أشهر الحج، ووقت للذبح الواجب، فالوقت ما
~~خرج، فلا يكون قضاء لأن القضاء ما كان له وقت، ففات، والتطوع قد مضى وقته،
~~ولا قضاء فيها.
# ولا يجوز في الهدي الواجب، إلا واحد عن واحد، مع الاختيار، ومع الضرورة،
~~والعدم، فالصيام.
# وقال بعض أصحابنا: ويجوز عند الضرورة، الواحد من الهدي، عن خمسة، وعن
~~سبعة، وعن سبعين. وإلى هذا القول، يذهب شيخنا أبو جعفر في نهايته (2) وجمله
~~وعقوده (3)، ومبسوطه (4)، إلى القول الأول، يذهب في مسائل خلافه، في الجزء
~~الأول، وفي الجزء الثالث (5)، وهو الأظهر الأصح، الذي يعضده، ظاهر التنزيل،
~~ولا يلتفت إلى أخبار آحاد، إن صحت، كان لها وجه، وهو في الهدي المتطوع به،
~~فأما ما ذكره شيخنا أبو جعفر في الجزء الأول، ms0443 من مسائل خلافه، فإنه قال:
~~مسألة، يجوز اشتراك سبعة في بدنة واحدة، أو في بقرة واحدة، إذا
# PageV01P595
# كانوا مفترضين (1)، وكانوا أهل خوان واحد، سواء كانوا متمتعين، أو
~~قارنين، ثم قال: وقال مالك: لا يجوز الاشتراك، إلا في موضع واحد، وهو إذا
~~كانوا متطوعين، وقد روى ذلك أصحابنا بقول شيخنا أبي جعفر أيضا، قال: وهو
~~الأحوط، وقال في الجزء الثالث من مسائل خلافه: الهدي الواجب، لا يجزي إلا
~~واحد عن واحد، وإن كان تطوعا، يجوز عن سبعة، إذا كانوا أهل بيت واحد، وإن
~~كانوا من أهل بيوت شتى لا يجزي، وبه قال مالك، وقال الشافعي: يجوز للسبعة،
~~أن يشتركوا في بدنة، أو بقرة، في الضحايا، والهدايا، سواء كانوا مفترضين،
~~عن نذر، أو هدي الحج، أو متطوعين، ثم قال: دليلنا إجماع الفرقة، وأخبارهم،
~~وطريقة الاحتياط.
# ولا يجوز في الهدي ولا الأضحية العرجاء، البين عرجها، ولا العوراء، البين
~~عورها، ولا العجفاء، ولا الخرماء ولا الجذاء، وهي المقطوعة الأذن، ولا
~~العضباء وهي المكسورة القرن، فإن كان القرن الداخل صحيحا، لم يكن به بأس،
~~وإن كان ما ظهر منه، مقطوعا، فلا بأس به، وإن كانت أذنه مشقوقة، أو مثقوبة،
~~إذا لم يكن قطع منها شئ.
# ومن اشترى هديا على أنه تام، فوجده ناقصا، لم يجز عنه، إذا كان واجبا،
~~فإن كان تطوعا، لم يكن به بأس.
# ولا يجوز الهدي، إذا كان خصيا، ولا التضحية به، فإن كان موجوء، لم يكن به
~~بأس، وهو أفضل من الشاة، والشاة أفضل من الخصي.
# وأفضل الهدي البدن، فمن لم يجد، فمن البقر، فإن لم يجد، ففحلا من الضأن،
~~ينظر في سواد، ويمشي في سواد، ويبرك في سواد والمراد بذلك، أن تكون هذه
~~المواضع سودا، وقال أهل التأويل، معنى ذلك، أنه من عظمه،
# PageV01P596
# وشحمه، ينظر في فئ شحمه، ويمشي في فيئه، ويبرك في ظل شحمه، والأول هو
~~الظاهر، فإن لم يجد فتيس من المعز فإن لم يجد إلا شاة، كان جائزا.
# وأفضل ما يكون من البدن، والبقر، ذوات الأرحام، ومن ms0444 الغنم الفحولة.
# ولا يجوز من الإبل، إلا الثني، فما فوقه، وهو الذي تم له خمس سنين، ودخل
~~في السادسة، وكذلك من البقر، لا يجوز إلا الثني، وهو الذي تمت له سنة، ودخل
~~في الثانية، ويجزي من الضأن الجذع لسنته، والجذع ما كان له سبعة أشهر.
# وينبغي أن يكون الهدي سمينا، فإن اشتراه على أنه سمين، فخرج مهزولا، أجزأ
~~عنه، وإن اشتراه على أنه مهزول، فخرج سمينا، كان مجزيا، أيضا، وإن اشتراه
~~على أنه مهزول، وخرج كذلك، لم يجز عنه.
# وحد الهزال على ما روي في الأخبار (1)، أن لا يكون على كليتيه شئ من
~~الشحم، وإذا لم يجد على هذه الصفة، اشترى ما تيسر له.
# وأما عيوب الهدي فضربان: أحدهما يمنع الإجزاء والثاني يكره، وإن أجزأ
~~فالذي يمنع الإجزاء، ما روى البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وآله في
~~حديثه: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها،
~~والكسير الذي لا ينقى (2) (قال محمد بن إدريس رحمه الله معنى لا ينقى،
~~بالنون والقاف، الذي لا نقى له، لأن النقي بالنون المكسورة، والقاف
~~المسكنة، المخ) والعضباء لا تجزئ وهي التي انكسر قرنها الداخل والظاهر.
# ولا يجزي الخصي والموجوء وهو المدقوق الخصي، وما عدا ذلك فمكروه، إلا أن
~~يكون ناقص الخلقة، أو قطع قاطع من خلقته، إلا ما كان وسما، ولا بأس بذلك،
~~ما لم يبن منها، وينقص الخلقة، لما رواه علي عليه السلام، عن
# PageV01P597
# الرسول صلى الله عليه وآله من أمره، أن يستشرف العين والأذن (١).
# قال محمد بن إدريس: يستشرف، يقال: استشرفت الشئ، إذا رفعت بصرك تنظر
~~إليه، وبسطت كفك فوق حاجبك، كالذي يستظل من الشمس، ومنه قول ابن مطير فيا
~~عجبا للناس يستشرفونني * كأن لم يروا مثلي محبا ولا قبلي ويستحب أن لا
~~يشتري إلا ما قد عرف به، وهو أن يكون أحضر عرفات، وذلك على الاستحباب، دون
~~الفرض والإيجاب، ولأنه لو لم يحضر عرفات، أجزأه، سواء أخبر أنه قد عرف به،
~~أو لم يخبر.
# ومن اشترى هديه، ms0445 فهلك، أو ضل، أو سرق، فإن كان واجبا (٢) وجب أن يقيم
~~بدله، إن كان تطوعا، فلا شئ عليه.
# ولا يجوز الأكل من الهدي المنذور، ولا الكفارات، فأما هدي المتمتع،
~~والقارن، فالواجب أن يأكل منه، ولو قليلا، ويتصدق على القانع، والمعتر، ولو
~~قليلا، لقوله تعالى: ﴿فكلوا منها
~~وأطعموا القانع والمعتر﴾ (3) والأمر عندنا يقتضي الوجوب، والفور دون
~~التراخي.
# فأما الأضحية، فالمستحب أن يأكل ثلثها، ويتصدق على القانع والمعتر،
~~بثلثها، ويهدي إلى أصدقائه ثلثها، على ما رواه أصحابنا (4).
# ومن اشترى هديا، وذبحه، فاستعرفه رجل، وذكر أنه هديه، ضل عنه، وأقام بذلك
~~بينة، كان له لحمه، والغرم ما بين قيمته حيا ومذبوحا ولا يجزي عن واحد
~~منهما.
# وإذا نتج الهدي المعين، كان حكم ولده حكمه، في وجوب نحره، أو ذبحه، ولا
~~بأس بركوبه، وشرب لبنه، ما لم يضربه وبولده.
# PageV01P598
# وإذا أراد نحر البدنة، نحرها وهي قائمة، من قبل اليمين، ويربط يديها ما
~~بين الخف، إلى الركبة، ويطعن بضم العين في لبتها.
# ويستحب أن يتولى النحر، أو الذبح، بنفسه، فإن لم يقو عليه، أو لا يحسنه،
~~جعل يده، مع يد الذابح، فإن استناب فيه، كان جائزا، ويسمي الله تعالى،
~~ويقول: وجهت وجهي إلى قوله وأنا من المسلمين، ثم يقول: اللهم منك، ولك، بسم
~~الله والله أكبر، وذكر الله هو الواجب، والباقي مندوب.
# ومن أخطأ في الذبيحة، فذكر غير صاحبها، أجزأت عنه بالنية.
# وينبغي أن يبدأ بمنى، بالذبح، قبل الحلق، وفي العقيقة، بالحلق قبل الذبح،
~~فإن قدم الحلق على الذبح، ناسيا، أو متعمدا، لم يكن عليه شئ.
# ولا يجوز أن يحلق رأسه، ولا أن يزور البيت، إلا بعد الذبح، وأن يبلغ
~~الهدي محله، وهو أن يحصل في رحله، ومتى حلق قبل أن يحصل الهدي في رحله، لم
~~يكن عليه شئ.
# ومن وجب عليه بدنة، في نذر أو كفارة، ولم يجدها، كان عليه سبع شياه.
# والصبي إذا حج به متمتعا، وجب على وليه، أن يذبح عنه، من مال الولي، دون
~~مال ms0446 الصبي.
# ومن لم يتمكن من شراء الهدي، إلا ببيع بعض ثيابه التي يتجمل بها، لم
~~يلزمه ذلك، وأجزأه الصوم.
# ومن نذر أن ينحر بدنة، فإن سمي الموضع الذي ينحر فيه، فعليه الوفاء به،
~~وإن لم يسم الموضع، فلا يجوز له أن ينحرها، إلا بفناء الكعبة.
# الهدي على ثلاثة أضرب: تطوع، ونذر شئ بعينه ابتداء، وتعيين نذر (1) واجب
~~في ذمته، فإن كان تطوعا، مثل إن خرج حاجا، أو معتمرا، فساق معه هديا، بنية
~~أن ينحره في منى، أو بمكة، من أن يشعره، أو يقلده، فهذا على ملكه، يتصرف
~~فيه كيف شاء، من بيع، وهبة، وله ولده، وشرب لبنه، وإن هلك، فلا شئ عليه.
# PageV01P599
# الثاني: هدي أوجبه بالنذر، ابتداء بعينه، مثل أن قال: لله علي أن أهدي
~~هذه الشاة، أو هذه البقرة، أو هذه الناقة، فإذا قال هذا، زال ملكه عنها،
~~وانقطع تصرفه في حق نفسه فيها، وهي أمانة للمساكين في يده، وعليه أن يسوقها
~~إلى المنحر، فإن وصل نحر وإن عطب في الطريق، نحره حيث عطب، وجعل عليه
~~علامته، من كتاب وغيره، على ما روي (1) ليعرف أنه هدي للمساكين، فإذا وجدها
~~المساكين، حل لهم التصرف فيها، وإن هلكت فلا شئ عليه، فإن نتجت هذه الناقة،
~~ساق معها ولدها، وهي والولد للمساكين.
# الثالث: ما وجب في ذمته، عن نذر، أو ارتكاب محظور، كاللباس، والطيب،
~~والقوب، والصيد، أو مثل دم المتعة، فمتى ما عينه في هدي، بعينه تعين فيه،
~~فإذا عينه، زال ملكه عنه، وانقطع تصرفه فيه، وعليه أن يسوقه إلى المنحر،
~~فإن وصل، نحره، وأجزأه وإن عطب في الطريق، أو هلك، سقط التعيين، وكان عليه
~~إخراج الذي في ذمته، وكل هدي كان نذرا، أو كفارة، مطلقا كان، أو معينا، لا
~~يجوز الأكل منه، وما كان تطوعا، أو هدي التمتع، جاز الأكل منه.
# ويستحب أن لا يأخذ الإنسان شيئا من جلود الهدايا، والضحايا، بل يتصدق بها
~~كلها، ويكره أن يعطيها الجزار.
# ومن لم يجد الأضحية، جاز له أن يتصدق بثمنها، فإن اختلفت أثمانها، ms0447 نظر
~~إلى الثمن الأول، والثاني والثالث، وجمعها، ثم يتصدق بثلثها.
# ويكره للإنسان أن يضحي بكبش قد تولى تربيته.
# باب الحلق والتقصير يستحب للإنسان، أن يحلق رأسه بعد الذبح، وهو مخير بين
~~الحلق، PageV01P600
# والتقصير، سواء كان صرورة، أو لم يكن، لبد شعره، أو لم يلبده، وتلبيد
~~الشعر في الإحرام، أن يأخذ غسلا، أو صمغا، ويجعله في رأسه، لئلا يقمل، أو
~~يتسخ، وقال بعض أصحابنا: الصرورة لا يجزيه إلا الحلق، وكذلك من لبد شعره،
~~وإن لم يكن صرورة، إلا أن الحلق أفضل، والأول مذهب شيخنا أبي جعفر، في
~~الجمل والعقود (١) والثاني ذكره في نهايته (٢)، وهو مذهب شيخنا المفيد محمد
~~بن محمد بن النعمان (٣) والصحيح الأول وهو الأظهر بين أصحابنا، ويعضده قوله
~~تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن
~~شاء الله آمنين محلقين رءوسكم و مقصرين﴾ (4).
# ومن ترك الحلق عامدا، أو التقصير، إلى أن يزور البيت، كان عليه دم شاة،
~~وإن فعله ناسيا، لم يكن عليه شئ، وكان عليه إعادة الطواف.
# ومن رجل من منى قبل الحلق، فليرجع إليها، ولا يحلق رأسه إلا بها، مع
~~القدرة، فإن لم يتمكن من الرجوع إليها، فليحلق رأسه، مكانه ويرد شعره
~~إليها، ويدفنه هناك، فإن لم يتمكن من رد الشعر، لم يكن عليه شئ.
# والمرأة ليس عليها حلق، بل الواجب عليها التقصير.
# وإذا أراد أن يحلق، فالمستحب له أن يبدأ بناصيته، من القرن الأيمن، ويحلق
~~إلى العظمين، ويقول إذا حلق،: اللهم أعطني بكل شعرة نورا يوم القيامة.
# وإذا حلق رأسه، فقد حل له كل شئ أحرم منه، إلا النساء، والطيب، إن كان
~~متمتعا، فإن كان قارنا، أو مفردا، حل له كل شئ إلا النساء فحسب.
# فإذا طاف المتمتع طواف الحج ويسمي طواف الزيارة، حل له كل شئ إلا النساء،
~~فحسب، فإذا طاف طوافهن، حلت له النساء.
# PageV01P601
# ويستحب أن لا يلبس ثياب المخيطة، إلا بعد الفراع من طواف الزيارة، وليس
~~ذلك بمحظور، وكذلك يستحب أن لا يمس الطيب، إلا بعد الفراغ من طواف النساء، ms0448
~~وإن لم يكن ذلك محضورا.
# وذهب شيخنا أبو جعفر، في تبيانه (1) إلى أن الحلق، أو التقصير، مندوب،
~~غير واجب، وكذلك أيام منى، ورمي الجمار (2).
# باب زيارة البيت والرجوع إلى منى ورمي الجمار فإذا فرغ المستمتع من
~~مناسكه، يوم النحر بمنى، وهي ثلاثة، رمي جمرة العقبة، فحسب على ما قدمناه،
~~والذبح والحلق، أو التقصير، على جهة التخيير، على ما ذكرناه، ولا بأس
~~بتقديم أيها شاء، على الآخر، إلا أن الأفضل الترتيب، فليتوجه إلى مكة يوم
~~النحر، لطواف الحج، وسعيه.
# ويستحب له أن لا يؤخره إلا لعذر، فإن أخره لعذر، زار البيت من الغد.
# ويستحب له أن لا يؤخر طواف الحج، وسعيه أكثر من ذلك، فإن أخره فلا بأس
~~عليه، وله أن يأتي بالطواف، والسعي، طول ذي الحجة، لأنه من شهور الحج،
~~وإنما يقدم ذلك على جهة التأكيد للمتمتع، ولا يجوز له تأخير ذلك إلى
~~استهلال المحرم، فمن أخره عامدا بطل حجه.
# ويستحب لمن أراد زيارة البيت، أن يغتسل قبل دخوله المسجد والطواف بالبيت،
~~ويقلم أظفاره، ويأخذ شيئا من شاربه، ثم يزور، وغسله أول نهاره كاف له إلى
~~الليل، وكذلك إن اغتسل أول ليله، كفاه ذلك إلى النهار، سواء نام أو لم ينم،
~~وقد روي أنه إن نقضه بحدث أو نوم، فليعد الغسل (3). والأول
# PageV01P602
# أظهر، وهذه رواية ضعيفة.
# ثم يدخل المسجد، فأول ما يبدأ به إذا دخل المسجد الحرام، الطواف بالبيت،
~~إلا أن يكون عليه صلاة فائتة، فريضة، فإنه يبدأ بالصلاة، أو يكون قد دخل
~~وقت الصلاة المؤداة، ولم يكن عليه فائتة، فإنه يبدأ أولا، بالصلاة، أو وجد
~~الناس في الجماعة، فإنه يدخل معهم فيها، وكذلك إن خاف فوت صلاة الليل، أو
~~فوت ركعتي الفجر، فإنه يبدأ بذلك أولا.
# فإذا فرغ منه، بدأ بالطواف، فإذا شرع في الطواف، ابتدأه من الحجر الأسود.
# والمستحب، استلامه بجميع بدنه، فإن لم يمكنه إلا ببعضه، جاز ذلك، فإن لم
~~يقدر استلمه بيده، فإن لم يقدر أشار إليه، واستقبله، وكبر وقال ما قاله حين
~~طاف بالبيت، طواف ms0449 العمرة المتمتع بها، وقد ذكرناه فيما مضى، ثم يطوف بالبيت
~~أسبوعا، كما قدمنا وصفه، إلا أنه ينوي بهذا الطواف، طواف الحج، ويصلي عند
~~المقام ركعتين.
# ثم يستحب له، أن يرجع إلى الحجر الأسود، فيقبله إن استطاع، ثم ليخرج إلى
~~الصفا، فيصنع عنده ما صنع يوم دخل مكة، ثم يأتي المروة، ويطوف بينهما سبعة
~~أشواط، يبدأ بالصفا ويختم بالمروة، وجوبا، فإذا فعل ذلك، فقد حل له كل شئ
~~أحرم منه، إلا النساء.
# هكذا ذكره شيخنا أبو جعفر وذهب في نهايته (1) إليه، إلا أنه رجع عنه، في
~~استبصاره، وقال: إذا طاف طواف الحج فحسب، حل له كل شئ إلا النساء (2)، وإلى
~~هذا يذهب السيد المرتضى، في انتصاره (3)، وهو الذي أعمل عليه، وأفتي به،
~~وليس عليه هاهنا بعد السعي، حلق ولا تقصير.
# PageV01P603
# ثم ليرجع إلى البيت، ويطوف طواف النساء أسبوعا، ويصلي عند المقام ركعتين
~~وجوبا، وليس عليه سعي، بعد طواف النساء، لأن كل طواف واجب لا بد له من سعي
~~واجب، إلا طواف النساء، لا سعي بعده.
# وكل إحرام لا بد له من طواف النساء، لتحل له، إلا إحرام العمرة المتمتع
~~بها إلى الحج، لا طواف نساء فيها، وتحل منه دونه.
# واعلم أن طواف النساء، فريضة في الحج، وفي العمرة المبتولة، وليس بواجب
~~في العمرة المتمتع بها (1)، إلى الحج، على ما قدمناه، وإن مات من وجب عليه
~~طواف النساء، كان عل وليه القضاء، عنه، وإن تركه وهو حي كان عليه قضاؤه،
~~فإن لم يتمكن من الرجوع إلى مكة، جاز له أن يأمر من ينوب عنه فيه، فإذا طاف
~~النائب عنه، حلت له النساء، ولا تحل له النساء، إلا بعد العلم بأنه قد طاف
~~عنه، وهو واجب على النساء، والرجال، والشيوخ والخصيان، لا يجوز لهم تركه
~~وإن لم يريدوا وطئ النساء.
# وإذا فرغ الإنسان من الطواف، فليرجع إلى منى، ولا يبيت ليالي التشريق،
~~إلا بها، فإن بات في غيرها، كان عليه دم شاة، وقد روي (2) أنه إن بات بمكة،
~~مشتغلا بالعبادة والطواف، لم يكن ms0450 عليه شئ، وإن لم يكن مشتغلا بهما، كان
~~عليه ما ذكرناه، والأول أظهر.
# وإن خرج من منى بعد نصف الليل، جاز له أن يبيت بغيرها، غير أنه لا يدخل
~~مكة، إلا بعد طلوع الفجر، على ما روي في الأخبار (3) وإن تمكن أن لا يخرج
~~منها إلا بعد طلوع الفجر، كان أفضل على تلك الرواية.
# ومن بات الثلاث ليال بغير منى، متعمدا، كان عليه ثلاث من الغنم،
# PageV01P604
# وقال شيخنا أبو جعفر، في مبسوطه: من بات عن منى ليلة، كان عليه دم شاة،
~~على ما قدمناه، فإن بات عنها ليلتين كان عليه دمان، فإن بات ليلة الثالثة،
~~لا يلزمه شئ، لأن له النفر في الأول، والنفر الأول يوم الثاني من أيام
~~التشريق بلا خلاف، والنفر الثاني يوم الثالث من أيام التشريق، وقد روي في
~~بعض الأخبار، (1) أن من بات ثلاث ليال عن منى، فعليه ثلاثة دماء (2) وذلك
~~محمول على الاستحباب، أو على من لم ينفر في النفر الأول، حتى غابت الشمس،
~~فإنه إذا غابت، ليس له أن ينفر، فإن نفر فعليه دم، والأول مذهبه في نهايته
~~(3)، وهو الصحيح، لأن التخريج الذي خرجه، لا يستقيم له، وذلك أن من عليه
~~كفارة لا يجوز له أن ينفر، في النفر الأول، بغير خلاف، فقوله رحمه الله: له
~~أن ينفر في النفر الأول، غير مسلم، لأن عليه كفارة لأجل إخلاله بالمبيت
~~ليلتين.
# والأفضل أن لا يبرح الإنسان أيام التشريق من منى، طول نهاره، وإذا أراد
~~أن يأتي مكة للطواف بالبيت تطوعا، جاز له ذلك، غير أن الأفضل ما قدمناه.
# وإذا رجع الإنسان إلى منى، لرمي الجمار، كان عليه وجوبا، أن يرمي ثلاثة
~~أيام، الثاني من النحر، والثالث، والرابع، كل يوم بإحدى وعشرين حصاة، ويكون
~~ذلك عند الزوال، فإنه الأفضل، فإن رماها ما بين طلوع الشمس إلى غروب الشمس،
~~لم يكن به بأس، وقال شيخنا في مسائل الخلاف: ولا يجوز الرمي أيام التشريق
~~إلا بعد الزوال، وقد روي رخصة، قبل الزوال، في الأيام كلها (4)، وما ذكره
~~في ms0451 نهايته (5) ومبسوطه (6) هو الأظهر، الأصح، عند بعض أصحابنا، وما ذكره في
~~مسائل خلافه، مذهب الشافعي، وأبي حنيفة.
# PageV01P605
# وهل رمي الجمار واجب، أو مسنون؟ لا خلاف بين أصحابنا في كونه واجبا، ولا
~~أظن أحدا من المسلمين، يخالف في ذلك، وقد يشتبه على بعض أصحابنا، ويعتقد
~~أنه مسنون، غير واجب، لما يجده من كلام بعض المصنفين، وعبارة موهمة، أوردها
~~في كتبه، ويقلد المسطور بغير فكر، ولا نظر وهذا غاية الخطأ، وضد الصواب.
~~فإن شيخنا أبا جعفر الطوسي رحمه الله، قال في الجمل والعقود: والرمي مسنون
~~(1) فيظن من يقف على هذه العبارة، أنه مندوب، وإنما أراد الشيخ بقوله
~~مسنون، أن فرضه عرف من جهة السنة، لأن القرآن لا يدل على ذلك، والدليل على
~~صحة هذا الاعتبار والقول، ما اعتذر شيخنا أبو جعفر الطوسي في كتابه
~~الإستبصار، وتأول لفظ بعض الأخبار، فقال الراوي في الخبر، في باب وجوب غسل
~~الميت، وغسل من غسل ميتا، فأورد الأخبار بوجوب الغسل، على من غسل ميتا، ثم
~~أورد خبرا عن ابن أبي نجران، يتضمن أن الغسل من الجنابة فريضة وغسل الميت
~~سنة، فقال شيخنا أبو جعفر، فما تضمن هذا الخبر من أن غسل الميت سنة، لا
~~يعترض (2) ما قلناه من وجوه، أحدها أن هذا الخبر مرسل، لأن ابن أبي نجران،
~~قال عن رجل، ولم يذكر من هو، ولا يمتنع أن يكون غير موثوق به، ولو سلم،
~~لكان المراد في إضافة هذا الغسل، إلى السنة، أن فرضه عرف من جهة السنة، لأن
~~القرآن، لا يدل على ذلك، وإنما علمناه بالسنة (3). هذا آخر كلام شيخنا أبي
~~جعفر في الإستبصار.
# وإذا احتمل قوله في الجمل والعقد وما ذكرناه، كان موافقا لقوله في
~~مبسوطه، ونهايته، لئلا يتناقض قولاه، فإنه قال في نهايته: وإذا رجع الإنسان
~~إلى منى، لرمي الجمار، كان عليه أن يرمي ثلاثة أيام (4) فأتى بلفظ يقتضي
# PageV01P606
# الوجوب، بغير خلاف في عرف الشريعة وقال في مبسوطه مصرحا: والواجب عليه،
~~أن يرمي ثلاثة أيام التشريق، الثاني من النحر، والثالث والرابع، كل يوم ms0452
~~بإحدى وعشرين حصاة، ثلاث جمار، كل جمرة منها، بسبع حصيات وإلى الوجوب يذهب
~~في مسائل الخلاف، ويلوح به، ويدل عليه.
# ثم الأخبار التي أوردها في تهذيب الأحكام (1) متناصرة بالوجوب، عامة
~~الألفاظ، وكذلك الأخبار المتواترة دالة على الوجوب، ثم فعل الرسول والأئمة
~~عليهم السلام يدل على ما اخترناه، وشرحناه، لأن الحج في القرآن مجمل، وفعله
~~عليه السلام، إذا كان بيانا المجمل، جرى مجرى قوله، والبيان في حكم المبين،
~~ولا خلاف أنه عليه السلام، رمى الجمار، وقال: خذوا عني مناسككم، فقد أمرنا
~~بالأخذ، والأمر يقتضي الوجوب عندنا، والفور، دون التراخي.
# وأيضا دليل الاحتياط يقتضيه، لأنه لا خلاف بين الأمة، أن من رمى الجمار،
~~برئت ذمته من جميع أفعال الحج، والخلاف حاصل إذا لم يرم الجمار.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في استبصاره، في كتاب الحج، في باب
~~من نسي رمي الجمر حتى يأتي مكة، أورد أخبارنا تتضمن الرجوع، والأمر بالرمي،
~~ثم أورد خبرا عن معاوية بن عمار، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام، رجل
~~نسي رمي الجمار، قال: يرجع ويرميها، قلت: فإنه نسيها أو جهلها حتى فإنه
~~وخرج، قال: ليس عليه أن يعيد.
# فقال شيخنا: قال محمد بن الحسن، يعني نفسه، قوله عليه السلام، ليس عليه
~~أن يعيد، معناه ليس عليه أن يعيد في هذه السنة، وإن كان يجب عليه إعادته في
~~السنة المقبلة، إما بنفسه مع التمكن، أو يأمر من ينوب عنه، وإنما كان كذلك،
~~لأن أيام الرمي، هي أيام التشريق، فإذا فاتته، لم يلزمه شئ،
# PageV01P607
# إلا في العام المقبل، في مثل هذه الأيام هذا آخر كلام الشيخ أبي جعفر في
~~استبصاره.
# قال محمد بن إدريس، مصنف هذا الكتاب: فلو كان الرمي مندوبا عند شيخنا،
~~لما قال يجب عليه إعادته في السنة المقبلة، إما بنفسه مع التمكن، أو يأمر
~~من ينوب عنه، لأن المندوب، لا يجب على تاركه، إعادته.
# فإن أراد رمي الجمار، في أيام التشريق، فليبدأ بالجمرة، التي تلي المشعر
~~الحرام، وليرمها عن يسارها، من بطن المسيل، ms0453 بسبع حصيات، يرميهن خذفا، وقد
~~بينا لغته، على ما قال الجوهري في كتاب الصحاح، وهو أن قال: فإن الخذف
~~بالحصى، الرمي منه بالأصابع.
# ويكبر مع كل حصاة استحبابا، ويدعو بالدعاء الذي قدمناه، ثم يقوم عن يسار
~~الطريق، ويستقبل القبلة، ويحمد الله تعالى، ويثني عليه، ويصلي على النبي
~~صلى عليه وآله، ثم ليتقدم قليلا، ويدعو ويسأله أن يتقبل منه.
# رماها بالسبع الحصيات في دفعة واحدة، لا يجزيه بغير خلاف بيننا ثم يتقدم
~~أيضا، ويرمي الجمرة الثانية، ويصنع عندها كما صنع عند الأولى، ويقف ويدعو
~~بعد الحصاة السابعة، ثم يمضي إلى الثالثة، وهي جمرة العقبة، تكون الأخيرة،
~~بها يختم الرمي، في جميع أيام التشريق، وإنما يحصل لها مزية، بالرمي عليها
~~وحدها يوم النحر فحسب، فيرميها كما رمى الأوليين، ولا يقف عندها.
# فإذا غابت الشمس، ولم يكن قد رمى بعد، فلا يجوز له أن يرمي، إلا في الغد،
~~فإذا كان من الغد، رمى ليومه مرة ومرة قضاء لما فاته، ويفصل بينهما بساعة.
# وينبغي أن يكون الذي يرمي لامسه بكرة، والذي ليومه عند الزوال،
# PageV01P608
# ومعنى قولنا بكرة، المراد به بعد طلوع الشمس، أول ذلك، لأنا قد بينا أن
~~الرمي ما بين طلوع الشمس إلى غروبها، والباكورة من الفاكهة: أوائلها، وقد
~~أورد شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في كتاب المصباح لفظا يشتبه على غير
~~المتأمل، وهو أن قال في صلاة يوم الجمعة: يصلي ست ركعات بكرة (1)، والمراد
~~بذلك عند انبساط الشمس في أول ذلك، يدل على ذلك ما أورده في نهايته، وهو أن
~~قال: يصلي ست ركعات، عند انبساط الشمس (2) فيظن من يقف على ما قاله في
~~مصباحه، أن المراد بقوله رحمه الله بكرة، عند طلوع الفجر، وهذا بعيد من
~~قائله.
# فإن فاته رمي يومين، رماها كلها يوم النفر، وليس عليه شئ.
# ولا يجوز الرمي بالليل، وقد رخص للعليل، والخائف، والرعاة والعبيد، في
~~الرمي بالليل.
# ومن نسي رمي الجمار، إلى أن أتى مكة، فإنه يجب عليه العود إلى منى
~~ورميها، وليس عليه كفارة، إذا ms0454 كانت أيام التشريق لم يخرج، فإن ذكرها بعد
~~خروج أيام التشريق، فالواجب عليه تركها إلى القابل، ورميها في أيام
~~التشريق، إن تمكن من العود، وإلا استناب من يرميها عنه.
# وحكم المرأة في جميع ما ذكرناه، حكم الرجل سواء.
# والترتيب واجب في الرمي، يجب أن يبدأ بالجمرة التي تلي المشعر، وبعض
~~أصحابنا يسميها العظمى، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة، فمن خالف شيئا منها أو
~~رماها منكوسة، كان عليه الإعادة.
# ومن بدأ بجمرة العقبة، ثم الوسطى ثم الأولى، أعاد على الوسطى، ثم جمرة
~~العقبة.
# فإن نسي، فرمى الجمرة الأولى، بثلاث حصيات، ورمى الجمرتين
# PageV01P609
# الأخريين على التمام، كان عليه أن يعيد عليها كلها.
# وإن كان قد رمى الجمرة الأولى، حصيات، ثم رمى الجمرتين على التمام، كان
~~عليه أن يعيد على الأولى، بثلاث حصيات، وكذلك إن كان قد رمى من الوسطى أقل
~~من أربع حصيات، أعاد عليها، وعلى ما بعدها، وإن رماها بأربع، تممها، وليس
~~عليه الإعادة على ما بعدها.
# فالاعتبار بحصول رمي أربع حصيات، فإذا كان كذلك، تممها ولا يجب عليه
~~الإعادة على ما بعدها، فإن كان قد رمى أقل من أربع حصيات، على إحدى الجمرات
~~تممها، وأعاد مستأنفا على ما بعدها.
# ومن رمى جمرة بست حصيات، وضاعت واحدة، أعاد عليها بالحصاة، وإن كان من
~~الغد ولا يجوز أن يأخذ من حصى الجمار الذي قد رمى به، فيرمي بها.
# ومن علم أنه قد نقص حصاة واحدة، ولم يعلم من أي الجمار هي، أعاد على كل
~~واحدة منها بحصاة.
# فإن رمى بحصاة، فوقعت في محمله، أعاد مكانها حصاة أخرى.
# فإن أصابت إنسانا، أو دابة، ثم وقعت على الجمرة، فقد أجزأه، إذا وقعت
~~باعتماده.
# ويجوز أن يرمي راكبا، وماشيا.
# ويجوز الرمي عن العليل، والمبطون، والصبي، ولا بد من إذنه إذا كان عقله
~~ثابتا.
# ويستحب أن يترك الحصى في كفه، ثم يؤخذ ويرمى به.
# وينبغي أن يكبر الإنسان بمنى، عقيب خمس عشرة صلاة، من الفرائض، يبدأ
~~بالتكبير يوم النحر بعد الظهر إلى صلاة الفجر، من اليوم ms0455 الثالث، وفي
~~الأمصار عقيب عشر صلوات، يبدأ عقيب الظهر من يوم النحر، إلى صلاة الفجر من
~~اليوم الثاني، من أيام التشريق، ويقول في التكبير: (الله أكبر، الله
~~PageV01P610
# أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله
~~على ما أولانا ورزقنا من بهيمة الأنعام).
# ومن أصحابنا، من قال: إن التكبير واجب، ومنهم من قال: إنه مسنون، وهو
~~الأظهر الأصح، لأن الأصل براءة الذمة من العبادات، فمن شغلها بشئ يحتاج إلى
~~دليل، من كتاب أو سنة، متواترة، أو إجماع، والإجماع، غير حاصل، لأن بين
~~أصحابنا خلافا في ذلك، على ما بيناه، والكتاب خال من ذلك، وكذلك السنة
~~المتواترة، بقي معنا، الأصل براءة الذمة.
# وإلى هذا القول، ذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله، في مبسوطه (1)،
~~وذهب في جمله وعقوده (2)، إلى أنه واجب، وكذلك في استبصاره (3) وإلى
~~الوجوب، ذهب السيد المرتضى رضي الله عنه.
# ولا يكبر عندنا عقيب النوافل، ولا في الطرقات، والشوارع لأجل هذه الأيام،
~~خصوصا، ولا يكبر أيضا، قبل يوم النحر، في شئ من أيام العشر بحال.
# باب النفر من منى ودخول الكعبة ووداع البيت ولا بأس أن ينفر الإنسان من
~~منى، اليوم الثاني من أيام التشريق، وهو اليوم الثالث من يوم النحر، فإن
~~أقام إلى النفر الأخير، وهو اليوم الثالث من أيام التشريق، والرابع من يوم
~~النحر، كان أفضل، ويوم الحادي عشر، يسمى يوم القر، لأن الناس يقرون فيه
~~بمنى، ولا يبرحونه، والثاني عشر، يوم النفر الأول، والثالث عشر، يوم النفر
~~الثاني، وليلته تسمى ليلة التحصيب، لأنه النفر الأخير.
# PageV01P611
# والتحصيب يستحب لمن نفر في النفر الثاني، دون الأول على ما قدمناه، وقال
~~شيخنا في مبسوطه: وليلة الرابع، وليلة التحصيب (1) فإن أراد رحمه الله،
~~الرابع من يوم النحر، فصحيح، وإن أراد الرابع عشر، فغير واضح، لأن التحصيب،
~~لا يكون إلا لمن نفر في الأخير، والنفر الأخير، بلا خلاف من الأمة، هو
~~اليوم الثالث عشر، من ذي الحجة، فإن كان ممن أصاب النساء، في إحرامه، أو
~~صيدا، ms0456 لم يجز له أن ينفر في النفر الأول، ويجب عليه المقام إلى النفر
~~الأخير.
# وإن أراد أن ينفر في النفر الأول، فلا ينفر إلا بعد الزوال، إلا أن تدعوه
~~ضرورة إليه، من خوف، وغيره، فإنه لا بأس أن ينفر قبل الزوال، وله أن ينفر
~~ما بينه وبين الزوال، وما بينه وبين غروب الشمس، فإذا غابت الشمس لم يجز له
~~النفر وليبت بمنى إلى الغد.
# وإذا نفر في النفر الأخير، جاز له أن ينفر من بعد طلوع الشمس، أي وقت
~~شاء، فإن لم ينفر، وأراد المقام بمنى، جاز له ذلك، إلا الإمام خاصة، فإن
~~عليه أن يصلي الظهر بمكة.
# ومن نفر من منى، وكان قد قضى مناسكه كلها، جاز له أن لا يدخل مكة، وإن
~~كان قد بقي عليه شئ من المناسك، فلا بد له من الرجوع إليها، والأفضل على كل
~~حال، الرجوع لتوديع البيت، وطواف الوداع.
# ويستحب أن يصلي الإنسان بمسجد منى، وهو مسجد الخيف، والخيف سفح الجبل،
~~لأن كل سفح جبل عند أهل اللسان، يسمى خيفا، فلما كان هذا المسجد في سفح
~~الجبل، سمي مسجد الخيف، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله، يسجد عند
~~المنارة، التي في وسط المسجد، وفوقها إلى القبلة، نحوا من
# PageV01P612
# ثلاثين ذراعا، وعن يمينها، ويسارها، مثل ذلك، فإن استطعت أن يكون مصلاك
~~فيه، فافعل، ويستحب أن يصلي فيه ست ركعات.
# فإذا خرج من منى، وبلغ مسجد الحصباء، وهو مسجد رسول الله صلى الله عليه
~~وآله فليدخله، وليسترح فيه قليلا، وليستلق على قفاه، وليس لهذا المسجد
~~المذكور في الكتب أثر اليوم.
# وإنما المستحب التحصيب، وهو نزول الموضع، والاستراحة فيه، اقتداء.
# بالرسول صلى الله عليه وآله على ما تقدم ذكرنا له، وهو إنما يستحب لمن
~~نفر في النفر الثاني، دون الأول، وهو الثالث عشر من ذي الحجة، على ما
~~قدمناه وحققناه، قال الثوري: سألت أبا عبيدة عن اليوم الثاني من النحر، ما
~~كانت العرب تسميه؟ فقال: ليس عندي من ذلك علم ولقيت ابن مناذر، وأخبرته
~~بذلك، ms0457 فعجب وقال: أسقط مثل هذا على أبي عبيدة، وهي أربعة أيام متواليات،
~~كلها على الراء، يوم النحر، والثاني يوم القر، والثالث يوم النفر والرابع
~~يوم الصدر (1) فحدثت أبا عبيدة، فكتبه عني، عن ابن مناذر.
# قال محمد بن إدريس: وقد يوجد في بعض نسخ المبسوط، أن يوم الحادي عشر، يوم
~~النفر، وهذا خطأ من الكتاب، والنساخ، إن كانوا غيروا ذلك، أو إغفال في
~~التصنيف، فما المعصوم، إلا من عصمه الله، وابن مناذر هذا شاعر، لغوي، بصري،
~~صاحب القصيدة الدالية الطويلة:
# كل حي لاقى الحمام فمودي فإذا جاء إلى مكة، فليدخل الكعبة، إن تمكن من
~~ذلك، سنة واستحبابا، دون أن يكون ذلك فرضا وإيجابا، سواء كان الإنسان
~~صرورة، أو غير صرورة، إلا أنه يتأكد في حق الصرورة.
# PageV01P613
# فإذا أراد دخول الكعبة، فليغتسل قبل دخولها سنة مؤكدة، فإذا دخلها فلا
~~يمتخط فيها، ولا يبصق، ولا يجوز دخولها بحذاء على ما روي (1)، وإنما هو على
~~تغليظ الكراهة، ويقول إذا دخلها: اللهم إنك قلت (ومن دخله كان آمنا) فآمني
~~من عذابك، عذاب القبر.
# ثم يصلي بين الأسطوانتين، على الرخامة الحمراء، ركعتين، يقرأ في الأولى
~~منهما، حم السجدة، وفي الثانية عدد آياتها، ثم ليصل في زوايا البيت كلها،
~~ثم يقول: اللهم من تهيأ وتعبأ إلى آخر الدعاء.
# فإذا صلى عند الرخامة الحمراء، على ما قدمناه، وفي زوايا البيت، قام
~~فاستقبل الحائط، بين الركن اليماني والغربي، يرفع يديه عليه، ويلتصق به،
~~ويدعو، ثم يتحول إلى الركن اليماني، فيفعل به مثل ذلك، ثم يفعل مثل ذلك
~~بباقي الأركان، ثم ليخرج.
# ويكره أن يصلي الإنسان الفريضة جوف الكعبة، مع الاختيار، فإن اضطر إلى
~~ذلك، لم يكن عليه بأس، فأما النوافل، فمرغب الصلاة فيها شديد الاستحباب.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته في هذا الباب: ولا يجوز أن يصلي الإنسان
~~الفريضة جوف الكعبة (2) وإليه يذهب في مسائل خلافه (3) والصحيح أنه مكروه،
~~غير محظور، وقد ذهب إلى الكراهة، في جملة وعقوده (4)، وهو الأظهر بين
~~أصحابنا، وما ورد من لفظ لا يجوز، ms0458 نحمله على تغليظ الكراهة، دون الحظر، لأن
~~الشئ إذا كان عندهم شديد الكراهة، قالوا لا يجوز، وقد ذكرنا ذلك، وأشبعنا
~~القول فيه، فيما مضى، من كتاب الصلاة.
# PageV01P614
# فإذا خرج من البيت، عاد، فاستقبله، وصلى عن يمينه ركعتين.
# ويستحب له أن يلح بالدعاء، عند الحطيم، فإنه أشرف بقعة على وجه الأرض،
~~والحطيم ما بين الحجر الأسود، وباب الكعبة، وسمي حطيما، لأن ذنوب نبي آدم،
~~تنحطم عنده، على ما روي في الأخبار.
# فإذا أراد الخروج من مكة، جاء إلى البيت، فطاف به، أسبوعا، طواف الوداع،
~~سنة مؤكدة، فإن استطاع أن يستلم الحجر، والركن، في كل شوط، فعل، وإن لم
~~يتمكن، فعل ذلك في ابتداء طوافه، وانتهائه، ثم يأتي المستجار، فيصنع عنده،
~~كما صنع يوم قدم مكة، ويتخير لنفسه من الدعاء ما أراد، ثم يستلم الحجر
~~الأسود، ثم يودع البيت، فيقول: اللهم لا تجعله آخر العهد من بيتك، ثم ليأت
~~زمزم، فيشرب من مائها، وبئر زمزم، بئر لا غير، حكها حكم الآبار ينجسها، ما
~~ينجس الآبار، ويطهرها، ما يطهر الآبار، وسميت بهذا الاسم قال أبو الحسن،
~~علي بن الحسين المسعودي، في كتابه المترجم بمروج الذهب ومعادن الجوهر، في
~~التاريخ، وغيره وهو كتاب حسن كثير، الفوائد، وهذا الرجل من مصنفي أصحابنا،
~~معتقد للحق، له كتاب المقالات قال: وقد كانت أسلاف الفرس تقصد البيت
~~الحرام، وتطوف به، تعظيما لجدها إبراهيم، وتمسكا بدينه، وحفظا لأنسابها،
~~وكان آخر من حج منهم، ساسان بن بابك، جد أردشير بن بابك، أول ملوك ساسان
~~كان وأبوهم، الذي يرجعون إليه، كرجوع الملوك المروانية، إلى مروان بن
~~الحكم، وخلفاء العباسين، إلى العباس بن عبد المطلب، فكان ساسان إذا أتى
~~البيت، طاف به، وزمزم على بئر إسماعيل، فقيل: إنما سميت زمزم، لزمزمته
~~عليها، هو وغيره، من فارس، وهذا يدل على كثرة ترادف هذا الفعل منهم، على
~~هذه البئر، وفي ذلك يقول الشاعر على قديم الزمان:
# PageV01P615
# زمزمت الفرس على زمزم * وذاك من سالفها الأقدم ثم ليخرج ويقول: آئبون،
~~تائبون، عابدون، لربنا حامدون، إلى ربنا ms0459 راغبون إلى ربنا راجعون.
# فإذا خرج من باب المسجد، فليكن خروجه، من باب الحناطين، وهي باب بني جمح
~~قبيلة من قبائل قريش، وهي بإزاء الركن الشامي، من أبواب المسجد الحرام، على
~~التقريب، فيخر ساجدا، ويقوم مستقبل الكعبة، فيقول:
# اللهم إني أنقلب على لا إله إلا الله.
# ومن لم يتمكن من طواف الوداع، أو شغله شاغل عن ذلك حتى خرج، لم يكن عليه
~~شئ.
# وإذا أراد الخروج من مكة، فالمستحب له أن يشتري بدرهم تمرا، يتصدق به،
~~على ما وردت الأخبار بذلك (1).
# باب فرائض الحج وتفصيل ذلك قد ذكرنا فرائض الحج، فيما تقدم، في اختلاف
~~ضروب الحج، وفرقنا بين الأركان، وما ليس بركن، ونحن الآن، نذكر تفصيل
~~أحكامها، إن شاء الله أما النية، فهي ركن، في الأنواع الثلاثة، من تركها
~~فلا حج له، عامدا كان، أو ناسيا، إذا كان من أهل النية، فإن لم يكن من
~~أهلها، أجزأت فيه نية غيره عنه، وذلك مثل الصبي، يحرم عنه وليه، وينوي،
~~وينعقد إحرامه عندنا فعلى هذا إذا فقد النية، لكونه سكران، وإن حضر
~~المشاهد، وقضى المناسك، لم يصح حجه بحال.
# ثم الإحرام من الميقات، وهو ركن، من تركه متعمدا، فلا حج له، وإن
# PageV01P616
# نسيه ثم ذكر، وعليه وقت، رجع وأحرم منه، فإن لم يمكنه، أحرم من الموضع
~~الذي انتهى إليه، فإن لم يذكر حتى قضى المناسك كلها، روي في بعض الأخبار
~~(1) أنه لا شئ عليه وتم حجه.
# والتلبيات الأربع، فريضة، وقال بعض أصحابنا: هي ركن، وقال بعضهم:
# إنها غير ركن، وهو مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي في مبسوطه (2) إلا أنه
~~قال:
# إن تركها متعمدا، فلا حج له، إذا كان قادرا عليها، وكذلك قال في نهايته
~~(3).
# قال محمد بن إدريس: فهذا حد الركن، إن تركه متعمدا، بطل حجه، بخلاف طواف
~~النساء، لأن طواف النساء فرض، وليس بركن، لا يجب على من أخل به متعمدا،
~~إعادة الحج، بغير خلاف.
# ثم قال شيخنا أبو جعفر: وإن تركها ناسيا، لبى حين ذكر، ولا شئ عليه (4).
# قال محمد ms0460 بن إدريس: إحرامه ما انعقد، إذا لم يلب، فيكون قد ترك الإحرام
~~ناسيا، لا أنه أحرم، ونسي التلبية، بل إحرامه ما انعقد، إذا كان متمتعا، أو
~~مفردا.
# والطواف بالبيت، إن كان متمتعا ثلاثة أطواف، أولها: طواف العمرة المتمتع
~~بها إلى الحج، وهو ركن فيها، فإن تركه متعمدا، بطلت متعته، وإن تركه ناسيا
~~أعاد.
# والثاني: طواف الزيارة، الذي هو طواف الحج، إن تركه متعمدا فلا حج له،
~~فإن تركه ناسيا، أعاده على ما مضى القول فيه.
# والثالث: طواف النساء، فهو فرض، وليس بركن، فإن تركه متعمدا، لم
# PageV01P617
# تحل له النساء، حتى يقضيه، ولا يبطل حجه، وإن تركه ناسيا، قضاه (1)، أو
~~يستنيب فيه.
# وإن كان قارنا أو مفردا، طوافان، طواف الحج، وطواف النساء وحكمهما ما
~~قلناه في المتمتع.
# ويجب مع كل طواف، ركعتان، على الصحيح من الأقوال، عند المقام، وهما
~~فرضان، فإن تركهما متعمدا، قضاهما في ذلك المقام، فإن خرج، سأل من ينوب عنه
~~فيهما، ولا يبطل حجه.
# فإن قال قائل: أصحابكم يقولون في كتبهم، الحاج المتمتع يجب عليه ثلاثة
~~أطواف، والقارن والمفرد طوافان، ولو قالوا: يجب على القارن والمفرد، أربعة
~~أطواف والمتمتع ثلاثة أطواف، كان هو الصواب، لأن القارن والمفرد عليهما مع
~~طوافيهما الذين ذكرتموهما، طوافان آخران، أحدهما طواف العمرة المبتولة،
~~والآخر طواف النساء لها، فكيف الجواب؟
# قلنا: قول أصحابنا سديد في موضعه، لأنهم قالوا يجب على الحاج القارن،
~~والمفرد، ويذكرون فرائص الحج، والمعتمر عمرة مبتولة، ليس بحاج، ولا العمرة
~~المبتولة حج، وإنما هي مقطوعة عن الحج، فلهذا قالوا مبتولة، أي مقطوعة، لأن
~~البتل القطع، وليس كذلك العمرة المتمتع بها إلى الحج، لأنها حج وحكمها حكم
~~الحج، على ما قدمناه، ولقوله عليه السلام: دخلت العمرة، في الحج هكذا وشبك
~~بين أصابعه (2).
# والسعي بين الصفا والمروة ركن، فإن كان متمتعا يلزمه سعيان، أحدهما
~~للعمرة، والآخر للحج، وإن كان مفردا، أو قارنا، سعي واحد للحج، فإن تركه
~~متعمدا، فلا حج له، وإن تركه ناسيا، قضاه أي وقت ذكره، إذا كان ذلك في أشهر ms0461
~~الحج.
# PageV01P618
# والوقوف بالموقفين، عرفات، والمشعر الحرام، ركنان، من تركهما، أو واحدا
~~منهما، متعمدا فلا حج له، فإن ترك الوقوف بعرفات ناسيا، وجب عليه أن يعود
~~فيقف بها، ما بينه وبين طلوع الفجر من يوم النحر، فإن لم يذكر إلا بعد طلوع
~~الفجر، وكان قد وقف بالمشعر، فقد تم حجه، ولا شئ عليه وإن لم يكن وقف
~~بالمشعر في وقته، وجب عليه إعادة الحج، لأنه لم يحصل له أحد الموقفين في
~~وقته.
# وإذا ورد الحاج ليلا، وعلم أنه إن مضى إلى عرفات، وقف (1) بها، وإن كان
~~قليلا، ثم عاد إلى المشعر، قبل طلوع الشمس، وجب عليه المضي إليها، والوقوف
~~بها، ثم يعود إلى المشعر، فإن غلب في ظنه، أنه إن مضى إلى عرفات، لم يلحق
~~المشعر، قبل طلوع الشمس، اقتصر على الوقوف بالمشعر، وقد تم حجه، ولا شئ
~~عليه.
# ومن أدرك المشعر، قبل طلوع الشمس، فقد أدرك الحج، فإن أدركه بعد طلوعها،
~~فقد فاته الحج.
# ومن وقف بعرفات، ثم قصد المشعر، فعاقه في الطريق عائق، فلم يلحق إلى قرب
~~الزوال، فقد تم حجه، لأنه حصل له الوقوف بأحد الموقفين في وقته.
# ومن لم يكن وقف بعرفات، وأدرك المشعر بعد طلوع الشمس، فقد فاته الحج،
~~لأنه لم يلحق أحد الموقفين في وقته.
# وذهب السيد المرتضى في انتصاره (2) إلى أن وقته، جميع اليوم من يوم
~~العيد، فمن أدرك المشعر، قبل غروب الشمس من يوم العيد، فقد أدرك المشعر.
# ومن فاته الحج، أقام على إحرامه إلى انقضاء أيام التشريق، ثم يجئ إلى
~~مكة، فيطوف بالبيت، ويسعي، ويتحلل بعمرة، إن كان قد ساق معه هديا، نحره
~~بمكة، وعليه الحج من قابل، إن كانت حجه الإسلام، وإن كانت تطوعا
# PageV01P619
# كان بالخيار، إن شاء حج، وإن شاء لم يحج، ولا يلزمه لمكان الفوات حجة
~~أخرى، لأنه لم يفسدهما.
# ومن فاته الحج، سقطت عنه توابعه، من الرمي، وغير ذلك، وإنما عليه المقام
~~بمنى استحبابا، وليس عليه بها حلق، ولا تقصير، ولا ذبح، وإنما يقصر إذا
~~تحلل بعمرة، بعد ms0462 الطواف والسعي، ولا يلزمه دم، لمكان الفوات.
# ومن كان متمتعا، ففاته الحج، فإن كانت حجة الإسلام، فلا يقضيها، إلا
~~متمتعا، لأن ذلك فرضه، ولا يجوز غيره، ويحتاج إلى أن يعيد العمرة، في أشهر
~~الحج، في السنة المقبلة، فإن لم تكن حجة الإسلام، أو كان من أهل مكة
~~وحاضريها، جاز أن يقضيها مفردا، أو قارنا.
# وإن فاته القران، أو الإفراد، جاز أن يقضيه متمتعا، لأنه أفضل، بعد أن
~~يكون قد حج حجة الإسلام متمتعا، إن كان فرضه التمتع.
# والمواضع التي يجب أن يكون الإنسان فيها مفيقا، حتى يجزيه، أربعة:
# الإحرام، والوقوف بالموقفين، والطواف، والسعي. وإن كان مجنونا أو مغلوبا
~~على عقله، لم ينعقد إحرامه.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مبسوطه: وما عدا ذلك، يصح منه
~~(١)، والأولى عندي، أنه لا يصح منه شئ من العبادات، والمناسك، إذا كان
~~مجنونا، لأن الرسول صلى الله عليه وآله قال: الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ
~~ما نوى (٢) والنية لا تصح منه، وقال تعالى: ﴿وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه
~~الأعلى﴾ (3) فنفى تعالى أن يجزي أحدا بعمله، إلا ما أريد وطلب به وجه
~~ربه الأعلى، والمجنون لا إرادة له.
# PageV01P620
# وصلاة الطواف، حكمها حكم الأربعة، سواء، وكذلك طواف النساء.
# وكذلك حكم النوم سواء وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه: والأولى، أن نقول:
~~يصح منه الوقوف بالموقفين، وإن كان نائما، لأن الغرض الكون فيه، لا الذكر
~~(1).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: هذا غير واضح، ولا بدله من نية
~~القربة في الوقوف، بغير خلاف، لما قدمناه من الأدلة، والإجماع أيضا حاصل
~~عليه، إلا أنه قال في نهايته: ومن حضر المناسك كلها، ورتبها في مواضعها،
~~إلا أنه كان سكران، فلا حج له، وكان عليه الحج من قابل (2) وهذا هو الواضح
~~الصحيح، الذي يقتضيه الأصول.
# باب مناسك النساء في الحج والعمرة الحج واجب على النساء، كوجوبه على
~~الرجال، لأن الآية عامة، والإجماع منعقد عليه، وشرائط وجوبه عليهن شرائط
~~وجوبه ms0463 عليهم سواء، وليس من شرطه عليهن وجود محرم، ولا زوج، ولا طاعة للزوج
~~عليها في حجة الإسلام، ومعنى ذلك، أنها إذا أرادت حجة الإسلام، فليس لزوجها
~~منعها من ذلك، وينبغي أن يساعدها على الخروج معها، فإن لم يفعل، خرجت مع
~~بعض الرجال الثقات، من المؤمنين، وإن أرادت أن تحج تطوعا، لم يكن لها ذلك،
~~وكان له منعها منه، وإن نذرت الحج، فإن كان النذر قبل العقد عليها أو بعد
~~العقد وكان بإذن زوجها كان حكمه حكم حجة الإسلام، وإن كان بغير إذنه لم
~~ينعقد نذرها.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في الجمل والعقود: وما يلزم الرجال
~~بالنذر، يلزم مثله النساء (3) وأطلق ذلك، ولم يقيده، ولا فصله، وقيد ذلك
# PageV01P621
# وفصله - على ما فصلناه وقيدناه - في مبسوطه (1) هو الحق اليقين وإذا كانت
~~في عدة الطلاق، جاز لها أن تخرج في حجة الإسلام، سواء كانت للزوج عليها
~~رجعة، أو لم يكن، وليس لها أن تخرج في حجة التطوع، إلا في التطليقة التي لا
~~يكون للزوج عليها فيها رجعة.
# فأما عدة المتوفى عنها زوجها، أو عدة الفسخ، فإنه يجوز لها أن تخرج، على
~~كل حال، فرضا كان الحج، أو نفلا.
# وإذا حجت المرأة بإذن الزوج، حجة التطوع، أو بلا إذنه حجة الإسلام، كان
~~قدر نفقة الحضر عليه، وما زاد لأجل السفر عليها، فإن أفسدت حجها، بأن مكنت
~~زوجها من وطئها مختارة، قبل الوقوف بالمشعر، لزمها القضاء، وكان في القضاء
~~مقدار نفقة الحضر على الزوج، وما زاد على ذلك فعليها، في مالها، ويلزمها مع
~~ذلك كفارة، وهي بدنة، في مالها خاصة.
# وقد بينا كيفية إحرامها، في باب الإحرام، وإن عليها أن تحرم من الميقات،
~~ولا تؤخره، فإن كانت حائضا توضأت، وضوء الصلاة، واحتشت، واستثفرت، واغتسلت،
~~وأحرمت، إلا أنها لا تصلي ركعتي الإحرام.
# فإن قيل: الحائض لا يصح منها الغسل، ولا الوضوء.
# قلنا: لا يصحان منها على وجه يرفعان الحدث، وأما على غير ذلك، الوجه،
~~فإنهما يصحان منها بغير خلاف، وغسل الإحرام، لا يرفع ms0464 الحدث، وإنما هو
~~للتنظيف على وجه العبادة.
# وكذلك يصح منها غسل الأعياد، والجمع فإن تركت الإحرام، ظنا منها أنه لا
~~يجوز لها ذلك، حتى جاز الميقات، فعليها أن ترجع إليه، وتحرم منه مع
~~الإمكان، فإن لم يمكنها، أحرمت من موضعها، ما لم تدخل مكة، فإن
# PageV01P622
# دخلتها، خرجت إلى خارج الحرم وأحرمت من هناك، فإن لم يمكنها، أحرمت من
~~موضعها.
# وإذا دخلت المرأة مكة، متمتعة، طافت بالبيت، وسعت بين الصفا والمروة،
~~وقصرت، وقد أحلت من كل شئ أحرمت منه، مثل الرجال سواء.
# فإن حاضت قبل الطواف، انتظرت ما بينها، وبين الوقت الذي تخرج إلى عرفات،
~~وقد بينا فيما مضى، فإن طهرت، طافت وسعت، وإن لم تطهر، فقد مضت متعتها،
~~وتكون حجة مفردة، تقضي المناسك، كلها، ثم تأتي بالعمرة بعد ذلك مبتولة،
~~ويكون حكمها حكم من حج مفردا، ولا هدي عليها.
# وإن طافت بالبيت ثلاثة أشواط، ثم حاضت، كان حكمها حكم من لم يطف، وقد
~~قدمناه.
# وإذا حاضت، وقد طافت أربعة أشواط، قطعت الطواف، وسعت، وقصرت، ثم أحرمت
~~بالحج وقد تمت متعتها، فإذا فرغت من المناسك، وطهرت، تممت الطواف، بانية
~~على ما طافت، غير مستأنفة له، هكذا ذكره شيخنا أبو جعفر، وذهب إليه في
~~كتبه.
# والذي تقتضيه الأدلة، إنها إذا جاءها الحيض، قبل جميع الطواف، فلا متعة
~~لها، وإنما ورد بما قاله شيخنا أبو جعفر خبران مرسلان، فعمل عليهما وقد
~~بينا، أنه لا يعمل بأخبار الآحاد، وإن كانت مسندة فكيف بالمراسيل.
# وإن طافت الطواف كله، ولم تصل عند المقام، ثم حاضت، خرجت من المسجد،
~~وسعت، وقصرت، وأحرمت بالحج، وقضت المناسك، كلها، ثم تقضي الركعتين إذا
~~طهرت.
# وإذا طافت بالبيت، وسعت بين الصفا والمروة، وقصرت، ثم أحرمت بالحج، وخافت
~~أن يجيئها الحيض، فيما بعد فلا تتمكن من طواف الزيارة، وطواف النساء، جاز
~~لها أن تقدم الطوافين معا، والسعي، ثم تخرج فتقضي باقي PageV01P623
# المناسك، وتمضي إلى منزلها، على ما روي في شواذ الأخبار (1).
# وقد ذهب إلى ذلك، شيخنا أبو جعفر، في نهايته (2)، ورجع عنه ms0465 في مسائل
~~الخلاف (3) وقال: روى أصحابنا، رخصة في تقديم الطواف والسعي، قبل الخروج
~~إلى منى، وعرفات.
# والصحيح أنه لا يجوز تقديم المؤخر، ولا تأخير المقدم، من أفعال الحج،
~~لأنه مرتب، هذا هو الذي تقتضيه أصول المذهب، والإجماع منعقد عليه،
~~والاحتياط يقتضيه أيضا، فلا يرجع عن المعلوم إلى المظنون، وأخبار الآحاد لا
~~توجب علما ولا عملا.
# ويجوز للمستحاضة، أن تطوف بالبيت وتصلى عند المقام وتشهد المناسك كلها،
~~إذا فعلت ما تفعله المستحاضة، لأنها بحكم الطاهرات.
# فإذا أرادت الحائض وداع البيت، فلا تدخل المسجد، بل تودع من أدنى باب من
~~أبواب المسجد، وتنصرف والمراد بأدنى باب يعني أقرب باب من أبواب المسجد إلى
~~الكعبة.
# وإذا كانت المرأة عليلة، لا تقدر على الطواف طيف بها، وإن كان بها علة
~~تمنع من حملها، والطواف بها، طاف عنها وليها، وليس عليها شئ.
# وليس على النساء رفع الصوت بالتلبية، لا وجوبا، ولا استحبابا، ولا كشف
~~الرأس.
# ويجوز لها لبس المخيط، وقال شيخنا في نهايته: يحرم، على النساء في
~~الإحرام، من لبس المخيط، مثل ما يحرم على الرجال (4). وقد رجع عن ذلك في
~~مبسوطه، وقال: يجوز لهن لبس المخيط (5).
# PageV01P624
# وكذلك يجوز لها تظليل المحمل وليس عليها حلق، ولا دخول البيت مؤكدا فإن
~~أرادت دخول البيت، فلتدخله إذا لم يكن زحام.
# وقد روي أن المستحاضة، لا يجوز لها دخول البيت على حال (١)، وذلك على
~~تغليظ الكراهة، لا على جهة الحظر، لأنا قد بينا أنها بحكم الطاهرات.
# وذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في الجزء الأول من مسائل خلافه (٢)
~~في كتاب الحج، فقال: مسألة، يجوز للمرأة أن تخرج في حجة الإسلام، وإن كانت
~~معتدة، أي عدة كانت، ومنع الفقهاء كلهم من ذلك ثم استدل، فقال: دليلنا
~~إجماع الفرقة، وعموم الآية، لم يذكر فيها، إلا أن تكون في العدة، فمن منع
~~في هذه الحال، فعليه الدلالة، ثم ذهب في الجزء الثالث، في مسائل خلافه، في
~~كتاب العدد، فقال: مسألة، إذا أحرمت المرأة بالحج ثم طلقها زوجها ووجب
~~عليها العدة، ms0466 فإن كان الوقت ضيقا بحيث تخاف فوت الحج إن أقامت، فإنها تخرج
~~وتقضي حجها، ثم تعود، فتقضي باقي العدة، إن بقي عليها شئ، وإن كان الوقت
~~واسعا، أو كانت محرمة بعمرة، فإنها تقيم، وتقضي عدتها، ثم تحج وتعتمر (٣)
~~ثم قال: دليلنا قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (4) ولم يفصل.
# قال محمد بن إدريس: الصحيح ما قاله وذهب إليه في المسألة الأولى التي
~~ذكرها في كتاب الحج، لأن في حجة الإسلام تخرج بغير إذن الزوج، بغير خلاف
~~بيننا، والآية أيضا دليل على ذلك وإجماعنا وقوله عليه السلام: (لا تمنعوا
~~أماء الله مساجد الله، فإذا خرجن فليخرجن تفلات) بالتاء المنقطة من فوقها
~~نقطتين المفتوحة، والفاء المكسورة، أي غير متطيبات.
# PageV01P625
# باب الاستيجار للحج، ومن يحج عن غيره من وجب عليه الحج، لا يجوز له أن
~~يحج عن غيره، ولا تنعقد الإجارة إلا بعد أن يقضي حجه الذي وجب عليه، فإذا
~~أتى به، جاز له بعد ذلك، أن يحج عن غيره، سواء وجبت عليه، واستقرت، أو
~~وجبت، ولم تستقر، وكان متمكنا من المضي، ثم فرط، فأما إن وجبت عليه الحجة،
~~ولم يفرط في المضي، ثم حدث ما يمنعه من المضي، ولم يتمكن منه، ثم لم يقدر
~~على الحج، فيما بعده، ولا حصلت له شرائطه، فإنه يجوز له أن يحج عن غيره،
~~لأنه لم تستقر في ذمته، فأما من استقرت حجة الإسلام في ذمته، بأن فرط فيها،
~~فلا يجوز أن يحج عن غيره، سواء افتقر فيما بعد، أو لم يفتقر، تمكن من
~~المضي، أو لم يتمكن. فأما من لم يجب عليه، ولم يتمكن من الحج، ولا حصلت له
~~شرائطه، يجوز له أن يحج عن غيره، فإن تمكن بعد ذلك من المال، كان عليه أن
~~يحج عن نفسه.
# وينبغي لمن يحج عن غيره، أن يذكره في المواضع كلها باللفظ، مندوبا لا
~~وجوبا، فيقول عند الإحرام: اللهم ما أصابني من تعب، أو نصب، أو لغوب، فأجر
~~فلان بن فلان، وآجرني في نيابتي ms0467 عنه. وكذلك يذكره عند التلبية، والطواف
~~والسعي، والموقفين، وعند الذبح، وعند قضاء جميع المناسك، فإن لم يذكره في
~~هذه المواضع باللفظ وكانت نيته الحج عنه، ونوى ذلك بقلبه، دون لسانه، فقد
~~أجزأ ذلك.
# ومن أمر غيره أن يحج عنه متمتعا، فليس له أن يحج عنه مفردا، ولا قارنا،
~~فإن حج عنه كذلك، لم يجزأه، وكان عليه الإعادة، إن كانت الحجة المستأجر لها
~~غير معينة بزمان، بل كانت الإجارة في الذمة غير مقيدة بزمان، فإن كانت
~~مقيدة بزمان، انفسخت الإجارة، ووجب عليه رد جميع الأجرة، وكان المستأجر
~~بالخيار، بين أن يستأجر هو أو غيره. PageV01P626
# وإن أمره أن يحج عنه مفردا، أو قارنا، جاز له أن يحج عنه متمتعا، لأنه
~~يعدل إلى ما هو الأفضل، هكذا رواية أصحابنا (1)، وفتياهم.
# وتحقيق ذلك أن من كان فرضه التمتع، فحج عنه قارنا، أو مفردا، فإنه لا
~~يجزيه، ومن كان فرضه القران، أو الإفراد، فحج عنه متمتعا، فإنه لا يجزيه
~~إلا أن يكون قد حج المستنيب حجة الإسلام، فحينئذ يصح إطلاق القول، والعمل
~~بالرواية، ويدل على هذا التحرير، قولهم: وإن أمره أن يحج عنه مفردا، أو
~~قارنا، جاز له أن يحج عنه متمتعا، لأنه يعدل إلى ما هو أفضل، فلو لم يكن قد
~~حج حجة الإسلام بحسب فرضه، وحاله، وتكليفه، لما كان التمتع أفضل، بل كان إن
~~كان فرضه التمتع، فهو الواجب، لا يجوز سواه، وليس لدخول (أفضل) معنى، لأن
~~أفعل، لا يدخل إلا في أمرين، يشتركان ثم يزيد أحدهما على الآخر وكذلك لو
~~كان فرضه القران، أو الإفراد، لما كان التمتع أفضل، بل لا يجوز له التمتع،
~~فكيف يقال أفضل، فيخص إطلاق القول، والأخبار بالأدلة، لأن العموم قد يخص
~~بالأدلة، بغير خلاف.
# ومن أمر غيره أن يحج عنه على طريق بعينها، جاز له أن يعدل عن تلك الطريق
~~إلى طريق آخر.
# (2) وإذا أمره أن يحج عنه بنفسه، فليس له أن يأمر غيره بالنيابة عنه.
# وإن جعل الأمر في ذلك إليه، ووكله إليه، إما بنفسه، أو ms0468 يستأجر عنه، ويكون
~~وكيلا له في عقد الإجارة مع غيره، جاز ذلك.
# فأما أن أمره أن يستأجر له، من يحج عنه فلا يجوز للمأمور أن يحج عن الآمر
~~وإذا أخذ حجة عن غيره، وكانت معينة بسنة معلومة، فلا يجوز أن يأخذ حجة أخرى
~~لتلك السنة، لأن الإجارة معينة بزمان، فلا يصح أن يعمل فيه عملا لغير
# PageV01P627
# المستأجر، لأن منافعه قد استحقت عليه في ذلك الزمان، فإن خالف وخرج
~~الزمان، والسنة المعينة، ولم يحرم، انفسخت الإجارة، لأن الوقت الذي عينه قد
~~فات، وإن أخذ حجة، ليحج في غير تلك السنة، فلا بأس.
# وإن كانت الحجة في الذمة لا معينة بزمان، بأن يقول استأجرتك على أن تحج
~~عني، صح العقد، واقتضى التعجيل، في هذا العام.
# وإن شرط التأجيل إلى عام، أو عامين، جاز، فإذا وقع مطلقا، فانقضت السنة
~~قبل فعل الحج، لم تبطل الإجارة، ولا ينفسخ العقد، لأن الإجارة في الذمة لا
~~تبطل بالتأخير، وليس للمستأجر أن يفسخ الإجارة، لمكان التأخير فإذا أحرم في
~~السنة الثانية، كان إحرامه صحيحا عمن استأجره.
# إذا مات الأجير، فإن كان قبل الإحرام، وجب على ورثته أن يردوا بمقدار
~~أجرة ما بقي من المسافة، وإن كان موته بعد الإحرام، لا يلزمه شئ، وأجزأت عن
~~المستأجر، وسواء كان ذلك قبل استيفاء الأركان، أو بعدها، قبل التحلل، أو
~~بعده، وعلى جميع الأحوال، لعموم الأخبار في ذلك (1).
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي في نهايته: فإن مات النائب في الحج، وكان
~~موته بعد الإحرام، ودخول الحرم، فقد سقطت عنه عهدة الحج، وأجزأ عمن حج عنه،
~~وإن مات قبل الإحرام، ودخول الحرم، كان على ورثته، إن خلف في أيديهم شيئا
~~مقدار ما بقي عليه من نفقة الطريق، فراعى دخول الحرم، والإحرام معا (2)،
~~والصحيح ما ذكرناه، واخترناه، وهو مجرد الإحرام، دون دخول الحرم، وإلى هذا
~~القول ذهب في مبسوطه (3) وأفتى، ودل على صحته، في مسائل خلافه (4) وهو
~~الصحيح.
# PageV01P628
# ومن حج عن غيره، فصد عن بعض الطريق كان عليه مما أخذه، بمقدار ما بقي ms0469 من
~~الطريق اللهم إلا أن يضمن الحج فيما يستأنف، ويتولاه بنفسه، إن كانت السنة
~~معينة، وإن كانت الإجارة في الذمة، فعلى ما ذكرناه.
# والذي تقتضيه أصول المذهب، ويشهد بصحته الاعتبار، أن المستأجر على الحج،
~~إذا صد، أو مات قبل الإحرام، لا يستحق شيئا، من الأجرة، لأنه ما فعل الحج
~~الذي استؤجر عليه، ولا دخل فيه، ولا فعل شيئا من أفعاله.
# وإلى ما اخترناه، يذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه (1) ودل على صحته،
~~إلا أنه قوى ما ذهب إليه الصيرفي، والإصطخري، صاحبا الشافعي، من أنه (2)
~~يستحق من الأجرة بمقدار ما قطع من المسافة، تعليلا منهما، وتخريجا، ولا
~~حاجة بنا إلى ذلك، مع قيام الأدلة، على أن المستناب لم يأت بما استنيب فيه،
~~ولا شيئا من أفعاله. ولا يجوز للإنسان أن يطوف عن غيره، وهو بمكة، إلا أن
~~يكون الذي يطف عنه مبطونا لا يقدر على الطواف بنفسه، ولا يمكن حمله،
~~والطواف به، ومعنى مبطون، أي به بطن، وهو الذرب، وانطلاق الغائط، وإن كان
~~غائبا، جاز أن يطاف عنه.
# وإذا حج الإنسان عن غيره، من أخ له، أو أب، أو ذي قرابة، أو مؤمن فإن
~~ثواب ذلك يصل إلى من حج عنه، من غير أن ينقص من ثوابه شئ.
# وإذا حج عمن يجب عليه الحج، بعد موته تطوعا منه بذلك، فإنه يسقط عن الميت
~~بذلك، فرض الحج، على ما روى أصحابنا في الأخبار (3).
# ومن كان عنده وديعة، مات صاحبها، وله ورثة، وكان قد وجبت عليه حجة
~~الإسلام، واستقرت في ذمته، ولم يحجها، جاز له أن يأخذ منها، بمقدار ما يحج
~~عنه من بلده، ويرد الباقي، لأن الورثة لا تستحق الميراث، إلا بعد قضاء
# PageV01P629
# الديون والحج من جملة الديون (1).
# إذا غلب على ظنه أن ورثته لا يقضون عنه حجة الإسلام، فإن غلب على ظنه
~~أنهم يتولون القضاء عنه، فلا يجوز له أن يأخذ منها شيئا، إلا بأمرهم.
# ولا بأس أن تحج المرأة عن المرأة وعن الرجل، سواء كانت المرأة النائبة
~~حجت جحة ms0470 الإسلام، أو لم تحج صرورة كانت، أو غير صرورة.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته (2)، واستبصاره (3): ولا
~~بأس أن تحج المرأة عن الرجل، إذا كانت قد حجت حجة الإسلام، وكانت عارفة،
~~وإذا لم تكن حجت حجة الإسلام، وكانت صرورة، لم يجز لها أن تحج عن غيرها على
~~حال، والأول هو الصحيح والأظهر، وبه تواترت عموم الأخبار (4)، والإجماع
~~منعقد على جواز الاستنابة في الحج، فالمخصص يحتاج إلى دليل، ولا يجوز أن
~~نرجع في التخصيص إلى خبر واحد، لا (5) يوجب علما، ولا عملا، وتعارضه أخبار
~~كثيرة، وإنما شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله خص عموم الأخبار المتواترة
~~العامة (6)، بأخبار آحاد، متوسطا وجامعا بينها، في كتاب الإستبصار (7)، ولم
~~يتعرض أحد من أصحابنا لذلك بقول، ولا تخصيص، وما اخترناه مذهب شيخنا المفيد
~~محمد بن محمد بن النعمان الحارثي رحمه الله في كتابه الأركان فإنه قال: ومن
~~وجب عليه الحج، فلا يجوز له أن يحج عن غيره، ولا بأس أن يحج الصرورة عن
~~الصرورة، إذا لم يكن للصرورة مال يحج به عن نفسه ثم قال في باب مختصر
~~المسائل في الحج والجوابات: مسألة أخرى، فإن سأل سائل، فقال: لم زعمتم أن
~~الصرورة الذي لم يحج حجة الإسلام، يجوز له أن يحج عن غيره، وهو لم يؤد فرض
~~نفسه؟ وما الدليل على ذلك؟ جواب، قيل له:
# PageV01P630
# الدليل عليه، مع ما ورد من النص (1) عن أئمة الهدي عليهم السلام، إن
~~القضاء عن الحاج، إنما يحتاج فيه إلى العلم بمناسك الحج، فإذا وجد من يعلم
~~ذلك، ويتمكن من إقامة الفرض، ولم يمنعه منه مانع من فساد في الديانة، أو
~~لزوم فرض، أو ما وجب (2) عليه من أداء هذا الفرض، على وجه القضاء، فقد لزم
~~القول بجواز ذلك، وفسد العقد على إبطاله. ثم قال: ويؤيد هذا، ما رواه
~~الزهري عن سليمان بن بشار، عن ابن عباس، قال: حدثني الفضل بن عباس، قال:
~~أتت امرأة من خثعم رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: يا رسول الله ms0471 إن
~~أبي أدركته فريضة الحج، وهو شيخ كبير، لا يستطيع أن يثبت على دابته، فقال
~~لها رسول الله صلى الله عليه وآله: فحجي عن أبيك (3) فأطلق الأمر لها
~~بالحج، عن غيرها، ولم يشترط عليه السلام عليها في ذلك، أن تحج أولا عن
~~نفسها، ولا جعل الأمر لها بشرط إن كانت حجت قبل الحال عن نفسها، فدل ذلك
~~على أنه إذا لم يكن مانع للإنسان من الحج، وكان ظاهر العدالة، فله أن يحج
~~عن غيره، ثم قال: سؤال، فإن قال قائل: إن هذا الخبر يوجب عليكم جواز حج
~~الإنسان عن غيره، وإن كان له مال يستطيع به الحج عن نفسه، لأن النبي صلى
~~الله عليه وآله، لم يسألها أيضا عن حالها، ولا شرط لها في ذلك عدم
~~استطاعتها بنفسها، وهذا نقض مذهبكم قال رحمه الله: جواب، قيل له:
# ليس الأمر على ما ظننت، وذلك أن توجه الفرض إلى واجد الاستطاعة بظاهر
~~القرآن، يعني النبي صلى الله عليه وآله عن الشرط في ذلك، وإذا كان المستطيع
~~قد توجه إليه فرض الحج عن نفسه، ووجب عليه على الفور بما قدمناه، فقد حظر
~~عليه كل ما أخرجه عن القيام، بما وجب عليه، فكانت هذه الدلالة
# PageV01P631
# مغنية عن الشرط، لما ضمنه، على ما بيناه، ولم يشتبه القول في خلافه،
~~لتعريه من الدلالة بما شرحناه (1)، هذا آخر قول شيخنا المفيد رحمه الله.
# ولا يجوز لأحد أن يحج عن غيره، إذا كان مخالفا له في الاعتقاد، من غير
~~استثناء سواء كان أباه، أو غيره.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي في نهايته: اللهم إلا أن يكون أباه، فإنه
~~يجوز له أن يحج عنه.
# وهذه رواية شاذة، أوردها رضي الله عنه في هذا الكتاب، كما أورد أمثالها،
~~مما لا يعمل به، ولا يعتقد صحته، ولا يفتي به، إيرادا لا اعتقادا، لأنه
~~كتاب خبر، لا كتاب بحث ونظر، على ما قدمنا القول في معناه.
# ومتى فعل الأجير من محظورات الإحرام ما يلزمه به كفارة، كان عليه في
~~ماله، من الصيد ms0472 واللباس، والطيب، وغير ذلك.
# وإن أفسد الحجة، وجب عليه قضاؤها عن نفسه، وكانت الحجة باقية عليه، ثم
~~ينظر فيها، فإن كانت معينة بزمان، انفسخت الإجارة، ولزم المستأجر أن يستأجر
~~من ينوب عنه فيها، وإن لم تكن معينة، بل تكون في الذمة، لم تتفسخ، وعليه أن
~~يأتي بحجة أخرى في المستقبل، عمن استأجره، بعد أن يقضي الحجة التي أفسدها
~~عن نفسه، ولم يكن للمستأجر فسخ هذه الإجارة عليه، والحجة الأولى مفسودة
~~(2)، لا تجزي عنه، والثانية قضاء عنها، عن نفسه، وإنما يقضي عن المستأجر،
~~بعد ذلك على ما بيناه.
# ومن استأجر إنسانا ليحج عنه متمتعا، فإن هدي المتعة تلزم الأجير في ماله،
~~لأنه متضمن (4) العقد.
# إذا كان عليه حجتان، حجة النذر، وحجة الإسلام، وهو معضوب، بالعين
# PageV01P632
# غير المعجمة، والضاد المعجمة، وهو الذي خلق نضوا، ولا يقدر على الثبوت
~~على الراحلة، جاز له أن يستأجر رجلين، يحجان عنه، في سنة واحدة، يكون فعل
~~كل واحد منهما واقعا بحسب نيته، سبق أو لم يسبق.
# باب العمرة المفردة العمرة فريضة مثل الحج، لا يجوز تركها، ومن تمتع
~~بالعمرة إلى الحج، سقط عنه فرضها، وإن لم يتمتع، كان عليه أن يعتمر، بعد
~~انقضاء الحج، إن أراد بعد انقضاء أيام التشريق، إن شاء أخرها، إلى استقبال
~~المحرم، لأن جميع أيام السنة وقت لها، على ما ذكرناه متقدما.
# ومن دخل مكة بالعمرة المفردة، في غير أشهر الحج، لم يجز له أن يتمتع بها
~~إلى الحج، فإن أراد التمتع، كان عليه تجديد عمرة في أشهر الحج، وإن دخل مكة
~~بالعمرة المفردة، في أشهر الحج، جاز له أن يقضيها، ويخرج إلى بلده، أو إلى
~~أي موضع شاء، والأفضل له، أن يقيم حتى يحج، ويجعلها متعة.
# وإذا دخل مكة بعد خروجه، فإن كان بين خروجه ودخوله أقل من شهر، فلا بأس
~~أن يدخل مكة بغير إحرام، ويجوز له أن يتمتع بعمرته، الأولى، وإن كان شهرا
~~فصاعدا، فلا يجوز له أن يدخل مكة إلا محرما، ولا يجوز له أن يتمتع بعمرته
~~الأولة، ms0473 بل الواجب عليه إنشاء عمرة يتمتع بها، والأفضل له أن يقيم حتى يحج
~~ويجعلها متعة (1).
# وإذا دخلها بنية التمتع، فينبغي له أن لا يجعلها مفردة، وإن لا يخرج من
~~مكة، لأنه صار مرتبطا بالحج.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي في نهايته: لم يجز له أن يجعلها مفردة، وأن
~~يخرج من مكة لأنه صار مرتبطا بالحج، والأولى ما ذكرناه، من كون ذلك مكروها،
~~لا أنه محظور، بل الأفضل له أن لا يخرج من مكة، والأفضل له أن لا
# PageV01P633
# يجعلها مفردة (1)، وقد رجع شيخنا عما في نهايته، في مبسوطه (2)، وقال بما
~~اخترناه، لأنه لا دليل على حظر الخروج من مكة، بعد الإحلال من جميع
~~مناسكها، والاعتبار في رجوعه ما ذكرناه أولا، من الشهر حرفا فحرفا.
# وأفضل العمرة ما كانت في رجب وهي تلي الحج، في الفضل على ما روي (3).
# ويستحب أن يعتمر الإنسان في كل شهر، إذا تمكن من ذلك، وفي كل عشرة أيام،
~~وقد بينا فيما مضى، أقل ما يكون بين العمرتين، وما اخترناه في ذلك، وهو
~~جواز الاعتمار في سائر الأيام، وهو مذهب السيد المرتضى، لأن الإجماع منعقد
~~على جواز الاعتمار، والحث عليه، والترغيب فيه، فمن خصص ذلك، يحتاج إلى
~~دليل، ولا يلتفت إلى أخبار الآحاد في ذلك، إن وجدت.
# وذكر شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في مسائل خلافه مسألة أورد فيها
~~وانس كلما حمم، رأسه، اعتمر، يعنى نبت شعره. قال محمد بن إدريس: حمم بالحاء
~~غير المعجمة، رأسه، إذا اسود بعد الحلق، وحمم الفرخ، إذا طلع ريشه، فأردت
~~إيراد الكلمة، لئلا تصحف.
# وينبغي إذا أحرم المعتمر، أن يذكر في دعائه أنه محرم بالعمرة المفردة
~~وإذا دخل الحرم، قطع التلبية حسب ما قدمناه، هذا إذا جاء من بلده، وأحرم من
~~أحد المواقيت، فأما من خرج من مكة، إلى خارج الحرم، ليعتمر، وأحرم، فلا
~~يقطع التلبية، إلا إذا شاهد الكعبة.
# فإذا دخل مكة، طاف بالبيت طوافا واحدا، وسعى بين الصفا والمروة، ثم يقصر
~~إن شاء، وإن شاء حلق. وفي العمرة ms0474 المتمتع بها إلى الحج، لا يجوز له
# PageV01P634
# الحلق، بل الواجب المتحتم عليه، التقصير.
# ويجب عليه أعني على المعتمر عمرة مفردة، بعد تقصيره، أو حلقه، لتحلة
~~النساء، طواف، وقد أحل من كل شئ أحرم منه.
# باب حكم العبيد والمكاتبين والمدبرين في الحج لا يجوز للعبد أن يحرم إلا
~~بإذن سيده، فإن أحرم بغير إذنه، لم ينعقد إحرامه، وللسيد منعه، منه، فإن
~~أذن له سيده في الإحرام بالحج،، فأحرم، لم يكن له فيما بعد منعه،، وهكذا
~~الحكم في المدبر، والمدبرة، وأم الولد، لا يختلف الحكم فيه، والأمة
~~المزوجة، لمالكها منعها من الإحرام، وللزوج أيضا منعها، والمكاتب لا ينعقد
~~إحرامه، سواء كان مشروطا عليه، أو مطلقا لأنه إن كان مشروطا عليه فهو بحكم
~~الرق، وإن كان مطلقا، وقد تحرر منه بعضه، فهو غير متعين.
# إذا أحرم العبد بإذن سيده، ثم أعتق، فإن أدرك المشعر الحرام بعد العتق،
~~فقد أدرك حجة الإسلام، وإن فاته المشعر، فقد فاته الحج، وعليه الحج فيما
~~بعد، إذا وجدت الشرائط.
# وإذا أحرم بغير إذن سيده، ثم أفسد الحج، لم يتعلق به حكم، لأنا قد بينا
~~أن إحرامه، غير منعقد.
# وإن أحرم بإذن سيده، فأفسد الحج لزمه القضاء وعلى سيده تمكينه منه.
# وإذا أفسد العبد الحج ولزمه القضاء على ما قلناه، فأعتقه السيد، فلا يخلو
~~أن يكون بعد الوقوف بالمشعر، أو قبله، فإن كان بعده، كان عليه أن يتم هذه
~~الحجة، وتلزمه حجة الإسلام فيما بعد، وحجة القضاء، ويجب عليه البدأة بحجة
~~الإسلام مع وجود الشرائط، وحصولها، ثم بحجة القضاء، وإن أعتق قبل الوقوف
~~بالمشعر، فلا فصل بين أن يفسد بعد العتق أو قبل العتق، فإنه يمضي في فاسده،
~~ولا تجزيه الفاسدة عن حجة الإسلام، ويلزمه القضاء في القابل، PageV01P635
# ويجزيه القضاء عن حجه الإسلام، لأن ما أفسده، لو لم يفسده لكان يجزيه عن
~~حجة الإسلام، وهذه قضاء عنها.
# إذا أحرم بإذن مولاه، فارتكب محظورا عامدا، يلزمه به دم، مثل اللباس،
~~والطيب، وحلق الشعر، وتقليم الأظفار، واللمس بشهوة، والوطي في الفرج، ms0475 أو
~~فيما دون الفرج، وقتل الصيد، أو أكله، ففرضه الصيام، وليس عليه دم، وليس
~~لمولاه منعه من الصيام لأنه دخل في الإحرام بإذنه، فيلزمه الإذن في توابعه.
# ودم المتعة، فسيده بالخيار، بين أن يهدي عنه، أو يأمره بالصيام، وليس له
~~منعه من الصيام، لأنه بإذنه دخل فيه.
# باب حكم الصبيان في الحج الصبي الذي لم يبلغ، قد بينا أنه لا حج عليه،
~~ولا ينعقد إحرامه، ويجوز عندنا أن يحرم عنه الولي، والولي الذي يصح إحرامه
~~عنه، الأب، والجد، وإن علا، فإن كان غيرهما، فإن كان وصيا، أو له ولاية
~~عليه وليها، فهو بمنزلة الأب.
# النفقة الزائدة على نفقته في الحضر، يلزم وليه دونه.
# وكل ما أمكن الصبي أن يفعله من أفعال الحج، فعله، وما يمكنه، فعلى وليه
~~أن ينوب عنه، والوقوف بالموقفين، يحضر على كل حال، مميزا كان، أو غير مميز،
~~وأما الإحرام، فإن كان مميزا، أحرم بنفسه، وإن لم يكن مميزا، أحرم عنه
~~وليه، ورمي الجمار كذلك الطواف، ومتى طاف به، ونوى به الطواف عن نفسه، أجزأ
~~عنهما، وحكم السعي مثل ذلك، وليس كذلك ركعتا الطواف.
# وأما محظورات الإحرام، فكل ما يحرم على المحرم البالغ، يحرم على الصبي،
~~والنكاح إن عقد له، كان باطلا، وأما الوطي فيما دون الفرج، واللباس،
~~والطيب، واللمس بشهوة وحلق الشعر، وترجيل الشعر، وترجيل الشعر، وتقليم
~~الأظفار، فالظاهر أنه لا يتعلق به شئ، لما روي عنهم عليهم السلام، من أن
~~عمد الصبي PageV01P636
# وخطأه سواء (1)، والخطأ في هذه الأشياء، لا يتعلق به كفارة من البالغين.
# وقيل: إن قتل الصيد، يتعلق به الجزاء، على كل حال، لأن النسيان يتعلق به
~~من البالغ، الجزاء.
# والصحيح أنه لا يتعلق بذلك كفارة، وحمله على ما قيل قياس، لأن الخطاب
~~متوجه في الأحكام الشرعيات، والعقليات، إلى العقلاء البالغين المكلفين
~~والصبي غير مخاطب بشئ من الشرعيات، ولولا الإجماع، والدليل القاهر، لما
~~أوجبنا على البالغ في النسيان شيئا، فقام الدليل في البالغ، ولم يقم في غير
~~البالغ.
# وقال شيخنا أبو جعفر، في مبسوطه: ms0476 قتل الصيد يتعلق به الجزاء، على كل حال،
~~قال: لأن النسيان يتعلق به من البالغ الجزاء.
# وأما الوطي في الفرج، فإن كان ناسيا، لا شئ عليه، ولا يفسد حجه، مثل
~~البالغ سواء، وإن كان عامدا، فعلى ما قلناه، من أن عمده وخطأه سواء، لا
~~يتعلق به أيضا فساد الحج، ثم قال: ولو قلنا أن عمده عمد، لعموم الأخبار،
~~فيمن وطأ عامدا في الفرج، من أنه يفسد حجه، فقد فسد حجه، ويلزمه القضاء، ثم
~~قال والأقوى الأول، لأن إيجاب القضاء يتوجه إلى المكلفين، وهذا ليس بمكلف
~~(2) هذا آخر كلام شيخنا في مبسوطه، وهو الأصح، بل الحق اليقين، وقد قلنا ما
~~عندنا في ذلك.
# باب في حكم المحصور والمصدود الحصر عند أصحابنا لا يكون إلا بالمرض،
~~والصد يكون من جهة العدو، وعند الفقهاء، الحصر والصد واحد، وهما من جهة
~~العدو، والصحيح الأول،
# PageV01P637
# فالمحصور هو الذي يلحقه المرض في الطريق، فلا يقدر على النفوذ إلى مكة،
~~فإذا كان كذلك، فإن كان قد ساق هديا، فليبعث به إلى مكة، ويجتنب هو جميع ما
~~يجتنبه المحرم، إلى أن يبلغ الهدي محله، ومحله منى، يوم النحر، إن كان
~~حاجا، وإن كان معتمرا، فمحله مكة، بفنا الكعبة، فإذا بلغ الهدي محله، قصر
~~من شعر رأسه، وحل له كل شئ إلا النساء ويجب عليه الحج من قابل، إذا كان
~~صرورة، ووجد الشرائط في القابل، وإن كان قد حج حجة الإسلام، كان عليه الحج
~~في القابل، استحبابا، لا إيجابا، ولم تحل له النساء، إلى أن يحج في العام
~~القابل، أو يأمر من يطوف عنه طواف النساء.
# فإن وجد من نفسه خفة بعد أن بعث هديه، فليلحق بأصحابه، فإن أدرك أحد
~~الموقفين في وقته، فقد أدرك الحج، وليس عليه الحج، من قابل، وإن لم يدرك
~~أحد الموقفين في وقته، فقد فاته الحج وكان عليه الحج من قابل، هذا هو تحرير
~~الفتيا.
# وقال شيخنا أبو جعفر، في نهايته: فليلحق بأصحابه، فإن أدرك مكة قبل أن
~~ينحر هديه، قضى مناسكه، كلها وقد ms0477 أجزأه، وليس عليه الحج من قابل، وإن وجدهم
~~قد ذبحوا الهدي، فقد فاته الحج، وكان عليه الحج من قابل، قال رحمه الله:
~~وإنما كان الأمر على ذلك، لأن الذبح إنما يكون يوم النحر، فإذا وجدهم قد
~~ذبحوا الهدي، فقد فاته الموقفان، وإن لحقهم قبل الذبح، يجوز أن يلحق أحد
~~الموقفين، فمتى لم يلحق واحدا منهما، فقد فاته أيضا الحج (1).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: اعتبار شيخنا رحمه الله بإدراك مكة،
~~قبل أن ينحر هديه، غير واضح، لأن النحر يكون في منى يوم العيد، ولا يصل
~~الحاج منى إلا بعد طلوع الشمس، من يوم النحر، وبطلوع الشمس، يفوت وقت
~~المشعر الحرام، وبفواته يفوته الحج، فلو أدرك أصحابه بمنى، ولم ينحروا
# PageV01P638
# الهدي، ما نفعه ذلك، فلا اعتبار بذبح الهدي، وإدراكه، بل الاعتبار بإدراك
~~المشعر الحرام في وقته، على ما اعتبرناه.
# ومن لم يكن ساق الهدي، فليبعث بثمنه مع أصحابه، ويواعدهم وقتا بعينه، بأن
~~يشتروه ويذبحوا عنه، ثم يحل بعد ذلك، فإن ردوا عليه الثمن، ولم يكونوا
~~وجدوا الهدي، وكان قد أحل، لم يكن عليه شئ ويجب عليه أن يبعث به في العام
~~القابل، ليذبح في موضع الذبح، روي أنه يجب عليه أن يمسك مما يمسك عنه
~~المحرم، إلى أن يذبح عنه، ذكر ذلك شيخنا في نهايته ولا دليل عليه، والأصل
~~براءة الذمة وهذا ليس بمحرم، بغير خلاف، فكيف يحرم عليه لبس المخيط،
~~والجماع، والصيد وليس هو بمحرم، ولا في الحرم، حتى يحرم عليه الصيد، ولا
~~يرجع فيه إلى أخبار الآحاد، وما أورده رحمه الله في نهايته، فعلى جهة
~~الإيراد، لا الاعتقاد.
# وذهب ابن بابويه في رسالته، فقال: وإذا قرن الرجل الحج والعمرة وأحصر،
~~بعث هديا مع هديه، ولا يحل حتى يبلغ الهدي محله.
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: أما قوله رحمه الله: وإذا قرن الرجل
~~الحج والعمرة، فمراده كل واحد منهما على الانفراد، ويقرن إلى إحرامه بواحد
~~من الحج، أو من العمرة، هديا يشعره، أو يقلده، فيخرج من ms0478 مكة بذلك، وإن لم
~~يكن ذلك عليه واجبا ابتداء، وما مقصوده ومراده، أن يحرم بهما جميعا، ويقرن
~~بينهما، لأن هذا مذهب من خالفنا، في حد القران، ومذهبنا أن يقرن إلى إحرامه
~~سياق هدي، فليلحظ ذلك، ويتأمل، فأما قوله بعث هديا مع هديه، إذا احصر، يريد
~~أن هديه الأول الذي قرنه إلى إحرامه، ما يجزيه في تحليله من
# PageV01P639
# إحرامه، لأن هذا كان واجبا عليه، بل حصره، فإذا أراد التحلل من إحرامه
~~بالمرض الذي هو الحصر عندنا، على ما فسرناه، فيجب عليه هدي آخر، لذلك،
~~لقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر
~~من الهدي﴾ (1) وما قاله قوي معتمد، غير أن باقي أصحابنا، قالوا: يبعث
~~هديه الذي ساقه، ولم يقولوا يبعث بهدي آخر، فإذا بلغ محله أحل إلا من
~~النساء، فهذا فائدة قوله رحمه الله: وإن كان المحصور معتمرا فعل ما ذكرناه،
~~وكانت العمرة عليه فرضا في الشهر الداخل، إذا كانت واجبة، وإن كانت نفلا،
~~كانت عليه العمرة في الشهر الداخل، تطوعا، وإنفاذ الهدي أو بعث ثمنه على ما
~~ذكرناه أولا، إنما يجب على من لم يشترط على ربه في إحرامه على ما أسلفنا
~~القول فيه وحررناه.
# فأما من اشترط على ربه في حال إحرامه، إن عرض له عارض، فحله حيث حبسته
~~(2)، ثم عرض المرض، فله أن يتحلل من دون إنفاذ هدي، أو ثمن هدي، إلا أن كان
~~قد ساقه، وأشعره، أو قلده، فلينفذه فأما إذا لم يكن ساقه، واشترط، له
~~التحلل إذا بلغ الهدي محله، وبلوغه يوم العيد، فإذا كان يوم النحر، فليتحلل
~~من جميع ما أحرم منه، إلا النساء على ما قدمناه.
# وقال شيخنا المفيد، في مقنعته: والمحصور بالمرض إن كان ساق هديا، أقام
~~على إحرامه، حتى يبلغ الهدي محله ثم يحل، ولا يقرب النساء حتى يقضي
~~المناسك، من قابل، هذا إذا كان في حجة الإسلام، فأما حجة التطوع، فإنه ينحر
~~هديه، وقد أحل مما كان أحرم منه، فإن شاء حج من قابل، وإن لم يشأ، لم ms0479 يجب
~~عليه الحج، والمصدود بالعدو وينحر هديه الذي ساقه بمكانه، ويقصر من شعر
~~رأسه، ويحل، وليس عليه اجتناب النساء، سواء كانت حجته فريضة، أو سنة (3)
~~هذا آخر كلام المفيد رحمه الله.
# PageV01P640
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: وأما المصدود، فهو الذي يصده العدو
~~عن الدخول إلى مكة، أو الوقوف بالموقفين، فإذا كان ذلك، ذبح هديه في المكان
~~الذي صد فيه، سواء كان في الحرم، أو خارجه لأن لرسول عليه السلام صده
~~المشركون بالحديبية، والحديبية اسم بئر، وهي خارج الحرم، يقال: الحديبية
~~بالتخفيف والتثقيل، وسألت ابن العصار (١) اللغوي، فقال: أهل اللغة يقولونها
~~بالتخفيف، وأصحاب الحديث يقولونها بالتشديد، وخطه عندي بذلك، وكان إمام
~~اللغة ببغداد، ولا ينتظر في إحلاله، بلوغ الهدي محله، ولا يراعي زمانا، ولا
~~مكانا في إحلاله، فإذا كان قد ساق هديا، ذبحه، وإن كان لم يسق هديا، فإن
~~كان اشترط في إحرامه، إن عرض له عارض يحله (٢). حيث حبسه، فليحل، ولا هدي
~~عليه، إن لم يشترط، فلا بد من الهدي، وبعضهم يخص وجوب الهدي بالمحصور، لا
~~بالمصدود، وهو الأظهر، لأن الأصل براءة الذمة، ولقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾
~~(3) أراد به المرض، لأنه يقال أحصره المرض، وحصره العدو ويحل من كل شئ أحرم
~~منه، من النساء، وغيره، أعني المصدود بالعدو.
# وقال شيخنا أبو جعفر، في نهايته: والمحصور إن كان قد أحصر، وقد أحرم
~~بالحج قارنا، فليس له أن يحج في المستقبل متمتعا، بل يدخل بمثل ما خرج منه
~~(4).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: وليس على ما قاله رحمه الله دليل من كتاب،
~~ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع، بل الأصل براءة الذمة، وبما شاء يحرم في
~~المستقبل.
# وقال رحمه الله في النهاية: ومن أراد أن يبعث بهدي تطوعا، فليبعثه،
~~ويواعد أصحابه يوما بعينه، ثم ليجتنب جميع ما يجتنبه المحرم، من الثياب،
~~والنساء، والطيب، وغيره، إلا أنه لا يلبي، فإن فعل شيئا مما يحرم عليه،
~~كانت
# PageV01P641
# عليه الكفارة، كما يجب على ms0480 المحرم سواء، فإذا كان اليوم الذي واعدهم،
~~أحل.
# وإن بعث بالهدي من أفق من الآفاق، يواعدهم يوما بعينه، بإشعاره وتقليده،
~~فإذا كان ذلك اليوم اجتنب ما يجتنبه المحرم، إلى أن يبلغ الهدي محله، ثم
~~إنه أحل من كل شئ أحرم منه. (1) قال محمد بن إدريس: هذا غير واضح، وهذه
~~أخبار آحاد لا يلتفت إليها، ولا يعرج عليها، وهذه أمور شرعية، يحتاج مثبتها
~~ومدعيها إلى أدلة شرعية، ولا دلالة له من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا
~~إجماع، فأصحابنا لا يوردون هذا في كتبهم، ولا يودعونه في تصانيفهم، وإنما
~~أورده، شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في كتاب النهاية، إيرادا، لا
~~اعتقادا، لأن الكتاب المذكور، كتاب خبر، لا كتاب بحث ونظر، كثيرا ما يورد
~~فيه أشياء غير معمول عليها، والأصل براءة الذمة من التكاليف الشرعية.
# والمصدود بالعدو إذا منع من الوصول إلى البيت، كان له أن يتحلل، لعموم
~~الآية، ثم ينظر، فإن لم يكن له طريق إلا الذي صد فيه فله أن يتحلل بلا
~~خلاف، وإن كان له طريق آخر، فإن كان ذلك الطريق، مثل الذي صد عنه، لم يكن
~~له التحلل، لأنه لا فرق بين الطريق الأول والثاني، وإن كان الطريق الآخر،
~~أطول من الطريق الذي صد عنه، فإن لم يكن له نفقة تمكنه أن يقطع بها الطريق
~~الآخر، فله أن يتحلل، لأنه مصدود عن الأول، وإن كان معه نفقة تمكنه قطع
~~الطريق الأطول، إلا أنه يخاف إذا سلك ذلك الطريق، فاته الحج، لم يكن له
~~التحلل، لأن التحلل إنما يجوز بالصد، لا بخوف الفوات، وهذا غير مصدود
~~هاهنا، فإنه يجب أن يمضي على إحرامه في ذلك الطريق، فإن أدرك الحج جاز، وإن
~~فاته الحج لزمه القضاء، إن كانت حجة الإسلام، أو
# PageV01P642
# نذرا في الذمة، لا معينا بتلك السنة، وإن كانت تطوعا، كان بالخيار، هذا
~~في الحصر والصد العام.
# فأما الصد الخاص، وهو أن يحبس بدين عليه، أو غير ذلك، فلا يخلو أن يحبس
~~بحق، أو بغير حق. فإن حبس ms0481 بحق، بأن يكون عليه دين يقدر على قضائه، فلم
~~يقضه، لم يكن له أن يتحلل، لأنه متمكن من الخلاص، فهو حابس نفسه باختياره،
~~وإن حبس ظلما، أو بدين لا يقدر على أدائه، كان له أن يتحلل، لعموم الآية
~~(1)، والأخبار (2).
# ومن صد عن البيت، وقد وقف بعرفة، والمشعر الحرام، وعن الرمي أيام
~~التشريق، فإنه يتحلل، فإن لحق أيام الرمي، رمى وحلق، وذبح، وإن لم يلحق،
~~أمر من ينوب عنه في ذلك، فإذا تمكن أتى مكة، وطاف طاف الحج، وسعى سعيه، وقد
~~تم حجه، ولا قضاء عليه، هذا إذا طاف، وسعى، في ذي الحجة.
# فأما إذا أهل المحرم، ولم يكن قد طاف، وسعى، كان عليه الحج، من قابل،
~~لأنه لم يستوف أركان الحج، من الطواف والسعي، فأما إذا طاف، وسعى، ومنع من
~~المبيت، والرمي، فقد تم حجه، لأن ذلك من المفروضات التي ليست أركانا.
# وإن كان متمكنا من المبيت، ومصدودا عن الوقوف بالموقفين، أو عن أحدهما،
~~جاز له التحلل، لعموم الآية (3)، والأخبار (4).
# فإن لم يتحلل، وأقام على إحرامه، حتى فاته الوقوف، فقد فاته الحج، وعليه
~~أن يتحلل، بعمل عمرة، ولا يلزمه دم، لفوات الحج ويلزمه القضاء إن كانت
~~الحجة واجبة على ما قدمناه، وإن كانت تطوعا، كان بالخيار.
# إذا صد فأفسد حجه، فله التحلل، وكذلك إن أفسد حجه، ثم صد، كان له التحلل،
~~لعموم الآية (5)، والأخبار (6)، ويلزمه الدم بالتحلل، عند بعض
# PageV01P643
# أصحابنا، وبدنة بالإفساد، والقضاء في المستقبل، سواء كان الحج واجبا، أو
~~مندوبا.
# فإن انكشف العدو، وكان الوقت واسعا، وأمكنه الحج، قضى من سنته، وليس
~~هاهنا حجة فاسدة يقضي في سنتها، إلا هذه، فإن ضاق الوقت، قضى من قابل، وإن
~~لم يتحلل من الفاسدة.
# فإن زال الصد، والحج لم يفت، مضى في الفاسدة، وتحلل، وإن فاته، تحلل بعمل
~~عمرة، وتلزمه بدنة للإفساد، ولا شئ عليه للفوات، والقضاء عليه من قابل، على
~~ما بيناه.
# وإن كان العدو باقيا، فله التحلل، فإذا تحلل، لزمه دم، عند بعض أصحابنا،
~~للتحلل، وبدنة للإفساد، والقضاء من قابل، ms0482 وليس عليه أكثر من قضاء واحد.
# وإذا أراد التحلل من صد العدو، فلا بد من نية التحلل، مثل الدخول فيه،
~~وكذلك إذا أحصر بالمرض.
# باب في الزيادات من فقه الحج من أحدث حدثا في غير الحرم، فالتجأ إلى
~~الحرم، ضيق عليه في المطعم، والمشرب، حتى يخرج، فيقام عليه الحد، فإن أحدث
~~في الحرم ما يجب عليه الحد، أقيم عليه فيه.
# ولا ينبغي أن يمنع الحاج خصوصا شيئا من دور مكة، ومنازلها، للإجماع على
~~ذلك، فأما الاستشهاد بالآية (1) فضعيف، بل إجماع أصحابنا منعقد وأخبارهم
~~متواترة (2)، فإن لم تكن متواترة، فهي متلقاة بالقبول، لم يدفعها أحد منهم،
~~فالإجماع هو الدليل القاطع على ذلك، دون غيره.
# PageV01P644
# فأما الآية وهو قوله تعالى: ﴿سواء العاكف فيه والباد﴾ (١) فإن الضمير، راجع إلى
~~ما تقدم، وهو نفس المسجد الحرام، دون مكة جميعها، وأيضا قوله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى
~~تستأنسوا﴾ (2) فحظر علينا عز وجل دخول غير بيوتنا، فأما من قال لا يجوز
~~بيع رباع مكة، ولا إجارتها، فصحيح، إن أراد نفس الأرض، لأن مكة أخذت عنوة
~~بالسيف، فهي لجميع المسلمين، لا تباع، ولا توقف، ولا تستأجر، فأما التصرف،
~~والتحجير، والآثار، فيجوز بيع ذلك، وإجارته، كما يجوز بيع سواد العراق
~~المفتتحة عنوة، فيحمل ما ورد في ذلك على نفس الأرض، دون التصرف، لئلا
~~تتناقض الأدلة، فليلحظ ذلك، ويتأمل.
# ولا ينبغي لأحد، أن يرفع بناء فوق الكعبة.
# ومن وجد شيئا في الحرم، لا يجوز له أخذه، فإن أخذه عرفه سنة، فإن جاء
~~صاحبه، وإلا كان مخيرا بين شيئين، أحدهما يتصدق به عن صاحبه بشرط الضمان،
~~إن لم يرض بذلك صاحبه، والآخر أن يحفظه على صاحبه، حفظ أمانة، وليس له أن
~~يتملكه، ولا يكون كسبيل ماله.
# وإن وجده في غير الحرم، عرفه سنة، ثم هو مخير بين شيئين، أحدهما التصدق
~~به، بشرط الضمان إن لم يرض صاحبه، والآخر أن يجعله كسبيل ماله.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه ms0483 الله في مبسوطه: ثم هو مخير بين ثلاثة
~~أشياء، يعني في لقطة غير الحرم، بعد تعريفه سنة، بين أن يحفظه على صاحبه
~~أمانة، وبين أن يتصدق عنه بشرط الضمان، وبين أن يتملكه لنفسه، وعليه ضمانه
~~(3) والصحيح أنه يكون بين خيرتين، فحسب، لأن إجماع أصحابنا منعقد، أنه يكون
~~بعد السنة وتعريفه فيها، كسبيل ماله، وإنما الشافعي يخيره بين ثلاثة أشياء
# PageV01P645
# وإلى ما اخترناه وحررناه، ذهب شيخنا أبو جعفر، في نهايته (1).
# وتكره الصلاة في طريق مكة، في أربعة مواضع، البيداء، وقد فسرناها في كتاب
~~الصلاة، وذات الصلاصل، وضجنان، ووادي الشقرة.
# ويستحب الإتمام في الحرمين، مكة والمدينة، ما دام مقيما، وإن لم ينو
~~المقام عشرة أيام، وإن قصر فلا شئ عليه.
# وكذلك يستحب الإتمام في مسجد الكوفة، وفي مشهد الحسين عليه السلام، هذا
~~على قول بعض أصحابنا، والأظهر الأكثر عند المحصلين، أن لا يجوز الإتمام من
~~غير نية المقام عشرة أيام للمسافر، إلا في نفس المسجدين فحسب، دون مكة
~~جميعها، ودون المدينة جميعها، لأن الإجماع حاصل على ذلك، والخلاف فيما
~~عداه، والأصل التقصير للمسافر، فأخرجنا ما أخرجنا بدليل الإجماع، بقي ما
~~عداه على ما كان، وكذلك نفس مسجد الكوفة، دون الكوفة، وكذلك في نفس مشهد
~~الحسين عليه السلام، دون ما عدا المسجد الذي لا يجوز للجنب الجلوس فيه ولا
~~تقريبه النجاسات.
# وذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي في كتاب الإستبصار، في الجزء الثاني، إلى
~~جواز الإتمام في مكة، والمدينة، والكوفة وقال: أخص ما ورد من الأخبار،
~~بالإتمام في نفس المساجد، دون ما عداها بالذكر، تعظيما لها (2)، ثم ذكر في
~~الأخبار الأخر، ألفاظا يكون هذه المساجد داخلة فيها.
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: وهذا منه رحمه الله تعسف، لا حاجة به
~~إليه، وتأويل بعيد، وإذا كنا لا نعمل بأخبار الآحاد، وإجماعنا منعقد على ما
~~ذكرناه، من الإتمام في نفس المساجد المذكورة، فلا يلتفت إلى ما عداه.
# PageV01P646
# وقد رجع شيخنا أبو جعفر رحمه الله عن هذا القول في كتب الصلاة، في باب
~~الصلاة في ms0484 السفر، فإنه قال: ويستحب الإتمام في أربعة مواطن في السفر، بمكة،
~~والمدينة، ومسجد الكوفة، والحائر على ساكنه السلام، فخص نفس مسجد الكوفة،
~~دون الكوفة، وفي الإستبصار قال: يتمم في الكوفة (1).
# ويكره الحج والعمرة على الإبل الجلالة.
# ويستحب لمن حج على طريق العراق، أن يبدأ أولا بزيارة النبي عليه السلام،
~~والمدينة، فإنه لا يأمن أن لا يتمكن من العود إليها، فإن بدأ بمكة، فلا بد
~~له من العود إليها على طريق الاستحباب المؤكد، دون الفرض المحتم.
# وإذا ترك الناس الحج، وجب على الإمام أن يجبرهم على ذلك قال شيخنا أبو
~~جعفر في نهايته (2): وكذلك إن تركوا زيارة النبي صلوات الله عليه كان عليه
~~إجبارهم عليها.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: إجبارهم على زيارة الرسول صلوات الله عليه
~~لا يجوز، لأنها غير واجبة، بل ذلك مؤكد الاستحباب، دون الفرض والإيجاب،
~~بغير خلاف، وإنما إذا كان الشئ شديد الاستحباب، أتى به على لفظ الوجوب، على
~~ما أسلفنا القول في معناه.
# ويجوز للإنسان إذا وجب عليه الحج، أن يستدين ما يحج به، إذا كان من ورائه
~~ما إن مات قضي عنه، فإن لم يكن له ذلك، فلا يجوز له الاستدانة.
# ويستحب الاجتماع يوم عرفة، والدعاء عند المشاهد، وفي المواضع المعظمة.
# ويستحب لمن انصرف من الحج، أن يعزم على العود إليه، ويسأل الله تعالى
~~ذلك.
# ومن جاور بمكة، فالطواف له أفضل من الصلاة، ما لم يجاوز ثلاث سنين فإذا
~~جاوزها أو كان من أهل مكة، كانت الصلاة له أفضل.
# PageV01P647
# ولا بأس أن يحج الإنسان عن غيره، تطوعا، إذا كان ميتا، فإنه يتفضل الله
~~تعالى عليه، بمثل ثوابه، للإجماع من أصحابنا على ذلك.
# وتكره المجاورة بمكة ويستحب إذا فرغ من مناسكه، الخروج منها.
# ومن أخرج شيئا من حصى المسجد الحرام، كان عليه رده.
# ويكره أن يخرج من الحرمين، بعد طلوع الشمس قبل أن يصلي الصلاتين، فإذا
~~صلاهما خرج إن شاء.
# ولا يعرف أصحابنا كراهية أن يقال لمن لم يحج: صرورة، بل رواياتنا وردت
~~بذلك، ولا ms0485 أن يقال لحجة الوداع: حجة الوداع، ولا أن يقال: شوط وأشواط، بل
~~ذلك كله ورد في الأخبار، ولا يعرف أصحابنا استحبابا لشرب نبيذ السقاية.
# وأشهر الحج، قد بينا أنها: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والأيام
~~المعلومات: عشر ذي الحجة، والأيام المعدودات: أيام التشريق، وهي الحادي عشر
~~والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، ويسمى الحادي عشر منها يوم القر لأن
~~الناس يقرون فيه بمنى (1) ولا يبرحونه على ما قدمناه.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي في نهايته: والأيام المعلومات: أيام التشريق
~~والأيام المعدودات: هي عشر ذي الحجة (2) والأول هو الأظهر الأصح، الذي لا
~~يجوز القول بخلافه، وهو مذهب شيخنا المفيد في مقنعته (3) وقد رجع الشيخ أبو
~~جعفر، عما ذكره في نهايته، في مسائل خلافه وقال: الأيام المعدودات: أيام
~~التشريق بلا خلاف (4).
# وإذا أوصى الإنسان بحجة، وكانت حجة السلام، أخرجت من أصل المال، من
~~الموضع الذي مات فيه من بلده وهو الذي وردت روايات أصحابنا
# PageV01P648
# به (1) وقال بعض أصحابنا: لا يلزم الورثة أن يخرجوا إلا إجارة من بعض
~~المواقيت، والأول هو المذهب، وإليه ذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي في نهايته
~~(2) وإن كان يقول في مبسوطه بخلافه (3).
# وإن كان ما أوصى به نافلة، أخرجت من الثلث، فإن لم يبلغ الثلث ما يحج عنه
~~من موضعه، حج عنه من بعض الطريق، وهذا هو الأظهر، وبه نطقت الأخبار عن
~~الأئمة الأطهار (4)، وهو قول شيخنا أبي جعفر أيضا في نهايته (5).
# ومن نذر أن يحج لله تعالى، ثم مات قبل أن يحج، ولم يكن أيضا قد حج حجة
~~الإسلام، أخرجت عند حجة الإسلام من صلب المال وكذلك الحجة المنذورة أيضا
~~تخرج من صلب المال، لأنه واجب في ذمته، ودين في رقبته، ولا خلاف أن
~~الواجبات، والديون تخرج من صلب ماله.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ويخرج ما نذر فيه من ثلثه (6) وهذا من
~~طريق خبر الآحاد، أورده رحمه الله دون أن يكون اعتقاده ومذهبه، فإن لم يكن
~~المال إلا بقدر ما يحج عنه حجة الإسلام حج ms0486 به عنه.
# ومن وجب عليه حجة الإسلام، لم تكن استقرت عليه، فخرج لأدائها، فمات في
~~الطريق، فلا شئ عليه، ولا على وليه، ولا يخرج شئ من تركته في الحج سواء مات
~~قبل الإحرام ودخول الحرم، أو بعده، لأنه ما فرط في ذلك، ولا استقرت الحجة
~~في ذمته.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي في نهايته: ومن وجبت عليه حجة الإسلام، فخرج
~~لأدائها فمات في الطريق، فإن كان قد دخل الحرم فقد أجزأ
# PageV01P649
# عنه، وإن لم يكن قد دخل الحرم، كان على وليه أن يقضي عنه حجة الإسلام من
~~تركته (1)، وهذا غير واضح على ما قلناه.
# فأما إن كانت الحجة وجبت عليه، واستقرت، بأن فرط في المضي إلى الحج، بعد
~~وجوبه في سنة وجوبه، ثم مضى بعد تلك السنة، ومات في الطريق فإن كان مات بعد
~~الإحرام فقد أجزأت عنه، ولا يجب على الورثة إخراج حجة عنه، وإن كان موته
~~قبل الإحرام، فما أجزأت عنه ويجب على الورثة، إخراج حجة عنه، فهذا تحرير
~~هذه الفتيا.
# ومن أوصى أن يحج عنه كل سنة من وجه بعينه، فلم يسع ذلك المال للحج، في كل
~~سنة جاز أن يجعل مال سنتين لسنة واحدة.
# ومن أوصى أن يحج عنه، ولم يذكر، كم مرة، ولا بكم من ماله، وجب على
~~الورثة، إخراج حجة واحدة فحسب، لأن بحجة واحدة، قد امتثلوا ما وصاهم به
~~بغير خلاف.
# وقال شيخنا أبو جعفر، في نهايته: وجب أن يحج عنه ما بقي من ثلثه شئ يمكن
~~أن يحج به (2)، وهذا غير واضح، لأنه لا دليل عليه يعضده من كتاب، ولا سنة
~~مقطوع بها، ولا إجماع، والأصل براءة الذمة، وما ذهبنا إليه لا خلاف فيه،
~~لأنه أقل ما يمتثل به الأمر، والزائد على ذلك يحتاج إلى دليل، وإنما أورده
~~إيرادا، من جهة الخبر الواحد، لا اعتقادا كما أورد نظائره من قوله: الأيام
~~المعدودات عشر ذي الحجة، والمعلومات أيام التشريق، ثم قال في مسائل الخلاف:
~~الأيام المعدودات أيام التشريق بلا خلاف (3).
# فإن قال: حجوا ms0487 عني بثلثي، وجب أن يحج عنه مدة ما يبقى من ثلثه شئ يمكن أن
~~يحج به، فإن قال: حجوا عني بثلثي حجة واحدة، حج عنه بجميع ثلثه حجة واحدة.
# PageV01P650
# وإذا خرج الإنسان من مكة، فليتوجه إلى المدينة، لزيارة النبي عليه السلام
~~استحبابا، لا إيجابا، على ما قدمناه، فإذا بلغ إلى المعرس، نزله، وصلى فيه
~~ركعتين استحبابا، ليلا كان، أو نهارا، لأن المعرس مشتق من التعريس،
~~والتعريس نزول القوم في السفر من آخر الليل، يقعون فيه، وقعة للاستراحة، ثم
~~يرتحلون، والموضع معرس فالموضع نزله عليه السلام آخر الليل، واستراح فيه
~~فسن فيه النزول اقتداء به عليه السلام، سواء كان وقت التعريس، أو لم يكن،
~~فلأجل ذلك قالوا ليلا كان أو نهارا، يريدون به ذلك وإن لم يكن ذلك الوقت
~~وقت التعريس، فإن جازه ونسي، رجع وصلى فيه، واضطجع قليلا.
# وإذا انتهى إلى مسجد الغدير، دخله وصلى فيه ركعتين.
# واعلم أن للمدينة حرما، مثل حرم مكة، وحده ما بين لابتيها، واللابة:
# الحرة، والحرة: الحجارة السود، وهو من ظل عاير إلى ظل، وعير، ولا يعضد
~~شجرها، ولا بأس أن يؤكل صيدها، إلا ما صيد بين الحرتين، هكذا أورده شيخنا
~~في نهايته بهذه العبارة (1).
# والأولى أن يقال: وحده من ظل عاير إلى ظل وعير، لا يعضد شجرها، ولا بأس
~~أن يؤكل صيدها، إلا ما صيد بين الحرتين لأن الحرتين غير ظل عاير، وظل وعير،
~~والحرتان، ما بين الظلين، لأنه قال لا يعضد الشجر فيما بين الظلين، ولا بأس
~~أن يؤكل الصيد، إلا ما صيد بين الحرتين، فدل على أن الحرتين داخلتان في
~~الظلين، وإلا كان يكون الكلام متناقضا، فلو كانت الحرتان هما حد حرم
~~المدينة الأول، لما حل الصيد في شئ من حرم المدينة.
# ويستحب لمن أراد دخول المدينة أن يغتسل، وكذلك إذا أراد دخول مسجد النبي
~~عليه السلام، فإذا دخله، أتى قبر الرسول عليه السلام فزاره، فإذا فرغ من
# PageV01P651
# زيارته أتى المنبر، فمسحه، ومسح رمانتيه.
# ويستحب الصلاة بين القبر والمنبر، ركعتين، فإن فيه ms0488 روضة من رياض الجنة
~~وقد روي أن فاطمة عليها السلام مدفونة هناك (1)، وقد روي أنها مدفونة في
~~بيتها (2) وهو الأظهر في الروايات، وعند المحصلين من أصحابنا، إلا أنه لما
~~زاد بنو أمية في المسجد صارت فيه، وروي أنها مدفونة بالبقيع (3) ويعرف
~~ببقيع الفرقد، وهو شجر مثل العوسج وحبه أشد حمرة من حبه، وهذا الرواية
~~بعيدة من الصواب.
# ويستحب المجاورة بالمدينة، وإكثار الصلاة في مسجد النبي عليه السلام.
# ويكره النوم في مسجد الرسول عليه السلام.
# ويستحب لمن له مقام بالمدينة، أن يصوم ثلاثة أيام بها، الأربعاء والخميس،
~~والجمعة ويصلي ليلة الأربعاء عند أسطوانة أبي لبابة واسمه بشير بن عبد
~~المنذر الأنصاري، شهد بدرا، والعقبة الأخيرة وهي أسطوانة التوبة، وذلك أنه
~~تخلف في بعض الغزوات عن الرسول عليه السلام فندم على ذلك، وربط نفسه إلى
~~هذه الأسطوانة بسلسلة، وقال: لا يحلني إلا رسول الله عليه السلام، فلما قدم
~~الرسول عليه السلام حله، واستغفر له، فتاب الله عليه، فسميت أسطوانة
~~التوبة، ويقعد عندها يوم الأربعاء، ويأتي ليلة الخميس الأسطوانة التي تلي
~~مقام رسول الله صلى الله عليه وآله ومصلاه، ويصلي عندها، ويصلي ليلة الجمعة
~~عند مقام النبي صلى الله عليه وآله.
# ويستحب أن يكون هذه الثلاثة الأيام معتكفا في المسجد، ولا يخرج منه إلا
~~لضرورة.
# ويستحب إتيان المشاهد، والمساجد كلها بالمدينة، مسجد قباء ممدود،
# PageV01P652
# ومشربة أم إبراهيم عليه السلام، والمشربة الغرفة ومسجد الأحزاب وهو مسجد
~~الفتح ومسجد الفضيخ وقيل إنه الذي ردت الشمس فيه لأمير المؤمنين عليه
~~السلام بالمدينة، والفضيخ شراب، يتخذ من البسر وحده، من غير أن تمسه النار،
~~فسمي الموضع بمسجد الفضيخ، لأنه كان يعمل ذلك الشراب عنده، ويأتي قبور
~~الشهداء كلهم، ويأتي قبر حمزة بأحد، وقبور الشهداء هناك أيضا، إلا أنه يبدأ
~~بقبر حمزة عليه السلام ولا يتركه إلا عند الضرورة إن شاء الله تعالى.
# قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: صيدوج وهو بلد باليمن غير محرم ولا
~~مكروه (1) قال محمد بن إدريس: سمعت بعض مشايخنا يصحف ذلك ويجعل ms0489 الكلمتين
~~كلمة واحدة، فيقول صيدوخ بالخاء (2)، فأردت إيراد المسألة لئلا تصحف.
# إعلم أن وجا بالجيم المشددة بلد بالطائف، لا باليمن، وفي الحديث: آخر
~~وطأة وطأها رسول الله صلى الله عليه وآله بوج، يريد غزاة الطائف قال
~~الشاعر:
# فإن تسق من أعناب و ج فإننا * لنا العين تجري من كسيس ومن خمر الكسيس
~~بالسينين غير المعجمتين: نبيذ التمر.
# وقال النميري في زينب بنت يوسف أخت الحجاج:
# مررن بوج رايحات عشية * يلبين للرحمن مؤتجرات وكانت قد نذرت أن تحج من
~~الطائف ماشية، وبين الطائف وبين مكة يومان، فمشت ذلك في اثنين وأربعين
~~يوما، وجعلت بطن و ج مرحلة، وهو قدر ثلاثمائة ذراع.
# PageV01P653
# فصل في الزيارات زيارة رسول الله صلى الله عليه وآله عند قبره، وكل واحد
~~من الأئمة من بعده، صلوات الله عليهم في مشاهدهم، من السنن المؤكدة،
~~والعبادات المعظمة في كل جمعة، أو كل شهر، أو كل سنة، إن أمكن ذلك وإلا
~~فمرة في العمر.
# ويستحب لقاصد الزيارة بل يلزمه أن يخرج من منزله عازما عليها، لوجهها،
~~مخلصا بها لله سبحانه، فإذا انتهى إلى مسجد النبي عليه السلام، أو مشهد
~~الإمام المزور عليه السلام فليغتسل (١) قبل دخوله، سنة مؤكدة، ويلبس ثيابا
~~نظيفة طاهرة جددا بضم الدال، لأنها جمع جديد، فأما جدد بفتح الدال، فالطريق
~~في الأرض، ومنه قوله تعالى: ﴿ومن الجبال جدد بيض﴾ (2) هذا مع الإمكان، فيأت
~~القبر، وعليه السكينة، والوقار، فإذا انتهى إليه، فليقف مما يلي وجه المزور
~~عليه السلام وظهره إلى القبلة، ويسلم عليه، ويذكره بما هو أهله من الألفاظ
~~المروية عن أئمة الهدى عليهم السلام، وإلا فبما نفث به صدره.
# فإذا فرغ من الذكر، فليضع خده الأيمن على القبر، ويدعو الله تعالى،
~~ويتضرع إليه بحقه، ويلح عليه، ويرغب إليه أن يجعله من أهل شفاعته، ثم يضع
~~خده الأيسر ويدعو ويجهد، ثم يتحول إلى الرأس فيسلم عليه ويعفر خديه على
~~القبر، ويدعو ثم يصلي ويتضرع (3) الركعتين عنده، مما يلي الرأس ويعقبهما
~~بتسبيح فاطمة عليها ms0490 السلام، ويدعو ويتضرع، ثم يتحول إلى عند الرجلين، فيسلم
~~ويدعو ويعفر خديه على القبر، ويودع وينصرف.
# فإذا كانت الزيارة لأبي عبد الله الحسين عليه السلام زار ولده عليا
~~الأكبر، وأمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي، وهو أول قتيل في
~~الوقعة،
# PageV01P654
# يوم الطف، من آل أبي طالب عليه السلام، وولد علي بن الحسين عليه السلام
~~هذا في أمارة عثمان، وقد روي ذلك عن جده علي بن أبي طالب عليه السلام وقد
~~مدحه الشعراء وروي عن أبي عبيدة، وخلف الأحمر، أن هذه الأبيات، قيلت في علي
~~بن الحسين الأكبر، المقتول بكربلا:
# لم تر عين نظرت مثله * من محتف يمشي ولا ناعل يغلي نئ اللحم حتى إذا *
~~انضج لم يغل على الآكل كان إذا شبت له ناره * يوقدها بالشرف القابل كيما
~~يراها بائس مرمل * أو فرد حي ليس بالآهل أعني ابن ليلى ذا السدا والندا *
~~أعني ابن بنت الحسب الفاضل لا يؤثر الدنيا على دينه * ولا يبيع الحق
~~بالباطل (1) وقد ذهب شيخنا المفيد، في كتاب الإرشاد، إلى أن المقتول بالطف،
~~هو علي الأصغر، وهو ابن الثقفية، وإن علي الأكبر، هو زين العابدين عليه
~~السلام، أمه أم ولد، وهي شاه زنان، بنت كسرى يزدجرد (2).
# قال محمد بن إدريس: والأولى الرجوع إلى أهل هذه الصناعة، وهم النسابون،
~~وأصحاب السير والأخبار والتواريخ، مثل الزبير بن بكار، في كتاب أنساب قريش،
~~وأبي الفرج الأصفهاني، في مقاتل الطالبين، والبلاذري، والمزني، صاحب كتاب
~~لباب أخبار الخلفاء، والعمري النساء حقق ذلك، في كتاب المجدي، فإنه قال:
~~وزعم من لا بصيرة له، إن عليا الأصغر، هو المقتول بالطف، وهذا خطأ ووهم
~~وإلى هذا ذهب صاحب كتاب الزواجر والمواعظ، وابن قتيبة في المعارف، وابن
~~جرير الطبري المحقق لهذا الشأن، وابن أبي الأزهر في تاريخه، وأبو حنيفة
~~الدينوري في الأخبار الطوال، وصاحب كتاب الفاخر،
# PageV01P655
# مصنف من أصحابنا الإمامية، ذكره شيخنا أبو جعفر، في فهرست المصنفين، وأبو
~~علي بن همام، في كتاب الأنوار، في تواريخ أهل البيت، ومواليدهم، وهو من ms0491
~~جملة أصحابنا المصنفين المحققين، فهؤلاء جميعا أطبقوا على هذا القول، وهم
~~أبصر بهذا النوع.
# قال أبو عبيد (1) في كتاب الأمثال: وعند جفينة (2) الخبر اليقين، قال:
~~وهذا قول الأصمعي، وأما هشام بن الكلبي، فإنه أخبر أنه جهينة، وكان ابن
~~الكلبي بهذا النوع البر من الأصمعي، قال محمد بن إدريس: نعم ما قال أبو
~~عبيد (3) لأن أهل كل فن، أعلم بفنهم من غيرهم وأبصر وأضبط.
# وقد ذهب أيضا شيخنا المفيد في كتاب الإرشاد، إلى أن عبيد الله بن
~~النهشلية، قتل بكربلا مع أخيه الحسين عليه السلام (4) وهذا خطأ محض، بلا
~~مراء، لأن عبيد الله بن النهشلية، كان في جيش مصعب بن الزبير، ومن جملة
~~أصحابه، قتله أصحاب المختارين أبي عبيد بالمذار، وقبره هناك ظاهر، الخبر
~~بذلك متواتر، وقد ذكره شيخنا أبو جعفر، في الحائريات (5) لما سأله السائل
~~عما ذكره المفيد في الإرشاد، فأجاب بأن عبيد الله بن النهشلية، قتله أصحاب
~~المختار بالمذار، وقبره هناك معروف، عند أهل تلك البلاد.
# ونسب شيخنا المفيد في كتاب الإرشاد، العباس بن علي، فقال: أمه أم البنين،
~~بنت حزام بن خالد بن دارم، وهذا خطأ وإنما أم العباس، المسمى بالسقاء
~~ويسميه أهل النسب أبا قربة، المقتول بكربلا، صاحب راية الحسين عليه السلام
~~ذلك اليوم، أم البنين، بنت حزام بن خالد بن ربيعة، وربيعة
# PageV01P656
# هذا، هو أخو لبيد الشاعر، ابن عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة،
~~وليست من بني دارم التميميين.
# وقال ابن حبيب النسابة، في كتاب المنمق لما ذكر أبناء الحبشيات من قريش،
~~ذكر من جملتهم العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام، وهذا خطأ منه،
~~وتغفيل، وقلة تحصيل. وكذلك قال في أبناء السنديات من قريش، ذكر من جملتهم،
~~محمد بن علي بن أبي طالب بن الحنفية، وأم علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب
~~عليه السلام.
# قال محمد بن إدريس: وهذا جهل من ابن حبيب، وقلة تأمل.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: وأي غضاضة تلحقنا، وأي نقص يدخل على مذهبنا ms0492
~~إذا كان المقتول عليا الأكبر، وكان عليا الأصغر الإمام المعصوم بعد أبيه
~~الحسين عليهما السلام فإنه كان لزين العابدين، يوم الطف، ثلاث وعشرون سنة،
~~ومحمد ولده الباقر عليه السلام، حي، له ثلاث سنين وأشهر، ثم بعد ذلك كله،
~~فسيدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام كان أصغر ولد
~~أبيه سنا، ولم ينقصه ذلك.
# وإذا كانت الزيارة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فليبدأ
~~بالتسليم عليه، ثم على آدم، ونوح، لكون الجميع مدفونا هناك، على ما رواه
~~أصحابنا (1)، فإذا فرغ من الزيارة، فليصل عند الرأس، ست ركعات لزيارة كل
~~حجة منهم، ركعتان.
# والمستحب أن يقرأ في الأولى منهما، فاتحة الكتاب، وسورة الرحمن، وفي
~~الثانية منهما، فاتحة الكتاب، وسورة يس، ثم يتشهد، ويسلم، ثم يسبح تسبيح
~~الزهراء عليها السلام ويستغفر لذنوبه، ويدعو، ثم يسجد لله شكرا، ويقول في
# PageV01P657
# سجوده: شكرا شكرا، مائة مرة، ولا أرى التعفير، على قبر أحد، ولا التقبيل
~~له، سوى قبور الأئمة عليهم السلام، لأن ذلك حكم شرعي، يحتاج في استحبابه،
~~وإثباته إلى دليل شرعي ولن يجده طالبه، ولولا إجماع طائفتنا على التقبيل،
~~والتعفير، على قبور الأئمة عليهم السلام عند زيارتهم، لما جاز ذلك، لما
~~بيناه، وتفصيل ما أجملناه من الزيارات، وشرح أذكارها، موجود في غير موضع من
~~كتب السلف الجلة المشيخة رضي الله عنهم، من طلبه وجده.
# ومن لم يتمكن من زيارة النبي، والأئمة عليهم السلام، بجنب قبورهم، لبعد
~~داره، أو لبعض الموانع، فليزرهم، أو من شاء منهم، من حيث هو، مصحرا، أو من
~~علو داره أو من مصلاه، في كل يوم، أو كل جمعة، أو كل شهر.
# ومن السنة، زيارة أهل الإيمان، أحياء وأمواتا.
# ومن زار أخاه المؤمن، فلينزل على حكمه، ولا يحتشمه ولا يكلفه.
# ومن زاره أخوه المؤمن، فليستقبله، ويصافحه ويعتنقه، وذكر بعض أصحابنا
~~المصنفين في تصنيفه: ويقبل كل واحد منهما، موضع سجود الآخر، وقد روي في
~~الأخبار، التقبيل للقادم من الحج (1)، وليكرم كل واحد منهما صاحبه، وليتحف
~~به.
# وعلى المزور، ms0493 الاعتراف بحق زائره، وليتحفه بما يحضره من طعام، وشراب
~~وفاكهة، وطيب، أو ما تيسر من ذلك، وأدناه شرب الماء، أو الوضوء، وصلاة
~~ركعتين عنده، والتأنيس بالحديث، فإنه جانب من القري، والتشييع له عند
~~الانصراف.
# وإذا زار قبر بعض إخوانه المؤمنين، فليستظهره، ويجعل وجهه إلى القبلة،
~~بخلاف زيارة قبر الإمام المعصوم، في الوقوف، والكيفية، على ما قدمناه،
~~وتقرأ سورة الإخلاص سبعا وسورة القدر سبعا، وتضع يدك على القبر، وقل اللهم
# PageV01P658
# ارحم غربته وصل وحدته وآنس وحشته، واسكن إليه من رحمتك، رحمة يستغني بها
~~عن رحمة من سواك، وألحقه بمن كان يتولاه ويستغفر الله لذنبه، وينصرف إن شاء
~~الله تعالى.
# تم الجزء الأول من كتاب السرائر، الحاوي لتحرير الفتاوي، ويتلوه الجزء
~~الثاني إن شاء الله تعالى كتاب الجهاد، وسيرة الإمام باب فرض الجهاد ومن
~~يجب عليه، وشرائط وجوبه وحكم الرباط، وحسبنا الله ونعم الوكيل: وصلواته
~~وتحياته على سيدنا محمد النبي وعلى آله الطاهرين الأئمة الراشدين.
# كتبه وفرغ منه نسخا وتصنيفا مؤلفه ومنشيه (محمد بن إدريس) وذلك بحلة
~~الجامعين، تاريخ، ذي القعدة من سنة سبع وثمانين وخمسمأة حامدا مصليا
~~مستغفرا من الله تائبا من خطائه ولله المنة وبه الثقة (1).
# PageV01P659
# بسم الله الرحمن الرحيم (1) رب يسر كتاب الجهاد وسيرة الإمام باب فرض
~~الجهاد ومن يجب عليه وشرائط وجوبه وحكم الرباط الجهاد فريضة من فرائض
~~الإسلام، وركن من أركانه، وهو من فروض الكفايات، ومعنى ذلك أنه إذا قام به
~~من في قيامه كفاية وغنا عن الباقين ولا يؤدي إلى الإخلال بشئ من أمر الدين،
~~سقط عن الآخرين، ومتى لم يقم به أحد لحق جميعهم الذم، واستحقوا بأسرهم
~~العقاب.
# ويسقط الجهاد عن النساء، والصبيان، والشيوخ الكبار، والمرضى، ومن ليس به
~~نهضة إلى القيام بشرطه.
# ومن كان متمكنا من إقامة غيره مقامه في الدفاع عنه، وهو غير متمكن من
~~القيام به بنفسه، وجب عليه إقامته وإزاحة علته فيما يحتاج إليه.
# ومن تمكن من القيام بنفسه فأقام (2) غيره مقامه، سقط عنه فرضه، إلا أن
~~يلزمه الناظر في أمر ms0494 (3) المسلمين القيام بنفسه، فحينئذ يجب عليه أن يتولى
~~هو الجهاد، ولا يكفيه إقامة غيره (4).
# ومن يجب عليه الجهاد إنما يجب عليه عند شروط، وهي أن يكون الإمام العادل
~~الذي لا يجوز لهم القتال إلا بأمره، ولا يسوغ لهم الجهاد من دونه، ظاهرا،
~~أو يكون من نصبه الإمام للقيام بأمر المسلمين في الجهاد حاضرا، ثم
# PageV02P003
# يدعوهم إلى الجهاد فيجب عليهم حينئذ القيام به، ومتى لم يكن الإمام
~~ظاهرا، ولا من نصبه حاضرا، لم تجز مجاهدة العدو.
# والجهاد مع أئمة الجور، أو من غير إمام خطأ يستحق فاعله به الإثم، وإن
~~أصاب لم يؤجر، وإن أصيب كان مأثوما، اللهم إلا أن يدهم المسلمين والعياذ
~~بالله أمر من قبل العدو يخاف منه على بيضة الإسلام، ويخشى بواره، وبيضة
~~الإسلام: مجتمع الإسلام وأصله، أو يخاف على قوم منهم، وجب حينئذ أيضا
~~جهادهم ودفاعهم، غير أنه يقصد المجاهد والحال ما وصفناه الدفاع عن نفسه،
~~وعن حوزة الإسلام، وعن المؤمنين، ولا يقصد الجهاد مع السلطان الجائر، ولا
~~مجاهدتهم ليدخلهم في الإسلام، وهكذا حكم من كان في دار الحرب، ودهمهم عدو
~~يخاف منه على نفسه، جاز أن يجاهد مع الكفار دفعا عن نفسه وماله، دون الجهاد
~~الذي يجب في الشرع.
# ومتى جاهدوا مع عدم الإمام، وعدم من نصبه للجهاد، فظفروا، وغنموا، كانت
~~الغنيمة كلها للإمام خاصة، ولا يستحقون هم منها (1) شيئا أصلا.
# والمرابطة، فيها فضل كبير، وثواب جزيل، إذا كان هناك إمام عادل، وحدها
~~ثلاثة أيام إلى أربعين يوما، فإن زاد على ذلك كان جهادا، وحكمه حكم
~~المجاهدين.
# ومن نذر المرابطة في حال استتار الإمام، وجب عليه الوفاء به، غير أنه لا
~~يجاهد العدو، إلا على ما قلناه من الدفاع عن الإسلام والنفس.
# وإن نذر أن يصرف شيئا من ماله إلى المرابطين في حال ظهور الإمام، وجب
~~عليه الوفاء به، وإن كان ذلك في حال استتاره، لا يجب عليه الوفاء بالنذر.
~~على قول بعض أصحابنا (2)، بل قال يصرفه في وجوه البر.
# PageV02P004
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا ms0495 الكتاب: إن كان النذر غير صحيح، فما يجب عليه
~~صرفه في وجوه البر، وإن كان النذر صحيحا فيوجهه إلى الجهة (1) المنذور
~~فيها، لا يجزيه غيره.
# ثم قال الذاهب الأول الذي حكينا كلامه: إلا أن يخاف من الشناعة لتركه
~~الوفاء بالنذر، فيصرفه إليهم تقية.
# والذي أعتمده وأعمل عليه، صحة هذا النذر، ووجوب الإتيان به، لأنه إما
~~مندوب إليه، أو مباح، والنذر في المباح يجب الوفاء به، وكذلك المندوب إليه
~~ولا مانع يمنع منه.
# ومن آجر نفسه لينوب عن غيره في المرابطة، فإن كان في حال انقباض يد
~~الإمام العادل، قال بعض أصحابنا: لا يلزمه الوفاء به، ويرد عليه ما أخذه
~~منه، فإن لم يجده فعلى ورثته، وإن لم يكن له ورثة، لزمه الوفاء به، ذكر ذلك
~~شيخنا أبو جعفر في نهايته (2).
# والذي يقوى عندي، وتقتضيه الأدلة، لزوم الإجارة في الحالين معا، غير أنه
~~لا يجاهد العدو إلا على ما قلناه من الدفاع عن النفس والإسلام، لأن عندنا
~~بغير خلاف أنه إذا نذر المرابطة في حال استتار الإمام، وجب عليه الوفاء به،
~~غير أنه لا يجاهد العدو إلا على ما قلناه، وقد قدمنا (3) ذلك. فإن كان في
~~حال ظهور الإمام، لزمه الوفاء به، على كل حال.
# ومن لا يمكنه المرابطة بنفسه، فرابط دابة، أو أعان المرابطين بشئ من
~~ماله، كان فيه الثواب.
# PageV02P005
# باب في ذكر أصناف الكفار ومن يجب قتالهم منهم وكيفية القتال الكفار على
~~ثلاثة أضرب، أهل كتاب وهم اليهود والنصارى، فهؤلاء يجوز إقرارهم على دينهم
~~ببذل الجزية. ومن له شبهة كتاب فهم المجوس (1)، فحكمهم حكم أهل الكتاب،
~~يقرون أيضا على دينهم ببذل الجزية. ومن لا كتاب له ولا شبهة كتاب، وهم من
~~عدا هؤلاء الثلاثة الأصناف، من عباد الأصنام، والأوثان، والكواكب، وغيرهم
~~فلا يقرون على دينهم ببذل الجزية.
# ومتى امتنع أهل الكتاب، ومن له شبهة كتاب، من بذل الجزية، كان حكمهم حكم
~~غيرهم من الكفار، في وجوب قتالهم، وسبي ذراريهم، ونسائهم، وأخذ أموالهم
~~وتكون فيئا.
# وينبغي للإمام أن يبدأ بقتال ms0496 من يليه من الكفار، الأقرب فالأقرب، والأولى
~~أن يشحن كل طرف من أطراف بلاد الإسلام بقوم يكونون أكفاءا لمن يليهم من
~~الكفار، ويولي عليهم أميرا عاقلا دينا خيرا شجاعا يقدم في موضع الإقدام،
~~ويتأنى في موضع التأني.
# ولا يجوز قتال أحد من الكفار إلا بعد دعائهم إلى الإسلام، وإظهار
~~الشهادتين، والإقرار بالتوحيد، والعدل، والتزام جميع شرائع الإسلام، فمتى
~~دعوا إلى ذلك، ولم يجيبوا حل قتالهم، ومتى لم يدعوا لم يجز قتالهم.
# والداعي ينبغي أن يكون الإمام أو من يأمره الإمام.
# ولا يجوز قتال النساء، فإن قاتلن المسلمين، وعاون أزواجهن، ورجالهن، أمسك
~~عنهن، فإن اضطر إلى قتلهن جاز حينئذ قتلهن، ولم يكن به بأس.
# وشرائط الذمة، الامتناع من مجاهرة المسلمين، بأكل لحم الخنزير، وشرب
# PageV02P006
# الخمور، وأكل الربا، ونكاح المحرمات في شريعة الإسلام، وإن لا يأووا عينا
~~على المسلمين، ولا يعاونوا عليهم كافرا، وإن لا يستقروا (1) على مسلم، فمتى
~~فعلوا شيئا من ذلك، فقد خرجوا من الذمة، وجرى عليهم أحكام الكفار الحربيين
~~الذين لا كتاب لهم.
# ومن أسلم من الكفار وهو بعد في دار الحرب، كان إسلامه حقنا لدمه، من
~~القتل، ولولده الصغار من السبي. فأما الكبار (2) منهم البالغون، فحكمهم حكم
~~غيرهم من الكفار، وما له من الأخذ، كل ما كان صامتا، أو متاعا، أو أثاثا،
~~وجميع ما يمكن نقله إلى دار الإسلام، وأما الأرضون، والعقارات، وما لا يمكن
~~نقله فهو فئ للمسلمين.
# ويجوز قتال الكفار بسائر أنواع القتل وأسبابه، إلا بتغريق المساكن،
~~ورميهم بالنيران، وإلقاء السم في بلادهم، فإنه لا يجوز أن يلقى السم في
~~بلادهم.
# قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه: وكره أصحابنا إلقاء السم (3) وقال في
~~نهايته:
# لا يجوز إلقاء السم في بلادهم (4) وما ذكره في نهايته، به نطقت الأخبار
~~عن الأئمة الأطهار (5).
# وروى أصحابنا كراهية تبييت العدو حتى يصبح (6).
# والوجه في جميع ما تقدم أنه إذا كان مستظهرا وفيه قوة، ولا حاجة به إلى
~~الإغارة ليلا، امتنع، وإذا كان بالعكس من ذلك، جاز الإغارة ليلا، وروى ابن
~~عباس ms0497 عن المصعب بن حنانة، قال: قلت يا رسول الله، نبيت المشركين وفيهم
~~النساء والصبيان، فقال: إنهم منهم (7).
# وأما تخريب المنازل، والحصون، وقطع الأشجار المثمرة، فإنه جائز إذا غلب
# PageV02P007
# في ظنه أنه لا يملك إلا بذلك، فإن غلب في ظنه أنه يملكه، فالأفضل أن لا
~~يفعل، فإن فعل جاز، كما فعل الرسول عليه السلام بالطائف، وبني النضير،
~~وخيبر، فأحرق على بني النضير، وخرب ديارهم.
# وإذا تترس المشركون بأطفالهم، فإن كان ذلك حال التحام القتال، جاز رميهم،
~~ولا يقصد الطفل، بل يقصد من خلفه، لأنه لو لم يفعل ذلك لأدى إلى بطلان
~~الجهاد، وكذلك الحكم إذا تترسوا بأسارى المسلمين، وكذلك إذا تترسوا
~~بالنساء، فإن كان في جملتهم قوم من المسلمين النازلين عليهم، فهلك المسلمون
~~فيما بينهم، أو هلك من أموالهم شئ، لم يلزم المسلمين ولا غيرهم غرامته من
~~الدية، والأرش.
# فأما الكفارة في قتل المسلم النازل عندهم، من غير قصد إلى قتله، فإن
~~الدية لا تجب، ولا القود، بل يجب الكفارة لقوله تعالى: " فإن كان من قوم
~~عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة " (1) ولم يذكر الدية.
# ولا بأس بقتال المشركين في أي وقت كان، وفي أي شهر كان، إلا الأشهر
~~الحرم، فإن من يرى منهم خاصة لهذه الأشهر حرمة، لا يبتدؤن فيها بالقتال،
~~فإن بدؤا هم بقتال المسلمين جاز حينئذ قتالهم، وإن لم يبتدئوا، أمسك عنهم
~~إلى انقضاء هذه الأشهر، فأما غيرهم من سائر أصناف الكفار، فإنهم يبتدئون
~~فيها بالقتال على كل حال.
# ولا بأس بالمبارزة بين الصفين في حال القتال، غير أنه لا يجوز أن يطلب
~~المبارزة، إلا بإذن الإمام.
# ولا يجوز لأحد أن يؤمن إنسانا على نفسه ثم يقتله، فإنه يكون غادرا (2).
# ويلحق بالذراري من لم يكن قد أنبت بعد، ومن أنبت، ألحق بالرجال وأجري
~~عليه أحكامهم.
# PageV02P008
# ويكره قتل من يجب قتله صبرا، وإنما يقتل على غير ذلك الوجه، ومعنى صبرا
~~(1) حبسا للقتل.
# ولا يجوز أن يفر واحد من واحد، ولا اثنين، فإن فر منهما، كان مأثوما، ومن
~~فر من ms0498 أكثر من اثنين، لم يكن به بأس.
# باب قسمة الفئ وأحكام الأسارى قد ذكرنا في كتاب الزكاة كيفية قسمة الفئ،
~~غير أنا نذكرها هنا ما يليق بهذا المكان.
# كل ما غنمه المسلمون من المشركين، ينبغي للإمام أن يخرج منه الخمس،
~~فيصرفه في أهله ومستحقه، حسب ما بيناه في كتاب الزكاة، بعد اصطفاء ما
~~يصطفيه، والباقي على ضربين، ضرب منه للمقاتلة خاصة، دون غيرهم من المسلمين،
~~وضرب هو عام لجميع المسلمين، مقاتليهم وغير مقاتليهم فالذي هو لجميع
~~المسلمين، فكل ما عدا (2) ما حواه العسكر، من الأرضين، والعقارات، وغير
~~ذلك، فإنه بأجمعه فئ للمسلمين، من غاب منهم، ومن حضر على السواء، وما حواه
~~العسكر يقسم بين المقاتلة خاصة، ولا يشركهم فيه غيرهم.
# فإن قاتلوا وغنموا، فلحقهم قوم آخرون، لمعونتهم، أو مدد لهم (3)، كان لهم
~~من القسمة، مثل ما لهم، يشاركونهم، هذا إذا لحقوا بهم قبل قسمة الغنيمة،
~~فأما إذا لحقوا بعد القسمة، فلا نصيب لهم معهم، وكذلك إذا نفذ أمير الجيش
~~سرية إلى جهة، فغنموا، شاركهم الجيش، لأنه مدد لهم، وهم من جملته.
# وينبغي للإمام أن يسوي بين المسلمين في القسمة، لا يفضل أحدا منهم
# PageV02P009
# لشرفه، أو علمه، أو زهده على من ليس كذلك في قسمة الفئ.
# وينبغي أن يقسم للفارس سهمين، وللراجل سهما على الصحيح من المذهب.
# وقال بعض أصحابنا (1): يعطى الفارس ثلاثة أسهم، وإن لم يكن معه إلا فرس
~~واحد، والأظهر من الأقوال الأول.
# فإن كان مع الرجل، أفراس جماعة، لم يسهم منها إلا لفرسين، فيعطى ثلاثة
~~أسهم، وللراجل سهم واحد، ولصاحب الفرس الواحد سهمان، ولا يسهم لشئ من
~~المركوب من الإبل، والبغال، والحمير، والبقر، والفيلة، إلا للخيل خاصة، بلا
~~خلاف، سواء كان الفرس عتيقا كريما، أو برذونا، أو هجينا، أو مقرفا، أو
~~حطما، أو قحما، أو ضرعا، أو أعجف، أو رازحا، فإنه يسهم له (2).
# فالعتيق، الذي أبوه كريم، وأمه كريمة. والبرذون الذي أبوه كريم (3).
# وأمه غير عتيقة، وهي الكريمة. والهجين، الذي أبوه عتيق، وأمه غير عتيقة،
~~والمقرف عكس ذلك. ms0499 والحطم: المتكسر. والقحم، بفتح القاف وسكون الحاء،
~~الكبير.
# والضرع، بفتح الضاد والراء: الصغير والأعجف: المهزول. والرازح: الذي لا
~~حراك به.
# ومن ولد في أرض الجهاد من الذكور قبل قسمة الغنيمة، كان له من السهم مثل
~~ما للمقاتل على السواء، على ما رواه أصحابنا (4).
# وإذا قاتل قوم من المسلمين المشركين في السفينة، فغنموا وفيهم الفرسان
~~والرجالة، كان قسمتهم مثل قسمتهم لو قاتلوا على البر سواء، للفارس سهمان،
~~وللراجل سهم، على ما رواه أصحابنا (5).
# وعبيد المشركين إذا لحقوا بالمسلمين قبل مواليهم، وأسلموا، كانوا أحرارا،
# PageV02P010
# وحكمهم حكم الأحرار المسلمين، وإن لحقوا بعد مواليهم، كان حكمهم حكم
~~العبيد، لا يخرجون من ملكة ساداتهم، وفي الأول خرجوا باللحوق قبل السادة من
~~ملكتهم، ولو أسلم السادة بعدهم لم يعودوا إلى ملكتهم.
# ومتى أغار المشركون على المسلمين، فأخذوا منهم ذراريهم، وعبيدهم،
~~وأموالهم، ثم ظفر بهم المسلمون، فأخذوا منهم ما كانوا أخذوه، فإن أولادهم
~~يردون إليهم بعد أن يقيموا البينة، ولا يسترقون بغير خلاف في ذلك.
# فأما العبيد والأمتعة والأثاثات (1)، قال شيخنا أبو جعفر في نهايته:
~~يقومون في سهام المقاتلة، ويعطي الإمام مواليهم أثمانهم من بيت المال (2).
# والذي تقتضيه أصول المذهب، وتعضده الأدلة، وأفتي به، أن ذلك إن قامت
~~البينة به قبل القسمة، رد على أصحابه بأعيانه، ولا يغرم الإمام للمقاتلة
~~عوضه شيئا، وإن كان ذلك بعد قسمة الغنيمة على المقاتلة، رد أيضا بأعيانه
~~على أصحابه، ورد الإمام قيمة ذلك للمقاتلة من بيت المال، لا يجوز غير ذلك،
~~لأن المشركين لا يملكون أموال المسلمين، وتملكه من أربابه يحتاج إلى دليل،
~~وقول الرسول عليه السلام لا يحل مال امرء مسلم إلا عن طيب نفس منه (3)،
~~والمسلم، ما طابت نفسه بأخذ ماله.
# وإلى ما اخترناه وحررناه يذهب شيخنا أبو جعفر في استبصاره، (4) فإنه قال
~~بعد ما أورد أخبارا: والذي أعمل عليه، أنه أحق بعين ماله على كل حال (5)،
~~وهذه الأخبار على ضرب من التقية، ثم قال: والذي يدل على ذلك، ما رواه
# PageV02P011
# الحسن بن محبوب، في كتاب المشيخة، عن علي ms0500 بن رئاب، عن طربال، عن أبي جعفر
~~عليه السلام قال: سئل عن رجل كانت له جارية، فأغار عليه المشركون، وأخذوها
~~منه، ثم إن المسلمين بعد غزوهم، فأخذوها فيما غنموا منهم، فقال: إن كانت في
~~الغنائم، وأقام البينة أن المشركين أغاروا عليهم وأخذوها منه، ردت عليه،
~~وإن كانت اشتريت، وخرجت من المغنم، فأصابها، ردت عليه برمتها، وأعطى الذي
~~اشتراها، الثمن من المغنم من جميعه، فإن لم يصبها حتى تفرق الناس، وقسموا
~~جميع الغنائم، فأصابها بعد، قال: يأخذها من الذي هي في يده، إذا أقام
~~البينة، ويرجع الذي هي في يده على أمير الجيش بالثمن (1) هذا آخر كلام
~~شيخنا في الإستبصار، وإلى ما اخترناه يذهب في مسائل خلافه أيضا (2).
# والأسارى، فعندنا على ضربين، أحدهما أخذ قبل أن تضع الحرب أوزارها،
~~وينقضي الحرب والقتال، فإنه لا يجوز للإمام استبقاؤه، بل يقتله، بأن يضرب
~~رقبته (3)، أو يقطع يديه ورجليه، ويتركه حتى ينزف ويموت، إلا أن يسلم،
~~فيسقط عنه القتل.
# والضرب الآخر، هو كل أسير يؤخذ بعد أن تضع الحرب أوزارها، فإنه يكون
~~الإمام مخيرا فيه، بين أن يمن عليه، فيطلقه، وبين أن يسترقه، وبين أن
~~يفاديه، وليس له قتله بحال.
# ومن أخذ أسيرا فعجز عن المشي، ولم يكن معه ما يحمله عليه إلى الإمام،
~~فليطلقه، لأنه لا يعلم ما حكم الإمام فيه.
# ومن كان في يده أسير، وجب عليه أن يطعمه، ويسقيه، وإن أريد قتله في الحال
~~ولا يجوز قتال أحد من الكفار الذين لم تبلغهم الدعوة، إلا بعد دعائهم إلى
# PageV02P012
# الإسلام، وإظهار الشهادتين، والإقرار بالتوحيد والعدل، والتزام جميع
~~شرايع الإسلام، والداعي يكون الإمام، أو من يأمره الإمام، على ما قدمناه.
# فإن بدر إنسان، فقتل منهم قبل الدعاء، فلا قود عليه، ولا دية، لأنه لا
~~دليل عليه، وقوله عز وجل: " ليظهره على الدين كله " (1) أراد بالحجج
~~والأدلة، وقيل: أراد بذلك (2)، عند قيام المهدي عليه السلام، وقيل: إنه
~~أراد على أديان العرب كلها (3)، وقد كان ذلك.
# فإن أسر الكافر، وله زوجة، فإنهما على الزوجية ما ms0501 لم يختر الإمام
~~الاسترقاق، فإن من عليه، أو فأداه، عاد إلى زوجته، وإن اختار استرقاقه،
~~انفسخ النكاح.
# وإن كان الأسير امرأة مزوجة، فإن النكاح ينفسخ بنفس الأسر، لأنها صارت
~~رقيقة بنفس الأسر.
# وإذا وقعت المرأة وولدها في السبي، قال بعض أصحابنا: لا يجوز للإمام أن
~~يفرق بينهما، فيعطي الأم لواحد، والولد لآخر.
# وهكذا إذا كان لرجل أمة، وولدها، فلا يجوز أن يفرق بينهما ببيع ولا هبة
~~(4)، ولا غيرهما من أسباب الملك، وفي أصحابنا من قال: إن ذلك مكروه، ولا
~~يفسد البيع به، وهو الأقوى عندي، وهو مذهب شيخنا أبي جعفر في مبسوطه، فإنه
~~قال:
# فإن خالف وباع، جاز البيع على الظاهر من المذهب (5)، هذا قول شيخنا أبي
~~جعفر في مبسوطه، وكذلك في موضع من نهايته (6).
# وأما التفرقة بينه وبين الوالد، فإنه جائز بغير خلاف.
# قد بينا أنه متى حدث الرق في الزوجين، أو أحدهما انفسخ النكاح بينهما،
# PageV02P013
# فالنساء يرققن بنفس حيازة الغنيمة، والرجال يرقون باختيار الإمام، لا
~~بحيازة الغنيمة، فعلى هذا إذا سبي الزوجان، انفسخ النكاح في الحال، لأن
~~الزوجة صارت مملوكة بنفس الحيازة، وإن كان المسبي الرجل، لا ينفسخ النكاح،
~~إلا إذا اختار الإمام استرقاقه، فإن كان المسبي المرأة، انفسخ أيضا في
~~الحال لما قلناه.
# فأما إذا كان الزوجان جميعا مملوكين، فإنه لا ينفسخ النكاح، لأنه ما حدث
~~رق هاهنا، لأنهما كانا رقيقين قبل ذلك.
# والفرس الذي يقسم له، ما تناوله اسم الخيل والفرس، سواء كان عتيقا أو
~~هجينا أو مقرفا، فالعتيق الذي أبوه وأمه عربيان، عتيقان، خالصان. والهجين
~~الذي أبوه كريم عتيق، وأمه برذونة والمقرف الذي أمه كريمة عتيقة، وأبوه
~~برذون، قال الشاعر:
# وما هند إلا مهرة عربية سليلة أفراس تجللها بغل فإن نتجت مهرا كريما
~~فبالحري وإن يك أقراف فمن جهة الفحل فأما من قاتل على حمار، أو على بغل، أو
~~جمل، فلا يسهم لمركوبه، لأنه ليس بفرس، ولا يسمى راكبه فارسا.
# وتجب الهجرة على كل من قدر عليها، ولا يأمن على نفسه من المقام بين
~~الكفار، ms0502 ولا يتمكن من إظهار دينه بينهم، فيلزمه أن يهاجر، والهجرة باقية
~~أبدا، ما دام الشرك قائما، وروي عن النبي عليه السلام، أنه قال: لا تنقطع
~~الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها (1).
# وما روي من قوله عليه السلام: لا هجرة بعد الفتح (2)، معناه لا هجرة بعد
~~الفتح، فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح، وقيل: المراد لا هجرة (3) بعد الفتح
~~من مكة،
# PageV02P014
# لأنها صارت دار إسلام.
# ولا جهاد على العبيد.
# والمسلم، إذا أسره المشركون، لم يجز له أن يتزوج فيما بينهم، فإن اضطر
~~جاز له أن يتزوج في اليهود والنصارى، على ما روي في بعض الأخبار (1) فأما
~~غيرهم فلا يقربهم على حال (2).
# باب قتال أهل البغي والمحاربين وكيفية قتالهم والسيرة فيهم كل من خرج على
~~إمام عادل، ونكث بيعته، وخالفه في أحكامه، فهو باغ، وجاز للإمام قتاله،
~~ومجاهدته، ويجب على من يستنهضه الإمام في قتالهم، النهوض معه، ولا يسوغ له
~~التأخير عن ذلك.
# وجملة الأمر وعقد الباب، أنه لا يجب قتال أهل البغي، ولا يتعلق بهم
~~أحكامهم، إلا بثلاثة شروط:
# أحدها: أن يكونوا في منعة، ولا يمكن كفهم وتفريق (3) جمعهم، إلا باتفاق،
~~وتجهيز جيوش وقتال.
# والثاني: أن يخرجوا عن قبضة الإمام، منفردين عنه، في بلد أو بادية، فأما
~~إن كانوا معه في قبضته، فليسوا أهل بغي.
# والثالث: أن يكونوا على المباينة بتأويل سائغ (4) عندهم، فأما من باين
~~وانفرد بغير تأويل، فهو قاطع طريق، وحكمهم حكم المحاربين، لا حكم البغاة.
# ومن خرج على إمام جائر، لم يجز قتالهم على حال.
# ولا يجوز قتال أهل البغي، إلا بأمر الإمام، ومن قاتلهم، فلا ينصرف
# PageV02P015
# عنهم إلا بعد الظفر بهم، أو يفيئوا إلى الحق، ومن رجع عنهم من دون ذلك،
~~فقد باء بغضب من الله تعالى، وعقابه، عقاب من فر من الزحف.
# وأهل البغي عند أصحابنا على ضربين، ضرب منهم يقاتلون، ولا يكون لهم رئيس
~~يرجعون إليه، والضرب الآخر، يكون لهم أمير ورئيس يرجعون في أمورهم إليه،
~~فالضرب الأول، كأهل البصرة ms0503 وأصحاب الجمل. والضرب الثاني كأهل الشام وأصحاب
~~معاوية بصفين، فإذا لم يكن لهم رئيس يرجعون إليه، فإنه لا يجاز على جريحهم،
~~ولا يتبع هاربهم (1)، ولا تسبى ذراريهم، ولا يقتل أسيرهم، ومتى كان لهم
~~رئيس يرجعون إليه في أمورهم، كان للإمام أن يجيز على جريحهم، وأن يتبع
~~هاربهم، وأن يقتل أسيرهم.
# ولا يجوز سبي الذراري على حال.
# ويجوز للإمام أن يأخذ من أموالهم ما حوى العسكر، ويقسم على المقاتلة حسب
~~ما قدمناه، وليس له ما لم يحوه العسكر، ولا له إليه سبيل على حال، هذا مذهب
~~شيخنا أبي جعفر الطوسي في نهايته (2) والجمل والعقود (3).
# ثم قال في مبسوطه: إذا انقضت الحرب بين أهل العدل والبغي، إما بالهزيمة،
~~أو بأن عادوا إلى الحق، وطاعة الإمام، وقد كانوا أخذوا الأموال، وأتلفوا،
~~وقتلوا، نظرت، فكل من وجد عين ماله عند غيره، كان أحق به، سواء كان من أهل
~~العدل، أو أهل البغي، لما رواه ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال:
~~المسلم أخ المسلم، لا يحل له دمه، وماله إلا بطيبة من نفسه، وروي أن عليا
~~عليه السلام لما هزم الناس يوم الجمل، قالوا له: يا أمير المؤمنين، ألا
~~تأخذ أموالهم، قال: لا، لأنهم تحرموا بحرمة الإسلام، فلا تحل أموالهم في
~~دار الهجرة،
# PageV02P016
# وروى أبو قبيس، أن عليا عليه السلام، نادى: من وجد ماله فليأخذه، فمر بنا
~~رجل، فعرف قدرا نطبخ فيها، فسألناه أن يصبر حتى ينضج، فلم يفعل، ورمى برجله
~~فأخذها، قال رحمه الله: وقد روى أصحابنا، أن ما يحويه العسكر، من الأموال،
~~فإنه يغنم، قال: وهذا يكون إذا لم يرجعوا إلى طاعة الإمام، فأما إن رجعوا
~~إلى طاعته، فهم أحق بأموالهم (1). هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر في مبسوطه.
# وذكر أيضا في مبسوطه، فقال: إذا وقع أسير من أهل البغي في أيدي أهل
~~العدل، فإن كان شابا من أهل القتال، وهو الجلد الذي يقاتل، كان له حبسه،
~~ولم يكن له قتله، قال: وقال بعضهم: له قتله، قال رحمه الله: والأول ms0504 مذهبنا
~~(2) فقد اعتمد رحمه الله، وأقر بأن الأول مذهبنا، وهو أنه لا يقتل الأسير.
# وقال في مسائل خلافه (3)، في أحكام أهل البغي، مثل قوله في مبسوطه في
~~الأسير، ولم يذكر شيئا من أحكامهم في الإستبصار، ولا في تهذيب الأحكام، ولا
~~ذكر في أخذ المال، ولا قتل الأسير شيئا، والأخبار التي أوردها في كتاب
~~تهذيب الأحكام، وهو أكبر كتاب له في الأخبار، ما فيها شئ من أخذ ما حواه
~~العسكر، ولا قتل الأسير، بل أورد أخبارا في هذا الكتاب يتضمن خلاف ما ذكره
~~في نهايته (4)، وجمله وعقوده (5).
# من ذلك الإيراد: محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن وهب، بن
~~(6) جعفر، عن أبيه، عن جده، عن مروان بن الحكم لعنه الله قال: لما هزمنا
~~علي بالبصرة، رد على الناس أموالهم، من أقام بينة أعطاه، ومن لم يقم بينة
~~أحلفه، قال: فقال له قائل: يا أمير المؤمنين، أقسم الفئ بيننا والسبي،
# PageV02P017
# قال: فلما أكثروا عليه، قال: أيكم يأخذ أم المؤمنين في سهمه، فكفوا (1).
# وغير ذلك من الأخبار لم يذكر فيها أخذ ما حواه العسكر بحال، وشيخنا
~~المفيد لم يتعرض لذلك في مقنعته بحال.
# فأما السيد المرتضى فقد ذكر في المسائل الناصريات، المسألة السادسة
~~والمائتان: يغنم ما حوت عليه عساكر أهل البغي، يصرف للفارس بفرس عتيق ثلاثة
~~أسهم، سهم له وسهمان لفرسه، ويسهم للبرذون سهم واحد، قال السيد المرتضى
~~رحمه الله: هذا غير صحيح، لأن أهل البغي لا يجوز غنيمة أموالهم، وقسمتها
~~كما تقسم أموال أهل الحرب، ولا أعلم خلافا بين الفقهاء في ذلك، ويرجع الناس
~~كلهم في هذا الموضع، إلى ما قضى به أمير المؤمنين عليه السلام في محاربي
~~أهل البصرة، فإنه منع من غنيمة أموالهم، فلما روجع عليه السلام في ذلك، قال
~~أيكم يأخذ عايشة في سهمه، وليس يمتنع أن يخالف حكم قتال أهل البغي، لقتال
~~أهل دار الحرب في هذا الباب، كما يخالف في أننا لا نتبع موليهم، وإن كان
~~اتباع المولي من باقي المحاربين جائزا، وإنما ms0505 اختلف الفقهاء في الانتفاع
~~بدواب أهل البغي، وبسلاحهم في حال قيام الحرب، فقال الشافعي: لا يجوز ذلك،
~~وقال أبو حنيفة: يجوز ما دامت الحرب قائمة، ثم قال المرتضى رحمه الله: وليس
~~يمتنع عندي أن يجوز قتالهم بسلاحهم على وجه لا يقع التملك له، لأن ما منع
~~من غنيمة أموالهم وقسمتها، لا يمنع من قتالهم بسلاحهم، لا على وجه التملك
~~له، كأنهم رموا حربة إلى جهة أهل الحق، فيجوز أن يرموا بها على سبيل
~~المدافعة والمقاتلة، فأما استدلال الشافعي بقوله عليه السلام. لا يحل مال
~~امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه فليس بصحيح، لأنه إنما نفى تملك مال المسلمين
~~وحيازته بغير طيب نفوسهم، وليس كذلك المدافعة والممانعة، وقد استدل
# PageV02P018
# أصحاب أبي حنيفة على صحة ما ذهبوا إليه، في هذا المسألة بقوله تعالى: "
~~فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله " (1) قالوا: فأباح القتال عاما،
~~وذلك يشمل على قتالهم بدوابهم، وسلاحهم، وعلى قتالهم بدوا بنا وسلاحنا، قال
~~المرتضى: وهذا قريب (2).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: الصحيح ما ذهب السيد المرتضى رضي
~~الله عنه إليه، وهو الذي أختاره، وأفتي به، والذي يدل على صحة ذلك، ما
~~استدل به رضي الله عنه، وأيضا فإجماع المسلمين على ذلك، وإجماع أصحابنا
~~منعقد على ذلك، وقد حكينا في صدر المسألة، أقوال شيخنا أبي جعفر الطوسي
~~رحمه الله في كتبه، ولا دليل على خلاف ما اخترناه، وقول الرسول عليه
~~السلام: لا يحل مال امرء مسلم إلا عن طيب نفس منه، وهذا الخبر قد تلقته
~~الأمة (3) بالقبول، ودليل العقل يعضده، ويشيده، لأن الأصل بقاء الأملاك على
~~أربابها، ولا يحل تملكها إلا بالأدلة القاطعة للأعذار.
# والمحارب، هو كل من قصد إلى أخذ مال الإنسان، وشهر السلاح في بر، أو بحر،
~~أو حضر، أو سفر، فمتى كان شئ من ذلك، جاز للإنسان دفعه عن نفسه، وماله، فإن
~~أدى ذلك (4) إلى قتل اللص، لم يكن عليه شئ، وإن أدى إلى قتله هو كان بحكم
~~الشهداء، وثوابه ثوابهم، هذا مع ms0506 غلبة ظنه بأنه يندفع له، وأنه مستظهر عليه،
~~وأما إن غلب على ظنه العطب، وإن اللص يستظهر عليه (5)، فلا يتعرض له بحال،
~~لأن التحرز من الضرر المظنون، يجب كوجوبه من الضرر المعلوم، فأما حكم
~~المحارب، وحده، فسنذكره إن شاء الله تعالى في كتاب الحدود عند المصير إليه.
# PageV02P019
# باب من زيادات ذلك يجوز للإمام أن يذم لجميع المشركين، فأما من عدا
~~الإمام، فلا يجوز له أن يذم لجميعهم، بل إن كان واليا على صقع من الأصقاع،
~~فله أن يذم لمن في صقعه، فأما إن لم يكن واليا فلا يجوز أن يذم، إلا لآحاد
~~المشركين، دون الجماعات، ويجوز للإمام أن يذم لقوم منهم، ويجوز له (1) أن
~~يصالحهم على ما يراه، ولا يجوز لأحد أن يذم عليه إلا بإذنه، وإذا كان جماعة
~~من المسلمين في سرية فأذم واحد منهم لمشرك، كانت ذمته ماضية على الكل، ولم
~~يجز (2) لأحد منهم الخلاف عليه، وإن كان أدونهم في الشرف، حرا كان أو عبدا.
# ومتى استذم قوم من المشركين إلى المسلمين، فقال لهم المسلمون: لا نذمكم،
~~فجاؤوا إليهم ظنا منهم أنهم أذموهم، كانوا مأمونين، ولم يكن عليهم سبيل.
# ومن أذم مشركا، أو غير مشرك، ثم حفره، ونقض ذمامه، كان غادرا آثما.
# ويكره أن يعرقب الإنسان الدابة على جميع الأحوال، فإن وقفت عليه في أرض
~~العدو فليخلها، ولا يعرقبها، إلا إذا خاف أن تركب، ويلحقه العدو عليها، فله
~~عند هذه الحال أن يعرقبها.
# وإذا اشتبه قتلى المشركين بقتلى المسلمين، فقد روي أنه يوارى منهم من كان
~~صغير الذكر (3) وهذا رواية شاذة، لا يعضدها شئ من الأدلة، والأقوى عندي أنه
~~يقرع عليهم، لأن كل أمر مشكل عندنا فيه القرعة بغير خلاف. وهذا من ذاك.
# فأما الصلاة عليهم، فالأظهر من أقوال أصحابنا أنه يصلى عليهم بنية الصلاة
~~على المسلمين دون الكفار.
# ولا بأس أن يغزو الإنسان عن غيره، ويأخذ منه على ذلك الأجرة، فإن حصلت
~~غنيمة كان السهم للأجير دون المستأجر.
# PageV02P020
# ويكره تبييت العدو ليلا، وإنما يلاقون بالنهار، وهذا مع ms0507 الاستظهار، على
~~ما قدمناه.
# ويستحب أن لا يؤخذ في القتال إلا بعد زوال الشمس، فإن اقتضت المصلحة
~~تقديمه قبل ذلك، فلا بأس.
# ولا يجوز التمثيل بالكفار، ولا الغدر بهم، ولا الغلول (1) منهم.
# ولا ينبغي تغريق المساكن والزروع، ولا قطع الأشجار المثمرة في أرض العدو،
~~والإضرار (2) بهم، إلا عند الحاجة الشديدة إلى ذلك، على ما أسلفنا القول
~~فيه وشرحناه.
# وقال بعض أصحابنا: (3) إنه ليس للأعراب من الغنيمة شئ، وإن قاتلوا مع
~~المهاجرين، وهذه رواية شاذة، مخالفة لأصول مذهب أصحابنا، أوردها شيخنا أبو
~~جعفر في نهايته في باب الزيادات (4)، وهذا يدل على وهنها عنده، لأنه لا
~~خلاف بين المسلمين أن كل من قاتل من المسلمين، فإنه من جملة المقاتلة، وإن
~~الغنيمة للمقاتلة، وسهمه ثابت في ذلك، فلا يخرج من هذا الإجماع، إلا بإجماع
~~مثله، أو دليل مكاف له، ولا يرجع فيه إلى أخبار آحاد لا توجب علما ولا
~~عملا.
# باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن له إقامة الحدود والقضاء والحكم
~~بين المختلفين ومن ليس له ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان بلا
~~خلاف بين الأمة، وإنما الخلاف في أنهما هل يجبان عقلا أو سمعا؟ فقال
~~الجمهور من المتكلمين والمحصلين من الفقهاء: إنهما يجبان سمعا، وأنه ليس في
~~العقل ما يدل على وجوبهما، وإنما علمناه بدليل الإجماع من الأمة، وبآي من
~~القرآن (5) والأخبار
# PageV02P021
# المتواترة (1). فأما ما يقع منه على وجه المدافعة، فإنه يعلم وجوبه عقلا
~~لما علمناه بالعقل، من وجوب دفع المضار عن النفس، وذلك لا خلاف فيه، وإنما
~~الخلاف فيما عداه، وهذا هو الذي (2) يقوى في نفسي، والذي يدل عليه، هو أنه
~~لو وجبا عقلا، لكان في العقل دليل على وجوبهما، وقد سبرنا أدلة العقل، فلم
~~نجد فيها ما يدل على وجوبهما، ولا يمكن العلم الضروري في ذلك، لوجود الخلاف
~~فيه، وهذا القول خيرة السيد المرتضى.
# وقال قوم: طريق وجوبهما العقل، وإلى هذا المذهب يذهب شيخنا أبو جعفر
~~الطوسي رحمه الله في كتابه الإقتصاد (3) بعد أن قوى الأول، واستدل على ms0508 صحته
~~بأدلة العقول، ثم قال رحمه الله: ويقوى في نفسي أنه يجب (4) عقلا الأمر
~~بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: لما فيه من اللطف، ولا يكفي فيه العلم
~~باستحقاق الثواب والعقاب، قال: لأنا متى قلنا ذلك، لزمنا أن الإمامة ليست
~~واجبة، بأن يقال يكفي العلم باستحقاق الثواب والعقاب، وما زاد عليه في حكم
~~الندب، وليس بواجب، قال رحمه الله: فالأليق بذلك أنه واجب.
# ثم قال رحمه الله: واختلفوا في كيفية وجوبهما، فقال الأكثر: إنهما من
~~فروض الكفاية (5)، إذا قام به البعض، سقط عن الباقين، وقال قوم: هما من
~~فروض الأعيان، ثم قال رحمه الله: وهو الأقوى عندي، لعموم آي القرآن
~~والأخبار.
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: والأظهر بين أصحابنا، أنهما من فروض
~~الكفاية (6)، إذا قام به البعض، سقط عن الباقين، وهو اختيار السيد المرتضى.
# والأمر بالمعروف على ضربين، واجب وندب، فالأمر بالواجب منه واجب، والأمر
~~بالمندوب مندوب، لأن الأمر به، لا يزيد على المأمور به نفسه، والنهي عن
# PageV02P022
# المنكر لا ينقسم، بل كله قبيح، فالنهي عنه كله واجب.
# والنهي عن المنكر له شروط ستة، أحدها أن يعلمه منكرا، وثانيها أن يكون
~~هناك أمارة الاستمرار عليه، وثالثها أن يظن أن إنكاره يؤثر أو يجوزه،
~~ورابعها أن لا يخاف على نفسه، وخامسها أن لا يخاف على ماله، وسادسها أن لا
~~يكون فيه مفسدة، وإن اقتصرت على أربعة شروط كان كافيا، لأنك إذا قلت: لا
~~يكون فيه مفسدة، دخل فيه الخوف على النفس والمال، لأن ذلك كله مفسدة.
# والغرض بإنكار المنكر، أن لا يقع، فإذا أثر القول والوعظ في ارتفاعه،
~~اقتصر عليه، ولا يجوز حينئذ باليد، وإن لم يؤثر وجب باليد، بأن يمتنع (1)
~~منه، ويدفع عنه، وإن أدى ذلك إلى إيلام المنكر عليه، والإضرار به، وإتلاف
~~نفسه بعد أن يكون القصد ارتفاع المنكر، وأن لا يقع من فاعله، ولا (2) يقصد
~~إيقاع الضرر به.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي في كتاب الإقتصاد: غير أن ظاهر مذهب شيوخنا
~~الإمامية، أن هذا الجنس من الإنكار، ms0509 لا يكون إلا للإمام، أو لمن يأذن له
~~الإمام فيه. ثم قال رحمه الله: وكان المرتضى رحمه الله يخالف في ذلك،
~~ويقول: يجوز فعل ذلك بغير إذنه، لأن ما يفعل بإذنهم يكون مقصودا، وهذا
~~بخلاف ذلك، لأنه غير مقصود، وإنما قصده المدافعة والممانعة، فإن وقع ضرر
~~فهو غير مقصود (3)، هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر الطوسي في الإقتصاد.
# وما ذهب السيد المرتضى رضي الله عنه إليه، هو الأقوى، وبه أفتي، وقد رجع
~~شيخنا أبو جعفر الطوسي، إلى قول المرتضى في كتاب التبيان (4)، وقواه،
# PageV02P023
# ونصره، وضعف ما عداه، وإلى ما ذهب في الإقتصاد ذهب في النهاية: فقال في
~~نهايته: وقد يجب إنكار المنكر بضرب من الفعل، وهو أن يهجر فاعله، ويعرض
~~عنه، وعن تعظيمه، ويفعل معه من الاستخفاف ما يرتدع معه من المناكير، فإن
~~خاف الفاعل للإنكار باللسان ضررا، اقتصر على الإنكار بالقلب، حسب ما قدمناه
~~في المعروف سواء (1).
# وأما إقامة الحدود، فليس يجوز لأحد إقامتها إلا لسلطان الزمان، المنصوب
~~من قبل الله تعالى، أو من نصبه الإمام لإقامتها، ولا يجوز لأحد سواهما
~~إقامتها على حال، وقد رخص في حال قصور أيدي أئمة الحق، وتغلب الظالمين، أن
~~يقيم الإنسان الحد على ولده، وأهله، ومماليكه، إذا لم يخف في ذلك ضررا من
~~الظالمين، وأمن بوايقهم.
# قال محمد بن إدريس، مصنف هذا الكتاب: والأقوى عندي، أنه لا يجوز له (2)
~~أن يقيم الحدود إلا على عبده فحسب، دون ما عداه من الأهل، والقرابات، لما
~~قد ورد في العبد من الأخبار (3) واستفاض به النقل بين الخاص والعام.
# وقد روي أن من استخلفه سلطان ظالم على قوم، وجعل إليه إقامة الحدود، جاز
~~له أن يقيمها عليهم على الكمال (4) ويعتقد أنه إنما (5) يفعل ذلك بإذن
~~سلطان الحق لا بإذن سلطان الجور، ويجب على المؤمنين معونته، وتمكينه من
~~ذلك، ما لم يتعد الحق في ذلك، وما هو مشروع في شريعة الإسلام، فإن تعدى ما
~~جعل إليه الحق، لم يجز له القيام به، ولا لأحد معاونته على ذلك.
# PageV02P024
# والأولى ms0510 في الديانة ترك العمل بهذه الرواية، بل الواجب ذلك.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله مصنف هذا الكتاب: والرواية أوردها شيخنا أبو
~~جعفر في نهايته (1)، وقد اعتذرنا له فيما يورده في هذا الكتاب، أعني
~~النهاية، في عدة مواضع، وقلنا أنه يورده إيرادا، من طريق الخبر، لا اعتقادا
~~من جهة الفتيا والنظر، لأن الإجماع حاصل منعقد من أصحابنا، ومن المسلمين
~~جميعا، أنه لا يجوز إقامة الحدود، ولا المخاطب بها إلا الأئمة، والحكام
~~القائمون بإذنهم في ذلك، فأما غيرهم فلا يجوز له التعرض بها على حال، ولا
~~يرجع عن هذا الإجماع، بأخبار الآحاد، بل بإجماع مثله، أو كتاب الله تعالى،
~~أو سنة متواترة مقطوع بها.
# فإن خاف الإنسان على نفسه من ترك إقامتها، فإنه يجوز له أن يفعل في حال
~~التقية، ما لم يبلغ (2) قتل النفوس فلا يجوز (3) فيه التقية، عند أصحابنا
~~بلا خلاف بينهم.
# وأما الحكم بين الناس والقضاء بين المختلفين، فلا يجوز أيضا إلا لمن أذن
~~له سلطان الحق في ذلك، وقد فوضوا ذلك إلى فقهاء شيعتهم، المأمونين المحصلين
~~الباحثين عن مآخذ الشريعة، الديانين القيمين بذلك، في حال لا يتمكنون فيه
~~من توليته (4) بنفوسهم، فمن تمك من إنفاذ حكم وهو من أهله، أو إصلاح بين
~~الناس، أو فصل بين المختلفين، فليفعل ذلك، وله به الأجر والثواب، ما لم يخف
~~في ذلك على نفسه، ولا على أحد من أهل الإيمان، ويأمن الضرر فيه، فإن خاف
~~شيئا من ذلك، لم يجز له التعرض له على حال.
# ومن دعا غيره إلى فقيه من فقهاء أهل الحق، ليفصل بينهما، فلم يجبه، وآثر
~~المضي إلى المتولي من قبل الظالمين، كان في ذلك متعديا للحق، مرتكبا
~~للآثام،
# PageV02P025
# مخالفا للإمام، مرتكبا للسيئات العظام.
# ولا يجوز لمن يتولى الفصل بين المختلفين، والقضاء بينهم، أن يحكم إلا
~~بموجب الحق، ولا يجوز له (1) أن يحكم بمذهب أهل الخلاف، فإن كان قد تولى
~~الحكم من قبل الظالمين بغير اختياره، فليجتهد أيضا في تنفيذ الأحكام، على
~~ما يقتضيه شريعة الإسلام، فإن اضطر ms0511 إلى تنفيذ حكم على مذهب أهل الخلاف،
~~بالخوف على النفس، أو الأهل، أو المؤمنين، أو على أموالهم، جاز له تنفيذ
~~الحكم، ما لم يبلغ ذلك قتل النفوس، فإنه لا تقية له في قتل النفوس، حسب ما
~~أسلفنا القول في معناه.
# ويجوز لأهل الحق، أن يجمعوا بالناس، الصلوات كلها، وقد روي (2) صلاة
~~الجمعة والعيدين، ويخطبوا الخطبتين، ويصلوا بهم صلاة الكسوف، ما لم يخافوا
~~في ذلك ضررا، فإن خافوا في ذلك الضرر، لم يجز لهم التعرض (3) على حال، وقد
~~قلنا ما عندنا في صلاة الجمعة جمعة، وإن ذلك لا يجوز في حال استتار الإمام،
~~لأن الجمعة لا تنعقد، ولا تصح إلا بالإمام، أو بإذن من جهته، وتوليته لذلك،
~~فإذا فقدنا ذلك، صليناها ظهرا أربع ركعات، وأشبعنا القول فيه في كتاب
~~الصلاة، وحررناه.
# وقد ذكر سلار في رسالته، في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال:
# ولفقهاء الطائفة، أن يصلوا بالناس في الأعياد، والاستسقاء، فأما الجمع
~~فلا (4)، هذا آخر كلامه وهو الأظهر.
# ومن لا يحسن القضايا والأحكام في إقامة الحدود وغيرها، لا يجوز له
# PageV02P026
# التعرض لذلك على حال، فإن تعرض له كان مأثوما معاقبا، فإن أكره على تولي
~~ذلك، واضطرته تقية، لم يكن عليه في ذلك شئ، ويجتهد لنفسه من الأباطيل (1)
~~بكل ما يقدر عليه.
# ولا يجوز لأحد أن يختار النظر من قبل الظالمين، إلا في حال يقطع ويعلم
~~أنه لا يتعدى الواجب، ويتمكن من وضع الأشياء مواضعها، ومن الأمر بالمعروف
~~والنهي عن المنكر، فإن علم أنه يخل بواجب، أو يركب قبيحا، أو غلب على ظنه
~~ذلك، فلا يجوز له التعرض له بحال من الأحوال مع الاختيار، فإن أكره على
~~الدخول فيه، واضطرته التقية، جاز له حينئذ ذلك، وليجتهد ويتحرز لنفسه حسب
~~ما قدمناه.
# PageV02P027
# كتاب الديون والكفالات والحوالات والوكالات PageV02P029
# باب كراهية الدين وكراهية النزول على الغريم يكره للإنسان الدين مع
~~الاختيار، وفقد الاضطرار إليه، فإن فعل مختارا لا اضطرارا، فالأولى له أن
~~لا يفعل، إلا إذا كان له ما يرجع إليه، فيقضي به ms0512 دينه، فإن لم يكن له ما
~~يرجع إليه، فقد روي (1) أنه إن كان له ولي يعلم أنه إن مات قضى عنه، قام
~~ذلك مقام ما يملك.
# وهذا غير واضح، لأن الولي لا يجب عليه قضاء دين من هو ولي له، بغير خلاف،
~~وقد أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته (2) إيرادا لا اعتقادا من طريق خبر
~~الآحاد.
# فإذا خلا من الوجهين، فإنه يكره له الاستدانة، وليس ذلك بمحظور، إذا كان
~~عازما على قضائه، منفقا له في الطاعات أو المباحات، وأما في حال الاضطرار،
~~فإنه غير مكروه، وفي هذا الحال لا يستدين إلا مقدار حاجته وكفايته، على
~~الاقتصاد من نفقته، ونفقة عياله، ممن تجب عليه نفقته.
# ولا يجوز للإنسان أن يستدين ما يصرفه في نفقة الحج، إلا بعد أن يكون الحج
~~قد وجب عليه بوجود شرائطه، ويكون له ما إذا رجع إليه قضى منه دينه.
# PageV02P030
# وما ورد من الأخبار (1) في جواز الاستدانة للنفقة في الحج، فمحمول على ما
~~ذكرناه، وحررناه، لا على من لا يكون الحج قد وجب عليه، ولا يكون له ما إذا
~~رجع إليه قضى منه دينه، لأن هذا لا يجب عليه الحج، وهو على هذه الصفة، وإذا
~~كان ذلك لا يجب عليه، فلا يجوز أن يستدين ليفعل ما لا يجب عليه.
# ومن كان عليه دين، وجب عليه العزم على قضائه، فإن ترك العزم على ذلك، كان
~~ما ثوما، وهو بمنزلة السارق، على ما روي (2) في الآثار عن الأئمة الأطهار.
# ومن كان له غريم، فلا ينبغي له أن ينزل عليه، فإن نزل فلا يقيم عنده،
~~أكثر من ثلاثة أيام.
# ومن اضطر إلى الدين، ولا يملك شيئا، يرجع إليه، وكان ممن يجد الصدقة،
~~فالأولى له، والأفضل في ديانته، أن يقبل الصدقة، ولا يتعرض للدين، لأن
~~الصدقة حق جعلها الله له في الأموال.
# ومن كان له غريم له عليه دين، فأهدى المدين، بفتح الميم، الذي هو الغريم،
~~له شيئا لم تكن قد جرت به عادته، وإنما فعله لمكان الدين، استحب له ms0513 أن
~~يحتسبه من دينه، وليس ذلك بواجب.
# وقد روي (3) أنه إذا رأى صاحب الدين المدين، (قد قلنا إن المدين بفتح
~~الميم، الذي عليه الدين، ويقال مديون أيضا، وداين، ومديان، أربع لغات،
~~ويقال أيضا لغة خامسة مدان، فأما الفاعل الذي له الدين، فهو مدين بضم
~~الميم، وكسر الدال، يقال: أدان زيد عمروا، إذا أعطاه، فزيد مدين، وعمرو
~~مدان، ومدين بفتح الميم) في الحرم لم يجز له مطالبته فيه، ولا ملازمته، بل
~~ينبغي أن يتركه حتى يخرج من الحرم، ثم يطالبه كيف شاء، ذكر ذلك، وأورده
~~شيخنا أبو جعفر
# PageV02P031
# في نهايته (1).
# وقال ابن بابويه في رسالته: وإذا (2) كان لك على رجل حق (3) فوجدته بمكة،
~~أو في الحرم، فلا تطالبه، ولا تسلم عليه، فتفرعه، إلا أن تكون أعطيته حقك
~~في الحرم، فلا بأس بأن تطالبه به في الحرم.
# قال محمد بن إدريس، مصنف هذا الكتاب: الذي يقوى عندي، في تحرير هذا
~~القول، وما ذكره وأورده شيخنا أبو جعفر في نهايته، أن يحمل الخبر، على أن
~~صاحب الدين، طالب المدين خارج الحرم، ثم هرب منه والتجأ إلى الحرم، فلا
~~يجوز لصاحب الدين مطالبته، ولا إفزاعه، فأما إذا لم يهرب إلى الحرم، ولا
~~التجأ إليه خوفا من المطالبة، بل وجده في الحرم، وهو ملي بماله، موسر
~~بدينه، فله مطالبته وملازمته، وقول ابن بابويه: إلا أن يكون أعطيته حقك في
~~الحرم، فلك أن تطالبه في الحرم، يلوح بما ذكرناه، على ما حررناه، ولو كان
~~ما روي صحيحا، لورد ورود أمثاله متواترا، والصحابة، والتابعون، والمسلمون
~~في جميع الأعصار، يتحاكمون إلى الحكام في الحرم، ويطالبون الغرماء بالديون،
~~ويحبس الحاكم على الامتناع من الأداء إلى عصرنا هذا، من غير تناكر بينهم في
~~ذلك، وإجماع المسلمين على خلاف ذلك، ووفاق ما اخترناه وحررناه، وهذا معلوم
~~ضرورة، أو كالضرورة، فلا نرجع عن الأمور المعلومة، بأخبار ضعيفة أكثر ما
~~(4) تثمر الظن، دون اليقين والعلم، ولا يورد ذلك في كتابه (5) إلا الآحاد
~~من أصحابنا، ولا إجماع عليه منهم، والأصل الإباحة، والحظر يحتاج إلى ms0514 دليل،
~~والإنسان مسلط على أخذ ماله، والمطالبة به، عقلا وشرعا.
# ومن كان عليه دين، وجب عليه السعي في قضائه، والعزم على أدائه وترك
# PageV02P032
# الإسراف في النفقة، وينبغي له أن يتقنع (1) بالقصد، ولا يجب عليه أن يضيق
~~على نفسه، بل يكون بين ذلك قواما.
# ويجب عليه عند مطالبة من له الحق، دفع جميع ما يملكه إليه، ما خلا داره
~~التي يسكنها، إذا كانت قدر كفاية سكناه، وخادمه الذي يحتاج إلى خدمته، وقوت
~~يومه وليلته فحسب، وما فضل عن ذلك، فيجب دفعه إلى من له عليه الدين (2)،
~~عند المطالبة.
# باب وجوب قضاء الدين إلى الحي والميت كل من كان عليه دين، وجب عليه قضاؤه
~~حسب ما يجب عليه (3) فإن كان حالا وجب عليه، قضاؤه عند المطالبة في الحال،
~~إذا كان قادرا على أدائه، لا يجوز له تأخيره بعد المطالبة له، فإن كان في
~~أول وقت الصلاة وصلى بعد المطالبة، فإن صلاته غير صحيحة، لأن قضاء الدين
~~بعد المطالبة واجب مضيق، وأداء الصلاة في أول وقتها واجب موسع، وكل شئ منع
~~من الواجب المضيق فهو قبيح، بغير خلاف من محصل، وإن كان الدين مؤجلا وجب
~~عليه قضاؤه عند حلول الأجل مع المطالبة.
# ومن وجب عليه أداء الدين، لا يجوز له مطله ودفعه مع قدرته على قضائه، فقد
~~قال الرسول عليه السلام: مطل الغني ظلم (4)، فإن مطل ودفع كان على الحاكم
~~حبسه، بعد إقامة البينة بالحق، وسؤال الخصم ذلك، وإلزامه الخروج مما وجب
~~عليه، فإن حبسه ثم ظهر له بعد ذلك إعساره، وجب عليه تخليته، سواء حضر خصمه
~~أو لم يحضر، لقوله تعالى: " وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة " (5) وإن لم
~~يكن معسرا غير أنه يدفع به، جاز للحاكم أن يبيع عليه متاعه
# PageV02P033
# وعقاره ما عدا داره، وكذلك للحاكم أن يبيع عليه ما له الظاهر قبل حبسه،
~~وإنما له حبسه إذا لم يكن له مال ظاهر، ولا قامت له بينة بالإعسار. فله
~~حبسه حتى يستبين حاله، فإن الغرض في ذلك استخلاص الحق لصاحبه، ms0515 دون الحبس.
# وإن كان من وجب عليه الدين، وثبت عند الحاكم غائبا، وجب على الحاكم بعد
~~سؤال صاحب الحق ومطالبته أن يبيع على الغائب شيئا من أملاكه، غير أنه لا
~~يسلمه إلى خصمه إلا بعد كفلاء، فإن حضر الغائب ولم يكن له بينة، تبطل بينة
~~صاحب الدين، برئت ذمته، وذمة الكفلاء من الكفالة، وإن كانت له بينة تبطل
~~بينة صاحب الحق، ورد الكفلاء عليه المال، ويبطل البيع إن كان قد باع شيئا
~~من أملاكه، لأن الحاكم يفعل على ظاهر الأحوال، فإن تبين له الحق رد (1) ما
~~فعله إليه.
# ومتى كان المدين معسرا، لم يجز لصاحب الدين مطالبته، والإلحاح عليه، بل
~~ينبغي له أن يرفق به، ويجب عليه أن ينظره إلى أن يوسع الله عليه، أو يبلغ
~~خبره الإمام، فيقضي دينه عنه، من سهم الغارمين إذا كان قد استدانه وأنفقه
~~في طاعة أو مباح، وكذلك إذا لم يعلم في أي شئ أنفقه، فأما إذا علم أنه
~~أنفقه في المعاصي، فلا يجوز له أن يقضي عنه من سهم الغارمين، ويجوز أن يعطي
~~هو من سهم الفقراء إذا كان عدلا مستحقا للزكاة.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإن كان لا يعلم في ماذا أنفقه، أو علم
~~أنه أنفقه في معصية لم يجب عليه القضاء عنه (2).
# وهذا غير واضح، لأنه رضي الله عنه، جعل عدم العلم في ماذا أنفقه مثل
~~العلم بأنه أنفقه في معصية ولا ينبغي أن يحمل الأمور إلا على الحلال
~~والصحة، دون الفساد، وإنما تعبدنا
# PageV02P034
# بالظاهر، فأما تقييده في نهايته إذا كان قد استدانه وأنفقه في طاعة، فما
~~منع من إنفاقه على المباح (1)، لأن ذلك دليل الخطاب، ودليل الخطاب عند
~~المحققين لأصول الفقه من أصحابنا غير معمول عليه.
# ولا يجوز أن تباع دار الإنسان التي يسكنها، ولا خادمه الذي يخدمه في
~~الدين، إذا كان مقدار ما فيها كفايته، فإن كانت دار غلة، وكذلك إن كانت
~~كبيرة واسعة، وله في دونها كفاية، الزم بيعها، والاقتصار على كفايته منها،
~~على ما قدمناه. ms0516
# والمنع من بيع الدار والخادم في الدين، على ما روي في بعض الأخبار (2)
~~فإن تحقق إجماع من أصحابنا نرجع إليه، لا دليل عليه سوى الإجماع منهم.
# ومتى ألح صاحب الدين على المدين، وأراد حبسه ولم يكن له بينة بالدين،
~~وخاف المدين إن أقر عند الحاكم بالدين من الحبس، فيضر ذلك به وبعياله، ولم
~~يكن الحاكم عالما بإعساره وحاله، جاز له أن ينكر ويحلف بالله ما له قبلي
~~شئ، ويوري في نفسه ما يخرجه من الكذب، ينوي عند قوله شئ، يستحقه الآن، يخفي
~~ذلك، ويظهر ما عداه، مما ذكرناه، فإنه إذا فعل ذلك صادق (3) بار، لأنه لا
~~يستحق عليه في هذه الحال شيئا من المطالبة والخروج إليه من حقه عند إعساره،
~~لأن الله تعالى قال: " وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة " وينطوي على أنه
~~إذا تمكن من قضائه، قضاه، ويجب عليه العزم على ذلك، ولا شئ عليه من الآثام،
~~فإذا تمكن من قضائه، وجب عليه القضاء.
# ومتى كان للإنسان على غيره دين فحلفه على ذلك، لم يجز له مطالبته بعد ذلك
~~بشئ منه ظاهرا، فإن جاء الحالف تائبا، ورد عليه ماله، جاز له أخذه، فإن
~~أعطاه مع رأس المال ربحا أخذ رأس ماله، ونصف الربح، هكذا أورده
# PageV02P035
# شيخنا أبو جعفر في نهايته (1).
# وتحرير الفتيا بذلك، إن المال المحلف عليه إن كان قرضا، أو دينا، أو
~~غصبا، فالربح للحالف، لا يستحق صاحب الدين منه، قليلا ولا كثيرا في الدين
~~والقرض، لأن هذا ربح مال الحالف، لأن القرض والدين في ذمته، والربح له، دون
~~القارض وصاحب الدين، بغير خلاف.
# فأما إن كان المال غصبا، واشترى الغاصب المتاع بثمن في ذمته، ونقد الشئ
~~المغصوب عوضا عما لزمه في ذمته، فالربح أيضا للغاصب، لأنه نماء ملكه
~~وأرباحه.
# وإن كان الشراء لا في الذمة، بل بعين المال المغصوب، فالصحيح من أقوال
~~أصحابنا، وعند المحصلين منهم، أن البيع غير منعقد، ولا صحيح، والأمتعة
~~لأصحابها، والأرباح والأثمان لأصحابها.
# فأما إن كان المال مضاربة، شرط له من الربح ms0517 نصفه، فيصح القول بذلك، وتحمل
~~وتخص ما ورد من الأخبار بذلك، لأن العموم قد يخص بالأدلة، فهذا تحرير القول
~~في هذه الفتيا، فليتأمل، وليفهم عنا ما قلناه، فإن فيه غموضا والتباسا على
~~غير المحصل لهذا الشأن.
# وإن لم يحلفه غير أنه لم يتمكن من أخذه منه، ووقع له عنده مال، جاز له أن
~~يأخذ حقه منه (2) من غير زيادة عليه، إن كان من جنس ماله، ومثلا له، وإن
~~كان من غير جنسه، فله أن يقومه على نفسه، بالقيمة العدل، ويأخذه.
# وإن كان ما وقع عنده على سبيل الوديعة، جاز له أيضا أخذه منها، وقال
# PageV02P036
# شيخنا أبو جعفر في نهايته: لم يجز له ذلك، ولا يخون فيها (1) إلا أنه رجع
~~عن هذا القول، في كتابه الإستبصار (2). وقال بما اخترناه، وقال: أحمل الخبر
~~على الكراهة، دون الحظر. ونعم ما قال، لأنه إذا أخذ ماله، فما تعدى، ولا
~~ظلم، ولا خان، والشارع نهى عن إضاعة المال، وقال الله تعالى: " ما على
~~المحسنين من سبيل " (3) وهذا محسن، لا مسئ.
# ومن وجب عليه دين، وغاب عنه صاحبه، غيبة لم يقدر عليه معها، وجب عليه أن
~~ينوي قضاءه، على ما قدمناه، فإن حضرته الوفاة، سلمه إلى من يثق بديانته،
~~وجعله وصيه في تسليمه إلى صاحبه، فإن مات من له الدين، سلمه إلى ورثته، فإن
~~لم يعلم له وارثا، اجتهد في طلبه، فإن لم يجده، سلمه إلى الحاكم، فإن قطع
~~على أنه لا وارث له، كان لإمام المسلمين، وقد روي (4) أنه إذا لم يظفر
~~بوارث له، تصدق به عنه، وليس عليه شئ، أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته
~~(5) من طريق الخبر إيرادا، لا اعتقادا، لأن الصدقة لا دليل عليها، من كتاب،
~~ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع، بل الإجماع والأصول المقررة لمذهبنا، تشهد
~~بأن الإمام يستحق ميراث من لا وارث له.
# وقال شيخنا أيضا في نهايته، في صدر السؤال: ومن وجب عليه دين، وغاب عنه
~~صاحبه، غيبة لم يقدر عليه معها، وجب عليه أن ينوي قضاءه، ms0518 ويعزل ما له من
~~ملكه (6).
# وهذا غير واجب، أعني عزل المال، بغير خلاف بين المسلمين، فضلا عن
~~طائفتنا.
# وإذا استدانت المرأة على زوجها، وهو غائب عنها، فأنفقته بالمعروف، وجب
~~عليه القضاء عنها، فإن كان زائدا على المعروف، لم يكن عليه قضاؤه، هكذا
~~أورده شيخنا في نهايته (7).
# PageV02P037
# وتحرير الفتيا بذلك، أن الزوج يجب عليه تسليم النفقة بالمعروف إلى
~~المرأة، ثم تقضي ما استدانت وإن قضاء الدين واجب عليها، دون الزوج، والغريم
~~هي، دونه، وهي المطالبة بالدين، دون الزوج.
# ومن له على غيره مال، لم يجز له أن يجعله مضاربة، إلا بعد أن يقبضه، ثم
~~يدفعه إليه، إن شاء للمضاربة والمضاربة (1) لا تكون إلا بالأموال المعينة،
~~ولا تكون بما في الذمم، لأن ما في الذمة غير معين ولا يتعين إلا بعد قبضه
~~وتعيينه، لأن الإنسان مخير في جهات القضاء من سائر أمواله، وهذا إجماع
~~منعقد من أصحابنا.
# فعلى هذا التحرير الذي لا خلاف فيه، بيع الدين على غير من هو عليه، لا
~~يصح، لأن البيوع على ضربين، بيوع الأعيان، وبيوع ما في الذمم، وبيوع
~~الأعيان على ضربين، بيع عين مرئية مشاهدة، فلا يحتاج إلى وصفها، وبيع عين
~~غير مشاهدة، يحتاج إلى وصفها، وذكر جنسها، وهذا البيع يسميه الفقهاء بيع
~~خيار الرؤية، ولا بد أن يكون ملك جنسها في ملك البائع في حال عقد البيع،
~~إلا أنها غير مشاهدة، فيصفها ليقوم وصفها مقام مشاهدتها، وهي غير مضمونة،
~~إن هلكت قبل التسليم على البائع.
# فبيع الدين بيع عين غير مشاهدة (2) مرئية بغير خلاف، ولا بيع عين معينة
~~موصوفة في ملك البائع، فإنه لا يصلح له وصفها، لأنا قد قدمنا أن الدين عينه
~~غير معين في ملك صاحبه، بل لا يتعين إلا بقبضه له، وقلنا إن من عليه الدين،
~~مخير في (3) جهات القضاء من سائر أمواله، فلا يتقدر أن تكون عين شئ له وهي
~~بعينها لمن له عليه (4) الحق، وإن كان على الجملة لصاحب الدين على المدين
~~حق من جنس من أجناس من الأموال، وليس ms0519 له عليه (5) عين معينة من الأعيان،
~~والشئ
# PageV02P038
# المبيع بيع خيار الرؤية، يحتاج إلى أن يكون ملك جنسه معينا في ملك بائعه،
~~ويذكر جنسه، ويصفه، لأنه من جملة بيوع الأعيان.
# فأما الضرب الآخر من البيوع الذي هو في الذمة، هو المسمى بالسلم، بفتح
~~السين واللام، والسلف، فهذا مضمون على بايعه، يحتاج إلى الأوصاف، والآجال
~~المحروسة من الزيادة والنقصان، إما بالسنين والأعوام، أو بالشهور والأيام،
~~ومن شرط صحته قبض رأس المال الذي هو الثمن، قبل الافتراق من مجلس العقد،
~~وبيع الدين ليس كذلك بغير خلاف.
# فإن قيل: هذا خلاف إجماع الإمامية، وذلك أن إجماعهم منعقد بغير خلاف على
~~صحة بيع الدين وإمضائه، وعموم أخبارهم على ذلك، وكذلك أقوالهم، وتصنيفاتهم،
~~ومسطوراتهم، وفتاويهم.
# قلنا: نحن ما دفعنا ذلك أجمع، وأبطلناه، بل نحن عاملون بمقتضاه، ومخصصون
~~لما ناقض الدليل ونفاه، لأنه لا خلاف بين المحصلين لأصول الفقه، أن العموم
~~قد يخص بالأدلة، وقد قلنا إن بيع الدين على من هو عليه جائز، صحيح، لا خلاف
~~فيه، فقد عملنا بالإجماع، واتبعنا ظواهر الأقوال، والأخبار، والفتاوى، وما
~~في التصنيفات، وأعطينا الظاهر حقه، وخصصنا ما عدا بيع من عليه الدين،
~~بالأدلة المجمع عليها، المقررة المحررة عند أصحابنا، المقدم ذكرها، وهذا
~~تحقيق لا يبلغه إلا محصل لأصول الفقه، ضابط لفروع المذهب، عالم بأحكامه
~~محكم لمداره، وتقريراته، وتقسيماته، ومما يشيد ما حررناه، إجماع أصحابنا
~~الذي لا خلاف فيه، وانعقاده على أن من كان له على غيره مال دينا، لم يجز له
~~أن يجعله مضاربة، إلا بعد أن يقبضه، ويتعين في ملكه، ثم يدفع إليه إن شاء
~~للمضاربة، لأنه قبل قبضه وتعيينه في ملكه، ملك لمن هو عليه ما انتقلت عينه
~~إليه، فكيف يصح له أن يضاربه بعين ماله، فإنه قبل أن يقبضه ويتعين عينه في
~~ملكه، مال من هو عليه، فكيف يضاربه بماله، ولو فعل ذلك، لكان الربح كله لمن
~~عليه المال، لأنه PageV02P039
# ربح ماله، ولا تصح المضاربة، لأن حقيقتها وموضوعها في الشريعة، أن من
~~العامل العمل، ومن رب المال ms0520 المال، ومن عليه الدين، منه المال والعمل
~~جميعا.
# فإن قيل: أنتم قد جعلتم من جملة أدلتكم على صحة ما حرر تموه واختر تموه،
~~مسألة من كان له على غيره دين، فلا يجوز له أن يجعله معه مضاربة، إلا بعد
~~قبضه وتعيينه له في ملكه، ولا يجوز له قبل ذلك جعله مضاربة، فعلى سياق هذا
~~الاستدلال، والاعتبار، يلزمكم أن لا تجوزوا بيع الدين على من هو عليه، قبل
~~قبضه وتعيينه في ملك بائعه.
# قلنا: لا يلزمنا ذلك، لأن بيع خيار الرؤية، لا يحتاج إلا إلى ذكر الجنس،
~~وكونه في ملك البائع، والوصف له، دون تعيين عينه بالإشارة إليه، والمشاهدة
~~له، والقطع عليه، وليس كذلك حكم مال المضاربة، لأنه يجب أن يكون مذكور
~~الجنس معينا، ولا يكفي ذكر الجنس والصفة، دون تعيينه في الملك، كما كفى ذلك
~~في بيع خيار الرؤية، وإن كان كل واحد من المالين، مملوك الجنس، غير متعين
~~ملك عينه، ولا يتعين ملك عينه، إلا بعد قبضه، فيصح بيعه على من هو عليه،
~~بيع خيار الرؤية، لأنه مملوك الجنس للبائع، ومن هو عليه عالم بصفته، فقام
~~علم من هو عليه به، وبصفته، مقام وصف البائع له، فجمع هذا البيع الأمرين
~~اللذين هما شرط في صحة بيع خيار الرؤية، وهو ذكر الجنس، وعلم من هو عليه
~~الذي هو قائم مقام صفته، لأن ذكر الصفة في بيع العين الغائبة، يقوم مقام
~~المشاهدة والرؤية لبيع العين الحاضرة المشاهدة، لأنا لا نحتاج أن نصف العين
~~المرئية عند البيع، ولا ذلك شرط في صحة العقد عليها، وهو شرط في صحة بيع
~~العين الغائبة مع ذكر جنسها، فلأجل ذلك جوزنا بيعها على من هي عليه، دون من
~~سواه، لأن البيع عليه، بيع خيار الرؤية، لأن من شرطه ذكر الجنس والصفة،
~~فإذا بيع عليه، فقد جمع الأمرين جميعا، وليس كذلك بيعه على غير من هو عليه،
~~لأن أحد الأمرين لا يحصل له، لأن صاحبه لا يعلم عينه، حتى يصفها للمشتري،
~~PageV02P040
# ولا يميزها للعين، حتى يصفها فإن ms0521 وصفها، كان كاذبا جاهلا، لأن عينها ما
~~تميزت له في ملكه، وإن كان مالكا لجنسها، دون عينها قبل قبضها من الذي هي
~~في ذمته، فيدخل في النهي عن بيع الغرر، والنهي يدل على فساد المنهي عنه،
~~فلأجل هذا جوزنا بيعها على من هي عليه، دون من سواه، وليس كذلك إذا ضاربه
~~بها، لأن مال المضاربة يحتاج أن يكون متميز العين في ملك رب المال، وقبل
~~قبضه ممن هو في ذمته، ليس هو متميز العين، فافترق الأمران، ويعضد ما
~~اصلناه، قولهم في باب بيع الديون والأرزاق: ومن كان له على غيره دين، جاز
~~له بيعه نقدا، ويكره ذلك نسية، وأطلقوا القول بكراهية النسية، وهذا لا يجوز
~~بالإجماع، لأنه إن كان الدين ذهبا، فلا يحل بيعه بذهب نسية، بغير خلاف، ثم
~~قالوا فإن وفى الذي عليه الدين المشتري، وإلا رجع على من باعه إياه بدركه،
~~ثم قالوا: وإذا باع الدين بأقل مما له على الدين، لم يلزم المدين أن يؤدي
~~أكثر مما وزنه المشتري.
# قال محمد بن إدريس، مصنف هذا الكتاب: إن كان البيع للدين صحيحا ماضيا،
~~لزم المدين أن يؤدي جميع الدين إلى المشتري، وإن كان قد اشتراه بأقل من
~~الدين بأقل قليل، لأن الثمن قد يكون عندنا أقل قيمة من السلعة، مع علم
~~البائع بغير خلاف، فدل هذا أجمع على فساد هذا البيع، وإبطال ما (1) خالف ما
~~ذكرناه.
# قال شيخنا أبو جعفر في الجزء الرابع من المبسوط: إذا كان لرجل في ذمة رجل
~~حر، دين، عن غير سلم، فباعه من إنسان بعوض، أو ثوب، أو غيره، قال قوم: إنه
~~يصح، لأنه لما جاز أن يبتاع بدين في ذمته، جاز أن يبتاع بدين له في ذمة
~~غيره، فإن كل واحد من الدينين مملوك له، وقال آخرون: إنه لا يصح، لأن الدين
~~الذي له في ذمة الغير، ليس بمقدور على تسليمه، فإنه ربما منعه من هو عليه،
~~وربما جحده، وربما أفلس، ومن ابتاع ما لا يقدر على تسليمه بطل بيعه، كما لو ms0522
# PageV02P041
# ابتاع لعبد مغصوب، أو آبق، قال رحمه الله: والأول رواية أصحابنا، وقالوا:
~~إنما يصح لأنه مضمون (1).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: انظر أرشدك الله، ووفقك لإصابة الحق،
~~إلى ما قال شيخنا أبو جعفر، وتأمله، واسبره، ففيه ما فيه، جعل رحمه الله
~~الدين ثمنا، وأصحابنا يجعلونه مثمنا، لأنهم قالوا بيع الدين، ثم قال رحمه
~~الله: رواية أصحابنا، فجعله رواية، ولو كان إجماعا لقال وإجماع أصحابنا، أو
~~مذهبنا، ثم قال: وقالوا إنما يصح لأنه مضمون.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: عند أصحابنا إن البيع المضمون، هو بيع
~~السلف، فهو المضمون الذي هو في الذمة، لا بيع الأعيان، لأن البيع عندهم على
~~الضربين، المقدم ذكرهما وأيضا الذي يجوز خلاف ما نصرناه (2) واخترناه، لا
~~يجوزه في كل دين، ويقول: إن بيع السلم بعد حلوله على غير من هو عليه، لا
~~يجوز، وعلى من هو عليه يجوز، وهو مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي، ولأجل ذلك
~~قال في الكلام الذي أوردناه عنه في مبسوطه، قبل هذا الموضع، وهو إذا كان
~~لرجل في ذمة رجل حر دين، عن غير سلم، فباعه من إنسان، فاحترز من السلم، فقد
~~خصص العموم في بيع الدين، وإذا خصص من يستدل بالعموم، ساغ لخصمه التخصيص،
~~وبطل استدلاله بالعموم، لأنه ما هو أولى بالتخصيص من خصمه، وأيضا فما ورد
~~بذلك سوى خبرين فحسب، أوردهما شيخنا أبو جعفر في تهذيب الأحكام، الذي ماله
~~أكبر منه في الأخبار. ولأجل ذلك قال: رواية أصحابنا، وهما - أعني الخبرين -
~~أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة،
~~قال: سئل أبو جعفر عليه السلام عن رجل كان
# PageV02P042
# له على رجل دين، فجاءه رجل، فاشترى منه بعرض، ثم انطلق إلى الذي عليه
~~الدين، فقال له: أعطني مال فلان عليك، فإني قد اشتريته، فكيف يكون القضاء
~~في ذلك؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: يرد عليه الرجل الذي عليه الدين، ماله
~~الذي اشتراه به، الرجل الذي عليه الدين (1).
# محمد بن أحمد ms0523 بن عيسى، عن محمد بن الفضيل، قال: قلت للرضا عليه السلام
~~رجل اشترى دينا على رجل، ثم ذهب إلى صاحب الدين، فقال له ادفع إلى مال فلان
~~عليك، فقد اشتريته منه، فقال عليه السلام: يدفع إليه قيمة ما دفع إلى صاحب
~~الدين، وبرئ الذي عليه المال، من جميع ما بقي عليه (2).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: فهل يحل لمحصل، وعامل بالأدلة، أن
~~يرجع في ديانته إلى العمل بهذين الخبرين، وفيهما ما فيهما من الاضطراب،
~~وأصلهما وراويهما واحد، وهو محمد بن الفضيل، وأخبار الآحاد عندنا لا يعمل
~~عليها، ولا يرجع في الأدلة إليها، لأنها لا تثمر علما، ولا توجب عملا ومن
~~شاهد مدينا له بفتح الميم، على ما قدمناه (3)، قد باع ما لا يحل تملكه
~~للمسلمين، من خمر، أو لحم خنزير، وغير ذلك، وأخذ ثمنه، جاز له أن يأخذ منه،
~~فيكون حلالا له، ويكون ذنب ذلك على من باع، هكذا أورده شيخنا أبو جعفر في
~~نهايته (4) مطلقا، غير مقيد، والمراد بذلك أن يكون البائع الذي هو المدين،
~~ممن أقرته الشريعة على ما يراه، من تحليل بيع الخمر، وهو أهل الكتاب، لأن
~~ذلك حلال عندهم، ويجوز للمسلم قبض دينه منهم، إذا كان ثمن خمورهم،
~~وخنازيرهم، وليس المراد بذلك، أن يكون الدين على مسلم، فيبيع المسلم الخمر،
# PageV02P043
# ويقبض المسلم من المسلم دينه منه، لأن بيع الخمر للمسلم حرام، وثمنه
~~حرام، وجميع أنواع التصرفات فيها حرام على المسلمين، بغير خلاف بينهم،
~~وعندنا أن الخمر ليست بمملوكة للمسلم، فكيف يجوز بيع غير المملوك، والبيع
~~لغير المملوك لا ينعقد، ولا يملك الثمن، فكيف يكون حلالا له.
# وشيخنا أبو جعفر، قال في مسائل الخلاف، في الجزء الثاني من كتاب الرهن:
~~مسألة: الخمر ليست بمملوكة، ثم قال في استدلاله: ومن ادعى حجة أنه يملكها،
~~فعليه الدلالة (1).
# ثم قال شيخنا أبو جعفر أيضا، في مبسوطه، في الجزء الثاني في كتاب الرهن:
# إذا استقرض ذمي من مسلم مالا، ورهن عنده بذلك خمرا، يكون على يد ذمي آخر
~~يبيعها ms0524 عند محل الحق (2) فباعها، وأتى بثمنها، جاز له أخذه، ولا يجبر عليه،
~~وإذا كانت المسألة بحالها، غير أن الخمر كانت عند مسلم، وشرط أن يبيعها عند
~~محل الحق (3) فباعها وقبض ثمنها، لم يصح، ولم يكن لبيع المسلم الخمر وقبض
~~ثمنها حكم، ولا يجوز للمسلم قبض دينه منه، هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر في
~~مبسوطه (4).
# ألا تراه قيدها هنا، وفرق بين بيع الذمي الخمر، وبين بيع المسلم لها،
~~فقيد ما أطلقه في نهايته، وإنما يورد أخبار الآحاد، وغير الآحاد في النهاية
~~إيرادا، مطلقا على ألفاظها، لا اعتقادا، لأنه كتاب خبر، لا كتاب بحث ونظر،
~~على ما أشرنا إليه من قبل.
# وأيضا قول الرسول عليه السلام: إن الله إذا حرم شيئا، حرم ثمنه (5)،
~~والخمر محرمة بالإجماع، فيجب أن يكون ثمنها محرما، لا محللا، ولنا في ذلك -
~~أعني بيع الخمر، وهل يحل قبض الدين من ثمنها - جواب مسألة وردت من حلب
~~علينا
# PageV02P044
# من أصحابنا الإمامية، سنة سبع وثمانين وخمسمائة، قد بلغنا فيها إلى أبعد
~~الغايات، وأقصى النهايات.
# وإذا كان شريكان لهما مال على الناس، فتقاسما، واحتال كل واحد منهما شيئا
~~منه، ثم قبض أحدهما، ولم يقبض الآخر، كان الذي قبضه أحدهما بينهما على ما
~~يقتضيه أصل شركتهما، وما يبقى على الناس أيضا مثل ذلك، لأن المال الذي في
~~ذمم الغرماء من الديون، غير مقسوم، فهو شركة بعد، لأن ما في الذمم غير
~~مقبوض، ولا متعين، حتى يصح قسمته، فلأجل ذلك، مهما حصل منه شئ، يكون بينهما
~~على ما يقتضيه أصل شركتهما.
# ومن كان له دين على غيره، فأعطاه شيئا بعد شئ من غير الجنس الذي له عليه،
~~ثم تغيرت الأسعار، كان له بسعر يوم أعطاه تلك السلعة، لا بسعر وقت محاسبته
~~إياه، لأنه أعطاه إياه عما له في ذمته، وهو من غير جنس ماله، فيحتسب بقيمة
~~يوم إعطائه وتسليمه إليه، لا يوم محاسبته عليه، لأنه ما أعطاه إياه قرضا،
~~بل عما له في ذمته، فيسقط عنه بقيمته وقت تسليمه وإعطائه، لا وقت ms0525 محاسبته،
~~ولا يلزمه رد مثله، إن كان له مثل، ولو كان أعطاه إياه قرضا، لا عن دين له،
~~وجب عليه رد مثله، إن كان له مثل، وقت مطالبته به، بخلاف ذلك، فأما إذا لم
~~يكن له مثل، وكان يضمن بالقيمة، لا بالمثلية، فإنه يرد قيمته وقت إعطائه
~~وتسليمه، دون وقت مطالبته ومحاسبته، في المسألتين معا، فليتأمل ذلك.
# باب قضاء الدين عن الميت يجب أن يقضى الدين عن الميت من أصل التركة، وهو
~~أول ما يبدأ به بعد الكفن المفروض، ثم تليه الوصية، ثم الميراث بعد ذلك
~~أجمع، فإن أقيم بينة على ميت بمال، وكانت عادلة، وجب معها على من أقامها
~~اليمين بالله، أن له ذلك المال حقا، ولم يكن الميت قد خرج إليه منه، فإذا
~~حلف، كان له ما أقام عليه PageV02P045
# البينة، وحلف عليه، فإن امتنع عن اليمين، انصرف، ولم يكن له في ظاهر
~~الحكم شئ، ولم تنفعه بينته، ولم يلزم الورثة اليمين، لأنه ما ادعى عليهم
~~شيئا، فإن ادعى عليهم العلم بذلك، لزمهم أن يحلفوا أنهم لا يعلمون أن له
~~حقا على ميتهم.
# فإن لم يكن للمدعي على الميت، إلا شاهد واحد، وكان عدلا، لزم المدعي أيضا
~~اليمين معه، لأن الشاهد واليمين عندنا في المال جائز، ولا يلزمه يمين أخرى،
~~لأن يمينه تأتي على أن له ذلك المال حقا، وليس لنا على يمين واحدة، وحكم
~~واحد، من حالف واحد، يمينان، والأصل براءة الذمة، وقد يشتبه هذا الحكم على
~~كثير من أصحابنا، حتى سمعت جماعة يسألون عنه.
# ومتى لم يخلف الميت شيئا، لم يلزمه الورثة قضاء الدين عنه بحال، فإن تبرع
~~منهم إنسان بالقضاء عنه، كان له بذلك، الأجر والثواب إن كان المقضي عنه
~~معتقدا للحق، ويجوز أن يكون ذلك القضاء مما يحتسب به من مال الزكاة، إذا
~~كان قد أنفقه في الطاعات، أو المباحات، على ما شرحناه فيما مضى، سواء كان
~~الميت ممن يجبر القاضي للدين على نفقته، أو ممن لا يجبر.
# ومتى أقر بعض الورثة بالدين، لزمه في ms0526 حصته بمقدار ما يصيبه من أصل
~~التركة، على ما رواه بعض أصحابنا، فإن شهد نفسان منهم، وكانا عدلين مرضيين،
~~أجيزت شهادتهما على باقي الورثة، واستوفي الدين من جميع الورثة بعد يمين
~~المدعي على ما قدمناه، وكذلك إن شهد منهم واحد، وكان مرضيا عدلا في ديانته.
# وشيخنا أبو جعفر، ما ذكر (1) في نهايته إلا أن قال: فإن شهد نفسان منهم
~~(2) ولم يذكر الواحد.
# وذكر في مسائل الخلاف، في الجزء الثالث ما قلناه من شهادة الواحد المرضي،
~~لأن أصول مذهبنا تقضي بذلك، وهو أن الشاهد واليمين ماضية في
# PageV02P046
# الأموال، وما المقصود منه المال، سواء كان دينا أو غيره من الأموال، وبعض
~~أصحابنا يخصه بالدين فقط، والصحيح الأول.
# وإن لم يكن الشاهدان، أو شاهد الدين من الورثة عدولا، ألزموا في حصصهم
~~(1) بمقدار ما يصيبهم حسب ما روي (2) ولا يلزمهم الدين على الكمال، مثال
~~ذلك، إذا مات إنسان وخلف ابنين وتركة، فادعى أجنبي دينا على الميت، فأقر
~~أحدهما بما ادعاه المدعي، وكان المقر غير مرضي، كان له نصف الدين في حصة
~~المقر، وبذلك قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يأخذ من نصيب المقر جميع الدين،
~~وقد استدل بعض أصحابنا، وهو شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله، على صحة
~~مقالتنا، بأن قال: دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، وقال: وأيضا فإن المدعي
~~وأحد الابنين قد اعترف بالدين على الميت، وإن الدين يتعلق بالتركة في حقه،
~~وحق أخيه، بدليل أن البينة لو قامت به، استوفى منهما، فإذا كان كذلك كان
~~تحقيق الكلام، لك علي وعلى أخي، ولو قال هذا لم يجب عليه من حقه، إلا نصف
~~الدين (3).
# وهذا الاستدلال لا أراه معتمدا، بل الدليل المعتمد هو الإجماع، إن كان،
~~وإلا كان الاستدلال علينا، لا لنا، لأن أصول مذهبنا تقتضي أن الورثة لا
~~يستحقون شيئا من التركة، دون قضاء جميع الديون، ولا يسوغ ولا يحل لهم
~~التصرف في التركة، دون القضاء، إذا كانت بقدر الدين، لقوله تعالى: " من بعد
~~وصية يوصي بها أو دين " (4) فشرط في صحة الميراث وانتقاله، أن ms0527 يكون ما يفضل
~~عن الدين، فلم يملك الوارث إلا بعد قضاء الدين، وهذا قد ملك قبل قضاء
~~الدين، فإن كان على المسألة إجماع من أصحابنا، فهو الدليل دون غيره.
# PageV02P047
# فأما الأخبار فهي آحاد، رواتها رجال العامة، وهما خبران قد أوردهما شيخنا
~~أبو جعفر في كتاب الإستبصار (1) أحدهما عن الحكم بن عتيبة وهو عامي المذهب،
~~والآخر عن أبي البختري، وهب بن وهب، وهو (2) عامي المذهب، كان قاضيا.
# وإلحاق ذلك بإقرار بعض الورثة بوارث، قياس وهو عندنا باطل.
# وأيضا فإقرار بعض الورثة بوارث من المعلوم أنه يستحق المقر شيئا من
~~التركة ولا يحرمها (3) وإقراره بالدين إقرار بأنه لا يستحق منها شيئا، إلا
~~بعد قضائه جميعه، فافترق الأمران.
# وأيضا فما قال بهذا غير شيخنا أبي جعفر، ومن اتبعه، وقلده، والسيد
~~المرتضى، وشيخنا المفيد، غير قائلين بذلك.
# ومن مات وعليه دين، يستحب لبعض إخوانه أن يقضي عنه دينه، وإن قضاه من سهم
~~الغارمين من الزكاة، كان ذلك جائزا حسب ما قدمناه.
# وإذا لم يخلف الميت إلا مقدار ما يكفن به، سقط الدين وكفن بما خلف، حسب
~~ما قدمناه، فإن تبرع إنسان بتكفينه، كان ما خلفه للديان دون الورثة، فإن
~~انجزع (4) عليه آخر بكفن كان للورثة دون الديان، لأن الديان لا يستحقون إلا
~~ما خلفه الميت، وهذا ما خلفه.
# وتحرير ذلك، إن المتصدق بالكفن الثاني إن قبضه الورثة، وتصدق به عليهم،
~~وإلا فهو باق على ملكه، وهو بالخيار فيه، لأن الصدقة لا يملكها المتصدق بها
~~عليه إلا بعد قبضها، فإذا لم يقبضها، فهي مبقاة على ملك صاحبها، وهذه
~~المسألة ذكرها شيخنا ابن بابويه في رسالته (5) وأطلق القول فيها، وتحريرها
~~ما ذكرناه.
# وإن قتل إنسان وعليه دين، وجب أن يقضي ما عليه من ديته، سواء كان
# PageV02P048
# قتله عمدا أو خطاءا، فإن كان ما عليه محيطا بديته، وكان قد قتل عمدا، لم
~~يكن لأوليائه القود، إلا بعد أن يضمنوا الدين عن صاحبهم، فإن لم يفعلوا
~~ذلك، لم يكن لهم القود على حال، وجاز لهم العفو بمقدار ما ms0528 يصيبهم، هكذا
~~أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (1).
# والذي تقتضيه أصول مذهبنا، وما عليه إجماع طائفتنا، إن قتل العمد المحض
~~موجبه القود فحسب، دون التملك، والله تعالى قال في محكم التنزيل: " ولكم في
~~القصاص حياة " (2) وقال تعالى: " فقد جعلنا لوليه سلطانا " (3) ولا يرجع عن
~~هذه الأدلة بأخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا.
# والأولى أن يخص ما ورد من الأخبار بقتل الخطأ، لأن قتل الخطأ يوجب المال
~~بغير خلاف، دون القود، وكأنما الميت خلف مالا، أو استحق بسببه مال، فيقضي
~~به دينه.
# وأما قتل العمد المحض، فإنه يوجب القود، دون المال، فكأن الميت ما خلف
~~مالا، ولا يستحق بسببه مال، فإن عفت الورثة واصطلح القاتل والورثة على مال،
~~فإنهم استحقوه بفعلهم وعفوهم، وفي قتل الخطأ ما استحقوه بعفوهم، بل بسبب
~~الميت، لأنهم لا يستحقون غيره، وفي قتل العمد المحض، استحقوا القود، دون
~~المال، فمن أبطله عليهم، ودفعه عنهم، فقد أبطل سلطانهم الذي جعله الله لهم،
~~وخالف ظاهر التنزيل، وأبطل القود، إذا لم يؤدوا إلى صاحب الدين الدية،
~~وأسقطوا اللطف الذي هو الزجر في قوله تعالى: " ولكم في القصاص حياة " لأن
~~من علم أنه يقتل، إذا قتل، كف عن القتل، فحيي (4) هو ومن يريد أن يقتله.
# وأيضا فصاحب الدين لا يستحق إلا ما يخلف الميت من الأموال، وكان
# PageV02P049
# مملوكا له في حياته، أو مالا مستحقا بسببه، على ما قلناه في قتل الخطأ،
~~لأجل الإجماع، والأخبار على قتل الخطأ، لأن موجبه المال، وقتل العمد المحض،
~~لا مال، ولا موجبه المال، فمن أين يستحق صاحب الدين المال، ويمنع من القود
~~حتى يأخذ المال.
# وقد أورد شيخنا أبو جعفر في تهذيب الأحكام خبرا فحسب، في هذا المعنى في
~~باب الديون وأحكامها، وهو: الصفار، عن أيوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن
~~عبد الحميد بن سعيد، قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام، عن رجل قتل،
~~وعليه دين، ولم يترك مالا، فأخذ أهله الدية من قاتله، أعليهم أن يقضوا
~~الدين، قال: نعم، قال: ms0529 قلت وهو لم يترك شيئا، قال عليه السلام: إنما أخذوا
~~الدية، فعليهم أن يقضوا عنه الدين (1).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: وليس في هذا الحديث - إذا تلقى
~~بالقبول وسلم ما ينافي ما قلناه، لأنه ما قال قتل عمدا محضا، وإنما قال
~~أخذوا أهله الدية، وهذا يدل على أن القتل كان موجبه الدية، دون القود، لأن
~~أهله لا يأخذون الدية بنفس القتل إلا في قتل الخطأ، وقتل العمد شبيه الخطأ،
~~فالخبر دليل لنا، لا علينا.
# فإن قيل: قد قال في الخبر، فأخذ أهله الدية من قاتله، ولو كان القتل خطأ
~~محضا، ما أخذوا الدية من قاتله، بل كانوا يأخذونها من عاقلته دونه، بغير
~~خلاف.
# قلنا: يأخذونها أيضا عندنا من القاتل، في القتل العمد شبيه الخطأ، دون
~~العاقلة، فنخص هذه المواضع بقتل يوجب المال، وهما قتلان، قتل خطأ محض، وقتل
~~عمد شبيه الخطأ، وإنما منعنا من القتل العمد المحض الذي لا يوجب المال، بل
~~موجبه القود، فحسب، للأدلة القاهرة المقدم ذكرها، وأعطينا الظاهر حقه، لئلا
~~تتناقض الأدلة، كما يعمل في آيات القرآن ذلك.
# PageV02P050
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي، في مبسوطه في ذكر الشهادة على الجنايات:
# إذا ادعى رجل على رجل أنه جرحه قطع يده أو رجله، أو قلع عينه، فأنكر،
~~فأقام المدعي شاهدين، وهما وارثاه، أخواه أو عماه، بذلك، لم يخل الجرح من
~~أحد أمرين، إما أن يكون قد اندمل، أو لم يندمل، فإن شهدا بعد اندمال الجرح،
~~قبلتا وحكمت بها للمشهود له، لأن شهادة الأخ لأخيه مقبولة، وهذه الشهادة
~~بعد الاندمال لا تجر نفعا، ولا يدفع بها ضررا، وإن كانت الشهادة قبل اندمال
~~الجرح، لم تقبل هذه الشهادة، لأنهما متهمان، فإن الجرح قد يصير نفسا، فيجب
~~الدية على القاتل، ويستحقها الشاهدان، فلهذا لم تقبل.
# ثم قال رحمه الله: فرع، إذا ادعى مريض على رجل مالا، فأنكر المدعى عليه،
~~فأقام المدعي شاهدين بذلك، أخويه أو عميه، وهما وارثاه، قال قوم: لا تقبل،
~~لأنهما متهمان، لأن المريض قد يموت، فيكون لهما، ms0530 وقال آخرون: مقبولة غير
~~مردودة، وهو الأصح عندي، لأنهما لا يجران منفعة، ولا يدفعان ضررا، لأن الحق
~~إذا ثبت، ملكه المريض، فإذا مات ورثاه عن الميت، لا عن المشهود عليه، وليس
~~كذلك إذا كانت الشهادة بالجناية، لأنه متى مات المجني عليه، وجبت الدية
~~بموته على القاتل، يستحقها الشاهدان على المشهود عليه، فلهذا ردت، هذا آخر
~~كلام شيخنا في مبسوطه (1).
# ألا ترى أرشدك الله قول شيخنا، وفرقه بين المسألتين، في الشهادة
~~بالجناية، والشهادة بالمال، وأن الشهادة بالمال مقبولة، وقولة: لأن الحق -
~~يعني المال - إذا ثبت ملكه المريض، فإذا مات ورثاه عن الميت، لا عن المشهود
~~عليه، وليس كذلك إذا كانت الشهادة بالجناية، لأنه متى مات المجني عليه،
~~وجبت الدية بموته على القاتل، يستحقها الشاهدان على المشهود عليه، فلهذا
~~ردت، فقد أفتى بأن
# PageV02P051
# المال المتروك يستحقه الوارث عن الميت، لا عن المشهود عليه به، والدية لا
~~يستحقها الوارث عن الميت، بل عن المشهود عليه، لأنها ليس بمال للميت حتى
~~يستحق عنه، ولولا الدليل في دية الخطأ، ودية العمد شبيه الخطأ لما كان
~~كذلك.
# ثم قال شيخنا أيضا في مبسوطه: وإذا وجد الرجل قتيلا في داره، وفي الدار
~~عبد المقتول، كان لوثا على العبد، وللورثة أن يقسموا، أو يثبتوا القتل على
~~العبد، ويكون فائدته، أن يملكوا قتله عندنا، إن كان عمدا، قال رحمه الله:
~~وفيه فائدة أخرى، وهي أن الجناية إذا ثبتت، تعلق أرشها برقبته، فربما كان
~~رهنا، فإذا مات كان للوارث أن يقدم حق الجناية على حق الرهن، فإذا كانت فيه
~~فائدة، كان لهم أن يقسموا، هذا آخر كلامه رحمه الله (1).
# فلو كان الدين الذي على المقتول عمدا محضا، يمنع (2) الورثة من القود،
~~لما قال ذلك، وقال أيضا في الجزء الثاني من المبسوط، في كتاب التفليس: وإذا
~~جنى على المفلس، فلا يخلو من أحد أمرين، إما أن تكون جناية عمدا، أو خطأ،
~~فإن كانت خطأ، توجب الأرش، فإنه قد استحق الأرش، وتعلق به حق الغرماء،
~~فيأخذه، ويقسمه بينهم، وإن كانت الجناية عمدا ms0531 توجب القصاص، فإنه مخير بين
~~أن يقتص (3)، وبين أن يعدل عن القصاص إلى الأرش، إذا بذل له الجاني، وليس
~~للغرماء أن يجبروه على الأرش (4).
# قال محمد بن إدريس: فإذا مات، ورث وارثه ما كان يستحقه من القصاص، لأنه
~~لا خلاف في أن الوارث يستحق ما كان يستحقه مورثه، من جميع الحقوق، فمن منع
~~(5) ذلك يحتاج إلى دليل.
# وإذا تبرع إنسان بضمان الدين عن الميت، في حال حياته، أو بعد وفاته،
# PageV02P052
# برئت ذمة الميت، سواء قضى ذلك المال الضامن، أو لم يقض، إذا كان صاحب
~~الدين قد رضي به، فإن لم يكن قد رضي به، كان في ذمة الميت على ما كان.
# ومن مات وعليه دين مؤجل، حل أجل ما له، ولزم ورثته الخروج مما كان عليه،
~~إن خلف تركة.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وكذلك إن كان له دين مؤجل، حل أجل ماله،
~~وجاز للورثة المطالبة به في الحال (1).
# وقال في مسائل الخلاف: مسألة، من مات وعليه دين مؤجل، حل عليه بموته، وبه
~~قال أبو حنيفة والشافعي، ومالك، وأكثر الفقهاء، إلا الحسن البصري، فإنه
~~قال: لا تصير المؤجلة حالة بالموت، فأما إذا كانت له ديون مؤجلة، فلا تحل
~~بموته، بلا خلاف، إلا رواية شاذة، رواها أصحابنا أنها تصير حالة، ثم قال:
~~دليلنا على بطلان مذهب الحسن البصري إجماع الفرقة، بل إجماع المسلمين، لأن
~~خلافه قد انقرض، وهو واحد لا يعتد لشذوذه (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله، مصنف هذا الكتاب: والذي ذكره شيخنا في
~~مسائل الخلاف، هو الصحيح، وبه أفتي، وأعمل، لأن به تشهد الأدلة القاهرة
~~(3)، وما ذكره رحمه الله في نهايته، فهو خبر شاذ من أخبار الآحاد، وأخبار
~~الآحاد لا يجوز العمل بها، قد شهد بذلك شيخنا في مسائل الخلاف، وقال: إلا
~~رواية شاذة رواها أصحابنا، إنها تصير حالة، فلو كان رحمه الله عاملا بأخبار
~~الآحاد، لما قال ذلك، ولا ساغ له ترك العمل بالرواية، وبخبر الواحد، وكل من
~~قال عنه أنه كان يعمل بأخبار الآحاد، فهو محجوج ms0532 بقوله هذا، وجميع ما يورده
~~ويذكره في نهايته، مما لا تشهد بصحته الأدلة، فهي أخبار آحاد يوردها، كما
# PageV02P053
# أورد هذه الرواية، فلا يظن ظان أنه إذا قال روى أصحابنا، أو رواية
~~أصحابنا، إن جميع الإمامية روت ذلك، وتواترت به، وأجمعت عليه، وإنما مراده
~~رحمه الله، أن هذا القول والرواية من جهة أصحابنا، وراويها منهم، لا من
~~رواية مخالفيهم، فهذا مقصوده ومراده رحمه الله، فلا يتوهم عليه غير ذلك،
~~فيغلط عليه، ويعتقد أن جميع ما يورده ويطلقه في نهايته اعتقاده، وحق وصواب
~~عنده.
# ومن مات وعليه ديون لجماعة من الناس، تحاصوا ما وجد من تركته، بمقدار
~~ديونهم، ولم يفضل بعضهم على بعض، فإن وجد واحد منهم متاعه بعينه عنده، وكان
~~للميت مال، يقضي ديون الباقين عنه، رد عنه (1) بغير نمائه المنفصل عنه،
~~كالحمل، ولم يحاصه باقي الغرماء، وإن لم يخلف وفاءا لديون الباقين، كان
~~صاحبه وباقي الغرماء سواء.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وكذلك لو كان حيا والتوى على غرمائه،
~~(معنى التوى دافع وماطل) رد عليه ماله، ولم يحاصه باقي الغرماء (2) قال
~~محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: حكم الحي هاهنا بخلاف حكم الميت، لأن الحي،
~~من وجد عين متاعه أخذه بعينه، دون نمائه المنفصل، ولم يحاصه باقي الغرماء،
~~سواء بقي له بعد أخذه، وفاءا لديون الباقين، أو لم يبق، والميت، لصاحب
~~المتاع، أخذه بشرط أن يكون للميت بعد أخذه، وفاءا لديون الباقين.
# وإذا مات من له الديون، فصالح المدين ورثته على شئ، مما كان عليه، كان
~~ذلك جائزا، وتبرأ بذلك ذمته، إذا أعلمهم مقدار ما عليهم من المال، ورضوا
~~(بضم الضاد) بمقدار ما صالحوه عليه، ومتى لم يعلمهم مقدار ما عليه من
~~المال، ولم يرضوا (بفتح الضاد) به بعد إعلامهم، لم يكن ذلك الصلح جائزا،
~~ولم تبرأ بذلك الذمة.
# PageV02P054
# باب بيع الديون والأرزاق الدين لا يخلو إما أن يكون مؤجلا، أو حالا، فإن
~~كان مؤجلا، فلا يجوز بيعه بغير خلاف (1) على غير من هو في ذمته، فأما إن
~~كان ms0533 حالا فلا يجوز بيعه بدين آخر، لا ممن هو عليه، ولا من غيره بغير خلاف
~~أيضا، ونهى النبي عليه السلام عن بيع الكالي بالكالي (2) وهو بيع الدين
~~بالدين، ومثاله أن يسلم الإنسان في طعام أو غيره، إلى وقت معلوم، فإذا حل
~~الأجل، لم يجد الذي عليه ذلك طعاما، فيبتاعه من الذي هو له، بدين إلى أجل
~~آخر، ومثله أيضا، أن يسلم الإنسان في طعام، ولا يدفع الثمن، بل يبقيه دينا
~~عليه، وما جرى مجرى ذلك.
# فإن باعه ممن هو عليه بعد حلوله، وكان ذهبا فباعه بذهب، أو كان فضة فباعه
~~بفضة، أو كان فضة فباعه بذهب، أو كان ذهبا فباعه بفضة، وجب أن يقبضها في
~~المجلس، قبل أن يفارقه، لأن ذلك صرف، وإن أخذ عرضا، جاز أن يفارقه قبل
~~القبض، لأنه بيع عرض معين موجود مشاهد، بثمن في الذمة، فأما إن باعه على من
~~هو عليه نقدا ويدا، فلا بأس بذلك، وإن كان على غيره، فقد قلنا ما عندنا في
~~ذلك في باب وجوب قضاء الدين إلى الحي والميت، وبلغنا فيه إلى أبعد الغايات،
~~وأقصى النهايات، وأوضحنا اعتقادنا فيه، بما لا حاجة هاهنا إلى إعادته.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: لا بأس أن يبيع الإنسان ماله على غيره من
~~الديون نقدا، ويكره أن يبيع ذلك نسية، ثم قال: ولا يجوز بيعه بدين آخر مثله
~~(3).
# قال محمد بن إدريس: قوله رحمه الله، يكره أن يبيع ذلك نسية، لا يصح بل
# PageV02P055
# ذلك حرام محظور، غير مكروه، بل هذا بعينه بيع الدين بالدين، وإنما يورد
~~أخبار آحاد بألفاظها، وإن لم يكن عاملا بها، ولا معتقدا لصحتها، ولا يكون
~~مناقضا لأقواله، لأنه قال بعده: ولا يجوز بيعه بدين آخر مثله، وذلك أيضا
~~دين.
# ثم قال شيخنا: فإن وفى الذي عليه الدين، المشتري، وإلا رجع على من اشتراه
~~منه بالدرك.
# ثم قال: ومن باع الدين بأقل مما له على المدين، لم يلزم المدين أكثر مما
~~وزن المشتري من المال (1).
# قال محمد بن إدريس: قوله ms0534 رحمه الله، ومن باع الدين بأقل مما له على
~~المدين، لم يلزم المدين أكثر مما وزن المشتري من المال، طريف عجيب (2)،
~~يضحك الثكلى، وهو أنه إذا كان الدين ذهبا، كيف يجوز أن يبيعه بذهب أقل منه،
~~أو إن كان فضة، فكيف يجوز أن يبيعه بفضة أقل منه أو إن كان ذهبا فباعه
~~بفضة، أو فضة فباعه بذهب، كيف يجوز انفصالهما من مجلس البيع، إلا بعد أن
~~يتقابضا بالمبيع والثمن، يقبض البايع الثمن والمشتري المثمن، فإن هذا لا
~~خلاف فيه بين طائفتنا، بل لا خلاف فيه بين المسلمين.
# وقوله: لم يلزم المدين أكثر مما وزن المشتري من المال.
# قال محمد بن إدريس: إن كان البيع المشار إليه صحيحا، لزم المدين تسليم ما
~~عليه جميعه، وهو المبيع إلى المشتري، لأن هذا صار مالا من أمواله، لأنه
~~اشتراه، وقد يجوز أن يشتري الإنسان ما يساوي خمسين قنطارا، بدينار واحد،
~~إذا كان البائع من أهل البصيرة والخبرة، وإنما هذه أخبار آحاد، أوردها على
~~ما وجدها إيرادا، لا اعتقادا.
# ولا يجوز أن يبيع الإنسان رزقه على السلطان، قبل قبضه له، لأن ذلك بيع
# PageV02P056
# غرر، وبيع ما ليس بملك له (1)، لأنه لا يملكه إلا بعد قبضه إياه ولا
~~يتعين ملكه له إلا بعد قبضه إياه وكذلك بيع أهل مستحقي الزكوات، والأخماس،
~~قبل قبضها، لأنه لا يتعين ملكها لهم، إلا بعد قبضها، فجميع ذلك غير مضمون،
~~وبيعه غير جائز ولا صحيح.
# باب المملوك يقع عليه الدين ما حكمه (2) المملوك إذا لم يكن مأذونا له في
~~الاستدانة، ولا في التجارة، فكل دين يقع عليه، لم يلزم مولاه شئ منه، ولا
~~يستسعى المملوك أيضا في شئ منه، بغير خلاف، بل يتبع به إذا لحقه العتاق.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: بل كان ضائعا يريد به ما دام مملوكا (3).
# وقال في نهايته أيضا: وإن كان مأذونا له في التجارة، ولم يكن مأذونا له
~~في الاستدانة، فما يحصل عليه من الدين استسعى فيه، ولم يلزم مولاه من ذلك
~~شي (4).
# وقال ms0535 في مبسوطه: إذا كان العبد مأذونا له في التجارة نظر، فإن أقر بما
~~يوجب حقا على بدنه، قبل عندهم، وعندنا لا يقبل، فإن أقر بما يوجب مالا،
~~نظر، فإن كان لا يتعلق بما أذن له فيه في التجارة، مثل أن يقول: أتلفت مال
~~فلان، أو غصبت منه مالا، أو استقرضت منه مالا، فإن الاستقراض لا يدخل في
~~الإذن في التجارة، لأنه لا يقبل على ما بيناه، ويكون في ذمته، يتبع به إذا
~~أعتق، وإن كان يتعلق بالتجارة، مثل ثمن المبيع، وأروش العيب، وما أشبه ذلك،
~~فإنه يقبل إقراره، لأن من ملك شيئا ملك الإقرار به، إلا أنه ينظر فيه، فإن
~~كان الإقرار بقدر ما في يده من مال التجارة، قبل، وقضى منه، وإن كان أكثر،
~~كان الفاضل
# PageV02P057
# في ذمته، يتبع به إذا أعتق (1).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: والذي أختاره وأعمل عليه، وأفتي به،
~~أن العبد المأذون له في التجارة، لا يستسعى في قضاء الدين، بل يتبع به إذا
~~لحقه العتاق.
# وقد رجع شيخنا أبو جعفر عما ذكره في نهايته، في مبسوطه على ما أوردناه
~~عنه وفي استبصاره في الجزء الثالث من كتاب العتق، فإنه أورد أخبارا، ثم
~~قال:
# والوجه في الخبرين أنه إنما يكون ذلك على العبد إذا أعتق، إذا لم يكن أذن
~~له في الاستدانة، وإنما أذن له في التجارة، فلما استدان، كان ذلك معلقا
~~بذمته إذا أعتق (2) وما ذكره في نهايته خبر واحد، لا يلتفت إليه، ولا يعرج
~~عليه.
# وقال في نهايته: وإن كان مأذونا له في الاستدانة، لزم مولاه ما عليه من
~~الدين، إن استبقاه مملوكا، أو أراد بيعه، فإن أعتقه، لم يلزمه شئ مما عليه،
~~وكان المال في ذمة العبد (3).
# والصحيح الواضح، أن المولى إذا أذن للعبد في الاستدانة، فإنه يلزمه قضاء
~~الدين، سواء باعه، أو استبقاه، أو أعتقه، لأنه وكله في أن يستدين له،
~~فالدين في ذمة المولى، لا يلزم العبد منه شئ، بحال من الأحوال، ولم يزده
~~العتق إلا خيرا.
# وقد ms0536 رجع شيخنا أبو جعفر عما ذكره في نهايته، في كتاب الإستبصار في الجزء
~~الثالث، وما ذكره في نهايته خبر واحد، وإنه طريف الأكفاني، وهو مجهول، خامل
~~الذكر، وهو من أضعف أخبار الآحاد، أعني هذا الخبر، وقد بينا أن أخبار
~~الآحاد لا توجب علما ولا عملا، وأن شيخنا أبا جعفر رحمه الله، أوردها في
~~نهايته إيرادا، على ما هي عليه، ورجع عنها عند تحقيق الفتوى في كتبه
~~الباقية
# PageV02P058
# على ما قد أوردناه وحكيناه عنه في هذا الكتاب كثيرا.
# وقال في الجزء الثاني من مبسوطه: وإذا أذن لعبده في التجارة، فركبه دين،
~~فإن كان أذن له في الاستدانة، فإن كان في يده مال، قضى منه، وإن لم يكن في
~~يده مال، كان على السيد القضاء عنه، وإن لم يكن أذن له في الاستدانة، كان
~~ذلك في ذمة العبد، يطالب به إذا عتق، وقد روي أنه يستسعى العبد في ذلك (1)
~~هذا آخر كلامه.
# فعلى ما اخترناه، من أن العبد إذا كان مأذونا له في الاستدانة، يكون
~~الدين في ذمة مولاه على كل حال.
# فإن مات المولى وعليه دين، كان غرماء العبد وغرماؤه سواء، يتحاصصون ما
~~يحصل من جهته من المال، على ما تقضيه أصول أموالهم، من غير تفضيل بعضهم على
~~بعض، لأن الدينين جميعا دين على المولى الذي هو السيد، وفي ذمته.
# باب القرض وأحكامه القرض فيه فضل كبير، وثواب جزيل، وقد روي (2) أنه أفضل
~~من الصدقة بمثله في الثواب، فإن أقرض مطلقا ولم يشرط الزيادة في قضائه، فقد
~~فعل الخير، وإن شرط الزيادة كان حراما، ولم ينعقد العقد، وكان فاسدا،
~~والملك باقيا على المقرض، ولم ينتقل عنه إلى ملك المستقرض، ولا يجوز حينئذ
~~للمستقرض أن يتصرف فيه، ولا فرق من أن يشرط زيادة في الصفة، أو في القدر،
~~فإذا لم يشرط، ورد عليه خيرا منه، أو أكثر، كان جائزا مباحا، ولا فرق بين
~~أن يكون ذلك عادة أو لم يكن، وإذا شرط عليه أن يرد خيرا منه، أو أكثر منه،
~~كان حراما، ms0537 على ما قدمناه، وإن كان من الجنس الذي لا يجوز فيه الربا، مثل
~~أن يقرضه ثوبا
# PageV02P059
# بثوبين فإنه حرام لعموم الأخبار (1).
# وقضاء القرض، إن كان مما له مثل، من المكيل والموزون، فإنه يقضيه مثله،
~~وإن كان ما لا مثل له مثل الثياب (2) والحيوان، والخشب، ويجب عليه قيمته،
~~ولا يجب عليه رد العين المستقرضة، لأنها صارت بالقبض (3) والإقباض، ملكا
~~للمستقرض، وخرجت من ملك القارض، لأن المستقرض عندنا يملك القرض بالقبض،
~~بغير خلاف بيننا.
# فعلى هذا التحرير، لا يجوز للمقرض الرجوع في عين القرض، بل له المطالبة
~~بمثله، إن كان له مثل، أو بقيمته إن أعوز المثل يوم المطالبة، لا يوم إقباض
~~القرض.
# وإن لم يكن له مثل، وكان يضمن (4) بالقيمة، رجع بقيمته يوم إقباض القرض،
~~لا يوم المطالبة بالرد.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي، في مسائل الخلاف: للمقرض الرجوع في عين
~~القرض (5).
# وليس على ما قال دليل، ولا دل عليه بشئ يرتضى.
# وقال في مبسوطه: لا يجوز إقراض ما لا يضبط بالصفة (6).
# والصحيح إن ذلك يجوز، لأنه لا خلاف بين أصحابنا، في جواز إقراض الخبز،
~~وإن كان لا يضبط بالصفة، لأنهم أجمعوا أن السلم لا يجوز في الخبز، لأن
~~السلف لا يجوز فيما لا يمكن ضبطه بالصفة، والخبز لا يضبط بالصفة.
# وقال شيخنا رحمه الله أيضا في مبسوطه: يجوز استقراض الخبز إن شاء وزنا،
~~وإن شاء عددا، لأن أحدا من المسلمين لم ينكره، ومن أنكره من الفقهاء، خالف
~~الإجماع، هذا آخر قول شيخنا في مبسوطه (7).
# PageV02P060
# ويجوز إقراض الحيوان، رقيقا كان أو غيره فإذا استقرض جارية تنعتق عليه
~~بالملك، فإنه إذا قبضها عتقت عليه، وليس له ردها على المقرض، ولا له
~~المطالبة بها، لأنها قد بينا أنه يملك بالقبض، وإذا ملك انعتقت عليه.
# وإذا كان لرجل على غيره مال حالا، فأجله فيه، لم يصر مؤجلا، ويستحب له أن
~~يفي به، ويؤخر المطالبة إلى محله، فإن لم يفعل، وطالب به في الحال، كان له،
~~سواء كان الدين ثمنا، أو أجرة، أو صداقا، أو ms0538 كان قرضا، أو أرش جناية.
# وكذلك إن اتفقا على الزيادة في الثمن، لا يصح، ولم يثبت، وإن حط من الثمن
~~شيئا، أو حط جميعه، يصح، وكان ابراءا ولا يلحق بالعقد، وإنما هو إبراء في
~~الوقت الذي أبرأه منه.
# وإذا استقرض الإنسان شيئا، كان عليه زكاته، إذا كانت الشرائط فيه موجودة،
~~ويسقط زكاته عن القارض، لأنه ليس بملك له.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: إلا أن يشرط المستقرض عليه أن يزكيه عنه،
~~فحينئذ يجب الزكاة على القارض، دون المستقرض (1).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: وهذا غير واضح، لأنه لا دليل عليه،
~~لأنا قد بينا أن بالقبض يملك المستقرض المال، ويخرج من ملك القارض، فكيف
~~يشترط أن يزكي مال الغير، ولا خلاف أن الزكاة تجب على أرباب الأموال، دون
~~غيرهم، وأيضا كل شرط يخالف الكتاب والسنة فهو باطل، وهذا يخالف الكتاب
~~والسنة، ولم يرد به حديث في باب القرض، فإن شيخنا أبا جعفر رحمه الله ما
~~أورد في تهذيب الأحكام، وهو أكبر كتاب له في الأحاديث، في باب القرض حديثا
~~بما ذكره في نهايته، والأصل براءة الذمة، ووجوب الزكاة على رب المال، دون
~~غيره.
# وإذا أقرض الإنسان مالا، فرد عليه أجود منه، من غير شرط، كان ذلك
# PageV02P061
# جائزا، وإن أقرض وزنا فرد عليه عددا، أو أقرض عددا، فرد عليه وزنا، من
~~غير شرط، زاد أو نقص بطيب نفس منهما، لم يكن بذلك بأس، كل ذلك من غير شرط،
~~كان ذلك جائزا سايغا.
# وإن أقرض شيئا على أن يعامله المستقرض في التجارات، جاز ذلك.
# وإن أعطاه قراضة الذهب، أو مكسرة الفضة (1) ورد عليه الصحاح من الجنسين،
~~لم يكن بذلك بأس، إذا لم يشرط، فأما إذا شرط أن يرد عليه الصحاح، عوضا مما
~~أخذ، منه من المكسرة، فإن ذلك حرام محظور.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإن أعطاه الغلة، يريد بذلك مكسرة
~~الدراهم، وأخذ منه الصحاح، شرط ذلك، أو لم يشرط، لم يكن به بأس (2).
# وهذا غير واضح، لأنه لا ms0539 خلاف بين أصحابنا، أنه متى اشترط زيادة في العين
~~والصفة، كان باطلا، والإجماع حاصل منعقد على هذا، وقول الرسول عليه السلام
~~شر القرض ما جر نفعا (3) والخبر الذي أورده شيخنا في كتابه تهذيب الأحكام
~~ليس فيه ذكر الشرط، ولا في الخبر أنه شرط، وهو محمد بن أحمد بن يحيى، عن
~~محمد بن الحسين، عن صفوان، عن يعقوب بن شعيب، قال: سألت أبا عبد الله عليه
~~السلام عن الرجل يقرض الرجل الدراهم الغلة، فيأخذ منه الدراهم الطازجية،
~~طيبة بها نفسه، قال: لا بأس، وذكر ذلك عن علي عليه السلام (4).
# قال محمد بن إدريس: وليس في هذا الخبر للشرط ذكر، والطازجية بالطاء غير
~~المعجمة، والزاء المعجمة، والجيم: الدراهم البيض الجيدة، وشيخنا أبو جعفر
~~لم
# PageV02P062
# يذكر الشرط في سائر كتبه، سوى نهايته فحسب، في الغلة التي هي مكسرة
~~الدراهم، بل قال في مبسوطه: لا يجوز أن يشترط في القرض، زيادة العين، ولا
~~زيادة الصفة (1) وهو الحق اليقين.
# وإن أقرض حنطة فرد عليه شعيرا أو أقرض شعيرا فرد عليه حنطة، أو أقرض جلة
~~من تمر، فرد عليه جلتان، أو قوصرة، فرد عليه قوصرتان، كل ذلك من غير شرط،
~~لم يكن به بأس.
# وإن أقرض شيئا، وارتهن عليه، وسوغ له صاحب الرهن الانتفاع به، من غير شرط
~~جرى بينهما، جاز له دلك، سواء كان ذلك متاعا، أو آنية، أو مملوكا أو جارية،
~~أو أي شئ كان، لم يكن به بأس.
# قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: إلا الجارية خاصة، فإنه لا يجوز استباحة
~~وطيها، بإباحته إياها، لمكان القرض (2).
# والذي عندي في هذا أنه إذا أباح المالك له وطئها من غير اشتراط في القرض
~~ذلك، فإنه جائز حلال، وإنما منع شيخنا من ذلك، لأنه في بعض كتبه يراعي في
~~اللفظ من السيد، لفظ التحليل، وهو أن يقول له أحللت لك وطي جاريتي، فمتى لم
~~يقل ذلك، وقال غيره من الألفاظ، لم يجز له الوطي بذلك، مثاله أن يقول له:
~~أبحتك وطي جاريتي، فلا يجوز عنده، فلأجل ms0540 هذا قال: فلا يجوز استباحة وطيها،
~~بإباحته إياها، وقد رجع في مبسوطه وقال: يحل بالإباحة من المولى، وقوله
~~رحمه الله: لمكان القرض، إن أراد بالتعليل أنه اشترط في القرض، فالجميع لا
~~يجوز، وليس الجارية بالتخصيص، أولى من غيرها، وإن أراد أنه لم يشترط في
~~القرض، فالجميع أيضا متساو في الإباحة، فلا وجه لقوله لمكان
# PageV02P063
# القرض، حتى تنفرد الجارية بذلك.
# وإذا أهدى له هدايا، فلا بأس بقبولها، إذا لم يكن هناك شرط، والأفضل تجنب
~~ذلك أجمع، والتنزه عنه.
# ولا بأس أن يقرض الإنسان الدراهم أو الدنانير، ويشرط على صاحبه أن ينقدها
~~له بأرض أخرى، لأن هذا الشرط لا فيه زيادة عين ولا صفة.
# ومتى كان له على إنسان دراهم، أو دنانير أو غيرهما من السلع، جاز له أن
~~يأخذ مكان ماله، من غير الجنس الذي له عليه، بسعر الوقت فإن كانت دراهم،
~~وتعامل الناس بغيرها، وأسقط الأول السلطان، فليس له، إلا مثل دراهمه
~~الأولى، ولا يلزمه غيرها مما يتعامل الآن به، إلا بقيمتها من غير الجنس،
~~لأنه لا يجوز بيع الجنس بالجنس متفاضلا.
# باب الصلح الصلح جائز بين الناس، إلا ما حرم حلالا، أو حلل حراما، لقوله
~~تعالى:
# " فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير " (1) وقوله: " إن
~~يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما " (2) وقوله: " وإن طائفتان من المؤمنين
~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما " (3) وروي عن الرسول صلى الله عليه وآله أنه قال:
~~الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا (4) وعليه إجماع
~~المسلمين.
# وهو أصل قائم بنفسه في الشرع، لا فرع على غيره، على ما يذهب إليه
~~المخالف، ولا خيار بعد انعقاده لأحدهما، سواء افترقا من المجلس أو لم
~~يفترقا، لأنه ليس ببيع، وإنما هو عقد قائم بنفسه، وقد قال تعالى: " أوفوا
~~بالعقود " (5) والمخالف
# PageV02P064
# لمذهب أهل البيت عليهم السلام يجعله فرع البيع، ويراعى فيه شرائع البيع.
# ولأجل ذلك ذكر شيخنا أبو جعفر رحمه الله في مسائل الخلاف، في الجزء
~~الثاني في كتاب الصلح: مسألة، إذا أتلف رجل على غيره ms0541 ثوبا يساوي دينارا،
~~فأقر له به، وصالحه على دينارين، لم يصح ذلك، وبه قال الشافعي، وقال أبو
~~حنيفة يجوز ذلك، قال شيخنا: دليلنا، أنه إذا أتلف عليه الثوب، وجبت في ذمته
~~قيمته، بدلالة أن له مطالبته بقيمته، فالقيمة هاهنا دينار واحد، فلو أجزنا
~~أن يصالحه على أكثر من دينار، كان بيعا للدينار بأكثر منه، وذلك ربا لا
~~يجوز (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله مصنف هذا الكتاب: هذه المسألة بناها شيخنا
~~على مذهب الشافعي، لأن الشافعي يقول أن الصلح فرع البيع، فذهب إلى قول
~~الشافعي في هذه المسألة، والصحيح خلاف ذلك، وأنه يجوز الصلح على الثوب
~~المذكور بالدينارين، بغير خلاف، بين أصحابنا الإمامية.
# وشيخنا أبو جعفر في مبسوطه، قال لما ذكر مقالة الشافعي: ويقوى في نفسي،
~~أن يكون (2) هذا الصلح أصلا قائما بنفسه، ولا يكون فرع البيع، ولا يحتاج
~~إلى شرائط البيع، واعتبار خيار المجلس على ما بيناه فيما مضى (3).
# ويجوز الصلح على الإنكار كما يجوز الصلح على الإقرار، فأما صورة الصلح
~~على الإنكار، هو أن يدعي على رجل عينا في يده، أو دينا في ذمته، وأنكر
~~المدعي عليه، ثم صالحه منه على مال اتفقا عليه، يصح الصلح، ويملك المدعي
~~المال الذي يقبضه، من المدعى عليه، ظاهرا وباطنا، إن كان صادقا في دعواه
~~وليس له أن يرجع فيطالبه به، ولا يجب على المدعي رده عليه، ويسقط دعوى
~~المدعي فيما ادعاه.
# وإن كان قد صرح بإبرائه فيما ادعاه وإسقاط حقه عنه كان صحيحا، وغاية في
~~المقصود.
# وإن كان في دعواه كاذبا، فإن المدعي يملك المال الذي يقبضه من المدعى
# PageV02P065
# عليه ظاهرا، ويجب على المدعي رده عليه.
# وإذا أخرج الإنسان من داره روشنا إلى طريق المسلمين النافذ، فإن كان
~~عاليا لا يضر بالمارة، ترك، ولم يقلع، فإن عارض فيه واحد من المسلمين، قال
~~قوم من المخالفين: يجب قلعه، وقال آخرون منهم: لا يجب قلعه.
# والقول الأول اختاره شيخنا أبو جعفر في الجزء الثاني من المبسوط (1)،
~~والقول الأخير اختياره أيضا في الجزء الثالث ms0542 من مسائل خلافه (2)، وهو
~~الصحيح الذي يقوى في نفسي، لأن المسلمين من عهد الرسول صلى الله عليه وآله
~~إلى يومنا هذا - وهو سنة سبع وثمانين وخمسمائة - لم يتناكروا فيما بينهم
~~ذلك، وسقيفة بني ساعدة وبني النجار في المدينة معروفتان (3)، ما أنكرهما
~~أحد من المسلمين، ونفس الطريق غير مملوكة، وإنما يملك المسلمون منافعها،
~~دون رقبتها، فهم مشتركون في المنافع، لأن الشركة قد تكون في المنافع، دون
~~الأعيان، وقد تكون في الأعيان والحقوق.
# فأما الشركة في الأعيان فالميراث، وأما الشركة في الحقوق دون الأعيان،
~~فمثل الاشتراك في حق القصاص، وحد القذف، وحق المرافق من المشي في الطرقات،
~~فهذا الضرب إذا عفا أحد الشركاء، كان للباقي من شركائه، المطالبة بجميعه،
~~من غير إسقاط شئ منه، وكذلك لو عفا الجميع إلا واحد منهم، كان له جميع
~~الحق.
# وأما الاشتراك في المنافع، كالاشتراك في منفعة الوقف، ومنفعة العين
~~المستأجرة، فعلى هذا التحرير، لا يجوز الاعتراض على أصحاب السقايف،
~~والرواشن، والساباطات، إذا لم تضر بالمارة، ولم تمنعهم من حقوقهم، وهي
~~المنافع، والاستطراق، والاجتياز والمشي.
# إذا تنازعا جدارا بين ملكيهما، وهو غير متصل ببناء أحدهما، وإنما هو مطلق
# PageV02P066
# ولأحدهما، عليه جذوع، فإنه يحكم بالحائط لمن الجذوع له، وبه قال أبو
~~حنيفة، وقال الشافعي: لا نحكم بالحايط لصاحب الجذوع، واختار قول الشافعي
~~شيخنا أبو جعفر في مسائل الخلاف (1)، وما اخترناه أظهر، لأن له عليه يدا
~~وتصرفا، ولا خلاف أن من كان بيده شئ، حكم له بالملك، ولا يخرج من يده بمجرد
~~دعوى غيره عليه، إلا بالبينة العدول.
# إذا تنازع اثنان دابة، أحدهما راكبها، والآخر آخذ بلجامها، ولم يكن
~~لأحدهما بينة، جعلت بينهما نصفين.
# وكذلك إذا كان لرجل بيت، وعليه غرفة لآخر، وتنازعا في سقف البيت الذي
~~عليه الغرفة، ولم يكن لأحدهما بينة.
# والأقوى عندي، أن القول قول صاحب الغرفة مع يمينه، لأن الغرفة لا تكون
~~بلا أرض، والبيت قد يكون بلا سقف، وقد اتفقا أن هاهنا غرفة، فإذا لم يكن
~~لها أرض، وهو سقف البيت، فلا غرفة إذن، ms0543 فقد ترجحت دعواه بهذا الاعتبار.
# وإذا كان بين رجلين حايط مشترك، وانهدم، وأراد أحدهما أن يبنيه، وطالب
~~الآخر بالإنفاق معه، لا يجبر عليه، وكذلك إن كان بينهما نهر، أو بئر، أو
~~دولاب، وكذلك إن كان السفل لواحد، والعلو لآخر، فانهدم، فلا يجبر صاحب
~~السفل، على إعادة الحيطان التي تكون عليها الغرفة.
# والدرب الذي لا ينفذ، حكمه بخلاف الدرب الذي ينفذ، لأن ملاكه معينون، فلا
~~يجوز لأحد منهم إخراج روشن، إلا بإذن الباقين، لأنه إذا أخرج روشنا لاطيا،
~~يضر بأهل الزقاق الغير النافذ، فرضوا به، فإنه يترك، وهذا يدل على أن الحق
~~لهم، ولا يجري مجرى الطريق النافذ.
# وإذا كان نفسان، لكل واحد منهما شئ عند صاحبه، من سائر الأموال
# PageV02P067
# سواء تعين لهما وتميز أو لم يتعين، إذا لم يعلمه من لم يقدر على تمييزه
~~وتعيينه، فإذا علمه، فلا بد من إعلام صاحبه به، إلا لم يصح الصلح، فاصطلحا
~~على أن يتتاركا. ويجعل كل منهما صاحبه في حل، كان ذلك جائزا بينهما، فإذا
~~فعلا، لم يكن لأحدهما الرجوع على صاحبه بعد ذلك، إذا كان ذلك عن طيب نفس كل
~~واحد منهما.
# ومن كان له دين على غيره آجلا (1)، فنقص منه شيئا، قل ذلك النقصان أو
~~كثر، وسأله تعجيل الباقي، كان ذلك جائزا حلالا، سايغا.
# والشريكان إذا أراد أن يتقاسما، وكان المال المشترك بينهما منه ناض، ومنه
~~سلع وأمتعة، واصطلحا على أن يكون الربح والخسران على واحد منهما، ويرد على
~~الآخر رأس ماله على الكمال، كان ذلك جائزا، وليس كذلك المسألة التي ذكرناها
~~في كتاب الديون، من أنه إذا كان الشريكان لهما مال على الناس، فتقاسما،
~~واحتال كل واحد منهما شيئا منه، ثم قبض أحدهما، ولم يقبض الآخر، كان الذي
~~قبضه أحدهما، بينهما على ما يقتضيه أصل شركتهما، وما يبقى على الناس أيضا
~~مثل ذلك، لأن هاهنا، المال الذي على الناس في ذممهم بعد مشترك، لا يصح
~~قسمته على ما قدمناه، والمسألة المتقدمة سلم أحدهما إلى شريكه جميع ماله،
~~على الكمال، وصالحه ms0544 على الأمتعة بذلك، فرضي عن نصيبه منها بما أعطاه.
# وإذا كان بيد نفسين درهمان، فذكر أحدهما أنهما جميعا ملكي، ولي، وقال
~~الآخر: بل هما بيني وبينك، كان الحكم أن يعطي المدعي لهما معا درهما،
~~لإقرار صاحبه بذلك، ويقسم الدرهم الباقي بينهما نصفين، لأن يدهما عليه.
# وروي أنه إذا استبضع إنسان آخر، مثلا أعطاه عشرين درهما، واستبضعه آخر
~~ثلاثين درهما، فاشترى بكل واحدة من البضاعتين ثوبا، ثم اختلطا فلم
# PageV02P068
# يتميزا له، بيعا وقسم المال (1) على خمسة أجزاء، فما أصاب الثلاثة، أعطي
~~صاحب الثلاثين، وما أصاب الاثنين، أعطي صاحب العشرين، على ما روي في
~~أخبارنا (2)، بشرط أن لا يكون الاختلاط بتفريط من المستبضع، فإن كان بتفريط
~~منه، وهلك الثوبان قبل البيع فهو ضامن، والقرعة في ذلك، إن استعملت، فهي
~~أولى، لأن الإجماع منعقد على أن كل أمر ملتبس مشكل، فيه القرعة، وهذا من
~~ذاك.
# وقد روي أنه إذا استودع رجل رجلا دينارين، واستودعه آخر دينارا، فضاع
~~دينار منهما، أعطي صاحب الدينارين مما يبقى، دينارا، وقسم الدينار الآخر
~~بينهما نصفين، هذا إذا لم يفرط المستودع في خلط المال، واختلط، فأما إذا لم
~~تختلط الدنانير، وعرف الضايع، فالباقي كان من مال صاحبه، فأما إن فرط
~~الأمين في الخلط فإنه ضامن لما ضاع من المال.
# قال شيخنا في نهايته: وإذا كان نفسان، لكل واحد عند صاحبه شئ فلا بأس أن
~~يصطلحا على أن يتتاركا ويتحللا (3).
# قال محمد بن إدريس: يقال تحللته واستحللته إذا سألته أن تجعل في حل من
~~قبله، ومنه الحديث من كانت عنده مظلمة من أخيه، فليستحلله (4) ذكر ذلك صاحب
~~غريبي القرآن والسنة الهروي.
# باب الكفالات والضمانات والحوالات الضمان جائز، للكتاب والسنة والإجماع
~~وهو عقد قائم بنفسه، ومن شرطه، رضا المضمون له، ورضا الضامن، فأما رضا
~~المضمون عنه، فليس من شرط صحة
# PageV02P069
# انعقاده، بل من شرط استقراره ولزومه، لأن المضمون عنه إذا لم يرض بالضمان
~~لم يصح على ما رواه (1) وأورده بعض أصحابنا.
# والصحيح أنه يستقر ويلزم لأن بالضمان ينتقل المال من ذمة ms0545 المضمون عنه إلى
~~ذمة الضامن بلا خلاف بينهم، وكذلك لو سلمه إليه وقضاه إياه لزم واستقر بلا
~~خلاف فبرئ المضمون عنه بالإجماع ولم يبق للمضمون له مطالبة المضمون عنه،
~~ويلزم من قال بالأول المصير إلى مذهب المخالفين، من أن الضمان لا ينقل
~~المال، بل المضمون له مخير بين مطالبة المضمون عنه، ومطالبة الضامن والضمان
~~عند أصحابنا بغير خلاف بينهم ينقل المال من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن
~~ولا يكون.
# للمضمون له أن يطالب أحدا غير الضامن، ولا يصح ضمان ما لم يجب في ذمة
~~المضمون عنه.
# ويصح ضمان المال الثابت في الذمة، وإن كان مؤجلا، وإذا ضمن الضامن المال
~~مطلقا فله أن يطالب به أي وقت شاء المضمون له (2)، وإن كان مؤجلا، لم يكن
~~له مطالبة الضامن إلا بعد حلول الأجل، وإن كان المال حالا، وضمنه الضامن
~~مؤجلا، صح ذلك إذا كان الأجل محروسا من الزيادة والنقصان، إما بالسنين
~~والأعوام، أو الشهور والأيام.
# وقد يوجد في بعض الكتب لأصحابنا (3) ولا يصح ضمان مال ولا نفس إلا بأجل.
# والمراد بذلك، إذا اتفقا على التأخير والأجل، فلا بد، ولا يصح إلا بأجل
~~محروس، على ما قدمناه، فأما إذا اتفقا على التعجيل، فيصح الضمان من دون
~~أجل، وكذلك إذا أطلقا العقد.
# وإلى هذا القول ذهب شيخنا أبو جعفر في مبسوطه (4)، وهو الحق اليقين،
# PageV02P070
# لأنه لا يمنع منه مانع، ومن ادعى خلافه يحتاج إلى دليل، ولن يجده.
# ومتى أدى الضامن الدين، سقط عنه الضمان، وهل يرجع على المضمون عنه أم لا؟
~~فيه أربع مسائل:
# إحداها أن يكون قد ضمن بأمر من عليه الدين، وأدى بأمره. والثانية أنه لم
~~يضمن بأمره، ولم يؤد بأمره. الثالثة أن يكون ضمن بأمره، وأدى بغير أمره.
~~الرابعة أن يكون ضمن بغير أمره، وأدى بأمره.
# فإذا ضمن بأمره، وقضى بأمره، فإنه يرجع عليه به بلا خلاف.
# وأما إذا ضمن بغير إذنه، وأدى بغير إذنه، وأمره، فإنه يكون متبرعا بذلك،
~~فلا يرجع عليه بغير خلاف بين أصحابنا، لأنه يكون قد ms0546 قضى دين غيره بغير
~~إذنه، فلا يرجع عليه به.
# وأما إذا ضمن عنه بإذنه، وأدى بغير إذنه، فإنه يلزمه، لأنا قد بينا أنه
~~بنفس الضمان انتقل الدين إلى ذمته، فلا يحتاج في قضائه إلى إذنه، بمقدار ما
~~أدى الضامن، إن كان بمقدار الحق، وإن كان ما أدى أنقص من الحق، فلا يلزمه
~~إلا بمقدار المؤدى فحسب، وبه وردت الأخبار (1) عن الأئمة الأطهار.
# فمن ذلك ما أورده شيخنا أبو جعفر في كتاب تهذيب الأحكام في باب الصلح،
~~محمد بن خالد، عن ابن بكير، عن عمر بن يزيد، قال: سألت أبا عبد الله عليه
~~السلام عن رجل ضمن ضمانا، ثم صالح على بعض ما صالح عليه، قال:
# ليس له إلا الذي صالح عليه (2).
# وأيضا فشيخنا أبو جعفر قد حققه في مبسوطه، وذهب إليه.
# وأيضا فالمضمون عنه أمر الضامن بالضمان عنه، فقد جعله كالوكيل له في قضاء
~~دينه، وإن لم يكن وكيلا بماله على الحقيقة، فهو كالوكيل، فيده نائبة عن يد
# PageV02P071
# موكله، ولا يرجع الوكيل على موكله، إلا بما غرمه وصالح عليه فحسب، فأما
~~إذا كان زائدا على مقدار الدين، فلا يلزمه بغير خلاف، وإن كان على مذهبنا،
~~المال قد انتقل بالضمان من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، فهو المطالب به
~~بسبب المضمون عنه، فما أدى عنه رجع عليه به.
# وأما إذا ضمن بغير إذنه، وأدى بإذنه وأمره، فإنه لا يرجع عليه به، لأنه
~~التزم وضمن بغير أمر منه متبرعا، فانتقل المال إلى ذمته، فلا تأثير لإذنه
~~في القضاء عنه. لأن (1) قضاءه بعد الضمان إنما هو عن نفسه، لا عن غيره،
~~لأنه واجب عليه دونه.
# فأما بيان الحقوق التي يصح فيها الضمان، ولا يصح، فجملة الأمر، وعقد
~~الباب، إن كل حق لازم ثابت في الذمة، سواء كان مستقرا أو غير مستقر، فإنه
~~يصح ضمانه، وما لم يكن ثابتا في الذمة، لا يصح ضمانه، فعلى هذا التحرير،
~~نفقة الزوجات إن كانت ماضية، صح ضمانها، لأنها ثابتة لازمة في الذمة، وإن
~~كانت نفقة اليوم، ms0547 صح أيضا، لأنها تجب بأول اليوم، وإن كانت نفقة مستقبلة
~~(2) لم يصح ضمانها، لأنها غير ثابتة في الذمة، لأن النفقة تجب عندنا
~~بالتمكين من الاستمتاع، لا بمجرد العقد، وإذا لم تجب النفقة بعد، فلا يصح
~~الضمان، وفي الموضع الذي يصح ضمانها، فلا يصح، إلا أن تكون معلومة، لأن
~~ضمان المجهول على الصحيح من المذهب، وعند المحصلين من الأصحاب، لا يصح.
# وإلى هذا القول، ذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه وفي مبسوطه فإنه قال:
~~لا يصح ضمان المجهول، سواء كان واجبا في حال الضمان، أو غير واجب، ولا يصح
~~ضمان ما لم يجب، سواء كان معلوما أو مجهولا (3).
# فالمجهول الذي ليس بواجب، مثل أن يقول: ضمنت لك ما تعامل فلانا، أو ما
~~تقرضه، وتداينه، فهذا لا يصح، لأنه مجهول ولأنه غير واجب، في الحال،
# PageV02P072
# والمجهول، الذي هو واجب، مثل أن يقول: أنا ضامن لما يقضي لك به القاضي
~~على فلان، أو ما يشهد لك به البينة من المال عليه، أو ما يكون مثبتا في
~~دفترك، فهذا لا يصح، لأنه مجهول وإن كان واجبا في الحال، وقال قوم من
~~أصحابنا: إنه يصح أن يضمن ما تقوم به البينة، دون ما يخرج به دفتر الحساب
~~ولست أعرف به نصا (1)، هذا آخر كلام شيخنا في مبسوطه.
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: فإن قال قائل: فإذا لم يعرف الشيخ
~~أبو جعفر الطوسي بصحة ضمان ما قامت به البينة نصا، فمن أين أورده في نهايته
~~(2) وذهب إليه، وأفتى به، وعول عليه.
# قلنا: هذا أدل دليل، وأوضح قيل، في اعتذارنا له فيما يورده في نهايته، من
~~أخبار الآحاد، وأنه يوردها إيرادا من طريق أخبار الآحاد، بحيث لا يشذ شئ من
~~الأخبار، لا اعتقادا على ما قاله في عدته، على ما أسلفنا القول في معناه،
~~وأنه غير عامل بأخبار الآحاد، وإلا إن كان عاملا بها، فيلزمه العمل بما
~~أورده في نهايته، وهو قد دفع، وقال: لست أعرف بذلك نصا، فيكون مناقضا
~~لأقواله.
# وأما الأعيان المضمونة، ms0548 مثل العين المضمونة في يد الغاصب، والعارية في يد
~~المستعير، إذا شرط ضمانها، فهل يصح ضمانها عمن هي في يده، أم لا؟ الصحيح
~~أنها يصح ضمانها، لأنها مضمونة.
# ومتى كان لرجل على رجلين ألف درهم، على كل واحد منهما خمسمائة، وضمن كل
~~واحد منهما صاحبه، تحول الحق الذي على كل واحد منهما إلى صاحبه، وهو
~~خمسمائة، إلا أن قبل الضمان كان له دين الأصل، وبعد الضمان دين الضمان، فإن
~~قضى أحدهما الألف عن نفسه، وعن صاحبه برئا جميعا، لأنه يكون قد قضى دين
~~غيره، وذلك صحيح، وإن أبرأه عن الألف برئ
# PageV02P073
# مما عليه، ولا يبرأ الآخر، لأنه لم يبرئه، ومتى قضى خمسمائة، لم يقع ذلك
~~إلا عن الخمسمائة التي تحولت إليه بالضمان، لأن الخمسمائة التي عليه انتقلت
~~عنه إلى ذمة صاحبه بالضمان، على ما قررناه، هذا إذا ضمنا في حالة واحدة.
# فأما إن ضمن أحدهما ما على الآخر، برئ المضمون عنه، وصار الألف جميعا
~~لازما للضامن، خمسمائة، دين الأصل، وخمسمائة دين الضمان.
# فإن عاد بعد ذلك المضمون عنه، وضمن صاحبه الأول الذي هو الضامن، فقد
~~تحول، وانتقل الألف جميعا من ذمة الأول إلى ذمة الأخير، وعلى هذا الاعتبار،
~~لأنا قد بينا إن بالضمان عند أصحابنا، ينتقل المال من ذمة المضمون عنه إلى
~~ذمة الضامن، فليس له مطالبة المضمون عنه بحال.
# وأصحابنا يعتبرون في صحة الضمان، أن يكون الضامن مليا بما ضمن وقت
~~الضمان، أو غير ملي مع علم المضمون له بذلك، فمتى كان غير ملي وقت الضمان،
~~ولم يعلم المضمون له حاله، فله الرجوع على المضمون عنه.
# فعلى هذا التحرير قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: من كان عليه حق فسأل
~~غيره ضمانه عنه لصاحبه، فضمنه، وقبل المضمون له ضمانه، وكان الضامن مليا
~~بما ضمن فقد وجب عليه الخروج إلى صاحبه مما ضمن، وبرئ المضمون عنه من
~~مطالبة من كان له عليه، غير أنه يثبت له حقه على من كان ضمن عنه، فإن أراد
~~مطالبته بذلك، كان له ذلك (1) (لأنه ms0549 بأمره وإذنه ضمن، فمتى أدى كان له
~~الرجوع عليه، وثبت حقه قبله) (2).
# ومتى تبرع الضامن، من غير مسألة المضمون عنه ذلك، وقبل المضمون له ضمانه،
~~فقد برئ عهدة المضمون عنه، إلا أن ينكر ذلك ويأباه، فيبطل ضمان المتبرع،
~~ويكون الحق على أصله، لم ينتقل عنه بالضمان، وليس للضامن على
# PageV02P074
# المضمون عنه رجوع فيما ضمن، إذا تبرع بالضمان عنه ورضى (1).
# ومن ضمن حقا، وهو غير ملي به، لم يبرئ المضمون عنه بذلك، إلا أن يكون
~~المضمون له قد علم ذلك، وقبل ضمانه مع ذلك، فلا يجب له مع هذه الحال الرجوع
~~على المضمون عنه.
# وإذا كان الضامن مليا بما ضمن في الحال التي ضمن فيها، وقبل المضمون له
~~ضمانه، ثم عجز بعد ذلك عما ضمن، وافتقر، لم يكن للمضمون له الرجوع على
~~المضمون عنه، وإنما يرجع عليه، إذا لم يكن الضامن مليا في وقت الضمان.
# وإن ظن (2) في حال ما ضمن، أنه ملي بذلك، ثم انكشف بعد ذلك، أنه كان غير
~~ملي في تلك الحال، كان له الرجوع على المضمون عنه.
# ومن ضمن لغيره نفس (3) إنسان، إلى أجل معلوم، بشرط ضمان النفوس، ثم لم
~~يأت به عند الأجل، وحلوله، كان للمضمون له حبسه، حتى يحضر المضمون أو يخرج
~~إليه مما عليه.
# ومن ضمن غيره إلى أجل، وقال: إن لم أحضره عند حلول الأجل كان علي كذا،
~~وحضر الأجل، لم يلزمه إلا إحضار الرجل، دون ما ذكره من المال.
# فإن بدأ بضمان المال، أولا فقال: علي المال المعين إلى كذا وضرب الأجل،
~~إن لم أحضره، ثم لم يحضره، وجب عليه ما ذكره من المال، وكان ضامنا للمال،
~~بخلاف المسألة المتقدمة، لأنه في هذه بدأ بضمان المال أولا، فقال علي كذا،
~~وفي الأولة بدأ بضمان النفس، قبل المال، فافترق الأمران.
# روى ذلك أحمد بن محمد، بن أبي نصر، عن داود بن الحصين، عن أبي العباس، عن
~~أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل، تكفل بنفس الرجل، إلى أجل،
~~فإن لم يأت ms0550 به، فعليه كذا وكذا درهما، قال عليه السلام: إن
# PageV02P075
# جاء به إلى أجل، فليس عليه مال، وهو كفيل بنفسه أبدا، إلا أن يبدأ
~~بالدراهم، فإن بدأ بالدراهم فهو له ضامن، إن لم يأت إلى الأجل الذي أجله
~~(1).
# محمد بن أحمد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن أحمد بن الحسن
~~الميثمي، عن أبان بن عثمان، عن أبي العباس، قال: قلت لأبي عبد الله عليه
~~السلام، رجل كفل لرجل بنفس رجل، فقال: إن جئت به، وإلا فعلي خمسمائة درهم،
~~قال: عليه نفسه، ولا شئ عليه من الدراهم، فإن قال: علي خمسمائة درهم إن لم
~~أدفعه إليه، فقال: يلزمه الدراهم إن لم يدفعه إليه (2).
# فهذان الخبران أوردهما شيخنا أبو جعفر في تهذيب الأحكام (3).
# وفي نهايته (4) أورد عبارة ملتبسة في هذا المعنى، وفقه ذلك ما ذكرناه.
# ولا بد أن يكون الدراهم التي لزمته في الموضع المذكور، ضمانا عما وجب له
~~في ذمة المضمون عنه، ثابتة في ذمته، حتى يصح ضمانها، لأنا قد بينا أن ضمان
~~ما لم يجب ولا يثبت في الذمة لا يجوز.
# ثم قال شيخنا في نهايته: وإن لم يكن عين المال، وقال: أنا أضمن له ما
~~يثبت (5) لك عليه، إن لم آت به، إلى وقت كذا، ثم لم يحضره، وجب عليه ما
~~قامت به البينة، للمضمون عنه (6) ولا يلزمه ما لم تقم به البينة، مما يخرج
~~به الحساب في دفتر، أو كتاب، وإنما يلزمه ما قامت له به البينة، أو يحلف
~~(7) خصمه عليه، فإن حلف على ما يدعيه بعد رد اليمين عليه، واختيار الضامن
~~المذكور ذلك، وجب عليه الخروج منه (8).
# قال محمد بن إدريس: هذا على قول من قال من أصحابنا (9) بصحة ضمان
# PageV02P076
# المجهول، فأما على الصحيح من المذهب، فلا يصح هذا كله، والضمان من أصله
~~باطل، لأنه ضمان مجهول، وقد بينا فيما مضى قول شيخنا، ورجوعه عما ذهب إليه
~~في نهايته، في مبسوطه (1)، ومسائل خلافه، واستدل على فساده، بأن قال:
~~دليلنا ما روي عن النبي عليه السلام، أنه ms0551 نهى عن الغرر، وضمان المجهول غرر،
~~لأنه لا يدري كم قدرا من المال عليه. ثم قال رحمه الله: وأيضا فلا دليل على
~~صحة ذلك، فمن ادعى صحته فعليه الدلالة، هذا آخر كلام شيخنا في مسائل خلافه
~~(2).
# ومن خلى غريما لرجل من يده قهرا، أو إكراها، كان ضامنا لما عليه فإن خلاه
~~بمسألة وشفاعة لم يلزمه شئ، إلا أن يضمن عنه ما عليه، حسب ما قدمناه.
# ومن خلى قاتلا من يد ولي المقتول، بالجبر والإكراه، كان ضامنا لدية
~~المقتول، إلا أن يرد القاتل إلى الولي ويمكنه منه.
# كفالة الأبدان عندنا تصح إلا أنه لا تصح إلا بإذن من تكفل عنه. فإذا كفل
~~بالبدن، نظر، فإن كان قد كفل حالا، صحت الكفالة، وإن كفل مؤجلا صحت، كما
~~نقول في كفالة المال، وإن كفل مطلقا كانت صحيحة، وكانت حالة، وإلى هذا
~~التحرير يذهب شيخنا أبو جعفر في مبسوطه (3).
# وقال في نهايته: لا يصح ضمان مال ولا نفس إلا بأجل (4).
# وقد قدمناه معنى ذلك، وما المقصود به.
# فإذا ثبت هذا، وهو الصحيح الحق اليقين، كان للمكفول له مطالبته بتسليمه
~~في الحال، فإن سلمه، برئ، وإن امتنع من تسليمه، حبس حتى يسلم، على ما
~~قدمناه.
# وإن أحضره الكفيل، وسأله أن يتسلمه، فإن كان ممنوعا من تسليمه (5) بيد
# PageV02P077
# ظالمة مانعة لم يبرأ من كفالته، ولا يصح تسليمه، وإن لم يكن ممنوعا من
~~تسليمه، لزمه قبوله، فإن لم يقبل، أشهد عليه رجلين، أنه سلمه إليه وبرئ.
# فإن كانت الكفالة مؤجلة، لم يكن له مطالبة الكفيل قبل المحل، فإذا حل
~~الأجل، كان حكمه ما قدمناه.
# وإن كان غائبا وقت حلول الأجل، كان له حبس الكفيل، أو يخرج مما عليه.
# فإن مات المكفول، برئ الكفيل، ولا يلزمه المال الذي كان في ذمته، لأنه لا
~~دليل عليه.
# إذا قال لرجل: فلان يلزم فلانا فاذهب، وتكفل به، ففعل ذلك، كانت الكفالة
~~على من باشر عقدها، دون الآمر، لأن المأمور تكفل باختياره من غير إجباره.
# إذا تكفل بدين رجل، ثم ادعى الكفيل، ms0552 أن المكفول له، قد أبرأ المكفول به
~~من الدين، وأنه قد برئ من الكفالة، وأنكر ذلك المكفول له، كان القول قول
~~المكفول (1) مع يمينه، وعلى الكفيل البينة، لأنه مدع، والأصل بقاء الكفالة.
# إذا قال الكفيل: تكفلت ببدنه، ولا حق لك عليه، وأنكر المكفول له (2)، كان
~~القول قوله مع يمينه، لأنه الظاهر أن الكفالة صحيحة، والكفيل يدعي ما
~~يبطلها.
# إذا تكفل ببدن رجل إلى أجل مجهول، لا يصح.
# والحوالة عقد من العقود، يجب الوفاء به، لقوله تعالى: " أوفوا بالعقود "
~~(3) ووجوب الوفاء به يدل على جوازه، وأجمعت الأمة على جواز الحوالة، وهي
~~مشتقة من تحويل الحق، من ذمة إلى ذمة، يقال: أحاله بالحق عليه يحيله إحالة
~~واحتال الرجل إذا قبل الحوالة، فالمحيل، الذي عليه الحق (4)، والمحتال الذي
~~يقبل الحوالة، والمحال عليه، هو الذي عليه الحق للمحيل، والمحال به هو
~~الدين نفسه.
# PageV02P078
# فإذا ثبت ذلك، فالحوالة متعلقة بثلاثة أشخاص، محيل، ومحتال، ومحال عليه،
~~والثلاثة يعتبر رضاهم في صحة عقد الحوالة، لأنه إذا حصل رضا هؤلاء أجمع،
~~صحت الحوالة بلا خلاف، وإذا لم يحصل، فيه خلاف.
# إذا أحاله بدينه على من له عليه دين، فلا خلاف في صحة الحوالة، فأما إذا
~~أحاله على من ليس له عليه دين، فإن ذلك لا يصح عند المخالف، ولا خلاف في
~~صحة ذلك عند أصحابنا معشر الإمامية، فإذا ثبت ذلك، تحول الحق من ذمة
~~المحيل، إلى ذمة المحال عليه، إجماعا إلا زفر، واشتقاق الحوالة يقتضي ذلك،
~~لأنها مشتقة من التحويل، والمعنى، إذا حكم الشرع بصحته، وجب أن نعطيه حقه.
# فإذا ثبت ذلك، فإن المحتال إذا أبرأ المحيل، بعد الحوالة، من الحق لم
~~يسقط حقه عن المحال عليه، لأن المال قد انتقل، وتحول عنه إلى غيره، فإذا
~~ثبت أن الحق قد انتقل من ذمته، فإنه لا يعود إليه، سواء بقي المحال عليه
~~على غناه، حتى أداه، أو جحده حقه، وحلف عند الحاكم، أو مات مفلسا، أو أفلس
~~وحجر عليه الحاكم، إلا أن أصحابنا يعتبرون ملاءة المحال عليه، وقت الإحالة، ms0553
~~الملآءة، بفتح الميم، والمد، أو علم المحال له، بإعساره، كما اعتبروا ذلك
~~في الضامن على ما قدمناه.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإن كان له على غيره مال، فأحال به على
~~غيره، وكان المحال عليه مليا به، في الحال، وقبل الحوالة، وأبرأه منه، لم
~~يكن له رجوع عليه، ضمن ذلك المحال به عليه (1)، أو لم يضمن، بعد أن يكون قد
~~قبل الحوالة، فإن لم يقبل الحوالة، إلا بعد ضمان المحال عليه، ولم يضمن من
~~أحيل عليه ذلك، كان له مطالبة المحيل، ولم تبرأ ذمته بالحالة، فإن انكشف
~~لصاحب المال، إن الذي (2) أحيل عليه به، غير ملي بالمال، بطلت الحوالة،
~~وكان له
# PageV02P079
# الرجوع على المديون بحقه عليه، ومتى لم يبرأ المحال له بالمال المحيل في
~~حال ما يحيله، كان له أيضا الرجوع عليه، أي وقت شاء، هذا آخر كلام شيخنا في
~~نهايته (1).
# قال محمد بن إدريس: لا أرى لقوله رضي الله عنه وجها في أول الكلام، وهو "
~~وقبل الحوالة، وأبرأه منه لم يكن له رجوع عليه، ضمن ذلك المحال به عليه، أو
~~لم يضمن، بعد أن يكون قد قبل الحوالة، فإن لم يقبل الحوالة، إلا بعد ضمان
~~المحال عليه، ولم يضمن من أحيل عليه ذلك، كان له مطالبة المحيل، ولم تبرأ
~~ذمته بالحوالة ". قلنا بعد (2) أن يقبل الحوالة، فقد تحول الحق من ذمة
~~المحيل، إلى ذمة المحال عليه، سواء ضمن ذلك، أو لم يضمن، لأن الضمان به،
~~ينتقل المال من ذمة المضمون عنه، إلى ذمة الضامن، وكذلك الحوالة، بها يتحول
~~الحق، من ذمة المحيل، إلى ذمة المحال عليه، فلا فائدة في الضمان، بعد عقد
~~الحوالة، وانتقال المال وتحويله.
# وقوله رضي الله عنه في آخر الكلام والباب: ومتى لم يبرء المحال له،
~~بالمال المحيل، في حال ما يحيله، كان له أيضا الرجوع عليه، أي وقت شاء، لا
~~وجه له، لأن الحوالة عقد قائم بنفسه، عند أصحابنا، وهي من العقود اللازمة
~~للمتعاقدين، وينتقل المال من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، مع ms0554 رضا
~~المحال له، وهي مشتقة من تحويل الحق، فإذا كان كذلك، فقد انعقد العقد،
~~وتحول الحول، فسواء أبرأه منه بعد الحوالة أو لم يبرئه (3) لأن الذمة قد
~~برئت بتحويل الحق، وعقد الحوالة، فلا حاجة بنا إلى أن يبرأ بعد الحوالة،
~~لأن الذمة قد برئت بعد عقد الحوالة، وانتقال المال، وتحويل الحق، فلا يحتاج
~~بعد ذلك إلى براءة أخرى، وهذه الألفاظ التي أوردها شيخنا في نهايته (4)،
~~ألفاظ أخبار الآحاد، أوردها إيرادا لا اعتقادا، على ما كررنا القول في
~~معناه.
# PageV02P080
# فأما اعتقاده وفتواه وعمله، ما ذكره في مسائل خلافه، وهو أن قال: مسألة،
~~إذا أحال رجلا على رجل بالحق، وقبل الحوالة، وصحت، تحول الحق من ذمة
~~المحيل، إلى ذمة المحال عليه، وبه قال جميع الفقهاء، ثم قال: دليلنا، إن
~~الحوالة مشتقة من التحويل، فينبغي أن يعطي اللفظ حقه من الاشتقاق والمعنى
~~إذا حكم الشرع بصحته فإذا أعطيناه حقه، وجب أن ينتقل الحق، من المحيل إلى
~~المحال عليه (1).
# وقال بعض أصحابنا، وأما الحوالة، فعلى ضربين، أحدهما أن يكون قد أخذ
~~المحال بعضها، والآخر أن يكون لم يأخذ، فإن أخذ لم يجز له الرجوع، وإن لم
~~يأخذ فله الرجوع.
# وهذا قول مرغوب عنه، لأنه لا دليل عليه، ولما قد قدمناه وحررناه.
# باب الوكالة الوكالة جائزة، بغير خلاف بين الأمة، فإذا ثبت جواز الوكالة،
~~فالكلام بعده، في بيان ما يجوز التوكيل فيه، وما لا يجوز.
# أما الطهارة، فلا يجوز التوكيل فيها، وإنما يستعين بغيره، في صب الماء
~~عليه، على كراهية فيه، عند أصحابنا، فأما غسل أعضائه، فعندنا لا يجوز ذلك،
~~مع القدرة، فأما مع العجز، فإنه يجوز، وينوي عند هذا الحال هو بنفسه رفع
~~الحدث، وذلك ليس بتوكيل، وإنما هو استعانة على فعل عبادة.
# وأما الصلاة، فلا يجوز التوكيل فيها، ولا تدخلها النيابة، سوى ركعتي
~~الطواف، تبعا للحج.
# وأما الزكاة، فيصح التوكيل في إخراجها عنه، بغير خلاف، وفي تسليمها إلى
# PageV02P081
# أهل السهمان (1) وقال بعض أصحابنا: ويجوز من أهل السهمان (2) التوكيل في
~~قبضها، وقال ابن البراج ms0555 من أصحابنا: لا يجوز ذلك، وهو الذي يقوى في نفسي،
~~لأنه لا دليل عليه، فمن ادعاه، فقد أثبت حكما شرعيا، يحتاج في إثباته إلى
~~دليل شرعي، ولا دلالة له، وأيضا فالذمة مرتهنة بالزكاة، ولا خلاف بين الأمة
~~أن بتسليمها إلى مستحقها، تبرأ الذمة بيقين، وليس كذلك، إذا سلمت إلى
~~الوكيل، لأن الوكيل ليس هو من الثمانية الأصناف، بغير خلاف، ولأن الزكاة
~~والخمس، لا يستحقها واحد بعينه، ولا يملكها إلا بعد قبضه لها، فيتعين له
~~ملكها، والوكيل لا يستحق إلا ما تعين ملكه للموكل، واستحق المطالبة به، وكل
~~واحد من أهل الزكاة والخمس، لا يستحق المطالبة بالمال، لأن الإنسان مخير في
~~وضعه فيه، أو في غيره، فلا يجبر على تسليمه إليه.
# وأما الصيام فلا يصح التوكيل فيه، ولا يدخله النيابة، ما دام حيا، فإذا
~~مات وعليه صوم، أطعم عنه وليه، أو صام عنه، على ما حررناه في كتاب الصيام،
~~في الموضع الذي كان وجب عليه، ففرط فيه.
# وأما الاعتكاف، فلا يصح التوكيل فيه بحال، لأنه لا يدخله النيابة بوجه.
# وأما الحج، فلا يدخله النيابة مع القدرة عليه بنفسه، فإذا عجز عنه
~~بزمانه، أو موت، دخلته النيابة.
# وأما البيع، فيصح التوكيل فيه مطلقا، في إيجابه وقبوله، وتسليم المال
~~فيه، وتسلمه.
# وكذلك يصح التوكيل في عقد الرهن، وفي قبضه.
# وأما التفليس فلا يتصور فيه التوكيل.
# وأما الحجر، فللحاكم أن يحجر بنفسه، وله أن يستنيب غيره في ذلك.
# PageV02P082
# وأما الصلح فيصح التوكيل فيه، وكذلك الحوالة، وعقد الضمان، وكذلك الشركة،
~~وكذلك في الوكالة، ويصح أيضا في قبول الوكالة عنه.
# والإقرار يصح التوكيل فيه، إذا عين ما يقر به عنه.
# وأما العارية فيصح التوكيل فيها، لأنها هبة منافع.
# وأما الغصب فلا يصح التوكيل فيه.
# وأما الشفعة فيصح التوكيل في المطالبة بها، وكذلك يصح في القراض،
~~والمساقاة، والإجارات، وإحياء الموات، وكذلك يصح التوكيل في العطايا،
~~والهبات، والوقوف، والصدقات.
# ولا يصح التوكيل في الالتقاط، فإذا وكل غيره في التقاط لقطة، تعلق الحكم
~~بالملتقط، لا بالآمر، وكان الملتقط أحق ms0556 بها.
# والميراث لا يصح التوكيل فيه، إلا في قبضه واستيفائه.
# والوصايا يصح التوكيل في عقدها، وقبولها.
# وأما الوديعة فيصح التوكيل فيها أيضا.
# وقسم الفئ، فللإمام أن يتولى قسمته بنفسه، وله إن يستنيب غيره فيه وكذلك
~~قسمة الصدقات.
# وأما النكاح فيصح التوكيل فيه، وكذلك التوكيل في الصدقات.
# ويصح التوكيل في الخلع، لأنه عقد بعوض والأولى أن يقال إنه إيقاع بعوض.
# ولا يصح التوكيل في القسم بين الزوجات، لأنه يدخله الوطئ ولا تصح النيابة
~~فيه.
# وأما الطلاق فيصح التوكيل فيه، فيطلق الوكيل مقدار ما أذن له، إذا كان
~~مأذونا له في المراجعة، فعلى هذا يصح التوكيل في الرجعة.
# والطلاق يصح التوكيل فيه كما قلناه، سواء كان الموكل حاضرا، أو غائبا،
~~PageV02P083
# بغير خلاف بين المسلمين، إلا رواية (1) شاذة رويت من جهة أصحابنا، لا
~~يلتفت إليها، ولا يعرج عليها، لأنه لا خلاف بينهم، أنه إذا خيف شقاق
~~بنيهما، بعث الحاكم رجلا من أهل الزوج، ورجلا من أهل المرأة، يدبران الأمر
~~في الإصلاح بينهما، وليس لهما الفراق، إلا أن يكون الزوج، قد وكل فيه من
~~بعثه، فحينئذ يصح طلاقه ووكالته فيه، مع حضور موكله بغير خلاف.
# وأما الظهار، والإيلاء، واللعان، فلا يصح التوكيل فيها.
# فأما عدد النساء فلا يدخلها النيابة، فلا يصح التوكيل فيها.
# والرضاع فلا يصح فيه التوكيل، لأنه يختص التحريم بالمرضع والمرضع (2).
# وأما النفقات، فيصح التوكيل في صرفها إلى من يجب.
# وأما الجنايات، فلا يصح التوكيل فيها، وكل من باشر الجناية، تعلق به
~~حكمها.
# وأما القصاص، فيصح التوكيل في إثباته، ويصح في استيفائه.
# وأما الديات، فيصح التوكيل في تسليمها، وتسلمها.
# وأما القسامة، فلا يصح التوكيل فيها، لأنها أيمان، والأيمان لا يدخلها
~~النيابة.
# وأما الكفارات، فيصح التوكيل في تسليمها.
# وأما الحدود فللإمام أن يستنيب فيها من يقيمها، ولا يصح التوكيل في
~~تثبيتها، لأنها لا تسمع الدعوى فيها.
# وأما حد القذف فحق الآدميين، فحكمه حكم القصاص، يصح التوكيل فيه.
# وأما الأشربة، فلا يصح التوكيل فيها، وكل من شرب الخمر، فعليه الحد، دون
~~غيره.
# PageV02P084
# وأما الجهاد، ms0557 فلا يصح النيابة فيه بحال، لمن حضر القتال، لأن كل من حضر
~~الصف، توجه فرض القتال عليه، وكيلا كان أو موكلا، وأما لمن لم يحضر الصف،
~~ولا يعين الإمام عليه في الخروج، فإنه يجوز له أن يستنيب، ويستأجر من يجاهد
~~عنه، على ما رواه أصحابنا (1).
# وأما الجزية، والاحتطاب، والاحتشاش، والاصطياد، فلا يدخل ذلك النيابة
~~والتوكيل، وأما (2) الذبح فيصح التوكيل فيه.
# وأما الأيمان، والنذور، فلا يصح التوكيل فيها.
# وأما القضاء (3)، فيصح الاستنابة فيه.
# وأما الشهادات، فتصح الاستنابة فيها، على وجه مخصوص، وتكون شهادة على
~~شهادة، وذلك عندنا ليس بتوكيل.
# وأما الدعوى فيوكل الإنسان فيها، لأن كل أحد لا يكمل للمخاصمة والمطالبة.
# وأما العتق، والتدبير، والكتابة، فيصح التوكيل في ذلك.
# فإذا ثبت ذلك فجملة الأمر، من يحصل في يده مال الغير، ويتلف فيها، على
~~ثلاثة أضرب، ضرب لا ضمان عليهم، بلا خلاف، وضرب عليهم الضمان، وضرب فيه
~~خلاف.
# فالذين لا ضمان عليهم، فهم الوكيل، والمرتهن، والمودع، والشريك،
~~والمضارب، والوصي، والحاكم، وأمينه، والمستأجر، والمستعير، عندنا، فإذا تلف
~~مال الغير في أيديهم، من غير تفريط، وتعد منهم، فلا ضمان عليهم.
# والذين عليهم الضمان، فهم الغاصب، والسارق، والمستام والمبتاع بيعا فاسدا
~~إذا قبض المبيع، فهؤلاء إذا تلف المال في أيديهم، كان عليهم الضمان، سواء
# PageV02P085
# تعدوا فيه، أو لم يتعدوا، فرطوا في حفاظه، أو لم يفرطوا، هكذا أورده
~~شيخنا أبو جعفر في مبسوطه (1).
# والذي تقتضيه أصولنا، أن المستام لا ضمان عليه، إذا لم يفرط، لأنه أخذه
~~بإذن صاحبه، وعن أمره، ولأن الأصل، براءة الذمة فمن شغلها بشئ يحتاج إلى
~~دليل، قاهر، فأما إن ادعى الرد، فيحتاج إلى بينة.
# فأما ما أورده شيخنا في مبسوطه، فهو مذهب المخالفين، بناءا منه أن
~~المستعير ضامن، بنفس العارية، من غير شرط، قاسوا المستام على المستعير،
~~والمستعير عندنا لا ضمان عليه، إلا بالشرط، ثم القياس عندنا باطل غير معمول
~~عليه، والمستام أخذ الشئ بإذن صاحبه واختياره، فهو أمين، وسبيله سبيل
~~الأمناء، لا ضمان عليه إلا بالتفريط، فليلحظ ذلك، فأما في الرد، ms0558 فإنه يحتاج
~~إلى بينة، على ما قدمناه.
# وأما المختلف فيه فهو الصناع الذين يتقبلون الأعمال، مثل القصار،
~~والصباغ، والحائك، وغيرهم، فإذا تلف المال الذي تسلموه للعمل في أيديهم،
~~فهل عليهم الضمان، أم لا؟ قيل: فيه قولان، أحدهما يلزمهم، تعدوا فيه، أو لم
~~يتعدوا، الثاني لا ضمان عليهم، إلا أن يتعدوا.
# وكلا الوجهين رواه أصحابنا (2) والأخير هو الأظهر بين الطائفة، والأصح من
~~القولين، والمعمول عليه عند المحصلين، لأن هؤلاء سبيلهم سبيل الأمناء، لأن
~~الإنسان يستأمن الصانع، ويسلم ماله إليه، ولا خلاف أن الأمين لا ضمان عليه.
# وجميع من يحصل بيده مال (3) من وكيل، سواء كان بجعل، أم غير جعل، ومضارب،
~~ومستام، وأجير، مشتركا كان، أو غير مشترك، ومرتهن، ومستعير، وراع، وأمين،
~~وملتقط، إذا ادعوا رد الشئ الذي حصل بأيديهم، إلى مالكه
# PageV02P086
# وصاحبه، فلا يقبل قولهم في ذلك إلا ببينة، وإن كان يقبل قولهم في التلف،
~~على ما قدمناه، إلا المودع فحسب، فإنه يقبل قوله في التلف، وفي الرد، بلا
~~خلاف، للإجماع، والباقون يحتاجون في الرد إلى بينة، ولا يقبل بمجرد دعواهم،
~~لقوله عليه السلام: على اليد ما أخذت حتى تؤدي (1) ولقوله عليه السلام: على
~~المدعي البينة (2) فليلحظ ذلك، ويتأمل.
# فأما بيان من يجوز له التوكيل، فكل من يصح تصرفه في شئ، تدخله النيابة،
~~صح التوكيل فيه، سواء كان الموكل رجلا، أو امرأة، عدلا أو فاسقا، مسلما أو
~~كافرا، حاضرا أو غائبا.
# ولا يجوز للوكيل أن يوكل فيما جعل إليه، إلا بإذن الموكل.
# ولا يجوز أن تتوكل المرأة لزوجها، في طلاق نفسها، على الصحيح من المذهب،
~~ولا بأس أن تتوكل في طلاق ضرتها، لأنه لا مانع يمنع منه، لأن كل ما يصح أن
~~يتصرف الإنسان فيه بنفسه صح أن يتوكل فيه لغيره (3)، إذا كان مما يدخله
~~النيابة، فأما ما لا يملك التصرف فيه بنفسه، فلا يصح أن يتوكل (4) فيه، مثل
~~أن يزوج الكافر المسلمة، فإنه لا يصح أن يتوكل (5) فيه، لأنه لا يملك
~~تزويجها (6).
# والذي يقوى في نفسي، أنه لا يمنع من ms0559 وكالة الكافر مانع، في التزويج
~~المذكور، لأنا لا نعتبر العدالة في الوكيل، بغير خلاف، ولأنه لا مانع منه
~~من كتاب، ولا إجماع، ولا سنة متواترة، وليس للوكيل الكافر على المسلمة
~~هاهنا سبيل، فيدخل تحت قوله تعالى: " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين
~~سبيلا " (7).
# PageV02P087
# وإذا ادعى رجل على رجل، واستحضره الحاكم لمخاصمة المدعي، كان له أن يحضر
~~(1)، وكان له أن يقعد، ويوكل غيره في الخصومة، رضي خصمه بذلك، أو لم يرض،
~~وكذلك إن حضر، كان له أن يجيب بنفسه، أو يوكل غيره في الجواب عنه، ولا يجبر
~~على الجواب بنفسه، وكذلك للمدعي، التوكيل في الخصومة.
# وإذا أوجب رجل لرجل عقد الوكالة، كان بالخيار بين أن يقبل ذلك، وبين أن
~~يرده، فلا يقبله، فإذا أراد أن يقبل في الحال، كان له ذلك، وله أن يؤخر
~~ذلك، فيقبله أي وقت أراد، ولهذا أجمع المسلمون، على أن الغائب إذا وكل
~~رجلا، ثم بلغ الوكيل ذلك بعد مدة، فقبل الوكالة، انعقدت، فإذا ثبت هذا، فله
~~أن يقبل لفظا، وله أن يقبل فعلا، مثل أن يتصرف في الشئ الذي وكله فيه.
# وكذلك إذا أودعه مالا، وأحضر المال بين يديه، فلا فرق بين أن يقبل
~~الوديعة لفظا، وبين أن يقبلها فعلا، بأن يأخذها ويحرزها (2)، فإذا حصل
~~القبول، وانعقدت الوكالة، كان لكل واحد منهما أن يثبت عليها، وله أن
~~يفسخها، لأنها عقد جائز من الطرفين، لأن العقود على أربعة أضرب، عقد جائز
~~من الطرفين، وعقد لازم من الطرفين، وعقد لازم من طرف، وجائز من طرف، وعقد
~~مختلف فيه.
# فالجائز من الطرفين، فمثل الجعالة، والوكالة، والشركة، والمضاربة،
~~والوديعة، والعارية.
# واللازم من الطرفين، مثل البيع بعد التفرق من المجلس، والإجارة، والنكاح.
# والجائز من طرف، فهو الرهن، فإنه لازم من جهة الراهن، جائز من جهة
~~المرتهن، وكذلك الكتابة المشروطة، لازمة من جهة السيد، جائزة من جهة العبد.
# والمختلف فيه، عقد السبق والرماية، فليزمهما قولان، أحدهما أنه جعالة،
~~وهو الأقوى، فعلى هذا يكون جائزا من الطرفين، والثاني أنه إجارة، فهو لازم
~~من ms0560
# PageV02P088
# الطرفين، والأول هو الصحيح، على ما اختاره شيخنا في مبسوطه (1).
# والذي يقوى في نفسي، أنه لازم من الطرفين، لقوله تعالى: " أوفوا بالعقود
~~" (2) وهذا عقد.
# فأما ما به ينفسخ الوكالة، فمثل الموت، والجنون والإغماء، فإذا مات
~~أحدهما أو جن، أو أغمي عليه، بطلت الوكالة، فأما النوم المعتاد، فلا يبطل
~~الوكالة، لأنه لا يسقط فرض الصلاة، والإغماء والجنون يسقطان فرض الصلاة،
~~ويثبتان عليه الولاية، والنوم لا يثبتها عليه.
# من وكل غيره في الخصومة عنه، والمطالبة والمحاكمة، والبيع والشراء، وجميع
~~أنواع ما يتصرف فيه بنفسه، فقبل الوكيل عنه ذلك، فقد صار وكيله، يجب له ما
~~يجب لموكله، ويجب عليه ما يجب على موكله، إلا ما يقتضيه الإقرار، من
~~الحدود، والآداب، والأيمان، وغير ذلك، مما قدمنا القول في معناه.
# والوكالة يعتبر فيها شرط الموكل، فإن شرط أن يكون في خاص من الأشياء، لم
~~تجز فيما عداه، وإن شرط أن تكون عامة، قام الوكيل مقام الموكل على العموم،
~~حسب ما قدمناه، بغير خلاف بين أصحابنا، وبذلك تواترت الأخبار (3) عن الأئمة
~~الأطهار، وهو مذهب شيخنا أبي جعفر في نهايته (4).
# وقال في مبسوطه (5) ومسائل خلافه: مسألة، إذا وكل رجل رجلا، في كل قليل
~~وكثير، لم يصح ذلك، ثم قال: دليلنا أن في ذلك غررا عظيما، لأنه ربما لزمه
~~بالعقود، ما لا يمكنه الوفاء به وما يؤدي إلى ذهاب ماله، مثل أن يزوجه
~~بأربع حراير، ثم يطلقهن قبل. الدخول، فيلزمه نصف مهورهن، ثم يتزوج بأربع
~~آخر (6)،
# PageV02P089
# ثم على هذا أبدا ويشتري له من الأرضين، والعقارات، وغيرها، ما لا يحتاج
~~إليه وفي ذلك غرر عظيم، فما يودي إليه فهو باطل، ثم قال: وأيضا، فلا دلالة
~~على صحة هذه الوكالة في الشرع هذا آخر كلامه رحمه الله في مسائل الخلاف
~~(1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: لا دلالة فيما أحتج به رحمه الله، لأن
~~الوكيل لا يصح فعله إلا فيما فيه صلاح لموكله، وكل ما لا صلاح فيه لموكله،
~~فلا يلزمه منه شئ، وأنه باطل غير صحيح، بغير خلاف، فعلى ms0561 هذا التحرير لا غرر
~~فيما أورده.
# وقوله رحمه الله: لا دليل على صحة هذه الوكالة في الشرع، باطل، لأن
~~الدليل حاصل، وهو إجماع أصحابنا المنعقد على صحة ذلك، وهو أيضا قائل به في
~~نهايته (2)، والأخبار المتواترة أيضا دليل على صحة ذلك.
# والوكالة تصح للحاضر كما تصح للغائب، على ما قدمناه، ولا يجب الحكم بها
~~على طريق التبرع، دون أن يلتزم ذلك بإيثار الموكل، واختياره وللناظر في
~~أمور المسلمين، ولحكامهم، أن يوكل على سفهائهم، وأيتامهم، ونواقصي عقولهم،
~~من يطالب بحقوقهم، ويحتج عنهم، ولهم.
# وينبغي لذوي المروات من الناس، أن يوكلوا لأنفسهم في الحقوق، ولا يباشروا
~~الخصومة بنفوسهم.
# وللمسلم أن يتوكل للمسلم على أهل الإسلام والذمة، ولأهل الذمة على أهل
~~الذمة، ويكره أن يتوكل للذمي على المسلم.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وللمسلم أن يتوكل للمسلم على أهل
~~الإسلام، وأهل الذمة، ولأهل الذمة على أهل الذمة خاصة، ولا يتوكل للذمي على
~~المسلم (3).
# وقال بكراهة ذلك في مبسوطه، قال: يكره أن يتوكل المسلم لكافر على
# PageV02P090
# مسلم، وليس بمفسد للوكالة، هذا آخر كلامه رحمه الله (1).
# وكذلك قال في مسائل خلافه (2)، وهو الأظهر، لأنه لا دليل على تحريمه.
# فإن تمسك متمسك بقوله تعالى: " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين
~~سبيلا " (3).
# قلنا: المسلم الذي هو الوكيل ليس بكافر.
# وأيضا لا خلاف أن للذمي الذي هو الموكل، المطالبة للمسلم، بما له عليه من
~~الحق، فله عليه سبيل، لأنه الذي جعل له عليه سبيلا، أعني المسلم الذي عليه
~~الحق، فللوكيل المسلم، ما لموكله من المطالبة.
# وإنما أورده شيخنا رحمه الله في نهايته، من طريق خبر الآحاد، دون
~~الاعتقاد، على ما كررنا القول فيه.
# يتوكل الذمي للمسلم على الذمي، لأهل الذمة، على أمثالهم من الكفار، ولا
~~يجوز له أن يتوكل على أحد من أهل الإسلام، لا لذمي، ولا لمسلم على حال، لأن
~~الآية المقدم ذكرها، تتناول تحريم ذلك، والنهي عنه والمنع منه.
# وينبغي أن يكون الوكيل عاقلا، بصيرا بالحكم، فيما أسند إليه الوكالة فيه،
~~عارفا باللغة التي يحتاج ms0562 إلى المحاورة بها في وكالته، لئلا يأتي بلفظ يقتضي
~~إقرارا بشئ، وهو يريد غيره، مثاله (4) أن يقر بعدد فيما دون الواحد إلى
~~العشرة، مذكر، فيسقط الهاء منه، أو يريد أن يقر بعدد مؤنث، فيلحق الهاء
~~فيه، وهو لا يريد ذلك، فيلزمه الحاكم بظاهر إقراره.
# ولا يجوز لحاكم أن يسمع من وكيل لغيره، إلا بعد أن تقوم له عنده البينة،
~~بثبوت وكالته.
# ومن وكل وكيلا وأشهد على وكالته، ثم أراد عزله، فليشهد على عزله، علانية
# PageV02P091
# بمحضر من الوكيل، أو يعلمه ذلك، كما أشهد على وكالته، فإذا أعلم عزله، مع
~~تمكنه من إعلامه، أو أشهد على عزله، مع تعذر إعلامه، فقد انعزل الوكيل عن
~~وكالته، وكل أمر ينفذه بعد ذلك كان باطلا، لا يلزم الموكل منه، قليل ولا
~~كثير.
# وإن عزله ولم يشهد، مع تعذر القدرة على إعلامه بعزله، أو لم يعلمه عزله
~~مع إمكان إعلامه، لم ينعزل الوكيل، وكل أمر ينفذه بعد ذلك كان ماضيا على
~~موكله حينئذ إلى أن يعلم بعزله.
# فإن اختلف الموكل والوكيل في العزل، فقال الموكل: قد أعلمته العزل، وأنكر
~~ذلك الوكيل، كان على الموكل البينة بأنه أعلمه ذلك، ولم يكفه إقامة البينة
~~على أنه قد عزله، إذا كان قادرا على إعلامه، غير متعذر عليه ذلك، فإن لم
~~يكن له بينة على إعلامه، كان على الوكيل اليمين، أنه ما علم بعزله عن
~~الوكالة، فإن حلف، كانت وكالته ثابتة، حسب ما قدمناه، وإن امتنع من اليمين،
~~بطلت وكالته، من وقت ما أقام الموكل البينة على إعلامه بعزله، فإن كان بحيث
~~يتعذر عليه إعلامه، أفادته إقامة البينة، وكفته مؤنة الإعلام، وكل أمر
~~ينفذه، أو أنفذه بعد إقامة البينة حينئذ على عزله، عند تعذر إعلامه، فهو
~~باطل، غير نافذ على موكله.
# وقال شيخ أبو جعفر الطوسي في مسائل خلافه: إذا عزل الموكل وكيله، عن
~~الوكالة، في غيبة من الوكيل، لأصحابنا فيه روايتان، إحديهما أنه ينعزل في
~~الحال، وإن لم يعلم الوكيل، وكل تصرف يتصرف فيه الوكيل بعد ذلك، يكون
~~باطلا، ms0563 والأخرى أنه لا ينعزل، حتى يعلم الوكيل ذلك، وكل ما يتصرف فيه يكون
~~واقعا موقعه، إلى أن يعلم، ثم قال: دليلنا على ذلك، أخبار الطائفة، وهي
~~مختلفة، وقد ذكرناها في كتابينا المقدم ذكرهما، قال: ومن راعى (1) العلم،
~~استدل على ذلك، بأن قال إن النهي لا يتعلق به حكم، في حق المنهي، إلا بعد
# PageV02P092
# حصول علمه به، وهكذا أبواب نواهي الشرع كلها، ولهذا لما بلغ أهل قبا، أن
~~القبلة قد حولت إلى الكعبة، وهم في الصلاة، داروا وبنوا على صلاتهم، ولم
~~يؤمروا بالإعادة، وكذلك نهي الموكل وكيله عن التصرف، ينبغي أن لا يتعلق به
~~حكم في حق الوكيل، إلا بعد العلم، قال: وهذا القول أقوى من الأول، وقد
~~رجحناه في الكتابين (1).
# قال محمد بن إدريس: الأقوى عندي ما ذكره رحمه الله في نهايته (2)، فهو
~~وجه الجمع بين الأحاديث، وهو الذي حررناه واخترناه في كتابنا هذا، وهو أنه
~~إذا قدر الموكل، على إعلام الوكيل بالعزل، ولم يعلمه، وأشهد على عزله،
~~وعزله، لم ينعزل، وكل أمر ينفذه فهو ماض على موكله، فأما إذا تعذر على
~~الموكل إعلام وكيله بالعزل، ولم يقدر على ذلك، ولم يمكنه، وأشهد حينئذ على
~~عزله، وعزله، فقد انعزل، وكل أمر ينفذه بعد ذلك فهو باطل، غير ماض على
~~موكله، فيحمل الأخبار على هذا الاعتبار، وقد سلمت من التعارض، وعمل بجميعها
~~من غير إطراح لشئ منها.
# وقوله رحمه الله: وقد رجحناه في الكتابين، يعني تهذيب الأحكام،
~~والاستبصار، أما تهذيب الأحكام فما رجح فيه شيئا، بل أورد الأخبار (3)،
~~وأطلق الإيراد، من غير توسط منه بينها، وأما الاستبصار فما ذكر الباب جملة.
# ومتى تعدى الوكيل شيئا مما رسمه موكله، كان ضامنا لما تعدى فيه، فإن وكله
~~في تزويجه امرأة بعينها، فزوجه غيرها، لم يثبت النكاح، ولزم الوكيل نصف
~~المهر المسمى، لأنه غرها، هذا إذا قال الوكيل إنه وكلني في العقد عليك، ولم
~~يقم له بينة بذلك.
# فأما إذا صدقته المرأة على صحة قوله ووكالته، فلا سبيل لها عليه، لأنها
~~تقول ظلمني زوجي، ms0564 وليس لها أن تتزوج، إلا بعد موته، أو طلاقه، أو فراقه.
# PageV02P093
# فأما إذا لم يدع الوكالة، ولا قال للمرأة إنه وكيل فلان، بل عقد للرجل
~~(1) عليها، فالنكاح موقوف عندنا على الإجازة، فإن رضي الذي عقد له على
~~المرأة، كان النكاح ماضيا، ولزم المعقود له النكاح، والمهر جميعا، وإن لم
~~يرض بالعقد، كان النكاح مفسوخا، ولم يلزم العاقد شئ من المهر، لأنه ما غر
~~المرأة، ولا ادعى الوكالة في العقد، بخلاف المسألة الأولة، التي قلنا فيها
~~يلزمه نصف مهرها لأنه غرها بقوله (2)، قد وكلني فلان على العقد عليك، ولم
~~يكن له بينة بذلك فلزمه المهر، لأنه حينئذ غرها، على ما وردت الأخبار (3)
~~بذلك، فافترق الأمران.
# فإن عقد له على التي أمره بالعقد عليها، ثم أنكر الموكل أن يكون أمره
~~بذلك، ولم يقم للوكيل بينة بوكالته بالعقد، لزم الوكيل أيضا نصف المهر
~~المسمى، ولم يلزم الموكل شئ، وجاز للمرأة أن تتزوج بعد ذلك، غير أنه لا يحل
~~للموكل، إن كان وكله في العقد عليها فيما بينه وبين الله تعالى، إلا أن
~~يطلقها ويغرم لها نصف المسمى، لأن العقد يكون قد ثبت عليه، وهذا أمر راجع
~~إليه، ومنكر لا يعلمه غيره، فيجب عليه إزالته، وإنكاره.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: في جميع ذلك يلزم الوكيل المهر (4) وأطلق
~~القول بذلك، ولم يقل نصف المهر.
# وفي مبسوطه يقول بنصف المهر (5)، وكذلك في تهذيب الأحكام (6) على ما وردت
~~الأخبار.
# وقوله في نهايته: لزمه المهر، فكأنه أراد المستحق (7) عليه، بعد تخلية
~~المرأة، وجواز العقد عليها لغيره، فهو بمنزلة الطلاق قبل الدخول، فأقام
~~إنكاره التوكيل
# PageV02P094
# على العقد، ودفعه النكاح، مقام الطلاق.
# ولو قيل في ذلك أن الوكيل يلزمه المهر المسمى كملا، لأنه يجب بالعقد
~~جميعه، ويسقط نصفه بالطلاق، قبل الدخول، بغير خلاف بين الأمة، لكان قويا
~~ظاهرا، وهذا لم يطلق قبل دخوله، فيسقط عنه نصفه، وبهذا أفتي، وعليه أعتمد،
~~لأنه الذي يقتضيه أصولنا، وتشهد به أخبارنا، وأدلتنا.
# ومن وكل غيره في أن يطلق عنه امرأته، جاز طلاق ms0565 الوكيل، سواء كان الموكل
~~حاضرا أو غائبا، على الصحيح من المذهب، لأنه لا خلاف بين المسلمين في جواز
~~الوكالة للحاضر والغائب، في جميع ما يجوز الوكالة فيه، فمن خصص ذلك، يحتاج
~~إلى دليل.
# وقال شيخنا في نهايته: ومن وكل غيره في أن يطلق عنه امرأته، وكان غائبا
~~جاز طلاق الوكيل، وإن كان شاهدا، لم يجز طلاق الوكيل (1).
# وهذا خبر واحد، أورده في نهايته إيرادا، لا اعتقادا، على ما كررنا القول
~~في ذلك، وهو من أضعف أخبار الآحاد رواية (2) جعفر بن سماعة وهو فطحي المذهب
~~(3) لم يورد شيخنا في الإستبصار (4) غيره، مخالفا لجميع الأخبار التي
~~أوردها في الكتاب المذكور، فإن جميع الأخبار مطلقة عامة، في جواز الوكالة
~~في الطلاق، متواترة بذلك، وأورد بعدها هذا الخبر الشاذ، ثم قال رحمه الله
~~متوسطا: فلا ينافي الأخبار الأولة، قال: لأن هذا الخبر محمول على أنه إذا
~~كان الرجل حاضرا في البلد، لم يصح توكيله في الطلاق، والأخبار الأولة،
~~نحملها على جواز ذلك، في حال الغيبة، قال رحمه الله: لئلا تتناقض الأخبار.
# قال محمد بن إدريس: الخبر الذي أورده عن ابن سماعة، عن جعفر بن
# PageV02P095
# سماعة، ليس فيه هذا التفصيل، وإنما هو مطلق، في أنه لا يجوز الوكالة في
~~الطلاق، وظاهره مخالف لإجماع المسلمين قاطبة، وما هذا حاله، لا يلتفت إليه،
~~ولا يعرج عليه.
# وقوله رحمه الله: لئلا تتناقض الأخبار، إنما يسوغ ذلك، إذا كانت الأخبار
~~متواترة متكافئة، فهي حينئذ أدلة، فيجوز ما ذكره لئلا تتناقض الأدلة، وهذا
~~الخبر الشاذ ليس هو مكافئا لما أورده من الأخبار المتواترة، فكيف يجوز ما
~~قاله رحمه الله، من الوساطة، مع إنا قد بينا، أن أخبار الآحاد، لا يلتفت
~~إليها، ولا يعرج عليها، لأنها لا توجب علما ولا عملا، وأصحابنا قديما
~~وحديثا لا يعملون بها، ويزرون ويعيبون أشد عيب على العاملين بها، من أهل
~~الخلاف.
# وأيضا فلا خلاف بيننا معشر الشيعة الإمامية، أن حال الشقاق، وبعث
~~الحكمين، إن الرجل إذا وكل الحكم الذي هو من أهله في الطلاق، وطلق، ms0566 مضى
~~طلاقه، وجاز، وإن كان الموكل حاضرا في البلد، بغير خلاف بين أصحابنا في
~~ذلك.
# وأيضا فشيخنا في مسائل خلافه (1) ومبسوطه (2) يذهب إلى أن الوكالة في
~~جميع الأشياء التي يجوز الوكالة فيها تصح للحاضر والغائب، ثم قال في مسائل
~~الخلاف: دليلنا أن الأخبار الواردة في جواز التوكيل، عامة في الحاضر
~~والغائب، فمن خصصها، فعليه الدلالة، وقال: وأيضا، فالأصل جواز ذلك، والمنع
~~يحتاج إلى دليل، هذا آخر كلامه رحمه الله.
# فقد أقر (3) أن الأخبار الواردة في جواز التوكيل، عامة في الحاضر
~~والغائب، ثم قال: فمن خصصها، فعليه الدلالة، وقال: وأيضا فالأصل جواز ذلك،
~~والمنع يحتاج إلى دليل، فما باله رحمه الله، يرجع عن الأدلة بغير أدلة،
~~وتخصيص العموم عند المحصلين لأصول الفقه، لا يكون إلا بأدلة قاطعة للأعذار،
~~إما من كتاب،
# PageV02P096
# أو سنة متواترة، أو أدلة العقول، أو إجماع، وهذا بحمد الله تعالى مفقود
~~هاهنا.
# والرجل إذا قبض صداق ابنته، وكانت صبية غير بالغ، في حجره، برئت ذمة
~~الزوج من المهر، على كل حال، لأنه القابض عنها، والوالي عليها، ولم تكن
~~للبنت مطالبته بالمهر بعد البلوغ، وإن كانت البنت بالغة، فإن كانت وكلته في
~~قبض صداقها، فقد برأ أيضا ذمة الزوج، وإن لم تكن وكلته على ذلك، لم تبرأ
~~ذمة الزوج، وكان لها مطالبته بالمهر، وللزوج الرجوع على الأب في مطالبته
~~بالمهر، فإن كان الأب قد مات، كان له الرجوع على الورثة، إن كان خلف في
~~أيديهم شيئا، ومطالبتهم بالمهر، كما كان له مطالبته في حال حياته، وهذا إذا
~~لم يصدقه الزوج على وكالته، فأما إن ادعى الأب الوكالة من البنت بقبض
~~المهر، وصدقه الزوج على ذلك، فليس للزوج الرجوع عليه، سواء كان حيا أو قد
~~مات.
# وقال شيخنا في مسائل خلافه: البكر البالغة الرشيدة، يجوز لأبيها أن يقبض
~~مهرها، بغير أمرها، ما لم تنهه عن ذلك (1).
# وهذا ليس بواضح، لأن الزوج لا تبرأ ذمته بتسليمه، ولا يجبر على ذلك، لأنه
~~يكون قد سلمه إلى غير من وكلته في القبض، ولا ms0567 إلى من ولته في قبض أموالها،
~~ولا له عليها ولاية في أموالها، بغير خلاف بين أصحابنا في ذلك.
# وإذا باع الوكيل على موكله، ماله الذي وكله في بيعه، أو الولي، مثل الأب
~~والجد والحكام، وأمينه، والوصي، ثم استحق المال على المشتري، فإن ضمان
~~العهدة والدرك، يجب على من بيع عليه ماله، فإن كان حيا كان في ذمته، وإن
~~كان ميتا كانت العهدة في تركته، ولا يلزم الوكيل والوصي والولي من ذلك،
~~قليل ولا كثير وجميع من يبيع مال الغير ستة أنفس، الأب، والجد، ووصيهما،
~~والحاكم، وأمينه، والوكيل، ولا يصح لأحد منهم، أن يبيع المال الذي في يده،
~~من نفسه، إلا
# PageV02P097
# لا ثنين فحسب، الأب، والجد، ولا يصح لغيرهما.
# ولا يسمع لدعوى في الوكالة، إلا أن يقيم بينة، شاهدين عدلين، على أنه
~~وكله فلان، ولا يقبل في ذلك شاهد ويمين، ولا شاهد وامرأتان، لأن الولايات
~~جميعا، لا تقبل فيها شهادة النساء، ولا شاهد ويمين.
# وإذا كان لرجل على غيره دين، فجاء آخر، فادعى أنه وكيله في المطالبة،
~~وأنكر ذلك الذي عليه الدين، فإن كان مع الوكيل بينة، أقامها، وحكم له بها،
~~وإن لم يكن معه بينة، وطالب من عليه الدين باليمين، لا يجب عليه، فإن ادعى
~~عليه علمه بذلك، لزمته اليمين، فإن نكل عنها، ردت على المدعي، فإذا حلف ثبت
~~وكالته، لأن عندنا اليمين مع النكول، بمنزلة البينة.
# وقال شيخنا في مسائل خلافه: فإن ادعى علمه بذلك، لم يلزمه أيضا اليمين
~~(1).
# وهذا قول الشافعي، اختاره شيخنا، وليس بواضح، لأنه مخالف لأصول مذهبنا.
# ثم قال رحمه الله في مسائل خلافه: إذا صدقه من عليه الدين في توكيله، لم
~~يجبر على التسليم إليه (2).
# وهو أيضا مقالة الشافعي، اختاره شيخنا رضي الله عنه، والذي يقتضيه
~~مذهبنا، خلاف ذلك، وهو أنه إذا صدقه من عليه الدين في دعواه الوكالة، يجبره
~~الحاكم على التسليم إليه، لأنه صار وكيلا عليه بتصديقه إياه، فيما عليه،
~~لأن إقرار العقلاء جائز على نفوسهم، فيما يوجب حكما في شريعة الإسلام، بغير ms0568
~~خلاف بيننا، إلا ما خرج بالدليل، من إقرار العبيد.
# وليس للوكيل أن يبيع مع إطلاق الوكالة في البيع، إلا بنقد البلد، وبثمن
~~المثل حالا، فإن خالف ذلك، كان البيع باطلا.
# ولا يصح إبراء الوكيل من دون الموكل من الثمن الذي على المشتري.
# PageV02P098
# وإذا اشترى الوكيل السلعة بثمن مثلها، فإن ملكها يقع للموكل، من غير أن
~~يدخل في ملك الوكيل، بدليل أنه لو وكله في شراء من ينعتق عليه، لم يعتق على
~~الوكيل، فلو كان الملك، قد انتقل إلى الوكيل، لوجب أن يعتق عليه، فلما
~~أجمعنا على أنه لا يعتق على الوكيل لو اشترى من ينعتق عليه. إذا اشتراه
~~لنفسه، دل على أنه لا ينتقل الملك إلى الوكيل.
# وإذا قال: إن جاء رأس الشهر، فقد وكلتك في الشئ الفلاني، فإن الوكالة لا
~~تنعقد، وإن ذلك لا يصح، فأما إن وكله في الحال، بأن يبيع الشئ إذا جاء رأس
~~الشهر جاز ذلك، وصح، لأن الوكالة صحت في الحال، وانعقدت، ثم أمره بتأخير
~~البيع، إلى رأس الشهر، والمسألة الأولة، ما انعقدت الوكالة في الحال، بل
~~يحتاج إذا جاء رأس الشهر إلى عقد الوكالة، فافترق الأمران. وإذا وكله في
~~السلم في الطعام، فأسلف في حنطة، جاز، وإن أسلف في شعير، لم يجز، لأن إطلاق
~~الطعام في العادة، يرجع إلى الحنطة، دون الشعير، والاعتبار في الوكالة
~~بالعادة.
# وقال شيخنا المفيد، في مقنعته، في مختصر كتاب ابتياع: وإن يوليه من شاء،
~~من جري، أو وكيل (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: الجري، بالجيم المفتوحة، والراء غير
~~المعجمة، المكسورة، والياء المشددة، هو الوكيل، وإنما اختلف اللفظ، وإن كان
~~المعنى واحدا، ويسمى الوكيل جريا، لأنه يجري مجرى موكله، يقال، جري بين
~~الجراية، والجراية، والجمع أجراء (2).
# باب اللقطة الضالة من البهايم ما يضيع، يقال ضال، ومن العبيد يقال آبق،
~~ومن الأحرار
# PageV02P099
# لقيط، ومنبوذ، وما يكون من غير الحيوان يقال لقطة، قال الخليل بن أحمد:
# اللقطة الرجل الذي يلتقط، يقال له لاقط، ولقطة، بتحريك القاف، فأما الشئ
~~الملتقط، يقال إنه ms0569 (1) لقطة بسكون القاف، وقال أبو عبيدة: وما عليه عامة
~~أهل العلم، أن اللقطة بتحريك القاف، هي الشئ الذي يلتقط.
# إذا ثبت هذا، فاللقطة لا تخلو إما أن تكون حيوانا، أو غير حيوان، فإن
~~كانت حيوانا، فلا يخلو إما أن يكون وجدها في البرية أو في العمران، فإن
~~وجدها في البرية والصحارى، فلا يخلو إما أن تكون حيوانا قويا ممتنعا من
~~صغار السباع، مثل الإبل، والبقر، والخيل، والبغال، فإنها تمتنع من صغار
~~السباع، مثل الثعلب، وابن آوى، والذئب، فإنه لا يقدر عليه، أو يكون مما
~~يمتنع بسرعة مشيه، مثل الظباء والغزلان، أو مما يمتنع بطيرانه، فيدفع
~~بالطيران عن نفسه، فما هذه صفته، فليس لأحد أن يأخذها، لنهيه عليه السلام
~~لما سئل عن ضالة الإبل، فقال: مالك ولها، وغضب حتى احمرت وجنتاه (2).
# فإن أخذها، لزمه الضمان، ويكون عليه مضمونا، لأنه أخذ مال الغير بغير حق.
# فإن سيبها بعد ذلك، لم يزل عنه الضمان، فإن ردها إلى صاحبها، زال عنه.
# الضمان، وبرئ.
# وإن سلمها إلى الإمام، فهل يسقط عنه الضمان أم لا؟ قيل: فيه قولان،
~~أحدهما يزول الضمان، وهو الأقوى (3)، والآخر لا يزول.
# فإذا ثبت أن للإمام أخذها، فإن كان له حمى يدع فيه لترعى حتى يجئ صاحبها.
# وليس للأقط العامي إمساكها، ولا له أن يفعل وإن يمسك، لأنه لا يقوم
~~بمصالح المسلمين، ولا يلي أمورهم، وليس كذلك الإمام، لأنه منصوب لذلك، هذا
~~إذا كان حيوانا ممتنعا من صغار السباع.
# PageV02P100
# فأما إذا كان غير ممتنع، مثل الشاة وغيرها من أولاد البقر، فله أن يأخذها
~~لقوله عليه السلام: خذها، فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب (1).
# فإن أخذها فهو بالخيار بين أن يأكلها، وتكون القيمة في ذمته، إذا جاء
~~صاحبها ردها عليه، وإن شاء أن ينفق عليها تطوعا، وإن شاء يرفع إلى الحاكم
~~ليأخذها الحاكم، يبيعها، ويعرف ثمنها.
# ومن أخذ لقطة، ثم ردها إلى موضعها، لم يزل ضمانه.
# واللقطة على ضربين، ضرب منه يجوز أخذه، ولا يكون على من أخذه ضمانه، ولا
~~تعريفه، بل ms0570 يجوز له التصرف فيه قبل التعريف، ومتى أقام صاحبه بينة وجب رده
~~عليه، لأنه ملك الغير، وإنما أباح الشارع التصرف فيه، قبل التعريف، كما
~~أباح الشارع التصرف بعد السنة، فيما يجب تعريفه من اللقط، وهو كلما كان دون
~~الدرهم، أو يكون ما يجده في موضع خرب قد باد أهله، واستنكر رسمه.
# والضرب الآخر، هو الذي لا ينبغي له أخذه، فإن أخذه لزمه حفظه وتعريفه،
~~فهو على ضربين، ضرب منه ما يجده في الحرم، والضرب الآخر ما يجده (2) في غير
~~الحرم، فما يجده في الحرم يلزمه تعريفه سنة، في المواقف والمواسم، وعلى
~~أبواب الجوامع، يوم الجمعات، وأيام الأعياد،، ومحافل الجماعات، فإن جاء
~~صاحبه، رد عليه، وإن لم يجئ صاحبه بعد السنة، تصدق به عنه، أو يحفظه عليه،
~~ويكون في يده أمانة، إلى أن يجئ صاحبه، وهذا الضرب لا يجوز تملكه، ولا يصير
~~بعد السنة كسبيل ماله، فإن تصدق به، ثم جاء صاحبه، ولم يرض بصدقته، كان
~~ضامنا له.
# وقال شيخنا في نهايته، في باب اللقطة: تصدق به عنه، وليس عليه شئ،
# PageV02P101
# فإن جاء صاحبه بعد ذلك، لم يلزمه شئ، فإن أراد أن يخيره بين أن يغرم له،
~~ويكون الأجر له، واختار ذلك صاحب المال، فعل، وليس ذلك واجبا عليه (1).
# إلا أن شيخنا يرجع عن هذا، ويقول بما اخترناه، في النهاية أيضا، في باب
~~آخر من فقه الحج، قال: ومن وجد شيئا في الحرم، فلا يجوز له أخذه، فإن أخذه
~~فليعرفه سنة، فإن جاء صاحبه، وإلا تصدق به عنه، وكان ضامنا إذا جاء صاحبه،
~~ولم يرض بفعله، وإذا وجد في غير الحرم، فليعرفه سنة، ثم هو كسبيل ماله،
~~يعمل به ما شاء، إلا أنه ضامن، إذا جاء صاحبه، هذا آخر كلام شيخنا في الباب
~~المشار إليه (2).
# وهو الحق اليقين، لأنه مال الغير، والرسول عليه السلام قال: لا يحل مال
~~امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه (3)، وهذا ما طابت نفسه بالصدقة عنه.
# وأما الذي يجده في غير الحرم، فيلزمه أيضا تعريفه سنة، ms0571 فإن جاء صاحبه، رد
~~عليه، وإن لم يجئ كان كسبيل ماله بعد السنة والتعريف فيها، فيجوز له التصرف
~~فيه بسائر أنواع التصرفات، إلا أنه يكون ضامنا له بقيمته بعد السنة، متى
~~جاء صاحبه، وجب عليه رده عليه، فإن تصدق به عنه، لزمه أيضا، أن يغرمه له،
~~متى جاء، إلا أن يشاء صاحبه أن يكون له الأجر، ويرضى بذلك، فيحتسب له بذلك
~~عند الله تعالى.
# وجميع النماء المنفصل والمتصل بعد الحول في هذا الضرب يكون لمن وجدها،
~~دون صاحبها، لأنه بعد الحول صارت كسبيل ماله، ولصاحبها قيمتها فحسب، فهو في
~~هذا الضرب بين خيرتين، بين أن يتصدق بها بعد السنة وتعريفها، ويكون ضامنا
~~لقيمتها بعد الحول، إذا جاء صاحبها ولم يرض بفعله، وبين أن يجعلها كسبيل
~~ماله، ويضمن قيمتها لصاحبها بعد السنة والتعريف.
# PageV02P102
# وإلى هذا يذهب شيخنا في نهايته (1) وهو مذهب أصحابنا أجمع، وبه تواترت
~~أخبارهم.
# وذهب شيخنا في مسائل خلافه، إلى أن لقطة غير الحرم، يعرفها سنة، ثم هو
~~مخير بعد السنة، بين ثلاثة أشياء، بين أن يحفظها على صاحبها، وبين أن يتصدق
~~بها عنه، ويكون ضامنا إن لم يرض صاحبها بذلك، وبين أن يتملكها ويتصرف فيها،
~~وعليه ضمانها إذا جاء صاحبها (2).
# فهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة، اختاره هاهنا، لأن بينهما خلافا في لقطة
~~الفقير والغني، والصحيح الحق اليقين، إجماع أصحابنا، على أنه بعد السنة
~~يكون كسبيل ماله، أو يتصدق بها بشرط الضمان، ولم يقولوا هو بالخيار بعد
~~السنة في حفظها على صاحبها.
# وشيخنا أبو جعفر في الجزء الأول من مسائل خلافه، ومبسوطه، قال:
# مسألة، إذا وجد نصابا من الأثمان، أو غيرها من المواشي، عرفها سنة، ثم هو
~~كسبيل ماله وملكه، فإذا حال بعد ذلك حول، وأحوال، لزمته زكاته، لأنه مالك،
~~وإن كان ضامنا له، وأما صاحبه فلا زكاة عليه، لأن مال الغائب الذي لا يتمكن
~~منه، لا زكاة فيه، وقال الشافعي: إذا كان بعد سنة، هل يدخل في ملكه بغير
~~اختياره؟ على قولين، أحدهما وهو المذهب، أنه لا يملكها ms0572 إلا باختياره،
~~والثاني يدخل بغير اختياره، فإذا قال لا يملكها إلا باختياره، فإذا ملكها،
~~فإن كان من الأثمان، يجب مثلها في ذمته، وإن كان ماشية وجب قيمتها في ذمته،
~~فأما الزكاة، فإذا حال الحول من حين التقط، فلا زكاة فيها، لأنه أمين، وأما
~~صاحب المال، فله مال لا يعلم موضعه على قولين، مثل الغصب، وأما الحول
~~الثاني، فإن لم يملكها، فهي أمانة أبدا في يده، ورب المال على قولين، مثل
~~الضالة، وإذا ملكها الملتقط، وحال الحول، فهو كرجل له ألف، وعليه ألف، فإن
~~قال: الدين يمنع، فهاهنا يمنع، وإن قال: الدين لا يمنع، فهاهنا لا يمنع،
~~إذا لم يكن له
# PageV02P103
# مال سواه، فبقدره، فإن كان له مال سواه لزمته زكاته، ورب المال على
~~قولين، كالضالة والمغصوب، قال: دليلنا ما روي عنهم عليهم السلام، أنهم
~~قالوا لقطة غير الحرم يعرفها سنة، ثم هي كسبيل ماله، وسبيل ماله أن يجب فيه
~~الزكاة قال:
# فبهذا الظاهر يجب فيه الزكاة، هذا آخر كلام شيخنا في مسائل الخلاف، في
~~الجزء الأول، في كتاب الزكاة (1).
# فلو كان بعد السنة لا يدخل في ملكه، وهو مخير بين ثلاث، خير على ما قاله
~~في الجزء الثاني في كتاب اللقطة في مسائل الخلاف، لما وجبت عليه الزكاة بعد
~~السنة والتعريف وحؤول الحول بعد ذلك، واستدلاله رحمه الله بأن قال: دليلنا
~~ما روي عنهم عليهم السلام، أنهم قالوا: لقطة غير الحرم يعرفها سنة، ثم هي
~~كسبيل ماله، وما قالوا: يكون مخيرا بعد السنة بين ثلاث خير على ما يذهب
~~الشافعي إليه في أحد قوليه، وأيضا من قال بهذا القول، لا يوجب التعريف،
~~وإنما يوجب التعريف حتى يتملكها، فأما إذا لم يرد أن يتملكها، فلا يجب عليه
~~التعريف، ولا خلاف بين أصحابنا في وجوب التعريف في مدة السنة، فدل هذا
~~أجمع، على أن الذي اختاره شيخنا في الجزء الثاني، مذهب الشافعي، وأن
~~مذهبنا، وقول أصحابنا ورواياتهم، بخلاف ذلك.
# ولا يجوز التصرف في اللقط قبل مضي السنة، فإن تصرف كان مأثوما ضامنا ms0573 إن
~~هلكت، بغير خلاف، في أي موضع التقطها، حرما كان أو غيره.
# ومتى هلكت اللقطة في يده في مدة (2) زمان التعريف، من غير تفريط، لم يكن
~~على من وجدها شئ، فإن هلكت بتفريط من قبله، أو يكون قد تصرف فيها، ضمنها،
~~ووجب عليه غرامتها، بقيمتها يوم هلكت، إن كانت تضمن بالقيمة، أو مثلها إن
~~كانت تضمن بالمثلية.
# PageV02P104
# ومتى اشترى بمال اللقطة جارية، ثم جاء صاحبها، فوجدها بنته، لم يلزمه
~~أخذها، وكان له أن يطالبه بالمال الذي اشترى به ابنته، لأنه ما وكله في
~~شرائها، فلا تحصل هذه البنت في ملكه، فتكون قد انعتقت عليه، بل هي حاصلة في
~~ملك الغير، وهو ضامن لما له الذي وجده، لأنه إن كان اشتراها بالمال قبل
~~السنة وتعريفه، فإن الشراء غير صحيح، لأنه بعين المال الذي لا يجوز له
~~التصرف فيه، فإن كان اشتراها في الذمة، ونقده، فالشراء صحيح، ويقع ملك
~~الجارية للمشتري، دون صاحب المال، فلا تنعتق على صاحب المال الذي هو أبوها،
~~لأنها ما دخلت في ملكه بحال، وإن كان اشتراها بعد السنة، وتعريف المال
~~بعينه، أو في الذمة، فالشراء صحيح، والملك يقع أيضا للمشتري، دون الأب الذي
~~هو صاحب المال، فعلى جميع الأحوال، ما دخلت في ملك الأب، حتى تنعتق عليه.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: فإن أجاز شراه (1)، انعتقت بعد ذلك، ولم
~~يجز له بيعها (2).
# وهذا غير واضح، ولا مستقيم، لأن البيع على الصحيح من المذهب لا يقف عندنا
~~على الإجازة، وهذا مذهب شيخنا في مسائل الخلاف (3)، وهو الحق اليقين، وإن
~~كان قد جوزه في نهايته، فقد رجع عنه في مسائل خلافه.
# فإن أراد الأب عتقها وملكها (4)، فيحتاج أن يشتريها منه بما له في ذمته،
~~فعند الشراء تنعتق على الأب بغير خلاف.
# ومن وجد كنزا في دار انتقلت إليه بميراث عن أهله، كان له ولشركائه في
~~الميراث، إن كان له شريك فيه، فإن كانت الدار قد انتقلت إليه بابتياع من
~~قوم، عرف البايع، فإن عرفه سلمه إليه، وإن لم ms0574 يعرفه أخرج خمسه إلى مستحقه،
~~إن
# PageV02P105
# كان بمقدار ما تحب فيه الزكاة، على ما شرحناه في كتاب الزكاة، وباب
~~الخمس، وكان له الباقي.
# وكذلك إن ابتاع بعيرا، أو بقرة، أو شاة، وذبح شيئا من ذلك، فوجد في جوفه
~~شيئا قل عن مقدار الدرهم، أو كثر، عرفه من ابتاع ذلك الحيوان منه، فإن
~~عرفه، أعطاه إياه، وإن لم يعرفه، أخرج منه الخمس، بعد مؤونته طول سنته،
~~لأنه من جملة الغنائم والفوائد، وكان له الباقي.
# وكذلك حكم من ابتاع سمكة، فوجد في جوفها درة، أو سبيكة، وما أشبه ذلك،
~~لأن البايع باع هذه الأشياء، ولم يبع ما وجده المشتري، فلذلك وجب عليه
~~تعريف البايع.
# وشيخنا أبو جعفر الطوسي (1)، لم يعرف البايع السمكة الدرة بل ملكها
~~المشتري، من دون تعريف البايع، ولم يرد بهذا خبر عن أصحابنا، ولا رواه عن
~~الأئمة أحد منهم.
# والفقيه سلار في رسالته (2) يذهب إلى ما اخترناه، وهو الذي يقتضيه أصول
~~مذهبنا.
# ومن وجد في داره شيئا، فإن كانت الدار يدخلها غيره، كان حكمه حكم اللقطة،
~~وإن لم يدخلها غيره، كان له.
# وإن وجد في صندوقه شيئا كان حكمه مثل ذلك.
# ومن وجد طعاما في مفازة، فليقومه على نفسه، ويأكله، فإذا جاء صاحبه، رد
~~عليه ثمنه.
# فإن وجد شاة في برية، فليأخذها، وهو ضامن لقيمتها، ولا يجب عليه الامتناع
~~من التصرف في الطعام والشاة، قبل التعريف سنة، بل ينتفع بذلك
# PageV02P106
# وقت وجوده، ويضمن المثلية في الطعام، والقيمة في الشاة، فإن اعوزت
~~المثلية، فالقيمة يوم الوجدان، أو يوم الإعواز؟ الصحيح أنها يوم الإعواز.
# ويترك البعير إذا وجده في المفازة، إلا أن يكون صاحبه قد خلاه من جهد في
~~غير كلاء ولا ماء، فليأخذه، فإنه بمنزلة الشئ المباح، وليس لصاحبه بعد ذلك
~~المطالبة به، فإن كان خلاه في كلاء وماء، فليس له أخذه، وكذلك الحكم في
~~الدابة ويكره أخذ ما له قيمة يسيرة، مثل العصا، والشظاظ، والوتد، والحبل،
~~والعقال، وأشباه ذلك، وليس هو بمحظور.
# ومن أودعه لص من اللصوص شيئا من ms0575 الغصوب، لم يجز له رده عليه، فإن رده
~~عليه مع قدرته على تركه، كان ضامنا له، فإن عرف صاحبه رده عليه، وإن لم
~~يعرف صاحبه تصدق به عنه بشرط الضمان.
# والشاة إذا وجدها في الأمصار، حبسها عنده ثلاثة أيام، يعرفها فيها، فإن
~~جاء صاحبها ردها عليه، وإلا تصدق بها بشرط الضمان، أو تصرف فيها، وكان
~~ضامنا لقيمتها.
# وإذا وجد المسلم لقيطا، فهو حر غير مملوك، وينبغي أن يرفع خبره إلى سلطان
~~الإسلام، ليطلق له النفقة عليه، من بيت مال المسلمين، فإن لم يوجد سلطان
~~ينفق عليه، استعان بالمسلمين في النفقة عليه، فإن لم يجد من يعينه على ذلك،
~~أنفق عليه بعد ما يشهد، أنه يرجع عليه، وكان له حينئذ الرجوع عليه بنفقته،
~~إذا بلغ، وأيسر، على ما روي في بعض الأخبار (1).
# والأقوى عندي أنه لا يرجع به عليه، لأنه لا دليل على ذلك، والأصل براءة
~~الذمة، وشغلها يحتاج إلى أدلة ظاهرة.
# وإذا تبرع بما أنفقه عليه، ولم يشهد بالرجوع، أو إذا أنفق عليه، وهو يجد
~~من يعينه
# PageV02P107
# بالنفقة عليه تبرعا، فلم يستعين به، فليس له رجوع عليه بشئ من النفقة.
# وإذا بلغ اللقيط، توالى من شاء من المسلمين، ولم يكن للذي أنفق عليه
~~والتقطه ولاؤه، إلا أن يتوالاه، فإن لم يتوال إلى أحد حتى مات، كان ولاؤه
~~لإمام المسلمين، لأنه داخل في ميراث من لا وارث له.
# وقال شيخنا في نهايته: كان ولاؤه للمسلمين (1).
# وهذا غير (2) مستقيم على إطلاقه.
# وقال أيضا: وإن ترك مالا ولم يترك ولدا، ولا قرابة له من المسلمين، كان
~~ما تركه لبيت المال (3).
# وهذا أيضا على إطلاقه غير واضح، وإنما مقصوده هاهنا لبيت مال الإمام، دون
~~بيت مال المسلمين، فإذا كان كذلك، فالمراد أيضا بقوله: كان ولاؤه للمسلمين،
~~أي لإمام المسلمين، لأنا بغير خلاف بيننا مجمعون على أن ميراث من لا وارث
~~له، لإمام المسلمين، وكذلك ولاؤه، فإذا ورد (4) لفظ في مثل ذلك، بأنه
~~للمسلمين، أو لبيت المال، فالمراد به، لبيت مال الإمام، وإنما أطلق القول ms0576
~~بذلك، لما فيه من التقية، لأن بعض المخالفين لا يوافق عليه، ويخالف. وهكذا
~~ذكره شيخنا أبو جعفر في آخر الجزء الأول من مبسوطه (5)، وهو الحق اليقين.
# ومن وجد شيئا من اللقط، والضوال، ثم ضاع من غير تفريط، أو أبق العبد،
~~(بفتح الباء، يأبق بكسر الباء، في المستقبل، إباقا بكسر أوله)، من غر تعد
~~منه عليه، لم يكن عليه شئ، فإن كان هلاك ما هلك بتفريط من جهته، كان ضامنا،
~~وإن كان أباق العبد بتعد منه عليه، كان مثل ذلك، وإن لم يعلم أنه كان لتعد
~~منه، أو لغيره، وجب عليه اليمين بالله، أنه ما تعدى فيه، وبرئت عهدته.
# PageV02P108
# ولا بأس للإنسان أن يأخذ الجعل على ما يجده من الآبق والضوال، واللقط،
~~إذا جعل ذلك صاحبه، وسماه وقدره، كان له ما قدره، وبذله، وجعله، دون ما
~~سواه، فإن جعل جعلا على رده، ولم يقدر الجعل بتقدير، وأطلق ذلك، عاد إطلاقه
~~إلى عرف الشرع، وتقييده يحمل عليه، فإن كان عبدا أو بعيرا في المصر، كان
~~جعله دينارا، يجعل صاحبه، وإطلاقه، وإن كان خارجا من المصر، فأربعة دنانير،
~~قيمتها أربعون درهما فضة، وفيما عدا العبد والبعير، ليس فيه شئ موظف، ولا
~~تقييد عرف الشرع يرجع في إطلاقه إليه، بل يرجع فيه إلى عرف العادة والزمان،
~~حسب ما جرت في أمثاله، فيعطي واجده إياه، فإن لم يجعل صاحبه جعلا لمن رده،
~~لا مطلقا ولا مقيدا فلا يستحق واجده على صاحبه شيئا، بحال من الأحوال ويجب
~~عليه رده على صاحبه، من غير استحقاق لشئ، لقوله عليه السلام: المسلم يرد
~~على المسلم (1)، ولقوله عليه السلام: لا يحل مال امرء مسلم إلا عن طيب نفس
~~منه (2).
# فلا يظن ظان، ويتوهم متوهم، أن من رد شيئا من الضوال والآبق واللقط،
~~يستحق على صاحبه جعلا من غير أن يجعله له، فإن ذلك خطأ فاحش، وقول فظيع،
~~لأنه لا دليل عليه من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع، فإنه كان يؤدي
~~إلى أن البعير يساوي مثلا دينارا، فرده وأخذه ms0577 (3) من خارج المصر، فإنه كان
~~يستحق على صاحبه أربعة دنانير، يأخذها منه بغير اختياره، وهذا أمر لا يقوله
~~محصل.
# وشيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله قال في مبسوطه، في الجزء الثالث، في
~~كتاب اللقطة، من جاء بضالة إنسان، أو بآبق، أو بلقطة، من غير جعل، ولم يشرط
~~فيه، فإنه لا يستحق شيئا، سواء كان ضالة،، أو آبقا، أو لقطة، قليلا كان
~~ثمنه، أو كثيرا، سواء كان معروفا برد الضوال، أو لم يكن، وسواء جاء به من
# PageV02P109
# طريق بعيدة، تقصر الصلاة إليه (1) أو جاء به من طريق دون ذلك، ثم ذكر بعد
~~هذا القول أقوال المخالفين، ثم قال: وأول الأقوال أصح، وأقرب إلى السداد،
~~ثم قال: وقد روى أصحابنا فيمن رد عبدا أربعين درهما قيمته أربعة دنانير،
~~ولم يفصلوا، ولم يذكروه في غيره شيئا، ثم قال رحمه الله: وهذا على جهة
~~الأفضل، لا الوجوب، هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر في مبسوطه (2) وهو الحق
~~اليقين.
# ولا تدخل الأمة في العبد، بل لو وجد إنسان أمة، لم يكن حكمها حكم العبد،
~~لأن القياس عندنا باطل، ولم ترد الأخبار إلا بالعبد، والأنثى يقال لها عبدة
~~وأمة، ولا تدخل الإناث في خطاب الذكران، إلا على سبيل التغليب، عند بعضهم،
~~وذلك مجاز، والكلام في الحقائق، وليس كذلك البعير، لأن البعير يدخل فيه
~~الذكر والأنثى، لأنه بمنزلة الإنسان من ابن آدم، فليلحظ ذلك ويتأمل.
# ومن وجد شيئا يحتاج إلى النفقة عليه، فسبيله أن يرفع خبره إلى السلطان،
~~لينفق عليه من بيت المال، فإن لم يجده، وأنفق عليه هو، وأشهد على ما قلناه،
~~كان له الرجوع على صاحبه بما أنفقه عليه، وإن كان ما أنفق عليه قد انتفع
~~بشئ من جهته، إما بخدمته، أو ركوبه أو لبنه، وكان ذلك بإزاء ما أنفق عليه،
~~لم يكن له الرجوع على صاحبه بشئ.
# والذي ينبغي تحصيله في ذلك، أنه إن كان انتفع بذلك قبل التعريف والحول،
~~فيجب عليه أجرة ذلك، وإن كان انتفع بلبن، فيجب عليه رد مثله، والذي أنفقه ms0578
~~عليه يذهب ضياعا، لأنه بغير إذن من صاحبه، والأصل براءة الذمة، وإن كان بعد
~~التعريف والحول، فإنه لا يجب عليه أجرة، ولا رد شئ من الألبان والأصواف،
~~لأنه ماله، بل هو ضامن للعين الموجودة فحسب.
# PageV02P110
# إذا وجد لقطة، وجاء رجل فوصفها، فإنه لا يخلو أن يكون معه (1) بينة، أو
~~لم يكن معه بينة، فإن وصفها، ومعه بينة، فإنه يعطيه (2)، فإن كان معه شاهد
~~واحد، حلف معه، وإن لم يكن معه بينة، فإنه لا يعطيه، فإن وصفها ولم يكن معه
~~بينة، ووصف عفاصها (بالعين غير المعجمة المكسورة، والفاء، والصاد غير
~~المعجمة، وهي الجلدة التي فوق صمام القارورة، ووكاها، وهو شدادها) وذكر
~~وزنها، وعددها، وحليتها (3)، ووقع في قلبه، وغلب على ظنه أنه صادق، يجوز أن
~~يعطيه، فأما اللزوم، فلا يلزمه الدفع إليه.
# وقال قوم شذاذ من غير أصحابنا: يلزمه أن يعطيه، إذا وصفها، والأول أصح،
~~لأنه لا دلالة على وجوب تسليمها إليه.
# فإذا ثبت ذلك، ووصفها إنسان، وقلنا يجوز أن يسلمها إليه، فأعطاه، ثم جاء
~~آخر، وأقام بينة بأنها له، انتزعت من الذي تسلمها، وأعطيت الذي أقام
~~البينة، لأنه أقام بينة، وليس عليه أكثر من إقامتها، فإن أقام آخر بينة
~~بأنها له، فالذي يقتضيه مذهبنا، أنه يستعمل القرعة.
# والأقوى عندي أنه إذا لم يقم البينة، لا يعطيه إياها، سواء غلب في ظنه
~~صدقه، أو لم يغلب، لأنه لا دليل عليه، والذمة اشتغلت بحفاظها وتعريفها، وإن
~~لا يسلمها إلا إلى صاحبها، وهذا الواصف ليس بصاحبها، على ظاهر الشرع
~~والأدلة.
# إذا قال: من جاء بعبدي الآبق فله دينار، فجاء به واحد، استحق الدينار،
~~وكذلك إن جاء به اثنان، أو ثلاثة، وما زاد على ذلك، ولو قال: من دخل داري
~~فله دينار، فدخلها اثنان فصاعدا، استحق كل واحد دينارا، والفرق بينهما أن
~~من قال: من دخل داري فله كذا، علق الاستحقاق بالدخول، وقد وجد من كل واحد
~~منهم ذلك، فاستحقه، وليس كذلك الرد، لأنه علق الاستحقاق برده، ولم
# PageV02P111
# يرده كل واحد منهم بانفراده، وإنما جاء ms0579 به جميعهم، فبجميعهم حصل المقصود،
~~فلهم كلهم الأجرة، لأن السبب وجد من جميعهم، ولم يوجد من كل واحد على
~~الانفراد.
# الذمي إذا وجد لقطة في بلاد الإسلام، كان حكمه فيها حكم المسلمين سواء.
# ومن وجد لقطة، فإذا عرفها سنة، فقد أتى بما عليه، وإن عرف ستة أشهر، ثم
~~ترك التعريف، فهل يستأنف، أو يبني؟ قيل: فيه وجهان، أحدهما يستأنف، والآخر
~~يبني عليها، وهو الأقوى، لأنه ليس في الخبر (1)، أكثر من أن يعرف سنة، ولم
~~يقل متوالية ولا متواترة.
# فإذا ثبت ذلك، فالكلام في ثلاثة أشياء، أحدها وقت التعريف، والثاني كيفية
~~التعريف، والثالث زمان (2) التعريف.
# فأما وقت التعريف، فإنه يعرف بالغداة، والعشي، وقت بروز الناس، ولا يعرف
~~بالليل، ولا عند الظهيرة، والهاجرة التي يقيل فيها الناس.
# فأما كيفية التعريف، فإنه يقول من ضاع له لقطة، أو يقول: من ضاع له
~~دينار، أو درهم، أو يقول مبهما، ولا يفسره وهو الأحوط، لأنه ربما طرح عليه
~~إنسان علامة.
# فأما الزمان (3)، فإنه يعرف في الجماعات والجمعات، ويقف على أبواب
~~الجوامع، ولا يعرفها داخلها، فإنه منهي عنه.
# وأقل ما يعرف في الأسبوع، دفعة واحدة، ولا يجب عليه التعريف كل يوم، ولا
~~كل ساعة، فإن كان ممن يعرف بنفسه، فعل، وإلا استعان بغيره، أو يستأجر من
~~يعرف من ماله، ولا يرجع على صاحبها به، لأن التعريف واجب عليه.
# وأخذ اللقطة عند أصحابنا على الجملة مكروه، لأنه قد روي في الأخبار أنه
~~لا يأخذ الضالة إلا الضالون (4).
# PageV02P112
# كتاب الشهادات PageV02P113
# كتاب الشهادات قال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين
~~إلى أجل مسمى فاكتبوه " (1) الآية.
# ومعناه إذا تبايعتم بدين، لأن المداينة لا يكون إلى أجل، إلا في البيع،
~~وقوله فاكتبوه، أي اشهدوا، ثم ذكر الشهادة في ثلاثة مواضع، فقال: "
~~واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان " (2) ثم أمر
~~بالإشهاد على التبايع، فقال: " وأشهدوا إذا تبايعتم " (3) ثم توعد على
~~كتمانها، فقال:
# " ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه أثم قلبه " (4).
# وفي هذا المعنى، ما روي ms0580 عنه عليه السلام أنه قال: من سئل، عن علم، فكتمه،
~~ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار (5).
# وقال: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء " (6) إلى قوله: " وأشهدوا ذوي
~~عدل منكم " (7).
# ومعنى قوله: " فإذا بلغن أجلهن " يعني قار بن البلوغ، لأنه لا رجعة بعد
~~بلوغ الأجل.
# وروي عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وآله سئل عن الشهادة، فقال:
~~ترى الشمس، على مثلها فاشهد، أو دع (8).
# فإذا ثبت ذلك، وتقرر، فالكلام في ذكر أقسام الحقوق منها، وجملته أن
# PageV02P114
# الحقوق ضربان، حق لله، وحق الآدمي، فأما حق الآدمي، فإنه ينقسم في باب
~~الشهادة ثلاثة أقسام، أحدها لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين، وهو ما لم يكن مالا
~~ولا المقصود منه المال، وتطلع عليه الرجال، كالنكاح، والخلع، والطلاق
~~والرجعة، والتوكيل له، والوصية إليه، والجناية الموجبة للقود، والعتق،
~~والنسب.
# والثاني ما يثبت بشاهدين، وشاهد وامرأتين، وشاهد ويمين، وهو كل ما كان
~~مالا، أو المقصود منه المال، فالمال: القرض، والغصب، والمقصود منه المال:
# عقود المعاوضات، البيع، والصرف، والسلم، والصلح، والإجارات، والمساقات،
~~والضمانات، والحوالات، والقراض، والرهن، والوقف، والوصية له لا إليه،
~~والجناية التي توجب المال، غمدا كانت أو خطأ كالحائفة والمأمومة، وقتل الحر
~~عبدا عمدا، ونحو ذلك.
# والثالث ما يثبت بشاهدين، وشاهد وامرأتين، وأربع نسوة، وهو الولادة،
~~والرضاع عند بعض أصحابنا، وإن كان الأكثر منهم لا يقبل في الرضاع شهادة
~~النساء والاستهلال، والعيوب تحت الثياب.
# فأما حقوق الله تعالى فجميعها لا مدخل لشهادة النساء، ولا للشاهد مع
~~اليمين فيها، وهي على ثلاثة أضرب، ما لا يثبت إلا بأربعة، وهو الزنا،
~~واللواط، والسحق، وقد روى أصحابنا، أن الزنا يثبت بثلاثة رجال وامرأتين،
~~وبرجلين وأربع نسوة (1)، ونشرح ذلك عند المصير إليه إن شاء الله.
# والثاني ما لا يثبت إلا بشاهدين، وهو الردة، والسرقة، وحد الحر في شرب
~~المسكر، وكذا العبد فيه سواء عندنا.
# والثالث ما اختلف فيه وهو الإقرار بالزنا، فإنه قال قوم: لا يثبت إلا
~~بأربعة، كالزنا، وقال آخرون: يثبت بشاهدين، كسائر الإقرارات، وهو الأليق
# PageV02P115
# بمذهبنا، والأصح ms0581 من القولين.
# وليس عندنا عقد من العقود، من شرطه الشهادة، وعند مخالفينا كذلك إلا
~~النكاح وحده عندهم، وعندنا ليس من شرطه الشهادة.
# يحكم بالشاهد واليمين في الأموال عندنا، سواء كان المال دينا أو عينا،
~~وكذلك يحكم بشهادة امرأتين، مع يمين المدعي، في ذلك، عند بعض أصحابنا.
# والذي تقتضيه الأدلة ويحكم بصحته النظر الصحيح، أنه لا يقبل شهادة
~~امرأتين مع يمين المدعي، وجعلهما بمنزلة الرجل في هذا الموضع، يحتاج إلى
~~دليل شرعي، والأصل أن لا شرع، وحملها على الرجال قياس، وهو عندنا باطل،
~~والإجماع فغير منعقد، والأخبار غير متواترة، فإن وجدت فهي نوادر شواذ،
~~والأصل براءة الذمم، فمن أثبت بشهادتهما حكما شرعيا، فإنه يحتاج إلى أدلة
~~قاهرة، إما إجماع، أو تواتر أخبار، أو قرآن وجميع ذلك خال منه، فبقي دليل
~~العقل، وهو ما اخترناه وحققناه.
# تقبل عندنا شهادة القاذف، إذا تاب وأصلح، وكيفية توبته من القذف، هو أن
~~يقول: القذف باطل حرام، ولا أعود إلى ما قلت.
# وقال بعضهم: التوبة، إكذابه نفسه، وحقيقة ذلك، أن يقول: كذبت فيما قلت،
~~روي ذلك في بعض أخبارنا (1).
# والذي قدمناه هو الصحيح، لأنه إذا قال: كذبت فيما قلت، ربما كان كاذبا في
~~هذا، لجواز أن يكون صادقا في الباطن، وقد تعذر عليه تحقيقه، فإذا قال:
# القذف باطل حرام، فقد أكذب نفسه، وقوله، لا أعود إلى ما قلت، فهو ضد ما
~~كان منه (2)، ويفتقر إلى صلاح العمل بعد ذلك، وهو أن يعمل طاعة، هذا الكلام
~~في قذف السب.
# وأما قذف الشهادة، فهو أن يشهد بالزنا، دون الأربعة، فإنهم فسقة، فالتوبة
~~هاهنا، أن يقول: قد ندمت على ما كان مني، ولا أعود إلى ما أتهم فيه، فإذا
~~قال
# PageV02P116
# هذا زال فسقه، وثبتت عدالته، وقبلت شهادته، ولا يراعى صلاح العمل.
# ويجوز للحاكم عندنا أن يقول لإنسان: تب أقبل شهادتك، وأنما قلنا ذلك، لأن
~~النبي صلى الله عليه وآله أمر بالتوبة، وكذلك الله تعالى. هكذا ذكره شيخنا
~~أبو جعفر الطوسي في مبسوطه (1) ولا أرى بذلك بأسا.
# ولا يجوز للشاهد، ms0582 أن يشهد، حتى يكون عالما بما يشهد به، حين التحمل، وحين
~~الأداء، لقوله تعالى: " ولا تقف ما ليس لك به علم " (2) وقال تعالى: " إلا
~~من شهد بالحق وهم يعلمون " (3) ولما قدمناه من رواية ابن عباس، عن الرسول
~~عليه السلام قال: سئل عن الشهادة، فقال للسائل: هل ترى الشمس؟ قال:
# نعم، قال: على مثلها فاشهد، أو دع.
# ولا يجوز للحاكم أن يقبل إلا شهادة العدل، فأما من ليس بعدل فلا يقبل
~~شهادته، لقوله تعالى: " وأشهدوا ذوي عدل منكم " (4) والعدالة في اللغة أن
~~يكون الإنسان متعادل الأحوال، متساويا. وأما في الشريعة، فهو كل من كان
~~عدلا في دينه، عدلا في مروته، عدلا في أحكامه، فالعدل في الدين، أن لا يخل
~~بواجب، ولا يرتكب قبيحا، وقيل لا يعرف بشئ من أسباب الفسق، وهذا قريب أيضا،
~~وفي المروة أن يكون مجتنبا للأمور التي تسقط المروة، مثل الأكل في الطرقات،
~~ولبس ثياب المصبغات للنساء، وما أشبه ذلك. والعدل في الأحكام أن يكون بالغا
~~عاقلا.
# وقال شيخنا في مبسوطه: فأما إن كان مجتنبا للكبائر، مواقعا للصغائر، فإنه
~~يعتبر الأغلب من حاله، فإن كان الأغلب من حاله مجانبة المعاصي، وكان يواقع
~~ذلك نادرا، قبلت شهادته، وإن كان الأغلب مواقعته للمعاصي، واجتنابه لذلك
~~نادرا، لم تقبل شهادته، وقال رحمه الله: وإنما اعتبرنا الأغلب في الصغائر،
~~لأنا لو قلنا أنه لا تقبل شهادة من واقع اليسير من الصغائر أدى ذلك إلى أن
~~لا تقبل
# PageV02P117
# شهادة أحد، لأنه لا أحد ينفك من مواقعة بعض المعاصي (1).
# قال محمد بن إدريس، رحمه الله: وهذا القول لم يذهب إليه رحمه الله، إلا
~~في هذا الكتاب، أعني المبسوط، ولا ذهب إليه أحد من أصحابنا، لأنه لا صغائر
~~عندنا في المعاصي، إلا بالإضافة إلى غيرها، وما خرجه واستدل به، من أنه
~~يؤدي ذلك إلى أن لا تقبل شهادة أحد، لأنه لا أحد ينفك من مواقعة بعض
~~المعاصي، فغير واضح، لأنه قادر على التوبة من ذلك الصغير فإذا تاب قبلت
~~شهادته.
# وليست التوبة مما يتعذر على ms0583 إنسان، ولا شك أن هذا القول تخريج لبعض
~~المخالفين، فاختاره شيخنا هاهنا، ونصره، وأورده على جهته، ولم يقل عليه
~~شيئا، لأن هذا عادته في كثير مما يورده في هذا الكتاب.
# فأما شهادة أهل الصنايع الدنية، كالحارس، والحجام، والحايك، والزبال، وما
~~أشبه ذلك، فعندنا أن شهادتهم مقبولة، إذا كانوا عدولا في أديانهم، لقوله
~~تعالى: " إن أكرمكم عند الله أتقيكم " (2).
# كل من يجر بشهادته نفعا إلى نفسه، أو يدفع ضررا عنها، فإن شهادته لا
~~تقبل، فالجار إلى نفسه هو أن يشهد الغرماء للمفلس المحجور عليه، أو يشهد
~~السيد لعبده المأذون له في التجارة، والوصي بمال الموصي، الذي له فيه تصرف،
~~والوكيل بمال الموكل، كذلك والشريك لشريكه، بحق هو شركة بينهما.
# والدافع عن نفسه، هو أن تقوم البينة على رجل بقتل الخطأ، فشهد اثنان من
~~عاقلة الجاني بجرح الشهود، أو قامت البينة بمال على الموكل، وعلى الموصي،
~~فشهد الوكيل والوصي بجرح الشهود، فلا تقبل الشهادة في هذه المواضع، وما
~~شاكلها، لقوله عليه السلام: لا يجوز شهادة خصم، ولا ظنين (3)، وهو المتهم،
# PageV02P118
# وهؤلاء متهمون.
# لا تقبل شهادة عدو على عدوه، والعداوة ضربان، دينية ودنياوية، فالدينية
~~لا ترد بها الشهادة، مثل عداوة المسلم للمشركين، لا ترد بها شهادتهم، لأنها
~~عداوة في الدين، وهي طاعة وقربة، فهي واجبة، وهكذا عداوة الكفار للمسلمين،
~~لا ترد شهادتهم بها، لو كانت وحدها، وإنما ترد لفسقهم وكفرهم، لا للعداوة،
~~ألا ترى إنا نرد شهادتهم بعضهم على بعض ولبعض، وإن لم يكن هناك عداوة،
~~وهكذا شهادة أهل الحق لأهل الأهواء الباطلة، تقبل، لأنهم يعادونهم في
~~الدين، فأما العداوة الدنياوية، فإنه ترد بها الشهادة، مثل أن يقذف رجل
~~رجلا، ثم يشهد المقذوف على القاذف، ويدعي أن فلانا قطع عليه وعلى رفيقه
~~الطريق، ثم يشهد عليه، فإن شهادته لا تقبل، وهكذا إذا شهد الزوج على زوجته،
~~بعد قذفها بالزنا، فإن شهادته لا تقبل، وما أشبه ذلك، من المواضع التي يعلم
~~بحكم العادة، أنه يحصل فيها تهمة الشاهد، فأما شهادة العدو لعدوه، فإنها
~~تقبل، ms0584 لأن التهمة معدومة.
# من كان الغالب من حاله السلامة، والغلط منه نادر، قبلت شهادته، وإن كان
~~الغالب الغلط والغفلة، والسلامة نادرة، لم تقبل، لأنا لو قلنا (1) ذلك، أدى
~~إلى قبول شهادة المغفلين، ولو لم تقبل إلا ممن لا يغلط، أدى إلى أن لا تقبل
~~شهادة أحد، لأن أحدا لا يخلو من ذلك، فاعتبرنا الأغلب.
# كل من خالف الحق لا تقبل شهادته على ما بيناه، فأما من يختلف من أصحابنا
~~المعتقدين للحق، في شئ من الفروع التي لا دليل عليها موجبا للعلم، فإنا لا
~~نرد شهادتهم، بل نقبلها، إلا أن يكون على ذلك دليل ظاهر قاطع، من كتاب أو
~~سنة متواترة، أو إجماع، ويخالف فيه، ويعاند، ويكابر، فإنه ترد شهادته، هكذا
~~ذكره شيخنا أبو جعفر في مبسوطه (2) وهو الحق والصواب، لأنه فسق ظاهر،
# PageV02P119
# وخلاف الأدلة.
# الغناء من الصوت ممدود، ومن المال مقصور، فإذا ثبت هذا، فالغناء عندنا
~~محرم، يفسق فاعله، وترد شهادته، فأما ثمن المغنيات، فليس بحرام إجماعا،
~~لأنها تصلح لغير الغناء.
# إذا سمع الشاهد رجلا يقر بدين، فيقول: لفلان علي ألف درهم، صار السامع به
~~شاهدا بالدين، قال المقر اشهدوا علي بذلك أو لم يقل، وكذلك إذا شاهد رجلين
~~تعاقدا عقدا، كالبيع، والصلح، والإجارة، والنكاح، وغير ذلك، وسمع كلام
~~العقد، صار شاهدا بذلك، وكذلك الأفعال، كالغصب، والقتل، والإتلاف، يصير به
~~شاهدا، وكذلك إذا كان بين رجلين خلف في حساب، فحضرا بين يدي شاهدين، وقالا
~~لهما قد حضرنا لنتصادق، فلا تحفظا علينا ما يقر به كل واحد منا لصاحبه، ثم
~~حصل من كل واحد منهما إقرار لصاحبه بالدين، صارا شاهدين، ولا يلتفت إلى تلك
~~المواعدة، لأن الشاهد بالحق، من علم به، فمتى علم به، صار شاهدا.
# فأما شهادة المختبي فمقبولة عندنا، وهو إذا كان على رجل دين، يعترف به
~~سرا ويحجده جهرا، فاحتال صاحب الدين، فخبأ له شاهدين، يسمعانه، ولا يراهما،
~~ثم جاراه، فاعترف به، وسمعاه، وشهدا به، صحت الشهادة عندنا، وخالف في ذلك
~~شريح فقط.
# ويعتبر في شهادة النساء الإيمان، ms0585 والستر، والعفاف، وطاعة الأزواج فيما
~~أوجب الله تعالى عليهن طاعتهم، وترك البذاء بالذال المعجمة، وهو قول الفحش،
~~والتبرج إلى أندية الرجال، إلا لحاجة ضرورية.
# ولا يجوز قبول شهادة الظنين، والمتهم، وقد قلنا أن الظنين هو المتهم، وإن
~~كان اللفظ مختلفا، فالمعنى واحد، وهذا في كلام العرب والقرآن كثير، والظنين
~~هو المتهم بالزور والخيانة. PageV02P120
# ولا شهادة الخصم والخائن، وقال شيخنا في نهايته: والأجير (1)، وهذا خبر
~~واحد، لا يلتفت إليه، ولا يعرج عليه، بل شهادة الأجير مقبولة، سواء كانت
~~على من استأجره، أو له، وسواء فارقه، أو لم يفارقه، لأن أصول المذهب تقتضي
~~قبول هذه الشهادة، وهو قوله تعالى: " واستشهدوا شهيدين من رجالكم " (2)
~~وقوله:
# " واشهدوا ذوي عدل منكم " (3) ولا مانع يمنع من قبول شهادته، وهذا عدل،
~~فينبغي أن تقبل شهادته، فلأنه لا يجر بشهادته إليه نفعا، ولا يدفع عنه
~~ضررا، ولا يعرف بشئ من أسباب الفسق، ولا دليل على رد شهادته من كتاب، ولا
~~سنة مقطوع بها، ولا إجماع.
# ولا تقبل شهادة الفساق، إلا على أنفسهم، وهذا إقرار لا شهادة، وإنما
~~أوردته على ما وجدته في مصنفات أصحابنا.
# ولا تقبل شهادة ماجن، المجون أن لا يبالي الإنسان بما صنع، وقد مجن
~~بالفتح يمجن مجونا، ومجانة، فهو ماجن، هكذا ذكره الجوهري في كتاب الصحاح
~~(4).
# ولا تقبل شهادة فحاش، وترد شهادة اللاعب بالنرد والشطرنج، وغيرهما من
~~أنواع القمار، والأربعة عشر، والشاهين، بفتح الهاء، لأن ذلك تثنية شاه،
~~لأنه كذاب بقوله شاهك مات، يعني به أحد أقطاع الشطرنج، ولغته بالفارسية
~~الملك.
# ولا بأس بشهادة أرباب الصنايع، أي صنعة كانت، إذا جمعوا الشرائط المقدم
~~ذكرها، وكانت حلالا.
# ولا يجوز شهادة من يبتغي على الأذان الأجر، فأما أخذ الرزق عليه دون
~~الإجارة فجائز، ويكون ذلك من بيت المال، وكذلك على القضاء. ولا يحل لأحد
~~الأجرة عليهما بحال، فأما الجهاد فيجوز عندنا أخذ الأجرة عليه، لما رواه
~~أصحابنا (5) فأما الصلوات فلا يجوز أخذ الأجرة، ولا الرزق عليها بحال،
~~وكذلك الصيام.
# PageV02P121
# ولا يجوز شهادة من يرتشي في الأحكام.
# وقد ms0586 روي (1) أنه لا يجوز شهادة السائلين على أبواب الدور، وفي الأسواق،
~~وإن كانت شرائط العدالة فيهم حاصلة، إلا أن ذلك يختص بمن يكون ذلك عادته
~~وصناعته، ويتخذ ذلك حرفة، وصناعة، وبضاعة، فأما من أحوجته ضرورة مجحفة في
~~بعض الأحوال، فلا ترد شهادته بحال، لأنه لا دليل على ذلك، وقد أعطينا
~~الرواية الواردة بذلك حقها.
# ويجوز شهادة ذوي الفقر والمسكنة، المتجملين (2)، الساترين لأحوالهم، إذا
~~حصل فيهم شرائط العدالة.
# ولا يجوز شهادة ولد الزنا، لأنه عند أصحابنا كافر، بإجماعهم عليه، قال
~~شيخنا أبو جعفر في نهايته: فإن عرفت منه عدالة، قبلت شهادته في الشئ الدون
~~(3).
# وهذا غير مستقيم، لأنه إن كان عدلا، فتقبل شهادته في الدون وغير الدون،
~~وإن كان عنده كافرا، فلا تقبل شهادته، لا في الدون ولا غير الدون، وإنما
~~هذا خبر واحد، أورده إيرادا، لا اعتقادا.
# ولا يجوز شهادة الشريك لشريكه، فيما هو شريك فيه، ولا بأس بشهادته له
~~فيما ليس بشريك له فيه.
# ومن قطع به الطريق، فأخذ المأخوذون اللصوص، فشهد بعض المأخوذين لبعض على
~~اللصوص، لم يقبل شهادتهم، لأنهم خصوم، وكذلك إن شهد بعض اللصوص على بعض،
~~لأنهم فسقة إلا أن يشهد غيرهم عليهم، أو يقر اللصوص، فيحكم بالإقرار على من
~~أقر.
# ولا بأس بشهادة الوصي على من هو وصي له، إلا أنه يحلف الخصم، إذا كان مع
~~الوصي غيره من أهل الشهادة، أو لم يكن معه سواه، لأنها شهادة على
# PageV02P122
# ميت، وهو لا يعبر عن نفسه، ولما رواه أصحابنا (1).
# ولا بأس بشهادته فيما لا يكون له فيه (2) ولاية ولا تصرف، على ما قدمنا
~~القول فيه.
# وقال شيخنا في نهايته: ولا بأس بشهادة الوصي على من هو وصي له (3).
# غير أن ما يشهد به عليه، يحتاج أن يكون معه غيره، من أهل العدالة، ثم
~~يحلف الخصم على ما يدعيه به، وما يشهد للورثة مع غيره من أهل العدالة، لم
~~يجب مع ذلك يمين، وأطلق ذلك إطلاقا، وتحريره ما ذكرناه.
# ولا بأس بشهادة ذوي الآفات والعاهات، في الخلق، ms0587 بكسر الخاء وفتح اللام،
~~لأن ذلك جمع خلقه، إذا كانوا من أهل العدالة.
# ولا بأس بشهادة الأعمى، إذا حقق، ولم تكن شهادته فيما يعتبر الرؤية فيه،
~~إلا أن يكون قد شهد عليه في حال الصحة، ثم عمي بعد ذلك، فيجوز شهادته بذلك
~~بعد العمي.
# ولا بأس بشهادة الأصم، وقد روي أنه يؤخذ بأول قوله، ولا يؤخذ بثانيه (4).
# ولا بأس بشهادة الضيف، إذا كان من أهلها.
# وإقرار العقلاء جائز على نفوسهم، فيما يوجب حكما في شريعة الإسلام، سواء
~~كان مليا أو كافرا، أو مطيعا كان أو عاصيا، وعلى كل حال إلا أن يكون عبدا،
~~فإنه لا يقبل إقراره على نفسه، لا في مال، ولا على بدن، لأن إقراره على
~~نفسه إقرار على الغير، لأنه لا يملك من نفسه شيئا، ولا يقبل إقرار الغير
~~على الغير، فإن لحقه العتاق بعد الإقرار، ألزم بما أقر، لأن في الأول منع،
~~لأنه إقرار على سيده، والآن لا مانع منه، لأن حق سيده قد زال عنه.
# والفاسق إذا شهد على غيره في أمر من الأمور، ما خلا الطلاق، ثم أقام
~~الشهادة، وهو عدل، قبلت شهادته، وكذلك الكافر، واستثنينا الطلاق، لأن
# PageV02P123
# جميع ما يشهد به الشاهد المراعى في العدالة، والقبول للشهادة، وقت
~~الأداء، دون وقت التحمل، إلا الطلاق فإنه يحتاج إلى العدالة وقت التحمل،
~~ووقت الأداء.
# ويقبل شهادة المتخذ للحمام، غير اللاعب بها، والمسابق، والمراهن عليها،
~~إذا لم يعرف منه فسق.
# وقول شيخنا في نهايته: وتقبل شهادة من يلعب بالحمام (1) غير وضح، لأنه
~~سماه لاعبا، واللعب بجميع الأشياء قبيح، فقد صار فاسقا بلعبه، فكيف تقبل
~~شهادته؟ وإنما أورد لفظ الحديث إيرادا، لا اعتقادا، وإن كان المقصود باللعب
~~ما ذكرناه، وهو اتخاذها للأنس، وحمل الكتب، دون اللعب.
# ولا بأس بشهادة المراهن في الخف، لأن المسابقة عليه جائزة، ويدخل في الخف
~~الفيل أيضا.
# ولا بأس بشهادة المراهن في الحافر، لأنه مأمور بذلك، ومحلل، ويدخل فيه
~~الفرس والبغل والحمار، وكذلك المراهن في الريش، يعني النشاب، لأنه من
~~النصال، وكذلك النصل. ms0588
# وقد يتوهم بعض من لا بصيرة له بهذا الشأن، أن المراد بذلك الطيور، في
~~قوله: " المراهن في الريش لا بأس بقبول شهادته "، وهذا خطأ فاحش، لأن الرمي
~~والمسابقة لم ترد، إلا في الحافر، والخف، والنصل، فالنصل يدخل فيه النشابة،
~~التي هي للعجم، والسهم الذي هو للعرب، والحراب، والمزاريق، وما عدا ذلك،
~~فهو قمار يفسق فاعله به.
# فأما إنشاد الشعر فهو مباح، لا ترد شهادة فاعله، ما لم يكن فيه هجر، ولا
~~فحش، ولا تشبيب بامرأة، ولا هجاء من لا يستحق الهجاء.
# روى جابر بن سمرة قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله أكثر من
~~مائة مرة، فكان أصحابه ينشدون الأشعار ويذكرون أخبار الجاهلية قديما (2).
# PageV02P124
# وروى عمرو بن الشريد، عن أبيه، قال: أردفني رسول الله صلى الله عليه
~~وآله، فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شئ؟ قلت: نعم، قال:
# هيه، فأنشدته بيتا، فقال: هيه، فأنشدته، حتى بلغت مائة بيت (1).
# هيه، معناه الحث والاستزادة، وأصله أيه وإذا زجرت، قلت أيها، وإذا أغريت
~~(2) قلت ويها، وإذا تعجبت قلت واها.
# وروي أنه عليه السلام كان في وليمة، فسمع عجوزا تنشد:
# أهدى لها (3) أكبشا تبجبج في المربد * زوجك ذا في الندى يعلم ما في غد
~~قال محمد بن إدريس رحمه الله: أورد هذا جميعه شيخنا في مبسوطه (4)، وتبجبج،
~~بالباء المنقطة، من تحتها نقطة واحدة، بالجيمين، وبالباء بين الجيمين،
~~ومعناه تتفتق بالسمن، يقال بجها الكلاء، إذا فتقها بالسمن، فأوسع خواصرها،
~~هكذا ذكره الجوهري في كتاب الصحاح (5) فضبطت ذلك لئلا يجرى فيه تصحيف، وقال
~~صاحب كتاب البارع: تبحبح بحائين غير معجمتين، أي تتسع من السمن.
# باب كيفية الشهادة وكيفية إقامتها وما في ذلك من الأحكام لا يجوز أن
~~يمتنع الإنسان من الشهادة، إذا دعي إليها ليشهد، إذا كان من أهلها، إلا أن
~~يكون حضوره مضرا بشئ من أمر الدين، أو بأحد من المسلمين.
# وأما الأداء فإنه في الجملة أيضا من الفرائض، لقوله تعالى: " ولا تكتموا
~~الشهادة ومن يكتمها فإنه أثم قلبه " (6) وقال: ms0589 " ولا يأب الشهداء إذا ما
~~دعوا " (7).
# وقد يستشهد بعض أصحابنا بهذه الآية الأخيرة على وجوب التحمل، وعلى
# PageV02P125
# وجوب الأداء، والذي يقوى في نفسي، أنه لا يجب التحمل، وللإنسان أن يمتنع
~~من الشهادة إذا دعي إليها ليتحملها، إذا لا دليل على وجوب ذلك عليه، وما
~~ورد في ذلك (1) فهو أخبار آحاد، فأما الاستشهاد بالآية، والاستدلال بها على
~~وجوب التحمل، فهو ضعيف جدا، لأنه تعالى سماهم شهداء، ونهاهم عن الإباء إذا
~~دعوا إليها، وإنما يسمى شاهدا بعد تحملها، فالآية بالأداء أشبه.
# وإلى هذا القول يذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي في مبسوطه (2).
# فإن قيل: سماهم شهداء لما يؤولون إليه من الشهادة، كما يقولون لمن يريد
~~الحج: حاجي، وإن لم يحج، وكما قال تعالى: " إنك ميت " (3) أي إنك ستموت.
# قلنا: هذا مجاز، والكلام في الحقيقة غير الكلام في المجاز، فلا يجوز
~~العدول عن الحقيقة إلى المجاز، من غير ضرورة، ولا دليل، والكلمة إذا كانت
~~مشتقة من الفعل، فلا تسمى به إلا بعد حصول ذلك الفعل، لأن الضارب والقاتل،
~~لا يسميان بذلك، إلا بعد حصول الحديث المخصوص منهما.
# إذا كان هناك خلق قد تحملوا الشهادة، فالأداء واجب عليهم. فكل من دعي
~~منهم لإقامتها، وجب عليه ذلك لقوله تعالى: " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا "
~~(4) فإذا حضر الشاهد، فلا يجوز له أن يشهد إلا على من يعرفه، فإن أراد أن
~~يشهد على من لا يعرفه، فليشهد بتعريف من يثق إلى ديانته، من رجلين عدلين
~~عند أصحابنا، فأما الواحد والنساء، فلا يشهد بتعريفه، ولا تعريفهن، لأنه لا
~~دليل على ذلك، فإذا أقام الشهادة، أقامها كذلك، وإذا أشهد على امرأة، وكان
~~يعرفها بعينها، جاز له أن يشهد عليها، وإن لم ير وجهها، فإن شك في حالها،
~~لم يجز له أن يشهد عليها إلا بعد أن تسفر عن وجهها، ويثبتها معرفة، فإن
~~عرفها من يثق
# PageV02P126
# بديانته من العدلين، جاز له الشهادة عليها، وإن لم تسفر عن وجهها.
# ويجوز أن يشهد الإنسان على الأخرس، إذا كانت له كناية معقولة، وإشارة ms0590
~~مفهومة، فعرف من إشارته الإقرار، ويقيم شهادته كذلك، ولا يقيمها بمجرد
~~الإقرار بالكلام، لأن ذلك كذب.
# ويجوز أن يشهد على شهادة رجل آخر، غير أنه ينبغي أن يشهد رجلان عدلان،
~~على شهادة رجل واحد، ليقوما مقامه، فأما واحد، فلا يقوم مقام واحد، وذلك لا
~~يكون أيضا إلا في حقوق الآدميين، من الديون، والأملاك، والعقود، فأما
~~الحدود، فلا يجوز أن تقبل فيها شهادة على شهادة.
# ولا يجوز شهادة على شهادة على شهادة، في شئ من الأشياء.
# ومن شهد على شهادة آخر، وأنكر الشهادة الشاهد الأول الأصلي، روي أنه تقبل
~~شهادة أعدلهما (1)، أورد ذلك شيخنا في نهايته (2) فإن كانت عدالتهما سواء،
~~طرحت شهادة الشاهد الثاني.
# وقال ابن بابويه من أصحابنا، في رسالته: تقبل في هذه الحال شهادة الثاني،
~~وتطرح شهادة الأول.
# وهذا غير مستقيم ولا واضح، بل الخلاف والنظر في أنه تقبل شهادة أعدلهما،
~~فكيف تقبل في الثاني، وهو فرع الأول الأصلي، فإذا رجع عن شهادته، فالأولى
~~أن تبطل شهادة الفرع، ولأن الفرع يشهد على شئ لا يحققه، أعني نفس الحق
~~المشهود به، فكيف ينتزع الحاكم المال بهذه الشهادة، وهو ما شهد عنده على
~~نفس الحق من علمه، ولا قطع عليه يقينا، أعني الشاهد الذي هو الفرع، ولا
~~خلاف أن الفرع يثبت بشهادة الأصل بلا شبهة، وهكذا إذا فسق الأصل، بطلت
~~شهادة الفرع.
# PageV02P127
# وذكر شيخنا في مبسوطه، قال: فإن سمع الحاكم من الفرع، في الموضع الذي
~~يسوغ له أن يسمع ويحكم بشهادته، ثم تغيرت حال الأصل، كان الحكم فيه كما لو
~~سمع من الأصل نفسه، تغيرت حاله، فإن عمي الأصل، أو خرس، حكم بشهادة الفرع،
~~لأن الأصل لو شهد، ثم عمي، أو خرس، حكم بشهادته، وإن فسق الأصل، لم يحكم
~~بشهادة الفرع، لأنه لو سمع من الأصل، ثم فسق، لم يحكم بشهادته، لأن الفرع
~~يثبت بشهادة الأصل، فإذا فسق الأصل، لم يبق هناك ما يثبته، هذا آخر كلام
~~شيخنا في مبسوطه (1).
# وأيضا فإذا رجع الأصل، وأنكر، صار فاسقا، كذابا، عند الفرع، فكيف ms0591 يشهد
~~على شهادة فاسق، وكيف له، أن يصدقه، ويشهد على شهادته، وهو لا يأمن أن يكون
~~في الأول كاذبا، كما كان عند إنكاره لشهادة الفرع كاذبا.
# وأيضا الحاكم إذا رجع الشاهد، قبل الحكم بشهادته، لم يحكم بها بغير خلاف.
# وأيضا الأصل أن لا حكم ولا شهادة، وبقاء الأموال على أربابها، وهذا حكم
~~شرعي، فمن ادعى إثباته، يحتاج إلى دليل شرعي ولا دليل على ذلك من كتاب الله
~~تعالى، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع، والأصل معنا، وهو نفي الأحكام الغير
~~المعلومة بأدلة العقول، إلى أن يقوم دليل سمعي على إثباتها.
# وأيضا قوله: " ولا تقف ما ليس لك به علم " (2) يشيد ذلك، ويعضده.
# وأيضا فالصحيح من أقوال أصحابنا المحصلين، أن شهادة الفرع ما يجوز، إلا
~~بعد تعذر حضور شاهد الأصل، وفي هذه المواضع شاهد الأصل حاضر، فلا يجوز قبول
~~شهادة الفرع، فليلحظ ذلك.
# لا مدخل للنساء في الشهادة على الشهادة، سواء كان الحق مما يشهد فيه
# PageV02P128
# النساء، أو لا يشهدن فيه.
# إذا شهد شاهد الفرع على شهادة الأصل، لم يخل من ثلاثة أحوال، إما أن
~~يسميا الأصل ويعدلاه، أو يعدلاه ولا يسمياه، أو يسمياه ولا يعدلاه.
# فإن سمياه وعدلاه، ثبتت عدالته وشهادته، لأنهما عدلان.
# وإن عدلاه ولم يسمياه، لم يحكم بقولهما.
# وإن سمياه ولم يعدلاه، سمع الحاكم هذه الشهادة، وبحث عن عدالة الأصل، فإن
~~ثبتت عدالته، حكم وإلا وقف.
# ويصير شاهد الفرع متحملا لشهادة شاهد الأصل بأحد أسباب ثلاثة:
# أحدها: الاسترعاء، وهو أن يقول شاهد الأصل لشاهد الفرع: أشهد أن لفلان بن
~~فلان، على فلان بن فلان درهما، فأشهد على شهادتي، فهذا هو الاسترعاء.
# الثاني: أن يسمع شاهد الفرع شاهد الأصل، يشهد بالحق عند الحاكم، فإذا
~~سمعه يشهد به عند الحاكم، صار متحملا لشهادته.
# الثالث: أن يشهد الأصل بالحق ويعزيه (1) إلى سبب وجوبه، فيقول: أشهد أن
~~لفلان بن فلان، على فلان بن فلان، ألف درهم، من ثمن ثوب، أو عبد، أو دار،
~~أو ضمان، ونحو هذا، فإذا عزاه إلى سبب وجوبه، ms0592 صار متحملا للشهادة.
# فأما إن لم يكن هناك استرعاء، ولا سمعه يشهد عند حاكم (2)، ولا عزاه إلى
~~سبب وجوبه، مثل أن سمعه يقول: أشهد أن لفلان بن فلان، على فلان بن فلان،
~~درهما، فإنه لا يصير بهذا متحملا للشهادة على شهادة، لأن قوله: أشهد بذلك،
~~ينقسم إلى الشهادة بالحق، ويحتمل العلم به على وجه لا يشهد به، وهو أن يسمع
~~الناس، يقولون لفلان على فلان كذا وكذا، وقف التحمل لهذا
# PageV02P129
# الاحتمال، فإذا حقق ما قلنا زال الإشكال.
# وهذا جميعه أورده شيخنا أبو جعفر في مبسوطه (1) فأوردناه على ما أورده،
~~ولم بأخبارنا من هذا شئ.
# ولا بأس بالشهادة على الشهادة، وإن كان الشاهد الأول حاضرا غير غائب، إذا
~~منعه من إقامة الشهادة مانع، من مرض، وغيره.
# ومن رأى في يد غيره شيئا ورآه يتصرف فيه تصرف الملاك، جاز له أن يشهد
~~بأنه ملكه، كما أنه يجوز له أن يشتريه على أنه ملكه، وفقه ذلك، أنه كما
~~يجوز أن يشتريه، ثم يدعيه بعد الشراء ملكا له، فلو لا أنه كان يجوز له أن
~~يشهد له بالملك المطلق، لما جاز له أن يدعيه ملكا له، بعد شرائه منه.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه: فأما الشهادة باليد فلا شبهة في جوازها،
~~وقال بعضهم: يشهد له بالملك، وقال: لأنه لما صح أن يشهد على بيعه ما في
~~يديه، صح أن يشهد له بالملك، قال رحمه الله: وروى أصحابنا أنه يجوز له أن
~~يشهد بالملك، كما يجوز أن يشتريه ثم يدعيه ملكا له، هذا آخر كلامه رحمه
~~الله (2).
# ولا بأس أن يشهد الإنسان على مبيع، وإن لم يعرفه ولا عرف حدوده ولا
~~موضعه، إذا عرف البائع والمشتري ذلك، ويكون شاهدا على إقرارهما بوصف
~~المبيع.
# وقد روي أنه يكره للمؤمن أن يشهد لمخالف له في الاعتقاد، لئلا تلزمه
~~إقامتها، فربما ردت شهادته، فيكون قد أذل نفسه (3) وفقه هذا الرواية، أنه
~~إنما يكره له أن يتحمل له شهادة ابتداءا، فأما إن تحملها، فالواجب عليه
~~أداؤها وإقامتها، إذا ms0593 دعي إلى ذلك، عند من دعي إلى إقامتها عنده، سواء ردها
~~أو لم يردها، قبلها أو لم يقبلها، بغير خلاف، لقوله تعالى: " ومن يكتمها
~~فإنه آثم قلبه " (4).
# PageV02P130
# ومتى دعي الإنسان لإقامة شهادة، لم يجز له الامتناع منها على حال، إلا أن
~~يعلم أنه إن أقامها أضر ذلك بمؤمن ضررا غير مستحق بأن يكون عليه دين، وهو
~~معسر، ويعلم (1) إن شهد عليه حبسه الحاكم، فاستضر به هو وعياله، لم يجز له
~~إقامتها.
# وإذا أراد إقامة شهادة، لم يجز له أن يقيم (2) إلا على ما يعلمه ويتيقنه،
~~ويقطع عليه، ولا يعول على ما يجد خطه به مكتوبا، أو خاتمه مختوما، لما
~~قدمناه من قوله تعالى: " ولا تقف ما ليس لك به علم " (3) وقول الرسول عليه
~~السلام، لما سئل عن الشهادة، فقال للسائل: فهل ترى الشمس، على مثلها فاشهد
~~أو دع (4)، وما روي عن الأئمة الأطهار، في مثل هذا المعنى أكثر من أن تحصى،
~~قد أورد بعضه شيخنا أبو جعفر في استبصاره (5).
# وقال شيخنا في نهايته: وإذا أراد إقامة الشهادة، لم يجز له أن يقيم إلا
~~على ما يعلم، ولا يعول على ما يجد خطه به مكتوبا، فإن وجد خطه مكتوبا، ولم
~~يذكر الشهادة، لم يجزله إقامتها، فإن لم يذكر، وشهد معه آخر ثقة، جاز له
~~حينئذ إقامة الشهادة (6).
# وهذا غير صحيح ولا مستقيم، لما قدمناه من القرآن والأخبار والإجماع، ولا
~~يلتفت إلى خبر ضعيف قد أورده إيرادا لا اعتقادا، فإنه رحمه الله رجع عن
~~قوله في نهايته في استبصاره (7)، وأورد الأخبار المتواترة، في أن الإنسان
~~لا يجوز له أن يقيم، إلا بعد الذكر للشهادة، ولا يجوز له أن يعول على خطه
~~وخاتمه، ثم أورد بعد ذلك في آخر الباب خبرا خبيئا، ضعيفا شاذا مخالفا لأصول
~~مذهب أهل البيت عليهم السلام، موافقا لمذاهب أهل الغلو والإلحاد، وهو عن
~~عمر بن يزيد، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يشهدني على
~~الشهادة (8)، فأعرف
# PageV02P131
# خطي وخاتمي، ولا أذكر من الباقي قليلا ولا كثيرا، قال: ms0594 فقال لي إذا كان
~~صاحبك ثقة، ومعه رجل ثقة، فأشهد له، قال شيخنا أبو جعفر في استبصاره:
# فهذا الخبر ضعيف مخالف للأصول كلها، قال: لأنا قد بينا أن الشهادة لا
~~يجوز إقامتها، إلا مع العلم، ثم قال: وقد قدمنا أيضا الأخبار التي تقدمت،
~~من أنه لا يجوز إقامة الشهادة مع وجود الخط والختم، إذا لم يذكرها ثم تأوله
~~تأويلا نربأ به (1) عن مثله، ثم قال بعد تأويله واعتذاره الذي يحتاج إلى
~~اعتذار، وإن كان الأحوط ما تضمنه الأخبار الأولة.
# قال محمد بن إدريس: ثم هذا يؤدي إلى أن يشهد الإنسان، لأخيه الثقة بقوله،
~~فيكون مصيرا إلى مذهب ابن أبي العزاقر الغالي، الذي أودعه كتابة كتاب
~~التكليف، وهو معروف، وقد ذكره شيخنا أبو جعفر في فهرست المصنفين (2)، وقال:
~~أروي الكتاب، وذكر من رواه عنه، واستثنى هذا الحديث، فإنه قال: أرويه إلا
~~حديثا واحدا، وهو أنه يجوز أن يشهد الإنسان لأخيه بقوله، نعوذ بالله من سوء
~~التوفيق ومن هذا القول، ثم وأي علم يحصل له إذا شهد معه آخر ثقة، ولم يذكر
~~هو الشهادة، فهذا يكون شاهدا على شهادته، وهو حاضر ولا يجوز الشهادة على
~~الشهادة، إلا إذا تعذر على شاهد الأصل الحضور، وهاهنا شاهد الأصل حاضر،
~~وأيضا فلا بد من أن يكونا اثنين، حتى يقوما مقامه، وهاهنا شاهد الفرع واحد،
~~فهذا القول فاسد، بحمد الله تعالى من كل الأحوال، وعلى سائر الأقوال.
# ومن علم شيئا من الأشياء، ولم يكن قد أشهد عليه، ثم دعي إلى أن يشهد،
~~فالواجب عليه الأداء، لقوله تعالى: " ومن يكتمها فإنه آثم قلبه " (3) ولا
~~يكون بالخيار في إقامتها.
# PageV02P132
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ومن علم شيئا من الأشياء، ولم يكن قد
~~أشهد عليه، ثم دعي إلى أن يشهد، كان بالخيار في إقامتها، وفي الامتناع
~~منها، اللهم إلا أن يعلم أنه إن لم يقمها بطل حق مؤمن، فحينئذ يجب عليه
~~إقامة الشهادة (1)، ولا يجوز للشاهد، أن يشهد قبل أن يسأل عن الشهادة، كما
~~لا يجوز له كتمانها، ms0595 وقد دعي إلى إقامتها، إلا أن يكون إقامتها تؤدي إلى
~~ضرر على المشهود عليه لا يستحقه، على ما قدمناه، فإنه لا يجوز له حينئذ
~~إقامة الشهادة، وإن دعي إليها، أو يكون فيما قلنا أنه لا يجوز للشاهد أن
~~يشهد قبل أن يسأل عن الشهادة، ترك شهادته يبطل حقا قد علمه فيما بينه وبين
~~الله تعالى، فيجوز له، بل يجب عليه أن يشهد به، قبل أن يسأل عن الشهادة.
# وشيخنا في النهاية قد أورد المسألتين، واستثنى استثناءين عقيبهما، فيهما
~~التباس وإيهام، لأن استثناء المسألة الأولة عقيب المسألة الثانية، واستثناء
~~المسألة الثانية عقيب (2) المسألة الأولة، فلا يفهم بأول خاطر، بل يحتاج
~~إلى تأمل، ورد الاستثناء الأول إلى المسألة الأولة، ورد الاستثناء الأخير
~~إلى المسألة الثانية، وقد زال الالتباس والإبهام، فكم من معنى ضاع، لقصور
~~العبارة، ولسوء الإشارة، فإني شاهدت جماعة من أصحابنا يلتبس هذا عليهم
~~كثيرا، وهذا سهل على المتأمل المحصل لمعاني الخطاب، وكلام العرب فإنهم
~~يلقون الجملتين المختلفتين، ثم يرمون بتفسيرهما جملة، ثقة بأن يرد السامع
~~إلى كل جملة خبرها، كقوله تعالى: " ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار
~~لتسكنوا فيه و لتبتغوا من فضله " (3) والسكون بالليل، وهو عقيب النهار.
# PageV02P133
# باب شهادة الولد لوالده وعليه والوالد لولده وعليه والمرأة لزوجها وعليه،
~~والزوج لزوجته وعليها بأس بشهادة الوالد لولده وعليه، مع غيره من أهل
~~الشهادة، ولا بأس بشهادة الولد لوالده، ولا يجوز شهادته عليه.
# وقال السيد المرتضى في انتصاره يجوز أيضا شهادته عليه (1)، والأول هو
~~المذهب، وعليه العمل، والإجماع منعقد عليه، ولا اعتبار بخلاف من يعرف باسمه
~~ونسبه.
# ولا بأس بشهادة الأخ لأخيه وعليه، إذا كان معه غيره من أهل الشهادات.
# ولا بأس بشهادة الرجل لامرأته وعليها، إذا كان معه غيره من أهل العدالة.
# ولا بأس بشهادتها له وعليه، فيما يجوز قبول شهادة النساء فيه، إذا كان
~~معها غيرها من أهل العدالة. وقولنا في جميع ذلك إذا كان معه غيره من أهل
~~العدالة، على ما أورده بعض أصحابنا، وإلا إذا لم يكن معه ms0596 غيره، يجوز أيضا
~~شهادته له، مع يمين المدعي فيما يجوز قبول شهادة الشاهد الواحد مع اليمين.
# ويجوز شهادات ذوي الأرحام و القرابات، بعضهم لبعض، إذا كانوا عدولا إلا
~~ما استثنيناه، والسيد المرتضى رحمه الله قال من غير استثناء لأحد، على ما
~~حكيناه عنه قبل هذا.
# فإن قيل: وما بالكم استثنيتم.
# قلنا: قد دللنا على أن الإجماع منعقد على ذلك.
# فإن قيل: فأين أنتم من قوله تعالى " ولو على أنفسكم أو الوالدين " (2).
# PageV02P134
# قلنا: قد يخص العموم بالأدلة، وإجماعنا من أعظم الأدلة، وأقواها، ويمكن
~~أن يعطى الظاهر حقه، ونقول يجب على الولد أن يقيم الشهادة على والده، ولا
~~يجوز للحاكم أن يعمل بها، كما أن الفاسق إذا دعي لإقامة شهادة يشهد بها،
~~فإنه يجب عليه أن يقيمها، ويجب على الحاكم أن لا يعمل بها.
# باب شهادة العبيد والإماء والمكاتبين والصبيان وأحكامهم لا بأس بشهادة
~~العبيد إذا كانوا عدولا، لساداتهم، ولغير ساداتهم، وعلى غير ساداتهم، ولا
~~يجوز شهادتهم على ساداتهم.
# وذهب أبو علي بن الجنيد من أصحابنا إلى المنع من شهادة العبيد على كل
~~حال.
# وذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في استبصاره إلى أن العبد لا تقبل
~~شهادته لسيده ولا عليه (1)، وإن كان قائلا بما اخترناه في نهايته (2)، وهو
~~الصحيح، والإجماع منعقد من أصحابنا على ما قلناه أو لا، ولا اعتبار بخلاف
~~ابن الجنيد لما قدمناه.
# وإذا شهد العبد على سيده بعد أن يعتق، قبلت شهادته عليه.
# وإذا أشهد رجل عبدين له على نفسه بالإقرار بوارث، فردت شهادتهما، وحاز
~~الميراث غير المقر له، فأعتقهما، أو لحقهما العتاق بعد ذلك، ثم شهدا للمقر
~~له، قبلت شهادتهما له، ورجع بالميراث على من كان أخذه وحازه، ورجعا عبدين
~~لمن شهدا له.
# فإن قيل: أنتم قلتم لا يقبل شهادة العبيد على ساداتهم، وهاهنا قد قبلتم
~~شهادتهم على سيدهم.
# قلنا: معاذ الله إنما شهدا في حال الحرية، دون العبودية، فوقت شهادتهما،
~~لم
# PageV02P135
# يكن لهما سيد يشهدان عليه، وإنما تجدد الرق بعد شهادتهما، بل إن قيل شهدا ms0597
~~لسيدهما الحقيقي، كان صحيحا.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: فإن ذكرا أن مولاهما كان أعتقهما في حال
~~ما أشهدهما، لم يجز للمقر له أن يردهما في الرق، ويقبل شهادتهما في ذلك،
~~لأنهما أحييا حقه (1).
# وهذا غير واضح ولا مستقيم، لأن هذه الشهادة الأخيرة تكون شهادة (2) على
~~سيدهما، وقد بينا أنه لا يجوز شهادة العبيد على ساداتهم، بغير خلاف بين
~~أصحابنا، وإن كان قد ذهب شيخنا أبو جعفر في استبصاره متأولا للأخبار، إلى
~~أن شهادة العبيد لا تقبل لساداتهم، وهذا أيضا غير مستقيم ولا واضح، بل
~~الإجماع منعقد على جواز شهاداتهم لساداتهم، وهو موافق لهذا القول في
~~نهايته، فلا يلتفت إلى قوله الذي يخالف فيه الإجماع.
# ولا بأس بشهادة المكاتبين والمدبرين، وتقبل شهادة المكاتبين المطلقين،
~~بمقدار ما عتقوا، بفتح العين، يقال عتق العبد في نفسه، وأعتقه غيره على
~~ساداتهم، ولي فيه نظر.
# فأما شهادة المدبرين، فحكمهم حكم العبيد في الشهادات، حرفا فحرفا.
# وكل من ذكرنا من العبيد والمكاتبين والمدبرين، تقبل شهاداتهم على أهل
~~الإسلام، إلا من استثنيناهم من ساداتهم، ولأهل الإسلام، ولمن خالف الإسلام،
~~من الأحرار والعبيد، في سائر الحقوق، والحدود، وغير ذلك مما تراعى فيه
~~الشهادة.
# وتجوز شهادة الصبيان دون الصبايا، إذا بلغوا عشر سنين فصاعدا، إلى أن
~~يبلغوا في شيئين فحسب، الشجاج والقصاص، ويؤخذ بأول كلامهم، ولا يؤخذ بآخره،
~~ولا تقبل شهادتهم فيما عدا ذلك من جميع الأحكام.
# PageV02P136
# وإذا أشهد الصبي على حق ثم بلغ وعدل، وذكر ذلك، جاز له أن يشهد بذلك،
~~وقبلت شهادته، إذا كان من أهلها، على ما قدمناه.
# باب شهادة النساء شهادة النساء على ثلاثة أضرب: ضرب لا يجوز قبولها على
~~وجه، وضرب يجوز قبولها إذا انضم شهادة الرجال إليهن وضرب يجوز قبولها، وإن
~~لم ينضم شهادة الرجال إليهن.
# فالأول رؤية الأهلة، والطلاق، والرضاع، على ما قدمناه أولا، وذكرناه،
~~فإنه لا يجوز قبول شهادة النساء في ذلك، وإن كثرن.
# والثاني فكالرجم، فإنه إذا شهد ثلاثة رجال وامرأتان، على رجل بالزنا،
~~قبلت شهادتهم، ووجب على ms0598 المشهود عليه الرجم، إن كان محصنا.
# وإن شهد رجلان وأربع نسوة بذلك، قبلت أيضا، إلا أنه لا يرجم المشهود
~~عليه، إن كان محصنا بل يحد حد الزاني غير المحصن.
# فإن شهد رجل وست نساء أو أكثر منهن، لم يجز قبول شهادتهم، وجلدوا كلهم حد
~~الفرية.
# وإذا شهد أربعة رجال على امرأة بالزنا، وإن الفعل كان في قبلها، فادعت
~~إنها بكر، أمر النساء بأن ينظرن إليها، فإن كانت كما قالت، درئ عنها الحد،
~~وجلد الأربعة حد الفرية، وإن لم يكن كذلك، رجمت، أوحدت على ما يوجبه حالها،
~~فأما أن يشهد الأربعة رجال، بأن الفعل كان في دبرها، فدعواها غير نافعة
~~لها، وإن شهد لها بما ادعت.
# وشيخنا أطلق ذلك في نهايته إطلاقا (1) والأولى تقييده على ما حررناه.
# ويجوز شهادتهن منضمات إلى الرجال، في القتل، والقصاص، إذا كان
# PageV02P137
# معهن رجال، فأما إن كان رجل واحد معهن، بأن يشهد رجل وامرأتان، على رجل
~~بالقتل، أو الجراح، فقد ذهب شيخنا أبو جعفر في نهايته إلى قبولها (1).
# والذي يقوى في نفسي خلاف ذلك، وإنها غير مقبولة، لأنه لا دليل عليه من
~~إجماع، ولا كتاب، ولا سنة مقطوع بها.
# فأما شهادتهن على ذلك على الانفراد، فإنها لا تقبل على حال.
# فأما قول شيخنا في نهايته، على ما أوردناه عنه إذا كان معهن رجال، فلا
~~وجه لانضمامهن إليهم في ذلك، لأن الرجال يكفون، ولا حاجة في تصحيح الشهادة
~~وإتمامها بهن.
# وتقبل شهادتهن في الديون مع الرجال، بغير خلاف، على ما نطق به القرآن
~~(2)، وعلى الانفراد عند بعض أصحابنا، فإن شهد رجل وامرأتان بدين، قبلت
~~شهادتهم، فإن شهد امرأتان، قبلت شهادتهما، ووجب على الذي يشهد أن له اليمين
~~كما تجب اليمين، إذا شهد له رجل واحد، عند بعض أصحابنا على ما قدمناه.
# فأما ما يقبل فيه شهادة النساء على الانفراد، فكل ما لا تستطيع الرجال
~~النظر إليه، مثل العذرة والأمور الباطنة بالنساء.
# وتقبل شهادة القابلة وحدها، إذا كانت بشرائط العدالة، في استهلال الصبي،
~~في ربع ميراثه بغير يمين. ms0599
# وتقبل شهادة امرأة واحدة في ربع الوصية، وشهادة امرأتين، في نصف ميراث
~~المستهل، ونصف الوصية، ثم على هذا الحساب، وذلك لا يجوز إلا عند عدم
~~الرجال، وعلى المسألتين إجماع أصحابنا، فلأجله قلنا بذلك.
# ولا يجوز شهادة النساء في شئ من الحدود، إلا ما قلناه، من حد الزنا،
~~والدم خاصة، لئلا يبطل دم امرء مسلم، غير أنه لا يثبت بشهادتهن القود،
# PageV02P138
# ويجب بها الدية على الكمال، عند من ذهب إليه على ما حكيناه.
# ولا تقبل شهادة النساء في عقد النكاح، وإليه ذهب شيخنا المفيد في مقنعته
~~(1).
# وذهب شيخنا أبو جعفر في الإستبصار إلى قبول شهادتهن في عقود النكاح (2)،
~~والذي قلناه، واخترناه، هو الذي تقضيه أصول مذهبنا، لأنه أمر شرعي يحتاج
~~إلى أدلة شرعية على ثبوته.
# باب شهادة من خالف الإسلام لا يجوز قبول شهادة من خالف الإسلام، على
~~المسلمين، لا في حال الاختيار، ولا حال الاضطرار، إلا في الوصية بالمال، في
~~حال الاضطرار خاصة، دون سائر الأحكام، لقوله تعالى: " أو آخران من غيركم "
~~(3).
# ويجوز شهادة المسلمين عليهم ولهم، وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ويجوز
~~شهادة بعضهم على بعض، ولهم، وكل ملة على أهل ملته خاصة، ولهم، ولا يقبل
~~شهادة أهل ملة منهم لغيرهم، ولا عليهم، إلا المسلمين خاصة حسب ما قدمناه،
~~فإنه يقبل شهادتهم لهم وعلى غيرهم، من أصناف الكفار، وتقبل لهم إذا كانوا
~~أهل كتاب، في أحكام المسلمين في الوصية بالمال خاصة، حسب ما قدمناه (4)
~~وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه خلاف ما ذهب إليه في نهايته، وهو أن قال: لا
~~خلاف أن شهادة أهل الذمة لا تقبل على المسلمين، إلا ما ينفرد به أصحابنا في
~~الوصية خاصة، في حال السفر عند عدم المسلم، قال: فأما قبول شهادة بعضهم على
~~بعض، فقال قوم: لا تقبل بحال، لا على مسلم ولا على مشرك، اتفقت ملتهم، أو
~~اختلفت، وفيه خلاف، قال رحمه الله: ويقوى في
# PageV02P139
# نفسي أنه لا تقبل بحال، لأنهم كفار فساق. ومن شرط الشاهد أن يكون عدلا
~~(1) قال محمد ms0600 بن إدريس مصنف هذا الكتاب: وهذا الذي يقوى أيضا في نفسي،
~~وأعتقده مذهبا، أدين الله تعالى به، وأعمل عليه، وأفتي به، لأن الإجماع من
~~المسلمين منعقد عليه، وهو قبول شهادة العدول، وقد بينا أن العدل من لا يخل
~~بواجب، ولا يرتكب قبيحا، وقوله تعالى: " وأشهدوا ذوي عدل منكم " (2) وفيما
~~عدا هذا خلاف، ودليل الاحتياط يقتضيه، فلو اقتصرنا عليه لكفى، وأيضا فليس
~~على خلاف ما اخترناه دليل من إجماع، ولا سنة مقطوع بها، ولا كتاب، وعلى ما
~~اخترناه الإجماع، والكتاب، والسنة، فلا يرجع عن المعلوم إلى المظنون، ولا
~~يلتفت إلى أخبار الآحاد، فإنها لا توجب علما ولا عملا على ما ذكرنا القول
~~في ذلك.
# والذمي إذا أشهد على أمر من الأمور، ثم أسلم، جاز قبول شهادته، على
~~المسلمين والكافرين، إذا كان بشرائط العدالة، وكذلك جميع الكفار.
# باب الحكم بالشاهد الواحد مع اليمين وحكم القسامة يقبل (3) الشاهد
~~الواحد، مع يمين المدعي في كل ما كان مالا، أو المقصود منه المال، وقول
~~شيخنا في نهايته: إذا شهد لصاحب الدين شاهد واحد، قبلت شهادته، وحلف مع
~~ذلك، وقضي له به، وذلك في الدين خاصة (4).
# ورجع عن هذا القول في استبصاره (5)، ومسائل خلافه (6)، ومبسوطه (7) وهو
~~الصحيح الحق اليقين، لأنه مذهب جميع أصحابنا.
# PageV02P140
# ولا بد في ذلك من الترتيب، وهو أن يشهد الشاهد أولا، ثم يحلف المدعي بعد
~~ذلك، فإن حلف قبل شهادة الشاهد لا يعتد بذلك.
# فإن قال من أقام الشاهد: لست أختار اليمين مع الشاهد، ولا أضم إليه شاهدا
~~آخر، واختار مطالبة المدعي عليه باليمين، كان له ذلك، فإن اختار الاستحلاف،
~~نظرت، فإن اختار أن يسترد ما بذله، ويحلف هو، لم يكن له ذلك، لأن من بذل
~~اليمين لخصمه، لم يكن له أن يستردها إلى نفسه بغير رضاه وإن اختار أن يقيم
~~على ذلك، ويستحلف المدعى عليه، كان له، فإذا فعل هذا، لم يخل المدعى عليه
~~من أحد أمرين، إما أن يحلف، أو ينكل، بضم الكاف، فإن حلف أسقط (1) دعوى
~~المدعي، وإن لم يحلف ms0601 فقد نكل، وحصل مع المدعي نكول وشاهد، وهل يقضي بنكوله
~~مع شاهد المدعي؟ فعندنا أنه لا يحكم به عليه.
# فإذا تقرر أنه لا يحكم عليه بمجرد النكول، فهل ترد اليمين على المدعي أم
~~لا؟ قال بعض المخالفين لمذهبنا: لا ترد عليه، لأنها يمين بذلها لخصمه، فإذا
~~عفا عنها لم تعد إلى باذلها، كيمين المدعى عليه، إذا بذلها للمدعي، ثم عفا
~~عنها، فإنها لا تعود إلى باذلها.
# وقال قوم: ترد إليه، وهذا هو الصحيح الذي يقتضيه مذهبنا، لأن هذه غير
~~تلك، فإن هذه يمين الرد، يقضي بها في الأموال وغيرها، وتلك يمينه مع
~~الشاهد، لا يقضي بها في غير الأموال، وسببها غير سبب تلك، فإن سببها نكول
~~المدعى عليه.
# إذا ادعى على رجل أنه سرق نصابا من حرز، وأقام به شاهدا واحدا، حلف مع
~~شاهده، ولزم الغرم، دون القطع، لأن السرقة توجب شيئين، غرما
# PageV02P141
# وقطعا، والغرم يثبت بالشاهد واليمين، دون القطع.
# وأما القتل، فإن كان يوجب مالا، فإنه يثبت بالشاهد واليمين عمدا كان أو
~~خطأ وإن كان عمدا يوجب القود، فإذا كان له شاهد واحد، كان لوثا.
# وكان له أن يحلف مع شاهده خمسين يمينا، إذا لم يكن له من يحلف من قومه،
~~فإذا حلف، ثبت القتل، وعندنا يوجب القود.
# ومن وقف وقفا على قوم، انتقل ملكه عن الواقف وإلى من ينتقل، قال قوم من
~~المخالفين:
# إلى الموقوف عليه، وهو الذي يقتضيه مذهبنا، وقال قوم منهم: ينتقل إلى
~~الله لا إلى مالك.
# فإذا ثبت ذلك فادعى على رجل أنه وقف عليه هذه الدار وقفا مؤبدا، وأقام به
~~شاهدا واحدا، فهل يثبت بالشاهد واليمين أم لا؟ فمن قال: ينتقل إلى الموقوف
~~عليه، قال: يثبت بالشاهد واليمين، لأنه نقل ملك من مالك إلى مالك، ومن قال
~~ينتقل إلى الله، لا إلى مالك، قال: لا يثبت إلا بشاهدين، لأنه إزالة ملك
~~إلى الله تعالى،.
# كالعتق، وإنما قلنا أنه ينتقل إلى الموقوف عليه، لأن جميع أحكام الملك
~~باقية عليه بحالها، بدليل أنه يضمن باليد وبالقيمة، ms0602 وتتصرف فيه (1) وعند
~~بعض أصحابنا يجوز بيعه على وجه.
# ولا يجوز قبول شهادة واحد، والحكم بها في الهلال، والطلاق، والحدود،
~~والقصاص، وغير ذلك من الأحكام.
# والقسامة لا تقبل إلا في الدماء خاصة.
# والقسامة عند الفقهاء كثرة اليمين، فالقسامة من القسم، وسميت قسامة
~~لتكثير اليمين فيها، وقال أهل اللغة: القسامة عبارة عن أسماء الحالفين (2)
~~من أولياء المقتول، فعبر بالمصدر عنهم، وأقيم المصدر مقامهم، يقال أقسمت
~~أقسم إقساما وقسامة، فأيهما كان، فاشتقاقه من القسم، الذي هو اليمين.
# PageV02P142
# إذا ادعى الرجل دما على قوم، لم يخل من أحد أمرين، إما أن يكون معه أمارة
~~تدل على صدق ما يدعيه، أو لا تكون، فإن لم يكن معه ذلك، فالقول قول المدعى
~~عليه مع يمينه، فإن حلف برئ، وإن لم يحلف، رددنا اليمين على المدعي، فيحلف،
~~ويستحق ما ادعاه، إن كان قتلا عمدا استحق القود عندنا، وإن كان غير عمد
~~استحق الدية، ولا فصل بين هذا وبين سائر الدعاوي، إلا في صفة اليمين، فإن
~~الدعوى إذا كانت قتلا ودما، فهل تغلظ الأيمان فيه أم لا؟
# قال قوم: تغلظ، وقال آخرون: لا تغلظ، وهو الأظهر.
# وإن كان معه أمارة تدل على دعواه، ويشهد القلب بصدق ما يدعيه، وهذا يسمى
~~لوثا، بفتح اللام، وتسكين الواو، والثاء المنقطة بثلاث نقط، مثل أن يشهد
~~معه شاهد واحد، أو وجد القتيل في برية، والقتيل طري، والدم جار، وبالقرب
~~منه رجل معه سكين عليها دم، والرجل ملوث بالدم، أو وجد في قرية لا يدخلها
~~غير أهلها، وهكذا لو وجد في دار فيها قوم، قد اجتمعوا على أمر من طعام أو
~~غيره، فوجد قتيل بينهم، فهذا لوث، فالظاهر أنهم قتلوه.
# فمتى كان مع المدعي لوث، فالقول قوله، يبدأ به باليمين، ويحلف خمسين
~~يمينا، إن كان القتل عمدا، وخمسا وعشرين يمينا، إن كان خطأ، فإن حلف على
~~قتل عمد محض، عندنا يقاد المدعى عليه به.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وصفة القسامة أنه إذا لم يوجد في الدم
~~رجلان عدلان، يشهدان بالقتل، ms0603 فأحضر ولي المقتول خمسين رجلا من قومه، يقسمون
~~(1) بالله تعالى، على أنه قتل صاحبهم، فإذا حلفوا، قضي لهم بالدية، فإذا
~~حضر دون الخمسين، حلف ولي الدم بالله، من الأيمان ما يتم بها الخمسين، وكان
~~له الدية، فإذا لم يكن له أحد يشهد له، حلف هو خمسين يمينا، ووجبت له الدية
~~(2).
# PageV02P143
# والصحيح أن له القود.
# وقد رجع شيخنا عن هذا القول، إلى ما اخترناه، في الجزء الثاني من كتاب
~~النهاية (1)، وقال بما قلناه، وكذلك في مسائل خلافه (2)، ومبسوطه (3).
# ولا يكون القسامة إلا مع التهمة للمطالب بالدم، والشبهة في ذلك، على ما
~~بيناه وسميناه لوثا.
# والقسامة فيما دون النفس تكون بحساب ذلك، وسنبين أحكامها في كتاب الديات
~~عند المصير إليه إن شاء الله تعالى.
# باب شهادات الزور لا يجوز لأحد أن يشهد بالزور، وبما لا يعلم، في أي شئ
~~كان، قليلا كان أو كثيرا، وعلى من كان موافقا، محقا، أو مخالفا مبطلا، فمتى
~~شهد بذلك أثم، واستحق من الله تعالى أليم العقاب، وكان ضامنا.
# فإن شهد أربعة رجال على رجل بالزنا، وكان محصنا، فرجم، ثم رجع أحدهم،
~~فقال: تعمدت ذلك، قتل، وأدى الثلاثة الشهود، إلى ورثة الشاهد المقتول، الذي
~~رجع عن شهادته، وقال تعمدت، ثلاثة أرباع الدية، على ما روي في بعض أخبارنا
~~(4)، وقد أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (5).
# والذي يقوى في نفسي، إن إقراره جائز على نفسه، لا يتعداه إلى غيره، ولا
~~ينقض الحكم، لأنه لا دليل عليه، من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع
~~منعقد، وإنما ذلك ورد من طريق أخبار الآحاد، التي لا توجب علما ولا عملا.
# قال شيخنا في نهايته: فإن قال: أو همت، ألزم ربع الدية (6) وإن رجع
# PageV02P144
# اثنان، وقالا: أو همنا، ألزما نصف الدية، وإن قالا: تعمدنا، وأراد أولياء
~~المقتول بالرجم، أن يقتلهما جميعا قتلهما وأدى إلى ورثتهما دية كاملة،
~~يتقاسمان بينهما على السواء، ويؤدي الشاهدان الآخران، على ورثتهما نصف
~~الدية، يعني نصف ألف دينار، التي هي دية كاملة للرجل الحر، فتحصل مع ورثة ms0604
~~كل واحد من الشاهدين المقتولين، سبعمائة وخمسون دينارا لأنه يسقط من دية كل
~~واحد منهما، بقدر نصيبه، لو طالب ورثة المقتول الأول، المشهود عليه الشهود
~~الأربعة بالدية وكان يجب على كل واحد منهم مائتان وخمسون دينارا.
# وإن اختار أولياء المقتول قتل واحد منهما، كان لهم قتله، وأدى الآخر مع
~~الباقين من الشهود، على ورثة الشاهد المقتول الثاني، ثلاثة أرباع ديته،
~~وسقط بمقدار حصته، لو طولبوا بالدية على ما قررناه، وحررناه.
# وإن رجع الكل عن شهادتهم، كان حكمهم حكم الاثنين سواء.
# كل ذلك على ما أورده شيخنا في نهايته على ما حكيناه عنه (1) من طريق
~~أخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا، وقد قلنا ما عندنا في ذلك، من أن
~~إقرار المقر جائز على نفسه، لا يتعداه إلى غيره في سائر الأحكام الشرعيات.
# وإن شهد رجلان على رجل بطلاق امرأته، وكان قبل الدخول بها، ثم رجعا، وجب
~~عليها نصف المهر الذي شهدا عليه بالطلاق، وإن كان بعد الدخول بها، فلا شئ
~~عليهما من المهر، لا نصفه ولا جميعه، لأن الأصل براءة الذمة، فمن أوجب
~~عليها شيئا، فعليه الدلالة، وليس خروج البضع عن ملك الزوج (2) له قيمة، كما
~~لو أتلفا عليه ما لا قيمة له، فلا يلزمهما الضمان.
# وأما قبل الدخول فيلزمه نصف المهر، فيجب أن يغرماه له، لأنهما غرماه
~~إياه، وأتلفاه بشهادتهما، فليلحظ الفرق بين الموضعين.
# وهذا مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي في مسائل خلافه (3).
# PageV02P145
# وقال رحمه الله في نهايته: وإن شهد رجلان على رجل، بطلاق امرأته، فاعتدت
~~وتزوجت، ودخل بها، ثم رجعا، وجب عليهما الحد، وضمنا المهر للزوج الثاني،
~~وترجع المرأة إلى الأول بعد الاستبراء بعدة من الثاني (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: قوله ويضربان الحد، يريد بذلك التعزير،
~~فسماه حدا، لأنه لا يجب على كل واحد منهما حد كامل، لكنهما شاهدا زور،
~~فيعزران بحسب ما يراه الإمام عليه السلام، أو الحاكم من قبله.
# وقوله: يرجع إلى الأول فيه نظر، لأنهما إذا شهدا بالطلاق عند الحاكم،
~~كانا عنده ms0605 وقت شهادتهما بشرائط العدالة، وحكم بشهادتهما، وأمضى الحكم،
~~وتزوجت المرأة بحكمه.
# وقوله: فلا تأثير لرجوعهما، ولا ينقض الحكم برجوعهما، بل يغرمان ما اتلفا
~~وضيعا، بشهادتهما من الأموال، ولا ينقض الحاكم ما حكم به، ولا يرجع على
~~المشهود له بشئ مما شهدا له به.
# هذا حكم سائر في جميع الأشياء، مجمع عليه عند أصحابنا، وإليه يذهب شيخنا
~~أبو جعفر في مسائل خلافه (2)، ومبسوطه (3).
# قال في مسائل خلافه: مسألة، إذا شهد شاهدان بحق، وعرفت عدالتهما، وحكم
~~الحاكم، واستوفى الحق، ثم رجعا عن الشهادة، لم ينقض حكمه، وبه قال جميع
~~الفقهاء، وقال سعيد بن المسيب، والأوزاعي ينقضه، قال: دليلنا إن الذي حكم
~~به مقطوع به بالشرع، ورجوعهما يحتمل الصدق والكذب، فلا ينقض به ما قد قطع
~~عليه، هذا آخر كلامه رحمه الله في مسائل الخلاف.
# قال محمد بن إدريس: وطلاق هذه المرأة مقطوع عليه، وتزويجها مأمور به،
~~محكوم بصحة العقد، بغير خلاف، فلا يرجع عن هذا المقطوع عليه، المحكوم،
~~بصحته شرعا، بأمر مظنون، وهو رجوعهما إليه، لأنه يحتمل الصدق والكذب، والحق
# PageV02P146
# والباطل، فلا ينقض به ما قد قطع عليه وحكم بصحته شرعا.
# وما أورده في نهايته رحمه الله، خبر واحد، لا يوجب علما ولا عملا، ذكره
~~في استبصاره (1)، وأورد خبرا آخر، وتأوله، والخبر الذي أورده ليقضي به، على
~~ما اختلف عليه من الأخبار، ليس فيه أنهما رجعا جميعا، أعني الشاهدين على ما
~~أورده في نهايته، بل فيه: وأكذب نفسه أحد الشاهدين، فإذا كان هذا الاختلاف
~~والتأويل في الخبر، ولا إجماع معنا، ولا كتاب الله سبحانه، ولا أخبار
~~متواترة، ولا سنة مقطوع بها، بل إجماعنا منعقد على ما قررناه، من أن الحاكم
~~لا ينقض حكمه إذا حكم برجوع الشهود، فلا يعدل عن الدليل إلى غيره، لأنه حكم
~~شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي.
# فإن شهدا بسرقة، فقطع المشهود عليه ثم رجعا، ألزما دية يد المقطوع، فإن
~~رجع أحدهما، ألزم نصف دية يده، هذا إذا قالا: وهمنا في الشهادة، فإن قالا:
# تعمدنا، قطع يد ms0606 واحد منهما بيد المقطوع، وأدى الآخر نصف دية اليد على
~~المقطوع الثاني، وإن أراد المقطوع الأول المشهود عليه، أن يقطعهما، قطعهما،
~~وأدى إليهما دية يد واحدة، يتقاسمان بها بينهما على السواء.
# وكذلك إن شهدا على رجل بدين، ثم رجعا، ألزما مقدار ما شهدا به، فإن رجع
~~أحدهما، ألزم بمقدار ما يصيبه من الشهادة، وهو النصف.
# ومتى شهدا على رجل، ثم رجعا قبل أن يحكم الحاكم، طرحت شهادتهما، ولم
~~يلزما شيئا، بل يتوقف الحاكم عن إنفاذ الحكم، وإن كان رجوعهما بعد حكم
~~الحاكم، غرما ما شهدا به سواء كان الشئ قائما بعينه، أو لم يكن كذلك.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: غرما ما شهدا به، إذا لم يكن الشئ قائما
~~بعينه، فإن كان الشئ قائما بعينه، رد على صاحبه، ولم يلزما شيئا (2).
# PageV02P147
# وقد دللنا على صحة ما ذهبنا إليه قبل هذا بلا فصل، حين قلنا إن إجماع
~~أصحابنا منعقد على أنه إن رجع الشهود بعد حكم الحاكم (1) فلا يلتفت إلى
~~رجوعهما، فيما حكم به، ولا ينقض حكمه، لأن حكمه مقطوع من جهة الشرع على
~~صحته، ورجوعهما يحتمل الصدق والكذب، فلا يرجع عن أمر مقطوع على صحته، بأمر
~~مشكوك فيه محتمل.
# وقد رجع شيخنا عما ذكره في نهايته، في مسائل خلافه (2)، ومبسوطه، فقال في
~~مبسوطه: فصل، في الرجوع عن الشهادة، إذا شهد الشهود عند الحاكم بحق، فعرف
~~عدالتهم، ثم رجعوا، لم يخل من ثلاثة أحوال، إما أن يرجعوا قبل الحكم أو
~~بعده وقبل القبض، أو بعد الحكم والقبض معا، فإن رجعوا قبل الحكم لم يحكم
~~بلا خلاف إلا أبا ثور، فإنه قال: يحكم به، والأول أصح، وإن رجعوا بعد الحكم
~~وقبل القبض، نظرت، فإن كان الحق حدا لله، كالزنا والسرقة، وحد الخمر، لم
~~يحكم بها، لأنها حدود تدرأ بالشبهات، ورجوعهم شبهة، وإن كان حقا لآدمي، سقط
~~بالشبهة، كالقصاص، وحد القذف، لم يستوف لمثل ذلك، وأما إن رجعوا بعد الحكم
~~وبعد الاستيفاء أيضا، لم ينقض حكمه، بلا خلاف، إلا سعيد بن المسيب، ms0607
~~والأوزاعي، فإنهما قالا: ينقض، والأول أصح، قال: فإذا ثبت أن الحكم لا
~~ينقض، فإن المستوفي قد قبض الحق، فلا اعتراض عليه.
# وما الذي يجب على الشهود، قال رحمه الله: لا يخلو المستوفى من ثلاثة
~~أحوال، إما أن يكون إتلافا مشاهدة كالقتل، والقطع، أو حكما كالطلاق والعتق،
~~أو لا مشاهدة ولا حكما، كنقل المال من رجل إلى آخر، قال: وإن شئت قلت: لا
~~يخلوا أن يكون إتلافا أو في حكم الاتلاف، أو خارجا عنهما، ثم ذكر رحمه الله
~~رجوعهما عن الشهادة، بالقتل، والقطع في السرقة، وشرحه، ثم
# PageV02P148
# ذكر رجوعهما عن الطلاق، وإلزامهما المهر، وشرحه، وقال: إما أن يكون قبل
~~الدخول، أو بعده، فإن كان بعد الدخول، فلا مهر عليهما، وإن كان قبل الدخول
~~ثم رجعا، فإن الحاكم لا ينقض حكمه، وعليهما الضمان لنصف المهر المسمى، ولم
~~يتعرض لما ذكره في نهايته، من رجوعهما إلى الزوج الأول، بل قال:
# فإن الحاكم لا ينقض حكمه، فإذا حرمها الحاكم على الثاني، ورجعها إلى
~~الأول، على ما قال في نهايته، فقد نقض حكمه.
# ثم قال بعد ذلك رحمه الله: فأما إذا لم يكن إتلافا مشاهدة ولا حكما، وهو
~~أن شهدا بدين، وحكم بذلك عليه، ثم رجعا، فهل عليهما الضمان للمشهود عليه،
~~أم لا؟ قال قوم: لا ضمان عليهما، وقال آخرون: عليهما الضمان، وكذلك قالوا
~~فيمن أعتق عبدا في يده، أو وهبه وأقبضه، ثم ذكر أنه كان لزيد، فهل عليهما
~~قيمته (1) لزيد؟ على قولين، لأنه أقر به بعد أن فعل ما حال بينه وبينه بغير
~~حق، قال رحمه الله: والأقوى عندي أن عليهما الضمان للمشهود عليه، وكذلك
~~تلزم القيمة للمعتق لعبده، لمن أقر له به هذا آخر ما ذكره شيخنا رحمة الله
~~عليه في مبسوطه (2) فأوردته، لأنه كلام سديد في موضعه، وجملة نافعة كثيرة
~~الفقه.
# وكل موضع رجع فيه الشهود، نظرت، فإن ذكروا أنهم أخطأوا، فلا تعزير على
~~واحد منهم، وإن قالوا تعمدنا، كان عليهم التعزير.
# إذا حكم الحاكم بشهادة شاهدين، ثم بان له أنه حكم ms0608 بشهادة من لا يجوز
~~الحكم بشهادته، نقض الحكم بلا خلاف، فإن كان حكم بإتلاف، كالقصاص والقتل
~~والرجم، فلا قود هاهنا، لأنه عن خطأ الحاكم، وأما الدية، فإنها على الحاكم
~~عند قوم، وعند آخرين، على المزكين وروى أصحابنا أن ما أخطأت الحكام، فعلى
~~بيت المال (3).
# PageV02P149
# فأما إن حكم بالمال، نظرت، فإن كان عين المال باقية، استردها، وإن كانت
~~تالفة، فإن كان المشهود له هو القابض، وكان موسرا، غرم ذلك، وإن كان معسرا،
~~ضمن الإمام، حتى إذا يسر رجع الإمام عليه، والفرق بين هذا وبين الدية، إن
~~الحكم إذا كان بالمال، حصل في يد المشهود له ما يضمن باليد، فلهذا كان
~~الضمان عليه، وليس كذلك القتل، لأنه ما حصل في يد المشهود له، ما يضمن
~~باليد، لأن ضمان الاتلاف ليس بضمان اليد، فلهذا كان الضمان على الإمام في
~~بيت المال.
# وإذا شهد بسرقة على إنسان، فقطع، ثم جاءا بآخر، وقالا هذا الذي سرق،
~~وإنما وهمنا على ذلك، غرما دية اليد، ولم تقبل شهادتهما على الآخر وإنما لم
~~تقبل شهادتهما على الآخر، وإن لم يحصل فيهما شئ من أسباب الفسق، لقلة
~~ضبطهما وتحقيقهما (1) وتغفلهما، ولأجل هذا لا يقبل الحاكم شهادة المغفلين،
~~الذين ليس لهم شدة عقول، ولا وفور تحصيل، وإن كانوا على ظاهر العدالة.
# وليس رجوع الشاهدين عن الشهادة، بموجب للفسق، ولا لرد شهادتهما على
~~الآخر، وإنما ردت لما قلناه.
# وينبغي للإمام أن يعزر شهود الزور، على ما قدمناه، ويشهرهم في أهل محلتهم
~~وسوقهم، لكي يرتدع غيرهم عن مثله، في مستقبل الأوقات والإشهار هو أن ينادي
~~في محلتهم ومجتمعهم وسوقهم، فلان وفلان شاهدا زور، ولا يجوز أن يشهرا بأن
~~يركبا حمارا ويحلق رؤسهما، ولا أن يناديا هما (2) على أنفسهما، ولا أن يمثل
~~بهما.
# PageV02P150
# كتاب القضايا والأحكام PageV02P151
# كتاب القضايا والأحكام باب آداب القضاء وما يجب أن يكون القاضي عليه من
~~الأحوال القضاء بين المسلمين جائز، وربما كان واجبا، فإن لم يكن واجبا،
~~ربما كان مستحبا، قال الله تعالى: " يا داود إنا جعلناك خليفة في ms0609 الأرض
~~فاحكم بين الناس بالحق " (1) وقال: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما
~~شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " (2) وقال:
# " وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث " (3).
# وقد ذم الله تعالى من دعي إلى الحكم (4)، فأعرض عنه، فقال: " وإذا دعوا
~~إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون " (5) ومدح قوما دعوا
~~إليه، أجابوا، فقال: " إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله
~~ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون " (6).
# وروي عن ابن مسعود أنه قال: والله لأن أجلس يوما، فأقضي بين الناس، أحب
~~إلي من عبادة سنة (7).
# وعليه إجماع الأمة، إلا أبا قلابة فإنه طلب للقضاء، فلحق بالشام، فأقام
~~زمانا، ثم جاء، فلقيه أيوب السختياني (8)، وقال له: لو أنك وليت القضاء،
~~وعدلت بين الناس، رجوت لك في ذلك أجرا، فقال: يا با أيوب، السابح إذا
# PageV02P152
# وقع في البحر، كم عسى أن يسبح، إلا أن أبا قلابة رجل من التابعين، لا
~~يقدح خلافه في إجماع الصحابة، وقد بينا أنهم أجمعوا، ولا يمتنع أن يكون
~~امتناعه، كان لأجل أنه أحس من نفسه بالعجز، لأنه كان من أصحاب الحديث، ولم
~~يكن فقيها.
# وهو من فروض الكفايات، إذا قام به قوم سقط عن الباقين، وقد روي عن النبي
~~عليه السلام أن قال: إن الله لا يقدس أمة ليس فيهم من يأخذ للضعيف حقه (1).
# ولأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
# وقد روي كراهة تولي القضاء، والامتناع، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله
~~أنه قال: من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين، قيل: يا رسول الله وما الذبح؟
~~قال: نار جهنم (2)، وروي عنه عليه السلام، أنه قال: يؤتى بالقاضي العدل.
# يوم القيامة، فمن شدة ما يلقاه من الحساب، يود إن لم يكن قاضيا بين اثنين
~~في تمرة (3).
# والوجه في الجمع بين هذه الأخبار، إن من كان من أهل العلم بالقضاء (4)،
~~ويقضي بالحق، فهو مثاب، ومن كان من أهل العلم، لكنه لا يقضي بحق، أو كان ms0610
~~جاهلا، لم يحل له أن يليه، وكان مأثوما فيه.
# والناس في القضاء على ثلاثة أضرب: من يجب عليه، ومن يحرم عليه، ومن يجوز
~~له.
# فأما من يجب عليه، فكل من تعين ذلك فيه، وهو إذا كان ثقة من أهل العلم،
~~لا يجد الإمام غيره.
# فأما من يحرم عليه، فإن كان جاهلا، ثقة كان أو غير ثقة، أو فاسقا من أهل
~~العلم.
# ومن يجوز له ولا يحرم عليه، مثل أن يكون في المكان جماعة من أهل الفقه
~~والعلم، فللإمام أن يدعو واحدا عليه، وقد بينا في كتاب الجهاد، من له أن
# PageV02P153
# يتولى القضاء والأحكام بين الناس، ومن ليس له ذلك.
# والفرق بين الحكم والقضاء، أن الحكم، هو إظهار ما يفصل به بين الخصمين
~~قولا، والقضاء إيقاع ما يوجبه الحكم فعلا.
# وينبغي أن لا يتعرض للقضاء أحد، حتى يثق من نفسه بالقيام به، وليس يثق
~~أحد بذلك من نفسه، حتى يكون عاقلا كاملا عالما بالكتاب، وناسخه ومنسوخه،
~~وعامه وخاصه، وندبه وإيجابه، ومحكمه ومتشابهه، عارفا بالسنة المقطوع بها،
~~وناسخها ومنسوخها، وعامها وخاصها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومبينها، عالما
~~باللغة، مضطلعا أي قيما بمعاني كلام العرب، بصيرا بوجوه الإعراب، لأنه مبين
~~(1) عن صاحب الشريعة عليه السلام، فيجب أن يعرف لغته.
# روي أن رقبة بن مصقلة، قال لأبي حنيفة الفقيه: ما تقول في رجل ضرب طلته
~~بمرقاق، فقتلها؟ فقال أبو حنيفة: ما أدري ما تقول، فقال له: أفتفتي، ويحك
~~في دين الله، وأنت لا تعرف لغة نبيه صلى الله عليه وآله، الطلة الحماة،
~~والمرقاق الذي يسمى الشوبك.
# وقال أبو عمرو بن العلا: الفقيه يحتاج إلى اللغة حاجة شديدة، إلا
~~الرواية.
# وقال الأصمعي: سمعت حماد بن سلمة يقول: من لحن في حديثي، فليس يحدث عني.
# وقال أبو داود الشيخي (2): سمعت الأصمعي يقول: إن أخوف ما أخاف على طالب
~~العلم، إذا لم يعرف النحو، أن يدخل في جملة قول النبي صلى الله عليه وآله:
~~من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار، لأنه لم يكن يلحن، فمهما رويت عنه، ms0611
~~ولحنت فيه، كذبت عليه.
# وروي عن عمر بن الخطاب، أنه اجتاز بقوم يرمون، فأساؤا الرمي،
# PageV02P154
# فقالوا: يا أمير المؤمنين، نحن قوم متعلمين، فقال عمر لإساءتكم في لحنكم،
~~شر من إساءتكم في رميكم، رحم الله امرءا أصلح من لسانه، وقال، تعلموا
~~العربية، فإنها تثبت العقل (1).
# وقيل للحسن البصري: إن لنا إماما يلحن، فقال: أخروه.
# وكان ابن عمر يضرب ولده على اللحن.
# وروي عن الصادق عليه السلام، أنه قال: نحن قوم فصحاء، فإذا رويتم الأخبار
~~عنا فاعربوها (2).
# ولأن الفقيه لو سأله سائل، فقال له: ما تقول في ظبي رميته بسهمي،
~~فاحتمله، ومضى به، وغاب عن عيني، ووجدته بعد ذلك ميتا، فالجواب من الفقيه،
~~أن يقول له: لا تأكله فإنه منهي عنه، لقول الرسول عليه السلام: كل ما
~~أصميت، ودع ما أنميت، فقال له: ما معنى أصميت وأنميت، فقال له الفقيه:
# لا أدري، فقال له المستفتي: فتنهاني عن شئ، بقول لا تدري ما هو.
# قال محمد بن إدريس: أصميت الرمية، إذا قتلتها في مكانها، من غير أن تحمل
~~السهم، وتعدو به، وأنميت الرمية، إذا احتملت بالسهم، ومضت به.
# قال امرء القيس، ما دحا للرامي:
# هو لا ينمي رميته ما له لا عد من نفر فلهذا احتاج إلى اللغة.
# ويكون ورعا عن محارم الله تعالى، زاهدا في الدنيا، متوفرا على الأعمال
~~الصالحات، مجتنبا للكبائر والسيئات، شديد الحذر من الهوى، حريصا على
~~التقوى.
# فإذا كان بالصفات التي ذكرناها، جاز له أن يتولى القضاء والفصل بين
~~الناس.
# ولا ينعقد له (3) القضاء إلا بولاية إمام المسلمين وإذنه.
# PageV02P155
# وإذا أراد أن يجلس للقضاء، ينبغي ويستحب له أن ينجز حوائجه التي تتعلق
~~نفسه بها، ليتخلى ويفرغ للحكم، ولا يشتغل قلبه بغيره.
# ثم يستحب له أن يتوضأ وضوء الصلاة، ويلبس أحسن ثيابه وأطهرها، ويخرج إلى
~~المسجد الأعظم الذي يصلي الجمعة فيه، في البلد الذي يحكم فيه، فإذا دخله،
~~صلى ركعتين، ويجلس مستدبر القبلة، ولا يجلس وهو غضبان، ولا جايع، ولا
~~عطشان، ولا مشغول القلب بتجارة، ولا خوف، ولا حزن، ولا ms0612 فكر في شئ من
~~الأشياء، فإن خالف ذلك، وجلس، وقضى بالحق، نفذ حكمه بغير خلاف.
# وليجلس وعليه هدي (1) مفتوح الهاء، مسكن الدال - وسكينة ووقار.
# فإذا جلس، حكم للأول فالأول، فإن لم يعلم بالأول، أو دخلوا عليه في دفعة
~~واحدة، روى أصحابنا أنه يتقدم إلى من يأمر كل من حضر للتحاكم إليه، أن يكتب
~~اسمه واسم أبيه، وما يعرف به من الصفات الغالبة عليه، دون الألقاب.
# المكروهة، فإذا فعلوا ذلك، وكتبوا أسماءهم، وأسماء خصومهم في الرقاع، قبض
~~ذلك كله، وخلط الرقاع، وجعلها تحت شئ يسترها به عن بصره، ثم يأخذ منها رقعة
~~فينظر فيها، ويدعوا باسم صاحبها وخصمه، فينظر بينهما (2).
# ويستحب أن يصل إليه في حكمه، كل أحد، ولا يتخذ حاجبا يحجب الناس عن
~~الوصول إليه، لما روى أبو مريم الأنصاري، صاحب رسول الله صلى الله عليه
~~وآله، أنه قال: من ولي شيئا من أمور الناس، فاحتجب دون حاجتهم وفاقتهم،
~~احتجب الله دون خلته (3)، - بفتح الخاء، وهي الحاجة - وفاقته وفقره.
# وقد كره قوم القضاء في المساجد، وأجازه آخرون، وهو الأليق بمذهبنا،
# PageV02P156
# لأنه لا خلاف أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقضي في المسجد الجامع
~~بالكوفة، ودكة القضاء معروفة إلى اليوم، وهي التي في وسط المسجد الجامع،
~~وهي تسمى أيضا دكة الطست، لا يظلها شئ من الظلال.
# فأما إقامة الحدود فيها فمكروهة.
# فإن حكم بحكم فإن وافق الحق، لم يكن لأحد أن يعارضه فيه، وإن أخطأ، وجب
~~عليهم أن ينبهوه عليه.
# وقال المخالف: ليس لأحد أن يرد عليه، وإن حكم بالباطل عنده، لأنه إذا كان
~~باجتهاده، وجب عليه العمل به، ولا يعترض عليه بما هو فرضه، ولا اجتهاد
~~عندنا، ولا قياس، وليس كل مجتهد مصيبا.
# وإذا دخل الخصمان عليه، وجلسا، وأراد كل واحد منهما الكلام، ينبغي له أن
~~يأذن للذي سبق بالدعوى، فإن ادعيا جميعا في وقت واحد، فالذي رواه أصحابنا
~~أنه يأمر من هو على يمين خصمه أن يتكلم، ويأمر الآخر بالسكوت، إلى أن يفرغ
~~من دعواه.
# وإذا دخل عليه الخصمان، ms0613 فلا يبدأ أحدهما بالكلام منفردا، وذلك على طريق
~~الكراهة، فإن سلما، أو سلم أحدهما، رد السلام، دون ما سواه.
# ويستحب أن يكون نظره إليهما واحدا، ومجلسهما بين يديه على السواء، لا أن
~~ذلك واجب، على ما يتوهمه من لا بصيرة له بهذا الشأن.
# ولا ينبغي للحاكم أن يسأل الخصمين، والمستحب له تركهما، حتى يبدأ
~~بالكلام، فإن صمتا ولم يتكلما (1)، فله أن يقول لهما حينئذ: إن كنتما
~~حضرتما لشئ فاذكراه فإن بدأ أحدهما بالدعوى، سمعها، ثم أقبل على الآخر،
~~فسأله عما عنده فيما ادعاه خصمه.
# فإن أقر به، ولم يرتب بعقله واختياره، ألزمه الخروج إليه منه، بعد سؤال
~~صاحب الحق، فإن خرج، وإلا إن كان له مال ظاهر من جنس الحق الذي
# PageV02P157
# أقر به لخصمه، سلم الحاكم إلى الخصم من ذلك ماله، وإن كان من غير جنس
~~الحق، باعه عليه، وقضى دينه منه، وإن لم يكن له مال ظاهر، أمر خصمه
~~بملازمته حتى يرضيه، فإن التمس الخصم حبسه على الامتناع من أداء ما أقر به،
~~فإن عرف الحكام أنه معدم فقير، خلى سبيله، فإن لم يعرف من حاله شيئا، حبسه
~~له (1)، فإن ظهر له بعد أن حبسه، أنه معدوم فقير لا يرجع إلى شئ، ولا
~~يستطيع الخروج مما أقر به خلى سبيله، وأمره أن يتمحل يعني يكتسب ويحتال قال
~~الشاعر:
# وقالت تمحل كي تحج فإنني أرى الناس يعتدون للحج أرجلا فقلت لها والله
~~مالي حيلة فماذا عسيت اليوم أن أتمحلا حق خصمه، ويسعى في الخروج مما عليه.
# وإن ارتاب الحاكم بكلام المقر، وشك في صحة عقله أو اختياره للإقرار، توقف
~~عن الحكم عليه، حتى يستبري حاله.
# وإن أنكر المدعى عليه ما ادعاه المدعي، سأله ألك بينة على ذلك، فإن قال
~~نعم هي حاضرة، نظر في بينته بعد سؤاله، وإن قال: نعم غير أنها ليست حاضرة،
~~فلا يقول له الحاكم أحضرها، بل يتركه، إلى أن يحضر بينته ويسأله سماعها.
# وقال شيخنا في نهايته: قال له أحضرها (2)، وقد رجع عن هذا القول، في ms0614
~~مبسوطه (3) وإن قال المدعي: لست أتمكن من إحضارها، قال شيخنا في نهايته:
~~جعل معه مدة من الزمان، ليحضر فيه بينته، وتكفل لخصمه (4).
# ورجع عن هذا القول في مسائل خلافه، فقال: مسألة، إذا ادعى على غيره حقا،
~~فأنكر المدعى عليه، فقال المدعي: لي بينة غير أنها غائبة، لم تجب (5) له
~~ملازمة المدعى عليه، ولا مطالبته له بكفيل، إلى أن يحضر البينة، وبه قال
# PageV02P158
# الشافعي، وقال أبو حنيفة: له المطالبة بذلك، وملازمته، وقال رحمه الله:
~~دليلنا أن الأصل براءة الذمة، ومن أوجب ذلك فعليه الدلالة، هذا آخر كلامه
~~رحمه الله في مسائل خلافه (1).
# وهو الحق اليقين، لأن فيه الدليل، ولا دليل على ما خالف ذلك.
# وإن قال: لا بينة لي، قال له: فما تريد، فإن قال: تأخذ لي بحقي من خصمي،
~~قال للمنكر: أتحلف له، فإن قال نعم، أقبل على صاحب الدعوى، فقال له: قد
~~سمعت، أفتريد يمينه، فإن قال: لا، أقامهما، ونظر في حكم غيرهما.
# وإن قال: نعم أريد يمينه، رجع إليه فوعظه، وخوفه بالله، فإن أقر الخصم
~~بدعواه، ألزمه الخروج إليه مما ادعاه عليه بعد سؤاله.
# فإن قال المنكر عند (2) توجه اليمين عليه: يحلف هذا المدعي على صحة
~~دعواه، وأنا أدفع إليه ما ادعاه، قال الحاكم للمدعي: أتحلف على صحة دعواك،
~~فإن حلف، ألزم خصمه الخروج إليه مما حلف عليه بعد سؤاله، وإن أبى اليمين،
~~بطلت دعواه.
# وإن أقام المدعي البينة، فذكر المدعى عليه أنه قد خرج إليه من حقه، كان
~~عليه البينة بأنه قد وفاه الحق، فإن لم تكن له بينة وطالب صاحب البينة بأن
~~يحلف بأنه ما استوفى ذلك الحق منه، كان له ذلك، فإن امتنع من ذلك خصمه،
~~وأبى أن يحلف أنه لم يأخذ حقه، بطل حقه.
# وإن قال المدعي: ليس معي بينة، وطلب من خصمه اليمين، فحلفه الحاكم، ثم
~~أقام بعد ذلك البينة على صحة ما كان يدعيه، لم يلتفت إلى بينته، وأبطلت.
# وإن اعترف المنكر بعد يمينه بدعوى خصمه عليه، وندم على إنكاره، لزمه
~~الحق، ms0615 والخروج منه إلى خصمه، فإن لم يخرج إليه منه، كان له حبسه،
# PageV02P159
# فإن ذكر إعسارا، كشف عن حاله، فإن كان على ما قال، انظر ولم يحبس، وإن لم
~~يكن كذلك، ألزم الخروج إلى خصه من حقه.
# ومتى بدأ الخصم باليمين، من غير أن يحلفه الحاكم، لم يبره ذلك من الدعوى،
~~وكان متكلفا.
# وإن أقر المدعى عليه بما ادعاه خصمه، وقال: أريد أن تنظرني، حتى أتمحله،
~~أي أكتسبه (1)، قال الحاكم لخصمه: فما عندك فيما يقول، فإن سكت ولم يجب
~~بشئ، توقف عليه القاضي هنيهة، ثم قال له: قل ما عندك، فإن لم يقل شيئا،
~~أقامه، ونظر في أمر غيره، وإن قال أنظره فذلك له، وإن أبى لم يكن للحاكم،
~~أن يشفع إليه فيه، ولا يشير عليه بالأنظار.
# وله أن يأمرها بالصلح، ويشير بذلك، لقوله تعالى: " والصلح خير " (2) وما
~~هو خير، فللانسان فعله بغير خلاف من محصل.
# وقد يشتبه هذا الموضع على كثير من المتفقهة، فيظن أنه لا يجوز للحاكم أن
~~يأمر بالصلح، ولا يشير به، وهذا خطأ من قائله، وشيخنا أبو جعفر في مبسوطه،
~~قد أفصح عن ذلك، وحققه، وذهب إليه، فقال: إذا ترافع إليه نفسان، وكان الحكم
~~بينهما واضحا، لا إشكال فيه، لزمه أن يقضي بينهما ويستحب أن يأمرهما
~~بالمصالحة، وإن كان حكمهما مشكلا أخره إلى البيان، ولا حد له غير ظهور
~~الحكم وبيان الحق، وإن قدمه لم يجز، لأن الحكم قبل البيان ظلم، والحبس
~~بالحكم بعد البيان ظلم، هذا آخر كلام شيخنا (3).
# وإن قال: الدين علي، وأنا معسر، لا أقدر على قضائه، نظر في سبب الدين،
~~فإن كان عن مال حصل في يديه، كالقرض، والشراء، والصلح، والغصب، ونحو ذلك،
~~لم يقبل قوله أيضا في الإعسار، لأن الأصل الغنى،
# PageV02P160
# وحصول المال، حتى يثبت زواله.
# وإن كان سبب ثبوته من غير مال حصل في يديه، كالمهر، وأرش الجناية، وإتلاف
~~مال الغير، ونحو ذلك، نظرت، فإن عرف له مال غير هذا، كالميراث، والغنيمة،
~~ونحو ذلك، لم يقبل قوله أيضا في الإعسار، لأن ms0616 الأصل المال، فإن أقام البينة
~~بهلاك المال، وأنه معسر، فالقول قوله بغير يمين، لأن الظاهر ما قامت به
~~البينة.
# وأما إن كان سببه غير مال حصل في يديه، ولم يعرف له مال أصلا، فالقول
~~قوله، لأن الأصل أن لا مال له مع يمينه، لجواز أن يكون له مال، وقد قلنا
~~أنه ليس للحاكم أن يشفع إليه في الانظار، ولكن يبث الحكم فيما بينهما بما
~~ذكرناه، وتقتضيه شرعة الإسلام.
# وإن ظهر للحاكم أن المقر عبد، أو محجور عليه لسفه، أبطل إقراره، وإن كان
~~تبينه لذلك بعد دفعه ما أقر به إلى خصمه، ألزم الآخذ له رده، ويقدم بحفظه
~~على المحجور عليه، ويرد ذلك على مولى العبد.
# وإذا أقر الإنسان لغيره بمال عند حاكم، فسأل المقر له الحاكم أن يثبت
~~إقراره عنده، قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: لم يجز له ذلك، إلا أن يكون
~~عارفا بالمقر، بعينه واسمه ونسبه، أو يأتي المقر له ببينة عادلة، على أن
~~الذي أقر، هو فلان بن فلان بعينه واسمه ونسبه، لأنه لا يأمن أن يكون نفسان
~~قد تواطئا على انتحال اسم إنسان غائب، واسم أبيه، والانتساب إلى آبائه،
~~ليقر أحدهما لصاحبه بمال ليس له أصل، فإذا أثبت الحاكم ذلك على غير بصيرة،
~~كان مخطئا مغررا (1).
# وقال في مسائل خلافه: مسألة، إذا حضر خصمان عند القاضي، فادعى أحدهما على
~~الآخر مالا، فأقر له بذلك، فسأل المقر له القاضي، أن يكتب له بذلك محضرا،
~~والقاضي لا يعرفهما، ذكر بعض أصحابنا، أنه لا يجوز أن
# PageV02P161
# يكتب، لأنه يجوز أن يكونا استعارا نسبا باطلا وتواطئا على ذلك، وبه قال
~~ابن جرير الطبري، وقال جميع الفقهاء: إنه يكتب، ويحليهما بحلاهما التامة،
~~ويضبط ذلك، قال رحمه الله: والذي عندي، أنه لا يمتنع ما قاله الفقهاء، فإن
~~الضبط بالحلية، يمنع من استعارة النسب، فإنه لا يكاد يتفق (1) ذلك، ثم قال
~~رحمه الله: والذي قاله بعض أصحابنا، يحمل على أنه لا يجوز أن يكتب، ويقتصر
~~في ذكر نسبهما، فإن ذلك يمكن استعارته، قال ms0617 رحمه الله: وليس في ذلك نص مسند
~~عن أصحابنا نرجع إليه، هذا آخر كلام شيخنا في مسألة من مسائل الخلاف (2).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: الذي ذكره وذهب إليه شيخنا في مسائل
~~خلافه، هو الذي أقول به، وأعمل عليه، ويقوى في نفسي، وهو (3) يبين لك أيها
~~المسترشد، أنه يذكر (4) في نهايته شيئا لا يعمل عليه، ولا يرجع فيه إلى خبر
~~مسند، فيعتمد عليه، ويرجع إليه.
# وأيضا هذا مصير، إلى أن للإنسان، أن يعمل ويشهد بما يجد به خطه مكتوبا،
~~من غير ذكر الشهادة، وقطع على من شهد عليه، وهذا عندنا لا يجوز، أو رجوع
~~إلى العمل بكتاب قاض إلى قاض، وجميع ذلك باطل عندنا.
# فإذا أتاه بكتابه، ولم يعلم بالمقر بعينه، ويتحققه (5) ويتقنه فلا يجوز
~~له أن يقضي عليه، فيأمن الغرر من هذا الوجه.
# وكذلك إن أخذ كتابه الذي فيه تثبيت إقراره إلى غيره من الحكام، لا يحل
~~للحاكم الثاني، أن يعمل به بغير خلاف بيننا.
# وكذلك إن شهد عند الحاكم الأول الذي ثبت الإقرار، شاهدان، بأنه حكم
~~بينهما، لا يجوز له أن يرجع إلى قولهما، إذا لم يكن ذاكرا لهذه الحكومة،
# PageV02P162
# متيقنا لها، عارفا بالمقر، قاطعا عليه.
# وإذا ادعى إنسان على أخرس شيئا، وكانت له إشارة معقولة، وكناية مفهومة،
~~توصل الحاكم إلى إفهامه الدعوى، ومعرفة ما عنده فيها من إقرار أو إنكار،
~~فإن أقر بالإشارة، أو أنكر بالكناية، حكم عليه بذلك.
# وإن لم يكن له إشارة معقولة ولا كناية مفهومة، فقد روي عن أمير المؤمنين
~~عليه السلام، أنه كتب نسخة اليمين في لوح، ثم غسله وأمره أن يشربه، فامتنع،
~~فألزمه الحق (1).
# وإن كان يتساكت عن خصمه، وهو صحيح قادر على الكلام، وإنما يعاند بالسكوت،
~~قال شيخنا في نهايته: أمر بحبسه حتى يقر أو ينكر، إلا أن يعفو الخصم عن حقه
~~عليه. وكذلك إن أقر بشئ، ولم يبينه، كأنه يقول له علي شئ، ولا يذكر ما هو،
~~ألزمه الحاكم بيان ما أقر به، فإن لم يفعل، حبسه حتى ms0618 يبين (2).
# قال محمد بن إدريس: والصحيح من مذهبنا، وأقوال أصحابنا، وما يقضيه
~~المذهب، أن في المسألتين معا يجعله الحاكم ناكلا، ويرد اليمين على خصمه.
# وإلى هذا القول يذهب شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، في فصل فيما على القاضي
~~في الخصوم والشهود.
# قال: فأما القسم الثالث، وهو إذا سكت أو قال لا أقر، ولا أنكر، قال له
~~الحاكم ثلاثا: إما أجبت عن الدعوى، وإلا جعلناك ناكلا، ورددنا اليمين على
~~خصمك.
# وقال قوم: يحبسه، حتى يجيبه بإقرار أو إنكار، ولا يجعله ناكلا فيقضي
~~بالنكول والسكوت، وقوله: لا أقر ولا أنكر، ليس بنكول.
# قال شيخنا رحمه الله: والأول يقتضيه مذهبنا (3)، وإلى هذا يذهب ابن
~~البراج من أصحابنا في كتابه المهذب، ويختاره (4).
# وقال شيخنا أبو جعفر أيضا في مبسوطه في الجزء الثاني في كتاب الإقرار:
# PageV02P163
# إذا ادعى عليه مالا بين يدي الحاكم، وقال: لا أقر ولا أنكر، قال له
~~الحاكم:
# هذا ليس بجواب، فأجب بجواب صحيح، فإن أجبت، وإلا جعلتك ناكلا، ورددت
~~اليمين على صاحبك، وإن لم يجب بجواب صحيح، فالمستحب أن يكرر عليه ذلك ثلاث
~~مرات، فإن لم يجب بجواب صحيح، جعله ناكلا، ورد اليمين على صاحبه، فإن رد
~~اليمين بعد المرة الأولى جاز، لأنه هو القدر الواجب، وإنما جعلناه ناكلا
~~بذلك، لأنه لو أجاب بجواب صحيح، ثم امتنع عن اليمين، جعل ناكلا فإذا امتنع
~~عن الجواب واليمين، فأولى أن يكون ناكلا، وهكذا إذا قال: لا أدري ما تقول،
~~لأن ذلك ليس بجواب صحيح مع علمه بما يقول، هذا آخر كلام شيخنا في الموضع
~~المشار إليه أولا حرفا فحرفا (1).
# قال محمد بن إدريس: يمكن أن يفرق بين الحكم والقضاء، بأن يقال:
# الحكم إظهار ما يفصل به بين الخصمين قولا، والقضاء إيقاع ما يوجبه الحكم
~~فعلا، فهذا الفرق بينهما عند أهل اللغة، فأما من حيث عرف الشريعة فلا فرق
~~بينهما.
# باب سماع البينات وكيفية الحكم بها وأحكام القرعة إذا شهد عند الحاكم
~~شاهدان، وكانا عدلين، وشهدا في مكان واحد، على وجه واحد، ووافقت شهادتهما ms0619
~~دعوى المدعي، وجب على الحاكم الحكم بشهادتهما بعد سؤال صاحب الحق.
# وإذا شهد عنده من لا يعرفهما بعدالة ولا جرح سمع شهادتهما، وأثبتها عنده،
~~ثم استكشف أحوالهما، وسأل عنهما أهل الخبرة الباطنة، دون أهل المعرفة
~~الظاهرة، فإن وجدهما مرضيين جايزي الشهادة، حكم بشهادتهما، وإن وجدهما على
~~غير ذلك وبخلافه، طرح شهادتهما، فإن حكم بعد البحث عنهما، فلا يحكم إلا بعد
~~سؤال صاحب الحق.
# PageV02P164
# والحكم أن يقول له: ألزمتك ذلك، أو قضيت عليك به، أو يقول: أخرج إليه
~~منه، فمتى قال إحدى الثلاث، كان حكما بالحق.
# وأما إن أنكر، فقال: لا حق لك قبلي، فهذا موضع البينة، فإن كان المدعي لا
~~يعرف أنه موضع البينة، كان للحاكم أن يقول له ألك بينة؟ فإن كان عارفا بأنه
~~وقت البينة، فالحاكم بالخيار بين أن (1) يسكت، أو يقول ألك بينة؟
# فإذا قال له: ألك بينة؟ لم يخل من أحد أمرين، إما أن لا يكون له بينة، أو
~~له بينة، فإن لم يكن له بينة، عرفه الحاكم أن لك يمينه، فإذا عرف ذلك، لم
~~يكن للحاكم، أن يستحلفه بغير مسألة المدعي، لأن اليمين حق له، فليس له أن
~~يستوفيه إلا بمطالبته، كنفس الحق فإن لم يسأله، واستحلفه من غير مسألة، لم
~~يعتد باليمين، لأنه أتى بها في غير وقتها، فإذا لم يعتد بها، أعادها عليه
~~بمسألة المدعي، فإذا عرض اليمين عليه، لم يخل من أحد أمرين، إما أن يحلف،
~~أو ينكل، فإن حلف أسقط الدعوى، وليس للمدعي أن يستحلفه مرة أخرى، في هذا
~~المجلس، أو في غيره، فإن لم يحلف ونكل عن اليمين، قال له الحاكم: إن حلفت،
~~وإلا جعلتك ناكلا، ورددت اليمين على خصمك، فيحلف، ويستحق عليك.
# ولا يجوز أن يحكم عليه بالحق بمجرد النكول، بل لا بد من يمين المدعي،
~~ليقوم النكول واليمين مقام البينة، وقد يشتبه هذا الموضع على كثير من
~~أصحابنا، فيظن أن بمجرد النكول يثبت الحق، وهذا خطأ محض.
# فإن كانت له بينة، إما أن تكون حاضرة، أو غائبة، فإن ms0620 كانت غائبة، لم يقل
~~له الحاكم أحضرها، لأنه لا حق له، فله أن يفعل ما يرى، فإذا حضرا لم
~~يسألهما الحاكم عما عندهما، حتى يسأله المدعي ذلك، لأنه حق له، فلا فإذا
~~ثبت أنه لا بد من سؤال المدعي الاستماع منهما، فإن الحاكم لا يقول يتصرف
~~فيه بغير أمره.
# PageV02P165
# لهما اشهدا، لأنه أمر، وهو لا يأمرهما، لكنه يقول تكلما إن شئتما، من (1)
~~كان عنده كلام فليذكره إن شاء.
# ومتى بدأ أحد الخصمين بإذن أو بغير إذن، وجعل يدعي على صاحبه، منع الحاكم
~~صاحبه من مداخلته، لأنه يفسد (2) عليه نظام الدعوى.
# وأقل ما على الحاكم، أن يمنع كل واحد منهما أن ينال من عرض صاحبه، لأنه
~~جلس للفصل بين الناس والإنصاف، وأقل ما عليه، أن لا يمكن أحدهما (3) من
~~الظلم والحيف.
# ولا يجوز له أن يضيف أحد الخصمين دون صاحبه، إما أن يضيفهما معا، أو
~~يدعهما معا، لما روي أن رجلا نزل بعلي عليه السلام، فأدلى بخصومة، فقال له
~~علي عليه السلام، ألك خصم، قال: نعم، قال: تحول عنا، فأني سمعت رسول الله
~~صلى الله عليه وآله يقول: لا تضيفوا أحد الخصمين، إلا ومعه خصمه (4).
# والقاضي بين المسلمين، والحاكم والعامل عليهم، يحرم على كل واحد منهم
~~الرشوة، لما روي، أن النبي عليه السلام قال: لعن الله الراشي والمرتشي في
~~الحكم (5).
# وهو حرام على المرتشي بكل حال، وأما الراشي، فإن كان قد رشاه على تغير
~~حكم (6)، أو إيقافه، فهو حرام وإن كان على إجرائه على واجبه، لم يحرم عليه
~~أن يرشوه لذلك، لأنه يستنقذ ماله، فيحل ذلك له، ويحرم على الحاكم أخذه (7).
# والذي يقتضيه مذهبنا، أن الحاكم يجب أن يكون عالما بالكتابة، والنبي عليه
~~السلام عندنا، كان يحسن الكتابة بعد النبوة، وإنما لم يحسنها قبل البعثة.
# وأما كيفية البحث فيقدم أولا من الذي يبحث عنه، ومتى يبحث عنه، وجملته أن
~~الشهود ضربان، من له شدة عقول يعني وفور عقل، وضبط، وحزم،
# PageV02P166
# وجودة تحصيل، ومن ليس لهم ذلك، من شدة عقول، يعني هو ms0621 عاقل، إلا أنه ليس
~~بكامل العقل، جميع هذا ذكره شيخنا في مبسوطه (1)، ولا أرى به بأسا.
# وإذا شهد عنده من يتعتع في شهادته، أو يتلعثم، يعني يتعتع، قال الجوهري
~~صاحب كتاب الصحاح: التعتعة في الكلام: التردد فيه، من حصر أوعي، وقال أيضا
~~قال أبو زيد: (2) تلعثم الرجل في الأمر: إذا تمكث فيه، وتأنى فلا يسدده
~~(3).
# أو لا يترك أحدا يلقنه، بل يتمهل عليه، حتى يفرغ من شهادته فإذا فرغ، فإن
~~كانت شهادته موافقة للدعوى، قبلها، وحكم بها، وإلا طرحها.
# ومتى أراد الاحتياط والأخذ بالحزم (4) في قبول الشهادة، ينبغي له أن يفرق
~~بين الشهود، ويستدعي واحدا واحدا، ويسمع شهادته، ويثبتها عنده، ويقيمه،
~~ويحضر الآخر، فيسمع شهادته، ويثبتها، ثم يقابل بين الشهادات فإن اتفقت،
~~قابلها مع دعوى المدعي، فإن وافقتها، حكم بها بعد سؤال صاحب الحق، على ما
~~قدمناه، وإن اختلفت، طرحها، ولم يلتفت إليها، وكذلك إن اتفقت، غير أنها لم
~~توافق الدعوى، طرحها أيضا، ولم يعمل بها، وهذا حكم (5) سائر في جميع
~~الأحكام والحقوق، من الديون، والأملاك، والعقود، والدماء، والفروج،
~~والقصاص، والشجاج، فإن الأحوط فيها أجمع، أن يفرق بين الشهود، وإن جمع
~~بينهم، وسمع شهادتهم، لم يكن ذلك مما يوجب رد شهادتهم، ولا موجبا الحكم
~~بخلافها، غير أن الأحوط ما قدمناه.
# ومن شهد عنده شاهدان عدلان، على أن حقا ما لزيد (6) وجاء آخران، فشهدا أن
~~ذلك الحق لعمرو، فإن كانت أيديهما خارجتين (7) منه، فينبغي للحاكم أن يحكم
~~لأعدلهما شهودا، فإن تساويا في العدالة كان الحكم لأكثرهما شهودا،
# PageV02P167
# مع يمينه بالله تعالى، أن الحق له، فإن تساويا في العدالة والعدد، أقرع
~~بينهما، فمن خرج عليه، حلف، وكان الحكم له، فإن امتنع من خرج اسمه في
~~القرعة من اليمين (1) كان الحق بينهما نصفين.
# ومتى كان مع واحد منهما يد متصرفة، قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: فإن
~~كانت البينة تشهد بأن الحق، ملك له فقط (خفيفة الطاء، ساكنه وهي بمعنى حسب)
~~وتشهد للآخر بالملك أيضا، انتزع الحق من اليد المتصرفة، وأعطي اليد
~~الخارجة. ms0622
# وإن شهدت البينة لليد المتصرفة، بسبب الملك، من بيع، أو هبة، أو معاوضة،
~~كانت أولى من اليد الخارجة (2).
# قال محمد بن إدريس: والذي يقوى في نفسي، وأعمل عليه، وأفتي به، أن اليد
~~الخارجة في المسألتين معا، يسلم الشئ إليها، وهي أحق من اليد المتصرفة،
~~والبينة بينتها، كيف ما دارت القصة، هذا الذي يقتضيه أصول مذهب أصحابنا،
~~بغير خلاف بين المحققين منهم، ولقوله عليه السلام:
# البينة على المدعي، وعلى الجاحد اليمين (3)، فجعل عليه السلام البينة
~~بينة المدعي، وفي جنبته، فلا يجوز أن يسمع بينة الجاحد، سواء كان معه سبب
~~ملك، أو غيره، وهذا مذهب شيخنا أبي جعفر في مسائل خلافه، في الجزء الثاني،
~~في كتاب البيوع (4).
# وجملة القول في ذلك، وعقد الباب، أن نقول: إذا تنازعا عينا، وهي في يد
~~أحدهما، وأقام كل واحد منهما بينة، بما يدعيه من الملكية، انتزعت العين من
~~يد الداخل، وأعطيت الخارج، وكانت بينة الخارج أولى، وهي المسموعة، سواء
~~شهدت بينة الداخل بالملك بالإطلاق، أو بالأسباب، بقديمه (5)، أو بحديثه،
# PageV02P168
# كيف ما دارت القصة، فإن بينة الخارج أولى على الصحيح من المذهب، وأقوال
~~أصحابنا، ولقوله عليه السلام المجمع عليه من الفريقين، المخالف والمؤالف،
~~المتلقى عند الجميع بالقبول، وهو: البينة على المدعي، واليمين على المدعى
~~عليه، فقد جعل عليه السلام، البينة في جنبة المدعي بغير خلاف.
# فأما إن كانت العين المتنازع فيها خارجة من يدي المتنازعين (1)، وهي في
~~يد ثالث غيرهما، ثم أقام كل واحد منهما بينة بها، فإن أصحابنا يرجحون بكثرة
~~الشهود، فإن استويا في الكثرة، رجحنا بالتفاضل في عدالة البينتين، فيحكم في
~~المال المتنازع فيه، ويقدم بينة صاحب الترجيح مع يمينه، فإن استويا في جميع
~~الوجوه، فالحكم عند أصحابنا المحصلين القرعة، على أيهما خرجت، أعطي، وحلف
~~للآخر أنه يستحقه، وهو له، فإن لم يكن ترجيح، وهو في يد ثالث، وأقام أحدهما
~~بينة بقديم الملك، والآخر بحديثه، وكل منهما يدعي أنه ملكي الآن، وبينة كل
~~واحد منهما تشهد بأنه ملكه الآن، غير أن إحدى البينتين، تشهد بالملكية ms0623
~~الآن، وبقديم الملك، والأخرى تشهد بالملكية الآن، وبحديث الملك (2)، مثاله
~~إن إحدى البينتين تشهد بالملك منذ سنتين، والأخرى منذ سنة، فالبينة بينة
~~قديم الملك، وهي المسموعة، والمحكوم بها، دون بينة حديث الملك، لأن حديث
~~الملك، لا يملكه، إلا عن يد قديمة، فهو مدعي الملكية عنه، ولا خلاف أنا لا
~~نحكم بأنه ملك عنه، لأنه لو كان عنه ملك، لوجب أن يكون الرجوع عليه بالدرك،
~~فإذا لم يحكم بأنه عنه ملك، بقي الملك على صاحبه، حتى يعلم زواله عنه.
# وكذلك تكون بينة صاحب السبب، أولى في هذه المسألة، إذا كانت العين
~~المتنازع فيها في يد ثالث، وخارجة من أيديهما، عند بعض أصحابنا، والأقوى
~~عندي استعمال القرعة هاهنا، وإن لا يجعل لصاحب السبب هاهنا ترجيح، لأن
# PageV02P169
# الترجيح عندنا ما ورد إلا بكثرة الشهود، فإن تساووا في العدد، فأعد لهما
~~شهودا، والمراد بأعدلهما في هذا المواضع، أن البينتين جميعا شرائط العدالة
~~فيهما، إلا أن إحداهما أكثر مواظبة على الأعمال الصالحات المندوبات، وإن
~~كانت الأخرى غير مخلة بواجب، ولا مرتكبة لقبيح. وليس المراد أن إحداهما
~~فاسقة، والأخرى عادلة، لأن لفظة أفعل في لسان العرب، للمشاركة في الشئ،
~~والزيادة عليه، فمن ظن أن المراد بأعدلهما شهودا غير ما قلناه، فقد أخطأ
~~خطأ فاحشا.
# وبقديم الملك (1) على ما دللنا عليه، ولا ترجيح بغير ذلك عند أصحابنا،
~~والقياس والاستحسان والاجتهاد باطل عندنا، فلم يبق إلا استعمال القرعة،
~~لإجماعهم على أن كل أمر مشكل فيه القرعة، إلا أن يكون مع ذلك الآخر مرجح،
~~من المرجحات المجمع عليها، وهي المقدم ذكرها، من كثرة العدد، أو أعدلهما
~~شهودا، أو بقديم الملك.
# ولو قلنا: نرجح بالسبب، إذا كان في يد ثالث، لكان قويا، وبه أفتي، لأن
~~فيه جمعا بين الأحاديث والروايات، وعليه الإجماع، فإن المحصلين من الأصحاب،
~~مجمعون عليه، قائلون به، ولأن السبب أولى من قديم الملك، وقد رجحنا بقديم
~~الملك، لأن من شهد بالنتاج والبيع والهبة، نفى أن يكون ملكا قبله لأحد،
~~أعني النتاج، وكان أقوى، فليتأمل ذلك.
# فهذا تحقيق ms0624 المسائل المختلفة، الموضوعة في الجزء الثالث من مسائل الخلاف،
~~لشيخنا أبي جعفر (2) فإنها مختلفة الألفاظ، وتحريرها ما ذكرناه.
# والذي أعتمده وأعتقده وأعمل عليه، بعد هذه التفاصيل جميعها أن لا ترجيح
~~إلا بالعدد، وبالتفاضل في عدالة البينتين فحسب، دون الأسباب، وقدم
# PageV02P170
# الأملاك، لأن القياس عندنا باطل، على ما قدمناه، وإنما فصلنا ما فصلناه
~~على وضع شيخنا في مسائل خلافه، وهي من فروع المخالفين، ومذاهبهم، فحكاها،
~~واختارها، دون أن يكون مذهبا لنا، أو لبعض مشيختنا، ولا وردت به أخبارنا،
~~ولم يذهب إليه أحد من أصحابنا، سوى شيخنا أبي جعفر في كتابيه الفروع،
~~مبسوطه (1) ومسائل خلافه، وعادته في هذين الكتابين، وضع أقوال المخالفين،
~~واختيار بعضها، فليلحظ.
# فأما إن كانت يدهما معا عليها، كالدار هما فيها، والثوب يدهما جميعا
~~عليه، كان بينهما، ولا بينة لواحد منهما، حلف كل واحد منهما لصاحبه، وكان
~~الشئ بينهما بنصفين.
# وقد روى (2) أصحابنا، أنه إذا كانت جارية مع رجل وامرأة، وادعى الرجل
~~أنها مملوكته، وادعت المرأة أنها بنتها، وهي حرة، وأنكرت الجارية الدعويين
~~جميعا، كان على الرجل البينة بأن هذه الجارية مملوكته، لم يبعها، ولم
~~يعتقها، فإن أقام بذلك، سلمت إليه، وكذلك إن أقرت الجارية أنها مملوكته،
~~وكانت بالغة، سلمت إليه، وإن لم يقم بينة، ولا تكون هي بالغا، أو تكون
~~بالغا، غير أنها لا تقر، انتزعت من يده، فإن أقامت المرأة البينة أنها
~~بنتها، سلمت إليها إذا كانت صغيرة، وإن لم تكن لها بينة، تركت الجارية،
~~تمضي حيث شاءت.
# ومتى كانت جارية بين شركاء، فوطأوها كلهم في طهر واحد، وحملت، وولدت،
~~فادعى كل واحد منهم أن الولد له، أقرع بينهم، فمن خرج اسمه، ألحق الولد به،
~~وغرم الباقين قيمة الولد، على قدر ما لهم من الجارية، ورد مع ذلك أيضا ثمن
~~الجارية على قدر حصصهم.
# قال محمد بن إدريس: وهذا يكون على التقريب، وأنهم (3) في يوم واحد، أو لا
~~يعرف المتقدم من المتأخر، واشتبه الأمر وأشكل، وإلا إذا كان الطهر مثلا
# PageV02P171
# شهرا أو شهرين، لأن الطهر لا حد ms0625 لأكثره عندنا، فوطئها واحد منهم في أول
~~الشهر، والثاني في آخره، ثم وضعت الولد لستة أشهر، منذ يوم وطئ الأول، فهو
~~للأول دون الباقين (1)، بغير خلاف، فليلحظ ذلك.
# ومتى سقط بيت على قوم، فماتوا، وبقي منهم صبيان، أحدهما مملوك، والآخر حر
~~والمملوك عبد لذلك الحر، ولم يتميز أحدهما من الآخر، أقرع بينهما، فمن خرج
~~اسمه، فهو الحر، وكان الآخر مملوكا له.
# وإذا قال إنسان: أول مملوك أملكه فهو حر، وجعل ذلك نذرا، ثم ملك جماعة في
~~وقت واحد، أقرع بينهم، واعتق من خرج اسمه، على ما ورد في بعض الأخبار (2)
~~وأورده شيخنا في نهايته (3).
# والذي يقوى في نفسي، أنه إذا ملك جماعة لا ينعتق منهم أحد، ولا يقرع على
~~واحد منهم، لأن شرط النذر ما وجد، وهو قول الناذر أول مملوك أملكه، وهذا ما
~~ملك واحد قبل الآخر والأصل بقاء الرق وحصول الملك فمن أخرجه من الملك يحتاج
~~إلى دليل، ولا دليل على ذلك من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، وأخبار الآحاد لا
~~يلتفت إليها، ولا يعول عليها، بقي معنا من الأدلة الأصل، وهو بقاء الملك
~~وثبوته، وشيخنا أورده إيرادا، لا اعتقادا، كما أورد أمثاله في كتاب
~~النهاية، وإن كان قوله، وعمله، واعتقاده، وفتواه، بخلافه، وقد رجع شيخنا عن
~~هذا بعينه في الجزء الرابع (4) من المبسوط (5).
# وإذا أوصى إنسان، أن يعتق (6) ثلث عبيده، ولم يعينهم، أقرع بينهم، واعتق
~~من خرج اسمه.
# PageV02P172
# وقال شيخنا أبو جعفر، في مبسوطه في آخر الجزء السادس: ومتى قلنا أنه من
~~الثلث، أقرع بينهما، فمن خرج اسمه أعتق، ورق الآخر، هذا إذا كانت قيمة كل
~~واحد منهما ثلث ماله، فأما إذا اختلفت القيمتان، وكانت قيمة أحدهما ثلث
~~ماله، وقيمة الآخر سدس ماله، فإذا أقرعنا بينهما، مع تساوي القيمة، أقرعنا
~~هاهنا، فإن خرجت القرعة لمن قيمته الثلث، عتق، ورق الآخر كله وإن خرجت
~~القرعة لمن قيمته السدس، عتق كله، وكملنا الثلث من الآخر، فيعتق من الآخر
~~نصفه (1).
# فأما المسألة الأولة فأوردها في نهايته، تحمل على أن ثلثهم ms0626 يكون بمقدار
~~ثلثه، أو أقل منه، وما ذكره في مبسوطه يحمل [على ما] إذا كان ثلث العبيد
~~يزيد على ثلث الميت، وهو ثلث التركة، فتجزى العبيد بالقيمة، لا بالرؤوس،
~~ويكون الحكم على ما قاله رحمه الله.
# وإذا ولد مولود ليس له ما للرجال، ولا ما للنساء، أقرع عليه، فإن خرج سهم
~~الرجال ألحق بهم، وورث ميراثهم، وإن خرج سهم النساء، ألحق بهن، وورث
~~ميراثهن، وكل أمر مشكل مجهول يشتبه الحكم فيه، فينبغي أن يستعمل فيه
~~القرعة، لما روي عن الأئمة الأطهار عليهم السلام (2)، وتواترت به الآثار،
~~وأجمعت عليه الشيعة الإمامية.
# وقال شيخنا في مبسوطه: إذا قال لعبده: إن قتلت فأنت حر، فهلك السيد،
~~واختلف الوارث والعبد، فأقام الوارث البينة أنه مات حتف أنفه، وأقام العبد
~~البينة أنه مات بالقتل، قال قوم: يتعارضان، ويسقطان، ويسترق العبد، وقال
~~قوم: بينة العبد أولى، لأن موته قتلا يزيد على موت حتف أنفه،
# PageV02P173
# لأن كل مقتول ميت، وليس كل ميت مقتولا، فكان الزائد أولى، ويعتق العبد،
~~وعندنا يستعمل فيه القرعة، فمن خرج اسمه، حكم ببينته (1).
# قال محمد بن إدريس: والأظهر الذي يقتضيه أصول مذهبنا، أنه ينعتق العبد،
~~لأن هذا ليس بأمر مشكل، لأنه بينة العبد شهدت بأمر زائد، قد يخفى على بينة
~~الوارث وهكذا قال رحمه الله في مبسوطه، في رجل قال لعبد له: إن مت في
~~رمضان، فأنت حر، وقال لعبد له آخر: إن مت في شوال، فأنت حر، فمات السيد،
~~واختلف العبدان، فأقام كل واحد منهما البينة على ما ادعاه (2).
# قال محمد بن إدريس: الصحيح أنه تقبل بينة رمضان، لأن معها زيادة، وهو أن
~~يخفى على بينة شوال، موته في رمضان، ولا يخفى على بينة رمضان موته في شوال،
~~فكان صاحب رمضان أولى، وليس هذا من الأمور المشكلة بقبيل.
# وقد بينا في كتاب الشهادات، ما يقبل فيه شهادة الصبيان، وينبغي أن يفرق
~~بينهم في الشهادة، ويؤخذ بأول قولهم، ولا يؤخذ بثانيه، ومتى اختلفوا لم
~~يرجع إلى شئ من أقوالهم، ولا يعتد أيضا بشئ ms0627 من أقوالهم التي يرجعون إليها،
~~من الأقوال الأولة.
# وإذا بحث الحاكم عن عدالة الشاهد، فإن الجرح يقدم على التزكية، ولا يقبل
~~الجرح إلا مفسرا وتقبل التزكية من غير تفسير، وقال قوم: يقبل الأمران معا
~~مطلقا.
# والصحيح الأول، لأن الناس يختلفون فيما هو جرح، وما ليس بجرح، فإن أصحاب
~~الشافعي لا يفسقون من شرب النبيذ، ومالك يفسقه، ومن نكح المتعة في الناس من
~~فسقه، وعندنا أن ذلك لا يوجب التفسيق، بل هو مباح طلق، وربما كان مستحبا،
~~فإذا كان كذلك لم يقبل الجرح إلا مفسرا، لئلا يجرحه بما هو جرح عنده، وليس
~~بجرح عند الحاكم، ويفارق الجرح التزكية، لأن التزكية إقرار صفة على الأصل،
~~فلهذا قبلت من غير تفسير، والجرح أخبار عما حدث (3) من
# PageV02P174
# عيوبه، وتجدد من معاصيه، فبان الفصل بينهما.
# ولا يقبل الجرح ولا التزكية، حتى يكون الشاهد بها من أهل الخبرة الباطنة،
~~والمعرفة المتقادمة هذا في التزكية خاصة، والفصل بينهما، أن الجرح يعرف
~~لحظة واحدة (1) وهو أن يرتكب ما يفسق به، فتسقط شهادته، ولو كان قبل ذلك
~~أعدل الناس، فلهذا لم يفتقر إلى الخبرة المتقادمة، وليس كذلك التزكية، لأنه
~~لا يكون عدلا، بأن يراه في يومه عدلا، لأن العدل من تاب عن المعاصي، وطالت
~~مدته في الطاعات، وإلا أن يتوب على ما قدمناه.
# لا يجوز للحاكم أن يرتب شهودا يسمع شهادتهم، دون غيرهم، بل يدع الناس،
~~فكل من شهد عنده، فإن عرفه، وإلا سأل عنه على ما قلناه.
# وقيل: إن أول من رتب شهودا لا يقبل غيرهم، إسماعيل بن إسحاق القاضي
~~المالكي.
# والصحيح ما قلناه، لأن الحاكم إذا رتب قوما، فإنما يفعل هذا بمن هو عدل
~~عنده، وغير من رتبه كذلك مثله، أو أعدل منه، فإذا كان الكل سواء، لم يجز أن
~~يخص بعضهم بالقبول دون بعض، ولأن فيه مشقة على الناس، لحاجتهم إلى الشهادة
~~بالحقوق في كل وقت، من نكاح، وغصب، وقتل، وغير ذلك، فإذا لم يقبل إلا قوما،
~~دون قوم، شق على الناس.
# وينبغي للقاضي، أن يتخذ ms0628 كاتبا يكتب بين يديه، وصفة الكاتب أن يكون عدلا
~~عاقلا، ولا يجوز له أن يتخذ كافرا بلا خلاف، لقوله تعالى: " يا أيها الذين
~~آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا " (2) وكاتب الرجل
~~بطانته، وقال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء
~~تلقون إليهم بالمودة " (3) وكاتب الرجل وليه وصاحب سره، وعليه إجماع
~~الصحابة.
# PageV02P175
# ولا ينبغي لقاض، ولا وال (1) من ولاة المسلمين، أن يتخذ كاتبا ذميا، ولا
~~يضع الذمي في موضع يفضل به مسلما، وينبغي أن يعز المسلمين لئلا تكون لهم
~~حاجة إلى غير أهل دينهم.
# ولا يقبل عندنا كتاب قاض، إلى قاض، بغير خلاف بيننا، وإجماعنا منعقد على
~~ذلك، وما يرويه المخالف في ذلك، فكله أخبار آحاد، لا يلتفت إليها، ولا يعرج
~~عليها، لأن العمل يجب أن يكون تابعا للعلم، ولا علم في ذلك، ولا دلالة
~~عليه.
# وإذا كتب الكتاب، فأدرجه، وختمه ثم استدعى بهما، فقال: هذا كتابي، قد
~~أشهدتكما على نفسي بما فيه، لم يصح، ولا يصح هذا التحمل، ولا العمل عليه،
~~وكذلك إن قرأه عليهما، عندنا لما قدمناه، فهذا فرع يسقط عنا.
# وفي الوصايا فإنه لو أوصى بوصية، وأدرج الكتاب، وأظهر (2) للشهود مكان
~~الشهادة، وقال: قد أوصيت بما أردته في هذا الكتاب، ولست أختار أن يقف أحد
~~على حالي، وتركتي، قد أشهدتكما علي بما فيه، لم يصح هذا التحمل بلا خلاف.
# الذي يقتضيه مذهبنا أن الإمام إذا مات ينعزل النائبون عنه، إلا أن يقرهم
~~الإمام القائم مقامه.
# المشتري للعقار إذا أشهد على البائع بالبيع، وطالبه بكتاب الأصل، لم يجب
~~عليه أن يعطيه إياه، لأنه ملكه، ولأنه حجته عند الدرك.
# وإذا كان لجماعة على رجل حقوق من جنس واحد، أو أجناس، فوكلوا من ينوب
~~عنهم في الخصومة، فادعى الوكيل عليه الحقوق، فإن اعترف، فلا كلام، وإن
~~أنكر، وكانت هناك بينة، حكم عليه بها، فإن لم تكن بينة، فالقول قوله مع
~~يمينه، فإن أراد كل واحد من الجماعة أن يستحلفه على الانفراد، كان له، لأن
~~اليمين ms0629 حق له، فكان له أن ينفرد باستيفائه، وإن قالت الجماعة قد رضينا
# PageV02P176
# منه بيمين واحدة عن الكل لكلنا، قال قوم: يستحلفه، لأنه لما صح أن يثبت
~~الحقوق عليه بالبينة الواحدة، صح أن يسقط الدعوى باليمين الواحدة، وقال
~~آخرون: لا يجوز أن يقتصر الحاكم منه على يمين واحدة، والأول هو الصحيح، لأن
~~اليمين حق لهم، فإذا رضوا بيمين واحدة، فينبغي أن يكتفي بها.
# إذا استعدى رجل عند الحاكم على رجل، فإن كان حاضرا، أعدى عليه، وأحضره،
~~سواء علم بينهما معاملة، أو لم يعلم، وليس في ذلك ابتذال لأهل الصيانات
~~والمروات، فإن عليا عليه السلام، حضر مع يهودي عند شريح، وحضر عمر مع أبي
~~عند زيد بن ثابت، ليحكم بينهما في داره، وحج أبو جعفر المنصور ثاني الخلفاء
~~من العباسيين، فحضر مع جمالين مجلس الحكم، عند حاكمه لخلف جرى بينهم.
# فإذا ثبت هذا، فمتى (1) حضر، قيل له. ادع الآن، فإذا ادعى عليه، لم يسمع
~~الدعوى إلا محررة، فأما إن قال: لي عنده ثوب، أو فرس، أو حق، لم يسمع
~~دعواه، لأن دعواه لها جواب، فربما كان بنعم، فلا يمكن الحاكم أن يقضي به
~~عليه، لأنه مجهول، قالوا: أليس الإقرار بالمجهول يصح، فهلا قلتم إن الدعوى
~~المجهولة تصح، قلنا: الفصل بينهما، أنه إذا أقر بمجهول، لو كلفناه تحرير
~~الإقرار ربما رجع عن إقراره، فلهذا ألزمنا المجهول به، وليس كذلك مسألتنا،
~~لأنه إذا ردت الدعوى عليه، ليحررها، لم يرجع، فلهذا لم تسمع إلا معلومة.
# هذا كله ما لم تكن وصية، فإن كانت الدعوى وصية، سمع الدعوى فيها، وإن
~~كانت مجهولة، والفصل بينهما وبين سائر الحقوق، إن تمليك المجهول بها يصح،
~~فصح أن يدعي مجهولة، وليس كذلك غيرها، لأن تمليك المجهول به لا يصح، فلهذا
~~لم تقبل الدعوى به إلا معلومة.
# فإذا ثبت ذلك، فإن حرر الدعوى، فلا كلام، وإن لم يحررها، ولم يحسن
# PageV02P177
# ذلك، فلا يجوز للحاكم أن يلقنه تحريرها.
# فإن كانت الدعوى أثمانا، فلا بد من ذكر ثلاثة أشياء، تكون معلومة، وهو أن ms0630
~~يذكر القدر، والجنس، والنوع، قالوا: أليس لو باع ثوبا بألف مطلقا، انصرف
~~إلى نقد البلد، هلا قلتم تسمع الدعوى مطلقا، وتنصرف إلى نقد البلد، قلنا:
# الفصل بينهما، أن الدعوى، إخبار عما كان واجبا عليه، وذلك يختلف في وقت
~~وجوبه، باختلاف الأزمان والبلدان، فلهذا لم تسمع منه إلا محررة، وليس كذلك
~~الشراء، لأنه إيجاب في الحال، فلهذا انصرف إلى نقد البلد.
# فأما إن كانت غير الأثمان، لم تخل من أحد أمرين، إما أن تكون عينا قائمة
~~أو هالكة، فإن كانت عينا قائمة، فإن كانت مما يمكن ضبطها بالصفات، ضبطها،
~~وإن لم يمكن ضبط الصفات، كالجواهر، ونحوها ذكر قيمتها، وإن كانت تالفة، فإن
~~كان لها مثل، كالحبوب، والأدهان، وصفها، وطالب بها، لأنها تضمن بالمثل، وإن
~~لم يكن لها مثل، كالحيوان، والثياب، فلا بد من ذكر القيمة.
# كل موضع تحررت الدعوى، فليس للحاكم مطالبة المدعى عليه بالجواب، بغير
~~مسألة المدعي، لأن الجواب حق المدعي، فليس للحاكم المطالبة به من غير
~~مسألته، كنفس الحق، فإذا أقر بما ادعاه خصمه، لم يكن للحاكم أن يحكم عليه
~~به، إلا بمسألة المقر له به، لأن الحكم عليه به حق له، فلا يستوفيه إلا
~~بأمره، كنفس الحق. والحكم أن يقول له: الزمتك ذلك، أو قضيت عليك به، أو
~~يقول: أخرج له منه، على ما قدمناه أو لا، وشرحناه.
# إذا أراد الإمام أن يولي قاضيا، فإن وجد متطوعا به، ولاه، ولا يولي من
~~يطلب عليه رزقا، وإن لم يجد متطوعا، كان له أن يولي القضاء، ويرزقه من بيت
~~المال، وروي أن عليا عليه السلام ولى شريحا، وجعل له في كل سنة خمسمائة
~~درهم، وكان عمر قبله، جعل له كل شهر مائة درهم (1).
# PageV02P178
# عندنا للحاكم أن يقضي بعلمه في جميع الأشياء، لأنه لو لم يقض بعمله، أفضى
~~إلى إيقاف الأحكام، أو فسق الحكام، لأنه إذا طلق الرجل زوجته بحضرته ثلاثا،
~~ثم جحد الطلاق، كان القول قوله مع يمينه، فإن حكم بغير علمه، وهو استحلاف
~~الزوج، وتسليمها إليه، فسق، وإن لم ms0631 يحكم، وقف الحكم، وهكذا إذا أعتق الرجل
~~عبده بحضرته، ثم جحد، وإذا غصب من رجل ماله ثم جحد، يقضي إلى ما قلناه.
# الحقوق ضربان، حق للآدميين، وحق لله، فإن ادعى حقا لآدمي، كالقصاص، وحد
~~القذف، والمال، فاعترف به، أو قامت به البينة، لم يجز للحاكم أن يعرض له
~~بالرجوع عنه، والجحود، لأنه لا ينفعه ذلك، لأنه إذا ثبت باعترافه، لم يسقط
~~برجوعه، وإن كان قد ثبت بالبينة، لم يسقط عنه بجحوده، وإن كان حقا لله كحد
~~الزنا والشرب، فإن كان ثبوته عند الحاكم بالبينة، لم يعرض له بالرجوع، لأن
~~الرجوع لا ينفعه، وإن كان ثبوته باعترافه، جاز للحاكم أن يعرض له بالرجوع،
~~لكنه لا يصرح بذلك، لأن فيه تلقين الكذب، وإنما قلنا بجوازه، لأن ما عزا،
~~لما اعترف قال له النبي عليه السلام: لعلك قبلتها، لعلك لمستها.
# إذا شهد شاهدان عند الحاكم بحق، وكانا عدلين، حين الشهادة ثم فسقا قبل
~~الحكم بشهادتهما، أو بعد الحكم بشهادتهما، فإن فسقا قبل الحكم بشهادتهما،
~~قال قوم من المخالفين: لا يحكم بشهادتهما، وقال آخرون: يحكم، وهذا الذي
~~يقتضيه مذهبنا، لأن المعتبر في العدالة حين الأداء، ولا يراعى ما قبل ذلك،
~~ولا ما بعده.
# فإن فسقا بعد الحكم، وقبل الاستيفاء، فإن كان حقا لآدمي لا ينقض وأمضى،
~~وإن كان حقا لله، فإنه لا يمضي، لقوله عليه السلام: ادرءوا الحدود بالشبهات
~~(1) وحدوث الفسق شبهة، ويفارق المال، لأن المال لا يسقط بالشبهة.
# فأما إن قامت البينة، بأنهما كانا فاسقين قبل الشهادة، والإقامة لها،
# PageV02P179
# والحكم بها، بأن قامت البينة عنده أنهما شربا الخمر أو قذفا حرا، قبل
~~الحكم بشهادتهما بيوم، قال قوم: ينقض الحكم، وهو الذي يقتضيه مذهبنا.
# من ادعى مالا أو غيره، ولا بينة له، فتوجهت اليمين على المدعى عليه، فنكل
~~عنها، فإنه يحكم عليه بالنكول، بل يلزم اليمين المدعي، فيحلف، ويحكم له بما
~~ادعاه، هذا هو مذهب أصحابنا.
# وقال شيخنا أبو جعفر، في نهايته: فإذا نكل، لزمه الحق، وأطلق ذلك (1)
~~ورجع في مسائل الخلاف (2)، والمبسوط (3)، إلى ms0632 ما اخترناه، والمعنى فيما
~~ذكره في نهايته، من قوله لزمه الحق، يعني أن بنكوله صارت اليمين على
~~المدعي، بعد أن كانت عليه، وكل من كانت عليه اليمين، فهو أقوى جنبة من
~~صاحبه، والقول قوله مع يمينه، لا أنه أراد بمجرد النكول يقضي الحاكم عليه
~~بالحق، من دون يمين خصمه.
# فأما حقوق الله فعلى ضربين، حق لا يتعلق بالمال، وحق يتعلق بالمال، فأما
~~ما لا يتعلق بالمال، كحد الزنا، وشرب الخمر، وغير ذلك، فلا يسمع فيه
~~الدعوى، ولا يلزم الجواب، ولا يستحلف، لأن ذلك مبني على الإسقاط.
# إذا مات رجل، وخلف طفلا، وأوصى إلى رجل بالنظر في أمره، فادعى الوصي دينا
~~على رجل، فأنكر، فإن حلف، سقطت الدعوى، وإن لم يحلف، فلا يمكن رد اليمين
~~على الوصي، لأنه لا يجوز أن يحلف عن غيره، فتوقف إلى أن يبلغ الطفل، ويحلف،
~~ويحكم له.
# المستحب أن لا يكون الحاكم جبارا، متكبرا، عسوفا، لأنه إذا عظمت هيبته،
~~لم يلحن ذو الحجة بحجته (4)، هيبة له ولا يكون ضعيفا مهينا، لأنه
# PageV02P180
# لا يهاب، فربما خرق بمجلسه بالمشاتمة ويكون فيه شدة من غير عنف، ولين من
~~غير ضعف، فإن ذلك أولى بالمقصود.
# ومتى حدثت حادثه، فأراد أن يحكم فيها، فإن كان عليها دليل من نص كتاب، أو
~~سنة مقطوع بها، أو إجماع، عمل عليه، قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه: وعندنا
~~إن جميع الحوادث هذا حكمها، فلا يخرج عنها شئ، قال رحمه الله: فإن شذت،
~~كانت مبقاة على الأصل (1).
# وهذا هو الصحيح الذي يقتضيه مذهبنا، الذي لا يجوز العدول عنه.
# وقال شيخنا أبو جعفر في الجزء الثاني من الاستبصار، في باب البينتين إذا
~~تقابلتا، أورد أخبارا تتضمن أن قوما اختصموا في بغلة أو دابة، وأنهم
~~انتجوها على مذودهم (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: المذود، بالميم، والذال المعجمة، والواو،
~~والدال غير المعجمة: المعلف، والمربط، وهو مشتق من ذدت الشئ، إذا حمى عنه،
~~وطرد عنه، فهو مفعل من ذاد يذود، فكأنما البهيمة تحمى وتطرد عن مربطها
~~ومعلفها، قال ms0633 الجاحظ في كتاب الحيوان: أورد في معنى البراغيث، ثلاثة أبيات
~~وهي:
# هنيئا لأهل الري طيب بلادهم وأن أمير الري يحيى بن خالد بلاد إذا جن
~~الظلام تقاقرت (3) براغيثها من بين مثنى وواحد ديازجة سود الجلود كأنها
~~بغال بريد أرسلت من مذاود (4) وقال المفضل بن سلمة في كتاب البارع: المرود
~~بالراء، موضع الذال، الحبل الذي يرود فيه، أي يذهب ويجئ وأنشد بيتا يصف
~~نشاط فرس:
# قاظ بذي الآري فالمنحنا يقتلع الآري بالمرود
# PageV02P181
# قال يعني بالمرود مع المرود، يعني قاظ (1) بهذين الموضعين، والآري محبس
~~الدابة.
# باب كيفية الاستحلاف قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: قد بينا في كتاب
~~الأيمان والنذور ما يجوز أن يحلف الإنسان به، وما لا يجوز، وما إذا حلف به
~~كان حالفا، وما لا يكون كذلك (2).
# قال محمد بن إدريس: كتاب الأيمان والنذور في الجزء الثاني من نهايته،
~~فكيف يقول قد بينا، وبعد ما وصل إليه، ولا صنفه؟، ولقائل أن يعتذر ويقول:
~~أشار إلى الجملة التي يريد أن يعملها، ويصنفها، وذلك جائز، وكثيرا ما قالت
~~ذلك العلماء في تصانيفهم، ولأبي العباس ثعلب في أول الفصيح مثل هذا، على ما
~~يعتذر له ويقال، ويجوز أيضا أنه كان قد صنفه قبل هذا، لأنه لا يمنع من ذلك
~~مانع.
# وينبغي للحاكم إذا أراد أن يحلف الخصم، أن يخوفه بالله تعالى، ويذكره
~~العقاب الذي يستحقه على اليمين الكاذبة، والوعيد عليها، فإن أنجع (3) ذلك،
~~وراجع الحق، حكم بما يقتضيه الحال، مما يوجبه الشرع، وإن أقام على الإنكار
~~واليمين، استحلفه بالله تعالى، أو بشئ من أسمائه، مما تنعقد اليمين به.
# ولا تنعقد اليمين عند أهل البيت عليهم السلام بشئ من المحدثات من الكتب
~~المنزلة، ولا المواضع المشرفة، ولا الرسل المعظمة ولا الأئمة، المنتجبة،
~~فإن اليمين بجميع ذلك بدعة في شريعة الإسلام.
# ولا يحلف بالبراءة من الله، ولا من رسله، ولا من أئمته، ولا من الكتب،
~~ولا بالكفر، ولا بالعتق، ولا بالطلاق، فإن ذلك كله غير جائز، وإن اقتصر على
~~أن يقول له: قل، والله ماله ms0634 قبلي حق، كان كافيا، فإن أراد الزيادة في الردع
~~والإرهاب، قال له: قل والله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، الطالب
~~الغالب، الضار، النافع، المدرك، المهلك، الذي يعلم من السر ما يعلمه من
# PageV02P182
# العلانية، ما لهذا المدعي على ما ادعاه، ولا له قبلي حق بدعواه، فإذا حلف
~~فقد برئت ذمته من ظاهر الحكم، إن كان كاذبا، وإن كان صادقا فقد برئت ذمته
~~ظاهرا وباطنا، وكان المعرض له آثما.
# واستحلاف أهل الكتاب يكون أيضا بالله، أو بشئ من أسمائه، وقد روي جواز أن
~~يحلفوا بما يرون هم الاستحلاف به، ويكون الأمر في ذلك إلى الحاكم، وما يراه
~~أنه أردع لهم، وأعظم عليهم (1).
# ويستحب أن يكون الاستحلاف في المواضع المعظمة، كالقبلة، وعند المنبر،
~~والمواضع التي يرهب من الجرأة على الله تعالى.
# وإذا أراد الحاكم أن يحلف الأخرس، حلفه بالإشارة والإيماء، إلى أسماء
~~الله سبحانه، وتوضع يده على اسمه (2) سبحانه في المصحف، ويعرف يمينه على
~~الإنكار، كما يعرف إقراره وإنكاره، كما قدمنا القول في ذلك وشرحناه، وإن لم
~~يحضر مصحف، وكتب اسم الله تعالى، ووضعت يده عليه أيضا جاز.
# وينبغي أن يحضر يمينه، من له عادة بفهم أغراضه وإيمائه وإشارته، وقد روي
~~أنه يكتب نسخة اليمين في لوح، ثم يغسل ذلك اللوح، ويجمع ذلك الماء، ويؤمر
~~بشربه، فإن شرب، كان حالفا، وإن امتنع من شربه، ألزم الحق بعد رد اليمين
~~على خصمه (3)، على ما قررناه في النكول.
# ويمكن حمل هذه الرواية، والعمل بها على أخرس، لا يكون له كناية معقولة،
~~ولا إشارة مفهومة، والأول على من يكون له ذلك، على ما أسلفنا القول فيه.
# وينبغي للحاكم أن لا يحلف أحدا إلا في مجلس الحكم، فإن كان هناك من توجهت
~~عليه اليمين، ومنعه من حضور المجلس مانع، من مرض، أو عجز، أو غير ذلك، جاز
~~للحاكم أن يستحلف من ينوب عنه، في المضي إليه، واستحلافه
# PageV02P183
# على ما تقتضيه شريعة الإسلام.
# والمرأة إذا وجبت عليها اليمين، استحلفها الحاكم في مجلس الحكم، وعظم
~~عليها الأيمان، ms0635 فإن كانت المرأة لم تجر لها عادة بالخروج من منزلها، إلى
~~مجمع الرجال، أو كانت مريضة، أو بها علة تمنعها من الخروج إلى مجلس القضاء،
~~أنفذ الحاكم إليها من ينظر بينها وبين خصمها، من ثقاته وعدوله، وأهل العلم
~~والفقه عنده، فإن توجهت عليها اليمين، استحلفها في منزلها، ولم يكلفها
~~الخروج إلى مجمع الرجال، وإن توجه عليها ألحق، ألزمها الخروج منه على ما
~~يقتضيه شرع الإسلام، وعدله، فإن امتنعت من ذلك، كان حكمها حكم الرجال، وجاز
~~له حبسها في الموضع الذي يجوز له حبس الرجال.
# باب النوادر في القضاء والأحكام روي أبو شعيب المحاملي، عن الرفاعي، قال:
~~سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن رجل قبل رجلا يحفر له بئرا عشر قامات،
~~بعشرة دراهم، فحفر له قامة، ثم عجز، قال: يقسم عشرة، على خمسة وخمسين جزءا،
~~فما أصاب واحدا، فهو للقامة الأولة، والاثنين للثانية، والثلاثة للثالثة،
~~وعلى هذا الحساب إلى عشرة (1).
# قال محمد بن إدريس: أورد هذه الرواية شيخنا أبو جعفر في نهايته (2)، وقال
~~في مبسوطه، في الجزء الثالث في كتاب الإجارات، قال: يجوز الاستيجار لحفر
~~البئر، غير أنه لا يجوز حتى يكون المعقود عليه معلوما، ويصير معلوما بأحد
~~أمرين، بتقدير المدة، أو تقدير نفس العمل، فأما المدة فيكفي أن يقول:
~~اكتريتك لتحفر لي بئرا، يوما أو عشرة، وما يقدره، لأن المعقود عليه، يصير
~~معلوما محددا (3) بذلك المقدار، وإن قدر العمل، فلا بد من مشاهدة الأرض
~~التي يريد
# PageV02P184
# أن يحفر فيها، لأنها تختلف في الرخاوة والصلابة، ولا بد من تقدير العرض
~~والعمق، فيقول قدر عرضه كذا ذراعا، وقدر عمقه كذا وكذا ذراعا، وتقدير ذلك
~~بالذراع الذي هو معتاد بين الناس، كما يقول في المكيال، فإذا استأجره على
~~ذلك، وأخذ يحفرها، فأنهار عليه الجرف، فحصل تراب الجرف في البئر، فانطم
~~بعضها، كان على المستأجر إخراجه، ولا يجب على الأجير، لأنه ملك المستأجر،
~~حصل في تلك الحفرة، فهو بمنزلة ما لو وقع فيها طعام له، أو دابة له، أو
~~تراب من موضع آخر، ms0636 فإن وقع من تراب البئر فيها، لزم الحفار إخراجه، لأن ذلك
~~مما تضمنه العقد، لأنه استؤجر ليحفر، ويخرج التراب، فإن استقبله حجر نظرت،
~~فإن أمكن حفره ونقبه، لزمه، وإن كان عليه مشقة فيه، لأنه التزم الحفر
~~بالعقد، فيلزمه على اختلاف حاله، وإن لم يمكن حفره، ولا نقبه، انفسخ العقد
~~فيما بقي، ولا ينفسخ فيما حفر، على الصحيح من الأقوال، قال رحمه الله:
~~ويقسط (1) على أجرة المثل، لأن الحفر يختلف، فحفر ما قرب من الأرض، أسهل،
~~لأنه يخرج التراب من قرب، وحفر ما هو أبعد، أصعب، قال رحمه الله: نظر، فإن
~~كان أجرة المثل على ما بقي، عشرة، وفيما حفر خمسة، أخذ ثلث المسمى، قال
~~رحمه الله وقد روى (2) أصحابنا في مثل هذا، مقدرا (3) ذكرناه في النهاية
~~(4) قال رحمه الله: وعلى هذا إن نبع الماء قبل انتهاء الحد، ولم يمكن
~~الزيادة على الحفر، فالحكم على ما ذكرناه، في الحجر إذا استقبله، ولم يمكن
~~حفره، هذا آخر كلام شيخنا في مبسوطه (5)، أوردناه حرفا فحرفا.
# والذي يقوى في نفسي، ما أورده في مبسوطه، واختاره، لأن الأدلة تقتضيه،
~~والأخبار، والاعتبار والنظر السليم، يقويه، ولا يرجع في مثل هذا
# PageV02P185
# الموضع، إلى أخبار آحاد، لا توجب علما ولا عملا، وقد ضعفه شيخنا، ولم
~~يلتفت إليه، وجعله رواية، ولذلك أورده في أبواب النوادر في نهايته، ولم
~~يورده غيره من أصحابنا المتقدمين عليه، لا شيخنا المفيد، ولا السيد
~~المرتضى، ولا أمثالهما رحمهم الله جميعا.
# وروى حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه
~~السلام، أتى بعبد لذمي قد أسلم، فقال: اذهبوا، فبيعوه من المسلمين، وادفعوا
~~ثمنه إلى صاحبه، ولا تقروه عنده (1).
# قال محمد بن إدريس: هذه رواية صحيحة، تعضدها الأدلة، وهو قوله تعالى: "
~~ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " (2).
# وروى حريز (بالحاء غير المعجمة والراء والزاء) عن أبي عبيدة زياد بن عيسى
~~الحذاء، قال: قلت لأبي جعفر، وأبي عبد الله عليهما السلام: رجل دفع إلى رجل
~~ألف درهم، يخلطها بماله، ويتجر بها، ms0637 قال: فلما طلبها منه، قال: ذهب المال،
~~وكان لغيره معه مثلها، ومال كثير لغير واحد، فقال: كيف صنع أولئك؟
# قال: أخذوا أموالهم، فقال أبو جعفر، وأبو عبد الله عليهما السلام جميعا:
~~يرجع عليه بماله، ويرجع هو على أولئك بما أخذوا (3).
# قال محمد بن إدريس: هكذا أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (4)، ووجه الفقه
~~والفتيا عندي على تسليم الخبر، أن الأول دفع المال إليه، فخلطه بغيره، فلما
~~خلطه بغيره، فرط فيه بالخلط، فضمنه، وأصحاب الأموال الباقية، خلط أموالهم
~~بإذنهم، والأول خلط ماله في أموالهم بغير إذنه، فيجب عليه الضمان، للأول
~~جميع ماله، فلما أخذ أصحاب الأموال الذين أذنوا في الخلط، ورضوا به،
# PageV02P186
# أموالهم على التمام والكمال، فقد أخذوا ما لم يكن لهم، بل الواجب تسليم
~~مال من لم يأذن بالخلط على الكمال، ويدخل النقصان والخسران على الباقين،
~~فلما أخذوا المال، رجع صاحب المال الذي لم يأذن بالخلط، على المضارب المفرط
~~بالخلط، بجميع ماله ورجع المضارب على من أخذ المال بقدر ما غرم.
# وقوله في الخبر: يخلطها بماله ويتجر بها، المعنى فيه خلطها بماله، واتجر
~~بها، وإن كان أتى به بلفظ الاستقبال، فقد يأتي المستقبل بمعنى الماضي
~~والماضي بمعنى المستقبل (1) وهذا كثير في كلام العرب والقرآن، قال الله
~~تعالى: " ونادى أصحاب الأعراف " (2) معناه وينادي، وقال الشاعر:
# وانضخ جوانب قبره بدمائها * فلقد يكون اخادم ودبايح معناه فلقد كان، بغير
~~شك، هذا فقه الحديث.
# محمد بن إسماعيل، عن جعفر بن عيسى، قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام،
~~جعلت فداك، المرأة تموت، فيدعي أبوها، أنه أعارها بعض ما كان عندها من
~~متاع، وخدم، أيقبل دعواه بلا بينة، أم لا تقبل دعواه إلا ببينة؟ فكتب إليه
~~يجوز بلا بينة (3).
# قال محمد بن إدريس، مصنف هذا الكتاب: أول ما أقول في هذا الحديث، أنه خبر
~~واحد، لا يوجب علما ولا عملا، وفيه ما يضعفه، وهو أن الكاتب الراوي للحديث،
~~ما سمع الإمام يقول هذا، ولا شهد عنده شهود، أنه قاله، وأفتى به، ولا يجوز
~~أن يرجع ms0638 إلى ما يوجد في الكتب، فقد يزور على الخطوط، ولا يجوز للمستفتي أن
~~يرجع إلا إلى قول المفتي، دون ما يجده بخطه، بغير خلاف، من محصل ضابط لأصول
~~الفقه.
# ولقد شاهدت جميعة من متفقهة أصحابنا، المقلدين لسواد الكتب،
# PageV02P187
# يطلقون القول بذلك، وأن أبا الميتة، لو ادعى كل المتاع، وجميع المال، كان
~~قوله مقبولا بغير بينة، وهذا خطأ عظيم، في هذا الأمر الجسيم، لأنه إن كانوا
~~عاملين بهذا الحديث، فقد أخطأوا من وجوه، أحدها أنه لا يجوز العمل عند
~~محصلي أصحابنا بأخبار الآحاد، على ما كررنا القول فيه، وأطلناه (1).
# والثاني، من يعمل بأخبار الآحاد، لا يقول بذلك، ولا يعمل به، إلا إذا
~~سمعه الراوي من الشارع.
# والثالث أن الحديث ما فيه أنه ادعى أبوها جميع متاعها وخدمها، وإنما قال
~~بعض ما كان عندها، ولم يقل جميع ما كان عندها.
# ثم إنه مخالف لأصول المذهب، ولما عليه إجماع المسلمين، أن المدعي لا يعطى
~~بمجرد دعواه، والأصل براءة الذمة، وخروج المال من مستحقه، يحتاج إلى دليل،
~~والزوج يستحق سهمه، بعد موتها بنص القرآن، فكيف يرجع عن ظاهر التنزيل،
~~بأخبار الآحاد، وهذا من أضعفها، ولا يعضده كتاب ولا سنة مقطوع بها، ولا
~~إجماع منعقد، فإذا خلا من هذه الوجوه، بقي في أيدينا من الأدلة، أن الأصل
~~براءة الذمة، والعمل بكتاب الله، وإجماع الأمة، على أن المدعي لا يعطى
~~بمجرد دعواه.
# ثم لم يورد هذا الحديث إلا القليل من أصحابنا، ومن أورده في كتابه، لا
~~يورده إلا في باب النوادر، وشيخنا المفيد، والسيد المرتضى، لم يتعرضا له،
~~ولا أورداه في كتبهما، وكذلك غيرهما من محققي أصحابنا، وشيخنا أبو جعفر
~~رحمه الله ما أورده في جميع كتبه، بل في كتابين منها فحسب، إيرادا، لا
~~اعتقادا، كما أورد أمثاله من غير اعتقاد لصحته، على ما بيناه، وأوضحناه، في
~~كثير مما تقدم، في كتابنا هذا.
# ثم شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله رجع عنه وضعفه، وفي جوابات المسائل
~~الحائريات (2) المشهورة عنه، المعروفة.
# PageV02P188
# وقد ذكر شيخنا المفيد محمد بن ms0639 محمد بن النعمان، رحمه الله في الرد على
~~أصحاب العدد، الذاهبين إلى أن شهر رمضان لا ينقض، قال: فأما ما تعلق به
~~أصحاب العدد، في أن شهر رمضان لا يكون أقل من ثلاثين يوما، فهي أحاديث
~~شاذة، قد طعن نقاد الآثار من الشيعة الإمامية في سندها، وهي مثبتة في كتب
~~الصيام، في أبواب النوادر، والنوادر هي التي لا عمل عليها، هذا آخر كلام
~~المفيد رحمه الله. وهذا الحديث من أورده في كتابه، ما يثبته إلا في أبواب
~~النوادر.
# ثم يحتمل بعد تسليمه وجها صحيحا، وهو يجوز بلا بينة، المراد به
~~الاستفهام، وأسقط حرفه، كما قال عمرو بن أبي ربيعة المخزومي:
# ثم قالوا تحبها قلت بهرا عدد القطر والحصى والتراب ويحتمل أيضا أنه أراد
~~بذلك، التهجين والذم، لمن يرى عطية ذلك بغير بينة، بل بمجرد دعوى الأب، كما
~~قال تعالى: " ذق إنك أنت العزير الكريم " (1) عند قومك وأهلك، فهذان وجهان
~~صحيحان، يحتملهما الكلام، إذا سلم تسليم جدل.
# قال: وكتبت إليه، إن ادعى زوج المرأة الميتة، وأبو زوجها، أو أم زوجها،
~~من متاعها، أو خدمها، مثل الذي ادعى أبوها، من عارية بعض المتاع، أو الخدم
~~أيكونون بمنزلة الأب في الدعوى، فكتب: لا.
# وروى محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن يزيد (2) بن إسحاق، عن هارون بن
~~حمزة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن رجل استأجر أجيرا، فلم يأمن
~~أحدهما صاحبه، فوضع الأجر على يد رجل، فهلك ذلك الرجل، ولم يدع وفاءا،
~~فاستهلك الأجر فقال: المستأجر ضامن لأجرة الأجير حتى يقضي، إلا أن يكون
~~الأجير دعاه إلى ذلك، فرضى بالرجل، فإن فعل، فحقه حيث وضعه ورضي به (3).
# PageV02P189
# قال محمد بن إدريس: فقه ذلك: إن المستأجر إذا لم يقبض الأجير الأجرة، ولا
~~وكيل الأجير، فهو ضامن لها، إلى أن يقبضها الأجير، أو وكيله، ومن وضعها على
~~يده فهو وكيل للمستأجر، دون الأجير، فلأجل هذا كان ضامنا لها، لأن الأجير
~~لو طلبها ممن سلمت إليه، لم يسلمها فأما إذا (1) تسلمها الأجير، أو أمر ms0640
~~المستأجر أن يسلمها إلى شخص، رضيه، وهلكت، فإنها تكون من مال الأجير تهلك،
~~دون مال المستأجر، لأنه لو طلبها، لم يجز لمن هي عنده أن يسلمها إليه.
# وروى محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: قضى أمير
~~المؤمنين عليه السلام، برد الحبيس، وإنفاذ المواريث (2).
# قال محمد بن إدريس: سألني شيخنا محمود بن علي بن الحسين الحمصي (3)
~~المتكلم الرازي، رحمه الله، عن معنى هذا الحديث، وكيف القول فيه؟ فقلت:
# الحبيس معناه، الملك المحبوس على بني آدم، من بعضنا على بعض، مدة حياة
~~الحابس، دون حياة المحبوس عليه، فإذا مات الحابس، فإن الملك المحبوس، يكون
~~ميراثا لورثة الحابس، وينحل حبسه على المحبوس عليه، فقضى عليه السلام، برده
~~إلى ملك الورثة، لأنه ملك مورثهم، وإنما جعل منافعه مدة حياته للمحبوس
~~عليه، دون رقبته، فلما مات بطل ما كان جعله له، وزال الحبس عنه، فهو ملك من
~~أملاكه، فترثه ورثته عنه، بعد موته، كما ترث سائر أملاكه، فأنفذ الموارث
~~عليه السلام فيه، على ما تقتضيه شريعة الإسلام.
# فأما إذا كان الحبيس، على مواضع قرب العبادات، مثل الكعبة والمشاهد،
~~والمساجد، فلا يعاد إلى الأملاك، ولا ينفذ فيه المواريث، لأنه بحبسه على
~~هذه المواضع، خرج عن ملكه، عند أصحابنا، غير خلاف بينهم فيه، فلأجل هذا
~~قلنا:
# PageV02P190
# " على بني آدم بعضنا على بعض "، احترازا من الحبيس الذي على مواضع
~~العبادات.
# فأعجبه ذلك، وقال: كنت أتطلع (1) على المقصود فيه، وحقيقة معرفته، وكان
~~منصفا، غير مدع لما لم يكن عنده معرفة حقيقة، ولا من صنعته، وحقا ما أقول:
~~لقد شاهدته على خلق قل ما يوجد في أمثاله، من عوده إلى الحق، وانقياده إلى
~~ربقته، وترك المراء ونصرته، كائنا من كان صاحب مقالته، وفقه الله وإيانا
~~لمرضاته وطاعته وروى يونس بن عبد الرحمن عن منصور بن حازم (بالحاء غير
~~المعجمة) عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت عشرة كانوا جلوسا، ووسطهم
~~كيس، فيه عشرة ألف (2) درهم، فسأل بعضهم بعضا، ألكم هذا الكيس، فقالوا
~~كلهم: لا، فقال ms0641 واحد منهم: هو لي، فلمن هو، قال للذي ادعاه (3).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: فقه هذا الحديث صحيح، وليس هذا مما أخذه
~~لمجرد دعواه، وإنما لم يثبت له صاحب سواه، واليد على ضربين، يد مشاهدة، ويد
~~حكمية، فهذا يده عليه يد حكمية، لأن كل واحد منهم نفى (4) يده عنه، وبقي يد
~~من ادعاه عليه يد حكمية، ولو قال كل واحد من الجماعة في دفعة واحدة، أو
~~متفرقا هو لي، لكان الحكم فيه غير ذلك، وكذلك لو قبضه واحد من الجماعة، ثم
~~ادعاه غيره، لم يقبل دعواه بغير بينة، لأن اليد المشاهدة عليه، لغير من
~~ادعاه، والخبر الوارد في الجماعة، أنهم نفوه عن أنفسهم، ولم يثبتوا لهم
~~عليه يدا لا من طريق الحكم، ولا من طريق المشاهدة، ومن ادعاه له عليه يد من
~~طريق الحكم، فقبلنا دعواه فيه، من غير بينة، ففقهه ما حررناه، وأيضا إنما
~~قال ادعاه، من حيث اللغة، لأن الدعوى الشرعية، من ادعى في يد غيره، عينا أو
~~دينا.
# وروى محمد بن الحسين ابن أبي الخطاب، عن الحسن بن مسكين، عن رفاعة
~~النخاس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا طلق الرجل امرأته، وفي بيتها
# PageV02P191
# متاع، فلهما ما يكون للنساء، وما يكون للرجل والنساء، قسم (1) بينهما،
~~وإذا طلق الرجل المرأة، فادعت أن المتاع لها، وادعى أن المتاع له، كان له
~~ما للرجال، ولها ما للنساء (2).
# قال محمد بن إدريس: هكذا أورده شيخنا في نهايته (3)، وليس بين المسألتين
~~تناف، ولا تضاد، أما القول في صدر الخبر: وفي بيتها متاع: فلها ما يكون
~~للنساء، أي ما يصلح للنساء ولا يصلح للرجال، فهو عند أصحابنا للمرأة، من
~~غير مشاركة الرجال فيه، بل تعطاه بمجرد دعواها، مع يمينها.
# وقوله بعد ذلك: وما يكون للرجال وللنساء، المراد به ما يصلح للرجال
~~والنساء، يكون بينهما نصفين، لأن (4) يديهما عليه.
# ولم يذكر فيه ما يصلح للرجال، ويكون للرجال دون النساء، بل ذكر قسمين
~~فحسب: أحدهما (5) ما يكون للنساء، لا يشركهن الرجال فيه، والآخر ms0642 ما يكون
~~للرجال والنساء، قسم بينهما.
# ثم قال في آخر الكلام: وإذا طلق الرجل المرأة، فادعت أن المتاع لها،
~~وادعى أن المتاع له، كان له ما للرجال، ولها ما للنساء، لا يشرك كل واحد
~~منهما الآخر، فيما لا يصلح إلا له، فذكر قسمين فحسب، ولم يذكر الثالث، وهو
~~الذي يصلح للرجال والنساء معا، بل ذكره في صدر الكلام، فالثالث يكون بينهما
~~نصفين، على ما قدمناه (6). وذكره أولا، وشيخنا أبو جعفر الطوسي، يذهب في
~~كتاب الإستبصار (7)، ويعمل بأن المتاع جميعه للمرأة، وأورد أخبارا في ذلك
~~في صدر الباب، ثم قال في آخر الباب: فأما ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى،
# PageV02P192
# عن محمد بن الحسين، عن الحسن بن مسكين، عن رفاعة النخاس، عن أبي عبد الله
~~عليه السلام، قال: إذا طلق الرجل امرأته، وفي بيتها متاع، فلها ما يكون
~~للنساء، وما يكون للرجال والنساء قسم بينهما، قال: وإذا طلق الرجل المرأة،
~~فادعت أن المتاع لها، وادعى الرجل أن المتاع له، كان له ما للرجال، ولها ما
~~للنساء (1) قال رحمه الله: فهذا الخبر يحتمل شيئين، أحدهما أن يكون محمولا
~~على التقية، لأن ما أفتى به عليه السلام، في الأخبار الأولة، يعني رحمه
~~الله في الأخبار التي أوردها بأن المال جميعه للمرأة، لا يوافق عليه أحد من
~~العامة، وما هذا حكمه، يجوز أن يتقى فيه، قال رحمه الله: والوجه الآخر أن
~~نحمله على أن يكون ذلك على جهة الصلح، والوساطة بينهما، دون مر الحكم (2).
# قال محمد بن إدريس: وخبر رفاعة هو مذهب شيخنا في نهايته (3)، وفي مسائل
~~خلافه، في الجزء الثالث، فإنه قال: مسألة، إذا اختلف الزوجان في متاع
~~البيت، فقال كل واحد منهما كله لي، ولم يكن مع واحد منهما بينة، نظر فيه،
~~فما يصلح للرجال، القول قوله، مع يمينه، وما يصلح للنساء، فالقول قولها مع
~~يمينها، وما يصلح لهما، كان بينهما، وقد روي، أن القول في جميع ذلك، قول
~~المرأة مع يمينها، والأول أحوط، ثم قال: دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، وقد ms0643
~~أوردناها في الكتابين المقدم ذكرهما (4).
# فجعل رحمه الله: ما أورده في الإستبصار، في الأخبار الكثيرة، وجعله مذهبا
~~له، واختاره رواية في مسائل خلافه، وما اختاره في مسائل خلافه، رواية في
~~استبصاره، ثم دل على صحته بإجماع الفرقة، وكذلك يذهب في مبسوطه، إلى ما
~~يذهب إليه في مسائل خلافه، من مقالة أصحابنا ورواياتهم، ويحكي الرواية
~~الشاذة التي اختارها، مذهبا في استبصاره.
# PageV02P193
# والذي يقوى عندي، ما ذهب إليه في مسائل خلافه، لأن عليه الإجماع، وتعضده
~~الأدلة، لأن ما يصلح للنساء، الظاهر أنه لهن، وكذلك ما يصلح للرجال، فأما
~~ما يصلح للجميع، فيداهما معا عليه، فيقسم بينهما، لأنه ليس أحدهما أولى به
~~من الآخر، ولا يترجح أحدهما على الآخر، ولا يقرع هاهنا، لأنه ليس بخارج عن
~~أيديهما، وإنما لو كان في يد ثالث، وأقام كل واحد منهما البينة، وتساوت
~~البينتان في جميع الوجوه، كان الحكم فيه القرعة، لأنه ليس هو في (1)
~~أيديهما وروى علي بن محمد القاساني، عن القسم بن محمد، عن سليمان بن داود
~~المنقري، بكسر الميم، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، منسوب إلى دار
~~بجرد.
# (قال محمد بن إدريس: هكذا ذكره ابن قتيبة، والزجاج، قالا: إنهم (2) إذا
~~نسبوا إلى دار بجرد، قالوا: دراوردي، وقال غيرهما: هو منسوب إلى دراورد،
~~قرية بخراسان، وهو مولى بلى، وبلى قبيلة من العرب، والنسب إليها بلوي)،
~~قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عمن أخذ أرضا بغير حقها، وبنى فيها،
~~قال: يرفع بناءه، ويسلم التربة إلى صاحبها، ليس لعرق ظالم حق (3).
# قال محمد بن إدريس: يقال العرق بكسر العين، وتسكين الراء، ولا يجوز بفتح
~~العين والراء، لأن ذلك تصحيف، وأنما يقال مضافا إلى ظالم، ومنفصلا عنه،
~~بالتنوين، هكذا ذكره شيخنا أبو جعفر في مبسوطه.
# وروى عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام، عن أبيه، عن علي
~~عليهم السلام، أنه قضى في رجلين، اختصما في خص، فقال: إن الخص، للذي إليه
~~القمط (4).
# وقالوا: القمط، هو الحبل، والخص الطن، الذي يكون في السواد، بين ms0644
# PageV02P194
# الدور، فكان من إليه الحبل، هو أولى من صاحبه، وهذا هو الصحيح، لأن عليه
~~إجماع أصحابنا.
# وروى الحسن (1) بن علي بن يقطين، عن أمية بن عمرو، عن الشعيري، قال: سئل
~~أبو عبد الله عليه السلام، عن سفينة انكسرت في البحر، فأخرج بعضه بالغوص،
~~وأخرج البحر بعض ما غرق فيها، فقال: أما ما أخرجه البحر، فهو لأهله، الله
~~أخرجه، وأما ما أخرج بالغوص، فهو لهم، وهم أحق به (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: وجه الفقه في هذا الحديث، أن ما أخرجه
~~البحر، فهو لأصحابه وما تركه أصحابه، آيسين منه، فهو لمن وجده، وغاص عليه،
~~لأنه صار بمنزلة المباح، ومثله من ترك بعيره من جهد، في غير كلاء ولا ماء،
~~فهو لمن أخذه، لأنه حلاه آيسا منه ورفع يده عنه، فصار مباحا، وليس هذا
~~قياسا، لأن مذهبنا ترك القياس، وإنما هذا على جهة المثال، والمرجع فيه إلى
~~الإجماع، وتواتر النصوص، دون القياس والاجتهاد، وعلى الخبرين إجماع أصحابنا
~~منعقد.
# وروى ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن جماعة من أصحابنا، عنهما عليهما
~~السلام، قال: الغائب يقضى عليه، إذا قامت عليه البينة، ويباع ماله، ويقضى
~~عنه دينه، وهو غائب، ويكون الغائب على حجته، إذا قدم، قال: ولا يدفع المال
~~إلى الذي أقام البينة، إلا بكفلاء (3).
# وقد قدمنا ذلك وشرحناه (4).
# وروى محمد بن يحيى الخزاز، عن غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه، أن
~~عليا عليه السلام، كان يفلس الرجل، إذا التوى على غرمائه، ثم يأمر به فيقسم
~~(5) ماله بينهم بالحصص، فإن أبى، باعه فقسمه بينهم، يعني ماله (6).
# PageV02P195
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: معنى التوى، أي دافع ومطل، قال الشاعر:
# " تديمين لياني وأنت ملية " أي تديمين مطلى عنه عن غياث بن إبراهيم، عن
~~جعفر، عن أبيه، أن عليا عليه السلام، كان يحبس في الدين، فإذا تبين إفلاس
~~وحاجة، خلى سبيله، حتى يستفيد مالا (1).
# وروى السكوني، بفتح السين (قال محمد بن إدريس، منسوب إلى السكون، قبيلة
~~من اليمن، واسمه إسماعيل بن أبي زياد، ms0645 وهو عامي المذهب، إلا أنه يروي عن
~~الأئمة عليهم السلام) عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه، عن علي عليه
~~السلام، أن امرأة استعدت على زوجها، أنه لا ينفق عليها، وكان زوجها معسرا،
~~فأبى أن يحبسه، وقال: إن مع العسر يسرا (2).
# وعنه، عن جعفر، عن أبيه، أن عليا عليه السلام، كان يحبس في الدين، ثم
~~ينظر، إن كان له مال، أعطى الغرماء، وإن لم يكن له مال، دفعه إلى الغرماء،
~~فيقول لهم: اصنعوا به ما شئتم، إن شئتم فآجروه، وإن شئتم استعملوه، وذكر
~~الحديث (3)، قال محمد بن إدريس: هذا الخبر غير صحيح، ولا مستقيم، لأنه
~~مخالف لأصول مذهبنا، ومضاد لتنزيل الكتاب، قال تعالى: " وإن كان ذو عسرة
~~فنظرة إلى ميسرة " (4) ولم يذكر استعملوه، ولا فآجروه وإنما أورده شيخنا
~~أبو جعفر في نهايته (5) إيرادا، لا اعتقادا.
# وقد رجع في مسائل الخلاف، فقال: مسألة، إذا أفلس من عليه الدين، وكان ما
~~في يده لا يفي بقضاء ديونه، فإنه لا يواجر، ليكتسب، ويدفع إلى الغرماء، ثم
~~قال: دليلنا أن الأصل براءة الذمة، ولا دليل على وجوب إجارته، وأيضا قوله
~~تعالى: " وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة " ولم يأمر بالتكسب،
# PageV02P196
# هذا آخر كلام شيخنا في مسائل خلافه، في الجزء الثاني (1).
# وروى أبو بصير عن أبي جعفر عليه السلام، قال: إن الحاكم إذا أتاه أهل
~~التوراة، وأهل الإنجيل يتحاكمون إليه، كان ذلك إليه، إن شاء حاكم بينهم
~~(2)، وإن شاء تركهم (3).
# هذا الخبر صحيح، وعليه إجماع أصحابنا منعقد، لأن الحاكم بالخيار في ذلك،
~~إن شاء حكم، وإن شاء ترك، ولا يجب عليه الحكم، إلا أنه إن حكم، فلا يجوز له
~~أن يحكم إلا بما تقتضيه شريعة الإسلام وعدله، ولا يجوز له أن يحكم إلا
~~بالحق، لقوله تعالى: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون (4)
~~وإن شاء أعرض عنهم، لقوله تعالى: " فاحكم بينهم، أو اعرض عنهم " (5) فقد
~~خيره في ذلك.
# وروى طلحة بن زيد، والسكوني جميعا، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه ms0646
~~السلام، أنه كان لا يجير كتاب قاض إلى قاض، في حد، ولا غيره، حتى وليت بنو
~~أمية، فأجازوا بالبينات (6).
# قوله: فأجازوا بالبينات يريد بذلك، أن هذا كتاب فلان القاضي، لا أن (7)
~~المقصود أجازوا الأحكام بالبينات، وقد بينا، أنه لا خلاف بين أصحابنا،
~~سلفهم وخلفهم، بل إجماعهم منعقد، على أنه لا يجوز كتاب قاض إلى قاض، ولا
~~يعمل به، ولا يحكم، لأن ذلك حكم شرعي، يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي.
# وأيضا فلا يجوز للحاكم الثاني، والقاضي الثاني، أن يقلد القاضي الأول، بل
~~يجب عليه أن يحكم بالحق، وإقامة البينة، أو الإقرار، وما ثبت من ذلك عنده،
~~دون ما ثبت عند غيره.
# PageV02P197
# فأما ما يدعي من كتب الرسول عليه السلام، إلى البلدان، فجميع ذلك أخبار
~~آحاد، لا توجب علما ولا عملا، وما عمل بالكتاب، بل بالتواتر، بما في الكتاب
~~دونه، إن كان عمل بشئ من ذلك، على ما بيناه.
# وروى هارون بن حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت رجلان من أهل
~~الكتاب نصرانيان، أو يهوديان، كان بينهما خصومة، فقضى بينهما حاكم من
~~حكامهما بجوز، فأبى الذي قضي عليه أن يقبل، وسأل أن يرد إلى حكم المسلمين،
~~قال: يرد إلى حكم المسلمين (1).
# قال محمد بن إدريس: إن كان قد قضى عليه بما هو صحيح في مذهبهم، فقد أمرنا
~~أن نقرهم على أحكامهم، فلا يجوز لنا أن نفسخ حكمهم عليهم، ولا نرده عليهم،
~~ولا نجيبه إلى دفعه عن نفسه، وإن كان قد قضى عليه بجور على مذهبهم، فنرده،
~~ويسلم ظاهر الحديث، لأنا ما أمرنا أن نقرهم، إلا على أحكامهم، وما يجوز
~~عندهم، دون ما لا يجوز، ويعضد ما قلناه، قوله في الحديث:
# قضى بينهما حاكم من حكامهما بجور، وما يكون حقا عندهم، ما يكون جورا على
~~المحكوم عليه، بل هو عنده حق وصواب.
# وروى حريز (بالحاء غير المعجمة، وآخر الاسم زاي) عن محمد بن مسلم،
~~وزرارة، عنهما جميعا قال: لا يحلف أحد عند قبر النبي عليه السلام على أقل
~~مما ms0647 يجب فيه القطع (2).
# قال محمد بن إدريس: هذا على جهة التغليظ، فإن الحاكم، لا يلزمه أن يحلف
~~هناك، إلا إذا كانت الدعوى مقدار ربع دينار، فإن كان أقل من ذلك، فلا يلزمه
~~أن يحلف هناك.
# وروى عاصم بن حميد، عن أبي حمزة الثمالي، أبي جعفر عليه السلام،
# PageV02P198
# قال: قلت له جعلت فداك، في كم تجري الأحكام على الصبيان؟ قال: في ثلاث
~~عشرة سنة أو أربع عشرة سنة، قلت: فإنه لم يحتلم، فيها، قال: وإن لم يحتلم،
~~فإن الأحكام تجري عليه (1).
# قال محمد بن إدريس: قد ورد هذا الحديث، وهو من أخبار الآحاد، والاعتماد
~~عند أصحابنا على البلوغ في الرجال، هو إما الاحتلام، أو الإنبات في العانة،
~~أو خمس عشرة سنة، وفي النساء الحيض، أو الحمل، أو تسع سنين، فإن شيخنا أبا
~~جعفر رحمه الله، أورد هذا الحديث في نهايته (2) إيرادا، لا اعتقادا، لأنه
~~أورده في باب النوادر، ورجع عنه في سائر كتبه، وذهب إلى أن حد بلوغ النساء
~~المحيض، أو الحمل، أو تسع سنين.
# وروى أبو بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن رجل، دبر غلامه،
~~وعليه دين، فرارا من الدين، قال: لا تدبير له، وإن كان دبره في صحة منه
~~وسلامة، فلا سبيل للديان عليه (3).
# قال محمد بن إدريس: قد أورد هذا الحديث شيخنا أبو جعفر في نهايته (4)،
~~والذي عندي أن التدبير الذي لا عن نذر، عند أصحابنا بمنزلة الوصية، لا خلاف
~~بينهم في ذلك (5)، فعلى هذا التقرير والتحرير، سواء دبره في حال صحة منه
~~وسلامة، أو غير ذلك، فإنه يباع في الدين، ويبطل التدبير، وهذا خبر واحد،
~~أورده شيخنا، إيرادا، لا اعتقادا.
# وقال بعض أصحابنا، وهو صاحب كتاب الفاخر قال: ومن دبر عبدا لا مال
# PageV02P199
# له غيره، وعليه دين، فدبره في صحة منه، ومات، فلا سبيل للديان عليه، فإن
~~كان دبره في مرضه، بيع العبد في الدين، فإن لم يحط الدين بثمن العبد،
~~استسعى في قضاء دين مواليه، وهو حر إذا تممه، هذا آخر كلامه، وقد ms0648 قلنا ما
~~ما عندنا في ذلك، هو أنه لا تدبير إلا بعد قضاء الدين، سواء دبره وعليه
~~دين، أو لم يكن عليه دين، وساء دبره في حال مرضه، أو صحته.
# وروى غياث بن كلوب، عن إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه أن عليا عليه
~~السلام، كان يقول: لا ضمان على صاحب الحمام، فيما ذهب (1) من الثياب، لأنه
~~إنما أخذ الجعل (2) على الحمام، ولم يأخذ على الثياب (3).
# قال محمد بن إدريس: هذا خبر صحيح، لأن الإجماع منعقد من أصحابنا عليه،
~~هذا إذا لم يستحفظه الثياب، فأما إن استحفظه، وفرط في الحفاظ، فعليه
~~الضمان، لأنه صار مودعا، وكذلك إذا استأجره على حفظ الثياب، ودخول الحمام،
~~فإنه يجب عليه حفاظها، فإذا فرط في ذلك، فإنه يجب عليه الضمان، فأما إذا لم
~~يستحفظه، ولا استأجره على حفظها، فلا ضمان عليه، كما ورد في الحديث.
# وروى عبد الرحمن بن سيابة (بالسين غير المعجمة والياء بنقطتين من تحت، هو
~~الباء بنقطة واحدة من تحت، مفتوحة السين، والياء خفيفة، وهي الخلالة، فسمى
~~الرجل باسمها) عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال: على الإمام، إن يخرج
~~المحبسين في الدين يوم الجمعة إلى الجمعة، ويوم العيد إلى العيد، فيرسل
~~معهم، فإذا قضوا الصلاة والعيد، ردهم إلى السجن (4).
# وروي هذا الحديث غير متواتر، فإن كان عليه إجماع منعقد، رجع إليه، أو
~~دليل سوى الإجماع، عول عليه، ولا يرجع إلى أخبار الآحاد في مثل هذا.
# PageV02P200
# كتاب المكاسب PageV02P201
# كتاب المكاسب باب عمل السلطان وأخذ جوائزهم السلطان على ضربين، أحدهما
~~سلطان الحق العادل، والآخر سلطان الجور الظالم المتقلب، فأما الأول فمندوب
~~إلى خدمته ومعاونته، ومرغب فيها، وربما وجب ذلك على المكلف، بأن يدعوه فيجب
~~امتثال أمره، فإذا ولى هذا السلطان إنسانا، أمارة، أو غير ذلك من ضروب
~~الولايات، وجب عليه طاعته في ذلك، وترك الخلاف له فيه، وجائز قبول جوائزه
~~وصلاته، وأرزاقه، وسايغ التصرف في ذلك على كل حال.
# وأما السلطان الجائر، فلا يجوز لأحد أن يتولى شيئا من الأمور، مختارا ms0649 من
~~قبله، إلا من يعلم، أو يغلب على ظنه، أنه إذا تولى ولاية من جهته، تمكن من
~~الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وقسمة الأخماس والصدقات إلى مستحقيها،
~~وصلة الإخوان، ولا يكون في شئ من ذلك تاركا لواجب، ولا مخلا به، ولا فاعلا
~~لقبيح، فإنه حينئذ مستحب له التعرض لتولي الأمر من جهته، فإن علم أو ظن أنه
~~لا يتمكن من ذلك، وأنه لا بد له من الإخلال بواجب، أو أن يفعل قبيحا، لم
~~يجز له تولي ذلك، فإن ألزمه السلطان الجائر بالولاية، إلزاما لا يبلغ تركه
~~الإجابة إلى ذلك، الخوف على النفس، وسلب المال، وإن كان ربما لحقه بعض
~~الضرر، أو لحقته في ذلك مشقة، فالأولى أن يتحمل تلك المشقة، ويتكلف مضرتها،
~~ولا يتعرض للولاية من جهته، فإن خاف على نفسه، أو على أحد من أهله، أو
~~المؤمنين، أو على ماله، جاز له أن يتولى ذلك، وساغ له عند PageV02P202
# هذا الخوف، الدخول فيه، بعد إلزامه له، وخوفه المذكور منه، ويجتهد ويحرص
~~بعد هذا كله على وضع الأمور الشرعية مواضعها، وإقرار الحق مقره، فإن لم
~~يتمكن من ذلك، اجتهد فيما يتمكن منه، فإن لم يتمكن من فعل شئ ظاهرا فعله
~~سرا، لا سيما فيما يتعلق بحقوق الإخوان في الدين، والتخفيف عنهم من ظلم
~~السلاطين الجورة، من خراج، وغيره، فإن لم يتمكن من القيام بحق من الحقوق،
~~والحال في التقية، على ما ذكرناه، جاز له أن يتقي في جميع الأشياء، وسائر
~~الأمور، والأحكام التي لا تبلغ إلى قتل النفوس، وسفك الدماء المحرمة، لأن
~~ذلك ليس فيه تقية عند أصحابنا، لا خلاف بينهم، أن لا تقية في قتل النفس،
~~وسفك الدماء، فإذا كان الأمر في التقية ما ذكرناه، جاز له قبول جوائزه،
~~وصلاته، ما لم يعلم أن ذلك ظلم بعينه، فإذا لم يعلم أنه بعينه ظلم، فلا بأس
~~بقبوله، وإن كان المجيز له ظالما، وينبغي له أن يخرج الخمس من كل ما يحصل
~~من ذلك، ويوصله إلى أربابه، ومستحقيه، وينبغي له أن يصل ms0650 إخوانه من الباقي
~~بشئ، ويتصرف هو في منافعه بالبعض، الذي يبقى من ذلك.
# وإذا تمكن الإنسان من ترك معاملة الظالمين، بالبيع والشراء، وغير ذلك،
~~فالأولى به تركها، ولا يتعرض لشئ منها جملة، وإن لم يتمكن من ترك معاملتهم،
~~كانت جائزة إلا أنه لا يشتري منهم شيئا يعلم أنه مغصوب بعينه جميعه، فإن
~~كان يعلم أن فيه شيئا مغصوبا، إلا أنه غير مميز العين، بل هو مخلوط في غيره
~~من غلاته، التي يأخذها على جهة الخراج، وأمواله، فلا بأس أيضا بشرائه منها،
~~وقبول صلته منها، لأنها صارت بمنزلة المستهلكة، لأنه غير قادر على ردها
~~بعينها، ولا يقبل منه ما هو محرم في شرع الإسلام، فإن خاف من رد جوائزهم
~~وصلاتهم، التي يعلمها ظلما بأعيانها، وغصبا، على نفسه وماله، جاز له قبولها
~~عند هذه الحال، ويجب عليه ردها على أربابها، إن عرفهم، فإن لم يعرفهم، عرف
~~ذلك المال، واجتهد في طلبهم. PageV02P203
# وقد روى أصحابنا أنه يتصدق به عنهم، ويكون ضامنا إذا لم يرضوا بما فعل
~~(1) والاحتياط حفظه، والوصية به.
# وقد روي أنه يكون بمنزلة اللقطة (2).
# وهذا بعيد من الصواب، لأن إلحاق ذلك باللقطة يحتاج إلى دليل.
# ويجوز للإنسان أن يبتاع ما يأخذه سلطان الجور، من الزكوات، الإبل،
~~والبقر، والغنم، والغلات، والخراج، وإن كان غير مستحق لأخذ شئ من ذلك، إلا
~~أن يتعين له شئ منه بانفراده أنه غصب، فإنه لا يجوز له أن يبتاعه، وكذلك
~~يجوز له أن يبتاع منهم ما أراد من الغلات، على اختلافها، وإن كان يعلم أنهم
~~يغصبون أموال الناس، ويأخذون ما لا يستحقونه، إلا أن يعلم أيضا ويتعين له
~~شئ منه بإنفراده أنه غصب، فلا يجوز له أن يبتاعه منهم.
# وإذا غصب ظالم إنسانا شيئا، وتمكن المظلوم من أخذه، أو أخذ عوضه، كان ذلك
~~جائزا له، وروي أن تركه، أفضل (3).
# فإن أودعه الظالم وديعة، جاز له أيضا أن يأخذ منها بقدر ماله، وقال بعض
~~أصحابنا: لا يجوز له أن يخون في الوديعة، ويجوز له أن يأخذ ما عداها، ms0651 وقد
~~قلنا ما عندنا في ذلك فيما تقدم، من كتابنا هذا (4)، فإن ما ورد في المنع
~~من أخذ الوديعة، أخبار آحاد، وقد ورد ما يعارضها، فإن صحت تلك الأخبار، فهي
~~محمولة على الكراهة، دون الحطر.
# فإن أودعه الظالم وديعة يعلم أنها بعينها غصب، وعرف صاحبها، وأمن
# PageV02P204
# بوائق الظالم، فلا يجوز له أن يردها على الظالم الغاصب لها، بل الواجب
~~عليه، ردها على صاحبها، فإن ردها على الغاصب، والحال ما ذكرناه، كان ضامنا
~~لصاحبها، فإن علم أنه غصب، ولم يعرف صاحبها بعينه، بقاها عنده، إلى أن
~~يعرفه، ويستعمل فيها ما ذكرناه أولا، فإن خاف على نفسه من ترك ردها على
~~الظالم الغاصب، جاز له ردها عليه، وكذلك إن كانت مختلطة بمال الغاصب، خلطا
~~لا يتميز، فلا يجوز له إمساكها عليه، ووجب عليه ردها إليه، سواء خاف بوائقه
~~أو لم يخف.
# وذكر شيخنا في الإستبصار، في كتاب المكاسب، باب العينة (وهي بالعين غير
~~المعجمة المكسورة، والياء المسكنة، والنون المفتوحة المختلفة، والهاء
~~المنقلبة عن تاء ومعناها في الشريعة، هو أن يشتري سلعة بثمن مؤجل، ثم
~~يبيعها بدون ذلك نقدا، ليقضي دينا عليه، لمن قد حل له عليه، ويكون الدين
~~الثاني وهو العينة من صاحب الدين الأول، ليقضيه بها الدين الأول) روى أبو
~~بكر الحضرمي، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل تعين، ثم حل دينه،
~~فلم يجد ما يقضي، أيتعين من صاحبه الذي عينه، ويقضيه، قال: نعم (1).
# مأخوذ ذلك من العين، وهو النقد الحاضر، قال الشاعر:
# أندان أم نعتان أم ينبري لنا فتى مثل نصل السيف هزت مضاربه معنى أندان:
~~نستدين، مأخوذ من أدان الرجل، بتشديد الدال، بمعنى استدان، وهو أن يأخذ
~~الدين، أو يشتري سلعة بدين، ومنه حديث عمر في اسيفع جهينة: فأدان معرضا،
~~ومعنى معرضا، من عرض الناس، كل من وجده استدان منه. ومعنى نعتان، نشتري
~~عينة، وهو أن يشتري سلعة بثمن مؤجل،
# PageV02P205
# ثم يبيعها بدون ذلك نقدا، مأخوذ ذلك من العين، وهو النقد الحاضر، على ما
~~قدمناه، وحررناه، وشرحناه. ms0652
# باب ما يجوز للإنسان أن يأخذ من مال والده وما يجوز للرجل أن يأخذ من مال
~~ولده، وما للمرأة من مال زوجها، ومن يجبر الإنسان على نفقته وأحكام ذلك لا
~~يجوز للولد أن يأخذ من مال والده شيئا، قليلا كان أو كثيرا، إلا بإذنه، لا
~~مختارا ولا مضطرا، فإن اضطر ضرورة يخاف معها على تلف نفسه، أخذ من ماله ما
~~يمسك به رمقه، كما يتناول من الميتة والدم، هذا إذا كان الوالد ينفق عليه،
~~ويقيم (1) بواجب حقه، لأن نفقة الولد تجب عندنا على الوالد، إذا كان الولد
~~معسرا، سواء كان بالغا، أو غير بالغ، ويجبر الوالد على ذلك، فأما إذا كان
~~الولد موسرا، فلا تجب نفقته على والده، سواء كان صغيرا أو كبيرا، بالغا،
~~بلا خلاف بيننا.
# فإذا تقرر ذلك فإن أنفق عليه، وإلا رفعه إلى الحاكم، وأجبره الحاكم على
~~الإنفاق، فإن لم يكن حاكم يجبره على ذلك، فللولد عند هذه الحال، الأخذ من
~~مال والده، مقدار ما ينفقه على الاقتصاد، ويحرم عليه ما زاد على ذلك.
# والوالد فما دام الولد ينفق عليه، مقدار ما يقوم بأوده، وسد خلته، من
~~الكسوة، والطعام بالمعروف، فليس لوالده أن يأخذ من ماله بعد ذلك شيئا، لا
~~لقضاء ديونه، ولا ليتزوج به، ولا ليحج، ولا غير ذلك، فإن لم يكن الوالد
~~معسرا، وكان مستغنيا عن مال ولده، فلا يجوز له أن يأخذ شيئا من ماله، على
~~حال، لا بالمعروف، ولا غيره، لأن نفقة الوالد لا تجب على الولد عندنا، إلا
~~مع الإعسار، فأما مع الاستغناء، فلا تجب النفقة على ولده.
# PageV02P206
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا كان للوالد مال، ولم يكن لوالده،
~~جاز له أن يأخذ منه ما يحج به حجة الإسلام، فأما حجة التطوع، فلا يجوز له
~~أن يأخذ نفقتها من ماله، إلا بإذنه (1).
# إلا أنه رجع عن هذا في كتاب الإستبصار، في الجزء الثالث، فإنه رحمه الله،
~~قال: قال محمد بن الحسن: هذه الأخبار كلها دالة، على أنه إنما يسوغ للوالد ms0653
~~أن يأخذ من مال ولده، إذا كان محتاجا، فأما مع عدم الحاجة، فلا يجوز له أن
~~يتعرض له، ومتى كان محتاجا وقام الولد به، وبما يحتاج إليه، فليس له أن
~~يأخذ من ماله شيئا، قال رحمه الله: فإن ورد في الأخبار ما يقتضي، جواز
~~تناوله من مال ولده مطلقا، من غير تقييد، فينبغي أن يحمل على ذلك التقييد.
# قال رحمه الله: والذي يدل على ما ذكرناه، من التقييد، ما رواه محمد بن
~~يحيى، عن عبد الله بن محمد، عن علي بن الحكم، عن الحسين بن أبي العلا، قال:
~~قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما يحل للرجل من مال ولده، قال: قوته بغير
~~سرف، إذا اضطر إليه، قال: قلت له: فقول رسول الله صلى الله عليه وآله للرجل
~~الذي أتاه فقدم أباه: أنت ومالك لأبيك، فقال: إنما جاء بأبيه إلى النبي صلى
~~الله عليه وآله، فقال له: يا رسول الله، هذا أبي، قد ظلمني ميراثي من أمي،
~~فأخبره الأب، أنه قد أنفقه عليه، وعلى نفسه، فقال: أنت ومالك لأبيك، ولم
~~يكن عند الرجل شئ أفكان رسول الله صلى الله عليه وآله يحبس الأب للابن (2)
~~ثم قال رحمه الله: فأما ما رواه الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى، عن سعيد
~~بن يسار، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أيحج الرجل من مال ابنه، وهو
~~صغير؟ قال: نعم، قلت: يحج حجة الإسلام، وينفق منه،
# PageV02P207
# قال: نعم بالمعروف، ثم قال: نعم يحج منه، وينفق منه، إن مال الولد
~~للوالد، وليس للولد أن ينفق من مال والده إلا بإذنه (1)، قال رحمه الله:
~~فما يتضمن هذا الخبر من أن للوالد أن ينفق من مال ولده، محمول على ما
~~قلناه، من الحاجة الداعية إليه، وامتناع الولد من القيام به، على ما دل
~~عليه الأخبار المتقدمة، قال رحمه الله: وما يتضمن من أن له أن يأخذ ما يحج
~~به حجة الإسلام، محمول على أن له، أن يأخذ على وجه القرض على نفسه، إذا كان
~~وجبت ms0654 عليه حجة الإسلام، فأما من لم تجب عليه، فلا يلزمه أن يأخذ من مال
~~ولده، ويحج به، وإنما يجب الحج عليه بشرط وجود المال، على ما بيناه، ثم قال
~~رحمه الله:
# وما تضمنته الأخبار الأولة، من أن له أن يطأ جارية ابنه، إذا قومها على
~~نفسه، ما لم يمسها الابن، محمول إذا كان ولده صغارا (2) ويكون هو القيم
~~بأمرهم، والناظر في أموالهم. هذا آخر ما أوردته من كلام شيخنا أبي جعفر في
~~أول الجزء الثالث من استبصاره (3).
# وهو الذي يقوى عندي، دون ما ذكره، وأطلقه في نهايته (4)، إلا ما قاله من
~~جواز أخذ نفقة حجة الإسلام، على جهة القرض، فإن هذا أيضا لا يجوز، لأنه لا
~~يجب عليه الاستدانة ليحج بها، إلا أنه لو حج، كانت الحجة مجزية عما وجب،
~~واستقر في ذمته، غير أنه ما ورد عند أصحابنا، إلا أن للوالد أن يشتري من
~~مال ابنه الصغير، من نفسه بالقيمة العدل، ولم يرد بأن له، أن يستقرض المال.
# وإذا كان للولد جارية، لم يكن وطئها، ولا مسها بشهوة، جاز للوالد أن
# PageV02P208
# يأخذها، ويطأها، بعد أن يقومها على نفسه، قيمة عادلة، ويضمن قيمتها في
~~ذمته، هكذا أورده شيخنا في نهايته (1)، وقد بينا أنه رجع في استبصاره عن
~~إطلاق هذا القول، وقيده بأن تكون للولد الصغير (2)، وهذا هو الصحيح الذي
~~عليه الإجماع، فأما إذا كان الولد بالغا كبيرا، فلا يجوز للوالد وطئ
~~جاريته، إلا بإذنه على كل حال.
# ثم قال شيخنا في نهايته: ومن كان له ولد صغار، فلا يجوز له أن يأخذ شيئا
~~من أموالهم، إلا قرضا على نفسه (3).
# والوالدة لا يجوز لها أن تأخذ من مال ولدها شيئا، لا على سبيل القرض، ولا
~~غيره، إلا إذا كانت معسرة، ولم ينفق عليها، فلها أن ترفعه إلى الحاكم،
~~ويلزمه الحاكم النفقة عليها، ويجبره على ذلك، فإن لم يكن حاكم يجبره جاز
~~لها أن تأخذ النفقة بالمعروف.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: والوالدة لا يجوز لها أن تأخذ من مال
~~ولدها ms0655 شيئا، إلا على سبيل القرض على نفسها (4).
# وهذا غير واضح، لأنه لا دلالة على ذلك، وقوله عليه السلام: لا يحل مال
~~امرء مسلم إلا عن طيب نفس منه (5)، وأيضا التصرف في مال الغير بغير إذنه
~~قبيح عقلا وسمعا، فمن جوزه، فقد أثبت حكما يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي.
# ولا يجوز للمرأة أن تأخذ من بيت زوجها، من غير أمره وإذنه، شيئا، قل ذلك
~~أو كثر، إلا المأدوم فقط، على ما روى أصحابنا، لشاهد الحال، ما لم يؤد
# PageV02P209
# ذلك إلى الإضرار به، فإن أدى ذلك إلى الإضرار به، لم يجز لها أخذ شئ منه،
~~على حال، وكذلك إن نهاها عن ذلك، وإن لم يؤد إلى الإضرار به، فإنه والحال
~~ما وصفناه، لا يحل لها أخذ شئ منه بحال.
# ويجبر الإنسان على نفقة ولده، ووالديه، وجده، وجدته، وزوجته، ومملوكه،
~~وإن اختصرت القول في ذلك، فقلت يجبر الإنسان على نفقة العمودين، الآباء
~~والأبناء، صعد هؤلاء، أو نزل هؤلاء، والزوجة، والمملوك، كان جيدا حسنا.
# ولا يجبر على نفقة أحد غير من سميناه بحال من الأحوال، بغير خلاف بين
~~فقهاء أهل البيت عليهم السلام، وإن كانوا من ذوي أرحامه، وقد روي أنه يجبر
~~على نفقة أقرب ذوي أرحامه إليه، إذا كان من يرثه، ولم يكن له وارث غيره (1)
~~وذلك محمول على الاستحباب، دون الفرض والإيجاب.
# وإذا وهبت المرأة لزوجها شيئا، كان ذلك ماضيا، فإن أعطته شيئا، وشرطت له
~~الانتفاع به، فإن كان ذهبا، وقال له: اتجر به، والربح لك، فهذا يكون قرضا
~~عليه، لا قراضا ومضاربة، وكان حلالا له التصرف فيه، والربح له، دونها.
# وجملة الأمر، وعقد الباب، أن هاهنا ثلاثة عقود، عقد يقتضي أن الربح كله
~~لمن أخذ المال، وهو القرض، وعقد يقتضي أن الربح كله لرب المال، وهو
~~البضاعة، يقول له: خذ هذا المال، فاتجر به، والربح كله لي، فإنه يصح، لأنها
~~استعانة منه على ذلك، وعقد يقتضي أن الربح بينهما، وهو القراض، فإذا قال:
# خذه، واتجر به، صلح لهذه الثلاثة العقود ms0656 قرض، وقراض، وبضاعة، فإذا قرن به
~~قرينة، أخلصته إلى ما تدل القرينة عليه، فإن قال: خذه واتجر به، والربح لك،
~~كان قرضا، لأنها قرينة تدل عليه، وإن قال: خذه فاتجر به، على أن الربح لي،
~~كان بضاعة لمثل ذلك، فإن قال: خذه واتجر به، على أن الربح
# PageV02P210
# بيننا، كان قراضا، لأن القرينة تدل عليه.
# وقد روي أنه يكره له أن يشتري بذلك المال الذي أعطته إياه زوجته، جارية
~~يطأها، لأنها أرادت مسرته، فلا يريد مسائتها، فإن أذنت له في ذلك زالت
~~الكراهة (1).
# باب التصرف في أموال اليتامى لا يجوز التصرف في أموال اليتامى، إلا لمن
~~كان وليا لهم، أو وصيا، قد أذن له في ذلك، والفرق بين الولي والوصي، أن
~~الولي يكون من غير ولاية، مثل الحاكم، والجد، والأب، والوصي لا يكون إلا
~~بولاية غيره عليهم، فمن كان وليا، أو وصيا يقوم بأمرهم، ويجمع أموالهم، وسد
~~خلاتهم، وحفاظ غلاتهم، ومراعاة مواشيهم، جاز له أن يأخذ من أموالهم، قدر
~~كفايته وحاجته، من غير إسراف.
# وقال شيخنا أبو جعفر في التبيان (2) ومسائل الخلاف (3) له أقل الأمرين،
~~إن كانت كفايته أقل من أجرة المثل، فله قدر الكفاية، دون أجرة المثل، وإن
~~كانت أجرة المثل أقل من كفايته، فله الأجرة، دون الكفاية.
# والذي يقوى في نفسي، أن له قدر كفايته، كيف ما دارت القصة، لقوله تعالى:
~~" فليأكل بالمعروف " (4) فالتلزم (5) بظاهر التنزيل، هو الواجب، دون ما
~~سواه، لأنه المعلوم، وما عداه، إذا لم يقم عليه دليل مظنون، هذا إذا كان
~~القيم بأمورهم فقيرا، فأما إن كان غنيا، فلا يجوز له أخذ شئ من أموالهم (6)
~~لا قدر الكفاية، ولا أجرة المثل.
# PageV02P211
# ومتى اتجر الإنسان المتولي لمال اليتيم، نظرا لهم، وشفقة عليهم، فربح،
~~كان الربح لهم، وإن خسر، كان عليهم.
# وقال شيخنا أبو جعفر، في نهايته: ويستحب أن يخرج من جملته الزكاة (1).
# والذي يقوى عندي، أنه لا يخرج ذلك، لأنه لا دلالة عليه، من كتاب، ولا سنة
~~مقطوع بها، ولا إجماع، لأنه لا يجوز له التصرف، إلا ms0657 فيما فيه مصلحة لهم،
~~وهذا لا مصلحة لهم فيه، من دفع عقاب، ولا تحصيل ثواب، لأن الأيتام لا
~~يستحقون ثوابا ولا عقابا، لكونهم غير مخاطبين بالشرعيات.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ومتى اتجر به لنفسه، وكان متمكنا في
~~الحال، من ضمان ذلك المال، وغرامته، إن حدث به حادث، جاز ذلك، وكان المال،
~~قرضا عليه، فإن ربح كان له، وإن خسر كان عليه، ويلزمه في ماله وحصته
~~الزكاة، كما تلزمه لو كان المال له، ندبا واستحبابا (2).
# قال محمد بن إدريس: هذا غير واضح، ولا مستقيم، ولا يجوز له أن يستقرض
~~شيئا من ذلك، سواء كان متمكنا في الحال من ضمانه، وغرامته، أو لم يكن، لأنه
~~أمين، والأمين لا يجوز أن يتصرف لنفسه في أمانته، بغير خلاف بيننا معشر
~~الإمامية، ولا يجوز له أن يتجر فيه لنفسه، على حال من الأحوال، وإنما أورد
~~شيخنا ذلك إيرادا، لا اعتقادا، من جهة أخبار الآحاد، كما أورد أمثاله في
~~هذا الكتاب، وهو غير عامل عليه.
# ثم قال في الكتاب المشار إليه: ومتى اتجر لنفسه، بمالهم، وليس يتمكن في
~~الحال من مثله وضمانه، كان ضامنا لذلك المال، فإن ربح كان للأيتام، وإن خسر
~~كان عليه، دونهم (3).
# PageV02P212
# وقد قلنا إنه لا يجوز أن يتجر لنفسه في ذلك المال، بحال من الأحوال.
# ومتى كان لليتامى على إنسان مال، جاز لوليهم أن يصالحه على شئ، يراه
~~صلاحا في الحال، ويأخذ الباقي، وتبرأ ذمة من كان عليه المال.
# قال محمد بن إدريس: إما الولي، فجائز له مصالحة ذلك الغريم، إذا رأى ذلك
~~صلاحا للأيتام، لأنه ناظر في مصلحتهم، وهذا من ذاك، إذا كان لهم فيه صلاح،
~~فأما من عليه المال، فإن ذمته لا تبرأ، إن كان جاحدا مانعا، وبذل دون الحق،
~~وأنكر الحق، ثم صالح الولي، على ما أقر له به، أو أقر بالجميع، وصالحه على
~~بعض فلا تبرأ ذمته من ذلك، ولا يجوز للولي إسقاط شئ منه بحال، لأن الولي لا
~~يجوز له إسقاط شئ من مال اليتيم، ms0658 لأنه نصب لمصالحه واستيفاء حقوقه، لا
~~لإسقاطها، فيحمل ما ورد من الأخبار (1)، وما ذكره بعض أصحابنا، وأودعه
~~كتابه على ما قلناه، وحررناه أولا، من أنه إذا رأى الصلاح، الولي في مصالحة
~~الغريم، فيما فيه لليتيم الحظ، فجائز له ذلك، ولا يجوز فيما عداه، مما ليس
~~له الحظ فيه، والصلاح.
# وإذا كان للإنسان على غيره مال، ومات، جاز لمن عليه الدين، أن يوصله إلى
~~ورثته، وإن لم يذكر لهم، أنه كان عليه دينا، ويجعل ذلك على جهة الصلة لهم،
~~والجائزة، ويكون فيما بينه وبين الله تعالى، غرضه فكاك رقبته، مما عليه.
# والمتولي للنفقة على اليتامى ينبغي أن يثبت على كل واحد منهم ما يلزمه
~~عليه، من كسوته بقدر ما يحتاج إليه، فأما المأكول والمشروب، فيجوز أن يسوي
~~بينهم، على ما رواه (2) أصحابنا، لأن ذلك متقارب غير متفاوت.
# ومتى أراد مخالطتهم بنفسه وأولاده، جعله كواحد من أولاده، وينفق من
# PageV02P213
# ماله، بقدر ما ينفق من ماله نفسه، ولا يفضله في ذلك، على نفسه، وأولاده،
~~بل إن فضل نفسه (1) عليه، فهو الأولى والأفضل وقد قلنا إن المتولي، والقيم
~~بأموال اليتامى، يأخذ من أموالهم، قدر كفايته لنفسه فحسب، من غير إسراف،
~~وحكينا عن شيخنا أبي جعفر، ما قاله في مسائل خلافه، وتبيانه.
# وقال في نهايته، في أول باب التصرف في أموال اليتامى بما اخترناه، وهو أن
~~الولي والقيم على أموالهم، جاز له أن يأخذ من أموالهم، قدر كفايته وحاجته،
~~من غير إسراف ولا تفريط (2).
# وقال في آخر الباب: والمتولي لأموال اليتامى، والقيم بأمورهم، يستحق أجرة
~~المثل فيما يقوم به من مالهم، من غير زيادة ولا نقصان، فإن نقص نفسه، كان
~~له في ذلك فضل وثواب، وإن لم يفعل، كان له المطالبة باستيفاء حقه، من أجرة
~~المثل، فأما الزيادة فلا يجوز أخذها على حال (3).
# وما ذكره رحمه الله في صدر الباب، هو الحق اليقين، لأنه يعضده ظاهر
~~التنزيل، على ما حررنا القول فيه، واستوفيناه.
# باب ضروب المكاسب المكاسب على ثلاثة أضرب: محظور على كل حال، ومكروه، ms0659
~~ومباح على كل حال، فأما المحظور على كل حال، فهو كل محرم من المآكل
~~والمشارب، وسيرد (4) ذلك في موضعه، وتراه في أبوابه من هذا الكتاب، إن شاء
~~الله تعالى.
# والأجرة على خدمة السلطان الجائر، ومعونته، وتولي الأمر من جهته، اتباعه
~~في فعل القبيح، ولمعونته، وأمره ونهيه بذلك، والرضا بشئ منه، مع
# PageV02P214
# ارتفاع التقية، والتمكن من ترك ذلك، والإلجاء إليه.
# والتعرض لبيع الأحرار، وابتياعهم، وأكل أثمانهم، وكذلك مملوك الغير بغير
~~إذن مالكه.
# وآلات جميع الملاهي، على اختلاف ضروبها، من الطبول، والدفوف، والزمر، وما
~~يجري مجراه، والقضيب، والسير، والرقص، وجميع ما يطرب من الأصوات والأغاني،
~~وما جرى مجرى ذلك، والخبال على اختلاف وجوهه، وضروبه، وآلاته.
# وسائر التماثيل، والصور ذوات الأرواح، مجسمة كانت أو غير مجسمة.
# والشطرنج، والنرد، وجميع ما خالف ذلك، من سائر آلات القمار، كاللعب
~~بالخاتم، والأربعة عشر، وبيوت الرعاة، واللعب بالجوز، والطيور، وما جرى
~~مجرى ذلك.
# وأحاديث القصاص، والأسمار، والنوح بالأباطيل، والنمية، والكذب، والسعاية
~~بالمؤمنين، والسعي في القبيح، ومدح من يستحق الذم، وذم من يستحق المدح.
# وغيبة المؤمنين، والتعرض لهجوهم، والأمر بشئ من ذلك، والنهي عن مدح من
~~يستحق المدح، والأمر بمدح من يستحق الذم، أو بشئ من القبائح.
# والحضور في مجالس المنكر، ومواضعه، إلا لإنكار، أو ما جرى مجرى ذلك.
# واقتناء الحيات، وما خالف ذلك من المؤذيات، واقتناء الكلاب، إلا لصيد، أو
~~حفظ ماشية، أو زرع، أو حايط. وكذلك يحرم اقتناء السباع المؤذيات، التي لا
~~تصلح للصيد.
# وذكر بعض أصحابنا، وخصاء الحيوان، والأولى عندي تجنب ذلك، دون أن يكون
~~محرما محظورا، لأن للإنسان أن يعمل في ملكه ما فيه الصلاح له، PageV02P215
# وما روي في ذلك (1) يحمل على الكراهة، دون الحظر.
# ويحرم بناء الكنائس، والبيع، والأجرة على ذلك، وكل ما يكون معبدا لأهل
~~الضلال، والصلبان، والعيدان، والأوثان، والأنصاب، والأزلام، والأصنام،
~~والتطفيف في الوزن والكيل، والغش في جميع الأشياء.
# وعمل المواشط بالتدليس، بأن يشمن الخدود، ويحمرنها، وينقشن الأيدي
~~والأرجل، ويصلن شعر النساء بشعور غيرهن، وما جرى مجرى ذلك، مما يلبسن، به ms0660
~~على الرجال في ذلك.
# وعمل السلاح، مساعدة ومعونة لأعداء الدين، وبيعه لهم، إذا كانت الحرب
~~قائمة بيننا وبينهم، فإذا لم يكن ذلك، وكان زمان هدنة، فلا بأس بحمله
~~إليهم، وبيعه عليهم، على ما روي في الأخبار عن الأئمة الأطهار (2).
# وذكر شيخنا في نهايته، أنه لا بأس ببيع ما يكن من آلة السلاح، لأهل
~~الكفر، مثل الدروع، والخفاف (3) (وقد نقط بخط الخاء بنقطة واحدة والفاء
~~بنقطة واحدة).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: الخفاف ليس هي من السلاح، فإن أراد
~~التخفاف، والجمع التخافيف، فهي من آلة السلاح، قال أبو علي النحوي الفارسي:
~~التاء زائدة في التخفاف، فعلى قول أبو علي مع سقوط التاء يصير الخفاف،
~~فيستقيم أن يكون من آلة الحرب، وإن كان قد روي في أخبارنا، أورده شيخنا في
~~الإستبصار (4)، وسئل أبو عبد الله عليه السلام، عن
# PageV02P216
# الفئتين تلتقيان من أهل الباطل، أبيعها السلاح، فقال: بعهما، ما يكنهما،
~~من الدروع والخفين، فشيخنا في نهايته، ما أراد إلا الخفاف جمع خف، على لفظ
~~الخبر، إلا أنه ليس من آلة السلاح، بل التخفاف، من السلاح الذي يكن، وأسقطت
~~التاء الزائدة، على ما قال أبو علي النحوي، فصار الخفاف، وهو الذي يقتضيه
~~الكلام.
# والجمع بين أهل الفسق للفجور، والفتيا بالباطل، والحكم به، والتعرض للقول
~~في ذلك، من غير دليل مثمر لليقين، والارتشاء على الأحكام، والقضاء بين
~~الناس، وأخذ الأجرة على ذلك، ولا بأس بأخذ الرزق على القضاء، من جهة
~~السلطان العادل، ويكون ذلك من بيت المال، دون الأجرة على كراهة فيه.
# ولا يجوز أخذ الأجرة على الأذان والإقامة، ولا على الصلاة بالناس، وتغسيل
~~الأموات، وتكفينهم، وحملهم، ودفنهم، والصلاة عليهم، والأجرة المحرمة على
~~حملهم هي إلى المواضع التي يجب على من حضرهم الحمل إليها، وهي ظواهر
~~البلدان، والجبانة المعروفة بذلك، فأما ما بعد عن ذلك، من المواضع المعظمة،
~~والأمكنة الشريفة المقدسة، فلا يجب حمل الموتى إليها، على من حضرهم، ولا
~~تحرم الأجرة، على من استؤجر للحمل إلى المواضع المذكورة النائية.
# ولا يحرم ثمن ms0661 الماء الذي يغسل به الميت على بايعه، ولا الكفن على بايعه،
~~بحال، لأن المحرم هو الأجر على التغسيل، والتكفين، وهما مصدران، دون الماء
~~والكفن، فمن حرم ثمن الماء، يلزمه تحريم ثمن الكفن، إذ لا فرق بينهما بحال.
# وشيخنا أبو جعفر، قال في مبسوطه: وإذا وجد الماء، لغسل الميت، بالثمن،
~~وجب شراؤه من تركته، فإن لم يخلف شيئا، لم يجب على أحد ذلك، هذا آخر
~~PageV02P217
# كلامه رحمه الله في مبسوطه (1).
# والكهانة، والشعبذة، والحيل المحرمة، وما أشبه ذلك، والقيافة، والسحر،
~~وتعلمه، وتعليمه، ونسخ الضلال، وحفظه، والأجرة عليه، وإيراد الشبه القادحة،
~~وتخليدها - بالخاء - الكتب من غير نقض لها، والأجرة على تزويق المساجد،
~~وزخرفتها، وفعل ذلك محرم، وجمع تراب الصياغة لبيعه، وأخذه، فإن جمعه إنسان،
~~فعليه أن يتصدق به، عن أربابه.
# واتخاذ العقارات، والمساكن لعمل المناكير فيها، مع القصد إلى ذلك، واتخاذ
~~السفن وغيرها، مما يحمل عليه المحرمات، مع العلم بذلك، والقصد إليه أيضا.
# واحتكار الغلات المنهي عن احتكارها، عند عدم الناس لها، وحاجتهم الشديدة
~~إليها، وإن لا يوجد في البلد سواها، بعد ثلاثة أيام.
# وبيع المصاحف، إذا كان ذلك في المكتوب، وبيع السرقة، والخيانة،
~~وابتياعهما، مع العلم بهما.
# ونثار الأعراس، إذا لم يعلم من صاحبه الإباحة، لا قولا ولا شاهد حال،
~~فأما إذا علم من قصد مالكه بشاهد الحال، أو الإذن بالقول، الإباحة لأخذه،
~~فلا بأس بذلك، غير أنه يكره ما يؤخذ منه، انتهابا.
# وسلوك طريق يظهر فيه أمارة الخوف، مع ترك التحرز، والكشف عن ذلك.
# والخمر، والتصرف فيها حرام، على جميع الوجوه، من البيع، والشرى، والهبة،
~~والمعاوضة، والحمل لها، والصنعة، وغير ذلك من أنواع التصرف، ولا بأس
~~بإمساكها، ليخللها، ويكون قصده ذلك، دون غيره.
# ولحم الخنزير، وبيعه، وهبته، وأكله، واتخاذه، وكذلك كل ما كان من
# PageV02P218
# الخنزير، من شعر، وجلد، وشحم، وعظم.
# وكل شراب مسكر، حكمه حكم الخمر، على السواء، قليلا كان أو كثيرا، نيا كان
~~أو مطبوخا، وكذلك حكم الفقاع حكمه، شربه، وعمله، والتجارة فيه، والتكسب به
~~حرام، محظور، بغير خلاف بين ms0662 فقهاء أهل البيت عليهم السلام، فإن إجماعهم
~~منعقد على ذلك.
# وكل طعام أو شراب، حصل فيه شئ من الأشربة المحظورة، أو شئ من المحرمات و
~~النجاسات، فإن شربه، وعمله، والتجارة فيه، والتكسب به، والتصرف فيه، حرام
~~محظور.
# وجميع النجاسات، محرم التصرف فيها والتكسب بها على اختلاف أجناسها، من
~~سائر أنواع العذرة، وروث ما لا يؤكل لحمه، وبوله، ولا بأس بأبوال وأرواث ما
~~يؤكل لحمه.
# وقال شيخنا أبو جعفر، في نهايته: والأبوال وغيرها، إلا أبوال الإبل خاصة،
~~فإنه لا بأس بشربه والاستشفاء به عند الضرورة (1).
# والصحيح من المذهب، أن بول الإبل، وبول غيرها مما يؤكل لحمه، سواء، لا
~~بأس بذلك، لأنه طاهر عندنا، بلا خلاف بيننا، سواء كان لضرورة، أو غير
~~ضرورة، وإنما أورد شيخنا هذا الخبر، إيرادا، لا اعتقادا.
# وبيع الميتة، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وبيع الخنافس،
~~والجعلان، وبنات وردان، والعقارب، والحيات، وكل شئ لا منفعة فيه، حرام
~~محظور، وكذلك بيع سائر المسوخ، وشراؤها، مما يكون نجس العين، نجس السؤر.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وبيع سائر المسوخ، وشراؤها، والتجارة
~~فيها، والتكسب (2) بها، محظور، مثل القردة، والفيلة، والدببة، وغيرها من
~~أنواع المسوخ (3).
# PageV02P219
# قال محمد بن إدريس: قوله رحمه الله: الفيلة والدببة فيه كلام، وذلك أن كل
~~ما جعل الشارع، وسوغ الانتفاع به، فلا بأس ببيعه، وابتياعه لتلك المنفعة،
~~وألا يكون قد حلل، وأباح، وسوغ شيئا غير مقدور عليه، وعظام الفيل، لا خلاف
~~في جواز استعمالها، مداهن، وأمشاطا وغير ذلك، والدب ليس بنجس السؤر، بل هو
~~من جملة السباع، فعلى هذا، جلده بعد ذكاته، ودباغه، طاهر.
# والرشا في الأحكام سحت وكذلك ثمن الكلب، إلا كلب الصيد، سواء كان سلوقيا
~~- منسوب إلى سلوق، قرية باليمن - أو لم يكن، وكلب الزرع، وكلب الماشية،
~~وكلب الحايط، فإنه لا بأس ببيع الأربعة كلاب، وشرائها، وأكل ثمنها، وما
~~عداها محرم محظور ثمنه، وثمن جلده، سواء ذكي، أو لم يذك، لأنه لا تحله
~~الذكاة، سواء كان كلب بر، أو بحر، فقد ذكر العلماء، ms0663 أنه ما من شئ في البر،
~~إلا ومثله في الماء، سواء نسب إلى اسم، أو أضيف إليه، لأن الكلب اسم جنس،
~~يتناول الوجوه كلها والأحوال.
# وقال شيخنا في نهايته: الرشا في الأحكام سحت، وكذلك ثمن الكلب، إلا ما
~~كان سلوقيا للصيد (1).
# فاستثنى السلوقي فحسب، والأظهر ما ذكرناه، لأنه لا خلاف بيننا، أن لهذه
~~الكلاب الأربعة، ديات، وأنه تجب على قاتلها، وشيخنا فقد رجع في غير هذا
~~الكتاب، في مسائل خلافه (2)، عما ذكره في نهايته.
# ثم قال في نهايته: وبيع جميع السباع، والتصرف فيها، والتكسب بها، محظور،
~~إلا بيع الفهود، خاصة، فإنه لا بأس بالتكسب بها، والتجارة فيها، لأنها تصلح
~~للصيد (3).
# PageV02P220
# وقد قلنا ما عندنا، في السباع وجلودها، وهو أنه يجوز بيعها، لأخذ جلدها،
~~لأن جلود السباع، لا خلاف أنها مع الذكاة الشرعية، يجوز بيعها، وهي طاهرة،
~~وبمجرد الذكاة، يجوز بيع الجلود، بلا خلاف، وبانضمام الدباغ، يصح التصرف
~~فيها، في جميع الأشياء: من لبس، وفرش، ودثار، وخزن المايعات، لأنها طاهرة،
~~إلا الصلاة، فإنها لا تجوز فيها، فحسب، وما عدا الصلاة، فلا بأس بالتصرف
~~فيها وقال شيخنا في مبسوطه: وما لا يؤكل لحمه، مثل الفهد، والنمر، والفيل،
~~وجوارح الطير، مثل البزاة، والصقور، والشواهين، والعقبان، والأرنب،
~~والثعلب، وما أشبه ذلك، وقد ذكرناه في النهاية، فهذا كله، يجوز بيعه، وإن
~~كان مما لا ينتفع به، فلا يجوز بيعه، بلا خلاف، مثل الأسد، والذئب، وسائر
~~الحشرات، من الحيات، و العقارب، والفأر، والخنافس، والجعلان، والحدأة،
~~والنسر، والرخمة، و بغاث الطير، وكذلك الغربان، سواء كان أبقع، أو أسود.
# ثم قال رحمه الله: وأما غير الحيوان، فعلى ضربين، أحدهما نجس، والآخر
~~طاهر.
# فالنجس على ضربين، نجس العين، ونجس بالمجاورة. فأما نجس العين، فلا يجوز
~~بيعه، كجلود الميتة قبل الدباغ، وبعده، والخمر، والدم، والبول، والعذرة،
~~وسرجين ما لا يؤكل لحمه، ولبن ما لا يؤكل لحمه، من البهائم هذا آخر ما ذكره
~~شيخنا في مبسوطه (1).
# قال محمد بن إدريس: والذي ذكره رحمه الله في مبسوطه، رجوع منه عما ذكره
~~في ms0664 نهايته، لأن في النهاية، حرم بيع جميع السباع، إلا الفهود، والصحيح ما
~~ذكره في مبسوطه، إلا ما استثناه، من الأسد و الذئب، لأنه جعل ذلك، في قسم
~~ما لا ينتفع به، وقد قلنا أنه لا خلاف في الانتفاع بجلد ذلك، بعد الذكاة في
~~البيع، وبانضمام الدباغ في التصرف فيه، بأنواع التصرفات، إلا الصلاة،
# PageV02P221
# فلا فرق بين الذئب والأسد، وبين الأرنب والثعلب.
# فأما قوله: وبغاث الطير لا يجوز بيعه، المراد بذلك هاهنا، الطير المحرم
~~اللحم، الذي لا تحله الذكاة، غير الجارح الذي يصلح للصيد، لأن البغاث من
~~الطير، هو الذي لا يصطاد عند العرب، سواء كان مأكول اللحم، أو غير مأكول
~~اللحم، قال الشاعر:
# بغاث الطير أكثرها فراخا وأم الصقر مقلات نزور المقلات هي التي لا يعيش
~~لها ولد، ونزور من النزر، وهو القليل.
# ولا بأس بشراء الهر، وبيعه، وأكل ثمنه.
# وبيع الجري، والمار ما هي، والطافي، وكل سمك لا يحل أكله، مثل الجريث،
~~وهو الجري (والجيم من الاسمين، مكسورة، وكذلك الراء مكسورة أيضا، مشددة)
~~وكذلك الضفادع، والسلاحف، وجميع ما لا يحل أكله، حرام بيعه، إلا ما استثناه
~~أصحابنا من بيع الدهن النجس، لمن يستصبح به تحت السماء، بهذا الشرط، فإنه
~~يصح بيعه، بهذا التقييد، لإجماعهم على ذلك.
# ومعونة الظالمين، وأخذ الأجرة على ذلك، محرم محظور، فأما أخذ الأجرة
~~منهم، على غير معونة الظلم، فلا بأس بذلك، مثل رعي غنمهم، وحفاظ أملاكهم،
~~وغسل ثيابهم، وغير ذلك، وإنما المحرم أخذ أجرة المعونة على الظلم.
# ومعالجة الزينة للرجال، بما حرمه الله تعالى عليهم، حرام.
# وكسب المغنيات، وتعلم الغناء (1)، حرام.
# وكسب النوايح بالأباطيل حرام، على ما قلناه، ولا بأس بذلك على أهل الدين،
~~بالحق من الكلام.
# وأما المباح على كل حال، فهو كل مباح من المآكل، والمشارب، وكل ما لم يكن
~~من جملة ما ذكرنا كونه محظورا، ولا من جملة ما يكون مكروها على ما نذكره.
# PageV02P222
# ومن المباح، إذا أعطى الإنسان غيره شيئا ليضعه في الفقراء، وكان هو
~~محتاجا إلى شئ من ذلك، جاز ms0665 له أن يأخذ منه، إذا كان مستحقا، ومن أهله، مثل
~~ما يعطي غيره، ولا يفضل نفسه على أحد، إلا أن يفضله صاحب المال، فإن عين له
~~على أقوام بأعيانهم، لم يجز له أن يتعدى ما أمره به، ولا يجوز له أخذ شئ
~~منه عند ذلك.
# وكسب القابلة حلال، وكسب الحجام حلال طلق، إذا لم يشترط.
# فأما المكروه، فجميع ما كره، من المآكل، والمشارب، وكسب الحجام، إذا
~~شارط، والرزق على القضاء وتنفيذ الأحكام، من قبل الإمام العادل، والأجر على
~~تعليم القرآن، ونسخ المصاحف، مع الشرط في ذلك، ومع ارتفاعه فهو حلال طلق،
~~وهذا مذهب جميع أصحابنا، وعليه إجماعهم منعقد، ومذهب شيخنا أبي جعفر، في
~~نهايته (1)، وفي جميع كتبه، إلا في استبصاره (2)، فإنه ذهب إلى حظره مع
~~الشرط، وإلى كراهته مع ارتفاع الشرط، معتمدا على خبر (3) روته رجال
~~الزيدية، فأراد أن يجمع بينه، وبين ما رواه أصحابنا من الأخبار الواردة
~~بالكراهة مع الشرط (4) وليس في أخبارنا التي أوردها رحمه الله في استبصاره،
~~ما يدل على الحظر والتحريم، ولا يلتفت إلى خبر شاذ، يرويه رجال الزيدية،
~~وأيضا أخبار الآحاد، وإن كانت رجالها عدولا، لا يلتفت إليها، ولا يعرج
~~عليها، بل المرجع في ذلك إلى الأدلة القاطعة للأعذار، ولا خلاف بيننا في أن
~~تعليم القرآن يجعل مهورا للنساء، ويستباح به الفروج، فكيف يصح أن يجعل
~~الأجرة المحرمة مهرا، وما قاله شيخنا في هذا الكتاب المشار إليه، أعني
~~الاستبصار، فعلى طريق التأويل، والوساطة، والجمع، دون الاعتقاد لكونه محرما
~~محظورا، لأن ما يقال
# PageV02P223
# على طريق التأويل والمناظرة، لا يكون مذهبا لقائله، لأن المقصود فيه غير
~~ذلك، من دفع الخصم وتأويل الكلام، وهذا يجري للسيد المرتضى في مناظرته
~~الخصوم كثيرا، وإن كان فتواه وعمله واعتقاده غير ذلك في المسألة، فلا يظن
~~ظان، ولا يتوهم متوهم على شيخنا أبي جعفر رحمه الله، أنه يعتقد حظر ذلك.
# وأجر المغنيات في الأعراس، إذا لم يغنين بالأباطيل، على ما روي (1).
# والأظهر أن الغناء محرم ممن كان.
# والصرف وبيع الطعام، وعظام الفيل، ms0666 وعملها عند بعض أصحابنا، وهو ابن
~~البراج (2)، والأظهر أن ذلك ليس بمكروه.
# وبيع الأكفان، والنساجة، والحياكة، على ما روي في الأخبار (3)، والذباحة،
~~وركوب البحر للتجارة، وكسب صاحب الفحل، من الإبل، والبقر والغنم، إذا أقامه
~~للنكاح (4) مكروه، وليس بمحظور عند أصحابنا، بل إجماعهم منعقد، على أن ذلك
~~حلال.
# ولا بأس بأخذ الأجر على تعليم الحكم - جمع حكمة - والآداب، وعلى نسخها،
~~وتخليدها - بالخاء - الكتب.
# وينبغي للمعلم، أن يسوي بين الصبيان في التعليم، والأخذ عليهم، ولا يفضل
~~بعضهم على بعض في ذلك، إلا أن يؤجر نفسه لهذا على تعليم مخصوص، وهذا
~~يستأجره على تعليم مخصوص، فأما إذا استؤجر على التعليم لجميعهم بالإطلاق،
~~فلا يجوز له أن يفضل بعضهم على بعض في التعليم، لأنه استؤجر عليه، سواء
~~كانت أجرة بعضهم أكثر من أجرة بعض آخر.
# ولا بأس بأخذ الأجرة على نسخ كتب العلوم الدينية والدنياوية، ولا يجوز
# PageV02P224
# نسخ كتب الكفر والضلال، وتخليدها الكتب إلا لإثبات الحجج بذلك على الخصم،
~~أو النقض له على ما قدمناه.
# ولا بأس بأخذ الأجرة على الخطب في الإملاكات، وعقود النكاح، ولا بأس بأخذ
~~الأجرة على ختن الرجال، وخفض الجواري.
# وكل صنعة من الصنايع المباحة، إذا أدى فيها الأمانة، إذا تمكن لم يكن بها
~~بأس، وإن لم يؤد فيها الأمانة، أو لا يتمكن معها من القيام بالواجبات، وترك
~~المقبحات، فلا يجوز التعرض بشئ منها.
# ومن جمع مالا من حلال وحرام، ثم لم يتميز له بالمقدار، ولا بالعين، أخرج
~~منه الخمس، وحل له التصرف في الباقي، فإن تميز له الحرام منه، وجب عليه رده
~~على صاحبه، لا يسوغ له سواه، فإن لم يجده، رده على ورثته، فإن لم يجد
~~وارثا، أمسكه، وحفظه، وطلب الوارث، فإن لم يخلف وارثا، وقطع على ذلك، فهو
~~لإمام المسلمين، لأن له ميراث من لا وارث له.
# ولا بأس ببيع الخشب، لمن يجعله صنما، أو صليبا، أو شيئا من الملاهي، لأن
~~الوزر على من يجعله كذلك، لا على الذي باع الآلة، على ما رواه أصحابنا (1)
~~والأولى عندي، ms0667 تجنب ذلك.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ومن وجده عنده سرقة، كان ضامنا لها، إلا
~~أن يأتي على شرائها ببينة (2).
# قال محمد بن إدريس: هو ضامن، سواء، أتى على شرائها ببينة، أو لم يأت بغير
~~خلاف، ومقصود شيخنا أنه ضامن أي هل يرجع على من اشتراها منه بالغرامة، أم
~~لا؟ فإن كان اشتراها مع العلم، بأنها سرقة، وقال له البايع لها هذه سرقة،
~~واشتراها كذلك، فإذا غرم لا يرجع على من باعها بالغرامة، لأنه ما
# PageV02P225
# غره، ولأنه أعطاه ماله بغير عوض في مقابلته، وأما إن لم يعلمه، ولا علم
~~أنها سرقة، وباعه إياها، على أنها ملكه، فمتى غرم، رجع عليه بما غرمه، لأنه
~~غره.
# ولا بأس بعمل الأشربة المباحة، وأخذ الأجرة عليها.
# ولا بأس بأخذ الأجرة في النيابة عن إنسان، في وكالة بالبيع، والشراء،
~~وغير ذلك.
# ولا يجوز لأجير الإنسان الذي عقد عليه مدة معلومة، أن يعمل لغيره في تلك
~~المدة عملا، لأنه استحق منافعه، مدة تلك المدة والزمان، فإن أذن له
~~المستأجر في ذلك، كان جائزا.
# وإذا مر الإنسان بالثمرة، جاز له أن يأكل منها قدر كفايته، ولا يحمل شيئا
~~منها على حال، من غير قصد إلى المضي إلى الثمرة للأكل، بل كان الإنسان
~~مجتازا في حاجة، ثم مر بالثمار، سواء كان أكله منها لأجل الضرورة، أو غير
~~ذلك، على ما رواه أصحابنا (1)، وأجمعوا عليه، لأن الأخبار في ذلك متواترة،
~~والإجماع منعقد منهم، ولا يعتد بخبر شاذ، أو خلاف من يعرف اسمه ونسبه، لأن
~~الحق مع غيره.
# وقد روي أنه يكره للإنسان، أن ينزي الحمير على الخيل (2)، وليس ذلك
~~بمحظور، على ما روي في بعض الأخبار (3).
# ولا بأس أن يبذرق الإنسان القوافل، ويأخذ على ذلك الأجر، إذا كان باختيار
~~من يحفره، ومستأجرا معه.
# قال شيخنا في نهايته: من آجر مملوكا له، فأفسد المملوك، لم يكن على مولاه
~~ضمان ما أفسده، لكنه يستسعى العبد في مقدار ما أفسده (4).
# PageV02P226
# وقال رحمه الله، في الجزء الثاني من نهايته، في باب الإجارات: ms0668 ومن استأجر
~~مملوك غيره من مولاه فأفسد المملوك شيئا، أو أبق قبل أن يفرغ من عمله، كان
~~مولاه ضامنا لذلك (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: ووجه الجمع بين قوليه رحمه الله، وتحرير
~~ذلك، والفتوى به، أن المسألة الأولى في التي ذكرها في آخر الجزء الأول من
~~نهايته، من قوله: لم يكن على مولاه ضمان ما أفسده، يريد بذلك ما عدا
~~الأجرة، لأن المملوك لا يضمن سيده جنايته التي على غير بني آدم، ولا يستسعى
~~فيها، ولا يباع على الصحيح من أقوال أصحابنا، لأن بيعه يحتاج إلى دليل،
~~وانتقال ملكه إلى ملك غير سيده، يحتاج إلى شرع، وقوله رحمه الله: لكنه
~~يستسعى العبد في مقدار ما أفسده، غير واضح، لأنه مخالف للإجماع، وإنما ورد
~~بعض أخبار الآحاد بذلك، فأورده إيرادا، لا اعتقادا، فأما المسألة التي
~~أوردها في الجزء الثاني، في كتاب الإجارات، من قوله: " ضامنا لذلك " يريد
~~به ضامنا للأجرة الباقية، وهذا صحيح، يرجع على السيد بها، بغير خلاف. فأما
~~ضمان ما أفسده، فلا ضمان على السيد، بغير خلاف، لأن الإنسان بغير خلاف لا
~~يضمن ما يجنيه عبده، على ما عدا بني آدم، وكذلك إن جنى على بني آدم، لا
~~يكون سيده عاقلة له، ولا يودي إلا إذا تبرع، وشيخنا قال هناك: يستسعى، ولم
~~يقل يضمن سيده ما أفسده، وقال هيهنا، أعني في الجزء الثاني: يضمن سيده وهذا
~~على ما تراه، يدلك عل ما نبهنا عليه، وصحة ما حررناه.
# ولا بأس ببيع جوارح الطير، التي تصلح للصيد بها كلها، وأخذ ثمنها،
~~والتكسب بها، بجميع الوجوه.
# وقد حث وندب إلى طلب الكسب من الحلال، ما لا يحصى كثرة، قال
# PageV02P227
# الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا
~~إلى ذكر الله وذروا البيع ذلك خير لكم إن كنتم تعلمون فإذا قضيت الصلاة
~~فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا " (1) وقال
~~سبحانه:
# " والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شئ موزون وجعلنا
~~لكم ms0669 فيها معايش " (2) الآية فأمر الله تعالى بالاكتساب من فضله، وبين أنه
~~قد جعل لعباده من المعيشة، ما يتمكنون من التصرف فيه، بما يقوم بهم،
~~ويستعينون به على صلاح أحوالهم.
# وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: إذا أعسر أحدكم، فليخرج، يضرب في
~~الأرض، يبتغي من فضل الله، لا يغم نفسه وأهله (3).
# وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال لأصحابه، في حجة الوداع: إني والله
~~لا أعلم عملا يقربكم من الجنة، إلا وقد نبأتكم به، ولا أعلم عملا يقربكم من
~~النار، إلا وقد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين نفث في روعي، (بضم الراء، هو
~~النفس والبال) أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها، فأجملوا في الطلب (4).
# وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام: إنه قال ما غدوة أحدكم في سبيل الله،
~~بأعظم من غدوته، يطلب لولده وعياله ما يصلحهم (5).
# PageV02P228
# كتاب المتاجر والبيوع PageV02P229
# كتاب المتاجر والبيوع باب آداب التجارة ينبغي للإنسان إذا أراد التجارة،
~~أن يبتدئ أولا، فيتفقه في دينه، ليعرف كيفية الاكتساب، ويميز بين العقود
~~الصحيحة والفاسدة، لأن العقود الفاسدة، لا ينتقل بها الملك، بل هو باق على
~~ملكية الأول، ويسلم من الربا الموبق، ولا يرتكب المآثم، من حيث لا يعلم به،
~~فإنه روي عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنه قال: من اتجر بغير علم، ارتطم
~~في الربا ثم ارتطم (1).
# قال محمد بن إدريس: (2) معنى ارتطم، يقلل رطمته في الوحل رطما، فارتطم،
~~هو، أي ارتبك فيه، وارتطم عليه أمره، إذا لم يقدر على الخروج منه.
# وكان عليه السلام، يقول: التاجر فاجر، والفاجر في النار، إلا من أخذ
~~الحق، وأعطى الحق (3).
# وكان عليه السلام يقول: معاشر الناس، الفقه ثم المتجر، الفقه ثم المتجر،
~~والله للربا في هذه الأمة، أخفى من دبيب النمل على الصفا (4).
# وكان عليه السلام بالكوفة، يغتدي كل يوم بكرة، من القصر، يطوف في أسواق
~~الكوفة، سوقا سوقا، ومعه الدرة على عاتقه، فيقف على أهل كل سوق، فينادي: يا
~~معاشر (5) التجار، اتقوا الله عز وجل فإذا سمعوا صوته، ألقوا ما ms0670 في أيديهم،
~~وأرعوا بقلوبهم، وتسمعوا بآذانهم، فيقول: قدموا الاستخارة، وتبركوا
~~بالسهولة، واقتربوا من المبتاعين، وتزينوا بالحلم، وجانبوا الكذب، وتجافوا
~~عن
# PageV02P230
# الظلم، وانصفوا المظلومين، ولا تقربوا الربا، وأوفوا الكيل والميزان، ولا
~~تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين، فيطوف جميع الأسواق، ثم
~~يرجع، فيقعد للناس (1).
# قوله عليه السلام: قدموا الاستخارة يعني الدعاء بالخيرة في الأمور.
# وروي عن الصادق عليه السلام، أنه قال: من لم يتفقه في دينه، ثم اتجر،
~~تورط في الشبهات (2).
# قال محمد بن إدريس: الورطة، الهلاك، قال أبو عبيد: أصل الورطة، أرض
~~مطمئنة، لا طريق فيها، وأورطه، وورطه، توريطا، أي أوقعه في الورطة، فتورط
~~هو فيها.
# وينبغي أن يتجنب الإنسان في تجارته، خمسة أشياء، مدح البايع، وذم
~~المشتري، وكتمان العيوب، واليمين على البيع، والربا.
# معنى مدح البايع، أي مدح البايع لما يبيعه من الأمتعة، وذم المشتري،
~~معناه وذم المشتري لما يشتريه، وإن شئت، جعلت البايع بمعنى المبيع، فكأنه
~~أراد مدح المبيع، لأنه قد يأتي فاعل بمعنى مفعول، قال الله تعالى: " لا
~~عاصم اليوم من أمر الله " (3) أي لا معصوم، فأما ذم المشتري، إن شئت قلته
~~بفتح الراء، فيكون الشئ المشترى، وكلاهما حسن، فأما كتمان العيوب مع العلم
~~بها، فحرام محظور بغير خلاف، والربا فكذلك.
# ولا يجوز لأحد أن يغش أحدا من الناس، فيما يبيعه أو يشتريه، ويجب عليه
~~النصيحة فيما يفعله لكل أحد.
# وإذا قال إنسان للتاجر: اشتر لي متاعا، فلا يجوز له أن يعطيه من عنده،
~~وإن كان الذي عنده خيرا مما يجده، إلا بعد أن يبين له أن ذلك من عنده، ومن
~~خاص ماله.
# قال محمد بن إدريس: فقه ذلك، إن التاجر صار وكيلا في الشراء، ولا يجوز
# PageV02P231
# للوكيل أن يشتري لموكله من نفسه، لأن العقد يحتاج إلى إيجاب وقبول، فكيف
~~يكون هو القابل والموجب؟ فلأجل ذلك ما صح أن يشتريه له من عنده.
# ويجتنب بيع الثياب في المواضع المظلمة، التي يتستر فيها العيوب.
# وينبغي أن يسوي بين الناس في البيع والشراء، فيكون الصبي عنده بمنزلة ms0671
~~الكبير، والساكت بمنزلة المماكس، والمستحي بمنزلة البصير المداق.
# معناه المداقق في الأمور، فأدغم أحد القافين في الآخر، وشدد القاف،
~~وقوله: والصبي، المراد به الذي قد بلغ وعقل، فأما من لم يبلغ، فلا ينعقد
~~بيعه وشراؤه، وقوله: البصير، المراد به يكون من أهل البصيرة والخبرة، لا من
~~بصر العين.
# وكل ذلك على طريق الاستحباب، إذا كانوا عالمين بالأسعار، وبما يباع، فلا
~~بأس أن يبيع كل واحد بغير السعر، الذي باعه للآخر، مع علمه، فأما إذا كان
~~المشتري من غير أهل البصيرة، ثم ظهر له الغبن، فله الخيار، بين رد المبيع
~~وإمساكه، فأما إن كان من أهل البصيرة، ويعلم بالأسعار، فلا خيار له، وسيجئ
~~الكلام على ذلك في موضعه إن شاء تعالى.
# وإذا قال لغيره: هلم إلي، أحسن إليك، باعه من غير ربح، وكذلك إذا عامله
~~مؤمن، فليجتهد أن لا يربح عليه إلا في حال الضرورة، وذلك على طريق
~~الاستحباب، دون الفرض والإيجاب.
# ويستحب أن يقبل من استقاله، لقوله عليه السلام: من أقال نادما بيعته،
~~أقاله الله نفسه يوم القيامة (1).
# ويكره السوم، والمقاولة في البيع، والشراء، والرياضة في ذلك، فيما بين
~~طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لأن ذلك وقت التفرغ للعبادة، والأدعية،
~~المستجابة، واستدعاء الرزق من الله تعالى.
# PageV02P232
# فإذا غدا إلى سوقه، فلا يكونن أول من يدخلها، على ما روي من كراهة ذلك
~~(1) فإذا دخلها سأل الله تعالى، من خيرها، وخير أهلها، وتعوذ به من شرها،
~~وشر أهلها.
# ويستحب لمن اشترى شيئا، أن يتشهد الشهادتين، ويكبر الله تعالى، فإنه أبرك
~~له فيما يشتريه، وسأل الله تعالى أن يبارك له فيما يشتريه، ويخير له فيما
~~يبيعه.
# وينبغي أن يتجنب مخالطة السفلة من الناس، والأدنين منهم، ولا يعامل إلا
~~من نشأ في خير.
# وقد روي اجتناب معاملة ذوي العاهات، والمحارفين (2).
# ولا ينبغي أن يخالط أحدا من الأكراد، ويتجنب مبايعتهم، ومشاراتهم،
~~ومناكحتهم.
# قال محمد بن إدريس: وذلك راجع إلى كراهية معاملة من لا بصيرة له، فيما
~~يشتريه، ولا فيما يبيعه، لأن الغالب على هذا الجيل، ms0672 والقبيل، قلة البصيرة،
~~لتركهم مخالطة الناس، وأصحاب البصائر.
# ويستحب لمن أخذ شيئا بالوزن أن لا يأخذه إلا ناقصا، وإذا أعطى أن لا
~~يعطيه إلا راجحا، وإذا كان، لا يكيل إلا وافيا، فإن كان ممن لا يحسن الكيل
~~والوزن، فلا يتعرض له، بل يوليه غيره.
# ولا يجوز له أن يزين متاعه، بأن يري خيره، ويكتم رديه، بل ينبغي أن يخلط
~~جيده برديه، فيكون كله ظاهرا، هذا إذا كان الردي والمعيب فيما يرى، ويظهر
~~بالخلط، فأما إذا كان مما لا يرى، ولا يظهر بالخلط، فلا يجوز له ذلك، ويحرم
~~عليه فعاله، وبيعه، قبل أن يبين العيب فيه وذلك مثل أن يشوب اللبن بالماء
~~لأن ذلك لا يتبين العيب فيه.
# ويكره له أن يطلب الغاية، فيما يبيع ويشتري من الربح، ولا يطلب الاستقصاء
~~في جميع أموره، وأحواله، ومعاملاته، فقد روى العباس بن معروف،
# PageV02P233
# عن محمد بن يحيى الصيرفي، عن حماد بن عثمان، قال: دخل على أبي عبد الله
~~عليه السلام، رجل من أصحابه فشكى إليه رجلا من أصحابه، فلم يلبث أن جاء
~~المشكو، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: ما لأخيك فلان يشكوك، فقال له:
~~يشكوني، أني استقصيت حقي، قال: فجلس مغضبا، ثم قال: كأنك إذا استقصيت حقك،
~~لم تسئ، أرأيتك ما حكاه الله تعالى، فقال: " ويخافون سوء الحساب " (1) إنما
~~خافوا أن يجور الله عليهم، لا والله، ما خافوا إلا الاستقصاء، فسماه الله،
~~سوء الحساب، فمن استقصى فقد أساء (2).
# وإذا تعسر على الإنسان نوع من التجارة، فليتحول منه إلى غيره.
# ويكره الاستحطاط من الثمن بعد الصفقة، وعقد البيع بالإيجاب والقبول، سواء
~~كان قبل التفرق من المجلس، أو بعده.
# ومن باع لغيره شيئا، فلا يجوز له أن يشتريه لنفسه، وإن زاد في ثمنه على
~~ما يطلب في الحال، إلا بعلم من صاحبه، وإذن من جهته.
# وفقه ذلك، أن الوكيل لا يجوز له أن يشتري السلعة الموكل في بيعها من
~~نفسه، لأن البيع يحتاج إلى إيجاب وقبول، فكيف يكون موجبا قابلا! فأما الأب
~~والجد ms0673 من الولد الأصغر، فقد خرج بدليل، وهو إجماع أصحابنا على ذلك.
# وقال شيخنا أبو جعفر، في نهايته: وإذا نادى المنادي على المتاع، فلا يزيد
~~في المتاع، فإذا سكت المنادي، زاد حينئذ إن شاء (3).
# وقال في مبسوطه: وأما السوم على سوم أخيه، فهو حرام، لقوله عليه السلام:
~~لا يسوم الرجل على سوم أخيه، هذا إذا لم يكن المبيع في المزايدة، فإن كان
~~كذلك فلا تحرم المزايدة (4).
# PageV02P234
# وهذا هو الصحيح، دون ما ذكره في نهايته، لأن ذلك على ظاهره غير مستقيم،
~~لأن الزيادة في حال النداء غير محرمة، ولا مكروهة، فأما الزيادة المنهي
~~عنها، هي عند الانتهاء، وسكون نفس كل واحد من البيعين على البيع، بعد
~~استقرار الثمن، والأخذ، والشروع في الإيجاب والقبول، وقطع المزايدة، فعند
~~هذه الحال، لا يجوز السوم على سوم أخيه، لأن السوم في البيع، هو الزيادة في
~~الثمن، بعد قطعه، والرضا به، بعد حال المزايدة، وانتهائها، وقبل الإيجاب
~~والقبول، لقوله عليه السلام: لا يسوم الرجل على سوم أخيه.
# فأما إذا باع إنسان من غيره شيئا، وعقد العقد بالإيجاب والقبول، وهما بعد
~~في المجلس، ولكل واحد منهما الخيار في الفسخ، فجاء آخر يعترض على المشتري
~~سلعة، مثل سلعته، بأقل منها، أو خيرا، لينفسخ ما اشتراه، أو يشتري منه
~~سلعة، فهذا محرم، غير أنه متى فسخ الذي اشتراه، انفسخ، وإذا اشترى الثاني
~~كان صحيحا، وإنما قلنا إنه حرام، لقوله ونهيه عليه السلام: لا يبيعن أحدكم
~~على بيع أخيه (1).
# وكذلك الشراء بعد البيع محرم، وهو أن يعرض على البايع، أكثر من الثمن
~~الذي باعه به، فإنه حرام، لأن أحدا لم يفرق بين المسألتين.
# وقال شيخنا أبو جعفر، في تفسير القرآن، في تفسير قوله تعالى: " ومنه شجر
~~فيه تسيمون " (2) أي ترعون، يقال: أسمت الإبل، إذا رعيتها، وقد سامت، تسوم،
~~فهي سايمة، إذا رعت، وأصل السوم الإبعاد في المرعى، والسوم (3) في البيع
~~الارتفاع في الثمن (4).
# وقال في موضع آخر من التبيان: أصل السوم، مجاورة الحد، فمنه السوم في
# PageV02P235
# البيع، وهو تجاوز الحد في ms0674 السعر، إلى الزيادة، ومنه السائمة من الإبل
~~الراعية، لأنها تجاوز حد الإثبات للرعي، هذا آخر كلام شيخنا في التبيان في
~~معنى السوم (1) فصح ما قلناه، أنه الزيادة والارتفاع في الثمن.
# ولا يجوز أن يبيع حاضر لباد، ومعناه أن يكون سمسارا له، بل يتركه أن
~~يتولى لنفسه، ليرزق الله بعضهم من بعض، فإن خالف أثم، وكان بيعه صحيحا،
~~وينبغي أن يتركه في المستقبل، هذا إذا كان ما معهم، يحتاج أهل الحضر إليه،
~~في فقده إضرار بهم، فأما إذا لم يكن بهم حاجة ماسة إليه، فلا بأس أن يبيع
~~لهم، هكذا ذكره شيخنا أبو جعفر في مبسوطه (2) وكذلك الفقيه ابن البراج في
~~مهذبه (3).
# وهذا هو الصحيح الذي لا خلاف فيه بين العلماء، من الخاص والعام، وبين
~~مصنفي غريب الأحاديث، من أهل اللغة، كالمبرد، وأبي عبيد، وغيرهما، فإن
~~المبرد، ذكر ذلك في كامله: فلا يتوهم متوهم، أن المراد بقوله عليه السلام:
# ولا يجوز أن يبيع حاضر لباد (4) معناه أنه لا يبيع الحاضر البادي، أو لا
~~يبيع الحاضر على البادي، وهذا لا يقوله من له أدنى تحصيل، فإني شاهدت بعض
~~متفقهة أصحابنا، وقد اشتبه عليه ذلك، وقال: المراد به، ما أوردته أخيرا، من
~~أنه لا يبيع حاضر شيئا على باد، وهذا غاية الخطأ، ومن أفحشه، وهل يمنع من
~~أن يبيع حاضر على البادي، أحد من المسلمين، ولو أراد ذلك عليه السلام لما
~~قال: ولا يجوز أن يبيع حاضر لباد، بل كان يقول: ولا يجوز أن يبيع حاضر على
# PageV02P236
# باد، فلما قال: لباد، دل عليه أنه لا يكون سمسارا له.
# ووجدت بعض المصنفين، قذ ذكر في كتاب له، قال: نهي أن يبيع حاضر لباد،
~~فمعنى هذا النهي، والله أعلم، معلوم في ظاهر الخبر، وهو الحاضر للبادي،
~~يعني متحكما عليه في البيع، بالكره، أو بالرأي الذي يغلب به عليه، يريه أن
~~ذلك نظر له، أو يكون البادي يوليه عرض سلعته، فيبيع دون رأيه، أو ما أشبه
~~ذلك. فأما إن دفع البادي سلعته إلى الحاضر، ينشرها للبيع، ms0675 ويعرضها، ويستقصي
~~ثمنها، ثم يعرفه مبلغ الثمن، فيلي البادي البيع بنفسه، أو يأمر من يلي ذلك
~~له بوكالته، فذلك جائز، وليس في هذا من ظاهر النهي شئ، لأن ظاهر النهي،
~~إنما هو أن يبيع الحاضر للبادي، فإذا باع البادي بنفسه، فليس هذا من ذلك
~~بسبيل، كما يتوهمه من قصر فهمه، هذا آخر الكلام. فأحببت إيراده هاهنا،
~~ليوقف عليه، فإنه كلام محصل، سديد في موضعه.
# فأما المتاع الذي يحمل من بلد إلى بلد، لبيعه السمسار، ويستقصي في ثمنه،
~~ويتربص، فإن ذلك جائز، لأنه لا مانع منه، وليس كذلك في البادية.
# ولا يجوز تلقي الجلب، ليشتري منهم قبل دخولهم البلد، لأن النبي عليه
~~السلام قال: لا يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا تلقوا السلع، حتى يهبط بها
~~الأسواق (1).
# وروي عنه عليه السلام أنه نهى عن تلقي الجلب، فإن تلقى متلق فاشتراه،
~~فصاحب السلعة بالخيار، إذا ورد السوق (2).
# فإن تلقى واشتراه، يكون الشراء صحيحا، لأن النبي عليه السلام، أثبت
~~الخيار للبايع، والخيار لا يثبت إلا في عقد صحيح، وخياره يكون على الفور مع
# PageV02P237
# الإمكان، فأما إذا كان راجعا من ضيعة، أو من سفر، فتلقى جلبا، جاز له أن
~~يشتريه، لأنه لم يتلق الجلب، للشراء منهم.
# وحد التلقي روحة، وحدها أربعة فراسخ، فإن زاد على ذلك كان تجارة، وجلبا،
~~ولم يكن تلقيا.
# وقال شيخنا في نهايته: وأما التلقي، فهو أن يستقبل الإنسان الأمتعة
~~والمتاجر، على اختلاف أجناسها، خارج البلد، فيشتريها من أربابها، وهم لا
~~يعلمون بسعر البلد، فمن فعل ذلك، فقد ارتكب مكروها، لما في ذلك من
~~المغالطات، والمغابنات (1)، وكذلك أيضا يكره أن يبيع حاضر لباد، لقلة
~~بصيرته، بما يباع في البلاد، وإن لم يكن شئ من ذلك محظورا، لكن ذلك من
~~المسنونات (2).
# وما ذكره في مبسوطه، في المسألتين معا، من أن ذلك محرم (3)، هو الصحيح،
~~لأنه نهى عليه السلام عن ذلك، والنهي عندنا بمجرده، يقتضي التحريم، في عرف
~~الشريعة.
# فإن قيل: لو كان ذلك على جهة التحريم، لكان البيع فاسدا، لأن النهي عندكم ms0676
~~يقتضي فساد المنهي عنه، وقد قلتم: إن البيع - إذا تلقي - صحيح.
# قلنا: نهى عليه السلام، عن التلقي، وما نهى عن نفس العقد الذي هو البيع،
~~فلا يتعدى أحدهما إلى الآخر، ولو كان النهي عن نفس البيع، لفسد، وإنما
~~النهي عن التلقي.
# ونهى عن الاحتكار، والاحتكار عند أصحابنا، هو حبس الحنطة، والشعير،
~~والتمر، والزبيب، والسمن، من البيع، ولا يكون الاحتكار المنهي عنه، في شئ
~~من الأقوات، سوى هذه الأجناس، وإنما يكون الاحتكار منهيا عنه، إذا كان
~~بالناس حاجة شديدة إلى شئ منها، ولا يوجد في البلد غيره، فأما مع
# PageV02P238
# وجود أمثاله، وسعة ذلك على الناس، وكثرته، فلا بأس أن يحبسه صاحبه، ويطلب
~~بذلك الفضل.
# ومتى ضاق على الناس الطعام، ولم يوجد إلا عند من احتكره، كان على
~~السلطان، والحكام من قبله، أن يجبره على بيعه، ويكرهه عليه، ولا يجوز أن
~~يجبره على سعر بعينه، ولا أن يسعر عليه، بل يبيعه بما يرزقه الله تعالى،
~~ولا يمكنه من حبسه، أكثر من ذلك.
# وقال شيخنا المفيد، في مقنعته: وللسلطان أن يكره المحتكر على إخراج غلته،
~~وبيعها في أسواق المسلمين، إذا كانت بالناس حاجة ظاهرة إليها، وله أن
~~يسعرها على ما يراه من المصلحة، ولا يسعرها بما يخسر أربابها فيها (1).
# والأول مذهب شيخنا أبي جعفر في نهايته (2)، ومسائل خلافه (3)، ومبسوطه
~~(4)، وجميع كتبه، وهو الصحيح الذي يقوى في نفسي، لأن عليه الإجماع، وبه
~~تواترت الأخبار، عن الأئمة الأطهار، وأيضا الأصل براءة الذمة، من إلزام هذا
~~المكلف التسعير، وأيضا إثبات ذلك، حكم شرعي، يحتاج فيه إلى دليل شرعي.
# وروي عن النبي عليه السلام، أن رجلا أتاه، فقال: سعر على أصحاب الطعام،
~~فقال: بل ادعوا الله، ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله، سعر على أصحاب
~~الطعام، فقال: بل الله يرفع ويخفض، وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد
~~عندي مظلمة (5).
# فإذا ثبت ذلك، فإذا خالف إنسان من أهل السوق، بزيادة سعر، أو نقصانه، فلا
~~اعتراض عليه لأحد.
# PageV02P239
# وقال شيخنا أبو جعفر، في مبسوطه: لا يجوز للإمام، ms0677 ولا للنائب عنه، أن
~~يسعر على أهل الأسواق، متاعهم من الطعام وغيره، سواء كان في حال الغلاء، أو
~~في حال الرخص، بلا خلاف.
# ونهى عليه السلام عن بيعتين في بيعة، وقيل: إنه يحتمل أمرين، أحدهما أن
~~يكون المراد، أنه إذا قال: بعتك هذا الشئ، بألف درهم، نقدا، وبألفين نسية،
~~بأيهما شئت خذه، فإن هذا لا يجوز، لأن الثمن غير معين، وذلك يفسد البيع،
~~كما إذا قال: بعتك هذا العبد، أو هذا العبد، أيهما شئت فخذه، لم يجز،
~~والآخر أن يقول: بعتك عبدي هذا بألف، على أن تبعني دارك هذه بألف درهم،
~~فهذا أيضا لا يصح، لأنه لا يلزمه بيع داره.
# ونهى عن النجش - بالنون والجيم والشين المعجمة - وحقيقته الاستثارة، وهي
~~أن يزيد رجل، في ثمن سلعة، زيادة لا تساوي بها، وهو لا يريد شراها، وإنما
~~يريد ليقتدي به المستام، فهذا هو النجش الحرام.
# ولا يجوز بيع حبل - الحبلة، بالحاء غير المعجمة، والباء المنقطة، بنقطة
~~واحدة من تحتها، بفتحهما معا، وكذلك الحبلة بفتح الحاء، غير المعجمة،
~~والباء أيضا - وهو أن يبيع شيئا بثمن مؤجل إلى نتاج الناقة، لأن ذلك أجل
~~مجهول.
# ونهي عن بيع المجر - بالميم المفتوحة، والجيم المسكنة، والراء - وهو بيع
~~ما في الأرحام، ذكره أبو عبيدة، وقال ابن الأعرابي: المجر الذي في بطن
~~الناقة، وقال:
# المجر الربا، والمجر القمار، والمجر المحاقلة والمزابنة.
# باب حقيقة البيع وبيان أقسامه وعقوده وجمل من أحكامه البيع هو انتقال عين
~~مملوكة، من شخص إلى غيره بعوض مقدر، على وجه التراضي، وهو على ثلاثة أضرب،
~~بيع عين مرئية مشاهدة، وبيع خيار الرؤية، وبيع موصوف في الذمة، وإن شئت
~~قلت: البيع على ضربين، بيوع PageV02P240
# الأعيان، وبيوع الموصوف في الذمة. وبيع الأعيان على ضربين، بيع عين
~~مشاهدة مرئية، وبيع خيار الرؤية. فأما بيع الأعيان المشاهدة المرئية، فهو
~~أن يبيع الإنسان عبدا حاضرا، أو ثوبا مشاهدا، أو عينا من الأعيان، مشاهدة
~~حاضرة مرئية، فيشاهد البايع والمشتري ذلك، فهذا بيع صحيح، بلا خلاف، ولا
~~يفتقر إلى ضرب الأجل، ولا ms0678 وصف المبيع، وليس من شرط صحته قبض الثمن، قبل
~~التفرق من مجلس العقد، فإن هلك قبل قبض المشتري له، أو قبل تمكينه من قبضه،
~~فقد بطل البيع، ووجب على البايع رد الثمن إن كان تسلمه، وإن كان بعد قبض
~~المشتري له، أو بعد التمكين له من القبض، فإنه لا ينفسخ البيع، ويهلك من
~~مال مشتريه، إلا أن يكون حيوانا فمتى مات في مدة الثلاثة أيام، قبل تصرف
~~المشتري فيه، فإنه يهلك من مال بايعه، فإن هلك بعدها، فهو من مال مشتريه،
~~لأن الخيار في الحيوان، للمشتري ثلاثة أيام، يثبت بمجرد العقد، إلا أن يشرط
~~البايع، أن لا خيار بيننا، فمتى كان الخيار للمشتري، وهلك الحيوان في مدة
~~الخيار، قبل التصرف فيه، والحدث المؤذن بالرضا، فإنه يهلك من مال بايعه،
~~دون مشتريه، ومتى كان الخيار في المدة لبايعه، ولا خيار لمشتريه، فإنه يهلك
~~من مال مشتريه، دون مال بايعه، لأنه يهلك من مال من استقر العقد عليه، ولزم
~~من جهته.
# فأما بيع العين الموصوفة، غير المشاهدة بخيار الرؤية، فهو بيع الأعيان
~~الغائبة، وهو أن يبتاع شيئا لم يره، مثل أن يقول: بعتك هذا الثوب الذي في
~~كمي، أو الثوب الذي في صندوقي، وما أشبه ذلك، فيذكر جنس المبيع، فيتميز من
~~غير جنسه، ويذكر الصفة، لتقوم مقام المشاهدة في العين المرئية، لأن العين
~~المرئية، لا يحتاج في بيعها إلى ذكر صفتها.
# ومن شرط هذا البيع، وصحته، ذكر الجنس والصفة معا، فإن أخل بأحدهما، بطل
~~البيع، فإذا عقد البيع، ثم رأى المشتري المبيع، فوجده على ما PageV02P241
# وصفه البايع له، كان البيع ماضيا، ولم يكن لأحدهما خيار، وإن وجده على
~~خلاف الصفة، كان له رده، وفسخ العقد، أو أخذه، وأخذه الأرش، لا يجبر على
~~واحد من الأمرين، فإن هلك قبل قبضه، انفسخ البيع، ولا يلزم بايعه ببدله،
~~لأن البيع وقع على عين، فإثباته، وصحته في غيرها يحتاج إلى دليل، وليس هو
~~في الذمة.
# وليس من شرطه أيضا قبض الثمن قبل التفرق، ولا ضرب الأجل ms0679 المحروس من
~~الزيادة والنقصان، بل من شرطه ذكر الجنس والصفة، بخلاف بيع العين المشاهدة
~~المرئية.
# فأما بيع الموصوف في الذمة، فهو بيوع السلم، بفتح السين واللام، ويقال
~~السلف، فهو أن يسلم في شئ موصوف، إلى أجل معلوم، محروس من الزيادة
~~والنقصان، إما بالسنين والأعوام، أو الشهور والأيام. ويذكر الصفات
~~المقصودة، فهذا أيضا بيع صحيح، بلا خلاف.
# ومن شرط صحته، قبض الثمن قبل التفرق من المجلس، وذكر الجنس والصفة، وضرب
~~الأجل المحروس، وإن لا ينسب إلى أصله، لأنه بيع في الذمة، فإذا عين أن يكون
~~من موضع معروف، أو شجرة بعينها، أو غزل امرأة معينة، أو نتاج حيوان معين،
~~أو لبنه، أو صوفه، وشعره ووبره، فقد خرج عن موضوعه المشروع، وكان باطلا
~~بغير خلاف.
# ولا يصح أن يكون ثمنه دينا على المسلم إليه، كان للمسلم فيه، لأن ذلك
~~يكون بيع دين بدين، وقد نهى الرسول عليه السلام عن بيع الدين بالدين (1).
# فافترق هذا البيع، أعني بيع الموصوف في الذمة، من بيوع الأعيان، وهما
~~البيعان اللذان قدمنا ذكرهما، وهما بيع العين المشاهدة المرئية، وبيع العين
~~الغائبة الموصوفة، لأن هذا أعني بيع السلم، للمشتري مطالبة البايع به، على
~~كل
# PageV02P242
# حال، لأنه في ذمته، بخلاف بيوع الأعيان، لأنهما إذا هلكا قبل قبضهما، بطل
~~البيع فتميز، وافترق كل بيع، وعقد، من البيوع الثلاثة، بأمر، ووجه، غير
~~موجود في الآخر.
# فأما بيع النسيئة، مهموزة الياء، فهو تأخير الأثمان، إلى أجل محروس،
~~وتقديم المثمنات، بخلاف بيع السلم، لأن بيع السلم هو تقديم الأثمان، قبل
~~الافتراق من مجلس البيع، وتأخير المثمنات إلى الأجل المحروس، المقدم ذكره
~~فيما مضى.
# ويجوز بيع العين الحاضرة، بالعين الحاضرة، ويجوز بالدين في الذمة، وبيع
~~خيار الرؤية، إن وجده على حالته ووصفه، أخذه، وإن وجده على غير وصفه، كان
~~له رده، على ما قدمناه.
# فإن اختلفا فقال المبتاع: نقص، وقال البايع: لم ينقص من صفاته التي
~~وصفتها، فالقول قول المبتاع، لأنه الذي ينتزع الثمن منه، ولا يجب انتزاع
~~الثمن منه إلا بإقراره، أو بينة ms0680 تقوم عليه.
# فأما بيع الخيار، وذكر العقود التي يدخلها الخيار، ولا يدخلها، فبيع
~~الخيار على ثلاثة أضرب، أحدها أن يعقد العقد بالإيجاب والقبول، ويكون
~~الإيجاب متقدما على القبول، فإن كان القبول متقدما على الإيجاب، فالبيع غير
~~صحيح، فإذا عقداه بالإيجاب والقبول بعده، فيثبت لهما الخيار، ما لم يفترقا
~~بأبدانهما، ويسمى هذا خيار المجلس، فإذا ثبت بينهما العقد، وأراد استقراره،
~~ولزومه، وإبطال الخيار بينهما، جاز، لهما أن يقولا، أو يقول أحدهما، ويرضى
~~به الآخر:
# قد أوجبنا العقد، وأبطلنا خيار المجلس، فإنه يلزم العقد ويستقر، ويبطل
~~خيار المجلس.
# الثاني أن يشرطا حال العقد أن لا يثبت بينهما خيار المجلس، ويكون هذا
~~الشرط مقارنا للعقد معا معا، فإن ذلك جائز أيضا.
# الثالث أن يشرطا في حال العقد، مدة معلومة، قل ذلك أم كثر، ثلاثا كان أو
~~أكثر، أو أقل، هذا فيما عدا الحيوان.
# فأما الحيوان، فإنه يثبت فيه الخيار ثلاثا، بمجرد العقد، شرطا أم لم
~~يشرطا، PageV02P243
# على ما قدمناه، للمشتري خاصة، على الصحيح من أقوال أصحابنا ومذهبهم.
# وقال السيد المرتضى: يثبت للبايع والمشتري معا، والأول مذهب شيخنا
~~المفيد، وشيخنا أبي جعفر، وجلة أصحابنا.
# وأيضا فالعقد يثبت بالإيجاب والقبول، وقال الله تعالى: " أوفوا بالعقود "
~~(1) فمن أثبت الخيار لأحدهما، يحتاج إلى دليل شرعي، قاطع للأعذار، وإجماعنا
~~منعقد على أن الخيار للمشتري، فمن أثبته للبايع، يحتاج إلى دليل.
# وما زاد على الثلاث، فعلى حسب ما يشترطانه من الخيار، إما لهما أو لواحد
~~منهما (2)، فإن أوجبا البيع، بعد أن شرطا مدة معلومة، ثبت العقد، ولزم،
~~وبطل الشرط المتقدم.
# فأما العقود التي يدخلها الخيار، فنحن نذكرها، وما يصح فيه الخيار وما لا
~~يصح.
# فأما عقد البيع، فإن كان بيع الأعيان المشاهدة، دخلها خيار المجلس،
~~بإطلاق العقد، وخيار المدة، ثلاثا كان، أو ما زاد عليه، بحسب الشرط.
# وإن كان حيوانا، دخله خيار المجلس، وخيار الثلاث معا، بإطلاق العقد،
~~ومجرده، وما زاد على الثلاث، بحسب الشرط.
# وإن كان بيع خيار الروية، دخله الخياران معا، خيار المجلس، وخيار الروية،
~~إذا رآه، ms0681 ويكون خيار الروية على الفور، دون خيار المجلس.
# فأما الصرف، فيدخله خيار المجلس، لعموم الخبر، فأما خيار الشرط، فلا
~~يدخله أصلا، إجماعا، لأن من شرط صحة هذا العقد، القبض قبل التفرق.
# فأما السلم، فيدخله خيار المجلس، للخبر، وخيار الشرط، لا يمنع منه مانع،
~~وعموم الخبر يقتضيه.
# فأما الرهن، فإنه يلزم بالإيجاب والقبول، دون الإقباض، وبعض أصحابنا،
~~يذهب إلى أنه لا يلزم، ولا ينعقد إلا بالإقباض، والأول هو الأظهر في
~~المذهب،
# PageV02P244
# ويعضده قوله تعالى: " أوفوا بالعقود " فأما قوله تعالى: " فرهان مقبوضة "
~~(1) فهذا دليل الخطاب، ودليل الخطاب عندنا غير صحيح، وقد يرجع عن ظاهره
~~بدليل، والآية المتقدمة دليل عليه.
# وعقد الصلح لا يدخله خيار المجلس، لأن خيار المجلس يختص عقد البيع،
~~والصلح عندنا ليس ببيع، ولا هو فرع البيع، على ما يذهب إليه الشافعي.
# وكذلك الحوالة، لا يدخلها خيار المجلس، ولا يمتنع دخول خيار الشرط فيهما،
~~لقوله عليه السلام: المؤمنون عند شروطهم (2).
# وكذلك الضمان، لا يدخله خيار المجلس، ولا يمتنع من دخوله خيار الشرط.
# وأما خيار الشفيع على الفور، فإن اختار الأخذ، فلا خيار للمشتري، لأنه
~~ينتزع منه الشقص قهرا، وأما الشفيع، فقد ملك الشقص، وليس له خيار المجلس،
~~لأنه ليس بمشتر، وإنما أخذه بالشفعة.
# وأما المساقاة، فلا يدخلها خيار المجلس، لأنها ليست بيعا، ولا يمنع مانع
~~من دخول خيار الشرط فيها، لقوله عليه السلام: المؤمنون عند شروطهم.
# وأما الإجارة، فلا يدخلها خيار المجلس، لأنها ليست بيعا، ولا يمنع من
~~دخول خيار الشرط فيها مانع.
# وأما عقد الوقف، فلا يدخله الخياران، معا على الصحيح من المذهب، لأنه متى
~~شرط فيه الرجوع، والخيار له في الرجوع، لم يصح الوقف، وبطل.
# وأما الهبة، فله الخيار قبل القبض، وبعد القبض، ما لم يتعوض، أو يتصرف
~~فيه الموهوب له، أو تهلك عينها، إلا أن تكون الهبة لولده الأصاغر، فليس
~~للوالد الذي هو الواهب، الرجوع، قبض أو لم يقبض، لأنه هو الوالي والقابض،
~~فإنها تلزم بمجرد العقد، فإن كانت لولده البالغين، فإنها تلزم
# PageV02P245
# بالقبض، ولا يحتاج إلى ms0682 إضافة شئ إلى القبض، في لزومها، على ما نبينه فيما
~~بعد إن شاء الله تعالى.
# وأما عقد النكاح، فلا يدخله الخياران، للإجماع على ذلك.
# وأما السبق والرماية، فقد اختلف فيه، فقال قوم: إنه عقد لازم، وقال
~~آخرون: هو جائز، والأولى أنه لا يدخله خيار المجلس، لأنه ليس ببيع، ولا
~~يمنع مانع من دخول خيار الشرط فيه.
# وأما الوكالة والعارية، والوديعة، والقرض، والجعالة، فلا يمنع من دخول
~~الخيارين فيها مانع، لأن هذه العقود جائزة من جهة المتعاقدين، غير لازمة،
~~فمن أراد الفسخ فسخ.
# وأما القسمة، فعلى ضربين، قسمة لا رد فيها، وقسمة فيها رد، وعلى الوجهين
~~معا، لا خيار فيها في المجلس، لأنها ليست ببيع، ولا يمنع من دخول خيار
~~الشرط فيها مانع، للخبر.
# وأما الكتابة، فعلى ضربين، عندنا، مشروطة، ومطلقة، فالمشروطة ليس للمولى
~~فيها خيار مجلس، ولا مانع من دخول خيار الشرط فيها.
# وأما العبد، فله الخياران معا، لأنه إن عجز نفسه، كان الفسخ حاصلا، وإن
~~كانت مطلقة، فلا خيار لواحد منهما.
# وأما الطلاق، فليس بعقد، فلا يدخله الخياران معا.
# وكذلك العتق، لا يدخله الخياران معا، بغير خلاف بيننا.
# إذا ثبت خيار المجلس في البيع، على ما بيناه، فإنما ينقطع بأحد أمرين،
~~تفرق، وتخاير.
# فأما التفرق الذي يلزم به البيع، وينقطع به الخيار، فحده مفارقة المجلس،
~~بخطوة، فصاعدا ومتى ثبتا موضعهما، أو بني بينهما حايط، لم يبطل خيار
~~المجلس، ولو طال مقامهما في المكان شهرا، أو أكثر من ذلك.
# وأما التخاير، فعلى ضربين تخاير بعد العقد، وتخاير في نفس العقد، فأيهما
~~PageV02P246
# كان لزم العقد، واستقر، وبطل خيار المجلس، فما كان بعد العقد، مثل أن
~~يعقداه، ثم يقول أحدهما للآخر: اختر الإمضاء، وإن لا يكون بيننا خيار
~~المجلس، وقد أبطلناه، فمتى فعلا ذلك، فقد بطل خيار المجلس.
# وما كان منه في نفس العقد، ومثل أن يقول: بعتك، بشرط أن لا يثبت بيننا
~~خيار المجلس، فإذا قال المشتري: قبلت، ثبت العقد، ولا خيار لهما بحال
~~البيع، إن كان مطلقا من غير شرط، ms0683 فإنه يثبت بنفس العقد، ويلزم بالتفرق
~~بالأبدان، على ما قدمناه.
# وإن كان مشروطا لزومه بنفس العقد، لزم بنفس العقد، وإن كان مقيدا مشروطا،
~~لزم بانقضاء الشرط، ويكون مدة خيار الشرط، من حين التفرق، لأن خيار الشرط
~~يدخل إذا استقر العقد، ولزم، والعقد لم يلزم، ولم يستقر قبل التفرق.
# وأيضا فهما خياران، خيار المجلس، ثبت من غير شرط، وخيار الشرط زائد عليه،
~~ولا يدخل أحدهما في الآخر إلا أن يشرطا ذلك بينهما، لأنه لا دليل عليه، بل
~~قد اشترط زائدا على ما كان له من خيار المجلس، فإذا ثبت ذلك فلا يخلو أن
~~يتصرف المشتري فيه، أو لا يتصرف، فإن تصرف، فيه بالهبة، أو التمليك، أو
~~العتق، وغير ذلك، لزم العقد، واستقر من جهته، وبطل خياره، وكان خيار البايع
~~باقيا، فإن تصرف فيه البايع بالهبة، أو التمليك، أو العتق، وغير ذلك، كان
~~ذلك فسخا للعقد، فالتصرف من المشتري لزم العقد، وإمضاء له، ومن البايع
~~إبطال له وفسخ.
# فإن حدث بالمبيع هلاك في مدة الخيار، وهو في يد البايع، كان من ماله، دون
~~المشتري، ما لم يتصرف فيه تصرفا يؤذن بالرضا.
# فإن اختلفا في حدوث الحادثة، فعلى المشتري البينة، أنه حدث في مدة
~~الخيار، دون البايع، لأنه المدعي، وكذلك الحكم في حدوث عيب به يوجب الرد.
# ومتى وطأ المشتري في مدة الخيار لزمه البيع، واستقر عليه، وبطل خياره،
~~PageV02P247
# ولم يجب عليه شئ، ويلحق به الولد، ما لم يفسخ البايع، فإن فسخ، كان الولد
~~لاحقا بأبيه، ويلزمه للبايع قيمته، إن لو كان عبيدا، وعشر قيمة الجارية، إن
~~كانت بكرا، أو نصف العشر، إن كانت ثيبا، وإن لم يكن هناك ولد، لزمه عشر
~~قيمتها، إن كانت بكرا، وإن كانت ثيبا، نصف عشر قيمتها، هكذا أورده شيخنا
~~أبو جعفر في مسائل خلافه (1)، ومبسوطه (2).
# والذي يقتضيه أصول مذهبنا، أن المشتري لا يلزمه قيمة الولد، ولا عشر قيمة
~~الجارية بحال، وسواء فسخ البايع البيع، أو لم يفسخ لأنه لا دليل عليه من
~~كتاب ولا سنة، ولا إجماع، ms0684 لأن الولد انعقد حرا، ولا قيمة للحر، فأما عشر
~~القيمة لأجل وطئها، فما ورد، إلا فيمن اشترى جارية، ووطأها، فظهر بها حمل،
~~ردها، ورد معها عشر القيمة، إن كانت بكرا، وإن كانت ثيبا، نصف العشر، ولم
~~يرد في هذا نص، والقياس عندنا باطل.
# وإنما ذكر ذلك شيخنا في مسائل خلافه على رأي بعض المخالفين، في أن المبيع
~~لا ينتقل إلى المشتري، إلا بشرطين، بالعقد، وبانقضاء الشرط، وعند أصحابنا
~~أنه ينتقل إلى ملك المشتري، بمجرد العقد.
# فإذا تقرر ذلك، فقد تصرف في ملكه تصرفا مباحا حسنا، فدخل في قوله تعالى:
~~" ما على المحسنين من سبيل " (3) وما عدا ذلك فإنا نخرجه بدليل، فليلحظ
~~ذلك.
# وأما خيار البايع، فإنه لا يبطل بوطء المشتري، لأنه لا دليل عليه، ومتى
~~وطأ البايع في مدة الخيار، كان ذلك فسخا للبيع، إجماعا.
# وجملة الأمر وعقد الباب، إن كل تصرف لو وقع من البايع، كان فسخا،
# PageV02P248
# متى وقع من المشتري كان إمضاء وإقرارا بالرضا بالبيع ولزومه، ويستقر
~~العقد بذلك من جهته.
# فأما إذا اتفقا على التصرف فيه، وتراضيا، مثل أن أعتق المشتري، أو باع في
~~مدة الخيار، بإذن البايع، أو وكل المشتري البايع في عتق الجارية، أو بيعها،
~~فإن الخيار ينقطع في حقهما، ويلزم البيع، ويستقر، وينقطع خيارهما معا،
~~وينفذ العتق والبيع، لأن في تراضيهما بذلك، رضا يقطع الخيار.
# خيار المجلس، والشرط، موروث عندنا.
# إذا كان المبيع شيئا بعينه، فهلك بعد العقد، لم يخل من أحد أمرين، إما أن
~~يكون قبل القبض، أو بعده، فإن كان قبل القبض، بطل البيع، سواء كان التلف في
~~مدة الخيار، أو بعد انقضاء مدة الخيار، فإذا تلف، هلك على ملك البايع، وبطل
~~الثمن، فإن كان الثمن مقبوضا، رده وإن كان غير مقبوض، سقط عن المشتري، وإن
~~كان الهلاك بعد القبض، لم يبطل البيع، سواء كان في يد المشتري، أو يد
~~البايع، مثل أن قبضه المشتري، ثم رده إلى البايع وديعة، فإذا ثبت أنه لا
~~ينفسخ، نظرت، فإن كان الهلاك بعد انقضاء مدة ms0685 الخيار، فلا كلام، وإن كان في
~~مدة الخيار، لم ينقطع الخيار، ثم لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يجيز البيع،
~~أو يفسخاه، فإن فسخاه، أو أحدهما، سقط الثمن، ووجب القيمة على المشتري، وإن
~~اختارا إمضاء البيع، أو سكتا حتى مضت مدة الخيار، فإنه يلزمه الثمن المسمى
~~ولا يلزمه القيمة، لأنه مسمى، ولا يسقط مع بقاء العقد.
# وإذا اشترى شيئا، فبان له الغبن، بسكون الباء، فإن كان من أهل الخبرة،
~~والبصيرة، لم يكن له رده، وإن لم يكن من أهل الخبرة، نظر فإن كان مثله، لم
~~تجر العادة بمثله، فسخ العقد إن شاء، وإن كان جرت العادة بمثله، لم يكن له
~~الخيار.
# إذا قال بعنيه أو أتبيعني هذا بألف، أو بعني، أو اشتريت منك هذا بألف،
~~PageV02P249
# فقال صاحبه: بعتك، لم يصح العقد والبيع، حتى يقول المشتري بعد قول البايع
~~بعتك: اشتريت، أو قبلت.
# وكذا إذا قال البايع: تشتري مني هذا بألف، أو أبيعك هذا بألف، أو اشتر
~~هذا مني بألف، فقال المشتري: اشتريت، أو قبلت، لم يصح البيع، ولم ينعقد
~~العقد، إلا أن يأتي البايع بلفظ الإخبار والإيجاب، دون لفظ الاستفهام
~~والأمر، وهو قوله: بعتك فيقول المشتري: اشتريت، أو قبلت على ما قدمناه،
~~فينعقد العقد بذلك، دون ما سواه من الألفاظ.
# إذا دفع قطعة إلى البقلي، أو إلى الشارب، فقال: أعطني بقلا، أو ماء، فإنه
~~لا يكون بيعا، ولا عقدا، لأن الإيجاب والقبول ما حصلا، وكذلك سائر
~~المحقرات، وسائر الأشياء، محقرا كان أو غير محقر، من الثياب والحيوان، وغير
~~ذلك، وإنما يكون إباحة له، فيتصرف كل واحد منهما فيما أخذه، تصرفا مباحا،
~~من غير أن يكون ملكه، أو دخل في ملكه، ولكل واحد منهما، أن يرجع فيما بذله،
~~لأن الملك لم يحصل لهما، بشرط إن بقيا فإن لم يبق أحدهما، بحاله كما كان
~~أولا فلا خيار لأحدهما، وليس هذا من العقود، الفاسدة، لأنه لو كان عقدا
~~فاسدا، لم يصح التصرف فيما صار إلى كل واحد منهما، وإنما ذلك على جهة ms0686
~~الإباحة.
# باب الربا وأحكامه وما يصح فيه وما لا يصح الربا محظور في شريعة الإسلام،
~~قال الله تعالى: " وأحل الله البيع وحرم الربوا " (1) وقال تعالى: " يمحق
~~الله والربوا ويربي الصدقات " (2) وقال: " الذين يأكلون الربوا لا يقومون
~~إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس " (3) وروي عن الصادق جعفر بن
~~محمد عليهما السلام، أنه قال: درهم ربا أعظم
# PageV02P250
# عند الله تعالى من سبعين زنية، كلها بذات محرم (1)، فيجب على الإنسان
~~معرفته، ليتجنبه ويتنزه عنه.
# فمن ارتكب الربا بجهالة، ولم يعلم أن ذلك محظور، فليستغفر الله تعالى في
~~المستقبل، ويتوب إليه، وقد تاب الله عليه فيما مضى، ومن علم أن ذلك حرام،
~~ثم استعمله، فكل ما يحصل له من ذلك، محرم عليه، ويجب رده على صاحبه، فإن لم
~~يعرف صاحبه، تصدق به عنه، على ما روي في الأخبار (2)، وإن عرفه ولم يعرف
~~مقدار ما أربى عليه، فليصالحه، وليستحله.
# وإن علم أن في ماله ربا ولا يعرف مقداره، لا بالوزن ولا بالعين، ولا من
~~أربى عليه، ولا غلب على ظنه مقدار الربا، فليخرج خمس ذلك المال، ويضعه في
~~أهله، وحل له التصرف فيما يبقى بعد ذلك.
# وقال شيخنا في نهايته: فمن ارتكب الربا بجهالة، ولم يعلم أن ذلك محظور،
~~فليستغفر الله تعالى، وليس عليه فيما مضى شئ ومتى علم أن ذلك حرام، ثم
~~استعمله، فكل ما يحصل له من ذلك محرم عليه، ويجب عليه رده على صاحبه (3).
# قال محمد بن إدريس: قول شيخنا رحمه الله: " فمن ارتكب الربا بجهالة، ولم
~~يعلم أن ذلك محظور، فليستغفر الله تعالى في المستقبل، وليس عليه فيما مضى
~~شئ " المراد بذلك، وليس عليه شئ من العقاب، بعد استغفاره، لا أن المراد
~~بذلك، أنه ليس عليه شئ من رد المال الحرام، بل يجب عليه رده على صاحبه،
~~لقوله تعالى: " وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم " (4) فأما قوله تعالى: " فمن
~~جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف " (5) المراد به والله أعلم، فله ما
~~سلف من الوزر، وغفران الذنب، وحق القديم ms0687 سبحانه بعد انتهائه، وتوبته، لأن
# PageV02P251
# إسقاط الذنب عند التوبة، تفضل عندنا، بخلاف ما يذهب إليه المعتزلة، وقيل
~~في التفسير ذكره شيخنا في التبيان، وغيره من المفسرين، أن المراد بذلك ما
~~كان في الجاهلية من الربا بينهم، فقال تعالى: " فمن جاءه موعظة من ربه
~~فانتهى، فله ما سلف " فأما ما يجري بين المسلمين، فيجب رده على صاحبه، سواء
~~كان جاهلا بحاله، غير عالم بأنه محرم، أو كان عالما بذلك، فإنه يجب رد
~~الربا على من أربى عليه في المسألتين جميعا (1).
# فلا يظن ظان ولا يتوهم متوهم على شيخنا فيما قال، غير ما حررناه.
# ولا ربا بين الولد ووالده، ولا بين العبد وسيده، لأن مال العبد لسيده،
~~ولا بين الرجل وأهله، المراد بأهله هاهنا امرأته، دون قراباته من الأهل،
~~والدليل على أن المراد بأهله امرأته هاهنا، قول تعالى في قصة موسى: " وسار
~~بأهله " (2) ولا خلاف أن المراد بذلك، امرأته بنت شعيب، لأنه ما كان معه
~~غيرها من قراباته.
# ولا ربا أيضا بين المسلم وبين أهل الحرب، لأنهم في الحقيقة في للمسلمين،
~~وإنما لا يتمكن منهم.
# والربا يثبت بين المسلم وأهل الذمة، كثبوته بينه وبين مسلم مثله، وهذا هو
~~الصحيح من أقوال أصحابنا، وإليه يذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي في جميع كتبه.
# وذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا ربا بين المسلم وأهل الذمة، وجعلهم
~~كالحربيين، ذهب إلى ذلك شيخنا المفيد، وابن بابويه، وغيرهما.
# والأول هو المعتمد ويعضده ظاهر التنزيل، وهو قوله تعالى: " أحل الله
~~البيع وحرم الربوا " فخرج من ذلك أهل الحرب، بالإجماع المنعقد من أصحابنا،
~~وبقي من عداهم داخلا في عموم الآية، فلا يجوز التخصيص للعموم، إلا بأدلة
~~موجبة للعلم، قاطعة للأعذار، فأما أهل الحرب، فإنا نأخذ منهم
# PageV02P252
# الزيادة، ولا يجوز لنا أن نعطيهم ذلك، مثاله أن نبيعه دينارا بدينارين،
~~ولا يجوز أن نبيعه دينارين بدينار.
# فأما قول شيخنا في نهايته: ولا ربا بين الولد ووالده، لأن مال الولد في
~~حكم مال الوالد، يبطل هذا التعليل، في قوله: ولا بين الرجل وأهله، ms0688 فأما
~~قولهم: ولا بين العبد وسيده، لأن مال العبد لسيده، فلا فائدة فيه، ولا لنا
~~حاجة إلى هذا التعليل، وأي مال للعبد، إنما الربا بين اثنين مالكين.
# وجميع ما (1) ذكرناه أنه لا ربا بينه وبين غيره، لكل واحد مهما أن يأخذ
~~الفضل والزيادة، ويعطي الفضل والزيادة، إلا أهل الحرب على ما حررناه،
~~للإجماع على ذلك.
# ولا يكون الربا المنهي عنه المحرم في شريعة الإسلام، عند أهل البيت عليهم
~~السلام، إلا فيما يكال أو يوزن، فأما ما عداهما من جميع المبيعات، فلا ربا
~~فيها بحال، لأن حقيقة الربا في عرف الشرع، هو بيع المثل من المكيل، أو
~~الموزون بالمثل متفاضلا، نقدا ونسيئة إذا كان البيعان غير والد وولد، أو
~~زوج وزوجة، أو مسلم وحربي، أو عبد وسيده.
# وكل ما يكال أو يوزن، فإنه يحرم التفاضل فيه، والجنس واحد، نقدا ونسيئة،
~~مثل بيع درهم بدرهم، وزيادة عليه، ودينار بدينار، وزيادة عليه، وقفيز حنطة
~~بقفيز منها، وزيادة عليه، ومكوك (2) شعير بمكوك منه، وزيادة عليه، وكذلك
~~حكم جميع المكيلات والموزونات.
# وإذا اختلف الجنسان فلا بأس بالتفاضل فيهما نقدا ونسيئة، إلا الدراهم
~~والدنانير، فلا يجوز النسيئة فيهما، لا متماثلا ولا متفاضلا، ويجوز ذلك
~~نقدا متفاضلا، ومتماثلا بغير خلاف بين أصحابنا، لقوله عليه السلام المجمع
~~عليه.
# PageV02P253
# إذا اختلف الجنس فبيعوا كيف شئتم (1) ولولا الإجماع المنعقد على تحريم
~~بيع الدنانير والدراهم نسيئة، لجاز ذلك، لأنه داخل في عموم قوله عليه
~~السلام، فخصصناهما بالإجماع، وبقي الباقي وما عداهما على أصل الإباحة، وقول
~~تعالى:
# " وأحل الله البيع وحرم الربوا، وقد قلنا أن حقيقة الربا في عرف الشريعة،
~~بيع المثل من المكيل أو الموزون بالمثل، متفاضلا نقدا ونسيئة.
# قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا اختلف الجنسان، فلا بأس بالتفاضل
~~فيهما نقدا ونسيئة، إلا الدراهم والدنانير، والحنطة والشعير، فإنه لا يجوز
~~بيع دينار بالدراهم نسيئة ويجوز ذلك نقدا، بأي سعر كان، وكذلك الحكم في
~~الحنطة والشعير، فإنه لا يجوز التفاضل فيهما، لا نقدا ولا نسيئة لأنهما
~~كالجنس الواحد، هذا آخر ms0689 كلام شيخنا رحمه الله (2).
# قال محمد بن إدريس: لا خلاف بين المسلمين، العامة والخاصة، أن الحنطة
~~والشعير جنسان مختلفان، أحدهما غير الآخر، حسا ونطقا، ولا خلاف بين أهل
~~اللغة واللسان العربي في ذلك، فمن ادعى أنهما جنس واحد، أو كالجنس الواحد،
~~يحتاج إلى أدلة قاطعة للأعذار، من إجماع منعقد، أو كتاب، أو سنة متواترة،
~~ولا إجماع على ذلك، ولا نص في كتاب الله تعالى، ولا سنة مقطوعا بها
~~متواترة، وقد قلنا إن أخبار الآحاد، لا توجب علما ولا عملا، ولا يخص بها
~~الإجماع، ولا الأدلة (3).
# ثم لم يذهب إلى هذا القول، غير شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله وشيخنا
~~المفيد رحمه الله، في مقنعته (4)، ومن قلده في مقالته، وتبعه في تصنيفه، بل
~~جلة أصحابنا المتقدمين، ورؤساء مشايخنا المصنفين الماضين رحمهم الله، لم
~~يتعرضوا
# PageV02P254
# لذلك، بل أفتوا، وصنفوا، ووضعوا في كتبهم، أنه إذا اختلف الجنس، فلا بأس
~~بيع الواحد بالاثنين، من المكيل والموزون، على العموم والإطلاق، من سائر
~~المكيلات والموزونات، ولم يستثنوا من ذلك إلا الدنانير والدراهم، في بيع
~~النسيئة فحسب، مثل شيخنا ابن بابويه في كتاب من لا يحضره فقيه (1)، فإن هذا
~~مذهبه ومقالته في مقنعه (2) وسائر كتبه، وكذلك السيد المرتضى، وعلي بن
~~بابويه، وغير هؤلاء من المشيخة الفقهاء. وأبو علي بن الجنيد، من كبار فقهاء
~~أصحابنا، ذكر المسألة وحققها، وأوضحها في كتابه الأحمدي للفقه المحمدي،
~~فإنه قال: لا بأس بالتفاضل بين الحنطة والشعير، لأنهما جنسان مختلفان (3).
# وكذلك ابن أبي عقيل، من كبار مصنفي أصحابنا، ذكر في كتابه، فقال:
# وإن اختلف الجنسان، فلا بأس ببيع الواحد بأكثر منه، وقد قيل: لا يجوز
~~الحنطة بالشعير، إلا مثلا بمثل سواء، لأنهما من جنس واحد، بذلك جاءت بعض
~~الأخبار، والقول والعمل على الأول، هذا آخر كلامه (4).
# وأيضا قوله تعالى: " وأحل الله البيع وحرم الربوا " يعضد ذلك، ويشيده،
~~وأيضا قوله عليه السلام المجمع عليه: إذا اختلف الجنس فبيعوا كيف شئتم، وقد
~~اختلف الجنس في الحنطة والشعير، صورة وشكلا، ولونا وطعما، ونطقا وإدراكا
~~وحسا، فإذا ms0690 كان لا إجماع على المسألة، ولا كتاب الله تعالى، ولا سنة
~~متواترة، بل الكتاب المنزل على الرسول عليه السلام يخالفها، والإجماع من
~~الفرقة المحقة يضادها، ودليل العقل يأباها، فما بقي إلا تقليد الواضع لها
~~في كتابه، ولا خلاف أنه لا يجوز تقليد ما يوجد في سواد الكتب (5) إذا لم
~~تقم على صحته الأدلة
# PageV02P255
# الواضحة، والبراهين اللايحة.
# ولا بأس ببيع قفيز من الذرة، أو غيرها من الحبوب، بقفيزين من الحنطة أو
~~الشعير، أو غيرهما من الحبوب، يدا ونسيئة بغير خلاف على ما أصلناه،
~~وحررناه، فيما تقدم، وقوله عليه السلام: " إذا اختلف الجنس فبيعوا كيف شئتم
~~" وإنما روي كراهية بيع ذلك نسيئة دون أن يكون ذلك محرما محظورا، وهذا
~~مقالة جميع أصحابنا بغير خلاف بينهم، ومذهب شيخنا أبي جعفر، في نهايته (1)،
~~ومسائل خلافه (2) ومبسوطه (3)، وغير ذلك من كتبه، وأما ما لا يكال ولا
~~يوزن، فلا بأس بالتفاضل فيه والجنس واحد، نقدا ونسيئة روي كراهة ذلك نسيئة.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وأما ما لا يكال ولا يوزن، فلا بأس
~~بالتفاضل فيه، والجنس واحد نقدا، ولا يجوز ذلك نسيئة، مثل ثوب بثوبين،
~~ودابة بدابتين، ودار بدارين، وعبد بعبدين، وما أشبه ذلك، مما لا يدخل تحت
~~الكيل والوزن، والأحوط في ذلك أن يقوم ما يبتاعه بالدراهم والدنانير،
~~وغيرهما من السلع، ويقوم ما يبيعه بمثل ذلك، وإن لم يفعل، لم يكن به بأس
~~(4).
# قوله رحمه الله: " ولا يجوز ذلك نسيئة " محمول على تغليظ الكراهة، دون
~~الحظر، لأنا قلنا: إن الشئ إذا كان شديد الكراهة، قالوا: لا يجوز.
# وأيضا فشيخنا أبو جعفر، قد رجع عما ذكره في نهايته، في الجزء الثاني من
~~مبسوطه، في فصل، في ذكر ما يصح فيه الربا وما لا يصح، فإنه قال: إذا تبايعا
~~عينا بعين، لم يخل من ثلاثة أحوال، إما أن لا يكون في واحدة منهما الربا أو
~~في واحدة منهما الربا أو في حل واحدة منهما الربا، فإن لم يكن في واحدة
~~منهما الربا، مثل الثياب والحيوان، وغير ms0691 ذلك، مما لا ربا فيه، جاز بيع بعضه
~~ببعض، متماثلا، ومتفاضلا، نقدا، ويكره ذلك نسيئة، ويجوز إسلاف إحداهما في
# PageV02P256
# الأخرى هذا آخر كلام شيخنا مبسوطه (1).
# وأيضا فقد بينا أن حقيقة الربا في عرف الشرع بيع المثل بالمثل متفاضلا،
~~من المكيل والموزون، وأنه لا ربا عندنا إلا في المكيل والموزون، بغير خلاف
~~بيننا، وبيع البعير بالبعيرين، والدار بالدارين، وما أشبه ذلك، ليس بمكيل
~~ولا موزون، فخرج ذلك من حقيقة الربا المنهي عنه في شريعة الإسلام، ودخل ذلك
~~في عموم قوله تعالى: " وأحل الله البيع وحرم الربوا " وهذا بيع بغير خلاف.
# وقد بينا أيضا، أن أخبار الآحاد، لا يرجع إليها، ولا يعول عليها، فإن ورد
~~خبر شاذ، لا يلتفت إليه، ولا تخص بمثله الأدلة والعموم.
# ثم أخبارنا التي أوردها شيخنا في استبصاره (2)، في الجزء الثالث كلها
~~ناطقة بما ذكرناه، من قولهم عليهم السلام، لما سئلوا عن بيع البعير
~~بالبعيرين، فقالوا: لا بأس، جميعا كذلك، أوردها ولم يقل فيها شيئا، أعني
~~شيخنا أبا جعفر، ولا قال: إذا كان ذلك نسيئة لا يجوز، ولو كان ذلك اعتقاده،
~~لقال:
# وتوسط بين الأخبار، على ما جرت عادته وسجيته.
# وما يكال ويوزن، فبيع المثل بالمثل، جائز حسب ما قدمناه، يدا ولا يجوز
~~ذلك نسيئة.
# ولا بأس ببيع الأمتعة والعقارات، والحبوب وغير ذلك، بالدراهم والدنانير،
~~نقدا ونسيئة.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ولا يجوز بيع الغنم باللحم، لا وزنا ولا
~~جزافا (3) وقال في مبسوطه، ومسائل خلافه: إذا كان اللحم من جنس الحيوان،
~~فلا يجوز، وإن كان من غير جنسه، فذلك جائز (4).
# PageV02P257
# قال محمد بن إدريس: أما قوله رحمه الله: " ولا يجوز بيع الغنم باللحم لا
~~وزنا ولا جزافا "، إن أراد الجزاف، فلا يجوز، لأن ما يباع بالوزن، لا يجوز
~~بيعه ولا شراؤه جزافا، بلا خلاف بيننا، وأما قوله: " لا وزنا " فهذا فيه
~~كلام، إن أراد بذلك أنه ربا، فقد قال في مبسوطه ما حكيناه عنه، من أنه إذا
~~باع عينا بعين، فإن كان في إحداهما الربا، والأخرى ms0692 لا ربا فيها، فإن بيع
~~ذلك جائز، وهذا من ذاك.
# وأيضا كان يفسد عليه إطلاق كلامه في نهايته، من قوله: " لا يجوز بيع
~~الغنم باللحم " ولم يقل أي اللحمان هو، لأنه إذا كان لحم غير الغنم، فلا
~~بأس على ما ذكره في مسائل خلافه ومبسوطه، لأنه قد اختلف الجنس.
# وأيضا الإجماع منعقد، على أنه لا ربا إلا فيما يكال ويوزن، إذا بيع المثل
~~بالمثل وزيادة، وبيع الغنم باللحم، خارج من ذلك.
# وأيضا الأصل الإباحة، والمنع يحتاج إلى دليل، مع قوله تعالى: " وأحل الله
~~البيع وحرم الربوا " وهذا بيع، فمن منع منه يحتاج إلى دليل، ولا إجماع
~~منعقد على المسألة، حتى يصار إليه.
# فإن قيل: فعلى هذا التقرير والتحرير، يجوز بيع الغنم باللحم، يدا بيد،
~~فهل يجوز ذلك نسيئة قلنا: إن أسلف الغنم في اللحم، لا يجوز بغير خلاف، لأن
~~السلم في اللحم عندنا لا يجوز، لأنه لا يكاد يضبط بالوصف، فإنه يتباين
~~تباينا كثيرا، وكذلك الخبز، وروايا الماء، وإن كان جعل اللحم الثمن،
~~والمسلم فيه الغنم، ووصفها، وضرب الأجل المحروس، فذلك جائز، لا مانع يمنع
~~منه، فليتأمل ذلك، ويفهم عني ما سطرته، فإن فقهه غامض، إلا على المحصل
~~المحقق لأصول المذهب.
# ثم قال شيخنا في نهايته: ولا يجوز أيضا بيع الرطب بالتمر، مثلا بمثل،
~~لأنه إذا جف نقص (1).
# PageV02P258
# قال محمد بن إدريس: وهذا غير واضح، بل يجوز ذلك، ومذهبنا ترك التعليل
~~والقياس، لأنه كان يلزم عليه، أن يجوز بيع رطل من العنب، برطل من الزبيب
~~وهذا لا يقول به أحد من أصحابنا، بغير خلاف.
# وأيضا فلا خلاف أن بيع الجنس بالجنس مثلا بمثل، جائز سايغ، والمنع منه
~~يحتاج إلى دليل، وقوله تعالى: " وأحل الله البيع وحرم الربوا " يدل على
~~جوازه، وقد رجع شيخنا عما ذكره في نهايته، في الجزء الثالث من استبصاره،
~~فقال: الوجه في هذه الأخبار، ضرب من الكراهة دون الحظر (1) ولا بأس ببيع
~~الحنطة بالدقيق والسويق، مثلا بمثل، ولا يجوز التفاضل فيه، ويكون ذلك نقدا،
~~ولا يجوز نسيئة، ms0693 ولا بأس ببيع الحنطة والدقيق بالخبز، مثلا بمثل نقدا، ولا
~~يجوز نسيئة، والتفاضل فيه لا يجوز، لا نقدا ولا نسيئة.
# ولا بأس ببيع اللبن والسمن والزبد، كله إذا اتفقت أجناسه، مثلا بمثل
~~نقدا، ولا يجوز نسيئة، ولا يجوز التفاضل فيه، لا نقدا ولا نسيئة، فعلى هذا
~~التحرير والتقرير، لا يجوز بيع رطل من لبن الغنم، إلا برطل منه، وكذلك إن
~~أريد بيعه بسمن من سمن الغنم، فلا يجوز إلا برطل سمن، ولا يجوز بأقل منه،
~~لأن الجنس واحد، فإنه لا يجوز التفاضل بين اللبن والسمن، إذا كان الجنس
~~واحدا، وكذلك الزبد واللبن، والزبد والسمن.
# واللحمان إذا اتفق أجناسها، جاز بيع بعضها ببعض، مثلا بمثل يدا، ولا يجوز
~~ذلك نسيئة، ولا يجوز التفاضل فيها، لا نقدا ولا نسيئة، وإذا اختلف أجناسها،
~~جاز التفاضل فيها نقدا، ولا يجوز نسيئة، مثل رطل من لحم الغنم، برطلين من
~~لحم البقر نقدا، ولا يجوز نسيئة.
# ولا بأس ببيع الثوب بالغزل، وإن كان الثوب أكثر وزنا منه، وإن كان
# PageV02P259
# الغزل من جنسه، وكذلك إن كان الغزل أكثر وزنا من الثوب، لأن الربا المحرم
~~غير حاصل فيهما، لأن أحدهما فيه الربا، والآخر لا ربا فيه، فبيع أحدهما
~~بالآخر جائز، سواء كان نقدا أو نسيئة، متفاضلا أو متماثلا، لأن أحدهما
~~موزون، والآخر غير موزون. (1) وهذا يعضد ما حررناه، وشرحناه، من بيع الغنم
~~باللحم، وجوازه على ما حققناه.
# ويجوز بيع المثل بالمثل من الموزون والمكيل نقدا، ولا يجوز نسيئة وكل ما
~~يكال أو يوزن، فلا يجوز بيعه جزافا.
# ويجوز أن يسلف في المكيل من الحبوب، والأدهان وزنا، وفي الموزون من
~~الأشياء، كيلا إذا كان يمكن كيله، ولا يتجافى في المكيال، ولا يجوز بيع
~~الجنس الواحد فيما يجري فيه الربا، بعضه ببعض وزنا، إذا كان أصله الكيل،
~~ولا كيلا إذا كان أصله الوزن.
# والفرق بينهما، أن المقصود من السلم، معرفة مقدار المسلم فيه، حتى يزول
~~عنه الجهالة، وذلك يحصل بأيهما قدره من كيل أو وزن، وليس كذلك ما يجري فيه ms0694
~~الربا، فإن الشارع أوجب علينا التساوي بالكيل في المكيلات وبالوزن في
~~الموزونات، فإذا باع المكيل بعضه من بعض وزنا، فإذا رد إلى الكيل، جاز أن
~~يتفاضل، لثقل أحدهما وخفة الآخر، فلذلك افترقا.
# ويجوز بيع المكيل بالوزن، ولا يجوز بيع الموزون بالكيل، لأنه غرر وجزاف،
~~ولا يجوز بيع ما يباع عددا جزافا، فإن كان ما يباع بالعدد، يصعب عده، فلا
~~بأس أن يكال أو يوزن منه مقدار بعينه، ثم يعد، ويؤخذ الباقي بحسابه.
# ولا بأس ببيع السمن بالزيت متفاضلا يدا بيد ونسيئة، وروي كراهة ذلك
~~نسيئة.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ولا بأس ببيع السمن بالزيت متفاضلا يدا
~~بيد، ولا يجوز ذلك نسيئة (2)
# PageV02P260
# إلا أنه رجع عن ذلك في استبصاره (1)، وهو الحق اليقين، لأنا قد بينا، أنه
~~إذا اختلف الجنس، فلا بأس ببيعه متفاضلا، ومتماثلا نقدا، ونسيئة، إلا ما
~~خرج بدليل، من الذهب والفضة، فإنه لا يجوز بيعهما نسيئة.
# ولا يجوز التفاضل في الأدهان، إذا كان الأصل يرجع إلى جنس واحد، مثل أن
~~يباع الشيرج بالشيرج، الذي فيه البنفسج، فإنه يسمى دهن البنفسج، أو دهن
~~الورد، وما أشبه ذلك، مما كان الأصل فيه دهن الشيرج.
# ولا يجوز بيع السمسم بالشيرج، ولا بزر (2) الكتان بدهنه، بل ينبغي أن
~~يقوم كل واحد منهما، على انفراده.
# ولا يجوز بيع البسر بالتمر، متفاضلا، ويجوز متماثلا، لأنهما جنس واحد،
~~بغير خلاف، فلو كان التعليل في المنع، من جواز بيع الرطب بالتمر صحيحا، لما
~~جاز بيع البسر بالتمر، مثلا بمثل، ولا خلاف بين أصحابنا في ذلك، من أنه لا
~~يجوز بيع البسر بالتمر متفاضلا، وإن اختلف جنسه، ولا بيع نوع من تمر بأكثر
~~منه، من غير ذلك، لأن ما يكون من النخل، في حكم النوع الواحد، بغير خلاف
~~بين أصحابنا.
# وحكم الزبيب، وتحريم التفاضل فيه، وإن اختلف جنسه، مثل التمر سواء، لأن
~~جميعه في حكم الجنس الواحد، ولا يجوز بيع الدبس المعمول من التمر، بالتمر
~~متفاضلا، ولا بأس ببيعه مثلا بمثل يدا، ولا يجوز نسيئة ولا ms0695 بأس ببيع التمر
~~بالزبيب متفاضلا، نقدا ونسيئة، إلا أنه روى كراهة بيعه نسيئة وقال شيخنا
~~أبو جعفر، في نهايته: ولا يجوز نسيئة.
# وقد قلنا ما عندنا في أمثال ذلك، من أنه إذا اختلف الجنس، فلا بأس ببيعه
~~متفاضلا، ومتماثلا، نقدا ونسيئة، لما دللنا عليه من قبل.
# PageV02P261
# ولا بأس ببيع الزبيب، بالدبس المعمول من التمر، متفاضلا ومتماثلا، نقدا
~~ونسيئة، ولا يجوز بيعه ما يعمل من الزبيب من الدبوس، متفاضلا لا نقدا ولا
~~نسيئة ولا يجوز بيع العنب بالزبيب إلا مثلا بمثل.
# والعصير والبحتج، لا يجوز التفاضل فيهما، ويجوز بيع ذلك مثلا بمثل، يدا
~~ولا يجوز نسيئة لأنهما معا جنس واحد، إلا أن أحدهما مسته النار، وهو
~~البختج، والآخر ما مسته، وهو العصير، قال الجوهري، في كتاب الصحاح: والطلاء
~~ما طبخ من عصير العنب، حتى ذهب ثلثاه، ويسميه العجم الميبختج هكذا حكاه
~~بالميم المكسورة، والياء المنقطة من تحتها بنقطتين، المسكنة، والباء
~~المنقطة من تحتها بنقطة واحدة، المضمومة، والخاء المعجمة المسكنة، والتاء
~~المنقطة من فوقها بنقطتين، المفتوحة، والجيم، هكذا ذكره، وهو أعرف بهذا
~~الشأن، والأول روايتنا وسماعنا.
# وما يباع بالعدد، فلا بأس بالتفاضل فيه يدا بيد، والجنس واحد، ويكره ذلك
~~نسية، وإن كان غير محرم، لأنه لا ربا فيهما، لأنا قد بينا أن الربا عندنا
~~في المكيل والموزون مع التفاضل، والجنس واحد، والمعدود ليس كذلك.
# قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وما يباع بالعدد، فلا بأس بالتفاضل فيه
~~يدا بيد، والجنس واحد ولا يجوز ذلك فيه نسيئة، مثل البيضة بالبيضتين،
~~والجوزة بالجوزتين، والحلة - بالحاء غير المعجمة، وهي جنس من الثياب -
~~بالحلتين، وما أشبه ذلك، مما قدمناه فيما مضى، هذا آخر كلام شيخنا في
~~نهايته (1).
# وقال شيخنا المفيد، في مقنعته: وحكم ما يباع عددا، حكم المكيل والموزون،
~~لا يجوز في الجنس منه التفاضل، ولا في المختلف من النسيئة (2).
# وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: ما اخترناه أولا، وهو أنه يجوز
# PageV02P262
# التفاضل في المعدود، وإن كان الجنس واحدا يدا بيد ويكره ذلك نسيئة وزاد ms0696
~~على قولنا، أنه لا كراهة في النسيئة، وهو الذي يقوى عندي، لأن الكراهة
~~تحتاج إلى دليل، قال رحمه الله في مسائل الخلاف: مسألة، لا ربا في
~~المعدودات، ويجوز بيع بعضه ببعض متماثلا، متفاضلا، نقدا ونسيئة، وللشافعي
~~فيه قولان، ثم قال رحمه الله: دليلنا الآية، وأيضا الأصل الإباحة، والمنع
~~يحتاج إلى دليل، وأيضا عليه إجماع الفرقة، وأخبارهم تدل على ذلك، هذا آخر
~~كلام شيخنا في مسائل خلافه (1).
# وهو الحق اليقين، فقد رجع عما ذكره في نهايته، واستدل بالآية وإجماع
~~الفرقة وبأخبارهم، فليت شعري، والذي ذكره في نهايته من أين قاله، وكيف جاز
~~له أن يرجع عنه، لو كان عنده حجة، وإنما أورده من طريق خبر الآحاد، التي لا
~~توجب علما ولا عملا، فلو كان الرجل عاملا بأخبار الآحاد، لما جاز له أن
~~يرجع عن ذلك، فلا يتوهم على شيخنا خلاف ما يعتقده، وإن وجد له في بعض كتبه
~~كلام، يدل على أنه يعمل بأخبار الآحاد، فقد يوجد له في معظم كتبه، وتصنيفه،
~~كلام يدل على أنه غير عامل بأخبار الآحاد ويوجد ذلك في استبصاره كثيرا،
~~فإنه يقول: هذا خبر واحد وأخبار الآحاد عندنا غير معمول عليها، فلو كان
~~عاملا بأخبار الآحاد، لما ساغ له يقول ذلك كذلك، لأنه يكون مناقضا في
~~أقواله، مضادا لأفعاله.
# وإذا كان الشئ يباع في مصر من الأمصار، كيلا أو وزنا، ويباع في مصر آخر
~~جزافا، فحكمه حكم المكيل والموزون، إذا تساوت الأحوال في ذلك، وإذا اختلفت،
~~كان الحكم فيه حكم الأغلب والأعم.
# الماء لا ربا فيه، لأنه ليس بمكيل ولا موزون، فيدخل تحت الأخبار،
# PageV02P263
# والآيات، وقد بينا أنه لا ربا إلا فيما يكال ويوزن.
# يجوز بيع خل الزبيب بخل الزبيب، مثلا بمثل ولا يجوز متفاضلا وبيع خل
~~التمر بخل التمر، ويجوز بيع خل الزبيب بخل العنب، مثلا يمثل، ولا يجوز
~~متفاضلا، ويجوز بيع خل الزبيب بخل التمر، متفاضلا ومتماثلا، ويجوز بيع مد
~~من طعام، بمد من طعام، إن كان في أحدهما قصل، بالقاف المفتوحة، والصاد غير ms0697
~~المعجمة المحركة، واللام، قال الجوهري في كتاب الصحاح: القصل في الطعام مثل
~~الزوان، قال الشاعر: " قد غربلت وكربلت من الفصل " أبو عمرو كربلت الحنطة
~~إذا هذبتها مثل غربلتها قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: يجوز بيع مد من
~~طعام، بمد من طعام، وإن كان في أحدهما قصل، وهو عقد التبن، أو زوان، وهو حب
~~أصغر منه، دقيق الطرفين، أو شيلم، وهو معروف.
# وقد قلنا أن الألبان أجناس مختلفة، فلبن الغنم الأهلي، جنس واحد، وإن
~~اختلف أنواعه، ولبن الغنم الوحشي، وهي الظباء جنس آخر، وكذلك لبن البقر
~~الأهلي، جنس واحد، وإن اختلفت أنواعه، ولبن البقر الوحشي، جنس آخر.
# يجوز بيع اللبن بالزبد، إذا كان من جنسه، متماثلا، ولا يجوز متفاضلا، لا
~~نقدا ولا نسيئة، على ما قدمناه.
# الجبن، والأقط، والسمن، والمصل، واللبن، كل واحد منها، بالآخر يجوز
~~متماثلا، ولا يجوز متفاضلا، إذا كانت من جنس واحد.
# يجوز بيع مد من تمر ودرهم، بمدي تمر، وبيع مد من حنطة ودرهم، بمدي حنطة،
~~ومد من شعير ودرهم بمدي شعير، وهكذا إذا كان بدل الدرهم، في هذه المسائل،
~~ثوبا، أو خشبة، أو غير ذلك مما فيه الربا، أو لا ربا فيه، وهكذا يجوز بيع
~~درهم وثوب، بدرهمين، وبيع دينار وثوب، بدينارين.
# وجملته أنه يجوز بيع ما يجري فيه الربا بجنسه، ومع أحدهما غيره، مما فيه
~~PageV02P264
# الربا، أو لا ربا فيه، إذا كان العين (1) مع أقل العرضين اللذين هما
~~المثمنان (2).
# باب الصرف وأحكامه الصرف عبارة في عرف الشرع، عن بيع الذهب بالذهب، أو
~~الفضة بالفضة، أو الذهب بالفضة، أو الفضة بالذهب، وقد بينا في باب الربا،
~~أنه لا يجوز بيع درهم بدرهمين، لا نقدا ولا نسيئة ولا بيع درهم بدرهم
~~نسيئة، ولا بأس بذلك نقدا وكذلك لا يجوز بيع دينار بدينارين (3) لا نقدا
~~ولا نسيئة، ولا بيع دينار بدينار، نسيئة، ولا بأس بذلك نقدا، ولا بأس ببيع
~~دينار بدراهم نقدا، ولا يجوز ذلك نسيئة.
# وإذا كان للإنسان على غيره دراهم، جاز أن يأخذ بها ms0698 دنانير، وكذلك إن كان
~~له دنانير، فيأخذ بها دراهم، لم يكن به بأس، فإن كان له دنانير، وأخذ
~~الدراهم، ثم تغيرت الأسعار، كان له سعر يوم قبض الدراهم، من الذي كان له
~~عليه الدنانير، دون يوم المحاسبة، على ما قدمناه، في الجزء الأول من كتابنا
~~هذا.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا كان لإنسان على صيرفي دراهم، أو
~~دنانير، فيقول له: حول الدنانير إلى الدراهم، أو الدراهم إلى الدنانير،
~~وساعره على ذلك، كان ذلك جائزا، وإن لم يوازنه في الحال، ولا يناقده، لأن
~~النقدين جميعا من عنده (4).
# قال محمد بن إدريس، مصنف هذا الكتاب: إن أراد بذلك، أنهما افترقا قبل
~~التقابض من المجلس، فلا يصح ذلك، ولا يجوز بغير خلاف، لأن الصرف لا يصح أن
~~يفترقا من المجلس، إلا بعد التقابض، فإن افترقا قبل أن يتقابضا، بطل البيع
~~والصرف، وإن أراد أنهما تقاولا على السعر، وعينا الدراهم المبتاعة، أو
~~الدنانير المبيعة، وتعاقدا البيع، ولم يوازنه، ولا ناقده، بل نطق البايع
# PageV02P265
# بمبلغ المبيع، ثم تقابضا قبل التفرق والانفصال من المجلس، كان ذلك جائزا
~~صحيحا، وإن أراد الأول فذلك باطل، بلا خلاف.
# يدلك على ما قلناه، ما قاله شيخنا رحمه الله في مبسوطه، فإنه قال: تصح
~~الإقالة في جميع السلم، وتصح في بعضه، لا فرق بينهما، فإن أقاله في جميع
~~السلم، فقد برى المسلم إليه من المسلم فيه، ولزمه رد ما قبضه من رأس المال،
~~إن كان قائما بعينه، وإن كان تالفا، لزمه مثله، فإن تراضيا يقبض بدله من
~~جنس آخر مثل أن يأخذ دراهم بدل الدنانير، أو الدنانير بدل الدراهم، كان
~~جائزا أو يأخذ عرضا آخر، بدل الدراهم، أو الدنانير، كان جائزا، فإن أخذ
~~الدنانير بدل الدراهم، أو الدراهم بدل الدنانير، وجب أن يقبضها في المجلس،
~~قبل أن يفارقه، لأن ذلك صرف، وإن أخذ عرضا آخر، جاز أن يفارقه قبل القبض،
~~لأنه بيع عرض معين بثمن في الذمة، هذا آخر كلامه رحمه الله في مبسوطه (1).
# وقال شيخنا أيضا في نهايته: ms0699 وإذا أخذ إنسان من غيره دراهم، فأعطاه
~~الدنانير، أكثر من قيمة الدراهم، أو أخذ منه الدنانير، وأعطاه الدراهم، مثل
~~ماله، أو أكثر من ذلك، وساعره على ثمنه، كان ذلك جائزا، وإن لم يوازنه
~~ويناقده في الحال، لأن ذلك في حكم الوزن والنقد، ولا يجوز ذلك إذا كان ما
~~يعطيه أقل من ماله فإن أعطاه أقل من ماله، وساعره، مضى البيع في المقدار
~~الذي أعطاه، ولم يمض فيما هو أكثر منه، والأحوط في ذلك أن يوازنه ويناقده
~~في الحال، أو يجدد العقد في حال ما ينتقد ويتزن (2).
# وهذا يبين لك، أن مراده رحمه الله، في المسألة الأولة، أنه ما فارقه من
~~المجلس، إلا بعد أن تقابضا، كما أن هاهنا، قال: " وساعره على ثمنه كان ذلك
~~جائزا وإن لم يوازنه ويناقده في الحال، لأن ذلك في حكم الوزن والنقد " يريد
# PageV02P266
# أن الإخبار بمبلغ الموزون أو المكيل، يقوم مقام الوزن في الموزون، والكيل
~~في المكيل، لأنهما لا يجوز أن يباعا جزافا، من دون وزن، أو إخبار بوزن، أو
~~كيل، أو إخبار بكيل.
# ولا بأس أن يبيع الإنسان ألف درهم ودينارا، بألفي درهم، من ذلك الجنس، أو
~~من غيره من الأجناس والدراهم، وإن كان الدينار لا يساوي ألف درهم في الحال،
~~وكذلك لا بأس أن يجعل بدل الدينار شيئا من الثياب، أو جزء من المتاع، على
~~ما قدمناه، ليتخلص من الربا، ويكون ذلك نقدا، ولا يجوز نسيئة، وكذلك لا بأس
~~أن يبيع ألف درهم صحاحا، وألفا مكسرة، وهي الغلة " لأن مكسرة الدراهم، تسمى
~~الغلة، من مكسرة الدنانير، تسمى قراضة " بألفين صحاحا، أو بألفين غلة نقدا،
~~ولا يجوز ذلك نسيئة.
# وقال شيخنا في نهايته: وكذلك لا بأس أن يبيع درهما بدرهم ويشرط معه صياغة
~~خاتم، أو غير ذلك من الأشياء (1).
# ووجه الفتوى بذلك، على ما قاله رحمه الله: إن الربا هو الزيادة في العين،
~~إذا كان الجنس واحدا، وهاهنا لا زيادة في العين، ويكون ذلك على جهة الصلح
~~في العمل، فهذا وجه الاعتذار له، إذا ms0700 سلم العمل به، ويمكن أن يحتج بصحته،
~~بقوله تعالى: " وأحل الله البيع وحرم الربوا " وهذا بيع، والربا المنهي عنه
~~غير موجود هاهنا، لا حقيقة لغوية ولا حقيقة عرفية شرعية.
# وإذا باع الإنسان دراهم بالدنانير، لم يجز له أن يأخذ بالدنانير دراهم
~~مثلها، إلا بعد أن يقبض الدنانير، ثم يشتري بها دراهم إن شاء، هكذا أورده
~~شيخنا في نهايته (2).
# قال محمد بن إدريس: إن لم يتفارقا من المجلس، إلا بعد قبض الدراهم
~~المبتاعة بالدنانير التي على المشتري الأول، فلا بأس بذلك وإن لم يكن قبضه
~~الدنانير التي هي ثمن الدراهم الأولة المبتاعة، هذا إذا عينا الدراهم
~~الأخيرة
# PageV02P267
# المبتاعة، فإن لم يعيناها، فلا يجوز ذلك، لأنه يكون بيع دين بدين، وإن
~~عيناها، لم يصر بيع دين بدين، بل يصير بيع دين بعين.
# ولا بأس أن يبيع الإنسان ماله على غيره، من الدراهم والدنانير، بدراهم
~~معينة ودنانير معينة، ويقبضها قبل التفرق من المجلس، من الذي هي عليه، على
~~ما أسلفنا القول فيه، وحررناه، ولا يجوز له أن يبيعها إياه بدراهم، أو
~~دنانير غير معينة، لأنها إذا كانت غير معينة، فإنها تكون في ذمته، وإذا
~~كانت في ذمته، فهي دين عليه، فيصير بيع دين بدين، لأن الأثمان عندنا تتعين،
~~فإذا كانت معينة، وهلكت قبل القبض، بطل البيع، فإذا لم تكن معينة، وهلكت لم
~~يبطل البيع الذي هي ثمن له لأنها إذا لم تكن (1) معينة، فإنه دين في الذمة،
~~بغير خلاف، فافترق الأمران، وتباين القولان.
# وقد حكينا عن شيخنا أبي جعفر، ما قاله في مبسوطه، قبيل هذا الكلام في هذا
~~الباب وتصح الإقالة في جميع السلم، وتصح في بعضه، ولا فرق بينهما، فإن
~~أقاله في جميع السلم، فقد برئ المسلم إليه من المسلم فيه، ولزمه رد ما قبضه
~~من رأس المال، إن كان قائما بعينه، وإن كان تالفا، لزمه مثله، فإن تراضيا
~~بقبض بدله من جنس آخر، مثل أن يأخذ دراهم، بدل الدنانير، أو الدنانير بدل
~~الدراهم، كان جائزا، أو يأخذ عرضا آخر، بدل الدراهم، ms0701 أو الدنانير كان
~~جائزا، فإن أخذ الدنانير بدل الدراهم، أو الدراهم، بدل الدنانير، وجب أن
~~يقبضها في المجلس، قبل أن يفارقه، لأن ذلك صرف، وإن أخذ عرضا آخر جاز أن
~~يفارقه قبل القبض، لأنه بيع عرض معين، بثمن في الذمة (2) فدل ذلك، على أن
~~الدراهم أو الدنانير المبتاعة بالثمن الذي في الذمة معينة، بقوله " وإن أخذ
~~عرضا آخر جاز أن يفارقه قبل القبض " قال: لأنه بيع عرض
# PageV02P268
# معين بثمن في الذمة " فجعل التعيين في المسألتين الأخذ، لأنه قال " وإن
~~أخذ عرضا آخر جاز أن يفارقه قبل القبض " قال: " لأنه بيع عرض معين بثمن في
~~الذمة " وما جرى للتعيين ذكر إلا بقوله أخذ، فلو لم يكن العرض معينا ما
~~علله بقوله: لأنه بيع عرض معين، وكذلك في الدنانير المبيعة بالثمن الذي في
~~الذمة لا بد من تعيينها، لئلا يكون بيع دين بدين، على ما حررناه، فليلحظ
~~ذلك ويتأمل، ففيه غموض (1) على غير المحصل لهذا الشأن.
# وإذا اشترك نفسان في شراء دراهم بدنانير، ونقد أحدهما الدنانير عن نفسه،
~~وعن صاحبه، وجعل نقده عنه دينا عليه بأمره له وقوله: ثم أراد أن يشتري منه
~~حصته بالدنانير التي له عليه من ثمنها، أو أقل منها، أو أكثر، لم يكن به
~~بأس، إذا كانت الدراهم المبتاعة في يد المشتري، وإن كانت في يد البايع، فلا
~~بد من أن يتقابضا بها قبل التفرق من المجلس، فإن افترقا قبل أن يقبضها
~~المشتري الذي هو صاحب الدين، من البايع الذي هو شريكه، بطل البيع، لأنه
~~صرف.
# ولا يجوز إنفاق الدنانير والدراهم المحمول عليها، إلا بعد أن يبين حالها،
~~إلا أن تكون معلومة الحال، شايعة متعاملا بها، غير مجهولة في بلدها، وعند
~~بايعها، ومشتريها، فيقوم ذلك مقام تبين حالها.
# وشيخنا أبو جعفر، قال في نهايته: ولا يجوز إنفاق الدراهم المحمول عليها،
~~إلا بعد أن يبين حالها، وأطلق ذلك، وحرر ذلك على ما حررناه، وشرحناه، في
~~الجزء الثالث من استبصاره (2)، وبه أورد الأخبار المتواترة الكثيرة، ثم
~~أورد الخبر الذي ذكره ms0702 في نهايته، فتأوله، والخبر عن المفضل بن عمر الجعفي،
~~قال:
# كنت عند أبي عبد الله عليه السلام، فألقي بين يديه دراهم، فألقى إلي
~~درهما
# PageV02P269
# منها، فقال: أيش هذا؟ فقلت: ستوق، فقال: وما الستوق؟ قلت: ثلاث طبقات
~~طبقة فضة، وطبقة نحاس (1)، وطبقة فضة فقال: اكسرها (2) فإنه لا يحل بيع
~~هذا، ولا إنفاقه.
# قال شيخنا أبو جعفر: فالوجه في الجمع بين هذه الأخبار، - وكان قد أورد
~~قبل هذا الخبر أخبارا كثيرة بأنه لا بأس بإنفاقها، إذا كان الغالب عليها
~~الفضة (3)، وبعضها، قال: سألته عن الدراهم المحمول عليها، فقال: لا بأس
~~بإنفاقها (4) وفي بعضها قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن إنفاق
~~الدراهم المحمول عليها، فقال: إذا جازت الفضة الثلثين، فلا بأس (5)، قال
~~رحمه الله:
# فالوجه في الجمع بين هذه الأخبار - أن الدراهم إذا كانت معروفة متداولة
~~بين الناس، فلا بأس بإنفاقها، على ما جرت به عادة البلد، فإذا كانت دراهم
~~مجهولة، فلا يجوز إنفاقها إلا بعد أن يبين عيارها، حتى يعلم الآخذ لها
~~قيمتها.
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: وهذا التأويل والمذهب الذي حرره في
~~استبصاره، وهو الذي يقوى في نفسي، لأنه الحق اليقين، وبه تشهد العادات
~~والحالات، فإنه إذا كان المعنى معلوما بشاهد حال، جرى مجرى المنطوق به.
# قال محمد بن إدريس: أما استفهام الإمام عليه السلام ما الستوق، فإنها
~~كلمة فارسية غير عربية، وهي مفتوحة السين، غير المعجمة، مشددة التاء
~~المنقطة من فوقها، بنقطتين، المضمومة، والواو، والقاف، ومعناها ثلاث طبقات،
~~لأن " سه " بالفارسية ثلاثة، وتوق، طبقات وهو الزايف الردي البهرج، قال
~~الصولي في كتاب الأوراق: اعترض مخلد الشاعر الموصلي، الخليفة المعتمد
~~بالله، لما دخل الموصل، بمدح وحلفه أن يسمعه، فأحضره، وسمع مدحه، ثم قال
~~له:
# PageV02P270
# أنشدني هجاك لأهل الموصل، فأنشده:
# هم قعدوا فانتقوا لهم حسبا * يجوز بعد العشاء في العجب حتى إذا ما الصباح
~~لاح لهم * بين ستوقهم من الذهب والناس قد أصبحوا صيارفة * أعلم شئ ببهرج
~~النسب ولا يجوز بيع الفضة إذا كان فيها شئ من ms0703 المس أو الرصاص أو الذهب، أو
~~غير ذلك إلا بالدنانير، إذا كان الغالب الفضة، فإن كان الغالب الذهب،
~~والفضة الأقل، فلا يجوز بيعه إلا بالفضة، ولا يجوز بيعه بالذهب، لأنه لا
~~يؤمن فيه الربا، لأنه ما يتحصل مقدار ما في ذلك، فيصير مجهول المقدار، وليس
~~كذلك إذا باع فضة معلومة، معها جنس آخر بفضة أكثر منها، لأن تلك معلومة،
~~فتكون الفضة بالمثل مثلا بمثل، والزائد ثمن الجنس الآخر، وما منعنا من ذلك،
~~إلا إذا لم يحصل العلم بمقدار كل واحد منهما على التحقيق، فإن تحقق ذلك،
~~جاز بيع كل واحد منهما بجنسه، مثلا بمثل، من غير تفاضل.
# وكذلك حكم الأواني المصوغة من الذهب والفضة، والسيوف المحلاة بالذهب
~~والفضة إن كان مما يمكن تخليص كل واحد منهما من صاحبه، فلا يجوز (1) بيعها
~~بالذهب والفضة، فإن لم يمكن ذلك فيها، فإن كان الغالب فيها الذهب، لم تبع
~~إلا بالفضة، وإن كان الغالب فيها الفضة، لم تبع إلا بالذهب، لما قلناه من
~~الجهل بما فيها، وخوف الربا، فإن تساوى النقدان، وعلما، بيع بالذهب والفضة
~~معا والسيوف المحلاة والمراكب المحلاة بالذهب والفضة، فإن كانت محلاة
~~بالفضة، وعلم مقدار ما فيها، جاز بيعها بالذهب والفضة نقدا، ولا يجوز
~~نسيئة، فإن بيع بالفضة، فيكون ثمن السيف أكثر مما فيه من الفضة، جاز، وإن
~~كان أقل مما فيه أو مثل ما فيه لم يجز (2) بيع ذلك، إلا أن يستوهب السيف
~~والسير، أو يشتريهما،
# PageV02P271
# أعني السيف والسير نسيئة في ذمته، ويعجل الفضة أو الذهب الذي هو مثل
~~الحلية، قبل مفارقة المجلس، هذا إذا كان مثل ما فيه، فأما إذا كان أقل مما
~~فيه من الفضة، فلا يجوز على حال، لأن ذلك ربا محض، وكذلك الحكم فيها إذا
~~كانت محلاة بالذهب، وعلم مقدار ما فيها، بيع بمثلها وأكثر منها بالذهب، ولا
~~يجوز بيعها بأقل مما فيها من الذهب، ويجوز بيعها بالفضة، سواء كان أقل مما
~~فيها من الذهب، أو أكثر، إذا كان نقدا، ولا يجوز ذلك نسيئة على حال. ms0704
# ومتى لم يعلم مقدار ما فيها، وكانت محلاة بالفضة، فلا تباع إلا بالذهب،
~~وإن كانت محلاة بالذهب، لم تبع إلا بالفضة، أو بجنس آخر سوى الجنسين من
~~السلع والمتاع.
# ومتى كانت محلاة بالفضة، وأرادوا بيعها بالفضة، وليس لهم طريق إلى معرفة
~~مقدار ما فيها، فيجعل معها شئ آخر، وبيع حينئذ بالفضة، إذا كان أكثر مما
~~فيه تقريبا، ولم يكن به بأس، وكذلك الحكم فيما كان من الذهب، هكذا أورده
~~شيخنا أبو جعفر في نهايته (1).
# ولي في ذلك نظر.
# ولا بأس ببيع السيوف المحلاة بالفضة (2)، نسيئة إذا نقد مثل ما فيها من
~~الفضة ويكون ما يبقى، ثمن السير والنصل، على ما قدمناه.
# ولا يصح أن يشتري الإنسان سلعة بدينار غير درهم، ولا بدراهم غير دينار،
~~لأن ذلك مجهول.
# قال محمد بن إدريس: قولنا " لا يصح " نريد به العقد لا يصح، وقولنا (3) "
~~لأنه مجهول " المراد به الثمن مجهول، وإذا كان الثمن مجهولا، فالعقد والبيع
~~لا يصح، وهو غير صحيح، ووجه كون الثمن في هذه الصورة مجهولا، لأنه لا يدري
~~كم حصة الدرهم من الدنانير، ولا حصة الدنانير من الدراهم، إلا بالتقويم،
# PageV02P272
# والرجوع إلى أهل الخبرة، وذلك غير معلوم وقت العقد، فهو مجهول.
# فإن استثنى من جنسه، فباع بمائة دينار إلا دينارا، أو بمائة درهم، إلا
~~درهما، صح البيع، لأن الثمن معلوم، وهو ما بقي بعد الاستثناء.
# إذا اشترى خاتما من فضة مع فضة بفضة، جاز إذا كان الثمن أكثر مما فيه من
~~الفضة، هذا إذا كانت فضة الخاتم معلومة المقدار.
# ومن أقرض غيره دراهم، ثم سقطت تلك الدراهم التي أقرضها إياه، وجاءت
~~غيرها، لم يكن عليه إلا الدراهم التي أقرضها، أو سعرها بقيمة الوقت الذي
~~أقرضها فيه.
# ولا بأس أن يعطي الإنسان غيره دراهم أو دنانير، ويشترط عليه أن ينقدها
~~إياه، بأرض أخرى مثلها، في العدد أو الوزن، من غير تفاضل فيه، ويكون ذلك
~~جائزا لأن ذلك (1) يكون على جهة القراض لا على جهة البيع، بل هو محض القرض،
~~وهذا القرض ما ms0705 جر نفعا حتى يكون حراما، لأن المحرم من القرض، هو أن يشترط
~~زيادة في العين أو الصفة، وها هنا لا زيادة في العين والمقدار، ولا زيادة
~~في الصفة، ولأن البيع في المثلين، لا يجوز إلا مثلا بمثل نقدا، ولا يجوز
~~نسيئة وجوهر الفضة لا يجوز بيعه، إلا بالذهب، أو بجنس غير الفضة، لأنه لا
~~يؤمن فيه الربا، ولأن ما فيه من الفضة غير معلوم، ولا محقق.
# وجوهر الذهب، لا يجوز بيعه إلا بالفضة، أو بجنس غير الذهب. وجوهر الذهب
~~والفضة معا يجوز بيعه بالذهب والفضة معا (2).
# ولا يجوز بيع تراب الصاغة، فإن بيع، كان ثمنه للفقراء والمساكين، يتصدق
~~به عليهم، لأن ذلك لأربابه الذين لا يتميزون، فإن تميزوا، رد عليهم
~~أموالهم، واصطلحوا فيما بينهم، على ما رواه أصحابنا ووجد في رواياتهم (3).
# PageV02P273
# وجوهر الأسرب " مضموم الأول، مسكن السين، مضموم الراء، مشدد الباء وهو
~~الرصاص " وكذلك جوهر النحاس، والصفر " مضموم الصاد " لا بأس بالإسلاف فيه،
~~دراهم ودنانير، إذا كان الغالب عليه ذلك، وإن كان فيه فضة يسيرة، أو ذهب
~~قليل.
# الدراهم والدنانير يتعينان بالعقد، فإذا اشترى سلعة بدراهم أو دنانير
~~بعينها، لم يجز له أن يسلم غيرها، إذا ثبت أنهما يتعينان.
# متى باع دراهم بدنانير، أو دنانير بدراهم، ثم خرج أحدهما زايفا، بأن يكون
~~الدراهم رصاصا، أو الدنانير نحاسا، كان البيع باطلا، لأن العقد وقع على شئ
~~بعينه، فإذا لم يصح، بطل، وثبوته وانتقاله إلى غيره، يحتاج إلى دليل، فإن
~~وجد بالدراهم عيبا من جنسه، مثل أن يكون فضة خشنة، أو ذهبا خشنا، أو يكون
~~سكة مضطربة، مخالفة لسكة السلطان، فهو بالخيار، بين أن يرده، ويسترجع ثمنه،
~~وليس له بدله، فإن كان العيب في الجميع، كان بالخيار، بين أن يرد الجميع،
~~وبين الرضا به، فإن كان العيب في البعض، كان له رد الجميع، لوجود العيب في
~~الصفقة، وليس له أن يرد البعض المعيب، ويمسك الباقي.
# وإذا باع دراهم بدراهم أو دنانير بدنانير بأعيانها، فوجد ببعضها عيبا من
~~جنسها، كان ذلك عيبا، له ms0706 رده وفسخ العقد، وله الرضا به، وإن كان العيب من
~~غير جنسه، كان البيع باطلا.
# باب الشرط في العقود لا يجوز أن يبيع الإنسان إلا ما يملكه في الحال،
~~ويتعين عليه ملكه، فإن باع ما لا يملكه، ولا يملك بيعه، كان البيع باطلا.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: لا يجوز أن يبيع الإنسان إلا ما يملكه في
~~الحال، فإن باع ما لا يملكه، كان البيع موقوفا على صاحبه، فإن أمضاه، مضى،
~~PageV02P274
# وإن لم يمض، كان باطلا (1).
# إلا أنه رحمه الله رجع عن هذا في الجزء الثاني من مسائل خلافه، فقال:
# مسألة، إذا باع إنسان ملك غيره بغير إذنه، كان البيع باطلا، وبه قال
~~الشافعي، وقال أبو حنيفة: ينعقد البيع ويقف على إجازة صاحبه، وبه قال قوم
~~من أصحابنا، قال رحمه الله: دليلنا إجماع الفرقة ومن خالف منهم لا يعتد
~~بقوله، وأنه لا خلاف أنه ممنوع من التصرف في ملك غيره، والبيع تصرف، وأيضا
~~روى حكيم عن النبي عليه السلام، أنه نهى عن بيع ما ليس عنده (2)، وهذا نص،
~~وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي عليه السلام، أنه قال: لا
~~طلاق إلا فيما يملك، ولا عتق إلا فيما يملك، ولا بيع إلا فيما يملك (3)،
~~فنفى عليه السلام البيع من غير الملك، ولم يفرق، هذا آخر كلام شيخنا (4).
# فانظر يرحمك الله، إلى قوله رحمه الله: " دليلنا إجماع الفرقة، ومن خالف
~~منهم لا يعتد بقوله " فلو كان ما ذكره في نهايته جميعه حق وصواب كيف كان
~~يقول لا يعتد بقوله، وهو القائل به في نهايته، وإنما يورد أخبار آحاد لا
~~توجب علما ولا عملا، فيتوهم المتوهم، ويظن الظان، أن ذلك اعتقاده وفتواه،
~~وأنه يعمل بأخبار الآحاد، ولو كان ما ذكره في نهايته حقا وصوابا، وعليه
~~أدلة، ما رجع عنه، ولا استدل على خلافه.
# وإذا باع ما يملك وما لا يملك، في صفقة واحدة، وعقد واحد، مضى البيع فيما
~~يملك، وكان فيما لا يملك باطلا، حسب ما قدمناه، واخترناه، ms0707 وكذلك إذا باع ما
~~يجوز بيعه، من جملة ما يملك وما لا يجوز بيعه من المحرمات، مضى البيع فيما
~~يصح بيعه، وبطل فيما لا يصح البيع فيه.
# PageV02P275
# مثال الأول، باع ملكه وملك غيره بثمن واحد، في عقد واحد، ومثال الثاني،
~~باع شاة مملوكة له، وخنزيرا، وهو مسلم، في عقد واحد بثمن واحد، فإن البيع
~~في المملوك صحيح، والبيع في غير المملوك، وفي غير المحلل للمسلم تملكه
~~باطل.
# فإذا تقرر هذا، فالمشتري بالخيار بين أن يرد الصفقة جميعها، أو يمسك ما
~~يصح فيه البيع، بما يخصه من الثمن الذي يتقسط عليه، مثاله باع شاة وخنزيرا
~~بثلاثة دنانير، فإن الثمن يتقسط على قدر قيمة الشاة، وقيمة الخنزير عند
~~مستحليه، فيقال: كم قيمة الشاة؟ فيقال: قيراطان، ويقال: كم قيمة الخنزير؟
~~فيقال: قيراط، فيرجع بثلث الثمن، وهو دينار، وبالعكس من ذلك، أن يقال: قيمة
~~الشاة قيراط، وقيمة الخنزير عند مستحليه قيراطان، فيرجع المشتري بثلثي
~~الثمن، وهو ديناران.
# وكذلك في ملكه وملك الغير، إذا باعهما معا في عقد واحد، بثمن واحد،
~~فبحساب ما صورناه، لا يختلف الحكم في ذلك، فالاعتبار بالقيم، ويرجع في
~~الأثمان بحسب القيمتين.
# وقال شيخنا في نهايته: وإذا باع فلا ينعقد البيع، إلا بعد أن يفترق
~~البيعان، بالأبدان، فإن لم يفترقا، كان لكل واحد منهما فسخ البيع، والخيار
~~(1).
# قال محمد بن إدريس: هذه عبارة موهمة غير واضحة، كيف يقال: فإذا باع فلا
~~ينعقد البيع، وهذا كالمتناقض، فإنه إذا باع انعقد البيع، وإن كان ما باع
~~فما انعقد البيع، وإنما مراد شيخنا في هذا الموضع، أن البيع، إذا لم يفترقا
~~بالأبدان، لم يلزم كل واحد منهما، بل لكل واحد منهما الخيار في فسخه
~~وإمضائه، فإذا بالأبدان، لزم واستقر من كل واحد منهما، وليس لكل واحد منهما
~~الخيار، إلا أن يظهر عيب في المبيع، قبل عقدة البيع، فيكون المشتري
~~بالخيار، بين الرد
# PageV02P276
# والإمساك، فإذا رد يرجع بجميع الثمن، وإذا اختار الإمساك، رجع بأرش
~~العيب، " بفتح ألف الأرش " على البايع، لا يجبر المشتري على أحد ms0708 الأمرين،
~~هذا ما لم يتصرف فيه تصرفا يؤذن بالرضا، في العادة، أو ينقص قيمته بتصرفه.
# ومتى شرط المبتاع على البايع، مدة من الزمان، كان ذلك جائزا، كائنا ما
~~كان، على ما قدمناه فيما مضى، فإن هلك المتاع في تلك المدة، من غير تفريط
~~من المبتاع، ولا تصرفه فيه، التصرف المذكور، كان من مال البايع، فإن هلك
~~بعد انقضاء المدة، كان من مال المبتاع، دون البايع، على كل حال، سواء تصرف
~~فيه، أو لم يتصرف، لأن بعد المدة، ما بقي له خيار.
# فكل من كان له الخيار، فالمتاع يهلك من مال من ليس له خيار. لأنه قد
~~استقر العقد عليه، ولزم، والذي له الخيار، ما استقر عليه العقد، ولا لزمه،
~~فإن كان الخيار للبايع، دون المشتري، وكان المتاع قد قبضه المشتري، وهلك في
~~يديه، كان هلاكه من مال المشتري، دون البايع، لأن العقد استقر عليه، ولزم
~~من جهته.
# وإذا باع الإنسان شيئا، ولم يقبض المتاع، ولا قبض الثمن، ومضى المشتري،
~~ولم يشترطا خيارا لهما، ولا لأحدهما، ولا ضربا للثمن أجلا، ولا قبض أحدهما
~~شيئا من المعوضين، لا الثمن ولا المثمن، ففي هذه الصورة يكون العقد موقوفا،
~~عند أصحابنا إلى ثلاثة أيام، فإن جاء المبتاع في مدة الثلاثة الأيام، كان
~~البيع له، وإن مضى ثلاثة أيام، كان البايع أولى بالمتاع، إن شاء فسخ البيع،
~~وإن شاء لم يفسخه، وطالب المشتري بالثمن، لا يجبر على أحد الأمرين، بل
~~الخيرة له في ذلك.
# فإن هلك المتاع في مدة هذه الثلاثة الأيام، ولم يكن قبضه إياه، ولا قبض
~~ثمنه، ولا مكنه من قبضه، على ما حررناه، فقد اختلف قول أصحابنا في ذلك،
~~فذهب شيخنا المفيد، والسيد المرتضى، وغيرهما، إلى أن هلاكه من مال المشتري،
~~وذهب شيخنا أبو جعفر، وجماعة من أصحابنا، إلى أن هلاكه من مال PageV02P277
# البايع، دون مال المبتاع، إن هلك بعد الثلاثة الأيام، كان من مال البايع،
~~دون مال المبتاع على كل حال عند الجميع، وعلى الأقوال كلها بغير خلاف.
# والذي يقوى في ms0709 نفسي، ما ذهب إليه شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله، لأن
~~الإجماع حاصل منعقد في غير هذه الصورة، أن المبيع إذا هلك قبل أن يقبضه
~~بايعه، للمشتري، أو قبل تمكين البايع للمشتري (1) من قبضه فإنه يهلك من مال
~~بايعه وهذا من ذاك وأيضا فلا خلاف أن بعد الثلاثة الأيام يهلك من مال
~~بايعه، والخيرة له، ولا خيرة للمشتري، بل العقد لزمه، واستقر عليه، ولا
~~خيار له، وإنما هلك من ماله، لأنه ما مكن المشتري من قبضه، ولا قبضه إياه،
~~وفي قبل انقضاء المدة التي هي الثلاثة الأيام، هذا حكمه، والدليل قائم فيه،
~~ثابت، لأن القبض ما حصل، ولا التمكين (2) من القبض حصل.
# وأيضا الأصل براءة ذمة المشتري، فمن علق عليها شيئا، يحتاج إلى دليل
~~شرعي، ولا دليل على ذلك، من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع، لأنا قد
~~قلنا أن أصحابنا مختلفون في المسألة، فما بقي من الأدلة، إلا دليل الأصل،
~~وهو براءة الذمة، فمن علق عليها شيئا، يحتاج إلى دليل.
# واحتج شيخنا المفيد، لمقالته في مقنعته، بأن قال: ولو هلك المبيع في مدة
~~هذه الثلاثة الأيام، كان من مال المبتاع، دون البايع، لثبوت العقد بينهما
~~عن تراض، وإن هلك بعد الثلاثة الأيام، كان من مال البايع، لأنه أحق به،
~~وأملك، على ما بيناه، هذا آخر كلام شيخنا المفيد رحمه الله (3).
# فعلل رحمه الله، واستدل، بأن قال " كان من مال المبتاع، دون البايع،
~~لثبوت العقد بينهما " وهذا التعليل والاستدلال يلزمه بعد الثلاثة الأيام،
~~لأن العقد ثابت بينهما بغير خلاف، إذا لم يختر فسخه البايع، وعنده رحمه
~~الله، أنه إذا
# PageV02P278
# هلك بعد الثلاثة الأيام، فإنه من مال بايعه، وإن لم يفسخ البيع، والثبوت
~~الذي استدل به قبل مضي الثلاثة الأيام، قائم بعد الثلاثة الأيام، بغير
~~خلاف.
# وقال شيخنا أبو جعفر، في نهايته: وإذا اشترى إنسان عقارا، أو أرضا، وشرط
~~البايع، أن يرد على المبتاع، بالثمن الذي ابتاعه به في وقت بعينه، كان
~~البيع صحيحا، ولزمه رده عليه في ذلك الوقت، ms0710 وإن مضى الوقت، ولم يجئ البايع،
~~كان بالخيار فيما بعد، بين رده وإمساكه، فإن هلك المبيع في مدة الأجل
~~المضروبة، كان من مال المبتاع، دون مال البايع، وكذلك إن استغل منه شيئا
~~كان له، وكان له أيضا الانتفاع به، على كل حال (1).
# قال محمد بن إدريس: المقصود من هذه المسألة، وحقيقة القول فيها، أن
~~البايع جعل عند عقدة البيع، لنفسه الخيار، دون المشتري، في أجل محروس، من
~~الزيادة والنقصان، بأن يرد عليه الثمن، مكملا في ذلك الوقت، فلو حضر الوقت،
~~ولم يحضر الثمن، واختار الفسخ، لم يكن له ذلك، وكذلك إن أحضر بعض الثمن،
~~واختار الفسخ، لم يكن له ذلك، لأنه شرط في خياره أن يحضر الثمن، ويرده في
~~ذلك الوقت، فأما إن باع العقار، وجعل لنفسه خيار مدة من الزمان، وفسخ العقد
~~في جميع المدة المضروبة، انفسخ، وإن لم يحضر الثمن، ولا شيئا منه، ولا سلمه
~~إلى المشتري، لأن هذه المسألة، غير تلك، لأن تلك، اشتراط أن يجئ بالثمن، في
~~المدة المضروبة، وما جاء بالثمن، فلم يحصل له شرطه وهذه المسألة، جعل لنفسه
~~الخيار بين الفسخ والإمضاء، في هذه المدة، من غير إحضار الثمن، فافترقتا.
# والشرط في الحيوان كله، الدواب، والحمير والبغال، وغيرها، والأناسي من
~~العبيد، أيضا ثلاثة أيام، شرط ذلك في حال العقد، أو لم يشرط، يثبت
# PageV02P279
# بمجرد العقد، للمشتري خاصة، على الصحيح من المذهب، الخياران معا، خيار
~~المجلس وخيار الثلاث، بمجرد العقد وإطلاقه.
# فإن اشترط المشتري أكثر من ذلك، كان على ما شرط، وإن اشترط البايع، أن لا
~~خيار بينهما، في المجلس، ولا مدة الثلاث، كان أيضا جائزا.
# وإن اشترط البايع أيضا لنفسه، خيار مدة معلومة، كان أيضا جائزا، وثبت
~~بحسب الشرط.
# وقولنا: " ثبت الخيار للمشتري، ثلاثة أيام في الحيوان، شرط ذلك أو لم
~~يشرط " نريد به شرط المشتري ذلك، أو لم يشرط، ولا يظن ظان، أن المراد به
~~شرط البايع، أن لا يثبت بينهما خيار، أو لم يشرط، لأنه إذا شرط البايع أن
~~لا يثبت بينهما ms0711 خيار في هذه المدة، كان على ما شرط، ويكون خيار مدة الثلاث،
~~مع ارتفاع الشروط، وإطلاق العقد، وتجرده، للمشتري خاصة، على ما أسلفنا
~~القول فيه.
# وقد قلنا فيما مضى أن السيد المرتضى رحمه الله، جعل للاثنين معا الخيار،
~~مدة هذه الثلاثة الأيام.
# والأظهر من المذهب، الأول، وقد استدللنا فيما مضى، على صحة ذلك، بما لا
~~فائدة في إعادته.
# هذا ما لم يحدث المبتاع في هذه المدة، حدثا يدل على الرضا، أو يتصرف فيه
~~تصرفا ينقص قيمته، أو يكون لمثل ذلك التصرف، أجرة تستحق في العرف والعادة،
~~بأن يركب الدابة، أو يستعمل الحمار، أو يقبل الجارية، أو يلامسها، أو
~~يعتقها، أو يدبرها تدبيرا ليس له الرجوع فيه، وهو المنذور، أو يكاتبها، أو
~~غير ذلك من أنواع التصرف، فإنه يلزمه البيع، ويستقر عليه، وإن كان قبل مضي
~~الثلاثة الأيام، ولم يكن له بعد ذلك التصرف والإحداث رد على صاحبه على حال،
~~وإن لم يحدث فيه حدثا إلى أن يمضي ثلاثة أيام، لم يكن له بعد مضيها خيار،
~~إلا أن يجد فيه عيبا، قبل عقدة البيع، فإن هلك الحيوان في مدة PageV02P280
# الثلاثة الأيام، قبل أن يحدث المبتاع فيه حدثا يدل على الرضا بمجرى
~~العادة، كان من مال البايع، دون مال المبتاع، وإن هلك بعد إحداثه الحدث،
~~كان من مال المبتاع، دون مال البايع.
# وجملة الأمر، وعقد الباب، أنه متى كان الخيار في ابتياع الحيوان، من جهة
~~المبتاع، باشتراط الزمان الذي لم يجعله الشارع، بمجرد العقد، بل هو اشتراط
~~على البايع، وهلك الحيوان في ذلك الزمان، قبل تصرف المشتري فيه، التصرف
~~المقدم ذكره، فإن هلاكه يكون من مال بايعه، ويرجع المشتري بالثمن جميعه،
~~ومتى كان الخيار للمشتري، خيار الثلاث التي جعلها الشارع له، بمجرد العقد،
~~ولم يحدث فيه حدثا، وهلك، فإنه يهلك من مال بايعه أيضا، فإن مات بعد
~~الثلاث، ولم يحدث المشتري فيه حدثا، يكون موته وهلاكه من مال مشتريه، دون
~~بايعه، فإن كان فيه عيب وقت البيع، رجع المشتري على البايع، بأرش ms0712 ذلك العيب
~~فحسب إلا (1) الجارية المبتاعة، التي يكون (2) عيبها من حمل بها، فإن
~~مشتريها يردها، وإن كان قد وطأها، فإن هلكت قبل ردها، وبعد وطئها، فإنها
~~تهلك من مال مشتريها، دون بايعها، وله الأرش على بايعها فحسب.
# وترد المضراة من الإبل، والبقر، والغنم، فحسب، مع التصرف فيها، بالحلب،
~~وإن جاز الثلاثة الأيام، إذا لم يعلم المشتري بالتصرية، إلا بعد الثلاث،
~~فإنه يردها، وإن جازت الثلاث.
# قال شيخنا في نهايته: ومتى اشترى الإنسان شيئا من المتاع، بخيار مدة من
~~الزمان، ثم أراد بيعه، والتصرف فيه، قبل مضي ذلك الوقت، فليوجب البيع على
~~نفسه، ثم يتصرف فيه، فإن أوجب البيع على نفسه، ثم لم يتصرف وأراد رده، لم
~~يكن له ذلك على حال (3).
# PageV02P281
# قال محمد بن إدريس: قوله رحمه الله " فليوجب البيع على نفسه ثم يتصرف "
~~لا حاجة فيه، ولا وجه له، بل بنفس، تصرفه، يبطل خياره، لأنا قد بينا فيما
~~مضى، أن تصرف المشتري في مدة الخيار، لزوم للعقد، وإبطال لخيرته، وتصرف
~~البايع في مدة خياره، فسخ للعقد، فعلى هذا، متى تصرف فيه، بطل خياره.
# وقال شيخنا في نهايته: ومن اشترى شاة، وحسبها ثلاثة أيام، ثم أراد ردها،
~~فإن كان شرب لبنها في هذه الثلاثة الأيام، لزمه أن يرد معها ثلاثة أمداد من
~~طعام، وإن لم يكن لها لبن، لم يكن عليه، شئ (1).
# قال محمد بن إدريس: هذا لا يصح على إطلاقه في كل شاة تشترى، بل في
~~المصراة فحسب، لأن غير المصراة، متى حلب اللبن، فقد تصرف، ومتى تصرف، بطل
~~خياره، ولا يجوز له الرد، فأما إن كانت مصراة، وكان اللبن قائم العين، رده
~~بحاله، وإن كان تالفا، رد مثله، لأنه يضمن بالمثلية، ولا يجب عليه رد ما
~~قاله من الأمداد بحال، وهذا مذهب شيخنا المفيد رحمه الله، والذي تقضيه أصول
~~المذهب.
# وإذا باع الإنسان ما لا يصح عليه البقاء، من الخضر، وغيرها، ولم يقبض
~~المتاع، ولا قبض الثمن، ولا كان بيع النسية، كان الخيار فيه يوما فإن جاء
~~المبتاع ms0713 بالثمن في ذلك اليوم، وإلا فصاحبه بالخيار، بين أن يفسخ البيع،
~~وبين مطالبة مشتريه بالثمن، فإن هلك في مدة اليوم، فهو من ضمان بايعه، كما
~~قدمنا ذلك في غير الخضر.
# وإذا اختلف البايع والمشتري في ثمن المبيع، وكان الشئ قائما بعينه، كان
~~القول قول البايع، مع يمينه بالله، وإن لم يكن قائما بعينه، كان القول قول
~~المبتاع، مع يمينه بالله تعالى.
# وقال بعض أصحابنا، وهو أبو علي بن الجنيد، وأبو الصلاح، صاحب
# PageV02P282
# كتاب الكافي، في كتابه، وغيرهما من أصحابنا: إن كان الشئ في يد بايعه
~~فالقول قوله مع يمينه في ثمنه، وإن كان في يد مشتريه، فالقول قول المشتري،
~~واحتج لذلك، بأنه إذا كان في يد بايعه بعد، فالمشتري يريد انتزاعه من يده،
~~فالقول قول من ينتزع الشئ من يده، وإن كان في يد مشتريه فصاحبه يعني بايعه،
~~يدعي زيادة على ما أقر به المشتري، فلا تقبل دعواه، إلا ببينة.
# والآخر من أصحابنا، لم يفرق بهذا الفرق، بل قال: متى كانت العين قائمة
~~باقية، فالقول قول البايع في مقدار الثمن، مع يمينه، سواء كانت العين في يد
~~بايعه، أو مشتريه، فأما إذا اختلف ورثة البايع والمشتري، في قدر الثمن، فلا
~~خلاف بين أصحابنا، أن القول قول ورثة المشتري، في قدره، سواء كانت العين
~~قائمة، أو تالفة، لأن حمل هذا على ذاك قياس، ولولا ما بيناه، لما جاز ذلك،
~~وقول ابن الجنيد قوي، لأن إجماع الأمة منعقد على أن على المدعي البينة،
~~وعلى الجاحد اليمين، ولا خلاف أن البايع مدع، في الحالين، فأما إذا كان
~~الشئ في يده، فالمشتري يدعي انتزاعه من يده، فيكون القول قول البايع هاهنا،
~~لأنه مدعى عليه، وإطلاق قول الآخر من أصحابنا، يخص بالأدلة، لأن العموم قد
~~يخص بالدليل، وشيخنا أورد في تفصيل ذلك، خبر واحد مرسلا، في تهذيب الأحكام
~~(1) لم يورد غيره، وأخبار الآحاد المسانيد، لا توجب علما ولا عملا، فكيف
~~الآحاد المراسيل، ويمكن حمله على ما قاله ابن الجنيد، وغيره من أصحابنا،
~~وحررناه نحن، واخترناه، ms0714 لما قدمناه، من قيام الأدلة بمقتضاه، ولم يذهب إلى
~~القول الأول، سوى شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله، ومن اتبعه، وقلده، في
~~تصنيفه.
# ثم إنه استدل في مسائل خلافه، بإجماع الفرقة والأخبار (2).
# PageV02P283
# ومن أجمع معه، وأي أخبار وردت له، وإنما هو خبر واحد مرسل.
# ثم لما ضاق عليه الكلام مع الخصم، تأول، وخصص، وقال: لو خلينا، لقلنا
~~بذلك، ولكن روي عن أئمتنا، عليهم السلام، أنهم قالوا: القول قول البايع،
~~فحملناه على أنه إذا كان مع بقاء السلعة، فإذا ساغ له حمله، ساغ لنا ما
~~اخترناه.
# وإذا اشترى الإنسان ضياعا أو عقارا، بحدودها ووصفها، من غير أن يعاينها،
~~كان البيع ماضيا، إلا أن له شرط خيار الرؤية، وقد قدمنا أحكام ذلك فيما مضى
~~وحررناه.
# وإذا مات المشترط في السلعة، ومن له الخيار، قام ورثته مقامه، في
~~المطالبة بذلك الشرط.
# وقال شيخنا أبو جعفر، في نهايته: ومن اشترى جارية، وعدلها عند (1) إنسان
~~ليستبري رحمها، كانت النفقة في مدة حال الاستبراء على بايعها، دون المبتاع،
~~فإن هلكت في مدة الاستبراء، كانت من مال البايع، دون مال المبتاع، ما لم
~~يحدث فيها حدثا، حسب ما قدمناه، فإن أحدث فيها حدثا، ثم هلكت، كانت من
~~ماله، دون مال البايع (2).
# وقال رحمه الله في مبسوطه: الاستبراء في الجارية، واجب على البايع
~~والمشتري معا، والاستبراء يكون بقرء واحد، وهو الطهر، ولا يجوز للمشتري
~~وطؤها قبل الاستبراء، في الفرج، ولا في غيره، ولا لمسها بشهوة، ولا قبلتها،
~~ويلزم الاستبراء المشتري بعد قبضها، ولا يعتد بما قبل ذلك، ويكون زمان
~~الاستبراء عنده، سواء كانت حسناء، أو قبيحة، ولا يلزم أن تكون عند غيره،
~~فإن جعل ذلك عند من يثق به، كان جائزا، فإن اشتراها، وهي حائض، فطهرت، جاز
~~أن يعتد بذلك الحيض، ويكفيها ذلك (3).
# ومتى باعها بشرط المواضعة، لم يبطل البيع، وإن باعها مطلقا، ثم اتفقا على
# PageV02P284
# المواضعة، جاز أيضا، فإن هلكت، أو عابت، نظر، فإن كان المشتري قبضها ثم
~~جعلت عند عدل، فالعدل وكيل المشتري، ويده كيده، إن ms0715 هلكت، فمن ضمان المشتري،
~~وإن عابت فلا خيار له، وإن كان البايع سلمها إلى العدل، قبل القبض، فهلكت
~~في يده، بطل البيع، وإن عابت، كان المشتري بالخيار (1).
# قال محمد بن إدريس وهذا الذي ذكره في معنى المواضعة والهلاك، وهل قبضها
~~أو لم يقبضها، هو الصحيح، ومسألة النهاية، لا تصح إلا على هذا التحرير،
~~وإلا إذا تسلمها المشتري، واستبرأها في يده، بعد قبضها، فمتى هلكت قبل مضي
~~الثلاثة الأيام، وقبل التصرف فيها، فإنها تهلك من مال بايعها، دون مشتريها،
~~وإن هلكت بعد مضي الثلاثة الأيام، التي هي شرط في الحيوان، أو بعد التصرف
~~فيها، فإنها تهلك من مال المشتري، بغير خلاف، للإجماع المنعقد من أصحابنا،
~~أن الحيوان إذا هلك في مدة الثلاثة الأيام، قبل تصرف المشتري فيه، فإنه
~~يهلك من مال بايعه، فإن هلك بعد ذلك، فمن مال المشتري، فعلى هذا يجب أن
~~يكون الفتوى والعمل.
# وقال رحمه الله في نهايته: ومن اشترى شيئا بحكم نفسه، ولم يذكر الثمن
~~بعينه، كان البيع باطلا فإن هلك الشئ في يد المبتاع، كان عليه قيمته يوم
~~ابتاعه، هكذا قال شيخنا أبو جعفر في نهايته (2).
# والذي تقتضيه أصول المذهب، أن الشئ المبيع، إن كان له مثل، فعليه مثله،
~~لا قيمته، وإن إعوز المثل، فعليه ثمن المثل، يوم الإعواز، وإن كان المبيع
~~مما لا مثل له، فإنه يجب عليه قيمته، أكثر ما كانت إلى يوم الهلاك، لأن هذا
~~بيع فاسد، والبيع الفاسد عند المحصلين، يجري مجرى الغصب، في الضمان.
# وإن كان الشئ قائما بعينه، كان لصاحبه، انتزاعه من يد المبتاع، فإن
# PageV02P285
# أحدث المبتاع فيه حدثا، نقص به ثمنه، كان له انتزاعه منه، وأرش ما أحدث
~~فيه، فإن كان الحدث يزيد في قيمته، وأراد انتزاعه من يده، كان عليه أن يرد
~~على المبتاع، قيمة الزيادة بحدثه فيه، هكذا قال شيخنا في نهايته (1).
# والأولى أن يقسم الحدث، فتقول: إن كان آثار أفعال، لا أعيان أموال، فلا
~~يرد على المبتاع شئ، وإن كان الحدث أعيان أموال، فهو على ما ms0716 قال رحمه الله.
# فإن ابتاعه بحكم البايع في ثمنه، فحكم بأقل من قيمته، كان ذلك ماضيا، ولم
~~يكن له أكثر من ذلك، وإن حكم بأكثر من قيمته لم يكن له أكثر من القيمة في
~~حال البيع، إلا أن يتبرع المبتاع بالتزام ذلك على نفسه، فإن لم يفعل، لم
~~يكن عليه شئ، هكذا أورده شيخنا في نهايته (2).
# والأولى أن يقال: البيع باطل، لأن كل مبيع لم يذكر فيه الثمن، يكون
~~باطلا، بلا خلاف بين المسلمين، فإذا كان كذلك، فإن كان باقيا بعينه،
~~فللبايع انتزاعه من يد المشتري، وإن كان تالفا، وتحاكما، فلصاحبه مثله، إن
~~كان له مثل، وإن كان لا مثل له، فله قيمته أكثر القيم إلى يوم الهلاك، لا
~~قيمته في حال البيع، فإن أقر البايع بشئ، لزمه إقراره على نفسه، فيحكم عليه
~~بإقراره على نفسه، إلا أن يقر بأزيد من قيمته التي يوجبها الشارع، وإنما
~~هذه أخبار آحاد، أوردها في نهايته، إيرادا، لا اعتقادا، على ما تكررت
~~الإشارة في ذلك.
# ومن ابتاع شيئا بدراهم، أو دنانير، وذكر النقد بعينه، كان له من النقد ما
~~شرط، فإن لم يذكر نقدا بعينه، كان له ما يجوز بين الناس في الغالب، فإن
~~اختلفا في الشرط والذكر، فالقول قول. البايع، مع بقاء السلعة، لإجماع
~~الطائفة، لأنهما (3) إذا اختلفا في الثمن، كان القول قول البايع، مع بقاء
~~السلعة والقول قول المشتري مع عدمها.
# PageV02P286
# باب البيع بالنقد والنسية والمرابحة من باع شيئا بنقد، كان الثمن عاجلا،
~~وإن باعه، ولم يذكر لا نقدا ولا نسية، كان الثمن أيضا عاجلا، فإن ذكر أن
~~يكون الثمن آجلا، كان على ما ذكر، بعد أن يكون الأجل معينا، محروسا
~~بالسنين، والأعوام، أو الشهور، والأيام، ولا يجوز أن يكون مجهولا، ولا آجلا
~~غير محروس، من الزيادة والنقصان، مثل قدوم الحاج، ودخول القوافل، وإدراك
~~الغلات، وما أشبه ذلك، فإن ذكر شيئا من هذه الأوقات، كان البيع باطلا في
~~نفسه، فإن ذكر المتاع بأجلين ونقدين مختلفين، بأن يقول: ثمن هذا المتاع كذا
~~عاجلا، ms0717 وكذا آجلا، ثم أمضى البيع، كان له أقل الثمنين، وأبعد الأجلين هكذا
~~أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (1).
# والصحيح من المذهب، أن هذا البيع باطل، لأن الثمن مجهول في حال العقد،
~~وكل بيع كان الثمن مجهولا في حال عقده، فهو باطل بغير خلاف، بين الأمة،
~~وسلار من أصحابنا يذهب إلى ما اخترناه، في رسالته (2).
# وشيخنا أبو جعفر، قد رجع في مبسوطه، عما أورده في نهايته، واستدل على
~~فساده، بأن قال: فإن هذا لا يجوز لأن الثمن غير معين، وذلك يفسد البيع (3).
# وما أورده في نهايته، فهو خبر واحد، لا يوجب علما ولا عملا، أورده إيراد
~~لا اعتقادا.
# ومتى باع الشئ بأجل، ثم حضر الأجل، ولم يكن مع المشتري ما يعطيه إياه،
~~جاز له أن يأخذ منه، ما كان باعه إياه، بيعا صحيحا بزيادة مما كان باعه
~~إياه، أو نقيصة منه، لأنه مال من أموال البايع بمهما شاء باعه.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: فإن أخذه بنقصان مما باع، لم يكن ذلك
# PageV02P287
# صحيحا، ولزمه ثمنه الذي كان أعطاه به، ثم قال رحمه الله وإن أخذ من
~~المبتاع متاعا آخر بقيمته في الحال، لم يكن بذلك بأس (1).
# والأول هو الصحيح الذي تقتضيه أصول المذهب، لأن الله تعالى قال:
# " وأحل الله البيع وحرم الربوا " وهذا بيع، فمن منع منه يحتاج إلى دليل،
~~ولن يجده، ولا نرجع عن الأدلة بأخبار الآحاد، وما أورده وذكره شيخنا في
~~نهايته، خبر واحد، أورده إيرادا، لا اعتقادا.
# وإذا باع شيئا إلى أجل، وأحضر المبتاع الثمن، قبل حلول الأجل، كان البايع
~~بالخيار، بين قبض الثمن، وبين تركه (2) إلى حلول الأجل، ويكون في ذمة
~~المبتاع، فإن حل الأجل، وجاء المبتاع بالثمن، ومكنه منه، ولم يقبض البايع،
~~ثم هلك الثمن، كان من مال البايع، دون المبتاع.
# وكذلك إن اشترى شيئا إلى أجل، وأحضر البايع المبيع قبل حلول الأجل، كان
~~المبتاع مخيرا، بين أخذه وتركه، فإن هلك قبل حلول الأجل، كان من مال
~~البايع، دون مال المبتاع، فإن حل الأجل، وأحضر ms0718 البايع المتاع، ومكن المبتاع
~~من قبضه، فامتنع من قبضه، ثم هلك المتاع، كان من مال المبتاع، دون مال
~~البايع، هكذا أورده شيخنا في نهايته (3).
# والأولى في المسألتين معا، أنه إذا امتنع الممتنع من قبض دينه، وحقه،
~~وماله، بعد حلوله، واستحقاقه، وتمكينه منه، وافراده، أن يرفع أمره إلى
~~الحاكم، ويطالبه بقبضه، أو إبرائه مما له عليه، فإن لم يفعل، ولم يحب إلى
~~إحدى الخصلتين، تسلمه الحاكم ممن هو عليه، وجعله في بيت المال، ليحفظه على
~~صاحبه، ولا يجوز للحاكم أن يجبره على البراءة له، ولا على قبضه، لأن الحاكم
~~منصوب للحق، وإزالة الضرر غير المستحق، ولا دليل على وجوب
# PageV02P288
# اشتغال ذمة من عليه الحق بحفاظه، أو بارتهانها (1) مشغولة بالدين، يعني
~~ذمة من عليه، والرسول عليه السلام قال: لا ضرر ولا ضرار (2) وكل من تأبى
~~(3) من الحق، فالحاكم يجبره عليه، ويقوم مقامه في استيفاء ما عليه، وأخذ ما
~~كان يجب عليه أخذه، وحفاظ ماله.
# وإلى هذا وأمثاله يذهب شيخنا الطوسي أبو جعفر، في مبسوطه، وقال الحاكم
~~يقبضه، ويحفظه، ويجعله في بيت المال، لصاحبه، محفوظا عنده، محوطا عليه (4).
# ولا بأس أن يبيع الإنسان متاعا حاضرا إلى أجل، ثم يبتاعه منه في الحال،
~~ويزن الثمن بزيادة مما باعه، أو نقصان، وإن اشتراه منه نسية أيضا، كان
~~جائزا، ولا يجوز تأخير الثمن عن وقت وجوبه بزيادة فيه (5)، ولا بأس بتعجيله
~~بنقصان شئ منه، بغير خلاف بين أصحابنا، فإن اتفقا على تأجيل ما قد حل، فإنه
~~لا يصير موجلا، ويجوز لمن أجله أن يطالب به في الحال، سواء كان ذلك ثمنا،
~~أو أجرة، أو صداقا، أو كان قراضا (6)، أو أرش جناية، بغير خلاف بين
~~أصحابنا.
# وشيخنا أبو جعفر، قد ذكر ذلك في مسائل خلافه (7)، وأشبع القول فيه،
~~واستدل بإجماع الفرقة على صحته.
# ويكره الاستحطاط من الأثمان بعد انعقاد العقد، سواء نقل المتاع، أو لم
~~ينقل، افترقا من المجلس، أو لم يفترقا، وليس ذلك بمحظور.
# وقال شيخنا في نهايته: وكل شئ يصح بيعه قبل القبض، صح أيضا ms0719 الشركة فيه
~~(8).
# يريد بذلك أن بيع السلف قبل قبضه، لا يجوز على غير من هو عليه، ولا
# PageV02P289
# يجوز الشركة فيه، ومراده بالشركة، أن يبيعه نصفه مشاعا غير مقسوم.
# وقال رحمه الله في نهايته: ولا بأس بابتياع جميع الأشياء حالا، وإن لم
~~يكن حاضرا في الحال، إذا كان الشئ موجودا في الوقت، أو يمكن وجوده، ولا
~~يجوز أن يشتري حالا، ما لا يمكن وجوده في الحال، مثال ذلك، أن يشتري
~~الفواكه حالة، في غير أوقاتها، فإن ذلك لا يمكن تحصيله، فأما ما يمكن
~~تحصيله، فلا بأس به، مثل الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والثياب، وغير
~~ذلك، وإن لم يكن عند بايعه في الحال (1).
# قال محمد بن إدريس: هذا خبر واحد، أورده شيخنا في تهذيب الأحكام (2)، عن
~~ابن سنان، لا يجوز أن يعمل به، ولا يلتفت إليه، ولا يعول عليه، لأنا قد
~~بينا أن البيع على ضربين، بيوع الأعيان، وبيوع السلم، وهو ما في الذمة، ولا
~~يصح إلا أن يكون مؤجلا، موصوفا، على ما تقدم شرحنا له، فأما بيوع الأعيان،
~~فتنقسم إلى قسمين، أحدهما بيع عين مرئية مشاهدة، والقسم الآخر بيع عين غير
~~حاضرة موصوفة، وهذا البيع، هو المسمى بيع خيار الرؤية وما أورده، خارج عن
~~هذه البيوع، لا مشاهد، ولا موصوف بوصف يقوم مقام المشاهدة، فدخل في بيع
~~الغرر، والنبي عليه السلام نهى عن بيع الغرر (3) ونهى عليه السلام، عن بيع
~~ما ليس عنه الإنسان ولا في ملكه (4) إلا ما أخرجه الدليل من بيع السلم.
# وأيضا البيع حكم شرعي، يحتاج في إثباته، إلى دليل شرعي، ولا نرجع عن
~~الأمور المعلومة بالدلالة القاهرة، بالأمور المظنونة، وأخبار الآحاد، التي
~~لا توجب علما ولا عملا.
# PageV02P290
# ومن اشترى شيئا بنسية، فلا يبيعه مرابحة، فإن باعه كذلك، كان للمبتاع من
~~الأجل، مثل ماله، هكذا أورده شيخنا في نهايته (1).
# والأولى عندي، أن يكون المشتري بالخيار، بين رده وإمساكه بالثمن، من غير
~~أن يكون له من الأجل مثل ماله، لأنه ليس عليه دليل فيرجع إليه، وإنما هو
~~خبر واحد، ms0720 وضعه في كتابه، ورجع عنه في مبسوطه (2).
# وقال شيخنا أبو جعفر، في نهايته: ولا يجوز أن يبيع الإنسان، متاعا مرابحة
~~بالنسبة، إلى أصل المال، بأن يقول: أبيعك هذا المتاع، بربح عشرة، واحدا أو
~~اثنين، بل يقول بدلا من ذلك: هذا المتاع علي بكذا، وأبيعك إياه بكذا، بما
~~أراد (3).
# وقال في مسائل الخلاف: يكره بيع المرابحة، بالنسبة إلى أصل المال، وصورته
~~أن يقول: بعتك برأس مال، وربح درهم، على كل عشرة، وليس ذلك بمفسد للبيع
~~(4).
# وقال شيخنا المفيد، في مقنعته: ولا يجوز أن يبيع الإنسان شيئا مرابحة،
~~مذكورة بالنسبة إلى أصل المال، كقولهم: أبيعك هذا المتاع بربح العشرة،
~~واحدا، أو اثنين، وما أشبه ذلك، ولا بأس أن يقول ثمن هذا المتاع علي كذا،
~~وأبيعك إياه بكذا، فيذكر أصل المال والربح، ولا يجعل لكل عشرة منه شيئا
~~(5).
# قال محمد بن إدريس: الذي يقوى عندي، وأفتي به، أن بيع المرابحة، مكروه
~~غير محظور، وأن البيع صحيح، غير باطل، وهو الذي ذهب إليه شيخنا أبو جعفر،
~~في مسائل خلافه، ومبسوطه، لأن بطلانه يحتاج إلى دليل، والله تعالى قال: "
~~أحل الله البيع وحرم الربوا " وهذا بيع بغير خلاف، فمن أبطله يحتاج إلى
~~دليل، وما ورد في ذلك من الأخبار فحمله على الكراهة هو الأولى.
# إلا أن جملة الأمر، وعقد الباب، أن المكروه من بيع المرابحة، أن يكون
# PageV02P291
# الربح محمولا على المال، ولا بأس أن يكون الربح محمولا على المتاع، مثال
~~ذلك، أن يقول: هذا المبيع، اشتريته بمائة دينار، ويذكر نقدها، وبعتك إياه
~~بمائة وعشرة دنانير، فهذا لا مكروه، ولا محظور على القولين معا، لأن الربح
~~هيهنا محمول على المتاع، فأما المكروه على الصحيح من المذهب، على ما
~~اخترناه، أو المحظور على القول الآخر، فمثاله أن يقول: هذا المبيع اشتريته
~~بمائة دينار، ويذكر نقدها، وبعتك إياه بمائة، وبربح كل عشرة دينارا (1)
~~فهذا هو المكروه أو المحظور، لأن الربح هاهنا محمول على المال، الذي هو
~~الثمن، فهذا معنى قول الفقهاء بالنسبة " بالنون والسين والباء المنقطة من
~~تحتها ms0721 نقطة واحدة " إلى أصل المال، لأنه حمل الربح على الثمن، ونسبه إليه،
~~بقوله: كل عشرة من المائة دينار (2)، فصار جميع الثمن مائة وعشرة دنانير،
~~لأن الربح منسوب إلى عقود المائة، وهي عشرة عقود، فصار الربح عشرة دنانير،
~~فليتأمل ذلك، ويلحظ، فهو حقيقة القول في هذا المسألة، أعني بيع المرابحة.
# وإذا اشترى سلعتين بثمن واحد، فإنه لا يجوز أن يبيع إحداهما مرابحة،
~~ويقسم الثمن عليهما على قدر قيمتهما، لأن تقويمه، ليس هو الذي انعقد البيع
~~عليه، فلا يجوز أن يخبر بذلك الشراء الذي قومه مع نفسه، لأنه كذب.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا اشترى الإنسان ثيابا جماعة، بثمن
~~معلوم، ثم قوم كل ثوب منها على حدة مع نفسه، لم يجز أن يخبر بذلك الشراء،
~~ولا أن يبيعه مرابحة، إلا بعد أن يبين له (3) إنما قوم ذلك كذلك (4).
# قال محمد بن إدريس، رحمه الله: هذا هو ليس بيع المرابحة، لأن بيع
~~المرابحة موضوعه في الشرع، أن يخبر بالثمن الذي اشتراه به، وهذا ليس كذلك.
# وإذا اشترى الإنسان متاعا، جاز أن يبيعه في الحال، وإن لم يقبضه، إذا
# PageV02P292
# كان معينا، ويكون قبض المبتاع الثاني قبضا عنه.
# وإذا اشترى الإنسان ثيابا جماعة، فلا يجوز أن يبيع خيارها مرابحة، لأن
~~ذلك لا يتميز، وهو مجهول.
# وإذا باع الإنسان المتاع مرابحة، فلا بد أن يذكر النقد الذي وزنه، وكيفية
~~الصرف في يوم وزن المال، وليس عليه شئ من ذلك إذا باعه مساومة.
# ولا يجوز بيع المتاع في أعدال محزومة، وجرب مشدودة، إلا أن يكون له
~~برنامج، يوقفه منه على صفة المتاع، في ألوانه، وأقداره، وصفاته، فإذا كان
~~كذلك، جاز بيعه، فإذا نظر إليه المبتاع، ورآه موافقا لما وصف له، وذكر، كان
~~البيع ماضيا، وإن كان بخلاف ذلك، كان البيع مردودا إن اختار المشتري، وإن
~~رضي به فله ذلك، لأن له الخيار، وإنما لم يجز هذا البيع، إلا أن يكون له
~~برنامج، لأن هذا بيع خيار الرؤية، وهذا البيع من شرط صحته ذكر الجنس
~~والصفة، ms0722 لأنه غير مشاهد، فتقوم الصفة في هذا البيع مقام المشاهدة.
# والبرنامج كلمة فارسية معناها أن الفرس تسمي المحمول " بار " قل أم كثر،
~~والنامج بالفارسية " نامه " وتفسيره الكتاب، لمعرفة ما في المحمول، من
~~العدد، والوزن، فأعربوه بالجيم، فأما قولهم: الروز نامج، ومعنى الروز
~~بالفارسية:
# اسم اليوم، والنامج: نامه، وهو الكتاب، فكأنهم عنوا به كتاب كل يوم،
~~فأعربوه بالجيم، فهذا حقيقة هاتين الكلمتين بالفارسية، ذكر ذلك أصحاب
~~التواريخ، مثل محمد بن جرير الطبري، وغيره.
# ومن أمر غيره أن يبتاع له متاعا، وينقد من عنده الثمن عنه، فاشتراه، ونقد
~~عنه ثمنه، ثم سرق المتاع، أو هلك من غير تفريط، من المأمور، كان من مال
~~الآمر، دون المأمور.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا قوم التاجر، متاعا على الواسطة بشئ
~~معلوم، وقال له: بعه، فما زدت على رأس المال، فهو لك، والقيمة لي،
~~PageV02P293
# كان ذلك جائزا، وإن لم يواجبه البيع (1)، فإن باع الواسطة المتاع، بزيادة
~~على ما قوم عليه، كان له وإن باعه برأس المال، لم يكن له على التاجر شئ،
~~وإن باعه بأقل من ذلك، كان ضامنا لتمام القيمة، فإن رد المتاع، ولم يبعه،
~~لم يكن للتاجر الامتناع من أخذه، وقال رحمه الله: ومتى أخذ الواسطة، المتاع
~~على ما ذكرناه، فلا يجوز له أن يبيعه مرابحة، ولا يذكر الفضل على القيمة في
~~الشراء (2).
# قال محمد بن إدريس: ما أورده شيخنا، غير واضح، ولا مستقيم، على أصول
~~مذهبنا، لأن هذا جميعه لا بيع المرابحة، ولا إجارة، ولا جعالة محققة، فإذا
~~باع الواسطة بزيادة على ما قوم عليه، لم يكن للواسطة في الزيادة شئ، لأنها
~~من جملة ثمن المتاع، والمتاع للتاجر، ما انتقل عن ملكه بحال، وللواسطة أجرة
~~المثل، لأنه لم يسلم له العوض، فيرجع إلى المعوض، وكذلك إن باعه برأس
~~المال، وإن باعه بأقل مما أمره به، كان المبيع باطلا فإن تلف المبيع، كان
~~الواسطة ضامنا وقوله رحمه الله: " ومتى أخذ الواسطة المتاع ما ذكرناه، فلا
~~يجوز له أن يبيعه مرابحة، ولا يذكر ms0723 الفضل على القيمة في الشراء " قال محمد
~~بن إدريس:
# وأي شراء جرى بين التاجر وبين الواسطة، حتى يخبر بالثمن، وليس هذا موضوع
~~بيع المرابحة في الشريعة، بغير خلاف، وإنما أورد أخبار الآحاد، في هذا
~~الكتاب إيرادا، لا اعتقادا على ما وردت عليه بألفاظها، صحيحة، كانت أو
~~فاسدة، على ما ذكره واعتذر به، في خطبة مبسوطه، على ما قدمنا القول فيه، في
~~صدر كتابنا هذا.
# يزيد ذلك بيانا، ما أورده في نهايته، بعد هذه المسألة، بلا فصل، قال رحمه
~~الله: وإذا قال الواسطة للتاجر، خبرني بثمن هذا المتاع، واربح علي فيه كذا
~~وكذا، ففعل التاجر ذلك، غير أنه لم يواجبه البيع، ولا ضمن هو الثمن، ثم باع
~~الواسطة بزيادة على رأس المال والثمن، كان ذلك للتاجر، وله أجرة المثل،
# PageV02P294
# لا أكثر من ذلك، وإن كان قد ضمن الثمن، كان له ما زاد على ذلك من الربح،
~~ولم يكن للتاجر أكثر من رأس المال الذي قرره معه، فهذا يوضح لك ما نبهنا
~~عليه.
# وإذا قال الإنسان لغيره: اشتر لي هذا المتاع، وأزيدك شيئا، فإن اشترى
~~التاجر ذلك، لم يلزم الآمر أخذه، ويكون في ذلك بالخيار، إن شاء اشتراه
~~لنفسه، وإن شاء لم يشتره، لأنه ما وكله في شرائه لنفسه، بقوله: وأزيدك
~~شيئا، فدل ذلك على أن التاجر اشتراه لنفسه، لا للآمر، لأن الشراء لو وقع
~~للآمر لم يلزمه أن يزيده على ثمنه شيئا، فهذا تحرير الفتيا في ذلك.
# ومتى أخذ الإنسان من تاجر مالا، واشترى به متاعا، يصلح له، ثم جاء به إلى
~~التاجر، ثم اشتراه منه، لم يكن بذلك بأس، لأنه وكيل للتاجر، نائب عنه في
~~الشراء، ويكون التاجر مخيرا، بين أن يبيعه، وإن لا يبيع، فإن كان الإنسان
~~الذي هو الوكيل، شراه لنفسه في ذمته، لا بعين مال موكله، ثم نقد المال على
~~أنه ضامن له، لم يكن للتاجر عليه سبيل (1).
# فإن اختلفا في ذلك، فالقول قول الوكيل، دون الموكل، فإن كان الوكيل شراه
~~بعين مال موكله فإن الملك يقع ms0724 للتاجر الذي هو الموكل، دون الوكيل، فهذا
~~تحرير هذه الفتيا التي أوردها شيخنا في نهايته.
# ولا بأس أن يبيع الإنسان متاعا، بأكثر مما يساوي في الحال، بنسية، إذا
~~كان المبتاع من أهل الخبرة والمعرفة، فإن لم يكن كذلك، كان البيع موقوفا،
~~للمشتري الخيار فيه.
# باب العيوب الموجبة للرد من اشترى شيئا على الإطلاق، ولم يشترط الصحة، أو
~~اشتراه على شرط
# PageV02P295
# الصحة، والسلامة، ثم ظهر له فيه عيب، سبق وجوده عقدة البيع، ولم يكن قد
~~تبرأ صاحبه إليه من العيوب كلها، كان المشتري بين خيرتين، رد المتاع
~~واسترجاع الثمن، أو الإمساك والمطالبة بالأرش، وهو ما بين قيمته صحيحا
~~ومعيبا.
# وكيفية ذلك، وبيانه، أن يعتبر قيمته، ويوجب (1) بحصة ذلك من ثمنه، مثاله
~~إذا اشترى عبدا، فأصاب به عيبا، فإن المشتري يرجع على البايع، بأرش العيب،
~~وهو أن يقال: كم قيمته ولا عيب فيه، قالوا: مائة، قلنا: وكم قيمته وهذا
~~العيب فيه، قالوا: تسعون، قلنا: فالعيب عشر قيمته، فيجب على البايع أن يرد
~~عشر قيمته (2).
# وإنما قلنا يرجع بالحصة من الثمن، لا بما بين القيمتين، لأنه قد يشتري
~~بعشرة ما قيمته مائة، فإذا قومناه، كان النقص عشرة، فإذا رد البايع هذا
~~القدر، بقي المبيع بغير ثمن، وإذا كان الاعتبار بالحصة من الثمن، لم يعر
~~المبيع من الثمن بحال، وهذا مما يغلط فيه بعض الفقهاء، فيوجبون الأرش ما
~~بين القيمتين.
# وهكذا الحكم، إن أصاب به عيبا، بعد أن حدث به عيب عنده، فامتنع الرد
~~بالعيب، وكذا إذا وجد العيب فيه، بعد أن تصرف فيه، لا يختلف الحكم في ذلك،
~~فليلحظ ما حررناه ويتأمل.
# وليس للبايع على المشتري في ذلك خيار.
# ومتى كان البايع قد تبرأ إلى المبتاع، من جميع العيوب، لم يكن له الرجوع
~~عليه، بشئ من ذلك، وإن لم يفصل له العيوب في الحال، والأفضل أن يفصل العيوب
~~كلها، ويظهرها، في حال العيب (3)، ليقع العقد عليه، مع العلم بها أجمع،
~~وليس ذلك بواجب، بل يكفي التبري من العيوب على الجملة.
# وقال بعض أصحابنا: ms0725 بل ذلك واجب، ولا يكفي في إسقاط الرد التبري
# PageV02P296
# من العيوب على الجملة. والأول هو الأظهر من الأقوال.
# ولا يجوز لأحد أن يبيع شيئا معيبا، إلا بعد إظهار العيب، فإن فعل وباع
~~معيبا مع علمه بذلك، فعل محظورا، وكان المشتري بالخيار على ما فصلناه.
# ومتى اختلف البايع والمشتري في العيب، فذكر البايع أن هذا العيب حدث
~~عندك، ولم يكن في المتاع وقت بيعي إياه، وقال المشتري: بل بعتني معيبا، ولم
~~يحدث عندي فيه عيب، ولم يكن لأحدهما بينة على دعواه، كان على البايع اليمين
~~بالله، أنه باعه صحيحا، لا عيب فيه، فإن حلف برئ من العهدة، وإن لم يحلف
~~جعل ناكلا، وردت اليمين على خصمه، فإذا حلف كان عليه الدرك فيه (1).
# وقال شيخنا في نهايته: إذا اختلف البايع والمشتري في حدوث العيب، ولم يكن
~~لأحدهما بينة على دعواه، كان على البايع اليمين بالله، أنه باعه صحيحا لا
~~عيب فيه، فإن حلف برئ من العهدة (2) وإن لم يحلف، كان عليه الدرك فيه (3).
~~وهذا القول، بإطلاقه غير واضح، لأن بمجرد النكول عن اليمين، لا يستحق
~~المدعي ما ادعاه، إلا بعد يمينه.
# وإذا قال البايع: بعت على البراءة من العيوب، وأنكر المبتاع ذلك، فعلى
~~البايع البينة فيما ادعاه، فإن لم يكن معه بينة، حلف المبتاع، أنه لم يبرأ
~~إليه من العيوب، وباعه مطلقا، أو على الصحة، فإذا حلف، كان له الرد، أو
~~الأرش، مخير في ذلك، هذا بعد ثبوت العيب، وموافقة البايع عليه، بأنه كان
~~فيه قبل عقدة البيع، أو قيام البينة على العيب.
# ومتى اختلف أهل الخبرة في قيمته، عمل على أوسط القيم فيما ذكروه، وحكم
~~الحاكم بذلك، فإن كان المبيع جملة، وظهر العيب في البعض، كان للمبتاع أرش
~~العيب، في البعض الذي وجد فيه، وإن شاء رد جميع المتاع،
# PageV02P297
# واسترجع الثمن، وليس له رد المعيب، دون ما سواه.
# ومتى أحدث المشتري حدثا في المتاع، لم يكن له بعد ذلك رده، وكان له الأرش
~~بين قيمته صحيحا ومعيبا، وسواء كان إحداثه ما ms0726 أحدث فيه، مع علمه بالعيب، أو
~~مع عدم العلم، وليس علمه بالعيب، ووقوفه عليه بموجب لرضاه في ترك الأرش، بل
~~في سقوط الرد.
# إذا علم وتصرف، فإنه يسقط الرد، ولا يسقط الأرش.
# ومتى حدث فيه حادث وعيب، ينضاف إلى العيب الذي كان فيه، كان له أرش العيب
~~الذي كان فيه، وقت ابتياعه إياه، ولم يكن له أرش ما حدث عنده فيه على حال،
~~ولا رد المبيع بعد حدوث عيب عنده، إلا أن يكون المبيع حيوانا، فإنه يرده
~~بالعيب الحادث في الثلاثة الأيام، لأن له فيها الخيار، فإن أراد إمساكه،
~~فله أرش العيب المتقدم، الذي كان فيه وقت ابتياعه إياه، وليس له أرش ما حدث
~~فيه بعد عقدة البيع على حال.
# وإذا حدث بالمبيع عيب في يد البايع بعد عقده البيع، ولم يكن به عيب قبل
~~عقدة البيع، كان للمشتري الرد والإمساك، وليس له إجازة البيع مع الأرش، ولا
~~يجبر البايع على بذل الأرش، بغير خلاف.
# ومن ابتاع أمة، فظهر له فيها عيب، لم يكن علم به حال ابتياعه إياها، كان
~~له ردها، واسترجاع ثمنها، أو أرش العيب دون الرد، لا يجبر على واحد من
~~الأمرين، فإن وجد بها عيبا بعد أن وطأها، لم يكن له ردها، وكان له أرش
~~العيب خاصة، اللهم إلا أن يكون العيب من حبل، فله ردها على كل حال، وطأها
~~أو لم يطأها، ويرد معها إذا وطأها نصف عشر قيمتها، إن كانت ثيبا، وإن كانت
~~بكرا فعشر قيمتها بلا خلاف بيننا.
# ومتى وجد عيبا فيها بعد أن يعتقها، لم يكن له ردها، وكان له أرش العيب
~~فإن وجد العيب بعد تدبيرها، أو هبتها، كان مخيرا بين الرد وأرش العيب،
~~أيهما PageV02P298
# اختار كان له ذلك، لأن التدبير والهبة، له أن يرجع فيهما، وليس كذلك
~~العتق، لأنه لا يجوز له الرجوع فيه، على حال، هكذا ذكره شيخنا أبو جعفر في
~~نهايته (1).
# والذي تقتضيه أصول المذهب، أن المشتري إذا تصرف في المبيع، فإنه لا يجوز
~~له رده بعد ذلك، ms0727 وله الأرش، ولا خلاف أن التدبير والهبة تصرف، وقوله رحمه
~~الله: " لأن التدبير والهبة له أن يرجع فيهما " ليس كل تدبير ولا كل هبة له
~~الرجوع فيهما، بل التدبير على ضربين، تدبير عن نذر، فلا يجوز له الرجوع
~~فيه، على حال، وهبة لولده الأصغر، أو لولده الأكبر، بعد قبضه إياها، أو هبة
~~الأجنبي بعد القبض، والتصرف فيها، أو التعويض عنها، فلا يجوز الرجوع فيها
~~على حال، بغير خلاف، فإطلاق قوله رحمه الله ما يستقيم له.
# وأيضا فالراهن، لا يجوز له تدبير عبده المرهون، لأنه ممنوع من التصرف في
~~الرهن، وكان يلزم على ما اعتل به شيخنا أبو جعفر، من أن للمدبر أن يرجع في
~~التدبير، وللواهب أن يرجع في الهبة، وإن المشتري إذا باع الجارية، وجعل
~~لنفسه الخيار شهرا مثلا، أو أكثر من ذلك وقبضها المشتري، وتسلمها، وصارت
~~عنده، أن يردها البايع الثاني، على البايع الأول، لأن له أن يرجع في هذا
~~المبيع، على قود الاعتلال الذي اعتل به شيخنا، وهذا لا يقوله أحد منا بغير
~~خلاف، ولا يتجاسر عليه أحد من الأمة.
# وأيضا فلم يرد بذلك نص عن الأئمة عليهم السلام، لا متواترا ولا آحادا،
~~فبأي شئ يتمسك في ذلك، وكتابه تهذيب الأحكام، ما أودعه شيئا من ذلك، ولا
~~أورد فيه خبرا بذلك، وليس له أكبر منه في الأخبار، وإنما حكاه على ما وجده
~~في المقنعة (2) وترد الشاة المصراة، وهي التي جمع بايعها في ضرعها اللبن،
~~يومين وأكثر من ذلك، ولم يحلبها، ليدلسها به على المشتري، فيظن إذا رأى
# PageV02P299
# ضرعها، وحلب لبنها، أنه لبن يومها، لعادة لها، وكذلك حكم البقرة والناقة،
~~ولا تصرية عندنا في غير ذلك، فإذا أراد ردها، رد اللبن الذي احتلبه، إن كان
~~موجودا، وإن كان هالكا معدوما، رد مثله، لأن اللبن له مثل، ويضمن بالمثلية،
~~فإن إعوز المثل، رد قيمة ما احتلب من لبنها، بعد إسقاط ما أنفق عليها، إلى
~~أن عرف حالها.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: عوض اللبن الذي يحلبه من ms0728 المصراة،
~~إذا أراد ردها، صاع من تمر، أو صاع من بر، وإن أتى على قيمة الشاة، واستدل
~~على ذلك بإجماع الفرقة، وأخبارهم (1).
# قال محمد بن إدريس: والأول هو الصحيح، وإليه يذهب رحمه الله في نهايته
~~(2)، وهو أيضا قول شيخنا المفيد في مقنعته (3) وأصول المذهب دالة عليه،
~~فأما ما ذكره شيخنا في مسائل خلافه، من دليله فعجيب، من أجمع من أصحابنا
~~على ذلك؟ وأي إجماع للفرقة على ما قاله؟ ولا لها خبر ورد بذلك، وما وجدت
~~لأصحابنا تصنيفا فيه، ما ذهب إليه ولا قال من أصحابنا غيره رحمهم الله هذا
~~القول، وإنما هذا قول المخالفين، نصره اختاره، في كتابه مسائل خلافه.
# وترد العبيد والإماء، من أحداث السنة، مثل الجذام، والجنون، والبرص، ما
~~بين وقت الشراء وبين السنة، فإن ظهر بعد مضي السنة شئ من ذلك لم يكن له
~~الرد على حال، هذا الحكم ما لم يتصرف فيه، فإن تصرف في الرقيق في مدة
~~السنة، سقط الرد، وحكم له بالأرش، ما بين قيمته صحيحا ومعيبا.
# وإلى هذا القول يذهب شيخنا المفيد، محمد بن محمد بن النعمان، في مقنعته،
~~فإنه قال: ويرد العبد والأمة من الجنون، والجذام، والبرص، ما بين ابتياعهما
~~وسنة واحدة، ولا يردان بعد سنة، وذلك أن أصل هذه الأمراض،
# PageV02P300
# يتقدم ظهورها سنة، ولا يتقدمها بأكثر من ذلك، فإن وطأ المبتاع الأمة في
~~مدة هذه السنة، لم يجز له ردها، وكان له ما بين قيمتها، صحيحة وسقيمة، هذا
~~آخر كلام شيخنا رحمه الله في مقنعته (1).
# فإن قيل: المذهب مستقر، في أن الخيارين للمشتري في الحيوان بمجرد العقد،
~~خيار المجلس، وخيار الثلاث، فما يقال في رجل اشترى مملوكا؟ فهل له رده على
~~بايعه، قبل أن يحدث فيه حدثا، في مدة الثلاثة الأيام؟ وكذلك له أن يرده بكل
~~عيب يظهر فيه، في مدة الثلاث؟ وهل له رده، بعيب يظهر بعد الثلاث، من قبل أن
~~يحدث فيه حدثا، أو يتصرف فيه؟ وهل إن تصرف فيه، ووجد به عيبا بعد تصرفه، له
~~أن يرده أم ms0729 لا؟
# قلنا: جميع ما يظهر بالرقيق، من العيوب بعد الثلاث، وقبل التصرف، لا يرد
~~منه إلا ثلاثة عيوب، البرص، والجذام، والجنون، فإنه يرد عند أصحابنا، من
~~هذه الثلاثة عيوب، إذا وجدت فيه، ما لم يمض سنة من وقت الشراء، فأما إن
~~تصرف فيه، فلا يجوز له الرد، ولم يبق فرق بين الثلاثة العيوب وغيرها من
~~العيوب بعد التصرف، بل له الأرش ما بين قيمته صحيحا ومعيبا، ويسقط الرد.
# فإن قيل: فما بقي فرق بين الثلاثة عيوب وغيرها، وأصحابنا كلهم يفرقون بين
~~ذلك، ويردون من العيوب الثلاثة، ما بين الشراء وسنة.
# قلنا: الفرق بين العيوب الثلاثة وغيرها ظاهر، وهو أن ما يظهر من العيوب
~~بعد الثلاثة الأيام، وقبل التصرف لا يرد به الرقيق، لأنه ظهر بعد تقضي
~~الثلاثة الأيام، التي له الخيار فيها، ولم يدل دليل على أنها كانت فيه وقت
~~ابتياعه إياه، ولا في مدة الخيار التي هي الثلاثة الأيام، فأما العيوب
~~الثلاثة، فإنها متى ظهرت بعد الثلاثة الأيام، إلى مدة السنة من وقت البيع،
~~وقبل التصرف في
# PageV02P301
# الرقيق، فإنها ترد بها، لأن الدليل، وهو الإجماع، قد دل على ذلك، فقلنا
~~به كما أن كل عيب يحدث بعد الشراء في مدة الثلاثة الأيام، يرد به الرقيق،
~~إذا لم يكن تصرف فيه مشتريه، في الثلاثة الأيام.
# وما بنا حاجة إلى ما قاله شيخنا في مقنعته " من أن أصول هذه الأمراض،
~~يتقدم ظهورها سنة، ولا يتقدمها بأكثر من ذلك " لأن هذا يؤدي إلى بطلان
~~البيع، لأن البايع باع ما لا يملك، لأن الرقيق ينعتق بالجذام، من غير
~~اختيار مالكه، وإنما الشارع حكم بأن الرقيق يرد من هذه الثلاثة عيوب، ما لم
~~يتصرف فيه ما بين شرائه وبين سنة، كما أنه حكم بأنه يرد بكل عيب حدث في هذه
~~الثلاثة الأيام، من وقت ابتياعه، ما لم يتصرف فيه، وإن لم يكن وقت ابتياعه
~~فيه، فبان الفرق بين الثلاثة عيوب، وبين غيرها من العيوب، من الوجه الذي
~~قدمناه وشرحناه.
# ولئن خطر بالبال، وقيل: الفرق ms0730 بينها وبين غيرها من العيوب، هو أن غيرها
~~بعد التصرف، ليس للمشتري الرد، والعيوب الثلاثة له الرد بعد التصرف،
~~فافترقت العيوب من هذا الوجه لا من الوجه، الذي ذكرتموه.
# قلنا له: هذا خلاف إجماع أصحابنا، ومناف لأصول المذهب، لأن الإجماع حاصل،
~~على أن بعد التصرف في المبيع، يسقط الرد، بغير خلاف بينهم، والأصول مبنية،
~~مستقرة على هذا الحكم.
# فإن قيل: فما بقي لاستثناءهم العيوب الثلاثة، وأنها ترد بها الرقيق، ما
~~بين الشراء وبين سنة معنى، ولا فائدة.
# قلنا: الفائدة والمعنى، هو الوجه الذي قدمناه، ليسلم هذا الإجماع،
~~والأصول الممهدة المقررة، لأن الكلام والأخبار، في الرد إلى سنة من الثلاثة
~~العيوب مطلق، لم يذكر فيه تصرف أو لم يتصرف، والشارع إذا خاطبنا بخطاب
~~مطلق، يجب علينا أن نحمله على إطلاقه وعمومه، إلا أن يكون له تخصيص وتقييد،
~~لغوي PageV02P302
# أو عرفي، أو شرعي فيرجع في إطلاقه إليه، لأن المطلق يحمل على المقيد، إذا
~~كان الجنس واحدا، والعين واحدة، والحكم واحدا كما قال تعالى: " حرمت عليكم
~~الميتة والدم ولحم الخنزير " (1) فإذا سئلنا عن دم السمك، هل هو نجس أم لا؟
~~فجوابنا بأجمعنا أنه طاهر، فإن استدل علينا بالآية المتقدمة، التي أطلق
~~الدم فيها، ودم السمك دم بغير خلاف، قلنا: فقد قال تعالى في آية أخرى: " أو
~~دما مسفوحا " (2) فقيده بالسفح، ودم السمك غير مسفوح، فيجب أن يحمل المطلق
~~على المقيد، لأنه حكم واحد، وعين واحدة، وجنس واحد، فإن قيل: هذا قياس،
~~والقياس عندكم باطل، قلنا: معاذ الله أن يكون ذلك قياسا، بل أدلة مقررة في
~~أصول الفقه، ممهدة عند من أحكم أصول هذا الشأن، وكذلك قد يخص العام
~~بالأدلة، ويحكم بالخاص على العام، وأمثلة ذلك كثيرة مذكورة في مظانها.
# وإذا أبق " بفتح الباء " المملوك عند المشتري، وكان الإباق حادثا، ثم
~~وجده، لم يكن له رده على بايعه، إلا أن يعلم أنه كان قد أبق أيضا عنده، فإن
~~علم ذلك، كان له رده، واسترجاع الثمن، أو إمساكه، وأرش العيب.
# وما يحدث من العيوب في ms0731 شئ من الحيوان، ما بين حال البيع وبين الثلاثة
~~الأيام، كان للمبتاع رده، ما لم يحدث فيه حدثا، فإن أراد إمساكه، لم يكن له
~~أرش العيوب الحادثة في مدة الثلاثة الأيام، على ما قدمنا القول فيه،
~~وحررناه، وإذا حدث بعد انقضاء الثلاثة الأيام، لم يكن له رده، على حال، إلا
~~ما استثنيناه من أحداث السنة، ومتى أحدث المشتري في مدة الثلاثة الأيام،
~~فيه حدثا، ثم وجد فيه عيبا، قبل عقدة البيع، لم يكن له رده.
# ومن اشترى جارية، على أنها بكر، فوجدها ثيبا، قال شيخنا أبو جعفر، في
# PageV02P303
# نهايته: لم يكن له ردها، ولا الرجوع على البايع بشئ من الأرش، لأن ذلك قد
~~يذهب من العلة والنزوة (1)، ورجع في استبصاره (2)، قال: يرجع عليه بالأرش،
~~ما بين قيمتها بكرا وثيبا، وهذا هو الصحيح الذي يقتضيه أصول المذهب، والذي
~~أورده في نهايته، خبر واحد، رواية زرعة، عن سماعة، وهما فطحيان.
# هذا على قول من يقول من أصحابنا، أن ذلك ليس بعيب يوجب الرد، وعلى قول
~~الآخرين يجب بذلك الرد، واسترجاع الثمن، أو الإمساك، وأخذ الأرش، على ما
~~قدمناه.
# والذي يقوى عندي، أن ذلك، تدليس يجب به الرد، إن اختار المشتري، لأن
~~الإجماع حاصل منعقد، على أن التدليس يجب به الرد، ولا إجماع على أن من
~~اشترى جارية، على أنها بكر، فخرجت ثيبا، لا يردها، وإنما أورد ذلك شيخنا في
~~نهايته، واختاره في باقي كتبه، ولم يورد فيه غير خبرين، أحدهما عن زرعة، عن
~~سماعة، قد قلنا: ما فيهما، والآخر، عن يونس بن عبد الرحمن، وهذا الرجل عند
~~المحققين لمعرفة الرواة والرجال، غير موثوق بروايته، لأن الرضا عليه السلام
~~كثيرا يذمه، وقد وردت أخبار عدة بذلك، وبعد هذا، فلو كان ثقة عدلا، لا يجب
~~العمل بروايته، لأنه واحد، وأخبار الآحاد، لا يجوز العمل بها، لأنها لا
~~توجب علما ولا عملا، وشيخنا المفيد في مقنعته ما تعرض لذلك ولا عمل به، ولا
~~أفتى بما ذكره شيخنا في نهايته، وكان المفيد رحمه الله عالما بالأخبار، ms0732
~~وبصحتها، وبالرجال وثقتها.
# وقد روي أن من اشترى جارية لا تحيض في مدة ستة أشهر (3)، ومثلها تحيض،
~~كان له ردها، لأن ذلك عيب، هذا إذا لم يتصرف فيها، أورد ذلك
# PageV02P304
# شيخنا في نهايته (1)، من طريق خبر الواحد، إيرادا لا اعتقادا.
# ومن اشترى زيتا أو بزرا ووجد فيه درديا، فإن كان يعلم أن ذلك يكون فيه،
~~لم يكن له رده، لأنه قد علم بالعيب قبل الشراء، وإن كان غير عالم، كان له
~~رده.
# وقال شيخنا في نهايته: ومن اشترى شيئا، ولم يقبضه، ثم حدث فيه عيب، كان
~~له رده، وإن أراد أخذه وأخذ الأرش، كان له ذلك (2).
# إلا أنه رجع عن ذلك في مسائل خلافه، فإن قال: كل عيب يحدث بعد عقدة
~~البيع، لا يجبر البايع على بذل الأرش، وإنما يستحق الأرش بالعيب الذي يكون
~~بالمبيع قبل عقدة البيع، لأنه باعه معيبا، فأما ما يحدث بعد البيع، فلا
~~يستحق به أرش، لأنه ما باعه معيبا، بل له الرد فحسب، أو الرضا بالإمساك
~~بغير أرش، إذا لم يتصرف فيه، أو لم يقبضه (3).
# وإلى هذا القول، يذهب شيخنا المفيد، في مقنعته (4)، وهو الصحيح من
~~الأقوال، وبه أفتي، وعليه أعمل، وقد حررنا ذلك فيما تقدم، وشرحناه.
# ومتى هلك المبيع كله قبل القبض، أو التمكن من القبض، بأن لا يمكن البايع
~~المشتري منه كان من مال البايع، دون مال المبتاع.
# وإذا اختلف البايع والمشتري في شرط، يلحق بالعقد، يختلف لأجله الثمن، مثل
~~أن قال: بعتك نقدا، فقال المشتري: بل إلى سنة، أو قال: إلى سنة، فقال
~~المشتري: إلى سنتين، وهكذا، الخيار، إذا اختلفا في أصله، أو قدره، فالقول
~~قول البايع مع يمينه، وإذا اختلفا في شرط يفسد البيع فقال البايع: بعتك إلى
~~أجل معلوم، وقال المشتري: إلى أجل مجهول، أو قال: بعتك بدراهم أو دنانير،
~~فقال: بل بخمر أو خنزير، أو قال: بعتك معلوما، فقال المشتري: بل
# PageV02P305
# بعتني الشئ مجهولا، كان القول قول من يدعي الصحة، وعلى من ادعى الفساد،
~~البينة، لأن الأصل في العقد ms0733 الصحة، فقد اتفقا على العقد، فمن ادعى الفساد،
~~فعليه الدلالة.
# قال شيخنا في مسائل خلافه: إذا باع شيئا بثمن في الذمة، أو كان البيع
~~عينا بعين، فقال البايع: لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن، وقال المشتري: لا
~~أسلم الثمن حتى أقبض المبيع، فعلى الحاكم أن يجبر البايع على تسليم المبيع
~~أو لا، ثم يجبر المشتري على تسليم الثمن، بعد ذلك بعد أن يحضر المبيع
~~والثمن، ثم قال:
# دليلنا على ما قلنا، أن الثمن إنما يستحق على المبيع، فيجب أولا تسليم
~~المبيع، ليستحق الثمن، فإذا سلم المبيع، استحق الثمن، فوجب حينئذ إجباره
~~على تسليمه، فلا بد إذن مما قلناه، هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر رحمه الله
~~(1).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: لو عكس عاكس على شيخنا استدلاله، في
~~قوله: " إن الثمن إنما يستحق على المبيع " فيقول له: وكذلك أن المبيع إنما
~~يستحق على الثمن، وفي مقابلته، لأنهما عوضان، كل منهما يستحق في مقابلة
~~صاحبه فلا فرق بينهما، فلأي شئ يجبر أحدهما على تسليم ما يستحق عليه في
~~مقابلة ما يستحقه، قبل صاحبه، فإذا لم يكن على ذلك دليل، من إجماع أصحابنا،
~~ولا وردت له بذلك أخبار، لا آحادا ولا متواترا، فيرجع في ذلك إلى الدليل،
~~وهو أن يجبر الحاكم كل واحد منهما على تسليم ما قبله في مقابلة ما يستحقه
~~معا، ولا يجبر أولا أحدهما قبل صاحبه، أو يستعمل في ذلك القرعة، لأنه داخل
~~في قولهم عليهم السلام: القرعة في كل أمر مشكل (2) والأول أقوى.
# باب السلف وهو السلم بفتح السين واللام، في جميع المبيعات، السلم بيع
~~موصوف في
# PageV02P306
# الذمة، إلى أجل محروس من الزيادة والنقصان، إما بالشهور والأيام، أو
~~السنين والأعوام.
# ومن شرط صحته، قبض الأثمان، قبل التفرق من المجلس، بخلاف بيع الأعيان،
~~فالسلف على هذا جائز، في جميع المبيعات التي تضبط بالصفات، إذا جمع شروطا،
~~أحدها تمييز الجنس من غيره من الأجناس، وتحديده بالوصف، وضبطه بالصفة، التي
~~يمتاز بها من جنسه، وتبينه من غيره، وذكر الأجل ms0734 المحروس على ما قدمناه،
~~وقبض الثمن قبل التفرق من المجلس، وتقدير المبيع إن كان مكيلا أو موزونا
~~بمكيال، وصنجة، بالصاد معلومين عند العامة، فإن قدراه بمكتل أو صخرة، لم
~~يجز، لأن ذلك مجهول في حال العقد، فإن عينا مكيال رجل بعينه، وهو مكيال
~~معروف، أو عينا صنجة رجل بعينه، وهي صنجة معروفة، جاز السلم فيه، ولا يتعين
~~ذلك المكيال، ولا تلك الصنجة، لكن يتعلق بجنس مثل ذلك المكيال، أو مثل تلك
~~الصنجة، لأن الغرض في قدره، لا عينه، فإذا جمع الشروط المقدم ذكرها جميعا،
~~صح البيع.
# وكل شئ لا يتحدد بالوصف، ولا يمكن ذلك فيه لا يصح السلف فيه.
# ولا يجوز أن يكون ذكر الأجل بما لا يتعين، مثل قدوم الحاج، ودخول
~~القوافل، وإدراك الغلات، وهبوب الرياح، وما يجري مجرى ذلك.
# وإذا أسلف الإنسان في شئ من الثياب، ينبغي أن يعين جنسها، ويذكر صفتها،
~~من طولها، وعرضها، وغلظها، ودقتها، ولونها، فإن أخل بشئ من ذلك، كان العقد
~~باطلا. ولا يجوز أن يذكر في الثوب نساجة إنسان بعينه، أو غزل امرأة بعينها،
~~فإن اشتراه كذلك، كان البيع باطلا.
# وإذا أسلف في طعام، أو شئ من الغلات، فليذكر جنسه، ويعين صفته، على ما
~~قدمناه، فإن لم يذكر ذلك، لم يصح البيع، وكان باطلا، ولا يذكر أن تكون
~~الغلة من أرض بعينها، أو من قرية مخصوصة، فإن اشتراه كذلك، لم يصح الشراء،
~~وكان باطلا، ولم يكن المبيع مضمونا، لأنه إذا اشترى الحنطة مثلا من
~~PageV02P307
# أرض بعينها، ولم تخرج الأرض الحنطة، لم يلزم البايع أكثر من رد الثمن،
~~ومتى اشتراه ولم ينسبه إلى أرض بعينها، كان لازما في ذمته إلى أن يخرج منه.
# ولا بأس أن يسلف الإنسان في شئ، وإن لم يكن للمستسلف شئ من ذلك، غير أنه
~~إذا حضر الوقت، اشتراه، ووفاه، إياه، بخلاف بيوع الأعيان، لأن السلف في
~~الذمة، فيجوز بيعه، وإن لم يكن مالكا له، وأما بيوع الأعيان، فلا يجوز
~~بيعها إلا بعد ملكها، لأنها إذا هلكت قبل التسليم بطل ms0735 العقد، لأن العقد وقع
~~على عين، فانتقاله إلى عين أخرى يحتاج إلى دليل، وأما بيوع الذمم فما وقع،
~~على عين، بل على ما في ذمة البايع، فافترق الأمران.
# وقد قلنا: لا يجوز السلف فيما لا يتحدد بالوصف، مثل الخبز واللحم، وروايا
~~الماء، فأما السلف في الماء نفسه أرطالا، إذا ضبطه بالوصف، فلا بأس به،
~~وإنما منع أصحابنا من السلف في الخبز واللحم وروايا الماء، لاختلافها في
~~الكبر والصغر، فإنها لا تضبط بالتحديد، فإن حددها برواية معلومة، لا يصح
~~ذلك، لأن السلف في الذمة، وربما هلكت تلك الرواية، فيبطل السلف، كما قلنا
~~في المكيل والموزون، لا يجوز أن يقدرا بمكتل، والمكتل بالتاء المنقطة من
~~فوقها بنقطتين، الزنبيل، ولا صخرة بل بالمكائيل العامة، والصنج المعروفة
~~عند العامة، وليس كذلك روايا الماء، ولأن الخبز واللحم، لا يمكن تحديده
~~بوصف لا يختلط به سواه.
# ولا بأس بالسلم في الحيوان كله، إذا ذكر الجنس والأوصاف، والأسنان من
~~الإبل، والبقر، والغنم، والخيل، والبغال، والحمير، والرقيق، وغير ذلك من
~~أجناس الحيوان.
# قال شيخنا في مبسوطه: وإذا أسلم في اللبن، ووصفه بأوصاف السمن، ويزيد فيه
~~ذكر المراعي (1)، فيقول: لبن عواد، أو أوارك، أو حمضية، وذلك اسم للكلاء،
~~فالحمضية الإبل التي ترعى النبات، الذي فيه الملوحة، والعوادي، فهي الإبل
~~التي ترعى ما حلا من النبات، وهو الخلة فيقول العرب: الخلة خبز الإبل،
# PageV02P308
# والحمض تسمى فاكهتها، فإذا كانت الإبل ترعى الخلة، سميت عوادي، وإذا كانت
~~ترعى في الحمض، سميت أوارك، وتسمى حمضية، إلى هاهنا كلام شيخنا (1).
# قال محمد بن إدريس، مصنف هذا الكتاب: قال الجوهري في كتاب الصحاح: الأراك
~~شجر من الحمض الواحدة أراكة. وأركت الإبل، تأرك أروكا: إذا رعت الأراك،
~~وقال أركت أيضا، إذا أقامت في الأراك، وهو الحمض، فهي آركة، قال كثير:
# فإن الذي ينوي من المال أهلها أوارك لما تأتلف وعوادي يقول: إن أهل عزة
~~ينوون أن لا يجتمع هو وهي، ويكونان كالأوارك من الإبل والعوادي، في ترك
~~الاجتماع في مكان، هذا آخر قول الجوهري (2).
# فمعنى قول ms0736 شيخنا أوارك، جمع آركة، وهي التي ترعى الحمض، وهو الأراك
~~المقيمة فيه، فاشتقاقها من ذلك، والعوادي: الإبل التي تأكل الخلة، بضم
~~الخاء، وهو ما حلا من النبت، وأحدهما عادية، وجمعها عوادي، والشاهد على ذلك
~~بيت كثير، المقدم ذكره، يقول: لا تأتلف الإبل الأوارك والعوادي، لاختلافها
~~في المرعى.
# فإذا أسلم الإنسان في شئ مما ذكرناه، ثم حل الأجل، ولم يكن عند البايع ما
~~يوفيه إياه، جاز له أن يأخذ منه رأس المال، من غير زيادة عليه، فإن أعطاه
~~البايع مالا، وجعل إليه أن يشتري له ما كان باعه إياه، ووكله في ذلك، ثم
~~بعد ذلك وكله في قبضه، وأمره بقبضه لنفسه، لم يكن به بأس، والأفضل أن يتولى
~~ذلك غيره.
# وإن حضر الأجل، وقال البايع: خذ مني قيمته الآن، جاز له أن يأخذ منه في
~~الحال، ما لم يزد ثمنه على ما كان أعطاه إياه، فإن زاد على ذلك، لم يجز
~~بيعه إياه، هذا إذا باعه بمثل ما كان اشتراه من النقد، فإن اختلف النقدان،
~~بأن
# PageV02P309
# يكون قد اشتراه بالدراهم والدنانير، وباعه إياه في الحال بشئ من العروض،
~~والمتاع، أو الغلات، أو الرقيق، والحيوان، لم يكن بذلك بأس، وإن كان لو قوم
~~ما يعطيه في الحال، زاد على ما كان أعطاه إياه، هكذا ذكره شيخنا أبو جعفر
~~في نهايته (1).
# وقال غيره من أصحابنا: يجوز أن يبيعه من الذي هو عليه، إذا حضر الأجل
~~وحل، بمثل ما باعه إياه (2)، وأكثر منه، وأقل، إذا عين الثمن وقبضه قبل (3)
~~التفرق من المجلس، لئلا يصير بيع دين بدين، سواء كان من حنس الثمن الأول،
~~أو من غير جنسه.
# وهذا هو الصحيح من الأقوال، والذي تقتضيه أصول المذهب، لأنه باع حنطة
~~مثلا، أو شعيرا أو ثيابا، أو حيوانا بدراهم، أو دنانير، ولم يبع دنانير
~~بدنانير، بأزيد منها وأكثر، لأنه بلا خلاف بيننا، ما يستحق في ذمة المسلم
~~إليه، إلا المسلم فيه، دون الدنانير التي هي الأثمان، فما يبيعه إلا المسلم
~~فيه، دون الثمن الأول، لأن الثمن ms0737 الأول ما يستحقه، بل الذي يستحقه هو
~~السلعة المسلم فيها، بغير خلاف، فإذا كان كذلك فله أن يبيعها بما شاء من
~~الأثمان، ويلزم من ذهب إلى القول الأول من أصحابنا، أنه ما يستحق عليه إلا
~~الثمن، دون المثمن، فيعقد معه، ويبيعه ذهبا بذهب، ولا خلاف أنه لا يستحق
~~عليه ذهبا.
# وأيضا فإنه يهرب من الربا، والربا يكون في الجنس الواحد، بعضه ببعض،
~~وزيادة وهذا بيع جنس بغيره، وهذا ليس هو ربا.
# وأيضا فإن الله تعالى قال: " وأحل الله البيع وحرم الربوا " وهذا بيع بلا
~~خلاف، فمن أبطله، يحتاج إلى دليل. وما اخترناه مذهب شيخنا المفيد في مقنعته
~~(4) وأيضا فلا يرجع في فساد هذا البيع إلى أخبار آحاد، لا توجب علما ولا
# PageV02P310
# عملا، مع أنه قد ورد أخبار بصحة البيع، معارضة لتلك الأخبار.
# وكلام شيخنا في مقنعته، هو أن قال: ومن ابتاع من إنسان متاعا غير حاضر
~~إلى أجل، ثم باعه منه، قبل حلول الأجل بزيادة، أو نقصان، كان بيعه باطلا،
~~فإن جاء الأجل، لم يكن بأس ببيعه إياه، بأقل مما ابتاعه منه، أو أكثر، سواء
~~حضر المتاع، أو لم يحضر، هذا آخر كلام شيخنا المفيد رحمه الله (1).
# وقال أيضا في جواب المسائل التي سأله عنها محمد بن محمد بن الرملي
~~الحائري، وهي مشهورة معروفة عند الأصحاب، سؤال وعن رجل أسلف رجلا مالا على
~~غلة، فلم يقدر عليها المستلف، فرجع إلى رأس المال، وقد تغير عيار المال إلى
~~النقصان، هل له أن يأخذ من العيار الوافي، أو العيار الذي قد حضره، وهو دون
~~الأول؟ جواب لصاحب السلف أن يأخذ من المستلف غلة، كما أسلفه على ذلك،
~~ويكلفه ابتياع ذلك له، فإن لم يوجد غلة، كان له بقيمة الغلة في الوقت، عين
~~أو ورق، هذا آخر كلام شيخنا المفيد رحمه الله (2) وهو الصحيح.
# وكذلك من باع طعاما، قفيزا بعشرة دراهم، مؤجلا، فلما حل الأجل، أخذ بها
~~طعاما، سواء زاد على طعامه الذي باعه إياه، أو نقص، لأن ذلك بيع طعام
~~بدراهم لا ms0738 بيع طعام بطعام، فلا يحتاج إلى اعتبار المثلية.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: مسألة إذا باع طعاما، قفيزا بعشرة
~~دراهم مؤجلة، فلما حل الأجل أخذ بها طعاما، جاز ذلك، إذا أخذ مثله، فإن زاد
~~عليه لم يجز، وقال الشافعي: يجوز على القول المشهور، ولم يفصل، وبه قال بعض
~~أصحابنا، وقال مالك: لا يجوز، ولم يفصل، دليلنا إجماع الفرقة، وأخبارهم
~~ولأن ذلك يؤدي إلى بيع طعام بطعام، فالتفاضل فيه لا يجوز، والقول الآخر
~~الذي لأصحابنا قوي، وذلك أنه بيع طعام بدراهم، في القفيزين معا، لا
# PageV02P311
# بيع طعام بطعام، فلا يحتاج إلى اعتبار المثلية، هذا آخر كلام شيخنا أبي
~~جعفر (1).
# فانظر أرشدك الله، إلى استدلال شيخنا، فإنه قال: وأقر، أن بعض أصحابنا
~~يذهب في المسألة إلى خلاف ما اختاره رحمه الله ثم استدل بإجماع الفرقة، إلا
~~أنه عاد في آخر الاستدلال إلى الحق، ورجع عما صدره، ونقض ما بناه أولا، ولم
~~ينقض ما استدل به آخرا.
# وذكر شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في كتابه الإستبصار (2)، في الجزء
~~الثالث، في كتاب البيوع، باب العينة، وأورد أخبارا فيها ذكر العينة.
# قال محمد بن إدريس: " العينة بالعين غير المعجمة، المكسورة، والياء
~~المنقطة من تحتها بنقطتين، المسكنة، والنون المفتوحة، والها، وهي السلف عند
~~أهل اللغة، ذكر ذلك الجوهري في الصحاح، وابن فارس في المجمل، فأحببت
~~إيضاحها، لئلا يجري فيها تصحيف.
# ولا يجوز السلم في جلود الغنم، لأنها لا يمكن ضبطها بالوصف.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ولا بأس بالسلم في مسوك الغنم " وأراد
~~بمسوك الغنم، جلود الغنم، لأن المسك، بفتح الميم، وسكون السين، الجلد "،
~~إذا عين الغنم، وشوهد الجلود، ولم يجز ذلك مجهولا (3).
# قال محمد بن إدريس: هذا غير واضح، ولا مستقيم، من وجوه، أحدها إنه لا
~~يمكن ضبطها بالوصف، لاختلاف ذلك وتباينه، والثاني قوله إذا شوهد الجلود،
~~وعين الغنم، لأن السلم يكون في ذمة البايع، بحيث يكون مضمونا عليه، ولا
~~يجوز أن يكون معينا في سلعة بعينها، أو ينسب إلى شجرة ms0739 بعينها، أو غزل امرأة
~~معينة، أو الحنطة من أرض معينة، وإذا عين الغنم، وشوهد الجلود، بطل السلف
~~بغير خلاف، لأن الغنم إذا هلكت بطل السلم، ولهذا لا يجوز السلم في الدور،
# PageV02P312
# لأن ذلك البيع لا بد له من الوصف، الذي يتميز به من غيره، فإذا عين
~~الموضع، ووصفها، بطل السلف فيها، لأنها تصير بيع الأعيان، والسلم بيع
~~الذمم.
# وقد رجع شيخنا عما ذكره في نهايته، في مبسوطه، فقال: ويجوز السلف في جلود
~~الغنم إذا شاهدها، وروي أنه لا يجوز، وهو الأحوط، لأنه مختلف الخلقة
~~واللون، ولا يمكن ضبطه بالصفة، لاختلاف خلقته، ولا يمكن ذرعه، ولا يجوز
~~وزنه، لأنه يكون ثقيلا، وثمنه أقل من ثمن الخفيف، قال رحمه الله: وعلى هذا
~~لا يجوز السلف في الرق (قال محمد بن إدريس: الرق - بفتح الراء - جلود تعمل،
~~يكتب فيها) ولا فيما يتخذ من الجلود، من قلع ونعال مقدودة محذوة، وخفاف
~~وغير ذلك، لاختلاف خلقة الجلد، ولا يمكن ضبطه بالصفة، ويجوز السلف في
~~القرطاس، إذا ضبط بالصفة، كما تضبط الثياب هذا آخر كلامه رحمه الله في
~~مبسوطه (1).
# وقال شيخنا أبو جعفر أيضا، في مبسوطه: العلس، صنف من الحنطة، يكون فيه
~~حبتان، في كمام، فيترك كذلك، لأنه أبقى له، حتى يراد استعماله، فيلقى في
~~رحى ضعيفة، فيلقى عنه كمامه، ويصير حبا، (قال محمد بن إدريس:
# العلس بالعين غير المعجمة المفتوحة، واللام المفتوحة، والسين غير
~~المعجمة) ثم قال رحمه الله: القول فيه كالقول في الحنطة في كمامها، لا يجوز
~~السلف فيه، إلا ملقى عنه كمامه، لاختلاف الأكمام، وكذلك القول في القطنية،
~~لا يجوز أن يسلف في شئ منها، إلا بعد طرح كما مها عنها، حتى يرى، ولا يجوز
~~حتى تسمى حمصا، أو عدسا، أو جلبانا أو ماشا، وكل صنف منها على حدته، وهكذا
~~كل صنف من الحبوب يوصف، كما توصف الحنطة، يطرح كما مها، دون قشوره، لأنه لا
~~يجوز أن يباع بكمامه (2).
# قال محمد بن إدريس: القطنية بكسر القاف، وسكون الطاء غير المعجمة،
# PageV02P313
# وكسر النون، وسميت ms0740 قطنية، لأنها تقطن في البيوت، وهي العدس، والحمص
~~وأمثال ذلك، فأما الجلبان بالجيم المضمومة، واللام المسكنة، والباء المنقطة
~~من تحتها نقطة واحدة، والألف والنون، فهو شئ يشبه الماش هكذا ذكره الجوهري
~~في كتاب الصحاح، فأما الجلجلان، فهو السمسم بغير خلاف بين أهل اللغة، وقال
~~بعضهم: إنه الكزبرة.
# ولا بأس بالسلف في الفواكه، كلها، إذا ذكر جنسها، ولم ينسب إلى شجرة
~~بعينها.
# ولا بأس بالسلف في الشيرج، والبذر، إذا لم يذكر أن يكون من سمسم بعينه،
~~أو حب كتان بعينه، فإن ذكر ذلك كان البيع باطلا.
# ولا بأس بالسلف في الألبان والسمون، إذا ذكر أجناسها.
# ومتى أعطى الإنسان غيره قرضا دراهم أو دنانير، أو كان له عليه دين من ثمن
~~مبيع، أو أرش جناية، أو مهر، أو أجرة، وغير ذلك، وأخذ منه شيئا من المتاع،
~~ولم يساعره في حال ما أعطاه المال، كان عليه المتاع بسعر يوم قبضه، دون يوم
~~قبض المال.
# ولا يجوز أن يبيع الإنسان ماله على غيره، في أجل لم يكن قد حضر وقته،
~~وإنما يجوز له بيعه إذا حل الأجل، فإذا حضر، جاز له أن يبيع على الذي عليه،
~~بزيادة من الثمن، الذي اشتراه به، أو نقصان وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته
~~(1):
# أو على غيره من الناس، وإن باع على غيره، وأحال عليه المتاع، كان ذلك
~~جائزا، وأن لم يقبض هو المتاع، ويكون قبض المبتاع الثاني قبضا عنه، وذلك
~~فيما لا يكال ولا يوزن، ويكره ذلك فيما يدخله الكيل والوزن، فإن وكل
~~المبتاع منه بقبضه ويكون هو ضامنا لم يكن به بأس على كل حال (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: قد حررنا القول في بيع الدين، وقلنا إنه لا
# PageV02P314
# يجوز الأعلى من هو عليه، وشرحناه وأوضحناه في باب الديون، بما لا طائل في
~~إعادته.
# ولا بأس أن يبتاع الإنسان ما اكتاله غيره من الناس، ويصدقه في قوله، لأن
~~الأخبار من البايع بالوزن أو الكيل، يقوم مقام الوزن والكيل، في ارتفاع
~~الجهالة بالمكيل والموزون، ويكون القول ms0741 في ذلك قول المشتري، لأنه جعله
~~أمينه في كيله ووزنه، فأما إذا كاله بحضوره، ووزنه بحضوره، ثم انفصلا، ثم
~~ادعى بعد ذلك المشتري نقصانا، فالقول قول البايع مع يمينه، بخلاف الأول،
~~وقد روي أنه إذا أخذه بقول البايع ثم أراد بيعه، لم يبعه إلا بالكيل (1).
# ولو قلنا إنه إذا أخبره بما أخبر به البايع الأول، لم يكن به بأس، وجاز
~~البيع، ويكون القول قول المشتري في ذلك، مثل المسألة الأولى، لأن الغرر
~~والجهالة، قد زالت بإخباره عن خبر البايع بكيله أو وزنه.
# وكل ما بكال أو يوزن، فلا يجوز بيعه جزافا، وكذلك حكم ما يباع عددا فلا
~~يجوز بيعه جزافا.
# وإذا اشترى الإنسان شيئا بالكيل أو الوزن، وغيره، فزاد، أو نقص منه شئ
~~يسير، لا يكون مثله غلطا، ولا تعديا، لم يكن به بأس، فإن زاد ذلك أو نقص
~~شيئا كثيرا، ولا يكون مثله إلا غلطا أو تعمدا أو تعديا، وجب عليه رده على
~~صاحبه ما زاد، وكان فيما نقص بالخيار في محاكمة خصمه، إن شاء طالبه به، وإن
~~شاء ترك محاكمته.
# ومن أسلم في متاع موصوف، ثم أخذ دون ما وصف برضى منه، كان ذلك جائزا،
~~وكذلك إن أعطى فوق ما وصف، برضى من الذي باعه، لم يكن به بأس، فإن طلب
~~البايع على الجودة عوضا، لا يجوز له أخذه، لأن الجودة صفة لا يجوز إفرادها
~~بالبيع.
# PageV02P315
# ولا بأس بالسلف في الصوف، والشعر، والوبر، إذا ذكر الوزن فيه، والجودة
~~والصفات التي يمتاز بها من غيره.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: فإن أسلف في الغنم، وشرط معه أصواف نعجات
~~بعينها، كائنا ما كان، لم يكن به بأس (1).
# قال محمد بن إدريس: إن جعل في جملة السلف أصواف النعجات المعينة، فلا
~~يجوز السلف في المعين، على ما مضى شرحنا له.
# وبيع الصوف على ظهر الغنم أيضا لا يجوز، سواء كان سلفا أو بيوع الأعيان،
~~وإنما هي رواية أوردها شيخنا في نهايته (2) إيرادا، لا اعتقادا.
# ولا يجوز أن يسلف السمسم بالشيرج، ms0742 ولا حب الكتان بدهنه.
# وقال شيخنا في نهايته: ولا الكتان بالبزر (3).
# ومقصوده بذلك، ما ذكرناه، لأنه حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه،
~~وذلك كثير في كلام العرب، وإلا أن أراد الكتان الذي هو الشعر الذي يغزل،
~~فلا بأس بأن يسلفه بالبزر، بغير خلاف.
# ولا بأس بالسلف في جنسين مختلفين، الحنطة والشعير، عند من جعلهما جنسين،
~~أو كالحنطة والأرز، والتمر والزبيب، والمروي، والحرير.
# قال محمد بن إدريس: المروي ثياب منسوبة إلى مرو، يقال لمن يعقل في النسبة
~~إلى مرو: مروزي، وفيما لا يعقل من الثياب وغيرها: مروي، بإسقاط الزاي، فهذا
~~الفرق بينهما، فلأجل ذلك قال الشارع: المروي والحرير، وما أشبه ذلك من
~~الأنواع المختلفة الأجناس، بعد أن يذكر المبيع ويميز بالوصف.
# قال شيخنا أبو جعفر، في الجزء الثاني من مسائل خلافه، في كتاب البيوع،
~~مسألة: إذا انقطع المسلم فيه، لم ينفسخ البيع، وبقي في الذمة، وللشافعي فيه
# PageV02P316
# قولان، أحدهما أنه ينفسخ، والآخر له الخيار، إن شاء رضي بتأخيره إلى
~~قابل، وإن شاء فسخه، دليلنا إن هذا عقد ثابت، وفسخه يحتاج إلى دليل، وليس
~~في الشرع ما يدل عليه، هذا آخر المسألة (1).
# وقال رحمه الله أيضا، في الجزء الثاني من كتاب السلم: مسألة: إذا أسلم في
~~رطب إلى أجل، فلما حل الأجل لم يتمكن من مطالبته، لغيبة المسلم إليه، أو
~~غيبته، أو هرب منه، أو توارى من سلطان، وما أشبه ذلك، ثم قدر عليه، وقد
~~انقطع الرطب، كان المسلف بالخيار، بين أن يفسخ العقد، وبين أن يصبر إلى عام
~~القابل (2).
# قال محمد بن إدريس: والمسألة الأولى، القول فيها هو الصحيح، دون الأخيرة،
~~لأن الأخيرة اختار شيخنا رحمه الله فيها أحد قولي الشافعي، دليلنا على أن
~~العقد لا ينفسخ، ولا يكون للمشتري الخيار في الفسخ، ما دل عليه رحمه الله،
~~وهو أن العقد ثابت بالإجماع، وقوله تعالى: " أوفوا بالعقود " وفسخه يحتاج
~~إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه.
# ويجوز السلف في المعدوم، إذا كان مأمون الانقطاع، في وقت المحل.
# السلم لا يكون ms0743 إلا مؤجلا على ما قدمناه، قصر الأجل، أو طال، ولا يصح أن
~~يكون حالا.
# قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: إذا كان السلم مؤجلا، فلا بد من ذكر
~~موضع التسليم، فإن كان في حمله مؤنة لا بد من ذكره (3).
# قال محمد بن إدريس: لم يذهب إلى هذا أحد من أصحابنا، ولا ورد به خبر عن
~~أئمتنا عليهم السلام، وإنما هذا أحد قولي الشافعي، اختاره شيخنا أبو جعفر
~~رحمه الله، ألا تراه في استدلاله لم يتعرض لإجماع الفرقة، ولا أورد خبرا في
~~ذلك، لا من طريقنا، ولا من طريقة المخالف، وليس من شرط صحة السلم، ذكر
# PageV02P317
# موضع التسليم، بغير خلاف بين أصحابنا، والأصل براءة الذمة، وقوله تعالى:
# " وأحل الله البيع وحرم الربوا " وهذا بيع، وقوله: " أوفوا بالعقود "
~~وهذا عقد.
# يجوز السلم في الأثمان، من الدنانير والدراهم، إذا كان رأس المال من غير
~~جنسها، مثل الثياب والحيوان وغيرهما.
# الإقالة فسخ في عقد المتعاقدين، وليست ببيع، وإذا أقاله بأكثر من الثمن،
~~أو بأقل كانت الإقالة فاسدة، دليلنا إن كل من قال بأن الإقالة فسخ على كل
~~حال، قال بهذه المسألة، فالفرق بين الأمرين خارج عن الإجماع.
# ولا يجوز السلف في الجوز، والبيض والرمان، والبطيخ، والبقول، كلها إلا
~~وزنا.
# إذا أسلم مائة درهم في كر طعام، وشرط أن يعجل خمسين درهما، في الحال،
~~وخمسين إلى أجل، وعجل خمسين، وفارقه، لم يصح السلم في الجميع، وإن شرط
~~خمسين نقدا، وخمسين كانت دينا له في ذمة المسلم إليه، فإنه لا يصح في
~~الدين، ويصح في النقد، لأنه يكون بيع دين بدين، ونهى الرسول عليه السلام عن
~~بيع الدين بالدين (1).
# وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه: يجوز السلف في الزأووق، وهو الزيبق،
~~وقال: يجوز السلف في النقل، وهو الأحجار الصغار، وقال: يجوز السلف في القضة
~~(2).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: الزأووق بالزاء المعجمة، المفتوحة،
~~بهمزة فوق الألف، وواوين بعد الألف، والقاف، والنقل بالنون المفتوحة،
~~والقاف المفتوحة، واللام، والقضة، بالقاف المكسورة، والضاد المعجمة
~~المفتوحة المشددة، ms0744 ضبطت ذلك لئلا يقع فيه تصحيف (3).
# إذا اختلفا في قدر المبيع، أو قدر رأس المال، وهو الثمن، أو في الأجل أو
~~في
# PageV02P318
# قدره، كان القول قول البايع مع يمينه، إلا في الثمن، فإن القول قول
~~المشتري مع يمينه.
# فإن قيل: فقد قلتم إذا اختلف البايع والمشتري في الثمن، كان القول قول
~~البايع، فكيف قلتم هاهنا القول قول المشتري.
# قلنا: القول قول البايع في الثمن، إذا كانت بيوع الأعيان، وكانت العين
~~قائمة غير تالفة، فأما بيوع السلم، فالأعيان في الذمم غير موجودة، بل هي
~~معدومة فافترق الأمران.
# ولا يجوز السلف في العقار، لأنهما إذا أطلقا الوصف من غير تعيين، لم يجز،
~~لأنه يختلف باختلاف الأماكن، والقرب من البلد، والبعد منه، وإن عين البقعة
~~لم يجز، لأنه إن قيل من القرية الفلانية، اختلف باختلاف أماكنه، وإن عين
~~أرضا بعينها، لا يصح، لأن بيع العين بصفة، لا يجوز ولا يصح.
# إذا أتى المسلم إليه، بالمسلم فيه، فإن كان على صفته بعد حلول الأجل، لزم
~~المشتري قبوله، لأنه أتى بما تناوله العقد، فإن امتنع، قيل له: إما أن
~~تقبله، وإما أن تبرئه منه، لأن للإنسان غرضا في تبرئة ذمته من حق غيره،
~~وليس لك أن تبقيه في ذمته بغير اختياره وبراءته يحصل بقبض ما عليه، أو
~~إبرائه منه، فأيهما فعل جاز، وإن امتنع قبضه الإمام، أو النائب عنه، عن
~~المسلم إليه،، وتركه في بيت المال، إلى أن يختار قبضه، ويبرأ المسلم إليه
~~منه، ولم يجز للحاكم إبراؤه منه بالإسقاط عن ذمته، لأن الإبراء لا يملك
~~بالولاية، وقبض الحق يملك بالولاية.
# قال شيخنا أبو جعفر، في مبسوطه: ويجوز السلف في القثاء، والخيار،
~~والبطيخ، والفجل، والجزر، والفواكه، كلها من الرمان، والسفرجل، والفرسك
~~(قال محمد بن إدريس: الفرسك بالفاء المكسورة، والراء المسكنة، غير المعجمة،
~~والسين غير المعجمة المكسورة، والكاف، وهو الخوخ) وفي البقول كلها، ولا
~~يجوز جميع ذلك إلا وزنا، ولا يجوز عددا، لأن فيه صغيرا وكبيرا، وكل ما
~~PageV02P319
# أنبتته الأرض، لا يجوز السلف فيه إلا وزنا ms0745 إلا ما خرج بالدليل من المكيل
~~(1).
# قال شيخنا في المبسوط: ويجوز السلف في الزأووق، يعني الزيبق، والزأووق
~~بالزاء المعجمة، والألف وواوين، وقاف، وذكر جواز السلم في السقمونيا، وذكر
~~شيخنا أبو جعفر أيضا في مبسوطه الإهليلج والبليلج والسقمونيا ونحو ذلك من
~~العقاقير، فيه الربا، لأنه من الموزون (2).
# قال محمد بن إدريس: الإهليلج، والبليلج، من الأخلاط، من عقاقير الأدوية،
~~والسقمونيا لبن شجرة يسيل منها سيلا.
# وذكر شيخنا أبو جعفر في مبسوطه في كتاب السلم، في صفات الإبل والسلم
~~فيها: ويستحب أن يذكر بريئا من العيوب، ويسمى ذلك غير مودن (3).
# قال محمد بن إدريس: المودن، بالميم المضمومة، والواو الساكنة والدال
~~المفتوحة غير المعجمة، والنون، هو الضاوي بالضاد المعجمة.
# وذكر أيضا رحمه الله، في آجال السلف: والمجهول أن يقول إلى الحصاد، أو
~~إلى الدياس، ثم قال: ولا يجوز إلى فصح النصارى، ولا إلى شئ من أعياد أهل
~~الذمة، مثل السعانين والفطير (4).
# قال محمد بن إدريس: فصح النصارى، بالفاء والصاد غير المعجمة، والحاء غير
~~المعجمة مكسورة الفاء، مسكن الصاد، وهذا العيد عند النصارى، إذا أكلوا
~~اللحم بعد صومهم، وأفطروا، وهذا العيد بعد عيد السعانين لثلاثة أيام، قال
~~المبرد في كتاب الاشتقاق: سمعت التوزي، وسئل عن فصح النصارى، فقال قائل:
# إنما أخذ من قولهم، أفصح اللبن، إذا ذهبت رغوته، وخلص، فإنما معناه، أنه
~~قد ذهب عناؤهم وصومهم، وحصلوا على حقيقة ما كانوا عليه، فقال: هو هذا،
# PageV02P320
# والفصح كلام عربي، من ذلك: رجل فصيح، وقد أفصح، إذا بين، وأفصح الصبح،
~~إذا تبين، قال الشاعر، وهو حسان:
# قددنا الفصح فالولايد ينظمن سراعا أكلة المرجان يقول ذلك لآل الحرث بن
~~أبي شمر (1) الغساني وهم نصارى.
# باب بيع الغرر والمجازفة وما يجوز بيعه وما لا يجوز قد بينا أن ما يباع
~~كيلا أو وزنا، فلا يجوز بيعه جزافا، فإن بيع كذلك، كان البيع باطلا، وكذلك
~~ما يباع كيلا، فلا يجوز بيع الجنس منه ببعض وزنا، لأنا أخذ علينا التساوي
~~فيما يباع كيلا بالمكيال، فإذا بيع بالوزن، ربما رد إلى الكيل، ms0746 فيزيد
~~أحدهما على الآخر، فيؤدي إلى الربا، فإن بيع بغير جنسه، جاز بيعه وزنا،
~~فأما ما يباع وزنا، فلا يجوز بيعه كيلا، سواء بيع بجنسه، أو بغير جنسه،
~~بغير خلاف، فإن كان ما يباع وزنا، يتعذر وزنه، جاز أن يكال، ثم يعتبر مكيال
~~منه، ويؤخذ الباقي على ذلك الحساب.
# وكذلك ما يباع بالعدد، لا يجوز بيعه جزافا، فإن تعذر العدد فيه، وزن منه
~~مكيال، وعد، وأخذ الباقي على حسابه.
# ولا يجوز أن يباع اللبن في الضروع، فمن أراد بيع ذلك، حلب منه شيئا،
~~واشتراه مع ما بقي في الضروع في الحال، أو مدة من الزمان، على ما رواه
~~أصحابنا (2)، وإن جعل معه عرضا آخر، كان أحوط.
# وقد روي (3) أنه لا بأس أن يعطي الإنسان الغنم، والبقر، بالضريبة، مدة من
~~الزمان، بشئ من الدراهم، والدنانير، والسمن، وإعطاء ذلك بالذهب والفضة،
~~أجود في الاحتياط، ويمكن أن يعمل بهذه الرواية على بعض الوجوه،
# PageV02P321
# وهو أن يحلب بعض اللبن ويبيعه مع ما في الضروع، مدة من الزمان، على ما
~~وردت بمثله الأخبار، أو يجعل عوض اللبن شيئا من العروض، ويبيعه مع ما في
~~الضروع مدة من الزمان، لأن الإجارة لا تصح هاهنا، لأن الإجارة استحقاق
~~منافع السلعة المستأجرة، دون استحقاق أعيان منها.
# والأقوى عندي المنع من ذلك كله، لأنه غرر، وبيع مجهول، والرسول عليه
~~السلام، نهى عن بيع الغرر، فمن أثبت ذلك عقدا (1) يحتاج إلى دليل شرعي،
~~والذي ورد فيه، أخبار آحاد شذاذ، وقد بينا أن أخبار الآحاد عند أصحابنا، لا
~~توجب علما ولا عملا، والواجب على المفتي الرجوع في صحة الفتوى، إلى الأدلة
~~القاطعة.
# ولا يجوز أن يبيع الإنسان أصواف الغنم، وشعرها على ظهورها، فإن أراد
~~بيعها، جعل معها شيئا آخر.
# وقال شيخنا المفيد، في مقنعته: يجوز ذلك، إذا كان مشاهدا (2).
# والأول قول شيخنا أبي جعفر (3)، والأظهر عندي قول شيخنا المفيد رحمه
~~الله، لأنه غير موزون، ما دام على ظهور الغنم، وإنما يصير موزونا إذا
~~فارقها، فلو حرمنا بيعه قبل مفارقتها، لحرمنا عليه ms0747 (4) بيع ثمرة جميع
~~الأشجار، ما عدا النخل قبل مفارقتها للشجر.
# وكذلك لا يجوز أن يبيع (5) ما في بطون الأنعام، والأغنام من الحيوان، فإن
~~أراد بيع ذلك، جعل معه شيئا آخر، ليسلم من الغرر، فإن لم يكن ما في البطون
~~حاصلا، كان الثمن في الآخر، على ما روي في الأخبار (6)، من طريق الآحاد.
# والأولى عندي ترك العمل بذلك. أجمع، لأنه غرر وجزاف، منهي عنهما.
# PageV02P322
# وقد روي أن من اشترى أصواف الغنم، مع ما في بطونها في عقد واحد، كان
~~البيع صحيحا ماضيا.
# والأولى عندي ترك العمل بهذه الرواية، لأنها زيادة غرر إلى غرر.
# ولا يجوز أن يبتاع الإنسان من الصياد ما يضرب بشبكته لأن ذلك مجهول.
# ولا بأس أن يشتري الإنسان أو يتقبل بشئ معلوم، جزية رؤوس أهل الذمة،
~~وخراج الأرضين، وثمرة الأشجار، وما في الآجام من السموك، إذا كان قد أدرك
~~شئ من هذه الأجناس، وكان البيع في عقد واحد، لأنه يؤمن من الغرر، على ما
~~رواه بعض أصحابنا (1)، ولا يجوز ذلك ما لم يدرك شئ من هذه الأجناس، أورد
~~ذلك شيخنا في نهايته، في باب الغرر (2).
# والأولى عندي ترك العمل بذلك، لأن هذا بيع مجهول، ولا يرجع في مثل هذا
~~إلى أخبار آحاد.
# وروي أنه لا بأس أن يشتري الإنسان تبن البيدر، لكل كر من الطعام تبنه،
~~يعني تبن الكر، - فالهاء ضمير الكر - بشئ معلوم، وإن لم يكل بعد الطعام
~~(3).
# أورد هذه الرواية شيخنا أبو جعفر في نهايته في باب الغرر (4).
# والأولى ترك العمل بها، لأنه شراء مجهول، ومبيع غير معلوم وقت العقد،
~~والبيع يحتاج في صحته إلى أن يكون معلوم المقدار، وقت العقد عليه، وهذا غير
~~معلوم ولا محصل، فالبيع باطل، لأنه لا فرق بين ذلك، وبين من قال بعتك هذه
~~الصبرة الطعام، كل قفيز بدينار، ولم يخبركم فيها وقت البيع والعقد، ولا
~~كالها ذلك الوقت، ويكون العقد والصحة موقوفا على كيلها، فإذا كالها، صح
~~البيع المتقدم، وهذا باطل بالإجماع.
# PageV02P323
# وقال شيخنا في نهايته: وإذا اشترى إنسان من ms0748 غيره شيئا من القصب أطنانا
~~معروفة، ولم يتسلمها، غير أنه شاهدها، فهلك القصب قبل أن يقبض، كان من مال
~~البايع، دون المبتاع، قال شيخنا: لأن الذي اشتري منه في ذمته (1).
# قال محمد بن إدريس: هذا البيع ما هو في الذمة، بل بيع عين مرئية مشاهدة،
~~فكيف يكون في الذمة، وأيضا لو كان في الذمة، طالبه بعوضه وببدله، فأما قوله
~~رحمه الله: " كان من مال البايع دون المبتاع " فصحيح، إذا لم يمكن البايع
~~المبتاع من قبضه، فأما إذا مكنه من قبضه، ولم يقبضه، وتركه عند بايعه، بعد
~~أن مكنه من قبضه، فإنه يهلك من مال المبتاع، دون البايع، فليلحظ ذلك، فهذا
~~تحرير الفتيا.
# ولا يجوز بيع ما في الآجام من السمك، لأن ذلك مجهول فإن كان فيها شئ من
~~القصب، فاشتراه، واشترى معه ما فيها من السموك، لم يكن به بأس، وكذلك إن
~~أخذ شيئا من السمك، وباعه إياه مع ما في الأجمة، كان البيع ماضيا، لأنه
~~يؤمن مع ذلك الغرر، على ما روي (2).
# والاحتياط عندي، ترك العمل بهذه الرواية لأنها من شواذ الأخبار، لأن
~~المعلوم، إذا أضيف إلى المجهول، والمجهول إذا أضيف إلى المعلوم، صير ذلك
~~المعلوم مجهولا، وهذه كلها أخبار آحاد، يوردونها في أبواب الغرر، وبيع
~~المجازفة، فلا تترك الأصول، ويرجع إليها، بل لا يعرج عليها.
# وروي (3) أنه لا بأس أن يندر لظروف السمن والزيت وغيرهما، شئ معلوم، إذا
~~كان ذلك معتادا بين التجار، ويكون مما يزيد تارة، وينقص أخرى، ولا يكون مما
~~يزيد، ولا ينقص، فإن كان مما يزيد، ولا ينقص، لم يجز
# PageV02P324
# ذلك على حال.
# ومن وجد عنده سرقة، كان غارما لها، إن هلكت، ويرجع على من باعه إياها،
~~إذا أتى ببينة أنه اشتراها منه، ومتى اشتراها مع العلم بأنها سرقة، كان
~~لصاحب السرقة أخذها، ولم يكن للمشتري الرجوع على البايع بالثمن، لأنه ما
~~غره، بل أعطاه الثمن بلا عوض، لأنه يعلم أن السرقة لا يملكها السارق، فقد
~~ضيع الثمن بدفعه إليه، وإن لم يعلم أنها سرقة، ms0749 كان له الرجوع على بايعها،
~~إذا كان موجودا، بالثمن، بما غرمه عليها وأنفقه، إذا لم يحصل له في مقابلة
~~ذلك نفع، فإن كان قد مات رجع على ورثته بذلك، إن كان قد خلف في أيديهم بقدر
~~ذلك، فإن لم يترك شيئا، فلا سبيل له على الورثة بحال.
# ولا يجوز أن يشتري من الظالم شيئا يعلم أنه ظلم بعينه وانفراده، ولم يكن
~~مأخوذا على جهة الخراج والزكوات، ولا بأس أن يشتري منه إذا لم يعلم الشئ
~~بعينه وانفراده، ظلما وغصبا، وإن علم أن بايعه ظالم، وترك ذلك أفضل.
# ولا بأس بشراء ما يأخذه السلطان الظالم، من الغلات، والثمرات، والأنعام،
~~على جهة الخراج، والزكاة، على ما قدمناه. وإن كان الآخذ له غير مستحق لذلك.
# ومن غصب غيره متاعا، وباعه من غيره، ثم وجده صاحب المتاع عند المشتري،
~~كان له انتزاعه من يده، فإن لم يجده حتى هلك في يد المبتاع، كان المغصوب
~~منه مخيرا، في الرجوع على من شاء منهما، فإن رجع على الغصب، رجع عليه بأكثر
~~القيم إلى يوم الهلاك، وإن رجع على المشتري، رجع عليه بأكثر القيمة من وقت
~~شرائه إلى وقت هلاكه، ويرجع المشتري على الغاصب، بما غرمه من المنافع، التي
~~لم يحصل له في مقابلتها نفع، إلا أن يكون المشتري علم أنه مغصوب، واشتراه،
~~فيلزمه القيمة وغيرها لصاحبه، ولا درك له على الغاصب، من رجوع بالثمن، ولا
~~غيره، لأنه ما غره، بل دخل مع العلم. PageV02P325
# فإن اختلف في قيمة المتاع، كان القول قول الغارم، لأنه الجاحد لزيادة
~~القيمة المدعاة، وصاحب السلعة هو المدعي.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: فإن لم يجده حتى هلك في يد المبتاع، رجع
~~على الغاصب بقيمته يوم غصبه إياه (1). وهذا القول غير واضح، والمعتمد على
~~ما قلناه.
# وقال أيضا رحمه الله: فإن اختلف في قيمة المتاع، كان القول قول صاحبه
~~(2). وقد قلنا ما عندنا في ذلك.
# وقال أيضا رحمه الله: ومتى أمضى المغصوب منه البيع، لم يكن له بعد ذلك،
~~درك على المبتاع، ms0750 وكان له الرجوع على الغاصب، بما قبضه من الثمن فيه (2).
# وهذا على مذهب من يقول من باع ملك غيره بغير إذنه، يكون العقد موقوفا على
~~إجازة صاحبه، وقد قلنا ما عندنا في ذلك، وسطرنا، أن شيخنا أبا جعفر، رجع
~~عما ذهب إليه في نهايته، في مسائل خلافه (3).
# ومتى ابتاع بيعا فاسدا، فهلك المبيع في يده، أو حدث فيه فساد، كان ضامنا
~~لقيمته، أكثر ما كانت إلى يوم التلف والهلاك، والأرش ما نقص من قيمته
~~بفساده، لأنه باق على ملك صاحبه، ما انتقل عنه، فهو عند أصحابنا بمنزلة
~~الشئ المغصوب، إلا في ارتفاع الإثم بإمساكه.
# ولا بأس أن يشترط الإنسان على البايع، فيما يشتريه منه شيئا من أفعاله،
~~إذا كان مقدورا له، فأما إذا لم تكن مقدورا له، فلا يجوز اشتراطه فما هو في
~~مقدوره، مثل أن يشتري ثوبا على أن يقصره أو يخيطه، وما أشبه ذلك، وكان
~~البيع ماضيا، ويلزمه ما شرط له، بغير خلاف في ذلك عند أصحابنا، وإجماعهم
~~الحجة على صحة ذلك، وأما ما ليس في مقدوره، مثل أن يبيع الزرع على أن يجعله
~~سنبلا، والرطب على أن يجعله تمرا، فإن باع ذلك، بشرط أن يدعه في
# PageV02P326
# الأرض، أو الشجر إلى وقت بلوغه، وإدراكه، أو ما يريد المبتاع، كان البيع
~~صحيحا، والشرط لازما، وإن باع ذلك مطلقا من الاشتراط يجب على البايع تبقيته
~~إلى أوان الحصاد والصرام.
# ولا بأس أن يبيع الإنسان ثوبا منشورا، ويستثني منه نصفه، أو ثلثه، أو ما
~~أراد منه من الأذرع، لأن ذلك استثناء معلوم من معلوم، ولا بد من نشر الثوب
~~عند البيع، بحيث ينظر المشتري طوله وعرضه، ولا يحتاج مع نشره إلى ذرعه، فإن
~~لم ينشره، فلا بد من الأخبار بذرعه، وذكر صفته، لأنه غير مرئي، فيكون بيع
~~خيار الرؤية. وقد قلنا فيما مضى، أنه لا يجوز أن يبيع متاعا بدينار غير
~~درهم، لأنه مجهول، وبينا أنه من أين كان مجهولا، فلا وجه لإعادته.
# ولا بأس ببيع الجوارح التي تصلح للصيد، من ms0751 الطير، والسباع من الوحش،
~~وكذلك لا بأس ببيع ما يحل بيع جلده، من سائر السباع، وقد قدمنا ذلك فيما
~~مضى، من كتابنا هذا.
# ولا بأس ببيع عظام الفيل، واتخاذ الأمشاط منها، وغيرها من الآلات، ولا
~~بأس باستعمال ما يعمل منها.
# ولا يشتري الإنسان الجلود، إلا ممن يثق من جهته، أنه لا يبيع إلا ذكيا،
~~فإن اشتراها ممن لا يثق به، فلا بأس بذلك، ما لم يعلم أنها غير ذكية، وكذلك
~~لا بأس بابتياعها من أسواق بلدان المسلمين.
# ولا بأس ببيع الخشب ممن يتخذه ملاهي، وكذلك بيع العنب ممن يجعله خمرا،
~~فإنه مكروه وليس بحرام، ويكون الإثم على من يجعله كذلك، لا على بايعه،
~~واجتناب ذلك أفضل، فأما إن اشترط البايع على المبتاع بأن يجعله خمرا، وعقدا
~~(1) على ذلك، مشترطا ومقرونا بالعقد، فهذا حرام (2).
# PageV02P327
# وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه: بيع العصير ممن يجعله خمرا، مطلقا مكروه،
~~وليس بفاسد، وبيعه ممن يعلم أنه يجعله خمرا حرام، ولا يبطل البيع، لما روي
~~عن النبي عليه السلام أنه لعن الخمر وبايعها (1). وكذلك الحكم فيمن يبيع
~~شيئا يعص الله به، من قتل مؤمن، أو قطع طريق، وما أشبه ذلك، هذا آخر كلام
~~شيخنا في مبسوطه (2).
# وهذا الذي يقوى عندي، لأن العقد لا دليل على بطلانه، لقوله عز وجل:
# " أوفوا بالعقود " وليس انضمام هذا الشرط الفاسد الباطل إليه، مما يفسده،
~~بل يبطل الشرط، ويصح العقد.
# ومن اشترى من إنسان ماله، فإن كان ماله حلالا، فالبيع حلال طلق - بكسر
~~الطاء - وإن كان ماله حراما، فالبيع باطل، لأنه يشتري ما لا يملكه، وإن كان
~~مختلطا لا يتميز له، فالبيع صحيح، إلا أنه مكروه.
# ويكره استعمال الصور، والتماثيل التي هي على صور الحيوان، فأما صور
~~الأشجار وغيرها، مما لا يكون على صور الحيوان، فلا بأس، وقد روي أنه لا
~~كراهة في ذلك إذا استعمله مستعمله في الفرش، وما يوطأ بالأرجل (3).
# ولا بأس ببيع الحرير والديباج، وأنواع الإبريسم، والفرق بين الديباج،
~~والحرير، هو أن الديباج ما كان من الحرير ms0752 مدبجا، منقوشا، موشوا (4)،
~~والحرير بخلاف ذلك، لا يجوز لبسه إذا كان محضا منهما، غير مختلط بالنسبة في
~~شئ، يجوز الصلاة فيه للرجال خاصة، ولا يجوز أيضا الصلاة فيه لهم، إلا ما
~~كان مختلطا حسب ما قدمناه، فيما مضى من كتاب الصلاة.
# PageV02P328
# وقال شيخنا في نهايته: ولا يجوز بيع شئ من الكلاب، إلا كلب الصيد خاصة،
~~فإنه لا بأس ببيعه، والانتفاع بثمنه (1).
# وقد قلنا فيما تقدم من كتابنا هذا، أن بيع كلب الزرع، وكلب الحايط، وكلب
~~الماشية أيضا جائز، ودليلنا على موافقة شيخنا في غير كتاب النهاية، وإنما
~~أورد في النهاية ألفاظ الأحاديث، إيرادا، آحادا ومتواترة، ولم يحرر فيها
~~شيئا، كما اعتذر به لنفسه، في خطبة مبسوطه.
# وأهل الذمة سواء كانوا يهودا أو نصارى أو مجوسا، إذا باعوا ما لا يجوز
~~للمسلم بيعه، من الخمر، والخنزير، وغير ذلك، ثم أسلم كان له المطالبة
~~بالثمن، وكان حلالا له، وإذا أسلم وفي ملكه شئ من ذلك، لم يجز له بيعه على
~~حال.
# وقد روي (2) أنه إذا كان عليه دين، جاز أن يتولى بيع ذلك غيره، ممن ليس
~~بمسلم، ويقضي بذلك دينه، ولا يجوز له أن يتولاه بنفسه، ولا أن يتولى عنه
~~غيره من المسلمين.
# والذي يقتضيه أصول مذهبنا، ترك العمل بهذه الرواية الضعيفة، لأنها مخالفة
~~للأدلة القاهرة، وهو أن ثمن الخمر حرام على المسلمين، ولأنها عندنا غير
~~مملوكة، ولا يجوز قضاء الدين بمال حرام، وأيضا فيد الوكيل يد موكله.
# ومن غصب من غيره مالا، ويشتري به جارية، كان الفرج له حلالا، وعليه وزر
~~المال، ولا يجوز له أن يحج به، فإن حج به، لم يجزه عن حجة الإسلام، هكذا
~~روي في بعض الأخبار (3)، وأورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (4).
# والذي أقوله في ذلك، أنه إن كان اشترى الجارية بعين المال المغصوب،
~~فالشراء باطل، ولا يجوز له وطء هذه الجارية، ولا يصح له التصرف فيها بحال،
# PageV02P329
# وإن كان الشراء وقع بمال في ذمته، كان ذلك صحيحا، وحل له وطء الجارية،
~~لأن الشراء وقع في ms0753 الذمة، لا بالعين المغصوبة.
# وشيخنا أبو جعفر، رجع عما ذهب إليه في نهايته، وأورده، لأن ذلك خبر واحد،
~~أورده إيرادا لا اعتقادا، رواية السكوني وهو مخالف، عامي المذهب، فقال
~~شيخنا في جواب مسألة سئل عنها، من جملة المسائل الحائريات، المنسوبة إلى
~~أبي الفرج بن الرملي، فقال السائل: وعن رجل اشترى ضيعة، أو خادما بمال،
~~أخذه من قطع الطريق، أو من سرقة، هل يحل له ما يدخل عليه ثمرة هذه الضيعة،
~~أو يحل له أن يطأ هذا الفرج الذي قد اشتراه بمال من سرقة، أو قطع الطريق،
~~وهل يجوز لأحد أن يشتري من هذه الضيعة، وهذا الخادم، وقد علم أنه اشتراه
~~بمال حرام، وهل يطيب لمشتري هذه الضيعة، أو هذا الخادم، أو هو حرام، فعرفنا
~~ذلك.
# فقال: الجواب: إن كان الشراء وقع بعين ذلك المال، كان باطلا، ولم يصح
~~جميع ذلك، وإن كان الشراء وقع بمال في ذمته، كان الشراء صحيحا، وقبضه ذلك
~~المال فسادا، وحل وطء الجارية، وغلة الأرض، والشجر، لأن ثمن الأصل في ذمته،
~~هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله، وآخر جوابه للسائل (1) وهو
~~الحق الواضح.
# فأما الحج بهذا المال، فإن كانت حجة الإسلام، لم يجب عليه قبل ذلك، ولا
~~استقرت في ذمته، ثم حج بهذا المال الحرام، ووجد بعد ذلك، القدرة على الحج
~~بالمال الحلال، وحصلت له شرائط وجوب الحج، فإن حجته الأولى بالمال الحرام،
~~لم تجزه، والواجب عليه الحج ثانيا، فأما إن كان الحج وجب عليه، واستقر في
~~ذمته، قبل غصب المال، ثم حج بذلك المال، فالحجة مجزية
# PageV02P330
# عنه، لأنه قد حصل بالمواضع، وفعل أفعال الحج بنفسه، إلا الهدي، إن كان
~~اشتراه بعين المال المغصوب، فلا يجزيه عن هديه الواجب عليه، ووجب عليه شراء
~~هدي، أو الصوم بدلا عنه، عند تعذر القدرة عليه، إلا أنه لا يفسد عليه حجه،
~~لأن الهدي ليس بركن.
# وكل شئ من المطعوم والمشروب، يمكن للإنسان اختباره من غير إفساد له،
~~كالأدهان الطيبة المستخبرة بالشم، وصنوف الطيب، والحلاوات، والحموضات، فقد ms0754
~~روي أنه لا يجوز بيعه بغير اختباره (1)، فإن بيع من غير اختبار له، كان
~~البيع غير صحيح، والمتبايعان فيه بالخيار، فإن تراضيا بذلك، لم يكن به بأس.
# وهذه الرواية، يمكن العمل بها على بعض الوجوه، وهو أن البايع لم يصفه،
~~فإذا لم يصفه يكون البيع غير صحيح، لأنه ما يعرف بمشاهدته إذا طعمه (2)،
~~فلا بد من وصفه، فأما إذا وصفه، وضبطه بالوصف، فالبيع صحيح، ويعتبر فيه ما
~~اعتبرناه في بيع خيار الرؤية، في المرئيات، لأنه لا يمكن معرفته بالرؤية،
~~بل بالطعم، فإن وجد طعمه أو ريحه كما وصف البايع له، فلا خيار له، وإن وجده
~~بخلاف وصف بايعه، كان بالخيار، ولا دليل على بطلان هذا العقد، لأن الله
~~تعالى، قال: " أوفوا بالعقود " وقال تعالى: " وأحل الله البيع وحرم الربوا
~~" وهذا بيع.
# ويمكن أن يقال أن بيع العين، المشاهدة المرئية لا يجوز أن تكون موصوفا،
~~لأنه غير غائب، فيباع بيع خيار الروية بالوصف، فإذن لا بد من شمه، وذوقه،
~~لأنه حاضر، مشاهد، غير غائب، فيحتاج إلى الوصف، فهذا وجه قوي.
# وما لا يمكن اختباره إلا بإفساده وإهلاكه، كالبيض، والقثا، والرمان،
~~وأشباه ذلك، فابتياعه جائز مطلقا، وبشرط الصحة، أو البراءة من العيوب، فإن
~~اشتراه مطلقا، أو بشرط الصحة، ثم كسره المبتاع، فإن وجد فيه
# PageV02P331
# فاسدا، كان للمبتاع، ما بين قيمته صحيحا ومعيبا، وليس له رد الجميع،
~~واسترجاع الثمن، فيما قد تصرف فيه، ولا له رد المعيب، دون ما سواه، وله رد
~~الجميع، إذا لم يتصرف في جميع المبيع، وقامت له بذلك بينة، فأما إذا تصرف
~~في ذلك، فليس له رده، وإجماع أصحابنا أن المشتري، متى تصرف في المبيع، ثم
~~وجد العيب، فليس له الرد، وله الأرش، ما بين قيمته صحيحا ومعيبا، وكيفية
~~ذلك، هو أن يقوم ما بين قيمته صحيحا، وقشره صحيح، وبين كونه فاسدا وقشره
~~صحيح، فما يثبت، يرجع بمقداره من الثمن، ولا يقوم مكسورا، لأن الكسر نقص
~~حدث في يد المشتري، فلا يرجع بجنايته وحدثه على غيره.
# هذا فيما كان ms0755 لفاسده ومكسوره، بعد كسره قيمة فأما إذا لم يكن لفاسده
~~ومكسوره قيمة بعد كسره، مثل بيض الدجاج، إذا كان فاسدا، فإن كان هكذا
~~فالبيع باطل، لأنه لا يجوز بيع ما لا قيمة له.
# وعلى هذا لا يجوز بيع الحشرات، مثل الخنافس، والجعلان، وبنات وردان،
~~والذباب، وغير ذلك، ومتى أتلفه متلف، فلا ضمان عليه، لأنه لا قيمة له.
# وقال شيخنا أبو جعفر، في نهايته: فإن وجد فيه فاسدا، كان للمبتاع ما بين
~~قيمته صحيحا ومعيبا، وإن شاء رد الجميع، واسترجع الثمن، وليس له رد المعيب
~~دون ما سواه (1).
# وأطلق الكلام في ذلك إطلاقا على لفظ الخبر الذي أورده.
# والتحرير والفتيا على ما حررناه، فإنه رحمه الله، رجع وحرر ذلك في مبسوطه
~~(2).
# ولا بأس بابتياع الأعمى، وشرائه، وحكمه فيما ذكرناه، حكم البصراء سواء
~~ولا بأس أن يبتاع الإنسان من غيره شيئا، متاعا، أو حيوانا، أو غير ذلك،
~~بالنقد والنسيئة ويشترط أن يسلفه البايع شيئا في مبيع، أو يستسلف منه في
# PageV02P332
# شئ، أو يقرضه شيئا معلوما إلى أجل، أو يستقرض منه، وإذا ابتاع على ذلك،
~~كان البيع صحيحا، ووجب عليهما الوفاء بما اشترطا فيه، لأنه شرط لا يخالف
~~الكتاب والسنة، فلا مانع يمنع من ذلك، لقوله عليه السلام: المؤمنون عند
~~شروطهم (1) وقوله: الشرط جائز بين المسلمين (2).
# وقد أبى ذلك، كثير من مخالفي مذهب أهل البيت عليهم السلام، بغير حجة ولا
~~برهان.
# وإذا ابتاع الإنسان أرضا، فبنى فيها، أو غرس، وأنفق عليها، فاستحقها عليه
~~إنسان آخر، كان للمستحق قلع البناء، والغرس، وأجرتها مدة ما كانت في يده،
~~ويرجع المبتاع على البايع، إن كان غره بقيمة ما ذهب منه، وغرمه، وأنفق
~~عليها، فإن كان ما غرسه قد أثمر، وأينع، فالثمرة، والزرع، لصاحب الغرس
~~والبذر، ولصاحب الأرض قلعه، لقوله عليه السلام: الزرع لمن زرعه وإن كان
~~غاصبا (3) المراد به، نماؤه، وقوله عليه السلام في قلعه: ليس لعرق ظالم حق
~~(4).
# وقد روي في بعض الأخبار، أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته، أنه إن كان
~~ما غرسه، ms0756 قد أثمر، كان ذلك لرب الأرض، وعليه للغارس ما أنفقه، وأجرة مثله
~~في عمله (5) وهذا غير واضح ولا مستقيم، لأنه مناف لأصول المذهب، ولما عليه
~~كافة
# PageV02P333
# المسلمين، لأن نفس الغراس، ملك للغارس، فكيف يستحقها رب الأرض، ومن أي
~~وجه صارت له، وأي دليل دل على ذلك، ولا يرجع في ذلك إلى سواد مسطور، أو خبر
~~واحد من أضعف أخبار الآحاد، إن كان قد ورد، ويترك الأدلة القاهرة، والأصول
~~الممهدة، من أدلة العقل، وأدلة السمع، ولقد شاهدت جماعة من أصحابنا الذين
~~عاصرتهم، يخبطون في ذلك، خبط عشواء، وكل منهم يقول قولا غير محصل، ليصححوا
~~ما ليس بصحيح، كأنهم وجدوه مسطورا في كتاب الله، الذي لا يأتيه الباطل من
~~بين يديه، ولا من خلفه، فالحمد لله على التوفيق لإصابة الحق.
# فإن فسدت الأرض بالغرس، كان لربها عليه أرش ما فسد، ويرجع هو على البايع
~~له بذلك.
# ومن كان له على غيره مال، أو متاع إلى أجل، فدفعه إليه قبل حلول الأجل،
~~كان بالخيار بين قبضه، وتركه إلى وقت حلول الأجل، وكان ذلك في ضمان المديون
~~عليه، وليس لأحد أن يجبره على قبضه قبل أجله.
# وإذا كان له على غيره مال بأجل، فسأله تأخيره عنه إلى أجل ثان، فأجابه
~~إلى ذلك، كان بالخيار، إن شاء أمضى الأجل الثاني، وإن شاء لم يمضه، بغير
~~خلاف بين أصحابنا فيه، لأنه بمنزلة الهبة الغير مقبوضة، فللانسان أن يرجع
~~فيها.
# ومتى تقايل المتبايعان البيع، انفسخ العقد، فإن عقداه بعد الإقالة بأجل،
~~لم يكن للبايع الرجوع فيه ووجب عليه الوفاء به، بخلاف تلك المسألة
~~المتقدمة.
# والفرق بينهما، أن تلك كانت بأجل، وحل الأجل، ثم سأل التأخير في الأجل،
~~بعد حلوله، واستحقاقه، فأجيب إلى ذلك، فللمجيب الرجوع في هبته، والمسألة
~~الأخيرة بعد فسخ البيع، وعقده ثانيا إلى أجل ثان، لا يجوز الرجوع فيه، لأنه
~~ما حل، ثم أجله بعد ذلك، لأن هذا الأجل، أجل أول مستحق على البايع، بالشرط
~~المقابل للعوض الذي هو المبيع، فلا يجوز له الرجوع فيه، ms0757 لأنه غير متبرع به،
~~فافترق الأمران. PageV02P334
# ولا يصح بيع بإكراه، ولا يثبت إلا باختيار صاحبه وإيثاره.
# وإذا باع الإنسان ملكا لغيره، والمالك حاضر، فسكت، ولم يطالب، ولا أنكر
~~ذلك، لم يكن ذلك دلالة على إجازته البيع، ووكالته فيه، ولا دليلا على أنه
~~ليس المبيع ملكا له، وكذلك إن صالح عليه مصالح، وهو ساكت، لم يمض الصلح
~~عليه، وكان له المطالبة به وانتزاعه.
# وبيع الأب على الابن، إذا كان كبيرا مكلفا غير مولى عليه، غير ماض، ولا
~~جائز، بل باطل، فإن كان صغيرا أو كبيرا غير مكلف، جاز بيعه عليه، وصح، لأنه
~~وليه، والناظر في أموره، بخلاف العاقل المكلف، لأنه ولي نفسه.
# إذا باع مجهولا ومعلوما، بطل البيع فيهما معا، لأنه لا يمكن التوصل إلى
~~الحصة في ثمن المعلوم بجهالة الآخر، فلا يمكن التوصل إلى ما تسقط في
~~مقابلته، وقد بينا فيما مضى، أنه إذا باع ما يملك وما لا يملك، في عقد
~~واحد، أو شاة وخنزيرا في عقد واحد، صح البيع في أحدهما، وبطل في الآخر،
~~لأنه يقسط الثمن عليهما، ويمكن التوصل إلى الحصة في ثمن المملوك منهما، لأن
~~الثمن يتقسط عليهما بالقيمة، والحصة، فإذا قلنا أنه يمسك بما يتقسط عليه من
~~الثمن، فما يتقسط على القيمة، كالعبدين، والثوبين، قسط عليهما، وما يتقسط
~~على الأجزاء، كالحبوب، والأدهان، فإنه يمسكه بحصة من غير تقويم، ولا تقسيط،
~~لأن ذلك متساوي الأجزاء، فهو متساوي القيم.
# وإذا قال: بعتك هذه الدار، وآجرتك هذه الدار الأخرى، بألف، كان صحيحا،
~~لأنه لا مانع منه، فإذا قلنا البيع والإجارة صحيحان، فإنه يأخذ كل واحد
~~حصته، من الثمن الذي هو العوض في مقابلتهما، بقيمة المبيع، وأجرة مثل
~~الدار، وهكذا اعتبار التقسيط في جميع ما قدمناه، من بيع السلعتين، فليلحظ
~~ذلك.
# إذا باع الإنسان بهيمة، أو جارية حاملا، واستثنى حملها لنفسه، كان جائزا،
~~فإن استثنى يدها، أو رجلها، أو عضوا منها، كان استثناؤه باطلا. PageV02P335
# وقال شيخنا في مبسوطه في باب الغرر، وإن باع بهيمة أو جارية حاملا،
~~واستثنى حملها ms0758 لنفسه، لم يجز، لأن الحمل يجري مجرى عضو من أعضائها (1).
# وقال رضي الله عنه أيضا: وإن باع جارية حبلى بولد حر، لم يجز، لأن الحمل
~~يكون مستثنى، وهذا يمنع صحة البيع (2).
# وما قدمناه من صحة استثناء الحمل للبايع، هو الصحيح الذي لا خلاف فيه،
~~بين أصحابنا، أن الحمل بمجرد العقد من الحامل للبايع (3) فكيف إذا اشترطه،
~~إلا أن يشترطه المشتري، وهذا قول شيخنا في نهايته (4)، وجميع كتبه، إلا
~~فيما أشرنا إليه، لكون هذا الكتاب مجمع مذهب المخالف له، وقد ذكر فيه
~~مذهبنا، ومذهب غيرنا، وما ذكره فيه مذهب الشافعي، لأن في أحد قوليه، أن
~~الحمل لا يتقسط الثمن عليه، ويجريه مجرى عضو من أعضاء الحامل، ومذهبنا بغير
~~خلاف بيننا، يخالف مذهب الشافعي في هذه المسألة، وابن البراج من أصحابنا،
~~نظر في هذه المسألة في المبسوط، ظنها اعتقاد شيخنا أبي جعفر، فنقلها إلى
~~جواهر الفقه، كتاب له، وعمل بها، واختارها، تقليدا لما وجده من المسطور
~~المذكور، وما استجمل لهذا الشيخ الفقيه، مع جلالة قدره، مثل هذا الغلط
~~والتقليد لما يجده في الكتب، ويضمنه كتبه، وهذا قلة تحصيل منه، لما يقوله
~~ويودعه تصانيفه، وإنما ذكرت هذه المسألة عنه على غثاثتها، لشهرتها عند من
~~يقف على جواهر الفقه، وأنها عندهم كالصحيح من القول، فذكرتها دالا على
~~عوادها.
# بذر دود القز، يجوز بيعه، ولا دليل على حظره، وكذلك دوده، لأنه مرجو
~~نفعه، بخلاف غيره من الدود، لأنه لا نفع فيه، فلا يجوز بيعه، ويجوز أيضا
~~بيع زنابير العسل، وهو النحل، إذا رآها، وقد اجتمعت في بيتها، وحبسها حتى
~~لا
# PageV02P336
# يمكنها أن تطير، جاز بيعها حينئذ، ولا يجوز بيعها وهي تطير في الهواء،
~~وكذلك لا يجوز بيع السمك في الماء، والطير في الهواء.
# وإذا استأجر أرضا ليزرعها، أو كانت له أرض مملوكة، فدخل الماء فيها،
~~والسمك، كان المالك والمستأجر أحق به، لأن غيره لا يجوز أن يتخطى في الأرض
~~المستأجرة، فإن تخطى فيها أجنبي، وأخذه، ملكه بالأخذ، لأن الصيد لمن
~~اصطاده.
# وكذلك إن عشش في ms0759 دار إنسان، أو في أرضه طائر، وفرخ فيها، أو دخل ضبي في
~~أرضه، كان صاحب الأرض والدار، أحق به، فإن خالف أجنبي، وتخطى، فأخذه، كان
~~أحق به، لأنه ملكه بالأخذ والاصطياد.
# إذا طفرت سمكة، فوقعت في زورق إنسان، فأخذها بعض الركاب، كانت له، دون
~~صاحب الزورق، لما قدمناه.
# وإذا نصب شبكة، فوقع فيها طائر، كان للناصب، وإن أخذه غيره، وجب عليه رده
~~عليه، لأنه في حكم الآخذ له ونهي النبي عليه السلام عن بيعتين في بيعته،
~~قيل أنه يحتمل أمرين، أحدهما أن يكون المراد به، إذا قال: بعتك هذا الشئ
~~بألف درهم نقدا، وبألفين نسيئة بأيهما شئت خذه، فإن هذا لا يجوز، لأن الثمن
~~غير معين، وذلك يفسد البيع، كما إذا قال: بعتك هذا العبد، أو هذا العبد،
~~أيهما شئت فخذه، لم يجز، والآخر أن يقول: بعتك عبدي هذا بألف، على أن
~~تبيعني دارك هذه بألف درهم، فهذا أيضا لا يصح، لأنه لا يلزمه بيع داره، ولا
~~يجوز أن يثبت في ذمته، لأن السلف في بيع الدار، لا يصح على ما قدمناه في
~~باب السلم.
# باب أجرة السمسار والدلال والناقد والمنادي أجرة الكيال، ووزان المتاع،
~~على البايع، لأن عليه توفية المتاع، وتسليمه إلى المشتري، ولا يقدر إلا
~~بالوزن في الموزون، والكيل في المكيل، فيجب عليه PageV02P337
# ذلك، لأن كل ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب مثله، وقد قلنا أن
~~التسليم واجب على البايع، ولا يتم التسليم، إلا بالوزن والكيل، وإفراده من
~~جنسه بهما، وأجرة الناقد للثمن، ووزانه على المبتاع، لأن عليه توفية المال
~~على الكمال لما قدمناه من الدلالة في أجرة وزن المتاع، وكيله، فلا وجه
~~لإعادة ذلك.
# ومن نصب نفسه لبيع الأمتعة، كان له أجرة البيع، على البايع الذي هو
~~موكله، دون المبتاع، ومن كان منتصبا للشراء، كان أجره على المبتاع الذي هو
~~موكله، دون البايع، فإن كان ممن يبيع ويشتري للناس، كان له أجرة ما يبيع،
~~من جهة البايع، إن كان وكيلا له، وأجرة على ما يشتري، ms0760 من جهة المبتاع، لأنه
~~وكيله في عقد الشراء بالقبول.
# ولا يجوز له أن يأخذ على سلعة واحدة أجرين، من البايع والمشتري، لأن
~~العقد لا يكون إلا بين اثنين، لأنه يحتاج إلى إيجاب وقبول، بل يأخذ الأجرة
~~ممن يكون عاقدا له، و وكيلا له، إما في الإيجاب، وإما في القبول، فليلحظ
~~ذلك.
# ولا يظن ظان على شيخنا أبي جعفر، فيما ذكره في نهايته، في قوله: " فإن
~~كان ممن يبيع ويشتري للناس، كان له أجرة على ما يبيع، من جهة البايع، وأجرة
~~على ما يشتري من جهة المبتاع " (1) إن المراد بذلك في سلعة واحدة يستحق
~~أجرين، وإنما المراد بذلك، أن كان ذلك صنعته، يبيع تارة للناس، ويشتري لهم
~~تارة، فيكون له أجرة على من يبيع له، في السلعة المبتاعة، فإن اشترى للناس
~~سلعة غيرها، كان له أجرة على من اشترى له تلك السلعة، لا أنه يشتري سلعة
~~واحدة، ويبيعها في عقد واحد، لأن المشتري غير البايع، والبايع غير المشتري،
~~وإنما مقصود شيخنا ما نبهنا عليه، فليتأمل ذلك.
# وإذا دفع الإنسان إلى السمسار متاعا، ولم يأمره ببيعه، فباعه، كان البيع
~~باطلا.
# وقال شيخنا في نهايته: كان بالخيار بين إمضاء البيع، وبين فسخه (2).
# PageV02P338
# وهذا على مذهب من قال: إن من باع ملك غيره بغير إذنه، يكون البيع موقوفا
~~على اختيار صاحبه، وقد بينا فساد ذلك، وحكينا أن شيخنا أبا جعفر رجع عن ذلك
~~في مسائل خلافه (1)، وهو الحق اليقين.
# فإن أمره ببيعه، ولم يذكر له لا نقدا ولا نسيئة كان (2) البيع باطلا.
# ومن قال بالأول قال كان صاحب السلعة بالخيار، والصحيح ما اخترناه، لأنه
~~بيع غير مأمور به، بل منهي عنه، والنهي يدل على فساد المنهى عنه.
# وكذلك إن قال: بعها نقدا، فباعها نسيئة، كان الحكم في ذلك. ما ذكرناه،
~~والخلاف ما صورناه.
# فإن قال له: بعضها نسيئة بدراهم معلومة، فباعها نقدا بدون ذلك، كان على
~~ما ذكرناه، والخلاف فيه ما حكيناه.
# وإذا اختلف الواسطة وصاحب المتاع، فقال الواسطة قلت لي: بعه بكذا وكذا، ms0761
~~وقال صاحب المتاع: بل قلت بعه بكذا، أكثر من الذي قال، ولم يكن لأحدهما
~~بينة على دعواه، كان القول في ذلك، قول صاحب المتاع مع يمينه، وله أن يأخذ
~~المتاع إن وجده بعينه، وإن كان قد أحدث فيه ما ينقصه، أو استهلك، كان صاحبه
~~مخيرا، بين أن يرجع على أيهما شاء، بقيمته أكثر ما كانت إلى يوم الهلاك،
~~فإن رجع على الواسطة، لم يكن للواسطة أن يرجع على المشتري، لأنه يقول: صاحب
~~المتاع ظلمني، فكيف يرجع بالظلم على غير الظالم؟ فأما إن رجع على المشتري،
~~فللمشتري أن يرجع على الواسطة، بمنافعه التي ضمنها، التي لم يحصل له في
~~مقابلتها نفع، فأما الثمن فلا يرجع عليه به، لأن الاتلاف حصل في يده، فإن
~~اختلفا في القيمة، كان القول قول الجاحد لزيادة ما اتفقا عليه، وهو
~~الواسطة، أو المشتري، وصاحبه يدعي أكثر من ذلك، فعليه
# PageV02P339
# البينة، لقوله عليه السلام المتفق عليه " على الجاحد اليمين وعلى المدعي
~~البينة " (1).
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإن كان قد أحدث فيه ما ينقصه، أو
~~استهلك، ضمن الواسطة من الثمن (2)، ما حلف عليه صاحب المتاع (3).
# وهذا غير واضح، لأن صاحب المتاع، للزيادة والمدعى عليه (4) البينة، ولا
~~يكون القول قوله في ذلك مع يمينه، على ما دللنا عليه.
# وإذا اختلفا في النقد، كان القول قول صاحبه، لأن الواسطة هو المدعي
~~هاهنا، وصاحبه، الجاحد المنكر، فالقول قوله في ذلك مع يمينه.
# ومتى هلك المتاع من عند الواسطة، من غير تفريط من جهته، كان من مال
~~صاحبه، ولم يلزم الواسطة شئ، لأنه أمين، فإن كان هلاكه بتفريط من جهة
~~الواسطة، كان ضامنا لقيمته يوم تفريطه فيه.
# فإن اختلفا في التفريط، كان على صاحب المتاع، البينة، أن الواسطة فرط
~~فيه، فإن عدمها، فعليه اليمين بأنه لم يفرط في ذلك، ولم يلزمه شئ.
# وإذا قال الإنسان لغيره: بع لي هذا المتاع، ولم يسم له ثمنا، فباعه بفضل
~~من قيمته، كان البيع ماضيا، لأنه زاده خيرا، والثمن على تمامه وكماله لصاحب
~~المتاع، ms0762 وإن باعه بأقل من ثمنه، كان البيع غير صحيح.
# وقال شيخنا في نهايته: كان ضامنا لتمام القيمة، حتى يسلمها إلى صاحب
~~المتاع على الكمال، ولا ضمان على الواسطة فيما يغلبه عليه ظالم، والدرك في
~~جودة المال على المشتري، وفي جودة المتاع على بايعه، دون الواسطة في
~~الابتياع (5)، لأنه وكيل، والوكيل لا درك عليه، بل العهدة والدرك يرجع على
# PageV02P340
# موكله، في جميع ما يعاد من الاستدراكات والاستحقاقات.
# وهذا القول، قول شيخنا أبي جعفر في نهايته: إلا أنه ذهب في الجزء الثاني،
~~من مسائل خلافه، في كتاب الرهن، فقال: مسألة، إذا باع العدل الرهن بتوكيل
~~الراهن، وقبض الثمن، وضاع في يده، واستحق المبيع من يد المشتري، فإنه يرجع
~~على الوكيل، والوكيل يرجع على الراهن، وكذلك كل وكيل باع شيئا، فاستحق،
~~وضاع الثمن في يد الوكيل، فإن المشتري يرجع على الوكيل، والوكيل على
~~الموكل، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي في جميع هذه المسائل، يرجع على
~~الموكل، دون الوكيل (1).
# إلا أنه رحمه الله، رجع عن هذا القول، وعاد إلى ما ذهب إليه في نهايته،
~~في كتاب التفليس، من الجزء الثاني أيضا، من مسائل خلافه، فقال: مسألة: إذا
~~باع الوكيل على رجل ماله، أو الولي مثل الأب والجد، والحاكم، وأمينه،
~~والوصي، ثم استحق المال على المشتري، فإن ضمان العهدة يجب على من بيع عليه
~~ماله، فإن كان حيا، كان في ذمته، وإن كان ميتا، كانت العهدة في تركته، وبه
~~قال الشافعي، وقال أبو حنيفة، يجب على الوكيل (2).
# فاختار رحمه الله، في تلك المسألة التي في كتاب الرهن، قول أبي حنيفة، ثم
~~اختار في هذه المسألة التي ذكرها في كتاب التفليس، قول الشافعي.
# ثم دل عليه، فقال: دليلنا أن الأصل براءة الذمة، ولا دليل على لزوم ذلك
~~للوكيل، وهو لا يملك، فيجب أن يلزم الموكل، وإلا لم يكن من استحق عليه (3).
# هذا آخر كلامه رحمه الله، وهو الذي اخترناه، ونصرناه، لأن يد الوكيل، هي
~~يد موكله، وقائمة مقامها، ونائبة منابها.
# PageV02P341
# باب ابتياع الحيوان وأحكامه قد ms0763 بينا أن الشرط في الحيوان كله ثلاثة أيام،
~~يثبت الخيار فيها للمشتري خاصة، دون البايع، على الصحيح من الأقوال، فإن
~~حدث في هذه الثلاثة الأيام فيه حدث، أو هلكت عينه، كان من مال البايع، دون
~~المشتري، ما لم يحدث فيه المشتري حدثا مؤذنا بالرضا، فإن أحدث فيه حدثا،
~~كان ذلك مبطلا لخياره، ولم يكن له بعد ذلك رده، فإن لم يحدث فيه حدثا، إلا
~~أنه وجد فيه عيبا قبل عقدة البيع، فله رده وأخذ ثمنه، أو إمساكه وأخذ
~~الأرش، سواء مضت الثلاثة الأيام، أو لم تمض، فإن حدث في الثلاثة الأيام
~~حدث، ينضاف إلى الحدث المتقدم على عقدة البيع، فله رده ما لم يتصرف فيه، أو
~~إمساكه وأخذ أرش العيب المتقدم دون العيب الحادث في الثلاثة الأيام، فإن
~~حدث فيه بعد الثلاثة الأيام حدث، ينضاف إلى الحدث الذي قبل عقدة البيع، لم
~~يكن له رده، وله أرش العيب المتقدم، فحسب، دون الرد.
# فإن لم يكن فيه عيب متقدم، ولا حدث فيه عيب في الثلاثة الأيام، إلا أن
~~المشتري تصرف فيه تصرفا مؤذنا بالرضا، قبل مضي الثلاثة الأيام، بطل الرد،
~~فإن لم يتصرف فيه، بل مضت الثلاثة الأيام، وتقضت، بطل أيضا الرد، إلا أن
~~يجد فيه عيبا، كان فيه قبل عقدة البيع، ولم يكن قد تصرف فيه، لا في الثلاثة
~~الأيام، ولا بعدها، فله أيضا الرد، إلا أن يحدث عيب بعد الثلاثة الأيام،
~~ينضاف إلى العيب المتقدم، فليس له الرد، بل له أرش العيب المتقدم فحسب، دون
~~الرد.
# ولا يصح أن يملك الإنسان أحد والديه، ولا واحدا من أولاده، ذكرا كان أو
~~أنثى، ولا واحدة من المحرمات عليه من جهة النسب، مثل الأخت، وبناتها، وبنات
~~الأخ، والعمة، والخالة، ويصح أن يملك من الرجال، ما عدا الوالد والولد، من
~~الأخ، والعم، والخال، ومتى حصل واحدة من المحرمات الآتي PageV02P342
# ذكرنا هن في ملكه، فإنهن ينعتقن في الحال.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وكل من ذكرناه، ممن لا يصح ملكه، من جهة
~~النسب، ms0764 فكذلك لا يصح ملكه من جهة الرضاع (1).
# والصحيح من المذهب، أنه يصح أن يملكهن، إذا كن أو كانوا من جهة الرضاع،
~~وهو مذهب شيخنا المفيد في مقنعته (2)، وهو الحق اليقين، لأن الإجماع على من
~~اتفقنا على إعتاقه، والأصل بقاء الرق وثبوته، فمن ادعى العتاق، والخروج عن
~~الأملاك، يحتاج إلى دليل شرعي، لأنه حكم شرعي.
# وجملة الأمر، وعقد الباب، أن نقول: ذو والقربى من جهة النسب، رجال ونساء،
~~فالرجال العمودان، الآباء وإن علوا، والأبناء وإن سفلوا، متى حصلوا في
~~الملك، انعتقوا في الحال، وخرجوا من الأملاك، بغير اختيار المالك، وما
~~عداهم من الرجال، لا ينعتقون، بل يرقون، فأما النساء، فمن يحرم نكاحه على
~~مالكها، تنعتق على من ملكها، من غير اختياره ورضاه، وما عداهن من النساء،
~~لا ينعتقن إلا باختياره ورضاه، فأما الأقارب من جهة السبب رضاع وغيره،
~~فالصحيح من المذهب، أنهم يملكون، ولا ينعتق واحد منهم، إلا برضا مالكه
~~واختياره، رجالا كانوا أو نساء.
# ومتى ملك أحد الزوجين زوجه، بطل العقد بينهما في الحال.
# وكل من اشتري شيئا من الحيوان، وكان حاملا، من الأناسي وغيره، ولم يشترط
~~الحمل، كان ما في بطنه للبايع، دون المبتاع، بمجرد العقد، فإن اشترط
~~المبتاع ذلك كان له.
# وقد ذكرنا أن شيخنا أبا جعفر قال في مبسوطه، أن البايع لا يجوز له أن
~~يشترط الحمل، لأنه كعضو من أعضاء الحامل (3)، وكذلك قال ابن البراج في
# PageV02P343
# جواهر فقهه (1).
# وبينا أن هذا مذهب الشافعي، لا اعتقاد شيخنا أبي جعفر، لأنه يذكر في
~~كتابه المشار إليه، مذهبنا، ومذهب غيرنا، فابن البراج ظن على أنه اعتقاد
~~شيخنا أبي جعفر، ومذهبه، فقلده ونقله، وضمنه كتاب جواهر الفقه، وإنما قلنا
~~ذلك، لأن إجماع أصحابنا بغير خلاف بينهم، منعقد على أن بمجرد العقد يكون
~~الحمل للبايع، إلا أن يشترطه المبتاع، وهذا مذهب شيخنا أبي جعفر، في جميع
~~تصنيفاته، وكتبه، ما عدا ما ذكرناه، واعتذرنا له به، من ذكره مذهب المخالف
~~لنا.
# ولا يجوز أن يشتري الإنسان عبدا آبقا، على الانفراد، فإن اشتراه ms0765 لم ينعقد
~~البيع.
# وقال السيد المرتضى: إذا كان بحيث يقدر عليه، ويعلم موضعه، جاز شراؤه
~~منفردا، ولا يمنع مما قاله رحمه الله مانع، لأن الغرر زال، وهو داخل في
~~قوله تعالى: " وأحل الله البيع وحرم الربوا "، فأما إذا كان بحيث لا يقدر
~~عليه، فلا خلاف أنه لا يجوز بيعه منفردا، إلا إذا اشتراه مع شئ آخر، من
~~متاع أو غيره، منضم إلى العقد، فيكون العقد ماضيا والشراء صحيحا بغير خلاف
~~أيضا، لأنه أمن الغرر في ذلك.
# ومن ابتاع عبدا، أو أمة، وكان لهما مال، كان مالهما للبايع، دون المبتاع،
~~اللهم إلا أن يشترط المبتاع ماله، فيكون حينئذ له، دون البايع، سواء كان ما
~~معه أكثر من ثمنه، أو أقل منه، هكذا أورده شيخنا في نهايته مطلقا (2).
# والأولى تحرير ذلك، وتقييده، وهو أن يقال: إن كان ما مع العبد من جنس
~~الثمن، فلا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكون أقل من الثمن، أو مثله، أو
~~أكثر منه، فإن كان ما معه أقل من الثمن، كان البيع صحيحا، وإن كان مثله، أو
~~أكثر، فالبيع غير صحيح، بغير خلاف، لأنه ربا، مثلا إذا كان مع العبد
# PageV02P344
# عشرون دينارا، وباعه بعشرين دينارا، أو بتسعة عشر دينارا، فالبيع باطل،
~~لأن هذا هو الربا المنهي عنه بغير خلاف، فأما إذا كان الثمن من غير الجنس
~~الذي مع العبد، فالبيع صحيح، لأنه آمن فيه الربا، لاختلاف الجنس، فليلحظ
~~ذلك.
# فإن شيخنا أبا جعفر، حرره وقيده (1) في مسائل خلافه، فقال: مسألة إذا كان
~~مع العبد مائة درهم، فباعه بمائة درهم، لم يصح البيع، فإن باعه بمائة درهم
~~ودرهم صح، وبه قال أبو حنيفة، وللشافعي فيه قولان، دليلنا قوله تعالى: "
~~وأحل الله البيع " والمنع منه يحتاج إلى دليل، هذا آخر كلام شيخنا في مسائل
~~الخلاف (2).
# ويجوز ابتياع أبعاض الحيوان، كما يصح ابتياع جميعه، وكذلك تصح الشركة
~~فيه.
# وإذا ابتاع اثنان عبدا أو أمة، ووجدا به عيبا، وأراد أحدهما الأرش،
~~والآخر الرد، لم يكن لهما إلا واحد منهما، حسب ms0766 ما يتراضيان عليه، هكذا
~~أورده، وذهب إليه شيخنا أبو جعفر في نهايته (3).
# وذهب في مسائل خلافه، إلى غير ذلك، وقال لمن أراد الرد الرد، ولمن أراد
~~الإمساك الإمساك، وأخذ أرش العيب، فقال: مسألة إذا اشترى الشريكان عبدا
~~بمال الشركة، ثم أصابا به عيبا، كان لهما أن يرداه، وكان لهما إمساكه، فإن
~~أراد أحدهما الرد، والآخر الإمساك، كان لهما ذلك، وبه قال الشافعي، وقال
~~أبو حنيفة: إذا امتنع أحدهما من الرد، لم يكن للآخر أن يرده، دليلنا أن
~~المنع من الرد بالعيب، يحتاج إلى دليل، والأصل جوازه، وليس هاهنا ما يدل
~~على المنع منه (4)، وإلى هذا القول أيضا ذهب في مبسوطه (5).
# قال محمد بن إدريس: وإلى هذا أذهب، وبه أفتي وأعمل، لأن منع الرد
# PageV02P345
# بالعيب يحتاج إلى دليل، ومنع الرضا بالعقد، وأخذ الأرش يحتاج إلى دليل،
~~ولأن الملك بالعقد وقع لاثنين، فهو بمنزلة العقدين، لأن البايع قد علم أنه
~~يبيعه من اثنين، ومنع من الرد، قال: لأن القبول في العقد، كان واحدا، كما
~~لو اشتراه لنفسه وحده، وهذا ليس بشئ، لأنا قد بينا أنه لعاقدين، لأنه
~~بمنزلة العقدين، لأن شريكه وكله في الشري له، فاشترى هو لنفسه، ولشريكه،
~~ولا يرجع عن الأدلة القاهرة، بأخبار الآحاد، إن كانت وردت.
# ومن اشترى جارية، لم يجز له وطؤها في القبل، إلا بعد أن يستبرئها بحيضة،
~~إن كانت ممن تحيض، وإن كانت ممن لا تحيض، فخمسة وأربعون يوما، وإن كانت
~~آيسة من المحيض، ومثلها لا تحيض، لم يكن عليها استبراء.
# ويجب على البايع أن يستبرئ الأمة، قبل بيعها، إذا كان يطأها، وإن كان لم
~~يطأها، لم يجب عليه استبراء، ومتى استبرأها، وكان عدلا مرضيا، وأخبر بذلك،
~~جاز للمبتاع أن يعول على قوله، ولا يستبرئها، على ما روي في بعض الأخبار
~~(1) والواجب على المشتري، استبراؤها على كل حال.
# وقال شيخنا أبو جعفر، في مسائل خلافه: إذا ملك أمه بابتياع، أو هبة، أو
~~إرث، أو استغنام، فلا يجوز له وطؤها، إلا بعد الاستبراء، إلا إذا كانت في ms0767
~~سن من لا تحيض، من صغر، أو كبر، فلا استبراء عليها (2).
# قال محمد بن إدريس: الذي رواه أصحابنا في تصانيفهم، الخالية من فروع
~~المخالفين وقياساتهم، ونطقت به أخبار الأئمة عليهم السلام، أن الاستبراء لا
~~يجب إلا على البايع، والمشتري، ولم يذكروا غير البايع و المشتري، فيجب
~~عليهما الاستبراء فأما من عداهما لم يرووا فيه شيئا، والأصل براءة الذمة من
~~الأمور الشرعية بغير أدلة قاطعة للأعذار، والتمسك بقوله تعالى: " أو ما
~~ملكت
# PageV02P346
# أيمانكم " (1) وهذه مما ملكت أيماننا " إلا ما أخرجه الدليل القاطع من
~~الأمة المشتراة إذا أراد المشتري وطيها وأراد البايع بيعها. وكان يطأها
~~وبقي الباقي على حكم الآية والأصل " وإنما هذه (2) فروع أبي حنيفة
~~والشافعي، وغيرهما يوردها شيخنا في هذا الكتاب، أعني مسائل خلافه، ويقوى
~~عنده ما يقوى منها ويتحدث عليه معهم، ولأجل هذا كثيرا ما يرجع عن أقواله
~~معهم في غير ذلك الموضع، فالأولى التمسك بأخبار أصحابنا المتواترة،
~~وتصانيفهم المجمع عليها، الخالية من الفروع.
# ومن اشترى من سوق المسلمين عبدا، أو أمة، فادعيا الحرية لم يلتفت إلى
~~دعواهما، إلا ببينة.
# ويكره التفرقة بين الأطفال وأمهاتهم، إذا ملكوا، حتى يستغنوا عنهن، وحد
~~ذلك سبع سنين أو ثمان سنين (3)، وليس ذلك بمحظور.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، في الجزء الثاني في باب ابتياع الحيوان:
~~ولا يجوز التفرقة بين الأطفال وأمهاتهم، إذا ملكوا حتى يستغنوا عنهن (4).
# ورجع عن ذلك وقال بما اخترناه، في كتاب العتق في نهايته، أيضا، في الجزء
~~الثاني، فإنه قال: ويكره أن يفرق بين الولد وبين أمه، وينبغي أن يباعا معا،
~~وليس ذلك بمحظور (5).
# وهذا هو الصحيح من الأقوال، لأن الإنسان مسلط على ملكه، يعمل به ما شاء،
~~وما ورد في ذلك محمول على الكراهة، دون الحظر.
# ومتى اشترى جارية فأولدها، ثم ظهر له أنها كانت مغصوبة لم تكن لبايعها،
~~كان لمالكها انتزاعها من يد المبتاع، وقيمة الولد ومهر أمثالها، وأجرة
~~مثلها، ما دامت في يده، وللمبتاع الرجوع إلى البايع بما قبضه من ثمنها،
~~وغرمه عن
# PageV02P347
# قيمة ولدها، ms0768 وعن أجرتها، إن كان لم يحصل له انتفاع، واستخدام، وليس له أن
~~يرجع عليه بما غرمه، عن وطيها، لأنه حصل له بدلا منه انتفاع، ولذة،
~~واستمتاع.
# وجملة الأمر، وعقد الباب، إن كل ما دخل على أنه له بعوض، وهو قيمة
~~الرقبة، فإنه يرجع به على البايع، وهو الثمن، وكل ما دخل على أنه له بغير
~~عوض، فإن لم يحصل له مقابلته نفع، وهو قيمة الولد، رجع به على البايع، وإن
~~حصل له في مقابلته نفع، وهو مثل المهر في مقابلة الاستمتاع، لم يرجع به على
~~البايع.
# ولا بأس ببيع أمهات الأولاد بعد موت أولادهن على كل حال، ولا يجوز بيعهن
~~مع وجود أولادهن، إلا في ثمن أرقابهن، بأن يكون دينا على مولاها، بأن
~~يشتريها بثمن في ذمته أو بأن يستدين ثمنا، ويشتريها بعينه.
# وإذا مات السيد، وخلف أم ولد وولدها، وأولادا جعلت في نصيب ولدها، فإذا
~~حصلت في نصيبه، انعتقت في الحال، وإن لم يخلف الميت غيرها، انعتقت بنصيب
~~ولدها، واستسعيت فيما لباقي الورثة من غيرها.
# ولا بأس أن يشتري الإنسان ما يسبيه الظالمون، إذا كانوا مستحقين للسبي،
~~ولا بأس بوطء من هذه صفتها، وإن كانت حقا للإمام، لم يصل إليه، لأن ذلك قد
~~جعله لشيعته، من ذلك في حل، وسعة، لإجماع أصحابنا على ذلك.
# وفقه ذلك، أن كل سرية، غزت بغير إذن الإمام، فما غنمت من أهل الحرب، فهو
~~فئ، جميعه لإمام المسلمين، فلأجل هذا، قلنا وإن كانت حقا للإمام.
# وقال شيخنا أبو جعفر، في نهايته: ولا بأس بوطء من هذه صفتها، وإن كان فيه
~~الخمس لمستحقيه، لم يصل إليهم، لأن ذلك قد جعلوه لشيعتهم من ذلك في حل وسعة
~~(1).
# وهذا ليس بواضح، لأن هذا السبي، جميعه لإمام المسلمين، على ما
# PageV02P348
# قررناه، فمن أين فيه الخمس فحسب، وهذا لفظ الحديث (1)، أورده شيخنا
~~إيرادا، لا اعتقادا، على ما تكرر اعتذارنا له وعلى ما اعتذر هو لنفسه، في
~~خطبة مبسوطه.
# ومن قال لغيره: اشتر حيوانا أو غيره بشركتي، والربح بيني وبينك، ms0769 فاشتراه،
~~ثم هلك الحيوان، كان الثمن بينهما، كما لو زاد في ثمنه، كان أيضا بينهما
~~على ما اشترطا عليه، فإن اشترط عليه أنه يكون له الربح إن ربح، وليس عليه
~~من الخسران شئ، كان على ما اشترطا عليه، هكذا أورده شيخنا في نهايته (2).
# قال محمد بن إدريس: معنى أنه " إذا قال لغيره: اشتر حيوانا بشركتي "
~~المراد به انقد عني نصف الثمن، أو ما يختاره، ويجعله قرضا عليه، وإلا فما
~~تصح الشركة، إلا هكذا، فأما قول شيخنا رحمه الله " فإن اشترط عليه أن يكون
~~له الربح إن ربح، وليس عليه من الخسران شئ كان على ما اشترطا عليه " فليس
~~بواضح ولا مستقيم، لأنه مخالف لأصول المذهب، لأن الخسران على رؤوس الأموال،
~~بغير خلاف، فإذا شرط أنه على واحد من الشريكين، كان هذا شرطا يخالف الكتاب
~~والسنة، لأن السنة جعلت الخسران على قدر رؤوس الأموال.
# والوصي، والمتولي للنظر في أموال اليتامى " لأنه ليس كل متول على أموال
~~اليتامى وصيا، وكل وصي على أموالهم، متول عليها، فلأجل هذا قلنا الوصي
~~والمتولي للنظر في أموال اليتامى " لا بأس أن يبيع من مالهم، العبد والأمة،
~~إذا رأى ذلك صلاحا، ولا بأس لمن يشتري الجارية منه، أن يطأها، ويستخدمها،
~~غير حرج في ذلك، ولا إثم.
# ولا بأس بشراء المماليك من الكفار، إذا أقروا لهم بالعبودية، أو قامت لهم
~~البينة بذلك، أو كانت أيديهم عليهم.
# PageV02P349
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ولا بأس بشراء المماليك من الكفار، إذا
~~أقروا لهم بالعبودية (1).
# وهذا دليل الخطاب، ولم ينف الشراء، إذا قامت لهم بينة بالعبودية.
# وإذا اشتريت مملوكا، فإنه يكره أن يري ثمنه في الميزان، لأنه لا يفلح،
~~على ما جاء في الأخبار (2).
# وروي في بعض الأخبار، أن من اشترى من رجل عبدا، وكان عند البايع عبدان،
~~فقال للمبتاع: اذهب بهما، فاختر أيهما شئت، ورد الآخر، وقبض المال، فذهب
~~بهما المشتري، فأبق أحدهما من عنده، فليرد الذي عنده منهما، ويقبض نصف
~~الثمن مما أعطى، ويذهب في طلب الغلام، فإن وجده، ms0770 اختار حينئذ أيهما شاء،
~~ورد النصف الذي أخذه، وإن لم يجد، كان العبد بينهما نصفين (3).
# أورد ذلك شيخنا في نهايته (4) وهذا خبر واحد لا يصح، ولا يجوز العمل به،
~~لأنه مخالف لما (5) عليه الأمة بأسرها، مناف لأصول مذهب جميع أصحابنا،
~~وفتاويهم، وتصانيفهم، وإجماعهم، لأن المبيع إذا كان مجهولا، كان البيع
~~باطلا، بغير خلاف، وقوله: " يقبض نصف الثمن ويكون العبد الآبق بينهما ويرد
~~الباقي من العبدين " فيه اضطراب كثير، وخلل كبير، إن كان الآبق الذي وقع
~~عليه البيع، فمن مال مشتريه، والثمن بكماله لبايعه، وإن كان الآبق غير من
~~وقع عليه البيع، والباقي الذي وقع عليه البيع، فلأي شئ يرده.
# وإنما أورد شيخنا هذا الخبر، على ما جاء بلفظه إيرادا، لا اعتقادا، لأنه
~~رجع عنه في مسائل خلافه، في الجزء الثاني من مسائل خلافه، في كتاب السلم،
~~فلو كان عنده صحيحا لما رجع عنه، فقال: مسألة، إذا اشتريت
# PageV02P350
# منك أحد هذين العبدين بكذا، أو أحد هؤلاء العبيد الثلاثة بكذا، لم يصح
~~الشراء، به قال الشافعي، ثم قال: دليلنا أن هذا بيع مجهول، فيجب أن لا يصح
~~بيعه، ولأنه بيع غرر، لاختلاف قيمتي العبدين، ولأنه لا دليل على صحة ذلك في
~~الشرع، وقد ذكرنا هذه المسألة في البيوع، وقلنا: إن أصحابنا رووا جواز ذلك
~~في العبدين، فإن قلنا بذلك، تبعنا فيه الرواية، ولم نقس غيرها عليها، هذا
~~آخر المسألة، وآخر كلام شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله (1).
# ألا ترى إلى إيراده الأدلة الكثيرة على بطلان ذلك، ثم جعله رواية، وإن
~~كان من جهة أصحابنا لأن أصحابنا قد رووا الآحاد والمتواترة، فلا يظن ظان
~~بشيخنا، أنه إذا وجد في كتبه أن هذا رواه أصحابنا، أن جميعهم رووه، أو كلهم
~~قائل به، عامل عليه، لأن ذلك يكون إجماعا أو تواترا، وإنما مقصوده، أن هذا
~~روي من جهة أصحابنا وطريقهم، لا من جهة المخالفين وطرقهم.
# وإذا كانت الجارية بين شركاء، فتركوها عند واحد منهم، فوطأها، فإنه يدرأ
~~عنه الحد، لأن الحدود تدرأ بالشبهات، هذا إذا ms0771 قال اشتبه علي الحال، فظننت
~~أنه يحل لكل منا وطؤها، فأما إذا لم يقل ذلك، ولم يشتبه عليه، ولا ادعاه،
~~بل علم أنه لا يجوز له، وقال: أنا عالم بذلك، فإنه يدرأ عنه من الحد، بقدر
~~ما له منها من الثمن، ويضرب بمقدار ما لغيره من القيمة، وتقوم الأمة قيمة
~~عادلة، ويلزمها، فإن كانت القيمة أقل من الثمن الذي اشتريت به، ألزم ثمنها
~~الأول، وإن كان قيمتها في ذلك اليوم الذي قومت فيه، أكثر من ثمنها، ألزم
~~ذلك الأكثر، وإن أراد واحد من الشركاء الجارية، كان له أخذها، ولا يلزمه
~~إلا ثمنها الذي تساوى في الحال.
# هذا على ما روي في بعض الأخبار (2) أورده شيخنا في نهايته (3) إيرادا لا
~~اعتقادا.
# PageV02P351
# والأولى أن يقال: لا يلزم الواطئ لها شيئا، سوى الحد الذي ذكرناه، على ما
~~صورناه، إلا أن تكون بكرا، فيأخذ عذرتها، فيلزمه ما بين قيمتها بكرا، أو
~~غير بكر، ويسقط عنه ما يخصه من ذلك، ويستحق الباقي باقي الشركاء، فأما إن
~~كانت غير بكر، فلا يلزم ذلك، هذا إذا لم يحبلها، فأما إذا أحبلها بولد،
~~فإنه يغرم ثمنها الذي تساوى يوم جنايته عليها، وثمن ولدها يوم يسقط حيا، إن
~~لو كان عبدا ويسقط من ذلك بمقدار حصته من الثمنين، فإن كانت بكرا، فعلى ما
~~تقدم القول فيها، لا يختلف الحكم.
# فهذا تحرير هذه الفتيا، على ما تقتضيه أصول المذهب المقررة، ولا يلتفت
~~إلى أخبار الآحاد، لأنها لا توجب علما ولا عملا، ولا تترك لها الأدلة
~~الظاهرة، والبراهين الواضحة الزاهرة.
# والمملوكان إذا كانا مأذونين لهما في التجارة، فاشترى كل واحد منهما
~~صاحبه من مولاه، فكل من سبق منهما بالبيع، كان له البيع، وكان الآخر مملوكا
~~له، وإن اتفق أن يكون العقدان (1) في حالة واحدة، كان العقد باطلا.
# وقد روي أنه يقرع بينهما، فمن خرج اسمه كان البيع له، ويكون الآخر مملوكه
~~(2).
# وهذه الرواية لا يمكن المصير إليها، لأن القرعة تستعمل في الأشياء التي
~~يجوز وقوع الصحة فيها، وصحة أحدهما، وبطلان الحكم ms0772 الآخر، وهذا السؤال مبني
~~على أنه وقع العقد في حالة واحدة، وتحقق وتيقن ذلك.
# وقد روي أنه يذرع الطريق (3).
# والأول من الأقوال، هو الصحيح الذي يقوى في نفسي.
# وقد روي (4) أنه إذا قال مملوك إنسان لغيره: اشترني، فإنك إذا اشتريتني،
~~كان لك علي دين شئ معلوم، فاشتراه، فإن كان المملوك في حال ما قال
# PageV02P352
# ذلك له مال، لزمه أن يعطيه ما شرط له وإن لم يكن له مال في تلك الحال، لم
~~يكن عليه شئ على حال.
# وهذه رواية أوردها شيخنا في نهايته (1) إيرادا لا اعتقادا، لأن العبد
~~عندنا لا يملك شيئا، لقوله تعالى: " عبدا مملوكا لا يقدر على شئ " (2) فنفى
~~تعالى، أن يقدر العبد على شئ، فلا يصح القول بذلك، فأما على قول بعض
~~أصحابنا، أنه يملك فضل الضريبة، وأروش الجنايات، يصح ذلك.
# والصحيح من المذهب، أنه لا يملك ذلك أيضا للآية، ولأن تملكه ذلك يحتاج
~~إلى دليل، لأنه حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي.
# وإذا أراد الإنسان شراء أمة، جاز له أن ينظر إلى وجهها، ومحاسنها، نظرا
~~من غير شهوة، بل نظرا للتقليب والرؤية بحالها، ولا يجوز له ذلك، وهو لا
~~يريد شراءها على حال.
# وإذا كان لإنسان جارية فجاءت بولد من الزنا، جاز له بيعها، وبيع الولد،
~~وتملكه، فإنه مملوك له، ويجوز له أن يحج بذلك الثمن، ويتصدق به، وينفقه على
~~نفسه، حسب ما أراد، لأنه حلال له.
# ويجتنب وطء من ولد من الزنا، مخافة العار، لا أنه حرام، بل ذلك على جهة
~~الكراهة، بالعقد والملك معا، فإن كان لا بد فاعلا فليطأهن بالملك، دون
~~العقد، وليعزل عنهن، هكذا ذكره شيخنا في نهايته (3).
# والذي تقتضيه الأدلة وأصول المذهب، إن وطء الكافرة حرام، لقوله تعالى: "
~~ولا تمسكوا بعصم الكوافر " (4) وقوله: " ولا تنكحوا المشركات " (5) ولا
~~خلاف بين أصحابنا، أن ولد الزنا كافر، وإنما أجمعنا على وطء اليهودية
~~والنصرانية بالملك، والاستدامة، والباقيات من الكافرات على ما هن عليه من
# PageV02P353
# الآيات، والتخصيص يحتاج إلى دليل، وليس العموم إذا خص، ms0773 يصير مجازا، بل
~~الصحيح من قول محصلي أصول الفقه، أنه يصح التمسك بالعموم، إذا خص بعضه،
~~فليلحظ ذلك.
# واللقيط لا يجوز بيعه، ولا شراؤه، لأنه حر، وحكمه حكم الأحرار، حتى أن
~~محصلي أصحابنا قالوا أنه إذا كبر، وأقر على نفسه بالعبودية، لا يقبل
~~إقراره، وقال بعضهم: إنه يقبل إقراره، لأن إقرار العقلاء جائز على نفوسهم،
~~إلا الأحرار المشهوري الأنساب إذا أقروا بالعبودية، فلا يقبل إقرارهم، وهذا
~~ما هو مشهور بنسب.
# والصحيح أنه لا يقبل إقراره بالعبودية، لأن الشارع حكم عليه بالحرية.
# ولا يجوز للإنسان أن يشتري شيئا من الغنم، أو غيره من الحيوان، من جملة
~~قطيع، بشرط أن ينتفي خيارها، لأن ذلك مجهول، بل ينبغي أن يميز ما يريد
~~شراءه، أو يعينه بالصفة.
# وإذا اشترك نفسان في شراء إبل، أو بقر، أو غنم، ووزنا المال، وقال واحد
~~منهما، أن لي الرأس والجلد، بما لي من الثمن، كان ذلك باطلا، ويقسم ما
~~اشترياه على أصل المال بالسوية.
# ومتى اشترى الإنسان حيوانا، فهلك في مدة الثلاثة الأيام، قبل التصرف من
~~المشتري فيه فإنه يهلك من (1) مال بايعه، كما قدمناه، وكان لبايعه أن يحلفه
~~بالله تعالى: أنه ما كان أحدث فيه حدثا، فإن حلف، برئ من العهدة واسترجع
~~الثمن، وكان من مال البايع، وإن امتنع من اليمين، ونكل عنها، رد الحاكم
~~اليمين على البايع، فإذا حلف أنه أحدث فيه حدثا، لزم المشتري البيع، وكان
~~هلاكه من ماله، دون مال بايعه.
# وقال شيخنا في نهايته: وإن امتنع المشتري من اليمين، لزمه البيع، ووجب
# PageV02P354
# عليه الثمن (1).
# وهذا لا يجوز، لأنه قضاء بمجرد النكول، ولا يجوز عندنا القضاء بمجرد
~~النكول، بل لا بد بعد النكول من انضمام اليمين إليه، لأن النكول كالشاهد
~~الواحد، أو اليد المتصرفة، لأن الأموال لا تنتقل عن ملاكها إلى الغير، إلا
~~إما بإقرار أو شاهدين، أو شاهد ويمين، أو نكول ويمين، وهذا مذهب شيخنا في
~~مسائل خلافه (2)، ومبسوطه (3)، ومذهب جميع أصحابنا.
# وإذا باع الإنسان بعيرا، أو بقرا، أو غنما، واستثنى الرأس والجلد، ms0774 كان
~~ذلك جائزا صحيحا، لأنه استثنى معلوما من معلوم، وهو مذهب السيد المرتضى،
~~يناظر فيه المخالفين لنا عليه، في انتصاره (4)، ولأنه لا دليل على خلاف
~~ذلك، من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع، لأن أصحابنا مختلفون في ذلك،
~~وقال تعالى: " وأحل الله البيع وحرم الربوا " وهذا بيع.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته وفي سائر كتبه: إذا باع الإنسان بعيرا، أو
~~بقرا، أو غنما، واستثنى الرأس والجلد، كان شريكا للمبتاع بمقدار الرأس
~~والجلد (5)، معتمدا على خبر ضعيف (6)، رواه إسماعيل بن أبي زياد السكوني،
~~وهذا الراوي عامي المذهب، وإن كان يروي عن الصادق عليه السلام، فكيف يترك
~~الأدلة القاهرة لرواية هذا الرجل؟ وشيخنا المفيد رحمه الله لم يقبل به، ولا
~~يودعه كتابه.
# وإذا اشترى الإنسان ثلاث جوار مثلا كل واحدة منهن بثمن معلوم، ثم حملهن
~~إلى البيع، الذي هو النخاس، وقال له: بع هؤلاء الجواري، ولك علي
# PageV02P355
# نصف الربح، فباع ثنتين منهن بفضل، وأحبل صاحبهن الثلاثة، لزمه أن يعطيه
~~نصف الربح فيما باع، وليس عليه فيما أحبل شئ من الربح، هكذا أورده شيخنا
~~أبو جعفر في نهايته (1).
# وقد تكلمنا على مثل هذا، في باب السمسار والدلال، وقلنا إن هذا لا يلزم،
~~بل يستحق أجرة المثل، فيما باع فحسب، ولولا إيراد شيخنا لهذه المسألة في
~~نهايته، ما أوردتها في كتابي هذا، لأنها قليلة الفقه، سهلة المأخذ، وإنما
~~حداه رحمه الله على إيرادها، لأن بعض أخبار الآحاد ورد بها (2)، فأوردها
~~على ما هي عليه، إيرادا لا اعتقادا.
# وقد روي أن من اشترى جارية، كانت سرقت من أرض الصلح، كان له ردها على من
~~اشتراها منه، واسترجاع ثمنها، وإن كان قد مات، فعلى ورثته، فإن لم يخلف
~~وارثا، استسعيت الجارية في ثمنها (3).
# قال محمد بن إدريس، رحمه الله: كيف تستسعى هذه الجارية بغير إذن صاحبها؟
~~وكيف تعتق، ولا على ذلك دليل، وقد ثبت أنها ملك الغير؟ والأولى أن تكون
~~بمنزلة اللقطة، بل يرفع خبرها إلى حاكم المسلمين، ليجتهد في ردها على من
~~سرقت ms0775 منه، فهو الناظر في أمثال ذلك.
# وقد روي (4) أن من أعطى مملوك غيره، وكان المملوك مأذونا له في التجارة
~~مالا، ليعتق عنه نسمة، ويحج عنه فاشترى المملوك أباه، وأعتقه، وأعطاه بقية
~~المال، ليحج عن صاحب المال، ثم اختلف مولى المملوك، وورثة الآمر، ومولى
~~الأب الذي اشتراه، فكل واحد منهم قال: إن المملوك اشتري بمالي، كان
# PageV02P356
# الحكم أن يرد المعتق على مولاه الذي كان عنده يكون رقا له (1) كما كان،
~~ثم أي الفريقين الباقيين منهما، أقام البينة، بأنه اشترى بماله، سلم إليه،
~~وإن كان المعتق قد حج ببقية المال، لم يكن إلى رد الحجة سبيل، أورد ذلك
~~شيخنا أبو جعفر في نهايته (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: لا أرى لرد المعتق إلى مولاه، وجها، بل
~~الأولى عندي، أن القول قول سيد العبد المأذون له في التجارة، والعبد
~~المبتاع، لسيد العبد المباشر للعتق، وإن عتقه غير صحيح، لأن إجماع أصحابنا
~~على أن جميع ما بيد العبد، فهو من مال سيده، وهذا الثمن في يد المأذون،
~~وأنه اشتراه فإذا اشتراه فقد صار ملكا لسيد المأذون الذي هو المشتري، فإذا
~~أعتقه المأذون بعد ذلك، فعتقه غير صحيح، لأنه لم يؤذن له في العتق، بل أذن
~~له في التجارة فحسب، هذا إذا عدمت البينات، فهذا تحرير القول والفتوى، في
~~ذلك فليلحظ، وإنما هذا خبر واحد، أورده شيخنا في نهايته إيرادا، لا اعتقادا
~~لصحته، فلا يرجع عن الأدلة، بأخبار الآحاد، لأنها لا توجب علما ولا عملا.
# وأيضا فوكالة العبد المأذون له في التجارة، غير صحيحة بغير إذن سيده.
# إذا اشترى عبدا على أنه كافر، فخرج مسلما، لم يكن، للمشتري الخيار، ولا
~~الأرش، دليلنا أن ثبوت الخيار في ذلك، وإلحاقه بالعيوب الموجبة للرد، يحتاج
~~إلى دليل، وأيضا النبي عليه السلام قال: الإسلام يعلو ولا يعلى عليه (3)
~~هكذا أورده شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه " (4).
# والذي يقوى عندي، أن للمشتري الرد، والخيار، لأن هذا تدليس، والأغراض في
~~ذلك تختلف.
# وقال شيخنا في مسائل خلافه: إذا بيض وجه ms0776 الجارية بالطلا أو حمر خديها
# PageV02P357
# بالدمام، بكسر الدال، وهو الكلكون، وقال أيضا: إذا اشترى العبد، أو
~~الجارية فوجدهما أبخرين، لم يثبت في جميع ذلك للمشتري الخيار (1).
# وقال محمد بن إدريس: الذي يقتضيه مذهبنا، إثبات الخيار للمشتري، في جميع
~~هذه المسائل، لأن هذا تدليس وغرر، والرسول عليه السلام نهى عن الغرر (2).
# إذا اشترى الإنسان عبدا، أو أمة فوجدهما زانيين، لم يكن له الخيار.
# وكذلك إذا بان العبد غير مختون، فلا خيار لمشتريه، في رده، وإثبات ذلك
~~عيبا يحتاج إلى دليل.
# وكذلك إذا وجد الجارية تحسن الغناء، فلا خيار له.
# باب بيع الثمار إذا باع الإنسان ثمرة منفردة عن الأصل، مثل ثمرة النخل،
~~والكرم، وسائر الفواكه، فلا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون قبل بدو
~~الصلاح، أو بعده، فإن كان قبل بدو الصلاح، فلا يخلو البيع من أحد أمرين،
~~إما أن يكون سنتين فصاعدا، أو سنة واحدة، فإن كان سنتين فصاعدا، فإنه يجوز
~~عندنا معشر الإمامية القائلين بمذهب أهل البيت عليهم السلام، وإن كان سنة
~~واحدة، فلا يخلو البيع من ثلاثة أقسام، إما أن يبيع بشرط القطع، أو مطلقا
~~أو بشرط التبقية، فإن باع بشرط القطع في الحال، جاز إجماعا، وإن باع بشرط
~~التبقية أو باع مطلقا، فقد اختلف أصحابنا في ذلك، لاختلاف أخبارهم
~~وأحاديثهم عن أئمتهم عليهم السلام (3)، فذهب قوم إلى أن البيع صحيح، غير
~~أنه مكروه، وذهب آخرون منهم إلى أن البيع غير صحيح، وذهب آخرون منهم إلى
~~أنه مراعى، وإن كان جائزا (4)، إلا أنه متى خاست الثمرة المبتاعة سنة واحدة
~~قبل بدو
# PageV02P358
# صلاحها، فللبايع ما أغلت، دون ما انعقد عليه البيع من الثمن.
# والذي يقوى في نفسي الأول، وهو مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله في
~~استبصاره (1) وتهذيبه (2)، ومذهب شيخنا المفيد في مقنعته (3)، والثاني خيرة
~~شيخنا أبي جعفر في نهايته (4)، إلا أنه رجع عنه في استبصاره، كما حكيناه
~~عنه، لما جمع بين الأخبار، ونقدها، وتوسط بينها، والثالث مذهب سلار، ومن
~~قال بقوله.
# والذي يدل على صحة ما ms0777 اخترناه، قوله تعالى: " وأحل الله البيع وحرا
~~الربوا " وهذا بيع، فمن منع منه، يحتاج إلى دليل، فإن قيل هذا غرر، والرسول
~~عليه السلام نهى عن الغرر، قلنا: معاذ الله أن يكون غررا، بل هذا بيع عين
~~مرئية مملوكة، يصح الانتفاع بها، أو يؤول إلى الانتفاع، وقوله تعالى: " إلا
~~أن تكون تجارة عن تراض " (5) وهذه تجارة عن تراض، والأخبار في ذلك كثيرة
~~جدا (6)، وربما بلغت حد التواتر، وما روي بخلاف ذلك، يحمل على الكراهة،
~~لئلا تتناقض الأدلة.
# والذي يبطل اختيار سلار ومن اختار سلار قوله قول الله سبحانه: " أوفوا
~~بالعقود " فأمر الله تعالى بالوفاء بالعقود، والأمر في عرف الشريعة يقتضي
~~الوجوب، ومن راعى ما راعى سلار ما وفى بالعقود ولا امتثل الأمر.
# فأما بيع ثمرة النخل وغيره سنة واحدة، من قبل أن يخلق فيها شئ من الطلع،
~~ولا ظهر، فلا يجوز عندنا إجماعا، وكذلك عند المخالف، وكذلك لا يجوز بيعها
~~قبل أن تطلع سنتين، بغير خلاف بيننا وبين المخالفين، وإنما يجوز عندنا
~~خاصة، بيعها إذا اطلعت قبل بدو الصلاح سنتين، وعند المخالفين لمذهب أهل
# PageV02P359
# البيت عليهم السلام لا يجوز.
# وقد يشتبه على كثير من أصحابنا ذلك، ويظنون أنه يجوز بيعها سنتين، وإن
~~كانت فارغة ولم تطلع بعد وقت العقد، وهذا بخلاف ما يجدونه في تصانيف
~~أصحابنا، وخلاف إجماعهم، وأخبار أئمتهم، وفتاويهم، لأنهم أجمعوا على أن
~~الثمرة إذا لم يبد صلاحها، فلا بأس ببيعها سنتين من غير كراهة، ولا انضمام
~~إلى العقد غيره، وهذا الذي تنطق به أخبارنا، ويودعه مشايخنا تصانيفهم،
~~لأنها إذا اطلعت قبل بدو الصلاح، فلا يجوز بيعها عند بعضهم (1) سنة واحدة
~~بانفرادها، على ما حكيناه عنهم، من غير انضمام إلى العقد غيرها، فأما إذا
~~باعها حينئذ سنتين، من غير انضمام إلى العقد غيرها، زال الخلاف، وجاز عندنا
~~جميعا، من غير كراهة ولا حظر، على جميع الأقوال، وكذلك إذا باعها سنة واحدة
~~بانضمام إلى العقد غيرها زال الخلاف حينئذ أيضا، فقامت السنة الثانية، مقام
~~انضمام الشئ إلى العقد عليها، قبل ms0778 بدو صلاحها وبعد خروجها وطلوعها، سنة
~~واحدة عند من منع من بيعها منفردة بعد طلوعها وقبل بدو صلاحها سنة واحدة.
# ولا خلاف أنه إذا باعها سنة واحدة قبل خروجها، من غير انضمام إليها غيرها
~~في العقد، لا يصح هذا البيع، لأنه غرر، وبيع الغرر لا يصح بغير خلاف، وكذلك
~~بيعها سنتين قبل خروجها، فإنه عرر بغير خلاف، لأنه بمنزلة السنة الواحدة
~~قبل خروجها من غير انضمام، إلى العقد غيره، ولولا إجماعنا على أنه يجوز
~~بيعها سنتين، بعد خروجها وقبل بدو صلاحها، لما جاز ذلك عند من قال من
~~أصحابنا لا يجوز بيعها سنة واحدة بعد خروجها وقبل بدو صلاحها من غير انضمام
~~شئ إليها في العقد.
# فأما إذا باعها ومعها شئ آخر منضما إلى العقد سنة واحدة قبل خروجها،
# PageV02P360
# فالأولى أن يقال لا بأس بذلك، فإن قيل: هذا غرر، قلنا الشئ المنظم إلى
~~العقد، يخرجه من كونه غررا.
# والذي اعتمده، وأعمل عليه وأفتي به، أنه لا يصح بيعها قبل أن تطلع ومعها
~~شئ آخر، لأن البيع حكم شرعي، يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، ولا دليل على
~~ذلك، ولولا الإجماع المنعقد على صحة بيعها إذا أطلعت سنتين، لما جاز ذلك،
~~وإلحاق غيره به قياس، لا نقوله به، ولو ساغ ذلك، لساغ أن يباع ما تحمل
~~الناقة معه شئ آخر.
# فأما إذا كان البيع بعد بدو الصلاح، فإنه جائز على سائر الأحوال، وجميع
~~الأقوال.
# وبدو الصلاح يختلف بحسب اختلاف الثمار، فإن كانت ثمرة النخل وكانت مما
~~تحمر، أو تسود، أو تصفر، فبدو الصلاح فيها ذلك، وإن كانت بخلاف ذلك، فحين
~~يتموه فيها الماء الحلو، ويصفو لونها، ولا يعتبر التلون، والتموه،
~~والحلاوة، عند أصحابنا، إلا في ثمرة النخل خاصة، وإن كانت الثمرة مما
~~يتورد، فبدو صلاحها، أن ينتثر الورد وينعقد، وفي الكرم أن ينعقد الحصرم،
~~وإن كانت غير ذلك، فحين يخلق ويشاهد.
# وقال بعض المخالفين إن كان مثل القثا والخيار الذي لا يتغير طعمه، ولا
~~لونه، فبدو صلاحه أن يتناهى عظم بعضه، ms0779 وقد قلنا أن أصحابنا لم يعتبروا بدو
~~الصلاح، إلا فيما اعتبروه من النخل، والكرم، وانتثار الورد في الذي يتورد.
# ولا اعتبار بطلوع الثريا في بدو الصلاح، على ما روي في بعض الأخبار (1)،
~~وهو قول بعض المخالفين.
# وإن كان في بستان واحد ثمار مختلفة، وبدا صلاح بعضها، جاز بيع الجميع،
~~سواء كان من جنسه، أو من غير جنسه.
# PageV02P361
# ومتى باع الإنسان نخلا قد أبر، كانت ثمرته للبايع، دون المبتاع، إلا أن
~~يشترطها المبتاع، فإن شرطها في حال العقد، كانت له على ما شرط، فأما إن
~~باعها قبل التأبير، فهي للمبتاع، إلا أن يشترطها البايع، ولا اعتبار عند
~~أصحابنا بالتأبير، إلا في النخل، فأما ما عداه، فمتى باع الأصول وفيها
~~ثمرة، فهي للبايع، إلا أن يشترطها المبتاع، سواء لقحت، وأبرت، أو لم تلقح،
~~لأن العقد ما وقع إلا على نفس الأصل، دون الثمرة، ولأن الأصل والثمرة
~~جميعا، ملك للبايع، فبالعقد انتقل الأصل إلى ملك المبتاع، ولا دليل على
~~انتقال الثمرة، فبقيت على ما كانت في ملك البايع، وإلحاق ذلك واعتباره
~~بالتأبير بالنخل، قياس لا نقول به، لأنه عندنا باطل، فليلحظ ذلك.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ومتى باع الإنسان نخلا، قد أبر ولقح،
~~كانت ثمرته للبايع، دون المبتاع، إلا أن يشرط المبتاع الثمرة، فإن شرط، كان
~~له على ما شرط، وكذلك الحكم فيما عدا النخل، من شجر الفواكه (1).
# قوله رحمه الله: وكذلك الحكم فيما عدا النخل من شجر الفواكه، المراد به
~~ومقصوده، أن الثمرة للبايع، كما قال ذلك في النخل، لأنه رحمه الله لم يذكر
~~في النخل إلا أنها أعني ثمرتها، إذا أبرت ولقحت للبايع، ولم يذكر المسألة
~~الأخرى التي تكون الثمرة للمبتاع، وهي إذا لم تؤبر وتلقح تكون للمبتاع، إلا
~~من حيث دليل الخطاب، ودليل الخطاب متروك، غير معمول به، عند المحققين (2)
~~من أصحابنا إلا أن يقوم دليل غيره، وبالإجماع عرفنا أنها إذا لم تؤبر
~~الثمرة وباع الأصول فإن الثمرة للمبتاع في النخل، بقي المعطوف عليه في قوله
~~رحمه الله: ms0780
# " وكذلك الحكم فيما عدا النخل من شجر الفواكه " في أن الثمرة للبايع،
~~لأنه ما ذكر إلا ما يختص بالبايع، وأنها له، ثم عطف ما عد النخل على النخل،
~~بعد
# PageV02P362
# التأبير، بقي ما عدا النخل لا إجماع منا عليه، ودليل الخطاب باطل عندنا،
~~على ما قدمناه، وقد قلنا فيما مضى أن الأصل والفرع " أعني الثمرة " جميعا
~~للبايع، فبالعقد يخرج الأصل، وينتقل إلى ملك المبتاع، ولا دليل على انتقال
~~الثمرة إلى ملكه، إلا ما أجمعنا عليه، من الطلع الذي لم يؤبر، وما عداه من
~~سائر الثمار، مبقاة على الأصل المقرر، والأدلة الممهدة من أنها ملك للبايع،
~~هي والأصل، فينتقل الأصل إلى ملك المشتري بالعقد، وتبقى الثمرة على ملك
~~صاحبها، لا دليل على انتقالها، ولا استدراك على شيخنا أبي جعفر في نهايته،
~~على ما حررناه، ولا اشتباه في قوله على ما قررناه، وبيناه.
# فإن قيل: فقد قال في المبسوط بعد شرحه للنخل، وتأبيره: " وحكم سائر
~~الثمار حكم النخل وثمرتها، لأن أحدا لا يفصل " (1).
# قلنا: فقد قال في هذا الكتاب المشار إليه: " وأما ما عدا النخل من
~~الأشجار الثابتة التي لها حمل في كل سنة، خمسة أضرب:
# أحدها مثل النخل والقطن وقد بينا حكمهما.
# والثاني تخرج الثمرة بارزة، لا تكون في كمام ولا ورد، مثل العنب والتين،
~~وما أشبه ذلك، فإذا باع أصل العنب والتين، فإن كان قد خرجت الثمرة، فهي
~~للبايع، إلا أن يشترط المشتري، وإن لم يكن خرجت، وإنما خرجت في ملك
~~المشتري، فهي للمشتري.
# والثالث أن تخرج الثمرة في ورد، فإذا باع الأصول وقد خرج وردها وتناثر،
~~وظهرت الثمرة، فهي للبايع، إلا أن يشترط المبتاع، وإن لم يتناثر وردها، ولم
~~تظهر الثمرة، ولا بعضها، فإن الثمرة للمشتري.
# والضرب الرابع يخرج الثمرة في كمام، مثل الجوز، واللوز، وغيرهما، مما
~~دونه
# PageV02P363
# قشر يواريه، إذا ظهر ثمرته، فالثمرة للبايع، إلا أن يشترطها المبتاع "
~~هذا آخر كلام شيخنا في مبسوطه (1).
# ألا ترى " أرشدك الله " إلى قوله رحمه الله: إن الثمرة في جميع الأربع
~~مسائل، جعلها ms0781 للبايع، وحكم له بها بنفس الظهور والبروز والخروج، فلو كان
~~حكمها حكم النخل، ما جعلها للبايع، لأن البايع لا تكون الثمرة له إذا باع
~~الأصول، عند أصحابنا، إلا إذا كانت مؤبرة، ملقحة، فأما إذا كانت طالعة
~~مخلوقة، قد خرجت ووبرت من نفس النخلة قبل تأثيرها، فهي بإجماعهم للمبتاع،
~~إلا أن يشترطها (2) البايع، وبالتأبير بعد الخروج تكون للبايع، إلا أن
~~يشترطها المبتاع، وأيضا فأخبارنا عن أئمتنا عليهم السلام (3)، لم ترد في
~~التأبير واعتباره، إلا في النخل خاصة، وإلا فالسبر (4) بيننا، فلا يجوز لنا
~~أن نتعداها إلى غيرها من الثمار.
# وقال رحمه الله، في مبسوطه: إذا باع نخلا قد أطلع، فإن كان قد أبر،
~~فثمرته للبايع، وإن لم يكن قد أبر، فثمرته للمشتري، وكذلك إذا تزوج بامرأة
~~على نخلة مطلعة، أو تخالعه المرأة على نخلة مطلعة، أو يصالح رجلا من شئ على
~~نخلة مطلعة، أو يستأجر دارا مدة معلومة بنخلة مطلعة، قال رحمه الله: فجميع
~~ذلك، إن كان قد أبر، فثمرته باقية على ملك المالك الأول، وإن لم يكن أبر،
~~فهو لمن انتقل إليه النخل بأحد هذه العقود، هذا آخر كلام رحمه الله (5).
# قال محمد بن إدريس، مصنف هذا الكتاب: وهذا الذي ذكره رحمه الله، مذهب
~~المخالفين لأهل البيت عليهم السلام، لأن جميع هذه العقود، الثمرة فيها
~~للمالك الأول، سواء أبرت، أو لم تؤبر، بغير خلاف بين أصحابنا، والمخالف حمل
~~باقي العقود على عقد البيع، وقاسها عليه، ونحن القياس عندنا
# PageV02P364
# باطل، بغير خلاف بيننا، فلا يظن ظان، ويشتبه على من يقف على كتابه
~~المبسوط، أن جميع ما قاله فيه واختاره مذهب أصحابنا، بل معظمه مذهب
~~المخالفين وفروعهم، اختار رحمه الله منها ما قوى عنده في الحال الحاضرة،
~~ولم يعاود النظر فيه، فليلحظ ما قلناه، بعين التدبر والتدين، دون التقليد
~~لقديم الزمان، وقول الأول، فكان الفضل للمتقدم، بل الأولى أن نتبع الأدلة،
~~وقول أمير المؤمنين عليه السلام: اعرف الحق تعرف أهله (1) أولى من قول
~~الشاعر من الرعاع، وهو عدي بن الرقاع.
# وإذا باع ms0782 نخلة مؤبرة، فقد قلنا أن الثمرة للبايع، والأصل للمشتري، فإذا
~~ثبت هذا، فلا يجب على البايع نقل هذه الثمرة، حتى تبلغ أوان، وقيل إبان،
~~بكسر الألف والباء المنقطة بنقطة واحدة من تحتها، مشددة، وهو وقت الجداد،
~~بالجيم المفتوحة، والدالين الغير المعجمتين، هذا هو الأظهر عند أهل اللغة،
~~وبعض أصحابنا يقول ذلك بالذالين المعجمتين، في العرف والعادة، وكذلك إذا
~~باع ثمرة منفردة بعد بدو الصلاح فيها، وجب على البايع تركها، حتى تبلغ أوان
~~الجداد في العرف والعادة.
# ولا يجوز بيع الخضراوات، بفتح الخاء، قبل أن تظهر، ويبدو صلاحها.
# ولا يجوز بيع ما يخرج حملا بعد حمل قبل ظهوره، كالبادنجان، والقثا،
~~والخيار والبطيخ، وأشباه ذلك، وقد روي جوازه (2)، والأحوط ما قلناه، لأن
~~ذلك غرر.
# ولا بأس ببيع الزرع بشرط القصل، والقصل هو القطع، ويجب على المبتاع قطعه،
~~قبل أن يسنبل، فإن لم يقطعه كان البايع بالخيار، إن شاء قطعه،
# PageV02P365
# فإن لم يقطعه وبلغ كانت الزكاة إن بلغ النصاب على المشتري، وعليه أيضا
~~أجرة مثل تلك الأرض، هذا إذا كانت الأرض عشرية، فإن كانت خراجية، كان على
~~المبتاع خراجه.
# فأما إذا باع الزرع مطلقا عن شرط القطع والقصل، أو مشروطا بالتبقية، فلا
~~يجوز للبايع قطعه، ويجب عليه تبقيته إلى أوان الحصاد، ولا أجرة له في
~~تبقيته، بخلاف ما قلناه في المسألة الأولى، لأن هناك تركه غير مستحق، لأنه
~~اشترط القطع، وهذا تركه مستحق، فوجبت التبقية.
# وقال شيخنا في نهايته: ولا بأس بأن يبيع الزرع قصيلا، وعلى المبتاع قطعه
~~قبل أن يسنبل، فإن لم يقطعه، كان البايع بالخيار، إن شاء قطعه، وإن شاء
~~تركه، وكان على المبتاع خراجه (1).
# والمراد بقوله رحمه الله: " ولا بأس بأن يبيع الزرع قصيلا " ما قلناه من
~~أنه يبيعه للقطع والقصل، فلأجل هذا قال: وعلى المبتاع قطعه، وقوله رحمه
~~الله:
# " وكان على المبتاع خراجه " يريد به طسق الأرض الذي قد قبل به السلطان،
~~دون الزكاة، لأن الأرض خراجية، وهي المفتتحة عنوة، دون أن تكون عشرية،
~~لأنها إن كانت عشرية، كانت ms0783 عليه الزكاة فحسب، والخراجية عليها الخراج، الذي
~~هو السهم الذي قد تقبلها به، فإن فضل بعده ما فيه الزكاة، تجب عليه الزكاة،
~~وإن لم يفضل ما يجب فيه ذلك، لا زكاة عليه فيه.
# وروي (2) أنه إذا اشترى الإنسان نخلا، على أن يقطعه أجذاعا فتركه حتى
~~أثمر، كانت الثمرة له، دون صاحب الأرض، فإن كان صاحب الأرض ممن قام بسقيه
~~ومراعاته، كان له أجرة المثل.
# قال محمد بن إدريس: أما الثمرة فإنها لصاحب النخل، دون صاحب الأرض، بلا
~~خلاف، وأما صاحب الأرض، فلا يستحق أجرة السقي،
# PageV02P366
# والحفاظ، والمراعاة، لأنه متبرع بذلك، إلا أن يأمره صاحب النخل، فيكون له
~~أجرة المثل، فإن لم يأمره بذلك، فليس له إلا أجرة الأرض، على ما قلناه في
~~أرض الزرع، حرفا فحرفا.
# ولا بأس أن يبيع الرطبة وهي ألقت، الجزة أو الجزتين، وكذلك ورق الشجر من
~~التوت، بتائين، والآس، والحنا، وغير ذلك، لا بأس ببيعها خرطة، وخرطتين، فإن
~~باع أصل ذلك، وفيه ورقه فالورق للبايع، لأنه بمنزلة الثمرة، وليس كذلك، إذا
~~باع التوت، وفيه ورقه، لأنه ليس بثمر، لكنه يجري مجرى الخوص من النخل، فإنه
~~للمبتاع.
# ولا بأس أن يبيع الإنسان ما ابتاعه من الثمرة، بزيادة مما اشتراه، وإن
~~كان قائما في الشجر.
# ولا يجوز بيع الثمرة في رؤوس النخل بالتمر، كيلا ولا جزافا، يدا بيد، ولا
~~نسيئة، وهي المزابنة التي نهى النبي صلى الله عليه وآله عنها (1) وأصل
~~الزبن في اللغة، الدفع، ومنه الحرب الزبون، التي تدفع أبطالها إلى الموت.
# وكذلك لا يجوز بيع الزرع بالحنطة، لا كيلا ولا جزافا، لا يدا ولا نسيئة
~~وهي المحاقلة المنهي عنها (2) " وأصل الحقل، الأقرحة " وسواء باعه بحنطة من
~~غير تلك الأرض، أو من تلك الأرض، وكذلك التمر سواء باعه بتمر من تلك النخل،
~~أو بتمر من غير تلك النخل، على الصحيح من أقوال أصحابنا، وهو الذي تقتضيه
~~أصول مذهبنا.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ولا يجوز بيع الثمرة في رؤوس النخل،
~~بالتمر كيلا ولا جزافا، وهي المزابنة ms0784 التي نهى النبي صلى الله عليه وآله
~~عنها وكذلك لا يجوز بيع الزرع بالحنطة من تلك الأرض، لا كيلا ولا جزافا،
~~وهي المحاقلة، فإن باعه بحنطة من غير تلك الأرض، لم يكن به بأس، وكذلك إن
~~باع
# PageV02P367
# الثمرة بثمرة من غير ذلك النخل، لم يكن أيضا به بأس (1).
# وإلى هذا القول يذهب في مسائل خلافه (2)، إلا أنه رجع عن ذلك كله وعاد
~~إلى القول الصحيح الذي اخترناه، في مبسوطه، فقال: بيع المحاقلة والمزابنة
~~محرم بلا خلاف، وإن اختلفوا في تأويله، فعندنا أن المحاقلة بيع السنابل
~~التي انعقد فيها الحب أو اشتد بحب من ذلك السنبل، ويجوز بيعه بحب من جنسه،
~~على ما روي في بعض الأخبار (3) والأحوط أن لا يجوز بيعه بحب من جنسه على كل
~~حال، لأنه لا يؤمن أن يؤدي إلى الربا، والمزابنة هي بيع التمر على رؤوس
~~النخل بتمر منه، فأما بتمر موضوع على الأرض فلا بأس به، والأحوط أن لا يجوز
~~ذلك، لمثل ما قلناه في بيع السنابل سواء، هذا آخر كلامه في مبسوطه رحمه
~~الله (4).
# ألا تراه إن ما ذكره واختاره في نهايته جعله هاهنا رواية ضعيفة، لأنه
~~قال:
# على ما روي في بعض الأخبار، فلا يظن بالرجل (5) أن جميع ما أورده في
~~نهايته أخبار متواترة يعمل بها ويعتقد صحتها، معاذ الله، فإني لا أستجمل
~~لذوي البصائر والتحصيل أن يعتقدوا في شيخنا - مع جلالة قدره - هذا، وما
~~اخترناه أيضا مذهب شيخنا المفيد في مقنعته وجماعة من أصحابنا، لأن النهي
~~عام، ولا مخصص له من كتاب ولا سنة ولا إجماع.
# ويجوز بيع العرايا، وهي جمع عرية، بفتح العين، وكسر الراء، وتشديد الياء،
~~وهو أن يكون لرجل في بستان غيره نخلة يشق عليه الدخول إليها أو في داره،
~~يجوز أن يبيعها منه بخرصها تمرا، نقدا يدا بيد لا نسيئة، لأن غير العرايا
~~لا يجوز نقدا يدا بيد ولا نسيئة فامتازت العرايا من غيرها بأن رخص فيها
~~لمكان الضرورة بأن تباع بخرصها تمرا، نقدا يدا بيد لا نسيئة ms0785 وغيرها لا يجوز
~~نقدا ولا
# PageV02P368
# نسيئة ولا يجوز في غير النخل ذلك، وإن كان له نخل متفرق، في كل بستان
~~نخلة، جاز له أن يبيع كل ذلك، واحدة واحدة، بخرصها تمرا، بيع العرايا.
# وإذا أراد الإنسان أن يشتري العرية وجب أن ينظر المتبايعان إلى التمرة
~~التي على النخلة ويحزراها (1)، فإذا عرفا مقدار الرطب وإذا جف صار كذا تمرا
~~فيبيع بمثله من التمر وزنا، حسب ما يقع الحزر عليه.
# ومن شرط صحة هذا البيع أن يتقابضا قبل التفرق، لأن ما فيه الربا لا يجوز
~~التفرق فيه قبل التقابض، والقبض في التمر الموضوع على الأرض النقل، وفي
~~الرطب التخلية، وجملته أنه يراعي شرطان: أحدهما المماثلة، من طريق الخرص،
~~والثاني التقابض قبل التفرق بالبدن هكذا أورده شيخنا في مبسوطه (2).
# والذي تقتضيه الأدلة أنه يجوز التفرق قبل القبض في التمر الذي هو ثمن
~~العرية، وإنما ذلك على ما يذهب إليه " رحمه الله " من أن ما يوزن ويكال إذا
~~بيع بجنسه مثلا بمثل لا يجوز التفرق قبل القبض، وإنما ذلك في الصرف خاصة،
~~وما عداه فمكروه، وليس بمحظور، وإلى هذا يذهب رحمه الله في مبسوطه (3) وهو
~~الصحيح.
# والعرية لا تكون إلا في النخل خاصة، فأما في الكرم وشجر الفواكه فإنه لا
~~دليل عليه، وقد قيل في تفسير العرايا أقوال كثيرة:
# فقال قوم: العرايا النخلات يستثنيها الرجل من حائطه إذا باع ثمرته، ولا
~~يدخلها في البيع ولكنه يبقيها لنفسه، فتلك الثنيا لا تخرص عليه، لأنه قد
~~عفي لهم عما يأكلون، وسميت عرايا، لأنها اعريت من أن تباع أو تخرص (4) في
~~الصدقة، فرخص النبي صلى الله عليه وآله لأهل الحاجة والمسكنة، الذين لا ورق
~~لهم ولا ذهب وهم يقدرون على التمر أن يبتاعوا بتمرهم من أثمار هذه
# PageV02P369
# العرايا بخرصها، فعل ذلك بهم رفقا لأهل الحاجة، الذين لا يقدرون على
~~الرطب، ولم يرخص (1) لهم أن يبتاعوا منه ما يكون للتجارة والذخائر.
# وقال آخرون: هي النخلة يهب الرجل ثمرتها للمحتاج، ويعريها إياه، فيأتي
~~المعرا، وهو الموهوب له، إلى نخلته ms0786 تلك ليجتنيها، فيشق ذلك على المعري وهو
~~الواهب لمكان أهله في النخل، فرخص للبايع خاصة أن يشتري ثمرة تلك النخلة من
~~الموهوب له بخرصها.
# وقال آخرون: شكا رجال إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أنهم محتاجون إلى
~~الرطب، يأتي ولا يكون بأيديهم ما يبتاعون به فيأكلونه مع الناس، وعندهم
~~التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا، بخرصها من التمر الذي في أيديهم.
# وقال آخرون: الاعراء أن يهب له ثمرة نخلة أو نخلتين أو نخلات، ومنه
~~الحديث: أنه رخص عليه السلام في بيع العرايا بخرصها تمرا (2)، وذلك أن يمنح
~~الرجل النخلة فيبيع ثمرتها بالتمر، وهذا لا يجوز في غير العرايا، وإنما
~~سميت عرية، لأن من جعلت له يعريها من حملها، وأنشد الفراء:
# ليست بسنهاء ولا رجبية ولكن عرايا في السنين الحوائج معنى سنهاء أي مرت
~~عليها السنون المجدبة، وقوله: " رجبية " نخلة مرجبة، وهي التي يبنى حولها
~~البناء لئلا تسقط، وهو كالتكريم لها.
# وقال الهروي صاحب الغريبين: " العرايا هي أن من لا نخل له من ذوي اللحمة
~~والحاجة، ويفضل له من قوته التمر، ويدرك الرطب، ولا نقد بيده ليشتري به
~~الرطب لعياله، ولا نخيل له، فيجئ إلى صاحب النخل فيقول: بعني ثمرة نخلة أو
~~نخلتين بخرصها من التمر، فيعطيه ذلك الفضل من التمر بثمر (3) تلك النخلات،
~~ليصيب من أرطابها مع الناس " فرخص النبي صلى الله عليه
# PageV02P370
# وآله من جملة ما حرم من المزابنة، وواحدة العرايا عرية فعيلة بمعنى
~~مفعولة، من عراه يعروه، ويحتمل أن يكون عرى يعرى، كأنها عريت من جملة
~~التحريم، فعريت أي خلت وخرجت، فهي فعيلة بمعنى فاعلة، ويقال: هو عرو من هذا
~~الأمر أي خلو منه.
# قال محمد بن إدريس: فهذا جملة ما وقفت عليه في تفسير العرايا، وأشده
~~تحقيقا قول الهروي.
# ويجوز للإنسان أن يبيع ثمرة بستان، ويستثني منها أرطالا معلومة، ولا مانع
~~منه، وإن استثنى ربعه أو ثلثه أو نخلات بأعيانها جاز بلا خلاف، وهو أحوط،
~~وإن باع ثمرة بستانه إلا نخلة لم يعينها لم يصح: لأن ms0787 ذلك مجهول.
# إذا قال: بعتك هذه الثمرة بأربعة آلاف إلا ما يخص ألفا منها صح، ويكون
~~المبيع ثلاثة أرباعها، لأنه يخص ألفا منها ربعها، وإن قال: بعتك هذه الثمرة
~~بأربعة آلاف إلا ما يساوي ألفا منها بسعر اليوم لم يحز، لأن ما يساوي ألف
~~درهم من الثمرة لا يدري قدره، فيكون مجهولا.
# ومتى اشترى الثمرة فهلكت لم يكن للمبتاع رجوع على البايع، فإن كان قد
~~استثنى من ذلك شيئا كان له من ذلك بحسابه، من غير زيادة ولا نقصان.
# وإذا مر الإنسان بشئ من الفواكه جاز له أن يأكل منها مقدار كفايته من غير
~~إفساد، ما لم يمنعه صاحبها من ذلك، ولا يجوز له أن يحمل منها شيئا معه على
~~حال إلا بإذن صاحبه، وهذا يكون إذا لم يقصد من يأكل منها الممر إليها من
~~أول مضيه، بل قصد المضي إلى غيرها ثم اجتاز بها فدخلها.
# وقد روي أنه إذا كان بين نفسين نخل أو شجر فاكهة، فقال أحدهما لصاحبه:
~~أعطني هذا النخل بكذا وكذا رطلا، أوخذ مني أنت بذلك، فأي الأمرين فعل كان
~~جائزا، أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته (1).
# PageV02P371
# إن أراد بذلك الثمرة فلا يجوز، لأن ذلك داخل في المزابنة، وإن أراد نفس
~~ماله من النخل دون الثمرة، فباع ماله من نفس النخل دون الثمرة بالأرطال
~~المذكورة، كان جائزا، وإن كان ذلك صلحا جاز، لأنه ليس ببيع.
# باب بيع المياه والمراعي وحريم الحقوق وأحكام الأرضين وغير ذلك إذا كان
~~لإنسان شرب في قناة، فاستغنى عنه، جاز أن يبيعه بذهب، أو فضة، أو حنطة، أو
~~شعير، أو غير ذلك من الأعراض والسلع، وكذلك إن أخذ الماء من نهر عظيم في
~~ساقية يعملها ولزم عليها مؤنة ثم استغنى عن الماء جاز له بيعه، والمعنى في
~~هذا وأمثاله أنه إن أريد نفس الملك فلا خلاف ولا مسألة، وإنما المقصود
~~والمراد في ذلك منفعة الشرب، والساقية أياما معلومة فسماه بيعا، وإن كان
~~إجارة، لا مانع يمنع من تسمية ذلك بيعا في ms0788 هذا الموضع، للإجماع عليه،
~~والأفضل في ذلك أن يعطيه لمن يحتاج إليه من غير بيع عليه، وهذه هي النطاف
~~والأربعاء التي نهى النبي صلى الله عليه وآله عنهما.
# قال محمد بن إدريس: النطاف، جمع نطفة وهي الماء، سواء كان كثيرا أو
~~قليلا، وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث الخوارج: " والله ما
~~يعبرون هذه النطفة " (1) يعني عليه السلام النهر، والأربعاء ممدود، جمع
~~ربيع، وهو النهر، وقضى رسول الله صلى الله عليه وآله في سيل وادي مهزور.
# بالزاي أولا والراء ثانيا.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه: مهزور السيل، الموضع الذي يجتمع فيه
# PageV02P372
# ماء السيل (1) وفي غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام: سيل وادي
~~مهزور، وادي بني قريظة، وكذا أورده ابن دريد في الجمهرة: مهزور بالميم
~~المفتوحة (2)، والهاء المسكنة، والزاء بعد هاء المضمومة، والواو المسكنة،
~~والراء غير المعجمة وقال شيخنا محمد بن علي بن بابويه في كتابه (3) من لا
~~يحضره فقيه: سمعت من أثق به من أهل المدينة أنه وادي مهزور، ومسموعي من
~~شيخنا محمد بن الحسن رضي الله عنه أنه وادي مهروز بتقديم الراء غير
~~المعجمة، ذكر أنها كلمة فارسية، وهو من هرز الماء، والماء الهرز بالفارسية:
~~الزائد على المقدار الذي يحتاج إليه (4) هذا آخر كلام ابن بابويه رحمه الله
~~(5).
# وأما من يقول: مهرور، براءين غير معجمتين، على ما كنا نسمع من أدركناه من
~~أصحابنا فذلك تصحيف بلا ريب.
# أن يحبس الأعلى على الذي هو أسفل منه، للنخل إلى الكعب، وللزرع إلى
~~الشراك، ثم يرسل الماء ثم يرسل الماء إلى من هو دونه، ثم كذلك يعمل من هو
~~دونه مع من هو أدون منه قال ابن أبي عمير: المهزور موضع الوادي (6)، هكذا
~~حكى شيخنا في نهايته (7) وقال في مبسوطه: روى أصحابنا أن الأعلى يحبس إلى
~~الساق للنخل، وللشجر إلى القدم، وللزرع إلى الشراك (8).
# ولا بأس أن يحمي الإنسان الحمى من المرعى، والكلأ، إذا كان في أرضه وسقاه
~~بمائه، فأما غير ذلك فلا يجوز بيعه، لأن الناس كلهم ms0789 فيه شرع - بفتح الراء -
~~سواء.
# ومن باع نخيلا، واستثنى منها نخلة معينة في وسطها، وجاز له الممر إليها
# PageV02P373
# والمخرج منها، وله مدى جرايدها من الأرض، على ما روي (1).
# وحد ما بين بئر المعطن إلى بئر المعطن، أربعون ذراعا، وحد ما بين بئر
~~الناضح إلى بئر الناضح ستون ذراعا، وما بين العين إلى العين خمسمائة ذراع،
~~إذا كانت الأرض صلبة، فإن كانت رخوة - بكسر الراء - فألف ذراع.
# قال محمد بن إدريس: بئر المعطن هي البئر التي يستقى منها لسقي الإبل،
~~وأصل المعطن والعطن مباركها حول المياه لتشرب (2)، قال الشاعر: " بين الحوض
~~والعطن " فأراد أن يكون في الأرض المباح إذا حفر الإنسان فيها بئرا ليسقي
~~إبله فحسب، وأراد غيره أن يحفر إلى جنبه بئرا أخرى ليسقي أيضا إبله، أن
~~يكون بينه وبين بئره أربعون ذراعا، لا أقل منها، فأما إذا كانت البئر لسقي
~~الزرع يستقي منها بالناضح الذي هو الجمل، وأراد غيره أن يحفر إلى جنبها
~~بئرا ليسقي زرعه بالناضح أيضا، فيكون بينه وبينه ستون ذراعا، لا أقل من
~~ذلك.
# والفرق بين هذه البئر وبين تلك أن تلك يستقى منها باليد، ولا يحتاج إلى
~~الناضح، لقلة ما يؤخذ منها، وهذه يؤخذ منها ماء كثير يحتاج إليها للزرع
~~فيستقى عليها بالناضح.
# والطريق إذا تشاح عليه أهله في الأرض المباحة، واختلفوا في سعته، فجده
~~سبعة أذرع.
# وإذا كان لإنسان رحى بأمر حق واجب على نهر، والنهر لغيره، وأراد صاحب
~~النهر أن يسوق الماء في نهر آخر إلى القرية، لم يكن له ذلك إلا برضا صاحب
~~الرحى وموافقته.
# وقد ذكرنا أحكام الأرضين وأقسامها في كتاب الزكاة من كتابنا هذا، فلا وجه
~~لإعادته.
# ومن أحيا أرضا كان أملك بالتصرف فيها، إذا كان ذلك بإذن الإمام
# PageV02P374
# عليه السلام، لأن هذه الأرض له، فإن كانت الأرض الميتة لها مالك معروف،
~~وهي مثل أرض خراسان، وجميع الأراضي التي لم تؤخذ عنوة، ولها مالك معروف، ثم
~~خربت، فلا تخرج بخرابها عن ملك صاحبها، ولا تدخل في جملة الأرض الميتة،
~~التي ms0790 هي لإمام المسلمين، فهذا معنى " لها مالك معروف "، كان عليه أن يعطي
~~صاحب الأرض طسق الأرض، وليس للمالك انتزاعها من يده ما دام هو راغبا فيها،
~~وإن لم يكن لها مالك وكانت للإمام وجب على من أحياها أن يؤدي إلى الإمام
~~طسقها، ولا يجوز للإمام انتزاعها من يده، إلى غيره، إلا أن لا يقوم
~~بعمارتها كما يقوم غيره، أو لا يقبل عليها ما يقبله الغير، على ما روي في
~~بعض الأخبار (1).
# أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته (2) وهذا أخبار آحاد.
# ثم قال: ومتى أراد المحيي لأرض من هذا الجنس الذي ذكرناه، أن يبيع شيئا
~~منها، لم يكن له أن يبيع رقبة الأرض، وجاز له أن يبيع ما له من التصرف فيها
~~(3).
# وكل هذه أخبار آحاد، أوردها على ما وجدها في كتابه النهاية، والأولى
~~عرضها على الأدلة، فما صححته منها كان صحيحا، وما لم تصححه كان باطلا
~~مردودا.
# وروي أنه إذا اشترى الإنسان من غيره جربانا معلومة من الأرض، ووزن الثمن،
~~ثم مسح الأرض فنقص عن المقدار الذي اشتراه، كان بالخيار بين أن يرد الأرض
~~ويسترجع الثمن بالكلية، وبين أن يطالب برد ثمن ما نقص من الأرض (4)، وإن
~~كان للبايع أرض بجنب تلك الأرض، وجب عليه أن يوفيه تمام ما باعه إياه.
# قال محمد بن إدريس: هذا خبر فيه نظر، أما قوله: " وإن كان للبايع أرض
# PageV02P375
# بجنب تلك الأرض وجب عليه أن يوفيه تمام ما باعه إياه " فغير واضح، لأن
~~العقد قد وقع على شئ معين، فانتقاله إلى عين أخرى يحتاج إلى دليل، وأما
~~قوله: " كان بالخيار بين أن يرد الأرض ويسترجع الثمن بالكلية، وبين أن
~~يطالب برد ثمن ما نقص "، أما الخيار بين الرد والإمساك فله ذلك بغير خلاف،
~~بل يبقى بأي شئ يرجع من الثمن إن لم يرد وأمسك الأرض، فيه قول ذكر شيخنا
~~أبو جعفر في مبسوطه، قال: إذا قال: بعتك هذه الأرض على أنها مائة ذراع
~~فكانت تسعين، فالمشتري بالخيار إن شاء فسخ البيع، وإن شاء ms0791 أجازه بجميع
~~الثمن، لأن العقد وقع عليه، وإن كانت أكثر من مائة ذراع قيل فيه وجهان:
~~أحدهما يكون البايع بالخيار بين الفسخ وبين الإجازة بجميع الثمن، وهو
~~الأظهر والثاني أن البيع باطل، لأنه لا يجبر على ذلك " وكذلك الثياب والخشب
~~وجميع ما لا يتساوى قيمة أجزائه، وهو الذي لا مثل له، بل يضمن بالقيمة،
~~فحكمه حكم الأرض في البيع، وهو ما مضى ذكره من الزيادة والنقصان، فأما ما
~~يتساوى قيمة أجزائه، وهو الذي له مثل ويضمن بالمثلية، فإنه) (1) إذا اشترى
~~صبرة طعام على أنها مائة كر فأصاب خمسين كرا، كان المشتري بالخيار، إن شاء
~~أخذها بحصتها من الثمن، وإن شاء فسخ البيع، وإن وجدها أكثر من مائة كر أخذ
~~المائة بالثمن، وترك الزيادة، ويخالف الأرض والثياب والخشب على ما تقدم،
~~والفرق بين المسألتين أن الثمن ينقسم هاهنا، أعني في ما يتساوى أجزاؤه على
~~أجزاء الطعام لتساوي قيمتها، وليس كذلك الأرض والثياب والخشب، فإن أجزاءها
~~مختلفة القيمة، فلا يمكن قسمة الثمن على الأجزاء، لأنه لا يعلم أن الناقص
~~من الذراع لو وجدكم كانت تكون قيمته، فإذا كان كذلك خير البايع في الزيادة
~~بجميع الثمن، وخير المشتري في
# PageV02P376
# النقصان بجميع الثمن، ولأجل هذا الاعتبار لو باع ذراعا من خشب أو من دار
~~أو ثوب ويكون الذراع غير معين من الثوب أو الدار أو الخشبة لم يجز، وكان
~~البيع باطلا، لأنه مجهول، ولأن قيمته مختلفة، ولو باع قفيزا غير معين من
~~صبرة معينة لكان البيع صحيحا بلا خلاف، فهذا جملة ما أورده ومعانيه
~~وتفاصيله وخلاصته (1).
# قال محمد بن إدريس: لا خلاف أن الخيار يثبت في هذه المسائل، فيما وجده
~~ناقصا، مما لا مثل له، أو مما له مثل، للمشتري خاصة، لأن له غرضا في جميعه،
~~وهو أن يكون مكملا، فإذا وجده بخلاف ذلك، فله الخيار، فإن اختار الرد
~~واسترجاع الثمن فلا كلام، وله ذلك، وإن اختار الإمساك، فله ذلك أيضا، إلا
~~أنه يمسك ما له مثل، بما يخصه (2) من الثمن المعقود عليه، وما ms0792 ليس له مثل،
~~يمسكه ويسقط من الثمن على قدر القيم بالحصة من الثمن، لئلا يجتمع الثمن
~~والمثمن جميعا مع المشتري، فليلحظ ذلك ويتأمل.
# وأما إن كان زائدا، فإن كان له مثل، أخذ ماله ورد الباقي، ولا خيار لواحد
~~منهما، لقوله تعالى: " أوفوا بالعقود " وإن كان لا مثل له، فالمبتاع
~~بالخيار، لأن له غرضا، إلا أن يكون له في ذلك شريك، فإن شاء رد، واسترجع
~~الثمن أجمع، وإن شاء أمسك المبيع، وكان شريكا للبايع، وليس للبايع في فسخ
~~البيع خيار على حال، لقوله تعالى: " أوفوا بالعقود ".
# ولي في هذه المسألة الأخيرة نظر وتأمل.
# وروي، أنه كتب محمد بن الحسن الصفار إلى أبي محمد العسكري عليه السلام،
~~رجل اشترى من رجل بيتا في دار له، بجميع حقوقه، وفوقه بيت آخر، هل يدخل
~~البيت الأعلى في حقوق البيت الأسفل أم لا؟ فوقع عليه السلام: ليس له إلا ما
~~اشتراه في سهمه وموضعه إن شاء الله (3).
# PageV02P377
# وكتب أيضا إليه، رجل اشترى حجرة أو مسكنا في دار بجميع حقوقها، وفوقها
~~بيوت ومسكن آخر، يدخل البيوت الأعلى والمسكن الأعلى، في حقوق هذه الحجرة
~~والمسكن الأسفل الذي اشتراه أم لا؟ فوقع: ليس له من ذلك، إلا الحق الذي
~~اشتراه إن شاء الله (1).
# وكتب إليه أيضا في رجل قال لرجلين: اشهدا أن جميع الدار التي له في موضع
~~كذا وكذا بجميع حدودها كلها لفلان (2) بن فلان، وجميع ماله في الدار من
~~المتاع، والبينة لا تعرف المتاع أي شئ هو، فوقع عليه السلام يصلح إذا أحاط
~~الشراء بجميع ذلك إن شاء الله (3).
# وكتب أيضا إليه (4) رجل كانت له قطاع أرضين في قرية، وأشهد الشهود أنه قد
~~باع هذه القرية بجميع حدودها. فهل يصلح ذلك أم لا؟ فوقع: لا يجوز بيع ما
~~ليس يملك وقد وجب الشراء من البايع على ما يملك (5).
# قال محمد بن إدريس: وقد قدمنا فيما مضى، أن من باع ملكه وملك غيره في
~~صفقة واحدة، مضى البيع في ملكه، وبطل في ملك الغير، ويأخذه بحصته من ms0793 الثمن،
~~وإن شاء المبتاع، رد المبيع على البايع، فهو بالخيار في ذلك.
# وروي عن الرسول عليه السلام، رواه السكوني بإسناده أنه قال: من غرس شجرا
~~أو حفر. واديا (6)، لم يسبقه إليه أحد، أو أحيا أرضا ميتة فهي له، قضاء من
~~الله تعالى ورسوله (7).
# وقد قدمنا مثل ذلك، وما يعمل عليه.
# وروي عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه سئل عن النزول على أهل الخراج،
# PageV02P378
# فقال ثلاثة أيام روي ذلك عن النبي عليه السلام (1).
# وروى إسماعيل بن الفضل، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن السخرة
~~في القرى، وما يؤخذ من العلوج والأكراد، إذا نزلوا القرى، قال تشرط عليهم
~~ذلك، فما اشترطت عليهم من الدراهم والسخرة، وما سوى ذلك، فيجوز لك، وليس لك
~~أن تأخذ منهم شيئا حتى تشارطه، وإن كان كالمستيقن، أن من نزل تلك الأرض أو
~~القرية، أخذ منه ذلك (2).
# قال محمد بن إدريس: هذا إذا كانت القرية ملكا للإنسان، فإن نزلوها بغير
~~إذنه، فله عليهم أجرة المثل، وإن نزلوها بإذنه وإباحته، فلا شئ له عليهم،
~~إلا أن يشارطهم ويؤجرهم ذلك بأجرة مسماة، أو يجعل عليهم جعلا.
# فأما السخرة بالسين غير المعجمة المضمومة، والخاء المعجمة المسكنة.
~~والراء غير المعجمة المفتوحة، والهاء، فهي من التسخير، وهو تكليفه عملا
~~بغير أجرة، فلان سخرة، يتسخر في العمل، يقال: خادمة سخرة، يعني تكلف العمل
~~بلا أجرة.
# قال: وسألته عن أرض الخراج، اشترى الرجل منها أرضا فبني (3) فيها أو لم
~~يبن، غير أن أناسا من أهل الذمة نزلوها، أله أن يأخذ منهم أجرة البيوت إذا
~~أدوا جزية رؤوسهم؟ فقال: يشارطهم، فما أخذه منهم بعد الشرط فهو حلال (4).
# وقد روي أنه كتب محمد بن الحسن الصفار، إلى أبي محمد العسكري عليه
~~السلام، في رجل اشترى من رجل أرضا بحدودها الأربعة، فيها الزرع والنخل
~~وغيرهما من الشجر، ولم يذكر النخل ولا الزرع ولا الشجر في كتابه، وذكر فيه
~~أنه قد اشتراها بجميع حقوقها الداخلة فيها والخارجة منها، أيدخل النخل
~~والأشجار والزرع في حقوق الأرض أم ms0794 لا؟ فوقع عليه السلام: إذا ابتاع الأرض
~~بحدودها، وما أغلق عليها بابه فله جميع ما فيها إن شاء الله (5).
# PageV02P379
# قوله عليه السلام في الجواب: " وما أغلق عليها بابه " يريد بذلك جميع
~~حقوقها، فالجواب مطابق للسؤال.
# لا يجوز أن يأخذ الإنسان من طريق المسلمين شيئا، ولو قدر شبر، ولا يجوز
~~له أيضا بيعه ولا شراء شئ، يعلم أن فيه شيئا من الطريق، فإن اشترى دارا أو
~~أرضا، ثم علم بعد ذلك أنه كان صاحبه قد أخذ شيئا من الطريق فيها، لم يكن
~~عليه شئ، إذا لم يتميز له الطريق، فإذا تميز، وجب عليه رده إليها، وكان له
~~الرجوع على البايع بالدرك، أو فسخ البيع.
# وروي أنه إذا كان للإنسان في يده دار أو أرض ورثها عن أبيه عن جده، غير
~~أنه يعلم أنها لم تكن ملكا لهم، وأنما كانت ملكا للغير، ولا يعرف المالك،
~~لم يجز له بيعها، بل ينبغي أن يتركها بحالها، فإن أراد بيعها، فليبع تصرفه
~~فيها، ولا يبيع أصلها على حال (1).
# قال محمد بن إدريس: يمكن أن يقال إنما كان الأمر على ما ذكر في هذا
~~الحديث، والوجه في ذلك، وكيف يجوز له (2) تركها في يده، وبيع ما جاز له
~~بيعه، وهو يعلم أنه لم يكن لمورثه، أن هذه الدار لم يحط علمه بأنها غصب،
~~وإنما قال في الحديث لم يكن لمورثه ومن كان بيده شئ، ولم يعلم لمن هو،
~~فسبيله سبيل اللقطة، فبعد التعريف المشروع، يملك التصرف، فجاز أن يبيع ما
~~له فيها، وهو التصرف الذي ذكره في الخبر، دون رقبة الأرض إذا كانت في الأرض
~~المفتتحة عنوة، فهذا وجه في تأويل هذا الحديث.
# وبعد هذا كله فهذه كلها أخبار آحاد، أوردها شيخنا في نهايته (3)، لئلا
~~يشذ من الأخبار شئ، على ما اعتذر به رحمه الله في عدته (4)، فأوردناها نحن
~~في
# PageV02P380
# كتابنا هذا، كما أوردها - والله أعلم - بكثير (1) من أصحاب الأخبار
~~والحديث، فإنهم يوردون ما سمعوا، ويروون ما روي لهم وحدثوا.
# والأرضون الموات التي لم يجر عليه ms0795 ملك لأحد، لإمام المسلمين خاصة، لا
~~يملكها أحد بالإحياء، إلا أن يأذن له الإمام، وأما الذمي فلا يملك إذا أحيا
~~أرضا في بلاد الإسلام، وكذلك المستأمن.
# والناس في الحمى، على ثلاثة أضرب النبي عليه السلام، والأئمة المعصومون
~~من بعده عليهم السلام، وآحاد المسلمين.
# فأما النبي عليه السلام، فكان له أن يحمي لنفسه ولعامة المسلمين، لقوله
~~عليه السلام: لا حمى إلا لله ولرسوله (2) وروي عنه عليه السلام، أنه حمى
~~النقيع - بالنون - لخيل المجاهدين ترعى فيه (3).
# وأما آحاد المسلمين، فليس لهم أن يحموا لأنفسهم، ولا لعامة المسلمين،
~~لقوله عليه السلام: لا حمى إلا لله ولرسوله.
# وأما الأئمة عليهم السلام، فإن حموا كان لهم ذلك، لأن أفعالهم حجة عندنا.
# فأما الذي يحمى له، فإنه يحمى للخيل المعدة لسبيل الله، وتعم الجزية
~~والصدقة والضوال.
# وأما قدر ما يحميه، فهو ما لا يعود بضرر على المسلمين، أو بضيق مراعيهم،
~~لأن الإمام عندنا لا يفعل إلا ما هو من مصالح المسلمين، فإذا ثبت هذا، فإنه
~~يحمي القدر الذي يفضل عنه ما فيه كفاية لمواشي المسلمين.
# وإذا أذن واحد من الأئمة عليهم السلام، لغيره في إحياء ميت، فأحياه، فإنه
# PageV02P381
# يملكه، فأما من يحييه بغير إذنه، فإنه لا يملك به، حسب ما قدمناه.
# وأما ما به يكون الإحياء، فلم يرد الشرع ببيان ما يكون إحياء دون ما لا
~~يكون، غير أنه إذا قال النبي عليه السلام: من أحيا أرضا فهي له، ولم يوجد
~~في اللغة معنى ذلك، فالمرجع فيه إلى العرف والعادة، فما عرفه الناس إحياء
~~في العادة، كان إحياء وملك به الموات، كما أنه لما قال: البيعان بالخيار ما
~~لم يفترقا، رجع في ذلك إلى العادة، هذا مذهبنا، فأما المخالف لنا فله
~~تفاصيل في الإحياء، يطول شرحها.
# فإذا أحياها وملكها (1)، فإنه يملك مرافقها التي لا صلاح للأرض إلا بها.
# وإذا حفر بئرا أو شق نهرا، أو ساقية، فإنه يملك حريمها.
# وجملته أن ما لا بد منه في استقاء الماء، ومطرح الطين، إذا نضب الماء،
~~فكريت الساقية والنهر، ms0796 ويكون ذلك على حسب الحاجة، قل أم كثر.
# وأما إن أراد أن يحفر بئرا في داره، أو ملكه، وأراد جاره أن يحفر لنفسه
~~بئرا بقرب تلك البئر، لم يمنع منه، بلا خلاف في جميع ذلك، وإن كان ينقص
~~بذلك ماء البئر الأولى، لأن الناس مسلطون على أملاكهم، والفرق بين الملك
~~والموات، أن الموات يملك بالإحياء، فمن سبق إلى حفر البئر، ملك حريمه، وصار
~~أحق به، وليس كذلك في الملك، لأن ملك كل واحد منهما، ثابت مستقر، وللمالك
~~أن يفعل في ملكه ما شاء، وكذلك إذا أحيا أرضا ليغرس فيها بجنب أرض فيها
~~غراس لغيره، بحيث يلتف أغصان الغراسين، وبحيث تلتقي عروقهما (2)، كان للأول
~~منعه، لما ذكرناه.
# وإن حفر رجل بئرا في داره، وأراد جاره أن يحفر بالوعة، أو بئر كنيف، بقرب
~~هذه البئر، لم يمنع منه، وإن أدى ذلك إلى تغير ماء البئر، لا، مسلط على
# PageV02P382
# التصرف في ملكه بلا خلاف.
# وأما المعادن فعلى ضربين: ظاهرة وباطنة، فالباطنة لها أحكام مذكورة في
~~مواضعها، وأما الظاهرة فهي الماء، والقير، والنفط، والموميا، والكبريت،
~~والملح، وما أشبه ذلك، فهذا لا يملك بالإحياء، ولا يصير أخد أولى به
~~بالتحجر من غيره، وليس للسلطان أن يقطعه، بل الناس كلهم فيه سواء، يأخذون
~~منه قدر حاجتهم، بل يجب عندنا فيه الخمس، ما عدا الماء، ولا خلاف في أن ذلك
~~لا يملك، وليس للسلطان أن يقطع مشارع الماء بغير خلاف، وكذلك المعادن
~~الظاهرة.
# فإذا ثبت أنها لا تملك، فمن سبق إليها أخذ قدر حاجته منها، وانصرف، فإن
~~سبق إليه اثنان، أقرع بينهما الإمام.
# وليس للسلطان أن يقطع الشوارع، ورحاب الجوامع.
# وأما المعادن الباطنة مثل الذهب والفضة والنحاس، والرصاص، وحجارة البرام،
~~والفيروزج، وغير ذلك مما يكون في بطون الأرض والجبال، ولا يظهر إلا بالعمل
~~فيها، والمؤونة عليها، فهل تملك بالإحياء، أم لا؟ قيل فيه قولان:
# أحدهما أنه يملك، وهو مذهبنا، والثاني لا يملك، وهو مذهب مخالفينا.
# إذا أحيا أرضا من الموات، فظهر فيها معدن، ملكها بالإحياء، وملك المعدن ms0797
~~الذي ظهر فيها، بلا خلاف، لأن المعدن مخلوق، خلقة الأرض، فهو جزء من
~~أجزائها.
# وكذلك إذا اشترى دارا، فظهر فيها معدن، كان للمشتري، دون البايع.
# فأما إذا وجد فيها كنزا مدفونا، كان له ويخرج منه الخمس، إذا بلغ مقدار
~~ما يجب فيه الزكاة، سواء كان من دفن الجاهلية، أو دفن الإسلام، وإن كان ذلك
~~الكنز في أرض اشتراها، فإن الكنز لا يدخل في البيع، لأنه مودع فيه، ويجب
~~عليه تعريف البايع ذلك، فإن عرفه، سلمه إليه، وإلا أخرج منه الخمس، إذا بلغ
~~مقدار عشرين دينارا، على ما قدمناه.
# الآبار على ثلاثة أضرب: ضرب يحفره في ملكه، وضرب يحفره في الموات
~~PageV02P383
# لتملكها، وضرب يحفره في الموات لا للتملك، فما يحفره في ملكه، فإنما هو
~~نقل ملكه من ملكه، لأنه ملك المحل قبل الحفر، والثاني إذا حفر في الموات
~~ليتملكها، فإنه يملكها بالإحياء.
# فإذا ثبت هذا، فالماء الذي يحصل في هذين الضربين، هل يملك أم لا؟
# قيل فيه وجهان: أحدهما أنه يملك، وهو مذهبنا، والثاني أنه لا يملكه، لأنه
~~لو ملكه لم يستبح بالإجارة، وإنما قلنا أنه مملوك، لأنه نماء ملكه، مثل
~~ثمرة الشجرة، وإنما يستباح بالإجارة، بمجرى العادة، ولأنه لا ضرر على
~~مالكه، لأنه يستحلف في الحال بالنبع، وما لا ضرر عليه، فليس له منعه، مثل
~~الاستظلال بحائطه.
# فإذا أراد بيع شئ منه، وهو في البئر، وشاهده المشتري، جاز ذلك كيلا أو
~~وزنا، ولا يجوز بيع جميع ما في البئر، لأنه لا يمكن تسليمه، لأنه ينبع
~~ويزيد، كلما استقى منه شئ، فلا يمكن تميز المبيع من غيره.
# وأما الضرب الثالث، فهو إذا نزل قوم موضعا من الموات، فحفروا فيه بئرا
~~ليشربوا، ويسقوا بهايمهم منها مدة مقامهم، ولم يقصدوا التملك بالإحياء،
~~فإنهم لا يملكونها، لأن المحيي إنما يملك بالإحياء، إذا قصد تملكه به، فإذا
~~لم يقصد تملكه، فإنه يكون أحق به مدة مقامه، فإذا رحل، فكل من سبق إليه فهو
~~أحق به، مثل المعادن الظاهرة.
# والكلام في المياه في فصلين: أحدهما في ms0798 ملكها، والآخر في السقي منها فأما
~~الكلام في ملكها، فهو على ثلاثة أضرب: مباح، ومملوك، ومختلف فيه، فالمباح
~~مثل ماء البحر، والنهر الكبير، مثل دجلة، والفرات، والنيل، وجيحون، وسيحان،
~~فأما سيحان فنهر بلخ، وأما جيحون، وقيل جيحان، فذكر في كتاب الكوفة، أنه
~~دجلة، وقال الجوهري اللغوي، في كتاب الصحاح: سيحان نهر بالشام، وساحين نهر
~~بالبصرة، وسيحون نهر بالهند، وجيحون نهر بلخ، وجيحان نهر بالشام، وكل هذا
~~مباح، ولكل أحد أن يستعمل منه ما أراد، ويأخذ كيف شاء. PageV02P384
# وأما المملوك فكل ما حازه من الماء المباح في قرية أو حرة، أو بركة، أو
~~مصنع، فهذا كله مملوك، كسائر المايعات المملوكة، الأدهان والألبان،
~~وغيرهما.
# وأما المختلف فيه، فكل ما نبع في ملكه، وقد قلنا أنه مملوك.
# فأما السقي من الماء المباح، كماء دجلة، والفرات، فإن الناس فيه شرع
~~سواء، لا يحتاج فيه إلى ترتيب، وتقديم وتأخير، لكثرته.
# والثاني ماء مباح في نهر غير مملوك، صغير، يأخذ من النهر الكبير، ولا
~~يسقي جميع الأراضي، إذا سقيت في وقت واحد، ويقع في التقديم والتأخير نزاع
~~وخصومة، فهذا يقدم فيه الأقرب فالأقرب، إلى أول النهر الصغير.
# وروى أصحابنا، أن الأعلى يحبس إلى الساق للنخل، وللشجر إلى القدم، وللزرع
~~إلى الشراك (1).
# فإذا ثبت هذا فالأقرب إلى الفوهة يسقي ويحبس الماء عن من دونه، فإذا بلغ
~~الماء إلى الحد المحدود، لما يسقيه، أرسله إلى جاره، هكذا الأقرب فالأقرب،
~~فإن كان زرع الأسفل يهلك، إلى أن ينتهي الماء إليه، لم يجب على من فوقه
~~إرساله إليه.
# باب الشفعة وأحكامها الشفعة في الشرع، عبارة عن استحقاق الشريك المخصوص
~~على المشتري، تسليم المبيع بمثل ما بذل فيه، أو قيمته، على الصحيح من أقوال
~~أصحابنا، لأن بعضهم يذهب ويقول: إذا كان الثمن ما لا مثل له، فلا يستحق
~~الشفعة، والأول هو الأظهر بينهم، وهي مأخوذة من الزيادة، لأن سهم الشريك
~~يزيد بما ينضم إليه، فكأنه كان وترا، فصار شفعا.
# ويحتاج فيها إلى العلم بأمرين، شروط استحقاقها، وما يتعلق بها من الأحكام ms0799
~~فشروط استحقاقها ستة، وهي: أن يقدم عقد بيع ينتقل معه الملك إلى
# PageV02P385
# المشتري. وأن يكون الشفيع شريكا بالاختلاط في المبيع، أو في حقه من شربه،
~~أو طريقه إذا بيع الملك والطريق معا لواحد. وأن يكون الشريك واحدا على
~~الصحيح من المذهب سواء كان في البساتين، أو في الدور. وأن يكون مسلما إذا
~~كان المشتري كذلك. وأن لا يسقط حق المطالبة بعد عقد البيع، ووجوبها له. وأن
~~لا يعجز عن الثمن.
# اشترطنا تقدم عقد البيع، لأن الشفعة لا تستحق قبله بلا خلاف ولا تستحق
~~بما ليس ببيع، من هبة، أو صدقة، أو مهر، أو مصالحة، أو ما أشبه ذلك، بدليل
~~إجماع أصحابنا عليه، ولأن إثبات الشفعة في المهر، والصلح، والهبة، وغير
~~ذلك، يفتقر إلى دليل شرعي، وليس في الشرع ما يدل عليه.
# واعتبرنا أن ينتقل الملك معه إلى المشتري، تحرزا من البيع الذي فيه
~~الخيار للبايع، أو لهما جميعا، فإن الشفعة لا تستحق هاهنا، لأن الملك لم
~~تزل علقته عن البايع، فأما ما لا خيار فيه أو فيه الخيار للمشتري وحده،
~~ففيه الشفعة، لأن الملك قد زال عنه، هذا على قول شيخنا أبي جعفر في مسائل
~~خلافه (1).
# والذي يقتضيه المذهب، وتشهد بصحته أصوله، أن الشفعة يستحقها الشفيع على
~~المشتري بانتقال الملك إليه، والملك عند جميع أصحابنا ينتقل من البايع إلى
~~المشتري بمجرد العقد، لا بمضي الخيار ومدته، وتقضي الشرط، بل بمجرد العقد،
~~وإنما ذلك مذهب الشافعي، وفروعه، فإن له ثلاثة أقوال، أحدهما بمجرد العقد،
~~والآخر بانقضاء مدة الخيار، والآخر مشاعا (2) وشيخنا فقد رجع، وقال:
# ينتقل الملك بمجرد العقد، فإذا قال ذلك ثبتت الشفعة.
# واشترطنا أن يكون شريكا للبايع، تحرزا من القول باستحقاقها بالجوار،
~~فإنها لا تستحق بذلك عندنا، بدليل إجماعنا، ونحتج على المخالف بما روي من
# PageV02P386
# قوله عليه السلام: الشفعة في ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة (1)
~~ولا يعارض ذلك بما روي من قوله عليه السلام: الجار أحق بسقبه (2) لأن في
~~ذلك إضمارا، وإذا أضمروا أنه أحق بالأخذ بالشفعة، ms0800 أضمرنا أنه أحق بالعرض
~~عليه، ولأن المراد بالجار في الخبر، الشريك، لأنه خرج على سبب يقتضي ذلك.
# فروى عمرو بن الشريد، عن أبيه، قال: بعت حقا من أرض لي فيها شريك، فقال
~~شريكي: أنا أحق بها، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال: الجار
~~أحق بسقبه (3).
# والزوجة تسمى جارا، لمشاركتها الزوج في العقد، قال الأعشى: * أيا جارتي
~~بيني فإنك طالقة * وهي تسمى بذلك عقيب العقد، وتسمى به وإن كانت بالشرق،
~~والزوج بالغرب، فليس لأحد أن يقول: إنما سميت بذلك لكونها قريبة مجاورة،
~~فقد صار اسم الجار يقع على الشريك لغة وشرعا.
# واشترطنا أن يكون واحدا، لأن الشئ إذا كان مشتركا بين أكثر من اثنين،
~~فباع أحدهم، لم يستحق شريكه الشفعة، بدليل الإجماع من أصحابنا، ولأن حق
~~الشفعة حكم شرعي يفتقر ثبوته إلى دليل شرعي، وليس في الشرع ما يدل على ذلك
~~هاهنا، وعلى هذا إذا كان الشريك واحدا ووهب بعض السهم، أو تصدق به، وباع
~~الباقي من الموهوب له، أو المتصدق عليه، لم يستحق فيه الشفعة.
# واشترطنا أن يكون مسلما، إذا كان المشتري كذلك، تحرزا من الذمي،
# PageV02P387
# لأنه لا يستحق على مسلم شفعة، بدليل إجماع أصحابنا، وأيضا قوله تعالى:
# " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " (1) وبما روي عنه عليه
~~السلام من قوله: لا شفعة لذمي على مسلم (2).
# واشترطنا أن لا يسقط حق المطالبة، لأن بعض أصحابنا يقول: حق الشفعة (3)
~~على الفور، ويسقط بتأخير الطلب مع القدرة عليه، وبعضهم يذهب إلى أنه لا
~~يسقط مع القدرة والعلم وتأخير الطلب، وهذا هو الأظهر بين الطائفة، ويعضده
~~أن الحقوق في أصول الشريعة، وفي العقول أيضا، لا تبطل بالإمساك عن طلبها،
~~فكيف خرج حق الشفعة عن أصول الأحكام العقلية والشرعية، وهو اختيار المرتضى،
~~والأول اختيار شيخنا أبي جعفر.
# واشترطنا عدم عجزه عن الثمن، لأنه إنما يملك الأخذ إذا دفع إلى المشتري
~~ما بذله للبايع، فإذا تعذر عليه ذلك، سقط حقه من الشفعة.
# وإذا كان الثمن مؤجلا فهو على الشفيع كذلك.
# ويلزمه ms0801 إقامة كفيل به إذا لم يكن مليا، وهذا مذهب شيخنا أبي جعفر في
~~نهايته (4).
# وذهب في مسائل خلافه، إلى أن للشفيع المطالبة بالشفعة، وهو مخير بين أن
~~يأخذه في الحال، ويعطي ثمنه حالا، وبين أن يصبر إلى سنة، ويطالب بالثمن
~~الواجب عندها (5).
# والذي يقوى عندي، ما ذكره في نهايته.
# ومتى طالب بالشفعة فيما له فيه المطالبة بها، وجب عليه من الثمن مثل الذي
~~انعقد عليه البيع، من غير زيادة ولا نقصان، فإن كان الشئ بيع نقدا، وجب
# PageV02P388
# عليه الثمن نقدا، فإذا دافع ومطل أو عجز عنه، بطلت شفعته، فإن ذكر غيبة
~~المال عنه، أجل بمقدار ما يمكن وصول ذلك المال إليه، ما لم يؤد إلى ضرر على
~~البايع (1) المأخوذ منه، فإن أدى إلى ضرره، بطلت الشفعة، فإن بيع الشئ
~~نسية، فقد ذكرناه.
# وإذا حط البايع من الثمن الذي انعقد عليه الإيجاب والقبول، فهو للمشتري،
~~خاصة، وسواء حط ذلك عنه قبل التفرق من المجلس، أو بعده، ولم يسقط عن
~~الشفيع، لأنه إنما يأخذ الشقص بالثمن الذي انعقد عليه البيع، وما يحط بعد
~~ذلك هبة مجددة، لا دليل على لحوقها بالعقد.
# وإذا تكاملت شروط استحقاق الشفعة، استحقت في كل مبيع، من الأرضين،
~~والحيوان، والعروض، سواء كان ذلك مما يحتمل القسمة، أو لم يكن على الأظهر
~~من أقوال أصحابنا، وهذا مذهب شيخنا أبي جعفر في نهايته في أول باب الشفعة
~~(2)، لأنه قال: كل شئ كان بين شريكين من ضباع، أو عقار، أو حيوان، أو متاع،
~~ثم باع أحدهما نصيبه، كان لشريكه المطالبة بالشفعة، ثم عاد في أثناء الباب
~~المذكور، وقال: فلا شفعة فيما لا تصح قسمته، مثل الحمام والأرحية، وما
~~أشبهما. وإلى هذا ذهب في مسائل خلافه (3)، واستدل بأدلة، فيها طعون
~~واعتراضات كثيرة.
# والدليل على صحة ما اخترناه، الإجماع من المسلمين، على وجوب الشفعة لأحد
~~الشريكين، إذا باع شريكه ما هو بينهما، وعموم الأخبار في ذلك، والأقوال،
~~والمخصص يحتاج إلى دليل.
# وتمسك من قال من أصحابنا بما رواه المخالف، من قوله عليه السلام: ms0802
# الشفعة فيما لم يقسم.
# PageV02P389
# دليل لنا لا علينا، لأنه قال عليه السلام: فيما لم يقسم، الأشياء المخالف
~~فيها لم تقسم، وقولهم: " أراد أن ما لم تتقدر القسمة فيه لا شفعة فيه " قول
~~بعيد من الصواب، لأن ذلك دليل الخطاب، وهو عندنا لا يجوز العمل به، على أنه
~~يقال لهم: إذا كنتم تذهبون إلى أن الشفعة وجبت لإزالة الضرر عن الشفيع،
~~وكان هذا المعنى حاصلا في سائر المبيعات، لزمكم القول بوجوب الشفعة فيها،
~~وقولهم: " من صفة الضرر الذي تجب الشفعة لإزالته أن يكون حاصلا على جهة
~~الدوام، وهذا لا يكون إلا في الأرضين " ليس بشئ، لأن الضرر المنقطع، يجب
~~أيضا إزالته عقلا وشرعا، كالدايم، فكيف وجبت الشفعة لإزالة أحدهما دون
~~الآخر.
# على أن فيما عدا الأرضين، ما يدوم كدوامها، ويدوم الضرر بالشركة فيه
~~كدوامه (1)، كالجواهر وغيرها.
# وفي أصحابنا من قال: لا يثبت حق الشفعة، إلا فيما يحتمل القسمة شرعا، من
~~العقار والأرضين، ولا يثبت فيما لا يحتمل القسمة من ذلك، كالحمامات
~~والأرحية، على ما قدمناه وحكيناه عنهم، ولا فيما ينقل ويحول إلا على وجه
~~التبع للأرض، كالشجر والبناء.
# والصحيح أن الشفعة تجب في كل مبيع، إذا تكاملت شروط الشفعة، وهو مذهب
~~السيد المرتضى، وغيره من المشيخة.
# وذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، إلى أن كل ما ينقل ويحول، لا شفعة
~~فيه (2)، واحتج بخبر واحد يرويه مخالف لأهل البيت (3) عليهم السلام.
# والشفعة مستحقة على المشتري دون البايع، وعليه الدرك للشفيع، بدليل إجماع
~~الطائفة على ذلك، ولأنه قد ملك العقد، والشفيع يأخذ منه ملكه بحق
# PageV02P390
# الشفعة، فيلزمه دركه.
# وإذا كان الشريك غير كامل العقل، فلوليه أو الناظر في أمور المسلمين،
~~المطالبة بالشفعة إذ رأى ذلك صلاحا له، ويحتج على المخالف، بقوله عليه
~~السلام: الشفعة فيما لم يقسم، ولم يفصل، وإذا ترك الولي ذلك، فللصغير إذا
~~بلغ، والمجنون إذا عقل، المطالبة، لأن ذلك حق له، لا للولي، وترك الولي
~~استيفاءه لا يؤثر في إسقاطه.
# وإذا غرس المشتري، وبنى، ثم علم الشفيع بالشراء وطالب ms0803 بالشفعة، كان له
~~إجباره على قلع الغرس والبناء، إذا رد عليه ما نقص من ذلك بالقلع، لأن
~~المشتري فعل ذلك في ملكه، فلم يكن متعديا، فاستحق ما نقص بالقلع، ولأنه لا
~~خلاف في أن له المطالبة بالقلع، إذا رد ما ينقص به، ولا دليل على وجوب
~~المطالبة، إذا لم يرد.
# وإذا استهدم المبيع، لا بفعل المشتري أو هدمه هو قبل علمه بالمطالبة
~~بالشفعة، فليس للشفيع إلا الأرض والآلات، وإن هدمه بعد العلم بالمطالبة،
~~فعليه رده إلى ما كان.
# وإذا عقد المشتري البيع على شرط البراءة من العيوب، أو علم بالعيب ورضي
~~به، لم يلزم الشفيع ذلك، بل متى علم بالعيب، رد على المشتري إن شاء.
# [(وإذا اختلف)] المتبايعان والشفيع في مبلغ الثمن، وفقدت البينة، فالقول
~~قول المشتري مع يمينه، لأن الشئ ينتزع من يده، وهو مدعى عليه، فالقول قوله،
~~فإن شهد البايع للشفيع، لا تقبل شهادته، لأن في شهادته دفع ضرر عن نفسه،
~~لأنه ربما خرج المبيع مستحقا، فيرجع بالدرك عليه بالثمن، فيريد أن يقلله
~~لذلك.
# فإن أقام كل واحد من المشتري والشفيع بينة، فالبينة المسموعة المحكوم
~~بها، بينة الخارج المدعي شرعا، وهو الشفيع. وقال بعض أصحابنا: البينة
~~المسموعة في ذلك بينة المشتري. PageV02P391
# والأظهر الأول، لأنه الذي تقتضيه أصول المذهب، لأن الرسول عليه السلام،
~~قال: البينة على المدعي، فجعل البينة في جنبة المدعي، والشفيع هو المدعي
~~لتقليل الثمن، والمشتري منكر لذلك.
# وحق الشفعة موروث، على الأظهر من أقوال أصحابنا، لعموم آيات الميراث،
~~لأنه إذا كان حقا للميت، يستحقه وارثه مثل سائر الحقوق، لعموم الآيات، ومن
~~أخرج شيئا منها، فعليه الدلالة، وهو مذهب المرتضى، وشيخنا المفيد في مقنعته
~~(1)، وجلة أصحابنا وذهب شيخنا أبو جعفر في نهايته إلى أنها لا تورث (2).
~~وكذلك ذهب في مسائل خلافه، في كتاب الشفعة (3)، إلا أنه رجع في مسائل خلافه
~~في الجزء الثاني، في كتاب البيوع، إلى أنها تورث، كسائر الحقوق، فقال:
~~مسألة، خيار الثلاث موروث، كان لهما، أو لأحدهما، ويقوم الوارث مقامه، ولا
~~ينقطع الخيار بوفاته، ms0804 وكذلك إذا مات الشفيع قبل الأخذ بالشفعة، قام وارثه
~~مقامه، هكذا في خيار الوصية، إذا أوصى له بشئ، ثم مات الموصي، كان الخيار
~~في القبول إليه، فإن مات، قام وارثه مقامه، ولم ينقطع الخيار بوفاته، وبه
~~قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: كل هذا ينقطع بالموت، فلا يقوم الوارث
~~مقامه، وقال في البيع: يلزم البيع بموته، ولا خيار لوارثه فيه، وبه قال
~~الثوري وأحمد، دليلنا: إن هذا الخيار، إذا كان حقا للميت، يجب أن يرثه، مثل
~~سائر الحقوق، لعموم الآية، ومن أخرج شيئا منها فعليه الدلالة، هذا آخر
~~كلامه رحمه الله في المسألة (4).
# ومن ذهب من أصحابنا إلى أنها لا تورث، لا حجة له، وإنما يتمسك بأخبار
~~آحاد ضعيفة، لا توجب علما ولا عملا، فكيف يترك لها الأدلة، والإجماع.
# PageV02P392
# وقد قلنا أنه إذا زاد الشركاء على اثنين، بطلت الشفعة، وكذلك إذا تميزت
~~الحقوق، وتحيزت وتحددت بالقسمة.
# ومتى شهد الشفيع عقد البيع، لم يبطل شفعته، إذا طالب بها بعد العقد على
~~الفور، كما قدمناه.
# ومتى عرض البايع الشئ على صاحب الشفعة بثمن معلوم، فلم يرده، فباعه من
~~غيره بذلك الثمن، أو زايدا عليه، لم يكن لصاحب الشفعة المطالبة بها، على ما
~~روي (1) وإن باع بأقل من الذي عرض عليه، كان له المطالبة بها.
# والأولى أن يقال: إن على جميع الأحوال، للشفيع المطالبة بها، لأنه إنما
~~يستحقها بعد البيع، ولا حق له قبل البيع، فإذا عفا قبله، فما عفا عن شئ
~~يستحقه، فله إذا باع شريكه أخذها، لأنه تجدد له حق، فلا دليل على إسقاطه،
~~وقبل البيع فما أسقط شيئا يستحقه، حتى يسقط، فليلحظ ذلك.
# وكذلك إذا كانت الدار بين شريكين، فقال الشفيع للمشتري: اشتر نصيب شريكي،
~~فقد نزلت عن شفعته، وتركتها لك، ثم اشترى المشتري ذلك على هذا، لا تسقط
~~شفعته بذلك، وله المطالبة، لأنه إنما يستحق الشفعة بعد العقد، فإذا عفا قبل
~~ذلك، لم يصح، لأنه يكون قد عفا عما لم يجب، ولا يملكه، فلا يسقط حقه حين
~~وجوبه، وكذلك ms0805 الورثة إذا عفوا عما زاد على الثلث في الوصية، قبل موت
~~الموصي، ثم مات بعد ذلك، فلهم الرجوع، لمثل ما قلناه.
# PageV02P393
# وعلى الصحيح من المذهب، إذا كانت الشفعة قد وجبت للشفيع، ولم يعلم بها
~~حتى تقايلا، هل للشفيع إبطال الإقالة، ورد المبيع إلى المشتري، وأخذ ذلك
~~بالشفعة أم لا؟ للشفيع ذلك، لأن حق الشفعة ثبت على وجه لا يمكن، ولا يملك
~~المتعاقدان إسقاطه.
# إذا ادعى البايع البيع، وأنكر المشتري، وحلف، فإن الشفعة ثابتة، وللشفيع
~~أخذها من البايع، لأنه معترف بحقين، الواحد منهما عليه، وهو حق الشفعة،
~~والآخر على المشتري، فلا يقبل قوله على المشتري، لأن الحق له، وقبلنا قوله
~~للشفيع، لأنه حق عليه، هكذا أورده شيخنا في مسائل خلافه (1)، واختاره
~~وقواه، وهو قول المزني، وتفريعه، وقال ابن شريح أبو العباس: لا شفعة، لأنها
~~إنما تثبت بعد ثبوت بيع المشتري.
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: وهذا الذي تقتضيه أصول أصحابنا،
~~ومذهبهم، لأن الشفعة لا تستحق إلا بعد ثبوت البيع، ويستحقها ويأخذها الشفيع
~~من المشتري دون البايع، والبيع ما صح ولا وقع ظاهرا، ولا يحل لحاكم أن يحكم
~~بأن البيع حصل وانعقد، فكيف يستحق الشفعة في بيع لم يثبت عند الحاكم؟ وكيف
~~يأخذها من البايع؟ وأيضا الأصل أن لا شفعة، فمن أثبتها يحتاج إلى دليل قاطع
~~هاهنا في هذا الموضع، وهذه مسألة حادثة نظرية، لا يرجع فيها إلى قول بعض
~~المخالفين، بل تحتاج إلى تأمل، وأن ترد إلى أصل المذهب، وما يقتضيه أصول
~~أصحابنا، فليلحظ ذلك.
# وإذا كان الشفيع وكيلا في البيع للبايع، أو وكيلا في الشراء للمشتري،
~~فإنه يستحق الشفعة، ولا تسقط بوكالته، لأنه لا مانع من وكالته لهما، ولا
~~دليل في الشرع يدل على سقوط حقه من الشفعة بذلك.
# PageV02P394
# إذا اشترى شقصا، وقبض منه بالشفعة، وظهر بعد ذلك أن الدنانير التي.
# دفعها المشتري إلى البايع ثمنا للشقص، ليست للمشتري، بل هي لغيره، فإنه
~~لا يخلو الشراء من أن يكون بثمن معين، أو بثمن في الذمة، فإن كان بثمن ms0806
~~معين، مثل أن يقول المشتري للبايع بعني بهذه الدنانير، فالشراء لا يصح، لأن
~~الأثمان عندنا تتعين، كالثياب فإذا كان الشراء لا يصح، بطلت الشفعة، لأن
~~الشفيع إنما يملك من المشتري، ما يملك، ولم يملك هاهنا شيئا لأن البيع لم
~~يصح.
# وإن كان الشراء بثمن في ذمة المشتري، فهو والشفعة صحيحان ماضيان، ويأخذ
~~المستحق الثمن، ويطالب البايع المشتري بالثمن، لأن الثمن في ذمته، فإذا دفع
~~إليه ما لا يملك، لم تبرء ذمته، وكان للبايع مطالبته بالثمن.
# قد ذكرنا أنه إذا أسقط البايع عن المشتري بعض الثمن، وانحط ذلك عنه، لا
~~ينحط عن الشفيع، سواء أسقطه قبل انقضاء مدة خيار المجلس، أو خيار الشرط، أو
~~بعد ذلك بغير تفصيل، لأن الشفيع يأخذ الشفعة، بما انعقد عليه العقد.
# وقال بعض أصحابنا: لا يخلو من أن يكون قبل لزوم العقد، أو بعده، فإن كان
~~قبل لزومه، مثل أن حط عنه في مدة خيار المجلس، أو الشرط، كان ذلك حطا من حق
~~المشتري والشفيع، لأن الشفيع يأخذ الشقص بالثمن الذي يستقر عليه العقد،
~~وهذا هو الذي استقر العقد عليه، وإن كان الحط بعد انقضاء الخيار ولزوم
~~البيع وثبوته، لم يلحق بالعقد، ويكون هبة مجددة من البايع للمشتري.
# والذي اخترناه هو الصحيح الذي يقتضيه أصول المذهب، واستدلال هذا المستدل،
~~بأن الشفيع يأخذ الشقص بالثمن الذي يستقر عليه العقد، غير صحيح، لأنا قد
~~بينا أن الشفيع يأخذ الشقص بالثمن الذي انعقد عليه العقد، لأن الحط هبة من
~~البايع على كل حال.
# إذا اختلف شريكان في دار، ويدهما عليها، فقال الواحد منهما للآخر:
# ملكي منها قديم، وأنت مبتاع لما في يدك الآن منها، وأنا استحقه عليك
~~PageV02P395
# بالشفعة، فأنكر ذلك كان القول قول المنكر مع يمينه، ولا يستحلف إلا على
~~أنه لا يستحق ذلك عليه بالشفعة ولا يستحلف على أنه ما ابتاعه، لأنه يمكن أن
~~يكون اشتراه، ثم سقطت الشفعة بعد ذلك.
# وإذا اشترى إنسان شقصا، ووجد به عيبا، وأراد رده على البايع، فللشفيع
~~منعه من ذلك، لأن حق ms0807 الشفيع أسبق، لأنه وجب بالعقد، وحق الرد بالعيب بعده،
~~لأنه وجب في وقت العلم بالعيب، فإن لم يعلم الشفيع بذلك، حتى رده المشتري
~~بالعيب، كان له إبطال الرد، والمنع من الفسخ، لأنه تصرف فيما فيه إبطال
~~الشفعة، كما قدمناه، إذا تقايلا.
# إذا اشترى إنسان من غيره شقصا من أ رض، أو دار بمملوك، وقبض الشقص، ولم
~~يسلم المملوك، فللشفيع الأخذ بقيمة المملوك، فإن قبضه ثم هلك المملوك قبل
~~تسليمه إلى البايع، بطل البيع، ولم تبطل الشفعة في الشقص، لأن الشفيع
~~استحقها قبل موت المملوك وهلاكه، وقبل بطلان العقد، ولزمه للبايع قيمة
~~الشقص وقت قبضه، ووجب على الشفيع للمشتري قيمة المملوك في وقت البيع الذي.
~~كان فيه بيعه، لأن ثمن الشقص إذا لم يكن له مثل، وجبت القيمة فيه في وقت
~~البيع، على الصحيح من أقوال أصحابنا، على ما قدمناه.
# وقد يوجب في أبواب الشفعة، وفي الحديث وأي مال اقتسم وارف عليه، فلا شفعة
~~فيه (1)، معنى أرف بضم الألف، وتشديد الراء الغير المعجمة، أي أعلم عليه،
~~لأن الأرفة على وزن غرفة، العلامة، والحد، وجمعها أرف، مثل غرفة وغرف.
# لا يأخذ الشفيع الشفعة من البايع، أبدا، لأنه إنما يستحق الأخذ بعد تمام
~~العقد، ولزومه، وإبرامه وثبوته، بالملك حينئذ للمشتري، فوجب أن يكون الأخذ
~~من مالكه، لا من غيره.
# PageV02P396
# إذا أخذ الشفيع الشقص، فلا خيار للمشتري خيار المجلس، بلا خلاف، ولا خيار
~~أيضا للشفيع، لأنه أخذه بالشفعة لا بالبيع، وإلحاق ذلك بالبيع قياس.
# إذا وجبت الشفعة، وصالحه المشتري على تركها يعوض، صح وبطلت الشفعة، لأن
~~الصلح جائز بين المسلمين.
# إذا بلغ الشفيع أن الثمن دنانير، فعفا وكان دراهم، أو حنطة فكان شعيرا،
~~لم تبطل شفعته.
# ذهب بعض أصحابنا بأن لإمام المسلمين وخلفائه، المطالبة بشفعة الوقوف التي
~~ينظرون فيها على المساكين، أو على المساجد، ومصالح المسلمين، وكذلك كل ناظر
~~بحق في وقف من وصي، وولي، له أن يطالب بشفعته، وهو اختيار السيد المرتضى،
~~وذهب الأكثرون من أصحابنا إلى خلاف ذلك.
# والذي ينبغي تحصيله، أن ms0808 الوقف إذا كان على جماعة المسلمين، أو على جماعة،
~~فمتى باع صاحب الطلق، فليس لأصحاب الوقف الشفعة، ولا لوليه ذلك، لأن
~~الشركاء زادوا على اثنين، فإن كان الوقف على واحد صح ذلك.
# باب الشركة الشركة جائزة لقوله تعالى: " واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن
~~لله خمسه وللرسول " الآية (1)، فجعل الغنيمة مشتركة بين الغانمين، وبين أهل
~~الخمس، وجعل الخمس مشتركا بين أهله، وقال تعالى: " يوصيكم الله في أولادكم
~~للذكر مثل حظ الأنثيين " (2) فجعل التركة مشتركة بين الورثة، وقال تعالى: "
~~إنما الصدقات للفقراء والمساكين " (3) فجعل الصدقات مشتركة بين أهلها، لأن
~~اللام للتمليك، والواو للتشريك، وعليه إجماع المسلمين، لأنه لا خلاف بينهم
~~في جواز الشركة، وإن اختلفوا في مسائل من تفصيلها وفروعها.
# PageV02P397
# فإذا ثبت هذا، فالشركة على ثلاثة أضرب، شركة في الأعيان، وشركة في
~~المنافع، وشركة في الحقوق.
# فأما الشركة في الأعيان، فمن ثلاثة أوجه، أحدها بالميراث، والثاني
~~بالعقد، والثالث بالحيازة.
# فأما الميراث فهو اشتراك الورثة في التركة.
# وأما العقد، فهو أن يملك جماعة عينا ببيع، أو هبة، أو صدقة، أو وصية.
# وأما الشركة بالحيازة، فهو أن يشتركوا في الاحتطاب، والاحتشاش،
~~والاصطياد، والاستقاء بعد خلطه وحيازته، فأما قبل خلطه فلا شركة عندنا
~~بينهم، لأن الشركة بالأعمال والأبدان باطلة عندنا، لأنها لا تصح إلا
~~بالأموال المتجانسة المتفقة الصفات، بعد خلطها خلطا لا يتميز.
# وأما الاشتراك في المنافع، فكا لاشتراك في منفعة الوقف، ومنفعة العين
~~المستأجرة.
# فأما الاشتراك في الحقوق، فمثل الاشتراك في حق القصاص، وحد القذف، وحق
~~خيار الرد بالعيب، وخيار الشرط، وحق المرافق من المشي في الطرقات، وما أشبه
~~ذلك، فهذا الضرب إذا عفا أحد الشركاء كان للباقي من شركائه المطالبة
~~بجميعه، من غير إسقاط شئ منه، وكذلك لو عفا الجميع إلا واحدا.
# والأموال في الشركة على ثلاثة أضرب أيضا، مال يجوز للحاكم أن يقسم، ويجبر
~~الممتنع، وضرب يجوز أن يقسم، ولا يجوز أن يجبر عليه، وضرب لا يجوز أن يقسم،
~~ولا أن يجبر عليه.
# فأما ما يجوز أن يقسم، ويجبر الممتنع، فكل ms0809 مشترك أجزاؤه، متساوية القيم،
~~ولا ضرر في قسمته.
# وأما ما يجوز أن يقسم ولا يجبر عليه، فمثل أن يريدا أن يقسما دارين.
# وأما ما لا يجوز للحاكم أن يقسم ولا أن يجبر عليه، فمثل جوهرة واحدة، أو
~~حجر واحد، فهذا لا يجوز لهم قسمته، لأنه سفه وضرر، ولا يجوز للحاكم إذا
~~PageV02P398
# رضي الشركاء به أن يفعله، لأنه لا يجوز له أن يشاركهم في السفه، بل
~~الواجب عليه المنع لهم منه.
# وإذا كانت دار، هي وقف على جماعة، أو غير الدار، وأرادوا قسمتها، لم يجز
~~لهم، لأن الحق لهم ولمن بعدهم، إذا كانت على الأعقاب، فلا يجوز لهم تمييز
~~حقوق غيرهم.
# وإذا كانت نصفها طلقا، ونصفها وقفا، فطلب صاحب الطلق المقاسمة، فعندنا
~~يجوز ذلك، لأن القسمة عندنا ليست ببيع، ومن قال أنها بيع، وهو الشافعي، فلا
~~يجوز قسمة ذلك، لأن بيع الوقف لا يجوز.
# وقد قلنا أن من شرط صحة الشركة أن تكون في مالين متجانسين، متفقي
~~الصفتين، إذا خلطا، اشتبه أحدهما بالآخر، وأن يخلطا حتى يصيرا مالا واحدا،
~~وأن يحصل الإذن في التصرف في ذلك، بدليل إجماع الطائفة على ذلك كله.
# وأيضا فلا خلاف في انعقاد الشركة بتكامل ما ذكرناه، وليس على انعقادها مع
~~عدمه، أو اختلال بعضه دليل.
# وهذه الشركة التي تسميها الفقهاء شركة العنان بالعين المكسورة، الغير
~~المعجمة، والنون المفتوحة، قال الجوهري في كتاب الصحاح: وشركة العنان، أن
~~يشتركا في شئ خاص، دون سائر أموالهما، كأنه عن لهما شئ، فاشترياه، مشتركين
~~فيه قال النابغة الجعدي:
# وشاركنا قريشا في تقاها * وفي أحسابها شرك العنان (1) وعلى ما قلناه،
~~وأصلناه، لا يصح شركة المفاوضة، وهي أن يشتركا في كل ما لهما وعليهما،
~~ومالاهما متميزان، ولا شركة الأبدان، وهي الاشتراك في أجرة العمل، ولا شركة
~~الوجوه، وهي أن يشتركا على أن يتصرف كل واحد منهما
# PageV02P399
# بجاهه، لا برأس مال، على أن يكون ما يحصل من فائدة، بينهما.
# والذي يدل على فساد ذلك كله، نهيه عليه السلام عن الغرر (1) وفي هذه غرر
~~عظيم، ms0810 وهو حاصل وداخل فيها، لأن كل واحد من الشريكين لا يعلم أيكسب الآخر
~~شيئا أم لا؟ ولا يعلم مقدار ما يكسبه، ويدخل في شركة المفاوضة، على أن
~~يشاركه فيما يلزمه بعدوان، وغصب، وضمان، وذلك غرر عظيم، وإجماعنا منعقد على
~~فساد ذلك أجمع.
# وإذا انعقدت الشركة الشرعية، اقتضت أن يكون لكل واحد من الشريكين، من
~~الربح بمقدار رأس ماله، وعليه من الوضيعة بحسب ذلك، فإن شرطا تفاضلا في
~~الربح، أو الوضيعة، مع التساوي في رأس المال، أو تساويا في ذلك، مع.
~~التفاضل في رأس المال، لم يلزم الشرط على الصحيح من أقوال أصحابنا،
~~والأكثرين من المحصلين، وهو مذهب شيخنا أبي جعفر.
# وقال المرتضى، في انتصاره: الشرط جائز لازم، والشركة صحيحة (2).
# وما اخترناه هو الصحيح، والذي يبطل ما خالفه، أن هذا ليس بإجارة، فيلزمه
~~الأجرة، ولا مضاربة، فيلزمه إعطاء ما شرطه، لأن حقيقة المضاربة، من رب
~~المال المال، ومن العامل العمل، وهذا ما عمل، فلا وجه لاستحقاقه الفاضل على
~~رأس ماله.
# PageV02P400
# فإذا كان كذلك، بأن يعقدا شركة فاسدة، إما بأن يتفاضل المالان، ويتساوى
~~الربح، أو يتساوى المالان ويتفاضل الربح، وتصرفا، وارتفع الربح، ثم تفاضلا،
~~كان الربح بينهما على قدر المالين، ويرجع كل واحد منهما على صاحبه، بأجرة
~~مثل ما عمله، بعد إسقاط القدر الذي يقابل عمله في ماله، لأن كل واحد منهما
~~قد شرط في مقابلة عمله جزء من الربح، ولم يسلم له، لفساد العقد، وقد تعذر
~~عليه الرجوع إلى المبدل، فكان له الرجوع إلى قيمته، ويصح كل من ذلك
~~بالتراضي، ويحل تناول الزيادة بالإباحة، دون الشرط وعقد الشركة، ويجوز
~~الرجوع بها لمبيحها مع بقاء عينها، لأن الأصل جواز ذلك، والمنع يفتقر إلى
~~دليل.
# فإن قال المخالف: اشتراط الفضل في الوضيعة، بمنزلة أن يقول له: ما ضاع من
~~مالك فهو علي، وهذا فاسد.
# قيل: ما أنكرت أن يكون بمنزلة أن يقول: ما ضاع فهو من مالي ومالك، إلا
~~أني قد رضيت أن يكون من مالي خاصة، تبرعت لك بذلك، وهذا لا مانع ms0811 منه.
# ويلزم أبا حنيفة على ذلك أن لا يجيز اشتراط الفاضل في الربح، لأنه بمنزلة
~~أن يقول: ما أستفيده من مالي، فهو لك، مع إنا قد قدمنا، أنه لا يلزم، وإنما
~~إن اختار ورضي بعد ارتفاع الربح، أن يعطيه ذلك الفاضل تبرعا منه. وهبة، لم
~~يكن بذلك بأس، لا على طريق الاستحقاق، باللزوم والوجوب.
# والتصرف في مال الشركة، على. حسب الشرط، إن شرطا أن يكون لهما معا على
~~الاجتماع، لم يجز لأحدهما أن ينفرد به، وإن شرطا أن يكون تصرفهما على
~~الاجتماع والانفراد، فهو كذلك، وإن شرطا التصرف لأحدهما، لم يجز للآخر إلا
~~بإذنه وكذا القول في صفة التصرف في المال، من السفر به، والبيع بالنسيئة
~~والتجارة في شئ معين، ومتى خالف أحدهما ما وقع عليه الشرط، كان ضامنا.
# والشركة عقد جائز من كلا الطرفين، يجوز فسخه لكل واحد منهما متى شاء، ولا
~~يلزم شرط التأجيل فيها، وينفسخ بالموت. PageV02P401
# والشريك المأذون له في التصرف، مؤتمن على مال شريكه، والقول قوله، فإن
~~ارتاب به شريكه، وادعى عليه خيانة مقدرة، حلف على قوله، أعني الجاحد.
# وإذا تقاسم الشريكان، لم يقسما الدين، بل يكون الحاصل منه بينهما،
~~والمنكسر عليهما، وإن اقتسما، فاستوفى أحدهما ولم يستوف الآخر، لكان له أن
~~يقاسم شريكه على ما استوفاه.
# وإذا باع من له التصرف في الشركة، وأقر على شريكه الآخر بقبض الثمن، مع
~~دعوى المشتري ذلك، وهو جاحد، لم يبرء المشتري من شئ منه، أما ما يخص
~~البايع، فلأنه ما اعترف بتسليمه إليه، ولا إلى من وكله على قبضه، فلا يبرء
~~منه، وأما ما يخص الذي لم يبع، فلأنه منكر لقبضه، وإقرار شريكه البايع عليه
~~لا يقبل، لأنه وكيله، وإقرار الوكيل على الموكل بقبض الحق الذي وكله في
~~استيفائه، غير مقبول، لأنه لا دليل على ذلك، ولو أقر الذي لم يبع ولا أذن
~~له في التصرف، أن البايع قبض الثمن، برئ المشتري من نصيب المقر منه بلا
~~خلاف.
# ويكره شركة المسلم للكافر بلا خلاف، إلا من الحسن البصري، ms0812 فإنه قال:
# إذا كان المسلم، هو المتفرد بالتصرف، لم يكره.
# إذا كان بينهما شئ، فباعاه بثمن معلوم، كان لكل واحد منهما أن يطالب
~~المشتري بحقه، فإذا أخذ حقه، شاركه فيه صاحبه، على ما قدمناه، لأن المال
~~الذي في ذمة المشتري، غير متميز، فكل جزء يحصل من جهته، فهو شركة يعد
~~بينهما، على ما ذكره شيخنا في نهايته (1)، ومسائل خلافه (2).
# والذي يقتضيه أصول مذهبنا، أن كل واحد من الشريكين، يستحق على المدين،
~~قدرا محصوصا، وحقا غير حق شريكه، وله هبة الغريم وإبراؤه منه، فمتى أبرأه
~~أحدهما من حقه، برئ منه وبقي حق الآخر الذي لم يبرء منه بلا خلاف، فإذا
~~استوفاه و
# PageV02P402
# تقاضاه منه، لم يشاركه شريكه الذي وهب، وأبرء، أو صالح منه على شئ، بلا
~~خلاف، فإن كان شريكه بعد في المال الذي في ذمة الغريم، لكان في هذه الصور
~~كلها، يشارك من لم يهب، ولم يبرء فيما يستوفيه منه، ويقبضه، ثم عين المال
~~الذي كان شركة بينهما ذهبت، ولم يستحقا في ذمة الغريم الذي هو المدين، عينا
~~لهما معينة، بل دينا في ذمته، لكل واحد منهما مطالبته بنصيبه، وإبراء ذمته
~~وهبته، وإذا أخذه منه، تقاضاه، فما أخذ عينا من أعيان مال الشركة، حتى
~~يقاسمه شريكه فيها.
# ولم يذهب إلى ذلك سوى شيخنا أبي جعفر الطوسي في نهايته (1)، ومن قلده
~~وتابعه بل شيخنا المفيد، محمد بن محمد بن النعمان، لم يذكر ذلك في كتاب له،
~~ولا تصنيف، وكذلك السيد المرتضى، ولا تعرضا للمسألة، ولا وضعها أحد من
~~أصحابنا المتقدمين، في تصنيف له جملة، ولا ذكرها أحد من القميين، وإنما ذكر
~~ذلك شيخنا في نهايته، من طريق أخبار الآحاد، ورد بذلك ثلاثة أخبار (2)،
~~أحدها مرسل، وعند من يعمل بأخبار الآحاد، لا يلتفت إليه، ولو سلم الخبران
~~الآخران تسليم جدل، لكان لهما وجه صحيح مستمر على أصول المذهب والاعتبار،
~~وهو أن المال الذي هو الدين، كان على رجلين، فأخذ أحد الشريكين وتقاضا جميع
~~ما على أحد الغريمين، فالواجب عليه هاهنا، أن يقاسم ms0813 شريكه على نصف ما أخذه
~~منه، لأنه أخذ ما يستحقه عليه، وما يستحقه شريكه أيضا عليه، لأن جميع ما
~~على أحد المدينين، لا يستحقه أحد الشريكين بانفراده، دون شريكه الآخر، فهذا
~~وجه صحيح، فيحمل الخبران على ذلك، إذا أحسنا الظن براويهما، فليتأمل ذلك،
~~وينظر بعين الفكر الصافي، ففيه غموض.
# وإذا كان مال بين شريكين، فغصب غاصب أحدهما نصيبه، وباع مع مال
# PageV02P403
# شريكه، مضى العقد في مال الشريك، ويبطل في مال الشريك الذي غصبه الغاصب.
# وإذا أرادا أن يتشاركا فيما لا مثل له، ولا يتساوى أجزاؤه، ولا يختلط
~~خلطا لا يتميز، مثل أن يكون مع كل واحد منهما دابة، أو ثوب، أو غير ذلك،
~~فيشتري كل واحد منهما نصف سلعة صاحبه مشاعا، غير مقسوم، بنصف سلعته مشاعا
~~غير مقسوم، وقد صحت الشركة بينهما.
# إذا شارك اثنان سقاء، على أن يكون من أحدهما جمل، ومن الآخر رواية،
~~واستقى فيها، على أن كل نفع يرتفع من الماء، يكون بينهم، لم تصح هذه
~~الشركة، لأن من شرط صحة الشركة اختلاط الأموال، وهذا لم يختلط، ولا يجوز أن
~~يكون ذلك إجارة، لأن الأجرة في ذلك غير معلومة، فإذا ثبت أن هذه معاملة
~~فاسدة، فإذا استقى السقاء وباع الماء، وحصل الكسب في يده، فإنه يكون
~~للسقاء، ويرجع الآخران عليه بأجرة المثل فيما لهما، من جمل وراوية.
# إذا عقد الشركة، ثم أدن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف، فتصرفا، ثم أن
~~أحدهما فسخ الشركة، انفسخت، وكان لصاحبه أن يتصرف في نصيبه، دون نصيب
~~الآخر، وكان للفاسخ أن يتصرف في نصيبه، ونصيب صاحبه، لأن صاحبه ما رجع في
~~إذنه، وإنما كان كذلك، لأن تصرف كل واحد منهما في نصيب صاحبه، إنما هو على
~~سبيل التوكيل، وللموكل أن يمنع الوكيل من التصرف أي وقت شاء، فإذا ثبت هذا
~~فهذا الفسخ، يفيد المنع من التصرف على ما بيناه، وأما المال فهو بعد مشترك
~~بينهما، لأنه مختلط غير متميز، ولا يتميز بالفسخ، فإذا ثبت هذا، فإن كان
~~المال قد نض، كان ms0814 لهما أن يتقاسماها، وإن أرادا بيعها، كان لهما ذلك.
# وإذا مات أحد الشريكين، انفسخت الشركة بموته، ومعنى الانفساخ، أن الباقي
~~منهما لا يتصرف في المال، فإذا ثبت هذا، فإن كان الوارث رشيدا، فهو بالخيار
~~بين أن يبقى على الشركة، وبين أن يطالب بالقسمة، فإن اختار البقاء على
~~الشركة، استأنف الإذن للشريك في التصرف، فأما إن كان الوارث مولى
~~PageV02P404
# عليه، فإن الوصي أو الولي ينوب عنه، وينظر، فإن كان الحظ في البقاء على
~~الشركة، استأنف الإذن للشريك في التصرف، وإن كان الحظ في المفاصلة، قاسمه،
~~ولا يجوز له أن يترك ما فيه الحظ إلى غيره، لأن النظر إليه في المال على
~~وجه الصلاح والاحتياط.
# إذا كان بين رجلين ألفا درهم، لكل واحد منهما ألف درهم فأذن أحدهما للآخر
~~في التصرف في ذلك المال، على أن يكون الربح بينهما نصفين، لم يكن ذلك شركة،
~~ولا قراضا، لأنه لم يشرط له جزء من الربح، فلهذا امتنع أن يكون قراضا، ولم
~~يشرط على نفسه العمل، فمن هذا امتنع أن يكون شركة، فإذا ثبت هذا، كان ذلك
~~بضاعة سأله التصرف فيها، ويكون ربحها جميعا لصاحبها.
# إذا باع أحد الشريكين عينا من أعيان الشركة، وأطلق البيع، ثم ادعى بعد
~~ذلك أنه باع مالا مشتركا بينه وبين غيره، ولم يأذن له شريكه في البيع، لم
~~يقبل قوله على المبتاع، لأن الظاهر أن ما يبيعه ملك له، ينفرد به دون غيره،
~~فإذا ادعى خلاف الظاهر، لم يسمع منه، فإن ادعى شريكه وأقام البينة، فإنه
~~يبطل البيع في ملك شريكه، ولا يبطل في ملكه، كما قلناه في تفريق الصفقة.
# وإذا اشترى أحد الشريكين شيئا بمال الشركة، فإن اشتراه بثمن في الذمة،
~~كان ذلك للمشتري، دون شريكه، لأن إذن شريكه لم يتناول هذا الشراء، فهو
~~بمنزلة أن يشتري له شيئا بغير إذنه، فأما إذا اشتراه بثمن معين من مال
~~الشركة، وثبت أن الثمن المعين من مال الشركة، بتصديق البايع، أو ببينة
~~أقامها الشريك، بطل الشراء في نصف الثمن، ولا يبطل ms0815 في النصف الآخر، هذا إذا
~~كان بما لا يتغابن الناس بمثله، كما قدمناه في تفريق الصفقة، ويصير الثمن
~~مشتركا بين البايع وبين شريك المشتري، وصار المبيع مشتركا بين البايع
~~والمشتري.
# وإذا اشترى أحد الشريكين شيئا، فادعى أنه اشتراه لنفسه، دون الشركة،
~~وأنكر شريكه ذلك، وزعم أنه اشتراه للشركة، كان القول في ذلك قول المشتري،
~~فأما إذا كان بخلاف ذلك، فادعى المشتري أنه اشتراه للشركة، PageV02P405
# وأنكر شريكه ذلك، وزعم أنه اشتراه لنفسه دون الشركة، كان القول قول
~~المشتري أيضا، لأنه اختلاف في نيته، وهو أعلم بها.
# ومتى حصل بالمال المشترك، المتاع، ثم أرادا أن يتقاسما، لم يكن لأحدهما
~~المطالبة بالمال، بل له من المتاع بمقدار ما له من المال، وكذلك إن حصل من
~~أصل المال نسيئة، لم يكن له المطالبة به نقدا، فإن رضي أحدهما بأن يأخذ رأس
~~ماله، ويترك الربح والنقصان، والنقد والنسية، ورضي صاحبه بذلك، واصطلحا
~~عليه، كان ذلك جائزا.
# ومتى أعطى الإنسان غيره ثوابا أو متاعا، وأمره بأن يبيع، فإن ربح كان
~~بينهما، وإن نقص ثمنه عما اشتراه، لم يلزمه شئ، ثم باع فخسر، لم يكن عليه
~~شئ، وكان له أجرة المثل، وإن ربح، كان صاحب المتاع بالخيار، بين أن يعطيه
~~ما وأفقه عليه، وبين أن يعطيه أجرة المثل، لأن الشركة لم تحصل بينهما، لأنا
~~قد بينا أن الشركة لا تكون إلا في مالين من جنس واحد، على صفة واحدة، وهذا
~~ليس كذلك.
# وليس لأحد الشريكين، مقاسمة شريكه على وجه يضربه، مثل أن يكون بينهما
~~متاع، أو سلعة، أو عقار، إن قسمت، هلكت، مثل الحمامات، والأرحية، أو
~~الحيوان، أو السلع الثمينة، مثل اللآلي، والدرر، وما أشبه ذلك، فمتى طالبه
~~بذلك، كان متعديا، ولم يلزمه إجابته إلى ذلك، بل ينبغي أن تباع السلعة بما
~~يساوي، وتتقاسم بالثمن، أو تقوم، ويأخذ أحدهما بما قومت به، ويؤدي إلى
~~صاحبه ما يصيبه، فإن امتنعا من ذلك أجمع، كان النظر في ذلك إلى الحاكم،
~~يعمل فيه ما يكون أصلح لهما، إما أن يؤجر ms0816 الشئ لهما، أو غير ذلك مما فيه
~~الصلاح لهما، لأنه الوالي على كل من لا يوافق على الحق.
# ويكره مشاركة سائر الكفار.
# ومتى عثر أحد الشريكين على صاحبه بخيانة، فلا يدخل هو في مثلها اقتصاصا
~~منه، وذلك على طريق الكراهة، دون الحظر، لأنه إذا تحقق أخذ PageV02P406
# ماله، وعلم ذلك يقينا، فله أخذ عوضه، وإنما النهي على طريق الكراهة
~~والأولى والأفضل.
# ومتى كان لإنسان على غيره مال دينا، لم يجز له أن يجعله شركة، أو مضاربة،
~~إلا بعد أن يقبضه، ثم يعطيه إياه إن شاء.
# باب المضاربة وهي القراض القراض والمضاربة عبارتان عن معنى واحد، وهو أن
~~يدفع الإنسان إلى غيره مالا يتجر فيه، على أن ما رزق الله من ربح، كان
~~بينهما على ما يشترطانه، فالقراض لغة أهل الحجاز، والمضاربة لغة أهل
~~العراق، ومواضعتهم.
# وقيل في اشتقاقها أقوال، وهو أن القراض من القرض، وهو القطع، ومنه قيل:
~~قرض الفأر الثوب، إذا قطعه، معناه هاهنا، أن رب المال قطع قطعة من ماله،
~~فسلمها إلى العامل، وقطع له قطعة من الربح.
# والآخر، أن اشتقاقه من المقارضة، وهي المساواة، ومعناه هاهنا، أن من
~~العامل العمل، ومن رب المال المال.
# واشتقاق المضاربة من الضرب بالمال في الأرض، والتقليب له.
# وعلى جواز ذلك، إجماع الأمة، والكتاب.
# ومن شرط صحة ذلك، أن يكون رأس المال، دراهم أو دنانير معلومة، مسلمة إلى
~~العامل، ولا يجوز القراض بغير الدنانير والدراهم، من سائر العروض، فعلى هذا
~~لا يجوز القراض بالفلوس، ولا بالورق المغشوش.
# وتصرف المضارب، موقوف على إذن صاحب المال، إن أذن له في السفر، به أو في
~~البيع نسية، جاز له ذلك، ولا ضمان عليه لما يهلك، أو يحصل من خسران، وإذا
~~لم يأذن في البيع بالنسية، أو في السفر، أو أذن فيه إلى بلد معين، أو شرط
~~أن لا يتجر إلا في شئ معين، ولا يعامل إلا إنسانا معينا فخالف، لزمه
~~الضمان، بدليل إجماع أصحابنا، على جميع ذلك. PageV02P407
# ويحتج على المخالف، في صحة القراض مع هذه الشروط، ms0817 بقوله عليه السلام:
~~المؤمنون عند شروطهم (1).
# وإذا سافر بإذن رب المال، كانت نفقة السفر من المأكول، والمشروب،
~~والملبوس، والمركوب، من غير إسراف، من مال القراض، على الأظهر الصحيح بين
~~أصحابنا المحصلين، ولا نفقة للمضارب منه في الحضر، واختار شيخنا أبو جعفر
~~في مبسوطه، القول بأنه لا نفقة له حضرا ولا سفرا (2)، وبما اخترناه قال في
~~نهايته (3) وجميع كتبه، ما عدا ما ذكرناه عنه في مبسوطه، وهو أحد أقوال
~~الشافعي، الثلاثة في المسألة، اختاره هاهنا شيخنا أبو جعفر رحمه الله، وقال
~~في مسائل خلافه بمقالته في نهايته، ورجع إلى قول أهل نحلته، وإجماع عصابته،
~~فقال: مسألة إذا سافر بإذن رب المال، كان نفقة السفر، من المأكول،
~~والمشروب، والملبوس، من مال القراض، ثم قال: دليلنا إجماع الفرقة،
~~وأخبارهم. هذا آخر كلامه، في مسائل خلافه (4)، فهو في مبسوطه محجوج بقوله
~~في مسائل خلافه.
# وإذا اشترى العامل، من يعتق على رب المال، بإذنه، صح الشراء، وعتق عليه،
~~وانفسخ القراض، إن كان الشراء بجميع المال، لأنه خرج عن كونه مالا للقراض،
~~وملكا، وإن كان ببعض المال، انفسخ من القراض بقدر قيمة العبد، وإن كان
~~الشراء بغير إذنه، وكان بعين المال، فالشراء باطل، لأنه اشترى ما يتلف،
~~ويخرج عن كونه مالا عقيب الشراء، وإن اشترى بثمن في الذمة صح الشراء ووقع
~~الملك للعامل، ولا يجوز له أن يدفع الثمن من مال القراض، فإن فعل لزمه
~~الضمان، لأنه تعدى بدفع مال غيره في ثمن، لزمه في ذمته.
# وإذا اشترى المضارب، من يعتق عليه، قوم، فإن زاد ثمنه على ما اشتراه،
~~انعتق منه بحساب نصيبه من الربح، واستسعى في الباقي لرب المال، وإن لم يزد
# PageV02P408
# ثمنه على ذلك، أو نقص عنه، فهو رق بدليل إجماع الطائفة على ذلك.
# والمضاربة عقد جائز من الطرفين، لكل واحد منهما فسخه متى شاء، وإذا بد
~~الصاحب المال من ذلك، بعد ما اشترى المضارب المتاع، لم يكن له غيره، و يجب
~~على المضارب بيعه، فإن كان فيه ربح، كان بينهما، على ما شرطا، ms0818 وإن كان
~~خسران، فلا يلزمه شئ بحال.
# والمضارب مؤتمن، لا ضمان عليه إلا بالتعدي، فإن شرط عليه رب المال ضمانه،
~~صار الربح كله له، دون رب المال.
# ويكره مضاربة سائر الكفار.
# واختلفت أقوال أصحابنا في تصانيفهم، في معنى الشرط للعامل في الربح، هل
~~يلزم أم لا؟ فبعض، يذكر أنه يستحق ما وقع الشرط عليه من الربح، وبعض يذكر
~~أنه لا يستحق ذلك، بل يجب له أجرة المثل، دون ما وقع عليه الشرط من الربح،
~~ويجعل القول الأول رواية (1)، وهو مذهب شيخنا أبي جعفر في نهايته (2)، ورجع
~~عنه في مبسوطه (3) ومسائل خلافه (4)، واستبصاره (5)، وهو الذي يقوى في
~~نفسي، وأعمل عليه وأفتي به.
# والذي يدل على صحة ذلك، إجماع أصحابنا المخالف في المسألة والمؤالف،
~~وتواتر أخبارهم (6)، في أن المضارب إذا اشترى أباه، أو ولده بالمال، وكان
~~فيه ربح على ما قدمناه، فإنه ينعتق عليه، فلو لم يكن شريكا بحسب الشرط في
~~الربح، لما انعتق عليه، لأنه لو كان له أجرة المثل، لما صح العتق ولا يقدر،
~~لأن
# PageV02P409
# الأجرة في ذمة صاحب المال، يوفيه إياها من أي أمواله أراد.
# وأيضا قوله عليه السلام: الشرط جائز بين المسلمين (1) وهذا شرط جائز، لا
~~يمنع منه كتاب ولا سنة ولا إجماع، لأن الإجماع غير حاصل على المنع منه،
~~وكتاب الله تعالى خال منه، والسنة المتواترة.
# وكذلك قوله عليه السلام: المؤمنون عند شروطهم (2) وهذا إخبار بمعنى
~~الأمر، ومعناه: يجب عليهم أن يوفوا بشروطهم.
# والذي ذكره شيخنا في مبسوطه في الجزء الأول، في كتاب الزكاة، في فصل في
~~مال التجارة، قال: من أعطى غيره مالا مضاربة على أن يكون الربح بينهما،
~~فاشترى مثلا بألف سلعة فحال الحول، وهي تساوي ألفين، فإن زكاة الألف على رب
~~المال، والربح إذا حال عليه الحول من حين الظهور، كان فيه الزكاة، على رب
~~المال نصيبه، وعلى العامل نصيبه، إذا كان العامل مسلما، فإن كان ذميا، يلزم
~~رب المال ما يصيبه، ويسقط نصيب الذمي، لأنه ليس من أهل الزكاة، هذا على قول
~~من ms0819 أوجب الربح (3) من أصحابنا وهو الصحيح، فأما من أوجب له أجرة المثل،
~~فزكاة الأصل والربح، على رب المال، هذا آخر قول شيخنا أبي جعفر في مبسوطه
~~(4) من غير زيادة، ولا نقصان، حكيته حرفا فحرفا.
# وذكر رحمه الله في الجزء الثاني من كتاب القراض، مواضع كثيرة، أن للعامل
~~من الربح، ما وقع عليه الشرط.
# ويحمل قول من قال وذكر في كتابه: أن له أجرة المثل، على أنه إذا كانت
~~المضاربة فاسدة، فإن شيخنا أبا جعفر، قال في مسائل خلافه: مسألة، إذا كان
~~القراض فاسدا استحق العامل أجرة المثل على ما يعمله، سواء كان في المال ربح
~~أو لم يكن، ثم قال: دليلنا إنه عمل بإذن صاحب المال، فإذا لم يصح له
# PageV02P410
# ما قاوله عليه، كان له أجرة المثل، لأنه دخل على أن يكون له المسمى في
~~مقابلة عمله هذا آخر كلامه رحمه الله في المسألة (1).
# ومتى اختلف الشريكان، أو المضارب وصاحب المال، في شئ من الأشياء، كانت
~~البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، مثل الدعاوي في سائر الأحكام.
# وإذا اشترى المضارب المتاع، ونقد من عنده الثمن على من ضاربه، لم يلزم
~~صاحب المال ذلك، وكان من مال المضارب، فإن ربح كان له، وإن خسر كان عليه.
# وروي أنه من أعطى مال يتيم إلى غيره، مضاربة، فإن ربح كان بينهما على ما
~~يتفقان عليه، وإن خسر كان ضمانه على من أعطى المال (2).
# فالأولى أن يقال: إن كان هذا المعطي ناظرا في مال اليتيم، نظرا شرعيا،
~~إما أن يكون وصيا في ذلك، أو وليا، فله أن يفعل فيه ما لليتيم الحظ فيه،
~~والصلاح، فعلى هذا لا يلزم الولي المعطي الخسران إن خسر المال، وهذا هو
~~الذي تقتضيه أصول المذهب.
# وما أورده شيخنا في نهايته (3)، خبر واحد أورده إيرادا، لا اعتقادا، على
~~ما كررنا ذلك.
# ومن كان له على غيره مال دينا، لم يجز له يجعله مضاربة، إلا بعد قبضه
~~منه، على ما قدمناه.
# وقد روي أن من كان عنده أموال الناس مضاربة، ms0820 فمات فإن عين ما عنده أنه
~~لبعضهم، كان على ما عين في وصيته، وإن لم يعين كان بينهم بالسوية، على ما
~~يقتضيه رؤوس الأموال (4)، أورد ذلك شيخنا في نهايته (5).
# وهذا إذا حقق وقامت البينة برؤوس الأموال، أو تصادق أصحاب
# PageV02P411
# الأموال والورثة، وكان في المال ربح، وكانت الأموال مختلطة غير متميز،
~~مال كل واحد من غيره، فإن كان خسران، وكان الخلط بغير إذن أرباب الأموال،
~~فإن الخسران على الخالط لها، لأنه فرط في الخلط، فهذا تحرير الرواية
~~المذكورة.
# إذا فسخ رب المال القراض، وكان في المال نسأ - بفتح النون، وسكون السين،
~~وهمز الألف وقصره -، باعه العامل بإذن رب المال نسية، لزمه أن يحييه، سواء
~~كان فيه ربح أو لم يكن فيه ربح، لأن على العامل رد المال، كما أخذه، وإذا
~~أخذه ناضا، وجب عليه أن يرد مثله.
# إذا قال: خذ هذا المال قراضا على أن يكون الربح كله لي، كان ذلك قراضا
~~فاسدا، فإن لفظ القراض يقتضي أن يكون الربح بينهما.
# وإذا قال: خذ هذا المال، وانتفع به واتجر، والربح كله لك، فهذا قرض لا
~~قراض، ويكون المال قرضا على المستقرض، وجميع الربح له، لأنه ربح ماله.
# وإن قال: خذ هذا المال، واشتر لي السلعة الفلانية، والربح كله لي، فهذا.
# بضاعة، سأله أن يشتري له بها ما ذكره، فالربح كله لصاحب المال دون
~~المشتري، وقد قدمنا هذا الكلام فيما مضى من كتابنا هذا، وأعدناه، لأنه
~~موضعه.
# إذا كان العامل نصرانيا، فاشترى بمال القراض خمرا أو خنزيرا، كان جميع
~~ذلك باطلا.
# ذكر شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، مسألة فقال: إذا دفع إليه ألفا
~~للقراض، واشترى به عبدا للقراض، فهلك الألف قبل أن يدفعه في ثمنه، اختلف
~~الناس فيه على ثلاثة مذاهب، اختار شيخنا منها، أن المبيع للعامل، والثمن
~~عليه، ولا شئ على رب المال، ثم قال: دليلنا أنه لا يخلو أن يكون الألف تلف
~~قبل الشراء، أو بعده، فإن كان التلف قبل الشراء، وقع الشراء للعامل، لأنه
~~اشتراه بعد زوال القراض، ms0821 وإن كان التلف بعد الشراء، وقع لرب المال، وعليه
~~أن يدفع الثمن، من ماله الذي سلمه إليه، فإذا هلك المال، PageV02P412
# تحول الملك إلى العامل، وكان الثمن عليه، لأن رب المال إنما فسح للعامل
~~في التصرف في ألف، إما أن يشتريه به بعينه، أو في الذمة، وينقد ثمنه، ولم
~~يدخل على أن يكون له في القراض أكثر منه (1).
# قال محمد بن إدريس: الذي عندي في ذلك، أنه لا يخلو إما أن يكون اشترى
~~المضارب العبد بثمن في الذمة، لا معين، أو ثمن معين، فإن كان الأول، فالعبد
~~للمضارب دون رب مال المضاربة، ويجب على العامل الذي هو المضارب، أن يدفع من
~~ماله وخاصه، ألفا، ثمن العبد، والبيع لا ينفسخ، لأن الأثمان إذا كانت في
~~الذمة، لا ينفسخ البيع بهلاكها، لأنها غير معينة، وإن كان الثاني، فإن
~~البيع ينفسخ، ويكون العبد ملكا لبايعه، على ما كان، دون العامل، ودون رب
~~مال المضاربة، لأن الثمن إذا كان معينا، وهلك قبل القبض، انفسخ البيع، وكان
~~الملك المبيع باقيا وعائدا إلى ملك بايعه، بغير خلاف.
# فهذا تحرير هذه المسألة وما ذكره شيخنا، اختيار أبي العباس بن سريج، من
~~قول الشافعي، اختاره شيخنا أيضا والذي حررناه واخترناه، هو الذي يقتضيه
~~أصول مذهبنا، وبه يقول شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله، في مواضع كثيرة،
~~من كتبه وتصنيفاته، مسائل (2) الخلاف (3) والمبسوط (4).
# لا يصح القراض إذا كان المال جزافا، لأنه لا دلالة عليه.
# إذا قارضه على أن يشتري أصلا، له فائدة يستبقي الأصل، ويطلب فائدته،
~~كالشجر والعقار والحيوان الذي يرجى نسله ودره، فالكل قراض فاسد، لأن موضوع
~~القراض الصحيح في الشرع غير هذا، وأيضا لا دليل على صحة ذلك، لأن القراض
~~عقد شرعي، يحتاج في ثبوته إلى أدلة شرعية.
# إذا دفع إليه مالا قراضا، فإن اتجر حضرا، كان عليه من التصرف فيه
# PageV02P413
# ما يليه رب المال في العادة، من نشر الثوب، وطيه، وتقليبه، على من
~~يشتريه، وعقد البيع، وقبض الثمن، ونقده، وإحرازه في كيسه، وختمه، ونقله إلى
~~صندوقه، وحفظه، ms0822 ونحو ذلك، مما جرت العادة بمثله، وإن كان ذلك شيئا لا يليه
~~رب المال في العادة، مثل النداء على المتاع في الأسواق، ونقله إلى الخان،
~~ومن مكان إلى مكان، فليس على العامل أن يعمل بنفسه، بل يكتري من يتولاه فإن
~~القراض متى وقع مطلقا من غير اشتراط شئ من هذا، وجب أن يحمل إطلاقه على ما
~~جرت العادة، كما نقول في صفة القبض (1) والتصرف، فإن خالف العامل، فحمل على
~~نفسه، وتولى من التصرف ما لا يليه في العرف، لم يستحق الأجرة على فعله،
~~لأنه تطوع بذلك، فإن خالف واستأجر أجيرا يعمل فيه ما يعمله بنفسه، كانت
~~الأجرة من ضمانه، لأنه أنفق المال في غير حقه.
# إذا دفع إليه ألفين منفردين، فقال له: خذهما قراضا، على أن يكون الربح من
~~هذا الألف لي، وربح الآخر لك، فالقراض فاسد، لأن موضوع القراض على أن يكون
~~الربح لكل جزء من المال بينهما.
# إذا خلط الألفين، وقال: ما رزق الله من فضل، كان لي ربح ألف ولك ربح ألف،
~~كان جائزا، لأن الألف الذي شرط ربحها ليس متميزة، وإنما كانت تبطل لو كانت
~~متميزة، مثل المسألة الأولى، وذلك لا يجوز.
# إذا غصب رجل مالا فاتجر به، فربح، أو كان في يده مال أمانة، أو وديعة، أو
~~نحوهما، فتعدى فيها، واتجر، وربح، فلمن يكون الربح؟ قيل: فيه قولان.
# أحدهما أن الربح كله لرب المال، ولا شئ للغاصب، لأنا لو جعلنا الربح
~~للغاصب، كان ذلك ذريعة إلى غصب الأموال، والخيانة في الودايع، فجعل الربح
~~لرب المال، صيانة للأموال.
# PageV02P414
# والقول الثاني، أن الربح كله للغاصب، لا حق لرب المال فيه، لأنه إن كان
~~قد اشترى بعين المال، فالشراء باطل بغير خلاف، إن كان الشراء في الذمة، ملك
~~المشتري المبيع، وكان الثمن في ذمته بغير خلاف، فإذا دفع مال غيره، فقد قضى
~~دين نفسه بمال غيره، فكان عليه ضمان المال فقط، والمبيع ملكه، حلال له،
~~طلق، فإذا اتجر فيه، وربح، كان متصرفا في مال نفسه، فلهذا كان الربح ms0823 له،
~~دون غيره، ولا يكون ذريعة إلى أخذ الأموال، لأن حسم ذلك بالخوف من الله
~~تعالى، والحذر مما يرتكبه من المعصية ويحذره من الإثم، وهذا القول هو
~~الصحيح الذي تقتضيه الأدلة وأصول المذهب.
# إذا قال: خذه قراضا، والربح بيننا، فالقراض صحيح، لأن قوله بيننا، معناه
~~بيننا نصفين، كرجل قال: هذه الدار بيننا، أو بيني وبينك، كان إقرارا بأنها
~~بينهما نصفين، وجملته أن هاهنا ثلاثة عقود، عقد يقتضي أن الربح كله لمن أخذ
~~المال، وهو القرض، وعقد يقتضي أن الربح كله لرب المال وهو البضاعة، وهو أن
~~يقول له: خذ هذا المال، واتجر به، والربح كله لي، وعقد يقتضي أن الربح
~~بينهما، وهو القراض، فإذا قال: خذه واتجر به، صلح لهذه الثلاثة العقود،
~~قرض، وقراض، وبضاعة، فإذا قرن به قرينة، أخلصته إلى ما تدل القرينة عليه،
~~فإن قال: خذه، واتجر به، والربح لك، كان قرضا، فإن قال:
# خذه واتجر به، على أن الربح كله لي، كان بضاعة، فإن قال: خذه، واتجر به،
~~والربح بيننا، كان قراضا، لأن القرينة تدل عليه.
# إذا اشترى العامل عبدا، واختلف هو ورب المال، فقال العامل: اشتريته
~~لنفسي، وقال رب المال: بل اشتريته للقراض، بمال القراض، فالقول قول العامل
~~مع يمينه، لأن العبد في يده، وظاهر ما في يده أنه ملكه، فلا يقبل قول غيره
~~في إزالة ملكه عنه.
# فإن اختلفا فقال رب المال: اشتريته لنفسك، وقال العامل: للقراض
~~PageV02P415
# اشتريته، فالقول أيضا قول العامل، لأنه أمين.
# وإذا تلف من المال شئ بعد أن يقبضه العامل، كان من الربح بكل حال، سواء
~~كان بعد أن دار في التجارة، أو قبل ذلك، فإذا ذهب بعض المال قبل أن يعمل،
~~ثم عمل، فربح، فأراد أن يجعل البقية رأس المال، بعد الذي هلك، فلا يقبل
~~قوله، ويوفي رأس المال من ربحه، حتى إذا وفاه، اقتسما الربح على شرطهما،
~~لأن المال إنما يصير قراضا في يد العامل بالقبض، فلا فصل بين أن يهلك قبل
~~التصرف، أو بعده وقبل الربح، فالكل هالك من ms0824 مال رب المال، فوجب أن يكون
~~الهالك أبدا من الربح، لا من رأس المال.
# إذا خلط العامل مال القراض بمال نفسه، خلطا لا يتميز، فعليه الضمان،
~~كالمودع والوكيل، لأنه صيره كالتالف، بدلالة أنه لا يقدر على رد المال إلى
~~ربه بعينه.
# إذا دفع إليه ثوبا وقال بعه، فإذا نض ثمنه، فقد قارضتك عليه، فالقراض
~~فاسد.
# باب الرهون وأحكامها الرهن في اللغة هو الثبات، والدوام، تقول العرب: رهن
~~الشئ، إذا ثبت، والنعمة الراهنة، هي الثابتة الدائمة، ويقال: رهنت الشئ،
~~فهو مرهون، ولا يقال: أرهنت، وقيل: إن ذلك لغة، وتقول العرب: إرهن الشئ،
~~إذا غالى في سعره، وأرهن ابنه، إذا خاطر به وجعله رهينة، وأما الرهن في
~~الشريعة، فإنه اسم لجعل المال وثيقة في دين، إذا تعذر استيفائه ممن عليه،
~~استوفى من ثمن الرهن، وهو جائز بالإجماع، وعقد لازم من جهة الراهن، وجائز
~~من جهة المرتهن.
# وشروط صحته ستة، حصول الإيجاب والقبول من جائزي التصرف.
# وأن يكون المرهون عينا لا دينا، لأنا قد بينا أنه وثيقة عين في دين.
# وأن يكون مما يجوز بيعه، لأن كونه بخلاف ذلك، ينافي المقصود به.
# وأن يكون المرهون به، دينا لا عينا مضمونة، كالمغصوب مثلا، لأن الرهن
~~PageV02P416
# إن كان على قيمة العين إذا تلفت، لم يصح، لأن ذلك حق لم يثبت بعد، وإن
~~كان على نفس العين، فكذلك، لأن استيفاء نفس العين من الرهن لا يصح.
# وأن يكون الدين ثابتا، فلو قال: رهنتك كذا بعشرة دنانير تقرضنيها غدا، لم
~~يصح.
# وأن يكون لازما، كعوض القرض، والثمن، والأجرة وقيمة المتلف، وأرش
~~الجناية، ولا يجوز أخذ الرهن على مال الكتابة المشروطة، لأنه عندنا غير
~~لازم.
# وإذا تكامل ما ذكرناه من هذه الشروط، صح الرهن بلا خلاف، وليس على صحته
~~مع اختلال بعضها دليل.
# فأما القبض، فقد اختلف قول أصحابنا، هل هو شرط في لزومه أم لا؟
# فقال بعضهم بأنه شرط في لزومه من جهة الراهن دون المرتهن، وقال الأكثرون
~~المحصلون منهم: يلزم بالإيجاب والقبول، وهذا هو الصحيح، لقوله ms0825 تعالى: "
~~أوفوا بالعقود " وهذا عقد يجب الوفاء به فأما قوله تعالى: " فرهان مقبوضة "
~~(1) فهذا دليل الخطاب، وهو متروك عند المحصلين من أصحابنا، وقد يرجع عن
~~دليل الخطاب عند من يعمل به، ويترك بدليل، والآية الأولى دليل على ذلك
~~فالأول مذهب شيخنا أبي جعفر في نهايته (2)، وشيخنا المفيد في مقنعته (3)
~~والثاني مذهب شيخنا أبي جعفر في مسائل خلافه (4)، فإنه رجع عما ذهب إليه في
~~نهايته.
# واستدامة القبض في الرهن ليس شرطا في صحته ولزومه.
# ولا يجوز للراهن أن يتصرف في الرهن بما يبطل، أو ينقص حق المرتهن، كالبيع
~~والهبة والرهن عند آخر، والعتق، فإن تصرف، كان تصرفه باطلا، ولم ينفسخ
~~الرهن، لأن الأصل صحته، والقول بفسخه يحتاج إلى دليل، وإنما ينفسخ الرهن
~~إذا فعل ما يبطل به حق المرتهن منه بإذنه، ويجوز له الانتفاع بما عدا ذلك،
~~من سكنى الدار، وزراعة الأرض، وخدمة العبد، وركوب الدابة،
# PageV02P417
# وما يحصل من صوف، ولبن ونتاج، إذا اتفق هو والمرتهن، وتراضيا على ذلك.
# وكذا يجوز للمرتهن الانتفاع بالسكنى، والزراعة والخدمة والركوب، والصوف،
~~واللبن، إذا أذن له الراهن، لأن الحق لهما، لا يخرج عنهما، ولا يستحقه
~~سواهما، فإن سكن المرتهن الدار، أو زرع الأرض بغير إذن الراهن، أثم، ولزمه
~~أجرة الأرض والدار، وكان الزرع له، لأنه عين ماله، والزيادة حادثة فيه، وهي
~~غير متميزة منه.
# ولا يحل للراهن ولا للمرتهن وطء الجارية المرهونة، فإن وطأها الراهن بغير
~~إذن المرتهن، أثم، وعليه التعزير، ولا حد عليه، فإن حملت وأتت بولد، كان
~~حرا، لاحقا بأبيه الراهن، ولا تخرج من كونها رهنا، وجاز بيعها في الدين
~~الذي هي مرهونة عليه، وقال بعض أصحابنا: فإن حبلت وأتت بولد، فإن كان
~~موسرا، وجب عليه قيمتها، تكون رهنا مكانها، لحرمة الولد، وإن كان معسرا،
~~بقيت رهنا بحالها، وجاز بيعها في الدين، وهذا غير صحيح، لأنه مخالف لأصول
~~مذهبنا.
# فإن وطأها بإذن المرتهن، لم ينفسخ الرهن، حملت أو لم تحمل، لأن ملكه
~~ثابت، وإذا كان ثابتا، كان الرهن على حاله، وجاز بيعها في ms0826 الدين أيضا، لأنه
~~في الأول ما رهن أم ولده، بل رهن رهنا يصح بيعه في حال ما رهنه على كل حال،
~~وبلا خلاف.
# فإن وطأها المرتهن بغير إذن الراهن، فهو زان، وولده منها رق لسيدها، ورهن
~~معها، ويجب عليه الحد.
# فإن كان الوطء بإذن الراهن، كان الولد حرا لاحقا بأبيه المرتهن، لا قيمة
~~عليه للراهن فيه، ولا يلزمه مهر، لأن الأصل براءة الذمة، ويصح بيعها بعد
~~ذلك أيضا في الدين بغير خلاف.
# ورهن المشاع جائز، كرهن المقسوم.
# ويجوز توكيل المرتهن في بيع الرهن. PageV02P418
# وإذا كان الرهن مما يسرع إليه الفساد، قبل حلول الأجل، ولم يشرط بيعه،
~~إذا خيف فساده كان الرهن باطلا، لأن المرتهن لا ينتفع به، والحال هذه.
# وإذا أذن المرتهن للراهن في بيع الرهن، بشرط أن يكون ثمنه رهنا مكانه،
~~كان ذلك جائزا، ولم يبطل الرهن، لقوله تعالى: " وأحل الله البيع " (1) وقول
~~الرسول عليه السلام: " المؤمنون عند شروطهم " (2) والشرط جائز بين المسلمين
~~(3).
# وإن قال له: بع الرهن، بشرط أن تجعل ثمنه من ديني، قبل محله، صح البيع،
~~وكان الثمن رهنا إلى وقت المحل، ولم يلزم الوفاء بتقديم الحق قبل محله،
~~لأنه لا دليل عليه.
# والرهن أمانة في يد المرتهن، إن هلك من غير تفريط، فهو من مال الراهن،
~~ولم يسقط بهلاكه شئ من الدين، بدليل إجماعنا، وقوله عليه السلام:
# " لا يغلق الرهن الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غرمه " (4)
~~لأن المراد من الغنم (5): الاستفادة والنماء، والزيادة، والغرم: النقصان
~~والتلف، والمراد بقوله: " الرهن من صاحبه " المراد به من ضمان صاحبه.
# ومعنى قوله: " لا يغلق الرهن، - بالغين المعجمة، وفتح الياء، واللام - "
~~أي لا يملكه المرتهن بالارتهان، وإن شرط الراهن للمرتهن أنه إذا لم يأت
~~بالمال كان الرهن له بالدين، لا يلزم ذلك، ولا يملكه المرتهن بهذا الشرط،
~~لقوله عليه السلام: " لا يغلق الرهن " قال الهروي صاحب الغريبين في الحديث:
~~لا يغلق الرهن، أي لا يستحقه مرتهنه، إذا لم يؤد الراهن ما رهنه فيه، وكان
~~هذا من فعال الجاهلية، ms0827 فأبطله الإسلام، إلى هاهنا كلام الهروي، وقال
~~الجوهري في
# PageV02P419
# كتاب الصحاح: غلق الرهن غلقا، إذا استحقه المرتهن، وذلك إذا لم يفتك (1)
~~في الوقت المشروط، وفي الحديث: لا يغلق الرهن، قال زهير:
# وفارقتك برهن لا فكاك له يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا (2) ويحتج على
~~المخالف بقوله عليه السلام: " الخراج بالضمان " (3) وخراجه إذا كان للراهن
~~بلا خلاف، وجب أن يكون من ضمانه، ولا يعارض ذلك، بما رووه من أن رجلا رهن
~~فرسه عند إنسان، فنفق، فسأل المرتهن النبي عليه السلام عن ذلك، فقال: ذهب
~~حقك (4)، لأن المراد بذلك، ذهب حقك من الوثيقة، لا من الدين، وقلنا ذلك
~~لوجهين، أحدهما أنه وحد الحق، ولو أراد ذهاب الدين والوثيقة معا، لقال: ذهب
~~حقاك، والثاني أن الدين إنما يسقط عند المخالف، إذا كان مثل قيمة الرهن أو
~~أقل، ولا يسقط الزيادة منه، إذا كان أكثر، فلو أراد ذهاب حقه من الدين،
~~لاستفهم عن مبلغه وفصل في الجواب.
# وقولهم: " سقوط الحق من الوثيقة، معلوم بالمشاهدة، فلا فائدة في بيانه "
~~غير صحيح، لأن تلف الرهن لا يسقط حق المرتهن من الوثيقة على كل حال، بل إذا
~~أتلفه الراهن، أو أتلفه أجنبي، فإن القيمة تؤخذ وتجعل (5) رهنا مكانه،
~~فأراد عليه السلام، أن يبين أن الرهن إذا تلف من غير جناية سقط حق الوثيقة.
# وإذا ادعى المرتهن هلاك الرهن، كان القول قوله مع يمينه، سواء ادعى ذلك
~~بأمر ظاهر، أو خفي، والدليل عليه إجماع أصحابنا بغير خلاف بينهم، وأيضا فقد
~~بينا أنه أمانة في يده، فإذا كان كذلك، فالقول قوله في هلاكه.
# وإذا اختلف الراهن والمرتهن في الاحتياط والتفريط، وفقدت البينات،
# PageV02P420
# فالقول قول المرتهن أيضا مع يمينه.
# وإذا اختلفا في مبلغ الرهن، أو في مقدار قيمته بعد الإقرار من المرتهن
~~بالتفريط، أو إقامة البينة عليه بذلك، فالقول قول المرتهن أيضا في ذلك، على
~~الصحيح من المذهب، لأنه غارم، ومدعى عليه، ولا خلاف أن القول قول الجاحد
~~المنكر المدعى عليه، إذا عدم المدعي البينة، وقال بعض أصحابنا:
# القول قول ms0828 الراهن في ذلك، وهذا مخالف لما عليه الإجماع، وضد لأصول
~~الشريعة.
# وإذا اختلفا في مبلغ الدين، أخذ ما أقر به الراهن، وحلف على ما أنكره،
~~لأن القول قوله في ذلك مع يمينه، لأنه مدعى عليه.
# وقد روي في شواذ الأخبار، رواه السكوني العامي المذهب، واسمه إسماعيل بن
~~أبي زياد، أن القول قول المرتهن مع يمينه، لأنه أمينه، والبينة على الراهن،
~~ما لم يستغرق الرهن ثمنه (1).
# قال محمد بن إدريس: معنى هذه الرواية أن القول قول المرتهن، حتى يحيط
~~قوله ودعواه بثمن الرهن جميعه، فمتى أحاط بثمن الرهن واستغرقه، فالقول قول
~~الراهن أيضا، على هذه الرواية، وقد بينا أصل هذه الرواية، فالواجب ترك
~~العمل بها، لمخالفتها لأصول المذهب.
# ومتى اختلفا في متاع، فقال الذي عنده: إنه رهن، وقال صاحب المتاع:
# إنه وديعة، كان القول قول صاحب المتاع مع يمينه، وعلى المدعي لكونه رهنا
~~البينة بأنه رهن عنده، وهذا هو الصحيح الذي عليه العمل، وتقتضيه الأصول،
~~وهو مذهب شيخنا أبي جعفر في نهايته (2).
# وذهب في استبصاره إلى أن القول قول من يدعي أنه رهن، وجعله مذهبا
# PageV02P421
# له، وجمع بين الأخبار، وتوسطها على هذا القول (1).
# قال محمد بن إدريس: إني لأربأ بشيخنا أبي جعفر، مع جلالة قدره وتبحره
~~ورياسته، من هذا القول المخالف لأصول المذهب، وله رحمه الله في كتابه
~~الإستبصار توسطات عجيبة، لا استجملها له، والذي حمله على ذلك، جمعه بين
~~المتضاد، وهذا لا حاجة فيه، بل الواجب الأخذ بالأدلة القاطعة للأعذار، وترك
~~أخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا، فإنه أسلم للديانة، لأن الله
~~تعالى، ما كلفنا إلا الأخذ بالأدلة، وترك ما عداها.
# ولا يجوز للمرتهن أن يبيع الرهن، إلا بإذن صاحبه، فإن غاب عنه، فالأولى
~~الصبر عليه إلى أن يجئ، أو يأذن له في بيعه، فإن لم يصبر ورفع أمره إلى
~~الحاكم، وأقام بينة بالدين والرهن، وسأله بيعه عليه، فالواجب على الحاكم
~~بيع ذلك، وتسليم ثمنه إليه، وحفاظ ما زاد على الدين، إن زاد الثمن على
~~الدين، ورده على ms0829 صاحبه إذا قدم، وإن كان قد وكله في بيعه حال الرهن، عند
~~حلول الأجل، وأخذ ماله من جملته كان ذلك جائزا، وساغ له بيعه من غير أمر
~~الحاكم.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإن كان شرط المرتهن على الراهن، أنه إذا
~~حل أجل ماله عليه، كان وكيلا له في بيع الرهن، وأخذ ماله من جملته، كان ذلك
~~جائزا فإذا حل الأجل، ولم يوفه المال، باع الرهن، فإن فضل منه شئ، رده على
~~صاحبه، وإن نقص طالبه به على الكمال، وإن تساوى لم يكن له ولا عليه شئ (2).
# قال محمد بن إدريس: قوله رحمه الله: " وإن كان شرط المرتهن على الراهن
~~أنه إذا حل أجل ما له عليه كان وكيلا له في بيع الرهن " غير واضح (3)، لأنا
~~قد بينا في باب الوكالة، أنه إذا قال له: إذا جاء رأس الشهر، فقد وكلتك في
~~كذا
# PageV02P422
# وكذا، أن الوكالة غير صحيحة، فأما إذا وكله في الحال، وشرط عليه أنه لا
~~يبيع الشئ الموكل على بيعه، إلا إذا جاء رأس الشهر، كان ذلك صحيحا ماضيا.
# فإن قيل: فقد قلتم فيما مضى، أنه إذا لم يوكله على بيع الرهن، جاز للحاكم
~~بيعه، وقضاء الدين منه، بعد ثبوت الحق عنده، فلا فائدة حينئذ في الرهن، ولا
~~مزية له، لأنه إذا كان غير رهن، بيع على صاحبه، وإذا كان رهنا غير موكل في
~~بيعه، بيع أيضا، فلا فائدة في الرهن.
# قلنا: الفائدة ظاهرة، وهو أنه إذا كان رهنا، لا يشارك المرتهن في ثمنه
~~أحد من الغرماء، ولو كان على صاحبه أضعاف أضعاف دين المرتهن، وإذا لم يكن
~~الشئ رهنا كان جميع الغرماء أسوة فيه على قدر ديونهم بالحصص، فأي فائدة
~~أعظم من هذا.
# وإذا كان عند الإنسان رهن، ولا يدري لمن هو، صبر إلى أن يتبين صاحبه، فإن
~~لم يتبينه، ولا علمه، باعه وأخذ ماله، فإن زاد على ماله، استحفظ به له، وقد
~~روي أنه يتصدق به عن صاحبه (1).
# وإذا مات من عنده الرهن، ولم يعلم ms0830 الورثة الرهن، كان ذلك كسبيل ماله، فإن
~~علموه بعينه، وجب عليهم رده على صاحبه، وأخذ ما عليه منه.
# وإذا كان عند إنسان رهون جماعة، فهلك بعضها، وبقي البعض، كان ماله فيما
~~بقي، إذا كانت لراهن واحد، فإن هلك الكل، كان هلاكها من مال صاحبها، وكان
~~دين المرتهن باقيا في ذمة الراهن، على ما قدمناه، إذا لم يكن ذلك عن تفريط
~~منه، حسب ما بيناه.
# ومن عنده الرهن، جاز له أن يشتريه من الراهن.
# ومتى رهن الإنسان حيوانا حاملا، كان حمله خارجا عن الرهن، إلا أن
# PageV02P423
# يشترطه المرتهن، فإن حمل في حال الارتهان، كان مع أمه رهنا، كهيئتها.
# وحكم الأرض إذا رهنت وهي مزروعة، كذلك، فإن الزرع يكون خارجا عن الرهن،
~~فأما إذا زرعت بعد الرهن، فيكون الزرع لصاحب البذر، ولا يدخل في الرهن،
~~لأنه غير حمل، بخلاف الشجر والنخل وحملهما، والحيوان وحمله.
# وإنما عطف شيخنا في نهايته الزرع في الأرض، لأنه لا يدخل في الرهن مع
~~الأرض، ولم يقل إذا زرعت بعد الرهن دخل الزرع في الرهن، مثل ما يدخل الحمل.
# وكذلك حكم الشجر والنخل إذا كان فيها الحمل، فإن ثمرتها وحملها يكون
~~خارجا من الرهن، فإن حملت النخيل والأشجار في حال الارتهان، كان ذلك رهنا
~~مثل الحامل، وهذا مذهب أهل البيت عليهم السلام، وإجماعهم عليه، وهو الذي
~~ذكره شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان في مقنعته (1) واختاره شيخنا
~~أبو جعفر في نهايته (2) ثم اختار بعد ذلك، مقالة المخالفين، في مسائل خلافه
~~(3)، ومبسوطه (4)، وذهب إلى أن الحمل يكون خارجا من الرهن، وإن حمل الحامل
~~في حال الارتهان.
# وإذا كان عند إنسان رهن بشئ مخصوص، فمات الراهن، وعليه دين لغيره من
~~الغرماء، لم يكن لأحد منهم أن يطالبه بالرهن، إلا بعد أن يستوفي المرتهن ما
~~له على الراهن، فإن فضل بعد ذلك شئ، كان لباقي الغرماء.
# وقد روي في شواذ الأخبار الضعيفة، أنه يكون مع غيره من الديان سواء،
~~يتحاصصون بالرهن (5).
# والصحيح ما انعقد عليه الإجماع، دون ما روي في ms0831 شواذ الروايات.
# PageV02P424
# وإذا كان له على الراهن مال على غير هذا الرهن، لم يجز له أن يجعله على
~~هذا الرهن.
# ومتى مات الراهن، كان المرتهن في غير ما له على الرهن مع غيره من الديان
~~سواء.
# وإذا كان عند إنسان دابة، أو حيوان أو رقيق رهنا، فإن نفقة ذلك على
~~صاحبها الراهن، دون المرتهن، فإن أنفق المرتهن عليها متبرعا، فلا شئ له على
~~الراهن، وإن أنفق بشرط العود أو (1) أشهد على ذلك، كان له الرجوع على
~~الراهن بما أنفق.
# وقد روي أن له ركوبها والانتفاع بها، بما أنفق عليها أو الرجوع على
~~الراهن (2).
# والأولى عندي أنه لا يجوز له التصرف في الرهن على حال، لأنا قد أجمعنا
~~بغير خلاف، أن الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف في الرهن.
# وإذا اختلف نفسان، فقال أحدهما: لي عندك دراهم دين، وقال الآخر.
# هي وديعة عندي، كان القول قول صاحب المال، مع يمينه بأنها دين، لأنه قد
~~أقر له أنها له معه، وبما ادعاه عليه، ثم ادعى ما يبطل الإقرار من حصولها
~~(3) في يده، والرسول عليه السلام قال: " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " (4)
~~إلا ما خرج بالدليل، من الودايع والأمانات، فقوله: وديعة يمكنه أن يبطلها،
~~بأن يقول: تلفت أو ضاعت، فيكون القول قوله، وهذا لا يجوز.
# والذي ينبغي أن يحصل في ذلك، ويعمل عليه، ويسكن إليه، أنه إذا ادعى
~~أحدهما على الآخر، فقال: لي عندك دراهم دين، وقال الآخر: هي وديعة، ولم
~~يصدقه على دعواه، ولا وأفقه على جميع قوله من أنها دين، فالقول قول المودع
~~مع يمينه، لأنه ما أقر بما ادعاه خصمه، من كونها دينا، بل أقر بأن له عنده
~~وديعة، ومن أقر بذلك، فما أقر بما يلزمه في ذمته، لو ضاعت من غير تفريط
~~منه،
# PageV02P425
# بل قد ادعى عليه الخصم، أن له عنده وفي ذمته دينا، وجحد المدعى عليه ذلك،
~~ولم يكن مع المدعي بينة بصحة دعواه، فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، فأما
~~لو ادعى عليه أن له عليه كذا، ms0832 ثم صدقة على دعواه، وقال بعد ذلك: إنه وديعة،
~~لم يقبل دعواه بعد إقراره وتصديقه، لأن حرف " على " حرف وجوب والتزام، وحرف
~~" عند " ليس بالتزام، بل قد يكون له عنده وديعة، فلا يلزم بالمحتمل، لأن
~~الأصل براءة الذمة، وما أورده شيخنا في نهايته (1)، يحتمل أن المدعى عليه
~~صدق المدعي بأن الدراهم دين، ووافقه على لفظ دعواه، وجميع قوله، فيلزمه
~~حينئذ الخروج إليه منه.
# ومن كان عنده رهن، فمات صاحبه، وخاف إن أقر به، طولب بذلك، ولم يقبل قوله
~~في كونه رهنا، ولم يعط ما له الذي عليه، جاز له أن يأخذ منه بمقدار ما عليه
~~(2)، ويرد الباقي على ورثته، فإن لم يفعل، وأقر أنه عنده رهن، كان عليه
~~البينة أنه رهن، فإن لم يكن معه بينة، كان على الورثة اليمين، أنهم لا
~~يعلمون أن له عليه شيئا، ووجب عليه رد الشئ الذي يدعيه رهنا إلى الورثة.
# لا يجوز أخذ الرهن من العاقلة على الدية، إلا بعد حؤول الحول، فأما قبله
~~فلا يجوز، وعندنا تستأدى منهم في ثلاث سنين، وأما بعد حؤول الحول، فإنه
~~يجوز، لأنه يثبت قسط منها في ذمتهم.
# فأما الجعالة فلا يجوز أخذ الرهن فيها إلا بعد الرد.
# وإذا استأجر رجلا إجارة متعلقة بعينه، مثل أن يستأجره ليخدمه، أو ليتولى
~~له عملا من الأعمال بنفسه، لم يجز أخذ الرهن عليه، لأن الرهن إنما يجوز على
~~حق ثابت في ذمته، فهذا غير ثابت في ذمة الأجير، وإنما هو متعلق بعينه، ولا
~~يقوم عمل غيره مقام فعله.
# PageV02P426
# وإن استأجره على عمل في ذمته، وهو أن يجعل له (1) عملا، مثل خياطة، أو
~~غير ذلك، جاز أخذ الرهن به، لأن ذلك ثابت في ذمته، لا يتعلق بعينه، وله أن
~~يحصله بنفسه، أو بغيره، فإذا هرب، جاز بيع الرهن، واستيجار غيره بذلك،
~~ليحصل ذلك العمل.
# إذا رهن رجل عند غيره شيئا بدين إلى شهر، على أنه إن لم يقض إلى محله كان
~~مبيعا منه بالدين الذي عليه، لم يصح الرهن، ولا البيع إجماعا، ms0833 لأن الرهن
~~موقت، والبيع متعلق بزمان مستقبل، هكذا ذكره شيخنا أبو جعفر الطوسي في
~~مبسوطه (2).
# وهو صحيح، والأدلة على صحته ما قدمناه نحن في هذا الباب، من قوله عليه
~~السلام المجمع عليه: " لا يغلق الرهن " وما أوردناه من تفاسيره، وأقوال
~~العلماء من الفقهاء، وأصحاب الغريب من اللغويين، وبيت زهير بن أبي سلمى
~~المزني، وأيضا بيت كثير الذي في قصيدته اللامية:
# غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا غلقت لضحكته رقاب المال يعني أنه إذا ضحك، وهب
~~وأعطى الأموال، وأخرجها عن يده، وصارت لغيره، فلا يقدر على ارتجاعها، ولا
~~فكاكها، وهذا معنى قول الشاعر الآخر:
# * فأمسى الرهن قد غلقا * معناه أنه لا يقدر على فكاك قبله من محبة هذه
~~المرأة، فالرسول عليه السلام قد نهى أن يحصل الرهن، بحيث لا يفك، ولا يعود
~~إلى ملك صاحبه الراهن، ولا يتملك المرتهن بالشرط المخالف، لقوله عليه
~~السلام: " لا يغلق الرهن، الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه "
~~(4) على ما أوضحناه فيما سلف، وحررناه.
# أرض الخراج لا يصح رهنها، وهي كل أرض فتحت عنوة، لأنها ملك للمسلمين
~~قاطبة، وكذلك أرض الوقف، لا يصح رهنها، فإن رهنها كان باطلا.
# PageV02P427
# وإذا دبر عبده، ثم رهنه، بطل التدبير، لأن التدبير عندنا بمنزلة الوصية،
~~ورهنه رجوع فيها، وإن قلنا أن الرهن صحيح، والتدبير بحاله، كان قويا، لأنه
~~لا دليل على بطلانه.
# إذا رهن عند إنسان شيئا، وشرط أن يكون موضوعا على يد عدل، صح شرطه، فإذا
~~ثبت هذا فإن شرطا أن يبيعه الموضوع على يده، صح الشرط، وكان ذلك توكيلا في
~~البيع، فإذا ثبت هذا، فإن عزل الراهن العدل عن البيع، الأقوى والأصح أنه لا
~~ينعزل عن الوكالة، ويجوز له بيعه، لأنه لا دلالة على عزله، وذهب بعض
~~المخالفين إلى أنه ينعزل، لأن الوكالة من العقود الجائزة، هذا إذا كانت
~~الوكالة شرطا في عقد الرهن، فلا ينعزل على ما اخترناه، لأنه شرط ذلك، وعقد
~~الرهن عليه، وهو شرط لا يمنع منه كتاب، ولا سنة، وقد قال عليه السلام: ms0834 "
~~المؤمنون عند شروطهم " (1) وقال: " الصلح جايز بين المسلمين " (2) وهذا
~~صلح، لا يمنع منه كتاب ولا سنة، فأما إذا شرطه بعد لزوم العقد، فإن الوكالة
~~تنفسخ بعزل الراهن للعدل الذي هو الوكيل، بلا خلاف.
# إذا سافر المرتهن بالرهن، ضمن فإن رجع إلى بلده، لم يزل الضمان، لأن
~~الاستيمان قد بطل، فلا تعود الأمانة إلا بأن يرجع إلى صاحبه، ثم يرده إليه
~~أو إلى وكيله، أو يبرئه من ضمانه.
# إذا انفك الرهن بإبراء أو قضاء، كان في يد المرتهن أمانة، ولا يجب رده
~~على صاحبه، حتى يطالبه به، لأنه حصل في يده أمانة ووثيقة، فإذا زالت
~~الوثيقة، بقيت الأمانة.
# إذا رهن عبد غيره بإذن مالكه، كان ذلك جائزا، فإذا رجع الآذن، لم ينفسخ
~~الرهن بذلك، لأنه عقد لازم، لا يجوز لغير المرتهن فسخه، لأنه لا دليل عليه،
~~وللمعير أن يطالب المستعير بفكاكه، وتخليص عبده في كل وقت، سواء
# PageV02P428
# حل الدين، أو لم يحل، وإنما قلنا: ليس له فسخ عقد الرهن بعد لزومه: لأنه
~~لا دليل على ذلك.
# إذا باع من غيره شيئا على أن يكون المبيع رهنا في يد البايع، لم يصح
~~البيع، لأن شرطه أن يكون رهنا لا يصح، لأنه شرط أن يرهن ما لا يملك، فإن
~~المبيع لا يملكه المشتري قبل تمام العقد، فإذا بطل الرهن، بطل البيع، لأن
~~البيع يقتضي إيفاء الثمن من غير ثمن المبيع، والرهن يقتضي إيفاء الثمن من
~~ثمن المبيع، وذلك متناقض، وأيضا فإن الرهن يقتضي أن يكون أمانة في يد
~~البايع، والبيع يقتضي أن يكون المبيع مضمونا عليه، وذلك متناقض أيضا.
# فأما إذا شرط البايع أن يسلم المبيع إلى المشتري، ثم يرده، إلى يده رهنا
~~بالثمن، فإن الرهن والبيع فاسدان مثل الأولى، وهذا معنى قول شيخنا المفيد
~~في الجزء الثاني من مقنعته: " وإذا اقترن إلى البيع اشتراط في الرهن،
~~أفسده، وإن تقدم أحدهما صاحبه، حكم له به، دون المتأخر " (1).
# وقد سئل شيخنا أبو جعفر الطوسي، مسألة في المسائل الحائريات، عن معنى قول
~~الشيخ المفيد، في ms0835 الجزء الثاني من المقنعة: " وإذا اقترن إلى البيع اشتراط
~~في الرهن، أفسده، وإن تقدم أحدهما على صاحبه، حكم له به، دون المتأخر " ما
~~الذي أراد؟
# فأجاب، بأن قال: معناه إذا باعه إلى مدة، مثل الرهن، كان البيع فاسدا،
~~وإن باعه مطلقا بشرط أن يرد عليه إلى مدة، إن رد عليه الثمن، كان ذلك
~~صحيحا، يلزمه الوفاء به، لقوله عليه السلام: " المؤمنون عند شروطهم " (2).
# قال محمد بن إدريس: جواب شيخنا أبي جعفر الطوسي غير واضح، لأنه غير مطابق
~~للسؤال: وإنما الجواب ما قدمناه نحن، وأثبتناه، وهو: إذا باع من
# PageV02P429
# غيره شيئا على أن يكون المبيع رهنا في يد البايع، لم يصح البيع، وسقنا
~~المسألة والكلام، وأوردنا الأجوبة عليه، وهو جواب شيخنا أبي جعفر الطوسي،
~~واختياره وتحريره، وهو الصحيح الذي يليق بظاهر اللفظ، ويقتضيه، وضع الكلام،
~~ومعناه، وهذا أوضح من الجواب الذي أجاب به في المسائل الحائريات (1)،
~~فليلحظ هذا ويتأمل، ففيه لبس عظيم، على جماعة من أصحابنا الذين عاصرناهم.
# وإذا رهن أرضا إلى مدة، على أنه إن لم يقضه فيها، فهي مبيعة بعد المدة
~~بالدين، فإن البيع فاسد، لأنه بيع معلق بوقت مستقبل، وهذا لا يجوز، والرهن
~~فاسد، لأنه رهن إلى مدة، ثم جعله بيعا، فالرهن إذا كان موقتا لم يصح، وكان
~~فاسدا.
# إذا أقرضه ألف درهم، على أن يرهنه بالألف داره، ويكون منفعة الدار
~~للمرتهن، لم يصح القرض، لأنه قرض يجر منفعة، ولا يصح الرهن، لأنه تابع له،
~~ولا خلاف فيه أيضا.
# باب العارية بتشديد الياء العارية على ضربين، مضمونة وغير مضمونة،
~~فالمضمونة: العين والورق، شرط الضمان أو لم يشرط، تعدى أو لم يتعد، وما
~~عداهما لا يضمن إلا بشرط الضمان، أو التعدي. وغير المضمونة ما عدا ما
~~ذكرناه.
# وإذا اختلف المالك والمستعير في التضمين والتعدي، وفقدت البينة، فعلى
~~المستعير اليمين.
# وإذا اختلفا في مبلغ العارية، أو قيمتها، أخذ ما أقر به المستعير، وكان
~~القول قول المالك مع يمينه، فيما زاد على ذلك، عند بعض أصحابنا، وهو الذي
~~أورده شيخنا في ms0836 نهايته (2).
# PageV02P430
# والذي تقتضيه الأدلة، وأصول المذهب أن القول قول المدعى عليه، وهو
~~المستعير مع يمينه بالله تعالى، لأن الأصل براءة ذمته، ويعضد ذلك قول
~~الرسول عليه السلام المجمع عليه، وهو قوله: " على المدعي البينة، وعلى
~~الجاحد اليمين " ومالكها مدع بغير خلاف، والمستعير الجاحد، فعليه اليمين،
~~ولا يرجع عن الأدلة بأخبار الآحاد، ولا بما يوجد في سواد الكتب مطلقا من
~~الأدلة.
# وإذا اختلف مالك الدابة وراكبها، فقال المالك: آجرتكها أو غصبتنيها، وقال
~~الراكب: بل أعرتنيها، فلا يقبل قول المالك في مقدار ما ادعاه من الأجرة،
~~ولا يقبل قول الراكب فيما ادعاه من العارية، بل يوجب عليه أجرة المثل، لأنا
~~قد تحققنا ركوب الدابة، والراكب يدعي العارية، يحتاج إلى بينة، والمالك
~~يدعي عقد إجارة وأجرة معينة، يحتاج أيضا إلى بينة، فإذا عدمنا البينات على
~~ذلك، وقد تحققنا ركوب الدابة، فالواجب في ذلك أجرة المثل، عوضا عن منافع
~~الدابة المتحققة، فمن أسقطها يحتاج إلى دليل.
# وكذلك الحكم إذا اختلف مالك الأرض وزارعها، حرفا فحرفا.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل الخلاف، في كتاب العارية: القول قول الراكب
~~والزارع للأرض، دون صاحب الدابة وصاحب الأرض (1) إلا أنه رحمه الله رجع في
~~كتاب المزارعة من مسائل الخلاف عن ذلك، وقال: مسألة: إذا زرع أرض غيره، ثم
~~اختلفا، فقال الزارع: أعرتنيها، وقال رب الأرض: بل أكريتكها، وليس مع واحد
~~منهما بينة، حكم بالقرعة، وللشافعي فيه قولان، وعليه أكثر أصحابه، أحدهما:
~~أن القول قول الزارع، وكذلك في الراكب إذا ادعى أن صاحب الدابة أعاره
~~إياها، وهو الذي يقوى في نفسي. والقول الثاني: أن القول قول رب الأرض
~~والدابة، وحكى أبو علي
# PageV02P431
# الطبري أن في أصحابه من حمل المسألتين على ظاهرهما، وفرق بينهما بأن
~~العادة جرت بإعارة الدواب، وفي الأرض بالإجارة دون العارية. دليلنا على ما
~~قلناه:
# أولا إجماع الفرقة على أن كل مجهول يشتبه، ففيه القرعة، وهذا من ذاك،
~~وأما ما قلناه ثانيا، فهو أن الأصل براءة الذمة، وصاحب الدابة والأرض مدع
~~للأجرة، فعليه البينة، فإذا عدمها، ms0837 كان على الراكب والزارع اليمين، هذا آخر
~~المسألة من كلام (1) شيخنا أبي جعفر (2) رحمه الله قال محمد بن إدريس: أما
~~رجوع شيخنا إلى القرعة في هذا، ليس بواضح (3)، لأن هذا أمر غير مجهول، ولا
~~مشكل، بل هذا بين، والشارع والإجماع بينه، وهو مثل الدعاوي في سائر
~~الأحكام، من أن على المدعي البينة وعلى الجاحد اليمين. وأما ما قاله ثانيا،
~~فهو الذي اختاره في كتاب العارية، وهو خيرة المزني، صاحب الشافعي، وقد بينا
~~ما عندنا في ذلك، وهو إنا لا نقبل قول مدعي مقدار الأجرة، ولا نقبل قول
~~مدعي العارية، ونأخذ عوض المنفعة المتحققة الذي هو الركوب والزرع، لأنا إذا
~~لم يسلم لنا العوض المدعي من الأجرة، رجعنا إلى العوض (4)، وهو أجرة المثل،
~~ولا نقبل قول الزارع والراكب في إبطال المنفعة كلها، وهي متحققة قد
~~استوفاها، وهو مدعي لسقوط عوضها بالكلية، فهذا تحرير هذه الفتيا، فليلحظ،
~~فإنها غير ملتبسة ولا غامضة على المتأمل، فإني لا أستجمل القول لشيخنا أبي
~~جعفر الطوسي رحمه الله مع جلالة قدره، ما قاله في المسألتين من القرعة،
~~والقول الثاني الذي قال فيه: إن الأصل براءة الذمة.
# وإذا استعار من غيره دابة ليحمل عليها وزنا معينا، فحمل عليها أكثر منه،
~~أو ليركبها إلى موضع معين، فتعداه، كان متعديا، ولزمه الضمان، ولو ردها إلى
~~المكان المعين بلا خلاف.
# PageV02P432
# وإذا أذن صاحب الأرض للمستعير في الغراس أو البناء، فزرع، جاز له، لأن
~~ضرر الزرع أخف من ضرر ما أذن له فيه، ولا يجوز له الغراس والبناء إذا أذن
~~له في الزرع، لأن ضرر ذلك أكثر، والإذن في القليل لا يكون إذنا في الكثير،
~~وكذا لا يجوز له أن يزرع الدخن، أو الذرة، إذا أذن له في زرع الحنطة، لأن
~~ضرر ذلك أكثر. ويجوز له أن يزرع الشعير، لأن ضرره أقل.
# وإذا أراد مستعير الأرض للغراس والبناء قلعه، كان له ذلك، لأنه عين ماله،
~~وإذا لم يقلعه، وطالبه المعير بذلك بشرط أن يضمن له أرش النقص، وهو ما بين
~~قيمته ms0838 قائما ومقلوعا، أجبر المستعير (1)، على ذلك، لأنه لا ضرر عليه فيه،
~~وليس للمستعير أن يطالب بالتبقية، بشرط أن يضمن أجرة الأرض، فإن طالبه
~~المعير بالقلع من غير أن يضمن أرش النقصان، لم يجبر عليه، لأنه لا دليل على
~~ذلك، ويحتج على المخالف فيه بما رووه من قوله عليه السلام: " من بنى في
~~رباع قوم بإذنهم فله قيمته " (2).
# وإذا أعار شيئا بشرط الضمان، فرده المستعير إليه، أو إلى وكيله، برئ من
~~ضمانه، ولا يبرء إذا رده إلى ملكه، مثل أن يكون دابة، فشدها على اصطبل
~~صاحبها، لأن الأصل شغل ذمته هاهنا، ومن ادعى أن ذلك يبرئ ذمته، فعليه
~~الدليل.
# ومن استعار شيئا ورهنه، كان لصاحبه أن يأخذه من عند المرتهن، ولم يكن له
~~منعه منه، وكان له أن يرجع على الراهن بما له عليه من المال.
# إذا استعار أرضا للزرع فزرع فيها، ثم رجع المعير قبل أن يدرك الزرع،
~~وطالبه بالقلع، فإنه يجبر على التبقية، لأن الزرع لا يتأبد، وله وقت ينتهي
~~إليه، فأجبرناه على التبقية، ومنهم من قال: حكمه حكم الغراس، سواء.
# إذا أعاره حايطا ليضع عليه جذوعه، فوضعها عليه، لم يكن له أن يطالبه
# PageV02P433
# بقلعها على أن يضمن له أرش النقصان، لأنها موضوعة على حايط نفسه، فأحد
~~الطرفين على أحدهما، والطرف الآخر على الآخر، فلو أجبرناه على القلع على
~~هذا الوجه، كان ذلك إجبارا على قلع جذوعه من ملكه، وليس كذلك الغراس، لأنها
~~في ملك غيره.
# إذا أذن له في غرس شجرة في أرضه، فغرسها ثم قلعها، فهل يعيد أخرى أم لا؟
~~الصحيح أنه ليس له الإعادة إلا بإذن مجدد، وكذلك إذا أعاره حايطا، فوضع
~~عليه جذوعا، ثم انكسر الجذع، فليس له إعادة غيره، إلا بإذن مجدد (1).
# إذا كان لإنسان حبوب، فحملها السيل إلى أرض رجل، فنبتت فيها، كان ذلك
~~الزرع لصاحب الحب، لأنه عين ماله، كما نقول فيمن غصب حبا، فزرعه، أو بيضا
~~فحضنها عنده، وفرخت، فإن الزرع والفراخ للمغصوب منه، لأنهما عين ماله، إذا
~~ثبت هذا فليس ms0839 عليه أجرة الأرض، لأنها حصلت فيها بغير صنع منه، ولصاحب الأرض
~~مطالبة صاحب الحب بقلعه من غير أرش، لأنه لم يأذن له في ذلك، كما نقول في
~~شجرة إذا تشعبت أغصانها، ودخلت في ملك لغيره، فإن لصاحب الملك أن يجبره على
~~قلعها، إذا لم يمكن تحويلها من غير قلع.
# ولا يجوز إجارة العارية لأنه لا يملك منافعها بعقد الإجارة (2) وكذلك لا
~~يجوز له إعارتها، لأنه أذن له في الانتفاع بها على وجه مخصوص، وكذلك إذا
~~قدم له طعام ليأكله، فله أن يأكل، ولا يجوز له أن يلقم غيره، ولا أن يزل
~~منه معه، لأنه لم يؤذن له في ذلك، يقال: أزل فلان لفلان زلة، إذا جعل له
~~نصيبا من طعامه.
# باب الوديعة الوديعة مشتقة من ودع يدع، إذا استقر وسكن، والوديعة عقد
~~جائز من الطرفين، من جهة المودع متى شاء أن يستردها فعل، ومن جهة المودع
~~متى شاء أن يردها فعل.
# PageV02P434
# والإنسان مخير في قبول الوديعة والامتناع من ذلك، وهو أولى ما لم يكن فيه
~~ضرر على المودع.
# ويجب عليه حفظها بعد القبول لها كما يحفظ ماله.
# وهي أمانة لا يلزم ضمانها إلا بالتعدي، فإن شرط صاحبها ضمانها كان الشرط
~~باطلا، لأنه شرط يخالف الكتاب والسنة، فإن تصرف فيها، أو في شئ منها،
~~ضمنها، وكذا إن فك ختمها، أو فتح قفلها أو حل شدها، أو نقلها من حرز إلى ما
~~هو دونه، كان متعديا، ويلزمه الضمان، وكذا إن لم يكن هناك ضرورة من خوف
~~نهب، أو غرق، أو غيرهما، فسافر بها، أو أودعها أمينا آخر، وصاحبها حاضر، أو
~~خالف مرسوم صاحبها في كيفية حفظها، وكذا لو أقر بها لظالم يريد أخذها من
~~دون أن يخاف الضرر من القتل أو الضرب، أو سلمها إليه بيده، أو بأمره، وإن
~~خاف ذلك على قول بعض أصحابنا.
# والأولى والأصح والأظهر، أنه متى خاف الضرر، ونزوله به، فلا يكون ضامنا
~~بخروجها من يده، وإعطائه الظالم إياها على سائر الأحوال، فإن قنع الظالم
~~منه بيمينه، فله ms0840 أن يحلف ويودي في ذلك، ولا يجوز له تسليم الوديعة إلى
~~الظالم عند هذه الحال، فإن سلمها وترك اليمين، كان ضامنا، ولا ضمان عليه إن
~~هجم الظالم فأخذها قهرا.
# ولو تعدى المودع، ثم أزال التعدي، مثل أن يردها إلى الحرز بعد إخراجها
~~منه، لم يزل الضمان، لأنه كان لازما له قبل الرد، ومن ادعى سقوطه عنه،
~~فعليه الدلالة، ولو أبرأه صاحبها من الضمان بعد التعدي، وقال: قد جعلتها
~~وديعة عندك من الآن، برئ لأن ذلك حق له، فله التصرف فيه بالإبراء والإسقاط،
~~ويزول الضمان بردها إلى صاحبها أو وكيله، سواء أودعه إياها مرة أخرى أم لا،
~~بلا خلاف.
# وإذا علم المودع أن المودع لا يملك الوديعة لم يجز ردها عليه مع
~~الاختيار، PageV02P435
# بل يلزمه رد ذلك إلى مستحقه، إن عرفه بعينه، فإن لم يتعين له، حملها إلى
~~الإمام العادل، فإن لم يتمكن، لزمه الحفظ بنفسه في حياته، وبمن يثق به في
~~ذلك، بعد وفاته، إلى حين التمكن من المستحق، ومن أصحابنا من قال: تكون
~~والحال هذه في الحكم كاللقطة، على ما روي في بعض الروايات (1) والأول أحوط.
# وإن كانت الوديعة من حلال وحرام لا يتميز أحدهما من الآخر، لزم رد جميعها
~~إلى المودع متى طلبها، بدليل إجماع أصحابنا.
# ومتى ادعى صاحب الوديعة تفريطا، فعليه البينة، فإن فقدت فالقول قول
~~المودع - لأنه أمين - مع يمينه.
# فإذا ثبت التفريط، واختلفا في قيمة الوديعة، ولا بينة فالقول قول المودع
~~الأمين - لأنه المدعى عليه - مع يمينه.
# ومن أصحابنا من قال: القول قول صاحبها مع يمينه (2)، وهذا مخالف لأصول
~~المذهب، وما عليه الإجماع، والمتواتر من الأخبار، لأن القول بذلك، يؤدي إلى
~~أن القول قول المدعي، وعلى الجاحد البينة، وهذا خلاف ما عليه كافة
~~المسلمين، وأيضا الأصل براءة ذمة الجاحد، فمن شغلها بزيادة على ما يقول
~~ويقر فعليه الدلالة، ولأنه أيضا غارم، والغارم يكون القول قوله مع يمينه،
~~بلا خلاف، وما ذكره شيخنا في نهايته (3) خبر واحد، لا يرجع بمثله عن الأدلة
~~القاهرة، ولا يخص بمثله ms0841 العموم.
# وإذا طلبها صاحبها من المستودع، وهو متمكن من ردها، وليس عليه في ذلك ولا
~~على غيره ضرر، لا يمكن تلافيه من الخوف على النفس وعلى المال، وجب عليه
~~ردها، سواء كان المودع كافرا، أو مسلما، أو مؤمنا، أو فاسقا، وعلى كل حال.
# PageV02P436
# وإذا اختلف نفسان في مال، فقال الذي عنده المال: إنه وديعة، وقال الآخر:
~~إنه دين عليك، كان القول قول صاحب المال، وعلى الذي عنده المال، البينة أنه
~~وديعة، فإن لم يكن له بينة، وجب عليه رد المال فإن هلك كان ضامنا، فإن طالب
~~صاحب المال باليمين أنه لم يودعه ذلك المال، كان له ذلك، وقد قدمنا ذلك
~~فيما مضى، وحررناه. هكذا أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته في باب الرهن (1)
~~والوديعة (2).
# والوجه في الموضعين معا عندي، أن يكون المدعى عليه قد وافق المدعي على
~~صيرورة المال إليه، وكونه في يده، ثم بعد ذلك ادعى أنه وديعة لك عندي، فلا
~~يقبل قوله، ويكون القول قول من ادعى أنه دين، لأنه قد أقر بأن الشئ في يده
~~أولا، وادعى كونه وديعة، والرسول عليه السلام قال: " على اليد ما أخذت حتى
~~ترده " (2) وهذا قد اعترف بالأخذ والقبض، وادعى الوديعة، وهي تسقط الحق
~~الذي أقر به لصاحب المال، فلا يقبل قوله في ذلك، فأما إذا لم يقر بقبض
~~المال أولا، بل ما صدق المدعي على دعواه، بأن له عنده مالا دينا، بل قال:
~~لك وديعة عندي كذا وكذا، فيكون حينئذ القول قوله مع يمينه، لأنه ما صدقه
~~على دعواه، ولا أقر أولا بصيرورة المال إليه، بل قال: لك عندي وديعة، فليس
~~الإقرار بالوديعة، إقرارا بالتزام شئ في الذمة، فليلحظ ذلك، ففيه غموض.
# ومتى تصرف المودع في الوديعة، كان متعديا، وضمن المال، فإن ردها، أورد
~~مثلها إلى المكان من غير علم من صاحبها، لم تبرء بذلك ذمته، وكان ضامنا كما
~~كان، إلا أن يردها على صاحبها، ويجعلها عنده وديعة من رأس، على ما أسلفناه
~~فيما مضى.
# PageV02P437
# ومتى مات المستودع، وجب رد الوديعة ms0842 إلى ورثته، عند المطالبة منهم، فإن
~~كان واحدا سلمها إليه، وإن كانوا جماعة، لم يسلمها إلا إلى جماعتهم، أو إلى
~~واحد يتفقون عليه، فإن لم يتفقوا على ذلك، قال بعض أصحابنا: أو يعطي كل ذي
~~حق حقه، والأولى رفعها إلى الحاكم، لأن الودعي لا يجوز له قسمتها، فإن
~~سلمها إلى واحد منهم بغير رضاء الباقين، كان ضامنا لحصتهم على الكمال.
# وليس المودع أن يسافر بالوديعة، سواء كان الطريق مخوفا أو غير مخوف،
~~وسواء كانت المسافة قريبة أو بعيدة.
# المودع متى أودع الوديعة عند غيره، مع قدرته على صاحبها، فإنه يكون
~~ضامنا، سواء أودع زوجته، أو غير زوجته، ثقة أو غير ثقة، فأما إذا لم يقدر
~~عليه، وأراد السفر، فلا بأس بأن يودعها عند من يثق بديانته.
# ولا يجوز له دفنها من غير وصية بها إلى غيره، واستيمان منه عليها، وإيداع
~~الغير.
# إذا أخرج الوديعة لمنفعة نفسه، لا لمنفعة صاحبها، مثل أن يكون ثوبا وأراد
~~أن يلبسه، أو دابة فأراد ركوبها، فإنه يضمن بنفس الإخراج، فأما إذا نوى أن
~~يتعدى، أو يخرجها، ولم يفعل ذلك، فإنه لا يضمن بالنية، حتى يتعدى.
# وإذا أودع غيره حيوانا، ولم يأمره بأن يسقيه ولا يعلفه، ولا نهاه، لزمه
~~الإنفاق عليه، وسقيه، وعلفه، ويرجع على صاحبه بذلك إذا أشهد بأنه يرجع عليه
~~بذلك، لأنه إذا أطلق، عرف بفحوى الخطاب أمره بالسقي والعلف، لأن العادة
~~جارية بأن الدابة تسقى وتعلف، فوجب حمل ذلك على العرف، وإن لم يتلفظ به،
~~لأنه عرف من فحوى الخطاب.
# وإذا أودع إنسان وديعة عند إنسان، وقال له: ادفعها إلى فلان أمانة
~~ووديعة، فادعى المودع أنه دفعها إليه، وأنكر المودع الثاني أن يكون دفعها
~~إليه، وقال المودع الأول لصاحبها: أنا امتثلت أمرك، ودفعتها إليه، فالقول
~~قوله مع يمينه، وتعود المحاكمة بين صاحبها وبين المودع الثاني، فإن اعترف
~~فذاك، وإن PageV02P438
# أنكر الإيداع، فالقول قول المودع الثاني أيضا، لأن المودع مؤتمن، فوجب أن
~~يكون القول قوله، كما أنه لو ادعى أنه ردها على المودع الذي ms0843 هو صاحبها، فإن
~~القول قوله في ذلك.
# إذا خلط الوديعة بماله خلطا لا يتميز، مثل أن يخلط دراهم بدراهم، أو
~~دنانير بدنانير، أو طعاما بطعام، فإنه يضمن، سواء خلطها بمثلها، أو أرفع
~~منها، أو أدون منها، وعلى كل حال، لأنه قد تعدى فيها بالخلط، بدلالة أنه لا
~~يمكنه أخذ ماله بعينه، فوجب عليه الضمان.
# وإذا كان عنده وديعة، فادعاها نفسان، فقال المودع: هي لأحدهما، ولا أعلم
~~عين صاحبها، وادعى كل واحد منهما علمه بذلك، لزمه يمين واحدة بأنه لا يعلم
~~لأيهما هي، فإذا حلف وبذل كل واحد من المتداعيين اليمين أنه له، استخرج
~~واحد منهما بالقرعة، فمن خرج اسمه، خلف وسلمت إليه، لأنه أمر مشكل.
# إذا أودعه شيئا ليس بمحرز، مثل الدراهم والدنانير، في طبق أو صينية، ونحو
~~ذلك، فأخذ منها درهما، ضمن ذلك الدرهم والدينار، لأنه تعدى بأخذه، فعليه
~~ضمانه، ولا يضمن الباقي، لأنه ما تعدى فيه، فلا يتعلق به ضمان، فإن رد
~~المأخوذ، فلا يخلو إما أن يرد ما أخذه بعينه، أو يرد بدله، فإن رد ما أخذه
~~بعينه، فإنه لا يضمن سواه، سواء تميز من غيره أو لم يتميز، فأما إن رد
~~بدله، فإن كان متميزا، فلا يضمن غيره فحسب، وإن كان غير متميز العين بعد
~~الخلط والرد، فإنه يضمن الجميع، لأنه خلط ماله بمال غيره، فكان متعديا
~~بالخلط، فهو كما لو كان مقارضا، فخلط مال القراض بمال من عنده، فإنه يضمن
~~مال القراض كلله.
# المودع إذا حضرته الوفاة، يلزمه أن يشهد على نفسه، بأن عنده وديعة لفلان،
~~ويشهد حتى لا تختلط بماله، ويأخذه ورثته، ولا يقبل قول المودع إلا ببينة،
~~فإذا لم يكن معه بينة، فالظاهر أن هذا مال الميت، فيؤدي إلى هلاك ماله،
~~وكذلك الحكم إذا سافر، فإن الحكم فيه واحد حرفا فحرفا. PageV02P439
# إذا أودع صندوقا، وقال له: لا ترقد عليه، فرقد عليه، وزاده قفلا آخر
~~حفاظا له، فإنه لا يضمن، لأنه زاده حرزا.
# ولو قال له: اطرحها في بيتك، واحفظها، فإذا فزعت عليها، لا ms0844 تخرجها، ففزع
~~عليها فأخرجها، وحفظها في حرز مثله، لم يضمنها لأنه زاده حرزا، وبالغ في
~~الحرز.
# ولو أودعه خاتما، فقال: دعه في إصبعك الخنصر، فوضعه في البنصر، لم يضمن،
~~لأن الخاتم في البنصر أوثق، لأنه يكون في الخنصر سريع القلق.
# ولو قال: دعه في البنصر، فوضعه في الخنصر، فإنه يضمن، لأنه وضعه فيما دون
~~منه في الحرز.
# إذا طالب المودع فقال: لم تودعني شيئا، وأنكر، فأقام المودع البينة، أنه
~~كان أودعه، فقال: صدقت البينة، كنت أو دعتني، لكن تلفت مني قبل ذلك، فإنه
~~لا يسمع هذا القول، وعليه الضمان، لأن البينة قد أكذبته، وبان كذبه
~~بالبينة.
# إذا أودع وديعة، فقال: اجعلها في كمك، فجعلها في يده، قال قوم: لا يضمن،
~~لأن اليد أحرز من الكم، وقال آخرون: إنه يضمن، لأنه إذا أمسكها في يده، فقد
~~يسهو، أو تسترخي يده منها، وليس كذلك الكم، لأنه قد آمن من أن تسقط
~~بالاسترخاء، لأنه يعلم خفته (1)، ويقوى في نفسي، أنه من حيث خالف صاحبها،
~~يضمن، لأن ذلك يكون تعديا لأنه لم يخالفه لفضل حفظ وحرز.
# إذا دفع إليه شيئا فقال: اتركه في جيبك، فطرحه في كمه، فإنه يضمن، ولو
~~قال: اربطها في كمك، فطرحها في جيبه، لم يضمن، لأن الجيب أحرز من الكم، فإن
~~قال: اتركها في جيبك، فتركها في فيه، ضمن، لأنه نقلها إلى ما هو دونه في
~~الحرز، لأنه ربما بلعها، وربما تسقط من فيه، وليس كذلك الجيب، لأن الجيب لا
~~يقع منه إلا إذا بط.
# إذا أودع صبي وديعة عند رجل، يلزمه الضمان، لأن دفع الصبي لا حكم
# PageV02P440
# له، فلما لم يكن له حكم، فقد أخذها ممن ليس له الأخذ منه، فإن أراد ردها
~~إلى الصبي، لم يزل الضمان، لأنه بالأخذ قد لزمه الضمان، فلا يسقط بهذا
~~الرد، لأنه رد على من ليس له أن يرد عليه، إلا أن يردها إلى ولي الصبي،
~~فإنه يزول عنه بهذا الرد الضمان.
# فأما إذا أودع عند صبي، فإنه لا يضمن، لأن المودع ضيع ms0845 الوديعة، وفرط في
~~ماله، فأما إذا جنى الصبي على مال رجل، فأتلفه من غير إيداع عنده، فإن
~~الضمان يتعلق في ماله دون مال عاقلته، لأن في باب إتلاف الأموال، الصبي
~~والبالغ سواء، فإن كانت الجناية على بدن آدمي، فعلى عاقلته، سواء كانت
~~الجناية على الآدمي، عمدا أو خطأ.
# باب المزارعة المزارعة والمخابرة بالخاء المعجمة، اسمان لعقد واحد، وهو
~~إعطاء الأرض إلى أجل، محروس من الزيادة والنقصان، ببعض ما يخرج منها مشاعا،
~~وسواء كان من أحدهما الأرض والبذر، ومن الآخر العمل، أو من أحدهما الأرض،
~~ومن الآخر العمل والبذر.
# فإذا ثبت ذلك فالمزارعة مشتقة من الزرع، والمخابرة من الخبار، وهي الأرض
~~اللينة، والأكار، يسمى خابرا.
# والمعاملة على الأرض ببعض ما يخرج من نمائها، على ثلاثة أضرب مقارضة،
~~ومساقاة، ومزارعة.
# فأما المقارضة، فإنها تصح بلا خلاف على ما قدمناه.
# وأما المساقاة فجائزة عند جميع الفقهاء، إلا عند أبي حنيفة وحده.
# فأما المزارعة، فهو أن يزارعه على سهم مشاع، مثل أن يجعل له النصف، أو
~~الثلث، أو أقل، أو أكثر، فإن ذلك عندنا جائز إذا ضربها بالأجل المحروس،
~~PageV02P441
# وعين حق العامل.
# وشرطه أن يكون جزء مشاعا من الخارج، فلو عامله على وزن معين منه، أو على
~~غلة مكان مخصوص من الأرض، أو على تمر نخلات بعينها، بطل العقد، بلا خلاف
~~بين من أجاز المزارعة والمساقاة، ولأنه قد لا يسلم إلا ما عينه، فيبقى رب
~~الأرض والنخل بلا شئ، وقد لا يعطب إلا غلة ما عينه، فيبقى العامل بغير شئ،
~~وإذا تمم المزارع أو المساقي عمله على هذا الشرط، بطل المسمى له، واستحق
~~أجرة المثل.
# وتصرف العامل بحسب ما يقع العقد عليه، إن كان مطلقا، جاز له أن يولي
~~العمل لغيره، ويزرع ما شاء، وإن شرط عليه أن يتولى العمل بنفسه، أو يزرع
~~شيئا بعينه، لم يجز له مخالفة ذلك، لقوله عليه السلام: " المؤمنون عند
~~شروطهم " (1).
# ولو زارع ببعض الخارج من الأرض، والبذر من مالكها، والعمل والحفظ من
~~المزارع، جاز.
# وكذا لو شرط على ms0846 العامل في حال العقد ما يجب على رب المال، أو بعضه، أو
~~شرط على رب المال ما يجب على العامل الذي هو الأكار، المزارع أو بعضه،
~~كإنشاء الأنهار، وإصلاح السواقي.
# فأما الزكاة، فإن بلغ نصيب كل واحد منهم ما يجب فيه الزكاة، وجبت عليه،
~~لأنه شريك مالك، سواء كان البذر منه، أو لم يكن، وليس ما يأخذه المزارع
~~الذي منه العمل دون البذر، أجرة ولا كالأجرة.
# وقال بعض أصحابنا المتأخرين في تصنيف له: كل من كان البذر منه، وجب عليه
~~الزكاة، ولا يجب الزكاة على من لا يكون البذر منه، قال: لأن ما يأخذه
~~كالأجرة.
# PageV02P442
# والقائل بهذا، هو السيد العلوي أبو المكارم بن زهرة الحلبي رحمه الله (1)
~~شاهدته ورأيته، وكاتبته، وكاتبني، وعرفته ما ذكره في تصنيفه من الخطأ،
~~فاعتذر رحمه الله بأعذار غير واضحة، وأبان بها أنه ثقل عليه الرد، ولعمري
~~أن الحق ثقيل كله، ومن جملة معاذيره ومعارضاته لي في جوابه، أن المزارع مثل
~~الغاصب للحب إذا زرعه، فإن الزكاة تجب على رب الحب دون الغاصب، وهذا من
~~أقبح المعارضات، وأعجب التشبيهات، وإنما كانت مشورتي عليه، أن يطالع
~~تصنيفه، وينظر في المسألة، ويغيرها قبل موته، لئلا يستدرك عليه مستدرك بعد
~~موته، فيكون هو المستدرك على نفسه، فعلت ذلك علم الله شفقة وسترة عليه،
~~ونصيحة له، لأن هذا خلاف مذهب أهل البيت عليهم السلام.
# وشيخنا أبو جعفر، قد حقق المسألة في مواضع عدة من كتبه، وقال: الثمرة
~~والزرع نما على ملكيهما، فيجب على كل واحد منهما الزكاة، إذا بلغ نصيبه
~~مقدار ما يجب فيه ذلك، وإنما السيد أبو المكارم رحمه الله نظر إلى ما ذكره
~~شيخنا من مذهب أبي حنيفة، في مبسوطه (2)، فظن أنه مذهبنا، فنقله في كتابه
~~على غير بصيرة ولا تحقيق، وعرفته أن ذلك مذهب أبي حنيفة، ذكره شيخنا أبو
~~جعفر في مبسوطه، لما شرح أحكام المزارعة، ثم عقب بمذهبنا، وأو مات له إلى
~~المواضع التي حققها شيخنا أبو جعفر في كتاب القراض وغيره، فما رجع، ولا
~~غيرها ms0847 في كتابه، ومات رحمه الله وهو على ما قاله، تداركه الله بالغفران،
~~وحشره مع آبائه في الجنان وكذلك قوله في المساقاة.
# وعقد المزارعة والمساقاة يشبه عقد الإجارة، من حيث كان لازما، فافتقر إلى
~~تعيين المدة ويشبه القراض، من حيث كان سهم العامل مشاعا معلوما في
~~المستفاد.
# والمزارعة والمساقاة إذا كانت على أرض خراجية، فخراجها على المالك
# PageV02P443
# للأرض، إلا أن شرطه على العامل.
# وإذا اختلف صاحب الأرض والبذر، أو الشجر والعامل، فقال: شرطت لك الثلث،
~~فقال العامل: لا بل النصف، وعدمت البينة، فالقول قول صاحب الشجر والأرض
~~والبذر مع يمينه، لأن جميع الثمرة لصاحب الشجرة، لأنها نماء أصله، وإنما
~~يثبت ويستحق العامل الحصة بالشرط، فإذا ادعى شرطا بمقدار معين، كان عليه
~~البينة، فإذا عدمها، كان القول قول المالك مع يمينه، فإن كان مع كل واحد
~~منهما بينة، قدمت، وسمعت بينة العامل، لأنه المدعي، لقوله عليه السلام: "
~~البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " (1) وصاحب الشجر مدعى عليه،
~~وأيضا فالبينة بينة الخارج، والعامل الخارج.
# وإذا ادعى رب البذر أنه قدر معلوم، وقال العامل: هو بخلافه، فالقول قول
~~العامل، لأنه أمين، ومدعى عليه أيضا.
# فإن شرطا أن يخرج البذر قبل المقاسمة وسطا، كان على ما شرطا، وإن لم
~~يشرطا ذلك، كان جميع الغلة بينهما، على ما اتفقا عليه، دون إخراج البذر،
~~وشيخنا أبو جعفر لم يذكر في كتاب المزارعة في مسائل خلافه، إلا المسألة
~~الأولى فحسب، وجميع الكتاب، في الإجارة، لأن جميع الكتاب، أعني كتاب
~~المزارعة إحدى عشرة مسألة، قال في المسألة الأولى: المزارعة بالثلث والربع
~~والنصف، أو أقل، أو أكثر، بعد أن يكون سهما (2) مشاعا جائزة.
# ثم قال في المسألة الثانية، يجوز إجارة الأرضين للزراعة.
# ثم قال: مسألة، يجوز إجارة الأرض بكل ما يصح أن يكون ثمنا، من ذهب أو فضة
~~أو طعام.
# ثم قال: مسألة، إذا أكراه أرضا ليزرع فيها طعاما، صح العقد.
# PageV02P444
# ثم قال: مسألة، إذا أكرى أرضا للزراعة.
# ثم قال: مسألة، إذا أكرى أرضا للغراس.
# ثم قال: مسألة إذا ms0848 أكرى أرضا على أن يزرع فيها ويغرس.
# ثم قال: مسألة، إذا أكراه أرضا سنة للغراس.
# ثم قال: مسألة، إذا استأجر دارا أو أرضا.
# ثم قال: مسألة، إذا اختلف المكري والمكتري في قدر النفقة (1) أو قدر
~~الأجرة.
# ثم قال: مسألة، إذا زرع أرض غيره ثم اختلفا، فقال الزارع: أعرتنيها.
# فهذه المسائل جميع ما ذكره في كتاب المزارعة، ولعمري أن المزارعة عند
~~الشرعيين غير الإجارة، فكان الأولى والأحق أن يذكر جميع المسائل في كتاب
~~الإجارة، إلا مسألة واحدة، وهي الأولة.
# وقال في نهايته: لا بأس بالمزارعة بالثلث، أو الربع، أو أقل أو أكثر، ثم
~~قال: ويكره أن يزارع الإنسان بالحنطة والشعير، والتمر والزبيب، وليس ذلك
~~بمحظور، ثم قال رحمه الله: فإن زارع بشئ من ذلك، فليجعله من غير ما يخرج من
~~تلك الأرض، مما يزرعه في المستقبل، بل يجعل ذلك في ذمة المزارع، ثم قال:
~~ولا بأس أن يواجر الأرض الدراهم والدنانير. (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: جميع ما ذكره شيخنا رحمه الله وحكيناه عنه
~~في نهايته، ليس ذلك بمزارعة، إلا مسألة واحدة، وهي الأولة، وما عداها
~~إجارة، وليس بمزارعة، فلا حاجة به إلى ذكر ذلك في كتاب المزارعة وبابها، بل
~~موضع ذلك باب الإجارة.
# ثم قال: فإن زارع الأرض على أن يكون المزارع يتولى زراعتها بنفسه، لم يجز
~~له أن يعطيها لغيره، وكذلك إن شرط عليه أن يزرع شيئا بعينه، لم يجز له
~~خلافه،
# PageV02P445
# ولا بأس أن يشارك المزارع غيره، ولم يكن لصاحب الأرض خلافه، وهذا جميعه
~~حسن، ذكره في باب المزارعة، على ما قدمناه.
# ثم قال: ومن آجر غير أرضا، كان للمستأجر أن يقيم في الأرض من ينوب عنه،
~~ويقوم مقامه.
# ثم قال: ومن استأجر أرضا بالنصف أو الثلث أو الربع، جاز له أن يؤجرها
~~غيره بأكثر من ذلك وأقل.
# قال محمد بن إدريس: هذا غير مستقيم، والإجارة هاهنا باطلة، لأن الأجرة
~~تحتاج أن تكون مضمونة في ذمة المستأجر، والثلث والربع المذكور غير مضمون،
~~وربما لم تخرج الأرض شيئا، ms0849 وهذا غرر عظيم منهي عنه، والنهي يدل على فساد
~~المنهي عنه.
# ثم قال: وإذا استأجرها بالدراهم والدنانير، لم يجز له أن يؤجرها بأكثر من
~~ذلك، إلا أن يحدث فيها حدثا، من حفر نهر، أو كرى ساقية، وما أشبه ذلك (1).
# والذي يقوى في نفسي، أنه يجوز له أن يؤجرها بأكثر من ذلك الجنس الذي
~~استأجرها به، وإن لم يحدث فيها حدثا، لأن منافعها صارت مستحقة له، يفعل
~~فيها ما شاء، ويؤجرها لمن شاء بما شاء، لا مانع يمنع منه من كتاب ولا سنة
~~مقطوع بها، ولا إجماع، لأن بينهم خلافا في ذلك، وما روي في ذلك (2) أخبار
~~آحاد تحمل على الكراهة، دون الحظر، فأما إذا اختلف الجنس فلا خلاف بينهم في
~~جواز ذلك، من غير حظر ولا كراهة، بأكثر أو أقل، سواء أحدث فيها حدثا، أو لم
~~يحدث، مثال ذلك أن يستأجرها بدنانير، فيؤجرها بدراهم، أو يستأجرها بخبطه في
~~ذمته، لا مما تخرج الأرض، ويؤجرها بدنانير أو دراهم وأشباه ذلك.
# ثم قال: فإن كان شرط المزارع أن يأخذ بذره قبل القسمة، كان له ذلك، وإن
# PageV02P446
# لم يكن شرط ذلك، كان البذر عليه على ما شرط.
# قال محمد بن إدريس: إذا لم يكن شرط، كيف يكون البذر عليه على ما شرط، وهو
~~قد نفى أن يكون شرط شيئا، إلا أن يريد به أنه شرط أن يأخذه بعد القسمة، إذا
~~لم يكن شرط أن يأخذه قبل القسمة، وقد قلنا في ما مضى، أنه إذا لم يشرط
~~إخراج البذر من وسطا، لم يخرج، بل يقسم الجميع (1) من غير إخراج بذر بين
~~المزارع وبين رب الأرض.
# ثم قال: وإن شرط عليه أيضا خراج الأرض ومؤونة السلطان، كان عليه ذلك، دون
~~صاحب الأرض، فإن شرط ذلك وكان قدرا معلوما، ثم زاد السلطان على الأرض
~~المؤونة، كانت الزيادة على صاحب الأرض، دون المزارع.
# أما قوله " خراج الأرض " فما يتقدر ذلك إلا في الأرض الخراجية، على
~~قدمناه.
# ومن استأجر أرضا مدة معلومة، وجب عليه مال الإجارة، وكانت له ms0850 المدة
~~المعلومة، سواء زرع فيها، أو لم يزرع، فإن منعه صاحب الأرض من التصرف فيها،
~~ثم انقضت المدة، لم يكن عليه شئ من الأجرة، ومتى منعه من التصرف فيها ظالم
~~غير صاحب الأرض، لم يكن على صاحب الأرض شئ.
# فإن غرقت الأرض لا بجناية أحد من الناس، غرقا لم يتمكن معه المستأجر من
~~التصرف فيها مدة الإجارة، لم يلزمه شئ من مال الإجارة، إلا أن يكون تصرف
~~فيها بعض تلك المدة، فيلزمه بمقدار ما تصرف فيها، وليس عليه أكثر من ذلك،
~~ويكون العقد صحيحا في المدة التي تصرف فيها، وينفسخ في باقي المدة، وتقسط
~~الأجرة بمقدار أجرة المثل، مثال ذلك أن ينظر، فإن كانت أوقات المدة كلها
~~متساوية في الأجرة، حسب على ما مضى بقسطه من الأجرة المسماة، وإن كانت
~~مختلفة نظركم أجرة مثلها فيما مضى، وفيما بقي، فإن كانت أجرة المثل في
# PageV02P447
# المدة التي مضت، مثلي أجرة المدة التي بقيت، فعليه ثلثا الأجرة المسماة،
~~وعلى هذا الترتيب، إن كان الحال بخلاف ذلك.
# ولا تصح المزارعة والإجارة إلا بأجل معلوم، على ما قدمناه، فمتى لم يذكر
~~فيهما الأجل، كانت باطلة، فإن كان قد تصرف فيها المستأجر، وأنفق فيها، كان
~~له ما أنفق، ولصاحب الأرض ما يخرج منها، وللزارع أجرة المثل، إذا لم يكن
~~ذكر الأجل، ولم يكن له أكثر من ذلك.
# ومن أخذ أرض إنسان غصبا، فزرعها أو عمرها، وبنى فيها بغير إذن المالك،
~~كان لصاحب الأرض قلع ما زرع فيها وبنى، وأخذ أرضه، وله أجرة المثل على
~~الغاصب مدة ما كانت في يده، فإن كان الغاصب زرع فيها وبلغت الغلة، كانت
~~للغاصب، لأنها نماء بذره، ويكون لصاحب الأرض طسق الأرض، والطسق الوظيفة،
~~توضع على صنف من الأرض لكل جريب، وهو بالفارسية تسك، فاعرب، وهو كالأجرة.
# وإذا اكترى إنسان دارا، ليسكنها وفيها بستان، فزرع فيها زرعا، وغرس شجرا،
~~فإن كان فعل ذلك بإذن صاحب الدار، ثم أراد التحول عنها، وأراد الزارع
~~والغارس قلع ذلك، فله قلعه، فإن أراد تبقيته فيها، ms0851 وأراد صاحبها قلعه، فإن
~~جرى بينهما صلح، حملا عليه، وإن تشاحا، ولم يصطلحا على شئ، فلصاحبها قلعه،
~~بعد أن يغرم له ما بين قيمته مقلوعا ونابتا، فإن أبى ذلك، لم يكن له قلعه،
~~لأنه زرعه بإذنه، وليس هو بعرق ظالم، وإن لم يكن استأذن صاحب الدار في ذلك،
~~كان له قلعه، وإعطاؤه إياه للزارع والغارس، لأن الرسول عليه السلام قال: "
~~ليس لعرق ظالم حق " (1).
# ومتى زارع أرضا أو استأجرها، فباع صاحب الأرض أرضه، لم تبطل بذلك
# PageV02P448
# مزارعته، ولا إجارته، وإن كان البيع بحضرة المزارع والمستأجر، ويكون
~~البيع صحيحا، غير أنه يلزم المشتري أن يصبر إلى وقت انقضاء مدة المزارعة
~~والإجارة، فإن مات المشتري لم تبطل أيضا بموته الإجارة والمزارعة، ووجب على
~~ورثته الصبر، إلى أن ينقضي زمان المزارعة والإجارة.
# ومتى مات المستأجر أو المؤجر، بطلت الإجارة عند بعض أصحابنا، وانقطعت في
~~الحال، وقال آخرون من أصحابنا: إنها تبطل بموت المستأجر، ولا تبطل بموت
~~المؤجر، وقال الأكثرون المحصلون: لا تبطل الإجارة بموت المؤجر، ولا بموت
~~المستأجر.
# وهو الذي يقوى في نفسي، وأفتي به، لأنه الذي تقتضيه أصول المذهب، والأدلة
~~القاهرة، عقلا وسمعا.
# فالعقل، أن المنفعة حق من حقوق المستأجر على المؤجر، فلا تبطل بموته،
~~وإذا كانت حقا من حقوق الميت فإنه، يرثه وارثه، لعموم آيات المواريث، ومن
~~أخرج شيئا منها، فعليه الدليل، وهو تصرف في مال الغير، أعني المنفعة. ولا
~~يجوز التصرف في ذلك، إلا بإذن صاحب المنفعة.
# والسمع فقوله تعالى: " أوفوا بالعقود " وهذا عقد فيجب الوفاء به، فمن
~~فسخه وأبطله، يحتاج إلى دليل، ولن يجده، فإن ادعى إجماعا، فقد بينا أن
~~أصحابنا مختلفون في ذلك، لا مجتمعون، فإذا لم يكن إجماع، ولا كتاب، ولا سنة
~~متواترة، ولا دليل عقل، فبأي شئ ينفسخ هذا العقد، بل الكتاب قاض بصحة هذا
~~العقد، ودليل العقل حاكم به، وما اخترناه مذهب السيد المرتضى وخيرته في
~~الناصريات في المسألة المأتين، ومذهب أبي الصلاح الحلبي، في كتابه كتاب
~~الكافي (1)، وهو كتاب حسن، فيه تحقيق مواضع، وكان ms0852 هذا المصنف من جملة
~~أصحابنا الحلبيين، من تلامذة المرتضى رضي الله عنهما.
# PageV02P449
# والأول مذهب شيخنا رحمه الله (1)، وخيرته، مع قوله في مبسوطه: إن أكثر
~~أصحابنا يذهبون إلى أن موت المؤجر لا يبطلها (2). واستدل على صحة ما اختاره
~~في مسائل خلافه (3) بأشياء يرغب عن ذكرها، ونقضها سترا على قائلها، وما
~~المعصوم إلا من عصمه الله سبحانه.
# ومال الإجارة لازم، وإن هلكت الغلة بالآفات السماوية.
# ومن زارع أرضا أو ساقاها على ثلث، أو ربع، أو غير ذلك، بلغت الغلة، جاز
~~لصاحب الأرض أن يخرص عليه الغلة والثمرة، فإن رضي المزارع أو المساقي بما
~~خرص، أخذها، وكان عليه حصة صاحب الأرض، سواء نقص الخرص، أو زاد، وكان له
~~الباقي، كما فعل عامل الرسول عليه السلام بأهل خيبر وهو عبد الله بن رواحة
~~الأنصاري الخزرجي (4)، فإن هلكت الغلة والثمرة قبل جذاذها وحصادها، بآفة
~~سماوية، لم يلزم العامل الذي هو الأكار شئ لصاحب الأرض.
# والذي ينبغي تحصيله في هذا الخبر والسؤال، أنه لا يخلو أن يكون قد باعه
~~حصته من الغلة والثمرة، بمقدار في ذمته من الغلة والثمرة، أو باعه الحصة
~~بغلة من هذه الأرض، فعلى الوجهين معا، البيع باطل، لأنه داخل في المزابنة
~~والمحاقلة، وكلاهما باطلان، وإن كان ذلك صلحا لا بيعا، فإن كان ذلك بغلة أو
~~ثمرة في ذمة الأكار الذي هو المزارع، فإنه لازم له، سواء هلكت الغلة
~~بالآفات السماوية، أو الأرضية، وإن كان ذلك الصلح بغلة من تلك الأرض، فهو
~~صلح باطل، لدخوله في باب الغرر، لأنه غير مضمون، فإن كان ذلك، فالغلة
~~بينهما سواء، زاد الخرص أو نقص، تلفت منهما، أو سلمت لهما، فليلحظ ذلك، فهو
# PageV02P450
# الذي تقتضيه أصول مذهبنا، وتشهد به الأدلة، فلا يرجع عنها بأخبار الآحاد،
~~التي لا توجب علما ولا عملا، وإن كررت في الكتب.
# باب المساقاة المساقاة مفاعلة، مشتقة من السقي، وهو أن يدفع الإنسان نخله
~~أو شجره الذي يحمل ثمرا، أي شجر كان، قبل خروج (1) المدة المضروبة بينهما،
~~لأنها لا تصح إلا بأجل محروس.
# ويشرط ms0853 له حصة معلومة مشاعة.
# ولا تصح إلا على أصل ثابت، على أن يلقحه ويصرف الجريد، ويصلح الأجاجين
~~تحت النخل والأخواص، ويسقيها، ويحفظ الثمرة، ويلقطها، ويجذها، ويحفر
~~السواقي والأنهار لجري الماء إليها، وكذلك الكرم، على أن يعمل فيه، فيقطع
~~الشفش، ويصلح مواضع الماء، ويسقيه، ويحفظه.
# وجملة الأمر، وعقد الباب، أنه يجب عليه كل ما كان فيه زيادة في الثمرة
~~وريع ونماء، فعلى هذا يجب عليه الكش، وآلات السقي، وما يتوصل به إليه من
~~الدلاء، والنواضح، والبقر، والحبال، والمحالات، وغير ذلك.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي في مبسوطه: الكش (2) يلزم صاحب النخل (3)،
~~وهذا غير واضح، لأنه لا دليل عليه، ولا شك أنه قول بعض المخالفين، ووضعه في
~~الكتاب المذكور، لأنه رحمه الله يذكر فيه مذهبنا ومقالتنا، ومقالة غيرنا،
~~من غير تفصيل كثيرا ما يعمل كذلك، فصار الشجر على ضربين، ضرب له ثمر يؤكل،
~~سواء تعلق به الزكاة، أو لم تتعلق، فإنه يتعلق به المساقاة، وشجر لا ثمرة
~~له، فلا يجوز المساقاة عليه.
# PageV02P451
# والمساقاة تحتاج إلى مدة معلومة، كالإجارة على ما قدمناه.
# وهي من العقود اللازمة، لأنها كالإجارة، وبهذا فارقت القراض، لأنه لا
~~يحتاج إلى مدة، بل هو عقد جائز من الطرفين.
# والمؤونة جميعها في المساقاة على المساقي، على ما قدمناه، دون صاحب
~~الأصل.
# ومتى ساقى صاحب النخل والشجر غيره، ولم يذكر ما له من الحصة والقسمة،
~~كانت المساقاة باطلة، وكان لصاحب الأصل ما يخرج من نخله وشجره، وعليه
~~وللمساقي أجرة المثل من غير زيادة ولا نقصان.
# ويكره لصاحب الأرض أن يشترط على المساقي مع المقاسمة شيئا من ذهب أو فضة،
~~فإن شرطه أو شرط له، وجب عليهما الوفاء بما شرطا، اللهم إلا أن تهلك الثمرة
~~بآفة سماوية، فلا يلزمه حينئذ شئ مما شرط عليه، على حال.
# وخراج الثمرة على رب الأرض، إذا كانت الأرض خراجية، دون المساقي، إلا أن
~~يشترط ذلك على المساقي، فيلزمه حينئذ الخروج منه.
# وقد قلنا وذكرنا أحكام من أخذ أرضا ميتة فلا وجه لا عادته.
# وقال شيخنا في ms0854 نهايته، في ذكر أحكام المساقاة: ومن استأجر أرضا بشئ
~~معلوم، جاز له أن يؤجر بعضها بأكثر ذلك المال، ويتصرف هو بما يبقى في
~~الباقي، وكذلك إن اشترى مراعي جاز له أن يبيع شيئا منها بأكثر ما له، ويرعى
~~هو بالباقي ما يبقى منها، وليس له أن يبيع بمثل ما اشترى أو أكثر منه،
~~ويرعى معهم، إلا أن يحدث فيه حدثا، ويكون ذلك أيضا برضاء صاحب الأرض، فإن
~~لم يرض ببيعه من سواه، لم يجز له ذلك، وإنما يكون له أن يرعاه بنفسه، هذا
~~آخر كلام شيخنا في نهايته، في آخر الباب (1).
# قال محمد بن إدريس: أما المسألة الأولى، فباب الإجارة أحق بذكرها فيها من
~~باب المساقاة، وأما المسألة الثانية، فليس هي من قبيل المساقاة، ولا قبيل
# PageV02P452
# المزارعة، ولا الإجارة.
# والأولى عندي أن له أن يبيع ما شاء كيف شاء، سواء رضي صاحب الأرض، أو لم
~~يرض، لأن الناس مسلطون على أملاكهم وأموالهم، كيف شاؤوا عملوا، من سائر
~~أنواع التصرفات فعلوا، بيعا، أو هبة، أو إجارة، أو صدقة، أو غير ذلك، وإنما
~~هذه أخبار آحاد احتاج أن يوردها في غير مواضعها، لئلا يشذ منها شئ على ما
~~اعتذر به في كتابه العدة (1)، وإن لم يكن عاملا بها ولا معتقدا لصحتها،
~~أوردها إيرادا على ما هي عليه من الألفاظ، لا اعتقادا على ما كررنا
~~الاعتذار له في ذلك.
# وإذا شرط في حال عقد المساقاة العامل على رب الأرض، بعض ما يجب على
~~العامل عمله، لم يمنع ذلك من صحة العقد، إذا بقي للعامل عمل، ولو كان
~~قليلا، لأن هذا شرط لا يمنع منه كتاب ولا سنة، وكذلك إذا ساقاه بعد ظهور
~~الثمرة كان جائزا.
# وإذا اختلف رب النخل والعامل، فقال رب النخل: شرطت على أن يكون لك ثلث
~~الثمرة، وقال العامل: بل على أن يكون لي نصف الثمرة، كان القول قول رب
~~النخل مع يمينه، فإن كان مع كل واحد منهما بينة، قدمناه بينة العامل، لأنه
~~المدعي، وهو الخارج، دون بينة رب ms0855 النخل، على ما قدمناه.
# إذا ظهرت الثمرة، وبلغت الأوساق التي تجب فيها الزكاة، كانت الزكاة واجبة
~~على رب النخل والعامل معا، إذا بلغ نصيب كل واحد منهما ما تجب فيه الزكاة،
~~فإن لم يبلغ نصيب واحد منهما النصاب، فلا تجب الزكاة على كل واحد منهما،
~~فإن بلغ نصيب أحدهما نصاب الزكاة، وجب عليه دون من لم يبلغ حصته، لأن
~~الثمرة ملك لهما، وهذا مذهب أصحابنا بغير خلاف بينهم في ذلك،
# PageV02P453
# ذكره شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه (1)، وناظر المخالفين على صحته ودل
~~عليه.
# وقد كنا قلنا أن بعض أصحابنا المتأخرين ذكر في تصنيف له (2)، وقفنا عليه،
~~وعاودناه في مطالعته في حال حياة مصنفه، ونبهناه على تجاوز نظره الحق في
~~المسألة، لأنه قال: لا يجب الزكاة إلا على رب النخل دون المساقي، وكذلك في
~~المزارعة: لا تجب إلا على من يكون منه البذر، دون الأكار، لأن ما يأخذه
~~كالأجرة، والأجرة لا زكاة فيها، وهذا منه رحمه الله تسامح عظيم، والذي ذهب
~~إليه أحد قولي الشافعي.
# واستدل شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، على صحة ما قلناه، فقال:
# دليلنا أنه إذا كانت الثمرة ملكا لهما، فوجبت الزكاة على كل واحد منهما،
~~فمن أوجب على أحدهما دون الآخر، كان عليه الدليل (3)، الودي، بالواو
~~المفتوحة، والدال غير المعجمة المكسورة، والياء المشددة، هو صغار النخل قبل
~~أن تحمل، فإذا ساقاه على ودي، ففيها ثلاث مسائل.
# إحداها ساقاه إلى مدة يحمل مثلها غالبا، فالمساقاة صحيحة، لأنه ليس فيه
~~أكثر، من أن عمل العامل يكثر ويقل نصيبه، وهذا لا يمنع صحتها، كما لو جعل
~~له سهم من ألف سهم، فإذا عمل، نظرت، فإن حملت، فله ما شرط، وإن لم تحمل
~~شيئا، فلا شئ له، لأنها مساقاة صحيحة، ونصيبه من ثمارها معلوم، فإذا لم
~~تثمر لم يستحق شيئا، كالقراض الصحيح إذا لم يربح شيئا.
# الثانية ساقاه إلى مدة لا يحمل الودي إليها، فالمساقاة باطلة.
# الثالثة ساقاه إلى وقت قد تحمل وقد لا تحمل، وليس أحدهما أولى من الآخر، ms0856
~~فهذه أيضا مساقاة باطلة.
# PageV02P454
# إذا ساقاه على ودي، على أنه إذا كبر وحمل، فله نصف الثمرة، ونصف الودي
~~فالعقد باطل، لأن موضوع المساقاة على أن يشتركا في الفائدة، دون الأصول،
~~فإذا اشترط الاشتراك في الأصول، بطل، كالقراض إذا اشترط له جزء من رأس
~~المال، مضافا إلى وجوب الربح.
# وإذا كان الودي، مقلوعا، فساقاه على أن يغرس، فإذا علق وحمل، فله نصف
~~الثمرة، والمدة يحمل في مثلها إن علق، فالمساقاة باطلة، لأنها لا تصح إلا
~~على أصل ثابت يشتركان في فوائده، فإذا كانت الأصول مقلوعة، لم تصح
~~المساقاة.
# إذا اختلف رب النخل والمساقي في مقدار ما شرط له من الحصة عند المقاسمة،
~~فالقول قول رب النخل مع يمينه، لأن ثمرة النخل كلها لصاحبها، وإنما يستحق
~~العامل بالشرط، ورب النخل أعرف بما قال، فإن أقام العامل بينة، سمعت، وسلم
~~إليه ما شهدت به البينة، فإن أقام كل واحد منهما بينة بما يقوله، قدمنا
~~بينة العامل، لأنه المدعي، والرسول عليه السلام جعلها في جنبته، دون جنبة
~~الجاحد.
# وقال شيخنا أبو جعفر في المزارعة هكذا (1) وهو الصحيح وقال في آخر كتاب
~~المساقاة في مبسوطه: وإن كان مع كل واحد منهما بينة تعارضتا، ورجعنا على
~~مذهبنا إلى القرعة (2).
# قال محمد بن إدريس: وأي تعارض هاهنا، بل هذه المسألة لا فرق بينها وبين
~~اختلاف الأكار في المزارعة ورب البذر والأرض، في أن كل واحد منهما إذا أقام
~~البينة، سمعت بينة الأكار، لأنه المدعي، والبينة جعلها الرسول عليه السلام
~~في جنبته، وإلى هذا يذهب شيخنا أبو جعفر في المزارعة، ويخالف في المساقاة
~~وهذا أمر طريف.
# PageV02P455
# باب الإجارات كل ما يستباح بعقد العارية يجوز أن يستباح بعقد الإجارة، من
~~إجارة الإنسان نفسه، وعبيده، وثيابه، وداره وعقاره بلا خلاف، بل الإجماع
~~منعقد على ذلك، والكتاب ناطق به.
# والإجارة عقد معاوضة، وهي من عقود المعاوضات اللازمة، كالبيع.
# وتفتقر صحتها إلى شروط، منها ثبوت ولاية المتعاقدين، فلا يصح أن يواجر
~~الإنسان ما لا يملك التصرف فيه، لعدم ملك، أو إذن، أو ms0857 ثبوت حجر، أو رهن، أو
~~إجارة متقدمة، أو غير ذلك.
# ومنها أن يكون المعقود عليه من الجانبين معلوما، فلو قال: آجرتك إحدى
~~هاتين الدارين، أو بمثل ما يؤجر به فلان داره، لم يصح.
# ومنها أن يكون مقدورا على تسليمه، حسا وشرعا، فلو آجر عبدا آبقا، أو جملا
~~شاردا، أو ما لا يملك التصرف فيه، لم يصح.
# ومنها أن يكون منتفعا به، فلو آجر أرضا للزراعة في وقت يفوت بخروجه،
~~والماء واقف عليها لا يزول في ذلك الوقت، لم يصح.
# ومنها أن يكون منتفعا به منفعة مباحة، فلو آجر مسكنا أو دابة أو وعاء في
~~محظور لم يجز، وكانت الإجارة باطلة.
# فإذا آجر الرجل داره أو دابته، فإنه يلزم العقد من الطرفين، وليس لأحد
~~منهما الخيار، سواء افترقا من مجلس العقد، أو لم يفترقا، لأن خيار المجلس
~~لا يثبت إلا في عقد البيع فحسب، والإجارة ليست ببيع.
# ويستحق المؤجر الأجرة على المستأجر في الحال، ولا يقف على تسليم الأعمال
~~والفراغ منها، بل بإطلاق العقد يستحق المؤجر الأجرة على المستأجر، سواء كان
~~عملا يمكن تسليمه، أو لا يمكن تسليمه، إلا أن يشترط المستأجر PageV02P456
# التأخير في حال العقد، فيكون على ما شرطا واتفقا عليه:
# ويستحق المستأجر المنفعة على المؤجر، حتى أنه صار أحق بها منه، كما أن
~~المؤجر أحق بالأجرة من المستأجر.
# وليس لأحدهما فسخ عقد الإجارة بحال، سواء كان لعذر أو لغير عذر، فهي
~~كالبيع في حال الفسخ، لأن من اشترى شيئا ملك البايع الفسخ، إذا كان الثمن
~~معينا ووجد به عيبا، وكذلك المشتري إذا وجد بالمبيع عيبا ولا يملك الفسخ
~~بغير العيب، وكذلك المؤجر، إنما يملك الفسخ إذا تعذر استيفاء الحق منه،
~~لفلس أو لغيره، وكذلك المستأجر إنما يملك الفسخ إذا وجد بالمنافع عيبا، مثل
~~أن ينهدم الدار أو بعضها، أو تغرق الأرض على ما قدمناه في باب المزارعة،
~~وإجارة الأرض، وليس لهما الفسخ لغير عذر.
# فإذا ثبت جواز الإجارة فإنها على ضربين، أحدهما ما تكون المدة معلومة،
~~والعمل مجهولا، والثاني ms0858 أن تكون المدة مجهولة، والعمل معلوما، فما تكون
~~المدة معلومة والعمل مجهولا، مثل أن يقول: آجرتك نفسي شهرا لأبني، أو أخيط،
~~فهذه مدة معلومة، والعمل مجهول، وما تكون المدة مجهولة والعمل معلوما، فهو
~~أن يقول:
# آجرتك نفسي لأخيط ثوبا معلوما، ولأبني هذا البناء المعلوم، فالمدة مجهولة
~~والعمل معلوم.
# فأما إذا كانت المدة معلومة والعمل معلوما، فلا يصح، لأنه إذا قال:
# استأجرتك اليوم لتخيط قميصي هذا، فإن الإجارة هذه باطلة، لأنه ربما يخيط
~~قبل مضي النهار، فيبقى بعض المدة المستحقة بلا عمل، وربما لم يفرغ منه
~~بيوم، ويحتاج إلى مدة أخرى، فيحصل العمل بلا مدة.
# والمعقود عليه عقد الإجارة، يجب أن يكون معلوما، وقد بينا أنه يصير
~~معلوما تارة بتقدير المدة، وتارة بتقدير العمل، فأما المنافع فيتقدر
~~منافعها التي يعقد عليها تارة بتقدير المدة، وتارة بتقدير العمل، والعقار
~~لا يتقدر منفعته إلا بتقدير المدة، لأنه لا عمل لها، فيقدر في نفسه.
~~PageV02P457
# وليس من شرط صحتها اتصال المدة (1) بالعقد، ولا أن يذكر الاتصال بالعقد
~~لفظا، على ما يذهب إليه بعض المخالفين، وقاله شيخنا أبو جعفر، في مبسوطه
~~(2)، ولم يذكر هل هو قولنا أو قول غيرنا؟ فلا يظن ظان أن ذلك قول لأصحابنا.
# إذا استأجر على قلع ضرسه، ثم بدا له، فلا يخلو من أحد أمرين: إما (3) أن
~~يكون زال الوجع، أو يكون الألم باقيا، فإن كان بحاله، فإنه لا يملك فسخ
~~الإجارة، ولكن يقال له: قد استأجرته على استيفاء منفعة، وأنت متمكن من
~~استيفائها، فأما أن تستوفي منه ذلك، وإلا إذا مضت مدة يمكنه أن يقلع ذلك،
~~فإنه قد استقر له الأجرة، كمن استأجر دابة ليركبها إلى بلد، وسلمها إليه،
~~فلم يركبها، فإنه يقال له: أنت متمكن من استيفاء المنفعة بأن تركب وتمضي،
~~فأما أن تستوفي، وإلا إذا مضت مدة يمكنك أن تستوفيها، فقد استقر عليك
~~الأجرة، وكذلك إذا استأجر دارا، فسلمت إليه، يقال له: إما أن تسكنها، وإلا
~~يستوفي منك الأجرة، إذا مضت المدة، وأما إذا زال الوجع، فقد تعذر استيفاء ms0859
~~المنفعة من جهة الله تعالى شرعا، لأنه لو أراد أن يقلعها لم يجز، ويمنع
~~العقل والشرع معا من قلع السن الصحيح، فانفسخت الإجارة بذلك، كالدار إذا
~~انهدمت، فأما إذا استأجر عبدا فأبق، فإنه تنفسخ الإجارة لتعذر استيفاء
~~المنفعة (4) المعقود عليها، كالدار إذا انهدمت.
# والمستأجر يملك من المستأجر المنفعة التي في العبد والدار والدابة، إلى
~~المدة التي اشترط، حتى يكون أحق بها من مالكها، والمؤجر يملك الأجرة بنفس
~~العقد، على ما قدمناه، ولا تخلو الأجرة من ثلاثة أحوال، إما أن يشترطا فيها
~~التأجيل، أو التعجيل، أو يطلقا ذلك، فإن شرطا التأجيل إلى سنة أو إلى شهر،
~~فإنه لا يلزمه تسليم الأجرة إلى تلك المدة بلا خلاف، فإن اشترطا التعجيل أو
~~أطلقا، لزمه ذلك في الحال، على خلاف فيه من المخالفين (5).
# PageV02P458
# ومتى عقدا الإجارة، ثم أسقط المؤجر مال الإجارة، وأبرأ صاحبه منها، سقط
~~بلا خلاف، وإن أسقط المستأجر المنافع المعقود عليها، لم تسقط بلا خلاف.
# قال شيخنا أبو جعفر، في مبسوطه: إذا باع شيئا بثمن جزاف، جاز، إذا كان
~~معلوما مشاهدا، وإن لم يعلم وزنه، ولا يجوز أن يكون مال القراض جزافا،
~~والثمن في السلم أيضا يجوز أن يكون جزافا، وقيل: لا يجوز كالقراض، ومال
~~الإجارة يصح أن يكون جزافا، وفي الناس من قال: لا يجوز، والأول أصح، إلى
~~هاهنا كلام شيخنا أبي جعفر في مبسوطه، في كتاب الإجارة (1).
# قال محمد بن إدريس: الأظهر من المذهب بلا خلاف فيه إلا من السيد المرتضى
~~في الناصريات (2)، أن البيع إذا كان الثمن جزافا بطل، وكذلك القراض والسلم،
~~لأنه بيع، فأما مال الإجارة التي هي الأجرة، فالأظهر من المذهب أنه لا
~~يجوز، إلا أن يكون معلوما، ولا تصح ولا تنعقد الإجارة إذا كان مجهولا
~~جزافا، لأنه لا خلاف في أن ذلك عقد شرعي، يحتاج في ثبوته إلى أدلة شرعية،
~~والإجماع منعقد على صحته إذا كانت الأجرة معلومة غير مجهولة، ولا جزاف، وفي
~~غير ذلك خلاف، وأيضا نهي النبي عليه السلام عن الغرر والجزاف (3)، وهذا غرر ms0860
~~وجزاف.
# وقال شيخنا في نهايته، بما اخترناه، فإنه قال: الإجارة لا تنعقد إلا بأجل
# PageV02P459
# معلوم، ومال معلوم، فمتى لم يذكر الأجل ولا المال، كانت الإجارة باطلة،
~~وإن ذكر الأجل ولم يذكر مال الإجارة، لم تنعقد، ومتى ذكرهما كانت الإجارة
~~صحيحة، ولزم المستأجر المال إلى المدة المذكورة، وكان المؤجر بالخيار، إن
~~شاء طالبه به أجمع في الحال، وإن شاء أخرها عليه، اللهم إلا أن يشترط
~~المستأجر أن يعطيه المال عند انقضاء الإجارة، أو في نجوم مخصوصة، فيلزم
~~حينئذ بحسب ما شرط (1).
# وقال رحمه الله: والموت يبطل الإجارة على ما بيناه، والبيع لا يبطلها على
~~ما قدمناه في الباب الأول (2).
# يريد رحمه الله باب المزارعة والمساقاة، لأنها المتقدمة على باب الإجارة،
~~وذكر هناك أن موت المؤجر يبطلها، وموت المستأجر أيضا يبطلها، وقد ذكرنا ما
~~عندنا في ذلك، فلا وجه لا عادته، إلا ما قاله ابن البراج في كتابه المهذب،
~~وحكاه، فقال: الموت يفسخ الإجارة، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الميت هو
~~المستأجر أو المؤجر، وعمل الأكثر من أصحابنا على أن موت المستأجر هو الذي
~~يفسخها، لا موت المؤجر وقد كان شيخنا المرتضى رضي الله عنه سوى بينهما في
~~ذلك، بأن بين أن الوجه فيهما واحد، وليس هذا موضع ذكر ذلك، فنذكره، هذا آخر
~~كلام ابن البراج (3).
# قال محمد بن إدريس: ليت شعري إن لم يكن هاهنا موضع ذكره، فأين يكون، ولكن
~~حبك للشئ يعمي ويصم، كما قاله النبي عليه السلام (4)، والصحيح التسوية
~~بينهما، بأن موت أحدهما لا يبطلها على ما اختاره المرتضى، إذ دليلهما واحد،
~~وإنهما حقان لكل واحد منهما، يرثه وارثه، لعموم آيات المواريث، فمن يخص ذلك
~~يحتاج إلى دليل، فموت أحدهما لا يبطل حق الآخر،
# PageV02P460
# كما أن مدة خيار الثلاث، أو ما زاد عليها في البيع موروثة، بلا خلاف
~~بيننا، لأنه حق للميت، فيجب أن يورث مثل سائر الحقوق، ولعموم آيات
~~المواريث، فمن أخرج شيئا منها، فعليه الدلالة، وبهذا استدل شيخنا أبو جعفر
~~(1) على أن مدة خيار الثلاث ms0861 في البيع موروثة، فليلحظ.
# وإجارة المشاع جائزة مثل إجارة المقسوم، سواء.
# وإذا قال: آجرتك هذه الدار كل شهر بكذا، صح على قول بعض أصحابنا، فإن سكن
~~أكثر من شهر، لزمه المسمى، لشهر واحد، وفيما زاد على الشهر أجرة المثل.
# والذي تقتضيه أصول المذهب، أن ذلك لا يجوز، ولا يلزم المسمى بل الجميع
~~يستحق أجرة المثل، لأنه ما عين آخر المدة، والعقار يحتاج في صحة العقد عليه
~~أن يذكر أول المدة وآخرها، فمن شرط صحتها ذلك، وإنما روي في بعض الأخبار ما
~~ذكرناه (2).
# فأما إن قال: آجرتك هذه الدار من هذا الوقت شهرا بكذا وما زاد فبحسابه،
~~فإنه يلزمه المسمى للشهر، وما زاد فأجرة المثل، فأما إذا قال: آجرتك هذه
~~الدار شهرا بدينار، ولم يعين الشهر، فإنه لا يجوز، والإجارة باطلة، فأما
~~إذا قال:
# آجرتك هذه الدار من هذا الوقت سنة، كل شهر بكذا، صح لأنه عين المدة.
# ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن يؤجر مدة قبل دخول ابتدائها، لافتقار صحة
~~الإجارة إلى التسليم، واتصال المنفعة بالعقد، ومنهم وهم الأكثرون المحصلون
~~اختاروا القول بجواز ذلك، وهو الصحيح الذي اخترناه فيما مضى، ويعضده قوله
~~تعالى " أوفوا بالعقود " وقوله عليه السلام: " المؤمنون عند شروطهم " وأما
~~التسليم فهو مقدور عليه حين استحقاق المستأجر له، وتعذره قبل
# PageV02P461
# ذلك لا ينافي عقد الإجارة.
# وقال بعض أصحابنا: لا يجوز أن يؤجر ما استأجره بأكثر مما استأجره به من
~~جنسه، سواء كان المستأجر هو المؤجر، أو غيره، إلا أن يحدث فيما استأجره
~~حدثا يصلحه به، ومنهم من قال: ذلك (1) على الكراهة، دون الحظر، وهو الذي
~~اخترناه، وقد قلنا ما عندنا فيه قبل هذا المكان، فليلحظ هناك، فلا فائدة في
~~إعادته، ولأن الأصل في العقل والشرع جواز التصرف فيما يملك الإنسان، فإذا
~~ملك المستأجر التصرف بالعقد، جاز أن يملكه لغيره، على حسب ما يتفقان عليه،
~~من زيادة ونقصان، اللهم إلا أن يكون استأجر الدار على أن يكون هو الساكن،
~~والدابة على أن يكون هو الراكب، فإنه لا يجوز ms0862 والحال هذه، إجارة ذلك لغيره
~~على حال.
# وقد قلنا أن المستأجر يملك الفسخ بانهدام الدار أو بعضها، أو غرق الأرض
~~على وجه يمنع استيفاء المنفعة، وتسقط عنه الأجرة إلى أن يعيد المالك المسكن
~~إلى الحالة الأولى، لأن المعقود عليه قد فات، اللهم إلا أن يكون ذلك بتعدي
~~المستأجر، فيلزمه الأجرة والضمان لا عادته إلى حالته الأولى.
# ولا يملك المستأجر فسخ الإجارة بالسفر، وإن كان ذلك بحكم حاكم، ولا بغير
~~ذلك من الأعذار المخالفة، لما قدمنا ذكره، مثل أن يستأجر جملا للحج، فيمرض،
~~أو يبدو له من الحج، أو حانوتا لبيع البز فيه، فيحترق أو يسرق بزه.
# ولا تنفسخ الإجارة بالبيع، وعلى المشتري إن كان عالما بالإجارة، الإمساك
~~عن التصرف، حتى تنقضي مدتها، وإن لم يكن عالما بذلك، فله الخيار في الرد.
# ومتى تعدى المستأجر ما اتفقا عليه، من المدة أو المسافة، أو الطريق، أو
~~مقدار المحمول، أو عينه، إلى ما هو أشق في الحمل، أو المعهود في السير، أو
~~في
# PageV02P462
# وقته، أو في ضرب الدابة، ضمن الهلاك أو النقص، ويلزمه أجرة الزائد على
~~الشرط، بدليل الإجماع من أهل البيت عليهم السلام على ذلك، ولأنه لا خلاف في
~~براءة ذمته، إذا أدى ذلك، وليس على براءتها إذا لم يؤده دليل، ولو رد
~~الدابة إلى المكان الذي اتفقا عليه بعد التعدي بتجاوزه، لم يزل الضمان،
~~بدليل الإجماع الماضي ذكره، وأيضا فقد ثبت الضمان بلا خلاف، فمن ادعى زواله
~~بالرد إلى ذلك المكان، فعليه الدلالة.
# والأجير ضامن لتلف ما استؤجر فيه أو نقصانه، إذا كان ذلك بتفريطه أو
~~نقصان من صنعته.
# وكل من أعطى شيئا واستؤجر على إصلاحه، فأفسده، كان ضامنا، سواء كان
~~ختانا، أو حجاما، أو بيطارا، أو نجارا، أو غير ذلك، وسواء كان مشتركا، وهو
~~المستأجر على عمل في الذمة، أو منفردا، وهو المستأجر للعمل مدة معلومة،
~~لأنه يختص عمله فيها لمن استأجره، لقوله عليه السلام: " على اليد ما أخذت
~~حتى تؤديه " (1) لأنه يقتضي ضمان الصناع على كل حال، إلا ما ms0863 خصه الدليل مما
~~ثبت أنهم غلبوا عليه، ولم يكن بخيانتهم.
# وأجر الكيال، ووزان الأمتعة، على البايع، لأن عليه تسليم ما باعه معلوم
~~المقدار، وأجرة وزان الأثمان، وناقدها، على المشتري، لأنه عليه تسليم الثمن
~~معلوم الوزن والجودة، على ما قدمناه فيما مضى وحررناه.
# وأجر رد الضالة على حسب ما يبذله مالكها، فإن لم يعين شيئا، بل قال:
# من رد ضالتي فله جعالتها، كان أجر رد العبد أو الأمة أو البعير في المصر،
~~عشرة دراهم فضة، وخارج المصر أربعين درهما، وما عدا ذلك يرجع فيه إلى عادة
~~القوم وعرفهم، على ما أسلفنا القول فيه.
# PageV02P463
# ومن آجر غيره أرضا ليزرع فيها شيئا مخصوصا لم يجز له أن يزرع فيها غيره،
~~لقوله عليه السلام. " المؤمنون عند شروطهم " وإذا آجرها للزراعة من غير
~~تعيين لما يزرع، كان له أن يزرع ما شاء، وإذا آجرها على أن يزرع ويغرس، ولم
~~يعين مقدار كل واحد منهما، لم تصح الإجارة، لأن ذلك مجهول، والضرر فيه
~~مختلف.
# وإذا اختلف المؤجر والمستأجر في قدر الأجرة، فالقول قول المستأجر، لأنه
~~المدعى عليه، زيادة غير متفق عليها، والمؤجر المدعي، فعليه البينة، لأن
~~الرسول عليه السلام قال: " على المدعي البينة وعلى المدعى عليه اليمين ".
# وقال شيخنا في مسائل الخلاف، في كتاب المزارعة: إذا اختلف المكري
~~والمكتري في قدر المنفعة، أو قدر الأجرة، فالذي يليق بمذهبنا، أن يستعمل
~~فيه القرعة، فمن خرج اسمه حلف، وحكم له به، لإجماع الفرقة على أن كل مشتبه
~~يرد إلى القرعة (1).
# قال محمد بن إدريس: وأي اشتباه في هذا، إنما هو مدعي ومدعى عليه، وهذا
~~فقه سهل، وليس هو من القرعة بسبيل.
# والملك إذا كان بين اثنين مشتركا وما زاد عليهما، لم يكن لأحدهما أن
~~ينفرد بالأجرة والإجارة، دون صاحبه، بل يتفقان على الإجارة، فإن تشاحا
~~تناوبا بمقدار من الزمان وإذا استأجر ملكا وسكن بعضه، جاز أن يسكن الباقي
~~غيره بأكثر مال الإجارة، ولا يؤجر بمثل ما قد استأجر، اللهم إلا أن يكون
~~أحدث فيه حدثا، فإن فعل ذلك ms0864 جاز له أن يؤجرها بما شاء هكذا ذكره شيخنا في
~~نهايته (2).
# والذي تقتضيه الأدلة، وأصول المذهب، أنه لا بأس أن يسكن البعض ويكري
~~البعض بما شاء، سواء أكراه بمثل ما استأجره، أو أقل، أو أكثر، مع اختلاف
~~الجنس، أو مع اتفاقه، أحدث فيها، أو لم يحدث، لأن المنافع مستحقة، ومال من
~~أمواله، فله أن يستوفيها بنفسه وبغيره، لأن الإنسان مسلط على
# PageV02P464
# التصرف في ملكه، بسائر أنواع التصرفات، عقلا وسمعا، إذ لا مانع يمنع منه
~~من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع، فلا يرجع ويترك الأدلة بأخبار
~~الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا، على ما كررنا القول فيه.
# وقد ذكرنا أن من اكترى دابة على أن يسلك بها في طريق مخصوص، أو يحملها
~~قدرا معلوما، فخالف في شئ مما قلناه، كان ضامنا لها، ولكل ما يحدث فيها،
~~ولزمه إن سار عليها أكثر مما شرط، أو حملها أكثر مما ذكر، أجرة الزيادة من
~~غير نقصان.
# ومتى هلكت الدابة والحال ما وصفناه، كان ضمانا لها، ولزمه قيمتها يوم
~~تعدى فيها، فإن اختلفا في الثمن، كان على صاحبها البينة، فإن لم تكن له
~~بينة، كان القول قول الغارم الذي هو الضامن، لأنه المدعى عليه الزيادة فيما
~~اتفقا عليه، وهذا حكم سائر فيما سوى الدابة، مما يقع الخلف فيه بين
~~المستأجر والمستأجر منه، كانت البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه.
# وقال شيخنا في نهايته: فإن اختلفا في شئ، كان على صاحبها البينة، فإن لم
~~يكن له بينة، كان القول قوله مع يمينه، فإن لم يحلف ورد اليمين على
~~المستأجر منه، لزمه اليمين، أو يصطلحا على شئ، والحكم فيما سوى الدابة، مما
~~يقع الخلف فيه بين المستأجر والمستأجر منه، إن كانت البينة على المدعي،
~~واليمين على المدعى عليه (1).
# والصحيح أنه لا فرق بين الدابة وغيرها في ذلك، فالمفرق يحتاج إلى دليل.
# ومتى استأجر دابة ففرط في حفظها، أو علفها، أو سقيها، فهلكت، أو عابت،
~~كان ضامنا لها، ولما يحدث فيها من العيب.
# والصانع ms0865 إذا تقبل عملا بشئ معلوم، جاز له أن يقبله لغيره بأكثر من ذلك،
~~إذا كان قد أحدث فيه حدثا، وإن لم يكن أحدث فيه حدثا لم يجز له ذلك، وإن
~~قبل غيره بإذن صاحب العمل، ثم هلك، لم يكن عليه شئ، فإن
# PageV02P465
# قبله من غير إذن ثم هلك كان المتقبل الأول ضامنا له، هكذا أورده شيخنا
~~أبو جعفر في نهايته بهذه العبارة، وهي قوله: والصانع إذا تقبل عملا بشئ
~~معلوم، جاز له أن يقبله لغيره بأكثر من ذلك، إذا كان قد أحدث فيه حدثا (1).
# قال محمد بن إدريس: الذي يتبادر إلى الخاطر، أن قوله رحمه الله: " بأكثر
~~من ذلك " غلط لا وجه له، لأن الإنسان إذا تقبل خياطة ثوب مثلا بدينار، ثم
~~قبله لغيره بأكثر من الدينار، فيحتاج أن يغرم من عنده شيئا آخر على الأجرة،
~~ومقصوده أن يستفضل من الأجرة المتقبل بها، فهذا الذي يسبق إلى الأوهام، من
~~عبارته رحمه الله في هذا الموضع، ومقصوده رحمه الله خلاف هذا، وهو أن
~~الصانع الأول يستفضل من الأجرة الأولة لنفسه، ويعطي الصانع الثاني بعضها.
# والدليل على ذلك، ما أورده رحمه الله من الأخبار، في كتاب تهذيب الأحكام،
~~عنه عن علي بن الحكم، عن العلا، عن محمد بن مسلم، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر
~~عليه السلام قال: سألته عن الرجل يتقبل العمل، فلا يعمل فيه، ويدفعه إلى
~~آخر يربح فيه، قال: لا بأس (2).
# الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن العلا، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما
~~السلام قال: سألته عن الرجل الخياط، يتقبل العمل فيقطعه ويعطيه من يخيطه،
~~ويستفضل، فقال: لا بأس، قد عمل فيه (3).
# عنه عن صفوان، عن الحكم الخياط قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام،
~~أتقبل الثوب بدرهم، وأسلمه بأقل من ذلك، لا أزيد على أن أشقه، قال: لا بأس
~~بذلك، ثم قال: لا بأس فيما تقبلت من عمل، ثم استفضلت (4).
# PageV02P466
# عنه عن صفوان، عن أبي محمد الخياط، عن مجمع، قال: قلت لأبي عبد الله عليه
~~السلام، ms0866 أتقبل الثياب، أخيطها، ثم أعطيها الغلمان بالثلثين، فقال: أليس
~~تعمل فيها؟ قلت: أقطعها، وأشتري لها الخيوط، قال: لا بأس (1).
# عنه عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن علي الصائغ قال: قلت لأبي عبد
~~الله عليه السلام، أتقبل العمل، ثم أقبله من غلمان يعملون معي بالثلثين،
~~فقال: لا يصلح ذلك، إلا أن تعالج معهم فيه، قلت: فإني أذيبه لهم، قال:
~~فقال: ذاك عمل، فلا بأس (2).
# فهذا يوضح ما قلناه، ويؤيد ما حررناه، والاعتذار لشيخنا أبي جعفر الطوسي
~~رحمه الله فيما أورده من عبارته في قوله: " بأكثر من ذلك " أن يجعل " من "
~~زائدة، أو نجعلها لا زائدة، بل المراد بأكثر من بعض ذلك ونجعلها للتبعيض،
~~ولا يحتاج إلى الحذف، فيحمل الكلام على حقيقته، فإذا قلنا أنها زائدة، كان
~~الكلام مجازا، والكلام في الحقائق، دون المجاز، لأنه لا يجوز العدول عن
~~الحقيقة إلى المجاز، إلا لضرورة، أو دليل يضطر إليه، فإذا جعلناها مبعضة،
~~كانت حقيقة في معناها، ولو استعمل شيخنا رحمه الله غير هذه العبارة، وأتى
~~بالعبارة التي في الأخبار، من قول السائل للإمام عليه السلام: " وأسلمه
~~بأقل من ذلك " استراح وأراح من يعتذر له من الاعتذار.
# والذي ينبغي تحصيله وتحريره في هذا جميعه، أنه لا يخلو الإجارة إما أن
~~تكون معينة بعمله، أو في ذمته، فإن كانت معينة بعمله، فلا يجوز له أن يعطيه
~~لغيره يعمله، وإن كانت الإجارة على تحصيل العمل لا بنفسه، فله أن يحصل
~~العمل له بنفسه أو بغيره، إلا أنه في المسألتين معا يكون ضامنا إذا سلمه
~~لغيره وهلك، لأن صاحبه لم يرض بأمانة غيره.
# PageV02P467
# والملاح ضامن لما يحمله إذا غرق بتفريط من جهته، فإن غرقت السفينة بالريح
~~أو غير ذلك من غير تفريط منه، لم يكن عليه شئ.
# والمكاري مثل الملاح، يضمن ما يفرط فيه، وما لا تفريط فيه، لم يكن عليه
~~شئ في هلاكه.
# ومتى اختلف المكتري والمكاري في هلاك شئ، وهل وقع فيه تفريط أم لا؟ كانت
~~البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه. ms0867
# وإذا اختلف صاحب المتاع والصانع في التفريط، كان على صاحب المتاع البينة،
~~فإن لم يكن له بينة، فعلى الصانع اليمين.
# وروي أن من استأجر أجيرا لينفذه في حوائجه، كان ما يلزم الأجير من النفقة
~~على المستأجر دون الأجير، فإن شرط عليه أن تكون نفقته عليه، كان ذلك جائزا
~~(1) ذكر ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته (2) على ما روي.
# والذي يقوى في نفسي، أن النفقة لا تلزم إلا الأجير، دون المستأجر على كل
~~حال، لأنه إنما يستحق الأجرة، وعليه العمل، والأصل براءة ذمة المستأجر، فمن
~~أوجب النفقة له، يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك من كتاب ولا سنة، ولا
~~إجماع، ولا يلتفت إلى أخبار الآحاد على ما بيناه.
# وينبغي أن لا يستعمل الإنسان أحدا إلا بعد أن يقاطعه على أجرته، فإن لم
~~يفعل ترك الاحتياط، ووجبت أجرة المثل.
# وإذا فرغ الأجير من عمله وطالب بأجرته، فلا يجوز تأخيرها، بل يجب أن يوفي
~~في حال مطالبته بها، وإن كان مستحقا لها حال العقد قبل العمل والفراغ:
# لأنه بنفس العقد يستحقها على ما قدمناه، إلا أن يشترط ذلك على ما بيناه.
# فإن كان قد أعطاه طعاما أو متاعا، لم يعين (3) سعره، كان عليه بسعر وقت
# PageV02P468
# إعطاء المال الذي هو المتاع دون وقت المحاسبة.
# ومن استأجر مملوك غيره من مولاه، كان ذلك جائزا، وتكون الأجرة للمولى دون
~~العبد، فإن شرط المستأجر للعبد أن يعطيه شيئا من غير علم مولاه، لم يلزمه
~~الوفاء به، ولا يحل للمملوك أيضا أخذه، فإن أخذه وجب عليه رده على مولاه،
~~على ما ذكره شيخنا في نهايته (1).
# والأولى عندي أنه إن أخذه هبة، فإن كان ذلك القبول منه بإذن مولاه (2)،
~~كان للمولى، وإن كان قبوله للهبة بغير إذن مولاه، كانت الهبة باطلة، والملك
~~باق على الواهب، فهذا الذي تقتضيه أصول المذهب والأدلة.
# ومن استأجر غيره مدة معلومة، وأوقاتا معينة، إجارة معينة، ليتصرف له في
~~حوائجه، لم يجز له أن يتصرف لغيره في شئ، إلا بإذن من استأجره، فإن أذن ms0868 له
~~في ذلك، كان جائزا، لأنه صارت منافعه في جميع المدة مستحقة للمستأجر، دون
~~نفسه، ودون غيره.
# ومن استأجر مملوك غيره من مولاه، فأفسد المملوك شيئا، أو أبق قبل أن يفرغ
~~من عمله، كان مولاه ضامنا لبقية الأجرة، دون أرش ما أفسده.
# ومن اكترى من غيره دابة على أن تحمل له متاعا إلى موضع بعينه في مدة من
~~الزمان، فإن لم يفعل ذلك، نقص من أجرته، كان ذلك جائزا ما لم يحط بجميع
~~الأجرة، فإن أحاط الشرط بجميع الأجرة، كان الشرط باطلا، ولزمه أجرة المثل،
~~هذا على ما روي في بعض الأخبار (3)، ذكره شيخنا في نهايته (4).
# والأولى عندي أن العقد صحيح، والشرط باطل، لأن الله تعالى قال:
# " أوفوا بالعقود " وهذا عقد، فيحتاج في فسخه إلى دليل، وإلا فالشرط إذا
~~انضم
# PageV02P469
# إلى عقد شرعي، صح العقد، وبطل الشرط، إذا كان غير شرعي، وأيضا فلا دليل
~~على ذلك من كتاب، ولا سنة متواترة، ولا إجماع منعقد، ولم يورد أحد من
~~أصحابنا هذه المسألة، إلا هاهنا أعني في النهاية، لكونه رحمه الله جميع
~~فيها ألفاظ الأحاديث المتواترة وغير المتواترة.
# واختلف أصحابنا في تضمين الصناع والملاحين والمكارين بتخفيف الياء.
# فقال بعضهم: هم ضامنون لجميع الأمتعة، وعليهم البينة، إلا أن يظهر هلاكه،
~~ويشتهر بما لا يمكن دفاعه، مثل الحريق العام، والغرق والنهب كذلك، فأما ما
~~تجنيه أيديهم على السلع، فلا خلاف بين أصحابنا أنهم ضامنون له.
# وقال الفريق الآخر من أصحابنا وهم الأكثرون المحصلون: أن الصناع لا
~~يضمنون إلا ما جنته أيديهم على الأمتعة، أو فرطوا في حفاظه، وكذلك الملاحون
~~والمكارون والرعاة، وهو الأظهر من المذهب، والعمل عليه، لأنهم أمناء، سواء
~~كان الصانع منفردا، أو مشتركا.
# فالأجير المنفرد هو الذي يستأجر مدة معلومة، لخياطة أو بناء أو غيرهما من
~~الأعمال، ويسمى أيضا الأجير الخاص، من حيث المعنى، وهو إذا آجر نفسه رجلا
~~مدة مقدرة، استحق المستأجر منافعه، وعمله في المدة المضروبة، فيلزمه له
~~العمل فيها، ولا يجوز له أن يعمل فيها لغيره، ولا أن يعقد ms0869 على منافعه وعمله
~~في مقدارها.
# والمشترك هو الذي يكري نفسه في عمل مقدر في نفسه، لا بالزمان، مثل أن
~~يستأجره ليخيط ثوبا بعينه، أو يصبغ له ثوبا بعينه، وما أشبه ذلك، ولقب
~~مشتركا، لأن له أن يتقبل الأعمال، لكل أحد في كل مدة، ولا يستحق عليه أحد
~~من المستأجرين منفعة زمان بعينه.
# وصاحب الحمام إذا ضاع من عنده شئ من الثياب وغيرها، لم يكن عليه ضمان،
~~إلا أن يستحفظه صاحبها، أو يستأجره على حفاظها، وعلى دخول حمامه، فيلزمه
~~حفاظها، ويجب عليه ضمانها إذا فرط في الحفاظ، فأما إذا لم PageV02P470
# يستحفظه إياها، ولم يستأجره على ذلك، وضاعت، فلا شئ عليه، سواء فرط أو لم
~~يفرط، راعاها أو لم يراعها.
# ومن حمل متاعا على رأسه فصدم إنسانا، فقتله أو كسر المتاع، كان ضامنا
~~لدية المقتول، ولما انكسر من المتاع.
# وإذا استقل البعير أو الدابة بحملهما، فصاحبهما ضامن لما عليهما من
~~المتاع، إذا فرط في مراعاتهما، وفي حفاظهما، فأما إذا راعاهما، ولم يفرط في
~~المراعاة لهما، فلا شئ عليه من الضمان.
# إذا استأجر مرضعة مدة من الزمان، بنفقتها، وكسوتها، ولم يعين المقدار، لم
~~يصح العقد.
# إذا استأجر امرأة لترضع ولده، فمات واحد من الثلاثة، بطلت الإجارة على
~~المذهبين والقولين اللذين لأصحابنا معا، لأن الصبي إذا مات، بطلت الإجارة،
~~وكذلك الامرأة المرضعة، إذا كانت الإجارة معينة بنفسها، وكذلك موت الأب،
~~لأنه المستأجر، ولا خلاف أن موت المستأجر يبطل الإجارة، هذا إذا كان الصبي
~~معسرا لا مال له.
# إذا آجرت المرأة نفسها للرضاع أو لغيره بإذن زوجها، صحت الإجارة بلا
~~خلاف، وإن كان ذلك بغير إذن الزوج، لم تصح الإجارة، وكانت باطلة، لأن
~~المرأة معقود على منافعها لزوجها بعقد النكاح، فلا يجوز لها أن تعقد لغيره
~~على منافعها، فيخل ذلك بحقوق زوجها، لأن له وطؤها في كل وقت، فإذا ثبت أن
~~الاستيجار في الرضاع صحيح، فإن كان المرضع موسرا، كانت الأجرة من ماله، لأن
~~ذلك من نفقته، ونفقة الموسر من ماله، وإن كان معسرا، كانت ms0870 من مال أبيه، لأن
~~نفقة المعسر على أبيه.
# إذا رزق الرجل من امرأته ولدا، لم يكن له أن يجبرها على إرضاعه، لأن ذلك
~~من نفقه الابن، ونفقته على الأب، وله أن يجبر الأمة، وأم الولد، والمدبرة،
~~بلا خلاف في ذلك. PageV02P471
# فإذا تطوعت الزوجة بإرضاع الولد، لم يجبر الزوج على ذلك، وكان له أن
~~يمنعها منه، لأن الاستمتاع الذي هو حق له، يخل باشتغالها بالرضاع، فكان له
~~منعها من ذلك.
# وإن تعاقدا عقد الإجارة على رضاع الولد، لم يصح، لأنها أخذت منه عوضا في
~~مقابلة الاستمتاع، وعوضا آخر في مقابلة التمكين من الاستمتاع، فأما إذا
~~بانت منه، صح أن يستأجرها للرضاع، لأنها قد خرجت عن حبسه، وصارت أجنبية.
# والأقوى عندي أنه يصح استيجارها على الرضاع، سواء كانت باينا، أو في
~~حباله، وما ذكرناه، أولا مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي، في مبسوطه (1)، ولا
~~مانع يمنع من العقد عليها على كل حال، وهذا رأي السيد المرتضى، وهو الذي
~~يقتضيه أصول مذهبنا.
# فإذا بذلت الرضاع متطوعة بذلك، كانت أحق بالولد من غيرها، وإن طلبت أكثر
~~من أجرة المثل في الرضاع، والأب يجد من يتطوع له، أو من يرضى بأجرة المثل،
~~لم تكن الأم أولى بالولد من الأب، وللأب أن يسلم الولد إلى غيرها، فإن رضيت
~~بأجرة المثل، وهو لا يجد إلا بأجرة المثل، كانت هي أولى، فإن كان يجد غيرها
~~بدون أجرة المثل، أو متطوعة، كان له أن ينزعه من يدها.
# إذا آجر عبده مدة معلومة، ثم إنه أعتقه، نفذ عتقه فيه، لأنه مالك الرقبة،
~~كما لو أعتقه قبل الإجارة، فإذا ثبت ذلك، فالإجارة بحالها، وهي لازمة
~~للعبد، وهل له أن يرجع على السيد بأجرة المثل لما يلزمه بعد الحرية؟ قيل:
~~فيه قولان، أحدهما يرجع بأجرة المثل في تلك المدة، والآخر لا يلزمه (2)،
~~وهو الصحيح، لأنه لا دليل عليه، والأصل براءة الذمة.
# إذا آجر الأب أو الوصي أو الولي الصبي أو شيئا من أمواله، صح ذلك، كما
~~يصح بيع ماله (3)، فإذا بلغ وقد بقي ms0871 من مدة الإجارة بعضها، لم يكن له فسخها
~~فيما بقي
# PageV02P472
# إذا آجر عبده سنة معلومة، فمات العبد بعد استيفاء منافعه ستة أشهر، فلا
~~خلاف أن العقد فيما بقي بطل، وفيما مضى لا يبطل عندنا، وفي المخالفين من
~~قال يبطل، مبنيا على تفريق الصفقة.
# فإذا ثبت ما قلناه، من أن الإجارة صحيحة فيما مضى، وباطلة فيما بقي، فهو
~~بالخيار بين أن يطالب بأجرة المثل، وبين ترك المطالبة، فإن طالب، فإن كان
~~أجرة ما بقي مثل أجرة ما مضى، فإنه يأخذه، وإن كان فيما بقي من المدة أجرته
~~أكثر مما مضى، فإنه يستحق تلك الزيادة، وذلك مثل أن تكون أجرة المدة التي
~~مضت، مائة درهم، ومدة ما بقي (1) مأتين، فإنه يستحق عليه مأتين، وبعكس هذا
~~إن كان أجرة المدة التي مضت مأتين، ومدة الباقي (2) مائة، فإنه يستحق مائة.
~~وهكذا في أجرة الدار، إذا آجر دارا ثم انهدمت حرفا فحرفا.
# الإجارة على ضربين، معينة وفي الذمة، فالمعينة أن يستأجر دارا، أو عبدا،
~~شهرا أو سنة، وفي الذمة أن يستأجر من يبني له حايطا، أو يخيط له ثوبا،
~~وكلاهما لا يمنع من دخول خيار الشرط مانع، لقوله عليه السلام: " المؤمنون
~~عند شروطهم ".
# إذا اكترى دابة، نظرت، فإن كان اكتراها ليحمل عليها الأمتعة، فالسوق على
~~المكاري، وإن كان ليركب عليها، فالسوق عليه، دون المكاري، فإن اختلفا في
~~النزول، فقال المكاري: ننزل في طرف البلد موضعا يكون قريبا إلى الماء
~~والكلاء، وقال المكتري: لا، بل ننزل في وسط البلد، حتى يكون متاعي محفوظا،
~~فإنه لا يلتفت إلى قول واحد منهما، ويرجع فيه إلى العادة والعرف.
# وإذا اكترى بهيمة وذكر أنها تتعبه، وتكده، فإن كان ذلك من جهة أنه لا بصر
~~له بعادة الركوب، لم يلزم المكاري شئ، وإن كان من جهة البهيمة، نظر، فإن
~~كان اكتراها بعينها، كان له ردها، وليس له أن يستبدل بها غيرها،
# PageV02P473
# ويكون ذلك عيبا يردها به، وإن كان اكتراها في الذمة، ردها وأخذ بدلها.
# وعلى الجمال أن يبرك البعير لركوب المرأة، ms0872 لأنها ضعيفة الخلقة، فلا تتمكن
~~من الصعود للركوب، ولا من النزول، ولأنها عورة ربما تكشفت، والرجل إذا كان
~~مريضا فكذلك، وإن كان صحيحا لم يلزم الجمال أن يبركه لركوبه ونزوله، وأما
~~صلاة الفريضة فإنه يلزمه أن يبركه لفعلها، لأنها لا يجوز عليها إلا لضرورة
~~شديدة، فأما صلاة النافلة، وأكل المكتري، وشربه، فلا يلزمه أن يبركه لأجله،
~~لأنه يتمكن من ذلك، وهو راكب.
# وليس للمصلي الفريضة إذا نزل، أن يطول صلاته، بل يصلي صلاة المسافر صلاة
~~الوقت فحسب، غير أنه يتم الأفعال، ويختصر الأذكار، لأن حق الغير تعلق به.
# إذا اختلف الراكب والمكاري في قيد المحمل، فقال الراكب: ضيق القيد
~~المقدم، ووسع المؤخر، لأنه أخف على الراكب، وأثقل على الجمل، وقال المكاري:
# خلاف ذلك، لا يقبل قول أحدهما. ولكنه يجعل مستويا، فلا يكون مكبوبا ولا
~~مستلقيا.
# وإن اختلفا في السير، فقال الراكب: نسير نهارا، فإنه أصون للمتاع، وقال
~~المكاري: نسير ليلا، لأنه أخف للبهيمة، فإن كان شرطا السير في وقت معلوم،
~~إما ليلا أو نهارا، حملا عليه، وإن كانا أطلقا ذلك، فإن كان للسير في تلك
~~المسافة عادة، حملا على العادة، لأن الإطلاق يرجع إلى العادة.
# إذا ضرب الراكب البهيمة في السوق، فتلفت، فإن كان ضرب العادة، فلا شئ
~~عليه من الغرم، وإن كان خارجا عن العادة، ضمنها، وكذلك الرايض.
# الراعي مؤتمن، فلا يضمن إلا ما يفرط في حفاظه، فأما ضربه للبهيمة فعلى ما
~~قلناه في الراكب، يحمل على العادة، فإن كان الضرب خارجا عن العادة، ضمن.
# المعلم إذا ضرب للتأديب ضربا معتادا، فتلف الصبي، وجبت الدية في ماله،
~~وكذلك الكفارة، ولا قود عليه في ذلك، فإن كان خارجا عن العادة، وجب عليه
~~القود.
# إذا سلم رجل إلى الخياط ثوبا، فقطعه الخياط قباء ثم اختلفا، فقال
~~PageV02P474
# صاحبه: أذنت لك. في قطعه قميصا، فقطعته قباء، وقال الخياط: بل أذنت في
~~قطعه قباء، فالقول في ذلك قول رب الثوب، دون الخياط، لأن الثوب له، والخياط
~~مدع للإذن في قطع القباء، فعليه البينة.
# وقال ms0873 شيخنا أبو جعفر في مسائل الخلاف في كتاب الوكالة: القول قول الخياط
~~(1)، إلا أنه رجع عن ذلك أيضا، في مسائل الخلاف، في كتاب الإجارات، وقال:
~~القول في ذلك، قول صاحب الثوب (2)، وهذا هو الصحيح.
# يجوز إجارة الدراهم والدنانير، لأنه لا مانع منه، ولأنه يصح الانتفاع
~~بها، من غير استهلاك عينها، مثل الجمال، والنظر، والزينة، وكذلك يجوز إجارة
~~الحلي من الذهب والفضة، لما قدمناه، فإذا ثبت ذلك، فيحتاج أن يعين جهة
~~الانتفاع بها، فإن عين، صح، وإن أطلق، لم تصح الإجارة، ويكون قرضا، هكذا
~~قال شيخنا في مبسوطه (3).
# ولو قلنا إنه تصح الإجارة، سواء عين جهة الانتفاع أو لم يعين، كان قويا،
~~إذ لا مانع منه، ولا يكون قرضا، لأنه استأجرها منه، ومن المعلوم أن العين
~~المستأجرة، لا يجوز التصرف في ذهاب عينها، بل في منافعها، فيحمل الإطلاق
~~على المعهود في الشرع والعرف.
# والذي يقوى في نفسي بعد هذا جميعه، أن الدنانير والدراهم لا يجوز
~~إجارتها، لأنه في العرف المعهود لا منفعة لها إلا بإذهاب أعيانها، وأيضا
~~فلا خلاف أنه لا يصح وقفهما، فلو صح إجارتهما، صح وقفهما، فأما المصاغ
~~منهما، فإنه يصح إجارته، لأن له منفعة يصح استيفاؤها مع بقاء عينه، وربما
~~حققنا القول في ذلك، وأشبعناه في آخر الباب، إن شاء الله تعالى.
# يجوز إجارة كلب الصيد والماشية، والحائط، والزرع، لأنه لا مانع منه،
# PageV02P475
# ولأن بيع هذه الكلاب عندنا يصح، وما يصح بيعه يصح إجارته.
# ويجوز إجارة السنور، لاصطياد الفار، لأنه لا مانع منه.
# إذا استأجره ليطحن حنطة معلومة بمكوك دقيق منها، كان صحيحا، والأولى أن
~~يكون المكوك مشاعا غير مقسوم، فيكون جزء منها، عشرا أو أكثر، أو أقل، فإذا
~~عقد العقد استحق المكوك، وصار شريكا قبل الطحن، فأما إذا قال بمكوك دقيق
~~منها بعد طحنها، فهذا ليس بمضمون، والإجارة ينبغي أن تكون مضمونة في الذمة،
~~أو معلومة مشاهدة مسلمة مستحقة.
# إذا استأجر راعيا ليرعى له غنما بأعيانها، جاز العقد، ويتعين في تلك
~~الغنم بأعيانها، وليس له أن يسترعيه ms0874 أكثر من ذلك، وإن هلكت لم يبدلها،
~~وانفسخ العقد بينهما فيها، وإن هلك بعضها، لم يبدله، وانفسخ العقد فيه، وإن
~~نتجت، لم يلزمه أن يرعى نتاجها، لأن العقد يتناول العين، واختص بها، دون
~~غيرها، فأما إذا أطلق ذلك، واستأجره ليرعى له غنما مدة معلومة، فإنه
~~يسترعيه القدر الذي يرعاه الواحد في العادة من العدد، فإذا كانت العادة
~~مائة، استرعاه مائة، ومتى هلك شئ منها أو هلكت كلها، كان له إبدالها، وإن
~~ولدت كان عليه أن يرعى سخالها معها، لأن العادة في السخال أن لا تنفصل عن
~~الأمهات في الرعي.
# إذا اكترى بهيمة ليقطع بها مسافة معلومة، فأمسكها قدر قطع تلك المسافة،
~~ولم يسيرها فيها، استقرت عليه الأجرة فإذا انقضت المدة في الإجارة، استوفى
~~المكتري حقه، أو لم يستوف.
# وهل يصير ضامنا بعد مضي المدة وقبل تسليمها إلى صاحبها من غير أن يطلبها
~~صاحبها، أم لا؟ قال: قوم يصير ضامنا ويجب عليه الرد، وقال آخرون: لا يصير
~~ضامنا، ولا يجب عليه الرد، إلا بعد مطالبة صاحبها بالرد، لأن هذه أمانة،
~~فلا يجب ردها إلا بعد المطالبة، مثل الوديعة، وهذا الذي يقوى عندي، لأن
~~الأصل براءة الذمة، فمن شغلها بشئ، يحتاج إلى دليل. PageV02P476
# واختار شيخنا أبو جعفر، في مبسوطه، القول الأول، واحتج بأن قال: وإنما
~~قلنا ذلك، لأن ما بعده المدة غير مأذون له في إمساكها. ومن أمسك شيئا بغير
~~إذن صاحبه، وأمكنه الرد، فلم يرد، ضمن، ثم قال: وفي الناس من قال لا يضمن،
~~ولا يجب عليه الرد، وأكثرما يلزمه أن يرفع يده عن البهيمة، إذا أراد صاحبها
~~أن يسترجعها، لأنها أمانة في يده، فلم يجب عليه ردها مثل الوديعة (1).
# وهذا الذي اخترناه، وهو الصحيح، فأما ما تمسك به شيخنا أبو جعفر رحمه
~~الله في نصرة ما ذهب إليه واختاره، بما ذكره فبعيد، ويعارض بالرهن، إذا قضى
~~الراهن الدين، ولم يطالب برد الرهن، وهلك، فلا خلاف أن المرتهن لا يكون
~~ضامنا، وإن كان قال للمرتهن: أمسك هذا الرهن إلى أن أسلم ms0875 إليك حقك، فقد أذن
~~له في إمساكه هذه المدة، ولم يأذن فيما بعدها نطقا، بل بقي على أمانته على
~~ما كان أولا فكذلك في مسألتنا.
# ولا يجوز إجارة الأرض للزراعة ببعض ما يخرج منها، لأن ذلك غرر.
# قد قلنا: إنه إذا اختلف المكتري والمكري في قدر الأجرة، فالقول قول
~~المكتري مع يمينه، فأما قدر الانتفاع والمدة فالقول قول المكري مع يمينه،
~~لأنه المدعي عليه، بخلاف الأجرة، لأن في الأجرة يكون مدعيا، فيحتاج إلى
~~بينة، والمكتري يكون مدعى عليه، فالقول قوله مع يمينه.
# ذكر شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، مسألة فقال: إذا استأجره ليخيط له
~~ثوبا بعينه، فقال: إن خطته اليوم فلك درهم، وإن خطته غدا فلك نصف درهم، صح
~~العقد فيها، فإن خاطه في اليوم الأول، كان له الدرهم، وإن خاطه في الغد كان
~~له نصف درهم (2)، وقال أيضا رحمه الله مسألة: إذا استأجره لخياطة ثوب،
~~وقال: إن خطته روميا - وهو الذي يكون بدر زين - فلك درهم،
# PageV02P477
# وإن خطته فارسيا - وهو الذي يكون بدرزن واحد - فلك نصف درهم، صح العقد
~~(1).
# قال محمد بن إدريس: ما ذكره شيخنا في المسألتين غير واضح، والذي تقتضيه
~~أصول مذهبنا، أن الإجارة باطلة، لأن الأجرة غير معينة، ولا مقطوع عليها وقت
~~العقد، ولأن المؤجر لم يستحق على المستأجر في الحال (2) عملا بعينه، فهو
~~بالخيار في ذلك، ومن شرط صحة الإجارة استحقاق عمل مخصوص على المستأجر
~~للمستأجر، وعقد الإجارة على هذا التحرير باطل، فإن عمل كان له أجرة المثل،
~~ولأن عقد الإجارة حكم شرعي، يحتاج في ثبوته إلى دليل شرعي، فمن أثبته يحتاج
~~إلى دليل، والأصل براءة الذمة، وإن قلنا: هذه جعالة كان قويا، فإذا فعل
~~الفعل المجعول عليه، استحق الجعل، كرجل قال: من حج عني فله دينار، فهذه
~~جعالة بلا خلاف.
# فأما تمسك شيخنا أبي جعفر في صحة المسألتين، فإنه قال: دليلنا أن الأصل
~~جواز ذلك، والمنع يحتاج إلى دليل، وقوله عليه السلام: (المؤمنون عند
~~شروطهم) وفي أخبارهم ما يجري مثل هذه المسألة بعينها ms0876 منصوصة، وهي أن يستأجر
~~منه دابة على أن يوافي بها يوما بعينه، فإن لم يواف بها ذلك اليوم، كان
~~أجرتها أقل من ذلك، وإن هذا جائز، وهذه مثلها بعينها سواء، هذا آخر استدلال
~~شيخنا (3) وما ذكره رحمه الله ليس فيه دليل يدفع به خصمه.
# أما قوله: " الأصل جواز ذلك " بل الأصل براءة الذمم، فمن شغلها بأمور
~~شرعيات وعقود لازمات، والعقد حكم شرعي لا عقلي، يحتاج مثبته إلى دليل شرعي،
~~والأصل أن لا عقد.
# فأما قوله: " المؤمنون عند شروطهم " فهو إذا كان الشرط شرعيا، لا يمنع
~~منه كتاب ولا سنة، والسنة منعت من الشروط التي تفضي إلى الغرر.
# PageV02P478
# فأما قوله: (وفي أخبارهم ما يجري مثل هذه المسألة بعينها منصوصة) فمذهبنا
~~ترك القياس، هذا لو كانت المسألة المنصوصة مجمعا عليها، فكيف وهذا خبر من
~~أخبار الآحاد، وقد قلنا ما عندنا فيه فيما مضى، فلا وجه لا عادته.
# إذا استؤجر على الكتابة والنسخ، فإن المداد والأقلام على الناسخ، لأنه
~~استؤجر على تحصيل هذا العمل، ولا يصح له هذا العمل إلا بالقلم والمداد،
~~وكذلك من استؤجر على خياطة ثوب، فإن الخيوط تجب على الخياط، لأن هذا العمل
~~لا يمكن تحصيله إلا بالخيوط والإبرة، وكذلك من استؤجر على نساجة ثوب فإن
~~الحشو على الحايك، لمثل ما قدمناه، وكذلك الغسال عليه الصابون والأشنان، أو
~~ما يزيل الوسخ، ويبيض الثوب.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: يجوز إجارة الدراهم والدنانير (1).
# قال محمد بن إدريس: وهذا غير واضح، لأنه بلا خلاف بيننا لا يجوز وقف
~~الدراهم والدنانير، لأن الوقف لا يصح إلا في الأعيان التي يصح الانتفاع
~~بها، مع بقاء أعيانها، على ما نبينه في كتاب الوقوف إن شاء الله، فإذا جاز
~~عنده رضي الله عنه إجارتها جاز وقفها، وهو لا يجوزه، وأيضا كان يلزم من هذا
~~أن من غصب رجلا مائة دينار، وبقيت في يد الغاصب سنة، ثم ردها على المغصوب
~~منه، أن يلزمه الحاكم بأجرتها مدة السنة، لأن المنافع عندنا تضمن بالغصب،
~~وهذا لا يقوله ms0877 أحد منا، ولا من الأمة.
# وقال رضي الله عنه في مسائل خلافه، أيضا: لا يجوز إجارة حائط مزوق، أو
~~محكم للنظر إليه، والتفرج به، والتعلم منه (2).
# قال محمد بن إدريس: وينبغي أن يقال: إذا كان فيه غرض، وهو التعلم من
~~البناء المحكم، تجوز الإجارة كما يجوز إجارة كتاب فيه خط جيد، للتعلم منه،
~~لأن فيه غرضا صحيحا، ولأنه لا مانع يمنع منه.
# PageV02P479
# باب الغصب تحريم الغصب معلوم بأدلة العقل، والكتاب، والسنة، والإجماع.
# فإذا ثبت ذلك، فالأموال على ضربين، ما له مثل، وما ليس له مثل، فما له
~~مثل، هو الذي يتساوى قيمة أجزائه، مثل الحبوب، والأدهان، والتمور، وغير
~~ذلك، والذي لا مثل له، معناه ما لا يتساوى أجزاؤه، أي لا يتساوى قيمة
~~أجزائه.
# فمن غصب شيئا له مثل، وجب عليه رده بعينه، فإن تلف، فعليه مثله، بدليل
~~قوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (1) لأن
~~المثل يعرف مشاهدة، والقيمة يرجع فيها إلى الاجتهاد، والمعلوم مقدم على
~~المجتهد فيه، فإن إعوز المثل، أخذت القيمة، فإن لم يقبض القيمة بعد الإعواز
~~حتى مضت مدة اختلفت القيمة فيها، كان له المطالبة بالقيمة وقت الإقباض
~~وحينه، لا حين الإعواز، وإن كان قد حكم بها الحاكم حين الإعواز، لأن الذي
~~ثبت في ذمته المثل، بدليل أنه متى زال الإعواز قبل القبض طولب بالمثل، وحكم
~~الحاكم بالقيمة لا ينقل المثل إليها، وإذا كان الواجب المثل، اعتبر بدل
~~مثله حين قبض المبدل، ولم ينظر إلى اختلاف القيمة بعد الإعواز ولا قبله.
# وإذا غصب ما لا مثل له، ومعناه ما قدمناه، كالثياب والرقيق، والأخشاب،
~~والحديد، والرصاص، وغير ذلك، وجب أيضا رده بعينه، فإن تعذر ذلك بتلفه
~~وهلاكه وجبت قيمته، لأنه لا يمكن الرجوع فيه إلى المثل، لأنه إن ساواه في
~~القدر، خالفه في الثقل، وإن ساواه فيهما، خالفه من وجه آخر، فإذا تعذرت
~~المثلية، كان الاعتبار بالقيمة، ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه
~~السلام:
# " من أعتق شقصا من عبد، قوم عليه " (2) فأوجب ms0878 عليه السلام القيمة دون
~~المثل.
# PageV02P480
# ويضمن الغاصب ما يفوت من زيادة قيمة المغصوب بفوات الزيادة الحادثة فيه،
~~لا بفعله كالسمن والولد، وتعلم الصنعة والقرآن، سواء رد المغصوب أو مات في
~~يده، لأن ذلك حادث في ملك المغصوب منه، لأنه لم يزل بالغصب، وإذا كان كذلك
~~فهو مضمون على الغاصب، لأنه حال بينه وبينه، فأما زيادة القيمة لارتفاع
~~السوق فغير مضمونة، مع الرد للعين المغصوبة، لأن الأصل براءة الذمة، وشغلها
~~يحتاج إلى دليل شرعي، فإن لم يردها حتى هلكت العين، لزمه ضمان قيمتها بأكثر
~~ما كانت من حين الغصب إلى حين التلف، لأنه إذا أدى ذلك، برئت ذمته بيقين،
~~وليس كذلك إذا لم يؤده.
# وإذا صبغ الصباغ الغاصب الثوب بصبغ يملكه، فزادت لذلك قيمته، كان شريكا
~~فيه بمقدار الزيادة، وله قلع الصبغ، لأنه عين ماله بشرط أن يضمن ما ينقص من
~~قيمة الثوب، لأن ذلك يحصل بجنايته.
# ولو ضرب النقرة دراهم، والتراب لبنا ونسخ الغزل ثوبا، وطحن الحنطة، وخبز
~~الدقيق، فزادت القيمة بذلك، لم يكن له شئ، ولا يستحق الغاصب بفعله لجميع
~~ذلك على المغصوب منه شيئا لا أجرة، ولا غيرها، لأن هذه آثار أفعال، وليست
~~أعيان أموال، ولا تدخل العين المغصوبة بشئ من هذه الأفعال في ملك الغاصب،
~~ولا يجبر صاحبه على أخذ قيمته، لأن الأصل ثبوت ملك المغصوب منه، ولا دليل
~~على زواله بعد التغيير، ويحتج على المخالف بقوله عليه السلام: " على اليد
~~ما أخذت حتى تودي " (1) وقوله: " لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيب نفس منه "
~~(2).
# PageV02P481
# ومن غصب زيتا فخلطه بأجود منه، فالغاصب بالخيار بين أن يعطيه من ذلك،
~~ويلزم المغصوب منه قبوله، لأنه تطوع له بخير من زيته، وبين أن يعطيه مثله
~~من غيره، لأنه صار بالخلط كالمستهلك، وإن خلطه بأردأ منه، لزمه أن يعطي من
~~غير ذلك، مثل الزيت الذي غصبه، ولا يجوز أن يعطيه منه، وإن خلطه بمثله، فهو
~~مثل المسألة الأولى، إن شاء أعطاه من الزيت المخلوط، وإن شاء الغاصب أعطاه
~~من غيره، مثل ms0879 زيته، لأنه كالمستهلك، وقال بعض أصحابنا:
# إنه يكون شريكه، والأول هو الذي تقتضيه أصول المذهب، لأن عين الزيت
~~المغصوب قد استهلكت، لأنه لو طالبه برده بعينه، لما قدر على ذلك.
# ومن غصب حبا فزرعه، أو بيضا فاحتضنها، فالزرع والفرخ لصاحبهما، دون
~~الغاصب، لأنا قد بينا أن المغصوب لا يدخل في ملك الغاصب بتغيره، خلافا لأبي
~~حنيفة، لأنه لا يخرج بالغصب عن ملك المغصوب منه، وإذا كان باقيا على ملك
~~صاحبه، فنماؤه المنفصل والمتصل جميعا لصاحبه، وهذا لا خلاف فيه بين
~~أصحابنا، لأنه الذي تقتضيه أصولهم، ويحكم به عدل أهل البيت عليهم السلام.
# واختار شيخنا أبو جعفر الطوسي، في الجزء الثاني من مسائل خلافه، مذهب أبي
~~حنيفة، وقواه، فقال: مسألة: إذا غصب حبا فزرعه، أو بيضا فاحتضنتها الدجاجة،
~~فالزرع والفروج للغاصب، وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي هما معا للمغصوب
~~منه، وقال المزني: الفروج للمغصوب منه، والزرع للغاصب، دليلنا أن عين الغصب
~~قد تلفت، وإذا تلفت فلا يلزم غير القيمة، ومن يقول في الفروج هو عين البيض،
~~وإن الزرع هو عين الحب، مكابر، بل المعلوم خلافه، هذا آخر كلام شيخنا في
~~نصرة خيرته. (1) قال محمد بن إدريس: ألا تراه رحمه الله لم يستدل بإجماع
~~الفرقة، ولا بالأخبار على عادته، بل تمسك بشئ لا فرج لمعتمده، ولو سلمنا له
~~أن الزرع
# PageV02P482
# غير الحب، فبأي شئ ملك الجميع، أو المتولد عن العين المغصوبة، الغاصب؟
# بإقرار، أو بهبة، أو ببيع، أو بإرث؟ بل هذا نفس مذهب أبي حنفية الذي يرده
~~عليه ويناظره شيخنا أبو جعفر على فساده، إن بالتغير لا يملك الغاصب
~~المغصوب، بل الملك باق على ربه، وتولد عنه ما تولد، ونما ما نما على ملك
~~صاحبه، حصلت جواهر النماء، فلا يستحقها أحد سوى صاحبه.
# ثم إن شيخنا أبا جعفر، ذكر في كتاب العارية في مبسوطه، ما ينقض قوله،
~~ويرد به على نفسه، وهو أن قال: إذا كان له حبوب فحملها السيل إلى أرض رجل،
~~فنبتت فيها، كان ذلك الزرع لصاحب الحب، لأنه ms0880 عين ماله، كما قلناه فيمن غصب
~~حبا فزرعه، أو بيضا فحضنها عنده، وفرخت، فإن الزرع والفراخ، للمغصوب منه،
~~لأنهما عين ماله، هذا آخر كلام رحمه الله في مبسوطه (1).
# فقد دخل رحمه الله في جملة من يكابر، لأنه قال هناك: من قال إن الفروخ
~~عين البيض، والزرع هو عين الحب، مكابر، بل المعلوم خلافه، وقال هاهنا الزرع
~~والفراخ للمغصوب منه، لأنهما عين ماله.
# ورجع شيخنا رحمه الله عما اختاره من مذهب أبي حنيفة، في موضع آخر، في
~~مسائل خلافه، في الجزء الثالث، في كتاب الدعاوي والبينات، فقال:
# مسألة: إذا غصب رجل من رجل دجاجة، فباضت بيضتين، فاحتضنتهما هي، أو غيرها
~~بنفسها، أو بفعل الغاصب، فخرج منهما فروجان، فالكل للمغصوب منه، وبه قال
~~الشافعي، وقال أبو حنيفة إن باضت عنده بيضتين، فاحتضنت الدجاجة واحدة
~~منهما، ولم يتعرض الغاصب لها، كان للمغصوب منه ما يخرج منها، وإن أخذ
~~الأخرى فوضعها تحتها أو تحت غيرها، وخرج منها فروج، كان الفروج للغاصب،
~~وعليه قيمته، دليلنا أن ما يحدث عند الغاصب عن العين المغصوبة، فهو للمغصوب
~~منه، لأن الغاصب لا يملك بفعله شيئا ومن ادعى
# PageV02P483
# أنه إذا تعدى ملكه، فعليه الدلالة، لأن الأصل بقاء الملك للمغصوب منه،
~~هذا آخر كلام في المسألة رحمه الله (1).
# وقال السيد المرتضى، في مسائل الناصريات، ويعرف أيضا بالطبريات، في
~~المسألة الثانية والثمانين والمائة: من اغتصب بيضة فحضنها، فأفرخت فرخا أو
~~حنطة، فزرعها فنبتت، فالفرخ والزرع لصاحبهما، دون الغاصب، هذا صحيح، وإليه
~~يذهب أصحابنا، والدليل عليه الإجماع المتكرر، وأيضا فإن منافع الشئ المغصوب
~~لمالكه، دون الغاصب، لأنه بالغصب لم يملكه، فما تولد من الشئ المغصوب، فهو
~~للمالك دون الغاصب، وهذا واضح (2)، هذا آخر المسألة من كلام السيد المرتضى
~~رضي الله عنه.
# ألا ترى أرشدك الله إلى قوله: وإليه يذهب أصحابنا، ثم قال: والإجماع
~~المتكرر، فما خالف فيه سوى شيخنا أبي جعفر في بعض أقواله، وهو محجوج بقوله
~~الذي حكيناه عنه، في الجزء الثالث من مسائل خلافه. فإذا لم يكن على خلاف ما ms0881
~~ذهبنا إليه إجماع، ولا دليل عقل، ولا كتاب، ولا سنة، بل دليل العقل قاض بما
~~اخترناه، وكذلك الكتاب والسنة والإجماع، فلا يجوز خلافه.
# ومن غصب ساحة فأدخلها في بنائه، لزمه ردها، وإن كان في ذلك قلع ما بناه
~~في ملكه، لمثل ما قدمناه من الأدلة من قوله عليه السلام: " لا يحل مال امرء
~~مسلم إلا عن طيب نفس منه " (2) وقوله عليه السلام أيضا: " على اليد ما أخذت
~~حتى تؤدي " (3) وكذا لو غصب لوحا فأدخله في سفينة، ولم يكن في رده هلاك
~~ماله حرمة، وعلى الغاصب أجرة مثل ذلك، من حين الغصب إلى حين الرد، لأن
~~الخشب يستأجر للانتفاع به، وكل منفعة تملك بعقد الإجارة، كمنافع الدار
~~والدابة والعبد، وغير ذلك، فإنها تضمن بالغصب، بدليل قوله
# PageV02P484
# تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (1) والمثل
~~قد يكون من حيث الصورة، ومن حيث القيمة، وإذا لم يكن للمنافع مثل من حيث
~~الصورة، وجب القيمة.
# وإذا غصب أرضا فزرعها ببذر من عنده وماله، وغرسها كذلك، فالزرع والشجر
~~له، لأنه عين ماله، وإنما تغيرت صفته بالزيادة والنماء، على ما قدمناه
~~وحررناه، وعليه أجرة الأرض، لأنه قد انتفع بها بغير حق، فصار غاصبا
~~للمنفعة، فلزمه ضمانها، وعليه أرش نقصانها، إن حصل بها نقص، لأن ذلك حصل
~~بفعله، ومتى قلع الشجر فعليه تسوية الأرض وكذا لو حفر بئرا، أجبر على طمها،
~~وللغاصب ذلك، وإن كره مالك الأرض لما في تركه من الضرر عليه بضمان ما يتردى
~~فيها، هكذا ذكره بعض أصحابنا.
# والأولى عندي أن صاحب الأرض إذا رضي بعد حفره بالحفر، ومنعه من الطم، فله
~~المنع، ولا يكون الحافر ضامنا لما يقع فيها، لأن صاحب الأرض قد رضي، فكأنما
~~أمره بحفرها ابتداء.
# ومن حل دابة، فشردت، أو فتح قفصا، فذهب ما فيه، لزمه الضمان، سواء كان
~~ذلك عقيب الحل والفتح، أو بعد إن وقفا، لأن ذلك كالسبب في الذهاب، ولولاه
~~لما أمكن، ولم يحدث سبب آخر من غيره، فوجب عليه الضمان.
# ولا خلاف أنه ms0882 لو حل رأس الزق، فخرج ما فيه، وهو مطروح، لا يمسك ما فيه من
~~غير الشد، لزمه الضمان، وقال بعض أصحابنا: ولو كان الزق قائما مستندا، وبقي
~~محمولا، حتى حدث به ما أسقطه من ريح، أو زلزلة، أو غيرهما، فاندفق ما فيه،
~~لم يلزمه الضمان، لأنه قد حصل هاهنا مباشرة، وسبب من غيره (2).
# PageV02P485
# ومن غصب عبدا فأبق، أو بعيرا فشرد، فعليه قيمة ذلك، فإذا أخذها صاحب
~~العبد أو البعير ملكها بلا خلاف، ولا يملك الغاصب العبد، فإن عاد انفسخ
~~الملك عن القيمة، ووجب ردها، وأخذ العبد، لأن أخذ القيمة إنما كان لتعذر
~~العبد والحيلولة بين مالكه وبينه، ولم تكن عوضا عنه على وجه البيع، لأنا قد
~~بينا أن ملك القيمة يتعجل هاهنا، وملك القيمة بدلا عن العين الفائتة
~~بالإباق لا يصح على وجه البيع، لأن ذلك يكون فاسدا عندنا على ما قدمناه،
~~وعند المخالف أيضا، وعند بعض المخالفين، يكون البيع موقوفا فإن عاد العبد
~~تسلمه المشتري، وإن لم يعد رد البايع الثمن، ولما ملكت القيمة هاهنا،
~~والعبد آبق، ولم يجز الرجوع بها مع تعذر الوصول إلى العبد، ثبت أن ذلك ليس
~~على وجه البيع.
# إذا غصب طعاما أو تمرا، فسوس، كان عليه أرش ما نقص، ولا يجب عليه المثل،
~~لأنه لا مثل لما نقص، فكان الضمان بالأرش.
# إذا غصب ما لا مثل له فلا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون من جنس
~~الأثمان، أو من غير جنسها.
# فإن كان من غير جنسها كالثياب والخشب والعقار، ونحو ذلك، من الأواني، فكل
~~هذا وما في معناه مضمون بالقيمة، فإذا ثبت أنه مضمون بالقيمة، فإذا تلف كان
~~عليه قيمته، فإن تراخى وقت القبض، لم يكن له إلا القيمة التي ثبتت في ذمته
~~حين التلف، وإن جنى على هذا جناية، فأتلف البعض، مثل خرق الثوب، أو كسر
~~الآنية على وجه ينتفع بهما فيما بعد، فعليه ما نقص، فهو أرش ما بين قيمته
~~صحيحا ومعيبا، لا شئ له غيره.
# فإن كان من جنس الأثمان، ms0883 لم يخل من أحد أمرين، إما أن يكون فيه صنعة، أو
~~لا صنعة فيه، فإن كان مما لا صنعة فيه، فله مثله وأرش النقص، سواء كان من
~~جنسه أو لا من جنسه، لأن هذا ليس ببيع حتى يقال إنه ربا، فإن كان فيها
~~صنعة، فإما أن يكون استعمالها مباحا، أو محظورا. PageV02P486
# فإن كان استعمالها مباحا كحلي النساء، وحلي الرجال، مثل الخواتيم،
~~والمنطقة، وكان وزنها مائة، و قيمتها لأجل الصنعة مائة وعشرين، فإذا كان
~~غالب نقد البلد من غير جنسها، قومت به: لأنه لا ربا فيه، وإن كان غالب نقد
~~البلد من جنسها، مثل أن كانت ذهبا وغالب نقده ذهب، قيل: فيه قولان، أحدهما
~~تقوم بغير جنسها، ليسلم من الربا، والقول الآخر، وهو الصحيح، أنه لا يجوز
~~(1)، لأن الوزن بحذاء الوزن، والفضل في مقابلة الصنعة، لأن للصنعة قيمة غير
~~أصل العين، بدليل أنه يصح الاستيجار على تحصيلها، ولأنه لو كسره إنسان،
~~فعادت قيمته إلى مائة، كان عليه أرش النقص فثبت بذلك أن الصنعة لها قيمة في
~~المتلفات، وإن لم يكن لها قيمة في المعاوضات.
# وإن كان استعمالها حراما، وهي آنية الذهب والفضة، قيل: فيه قولان، أحدهما
~~اتخاذها مباح، والمحرم الاستعمال، والثاني محظور، لأنها إنما تتخذ
~~للاستعمال، فمن قال اتخاذها حرام، وهو الصحيح، قال: تسقط الصنعة، وكانت
~~كالتي لا صنعة فيها، وقد مضى حكمها.
# فأما الحيوان فهو على ضربين، آدمي وغير آدمي فأما غير الآدمي فهو كالثياب
~~والشخب (2) وما لا مثل له، فإن أتلفها فكمال القيمة، وإن جنى عليها فقيمة
~~ما نقص تقوم بعد الاندمال، فيكون عليه ما بين قيمته صحيحا قبل الاندمال،
~~وجريحا بعد الاندمال، فهو كالثياب سواء، وإنما يختلفان من وجه واحد، وهو أن
~~الجناية على الثياب لا تسري إلى باقيه والجناية على البهيمة تسري إلى
~~نفسها، ولا تختلف باختلاف المالكين، ولا باختلاف المملوك أو المالك، فعلى
~~هذا التحرير سواء كانت البهيمة للقاضي، أو لغير القاضي.
# وهذا الذي يقوى في نفسي، لأن إلحاق أحكام البهائم في الجنايات
# PageV02P487
# والأروش والديات والمقدرات ms0884 ببني آدم، يحتاج إلى دليل قاطع للعذر، ولا
~~يرجع في مثل ذلك إلى أخبار الآحاد، لأنه قد روي في بعض الأخبار، أن في عين
~~البهيمة ربع قيمتها (1).
# وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: نصف قيمتها (2)، وربع قيمتها ذكره
~~في نهايته (3)، واختار في مبسوطه (4) ما ذهبنا إليه، ورجع عما ذكره في
~~الكتابين المشار إليهما، وهو الصحيح الذي تقتضيه أصول المذهب، لأنه جنى على
~~مال، فنقص بجنايته، فيجب عليه أرش ما نقص، من غير زيادة ولا نقصان.
# إذا غصب عبدا قيمته ألف، فخصاه، فبلغ ألفين، رده وقيمة الخصيتين، لأنه
~~ضمان مقدر، وقيمتهما قيمة العبد.
# المقبوض عن بيع فاسد: لا يملك بالبيع الفاسد شئ، ولا ينتقل به الملك
~~بالعقد، فإذا وقع القبض لم يملك به أيضا، لأنه لا دليل عليه، وإذا لم يملك
~~به كان مضمونا، فإن كان المبيع قائما رده، وإن كان تالف رد بدله، إن كان له
~~مثل، وإلا قيمته، لأن البايع دخل على أن يسلم له الثمن المسمى في مقابلة
~~ملكه، فإذا لم يسلم له المسمى، اقتضى الرجوع إلى عين ماله، فإذا ثبت هذا
~~كله فالكلام في الأجرة والزيادة في العين.
# فأما الأجرة، فإن كان لها منافع تستباح بالإجارة، كالعقار والثياب
~~والحيوان، فعليه أجرة المثل مدة بقائها عنده، فأما الكلام في الزيادة
~~كالسمن، وتعليم القرآن، والصنعة، فهل يضمن ذلك أم لا؟ فالصحيح أنه يضمنها.
# ومن غصب جارية حاملا ضمنها وجملها.
# إذا غصب جارية فوطأها الغاصب، فإن جملة الأمر وعقد الباب أنه، إذا زنى
~~الرجل بامرأة فلا يخلو إما أن تكون جارية لغيره، أو حرة، فإن كانت جارية
# PageV02P488
# للغير، فلا يخلو أن تكون ثيبا أو بكرا، فإن كانت ثيبا فلا يخلو إما أن
~~تكون مكرهة أو مطاوعة.
# فإن كانت مطاوعة فلا شئ لسيدها على الزاني، لأن الرسول عليه السلام نهى
~~عن مهر البغي (1).
# وإن كانت مكرهة فيجب على الزاني لسيدها مهر أمثالها، وذهب بعض أصحابنا
~~إلى أن عليه نصف عشر ثمنها، والأول هو الصحيح، لأن ذلك ورد في من اشترى ms0885
~~جارية ووطأها وكانت حاملا، وأراد ردها على بايعها، فإنه يرد نصف عشر ثمنها
~~(2)، ولا يقاس غير ذلك عليه.
# فأما إن كانت بكرا، فلا يخلو إما أن تطاوع، أو تغصب وتكره على الفعال،
~~فإن كانت مكرهة فعليه مهر أمثالها، وعليه ما نقص من قيمتها قبل افتضاضها،
~~يجمع ما بين الشيئين بين المهر وما نقص من القيمة من الأرش، لأنها غير بغي.
# وإن كانت مطاوعة فلا يلزم المهر، بل يجب عليه ما نقص من قيمتها من الأرش،
~~والمهر لا يلزم لأنها هاهنا بغي، والرسول عليه السلام نهى عن مهر البغي.
# فأما إن كانت المزني بها حرة، فإن كانت ثيبا، وكانت مطاوعة عاقلة، فلا شئ
~~لها على الزاني بها، وإن كانت مكرهة، فيجب عليه مهر أمثالها، لأنها غير
~~بغي.
# وإن كانت بكرا وكانت مطاوعة فلا شئ لها، وإن كانت مكرهة فلها مهر نسائها
~~فحسب.
# إذا غصب خفين قيمتهما عشرة، فتلف أحدهما، وكانت قيمة الباقي ثلاثة، رده،
~~وقيمة التالف خمسة، وما نقص بالتفرقة وهو درهمان، فيرد الباقي ومعه سبعة،
~~لأن التفرقة جناية منه، فيلزمه ما نقص بها.
# إذا غصب دارا أو دابة، سكنها أو لم يسكنها، ركبها أو لم يركبها، ومضت
# PageV02P489
# مدة يستحق لمثلها أجرة، لزمته الأجرة، لأن المنافع تضمن بالغصب عندنا.
# فإن غصب عصيرا فصار خمرا، ثم صار خلا، رد الخل بحاله، وليس عليه بدل
~~العصير، لأن هذا عين ماله، فإن كان قيمة الخل قيمة العصير، أو أكثر، رده
~~ولا شئ عليه، وإن كان أقل من ذلك رده وما نقص من قيمة العصير.
# إذا غصب جارية فهلكت، فعليه أكثر ما كانت قيمتها من حين الغصب إلى حين
~~الهلاك والتلف.
# فإن اختلفا في مقدار القيمة، فالقول قول الغاصب مع يمينه، لأن الأصل
~~براءة ذمته، ولقوله عليه السلام: " البينة على المدعي واليمين على المدعى
~~عليه " (1) والغاصب منكر.
# وإن اختلفا فقال الغاصب: كانت معيبة برصاء، أو جذماء، وغير ذلك، فالقول
~~قول المالك، لأن الأصل السلامة، والغاصب يدعي خلاف الظاهر، فإن كان بالعكس
~~من هذا، فقال السيد: ms0886 كانت صانعة، أو تقرأ القرآن، فأنكر الغاصب ذلك، فالقول
~~قول الغاصب، لأن الأصل أن لا صنعة ولا قراءة.
# إذا غصب منه مالا مثلا بمصر، فلقيه بمكة، فطالبه به، فإن كان المال له
~~مثل، فله مطالبته، سواء اختلف القيمة في البلدين، أو اتفقت، وإن كان لا مثل
~~له، فله مطالبته بقيمته يوم الغصب، دون يوم المطالبة، إذا أهلكه وأتلفه في
~~يوم غصبه، فإن بقي في يده، فعليه أكثر القيم إلى يوم الهلاك.
# فأما ما له مثل، فعليه مثله يوم المطالبة، تغيرت الأسعار أو لم تتغير،
~~فإن إعوز المثل، فله قيمته يوم إقباضها، هذا تحقيق القول، والذي تقتضيه
~~أصول مذهبنا.
# وقد ذكر شيخنا أبو جعفر في مبسوطه (2)، تفاصيل مذهب المخالفين، ونقله
# PageV02P490
# ابن البراج في تصنيفه على غير بصيرة (1).
# ولأن المغصوب منه، لا يجب عليه الصبر إلى حين العود إلى مصر، بل يجب على
~~الغاصب رد مثل الغصب إن كان له مثل، أو قيمته إن لم يكن له مثل، فإن هذا
~~الذي يقتضيه عدل الإسلام والأدلة ولا يعرج إلى خلافه بالآراء والاستحسان.
# والكلام في القرض، كالكلام في الغصب، سواء، لا يفترقان.
# وكذلك الكلام إن كان الحق وجب له عن سلم.
# وقال بعض أصحابنا: لم يكن له مطالبته به بمكة، لأن عليه أن يوفيه إياه في
~~مكان العقد، والذي ذكره بعض أصحابنا حكاية قول المخالفين، دون أن يكون ذلك
~~قولا تقتضيه أصول مذهبنا، أو وردت به أخبارنا.
# إذا غصب شيئا، لم يملكه، غيره عن صفته التي هو عليها أو لم يغيره، مثل إن
~~كان حنطة فطحنها، فإنه لا يملك الدقيق، وإن أخذ من غيره عصيرا، فاستحال خلا
~~أو خمرا، ثم استحال خلا في يده، رده عليه، لأنه عين ماله، ولا يملكه بتغيره
~~واستحالته في يده، على ما قدمناه.
# ما يتسلم على طريق السوم، فإنه مضمون على الآخذ له، أو على أنه بيع صحيح،
~~فكان فاسدا، أو عارية بشرط الضمان، أو بلا شرط الضمان، وتكون العارية فضة
~~أو ذهبا.
# وإذا غصب خبزا فأطعمه مالكه من ms0887 غير إعلام له أنه خبزه، وجب عليه الضمان،
~~فإن كان الآكل غير مالكه، ولم يعلمه بأنه غصب، كان المغصوب منه بالخيار بين
~~أن يرجع على الغاصب، أو على الآكل، فإن رجع على الغاصب، فلا يرجع الغاصب
~~على الآكل، وإن رجع على الآكل، فللآكل الرجوع على الغاصب، لأنه غره.
# PageV02P491
# وكذلك إذا غصب حطبا، فاستدعى مالكه، فقال له: اسجر به التنور، أو غير
~~صاحبه، مثل الخبز، حرفا فحرفا، " اسجر به التنور " بالسين غير المعجمة،
~~يقال: سجرت التنور، أسجره سجرا، إذا أحميته، وسجرت البحر ملأته، ومنه البحر
~~المسحور.
# إذا غصب شاة فأنزى عليها فحل نفسه فأتت بولد، كان لصاحب الشاة، لا حق
~~لصحاب الفحل في الولد، لأن الولد يتبع الأم وجزء منها ونماؤها، فإن كان غصب
~~فحلا فأنزاه على شاة نفسه، فالولد لصاحب الشاة، وعليه أجرة الفحل عندنا،
~~وإن كان الفحل قد نقص بالضراب، فعلى الغاصب أرش النقصان بتعديه.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه: فأما أجرة الفحل فلا تجب على الغاصب: لأن
~~النبي عليه السلام نهى عن كسب الفحل (1).
# وما ذهبنا إليه هو مذهب أهل البيت عليهم السلام، وما قاله وذكره شيخنا في
~~مبسوطه، حكاية مذهب المخالفين، فلا يتوهم متوهم عليه أنه اعتقاده.
# إذا غصب عبدا ومات في يده، أو قتله هو أو غيره، فللمغصوب منه أكثر ما
~~كانت قيمته إلى يوم الهلاك، وإن تجاوزت قيمته دية الحر، فأما إذا لم يغصبه
~~وقتله، فلا يتجاوز بقيمته دية الحر، فليلحظ الفرق بين المسألتين.
# إذا كان في يد مسلم خمر أو خنزير فأتلفه متلف، فلا ضمان عليه، مسلما كان
~~المتلف أو مشركا، فإن كان ذلك في يد ذمي وقد أخرجه وأظهره في دروب
~~المسلمين، فلا ضمان على المتلف أيضا، وإن أتلفه في بيته أو في بيعته
~~وكنيسته، فالضمان عليه عندنا، مسلما كان المتلف أو مشركا، والضمان هو قيمة
~~الخمر والخنزير عند مستحليه، ولا يضمن بالمثلية على حال.
# إذا غصب من رجل دارا وباعها ثم ملكها الغاصب بميراث أو هبة أو شراء صحيح،
~~ثم ادعى ms0888 الغاصب على الذي باعها منه، فقال: اشتريت مني غير
# PageV02P492
# ملكي، فالبيع باطل وعليك رد الدار، وأقام البايع الغاصب شاهدين بذلك، فهل
~~يقبل هذا الشهادة أم لا؟ نظرت، فإن كان البايع قال حين البيع: بعتك ملكي،
~~سقطت الشهادة، لأنه مكذب لها، لأنه قال حين البيع: هي ملكي، وأقام البينة
~~أنها غير ملكه، فهو مكذب لها، وإن كان أطلق البيع، ولم يقل ملكي، قبلت هذه
~~الشهادة، لأنه قد يبيع ملكه وغير ملكه، فإذا قامت البينة أنها لم تكن ملكا
~~له، لم يكن مكذبا لها، فقبلت هذه الشهادة، إلا أن يكون في ضمن البيع ما يدل
~~على أنها ملكه، مثل أن قال: قبضت ثمن ملكي، أو ملكت الثمن في مقابلة ملكي،
~~فتسقط الشهادة حينئذ أيضا.
# إذا ادعى في يد رجل دارا، وقال: غصبتها مني، فأنكر، فأقام المدعي شاهدين،
~~نظرت، فإن شهد أحدهما أنه غصبها يوم الخميس، وشهد الآخر أنه غصبها يوم
~~الجمعة، لم تكمل الشهادة، لأنها شهادة بغصبين، لأن غصبه يوم الجمعة غير
~~غصبه يوم الخميس، وهكذا لو شهد أحدهما أنه غصبها، وشهد الآخر على إقراره
~~بغصبها، لأن الغصب غير الإقرار، فإن شهد أحدهما على إقراره بذلك يوم
~~الخميس، وشهد الآخر على إقراره به يوم الجمعة، كانت الشهادة صحيحة، لأن
~~المقر به واحد، لكن وقع الإقرار به في وقتين.
# إذا غصب أمة فباعها، فأحبلها المشتري، فإن السيد يرجع على المشتري، وهل
~~يرجع المشتري على البايع أم لا؟ نظرت فكل ما دخل على أنه له بعوض، وهو قيمة
~~الرقبة، لم يرجع به على أحد (1)، وكل ما دخل على أنه له بغير عوض، فإن لم
~~يحصل له في مقابلته نفع وهو قيمة الولد، رجع به على البايع، قولا واحدا،
~~وإن حصل له في مقابلته نفع، وهو مهر المثل في مقابلة الاستمتاع، فلا يرجع
~~به على البايع.
# وإن رجع على البايع، فكلما لو رجع به على المشتري، رجع المشتري على
~~البايع، فالبايع لا يرجع به عليه، وكلما لو رجع به على المشتري، لم يرجع به
~~على ms0889
# PageV02P493
# البايع، فإذا رجع به على البايع به على المشتري.
# إذا أرسل في ملكه ماء فسال إلى ملك غيره، فأفسده عليه، أو أجج في ملكه
~~نارا، فتعدت إلى ملك غيره فأحرقته، فالماء والنار سواء، ينظر فيه، فإن أرسل
~~الماء في ملكه بقدر حاجته، فسال إلى ملك غيره، نظرت، فإن كان غير مفرط، مثل
~~أن ثقب الفار أو غيره، أو كان هناك ثقب لم يعلم به، فلا ضمان عليه، لأنها
~~سراية عن فعل مباح، فذهب هدرا، وهكذا النار إذا أججها في ملكه، فحملها
~~الريح إلى ملك غيره فأتلفته، فلا ضمان عليه، لأنه سراية عن مباح.
# وأما إن أرسل الماء إلى ملكه، وفرط في حفاظه بأن توانى، وهو يعلم أنه
~~يطفح إلى ملك غيره فأتلفه، كان عليه الضمان، لأنها سراية عن فعل محظور،
~~وهكذا إن أجج نارا عظيمة في زرعه، أو حطبه على سطحه، وهو يعلم أنه في
~~العادة تصل إلى ملك غيره، كان عليه الضمان.
# فأما إن أرسل الماء في ملكه بقدر حاجته إليه، وهو يعلم أن الماء ينزل إلى
~~ملك غيره، وأن للماء طريقا إليه، فعليه الضمان، لأنه إذا علم أنه يجري إلى
~~ملك غيره، وأنه لا حاجز يحجزه عنه، فهو المرسل له، وهكذا النار إذا طرحها
~~في زرعه أو حطبه، وهو يعلم أن زرعه أو حطبه متصل بزرع غيره وحطب غيره، وإن
~~النار تأتي على ملكه وتتصل بملك غيره، فعليه الضمان، لأنها سراية حصلت
~~بفعله.
# فإن ادعى دارا في يد رجل، فاعترف له بدار مبهمة، ثم مات المقر المعترف،
~~قيل للوارث: بين، فإن لم يبين، قيل للمدعي: بين أنت، فإن عين دارا، وقال:
~~هذه التي ادعيتها، وقد أقر لي بها، قيل للوارث: ما تقول؟ فإن قال:
# صدق، تسلم الدار المدعي، وإن قال الوارث: ليست هذه له، فالقول قوله مع
~~يمينه، فإذا حلف سقط تعيين المدعي، وقيل للوارث: نحبسك حتى تبين الدار التي
~~أقر له أبوك بها، وتحلف، أو نجعلك ناكلا عن اليمين، ويعين المدعي الدار،
~~وترد اليمين عليه، ويستحق ما ms0890 حلف عليه، وإلا أدى إلى إبطال حق الآدميين
~~ووقوف الأحكام. PageV02P494
# فإن غصب عبدا فرده وهو أعور، واختلفا، فقال سيده: عور عندك، وقال الغاصب:
~~بل عندك، فالقول قول الغاصب، لأنه غارم ومدعى عليه.
# وقال بعض أصحابنا: فإن اختلفا في هذا والعبد قد مات ودفن، فالقول قول
~~سيده أنه ما كان أعور.
# والفصل بينهما أنه إذا مات ودفن، فالأصل السلامة، حتى يعرف عيب، فكان
~~القول قول السيد، وليس كذلك إذا كان حيا، لأن العور موجود مشاهد، فالظاهر
~~أنه لم يزل حتى يعلم حدوثه عند الغاصب.
# والذي يقوى عندي أن القول قول الغاصب، لأنه غارم في المسألتين معا، ومدعى
~~عليه، والأصل براءة الذمة، فمن شغلها بشئ أو علق عليها حكما، يحتاج في
~~إثباته إلى دليل، وهذا الذي ذكره بعض أصحابنا، تخريج من تخريجات المخالفين
~~ومقايسهم واستحساناتهم.
# والذي تقتضيه أصول مذهب أهل البيت عليهم السلام ما ذكرناه واخترناه،
~~فليلحظ بالعين الصحيحة.
# فإن غصب عبدا ومات العبد واختلفا، فقال الغاصب: رددته حيا فمات في يدك
~~أيها المالك، وقال المالك: بل مات في يدك أيها الغاصب من قبل أن ترده إلي،
~~وما رددته إلي إلا ميتا، وقال الغاصب: رددته حيا. فالذي عندي ويقوى في
~~نفسي، أن القول قول المالك مع يمينه، وعلى الغاصب البينة، لأنه المدعي لرد
~~الملك بعد إقراره بغصبه، وكونه في يده حيا، والمالك منكر للرد وجاحد له،
~~ومدعى عليه، فالقول قوله، لأن الإجماع منعقد على أن على المدعي البينة،
~~وعلى الجاحد اليمين، وهذا داخل تحت ذلك، فإن أقام كل واحد منهما بينة، سمعت
~~بينة المدعي للموت، لأن الرسول عليه السلام جعلها في جنبته، ولأن بينته
~~تشهد بشئ ربما خفي على بينة الغاصب، وهو الموت، فهذا تحرير الفتيا في هذا
~~السؤال.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه: فإن غصب عبدا ومات العبد فاختلفا،
~~PageV02P495
# فقال: رددته حيا ومات في يدك، وقال المالك: بل مات في يدك أيها الغاصب،
~~وأقام كل واحد منهما البينة بما ادعاه، عمل على ما نذكره في تقابل
~~البينتين، فإن قلنا إن ms0891 البينتين إذا تقابلتا سقطتا، عدنا إلى الأصل وهو
~~بقاء العبد عنده حتى يعلم رده، كان قويا هذا آخر كلامه رحمه الله (1)، لم
~~يذكر في المسألة غير ما ذكره وحكيناه عنه.
# والذي قواه وقال: كان قويا، مذهب الشافعي في تقابل البينتين لا مذهب
~~أصحابنا، وإنما مذهب أصحابنا بغير خلاف بينهم، الرجوع إلى القرعة لأنه أمر
~~مشكل، وهذا ليس من ذلك بقبيل، ولا هو منه بسبيل، ولا في هذا إشكال، فنرجع
~~فيه إلى القرعة.
# بل مثاله رجل غصب رجلا مالا، فقال الغاصب: رددته، وقال المغصوب منه: ما
~~رددته إلي، فكان القول قول المغصوب منه مع يمينه، فإن أقام كل واحد منهما
~~بينة، سمعت بينة الغاصب، لأن لبينته مزية على بينة المغصوب منه، لأنها تشهد
~~بأمر خفي على بينة المالك.
# وكذلك من كان له على رجل دين، فقال له: قضيته وخرجت إليك منه، وأنكر من
~~له الدين ذلك، فالقول قول مع يمينه، فإن أقام كل واحد منهما بينته، كانت
~~المسموعة بينة القاضي، لأنها تشهد بشئ قد يخفى على بينة من له الدين، ولا
~~يقول أحد من العلماء إن هاهنا تستعمل القرعة، ولا يعاد إلى الأصل وتقابل
~~البينتين وأنهما تسقطان.
# فهذا تحرير هذه الفتيا والله الموفق للصواب، ومرضي الجواب.
# الذي تقتضيه أخبارنا وأصول مذهبنا، أنه إذا جنى على عبد جناية تحيط بقيمة
~~العبد، كان بالخيار بين أن يسلمه إلى الجاني، ويأخذ قيمته، وبين أن
# PageV02P496
# يمسكه ولا شئ له، وما عدا ذلك فله الأرش، إما مقدرا، إن كان له في الحر
~~مقدر، أو حكومة، إن لم يكن له في الحر مقدر، وهو ما بين قيمته صحيحا
~~ومعيبا.
# وما عدا الرقيق من بني آدم، من سائر الحيوانات المملوكات، ما عدا بني آدم
~~المملوكين، إذا جنى عليه جان، فليس لصاحبه إلا أرش الجناية.
# وهذا مذهب شيخنا أبي جعفر وتحريره في مسائل خلافه في الجزء الثاني في
~~كتاب الغصب، في المسألة التاسعة، فإنه رجع عما قاله في المسألة الرابعة،
~~ورجوعه هو الصحيح الذي تقتضيه الأدلة، على ما قاله ms0892 رحمه الله، فإنه قال في
~~المسألة التاسعة، والذي تقتضيه أخبارنا ومذهبنا، أنه إذا جنى على عبد جناية
~~تحيط بقيمة العبد، كان بالخيار بين أن يسلمه ويأخذ قيمته، وبين أن يمسكه
~~ولا شئ له، وما عدا ذلك فله الأرش، إما مقدرا أو حكومة، على ما مضى القول
~~فيه، وما عدا المملوك من الأملاك إذا جنى عليه، فليس لصاحبه إلا أرش
~~الجناية، ثم قال: دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم وقد ذكرناها في الكتاب
~~المقدم ذكره، هذا آخر كلام شيخنا في المسألة.
# ثم قال في مسائل خلافه: مسألة، إذا قلع عين دابة، كان عليه نصف قيمتها،
~~وفي العينين جميع القيمة، وكذلك كل ما كان في البدن منه اثنان، ففي الاثنين
~~جميع القيمة، وفي الواحد نصفها، وقال أبو حنيفة: في العين الواحد ربع
~~القيمة، وفي العينين نصف القيمة، وكذلك في كل ما ينتفع بظهره ولحمه، وقال
~~الشافعي ومالك: عليه الأرش ما بين قيمته صحيحا ومعيبا، دليلنا إجماع الفرقة
~~وأخبارهم، وروي عن عمر، أنه قضى في عين الدابة ربع قيمتها، ورووا ذلك عن
~~علي عليه السلام، وهذا يدل على بطلان قول من يدعي الأرش، فأما قولنا،
~~فدليله إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط (1) هذا آخر كلامه رحمه الله.
# PageV02P497
# قال محمد بن إدريس: ما ذكره رحمه الله من قوله: " كل ما في البدن منه
~~اثنان ففي الاثنين جميع القيمة، وفي الواحد نصفها " إنما ورد في الرقيق
~~المماليك من بني آدم فحسب، دون البهائم، والصحيح ما ذكره في المسألة
~~التاسعة، وهو الأرش ما بين قيمته صحيحا ومعيبا، لأن القياس عندنا باطل، فمن
~~حمل البهائم على بني آدم المملوكين، كان قايسا.
# وأيضا فقد قال رحمه الله في مسائل خلافه: مسألة، إذا جنى على حمار
~~القاضي، كان مثل جنايته على حمار الشوكي سواء، في أن الجناية إذا لم تسر
~~إلى نفسه، يلزم أرش العيب، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك: إن كان
~~حمار القاضي، فقطع ذنبه، ففيه كمال قيمته (1).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: إن كان الطريقة التي ذهب ms0893 شيخنا إليها
~~في عين الدابة مرضية صحيحة، فقول مالك صحيح مرضي، لأن في الدابة ذنبا
~~واحدة، وقد دل على فساد قول مالك، ويدخل فيه فساد قوله رحمه الله وهذا
~~متناقض، وذكر في نهايته أن عليه ربع قيمتها (2) والصحيح ما حررناه.
# باب الإقرار إقرار الحر البالغ الثابت العقل غير المولى عليه جائز على
~~نفسه، للكتاب والسنة والإجماع.
# فإذا ثبت ذلك فلا يصح الإقرار على كل حال إلا من مكلف غير محجور عليه
~~لسفه، أورق.
# فلو أقر المحجور عليه لسفه بما يوجب حقا في ماله، لم يصح، ويقبل إقراره
~~بما يوجب حقا على بدنه، كالقصاص والقطع والجلد.
# فأما إن كان محجورا عليه لجنون أو صغر، فلا يصح إقراره على ماله، على
~~بدنه.
# PageV02P498
# وإن كان محجورا عليه لفلس، يصح إقراره في ماله، وعلى بدنه عند بعض
~~أصحابنا.
# والأولى عندي أنه لا يقبل (1) إقراره في أعيان أمواله بعد الحجر عليه،
~~فأما إن أقر بشئ في ذمته لا في أعيان أمواله، فإن إقراره يصح. ولا يقاسم
~~المقر له الغرماء في أعيان الأموال، لأنا إن قبلنا إقراره بعد الحجر في
~~أعيان أمواله، فلا فائدة في حجر الحاكم، ولا تأثير لذلك، لأن ذلك يكون
~~إقرارا بشئ، قد تعلق به حق الغير، فلا يقبل منه، فأما إن أقر بدين في ذمته،
~~فإنه يقبل إقراره.
# فأما إقراره على بدنه فمقبول على كل حال، فأما إن كان محجورا عليه لرق،
~~فإنه لا يقبل إقراره عند أصحابنا، لا في مال في يديه ولا على بدنه، سواء
~~أقر بقتل العمد، أو بقتل الخطأ، لأن ذلك إقرار على الغير، لكنه يتبع به إذا
~~لحقه العتاق، ومتى صدقه السيد، قبل إقراره في جميع ذلك بلا خلاف.
# ويصح إقرار المريض الثابت العقل، للوارث وغيره، سواء كان بالثلث أو أكثر
~~منه، وإجماع أصحابنا منعقد على ذلك، وأيضا قوله تعالى: " كونوا قوامين
~~بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم " (2) والشهادة على النفس هي الإقرار، ولم
~~يفصل، وعلى من ادعى التخصيص الدليل.
# ويصح الإقرار المبهم، مثل أن يقول لفلان ms0894 علي شئ، ويرجع في تفسيره إليه،
~~فمهما فسره به قبل، إذا كان مما يتمول ويملكه المسلمون، قليلا كان أو
~~كثيرا، ولا تصح الدعوى المبهمة، لأنا إذا رددنا الدعوى المبهمة، كان للمدعي
~~ما يدعوه إلى تصحيحها، وليس كذلك الإقرار، لأنا إذا رددناه، لا نأمن أن لا
~~يقر ثانيا.
# والمرجع في تفسير المبهم إلى المقر، على ما قدمناه، ويقبل تفسيره بأقل ما
~~يتمول في العادة، فإن لم يقر جعلناه ناكلا، ورددنا اليمين على المقر له،
~~فيحلف على ما يقول، ويأخذه، فإن لم يحلف فلا حق له.
# PageV02P499
# وإذا قال له علي مال عظيم أو جليل، أو نفيس، أو خطير، لم يقدر ذلك بشئ،
~~ويرجع في تفسيره إلى المقر، ويقبل تفسيره بالقليل والكثير، لأنه لا دليل
~~على مقدر معين، والأصل براءة الذمة، وما يقر به مقطوع عليه، فوجب الرجوع
~~إليه، ويحتمل أن يكون أراد، عظيم عند الله تعالى من جهة المظلمة، وأنه جليل
~~نفيس عند الضرورة إليه، وإن كان قليل المقدار، وإذا احتمل ذلك وجب أن يرجع
~~إلى تفسيره، لأن الأصل براءة الذمة، ولا نعلق عليها شيئا محتملا. ويحتج على
~~المخالف بما روي من قوله عليه السلام: " لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيب نفس
~~منه " (1) لأنه يقتضي أن لا يؤخذ منه أكثر مما أقر به.
# وإذا قال له علي مال كثير، كان إقرارا بثمانين، لما رواه أصحابنا (2)
~~وأجمعوا عليه. وروي في تفسير قوله تعالى: " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة
~~" (3) أنها كانت ثمانين موطنا (4).
# والأولى عندي أنه يرجع في التفسير إليه، لأن هذا قول مبهم محتمل، ولا
~~نعلق على الذمم شيئا بأمر محتمل، وأنما ورد في أخبار أصحابنا، وأجمعوا عليه
~~في النذر فحسب، ولم يذهب أحد منهم إلى تعديته إلى الإقرار والوصية، سوى
~~شيخنا أبي جعفر رحمه الله في فروع المخالفين في المبسوط (5)، ومسائل خلافه
~~(6)، والقياس عندنا باطل، فمن عداه إلى غير النذر الذي ورد فيه، يحتاج إلى
~~دليل.
# ثم لا خلاف بين أصحابنا بل بين المسلمين، أنه إذا باع دارا بمال كثير، ms0895
~~يكون البيع باطلا، لأن الثمن مجهول المقدار، فلو كان الشارع قد جعل حد
~~الكثير ثمانين في كل شئ، لما كان البيع باطلا، وكذلك إذا باع الدار بجزء من
~~ما له،
# PageV02P500
# وكان ما له معلوم المقدار، يكون البيع باطلا بلا خلاف، وإن كان الجزء هو
~~السبع في الوصية فحسب، ولا نعديه إلى غيرها بغير خلاف.
# وإذا قال: له علي ألف ودرهم، لزمه درهم، ويرجع في تفسير الألف إليه،
~~لأنها مبهمة، والأصل براءة الذمة، وقوله: " ودرهم "، زيادة معطوفة على
~~الألف، وليست بتفسير لها، لأن المفسر لا يكون بواو العطف، وكذا الحكم لو
~~قال: ألف ودرهمان، فأما إذا قال: ألف وثلاثة دراهم، أو ألف وخمسون درهما،
~~وما أشبه ذلك، فالظاهر أن الكل دراهم، لأن ما بعده تفسير له.
# وإذا قال: له علي عشرة إلا درهما، كان إقرارا بتسعة، فإن قال: إلا درهم،
~~بالرفع كان إقرارا بعشرة، لأن المعنى غير درهم.
# وإن قال: ما له علي عشرة إلا درهما، لم يكن مقرا بشئ، لأن المعنى ما له
~~علي تسعة.
# ولو قال: ما له علي عشرة إلا درهم، كان إقرارا بدرهم، لأن رفعه بالبدل من
~~العشرة، فكأنه قال: ما له علي إلا درهم.
# وإذا قال: له علي عشرة إلا ثلاثة، إلا درهما، كان إقرارا بثمانية، لأن
~~المراد إلا ثلاثة لا يجب، إلا درهما من الثلاثة يجب، لأن الاستثناء من
~~الإيجاب نفي، ومن النفي إيجاب، واستثناء الدرهم يرجع إلى ما يليه فقط، إذا
~~لم يكن بواو العطف، ولا يجوز أن يرجع إلى جميع ما تقدم لسقوط الفائدة.
# إذا قال: ما له عندي عشرون إلا خمسة، فأنت تريد مالك إلا خمسة.
# وتقول، لك علي عشرة إلا خمسة ما خلا درهما، فالذي له ستة.
# وكل استثناء مما يليه فالأول حط، والثاني زيادة، وكذلك جميع العدد،
~~فالدرهم مستثنى من الخمسة، فصار المستثنى أربعة، هذه المسائل ذكرها ابن
~~البراج في أصوله (1).
# PageV02P501
# إذا قال: علي عشرة إلا ثلاثة وإلا اثنين، كان ذلك استثناء الخمسة من
~~العشرة، وأما إذا لم يعطف الثاني ms0896 على الأول، مثل أن يقول: له علي عشرة إلا
~~خمسة إلا اثنين، فيكون قد استثنى الاثنين من الخمسة، فيبقى ثلاثة، فيكون قد
~~استثنى من العشرة ثلاثة فيلزمه سبعة، ولا يجوز أن يعود هاهنا إلى الجملتين
~~معا، بل إلى الجملة التي تليه، لأنه كان يكون لا فائدة فيه، لأن الكلام
~~موضوع للإفادة، كما إذا قال له علي درهم ودرهم إلا درهما، فقد أسقط
~~الاستثناء من الدرهمين درهما، فلو رجع إلى الجملتين معا من الكلام صار عبثا
~~ولغوا، كما لو قال: له علي درهم إلا درهما، فلا يقبل استثناؤه ذلك، لأن
~~الاستثناء يخرج من الجمل، ما لولاه لصح دخوله تحته، أو لوجب دخوله تحته على
~~العبارتين واختلاف المقالتين بين من تكلم في أصول الفقه، وإذا كان
~~الاستثناء الثاني معطوفا على الأول، كانا جميعا راجعين إلى الجملة الأولى،
~~فلو قال: علي عشرة إلا ثلاثة وإلا درهما، كان إقرارا بستة، وإذا استثنى بما
~~لا يبقى معه من المستثنى منه شئ، كان باطلا على ما قدمناه، لأنه يكون
~~بمنزلة الرجوع عن الإقرار، فلا يقبل.
# وإن استثنى بمجهول القيمة، كقوله: علي عشرة إلا ثوبا، فإن فسر قيمته بما
~~يبقى معه من العشرة شئ، وإلا كان باطلا.
# ويجوز استثناء الأكثر من الأقل بلا خلاف، إلا من ابن درستويه النحوي،
~~وابن حنبل، ويدل على صحته قول تعالى: " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من
~~اتبعك من الغاوين " (1) وقال حكاية عن إبليس: " فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا
~~عبادك منهم المخلصين " (2) فاستثنى من عباده، الغاوين مرة، والمخلصين أخرى،
~~فلا بد أن يكون أحد الفريقين أكثر من الآخر.
# وإذا قال: علي كذا درهم، بالرفع، لزمه درهم واحد، لأن التقدير هو درهم،
# PageV02P502
# أي الذي أقررت به درهم.
# وإن قال: كذا درهم بالخفض، لزمه مائة درهم، لأن ذلك أقل عدد يخفض ما
~~بعده، ولا يلزم أن يكون إقرارا بدون الدرهم، لأنه أقل ما يضاف إلى الدرهم،
~~لأن ذلك ليس بعدد صحيح، وإنما هو كسور.
# وإن قال: كذا درهما لزمه عشرون درهما، لأنه أقل ms0897 عدد واحد ينتصب ما بعده.
# وإن قال: كذا كذا درهما، لزمه أحد عشر درهما، لأن ذلك أقل عددين ركبا،
~~وانتصب ما بعدهما.
# وإن قال: كذا وكذا، وأدخل بينهما الواو، كان إقرارا بأحد وعشرين درهما،
~~لأن ذلك أقل عددين عطف أحدهما على الآخر، وانتصب الدرهم بعدهما.
# والأولى عندي في هذه المسائل جميعا، أن يرجع في التفسير إلى المقر، لأن
~~كذا لفظ مبهم محتمل، ولا نعلق على الذمم شيئا بأمر يحتمل، والأصل براءة
~~الذمة، ولم يذكر هذه المسائل أحد من أصحابنا، إلا شيخنا أبو جعفر في مبسوطه
~~(1)، ومسائل خلافه (2) وهذان الكتابان بعضهما (3) فروع المخالفين،
~~وتخريجاتهم، وأخبارنا خالية من ذلك، وكذلك مصنفات أصحابنا، إلا من اتبع
~~تصنيف شيخنا أبي جعفر، فليلحظ ذلك ويتأمل.
# وإذا قال: علي دراهم، فإنه يلزمه ثلاثة دراهم.
# وإذا أقر بشئ وأضرب عنه، واستدرك غيره، فإن كان مشتملا، على الأول، بأن
~~يكون من جنسه وزائدا عليه، وغير متعين، لزمه دون الأول، بل يدخل الأول فيه،
~~كقوله علي درهم، لا بل درهمان، ولا يلزمه ثلاثة دراهم، لأن الأول دخل في
~~الثاني، لأنه إذا قال: علي درهم، فقد أخبر بدرهم عليه، وقوله بعد هذا: لا
~~بل درهمان، إخبار بالدرهم الذي أقر به أو لا، ثانيا، لأنه يصح
# PageV02P503
# أن يخبر عنه ثم يخبر عنه، فكأنه نفى الاقتصار عليه، فأخبر به، وبغيره مرة
~~أخرى.
# وإن كان ناقصا عنه، لزمه الأول دون الثاني، كقوله: علي عشرة دراهم، لا بل
~~تسعة دراهم، لأنه أقر بالعشرة، ثم رجع عن بعضها، فلم يصح رجوعه، ويفارق ذلك
~~إذا قال: له علي عشرة دراهم إلا درهما، لأن للتسعة عبارتين، إحداهما لفظ
~~التسعة، والأخرى لفظ العشرة مع استثناء الواحد، فبأيهما أتى فقد عبر عن
~~التسعة.
# إذا قال: لفلان علي درهم ودرهم إلا درهما، فعلي ما يذهب إليه أن
~~الاستثناء إذا تعقب جملا معطوفة بعضها على بعض بالواو، فإنه يرجع إلى
~~الجميع يجب أن نقول أنه يصح، ويكون إقرارا بدرهم، ومن قال: يرجع إلى ما
~~يليه، فإنه يبطل الاستثناء، ويكون إقرارا بدرهمين، ms0898 لأنه إذا رجع إلى ما
~~يليه وهو درهم، لا يجوز أن يستثني درهما من درهم، لأن ذلك استثناء الجميع،
~~وذلك فاسد، فيبطل الاستثناء، ويبقى ما أقر به وهو درهم ودرهم الذي عطف
~~عليه.
# وإن كان ما استدركه من غير جنس الأول، كقوله: علي درهم، لا بل دينار، أو
~~قفيز حنطة، لا بل قفيز شعير، لزمه الإقراران معا، لأن ما استدركه لا يشتمل
~~على الأول، فلا يسقط برجوعه عنه، لأنه غير داخل فيه.
# وإن كان ما أقر به أولا وما استدركه متعينين بالإشارة إليهما، أو بغيرها
~~مما يقتضي التعريف، لزمه أيضا الأمران، سواء كانا من جنس واحد، أو من
~~جنسين، أو متساويين في المقدار، أو مختلفين، لأن أحدهما والحال هذه، لا
~~يدخل في الآخر، ولا يقبل رجوعه عما أقر به أولا، كقوله: هذه الدراهم لفلان،
~~لا بل هذا الدينار، أو هذه الجملة من الدراهم، لا بل هذه الأخرى.
# وإذا قال: له علي ثوب في منديل، لم يدخل المنديل في الإقرار، لأنه يحتمل
~~أن يريد في منديل لي، فلا يلزم من الإقرار إلا المتيقن، دون المشكوك فيه،
~~لأن الأصل براءة الذمة، وكذا القول في كل ما جرى هذا المجرى، مثل أن يقول:
# غصبته سمنا في ظرف، أو حنطة في غرارة، وما أشبه ذلك. PageV02P504
# وإذا قال: له علي ألف درهم وديعة، قبل منه، لأن لفظة علي للإيجاب، وكما
~~يكون الحق في ذمته، فيجب عليه تسليمه بإقراره، كذلك يكون في يده، فيجب عليه
~~رده وتسليمه إلى المقر له بإقراره.
# ولو ادعى التلف بعد الإقرار قبل، لأنه لم يكذب إقراره، وإنما ادعى تلف ما
~~أقر به بعد ثبوت بإقراره، بخلاف ما إذا ادعى التلف وقت الإقرار، بأن يقول:
# كان عندي أنها باقية، فأقررت لك بها، وكانت تالفة في ذلك الوقت، فإن ذلك
~~لا يقبل منه، لأنه يكذب إقراره المتقدم من حيث كان تلف الوديعة من غير تعد
~~يسقط حق المودع.
# والذي يقوى في نفسي، أنه إذا قال: له علي ألف درهم وديعة، لا يقبل منه، ms0899
~~لأن لفظة " علي " للإيجاب والالتزام، والوديعة غير لازمة له ولا واجبة في
~~ذمته، ولا في يده، فلا يجب تسليمها إلا بعد مطالبة المودع، فحينئذ يجب،
~~وقبل ذلك لا يجب، فإذن التمسك الأول غير معتمد، بل لو قال: له عندي ألف
~~درهم وديعة، قبل منه، لأن عندي لفظة غير موجبة ولا لازمة، وإن كان قد ذكر
~~الأول بعض أصحابنا (1)، وسطره في كتابه، فإنه من تخاريج المخالفين،
~~واستحساناتهم، فأما كلام العرب الذي نزل القرآن بلغتهم، يقتضي ما ذكرناه،
~~إذ لا نص على خلاف ما ذهبنا إليه، ولا إجماع.
# وإذا قال: له علي ألف درهم إن شئت، لم يكن لكلامه حكم، لأن الإقرار إخبار
~~عن حق واجب سابق له، وما كان كذلك لم يصح تعلقه بشرط مستقبل.
# وإذا قال: له من ميراثي من أبي ألف درهم، لم يكن أيضا إقرارا، لأنه أضاف
~~الميراث إلى نفسه، ثم جعل له منه جزء ولا يكون له جزء من ماله إلا على وجه
~~الهبة أو الصدقة.
# PageV02P505
# ولو قال: له من ميراث أبي ألف درهم، كان ذلك إقرارا بدين في تركته.
# وهكذا لو قال: داري هذه لفلان، لم يكن ذلك إقرارا، لمثل ما قدمناه، لأن
~~هذا مناقضة، كيف يكون داره لفلان في حال ما هي له.
# ولو قال: هذه الدار، ولم يضفها إليه، بل قال: هذا الدار التي هي في يدي،
~~أو هذه الدار لفلان من غير إضافة إليه، كان إقرارا، لأنها قد تكون في يده
~~بإجارة، أو عارية، أو غصب.
# فأما إذا قال: هذه داري، أو داري لفلان بأمر حق ثابت، كان إقرارا أيضا
~~صحيحا، لأن قوله: بأمر حق ثابت، يجوز أن يكون له حق، وجعل داره في مقابلة
~~ذلك الحق، وإن كان قد أضافها إلى نفسه.
# ويصح الإقرار المطلق للحمل، لأنه يحتمل أن يكون من جهة صحيحة، مثل ميراث
~~أو وصية، لأن الميراث يوقف له، وتصح الوصية عندنا للحمل، فالظاهر من
~~الإقرار الصحة، فوجب حمله عليه.
# ومن أقر بدين في حال صحته، ثم مرض، فأقر بدين ms0900 آخر في حال مرضه صح، ولا
~~يقدم دين الصحة على دين المرض، بل هما سواء، ولا يكلف من أقر له في حال
~~المرض، إقامة بينة على أن إقراره له عن حق كان له عليه، سواء كان مرضيا
~~موثوقا بعدالته، أو غير موثوق بعدالته، متهما على الورثة، أو غير متهم،
~~ويعطى من أصل المال، دون الثلث، مثل الدين الذي أقر به في حال صحته، لا فرق
~~بينهما، إذا كان عقله ثابتا عليه، لأنا قد بينا أن إقرار العقلاء الغير
~~المولى عليهم، جائز على نفوسهم، والدليل على ذلك قوله تعالى: " من بعد وصية
~~يوصي بها أو دين " (1) من غير فصل، لأن الأصل تساويهما في الاستيفاء من حيث
~~تساويا في الاستحقاق، فعلى من ادعى تقديم أحدهما على الآخر الدليل.
# PageV02P506
# ولا يلتفت إلى ما أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته، فإنه قال: إقرار
~~المريض جائز على نفسه للأجنبي، وللوارث على كل حال، إذا كان مرضيا موثوقا
~~بعدالته، ويكون عقله ثابتا في حال الإقرار، ويكون ما أقر به من أصل المال،
~~فإن كان غير موثوق به، وكان متهما، طولب المقر له بالبينة، فإن كانت معه
~~بينة، أعطي من أصل المال، وإن لم يكن معه بينة، أعطي من الثلث إن بلغ ذلك،
~~فإن لم يبلغ فليس له أكثر منه (1) هذا آخر كلامه رحمه الله في نهايته.
# إلا أنه رجع عنه في مسائل خلافه، وفي مبسوطه (2).
# فقال في مسائل خلافه في الجزء الثاني من كتاب الإقرار: مسألة، إذا أقر
~~بدين في حال صحته، ثم مرض، فأقر بدين آخر في حال مرضه، نظر، فإن اتسع المال
~~لهما، استوفيا معا، وإن عجز المال قسم الموجود منه على قدر الدينين، وبه
~~قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: إذا ضاق المال، قدم دين الصحة على دين المرض،
~~فإن فضل شئ صرف إلى دين المرض، دليلنا قوله تعالى: " من بعد وصية يوصي بها
~~أو دين " (3) ولم يفضل أحد الدينين على الآخر، فوجب أن يتساويا في
~~الاستيفاء، وأيضا فإنهما دينان ثبتا في الذمة، فوجب ms0901 أن يتساويا في
~~الاستيفاء، لأن تقديم أحدهما على الآخر يحتاج إلى دليل (4) هذا آخر المسألة
~~من كلام شيخنا رحمه الله.
# إذا قال: له عندي عبد عليه عمامة، دخلت العمامة في الإقرار.
# وإذا قال: له عندي دابة عليها سرج، لم يدخل السرج في الإقرار.
# والفرق بينهما أن العبد ثبتت يده على ما هي عليه، فيكون لمولاه المقر له،
~~والدابة لا تثبت لها يد على ما عليها، فلا يكون ما عليها لصاحبها إلا
~~بالإقرار،
# PageV02P507
# وقوله: عليها سرج، ليس بإقرار بالسرج، فافترقا.
# إذا قال: هذه الدار لفلان، لا بل لفلان، أو قال غصبتها من زيد، لا بل من
~~عمرو، فإن إقراره الأول لازم، ويكون الدار للأول، ويغرم قيمتها للثاني،
~~لأنه حال بينه وبين ما أقر له به، فهو كما لو ذبح شاة له، وأكلها، ثم أقر
~~له بها، أو أتلف مالا، ثم أقر به لفلان، فإنه يلزمه غرامته، فكذلك هذا،
~~وهذا كما نقول في الشاهدين: إذا شهدا على رجل باعتاق عبده، أو طلاق امرأته
~~غير المدخول بها، وحكم الحاكم بذلك، ثم رجعا عن الشهادة، كان عليهما غرامة
~~قيمة العبد، وغرامة المهر، لأنهما حالا بينه وبين ملكه، فلا ينقض حكم
~~الحاكم بغير خلاف.
# وإلى هذا يذهب شيخنا أبو جعفر في المبسوط، في كتاب الإقرار (1)، وكتاب
~~الشهادات (2).
# وإذا باع شيئا، ثم أقر البايع أن ذلك المبيع لفلان، فإن الغرامة تلزمه،
~~ولا ينفذ إقراره في حق المشتري.
# إذا قال: لفلان علي ألف درهم، فجاء بألف، وقال: هذه التي أقررت لك بها،
~~كانت لك عندي وديعة، كان القول في ذلك قوله، عند بعض الناس، والأظهر أنه لا
~~يقبل قوله في ذلك، ويلزمه ما أقر به، لأنا قد بينا من قبل أن لفظة " علي "
~~لفظة إيجاب وإلزام، والوديعة غير لازمة له، إلا أن يعقب قوله: وديعة فرطت
~~فيها.
# وإذا قال: له عندي ألف درهم وديعة شرط علي أني ضامن لها، كان ذلك إقرارا
~~بالوديعة، ولم يلزمه الضمان الذي شرط عليه، لأن ما كان أصله أمانة لا يصير
~~مضمونا ms0902 بالشرط، وما يكون مضمونا لا يصير أمانة بشرط، لأنه لو شرط على
~~المستام أن يكون مال السوم أمانة، لم يصر أمانة بالشرط.
# PageV02P508
# إذا شهد شاهدان على رجل بأنه أعتق عبده الذي في يده فإن كانا عدلين، حكم
~~بعتق العبد، وإن لم يكونا عدلين، فردت شهادتهما، ثم اشتريا ذلك العبد من
~~المشهود (1)، صح الشراء، وعتق عليهما، ويفارق ذلك، إذا قال رجل لامرأة: أنت
~~أختي، فأنكرت المرأة، ثم أنه تزوج بها، في أنه لا يصح العقد، لأنه قد أقر
~~أن فرجها حرام عليه، فإذا تزوج بها، لم يقصد إلا المقام على الفرج الحرام،
~~فلذلك لم يصح، وليس كذلك إذا اشتريا العبد، لأنهما يقصدان غرضا صحيحا، وهو
~~استنقاذه من الرق، فافترقا.
# إذا قال: له علي ألف دينار من ضرب كذا، أو سكة كذا وكذلك إذا قال له على
~~درهم من ضرب كذا وسكة كذا (2) ونقد كذا قبل منه تفسيره، إذا انطلق عليها
~~اسم الذهب المتعامل به، وكذلك الدراهم المتعامل بها، وإن كانت ردية، فإن
~~كانت دراهم لا فضة فيها بحال، لا يقبل منه، وكذلك حكم الدنانير، هذا إذا
~~كان تفسيره بالصفة متصلا بالإقرار، فأما إن كان منفصلا، لا يقبل منه ذلك
~~التفسير، بل يرجع في إطلاق إقراره إلى نقد البلد الذي هو فيه وغالبه.
# إذا قال يوم السبت: لفلان علي درهم، ثم قال يوم الأحد: له علي درهم، لم
~~يلزمه إلا درهم واحد، ويرجع إليه في التفسير، فأما إذا قال يوم السبت:
# لفلان علي درهم من ثمن عبد، ثم قال يوم الأحد: له علي درهم من ثمن ثوب،
~~لزمه درهمان، لأن ثمن العبد غير ثمن الثوب. ويفارق ذلك إذا قال مطلقا من
~~غير إضافة إلى سبب، لأنه يحتمل التكرار، وكذلك إذا أضاف كل واحد من
~~الإقرارين إلى سبب غير السبب الذي أضاف إليه الآخر.
# إذا قال: له علي ما بين الدرهم إلى العشرة، لزمه ثمانية، لأنه أقر بما
~~بين الواحد والعاشر، والذي بينهما ثمانية، وكذلك إذا قال: له علي من درهم
~~إلى
# PageV02P509
# عشرة، ms0903 وقال بعض الناس: يلزمه تسعة، والأول هو الصحيح، لأنه اليقين، وهذا
~~محتمل، فلا نعلق على الذمة شيئا بأمر محتمل.
# إذا ادعى عليه رجل مالا بين يدي الحاكم، وقال: لا أقر ولا أنكر، قال له
~~الحاكم: هذا ليس بجواب، فأجب بجواب صحيح، فإن أجبت، وإلا جعلتك ناكلا،
~~ورددت اليمين على خصمك، فإن لم يجب بجواب صحيح، فالمستحب أن يكرر ذلك عليه
~~ثلاث مرات، فإن لم يجب بجواب صحيح، جعله ناكلا ورد اليمين على صاحبه، وإن
~~رد اليمين بعد المرة الأولى جاز، لأنه هو القدر الواجب، وإنما جعلناه ناكلا
~~بذلك، لأنه لو أجاب بجواب صحيح، ثم امتنع عن اليمين، جعل ناكلا، فإذا امتنع
~~عن الجواب واليمين، فأولى أن يكون ناكلا بذلك.
# فأما إذا قال: لي عليك ألف درهم، فقال: نعم، أو قال: أجل، كان ذلك
~~إقرارا.
# إذا قال لامرأته: قد طلقتك بألف، وقبلت ذلك، وبذلته لي، لأجل أنك كرهت
~~المقام معي، فأنكرت، كان القول قولها مع يمينها، فإذا حلفت، سقطت الدعوى،
~~ولزمه الطلاق الباين بإقراره، ولم يثبت له الرجعة.
# قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: إذا أقر ببنوة صبي، لم يكن ذلك
~~إقرارا بزوجية أمه، ثم قال: دليلنا أنه يحتمل أن يكون الولد من نكاح صحيح،
~~ويحتمل أن يكون من نكاح فاسد، أو وطء شبهة، وإذا احتمل الوجوه، لم يحمل على
~~الصحيح دون غيره، وقوله باطل ببنوة أخيه (1) هذا آخر كلام شيخنا.
# قال محمد بن إدريس: معنى قوله رحمه الله: " وقوله " يريد قول الخصم "
~~باطل ببنوة أخيه " يريد بذلك أن رجلا آخر أقر بولد آخر، أخ لهذا المقر به
~~من أمه، فإنه يلزم على قول من ذهب من المخالفين، أن ذلك يكون إقرارا بزوجية
~~أمه أن تكون المرأة أم الولدين اللذين قد أقر رجل ببنوة أحدهما، وأقر آخر
# PageV02P510
# ببنوة الآخر، زوجة للمقربين معا، في حال ما أقر بالولدين، وهذا لا يقوله
~~أحد، إن امرأة واحدة يكون زوجة لرجلين في حال واحدة، فليتأمل ذلك، فقول
~~شيخنا فيه غموض وإجمال، ويحتاج إلى بيان. ms0904
# إذا قال لفلان علي ألف درهم، ثم سكت، ثم قال: من ثمن مبيع لم أقبضه، لزمه
~~الألف، ولم يقبل منه ما ادعاه من البيع، لأنه أقر بالألف، ثم فسره بما
~~يسقطه، وكذلك لو قال: لفلان علي ألف درهم، ثم سكت، ثم قال.
# وقد قبضها، وكذلك إذا قال: لفلان علي ألف درهم من ثمن مبيع، ثم سكت، ثم
~~قال: لم أقبضه (1)، لا فرق بين الموضعين، سواء وصل قوله بثمن مبيع، ثم قال:
~~لم أقبضه، أو فصله، لا فرق بين الموضعين، لأنه أقر بمال الآدمي، ولفظ
~~الإقرار، لفظ التزام وإيجاب متقدم، وإذا ثبت حق الآدمي، فلا دلالة على
~~إسقاطه، وتعقيبه بما وصله، لا يسقطه، لأنه على غير وجه الاستثناء، لأن
~~الاستثناء هو المسقط لبعض ما اشتمل عليه، لأنه يخرج من الجمل، ما لولاه
~~لوجب دخوله تحته، أو لصلح دخوله تحته، على أحد القولين، وليس لنا ما يسقط
~~من الجمل والكلام إذا تعقبه، إلا الاستثناء فحسب، لأنه ثبت من اللسان
~~والعرف الشرعي واللغوي، فقلنا به. مع أنه لا يجوز أن يسقط جميع الجملة،
~~ومتى استثنى جميع الجملة، كان الاستثناء باطلا.
# ومن ذهب إلى خلاف ما نحن عليه يسقطه (2) جملة، لأن الشافعي يذهب إلى أنه
~~إذا قال: لفلان علي ألف درهم من ثمن مبيع، ثم سكت، ثم قال لم أقبضه قبل
~~منه، لأن قوله بعد السكوت لم أقبضه، لا ينافي إقراره الأول، لأنه قد يكون
~~عليه ألف درهم ثمنا، ولا يجب عليه تسليمها حتى يقبض المبيع، ولأن الأصل عدم
~~القبض، فإذا قال (3): له علي ألف درهم من ثمن مبيع لم أقبضه، لم
# PageV02P511
# يلزمه، ولا فرق بين أن يعين المبيع أو يطلقه، هذا قول الشافعي، وقال أبو
~~حنيفة:
# إذا عينه، قبل منه وصل أو فصل، وإن أطلقه لم يقبل منه، ولزمه الألف،
~~واستدل الشافعي أنه أقر بحق في مقابلة حق لا ينفك أحدهما عن الآخر، فإذا لم
~~يسلم ماله، لم يلزمه ما عليه، واختار شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، وفي
~~مبسوطه، قول الشافعي، وزاد ms0905 على استدلال الشافعي، بأن قال: إن الأصل براءة
~~الذمة، ولا دليل على أنه يلزمه، هذا آخر كلامه واستدلاله، ولم يتمسك بإجماع
~~الفرقة، ولا بالأخبار، ولا بكتاب الله تعالى، لأن ذلك لا إجماع عليه، ولا
~~سنة متواترة، ولا كتاب الله سبحانه.
# فأما قوله رضي الله عنه: الأصل براءة الذمة، فصحيح من قبل أن يقر المقر
~~بحق الآدمي، فأما بعد الإقرار فقد انتقل من ذلك الأصل، وعاد الأصل ثبوت حق
~~الآدمي، فمن أسقطه يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه من كتاب، ولا سنة، ولا
~~إجماع، بل هذا من تخريجات المخالفين، واستحساناتهم، ومقاييسهم،
~~واجتهاداتهم، وآرائهم، ولقد كفينا بحمد الله جميع ذلك من لزوم الأصول، وإن
~~إقرار العقلاء جائز على نفوسهم، بما يوجب حكما في شريعة الإسلام، وأنه لا
~~يجوز له الرجوع عنه، ولا إسقاطه، ولا إسقاط شئ منه، إلا بما قد أجمعنا عليه
~~من إسقاط بعضه بالاستثناء فحسب، لما دللنا عليه.
# ولم يذهب أحد من أصحابنا إلى هذا المقال، ولا أودعه في كتاب، سوى شيخنا
~~أبي جعفر في هذين الكتابين المشار إليهما، وهما المبسوط ومسائل الخلاف،
~~لأنهما فروع المخالفين، وما عداهما من سائر كتبه، لم يتعرض لذلك بقول.
# وقلده ونقل من مسطورة ابن البراج، (1) كما قلده في غير ذلك مما أجمعنا
~~على خلافه، من أن الإنسان إذا باع جارية حاملا، لا يجوز له أن يستثني
~~الحمل،
# PageV02P512
# لأنه يجري مجرى بعض أعضائها (1).
# وقد دللنا على فساد ذلك فيما مضى.
# ولا فرق بين أن يقول ذلك، ويقبل منه، وبين أن يقول له علي ألف درهم
~~قضيتها، أو ألف درهم من ثمن خمر، أو خنزير، أو من ثمن مبيع لم أقبضه، أو
~~تلف قبل القبض، فإن شيخنا أبا جعفر في مبسوطه، قال: فمتى أقر بكفالة بشرط
~~الخيار، أو بضمان بشرط الخيار، مثل أن يقول: تكفلت لك ببدن فلان، أو ضمنت
~~لك مالك على فلان، على أني بالخيار ثلاثة أيام، فقد أقر بالكفالة، ووصل
~~إقراره بما يسقطها، فلا يقبل إلا ببينة، وكذلك إذا قال: له علي ألف ms0906 درهم
~~قضيتها، أو ألف درهم من ثمن خمر، أو خنزير، أو من ثمن مبيع تلف قبل القبض
~~(2).
# فهذا جميعه أورده شيخنا مستدلا على أنه إذا أقر بشئ، ووصل إقراره بما
~~يسقطه، فلا يقبل قوله إلا ببينة، فيلزمه مثل ذلك فيما اختاره من أنه يقبل
~~قوله، إذا وصل إقراره بقوله له علي ألف درهم من ثمن مبيع، ثم قال: لم
~~أقبضه، إذ لا فرق بينهما، وهو قائل في أحدهما بغير ما قال في الآخر،
~~واستدلاله فاض عليه، وهو محجوج بقوله الذي قال فيه: إذا أقر بشئ، ووصل
~~إقراره بما يسقطه، فلا يقبل قوله إلا ببينة.
# وإذا قال: لفلان علي ألف درهم مؤجلا إلى وقت كذا، لزمه الألف، ولا يثبت
~~التأجيل، ولشيخنا في ذلك قولان، أحدهما أنه يثبت التأجيل، ويقول في موضع
~~آخر: لا يثبت التأجيل، وهذا الذي يقوى في نفسي لما دللنا عليه أولا.
# الإقرار بالعجمية يصح، كما يصح بالعربية، لأنها لغة، ولأنها تنبئ عما في
~~النفس من الضمير كالعربية، فإذا أقر بالعجمية عربي، أو أقر بالعربية عجمي،
~~فإن كان عالما بمعنى ما يقوله، لزمه إقراره، وإن قال: قلت ذلك ولا أعرف
# PageV02P513
# معناه، فإن صدقه المقر له، لم يلزمه شئ فإن كذبه فالقول قول المقر مع
~~يمينه أنه لم يدر معناه، لأن الظاهر من حال العربي أنه لا يعرف العجمية،
~~ومن حال العجمي أنه لا يعرف العربية، فقدم قوله لهذا الظاهر.
# إذا شهد عليه شهود بإقراره، ولم يقولوا: " وهو صحيح العقل " صحت الشهادة
~~بذلك الإقرار، لأن الظاهر صحة إقراره، ولأن الظاهر أنهم لا يتحملون الشهادة
~~على من ليس بعاقل، فإذا ادعى المقر المشهود عليه أنه أقر وهو مجنون، وأنكر
~~المقر له ذلك، كان القول قوله مع يمينه، لأن الأصل عدم الجنون، فأما إذا
~~شهد عليه الشهود بالإقرار، فادعى أنه كان مكرها على ذلك، لم يقبل منه، لأن
~~الأصل عدم الإكراه، فإن أقام البينة على أنه كان محبوسا أو مقيدا وأدعي
~~الإكراه، قبل منه ذلك، وكان القول قوله مع يمينه لأن الظاهر ms0907 من حال المحبوس
~~والمقيد، إنه مكره على تصرفه وإقراره.
# إذا أقر الصبي على نفسه بالبلوغ، نظر، فإن لم يبلغ بعد القدر الذي يجوز
~~أن يبلغ فيه، لم يقبل إقراره، وإن كان بلغ القدر الذي يبلغ فيه، صح إقراره،
~~وحكم ببلوغه، لأنه أقر بما يمكن صدقه فيه.
# الإقرار بالنسب لا يخلو من أحد أمرين.
# إما أن يكون المقر بالنسب، مقرا على نفسه بنسب، أو غيره، فإن كان على
~~نفسه، مثل أن يقر بأنه ابنه، نظر، فإن كان المقر به صغيرا اعتبر فيه ثلاثة
~~شروط.
# أحدها أن يمكن أن يكون ولدا له، وإن لم يمكن أن يكون ولدا له، فلا يثبت،
~~مثل أن يقربه، وللمقر ستة عشر سنة، وللمقر به عشر سنين، والثاني أن يكون
~~مجهول النسب، لأنه إذا كان معروف النسب فلا يثبت، والثالث لا ينازعه فيه
~~غيره لأنه إذا نازعه فيه غيره، لم يثبت ما يقول إلا ببينة، فإذا حصلت هذه
~~الشروط الثلاثة ثبت النسب. PageV02P514
# إذا أذن الرجل لعبده في النكاح، فتزوج بامرأة بمهر، وضمن السيد ذلك
~~المهر، ثم إنه باع العبد منها بقدر المهر الذي لزمه، لم يصح البيع، لأن
~~إثباته يؤدي إلى إسقاطه، والمسألة مفروضة، إذا اشترته زوجته قبل الدخول
~~بها، لأنا إذا صححنا ذلك البيع، ملكت المرأة زوجها، وإذا ملكته انفسخ
~~النكاح، وإذا انفسخ النكاح، سقط المهر، لأنه فسخ جاء من قبلها قبل الدخول،
~~وكل فسخ جاء من قبل النساء قبل الدخول أسقط جميع المهر، فإذا سقط المهر،
~~عري البيع عن الثمن، والبيع لا يصح إلا بالثمن، فلما كان إثباته يؤدي إلى
~~إسقاطه، لم يثبت.
# إذا تسلم المقر له ما حصل الإقرار به، واستحق ببعض وجوه الاستحقاقات، نزع
~~من يده، وسلم إلى مستحقه، ولا درك للمقر له على المقر، لاختصاص فائدة
~~الإقرار بإسقاط حق المقر فحسب، فإن اقترن بإقراره ضمان الدرك، فمنع مانع من
~~التسليم، أو استحق بعده، فعليه دركه من حيث كان ضمان المقر للدرك دلالة
~~للحاكم، على أن الإقرار حصل عن استحقاق يقتضي ضمان الدرك. ms0908
# وإن كان الإقرار بعد تقدم دعوى لقائم العين كالدار والفرس، أو بمعين في
~~الذمة، كالدين وثمن المبيع، والأجرة، والأرش، وما أشبه ذلك، فعلى الحاكم
~~إلزامه بالخروج إلى المقر له، مما تعلق بذمته، وتسليم ما في يده من الأعيان
~~القائمة، فإن قامت بينة بعد التسليم باستحقاق عين المقر به، فعلى الحاكم
~~نزعه من يد المقر له به، ولا ضمان عليه، إلا أن يقترن الإقرار بالضمان، أو
~~يكون من حقوق الذمم، كالديون وغيرها، فيضمن على كل حال، فلتلحظ هذه الجملة،
~~وتتأمل.
# قال شيخنا أبو جعفر، في مبسوطه في كتاب الإقرار: إذا أعتق رجل عبدين في
~~حال صحته، فادعى عليه رجل أنه غصبهما منه، وأنهما مملوكان له، فأنكر ذلك
~~المعتق، فشهد له المعتقان بذلك، لم تقبل شهادتهما، لأن إثبات شهادتهما يؤدي
~~إلى إسقاطها، لأنه إذا حكم بشهادتهما، لم ينفذ العتق، وإذا لم ينفذ العتق،
~~بقيا على رقهما، وإذا بقيا على رقهما، لم تصح شهادتهما، فلما كان إثباتها
~~PageV02P515
# يؤدي إلى إسقاطها، لم يحكم بها، قال رحمه الله، وهذا على مذهبنا أيضا، لا
~~تقبل شهادتهما، لأنا لو قبلناها، لرجعا رقين، وتكون شهادتهما على المولى،
~~وشهادة العبد لا تقبل على مولاه، فلذلك بطل، لا لما قالوا (1) هذا آخر كلام
~~شيخنا في مبسوطه.
# قال محمد بن إدريس: ما ذهب إليه شيخنا رحمه الله في ذلك. غير واضح، بل هو
~~ضد لما عليه إجماعنا وتواتر أخبارنا (2) بغير خلاف، وقد أورد ذلك في نهايته
~~(3)، إن شهادتهما مقبولة.
# وما اعتل به غير مستقيم، لأنهما في حال شهادتهما وإقامتها وسماع الحاكم
~~لها لم يكونا عبدين، بل كانا حرين على ظاهر الحال، بغير خلاف، فما شهدا في
~~حال ما شهدا وأقاما، إلا على غير سيدهما، فلا يؤثر بعد ذلك ما يتعقب
~~الشهادة، لأن المؤثرات في وجوه الأحكام، لا يكون لها حكم، إلا أن تكون
~~مقارنة غير متأخرة، بل إن قيل: إن شهادتهما لسيدهما الحقيقي لا عليه، كان
~~صحيحا، ومثل هذه المسألة بل هي بعينها من الحكم منصوصة لأصحابنا، الرواية
~~بها متواترة، لا ms0909 يتعاجم في ذلك اثنان من أصحابنا.
# وأيضا فالشاهد إذا شهد عند الحاكم، وكان وقت شهادته مقبول الشهادة، لا
~~يؤثر بعد ذلك ما يطرأ عليه من تجدد فسق، بل يجب على الحاكم الحكم بشهادته،
~~فلو شرب بعد إقامة شهادته بلا فصل خمرا، وقبل الحكم بها، فإن الحاكم يحكم
~~بها، ولا يطرحها بغير خلاف بيننا، إلا أن يرجع الشاهد عنها قبل الحكم بها،
~~فيطرحها الحاكم إذا كان رجوعه قبل الحكم بها، فأما إذا كان رجوعه عنها بعد
~~الحكم بها، فلا يرجع الحاكم عن الحكم بها، ولا ينقض حكمه.
# PageV02P516
# كتاب النكاح PageV02P517
# كتاب النكاح قال الله تعالى: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " (1) فندب
~~تعالى إلى التزويج، وقال عز اسمه: " وأنكحوا الأيامى منكم " (2) فندب إلى
~~التزويج، وقال تعالى: " والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما
~~ملكت أيمانهم " (3) فمدح تعالى من حفظ فرجه إلا على زوجه أو ملك يمينه،
~~وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: معاشر الشباب،
~~من استطاع منكم الباءة، فليتزوج، ومن لا يستطيع فعليه بالصوم، فإن له وجاء
~~(4) فجعله كالموجوء، وهو الذي رضت خصيتاه، ومعناه أن الصوم يقطع الشهوة.
# قال محمد بن إدريس: الباءة النكاح بعينه، ونظيرها من الفعل فعلة بفتح
~~الفاء والعين، وفيها لغة أخرى باءه بهاء أصلية، ونظر ذلك من الفعل فاعل،
~~كقولك عالم، وخاتم، وفيها لغة أخرى الباه، مثل الجاه.
# وروي عنه عليه السلام أنه قال: " من أحب فطرتي فليستن بسنتي، ألا وهي
~~النكاح " (5) وقال عليه السلام: " تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم حتى
~~بالسقط " (6).
# و أجمع المسلمون على أن التزويج مندوب إليه، وإن اختلفوا في وجوبه.
# PageV02P518
# فإذا ثبت ذلك، فيحتاج أو لا أن نبين من يحرم نكاحه، ثم نبين أقسام النكاح
~~المباح، وشروطه، والأسباب الموجبة لتحريم الوطء بعد صحة العقد، وما يتعلق
~~بذلك كله من الأحكام.
# فنقول: من يحرم عليه العقد عليهن على ضربين، أحدهما يحرم على كل حال،
~~والثاني يحرم في حال دون حال.
# فالضرب الأول المحرمات بالنسب، وهن ست، ms0910 الأم وإن علت، والبنت وإن نزلت،
~~والأخت، وبنت الأخ، والأخت، وإن نزلتا، والعمة، والخالة وإن علتا، بلا
~~خلاف.
# والمحرمات بالرضاع وهن ست أيضا كالمحرمات بالنسب، إلا أن الراضع من لبن
~~المرأة يحرم عليه كل من ينتسب إلى بعلها بالولادة والرضاع، ولا يحرم عليه
~~من ينتسب إلى المرأة إلا بالولادة دون الرضاع.
# ولا يقتضي التحريم الرضاع إلا بشروط.
# منها أن يكون سن الراضع دون سن المرتضع من لبنه دون الحولين، وقد ذهب بعض
~~أصحابنا المتأخرين في تصنيف له إلى أن قال: منها أن يكون سن الراضع
~~والمرتضع من لبنه دون الحولين، وهذا خطأ من قائله، لأن الاعتبار بسن
~~الراضع، لأن المرأة إذا كان بها ولادة حلال، ومضى لها أكثر من حولين، ثم
~~أرضعت من له أقل من حولين الرضاع المحرم، انتشرت الحرمة، ويتعلق عليه
~~وعليها أحكام الرضاع بغير خلاف من محصل.
# واعتبارنا الحولين في المرتضع لدليل إجماع الطائفة، وأيضا قوله تعالى:
# " والوالدات يرضعن أو لا دهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة " (1)
~~لأن المراد إثبات الرضاع الشرعي الذي تتعلق به الحرمة، بدليل أنه تعالى
# PageV02P519
# لا يجوز أن يريد الرضاع اللغوي، لأنه ينطلق على ما يحصل بعد الحولين وقيل
~~تمامها، ولا يريد نفي جوازه دونهما أو بعدهما، لأن ذلك جائز. بلا خلاف، ولا
~~نفي الكفاية بدونهما أو بعدهما، لأن الكفاية قبل تمامها قد تحصل بلا شبهة،
~~فلم يبق إلا ما قلناه.
# ومن شرط تحريم الرضاع أن يكون لبن ولادة من عقد أو شبهة عقد، لا لبن در
~~أو لبن نكاح حرام، بدليل إجماعنا.
# ومنها أن يكون ما ينبت اللحم ويشد العظم، فإن لم يحصل ذلك فيوما وليلة،
~~أو عشر رضعات متواليات، على الصحيح من المذهب، وذهب بعض أصحابنا إلى خمس
~~عشرة رضعة، معتمدا على خبر واحد، رواية عمار بن موسى الساباطي (1) وهو فطحي
~~المذهب، ومخالف للحق، مع أنا قدمنا أن أخبار الآحاد لا يعمل بها، ولو رواها
~~العدل، فالأول مذهب السيد المرتضى وخيرته (2)، وشيخنا المفيد (3)، والثاني
~~خيرة شيخنا أبي جعفر الطوسي ms0911 (4)، والأول هو الأظهر الذي تقتضيه أصول
~~المذهب، لأن الرضاع يتناول القليل والكثير، فالإجماع حاصل على العشرة،
~~وتخصصها، ولأن بعض أصحابنا يحرم بالقليل من الرضاع والكثير، ويتعلق
~~بالعموم، فالأظهر ما اخترناه ففيه الاحتياط.
# وكل رضعة من العشر رضعات تروي الصبي.
# ولا يفصل بينها برضاع امرأة أخرى، فأما إن فصل بين العشر رضعات بشرب لبن
~~من غير رضاع، فلا تأثير له في الفصل، بل حكم التوالي باق بلا خلاف بين
~~أصحابنا في جميع ذلك.
# PageV02P520
# وجملة الأمر وعقد الباب، أنه لا يحرم من الرضاع عندنا إلا ما وصل إلى
~~الجوف من الثدي، من المجرى المعتاد الذي هو الفم، فأما ما يؤجر به، أو
~~يسعط، أو ينشق، أو يحقن به، أو يحلب في عينه، فلا يحرم بحال.
# ولبن الميتة فلا حرمة له في التحريم.
# ولا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين.
# ولا يثبت الرضاع بشهادة النساء لا المرضعة ولا غيرها، كثرن أو قللن، على
~~الظاهر من أقوال أصحابنا، وهو الذي يقوى في نفسي، لأن الشهادة والعمل بها
~~حكم شرعي يحتاج إلى أدلة شرعية، ولا دليل على ذلك، من كتاب، ولا سنة، ولا
~~إجماع.
# ومن هذا الضرب من المحرمات أم المعقود عليها، سواء دخل بالبنت أو يدخل،
~~لأن الله تعالى قال: " وأمهات نسائكم " (1) وهذه من جملة أمهات النساء، ولم
~~يشترط الدخول.
# ومن هذا الضرب أيضا بنت المدخول بها، سواء كانت في حجر الزوج أو لم تكن،
~~بلا خلاف إلا من داود، فإنه قال: إن كانت في حجره حرمت، وإلا فلا، ظنا منه
~~أن قوله تعالى: " اللاتي في حجوركم " (2) شرط في التحريم، وليس ذلك شرطا،
~~وإنما هو وصف لهن، لأن الغالب في العادات أن الربيبة تكون في حجره.
# ويحرم تحريم جمع، أربع: وهما الأختان، والمرأة وعمتها، إلا برضاها عندنا،
~~فأما بين الأختين، فلا يعتبر الرضا، والمحرم من الجمع بين المرأة وعمتها،
~~إن التحريم، إذا ارتفع الرضا، وكانت الداخلة بنت الأخ، أو بنت الأخت، فأما
~~إن كانت الداخلة العمة والخالة فلا تحريم، عند أصحابنا، سواء ms0912 رضيت المدخول
~~عليها، أو لم ترض، ومن تحريم الجمع المرأة وخالتها، وجميع ما قلناه من
# PageV02P521
# الأحكام بين المرأة وعمتها، هو بعينه ثابت بين المرأة وخالتها، حرفا
~~فحرفا، والمرأة وبنتها قبل الدخول، فمتى طلق الأم قبل الدخول حل له نكاح
~~البنت، إلا أن يدخل بالأم، فتحرم الربيبة على التأبيد.
# وكل من حرمت عينا، تحرم جمعا، وكل من حرمت جمعا، لا تحرم عينا إلا
~~الربيبة، فإنها تحرم عينا تارة وجمعا أخرى، لأنه إذا عقد على المرأة حرم
~~عليه نكاح بنتها قبل الدخول من حيث الجمع، فإن طلقها حل له نكاح الربيبة،
~~فإن دخل بها حرمت الربيبة على التأبيد، وهكذا الحكم في الرضاع حرفا فحرفا.
# وقد بينا أن الجمع بين الأختين في النكاح لا يجوز بلا خلاف، لقوله تعالى:
~~" وأن تجمعوا بين الأختين " (1).
# فإذا ثبت أن الجمع محرم، فله أن ينكح كل واحدة منهما على الانفراد. فإن
~~جمع بينهما، فالجمع جمعان، جمع مقارنة، وجمع متابعة.
# فالمتابعة أن يتزوج امرأة، ثم يتزوج عليها أختها أو عمتها، أو خالتها، أو
~~بنت أخيها، أو بنت أختها، فنكاح الثانية باطل، ونكاح الأولى صحيح.
# فأما جمع المقارنة، فإن يعقد عليهما معا في دفعة واحدة، فإذا فعل هذا كان
~~العقد باطلا على الصحيح من المذهب، لأنه عقد منهي عنه، والنهي يدل على فساد
~~المنهي عنه.
# وقال شيخنا رحمه الله في نهايته: يمسك أيتهما شاء (2)، والأظهر الأول.
# وكذلك الحكم فيمن عنده ثلاث نسوة، وعقد على اثنتين في عقد واحد، فإن
~~العقد باطل، لأنه عقد منهي عنه.
# وروي أنه يمسك أيتهما شاء منهما (3)، والصحيح ما قدمناه، وقال بعض
~~أصحابنا: تحرم أم المزني بها وابنتها.
# PageV02P522
# والأظهر والأصح من المذهب، أن المزني بها لا تحرم أمها ولا ابنتها،
~~للأدلة القاهرة من الكتاب والسنة والإجماع، وهذا المذهب الأخير، مذهب شيخنا
~~المفيد، محمد بن محمد بن النعمان (1)، والسيد المرتضى (2)، والأول مذهب
~~شيخنا أبي جعفر الطوسي في نهايته (3) ومسائل خلافه (4)، وإن كان قد رجع عنه
~~في التبيان، في تفسير قوله تعالى: " حرمت عليكم أمهاتكم " (5) الآية فقال: ms0913
~~وأما المرأة التي وطأها بلا تزويج، ولا ملك يمين، فليس في الآية ما يدل على
~~أنه يحرم وطء أمها وبنتها، لأن قوله: " وأمهات نساءكم " وقوله: " من نسائكم
~~اللاتي دخلتم بهن " (6) يتضمن إضافة الملك، إما بالعقد أو بملك اليمين، فلا
~~يدخل فيه من لا يملك وطيها، غير أن قوما من أصحابنا ألحقوا ذلك بالموطوءة
~~بالعقد والملك، بالسنة والأخبار المروية في ذلك (7)، وفيه خلاف بين الفقهاء
~~(8) هذا آخر كلامه في التبيان.
# والذي يدل على صحة ما اخترناه، أن الأصل الإباحة، والحظر يحتاج إلى دليل،
~~وقوله تعالى: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " (9) وهما داخلتان في عموم
~~الآية، وقول الرسول عليه السلام: " لا يحرم الحرام الحلال " (10) ولا إجماع
~~على ما ذهب إليه من خالف في هذه المسألة، فلا يرجع عن هذه الأدلة بأخبار
~~الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا.
# ويحرم على الأب زوجة الابن، سواء دخل بها الابن أو لم يدخل. ويحرم
# PageV02P523
# على الابن زوجة الأب أيضا، سواء دخل بها أو لم يدخل، بمجرد العقد، تحرم
~~المرأتان تحريم أبد.
# وقال بعض أصحابنا: يحرم على كل واحد منهما العقد على من زنى بها الآخر،
~~وتمسك في التحريم على الابن، بقوله تعالى: " ولا تنكحوا ما نكح آباءكم من
~~النساء " (1) وقال: لأن لفظ النكاح يقع على العقد والوطء معا.
# قال محمد بن إدريس: وهذا تمسك ببيت العنكبوت، لأنه لا خلاف أنه إذا كان
~~في الكلمة عرفان، عرف اللغة وعرف الشرع، كان الحكم لعرف الشرع، دون عرف
~~اللغة، ولا خلاف أن النكاح في عرف الشرع هو العقد حقيقة، وهو الطاري على
~~عرف اللغة، وكان ناسخا له، والوطء الحرام لا ينطلق عليه في عرف الشرع اسم
~~النكاح، بغير خلاف.
# قال شيخنا أبو جعفر، في كتاب العدة: إن النكاح اسم للوطء حقيقة، ومجاز في
~~العقد، لأنه موصل إليه، وإن كان بعرف الشرع قد اختص بالعقد، كلفظ الصلاة
~~وغيرها (2) هذا آخر كلامه في عدته.
# فقد اعترف أنه قد اختص بعرف الشرع بالعقد، وأيضا قوله تعالى: " إذا نكحتم
~~المؤمنات ثم ms0914 طلقتموهن من قبل أن تمسوهن " (3) فقد سمى الله تعالى العقد
~~نكاحا، بمجرده، وذهب الباقون من أصحابنا إلى أن ذلك لا يحرم على كل واحد
~~منهما ما فعله الآخر.
# وهذا مذهب شيخنا المفيد (4)، والسيد المرتضى (5)، وهو الصحيح الذي يقوى
~~في نفسي، لأن الأصل الإباحة، ويعضده قوله تعالى: " فانكحوا ما طاب لكم من
~~النساء " وهذه قد طابت، والأول مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي في
# PageV02P524
# بعض كتبه (1) وقول الرسول عليه السلام: " لا يحرم الحرام الحلال " دليل
~~على صحة ما قلناه واخترناه.
# ويحرم العقد على الزانية، وهي ذات بعل، أو في عدة رجعية، ممن زنا بها
~~سواء علم في حال زناه بها أنها ذات بعل، أو لم يعلم تحريم أبد.
# ومن أوقب غلاما أو رجلا حرم على اللايط الموقب بنت المفعول به، وأمه،
~~وأخته تحريم أبد، ويدخل في تحريم الأم تحريم الجدة، وإن علت، لأنها أم
~~عندنا حقيقة، وكذلك بنت البنت، وكذلك بنت ابن بنته، وإن سفلن (2) لأنهن
~~بناته حقيقة، وأما بنت أخته، فإنها لا تحرم، لأن بنت الأخت ليست أختا.
# وحد الإيقاب المحرم لذلك، إدخال بعض الحشفة ولو قليلا، وإن لم يجب عليه
~~الغسل، لأن الغسل لا يجب إلا بغيبوبة الحشفة جميعها، والتحريم لهؤلاء
~~المذكورات، يتعلق بإدخال بعضها، لأن الإيقاب هو الدخول.
# فأما المفعول به فلا يحرم عليه من جهة الفاعل شئ.
# ويحرم أيضا على التأبيد، المعقود عليها في عدة معلومة، أي عدة كانت، أو
~~إحرام معلوم، والمدخول بها فيهما على كل حال، سواء كان عن علم أو جهل.
# والمطلقة تسع تطليقات للعدة، ينكحها بينها رجلان، تحرم تحريم أبد على
~~مطلقها هذا الطلاق.
# وتحرم أيضا تحريم أبد الملاعنة.
# ومن قذف زوجته، وهي صماء أو خرساء، تحرم عليه تحريم أبد.
# ويدل على تحريم ذلك أجمع، إجماع أصحابنا عليه، فهو الدليل القاطع على
~~ذلك، واستدلال المخالف علينا في تحليل هؤلاء بأن الأصل الإباحة، وبظواهر
~~القرآن، كقوله تعالى: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " (3) وقوله: " وأحل
# PageV02P525
# لكم ما وراء ذلكم " (1) غير لازم، لأنا نعدل عن ذلك ms0915 بالدليل الذي هو
~~إجماعنا، كما عدلوا عنه في تحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها بغير خلاف
~~بينهم، فإذا ساغ لهم العدول، ساغ لغيرهم العدول عن العموم بالدليل، لأنه لا
~~خلاف أن العموم قد يخص بالأدلة.
# وحكم الإماء في التحريم بالنسب والرضاع وغيره من الأسباب، حكم الحراير.
# قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: مسألة إذا زنى بامرأة، فأتت ببنت،
~~يمكن أن تكون منه، لم تلحق به، بلا خلاف، ولا يجوز له أن يتزوجها، وبه قال
~~أبو حنيفة. ثم حكي عن الشافعي جواز أن يتزوجها، ثم استدل شيخنا على ما
~~اختاره، فقال: دليلنا ما دللنا عليه، من أنه إذا زنى بامرأة، حرمت عليه
~~بنتها، وانتشرت الحرمة، وهذه بنتها، ثم قال: وأيضا قوله تعالى: " حرمت
~~عليكم أمهاتكم وبناتكم " (2) وهذه بنته لغة، وإن لم تكن شرعا (3).
# قال محمد بن إدريس: لم تحرم عليه هذه البنت، من حيث ذهب شيخنا إليه، لأن
~~عند المحصلين من أصحابنا إذا زنى بامرأة لم تحرم عليه بنتها، وقد دللنا على
~~ذلك، وقوله: هي بنته لغة، فعرف الشرع، هو الطارئ على عرف اللغة، وإنما تحرم
~~عليه إذا كان الزاني مؤمنا، لأن البنت المذكورة كافرة على ما يذهب إليه
~~أصحابنا من أن ولد الزنا كافر، ولا يجوز للمؤمن أن يتزوج بكافرة، فمن هذا
~~الوجه تحرم، لا من الوجهين المقدم ذكرهما.
# وأما من يحرم العقد عليه في حال دون حال، فأخت المعقود عليها بلا خلاف،
~~أو الموطوءة بالملك بلا خلاف، إلا من داود بن علي الأصفهاني، ويدل على ذلك
~~قوله تعالى: " وأن تجمعوا بين الأختين " (4) لأنه لم يفصل.
# والخامسة حتى تبين إحدى الأربع، بما يوجب البينونة.
# PageV02P526
# والمطلقة ثلاثا سواء كان ذلك طلاق العدة، أو طلاق السنة، على ما نبينه،
~~حتى تنكح زوجا غيره مخصوصا، نكاحا مخصوصا، ويدخل بها دخولا مخصوصا، وتبين
~~منه، وتنقضي العدة.
# والمطلقة التي تلزمها العدة حتى تخرج من عدتها.
# ومن عليها عدة وإن لم تكن مطلقة، حتى تخرج من العدة، كل هذا بدليل
~~إجماعنا.
# وبنت الأخ على عمتها، ms0916 وبنت الأخت على خالتها، بغير إذن ورضاء منهما
~~عندنا.
# والأمة على الحرة بغير إذنها ورضاها.
# والزانية حتى تتوب على الزاني بها، إذا لم تكن ذات بعل عند بعض أصحابنا،
~~وهو الذي ذكره شيخنا أبو جعفر في نهايته (1)، إلا أنه رجع عن ذلك في مسائل
~~خلافه، فقال: ذلك على الاستحباب دون الوجوب (2)، وهو الذي يقوى في نفسي،
~~وأفتي به، لأن الأصل الإباحة، وقوله تعالى: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء
~~" (3).
# ويحرم عقد الدوام على الكافرة، وإن اختلفت جهات كفرها، حتى تتوب من
~~الكفر، إلا على وجه نذكره بدليل إجماع الطائفة، ولقوله تعالى: " ولا تمسكوا
~~بعصم الكوافر " (4) وقوله: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " (5) وقوله: "
~~لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة " (6) لأنه نفي بالظاهر للتساوي في جميع
~~الأحكام التي من جملتها المناكحة، فأما قوله تعالى: " و المحصنات من الذين
~~أوتوا الكتاب من قبلكم " (7) نخصه بالنكاح المؤجل، فإنه جائز عند بعض
~~أصحابنا على الكتابيات اليهود والنصارى، دون المجوسيات، أو نحمله عليهن،
~~إذا كن مسلمات، بدليل ما قدمناه، ولا يمتنع أن يكون من جهة
# PageV02P527
# الشرع قبل ورود هذا البيان فرق بين من آمنت بعد كفر، وبين من لم تكفر
~~أصلا، فيكون في البيان لإباحة نكاح الجميع فائدة.
# فإن قالوا: لستم بتخصيص هذه الآية بما ذكرتموه، ليسلم لكم ظواهر آياتكم
~~بأولى منا، إذا خصصنا ظواهركم بالمرتدات، والحربيات ليسلم لنا ظواهر الآيات
~~التي نستدل بها.
# قلنا: غير مسلم لكم التساوي في ذلك، نحن أولى بالتخصيص منكم، لأنكم
~~تعدلون عن ظواهر كثيرة، ونحن نعدل عن ظاهر واحد، وإذا كان العدول عن
~~الحقيقة إلى المجاز إنما يفعل للضرورة، فقليله أولى من كثيره بغير شبهة.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ويحرم وطء جارية قد ملكها الأب أو الابن،
~~إذا جامعاها، أو نظرا منها إلى ما يحرم على غير مالكها النظر إليه، أو
~~قبلاها بشهوة (1).
# قال محمد بن إدريس: أما إذا جامعاها، فلا خلاف في ذلك من جهة الإجماع،
~~ولولا الإجماع لما كان على حظر ذلك دليل من جهة الكتاب ms0917 أو السنة المتواترة،
~~فأما إذا قبلاها، أو نظرا إليها على ما قال رحمه الله، فلا إجماع على حظر
~~ذلك، بل الأصل الإباحة، مع قوله تعالى: " فانكحوا ما طالب لكم من النساء "
~~(2) وقوله: " أو ما ملكت أيمانكم " (3) وهذا مذهب شيخنا المفيد محمد بن
~~محمد بن النعمان (4)، والفقيه أبي يعلى سلار رحمهما الله (5)، وبه أفتي.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا ملك الرجل جارية، فوطأها ابنه قبل
~~أن يطأها، حرم على الأب وطؤها، فإن وطأها بعد وطء الأب لم يحرم ذلك على
~~الأب وطؤها (6).
# PageV02P528
# قال محمد بن إدريس: لا فرق بين الأمرين في أن ذلك لا يحرمها على الأب،
~~لأن الرسول عليه السلام قال: لا يحرم الحرام الحلال (1) وقال تعالى:
# " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " (2) وهذه قد طابت، وقال تعالى: " أو ما
~~ملكت أيمانكم " (3) وهذه ملك يمين، والأصل الإباحة أيضا، فلا يرجع عن هذه
~~الأدلة القاهرة بأخبار الآحاد، إذا لا إجماع منعقد على تحريم هذه الجارية
~~على الأب، ولا نص كتاب، ولا سنة متواترة، ودليل العقل غير مانع من وطيها،
~~وإلى هذا ذهب شيخنا، أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه، في كتابه، كتاب من لا
~~يحضره فقيه، قال: وإن زنى رجل بامرأة ابنه أو امرأة أبيه، أو بجارية ابنه،
~~أو بجارية أبيه، فإن ذلك لا يحرمها على زوجها، ولا يحرم الجارية على سيدها،
~~وإنما يحرم ذلك إذا كان ذلك منه بالجارية وهي حلال، فلا تحل تلك الجارية
~~أبدا لابنه، ولا لأبيه (4) هذا آخر كلام ابن بابويه.
# ونعم ما قال، فإنه كان ثقة جليل القدر، بصيرا بالأخبار، ناقدا للآثار،
~~عالما بالرجال، حفظة، وهو أستاذ شيخنا المفيد، محمد بن محمد بن النعمان.
# وقد روي أن من فجر بعمته أو خالته لم تحل له ابنتاهما أبدا (5)، أورد ذلك
~~شيخنا أبو جعفر في نهايته (6)، وشيخنا المفيد في مقنعته (7)، والسيد
~~المرتضى في انتصاره (8)، فإن كان على المسألة إجماع، فهو الدليل عليها،
~~ونحن قائلون وعاملون بذلك، وإن لم يكن إجماعا، فلا دليل على تحريم البنتين ms0918
~~المذكورتين، من كتاب ولا سنة، ولا دليل عقل، وليس دليل الإجماع في قول
~~رجلين، ولا
# PageV02P529
# ثلاثة، ولا من عرف اسمه ونسبه، لأن وجه كون الإجماع حجة عندنا، دخول قول
~~معصوم من الخطأ في جملة القائلين بذلك، فإذا علمنا في جماعة قائلين بقول أن
~~المعصوم ليس هو في جملتهم، لا نقطع على صحة قولهم إلا بدليل غير قولهم،
~~وإذا تعين المخالف من أصحابنا باسمه ونسبه، لم يؤثر خلافه في دلالة
~~الإجماع، لأنه إنما كان حجة لدخول قول المعصوم فيه، لا لأجل الإجماع، ولما
~~ذكرناه يستدل المحصل من أصحابنا على المسألة بالإجماع، وإن كان فيها خلاف
~~من بعض أصحابنا المعروفين بالأسامي والأنساب، فليلحظ ذلك وليحقق.
# وإذا تزوج الرجل بصبية لم تبلغ تسع سنين، فوطأها قبل التسع، لم يحل له
~~وطؤها أبدا، وهو بالخيار بين أن يطلقها، أو يمسكها، ولا يحل له وطؤها أبدا،
~~وليس بمجرد الوطء تبين منه، وينفسخ عقدها كما يظن ذلك من لا يحصل شيئا من
~~هذا الفن، ولا يفهم معنى ما يقف عليه من سواد الكتب.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا تزوج الرجل بصبية لم تبلغ تسع سنين،
~~فوطأها، فرق بينهما، ولم تحل له أبدا (1).
# معنى قوله رحمه الله " فرق بينهما " المراد بذلك في الوطء، دون بينونة
~~العقد وانفساخه، لأن الإجماع منعقد منه رحمه الله ومن أصحابنا بأجمعهم، أن
~~من دخل بامرأة (2) ووطأها ولها دون تسع سنين، وأراد طلاقها، طلقها على كل
~~حال، ولا عدة عليها منه بعد الطلاق، على الأظهر من أقوال أصحابنا، فإذا
~~كانت قد بانت بوطئه لها قبل بلوغها التسع، فلا حاجة إلى طلاقها، ولا يتقدر
~~ذلك بحال.
# وقد كنا أملينا مسألة قبل تصنيفنا لهذا الكتاب بسنين عدة، في هذا المعنى،
~~فأحببنا إيرادها هاهنا، وها هي.
# إن سأل سائل فقال: أرى في معظم كتبكم مسألة ظاهرها متضاد متناف،
# PageV02P530
# وهي من وطأ زوجته ولها دون تسع سنين، حرمت عليه أبدا، وفرق بينهما بغير
~~خلاف بينكم في ذلك، هذا في أبواب النكاح من تصانيف أصحابكم، ثم ms0919 في أبواب
~~الطلاق وأقسامه يذكر هؤلاء أصحاب الكتب والتصانيف من أصحابكم بغير خلاف
~~بينهم، أقسام الطلاق، ومن تجب عليها عدة، ومن لا تجب، فيقولون: من دخل
~~بامرأته (1) ولها دون تسع سنين، وأراد طلاقها، فليطلقها على كل حال، وليس
~~له عليها بعد طلاقه لها عدة، وإن كانت مدخولا بها على الأظهر من أقوال
~~أصحابنا، وقد قلتم إن من دخل بزوجته ولها دون تسع سنين، لا تحل له أبدا،
~~وحرمت عليه أبدا، ويفرق بينهما، فإذا كان قد حرمت عليه أبدا ولا تحل له
~~أبدا، فلا تحتاج حينئذ إلى طلاق، لأن من يحرم أبدا وطؤها على زوجها، ولا
~~تحل له أبدا، كيف تقولون إذا أراد طلاقها فليطلقها، وهذا ظاهره متناقض
~~متناف كما ترى.
# قلنا: ليس بين القول بصحة طلاق من ذكر في السؤال، وبين تحريم وطئها على
~~زوجها أبدا وأنها لا تحل له أبدا، تناف ولا تضاد، ولا تناقض، على ما ظنه
~~السائل، وأعتقده، وأي تضاد بين تحريم وطئها على زوجها وصحة طلاقها، لأن صحة
~~الطلاق مبني على صحة العقد، ولا خلاف في صحة عقدها أولا وأنها زوجته،
~~فطريان التحريم، وإن وطئها لا يحل له أبدا، لا يخرجها من كونها زوجة له،
~~وإن عقدها الأول غير صحيح، أو قد انفسخ، إذ لا تنافي بين الحكمين، لأن
~~الأصل صحة العقد واستدامته، فمن ادعى بطلانه بوطئه لها قبل بلوغها تسع سنين
~~يحتاج إلى دليل.
# فإن قيل: كيف يكون عقدها ثابتا على ما كان عليه أولا، وهو. لا يحل له
~~وطؤها أبدا؟
# قلنا: هذا غير مستبعد من الأحكام الشرعية والمصالح الدينية، لأنا نثبتها
# PageV02P531
# بحسب الأدلة، إذ لا تنافي بينهما على ما مضى ذكره ألا ترى أن من ظاهر من
~~امرأته أو آلى منها ولم يكفر عن ظهاره ولا عن إيلائه، ولا رافعته إلى
~~الحاكم، واستمر ذلك منها مائة سنة، فإن نكاحها محرم عليه، ولا يحل له وطؤها
~~بغير خلاف، وهي زوجته وعقدها باق، ويصح طلاقها بغير خلاف، إذا لا تنافي
~~بينهما، وكذلك من كان في فرجها ms0920 قرح أو ألم يضرها الوطء، ويخشى على نفسها من
~~الوطء في الموضع، واستمر ذلك تقديرا مائة سنة، فإن وطيها لا يحل لزوجها،
~~وعقدها باق، ويصح طلاقها بغير خلاف، إذا لا تضاد بين الحكمين، أعني تحريم
~~الوطء، وبقاء العقد على ما كان، وصحة الطلاق.
# وأيضا فقد وردت الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام، بصحة ما ذكرناه،
~~فمن ذلك ما أورده شيخنا الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه
~~القمي، في كتابه كتاب من لا يحضره فقيه (1)، قال: روى الحسن بن محبوب، عن
~~أبي أيوب، عن حمران، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سئل عن رجل تزوج
~~جارية بكرا لم تدرك، فلما دخل بها افتضها فأفضاها، قال: إن كان دخل (2) بها
~~ولها تسع سنين، فلا شئ عليه، وإن كانت لم تبلغ تسع سنين، أو كان لها أقل من
~~ذلك بقليل حين دخل بها، فافتضها، فإنه قد أفسدها وعطلها على الأزواج، فعلى
~~الإمام أن يغرمه ديتها، وإن أمسكها ولم يطلقها حتى تموت، فلا شئ عليه (3).
# ألا تراه عليه السلام قد أثبت له الخيرة بين إمساكها وطلاقها، بقوله: "
~~فإن أمسكها ولم يطلقها " فلو كانت بنفس الوطء قبل بلوغ تسع سنين تبين منه،
~~وينفسخ عقدها، لما قال عليه السلام: " فإن أمسكها ولم يطلقها حتى تموت فلا
~~شئ عليه ".
# PageV02P532
# وشيخنا أبو جعفر الطوسي يصرح بهذا، وأورد في كتابه الإستبصار، من الأخبار
~~ما يؤذن ببقاء العقد والتخيير بين الطلاق والإمساك، لمن ذكرنا حاله، ويتأول
~~بعض الأخبار، وجمع بين معانيها، ولائم بين ألفاظها، في أنه يحرم عليه
~~وطؤها، ولا تحل له أبد، ويصح طلاقها بعد ذلك، أورده في الجزء الثالث، في
~~باب من وطأ جارية فأفضاها، قال الحسن بن محبوب، عن الحارث بن محمد بن
~~النعمان، صاحب الطاق، عن بريد العجلي، عن أبي جعفر عليه السلام، في رجل
~~افتض جارية، يعني امرأته فأفضاها، قال: عليه ديتها إن كان دخل بها قبل أن
~~تبلغ تسع سنين، قال: فإن أمسكها فلم (1) يطلقها فلا شئ عليه، وإن ms0921 كان دخل
~~بها ولها تسع سنين، فلا شئ عليه، إن شاء أمسك، وإن شاء طلق (2).
# فأما ما رواه ابن أبي عمير عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه
~~السلام، قال: سألته عن رجل تزوج جارية، فوقع بها فأفضاها، قال: عليه
~~الإجراء عليها ما دامت حية (3).
# فلا ينافي الخبر الأول، لأنا نحمل هذا الخبر على من وطأها بعد التسع
~~السنين، فإنه لا تكون عليه الدية، وإنما يلزمه الإجراء عليها ما دامت حية،
~~لأنها لا تصلح للرجال، ولا ينافي هذا التأويل قوله في الخبر الأول: " إن
~~شاء طلق وإن شاء أمسك، إذا كان الدخول بعد تسع سنين " لأنه قد ثبت له
~~الخيار بين إمساكها وبين طلاقها، ولا يجب عليه واحد منهما، وإن كان يلزمه
~~النفقة عليها على كل حال، لما قدمناه.
# وأما الخبر الذي رواه محمد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد،
~~عن يعقوب، عن بريد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا
~~خطب الرجل المرأة فدخل بها، قبل أن تبلغ تسع سنين،
# PageV02P533
# فرق بينهما، ولم تحل له أبدا (1).
# فلا ينافي ما تضمنه خبر بريد من قوله: " فإن أمسكها ولم يطلقها، فلا شئ
~~عليه " لأن الوجه أن نحمله على أن المرأة إذا اختارت المقام معه، واختار هو
~~أيضا ذلك، ورضيت بذلك عن الدية، كان ذلك جائزا، ولا يجوز له وطؤها على حال،
~~على ما تضمنه الخبر الأول، حتى نعمل بالأخبار كلها.
# فهذه الأخبار جميعها، والتأويلات، والألفاظ، إيراد شيخنا أبي جعفر، وقوله
~~وتأويله، من غير زيادة ولا نقصان، ألا تراه قد جمع في آخر تأويله الأخبار،
~~بين أنها لا تحل له أبدا، وبين إمساكها زوجة، مع اختيار الزوج، وفي ألفاظ
~~الأخبار التي أوردها التخيير بين إمساكها وطلاقها.
# وأورد في نهايته (2) الخبر المرسل الذي أورده في استبصاره، أورده وتأوله،
~~الذي رواه محمد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يعقوب، عن
~~بريد، عن بعض أصحابنا.
# وهذا كما تراه خبر واحد ms0922 مرسل، والمراسيل لا يعمل بها من يعمل بأخبار
~~الآحاد، فكيف من لا يعمل بأخبار الآحاد جملة، ولو أورد غيره في نهايته من
~~جملة ما أورده من الأخبار في استبصاره، كان أوضح في البيان.
# وقد قدمنا أن من عقد على امرأة في عدتها، ودخل بها، فرق بينهما، ولم تحل
~~له أبدا، سواء كان عالما أو جاهلا، وكان لها المهر بما استحل من فرجها، إذا
~~لم تكن عالمة بأن ذلك لا يجوز، فأما إن كانت عالمة بتحريم ذلك، فلا مهر
~~لها، وكان عليها عدتان، تمام العدة الأولى من الزوج الأول، وعدة أخرى من
~~الزوج الثاني، فإن كانت العدة التي عقد فيها الثاني رجعية، فالنفقة على
~~زوجها
# PageV02P534
# الأول، وإن أراد مراجعتها، فإن له ذلك.
# فإن قيل: كيف يكون عليه النفقة، والنفقة لا تجب إلا بتمكين الاستمتاع بها
~~والوطء، وهذا ممنوع من ذلك؟.
# قلنا: المرأة غير مانعة له، وإنما المنع من جهة الشارع دونها، لأن المنع
~~لو كان منها سقطت نفقتها، وهذا ليس هو منعا منها، كما أنها لو كانت مريضة
~~فإنه ممنوع من وطئها، ويجب عليه النفقة عليها، وأيضا فهي زوجة، والنفقة تجب
~~على الزوجات من الأزواج بغير خلاف.
# فإن جاءت بولد لأقل من ستة أشهر، كان لاحقا بالأول، فإن كان لستة أشهر
~~فصاعدا كان لاحقا بالثاني.
# ومتى قذفها زوجها أو غيره بما فعلته من الفعل، فإن كانت عالمة بذلك، لم
~~يكن عليه شئ، وإن كانت جاهلة، وجب عليه حد القاذف.
# الوطء المباح بعقد غير عقد الشبهة، والوطء بملك اليمين، ينشر تحريم
~~المصاهرة، ويثبت به حرمة المحرم، فأما الوطء الحرام، فعلى الصحيح من المذهب
~~لا ينشر تحريم المصاهرة، ولا خلاف أنه لا يثبت به حرمة المحرم.
# ومعنى حرمة المحرم، إن أمهات الموطوءة وبناتها يحل النظر إليهن، مثلا
~~حمأة الرجل يحل له النظر إليها، كما يحل له النظر إلى أمه وبنته، وكذلك بنت
~~امرأته من غيره، هذا في العقد الصحيح، والوطء المباح، فهذا معنى حرمة
~~المحرم.
# فأما معنى تحريم المصاهرة فإن الإنسان لا يحل ms0923 له أن يتزوج بأم امرأته،
~~ولا بنتها، إذا كان قد دخل بالأم تحريم أبد، ولا بأختها تحريم جمع، فهذا
~~معنى تحريم المصاهرة.
# فأما عقد الشبهة ووطء الشبهة، فعندنا لا ينشر الحرمة، ولا يثبت به تحريم
~~المصاهرة بحال، وإنما أصحابنا رووا أنه يلحق به الولد، ولا يحد فاعله،
~~لقوله عليه السلام: إدرأوا الحدود بالشبهات (1)، وما سوى هذين الحكمين،
~~فحكمه
# PageV02P535
# حكم الوطء الحرام، وعند الشافعي ينشر تحريم المصاهرة، ولا يثبت به حرمة
~~المحرم، وإن كان شيخنا قد أورد ذلك في مبسوطه (1)، فهو رأي الشافعي، لا رأي
~~الإمامي.
# وقد قلنا أنه لا يجوز أن يجمع بين الأختين في نكاح الدوام ولا النكاح
~~المؤجل.
# فإن عقد عليهما في حالة واحدة، كان مخيرا في أن يمسك أيتهما شاء، على ما
~~روي في بعض الأخبار (2)، أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (3).
# والذي تقتضيه أصول المذهب، أن العقد باطل، يحتاج أن يستأنف عقدا على
~~أيهما شاء، على ما قدمناه، لأنه منهي عنه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه،
~~بلا خلاف بين محققي أصحاب أصول الفقه، ومحصلي هذا الشأن.
# وشيخنا فقد رجع في مبسوطه (4) عما أورده في نهايته، وهو محجوج بقوله:
# فإن عقد على امرأة، ثم عقد على أختها، كان العقد على الثانية باطلا، فإن
~~وطأ الثانية، فرق بينهما، وروي (5) أنه لا يرجع إلى نكاح الأولة حتى تخرج
~~التي وطأها من عدتها (6)، ولا دليل على صحة هذه الرواية.
# والذي تقتضيه أصول المذهب، أنه لا يمتنع من وطء امرأته الأولى، لأنه غير
~~جامع بين الأختين، لأن عدة الثانية لغيره، وهي عدة بائنة، لا رجعة له عليها
~~فيها، فإذا لم يكن مانع من كتاب الله، ولا إجماع، ولا سنة، ولا دليل عقل،
~~بل الكتاب والعقل والسنة يحكم بما ذكرناه، لأن الأصل الإباحة وقوله تعالى:
~~" إلا
# PageV02P536
# على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين " (1) فنفى اللوم عن
~~وطء زوجته.
# ومتى عقد على امرأة ثم عقد على أمها أو أختها أو بنتها بجهالة، فرق
~~بينهما، فإن وطأها وجاءت بولد، كان لاحقا ms0924 به، وروي أنه لا يقرب الزوجة
~~الأولى حتى تنقضي عدتها (2).
# وقد قلنا ما عندنا في مثل ذلك، فلا وجه لإعادته.
# ومتى طلق الرجل امرأته طلاقا يملك فيه الرجعة، لم يجز له العقد على
~~أختها، حتى تنقضي عدتها، فإن كانت التطليقة لا رجعة له عليها في تلك العدة،
~~فبعد تلك التطليقة، جاز له العقد على أختها في الحال، وكذلك كل عدة لا رجعة
~~للزوج على الزوجة فيها، يجوز له العقد على أخت المعتدة في الحال، متمتعة
~~كانت أو مفسوخا نكاحها، أو مطلقة مبارية أو مختلعة.
# وقد روي في المتمتعة، إذا انقضى أجلها أنه لا يجوز العقد على أختها، حتى
~~تنقضي عدتها (3) وهذه رواية شاذة، مخالفة لأصول المذهب، لا يلتفت إليها،
~~ولا يجوز التعريج عليها.
# فإن قيل: لا يجوز العقد على أختها، لأنه يجوز له أن يعقد عليها قبل
~~خروجها من عدتها، وغيره لا يجوز له أن يعقد عليها، ولا أن يطأها إلا بعد
~~خروجها من عدتها، والعقد عليها، فقد صارت كأنها في عدته.
# قلنا: هذا قول بعيد من الصواب، لأن المختلعة يجوز له العقد على أختها في
~~الحال، بغير خلاف، وإن كان يجوز له العقد عليها قبل الخروج من عدتها، إذا
~~تراضيا بذلك، وإن غيره لا يجوز له ذلك بحال، فلا فرق بينهما من هذا الوجه،
~~وأيضا هذه عدة لا رجعة للزوج على الزوجة فيها بغير خلاف، فخرجت من أن تكون
~~زوجة له، فلم يكن جامعا في حباله بين الأختين بحال.
# PageV02P537
# وإذا ماتت إحدى الأختين، جاز له أن يعقد على أختها في الحال.
# ولا بأس أن يجمع الرجل بين الأختين في الملك، لكنه لا يجمع بينهما في
~~الوطء، لأن حكم الجمع بينهما في الوطء حكم الجمع بينهما في العقد، فمتى ملك
~~الأختين، فوطأ واحدة منهما، لم يجز له وطء الأخرى، حتى يخرج تلك من ملكه
~~بالهبة، أو البيع، أو غيرهما.
# وقد روي (1) أنه إن وطأ الأخرى بعد وطئه الأولى، وكان عالما بتحريم ذلك
~~عليه، حرمت عليه الأولى حتى تموت الثانية، فإن ms0925 أخرج الثانية عن ملكه، ليرجع
~~إلى الأولى، لم يجز له الرجوع إليها، وإن أخرجها من ملكه لا لذلك، جاز له
~~الرجوع إلى الأولى، وإن لم يعلم تحريم ذلك عليه، جاز له الرجوع إلى الأولى
~~على كل حال، إذا أخرج الثانية من ملكه.
# والرواية بهذا الذي سطرناه قليلة لم يوردها في كتابه وتصنيفاته إلا
~~القليل من أصحابنا.
# والذي تقتضيه أصول المذهب ويقوى في نفسي، أنه إذا أخرج إحداهما من ملكه،
~~حلت الأخرى، سواء أخرجها ليعود إلى من هي باقية في ملكه، أو لا ليعود،
~~عالما كان بالتحريم، أو غير عالم، لأنه إذا أخرج إحداهما، لم يبق جامعا بين
~~الأختين بلا خلاف، فأما تحريم الأولى إذا وطأ الثانية، ففيه نظر، فإن كان
~~على ذلك إجماع منعقد، أو كتاب أو سنة متواترة، رجع إليه وإلا فلا يعرج
~~عليه، لأن الأصل الإباحة للأولى، وإنما التحريم تعلق بوطء الثانية بعد وطئه
~~للأولى، لأنه بوطئه للثانية يكون جامعا بين الأختين، فكيف تحرم الأولى، وهي
~~المباحة الوطء، وتحل المحرمة الوطء؟ وقد قلنا أنها رواية أوردها شيخنا في
~~نهايته (2) إيرادا لا اعتقادا، مثل ما أورد كثيرا من الأخبار في كتابه
~~المشار إليه، إيرادا لا اعتقادا.
# PageV02P538
# ولا يجوز للرجل الحر أن يعقد على أكثر من أربع من الحرائر، أو أمتين.
# ولا بأس أن يجمع بين حرة وأمتين، أو حرتين وأمتين بالعقد، فأما بملك
~~اليمين، فليجمع ما شاء منهن، مع العقد على أربع حرائر.
# فإن كان الرجل عنده ثلاث نسوة، وعقد على اثنين، في عقد واحد أمسك أيتهما
~~شاء ويخلي سبيل الأخرى، على ما روي في بعض الأخبار (1)، وقد قلنا ما عندنا
~~في ذلك، وأن العقد باطل، لأنه منهي عنه بغير خلاف.
# فإن كان قد عقد عليهما بلفظتين، ثم دخل بالتي بدأ باسمها، كان عقدها
~~صحيحا، فإن دخل بالتي ذكرها ثانيا، كان نكاحها باطلا، وتلزمها العدة لأجل
~~الدخول، ويلزمه المهر، فإن حملت لحق به الولد.
# والذمي إذا كان عنده أكثر من أربع نساء، ثم أسلم فليمسك منهن أربعا،
~~وليخل سبيل ms0926 الآخر، ويكون خيرته على الفور، لئلا يكون جامعا بين أكثر من
~~أربع.
# وإذا طلق الرجل واحدة من الأربع طلاقا يملك فيه الرجعة، فلا يجوز له
~~العقد على أخرى، حتى تخرج تلك من العدة، فإن كان طلاقا لا يملك فيه الرجعة
~~جاز له العقد على أخرى في الحال، وكذلك إن كان فسخا لا طلاقا، جاز له العقد
~~على أخرى في الحال.
# والمملوك لا يجمع بين أكثر من حرتين، أو أربع إماء بالعقد.
# ولا بأس أن يعقد على حرة وأمتين، لأن الحرة في حقه بمنزلة الأمتين، ولا
~~يعقد على حرتين ويضيف إليهما العقد على أمة، لأنا قد قدمنا إن الحرة في حقه
~~بمنزلة الأمتين، فيصير حينئذ كأنه عقد على خامسة.
# وقد قدمنا إن جميع المحرمات من جهة النسب، يحرمن من جهة الرضاع.
# ولو أن رجلا عقد على جارية رضيعة، فأرضعتها امرأته، حرمتا عليه جميعا،
~~إذا
# PageV02P539
# كان قد دخل بالمرأة المرضعة، لأن الجارية الرضيعة صارت ربيبة من نسائه
~~اللاتي دخل بهن، وحرمت الكبيرة المرضعة، لأنها صارت من جملة أمهات نسائه،
~~فإن لم يكن دخل بالكبيرة، فإن الجارية المرضعة تحل له، لأنها ممن لم يدخل
~~بأمها، فأما الكبيرة فهي محرمة عليه على كل حال.
# وشيخنا أبو جعفر، أطلق ذلك في نهايته، من غير تفصيل، فإنه قال: ولو إن
~~رجلا عقد على جارية رضيعة، فأرضعتها امرأته، حرمتا عليه جميعا، وإن أرضعت
~~الجارية امرأتان له، حرمت عليه الجارية والمرأة التي أرضعتها أولا، ولم
~~تحرم عليه التي أرضعتها ثانيا (1).
# لأنها بعد رضاعها من المرأة الأولى، صارت بنته، فإذا أرضعتها المرأة
~~الأخيرة، فقد أرضعت بنته ولا بأس بأن ترضع امرأة الرجل بنته بغير خلاف وهذه
~~رواية (2) شاذة أوردها بعض أصحابنا.
# والصحيح إن الأخيرة تحرم عليه أيضا، لأنها أم من كانت زوجته، فهي داخلة
~~تحت عموم قوله تعالى: " وأمهات نسائكم " (3) فالتمسك بالقرآن وعمومه، أولى
~~من التمسك برواية شاذة، أو قول مصنف، وإيراده في سواد كتابه.
# وإن عقد على جاريتين رضيعتين، فإن أرضعتهما امرأة له، حرمت عليه المرضعة
~~والجاريتان معا، ms0927 فإن أرضعت امرأتان له هاتين الجاريتين، حرمن كلهن، هذا كله
~~بشرط اعتبار الدخول بالكبار المرضعات، فإن لم يكن دخل بالكبار، حرمن
~~الكبار، ولا يحرمن الصغار على ما قدمناه وحررناه.
# فأما مهور هن، فإن كان قد دخل بالكبار، فقد استقر مهور هن عليه.
# فأما مهور الصغار، فهي أيضا عليه، لأن الفسخ جاء لا من قبلهن، وقال بعض
~~أصحابنا يعود به على الكبار، ولا أرى لهذا القول وجها، والأصل براءة
# PageV02P540
# الذمة من العود به عليهن.
# فإن لم يدخل بالكبار فلا يستحققن عليه مهرا، لأن الفسخ جاء من قبلهن قبل
~~الدخول بهن، وكل فسخ جاء من قبل النساء قبل الدخول بهن، أبطل مهور هن بغير
~~خلاف، فأما الصغار فقد قلنا إنهن لا يحرمن عليه، فمهورهن ثابتة في ذمته لا
~~تسقط.
# وقد قدمنا أنه لا يجوز للرجل المسلم أن يعقد على الكافرات، على اختلافهن،
~~فإن اضطر إلى العقد عليهن، عقد على اليهودية والنصرانية، وذلك جايز عند
~~الضرورة، على ما روي (1) في بعض الأخبار.
# ولا بأس أن يعقد على هذين الجنسين عقد المتعة مع الاختيار، لكنه يمنعهن
~~من شرب الخمور، ولحم الخنزير، وقال بعض أصحابنا إنه لا يجوز العقد على هذين
~~الجنسين عقد متعة، ولا عقد دوام، وتمسك بظاهر الآية، وهو قوي يمكن الاعتماد
~~عليه، والركون إليه (2) وجميع المحرمات في شريعة الإسلام.
# ولا بأس بوطئ الجنسين أيضا في حال الاختيار بملك اليمين، ولا بأس
~~باستدامة العقد الدايم أيضا على الجنسين أيضا، دون ابتدائه واستينافه، لأنه
~~يحل في الاستدامة ما لا يحل في الابتداء.
# ولا يجوز وطؤه ما عدا الجنسين بملك اليمين، ولا بأحد العقود، سواء كان
~~العقد دائما مبتدء، أو مستداما أو مؤجلا.
# وقد روي (3) رواية شاذة أنه يكره وطئ المجوسية بملك اليمين وعقد المتعة،
~~وليس ذلك بمحظور، أوردها شيخنا أبو جعفر في نهايته (4) إيرادا لا اعتقادا.
# ورجع عن ذلك في كتابه التبيان، في تفسير قوله تعالى: " ولا تنكحوا
# PageV02P541
# المشركات حتى يؤمن " (1) فإنه قال: فأما المجوسية فلا يجوز نكاحها
~~إجماعا، وشيخنا المفيد في مقنعته (2) يحرم ms0928 ذلك، ولا يجوزه.
# وهو الصحيح الذي لا خلاف فيه، ويقتضيه أصول المذهب، وقوله تعالى:
# " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " (3) وقوله: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن
~~" (4).
# وإذا أسلم اليهودي والنصراني، ولم تسلم امرأته، جاز له أن يمسكها بالعقد
~~الأول، ويطأها على ما قدمناه، فإن أسلمت المرأة ولم يسلم الرجل، فإنه ينتظر
~~به عدتها، فإن أسلم قبل انقضاء عدتها، فإنه يملك عقدها، وإن أسلم بعد
~~انقضاء العدة، فلا سبيل له عليها، سواء كان بشرايط الذمة، أو لم يكن لا
~~يختلف الحكم فيه بحال على الصحيح من الأقوال، وكذلك الحكم فيمن لا ذمة له
~~من سائر أصناف الكفار، فإنه ينتظر به انقضاء العدة، فإن أسلم كان مالكا
~~للعقد، وإن لم يسلم إلا بعد ذلك فقد بانت منه، وملكت نفسها.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: فإن أسلمت المرأة ولم يسلم الرجل، وكان
~~الرجل على شرائط الذمة، فإنه يملك عقدها، غير أنه لا يمكن من الدخول إليها،
~~ليلا (5) ولا من الخلو بها، ولا من إخراجها من دار الهجرة إلى دار الحرب،
~~وإن لم يكن بشرائط الذمة، فإنه ينتظر به عدتها، فإن أسلم قبل انقضاءها فإنه
~~يملك عقدها، وإن أسلم بعد انقضاء العدة، فلا سبيل له عليها (6). إلا أنه
~~رجع عما ذكره، وأورده في نهايته، إيرادا لا اعتقادا من أخبار الآحاد، في
~~مسائل خلافه ومبسوطه، فقال في مسائل خلافه: مسألة إذا كانا وثنيين، أو
~~مجوسيين، أو أحدهما مجوسيا والآخر وثنيا، فأيهما أسلم، فإن كان قبل الدخول
~~بها، وقع الفسخ في الحال، وإن كان بعده وقف على انقضاء العدة، فإن أسلما
# PageV02P542
# قبل انقضاءها، فهما على النكاح، وإن انقضت العدة انفسخ النكاح، وهكذا إذا
~~كانا كتابيين، فأسلمت الزوجة، سواء كان في دار الحرب، أو في دار الإسلام،
~~ثم قال رحمه الله: دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم (1) هذا آخر كلامه رحمه
~~الله في مسائل خلافه في الجزء الثاني وهو الذي اخترناه، ويقوى عندنا، لأن
~~الأدلة تعضده من الكتاب والسنة والإجماع، وليس على ما أورده من الرواية
~~الشاذة في نهايته دليل. ms0929
# وقال في مبسوطه: وروي في بعض أخبارنا، أنها إذا أسلمت، لم ينفسخ النكاح
~~بحال، فجعل القول الذي اعتمده في نهايته واستبصاره، رواية، ثم ضعفها بقوله:
~~" في بعض أخبارنا " ومعظم ما يسطره ويطلقه على هذا المنهاج (2)، وأيضا لو
~~كانت عنده صحيحة، لما قال في استدلاله في مسائل خلافه: دليلنا إجماع الفرقة
~~وأخبارهم، وأيضا فيها، ما يقضي على وهنها، وضعفها، لأنه قال:
# فإن كان الرجل بشرائط الذمة، فإنه. يملك عقدها، غير أنه لا يمكن من
~~الدخول إليها ليلا (3)، ولا يخلو بها، وهذا مما يضحك الثكلى، إن كانت زوجته
~~فلا يحل أن يمنع منها، ثم إن منع منها ومن الدخول إليها فإن نفقتها تسقط،
~~لأن النفقة عندنا في مقابلة الاستمتاع، وهذا لا يتمكن من ذلك، فتسقط النفقة
~~عنه.
# والدليل على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: " ولن يجعل الله للكافرين على
~~المؤمنين سبيلا " (4) ومن ملكه عقدها فقد جعل له من أعظم السبل عليها،
~~والله تعالى نفى ذلك على طريق الأبد بقوله: " ولن "، وأيضا فالإجماع منعقد
~~على تحريم إمساكها، وأن يجعل للكافر عليها السبيل، وشيخنا أبو جعفر في
~~نهايته محجوج بقوله في مسائل خلافه، ومبسوطه.
# PageV02P543
# ويكره للرجل أن يتزوج بامرأة فاجرة معروفة بذلك، فإن تزوج بها فليمنعها
~~من ذلك.
# وإذا فجرت المرأة عند الرجل لا ينفسخ نكاحها، وكان مخيرا بين إمساكها
~~وطلاقها، والأفضل له طلاقها.
# وقد قلنا: إن شيخنا أبا جعفر ذكر في نهايته أن الرجل إذا فجر بامرأة غير
~~ذات بعل، فلا يجوز له العقد عليها ما دامت مصرة على مثل ذلك الفعل، فإن ظهر
~~له منها التوبة، جاز له العقد عليها، وتعتبر توبتها بأن يدعوها إلى مثل ما
~~كان منه، فإن أجابت امتنع من العقد عليها، وإن امتنعت عرف بذلك توبتها (1).
# إلا أنه رجع عن ذلك في مسائل خلافه، فقال: مسألة، إذا زنى بامرأة جاز له
~~نكاحها فيما بعد، وبه قال عامة أهل العلم، وقال الحسن البصري: لا يجوز،
~~وقال قتادة وأحمد: إن تابا جاز، وإلا لم يجز، وروي ذلك في أخبارنا ms0930 (2)،
~~دليلنا إجماع الفرقة وأيضا الأصل الإباحة، وأيضا قوله تعالى: " فانكحوا ما
~~طاب لكم من النساء " (3) ولم يفصل، وقال تعالى: " وأحل لكم ما وراء ذلكم "
~~(4) ولم يفصل، وروت عائشة أن النبي عليه السلام قال: " الحرام لا يحرم
~~الحلال " وعليه إجماع الصحابة، وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وابن عباس، ولا
~~مخالف لهم (5). هذا آخر كلامه رحمه الله في المسألة.
# وهو الذي اخترناه فيما مضى.
# لا عدة على الزانية، ويجوز لها أن تتزوج، سواء كانت حاملا أو حائلا، لأن
~~الأصل براءة الذمة من العدة عليها.
# وقد قلنا: إنه لا يجوز العقد على امرأة وعند الرجل عمتها أو خالتها، إلا
# PageV02P544
# برضى منهما، فإن عقد عليها كانت العمة والخالة مخيرة بين إمضاء العقد
~~وبين الاعتزال، فإن أمضت كان ماضيا على ما روي (1)، أورد ذلك شيخنا أبو
~~جعفر في نهايته (2) والذي يقتضيه أصول مذهبنا أنه يحتاج إلى عقد ثان، إذا
~~عقد من غير إذنها ثم رضيت، لا يكفي رضاها، بل يحتاج إلى عقد مستأنف، لأن
~~ذلك العقد الأول منهي عنه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، فإن اعتزلت
~~واعتدت كان ذلك فراقا بينها وبين الزوج، ومغنيا عن الطلاق، ولا يستحق في
~~هذه العدة عليه نفقة، لأنها عدة فسخ، وله أن يتزوج بأختها في الحال. ولا
~~يجوز له أن يستبيح وطء بنت الأخ أو بنت الأخت إلا بعقد مستأنف على ما
~~قدمناه، لأن العقد الأول وقع فاسدا.
# ولا بأس بالعقد على العمة والخالة وعنده بنت الأخ أو بنت الأخت، وإن لم
~~ترضيا بذلك على ما قدمناه.
# وحكم العمة والخالة من جهة الرضاع حكمهما من جهة النسب على السواء.
# ولا يجوز للرجل أن يعقد على أمة وعنده حرة إلا برضاها، فإن عقد عليها من
~~غير رضاها كان العقد باطلا بغير خلاف، فإن أمضت الحرة العقد مضى، ولم يكن
~~لها بعد ذلك اختيار، وقد قلنا ما عندنا في ذلك، وإن أبت واعتزلت وصبرت إلى
~~انقضاء عدتها، كان ذلك فراقا بينها وبين الزوج، ولا تحل له الأمة بالعقد
~~الأول، ms0931 بل لا بد من عقد ثان، لأن الأول وقع باطلا، لأنه قبل الرضا والإذن،
~~وذلك منهي عنه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه.
# وقال شيخنا أبو جعفر في التبيان: من شرط صحة العقد على الأمة عند أكثر
~~الفقهاء أن لا يكون عنده حرة، وهكذا عندنا إلا أن ترضى الحرة بأن يتزوج
~~عليها أمة، فإن أذنت كان العقد صحيحا عندنا، ومتى عقد عليها بغير إذن
# PageV02P545
# الحرة، كان العقد على الأمة باطلا، وروى أصحابنا أن الحرة تكون بالخيار
~~بين أن تفسخ عقد الأمة، أو تفسخ عقد نفسها، والأول أظهر، لأنه إذا كان
~~العقد باطلا، لا يحتاج إلى فسخه (1) هذا آخر كلامه.
# قال محمد بن إدريس: نعم ما قال وحقق هاهنا رحمه الله.
# ثم قال: فأما تزويج الحرة على الأمة فجائز، وبه قال الجبائي، وفي الفقهاء
~~من منع منه، غير أن عندنا لا يجوز ذلك إلا بإذن الحرة، فإن لم تعلم الحرة
~~بذلك، كان لها أن تفسخ نكاحها أو نكاح الأمة (2)، هذا آخر كلامه رحمه الله.
# قال محمد بن إدريس: ليس لها أن تفسخ نكاح الأمة إذا كان عقد الأمة متقدما
~~على عقدها، بل لها أن تفسخ عقد نفسها فحسب، دون عقد الأمة المتقدم على
~~عقدها بغير خلاف بيننا في ذلك، وهو مذهب شيخنا في نهايته (3)، ومبسوطه (4)،
~~وجميع كتبه، وهو الحق اليقين، لأن فسخه يحتاج إلى دلالة.
# والذي أعتمد عليه، وأفتي به، أن الحرة إذا كان عقدها متقدما، فالعقد على
~~الأمة باطل، ولا تكون الحرة بين ثلاث اختيارات، على ما روي في بعض الروايات
~~(5) وهو خبر واحد ضعيف، عن زرعة، عن سماعة، وهما فطحيان، أورده شيخنا في
~~نهايته (6)، ورجع عنه في تبيانه (7)، وقال في مبسوطه: ونكاح الأمة باطل
~~إجماعا (8).
# PageV02P546
# فإن عقد في حالة واحدة على حرة وأمة، كان العقد على الحرة ماضيا، والعقد
~~على الأمة باطلا، على ما روي في الأخبار (1).
# فإن عقد على حرة، وعنده أمة زوجة، والحرة غير عالمة بذلك، فإذا علمت أن
~~له امرأة أمة، كانت مخيرة في فسخ نكاحها ms0932 دون نكاح الأمة، على ما قدمناه
~~وبيناه، فمتى رضيت بذلك ولم تفسخ النكاح، ولم يكن لها بعد ذلك فسخ، ولا
~~اختيار.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: إذا عقد الكافر في حال كفره على
~~امرأة وبنتها في حالة واحدة، أو واحدة بعد أخرى، ثم أسلم قبل الدخول بواحدة
~~منهما، أمسك أيتهما شاء (2).
# قال محمد بن إدريس: الذي يقتضيه أصول مذهبنا أن الأم قد حرمت عليه أبدا،
~~لأنها من أمهات نسائه، فأما البنت فله أن يختارها ويمسكها زوجة، لأنها بنت
~~من لم يدخل بها، وإنما اختار شيخنا قول بعض المخالفين، وإن كان لهم فيه قول
~~آخر.
# ويكره العقد على الأمة مع وجود الطول لنكاح الحرة، فأما مع عدمه فلا بأس
~~بالعقد عليها، ومتى عقد على الأمة مع وجود الطول، كان العقد ماضيا، غير أنه
~~يكون قد ترك الأفضل.
# وهذا مذهب شيخنا أبي جعفر في نهايته (3)، وشيخنا المفيد في مقنعته (4).
# وذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، إلى أن ذلك لا يجوز، وإنه غير ماض
~~واستدل بعموم الآية (5).
# وقال في كتاب التبيان في تفسير قوله تعالى: " ولا تنكحوا المشركات حتى
~~يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة " (6) قال رحمه الله: وهذه الآية على عمومها
# PageV02P547
# عندنا في تحريم مناكحة جميع الكفار، وليست منسوخة ولا مخصوصة، فأما
~~المجوسية فلا يجوز نكاحها إجماعا، ثم قال: وفي الآية دلالة على جواز نكاح
~~الأمة المؤمنة، مع وجود الطول، لقوله تعالى: " ولأمة مؤمنة خير من مشركة "
~~فأما الآية التي في النساء وهي قوله: " ومن لم يستطع منكم طولا " (1) فإنما
~~هي على التنزيه دون التحريم (2) هذا آخر كلامه رحمه الله في التبيان.
# والأظهر من أقاويل أصحابنا، أن العقد ماض وقد يخص العموم بالأدلة، وأيضا
~~قوله تعالى: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " (3) وأيضا الأصل الإباحة،
~~والمنع يحتاج إلى دليل.
# وقد روي أنه يكره العقد على القابلة وابنتها (4).
# ولا بأس أن يجمع الرجل بين امرأة قد عقد عليها وبين امرأة أبيها، أو
~~سريته، إذا لم تكن أمها.
# ويكره أن يزوج ms0933 الرجل ابنه بنت امرأة كانت زوجته، وقد دخل بها إذا كانت
~~البنت قد ولدت بعد مفارقتها إياه، وليس ذلك بمحظور، فإن كانت البنت ولدت
~~قبل عقد الرجل عليها، لم يكن بذلك بأس، على ما روي في الأخبار من الكراهة
~~في المسألة الأولى (5).
# ولا بأس للمريض أن يتزوج في حال مرضه، فإن تزوج ودخل بها ثم مات، كان
~~العقد ماضيا، وتوارثا، وإن مات قبل الدخول بها والبرء، كان العقد باطلا،
~~على ما رواه أصحابنا (6) وأجمعوا عليه، فإذا أقام الرجل بينة على العقد على
~~امرأة، وأقامت أخت المرأة البينة بأنها امرأة الرجل، كانت البينة
# PageV02P548
# بينة الرجل، ولا يلتفت إلى بينتها، إلا أن تكون بينتها قبل بينة الرجل،
~~أو يحصل دخول بها، فإن ثبت لها إحدى هاتين البينتين أبطلت بينة الرجل.
# وإذا عقد الرجل على امرأة فجاء آخر، فادعى أنها زوجته، لم يلتفت إلى
~~دعواه، إلا أن يقيم البينة.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي في مبسوطه: وإن تزوج أمة وعنده حرة، فنكاح
~~الأمة باطل إجماعا (1) هذا آخر كلامه.
# قال محمد بن إدريس: ونعم ما قال، وحققنا ما عندنا في ذلك، وقلنا لا خيار
~~لها، لأن العقد باطل، فمن جعل لها الخيار يحتاج إلى دليل قاهر، لأن الأصل
~~صحة عقدها، ولا يرجع في ذلك إلى خبر سماعة الفطحي (2) في مثل ذلك، لأن
~~أخبار الآحاد لا توجب علما ولا عملا.
# ولا بأس أن يتزوج الرجل أخت أخيه، إذا لم تكن أختا له، وقد روي أن تركه
~~أفضل (3).
# وقد روي كراهية أن يتزوج الرجل بضرة أمه التي كانت مع غير أبيه (4).
# وقد قلنا إن نكاح بنات المرأة المدخول بها حرام محظور بغير خلاف، سواء كن
~~ربائب في حجره، أو لم يكن، وكذلك بنات البنت وإن نزل، ونكاح بنات ابن البنت
~~وإن نزلن محرم أيضا بلا خلاف، لتناول الظاهر لهن، ولمكان الإجماع على ذلك.
# باب أقسام النكاح النكاح المباح على ثلاثة أقسام، قسم منها هو النكاح
~~المستدام الذي يسمى
# PageV02P549
# نكاح الغبطة، ومعناها وحقيقة لغتها الدوام والإقامة، يقال: ms0934 أغبطت السماء
~~بالمطر، وأغبطت الحمى على الإنسان إذا دامت وأقامت، وكذلك المطر، فكان
~~معناه نكاح الإقامة والدوام، قال كثير:
# فلم أر دارا مثلها دار غبطة * ولهو إذا التفت الحجيج بمجمع يريد بذلك دار
~~إقامة.
# ولا يكون مؤجلا بأيام معلومة، ولا شهور معينة.
# ويجب فيه النفقة مع التمكن من الاستمتاع.
# ويستحب فيه الإعلان والإشهاد عند العقد، وليست الشهادة عند أهل البيت
~~عليهم السلام شرطا في صحته، بل من مستحباته، وبه تجب الموارثة.
# وهو نكاح لا يزول إلا بالطلاق، أو ما يقوم مقامه من أنواع الفرقة.
# ونكاح المتعة وهو المؤجل بالسنين والأعوام، أو الشهور والأيام، والمهر
~~المعين، ومن شرط صحته ذكر الأجل المحروس، والمهر المعين، أو الموصوف،
~~وبهذين الحكمين يتميز من نكاح الغبطة، ومتى لم يذكر فيه الأجل، وذكر المهر،
~~وإن سمى ونطق عند العقد بالمتعة، كان النكاح دائما، هكذا ذكره شيخنا في
~~نهايته (1).
# والذي يقوى في نفسي، ويقتضيه أصول المذهب، أن النكاح غير صحيح، لأن العقد
~~الدائم لا ينعقد إلا بلفظتين، زوجت وأنكحت، وما عداهما لا ينعقد به، وفي
~~هذا الموضع لم يأت بإحدى اللفظتين، ويمكن أن يقال يكون العقد دائما إذا لم
~~يذكر الأجل وذكر المهر، إذا كان الإيجاب بلفظ التزويج أو النكاح، دون لفظ
~~التمتع.
# وأيضا لا خلاف بيننا في أنه إذا لم يذكر المهر والآجل في لفظ عقد المتعة،
~~كان العقد باطلا، ولم يبطل إلا من حيث التلفظ بالتمتع في الإيجاب، فلو ذكر
~~التزويج أو النكاح مثلا، بأن قالت: زوجتك أو أنكحتك ولم يذكر المهر
# PageV02P550
# والآجل، أو تلفظ الرجل في إيجابه بلفظ النكاح أو التزويج، ولم يذكر المهر
~~والآجل، فإن العقد يكون صحيحا بغير خلاف بين أصحابنا، فما المؤثر في فساد
~~العقد، إلا التلفظ بالتمتع، والإخلال بالمهر أو الأجل أو بهما. وقد ذهب بعض
~~أصحابنا إلى أن عقد الدوام ينعقد بثلاثة ألفاظ، زوجتك، وأنكحتك، وأمتعتك،
~~فعلى هذا المذهب يصح ما قاله شيخنا رحمة الله والأول هو الأظهر بين
~~الأصحاب.
# ومتى لم يذكر المهر مع الأجل، كان العقد غير ms0935 صحيح.
# ونكاح بملك الأيمان، وهو يختص الإماء دون الحرائر.
# وستقف إن شاء الله تعالى على شرائط هذه الأقسام الثلاثة من النكاح، فإنا
~~نفرد لكل قسم منها بابا إن شاء الله.
# وليس يخرج عن هذه الأقسام الثلاثة ما روى أصحابنا من تحليل الرجل جاريته،
~~لأخيه (1)، لأن هذا داخل في جملة الملك، لأنه متى أحل جاريته له، فقد ملكه
~~وطئها فهو مستبيح للفرج بالتملك، حسب ما قدمناه.
# باب الرضاع ومقدار ما يحرم من ذلك وأحكامه الذي يحرم من الرضاع ما أنبت
~~اللحم وشد العظم، على ما قدمناه، فإن علم ذلك، وإلا كان الاعتبار بخمس عشرة
~~رضعة، على الأظهر من الأقوال، وقد حكينا الخلاف في ذلك فيما مضى (2)، فلا
~~وجه لإعادته إلا أنا اخترنا هناك التحريم بعشر رضعات، وقويناه.
# والذي أفتي به وأعمل عليه الخمس عشرة رضعة، لأن العموم قد خصصه جميع
~~أصحابنا المحصلين، والأصل الإباحة والتحريم طارئ، فبالإجماع من الكل يحرم
~~الخمس عشرة رضعة، فالتمسك بالإجماع أولى وأظهر، فإن الحق أحق أن يتبع.
# وحد الرضعة ما يروي الصبي، دون المصة.
# PageV02P551
# وتكون الرضعات متواليات، لم يفصل بينهن برضاع امرأة أخرى، فإن لم يفصل
~~برضاع امرأة أخرى، بل فصل بينهن بوجور الصبي اللبن، أو بحقنته ذلك، فلا
~~يعتد بذلك في الفصل.
# فإن لم ينضبط العدد اعتبر برضاع يوم وليلة، إذا لم ترضع امرأة أخرى.
# فمتى كان الرضاع أقل مما ذكرناه، مما لا ينبت اللحم ولا يشد العظم، أو
~~كان أقل من خمس عشرة رضعة، أو مع استيفاء العدد، قد فصل بينهن برضاع امرأة
~~أخرى، أو كان أقل من يوم وليلة لمن لا يراعى العدد، أو مع تمام يوم وليلة
~~دخل بينه رضاع امرأة أخرى، فإن ذلك لا يحرم، ولا تأثير له في التحريم.
# والمحرم من ذلك أن يكون الرضاع في مدة الحولين من عمر الصبي المرتضع، فإن
~~كان بعض الرضعات في مدة الحولين، وبعضها بعدهما، فلا تأثير لذلك في
~~التحريم.
# و كذلك إن كانت المرأة المرضعة، قد ماتت وتمم العدد بعد موتها، فلا تأثير ms0936
~~أيضا لذلك في التحريم.
# فإن حصل الرضاع أو بعضه بعد الحولين سواء كان قبل فطام المرتضع أو بعده،
~~قليلا كان أو كثيرا، فإنه لا يحرم.
# وكذلك إن در لبن امرأة لست مرضعة، فأرضعت صبيا أو صبية، فإن ذلك لا تأثير
~~له في التحريم.
# وإنما التأثير للبن الولادة من النكاح المشروع فحسب، دون النكاح الحرام
~~والفاسد، ووطء الشبهة، لأن نكاح الشبهة عند أصحابنا لا يفصلون بينه وبين
~~الفاسد إلا في إلحاق الولد ورفع الحد، فحسب، وإن قلنا في وطء الشبهة
~~بالتحريم، كان قويا، لأن نسبه عندنا نسب صحيح شرعي، والرسول عليه السلام
~~قال:
# يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (1)، فجعله أصلا للرضاع، ولي في ذلك نظر
~~وتأمل.
# PageV02P552
# ومتى حصل الرضاع على الصفة التي ذكرناها فإنه بمنزلة النسب، يحرم منه ما
~~يحرم من النسب، إلا أن النسب منه يراعى من جهة الأب خاصة، دون الأم، ومعنى
~~ذلك، أن المرأة إذا أرضعت صبيا بلبن بعل لها، وكان لزوجها عدة أولاد من
~~أمهات شتى، فإنهم يحرمون كلهم على الصبي المرتضع، ولادة كانوا أو رضاعا،
~~فأما إخوته المنتسبون إلى أمه المرضعة، فإنما يحرم عليه منهم من كان منها
~~ولادة، دون الرضاع، لاختلاف لبن الفحلين.
# مثاله أنه لو أرضعت امرأة صبيا من غيرها، بلبن بعل لها، وكان للمرأة بنت
~~برضاع من غير ذلك البعل، لحل التناكح بين الابن والبنت، ولم يحرم ذلك
~~الرضاع، لاختلاف لبن الفحلين، فإن كان رضاعها لابن القوم بلبن من أبي بنتها
~~التي هي منسوبة إليها بالرضاع، دون الولادة، حرم ذلك التناكح بينهما على ما
~~بيناه، لأن اللبن هاهنا لبن فحل واحد.
# وإن كان لأمه من الرضاع بنت من غير أبيه من الرضاع، فهي أخته لأمه عند
~~المخالفين من العامة، لا يجوز له أن يتزوجها، وقال أصحابنا الإمامية
~~بأجمعهم: يحل له تزويجها، لأن الفحل غير الأب، وبهذا فسروا قول الأئمة
~~عليهم السلام في ظواهر النصوص، وألفاظ الأخبار المتواترة، " إن اللبن للفحل
~~" (1) يريدون بذلك لبن فحل واحد. فأما إذا كان فحلان ولبنان، فلا ms0937 تحريم.
# فأما إذا كانت لها بنت من غير هذا الفحل ولادة، فلا خلاف أنها تحرم.
# وإن كان لها بنت من زوجها، فهي أخته لأبيه وأمه.
# وأما زوج المرضعة، فهو الفحل الذي له اللبن، وهو أبوه من الرضاع، وأخوه
~~عمه، وأخته عمته، وآباؤه أجداده، فإن كان لهذا الفحل ولد من غير هذه
~~المرضعة، فهو أخوه لأبيه، وإن كان له ولد من هذه المرضعة، فهو أخوه لأبيه
# PageV02P553
# وأمه، وهذا معنى قولهم عليهم السلام: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب
~~" (1).
# فعلى هذا التقدير، يحرم أولاد الفحل على هذا المرتضع ولادة ورضاعا.
# فأما أولاد الأم المرضعة فإنه لا يحرم على المرتضع، إلا أولادها ولادة،
~~فأما أولادها المنتسبون إليها بالرضاع فلا يحرمون عليه بحال.
# والذي يدور عقد الرضاع عليه، وجملة بابه، أن امرأة الرجل إذا كان بها لبن
~~منه، فأرضعت مولودا الرضعات على الصفة المقدم ذكرها، صار كأنه ابنهما من
~~النسب، فكل من حرم على ابنهما من النسب، حرم على هذا، لأن الحرمة انتشرت
~~منه إليهما، ومنهما إليه، فالتي انتشرت منه إليهما، أنه صار كأنه ابنهما من
~~النسب، والحرمة التي انتشرت منهما إليه، وقفت عليه وعلى نسله، دون من هو في
~~طبقته من إخوته وأخواته، أو أعلى منه من آبائه وأمهاته، فيجوز للفحل أن
~~يتزوج بأم هذا المرضع، وبأخته، وبجدته، ويجوز لوالد هذا المرضع أن يتزوج
~~بالتي أرضعته، لأنه لا نسب بينهما، ولا رضاع، ولأنه لما جاز أن يتزوج أم
~~ولده من النسب، فبان يجوز أن يتزوج أم ولده من الرضاع، أولى.
# فإن قيل: أليس لا يجوز له أن يتزوج أم أم ولده من النسب، ويجوز له أن
~~يتزوج بأم أم ولده من الرضاع، فكيف جاز هذا، وقد رويتم وقلتم أنه " يحرم من
~~الرضاع ما يحرم من النسب "؟
# قلنا: أم أم ولده من النسب ما حرمت بالنسب، إنما حرمت بالمصاهرة قبل وجود
~~النسب، والنبي صلى الله عليه وآله إنما قال: " يحرم من الرضاع ما يحرم من
~~النسب " ولم يقل يحرم من الرضاع ما يحرم ms0938 من المصاهرة، هكذا أورده شيخنا أبو
~~جعفر في مبسوطه (2)، من قولنا والذي يدور عقد الرضاع عليه، وهو كلام
~~الشافعي، ومذهبه، وسؤاله نفسه وجواباته عنها في قوله: فيجوز للفحل
# PageV02P554
# أن يتزوج بأم هذا المرضع وبأخته وبجدته.
# قال محمد بن إدريس، مصنف هذا الكتاب: أما تزويجه بأخته وبجدته، فلا يجوز
~~بحال، لأنا في النسب لا نجوز أن يتزوج الإنسان بأخت ابنه، ولا بأم امرأته
~~بحال، وإنما الشافعي علل ذلك بالمصاهرة، وليس هاهنا مصاهرة، وكذا في قوله
~~وسؤاله نفسه " أليس لا يجوز له يتزوج أم أم ولده من النسب ويجوز أن يتزوج
~~أم أم ولده من الرضاع " أجاب " بأن أم أم ولده من النسب ما حرمت النسب،
~~وإنما حرمت بالمصاهرة قبل وجود النسب " وعلل ذلك بالمصاهرة، فلا يظن ظان
~~بأن ما قلناه كلام شيخنا أبي جعفر.
# والذي يقتضيه مذهبنا، أن أم أم ولده من الرضاع محرمة عليه، كما أنها
~~محرمة عليه من النسب، لأنه أصل في التحريم، من غير تعليل، فعلى هذا امرأة
~~لها لبن أرضعت بنتا لقوم، الرضاع المحرم، ولتلك البنت المرضعة أخت، فإنه
~~يحل لابن المرضعة الذي قد شربت هذه البنت المرضعة منه، أن يتزوج بأختها،
~~وهي أخت أخته من الرضاع، لما مضى من الأصل، وهو أنه إنما يحرم هذا المرضع
~~وحده، ومن كان من نسله، دون من كان في طبقته وهذه من طبقته، لأنه لا نسب
~~بينه وبين أخت أخته، ولا رضاع.
# ومثاله في النسب، رجل له ابن تزوج امرأة لها بنت، فولدت منه بنتا، فهذه
~~البنت أخت ابنه من أبيه، فله أن يتزوج بأختها التي هي بنت زوجة أبيه من غير
~~أمه، وهي أخت أخته من النسب، لأنه لا نسب بينهما، ولا رضاع.
# وهكذا يجوز له أن يتزوج أخت أخيه من الرضاع، بيانه امرأة لها ابن كبير
~~وابن صغير، ثم إن أجنبية لها بنت أرضعت هذا الصغير، فإن هذا الصغير أخو هذه
~~الصغيرة من الرضاع، ولهذا الابن الكبير أن يتزوج بهذه الصغيرة، وهي أخت
~~أخيه كما قلناه في النسب. ms0939
# وعلى هذا يدور كتاب الرضاع، فكلما نزلت بك حادثة فارجع إليه، واعتبر هذا
~~به. PageV02P555
# إذا كان له أربع زوجات، أحدا هن صغيرة لها دون الحولين، وثلاث كبار لهن
~~لبن، فأرضعت إحدى الكبار هذه الصغيرة، انفسخ نكاحهما معا، فإذا أرضعتها
~~الثانية من الكبار، انفسخ نكاحها، لأنها أم من كانت زوجته، فإن أرضعتها
~~الثالثة، انفسخ نكاحها، لأنها أم من كانت زوجته.
# وروي في أخبارنا أن هذه لا تحرم، لأنها ليست زوجته في هذه الحال، وإنما
~~هي بنته والذي قدمناه هو الذي يقتضيه أصولنا، لأنها من أمهات نسائه، وقد
~~حرم الله تعالى أمهات النساء، وهذه كانت زوجته بلا خلاف.
# والرضاع لا يثبت إلا ببينة عادلة، ولا يقبل فيه شهادة النساء على الصحيح
~~من أقوال أصحابنا.
# قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا ادعت المرأة أنها أرضعت صبيا لم يقبل
~~قولها، وكان الأمر على أصل الإباحة (1).
# قال محمد بن إدريس: إن أراد بذلك بعد العقد عليها فصحيح ما قال، لأنها
~~ادعت شيئا يفسخ عقده عليها، فلا يقبل إقرارها في حقه، فأما. إن ادعت وأقرت
~~قبل العقد عليها بأنه ابنها من الرضاع، وأنها محرمة عليه، فلا يجوز العقد
~~وتزويجه بحال، لأن هذا إقرار على نفسها.
# وإذا أرضعت المرأة صبيين، ولكل واحد منهما إخوة وأخوات، ولادة أو رضاعا
~~من غير الرجل الذي رضعا من لبنه، جاز التناكح بين إخوة وأخوات هذا وإخوة
~~وأخوات ذاك، ولا يجوز التناكح بينهما، أنفسهما، ولا بين إخوتهما وأخواتهما
~~من جهة لبن الرجل الذي رضعا من لبنه، حسب ما قدمناه.
# وروي أنه إذا ربت المرأة جديا بلبنها، فإنه يكره لحمه ولحم كل ما كان من
~~نسله عليها، وليس ذلك بمحظور.
# PageV02P556
# وذكر شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه في أول كتاب الرضاع، مسألة:
# إذا حصل الرضاع المحرم، لم يحل للفحل نكاح أخت هذا المولود المرتضع
~~بلبنه، ولا لأحد من أولاده من غير هذه المرضعة، ومنها، لأن إخوته وأخواته
~~صاروا بمنزلة أولاده (1).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: قول شيخنا رحمه الله في ms0940 ذلك غير
~~واضح، وأي تحريم حصل بين أخت هذا المولود المرتضع، وبين أولاد الفحل، وليس
~~هي أختهم لا من أمهم ولا من أبيهم، والنبي عليه السلام جعل النسب أصلا
~~للرضاع في التحريم فقال: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وفي النسب لا
~~يحرم على الإنسان نكاح أخت أخيه التي لا من أمه ولا من أبيه، فليلحظ ذلك
~~ويتأمل.
# باب الكفاءة في النكاح واختيار الأزواج قال الجوهري في كتاب الصحاح:
~~الكفئ النظير، وكذلك الكفؤ والكفوء، على فعل وفعول، والمصدر الكفاءة بالفتح
~~والمد (2).
# فعندنا أن الكفاءة المعتبرة في النكاح أمران، الإيمان، واليسار بقدر ما
~~يقوم بأمرها، والإنفاق عليها، ولا يراعى ما وراء ذلك من الأنساب والصنايع.
# والأولى أن يقال: إن اليسار ليس بشرط في صحة العقد، وإنما للمرأة الخيار
~~إذا لم يكن موسرا بنفقتها، ولا يكون العقد باطلا، بل الخيار إليها، وليس
~~كذلك خلاف الإيمان الذي هو الكفر إذا بان كافرا، فإن العقد باطل، ولا يكون
~~للمرأة الخيار كما كان لها في اليسار، فليلحظ ذلك ويتأمل، فقد يوجد في كثير
~~من الكتب المصنفة إطلاق ذلك، وإن الكفاءة المعتبرة في صحة النكاح عندنا
~~أمران، الإيمان والنفقة، وتحريره ما ذكرناه وبيناه.
# فعلى هذا التحرير، يجوز للعجمي أن يتزوج بالعربية، وللعامي أن يتزوج
~~بالهاشمية، لأن الرسول عليه السلام زوج ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب
# PageV02P557
# بن هاشم بن عبد مناف، وهي بنت عمه عليه السلام المقداد بن عمرو وهو عامي
~~النسب، بغير خلاف.
# وكذلك يجوز للعبد أن يتزوج بحرة.
# ويجوز للفاسق أن يتزوج بالعفيفة، ولا يفسد العقد، وإن كان تركه أفضل.
# ولا بأس أن يتزوج أرباب الصنايع الدنية أمن الحياكة والحجامة، والحراسة،
~~وغير ذلك، بأهل المروات والبيوتات، كالتجار والتناء، والولاة، ونحو ذلك
~~لقول الرسول والأئمة عليهم السلام: " المؤمنون بعضهم أكفاء لبعض في عقد
~~النكاح كما أنهم متكافئون في الدماء " (1) إلا ما خرج بالدليل، من أن العبد
~~ليس بكفؤ للحر في القصاص.
# وروي أنه إذا خطب المؤمن إلى غيره بنته، وكان عنده يسار بقدر نفقتها، ms0941
~~وكان ممن يرضى أفعاله وأمانته، ولا يكون مرتكبا لشئ يدخل به في جملة
~~الفساق، وإن كان حقيرا في نسبه، قليل المال، فلم يزوجه إياها، كان عاصيا
~~لله تعالى، مخالفا لسنة نبيه صلى الله عليه وآله (2).
# ووجه الحديث في ذلك أنه إنما يكون عاصيا إذا رده، ولم يزوجه، لما هو عليه
~~من الفقر والأنفة منه لذلك، واعتقاده أن ذلك ليس بكفؤ في الشرع، فأما إن
~~رده ولم يزوجه لا لذلك، بل لأمر آخر وغرض غير ذلك من مصالح دنياه، فلا حرج
~~عليه، ولا يكون عاصيا، فهذا فقه الحديث.
# ويستحب للإنسان إذا أراد التزويج أن يطلب ذوات الدين والأبوات،
~~والبيوتات، والأصول الكريمة على الشياع والمتعارف، بين الناس، لقول الرسول
# PageV02P558
# عليه السلام: تخيروا لنطفكم، فإن العرق دساس (1)، وقوله عليه السلام
~~استجيدوا الأخوال (2). وقوله عليه السلام: عليك بذات الدين، تربت يداك (3).
~~وهذا دعاء، بمعنى الدعاء له، والمدح على فعله إن فعل، على مذهب كلام العرب،
~~فإنهم إذا أرادوا مدح المجود في الرمي، قالوا: قطعت يداه، ما أرماه، قال
~~امرؤ القيس:
# فهو لا تنمى رميته * ماله لا عد من نفره معناه أماته الله حتى لا يعد في
~~الأحياء من قومه، ومعنى هذا القول منه، التعجب، أي لله دره، كما يقال:
~~أهلكه الله، ما أفرسه!
# قال أبو عبيد: ترى أن النبي صلى الله عليه وآله لم يتعمد الدعاء عليه
~~بالفقر، ولكنها كلمة جارية على ألسنة العرب، يقولونها، وهم لا يريدون وقوع
~~الأمر.
# وقال غيره: أراد تربت يداك، إن لم تفعل ما أمرتك.
# وقال ابن الأنباري: معناه، لله درك إن استعملت ما أمرتك به، واتعظت
~~بعظتي.
# ويجتنب من لا أصل له ولا عقل، ولا يتزوج المرأة لجمالها ومالها، إذا لم
~~تكن مرضية في الاعتقاد والأصل والعقل، فقد روي عنه عليه السلام أنه قال:
# إياكم وخضراء الدمن. فقيل: وما خضراء الدمن يا رسول الله؟ فقال: المرأة
~~الحسناء من منبت السوء (4).
# وهذا من الفصاحة والاستعارة إلى حد تجاوز الغاية والنهاية، وكيف لا يكون
~~ذلك وهو أفصح العرب، كما قال ms0942 عليه السلام (5).
# وقد قدمنا أنه لا يجوز أن يتزوج مخالفة له في الاعتقاد، بغير هذه
~~العبارة.
# PageV02P559
# ولا بأس بنكاح المستضعفات، ممن يتشهدن الشهادتين، ولا يعرف منها.
# انحراف عن الحق، وحد المستضعف من لا يعرف اختلاف الناس في المذاهب، ولا
~~يبغض أهل الحق على اعتقاده.
# وإذا وجد امرأة لها دين وأصل كريم، فلا يمتنع من مناكحتها لأجل فقرها،
~~فإن الله تعالى يقول: " إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله " (1).
# ويختار من النساء الولود، وإن كانت سوءآء قبيحة المنظر، ويجتنب العقيم
~~منهن، وإن كانت حسناء جميلة المنظر.
# ويستحب التزويج بالأبكار، فقد روي أن النبي عليه السلام قال: إنهن أطيب
~~شئ أفواها، وأدر شئ أخلافا، وأحسن شئ أخلاقا، وأفتح " بالخاء المعجمة " شئ
~~أرحاما (2) ومعنى " افتخ ": ألين وأنعم.
# وروي كراهية التزويج بالأكراد (3) ويكره تزويج المجنونة.
# ولا بأس أن يتزوج الرجل بامرأة قد علم منها الفجور، إذا تابت وأقلعت، وقد
~~روي (4) أنه إذا عقد على امرأة ثم علم بعد ذلك العقد أنها كانت زنت، كان له
~~أن يرجع على وليها بالمهر، إذا كان عالما بحالها، ما لم يدخل بها، فإن دخل
~~بها كان لها المهر بما استحل من فرجها، ولا يكون له فسخ النكاح، فإن بعض
~~أصحابنا: هو من جملة العيوب التي ترد به النساء.
# باب من يتولى العقد على النساء عندنا أنه لا ولاية على النساء الصغار
~~اللاتي لم يبلغن تسع سنين إلا للأب
# PageV02P560
# والجد من قبله، إلا أن لولاية الجد رجحانا وأو لوية هنا بغير خلاف بين
~~أصحابنا، إلا من شيخنا أبي جعفر في نهايته (1)، فإنه يجعل ولاية الجد
~~مرتبطة بحياة الأب في هذه الحال.
# والصحيح أن ولايته بعد الأب باقية ثابتة في مالها وغيره، والأصل بقاؤها،
~~فمن أزالها يحتاج إلى دليل قاهر.
# والجد له مزية في هذه الحال، بأن يختار هو رجلا، ويختار أبوها رجلا،
~~فالأولى أن يقدم من اختاره الجد، فإن بادر الأب في هذه الحال، وعقد على من
~~اختاره، فعقده ماض، فأما إن عقدا معا لرجلين في حالة واحدة، فإن ms0943 العقد عقد
~~الجد، ويبطل عقد الأب بغير خلاف في ذلك أجمع.
# فأما عقدهما عليها بعد بلوغها التسع سنين، وهي رشيدة مالكة لأمرها وهي
~~بكر غير ثيب، فإن أصحابنا مختلفون في ذلك على قولين.
# منهم من يقول عقدهما ماض، وولايتهما باقية ثابتة لم تزل، ويسوى بين
~~الحالين، إلا أن هاهنا ولاية الجد مرتبطة بحياة الأب، فإذا مات الأب عند
~~هذه الحال بطلت ولاية الجد، وصار كالأجانب، فليلحظ ذلك ويتأمل، ففيه غموض،
~~وهو قول شيخنا أبي جعفر في نهايته (2) ومعظم كتبه (3).
# ومنهم من يفرق بين الحالين، ويزيل ولايتهما في هذه الحال، وهم الأكثرون
~~المحصلون من أصحابنا، ويجعلون أمرها بيدها، ولا يمضون عقدهما عليها، والحال
~~ما ذكرناه إلا برضاها، فإن لم ترض وأظهرت الكراهة، بطل العقد وانفسخ، وهو
~~قول شيخنا المفيد في كتابه أحكام النساء (4)، وقول السيد المرتضى.
# وإلى هذا القول أذهب وعليه أعتمد، وبه أفتي، لوضوحه عندي، ويقويه النظر
~~والاعتبار، والمحقق من الأخبار، وقوله تعالى: " فإن طلقها فلا تحل له من
# PageV02P561
# بعد حتى تنكح زوجا غيره " (1) فجعل النكاح في الولاية بيدها، وأضافه
~~إليها، فالظاهر أنها تتولاه، وقوله تعالى: " فإذا بلغن أجلهن فلا جناح
~~عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف " (2) فأباح فعلها في نفسها، من غير
~~اشتراط أحد من الأب والجد، وقوله تعالى: " فإن طلقها فلا جناح عليهما أن
~~يتراجعا " (3) فأضاف التراجع إليهما، وهو عقد، لأنه لو أراد الرجعة من
~~الزوج وحده، لما أضافه إليهما معا.
# وأيضا فلا خلاف بين أصحابنا المخالف في المسألة والمؤالف، أن الأب بعد
~~البلوغ والرشد تخرج الولاية منه عن المال، ويجب تسليمه إليها، والاتفاق على
~~أن العاقل لا يحجر عليه في ماله ونفسه إلا ما خرج بالدليل من المفلس، ولا
~~خلاف بينهم أن بالبلوغ يكمل عقلها، ويجب تسليم مالها إليها، ويصح عقود
~~بيوعها ونذرها وأيمانها، لقوله تعالى: " فلا جناح عليكم فيما فعلن في
~~أنفسهن بالمعروف " (4) ومن جملة فعلها بنفسها، عقدها عليها عقدة النكاح،
~~وقد أباح لها الله تعالى ذلك بصريح لفظ الآية، ما تفعله في نفسها، وذلك عام ms0944
~~في جميع الأفعال، فمن ادعى التخصيص يحتاج إلى دليل.
# فعلى هذا التقرير والتحرير، إذا لم ترض بعقد أبيها وأظهرت كراهية عقده،
~~فإنه يكون باطلا مفسوخا، وإن رضيت به وأمضته، فإنه يكون صحيحا، ويجري مجرى
~~غيره من الأجانب، لأن العقد عندنا في النكاح يقف على الإجازة بغير خلاف
~~بيننا، إلا ممن شذ وعرف اسمه ونسبه، وسنذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله
~~تعالى.
# وأيضا فلا خلاف بين المخالف والمؤالف من أصحابنا في المسألة، أن ولاية
~~الأب تزول عن البكر البالغ في عقد النكاح المؤجل، فبالإجماع قد زالت ولايته
~~هاهنا في النكاح المؤجل، فلو كانت ولايته ثابتة في النكاح بعد البلوغ، لم
~~تزل في أحد قسميه، وتثبت في الآخر، فمن ادعى ثبوت ولايته في القسم الآخر
~~الذي
# PageV02P562
# هو الدائم، فعليه الدليل، لأنه موافق في خروج الولاية من يده في العقود
~~كلها، من البيع وغيره، وفي أحد قسمي النكاح.
# وأيضا فشيخنا أبو جعفر قال في مسائل خلافه: مسألة، إذا كان أولى الأولياء
~~مفقودا أو غائبا غيبة من منقطعة، أو على مسافة قريبة أو بعيدة، وكلت وزوجت
~~نفسها، ثم قال في استدلاله: دليلنا ما قدمناه في المسألة الأولى سواء، من
~~أنه لا ولاية لغير الأب والجد، ومتى كان أحدهما غائبا كان للآخر تزويجها،
~~وإن غابا جميعا وكانت بالغا كان لها أن تعقد على نفسها، وتوكل من شاءت من
~~باقي الأولياء (1) هذا آخر كلام شيخنا في المسألة.
# فانظر أرشدك الله إلى كلامه رحمه الله فهل ترى للخلاف معنى؟ لأن من جعل
~~له الولاية، لا يقول أن مع الغيبة تسقط، لأن ولي الصغيرة من الأب والجد،
~~إذا غابا لا تسقط ولايتهما عنها بحال، ولا يجوز تزويجها إلا بإذنهما، لأن
~~لهما عليها الولاية بغير خلاف، وكذلك حالها عند البلوغ، لا تزول ولايتهما
~~عند من ذهب إلى ذلك من أصحابنا إذ لا فرق بين الموضعين، وأيضا فشيخنا أبو
~~جعفر الطوسي، قد رجع وسلم المذهب بالكلية في كتابه كتاب التبيان، ورجع عما
~~ذكره في نهاية، وسائر كتبه، لأن كتاب ms0945 التبيان صنفه بعد كتبه جميعها،
~~واستحكام علمه، وسبره للأشياء، ووقوفه عليها، وتحقيقه لها، فقال في تفسير
~~قوله تعالى: " إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح " (2) فإنه
~~قال:
# لا ولاية لأحد عندنا، إلا للأب والجد، على البكر غير البالغ، فأما من
~~عداهما فلا ولاية له (3) فهذا قوله في كتاب التبيان المشتمل على تفسير
~~القرآن، وإذا كان لا إجماع في المسألة من أصحابنا، والأصول من الأدلة شاهدة
~~لما ذهبنا إليه واخترناه، فلا معدل عنه، وشيخنا أبو جعفر الطوسي محجوج
~~بقوله هذا الذي
# PageV02P563
# حكيناه عنه في التبيان.
# وقال السيد المرتضى في كتابه الإنتصار: مسألة، ومما يظن قبل الاختبار، أن
~~الإمامية تنفرد به القول، بأنه ليس للأب أن يزوج بنته البكر البالغة إلا
~~بإذنها، وأبو حنيفة يوافق في ذلك، وقال مالك والشافعي: للأب أن يزوجها بغير
~~إذنها، ثم قال رحمه الله في استدلاله: دليلنا الإجماع المتردد (1).
# وشيخنا المفيد، قال في كتابه كتاب أحكام النساء، قال في باب أحكام النساء
~~في النكاح: والمرأة إذا كانت كاملة العقل، سديدة الرأي، كانت أولى بنفسها
~~في العقد عليها للأزواج من غيرها، كما أنها أولى بالعقد على نفسها في البيع
~~والابتياع، والتمليك، والهبات، والوقوف، والصدقات، وغير ذلك، من وجوه
~~التصرفات، غير أنها إذا كانت بكرا ولها أب أوجد لأب، فمن السنة أن يتولى
~~العقد عليها أبوها، أو جدها لأبيها، إن لم يكن لها أب، بعد أن يستأذنها في
~~ذلك، فتأذن فيه، وترضى به، ولو عقدت على نفسها بغير إذن أبيها، لكان العقد
~~ماضيا (2)، هذا آخر كلام شيخنا المفيد رحمه الله.
# وأيضا فقد قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله في مبسوطه، في فصل في ذكر أولياء
~~المرأة والمماليك: إذا بلغت الحرة رشيدة، ملكت كل عقد من النكاح، والبيع،
~~وغير ذلك، وفي أصحابنا من قال: إذا كانت بكرا لا يجوز لها العقد على نفسها،
~~إلا بإذن أبيها، وفي المخالفين من قال: لا يجوز نكاح إلا بولي، وفيه خلاف،
~~ثم قال رحمه الله: وإذا تزوج من ذكرنا بغير ولي، كان ms0946 العقد صحيحا (3).
# فقد وافق هاهنا أيضا، ولا يرجع إلى أخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا
~~عملا، في هذه المسألة.
# النكاح عندنا يقف على الإجازة، مثل أن يزوج رجل امرأة من غير أمر وليها
# PageV02P564
# لرجل، ولم يأذن له في ذلك، يقف العقد على إجازة الزوج والولي، ولو زوج
~~رجل بنت غيره - وهي غير بالغ - من رجل، فقبل الزوج، وقف العقد على إجازة
~~الولي، وكذلك لو زوج الرجل بنته الثيب الكبيرة الرشيدة، أو أخته الكبيرة
~~الرشيدة، أو غير الكبيرة، وقف على إجازتها، وكذلك لو تزوج العبد بغير إذن
~~سيده، والأمة بغير إذن سيدها وقف العقد على إجازتهما بغير خلاف في ذلك كله
~~عند أصحابنا، ما خلا العبد والأمة، فإن بعضهم يوقف العقد على إجازة
~~الموليين، وبعضهم يبطله ويفسده، ويحتج بأنه عقد مهي عنه، والنهي يدل على
~~فساد المنهي عنه، وما عداهما لا خلاف بينهم فيه.
# إلا ما ذهب شيخنا أبو جعفر إليه في مسائل خلافه (1) فإنه خالف أصحابه، في
~~ذلك، واختار مذهب الشافعي، وإن كان موافقا لباقي أصحابنا في نهايته (2)،
~~واستبصاره (3) وتهذيبه (4).
# دليلنا: إجماع أصحابنا المنعقد على ما اخترناه، فإن من ذكرناه معروف
~~الاسم والنسب، وإن كان محجوجا بقوله في غير مسائل الخلاف.
# والأخبار متواترة عن الأئمة الأطهار بوقوف عقود النكاح على الإجازة.
# وقال السيد المرتضى في الناصريات، في المسألة الرابعة والخمسين والمائة:
# ويقف النكاح على الفسخ والإجازة في أحد القولين، ولا يقف في القول الآخر،
~~هذا صحيح، ويجوز أن يقف النكاح عندنا على الإجازة، ووافقنا على ذلك أبو
~~حنيفة، وقال الشافعي: لا يصح النكاح الموقوف على الإجازة، سواء كان
# PageV02P565
# موقوفا على إجازة الزوج، أو الولي، أو المنكوحة، وقال في استدلاله:
~~دليلنا على صحة مذهبنا، الإجماع المتردد، وما رواه ابن عباس، من أن جارية
~~بكرا أتت النبي عليه السلام، فذكرت أن أباها زوجها، وهي كارهة، فخيرها
~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1)، وهذا يدل على أن النكاح يقف على
~~الإجازة والفسخ، وأيضا ما روي في خبر آخر أن رجلا زوج ابنته ms0947 وهي كارهة،
~~فجاءت النبي عليه السلام وقالت: زوجني أبي، " ونعم الأب " من ابن أخيه،
~~يريد أن يرفع بي خسيسته، فجعل النبي عليه السلام أمرها إليها، فقالت: أجزت
~~ما صنع بي أبي، وإنما أردت أن أعلم النساء أنه ليس إلى الآباء من أمر
~~النساء شئ (2)، وروي في بعض الأخبار أنه عليه السلام قال لها: أجيزي ما صنع
~~أبوك، وأبوها ما صنع إلا العقد، فدل على أنه كان موقوفا على الإجازة (3)
~~هذا آخر كلام السيد المرتضى رضي الله عنه وأرضاه.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ومتى عقد الأبوان على ولديهما قبل أن
~~يبلغا، ثم ماتا، فإنهما يتوارثان، ترث الجارية الصبي، والصبي الجارية (4).
# قال محمد بن إدريس: هذا صحيح بغير خلاف بين أصحابنا.
# ثم قال: ومتى عقد عليهما غير أبويهما، ثم مات واحد منهما، فإن كان الذي
~~مات، الجارية، فلا يرث الصبي، سواء بلغ أو لم يبلغ، لأن لها الاختيار عند
~~البلوغ، فإن كان الذي مات، الزوج قبل أن يبلغ، فلا ميراث لها أيضا، لأن له
# PageV02P566
# الخيار عند البلوغ، وإن كان موته عند بلوغه ورضاه بالعقد قبل أن تبلغ
~~الجارية، فإنه يعزل ما ترثه، إلى أن تبلغ، فإذا بلغت، عرض عليها العقد، فإن
~~رضيت به، حلفت بالله تعالى أنها ما دعاها إلى الرضا الطمع في الميراث، فإذا
~~حلفت، أعطيت الميراث، وإن أبت لم يكن لها شئ (1).
# قال محمد بن إدريس: وهذا تسليم منه رحمه الله، أن العقد يقف على الإجازة
~~والفسخ.
# ثم قال رحمه الله: ومتى عقد على صبية لم تبلغ غير الأب أو الجد مع وجود
~~الأب، كان لها الخيار إذا بلغت، سواء كان ذلك العاقد جدا مع عدم الأب، أو
~~الأخ أو العم، أو الأم (2).
# وهذا أيضا تسليم للمسألة.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا لم يكن لها جد وكان لها أخ، يستحب
~~لها أن تجعل الأمر إلى أخيها الكبير، وإن كان لها أخوان فجعلت الأمر
~~إليهما، ثم عقد كل واحد منهما عليها لرجل، كان الذي عقد له عليها ms0948 أخوها
~~الأكبر أولى بها من الآخر (3).
# قال محمد بن إدريس: إن أراد بذلك أنهما عقدا في حالة واحدة معا،
~~الإيجابان والقبولان في دفعة واحدة، فالعقدان باطلان، لأن ذلك منهي عنه،
~~والنهي يدل على فساد المنهي عنه، وحمل ذلك على الأب والجد قياس، ونحن لا
~~نقول به، وإن أراد أنه تقدم عقد الأخ الصغير عليها، فكيف يكون الذي عقد له
~~عليها أخوها الأكبر أولى، وإن أراد أن الأكبر كان عقده متقدما، فالعقد
~~صحيح، ولا معنى للأولوية هاهنا.
# ثم قال رحمه الله: فإن دخل بها الذي عقد عليها أخوها الصغير، كان العقد
# PageV02P567
# ماضيا، ولم يكن للأخ الكبير أمر مع الدخول بها (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: إذا كان الصغير قد سبق بالعقد، فسواء دخل
~~بها المعقود له عليها أو لم يدخل، لا أمر للكبير، فإن كان الأخ الكبير قد
~~سبق بالعقد ودخل الذي عقد له الأخ الصغير بها، فإنها ترد إلى الأول، وكان
~~لها الصداق بما استحل من فرجها، وعليها العدة، ولا نفقة لها على من دخل
~~بها، لأنها تعتد لغيره، بل النفقة على زوجها، لأنها في حباله، وإنما منعه
~~الشرع من وطئها، فإن جاءت بولد كان لاحقا بأبيه.
# وذهب شيخنا في نهايته إلى أنه إن كان قد دخل بها الذي عقد له عليها أخوها
~~الأصغر، وإن كان عقده بعد عقد أخيها الأكبر عليها، فهي زوجته مع الدخول
~~(2).
# إلا أنه رجع في مسائل خلافه (3)، وفي مبسوطه (4) عن ذلك وقال: وروي في
~~بعض أخبارنا ذلك (5).
# ورجوعه هو الصحيح.
# ومتى عقد الرجل لابنه على جارية وهو غير بالغ، كان له الخيار إذا بلغ،
~~وليس كذلك إذا عقد على بنته غير البالغ، لأنها إذا بلغت لا خيار لها.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا أراد الأخ العقد على أخته البكر،
~~استأمرها، فإن سكتت كان ذلك رضى منها (6).
# قال محمد بن إدريس: المراد بذلك، أنها تكون قد وكلته في العقد.
# PageV02P568
# فإن قيل: إذا وكلته في العقد فلا حاجة به إلى استيمارها.
# قلنا: بل يستحب ms0949 أن يستأمرها عند العقد بعد ذلك، وكذلك الأب إذا لم يكن
~~وليا عليها، ولا له إجبارها على النكاح، وولت أمرها إليه، فإنه يستحب له أن
~~يستأمرها إذا أراد العقد عليها، وهذا معنى ما روي أن إذنها صماتها (1) وإلا
~~السكوت لا يدل في موضع من المواضع على الرضا، إلا إذا لم يكن له وجه إلا
~~الرضا، فإنه يدل حينئذ على الرضا.
# وذهب شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، في فصل في ذكر أولياء المرأة، إلى ما
~~ذكرناه، وحقق ما حررناه، فقال: وأما الأبكار فلا يخلو أن تكون صغيرة أو
~~كبيرة، فإن كانت صغيرة كان لأبيها وجدها أبي أبيها وإن علا أن يزوجها لا
~~غير، وإن كانت كبيرة فالظاهر في الروايات (2) أن للأب والجد أن يجبراها على
~~النكاح، ويستحب له أن يستأذنها، وإذنها صماتها، وإن لم يفعل فلا حاجة به
~~إليها (3) هذا آخر قول شيخنا في مبسوطه.
# وإذا ولت المرأة غيرها العقد عليها، وسمت له رجلا بعينه، لم يجز له العقد
~~لغيره عليها، فإن عقد لغيره كان العقد باطلا.
# وإذا عقد الرجل على ابنه وهو صغير، وسمى مهرا ثم مات الأب، كان المهر من
~~أصل تركته قبل القسمة، سواء رضي الابن بالعقد بعد بلوغه، أو لم يرض، لأنه
~~لما عقد عليه ولا مال للابن، فقد ضمن الأب المهر، فانتقاله إلى الابن بعد
~~بلوغه ورضاه يحتاج إلى دليل، إلا أن يكون للصبي مال في حال العقد، فيكون
~~المهر من مال الابن دون الأب، لأنه الناظر في مصالحه، والوالي
# PageV02P569
# عليه في تلك الحال، فأما الموضع الذي أوجبنا المهر في مال الأب، فدليله
~~إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضا فإنه لما قبل النكاح لولده مع علمه بإعساره،
~~وعلمه بلزوم الصداق بعقد النكاح، علمنا من حيث العرف والعادة أنه دخل على
~~أن يضمن، فقام العرف في هذا مقام نطقه.
# وحد الجارية التي يجوز لها العقد على نفسها، أو يجوز لها أن تولي من يعقد
~~عليها، تسع سنين فصاعدا، مع الرشد والسلامة من زوال العقل، فإن بلغت إلى
~~ذلك الحد ms0950 وهي مجنونة أو زائلة العقل، فإن ولاية الأب غير زائلة.
# ومتى عقدت الأم لابن لها على امرأة، كان مخيرا في قبول العقد والامتناع
~~منه، فإن قبل لزمه المهر، وإن أبى ذلك لزمها هي المهر، على ما روي في بعض
~~الأخبار (1) أورده شيخنا في نهايته (2).
# قال محمد بن إدريس: حمل ذلك على الأب قياس، فإن الأم غير والية على
~~الابن، وإنما هذا النكاح موقوف على الإجازة والفسخ، فإن بلغ الابن ورضي
~~لزمه المهر، وإن أبى انفسخ النكاح، ولا يلزم الأم من المهر شئ بحال، إذ هي
~~والأجانب سواء، ولو عقد عليه أجنبي كان الحكم ما ذكرناه بغير خلاف، فلا
~~دليل على لزوم المهر، لأن الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل، ولا
~~دليل عليه من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع منعقد، فبقينا على حكم
~~الأصل.
# وقد روي (3) أن المرأة إذا عقدت على نفسها عقدة النكاح، وهي سكرى، كان
~~العقد باطلا، فإن أفاقت ورضيت بفعلها، كان العقد ماضيا، وإن دخل بها الزوج
~~في حال السكر، ثم أفاقت الجارية، فأقرته على ذلك، كان ذلك أيضا
# PageV02P570
# ماضيا، هكذا أورده شيخنا في نهايته (1).
# والذي يقوى عندي أن هذا العقد باطل، فإذا كان باطلا فلا يقف على الرضا
~~والإجازة، لأنه لو كان موقوفا وقف على الفسخ والإجازة، وشيخنا قال:
# كان العقد باطلا، فإذا كان باطلا، فكيف يكون في نفسه بعد الإفاقة والرضا
~~ماضيا؟ وأيضا العقد حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، ولا دليل على
~~ذلك من كتاب، ولا سنة متواترة، ولا إجماع، ولا يرجع في مثل ذلك إلى أخبار
~~الآحاد.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: والذي بيده عقدة النكاح، الأب أو الجد مع
~~وجود الأب، أو الأخ إذا جعلت الأخت أمرها إليه، أو من وكلته في أمرها، فأي
~~هؤلاء كان جاز له أن يعفو عن بعض المهر، وليس له أن يعفو عن جميعه (2).
# وقال في مسائل خلافه: الذي بيده عقدة النكاح عندنا، هو الولي الذي هو
~~الأب، أو الجد، ثم قال: ms0951 إلا أن عندنا له أن يعفو عن بعضه، وليس له أن يعفو
~~عن جميعه (3).
# وقال في كتاب التبيان في تفسير قوله تعالى: " وإن طلقتموهن من قبل أن
~~تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده
~~عقدة النكاح " (4) قال رحمه الله: قوله " إلا أن يعفون " معناه من يصح
~~عفوها من الحرائر البالغات غير المولى عليها لفساد عقلها، فتترك ما يجب لها
~~من نصف الصداق، وهو قول ابن عباس ومجاهد، وجميع أهل العلم، وقوله " أو
~~يعفوا الذي بيده عقدة النكاح " قال مجاهد، والحسن، وعلقمة، أنه الولي، وهو
~~المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام غير أنه لا ولاية لأحد
~~عندنا إلا للأب والجد على البكر غير البالغ، فأما من عداهما فلا ولاية له
~~إلا بتولية منها، وروي عن علي عليه السلام، وسعيد بن المسيب، وشريح، وحماد،
~~وإبراهيم، وأبي
# PageV02P571
# حذيفة، وابن شبرمة، أنه الزوج، وروي ذلك أيضا في أخبارنا، غير أن الأول
~~أظهر، وهو المذهب، وفيه خلاف بين الفقهاء، ومن جعل العفو للزوج، قال: له أن
~~يعفو عن جميع نصفه، ومن جعله للولي قال أصحابنا: له أن يعفو عن بعضه، وليس
~~له أن يعفو عن جميعه، وإن امتنعت المرأة من ذلك، لم يكن لها ذلك، إذا اقتضت
~~المصلحة ذلك، عن أبي عبد الله واختار الجبائي أن يكون المراد به الزوج،
~~قال: لأنه ليس للولي أن يهب مال المرأة (1) هذا آخر كلامه في كتابه
~~التبيان.
# والذي يقوى في نفسي ويقتضيه أصول المذهب، ويشهد بصحته النظر والاعتبار،
~~والأدلة القاهرة، والآثار، أن الأب أو الجد من قبله مع حياته أو موته، إذا
~~عقدا على غير البالغ، فلهما أن يعفوا عما تستحقه من نصف المهر بعد الطلاق،
~~إذا رأيا ذلك مصلحة لها، وتكون المرأة وقت عفوهما غير بالغ، فأما من
~~عداهما، أو هما مع بلوغها ورشدها، فلا يجوز لهما العفو عن النصف، وصارا
~~كالأجانب، لأنهما في هذه الحال لا ولاية لهما عليها، وهي الوالية على
~~نفسها، ولا يجوز ms0952 لأحد التصرف في مالها بالهبة والعفو وغير ذلك إلا عن
~~إذنها، لأن التصرف في مال الغير لا يجوز عقلا وسمعا، إلا بإذنه، وليس في
~~الآية إن تعلق بها متعلق سوى ما ذكرناه، لأنه تعالى قال: " إلا أن يعفون "
~~فدل بهذا القول أنهن ممن لهن العفو، وهن الحرائر البالغات الواليات على
~~أنفسهن في العقد والعفو والبيع والشرى وغير ذلك، ثم قال: " أو يعفوا الذي
~~بيده عقدة النكاح " معناه إن لم يكن بالغات ولا واليات على أنفسهن، فعند
~~هذه الحال لا يلي عليهن عندنا سوى الأب والجد بغير خلاف بيننا، وهما
~~الواليان عليهن والناظران في عقد نكاحهن، فلهما العفو بعد الطلاق عما
~~تستحقه، ولأن الإجماع حاصل منعقد على ما ذكرناه، وفيما عداه خلاف،
~~فالاحتياط يقتضي ما ذكرناه، ودليل
# PageV02P572
# العقل يعضد ما اخترناه، إذا لا إجماع من أصحابنا على خلاف ما شرحناه، ولا
~~تواتر من الأخبار على ضد ما بيناه، وقول شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله
~~مختلف على ما بيناه في كتبه وحكيناه، وأقوال المفسرين مختلفة على ما
~~سطرناه.
# ولولا الإجماع من أصحابنا على أن الذي بيده عقدة النكاح، الأب والجد على
~~غير البالغ، لكان قول الجبائي قويا، مع أنه قد روي في بعض أخبارنا أنه
~~الزوج (1).
# وروي أنه إذا كان لرجل عدة بنات، فعقد لرجل على واحدة منهن، ولم يسمها
~~بعينها، لا للزوج ولا للشهود، فإن كان الزوج قد رآهن كلهن، كان القول قول
~~الأب، وعلى الأب أن يسلم إليه التي نوى العقد عليها عند عقدة النكاح، وإن
~~كان الزوج لم يرهن كلهن كان العقد باطلا، ذكر ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته
~~(2).
# وعاد عنه في مبسوطه، وضعفه، وقال: النكاح باطل في الموضعين (3).
# وهو الذي يقوى في نفسي، لأن العقد حكم شرعي، يحتاج في إثباته إلى دليل
~~شرعي، ومن شرط صحته تمييز المعقود عليها، ولأنه إذا ميزها من غيرها، صح
~~العقد بلا خلاف، وإذا لم يميزها ليس على صحته دليل، أو فيه خلاف، فالاحتياط
~~يقتضي ما قلناه واخترناه، وإنما أورد الخبر ms0953 شيخنا في نهايته إيرادا لا
~~اعتقادا، كما أورد أمثاله مما لا يعمل به، رواها أبو عبيدة فحسب.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه في فصل فيما ينعقد به النكاح: لا يصح
~~النكاح حتى تكون المنكوحة معروفة بعينها، على صفة تكون متميزة عن غيرها،
~~وذلك بالإشارة إليها أو التسمية أو الصفة (4).
# وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه: لا يصح نكاح الثيب إلا بإذنها، وإذنها
# PageV02P573
# نطقها بلا خلاف، وأما البكر، فإن كان لها ولي، له الإجبار، مثل الأب
~~والجد، فلا يفتقر نكاحها إلى إذنها، ولا إلى نطقها، فإن لم يكن له الإجبار
~~كالأخ وابن الأخ والعم، فلا بد من إذنها، والأحوط أن يراعي نطقها وهو
~~الأقوى عند الجميع، وقال قوم: يكفي سكوتها، لعموم الخبر، وهو قوي (1) هذا
~~آخر كلامه رحمه الله.
# والذي يقوى في نفسي أنه لا بد من نطقها على ما قدمناه، لأنا قد بينا أنه
~~لا ولاية لأحد بعد البلوغ عليها بحال.
# لا ينعقد النكاح إلا بلفظ النكاح أو التزويج، وهو أن يقع الإيجاب والقبول
~~بلفظة واحدة، أو الإيجاب بإحداهما والقبول بالأخرى، فتقول:
# أنكحتك، فيقول: قبلت النكاح، أو تقول: زوجتك، فيقول: قبلت التزويج، أو
~~تقول: أنكحتك فيقول: قبلت التزويج، أو تقول: زوجتك، فيقول: قبلت النكاح،
~~وما عدا هذا فلا ينعقد به النكاح الدائم بحال.
# فأما النكاح المؤجل ينعقد بلفظة أخرى زائدة على هاتين اللفظتين، وهي
~~متعتك نفسي بكذا إلى أجل كذا، إلا أن عقد النكاح الدائم ليس من شرط صحته
~~ذكر المهر، بل ينعقد من دونه بغير خلاف، والمؤجل من شرط صحته ذكر المهر
~~والأجل.
# وإذا قال رجل في عقد الدوام: أنكحتك أو زوجتك بنتي، فقال الزوج:
# قبلت ولم يزد على ذلك، فعندنا يصح العقد، لأن معنى قوله قبلت، أي قبلت
~~هذا الإيجاب، أو هذا العقد.
# وإذا قال: زوجتك حمل هذه المرأة، كان باطلا.
# ولا بأس أن يتقدم القبول على الإيجاب في عقد النكاح عندنا، ولا يجوز ذلك
~~في عقد البيع.
# ولا بد أن يأتي بلفظ الأخبار في الإيجاب، ولا ms0954 يجوز أن يأتي بلفظ الأمر أو
# PageV02P574
# الاستفهام، لأنه لا خلاف في صحته أن يأتي به على ما قلناه، وفيما عداه
~~خلاف، وأيضا، فالعقد حكم شرعي يحتاج في ثبوته إلى دليل شرعي.
# عقد النكاح لا يدخله خيار المجلس، ولا خيار الشرط، لأنه عقد لازم من
~~الطرفين، فإن شرط ذلك فيه بطل الشرط، وصح العقد.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه (1) ومبسوطه (2): إذا شرط ذلك بطل
~~العقد.
# قال محمد بن إدريس: لا دليل على بطلان العقد من كتاب ولا سنة ولا إجماع،
~~لأن العقود الشرعية إذا ضامتها شروط غير شرعية، بطلت الشروط وصحت العقود،
~~وهذا شرط غير شرعي.
# والذي يدل على صحة العقد قوله تعالى: " أوفوا بالعقود " (3) وهذا عقد يجب
~~الوفاء به، والذي اختاره شيخنا تخريجات المخالفين وفروعهم، وهو مذهب
~~الشافعي، وأحد من أصحابنا لم يذهب إلى ذلك، ولا ذكر المسألة في مسطور له،
~~ولا وردت بها رواية من جهة أصحابنا، لا آحادا ولا تواترا، وشيخنا لما استدل
~~على ما اختاره، لم يتعرض للإجماع، ولا للأخبار، بل لشئ أوهن من بيت
~~العنكبوت، ولم يتعرض لها في سائر تصنيفه، إلا في هذين الكتابين، لأنهما
~~فروع المخالفين وتخريجاتهم.
# باب المهور وما ينعقد به النكاح وما لا ينعقد الأصل في الصداق كتاب الله،
~~وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، قال الله تعالى: " وآتوا النساء صدقاتهن
~~نحلة " (4).
# فإن قيل: كيف سماه الله تعالى نحلة، وهو عوض عن النكاح؟
# أجيب عنه بثلاثة أجوبة، أحدها: اشتقاقه من الانتحال الذي هو التدين،
# PageV02P575
# يقال: فلان ينتحل مذهب كذا، فكان قوله نحلة، معناه تدينا.
# والثاني: أنه في الحقيقة نحلة منه لها، لأن حظ الاستمتاع من كل واحد
~~منهما لصاحبه كحظ صاحبه.
# والثالث: قيل: إن الصداق كان للأولياء في شرع من قبلنا، بدلالة قول شعيب
~~حين زوج موسى ابنته: " على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشرا فمن عندك "
~~(1) ولم يقل تأجر بنتي ثماني حجج، فكان معنى قوله " نحلة " أي إن الله
~~أعطاكن هذا في شرعنا نحلة.
# فإذا ثبت هذا فالمستحب ms0955 أن لا يعرى نكاح عن ذكر مهر.
# ومتى تولى عن ذكر المهر، وعقد النكاح بغير ذكره، فالنكاح صحيح إجماعا على
~~ما قدمناه، لقوله تعالى: " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو
~~تفرضوا لهن فريضة " (2) معناه: ولم تفرضوا لهن فريضة، بدلالة قوله: "
~~ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره " (3) ولا متعة لمن طلقها قبل
~~الدخول، إلا التي لم يسم لها مهر.
# والصداق ما تراضى عليه الزوجان، مما له قيمة في شرع الإسلام، ويحل تملكه،
~~قليلا كان أو كثيرا، بلا خلاف بين المسلمين، إلا ما ذهب إليه السيد المرتضى
~~في انتصاره، فإنه قال: إذا زاد على خمسين دينارا لا يلزم إلا الخمسون (4)
~~والصحيح ما قدمناه، لأن هذا خلاف لظاهر القرآن، والمتواتر من الأخبار،
~~وإجماع أهل الأعصار، لأنه لا خلاف في أن الأئمة الأطهار عليهم السلام،
~~والصحابة والتابعين، وتابعي التابعين تزوجوا بأكثر من خمسين دينارا.
# ولا يجوز في المهر ما لا يحل تملكه للمسلم، من خمر أو نبيذ أو خنزير، وما
~~أشبه ذلك، فإن عقد على شئ من هذه المحرمات، قال شيخنا أبو جعفر الطوسي
# PageV02P576
# في نهايته: كان العقد باطلا (1). وكذلك يقول شيخنا المفيد في مقنعته (2)،
~~إلا أن شيخنا أبا جعفر رجع عن ذلك في مسائل خلافه، في كتاب الصداق فقال:
# مسألة، إذا عقد على مهر فاسد مثل الخمر والخنزير والميتة وما أشبهه، فسد
~~المهر ولم يفسد النكاح. ووجب لها مهر المثل، وبه قال جميع الفقهاء، إلا
~~مالكا، فإن عنه روايتين، إحداهما مثل ما قلناه، والأخرى يفسد النكاح، وبه
~~قال قوم من أصحابنا، ثم قال في استدلاله على صحة ما اختاره رحمه الله:
~~دليلنا إن ذكر المهر ليس من شرط صحة العقد، فإذا ذكر ما هو فاسد، لم يكن
~~أكثر من أن لم يذكره أصلا، فلا يؤثر ذلك في فساد العقد، هذا آخر كلامه.
# قال محمد بن إدريس: الذي يقوى في نفسي، ما ذكره في مسائل خلافه، والدليل
~~عليه ما استدل به رحمه الله، فإنه استدلال مرضي، ولا إجماع على ms0956 فساد هذا
~~العقد، ولا كتاب الله تعالى، ولا دليل عقل، ولا سنة متواترة، بل قوله تعالى
~~يعضد ما ذكره، وهو قوله تعالى: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " (4).
~~والنكاح قد بينا أنه العقد من الإيجاب والقبول، وقد حصل ذلك، وقد بينا أيضا
~~أن ذكر المهر ليس من شرط صحة عقد الدوام.
# ويجوز أن يكون منافع الحر مهرا، مثل تعليم قرآن، أو شعر مباح، أو بناء،
~~أو خياطة ثوب، وغير ذلك مما له أجرة، لأن كل ذلك له أجر معين، وقيمة مقدرة.
# واستثنى بعض أصحابنا من جملة ذلك الإجارة إذا كانت معينة يعملها الزوج
~~بنفسه، قال: لأن ذلك كان مخصوصا بموسى عليه السلام، والوجه في ذلك أن
~~الإجارة إذا كانت معينة لا تكون مضمونة، بل إذا مات المستأجر لا تؤخذ من
~~تركته، ويستأجر لتمام العمل، وإذا كانت في الذمة تؤخذ من تركته،
# PageV02P577
# ويستأجر لتمام العمل.
# والذي أعتمده وأعمل عليه وأفتي به، أن منافع الحر تنعقد بها عقود النكاح،
~~ويصح الإجارة والأجرة على ذلك، سواء كانت الإجارة في الذمة أو معينة، لأن
~~الأخبار على عمومها، وما ذكره بعض أصحابنا من استثنائه الإجارة، وقوله: "
~~كانت مخصوصة بموسى عليه السلام " فكلام في غير موضعه، واعتماد على خبر شاذ
~~نادر (1)، فإذا تؤمل حق التأمل، بان ووضح أن شعيبا عليه السلام استأجر موسى
~~ليرعى له لا ليرعى لبنته، وذلك كان في شرعه وملته، أن المهر للأب دون
~~البنت، على ما قدمناه في صدر الباب، فإذا كان كذلك، فإنه لا يجوز في شرعنا
~~ما جاز في شرع شعيب عليه السلام، فأما إذا عقد على إجارة ليعمل لها، فالعقد
~~صحيح، سواء كانت الإجارة معينة أو في الذمة.
# وقد أورد شيخنا أبو جعفر في كتاب تهذيب الأحكام، خبرا وهو محمد بن يعقوب،
~~عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه
~~السلام، قال: لا يحل النكاح اليوم في الإسلام بإجارة، بأن يقول:
# أعمل عندك كذا وكذا سنة، على أن تزوجني أختك أو ابنتك، ms0957 قال: حرام، لأنه
~~ثمن رقبتها، وهي أحق بمهرها (2).
# فهذا يدلك على ما حررناه وبيناه، فمن استثنى من أصحابنا الإجارة التي
~~فعلها شعيب مع موسى عليهما السلام، فصحيح، وإن أراد غير ذلك فباطل.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ولا يجوز العقد على إجارة، وهو أن يعقد
~~الرجل على امرأة على أن يعمل لها، أو لوليها أياما معلومة، أو سنين معينة
~~(3).
# وقال في مسائل خلافه: مسألة، يجوز أن يكون منافع الحر مهرا، مثل تعليم
# PageV02P578
# قرآن، أو شعر مباح، أو بناء أو خياطة ثوب، وغير ذلك مما له أجرة، واستثنى
~~أصحابنا من جملة ذلك الإجارة، وقالوا: لا يجوز، لأنه كان يختص بموسى عليه
~~السلام، ثم قال في استدلاله: دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضا روى سهل
~~بن سعد الساعدي أن امرأة أتت النبي عليه السلام، فقالت: يا رسول الله إني
~~قد وهبت نفسي لك، فقامت قياما طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها
~~إن لم يكن لك فيها حاجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
# هل عندك من شئ تصدقها إياه؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال النبي
~~عليه السلام: إن أعطيتها إياه جلست ولا إزار لك، فالتمس شيئا، فقال:
# ما أجد شيئا، فقال له رسول الله: هل معك من القرآن شئ؟ قال: نعم سورة كذا
~~وسورة كذا، وسماهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قد زوجتكها بما
~~معك من القرآن (1)، وظاهره أنه جعل القرآن الذي معه صداقا، وهذا لا يمكن،
~~فثبت أنه إنما جعل الصداق تعليمها إياه، وروى عطا، عن أبي هريرة، أن النبي
~~صلى الله عليه وآله قال لرجل: ما تحفظ من القرآن؟ قال: سورة البقرة، والتي
~~تليها، قال: قم، فعلمها عشرين آية، وهي امرأتك (2) هذا آخر كلامه في مسائل
~~خلافه.
# قال محمد بن إدريس: ما بين قوله رحمه الله في نهايته، وبين قوله في مسائل
~~خلافه، تضاد ولا تناف، لأنه قال في نهايته: ولا يجوز العقد على إجارة " وهو
~~أن يعقد الرجل على امرأة، على ms0958 أن يعمل لها أو لوليها أياما معلومة، أو سنين
~~معينة " فأضاف العمل إليه بعينه، على ما قدمناه وحررناه، فأما قوله في
~~مسائل خلافه:
# " يجوز أن يكون منافع الحر مهرا مثل تعليم قرآن، أو شعر مباح، أو بناء،
~~أو خياطة ثوب، وغير ذلك مما له أجرة " يريد بذلك أن لا تكون الإجارة معينة
~~بنفس الرجل، بل تكون في ذمته يحصلها إما بنفسه، أو بغيره، وذلك جائز على ما
~~بيناه، فليلحظ ذلك.
# PageV02P579
# ولا يجوز نكاح الشغار بالشين والغين المعجمتين، وهو أن يزوج الرجل بنته
~~أو أخته بغيره، ويتزوج بنت المزوج أو أخته، ولا يكون بينهما سوى تزويج هذا
~~من هذه، وهذه من ذاك، ويجعلان المهر التزويج فحسب، ومتى عقد على هذا كان
~~العقد باطلا، بغير خلاف بيننا، لأنه عقد منهي عنه، والنهي بمجرده يقتضي
~~فساد المنهي عنه.
# وقال بعض محققي اللغويين: معنى شغر رجليه، رفعهما، أصله في الكلب إذا رفع
~~رجله للبول، فأما نكاح الشغار بالفتح، والكسر، فهو أن يزوج الرجل من هو
~~وليها، من بنت أو غيرها، رجلا غيره على أن يزوجه بنته بغير مهر، وكانت
~~العرب في الجاهلية، يقول أحدهم للآخر: شاغرني، أي زوجني حتى أزوجك، وهو من
~~رفع الرجل، لأن النكاح فيه معنى المشغر، فسمي هذا العقد شغارا ومشاغرة،
~~لإفضائه في كل واحد من الزوجين إلى معنى الشغر، وصار اسما لهذا النكاح، كما
~~قيل في الزنا سفاح، لأن الزانيين يتسافحان الماء، أي يسكبانه، والماء هو
~~النطفة، ومن الشغر الذي هو رفع الرجل، قول زياد لبنت معاوية التي كانت عند
~~ابنه، فافتخرت يوما عليه، وتطاولت، فشكاها إلى أبيه زياد، فدخل عليها
~~بالدرة، فضربها، ويقول لها: أشغرا وفخرا.
# ويستحب في النساء، تقليل المهور، لما روي في ذلك من الآثار (1).
# ويستحب أن لا يتجاوز بالمهر السنة المحمدية، وهو خمسمائة درهم جياد، وهو
~~اثنتا عشرة أوقية ونش، بالنون المفتوحة والشين المعجمة المشددة، وهو عشرون
~~درهما، وهو نصف الأوقية من الدراهم، لأن الأوقية من الدراهم عند أهل اللغة
~~أربعون درهما، فإني سألت ابن العصار ms0959 بغداد، وهو إمام اللغة في عصره،
~~فأخبرني بذلك، وقال: النش نصف الأوقية، والأوقية من الدراهم أربعون درهما.
# PageV02P580
# ومتى عقد الرجل على أكثر من ذلك، بأضعاف كثيرة لزمه الوفاء به، على
~~الكمال، على ما قدمناه فيما مضى.
# وروي (1) أنه يستحب للرجل أن لا يدخل بامرأته حتى يقدم لها مهرها، فإن لم
~~يفعل، قدم لها شيئا من ذلك، أو من غيره من الهدية، يستبيح به فرجها، ويجعل
~~الباقي دينا عليه، هكذا ذكره شيخنا في نهايته (2).
# قال محمد بن إدريس: قوله رحمه الله، يستبيح به فرجها، غير واضح، وإنما
~~الذي يستبيح به الفرج، وهو العقد من الإيجاب والقبول، دون ما يقدمه من
~~المال المذكور، فإن تقديمه كتأخيره بلا خلاف.
# ومتى سمى المهر حال العقد، ودخل بها، كان في ذمته، وإن لم يكن سمى لها
~~مهرا وأعطاها شيئا قبل دخوله بها، ثم دخل بها بعد ذلك، لم تستحق عليه شيئا
~~سوى ما أخذته منه قبل الدخول، سواء كان ذلك قليلا أو كثيرا، على ما رواه
~~أصحابنا، وأجمعوا عليه، فإن دليل هذه المسألة هو الإجماع المنعقد.
# منهم بغير خلاف، وفيه الحجة، لا وجه لذلك إلا الإجماع.
# فإن لم يعطها شيئا قبل الدخول بها، ولم يسم مهرا في حال العقد، ثم دخل
~~بها لزمه مهر المثل، والمعتبر بمهر المثل راجع إلى النساء في الشرف
~~والجمال، والأحوال، والعادات، والبلدان، والأزمان، والثيوبة، والبكارة، ما
~~لم يتجاوز بذلك خمسمائة درهم جيادا، فإن كان مهور أمثالها أكثر من
~~الخمسمائة، رد إلى الخمسمائة.
# ومتى طلق الرجل امرأته التي قد سمى لها مهرا قبل الدخول بها، كان عليه
~~نصف الصداق المسمى، فإن كان قد قدم لها المهر كملا، رجع عليها بنصف ما
~~أعطاها، إذا لم يزد زيادة منفصلة، فإن كان ذلك قد زاد زيادة منفصلة، رجع
~~عليها في العين دون النماء، إلا أن يكون العين حاملة وقت التسليم، فإنه
~~يرجع
# PageV02P581
# عليه بنصف الجميع الحامل والمحمول معا، إلا أن يكون قد حمل عندها، فلا
~~يرجع إلا بالعين دون الحمل، وكذلك إن كان قد ms0960 زاد ثمنه بنماء متصل وكان حدوث
~~النماء عندها، فالأولى أن لا يرجع عليها إلا بمثل قيمة العين وقت التسليم،
~~لأن هذا النماء حدث على ملكها دون ملكه، لأن ملكه ما تجدد إلا بعد الطلاق،
~~مثل إن كان الصداق حملا فصار كبشا، أو فصيلا فصار جملا كبيرا، وما أشبه
~~ذلك، فأما إن كان الزائد في ثمنه لزيادة السوق، فإنه يرجع في العين بغير
~~خلاف، لأنه لا أثر لهذه الزيادة إلا العين.
# فإن وهبت المرأة صداقها المسمى قبل تطليقه لها، ثم طلقها الزوج، كان له
~~أن يرجع عليها بمثل نصف المهر إن كان له مثل، فإن لم يكن له مثل فله أن
~~يرجع عليها بمثل نصف قيمته، وإن كان المهر مما له أجرة مثل تعليم شئ من
~~القرآن أو صناعة معروفة، ثم طلقها قبل الدخول بها، رجع عليها بمثل نصف أجرة
~~ذلك على ما جرت به العادة.
# ومتى ادعت المرأة المهر على زوجها، لم يلتفت إلى دعواها، سواء كان قبل
~~الدخول أو بعده.
# وعقد الباب وجملة الأمر أن الزوجين إذا اختلفا في المهر، أو في قدره، مثل
~~أن يقول الزوج: تزوجتك بألف، فقالت: بألفين، أو اختلفا في جنس المهر، فقال:
~~تزوجتك بألف درهم، فقالت: بألف دينار، فالقول قول الزوج في جميع ذلك، سواء
~~كان قبل الدخول أو بعده، لأنها المدعية والزوج المنكر، والرسول عليه السلام
~~قال: " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " (1).
# فإن اختلفا في قبص المهر بعد اتفاقهما عليه، فقال الزوج: قد أقبضتك
~~المهر، وقالت: ما قبضته، فالقول قولها في ذلك، عكس ما قلناه في المسألة
# PageV02P582
# الأولة، لأن الزوج هاهنا مدع للقبض، فعليه البينة وعليها اليمين.
# إذا كان مهرها ألفا وأعطاها ألفا، واختلفا فقالت: قلت لي خذي هذا الألف
~~هدية، أو هبة، أو صدقة، وقال: ما قلت ذلك، بل قلت خذيها مهرا، فالقول قول
~~الزوج بكل حال، لأنها قد أقرت له بالتسليم، وادعت الهبة والهدية والصدقة،
~~فتحتاج إلى البينة، وإلا فعلى الزوج اليمين.
# ومتى طلق الإنسان زوجته قبل الدخول بها، ms0961 ولم يكن قد سمى لها مهرا، كان
~~عليه أن يمتعها إن كان موسرا، بجارية أو دابة أو عشرة دنانير، على قدر
~~حاله، وزمانه، وعرفه، وعادة أمثاله، وإن كان متوسطا بخمسة دنانير، أو ثوب
~~قيمته ذلك، وأدنى ذلك ثلاثة دنانير، والاعتبار أيضا بالعرف والحال وعادة
~~الأمثال، وإن كان فقرا فبدون ذلك من الدينار ودونه، ويرجع أيضا في ذلك إلى
~~حاله، وزمانه، وعادة أمثاله.
# والمعتبر في المتعة التي تستحقها المرأة المطلقة قبل الدخول بها، التي لم
~~يسم لها مهر، لأنه لا يستحق المتعة غير من ذكرناها بالأزواج، لأن الله
~~تعالى قال:
# " ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على
~~المحسنين " (1) فالمرجع في ذلك إلى العرف، لأن الخطاب إذا أطلق، رجع في
~~تقييده إلى عرف الشرع إن وجد، وإلا يرجع إلى عرف العادة إن وجد، وإلا يرجع
~~إلى عرف اللغة، فالمتقدم عرف الشرع، وهذا الحكم بخلاف مهر المثل، لأن
~~المعتبر في ذلك بالنساء دون الرجال.
# المدخول بها إذا طلقت لا متعة لها، بل يجب لها المسمى إن كان قد سمى، وإن
~~لم يكن سمى المهر، وجب مهر أمثالها، من عماتها، وخالاتها، وأخواتها، سواء
~~كن من عصبات الرجال، أو عصبات النساء.
# الموضع الذي تجب فيه المتعة، فإنها تثبت سواء كان الزوج حرا، أو عبدا
# PageV02P583
# والزوجة حرة، أو أمة، لأن الآية عامة، وكل فرقة يحصل بين الزوجين سواء
~~كان من قبله أو من قبلها، أو من قبل أجنبي، أو من قبلهما، فلا يجب بها
~~المتعة إلا المطلقة قبل الدخول بها التي لم يسم لها مهر، فحسب.
# إذا طلق الرجل زوجته بعد أن خلا بها وقبل أن يطأها، فالذي يقتضيه أصول
~~مذهبنا، والمعتمد عند محصلي أصحابنا، أن وجود هذه الخلوة وعدمها سواء وترجع
~~عليه بنصف الصداق إن كان مسمى، أو المتعة إن لم يكن مسمى، ولا عدة عليها.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ومتى خلا الرجل بامرأته، فأرخى الستر، ثم
~~طلقها، وجب عليه المهر على ظاهر الحال، وكان على الحاكم أن يحكم ms0962 بذلك، و إن
~~لم يكن قد دخل بها، إلا أنه لا يحل للمرأة أن تأخذ أكثر من نصف المهر، ما
~~لم يدخل بها، فإن أمكن الزوج إقامة البينة على أنه لم يكن دخل بها، مثل أن
~~تكون المرأة بكرا، فتوجد على هيئتها، لم يلزمه أكثر من نصف المهر (1).
# و قال في مسائل خلافه: مسألة، إذا طلقها بعد أن خلا بها وقبل أن يمسها،
~~اختلف الناس فيه على ثلاثة مذاهب، فذهبت طائفة إلى أن وجود هذه الخلوة
~~وعدمها سواء، وترجع عليه بنصف الصداق، ولا عدة عليها، وهو الظاهر من روايات
~~أصحابنا (2). وذهبت طائفة إلى أن الخلوة كالدخول، يستقر لها المسمى، وتجب
~~عليها العدة، وبه قال قوم من أصحابنا، وروي في ذلك أخبار من طريق أصحابنا
~~(3)، ثم قال في استدلاله على ما اختاره رضي الله عنه في صدر المسألة:
~~دليلنا قوله تعالى: " وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة
~~فنصف ما فرضتم " (4) ولم يستثن الخلوة، فوجب حملها على عمومها، قال: و وجه
~~الدلالة من الآية أنه لا يخلو من أن يكون المسيس عبارة عن اللمس
# PageV02P584
# باليد، أو الخلوة أو الوطء، فبطل أن يراد بها اللمس باليد، لأن ذلك لم
~~يقل به أحد، ولا اعتبره، وبطل أن يراد به الخلوة، لأنه لا يعبر به عن
~~الخلوة لا حقيقة ولا مجازا، ويعبر به عن الجماع بلا خلاف، فوجب حمله عليه،
~~على أنه أجمعت الصحابة على أن المراد بالمس في الآية الجماع، روي ذلك عن
~~ابن مسعود، وابن عباس، وروي عن عمر أنه قال: إذا أغلق الباب، وأرخى الستر،
~~فقد وجب المهر، ما ذنبهن إن جاء العجز من قبلكم، ومعلوم أن العجز من الزوج،
~~ولا يكون عن الخلوة، ولا عن اللمس باليد، ثبت أنه أراد به الإصابة، وأيضا
~~قال تعالى في آية العدة: " ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من
~~عدة " (1) ولم يفصل، وأيضا روايات أصحابنا، قد ذكرناها في ذلك الكتاب
~~المذكور، وبينا الوجه فيما يخالفها، والأصل أيضا براءة ms0963 الذمة، فمن أوجب
~~جميع المهر على الرجل، أو العدة على المرأة بالخلوة (2) فعليه الدلالة هذا
~~آخر كلام شيخنا في مسائل خلافه.
# والذي ذهب إليه رحمه الله في مسائل الخلاف، هو الصحيح، والحق الصريح،
~~للأدلة التي استدل بها، فإنها أدلة مرضية لا اعتراض عليها، وما ذكره في
~~نهايته، أورده إيرادا لا اعتقادا، من طريق أخبار الآحاد، وأخبار الآحاد لا
~~تترك لها الأدلة القاطعة للأعذار.
# ومتى مات أحد الزوجين قبل الدخول، استقر جميع المهر كاملا، لأن الموت عند
~~محصلي أصحابنا يجري مجرى الدخول في استقرار المهر جميعه، وهو اختيار شيخنا
~~المفيد في أحكام النساء (3)، وهو الصحيح، لأنا قد بينا، بغير خلاف بيننا،
~~أن بالعقد تستحق المرأة جميع المهر المسمى، ويسقط الطلاق قبل الدخول نصفه،
~~فالطلاق غير حاصل إذا مات، فبقينا على ما كنا عليه من استحقاقه، فمن ادعى
~~سقوط شئ منه، يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك من إجماع،
# PageV02P585
# لأن أصحابنا مختلفون في ذلك، ولا من كتاب الله تعالى، ولا تواتر أخبار،
~~ولا دليل عقل، بل الكتاب قاض بما قلناه، والعقل حاكم بما اخترناه.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ومتى مات الرجل عن زوجته قبل الدخول بها،
~~وجب على ورثته أن يعطوا المرأة المهر كاملا، ويستحب لها أن تترك نصف المهر،
~~فإن لم تفعل كان لها المهر كله، وإن ماتت المرأة قبل الدخول بها، كان
~~لأوليائها نصف المهر، وإن ماتت بعد الدخول بها، ولم تكن قبضت المهر على
~~الوفاء، ولا طالبت به مدة حياتها، فإنه يكره لأوليائها المطالبة بعدها، فإن
~~طالبوا به، كان لهم ذلك، ولم يكن محظورا (1).
# وهذه أخبار آحاد أوردها رحمه الله في نهايته إيرادا لا اعتقادا، فلا يرجع
~~عن الأدلة القاهرة اللايحة، والبراهين الواضحة، بأخبار الآحاد التي لا توجب
~~علما ولا عملا.
# ومتى تزوج الرجل امرأة على كتاب الله وسنة نبيه، ولم يسم مهرا، كان مهرها
~~خمسمائة درهم، لا غير.
# فإن تزوج الرجل امرأة على حكمها، فحكمت بدرهم إلى خمسمائة درهم، كان
~~حكمها ماضيا، فإن حكمت بأكثر ms0964 من ذلك، رد إلى الخمسمائة درهم، لأنه حكمها،
~~فلا تتعدى السنة، وهذا إجماع من أصحابنا.
# وإن تزوجها على حكمه، فبأي شئ حكم به كان له، قليلا كان أو كثيرا.
# فإن طلقها قبل الدخول بها، وكان قد تزوجها على حكمها، كان لها نصف ما
~~تحكم به إلى خمسمائة درهم، وإن كان قد تزوجها على حكمه، كان لها نصف ما
~~يحكم به الرجل، قليلا كان أو كثيرا.
# وقد روي أنه إذا مات الرجل، أو ماتت المرأة قبل أن يحكما في ذلك
# PageV02P586
# بشئ، لم يكن لها مهر، وكان لها المتعة (1).
# وهذه رواية شاذة، أوردها شيخنا في نهايته (2)، إيرادا لا اعتقادا.
# والصحيح ما ذهب إليه في مسائل خلافه فإنه يقول في مسائل الخلاف:
# إن المتعة لا يستحقها إلا المطلقة قبل الدخول بها، التي لم يسم لها مهر
~~فحسب، دون جميع المفارقات، بفسخ أو طلاق أو غير ذلك (3).
# وأيضا فلا خلاف في ذلك، وإلحاق غير المطلقة المذكورة بها قياس، ونحن لا
~~نقول به بغير خلاف بيننا، لأن ذلك حكم شرعي، يحتاج في إثباته إلى دليل
~~شرعي، والإجماع فغير منعقد على ذلك، ولا به سنة متواترة، ولا كتاب الله
~~تعالى، والأصل براءة الذمة.
# والأولى القول بأنه لا يلزم الزوج شئ بعد موت المرأة، إذا كان قد تزوجها
~~على حكمها، وإن كان قد تزوجها على حكمه، لزمه جميع ما يحكم به، فيرثه هو
~~وورثتها، على كتاب الله تعالى.
# ومتى عقد الرجل على مهر معلوم، وأعطاها بذلك عبدا آبقا وشيئا آخر معه،
~~على جهة البيع أو الصلح، ورضيت به، ثم طلقها قبل الدخول بها، رجع عليها
~~بنصف المهر المسمى، دون المبيع الذي هو العبد الآبق، والشئ الآخر، لأن
~~المهر هو الثمن دون المثمن، فوجه الفقه في ذلك ما ذكرناه، وإن لم يجعل في
~~مقابلة المهر سوى العبد الآبق، كان ذلك غير صحيح، لأن بيع العبد الآبق
~~منفردا غير صحيح عند أصحابنا، وجاز لها في هذه الحال أن ترجع على زوجها
~~بنصف المهر المسمى.
# وقد روي أن الإنسان إذا ms0965 عقد على دار ولم يذكرها بعينها، أو خادم ولم
# PageV02P587
# يذكره بعينه، ولا وصفه، كان للمرأة دار وسط من الدور، وخادم وسط من الخدم
~~(1).
# وقد روي أيضا أنه إذا عقد لها على جارية له مدبرة، ورضيت المرأة بذلك، ثم
~~طلقها قبل الدخول بها، كان لها يوم من خدمتها، وله يوم، فإذا مات المدبر،
~~صارت حرة، ولم يكن لها عليها سبيل، وإن ماتت المدبرة، وكان لها مال، كان
~~نصفه للرجل ونصفه للمرأة (2)، أورد ذلك شيخنا في نهايته (3) من طريق أخبار
~~الآحاد.
# والذي يقتضيه أصول مذهبنا، أن يقال في هذه الرواية، أن العقد على المدبرة
~~صحيح، وتخرج من كونها مدبرة، وتستحقها المرأة، لأن التدبير بغير خلاف بيننا
~~بمنزلة الوصية، بل هو وصية حقيقة، ومن أوصى ببعض من أملاكه، ثم أخرجه من
~~ملكه قبل موته فلا خلاف أن الوصية تبطل بذلك الشئ عند إخراجه من ملكه،
~~والمدبرة قد أخرجها بجعلها مهرا عن ملكه.
# ومما يضعف هذه الرواية قوله: وإذا مات المدبر، صارت حرة، وأطلق ذلك،
~~وإنما تصير حرة إذا خرجت من الثلث، بغير خلاف.
# ويزيد الرواية ضعفا آخر قوله: " وإن ماتت المدبرة وكان لها مال كان نصفه
~~للرجل ونصفه للمرأة " ولا خلاف بيننا وعند المحصلين من أصحابنا أن العبد
~~المدبر لا يملك شيئا بحال، فأي مال للمدبر مع قوله تعالى: " عبدا مملوكا لا
~~يقدر على شئ " (4) فنفى تعالى قدرته على شئ، ومن جملة، ذلك المال ولا خلاف
~~أن المدبر عبد، اللهم إلا أن يكون التدبير المذكور واجبا على وجه النذر، لا
~~رجوع للمدبر فيه، فحينئذ يصح ما قاله شيخنا رحمه الله.
# وإذا عقد الرجل على امرأة وسمى لها مهرا ولأبيها أيضا شيئا، لم يلزمه ما
~~سماه لأبيها.
# PageV02P588
# وإذا عقد على امرأة، أو شرط لها في الحال شرطا مخالفا للكتاب والسنة، كان
~~العقد صحيحا والشرط باطلا، مثل أن شرط لها أن لا يتزوج عليها، ولا يتسرى،
~~ولا يتزوج بعد موتها، وما أشبه ذلك.
# وقد روي أنه إن شرطت عليه في حال العقد أن لا يفتضها، ms0966 لم يكن له
~~افتضاضها، فإن أذنت له بعد ذلك في الافتضاض، جاز له ذلك (1)، أورد هذا
~~شيخنا أبو جعفر في نهايته (2)، إيرادا لا اعتقادا، لأنه رجع عنه في مبسوطه،
~~وقال: ينبغي أن يخص هذه الرواية بالنكاح المؤجل، دون النكاح الدائم، لأن
~~المقصود من ذلك الافتضاض (3).
# والذي يقتضيه المذهب، أن الشرط باطل، لأنه مخالف لموضوع الكتاب والسنة،
~~لأن الأصل براءة الذمة من هذا الشرط، والإجماع فغير منعقد عليه، بل ما يورد
~~ذلك إلا في شواذ الأخبار.
# وإن شرط أن لا نفقة لها، لزمته النفقة مع التمكين من الاستمتاع، إذا كان
~~النكاح دائما، وإن كان النكاح مؤجلا فالشرط صحيح، لأنه تأكيد لموضوع هذا
~~العقد.
# ومتى عقد الرجل وسمى المهر إلى أجل معلوم إن جاء به، وإلا كان العقد
~~باطلا، ثبت العقد وكان المهر في ذمته، وإن تأخر عن الوقت المذكور.
# وروي (4) أنه متى شرط الرجل لا مرأته في حال العقد أن لا يخرجها من
~~بلدها، لم يكن له أن يخرجها إلا برضاها، فإن شرط عليها أنه إن أخرجها إلى
~~بلده كان عليه المهر مائة دينار، وإن لم يخرجها كان مهرها خمسين دينارا،
~~فمتى أراد إخراجها إلى بلد الشرك، فلا شرط له عليها، ولزمه المهر كملا،
~~وليس
# PageV02P589
# عليها الخروج معه، وإن أراد إخراجها إلى بلاد الإسلام، كان له ما اشترط
~~عليها.
# وهذه رواية شاذة، لأنها مخالفة لما يقتضيه أصول المذهب، لأنها يجب عليها
~~مطاوعة زوجها، والخروج معه إلى حيث شاء، فإن لم تجبه إلى ذلك كانت عاصية
~~لله تعالى وسقطت عنه نفقتها.
# وإن كان قد ذكرها وأوردها شيخنا أبو جعفر في نهايته (1)، فقد رجع عنها في
~~مسائل خلافه فقال: مسألة، إذا أصدقها ألفا، وشرط أن لا يسافر بها، أو لا
~~يتزوج عليها، أو لا يتسرى عليها، كان النكاح والصداق صحيحا، والشرط باطلا،
~~وقال الشافعي: المهر فاسد، ويجب مهر المثل، فأما النكاح فصحيح، دليلنا
~~إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضا روي (2) عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه
~~قال: ما بال أقوام يشرطون شروطا ليست في ms0967 كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب
~~الله فهو باطل، ولم يقل الصداق باطل (3) هذا آخر كلامه رحمه الله.
# وهو الصحيح فإنما أورد ما أورده في نهايته، إيرادا لا اعتقادا.
# وروي (4) أنه لا يجوز للمرأة أن تبرئ زوجها من صداقها في حال مرضها، إذا
~~لم تملك غيره، فإن أبرأته سقط عن الزوج ثلث المهر، وكان الباقي لورثتها.
# أورد هذه الرواية شيخنا في نهايته (5) إيرادا لا اعتقادا، كما أورد
~~أمثالها مما لا يعمل هو به، ورجع عنه، لأنها مخالفة للأدلة، لأن الإنسان
~~العاقل الغير مولى عليه، مسلط على التصرف في ماله، يتصرف فيه كيف شاء.
# والصحيح أنها إذا أبرأته من مهرها، سقط جميعه، وصح الإبراء، لأن هذا ليس
~~بوصية، وإنما هو إعطاء منجز قبل الموت، والوصية بعد الموت، وإنما هذه
# PageV02P590
# الرواية على مذهب من قال من أصحابنا أن العطاء في المرض وإن كان منجزا
~~يخرج من الثلث، مثل العطايا بعد الموت، والصحيح من المذهب أن العطاء المنجز
~~في حال مرض الموت يخرج من أصل المال، لا أنه من الثلث، لأنه قد أبانها من
~~ماله، وتسلمها المعطى له، وخرجت من ملك المعطي، لأنه لا خلاف أن له أن ينفق
~~جميع ماله في حال مرضه، فلو كان ما قاله بعض أصحابنا صحيحا، لما جاز ذلك،
~~ولما كان يصح منه النفقة بحال.
# ومتى تزوج الرجل بامرأة على أنها بكر، فوجدها ثيبا، فقد روي أنه يجوز له
~~أن ينقص من مهرها شيئا، والصحيح أنه ينقص من المسمى مقدار مثل ما بين مهر
~~البكر إلى مهر الثيب، وذلك يختلف باختلاف الجمال والسن والشرف وغير ذلك،
~~فلأجل هذا قيل ينقص من مهرها شئ منكر غير معرف.
# والذمي متى عقد على امرأة بما لا يحل للمسلمين تملكه، من خمر أو خنزير أو
~~غير ذلك من المحظورات، ثم أسلما قبل تسليمه إليها، لم يجز له أن يسلم إليها
~~ما فرضه لها، ومهرها إياه من المحظورات، وكان عليه قيمته عند مستحليه.
# وللمرأة أن تمتنع من زوجها حتى تقبض منه المهر ms0968 إذا كان غير مؤجل، والزوج
~~موسرا به، قادرا على أدائه، وطالبته به قبل الدخول بها، فإذا قبضته لم يكن
~~لها الامتناع بعد ذلك، فإن امتنعت بعد استيفاء مهرها كانت ناشزا، ولم يكن
~~لها عليه نفقة، ولا سكنى، ولا كسوة، فأما إذا دخل بها فلها المطالبة
~~بالمهر، وليس لها الامتناع حتى تقبضه.
# وشيخنا أبو جعفر في نهايته (1) أطلق ذلك إطلاقا، ولم يفرق بين قبل الدخول
~~أو بعده.
# والصحيح ما ذكرناه، لأن الإجماع منعقد على ذلك، وهو مذهب السيد
# PageV02P591
# المرتضى في انتصاره (1).
# وشيخنا أبو جعفر محجوج بقوله في مسائل خلافه، فإنه رجع عما ذكره وأطلقه
~~في نهايته، فقال: مسألة، إذا سمى الصداق ودخل بها قبل أن يعطيها شيئا، لم
~~يكن لها بعد ذلك الامتناع من تسليم نفسها حتى يستوفى، بل لها المطالبة
~~بالمهر، ويجب عليها أن تسلم نفسها، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة:
# لها أن تمتنع حتى تقبض المهر، لأن المهر في مقابلة كل وطء في النكاح،
~~دليلنا أن البضع حقه، واستحقه، والمهر حق عليه، وليس إذا كان عليه حق جاز
~~أن يمنع حقه، لأن جواز ذلك محتاج إلى دليل (2) هذا آخر كلامه رحمه الله.
# ومتى لم يقم الرجل بنفقة زوجته وكسوتها وسكناها، وكان متمكنا من ذلك،
~~ألزمه الإمام النفقة والقيام بجميع ذلك، أو الطلاق، فإن لم يكن متمكنا
~~انظر، حتى يوسع الله عليه، على الأظهر من أقوال أصحابنا، وقال بعضهم:
~~يبينها الحاكم منه، والأول هو المذهب، لأن الله تعالى قال: " وإن كان ذو
~~عسرة فنظرة إلى ميسرة " (3) وذلك عام في جميع الأشياء، والأحكام.
# إذا أصدقها تعليم سورة، فلا بد أن يعينها، وكذلك الآية لا بد من تعيينها،
~~فإن لم يعين السورة والآية، كان لها مهر المثل بعد الدخول.
# فإذا ثبت وحوب تعيين السورة والآية، فلقنها فلم تحفظها منه، أو حفظتها من
~~غيره، فالحكم واحد. وكذلك إن أصدقها عبدا، فهلك قبل القبض، فالكل واحد، فإن
~~لها عندنا بدل الصداق، وهو أجرة مثل تعليم السورة، وقيمة العبد، لأنه إذا
~~أصدقها صداقا، ملكته ms0969 بالعقد، وكان من ضمان الزوج إن تلف قبل القبض، ومن
~~ضمانها إن تلف بعد القبض، فإن دخل بها استقر، وإن طلقها قبل الدخول رجع
~~بنصف العين، دون نمائها إن كان لها نماء.
# إذا قال: أصدقتها هذا الخل، فبان خمرا، كان لها قيمتها عند مستحليها،
# PageV02P592
# هكذا ذكره شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه (1).
# والذي يقوى في نفسي، أنه يجب عليه مثل الخل، لأن الخل له مثل، فمن نقله
~~إلى قيمة الخمر، يحتاج إلى دليل، ولا يجب لها أيضا مهر المثل، على ما يذهب
~~إليه الشافعي، لأنه عقد على مهر مسمى ما يحل للمسلمين تملكه، وهو الخل.
# إذا تزوجها في السر بمهر ذكراه، وعقدا عليه، ثم بعد ذلك عقدا في العلانية
~~بخلافه، فالمهر هو الأول.
# المفوضة إذا طلقها زوجها قبل الفرض وقبل الدخول بها، فلا مهر لها، لكن
~~يجب لها المتعة على ما قدمناه.
# مفوضة البضع إذا فرض لها المهر بعد العقد، كان كالمسمى بالعقد، تملك
~~المطالبة به، فإن دخل بها أو مات، استقر ذلك، وإن طلقها قبل الدخول، سقط
~~نصفه، ولها نصفه، ولا متعة عليه، فإن مات أحدهما قبل الفرض وقبل الدخول،
~~فلا مهر لها ولا متعة، لأن الأصل براءة الذمة، وشغلها بذلك يحتاج إلى دليل،
~~وعندنا لا يجب بالعقد مهر المثل، إلا بالدخول.
# مفوضة المهر، وهو أن يذكر مهرا ولا يذكر مبلغه، فيقول تزوجتك على أن يكون
~~المهر ما شئنا أو شاء أحدنا، فإذا تزوجها على ذلك، فإن قال على أن يكون
~~المهر ما شئت أنا، فإنه مهما يحكم به وجب عليها الرضا به، قليلا كان أو
~~كثيرا، وإن قال على أن يكون المهر ما شئت أنت، فإنه يلزمه أن يعطيها ما
~~تحكم المرأة به، ما لم تتجاوز خمسمائة درهم، على ما قدمناه القول في معناه،
~~لأن إجماعنا منعقد على ذلك، وأخبارنا متواترة به.
# وإذا دخل بمفوضة المهر استقر ما يحكم به واحد منهما، على ما فصلناه، وإن
~~طلقها قبل الدخول بها، وجب نصف ما يحكم به واحد منهما.
# PageV02P593
# إذا ms0970 تزوج امرأة ودخل بها، ثم خالعها، فلزوجها المخالع نكاحها في عدتها،
~~فإن فعل وأمهرها مهرا، فإن دخل بها في العقد الثاني، استقر الصداق الثاني،
~~وإن طلقها قبل الدخول، ثبت نصف المهر، وسقط نصفه.
# إذا أصدقها صداقا، ثم وهبته له، ثم طلقها قبل الدخول، فله أن يرجع عليها
~~بنصفه، وكذلك إذا أصدقها عبدا فوهبت له نصفه ثم طلقها قبل الدخول بها، فإنه
~~يرجع عليها بنصف العبد الذي وهبته له.
# إذا أصدقها ألفا ثم خالعها على خمسمائة منها، قبل الدخول بها، فإنه يسقط
~~عنه جميع المهر.
# إذا تزوج الإنسان أمة من سيدها، ولم يسم لها مهرا، فاشتراها من سيدها،
~~انفسخ النكاح، ولا متعة لها عندنا.
# إذا أصدقها إنائين، فانكسر أحدهما، ثم طلقها قبل الدخول بها، كان لها نصف
~~الموجود، ونصف قيمة التالف.
# إذا أصدقها صداقا، فأصابت به عيبا، كان لها رده بالعيب، سواء كان العيب
~~يسيرا أو كثيرا، بغير خلاف بين أصحابنا.
# لا يجب بمجرد العقد مهر المثل، وأيهما مات قبل الفرض وقبل الدخول، فلا
~~مهر لها بغير خلاف بين أصحابنا، وإن كان قد اختلف فقهاء العامة فيها،
~~والصحابة، وقال بما قلناه علي عليه السلام، وعبد الله بن عباس رضي الله عنه
~~وزيد بن ثابت، والزهري، وربيعة، ومالك، والأوزاعي، وخالف فيه من الصحابة
~~عبد الله بن مسعود، واستدل بقول أناس من أشجع في قصة بروع بنت واشق، على ما
~~أورده شيخنا في مسائل خلافه (1).
# قال محمد بن إدريس: " بروع " بالباء المفتوحة، المنقطة نقطة واحدة من
# PageV02P594
# تحتها، والراء غير المعجمة المسكنة، والواو، والعين غير المعجمة، وأصحاب
~~الحديث يكسرون الباء، من بروع والصواب فتحها، ذكر ذلك الجوهري في كتاب
~~الصحاح وحققه.
# باب العقد على الإماء والعبيد وما في ذلك من الأحكام متى أراد الإنسان
~~العقد على أمة غيره، فلا يعقد عليها إلا بإذن مولاها، سواء كان المولى رجلا
~~أو امرأة، وسواء كان العقد دائما أو مؤجلا، على الصحيح من المذهب، لقوله
~~تعالى: " فانكحوهن بإذن أهلهن " (1) وشيخنا أبو جعفر في نهايته، قال: يجوز
~~له أن ms0971 يعقد على أمة المرأة عقد المتعة، من غير استيذان (2)، معتمدا على خبر
~~رواه سيف بن عميرة (3)، إلا أنه رجع شيخنا، في جواب المسائل الحائريات (4)
~~عما ذكره في نهايته، واعتمد على الآية، وهذا هو الصحيح الحق اليقين، لأنه
~~لا يجوز العدول عن كتاب الله تعالى بأخبار الآحاد، وأيضا فالتصرف في مال
~~الغير قبيح عقلا وسمعا إلا بإذنه.
# فمتى عقد عليها بإذن المولى، وجب عليه أن يعطيه المهر قليلا كان المهر أم
~~كثيرا، فإن رزق منها أولادا كانوا أحرارا لا حقين به لا سبيل لأحد عليهم،
~~لأن عندنا يلحق الولد بالحرية من أي الزوجين كانت، مع تعري العقد من
~~الاشتراط لرق الولد، فإن اشتراط المولى استرقاق الولد كانوا رقا، لا سبيل
~~لأبيهم عليهم، ولا يبطل هذا العقد إلا بطلاق الزوج لها، أو بيع مولاها لها،
~~أو عتقها، سواء عتقت تحت حر أو عبد على الصحيح من المذهب.
# وقال بعض أصحابنا: إن عتقت تحت عبد، كان لها الخيار، وإن عتقت
# PageV02P595
# تحت حر، لم يكن لها الخيار، والأول هو الأظهر من الأقوال، لأن هذا تخصيص
~~من غير دليل.
# فإن باعها السيد كان الذي اشتراها بالخيار بين إقرار العقد وفسخه، فإن
~~أقر العقد لم يكن له بعد ذلك خيار، وكذلك إن أعتقها مولاها كانت مخيرة بين
~~الرضا بالعقد وبين فسخه، فإن رضيت بعد العتق بالعقد لم يكن لها خيار بعد
~~ذلك.
# ومتى عقد على أمة غيره بغير إذنه، كان العقد موقوفا على رضاه، فإن رضي
~~المولى بذلك كان العقد ماضيا، وإن لم يرض انفسخ العقد.
# وقال شيخنا في نهايته: ومتى عقد على أمة غيره بغير إذن مولاها، كان العقد
~~باطلا، فإن رضي المولى بذلك العقد، كان رضاه به كالعقد المستأنف، يستباح به
~~الفرج (1).
# وهذا بناء منه رحمه الله على مذهب له في أن العقد في النكاح لا يقف على
~~الإجازة، وقد بينا فساد ذلك فيما مضى. والذي ينبغي تحصيله في ذلك، أن يكون
~~العقد باطلا، وإلى هذا ذهب رحمه الله، فإذا قال إنه باطل فسواء ms0972 رضي المولى
~~بذلك أو لم يرض، ولا يكون رضاه كالعقد المستأنف، لأنه عقد منهي عنه، والنهي
~~يدل على فساد المنهي عنه، على مذهب من قال بالإجازة، وعلى قول من لم يقل
~~بذلك.
# فإن عقد عليها بغير إذن مولاها عالما بذلك، كان أولاده رقا لمولاها، لا
~~سبيل له عليهم، ويجب عليه المهر، إن اعتقد تحليل ذلك، واشتبه عليه الأمر
~~فيه، ولا حد عليه لاشتباه الأمر فيه، ولقوله عليه السلام: " إدرأوا الحدود
~~بالشبهات " (2).
# وإن عقد عليها على ظاهر الأمر بشهادة شاهدين لها بالحرية، ورزق منها
~~أولادا، كانوا أحرارا، ويجب على الشاهدين ضمان المهر، إن كان الزوج سلمه
~~إليها، وقيمة الأولاد يوم وضعهم أحياء، لأن شهود الزور يضمنون ما يتلفون
# PageV02P596
# بشهاداتهم بغير خلاف بيننا، بل الإجماع منعقد على ذلك.
# وإن عقد عليها على ظاهر الحال، ولم تقم عنده بينة بحريتها، ثم تبين أنها
~~كانت رقا، كان أولادها رقا لمولاها، ويجب عليه أن يعطيهم إياه بالقيمة،
~~وعلى الأب أن يعطيه قيمتهم، فإن لم يكن له مال استسعى في قيمتهم، على ما
~~روي في الأخبار (1)، أورده شيخنا في نهايته (2)، فإن أبى ذلك، كان على
~~الإمام أن يعطي مولى الجارية قيمتهم من سهم الرقاب من الزكاة، فإن لم يكن
~~الإمام ظاهرا جاز أن يشتروا من سهم الرقاب. ولا يسترق ولد حر بدين الوالد
~~(3) وإن كان قد أعطاها مهرا، فلا سبيل له عليها، ووجب عليه المهر لمولاها،
~~وكان له أن يرجع على وليها بالمهر كله.
# وقد روي أن عليه لمولى الجارية عشر قيمتها إن كانت بكرا، وإن لم تكن بكرا
~~فنصف عشر قيمتها (4)، أورد ذلك شيخنا في نهايته (5) إيرادا لا اعتقادا، من
~~طريق أخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا.
# والذي يقتضيه أصول المذهب، أن الإمام لا يعطي مولى الجارية قيمتهم من سهم
~~الرقاب، ولا يجوز أن يشتروا من سهم الرقاب من الزكاة، لأن ذلك السهم مخصوص
~~بالعبيد والمكاتبين، وهؤلاء غير عبيد ولا مكاتبين، بل هم أحرار في الأصل،
~~انعقدوا كذلك، ما مسهم رق أبدا، لأنه ms0973 قال رحمه الله: ولا يسترق ولد حر،
~~وصفه بأنه حر، فكيف يشترى الحر من سهم الرقاب، وإنما أثمانهم في ذمة أبيهم،
~~لأن من حقهم أن يكونوا رقا لمولى أمهم، فلما حال الأب بينه وبينهم بالحرية،
~~وجب عليه قيمتهم يوم وضعهم أحياء، وهو وقت
# PageV02P597
# الحيلولة، فليلحظ ذلك ويتأمل.
# وإذا عقد الرجل على امرأة يظن أنها حرة، وإذا الذي عقد له عليها كان قد
~~دلسها، وكانت أمته، كان له الرجوع عليه بمهرها إن كان قد أقبضه، فإن رزق
~~منها أولادا كانوا أحرارا.
# والحرة لا يجوز لها أن تتزوج بمملوك إلا بإذن مولاه، فإن تزوجت به بإذن
~~مولاه، ورزق منها أولادا، كانوا أحرارا على ما قدمناه، من أن الولد يلحق
~~بالحرية، من أي الطرفين كان أحد الزوجين، بغير اختلاف بين أصحابنا،
~~والمخالف يلحقه من طرف واحد، اللهم إلا أن يشترط مولى العبد استرقاق الولد،
~~فيكون الولد رقا مع الاشتراط، ومع تعري العقد من الشرط يكون الولد حرا.
# وكان الطلاق بيد الزوج دون مولاه (والمهر على المولى، وكذلك النفقة، لأنه
~~أذن في شئ فيلزمه توابعه) (1) فإن طلقها الزوج كان طلاقه واقعا، وإن لم
~~يطلق كان العقد ثابتا، إلا أن يبيعه مولاه، فإن باعه كان الذي يشتريه
~~بالخيار، بين الإقرار على العقد وبين فسخه، فإن أقر العقد لم يكن له بعد
~~ذلك اختيار، هكذا ذكره شيخنا في نهايته (2) وأورده إيرادا من جهة أخبار
~~الآحاد، فقد روي رواية شاذة بذلك (3).
# والذي تقتضيه الأدلة، أن العقد ثابت، ولم يكن للمشتري الخيار، لأن قياسه
~~على بيع الأمة باطل، لأن القياس باطل.
# وقد رجع شيخنا في مبسوطه، فقال: وإن كان للعبد زوجة فباعه مولاه، فالنكاح
~~باق بالإجماع (4) هذا آخر كلامه.
# PageV02P598
# والعقد صحيح، فمن أبطله يحتاج إلى دليل.
# وإن عتق العبد، لم يكن للحرة عليه اختيار، لأنها رضيت به، وهو عبد، فإذا
~~صار حرا كانت أولى بالرضا به.
# فإن عقد العبد على حرة بغير إذن مولاه، كان العقد موقوفا على رضى مولاه،
~~فإن أمضاه كان ماضيا، ولم يكن له بعد ms0974 ذلك فسخه، إلا أن يطلق العبد، أو يبيع
~~هو عبده (1).
# وقد قلنا ما عندنا في ذلك، ولولا الإجماع من أصحابنا على الجارية، وأن في
~~بيعها يكون المشتري مخيرا، لما قلنا به، ولم يوافقنا عليه أحد سوى ابن
~~عباس، فكيف يلحق العبد بغير دليل، وهل هذا إلا محض القياس، ولم يذهب أحد من
~~مصنفي أصحابنا إلى ذلك، سوى الرواية التي أوردها شيخنا في نهايته (2)
~~إيرادا، وعاد عنها في مبسوطه، على ما حكيناه عنه، فإنه قال: وإن كان للعبد
~~زوجة فباعه مولاه، فالنكاح باق بالإجماع (3)، فليلحظ ذلك ويتأمل.
# فإن طلق العبد كان طلاقه واقعا، ليس لمولاه عليه اختيار، فإن فسخه كان
~~مفسوخا، وإن رزق منها أولادا، وكانت عالمة بأن مولاه لم يأذن له في
~~التزويج، كان أولاده رقا لمولى العبد، ولا صداق لها على السيد، ولا نفقة،
~~وإن لم تكن عالمة بأنه عبد، كان أولادها أحرارا، لا سبيل لمولى العبد
~~عليهم.
# والأمة إذا تزوجت بغير إذن مولاها بعبد، كان أولادها رقا لمولاها، إذا
~~كان العبد مأذونا له في التزويج، فإن لم يكن مأذونا له في ذلك، كان الأولاد
~~رقا لمولى العبد ومولى الأمة بينهم بالسوية.
# وإذا زوج الرجل جاريته عبده، فعليه أن يعطيها شيئا من ماله مهرا لها،
~~وكان الفراق بينهما بيده، وليس للزوج طلاق على حال، فمتى شاء المولى أن
~~يفرق
# PageV02P599
# بينهما أمره باعتزالها، وأمرها (1) باعتزاله ويقول قد فرقت بينكما، وإن
~~كان قد وطأها العبد استبرأها بحيضة إن كانت مستقيمة الحيض، وإن كانت
~~مسترابة وفي سنها من تحيض استبرأها بخمسة وأربعين يوما، ثم يطأها إن شاء،
~~فإن لم يكن وطأها العبد، جاز له وطؤها في الحال، فإن باعهما كان الذي
~~يشتريهما بالخيار بين إمضاء العقد وفسخه، فإن رضي بالعقد كان حكمه حكم
~~المولى الأول، وإن أبى لم يثبت بينهما عقد على حال، وإن باع المولى أحدهما
~~كان ذلك أيضا فراقا بينهما، ولا يثبت العقد إلا أن يشاء هو ثبات العقد على
~~الذي بقي عنده، ويشاء الذي اشترى أحدهما ثباته على الذي ms0975 اشتراه، فإن أبى
~~واحد منهما ذلك، لم يثبت العقد، وإن رزق منهما أولادا كانوا رقا لمولييهما،
~~ومتى أعتقهما جميعا، كانت الجارية بالخيار بين الرضا بالعقد الأول وبين
~~إبائه، فإن رضيت كان ماضيا، وإن أبت كان مفسوخا، هذا أجمع أورده شيخنا أبو
~~جعفر في نهايته (2)، فحكيناه عنه هاهنا.
# والذي يقوى في نفسي، أنه إذا زوج الرجل عبده أمته، فإن السيد لا يجب عليه
~~أن يعطيها شيئا، وأن هذا الفعال من المولى إباحة للعبد فرج جاريته، دون أن
~~يكون ذلك عقد نكاح، وإن سمي تزويجا وعقدا فعلى طريق الاستعارة والمجاز، و
~~كذلك تفريق المولى بينهما بأمر العبد باعتزالها أو أمرها باعتزاله سمي
~~طلاقا مجازا، لأنه لو كان طلاقا حقيقيا، لروعي فيه أحكام الطلاق وشروطه
~~وألفاظه، ولا كان يقع، إلا أن يتلفظ به الزوج، لأن الرسول عليه السلام قال:
# " الطلاق بيد من أخذ بالساق " (3) وهذا قد وقع ممن لم يأخذ بالساق، وهو
# PageV02P600
# المولى، وهذا أدل دليل وأصدق قيل على أن هذا العقد والفعال من المولى
~~إباحة للعبد وطء جاريته، لأنه لو كان عقد نكاح لروعي فيه الإيجاب والقبول
~~من موجب وقابل، ولا يصح ذلك بين الإنسان وبين نفسه، وكان يراعي فيه ألفاظ
~~ما ينعقد به النكاح، وأيضا العقد حكم شرعي، يحتاج إلى دليل شرعي، ولا يرجع
~~في مثل ذلك إلى أخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا، وإن كان شيخنا
~~أبو جعفر رحمه الله أورد ذلك في نهايته، فعلى طريق الإيراد لأجل الرواية،
~~لئلا يشذ شئ من الروايات على ما اعتذر لنفسه في عدته (1) دون الاعتقاد
~~والعمل بصحته، وكتاب الله تعالى خال من ذلك، والسنة المقطوع بها كذلك،
~~والإجماع فغير منعقد بذلك، والأصل براءة الذمة، ونفي الحكم المدعى إلى أن
~~يقوم بصحته دليل قاطع للأعذار، فحينئذ يجب المصير إليه والمعول عليه.
# ومتى عقد الرجل لعبده على أمة غيره بإذنه، جاز العقد، وكان الطلاق بيد
~~العبد، فمتى طلق جاز طلاقه، وليس لمولاه أن يطلق عليه لما بيناه، فإن باعه
~~كان ذلك فراقا بينه ms0976 وبينها، إلا أن يشاء المشتري إقراره على العقد، ويرضى
~~بذلك مولى الجارية، فإن أبى واحد منهما ذلك لم يثبت العقد على حال، وكذلك
~~إن باع مولى الجارية جاريته كان ذلك فراقا بينهما، إلا أن يشاء الذي
~~اشتراها إقرارها على العقد، ويرضى بذلك مولى العبد، فإن أبى واحد منهما كان
~~العقد مفسوخا (2).
# قال محمد بن إدريس: لا أرى لرضى الذي لم يبع وجها، لأن الخيار في إقرار
~~العبد، وفسخه للمشتري في جميع أصول هذا الباب، وإنما الشارع جعل لمن لم
~~يحضر العقد، ولا كان مالكا لأحدهما، وإنما انتقل إليه الملك الخيار، لأنه
~~لم يرض بشئ من ذلك الفعال، لا الإيجاب ولا القبول، ولا كان له حكم فيهما،
# PageV02P601
# والموجب والقابل أعني السيدين المالكين الأولين رضيا وأوجبا وقبلا، فمن
~~جعل لهما الخيار أو لأحدهما يحتاج إلى دليل، لأنه حكم شرعي، يحتاج مثبته
~~إلى دليل شرعي، وإنما أوجبنا الخيار للمشتري، لأنه انتقل الملك إليه، وليس
~~هو واحدا منهما، وإن كان المخالف لأصحابنا من العامة، لا يجعل للمشتري
~~الخيار في فسخ العقد، بل العقد ثابت عندهم، لا يصح للمشتري فسخه، ويمكن أن
~~يقال:
# المراد بذلك أن من باع من السيدين الموجب والقابل، كان للمشتري الخيار إن
~~باع سيد العبد عبده، كان لمشتريه منه الخيار، وإن باع سيد الجارية جاريته،
~~كان لمشتريها منه الخيار، وليس المراد أن في مسألة واحدة وبيع أحدهما يكون
~~الخيار للاثنين، للمشتري ولمن بقي عنده، أحدهما، كما قال شيخنا في نهايته
~~في السمسار والدلال والمنادي، قال: فإن كان ممن يبيع ويشتري للناس فأجره
~~على من يبيع له، وأجره على من يشتري له (1) والمقصود أجرة واحدة على مبيع
~~واحد أو مشتري واحد، وليس المقصود أنه يستحق أجرتين على مبيع واحد على ما
~~حررناه في موضعه.
# ومتى أعتق مولى الجارية جاريته، كان بالخيار على ما قدمناه، وإن أعتق
~~المولى عبده لم يكن لمولى الجارية خيار، ولا ينفسخ العقد إلا ببيعهما أو
~~عتقهما، ومتى رزق بينهما ولد، فإن كان بين مولييهما شرط، كان على ما ms0977 شرطاه،
~~وإن لم يحصل بينهما شرط، كان الأولاد بينهما على السواء.
# ولا توارث بين الزوجين، إذا كان أحدهما رقا لا يرث الرجل المرأة، ولا
~~المرأة الرجل.
# وإذا كانت الجارية بين شريكين، أحدهما غائب والآخر حاضر، فعقد عليها
~~الحاضر لرجل، كان العقد موقوفا على رضى الغائب.
# وإذا تزوج رجل جارية بين شريكين، ثم اشترى نصيب أحدهما، حرمت عليه إلا أن
~~يشتري النصف الآخر، أو يرضى مالك نصفها بالعقد، فيكون
# PageV02P602
# ذلك عقدا مستأنفا، هكذا أورده شيخنا في نهايته (1).
# والأولى أن يقال: أو يرضى مالك نصفها بأن يبيحه وطء ما يملكه منها،
~~فيطأها بالملكية وبالإباحة، دون العقد، لأن الفرج لا يتبعض، فيكون بعضه
~~بالملك ويكون بعضه بالعقد، بل لا يجتمع الملك والعقد معا في نكاح ووطء
~~واحد، فليلحظ ذلك.
# باب ما يستحب فعله لمن أراد العقد والزفاف وآداب الخلوة والجماع والقسمة
~~بين الأزواج وما في ذلك يستحب لمن عزم على عقد النكاح أن يستخير الله
~~تعالى، بأن يسأله أن يخير له فيما قد عزم عليه، ويصلي ركعتين، ويقول اللهم
~~إني أريد أن أتزوج، اللهم قدر لي من النساء أعفهن فرجا، وأحفظهن لي في
~~نفسها وفي مالي، وأوسعهن رزقا، وأعظمهن بركة، وقدر لي منها ولدا طيبا،
~~تجعله خلفا صالحا، في حياتي وبعد مماتي.
# وإذا أراد العقد الدائم، يستحب له أن يكون ذلك بالإعلان، والإشهاد،
~~والخطبة فيه، بذكر الله تعالى، والمسنون من ذلك خطبة واحدة تتقدم الإيجاب
~~والقبول، فإن أخل بشئ من ذلك، أو بجميعه لم يفسد العقد، وكان ثابتا، إلا
~~أنه يكون قد ترك الأفضل.
# ويستحب الوليمة عند الزفاف يوما أو يومين، يدعى فيه المؤمنون، ويكره تفرد
~~الأغنياء بذلك، والوليمة مستحبة غير واجبة، وحضورها مستحب إذا دعي إليها،
~~وليس بواجب عليه الحضور، إلا أن يكون فيها شئ من المناكير، ولا يقدر من
~~يحضر على إنكاره، فلا يجوز حضورها في حال الاختيار، فإن كانت لكافر بأي
~~أنواع الكفر كان، فلا يجوز للمسلم حضورها. وإن دعي إليها، لأن
# PageV02P603
# ذبائحهم محرمة، وطعامهم الذي يباشرونه بأيديهم نجس، لا ms0978 يجوز أكله لقوله
~~تعالى: " إنما المشركون نجس " (1).
# وإذا حضر المسلم وليمة المسلم بعد دعائه إليها، فلا يجب عليه الأكل،
~~وإنما يستحب له ذلك.
# نثر السكر والجوز واللوز وغير ذلك في الولايم مكروه إذا أخذ على طريق
~~الانتهاب، فإذا لم يؤخذ على طريق الانتهاب، فلا بأس بذلك، إذا علم بشاهد
~~الحال من قصد فاعله الإباحة، وإن لم ينطق بلسانه، ولا يجوز لأحد من
~~الحاضرين الاستبداد به.
# وإذا قرب تحول المرأة إلى بيت الزوج، فقد روي أنه يستحب أن يأمرها بأن
~~تصلي ركعتين، وتكون على طهارة، إذا دخلت عليه، ويصلي أيضا قبل (2) ذلك،
~~ويكون على طهارة إذا أدخلت عليه امرأته، ويدعوا الله تعالى عقيب الركعتين،
~~ويسأله أن يرزقه إلفها وودها، ورضاها، فإذا أدخلت عليه، فيستحب أن يضع يده
~~على ناصيتها، - وهي مقدم شعر الرأس -، ويقول: اللهم على كتابك تزوجتها، وفي
~~أمانتك أخذتها، وبكلماتك استحللت فرجها، فإن قضيت في رحمها نسبا (3)،
~~فاجعله مسلما سويا، ولا تجعله شرك شيطان (4).
# ويستحب أن يكون عقد التزويج والزفاف بالليل، ويكون الإطعام والوليمة
~~بالنهار.
# ولا يجوز للرجل أن يطأ امرأته قبل أن يأتي لها تسع سنين، فإن دخل بها قبل
~~ذلك فعابت، كان ضامنا لعيبها، ولا يحل له وطؤها أبدا، فإن أفضاها وجب عليه
~~ديتها ومهرها ونفقتها ما داما حيين، فإن مات أحدهما سقطت النفقة، ومعنى
~~الإفضاء لها أن صير مدخل الذكر ومخرج البول شيئا واحدا أفضى ما بينهما.
# وقال شيخنا في مسائل خلافه: هذا إذا كان في عقد صحيح، أو عقد
# PageV02P604
# شبهة، فأما إذا كان مكرها لها، فإنه يلزمه ديتها على كل حال ولا مهر لها
~~(1).
# قال محمد بن إدريس: عقد الشبهة لا يلزمه النفقة، وأنما أوجب النفقة
~~أصحابنا على من فعل ذلك بزوجته، وهذه ليست زوجته، فلا ينبغي أن يتعدى ما
~~أجمعوا عليه، لأن الأصل براءة الذمة، وثبوت ذلك يحتاج إلى دليل، ولم يذهب
~~أحد من أصحابنا إلى ما قاله رحمه الله، فأما قوله: " إذا كان مكرها لها
~~فإنه يلزمه ديتها ولا مهر لها " فغير واضح، ms0979 لأنا نجمع عليه الأمرين معا،
~~المهر والدية، لأن أحدهما لا يدخل في الآخر، لأنه قد دخل بها، فيجب عليه
~~المهر لأجل دخوله، والدية، لأنه إجماع، وهذه ليست ببغي، وإنما نهي عن مهر
~~البغي فليلحظ ذلك.
# ويستحب التسمية عند الجماع.
# ويكره الجماع ليلة الكسوف ويومه، وفيما بين غروب الشمس إلى مغيب الشفق،
~~ومن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وفي الريح السوداء والصفراء، وعند الزلازل،
~~وفي محاق الشهر، يقال بكسر الميم وضمها، وهن الثلاث ليال الأواخر من الشهر،
~~سميت بذلك لامحاق القمر فيها، أو الشهر، قال الشاعر:
# عجوز ترجى أن تكون فتية * وقد لحب الجنبان واحدودب الظهر تدس إلى العطار
~~سلعة أهلها * وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟
# تزوجتها قبل المحاق بليلة * فكان محاقا كله ذلك الشهر والعرب تسمي ليالي
~~الشهر كل ثلاث منها باسم، فيقول ثلاث غرر، جمع غرة، وغرة كل شئ أوله، وثلاث
~~نفل، وقيل لها نفل من زيادة القمر، من النفل الزيادة، والعطاء، وثلاث تسع،
~~لأن آخر يوم منها اليوم التاسع، وثلاث عشر، لأن أول يوم منها اليوم العاشر،
~~وثلاث بيض، لأنها تبيض بطلوع القمر من أولها إلى آخرها، وثلاث درع، سميت
~~بذلك لاسوداد أوائلها، وابيضاض
# PageV02P605
# سائرها، ومنه قيل: شاة درعاء، إذا اسود رأسها وعنقها، وابيض سايرها،
~~وثلاث ظلم، لاظلامها، وثلاث حنادس، لسوادها، وثلاث دآدي لأنها بقايا، وثلاث
~~محاق، لامحاق القمر أو الشهر.
# ويكره الجماع في أول ليلة من الشهر، إلا شهر رمضان، ويكره في ليلة النصف،
~~ويكره أن يجامع الرجل وهو عريان، أو مستقبل القبلة، أو مستدبرها، ويكره له
~~الجماع بعد الاحتلام حتى يغتسل.
# ولا يجوز للرجل أن يترك المرأة، لا يقربها بجماع، لا من عذر، أكثر من
~~أربعة أشهر، فإن تركها أكثر من ذلك كان مأثوما.
# ويكره للرجل النظر إلى فرج امرأته، ويكره الكلام في حال الجماع سوى ذكر
~~الله تعالى.
# ويكره للرجل أن يأتي النساء في غير الفروج المعتادة للجماع، وهي أحشاشهن
~~من غير حظر ولا تحريم، عند فقهاء أهل البيت عليهم السلام، لقوله تعالى: "
~~نساؤكم ms0980 حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " (1) ومن قال أراد بذلك موضع النسل
~~فهو مبعد، - لأنه لا يمتنع أن يسمي النساء حرثا، لأنه يكون منهن الولد - ثم
~~يبيح الوطء فيما لا يكون منه الولد، يدل على ذلك أنه لا خلاف أنه يجوز
~~الوطء بين الفخذين، وإن لم يكن هناك ولد.
# وثاني متمسكات المخالف قالوا: قال الله تعالى: " فأتوهن من حيث أمركم
~~الله " (2) وهو الفرج، والإجماع على أن الآية الثانية ليست بناسخة للأولى.
# وهذا أيضا لا دلالة فيه، لأن قوله: " من حيث أمركم الله " معناه من حيث
~~أباح الله لكم، أو من الجهة التي شرعها لكم، على ما حكي عن الزجاج، فإنه
~~قال: معنى الآية نساؤكم ذو حرث لكم فأتوا موضع حرثكم أنى
# PageV02P606
# شئتم، ويدخل في ذلك الموضعان معا.
# وثالثها قالوا: إن معناه من أين شئتم، أي ائتوا الفرج من أين شئتم، وليس
~~في ذلك إباحة لغير الفرج.
# وهذا أيضا ضعيف، لأنا لا نسلم أن معناه ائتوا الفرج، بل عندنا معناه
~~ائتوا النساء وائتوا الحرث من حيث شئتم، ويدخل فيه جميع ذلك.
# ورابعها قالوا: قوله في المحيض: " قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض "
~~(1) فإذا حرم الأذى بالدم فالأذى بالنجو أعظم.
# وهذا أيضا ليس بشئ، لأن هذا حمل الشئ على غيره من غير علة، على أنه لا
~~يمتنع أن يكون المراد بقوله: " قل هو أذى " غير النجاسة، بل المراد أن في
~~ذلك مفسدة، ولا يجب أن يحمل ذلك على غيره (2) إلا بدليل يوجب العلم.
# على أن الأذى بمعنى النجاسة حاصل في البول ودم الاستحاضة، ومع هذا فليس
~~بمنهي عن الوطء في الفرج.
# ويقال: إن الآية نزلت ردا على اليهود، فإنهم قالوا: الرجل إذا أتى المرأة
~~من خلف في قبلها خرج الولد أحول، فأكذبهم الله في ذلك، ذكره ابن عباس
~~وجابر، ورواه أيضا أصحابنا.
# ويكره للرجل أن يعزل عن امرأته الحرة، فإن عزل لم يكن بذلك مأثوما، غير
~~أنه يكون تاركا فضلا على الصحيح من أقوال أصحابنا والأظهر في رواياتهم،
~~لأنه روي أن ms0981 ذلك محظور وعليه دية ضياع النطفة عشر دنانير، والأصل براءة
~~الذمة من شغلها بواجب، ولا يرجع في مثل هذا إلى أخبار الآحاد، وأما الأمة
~~فلا بأس بالعزل عنها على كل حال.
# وإذا كان للرجل امرأة واحدة فعليه أن يبيت عندها من أربع ليال ليلة،
# PageV02P607
# وإذا كانت امرأتان جاز له أن يبيت عند واحدة منهما ثلاث ليال وعند الأخرى
~~ليلة واحدة، وإن كانت عنده ثلاث نساء جاز أن يبيت عند واحدة منهن ليلتين
~~وعند كل واحدة منهن ليلة ليلة، فإن كان عنده أربع نساء بعقد الدوام فلا
~~يجوز له أن يبيت عند كل واحدة منهن أكثر من ليلة ليلة، ويجب عليه أن يسوي
~~بينهن في القسمة، اللهم إلا أن تترك واحدة منهن ليلتها لامرأة أخرى، فيجوز
~~حينئذ أن يبيت عند الموهوب لها الليلة ليلتين، فإن وهبت له ليلتها فله أن
~~يبيت عند من شاء منهن ليلتين، وإذا بات عند كل واحدة منهن ليلة إذا كن
~~أربعا وسوى بينهن في قسم الليالي والمبيت فليس يلزمه جماعها، بل هو مخير في
~~ذلك.
# وإذا عقد على امرأة بكر جاز له تفضيلها بسبع ليال، ويعود إلى التسوية ولا
~~يقضي ما فضلها به، فإن كانت ثيبا فضلها بثلاث ليال.
# وروي أنه إذا اجتمع عند الرجل حرة وأمة زوجية، كان للحرة ليلتان وللأمة
~~ليلة من القسم، فأما إن كانت الأمة ملك يمين فليس لها قسمة مع الحرائر.
# وروي أن حكم اليهودية والنصرانية إذا كانتا زوجتين، في الموضع الذي يحل
~~ذلك فيه، حكم الإماء على السواء.
# لا بأس أن يفضل الرجل بعض نسائه على بعض في النفقة والكسوة، وإن سوى
~~بينهن وعدل كان أفضل.
# لا يجوز للرجل الأجنبي من المرأة أن ينظر إليها مختارا، فأما النظر إليها
~~لضرورة أو حاجة فجائز، فالضرورة مثل نظر الطبيب إليها، وذلك يجوز بكل حال
~~وإن نظر إلى عورتها، لأنه موضع ضرورة، لأنه لا يمكن العلاج إلا بعد الوقوف
~~عليه. والحاجة مثل أن يتحمل شهادة على امرأة فله أن ينظر وجهها من غير ms0982 ريبة
~~ليعرفها ويحققها، وكذلك لو كانت بينه وبينها معاملة أو مبايعة، فيعرف وجهها
~~ليعلم من التي يعطيها الثمن إن كانت بايعة أو المثمن إن كانت مبتاعة، ومثل
~~الحاكم إذا حكم عليها، فإنه يرى وجهها ليعرفها ويجليها. PageV02P608
# وروي أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وآله لتبايعه، فأخرجت يدها، فقال
~~النبي صلى الله عليه وآله: أيد امرأة أم يد رجل؟ فقالت: يد امرأة، فقال:
# أين الحناء (1) فدل هذا الخبر على أن عند الحاجة يجوز النظر إليها، لأنه
~~إنما عرف أنه لا حناء على يدها بالنظر إليها مكشوفة.
# فأما إذا نظر إلى جملتها يريد أن يتزوجها فعندنا يجوز أن ينظر إلى وجهها
~~وكفيها فحسب، وله أن يكرر النظر إليها، سواء أذنت أو لم تأذن، إذا كانت
~~استجابت إلى النكاح، فأما إذا لم توافق على التزويج فلا يجوز له النظر إلى
~~ما كان يجوز له النظر إليه عند استجابتها وظهور العلم بموافقتها.
# فأما إذا ملكت المرأة فحلا أو خصيا فهل يكون محرما لها، حتى يجوز له أن
~~يخلو بها ويسافر معها؟ قيل: فيه وجهان: أحدهما، وهو مذهبنا، أنه لا يكون
~~محرما لها، ولا يجوز له النظر إلى ما يجوز لذوي محارمها النظر إليه والقول
~~الآخر يكون محرما، ويحل له النظر إليها، وهو مذهب المخالف، وتمسك بقوله
~~تعالى: " ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن " إلى قوله " أو ما ملكت أيمانهن "
~~(2) فنهاهن عن إظهار زينتهن لأحد إلا من استثنى، واستثنى ملك اليمين، ورووا
~~أن الرسول عليه السلام دخل على فاطمة عليها السلام وهي فضل - بالفاء
~~المضمومة، والضاد المعجمة المضمومة، أيضا، يقال: تفضلت المرأة في بيتها،
~~إذا كانت في ثوب واحد، كالخيعل ونحوه، والخيعل بالخاء المعجمة، والياء
~~المنقطة من تحتها نقطتين، والعين غير المعجمة، قميص لا كمي له (3)
# PageV02P609
# وذلك الثوب مفضل، بكسر الميم، والمرأة فضل، بالضم، مثال جنب - فأرادت أن
~~تستتر، فقال عليه السلام: لا عليك، أبوك وخادمك، وروي: أبوك وزوجك وخادمك
~~(1)، قال محمد بن إدريس رحمه الله: أما الآية فقد روى أصحابنا عن الأئمة
~~عليهم السلام ms0983 في تفسيرها، أن المراد به الإماء دون الذكران، فأما الخبر
~~فرواية المخالف، وهو خبر واحد، وأخبار الآحاد عندنا لا توجب علما ولا عملا،
~~ولو صح لما كان فيه ما ينافي مذهبنا، لأن الخادم ينطلق على الأنثى أيضا،
~~فهو محتمل.
# ولا بأس أن ينظر الرجل إلى أمة يريد شرائها، وينظر إلى شعرها ومحاسنها
~~ووجهها ويديها فحسب، ولا يجوز له النظر إلى ذلك إذا لم يرد ابتياعها.
# وقد روي جواز النظر إلى نساء أهل الكتاب وشعورهن، لأنهن بمنزلة الإماء
~~(2) إذا لم يكن النظر لريبة أو تلذذ، فأما إذا كان لذلك فلا يجوز النظر
~~إليهن على حال.
# والذي يقوى في نفسي ترك هذه الرواية والعدول عنها، والتمسك بقوله تعالى:
~~" قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم " (3) وقال تعالى: " ولا تمدن عينيك إلى ما
~~متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا " (4) وإن كان قد ذكرها وأوردها
~~شيخنا في نهايته فعلى جهة الإيراد لا الاعتقاد.
# PageV02P610
# باب العيوب والتدليس في النكاح، وما يرد منه وما لا يرد وما في ذلك من
~~الأحكام العيوب التي يرد النكاح بها تنقسم إلى قسمين: منها ما يرجع إلى
~~الرجال، ومنها ما يرجع إلى النساء.
# فالرجل يرد ويفسخ عليه النكاح من أربعة عيوب: من العنة، والخصاء - بالمد
~~وكسر الخاء - والجب، والجنون، سواء كان يعقل معه أوقات الصلوات أو لا يعقل
~~معه ذلك، إذا كان به ذلك قبل العقد، فأما الجنون الحادث بعد العقد، فإن كان
~~يعقل معه أوقات الصلوات الخمس فلا خيار للمرأة، ولا يفسخ النكاح به، وإن
~~كان لا يعقل أوقات الصلوات الخمس معه، فالمرأة بالخيار، ولها فسخ النكاح
~~بذلك.
# فأما إن دلس نفسه بالحرية فخرج عبدا، فلها الخيار والفسخ، إلا أن هذا ليس
~~بعيب في خلقته، بل هو تدليس، فلأجل هذا ما أضفناه إلى العيوب الأربعة،
~~وقلنا: يرد الرجل من أربعة عيوب.
# وقد روي (1) أن الرجل إذا انتسب إلى قبيلة فخرج من غيرها، وسواء كان أرذل
~~منها أو أعلى منها، يكون للمرأة الخيار في فسخ النكاح.
# والأظهر أنه لا يفسخ بذلك ms0984 النكاح، لأن الله تعالى قال: " أوفوا بالعقود "
~~(2) والإجماع فغير منعقد على خلاف ما اخترناه، ولا تواترت به الأخبار.
# وشيخنا أبو جعفر وإن كان قد أورد ذلك وذكره في نهايته (3) فعلى جهة
~~الإيراد لأخبار الآحاد لا الاعتقاد لصحتها والعمل بها، فإنه رجع في مبسوطه
~~وبين أن ذلك رواية فقال رحمه الله: " وإن كان الغرور بالنسب فهل لها الخيار
~~أم لا؟
# فالأقوى، أنه لا خيار لها، وفي الناس من قال: لها الخيار، وقد روي ذلك في
# PageV02P611
# أخبارنا " (1) هذا آخر كلامه رحمه الله في مبسوطه فدل ذلك أن ما أورده في
~~نهايته رواية من طريق أخبار الآحاد.
# إلا أن هذا وإن لم يكن عيبا فإنه يرد به، لأنه تدليس فرددناه من حيث
~~التدليس بالاشتراط، لا من حيث أنه عيب يرد به من غير اشتراط، لأن العيوب هي
~~في الخلقة يرد بها النكاح وإن لم يشترط السلامة في حال العقد، بل بمجرد
~~العقد يرد النكاح بعيب الخلقة، فأما التدليس فإنه إذا شرط أنه حر، فخرج
~~عبدا، أو انتسب إلى قبيلة، فخرج بخلافها، سواء كان أعلى منها أو أدنى،
~~وكذلك السواد والبياض إذا شرطه فخرج بخلافه، وما أشبه ذلك، فلا يرد به
~~النكاح إلا إذا اشترط خلافه، فأما بمجرد العقد دون تقدم الشرط فلا يرد به
~~النكاح، فهذا الفرق بين عيب الخلقة وبين التدليس، فليلحظ ذلك ويتأمل.
# إذا حدث بالرجل جب أو خصاء بعد العقد فلا خيار للمرأة في فسخ النكاح، فإن
~~حدثت العنة بعد وطئها فلا خيار لها، وإن حدثت قبل وطئها وبعد العقد، ولم
~~يطأ غيرها ولا هي مدة سنة، فلها الخيار، فإن وطأها أو وطأ غيرها في مدة
~~السنة لم يكن لها خيار، فأما الجنون الحادث فقد قلنا ما فيه، فأغني عن
~~إعادته.
# فأما العيوب الراجعة إلى النساء فسبعة عيوب: الجنون المتقدم على العقد،
~~دون الحادث بعده، والجذام كذلك، والبرص كذلك، والرتق والقرن - بفتح القاف
~~وسكون الراء -، والإفضاء، وهو ذهاب الحاجز الذي بين مخرج البول ومدخل
~~الذكر، والعمى، على الأظهر من أقوال ms0985 أصحابنا، وهو مذهب شيخنا في نهايته
~~(2).
# وقال في مسائل خلافه: وفي أصحابنا من ألحق بها العمى، وكونها محدودة، بعد
~~أن ذكر ستة عيوب فحسب (3).
# PageV02P612
# والذي يقوى في نفسي أن المحدودة لا ترد، بل يرجع على وليها بالمهر إذا
~~كان عالما بدخيلة أمرها، فإن أراد فراقها طلقها.
# وألحق أصحابنا عيبا ثامنا، وهو العرج البين، ذهب إليه شيخنا في نهايته
~~(1) ولم يذهب إليه في مسائل خلافه.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي في مسائل خلافه: مسألة، إذا حدث بالمرأة أحد
~~العيوب التي ترد به، ولم يكن في حال العقد فإنه يثبت به الفسخ (2).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: الصحيح أن كل عيب حادث بعد العقد من
~~عيوب النساء لا يرد به النكاح، والذي ذهب إليه شيخنا مذهب الشافعي في أحد
~~قوليه، اختاره شيخنا، فليلحظ ذلك.
# وترد المرأة من التدليس، وهو إذا عقد الرجل على امرأة، فظن أنها حرة،
~~فوجدها أمة، فإن كان قد دخل بها كان لها المهر بما استحل من فرجها، وللرجل
~~أن يرجع على وليها الذي تولى العقد عليها ودلسها بالمهر، فإن كان الولي لم
~~يعلم دخيلة أمرها لم يكن عليه شئ، فإن كانت هي المدلسة والمتولية للعقد على
~~نفسها رجع عليها إذا لحقها العتاق، فإن كان لم يدخل بها لم يكن لها مهر،
~~فإن كان قد أعطاها المهر كان له الرجوع عليها به إذا كان قائم العين، فإن
~~كان قد أتلفته رجع عليها إذا لحقها العتاق، فإذا ردها كان رده لها فراقا
~~بينه وبينها، ولا يحتاج مع ذلك إلى طلاق.
# وكذلك إذا تزوجت المرأة برجل على أنه حر، فوجدته عبدا، كانت بالخيار بين
~~إقراره على العقد وبين اعتزاله، فإن اعتزلت كان ذلك فراقا بينهما وبينه،
~~فإن استقرت معه لم يكن لها بعد علمها بحاله خيار، فإن كان قد دخل بها كان
# PageV02P613
# لها الصداق بما استحل من فرجها، وإن لم يكن دخل بها لم يكن لها شئ.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي " رحمه الله " في مسائل خلافه: مسألة، إذا ms0986
~~عقد الحر على امرأة على أنها حرة، فبانت أمة، كان العقد باطلا، ثم استدل
~~فقال: دليلنا إجماع (1) على بطلانه أنه عقد على من يعتقد أنه لا ينعقد
~~نكاحها، فكان باطلا (2).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: العقد صحيح، إلا أنه له الخيار بين
~~فسخه وإمضائه، بلا خلاف بين أصحابنا، وما استدل به فمرغوب عنه، لأن العقد
~~على الأمة عندنا جائز صحيح، ينعقد نكاحها، وليس هي كالكافرة الأصلية،
~~فليلحظ ذلك ويتأمل.
# وإذا عقد الرجل على بنت رجل على أنها بنت مهيرة، فوجدها بنت أمة، كان له
~~ردها وإن لم يكن دخل بها لم يكن عليه لها شئ، وروي أن المهر على أبيها (3)،
~~وليس عليه دليل من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع والأصل براءة الذمة،
~~فمن شغل ذمة الأب بالمهر يحتاج إلى دليل، فإن كان قد دخل بها كان المهر
~~عليه بما استحل من فرجها، ورجع على أبيها به، فإن رضي بعد ذلك بالعقد لم
~~يكن له بعد رضاه الرجوع بالمهر ولا خيار الرد.
# ومتى كان لرجل بنتان: أحدهما بنت مهيرة، والأخرى بنت أمة، فعقد للرجل على
~~بنته من المهيرة، ثم أدخلت عليه ابنته من الأمة، كان له ردها، لأنها ليست
~~زوجة له، سواء رضي بها أو لم يرض، فإن كان قد دخل بها وأعطاها المهر كان
~~لها ذلك إن كان وفق مهر أمثالها، وإن كان أنقص فعليه تمامه، وإن كان أكثر
~~فله الرجوع عليها بما يزيد على مهور أمثالها، تستحقه بما استحل من فرجها،
~~ورجع على من أدخلها عليه به، فإن لم يكن دخل بها فليس
# PageV02P614
# لها عليه مهر، وعلى الأب أن يسوق إليه ابنته من المهيرة.
# وإذا تزوج الرجل بامرأة فوجدها برصاء، أو جذماء، أو عمياء، أو رتقاء، أو
~~قرناء، أو مفضاة، أو عرجاء، أو مجنونة كان له ردها من غير طلاق، فإن كان قد
~~دخل بها كان لها المهر بما استحل من فرجها، وله أن يرجع على وليها بالمهر
~~الذي أعطاها، إذا كان الولي عالما بحالها، ms0987 فإن لم يكن عالما بحالها لم يكن
~~عليه شئ، ورجع عليها به إذا كانت هي المدلسة نفسها، فإن لم يكن دخل بها لم
~~يكن عليه مهر، فإن كان قد أعطاها المهر كان له الرجوع عليها به، ومتى وطأها
~~بعد العلم بحالها، أو علم بحالها ورضي، لم يكن له بعد ذلك ردها، فإن أراد
~~فراقها بعد ذلك فارقها بالطلاق.
# فأما ما عدا ما ذكرناه من العيوب فليس يوجب شئ منها الرد، مثل العور، وما
~~أشبه ذلك.
# وإذا عقد على امرأة على أنها بكر فوجدها، ثيبا لم يكن له ردها، غير أن له
~~أن ينقص من مهرها بمقدار مهر أمثالها، على ما قدمناه فيما مضى وحررناه.
# ومتى عقد الرجل على امرأة، على أنه صحيح، فوجدته عنينا - ولا يعلم ذلك
~~إلا من جهة الرجل بإقراره، فحسب، وقد روي أنه يعرف ذلك بأن يقام في ماء
~~بارد، فإن تشنج، أي تقبض العضو، فليس بعنين، وإن بقي على حاله فهو عنين
~~(1). وهذا قول ابن بابويه في رسالته (2) والأول هو المعمول عليه - فإذا كان
~~كذلك انتظر به سنة، فإن وصل إليها في مدة السنة، ولو مرة واحدة، أو إلى
~~غيرها لم يكن لها عليه خيار، وإن لم يصل إليها ولا إلى غيرها أصلا كانت
~~مخيرة بين المقام معه وبين مفارقته، فإن رضيت لم يكن لها بعد ذلك خيار، فإن
~~اختارت فراقه كان لها نصف الصداق، وليس عليها عدة.
# PageV02P615
# وقال شيخنا أبو جعفر " رحمه الله " في نهايته: وإن حدث بالرجل عنة كان
~~الحكم في ذلك مثل ما قدمناه (1).
# المراد بذلك أنها حدثت بعد العقد على المرأة وقبل وطيها ووطء غيرها، بعد
~~أن عقد عليها، وإن كان قد وطأ قبل العقد عليها نساء عدة، فأما إذا حدثت بعد
~~العقد عليها وبعد وطيها أو وطء غيرها بعد العقد عليها فلا خيار لها بحال،
~~وإذا اختلف الزوج والمرأة فادعى الزوج أنه قربها، وأنكرت المرأة ذلك، فإن
~~كانت المرأة بكرا فإن ذلك مما يعرف بالنظر إليها فإن وجدت كما كانت لم ms0988 يكن
~~لادعاء الرجل تأثير، وإن لم توجد كذلك لم يكن لإنكار المرأة تأثير، إلا أن
~~هذا لا يصح إلا أن تكون دعواه بأنه قربها في قبلها، فإن افتض عذرتها فيكون
~~الحكم فيه ما قدمناه، فأما إن ادعى أنه وطأها في غير قبلها فلا اعتبار
~~بالحكم الذي قدمناه، لأنه ليس لنا طريق إلى تكذيبه، ويكون القول قوله، ولا
~~يلزم بأحكام العنين في المسألتين معا، لأنها ما ادعت عليه العنة، ولا أقر
~~بالعنة، وأكثر ما في ذلك أنه ما وطأها، ولو أقر بأنه ما افتضها ما يثبت
~~عليه أحكام العنين، لأنا قد بينا أنه لا يثبت كونه عنينا إلا بإقراره.
# فإن كانت المرأة ثيبا كان القول قول الرجل مع يمينه بالله، وقد روي أنها
~~تؤمر بأن تحشو قبلها خلوقا، ثم يأمر الحاكم الرجل بوطئها، فإن وطأها فخرج
~~على ذكره أثر الخلوق صدق وكذبت، وإن لم يكن الأثر موجودا صدقت وكذب الرجل،
~~ذهب شيخنا في نهايته (2) إلى أن أمرها بالخلوق رواية (3)، وذهب في مسائل
~~خلافه إلى أنه المعمول عليه (4)، والصحيح ما قدمناه وحررناه، والأظهر ما
~~ذكره في نهايته.
# PageV02P616
# فإن تزوجت المرأة برجل على أنه صحيح، فوجدته خصيا، كانت بالخيار بين
~~الرضا بالمقام معه وبين مفارقته، فإن رضيت بالمقام معه لم يكن لها بعد ذلك
~~خيار، وإن أبت فرق بينهما.
# وقد روي أنه إن خلا بها كان للمرأة صداقها منه، وعلى الإمام أن يعزره
~~لئلا يعود إلى مثل ذلك (1).
# ولا دليل على صحة هذه الرواية من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع،
~~والأصل براءة الذمة، وإن كان قد أورد ذلك شيخنا في نهايته (2) إيرادا لا
~~اعتقادا.
# ومتى عقد الرجلان على امرأتين فدخلت امرأة هذا على هذا، والأخرى على
~~الآخر، ثم علم بعد ذلك، فإن لم يكونا دخلا بهما ردت كل واحدة منهما إلى
~~زوجها، وإن كانا قد دخلا بهما، كان لكل واحدة منهما الصداق، لا المسمى، بل
~~مهر المثل، لأن كل واحد من الزوجين ما سمى صداقا لمن دخل بها، وإنما هو وطء ms0989
~~شبهة، فيجب على كل واحد منهما مهر المثل، فإن كان الولي تعمد ذلك أغرم ما
~~غرمه الرجل، وهو مهر المثل، ولا يقرب كل واحد منهما امرأته حتى تنقضي
~~عدتها، فإذا انقضت صارت كل واحدة منهما إلى زوجها، بالعقد الأول.
# فإن ماتتا قبل انقضاء العدة فقد روي أن الرجلين الزوجين يرجعان بنصف
~~الصداق على ورثتهما، ويرثانهما (3).
# والصحيح من الأقوال أن بموت أحد الزوجين، إما المرأة، أو الرجل، يستقر
~~جميع المهر كملا، سواء دخل بها الرجل، أو لم يدخل، على ما قدمناه قبل هذا.
# فإن مات الرجلان، وهما في العدة، فإنهما ترثانهما، ولهما المهر المسمى
~~حسب ما قدمناه في المتوفى عنها زوجها ولم يدخل بها، وعليهما العدة ما
~~تفرغان من العدة
# PageV02P617
# الأولى، تعتدان عدة المتوفى عنها زوجها.
# ومتى أقام الرجل بينة على أنه تزوج بامرأة وعقد عليها عقدا صحيحا، وأقامت
~~أختها على هذا الرجل البينة أنه عقد عليها، فإن البينة بينة الرجل، ولا
~~يلتفت إلى بينة المرأة، اللهم إلا أن تقيم البينة بأنه عقد عليها قبل عقده
~~على أختها، فإذا كان الأمر كذلك قبل بينتها، وأبطلت بينة الرجل، أو يكون قد
~~دخل بها، فمتى كان مع بينة الرجل (1) أحد هذين الأمرين: إما دخول بها، أو
~~تاريخ متقدم، سمعت بينتها وأبطلت بينة الرجل.
# باب النكاح المؤجل وما في ذلك من الأحكام النكاح المؤجل مباح في شريعة
~~الإسلام، مأذون فيه، مشروع بالكتاب والسنة المتواترة وبإجماع المسلمين، إلا
~~أن بعضهم ادعى نسخه، فيحتاج في دعواه إلى تصحيحها، ودون ذلك خرط القتاد.
# وأيضا فقد ثبت بالأدلة الصحيحة أن كل منفعة لا ضرر فيها في عاجل ولا آجل
~~مباحة، بضرورة العقل، وهذه صفة نكاح المتعة، فيجب إباحته بأصل العفل.
# فإن قيل: فمن أين لكم نفي المضرة عن هذا النكاح في الآجل، والخلاف في
~~ذلك؟.
# قلنا: من ادعى ضررا في الآجل فعليه الدليل.
# وأيضا، فقد قلنا: إنه لا خلاف في إباحتها، من حيث أنه قد ثبت بإجماع
~~المسلمين أنه لا خلاف في إباحة هذا النكاح في عهد النبي ms0990 عليه السلام بغير
~~شبهة، ثم ادعى تحريمها من بعد ونسخها، ولم يثبت النسخ، وقد ثبتت الإباحة
~~بإجماع، فعلى من ادعى الحظر والنسخ الدلالة، فإن ذكروا الأخبار (2) التي
~~رووها في أن النبي عليه السلام حرمها ونهى عنها، فالجواب عن ذلك أن جميع
# PageV02P618
# ما يروونه من هذه الأخبار، إذا سلمت من المطاعن والتضعيف، أخبار آحاد،
~~وقد ثبت أنها لا توجب علما ولا عملا في الشريعة، ولا يرجع بمثلها عما علم
~~وقطع عليه.
# وأيضا قوله تعالى بعد ذكر المحرمات من النساء: " وأحل لكم ما وراء ذلكم
~~أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن
~~فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة " (1) ولفظة "
~~استمتعتم " لا تعدو وجهين: إما أن يراد بها الانتفاع والالتذاذ الذي هو أصل
~~موضوع اللفظة، أو العقد المؤجل المخصوص الذي اقتضاه عرف الشرع.
# ولا يجوز أن يكون المراد هو الوجه الأول لأمرين: أحدهما أنه لا خلاف بين
~~محصلي من تكلم في أصول الفقه في أن لفظ القرآن إذا ورد وهو محتمل لأمرين
~~أحدهما وضع أصل اللغة، والآخر عرف الشريعة أنه يجب حمله على عرف الشريعة،
~~ولهذا حملوا كلهم لفظ صلاة وزكاة، وصيام، وحج، على العرف الشرعي، دون الوضع
~~اللغوي، والأمر الآخر أنه لا خلاف في أن المهر لا يجب بالالتذاذ، لأن رجلا
~~لو وطأ زوجته ولم يلتذ بوطئها، لأن نفسه عافتها، أو كرهتها، أو لغير ذلك من
~~الأسباب، لكان دفع المهر واجبا، وإن كان الالتذاذ مرتفعا.
# فعلمنا أن لفظ الاستمتاع في الآية إنما أريد به العقد المخصوص دون غيره.
# وأيضا: فقد سبق إلى القول بإباحة ذلك جماعة معروفة الأقوال من الصحابة
~~والتابعين، كأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وابن عباس،
~~ومناظرته لابن الزبير عليها معروفة، رواها الناس كلهم، ونظم الشعراء فيها
~~الأشعار، فقال بعضهم:
# أقول للشيخ لما طال مجلسه يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس هل لك في قنية
~~بيضاء بهكنة (2) يكون مثواك حتى مصدر الناس وعبد الله بن مسعود، ms0991 ومجاهد،
~~وعطا، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وسلمة بن الأكوع، وأبي سعيد الخدري،
~~والمغيرة بن شعبة، وسعيد بن جبير،
# PageV02P619
# وابن جريح، فإنهم كانوا يفتون بها فادعاء الخصم الاتفاق على حظر النكاح
~~المؤجل باطل.
# وأيضا فإجماع أصحابنا حجة على إباحة هذا النكاح.
# وهو ما قدمناه ذكره من عقد الرجل على امرأة مدة معلومة بمهر معلوم.
# ولا بد من هذين الشرطين، فإن لم يذكر المدة كان النكاح دائما، إذا كان
~~الإيجاب بلفظ التزويج أو النكاح، على ما حررناه في ما تقدم، فإن كان بلفظ
~~التمتع بطل العقد.
# وإن ذكر الأجل ولم يذكر المهر بطل النكاح، وإن ذكر مدة مجهولة لم يصح
~~العقد على الصحيح من المذهب.
# فأما ما عدا الشرطين فمستحب ذكره، دون أن يكون ذلك من الشرائط الواجبة.
# وأما الإشهاد والإعلان فمسنونان في نكاح الدوام، فأما النكاح المؤجل
~~فليسا بمسنونين فيه ولا واجبين، اللهم إلا أن يخاف الإنسان التهمة بالزنا،
~~فيستحب له حينئذ أن يشهد على العقد شاهدين.
# والمستحب له إذا أراد هذا العقد أن يطلب امرأة عفيفة مؤمنة مستبصرة، فإن
~~لم يجد بهذه الصفة ووجد مستضعفة جاز أن يعقد عليها، ولا بأس أن يعقد على
~~اليهودية والنصرانية هذا النكاح في حال الاختيار، فأما من عدا هذين الجنسين
~~من سائر الكفار، سواء كانت مجوسية أو غيرها، كافرة أصل أو مرتدة أو كافرة
~~ملة، فلا يجوز العقد عليها ولا وطؤها حتى تتوب من كفرها.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ويكره التمتع بالمجوسية، وليس ذلك بمحظور
~~(1) وهذا خبر أورده إيرادا لا اعتقادا، لأن إجماع أصحابنا بخلافه، وشيخنا
~~المفيد " رحمه الله " في مقنعته يقول: لا يجوز العقد على المجوسية (2)
~~وقوله تعالى: " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " (3) وقوله: " ولا تنكحوا
~~المشركات حتى
# PageV02P620
# يؤمن " (1) وهذا عام، وخصصنا اليهودية والنصرانية بدليل الإجماع، وبقي
~~الباقي على عمومه، ورجع شيخنا عما ذكره في تبيانه (2).
# بعض أصحابنا يحظر العقد على اليهودية والنصرانية، سواء كان العقد مؤجلا
~~أو دائما، وهو الأظهر والأقوى عندي، لعموم الآيتين، فمن خصصهما يحتاج إلى
~~دليل، من ms0992 إجماع، أو تواتر، وكلاهما غير موجودين.
# إلا أنه متى عقد على أحد الجنسين منعهما من شرب الخمر وأكل لحم الخنزير،
~~على ما روي (3).
# ولا بأس أن يتمتع الإنسان بالفاجرة، إلا أنه يمنعها بعد العقد عليها من
~~الفجور.
# ولا يجب على الرجل سؤالها هل لها زوج أم لا؟ لأن ذلك لا يمكن أن يقوم له
~~به بينة.
# والأولى في الديانة سؤالها عن ذلك، إن كانت مصدقة على نفسها، وإن كانت
~~متهمة (4) في ذلك احتاط في التفتيش عن أمرها، استحبابا لا إيجابا.
# ولا بأس أن يتزوج الرجل نكاحا مؤجلا بكرا ليس لها أب من غير ولي، كما أن
~~له ذلك في عقد الدوام، فإن كانت البكر بين أبويها جاز ذلك أيضا، فإن كانت
~~دون البالغ لم يجز له العقد عليها إلا بإذن أبيها، فإن كانت بالغا جاز
~~العقد عليها من غير استيذانه، على ما قدمناه.
# ولا بأس أن يتمتع الرجل بأمة غيره بإذنه، وإن كانت الأمة لا مرأة فكذلك،
~~ولا يجوز له نكاحها ولا العقد عليها إلا بإذن مولاتها، بغير خلاف، إلا
~~رواية شاذة رواها سيف بن عميرة (5) أوردها شيخنا في نهايته (6) ورجع عنها
~~في
# PageV02P621
# جواب المسائل الحائريات (1) على ما قدمناه.
# وقد سئل الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان " رحمه الله " في جملة
~~المسائل التي سأله عنها محمد بن محمد بن الرملي الحائري " رحمه الله " وهي
~~معروفة مشهورة عند الأصحاب، سؤال: وعن الرجل يتمتع بجارية غيره بغير علم
~~منه، هل يجوز له ذلك أم لا؟
# فأجاب: لا يجوز له ذلك، وإن فعله كان عاصيا آثما، ووجب عليه بذلك الحد،
~~وقد ظن قوم لا بصيرة لهم ممن يعتزى إلى الشيعة، ويميل إلى الإمامية، أن ذلك
~~جائز بحديث رووه: " ولا بأس أن يستمتع الرجل من جارية امرأة بغير إذنها "
~~(2) وهذا حديث شاذ، والوجه: أنه يطأها بعد العقد عليها بغير إذنها، من غير
~~أن يستأذنها في الوطء، لموضع الاستبراء لها، فأما جارية الرجل فلم يأت فيه
~~حديث، ومن جوزه فقد خالف حكم الشرع، وفارق ms0993 الحق، وقال ما يرده عليه كافة
~~العلماء، ويضلله جماعة الفقهاء.
# قال محمد بن إدريس: فانظر أرشدك الله إلى فتوى هذا الشيخ المجمع على فضله
~~ورياسته ومعرفته، وهل رجع إلى حديث يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فكيف
~~يجعل ما يورد ويوجد في سواد الكتب دليلا، ويفتي به من غير حجة تعضده؟ وهل
~~هذا إلا تغفيل من قائله؟
# وإذا كانت عند الرجل امرأة حرة بعقد دوام فلا يجوز له أن يتمتع بأمة إلا
~~بعد رضاها واستيذانها، وكان الحكم في هذا العقد حكم نكاح الدوام.
# فإذا أراد العقد فليذكر من المهر والأجل ما تراضيا عليه، قليلا كان أو
~~كثيرا، بعد أن يكون معلوما غير مجهول، كل واحد منهما، ويكون المهر ما يجوز
~~تمليكه للمسلمين.
# فإن ذكر لها مهرا معلوما وأجلا معلوما، ثم أراد مفارقتها قبل الدخول بها،
# PageV02P622
# فليهب لها أيامها، ويلزمه نصف المهر، على ما رواه أصحابنا (1) وأجمعوا
~~عليه قولا وعملا، لأنهم يجرون هبة الأجل قبل الدخول بها مجرى الطلاق قبل
~~الدخول، فإن كان قد أعطاها المهر رجع عليها بنصفه، فإن وهبت مهرها له قبل
~~أن يفارقها، كان له. أن يرجع عليها بمثل نصف المهر بعد تخليته إياها، فإن
~~أعطاها شيئا من مهرها ودخل بها، لزمه ما بقي عليه منه على كماله، إذا وفت
~~له بأيامه، فإن أخلت بشئ من أيامه من غير عذر جاز له أن ينقصها بحساب ذلك
~~من المهر فإن تبين له بعد الدخول بها أن لها زوجا، أو هي في عدة، لا يلزمه
~~أن يعطيها شيئا، وكان ما أخذت منه حراما عليها.
# ويجوز أن يشترط عليها أن يأتيها ليلا، أو نهارا، أو في أسبوع دفعة، أو
~~يوما بعينه، أي ذلك شاء فعل، ولم يكن عليه شئ.
# وقد روي (2) أنه إذا عقد عليها شهرا، ولم يذكر الشهر بعينه، كان له شهر
~~من ذلك الوقت، فإذا مضى عليها شهر ثم طالبها بعد ذلك بما عقد عليها لم يكن
~~له عليها سبيل.
# والصحيح ترك هذه الرواية، لأن هذا أجل مجهول، إلا أن ms0994 يقول: شهرا من هذا
~~الوقت، فيصح ذلك، لأنه يكون معلوما.
# فإن كان قد سمى الشهر بعينه كان له شهره الذي عينه، فإذا ثبت ذلك فلا
~~يجوز لهذه المرأة أن تعقد على نفسها لأحد من عالم الله، وإن لم يحضر ذلك
~~الشهر المعين، لأن عليها عقدا، ولها زوج، فلا يجوز أن يكون للمرأة زوجان،
~~ولا يكون عليها عقدان، فإجماع المسلمين.
# ولا يجوز أيضا لمن عقد عليها العقد الأول أن يعقد على أختها قبل حلول
~~شهره المعين وحضوره، لأنه يكون جامعا بين الأختين.
# واختلف أصحابنا في توارث نكاح المؤجل، فقال قوم منهم: ترث وتورث
# PageV02P623
# إذا لم يشترطا نفي التوارث، مثل نكاح الدوام، وقال آخرون منهم: لا ترث
~~ولا تورث، إلا أن يشترطا التوارث، فإن شرطا ذلك توارثا، قال الباقون
~~المحصلون:
# لا توارث في هذا النكاح، شرطا التوارث أو لم يشرطا، لأنهما إن شرطا كان
~~الشرط باطلا، لأنه شرط يخالف السنة.
# وهذا الذي أفتي به وأعمل عليه، لأن التوارث حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى
~~دليل شرعي، وقد أجمعنا على تخصيص عموم آيات توارث الأزواج في النكاح
~~الدائم، واختلف أصحابنا في توريث الأزواج في النكاح المؤجل، والأصل براءة
~~الذمة ولا خلاف أنه لا يتعلق بها حكم الإيلاء، ولا يقع بها طلاق، ولا يصح
~~بينها وبين الزوج لعان، ويصح الظهار منها عند بعض أصحابنا، وكذلك اللعان
~~عند السيد المرتضى، والأظهر أنه لا يصح ذلك بينهما في هذا العقد.
# وانقضاء الأجل يقوم في الفراق مقام الطلاق، ولا سكنى لها، ولا نفقة،
~~ويجوز الجمع بغير خلاف بين أصحابنا في هذا النكاح بين أكثر من أربع، لأنهن
~~بمنزلة الإماء عندنا، ولا يلزم العدل بينهن في المبيت.
# ويلحق الولد بالزوج، ويلزمه الاعتراف به، ويجب عليه إلحاقه به، ولا يحل
~~له نفيه إذا قطع على أنه منه، إلا أنه إن نفاه أثم، وكان معاقبا عند الله
~~تعالى، إلا أنه لا يحتاج مع نفيه إلى لعان، بخلاف النكاح الدائم، لأن
~~النكاح الدائم متى علم أنه ولد على فراشه احتاج في ms0995 نفيه إلى لعان، فمتى وطأ
~~في القبل الوطئ في النكاح المؤجل لزمه الاعتراف به، وإن كان يعزل الماء.
# ولا بأس إن يعقد الرجل على امرأة واحدة مرات كثيرة، واحدة بعد أخرى، لأنه
~~لا طلاق في هذا النكاح.
# وإذا انقضى الأجل فيما بينهما، جاز له أن يعقد عليها عقدا مستأنفا في
~~الحال، قبل خروجها من العدة، ولا يجوز لغيره ذلك ما دامت في العدة.
# وكذلك يجوز له أن يعقد على أختها قبل خروجها من عدتها، وبعد PageV02P624
# خروجها من أجله، فإن أراد أن يزيدها في الأجل قبل انقضاء أجلها الذي له
~~عليها لم يكن له ذلك، فإن أراد فليهب لها ما بقي عليها من الأيام، ثم ليعقد
~~عليها على ما شاء من الأيام.
# وعدة المرأة في هذا النكاح، إذا كانت ممن تحيض حيضا مستقيما، أو لا تحيض
~~وفي سنها من تحيض، إذا انقضى أجلها، أو وهب لها زوجها أيامها - على ما
~~قدمناه وقلنا إنه عند أصحابنا بمنزلة الطلاق في هذا النكاح بغير خلاف بينهم
~~- قرءان، وهما طهران للمستقيمة الحيض، وخمسة وأربعون يوما إذا كانت لا تحيض
~~ومثلها تحيض، فأما إن كانت لا تحيض وليس في سنها من تحيض فلا عدة عليها،
~~إلا إذا توفي عنها زوجها قبل خروجها من أجله.
# فإذا توفي عن المتمتع بها زوجها قبل انقضاء أجلها (1) كانت عدتها مثل عدة
~~المعقود عليها عقد الدوام، على الصحيح من المذهب، وقال قوم من أصحابنا:
# عدتها شهران وخمسة أيام، والأول هو الظاهر، لأنه يعضده القرآن والمتواتر
~~من الأخبار، سواء كانت أمة أو حرة، لظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: " والذين
~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " (2) وذلك عام
~~في كل من يتوفى عنها زوجها، ولا إجماع منعقد على تخصيص ذلك، فيجب العمل
~~بالعموم، لأنه الظاهر، ولا يجوز العدول عنه إلا بدليل.
# وقال شيخنا في نهايته: " عدتها إذا انقضى أجلها أو وهب لها زوجها أيامها
~~حيضتان، أو خمسة وأربعون يوما، إذا كانت لا تحيض وفي سنها من تحيض " (3).
# أما قوله: " حيضتان ms0996 " يريد بذلك المستقيمة الحيض، تعتد بالأقراء، وهي
~~قرءان فعبر عن القرئين بالحيضتين، وأما قوله: " أو خمسة وأربعون يوما "
~~فمراده من لا تحيض وفي سنها من تحيض.
# وقد روي أنه إذا اشترط الرجل في حال العقد أن لا يطأها في فرجها، لم يكن
~~له
# PageV02P625
# وطؤها فيه، فإن رضيت بعد العقد بذلك كان جائزا.
# وقال شيخنا في نهايته: " وكل شرط يشرطه الرجل على المرأة إنما يكون له
~~تأثير بعد ذكر العقد، فإن ذكر الشروط وذكر بعدها العقد كانت الشروط التي
~~قدم ذكرها باطلة لا تأثير لها، فإن كررها بعد العقد ثبتت على ما شرط " (1).
# قال محمد بن إدريس " رحمه الله ": لا شرط يجب ذكره ويلزمه (2) إلا شرطان:
~~وهما ذكر الأجل المحروس من الزيادة والنقصان، إما بالشهور والأيام، أو
~~بالسنين والأعوام، والمهر المعلوم إن كان من الموزون بالوزن أو الأخبار عن
~~الوزن، وإن كان مكيلا فبالكيل أو الأخبار عن الكيل، وإن كان غير موزون ولا
~~مكيل فبالمشاهدة أو الوصف في غير المشاهدة، وما عداهما من الشروط لا يلزم،
~~ولا تأثير له في صحة هذا النكاح، وأيضا فالمؤثر لا يكون له تأثير إلا إذا
~~قارن وصاحب، فكيف يؤثر الشرط المذكور بعد العقد، فكان الأولى إن كانت
~~الشروط مؤثرة ولازمة أن يكون ما يلزم منها مصاحبا للعقد مقارنا له لا يتقدم
~~عليه ولا يتأخر وشيخنا أورد ذلك من طريق أخبار الآحاد، دون الاعتقاد.
# قال محمد بن إدريس: يروى في بعض أخبارنا في باب المتعة عن أمير المؤمنين
~~عليه السلام: لولا ما سبقني إليه بني الخطاب ما زنى إلا شفا - بالشين
~~المعجمة والفاء - ومعناه إلا قليل، والدليل عليه حديث ابن عباس، ذكره
~~الهروي في الغريبين: " ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها أمة محمد صلى
~~الله عليه وآله ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلا شفا " قد أورده
~~الهروي في باب الشين والفاء، لأن الشفا عند أهل اللغة القليل، بلا خلاف
~~بينهم، وبعض أصحابنا ربما صحف ذلك، قاله وتكلم به بالقاف والياء المشددة،
~~وما ms0997 ذكرناه هو وضع أهل اللغة، وإليهم المرجع، وعليهم المعول في أمثال ذلك،
~~وتعضده
# PageV02P626
# الرواية عن ابن عباس " رحمه الله ".
# وقال شيخنا أبو جعفر في الإستبصار، في باب التمتع بالأبكار، أورد خبرا
~~فيه: " ما يقول هؤلاء الأقشاب " (1) بالقاف والشين المعجمة.
# قال محمد بن إدريس: الأقشاب الاخلاط، وهو ذم لهم (2).
# باب السراري وملك الأيمان وما في ذلك من الأحكام يستباح وطء الإماء من
~~ثلاث طرق:
# أحدها العقد عليهن بإذن أهلهن، كما قال تعالى: " فانكحوهن بإذن أهلهن "
~~(3) وقد سلف ذكر ذلك فيما مضى من كتابنا.
# والثاني بتحليل مالكهن أو إباحته الرجل من وطئهن، وإن لم يكن هناك عقد
~~متضمن لفظ التزويج أو النكاح.
# وجملة الأمر وعقد الباب في ذلك أن تحليل الإنسان جاريته لغيره من غير عقد
~~فهو جائز عند أكثر أصحابنا المحصلين، وبه تواترت الأخبار، وهو الأظهر بين
~~الطائفة، والعمل عليه، والفتوى به، وفيهم من منع منه، فمن أجازه اختلفوا:
# فمنهم من قال: هو عقد والإباحة والتحليل عبارة عنه، وهو مذهب السيد
~~المرتضى، ذكره في انتصاره، والباقون الأكثرون قالوا: هو تمليك منفعة مع
~~بقاء الأصل، وهو مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي " رحمه الله " وشيخنا المفيد،
~~وغيرهما من المشيخة، وهو الذي يقوى في نفسي، وبه أفتي، ويجري ذلك مجرى
~~إسكان الدار وإباحة منافع الحيوان، إذ لا يمنع من ذلك مانع، من كتاب، ولا
~~سنة، ولا دليل عقل، ولا إجماع منعقد، إلا أن شيخنا أبا جعفر في مبسوطه يجعل
# PageV02P627
# من شروطه أن تكون المدة معلومة.
# ويكون الولد لاحقا بأمه، ويكون رقا، إلا أن يشترط الرجل الحرية، والصحيح
~~من المذهب والأقوال والذي تقتضيه الأدلة أن الولد بمجرد العقد في المعقود
~~عليها من الإماء، أو المباحة المحللة بمجرد الإباحة والتحليل يكون الولد
~~حرا، إلا أن يشترطه المولى، لأن إجماع أصحابنا منعقد على أن كل وطء مباح
~~حلال يلحق الولد بالحرية، من أي طرفي العاقدين الزوجين كانت، سواء كان
~~بعقد، أو إباحة، أو نكاح فاسد، أو وطء شبهة. والمخالف يلحقه بأمه، ولا
~~يلحقه بأبيه، فإن كانت حرة ms0998 كان حرا، ولا يعتد بأبيه، وإن كانت أمة كان رقا،
~~ولا يلتفت إلى أبيه وإن كان أبوه حرا، وأصحابنا على خلاف مذهب المخالف،
~~ومما يتفردون به من القوم.
# وقد سأل السيد المرتضى نفسه فقال: مسألة في خبر الواحد: إن سأل سائل
~~فقال: كيف تنكرون أن يكون أخبار الآحاد في الأحكام الشرعية مما لم تقم.
# الحجة بالعمل بها، فقد وجدنا الإمامية يختلفون فيما بينهم في أحكام شرعية
~~معروفة، ويستند كل فريق منهم إلى أخبار آحاد في مذهبه، ولا يخرج كل فريق من
~~موالاة الفريق الآخر وإن خالفه، ولا يحكم بتكفيره وتضليله، وهذا يقتضي أنه
~~إنما لم يرجع عن موالاته، لأنه استند فيما ذهب إليه إلى ما هو حجة.
# الجواب: أن أخبار الآحاد مما لم تقم لها دلالة شرعية على وجوب العمل بها،
~~ولا يقطع العذر بذلك، وإذا كان خبر الواحد لا يوجب علما وإنما يقتضي إذا
~~كان راويه على غاية العدالة ظنا، فالتجويز لكونه كاذبا ثابت، والعمل بقوله
~~يقتضي الإقدام على ما يعلم قبحه، فأما الاستدلال على أن الحجة ثابتة بقبول
~~أخبار الآحاد بأنا لا نكفر من خالفنا في بعض الأحكام الشرعية من الإمامية
~~ولا نرجع عن موالاته، فلا شبهة في بعده، لأنا لا نكفر ولا نرجع عن موالاة
~~من خالف من أصحابنا في بعض الشرعيات، وإن استند في ذلك المذهب إلى
~~PageV02P628
# التقليد، أو رجع فيه إلى شبهة معلوم بطلانها، ولم يدل عدولنا عن تكفيره
~~وتمسكنا بموالاته على أن التقليد الذي تمسك به واعتمد في مذهبه ذلك عليه
~~حق، وأن فيه الحجة، فكذلك ما ظنه السائل، وبعد فلو كنا إنما عدلنا عن
~~تكفيره وأقمنا على موالاته من حيث استند من أخبار الآحاد إلى ما قامت به
~~الحجة في الشريعة لكنا لا نخطيه ولا نأمره بالرجوع عما ذهب إليه، لأن من
~~عول في مذهب على ما فيه الحجة لا يستنزل عنه، ونحن نخطي من أصحابنا من
~~خالفنا فيما قامت الأدلة الصحيحة عليه من الأحكام الشرعية، ونأمره بالرجوع
~~إلى الحق، وترك ما هو ms0999 عليه، وأنما لا نضيف إلى هذه التخطئة التكفير والرجوع
~~عن الموالاة، وليس كل مخطي كافرا وغير مسلم، إن المحق من أصحابنا في
~~الأحكام الشرعية إنما عول فيما ذهب إليه على أخبار الآحاد، ومن عول على خبر
~~الواحد وهو لا يوجب علما، كيف يكون عالما قاطعا؟
# وما بقي مما نحتاج إليه في هذا الكلام إلا أن نبين من أي وجه لم نكفر من
~~خالفنا في بعض الشرعيات من أصحابنا، مع العلم بأنه مبطل والوجه في ذلك أن
~~التكفير يقتضي تعلق أحكام شرعية: كنفي الموالاة، والتوارث، والتناكح، وما
~~جرى مجرى ذلك، وهذا إنما يعلم بالأدلة القاطعة، وقد قامت الدلالة وأجمعت
~~الفرقة المحقة على كفر من خالفنا في الأصول، كالتوحيد، والعدل والنبوة،
~~والإمامة، فأما خلاف بعض أصحابنا لبعض في فروع الشرعيات فمما لم يقم دليل
~~على كفر المخطئ، ولو كان كفرا لقامت الدلالة على ذلك من حاله، وكونه معصية
~~وذنبا لا يوجب عندنا الرجوع عن الموالاة، كما نقول ذلك في معصية ليست بكفر.
# فإن قيل: فلو خالف بعض أصحابكم في مسح الرجلين، وذهب إلى غسلهما، وفي أن
~~الطلاق الثلاث يقع جميعه، أكنتم تقيمون على موالاته؟
# قلنا: هذا مما لا يجوز أن يخالف فيه إمامي، لأن هذه الأحكام وما أشبهها
~~معلوم ضرورة أنه مذهب الأئمة عليهم السلام، وعليه إجماع الفرقة المحقة، فلا
~~PageV02P629
# يخالف فيها من وافق في أصول الإمامية، ومن خالف في أصولهم كفر بذلك.
# فإن قيل: أفلستم تكفرون من خالفكم من خالف في صغير فروع الشرعيات
~~وكبيرها؟ فكيف يكفر المخالف بما لا يكفر به الموافق؟
# قلنا: نحن لا نكفر مخالفنا إذا خالف في فرع لو خالف فيه موافق من أصحابنا
~~لم نكفره، وإنما نكفر المخالف في ذلك الفرع بما ذهب إليه من المذاهب التي
~~تقتضي تكفيره، مثال ذلك: أن من خالف من أصحابنا وقال: إن الولد الحر من
~~المملوكة مملوك إذا لم يشترط، لم يكن بذلك كافرا، وكان هذا القول باطلا،
~~وكذلك المخالف لنا في الأصول إذا خالف في هذه المسألة وقال: إن ms1000 الولد مملوك
~~وهذا مذهبكم لا يكون بهذا القول بعينه كافرا، وإنما نكفره على الجملة بما
~~خالف فيه مما يقتضي الأدلة أن يكون كفرا (1). هذا آخر كلام السيد المرتضى،
~~احتجنا أن نورد المسألة والجواب على وجههما لنبين مقصودنا من ذلك، وهو
~~قوله: " مثال ذلك أن من خالف من أصحابنا وقال: إن ولد الحر من المملوكة
~~مملوك إذا لم يشترط، لم يكن بذلك كافرا، وكان هذا القول باطلا " فدل على أن
~~الولد حر إذا كان أبوه حرا، وأمه مملوكة، وكان الوطء حلالا مباحا، وارتفع
~~الشرط، سواء كان هذا الوطء بعقد أو إباحة المولى، لأن إطلاق كلام السيد
~~المرتضى يقتضي ذلك ويدل عليه، فدل على أنه إجماع منعقد من أصحابنا.
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي في الجزء الخامس من المبسوط، في فصل في حد
~~القاذف (2): إذا قذف رجلا ثم اختلفا، فقال القاذف: أنت عبد، فلا حد علي،
~~وقال المقذوف: أنا حر، فعليك الحد، لم يخل المقذوف من ثلاثة أحوال:
# إما يعلم أنه حر، أو عبد، أو يشك فيه، فإن عرف أنه حر، مثل أن علم أن أحد
~~أبويه حر عندنا، أو يعلم أن أمه حرة عندهم وإن كان عبدا فأعتق فعلى
# PageV02P630
# القاذف الحد، وإن عرف أنه مملوك فلا حد على القاذف، وعليه التعزير، وإن
~~أشكل الأمر، كالرجل الغريب لا يعرف ولا يخبر كاللقيط، قال قوم: القول قول
~~القاذف، إلى هاهنا كلام الشيخ في المبسوط (1).
# مقصودي منه قوله: " فإن عرف أنه حر مثل أن علم أن أحد أبويه حر عندنا "
~~ولم يشرط في الوطء بعقد أو إباحة، بل أطلق القول بذلك، وأنه متى كان أحد
~~أبويه حرا فهو حر عندنا، يعني عند أصحابنا الإمامية.
# وقال - في الجزء الخامس أيضا، في فصل في دية الجنين -: ديته مأة دينار،
~~ويجب ذلك في الجنين الكامل، وكماله بالإسلام والحرية، أما إسلامه بأبويه أو
~~بأحدهما، وأما الحرية فمن وجوه، أن تكون أمه حرة، أو تحبل الأمة في ملكه،
~~أو يتزوج امرأة على أنها حرة فإذا هي أمة، أو يطأ ms1001 على فراشه امرأة يعتقدها
~~زوجته الحرة، فإذا هي أمة، ففي كل هذا يكون حرا، بلا خلاف عندنا، إذا كان
~~أبوه أيضا حرا وإن كانت الأم مملوكة، فإن الولد يلحق بالحرية عندنا، وفي كل
~~هذه المواضع ما تقدم ذكره من مأة دينار (2).
# وقال أيضا شيخنا أبو جعفر الطوسي في الجزء الثاني من مسائل خلافه، في
~~كتاب الرهن: مسألة: إذا أتت هذه الجارية الموطوئة بإذن الراهن بولد كان حرا
~~لاحقا بالمرتهن، بالإجماع، ولا يلزمه عندنا قيمته، وللشافعي فيه قولان:
~~أحدهما يجب عليه قيمته، وبه قال المروزي (3) والآخر لا تجب، دليلنا ما
~~قدمناه، من أن الأصل براءة الذمة، ووجوب القيمة يحتاج إلى دليل (4)، هذا
~~آخر كلام شيخنا.
# ألا ترى إلى قوله: " كان حرا لاحقا بالمرتهن بالإجماع، ولا يلزمه عندنا
~~قيمته "، ولم يتعرض للشرط، ولا ذكره جملة، فقد رجع عما ذكره في نهايته
# PageV02P631
# ومبسوطه، فهو محجوج بهذا القول الذي ذهب إليه وحكيناه عنه في مسائل
~~خلافه، وما أورده في نهايته فمن طريق أخبار الآحاد، لا على جهة العمل
~~والاعتقاد، وهو خبر واحد رواية ضريس الكناسي (1) وبإزائه أخبار كثيرة
~~معارضة له، تتضمن أن الولد حر بمجرد الإباحة والتحليل، وأصول المذهب تقتضي
~~أن الولد يلحق بأبيه إلا ما قام عليه الدليل.
# رجعنا إلى تقسيمنا.
# والثالث بأن يملكهن فيستبيح وطئهن بملك الأيمان، وإذا أحل وأباح الرجل
~~جاريته لأخيه، أو المرأة لأخيها أو لزوجها حل له منها ما أحله له مالكها،
~~إن أحل له وطئها حل له كل شئ منها مما يرجع إلى الاستمتاع، من تقبيل ولمس
~~وعناق وغير ذلك، وإن أحل له ما دون الوطء فليس له إلا ما جعله منه في حل،
~~إن أحل له خدمتها لم يكن له سوى الخدمة شئ، وإن أحل له مباشرتها أو تقبيلها
~~كان له ذلك، ولم يكن له وطؤها، فإن وطأها في هذه الحال كان عاصيا، وإن أتت
~~بولد كان لمولاها، ويلزمه مهر أمثالها.
# وقال بعض أصحابنا وهو شيخنا أبو جعفر في نهايته: يلزمه عشر قيمتها إن
~~كانت بكرا، وإن ms1002 كانت غير بكر لزمه نصف عشر قيمتها (2)، وقال أيضا:
# ومتى جعله في حل من وطئها، وأتت بولد كان لمولاها، وعلى أبيه أن يشتريه
~~بماله إن كان له مال، وإن لم يكن له مال استسعى في ثمنه (3).
# قال محمد بن إدريس: وقد قلنا ما عندنا في ذلك، وحكينا رجوعه في مسائل
~~خلافه، وأيضا فلا يجب على الإنسان أن يشتري ولده إذا كان الولد مملوكا،
~~بغير خلاف، فكيف أوجب عليه شرائه ولا يجب عليه أن يستسعى في فك رقبة ولده
~~من الرق، بغير خلاف بين أصحابنا.
# PageV02P632
# ثم قال أيضا في نهايته: ولا يجوز للرجل أن يجعل عبده في حل من وطء
~~جاريته، فإذا أراد ذلك عقد له عليها عقدا (1).
# قال محمد بن إدريس: لا مانع من تحليل عبده وطء جاريته، من كتاب، ولا سنة،
~~ولا إجماع، والأصل الإباحة، بل قوله تعالى: " فانكحوهن بإذن أهلهن " (2)
~~وقوله: " وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين، من عبادكم و إمائكم " (3) دليل
~~على صحة ذلك.
# ثم قال أيضا في نهايته: وينبغي أن يراعى في ما ذكرناه لفظ التحليل، وهو
~~أن يقول الرجل المالك للأمة لمن يحللها له: " جعلتك في حل من وطء هذه
~~الجارية، أو أحللت لك وطئها " (4).
# قال محمد بن إدريس: ليس قول شيخنا " رحمه الله ": ينبغي أن يراعى في ما
~~ذكرناه لفظ التحليل، بمانع من غيره من الألفاظ، وهو قوله: أبحتك وطئها، ولا
~~منع منه.
# وإنما قال: ولا يجوز لفظ العارية في ذلك (5) لشناعة المخالف علينا، فإنهم
~~يقولون: هؤلاء يعيرون الفروج، يريدون بذلك في الحرائر، معاذ الله أن نقول
~~ذلك، وإنما يتخرصون علينا بما لا نقوله ولا نذهب بحمد الله إليه، فتحرز
~~أصحابنا - خوفا من الشناعة - فقالوا: ولا يجوز لفظ العارية في ذلك، حراسة
~~من التشنيع، وقد قلنا فيما مضى، أن ذلك تمليك منافع، كتمليك منافع الدار
~~والفرس وغير ذلك.
# وقد ذهب شيخنا في مبسوطه في باب العارية إلى ما اخترناه، فقال: ولا يجوز
~~إعارة الجارية للاستمتاع بها، لأن البضع لا يستباح بالإعارة، وحكي عن مالك
~~جواز ذلك، ms1003 وعندنا يجوز ذلك بلفظ الإباحة، ولا يجوز بلفظ العارية (6) هذا
~~آخر كلامه في مبسوطه.
# وإذا كان الرجل مالكا لنصف الجارية، والنصف الآخر منها يكون حرا، لم
# PageV02P633
# يجز له وطؤها، بل يكون له من خدمتها يوم، ولها من نفسها يوم، وروي أنه
~~إذا أراد العقد عليها في يومها عقد عليها عقد المؤجل وكان ذلك جائزا (1).
# ومتى ملك الرجل جارية بأحد وجوه التمليكات، من بيع، أو هبه، أو سبي، أو
~~غير ذلك، لم يجز له وطؤها في قبلها، إلا بعد أن يستبرئها بحيضة إن كانت ممن
~~تحيض، وإن لم تكن ممن تحيض ومثلها تحيض استبرأها بخمسة وأربعين يوما، وإن
~~كانت قد يئست من المحيض، أو لم تكن بلغته لم يكن عليه استبراء.
# وكذلك يجب على الذي يريد بيع جارية كان يطأها، فإن استبرأها البايع ثم
~~باعها لم يسقط عن المشتري الاستبراء الذي يجب عليه، وقد روي أنه إن كان
~~البايع موثوقا به جاز للذي يشتريها أن يطأها من غير استبراء (2)، أورد هذه
~~الرواية شيخنا أبو جعفر في نهايته (3) ورجع عنها في مسائل خلافه (4)، وهو
~~الصحيح، لأن فعل البايع لا يسقط عن المشتري ما يجب عليه من الاستبراء.
# وكذلك إن كانت المملوكة لا مرأة، فيستحب للمشتري استبراؤها، عند بعض
~~أصحابنا، والأولى عندي وجوب استبرائها.
# فإن اشترى جارية فأعتقها قبل أن يستبرئها جاز له العقد عليها من دون
~~استبراء، وحل له وطؤها، والأفضل أن لا يطأها إلا بعد الاستبراء.
# ومتى أعتقها وكان قد وطأها جاز له العقد عليها ووطؤها، ولم يكن عليه
~~استبراء على حال، فإن أراد غيره العقد عليها لم يجز له ذلك إلا بعد خروجها
~~من عدتها - على ما رواه بعض أصحابنا - (5) أما. بثلاثة أشهر، أو ثلاثة
~~أقراء على حسب حالها.
# PageV02P634
# ومتى اشترى رجل جارية وهي حايض تركها حتى تطهر، ثم يحل له وطؤها، وكان
~~ذلك كافيا في استبراء رحمها على ما روي في بعض الأخبار (1)، والأظهر الصحيح
~~وجوب الاستبراء بقرئين.
# ومتى اشترى جارية حاملا، كره له وطؤها في القبل، دون أن ms1004 يكون ذلك محرما
~~محظورا، على الأظهر من أقوال أصحابنا، وهو الذي يقتضيه أصول المذهب، سواء
~~مضى أربعة أشهر أو أقل منها.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ومتى اشترى جارية حاملا لم يجز له وطؤها
~~إلا بعد وضعها الحمل أو يمضي عليها أربعة أشهر وعشرة أيام، فإن أراد وطئها
~~قبل ذلك وطأها فيما دون الفرج، وكذلك من اشترى جارية وأراد وطئها قبل
~~الاستبراء جاز له ذلك فيما دون الفرج (2).
# وذهب شيخنا المفيد في مقنعته إلى مضي أربعة أشهر فحسب (3).
# إلا أن شيخنا أبا جعفر رجع في مسائل خلافه عما ذكره في نهايته، فقال:
# مسألة: إذا اشترى أمة حاملا كره له وطؤها قبل أن يصير لها أربعة أشهر،
~~فإذا مضى لها ذلك لم يكره له (4) وطؤها حتى تضع، وقال الشافعي غيره: لا
~~يجوز وطؤها في الفرج، دليلنا إجماع الفرقة، والأصل الإباحة وعدم المانع (5)
~~هذا آخر كلامه رحمه الله.
# قال محمد بن إدريس: ودليلنا نحن على صحة ما اخترناه قوله تعالى: " أو ما
~~ملكت أيمانكم " (6) فأباحنا تعالى وطء ما ملكت أيماننا بمجرد الملكية،
~~والآية عامة فمن خصصها يحتاج إلى دليل، وأيضا الأصل الإباحة، ولا مانع من
~~ذلك من كتاب، أو سنة مقطوع بها، أو إجماع.
# PageV02P635
# وإذا باع جارية من غيره، ثم استقال المشتري فأقاله، فإن كان قد قبضها
~~إياه وجب عليه الاستبراء، وإن لم يكن قبضها لم يجب عليه ذلك، إذا أراد
~~وطئها.
# إذا طلقت الأمة المزوجة بعد الدخول بها، وأخذت في العدة، ثم باعها
~~مولاها، فالواجب عليها إتمام العدة، ولم يجز للمشتري وطؤها إلا بعد استبراء
~~بعد العدة، لأنهما حكمان لمكلفين لا يتداخلان، فإسقاط أحدهما بالآخر يحتاج
~~إلى دليل، وهذا القول مذهب شيخنا أبي جعفر في مبسوطه (1)، وهو الصحيح الحق
~~اليقين.
# إذا باع جارية فظهر بها حمل، فادعى البايع أنه منه، ولم يكن أقر بوطئها
~~عند البيع، ولم يصدقه المشتري، لا خلاف أن إقراره لا يقبل فيما يؤدي إلى
~~فساد البيع، وهل يقبل إقراره في إلحاق هذا النسب أم لا؟ عندنا ms1005 أنه يقبل
~~إقراره، لأن إقرار العاقل على نفسه مقبول، ما لم يؤد إلى ضرر على غيره،
~~وليس في هذا ضرر على غيره، فوجب قبوله وجوازه.
# ولا بأس أن يجمع الرجل بملك اليمين ما شاء من العدد، مباح له ذلك، ولا
~~يجمع بين الأختين في الوطء، ويجوز أن يجمع بينهما في الملك والاستخدام،
~~وكذلك لا بأس أن يجمع بين الأم والبنت في الملك، ولا يجمع بينهما في الوطء،
~~فمتى وطأ واحدة منهما، حرم عليه وطئ الأخرى، تحريم أبد، فأما الأختان فمتى
~~وطأ إحداهما حرم عليه وطء الأخرى تحريم جمع، إلى أن يخرج الموطوءة من ملكه،
~~فإن وطأ الأخرى بعد وطئه الأولى قبل إخراجها من ملكه، كان معاقبا مأثوما.
~~ولا يحرم عليه وطء الأولى، بل التحريم باق في الأخرى، كما كان قبل وطئه
~~لها.
# وقال بعض أصحابنا: إذا وطأ الأخرى بعد وطئه الأولى، حرمت عليه الأولى إلى
~~أن تخرج الأخيرة من ملكه، ولا وجه لهذا القول، لأنه لا دليل عليه من كتاب،
~~ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع منعقد، والأصل الإباحة، وقوله
# PageV02P636
# تعالى: " أو ما ملكت أيمانكم " (1) يعضد ذلك، ولا يرجع عن الأدلة بأخبار
~~الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا.
# ولا يجوز للإنسان أن يطأ جارية قد وطأها أبوه وطئا حلالا، ويجوز له أن
~~يملكها وإن وطأها أبوه، وحكم الابن في هذا حكم الأب سواء.
# وقد روي أن الأب إذا قبل جاريته بشهوة، أو نظر منها إلى ما يحرم إلى غير
~~مالكها النظر إليه من غير وطء، حرمت على ابنه، وكذلك الابن حكمه في هذا
~~سواء (2)، وهو الذي أورده شيخنا في نهايته (3).
# وقال شيخنا المفيد في مقنعته: إن جارية الأب بعد التقبيل بالشهوة، أو
~~النظر منها إلى ما يحرم إلى غير مالكها النظر إليه، قبل الوطء، يحرم على
~~ابنه، وليس كذلك جارية الابن عند هذه الحال (4).
# والفقيه سلار قال في رسالته: لا تحرم الجارية على كل واحد من الأب والابن
~~بالنظر بالشهوة، ولا بالتقبيل (5).
# والذي يقتضيه أصول مذهبنا، أن الجاريتين عند ms1006 هذه الحال غير محرمتين على
~~كل واحد من الأب والابن، إذا ملكها كل واحد منهما، أو وطأها وطئا شرعيا،
~~لقوله تعالى: " أو ما ملكت أيمانكم " (6) وهذه ملك يمين إذا صارت إليه،
~~وقال تعالى: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " (7) وهذه قد طابت، ولا دليل
~~يعدلنا عن هاتين الآيتين، من كتاب ولا سنة، مقطوع بها، ولا إجماع منعقد، بل
~~الخلاف بين أصحابنا ظاهر في ذلك، والأصل الإباحة، فمن ادعى الحظر، يحتاج
~~إلى دليل، ولا يرجع عن ظاهر الكتاب بأخبار الآحاد.
# PageV02P637
# وجميع المحرمات اللواتي قدمنا ذكرهن بالنسب والسبب في العقد، يحرم أيضا
~~وطؤهن بملك الأيمان.
# ولا يجوز للرجل وطء جاريته إذا كان قد زوجها من غيره، إلا بعد مفارقة
~~الزوج لها، وانقضاء عدتها إن كانت مدخولا بها.
# ولا يجوز له أن يطأ جارية له معه فيها شريك.
# وإذا زوج الرجل جاريته من غيره، فلا يجوز له النظر إليها متكشفة، ولا
~~متجردة من ثيابها، إلا بعد مفارقة الزوج لها، وانقضاء عدتها على ما قدمناه.
# ومن اشترى جارية كان لها زوج زوجها مولاها، لم يكن عليه الامتناع من
~~وطئها، إلا مدة استبراء رحمها، ما لم يرض بذلك العقد، فإن رضي به، لم يجز
~~له وطؤها إلا بعد مفارقة الزوج لها بالطلاق، أو الموت، وانقضاء عدتها.
# ولا بأس أن يشتري الرجل امرأة لها زوج من دار الحرب، وكذلك لا بأس أن
~~يشتري بنت الرجل أو ابنه إذا كانوا مستحقين للسبي، وكذلك لا بأس أن يشتريهم
~~وإن كان قد سباهم أهل الضلال، إن كانوا مستحقين للسبي.
# وإذا كان للرجل جارية، وأراد أن يعتقها، ويجعل عتقها مهرها، جاز له ذلك،
~~إلا أنه متى أراده ينبغي أن يقدم لفظ العقد على لفظ العتق، بأن يقول:
# تزوجتك وجعلت مهرك عتقك فإن قدم العتق على التزويج، بأن يقول:
# أعتقتك وتزوجتك وجعلت مهرك عتقك، مضى العتق، وكانت مخيرة بين الرضا
~~بالعقد، والامتناع من قبوله، فإن قبلته مضى، وكان لها عليه إذا دخل بها مهر
~~المثل، وهذا جميعه حكم شرعي، دليل صحة ms1007 انعقاد الإجماع من أصحابنا عليه،
~~وإلا فكيف يصح تزويج الإنسان نفسه جاريته قبل عتقها.
# فإن طلق التي جعل عتقها مهرها قبل الدخول بها، رجع نصفها رقا، واستسعيت
~~في ذلك النصف، فإن لم تسع فيه، كان له منها يوم ولها من نفسها يوم في
~~الخدمة، ويجوز أن تشترى من سهم الرقاب، هكذا أورده شيخنا في PageV02P638
# نهايته (1)، من طريق أخبار الآحاد، إيرادا لا اعتقادا.
# والذي يقتضيه أصول المذهب، أنه إذا طلقها قبل الدخول بها، يكون له عليها
~~نصف قيمتها وقت العقد عليها، لأن عندنا بلا خلاف بيننا أن المهر يستحق بنفس
~~العقد جميعه، وتملكه الزوجة، والمهر هاهنا نفسها، فقد ملكت نفسها جميعها،
~~وصارت حرة، فكيف يعود بعضها مملوكا، والحر لا يصير مملوكا، وإلى هذا يذهب
~~ابن البراج في المهذب (2).
# وقد روي أنه إن كان لها ولد له مال ألزم أن يؤدي عنها النصف الباقي (3)
~~ولا دليل على هذه الرواية من كتاب ولا سنة، ولا إجماع، والأصل براءة الذمة،
~~وإن كان قد أوردها شيخنا أبو جعفر في نهايته إيرادا لا اعتقادا.
# وقد روي أنه إذا جعل عتقها صداقها، ولم يكن أدى ثمنها، ثم مات، فإن كان
~~له مال يحيط بثمن رقبتها، أدي عنه، وكان العتق والنكاح ماضيين، وإن لم يترك
~~غيرها، كان العتق والنكاح فاسدين، وترجع الأمة إلى مولاها الأول، وإن كانت
~~قد علقت منه، كان حكم ولدها حكمها في كونه رقا (4).
# والذي يقتضيه أصول المذهب، ترك العمل بهذه الرواية، والعدول عنها، لأنها
~~مخالفة للأدلة القاهرة، لا يعضدها إجماع ولا كتاب ولا سنة، بل الكتاب مخالف
~~لها، والسنة تضادها، والإجماع ينافيها، لأن الحر لا يعود رقا، والعتق صحيح
~~بالإجماع، وكذلك النكاح، والولد انعقد حرا بالإجماع، فكيف يعود رقا.
# فإن قيل: البايع يعود في عين سلعته إذا مات المشتري، ولم يترك وفاء
~~للأثمان؟
# قلنا: إذا مات والسلع على ملكه، وهذه الأمة قد خرجت من ملكه بالعتق،
# PageV02P639
# كما لو باعها من آخر، ثم مات، فبالإجماع لا يرجع فيها البايع، ثم الولد
~~كيف يرجع فيه، وهو ms1008 نماء منفصل، وإنما البايع يرجع في عين السلعة، دون
~~نمائها المنفصل بلا خلاف، فلا يعدل عن الأدلة بأخبار الآحاد التي لا توجب
~~علما ولا عملا، وإنما أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته (1) إيرادا من
~~طريق أخبار الآحاد، دون العمل والاعتقاد.
# وإذا كان للرجل ولد كبير، وله جارية، لم يجز له وطؤها، إلا بإذن ولده في
~~نكاحها، أو العقد عليها، فإن عقد له عليها، أو أذن له في وطئها، وأتت بولد
~~من أبيه، فإنها لا تنعتق على مولاها، فإن كان الولد ذكرا، فهو ملك لأخيه،
~~لأن الإنسان إذا ملك أخاه، لا ينعتق عليه، وإن كان الولد أنثى، فإنها تنعتق
~~على أخيها الذي هو مولى أمها، لأن الإنسان إذا ملك من يحرم عليه وطؤها من
~~الأنساب، فإنه ينعتق عليه بلا خلاف، هذا إذا شرط مولى الجارية في حال العقد
~~على والده كون الولد رقا، فأما إذا لم يشترط على أبيه كون الولد رقا،
~~فالولد خر بلا خلاف بيننا.
# وإن كان مولى الجارية الذي هو الولد صغيرا، جاز لأبيه وطؤها بعد تقويمها
~~على نفسه، وشرائها من نفسه، ويكون ضامنا للثمن، ولا يجوز له وطؤها قبل ذلك.
# والمرأة الحرة إذا كان لها زوج مملوك، فورثته أو اشترته، أبطل ذلك العقد،
~~فإن أرادته، لم يكن لها ذلك، إلا بأن تعتقه، وتتزوج به.
# وإذا أذن الرجل لعبده في التزويج، فتزوج، وجب على السيد المهر إذا عقد
~~العبد على مهر المثل، وتجب عليه النفقة، أعني السيد بشرط التمكين للعبد من
~~الاستمتاع بها، فإن أبق العبد بعد ذلك لم يكن لها على مولاه نفقة، وقد بانت
~~من الزوج، وكان عليها العدة منه، فإن رجع العبد قبل خروجها من العدة، كان
# PageV02P640
# أملك برجعتها، وإن عاد بعد انقضاء عدتها، لم يكن له عليها سبيل، على ما
~~روي في بعض الأخبار (1) أورده شيخنا في نهايته (2) ولم يورده غيره، وقد
~~اعتذرنا له بما اعتذر لنفسه، فيما يورده في كتاب النهاية.
# والذي يقتضيه الأدلة، أن النفقة ثابتة على السيد، وأنها لا تبين ms1009 من
~~الزوج، والزوجية بينهما باقية، لأنها الأصل، والبينونة تحتاج إلى دليل
~~قاطع، من طلاق الزوج، أو موته، أو بيع سيده له، وفسخ المشتري، أو لعان، أو
~~ارتداد، وليس الإباق واحدا من ذلك.
# وإذا كان العبد بين شريكين، وأذن له أحدهما في التزويج، فتزوج ثم على
~~الآخر، كان مخيرا بين إمضاء العقد وبين فسخه.
# ولا بأس أن يطأ الرجل جاريته وفي البيت معه غيره، وكذلك لا بأس أن ينام
~~بين جاريتين، ويكره جميع ذلك في الحرائر من النساء.
# وقد روي أنه إذا اشترى الرجل جارية، ومضى عليها ستة أشهر لم تحض فيها،
~~ولم تكن حاملا، كان له ردها، لأنه عيب يوجب الرد (3) وإذا زوج الرجل أمته
~~من غيره، وسمى لها مهرا معينا، ثم باع المولى الجارية قبل الدخول بها، لم
~~يكن له المطالبة بشئ من المهر، لأن كل فسخ جاء من قبل النساء قبل الدخول
~~بهن، فإنه يبطل مهورهن، وهذا فسخ جاء من قبل مولى الجارية.
# وكذلك ليس لمن يشتريها أيضا المطالبة بالمهر، إلا أن يرضى بالعقد، فإن
~~رضي المشتري بالعقد، كان رضاه كالعقد المستأنف، وله حينئذ المطالبة بالمهر
~~كملا فإن طلقها الزوج قبل الدخول، استحق المشتري نصفه، وإن طلقها بعد
~~الدخول، واستحقه كله، فإن كان الزوج قد دخل بها قبل أن يبيعها مولاها
# PageV02P641
# الأول، فإن المهر للمولى الأول، يستحقه جميعه، لأن بالدخول يستقر جميع
~~المهر، وله المطالبة به، فإن رضي المولى الثاني الذي هو المشتري بالعقد
~~الأول، لم يكن له مهر على الزوج، لأن عقدا واحدا لا يستحق عليه مهران، وإن
~~لم يرض بالعقد الأول انفسخ النكاح، وكان للمولى الأول المطالبة بكمال
~~المهر، إن لم يكن استوفاه، ولا قبضه، فهذا تحرير هذه الفتيا.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا زوج الرجل أمته من غيره وسمى لها
~~مهرا معينا، وقدم الرجل من جملة المهر شيئا معينا، ثم باع الرجل الجارية،
~~لم يكن له المطالبة بباقي المهر، ولا لمن يشتريها، إلا أن يرضى بالعقد (1).
# وأطلق الكلام، ولم يفصله.
# وقال في مبسوطه: ms1010 وإذا زوج الرجل أمته، كان له بيعها، فإذا باعها، كان
~~بيعها طلاقها عندنا، وخالف الجميع في ذلك، وقالوا: العقد باق بحاله.
# ثم قال: فأما المهر، فإن كان الزوج قد دخل بها، فقد استقر المهر، فإن كان
~~السيد الأول قبضه، فذلك له، وإلا كان للثاني مطالبة الزوج به، وإن لم يكن
~~دخل بها، لم يجب على الزوج تسليم المهر، وإن كان الزوج قد أقبضه، استرده،
~~وإن لم يكن أقبضه، لم يكن عليه إقباضه.
# ثم قال: والمهر فلا يخلو من ثلاثة أحوال، إما أن يكون صحيحا أو فاسدا أو
~~مفوضة، فإن كان صحيحا وهو المسمى بالعقد، كان للسيد الأول، لأنه وجب في
~~ملكه، وإن كان فاسدا لزمه مهر المثل بالعقد، وكان للسيد الأول، لأنه وجب
~~بالعقد، وكانت حين العقد في ملكه، وأما المفوضة وهو أن يكون نكاح بلا مهر،
~~أو يقول زوجتكها على أن لا مهر لها، فالمهر لا يجب بالعقد، لكن السيد يفرض
~~مهرا، فإذا فرض لها المهر، فإن كان قبل البيع فهو للأول،
# PageV02P642
# لأنه وجب والملك له، فإن كان الفرض بعد البيع، قيل: فيه وجهان، أحدهما
~~إنه للثاني، والثاني إنه للأول.
# وهكذا إذا زوج أمته مفوضة، ثم أعتقها، ثم فرض المهر، فيه وجهان، أحدهما
~~لها والثاني كان لسيدها على ما قلناه، وعلى ما قدمناه، من أن بيعها طلاقها،
~~فالمهر إن كان قد قبضه الأول فهو له، فإن كان بعد الدخول فقد استقر، وإن
~~كان قبل الدخول فعليه أن يرد نصفه، وإن كان لم يقبضه، فلا مهر لها، لا
~~للأول ولا للثاني، فإن اختار المشتري إمضاء العقد، ولم يكن قد قبض الأول
~~المهر، كان للثاني، لأنه يحدث في ملكه، فإن دخل بها بعد الشراء، استقر له
~~الكل، وإن طلقها قبل الدخول، كان عليه نصف المهر للثاني، وإن كان الأول قد
~~قبض المهر، ورضي الثاني بالعقد، لم يكن له شئ، لأنه لا يكون مهران في عقد
~~واحد (1).
# هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر في مبسوطه، فأوردته هاهنا، ليوقف عليه،
~~ويتأمل، والذي حررناه ms1011 واخترناه، هو الذي تقتضيه أصول مذهبنا.
# وإذا زوج الرجل مملوكا له بامرأة حرة، كان المهر لازما في ذمة المولى،
~~فإن باع العبد قبل الدخول بها، وجب على المولى كمال المهر، وروي نصف المهر
~~(2) أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته (3).
# والذي يقتضيه أصول المذهب، وجوب المهر كملا على المولى، لأن عندنا يجب
~~المهر كملا بمجرد العقد، ويسقط نصفه بالطلاق قبل الدخول، وما عدا الطلاق
~~فلا يسقط منه شيئا، وهذا ما طلق، وحمل ذلك على الطلاق قياس،
# PageV02P643
# وأيضا حقوق الآدميين إذا وجبت، لا تسقط إلا بدليل، وأجمعنا على سقوط نصفه
~~بالطلاق، فأما غيره فلا إجماع عليه.
# وإذا زوج الرجل جاريته من رجل حر، ثم أعتقها، فإن مات زوجها ورثته،
~~ولزمتها عدة الحرة المتوفى عنها زوجها.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإن علق عتقها بموت زوجها، ثم مات الزوج،
~~لم يكن لها ميراث، وكان عليها عدة الحرة المتوفى عنها زوجها (1).
# قال محمد بن إدريس: هذه رواية شاذة، أوردها إيرادا، لا اعتقادا.
# والذي يقتضيه أصول مذهبنا، أن العتق باطل، لأن العتق بشرط، بإجماعنا غير
~~صحيح، وليس هذا تدبيرا، لأن حقيقة التدبير تعليق عتق المملوك بموت سيده،
~~دون موت غيره، لأنه بغير خلاف عندنا بمنزلة الوصية، وإلا ما كان يصح ذلك
~~أيضا لولا الإجماع المنعقد عليه، فإذا لم ينعتق، كان يلزمه على مذهبه أن
~~تكون عدتها شهرين وخمسة أيام، على ما ذهب إليه في نهايته، والأظهر أن عدة
~~الأمة المتوفى عنها زوجها، عدة الحرة سواء، على ما سنبينه فيما بعد إن شاء
~~الله.
# وقال أيضا في نهايته: فإن أعتق الرجل أم ولده، فارتدت بعد ذلك، وتزوجت
~~رجلا ذميا، ورزقت منه أولادا، كان أولادها من الذمي رقا للذي أعتقها، فإن
~~لم يكن حيا، كانوا رقا لأولاده، ويعرض عليها الإسلام، فإن رجعت، وإلا وجب
~~عليها ما يجب على المرتدة عن الإسلام (2).
# قال محمد بن إدريس: الذي يقتضي مذهبنا، أن أولادها لا يكونون رقا، لأنه
~~لا دليل على ذلك من كتاب، أو سنة، أو إجماع، بل ms1012 الإجماع بخلافه، لأن ولد
~~الحرين حر بلا خلاف، وإنما هذه رواية شاذة، أوردها شيخنا إيرادا لا
~~اعتقادا، كما أورد أمثالها مما لا يعمل عليه، ولا يلتفت إليه.
# PageV02P644
# وإذا كان لرجل جارية ورزق منها ولدا، لم يجز له بيعها ما دام الولد
~~باقيا، فإن مات الولد جاز له بيعها، ويجوز بيعها مع وجود الولد في ثمن
~~رقبتها، إذا لم يكن مع المولى غيرها، وكان ثمنها بعينه دينا عليه، فحينئذ
~~يجوز بيعها عند أصحابنا، ودليل ذلك إجماعهم عليه، وأيضا الأصل الملكية، فمن
~~أخرجها من الملك، يحتاج إلى دليل، وأيضا لا خلاف أن ديتها، لو قتلت دية
~~المماليك، وهي قيمتها ما لم تتجاوز دية الحرائر، وأيضا لا خلاف في جواز
~~وطئها للسيد، والوطء لا يحل إلا بعقد أو بملك يمين، فإن كان ولدها أعتقها،
~~فلا يحل لمولاها وطؤها إلا بعقد، والإجماع حاصل منعقد على أنه يحل له وطؤها
~~من غير عقد، وأيضا يصح كتابتها بإجماع المسلمين، وجميع أحكامها أحكام
~~المماليك.
# وذهب السيد المرتضى من أصحابنا، في كتابه الإنتصار، فقال: مسألة، ومما
~~انفردت به الإمامية، القول بجواز بيع أمهات الأولاد بعد وفاة أولادهن، ولا
~~يجوز بيع أم الولد وولدها حي، وهذا هو موضع الانفراد (1)، هذا آخر كلام
~~المرتضى رضي الله عنه.
# فإن مات الرجل ولم يخلف غيرها، وكان ثمن رقبتها دينا على مولاها، بيعت
~~وقضي بثمنها دينه، فإن كان له مال غيرها قضى الدين به، وجعلت في نصيب
~~ولدها، وتنعتق.
# ولا يجوز للرجل أن يتزوج بمكاتبة غيره قبل أن يقضي مكاتبتها، سواء كانت
~~المكاتبة مطلقة أو مشروطة، لأنها لم تخلص للحرية، وحق السيد متعلق بها،
~~والفرج لا يتبعض، فالمشروطة جميعها رق، والمطلقة لم يتحرر جميعها بل يتحرر
~~منها بمقدار ما أدت فحسب.
# باب أحكام الولادة والعقيقة والسنة فيهما وحكم الرضاع إذا حضر المرأة
~~الولادة، فليتول أمرها النساء، ولا يقربها أحد من الرجال
# PageV02P645
# إلا عند عدم النساء، فذوات المحارم (1) منها من الرجال.
# وإذا ولد المولود يستحب أن يغسل بالماء، ويؤذن في أذنه الأيمن، ويقام في ms1013
~~أذنه الأيسر، ويحنك بالماء الفرات المتشعب من أنهار شتى إن وجد، فإن لم
~~يوجد فبماء عذب، فإن لم يوجد الإماء ملح مرس فيه شئ من العسل، أو التمر، ثم
~~يحنك به، ويستحب أن يحنك بتربة الحسين عليه السلام.
# ومن حق الولد على والده، أن يحسن اسمه، ويستحب من الأسماء أسماء الأنبياء
~~والأئمة عليهم السلام وأفضلها اسم نبينا والأئمة من ذريته عليهم السلام،
~~وبعد ذلك العبودية لله تعالى، دون خلقه.
# ولا بأس أن يكني الرجل ابنه في حال صغره، ولا يكنه أبا القاسم إذا كان
~~اسمه محمدا، لأن هذه الكنية مخصوصة بالنبي والقائم ابن الحسن عليهما
~~السلام.
# وروي أنه يكره أن يسمي الرجل ابنه حكما، أو حكيما، أو خالدا، أو مالكا،
~~أو حارثا (2).
# وإذا كان يوم السابع يستحب للإنسان أن يعق عن ولده بكبش، إن كان ذكرا، أو
~~نعجة إن كان أنثى.
# والعقيقة سنة مؤكدة، لا يتركها مع الاختيار، فهي شديدة الاستحباب.
# وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أنها على الإيجاب، وهو اختيار السيد المرتضى.
# والمذهب الأول، لأن الأصل براءة الذمة، ولا إجماع على ذلك.
# فإن لم يعق الوالد عن ولده، ثم أدرك، استحب له أن يعق عن نفسه، ولا يقوم
~~في الاستحباب مقام العقيقة، الصدقة بثمنها.
# وإذا لم يتمكن من العقيقة يوم السابع، استحب له قضاؤها إذا تمكن منها.
# ويستحب أيضا أن يحلق رأس الصبي يوم السابع، ويتصدق بوزن شعره
# PageV02P646
# ذهبا أو فضة، ويكون ذلك مع العقيقة في موضع واحد.
# وكل ما يجزي في الأضحية فهو جائز في العقيقة، إلا أن الأفضل ما قدمناه،
~~أن يعق عن الذكر بالذكر، وعن الأنثى بالأنثى، فإن لم يوجد ووجد حمل كبير
~~جاز ذلك أيضا.
# وإذا ذبح العقيقة فيستحب أن يعطي القابلة ربعها الذي يلي الورك بالفخذ،
~~فإن لم يكن له قابلة، أعطي أمه ذلك تتصدق به، ولا تأكل منه، وإن كانت
~~القابلة ذمية أعطيت ثمن الربع، وإن كانت القابلة أم الوالد أو من هو في
~~عياله، لم تعط من العقيقة شيئا.
# ويستحب أن يطبخ ms1014 اللحم، ويدعي عليه جماعة من المؤمنين أقلهم عشرة أنفس،
~~ويكره أن يكونوا كلهم أغنياء، وكلما كثر عددهم كان أفضل، فإن لم يطبخ اللحم
~~وفرق على الفقراء كان أيضا جائزا، إلا أن الأول أفضل، لأنه السنة المؤكدة.
# ويكره للوالدين أن يأكلا من العقيقة كراهية شديدة، دون أن يكون ذلك
~~محظورا، وقال ابن بابويه من أصحابنا: إن أكلت الأم منها فلا ترضعه.
# وقال شيخنا في نهايته: ولا يجوز للوالدين أن يأكلا من العقيقة البتة (1).
# وذلك منه " رضي الله عنه " على طريق تأكيد الكراهة، لأن الشئ إذا كان
~~شديد الكراهة قيل: لا يجوز.
# ولا ينبغي أن يكسر العظم فيها، بل يفصل الأعضاء تفألا بالسلامة.
# ويستحب أن يختن الصبي يوم السابع، ولا يؤخره، فإن أخر لم يكن فيه حرج إلى
~~وقت بلوغه، فإذا بلغ وجب عندنا ختانه، ولا يجوز تركه على حال.
# وأما خفض الجواري فإن فعل كان فيه فضل، وإن لم يفعل لم يكن بذلك بأس.
# ومتى أسلم الرجل وهو غير مختتن، ختن وإن كان شيخا كبيرا.
# PageV02P647
# وإذا مات الصبي يوم السابع، فإن مات قبل الظهر لم يعق عنه، وإن مات بعد
~~الظهر استحب أن يعق عنه.
# وقد روي كراهة أن يترك للصبيان القنازع (1)، وهو أن يحلق موضع من رأسه،
~~ويترك موضع.
# ولا بأس أن يحلق الرأس كله للرجال، بل ذلك مستحب، وكذلك إزالة الشعر من
~~جميع البدن على ما روي في الأخبار (2)، وروي أن ذلك مكروه للشباب (3)، أورد
~~ذلك الصفواني في كتابه، فقال: وقد روي أن حلق الرأس مثله بالشباب، ووقار
~~بالشيخ.
# وإذا ولد الصبي فمن السنة أن يرضع حولين كاملين، لا أقل منهما ولا أكثر،
~~فإن نقص عن الحولين مدة ثلاثة أشهر لم يكن به بأس، فإن نقص عن ذلك لم يجز،
~~وكان جورا على الصبي، وفقه ذلك، أن أقل الحمل عندنا ستة أشهر، وأكثره على
~~الصحيح من المذهب تسعة أشهر، قال الله تعالى: " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا "
~~(4).
# ولا بأس أن يزاد على الحولين في الرضاع، إلا أنه لا يكون أكثر ms1015 من شهرين،
~~على ما روي (5).
# ولا يستحق المرضعة الأجر على ما يزيد على الحولين في الرضاع.
# وأفضل الألبان التي ترضع بها الصبي لبان الأم، اللبان بالكسر كالرضاع،
~~يقال: هو أخوه بلبان أمه، قال ابن السكيت: ولا يقال بلبن أمه، إنما اللبن
~~الذي يشرب من ناقة أو شاة أو بقرة، واللبان بالفتح ما جرى عليه اللبب من
~~صدر الفرس، واللبان بالضم الكندر.
# PageV02P648
# فإن كانت أمه حرة واختارت رضاعه، كان لها ذلك، وإن لم تختر فلا تجبر على
~~رضاع ولدها، فإن طلبت الأجر على رضاعه وكانت في حبال أبيه غير مطلقة منه
~~طلاقا لا رجعة فيه، فلا تستحق أجرا، ولا ينعقد بينها وبين زوجها عقد إجارة،
~~لأن منافعها في كل وقت مستحقة للزوج بعقد النكاح، فيما يرجع إلى أحكام
~~الوطء وتوابعه، على ما قدمناه في باب الإجارة (1) وحررناه، وإن كانت مطلقة
~~طلاقا لا يملك الزوج الرجعة فيه، فلها أن تعقد على نفسها لرضاع ولدها،
~~وسيجئ بيان ذلك.
# وقد روي (2) أنه إن كانت أمه جارية، جاز أن تجبر على رضاعه.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإن طلبت الحرة أجر الرضاع، كان لها ذلك
~~على أب الولد، فإن كان أبوه مات، كان أجرها من مال الصبي (3).
# وأطلق ذلك إطلاقا.
# وقال في مسائل خلافه، في الجزء الثالث في كتاب الرضاع: مسألة، ليس للرجل
~~أن يجبر زوجته على الرضاع لولدها، شريفة كانت أو مشروفة، موسرة أو معسرة،
~~دنية أو نبيلة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك: له إجبارها إذا
~~كانت معسرة دنية، وليس له ذلك إذا كانت شريفة موسرة، وقال أبو ثور:
# له إجبارها عليه على كل حال، لقوله تعالى: " والوالدات يرضعن أولادهن
~~حولين كاملين " (4) وهذا خبر معناه الأمر، فإذا ثبت وجوبه عليها، ثبت أنه
~~يملك إجبارها، لأنه إجبار على واجب، دليلنا أن الأصل براءة الذمة، والإجبار
~~يحتاج إلى دليل، والآية محمولة على الاستحباب، وعليه إجماع الفرقة،
~~وأخبارهم، تشهد بذلك.
# PageV02P649
# ثم قال بعد هذه المسألة: مسألة، الباين إذا كان لها ولد يرضع، ووجد الزوج ms1016
~~من يرضعه تطوعا، وقالت الأم: أريد أجرة المثل، كان له نقل الولد عنها، وبه
~~قال أبو حنيفة وقوم من أصحاب الشافعي، ومن أصحابه من قال: المسألة على
~~قولين أحدهما مثل ما قلناه، والثاني ليس له نقله عنها، ويلزمه أجرة المثل،
~~وهو اختيار أبي حامد، دليلنا قوله تعالى: " وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى "
~~(1) وهذه إذا طلبت الأجرة وغيرها يتطوع، فقد تعاسرا، واستدل أبو حامد بقوله
~~تعالى: " فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن " (2) فأوجب لها الأجرة إذا أرضعته،
~~ولم يفصل، وهذا ليس بصحيح، لأن الآية تفيد لزوم الأجرة إن أرضعته، وذلك لا
~~خلاف فيه، وإنما الكلام في أنه يجب دفع المولود إليها ليرضع أم لا؟ وليس
~~كذلك في الآية (3) هذا آخر كلامه رضي الله عنه.
# ففصل القول في مسائل خلافه، وذكر الباين وغير الباين.
# قال محمد بن إدريس: ما تمسك به أبو حامد قوي وبه أفتي، وعليه أعمل لقوله
~~تعالى: " فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن " فأوجب لها الأجرة إذا أرضعته، ولم
~~يفصل بين من هي في حباله أو بائن عنه، وهو الظاهر من أقوال أصحابنا، أعني
~~استحقاقها الأجرة، وصحة العقد عليها للرضاع، سواء كانت بائنا عنه، أو في
~~حبال زوجها، إلا أنه لا يجبرها على الرضاع، وهذا اختيار السيد المرتضى، وما
~~ذكرناه أولا مذهب شيخنا أبي جعفر في مبسوطه (4)، والذي اخترناه مذهبه في
~~نهايته (5)، وهو المنصوص عن الأئمة الأطهار (6).
# PageV02P650
# ومتى وجد الرجل من يرضع ولده بأجرة مخصوصة، ورضيت الأم بذلك، كانت هي
~~أولى به من غيرها، فإن طلبت أكثر من ذلك انتزعه منها.
# وإذا بانت المرأة من الرجل، ولها ولد منه، فإن كان ذكرا، فالأم أولى
~~بحضانته من الأب، وأحق به مدة حولين، فإذا زاد على الحولين، فالوالد أحق به
~~منها، فإن كان الولد أنثى فالأم أحق بها إلى سبع سنين، ما لم تتزوج الأم،
~~فإن تزوجت سقط حقها من حضانة الذكر والأنثى، فإن طلقها من تزوج بها طلاقا
~~رجعيا، لم يعد حقها من الحضانة، وإن كان بائنا فالأولى أنه لا يعود، لأن ms1017
~~عوده يحتاج إلى دليل.
# وقال بعض أصحابنا: يعود حقها من الحضانة، واحتج بأن الرسول عليه السلام
~~علق حقها بالتزويج (1)، فإذا زال التزوج فالحق باق على ما كان.
# وهذا ليس بمعتمد، لأن الرسول عليه السلام لما سألته المرأة عن الولد، وإن
~~أباه طلقني، وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها، رسول الله صلى الله عليه وسلم:
# أنت أحق به ما لم تنكحي (2).
# وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: الأم أحق بحضانة ابنها ما لم
~~تتزوج (3)، فجعل عليه السلام غاية الاستحقاق للحضانة التي يستحقها الأم
~~تزويجها، وهذه قد تزوجت، فخرج الحق منها، ويحتاج في عوده إليها إلى شرع.
# ولا خلاف أيضا في أن المعتدة عدة رجعية لها السكنى على الزوج، ولا يحل له
~~إخراجها من المنزل، إلا أن تأتي بفاحشة مبينة، فإذا أتت بها أخرجها، فإذا
~~أقيم عليها الحد، لا يعود حقها من السكنى بلا خلاف.
# وكذلك إذا آذت أهل الزوج، فله إخراجها، فإذا تركت أذاهم لا يعود حقها
~~إليها من السكنى بلا خلاف.
# PageV02P651
# والحضانة غير الرضاع، لأن الأم إذا لم ترض في أجرة الرضاع بما يرضاه
~~الغير، انتزعه الأب منها مع ثبوت الحضانة لها في هذه الحال، فإذا أرضعته
~~الأجنبية التي رضيت بدون ما رضيت به أمه، كان للأم حضانته، ثم إذا احتاج
~~إلى اللبن ترضعه المرضعة، ثم تأخذه الأم بحق الحضانة، إذا روي من اللبن، ثم
~~هكذا، فليلحظ ذلك.
# وإن كان الوالد قد مات كانت الأم أحق بحضانته من الوصي، إلى أن يبلغ،
~~ذكرا كان أو أنثى، تزوجت أو لم تتزوج، لقوله تعالى: " وأولوا الأرحام بعضهم
~~أولى ببعض في كتاب الله (1) ولا خلاف أن الأم أقرب إليه بعد الأب من كل
~~أحد.
# فإن كان الأب مملوكا والأم حرة كانت هي أحق بولدها من الأب، وإن تزوجت،
~~إلى أن يعتق الأب، فإذا أعتق كان أحق به منها، على الاعتبار الذي قدمناه.
# وينبغي إذا أراد الإنسان أن يسترضع لولده، فلا يسترضع إلا امرأة عاقلة
~~مسلمة عفيفة وضيئة الوجه، فإنه روي أن ms1018 اللبن يعدي (2)، ولا يسترضع كافرة مع
~~الاختيار، فإن اضطر إليها فليسترضع يهودية أو نصرانية، ويمنعها من شرب
~~الخمر وأكل لحم الخنزير، وتكون معه في منزله، ولا يسلم الولد إليها لتحمله
~~إلى منزلها.
# ولا يسترضع من ولد من الزنا مع الاختيار أيضا.
# ولا بأس باسترضاع الإماء، وقد روي أنه إذا كانت له أمة، قد ولدت، وكانت
~~ولدت من الزنا، واحتاج إلى لبنها، فليجعلها في حل من فعلها، ليطيب بذلك
~~لبنها (3).
# وإذا سلم الرجل ولده إلى ظئر، ثم جاءت به بعد أن فطمته، فأنكره الرجل،
~~وقال: هذا ليس بولدي، لم يكن له ذلك، لأن الظئر مأمونة.
# ومتى تسلمت الظئر الولد، وسلمته إلى ظئر أخرى، كانت ضامنة إلى أن
# PageV02P652
# تجئ به، فإن لم تجئ به، كان عليها الدية.
# وقال شيخنا المفيد في مقنعته: الأم أحق بالولد الذكر مدة الحولين،
~~وبالأنثى مدة تسع سنين (1).
# وقال شيخنا في نهايته: سبع سنين في الأنثى (2).
# وقال في مسائل خلافه: مسألة، إذا بانت المرأة من الرجل، ولها ولد منه،
~~فإن كان طفلا لا يميز، فهي أحق به بلا خلاف، وإن كان طفلا يميز، وهو إذا
~~بلغ سبع سنين، أو ثمان سنين فما فوقها إلى حد البلوغ، فإن كان ذكرا فالأب
~~أحق به، وإن كان أنثى فالأم أحق بها ما لم تتزوج، فإن تزوجت فالأب أحق بها،
~~ثم قال: دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم (3) هذا آخر كلامه رضي الله عنه.
# قال محمد بن إدريس: ما ذكره شيخنا في مسائل خلافه، بعضه قول بعض
~~المخالفين، وما اخترناه هو الصحيح، لأنه لا خلاف أن الأب أحق بالولد في
~~جميع الأحوال، وهو الوالي عليه والقيم بأموره، فأخرجنا بالإجماع الحولين في
~~الذكر، وفي الأنثى السبع، فمن ادعى أكثر من ذلك يحتاج فيه إلى دليل قاطع،
~~وهو مذهب شيخنا في نهايته، والعجب قوله في آخر المسألة: دليلنا إجماع
~~الفرقة وأخبارهم، وهذا مما يضحك الثكلى، من أجمع منهم معه؟ وأي أخبار لهم
~~في ذلك؟ بل أخبارنا بخلافه واردة، وإجماعنا بضد ما قاله رحمه الله.
# قال بعض ms1019 أصحابنا: الأخت من الأب أولى بالحضانة من الأخت للأم، ثم استدل
~~بآية الميراث، لأن لها النصف، ولهذه السدس، فكانت أولى لقوله تعالى:
# " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض " (4).
# وهذا ليس بمعتمد، لأنهما جميع مسميتان، كل واحدة بنفسها تتقرب إليه.
# PageV02P653
# والجدات أولى بالولد وبحضانته من الأخوات، وأم الأب أولى من الخالة
~~بحضانة الولد، ولأب الأم وأم أب الأم حضانة، إذا لم يكن أم وهناك أم أم أو
~~جدة أم أم، وهناك أب، فالأب أولى، وقال الشافعي: أم الأم وجداتها أولى من
~~الأب وإن علون، دليلنا قوله تعالى: " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض "
~~فالأب أقرب بلا شك، لأنه يدلي بنفسه، وكذلك إذا كان مع الأب أخت من أم، أو
~~خالة، أسقطهما، والعمة والخالة إذا اجتمعتا تساويتا بلا خلاف، وإن كانت
~~العمة أكثر من الخالة في الميراث، وهذا دليل على بطلان القول بأن الأخت
~~للأب أولى بالحضانة من الأخت للأم، بالاعتبار الذي اعتبره.
# وإذا اجتمع أم أب وجد تساويا في الحضانة.
# وأخت لأب وجد منهما متساويان أيضا.
# ولا حضانة لأحد من العصبة مع الأم، لقوله تعالى: " وأولوا الأرحام بعضهم
~~أولى ببعض " والأم أقرب من العصبة، هكذا أورده شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه
~~الله في مسائل خلافه، وهو من تخريجات المخالفين، ومعظمه قول الشافعي،
~~وبناؤهم على القول بالعصبة، وذلك عندنا باطل.
# ولا حضانة عندنا إلا للأم نفسها، وللأب، فأما غيرهما فليس لأحد ولاية
~~عليه، سوى الجد من قبل الأب خاصة.
# وإذا مرض المملوك مرضا يرجى زواله، فعلى مالكه نفقته بلا خلاف، فأما إذا
~~زمن زمانة مقعدة، أو عمي، أو جذم فعند أصحابنا أنه يصير حرا، وينعتق على
~~مولاه من غير اختياره، فحينئذ لا يلزم المولى نفقته، لأنه ليس بعبده.
# وقد بينا فيما مضى أن بمجرد عقد النكاح يجب المهر المسمى، فأما النفقة
~~فإنما تجب يوما بيوم في مقابلة التمكين من الاستمتاع، فإذا ثبت ما قلناه،
~~فإن استوفت نفقة هذا اليوم فلا كلام، وإن لم تستوف استقرت في ذمته، وعلى
~~هذا أبدا، هذا إذا كانت ممكنة ms1020 من الاستمتاع. PageV02P654
# وإذا أسلف زوجته نفقة شهر، ثم مات، أو طلقها باينا، فلها نفقة يومها،
~~وعليها رد ما زاد على اليوم.
# نفقة الزوجات عندنا غير مقدرة بلا خلاف، إلا من شيخنا أبي جعفر في مسائل
~~خلافه (1)، فإنه ذهب إلى أنها مقدرة، ومبلغها مد، وقدره رطلان وربع، ثم
~~استدل رحمه الله بإجماع الفرقة وأخبارهم، وهذا عجيب منه رضي الله عنه،
~~والسبر بيننا وبينه، فإن أخبارنا لم يرد منها خبر بتقدير نفقة، وأما
~~أصحابنا المصنفون فما يوجد لأحد منهم في تصنيف له تقدير النفقة، إلا من
~~قلده وتابعه أخيرا، والدليل على أصل المسألة قوله تعالى: " وعاشروهن
~~بالمعروف " (2) أي بما يتعارف الناس، وأيضا الأصل براءة الذمة من التقدير،
~~فمن ادعى شيئا بعينه فإنه يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة
~~ولا إجماع، والأصل براءة الذمة.
# وإذا كان الزوج كبيرا والمرأة صغيرة لا تجامع مثلها، لا نفقة لها، وكذلك
~~إذا كانت الزوجة كبيرة والزوج صغيرا لا نفقة لها، وإن بذلت التمكين من
~~الاستمتاع، هكذا أورده شيخنا في مسائل خلافه (3).
# والأولى عندي أن على الكبير النفقة لزوجته الصغيرة، لعموم وحوب النفقة
~~على الزوجة، ودخوله مع العلم بحالها، وهذه ليست ناشزة، والإجماع منعقد على
~~وجوب نفقة الزوجات، فليتأمل ذلك.
# وإذا كانا صغيرين لا نفقة لها.
# وإذا أحرمت بغير إذن الزوج، فإن كان في حجة الإسلام لم يسقط نفقتها عنه،
~~وإن كانت الحجة تطوعا سقطت.
# وكذلك إذا نشزت المرأة سقطت نفقتها.
# وإذا اختلف الزوجان بعد أن سلمت نفسها إليه في قبض المهر أو النفقة،
# PageV02P655
# فالقول قولها مع يمينها، لأنها المنكرة والزوج المدعي، فيحتاج إلى بينة،
~~لقوله عليه السلام: " على المدعي البينة، وعلى الجاحد اليمين " (1).
# وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه في الجزء الثالث من كتاب النفقات:
~~مسألة، إذا اختلف الزوجان بعد أن سلمت نفسها إليه في قبض المهر أو النفقة،
~~فالذي رواه أصحابنا أن القول قول الزوج، وعليها البينة، إلا أنه رجع عن هذا
~~في الجزء الثاني في كتاب الصداق، وقال: إذا اختلفا ms1021 في قبض المهر، فإن على
~~الزوج البينة، وعلى المرأة اليمين (2).
# وهذا هو الصحيح الحق اليقين.
# إذا ارتدت الزوجة سقطت النفقة، ووقف النكاح على انقضاء العدة، فإن عادت
~~في زمان العدة، وجبت نفقتها في المستأنف، ولا يجب لها شئ لما فات في الزمان
~~الذي كانت مرتدة فيه.
# وإذا أعسر الزوج، ولم يقدر على النفقة على زوجته لم تملك الفسخ عليه،
~~وعليها الصبر إلى أن أيسر.
# المطلقة الباين لا نفقة لها في عدتها، فإن كانت حاملا فلها النفقة بلا
~~خلاف، لقوله تعالى: " وإن كن ولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن " (3)
~~والأمر يقتضي الفور.
# ويجب على الوالد نفقة الولد إن كان موسرا، وإن لم يكن أو كان وهو معسر،
~~فعلى جده، فإن لم يكن أو كان وهو معسر، فعلى أب الجد، وعلى هذا أبدا.
# وإذا لم يكن أب ولا جد، أو كانا وهما معسران، فنفقته على أمه.
# وإذا اجتمع جد أبو أب وإن علا وأم، كانت نفقته على الجد دون الأم، لأن
~~الجد يتناوله اسم الأب، والأب أولى بالنفقة على ولده من الأم بالاتفاق.
# PageV02P656
# وإذا اجتمع أم الأم وأم الأب، أو أبو أم وأم أب، فيهما سواء، لأنهما
~~تساويا في الدرجة.
# تجب النفقة على الأب والجد معا.
# وكذلك يجب على الإنسان أن ينفق على أمه، وأمهاتها، وإن علون.
# إذا كان أبواه معسرين، وليس يفضل عن كفايته إلا نفقة أحدهما، كان بينهما
~~بالسوية، وكذلك إذا كان له أب وابن، ومعه ما يفضل لنفقة أحدهما، قسم بينهما
~~بالسوية، لأنهما متساويان في النسب الموجب للنفقة، وتقديم أحدهما على صاحبه
~~يحتاج إلى دليل.
# إذا كان له أب وأبواب معسران، أو ابن وابن ابن معسران، ومعه ما يكفي
~~لنفقة أحدهما، أنفق على الأب دون الجد، وعلى الابن دون ابن الابن، لقوله
~~تعالى: " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ".
# إذا كان الرجل معسرا، وله أب وابن موسران، كانت نفقته عليهما بالسوية.
# باب إلحاق الأولاد بالآباء وأحكامهم وما في ذلك إذا ولدت امرأة الرجل
~~ولدا على فراشه، ومعنى ذلك أن ms1022 تلد منذ دخل بها بعد مضي ستة أشهر فصاعدا،
~~لزمه الإقرار به، فإن اختلفا في الولادة، فالقول قوله، لأنها يمكن أن تقيم
~~عليه البينة على الولادة (1)، فإن اتفقا على الولادة واختلفا في النسب،
~~فالقول قولها، ويلحق به الولد، ولا يجوز له نفيه، فإن نفاه فيحتاج إلى
~~اللعان، فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر حيا سليما، فيجب عليه نفيه، لأنه ليس
~~بولد له، وكذلك إن جاءت بولد لأكثر من تسعة أشهر، كان له نفيه، إلا أنه متى
~~نفاه ورافعته المرأة إلى الحاكم بعد دخوله بها، كان عليه
# PageV02P657
# ملاعنتها إذا جاءت به لأكثر من مدة الحمل، فأما إن جاءت به لأقل من ستة
~~أشهر منذ يوم العقد والدخول، فلا يجب عليه ملاعنتها، لأن هذا الولد مقطوع
~~محكوم من جهة الشارع أنه ليس بابن له.
# ومتى أقر الرجل بولد وقبله، ثم نفاه بعد ذلك، لم يقبل نفيه، وألزم الولد.
# ومتى طلق امرأته أو باع جاريته، فتزوجت المرأة ووطئت الجارية،، ثم أتت
~~بولد لأقل من ستة أشهر فإن كان منذ وطء الثاني، كان لاحقا بالأول، وإن كان
~~الولد لستة أشهر فصاعدا، كان لاحقا ممن عنده المرأة والجارية.
# ومتى كان للرجل جارية، فوطأها ثم باعها من آخر، فوطأها أيضا قبل أن
~~يستبرئها (1)، كل ذلك في طهر واحد ثم جاءت بولد كان لاحقا بالأخير الذي
~~عنده الجارية.
# وإذا كانت الجارية بين شريكين، أو أكثر منهما، فوطأها جميعا في ظهر واحد،
~~وجاءت بولد، أقرع بينهما الحاكم، فمن خرج اسمه، ألحق الولد به وغرم نصف
~~ثمنه للشريك الآخر، وكذلك يغرم ما يخصه من الأم الجارية.
# ومتى وطأ امرأته أو جاريته، وكان يعزل عنهما، وكان الوطء في القبل، وجاءت
~~المرأة بولد، وجب عليه الإقرار به، ولا يجوز له نفيه، لمكان العزل، فإن
~~نفاه كان عليه اللعان. فأما جاريته إذا نفاه، فالقول قوله من غير لعان.
# وحكم ما يولد له من النكاح المؤجل حكم الجارية السرية، في أنه إذا عزل
~~عنها وكان يطأها في قبلها وجاءت بولد، يجب عليه ms1023 إلحاقه والإقرار به، ولا
~~يجوز له غير ذلك، ولا يحل له سواه، فإن نفاه أثم وكان معاقبا، ولا يجب عليه
~~اللعان كما يجب في نفي أولاد النكاح الدائم، فهذا فرق ما بين النكاحين،
~~فليلحظ ذلك.
# وإذا كان للرجل امرأة لم يدخل بها، أو يكون قد دخل بها غير أنه يكون قد
~~غاب عنها غيبة تزيد على زمان الحمل، وجاءت امرأته أو جاريته بولد، لم يكن
# PageV02P658
# ذلك ولدا له، ووجب عليه نفيه عن نفسه.
# وإذا نعي الرجل إلى امرأته، أو خبرت بطلاق زوجها لها، فاعتدت وتزوجت
~~ورزقت أولادا، ثم جاء زوجها الأول المنعى، أو الزوج المطلق، وأنكر الطلاق،
~~وعلم أن شهادة من شهد بالطلاق كانت شهادة غير مقبولة، بأن يكونوا فساقا وقت
~~التحمل أو وقت الأداء، أو يعلم كذبهم بأن تقوم البينة بذلك عليهم بالكذب،
~~لا بإقرارهم على أنفسهم بالكذب، فرق بينها وبين الزوج الأخير، ثم تعتد منه،
~~وترجع إلى الأول بالعقد الأول، ولا نفقة على الزوج الأخير في هذه العدة،
~~لأنها لغيره، بل على الأول، لأنها زوجته، ويكون الأولاد للزوج الأخير دون
~~الأول.
# فأما إن أكذب شهود الطلاق أنفسهم، عزروا، ولا ينقض الحاكم حكمه، ولا تعود
~~الزوجة إلى زوجها الأول، على ما شرحناه وحررناه في باب شهادات الزور (1)،
~~فلينظر من هناك، ويحقق، فليس بين المسألتين تضاد ولا تناف، لأنه إذا أكذب
~~الشهود أنفسهم، وأقروا على أنفسهم بالكذب في شهادتهم، لا يرد الحكم المشهود
~~به، بل يرجع عليهم بدرك ما شهدوا به.
# فأما إذا بان أنهم كذبة من غير إقرارهم، فإن الحاكم يرد الحكم المشهود به
~~بغير خلاف، فليلحظ الفرق بين الأمرين، فإنه غامض على غير المتأمل المحصل،
~~والله الموفق للصواب.
# ومتى كان للرجل امرأة فوطأها، ووطأها بعده غيره فجورا بلا فصل، كان الولد
~~أيضا لاحقا به، ولم يجز له نفيه، لقوله عليه السلام: " الولد للفراش
~~وللعاهر الحجر " (2) فإن نفاه لاعن أمه.
# PageV02P659
# وإن كانت له جارية فوطأها ووطأها غيره بعده فجورا، كان الولد أيضا لاحقا
~~به، لم يجز له نفيه إذا ms1024 اشتبه عليه الأمر، فإن نفاه لا يجب عليه اللعان.
# وقد روي (1) أنه إذ اشترى الرجل جارية حبلى، فوطأها قبل أن يمضي لها
~~أربعة أشهر وعشرة أيام، فلا يبيع ذلك الولد، لأنه غذاه بنطفته، وكان عليه
~~أن يعزل له من ماله شيئا، ويعتقه، وإن كان وطؤه لها بعد انقضاء الأربعة
~~الأشهر والعشرة الأيام، جاز له بيع الولد على كل حال، وكذلك إن كان الوطء
~~قبل انقضاء الأربعة الأشهر والعشرة الأيام، غير أنه يكون قد عزل عنها، جاز
~~له بيع ولدها على كل حال، ذكر ذلك أبو جعفر في نهايته، وأورده (2) والذي
~~يقتضيه أصول مذهبنا، أن له بيعه على كل حال، لأنه ليس بولد له بغير خلاف،
~~وهذه الرواية لا يلتفت إليها، ولا يعرج عليها، ولا يترك لها الأدلة
~~القاهرة، والبراهين الظاهرة، لأنا قد بينا أن أخبار الآحاد لا توجب علما
~~ولا عملا.
# ولا يجوز للرجل أن ينفي ولد جارية أو امرأة له يتهمهما بالفجور، بل يلزمه
~~الإقرار به على ما قدمناه وإنما يسوغ له نفيه مع اليقين والعلم.
# إذا طلق الإنسان امرأته واعتدت، ثم أتت بولد لأكثر من ستة أشهر من وقت
~~انقضاء العدة، لم يلحقه إذا كانت العدة بالشهور الثلاثة، لأنا قد دللنا على
~~أن زمان الحمل لا يكون أكثر من تسعة أشهر على الصحيح من الأقوال، فإن كانت
~~قد تزوجت بعد مضي الثلاثة الأشهر، ودخل بها الثاني، وجاءت بولد، ألحقناه
~~بالثاني، على ما حررناه فيما مضى وشرحناه.
# PageV02P660
# كتاب الطلاق PageV02P661
# كتاب الطلاق الطلاق جائز لقوله تعالى: " الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو
~~تسريح بإحسان " (1) فأبان بها عدد الطلاق، لأنه كان في صدر الإسلام بغير
~~عدد.
# وروى عروة، عن قتادة قال: كان الرجل في صدر الإسلام يطلق امرأته ما شاء
~~من واحد إلى عشر، ويراجعها في العدة، فنزل قوله تعالى: " الطلاق مرتان
~~فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " فبين أن عدد الطلاق ثلاث، فقوله: " مرتان
~~" إخبار وهو بمعنى الأمر، لأنه لو كان إخبارا محضا، لكان كذبا، لأنه قد
~~يطلق أقل من مرتين، بل ms1025 معناه: وطلقوا مرتين.
# واختلف الناس في الثالثة، فقال ابن عباس: " أو تسريح بإحسان " الثالثة،
~~وقال غيره: " فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " (2)
~~الثالثة وهذا مذهبنا.
# وقال تعالى: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن " (3) أي
~~لاستقبال عدتهن في طهر، لم يجامعها فيه إذا كانت مدخولا بها، بلا خلاف،
~~والأولى أن تكون " اللام " بمعنى " في "، لأنه عندنا لا يجوز الطلاق الطاهر
~~التي وطأها زوجها في طهرها، بل في طهر لم يطأها فيه، فإذا طلقها فيه حسب من
~~جملة الأطهار، فصار الطلاق واقعا هاهنا في بعض العدة.
# وقال السيد المرتضى في الناصريات، لما قال: إن الطلاق الثلاث في مجلس
~~واحد من دون تخلل المراجعة بين التطليقات لا يجوز، ثم قال: وإخراج
# PageV02P662
# الزوج نفسه من التمكين من مراجعة المرأة مكروه له، ومن طلق ثلاثا في
~~ثلاثة أطهار، لا يحل له هذه المرأة إلا بعد نكاحها لغيره، وهو لا يدري ما
~~ينقلب به قلبه، قال: ولهذا حمل العلماء قوله: " فطلقوهن لعدتهن " بأنه أراد
~~به الواحدة، لتملك المراجعة بدلالة قوله: " لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك
~~أمرا " ومن أبان زوجته بالتطليقات الثلاث في الأطهار الثلاثة والمراجعة
~~بينها، فقد حرمها على نفسه إلا بعد أن تنكح زوجا غيره، ويكره له ذلك (1).
# هذا آخر كلام المرتضى، فأحببت إيراده ليعلم القول في معنى " فطلقوهن
~~لعدتهن " فإذا ثبت ذلك من جواز الطلاق، فإنه يجوز طلاق الصغيرة التي لم
~~تحض، والكبيرة التي يئست من المحيض، وليس في سنها من تحيض، والتي يئست من
~~المحيض، وفي سنها من تحيض، والحايل، والحامل، والمدخول بها، وغير المدخول
~~بها، بلا خلاف، لعموم آيات الطلاق.
# وهو على أربعة أضرب، واجب، ومحظور، ومندوب، ومكروه.
# فالواجب طلاق المولى بعد التربص، لأن عليه أن يفي، أو يطلق، أيهما فعل
~~فهو واجب، فإن امتنع منهما حبسه الحاكم، ولا يطلق عليه عندنا.
# والمحظور طلاق الحائض بعد الدخول، أو في طهر قربها فيه قبل أن يظهر بها
~~حمل، بلا خلاف، وإنما الخلاف في وقوعه، ms1026 فعندنا لا يقع، وعند المخالف يقع مع
~~كونه بدعة.
# فأما المكروه، فإذا كانت الحال بينهما عامرة، والأخلاق ملتئمة، وكل واحد
~~منهما قيم بحق صاحبه.
# والمندوب إذا كانت الحال بينهما فاسدة بالشقاق، وتعذر الاتفاق، وكل واحد
~~منهما يعجز عن القيام بما يجب عليه لصاحبه، فالمستحب الفرقة، فهذه أقسام
~~الطلاق.
# PageV02P663
# فأما أقسام النكاح فثلاثة، محظور، ومستحب، ومكروه، لأنه لا واجب فيه
~~عندنا.
# فالمحظور حال العدة، والردة، والإحرام.
# والمستحب إذا كان بالرجل إليه حاجة، وله ما ينفق عليها.
# والمكروه إذا لم يكن به إليه حاجة، ولا معه ما ينفق عليها، خوفا من
~~الإثم.
# فإذا تقرر أقسام الطلاق، فكل طلاق واقع يوجب تحريما، ويزول ذلك التحريم
~~بثلاثة أشياء، مراجعة، ونكاح قبل زوج، ونكاح بعد زوج.
# فالرجعة إذا طلقها بعد الدخول دون الثلاث بغير عوض، فالمراجعة، أن يقول:
~~راجعتك، أو يلمسها بشهوة، أو يقبلها، أو يطأها، أو ينكر طلاقها، هذا كله
~~قبل خروجها من العدة، ولا يفتقر مراجعتها إلى رضاها، ولا ولي، ولا عقد بلا
~~خلاف، ولا إلى إشهاد عندنا.
# وزواله بنكاح من غير زوج، إذا بانت منه بأقل من ثلاث، وهو أن يطلقها طلقة
~~أو طلقتين قبل الدخول أو بعده، بعوض أو بغير عوض، وصبرت حتى انقضت عدتها،
~~وكذلك إذا زال النكاح بالفسخ، حلت له قبل زوج غيره.
# وأما التحريم الذي لا يزول إلا بزوج ونكاح جديد مخصوص ودخول مخصوص، فإن
~~تبين بالثلاث مدخولا بها، أو غير مدخول بها، فلا تحل له حتى تنكح زوجا
~~غيره.
# وصحة الطلاق الشرعي يفتقر إلى شروط، يثبت حكمه بتكاملها، ويرتفع بإخلال
~~واحدها.
# منها كون المطلق ممن يصح تصرفه، ولا يكون ممن رفع القلم عنه، بأن يكون
~~عاقلا بالغا، لأن طلاق المجنون والصبي ما لم يبلغ غير صحيح.
# ومنها إيثاره الطلاق.
# ومنها قصده إليه.
# ومنها تلفظه بصريحه دون كناياته. PageV02P664
# ومنها كونه مطلقا من الشروط.
# ومنها توجهه إلى معقود عليها.
# ومنها تعيينها.
# ومنها الإشهاد بعدلين مجتمعين في مكان واحد.
# ومنها إيقاعه في طهر لا مساس فيه، بحيث يمكن اعتباره.
# ومنها ms1027 أن لا يقع على غضب ولا حرد، ولا يجعله يمينا.
# اشترطنا صحة التصرف، احترازا من الصبي والمجنون والسكران، وفاقد التحصيل
~~بأحد الآفات.
# واشترطنا الإيثار، احترازا من المجبر والمكره.
# واشترطنا القصد احترازا من الخلف واللغو والسهو وإيقاعه بغير نيته.
# واشترطنا إطلاق اللفظ، احترازا من مقارنة الشروط، كقوله: أنت طالق إن
~~دخلت الدار، أو جاء رأس الشهر.
# واشترطنا صريح قوله: أنت طالق، أو هي طالق، أو فلانة طالق، احترازا من
~~الكنايات، كقوله: أنت حرام، أو باينة، أو بتلة، أو بتة، أو خلية أو برية،
~~أو حبلك على غاربك، أو الحقي بأهلك، وأشباه ذلك.
# واشترطنا العقد، احترازا من إيقاعه قبله، كقوله: إن تزوجت فلانة فهي
~~طالق.
# واشترطنا تعيين المطلقة، احترازا من قوله: زوجتي طالق، وله عدة أزواج، أو
~~إحدى زوجاتي طالق، من غير تعيين لها بقول.
# واشترطنا الإشهاد، احترازا من وقوعه بغير شهادة عدلين مجتمعين.
# واشترطنا الطهر للحائض (1)، احترازا من الحيض والنفاس، ومما حصل فيه
~~مباشرة.
# PageV02P665
# وقلنا: بحيث يمكن لصحته، عمن لا يمكن ذلك فيها، وهي التي لم يدخل بها، أو
~~دخل بها وغاب عنها زوجها غيبة مخصوصة، والتي لم تبلغ، والآيسة المخصوصة،
~~والحامل، والغائبة، على ما قدمناه.
# ويبطل تعليق الطلاق بالأبعاض، لأنه ليس من الألفاظ المشروعة في الطلاق،
~~فيجب أن لا يقع، وأيضا قوله تعالى: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء " (1)
~~يدل على ذلك، لأنه علق الطلاق بما يتناوله اسم النساء، واليد أو الرجل لا
~~يتناولهما ذلك.
# ويخص اعتبار الشهادة، قوله تعالى: " فطلقوهن لعدتهن " إلى قوله:
# " وأشهدوا ذوي عدل منكم " (2) لأن ظاهر الأمر في الشرع يقتضي الوجوب،
~~وهذا يوجب عود ذلك إلى الطلاق، وإن بعد عنه، لأنه لا يليق إلا به، دون
~~الرجعة التي عبر عنها بالإمساك، لأنه لا خلاف في أن الإشهاد عليها غير
~~واجب، كما وجب عود التسبيح إليه تعالى، مع بعد ما بينهما في اللفظ في قوله
~~تعالى: " إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه و
~~توقروه وتسبحوه " (3) من حيث لا يليق إلا به تعالى.
# وحمل الإشهاد ms1028 على الاستحباب ليعود إلى الرجعة، عدول عن الظاهر في عرف
~~الشرع بغير دليل.
# ولا يجوز أن يكون الأمر بالإشهاد متعلقا بقوله: " أو فارقوهن بمعروف "،
~~لأن المراد بذلك هاهنا ترك المراجعة والاستمرار على موجب الطلاق المقتضي
~~للفرقة، وليس بشئ يتجدد فعله، فيفتقر إلى إشهاد.
# ويخص اعتبار الطهر، أنه لا خلاف في أن الطلاق في الحيض بدعة ومعصية، وقد
~~فسر العلماء قوله تعالى: " فطلقوهن لعدتهن " بالطهر الذي لا جماع
# PageV02P666
# فيه، على ما حررناه وذكرناه فيما مضى، وإذا ثبت أنه مخالف لما أمر الله
~~تعالى، لم يقع، ولم يتعلق به حكم شرعي.
# والنساء في الطلاق على ضربين، منهن من ليس في طلاقها سنة ولا بدعة، ومنهن
~~من في طلاقها ذلك.
# فالضرب الأول الآيسة من المحيض لصغر أو كبر، والحامل، وغير المدخول بها،
~~والغائب عنها زوجها غيبة مخصوصة.
# والثاني المدخول بها لا غير، إذا كانت حائلا من ذوات الأقراء، فطلاقها
~~للسنة في طهر لا جماع فيه. والبدعة في حيض، أو في طهر فيه جماع.
# واعلم أن الطلاق على ضربين، رجعي وبائن.
# والبائن على ضروب أربعة، طلاق غير المدخول بها، وطلاق من لم تبلغ المحيض،
~~ومن جاوزت خمسين سنة مع تغير عادتها، سواء كانت قرشية أو عامية أو نبطية،
~~على الصحيح من الأقوال، لأن في بعض الأخبار اعتبار القرشية والنبطية بستين
~~سنة، ومن عداهما بخمسين سنة، والأول هو المذهب المعمول عليه.
# وكل طلاق كان في مقابلته بذل وعوض من المرأة، وهو المسمى بالخلع
~~والمباراة، ونحن نذكر أحكامها فيما بعد إن شاء الله تعالى.
# فأما الطلاق الرجعي، فهو أن يطلق المدخول بها واحدة، ويدعها تعتد، ويجب
~~عليه السكنى لها، والنفقة، والكسوة، ولا يحرم عليه النظر إليها، ووطؤها،
~~ويحرم عليه العقد على أختها، وعلى خامسة، إذا كانت هي رابعة.
# وجملة الأمر وعقد الباب أنها عندنا زوجة، وقال المخالف: حكمها حكم
~~الزوجة، وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه: بل هي عندنا زوجة، لأن المخالف قال
~~حكمها حكم الزوجات، قال: هو ردا عليه، بل هي عندنا زوجة (1) ونعم ما ms1029 قال
~~رحمه الله.
# PageV02P667
# وله مراجعتها ما دامت في العدة، وإن لم تؤثر هي ذلك، وليس لها عليه في
~~ذلك خيار.
# وتجوز المراجعة من غير إشهاد، والإشهاد أولى.
# وتصح عندنا المراجعة بالقول، أو بالفعل، فالقول أن يقول: قد راجعتك، فإن
~~لم يقل ذلك، ووطأها أو قبلها، أو لا مسها، أو ضمها بشهوة، فقد راجعها.
# وروى أصحابنا أو ينكر طلاقها (1)، والدليل على ذلك أجمع إجماعنا، وقوله
~~تعالى: " وبعولتهن أحق بردهن في ذلك " (2) فسمى المطلق طلاقا رجعيا بعلا،
~~ولا يكون كذلك إلا والمرأة بعلة، وهذا يقتضي ثبوت الإباحة.
# ولم يشترط الشهادة ولا لفظ المراجعة قولا.
# فإن خرجت من العدة ملكت نفسها، فإن آثر مراجعتها كان ذلك بعقد جديد ومهر
~~جديد، وتبقى معه على طلقتين أخريين، فإن كمل طلاقها ثلاث مرات في ثلاثة
~~أطهار، مع تخلل مراجعته لها، على ما سندل عليه، ولم تكن تزوجت فيما بينها
~~بسواه، لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره بنكاح دوام، ويكون بالغا، ويدخل بها
~~واطئا في قبلها، ويفارقها وتنقضي عدتها منه، ويهدم الزوج الثاني التطليقات
~~الثلاث، وإن تكررت من الأول أبدا، إلا أن يكون طلاق عدة بعد تسع تطليقات
~~ينكحها بينها زوجان، وتبيح المرأة بالعقد المستأنف، وكذا إن تزوجت فيما بين
~~الأولى والثانية، أو الثانية والثالثة، هدم ذلك ما تقدم من الطلاق، على
~~الأظهر الأكثر المعمول عليه من أقوال أصحابنا ورواياتهم، لأن في بعضها لا
~~يهدم الزوج الثاني ما دون الثلاث، وتمسك به بعضهم، وقال:
# متى رجعت إلى الأول كانت معه على ما بقي من تمام الثلاث، وظاهر قوله
~~تعالى: " فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " (3) منعه، لأنه
# PageV02P668
# يدل على تحريمها عليه بالثالثة حتى تنكح زوجا غيره، من غير تفصيل، إلا أن
~~الإجماع من المحصلين على ما اخترناه، والأخبار المتواترة مخصصة لما قدمناه.
# فأما غير المدخول بها فإنه إذا طلقها واحدة بانت منه، وملكت نفسها في
~~الحال، فإن اختار مراجعتها ورضيت هي، كان ذلك بعقد جديد ومهر جديد، ولو
~~قلنا بعقد جديد ms1030 كان كافيا، وإن لم نقل بمهر جديد، غير أنا اتبعنا ألفاظ
~~أصحابنا المصنفين.
# فإن راجعها وطلقها قبل الدخول بها تمام ثلاث مرات، لم تحل له حتى تنكح
~~زوجا غيره، وهذا مختص بحرائر النساء.
# فأما الإماء فأقصى طلاقهن حرا كان الزوج أو عبدا، طلقتان، لأن الاعتبار
~~عندنا في عدد الطلقات بالنساء، فأما إيقاعه فبيد الرجال.
# وأما طلاق العدة فيختص المدخول بها، المستقيمة الطهر والحيض، وصفته أن
~~يطلقها في طهر لا جماع فيه، ثم يراجعها قبل أن تخرج من عدتها، ولو بساعة
~~واحدة، فإذا أراد طلاقها ثانيا طلاق العدة وطأها، فإذا حاضت وطهرت، طلقها
~~ثم يراجعها قبل خروجها من عدتها، ولو بساعة واحدة، فإذا راجعها حينئذ وأراد
~~طلاقها ثالثا، وطأها، فإذا وطأها فإذا حاضت وطهرت طلقها، فإذا فعل ذلك حرمت
~~عليه حتى تنكح زوجا غيره بالصفات التي ذكرناها أولا، ولا يهدم الزوج الثاني
~~هذه التطليقات الثلاث أبدا، بل متى طلقها مطلق على هذا الوجه والكيفية تسع
~~تطليقات ينكحها بينها زوجان، حرمت عليه أبدا على ما قلناه فيما مضى.
# فالفرق بين طلاق العدة وطلاق غير العدة، المسمى عند بعض أصحابنا بطلاق
~~السنة، وإن كان الكل عند التحقيق في التسمية طلاق السنة، هو أن طلاق العدة
~~لا بد لمن أراده بعد طلاقها الأول أن يراجعها قبل خروجها من العدة، فإذا
~~أراد طلاقها ثانيا وثالثا، فلا بد من وطئها، وليس كذلك طلاق السنة، لأنه إن
~~أراد طلاقها بعد طلاقها الأول، فليس من شرطه مراجعتها قبل خروجها من عدتها،
~~ولا وطؤها إذا أراد طلاقها ثانيا وثالثا، فيتفق طلاق العدة PageV02P669
# وطلاق السنة في المرة الأولى من الطلاق ويختلفان في الطلاق الثاني
~~والثالث، فليلحظ ذلك.
# وشئ آخر وهو أن الإنسان يمكنه أن يبين زوجته في طلاق السنة، ولا تحل له
~~حتى تنكح زوجا غيره في مجلس واحد، ويوم واحد، وأقل من ذلك، بعد تخليل
~~المراجعة بين الطلقات الثلاث، بأن يطلقها بمحضر من الشاهدين العدلين، ثم
~~يراجعها بالقول أو التقبيل على ما مضى، ثم يطلقها، ثم يراجعها، ثم يطلقها، ms1031
~~وقد بانت منه ساعة طلقها، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وإن كان ذلك في
~~يوم واحد ومجلس واحد.
# فإن قيل: فأصحابكم لا يجيزون ولا يوقعون الثلاث طلقات في مجلس واحد، بل
~~يوقعون منها واحدة وبعضهم لا يوقع شيئا منها، فكيف ذهبتم إلى إيقاع الثلاث
~~في مجلس واحد.
# قلنا: أصحابنا ما منعوا من ذلك إلا من دون تخلل المراجعة بين التطليقات
~~الثلاث، أو قولهم: أنت طالق ثلاثا، لأنه إذا طلقها ولم يراجعها، ثم طلقها
~~ثانيا وثالثا لا يقع الطلاق، لأن طلاق المطلق لا يقع، وليس كذلك ما ذهبنا
~~إليه، لأنا اعتبرنا المراجعة بين التطليقات الثلاث، فليتأمل ذلك ويلحظ.
# وما أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته، من كيفية طلاق السنة، وهو قوله:
# إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته التي دخل بها وهو غير غائب عنها، طلاق
~~السنة فليطلقها وهي طاهر طهرا لم يقربها فيه بجماع، ويشهد على ذلك شاهدين
~~تطليقة واحدة، ثم يتركها حتى تخرج من العدة، فإذا خرجت من العدة ملكت
~~نفسها، وكان خاطبا من الخطاب، وما لم تخرج من عدتها فهو، أملك برجعتها،
~~فمتى خرجت من عدتها وأراد أن يتزوجها، عقد عليها عقدا جديدا بمهر جديد، فإن
~~أراد بعد ذلك طلاقها، فعل معها ما فعل في الأول، من استيفاء الشروط،
~~فيطلقها طلقة أخرى، ويتركها حتى تخرج من العدة، فإذا خرجت من العدة ملكت
~~نفسها مثل الأول، فإن أراد أن يعقد عليها عقدا آخر، فعل كما فعل في
~~PageV02P670
# الأولتين بمهر جديد وعقد جديد، فإذا أراد بعد ذلك طلاقها، طلقها على ما
~~ذكرناه، ويستوفي شرائط الطلاق، فإذا طلقها الثالثة، لم تحل له حتى تنكح
~~زوجا غيره، فإن تزوجت فيما بين التطليقة الأولى أو الثانية أو الثالثة،
~~زوجا بالغا، ودخل بها، ويكون التزويج دائما، هدم ما تقدم من الطلاق، وكذلك
~~إن تزوجت بعد التطليقات الثلاث، هدم الزوج الثلاث تطليقات، وجاز لها أن
~~ترجع إلى الأول أبدا بعقد جديد ومهر جديد (1) هذا آخر كلام شيخنا في نهايته
~~في كيفية طلاق السنة.
# قال ms1032 محمد بن إدريس رحمه الله: هذا منه رحمه الله على جهة التقريب، وعلى
~~لفظ الخبر، دون أن يكون من طلق للسنة على غير ذلك الوجه لا يسمى طلاق
~~السنة.
# وقد حقق القول في الإستبصار (2)، وأورد أخبارا بأنه يجوز على خلاف الوجه
~~والكيفية التي أوردها في نهايته، وأنها تبين منه في يوم واحد إذا تخللت
~~المراجعة.
# ثم ذكر في نهايته، وقال: الطلاق على ضربين، طلاق السنة وطلاق العدة، ثم
~~قال: وهو ينقسم أقساما، منها طلاق التي لم يدخل بها، والتي دخل بها، ومن لم
~~تبلغ المحيض، ولا في سنها من تحيض، والتي لم تبلغ المحيض وفي سنها من تحيض،
~~والمستحاضة، والمستقيمة الحيض، والحامل المستبين حملها، والآيسة من المحيض،
~~وفي سنها من تحيض، والآيسة من المحيض وفي سنها من لا تحيض (3).
# وعدد أقساما أخر، وهذه أجمع راجعة إلى قوله الطلاق على ضربين، طلاق
~~السنة، وطلاق العدة، لأن كل واحد من الأقسام التي ذكرها لا بد فيه من أن
~~يكون إما للسنة أو للعدة، وإنما ذلك راجع إلى من يطلق، أو إلى من تطلق، لا
~~إلى جنس الطلاق، بل إلى عدد المطلق، والمطلقة.
# PageV02P671
# ثم قال رحمه الله: وما يلحق بالطلاق، وإن لم يكن طلاقا في الحقيقة، على
~~ضربين، ضرب منه يوجب البينونة، مثل الطلاق، وضرب آخر يوجب التحريم، وإن لم
~~يقع فرقة، فالقسم الأول اللعان، والارتداد عن الإسلام، والقسم الثاني
~~الظهار والإيلاء، ويدخل في هذا الباب، ما يؤثر في بعض أنواع الطلاق، وهو
~~الخلع والمباراة (1) قوله رحمه الله: " ويدخل في هذا الباب ما يؤثر في بعض
~~أنواع الطلاق " على رأيه واختياره في أن الخلع بمجرده لا يقع به فرقة ولا
~~بينونة، إلا أن يتبع بطلاق، فلأجل هذا قال ما قال، ولا يجعله حكما منفردا
~~عن الطلاق.
# فأما على ما يذهب إليه غيره من أصحابنا، مثل السيد المرتضى وغيره، فإن
~~الخلع بمجرده يقع به البينونة والفرقة، وسنبين ذلك عند المصير إليه إن شاء
~~الله.
# ويدخل فيه أيضا ما يكون كالسبب للطلاق، وهو النشوز والشقاق. ms1033
# وشرائط الطلاق على ضربين، ضرب منه عام في سائر أنواعه، وضرب منه خاص في
~~بعضه، فأما الذي هو عام، فهو أن يكون الرجل غير زائل العقل، ويكون مريدا
~~للطلاق، غير مكره عليه، ولا مجبر، ويكون طلاقه بمحضر من عدلين، يتلفظ بلفظ
~~مخصوص، أو ما يقوم مقامه إذا لم يمكنه على ما نبينه.
# والضرب الآخر وهو أن لا تكون المرأة حائضا، لأن هذا خاص مراعى في المدخول
~~بها، غير غائب عنها زوجها غيبة مخصوصة، على ما نبينه فيما بعد، و معظم هذه
~~الشروط قدمناها فيما مضى.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: فإن طلق الرجل امرأته وهو زائل العقل
~~بالسكر، أو الجنون أو المرة أو ما أشبهها، كان طلاقه غير واقع، فإن احتاج
~~من هذه صورته إلا السكران إلى الطلاق، طلق عنه وليه، فإن لم يكن له ولي،
~~طلق عنه الإمام أو من نصبه الإمام (2).
# PageV02P672
# وذهب في مسائل خلافه في كتاب الخلع، إلى غير ما ذهب إليه في نهايته،
~~فقال: مسألة، ليس للولي أن يطلق عمن له عليه ولاية، لا بعوض ولا بغير عوض،
~~ثم استدل، فقال: دليلنا إجماع الفرقة، وأيضا الأصل بقاء العقد وصحته، وأيضا
~~قوله عليه السلام: الطلاق لمن أخذ بالساق (1)، والزوج هو الذي له ذلك دون
~~غيره (2) هذا آخر كلامه.
# قال محمد بن إدريس: الأولى أن يكون غير السكران مثل السكران، وإن لا يلي
~~غير الزوج الطلاق، لقوله تعالى: " فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح
~~زوجا غيره " (3) فأضاف الطلاق إلى الزوج، فمن جعل لغيره الطلاق فيحتاج إلى
~~دليل.
# وأيضا فالرسول عليه السلام قال: " الطلاق بيد من أخذ بالساق " (4) والذي
~~يأخذ بالساق الزوج، فمن جعله بيد غيره يحتاج إلى دليل.
# وأيضا الأصل بقاء الزوجية بينهما، فمن أبانها منه بطلاق غيره يحتاج إلى
~~دليل.
# فإن قيل: هذا وال عليه، ناظر في مصالحه، فله أن يفعل ما شاء مما هو راجع
~~إلى مصالحه.
# قلنا: لا خلاف أن الصبي لا يطلق عليه وليه، وهو ناظر في أموره.
# وأيضا فالطلاق ms1034 من شرطه مقارنة نية المطلق الذي هو الزوج به، وهذا غير
~~موجود في هؤلاء.
# ولنا في هذه المسألة نظر، والذي وقع التحقيق لنا من ذلك، أنه لا يجوز
~~طلاق غيره عليه بحال، لما قدمناه من الأخبار، وبقاء الزوجية بينهما، فمن
~~أبانها منه بطلاق غيره يحتاج إلى دليل.
# PageV02P673
# وقال شيخنا في نهايته أيضا: وإذا طلق الرجل امرأته وهو مريض، فإنهما
~~يتوارثان ما دامت في العدة، فإذا انقضت عدتها ورثته ما بينه وبين سنة ما لم
~~تتزوج، فإن تزوجت فلا ميراث لها، وإن زاد على السنة يوم واحد، لم يكن لها
~~ميراث، ولا فرق في جميع هذه الأحكام، بين أن يكون التطليقة هي الأولة، أو
~~الثانية، أو الثالثة، وسواء كان له عليها رجعة، أو لم يكن، فإن الموارثة
~~ثابتة بينهما على ما قدمناه، هذا إذا كان المرض يستمر به إلى أن يتوفى، فإن
~~صح من مرضه ذلك، ثم مات لم يكن لها ميراث، إلا إذا كان طلاقا يملك فيه
~~رجعتها، فإنها ترثه ما لم تخرج من العدة (1) هذا آخر كلامه رحمه الله في
~~نهايته.
# قال محمد بن إدريس: والذي يقتضيه أصول مذهبنا، أن الطلاق إذا كان رجعيا،
~~ورثها الرجل ما دامت في العدة، فإذا خرجت من العدة لا يرثها، وهي ترثه بعد
~~خروجها من العدة إلى سنة ما لم تتزوج، أو يبرأ من مرضه ذلك، فأما إذا كان
~~الطلاق غير رجعي، وهو الطلاق الباين، فإنه لا يرثها ساعة طلقها، وإن كانت
~~في العدة، وهي ترثه مدة السنة على ما قدمناه، لأنها بعد الطلاق الباين غير
~~زوجة له، والعصمة انقطعت بينهما، ولولا الإجماع لما ورثته، ولا إجماع معنا
~~على أنه يرثها بعد الطلاق.
# وشيخنا أبو جعفر، فقد رجع عما قاله في نهايته، في مسائل خلافه، فقال:
# مسألة، المطلقة التطليقة الثالثة في حال المرض، ترث ما بينها وبين سنة،
~~إذا لم يصح من ذلك المرض، ما لم تتزوج، فإن تزوجت فلا ميراث لها، والرجل
~~يرثها ما دامت في العدة الرجعية، فأما في الباينة فلا ms1035 يرثها على حال،
~~دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم وقد ذكرناها في الكتاب الكبير (2) هذا آخر
~~كلامه في الجزء
# PageV02P674
# الثاني من مسائل خلافه في كتاب المواريث (1) وقال أيضا في الجزء الثالث
~~في كتاب الطلاق: مسألة، المريض إذا طلقها طلقة لا يملك رجعتها، فإن ماتت لم
~~يرثها بلا خلاف، وإن مات هو من ذلك المرض، ورثته ما بينها وبين سنة، ما لم
~~تتزوج، فإذا تزوجت بعد انقضاء عدتها لم ترثه، وإن زاد على السنة يوم واحد
~~لم ترثه.
# ثم قال: مسألة، إذا سألته أن يطلقها في مرضه، فطلقها، لم يقطع ذلك
~~الميراث منه، ثم قال: دليلنا عموم الأخبار الواردة، بأنها ترثه إذا طلقها
~~في المرض، ولم يفصلوا، فوجب حملها على عمومها (2).
# ثم قال في الجزء الثالث من استبصاره، في باب طلاق المريض، لما أورد
~~الأخبار، في أنها ترثه إذا طلقها في حال مرضه، ما بينها وبين سنة ما لم
~~تتزوج، أو يبرأ من مرضه ذلك، ثم قال: دليلنا على أن الذي اختاره، هو أنه
~~إنما ترثه بعد انقضاء العدة، إذا طلقها للإضرار بها، ويحمل على هذا التفصيل
~~جميع ما تقدم من الأخبار المجملة، يدل على ذلك ما رواه الحسين بن سعيد، عن
~~أخيه الحسن، عن زرعة عن سماعة، قال: سألته عليه السلام، عن رجل طلق امرأته
~~وهو مريض، قال: ترثه ما دامت في عدتها، وإن طلقها في حال إضرار، فهي ترثه
~~إلى سنة، فإن زاد على السنة يوم واحد، لم ترثه وتعتد أربعة أشهر وعشرا، عدة
~~المتوفى عنها زوجها (3).
# قال محمد بن إدريس: الصحيح ما ذهب إليه في مسائل خلافه، من قوله إذا
~~سألته أن يطلقها في مرضه، فطلقها، لم يقطع ذلك الميراث منه، والدليل عليه
~~ما استدل به رحمه الله، من قوله عموم الأخبار يقتضي ذلك، ولم يفصلوا، فوجب
~~حملها على عمومها.
# ومن العجب أنه يخصص العموم في استبصاره بخبر سماعة الذي رواه
# PageV02P675
# زرعة، وهما فطحيان، فإن كان يعمل بأخبار الآحاد فلا خلاف بين من يعمل
~~بها، إن من شرط العمل بذلك، ms1036 أن يكون راوي الخبر عدلا، والفطحي كافر، فكيف
~~يعمل بخبره، ويخصص بخبره العموم المعلوم، والمخصص يكون دليلا معلوما، فهذا
~~لا يجوز عند الجميع.
# لا عند من يعمل بأخبار الآحاد، ولا عند من لا يعمل بها ومتى جعل إليها
~~الخيار، فاختارت نفسها، فقد اختلف أصحابنا في ذلك، فبعض يوقع الفرقة بذلك،
~~وبعض لا يوقعها، ولا يعتد بهذا القول، ويخص هذا الحكم بالرسول صلى الله
~~عليه وآله، وهذا هو الأظهر الأكثر المعمول عليه بين الطائفة، وهو خيرة
~~شيخنا أبي جعفر (1)، والأول خيرة السيد المرتضى، دليلنا: أن الأصل بقاء
~~العقد.
# وقال شيخنا أيضا: إجماع الفرقة على هذا وأخبارهم، وقد ذكرناها في
~~الكتابين المقدم ذكرهما، وبينا الوجه في الأخبار المخالفة لها، ومن خالف في
~~ذلك لا يعتد به، لأنه شاد منهم (2).
# وإذا قال: أنت على حرام، لا يحصل بذلك طلاق، ولا ظهار، ولا إيلاء، ولا
~~يمين بلا خلاف بين أصحابنا في ذلك، ولا تحرم عليه.
# فإن قيل للرجل: هل طلقت فلانة؟ فقال: نعم، كان ذلك إقرارا منه بطلاق
~~شرعي.
# وما ينوب مناب قوله: أنت طالق، بغير العربية بأي لسان كان، فإنه يحصل به
~~الفرقة إذا تعذر عليه لفظ العربية، فأما إذا كان قادرا على التلفظ بالطلاق
~~بالعربية، وطلق بلسان غيرها، فلا تقع الفرقة بذلك، لأنه ليس عليه دليل،
~~والأصل بقاء العقد.
# ولا يقع الطلاق إلا باللسان.
# PageV02P676
# قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: فإن كتب بيده أنه طلق امرأته وهو حاضر ليس
~~بغائب، لم يقع الطلاق، فإن كان غائبا فكتب بيده أن فلانة طالق، وقع الطلاق،
~~وإن قال لغيره: اكتب إلى فلانة امرأتي بطلاقها، لم يقع الطلاق، فإن طلقها
~~بالقول، ثم قال لغيره: اكتب إليها بالطلاق، كان الطلاق واقعا بالقول دون
~~الأمر (1).
# قال محمد بن إدريس: لا يقع الطلاق إذا كتب بخطه أن فلانة طالق، وإن كان
~~غائبا بغير خلاف من محصل، لأنا نراعي لفظا مخصوصا يتلفظ به المطلق، ومن كتب
~~فما تلفظ بغير خلاف، والأصل بقاء العقد وثبوته، فمن أوقع بالكتابة طلاقا
~~وفرقة، يحتاج ms1037 إلى دليل.
# وشيخنا أبو جعفر فقد رجع عما قاله في نهايته في مسائل خلافه، فقال:
# مسألة، إذا كتب بطلاق زوجته ولم يقصد الطلاق، لا يقع بلا خلاف، فإن قصد
~~به الطلاق فعندنا أنه لا يقع به شئ، ثم قال: دليلنا إجماع الفرقة، وأيضا
~~الأصل بقاء العقد، ولا دليل على وقوع الطلاق بالكتابة (2) هذا آخر كلامه في
~~مسائل خلافه.
# وقال في نهايته: وإذا وكل الرجل غيره بأن يطلق عنه، لم يقع طلاقه، إذا
~~كان حاضرا في البلد، فإن كان غائبا جاز توكيله في الطلاق (3).
# قال محمد بن إدريس: يصح التوكيل في الطلاق حاضرا كان الموكل أو غائبا،
~~بغير خلاف بين المسلمين، وقد استوفينا الكلام على ذلك في باب الوكالة (4)
~~بما أغني عن إعادته.
# ومن أراد عزل الوكيل، فليعلمه ذلك، فإن لم يمكنه فليشهد شاهدين على عزله،
~~فإن طلق الوكيل وكان طلاقه قبل العزل، وقع طلاقه، وإن كان بعد العزل كان
~~باطلا.
# PageV02P677
# ومتى وكل رجلين على الطلاق، ولم يشرط في وكالتهما لانفراد والاجتماع، لم
~~يجز لأحدهما أن يطلق، فإن طلق بانفراده لم يقع طلاقه، وإذا اجتمعا عليه وقع
~~ومن لم يتمكن من الكلام، مثل أن يكون أخرس، فليكتب الطلاق بيده، إن كان ممن
~~يحسن الكتابة، فإن لم يحسن فليوم إلى الطلاق، كما يومي إلى بعض ما يحتاج
~~إليه، فمتى فهم من إيمائه ذلك، وقع طلاقه.
# وقد روي أنه ينبغي أن يأخذ المقنعة فيضعها على رأسها، ويتنحى فيكون ذلك
~~منه طلاقا، وإذا أراد منه مراجعتها أخذ القناع من رأسها (1).
# وهذه الرواية يمكن حملها على من لم يكن له كناية مفهومة، ولا إشارة
~~معقولة.
# ومتى علق الإنسان الطلاق بشرط من الشروط، أو صفة من الصفات، وكذلك
~~العتاق، كان باطلا على ما قدمناه.
# ومن شرائط الطلاق العامة أن يطلقها تطليقة واحدة، فإن طلقها ثنتين أو
~~ثلاثا بأن يقول: أنت طالق ثلاثا لغير المدخول بها، أو قال ذلك للمدخول بها،
~~لم يقع على الصحيح من المذهب، إلا واحدة، وقال بعض أصحابنا: لا يقع من ذلك
~~شئ، ms1038 والأول هو الأظهر من المذهب.
# فإن قال لغير المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، بانت منه
~~بالأولى، وبطل الطلاق الثاني والثالث بغير خلاف.
# فإن قال ذلك للمدخول بها، لا يقع إلا الطلاق الأول، دون الثاني والثالث،
~~لأن طلاق الطالق لا يصح، فإن تحللت المراجعة صح على ما قدمناه.
# وقد كتب إلي بعض الفقهاء الشافعية، وكان بيني وبينه مؤانسة ومكاتبة، هل
~~يقع الطلاق الثلاث عندكم؟ وما القول في ذلك عند فقهاء أهل البيت عليهم
~~السلام؟
# فأجبته أما مذهب أهل البيت، فإنهم يرون أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد
# PageV02P678
# في مجلس واحد وحالة واحدة من دون تخلل المراجعة، لا يقع منه إلا واحدة،
~~ومن طلق امرأته تطليقة واحدة وكانت مدخولا بها، كان له مراجعتها بغير خلاف
~~بين المسلمين.
# وقد روي أن ابن عباس وطاووسا يذهبان إلى ما يقوله الشيعة (1)، وحكى
~~الطحاوي في كتاب الاختلاف أن الحجاج بن أرطأة كان يقول: ليس الطلاق الثلاث
~~بشئ، وحكى في هذا الكتاب عن محمد بن إسحاق، أن الطلاق الثلاث يرد إلى
~~واحدة، ودليل الشيعة على ما ذهبت إليه بعد إجماع أهل البيت عليهم السلام،
~~فإن فيه الحجة من وجوه يطول شرحها لا يحتمل هذا الموضع ذكرها، لأنه يوحش
~~المبتدئ لسماعه، ولقول الرسول عليه السلام المتفق عليه: " خلفت فيكم
~~الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا " (1) فقرن
~~عليه السلام العترة إلى الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
~~خلفه، وجعل حكمها حكمه، وقال عليه السلام: " مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة
~~نوح من أتاها نجا، ومن تخلف عنها هلك " (3) مطابقا لقول الله سبحانه:
# " فأنجيناه وأصحاب السفينة " (4) إن دلوا (5) على أن المشروع في الطلاق
~~إيقاعه متفرقا.
# وقد وافقهم مالك وأبو حنيفة على أن الطلاق الثلاث في الحال الواحدة محرم
~~مخالف للسنة، إلا أنهما يذهبان مع ذلك إلى وقوعه.
# PageV02P679
# وفي هذا القول ما فيه.
# والذي يدل على صحة ما ذهب إليه الشيعة، قوله تعالى: " الطلاق مرتان " (1)
~~ومن المعلوم أنه تعالى ms1039 لم يرد بذلك الخبر، لأنه لو أراده لكان كذبا، وإنما
~~أراد الأمر، فكأنه قال تعالى: طلقوا مرتين، وجرى مجرى قوله تعالى:
# " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " (2) وكقوله تعالى: " ومن دخله
~~كان آمنا " (3) والمراد بذلك يجب أن يؤمنوه، والمرتان لا تكونان إلا واحدة
~~بعد أخرى، ومن جمع الطلاق في كلمة واحدة، لا يكون مطلقا مرتين، كما أن من
~~أعطى درهمين مرة واحدة، لم يعطهما مرتين.
# فإن احتج من يذهب إلى أن الطلاق الثلاث يقع وإن كان بدعة بما روي في حديث
~~ابن عمر من أنه قال للنبي عليه السلام: أرأيت لو طلقتها ثلاثا، فقال عليه
~~السلام: إذن عصيت ربك، وبانت منك امرأتك (4).
# فالذي يبطل ذلك أنه لا تصريح في قوله: " أرأيت لو طلقتها ثلاثا " فإني
~~كنت أفعل ذلك بكلمة واحدة، وحالة واحدة، ويجوز أن يكون مراده إني لو طلقتها
~~ثلاثا في ثلاثة أطهار، تخللها المراجعة، ولا شبهة في أن من طلق امرأته
# PageV02P680
# ثلاثا في ثلاثة أطهار، أنه يسمى مطلقا ثلاثا.
# فإن قيل: لا فائدة على هذا الوجه في قوله عليه السلام: إذن عصيت ربك،
~~وبانت منك امرأتك.
# قلنا: يحتمل ذكر المعصية أمرين، أحدهما أن يكون النبي عليه السلام كان
~~يعلم من زوجة ابن عمر خيرا وبرا يقتضيان المعصية بفراقها، والأمر الآخر أنه
~~مكروه للزوج أن يخرج نفسه من التمكين من مراجعة المرأة، لأنه لا يدري كيف
~~ينقلب قلبه، فربما دعته الدواعي القوية إلى مراجعتها، فإذا أخرج أمرها من
~~يده، ربما هم بالمعصية.
# فإن احتجوا أيضا بما رووه من أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق طلق امرأته
~~تماضر - بضم التاء وكسر الضاد - ثلاثا (1).
# قلنا: يجوز أن يكون طلقها في أطهار ثلاثة مع مراجعة تخللت، وليس في ظاهر
~~الخبر أنه طلقها ثلاثة بلفظ واحد في حالة واحدة.
# وهذه الطريقة التي سلكناها، يمكن أن تطرد في جميع أخبارهم التي يتعلقون
~~بها، بما يتضمن وقوع طلاق ثلاث، فقد فتحنا طريق الكلام على ذلك كله،
~~ونهجناه، فلا معنى للتطويل بذكر جميع الأخبار.
# على أن أخبارهم ms1040 معارضة بأخبار موجودة في رواياتهم وكتبهم، يقتضي أن
~~الطلاق الثلاث لا يقع.
# منها ما رواه ابن سيرين أنه قال: حدثني من لا أتهم، أن ابن عمر طلق
~~امرأته ثلاثا وهي حائض، فأمره النبي عليه السلام أن يراجعها (2).
# PageV02P681
# وبما رواه الحسن قال: أتى عمر برجل قد طلق امرأته ثلاثا بفم واحد، فردها
~~عليه، ثم أتى بعد ذلك برجل آخر قد طلق امرأته ثلاثا بفم واحد، فأبانها منه،
~~فقيل له: إنك بالأمس رددتها عليه، فقال: خشيت أن - يتتايع - بالياء المنقطة
~~من تحت بنقطتين يقال تتايع الناس في الشر، وتتابع الناس في الخير، بالباء
~~المنقطة من تحتها نقطة واحدة، التي قبل العين، وفي الشر تتايع بنقطتين قبل
~~العين - فيه السكران والغيران (1).
# وروي عن ابن عباس رضي الله عنه، أنه كان يقول إن الطلاق كان على عهد رسول
~~الله صلى الله عليه وآله وعهد أبي بكر وصدر من إمارة عمر طلاق الثلاث
~~واحدة، ثم جعلها عمر بعد ذلك ثلاثا (2).
# وروى عكرمة عن ابن عباس، قال: طلق ركانة - بالراء المضمومة، والنون - ابن
~~عبد ربه، امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، فسأله رسول
~~الله صلى الله عليه وآله كيف طلقتها؟ قال: طلقتها ثلاثا فقال: في مجلس واحد
~~قال:
# نعم، قال عليه السلام: إنما تلك واحدة، فراجعها إن شئت، قال: فراجعتها
~~(3).
# والأخبار المعارضة لأخبارهم أكثر من أن تحصى، أو تستقصى.
# ودليل آخر على أصل المسألة، وهو أن يقال الطلاق الثلاث بلفظ واحد في حالة
~~واحدة من غير أن يتخلله مراجعة، لا يقع منه إلا واحدة، والدليل على ذلك من
~~كتاب الله تعالى، ومن سنة نبيه صلى الله عليه وآله، ومن إجماع المسلمين،
~~ومن قول أمير المؤمنين عليه السلام، ومن قول ابن عباس رحمه الله،
# PageV02P682
# ومن قول عمر بن الخطاب.
# أما كتاب الله فقد تقرر أنه نزل بلسان العرب، وعلى مذاهبها في الكلام،
~~قال الله جلت عظمته: " قرآنا عربيا غير ذي عوج " (1) وقال تعالى: " وما
~~أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم " (2) ثم قال ms1041 سبحانه في آية
~~الطلاق:
# " الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " (3) فكانت الثالثة في
~~قوله عز وجل: " أو تسريح بإحسان " على قول ابن عباس، أو في قوله تعالى: "
~~فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " (4) فوجدنا المطلق إذا
~~قال لامرأته: أنت طالق، أتى بلفظ واحد يتضمن تطليقة واحدة، وإذا قال لها
~~عقيب هذا اللفظ: ثلاثا، لم يخل من أن تكون أشار به إلى طلاق وقع فيما سلف
~~ثلاث مرات، أو إلى طلاق يكون في المستقبل ثلاثا، أو إلى الحال، فإن كان
~~أخبر عن الماضي، فلم يقع الطلاق إذن باللفظ الذي أورده في الحال، وإنما
~~أخبر عن أمر كان، وإن كان أخبر عن المستقبل فيجب أن لا يقع بها طلاق حتى
~~يأتي الوقت، ثم يطلقها ثلاثا على مفهوم اللفظ والكلام، وليس هذان القسمان
~~مما جرى الحكم عليهما، ولا تضمنهما المقال، فلم يبق إلا أنه أخبر عن الحال
~~وذلك كذب ولغو بلا إشكال، لأن الواحدة لا تكون أبدا ثلاثا، فلأجل ذلك حكمنا
~~عليه بتطليقة واحدة، من حيث تضمنه اللفظ الذي أورده، وأسقطنا ما لغى فيه،
~~واطرحناه إذا كان على مفهوم اللغة التي نطق بها القرآن فاسدا وكان مضادا
~~لأحكام الكتاب وأما السنة فإن النبي صلى الله عليه وآله قال: " كل ما لم
~~يكن على أمرنا هذا فهو رد " (5) وقال عليه السلام: " ما وافق الكتاب فخذوه
~~وما خالفه فاطرحوه " (6) وقد بينا أن المرة لا تكون مرتين، وأن الواحدة لا
~~تكون ثلاثا،
# PageV02P683
# فأوجبت السنة إبطال الثلاث.
# وأما إجماع الأمة فإنهم مطبقون على أن كل ما خالف القرآن والسنة فهو
~~باطل، وقد تقدم وصف خلاف الطلاق الثلاث للقرآن والسنة، فحصل الإجماع على
~~إبطاله.
# وأما قول أمير المؤمنين عليه السلام، فإنه قد تظاهر عنه الخبر المستفيض
~~أنه قال: " إياكم والمطلقات ثلاثا في مجلس واحد، فإنهن ذوات الأزواج " (1).
# وأما قول ابن عباس رحمه الله، فإنه كان يقول: ألا تعجبون من قوم يحلون
~~المرأة لرجل واحد وهي تحرم عليه، ويحرمونها على آخر وهي حلال ms1042 له، فقالوا:
~~يا بن عباس ومن هؤلاء القوم؟ فقال: هم الذين يقولون للمطلق ثلاثا في مجلس
~~واحد، قد حرمت عليك امرأتك.
# وأما قول عمر بن الخطاب، فلا خلاف أنه رفع إليه رجل قد طلق امرأته ثلاثا،
~~فأوجع ظهره وردها عليه، وبعد ذلك رفع إليه رجل قد طلق كالأول، فأبانها منه،
~~فقيل له في اختلاف حكمه في الرجلين، فقال: قد أردت أن أحمله على كتاب الله
~~عز وجل، فخشيت أن يتتابع فيه السكران والغيران، فاعترف بأن المطلقة ثلاثا
~~ترد إلى واحدة على حكم الكتاب، وأنه إنما أبانها منه بالرأي والاستحسان،
~~فعملنا من قوله على ما وافق القرآن، ورغبنا عما ذهب إليه من جهد الرأي
~~والاستحسان.
# على أنه لا خلاف بين أهل اللسان العربي وأهل الإسلام، أن المصلي لو قال
~~في ركوعه: سبحان ربي العظيم فقط، ثم قال في عقيبه: ثلاثا، لم يكن مسبحا
~~ثلاثا، ولو قرأ الحمد مرة، ثم قال في آخرها بلفظه: عشرا لم يكن قارئا لها
~~عشرا.
# PageV02P684
# وقد أجمعت الأمة على أن الملاعن لو قال في شهادته أشهد بالله أربعا: أني
~~لمن الصادقين، لم يكن شاهدا أربع مرات على الحقيقة، حتى يفصلها.
# ولو أن حاجا رمى بسبع حصيات في دفعة واحدة، لم يجزئه ذلك عن سبع متفرقات،
~~فهذا بين واضح لمن تدبره، وأعطى النظر حقه، وحرره، وأنصف عن نفسه، ووزن
~~الحق بميزان عقله، وترك التقليد جانبا، وحب المذهب والنشو والعادة وراء
~~ظهره، واعتقد المعاد والحساب وسؤال منكر ونكير في رمسه، واستدرك في يومه ما
~~فرط في أمسه.
# وأيضا فقد قال الله تعالى: " إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا
~~العدة " (1) فأمر بإحصاء العدة، ثبت أنه أراد في كل قرء طلقة، لأنه لو أمكن
~~الجمع بين الثلاث، لما احتاج إلى إحصاء العدة في غير المدخول بها وذلك خلاف
~~الظاهر.
# فإن قيل: العدد إذا ذكر عقيب الاسم، لم يقتض التفريق، مثاله إذا قال له
~~على مائة درهم مرتان، وإذا ذكر عقيب الفعل اقتضى التفريق، مثاله أدخل الدار
~~مرتين، أو ضربته مرتين، والعدد ms1043 في آية الطلاق وهو قوله تعالى: " الطلاق
~~مرتان " عقيب الاسم لا الفعل.
# قلنا: قوله " الطلاق مرتان "، يعني طلقوا مرتين، لأنه لو كان خبرا لكان
~~كذبا، فالعدد مذكور عقيب فعل، لا اسم فهذا آخر الجواب، أجبت إيراده هاهنا
~~لئلا يشذ.
# وقد روى أصحابنا روايات متظاهرة بينهم، متناصرة، وأجمعوا عليها قولا
~~وعملا، أنه إن كان المطلق مخالفا، وكان ممن يعتقد وقوع الطلاق الثلاث، لزمه
~~ذلك، ووقعت الفرقة به، وإنما لا يقع الفرقة إذا كان الرجل معتقدا للحق.
# فأما الشرائط الخاصة، فهو الحيض، لأن الحائض لا يقع طلاقها إذا كان
# PageV02P685
# الرجل حاضرا، ويكون قد دخل بها، فإن طلقها وهي حائض، كان طلاقه باطلا،
~~وكذلك إن طلقها في طهر قد قربها فيه، لم يقع الطلاق.
# ومتى لم يكن دخل بالمرأة وطلقها وقع الطلاق وإن كانت حائضا.
# وكذلك إن كان عنها غائبا بمقدار ما يعرف من حالها وعادتها، وقع طلاقه.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: شهرا فصاعدا، وقع طلاقه إذا طلقها وإن
~~كانت حائضا (1).
# وليس الاعتبار بالشهر الذي اعتبره رحمه الله، بل الاعتبار بما يعرفه من
~~حال امرأته، إما شهرا أو شهرين، أو ثلاثة، على قدر عادتها.
# وقد حقق هذا في استبصاره (2)، ورجع عن إطلاق ما في نهايته، في المكان
~~الذي أشرنا إليه.
# ومتى عاد من غيبته، وصادف امرأته حائضا، وإن لم يكن واقعها لم يجز له
~~طلاقها حتى تطهر، لأنه صار حاضرا، ولا يجوز للحاضر أن يطلق امرأته وهي حائض
~~بغير خلاف بيننا، فهذا فقه المسألة.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ومتى كان للرجل زوجة معه في البلد، غير
~~أنه لا يصل إليها، فهو بمنزلة الغائب عن زوجته، فإذا أراد طلاقها، فليصبر
~~إلى أن يمضي ما بين شهر إلى ثلاثة أشهر، ثم يطلقها إن شاء (3).
# قال محمد بن إدريس: الذي يقتضيه أصول مذهبنا، وإجماعنا منعقد عليه، أنه
~~لا يجوز للحاضر أن يطلق زوجته المدخول بها وهي وحائض، بغير خلاف بيننا على
~~ما قدمناه، إذا كانت مستقيمة الحيض، غير مسترابة، ولو بقي لا ms1044 يقربها ولا
~~يطأها سنة، أو أكثر من ذلك، وإنما الاستبراء لمن لا تحيض، وفي سنها من
# PageV02P686
# تحيض، على ما بيناه، وحمل الحاضر والحاضرة في البلد على تلك قياس، وهو
~~باطل عندنا، والأصل الزوجية، فمن أوقع الطلاق، يحتاج إلى دليل قاهر، وما
~~ذكره شيخنا خبر واحد، أورده إيرادا لا اعتقادا، كما أورد أمثاله مما لا
~~يعمل عليه ولا يعرج عليه ولولا إجماعنا على طلاق الغائب، وإن كانت زوجته
~~حائضا لما صح، فلا نتعداه ونتخطاه.
# وقد قلنا: إنه يستحب الإشهاد على المراجعة، فإن لم يفعل كان جائزا.
# وأدنى ما يكون به المراجعة أن ينكر طلاقها، أو يقول ما نويت الطلاق،
~~فيقبل قوله في الحكم ما لم تخرج من العدة، فإن خرجت من العدة لم يقبل منه
~~في الحكم.
# أو يقبلها، أو يلمسها، فإن بذلك أجمع ترجع إليه، وتنقطع العدة.
# وإنما يستحب الإشهاد، لأنه متى لم يشهد على المراجعة، وأنكرت المرأة ذلك،
~~وشهد لها بالطلاق شاهدان، فإن الحاكم يبينها منه، ولم يكن له عليها سبيل،
~~فإن لم يشهد في حال المراجعة، ثم أشهد بعد ذلك، كان أيضا جائزا.
# ومتى أنكر الطلاق، وكان ذلك قبل انقضاء العدة، كان ذلك أيضا رجعة على ما
~~قدمناه، فإن كان ذلك بعد انقضاء العدة، فلا سبيل له عليها، ولا يقبل قوله
~~على ما ذكرناه.
# ومتى راجعها لم يجز له أن يطلقها تطليقة أخرى طلاق العدة، إلا بعد أن
~~يواقعها، ويستبرئها بحيضة، فإن لم يواقعها، أو عجز عن وطئها، وأراد طلاقها،
~~طلقها طلاق السنة، على ما حررناه فيما مضى وشرحناه.
# ومتى واقعها وارتفع حيضها، وهي في سن من تحيض، وأراد طلاقها، استبرأها
~~بثلاثة أشهر، ثم يطلقها بعد ذلك.
# وإذا أراد أن يطلق امرأة قد دخل بها، ولم تكن قد بلغت مبلغ النساء، ولا
~~مثلها في السن قد بلغ، وحد ذلك دون تسع سنين، فليطلقها أي وقت شاء، فإذا
~~طلقها فقد بانت منه في الحال، على الصحيح من المذهب. PageV02P687
# وقال بعض أصحابنا: يجب عليها العدة ثلاثة أشهر، وهو اختيار السيد ms1045
~~المرتضى.
# والأول أظهر بين الطائفة، وعملهم عليه، وفتاويهم به، وصائرة إليه، وقد
~~تكلمنا في باب النكاح (1) في هذه المسألة وبلغنا فيها أبعد الغايات، وأقصى
~~النهايات، وقلنا: إن قيل إن عندكم إذا دخل بالمرأة زوجها، ولم تبلغ تسع
~~سنين، فقد حرمت عليه أبدا، فكيف يطلقها؟ وأزلنا الشبهة المعترضة في ذلك بما
~~لا معنى لإعادته (2).
# ومتى كان لها تسع سنين فصاعدا، ولم تكن حاضت بعد، وأراد طلاقها، فليصبر
~~عليها ثلاثة أشهر، ثم يطلقها بعد ذلك.
# وحكم الآيسة من المحيض، ومثلها لا تحيض، حكم التي لم تبلغ مبلغ النساء
~~سواء، في أنه يطلقها أي وقت شاء، وحد ذلك خمسون سنة على ما قدمناه.
# ومتى كانت آيسة من المحيض، ومثلها تحيض، استبرأها بثلاثة أشهر، ثم يطلقها
~~بعد ذلك، وحد ذلك إذا نقص سنها عن خمسين سنة.
# وإذا أراد أن يطلق امرأته، وهي حبلى مستبين حملها، فليطلقها، أي وقت شاء،
~~بغير خلاف بين أصحابنا، على خلاف بينهم، هل الحبلى المستبين حملها تحيض أم
~~لا؟ وأدل دليل، وأوضح قيل، على أنها لا تحيض، إجماعهم على صحة طلاقها، سواء
~~كان ذلك في حال رؤية دم، أو حال نقاء، فلو كانت تحيض، ما صح طلاقها في حال
~~رؤية الدم، لأن إجماعهم منعقد على أن طلاق الحائض لا يقع، ولا يصح، فيحقق
~~به ما قلناه.
# فإذا طلقها واحدة، كان أملك برجعتها ما لم تضع ما في بطنها.
# فإذا راجعها وأراد طلاقها للسنة، قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: لم يجز
~~له
# PageV02P688
# ذلك حتى تضع ما في بطنها (1).
# قال محمد بن إدريس: لا أرى لمنعه وجها، ولا مانعا يمنع منه، من كتاب، ولا
~~سنة متواترة، ولا إجماع منعقد، والأصل الصحة، والمنع يحتاج إلى دليل، مع
~~قوله تعالى: " فإن طلقها " و " الطلاق مرتان " وغير ذلك من عمومات آيات
~~الطلاق، وإنما هو خبر واحد، أورده في نهايته إيرادا، لا اعتقادا، وقد بينا
~~ما في أخبار الآحاد.
# فإن أراد طلاقها للعدة واقعها، ثم يطلقها بعد المواقعة، فإذا فعل ذلك،
~~فقد بانت منه بتطليقتين، ms1046 وهو أملك برجعتها، فإن راجعها وأراد طلاقها ثالثة،
~~واقعها ثم يطلقها، فإذا طلقها الثالثة، لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره.
# ولا يجوز لها أن تتزوج حتى تضع ما في بطنها، فإن كانت حاملا باثنين،
~~فإنها لا تبين من الرجل إلا بعد وضع الأخير منهما، لقوله تعالى: " وأولات
~~الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " (2) فإذا وضعت الأول، ما وضعت حملها جميعه.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: فإن كانت حاملا باثنين، فإنها تبين من
~~الرجل عند وضعها الأول، ولا تحل للأزواج حتى تضع جميع ما في بطنها (3).
# وهذا قول عجيب، لأنه لو كانت قد بانت من الرجل بوضعها الأول، وانقضت
~~العدة، لحلت للأزواج، فلو لم تكن بعد في العدة، لما كان التزويج محظورا،
~~ولا انتظار وضع جميع ما في بطنها معتبرا في تحليل العقد عليها لغيره.
# إلا أن شيخنا أبا جعفر رجع عما ذكره في نهايته، في الجزء الثالث من مسائل
~~خلافه، فقال: مسألة، إذا طلقها وهي حامل، فولدت توأمين بينهما أقل من ستة
~~أشهر، فإن عدتها لا تنقضي حتى تضع الثاني منهما، وبه قال أبو حنيفة
~~وأصحابه، ومالك، والشافعي، وعامة أهل العلم، وقال عكرمة: ينقضي عدتها بوضع
~~الأول، وقد روى أصحابنا أنها تبين بوضع الأول، غير أنها لا تحل
# PageV02P689
# للأزواج حتى تضع الثاني (1)، والمعتمد الأول، دليلنا: قوله " وأولات
~~الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " وهذه ما وضعت حملها (2)، هذا آخر كلامه رحمه
~~الله.
# وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن الحامل عدتها أقرب الأجلين، من جملتهم ابن
~~بابويه (3).
# ومعنى ذلك، أنها إن مرت بها ثلاثة أشهر فقد انقضت عدتها، ولا تحل للأزواج
~~حتى تضع ما في بطنها، وإن وضعت الحمل بعد طلاقه بلا فصل، بانت منه، وحلت
~~للأزواج، وهذا لمذهب في العجب كالأول.
# والصحيح من الأقوال، والأظهر بين الطائفة، أن عدتها بوضع الحمل، يعضد ذلك
~~قوله تعالى: " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ".
# وإذا أراد الرجل طلاق زوجته وهو غائب عنها، فإن خرج إلى السفر وقد كانت
~~طاهرا طهرا لم يقربها فيه ms1047 بجماع، جاز له أن يطلقها أي وقت شاء، ومتى كانت
~~طاهرا طهرا قد قربها فيه بجماع، فلا يطلقها حتى يمضي زمان يعرف من حالها
~~أنها حاضت وطهرت فيه، وذلك بحسب ما يعرف من عادتها في حيضها، إما شهرا، أو
~~شهرين، أو ثلاثة أشهر.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: فلا يطلقها حتى يمضي ما بين شهر إلى
~~ثلاثة أشهر، أو أربعة أشهر، ثم: يطلقها بعد ذلك أي وقت شاء (4).
# إلا أنه رحمه الله، حرر ما أجمله في كتابه الإستبصار، في الجزء الثالث،
~~فقال في باب طلاق الغائب، لما أورد الأخبار، واختلفت في التحديد، فقال:
# الوجه في الجمع بين هذين الخبرين، والخبر الأول، أن نقول: الحكم يختلف
~~باختلاف عادة النساء في الحيض، فمن علم من حال امرأته أنها تحيض في كل
# PageV02P690
# شهر حيضة، يجوز له أن يطلق بعد انقضاء الشهر، ومن يعلم أنها لا تحيض إلا
~~كل ثلاثة أشهر، أو خمسة أشهر، لم يجز له أن يطلقها إلا بعد مضي هذه المدة،
~~فكان المراعى في جواز ذلك، مضي حيضة، وانتقالها إلى طهر لم يقربها فيه
~~بجماع، وذلك يختلف على ما قلناه (1).
# هذا آخر كلامه رحمه الله في باب طلاق الغائب في الإستبصار، ونعم ما قال
~~وحرر، وأوضح المسألة تغمده الله برحمته، وحشره مع أئمته.
# فإن قيل: إذا مضى ثلاثة أشهر بيض فلا حاجة في الاستبراء إلى أكثر منها،
~~لأن بها تخرج من العدة، وإن كانت من ذوات الأقراء المستقيمة الحيض.
# قلنا: الاستبراء غير العدة، لأن الإجماع منعقد على أن من وطأ زوجته في
~~طهرها، فلا يجوز له أن يطلقها فيه حتى تحيض وتطهر، ثم يطلقها في الطهر الذي
~~لم يقربها فيه بجماع، فإذن تحقق ما قلناه، وإن كان أكثر من ثلاثة أشهر.
# ومتى أراد الغائب أن يطلق امرأته، وراعى ما قلناه، فليطلقها تطليقة
~~واحدة، ويكون هو أملك برجعتها ما لم تخرج من عدتها، إما بالأقراء إن كانت
~~مستقيمة الحيض، أو بالشهور إن كانت مسترابة، وفي سنها من تحيض، وهي ثلاثة
~~أشهر. ms1048
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ويكون هو أملك برجعتها ما لم يمض لها
~~ثلاثة أشهر، وهي عدتها إذا كانت من ذوات الحيض (2).
# ولا أرى لقوله هذا وجها يستند إليه، ولا دليلا يعول عليه، وكيف صارت هذه
~~على كل حال تعتد بالأشهر الثلاثة، مع قوله تعالى: " والمطلقات يتربصن
~~بأنفسهن ثلاثة قروء " (3) ولا خلاف بيننا أنها إذا شهد لها شهود بالطلاق
~~وتاريخه، وكان قد مضى لها من يوم طلقها ثلاثة قروء، فإنها تحل للأزواج.
# فإذا أراد الغائب الذي طلق زوجته مراجعتها قبل خروجها من عدتها،
# PageV02P691
# أشهد على المراجعة، كما أشهد على الطلاق، فإن لم يشهد على المراجعة، وبلغ
~~الزوجة الطلاق، فاعتدت وتزوجت، لم يكن له عليها سبيل، وكذلك إن انقضت عدتها
~~ولم تتزوج، لم يكن له عليها سبيل إلا بعقد مستأنف.
# ومتى طلقها وأشهد على طلاقها، ثم قدم أهله وأقام معها، ودخل بها، وأتت
~~المرأة بولد، ثم ادعى أنه كان طلقها، لم يقبل قوله، ولا بينته، وكان الولد
~~لاحقا به.
# وفقه ذلك، أن ظاهر حاله ودخوله عليها ووطأه لها والمقام عندها بعد رجوعه،
~~أنه راجعها، وأنها زوجته، فلا يلتفت إلى دعواه ولا بينته بالطلاق، لأن له
~~مراجعتها بعد طلاقه، وقد رأيناه مراجعا لها، وفاعلا جميع ما يفعله الزوج
~~فحكمنا عليه بالظاهر.
# ومتى كان عند الرجل أربع نساء، وهو غائب عنهن، وطلق واحدة منهن، لم يجز
~~له أن يعقد على أخرى إلا بعد أن يمضي تسعة أشهر، لأن في ذلك مدة الأجلين،
~~فساد الحيض ووضع الحمل.
# هذا إذا كان طلاق المطلقة أول طلاقها، أو ثاني طلاقها، فأما إن كان طلاقا
~~ثالثا، فلا بأس أن يعقد على أخرى بعد طلاقها الثالث بلا فصل، لأنها قد بانت
~~منه في الحال، ولا يكون جامعا بين خمس نساء.
# وليس كذلك إذا كان الرجل مسافرا وتحته امرأة واحدة، وطلقها طلاقا شرعيا،
~~وأراد أن يعقد على أختها في حال سفره، فإذا انقضت عدتها على ما يعلمه من
~~عادتها، فله العقد على أختها، ولا يلزمه أن يصبر تسعة أشهر، ms1049 لأن القياس
~~عندنا باطل، وكذلك التعليل، فليلحظ الفرق بين المسألتين ويتأمل.
# وكذلك إذا كانت المطلقة التي هي الرابعة غير مدخول بها، أو مدخولا بها،
~~وهي لم تبلغ تسع سنين، أو لها من السنين أكثر من خمسين سنة، أو خمسون وقد
~~تغيرت عادتها، فإن هاتين المرأتين لا يجب عليهما العدة على الأظهر من
~~الأقوال، فليلحظ ذلك. PageV02P692
# ومتى كان للرجل زوجة معه في البلد، غير أنه لا يصل إليها، فهو بمنزلة
~~الغائب عن زوجته إذا أراد طلاقها، وقد قدمنا حكمه، فلا وجه لا عادته، هكذا
~~أورده شيخنا في نهايته (1).
# والصحيح أن من كان حاضرا في البلد، لا يجوز له أن يطلق زوجته وهي حائض،
~~بلا خلاف بين أصحابنا.
# وإذا أراد الرجل أن يطلق المسترابة التي لا تحيض وفي سنها من تحيض، بعد
~~دخوله بها، صبر عليها مستبرئا لها بثلاثة، أشهر، ثم يطلقها بعد ذلك أي وقت
~~شاء.
# وقد روي أن الغلام إذا طلق وكان ممن يحسن الطلاق، وقد أتى عليه عشر سنين
~~فصاعدا، جاز طلاقه، وكذلك عتقه، وصدقته، ووصيته، ومتى كان سنه أقل من ذلك،
~~أو لا يكون ممن يحسن الطلاق، فإنه لا يجوز طلاقه، ولا يجوز لوليه أن يطلق
~~عنه (2).
# والأولى ترك العمل بهذه الرواية، لأنها مخالفة لأصول المذهب، والأدلة
~~المتظاهرة، ولقول الرسول عليه السلام: " رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم "
~~(3)، ورفع القلم عنه يدل على أنه لا حكم لا فعاله.
# وأيضا فقد بينا أن أخبار الآحاد لا يعمل عليها، ولا يلتفت إليها، لأنها
~~لا توجب علما ولا عملا، وإن كان قد أوردها شيخنا أبو جعفر في نهايته (4)،
~~فعلى جهة الإيراد دون الاعتقاد، كما أورد أمثالها مما لا يعمل هو عليه.
# ثم قال شيخنا في نهايته: ومتى كان سنه أقل من ذلك، أو لا يكون ممن يحسن
~~الطلاق، فإنه لا يجوز طلاقه، ولا يجوز لوليه أن يطلق عنه، اللهم إلا أن
# PageV02P693
# يكون قد بلغ، وكان فاسد العقل، فإنه والحال ما ذكرناه جاز طلاق الولي عنه
~~(1).
# قال محمد بن إدريس: إذا كان ms1050 يعقل أوقات الصلوات، فإنه يطلق بنفسه، ولا
~~خيار لزوجته، وإن لم يعقل ذلك كان لزوجته الخيار، فإن اختارت الفسخ، فلا
~~حاجة إلى طلاق الولي، وإن لم تفسخ فلا يجوز للولي أن يطلق عنه، لقول النبي
~~عليه السلام: " الطلاق بيد من أخذ بالساق " (2).
# والحر إذا كان تحته أمة، فطلاقها تطليقتان، لأن المعتبر في الطلاق
~~بالزوجة إن كانت حرة، فطلاقها ثلاث، سواء كانت تحت حر، أو عبد، وإن كانت
~~أمة فطلاقها اثنتان، سواء كانت تحت حر، أو عبد.
# فإذا طلقها طلقتين، لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره.
# فإن وطأها مولاها، لم يكن ذلك محللا للزوج من وطئها، حتى يدخل في مثل ما
~~خرجت منه من نكاح.
# فإن اشتراها الذي كان زوجها، لم يجز وطؤها حتى يزوجها رجلا، ويدخل بها،
~~ويكون التزويج دائما، ويطأها في قبلها، ثم يطلقها، أو يموت عنها، وتنقضي
~~العدة، فإذا حصل ذلك جاز له حينئذ وطؤها بالملك.
# ومتى طلقها واحدة، ثم أعتقت، بقيت معه على تطليقة واحدة، فإن تزوجها بعد
~~ذلك، وطلقها الثانية، لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره.
# والعبد إذا كانت تحته حرة، فطلاقها ثلاث تطليقات، على ما بيناه، فإن كان
~~تحته أمة، فطلاقها تطليقتان حسب ما قدمناه، فإن طلقها واحدة ثم أعتقا (3)
~~بقيت معه على تطليقة واحدة، على ما رواه أصحابنا في الأخبار (4).
# PageV02P694
# وتحقيق الفتوى بذلك، لي فيه نظر، فإن كان على الرواية إجماع، عملنا بها،
~~وإلا طلبنا دليلا غيره ليعمل به.
# فإن أعتقا جميعا قبل أن يطلقها شيئا، كان حكمها حكم الحرة من كونها على
~~ثلاث تطليقات.
# وقد قلنا أن طلاق المكره لا يقع، وكذلك سائر عقوده بغير خلاف بين
~~أصحابنا، وروي عن الرسول عليه السلام أنه قال: لا طلاق ولا عتاق في إغلاق
~~(1) بكسر الألف وسكون الغين المعجمة، قال أبو عبيد القسم بن سلام الإغلاق:
~~الإكراه.
# قال شيخنا أبو جعفر الطوسي في مسائل خلافه، في الجزء الثالث في كتاب
~~الطلاق: مسألة، الاستثناء بمشية الله تعالى يدخل في الطلاق والعتاق، سواء
~~كانا مباشرين، أو ms1051 معلقين بصفة، وفي اليمين بهما، وفي الإقرار، وفي اليمين
~~بالله، فيوقف الكلام، ومن خالفه لم يلزمه حكم ذلك، وبه قال أبو حنيفة
~~وأصحابه، والشافعي، وطاووس، والحكم، وقال مالك، والليث بن سعد: لا يدخل في
~~غير اليمين بالله، وهو ما تنحل بالكفارة، وهو اليمين بالله فقط، ثم استدل
~~على ما اختاره، فقال: دليلنا أن الأصل براءة الذمة، وثبوت العقد، وإذا عقب
~~كلامه بلفظ إن شاء الله في هذه المواضع، فلا دليل على زوال العقد في
~~النكاح، أو العتق، ولا على تعلق حكم بذمته، فمن ادعى خلافه فعليه الدلالة،
~~وروى ابن عمر، أن النبي عليه السلام، قال: من حلف على يمين، وقال في أثرها
~~إن شاء الله، لم يحنث فيما حلف عليه (2)، وهو على العموم في كل الأيمان
~~بالله وبغيره (3).
# قال محمد بن إدريس: لا يدخل الاستثناء بمشية الله تعالى عندنا بغير خلاف
~~بين أصحابنا معشر الشيعة الإمامية، إلا في اليمين بالله حسب، لأنه لا أحد
~~من
# PageV02P695
# أصحابنا قديما وحديثا يتجاسر، ويقدم على أن رجلا أقر عند الحاكم بمال
~~لرجل آخر، وقال بعد إقراره إن شاء الله، لا يلزمه ما أقر به:
# فأما شيخنا أبو جعفر، فهو محجوج بقوله، فإنه رجع عما حكيناه عنه في الجزء
~~الثالث أيضا في كتاب الأيمان، فقال: مسألة، لا يدخل الاستثناء بمشية الله
~~تعالى إلا في اليمين فحسب، وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة: يدخل في اليمين
~~بالله، وبالطلاق وبالعتاق، وفي الطلاق والعتاق، وفي النذور والإقرارات،
~~دليلنا أن ما ذكرناه مجمع على دخوله فيه، وما قالوه ليس عليه دليل (1)، هذا
~~آخر كلامه.
# قال محمد بن إدريس: اختار رضي الله عنه في المسألة الأولى مذهب أبي
~~حنيفة، واختار في المسألة الثانية مذهب مالك، ثم استدل على صحة المسألتين.
# ولعمري إن الأدلة لا تتناقض، وإنما حداه على ذلك الدخول مع القوم في
~~فروعهم وكلامهم، ولو لزم طريقة أصحابه من التمسك بأصول مذهبهم وترك فروع
~~مخالفيه، كان أولى وأحوط وأسلم له، ولمن يقف على كتبه وتصنيفه ممن يقلده
~~ويتبع أقواله ms1052 نسأل الله التوفيق.
# باب اللعان والارتداد اللعان مشتق من اللعن، وهو الإبعاد والطرد، يقال:
~~لعن الله فلانا، يعني أبعده وطرده، فسمي المتلاعنان بهذا الاسم، لما يتعقب
~~اللعن من المأثم والإبعاد والطرد، فإن أحدهما لا بد أن يكون كاذبا فيلحقه
~~المأثم، ويتعلق عليه الإبعاد والطرد من رحمة الله تعالى ورضاه.
# فإذا ثبت هذا فثبوت حكمه في الشرع بالكتاب والسنة والإجماع، قال الله
~~تعالى: " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم
# PageV02P696
# فشهادة " (1) إلى آخر الآيات، فذكر تعالى اللعان وكيفيته وترتيبه، فموجب
~~القذف عندنا في حق الزوج الحد، وله إسقاطه باللعان، وموجب القذف في حق
~~المرأة الحد، ولها إسقاطه باللعان.
# ويقف صحة اللعان بين الزوجين على أمور، منها أن يكونا مكلفين، سواء كانا
~~أو واحد منهما من أهل الشهادة والحرية (2) أم لا، إذا كان اللعان بنفي
~~الولد، فأما إذا كان اللعان بزنا، أضافه الزوج القاذف إلى مشاهدة ومعاينة،
~~فلا يثبت إلا بين الحر والحرة، والمسلم والمسلمة، لأن بين أصحابنا في ذلك
~~خلافا، فذهب شيخنا المفيد في مقنعته إلى أن اللعان لا يثبت بين الحر
~~والمملوكة، ولا بين المسلم والكافرة (3).
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا كان الزوج مملوكا والمرأة حرة، أو
~~يكون الرجل حرا والمرأة مملوكة، أو يهودية، أو نصرانية، ثبت بينهما اللعان
~~(4).
# وأطلق كل واحد منهما ما ذهب إليه، ويمكن العمل بقول كل واحد منهما على ما
~~حررناه، فنقول لا يثبت بينهما لعان إذا كان بالقذف، وادعى المشاهدة للزنا.
~~ويثبت إذا كان بنفي الولد على ما ذهب إليه شيخنا أبو جعفر، وما اخترناه
~~وذهبنا إليه، اختاره شيخنا أبو جعفر في استبصاره لما اختلفت الأخبار عليه،
~~فحرره على ما حررناه.
# فقال في الجزء الثالث من الإستبصار، في باب أن اللعان، يثبت بين الحر
~~والمملوكة، والحرة والمملوك، فأورد الأخبار في ذلك، ثم جاء خبر أورده في
~~آخر الأخبار مخالف لتلك الأخبار، فقال رحمه الله: فالوجه في هذا الخبر أحد
~~شيئين، أحدهما أن يكون محمولا على التقية، لأن ذلك مذهب بعض العامة ms1053 على ما
~~قدمنا القول فيه، والآخران نقول بمجرد القذف لا يثبت اللعان بين اليهودية
# PageV02P697
# والمسلم، ولا بينه وبين الأمة، وإنما يثبت بمجرد القذف اللعان في الموضع
~~الذي إن لم يلاعن وجب عليه حد الفرية، وذلك غير موجود في المسلم مع
~~اليهودية، ولا مع الأمة، لأنه لا يضرب حد القاذف إذا قذفها، ولكن يعزر على
~~ما نبينه في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى، فكان اللعان يثبت بين هؤلاء
~~بنفي الولد لا غير (1) هذا آخر كلامه رحمه الله.
# وبهذا القول أعمل وأفتي، لأن اللعان حكم شرعي يحتاج مثبته إلى دليل شرعي،
~~والأصل براءة الذمة في الموضع الذي نفيناه، ولا معنا إجماع من طائفتنا على
~~ذلك.
# ومنها أن يكون النكاح دواما.
# ومنها أن تكون الزوجة مدخولا بها عند بعض أصحابنا.
# والأظهر الأصح أن اللعان يقع بالمدخول بها وغير المدخول بها لقوله تعالى:
# " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء " (2) الآية هذا إذا كان بقذف
~~يدعي فيها المشاهدة، فأما إذا كان بنفي الولد والحمل، فلا يقع اللعان
~~بينهما بذلك قبل الدخول، القول قول الزوج مع يمينه، ولا يلحق الولد به بلا
~~خلاف بين أصحابنا في ذلك، ولا يحتاج في نفيه إلى لعان، فعلى هذا التحرير من
~~قال من أصحابنا لا يصح اللعان إلا بعد الدخول، يريد بنفي الولد، ومن قال
~~يصح اللعان قبل الدخول، يريد بالقذف وادعاء المشاهدة له، فليلحظ ذلك
~~ويتأمل.
# وحكم المطلقة طلاقا رجعيا إذا كانت في العدة كذلك.
# ومنها أن لا تكون صماء ولا خرساء.
# ومنها أن يقذفها الزوج بزنا، يضيفه إلى مشاهدة، بأن يقول: رأيتك تزنين،
~~ولو قال: يا زانية لم يثبت بينهما لعان، أو ينكر حملها أو يجحد ولدها.
# ولا يقيم أربعة من الشهود بما قذفها به.
# PageV02P698
# وإن تكون منكرة لذلك.
# وصفة اللعان أن يجلس الحاكم بينهما، مستدبر القبلة، ويوقفهما بين يديه
~~المرأة عن يمين زوجها، موجهين إلى القبلة، ويقول الرجل، أشهد بالله أني
~~فيما ذكرته عن هذه المرأة من الفجور لمن الصادقين، فإذا قال ذلك أمره أن ms1054
~~يعيد تمام أربع مرات، فإذا شهد الرابعة قال له الحاكم: اتق الله عز وجل،
~~واعلم أن لعنة الله شديدة، وعذابه أليم، فإن كان حملك على ما قلت غيرة، -
~~بفتح الغين - أو سبب من الأسباب، فراجع التوبة، فإن عقاب الدنيا أهون من
~~عقاب الآخرة.
# والبداة بالرجل واجبة مراعاة.
# والترتيب في الشهادة ولفظها أيضا مراعى.
# فإن بدأ بلعان المرأة أولا لا يعتد بذلك.
# فإن رجع عن قوله في قذفه جلده حد المفتري.
# وإن أصر على ما ادعاه قال له قل، إن لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين.
# فإذا قالها أقبل على المرأة، وأقامها، لأنها تكون قاعدة عند لعان زوجها،
~~وقال بعض أصحابنا تكون قائمة عند لعان الزوج.
# والأول الأظهر، وهو الذي اختاره شيخنا في مبسوطه (1).
# وقال لها ما تقولين فيما رماك به. فإن اعترفت، رجمها، لأنها بتصديقها له
~~في أربع شهاداته، كأنها قد أقرت أربع مرات بالزنا، وإجماع أصحابنا أيضا
~~عليه.
# وإن أقامت على الإنكار، قال لها: قولي أشهد بالله أنه فيما رماني به لمن
~~الكاذبين. فإذا قالت ذلك طالبها بإتمام أربع شهادات كذلك. فإذا شهدت
~~الرابعة، وعظها كما وعظ الرجل، فإن اعترفت رجمها، وإن أصرت على الإنكار،
~~قال لها: قولي إن غضب الله علي إن كان من الصادقين. فإذا قالت
# PageV02P699
# ذلك فرق بينهما الحاكم، ولم تحل له أبدا، على ما قدمناه (1).
# ولفظ الشهادة وعدد الشهادات، والترتيب واجب في اللعان وشرط فيه، على ما
~~قدمناه، فلو قال أحلف بالله أو أقسم بالله، أو نقص شيئا من العدد، أو بدأ
~~الحاكم بالمرأة أولا، لم يعتد باللعان، ولم يحصل الفرقة به، وإن حكم الحاكم
~~بذلك، لأن ما قلناه مجمع على صحته، وليس على صحة ما خالفه دليل، ولأن ما
~~عدا ما ذكرناه مخالف لظاهر القرآن، لأنه تعالى ذكر لفظ الشهادة والعدد
~~والترتيب، من حيث أخبر أنها تدرأ عن نفسها العذاب بلعانها، والمراد بالعذاب
~~عندنا الحد، وعند أبي حنيفة الحبس، ولا يثبت واحد منهما إلا بعد لعان
~~الزوج، فصح ما قلناه.
# فإذا استوفى اللعان، ms1055 الحاكم بينهما فرق بينهما، ولم تحل له أبدا، وكان
~~عليها العدة من وقت لعانها.
# ومتى نكل الرجل عن اللعان قبل استكمال الشهادات، كان عليه الحد إذا كان
~~قذفا، فإن أكذب نفسه بعد مضي اللعان، لم يكن عليه شئ، ولا ترجع إليه
~~امرأته.
# وإن اعترف بالولد، إن كان اللعان بنفيه بعد انقضاء اللعان، لم يكن عليه
~~شئ، ولا ترجع إليه امرأته، وإن اعترف بالولد قبل انقضاء اللعان، ألحق به
~~وورثه أبوه، وهو يرثه، وليس عليه الحد.
# وإن اعترف به بعد مضي اللعان ألحق به، ويرثه ولده، وهو لا يرث ولده،
~~ويكون ميراث الولد لأمه، أو لمن يتقرب إليه من جهتها، دون الأب ومن يتقرب
~~إليه به، ولا يجب عليه الحد، وروي أنه يجب عليه الحد (2)، والأظهر ما
~~ذكرناه، لأن الأصل براءة الذمة.
# ومتى اعترفت المرأة بالزنا قبل شروع الزوج في اللعان، فلا ترجم، إلا أن
# PageV02P700
# تعترف وتقر أربع مرات.
# ومتى نكلت عن اللعان قبل استيفاء شهاداتها ولعانها، كان عليها الرجم.
# فإن اعترفت بالفجور بعد مضي اللعان، لم يكن عليها شئ، إلا أن تقر أربع
~~مرات على نفسها بالفجور، فإذا أقرت أربع مرات أنها زنت في حال إحصانها، كان
~~عليه الرجم، وإن كانت غير محصن كان عليها الحد مائة جلدة.
# وإذا قذف امرأته بما يجب فيه الملاعنة على ما قدمناه، وكانت خرساء أو
~~صماء لا تسمع شيئا، فرق بينهما وجلد الحد، إن قامت عليه البينة، وإن لم يقم
~~بينة به لم يكن عليه حد، ولم تحل له أبدا، ولم يثبت أيضا بينهما لعان.
# فأما إن كان الزوج أخرس والمرأة غير خرساء، فقد قال شيخنا أبو جعفر في
~~مسائل خلافه: مسألة، الأخرس إذا كان له إشارة معقولة، أو كناية مفهومة، يصح
~~قذفه، ولعانه، ونكاحه، وطلاقه، ويمينه، وسائر عقوده، ثم استدل، فقال:
# دليلنا قوله تعالى: " والذين يرمون أزواجهم " (1) الآية، ولم يفرق، وأيضا
~~إجماع الفرقة وأخبارهم على ذلك (2) هذا آخر كلامه.
# ولا أقدم على أن الأخرس المذكور يصح لعانه، لأن أحدا من أصحابنا غير من ms1056
~~ذكرناه لم يوردها في كتابه، ولا وقفت على خبر بذلك، ولا إجماع عليه،
~~والقائل بهذا غير معلوم، فأما الآية التي استشهد شيخنا بها، فالتمسك بها
~~بعيد، لأنه لا خلاف أنه غير قاذف ولا رام على الحقيقة، فالنطق منه
~~بالشهادات في حال اللعان متعذر، والأصل براءة الذمة. واللعان حكم شرعي
~~يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي.
# وأيضا لو رجع عن اللعان عند من جوزه له، وجب عليه الحد، والرسول عليه
~~السلام قال: " إدرأوا الحدود بالشبهات " (3) ومن المعلوم أن في إيمائه
~~وإشارته
# PageV02P701
# بالقذف شبهة أنه هل أراد به القذف أو غيره؟ وذلك غير معلوم يقينا،
~~كالناطق به بلا خلاف، وإن قلنا يصح منه اللعان كان قويا معتمدا، لأنه يصح
~~منه الإقرار، والأيمان، وأداء الشهادات، وغير ذلك من الأحكام.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا طلق الرجل امرأته قبل الدخول بها،
~~فادعت عليه أنها حامل منه، فإن أقامت البينة أنه أرخى سترا، أو خلا بها، ثم
~~أنكر الولد، لا عنها، ثم بانت منه، وعليه المهر كملا، وإن لم تقم بذلك
~~بينة، كان عليه نصف المهر، ووجب عليها مائة سوط، بعد أن يحلف بالله أنه ما
~~دخل بها (1).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: ما ذكره رحمه الله، ذهابا إلى قول من
~~يذهب إلى أن الخلوة بمنزلة الدخول، والأظهر والأصح عند المحصلين من أصحابنا
~~أن الخلوة وإرخاء الستر لا تأثير لهما، والقول قول الزوج، ولا يلزمه سوى
~~نصف المهر، ولا لعان بينهما.
# وإلى هذا يذهب شيخنا في مسائل خلافه في الجزء الثاني في كتاب الصداق،
~~فقال: مسألة، إذا طلقها بعد أن خلا بها، وقبل أن يمسها، اختلف الناس فيه
~~على ثلاثة مذاهب، فذهبت طائفة إلى أن وجود الخلوة وعدمها سواء، وترجع عليه
~~بنصف الصداق، ولا عدة عليها (2).
# وهو الظاهر من روايات أصحابنا (3)، ثم استدل بأدلة ظاهرة قوية على صحة
~~ذلك، وقد أوردنا نحن ذلك في كتابنا هذا في كتاب الصداق (4)، رجحنا القول في
~~ذلك.
# وإذا انتفى الرجل من ولد امرأته الحامل منه، ms1057 جاز أن يتلاعنا، إلا أنها إن
~~اعترفت ونكلت عن الشهادات، لم يقم عليها الحد، إلا بعد وضع ما في بطنها.
# وإذا قذف الرجل امرأته فترافعا إلى الحاكم، فماتت المرأة قبل أن يتلاعنا،
# PageV02P702
# فقد ماتت على حكم الزوجية، ويرثها الزوج، ويرث وارثها من جهة النسب الحد
~~على الزوج، لأن حد القذف عندنا موروث، لأنه من حقوق الآدميين، إلا أنه لا
~~يرثه إلا ذووا الأنساب دون ذوي الأسباب، فإن عفا الوارث إلا واحدا، استحقه
~~جميعه، لأنه لا يتبعض.
# وقد روي أنه إذا قذف الرجل امرأته، فترافعا إلى الحاكم، فماتت المرأة قبل
~~أن يتلاعنا، فإن قام رجل من أهلها مقامها ولا عنه، فلا ميراث له، وإن أبى
~~أحد من أوليائها أن يقوم مقامها، أخذ الزوج الميراث، وكان عليه الحد ثمانين
~~سوطا (1) أورد هذه الرواية شيخنا أبو جعفر في نهايته (2)، إيرادا لا
~~اعتقادا، كما أورد أمثالها، ولم يوردها غيره من أصحابنا، ولا أودعها كتابه،
~~ولا ضمنها تصنيفه، لا شيخنا المفيد، ولا السيد المرتضى، ولا غيرهما من
~~الجلة المشيخة المتقدمين.
# وشيخنا أبو جعفر قد لوح بالرجوع، بل صرح عما أورده في نهايته، في مبسوطه،
~~ومسائل خلافه، فقال في مبسوطه: الأحكام المتعلقة باللعان أربعة، سقوط الحد
~~عن الزوج، وانتفاء النسب، وزوال الفراش، والتحريم على التأبيد، فهذه
~~الأحكام عند قوم يتعلق بلعان الزوج، فإذا وجد منه اللعان بكماله، سقط الحد،
~~وانتفى النسب، وزال الفراش، وحرمت المرأة على التأبيد، ويتعلق به أيضا وجوب
~~الحد على المرأة، فأما لعان المرأة، فإنه لا يتعلق به أكثر من سقوط حد
~~الزنا عنها، وحكم الحاكم لا تأثير له في إيجاب شئ من هذه الأحكام، فإذا حكم
~~بالفرقة فإنما تنعقد (3) الفرقة التي كانت وقعت بلعان الزوج، لا أنه يبتدئ
~~إيقاع فرقة، وقال قوم - وهو الذي يقتضيه مذهبنا -: إن هذه الأحكام لا تتعلق
~~إلا بلعان الزوجين معا، فما لم يحصل اللعان بينهما، فإنه لا يثبت شئ من ذلك
~~(4) هذا آخر كلامه رحمه الله في مبسوطه.
# PageV02P703
# وقال في مسائل خلافه: مسألة إذا قذف الرجل زوجته، ms1058 ووجب عليه الحد، فأراد
~~اللعان، فمات القاذف أو المقذوفة، انتقل ما كان لها من المطالبة بالحد إلى
~~ورثتها، ويقومون مقامها في المطالبة، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: ليس
~~لهم ذلك، بناه على أصله، أن ذلك من حقوق الله، دون الآدميين، دليلنا: ما
~~تقدم من أن ذلك من حقوق الآدميين، فإذا ثبت ذلك فكل من قال بذلك، قال بهذا
~~ولم يفرق (1) هذا آخر المسألة.
# وقال أيضا: مسألة، إذا لاعن الزوج، تعلق بلعانه سقوط الحد عنه، وانتفاء
~~النسب، وزوال الفراش، وحرمت المرأة على التأبيد، ويجب على المرأة الحد،
~~ولعان المرأة لا يتعلق به أكثر من سقوط حد الزنا عنها، وحكم الحاكم لا
~~تأثير له في إلحاق شئ من هذه الأحكام، فإذا حكم بالفرقة، فإنما تنفذ الفرقة
~~التي كانت وقعت بلعان الزوج، لا أنه يبتدئ إيقاع فرقة، وبهذا قال الشافعي،
~~وذهبت طائفة إلى أن هذه الأحكام تتعلق بلعان الزوجين معا، فما لم يوجد
~~اللعان بينهما لم يثبت شئ منها، ذهب إليه مالك، وأحمد وداود، وهو الذي
~~يقتضيه مذهبنا، ثم استدل فقال: دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، فإنها دالة
~~على ما قلناه، وروى ابن عباس (2) أن النبي عليه السلام قال: المتلاعنان لا
~~يجتمعان أبدا (3).
# هذا آخر استدلاله في مسألته رحمه الله، وهذا مثل ما ذكره في مبسوطه.
# وأيضا الرواية التي أوردها في نهايته مخالفة لأصول المذهب، وقد بينا أن
~~أخبار الآحاد لا يعمل بها، لأنها لا توجب علما ولا عملا.
# PageV02P704
# وأيضا فإن الله تعالى قال: " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا
~~أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. والخامسة أن لعنة
~~الله عليه إن كان من الكاذبين " (1) ثم قال: " ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد
~~أربع شهادات " (2) وما قال أن يشهد وليها، فعلق تعالى الأحكام بشهادته
~~وشهادتها، فمن قال: يقوم غيرها مقامها يحتاج إلى دليل.
# وأيضا فعندنا أنها أيمان، وليس شهادات لقول الرسول عليه السلام: (لولا
~~الأيمان لكان لي ولها شأن " (3) فسمى اللعان يمينا، والأيمان عندنا لا
~~يدخلها النيابة بغير خلاف، ms1059 فكيف يحلف وليها عنها.
# وقال في التبيان: وفرقة اللعان تحصل عندنا بتمام اللعان من غير حكم
~~الحاكم، وتمام اللعان إنما يكون إذا تلاعن الرجل والمرأة معا، وقال قوم:
~~تحصل بلعان الزوج الفرقة، وقال أهل العراق: لا تقع الفرقة إلا بتفريق
~~الحاكم بينهما، ومتى رجمت عند النكول ورثها الزوج، لأن زناها لا يوجب
~~بالتفرقة بينهما، وإذا جلدت إذا لم يكن دخل بها فهما على الزوجية، وذلك يدل
~~على أن الفرقة إنما تقع بلعان الرجل والمرأة معا (4) هذا آخر كلامه في
~~التبيان لتفسير القرآن.
# وإذا قال الرجل لامرأته لم أجدك عذراء، لم يكن عليه الحد تاما، وكان عليه
~~التعزير ذكر شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه في كتاب اللعان، فقال: مسألة
~~إذا قال رجل لرجل: زنأت في الجبل، فظاهر هذا أنه أراد صعدت في الجبل، ولا
~~يكون صريحا في القذف، بل يحمل على الصعود، فإن ادعى عليه القذف، كان القول
~~قوله مع يمينه، فإن نكل ردت على المقذوف، فإن حلف حد، وبه قال الشافعي وأبو
~~يوسف، ومحمد، وقال أبو حنيفة: هو قذف بظاهره، يجب به الحد،
# PageV02P705
# دليلنا أن الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل، وأيضا قوله زنأت في
~~الجبل، حقيقته الصعود، فأما الرمي بالزنا فإنما يقال فيه زنيت، ولا يقال
~~زنأت، ألا ترى أن القائل يقول زنأت، أزنو، زنأ يعني صعدت، وزنيت أزني، زنا
~~وزناء بالمد والقصر لغتان، يعني فعلت الزنا، فإحدى الصيغتين تخالف الأخرى،
~~وقال الشاعر وهي امرأة:
# أشبه أبا أمك أو أشبه عمل ولا تكونن كهلوف وكل يصبح في مضجعه قد انجدل
~~وارق إلى الخيرات زنأ في الجبل وأيضا لو كانت هذه اللفظة تحتمل، لوجب أن لا
~~تحمل على القذف بالمحتمل، لأن الحدود موضوعة على أنها تدرأ بالشبهات (1)
~~هذا آخر المسألة.
# قال الجوهري في كتابه كتاب الصحاح: وعمل اسم رجل، وقالت امرأة ترقص
~~ولدها:
# أشبه أبا أمك أو أشبه عمل وأرق إلى الخيرات زنا في الجبل (2) عمل اسم
~~لرجل وهو خاله، تقول: لا تجاوزنا في الشبه.
# وقال السيد المرتضى ms1060 في الدرر والغرر لما أنشد البيت، قال: روى أبو زيد:
~~أن قيس بن عاصم المنقري أخذ صبيا له يرقصه، وأم ذلك الصبي منفوسة، وهي بنت
~~زيد الفوارس بن ضرار الضبي، فجعل قيس يقول له: أشبه أبا أمك أو أشبه عمل *
~~يريد عملي. والوكل: الجبان، والهلوف - بكسر الهاء وفتح اللام وتشديدها،
~~والفاء -: الهرم المسن، وهو أيضا الكبير اللحية (3) فعلى قول المرتضى الشعر
~~لقيس بن عاصم، وعلى قول الشيخ أبي جعفر والجوهري الشعر لامرأة.
# وعلى قول المرتضى لا يكون عمل اسم رجل، وعلى قول الجوهري هو اسم رجل، وهو
~~الأولى والأشبه.
# PageV02P706
# فأما المرتد عن الإسلام فعلى ضربين، فإن كان مسلما ولد على فطرة الإسلام،
~~فقد بانت منه امرأته في الحال، وقسم ماله بين ورثته، ووجب عليه القتل من
~~غير أن يستتاب، وكان على المرأة منه عدة المتوفى عنها زوجها، فعلى هذا تكون
~~وارثة من جملة الورثة، لأنه ساعة ارتد صار بمنزلة الميت، وإن لم يقتل، بأن
~~هرب إلى بلد أهل الحرب، فلأجل هذا لزمها عدة المتوفى عنها زوجها.
# فإن كان المرتد ممن قد أسلم عن كفر، ثم ارتد، استتيب، فإن عاد إلى
~~الإسلام كان العقد ثابتا بينه وبين امرأته، وإن لم يرجع كان عليه القتل.
# ومتى لحق هذا المرتد بدار الحرب، ثم رجع إلى الإسلام قبل انقضاء عدة
~~المرأة، وهي إما ثلاثة أقراء، أو ثلاثة أشهر بحسب حالها، كان أملك بها، فإن
~~رجع بعد انقضاء عدتها لم يكن له عليها سبيل.
# فإن مات الرجل وهو مرتد قبل انقضاء العدة، ورثته المرأة، وكان عليها عدة
~~المتوفى عنها زوجها، وإن ماتت هي لم يرثها، وهو مرتد عن الإسلام.
# ولا تقتل المرتدة، بل تحبس، وإن كانت قد ارتدت عن فطرة الإسلام، حتى تسلم
~~أو تموت.
# والزنديق من يبطن الكفر، ويظهر الإيمان، يقتل ولا تقبل توبته، على ما
~~رواه أصحابنا (1) وأجمعوا عليه.
# باب الظهار والإيلاء يفتقر صحة الظهار الشرعي إلى شروط:
# منها أن يكون المظاهر بالغا كامل العقل، لأنه لا يصح من صبي، ولا مجنون،
~~ولا ms1061 سكران.
# وفي صحته من الكافر خلاف، فقال شيخنا أبو جعفر: لا يصح الظهار من
# PageV02P707
# الكافر، ولا التكفير، ثم قال في استدلاله: دليلنا أن الظاهر حكم شرعي لا
~~يصح ممن لا يقر بالشرع، كما لا تصح منه الصلاة وغيرها، وأيضا فإن الكفارة
~~لا تصح منه، لأنها تحتاج إلى نية القربة، ولا يصح ذلك مع الكفر، وإذا لم
~~تصح منه الكفارة لم يصح منه الظهار، لأن أحدا لا يفرق بينهما (1).
# وقال رحمه الله: يصح الإيلاء من الذمي، كما يصح من المسلم، ثم استدل
~~فقال: دليلنا قوله تعالى: " للذين يؤلون من نسائهم تربص " (2) وذلك عام في
~~المسلم والذمي (3).
# قال محمد بن إدريس: فرقه بين المسألتين فرق عجيب، واستدلاله عليهما ظريف،
~~ولو قلب وعكس كان أولى، وهاهنا يحسن قول " أقلب تصب " لأن الإيلاء لا يكون
~~إلا بالله تعالى وبأسمائه، والكافر لا يعرف الله تعالى، ولا ينعقد يمينه،
~~ولا نيته في تكفيره، فالأولى أن لا يصح منه الإيلاء، لأن ما احتج به شيخنا
~~على أن الظهار لا يصح من الكافر قائم في إيلاء الكافر.
# والذي يقوى في نفسي أن الظهار يصح من الكافر، لقوله تعالى: " الذين
~~يظاهرون من نسائهم " (4) وهذا عام في جميع من يظاهر، وفي مقدوره الخروج منه
~~بالكفارة بأن يسلم، ويعرف الله تعالى كما أنه مخاطب بالصلاة والطهارة،
~~وكذلك المحدث مخاطب بالصلاة، لأن في مقدوره الطهارة (5) وإنما وجب هذا
~~الحكم لحرمة اللفظة، وهو قوله: أنت علي كظهر أمي، فهذا اللفظ الذي سماه
~~الله تعالى منكرا من القول وزورا، وقد تلفظ به الكافر، وقاله، فيجب أن
~~يتعلق به أحكامه.
# ومنها أن يكون مؤثرا له، فلا يصح من مكره ولا غضبان لا يملك نفسه.
# ومنها أن يكون قاصدا به التحريم، فلا يقع بيمين ولا مع السهو واللغو.
# ومنها أن يكون متلفظا بقوله: أنت علي كظهر أمي، على الصحيح من
# PageV02P708
# أقوال أصحابنا، لأن الظهار حكم شرعي، وقد ثبت وقوعه ولزومه إذا علق
~~بالظهر وأضيف إلى الأم، ولم يثبت ذلك في باقي الأعضاء، ولا المحرمات، وأيضا
~~فإن ms1062 الظهار مشتق من لفظة الظهر، فإذا علق بالبطن وما أشبهها بطل الاسم
~~المشتق من الظهر، ولم يجز إجراؤه.
# وقال بعض أصحابنا إذا ذكر لفظة الظهر وقع، إذا أضافه إلى بعض محرمات
~~النسب، كان يقول: أنت علي كظهر بنتي، أو عمتي، أو أختي، فإن لم يذكر لفظة
~~الظهر، بل ذكر الأم، كأن يقول: أنت علي كبطن أمي، وقع الظهار. وإن يعرى من
~~ذكر اللفظتين معا فلا يقع الظهار، ولا يتعلق بذلك أحكامه.
# والأول هو الذي يقتضيه الأدلة، وأصول مذهبنا، وهو اختيار السيد المرتضى،
~~والثاني اختيار شيخنا أبي جعفر الطوسي ومذهبه.
# ومنها أن يكون ذلك مطلقا من الاشتراط على الأظهر من المذهب، لأن بعض
~~أصحابنا يوقعه مشروطا، ويجعله على ضربين، مشروطا وغير مشروط، وهو مذهب
~~شيخنا أبي جعفر في نهايته (1).
# والأول هو المذهب والأظهر بين أصحابنا الذي يقتضيه أصول مذهبهم، لأنه لا
~~خلاف بينهم أن حكمه حكم الطلاق، ولا خلاف بينهم أن الطلاق لا يقع إذا كان
~~مشروطا، وهو اختيار السيد المرتضى، وشيخنا المفيد، وجلة المشيخة من
~~أصحابنا، والأصل براءة الذمة، وتحليل الزوجة، فمن حرم وطأها يحتاج إلى
~~دليل، وإجماعنا منعقد على الموضع الذي أجمعنا عليه، وما عداه لا دلالة على
~~وقوع الظهار معه، لأنه حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي.
# ومنها أن يكون ذلك موجها إلى معقود عليها، سواء كانت حرة أو أمة دائما
~~نكاحها. وقال بعض أصحابنا: أو مؤجلا، ولا يقع بملك اليمين على الصحيح من
~~المذهب.
# PageV02P709
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: إنه يقع الظهار بملك اليمين (1).
# والأول اختيار السيد المرتضى، وشيخنا المفيد، وهو الحق اليقين يعضده قوله
~~تعالى: " والذين يظاهرون من نسائهم " (2) وملك يمين المظاهر، ما هي من جملة
~~نسائه.
# ومنها أن يكون معينا لها، فلو قال - وله عدة أزواج -: زوجتي أو إحدى
~~زوجاتي علي كظهر أمي، من غير تعيين لها بنية أو إشارة أو تسمية، لم يصح.
# ومنها أن تكون طاهرا من الحيض والنفاس، طهرا لم يقربها فيه بجماع، إلا أن
~~تكون حاملا، أو ليست ms1063 ممن تحيض ولا في سنها من تحيض، أو غير مدخول بها على
~~الصحيح من مذهب أصحابنا، والأظهر من أقوالهم.
# وقد ذهب بعض أصحابنا وهو شيخنا أبو جعفر في نهايته إلى أن الظهار لا يقع
~~بغير المدخول بها (3).
# والقرآن قاض بصحة ما اخترناه، لأن الآية على عمومها، وهو قوله تعالى:
# " والذين يظاهرون من نسائهم " وهي قبل الدخول بها يتناولها هذا الاسم
~~بغير خلاف، وما اخترناه اختيار السيد المرتضى، وشيخنا المفيد.
# أو مدخولا بها وهي غايبة عن زوجها غيبة مخصوصة، على ما قدمناه في أحكام
~~الطلاق، لأنا قد بينا أن أحكام الظهار أحكام الطلاق، وشرائطه شرائطه في
~~جميع الأشياء، إلا ما أخرجه الدليل.
# ومنها أن يكون الظهار منها بمحضر من شاهدي عدل.
# يدل على ذلك كله إجماع أصحابنا، ونفى الدليل الشرعي على وقوعه مع اختلال
~~بعض الشروط، ولا يقدح فيما اعتمدناه من الإجماع خلاف من خالف من أصحابنا
~~بوقوع الظهار مع الشرط، وثبوت حكمه مع تعلق اللفظ بغير الظهر، وإضافته إلى
~~غير الأم من المحرمات، ونفي وقوعه بغير المدخول بها، ووقوعه بملك
# PageV02P710
# اليمين، لتميزه من جملة المجمعين باسمه ونسبه.
# على أن قوله تعالى: " والذين يظاهرون من نسائهم " ينافي تعليقه بغير
~~الظهر، وعدم وقوعه بغير المدخول بها، لأن الظهار مشتق من لفظ الظهر على ما
~~قدمناه، وغير المدخول بها توصف بأنها من نساء الزوج حسب ما بيناه.
# فإذا تكاملت شروط الظهار حرمت الزوجة عليه، فإن عاد لما قال بأن يريد
~~استباحة الوطء، لزمه أن يكفر قبله بعتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين
~~متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينا، لأن هذه الكفارة عندنا على
~~الترتيب.
# ولا يحرم عليه تقبيلها، ولا ضمها، ولا عناقها.
# وقال بعض أصحابنا: يحرم عليه تقبيلها قبل أن يكفر، كما يحرم وطؤها،
~~واستدل بقوله تعالى: " من قبل أن يتماسا " (1).
# وهذا لا دلالة فيه، لأن المسيس هاهنا بلا خلاف بيننا المراد به الوطي.
# ويستدل على أن العود شرط في وجوب الكفارة، بظاهر القرآن، لأنه لا خلاف أن
~~المظاهر لو طلق ms1064 قبل الوطء لا يلزمه الكفارة، وهذا يدل على أن الكفارة لا
~~تجب بنفس الظهار.
# ويدل على أن العود ما ذكرناه أن الظهار إذا اقتضى التحريم، وأراد المظاهر
~~الاستباحة، وآثر رفعه، كان عائدا لما قال، ومعنى قوله: " ثم يعودون لما
~~قالوا " (2) أي للمقول فيه كقوله سبحانه: " واعبد ربك حتى يأتيك اليقين "
~~(3) أي الموقن به، كقوله عليه السلام: " الراجع في هبته " (4) أي في
~~الموهوب، وكذا يقال: اللهم أنت رجاؤنا، أي مرجونا، ولا يجوز أن يكون المراد
~~بالعود الوطء، على ما ذهب إليه قوم، لأنه تعالى قال: " فتحرير رقبة من قبل
~~أن يتماسا " (5) فأوجب الكفارة بعد العود وقبل الوطء فدل على أنه غيره.
# PageV02P711
# ولا يجوز أن يكون العود إمساكها زوجة مع القدرة على الطلاق، على ما قاله
~~الشافعي، لأن العود يجب أن يكون رجوعا إلى ما يخالف مقتضى الظهار، وإذا لم
~~يقتض فسخ النكاح، لم يكن العود الإمساك عليه. ولأنه تعالى قال: " ثم يعودون
~~لما قالوا " وذلك يقتضي التراخي، والقول بأن العود هو البقاء على النكاح،
~~قوله بحصوله عقيب الظهار من غير فصل، وهو بخلاف الظاهر.
# وإذا جامع المظاهر قبل التكفير، فعليه كفارتان: إحداهما كفارة العود،
~~والأخرى عقوبة الوطء قبل التكفير، بدليل إجماعنا، ولأن بذلك يحصل اليقين
~~لبراءة الذمة.
# وإن استمر المظاهر على التحريم، فزوجة الدوام بالخيار بين الصبر على ذلك،
~~وبين المرافعة إلى الحاكم، وعلى الحاكم أن يخيره بين التكفير واستباحة
~~الجماع، وبين الطلاق، فإن لم يجب إلى شئ من ذلك أنظره ثلاثة أشهر (1)، فإن
~~فاء إلى أمر الله تعالى في ذلك، وإلا ضيق عليه في المطعم والمشرب، حتى يفئ.
# ولا يلزمه الحاكم بالطلاق، ولا يطلق عليه.
# وإذا طلق قبل التكفير سقطت عنه الكفارة، فإذا راجع في العدة لم يجز له
~~الوطء حتى يكفر، وإن خرجت من العدة واستأنف العقد عليها، جاز له الوطء من
~~غير تكفير.
# ومن أصحابنا، من قال: لا يجوز له الوطء حتى يكفر على كل حال.
# وظاهر القرآن معه، لأنه يوجب الكفارة بالعود من غير فصل، والأكثر بين ms1065
~~الطائفة الأول.
# وإذا ظاهر من زوجتين له فصاعدا، لزمه مع العود لكل واحدة منهن كفارة،
~~سواء ظاهر من كل واحدة منهن على الانفراد، أو جمع بينهن في ذلك
# PageV02P712
# كله بكلمة واحدة.
# وإذا كرر كلمة الظهار، لزمه بكل دفعة كفارة، فإن وطأ التي كرر القول
~~عليها قبل أن يكفر، يلزمه كفار واحدة عن الوطء، وكفارات التكرار.
# وفرض العبد في كفارة الظهار الصوم، وفرضه فيه كفرض الحر، لظاهر القرآن،
~~ومن أصحابنا من قال الذي يلزمه (1) شهر واحد، والأول هو الأظهر.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ومتى ظاهر الرجل امرأته مرة بعد أخرى،
~~كان عليه بعدد كل مرة كفارة، فإن عجز عن ذلك لكثرته، فرق الحاكم بينه وبين
~~امرأته (2).
# قال محمد بن إدريس: والأولى أن يستغفر الله تعالى بدلا عن الكفارة، ولا
~~يفرق الحاكم بينه وبين زوجته، لأن التفريق بينهما يحتاج إلى دليل، ولا دليل
~~على ذلك.
# إلا أن شيخنا رجع في استبصاره، وقال: يستغفر الله، ويطأ زوجته، وتكون
~~الكفارة في ذمته، إذا قدر عليها كفر.
# والصحيح أن الاستغفار كفارة لمن لا يقدر على الكفارة رأسا.
# وإذا حلف الرجل بالظهار، لم يلزمه حكمه.
# إذا قال: أنت علي كظهر أمي، ولم ينو الظهار، لم يقع.
# وكذلك إذا قال: أنت علي كظهر أمي ونوى به الطلاق، لم يكن طلاقا، ولا
~~ظهارا.
# إذا قال: أنت علي حرام، لم يتعلق بذلك عند أصحابنا حكم من الأحكام، لا
~~ظهار، ولا طلاق، ولا إيلاء، ولا يمين، ولا غير ذلك، على ما قدمناه.
# قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، في كتاب الظهار: مسألة، المكفر
~~بالصوم، إذا وطأ زوجته التي ظاهر منها في حال الصوم عامدا، نهارا كان أو
# PageV02P713
# ليلا، بطل صومه، ولزمه استئناف الكفارتين، فإن كان وطؤه ناسيا، مضى في
~~صومه، ولم يلزمه شئ، ثم استدل فقال: دليلنا إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط،
~~وأيضا فإن الله تعالى قال: " فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا " (1)
~~وهذا قد وطأ قبل الشهرين، فيلزمه كفارتان على ما مضى القول فيه (2) هذا آخر ms1066
~~استدلاله رحمه الله.
# قال محمد بن إدريس: أما وجوب الكفارة الأخرى فصحيح، وأما استئناف الكفارة
~~المأخوذ فيها بالصوم إذا وطأ ليلا فبعيد لا وجه له، ولا دليل على استئناف
~~الصيام، لأن الاستئناف ما جاءنا إلا في المواضع المعروفة المجمع عليها، وهي
~~إن وطأ بالنهار عامدا من غير عذر المرض، قبل أن يصوم من الشهر الثاني شيئا،
~~فيجب عليه الاستئناف للكفارة التي موجبها الظهار، وكفارة أخرى للوطء، عقوبة
~~على ما قدمناه، فأما إذا وطأ ليلا فعليه كفارة الوطء، ولا يجب عليه استئناف
~~ما أخذ فيه، لأنه لا دليل عليه من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، والأصل براءة
~~الذمة، فأما إذا وطأ بالنهار عامدا بعد أن صام من الشهر الثاني شيئا، فعليه
~~كفارة الوطء فحسب، ويبني على ما صام، ولا يجب عليه الاستئناف، فليلحظ ذلك،
~~فهذا الذي يقتضيه أصول مذهبنا.
# وقال شيخنا في مسائل خلافه: مسألة، إذا وجبت عليه الكفارة بعتق رقبة في
~~كفارة ظهار، أو قتل، أو جماع، أو يمين، أو يكون قد نذر عتق رقبة، فإنه يجزي
~~في جميع ذلك أن لا تكون مؤمنة إلا في القتل خاصة (3).
# قال محمد بن إدريس: اختلف أصحابنا في ذلك، والأظهر الذي يقتضيه أصول
~~المذهب، أن جميع الرقاب في الكفارات وغيرها لا تجزي إلا المؤمنة، أو بحكم
~~المؤمنة، ولا تجزي الكافرة، لأن الله تعالى قال: " ولا تيمموا الخبيث منه
# PageV02P714
# تنفقون " (1) والكافر خبيث بغير خلاف، والنهي يدل على فساد المنهى عنه،
~~والإعتاق يسمى إنفاقا.
# وأيضا طريقة الاحتياط تقتضيه، لأن الذمة مشغولة بالكفارة بغير خلاف، ولا
~~تبرأ بيقين إلا إذا كفر بالمؤمنة، لأن غيرها فيه خلاف.
# وهذا اختيار السيد المرتضى وغيره من المشيخة، والأول اختيار شيخنا أبي
~~جعفر الطوسي.
# إلا أنه رجع عنه في التبيان، فقال في تفسير قوله تعالى: " ولا تيمموا
~~الخبيث منه تنفقون " (2): وفي الفقهاء من استدل بهذه الآية على أن الرقبة
~~الكافرة لا تجزي في الكفارة، وضعفه قوم، وقالوا: العتق ليس بإنفاق، والأولى
~~أن يكون ذلك صحيحا، لأن الإنفاق يقع على كل ما ms1067 يخرج لوجه الله تعالى، عتقا
~~كان أو غيره (3) هذا آخر كلامه رحمه الله في كتاب التبيان لتفسير القرآن.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: مسألة، عتق المكاتب لا يجزي في
~~الكفارة، سواء أدى من مكاتبته شيئا أو لم يؤد (4).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: الصحيح أنه إذا لم يؤد شيئا من مكاتبته،
~~يجوز عتقه، ويجزي في الكفارة، لأنه بعد عبد لم يتحرر منه شئ بغير خلاف،
~~وبهذا قال في نهايته (5).
# هذا إذا كانت المكاتبة مطلقة، فأما إن كانت مشروطة، فإنه يجوز إعتاقه،
~~سواء، أدى من مال كتابته (6) شيئا أو لم يؤد، لأنه عندنا رق، وأحكامه أحكام
~~الرق في جميع الأشياء، إلا ما خرج بالدليل.
# PageV02P715
# وعتق أم الولد عندنا جائز في الكفارات، وكذلك عتق المدبر الذي يبتدأ
~~بتدبيره، لا عن نذر قد حصل شرطه، لأنه إذا حصل شرطه، فقد انعتق.
# وقال رحمه الله في مسائل خلافه: مسألة، إذا أعتق عبدا مرهونا، وكان موسرا
~~أجزأه، وإن كان معسرا لا يجزيه (1).
# قال محمد بن إدريس: لا يجزي عتق العبد المرهون قبل فكه من الرهن، سواء
~~كان الراهن موسرا أو معسرا، لأن العتق تصرف بغير خلاف، وإجماع أصحابنا على
~~أن تصرف الراهن في الرهن غير صحيح ولا ماض، وأنه لا يجوز له التصرف فيه
~~بغير خلاف بينهم، وأنه منهي عن التصرف فيه، وكل تصرف يتصرف فيه فإنه باطل،
~~والنهي يدل على فساد المنهي عنه.
# ثم ما قال بهذا أحد من أصحابنا، ولا وجدته مسطورا في تصنيف أحد منهم.
~~وشيخنا إن كان قال هذا عن أثر ورواية متلقي بالقبول، أو أخبار متواترة، جاز
~~العمل به إذا لم يمكن تأويله، وإن كان قاله من تلقاء نفسه على سبيل
~~الاستدلال والاستحسان، فلا معول على ذلك، فكيف ولم يرد به رواية، لا من
~~طريق الآحاد، ولا من طريق التواتر.
# ثم استدل رحمه الله على ما ذهب إليه في صدر المسألة، فقال: دليلنا على أن
~~عتق الموسر جائز، قوله تعالى: " فتحرير رقبة "، ولم يفصل، وعلى أن عتق ms1068
~~المعسر لا يجزي، أن ذلك يؤدي إلى إبطال حق الغير، فلا يجوز ذلك، وعليه
~~إجماع الفرقة، لأنهم أجمعوا على أنه لا يجوز من الراهن التصرف في الرهن،
~~وذلك عام في جميع ذلك (2). هذا آخر استدلاله.
# وهذا الاستدلال قاض عليه، وحاكم على فساد ما ذهب إليه، لأن جميع ما استدل
~~به على أن عتق المعسر لا يجزي، لازم له في عتق الموسر، حذو النعل
# PageV02P716
# بالنعل، والقذة بالقذة، فالمخصص يحتاج إلى دليل، فإني ما استجملت له رحمه
~~الله مع جلالة قدره هذا القول.
# ثم قال رحمه الله في مسائل خلافه: إذا كان له عبد قد جنى جناية عمد، فإنه
~~لا يجزي إعتاقه في الكفارة، وإن كان خطأ جاز ذلك، ثم قال في استدلاله:
~~دليلنا إجماع الفرقة، لأنه لا خلاف بينهم إذا كانت جناية عمد أنه ينتقل
~~ملكه إلى المجني عليه، وإن كان خطأ، فدية ما جناه على مولاه، لأنه عاقلته،
~~وعلى هذا لا بد مما قلناه (1)، هذا آخر استدلاله.
# قال محمد بن إدريس: ما قاله رحمه الله في صدر المسألة غير واضح، وكذلك ما
~~قاله في استدلاله، لأنه قال: " وإن كان خطأ جاز " وأطلق الكلام، والصحيح
~~أنه لا يجزي إلا إذا ضمن (2) دية الجناية، فأما قبل التزامه وضمانه، فلا
~~يجوز، لأنه قد تعلق برقبة العبد الجاني حق الغير، فلا يجوز إبطاله.
# وما قاله في استدلاله أن مولاه عاقلته، فغير صحيح، لأنه لا خلاف بين
~~أصحابنا، أن السيد غير عاقلة العبد، وإجماعهم منعقد على هذا، وشيخنا قائل
~~به أيضا في غير كتابه هذا، في هذا الموضع.
# وقال في مبسوطه في كتاب الظهار: إذا كان له عبد قد جنى فأعتقه، قال
~~بعضهم: إن كان جنى عمدا نفذ العتق، وإن كان خطأ فعلى قولين، ومنهم من عكس
~~هذا، فقال: إن كان خطأ لم ينفذ العتق، وإن كان عمدا فعلى قولين، والذي
~~يقتضيه مذهبنا، أنه إن كان عمدا نفذ العتق، لأن القود لا يبطل بكونه حرا،
~~وإن كان خطأ لا ينفذ، لأنه يتعلق برقبته، والسيد بالخيار ms1069 بين أن يفديه، أو
~~يسلمه (3) هذا آخر كلامه رحمه الله في مبسوطه.
# وهذا بخلاف ما ذكره في مسائل خلافه، وهو قوي يمكن القول به،
# PageV02P717
# والاعتماد عليه.
# وقال أيضا في مسائل خلافه: مسألة، إذا كان له عبد غائب يعرف خبره وحياته،
~~فإن إعتاقه جائز في الكفارة بلا خلاف، وإن لم يعرف خبره ولا حياته لا يجزيه
~~(1).
# قال محمد بن إدريس: وأخبار أصحابنا المتواترة عن الأئمة الأطهار،
~~وإجماعهم منعقد على أن العبد الغائب يجوز عتقه في الكفارة، إذا لم يعلم منه
~~موت، لأن الأصل الحياة، وهو موافق في نهايته على ذلك (2)، وقائل به، ولا
~~يلتفت إلى خلاف ما عليه الإجماع.
# إذا كان عليه كفارتان من جنس واحد، فأعتق عنها، أو صام بنيه التكفير دون
~~التعيين، أجزأه بلا خلاف، وإن كانت من أجناس مختلفة فلا بد فيها من نية
~~التعيين عن كل كفارة، وإن لم يعين لم يجزه.
# إذا أدخل الطعام أو الشراب في حلقه بالإكراه، لم يفطر بلا خلاف، وإن ضرب
~~حتى أكل أو شرب، فعندنا لا يفطر، ولا يقطع التتابع.
# ولا يلزمه أن ينوي التتابع في الصوم، بل يكفيه نية الصوم فحسب.
# والمعتبر في وجوب الكفارات المرتبة حال الأداء، دون حال الوجوب.
# من قدر حال الأداء على الإعتاق، لم يجزه الصوم، وإن كان غير واجد لها حين
~~الوجوب.
# يجب أن يطعم في كفارة اليمين خاصة ما يغلب على قوته وقوت أهله، لا من
~~غالب قوت البلد، فأما غيرها من الكفارات، فلا يلزم من قوت أهله، بل الواجب
~~عليه الإطعام مما يسمى طعاما وإطعاما، لأن دليل كفارة اليمين قوله تعالى: "
~~من أوسط ما تطعمون أهليكم " (3) ولم يذكر في غيرها من الكفارات ذلك.
# ولا يجوز إخراج القيم في الكفارات، ويجوز إخراج القيم عندنا في الزكوات.
# إذا كسى خمسة وأطعم خمسة في كفارة اليمين، لم يجزه، لأنه لم يمتثل ظاهر
~~الآية.
# PageV02P718
# وقال شيخنا أبو جعفر في التبيان، في تفسير آية الظهار: والرقبة ينبغي أن
~~تكون مؤمنة، سواء كانت ذكرا أو أنثى، صغيرة أو كبيرة، ms1070 إذا كانت صحيحة
~~الأعضاء، فإن الإجماع واقع على أنه يقع الإجزاء بها وقال الحسن وكثير من
~~الفقهاء: إن كانت كافرة أجزأت.
# فهذا يدلك على رجوعه عما قاله في نهايته من أنها تجزي، وإن كانت كافرة.
# باب الإيلاء يفتقر الإيلاء الشرعي الذي يتعلق به إلزام الزوج بالفئة -
~~بفتح الفاء - أو الطلاق بعد مطالبة الزوجة بذلك، إلى شروط.
# منها أن يكون الحالف بالغا كامل العقل.
# ومنها أن يكون المولى منها زوجة دوام.
# ومنها أن يكون الحلف بما ينعقد به الأيمان عند أهل البيت عليهم السلام،
~~لأنه لا ينعقد اليمين عندهم إلا بأسماء الله تعالى، دون أسماء المحدثات
~~(1).
# ومنها أن يكون ذلك مطلقا من الشروط.
# ومنها أن يكون مع النية والاختيار، من غير غضب ولا إكراه، ولا إجبار.
# ومنها أن تكون المدة التي حلف أن لا يطأ الزوجة فيها أكثر من أربعة أشهر.
# ومنها أن تكون الزوجة مدخولا بها.
# ومنها أن لا يكون إيلاؤه في صلاحه لمرض يضر به الجماع، أو في صلاح الزوجة
~~لمرض، أو حمل، أو رضاع.
# لأنه لا خلاف في ثبوت ذلك مع تكامل ما ذكرناه، ليس على ثبوته مع اختلال
~~بعضها دليل، فوجب نفيه.
# PageV02P719
# ومتى تكاملت هذه الشروط في الإيلاء، فمتى جامع حنث ولزمته كفارة يمين،
~~وإن استمر اعتزاله لها، فهي بالخيار بين الصبر عليه، وبين مرافعته إلى
~~الحاكم، فإن رافعته إليه ولو بعد الإيلاء بلا فصل، أو بعد ولو تطاول
~~الزمان، أمره بالجماع والتكفير، فإن أبى أنظره أربعة أشهر من حين المرافعة،
~~لا من حين اليمين، ليراجع نفسه، ويرتي في أمره، فإن مضت هذه المدة ولم يجب
~~إلى ما أمره، فعليه أن يلزمه الفئة أو الطلاق، فإن أبى ضيق عليه في التصرف
~~والمطعم والمشرب، حتى يفعل أيهما اختار.
# ولا تقع الفرقة بين الزوجين بانقضاء المدة، وإنما يقع بالطلاق، بدليل
~~قوله تعالى: " وإن عزموا الطلاق " (1) فأضاف الطلاق إلى الزوج، كما أضاف
~~الفئة إليه، فكما أن الفئة لا تقع إلا بفعله، فكذلك الطلاق، وأيضا الأصل
~~بقاء العقد، فمن ادعى أن ms1071 انقضاء المدة طلقة باينة، أو رجعية، فعليه الدليل.
# ويخص ما اشترطناه من كونها زوجة دوام، بقوله تعالى: " فإن عزموا الطلاق "
~~والنكاح المؤجل لا طلاق فيه.
# ونحتج على المخالف فيما اعتبرناه من كون اليمين بأسماء الله تعالى خاصة،
~~بما رووه من قوله عليه السلام: من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت (2).
# ونحتج عليه في النية بقوله عليه السلام: الأعمال بالنيات (3)، والمراد أن
~~أحكام الأعمال إنما تثبت بالنية، لما علمنا من حصول الأعمال في أنفسها من
~~غير نية.
# ويحتج عليه في الإكراه بما رووه من قوله عليه السلام: رفع عن أمتي الخطأ
# PageV02P720
# والنسيان وما استكرهوا عليه (1)، ويدخل في ذلك رفع الحكم والمأثم، لأنه
~~لا تنافي بينهما.
# ويخص كون المدة أكثر من أربعة أشهر، قوله تعالى: " للذين يؤلون من نسائهم
~~تربص أربعة أشهر " (2) فأخبر سبحانه أن له التربص بهذه المدة، فثبت أن ما
~~يلزمه من الفئة أو الطلاق يكون بعدها.
# ويخص كونها مدخولا بها قوله تعالى: " فإن فآءوا فإن الله غفور رحيم " (3)
~~لأن المراد بالفئة العود إلى الجماع بلا خلاف، ولا يقال عاد إلى الجماع إلا
~~لمن تقدم منه فعله، وهذا لا يكون إلا في المدخول بها.
# ومتى آلى أن لا يقرب زوجته وهي مرضعة، خوفا من حملها فيضر ذلك بالولد، لم
~~يلزمه الحاكم حكم الإيلاء، لأنه حلف في صلاح. وكذلك إن حلف أن لا يقربها
~~خوفا على نفسه من مرض به أو بها، فلا يلزمه الحاكم حكم الإيلاء، لأن هذا في
~~صلاح والإيلاء لا يكون إلا في إضرار بالمرأة.
# وكذلك إن حلف أن لا يقربها في الموضع المكروه، فلا يلزمه الحاكم حكم
~~الإيلاء، لأن هذا ليس بإضرار للمرأة.
# وإذا ادعت المرأة على الرجل أنه لا يقربها، وزعم الرجل أنه يقربها، كان
~~عليه اليمين بالله تعالى أن الأمر على ما قال، ويخلى بينه وبينها وليس عليه
~~شئ.
# إذا قال: والله لا جامعتك لا أصبتك، لا وطئتك، وقصد به الإيلاء
# PageV02P721
# كان إيلاء، وإن لم يقصد لم يكن بها موليا، وهي حقيقة في العرف في ms1072 الكناية
~~عن الجماع، وكذلك إذا قال: والله لا باشرتك، لا لامستك، لا باضعتك، وقصد
~~بها الإيلاء والعبارة عن الوطء، كان موليا، وإن لم يقصد لم يكن موليا.
# فإن قال: والله لا جمع رأسي ورأسك شئ، لا ساقف رأسي ورأسك شئ، لا جمع
~~رأسي ورأسك مخدة، كل هذه لا ينعقد بها الإيلاء، ولا حكم لها، لأن الأصل
~~براءة الذمة، وثبوت الإيلاء وحكمه بهذه الألفاظ يحتاج إلى دليل، ولا دليل
~~على ذلك.
# إذا طلق المولى طلقة، كانت رجعية.
# إذا قال: إن أصبتك فأنت علي حرام، لم يكن موليا ولا يتعلق به حكم على ما
~~بيناه.
# إذا قال: إن أصبتك فلله علي أن أعتق عبدي، لا يكون موليا.
# وعندنا أن الإيلاء لا يقع بشرط، لأن ثبوت الإيلاء بشرط يحتاج إلى دليل.
# الإيلاء يقع بالرجعية، لأنها زوجة عندنا، ويحتسب من مدتها زمان العدة.
# إذا آلى من أربع نسوة، فقال: والله لا وطأ تكن فلا يحنث بوطء واحدة منهن،
~~وكذلك إن وطأ اثنتين، أو ثلاثا منهن، فإن وطأ الرابعة حنث، ولزمته اليمين،
~~وكذلك لا يوقف إلا للأخيرة. فأما إن قال: والله لا وطئت واحدة منكن، فأي
~~واحدة وطأ حنث (1)، ووجب عليه الكفارة، وانحلت في حق الباقيات، فإن وطأ
~~بعدها أخرى لا يجب عليه شئ، سوى الكفارة الأولى.
# فأما إن قال: والله لا وطئت كل واحدة منكن، فمن وطأ منهن وجبت عليه في
~~حقها الكفارة، ولم تنحل في حق الباقيات، ومتى وطأ واحدة من الباقيات، كان
~~عليه الكفارة، والفرق واضح بين هذه الثلاث المسائل، فليلحظ.
# PageV02P722
# باب الخلع والمباراة والنشوز والشقاق سمى الله تعالى الخلع في كتابه،
~~افتداء فقال: " فلا جناح عليهما فيما افتدت به " (1) والفدية العوض الذي
~~تبذله المرأة لزوجها، تفتدي نفسها منه به، ومنه فداك أبي وأمي، أي هما
~~فداؤك، ومنه يقال: فدي الأسير، إذا افتدى من المال، فإن فودي رجل برجل، قيل
~~مفاداة، هذا حقيقة الخلع في الشرع.
# فأما اللغة فهو الخلع، واشتقاقه من خلع يخلع، وإنما استعمل هذا في
~~الزوجين، لأن كل واحد ms1073 منهما لباس لصاحبه، قال الله تعالى: " هن لباس لكم
~~وأنتم لباس لهن " (2) فلما كان كل واحد منهما لباسا لصاحبه، استعمل الخلع
~~في كل واحد منهما، لصاحبه.
# والأصل في الخلع الكتاب والسنة، فالكتاب قوله تعالى: " ولا يحل لكم أن
~~تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا
~~يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به " (3) فرفع الجناح في أخذ
~~الفدية منها عند خوف التقصير في إقامة الحدود المحدودة في حقوق الزوجية،
~~فدل على جواز الفدية.
# والخلع والمباراة مما يؤثران في كيفية الطلاق، وهو أن كل واحد منهما متى
~~حصل مع الطلاق، كانت التطليقة باينة لا رجعة للزوج على المرأة في العدة،
~~إلا أن ترجع فيما بذلته وافتدت به قبل خروجها من العدة، فله حينئذ الرجوع
~~في بضعها على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
# وفرق أصحابنا بين الخلع والمباراة، فلم يختلفوا في أن المباراة لا تقع
~~إلا بلفظ الطلاق، واختلفوا في الخلع، فقال المحصلون منهم فيه مثل ذلك، وقال
~~قوم منهم: يقع بلفظ الخلع.
# PageV02P723
# وفرقوا أيضا بين حكمهما، فقالوا: الخلع لا يكون إلا بكراهة من جهة المرأة
~~دون الرجل. ويجوز أن يأخذ منها مهر مثلها وزيادة، أو المهر المسمى وزيادة،
~~أو أنقص من ذلك، كيف ما اتفقا عليه، من قليل وكثير. والمباراة تكون الكراهة
~~منهما جميعا، ولا يجوز أن يأخذ منها أكثر من المهر، وقال بعضهم: دون المهر
~~فإما مثل المهر أو أكثر فلا يجوز، والصحيح أنه يجوز أن يأخذ مثل المهر،
~~فأما أكثر منه فلا يجوز.
# فأما إذا كانت الحال بين الزوجين عامرة، والأخلاق ملتئمة، واتفقا على
~~الخلع، فبذلت له شيئا على طلاقها، لم يحل له ذلك، وكان محظورا، لإجماع
~~أصحابنا على أنه لا يجوز له خلعها، إلا بعد أن يسمع منها ما لا يحل ذكره،
~~من قولها: لا اغتسل لك من جنابة، ولا أقيم لك حدا، ولأوطئن فراشك من تكرهه
~~أو يعلم ذلك منها فعلا، وهذا مفقود هاهنا، فيجب أن لا ms1074 يجوز الخلع، وأيضا
~~قوله تعالى: " ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا
~~يقيما حدود الله " (1) وهذا نص، فإنه حرم الأخذ منها إلا عند الخوف من ترك
~~إقامة الحدود.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإنما يجب الخلع، إذا قالت المرأة لزوجها
~~إني لا أطيع لك أمرا، ولا أقيم لك حدا، ولا اغتسل لك من جنابة، ولأوطئن
~~فراشك من تكرهه، إن لم تطلقني، فمتى سمع منها هذا القول، أو علم من حالها
~~منها عصيانه (2) في شئ من ذلك، وإن لم تنطق به، وجب عليه خلعها.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: قوله رضي الله عنه: " وجب عليه خلعها "،
~~على طريق تأكيد الاستحباب دون الفرض والإيجاب، لأن الشئ إذا كان عندهم شديد
~~الاستحباب، أتوا به بلفظ الوجوب على ما بيناه في غير موضع، وإلا فهو مخير
~~بين خلعها وطلاقها، وإن سمع منها ما سمع، بغير خلاف، لأن الطلاق
# PageV02P724
# بيده، ولا أحد يجبره على ذلك. فإذا أراد خلعها اقترح عليها مهما أراد،
~~على ما ذكرناه.
# ولا يصح البذل إلا على ما يملكه المسلمون، فإن خلعها على ما لا يملكه
~~المسلمون وكان عالما بذلك، كان الخلع غير صحيح، فأما إن خلعها على ما في
~~هذه الجرة من الخل، فخرج خمرا، كان الخلع صحيحا، وله عليها مثل املء الجرة
~~من الخل إن وجد، وإلا فقيمته، وكذلك إذا تزوجها على ذلك حرفا فحرفا.
# فإذا تقرر بينهما على شئ معلوم طلقها بعد ذلك، ويكون التطليقة باينة لا
~~يملك رجعتها، اللهم إلا أن ترجع المرأة فيما بذلته من مالها، فإن رجعت في
~~شئ من ذلك، كان له الرجوع في بعضها ما لم تخرج من العدة، فإن خرجت من العدة
~~ثم رجعت في شئ مما بذلته، لم يلتفت إليها، ولم يكن له عليها أيضا رجعة.
# فإن أراد مراجعتها قبل انقضاء عدتها، إذا لم ترجع هي فيما بذلته، أو بعد
~~انقضائها، كان ذلك بعقد مستأنف.
# فإن رجعت في البذل قبل خروجها من عدتها، فقد قلنا ms1075 له الرجوع في بضعها،
~~إلا أن يكون قد تزوج بأختها، أو برابعة مع الثلاث الباقيات عنده، فلا يجوز
~~له الرجوع في بضعها، وإن كان لها الرجوع في البذل، لأن الشارع جوز لها
~~الرجوع فيما بذلته قبل خروجها من عدتها، وهذه قد رجعت قبل خروجها من عدتها،
~~وجوز له الرجوع في بضعها، إذا أمكنه ذلك، وحل له، وهذا لم يحل له هاهنا
~~الرجوع، لأنه أتى من قبل نفسه بفعاله، والمنع لها من الرجوع فيما بذلته
~~يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه.
# والخلع لا يقع إلا أن تكون المرأة طاهرة طهرا لم يقربها فيه بجماع، أو
~~يكون غير مدخول بها، أو يكون غائبا عنها زوجها غيبة مخصوصة، على ما قدمناه
~~في أحكام الطلاق، لأن حكمه حكمه، أو تكون قد أيست من المحيض وليس في سنها
~~من تحيض.
# وإن يحضر الشاهدان العدلان. PageV02P725
# وجميع أحكام الطلاق معتبرة في الخلع، لأنه طلاق، إلا أن في مقابلته عوضا
~~تبذله المرأة، لكراهتها المقام مع الزوج، فإن قدم لفظ الخلع وعقب بلفظ
~~الطلاق كان جائزا، وإن لم يقدم لفظ الخلع بل مجرد لفظ الطلاق في مقابلة
~~العوض، وقعت أحكام الخلع على كل حال.
# فأما ما ذهب إليه بعض أصحابنا، إلى أنه يقع الفرقة بمجرد الخلع، دون أن
~~يتبع بطلاق، على ما حكيناه عنهم، فغير معتمد، لأن الأصل الزوجية، فمن
~~أبانها بهذا يحتاج إلى دليل، ولا دليل له من كتاب ولا سنة ولا إجماع،
~~والأصل بقاء الزوجية.
# فإن مات الرجل أو المرأة بعد الخلع، وقبل انقضاء العدة، لم يقع بينهما
~~توارث، لأنه قد انقطعت العصمة بينهما، سواء كان ذلك من الرجل في حال مرضه،
~~أو لم يكن، وليس هذا الحكم حكم الطلاق في المرض لا عن عوض، وحمله على ذلك
~~قياس، ونحن لا نقول به، فليلحظ ذلك.
# وإلى هذا القول يذهب شيخنا أبو جعفر في استبصاره (1)، لما توسط بين
~~الأخبار، ولنا في ذلك نظر.
# وأما المباراة، فأحكامها أحكام الخلع سواء حرفا فحرفا إلا ما قدمناه من
~~الفرق الذي فرق ms1076 به أصحابنا، فلا حاجة بنا إلى تفصيل أحكامها، لأن أحكام
~~الخلع قد فصلناها، فهي خلع إلا العبارة، والفروق المقدم ذكرها فحسب.
# قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: مسألة، الصحيح من مذهب أصحابنا أن
~~الخلع بمجرده لا يقع، ولا بد معه من التلفظ بالطلاق، وفي أصحابنا من قال:
~~لا يحتاج معه إلى ذلك، بل نفس الخلع كاف، إلا أنهم لم يبينوا أنه طلاق أو
~~فسخ (2) هذا آخر كلامه رحمه الله.
# قال محمد بن إدريس: من ذهب من أصحابنا إلى أنه لا يحتاج معه إلى
# PageV02P726
# طلاق، بل نفس الخلع كاف، قالوا إنه يجري مجرى الطلاق، وإنها تبقى معه إذا
~~تزوجها على طلقتين.
# من جمله من ذهب إلى ذلك السيد المرتضى، ذكر في الناصريات في المسألة
~~الخامسة والستين والمائة، فقال: " الخلع فرقة باينة، وليست كل فرقة طلاقا،
~~كفرقة الردة واللعان " قال السيد المرتضى: عندنا أن الخلع إذا تجرد عن لفظ
~~الطلاق، بانت به المرأة، وجرى مجرى الطلاق، في أنه ينقص من عدد الطلاق،
~~فهذه فائدة اختلاف الفقهاء في أنه طلاق أو فسخ، لأن من جعله فسخا لا ينقص
~~به عن عدد الطلاق شيئا، فتحل وإن خالعها ثلاثا، وقال أبو حنيفة وأصحابه،
~~ومالك، والثوري، والأوزاعي والبتي (1)، والشافعي في أحد قوليه:
# إن الخلع تطليقة باينة، وللشافعي قول آخر: أنه فسخ، وروي ذلك عن ابن عباس
~~(2)، وهو قول أحمد وإسحاق الدليل على صحة ما ذهبنا إليه الإجماع المتقدم
~~ذكره، ويد على ذلك أيضا ما روي (3) من أن ثابت بن قيس لما خلع زوجته بين
~~يدي النبي عليه السلام لم يأمره بلفظ الطلاق، فلما خالعها قال لها رسول
~~الله صلى الله عليه وآله: اعتدي، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: هي واحدة،
~~فهذا دلالة على أنه طلاق، وليس بفسخ، على أن الفسخ لا يصح في النكاح، ولا
~~الإقالة (4) هذا آخر كلام السيد المرتضى.
# ألا تراه قد جعله طلاقا، فكيف قال شيخنا أبو جعفر ما قاله، مع اطلاعه على
~~مقالات أصحابنا، وهذا السيد المرتضى من أعيانهم، وكثيرا يحكي ms1077 عنه شيخنا
~~مقالاته، واختياراته.
# PageV02P727
# الخلع جائز بين الزوجين، ولا يفتقر إلى حاكم.
# ومتى اختلفا في النقد واتفقا في القدر والجنس، أو اختلفا في تعيين القدر،
~~أو إطلاق اللفظ، أو اختلفا في الإرادة بلفظ القدر من الجنس والنقد، فعلى
~~الرجل البينة، فإذا عدمها، كان القول قول المرأة مع يمينها، لأنها الغارمة
~~المدعى عليها.
# ولا يقع الخلع بشرط، ولا صفة، لأنا بينا أنه طلاق، وأن أحكامه أحكام
~~الطلاق.
# وإذا اختلعها أجنبي من زوجها بعوض بغير إذنها، لم يصح ذلك.
# إذا خالع أربع نسوة صفقة واحدة بألف، أو تزوج أربعا بمهر مسمى، فالذي
~~يقتضيه مذهبنا أن المهر صحيح، وينقسم بينهن بالسوية، وكذلك في الخلع، ويكون
~~الفداء صحيحا، ويلزم كل واحدة منهن حصتها بالسوية.
# فأما النشوز فهو أن يكره الرجل المرأة، وتريد المقام (1) معه، وتكره
~~مفارقته، ويريد الرجل طلاقها، فتقول له: لا تفعل، إني أكره أن تشمت بي،
~~ولكن انظر ليلتي، فاصنع فيها ما شئت، وما كان سوى ذلك من نفقة وغيرها فهي
~~لك، وأعطيك أيضا من مالي شيئا معلوما ودعني على حالي، فلا جناح عليهما أن
~~يصالحا بينهما على هذا الصلح.
# وقال بعض أصحابنا وهو ابن بابويه في رسالته وقد يكون النشوز من قبل
~~المرأة، لقوله تعالى: " واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع
~~واضربوهن " (2).
# وهذا القول أقوى من الأول، لظاهر القرآن، والأول مذهب شيخنا أبي جعفر في
~~نهايته (3).
# ويحل للزوج ضربها بنفس النشوز عندنا، بعد الوعظ لها، والهجران في
# PageV02P728
# المضجع، لظاهر التنزيل وهو قوله تعالى: " واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن
~~واهجروهن في المضاجع واضربوهن " فاقتضى ظاهره، متى خاف النشوز منها حل له
~~الموعظة، والهجران، والضرب.
# وأما الموعظة، فإنه يخوفها بالله تعالى، ويعرفها أن عليها طاعة زوجها،
~~ويقول: اتق الله وراقبيه، وأطيعيني، ولا تمنعيني حقي عليك.
# والهجران في المضجع أن يعتزل فراشها، وروي من طريق أصحابنا أن الهجران،
~~هو أن يحول ظهره إليها في المضجع (1).
# وأما الضرب فهو أن يضربها ضرب تأديب، كما يضرب الصبيان على التأديب، ولا
~~يضربها ضربا مبرحا، ولا مدميا، ولا ms1078 مزمنا.
# وروي في بعض أخبارنا أنه يضربها بالسواك (2)، وذلك على جهة الاستحباب،
~~وإلا له أن يضربها بالسوط ضرب أدب، لأن ظاهر الآية يقتضي ذلك.
# قال شيخنا في مبسوطه: وروى بعض الصحابة، قال: كنا معاشر قريش يغلب رجالنا
~~نساءنا، فقدمنا المدينة فكانت نساؤهم تغلب رجالهم، فاختلطت نساؤنا بنسائهم،
~~فذئرن على أزواجهن، فقلت: يا رسول الله ذئر النساء على أزواجهن، فرخص في
~~ضربهن (3) و (4).
# قال محمد بن إدريس: ذئر بالذال المعجمة المفتوحة، والياء المنقطة بنقطتين
~~من تحتها، المهموزة (5)، والراء الغير المعجمة، ومعناه اجترأ، واجتر أن،
~~قال عبيد بن الأبرص:
# PageV02P729
# ولقد أتانا عن تميم أنهم * ذئرو القتلي عامر وتغضبوا وأما الشقاق
~~فاشتقاقه من الشق، وهو الناحية والجانب فكأن كل واحد من الزوجين في ناحية
~~من الآخر وجانب، وفي عرف الشرع فهو أنه إذا كره كل واحد من الزوجين الآخر،
~~ووقع بينهما الخصومة، ولا يصطلحان (1) لا على المقام، ولا على الفراق
~~والطلاق، فالواجب على الحاكم أن يبعث حكما من أهل الزوج، وحكما من أهل
~~المرأة، وبعثهما على طريق التحكيم عندنا، لا على طريق التوكيل على ما يذهب
~~إليه بعض المخالفين، فإن رأيا من الصلاح الإصلاح بينهما، فعلا من غير
~~استيذان، وإن رأيا الفراق والطلاق فليس لهما ذلك، وأعلما الحاكم، ليدبر
~~الأمر فيما بينهما، إلا أن يكون الرجل قد وكل الحكم المبعوث من أهله في
~~طلاق الزوجة، فللحكم حينئذ أن يطلق قبل الاستيذان، إن رأى ذلك صلاحا، وكذلك
~~المرأة إن وكلت الحكم المبعوث من أهلها في البذل، فله ذلك من دون إعلامها.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه: والمستحب أن يكون حكم الزوج من أهله،
~~وحكم المرأة من أهلها، للظاهر. وإن بعث من غير أهلها جاز (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: ذلك على طريق الإيجاب دون الاستحباب، لظاهر
~~القرآن.
# ويكون الحكمان حرين ذكرين عدلين.
# ذكر سلار في رسالته، فقال: وشروط الخلع والمباراة، شروط الطلاق، إلا
~~أنهما يقعان بكل زوجة (3).
# PageV02P730
# قال محمد بن إدريس: معنى قوله يقعان بكل زوجة، يريد أنه باين لا رجعة مع ms1079
~~واحد منهما، سواء كان الخلع أو المباراة مصاحبا للطلقة الأولة، أو الثانية،
~~لأنه لما عدد البواين، ذكر ذلك.
# وقال الراوندي من أصحابنا: أراد المتمتع بها.
# وهذا خطأ محض، لأن المباراة لا بد فيها من طلاق، والمتمتع بها لا يقع بها
~~طلاق.
# باب العدد إذا طلق (1) زوجته قبل الدخول بها، لم يكن عليها منه عدة، وحلت
~~للأزواج في الحال، فإن كان قد فرض لها مهرا وسماه، كان عليه نصف ما فرض،
~~وإن لم يكن سمى لها مهرا، كان عليه أن يمتعها على قدر حاله وزمانه، إن كان
~~مؤسرا، بجارية أو ثوب تبلغ قيمته عشرة دنانير، أو خمسة فصاعدا، وإن كان
~~متوسطا، فما بين الثلاثة الدنانير (2) إلى ما زاد عليها، وإن كان معسرا
~~بدينار أو بخاتم وما أشبهه على قدر حاله، كما قال الله تعالى: " على الموسع
~~قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين " (3) والمعتبر
~~بالمتعة حال الرجال (4) دون النساء، وبمهر المثل حال النساء دون حال
~~الرجال.
# وجملة الأمر وعقد الباب، أن يقال: العدة على ضربين، عدة من طلاق وما يقوم
~~مقامه، وعدة من وفاة وما يجري مجراها.
# والمطلقة على ضربين مدخول بها، وغير مدخول بها.
# فغير المدخول بها لا عدة عليها بلا خلاف على ما قدمناه.
# والمدخول بها لا تخلو إما أن يكون حاملا أو حائلا، فإن كانت حاملا فعدتها
~~أن تضع جميع حملها، على ما بيناه في أبواب الطلاق وشرحناه وحكينا
# PageV02P731
# مقالة بعض أصحابنا في ذلك، حرة كانت أو أمة، بغير خلاف يعتد به، وقوله
~~تعالى: " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " (1) يدل على ذلك، ولا يعارض
~~هذه الآية قوله تعالى: " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " (2) لأن
~~آية وضع الحمل عامة في المطلقة وغيرها، وناسخة لما تقدمها بلا خلاف، يبين
~~ذلك أنه قوله سبحانه: " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " في غير
~~الحوامل، لأنه تعالى قال: " ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن "
~~(3) ومن كانت مستبينة الحمل لا يقال فيما ذلك، وإذا كانت خاصة في غير ms1080
~~الحوامل، لم يعارض آية الحمل، لأنها عامة في المطلقة وغيرها.
# وإن كانت حائلا، فلا تخلو أن تكون ممن تحيض، أو لا تحيض.
# فإن كانت ممن تحيض، فعدتها إن كانت حرة ثلاثة قروء بلا خلاف، وإن كانت
~~أمة فعدتها قرءان بلا خلاف عندنا، وعند باقي الفقهاء، إلا من داود، فإن
~~عتقت في العدة وكانت العدة رجعية، تممتها عدة الحرة. وإن كانت العدة باينة
~~فلا يجب عليها تمام عدة الحرة، بل يجب عليها الخروج مما أخذت فيه من عدة
~~الأمة.
# والقرء - بفتح القاف - عندنا هو الطهر بين الحيضتين.
# وإن كانت لا تحيض ومثلها تحيض، فعدتها إن كانت حرة ثلاثة أشهر بلا خلاف،
~~وإن كانت أمة فخمسة وأربعون يوما، وإن كانت لا تحيض لصغر لم تبلغ تسع سنين،
~~أو لكبر بلغ خمسين سنة، مع تغير عادتها، وهما اللتان ليس في سنهما من تحيض،
~~فقد اختلف أصحابنا في وجوب العدة عليهما، فمنهم من قال لا تجب، ومنهم من
~~قال تجب أو تعتد بالشهور، وهي ثلاثة أشهر، وهو اختيار السيد المرتضى، وبه
~~قال جميع المخالفين، ويحتج بصحة ما ذهب إليه، بأن قال:
# طريقة الاحتياط تقتضي ذلك، وأيضا قوله تعالى: " واللائي يئسن من المحيض
# PageV02P732
# من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن " (1) وهذا نص،
~~وقوله تعالى: " إن ارتبتم " معناه على ما ذكره جمهور المفسرين، إن كنتم
~~مرتابين في عدة هؤلاء النساء وغير عالمين بمقدارها، فقد روي أن أبي بن كعب
~~قال:
# يا رسول الله إن عددا من عدد النساء لم تذكر في الكتاب الصغار والكبار،
~~وأولات الأحمال، فأنزل الله تعالى: " واللائي يئسن من المحيض " إلى قوله:
# " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " ولا يجوز أن يكون الارتياب بأنها
~~آيسة من المحيض، أو غير آيسة، لأنه تعالى قطع فيمن تضمنته الآية باليأس من
~~المحيض، بقوله: " واللائي يئسن " والمرتاب في أمرها لا تكون آيسة.
# وإذا كان المرجع في حصول حيض المرأة وارتفاعه إلى قولها، كانت مصدقة فيما
~~تخبر به من ذلك، وأخبرت بأحد الأمرين، لم يبق ms1081 للارتياب في ذلك معنى، وكان
~~يجب لو كانت الريبة راجعة إلى ذلك أن يقول: إن ارتبن (2)، لأن الحكم في ذلك
~~يرجع إلى النساء، ويتعلق بهن، ولا يجوز أن يكون الارتياب بمن تحيض أو لا
~~تحيض ممن هو في سنها، لأنه لا ريب في ذلك من حيث كان المرجع فيه إلى
~~العادة، على أنه لا بد فيما علقنا به الشرط، وجعلنا الريبة واقعية فيه، من
~~مقدار عدة من تضمنته الآية، من أن يكون مرادا، من حيث لم يكن معلوما لنا
~~قبل الآية، وإذا كانت الريبة حاصلة بلا خلاف، تعلق الشرط به، واستقل بذلك
~~الكلام، ومع استقلاله يتعلق الشرط بما ذكرناه، ولا يجوز أن يتعلق بشئ آخر،
~~كما لا يجوز فيه لو كان مستقلا اشتراطه، فهذا جملة ما يتمسك به من نصر
~~اختيار المرتضى والقول الآخر أكثر وأظهر بين أصحابنا، وعليه يعمل العامل
~~منهم، وبه يفتي المفتي، والروايات بذلك متظاهرة متواترة، وأيضا الأصل براء
~~الذمة من هذا التكليف، فمن علق عليها شيئا يحتاج إلى دليل، وهو مذهب شيخنا
~~المفيد،
# PageV02P733
# وشيخنا أبي جعفر في سائر كتبه.
# فأما الآية فلا تعلق فيها بحال، لا تصريحا ولا تلويحا، لأنه تعالى شرط في
~~إيجاب العدة ثلاثة أشهر إن ارتابت، والريبة لا تكون إلا فيمن تحيض مثلها،
~~فأما من لا تحيض مثلها فلا ريبة عليها، فلا يتناولها الشرط المؤثر.
# وأما ما يقوم مقام الطلاق، فانقضاء أجل المتمتع بها، وعدتها قرءان، إن
~~كانت ممن تحيض وخمسة وأربعون يوما إن كانت ممن لا تحيض.
# فأما عدة المتوفى عنها زوجها، إن كانت حرة حائلا، فعدتها أربعة أشهر
~~وعشرة أيام، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، مدخولا بها أو غير مدخول بها، بلا
~~خلاف، وقد دخل في هذا الحكم المطلقة طلاقا رجعيا إذا توفي زوجها، وهي في
~~العدة، لأنها زوجة على ما بيناه، ولا تتمم على ما مضى لها من عدتها قبل موت
~~الزوج، بل يجب عليها استئناف عدة الوفاة، وهي أربعة أشهر وعشرة أيام من وقت
~~موته، لقوله تعالى: " والذين يتوفون ms1082 منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن
~~أربعة أشهر وعشرا " (1) أراد تعالى يتربصن بعد الموت، لا قبل الموت.
# وهذه عدة المتمتع بها، إذا توفي عنها زوجها قبل انقضاء أيامها على الصحيح
~~من المذهب.
# وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن عدة المتمتع بها إذا مات زوجها عنها، وهي في
~~حباله، شهران وخمسة أيام، والقرآن قاض عليه.
# فإن مات بعد خروجها من حباله وانقضاء أيامه قبل خروجها من عدتها، فلا يجب
~~عليها إلا تمام العدة التي أخذت فيها، دون عدة الوفاة، لأنها ليست زوجة
~~للميت.
# وكذلك المطلقة طلاقا باينا لا رجعة للمطلق فيه، ومات زوجها عنها قبل
~~خروجها من عدتها التي لا رجعة له عليها فيها، فإنها تتمم العدة التي أخذ من
# PageV02P734
# فيها، دون عدة الوفاة، لأنها ليست زوجة للميت على ما قدمناه.
# وقد روي أن عدة أم الولد لوفاة سيدها وعدتها لو زوجها سيدها وتوفى عنها،
~~زوجها، أربعة أشهر وعشرة أيام (1).
# والأولى في أم الولد أن لا عدة عليها في موت مولاها، لأنه لا دليل عليه
~~من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع، والأصل براءة الذمة، وهذه ليست
~~زوجة، بل باقية على الملك والعبودية إلى حين وفاته.
# فأما عدة الأمة المتوفى عنها زوجها، سواء كانت أم ولد، أو لم تكن فأربعة
~~أشهر وعشرة أيام، على الصحيح من المذهب. والذي يقتضيه أصول أصحابنا (2)،
~~ويعضده ظاهر القرآن، لأن الله تعالى قال: " والذين يتوفون منكم ويذرون
~~أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " (3) وهذه زوجة بلا خلاف.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: عدتها إذا لم تكن أم ولد شهران وخمسة
~~أيام، على النصف من عدة الحرة المتوفى عنها زوجها (4).
# إلا أنه رجع عن هذا في كتابه التبيان لتفسير القرآن (5)، واختار ما
~~اخترناه.
# فإن توفي زوج الجارية، وكان قد طلقها وهي في العدة، فإن كان أول طلاقها
~~وله عليها الرجعة، فالواجب عليها أن تعتد من وقت موته أربعة أشهر وعشرة
~~أيام، تستأنف ذلك، ولا تعتد بما مضى من الأيام، ولا تبني عليها.
# وإن كان ثاني طلاقها ms1083 وهي في العدة التي لا رجعة له عليها، فتتمم ما أخذت
~~فيه، ولا تستأنف عدة الوفاة.
# فإن كانت مطلقة وأخذت في العدة، ثم أعتقها مولاها وهي في العدة، فإن كانت
~~لا رجعة للزوج عليها فيها، بنت على عدة الأمة، وإن كان له فيها عليها
# PageV02P735
# الرجعة، تممت عدة الحرة.
# وإن كانت المتوفى عنها زوجها حاملا، فعليها أن تعتد عندنا خاصة بأبعد
~~الأجلين، فإن وضعت قبل انقضاء أربعة أشهر وعشرة أيام، لم تنقض عدتها حتى
~~تكمل تلك المدة، وإن كملت المدة قبل وضع الحمل، لم تنقض عدتها حتى تضع
~~حملها، لإجماع أصحابنا على ذلك، وطريقة الاحتياط، لأن العدة عبادة وتكليف
~~تستحق عليها الثواب، وإذا كان الثواب فيما ذهبنا إليه أوفر، لأن المشقة فيه
~~أكثر، كان أولى من غيره، وقوله تعالى: " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن
~~حملهن " (1) معارض بقوله تعالى: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن
~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " (2) فإذا عملنا بما ذهبنا إليه، نكون عاملين
~~بالآيتين معا، والمخالف لا يمكنه العمل بآية عدة المتوفى عنها زوجها، وهي
~~الأربعة الأشهر والعشرة الأيام إذا كانت حاملا، ووضعت قبل مضي المدة، فيترك
~~الآية هاهنا رأسا.
# وأما ما يجري مجرى الموت فشيئان.
# أحدهما غيبة الزوج التي لا تعرف الزوجة معها له خبرا، ولا لها نفقة،
~~فإنها إذا لم تختر الصبر على ذلك، ورفعت أمرها إلى الإمام في حال ظهوره، أو
~~إلى نوابه في هذه الحال، ولم يكن له ولي يمكنه الانفاق، ولا له مال ينفق
~~عليها منه، أنفق عليها الإمام من بيت المال، وبعث من يتعرف خبره في الآفاق
~~والجهات التي سافر إلى نحوها، فإن لم يعرف له خبر حتى انقضت أربع سنين من
~~يوم رفعت أمرها إلى الإمام، أمرها الإمام بالاعتداد عنه أربعة أشهر وعشرة
~~أيام، عدة المتوفى عنها زوجها، فإن قدم وهي في العدة قبل خروجها منها، فهو
~~أملك بها بالعقد الأول، وإن جاء بعد خروجها من العدة، فقد اختلف قول
~~أصحابنا
# PageV02P736
# في ذلك، فقال بعضهم: الزوج أملك بها، وقال آخرون: هي أملك ms1084 بنفسها، وهو
~~خاطب من الخطاب، لأن لها أن تتزوج بعد خروجها من العدة بلا فصل، فلو كان
~~أملك بها لما جاز لها التزويج.
# وهذا اختيار شيخنا أبي جعفر في مبسوطه (1)، فإنه رجع عما ذكره في نهايته
~~(2).
# وهذا الذي يقوى في نفسي، لأنها قد خرجت من العدة خروجا شرعيا، من عدة
~~شرعية، فقد بانت منه، وحلت للأزواج بغير خلاف، ولا دلالة على عودها إليه من
~~غير عقد جديد، فإن عودها إليه وكونه أملك بها حكم شرعي، يحتاج في إثباته
~~إلى دليل شرعي، ولا دلالة على ذلك من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع منعقد، لأنا
~~قد بينا أن أصحابنا مختلفون في ذلك، والأصل براءة الذمة.
# فأما إذا تزوجت فلا خلاف بينهم، في أن الثاني أحق بها من الأول.
# وهذا حكم باطل في حال غيبة الإمام عليه السلام وقصور يده، فإنها مبتلاة،
~~وعليها الصبر إلى أن تعرف موته أو طلاقه، على ما وردت به الأخبار عن الأئمة
~~الأطهار (3) والثاني الارتداد عن الإسلام، على الوجه الذي لا تقبل التوبة
~~منه.
# وحكم العدة في الطلاق الرجعي أن لا تخرج من بيت مطلقها إلا بإذنه، ولا
~~يجوز له إخراجها منه، وهي أحق بالسكنى فيه، فإن باعه وكانت عدتها بالأقراء
~~التي هي الأطهار، أو بالحمل، فالبيع غير صحيح، وإن كانت عدتها بالشهور،
~~فالبيع صحيح، وتكون مدة الشهور مستثناة، ولا يجوز له إخراجها منه، إلا أن
~~تؤذي أهله، أو تأتي فيه بما يوجب الحد، فيخرجها لإقامته، ولا يجب عليه ردها
~~إليه.
# وقال بعض أصحابنا: يخرجها لإقامته، ويردها، ولا تبيت إلا فيه، ولا يردها
~~إذا أخرجها للأذى.
# PageV02P737
# والأظهر أن لا يردها في الموضعين، لأن ردها يحتاج إلى دليل.
# ويجب عليه النفقة في عدة الطلاق الرجعي، ولا يجب في عدة الباين، إلا أن
~~تكون حاملا، فإن النفقة تجب على الزوج لها بلا خلاف، لقوله تعالى:
# " وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن " (1) ولا نفقة لباين
~~حامل غير المطلقة الحامل فحسب، لدليل الآية، وإلحاق غيرها بها قياس، ونحن
~~لا ms1085 نقول به، لا لمتمتع بها، ولا لمفسوخ نكاحها، وغير ذلك.
# ولا نفقة للمتوفى عنها زوجها إذا كانت حائلا بلا خلاف، وإن كانت حاملا
~~أنفق عليها عندنا خاصة من مال ولدها الذي يعزل له، حتى تضع، على ما روي في
~~الأخبار (2)، وذهب إليه شيخنا أبو جعفر، في جميع كتبه.
# والذي يقوى في نفسي، ويقتضيه أصول مذهبنا، أن لا ينفق عليها من المال
~~المعزول، لأن الانفاق حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، والأصل أن لا إنفاق،
~~وأيضا النفقة لا تجب للوالدة الموسرة، وهذه الأم لها مال، فكيف تجب النفقة
~~عليها، فإن كان على المسألة إجماع منعقد من أصحابنا، قلنا به، وإلا بقينا
~~على نفي الأحكام الشرعية إلا بأدلة شرعية.
# وما اخترناه وحررناه مذهب شيخنا محمد بن محمد بن النعمان المفيد، في
~~كتابه التمهيد، فإنه قال: إن الولد إنما يكون له مال عند خروجه إلى الأرض
~~حيا فأما وهو جنين، لا يعرف له موت من حياة، فلا ميراث له ولا مال على
~~الانفاق، فكيف ينفق على الحبلى من مال من لا مال له، لولا السهو في
~~الرواية، أو الأدغال (3) فيها هذا آخر كلامه رحمه الله.
# وقد أشبع القول فيه، وجنح الكلام والاحتجاج، فمن أراد الوقوف عليه، وقف
~~من كتابه الذي أشرنا إليه، ونبهنا عليه، وهو كتاب التمهيد، فإن فيه
# PageV02P738
# أشياء حسنة، ومناظرات شافية.
# وتبيت المتوفى عنها زوجها حيث شاءت.
# ويلزمها الإحداد بلا خلاف إذا كانت حرة، صغيرة كانت أو كبيرة.
# قال محمد بن إدريس: ولي في الصغيرة نظر، لأن لزوم الحداد حكم شرعي،
~~وتكليف سمعي، والتكاليف لا تتوجه إلا إلى العقلاء.
# وإنما ذهب شيخنا في مسائل خلافه (1) إلى أن الصغيرة يلزمها (2) الحداد،
~~ولم يدل بإجماع الفرقة ولا بالأخبار.
# وهذه المسألة لا نص لأصحابنا عليها، ولا إجماع.
# والحداد هو اجتناب الزينة في الهيئة، ومس الطيب، واللباس، وكل ما تدعو
~~النفس إليه، سواء كان طيبا أو غيره، ولا يلزم المطلقة وإن كانت باينا، كل
~~ذلك بدليل إجماع الطائفة، ودلالة الأصل، وقوله تعالى: " قل من حرم ms1086 زينة
~~الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " (3).
# ويلزم عدة الوفاة للغائب عنها زوجها، من يوم يبلغها الخبر، لا من يوم
~~الوفاة بغير خلاف بين أصحابنا.
# وذهب بعض أصحابنا إلى أن حكم المعتدة من طلاق زوجها الغائب كذلك.
# والأظهر والأكثر المعمول عليه، الفرق بين الموضعين، وهو أن في عدة الطلاق
~~تعتد من يوم طلقها، إذا قامت بينة عدول بضبط التاريخ.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا كانت المرأة مسترابة، فإنها تراعي
~~الشهور والحيض، فإن مرت بها ثلاثة أشهر بيض، لم ترفيها دما، فقد بانت منه
~~بالشهور، وإن مرت بها ثلاثة أشهر إلا يوما، ثم رأت الدم كان عليها أن تعتد
~~بالأقراء، فإن تأخرت عنها الحيضة الثانية، فلتصبر من يوم طلقها إلى تمام
# PageV02P739
# التسعة أشهر، فإن لم تر دما فلتعتد بعد ذلك بثلاثة أشهر، وقد بانت منه،
~~وإن رأت الدم فيما بينها وبين التسعة أشهر ثانيا، واحتبس عليها الدم
~~الثالث، فلتصبر تمام السنة، ثم تعتد بعد ذلك بثلاثة أشهر، تمام الخمسة عشر
~~شهرا، وقد بانت منه، وأيهما مات ما بينه وبين الخمسة عشر شهرا ورثه صاحبه
~~(1).
# قال محمد بن إدريس: الذي يقوى في نفسي، أنها إذا احتبس الدم الثالث بعد
~~مضي تسعة أشهر، اعتدت بعدها بثلاثة أشهر تمام السنة، لأنها تستبرأ بتسعة
~~أشهر، وهي أقصى مدة الحمل، فيعلم أنها ليست حاملا، ثم تعتد بعد ذلك عدتها،
~~وهي ثلاثة أشهر.
# وشيخنا أبو جعفر، رجع عما ذكره في نهايته في الجزء الثالث من استبصاره،
~~وقال بما اخترناه، فإنه قال في باب أن المرأة إذا حاضت فيما دون الثلاثة
~~أشهر، كان عدتها بالأقراء، فأورد الخبر الذي ذكره في نهايته، وهو عن عمار
~~الساباطي، الذي قال فيه: يكون عدتها إلى تمام خمسة عشر شهرا، ثم أورد خبرا
~~بعده عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن سورة بن كليب، قال: سئل أبو عبد
~~الله، عن رجل طلق امرأته تطليقة على طهر، من غير جماع بشهود، طلاق السنة
~~وهي ممن تحيض، فمضى ثلاثة أشهر، فلم ms1087 تحض إلا حيضة واحدة، ثم ارتفعت حيضتها،
~~حتى مضت ثلاثة أشهر أخرى، ولم تدر ما رفع حيضتها، قال: إن كانت شابة
~~مستقيمة الحيض، فلم تطمث في ثلاثة أشهر إلا حيضة، ثم ارتفع طمثها، ولا تدري
~~ما رفعها، فإنها تتربص تسعة أشهر من يوم طلقها، ثم تعتد بعد ذلك ثلاثة
~~أشهر، ثم تتزوج إن شاءت، قال محمد بن الحسن: هذا الخبر ينبغي أن يكون العمل
~~عليه، لأنها تستبرأ بتسعة أشهر، وهو أقصى مدة الحمل، فيعلم أنها ليست
~~حاملا، ثم تعتد بعد ذلك عدتها وهي
# PageV02P740
# ثلاثة أشهر، والخبر الأول نحمله على ضرب من الفضل والاحتياط، بأن تعتد
~~إلى خمسة عشر شهرا (1) هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر في استبصاره.
# وإذا حاضت المرأة حيضة واحدة، ثم ارتفع حيضها، وعلمت أنها لا تحيض بعد
~~ذلك لكبر، فلتعتد بعد ذلك بشهرين، وقد بانت منه على ما رواه أصحابنا (2).
# وإذا كانت المرأة المطلقة مستحاضة، وتعرف أيام حيضها، فلتعتد بالأقراء،
~~وإن لم تعرف أيام حيضها اعتبرت صفة الدم، واعتدت أيضا بالأقراء، فإن اشتبه
~~عليها دم الحيض بدم الاستحاضة ولم يكن لها طريق إلى الفرق بينهما اعتبرت
~~عادة نسائها في الحيض، فتعتد على عادتهن في الأقراء (3) هكذا ذكره شيخنا في
~~نهايته.
# والأولى تقديم العادة على اعتبار صفة الدم، لأن العادة أقوى.
# فإن لم تكن لها نساء لهن عادة، رجعت إلى اعتبار صفة الدم، وهذا مذهبه في
~~جمله وعقوده (4).
# فإن لم يكن لها نساء، أو كن مختلفات العادة، اعتدت بثلاثة أشهر، وقد بانت
~~منه.
# هذا على قول من يقول بكون حيض هذه في كل شهر ثلاثة أيام، أو عشرة أيام أو
~~سبعة أيام، ففي الثلاثة الأشهر تحصل لها ثلاثة أطهار.
# فأما على قول من يقول تحصل عشرة أيام طهرا وعشرة أيام حيضا، فتكون عدتها
~~أربعين يوما ولحظتين.
# ومتى كانت المرأة لها عادة بالحيض في حال الاستقامة، ثم اضطربت أيامها،
# PageV02P741
# فصارت مثلا بعد إن كانت تحيض كل شهر، لا تحيض إلا في شهرين، أو ثلاثة
~~أشهر، وصار ذلك عادة لها، ms1088 فلتعتد بالأقراء التي قد صارت عادة لها، لا
~~بالعادة الأولى، وقد بانت منه.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ومتى كانت المرأة لها عادة بالحيض في حال
~~الاستقامة، ثم اضطربت أيامها، فصارت مثلا بعد أن كانت تحيض كل شهر، لا تحيض
~~إلا في شهرين، أو ثلاثة، أو ما زاد عليه، فلتعتد بالأقراء على ما جرت به
~~عادتها في حال الاستقامة، وقد بانت منه (1) قال محمد بن إدريس: قوله رحمه
~~الله: " فلتعتد بالأقراء على ما جرت به عادتها في حال الاستقامة " إن أراد
~~بذلك في الشهر والشهرين والثلاثة، من غير تجاوز الثلاثة الأشهر، ولم يصر
~~ذلك عادة لها، بل هي عارفة بعادتها الأولى، فلتعتد بما قال من عادتها
~~الأولى في حال استقامة أقرائها، وإن أراد أن العادة الأولى اضطربت عليها،
~~واختلفت، وصارت ناسية لأوقاتها وأيامها، غير عالمة بها، ثم صار حيضها في
~~الشهرين والثلاثة عادة لها ثابتة مستمرة، توالت عليها شهران متتابعان، ترى
~~الدم فيهما أياما سواء في أوقات سواء، فلتجعل ذلك عادة لها، وتعتد بذلك، لا
~~بالعادة الأولى التي نسيتها واضطربت عليها، فأما ما زاد على الثلاثة الأشهر
~~فصارت لا ترى الدم إلا بعد ثلاثة أشهر، فإن هذه تعتد بالأشهر الثلاثة البيض
~~بغير خلاف، لقولهم عليهم السلام: أمران أيهما سبق فقد بانت منه، وكان ذلك
~~عدة لها (2) وقد سبقت الثلاثة الأشهر البيض، فهذا تحرير الحديث وفقهه.
# وإذا كانت المرأة لا تحيض إلا في ثلاث سنين، أو أربع سنين مرة واحدة،
~~وكان ذلك عادة لها، فلتعتد بثلاثة أشهر وقد بانت منه، وليس عليها أكثر من
~~ذلك لما قدمناه من سبق الأشهر الثلاثة البيض.
# PageV02P742
# وإذا طلق امرأة فإن ارتابت بالحمل بعد أن طلقها، أو ادعت ذلك، صبر عليها
~~تسعة أشهر، ثم تعتد بعد ذلك بثلاثة أشهر، وقد بانت منه، فإن ادعت بعد
~~انقضاء هذه المدة حملا، لم يلتفت إلى دعواها، وكانت باطلة، هكذا أورده
~~شيخنا في نهايته (1).
# والأولى عندي أنها تبين وتنقضي عدتها بعد التسعة الأشهر، ولا يحتاج إلى
~~استئناف عدة أخرى ms1089 بثلاثة أشهر، لأنه لا دليل عليه، لأن في ذلك المطلوب من
~~سبق الأشهر البيض الثلاثة، أو وضع الحمل، وإنما ذلك خبر واحد، أورده شيخنا
~~في نهايته إيرادا لا اعتقادا.
# وقال شيخنا في نهايته: وعدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام،
~~إذا كانت حرة، سواء كانت زوجة على طريق الدوام، أو متمتعا بها، وسواء دخل
~~بها الزوج أو لم يدخل وإن كانت أمة، فإن كانت أم ولد لمولاها، فعدتها أيضا
~~مثل عدة الحرة أربعة أشهر وعشرة أيام، وإن كانت مملوكة ليست أم ولد فعدتها
~~شهران وخمسة أيام (2) وقد قلنا: إن الصحيح من الأقوال والأظهر بين أصحابنا،
~~أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، سواء كانت حرة أو أمة،
~~أم ولد كانت أو غير أم ولد، لظاهر القرآن.
# وشيخنا فقد رجع عما ذكره في نهايته، في كتاب التبيان لتفسير القرآن (3).
# وقال رحمه الله في نهايته: فإن طلقها الرجل ثم مات عنها، فإن كان طلاقها
~~طلاقا يملك فيه رجعتها، كان عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، إذا كانت أم ولد،
~~وإن لم تكن أم ولد كانت عدتها شهرين وخمسة أيام، حسب ما قدمناه.
# وقد قلنا نحن ما عندنا في ذلك.
# وقال: وإن لم يملك رجعتها، فعدتها عدة المطلقة، حسب ما قدمناه، وإذا
# PageV02P743
# مات عنها زوجها، ثم عتقت، كان عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، وكذلك إن
~~كانت الأمة يطأها بملك اليمين، وأعتقها بعد وفاته، كان عليها أن تعتد أربعة
~~أشهر وعشرة أيام، فإن أعتقها في حال حياته، كان عدتها ثلاثة قروء، أو ثلاثة
~~أشهر، حسب ما قدمناه (1).
# قال محمد بن إدريس: قد ورد حديث (2) بما ذكره رحمه الله، فإن كان مجمعا
~~عليه، فالإجماع هو الحجة، وإن لم يكن مجمعا عليه، فلا دلالة على ذلك،
~~والأصل براءة ذمتهما من العدة، لأن إحداهما غير متوفى عنها زوجها، أعني من
~~جعل عتقها بعد موته، فلا يلزمها عدة الوفاة، والأخرى غير مطلقة، أعني من
~~أعتقها في حال حياته، فلا يلزمها عدة المطلقة، ولزوم العدة حكم شرعي، ms1090 يحتاج
~~في إثباته إلى دليل شرعي، ولا دلالة على ذلك من كتاب، ولا سنة مقطوع بها،
~~ولا إجماع منعقد، والأصل براءة الذمة.
# وقال رحمه الله في نهايته: وإذا طلق الرجل زوجته الحرة، ثم مات عنها، فإن
~~كان طلاقا يملك فيه الرجعة، فعدتها أبعد الأجلين، أربعة أشهر وعشرة أيام،
~~وإن لم يملك رجعتها كان عدتها عدة المطلقة (3).
# قال محمد بن إدريس: قوله رحمه الله: فعدتها أبعد الأجلين، عبارة غير
~~متعارفة بين الفقهاء في هذا الموضع، وإنما يقال ذلك عندنا في الحامل
~~المتوفى عنها زوجها فحسب، وإنما مقصوده رحمه الله، أن الطلاق إن كان يملك
~~المطلق فيه الرجعة، ثم مات وهي في العدة، فالواجب عليها أن تعتد منذ يوم
~~مات، أربعة أشهر وعشرة أيام، ولا تحتسب بما اعتدت به، ولا تبني عليه،
~~وتستأنف عدة الوفاة التي هي أطول من العدة التي كانت فيها، أعني عدة
~~الطلاق، فلأجل
# PageV02P744
# ذلك قال أبعد الأجلين، لأن الرجعية عندنا زوجة، فتناولها إذا مات عنها
~~زوجها ظاهر القرآن، من قوله تعالى: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا
~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " (1) وهذا وذر زوجة، فيجب عليها التربص
~~منذ يوم مات أربعة أشهر وعشرا، لأنه تعالى أراد أن يتربصن منذ يوم مات،
~~فإذا بنت على ما اعتدت من عدة الطلاق، ما تربصت منذ يوم مات، أربعة أشهر
~~وعشرا.
# فإذا كان عدة الطلاق لا يملك فيه الرجعة، فتتم على ما اعتدت إلى أن
~~تستوفي عدة الطلاق، دون عدة الوفاة، لأنه ما مات عن زوجة، ولا مات لها زوج
~~هي في حباله، بل هو أجنبي منها، وهي أجنبية منه، فهذا الفرق بين الموضعين،
~~والمميز بين المسألتين.
# وعدة اليهودية والنصرانية، مثل عدة الحرة المسلمة (2) إذا مات عنها زوجها
~~أربعة أشهر وعشرة أيام.
# وقد قدمنا أن المتوفى عنها زوجها عليها الحداد إذا كانت حرة فإن كانت أمة
~~لم يكن عليها حداد، هكذا ذكره شيخنا في نهايته (3).
# وقد رجع عنه في مبسوطه، وقال: يلزمها الحداد، لعموم الخبر المروي عن
~~الرسول عليه السلام: لا تحل ms1091 لا مرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحد على
~~أحد فوق ثلاث، إلا على زوج، فإنها تحد أربعة أشهر وعشرا (4).
# وهذا عام وبهذا أفتي.
# والحداد هو ترك الزينة، وأكل (5) ما فيه الرائحة الطيبة، وشمه، ولبس
~~الثياب المزعفرات والملونات التي تدعو النفس إليها، وتميل الطباع نحوها،
~~والكحل بأنواع ما يحسن العين، وكذلك ما يرجل الشعر ويحسنه، لأن الحداد هو
# PageV02P745
# المنع، يقال: حدت المرأة على زوجها، أي امتنعت مما ذكرناه، " وأحدت
~~بالرباعي والثلاثي، فمصدر الثلاثي حدادا، والرباعي احدادا " سواء كانت
~~صغيرة أو كبيرة.
# ويجب على ولي الصغيرة، أن يمنعها مما ذكرناه.
# وقد قلنا ما عندنا في ذلك وحررناه فيما تقدم، وبيناه.
# ولا حداد على مطلقة عندنا سواء كان بائنا طلاقها أو رجعيا.
# الأقراء عندنا الأطهار، دون الحيض، فإذا رأت المطلقة المستقيمة الحيض،
~~الدم من الحيضة الثالثة، فقد انقضت عدتها.
# وأقل ما يمكن أن ينقضي به عدد ذوات الأقراء إذا كانت حرة غير متمتع بها،
~~ستة وعشرون يوما ولحظتان، والمتمتع بها والأمة، ثلاثة عشر يوما ولحظتان،
~~لأنا قد بينا في كتاب الحيض، أن أقل الحيض ثلاثة أيام، وأقل الطهر عشرة
~~أيام، فإذا ثبت ذلك، ثبت ما قلناه، وبان ما قدرناه، ويكون التقدير أن
~~يطلقها في آخر كل جزء (1) من طهرها، ثم ترى الدم بعد لحظة، فيحصل لها قرء
~~واحد، فترى بعد ذلك الدم ثلاثة أيام، ثم ترى الطهر عشرة أيام ثم ترى الدم
~~ثلاثة أيام، ثم ترى الطهر عشرة أيام، ثم ترى الدم لحظة، فقد مضى بها ستة
~~وعشرون يوما ولحظتان، وقد انقضت عدتها. وفي الأمة إذا طلقها في آخر طهرها،
~~ثم ترى الدم ثلاثة أيام، ثم ترى الطهر عشرة أيام، ثم ترى الدم لحظة، فقد
~~انقضت عدتها في ثلاثة عشر يوما ولحظتين، هكذا أورده شيخنا أبو جعفر في
~~مسائل خلافه (2).
# والذي يجب تحصيله وتحقيقه، أن يقال: أقل ما تنقضي به عدة من ذكرناه، في
~~ستة وعشرين يوما ولحظة في الحرة المطلقة، فأما الأمة المطلقة والحرة
~~المستمتع بها، فثلاثة عشر يوما ولحظة فحسب ms1092 في الموضعين، وما بنا حاجة إلى
# PageV02P746
# اللحظتين، لأنه اللحظة التي ترى فيها الدم الثالث، ليست من جملة العدة
~~التي هي الأطهار بلا خلاف بيننا، فإذا ثبت ذلك، فاللحظة التي رأت فيها
~~الدم، غير داخلة في جملة العدة، فلا حاجة بنا إلى دخولها في جملة العدة.
# وإلى هذا يذهب السيد المرتضى في كتابه الإنتصار (1)، ونعم ما قال، فإن
~~الصحيح معه في ذلك، على ما حررناه وأوضحناه، فليلحظ ببصر التأمل.
# إذا زوج صغير (2) امرأة، فمات عنها، لزمها عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا.
# المعتدة بالأشهر إذا طلقت في آخر الشهر، اعتدت بالأهلة، بلا خلاف، فإن
~~طلقت في وسط الشهر، سقط اعتبار الهلال في هذا الشهر، واحتسبت بالعدد، فتنظر
~~قدر ما بقي من الشهر، وتعتد بعده هلالين، ثم تتم من الشهر الرابع ثلاثين
~~يوما، وتلفق الأنصاف والساعات.
# إذا طلقها واعتدت، ثم أتت بولد لأكثر من ستة أشهر من وقت انقضاء العدة،
~~إذا كانت العدة بالأشهر الثلاثة، لم يلحقه، لأنا قد دللنا على أن زمان
~~الحمل لا يكون أكثر من تسعة أشهر.
# إذا خلا بها ولم يدخل بها، لم يجب عليها العدة، ولا يجب لها جميع المسمى
~~إذا طلقها بعد ذلك، سواء كانت ثيبا أو بكرا، لأنه الذي تقتضيه أصول مذهبنا،
~~ولا يلتفت إلى رواية ترد بخلاف ذلك (3)، لأن الأصل براءة الذمة من المهر
~~والعدة، وشغلها يحتاج إلى دليل.
# الأمة إذا كانت تحت عبد وطلقها طلقة، ثم أعتقت، ثبت له عليها رجعة بلا
~~خلاف، ولها اختيار الفسخ، فإن اختارت الفسخ، بطل حق الرجعة بلا خلاف.
# وعندنا أنها تتم عدة الحرة ثلاثة أقراء على ما قدمناه.
# إذا تزوج امرأة ودخل بها، ثم خلعها ثم تزوجها وطلقها قبل الدخول بها، لا
# PageV02P747
# عدة عليها، لقوله تعالى: " ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن
~~من عدة " (1) وهذه طلقها في العقد الثاني قبل المسيس.
# وإذا طلقها طلقة رجعية، ثم راجعها، ثم طلقها بعد الدخول بها، فعليها
~~استئناف العدة بلا خلاف، وإن طلقها ثانيا قبل الدخول بها، فعليها أيضا ms1093
~~استئناف العدة، لأن العدة الأولى قد انقضت بالرجعة.
# كل موضع تجتمع على المرأة عدتان، فإنهما لا يتداخلان، بل تأتي بكل واحدة
~~منهما على الكمال، تقدم الأولى، ثم الثانية.
# أقل الحمل ستة أشهر بلا خلاف، وأكثره عند المحصلين من أصحابنا تسعة أشهر،
~~و قال بعض منهم: أكثره سنة، وهو اختيار السيد المرتضى في انتصاره (2).
# إلا أنه رجع عنه في جواب المسائل الأولى الموصليات (3)، وأشبع القول،
~~واستدل على أنه لا يتجاوز الحمل أكثر من تسعة أشهر.
# وذهب بعضهم إلى أن أكثره عشرة أشهر، وهو اختيار سلار من أصحابنا (4).
# وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه: إذا طلقها في آخر الطهر، وبقي بعد التلفظ
~~بالطلاق جزء، وقع فيه الطلاق، وهو مباح، وتعتد بالجزء الذي بقي طهرا، إذا
~~كان طهرا لم يجامعها فيه، فإن قال لها: أنت طالق، ثم حاضت عقيب هذا اللفظ،
~~قال رحمه الله: يقوى في نفسي، أن الطلاق يقع، لأنه وقع في حال الطهر، إلا
~~أنها لا تعتد بالطهر الذي يلي الحيض، لأنه ما بقي هناك جزء تعتد به (5).
# قال محمد بن إدريس: قوله " رحمه الله ": " إلا أنها لا تعتد بالطهر الذي
~~يلي الحيض "، عجيب، وكيف لا تعتد بالطهر الذي يتعقب هذا الحيض، بل هذا
# PageV02P748
# الطهر الذي يأتي بعد حيضتها، هذا هو أول أقرائها.
# ثم قال رحمه الله: " لأنه ما بقي هناك جزء تعتد به " مناقضة لما قاله،
~~لأنه قال: " لا تعتد بالطهر الذي يلي الحيض " فأي طهر بقي؟ وأي جزء من
~~الطهر الذي طلقها فيه؟ لأنه قال: " أنه بعد التلفظ بالطلاق بلا فصل، حاضت
~~"، فلا يتقدر جزء من ذلك الطهر يلي حيضها، بل طهر غير ذلك وإذا كان طهر غير
~~ذلك، فإنها تعتد به بلا خلاف، فليلحظ ما نبهنا عليه ويتأمل.
# وإذا طلقها واختلفا، فقالت: طلقتني وقد بقي من الطهر جزءان، فاعتدت بذلك
~~قرء، وقال الزوج: لم يبق شئ تعتدين به، فالقول قول المرأة، لأن قولها يقبل
~~في الحيض والطهر عندنا.
# وقال شيخنا في مبسوطه: إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة، ms1094 فقد انقضت عدتها،
~~وقال قوم: لا تنقضي حتى يمضي أقل أيام الحيض، قال رحمه الله: والذي أقوله،
~~إن كان لها عادة مستقيمة، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة، فقد انقضت
~~عدتها، وإن كان قد تقدم رؤية دمها على ما جرت به العادة، لم تنقض حتى يمضي
~~أقل أيام الحيض (1).
# وفي مسائل خلافه (2)، ونهايته (3)، أطلق القول، وقال: إذا رأت الدم من
~~الحيضة الثالثة، فقد انقضت عدتها، ولم يفصل ما فصل في مبسوطه.
# ونعم ما قال في مبسوطه وحرره، فإن فيه الاحتياط واليقين، لأن أخبارنا
~~مختلفة في ذلك، فيحمل ما ورد منها (5) بأنها تنقضي برؤية الدم من الحيضة
~~الثالثة، على من تكون لها عادة مستقيمة، وما ورد منها (6) بأن لا تنقضي حتى
# PageV02P749
# يمضي أقل أيام الحيض، على من رأت الدم قبل عادتها، لأن ذلك دم غير متيقن
~~بأنه دم الحيضة الثالثة، لأنه ربما انقطع لدون ثلاثة أيام، فيكون من باقي
~~الطهر الأخير.
# فأما المستقيمة الحيض فتجعل المعتاد كالمتيقن.
# فتحريره رحمه الله مستقيم واضح بخلاف ما ذهب إليه وناظر عليه في مسائل
~~خلافه، لأنه ذهب فيها إلى انقضاء العدة برؤية الدم، سواء كانت لها عادة أو
~~لم تكن، وقال الشافعي: إن كانت لها عادة، بانت برؤية الدم، وإلا يمضي أقل
~~الحيض (1).
# إذا طلقها وهي من ذوات الأقراء، فادعت أن عدتها قد انقضت في مدة يمكن
~~انقضاء العدة، على ما بيناه فيما مضى وشرحناه، قبل قولها في ذلك، لأن إقامة
~~البينة لا يمكن على ذلك، ولأنها مصدقة على الحيض والطهر، فإن ادعت انقضاء
~~عدتها في زمان لا يمكن ذلك فيه، لم يقبل قولها، لأنا نعلم كذبها.
# تم الجزء الثاني من كتاب السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي ويتلوه الجزء
~~الثالث كتاب العتق، إن شاء الله تعالى وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله
~~على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
# PageV02P750
# [كتاب العتق] PageV03P003
# كتاب العتق والتدبير والمكاتبة العتق فيه فضل كبير وثواب جزيل، بغير خلاف
~~بين الأمة.
# ولا يصح العتق إلا بعد الملك كما لا يصح الطلاق قبل النكاح ms1095 (1)، لقوله
~~صلى الله عليه وآله لا عتق قبل ملك، ولا طلاق قبل نكاح (2).
# ولا يصح العتق أيضا إلا من كامل العقل، غير مولى عليه، مختار له، قاصد
~~إليه، متلفظ بصريحه، وهو قوله أنت حر. مطلق له من الشروط إلا في النذر
~~خاصة، موجه به إلى مسلم، أو من هو في حكمه، لأن عتق الكافر لا يقع على
~~الصحيح من أقوال المحصلين من أصحابنا، وهو الذي يقتضيه أصول مذهبنا، لأن
~~العتق قربة إلى الله تعالى، ولا يتقرب إليه بالمعاصي متقرب به إلى الله
~~تعالى.
# ولا يقع العتق من طفل، ولا مجنون، ولا سكران، ولا محجور عليه، ولا مكره
~~ولا مجبر، ولا ساه، ولا حالف به.
# ولا يقع بالكتابة والإشارة مع القدرة على النطق باللسان العربي، ولا يقع
~~بكنايات العتق، كقوله أنت سائبة، ولا سبيل لي عليك، ولا بقوله إن فعلت كذا
~~وكذا فعبدي حر، ولا بكافر على ما قدمناه، ولا للأغراض الدنياوية، من نفع،
~~أو دفع ضرر، أو إضرار بالغير.
# والدليل على وجوب اعتبار هذه الشروط، إجماع الأمة، لأنه لا خلاف في صحة
# PageV03P004
# العتق مع تكاملها، وليس على صحته مع اختلال بعضها دليل، وأيضا الأصل أن
~~لا عتق، وأما الملك فمعلوم ثبوته، وخروجه عن يد مالكه يحتاج إلى دليل، لأن
~~العتق حكم شرعي يحتاج في ثبوته إلى دليل شرعي.
# وإذا أعتق مالك العبد عضوا من أعضائه، لم يكن لذلك حكم، ولم يقع به عتق،
~~فإن أعتق بعضا منه مشاعا، نصفه مثلا، أو ثلثه، أو ربعه، أو ما زاد على ذلك
~~أو نقص، عتق الجميع، فإن كان العبد مشتركا، فأعتق أحد الشركاء نصيبه، لا
~~للإضرار بالشركاء، انعتق ملكه خاصة، إلا أنه إن كان موسرا انعتق الباقي،
~~واجبر على قيمته لشريكه، وإن كان معسرا، استسعى العبد في قيمة باقية، فإذا
~~أداها عتق جميعه، فإن عجز عن ذلك، فكه سلطان الإسلام من سهم الرقاب من
~~الزكاة، وإلا خدم مولاه بما فيه من العبودية.
# والعتق في مرض الموت من أصل التركة، سواء كان واجبا أو ms1096 متبرعا به، على
~~الصحيح من المذهب، لأن بعض أصحابنا يجعله من الثلث، وهو مذهب جميع من
~~خالفنا، وبعض أصحابنا وهم المحصلون يجعله من أصل المال، لأنها عطية منجزة،
~~وللإنسان أن يتصرف في ماله جميعه في حال حياته، وينفق في مرضه ما شاء من
~~أمواله، بغير خلاف.
# فإما أن أوصى بعتق عبده أو عبيده بعد موته، فإنه من الثلث لأن هذه عطية
~~مؤخرة، وهذه حقيقة الوصية.
# فإن أوصى بعتق عبده، فإن كانت قيمته وفق الثلث، عتق جميعه، ولا شئ له ولا
~~عليه، وإن كانت القيمة تنقص عن الثلث، عتق أيضا، ولا شئ له ولا عليه، وإن
~~كانت القمية تزيد على الثلث، فالصحيح من أقوال أصحابنا أنه ينعتق منه بقدر
~~الثلث، ويستسعى فيما زاد على الثلث، سواء كانت الزيادة ضعفي الثلث، أو أقل،
~~أو أكثر، وعلى كل حال، وهو مذهب ابن بابويه في رسالته. وشيخنا أبي جعفر في
~~مبسوطه (1)، وهو الذي يقتضيه أصول مذهبنا.
# PageV03P005
# وقال بعض أصحابنا إن كانت القيمة على الضعف من الثلث، بطلت الوصية، ولم
~~ينفذ عتق شئ منه، وقد أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته (1)، إيراد لا
~~اعتقادا، لأنا قد بينا أنه رجع عن ذلك في مبسوطه.
# فإن أوصى لعبده بثلث ماله، فإن كانت قيمته وفق الثلث، عتق ولا شئ له ولا
~~عليه، وإن كانت أقل من الثلث عتق وأعطي تمام الثلث، وإن كانت أكثر من
~~الثلث، عتق منه بمقدار الثلث، واستسعى في الزيادة على الثلث، فإذا أداها
~~عتق جميعه.
# وإذا أوصى بعتق ثلث عبيده، استخرج ثلثهم بالقرعة وعتقوا.
# ولا يجوز أن يعتق في الكفارة، الأعمى، والمجذوم، والمقعد، لأن هؤلاء
~~خرجوا من الملك بهذه الآفات، والعتق لا يكون إلا بعد ملك.
# وإذا أعتق مملوكا وله مال، فماله لمولاه، سواء علم مولاه بالمال في حال
~~إعتاقه، أو لم يعلم، لأن العبد عندنا لا يملك شيئا، وذهب بعض أصحابنا إلى
~~أنه إن علم أن له مالا في حال إعتاقه، فالمال للعبد المعتق، وإن لم يعلم
~~به، أو علم فاشترطه لنفسه، ms1097 فهو لمولاه دونه، وينبغي عند هذا القائل أن يقول
~~" مالك لي " وأنت حر فإن قال " أنت حر ومالك لي " لم يكن له على المال
~~سبيل.
# وقد بينا فساد هذا المذهب، بما دللنا عليه من أن العبد لا يملك شيئا
~~لقوله تعالى: " عبدا مملوكا لا يقدر على شئ " (2) وإنما ذلك المذهب على رأي
~~من يملكه من أصحابنا فواضل الضرائب، وأروش الجنايات عليه في نفسه، وذلك
~~باطل للآية التي تلوناها.
# وكل من أقر على نفسه بالعبودية، وكان بالغا مجهول النسب بالحرية، عاقلا،
~~أو قامت البينة على عبوديته، وإن لم يكن بالغا (3) أو عقل جاز تملكه
~~والتصرف فيه بالبيع والشراء والهبة وغير ذلك.
# PageV03P006
# وكل من خالف الإسلام من سائر أنواع الكفار، يصح استرقاقهم، ثم هم ينقسمون
~~قسمين، قسم منهم يقبل منهم الجزية، ويقرون على دينهم وأحكامهم ويعفون من
~~الاسترقاق، وهم أهل الكتاب، اليهود والنصارى، ومن حكمه حكمهم، وهم المجوس،
~~فإن امتنعوا من قبول الجزية وإجراء أحكامنا عليهم، قتلوا، وسبي ذراريهم،
~~واسترقوا، ومن عدا أهل الكتاب، لا يقبل منهم إلا الإسلام، فإن امتنعوا، كان
~~الحكم فيهم القتل، واسترقاق الذراري.
# ولا بأس باسترقاق جميع أصناف الكفار، وإن سباهم أهل الفسق والضلال.
# وكذلك لا بأس أن يشتري الإنسان مما يسبي بعض الكفار من بعض، ولا بأس أيضا
~~أن يشتري من الكافر بعض أولاده، أو زوجته، أو أحد ذوي أرحامه، ويكون ذلك
~~حلالا له، ويسوغ له التصرف فيه كيف شاء، إذا كانوا مستحقين للسبي على ما
~~حررناه.
# وإذا كان العبد في أسواق المسلمين، ويد المالك عليه، فلا بأس بشرائه، فإن
~~ادعى الحرية، لم يقبل قوله إلا ببينة عادلة.
# ومتى ملك الإنسان أحد قراباته فلا يخلو أما أن يكونوا من ذوي الأنساب، أو
~~ذوي الأسباب، فإن كانوا من ذوي الأنساب، فهم ينقسمون إلى قسمين، العمودان
~~الآباء وإن علوا، والأبناء وإن نزلوا، فهؤلاء ينعتقون بنفس الملك بغير
~~اختيار المالك.
# وقد قيل في أنه متى يكون العتق أقوال، الأصح من ذلك أنه مع تمام البيع
~~معا معا لأن الإنسان لا ms1098 يملك من ذكرناه، وسواء كانوا ذكورا أو إناثا.
# والقسم الآخر وهم من عدا العمودين، وهذا القسم يقسم إلى قسمين: ذكور
~~وإناث، فالذكور يملكون، ولا ينعتقون إلا أن يتبرع المالك بالعتق، والإناث
~~ينقسمون إلى قسمين، من لا يحل للمالك نكاحها أبدا، مثل العمات، والخالات،
~~وبنات الأخ، وبنات الأخت، فهذا القسم ملحق بالعمودين بلا خلاف، وحكمه
~~حكمهما حرفا فحرفا، ومن عداهن لا ينعتقن بالملك، إلا أن يتبرع مالكهن
~~PageV03P007
# بإعتاقهن.
# فأما ذووا الأسباب، فهو الرضاع والزوجية.
# فقد اختلفت قول أصحابنا في أحكام الرضاع في العتق، فذهب فريق منهم إلى أن
~~حكم الرضاع في العتق حكم العمودين، ومن عدا العمودين من الإناث حكمهن حكم
~~من عدا العمودين من الإناث، من الأنساب، وقال الباقي من أصحابنا المحصلين
~~يسترق المرضعات، وليس حكمهن في الاسترقاق حكم الأنساب، وكذلك من عداهن من
~~الإناث، والأول اختيار شيخنا أبي جعفر رحمه الله (1) والثاني اختيار شيخنا
~~المفيد (2) وهو الذي يقوى في نفسي، وبه أفتي، لأنه لا دليل على عتقهن من
~~كتاب ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع منعقد، والأصل بقاء الملك والعبودية،
~~فمن أخرج ذلك من الملك يحتاج إلى دليل.
# وتمسك الذاهب إلى خلاف ما اخترناه بقوله عليه السلام: " يحرم من الرضاع
~~من يحرم من النسب " (3).
# فإنه مفهوم من فحوى هذا القول النكاح، دون غيره، وإن ورد في ذلك أخبار،
~~فهي آحاد لا يلتفت إليها، ولا يعرج عليها، لأن أخبار الآحاد، لا توجب علما
~~ولا عملا على ما كررنا القول فيه وقد مناه.
# فأما الزوجية فمتى ملك أحد الزوجين الآخر، انفسخت الزوجية بينهما وملكه.
# والمملوك إذا عمي من قبل الله تعالى، أو جذم، أو اقعد بزمانة من قبل الله
~~تعالى، انعتق بغير اختيار مالكه، ولا يكون له ولاء، بل يتوالى من شاء، فإن
~~لم يتوال أحدا ومات، كان ميراثه لإمام المسلمين.
# وقد روي أنه: إذا نكل به صاحبه، أو مثل به، انعتق في الحال، ولا سبيل
# PageV03P008
# لصاحبه عليه (1)، أورد هذه الرواية شيخنا في نهايته (2) إيرادا.
# وروي في بعض الأخبار: أنه إذا ms1099 كان المملوك مؤمنا وأتى عليه بعد ملكه سبع
~~سنين، استحب عتقه، وأن لا يملك أكثر من ذلك (3).
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ويستحب عتق المؤمن المستبصر، ويكره عتق
~~المخالف للحق (4).
# وقد قلنا في ما مضى: (5) أنه لا يجوز عتق الكافر، ومقصود شيخنا بقوله "
~~ويكره عتق المخالف للحق " المظهر للشهادتين غير المحق.
# ثم قال ولا بأس بعتق المستضعف، ثم قال ولا عتق إلا ما أريد به وجه الله
~~تعالى.
# وقد روي: أنه يستحب أن لا يعتق الإنسان إلا من أغنى نفسه ويقدر على
~~اكتساب ما يحتاج إليه (6).
# ومتى أعتق صبيا أو من يعجز عن النهوض بما يحتاج إليه، فالأفضل أن يجعل له
~~شيئا يعينه به على معيشته، وليس ذلك بفرض.
# وقال شيخنا في نهايته، ولا بأس أن يعتق ولد الزنا (7).
# وتحرير هذا القول على رأي شيخنا أبي جعفر، من كونه يذهب إلى أن عتق
~~الكافر جائز في الكفارات، وخصوصا من كان مظهرا للشهادتين، وإن كان مخالفا
~~للحق، فإنه يرى إعتاقه في غير الكفارة، فعلى هذا القول إنه إذا كان مظهرا
~~للشهادتين، فإنه يجوز إعتاقه على كراهية في ذلك، على ما قدمناه عنه في
~~إعتاق من خالف الحق، وإن كان ما هو عليه يقتضي تكفيره، إلا أنه له تحرم
~~بالإسلام (8)
# PageV03P009
# وأحكامه تجري عليه، وإن كان غير مظهر للشهادتين، فلا يجوز إعتاقه على ما
~~قدمناه.
# والأظهر بين الطائفة أن عتق الكافر لا يجوز، وولد الزنا كافر بلا خلاف
~~بينهم.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وإذا كان العبد بين شريكين، أعتق أحدهما
~~نصيبه مضارة لشريكه الآخر، ألزم أن يشتري ما بقي، ويعتقه، إذا كان موسرا،
~~وإن لم يكن موسرا، ولا يملك غير ما أعتقه، كان العتق باطلا، وإذا لم يقصد
~~بذلك مضارته بل قصد بذلك وجه الله تعالى، لم يلزم شراء الباقي، وعتقه بل
~~يستحب له ذلك، فإن لم يفعل استسعى العبد في الباقي، ولم يكن لصاحبه الذي
~~يملك ما بقي منه استخدامه، ولا له عليه ضريبة، بل له أن يستسعيه فيما ms1100 بقي
~~من ثمنه، فإن امتنع العبد من السعي في فك رقبته، كان له من نفسه قدر ما
~~أعتق، ولمولاه قدر ما بقي هذا آخر كلام شيخنا في نهايته (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله قوله رحمه الله هذا، عجيب، فإنه قال في
~~الباب الذي ذكر هذا الكلام فيه: " ولا عتق أيضا إلا ما أريد به وجه الله
~~تعالى " ثم قال: " وإذا كان العبد بين شريكين، وأعتق أحدهما نصيبه مضارة
~~لشريكه الآخر، ألزم أن يشتري ما بقي، ويعتقه إذا كان موسرا " وهذا متناقض
~~مخالف لأصول المذهب، ولما أصله من أنه لا عتق إلا ما أريد به وجه الله
~~تعالى، وإنما أورد هذه الرواية، إن كانت وردت، ورويت، إيرادا لا اعتقادا،
~~كما أورد نظائرها مما لا يعمل عليه ولا يعتقد صحته.
# والدليل على ما قلناه عنه، أنه رجع في مبسوطه عن هذا، فقال فإذا أعتق
~~شركا له (2) من عبد، لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون موسرا أو معسرا، فإن
~~كان معسرا أعتق نصفه، استقر الرق في نصف شريكه، وروى (3) أصحابنا أنه إن
~~قصد بذلك الإضرار لشريكه، أنه يبطل عتقه، هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر في
~~مبسوطه (4).
# PageV03P010
# ثم قال في نهايته: وإن لم يقصد بذلك مضارته، بل قصد بذلك وجه الله تعالى،
~~لم يلزم شراء الباقي وعتقه، بل يستحب له ذلك (1).
# وهذا غير واضح، ولا مستقيم، لأنا قد بينا أنه إن كان موسرا ألزم شراء
~~الباقي وأجبره السلطان على ذلك، وإن كان معسرا استسعى العبد في الباقي.
# وقال شيخنا في نهايته وإذا أعتق مملوكه وشرط عليه شرطا، وجب عليه الوفاء
~~به، ولم يكن له خلافه، فإن شرط عليه أنه متى خالفه في فعل من الأفعال، كان
~~ردا في الرق، فخالفه كان له رده في الرق (2).
# هذا غير واضح، لأن الحر لا يجوز أن يعود رقا. والشرط إذا كان مخالفا
~~للكتاب والسنة كان باطلا، وهذا شرط يخالف السنة، فأما إن كان الشرط لا
~~يخالف كتابا ولا سنة فهو شرط صحيح، فإن ms1101 شرط عليه خدمته سنة، أو سنتين، أو
~~أكثر من ذلك لزمه، فإن مات المعتق كان خدمته لورثته، فإن أبق العبد ولم
~~يوجد إلا بعد انقضاء المدة التي شرط عليه المعتق فيها الخدمة، لم يكن
~~للورثة عليه سبيل في الخدمة.
# والأولى أن يكون لهم الرجوع بمثل أجرة تلك المدة، لأنها مستحقة عليه، وقد
~~فاتت أوقاتها، فيرجع عليه بأجرة مثلها، فأما الخدمة فليس لهم سبيل عليه
~~فيها، فلأجل هذا قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله في نهايته، لم يكن للورثة
~~عليه سبيل يعني في الخدمة.
# وإذا باع العبد وعلم أن له مالا، كان ماله لبايعه دون مشتريه، وإن لم
~~يعلم أن له مالا كان ماله لبايعه بغير خلاف.
# وذكر شيخنا في نهايته: أنه إذا باع وعلم أن له مالا كان ماله لمن ابتاعه،
~~وإن لم يكن عالما بذلك كان المال له دون المبتاع (3).
# وهذا خبر واحد أورده إيرادا لا اعتقادا، لأنا قد بينا أن العبد لا يملك
~~شيئا عند المحصلين من أصحابنا لقوله تعالى: عبدا مملوكا لا يقدر على شئ (4)
~~فنفى قدرته
# PageV03P011
# على شئ، والمال من جملة الأشياء والدليل على صحة ما اعتذرنا لشيخنا قوله
~~أيضا في نهايته بعد القول الذي حكيناه عنه بلا فصل: والعبد المملوك لا يملك
~~شيئا من الأموال ما دام رقا، فإن ملكه مولاه شيئا، ملك التصرف فيه، وليس له
~~رقبة المال على وجه من الوجوه (1).
# وقد روي (2) أنه إذا نذر الإنسان أن يعتق أول مملوك يملكه، فملك جماعة من
~~العبيد في حالة واحدة، أقرع بينهم، فمن خرج اسمه أعتقه، وقد روي (3) أنه
~~مخير في عتق أيهم شاء، والأول أحوط هكذا أورده شيخنا في نهايته (4).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله والأولى عندي أنه لا يعتق شئ من العبيد، لأن
~~شرط المنذر ما وجد، لأنه نذر عتق أول مملوك يملكه، وليس لمن ملك في حالة
~~واحدة من المماليك أول، فما وجد شرط النذر، وأيضا الأصل براءة الذمة، فمن
~~شغلها بشئ يحتاج إلى دليل، ولا يرجع عن الأدلة بأخبار ms1102 الآحاد التي لا توجب
~~علما ولا عملا، وما أورده شيخنا فإنها رواية شاذة.
# وأورد شيخنا في نهايته، أنه إذا أعتق ثلاثة من عبيده وكان له أكثر من
~~ذلك، فقيل له أعتقت مماليكك؟ فقال نعم، لم يمض العتق إلا فيمن كان أجاز
~~فيهم العتق أولا، وإن أجابهم حين سألوه بلفظ العموم بقوله نعم (5).
# وفقه ذلك إن العتق يحتاج إلى نية القربة، فلا يصح ولا ينعتق إلا من نوى
~~عتقه، دون من لم ينو، لأنه أعرف بينته.
# وقد روي (6) أنه إذا كان للرجل جارية فنذر أنه متى وطأها كانت معتقة، فإن
~~وطأها قبل أن يخرجها من ملكه انعتقت، وإن أخرجها ثم اشتراها بعد ذلك وطأها
~~لم يقع بذلك عتق.
# وفقه هذه الرواية إن صحت: أنه إذا أخرجها من ملكه انحل نذره، لأنه نذر في
# PageV03P012
# ملكه، فإذا زال ملكه عنها انحل نذره، ولا يصح في ملك الغير، فيحتاج إذا
~~عادت إلى ملكه إلى دليل على عتقها.
# وإذا نذر الإنسان أن يعتق مملوكا بعينه، لم يجز له أن يعتق غيره، وإن كان
~~لولا النذر ما كان يجوز عتقه، أو كان يكون مكروها، مثل أن يكون كافرا أو
~~مخالفا في الاعتقاد، هكذا أورده شيخنا في نهايته (1).
# هذا على رأيه رحمه الله ومذهبه في أن عتق الكافر يصح في الكفارات والنذور
~~إذا عينه فيه، وقد قلنا ما عندنا في ذلك (2)، فلا وجه لا عادته.
# وأما قوله رحمه الله " لولا النذر لم يجز ذلك " يعني ما كان يجوز عتق
~~الكافر الغير المظهر للشهادتين ابتداء من غير نذر بعينه.
# وأما قوله " أو كان يكون مكروها " يعني الكافر الذي يظهر الشهادتين كان
~~لولا النذر يكون عتقه مكروها إذا كان ابتداء، لا عن نذر، فهذا معنى قوله
~~رحمه الله.
# وأورد في النهاية أيضا أنه إذا زوج الرجل جاريته، وشرط إن أول ما تلده
~~يكون حرا فولدت توأما، كانا جميعا معتقين (3).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله إن أراد بالشرط المذكور أول حمل، كان على ما
~~ذكر، وإن أراد بذلك أول ms1103 ولد تلده، كان الأول حرا، والذي يخرج ثانيا مملوكا
~~إذا شرطه.
# وإذا قال الرجل كل عبد لي قديم فهو حر، فما كان من مماليكه أتى له ستة
~~أشهر فهو قديم، وصار حرا، وكذلك إذا كان في ملكه وقد أتى عليه أكثر من ستة
~~أشهر، وإنما أقله ستة، لقوله تعالى " حتى عاد كالعرجون القديم " (4)
~~والعرجون في ستة أشهر يكون كذلك، من جهة عرف الشرع بالآية، لا من جهة عرف
~~اللغة.
# ولا يجوز للإنسان أن يأخذ من مملوك لغيره مالا ليشتريه من غير علم مولاه.
# قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا اشترى الإنسان جارية ولم ينقد ثمنها،
# PageV03P013
# فأعتقها وتزوجها، ثم مات بعد ذلك، ولم يخلف غيرها، فإن عتقه ونكاحه باطل،
~~وترد في الرق لمولاها الأول، وإن كانت قد حملت، كان أولادها رقا كهيئتها،
~~فإن خلف ما يحيط بثمن رقبتها، فعلى الورثة أن يؤدوا ثمنها لمولاها، وقد مضى
~~العتق والتزويج، ولا سبيل لأحد عليها (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله، الذي يقتضيه أصول مذهب أصحابنا، إن العتق
~~المذكور صحيح، لأنه أعتق ملكه بغير خلاف، والحر لا يعود رقا، والنكاح صحيح،
~~والولد حر، والحر لا يصير عبدا، لأنه انعقد حرا، سواء خلف غيرها من
~~الأموال، أو لم يخلف، والثمن في ذمته، وما ذكره رحمه الله من بطلان العتق
~~والتزويج وصيرورة أولادها إن حمل كهيئتها رقا، غير مستقيم ولا واضح، لأنه
~~مخالف للأدلة القاهرة، ومضاد للكتاب والإجماع والسنة، المتواترة، لأنه لا
~~إجماع عليه، ولا كتاب ولا سنة، وما أورد شيخنا خبر واحد لا يوجب علما ولا
~~عملا، أورده إيرادا لا اعتقادا على ما بيناه، كما أورد أمثاله في هذا
~~الكتاب، أعني النهاية مما لا يعمل عليه ولا يفتي به.
# وقال أيضا في نهايته: وإذا أعتق الرجل مملوكه عند موته وعليه دين، فإن
~~كان ثمن العبد ضعفي ما عليه من الدين، مضى العتق، واستسعى العبد في قضاء
~~دين مولاه، وإن كان ثمنه أقل من ضعفي الدين كان العتق باطلا (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله ms1104 إن أراد بقوله عند موته أنه أنجز عتقه بل
~~موته، فإن العتق صحيح ماض، ولا سبيل للديان عليه، لأنه تصرف في ملك الإنسان
~~قبل الحجر عليه، وللإنسان أن يتصرف في ملكه كيف شاء، لأن الناس مسلطون على
~~أملاكهم، يتصرفون فيها بالبيع والهبة، والصدقة، والعتق، وغير ذلك وإن أخر
~~عتقه إلى بعد موته، فهذا تدبير ووصية، لأن التدبير عند أصحابنا بمنزلة
~~الوصية، والوصية لا تصح إلا بعد قضاء جميع الديون، وإنما الذي أورده شيخنا
~~في نهايته خبر واحد، على قول من قال من أصحابنا إن العطايا المنجزة في مرضه
~~الموت، لا تخرج من أصل المال، وإنما تحرج من الثلث، لأن أصحابنا لهم في ذلك
~~مذهبان، فبعض
# PageV03P014
# يرى أنها من أصل المال، وبعض يرى أنها من الثلث، والأول هو الأظهر، لأنه
~~الذي يقتضيه أصول المذهب، لأن للإنسان أن ينفق جميع ماله على مرضه بغير
~~خلاف، وإنما وردت بالثاني أخبار آحاد لا يعول عليها ولا يلتفت إليها، وهي
~~موافقة لمذهب مخالفينا.
# قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه في كتاب العتق: العتق في المرض المخوف،
~~يعتبر عند بعض أصحابنا من الأصل، وعند الباقين من الثلث، وهو مذهب
~~المخالفين، ثم قال: فإذا ثبت ذلك، وأعتق شقصا من عبد، نظرت، فإن كان وفق
~~الثلث نفذ فيه وحده، ولم يقوم عليه نصيب شريكه، وإن كان الشقص أقل من
~~الثلث، قوم عليه تمام الثلث، وإن استغرق جميع ثلثه، فأما إذا اعتبرناه من
~~أصل المال، فحكمه حكمه لو كان صحيحا، وقد مضى ثم قال إذا أوصى بعتق شقص له
~~من عبد، ثم مات، أعتق عنه ذلك الشقص، ولم يقوم عليه نصيب شريكه، وإن كان
~~غنيا، لأن ملكه زال عن ماله بالموت، إلا القدر الذي استثنيناه. هذا آخر
~~كلام شيخنا في مبسوطه (1)، أوردناه ليعلم أن ما أورده في نهايته على أحد
~~القولين اللذين لأصحابنا الذي هو غير معمول عليه، لما أشرنا إليه من
~~الأدلة.
# إذا كان العبد بين ثلاثة، لواحد النصف، وللآخر (2) السدس، فأعتق صاحب
~~النصف وصاحب السدس ملكهما معا ms1105 في زمان واحد، أو وكلا وكيلا فأعتق ملكهما
~~معا سرى إلى نصيب شريكهما، ويكون عليهما قيمة الثلث بينهما نصفين، وإن
~~اختلف ملك المعتقين لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال من أعتق
~~شركا له في عبد، وكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم العبد قيمة العدل، وأعطى
~~شركائه حصصهم، وعتق العبد (3)، فعلق الضمان بأن أعتق شركا له من
# PageV03P015
# عبد، وقد اشتركا في هذا المعنى، فكانا سواء في الضمان، ويكون القيمة حين
~~العتق سواء قيل بنفس اللفظ، أو بشرطين، أو مراعى، لأن بين الفقهاء في ذلك
~~اختلافا، فبعض يقول يعتق حصة شريكه بنفس اللفظ، وهو الأظهر، وبعض يقول
~~بشرطين، باللفظ وقبض القيمة، وبعض يقول مراعى.
# وإذا أعتق الرجل ثلث عبيده، وله عبيد جماعة، استخرج منهم ثلثهم بالقرعة،
~~فمن خرج اسمه كان معتقا. وقال المخالف يعتق من كل واحد ثلثه ويستسعي كل
~~واحد في ثلثي قيمته، ليؤدي ويعتق.
# وجملة الإقراع بينهم، وكيفيته، فإذا كانوا على صفة يمكن تعديدهم أثلاثا
~~بالقيمة والعدد معا، وهو إذا كانوا ستة قيمة كل واحد ألف، فيكون كل عبدين
~~ثلث ماله، فإنا نجزيهم ثلاثة أجزاء، كل عبدين جزاء نقرع بينهم، بأن نكتب
~~الرقاع، ونساهم على ما بيناه في غير موضع، ويمكن إخراج الأسماء على الرق
~~والحرية، وإخراج الرق والحرية على الأسماء، فإذا أردت أن تخرج الأسماء على
~~الرق والحرية، كتبت في كل رقعة اسم اثنين فيكون ثلاث رقاع، وتقول أخرج رقعة
~~على الحرية، فإذا أخرجها فضت فيعتق من اسمه فيها ويرق الباقون، وقد اكتفيت
~~بإخراج الرقعة دفعة واحدة، وإن قلت: أخرج رقعة على الرق، فإذا أخرجها فضت
~~ويرق من اسمه فيها، ولا بد من إخراج أخرى، فتقول: أخرج أخرى على الرق، فإذا
~~خرج، رق من فيها، وعتق الآخران، فمتى أخرج القرعة على الحرية، أجزئه دفعة
~~واحدة، ومتى أخرجها على الرق، فلا بد من دفعتين.
# فإن لم يتفق ذلك، وهو إذا لم يمكن التعديل بالعدد دون القيمة، أو بالقيمة
~~دون العدد، مثل أن كانوا ستة، قيمة ms1106 عبد ألف، وقيمة عبدين ألف، وقيمة ثلاثة
~~أعبد ألف، فإذا اعتبرت القيمة، كانت التركة أثلاثا، لكن العدد مختلف، ومتى
~~اعتبرت العدد، وجعلت كل عبدين سهما، صح، لكن اختلفت القيمة فما الذي يصنع
~~به؟
# قال قوم تعتبر القيمة، ويترك العدد، كما أن قسمة الدار إذا لم تمكن
~~بالمساحة والأجزاء، عدلت بالقيمة، وقال آخرون يعتبر بالعدد ويترك القيمة،
~~والأول هو PageV03P016
# الذي يقتضيه مذهبنا.
# وإذا خلف الرجل مملوكا وشهد بعض الورثة أنه أعتقه مورثهم، فإن كان الشاهد
~~مرضيا جايز الشهادة، وكانا اثنين عتق المملوك، وإن لم يكن مرضيا أو كان غير
~~أن الآخر غير مرضي، مضى العتق في حصته، واستسعى العبد في الباقي.
# وإذا أوصى الإنسان بعتق رقبة، جاز أن يعتق عنه نسمة، ذكرا كان أو أنثى،
~~إذا كانت النسمة ممن يجوز إعتاقها.
# وقد روي (1) أنه إذا أعتق الرجل مملوك ابنه كان العتق ماضيا.
# وهذه الرواية لا يصح العمل بها، إلا أن يكون الابن صغيرا، ويكون الأب قد
~~قوم العبد على نفسه، وإلا فلا يصح ذلك فيه.
# وشيخنا أبو جعفر أورد ذلك في نهايته (2)، وأطلق ولم يقيد بالابن الصغير،
~~وتحرير الفتيا ما قلناه.
# وقد روى (3) أنه إذا أعتق الرجل جارية حبلى بمملوك، صار ما في بطنها حرا
~~كهيئتها، فإن استثناه من الحرية لم يثبت رقه مع نفوذ الحرية في أمه.
# وهذه الرواية أوردها شيخنا في نهايته (4) ولا دليل على صحتها في كتاب،
~~ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع، والأصل أن لا عتق، وثبوت العبودية في حملها،
~~فمن حرره يحتاج إلى دليل، ولا دليل له على ما بيناه، وأخبار الآحاد غير
~~معمول عليها عند أصحابنا، وإنما هذا يصح على مذهب الشافعي، لأنه يجري الحمل
~~مجرى بعض أعضائها، ولهذا يقول إنه إذا باعها واستثنى الحمل، لا يصح
~~استثناؤه، ونحمل نحن الرواية على أنها وردت مورد التقية، لأنه مذهب
~~مخالفينا.
# وإذا أسلم أحد الأبوين: كان حكم أولاده (5) حكمه في إجراء حكم الإسلام
~~عليهم، فإن بلغوا واختاروا الشرك، لم يمكنوا من ذلك، وقهروا على الإسلام،
~~فإن
# PageV03P017
# أبوا ms1107 ذلك كان عليهم القتل.
# وإذا كان للرجل مملوك، وهو يحسن إليه، ويقوم بما يحتاج إليه، فاستباعه
~~العبد، لم يلزمه بيعه، وكان مخيرا في ذلك.
# ويكره أن يفرق بين الولد الصغير وبين أمه، وينبغي أن يباعا معا، وليس ذلك
~~بمحظور على الأظهر من قول المحصلين من أصحابنا، وإلى هذا يذهب شيخنا أبو
~~جعفر في كتاب العتق في نهايته (1).
# وإذا أبق العبد، جاز لمولاه أن يعتقه في الكفارة الواجبة عليه، ما لم
~~يعرف منه موتا، على ما بيناه في كتاب الظهار (2).
# وإذا عتق العبد، وعليه دين، فإن كان استدانه بإذن مولاه وأمره، لزم
~~المولى قضاؤه، وإن كان عن غير إذنه، كان ثابتا في ذمته، يتبع به، ولا يلزم
~~المولى منه شئ.
# وقد روي (3) أنه إذا أتى على الغلام عشر سنين، كان عتقه وصدقته جايزا إذا
~~كان على جهة المعروف، أوردها في نهايته (4) شيخنا إيرادا لا اعتقادا لأنه
~~لا دليل على صحة العمل بها، لأنها مخالفة لأصول المذهب، لكونها لا دليل
~~عليها من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع منعقد، والأصل نفي الأحكام
~~الشرعية، وثبوتها يحتاج إلى أدلة شرعية، وقول الرسول عليه السلام المجمع
~~عليه، يؤيد ما قلناه، وهو " رفع القلم عن ثلاث " (5) وذكر الصبي من جملة
~~الثلاث.
# وإذا أعتق الرجل عبده عن دبر، " بالدال غير المعجمة المضمومة، والباء
~~المسكنة المنقطعة من تحتها نقطة واحدة، والراء والمراد بذلك التأخير، لأن
~~الدبر
# PageV03P018
# المؤخر، والتدبير تفعيل من الدبر، وهو العتق المؤخر إلى بعد الموت " وكان
~~عليه عتق رقبة واجبة، لم يجز ذلك عنه، لأن المدبر يخرج من الثلث، والرقبة
~~الواجبة من أصل المال، والمدبر غير ما يعتق في الكفارات، فلهذا لا يجزئه،
~~ولأن أسبابهما مختلفة، فهذا معنى قول شيخنا أبي جعفر في نهايته: وإذا أعتق
~~الرجل عبده عن دبر، وكان عليه رقبة واجبة، لم يجز ذلك عنه (1).
# وأيضا التدبير على ضربين، واجب وندب، فالواجب ما أوجبه الإنسان على نفسه
~~بالنذر أو العهد، فإن كان هذا الضرب، فلا يجزئه عن الكفارة، لأن الفرضين لا
~~يتداخلان، ms1108 وإن كان الضرب الآخر من التدبير، فلا يجزئه عن الكفارة الواجبة
~~عليه، لأنه يحتاج إلى نية الإعتاق، وإلى كيفية النية، وجنس العتق، والقصد
~~إليه، وهذا الضرب أيضا يخرج من الثلث، والكفارة من أصل المال، فليلحظ جميع
~~هذه الأقسام.
# وحد اليسار الذي يقوم العبد إذا كان مشتركا بينه وبين غيره، وأعتق نصيبه
~~منه، أن يكون للمعتق غير هذا النصيب قدر قيمته نصيب شريكه في الفاضل عن قوت
~~يومه وليلته، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله، قال من أعتق شركا له من
~~عبد، وكان له مال يبلغ ثمنه، قوم عليه (2).
# فإن لم يكن إلا قدر نصيبه منه وتمام قيمة نصيب شريكه، فليس له مال إلا
~~ثمن العبد (3)، فإن كان معه وفق قيمة نصيب شريكه، قوم كل نصيب شريكه عليه،
~~وإن كان معه أقل من ذلك، قوم عليه بقدر ما يملك من الفاضل عن قوت يومه
~~وليلته.
# فأما إن كان معسرا، فأعتق نصيبه منه، عتق ورق الباقي عندنا، وقال بعض
~~المخالفين يعتق كله، ويكون قيمة نصيب شريكه في ذمته، يتبع به إذا أيسر،
~~وقال
# PageV03P019
# بعضهم شريكه بالخيار بين أن يعتق نصيبه، وبين أن يستسعيه في قيمته، ليؤدي
~~فيعتق. وقد روي في أخبارنا ذلك.
# قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، مسألة: إذا ورث شقصا من أبيه أو أمه،
~~قوم عليه ما بقي إذا كان موسرا، وقال الشافعي لا يقوم عليه لأنه بغير
~~اختياره، دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم هذا آخر المسألة (2).
# قال محمد ابن إدريس رحمه الله، الذي يقتضيه أصول مذهبنا، أنه لا يقوم
~~عليه ما بقي، لأنه لا دلالة على ذلك من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا
~~إجماع، والأصل براءة الذمة، وما ذكره رحمه الله من قوله " دليلنا إجماع
~~الفرقة " فعلى أي شئ أجمعت، إنما أجمعت على أنه من أعتق شركا له في عبد،
~~وكان موسرا قوم عليه حصة شريكه، وكذلك الأخبار التي ادعاها، إنما وردت بما
~~أجمعوا عليه، وما وردت، ولا أجمع أصحابه على أن من ورث شقصا له ms1109 من عبد يعتق
~~عليه، يقوم عليه ما بقي إذا كان موسرا.
# إلا أن شيخنا رجع عما ذكره، في مبسوطه، وقال لا يقوم عليه (3)، وهو الحق
~~اليقين.
# وقال في مسائل الخلاف، إذا أعتق كافر مسلما، ثبت له عليه الولاء (4).
# وهذا لا يتقدر على ما قررناه أن العتق لا يقع إلا أن يقصد به وجه الله
~~تعالى، والكافر لا يعرف الله تعالى ولا يقع منه نية القربة.
# عندنا أن العتق لا يقع بشرط ولا يمين، وخالف جمع الفقهاء في ذلك.
# إذا قال كل عبد أملكه فهو حر، أو قال إن ملكت هذا فهو حر، ولم يجعل ذلك
~~نذرا، ثم ملك، لم يعتق.
# قال شيخنا في مسائل الخلاف، مسألة: إذا أعتق عن غيره عبدا بإذنه، وقع
# PageV03P020
# العتق عن الآذن (1).
# والذي يقتضيه أصول مذهبنا، أن العتق لا يقع إلا عن المالك للعبد، دون
~~الآذن الذي ليس بمالك، لأنه لا خلاف في قوله عليه السلام " لا عتق قبل ملك،
~~ولا طلاق قبل نكاح " (2) والآذن لم يملك العبد وإنما هو على ملك المباشر
~~للعتق إلى حين إعتاقه، وإنما هو الذي ذكره شيخنا رحمه الله قول المخالفين،
~~دون أن يكون ورد في أخبارنا، أو أجمع أصحابنا عليه، لأنه لو أجمع عليه
~~أصحابنا، أو وردت به أخبارنا لما قال في استدلاله على صحة ما اختاره "
~~دليلنا إن الآذن في الحقيقة هو المعتق " لأنه لو لم يأمره بذلك لم يعتقه،
~~كما لو أمره ببيع شئ منه، أو شرائه، ولكان يقول دليلنا إجماع الفرقة
~~وأخبارهم.
# باب أمهات الأولاد إذا وطئ الرجل أمته، فأتت منه بولد يكون حرا، لأنها
~~علقت به في ملكه بغير خلاف، تسري حرية الولد إلى الأم عند المخالف، وعندنا
~~لا تسري، وهي أم ولد، فما دامت حاملا، فلا يجوز بيعها عندنا، وإن ولدت، فما
~~دام ولدها باقيا لا يجوز بيعها إلا في ثمنها، إذا كان دينا على مولاها ولم
~~يكن له غيرها.
# وقال السيد المرتضى لا يجوز بيعها ما دام الولد باقيا، لا في الثمن ولا
~~في ms1110 غيره (3).
# والأظهر الأول.
# فإذا مات الولد، جاز بيعها، وهبها، والتصرف فيها بسائر أنواع التصرف،
~~وقال المخالف لا يجوز بيعها، ولا هبتها، ولا التصرف في رقبتها بشئ من أنواع
~~التصرف، لكن يجوز التصرف في منافعها بالوطئ والاستخدام.
# PageV03P021
# فإذا مات السيد عتقت من أصل المال عندهم، وعندنا تجعل من نصيب ولدها،
~~وتعتق عليه (1)، فإن لم يكن هناك غيرها انعتق نصيب ولدها، واستسعيت في
~~الباقي.
# وروي أنه إن كان لولدها مال، أدى بقية ثمنها منه، ولا دليل على هذه
~~الرواية.
# فإن لم يكن ولدها باقيا، جاز للورثة بيعها.
# أم الولد إذا جنت جناية وجب لها أرش، فإن الأرش يتعلق برقبتها بلا خلاف،
~~والمولى بالخيار بين أن يفديها، أو يسلمها للبيع عندنا، وعند المخالف على
~~السيد أن يفديها ويخلصها من الجناية، قالوا: لأنه منع من بيعها بإحباله،
~~ولم يبلغ بها حالة يتعلق الأرش بذمتها، فصار كالمتلف لمحل الأرش، فلزمه
~~ضمان الجناية، كما لو كان له عبد فجنى، فقتله، ويفارق إذا كان له عبد،
~~فأعتقه، ثم جنى جناية، لم يلزمه جناية ذلك، لأن هناك بلغ به حالة يتعلق
~~الأرش بذمته.
# إذا كان لذمي أم ولد منه، فأسلمت، فإنها لا تعتق عليه، وتباع عليه عندنا،
~~لأنها مملوكة.
# ولا خلاف بين أصحابنا، أن الذمي إذا كانت عنده جارية ذمية، فأسلمت، فإنها
~~تباع عليه بغير اختياره، ويعطى ثمنها، لقوله تعالى " ولن يجعل الله
~~للكافرين على المؤمنين سبيلا " (2) وهذا مذاهب شيخنا في مبسوطه (3)، واختار
~~في مسائل خلافه قول بعض المخالفين، وهو أنه لا تباع ولا تستعار، لكن يحال
~~بينها وبين المولى الذمي، وتجعل في يد امرأة ثقة تنفق عليها من كسبها، فإن
~~فضل شئ من كسبها، كان لسيدها، وإن عجز ذلك عن نفقتها، كان على السيد تمام
~~النفقة (4).
# وما ذكره في مبسوطه هو الذي يقتضيه أصول مذهبنا.
# PageV03P022
# وقال شيخنا في نهايته في باب أمهات الأولاد، فإن لم يخلف غيرها، وكان
~~ثمنها دينا على مولاها، قومت على ولدها، وتترك إلى أن يبلغ، فإذا بلغ أجبر
~~على ثمنها، فإن مات قبل ms1111 البلوغ، بيعت في ثمنها، وقضى به الدين (1).
# وهذا الذي ذكره، غير واضح، لأنا نبيعها في ثمن رقبتها في حياة مولاها،
~~فكيف بعد موته، ولأي شئ يجبر الولد بعد بلوغه على ثمنها؟ فلأي شئ يؤخر
~~الدين؟
# إلا أن شيخنا قد رجع عن هذا في عدة مواضع، ولا شك أن هذا خبر واحد أورده
~~هاهنا إيرادا لا اعتقادا.
# باب الولاء الولاء على ثلاثة أقسام، ولاء النعمة، وهو كل من أنعم عليه
~~مولاه، وأعتقه متبرعا بإعتاقه، متقربا بذلك إلى الله تعالى، لا في واجب
~~عليه، ولا مجبر عليه، بأن يرث من يعتق عليه أو يبتاع من يعتق عليه.
# وولاء تضمن الجريرة، وهو أن يتعاقد اثنان مجهولا النسب، أو أحدهما، أو لا
~~وارث (2) من جهة النسب لهما أو لأحدهما، على أن يعقل عنه ويضمن جريرته
~~وخطأه، ويكون له ميراثه.
# وولاء الإمامة، وهو كل من مات ولا وارث له من نسب، ولا مولى منعم، ولا
~~ضامن جريرة.
# فالقسم الأول، إذا كان المباشر للعتق رجلا، فولاه مولاه له، وضمان جريرته
~~عليه، إلا أن يتبرأ (3) من ضمان جريرته في حال عتقه، ويشهد على ذلك.
# فإذا مات المنعم، فولاء مولاه يجري مجرى النسب، ويرثه من يرث من ذوي
~~الأنساب على حد واحد، إلا الإخوة، والأخوات من الأم، أو من يتقرب بها من
~~الجد والجدة، والخال والخالة، وأولادهما.
# PageV03P023
# وفي أصحابنا من قال إنه لا يرث النساء من الولاء شيئا، وإنما يرثه الذكور
~~من الأولاد والعصبة، هذا مذهب شيخنا أبي جعفر في نهايته (1) وإيجازه (2).
# والأول مذهبه في استبصار (3)، فإنه قال: إن البنت ترث من ميراث المولى،
~~كما يرث الابن، قال وهو الأظهر من مذهب أصحابنا، وهو مذهبه في مسائل خلافه
~~(4)، واستدل على صحته بأن قال: دليلنا إجماع الفرقة، وأيضا قوله عليه
~~السلام " الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب " (5).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله وهذا الذي يقوى في نفسي، وبه أفتي، لأن هذا
~~الخبر مجمع عليه، متلقى بالقبول عند الخاصة والعامة، فلا معدل عنه، ولا
~~إجماع منعقد لأصحابنا ms1112 على المسألة، فنخصص العموم به.
# فأما إذا كان المنعم بالعتق امرأة، فإنها ترث ولاء مواليها ما دامت حية،
~~فإذا ماتت ورث ولاء مواليها عصبتها من الرجال، دون أولادها، سواء كان
~~الأولاد ذكورا أو إناثا، لأن إجماع أصحابنا منعقد على ذلك، فهو المخصص
~~لعموم الخبر المقدم ذكره.
# إلا ما ذهب إليه شيخنا المفيد في مقنعته (6)، فإنه قال يرث الولاء
~~أولادها الذكور دون الإناث.
# وابن أبي عقيل ذهب إلى أن الولاء يرثه المرأة، سواء كانوا ذكورا أو
~~إناثا، وهو يجري مجرى النسب على حد واحد، إلا الإخوة والأخوات من الأم ومن
~~يتقرب بها، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في مسائل خلافه (7).
# وهذا أقوى، يجب أن يعتمد عليه للخبر المقدم ذكره وما قلناه من تخصيصه
# PageV03P024
# بالإجماع، فراجعنا النظر في أقوال أصحابنا وتصانيفهم، فرأيناها مختلفة
~~غير متفقة، فالأولى التمسك بالعموم، إلى أن يقوم دليل الخصوص.
# فأما القسم الثاني، فلا يتعدى الضامن، فإذا مات الضامن بطل التعاقد
~~بينهما، ولا يرثه ورثته بغير خلاف.
# فأما القسم الثالث، فإن ميراثه لإمام المسلمين، مع فقدان جميع الأنساب
~~والموالي، وهذا هو ميراث من لا وارث له، وهو الضامن لجريرته وحدثه، فإذا
~~مات الإمام، انتقل إلى الإمام الذي يقوم مقامه، دون ورثته الذين يرثون
~~تركته، ومن يتقرب إليه.
# ولا يصح بيع الولاء ولا هبته.
# وإذا أعتق الرجل مملوكا وتبرأ من ضمان جريرته كان سائبة، ولا ولاء له
~~عليه على ما قدمناه، وكذلك الذين يعتقهم في النذور والكفارات والواجبات،
~~فلا ولاء لمن أعتقه عليه، ولا لأحد بسببه، فإن توالى هذا المعتق إليه، وضمن
~~جريرته، كان ولاؤه له، فإن توالى إلى غيره، كان ولاؤه له، وضمان جريرته
~~عليه، فإن مات ولم يتوال أحدا، كان ميراثه لإمام المسلمين على ما قدمناه.
# قال شيخنا في مبسوطه، إذا ملك من يعتق عليه بعوض، أو بغير عوض، عتق عليه،
~~وكان ولاؤه له، لعموم الخبر (1).
# وهذا غير واضح، ولا مستقيم، لأنا قد بينا أنه لا خلاف بين أصحابنا في أن
~~الولاء يستحقه المتبرع بالعتق، دون غيره، وأيضا ms1113 فقول الرسول عليه السلام.
~~المجمع عليه " إن الولاء لمن أعتق " (2) وهذا ما أعتق بغير خلاف، لأنه
~~انعتق عليه بغير اختياره، فإن أراد شيخنا بقوله لعموم الخبر، هذا الخبر
~~الذي ذكرناه، فهو بالضد من مراده واستشهاده.
# ثم قال رحمه الله، فأما المكاتب، إذا أعتق بالأداء، أو اشترى العبد نفسه
~~من
# PageV03P025
# مولاه، وعتق، لم يثبت له عليه الولاء عندنا، إلا أن يشترط عليه، وعندهم
~~يثبت وأما الدبر فإنه يثبت عليه الولاء بلا خلاف، وكذلك أم الولد (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله قوله رحمه الله في المكاتب والمدبر صحيح
~~واضح، لا خلاف عندنا فيهما، وأما الولد فلا ولاء عليها لأحد من جهة مولاها،
~~لما قدمناه من الأدلة وبيناه.
# باب المكاتبة المكاتبة مشتقة من الكتب، وهو الضم والجمع، يقال كتبت
~~البغلة إذا ضممت أحد شفريها بحلقة أو سير، ومنه قيل للجيش والناس المجتمعين
~~" كتيبة " فكذلك المكاتبة، اشتقاقها من هذا، لأنه ضم أجل إلى أجل، وعقد
~~المعارضة على ذلك.
# فدليل جوازها قوله تعالى " والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم
~~فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا " (2) فأمر بالكتابة، فإذا ثبت ذلك، فهي أن
~~يشترط المالك على عبده أو أمته تأدية شئ معلوم، يعتق بالخروج منه إليه، وهي
~~بيع العبد من نفسه، وصورتها أن يقول الإنسان، لعبده أو أمته، " قد كاتبتك
~~على أن تعطيني كذا وكذا دينارا، أو درهما، في نجوم معلومة، على أنك إذا
~~أديت ذلك فأنت حر " فيرضى العبد بذلك، ويكاتبه عليه، ويشهد بذلك على نفسه،
~~فمتى أدى مال الكتابة في النجوم التي سماها، صار حرا.
# وهي على ضربين، مشروطة ومطلقة غير مشروطة فإذا أدى المكاتب من غير شرط،
~~شيئا من مال الكتابة، عتق منه بحسابه، والمشروط عبد بقي عليه درهم.
# ولا يجوز للإنسان وطي أمته المكاتبة، سواء كانت الكتابة مطلقة، أو مشروطة
~~بلا خلاف، فإن وطأها وكانت مشروطا عليها، لم يحد، لأن هناك شبهة يسقط بها
~~الحد، وإن كانت غير مشروطة عليها، وقد أدت من مال الكتابة شيئا، كان عليه
# PageV03P026
# الحد بمقدار ما تحرر ms1114 منها إذا لم يشتبه الحكم عليه.
# والكتابة المشروطة، هو أن تقول للعبد في حال الكتابة " متى عجزت عن أداء
~~ثمنك فأنت رد في الرق، ولي جميع ما أخذت منك " فمتى عجز عن ذلك وحد العجز
~~هو أن يؤخر نجما إلى نجم والأولى أن نقول إن يؤخر النجم بعد محله فأما
~~تأخير النجم إلى منجم الآخر فعلى جهة الاستحباب الصبر عليه إلى ذلك الوقت،
~~أو يعلم من حاله أنه لا يقدر على فك رقبته وأداء ثمنه فإنه عند ذلك يرجع
~~رقا إذا فسخ ذلك مولاه، فإن لم يفسخ الكتابة مولاه، بقي على ما هو عليه من
~~الكتابة، وليس بمجرد عجزه يرجع رقا، بل يكون سيده بالخيار بين فسخ الكتابة،
~~أو المقام عليها والصبر عليه.
# فإن مات هذا المكاتب، وخلف مالا وأولادا، كان ما ترك لمولاه، دون غيره،
~~وكان أولاده مماليك له إذا كان أولاده من مملوكة اشتراها، فأما إن كانوا من
~~حرة، فلا يكونون مماليك لسيده.
# ولا يجوز لهذا المكاتب أن يتصرف في نفسه بالتزويج، ولا بهبة المال، ولا
~~بالعتق ما دام قد بقي عليه شئ من مال الكتابة، وإنما يجوز له التصرف في
~~تنمية المال.
# ومتى حصل عليه دين، كان مولاه ضامنا له، إذا كان قد أذن له في الاستدانة،
~~لأنه عبده.
# والضرب الآخر من المكاتبة، هو أن يكاتبه على شئ معلوم، ونجوم معلومة، ولا
~~يشترط عليه أنه إن عجز فهو رد في الرق، على ما بيناه فمتى أدى شيئا من
~~مكاتبته انعتق منه بحساب ذلك على ما تقدم بيانه، ولم يكن لمولاه عليه سبيل.
# فإن مات هذا المكاتب وترك مالا وترك أولادا، ورثه مولاه بقدر ما بقي له
~~من العبودية، وكان الباقي لولده إذا كانوا أحرارا في الأصل، بعد إخراج ما
~~بقي من مال الكتابة قبل ذلك أجمع، لأنه دين، وما يبقى بعد ذلك يكون ميراثا
~~على ما بيناه.
# والذي ينبغي تحصيله في ذلك، أن نقول يرث السيد بمقدار ما فيه من
~~العبودية، وابنه أو وارثه بقدر ما تحرر ms1115 منه، ويؤخذ بقية مال الكتابة من
~~نصيب وارث PageV03P027
# المكاتب، إذا صار إليه نصيبه، لأن الدين الذي هو مال الكتابة يخرج من
~~نصيب الوارث للأجزاء الحرية (1)، دون جميع ما خلفه وتركه الميت، لأن
~~الأجزاء الباقية على العبودية لا تملك شيئا، لأنه مال سيده دونه، وإنما
~~الدين يتعلق بما فيه من الحرية ونصيبها، دون جميع التركة.
# وهذا مذهب شيخنا أبي جعفر في استبصاره (2)، وهو الصحيح دون ما أوردناه
~~أولا فإن كان هذا المكاتب قد رزق الولد بعد الكتابة من أمة له، كان حكم
~~ولده حكمه في أنه يسترق منه مولى أبيه بقدر ما بقي على أبيه، فإن أدى الابن
~~ما كان قد بقي على أبيه، صار حرا لا سبيل لمولاه عليه، فإن لم يكن له مال،
~~استسعاه مولى الأب فيما بقي على أبيه، فمتى أداة صار حرا.
# وهذا المكاتب إذا أدى بعض مكاتبته، يرث ويورث بحساب ما عتق منه، ويمنع
~~الميراث بقدر ما بقي من الرق، وكذلك إن وصى له، كانت الوصية ماضية له، بقدر
~~ما عتق، ويحرم بقدر ما بقي من رقه.
# وكل شرط يشرطه المولى على مكاتبه، فإنه يكون ماضيا ما لم يكن شرطا يخالف
~~الكتاب والسنة، كما أن له جميع ما يشرط عليه، إذا أعتقه، فإن أشرط عليه أن
~~يكون ولاؤه له، كان له الولاء دون غيره، ولا يكون له الولاء بمجرد الكتابة
~~إلا بالشرط.
# ومتى تزوجت المكاتبة بغير إذن مولاها، كان نكاحها باطلا، وإن كان ذلك
~~بإذن مولاها وقد أدت بعض مكاتبتها، ورزقت أولادا، كان حكم ولدها حكمها،
~~يسترق منهم بحساب ما بقي من ثمنها، ويعتق بحساب ما عتقت (3) إذا كان
~~تزويجها بعبد مملوك، فإن كان تزويجها بحر، كان الولد أحرارا.
# وإذا قال المكاتب لمولاه، خذ مني جميع ما كاتبتني عليه دفعة واحدة، كان
~~مخيرا بين أخذه منه في موضع، والامتناع منه، ولا يقبل منه إلا على ما وأفقه
~~من النجوم.
# PageV03P028
# وإذا كان المكاتب غير مشروط عليه، وعجز عن توفية ثمنه، فإن كان مولاه ممن
~~عليه زكاة واجبة، ms1116 فإنه يجب عليه أن يعطيه شيئا من ذلك، قل أم كثر، لقوله
~~تعالى " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " (1) وإن لم يكن ممن يجب عليه
~~زكاة، فلا يجب عليه الإيتاء المذكور في الآية، لأنه لا مال لله تعالى واجب
~~عليه، وكان على الإمام أن يفك رقبته من سهم الرقاب.
# والمكاتب إذا كان غير مشروط عليه، لم يكن على مولاه فطرته، فإن كان
~~مشروطا عليه، وجب على مولاه فطرته.
# ولا يجوز مكاتبة الكافر، لقوله تعالى " فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا "
~~(2) وحمل ذلك على الإيمان والدين، أولى من حمله على المال والتكسب، لأنه لا
~~يقال للكافر وإن كان موسرا أو مكتسبا، إن فيه خيرا، ولا أنه خير، ويقال ذلك
~~لمن كان فيه إيمان ودين، وإن لم يكن مكتسبا، ولا ذا مال، ولو تساوى ذلك في
~~الاحتمال، لوجب العمل على الجميع.
# الكتابة المشروطة لازمة من جهة السيد، جايزة من جهة العبد، ولسنا نريد
~~بقولنا جايزة من جهته، أن له الفسخ، كالعامل في القراض، بل نريد أن له
~~الامتناع عن أداء ما عليه مع القدرة عليه، فإذا امتنع منه كان سيده بالخيار
~~بين البقاء على العقد وبين الفسخ.
# فإن كانت الكتابة مطلقة، فهي لازمة من الطرفين، وليس لأحدهما فسخ.
# إذا وجبت على المكاتب كفارة في قتل، أو ظهار، أو جماع، ففرضه الصوم بلا
~~خلاف، فإن كفر بالمال بغير إذن سيده لم يصح، لأنه مستغن عن التكفير بالمال،
~~لأنه يمكنه التكفير بالصوم، فإن أذن له السيد في ذلك، فإن أراد أن يكفر
~~بالعتق، لم يجز بلا خلاف عندنا، لأنه فعل ما لم يجب عليه، وعند المخالف لأن
~~العتق يضمن ثبوت الولاء، وليس المكاتب من أهل الولاء، وأما إن أراد أن يكفر
~~بالإطعام أو الكسوة، فعندنا لا يجزيه، لأنه فعل ما لم يجب عليه.
# PageV03P029
# الكتابة تصح حالة، ومؤجلة، وليس الأجل شرطا في صحتها.
# يجوز عتق المكاتب المشروط عليه في الكفارة الواجبة، لأنه عند أصحابنا
~~جميعا عبد ما بقي عليه درهم، أحكامه أحكام العبد القن بلا خلاف ms1117 بينهم، فأما
~~المكاتب المطلق إن لم يكن أدى من مكاتبته شيئا، فيجوز عتقه في الكفارة، فإن
~~كان أدى منها شيئا، فلا يجوز عتقه في الكفارة.
# وقال شيخنا في مسائل خلافه، لا يجوز عتق المكاتب في الكفارة، سواء كانت
~~المكاتبة مطلقة أو مشروطة (1).
# وما حررناه هو الذي يقتضيه أصول مذهبنا، وإليه ذهب في نهايته (2).
# باب التدبير التدبير، هو أن يعلق عتق عبده بوفاته، فيقول " متى مت أو إذا
~~مت فأنت حر أو محرر أو عتيق، أو معتق " وسمي مدبرا لأن العتق عن دبر حياة
~~سيده، يقال: دابر الرجل يدابر مدابرة، إذا مات، ودبر عبده يدبره تدبيرا،
~~إذا علق عتقه بوفاته.
# والتدبير لا يقع إلا مع قصد إليه، واختيار له، ولا يقع على غضب، ولا
~~إكراه، ولا سكر، ولا على جهة اليمين، ويكون القربة إلى الله تعالى هي
~~المقصودة به، دون سائر الأغراض، فعلى هذا تدبير الكافر غير جايز.
# وهو على ضربين ضرب يجوز الرجوع فيه، وهو إذا كان ذلك التدبير تطوعا
~~وتبرعا، فهو بمنزلة الوصية، يجوز بيعه في دين وغير دين، وإخراجه عن ملكه،
~~والتصرف فيه بسائر جميع التصرفات، كما يجوز له الرجوع في وصيته.
# والضرب الآخر، لا يجوز بيعه، وهو أنه إذا كان تدبيره عن واجب، ومعنى ذلك
~~أن يكون مثلا قد نذر إن برئ مريضه، أو قدم غائبه أن يدبر عبده، ففعل
# PageV03P030
# ذلك واجبا لا تبرعا، فهذا الضرب لا يجوز بيعه.
# فإذا كان التدبير عن وجوب، فهو من رأس المال، وإن كان عن تطوع فهو من
~~الثلث.
# وكيفية ذلك: أن يقول الإنسان لمملوكه " أنت حر بعد وفاتي ".
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: التدبير هو أن يقول الرجل لمملوكه: أنت
~~رق في حياتي، حر بعد وفاتي (1).
# قال محمد بن إدريس رحمة الله عليه، لا حاجة بنا أن نقول أنت رق في حياتي،
~~لأنه لو لم يقل ذلك، وقال أنت حر بعد وفاتي، كان ذلك كافيا.
# ومتى مات المدبر، كان المدبر من الثلث، إذا كان متبرعا بالتدبير، على ما
~~قدمناه، ms1118 فإن نقص عن الثلث انعتق، ولا له شئ، ولا عليه شئ، فإن زاد عليه
~~استسعى، سواء كانت الزيادة ضعفي الثلث، أو أقل، أو أكثر.
# وقال شيخنا في نهايته، ومتى أراد بيعه من غير أن ينقض تدبيره، لم يجز له،
~~إلا أن يعلم المبتاع إنه يبيعه خدمته، وأنه متى مات هو كان حرا، لا سبيل له
~~عليه (2).
# إلا أن شيخنا رجع في مسائل خلافه، بأن قال في آخر المسألة الرابعة من
~~كتاب المدبر، قال: دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، ثم قال: فأما بيعه،
~~وهبته، ووقفه، فلا خلاف في ذلك أنه ينتقض بذلك التدبير (3)، ثم قال رحمه
~~الله مسألة:
# إذا دبره، ثم وهبه، كان هبته رجوعا في التدبير (4)، ثم قال مسألته: إذا
~~دبره، ثم أوصى به لرجل، كان ذلك رجوعا (5).
# وقد قلنا ما عندنا في ذلك، فأما قوله رضي الله عنه أنه يبيعه خدمته، فغير
~~واضح، لأن حقيقة البيع في عرف الشرع يقتضي بيع الرقبة، فحمله على بيع
~~المنافع عدول باللفظ عن حقيقته بلا دلالة، بل شروعه في بيعه، يقتضي الرجوع
~~عن التدبير
# PageV03P031
# الذي هو عندنا بمنزلة الوصية، بغير خلاف بيننا، كمن أوصى بداره لرجل، ثم
~~باعها قبل موته، اقتضى ذلك الرجوع عن الوصية، من غير أن يحتاج إلى نقض
~~الوصية قبل بيع الدار، فليلحظ ذلك، فهذا الذي تقتضيه أصول مذهبنا، وهو
~~مقالة السيد المرتضى، ذكره في الناصريات (1).
# فأما إن كان التدبير عن واجب، فيمكن بيعه على جهة الصلح، فيكون الصلح على
~~منافعه مدة حياة من دبره، ولا يمتنع أن يسمى هذا الصلح على المنافع في هذا
~~الموضع بيعا، فليلحظ ذلك.
# وإذا دبر الإنسان جاريته وهي حبلى، وهو عالم بذلك، فقد روي (2) أنه يكون
~~ما في بطنها كهيئتها، وبمنزلتها يكون مدبرا.
# والذي يتقضيه مذهبنا، أن ما في بطنها لا يكون مدبرا مثلها، لأنه ما دبره،
~~والتدبير حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، ولا يرجع في مثل هذا إلى
~~أخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا، وإن كان أورد ذلك شيخنا ms1119 في
~~نهايته (3) إيرادا لا اعتقادا، كما أورد أمثاله.
# فإن لم يعلم بحبلها، كان الولد رقا، ويكون التدبير ماضيا في الجارية.
# فإن حملت بعد التدبير وولدت أولادا، كان أولادها بمنزلتها مدبرين، على ما
~~روي (4).
# فمتى مات الذي دبر أمهم، صاروا أحرارا من الثلث، فإن زاد ثمنهم على
~~الثلث، استسعوا في الباقي، فإذا أدوا انعتقوا.
# وقد روي (5) أنه ليس للمولى أن ينقض تدبير الأولاد، وإنما له نقض تدبير
~~الأم حسب.
# PageV03P032
# والذي يقتضيه مذهبنا خلاف ذلك، لأن إجماع أصحابنا منعقد على أن التدبير
~~بمنزلة الوصية، بل هو وصية، ولا خلاف بينهم في أن للإنسان أن يرجع في وصيته
~~ما دام حيا ثابت العقل، ولا خلاف بينهم في أن الأولاد مدبرون، فكيف لا يرجع
~~فيهم.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وإذا دبر عبده وعليه دين، فرارا به من
~~الدين، ثم مات، كان التدبير باطلا، وبيع العبد في الدين، وإن دبر العبد في
~~حال السلامة ثم حصل عليه دين، ومات، لم يكن للديان على المدبر سبيل (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله وهذا غير واضح، لأنه لا خلاف بيننا أن
~~التدبير بمنزلة الوصية يخرج من الثلث، ولا يصح إلا بعد قضاء الديون، فعلى
~~هذا التحرير والتقرير يباع العبد في الدين، ويبطل التدبير على كل حال، سواء
~~دبره في حال السلامة، أو فرارا من الدين، وإنما هذا خبر واحد أو رده إيرادا
~~لا اعتقادا.
# والمدبر متى حصل معه مال، جاز لمولاه التصرف فيه، كما يتصرف في ماله، فإن
~~باعه، جاز له أن يأخذ ماله.
# وإذا أبق المدبر، بطل تدبيره، فإن رزق في حال إباقه بكسر الألف مالا،
~~وأولادا، ثم مات، ومات الذي دبره، كانوا رقا لورثته، وجميع ما خلفه من
~~المال والولد لورثة الذي دبره.
# وقد روي (2) أنه إذا جعل الإنسان خدمة عبده لغيره، وقال " متى مات من جعل
~~له تلك الخدمة يكون حرا " كان ذلك صحيحا فمتى مات المجعول له ذلك، صارا
~~حرا، وإن أبق العبد ولم يرجع إلا بعد موت من جعل له ms1120 خدمته، لم يكن لأحد
~~عليه سبيل، وصار حرا.
# ولا دليل على هذه الرواية، وصحتها، لأنها مخالفة لأصول مذهبنا، لأن
~~التدبير في عرف الشريعة عتق العبد بعد موت مولاه، والمجعول له الخدمة غير
~~مولاه، وأيضا لو كان التدبير صحيحا، لكان إذا أبق أبطل التدبير، لأن عندنا
~~إباق المدبر يبطل
# PageV03P033
# التدبير، وفي هذه الرواية أنه إن أبق العبد ولم يرجع إلا بعد موت من جعل
~~له خدمته، لم يكن لأحد عليه سبيل، وصار حرا، وهذا مخالف لحقيقة التدبير،
~~وأيضا فهذا حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، ولا دليل على ذلك إلا
~~هذه الرواية الشاذة.
# وقال شيخنا في نهايته، والمدبر لا يجوز أن يعتق في كفارة ظهار، ولا في شئ
~~من الواجبات التي على الإنسان فيها العتق، ما لم ينقض تدبيره، فإن نقض
~~تدبيره ورده إلى محض الرق، جاز له بعد ذلك عتقه فيما وجب عليه (1).
# وقد قلنا ما عندنا في ذلك: من أن التصرف فيه وإخراجه عن ملكه، رجوع عن
~~التدبير، ولا يحتاج إلى قول " بأنه قد نقض تدبيره ".
# وإلى هذا يذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، فإنه قال مسألة: إذا دبره،
~~ثم وهبه، كان هبته رجوعا في التدبير سواء أقبضه أو لم يقبضه. وقال الشافعي
~~إن أقبضه، مثل ما قلناه، وإن لم يقبضه فعلى ضربين، منهم من قال يكون رجوعا
~~قولا واحدا، ومنهم من قال على قولين، دليلنا أن الهبة إزالة الملك، وإذا
~~أزال ملكه عنه، فقد نقض التدبير، كما لو باعه، هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر
~~رحمه الله (2).
# إذا كان عبد بين شريكين، فدبر أحدهما نصيبه، لم يقوم عليه نصيب شريكه.
# وقال السيد المرتضى، حكم التدبير بين الشريكين، حكم العتق سواء، من
~~التقويم والسعاية (3).
# والأول اختيار شيخنا أبي جعفر (4)، وهو الذي يقوى في نفسي، لأنه لا دليل
~~على التقويم، والحاقة بحكم العتق يحتاج إلى دليل، وهو ضرب من القياس، ونحن
~~لا نقول به، والأصل براءة الذمة.
# والتدبير بشرط لا يصح عندنا.
# PageV03P034
# كتاب الأيمان PageV03P035
# كتاب الأيمان والنذور ms1121 والكفارات باب ماهية الأقسام والأيمان لا يمين
~~شرعية منعقدة عند أهل البيت عليهم السلام، إلا بالله تعالى، أو بأسمائه أو
~~صفاته، فإن حلف به كان يمينا بكل حال، والحلف به هو أن يقول " ومقلب
~~القلوب، والذي نفسي بيده " ومتى حنث وجبت عليه الكفارة.
# فأما الحلف بأسمائه، فأسماؤه على ثلاثة أضرب، اسم لا يشاركه غيره فيه،
~~واسم يشاركه فيه غيره، ولكن إطلاقه ينصرف إليه، واسم يشاركه فيه غيره،
~~وإطلاقه لا ينصرف إليه.
# فأما ما لا يشاركه فيه غيره، فإنه يكون يمينا بكل حال، كقوله " والله "
~~فإنه يبدأ به، ويعطف عليه غيره فيقول " والله الرحمن الرحيم، الطالب الغالب
~~" وكذلك " الرحمن " له خاصة وهكذا " الأول الذي ليس كمثله شئ " كل هذا لا
~~يصلح لغيره بوجه، والحكم فيه كما لو حلف به وقد مضى.
# الثاني ما يشاركه فيه غيره، وإطلاقه ينصرف إليه، كالرب، والرازق،
~~والخالق، يقال رب العالمين، ورب الدار لغيره، ورازق الخلق، ورازق الجند
~~لغيره، وخالق الأشياء له، وخالق الإفك لغيره، وما كان من هذا فإطلاقه ينصرف
~~إليه، فإن أطلق، أو أراد يمينا، كان يمينا، وإن لم يرد يمينا، فيقيد
~~بالنية، أو بالنطق، وأراد غير الله بذلك، لم يكن يمينا.
# الثالث ما يشاركه فيه غيره، وإطلاقه لا ينصرف إليه، كالموجود، والحي
~~الناطق، ونحو هذا، كل هذا لا يكون يمينا بوجه، وإن أرادها وقصدها، لأنه
~~مشترك لا ينصرف إطلاقه إليه، فإذا كان كذلك، لم يكن له في نفسه حرمة.
~~PageV03P036
# فأما الكلام في صفاته، فصفاته ضربان، صفات ذات، وصفات فعل، فصفات ذاته،
~~مثل قوله " وعظمة الله، وجلال الله، وقدرة الله، وعلم الله، وكبرياء الله،
~~وعزة الله " فإنه إن قصد به المعنى الذي يكون به عالما، وقادرا على ما يذهب
~~إليه الأشعري، لم يكن يمينا بالله، وإن قصد به كونه عاملا وقادرا. كان
~~يمينا، فإن ذلك قد يعبر به عن كونه عالما وقادرا.
# إذا قال لعمر الله، روى (1) أصحابنا أنه يكون يمينا.
# فعلى هذا لا يمين منعقدة بشئ من المخلوقات والمحدثات، وكل مقسوم به ما
~~عداه ms1122 تعالى، وأسماؤه الحسنى، وصفات ذاته على المعنى الذي حررناه وشرحناه،
~~فمن حلف بغير ذلك لا تنعقد يمينه، وكان مخطئا، مثل قوله " وحق الله،
~~والقرآن، والمصحف، والكعبة، وأنبياء الله، وأئمته عليهم السلام " كل ذلك لا
~~ينعقد به اليمين لأن الحالف بغير الله تعالى، عاص بمخالفة المشروع من كيفية
~~اليمين، وإذا كان انعقاد اليمين ولزوم الكفارة بالحنث حكما شرعيا، لم يثبت
~~بالمعصية، وأيضا الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل.
# واليمين المنعقدة الموجبة للكفارة بالحنث، هي أن يحلف العاقل المالك
~~لاختياره، أن لا يفعل في المستقبل قبيحا أو مباحا لا ضرر عليه في تركه، أو
~~أن يفعل طاعة أو مباحا لا يترجح فعله على تركه، مع عقد اليمين بالنية،
~~وإطلاقها من الاشتراط بالمشية، فيخالف ما عقد اليمين عليه، مع العمد
~~والاختيار، لأنه لا خلاف في انعقاد اليمين في الموضع الذي ذكرناه، وليس على
~~انعقادها فيما سواه، دليل.
# ويختص النية قوله تعالى " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن
~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان " (2) وعقد اليمين لا يكون إلا بالنية.
# ويحتج على المخالف في سقوط الكفارة بالسهو والإكراه، بقوله عليه السلام "
~~رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (3) واليمين التي لا
~~تنعقد، ولا
# PageV03P037
# كفارة فيها، ما عدا ما ذكرناه، مثل أن يحلف الإنسان على ماض هو كاذب فيه،
~~أو يقول: " لا والله، وبلى والله " من غير أن يعقد ذلك بنية، وهذه يمين
~~اللغو، أو يحلف أن يفعل أو يترك ما يكون خلافه طاعة الله تعالى واجبة، أو
~~مندوبا إليها، أو يكون أصلح له في دينه أو دنياه.
# ويحتج على المخالف، في هذا، بقوله عليه السلام " من حلف على شئ، فرأى ما
~~هو خير منه، فليأت الذي هو خير " (1) وتركه كفارتها.
# ويخص اليمين على المعصية، إن معنى انعقاد اليمين، أن يجب على الحالف أن
~~يفعل أو يترك ما علق اليمين به، وهذا لا يصح في المعصية، لأن الواجب تركها.
# وليس لأحد أن يقول معنى انعقاد اليمين لزوم الكفارة بالمخالفة، لأن ذلك
~~تابع لانعقاد اليمين، ms1123 وموجب عنه، وكيف يفسر الانعقاد به.
# وكفارة اليمين، عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فمن لم يجد
~~فصيام ثلاثة أيام متتابعات.
# والكسوة اختلف قول أصحابنا في ذلك على حسب اختلاف الأخبار، فبعض ذهب إلى
~~ثوبين، وبعض ذهب إلى ثوب واحد، وهو الأظهر، للظاهر، وسواء كان غسيلا، أو
~~جديدا، قميصا أو ميزرا، أو سراويلا، ولا يجزي قلنسوة ولا خف.
# والإطعام شبع المسكين مما يقتاته الحالف، لا يجزي غيره، إلا أن يكون أعلى
~~منه، لقوله تعالى " من أوسط ما تطعمون أهليكم " (2) أو أن يسلم إليه، مدا،
~~وقدره
# PageV03P038
# رطلان وربع بالبغدادي على الأظهر من الأقوال، وذهب بعض أصحابنا إلى
~~المدين، وإضافة الأدم إلى ذلك غير واجب، بل هو مستحب على ما رواه (1)
~~أصحابنا، أعلاه اللحم، وأوسطه الزيت والخل، وأدوفه الملح.
# ومصرفها مصرف زكاة الأموال، ومستحقها مستحقها، لا يجزي غير ذلك.
# والعبد كفارة يمينه، الصيام، الأيام الثلاثة فحسب، لأنه غير مخاطب بما
~~يوجب المال.
# ولا كفارة قبل الحنث.
# ولا يمين لولد مع والده، ولا لعبد مع سيده، لا للمرأة مع زوجها، فيما
~~يكرهونه من المباح، فمتى حلف واحد منهم على شئ مما ليس بواجب ولا قبيح، جاز
~~للأب حمل الولد على خلافه، وساغ للزوج حمل زوجته على خلاف ما حلفت عليه،
~~وكذلك العبد، ولا يلزم واحدا منهم كفارة على ذلك.
# ولا يجوز اليمين بالبراءة من الله، أو من رسوله، أو واحد من الأئمة عليهم
~~السلام، فإن فعل أثم، ولزمه إن خالف ما علق البراءة به، كفارة ظهار، على
~~قول بعض أصحابنا، وهو اختيار شيخنا المفيد في مقنعته (2)، وشيخنا أبي جعفر
~~في نهايته (3).
# إلا أن شيخنا أبا جعفر، رجع عن ذلك في مبسوطه، فقال إذا قال أنا يهودي،
~~أو نصراني، أو مجوسي، أو برئت من الله أو من القرآن، أو من الإسلام، لا
~~فعلت كذا، ففعل، لم يكن يمينا، ولا يحنث بخلافه، ولا يلزمه كفارة، وفيه
~~خلاف. هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله (4).
# وقال أيضا في مسائل خلافه مسألة إذا ms1124 قال أنا يهودي، أو نصراني، أو مجوسي،
# PageV03P039
# أو برئت من الإسلام، أو من الله، أو من القرآن لا فعلت كذا، ففعل لم يكن
~~يمينا، ولا المخالفة حنث، ولا يجب به كفارة، ثم قال: دليلنا إجماع الفرقة
~~وأخبارهم، وأيضا الأصل براءة الذمة وتعليق الكفارة عليها يحتاج إلى دليل
~~(1).
# وما ذكره في مبسوطه ومسائل خلافه، هو الذي يقوى في نفسي، وإليه أذهب، وبه
~~أفتي، لأنا قد بينا أنه لا يمين إلا بالله تعالى، وبأسمائه وبصفاته، وهذا
~~ليس كذلك، وأيضا الأصل براءة الذمة، وشغلها بالكفارة والانعقاد يحتاج إلى
~~دليل، وأيضا انعقاد اليمين حكم شرعي، يحتاج في ثبوته إلى دليل شرعي، ولا
~~يرجع في ذلك إلى أخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا، والإجماع فغير منعقد
~~عليه، وكتاب الله تعالى خال من ذلك.
# وقول الرجل " يا هناه، ولا بل شانئك " من قول أهل الجاهلية، لا ينعقد
~~بذلك يمين.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله معنى " لا بل شانئك " أي لا أب لشانئك.
# فاختصروا ذلك على عادتهم في الاختصار والحذف، فقالوا " لا بل شانيك).
# قال ابن درستويه النحوي: قد يلهج بالكلمة الشاذة عن القياس، البعيدة من
~~الصواب، حتى لا يتكلموا بغيرها، ويدعوا القياس المطرد المختار، ولا يجب أن
~~يقال مع ذلك هذا أفصح من المتروك، من ذلك " أيش صنعت " يريدون " أي شئ صنعت
~~" و " لا بل شانئك " أي لا أب لشانئك، و " لا تبك " أي لا تباك، هذا آخر
~~كلام ابن درستويه.
# فدل ذلك على ما قلناه في " لا بل شانئك " وما حدانا على تحقيق هذا إلا
~~إيراد شيخنا أبي جعفر ذلك في نهايته (2)، مطلقا من غير بيان له.
# وإذا قال الإنسان أقسمت، أو حلفت، لم يكن ذلك يمينا، حتى يقول حلفت
~~بالله، أقسمت بالله.
# وساير أصناف الكفار، لا يحلفون إلا بالله تعالى، وبأسمائه، فإن علم
~~الإمام
# PageV03P040
# أو الحاكم إن استحلافهم بالتوراة والإنجيل، أو بشئ من كتبهم أردع لهم في
~~بعض الأحوال، جاز له أن يحلفهم به.
# ولا يقع اليمين بالطلاق، ولا بالعتاق، ولا بالظهار، ms1125 ولا بتحريم الرجل
~~امرأته على نفسه.
# ولا تنعقد اليمين إلا بالنية، والضمير، على ما قدمناه، والنية إنما تراعى
~~فيها نية المظلوم، دون الظالم، فهذا معنى قول شيخنا في نهايته " والنية
~~إنما تراعى فيها نية المستحلف " إذا كان محقا، وإذا كان مبطلا، كانت النية
~~نية الحالف (1). ويمين المكره، والغضبان، والسكران غير منعقدة، إلا أن يكون
~~في شئ من هذه الأحوال مالكا فيها نفسه، لأنا قد بينا أن اليمين لا تنعقد
~~إلا بالنية والضمير.
# والاستثناء في اليمين جايز إذا كان متصلا باليمين، أو حكم المتصل، بأن
~~ينقطع النفس، فإن لم يتصل فلا تأثير له، فإذا استثنى فإنما يعمل إذا كان
~~موصولا، ولا يعمل مفصولا، وينبغي أن يأتي به نسقا، من غير قطع الكلام، أو
~~يأتي به في معنى الموصول، وهو أن يكون الكلام انقطع لانقطاع نفس، أو صوت،
~~أوعى فمتى أتى به على هذا صح، وإن فصل بينه وبين اليمين فصلا طويلا، ثم
~~استثنى، أو حين فرغ من اليمين تشاغل بحديث آخر، سقط الاستثناء.
# فإذا ثبت أنه لا يصح إلا موصولا فإنما يصح قولا ونطقا، ولا يصح اعتقادا
~~ونية، فإذا أتى به نطقا، فإنما يصح إذا قصد به الاستثناء، ونواه، وأعتقده،
~~فأما إذا لم يكن كذلك فلا يصح.
# ويصح الاستثناء في اليمين نفيا كانت أو إثباتا، فالنفي أن يقول " والله
~~لا كلمت زيدا إن شاء الله " والإثبات " والله لأكلمن زيدا اليوم إن شاء
~~الله تعالى " فإذا استثنى سقط حكمها، ولم يحنث بالمخالفة، ولسنا نقول
~~الاستثناء يرفع ما حلف به، لكنها قد وقعت ومنع من الاعتقاد (2).
# ولا يدخل الاستثناء إلا في اليمين فحسب.
# PageV03P041
# وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، ويدخل أيضا في الطلاق، كقوله أنت طالق إن
~~شاء الله. ويدخل أيضا في العتق والنذور وفي الإقرار (1).
# إلا أنه رجع عنه في مسائل خلافه، في كتاب الأيمان، وقال لا يدخل في غير
~~اليمين بالله تعالى (2) وهذا الصحيح الذي لا خلاف فيه بين أصحابنا، والذي
~~اختاره رحمه الله في مبسوطه، وفي مسائل خلافه، في كتاب ms1126 الطلاق (3)، مذهب
~~بعض المخالفين.
# ولا يجوز لأحد أن يحلف إلا على ما يعلمه، فإذا علمه جاز أن يحلف عليه،
~~قليلا كان أو كثيرا، لأنه مأذون له في ذلك، إلا أنه يستحب أن يتجنب اليمين
~~على القليل، وإن كان مظلوما ما لم يضربه ذلك.
# وإذا حلف الإنسان غيره على مال له، وجب عليه الرضا بيمينه، وليس له أن
~~يحاكمه بعد ذلك على ما حلفه عليه.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وليس له أن يأخذ من ماله شيئا، وإن جاء
~~الحالف تائبا مقلعا، وأعطاه المال الذي حلف عليه جاز له قبضه، وإن جاء
~~بالمال ومعه ربحه، فليأخذ رأس المال ونصف الربح، ويعطيه النصف الآخر، وإن
~~كان له المال عنده، فغصبه عليه، وجحده، غير أنه لم يحلفه، ثم ظفر بشئ من
~~ماله، جاز له أن يأخذ منه القدر الذي له، من غير زيادة عليه، وإن كان المال
~~الذي ظفر به وديعة عنده، لم يجز له جحده، ولا يدخل في مثل ما دخل معه، فيه
~~(4).
# والذي نقول في هذا كله، أنه يجوز له أن يأخذ بمقدار ماله، فيما بينه وبين
~~الله تعالى، سواء حلفه أو لم يحلفه، وسواء كان المال المجحود غصبه منه، أو
~~لم يغصبه، وسواء كان ما ظفر له به وديعة، أو غير وديعة، لأنه لا دليل على
~~المنع من ذلك، من
# PageV03P042
# كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع منعقد، فلا يجوز تضييع المال، لأن
~~الرسول عليه السلام، نهى عن قيل وقال وإضاعة المال (1)، فأما الربح
~~المذكور، وأخذ نصفه فلا وجه له، إلا أن يكون المال المجحود مضاربة، وكان
~~الربح قبل الجحود والمطالبة والحكومة، فحينئذ يصح ما ذكره رحمه الله.
# ومن كان عنده وديعة لمؤمن، فطالبه بها ظالم، فلينكرها، فإذا استحلفه على
~~ذلك، فليحلف، ويوري في نفسه ما يخرجه من كونه كاذبا، وليس عليه كفارة، بل
~~له فيه أجر كبير.
# وهذه من جملة الأيمان التي يؤجر الحالف عليها، لأنها أربع، هذه إحداها.
# والثانية لا يؤجر عليها ولا يعاقب، ووجودها كعدمها، وهي ms1127 أن يسبق لسانه
~~إلى شئ، ويريد خلافه من غير نية له، وهذه لغو اليمين.
# والثالثة يأثم ويعاقب عليها، ولا كفارة فيها، وهي اليمين على الماضي في
~~اقتطاع مال الإنسان، وهي اليمين الغموس، لأنها تغمس الحالف في الإثم، فلأجل
~~ذلك سميت يمين الغموس.
# والرابعة من الأيمان هي التي تجب فيها الكفارة، فهو أن يحلف الإنسان أن
~~لا يخل بواجب، أو لا يفعل قبيحا، فمتى أخل بما وجب عليه، أو ارتكب قبيحا،
~~وجب عليه فيه الكفارة.
# ومتى حلف أيضا أن يفعل ما قد وجب عليه فعله أو ما الأولى به فعله في دينه
~~أو دنياه ثم لم يفعل ما وجب، أو أخل بما الأولى به فعله، كان عليه الكفارة.
# ومن حلف أيضا أن يفعل فعلا من الأفعال كان فعله وتركه على حد واحد، ولم
~~يكن لأحدهما مزية على الآخر، فمتى لم يفعله كان عليه الكفارة.
# وكذلك إن حلف أن لا يفعل فعلا كان فعله مثل تركه، فمتى فعله وجبت عليه
# PageV03P043
# الكفارة.
# وجملة الأمر، وعقد الباب أن ما فيه الكفارة، فهو أن يحلف على أن يفعل أو
~~يترك، وكان الوفاء به إما واجبا أو ندبا، أو كان فعله وتركه سواء، فمتى
~~خالف، كان عليه الكفارة.
# ومتى حلف الإنسان على شئ يدفع به أذى عن نفسه، أو عن مؤمن كان له فيه أجر
~~(1) ولم يكن عليه في ذلك كفارة.
# والسلطان الجائر إذا استحلف أعوانه على ظلم المسلمين، فحلفوا له، لم يجز
~~لهم الوفاء به، بل يجب عليهم ترك الظلم، ولا كفارة عليهم.
# ومن كان عليه دين لا يجد إلى قضائه سبيلا لإعساره، فقدمه صاحب الدين إلى
~~حاكم، يعلم أنه متى أقر عنده حبسه، وأضر به وبأهله، جاز له جحده والحلف
~~عليه، بعد أن ينوي قضاؤه عند التمكن منه، ويوري في يمينه، ولا إثم عليه،
~~ومعنى التورية أنه يبطن بخلاف ما يظهر إذا حلف، بأن يقول: " والله مالك
~~عندي شئ " ويبطن في ضميره " تستحق المطالبة به الآن " وهو صادق في ذلك لأنه
~~ليس له المطالبة ms1128 به الآن، لقوله تعالى " وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة "
~~(2).
# ولا يجوز لصاحب الدين أن يعرضه لليمين، مع علمه بإعساره، ولا يحل له حبسه
~~مع إحاطة علمه بعجزه، فإن حبسه حينئذ كان مأثوما.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ومن وهب له أحد والديه شيئا، ثم مات
~~الواهب، وطالبه الورثة بذلك الشئ، جاز له أن يحلف إنه كان اشتراه، وأعطى
~~ثمنه، ولم يكن عليه كفارة ولا إثم (3).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله هذا غير واضح. أما إذا طالبه الورثة بذلك
~~الشئ، فأقر لهم به، أو قامت لهم بينة بأنه للميت، فلهم انتزاعه وعوده تركة،
~~فإن ادعي أنه اشتراه من والده، فقوله غير مقبول، والقول قول الورثة، إلا أن
~~يردوا عليه
# PageV03P044
# اليمين، لأن اليمين في جنبتهم، ولا يجوز له أن يدعي أنه اشتراه، ولا أن
~~يحلف أنه اشتراه، فإن حلف على ذلك، كان كاذبا، معاقبا على كذبه، وإنما إن
~~ادعى أنه له، ورضي الورثة بيمينه، فيجوز حينئذ أن يحلف أنه له، ولا يكون
~~كاذبا في يمينه، بل يكون صادقا، وإنما هذا خبر واحد، أورده شيخنا إيرادا لا
~~اعتقادا.
# ومن حلف على إنسان ليأكل معه، أو يجلس معه، أو يمشي، فلم يفعل، لم يجب
~~عليه الكفارة لأنه حلف على فعل الغير.
# ومن حلف أن لا يشتري لأهله شيئا بنفسه، وكان شراؤه صلاحا له في دينه أو
~~دنياه، فليشتره، ولا كفارة عليه.
# ومن حلف لزوجته أن لا يتزوج عليها، ولا يتسرى، لا في حياتها، ولا بعد
~~وفاتها، جاز له أن يتزوج ويتسرى، ولا كفارة عليه في ذلك، ولا إثم.
# ومن حلف بأن عبيده أحرار، خوفا من ظالم، لم ينعتقوا بذلك، ولم يكن عليه
~~كفارة.
# وإذا حلفت المرأة ألا تخرج إلى بلد زوجها، ثم احتاجت إلى الخروج، فلتخرج،
~~ولا كفارة عليها، وكذلك إذا أمرها بالخروج وإن لم تحتج إلى الخروج، فلتخرج
~~معه، ويجب عليها امتثال أمره، ولا كفارة عليها في ذلك ولا آثم.
# ومن كان عليه دين، فحلفه صاحبه أن لا يخرج ms1129 من البلد إلا بإذنه، لم يجز له
~~الخروج إلا بعد إعلامه، إلا أن يخاف إن أعلمه منعه من ذلك، وكان عليه في
~~المقام ضرر وعلى عياله، فإنه يجوز له الخروج ولا كفارة عليه ولا إثم.
# ومن حلف أن يؤدب غلامه بالضرب، جاز له تركه، ولا يلزمه الكفارة، لقوله
~~تعالى " وإن تعفوا أقرب للتقوى " (1).
# ومن حلف أن لا يشرب لبن عنز له، ولا يأكل من لحمها، وليس به حاجة إلى
~~ذلك، لم يجز له شرب لبنها ولا لبن أولادها، ولا أكل لحومهن، فإن أكل أو
~~شرب، مع ارتفاع الحاجة، كانت عليه الكفارة، وإن كان شرب ذلك لحاجة به لم
~~يكن
# PageV03P045
# عليه شئ، هكذا أورده شيخنا في نهايته (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله، أما شرب لبن العنز، وأكل لحمها، فإن كان
~~الشرب أو الأكل تركه أولى من فعله في دينه أو دنياه، فهو على ما قال رحمه
~~الله، وإن كان فعل الأكل أو الشرب أولى في دينه أو دنياه، فليفعل ذلك ولا
~~كفارة عليه ولا آثم، لأنه لا خلاف بيننا في أن من حلف على شئ، ورأي خلافه
~~خيرا له في دينه أو دنياه، فليأت الذي هو خير له ولا كفارة عليه، فأما شرب
~~لبن أولادها، أو أكل لحومهن، فلا بأس بذلك على كل حال، لأن اليمين تعلقت
~~بعين العنز، دون أولادها، وإنما ذلك خبر واحد، أورده إيرادا لا اعتقادا
~~فهذا تحرير الفتيا.
# ومن أودع عند إنسان مالا، وذكر أنه لإنسان بعينه، ثم مات فجاء ورثته
~~يطالبونه بالوديعة، جاز له أن يحلف بأن ليس له عنده شئ ويوصل الوديعة إلى
~~صاحبها الذي أقر المودع بأنها له، سواء كان المودع ثقة أو غير ثقة، لأن
~~إقرار العقلاء جائز على نفوسهم، سواء كانوا أتقياء أو غير أتقياء.
# وذكر شيخنا أبو جعفر في نهايته، بأنه إن كان الموصي (2) ثقة عنده، جاز له
~~أن يحلف بأن ليس له عنده شئ، ويوصل الوديعة إلى صاحبها، وإن لم يكن ثقة
~~عنده، وجب عليه أن يرد الوديعة على ms1130 ورثته (3).
# وهذا خبر واحد، أورده رضي الله عنه إيرادا كما أورد أمثاله مما لا يعمل
~~عليه ومن حلف أن لا يمس جارية غيره أبدا، ثم ملكها بعد ذلك، جاز له وطؤها،
~~لأنه إنما حلف ألا يمسها حراما، فإذا ملكها فقد زال عنه ذلك.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته وإذا قال الرجل أنا يهودي أو مجوسي أو
~~مشرك أو كافر، وأيمان البيعة والكنيسة تلزمني، فإن كل ذلك باطل، ويستحق
~~قائله به الإثم، ولم يلزمه حكم اليمين (4). قال محمد بن إدريس رحمه الله،
~~أيمان البيعة، بفتح
# PageV03P046
# الباء وهي أما حقيقة البيعة، التي كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه
~~وآله من المصافحة، وبعده إلى أيام الحجاج، أو ما حدث في أيام الحجاج، من
~~اليمين بالطلاق والعتق وغير ذلك، سواء صرح بذلك أو نواه، وعلى كل حال فلا
~~يظن ظان أنها بكسر الباء، وأنها بيعة النصارى، وإنما يشتبه ذلك على كثير من
~~الناس، لانضمام الكنيسة إليها، وذلك غلط ووهم عظيم.
# فأما الكنيسة لم يورد ها أحد من أصحابنا في كتاب له، ولا ورد بذلك خبر في
~~كتب الأخبار، وشيخنا مصنف النهاية لم يوردها في غير النهاية من سائر كتبه،
~~لا كتبه الأخبارية ولا غيرها، ولا أدري إلى أي شئ أنسب ذلك، لأنه لا أيمان
~~للبيعة والكنيسة، ولا فيهما أيمان يحلف بها.
# وقال رحمه الله في مسائل خلافه في الجزء الثالث، في آخر كتاب النذور،
~~مسألة إذا قال أيمان البيعة لازمة لي، أو حلف بأيمان البيعة لا دخلت الدار،
~~لم يلزمه شيئا، ولم يكن يمينا، سواء عني بذلك حقيقة البيعة التي كانت على
~~عهد رسول الله صلى الله عليه وآله من المصافحة، وبعده إلى أيام الحجاج، أو
~~ما حدث في أيام الحجاج من اليمين بالطلاق والعتق وغير ذلك، سواء صرح بذلك
~~أو نواه وعلى كل حال، وقال الشافعي إن لم ينو شيئا كان لاغيا، وإن نوى
~~أيمان الحجاج، ونطق فقال أيمان البيعة لازمة لي بطلاقها وعتقها، انعقدت
~~يمينه، لأنه حلف بالطلاق، فإن ms1131 لم ينطق بذلك، ونوى الطلاق والعتق، انعقدت
~~يمينه أيضا، لأنها كناية عن الطلاق والعتق، دليلنا أن الأصل براءة الذمة،
~~وانعقاد ذلك يحتاج إلى دليل، وعليه إجماع الفرقة، فإنهم مجمعون على أن
~~اليمين بالطلاق والعتاق باطلة، فهذا لو كان صريحا بها لبطل بما قلناه هذا
~~آخر كلامه رحمه الله (1). فدل ذلك أنه ما أراد في نهايته بيعة النصارى، وفي
~~نهايته أورد الكنيسة.
# إذا حلف والله لا أكلت طيبا، ولا لبست ناعما، كانت هذه يمين مكروهة (2)،
~~والمقام عليها مكروه، وحلها طاعة، لقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا
# PageV03P047
# تحرموا طيبات ما أحل الله لكم " (1) ثم قال تعالى " وكلوا مما رزقكم الله
~~حلالا طيبا " (2) ثم قال تعالى " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده
~~والطيبات من الرزق " (3) وقال تعالى " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله
~~لك " (4).
# لا تنعقد يمين الكافر بالله، ولا يجب عليه الكفارة بالحنث، ولا يصح منه
~~التكفير بوجه.
# إذا قال " وحق الله " لا يكون يمينا، قصد أو لم يقصد.
# إذا قال الله بكسر الهاء، بلا حرف قسم لا يكون يمينا إذا قال أشهد بالله،
~~لا يكون يمينا.
# إذا قال اعزم بالله لا يكون يمينا.
# إذا قال أسألك بالله، أو أقسم عليك بالله، لا يكون يمينا.
# إذا حلف لا أتحلى أو لا ألبس الحلي، فلبس الخاتم، حنث.
# إذا حلفت المرأة لا لبست حليا، فلبست الجوهر وحده، حنثت، قال الله تعالى
~~" وتستخرجوا منه حلية تلبسونها " (5) ومعلوم أن الذي يخرج منه هو اللؤلؤ
~~والمرجان.
# إذا كان في دار فحلف لا سكنت هذه الدار، فأقام عقيب يمينه مدة يمكنه
~~الخروج منها، فلم يفعل، حنث، لأن اليمين إذا علقت بالفعل، تعلقت بأقل ما
~~يقع عليه الاسم من ذلك، كرجل حلف لا دخلت الدار، حنث بأقل ما يقع عليه
~~الدخول، وهو إذا عبر العتبة.
# إذا كان في دار فحلف لأدخلها، لم يحنث باستدامة قعوده فيها.
# إذا حلف لا دخلت بيتا، فدخل بيتا من شعر أو وبر، أو بيتا مبنيا من حجر،
~~أو مدر، ms1132 فإنه يحنث.
# إذا قال والله لا دخلت على زيد بيتا، فدخل عليه وهو في الكعبة، فإنه
~~يحنث، لأن الله تعالى سماه بيتا فبعرف الشرع يسمى بيتا، وإن كان بعرف
~~الاستعمال
# PageV03P048
# والعادة لا يسمى بيتا، فإذا طرأ عرف الشرع على عرف اللغة أو الاستعمال،
~~كان الحكم له، والمرجع إليه، دون العرفين، بغير خلاف من محصل لأصول الفقه.
# وقال شيخنا في مبسوطه، لا يحنث لأن البيت ما يكون للإيواء والسكنى (1).
# ثم قال في موضع آخر من تصنيفه، في مسائل خلافه، إذا حلف لا يأكل لحما،
~~فأكل لحم السمك، حنث، ثم قال دليلنا إن اسم اللحم يطلق عليه، قال الله
~~تعالى " ومن كل تأكلون لحما طريا " (2) وقال " وهو الذي سخر لكم البحر
~~لتأكلوا منه لحما طريا " (3) فإذا كان اسم اللحم ينطلق عليه، وجب أن يطلق
~~الأيمان عليه، هذا آخر كلامه (4).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله العرف الشرعي وهو القرآن، هو الذي سماه
~~لحما، وإن كان في عرف الاستعمال والعادة لا يسمى لحما، فلزمه في البيت
~~والكعبة ما ألزم خصمه من الاستشهاد بالقرآن، وتحنيث من دخل الكعبة في
~~المسألة الأولى، إذ هما سواء.
# إذا حلف لا يأكل من طعام اشتراه زيد، فاشترى زيد وعمرو طعاما صفقة واحدة،
~~فأكل منه، لم يحنث عندنا إذا اقتسما هذا الطعام، وأفرد كل واحد منهما
~~نصيبه، فإن أكل من نصيب زيد أو نصيب عمرو لم يحنث.
# إذا حلف لا يلبس ثوبا من عمل يد فلان، فوهب له فلان ثوبا، فإن لبسه حنث
~~بلا خلاف، وإن استبدل به، وباعه، وبادل به، ولبسه لم يحنث.
# إذا حلف لا يدخل دار زيد، فإن دخلها وهي ملك لزيد، حنث بلا خلاف، وإن كان
~~ساكنها بأجرة، لم يحنث، لأن حقيقة هذه الإضافة تقيد الملك، وإنما يستعمل في
~~السكنى مجازا، وظواهر الأسماء يجب حملها على الحقيقة، والدليل على أن حقيقة
~~ذلك ما قلناه، أنه لو قال هذه الدار لزيد، كان ذلك اعترافا بالملك، ولو قال
# PageV03P049
# أردت أن يسكنها بأجرة لم يقبل منه.
# إذا حلف ms1133 لا دخلت دار زيد، أو حلف لا كلمت زيدا، فكلمه ناسيا، أو جاهلا
~~بأنه هو زيد، أو مكرها، أو دخل الدار ناسيا، أو مكرها، أو جاهلا، لم يحنث
~~لأن الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل، وأيضا قوله عليه السلام "
~~رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (1)، وذلك عام في جميع
~~الأشياء إلا ما خرج بالدليل.
# إذا حلف لا دخلت على زيد بيتا، فدخل على عمرو بيتا وزيد فيه، وهو لا يعلم
~~بكون زيد فيه، فإنه لا يحنث.
# إذا دخل على عمرو بيتا، وزيد فيه، واستثناه بقلبه، كأنه قصد الدخول على
~~عمرو دون زيد، لم يصح.
# وإن حلف لا كلم زيدا، فسلم على جماعة فيهم زيد، واستثناه بقلبه، لم يحنث.
# إذا دخل عليه عمرو بيتا، فاستدام زيد القعود معه لا يحنث.
# إذا قال الخليفة أو الملك والله لا ضربت عبدي، ثم أمر به فضربه، لم يحنث.
# إذا قال الخليفة والله لا تزوجت، ولا بعت، فوكل فيهما، لم يحنث.
# إذا حلف لا لبست هذين الثوبين، أو لا أكلت هذين الرغيفين، فأكل أحدهما لم
~~يحنث.
# إذا حلف لا يأكل الرؤوس، فأكل رؤوس الغنم والإبل والبقر، حنث، ولا يحنث
~~بأكل رؤوس العصافير، والطيور، والحيتان، والجراد.
# وقال بعض الفقهاء لا يحنث إلا بأكل رؤوس الغنم فحسب، وهو قوي لعرف
~~العادة، هذا إذا لم يكن له نية، فأما إذا كان له نية، حنث وبر على نيته،
~~هكذا أورده شيخنا أبو جعفر رحمة الله في مبسوطه (2)، وهو فروع المخالفين
~~وتخريجاتهم.
# والذي يقتضيه أصولنا، أنه يحنث بأكل جميع الرؤوس، لأن ذلك هو الحقيقة،
# PageV03P050
# فلا يعدل عنها إلى المجاز، لأنا ننظر إلى مخرج اليمين، ويحنث صاحبها ويبر
~~على مخرجها وحقايقها، دون أسبابها، ومعانيها، ومجازاتها، وفحوى خطابها،
~~ولهذا إذا حلف الإنسان لأضرب عبده، أو لا أشتري شيئا، فأمر بضربه أو شراء
~~ذلك الشئ، فإنه لا يحنث، لأن الأيمان تتعلق بحقايق الأسماء والأفعال، لا
~~بمجازاتها ومعانيها.
# وكذا إذا حلف إنسان على إنسان آخر وقد عدد إنعامه عليه، فقال له ms1134 في جواب
~~ذلك والله لا شربت لك ماء من عطش، فانتفع بغير الماء وأكل الخبز، ولبس
~~الثياب، لا يحنث، لأن يمينه تعلقت بشرب الماء فحسب، وهو الحقيقة، وما عدا
~~ذلك مجاز وفحوى خطاب، ولأن الأصل براءة الذمة من الواجبات والمندوبات، إلا
~~ما أوجبه دليل قاطع للأعذار، فليلحظ ذلك ويتأمل حق التأمل.
# إذا حلف لا يأكل البيض، انطلق على كل بيض يزايل بايضه، وهو بيض الدجاج،
~~والإوز، والنعام، والطيور، ونحوها، فأما ما عدا ذلك، مما لا يزايل بايضه
~~حيا، وهو بيض الحيتان، والجراد، فلا يحنث بأكله، لأن إطلاق الأيمان يتعلق
~~بما يقصد ويفرد للأكل وحده، دون بايضه، هكذا ذكر شيخنا في مبسوطه (1).
# والذي يقتضيه مذهبنا أنه يحنث بأكل جميع ما ينطلق عليه اسم البيض، لأن
~~اسم البيض يقع حقيقة على جميع ذلك، والأيمان عندنا تتعلق بحقايق الأشياء،
~~ومخارج الأفعال والأسماء، ولا ترجع إلى المعاني، فإنما هذه تخريجات
~~المخالفين وقياساتهم، فإذا كان اسم البيض ينطلق على بيض السمك حقيقة، وجب
~~أن يتعلق الأيمان وتطلق عليه، وطريقة الاحتياط أيضا يقتضيه.
# وقال شيخنا في مسائل خلافه: إذا حلف لا يأكل لحما، فأكل قلبا، لا يحنث
~~(2).
# والأولى أنه يحنث، لأن اسم اللحم ينطلق عليه حقيقة، وقد قلنا إن الأيمان
~~تتعلق بمخارج الأسماء وحقايقها، وإنما بعض المخالفين قال هذا، واستدل بأنه
~~لا يباع
# PageV03P051
# مع اللحم، وهذا خروج منه عن الحقايق إلى المعاني، والمقاييس، فلا يعرج
~~عليها، ولا يلتفت إليها.
# إذا حلف لا يشم الورد، فشم دهنه، لا يحنث، وكذلك البنفسج، لأن اليمين ما
~~تعلقت إلا بشم الورد والبنفسج، فلا يتعدى إلى غيره، ولا يرجع عن الحقايق
~~إلى المجازات، والمعاني، والتخريجات.
# إذا حلف أن لا يأكل لحما فأكل لحم النعم والصيود والطيور، حنث، بلا خلاف،
~~وإن أكل لحم السمك، ذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، إلى أنه يحنث،
~~واحتج بالآية، وهي قوله تعالى " وهو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحما
~~طريا " (1) وإذا كان اسم اللحم ينطلق عليه شرعا، وجب أن تطلق الأيمان عليه
~~(2).
# إلا أنه ms1135 رجع عن ذلك في مبسوطه، وقال لا يحنث بأكل لحم السمك (3).
# وهو قوي لعرف العادة، والأول أقوى، للآية، لأن عرف الشرع إذا طرأ على عرف
~~العادة، كان الحكم لعرف الشرع.
# وقال شيخنا في مسائل خلافه: إذا حلف لا شربت من نهر، لا شربت من دجلة،
~~فمتى شرب من مائها، سواء غرف بيده، أو في كوز، أو غيره، أو كرع فيها
~~كالبهيمة، حنث (4).
# إلا أنه رجع عن ذلك، في مبسوطه، فقال لا يحنث حتى يكرع فيها كالبهيمة،
~~لأنه إذا شرب غرفا بيده، فما شرب منها، وإنما شرب من يده (5).
# وهذا الذي يقوى في نفسي، لأن الأصل براءة الذمة، والكلام في الحقايق دون
~~المجاز، وهذا هو الحقيقة، وما عداه مجاز.
# ومعنى قوله كرع يقال كرع في الماء يكرع كروعا، فهو كارع، إذا تناوله بفيه
~~من
# PageV03P052
# موضعه، من غير أن يشرب بكفيه، ولا بإناء، يقال أكرع في هذا الإناء نفسا
~~أو نفسين، أي شرب بفيك، وفيه لغة أخرى كرع بكسر الراء، يكرع كرعا.
# وجملة الآمر وعقد الباب، إن الحكم إذا علق باسم، لم يخل من أحد أمرين،
~~إما أن يكون باسم خاص، أو عام:
# فإن كان خاصا، نظرت، فإن كان حقيقة فيه، لا مجاز له في غيره، تعلق
~~بالحقيقة، ولم يتعلق بغيرها، وإن قصد الغير، ونواه، وأراده، كقوله لا شربت
~~لك ماءا من عطش، هذا حقيقة غير مجاز في الشراب، ومجاز في الطعام، وفي الناس
~~من قال هو حقيقة فيهما، والأول أوضح، والثاني قوي، لا للحقيقة، بل لفحوى
~~الخطاب.
# فأما إذا علقه بالعموم، حمل على العموم، إلا أن يدخله التخصيص، ويكون ذلك
~~بأحد ثلاثة أشياء، نية، أو عرف قائم في الاسم، أو عرف الشرع:
# فالنية إذا علقها بعموم الأعيان، كقوله لا كلمت أحدا، تعلق بكل أحد، فإن
~~قال نويت إلا زيدا، كان على ما نوى، وتعلقها بعموم الزمان، مثل أن يحلف لا
~~كلمت زيدا أبدا، اقتضى أبدا الدهر، فإن قال نويت شهرا، أو نويت ما لم يدخل
~~الدار، صح لأن دخول التخصيص في ms1136 مثل هذا صحيح، وفي مثل هذا المعنى إذا علقها
~~باسم خاص لشئ حقيقة فيه، وقد استعمل في غيره مجازا، كقوله لا دخلت دار زيد،
~~حقيقته ملك زيد، ومجازه دار يسكنها زيد بأجرة، فإذا نوى المجاز، قبل منه،
~~كما يعدل بالحقيقة إلى المجاز بدليل.
# فإذا ثبت إنها تختص بالنية، نظرت، فإن كانت يمينا بالله، قبلنا منه في
~~الحكم، وفيما بينه وبين الله، لأنه أعرف بما نواه، وإن كانت بالعتق لو
~~بالطلاق، لم تنعقد عندنا أصلا، وعندهم تقبل فيما بينه وبين الله، دون
~~الحكم، لأنه يدعي خلاف الظاهر.
# وأما التخصيص بالعرف القائم في الاسم، كقوله " لا أكلت البيض " حقيقة هذا
~~كل بيض، سواء زايل بايضه، وهو حي كالدجاج والنعام والإوز، أو لا يزايل
~~بايضه، وهو حي، كبيض السمك، والجراد، لا إنا نحمله على ما يزايل بايضه
~~PageV03P053
# حيا، بالعرف القائم في الاسم، ألا تراه إذا قال أكلت البيض، لم يفهم منه
~~بيض السمك والجراد، وكذلك إذا حلف لا أكلت الرؤوس، فهذا حقيقة في كل رأس،
~~ونحمله على رؤوس النعم بالعرف القائم في الاسم، وقد قلنا ما عندنا في مثل
~~ذلك، وحققناه وحررناه، وإنما أوردنا ما أورده شيخنا في مبسوطه، من كلام
~~المخالفين، وتخريجاتهم، ألا ترى إلى قوله " فهذا حقيقة في كل رأس " فأين
~~يعدل عن الحقيقة، وهي الأصل، وإنما يعدل في بعض المواضع بدليل قاطع، مثلا:
~~قال إنسان لغلامه اشتر لنا رؤوسا نتغدى بها باليوم، حملناه على رؤوس النعم
~~لأجل القرينة، وشاهد الحال، وليس كذلك إذا حلف إنسان، وأطلق كلامه عن
~~القرائن والبيان، أنه لا يأكل الرؤوس فأكل رؤوس الغزلان، وحمر الوحش،
~~والخنازير، نقول لا يحنث وقد فعل ما حلف عليه أنه لا يفعله، حقيقة بلا خلاف
~~بين أهل اللسان، والعقلاء والعلماء، إن تلك تسمى رؤوسا بلا إشكال.
# وأما ما يخص بالعرف الشرعي فكل ما كان له اسم في اللغة واختص بالشرع إلى
~~غير ما وضع له في اللغة، حمل إطلاقه على الشرعي، كالصيام، هو في اللغة عام
~~في الإمساك عن كل شئ، ms1137 وهو في الشرع إمساك عن أشياء مخصوصة، فحملنا المطلق
~~على الشرعي، وفي هذا المعنى الصلاة في اللغة الدعاء، وفي الشرع هذه الأفعال
~~المخصوصة، فانطلقت على الشرعية، فحملنا المطلق من الكلام، على عرف الشرع،
~~لأنه الطاري.
# فإذا حلف لا كلمت الناس فهذا عام في كل أحد، فإذا كلم واحدا حنث، لأنه
~~تعلق بالجنس.
# إذا حلف لا ذقت شيئا، فأخذه بفيه، ومضغه، ورمى به، ولم يبتلع منه شيئا،
~~حنث، لأن الذوق عبارة عن معرفة طعم الشئ، وهذا قد عرف طعمه قبل أن يبتلعه.
# قال شيخنا في مسائل خلافه: إذا حلف لا وهبت له، فإن الهبة عبارة عن كل
~~عين يملكه إياها متبرعا بها بغير عوض، فإن وهب له، أو أهدى له، أو نحله، أو
~~PageV03P054
# أعمره، أو تصدق عليه بصدقة تطوع، حنث (1).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب " تغمده الله برحمته " أما قوله رحمه
~~الله وحده " فإن الهبة عبارة عن كل عين يملكه إياها متبرعا بغير عوض " فغير
~~واضح، لأن الوقف كذلك، ولا يسمى هبة بغير خلاف، وصدقة التطوع عندنا لا تسمى
~~هبة، بل بينها وبين الهبة فرق كثير، لأن صدقة التطوع بعد القبض، لا يجوز
~~الرجوع فيها، والهبة يجوز الرجوع فيها، فلا يحنث صدقة التطوع، لأنه ما وهب.
# إذا حلف لا أكلت هذه الحنطة، أو من هذه الحنطة، وأشار إلى حنطة بعينها،
~~ثم طحنها دقيقا وأكلها، لم يحنث وكذلك إذا حلف لا أكلت هذا الدقيق، فخبزه،
~~ثم أكله، لم يحنث.
# ذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه إلى أنه إذا حلف لا وهبت عبدي، ثم
~~وهبه من رجل، حنث، بوجود الإيجاب قبل الموهوب له، أو لم يقبل (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله مصنف هذا الكتاب ما ذهب إليه رحمه الله،
~~مذهب أبي حنيفة، وأبي العباس بن شريح، والدي يقتضيه أصول أصحابنا، أنه لا
~~يحنث إلا بوجود الإيجاب والقبول، لأن الهبة عقد عندنا بلا خلاف، والعقود لا
~~يكون إلا بين اثنين، وهو مثل البيع سواء، وقد فرق شيخنا بينهما بغير فرق، ms1138
~~وهو أنه قال لا يقال باع بلفظ قوله بعت، حتى يحصل القبول، وكذلك نقول نحن
~~في الهبة، لأنها باقية على ملكه بلا خلاف، فإذا وجد القبول، انتقلت من
~~ملكه، وكذلك البيع سواء، فليلحظ ذلك.
# وقد رجع شيخنا في مبسوطه (3)، إلى ما اخترناه وحررناه.
# قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: إذا حلف لا آكل شحما، فأكل شحم
~~الظهر، لم يحنث (4).
# PageV03P055
# قال محمد بن إدريس رحمه الله، الصحيح الذي يقتضيه أصول المذهب، أنه يحنث،
~~لأن الشحم عبارة عن غير اللحم، من أي موضع كان، سواء كان شحم الإلية أو
~~الظهر، أو البطن، بغير خلاف بين أهل اللسان.
# قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: إذا حلف لا يأكل رطبا، فأكل المنصف،
~~وهو الذي نصفه رطب، ونصفه بسر أو حلف ألا يأكل بسرا فأكل المنصف حنث (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله والذي يقوى في نفسي، أنه لا يحنث، للعرف،
~~لأن الإنسان إذا قال لغلامه اشتر لنا رطبا، فاشترى له منصفا، لم يمتثل
~~أمره، وكذلك إن أمره بشري البسر، فاشترى له المنصف، لم يكن ممتثلا أمره،
~~لأن في عرف العادة، الرطب هو الذي جميعه قد نضج، وكذلك في البسر، الذي
~~جميعه لم ينضج منه شئ، وهذا هو المتعارف.
# إذا حلف لا أستخدم فلانا، فخدمه فلان من قبل نفسه، لا يحنث، لأن لفظ
~~الاستفعال أن يطلب منه الخدمة، هذا موضوعها في اللغة، وإذا لم يطلب منه
~~ذلك، لم يكن مستخدما.
# إذا حلف لا يشم الورد، فشم دهنه لم يحنث.
# إذا حلف لا أضرب فلانا فعضه، أو خنقه، أو نتف شعره، لم يحنث.
# إذا حلف لا أتسرى، فالكلام في التسري ما هو؟ قال قوم: التسري الوطي
~~والتخدير، أنزل أو لم ينزل، لأن الجارية ضربان، سرية، وخادمة. فإذا خدرها
~~ووطئ فقد تسرى، وترك الاستخدام، وقال قوم التسري مجرد الوطي، أنزل أو لم
~~ينزل، خدرها، وحصنها، أو لم يفعل ذلك.
# والأقوى عندي الأول، قال الجوهري في كتاب الصحاح، كان الأخفش يقول السرية
~~مشتقة من السرور، لأنه ms1139 يسر بها، يقال تسريت جارية، وتسررت، كما قالوا تظننت
~~وتظنيت، فعلى هذا من قال هو مشتق من التسري (2)، يكون مصدر
# PageV03P056
# تسررت، ومنهم من قال من السر، وهو الجماع، ومنهم من قال من السري (1) وهو
~~الظهر.
# إذا حلف، ألا يأكل أدما، فأكل الخبز، بالملح، حنث بلا خلاف.
# قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: إذا حلف لا يتكلم فقرأ القرآن، لم
~~يحنث، واحتج رحمه الله بأن قال: لا يطلق على من قرأ القرآن أنه يتكلم (2).
# وهذا غير واضح، والذي يقتضيه أصل المذهب ولغة العرب، أنه إذا قرأ القرآن
~~فقد تكلم، وإن القرآن كلام بغير خلاف، فعلى هذا التقرير يحنث، وإنما اختار
~~شيخنا قول بعض المخالفين محتجا بأن القرآن، إن كان كلاما خارج الصلاة، كان
~~كلاما داخل الصلاة، فيؤدي إلى بطلانها، وهذا ليس بشئ لأنا نقول إنه كلام
~~خارج الصلاة وداخل الصلاة، وليس كل كلام يقطع الصلاة، لأن التكبير والتحميد
~~والتسبيح كلام بلا خلاف، وهو داخل الصلاة ولا يقطعها بالاتفاق.
# باب النذور والعهود وأقسام ذلك وأحكامه النذر على ضربين: ضرب يجب الوفاء
~~به، وضرب لا يجب ذلك فيه:
# فالذي يجب الوفاء به هو أن ينذر أنه متى فعل واجبا أو ندبا أو مباحا، أو
~~متى لم يفعل واجبا أو ندبا أو مباحا، ولا يكون ترك المباح أعود عليه في
~~دينه أو دنياه، ولا يكون النذر معصية ولا في معصية، بل لا ينعقد النذر إلا
~~في طاعة خالصة لله، مماثلة لما تعبد الله به سبحانه في شريعتنا، فمتى علق
~~بطاعة تخالف المشروع كان باطلا، وما روي (3) أن من نذر (4) أن يطوف على
~~أربع كان عليه أن يطوف طوافين:
# طواف ليديه، وطواف لرجليه (5) فهي من أخبار الآحاد الشواذ، وقد قلنا ما
~~عندنا
# PageV03P057
# في ذلك في كتاب الحج (1)، وأشبعنا القول فيه.
# فعلى هذا التقرير والتحرير لا يصح أن ينذر الإنسان أن يعطي خمس ركعات
~~بتسليمة واحدة، لأنه نذر مخالف للمشروع، غير مماثل له.
# ولا يصح النذر حتى يكون الناذر لافظا بقصده لله على نفسه، بأن ms1140 يقول
~~ويتلفظ، على لله، أو لله على، ويكون معتقدا له، مختارا من غير إكراه ولا
~~إجبار.
# ولا يصح أيضا إلا فيما يملكه الإنسان.
# فإذا تقرر ذلك، وتلفظ بما قدمناه، فهذا الذي تسميه الفقهاء نذر التبرر
~~والطاعة، وهو على ضربين: أما أن يعلقه بجزاء، أو يطلق.
# فإن علقه بجزاء فالجزاء ضربان: أما ابتداء نعمة، كقوله: إن رزقني الله
~~ولدا فلله علي أن أتصدق بمال، أو إن ملكت مالا، أو إن فتحت بلدا من بلاد
~~أهل الحرب، وأما دفع نقمة، مثل أن يقول: إن نجاني الله من هذا الحرب، أو
~~ردني من هذا السفر، أو أنجاني من البحر، أو شفاني من هذا المرض، فإذا وجد
~~الشرط نذره لزمه الوفاء به، بلا خلاف.
# وأما المطلق بأن يقول: لله علي أن أتصدق بمال وإن أحج، أو أصوم، ونحو هذا
~~نذر طاعة، ابتداء بغير جزاء، فعندنا أنه يلزمه، وعند الأكثر، وذهب بعض
~~المخالفين إلى أنه لا يتعلق به حكم، وتمسك بأن غلام ثعلب قال عن ثعلب: " إن
~~النذر عند العرب وعيد بشرطه " وهو اختيار المرتضى " رحمه الله " (2) وما
~~ذهبنا إليه هو الظاهر المعمول عليه عند أصحابنا، وهو مذهب شيخنا أبي جعفر
~~(3)، وغيره، من مشيختنا (4) " رحمهم الله ".
# ومتى نذر الإنسان أنه إن عوفي ولد له من مرضه، وهو غايب عنه، ثم سمع
~~بصلاحه، فإن كان برؤه بعد النذر وجب عليه الوفاء به، وإن كان برؤه قبل
~~النذر لم يجب عليه ذلك.
# PageV03P058
# وقد روي (1) أنه متى نذر الإنسان أنه لا يتزوج حتى يحج، ثم تزوج قبل
~~الحج، وجب عليه الوفاء بالنذر، سواء كانت حجته حجة الإسلام، أو حجة التطوع،
~~لأنه عدل عن طاعة إلى مباح.
# ومتى وجب عليه ما نذر، فإن كان علقه بشرط، وأنه يفعله في وقت معين، وجب
~~عليه الوفاء عند حصول الوقت، فإن خالفه أثم، وكان عليه الكفارة وسنبينها
~~فيما بعد، إن شاء الله تعالى.
# وإن لم يكن علقه بشرط، ولا بوقت معين، كان ذلك ثابتا في ذمته إلى أن يفي
~~به، ولا يجب ms1141 عليه في تأخيره له كفارة، بغير خلاف، على ما بيناه في أبواب
~~الصيام.
# ومن نذر أنه يصوم شهرا أو سنة أو أقل أو أكثر، ولم يعلقه بوقت معين، وجب
~~عليه الوفاء به، أي وقت كان، ولا يجب عليه أيضا في تأخيره له كفارة، غير أن
~~الأحوط، إتيانه به على الفور والبدار، فإن أخره لم يلزمه كفارة، على ما
~~قدمناه.
# ومتى علقه بوقت معين فمتى لم يصمه في ذلك الوقت، من غير عذر، من مرض أو
~~حيض أو سفر، وجب عليه القضاء والكفارة، كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان،
~~بغير خلاف في هذا.
# بل الخلاف في كفارة خلاف النذر الذي هو غير الصيام، فذهب فريق من أصحابنا
~~إلى أن كفارة ذلك كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان، وذهب فريق منهم إلى أن
~~كفارة ذلك كفارة يمين، فالأول اختيار شيخنا أبي جعفر (2) والثاني اختيار
~~السيد المرتضى (3) وابن بابويه، وهو الذي يقوى في نفسي، وبه أفتي، لأن
~~الأصل براءة الذمة، والإجماع غير منعقد (4) من أصحابنا، والأخبار مختلفة في
~~ذلك.
# ومن وجب عليه صيام نذر معين، فمرض أو سافر، وجب عليه أن يفطر ذلك اليوم،
~~ويقضيه، وليس عليه كفارة.
# PageV03P059
# قال شيخنا أبو جعفر: " أو اتفق أن يكون يوم العيدين " (1).
# والصحيح من المذهب أنه إن اتفق أن يكون يوم العيدين لا يجب عليه القضاء،
~~لأن صيام يوم العيدين لا يتعلق النذر به، على كل حال، لأن النذر إنما يتعلق
~~بما يصح صومه وإفطاره قبل النذر، فيجب به، وشهر رمضان واجب قبل النذر بأمره
~~تعالى، وصوم العيدين محرم، فلا يدخل النذر على شئ منه، وشيخنا فقد رجع عن
~~ذلك في مبسوطه (2).
# فإن كان الناذر للصيام المعين نذر أنه يصومه على كل حال، سواء كان حاضرا
~~أو مسافرا، فإنه يجب عليه الوفاء به، وصيامه في السفر بغير خلاف، وقد
~~أشبعنا القول في ذلك، في كتاب الصيام (3)، واستوفينا أقسامه، فلا وجه
~~لإعادته.
# فأما صيام يوم العيدين فلا يجوز له على حال، وإن ذكر ذلك في حال ms1142 النذر،
~~لأن ذلك نذر في معصية، لأنه زمان لا يصح صيامه، ولا ينعقد النذر به على
~~حال.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: " ومن نذر أن يعتق رقبة بعينها لم يجزه
~~غيرها، سواء كانت كافرة أو مؤمنة، وعلى أي وجه كانت " (4).
# وقد بينا أن عتق الكافرة لا يصح، لأن العتق لا بد فيه من نية القربة، ولا
~~يتقرب إلى الله سبحانه بالمعاصي، ولقوله تعالى: " ولا تيمموا الخبيث منه
~~تنفقون " (5) والكافر خبيث بغير خلاف، وقد بينا أيضا أحكام ذلك وحررناه في
~~كتاب العتق (6) وما أورده شيخنا خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا، أورده
~~إيرادا لا اعتقادا.
# ومن نذر أن يصوم حينا، وأطلق ذلك، من غير نية بمقداره، كان عليه صيام
# PageV03P060
# ستة أشهر.
# ومن نذر أن يصوم زمانا، كذلك، فليصم خمسة أشهر.
# ومن نذر أن يعتق كل عبد له قديم في ملكه، ولم يعين شيئا، أعتق كل عبد قد
~~مضى عليه في ملكه ستة أشهر فصاعدا.
# ومن نذر أن يتصدق من ماله بمال كثير وأطلق ذلك ولم يسمه، وأطلق ذلك، من
~~غير نية بمقدار، وجب عليه أن يتصدق بثمانين درهما، إن كانت الدراهم
~~يتعاملون بها، وعرفهم في بلدهم، وإن كانت الدنانير هي التي يتعاملون بها،
~~وهي عرفهم في بلادهم (1) وجب عليه التصدق بثمانين دينارا، لقوله تعالى: "
~~ولقد نصركم الله في مواطن كثيرة " (2) وكانت ثمانين موطنا.
# ومن نذر أن يحج ماشيا، أو يزور أحد المشاهد كذلك، فعجز عن المشي، فليركب،
~~ولا كفارة عليه، ولا سياق بدنة، هذا رأي شيخنا المفيد (3) وهو الصحيح.
# وقال شيخنا أبو جعفر، فليسق بدنة (4).
# ومتى ركب من غير عجز كان عليه إعادة الحج أو الزيارة، يمشي في الدفعة
~~الثانية ما ركب من الطريق في الأولة، ويركب منها ما مشى، هكذا رواه أصحابنا
~~من طريق الأخبار (5) قال محمد بن إدريس " رحمه الله ": الذي ينبغي تحصيله
~~في هذه الفتيا أن النذر المذكور للحج إذا كان في سنة معينة، ونذر أن يحج
~~فيها بشرط أن يقدر على الحج ماشيا، ولم يقدر ms1143 أن يمشي مارا تلك السنة، فلا
~~يجب عليه المضي، ولا القضاء في السنة الثانية، إذا قدر على المشي فيها، لأن
~~إيجاب ذلك في السنة الثانية يحتاج إلى دليل، والقضاء فرض ثان يحتاج مثبته
~~إلى شرع، والأصل براءة الذمة من التكاليف، وأيضا فشرط النذر ما حصل، فلا
~~يجب مشروطه، بغير خلاف
# PageV03P061
# في هذا، فإن كان النذر مطلقا، لا في سنة بعينها، فيجب عليه الحج إذا قدر
~~على المشي، أي سنة قدر على المشي، فإن كان قد مشى بعضا وركب بعضا فلا يجزيه
~~الحج تلك السنة، لأن شرط النذر ما وجد، فإن حج السنة الثانية، ومشى ما ركب
~~من السنة الأولة، وركب ما مشى منها فلا يجزيه أيضا الحج، لأن شرط نذره ما
~~حصل، وإذا لم يحصل الشرط فلا يجب المشروط، على ما بيناه، سواء كان ذلك عن
~~عذر أو لم يكن، ساق بدنة أو لم يسق، على مقالتي شيخنا جميعا، فهذا الذي
~~يقتضيه الأدلة وأصول مذهبنا، ولا نرجع عن الأدلة بأخبار الآحاد، على ما
~~حررناه في غير موضع.
# وإذا أراد أن يعبر ناذر المشي في زورق نهرا فليقم فيه قائما، ولا يقعد
~~حتى يخرج إلى الأرض.
# ومن نذر أن يخرج شيئا من ماله في سبيل من سبل الخير، ولم يسم شيئا معينا،
~~كان بالخيار، إن شاء تصدق به على فقراء المؤمنين، وإن شاء جعله في حج، أو
~~زيارة، أو في بناء مسجد، أو قنطرة، أو جسر، أو وجه من وجوه البر ومصالح
~~الإسلام.
# وروي (1) أنه من جعل جاريته أو عبده أو دابته هديا لبيت الله الحرام، أو
~~لمشهد من مشاهد الأئمة " عليهم السلام " فليبع العبد أو الجارية أو الدابة،
~~ويصرف ثمنه في مصالح البيت أو المشهد أو في معونة الحاج، أو الزائرين،
~~الذين خرجوا إلى السفر وتناولهم اسم الحاج والزائرين، ولا يجوز لأحد أن
~~يعطي شيئا من ذلك لأحد منهم، قبل خروجهم إلى السفر.
# ومن نذر أن يصلي صلاة معروفة، تطوعا، في وقت مخصوص، وجب عليه أن يصليها
~~في ذلك الوقت، ms1144 في سفر كان أو حضر، ليلا كان أو نهارا.
# ومن نذر أن يتصدق بدراهم على الفقراء، أو في موضع مخصوص، لم يجز له
~~الانصراف إلى غيره، فإن صرفها في غير ذلك الوجه كان عليه إعادتها.
# PageV03P062
# ومن نذر أنه متى رزق ولدا حج به، أو حج عنه، ثم مات الناذر، وجب أن يحج
~~بالولد، أو عنه، من صلب ماله الذي ترك، لأنه واجب عليه، والحقوق الواجبة
~~نخرج من صلب التركة، قبل الوصايا والميراث.
# وقد روي (1) أنه من نذر في طاعة أنه يتصدق بجميع ما يملكه، وجب عليه
~~الوفاء به، غير أنه إذا خاف الضرر على نفسه في خروجه من جميع ما يملكه،
~~فليقوم جميع ذلك على نفسه، ثم ليتصدق مما معه، ويثبته، إلى أن يعلم أنه
~~استوفى ما كان وجب عليه، واستوعب جميع ماله، وقد برئت ذمته.
# ومن نذر ولم يسم شيئا إن شاء صلى ركعتين أو ركعة، لأن صلاة ركعة واحدة
~~عندنا صلاة شرعية وهي المفردة من الوتر، وإن شاء صام يوما، وإن شاء تصدق
~~بدرهم فما فوقه أو دونه.
# قال شيخنا في نهايته: ومن نذر أن لا يبيع مملوكا له أبدا فلا يجوز له
~~بيعه، وإن احتاج إلى ثمنه (2).
# وهذا غير واضح ولا مستقيم على أصول المذهب، لأنه لا خلاف بين أصحابنا أن
~~الناذر إذا كان في خلاف ما نذره صلاح له ديني أو دنياوي فليفعل ما هو أصلح
~~له، ولا كفارة عليه، وما ذكره شيخنا وأورده خبر واحد، لا يرجع بمثله عن
~~الأدلة، لأن أخبار الآحاد لا توجب علما ولا عملا.
# ومن نذر في شئ فعجز عنه، ولم يتمكن من الوفاء به، لم يكن عليه شئ، لقوله
~~تعالى: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " (3) وقد روي (4) أنه من نذر أن
~~يحرم بحجة أو عمرة من موضع بعينه، وإن كان قبل الميقات، وجب عليه الوفاء
~~به.
# فإن كان على هذه الرواية إجماع منعقد، وإلا فالنذر غير صحيح، لأنه خالف
~~المشروع، لأنه لا خلاف بين أصحابنا في أن الإحرام لا ms1145 يجوز ولا ينعقد
# PageV03P063
# لا من الميقات، وبينهم خلاف في أنه إن نذر أن يحرم قبل الميقات فهل يلزمه
~~وينعقد نذره أم لا؟ فبعض يجيزه على هذه الرواية، وبعض لا يجيزه، ويتمسك
~~بالأصل والإجماع المنعقد.
# فأما ما لا يجب الوفاء به من النذر فهو أن ينذر أنه متى لم يترك واجبا أو
~~ندبا كان عليه كيت وكيت، فليفعل الواجب أو الندب ولا شئ عليه، وكذلك إن نذر
~~أنه متى لم يفعل قبيحا كان عليه كيت وكيت، فليترك القبيح ولا شئ عليه.
# ومن نذر شكر الله تعالى أنه متى فعل قبيحا كان عليه كيت وكيت، ثم فعل
~~القبيح، لم يلزمه الوفاء بما نذر، لأن هذا نذر في معصية، اللهم إلا أن يكون
~~جعل ذلك على نفسه، على سبيل الكفارة لما يرتكبه من القبيح، فيجب عليه حينئذ
~~الوفاء به لأنه صار نذرا في واجب، وهو ترك القبيح.
# ومن نذر أنه متى فعل واجبا أو ندبا، أو قدم من سفر، أو ربح في تجارة، أو
~~برئ ممن مرض، وما أشبه ذلك، شرب خمرا، أو ارتكب فجورا أو قتل مؤمنا، أو ترك
~~فرضا، فعليه أن يترك الواجب أو الندب، ولا كفارة عليه.
# ومن عاهد الله: أن يفعل واجبا أو ندبا وجب عليه الوفاء به، فإن لم يفعل
~~كان عليه الكفارة، وكذلك إن عاهد الله على أن يفعل مباحا لا يترجح فعله على
~~تركه، فإن عاهد على أن لا يفعل قبيحا أو لا يترك واجبا أو ندبا، ثم فعل
~~القبيح أو ترك الواجب والندب، وجبت عليه الكفارة، ومن عاهد الله أن يفعل
~~فعلا كان الأولى أن لا يفعله في دينه أو دنياه، أو لا يفعل فعلا الأولى أن
~~يفعله، فليفعل ما الأولى به فعله، وليترك ما الأولى به تركه، وليس عليه في
~~ذلك كفارة.
# وقد قدمنا أن النذر لا ينعقد إلا أن يتلفظ الناذر به، ويكون على صيغة
~~مخصوصة، ويقارنه النية المتقرب بها إليه سبحانه، ويكون في فعل واجب أو ندب
~~أو ترك قبيح، أو مباح ms1146 لا يترجح فعله على تركه دينا أو دنيا، وسواء كان
~~معلقا بشرط أو مطلقا عنه، على الصحيح من أقوال أصحابنا وفتاويهم.
~~PageV03P064
# وقال شيخنا في نهايته: النذر هو أن يقول الإنسان إن كان كذا وكذا فلله
~~على كذا وكذا، من صيام أو صدقة أو حج أو صلاة أو غير ذلك من أفعال البر،
~~فمتى كان ما نذر وحصل وجب عليه الوفاء بما نذر فيه (1).
# فذكر رحمه الله النذر المشروط في هذا الكتاب، أعني كتاب النهاية، ولم
~~يذكر المطلق من النذر.
# إلا أنه في مسائل خلافه يذهب إلى أنه ينعقد، سواء كان مشروطا أو مطلقا،
~~ويناظر على ذلك ويستدل على صحته (2) وهو الذي اخترناه نحن، لأن العمل عليه،
~~وظاهر القرآن والسنة يتناوله، ولا يلتفت إلى قول غلام ثعلب الذي يرويه عن
~~ثعلب " من أن النذر عند العرب وعيد بشرط " لأن في عرف الشرع صار متناولا
~~للشرط وغير الشرط، وعرف الشرع هو الطارئ وكالناقل.
# ثم قال " رحمه الله " في نهايته: فإن قال: إن كان كذا، ولم يقل: لله، لم
~~يكن ذلك نذرا واجبا، بل يكون مخيرا في الوفاء به وتركه، والأفضل له الوفاء
~~به، على كل حال، ومتى اعتقد أنه متى كان شئ فلله عليه كذا وكذا، وجب عليه
~~الوفاء به عند حصول ذلك الشئ، وجرى ذلك مجرى أن يقول لله على كذا وكذا، فإن
~~جعل في اعتقاده متى كان شئ كان عليه كذا، ولم يعتقد لله، كان مخيرا في ذلك
~~حسب ما قدمناه في القول " هذا آخر كلامه رحمه الله في نهايته " (3).
# وقد قلنا ما عندنا في ذلك: من أنه لا ينعقد إلا أن يتلفظ به وينطق، مع
~~النية أيضا، ولا يجزي أحدهما عن الآخر، لأن هذا مجمع على انعقاد النذر به،
~~وليس على انعقاده بغير ذلك دليل، لأن النذر حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى
~~دليل شرعي، وأيضا فلا يتعلق الأحكام في معظم الشرعيات إلا بما ينطق المكلف
~~به ويتلفظ بذلك لسانه، حتى يحكم عليه به، من بيع أو طلاق أو ms1147 هبة أو صدقة أو
~~إقرار وغير ذلك.
# PageV03P065
# إلا أن شيخنا أبا جعفر " رحمه الله " رجع عما ذكره في نهايته، في مبسوطه
~~في الجزء الرابع، في كتاب الأيمان، في فصل كفارة يمين العبد، قال: " النذر
~~ضربان: نذر تبرر وطاعة، ونذر لجاج وغضب، فالتبرر أن يعلقه بابتداء نعمة، أو
~~دفع بلية ونقمة، فابتداء النعمة أن يقول: إن رزقني الله ولدا أو عبدا فمالي
~~صدقة، وإن رزقني الحج فعلى صوم شهر. ودفع النقمة قوله: إن شفى الله مريضي،
~~إن خلصني من هذا الكرب، إن دفع عني شر هذا الظالم، فعلي صدقة مال، أو صوم
~~شهر، فإذا وجد شرط نذره لزمه الوفاء به، بلا خلاف، لقوله عليه السلام: " من
~~نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه " (1) غير أنا نراعي
~~أن يقول ذلك " لله علي كذا " لأن ما عدا ذلك لا ينعقد به نذر، ولا تخلفه
~~كفارة، هذا آخر كلامه " رحمه الله " (2).
# إذا قال: لله علي حجة، عندنا يلزمه الوفاء به، فإن عينه في سنة بعينها،
~~وخالف وجبت عليه كفارة النذر، وانحل النذر، وإن أطلقه لا ينحل، ووجب عليه
~~الوفاء.
# ومن قال: متى كان كذا وكذا فلله علي المشي إلى بيت الله، أو إهداء (3)
~~بدنة إليه، فمتى كان ذلك الشئ وجب عليه الوفاء به.
# فإن قال: متى كان كذا فلله علي أن أهدي هذا الطعام إلى بيته، لم يلزمه
~~ذلك، لأن الإهداء لا يكون إلا في النعم خاصة، ولا يكون بالطعام.
# والمعاهدة هو أن يقول: قد عاهدت الله تعالى أو علي عهد الله متى كان كذا
~~فعلي كذا، فمتى قال ذلك، وجب عليه الوفاء به عند حصول ما شرط حصوله:
# وجرى ذلك مجرى النذر في جميع الأحكام سواء.
# والنذر والعهد معا إنما يكون لهم تأثير إذا صدرا عن نية، فمتى تجردا من
~~النية لم يكن لهما حكم على حال.
# PageV03P066
# ومتى قال: هو محرم بحجة أو عمرة إن كان كذا وكذا، لم يكن ذلك شيئا، ولم
~~يتعلق به حكم من الأحكام.
# إذا ms1148 قال الله علي أن أهدي بدنة، أجزأه أقل ما يقع عليه الاسم، وأقلها
~~ثنية.
# فإذا ثبت انعقاده لم يخل من أحد أمرين: إما أن يطلق، أو ينوي بدنة من
~~الإبل، فإن أطلق نذر بدنة ولم ينو شيئا، فالصحيح أنه يلزمه من الإبل، لأن
~~البدنة في اللغة عبارة عن الأنثى من الإبل، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد
~~فسبع من الغنم لأن الشرع أقام كل واحد منهما مقام صاحبه عند العدم والتعذر.
# إذا نذر صوم عشرة أيام، أو عشرين يوما، فهو بالخيار بين أن يتابع، أو
~~يفرق، وبين أن يصوم على الفور أو على التراخي.
# إذا نذر أن يحج في هذا العام حجة الإسلام، فوجدت شرايط الوجوب، فلم يفعل
~~حتى فات الوقت، استقرت في الذمة، ولا تسقط، وإن حصر حصرا عاما في هذا
~~العام، سقط نذره كالمفروضة، وكذلك إن حصر حصرا خاصا، ولا فصل بين المفروضة
~~والمنذورة إلا في فصل واحد، وهو أن المفروضة إذا سقطت في هذا العام، وجبت
~~بوجود شرايطها بعده، والمنذورة إذا سقطت في هذا العام، لم تجد بعده، وإن
~~وجدت الشرايط، لأن النذر تعلق بهذه السنة، فإذا فات فلا يجب بعدها إلا
~~بتجديد نذر، فلهذا يسقط بكل حال.
# إذا قال لله علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، فإن قدم ليلا فلا
~~يلزمه الصوم أصلا، لأنه ما وجد شرطه بلا خلاف، وإن قدم في بعض نهار، لا
~~يلزمه أيضا صومه، ولا صوم يوم بدلة، لأن نذره لم ينعقد، لأن الأصل براءة
~~الذمة، وإيجاب صوم يوم بدل هذا يحتاج إلى دليل، والذي يدل على أن نذره لم
~~ينعقد، إنه نذر صوم لا يمكنه الوفاء به، لأن بعض يوم لا يكون صوما، وجرى
~~ذلك مجرى أن يقول يوم يقدم أصوم أمسه، فإنه لا يكون نذرا صحيحا، لاستحالته.
# إذا نذر أن يصوم أياما معدودة متتابعة، فأفطرها في سفر، انقطع التتابع،
~~وعليه الاستيناف.
# إذا نذر صوم يوم الخميس إن شفى الله مريضه، فشفاه الله، فصام يوم الخميس
~~PageV03P067
# عن كفارة ms1149 أو قضاء شهر رمضان، فالظاهر من مذهبنا أنه يقتضي أنه لا يجزيه،
~~لأنه قد تعين صومه بالنذر، فلا يقع فيه سواه، فإذا ثبت هذا، فإنه يكمله عن
~~نذره، وكذلك من نذر أن يصوم أول يوم من رمضان، لم ينعقد نذره، لأنه يستحق
~~صيامه لغيره، لأنه لا يمكن أن يقع فيه على حال صيام غير رمضان.
# إذا لزمه صيام يوم بعينه أبدا بالنذر، ثم وجب عليه صوم شهرين متتابعين عن
~~كفارة القتل، أو الظهار، فإنه يصوم الشهرين عن كفارته، وما فيهما من اليوم
~~المعين صيامه بالنذر عن كفارته أيضا، دون نذره، لأنه إذا صامه عن كفارته
~~صحت الكفارة، وقضى ما فيهما من الأيام المعينة المنذورة، ولو صامها عن نذره
~~بطل تتابعه، وكان عليه الاستيناف، ولم يمكنه الكفارة بالصيام أبدا، والذي
~~يقتضيه مذهبنا، أن في الشهر الأول يفعل هذا الذي قلناه، وفي الشهر الثاني،
~~إذا زاد عليه شيئا، فإنه يصح أن يصومها عن الكفارة، وعن النذر معا، لأن
~~الإفطار فيه لا يبطل التتابع، فإن صام الكل عن الكفارة، قضى كل يوم منذور
~~كان في الشهرين، هذا إذا سبق النذر الكفارة، فأما إن سبقت الكفارة النذر،
~~وهو إن وجب عليه صوم شهرين متتابعين عن كفارته، ثم نذر أن يصوم كل خميس،
~~كان عندنا مثل الأول سواء، وعند بعضهم أيضا، وقال بعضهم لا يقضي ما فيهما
~~من الأيام المنذورة، لأن كل يوم منذور في الشهرين مستحق للكفارة، وهو غير
~~نذره، فلهذا لم ينعقد نذره بها، كأيام رمضان، والأقوى ما قلناه، من أن عليه
~~قضاءه هكذا أورده شيخنا أبو جعفر في مبسوطه (1) في كتاب النذر، جملته ما
~~ذكرناه.
# والأقوى عندي، أن يوم النذر لا يجوز صيامه عن الكفارة، لا في الشهر
~~الأول، ولا في الشهر الثاني، فأما قوله رحمه الله " ولو صامها عن نذره بطل
~~تتابعه، وكان عليه الاستيناف، ولم يمكنه الكفارة بالصيام أبدا " فتمسك غير
~~واضح، وأنا التزم أنه لا يصح له الكفارة بالصيام، ويكون فرضه الإطعام، لأنه
~~غير قادر على الصيام، وأي مانع ms1150 يمنع من الانتقال عن الصيام إلى الإطعام،
~~لأنه ليس في مقدوره الكفارة
# PageV03P068
# بالصيام، فليلحظ ذلك بعين الفكر، والله الموفق للصواب.
# إذا نذر صلاة، قال قوم أقل ما يلزمه ركعتان، وقال بعضهم أقل ذلك ركعة،
~~وهذا هو الذي يقوى في نفسي، لأنها أقل صلاة مرغبة فيها شرعية، وهي الوتر
~~بلا خلاف بيننا معشر أهل البيت عليهم السلام، والخطاب إذا أطلق، أجزأ أقل
~~ما يقع عليه الاسم، وقد بينا أن الركعة صلاة شرعية، وأيضا فلا نص لأصحابنا
~~في ذلك، والأصل براءة الذمة فيما زاد على الركعة، وإذا كانت الركعة صلاة في
~~الشريعة وعرفها، حمل الإطلاق على أقل ما يقع الاسم الشرعي عليه.
# واختار شيخنا أبو جعفر رحمه الله، في مسائل خلافه (1) أحد قولي الشافعي،
~~وهو أنه يلزمه صلاة ركعتين، واستدل بطريقة الاحتياط فحسب، ولم يذكر إجماعا
~~ولا أخبارا.
# وقد قلنا ما عندنا، وليس هو لما استدل بطريقة الاحتياط، بأولى ممن استدل
~~بدليل أن الأصل براءة الذمة.
# باب الكفارات الكفارات على ثلاثة أضرب، كفارة مرتبة من غير تخيير، ومخير
~~فيها من غير ترتيب، وما فيها ترتيب، وتخيير.
# فالتي على الترتيب، كفارة الظهار بلا خلاف، وكفارة قتل الخطأ أيضا بلا
~~خلاف، إلا من شاذ من أصحابنا، ومعنى الترتيب، هو أنه لا ينتقل من الأصل
~~الأول إلى الثاني، إلا بعد فقدان الأول، ولا ينتقل من الثاني إلى الثالث
~~إلا بعد عدم الثاني، ومعنى التخيير هو أنه له أن يفعل أي الثلاث كان.
# فكفارة الظهار عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع،
~~فإطعام ستين مسكينا، وكذلك كفارة قتل الخطأ.
# والتي على التخيير بكل حال، فكفارة فدية الأذى، الإنسان فيها بالخيار،
~~بين
# PageV03P069
# ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة أمداد لستة مساكين، وكذلك
~~كفارات الحج كلها على التخيير، على الصحيح من أقوال أصحابنا، وظاهر القرآن
~~يعضد ذلك، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في كتاب الحج (1).
# والكفارة التي تجمع الأمرين، كفارة اليمين، فإن الإنسان مخير في الثلاثة
~~الأجناس، أما عتق رقبة، أو ms1151 إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن عجز عن ذلك
~~أجمع، وجب عليه صيام ثلاثة أيام مرتبة متوالية، بغير خلاف.
# ومتى أراد أن يكفر بالإطعام، فعليه أن يطعم عشرة مساكين، لكل مسكين مد
~~على الصحيح من المذهب، وظاهر التنزيل يعضد ذلك، والأصل أيضا يقويه، وقد ذهب
~~بعض أصحابنا إلى مدين.
# وقدر المد، رطلان وربع بالعراقي.
# وكذلك في ساير الكفارات الظهار، والقتل، والوطي، وفدية الأذى، وغير ذلك.
# ويجوز أن يخرج حبا، ودقيقا، وخبزا وكل ما يسمى طعاما إلا كفارة اليمين،
~~فإنه يجب عليه أن يخرج من الطعام الذي يطعم أهله، لقوله تعالى " من أوسط ما
~~تطعمون أهليكم " (2) فقيد تعالى ذلك، وأطلق في باقي الكفارات، ولأن الأصل
~~براءة الذمة.
# فإن أراد التكفير بالكسوة، فلكل مسكين ثوب واحد، ولا يلزمه أن يكون
~~جديدا، ويجوز أن يكون غسيلا، سواء كان ميزرا أو قميصا. وقال بعض أصحابنا
~~الواجب ثوبان.
# وكل من تلزمه نفقته لا يجوز صرف الكفارة إليه، ومن لا تلزمه نفقته، يجوز
~~صرفها إليه، وجملة الأمر وعقد الباب، إن مستحق الكفارة، مستحق الزكاة، وقد
~~مضى ذكرهم في كتاب الزكاة (3).
# وعليه أن يعطي عشرة مساكين، يعتبر العدد فيهم، فإن لم يجد العدد كرر
~~عليهم
# PageV03P070
# حتى يستوفي العدد عندنا يوما بعد يوم، حتى يستوفي العدد.
# وإذا أطعم خمسا وكسا خمسا، لم يجزه، لأنه خلاف الظاهر.
# ولا يجوز إخراج القيم في الكفارات عندنا بغير خلاف، ويجوز ذلك في الزكوات
~~عندنا بغير خلاف أيضا (1).
# وإذا اجتمع عليه كفارات، لم يخل من أحد أمرين، إما أن يكون جنسا واحدا،
~~أو أجناسا فإن كان جنسا واحدا، مثل أن يكون يمينا، أو ظهارا، أو قتلا،
~~فنفرضها في كفارة الأيمان، فإنه أوضح، فإذا كان عليه كفارات عن يمين، فإن
~~أطعم عن الكل، أو كسى عن الكل، أو أعتق عن الكل، أجزأه، وإن أطعم عشرة،
~~وكسى عشرة، وأعتق رقبة، أجزأه عن الثلاث، فإذا ثبت أنه جايز، نظرت، فإن
~~أبهم النية، ولم يعين، بل نوى كفارة مطلقة، أجزأه لقوله " فكفارته إطعام
~~عشرة مساكين " (2) فأما إن ms1152 كانت أجناسا مختلفة، مثل أن حنث، وظاهر، وقتل،
~~ووطي في رمضان، افتقر ذلك إلى تعيين النية، وهو شرط في ذلك.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، لا فرق بين أن يكون الجنس واحدا، أو
~~أجناسا مختلفة (2)، وما ذكرناه هو الذي يقتضيه أصول مذهبنا، لقوله عليه
~~السلام " الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى " (4) وإن كان في مسائل خلافه
~~(5) يذهب إلى ما اخترناه.
# والكلام في وقت النية، فعندنا لا يجزيه حتى يكون النية مع التكفير.
# إذا كانت عليه كفارة، لم يخل من أحد أمرين، إما أن يكون على الترتيب، أو
~~على التخيير.
# فإن كانت على الترتيب، نظرت، فإن خلف تركة، تعلقت بتركته كالدين، يعتق
~~عنه منها، وإن لم يكن له تركة، سقط العتق عنه، كما لو مات وعليه دين ولا
# PageV03P071
# تركة له، فإن اختار وليه أن يعتق عنه كمال الواجب عليه، أجزأه عنه، لأنه
~~يقوم مقام مورثه في قضاء ديونه وغير ذلك.
# وإن لم يكن الكفارة على الترتيب، مثل كفارة اليمين، نظرت، فإن كفر عنه
~~وليه بالكسوة، أو الإطعام، صح عمن أخرجه عنه، وكذلك إن كان أعتق عنه أجزأ
~~عندنا، وقال بعض المخالفين لا يجزي. والأول أصح، لأن الثلاثة عندنا واجبة
~~مخير فيها، وليس الواجب واحدا لا بعينه.
# لا يجوز النيابة في الصيام في حال الحياة بحال، وإن مات الإنسان وعليه
~~صيام، وجب على وليه أن يصوم عنه عندنا.
# إذا أعطى مسكينا من كفارته، أو زكاة ماله، أو فطرته، فالمستحب أن لا
~~يشتري ذلك ممن أعطاه.
# والاعتبار عندنا في الكفارات المرتبة حال الأداء والإخراج، لا حال
~~الوجوب، فإن كان في حال الإخراج والأداء موسرا، وجب عليه العتق، وإن كان
~~معسرا، وجب عليه الصيام. ولا اعتبار بما تقدم.
# العبد إذا وجب عليه كفارة الحنث، فأعتق، لا يجزيه ذلك عن كفارته، لأنه
~~كفر بغير ما وجب عليه، لأنه غير مخاطب بإخراج المال.
# ومن وجبت عليه كفارة مرتبة من الأحرار لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون
~~له فضل عن كفايته ليومه وليلته، أو ms1153 وفق الكفاية، فإن كان له فضل، لم يكون
~~من أهل الصيام، لأنه واجد، وإن لم يكن له وفق كفاية ليومه وليلته، كان فرضه
~~الصيام.
# قال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله، لا يعتبر الأيمان في العتق في جميع
~~أنواع الكفارات، إلا في كفارة قتل الخطأ خاصة وجوبا، وما عداه جاز أن يعتق
~~من ليس بمؤمن، وإن كان المؤمن أفضل (1).
# وقال المرتضى وباقي أصحابنا، باعتبار الأيمان في جميعها (2).
# PageV03P072
# وهو الذي اعتمده، وأفتي به، لقوله تعالى " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون
~~" (1) والكافر خبيث بغير خلاف، وأيضا دليل الاحتياط يقتضيه.
# والأعمى والمجذوم، والمقعد بالزمانة، لا يجزي عتق واحد منهم، لأنهم
~~ينعتقون عند أصحابنا بهذه الآفات، والأعرج، والأقطع اليدين، أو إحديهما، أو
~~اقطع الرجلين، أو إحديهما يجزي للآية، وإليه ذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل
~~خلافه (2).
# والمدبر وأم الولد يجزي عتقهما عن الكفارة، ولا يجزي عتق المكاتب عندنا
~~بحال، هكذا ذكره شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، فإنه قال مسألة، عتق
~~المكاتب لا يجزي في الكفارة، سواء أدى من مكاتبته شيئا أو لم يؤد (3).
# وقال في نهايته في باب الكفارات: ولا يجوز له أن يعتق مدبرا إلا بعد أن
~~ينقض تدبيره، ولا أن يعتق مكاتبا له، وقد أدى من مكاتبته شيئا (4).
# والذي يقتضيه أصولنا، أن عتق المكاتب المشروط عليه في الكفارة جائز، سواء
~~أدى من مكاتبته شيئا أو لم يؤد، لإجماعنا على أنه عبد ما بقي عليه شئ، فأما
~~المكاتب المطلق، فإنه إذا لم يتحرر منه شئ، ولم يؤد شيئا من مال الكتابة،
~~فإنه يجزي إعتاقه أيضا في الكفارة، لأنه عبد لم يتحرر منه جزء، فإما أن أدى
~~شيئا ولو قليلا، فلا يجزي إعتاقه في الكفارة، لأنه قد تحرر منه جزء بقدر ما
~~أدى، بغير خلاف، فليلحظ ذلك ويحصل، والله الموفق للصواب.
# إذا مات وعليه حق لله، مثل الزكوات، والكفارات، وحق الآدميين، مثل
~~الديون، قيل فيه ثلاثة أقوال، أحدها حق الله المقدم، والثاني حقوق
~~الآدميين، والثالث هما سواء، وهو الأقوى عندي، لأن تقدم أحدهما ms1154 على الآخر
~~يحتاج إلى دليل.
# PageV03P073
# وفرض العبد في الكفارات الصوم، سواء كانت الكفارة مرتبة، مثل كفارة
~~الظهار، أو مخيرة فيها، لأن العبد لا يملك، وقد ذكرنا فيما مضى كفارة
~~اليمين (1)، فإن عجز عن الثلاثة الأجناس، - وحد العجز أن لا يكون له ما
~~يفضل عن قوته وقوت من يجب عليه نفقته، ليومه وليلته - كان عليه صيام ثلاثة
~~أيام متتابعات، يستوي الحر والعبد في صيامهن، فإن لم يقدر على الصوم،
~~فليستغفر الله تعالى، فهو كفارة له، فإن وجد بعد ذلك المال، أو قدر على
~~الصوم، فلا يجب عليه فعل شئ من ذلك، لأنه قد كفر بالاستغفار، فوجوب ذلك
~~ثانيا يحتاج إلى دليل، وقد قدمناه (2) أنه إذا لم يجد العدد، ووجد بعضهم
~~كرر عليهم حتى يستوفي العدد.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ومتى لم يجد أحدا من المؤمنين أصلا، ولا
~~من أولادهم، أطعم المستضعفين ممن خالفهم (3).
# وهذا غير مستقيم ولا واضح، لأنه خبر واحد أورده إيرادا لا اعتقادا، لأن
~~مستحق الكفارات مستحق الزكوات على ما قدمناه (4)، فلا يجوز إعطاؤهما لغيرهم
~~على حال.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وكفارة نقض النذور والعهود، عتق رقبة، أو
~~صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا، مخير فيها أيها فعل فقد أجزأه،
~~ومتى عجز عن ذلك كله، كان عليه صيام ثمانية عشر يوما، فإن لم يقدر على ذلك،
~~أطعم عشرة مساكين، أو قام بكسوتهم، فإن لم يقدر على ذلك، تصدق بما استطاع،
~~فإن لم يستطع شيئا أصلا، استغفر الله تعالى، ولا يعود، هذا آخر كلامه رحمه
~~الله (5).
# والصحيح الذي يقتضيه أصول أصحابنا وما حققه محصلوهم، أن النذر لا يخلو من
~~أحد أمرين، إما أن يكون صوما معينا، فخالفه وأفطر فيه متعمدا، فكفارة ذلك
~~كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا، وهو ما ذهب إليه شيخنا أبو جعفر
~~في نهايته، وحكيناه عنه في خلاف نقض النذور (6).
# PageV03P074
# وإن كان النذر غير صيام، فإن كفارة خلافه كفارة يمين، لأن الأصل براءة
~~الذمة، وقد وردت به أخبار، وذهب إليه ms1155 من جملة أصحابنا السيد المرتضى في
~~الموصليات (1)، وأبو جعفر بن بابويه رحمه الله، وغيرهما من الجلة المشيخة،
~~وهو الذي يقوى في نفسي وأفتي به.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ومن كان عليه صيام يوم قد نذر صومه، فعجز
~~عن صيامه، أطعم مسكينا مدين من طعام، كفارة لذلك اليوم، وقد أجزأه (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله، هذا ليس هو على ظاهره، بل إن كان عجزه لكبر
~~أو مرض لا يرجى برؤه بمجرى العادة، مثل العطاش الذي لا يرجى برؤه فما ذكره
~~رحمه الله صحيح، وإن كان لمرض يرجى برؤه، مثل الحمى وغير ذلك، فالواجب عليه
~~الإفطار والقضاء، لما أفطر فيه من غير إطعام مدين، ولا كفارة بحال، فليلحظ
~~ذلك، فهذا تحرير السؤال.
# وقد قدمنا (3) شرح كفارة الظهار، فلا وجه لإعادته.
# وكفارة من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا، إما عتق رقبة، أو إطعام ستين
~~مسكينا، أو صيام شهرين متتابعين، مخير في ذلك على الصحيح من المذهب.
# وكفارة قتل العمد، عتق رقبة، وإطعام ستين مسكينا، وصيام شهرين متتابعين
~~على الجمع، هذا في العمد المحض.
# وكفارة قتل الخطأ المحض. أو الخطأ شبيه العمد، واحد منها، وهي على
~~الترتيب.
# وقال شيخنا في نهايته، ومن حلف بالبراءة من الله تعالى، أو من رسوله، أو
~~من واحد من الأئمة عليهم السلام، كان عليه كفارة ظهار، فإن لم يقدر على
~~ذلك، كان عليه كفارة اليمين (4).
# وقد قلنا ما عندنا في ذلك في كتاب الأيمان (5)، فلا وجه لإعادته وكفارة
~~من
# PageV03P075
# وطي زوجته في حيض، إن كان وطؤه لها في أول الحيض، كان عليه دينار، وقيمته
~~عشرة دراهم جيادا، وإن كان في وسطه، نصف دينار، وإن كان في آخره، ربع دينار
~~على حساب ما قدمناه، وقد شرحنا ذلك وحررناه، وذكرنا الخلاف فيه، في كتاب
~~الحيض (1) فلا وجه لا عادته.
# فإن وطي أمته في الحيض، كان عليه أن يتصدق بثلاثة أمداد من طعام، يفرقها
~~على ثلاثة مساكين، سواء كان وطؤه لها في أوله، أو آخره، أو وسطه، بغير ms1156
~~خلاف.
# ومن وجب عليه صيام شهرين متتابعين في شئ مما ذكرناه من الكفارات، فصام
~~شهرا، ومن الثاني شيئا، ثم أفطر من غير علة، كان مخطئا آثما، وجاز له
~~البناء عليه عند أصحابنا، فإن صام شهرا ولم يكن قد صام من الثاني شيئا، وجب
~~عليه الاستيناف، وإن كان إفطاره قبل الشهر لمرض، كان له البناء عليه على كل
~~حال.
# ومن عجز عن صيام شهرين وجبا عليه، صام ثمانية عشر يوما، وقد أجزأه، وإن
~~لم يقدر على ذلك، تصدق عن كل يوم بمد من طعام، فإن لم يستطع استغفر الله
~~تعالى، وليس عليه بعد ذلك شئ.
# وكفارة الإيلاء كفارة اليمين سواء، وكذلك كفارة من أفطر يوما قد نوى صومه
~~قضاء لشهر رمضان بعد الزوال، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام متتابعة.
# وقد روي (2) أن من تزوج بامرأة في عدتها عالما بذلك، فارقها، وكفر عن
~~فعله بخمس أصوع (3) من دقيق.
# وقد روي (4) أيضا أن من نام عن عشاء الآخرة حتى يمضي النصف الأول
# PageV03P076
# من الليل، صلاها قضاء حين يستيقظ، ويصبح صائما كفارة لذنبه في النوم عنها
~~إلى ذلك الوقت.
# والأولى حمل هاتين الروايتين على الاستحباب، دون الفرض والإيجاب، لأن
~~الأصل براءة الذمة، ولا إجماع على هاتين الروايتين.
# وذهب السيد المرتضى " رحمه الله " إلى أن من تزوج امرأة ولها زوج، وهو لا
~~يعلم بذلك، إن عليه أن يفارقها، ويتصدق بخمسة دراهم (1).
# ولم أجد أحدا من أصحابنا موافقا له على هذا القول، والأصل براءة الذمة،
~~وشغلها بهذه الكفارة يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليها من كتاب، ولا إجماع،
~~ولا تواتر أخبار.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله شيخنا أبو جعفر في نهايته جمع الصاع على
~~أصع، فقال كفارة من تزوج بامرأة في عدتها خمسة أصع من دقيق (2). وإنما جمع
~~الصاع أصوع، قال الأصمعي العامة تخطي، فتقول ثلاث أصع، وإنما يقال ثلاث
~~أصوع، وقد يذكر الصاع ويؤنث، فمن أنثه جمعه على أصوع، ومن ذكره جمعه على
~~أصواع.
# وروي (3) أيضا أن من ترك صلاة الكسوف متعمدا، وقد ms1157 احترق القرص كله،
~~فليغتسل كفارة لذنبه، وليقض الصلاة بعد الغسل.
# وقد قدمنا (4) القول في هذا الغسل، والخلاف فيه بين الأصحاب، فلا وجه
~~لإعادته.
# وروي (5) أن من سعى إلى مصلوب بعد ثلاثة أيام ليراه، فليستغفر الله من
~~ذنبه، ويغتسل كفارة لسعيه إليه.
# PageV03P077
# وذلك على طريق الاستحباب دون الفرض والإيجاب.
# ولا يجوز للرجل أن يشق ثوبه في موت أحد من الأهل والقرابات، فإن فعل ذلك
~~فقد روي (1) أن عليه كفارة يمين.
# والأولى أن يحمل ذلك على الندب دون الفرض، لأن الأصل براءة الذمة، وهذه
~~الرواية قليلة الورود، شاذة، تورد في أبواب الزيادات، عن رجل واحد، وقد
~~بينا أن أخبار الآحاد لا توجب علما ولا عملا، إلا أن أصحابنا مجمعون عليها
~~في تصانيفهم، وفتاويهم، فصار الإجماع هو الحجة على العمل بها، وبهذا أفتي.
# وروي (2) أنه لا بأس بأن يشق ثوبه على أبيه، وفي موت أخيه.
# والأولى ترك ذلك واجتنابه، بل الواجب، لأنه لا دليل عليه من كتاب، ولا
~~سنة مقطوع بها، ولا إجماع، والأصل حفاظ المال، وتضييعه سفه، لأنه إدخال
~~ضرر، والعقل يقبح ذلك.
# فأما المرأة، فلا يجوز لها أن تشق ثوبها على موت أحد من الناس، فإن شقته،
~~أخطأت ولا كفارة عليها بغير خلاف، وإنما وردت الرواية في الرجل، وأجمع
~~عليها أصحابنا دون المرأة، والقياس باطل عندنا.
# ولا يجوز للمرأة أن تلطم وجهها في مصاب، ولا تخدشه، ولا تجز شعرها، فإن
~~جزته فإن عليها كفارة قتل الخطأ، وقد قدمنا شرحها (3) على ما رواه أصحابنا،
~~فإن خدشت وجهها حتى تدميه، كان عليها كفارة يمين، فإن لطمت وجهها استغفرت
~~الله تعالى، ولا كفارة عليها أكثر من الاستغفار.
# ومن وجبت عليه كفارة مرتبة فعجز عن الرقبة، فانتقل إلى الصوم، فصام شيئا،
~~ثم وجد الرقبة لم يلزمه الرجوع إليها، وجاز له البناء على الصوم، فإن رجع
~~إلى الرقبة، كان ذلك الفضل له.
# ومن ضرب مملوكا له فوق الحد، كانت كفارته أن يعتقه، على ما روي (4) في
~~PageV03P078
# بعض الأخبار، أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (1).
# ولا دليل ms1158 على ذلك من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع والأصل براءة
~~الذمة من العتق، وبقاء الرق، فمن ادعى سوى ذلك يحتاج إلى دليل.
# وروي (2) أنه إن قتل، كان عليه عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو
~~إطعام ستين مسكينا، وعليه التوبة مما فعل أورد ذلك شيخنا في نهايته (3).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله، أما ما ذكره شيخنا أبو جعفر، فغير واضح،
~~ولا مستمر على أصل مذهبنا، لأنه إن كان القتل للعبد عمدا محضا، فالصحيح أنه
~~يجب على السيد القاتل كفارة قتل العمد المحض، وهي الثلاثة الأجناس على
~~الجمع، وإن كان قتله له خطأ، فالواجب كفارة قتل الخطأ المرتبة، دون الخيرة
~~فيها، وما أورده شيخنا في كتابه على التخيير، دون الترتيب، فإن فرضنا أنه
~~قتله عمدا محضا فما يصح ما أورده رحمه الله، وإن كان قتله خطأ فما يستقيم
~~أيضا ما ذكره.
# PageV03P079
# كتاب الصيد والذبائح PageV03P081
# كتاب الصيد والذبايح قال الله تعالى " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا
~~لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " (1) فأباح تعالى صيد
~~البحر مطلقا لكل أحد، وأباح صيد البر إلا في حال الإحرام.
# وقال تعالى " أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد
~~وأنتم حرم " (2).
# وقال " يسئلونك ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح
~~مكلبين " (3) إلى قوله " فكلوا مما أمسكن عليكم " (4) وهذه أبين آية في
~~كتاب الله في الاصطياد وأكل الصيد، لأنها أفادت جواز تعليم الجوارح
~~للاصطياد، وأكل ما تصيد وتقتل، إذا كان معلما، لأنه لو لم يقتله لما جاز
~~أكله، حتى يذكى، معلما كان أو غير معلم.
# وأيضا على ذلك إجماع الأمة.
# فأما ما يجوز الاصطياد به، فعندنا لا يجوز الاصطياد بشئ من الجوارح إلا
~~الكلب المعلم فقط، دون ما عداه، سواء كان من جوارح السباع، أو جوارح الطير،
~~يدل على صحة ما قلناه بعد إجماعنا، قوله تعالى " وما علمتم من الجوارح
~~مكلبين " وهذا نص صريح على أنه لا يقوم مقام الكلاب في ms1159 هذا الحكم غيرها،
~~لأنه تعالى لو قال وما علمتم من الجوارح ولم يقل مكلبين، لدخل في هذا
~~الكلام كل جارح من
# PageV03P082
# طير وبهيمة، ذي ظفر، وناب ومخلب، وإنما أتى بلفظ مكلبين، وهي تخص الكلاب،
~~لأن المكلب، هو صاحب الكلاب بلا خلاف بين أهل اللغة، فعلمنا أنه تعالى لم
~~يرد بالجوارح جميع ما يستحق هذا الاسم، وإنما أراد بالجوارح الكلاب خاصة،
~~ويجري ذلك مجرى قولهم ركب القوم مهاريهم، مبقرين، أو مجمزين، فإنه لا يحمل
~~وإن كان اللفظ الأول عاما، إلا على ركوب البقر والجمازات، وليس لأحد أن
~~يقول المكلب المضري، والممرن، والمغرى قلنا (1) هذه لفظة عربية مشتقة من
~~الكاف واللام والباء، فلا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز، ولا يتكلم فيهما
~~طريقة اللغة، إلا أهلها.
# قال طفيل الغنوي:
# " تباري مراخيها الزجاج كأنها * ضراء أحست تباءة من مكلب " يصف خيلا
~~والمراخي جمع مرخاء، وهي السريعة العدو، والزجاج جمع زج، والضراء جمع ضروة،
~~وهي الكلبة.
# وقال النابغة: فارتاع من صوت كلاب.
# وإنما يكون معلما بثلاث شرايط، أحدها إذا أرسلته استرسل، وثانيها إذا
~~زجرته انزجر، وثالثها لا يأكل مما يمسكه، ويتكرر هذا منه دفعات، حتى يقال
~~في العادة إنه معلم.
# ثم يكون مرسله ممن يعتقد وجوب التسمية عند إرساله، ويسمي إذا أرسله.
# فإن أكل الكلب منه نادرا فلا بأس بأكل الباقي، وإن كان الأكل عادة له فلا
~~يجوز أكل ما قتله.
# وأما إذا استرسل بنفسه، فإن وجده وفيه حياة مستقرة، لم يحل حتى يذكيه
~~معلما كان أو غير معلم، وإن قتله فلا يحل أيضا، فكأنه إنما يحل في موضع
~~واحد، وهو إذا أرسلته فقتله وهو معلم، لدليل الآية.
# إذا أرسل المسلم آلته على صيد وأرسل المجوسي، أو أي كافر كان، آلته أيضا
# PageV03P083
# على ذلك الصيد، مثل أن أرسلا كلبين، أو سهمين أو أحدهما كلبا والآخر
~~سهما، فأصاباه وقتلاه، حرم أكله بلا خلاف، ولا فصل بين أن يقع السهمان دفعة
~~واحدة أو واحدا بعد الآخر، إذا كان القتل منهما، فأما إن صيره الأول في حكم
~~المذبوح، ms1160 ثم رماه الآخر، مثل أن قطع الأول الحلقوم والمرئ والودجين، ثم
~~رماه الآخر، فالأول ذابح، والآخر جارح، فيكون الحكم للأول، فإن كان الأول
~~مجوسيا، لم يحل أكله، وإن كان مسلما والثاني مجوسيا، حل أكله، لأن الحكم
~~للأول.
# فأما إن أرسلا معا فوجدا الصيد قتيلا، فلم يعلم أي الكلبين قتله، حرم
~~أكله.
# فإن أرسلا معا كلبا واحدا، فقتل، حرم أكله.
# فإن كان مع مسلم كلبان، فأرسلهما وأحدهما معلم، والآخر غير معلم، لم يحل
~~أكله وإن كان معه كلبان أرسل أحدهما، ولم يرسل الآخر، واسترسل الآخر بنفسه،
~~حرم أكل ما قتلاه.
# فإن أرسل مسلم كلبه، ومجوسي كلبه، فأدركه كلب المجوسي، فرده إلى كلب
~~المسلم، فقتله كلب المسلم، وحده، حل أكله.
# إذا غصب رجل آلة فاصطاد بها، كالسهم أو الكلب، كان الصيد للصياد دون صاحب
~~الآلة وعلى الغاصب أجرة المثل في تلك الآلة.
# فإذا اصطاد بالكلب صيدا، فعضه الكلب. وجرح موضعا منه، كان موضع العضة
~~نجسا، لأن سؤر الكلب ولعابه نجس، وما ماسه نجس بغير خلاف بيننا، فأما قوله
~~تعالى " فكلوا مما أمسكن عليكم " (1) ولم يأمر بالغسل، مرجوع عن ظاهره
~~بالإجماع المقدم ذكره.
# واختار شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه (2) قول بعض المخالفين أنه لا يجب
~~غسلة ولا يكون نجسا.
# إلا أنه رجع عنه في مبسوطه (3).
# PageV03P084
# إذا شرب الكلب المعلم من دم الصيد، ولم يأكل من لحمه، لم يحرم، لقوله
~~تعالى " فكلوا مما أمسكن عليكم " وقد ثبت أن المراد بذلك أن لا يأكل منه،
~~لأنه لو أكل لكان ممسكا على نفسه دون صاحبه.
# إذا عقر الكلب المعلم الصيد عقرا، لم يصيره في حكم المذبوح، وغاب الكلب
~~والصيد عن عينه ثم وجده ميتا، لم يحل أكله، فإن كان قد صيره في حكم
~~المذبوح، بأن قطع المري والحلقوم والودجين، أو قطعه نصفين، فإنه يحل أكله،
~~لأنا نعلم أنه قتله.
# إذا أدركه، وفيه حياة مستقرة، لكنه في زمان لم يتسع لذبحه، أو كان
~~ممتنعا، فجعل يعدو خلفه، فوقف له، وقد بقي من حياته زمان لا يتسع ms1161 لذبحه، لا
~~يحل أكله (1).
# إذا أرسل كلبه المعلم، وسمى عند إرساله على صيد بعينه، فقتل غيره، حل
~~أكله.
# وكذلك إن أرسله في جهة، فعدل عن سمته إلى جهة غيرها، وقتل، حل أكله.
# إذا رمى سهما أو حربة، ولم يقصد شيئا، فوقع في صيد فقتله، أو رمى شخصا
~~فوقع في صيد فقتله، لا يحل ذلك، ولا يجوز أكله بحال، لأنه لم يسم، وقد
~~دللنا على وجوب التسمية.
# إذا رمى سهما، وسمى، فوقع على الأرض، ثم وثب بالاعتماد الأول فأصاب الصيد
~~فقتله، حل أكله.
# إذا قطع الصيد بنصفين، وخرج منهما الدم، حل أكل الكل بلا خلاف، وإن كان
~~الذي مع الرأس أكثر، حل الذي مع الرأس دون الباقي، وإن كان الذي مع الوركين
~~أكثر، حل الجميع أيضا، هكذا ذكره شيخنا أبو جعفر في سائل خلافه
# PageV03P085
# ومبسوطه (1) وهو قول بعض المخالفين.
# والذي ينبغي تحصيله في ذلك، أن الجميع يحل، سواء كان الذي مع الرأس أكثر،
~~أو أقل، إذا لم يكن قد بقي مع الذي مع الرأس حياة مستقرة، لأنهما جميعا
~~مذبوحان. ميتان، مقتولان، وأما إذا كان الذي مع الرأس فيه حياة مستقرة، فلا
~~يجوز أكل الباقي، لأنه أبين من حي، فهو ميتة، لأن كل ما أبين من الحي، وقطع
~~منه، والحي على حياته، فهو ميتة، فأما إذا لم يقطع من حي، بل كلاهما غير
~~حي، بل صيد مقتول، فلا يحرمان.
# إذا اصطاد المسلم بكلب علمه مجوسي، حل أكل ما قتله، وبه قال جميع
~~الفقهاء.
# إذا كان المرسل كتابيا، لم يحل أكل ما قتله.
# إذا كان المرسل مجوسيا أو وثنيا، لم يحل أكل ما اصطاده بلا خلاف، وإن كان
~~أحد أبويه مجوسيا أو وثنيا والآخر كتابيا لم يجز أيضا عندنا.
# كل حيوان مقدور على ذكاته، إذا لم يقدر عليه، بأن يصير مثل الصيد، أو
~~يتردى في بئر، فلا يقدر على موضع ذكاته، كان عقره ذكاته في أي موضع وقع
~~منه.
# لا تحل التذكية بالسن، ولا بالظفر، سواء كان متصلا أو منفصلا، فإن خالف
~~وذبح ms1162 لم يحل أكله، هكذا ذكره شيخنا في مسائل خلافه (2).
# والذي ينبغي تحصيله في هذا الإطلاق، فإن كان ذلك في حال الاختيار، فهو
~~على ما قال فهو صحيح، وإن كان في حال الاضطرار، فغير صحيح، بل عندنا بلا
~~خلاف بيننا أنه تجوز الذباحة في حال الاضطرار وعند تعذر الحديد بكل شئ يفرى
~~الأوداج، سواء كان ذلك عظما، أو حجرا، أو عودا، أو غير ذلك، وإنما بعض
~~المخالفين يذهب إلى أن ذلك لا يجوز الذبح بالسن والظفر في حال الاضطرار،
# PageV03P086
# والاختيار، واستدل بخبر رواه المخالف من طرقهم (1) وما رواه أحد من
~~أصحابنا، فليلحظ ذلك، ولا يظن أنه قولنا.
# لا تحل ذبايح أهل الكتاب اليهود والنصارى.
# ولا يجوز الذكاة في اللبة، إلا في الإبل خاصة، فأما البقر والغنم فلا
~~يجوز ذبحهما إلا في الحلق، فإن ذبح الإبل ونحر البقر والغنم لم يحل أكله.
# إذا ملك صيدا فأفلت منه، لم يزل ملكه عنه، طايرا كان أو غير طائر، لحق
~~بالبرادى أو لم يلحق، لأنه قد ثبت ملكه قبل الإفلات بلا خلاف، ولا دليل على
~~زواله فيما بعد، وعلى من ادعى ذلك الدلالة.
# إذا قتل المحل صيدا في الحل، لا جزاء عليه، سواء كان منشأة في الحل، ولم
~~يدخل الحرم، أو دخل الحرم وخرج إلى الحل، أو كان منشأه في الحرم، فخرج إلى
~~الحل.
# وصيد السمك أخذه وإخراجه من الماء حيا، وكذلك إن وجده الإنسان على الجدد،
~~فأخذه حيا، ولا تكفي مشاهدته له دون أخذه ولمسه، سواء كان من أخرجه وأخذه
~~مسلما أو كافرا من أي أجناس الكفار كان، لأنه لا يراعى في صيده وجوب
~~التسمية، إلا أن ما يصيده غير المسلم لا يجوز أكله، إلا إذا شوهد إخراجه له
~~من الماء حيا، سواء مات في يده بعد إخراجه، أو أخذه المسلم منه وهو حي.
# وذهب شيخنا أبو جعفر في استبصاره، لما أورد الأخبار، وتأولها لما وردت
~~عامة، بأنه لا بأس بصيد المجوس، إلى أن قال فالوجه في هذه الأخبار، أن
~~نحملها على أنه لا ms1163 بأس بصيد المجوس إذا أخذه الإنسان منهم حيا قبل أن يموت،
~~ولا يقبل قولهم في إخراج السمك من الماء حيا، لأنهم لا يؤمنون على ذلك
~~معتمدا على خبر، رواه الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن أبان عن عيسى بن عبد
~~الله، قال سألت
# PageV03P087
# أبا عبد الله عليه السلام عن صيد المجوس، فقال لا بأس إذا أعطوكاه أحياء
~~(1) والسمك أيضا، وإلا فلا تجز شهادتهم، إلا أن تشهده (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله، وهذا تخصيص منه رحمه الله، للعموم، بخبر
~~واحد، وقد بينا أن أخبار الآحاد لا توجب علما ولا عملا، وأيضا فالخبر الذي
~~خصص به واعتمد عليه، هو دليل الخطاب، لأنه قال لا بأس إذا أعطوكاه حيا، ولم
~~يقل إذا شاهدت إخراجهم له حيا، وأخذته منهم بعد ذلك ميتا لا يجوز أكله، وقد
~~يترك دليل الخطاب لدليل آخر، وإجماعنا منعقد، أن صيد السمك، أخذه وإخراجه
~~من الماء حيا، ولا يراعى فيه وجوب التسمية.
# والأولى لشيخنا، إنه كان يتأول ما شذ من الأخبار، على أنه إذا صاده
~~المجوس وجميع الكفار، لا يجوز أكله إلا إذا شاهد المسلم إخراج الكافر السمك
~~حيا من الماء، سواء مات في يده بعد إخراجه، أو أخذه المسلم منه وهو حي،
~~بخلاف صيد المسلم له، لأن صيد المسلم يحل سواء شاهد إخراجه حيا أو لم
~~يشاهد، ويقبل قوله في ذلك، سواء كان محقا أو مبطلا، والكفار لا يقبل قولهم
~~في ذلك، كما ذهب إلى هذا القول في نهايته (3). وهذا وجه صحيح في تأويل
~~الأخبار، مستمر على قاعدة النظر وأصل المذهب.
# وهو الذي يذهب إليه المحصلون من أصحابنا، وهو أنه لا خلاف بينهم قديما
~~وحديثا في أن صيد السمك لا يراعى فيه التسمية، بل الحال التي يحل معها
~~أكله، أن يخرجه آدمي من الماء حيا، أو يأخذه من غير الماء وهو حي، سواء
~~أخذه أو أخرجه مسلم أو كافر، من أي أجناس الكفار كان، إلا أن ما يخرجه غير
~~المسلم يراعى فيه المشاهدة له، وقد أخذه حيا، ولا ms1164 يقبل قوله في أنه أخرجه
~~من الماء حيا، والمسلم يقبل قوله في ذلك، سواء كان المسلم محقا أو مبطلا،
~~فهذا فرق ما بين المسلم والكافر.
# PageV03P088
# وقد حقق ذلك السيد المرتضى في الناصريات (1).
# فأما من تمسك وذهب إلى تحريم أكل السمك والجراد إذا صادهما الذمي والمسلم
~~غير المحق، يعول على أن صيدهما هي ذكاتهما، وإن العذر قد انقطع بأن غير
~~المحق لا ذكاة له، ولا تؤكل ذبيحته.
# فأقول إن آخذ السمك وإخراجه من الماء حيا ليس بذكاة على الحقيقة، وإنما
~~أجرى مجرى الذكاة في الحكم، لا في وقوع الاسم، وإذا وقع التحريم بتذكية غير
~~المحق، وأنه لا ذكاة له، فإنما يدخل في ذلك ما يكون حقيقة من الذبح وفري
~~الأوداج، وما لا يكون حقيقة ويسمى بهذه التسمية، جاز أن لا يدخل في الظاهر
~~إلا بدليل، فعلى من ادعى دخول صيد غير المحق السمك والجراد تحت تحريم ذكاة
~~المبطل، الدليل.
# وقد رجع شيخنا أبو جعفر عما ذكره في استبصاره، إلى ما ذهبنا إليه في
~~مبسوطه، وحقق ذلك في نهايته، على ما قدمناه وبيناه أولا، وحكيناه (2).
# قال في مبسوطه، إذا اصطاد السمك من لا يحل ذبيحته، كالمجوسي والوثني، حل
~~أكله بلا خلاف، غير إنا نعتبر أن نشاهده، وقد أخرجه حيا ولا نصدقه على ذلك،
~~لأنه يجوز أن يكون مات في الماء، وعندنا لا يجوز أكل ذلك، وكذلك ما اصطاده
~~اليهودي والنصراني من السمك، والفرق بين صيد السمك والذبيحة على مذهبنا، أن
~~صيد السمك لا يراعى فيه التسمية، والذباحة يجب فيها التسمية، فلا جل ذلك لم
~~يصح منهما، هذا آخر كلامه (3) رحمه الله، فتدبره واعتبره.
# وأيضا لو كان صيد السمك ذكاة حقيقة لما قال الرسول عليه السلام لما سئل
~~عن ماء البحر، فقال " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته " (4) فأحل ميتته فلو كان
# PageV03P089
# صيده ذكاة حقيقة لما أطلق عليه اسم الميتة، لأن الحيوان المذكى لا يسمى
~~ميتة في عرف الشرع، ولما قال أمير المؤمنين عليه السلام، عند سؤال السائل
~~له عن دم السمك، فقال " لا ms1165 بأس بدم ما لم يذك " (1) فبان بذلك ما نبهنا
~~عليه، وأدل دليل على جواز أكل صيد غير المحق مع المشاهدة له، السمك وقد
~~أخرجه من الماء حيا، وإن مات في يده، وإن صيد السمك ليس بذكاة حقيقة، وإنما
~~أجرى مجرى الذكاة الحقيقية في الحكم، لا في وقوع الاسم، إجماع أصحابنا
~~المحصلين على أن الشاة المذكاة، يحرم منها أربعة عشر شيئا، وإجماعهم على أن
~~السمك لا يحرم منه شئ فلو كان صيده ذكاة حقيقية لحرم منه ما يحرم من الشاة
~~المذكاة ذكاة حقيقية، وأحد لا يقول بذلك.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وإذا نصب الإنسان شبكة في الماء يوما
~~وليلة، أو ما زاد على ذلك، ثم قلعها وقد اجمتع فيها سمك كثير، جاز له أكل
~~جميعه، وإن كان يغلب على ظنه، أن بعضه مات في الماء، لأنه لا طريق له إلى
~~تمييزه من غيره، فإن كان له طريق إلى تمييز ما مات في الماء مما لم يمت فيه
~~لم يجز له أكل ما مات فيه، وكذلك ما يصاد في الحظائر ويجتمع فيها، جاز أكل
~~ذلك جميعا مع فقد الطريق إلى تمييز الميت من الحي (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله هذه رواية أوردها رحمه الله إيرادا، لا
~~اعتقادا، وتحرير ذلك أن الإنسان متى نصب الشبكة، ووقع فيها السمك، وأخذه
~~منها وهو حي، فإنه حلال، وإن أخذه وهو ميت، فلا يجوز أكله بحال، لأنا
~~أجمعنا على أن ما يموت من السمك في الماء فإنه حرام، وهذا إجماع منعقد من
~~أصحابنا، فلا يجوز أن نرجع عنه بأخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا.
# وإذا صيد سمك، وجعل في شئ وأعيد في الماء، فمات فيه، لم يجز أكله،
# PageV03P090
# وإن أعيد إلى غير الماء حتى يموت فيه، فلا بأس بأكله، والفرق بين
~~الأمرين، إن في الأول مات فيما فيه حياته، والثاني مات فيما ليس فيه حياته.
# وروي (1) أنه يكره صيد السمك يوم الجمعة قبل الصلاة.
# ويكره صيد الوحش والطير بالليل.
# ويكره أخذ الفراخ ms1166 من أعشاشهن، وأوكارهن، وليس ذلك بمحظور.
# والطير إذا كان مالكا جناحيه، فلا بأس بصيده بسائر الآت الصيد، ما لم
~~يعرف له صاحب، فإن عرف له صاحب فلا يجوز اصطياده، فإن اصطيد وجب رده على
~~صاحبه.
# والمقصوص الجناح لا يجوز أخذه، لأن له صاحبا فإن أخذه كان حكمه حكم
~~اللقطة في جميع أحكامها.
# ولا يؤكل من الطير ما يصاد بسائر أنواع الآت الصيد، إلا ما أدرك ذكاته،
~~إلا ما يقتله السهم، ويكون مرسله قد سمى عند إرساله، أو ترك التسمية ساهيا،
~~مع اعتقاده لوجوبها، فإن لم يكن صاحبه قد سمى، أو صيد بالبندق، - وهو
~~الجلاهق وهو الطين المدور، يرمى به عن القوس، فارسي وأصله بالفارسية "
~~جلاهة " الواحدة جلاهقة وجلاهقتان، وليس الجلاهق، القسي، كما يظنه بعض
~~الناس.
# وقال شيخنا المفيد في مقنعته، ورمي الجلاهق، وهي قسي البندق، حرام -،
~~والصحيح ما ذكرناه، فإنه قول اللغويين، ذكره ابن الجواليقي، في المغرب،
~~وذكره أيضا الجوهري في كتاب الصحاح، والاعتماد على أهل اللغة في ذلك، فإنهم
~~أقوم به أو المعراض، وهو سهم بلا ريش، ولا نصل، ويصيب بعرض عوده، دون حده،
~~ومنه حديث عدي، أنه قال: إني أرمى بالمعراض فيخرق، فقال رسول الله صلى الله
~~عليه وآله: إن خرق فكل، وأن أصاب بالعرض، فلا تأكل (2)، هذا قول الهروي،
# PageV03P091
# في غريب الحديث، وقال ابن فارس، صاحب مجمل اللغة: المعراض سهم طويل، له
~~أربع قذذ دقاق، فإذا رمى به اعترض، وكذلك ما يقتله الحجارة، وما أشبه ذلك،
~~فمات منه لم يجز أكله.
# وإذا رمى إنسان طيرا بسهم، فأصابه وأصاب فرخا لم ينهض بعد، فأصابهما
~~وقتلهما، جاز أكل الطير، لأنه صيد، ولم يجز أكل الفرخ الذي لم ينهض، لأنه
~~ليس بصيد، وهو مقدور عليه، فلا يكون حكمه حكم الصيد.
# وإذا قتل الصيد بسهم يصيبه، ولا يكون فيه حديدة، لم يجز أكله، فإن كان
~~فيه حديدة، غير أنه أصابه معترضا فقتله، جاز أكله.
# ولا يجوز أن يرمي الصيد بشئ أكبر منه، فإن رمى بشئ أكبر منه فقتله، لم
~~يجز له ms1167 أكله، على ما روي (1) في الأخبار.
# وإذا لم يكن مع الصايد سهم فيه حديدة، ومعه سهم حاد ينفذ ويخرق - بكسر
~~الراء - جاز أكل ما يصيده به إذا خرق، فإذا لم يخرق، لم يجز أكله.
# وصيد الوحش يجوز بسائر آلات الصيد، من الجوارح والسباع، والمصايد،
~~والحبالات، إلا أنه لا يجوز أكل شئ من ذلك عند أصحابنا، إلا ما أدرك
~~الإنسان ذكاته، إلا الكلب خاصة، على ما تقدم بيانه وتحريره (2).
# وروى (3) أصحابنا أن أدنى ما يلحق معه الذكاة، أن يجده تطرف عينه، أو
~~تتحرك يده، أو رجله، أو ذنبه.
# وإذا أخذ الكلب المعلم صيدا، فأدركه صاحبه حيا، وجب أن يذكيه، فإن لم يكن
~~معه ما يذكيه به، فليتركه حتى يقتله، ثم ليأكل إن شاء، هكذا أورده شيخنا
# PageV03P092
# في نهايته (1).
# والأولى عندي أنه يجب عليه أن يذكيه، فإن لم يكن معه ما يذكيه به فلا يحل
~~أكله إذا قتله الكلب بعد ذلك، لأنه ليس بصيد الكلب بعد القدرة عليه، لأنه
~~غير ممتنع، بل هو مقدور عليه، وهو بمنزلة الغنم.
# إذا لم يكن مع الإنسان ما يذكيه ويذبحه به ومعه كلب، فلا يجوز له أن يدع
~~الكلب يذبحه بلا خلاف، لأنه ليس بصيد، هذا الذي يقتضيه أصول المذهب، وإنما
~~أورد هذا الخبر شيخنا (2) إيرادا، لا اعتقادا، كما أورد أمثاله مما لا يعمل
~~عليه في هذا الكتاب.
# وإذا انفلت كلب، فصاد من غير أن يرسله صاحبه، وسمى، لم يجز أكل ما يقتله.
# ومن نسي التسمية عند إرسال الكلب، وكان معتقدا لوجوب ذلك، جاز أكل ما
~~يقتله.
# ولا يجوز أن يسمي غير الذي يرسل الكلب، فإن أرسل واحد الكلب وسمى غيره،
~~لم يجز أكل ما يقتله.
# ومن شرط أكل ما يقتله الكلب خاصة، أن لا يغيب عن العين، فإذا غاب عن
~~العين، ثم وجد مقتولا، لم يجز أكل ما يقتله، هكذا أورده شيخنا في نهايته
~~(3).
# والذي تقتضيه الأدلة أن يقال، هذا يكون إذا عقره عقرا، لم يصيره في حكم
~~المذبوح، فأما إذا عقره عقرا يصيره في ms1168 حكم المذبوح، بأن أخرج حشوته، أو فلق
~~قلبه، أو قطع الحلقوم، والمرئ، والودجين، ثم غاب عن العين بعد ذلك، فإنه
~~يحل أكله، وإلى هذا التحرير والتفصيل يذهب رحمه الله في مسائل خلافه (4).
# PageV03P093
# فأما السهم، فإن غاب عن العين، وكان قد جعله السهم في حكم المذبوح، بأن
~~قطع الحلقوم والمري والودجين، أو جميع الرقبة، ما خلا الجلد، أو أبان السهم
~~حشوته - بكسر الحاء - يعني جميع ما في بطنه، وما أشبه ذلك، فلا بأس بأكله،
~~فأما إن كان بخلاف ذلك، فلا يجوز أكله، لأن في الأول يقطع على أن سهمه
~~القاتل له، والثاني لا قطع معه، وبهذا وردت الأخبار (1) عن الأئمة الأطهار
~~عليهم السلام، وأصول المذهب أيضا تقتضيه.
# فإن أصاب الصيد سهم فتدهده من جبل، أو وقع في الماء، ثم مات فعلى ما
~~فصلناه من الاعتبار.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وإذا أصاب الصيد سهم، فتدهده من جبل، أو
~~وقع في الماء، ثم مات لم يجز أكله، لأنه لا يأمن من أن يكون قد مات في
~~الماء، ومن وقوعه من الجبل (2).
# والأصل ما قدمناه من الاعتبار، لأن شيخنا علل القول، لأنه قال لا يأمن أن
~~يكون قد مات في الماء، ومن وقوعه من الجبل، ونحن فقد أمنا إذا وجدناه على
~~الصفة المقدم ذكرها، من كونه في حكم المذبوح، فأما إذا لم يكن كذلك، فالقول
~~ما قاله رحمه الله.
# وقال في مبسوطه، إذا رمى طائرا فجرحه، فسقط على الأرض، فوجد ميتا، حل
~~أكله، سواء مات قبل أن يسقط، أو بعد ما سقط، وقال بعضهم، إذا مات بعد ما
~~سقط، لم يحل أكله، لأن سقوطه على الأرض، قبل موته، فقد أعانت السقطة على
~~قتله، فقد مات من مبيح وحاظر، فغلبنا حكم الحظر، كما لو سقط في الماء، وهذا
~~أليق بمذهبنا، فأما إن سقط عن الإصابة في ماء، أو تردى من جبل، أو وقع على
~~شجرة، فتردى منها إلى الأرض، لم يحل أكله، لقوله تعالى: " والمنخنقة
~~والموقوذة
# PageV03P094
# والمتردية " (1) فما وقع في الماء، فالماء يخنقه، ms1169 وما وقع على الجبل ثم
~~تردى، فهو المتردية، هذا إذا كان الجرح غير موحى، فأما إن كان الجرح قاتلا
~~موحيا، مثل أن وقع السلاح في حلقه، فذبح، أو في قلبه، أو في كبده فقتله، حل
~~أكله بكل حال، لأنه صار مذكى، فلا يقدح فيه ما وراء ذلك، كما لو ذبح شاة،
~~ثم وقعت في الماء، فماتت فيه، فإنه يحل أكلها، هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر
~~في مبسوطه (2).
# وقال شيخنا في نهايته، وإذا طعن الصيد برمح، أو ضربه بسيف، فقتله ويكون
~~قد سمى جاز له أكله، فإن قده بنصفين، ولم يتحرك واحد منهما، جاز له أكلهما،
~~إذا خرج منهما الدم، وإن تحرك أحد النصفين، ولم يتحرك الآخر، أكل الذي
~~تحرك، ورمى ما لم يتحرك (3).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله إذا سال الدم منهما، أكلهما جميعا ما يتحرك،
~~وما لم يتحرك.
# وذهب شيخنا في مسائل خلافه، إذا قطع الصيد بنصفين، حل أكل الكل، بلا
~~خلاف، وإن كان الذي مع الرأس أكثر، حل الذي مع الرأس دون الباقي (4).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله الاعتبار بما مع الرأس إذا لم يكن فيه حياة
~~مستقرة، فإذا كان كذلك حل الجميع، وإن كان الذي مع الرأس فيه حياة مستقرة،
~~فلا يؤكل ما عداه مما أبين منه. لأنه أبين من حي، وما أبين من حي فهو ميتة،
~~فأما إذا لم يكن فيه حياة مستقرة، فما هو مما أبين من حي، فيؤكل الجميع،
~~وشيخنا استدل على تحريمه بأنه أبين من حي، ولم يفصل ما فصلناه، ولا حرر ما
~~حررناه، فلتلحظ ما بيناه بعين الإنصاف، تجده واضحا جليا.
# وإن قطع منه قطعة بسيف، أو أخذت الحبالة منه ذلك، فليرم بالقطعة، وليذكي
~~الباقي ويأكله.
# PageV03P095
# وإذا أخذ الصيد جماعة فتناهبوه، وتوزعوه قطعة قطعة، جاز أكله بشرط إنهم
~~جميعا صيروه في حكم المذبوح، أو أولهم، فإن كان الأول منهم لم يصيره في حكم
~~المذبوح، بل أدرك وفيه حياة مستقرة، يعيش اليوم واليومين، ولم يذكوه في
~~موضع ذكاته الشرعية، بل ms1170 تناهبوه، وتوزعوه من قبل ذكاته، فلا يجوز لهم أكله،
~~لأنه صار مقدورا على ذكاته، ولم يصر في حكم الصيد الذي لا يعتبر في قتله
~~وتحليله موضع ذكاته، لأنه غير مقدور عليه، فيذكى في أي موضع كان من جسده،
~~فليلحظ ذلك.
# ومتى رمى الإنسان صيدا بعينه، وسمى، فأصاب غير ما رماه فقتله، جاز أكله.
# وإذا وجد لحما لا يعلم أذكي هو أم ميت، فليطرحه على النار، فإن انقبض فهو
~~ذكي، وإن انبسط فليس بذكي.
# وقد قدمنا (1) إن صيد الجراد أخذه ولا يراعى فيه التسمية.
# ولا يجوز أن يؤكل من الجراد ما مات في الماء أو الصحراء، قبل أن يؤخذ،
~~ولا ما يحرق في الشجر قبل التناول له، وعلى هذا التحرير إذا كان الجراد في
~~أجمة، أو قراح، فأحرق الموضع، فاحترق الجراد، لم يجز أكله.
# ولا يؤكل منه الدباء بفتح الدال، وهو الذي لا يستقل بالطيران، لأنه ليس
~~بصيد قبل نهوضه.
# باب ما يستباح أكله من ساير أجناس الحيوان وما لا يستباح الحيوان على
~~ضروب، منها ما يكون في الحضر خاصة، ومنها ما يكون في البر، ومنها ما يكون
~~في البحر وكل واحد من هذه الأجناس ينقسم أقساما ثلاثة قسم منها مباح طلق
~~بكسر الطاء - وقسم مكروه، وقسم محظور.
# فأما حيوان الحضر، فالإبل، والبقر، والغنم، فإنها أجمع مباحة، ويجوز
~~استعمالها
# PageV03P096
# وأكلها على كل حال، إلا ما كان منها جلالا، وهو الذي يكون غذاؤه أجمع
~~الجلة بفتح الجيم وتشديد اللام، وهي عذرة بني آدم فإنه محظور لا يجوز أكله.
# وحد الجلال الذي لا يجوز أكله إلا بعد الاستبراء، هو أن يكون غذاؤه أجمع
~~عذرة الإنسان، لا يخلطها بغيرها على ما قدمناه (1)، وإذا كان مخلطا، يأكل
~~العذرة وغيرها، فإن لحمه مكروه، وليس بمحظور.
# ويستبرء الجلال، الإبل منه بأربعين يوما، يربط ويعلف علقا مباحا حتى يزول
~~عنه حكم الجلل، والبقر منه بعشرين يوما كذلك، والشاة بعشرة أيام، والبطة
~~بخمسة أيام، والدجاجة بثلاثة أيام، والسمك بيوم واحد.
# وقد روي (2) أنه إذا شرب شئ من هذه الأجناس ms1171 خمرا، ثم ذبح جاز أكل لحمه
~~بعد أن يغسل بالماء، ولا يجوز أكل شئ مما في بطنه، ولا استعماله، والأولى
~~حمل هذه الرواية على الكراهية دون الحظر، لأنه لا دليل على تحريم ذلك من
~~كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع، والأصل الإباحة.
# وإذا رضع شئ من هذه الأجناس من خنزيرة، حتى اشتد على ذلك، لم يجز أكل
~~لحمه.
# وروي (3) أنه لا يجوز أيضا أكل ما كان من نسله.
# وإن كان شربه من الخنزيرة دفعة أو دفعتين، ولم يشتد على ذلك، كان أكل
~~لحمه مكروها غير محظور، إلا أنه يستبرأ بسبعة أيام، على ما روي في الأخبار
~~(4) إن كان مما يأكل العلف كسبا، وغيره أطعم ذلك، وإن لم يكن مما يأكل
~~العلف، سقي من لبن ما يجوز شرب لبنه سبعة أيام.
# وروي (5) أنه إذا شرب شئ من هذه الحيوانات بولا، ثم ذبح، لم يؤكل ما في
~~بطنه إلا بعد غسله بالماء.
# PageV03P097
# ومتى شرب شئ من ذلك من لبن امرأة واشتد على ذلك كره أكل لحمه، ولم يكن
~~محظورا.
# فأما الخيل والبغال والحمير، فإن لحمها مكروه عند أصحابنا، وليس بمحظور،
~~وإن كان بعضه أشد كراهة من بعض، لأن لحم البغل أشد كراهة من لحم الحمار،
~~ولحم الحمار أشد كراهة من لحم الخيل، ولحم الخيل أدونهن كراهية.
# وذهب بعض أصحابنا إلى أن أشد ذلك كراهية لحم الحمار.
# فإن جل واحد من هذه الأجناس الثلاثة، كان لحمه محظورا، إلا أن يستبرأ،
~~ولم يرد حد في مدة استبراء شئ من ذلك.
# والذي ينبغي أن يعول عليه، أنه يستبرأ بمدة تخرجه من اسم الجلل، بأن يصير
~~غذاؤه أجمع مما يجوز أكله من المباحات، بعد إن كان قد صار غذاؤه أجمع عذرة
~~الإنسان، بحيث يزول عنه اسم الجلل، بأن لا يسمى جلالا، لأنه لم يصر غذاؤه
~~أجمع عذرة الإنسان، فليلحظ ذلك فهذا تحرير فقهه.
# ولا يجوز أكل لحم الفيل.
# ومن وطي شيئا من الأجناس التي يحل أكل لحمها، حرم ذلك لحمها ولحم ما كان
~~من نسلها، ms1172 على ما رواه (1) أصحابنا، ووجب إحراقها بالنار، فإن اختلطت
~~بغيرها واشتبهت، استخرجت بالقرعة، بأن يقسم القطيع قسمين، ويقرع على كل
~~واحد منهما، ثم يقسم ذلك أبدا، إلى أن لا تبقى إلا واحدة.
# وأما حيوان البحر، فلا يستباح أكل شئ منه إلا السمك خاصة، والسمك يؤكل
~~منه ما كان له فلس، وهو القشر، فأما ما لم يكن له قشر، وإن انطلق عليه اسم
~~السمك فلا يحل أكله، فعلى هذا التحرير، الجري - بكسر الجيم - والراء
~~وتشديدها و تشديد الياء أيضا، لا يجوز أكله وكذلك الجريث - بكسر الجيم -
~~أيضا وتشديد الراء وكسرها فلا يجوز أكله.
# ولا يجوز أكل الطافي وهو الذي يموت في الماء فيطفو عليه.
# PageV03P098
# وكذلك لا يجوز أكل المارماهي، ولا الزمار والزهو بالزاء المعجمة، لأنه لا
~~قشر له، ولا هو سمك.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وأما المارماهي والزمار، والزهو، فإنه
~~مكروه شديد الكراهية، وإن لم يكن محظورا (1).
# وهذا غير مستقيم ولا صحيح، لأنه مخالف لأصول مذهبنا، ولأن إجماع أصحابنا
~~بغير خلاف بينهم، أنه لا يؤكل من حيوان البحر إلا السمك، والسمك لا يؤكل
~~منه إلا ما كان له فلس، وهذه الأجناس التي ذكرها، لا تسمى سمكا لا لغة ولا
~~عرفا، وليس لها أيضا فلس، وإنما هذا خبر واحد أورده إيرادا، لا اعتقادا،
~~كما أورد أمثاله مما لا يعمل عليه.
# إلا أنه رحمه الله عاد، وقال في نهايته أيضا، يعزر آكل الجري،
~~والمارماهي، ومسوخ السمك كلها، والطحال، ومسوخ البر، وسباع الطير، وغير ذلك
~~من المحرمات، فإن عاد أدب ثانية، فإن استحل شيئا من ذلك وجب عليه القتل،
~~هذا آخر كلامه رحمه الله (2).
# فمن يوجب عليه القتل باستحلاله لآكله، كيف يجعله مكروها غير محظور، وإنما
~~ذلك خبر واحد أورده على ما رواه ووجده.
# ولا بأس بأكل الكنعت، ويقال أيضا الكنعد، بالدال غير المعجمة.
# ولا بأس أيضا بأكل الربيثا، - بفتح الراء وكسر الباء -، وكذلك لا بأس
~~بأكل الإربيان، - بكسر الألف وتسكين الراء، وكسر الباء - وهو ضرب من السمك
~~البحري، أبيض كالدود، والجراد، ms1173 الواحدة إربيانة.
# ولا يؤكل من السمك ما كان جلالا، إلا بعد أن يستبرأ يوما إلى الليل، على
~~ما قدمناه (3) في ماء طاهر، يطعم شيئا طاهرا.
# ولا يجوز أكل ما نضب عنه الماء من السمك.
# PageV03P099
# وإذا شق جوف سمكة، فوجد فيها سمكة، جاز أكلها، إذا كانت من جنس ما يحل
~~أكلها، على ما روي (1) في الأخبار، وأورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (2).
# والذي يقتضيه المذهب، أنه إن كانت الموجودة حية، فإنها تؤكل، ويصح العمل
~~بالرواية، وإن كانت ميتة، فلا يجوز أكلها على حال، فهذا تحرير هذه الفتيا.
# فإن شق جوف حية فوجد فيها سمكة، فإن كانت على هيئتها ولم تنسلخ، لم يكن
~~بأكلها بأس، وإن كانت قد انسلخت لم يجز أكلها على حال، على ما وردت الرواية
~~(3) بذلك، أوردها شيخنا أبو جعفر في نهايته (4).
# والأولى أن يقال: إن كانت السمكة الموجودة في جوف الحية حية، فإنها تؤكل،
~~سواء تسلخت أو لم تنسلخ، وإن كانت ميتة، فلا يجوز أكلها، سواء تسلخت أو لم
~~تنسلخ، (5) على حال، فهذا تحرير هذه الرواية على ما يقتضيه أصول مذهبنا.
# وإذا وثبت سمكة من الماء، فماتت، فإن أدركها الإنسان بمباشرة، سوى حاسة
~~النظر، وفيها روح، جاز له أكلها، وإن لم يدركها كذلك، تركها ولم يجز له
~~أكلها.
# وإذا وجد الإنسان سمكة على ساحل بحر، أو شاطي نهر، ولم يدر أذكية هي أم
~~ميتة؟ فليلقها في الماء، فإن طفت على ظهرها، فهي ميتة، وإن طفت على وجهها
~~فهي ذكية.
# ولا بأس بأكل الطمر - بالطاء غير المعجمة المكسورة، والميم المسكنة،
~~والراء غير المعجمة - وكذلك لا بأس بأكل الطبراني - بالطاء غير المعجمة
~~المفتوحة، والباء بنقطة واحدة من تحتها، المفتوحة، والراء غير المعجمة -
~~وهذان جنسان من أجناس السمك، لهما فلوس.
# وكذلك الإبلامي، - بكسر الهمزة، وبالباء المنقطة بنقطة واحدة من تحتها،
# PageV03P100
# المسكنة، - وهو جنس أيضا من أجناس السمك الذي له فلس وقشر.
# وأما حيوان البر، فإنه لا يجوز أكل شئ من السباع، سواء كان ذا ناب قوي
~~يعدو على الناس، أو غير ms1174 ذي ناب قوي، كالثعلب، وابن آوى، والأرنب، وغير ذلك
~~مثل السبع والفهد، والنمر، والكلب، والخنزير والدب، وما أشبه ذلك من
~~المسوخ، والسباع.
# ولا يحل أكل الوبر - بفتح الواو وتسكين الباء - وهي دويبة فوق السنور،
~~ودون الأرنب.
# وقال شيخنا في مسائل خلافه، وهي سوداء أكبر من ابن عرس، تأكل وتجتر، وقال
~~بعض اللغويين، الوبر هي دويبة دون السنور ودون الأرنب، حجازي لا أذناب لها،
~~وهي أقذر ما يكون.
# قال جرير، يهجو بني نمير امرأة منهم.
# تطلى وهي سيئة المعرى * بصن الوبر تحسبه ملابا قال الصن، جعد الوبر.
# ولا بأس بأكل لحم الظبا.
# وقال شيخنا في نهايته، ولا بأس بأكل لحم الظبي، والغزال (1).
# ويمكن أن يقال الفرق بين الظبي والغزال، إن الظبي الكبيرة، والغزال
~~الصغيرة.
# قال الشاعر:
# ولم أر مثلها نظرا وعينا * ولا أم الغزال ولا الغزالا وإن كان كل واحد
~~منهما يعبر به عن هذا الجنس، إلا أنه لما اجتمعا، أمكن ما قلناه من الفرق،
~~وإن قيل إن المعنى واحد، إلا أنه لما اختلف اللفظ، جاز ذلك، وإن كان المعنى
~~واحدا، كما قيل: النأي والبعد، والكذب والمين، ونظائر ذلك.
# ولا بأس بأكل لحم البقر الوحشي، والحمار الوحشي، وإن كان لحم الحمار
# PageV03P101
# مكروها.
# والقرد والسنور سواء كان بريا أو أهليا لا يجوز أكلهما.
# ولا يجوز أكل السلحفاة - بفتح اللام - وهي كبار الرقاق الذي تسميه العامة
~~الرفش ولا جميع الرقاق والضفادع.
# ولا يجوز أكل اليربوع، والفار، والقنافذ، والحيات، والعقارب، والسرطان،
~~والخنافس، وبنات وردان، والزنانير، وحشرات الأرض، والضب حرام.
# ولا يجوز أكل السمور والسنجاب، والفنك، والخز، وما أشبه ذلك.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله قال بعض مصنفي أصحابنا، إن الخز هي دابة
~~صغيرة، تطلع من البحر تشبه الثعلب، ترعى في البر، وتنزل البحر، لها وبر
~~تعمل منه ثياب تحل فيها الصلاة، وصيدها، ذكاتها مثل السمك.
# يعضد هذا القول ما رواه ابن أبي يعفور قال كنت عند أبي عبد الله عليه
~~السلام، إذ دخل عليه رجل من الخزازين، فقال له جعلت فداك ما تقول ms1175 في الصلاة
~~في الخز؟
# فقال لا بأس بالصلاة فيه، فقال له الرجل جعلت فداك إنه ميت، وهو علاجي،
~~وأنا أعرفه، فقال له أبو عبد الله عليه السلام، أنا أعرف به منك، فقال له
~~الرجل إنه علاجي، وليس أحد أعرف به مني، فتبسم أبو عبد الله عليه السلام،
~~ثم قال له:
# تقول إنه دابة تخرج من الماء، أو تصاد من الماء، فتخرج، فإذا فقد الماء
~~مات، فقال الرجل صدقت، جعلت فداك، هكذا هو، فقال أبو عبد الله عليه السلام
~~فإنك تقول:
# إنه دابة تمشي على أربع، وليس هو في حد الحيتان، فيكون ذكاته خروجه من
~~الماء. فقال الرجل أي والله، هكذا أقول، فقال له أبو عبد الله عليه السلام
~~إن الله تعالى أحله، وجعل ذكاته موته، كما أحل الحيتان، وجعل ذكاتها موتها
~~(1).
# أورد هذا أخبر شيخنا أبو جعفر الطوسي في تهذيب الأحكام، وكثير من أصحابنا
~~المحققين المسافرين، يقولون إنه القندس، ولا يبعد هذا القول من الصواب،
~~لقولهم عليهم السلام " لا بأس بالصلاة في الخز ما لم يكن مغشوشا بوبر
~~الأرانب
# PageV03P102
# والثعالب " (1) والقندس أشد شبها بالوبرين المذكورين.
# وأما الطير فالحمام على اختلاف ضروبه، وقيل إن كل مطوق فهو عند العرب
~~حمام، وقيل إنه كل ما عب فهو حمام، فإن جميع ذلك حلال يؤكل لحمه، مسرولا
~~كان، أو غير مسرول، داجنا أو غير داجن، والدواجن هي التي تألف البيوت،
~~وتستأنس فيها، وكذلك الرواجن أيضا - بالراء غير المعجمة -، والأول بالدال
~~غير المعجمة والجيم فيهما جميعا، يقال ذلك للطير، والشاة والبقرة، - وكذلك
~~جميع الدجاج حبشيا كان أو غير حبشي.
# وأما ما عدا ذلك من الطيور، فإن السباع منها لا يحل أكلها، وما عدا
~~السباع، فإن العصافير، والقنابر، والزرازير، والصعو، والهدهد، يؤكل لحمها.
# ويكره لحم الشقراق، - بكسر الشين والقاف، وتشديد الراء وفتحها -، وكذلك
~~يكره لحم الصرد والصوام، - بضم الصاد وتشديد الواو، وفتحها -، وهو طائر
~~أغبر اللون، طويل الرقبة، أكثر ما يبيت في النخل. وكذلك يكره لحم الحبارى،
~~على رواية (2) شاذة.
# والغربان على أربعة أضرب، ثلاثة منها ms1176 لا يجوز أكل لحمها.
# وهي الغداف الذي يأكل الجيف، ويفرس، ويسكن الخرابات، وهو الكبير من
~~الغربان السود.
# وكذلك الأغبر الكبير، لأنه يفرس ويصيد الدراج، فهو من جملة سباع الطير.
# وكذلك لا يجوز أكل لحم الأبقع، الذي يسمى العقعق، طويل الذنب.
# فأما الرابع فهو غراب الزرع، الصغير من الغربان السود الذي يسمى الزاغ، -
~~بالزاء المعجمة، والغين المعجمة -، فإن الأظهر من المذهب أنه يؤكل لحمه على
~~كراهية، دون أن يكون لحمه محظورا.
# PageV03P103
# وإلى هذا القول يذهب شيخنا أبو جعفر في نهايته (1)، وإن كان قد ذهب إلى
~~خلافه، في مبسوطه (2)، ومسائل خلافه (3)، فإنه قال بتحريم الجميع.
# وذهب في استبصاره (4) إلى تحليل الجميع.
# وقال في مبسوطه ما يأكل الخبائث كالميتة، ونحوها، من الطائر كله حرام،
~~وهو النسر، والرخم، والبغاث، والغراب، ونحو ذلك عندنا وعند جماعة. وروي أن
~~النبي صلى الله عليه وآله أتى بغراب فسماه فاسقا، وقال ما هو والله من
~~الطيبات.
# والغراب على أربعة أضرب، الكبير الأسود الذي يسكن الجبال ويأكل الجيف،
~~والثاني الأبقع، فهذان حرامان، والثالث الزاغ وهو غراب الزرع، والرابع
~~الغداف، وهو أصغر منه أغبر اللون كالرماد، قال قوم هو حرام لظاهر الأخبار
~~(5)، وقال آخرون هو مباح، وهو الذي ورد في رواياتنا (6) إلى هاهنا كلامه
~~رحمه الله (7).
# والذي يقوى ما اخترناه، أن التحريم يحتاج إلى دلالة شرعية، لأن الأصل في
~~الأشياء الإباحة، على الصحيح من أقوال مصنفي أصول الفقه، ولا إجماع على
~~حظره، ولا أخبار متواترة، ولا كتاب الله تعالى.
# ولا يجوز أكل الخطاف، ولا أكل الخشاف بغير خلاف بين أصحابنا في ذلك.
# ولا يجوز أكل لحم الطواويس، ولا الرخمة، ولا الحدأة - بكسر الحاء - وما
~~كان له مخلب ومنسر يأكل اللحم، وأما باقي الطائر فيؤكل منه كل ما دف، ويترك
~~منه ما يصف، فإن كان يصف ويدف يعتبر، فإن كان دفيفه أكثر من صفيفه، أكل،
~~وإن كان صفيفه أكثر من دفيفه، اجتنب، فإن لم يكن هناك طريق إلى اعتبار ذلك،
~~بأن يوجد مذبوحا، أكل منه ما كانت له قانصة، أو حوصلة ms1177 - بتشديد اللام
# PageV03P104
# أو صيصية -، وهي الخارجة من كف الطائر، فإنها بمنزلة الإبهام من بني آدم،
~~وكل ما تحصن به صيصية، بغير همز، لأنها مشتقة من الصياصي، وهي الحصون،
~~والصياصي، أيضا القرون -، ويجتنب ما لم يكن له شئ من ذلك، هذا إذا كان
~~مجهول الجنس، اعتبر بالاعتبار الذي قدمناه، فإن كان من الجنس الذي يحل
~~أكله، أو من الجنس الذي يحرم أكله، فلا يحتاج إلى هذا الاعتبار.
# ولا بأس بأكل لحم طير الماء، وإن كان مما يأكل السمك، إذا اعتبر بما
~~ذكرناه.
# والطير إذا كان جلالا، لم يجز أكله إلا بعد استبرائه وحبسه من ذلك.
# وتستبرئ البطة وما أشبهها بخمسة أيام، والدجاجة وما أشبهها بثلاثة أيام،
~~على ما قدمناه (1) فيما مضى وبيناه.
# وقال شيخنا في مبسوطه، قد بينا أن حشرات الأرض كلها حرام كالحية، والعقرب
~~والفارة والخنافس، والديدان، والجعلان، - وعدد أشياء -، وقال وكذلك اللحكا،
~~وقيل اللحكة، وهي دويبة، كالسمكة، تسكن الرمل فإذا رأت الإنسان، غاصت وتغيب
~~فيه، وهي صقيلة، ولهذا تشبه أنامل العذارى بها، فهو حرام، هذا آخر كلامه
~~رحمه الله (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله، قال الجوهري في الصحاح: الحلكة، مثل
~~الهمزة، والحلكاء مثل العنقاء ضرب من العظاء، ويقال دويبة تغوص في الرمل،
~~وقال واللحكة دويبة أظنها مقلوبة من الحلكة، قال ابن السكيت اللحكة دويبة
~~شبيه بالعظا تبرق، زرقاء، ليس لها ذنب مثل ذنب العظا، وقوائمها خفية، هذا
~~آخر كلام الجوهري.
# باب الذبح وكيفية وجوب التسمية الذباحة لا يجوز أن يتولاها غير معتقدي
~~الحق، فمتى تولاها غير معتقدي الحق
# PageV03P105
# من أي أجناس الكفار كان، يهوديا كان، أو نصرانيا، أو مجوسيا، أو عابد
~~وثن، ومن ضارعهم في الكفر على اختلاف ضروبه، كافر ملة، أو كافر أصل، أو
~~مرتدا كان سمى على ذبيحته أو لم يسم، فلا يجوز أكل ذبيحته عند المحصلين من
~~أصحابنا، والباحثين عن مآخذ الشريعة، والمحققين.
# ولا بأس بأكل ذبيحة المستضعف، وقد بيناه في كتاب الطهارة (1).
# وقال شيخنا رحمه الله في نهايته، ولا يتولى الذباحة إلا أهل الحق، ms1178 فإن
~~تولاها غيرهم ويكون ممن لا يعرف بعداوة آل محمد عليهم السلام، لم يكن بأس
~~بأكل ذبيحته (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله المراد بقوله " غيرهم " يعني المستضعفين
~~الذين لا منا ولا من مخالفينا، وصحيح إنهم غيرنا، فلا يظن ظان أنه أراد
~~بغيرهم من مخالفينا المستضعفين، لأن المستضعفين لا منا ولا منهم، كما قال
~~تعالى " لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء " (3).
# ولا يحل أكل ذباحة المحق إلا بشروط.
# منها استقبال القبلة بالذبيحة مع قدرته على ذلك، فإذا لم يكن عارفا
~~بالقبلة وكان ممن فرضه الصلاة إلى أربع جهات، فإنه يذبح إلى أي جهة شاء،
~~لأنها حال ضرورة، ولأنه ما تعمد ترك استقبال القبلة، وكذلك إذا لم يقدر على
~~استقبال القبلة بالذبيحة، فإنه تجزيه الذباحة مع ترك الاستقبال، لأنها حال
~~ضرورة، ولم يترك الاستقبال تعمدا منه، بأن يقع الذبيحة في بئر وما أشبه
~~ذلك.
# والتسمية، مع الذكر لها.
# وقطع أربعة أعضاء، المرئ، والحلقوم، والودجين، وهما محيطان بالحلقوم،
~~فالمرئ مجرى الطعام، والحلقوم مجرى النفس، مع القدرة على قطعها.
# ويكون قطعها بحديد مع قدرته عليه.
# PageV03P106
# هذا إذا كان مذبوحا، وهي الغنم والبقر وما أشبههما من الحيوان المأكول
~~اللحم، فإن جميعه مذبوح إلا الإبل، فإنها منحورة. والشرائط المقدم ذكرها
~~ثابتة ما عدا الأعضاء، فإن نحرها في ثغرة النحر، - وهي الوهدة -، مجز في
~~استباحة أكلها مع القدرة أيضا على ذلك، فإن نحرت الغنم والبقر وغيرهما ما
~~عدا الإبل مع القدرة والتمكين من ذبحها، فلا يجوز أكل لحمها بحال، وكذلك إن
~~ذبحت الإبل مع التمكين من نحرها، فلا يجوز أكل لحمها على حال، بغير خلاف
~~بين أصحابنا.
# وكل ما يباع في أسواق المسلمين فجايز شراؤه وأكله، وليس على من يبتاعه
~~التفتيش عنه.
# ولا بأس بأن يتولى الذباحة المرأة، والغلام الذي لم يبلغ، إذا كان من
~~أولاد المحقين، فإن حكمه حينئذ حكمهم، وكذلك المجنون، فإن حكمه حكم الصبي
~~حرفا فحرفا.
# ولا بأس بذباحة الأخرس إذا كان محقا، وكذلك لا بأس بذباحة الجنب والحايض،
~~إذا فعلوا ما قدمناه ms1179 من الشروط، وأحسنوه، فإن لم يحسنوا ذلك فلا يجوز أكل
~~ما ذبحوه.
# وقد قدمنا (1) أنه لا يجوز الذباحة إلا بالحديد فإن لم يوجد حديد، وخيف
~~فوت الذبيحة أو اضطر إلى ذباحتها، جاز أن يذبح بما يفري الأوداج، من ليطة
~~أو قصبته، - والليط هو القشر اللاصق بها الحاد، مشتق من لاط الشئ بقلبه،
~~إذا لصق به، والقصبة واحدة القصب -، أو زجاجة، أو حجارة حادة الأطراف، مثل
~~الصخور، والمرو، وغير ذلك.
# وكل ما ذبح وكان ينبغي أن ينحر أو نحر وكان ينبغي أن يذبح في حال
~~الضرورة، ثم أدرك في حال ذكاته، وجبت، تذكيته بما يجوز ذلك فيه، فإن لم
~~يفعل لم يجز أكله.
# ويكره أن تنخع الذبيحة إلا بعد أن تبرد بالموت، وهو أن لا يبين الرأس من
# PageV03P107
# الجسد، ويقطع النخاع، وهو الخيط الأبيض الذي الخرز منظومة فيه، وهو من
~~الرقبة ممدود إلى عجب الذنب، وأكله عند أصحابنا حرام، من جملة المحرمات
~~التي في الذبيحة، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى (1).
# فإن سبقته السكين، وأبان الرأس، جاز أكله، ولم يكن ذلك الفعال مكروها،
~~وإنما المكروه تعمد ذلك، دون أن يكون محظورا على الأظهر من أقوال أصحابنا،
~~بلا خلاف بين المحصلين في ذلك.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ومن السنة أن لا تنخع الذبيحة إلا بعد أن
~~تبرد، وهو أن لا يبين الرأس من الجسد، ويقطع النخاع، فإن سبقته السكين
~~وأبان الرأس، جاز أكله إذا خرج منه الدم، فإن لم يخرج الدم لم يجز أكله،
~~ومتى تعمد ذلك لم يجز أكله (2).
# إلا أنه رجع عن ذلك في مسائل خلافه، في الجزء الثاني، فقال مسألة: يكره
~~إبانة الرأس من الجسد وقطع النخاع، قبل أن تبرد الذبيحة، فإن خالف وأبان،
~~لم يحرم أكله، وبه قال جميع الفقهاء، وقال سعيد بن المسيب، يحرم أكله،
~~دليلنا إن الأصل الإباحة، وأيضا قوله " فكلوا مما ذكر اسم الله عليه " (3)
~~وهذا ذكر اسم الله عليه، وعليه إجماع الصحابة، روي عن علي عليه السلام، أنه
~~سئل عن بعير ms1180 ضربت رقبته بالسيف، فقال يؤكل وعمران بن حصين قيل له في رجل
~~ذبح بطة، فأبان رأسها، فقال تؤكل وعن ابن عمر نحوه، ولا مخالف لهم هذا آخر
~~كلامه رحمه الله في المسألة (4).
# وما أورده في نهايته لا دليل عليه من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا
~~إجماع، وإنما أورده إيرادا لا اعتقادا، على ما تكرر قولنا في ذلك،
~~واعتذارنا له.
# وإذا قطعت رقبة الذبيحة من قفاها، فلحقت قبل قطع الحلقوم، والمرئ،
~~والودجين، وفيها حياة مستقرة، وعلامتها أن تتحرك حركة قوية، ومثلها يعيش
~~اليوم
# PageV03P108
# واليومين، حل أكلها إذا ذبحت، وإن لم تكن فيها حركة قوية، لم يحل أكلها،
~~لأنها ميتة.
# ويكره أن يقلب السكين فتذبح إلى فوق، بل ينبغي أن يبتدي من فوق إلى أن
~~يقطع الأعضاء الأربعة المقدم ذكرها.
# وقال شيخنا في نهايته، ولا يجوز أن يقلب السكين، فتذبح إلى فوق.
# قوله رحمه الله " ولا يجوز " على تغليظ الكراهية، دون أنه لو فعله لكانت
~~الذبيحة محرمة اللحم، لأن تحريمها يحتاج إلى دلالة شرعية، ولا دليل على
~~ذلك، والأصل الإباحة، وشرايط الإجزاء فقد فعلها، من استقبال القبلة،
~~والتسمية، وقطع الحلقوم، والمرئ، والودجين.
# ويستحب إذا أراد ذبح شئ من الغنم، فليعقل يديه، وفرد رجله، ويطلق فرد
~~رجله، ويمسك على صوفه أو شعره إلى أن يبرد، ولا يمسك على شئ من أعضائه.
# وكذلك يستحب له إذا أراد ذبح شئ من البقر أن يعقل يديه ورجليه، ويطلق
~~ذنبه.
# وإذا أراد نحر شئ من الإبل، يستحب له أن يشد أخفافه إلى إباطه، ويطلق
~~رجليه.
# وإذا أراد ذبح شئ من الطير، فليذبحه، وليرسله، ولا يمسكه، ولا يعقله.
# فإن انفلت منه الطير، جاز أن يرميه بالسهم بمنزلة الصيد، فإذا لحقه ذكاه.
# وأورد شيخنا في نهايته، أنه لا يجوز ذبح شئ من الحيوان صبرا، وهو أن يذبح
~~شيئا وينظر إليه حيوان آخر (1).
# وهذه رواية (2) أوردها إيرادا، فإن صحت، حملت على الكراهية، دون الحظر،
~~لأنه لا دليل على حظر ذلك، وتحريمه من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، والأصل
~~الإباحة. ms1181
# PageV03P109
# وروي (1) أنه لا يجوز أن تسلخ الذبيحة إلا بعد بردها، فإن سلخت قبل أن
~~تبرد، أو سلخ شئ منها لم يجز أكله، أوردها شيخنا أبو جعفر في نهايته (2)
~~إيرادا لا اعتقادا، لأنه لا دليل على حظر ذلك من كتاب، ولا سنة مقطوع بها،
~~ولا إجماع منعقد، وأخبار الآحاد لا يرجع بها عن الأصول المقررة الممهدة،
~~لأنها لا توجب علما ولا عملا، وكتاب الله تعالى أحق أن يتمسك به، ولا يلتفت
~~إلى هذه الرواية الشاذة المخالفة لأصول المذهب، وهو قوله تعالى " وكلوا مما
~~ذكر اسم الله عليه " (3) وهذا قد ذكر اسم الله عليه، وذبح ذباحة شرعية،
~~وحصلت جميع الشرائط المعتبرة في تحليل الذباحة، فمن ادعى بعد ذلك حظرها،
~~يحتاج إلى دلالة شرعية لأنه قد ادعى حكما شرعيا يحتاج في إثباته إلى دليل
~~شرعي. ولن يجده.
# وإذا ذبحت الذبيحة، فلم يخرج الدم، أو لم يتحرك شئ منها، لم يجز أكلها،
~~فإن خرج الدم، أو تحرك شئ من أعضائها، يدها، أو رجلها، أو غير ذلك، جاز
~~أكله، فالمعتبر على الصحيح من المذهب، أحد الشيئين في تحليل أكلها، أما
~~خروج الدم الذي له دفع، أو الحركة القوية، أيهما كان جاز أكلها.
# وقال شيخنا المفيد في مقنعته، الاعتبار في جواز الأكل بعد الذبح بمجموع
~~الشيئين معا (4).
# والأول هو الأظهر، لأنه يعضده ظواهر القرآن، والأخبار المتواترة.
# وإذا ذبح شاة، أو غيرها، ثم وجد في بطنها جنين، فإن كان قد أشعر، أو
~~أوبر، ولم تلجه الروح، فذكاته ذكاة أمه، فإن لم يكن أشعر أو أوبر لم يجز
~~أكله على حال، إلا أن يكون فيه روح، فإن كانت فيه روح، فإن لم يشعر ولا
~~أوبر وجبت تذكيته، وإلا فلا يجوز أكله، إذا لم تدرك ذكاته.
# PageV03P110
# وروي (1) كراهية الذباحة بالليل، إلا عند الضرورة والخوف من فوتها.
# وكذلك روي (2) أنه يكره الذباحة بالنهار يوم الجمعة، قبل الصلاة.
# باب ما يحل من الميتة ويحرم من الذبيحة، وحكم البيض والجلود يحرم من
~~الغنم والبقر والإبل، وغير ذلك مما يحل أكله بالذبح، ما ms1182 عدا السمك، وإن كان
~~الحيوان مذكا ذكاة شرعية بالذبح، أو النحر: الدم، والفرث، والطحال،
~~والمرارة، والمشيمة، والفرج، ظاهره وباطنه، والقضيب، والأنثيان، والنخاع -
~~بضم النون وكسرها معا - وقد قدمنا (3) شرح ذلك، والعلبا، - بكسر العين، وهي
~~عصبتان عريضتان صفراوان ممدودتان من الرقبة على الظهر، إلى عجب الذنب -
~~والغدد، وذات الأشاجع، والأشاجع أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف،
~~الواحد إشجع، ومنه قول لبيد:
# وإنه يدخل فيها إصبعه * يدخلها حتى تواري إشجعه والحدق، الذي هو السواد،
~~والخرزة، تكون في الدماغ، والدماغ المخ، يخالف لونها لون المخ، هي بقدر
~~الحمصة إلى الغبرة ما يكون، والمثانة بالثاء المنقطة بثلاث نقط، وهي موضع
~~البول ومحقنه.
# وتكره الكليتان، وليستا بمحظورتين.
# ويحل من الميتة غير المذبوحة المذكاة، الصوف والشعر والوبر، والريش، سواء
~~قلع جميع ذلك، أو جز، إلا أنه إذا قلع وعليه شئ من الميتة، أو فيه شئ من
~~ذلك، وجب إزالة ذلك، وغسله واستعماله بعد ذلك، من غير أن يحرم إذا قلع.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ولا يحل شئ منه إذا قلع منها (4).
# يعني لا يحل استعماله إذا قلع قبل إزالة الميتة منه، أو قبل غسله، دون
~~تحريمه
# PageV03P111
# رأسا، لأنه لا دليل على ذلك من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع.
# ويحل أيضا العظم، والناب، والسن، والظلف، والحافر، والقرن، وكل من ذلك
~~إذا قلع من الميتة، أو لامسها، لا يستعمل إلا بعد غسله وإزالة ما عليه من
~~الدسم.
# وذكر شيخنا أبو جعفر، في نهايته، الإنفحة، (بكسر الهمزة، وفتح الفاء كرش
~~الحمل أو الجدي ما لم يأكل، فإذا أكل فهي كرش) (1) واللبن والبيض، إذا
~~اكتسى الجلد الفوقاني، وإذا لم يكتس ذلك، فلا يجوز أكله (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله أما اللبن فإنه نجس بغير خلاف عند المحصلين
~~من أصحابنا، لأنه مايع في ميتة، ملامس لها، وما أورده شيخنا في نهايته،
~~رواية شاذة مخالفة لأصول المذهب، لا يعضدها كتاب الله تعالى، ولا سنة مقطوع
~~بها، ولا إجماع، ودليل الاحتياط يقتضي ما ذكرناه، لأنه لا خلاف بين
~~المسلمين، ms1183 أنه إذا لم يأكل هذا اللبن، فإنه غير معاقب، ولا مأثوم، وذمته
~~برية من الآثام، وإذا أكله فيه الخلاف، والاحتياط يقتضي ما ذكرناه.
# وإلى ما اخترناه يذهب شيخنا أبو يعلى سلار الطبرستاني رحمه الله، في
~~رسالته (3).
# ولأجل ذلك قالوا يحل البيض إذا كان قد اكتسى الجلد الصلب، فاعتبروا الجلد
~~الفوقاني والصلب، فإذا لم يكن عليه الجلد الصلب، فلا يحل، لأنه يكون بمنزلة
~~المايع، ينجس بمباشرة الميتة له.
# وإذا جعل الطحال في سفود مع اللحم، ثم جعل في التنور، فإن كان مثقوبا
~~وكان فوق اللحم، لم يؤكل اللحم، ولا ما كان تحته من الجوذاب، وإن كان
~~الطحال المثقوب تحت اللحم، أكل اللحم ولم يؤكل الجوذاب، وإن لم يكن الطحال
~~مثقوبا، جاز أكل جميع ما يكون تحته من اللحم وغيره.
# PageV03P112
# وإذا اختلط اللحم الذكي بلحم الميتة، ولم يكن هناك طريق إلى تمييزه منها،
~~لم يحل أكل شئ منه، ولا يجوز بيعه، ولا الانتفاع به.
# وقد روي (1) أنه يباع على مستحل الميتة.
# والأولى اطراح هذه الرواية، وترك العمل بها، لأنها مخالفة لأصول مذهبنا،
~~ولأن الرسول عليه السلام، قال إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه (2).
# ولا يجوز أن يأكل الميتة إلا إذا خاف تلف النفس، فإذا خاف ذلك أكل منها
~~ما يمسك رمقه، وهو بقية الحياة، ولا يجوز له الامتلاء منها.
# والباغي الذي يبغي الصيد بطرا ولهوا وقال بعض أصحابنا، الباغي هو الذي
~~يبغي على إمام المسلمين، والعادي الذي يقطع الطريق، لم يحل لهما أكل
~~الميتة، وإن اضطرا إليها، لقوله تعالى " فمن اضطر غير باغ ولا عاد " (3).
# ويؤكل من البيض ما كان بيض ما يؤكل لحمه على كل حال.
# وإذا وجد الإنسان بيضا، ولم يعلم أهو بيض ما يؤكل لحمه، أو بيض ما لا
~~يؤكل لحمه؟ اعتبر، فما اختلف طرفاه أكل، وما استوى طرفاه اجتنب.
# وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن بيض السمك ما كان منه خشنا، فإنه يؤكل،
~~ويجتنب الأملس، والمنماع، ولا دليل على صحة هذا القول من كتاب، ولا سنة،
~~ولا ms1184 إجماع.
# ولا خلاف أن جميع ما في بطن السمك طاهر، ولو كان ذلك صحيحا لما حلت
~~الضجباة.
# فأما الجلود فعلى ضربين، ضرب منها جلد ما يؤكل لحمه، فمتى ذكي، جاز
~~استعماله ولبسه، والصلاة فيه، سواء دبغ أو لم يدبغ، إذا كان خاليا من
~~نجاسة، وما لم يذك ومات، فلا يجوز استعمال جلده، ولا الانتفاع به في شئ من
~~الأشياء،
# PageV03P113
# لا قبل الدباغ ولا بعده، لأنه ميتة.
# وما لا يؤكل لحمه: فعلى ضربين، ضرب منهما لا يجوز استعماله لا قبل الذكاة
~~ولا بعدها، دبغ أو لم يدبغ، وهو جلد الكلب والخنزير.
# والضرب الآخر يجوز استعماله بشرطين، الذكاة الشرعية، والدباغ، فأما بيعه
~~فيجوز بعد الذكاة وقبل الدباغ، فأما استعماله لا يجوز إلا بعد الدباغ، فإذا
~~دبغ، جاز استعماله في جميع الأشياء، مايعا كان، أو غير مايع، لأنه طاهر
~~بغير خلاف، إلا في الصلاة، فإنه لا يجوز الصلاة فيه بغير خلاف بيننا مع
~~الاختيار، وهي جلود جميع السباع كلها، مثل النمر، والذئب، والفهد، والسبع،
~~والسمور، والسنجاب، والفنك، والأرنب والثعلب، وما أشبه ذلك من السباع
~~والبهايم وقد رويت (1) رخصة في جواز الصلاة في السمور، والسنجاب، والفنك،
~~والأصل ما قدمناه (2).
# وهذا رجوع من شيخنا عما ذكره في الجزء الأول من نهايته، في أنه لا بأس
~~بالصلاة في السنجاب على ما قدمناه (3).
# ولا يجوز استعمال شئ من هذه الجلود ما لم يذك، فإن استعمله إنسان قبل
~~الذكاة، نجست يده، ووجب عليه غسلها عند الصلاة.
# وكذلك شعر الخنزير، لا يجوز للإنسان استعماله مع الاختيار، على الصحيح من
~~أقوال أصحابنا، وإن كان قد ذهب منهم قوم إلى جواز استعماله، وتمسك بأنه لا
~~تحله الحياة، إلا أن أخبارنا (4) متواترة عن الأئمة الأطهار، بتحريم
~~استعماله، والاحتياط يقتضي ذلك، فإن اضطر إلى استعماله فليستعمل منه، ما لم
~~يكن فيه دسم، بأن يتركه في فخار، ويجعله في النار، فإذا ذهب دسمه، استعمله
~~عند الضرورة والحاجة إليه، ويغسل يده عند حضور الصلاة، على ما وردت الأخبار
~~(5)
# PageV03P114
# بذلك.
# وروي (1) أنه يجوز أن يعمل من ms1185 جلود الميتة دلو يستقي به الماء، لغير وضوء
~~الصلاة، والشرب.
# وإذا قطع شئ من أليات الغنم، وهي أحياء، لم يجز أكله، ولا الاستصباح به،
~~لأنه ميتة، لا تحت السماء، ولا تحت الظلال، وحمله على الدهن النجس قياس لا
~~نقول به.
# وروي (2) أنه يكره للإنسان أن يربي شيئا من الغنم، ثم يذبحه بيده، بل إذا
~~أراد ذبح شئ من ذلك، فليشتره في الحال وليس ذلك بمحظور.
# PageV03P115
# كتاب الأطعمة والأشربة PageV03P117
# كتاب الأطعمة والأشربة باب الأطعمة المحظورة والمباحة الترتيب في معرفة
~~ما يحل أكله من الحيوان، وما لا يحل، أن يرجع إلى الشرع، فما أباحه الشرع،
~~فهو مباح، وما حظره فهو محظور وما لم يكن له في الشرع ذكر أصلا، فلا يخلو
~~أن يكون حيوانا في حال حياته أو بعد أن تفارقه الحياة فإن كان في حال
~~الحياة، فهو محظور، لأن ذبح الحيوان محظور إلا بالشرع، وإن لم يكن حيوانا
~~كان مباحا، لأن الأشياء على الأظهر عند محققي أصول الفقه، على الإباحة.
# فأما ما حرم شرعا فجملته، إن الحيوان ضربان، طاهر ونجس، فالنجس، الكلب،
~~والخنزير، وما عداهما، كله طاهر في حال حياته، بدلالة إجماع أصحابنا
~~المنعقد، على أنهم أجازوا شراب سؤرها، والوضوء منه، ولم يجيزوا ذلك في
~~الكلب والخنزير، وأجازوا استعمال جلودها بعد التذكية والدباغ، ولم يجيزوا
~~ذلك في الكلب والخنزير بحال.
# فأما الصلاة فيها فلا يجوز بحال على ما قدمناه (1).
# فإذا ثبت هذا، فكل ما كان نجسا في حال الحياة، لم يحل أكله بلا خلاف.
# وما كان طاهرا في حال الحياة، فعلى ضربين، مأكول اللحم وغير مأكول اللحم.
# فالسباع كلها محرمة الأكل، سواء كانت من البهائم، أو من الطير، بلا خلاف
~~على ما أسلفنا القول فيه وبيناه.
# PageV03P118
# وكذلك حشرات الأرض، كلها حرام، مثل الحية، والعقرب، والفأرة، والديدان،
~~والجعلان، والذباب، والخنافس، والبق والزنابير، والنحل.
# والسباع كلها سواء كانت ذوات أنياب قوية تعدو على الناس، كالسبع، والنمر،
~~والذئب، والفهد، أو كانت ذوات أنياب ضعيفة لا تعدو على الناس، مثل الضبع،
~~والثعلب، والأرنب، وما أشبه ms1186 ذلك، واليربوع، والضب، وابن آوى، والسنور، بريا
~~كان أو أهليا علي ما قدمناه (1). والوبر، والقنفذ، والفيل، والدب والقرد،
~~والمجثمة، - بالجيم، والثاء المنقطة ثلاث نقط -، كلها حرام، وهي من الوحش
~~والطير، التي تجعل غرضا، ولا تزال ترمى بالنشاب حتى تموت.
# والمصبورة أيضا حرام، وهي التي تجرح وتحبس حتى تموت، لنهي النبي عليه
~~السلام (2) عن تصبير البهايم، وعن أكلها، بلا خلاف.
# وقال قوم: " المجثمة " هي أن ترميها وهي جاثمة، وقيل هي الشاة، تشد ثم
~~ترمى، كأنها تقتل صبرا.
# فأما الطاير فعلى ضربين، ذي مخلب، وغير ذي مخلب.
# فأما ذو المخلب، فهو الذي يقتل بمخاليبه، ويعدو على الطاير والحمام،
~~كالبازي والصقر، والعقاب، والباشق، والشاهين، ونحو هذا، فجميعه حرام أكله
~~على ما قدمناه فيما مضى وشرحناه (3).
# فأما ما لا مخلب له، فعلى ضربين، ما يأكل الخبايث، كالميتة ونحوها، فكله
~~حرام، مثل النسر، والرخم، والبغاث التي لا تفرس، فلا يؤكل لحمها.
# قال الجاحظ في كتاب الحيوان وإن الطير كله سبع وبهيمة وهمج.
# والسباع من الطير على ضربين، فمنها العتاق، والأحرار، والجوارح، ومنها
~~البغاث، وهو كل ما عظم من الطير، إذا لم يكن من ذوات السلاح والمخاليب
# PageV03P119
# المعققة، كالنسر، والزمج، وأشباههما، من لئام السباع، والسبع من الطير ما
~~أكل اللحم خالصا، والبهيمة ما أكل الحب خالصا، والغراب الأبقع، والأغبر،
~~والغداف، على ما قدمنا القول في جميع ذلك (1)، لأن جميع ذلك مستخبث، وداخل
~~في تحريم الخبائث.
# فأما المستطاب من الطاير، كالحمام، أنسيه، ووحشيه، والفواخت، وكل مطوق
~~كالقماري، والدباسي، والورشان، والدراج، والدجاج، والقباج، والطيهوج،
~~والكراكي، والكروان، والحباري، ونحو ذلك كله حلال أكله.
# وكل طعام حصل فيه شئ من الخمر، أو النبيذ، أو المسكر، أو الفقاع، قليلا،
~~كان ما حصل فيه، أو كثيرا، فإنه ينجس ذلك الطعام، ولا يجوز استعماله على
~~حال.
# وإن كانت القدر تغلي على النار، فوقع فيها شئ من الخمر أهريق ما فيها من
~~المرق، وغسل اللحم، والتوابل، وأكل بعد ذلك.
# فإن حصل فيها شئ من الدم فكذلك سواء كان الدم قليلا أو كثيرا، إذا كان ms1187
~~دما نجسا، لأن في الدماء ما هو طاهر عندنا بغير خلاف، وهو دم السمك.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، فإن حصل فيها شئ من الدم، وكان قليلا، ثم
~~غلى، جاز أكل ما فيها، لأن النار تحيل الدم، فإن كان كثيرا لم يجز أكل ما
~~وقع فيه (2).
# وهو رواية (3) شاذة مخالفة لأصول المذهب، أوردها في كتابه إيرادا، ولا
~~يرجع عن الأدلة القاهرة، إلا بمثلها.
# قوله " وإن كان قليلا ثم غلى جاز أكل ما فيها لأن النار تحيل الدم " قول
~~عجيب، هب، أن النار أحالته، المايع الذي قد وقع فيه أليس قد نجسه وقت وقوعه
~~فيه؟! والنار، لعمري ما أذهبت جميع المرق، وما عهدنا، ولا ذهب أحد من
~~أصحابنا، إلى
# PageV03P120
# أن المايع النجس بالغليان يطهر، إلا ما خرج بالدليل من العصير، إذا ذهب
~~بالنار والغليان ثلثاه، فقد طهر وحل ثلث الباقي، على ما يأتي بيانه (1).
# وكل طعام حصل فيه شئ من الميتات مما له نفس سائلة، فإنه ينجس بحصوله فيه،
~~ولا يحل استعماله، فإن كان ما حصل فيه الميتة جامدا، مثل السمن، والعسل،
~~ألقي منه وما حوله، واستعمل الباقي، وإن كان ما حصل فيه الميتة مايعا، لم
~~يجز استعماله، ووجب إهراقه، وإن كان دهنا، مثل الشيرج والبزر، جاز
~~الاستصباح به تحت السماء، ولا يجوز الاستصباح به تحت الظلال، لأن دخانه
~~نجس، بل تعبد تعبدنا به، لأن دخان الأعيان النجسة ورمادها طاهر عندنا بغير
~~خلاف بيننا، ولا يجوز الإدهان به، ولا استعماله في شئ من الأشياء، سوى
~~الاستصباح تحت السماء.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، في كتاب الأطعمة، وروى (2) أصحابنا أنه،
~~يستصبح به تحت السماء، دون السقف، وهذا يدل على أن دخانه نجس قال رحمه
~~الله: غير أن عندي إن هذا مكروه، فأما دخانه ودخان كل نجس من العذرة وجلود
~~الميتة، كالسرجين والبعر، وعظام الميتة، عندنا ليس بنجس وأما ما يقطع
~~بنجاسته، قال قوم دخانه نجس، وهو الذي دل عليه الخبر (3) الذي قدمناه من
~~رواية أصحابنا، وقال آخرون وهو الأقوى، أنه ms1188 ليس بنجس، فأما رماد النجس
~~فعندنا طاهر، وعندهم نجس، وإنما قلنا ذلك، لما رواه (4) أصحابنا من جواز
~~السجود على جص، أوقد عليه بالنجاسات، هذا آخر كلام شيخنا في مبسوطه (5).
# قوله رحمه الله " وروى أصحابنا أنه يستصبح به تحت السماء دون السقف،
# PageV03P121
# وهذا يدل على أن دخانه نجس، غير أن عندي إن هذا مكروه " يريد به
~~الاستصباح تحت السقف.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله ما ذهب أحد من أصحابنا إلى أن الاستصباح به
~~تحت الظلال مكروه، بل محظور بغير خلاف بينهم، وشيخنا أبو جعفر محجوج بقوله
~~في جميع كتبه، إلا ما ذكره هيهنا، فالأخذ بقوله، وقول أصحابه، أولى من
~~الأخذ بقوله المنفرد عن أقوال أصحابنا.
# فأما بيعه فلا يجوز إلا بشرط الاستصباح به تحت السماء، دون الظلال.
# وكل ما ليس له نفس سائلة، مثل الجراد والنمل، والنحل، والزنابير،
~~والخنافس، وبنات وردان، والذباب، والعقارب، وما أشبه ذلك، إذا مات في شئ من
~~الطعام والشراب، جامدا كان أو مايعا فإنه لا ينجس بحصوله فيه وموته.
# ولا يجوز مواكلة الكفار على اختلاف آرائهم، بأي أنواع الكفر كانوا، ولا
~~استعمال أوانيهم التي باشروها بالمايعات، إلا بعد غسلها بالماء.
# وكل طعام تولاه بعض الكفار بأيديهم، وباشروه بنفوسهم، لم يجز أكله، لأنهم
~~أنجاس، ينجس الطعام بمباشرتهم إياه، ولأن أسئارهم نجسة على ما قدمناه في
~~كتاب الطهارة (1). فأما ما لا تقبل النجاسة، مثل الحبوب وما أشبهه، فلا بأس
~~باستعماله، وإن باشروه بأيديهم وأنفسهم، إذا كانت يابسة.
# ولا يجوز استعمال أواني المسكر، إلا بعد غسلها بالماء، على ما قدمناه
~~وحررناه في كتاب الطهارة (2).
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ولا يجوز استعمال أواني المسكر، إلا بعد
~~أن تغسل بالماء، ثلاث مرات، وتجفف (3).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله، ليس على وجوب التجفيف دليل من كتاب،
# PageV03P122
# ولا سنة، ولا إجماع، وأما غسلها ثلاث مرات، فبعض أصحابنا يوجبه، وبعض
~~منهم لا يرى، ولا يراعي عددا في المغسول، إلا في الولوغ خاصة.
# وروي (1) رواية إنها تغسل سبع مرات.
# وإذا حصلت ميتة ms1189 لها نفس سائلة في قدر أهريق ما فيها من المرق، وغسل اللحم
~~والتوابل، وأكل بعد ذلك.
# ولا بأس بأكل ما باشره الجنب والحايض، من الخبز والطبخ، وأشباه ذلك، من
~~الإدام، إذا كانا مأمونين. ويكره أكله إذا عالجه من لا يتحفظ ولا يؤمن عليه
~~إفساد الطعام بالنجاسات.
# ولا يجوز الأكل والشرب للرجال والنساء جميعا في أواني الذهب والفضة، ولا
~~استعمالها في بخور ولا غيره، حتى أن بعض أصحابنا حرم المأكول الذي فيهما،
~~وهو شيخنا المفيد في بعض كلامه (2)، فإن كان هناك قدح مفضض، يجتنب موضع
~~الفضة منه عند الشرب.
# ولا بأس بما عدا الذهب والفضة من الأواني ثمينة كانت أو غير ثمينة، من
~~صفر، أو نحاس، أو بلور، - بكسر الباء، وفتح اللام، وتشديدها -.
# ولا بأس بطعام أو شراب أكل أو شرب منه سنور، أو فار. وروي (3) كراهية ما
~~أكل منه الفار، وليس ذلك بمحظور، لأن سؤر السنور والفار وسائر الحشار طاهر.
# ورويت (4) رواية شاذة أنه يكره أن يدعو الإنسان أحدا من الكفار إلى طعامه
~~فيأكل معه، فإن دعاه، فليأمره بغسل يده، ثم يأكل معه إن شاء، أوردها شيخنا
~~في نهايته (5) إيرادا، لا اعتقادا.
# PageV03P123
# وهذه الرواية لا يلتفت إليها، ولا يعرج عليها، لأنها مخالفة لأصول
~~المذهب، لأنا قد بينا بغير خلاف بيننا، أن سؤر الكفار نجس، ينجس المايع
~~بمباشرته، والأدلة لا تتناقض، وبإزاء هذه الرواية روايات كثيرة بالضد منها،
~~وأيضا الإجماع على خلافها.
# قال السيد المرتضى في انتصاره، مسألة، ومما انفردت به الإمامية، إن كل
~~طعام عالجه الكفار من اليهود والنصارى، وغيرهم، ممن ثبت كفرهم بدليل قاطع،
~~فهو حرام لا يجوز أكله، ولا الانتفاع به، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، وقد
~~دللنا على هذه المسألة في كتاب الطهارة حيث دللنا على أن سؤر الكفار نجس،
~~لا يجوز الوضوء به، واستدللنا بقوله تعالى " إنما المشركون نجس " (1)
~~واستقصيناه، فلا معنى لإعادته هذا آخر كلام المرتضى رضي الله عنه. (2) ولا
~~يجوز أكل شئ من الطين على اختلاف أجناسه، سواء كان أرمنيا، أو من طين
~~البحيرة، ms1190 أو غير ذلك، إلا طين قبر الحسين عليه السلام فإنه يجوز أن يؤكل
~~منه اليسير، للاستشفاء فحسب، دون غيره، ولا يجوز الإكثار منه، ولا الإفطار
~~عليه يوم عيد الفطر، على ما ذهب إليه شيخنا أبو جعفر في مصباحه (3)، إلا
~~أنه عاد عنه في نهايته، فإنه قال ولا يجوز أكل شئ من الطين على اختلاف
~~أجناسه، إلا طين قبر الحسين عليه السلام، فإنه يجوز أن يؤكل منه اليسير
~~للاستشفاء به (4).
# ولا بأس أن يأكل الإنسان من بيت من ذكره الله تعالى في قوله، " ليس عليك
~~جناح أن تأكلوا " (5) الآية، بغير إذنه، إذا دخل البيت بإذنه، سواء كان
~~المأكول مما يخشى عليه الفساد، أو لا يخشى ذلك عليه، ما لم ينهه عن الأكل،
~~وذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا يؤكل إلا ما يخشى عليه الفساد والأول هو
~~الظاهر، ولا يجوز أن يحمل معه شيئا، ولا إفساده.
# PageV03P124
# ولا بأس بأكل الثوم، والبصل، والكراث، مطبوخا ونيئا، - بكسر النون، وهمز
~~الياء ومدها -، غير أن من يأكل ذلك نيئا يكره له دخول المساجد، لئلا يتأذى
~~الناس برائحته لنهيه (1) عليه السلام من أن يقرب المسجد حتى تزول رايحته.
# وإذا نجس الماء بحصول شئ من النجاسات فيه، ثم عجن به وخبز، لم يجز أكل
~~ذلك الخبز، وروي في شواذ الأخبار جواز أكله وإن النار قد طهرته (2)، والأصل
~~ما قدمناه.
# وإذا وجد الإنسان طعاما، فليقومه على نفسه ويأكل منه، فإذا جاء صاحبه، رد
~~عليه ثمنه، وقد قدمنا ذلك في كتاب اللقطة (3).
# ولا بأس بالبان الأتن حليبا ويابسا، فإنه طاهر عندنا.
# وكذلك لبن الآدميات طاهر عندنا بغير خلاف من در ولادة ابن، أو بنت، وروي
~~(4) في شواذ الأخبار، أن لبن البنت نجس، والأصل ما قدمناه.
# ولا بأس بشرب أبوال الإبل، وكل ما أكل لحمه من البهائم، أما للتداوي أو
~~غيره.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ولا بأس بأن يستشفى بأبوال الإبل (5).
# ولم يذكر غيرها، وليس ذكره لها دليلا على أن غيرها لا يجوز الاستشفاء به،
~~ولا يجوز شربه، لأنا ms1191 بلا خلاف قد بينا، أن أبوال ما يؤكل لحمه، طاهرة غير
~~نجسة.
# إذا اضطر إلى أكل الميتة، يجب عليه أكلها، ولا يجوز له الامتناع منه،
~~دليلنا ما علمناه ضرورة من وجوب دفع المضار عن النفس عقلا، وإذا كان الأكل
~~من
# PageV03P125
# الميتة في حال الاضطرار، يدفع به الضرر العظيم عن نفسه، وجب عليه ذلك.
# إذا اضطر إلى طعام الغير، لم يجب على الغير إعطاؤه، لأن الأصل براءة
~~الذمة، وإيجاب ذلك يحتاج إلى دليل.
# إذا وجد المضطر ميتة وصيدا حيا وهو محرم، اختلف أقوال أصحابنا وأحاديثهم
~~فبعض يذهب إلى أنه يأكل الصيد، وبعض يذهب إلى أنه يأكل الميتة، وهذا هو
~~الصحيح من الأقوال، لأن الصيد إذا كان حيا فذبحه المحرم، كان حكمه حكم
~~الميتة، ويلزمه الفداء، فإن أكل الميتة أولى، من غير أن يلزمه فداء ولا
~~إثم، والأولى أن تحمل الروايات التي وردت بأكل الصيد، على من وجد الصيد
~~مذبوحا قد ذبحه محل في غير الحرم، فإن الأولى أن يأكله ويفدي، ولا يأكل
~~الميتة، وإلى هذا التحرير ذهب شيخنا أبو جعفر رحمه الله، في مسائل خلافه في
~~الجزء الثالث من كتاب الأطعمة (1).
# إذا اضطر إلى شراب الخمر للعطش، فله شربه، فإن اضطر إليه للتداوي، أو
~~الجوع، فلا يجوز له تناوله بحال، لا للتداوي للعين، ولا لغيرها، لما روي
~~(2) من أنه ما جعل شفاء في محرم، وأيضا فتحريمها معلوم من دين الرسول عليه
~~السلام وتحليلها يحتاج إلى دليل.
# إذا مر إنسان بحايط غيره، يعني ببستانه، لأن الحايط عبارة عن البستان،
~~وبثمرته، جاز له أن يأكل منها، سواء كان في حال ضرورة، أو في حال اختيار،
~~ولا يأخذ منها شيئا يحمله معه، ما لم ينهه صاحبه عن الدخول والأكل، فإن
~~نهاه عن الأكل والدخول، فلا يجوز له الأكل والدخول، وقال المخالف لا يجوز
~~له الأكل منه إلا في حال الضرورة، دليلنا إجماع أصحابنا على ذلك، فإنهم لا
~~يختلفون في ذلك، وما رواه المخالف عن ابن عمر، أن النبي عليه السلام قال:
~~إذا مر أحدكم ms1192 بحايط
# PageV03P126
# غيره، فليدخل وليأكل، ولا يتخذ خبنة (1) بالخاء المعجمة وبضمها، والباء
~~وتسكينها، وبالنون المفتوحة، وهو ما يحمله الإنسان في حضنه هكذا قال
~~الجوهري في كتاب الصحاح، وقال الهروي في غريب الحديث، الخبنة ثبان الرجل،
~~وهو ذلذل ثوبه المرفوع، يقال رفع في خبنته شيئا، قال شمر الخبنة والحبكة في
~~الحجزة والثبنة في الإزار، قال ابن الأعرابي، أخبن الرجل إذا خبأ في خبنة
~~سراويله مما يلي البطن، هذا الذي قاله وحكاه أبو عبيد الهروي في غريب
~~الحديث، فأما من قال ذلك بالياء المنقطة نقطتين من تحتها موضع النون، فهو
~~خطأ محض وتصحيف صرف.
# جملة القول في الأعيان النجسة، أنها على أربعة أضرب.
# نجس العين، وهو الكلب والخنزير، وما توالد منهما، وما استحال نجسا،
~~كالخمر، والبول، والعذرة وجلد الميتة، فكل هذا نجس العين، لا ينتفع به، ولا
~~يجوز بيعه.
# الثاني ما ينجس بالمجاورة، ولا يمكن غسله، ولا يطهره الغسل بالماء، وهو
~~اللبن، والخل، والدبس، ونحو ذلك، فلا ينتفع به ولا يجوز بيعه بحال.
# والثالث، ما ينجس بالمجاورة وينتفع بمقاصد، ويمكن غسله وتطهيره بالماء،
~~وهو الثياب وما في معناها، فهذا يجوز بيعه قبل تطهيره.
# والرابع، ما اختلف في جواز غسله وهو الزيت والشيرج، فعند أصحابنا بغير
~~خلاف بينهم، أنه لا يجوز غسله ولا يطهره الغسل بالماء، وكذلك البزر
~~والأدهان أجمع، فعندنا وإن لم يجز غسله فيجوز الانتفاع به في الاستصباح تحت
~~السماء، على ما قدمناه وشرحناه (2)، ويجوز بيعه بهذا الشرط عندنا أيضا، ولا
~~يجوز الانتفاع به في غير الاستصباح.
# إذا وجد المضطر آدميا ميتا حل له الأكل منه بمقدار ما يمسك رمقه، كما لو
~~كانت الميتة بهيمة، للآيات وعمومها، وفي الناس من قال لا يجوز أكل لحم
~~الآدمي
# PageV03P127
# بحال للمضطر، لأنه يؤدي إلى أكل لحوم الأنبياء.
# وهذا ليس بصحيح، لأن المنع من ذلك يؤدي إلى أن الأنبياء يقتلون أنفسهم
~~بترك لحم الآدمي عند الضرورة، فكان من حفظ النبي في حال حياته أولى من الذي
~~لم يحفظه بعد وفاته، بدليل إن من قتل نبيا حيا ms1193 ليس كمن أتلف آدميا ميتا.
# فإن لم يجد المضطر شيئا بحال، قال قوم له أن يقطع من بدنه المواضع
~~اللحيمة، كالفخذ ونحوها، فيأكله، خوفا على نفسه، لأنه لا يمتنع إتلاف البعض
~~لاستبقاء الكل، كما لو كان به آكلة أو خبيثة، يقطعها.
# والصحيح عندنا، أنه لا يفعل ذلك، لأنه إنما يأكل خوفا على نفسه، وفي
~~القطع منه الخوف على نفسه، فلا يزال الخوف بالخوف، ويفارق الخبيثة، لأن في
~~قطعها قطع السراية، وليس كذلك قطع موضع من بدنه، لأن في قطعه إحداث سراية.
# فأما إن وجد المضطر بولا وخمرا فإنه يشرب البول، ولا يجوز له أن يشرب
~~الخمر، لأن البول لا يسكر، ولا حد في شربه، فإن لم يجد إلا الخمر، فقد قلنا
~~ما عندنا في ذلك (1)، فلا وجه لإعادته.
# باب الأشربة المحظورة والمباحة كل ما أسكر كثيره فالقليل منه حرام، لا
~~يجوز استعماله بالشرب، والتصرف فيه بالبيع والهبة، وينجس ما يحصل فيه، خمرا
~~كان أو نبيذا، أو بتعا، - بكسر الباء المنقطة من تحتها بنقطة واحدة، وتسكين
~~التاء المنقطة من فوقها بنقطتين، والعين غير المعجمة، وهو شراب يتخذ من
~~العسل -، أو نقيعا، وهو شراب يتخذ من الزبيب، أو مزرا، - بكسر الميم وتسكين
~~الزاء المعجمة، وبعدها الراء غير المعجمة وهو الشراب يتخذ من الذرة، - وغير
~~ذلك من المسكرات.
# وحكم الفقاع عند أصحابنا حكم الخمر على السواء، في أنه حرام شرابه،
~~وبيعه، والتصرف فيه.
# PageV03P128
# فأما عصير العنب، فلا بأس بشربه ما لم يلحقه نشيش بنفسه، فإن لحقه طبخ
~~قبل نشيشه، حتى يذهب ثلثاه، ويبقى ثلثه، حل شرب الثلث الباقي، فإن لم يذهب
~~ثلثاه، ويبقى ثلثه (1) كان ذلك حراما، وكذلك القول فيما ينبذ من الثمار في
~~الماء، أو اعتصر من الأجسام من الأعمال، في جوار شربه ما لم يتغير، فإن
~~تغير بالنشيش لم يشرب.
# ولا يقبل في طبخ العصير وغيره، شهادة من يرى جواز شربه في الحال التي لا
~~يجوز شربه عندنا فيها، وقد بيناها، ويقبل قول من لا يرى شربه إلا إذا ذهب
~~ثلثاه ms1194 وبقي ثلثه.
# ولا يجوز شرب الفضيخ - بالفاء والضاد المعجمة، والياء المنقطة من تحتها
~~بنقطتين، والخاء المعجمة - وهو ما عمل من تمر وبسر، ويقال هو أسرع إدراكا،
~~وكذلك كل ما عمل من لونين، حتى نش وتغير، وأسكر كثيره، فالقليل منه حرام،
~~والحد في قليله وكثيره واحد، كالخمر، وإن لم يسكر منها شاربها، لأن النبيذ
~~اسم مشترك لما حل شربه من الماء المنبوذ، فيه تمر النخل وغيره، قبل حلول
~~الشدة فيه، وهو أيضا واقع على ما دخلته الشدة من ذلك، أو نبذ على عكر
~~والعكر بقية الخمر في الإناء، كالخميرة عندهم، ينبذون عليه، فمهما ورد من
~~الأحاديث في تحليل النبيذ، فهو في الحال الأولى، ومهما ورد من التحريم له،
~~فإنما هو في الحال الثانية التي يتغير فيها، ويحرم بما حله من الشدة والسكر
~~والعكر، وضراوة الآنية بالخمرة غليانه وغير ذلك من أسباب تحريمه، ولا اختار
~~أن ينبذ للشرب الحلال، إلا في أسقية الأدم التي تملأ، ثم توكأ رؤوسها، فإنه
~~قد قيل إن الشدة حين يبتدء بالنبيذ لسوء الأسقية، وأنه إن لحقه منه شئ
~~أخرجه إلى الحموضة في الرواية (2) عن النبي عليه السلام.
# فأما الحنتم، - بالحاء غير المعجمة، والنون، والتاء المنقطة من فوقها
~~بنقطتين، - وهي الجرة الخضراء، هكذا ذكره الجوهري في كتاب الصحاح، وقال
~~شيخنا أبو جعفر في مبسوطه الحنتم الجرة الصغيرة (3) والدبا، بضم الدال
~~وتشديد الباء، والنقير،
# PageV03P129
# والمزفت.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله الزفت من الارزن هكذا ذكره الجاحظ في كتاب
~~الحيوان، والقطران من الصنوبر، هكذا ذكر، فقد روي (1) أن الرسول عليه
~~السلام نهى أن ينبذ في هذه الأواني، وقال انبذوا في الأدم، فإنه يوكأ،
~~ويعلق، كل هذا المنهي عنه لأجل الظروف، فإنها تكون في الأرض، فتسرع الشدة
~~إليها.
# ثم أباح هذا كله، بما روي عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي عليه السلام قال
~~نهيتكم عن ثلاث، وأنا آمركم بهن، نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإن
~~زيارتها تذكرة، ونهيتكم عن الأشربة أن تشربوا إلا في ظروف الأدم، فاشربوا
~~في كل ms1195 وعاء، غير أن لا تشربوا مسكرا، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي، أن تأكلوها
~~بعد ثلث، فكلوا واستمتعوا (2).
# فإن نبذ في شئ من تلك الظروف، لا يشرب إلا ما وقع اليقين بأنه لم تحله
~~شدة ظاهرة، ولا خفية، ولا يكون ذلك إلا بسرعة شرب ما ينبذ فيه.
# فأما " الدبا " فإنه القرع " والنقير " خشبة تنقر، تخرط كالبرنية، و "
~~المزفت " ما قير بالزفت بكسر الزاء، قال الجاحظ في كتاب الحيوان " القطران
~~" من الصنوبر، والزفت من الارزن.
# وقد قلنا إن العصير لا بأس بشربه وبيعه ما لم يغل، وحد الغليان على ما
~~روى (3) الذي يحرم ذلك، وهو أن يصير أسفله أعلاه، فإذا غلا حرم شربه، وبيعه
~~والتصرف فيه، إلى أن يعود إلى كونه خلا، ولا بأس بأمساكه، ولا يجب إراقته،
~~بل يجوز إمساكه إلى أن يعود خلا.
# PageV03P130
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ويكره الاستسلاف في العصير، فإنه لا يؤمن
~~أن يطلبه صاحبه، ويكون قد تغير إلى حال الخمر، بل ينبغي أن يبيعه يدا بيد،
~~وإن كان لو فعل ذلك لم يكن محظورا (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله، ما ذكره شيخنا رحمه الله فيه نظر، لأن
~~السلف لا يكون إلا في الذمة، ولا يكون في العين، فإذا كان في الذمة فسواء
~~تغير ما عنده إلى حال الخمر، أو لم يتغير، فإنه يلزمه تسليم ما له في ذمته
~~إليه، من أي موضع كان، فلا أرى للكراهية وجها، وإنما هذا لفظ خبر واحد،
~~أورده إيرادا.
# ولا بأس أن يبيع العنب والتمر ممن يعلم أن يجعله خمرا أو نبيذا، لأن
~~الإثم على من يجعله كذلك، وليس على البايع شئ، غير أن الأفضل أن يعدل عنه
~~إلى غيره، وقد حررنا ذلك وشرحناه في كتاب البيوع (2)، فليلحظ من هناك، فلا
~~وجه لإعادته.
# وقال شيخنا في نهايته، ولا يجوز أن يتداوى بشئ من الأدوية، وفيها شئ من
~~المسكر، وله عنه مندوحة، فإن اضطر إلى ذلك، جاز أن يتداوى به للعين، ولا
~~يجوز أن يشربه على حال، إلا عند خوفه على ms1196 نفسه من العطش، على ما قدمناه
~~(3).
# وقد قلنا (4) إنه لا يجوز له التداوي به لا للعين ولا غيرها، وإنما هذا
~~خبر واحد من شواذ أخبار الآحاد، أورده إيرادا ورجع عنه في مسائل خلافه (5)
~~حتى أنه حرم شربها عند الضرورة للعطش.
# وإليه أيضا ذهب في مبسوطه، فإنه قال إن وجد المضطر بولا وخمرا يشرب البول
~~دون الخمر، لأن البول لا يسكر ولا حد في شربه، فإن لم يجد إلا الخمر
~~فالمنصوص لأصحابنا أنه لا سبيل لأحد إلى شربها، سواء كان مضطرا إلى الأكل
~~أو الشرب، أو التداوي، وبه قال جماعة، وقال بعضهم إن كانت الضرورة العطش،
~~حل له شربها، ليدفع العطش عن نفسه، وقال بعضهم يحل للمضطر إلى الطعام
~~والشراب،
# PageV03P131
# ويحل للتداوي، ويجوز على ما روي في بعض أخبارنا عند الضرورة التداوي به
~~للعين، دون الشرب، هذا آخر كلامه في مبسوطه (1).
# وذهب في نهايته إلى جواز شربه خوف الضرر للعطش (2).
# وهو الذي يقوى في نفسي، واخترناه في كتابنا (3) هذا.
# ولا أدفع جوازه للمضطر إلى أكل ما يكون فيه الخمر خوفا من تلف نفسه،
~~لقوله تعالى " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " (4) وأيضا فأدلة العقول
~~تجوزه وتوجبه، لأنه يدفع الضرر به عن نفسه، فلا مانع يمنع منه عقلا وسمعا،
~~وقد قلنا إنه لا بأس بشرب النبيذ غير المسكر، وهو أن ينقع التمر والزبيب،
~~ثم يشربه، وهو حلو قبل أن يتغير.
# ويكره أن يسقى شئ (5) من الدواب والبهائم الخمر أو المسكر.
# ويكره الاستشفاء بالمياه الحارة التي تكون في الجبال.
# ومن شرب الخمر ثم بصق على ثوب، فإن علم أن معه شيئا من الخمر، لم تجز
~~الصلاة فيه، وإن لم يعلم ذلك بأن لا يكون ملونا جازت الصلاة فيه.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، أواني الخمر، ما كان من الخشب، أو القرع،
~~وما أشبههما، لم يجز استعمالها في شئ من المايعات، حسب ما قدمناه، وما كان
~~من صفر، أو زجاج، أو جرار خضر، أو خزف، جاز استعمالها إذا غسل ثلاث مرات،
~~حسب ما قدمناه، ms1197 وينبغي أن يدلك في حال الغسل (6).
# وقال في مبسوطه، في الجزء الأول، أواني الخمر ما كان قرعا أو خشبا
~~منقورا، روى (7) أصحابنا أنه لا يجوز استعماله بحال، وأنه لا يطهر، وما كان
~~مقيرا أو مدهونا، من الجرار الخضر أو خزفا، فإنه يطهر إذا غسل سبع مرات،
~~حسب ما
# PageV03P132
# قدمناه، وعندي أن الأول محمول على ضرب من التغليظ والكراهة، دون الحظر،
~~هذا آخر كلامه في مبسوطه (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله وهو الذي يقوى في نفسي، واخترناه في كتابنا
~~هذا (2).
# والذمي إذا باع خمرا أو خنزيرا، ثم أسلم، جاز له أن يقبض ذلك الثمن، وكان
~~حلالا له.
# والخمر إذا صار خلا، جاز استعماله، سواء صار ذلك من قبل نفسه، أو بعلاج،
~~إذا طرح فيها ما ينقلب إلى الخل، غير أنه يستحب أن لا يغير بشئ يطرح فيه،
~~على ما روي (3) بل يترك حتى يصير خلا من قبل نفسه.
# وقد روي (4) في بعض الأخبار، أنه إذا وقع شئ من الخمر في الخل، لم يجز
~~استعماله إلا بعد أن يصير ذلك الخمر خلا، أورد الرواية شيخنا في نهايته
~~(5).
# والذي يقضيه أصول مذهبنا، ترك العمل بهذه الرواية الشاذة ولا يلتفت
~~إليها، ولا يعرج عليها، لأنها مخالف للأدلة مضادة للإجماع، لأن الخل بعد
~~وقوع قليل الخمر في الخل، صار بالإجماع الخل نجسا، ولا دلالة على طهارته
~~بعد ذلك، ولا إجماع، لأنه ليس له حال ينقلب إليها، ولا يتعدى طهارة ذلك
~~الخمر المنفرد، واستحالته، وانقلابه، إلى الخل الواقع فيه قليل الخمر،
~~المختلط به، الذي حصل الإجماع على نجاسته.
# وهذا الرواية الشاذة، موافقة لمذهب أبي حنيفة، فإن صح ورودها، فتحمل على
~~التقية، لأنها موافقة لمذهب من سميناه بذلك، على ما نبهنا عليه قول السيد
~~المرتضى في انتصاره.
# فإنه قال مسألة عند الإمامية إذا انقلبت الخمر خلا بنفسها، أو بفعل آدمي،
# PageV03P133
# إذا طرح فيها ما تنقلب به إلى الخل، حلت، وخالف الشافعي ومالك في ذلك،
~~وأبو حنيفة موافق الإمامية فيما حكيناه، إلا أنه يزيد عليهم، فيقول فيمن ms1198
~~ألقى خمرا في خل، فغلب عليها، حتى لا يوجد طعم الخمر، إنه بذلك يحل، وعند
~~الإمامية أن ذلك لا يجوز، ومتى لم ينقلب الخمر إلى الخل، لم يحل، فكأنهم
~~انفردوا من أبي حنيفة، بأنهم امتنعوا مما أجازه على بعض الوجوه، وإن وافقوه
~~على انقلاب الخمر إلى الخل، فجاز لذلك ذكر هذه المسألة في الانفرادات،
~~دليلنا بعد الإجماع المتردد، إن التحريم إنما يتناول ما هو خمر، وما انقلب
~~خلا، فقد خرج من أن يكون خمرا، وأنه لا خلاف في إباحة الخل، واسم الخل
~~يتناول ما هو على صفة مخصوصة، ولا فرق بين أسباب حصوله عليها، ويقال لأصحاب
~~أبي حنيفة، أي فرق بين غلبة الخل على الخمر في تحليلها، وبين غلبة الماء
~~عليها، أو غيره من المايعات، أو الجامدات، حتى لا يوجد لها طعم، ولا رايحة،
~~فإن فرقوا بين الأمرين بأن الخمر تنقلب إلى الخل، ولا تنقلب إلى غيره من
~~المايعات والجامدات، قلنا كلامنا فيها على الانقلاب، والخمر إذا ألقيت في
~~الخل الكثير، فما انقلبت في الحال إلى الخل، بل عينها باقية، فكذلك هي في
~~الماء، فما الفرق بين أن يلقى فيما يجوز أن تنقلب إليه، وبين ما لا تنقلب
~~إليه، إذا كانت في الحال موجودة لم تنقلب هذا آخر كلام المرتضى رضي الله
~~عنه في المسألة (1)، فالحظه وتأمله بعين قلبك، فإنه دال على ما قلناه، كاشف
~~لما حررناه.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ويجوز أن يعمل الإنسان لغيره الأشربة من
~~التمر، والزبيب، والعسل، وغير ذلك، ويأخذ عليها الأجرة، ويسلمها إليه من
~~قبل تغيرها (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله، إذا استأجره على عمل ذلك، فحلال له الأجرة،
~~سواء سلمها إليه قبل التغير، أو بعده، فإنها تهلك من مال صاحبها، لأنها ما
~~زالت على ملكه.
# PageV03P134
# ولا بأس برب التوت " بتائين "، كل واحدة بنقطتين من فوق.
# ولا بأس برب الرمان والسكنجبين، والجلاب، وإن شم فيه رايحة المسكر، لأنه
~~ما لا يسكر كثيره، والجلاب شراب الورد، على ما حكاه الهروي في غريب الحديث ms1199
~~عن الأزهري، وكذلك ذكره ابن الجواليقي اللغوي، في كتاب المغرب، وفحوى
~~الكلام هيهنا يدل على ذلك.
# باب آداب الأكل والشرب يستحب أن يغسل الإنسان يده قبل أن يأكل الطعام،
~~ويغسلها بعده.
# ويستحب أيضا أن يسمي الله تعالى عند تناول الطعام والشراب، ويحمد الله
~~تعالى عند الفراغ، وإن كان على مائدة عليها ألوان مختلفة فليسم عند تناول
~~كل لون منها، وإن قال بدلا من ذلك بسم الله على أوله وآخره، كان كافيا.
# وقد روي (1) أنه إن سمى واحد من الجماعة، أجزأ عن الباقين.
# ولا يجوز الأكل على مائدة يشرب عليها شئ من المسكرات، أو الفقاع، بل يجب
~~عليه الإنكار مع القدرة عليه، أو القيام، فإن أكل ما هو طاهر، فالأكل حرام
~~محظور.
# ويكره أن يقعد الإنسان متكيا في حال الأكل، بل ينبغي أن يجلس على رجله.
# وكثرة الأكل مكروه، وربما بلغ أحد الحظر.
# ويكره الأكل على الشبع - بفتح الباء -.
# ويكره الأكل والشرب باليسار.
# وينبغي أن يتولى ذلك باليمين إلا عند الضرورة.
# ويكره الأكل والشرب ماشيا.
# ويكره الشرب بنفس واحد بل ينبغي أن يكون ذلك بثلاثة أنفاس، فإنه
# PageV03P135
# روي (1) أن العب يورث الكباد.
# ويكره أكل طعام لم يدع إليه، بأن يتبع غيره ممن دعي إليه.
# ولا يجوز الأكل من طعام يعصى الله به أو عليه، من اختلاطه بخمر، أو نجاسة
~~غير الخمر، أو شربه عليه.
# ويكره قطع الخبز بالسكين على المائدة.
# ويكره الشرب من عروة الكوز، وكذلك من ثلمته.
# ويستحب أن يتبع ما يسقط من فتات الخبز عند الأكل، ويترك إذا كان في
~~صحراء.
# ويشرب صاحب المنزل أول القوم، ويغسل آخرهم.
# ولا يتمندل قبل الطعام ويمسه بعده.
# ويستحب الخلال، ولا يتخلل بعود ريحان، ولا قصب.
# ويستحب أن يبدأ صاحب الطعام بالأكل ويكون هو آخرهم، رفعا يده منه، فإذا
~~أرادوا غسل أيديهم، يبدأ بمن هو عن يمينه، حتى ينتهي إلى آخرهم.
# ويستحب أن يجمع غسالة الأيدي في إناء واحد.
# وإذا حضر الطعام والصلاة، فالبداءة بالصلاة أفضل، إذا كانوا في أول
~~الوقت، فإن كانوا ms1200 في آخر الوقت فذلك هو الواجب، لا أفضل، فإن كان هناك قوم
~~ينتظرونه للإفطار معه، وكان أول الوقت، وهم صيام، فالبدأة بالطعام أفضل،
~~لموافقتهم، وإن كان قد تضيق الوقت، لا يجوز إلا البدأة بالصلاة، على ما
~~قدمناه.
# ويستحب لمن أكل الطعام، أن يستلقي على قفاه، ويضع رجله اليمنى على
~~اليسرى.
# PageV03P136
# كتاب الطب PageV03P137
# كتاب الطب والاستشفاء بالبر وفعل الخير قد ورد الأمر عن رسول الله صلى
~~الله عليه وآله ووردت أخبار عن الأئمة من ذريته عليهم السلام، بالتداوي،
~~فقالوا: تداووا، فما أنزل الله داء إلا أنزل معه دواء إلا السام، فإنه لا
~~دواء معه، يعني الموت (1).
# ويجب على الطبيب أن يتقي الله سبحانه فيما يفعله بالمريض، وينصح فيه.
# ولا بأس بمداواة اليهودي والنصراني للمسلمين، عند الحاجة إلى ذلك.
# وإذا أصاب المرأة علة في جسدها، واضطرت إلى مداواة الرجال لها، كان جايزا
~~ومن كان يستضر جسده بترك العشاء، فالأفضل له أن لا يتركه، ولا يبيت إلا
~~وجوفه مملوءة من الطعام، فقد روي (2) أن ترك العشاء مهرمة.
# وإذا كان الإنسان مريض، فلا ينبغي أن يكرهه على تناول الطعام والشراب، بل
~~يتلطف به في ذلك.
# وروي (3) أن أكل اللحم واللبن، ينبت اللحم، ويشد العظم، وروي (4) أن
~~اللحم يزيد في السمع والبصر، وروي (5) أن أكل اللحم بالبيض يزيد في الباه.
# وروي (6) أن ماء الكمأة، فيه شفاء للعين.
# PageV03P138
# وروي (1) أنه يكره أن يحتجم الإنسان في يوم الأربعاء، أو سبت، فإنه ذكر
~~أنه يحدث منه الوضح، والحجامة في الرأس فيها شفاء من كل داء.
# وروي (2) أن أفضل الدواء في أربعة أشياء، الحجامة، والحقنة، والنورة،
~~والقي.
# فإن تبيغ الدم، - بالتاء المنقطة من تحتها بنقطتين، من فوق، والباء
~~المنقطة من تحتها بنقطة واحدة، والياء المنقطة من تحتها بنقطتين، وتشديدها،
~~والغين المعجمة، ومعنى ذلك هاج به، يقال تبوغ الدم بصاحبه، وتبيغ، أي هاج
~~به، - فينبغي أن يحتجم في أي الأيام كان، من غير كراهية وقت من الأوقات،
~~ويقرأ آية الكرسي، وليستخر الله سبحانه، ويصلي على النبي وآله عليهم
~~السلام.
# وروي ms1201 (3) أنه إذا عرضت الحمى لإنسان، فينبغي أن يداويها بصب الماء عليه،
~~فإن لم يسهل عليه ذلك، فليحضر له إناء فيه ماء بارد، ويدخل يده فيه.
# والاكتحال بالأثمد عند النوم يذهب القذي، ويصفي البصر.
# وروي (4) أنه إذا لذعت العقرب إنسانا فليأخذ شيئا من الملح، ويضعه على
~~الموضع، ثم يعصره بإبهامه، حتى يذوب.
# وروي (5) أنه من اشتد وجعه، فينبغي أن يستدعي بقدح فيها ماء، ويقرأ عليه
~~الحمد أربعين مرة، ثم يصبه على نفسه.
# وروي (6) أن أكل الزبيب المنزوع العجم، على الريق، فيه منافع عظيمة، فمن
~~أكل منه كل يوم على الريق إحدى وعشرين زبيبة منزوعة العجم، قل مرضه، وقيل
# PageV03P139
# إنه لا يمرض إلا المرض الذي يموت فيه.
# ومن أكل عند نومه تسع تمرات، عوفي من القولنج، وقتل دود البطن على ما روي
~~(1).
# وروي (2) أن أكل الحبة السوداء، فيه شفاء من كل داء، على ما روي.
# وفي شراب العسل منافع كثيرة، فمن استعمله، انتفع به ما لم يكن به مرض
~~حار.
# وروي (3) أن لبن البقر فيه منافع، فمن تمكن منه فليشربه.
# وروي (4) أن أكل السمن (5) نافع للأحشاء.
# وروي (6) أن أكل القرع، يزيد في العقل، وينفع الدماغ.
# ويستحب أكل الهندباء.
# وروي عن سيدنا أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام، أنه قال إذا
~~دخلتم أرضا فكلوا من بصلها، فإنه يذهب عنكم وباؤها (7).
# وروي أن رجلا من أصحابه عليه السلام شكا إليه اختلاف البطن، فأمر أن يتخذ
~~من الأرز سويقا، ويشربه، ففعل، فعوفي (8).
# وروي أن النبي عليه السلام قال، إياكم والشبرم، فإنه حار بار، وعليكم
~~بالسناء، فتداووا به، فلو دفع شئ من الموت، لدفعه السناء وتداووا بالحلبة،
~~فلو علم أمتي ما لها في الحلبة، لتداووا بها، ولو بوزنها ذهبا (9).
# PageV03P140
# وروي عنه عليه السلام أنه قال إدمان أكل السمك الطري يذيب الجسم (1).
# وروي أن أكل التمر بعد السمك الطري، يذهب أذاه (2).
# وروي عنه عليه السلام، أن رجلا شكا إليه وجع الخاصرة فقال عليه السلام له
~~عليك بما يسقط من الخوان، فكله، ففعل فعوفي (3).
# وروي عنه ms1202 عليه السلام أنه قال الريح الطيبة تشد العقل، وتزيد في الباه
~~(4).
# وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نهى عن أكل الطفل الطين،
~~والفحم، وقال من أكل الطين، فقد أعان على نفسه، ومن أكله ومات لم يصل عليه،
~~وأكل الطين يورث النفاق (5).
# وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: فضلنا أهل البيت على الناس كفضل
~~البنفسج على ساير الأدهان (6).
# وروي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال من أكل الرمان بشحمه، دبغ
~~معدته (7).
# والسفرجل يذكي القلب الضعيف، ويشجع الجبان (8).
# وروي عن سيدنا أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال الخل يسكن
~~المرار، ويحيي القلب، ويقتل دود البطن، ويشد الفم (9).
# PageV03P141
# فهذه جملة مقنعة من جملة ما ورد عن الأئمة عليهم السلام في هذا الباب،
~~وإيراد جميعه لا يحصى ولا يسعه كتاب.
# فأما ما ورد عنهم عليهم السلام في الاستشفاء بفعل الخير والبر والتعوذ،
~~والرقى، فنحن نورد من جملة ما ورد عنهم عليهم السلام في ذاك، جملة مقنعة
~~بمشية الله تعالى.
# وروي عن سيدنا أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال ثلاثة
~~يذهبن النسيان، ويحددن الفكر، قراءة القرآن، والسواك، والصيام (1).
# وروي عنه عليه السلام أن بعض أهل بيته ذكر له أمر عليل عنده، فقال ادع
~~بمكتل، فاجعل فيه برا، واجعله بين يديه، أمر غلمانك إذا جاء سائل أن يدخلوه
~~إليه، فيناوله منه بيده، ويأمره أن يدعو له، قال أفلا أعطي الدنانير
~~والدراهم، قال اصنع ما آمرك به، فكذلك رويناه، ففعل فرزق العافية (2).
# وروي عنه عليه السلام أنه قال ارغبوا في الصدقة، وبكروا فيها، فما من
~~مؤمن تصدق بصدقة حين يصبح، يريد بها ما عند الله، إلا دفع الله بها عنه شر
~~ما ينزل من السماء ذلك اليوم، ثم قال لا تستخفوا بدعاء المساكين للمرضى
~~منكم، فإنه مستجاب لهم فيكم، ولا يستجاب لهم في أنفسهم (3).
# وروي عنه عليه السلام أن رجلا من أصحابه شكا إليه وضحا أصابه بين عينيه،
~~وقال بلغ مني يا ms1203 رسول الله مبلغا شديدا، فقال عليك بالدعاء وأنت ساجد، ففعل
~~فبرئ منه (4).
# وروي عنه عليه السلام أنه قال إذا أصابك هم، فامسح يدك على موضع سجودك،
~~ثم مر يدك على وجهك من جانب خدك الأيسر، وعلى جبينك إلى جانب خدك الأيمن،
~~ثم قل بسم الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم،
~~اللهم أذهب عني الهم والحزن ثلاثا (5).
# PageV03P142
# وروي عنه عليه السلام أنه قال من قال كل يوم ثلاثين مرة بسم الله الرحمن
~~الرحيم، الحمد لله رب العالمين، تبارك الله أحسن الخالقين، ولا حول ولا قوة
~~إلا بالله العلي العظيم دفع الله عنه تسعة وتسعين نوعا من البلاء، أهونها
~~الجذام (1).
# وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال مرضت فعادني
~~رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا لا اتقار على فراشي، فقال يا علي إن أشد
~~الناس بلاء النبيون ثم الأوصياء، ثم الذين يلونهم، إبشر فإنها حظك من عذاب
~~الله، مع مالك من الثواب، ثم قال أتحب أن يكشف الله ما بك؟ قال قلت بلى يا
~~رسول الله.
# قال قل، اللهم ارحم جلدي الرقيق، وعظمي الدقيق، وأعوذ بك من فورة الحريق،
~~يا أم ملدم، إن كنت آمنت بالله، فلا تأكلي اللحم، ولا تشربي الدم، ولا
~~تفوري من الفم، وانتقلي إلى من يزعم أن مع الله إلها آخر، فإني أشهد أن لا
~~الله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، قال فقلتها،
~~فعوفيت من ساعتي. قال جعفر بن محمد عليه السلام ما فزعت إليه قط، إلا وجدته
~~وكنا نعلمه النساء والصبيان (2).
# وروي عن سيدنا أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام أنه قال كان رسول الله
~~صلى الله عليه وآله يجلس الحسن على فخذه اليمنى، والحسين على فخذه اليسرى،
~~ثم يقول أعيذكما بكلمات الله التامات كلها، من شر كل شيطان، وهامة، ومن كل
~~عين لامة، ثم يقول هكذا كان إبراهيم أبي عليه السلام يعوذ بنيه إسماعيل
~~وإسحاق عليهم السلام (3).
# وروي ms1204 عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال من ساء خلقه، فأذنوا في إذنه
~~(4).
# وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن السحر، والكهانة، والقيافة،
~~والتمائم (5)، فلا يجوز استعمال شئ من ذلك على الحال.
# هذه جملة مقنعة، واستقصاء ذلك يطول به الكتاب، ويحصل به الإسهاب.
# .
# PageV03P143
# كتاب السبق والرماية PageV03P145
# كتاب السبق والرماية قال الله تعالى، " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن
~~رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم " (1).
# وروى عقبة بن عامر (2) أن النبي صلى الله عليه وآله قال ألا إن القوة
~~الرمي، ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي (3).
# ووجه الدلالة أن الله تعالى أمرنا بإعداد الرمي، ورباط الخيل، للحرب
~~ولقاء العدو، والإعداد لذلك، ولا يكون كذلك إلا بالتعليم، والنهاية في
~~التعلم المسابقة بذلك، ليكد كل واحد نفسه في بلوغ النهاية، والحذق فيه،
~~وكان في ضمن الآية دليل على ما قدمناه.
# وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو
~~حافر (4).
# وروي أن النبي صلى الله عليه وآله سابق الخيل المضمرة، من الحقباء إلى
~~ثنية الوداع، وكان للرسول ناقة يقال لها العضباء، إذا سابقت سبقت، فجاء
~~أعرابي على بكر فسبقها، فاغتم المسلمون، فقيل يا رسول الله سبقت العضباء،
~~فقال حق على
# PageV03P146
# الله أن لا يرفع شيئا في الأرض إلا وضعه (1).
# وروي عنه عليه السلام أنه قال: تناضلوا، واحتفوا، واخشوشنوا، وتمعددوا
~~(2).
# قوله تناضلوا، يعني تراموا والنضال الرمي، واحتفوا، يعني امشوا حفاة،
~~واخشوشنوا، البسوا الخشن من الثياب، وأراد أن يعتادوا الحفا وتمعددوا،
~~تكلموا بلغة معد بن عدنان، فإنها أفصح اللغات.
# وعليه إجماع الأمة، وإنما الخلاف في أعيان المسائل.
# فإذا تقرر جواز ذلك، فالكلام فيما يجوز المسابقة عليه، وما لا يجوز.
# فما تضمنه الخبر من النصل، والحافر، والخف، يجوز المسابقة به، فالنصل
~~ضربان، نشابة، وهي للعجم، والآخر السهم، وهو للعرب والمزاريق وهي الردينيات
~~(3) والسيوف، وكل ذلك من النصل.
# ويجوز المسابقة عليه بعوض لقوله عليه السلام لا سبق إلا في نصل، أو خف، ms1205
~~أو حافر، وكل ذلك يتناوله اسم النصل.
# فأما الخف فضربان، إبل وفيلة، وكلاهما يجوز عندنا المسابقة عليهما بعوض.
# فأما الحافر، والخيل والبغال والحمير، فيجوز المسابقة عليها، لقوله عليه
~~السلام أو حافر، وهذه الأجناس ذوات حوافر.
# فأما ما لم يرد فيه الخبر، فمذهبنا أنه لا يجوز المسابقة به لأن النبي
~~عليه السلام نهى أن يكون المسابقة إلا في هذه الثلاثة الأشياء، فعلى هذا
~~التحرير لا يجوز المسابقة بالطيور، ولا على الأقدام، وشبل الأحجار، ودحوها،
~~والمسارعة، والسفن، ونطاح الكباش، وغير ذلك.
# فإذا ثبت ذلك، فإذا قال إنسان لاثنين، أيكما سبق بفرسه إلى كذا، فله عشرة
# PageV03P147
# دراهم - صح لأن كل واحد منهما يجتهدان يسبق وحده، فأما إن كان المسبق
~~أحدهما، فقال أينا سبق فله عشرة، إن سبقت أنت فلك العشرة، وإن سبقت أنا فلا
~~شئ عليك، فإنه جايز عندنا، لأن الأصل جوازه.
# فإن أخرج كل واحد منهما عشرة، ويقول من سبق فله العشرون معا، فإن لم
~~يدخلا بينهما محللا، فإن المخالف لا يجيزه، ويجعله قمارا، وعندنا أنه لا
~~يمتنع جوازه، لأن الأصل الإباحة، فأما إن أدخلا بينهما ثالثا، لا يخرج شيئا
~~وقالا: إن سبقت أنت، فلك السبقان معا فإنه يجوز ذلك عندنا، لأن الأصل
~~الجواز.
# والاعتبار بالسبق بالكتد، أو الهادي، عند الأكثر، وقال قوم شذاذ،
~~الاعتبار بالإذن.
# ولا يجوز المسابقة حتى يكون ابتداء الغاية التي يجريان منها، والانتهاء
~~التي يجريان إليه، معلوما.
# وأما في المناضلة بالسهام والنشاب، فإذا تناضلا على الإصابة، جاز، وإن
~~تناضلا على أيهما أبعد رميا، جاز أيضا عندنا.
# والنضال، اسم يشتمل على المسابقة بالخيل والرمي معا، ولكل واحد منهما اسم
~~ينفرد به، فالمناضلة في الرمي، والرهان في الخيل.
# وجميع أحكام الرهان معتبرة في النضال، إلا من وجه واحد، وهو أن المسابقة
~~لا تصح حتى يعين الفرس، ومتى نفق لم يستبدل صاحبه غيره، وفي النضال لا
~~يحتاج إلى تعين القوس، ومتى عينها، لم يتعين، ومتى انكسرت، كان له أن
~~يستبدل بها، لأن المقصود من النضال الإصابة ومعرفة حذق الرامي، وهذا لا ms1206
~~يختلف لأجل القوس، والقصد في المسابقة معرفة السابق، فلهذا اختلف باختلاف
~~الفرس.
# لا تصح المناضلة إلا بسبع شرايط، وهو أن يكون الرشق معلوما، وعدد الإصابة
~~معلوما، وصفة الإصابة معلومة، والمسافة معلومة، وقدر الغرض معلوما، والسبق
~~معلوما، فالرشق بكسر الراء عبارة عن عدد الرمي.
# قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه الخازق ما خدش الغرض ولم يثبت فيه،
~~PageV03P148
# والخواسق ما فتح الغرض وثبت فيه (1)، وقال الجوهري، في كتاب الصحاح
~~الخازق من السهام المقرطس، وقد خزق السهم يخزق، ويقال خزقتهم بالنبل، أي
~~أصبتهم بها، وقال الخاسق لغة في الخازق من السهام، وهو بالخاء المعجمة،
~~والزاء المعجمة، والقاف، والخاسق بالخاء المعجمة أيضا، والسين غير المعجمة.
# والهدف هو التراب المجموع الذي ينصب فيه الغرض. والغرض هو الذي ينصب في
~~الهدف، ويقصد أصابته، ويكون من رق، أو جلد، أو ورق، أو قرطاس.
# فأما السبق، فعبارة عن المال المخرج في المناضلة.
# اختلف الناس في عقد المسابقة، هل هو من العقود اللازمة أو الجائزة؟ قال
~~قوم هو من العقود الجائزة، وهو الذي اختاره شيخنا في مسائل خلافه (2)، وقال
~~آخرون هو من العقود اللازمة، وهو الذي يقوى في نفسي، لقوله تعالى " أوفوا
~~بالعقود " (3) وهذا عقد يجب الوفاء به.
# إذا تلبسا بالنضال، ففضل لأحدهما إصابة، فقال المفضول اطرح الفضل بدينار
~~حتى نكون في عدد الإصابة، سواء، لم يجز، لأن موضوع النضال على أن ينضل
~~أحدهما صاحبه بحذقه، فإذا طرح بما نضله، لما طرح من عدد الإصابة، لا لحذقه،
~~وإذا لم يصح، فعليه رد ما بذله، ويعود إلى عدد أصابته فيكون على الرمي على
~~إكمال الرشق، ليتبين الناضل منهما.
# PageV03P149
# كتاب الوقوف والصدقات PageV03P151
# كتاب الوقوف والصدقات وجوه العطايا ثلاثة: اثنان منها في حال الحياة
~~وواحد بعد الوفاة.
# فالذي بعد الوفاة الوصية، ولها كتاب منفرد نذكره فيما بعد، إن شاء الله
~~تعالى.
# وأما اللذان في حال الحياة فهما الهبة والوقف، فإن قيل: والصدقة، قلنا:
# الوقوف في الأصل صدقات، فلا جل هذا لم نذكرها.
# والهبة لها باب مفرد يجئ فيما بعد، إن شاء الله. ms1207
# وأما الوقوف فهذا موضعها، فإذا ثبت هذا، فالوقف تحبيس الأصل وتسبيل
~~المنفعة، وجمعه وقوف وأوقاف، يقال: وقفت، ولا يقال: أوقفت، إلا شاذا نادرا،
~~ويقال: حبست، وأحبست.
# فإذا وقف شيئا زال ملكه عنه، إذا قبض الموقوف عليه أو من يتولى عنه، وإن
~~لم يقبض لم يمض الوقف، ولم يلزم، فإذا قبض الوقف فلا يجوز له الرجوع فيه
~~بعد ذلك، ولا التصرف فيه ببيع ولا هبة ولا غيرهما، ولا يجوز لأحد من ورثته
~~التصرف فيه، سواء أحدث الموقوف عليه ما يمنع الشرع من معونته، أو لم يحدث،
~~لأنه بعد قبضه قد صار ملكا من أملاكه، ومالا من أمواله، فله حكم ساير
~~أمواله.
# وقال شيخنا المفيد " في مقنعته " " الوقوف في الأصل صدقات لا يجوز الرجوع
~~فيها، إلا أن يحدث الموقوف عليهم ما يمنع الشرع من معونتهم، والقربة إلى
~~الله بصلتهم، أو يكون تغييرا لشرط في الوقوف إلى غيره أدر عليهم وأنفع لهم
~~من تركه على حاله " (1).
# PageV03P152
# والذي يتقضيه مذهبنا أنه بعد وقفه وتقبيضه لا يجوز الرجوع فيه، ولا
~~تغييره عن وجوهه وسبله، ولا بيعه، سواء كان بيعه أدر عليهم أم لا، وسواء
~~أخربه الوقف (1) ولا يوجد من يراعيه بعمارة، من سلطان وغيره، أو يحصل بحيث
~~لا يجدي نفعا لأنا قد اتفقنا جميعا على أنه وقف، وأنه لا يجوز حله ولا
~~تغييره عن وجوهه وسبله، فمن ادعى غير ذلك فقد ادعى حكما شرعيا، يحتاج في
~~إثباته إلى دليل شرعي، لأنه لا إجماع منا على ذلك، لأن بعض أصحابنا يذهب
~~إليه، والباقون يمنعون منه، فقد حصل الإجماع المنعقد على كونه وقفا، ولم
~~يجمعوا على خروجه من الوقف، بحال من الأحوال، ولا يرجع في مثل هذا الإجماع
~~والأصل إلى أخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا.
# فإن شيخنا أبا جعفر قال في مسائل خلافه، مسألة إذا خرب الوقف ولا يرجى
~~عوده، في أصحابنا من قال: يجوز بيعه، وإذا لم يختل لم يجز، وبه قال أحمد بن
~~حنبل.
# وقال الشافعي: لا يجوز بيعه على حال، دليلنا الأخبار ms1208 المروية عن الأئمة
~~عليهم السلام، هذا آخر كلامه في المسألة (2).
# فاعتبر أيها المسترشد قوله واستدلاله، فإنه قال: " في أصحابنا من قال
~~يجوز بيعه " ولم يستدل بالإجماع، لأنهم ما أجمعوا على بيعه بعد خرابه
~~واختلاله، وذكر ما لا دليل فيه من أخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا.
# هذا الخلاف الذي حكيناه من أصحابنا إنما هو إذا كان الوقف على قوم
~~مخصوصين، وليس فيه شرط يقتضي رجوعه إلى غيرهم، فأما إذا كان الوقف على قوم
~~وعلى من بعدهم على غيرهم (3) وكان الواقف قد اشترط رجوعه إلى غير ذلك، إلى
~~أن يرث الله الأرض، لم يجز بيعه على وجه الوجوه، بغير خلاف بين أصحابنا.
# قد قلنا: أنه إذا قبض الوقف زال ملك الواقف عنه، وصار ملكا للموقوف
# PageV03P153
# عليه، فإذا ثبت أنه يزول وهو الصحيح - فإنه ينتقل إلى الموقوف عليه، وقال
~~قوم:
# ينتقل إلى الله، ولا ينتقل إلى الموقوف عليه.
# وإنما قلنا: أنه ينتقل إلى الموقوف عليه، لأنه يضمن بالغصب، ويثبت عليه
~~اليد، وليس فيه أكثر من أنه لا يملك بيعه على حال، ومنع البيع لا يدل على
~~أنه لم يملكه، لأن الشئ المرهون ملك للراهن، ولا يجوز له بيعه، وكذلك أم
~~الولد ملك لسيدها، بلا خلاف، ولا يجوز له بيعها ما دام ولدها حيا، عند
~~أصحابنا.
# فعلى هذا التحرير فهل يقبل في الوقف شاهد واحد ويمين المدعي أم لا؟ من
~~قال: ينتقل إلى الله قال: لا تقبل في ذلك إلا شهادة شاهدين، ومن قال: ينتقل
~~إلى الموقوف عليه قال: تقبل في ذلك شهادة واحد ويمين المدعي الذي هو
~~الموقوف عليه، لأن شهادة الواحد ويمين المدعي تقبل عندنا في كل ما كان
~~مالا، أو المقصود منه المال، والوقف مال أو المقصود منه المال، بغير خلاف.
# يجوز وقف الأراضي، والعقار، والدور، والرقيق والماشية، والسلاح، وكل عين
~~تبقى بقاء متصلا ويمكن الانتفاع بها، خلافا لأبي يوسف، فإنه لا يجوز الوقف
~~إلا في الدور، والأراضي، والكراع، والسلاح، والغلمان، تبعا للضيعة
~~الموقوفة.
# وكل عين جاز بيعها وأمكن ms1209 الانتفاع بها مع بقائها المتصل فإنه يجوز وقفها،
~~إذا كانت معينة، فأما إذا كانت في الذمة، أو كانت مطلقة، وهو أن يقول: وقفت
~~فرسا أو عبدا فإن ذلك لا يجوز، لأنه لا يمكن الانتفاع به ما لم يتعين، ولا
~~يمكن تسليمه، ولا يمكن فيه القبض، ومن شرط لزومه القبض.
# فأما الدنانير والدراهم فلا يصح وقفهما، بلا خلاف وإنما قلنا لا يجوز،
~~لأنه لا منفعة لهما مقصودة غير التصرف فيهما، فأما إذا كانت حليا مباحا فلا
~~يمنع من وقفها مانع، فأما ما عدا الدنانير والدراهم، من الأواني، والفرش،
~~والدواب، والبهائم، فإنه يجوز وقفها، لما ذكرناه.
# ويجوز وقف المشاع، كما يجوز وقف المقسوم، ويصح قبضه كما يصح قبضه في
~~البيع.
# وجملة القول أنه يفتقر صحة الوقف إلى شروط: PageV03P154
# منها أن يكون الواقف مختارا، مالكا للتبرع، فلو وقف وهو محجور عليه لفلس
~~لم يصح.
# ومنها أن يكون متلفظا بصريحه، قاصدا له وللتقرب به إلى الله تعالى.
# والصريح من ألفاظه وقفت، وحبست، وسبلت.
# فأما قوله: تصدقت، فإنه يحتمل الوقف وغيره، إلا أن يقرن إليه قرينة تدل
~~على أنه وقف، مثل قوله: تصدقت صدقة لا تباع ولا توهب، وغير ذلك.
# وكذا قوله: " حرمت وأبدت " لا يدل على صريح الوقف، إلا أن يضم إلى ذلك
~~ضميمة، مع أنهما لم يرد بهما عرف الشرع، فلا يحمل على الوقف إلا بدليل.
# ومن أصحابنا من اختار القول بأنه لا صريح في الوقف إلا قوله: " وقفت "
~~دون " حبست وسبلت " وهو الذي يقوى في نفسي، لأن الإجماع منعقد على أن ذلك
~~صريح في الوقف، وليس كذلك ما عداه.
# ولو قال تصدقت ونوى به الوقف صح فيما بينه وبين الله تعالى، لكن لا يصح
~~في الحكم، لما ذكرناه من الاحتمال.
# ومنها أن يكون الموقوف معلوما، مقدورا على تسليمه، يصح الانتفاع به مع
~~بقاء عينه في يد الموقوف عليه، على ما قدمناه فيما مضى.
# ومنها أن يكون الموقوف عليه غير الواقف، فلو وقف على نفسه لم يصح، فأما
~~إذا وقف شيئا على المسلمين ms1210 عامة فإنه يجوز له الانتفاع به، عند بعض
~~أصحابنا، قال:
# لأنه يعود إلى أصل الإباحة، فيكون هو وغيره فيه سواء، هذا إذا كان الوقف
~~عاما كان حكمه كحكم غيره من الناس: الفقراء، والمساكين، وإن لم يكن عاما
~~وكان مخصوصا بقوم معينين لم يجز له ذلك، وإن كان ما وقفه دارا أو منزلا،
~~وكان وقفه لذلك عاما في ساير الناس، مثل الدور التي ينزلها الحاج،
~~والخانات، جاز له النزول فيها، وإن لم يكن كذلك لم يجز له ذلك على حال.
# والذي يقوى عندي أن الواقف لا يجوز له الانتفاع بما وقفه على حال، لما
~~بيناه وأجمعنا عليه، من أنه لا يصح وقفه على نفسه، وأنه بالوقف قد خرج عن
~~ملكه، ولا يجوز عوده إليه بحال. PageV03P155
# ومنها أن يكون معروفا متميزا يصح التقرب إلى الله تعالى بالوقف عليه، وهو
~~ممن يملك المنفعة حالة الوقف، فعلى هذا لا يصح أن يقف الإنسان على شئ من
~~معابد (1) أهل الضلال، ولا على مخالف للإسلام، أو معاند للحق غير معتقد له،
~~إلا أن يكون أحد والديه، لقوله تعالى: " وصاحبهما في الدنيا معروفا " (2)
~~وما عداهما من الأهل والقرابات الكفار المعاندين للحق فلا يجوز الوقف عليهم
~~بحال، لأنا قد بينا أن من شرط صحة الوقف التقرب به إلى الله تعالى.
# ولا يصح الوقف على من لم يوجد أولاده، ولا ولد لهم، ولا على الحمل قبل
~~انفصاله، ولا على عبده، بلا خلاف ولو وقف على أولاده وفيهم موجود، ولم ينو
~~تعيين الوقف بالموجود ولا شرطه للموجود وحده صح، ودخل في الوقف من سيولد له
~~على وجه التبع، لأن الاعتبار باتصال الوقف في ابتدائه بموجود هو من أهل
~~الملك، فإن شرط أنه للموجود دون من سيولد فلا يدخل مع الموجود من سيولد
~~فيما بعد، بغير خلاف.
# ويصح الوقف على المساجد والقناطر وغيرهما، لأن المقصود بذلك مصالح
~~المسلمين، وهم يملكون الانتفاع.
# ومنها أن يكون الوقف مؤبدا غير منقطع، فلو قال: وقفت هذا سنة لم يصح.
# فأما قبض الموقوف عليه أو من ms1211 يقوم مقامه في ذلك، فشرط في اللزوم والصحة.
# ومنها أن لا يدخله شرط خيار الواقف في الرجوع فيه، ولا أن يتولاه هو
~~بنفسه، أو يغيره هو متى شاء وينقله من وجوهه وسبله، فمتى شرط ذلك كان الوقف
~~باطلا، على الصحيح من أقوال أصحابنا، لأنه لا خلاف في صحة ما ذكرناه، وفيما
~~عداه خلاف.
# وتعليق الوقف بشرايط في الترتيب جايز، ولا يجوز ذلك في الوقف نفسه على ما
~~قدمناه.
# وذهب السيد المرتضى إلى أن من وقف وقفا جاز له أن يشترط أنه إن احتاج
~~إليه
# PageV03P156
# في حال حياته كان له بيعه والانتفاع بثمنه (1).
# وما اخترناه من القول الأول هو مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي (2) وجلة
~~مشيختنا، ودليله ما قدمناه من أنه لا خلاف في صحة الوقف إذا خلا من الشرط
~~المخالف فيه، والخلاف في صحته مع الشرط المذكور.
# ويدل على صحة ما اعتبرناه من الشروط بعد إجماع أصحابنا أنه لا خلاف في
~~صحة الوقف ولزومه إذا تكاملت، وليس على صحته ولزومه إذا لم تتكامل دليل.
# ويتبع في الوقف ما يشرطه الواقف، من ترتيب الأعلى على الأدنى، أو
~~اشتراكيهما، أو تفضيل في المنافع، أو المساواة فيها، إلى غير ذلك، بلا
~~خلاف.
# وإذا وقف على أولاده، وأولاد أولاده، أو على أولاده فحسب، ولم يقل:
# لصلبه، دخل فيهم أولاد أولاده، ولد البنات والبنين، بدليل إجماع أصحابنا،
~~ولأن اسم الولد يقع عليهم، لغة وشرعا، وقد أجمع المسلمون على أن عيسى عليه
~~السلام ولد آدم، وهو ولد ابنته، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله في الحسن
~~والحسين:
# " ابناي هذان إمامان، قاما أو قعدا " (3) ولا خلاف بين المسلمين في أن
~~الإنسان لا يحل له نكاح بنت بنته، مع قوله تعالى: " حرمت عليكم أمهاتكم
~~وبناتكم " (4) فبنت البنت بنت بغير خلاف، وأيضا دعا رسول الله عليه السلام
~~الحسن ابنا، وهو ابن بنته فقال: (5) لا تزرموا على ابني (6) بالزاء المعجمة
~~المسكنة، والراء غير المعجمة المكسورة، والميم - أي لا تقطعوا عليه بوله،
~~وكان قد بال في حجره فهموا بأخذه، فقال ms1212 لهم ذلك.
# فأما استشهاد المخالف على خلاف ما ذكرناه بقول الشاعر:
# بنونا بنو أبناءنا وبناتنا * بنوهن أبناء الرجال الأباعد.
# فإنه مخالف لقول الرسول عليه السلام، وقول الأمة، والمعقول، فوجب رده،
~~وأن
# PageV03P157
# لا يقضى بهذا البيت من الشعر على القرآن والإجماع، على أنه أراد الشاعر
~~بذلك الانتساب، لأن أولاد البنت لا ينتسبون إلى أمهم، وإنما ينتسبون إلى
~~أبيهم، وكلامنا على غير الانتساب.
# وأما قولهم ولد الهاشمي من العامية هاشمي، وولد العامي من الهاشمية عامي.
# فالجواب عنه أن ذلك في الانتساب، وليس كلامنا فيه، بل كلامنا في الولادة،
~~وهي متحققة من جهة الأم، بغير خلاف، ويكون الذكر والأنثى فيه سواء، إلا أن
~~يشرط الواقف تفضيل بعضهم على بعض.
# وإذا وقف على نسله، أو عقبه، أو ذريته فهذا حكمه، بدليل قوله تعالى: "
~~ومن ذريته داود وسليمان - إلى قوله -: وعيسى وإلياس " (1) فجعل عيسى من
~~ذريته:
# وهو ينتسب إليه من الأم.
# وإن وقف على عترته فهم الأخص به من قومه وعشيرته، وقد نص على ذلك ثعلب،
~~وابن الأعرابي، من أهل اللغة، ولا يلتفت إلى قول القتيبي في ذلك، وما تعلق
~~به من حديث أبي بكر في قوله: " نحن عترة رسول الله " (2) لأن هذا الحديث لم
~~يصححه نقاد الآثار، ونقلة الأخبار.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: " ومتى شرط الوقف أنه متى احتاج إلى شئ
~~منه كان له بيعه والتصرف فيه كان الشرط صحيحا، وكان له أن يفعل ما شرط، إلا
~~أنه إذا مات، والحال ما ذكرناه، رجع ميراثا، ولم يمض الوقف " (3).
# قال محمد بن إدريس " رحمه الله ": لو كان الوقف صحيحا لم يرجع ميراثا،
~~ولكان يمضى الوقف فيه بعد موته، بل الشرط الذي أفسده، لأنا قد بينا (4) أنه
~~متى شرط العود في نفس الوقف كان الوقف باطلا، فلأجل ذلك رجع ميراثه وشيخنا
~~أبو جعفر ذهب إلى أن دخول الشرط في نفس الوقف يبطله، ذكر ذلك في
# PageV03P158
# مبسوطه (1) وفي مسائل خلافه في كتاب البيوع (2) لأن عقد الوقف لازم من
~~الطرفين مثل عقد النكاح.
# وقال شيخنا أبو ms1213 جعفر في نهايته: " والوقف والصدقة شئ واحد، لا يصح شئ
~~منهما إلا ما يتقرب به إلى الله تعالى، فإن لم يقصد بذلك وجه الله لم يصح
~~الوقف " (3) إلا أن الوقف يمتاز من الصدقة بأنه لا بد أن يكون مؤبدا، ولا
~~يصح بيعه على ما قدمناه، والصدقة يصح بيعها ساعة قبضها، وليس من شرطها أن
~~تكون مؤبدة، والوقف لا يصح إلا أن يكون مؤبدا على ما قدمناه، ولا يصح أن
~~يكون موقتا، فإن جعله كذلك لم يصح إلا أن يجعله سكنى أو عمري أو رقبى، على
~~ما نبينه عند المصير إليه إن شاء الله (4).
# قد قلنا: أنه إذا وقف على ولده كان الذكر والأنثى فيه سواء، إلا أن يشرط
~~تفضيل بعضهم على بعض، فإن قال، الوقف بينهم على كتاب الله بينهم للذكر مثل
~~حظ الأنثيين.
# وإذا وقف على والديه كان أيضا مثل ذلك، يكون بينهما بالسوية، إلا أن يفضل
~~أحدهما على الآخر، أما بتعيين أو بقرينة تدل على ذلك.
# وقال شيخنا في نهايته: " ولا بأس أن يقف المسلم على والديه، أو ولده، أو
~~من بينه وبينه رحم، وإن كانوا كفارا، ولا يجوز وقفه على كافر لا رحم بينه
~~وبينه، على حال، وكذلك إن أوصى لهم بشئ كان ذلك جايزا " هذا آخر كلامه رحمه
~~الله " (5) قال محمد بن إدريس " رحمه الله ": أما وقف المسلم على والديه
~~الكافرين فصحيح، لقوله تعالى: " وصاحبهما في الدنيا معروفا " (6) على ما
~~قدمناه (7) وأما ما عدا الوالدين من الأهل والقرابات وغيرهم فلا يجوز ولا
~~يصح
# PageV03P159
# الوقف عليهم، بحال، لأنا قد بينا (1) أن من شرط صحة الوقف القربة به إلى
~~الله تعالى، ولا يصح التقرب إلى الله تعالى بالوقف على الكافر، لأن شيخنا
~~قد حكينا (2) عنه في نهايته أنه قال: " الوقف والصدقة شئ واحد، لا يصح شئ
~~منهما إلا ما يتقرب به إلى الله تعالى، فإن لم يقصد بذلك وجه الله لم يصح
~~الوقف " ثم يقول بعده (3) ما حكيناه عنه من صحة الوقف على الكافر: وإنما
~~هذه أخبار آحاد ms1214 يجدها فيوردها بألفاظها، إيرادا لا اعتقادا، كما أورد
~~أمثالها، وإن كان غير عامل بها ولا معتقد لصحتها.
# والأولى عندي أن جميع ذوي أرحامه الكفار يجرون مجرى أبويه الكافرين في
~~جواز الوقف عليهم، لحثه عليه السلام بصلة الأرحام، وبهذا أفتي.
# فأما صحة الوصية لمن ذكر، فإنه على ما ذهب إليه، لأنا لا نراعي في الوصية
~~القربة بها إلى الله سبحانه، فلهذا صحت الوصية لهم دون الوقف، لما بيناه،
~~فليلحظ ذلك ويتأمل.
# وإذا وقف الكافر على كافر مثله، أو على البيع، والكنايس، والمواضع التي
~~يتقربون فيها إلى الله تعالى، كان وقفه صحيحا، لأنه يرى ذلك تدينا عنده.
# وإذا وقف الكافر وقفا على الفقراء كان ذلك الوقف ماضيا في فقراء أهل
~~نحلته، دون غيرهم، من ساير أصناف الفقراء، لأن شاهد حاله وفحوى خطابه يخصص
~~إطلاق قوله وعمومه، لأنه من المعلوم بشاهد الحال أنه ما أراد إلا فقراء
~~ملته، دون غيرهم، والحكم في قول جميع أهل الآراء ووقفهم ما حكيناه، فليلحظ
~~ذلك، وإذا وقف المسلم المحق شيئا على المسلمين كان ذلك للمحقين من
~~المسلمين، لما دللنا عليه من فحوى الخطاب وشاهد الحال.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: " وإذا وقف المسلم شيئا على المسلمين،
~~كان ذلك لجميع من أقر بالشهادتين، وأركان الشريعة، من الصلاة، والزكاة،
~~والصوم،
# PageV03P160
# والحج، والجهاد، وإن اختلفوا في الآراء والديانات " (1).
# وهذا خبر واحد أورده إيرادا لا اعتقادا، لأنا وإياه نراعي في صحة الوقف
~~التقرب به إلى الله تعالى، وبعض هؤلاء لا يتقرب الإنسان المحق بوقفه عليه.
# وقال أيضا في نهايته، فإن وقف على المؤمنين كان ذلك خاصا لمجتنبي الكباير
~~من أهل المعرفة بالإمامة، دون غيرهم، ولا يكون للفساق منهم معهم شئ على حال
~~(2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله، الصحيح أنه يكون لجميع المؤمنين من العدل
~~والفاسق، لأن كل خطاب خوطب به المؤمنون، يدخل الفساق من المؤمنين في ذلك
~~الخطاب، في جميع القرآن والسنة والأحكام بغير خلاف، مثل قوله تعالى " إنما
~~المؤمنون إخوة " (3) وكقوله " فتحرير رقبة مؤمنة " وغير ذلك من الآيات، ms1215 ولم
~~يرد العدل، بغير خلاف.
# وقد ذكر السيد المرتضى في جواب المسائل الناصريات، في المسألة السابعة
~~والسبعين والمأة، والفاسق عندنا في حال فسقه مؤمن يجتمع له الإيمان والفسق،
~~ويسمى باسمهما، وكل خطاب دخل فيه المؤمنون، دخل فيه من جمع بين الفسق
~~والإيمان، هذا آخر كلام المرتضى رحمه الله عنه (5).
# وإنما هذه أخبار آحاد يوردها شيخنا، في كتابه النهاية، إيرادا لأنه كتاب
~~خبر لا كتاب بحث ونظر، فإنه رحمه الله قد رجع في كتبه كتب البحث، عن معظم
~~ما ذكره في نهايته، مثل مسائل خلافه، ومبسوطه، وغير ذلك من كتبه، فلا يتوهم
~~أحد وينسبه منه إلى تقصير، وقلة تحقيق، وإنما العذر له فيه ما ذكرناه، وقد
~~أفصح عن ذلك وأبان واعتذر لنفسه في خطبة مبسوطه على ما حكيناه عنه، في خطبة
~~كتابنا هذا، فليلحظ من هناك.
# PageV03P161
# وقد رجع شيخنا أبو جعفر، عما قاله في نهايته، في كتاب التبيان، فقال في
~~تفسير قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم " فقال
~~هذا الخطاب يتوجه إلى جميع المؤمنين، ويدخل فيه الفساق بأفعال الجوارح
~~وغيرها، لأن الإيمان لا ينفي (1) الفسق عندنا، وعند المعتزلة أنه خطاب
~~لمجتنبي الكبائر، هذا آخر كلامه رحمه الله في التبيان (2).
# وإذا وقف على الشيعة، ولم يميز منهم قوما دون قوم، كان ذلك ماضيا في
~~الإمامية، والجارودية من الزيدية، دون البترية، والبترية فرقة تنسب إلى
~~كثير النواء، وكان أبتر اليد، - ويدخل معهم ساير فرق الإمامية، من
~~الكيسانية -، وهم القائلون بإمامة محمد بن الحنفية، وأنه اليوم حي، وهو
~~المهدي الذي يظهر، والناووسية، - القائلون بأن جعفر بن محمد عليه السلام لم
~~يمت، وهو المهدي، والفطحية القائلون بإمامة عبد الله بن جعفر الصادق عليه
~~السلام وقيل إنه كان أفطح الرجلين، والواقفية وهم القائلون بأن موسى بن
~~جعفر الكاظم عليهما السلام لم يمت، وأنه المهدي، والاثني عشرية على ما روي
~~(3). وأورده شيخنا في نهايته (4).
# وقد قلنا ما عندنا في أمثال ذلك، وهو أن نية القربة معتبرة في صحة الوقف،
~~فإن كان الواقف ms1216 من إحدى هذه الفرق، حمل كلامه العام على شاهد حاله، وفحوى
~~قوله، وخصص به، وصرف في أهل نحلته، دون من عداهم من ساير المنطوق به، لما
~~دللنا عليه فيما مضى، وإنما هذه أخبار آحاد، رواها المحق والمبطل من
~~الشيعة، فأوردها شيخنا في نهايته، كما هي بألفاظها.
# فإن وقفه على الإمامية خاصة، كان فيمن قال بإمامة الاثني عشر منهم، فإن
~~وقفه على الزيدية، وكان الواقف زيديا، كان على القائلين بإمامة زيد بن علي
~~بن الحسين، وإمامة كل من خرج بالسيف من ولد فاطمة عليها السلام من أهل
~~الرأي
# PageV03P162
# والعلم والصلاح، فإن كان الواقف إماميا لم يصح الوقف على ما حررناه، لعدم
~~نية القربة التي هي شرط في صحة الوقف، وشيخنا أطلق هذا الموضع إطلاقا.
# فإن وقفه على الهاشميين، كان مصروفا في ولد أبي طالب، وولد العباس بن عبد
~~المطلب، وولد أبي لهب، وولد الحارث بن عبد المطلب، فإنه لا عقب لهاشم إلا
~~من هؤلاء، الذكور منهم والإناث، على ما قدمناه بالسوية، إلا أن يشرط
~~التفضيل.
# وإذا وقفه على الطالبيين، كان ذلك على أولاد أبي طالب رحمة الله عليه
~~ورضوانه.
# وإذا وقفه على العلويين، كان ذلك على ولد علي أمير المؤمنين عليه السلام،
~~وولد ولده، الذكور والإناث، الفاطمي وغير الفاطمي، بالسوية، الذكر والأنثى
~~فيه سواء.
# فإن وقفه على ولد فاطمة عليها السلام، كان ذلك على ولد الحسن والحسين
~~عليهما السلام الذكور منهم والإناث بالسوية.
# فإن وقفه على الحسنية، لم يكن للحسينية معهم شئ على حال.
# فإن وقفه على الحسينية، لم يكن للحسنية معهم شئ على حال.
# فإن وقفه على الموسوية، كان ذلك على أولاد موسى بن جعفر عليه السلام.
# وإذا وقف الإنسان شيئا على جيرانه، أو أوصى لهم بشئ ولم يسمهم بأسمائهم،
~~ولا ميزهم بصفاتهم، كان ذلك مصروفا إلى من يلي داره إلى أربعين ذراعا من
~~أربعة جوانبها، إلا من منع دين الواقف، وشاهد حاله، وفحوى قوله، من الوقف
~~عليه، على ما حررناه فيما مضى، وليس لمن بعد عن هذا الحد شئ. ms1217
# وروي (1) إلى أربعين دارا.
# والأول هو الأظهر، والمعول عليه.
# وروي (2) أنه إذا وقف على قومه ولم يسمهم، كان ذلك على جماعة أهل لغته
# PageV03P163
# من الذكور، دون الإناث.
# والذي يقتضيه أصول المذهب، وتشهد بصحته الأدلة القاهرة، أنه يكون مصروفا
~~إلى الرجال من قبيلته، ممن ينطلق العرف بأنهم أهله وعشيرته، دون من سواهم،
~~هذا الذي يشهد به اللغة، وعرف العادة، وفحوى الخطاب، قال الشاعر:
# قومي هم اقتلوا أميم أخي * فإذا رميت يصيبني سهمي فأما الدليل على أن
~~القوم ينطلق على الرجال دون النساء، قوله تعالى " لا يسخر قوم من قوم، ولا
~~نساء من نساء " (1) وقول زهير:
# فما أدري وسوف أخال أدري * أقوم آل حصن أم نساء فأما الرواية التي وردت
~~بأن ذلك على جميع أهل لغته، فهي خبر واحد، لا يوجب علما ولا عملا، من غير
~~دليل يعضدها من إجماع، أو كتاب، أو سنة، أو دليل أصل فإذا عدم جميع ذلك،
~~وورد خطاب مطلق، حمل على العرف والعرف ما اخترناه.
# فإن وقفه على عشيرته، كان ذلك على الخاص من أهله، الذين هم أقرب الناس
~~إليه في نسبه.
# فإن وقفه على مستحقي الخمس، كان ذلك على ولد هاشم، وقد بيناهم فيما مضى
~~(2)، وذكرناهم، فلا وجه لإعادتهم.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، فإن وقفه على مستحقي الخمس، كان ذلك على
~~ولد أمير المؤمنين عليه السلام، وولد العباس وجعفر، وعقيل (3) ثم لم يذكر
~~غير ذلك.
# وليس اقتصاره على ذكر من ذكر دليلا على أنه لا يسحق غير المذكورين الذين
~~هم بقية ولد هاشم المستحقين للخمس شيئا من هذا الوقف، لأن هذا دليل فإن
~~وقفه على مستحقي الزكاة، كان ذلك على الثمانية الأصناف المذكورة في القرآن
~~الخطاب.
# PageV03P164
# ومتى وقف الإنسان على أحد الأجناس ممن ذكرناهم، فإن كانوا كثيرين في
~~البلاد، منتشرين، كان ذلك مقصورا على من يحضر البلد الذي فيه الوقف، دون
~~غيره من البلدان.
# ومتى وقف الإنسان شيئا في وجه من الوجوه، أو على قوم بأعيانهم، ولم يشرط
~~بعد انقراضهم عوده على شئ بعينه، ms1218 كان متى انقرضوا ولم يبق منهم أحد، راجعا
~~ميراثا على أقرب الناس من آخر المنقرضين من أرباب الموقوف عليهم، لأنه مال
~~من أموال الموقوف عليهم، يورث كما يورث ساير الأملاك والأموال، ولا يجوز
~~عوده على ورثة الواقف، ولا على الواقف نفسه بحال من الأحوال، لأنه بالوقف
~~خرج من ملكه، وانتقل إلى ملك الموقوف عليه بغير خلاف بيننا، فعوده إليه بعد
~~ذلك يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع منعقد،
~~وهذا مذهب شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان، في مقنعته (1).
# وقال شيخنا أبو جعفر، في نهايته، ومتى وقف الإنسان شيئا في وجه من
~~الوجوه، أو على قوم بأعيانهم، ولم يشرط بعد انقراضهم عوده على شئ بعينه،
~~فمتى انقرض أرباب الوقف، رجع الوقف على ورثة الواقف (2).
# وهذا قول مرغوب عنه، لأنه لا دليل عليه بحال.
# وقال رحمه الله في مسائل خلافه، مسألة إذا وقف على من يصح انقراضه في
~~العادة، مثل أن يقف على ولده، وولد ولده، وسكت على ذلك، فمن أصحابنا من قال
~~لا يصح الوقف، ومنهم من قال يصح، فإذا انقرض الموقوف عليه، رجع إلى الواقف
~~إن كان حيا، وإن كان ميتا رجع إلى ورثته، وبه قال أبو يوسف، وللشافعي فيه
~~قولان، أحدهما لا يصح، والآخر يصح، فإذا انقرضوا رجع إلى أبواب البر، ولا
~~يعود إليه، ولا إلى ورثته، دليلنا أن عوده إلى البر بعد انقراض الموقوف
~~عليه، يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه، والأصل بقاء الملك عليه،
~~أو
# PageV03P165
# على ولده، هذا آخر المسألة (1).
# قال محمد بن إدريس، انظر أرشدك الله إلى ما قاله شيخنا في المسألة، فإنه
~~ما تعرض للإجماع، ولا للأخبار، لأن الطريقتين مفقودتان هيهنا، إنما دل ما
~~يقضي عليه وهو محجوج به، وهو قوله " دليلنا إن عوده إلى البر بعد انقراض
~~الموقوف عليهم، يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه " وكذا نقول نحن
~~له رحمه الله، إن عوده إلى الواقف، أو إلى ورثته بعد انقراض الموقوف ms1219 عليهم،
~~يحتاج إلى دليل وليس في الشرع ما يدل عليه، والأصل بقاؤه وقفا، فمن أخرجه
~~من كونه وقفا، يحتاج إلى دليل، ولن يجده، ونكيل له بصاعه حرفا فحرفا، والله
~~الموفق للصواب.
# وإذا وقف المسلم شيئا على مصلحة، فبطل رسمها، يجعل في وجه البر بلا خلاف،
~~ولا يجوز عوده على الواقف، ولا على ورثته، وهذا أيضا دليل على صحة المسألة
~~المتقدمة، وفساد قول المخالف فيها.
# وإذا وقف في وجوه البر، ولم يسم شيئا بعينه، كان للفقراء، والمساكين،
~~ومصالح المسلمين، من بناء المساجد، والقناطر، وتكفين الموتى، والحاج،
~~والزوار، وغير ذلك.
# وقال شيخنا في نهايته، وإذا وقف إنسان مسكنا، جاز له أن يقعد فيه مع من
~~وقفه عليه، وليس له أن يسكن فيه غيره (2).
# وهذا على إطلاقه لا يصح، وقد قلنا ما عندنا في ذلك (3)، وهو أنه إن كان
~~الوقف عاما على جميع المسلمين، جاز ذلك على ما حكيناه عن بعض أصحابنا، وإن
~~كان خاصا على قوم بأعيانهم، لا يجوز للواقف أن يسكن فيه مع من وقفه عليه،
~~لأنه بالوقف خرج من ملك الواقف، وصار ملكا للموقوف عليه.
# قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، مسألة يجوز الوقف على أهل الذمة إذا
~~كانوا أقاربه، وقال الشافعي يجوز ذلك مطلقا، ولم يخص، دليلنا إجماع الفرقة،
~~وأيضا فإن ما قلنا مجمع على جوازه، وما ذكروه ليس عليه دليل، هذا آخر كلامه
# PageV03P166
# في المسألة (1).
# وقد قلنا ما عندنا (2) في مثل هذه المسألة، من أنه لا يجوز الوقف على
~~الكفرة، إلا أن يكون الكافر أحد الوالدين، لأن من صحة الوقف وشرطه، نية
~~القربة فيه.
# إذا وقف على مواليه، وله موليان، مولى من فوق، ومعناه المنعم عليه، وله
~~مولى آخر من أسفل، ومعناه من أنعم هو عليه، فأعتقه، ولم يبين، انصرف الوقف
~~إليهما، لأن اسم المولى يتناولهما.
# إذا بنى مسجدا وأذن الناس، فصلوا فيه، أو عمل مقبرة، فأذن في الدفن فيها،
~~فدفنوا، ولم يقل إن ذلك وقف، ولم يوجبه على نفسه بالقول والنطق بالوقفية،
~~لم يزل ملكه عن ms1220 ذلك، لأن الأصل، الملكية، وزوالها يحتاج إلى دليل، والوقف
~~حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي.
# فإن وقف مسجدا وقفا صحيحا، ثم إنه خرب، وخربت البلدة التي هو فيها، لم
~~يعد إلى ملكه، لأن ملكه قد زال، بلا خلاف وعوده إليه يحتاج إلى دليل.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: إذا انقلعت نخلة من بستان وقف، أو
~~انكسرت، جاز بيعها، واستدل بأن قال دليلنا، إنه لا يمكن الانتفاع بهذه
~~النخلة، إلا على هذا الوجه (3).
# قال محمد بن إدريس، يمكن الانتفاع بهذه النخلة من غير بيعها، وهو أن تعمل
~~جسرا، أو زورقا إلى غير ذلك من المنافع مع بقاء عينها، وقد بينا (4) أن
~~الوقف لا يجوز بيعه، فعلى هذا التحرير لا يجوز بيعها، وينتفع بها من هي وقف
~~عليه بغير البيع، فليلحظ ذلك.
# باب العمري والرقبى والسكنى والحبيس العمري نوع من الهبات، يفتقر صحتها
~~إلى إيجاب وقبول، ويفتقر لزومها إلى
# PageV03P167
# قبض، كساير الهبات، وهي مشتقة من العمر، وصورتها أن يقول الرجل للرجل:
# أعمرتك هذه الدار، وجعلتها لك عمرك، أو هي لك ما حييت، أو ما بقيت، أو ما
~~عشت، وما أشبه ذلك ما في معناه.
# وهي عقد جائز، فإذا ثبت جوازها، فلا تخلو من أربعة أحوال، إما أن يقول:
# هذه الدار لك عمرك، ولعقبك من بعدك عمرهم، أو يطلق ذلك، فيقول: هذه الدار
~~لك عمرك، فإذا مت رجعت إلي، أو يقول: هذه الدار لك عمري، أو يقول: هذه
~~الدار لك مدة عمري.
# فإذا قال " عمرك ولعقبك " فإنها جائزة عندنا، فإذا انقرض العقب، عادت إلى
~~المعمر، إن كان حيا، أو إلى ورثته إن كان ميتا.
# فإن قال " لك عمرك " فإذا مات، رجعت إلى المعمر أيضا.
# فإن قال " هذه لك مدة عمري " فليس له أن يخرجه منها ما دام حيا، فإذا مات
~~كان للوارث إخراجه منها، فإن مات المعمر، دون من أعمره، وخلف ورثة، كان لهم
~~سكناها، إلى أن يموت من أعمر أباهم.
# فأما إن قال " هذه الدار عمري لك " ولم يقل مدة ms1221 عمري، ولا مدة عمرك، فإن
~~هذا مجهول، لا يلزم به شئ بحال.
# والرقبى أيضا جائزة عندنا، وصورتها صورة العمري، إلا أن اللفظ يختلف، وإن
~~كان المعنى يتفق، لأنه يقول في العمري أعمرتك هذه الدار مدة حياتي أو مدة
~~حياتك، أو مدة عمري أو مدة عمرك، والرقبى تحتاج أن يقول " أرقبتك هذه الدار
~~مدة حياتك أو مدة حياتي " وفي أصحابنا من قال الرقبى أن يقول " جعلت خدمة
~~هذا العبد لك مدة حياتك، أو مدة حياتي " وهو مأخوذ من رقبة العبد، والأول
~~مأخوذ من رقبة الملك، وهو الأظهر، إلا أن الاشتقاق المحقق أنها مصدر من رقب
~~كل واحد منهما موت صاحبه، يرقبه رقبى.
# وتحتاج أيضا إلى الإيجاب والقبول، والقبض من صحة لزومها.
# وقد قلنا إنه لا فرق بين العمري والرقبى في الحكم والمعنى، سواء علقه
~~بموت المرقب أو المرقب، فإن علقه بموت المرقب، فإن مات المرقب رجع إلى
~~ورثته، وإن PageV03P168
# مات المرقب أولا كان لورثته إلى أن يموت المرقب، فإن علقه بموت المرقب،
~~ومات المرقب، لم يكن لورثته عليه سبيل حتى يموت، فإذا مات رجع إليهم، وإن
~~مات المرقب أولا، لم يكن لورثته شئ، ورجع إلى المرقب مثل ما ذكرناه في
~~العمري حرفا فحرفا.
# فأما السكنى، فلا بأس أن يجعل الإنسان داره، أو منزله، أو ضيعته، أو
~~عقاره، سكنى لإنسان، حسبما أراد، فإن جعله له مدة من الزمان، كان ذلك
~~ماضيا، ولم يجز له نقله عنه، إلا بعد مضي تلك المدة، وكذلك لا يجوز له
~~بيعه، إلا بعد انقضاء المدة، أو يشترط على المشتري مقدار ذلك الزمان، ومتى
~~مات والحال ما وصفناه، لم يكن لورثته نقل الساكن عنه، إلا بعد أن تمضي
~~المدة المذكورة، ومتى أسكنه إياه مدة عمره فهي العمري، وقد ذكرناها
~~مستوفاة.
# ومتى أسكنه ولم يذكر مدة، كان له إخراجه أي وقت شاء.
# وإذا أسكن إنسان غيره، لم يجز للساكن أن يسكن معه غيره، إلا ولده وأهله،
~~يعني امرأته، ولا يجوز له سواهم، ولا يجوز للساكن أيضا أن يؤاجره، ولا ms1222 أن
~~ينتقل عنه، فيسكن غيره إلا بإذن صاحب المسكن، على ما ذكره شيخنا أبو جعفر
~~في نهايته (1).
# والذي يقتضيه أصول المذهب، أن له جميع ذلك، وخلافه وإجارته وانتقاله عنه،
~~وإسكان غيره معه، سوى ولده وامرأته، سواء أذن له في ذلك أو لم يأذن، إذا
~~كان أول ما أسكنه قد أطلق السكنى، لأن منفعة هذه الدار استحقها، وصارت مالا
~~من أمواله، وحقا من حقوقه، فله استيفاؤها كيف شاء، بنفسه وبغيره، وما أورده
~~شيخنا أبو جعفر في نهايته، فلا شك أنه خبر واحد، وقليلا ما يورده أصحابنا
~~في كتبهم، فشيخنا المفيد رحمه الله لم يورده في مقنعته، ولا السيد المرتضى،
~~ولا المحصلون من أصحابنا.
# وللإنسان أن يحبس فرسه في سبيل الله، وغلامه أو جاريته في خدمة البيت
# PageV03P169
# الحرام، وبعيره في معونة الحاج والزوار، فإذا فعل ذلك لوجه الله تعالى،
~~لم يجز له تغييره، ولا تبديله، فإنه قد خرج عن ملكه، فإن عجزت الدابة، أو
~~دبرت، يعني صار بها دبر، - بفتح الدال والباء -، أي عقر، لأن الدبر في لسان
~~العرب، العقر، فروي أن بعض الأعراب قال لعمر بن الخطاب، وكان أتاه، فشكا
~~إليه نقب إبله ودبرها، فكذبه عمر، وحلف بأنه كاذب، واستحمله، فلم يحمله،
~~فأنشأ يقول.
# أقسم بالله أبو حفص عمر * ما مسها من نقب ولا دبر - النقب الجرب - فإن
~~(1) مرض الغلام أو الجارية، وعجزا عن الخدمة، سقط عنهما بمرضهما، فإن عادا
~~إلى الصحة كان الشرط فيهما قائما حتى يموت العبد، وتنفق الدابة.
# فأما إن حبس ملكه على بعض الآدميين إلى مدة موت الحابس، فإنه إذا مات عاد
~~الملك إلى ورثة الحابس، وأنفذت فيه المواريث، فهذا معنى ما روي عن أمير
~~المؤمنين عليه السلام أنه قضى برد الحبيس، وإنفاذ المواريث (2).
# فأما الحبيس على بيت الله، ونحو ذلك، فلا يعود إلى ملك الحابس، ولا إلى
~~ورثته بعده بحال، فهذا فرق ما بين الحبيسين والمسألتين، فليلحظ ذلك ويتأمل،
~~فربما اشتبه على كثير من المتفقهة.
# وروي أنه إذا جعل الإنسان خدمة عبده أو أمته لغيره، مدة ms1223 من الزمان، ثم هو
~~حر بعد ذلك، كان ذلك جايزا، وكان على المملوك الخدمة في تلك المدة، فإذا
~~مضت المدة، صار حرا فإن أبق العبد هذه المدة، ثم ظفر به من جعل له خدمته،
~~لم يكن له بعد انقضاء تلك المدة عليه سبيل، وإن كان صاحب الغلام أو الجارية
~~جعل خدمته لنفسه مدة من الزمان، ثم هو حر بعد ذلك، وأبق المملوك انتفض ذلك
~~التدبير، فإن وجده بعد ذلك كان مملوكا يعمل به ما شاء (3).
# PageV03P170
# أورد هذه الرواية شيخنا أبو جعفر في نهايته (1)، وهي من أضعف أخبار
~~الآحاد، لأنها مخالفة لأصول المذهب، لأن التدبير عند أصحابنا بأجمعهم لا
~~يكون إلا بعد موت المولى الذي هو المعتق المباشر للعتق، ويكون بمنزلة
~~الوصية، يخرج من الثلث، هذا لا خلاف بينهم فيه، فمن ادعى حكما شرعيا آخر،
~~غير هذا، يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، ولا يرجع إلى أخبار الآحاد في مثل
~~ذلك، لا يوجب علما ولا عملا، على ما بيناه.
# ثم إنه لم يذهب إليه أحد من أصحابنا إلا الشاذ التابع لمسطور شيخنا في
~~نهايته، فإنه رحمه الله لم يذكر ذلك في مسائل خلافه، ولا في مبسوطه، ولا في
~~معظم كتبه المصنفة، سوى الكتب الأخبارية، لأنه من طريق أخبار الآحاد،
~~فيذكرها في جملة الأخبار، وأوردها إيرادا لا اعتقادا، على ما اعتذر به
~~لنفسه.
# باب الهبات والنحل الهبة والنحلة جايزتان، بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
# فالكتاب قوله تعالى " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم
~~والعدوان " (2) والهبة من البر، وكذلك النحلة.
# والسنة ما رواه محمد بن المنكدر، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله،
~~قال:
# كل معروف مرغب فيه (3).
# وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: لو أهدي إلي ذراع لقبلت، ولو
~~دعيت إلى كراع لأجبت (4).
# PageV03P171
# وروت عايشة، أن الرسول عليه السلام كان يقبل الهدية، ولا يقبل الصدقة
~~(1).
# أما صدقة الواجب فكانت حراما عليه وعلي بني هاشم، وأما صدقة الندب فهي
~~حلال عندنا عليه وعلي بني هاشم، وإنما كان يتنزه عنها ms1224 على جهة الاستحباب
~~دون الفرض والإيجاب.
# وروي أن جعفر بن محمد عليه السلام كان يشرب من السقايات التي بين مكة
~~والمدينة، فقيل له في ذلك، فقال إنما حرمت علينا صدقة الفرض (2).
# وأما الإجماع، فقد أجمعت الأمة على جواز الهبة واستحبابها.
# إذا تقرر هذا فالهبة والصدقة والهدية بمعنى واحد، غير أنه إذا قصد الثواب
~~والتقرب بالهبة إلى الله تعالى، سميت صدقة، فإذا أقبضها لا يجوز له الرجوع
~~فيها بعد الإقباض على كل من تصدق عليها بها، وإذا قصد بها التودد
~~والمواصلة، لا التقرب إلى الله تعالى سميت هدية وهبة.
# وهي على ضربين، هبة يجوز للواهب الرجوع فيها بعد قبض الموهوب لها، وهبة
~~لا يجوز للواهب الرجوع فيها بعد قبض الموهوب لها.
# فالموهوب على ضربين، ذي رحم، وأجنبي، وذو الرحم على ضربين، ولد وغير ولد،
~~والولد على ضربين، كبير وصغير.
# فإذا كان كبيرا بالغا، فلا يجوز للواهب الرجوع فيها بعد قبضها على حال،
~~سواء أضاف الولد إلى القبض شيئا آخر، أو لم يضف، وكذلك الولد الصغير، لأن
~~قبض الوالد قبض عنه، فلا يحتاج إلى قبض، والولد الكبير يحتاج إلى قبض في
~~هبته
# PageV03P172
# ولزومها، فهذا الضرب من الهبة الذي لا يجوز بعد القبض الرجوع فيها بحال.
# فأما ذو الرحم غير الولد، فبعض أصحابنا يجريه مجرى الولد الأكبر، ويذهب
~~إلى أنه لا يجوز للواهب الرجوع في الهبة بعد إقباضها إياه، وهو اختيار
~~شيخنا أبي جعفر في نهايته (1)، وبعض يذهب إلى أن له الرجوع بعد القبض،
~~ويجريه مجرى الأجنبي، وهو الذي يذهب إليه شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه
~~(2)، وهو الذي يقوى في نفسي.
# فأما الضرب الذي يجوز له الرجوع في الهبة بعد الإقباض، فهي الهبة
~~للأجنبي، ولذي الرحم غير الولد، على الأظهر الأصح عند أصحابنا، فإذا وهب
~~الأجنبي، وقبضه إياها، فللواهب الرجوع فيها ما لم يضف الموهوب له إلى القبض
~~أحد ثلاثة أشياء، إما أن يعوض عنها الواهب، سواء كان العوض مثلها، أو أقل
~~منها، أو أكثر، أو يتصرف فيها، أو تستهلك عينها، فمتى ms1225 أضاف إلى القبض أحد
~~الثلاثة الأشياء، فلا يجوز للواهب الرجوع فيها بحال، لقوله تعالى " أوفوا
~~بالعقود " (3) وهذا عقد يجب الوفاء به، وما عدا هذا الموضع مما يجوز للواهب
~~الرجوع في هبته، أخرجناه بدليل، وهو الإجماع من أصحابنا.
# فإذا تقرر هذا، فهي من العقود الجايزة، يحتاج إلى إيجاب وقبول.
# ومن شرط لزومها الإقباض، وذهب الأكثرون من أصحابنا، إلى أن من شرط
~~انعقادها وصحته الإقباض بإذن الواهب (4)، فمتى قبضها الموهوب له بغير إذن
~~الواهب، كان القبض فاسدا.
# ويكره أن يرجع الإنسان فيما يهبه لزوجته، وكذلك يكره للمرأة الرجوع فيما
~~تهبه لزوجها.
# وقد قلنا (5) إنه لا يجوز للإنسان أن يرجع فيما يهبه لوجه الله تعالى بعد
~~الإقباض على حال، وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وما تصدق الإنسان به لوجه
~~الله، فلا يجوز له أن يعود إليه بالبيع والهبة والشراء، فإن رجع إليه
~~بالميراث كان جايزا (6).
# PageV03P173
# قال محمد بن إدريس رحمه الله، لا بأس أن يعود إليه بأمر شرعي، إما بالبيع
~~أو الهبة أو الشراء، أو غير ذلك وإنما هذا خبر واحد أورده إيرادا لا دليل
~~عليه من كتاب، ولا سنة ولا إجماع، لأن المتصدق عليه، قد ملك الصدقة، وله
~~بيعها على من شاء من الناس، سواء باعها على المتصدق بها، أو على غيره بغير
~~خلاف.
# وشيخنا قد رجع عما قاله في مسائل خلافه، في الجزء الأول من كتاب الزكاة،
~~قال مسألة يكره للإنسان أن يشتري ما أخرجه في الصدقة، وليس بمحظور، وبه قال
~~أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك البيع مفسوخ، دليلنا قوله تعالى " وأحل الله
~~البيع وحرم الربا " (1) وهذا بيع، فمن ادعى فسخه فعليه الدلالة، هذا آخر
~~كلامه رحمه الله في مسألته (2).
# فانظر إلى قوله هيهنا، وإلى قوله في نهايته، يشعرك أن تلك أخبار آحاد
~~يوردها إيرادا على ما يجدها بألفاظها، من غير اعتقاد لصحتها.
# وروي أنه إذا أخرج الإنسان شيئا لوجه الله تعالى يتصدق به، ففاته من يريد
~~إعطائه، فليتصدق به على غيره، ولا يرده في ماله (3).
# وذلك على طريق الاستحباب، ms1226 دون الفرض والإيجاب.
# ولا بأس أن يفضل الإنسان بعض ولده على بعض بالهبة والنحلة، إلا أنه يكره
~~ذلك في حال المرض، إذا كان الواهب معسرا، فإذا كان موسرا لم يكره ذلك.
# إذا وهب الوالد لولده وإن علا الوالد، أو الأم لولدها وإن علت، وقبضوا إن
~~كانوا كبارا، أو كانوا صغارا، لم يكن لهما الرجوع فيه، هكذا ذكره شيخنا في
~~مسائل خلافه.
# والذي يقتضيه مذهبنا، أن هبة الوالد تكون كما قال، وذكر رحمه الله، وإن
~~علا
# PageV03P174
# الوالد، فأما هبة الأم للولد الكبير البالغ، فإذا قبض، فليس لها رجوع،
~~وأما هبتها لولدها الصغير، فلا بد من تقبيض وليه، فإذا قبض الولي الهبة،
~~إما أبوه، أو وصية، فليس لها رجوع، فإذا لم يقبض فلها الرجوع، بخلاف الأب،
~~لأن قبض الأب قبضه، وليس كذلك الأم، فليلحظ ذلك.
# وقال شيخنا في مسائل الخلاف مسألة: إذا وهب لأجنبي وقبضه، أو لذي رحم،
~~غير الولد، كان له الرجوع فيه، ويكره الرجوع في الهبة لذي الرحم (1).
# وهذا الذي اخترناه ونصرناه، ومذهبه في نهايته بخلاف هذا، فإنه يجعل ذا
~~الرحم بمنزلة الولد البالغ، وهو خيرة شيخنا المفيد أيضا في مقنعته (2)، وهو
~~قوي يمكن اعتماده، لقوله تعالى " أوفوا بالعقود " فأما الأجنبي فأخرجناه من
~~عموم الآية بالإجماع.
# الهبة عندنا لا تقتضي الثواب الذي هو العوض عنها، إلا أن يشرطه الواهب
~~على الموهوب له.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، مسألة، الهبات على ثلاثة أضرب، هبة
~~لمن فوقه، وهبة لمن دونه، وهبة لمن هو مثله، فكلها تقتضي الثواب (3).
# ولم يدل على ذلك بشئ يعتمد، وأما دليلنا نحن على أنها لا تقتضي الثواب
~~الذي هو العوض عنها إلا بالشرط، فالأصل براءة الذمة، فمن شغلها بشئ يحتاج
~~إلى دليل، وإجماع أصحابنا عليه، فإن أحدا منهم لم يذكر ذلك في مسطور.
# إذا شرط الثواب، فإن كان مجهولا صح، لأنه وافق ما يقتضيه الإطلاق، وإن
~~كان معلوما كان أيضا صحيحا، لأنه لا مانع منه.
# قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، مسألة، إذا وهب ثوبا ms1227 خاما لمن له
~~الرجوع في هبته، فقصره الموهوب له، لم يكن للواهب الرجوع فيه، ثم استدل،
~~فقال دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، على أنه إذا تصرف الموهوب له في الهبة،
~~لم يكن للواهب الرجوع فيها، وهذا قد تصرف، ولأن إثبات الرجوع في هذا الموضع
~~يحتاج
# PageV03P175
# إلى دليل (1).
# هذا آخر استدلاله ونعم ما استدل به رحمه الله.
# إذا وهب في مرضه المخوف شيئا وأقبضه، ثم مات، فمن أصحابنا من قال تلزم
~~الهبة في جميع الشئ الموهوب، سواء كان الثلث أو أكثر من الثلث، وهو الصحيح
~~من المذهب الذي تقتضيه الأصول، ومنهم من قال تلزم في الثلث، وتبطل فيما زاد
~~عليه.
# إذا كان له في ذمة إنسان مال، فوهبه له، كان ذلك إبراء بلفظ الهبة، وهل
~~من شرط صحة الإبراء قبول المبرء أم لا؟ قال قوم من شرط صحته قبوله، فلا يصح
~~حتى يقبل، وما لم يقبل فالحق ثابت بحاله.
# وهو الذي نختاره، ونقول به، لأن في إبرائه من الحق الذي له عليه منة
~~عليه، وغضاضة، ولا يجبر على قبول المنة، وتحمل الغضاضة فإذا لم نعتبر
~~قبوله، أجبرناه على ذلك، كما نقول في هبة العين له " إنها لا تصح إلا إذا
~~قبل ".
# وقال قوم إن ذلك يصح، شاء من عليه الحق، أو أبى لقوله تعالى " فنظرة إلى
~~ميسرة " (2) و " أن تصدقوا خير لكم " (3) فاعتبر مجرد الصدقة، ولم يعتبر
~~القبول، وقال تعالى " ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا " (4) فاسقط الدية
~~بمجرد التصدق، ولم يعتبر القبول، والتصدق في هذا الموضع الإبراء.
# قلنا أما التمسك بهذا فضعيف عندنا، لأنه دليل الخطاب، ودليل الخطاب عند
~~المحصلين من أصحابنا المتكلمين في أصول الفقه لا يعملون به، هذا إذا وهبه
~~لمن عليه الحق.
# فإن وهبه لغيره صح ذلك، إلا أنه لا يلزم إلا بالقبض.
# قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، صدقة التطوع عندنا بمنزلة الهبة في جميع
~~الأحكام، من شرطها الإيجاب والقبول، ولا تلزم إلا بالقبض، وكل من له الرجوع
# PageV03P176
# في الهبة، له الرجوع في الصدقة عليه (1)، هذا ms1228 آخر كلامه.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله، هذا غير واضح ولا مستقيم، لأن صدقة التطوع
~~بعد إقباضها المصدق بها عليه، لا يجوز، ولا يحل العود والرجوع بها على من
~~كانت من الناس بغير خلاف بيننا، وليس كذلك الهبة على ما حررناه.
# إذا أهدى لرجل شيئا على يد رسوله، فإنه على ملكه بعد، وإن مات المهدى
~~إليه كان له استرجاعه، وإن مات المهدي، كان لوارثه الخيار، وإذا وصلت
~~الهدية إلى المهدى إليه، لم يملكها بالوصول، ولم تلزم، ويكون ذلك إباحة من
~~المهدي.
# فمن أراد الهدية ولزومها وانتقال الملك فيها إلى المهدى إليه الغايب،
~~فليوكل رسوله في عقد الهدية معه، فإذا مضى وأوجب له، وقبل المهدى إليه
~~وأقبضه إياها، لزمه العقد، وملك المهدى إليه الهدية.
# ومن وكيد السنة، وكريم الأخلاق الإهداء، وقبول الهدية إذا دعى إليها داعي
~~المودة الدنيوية والتكرم، فيحسن قبولها إذا عريت من وجوه القبح، ويقبح
~~القبول مع ثبوته، وتخرج بالقبول والإقباض عن ملك المهدي، وله الرجوع فيها
~~ما لم يتصرف فيها من أهديت إليه أو يعوض عنها، أو تهلك عينها، وإمضاؤها
~~أفضل، ولا يجب المكافاة عليها، وفعلها أفضل.
# وقد جاء في الترغيب لقبولها أخبار ورخص، وجاء في كراهية قبولها وذمها،
~~أشياء.
# فمن جملة ما في الترغيب فيها، ما روي عنه عليه السلام أنه قال تهادوا
~~تحابوا (2).
# وروي أن أم حكيم بنت وادع الخزاعية قالت يا رسول الله أتكره رد الهدية؟
# فقال ما أقبح رد الهدية، ولو أهدي إلى كراع لقبلته، ولو دعيت إلى ذراع
~~لأجبت (3).
# وروي أن بعض نسائه عليه السلام سألته، فقالت يا رسول الله، إن لي جاريتين
# PageV03P177
# فإلى أيتهما أهدي، فقال صلى الله عليه وآله إلى أقربهما منك بابا (1).
# وروي أن سليمان بن داود عليه السلام أمر الريح، فعدلت عن عش قبرة فيه
~~فراخ لها، فجاءت القبرة، فرفرفت على رأسه، ثم ألقت إليه جرادة، فقيل
~~لسليمان عليه السلام في ذلك، فقال كل يهدي على قدره (2).
# وروي عنه عليه السلام أنه قال: نعم الشئ الهدية بين يدي ms1229 الحاجة (3).
# فأما ما روي في ذمها وكراهيتها ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه
~~قال:
# هدايا العمال غلول (4).
# قال: ووصى بعض الولاة أحد كفاته، فقال إياك والهدية، وليست بحرام عليك،
~~ولكني أخاف عليك القالة (5).
# وسأل رجل مسروقا حاجة، فقضاها فأهدى له هدية فردها، وحلف أن لا يقضي له
~~حاجة، قال فقال القوم لمسروق، يا أبا عايشة ما كنا نرى أن بهذا بأسا، فقال
~~مسروق هذا السحت.
# وأهدي إلى عمر بن عبد العزيز تفاح فرده، فقيل له إن رسول الله صلى الله
~~عليه وآله كان يقبل الهدية، فقال كانت هدية النبي صلى الله عليه وآله هدية،
~~وهي اليوم لنا رشوة (6).
# وكان يقال الهدية تعور عين الحكم.
# وقيل أهدى رجل إلى صديق له هدية، فجزع لها، فعاتبه أصحابه، فقال كيف
# PageV03P178
# لا أجزع، والمراد بالهدية أحد حالتين، أما تطويق منة، أو مكافاة على
~~معروف، وما فيهما إلا ما يجزع.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله ما ورد في الاستحباب وما ورد في الكراهية
~~المرجع فيه إلى قرائن الأحوال، والأغراض والأزمان، وشاهد الحال، فيعمل
~~عليه، ويعتبر به، وقد عمل بالأخبار جميعها، فهذا وجه الجمع بينها.
~~PageV03P179
# كتاب الوصايا PageV03P181
# كتاب الوصايا الوصية مشتقة من وصى يصي، وهو الوصل، قال الشاعر ذو الرمة:
# نصى الليل بالأيام حتى صلاتنا * مقاسمة يشتق إنصافها السفر ومعناه أنه
~~يصل تصرفه بما يكون بعد الموت ما قبل الموت، ويقال منه أوصى يوصي إيصاء،
~~ووصي يوصي توصية، والاسم الوصية والوصاءة.
# إذا ثبت هذا، فالأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى " كتب
~~عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف
~~حقا على المتقين " (1).
# وقال رسول الله صلى الله عليه وآله الوصية حق على كل مسلم (2).
# وقال عليه السلام ما ينبغي لامرئ مسلم أن يبيت ليله إلا ووصيته تحت رأسه
~~(3).
# وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال ما من ميت تحضره الوفاة إلا رد
~~الله عليه من سمعه وبصره وعقله للوصية، أخذ الوصية أو ترك، وهي الراحة ms1230 التي
~~يقال لها راحة الموت، وهي حق على كل مسلم (4).
# وروي عن الرسول عليه السلام أنه قال من مات بغير وصية، مات ميتة جاهلية
# PageV03P182
# معنى قوله عليه السلام " مات ميتة جاهلية " المراد به أن أهل الجاهلية ما
~~كانوا يرون الوصية، فإذا لم يوص المسلم، فقد عمل كعملهم، وشابههم، أو من
~~تركها معتقدا إنها غير مشروعة ولا مسنونة، فهذا جاحد للنص القرآني، حكمه
~~حكم الكفار المرتدين.
# وروي عن أبي عبد الله عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم السلام أنه قال: من
~~أوصى ولم يحف، ولم يضار كان كمن صدق به في حياته (1).
# وقال ما أبالي أضررت بورثتي أو سرفتهم ذلك المال (2).
# سرفتهم بالسين غير المعجمة والراء غير المعجمة المكسورة، والفاء، ومعناه
~~أخطأتهم، وأغفلتهم، لأن السرف الإغفال، والخطأ، وقد سرفت الشئ بالكسر، إذا
~~أغفلته وجهلته، وحكى الأصمعي عن بعض الأعراب، وواعده أصحاب له من المسجد
~~مكانا فأخلفهم فقيل له في ذلك، فقال مررت بكم، فسرفتكم، أي أخطأتكم
~~وأغفلتكم، ومنه قول جرير.
# أعطوا هنيدة تحدوها ثمانية * ما في عطائهم من ولا سرف أي إغفال وخطأ، أي
~~لا يخطئون موضع العطاء، بأن يعطوه من لا يستحق، ويحرموه المستحق، هكذا نص
~~عليه جماعة أهل اللغة، ذكره الجوهري في كتاب الصحاح، وأبو عبيد الهروي في
~~غريب الحديث، وغيرهما من اللغويين.
# فأما من قال: في الحديث، " سرقتهم ذلك المال " بالقاف، فقد صحف، لأن سرقت
~~لا يتعدى إلى مفعولين، إلا بحرف الجر، يقال سرقت منه مالا، وسرفت بالفاء
~~يتعدى إلى مفعولين بغير حرف الجر، فليلحظ ذلك.
# وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه
~~وآله من لم يحسن وصيته عند الموت، كان ذلك نقصا في مروته وعقله (3).
# فينبغي للمرء المسلم أن يتحرز من خلاف الله عز وجل وخلاف رسوله
# PageV03P183
# عليه السلام في ترك الوصية وإهمالها، ويستظهر لدينه، ويحتاط لنفسه،
~~بالوصية لأهله وإخوانه، بتقوى الله، والطاعة له، واجتناب معاصيه، وما يجب
~~أن يصنعوه في غسله، وتحنيطه، وتكفينه عند وفاته، ومواراته، وقضاء ms1231 ديونه،
~~والصدقة عنه، والتدبير لتركته، والنظر في أمر أطفاله، ويسند ذلك إلى ثقة
~~عدل في نفسه، ليقوم به، ولا يفرط فيه إن شاء الله.
# والواجب منها البداءة بالإقرار على جهة الجملة بما أوجب الله تعالى علمه
~~(1)، والعمل به، ثم الوصية بالاستمساك بذلك، وبتقوى الله تعالى، ولزوم
~~طاعته، ومجانبة معصيته، ويعين من ذلك ما يجب من غسله وتكفينه ومواراته، ثم
~~الوصية بما عليه من حق واجب ديني أو دنيوي، ويخرج ذلك من أصل تركته إن
~~أطلق، ولم يقيده بالثلث، فإن لم يكن عليه حق، استحب له أن يوصي بجزء من
~~ثلثه، يصرف في النذور والكفارات، وجزء في الحج والزيارات، وجزء يصرف إلى
~~مستحقي الخمس، وجزء إلى مستحقي الزكوات وجزء إلى من لا يرثه من الأهل
~~والقرابات.
# وجملة الأمر وعقد الباب على جهة الجملة، دون التفصيل، إن من شرط صحتها
~~حصول الإيجاب من الموصي، والقبول من الموصي إليه، ومن شرطه أن يكون حرا
~~مسلما، بالغا عاقلا، بصيرا بالقيام، بما أسند إليه، رجلا كان أو امرأة.
# ويجوز للمسند إليه القبول في الحال، ويجوز له تأخير ذلك، لأن الوصية
~~بمنزلة الوكالة.
# قال بعض أصحابنا هي عقد منجز في الحال، فجاز القول فيها، بخلاف قبول
~~الموصى له، فإنه لا يعتد به إلا بعد الوفاة، لأن الوصية تقتضي تمليكه في
~~تلك الحال، فتأخر القبول إليها، هذا آخر كلام من حكينا قوله (2).
# ولا أرى بأسا بقبوله قبل الموت وبعده، وعلى كل حال لأنه لا مانع منه.
# وللموصي الرجوع في الوصية وتغييرها، بالزيادة والنقصان، والاستبدال
~~بالأوصياء ما دام حيا.
# PageV03P184
# ولا يجوز للمسند إليه ترك القبول إذا بلغه ذلك بعد موت الموصي، ولا ترك
~~القيام بما فوض إليه من ذلك، إذا لم يقبل ورد، فلم يبلغ الموصي ذلك حتى
~~مات.
# ولا يجوز للوصي أن يوصي إلى غيره، إلا أن يفوض ذلك الموصي إليه، فأما إذا
~~أطلق الوصية فلا يجوز له ذلك على الصحيح من المذهب، وهو اختيار شيخنا
~~المفيد (1).
# وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي، يصح ذلك (2).
# والأول هو الأظهر، ms1232 لأن ما ذهب إليه شيخنا أبو جعفر، يحتاج إلى دليل، لأنه
~~حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي.
# وإذا ضعف الوصي عما أسند إليه، فعلى الناظر في مصالح المسلمين أن يعضده
~~بقوي أمين، وليس له عزله، فإن مات أو فسق، أقام مقامه من يراه لذلك أهلا.
# والوصية المستحبة والمتبرع بها، محسوبة من الثلث، سواء كانت في حال
~~الصحة، أو في حال المرض، وتبطل فيما زاد عليه، إلا أن يجيز ذلك الورثة بعد
~~موته، لا قبل الموت على الأظهر من أقوال أصحابنا، وقد ذهب بعضهم إلى أن
~~الإجازة من الورثة لهم سواء أجازوا قبل الموت أو بعده، وهذا اختيار شيخنا
~~أبي جعفر الطوسي رحمه الله (3) والأول اختيار شيخنا المفيد (4) وهو الذي
~~يقوى في نفسي، لأنها إجازة في غير ما لا يستحقونه بعد (5)، فلا يلزمهم ذلك
~~بحال.
# PageV03P185
# وتصح الوصية عندنا للوارث في المرض المتصل بالموت، بدليل إجماع أصحابنا،
~~وأيضا قوله تعالى " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية
~~للوالدين والأقربين " (1) وهذا نص في موضع الخلاف، ولا يمكن أن يدعى نسخ
~~هذه الآية بآية المواريث، لأنه لا تنافي بينهما، وإذا أمكن العمل
~~بمقتضاهما، لم يصح دعوى النسخ، وقولهم " تخص الآية بالوالدين والأقربين إذا
~~كانوا كفارا " يفتقر إلى دليل، ولا دليل لهم على ذلك.
# وما يروونه من قوله عليه السلام " لا وصية لوارث " قد نص أصحاب الحديث
~~على تضعيف رواته ثم هو مخالف لظاهر القرآن المعلوم، ولا يجوز ترك المعلوم
~~للمظنون، ولو سلم من ذلك كله، لكان خبر واحد، وقد بينا أنه لا يجوز العمل
~~بذلك عند أصحابنا في الشرعيات.
# والوصية تصح للكافر سواء كان ذا رحم، أو غير ذلك، لأنها عطية بعد الموت،
~~وليس من شرطها نية القربة، ولا من مصححاتها.
# وذهب بعض أصحابنا إلى أن الوصية للكافر لا تصح إلا أن يكون ذا رحم
~~للموصي.
# ويجوز الوصية للحمل، فإن ولد ميتا فهي لورثة الموصي، دون ورثة الموصى له.
# وإذا أوصى بثلث ماله في أبواب من البر، ولم يذكر ms1233 تفصيلا، كان لكل باب
~~منها مثل الآخر، وكذلك إذ أوصى لجماعة ولم يرتبهم، ولا سمى لكل واحد منهم
~~شيئا معينا، وإن رتبهم، وسمى ما لكل واحد منهم، بدئ بالأول، ثم الثاني إلى
~~تكميل الثلث، ولا شئ لمن بقي منهم.
# ومن أوصى بوصايا من ثلثه، وعين منها الحج، وكانت عليه حجة الإسلام، وجب
~~تقديم الحج على الوصايا الأخر، وإن لم يبق لها شئ من الثلث، لأن الحج واجب،
~~وليس بمتبرع به.
# ويستأجر للنيابة عنه من بلده، فإن لم يف الثلث بذلك، تمم من أصل المال،
# PageV03P186
# واستؤجر من بلده، فإن لم يف الجميع بذلك، استؤجر من ميقات أهله.
# وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يستأجر للنيابة عنه من ميقات أهله.
# والأول هو الأظهر، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في نهايته (1)، وبه تواترت
~~الأخبار عن الأئمة الأبرار، والثاني خيرة شيخنا أيضا في مبسوطه (2).
# ومن أوصى بسهم من ماله، كان ذلك الثمن.
# ومن أوصى بجزء من ماله، كان ذلك السبع، على الأظهر من أقوال أصحابنا،
~~والأظهر من أخبارهم، وقد وردت رواية (3) شاذة، وقال بها بعض أصحابنا، إلى
~~أن الجزء يكون العشر والأول هو الصحيح.
# ومن أوصى بشئ من ماله كان ذلك السدس بغير خلاف.
# وذهب بعض أصحابنا إلى أن من أوصى بسهم من ماله، يكون السدس.
# والأول هو الأظهر المعمول عليه.
# ومن أوصى لقرابته، دخل في ذلك من كان معروفا بنسبه وأهله في العادة
~~والعرف، دون من سواهم.
# وقد روي رواية شاذة، إلى أنه يدخل في ذلك كل من تقرب إليه إلى آخر أب وأم
~~في الإسلام (4).
# أوردها شيخنا أبو جعفر في نهايته (5)، وما اخترناه اختاره في مسائل
~~خلافه، ودل على صحته وفساد ما قاله في نهايته.
# ومن أوصى في سبيل الله، صرف ذلك في جميع مصالح المسلمين، مثل بناء
# PageV03P187
# المساجد، والقناطر، وتكفين الموتى، ومعونة الحاج، والزوار، وما أشبه ذلك،
~~بدليل إجماع أصحابنا، ولأن ما ذكرناه طرق إلى الله سبحانه، فإذا كان كذلك،
~~فالأولى حمل لفظة " سبيل الله " على عمومها.
# ذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي ms1234 رحمه الله في مسائل خلافه، في كتاب الإقرار،
~~إلى أنه من قال له عندي مال كثير، فإنه يكون إقرارا بثمانين، على الرواية
~~التي تضمنت بأن الوصية بالمال الكثير بثمانين، ثم قال وعليه إجماع الطايفة،
~~في تفسير الكثير بثمانين (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله مصنف هذا الكتاب قول شيخنا " على الرواية
~~التي تضمنت بأن الوصية بالمال الكثير تكون ثمانين " فيه تسامح وتجاوز، إنما
~~الرواية (2) وردت فيمن نذر أن يتصدق بمال كثير، وما وردت بالوصية جملة
~~كافية، ولا أوردها أحد من أصحابنا في الوصايا، والذي يقتضيه أصول المذهب،
~~ويحكم به الأدلة والاعتبار، أن لا نتجاوز بالرواية ما وردت فيه فحسب، ولا
~~نعد بها إلى غير النذر، ونرجع في تفسير الكثير إلى المقر، وكذلك في الوصية
~~نرجع إليهم في تفسير الكثير، وكذلك نرجع إلى العرف والعادة في كثير الجراد
~~فيمن قتله وهو محرم، وكذلك كثير الشعر، ونلزم الأصول، فإن تعديناها نصير
~~قايسين، والقياس باطل على مذهبنا.
# قد ذكرنا هذه الجملة والآن نذكر الأبواب وتفصيل كل شئ في بابه على
~~المألوف في التصنيف.
# باب الأوصياء ينبغي للمسلم أن يختار لوصيته من يثق بديانته، ولا تصح
~~الوصية إلا إلى من جمع صفات خمسة، البلوغ، والعقل، والإسلام، والعدالة،
~~والحرية، فمتى اختل
# PageV03P188
# شئ منها، بطلت الوصية.
# وإنما راعينا البلوغ، لأن الصبي لا يجوز أن يكون وصيا، لقوله عليه السلام
~~رفع القلم عن ثلاث، عن الصبي حتى يحتلم (1)، وفي بعضها حتى يبلغ (2)، وإذا
~~كان كذلك، لم يكن لكلامه حكم، ومن كان كذلك لا يجوز أن يكون وصيا لأنه مولى
~~عليه في نفسه، فلا يجوز أن يكون وصيا لغيره.
# وراعينا العقل، لأن من ليس بعاقل ليس بمكلف، ومن لا يكون مكلفا لا يجوز
~~أن يكون وصيا.
# والإسلام، لا بد منه، لأن الكافر فاسق، والمسلم لا يجوز أن يوصي إلى كافر
~~ولا فاسق، لأنهما ليسا من أهل الأمانة، والوصية أمانة.
# ويجب أن يكون عدلا لأن الوصية أمانة، ولا يؤمن إلا العدل.
# والحرية شرط، لأن المملوك لا يملك من نفسه ms1235 التصرف، وحكم المدبر وأم الولد
~~والمكاتب، حكم العبد القن.
# وذهب شيخنا المفيد في مقنعته، إلى أنه يجوز الوصية إلى المدبر والمكاتب،
~~والأول هو الذي يقتضيه أصول مذهبنا، دون ما سواه.
# ويعتبر هذه الأوصاف في الحالين معا، حال الوصية، وحال الموت.
# والذي يقتضيه مذهبنا وتشهد به أصولنا، ورواياتنا، أن العدالة في الوصي
~~ليست شرطا في صحة الوصية إليه، وإنما ذلك على جهة الأولى والمستحب، دون أن
~~يكون شرطا في الصحة، ولا خلاف أن الإنسان يجوز أن يودع الفاسق وديعة، وهي
~~أمانة، ويجعله أمينه في حفظها، فكذلك الوصية.
# PageV03P189
# والوصي إذا تغيرت حاله، نظرت، فإن كان تغير بالكبر والمرض، فإن الحاكم
~~يضيف إليه أمينا آخر، ولا يخرج من يده، لأن الكبر والمرض لا ينافيان
~~الأمانة، وإن كان تغير حاله بفسق، أخرجت الوصية من يده، لأن الفاسق لا يكون
~~أمينا على ما أورده شيخنا أبو جعفر في مبسوطه (1)، وهذا الكتاب معظمه فروع
~~المخالفين، وكلام الشافعي، وتخريجاته، ولم يورد أصحابنا في ذلك شيئا لا
~~رواية ولا تصنيفا، والأصل صحة الوصية إليه، والاعتماد عليه، مع قوله تعالى
~~" فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه " (2) وعزله عن
~~الوصية وإخراجه منها، تبديل وتغيير بلا خلاف.
# والمرأة يصح أن تكون وصية على ما قدمناه (3)، وكذلك الأعمى.
# ولا بأس أن يوصي على اثنين، أحدهما صغير والآخر كبير بعد أن يكون الكبير
~~ممن جمع الأوصاف الخمسة، ويجعل للكامل النظر في الحال، وللصبي إذا بلغ، فإن
~~مات الصبي أو بلغ، وكان فاسد الرأي، كان للعاقل إنفاذ الوصية، فإذا أنفذ
~~البالغ الكامل الوصية، كان ذلك جايزا، فإذا بلغ الصبي ولم يرض بذلك، لم يكن
~~له الفسخ لما أنفذه البالغ الكامل، إلا أن يكون الكبير خالف شرط الوصية.
# فإن أوصى إلى كاملين فلا يخلو من ثلاثة أحوال إما أن يطلق الوصية إليهما،
~~أو يقيدها بأن لا يمضي أحدهما شيئا إلا باتفاق الآخر، أو يقيدها بأن كل
~~واحد يمضي على الاجتماع والانفراد.
# فالقسمان الأولان، لا يجوز لأحدهما التصرف إلا باتفاق الآخر، لأنه ms1236 ما رضي
~~بأمانة أحدهما دون الآخر.
# فأما القسم الثالث، فإنه يجوز أن يتصرف كل واحد منهما على الاجتماع وعلى
~~الانفراد.
# فإن أطلق الوصية أو قيدها بالاجتماع، لم يكن لكل واحد منهما الاستبداد
# PageV03P190
# بما يصيبه.
# فإن تشاحا في الوصية والاجتماع، لم ينفذ شئ مما يتصرفان فيه، إلا ما يعود
~~لمصلحة الورثة والكسوة لهم، والمأكول، على ما روي (1) وللناظر في أمر
~~المسلمين الاستبدال بهما، لأنهما حينئذ قد فسقا، لأنهما أخلا بما وجب
~~عليهما القيام به، وقد قدمنا (2) إن بالفسق تخرج الوصية من يده.
# ولا بأس أن يوصي الإنسان إلى أولاده، وإلى من يرثه، وإلى زوجته، فإن أوصى
~~إليهم وكان فيهم صغار وكبار، كان للكبار إنفاذ الوصية وأن لا ينتظروا بلوغ
~~الصغار إلا أن يكون الموصي قد اشترط إيقاف الوصية إلى وقت بلوغ الصغار وكان
~~الشئ الذي أوصى به يجوز تأخيره، فإن كان ذلك لم يجز لهم أن ينفذوا شيئا
~~منها إلا بعد بلوغ الصغار منهم.
# وإذا أوصى الإنسان إلى غيره، كان بالخيار في قبول الوصية وردها، إذا كان
~~حاضرا شاهدا، فإن كان الموصى إليه غايبا، فإن له رد الوصية ما دام الموصي
~~حيا، فإذا مات الموصي قبل أن يبلغ إليه الامتناع من قبول الوصية، لم يكن
~~للموصى الغائب الامتناع من القيام بها.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وإذا حضر الوصي الوفاة، وأراد أن يوصي
~~إلى غيره، جاز له أن يوصي إليه بما كان يتصرف فيه من الوصية، ويلزم الموصى
~~إليه القيام بذلك (3).
# وقال شيخنا المفيد في مقنعته: وليس للموصي أن يوصي إلى غيره، إلا أن
~~يشترط ذلك الموصي، فإن لم يشترط له ذلك، لم يكن له الإيصاء في الوصية، فإن
~~مات كان الناظر في أمور المسلمين يتولى إنفاذ الوصية، على حسب ما كان يجب
~~على الوصي أن ينفذها، وليس للورثة أن يتولوا ذلك بأنفسهم، وإذا عدم السلطان
~~العادل فيما ذكرناه من ذلك، كان لفقهاء أهل الحق العدول من ذوي الرأي
# PageV03P191
# والفضل أن يتولوا ما يتولاه السلطان، فإن لم يتمكنوا من ذلك، ms1237 فلا تبعة
~~عليهم فيه (1).
# وهذا الذي اختاره، وأعمل عليه، وأفتي به، وقد قدمنا ذلك وأجملناه (2)
~~فيما مضى (3).
# وللموصي أن يستبدل بالأوصياء ما دام حيا صحيح العقل، لا يولي على مثله،
~~فإذا مضى لسبيله لم يكن لأحد أن يغير وصيته، ولا يستبدل بأوصيائه، فإن ظهر
~~منه خيانة، كان على الناظر في أمور المسلمين أن يعزله، ويقيم أمينا مقامه
~~على ما قدمناه (4)، وإن لم يظهر منه خيانة، إلا أنه ظهر منه عجز وضعف عن
~~القيام بالوصية، كان للناظر في أمر المسلمين أن يقيم أمينا ضابطا يعينه على
~~تنفيذ الوصية، ولم يكن له عزله لضعفه.
# والوصي إذا خالف ما أمر به كان ضامنا للمال.
# وقد روي أنه إذا أمر الموصي الوصي، أن يتصرف في تركته لورثته، ويتجر لهم
~~بها، ويأخذ نصف الربح، كان ذلك جايزا وحلال له نصف الربح (5)، أورد ذلك
~~شيخنا في نهايته (6).
# إلا أن الوصية لا تنفذ إلا في ثلث ما كان يملكه الميت قبل موته والربح
~~تجدد بعد موته، فيكف ينفذ وصيته وقوله فيه، وفي الرواية نظر.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته وإذا كان للوصي على الميت مال، لم يجز له
~~أن يأخذ من تحت يده، إلا ما تقوم له به البينة (7).
# وهذا خبر واحد، أورده إيرادا لا اعتقادا.
# والذي يقضيه أصول مذهبنا، أنه يأخذ مما له في يده، لأن من له على إنسان
~~مال، ولا بينة له عليه، ولا يقدر على استخلاصه ظاهرا، فله أخذ حقه باطنا،
~~لأنه يكون بأخذ ماله من غير زيادة عليه محسنا لا مسيئا. وقد قال تعالى " ما
~~على المحسنين
# PageV03P192
# من سبيل " (1).
# وقال شيخنا في نهايته، ومتى باع الوصي شيئا من التركة لمصلحة الورثة،
~~وأراد أن يشتريه لنفسه، جاز له ذلك، إذا أخذه بالقيمة العدل من غير نقصان
~~(2).
# والذي يقتضيه مذهبنا، أنه لا يجوز له أن يشتريه لنفسه بحال، لأن الإنسان
~~لا يكون موجبا قابلا في عقد واحد، لأن العقد يكون بين اثنين، فلا يصح إلا
~~ما خرج بإجماعنا من الوالد إذا اشترى من ms1238 مال ولده الصغير، فلا نقيس غيره
~~عليه بحال، لأنا لا نقول بالقياس في الشرعيات.
# إلا أن شيخنا أبا جعفر رجع عما ذكره في نهايته، وقال بخلافه في مسائل
~~خلافه، في كتاب الوكالة في الجزء الثاني، فقال مسألة: جميع من يبيع مال
~~غيره ستة أنفس، الأب، والجد، ووصيهما، والحاكم، وأمين الحاكم، والوكيل، لا
~~يصح لأحد منهم أن يبيع المال الذي في يده من نفسه إلا الاثنين، الأب والجد،
~~ولا يصح لغيرهما، ثم استدل، فقال دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، على أنه
~~يجوز للأب أن يقوم جارية ابنه الصغير على نفسه، ويستبيح وطأها بعد ذلك،
~~وروي (3) أن رجلا أوصى إلى رجل في بيع فرس له، فاشتراه الوصي لنفسه،
~~واستفتي عبد الله بن مسعود فقال ليس له ذلك، ولا يعرف له مخالف، هذا آخر
~~كلام شيخنا أبي جعفر (4).
# وإذا مات الإنسان من غير وصية، كان على الناظر في أمور المسلمين، أن يقيم
~~له ناظرا ينظر في مصلحة الورثة، ويبيع لهم ويشتري، ويكون ذلك جائزا، فإن لم
~~يكن السلطان الذي يتولى ذلك، أو يأمر به، جاز لبعض المؤمنين أن ينظر في ذلك
~~من قبل نفسه، ويستعمل فيه الأمانة، فيؤديها من غير إضرار بالورثة، ويكون ما
~~يفعله صحيحا ماضيا هكذا ذكره شيخنا أبو جعفر في نهايته (5).
# والذي يقتضيه المذهب أنه إذا لم يكن سلطان يتولى ذلك فالأمر فيه إلى
~~فقهاء
# PageV03P193
# شيعته عليه السلام (1)، من ذوي الرأي والصلاح، فإنهم عليهم السلام قد
~~ولوهم هذه الأمور، فلا يجوز لمن ليس بفقيه تولى ذلك بحال، فإن تولاه، فإنه
~~لا يمضي شئ مما يفعله، لأنه ليس له ذلك بحال، فأما إن تولاه الفقيه، فما
~~يفعله صحيح جايز ماض.
# باب الوصية وما يصح منها وما لا يصح الوصية بالخمس أفضل من الوصية
~~بالربع، وهي بالربع أفضل منها بالثلث، ومن أوصى بالثلث، فقد بلغ الغاية.
# ولا تجوز الوصية بأكثر من الثلث على حال، فإن أوصى بأكثر من الثلث، ردت
~~إلى الثلث، إلا أن يجيزها الورثة بعد الموت، فإن أجازت ما فوق الثلث ms1239 قبل
~~الموت، كان لها ردها بعد الموت.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته " على ما حكيناه عنه فيما مضى " (2) سواء
~~أجازت الورثة ما زاد على الثلث في حال الحياة أو بعد الوفاة ليس لها رجوع
~~(3).
# والمذهب، الأول، لأن ما ذهب إليه حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي
~~وما اخترناه مذهب شيخنا المفيد في مقنعته، على ما حكيناه عنه فيما مضى (4).
# وقد قلنا (5) إن للإنسان أن يرجع في وصيته ما دام فيه الروح، وعقله ثابت
~~عليه، وبعض أصحابنا يطلق ذلك، ويقول " وللإنسان أن يرجع في وصيته ما دام
~~فيه روح " وإطلاق ذلك غير مستقيم، لأنه قد يكون فيه روح إلا أن عقله قد
~~زال، والأولى تقييده بما قيدناه، فإذا كان كذلك فله تغييرها، وتبديلها
~~ونقلها من شئ إلى شئ، ومن إنسان إلى غيره، وليس لأحد فيه اعتراض.
# فإن دبر مملوكه، كان ذلك مثل الوصية، بل هو هي عند أصحابنا، يجوز له
# PageV03P194
# الرجوع فيه، فإن لم يرجع فيه، كان من الثلث، فإن أعتقه في الحال مضى
~~العتق، وليس لأحد عليه سبيل، سواء كان عليه دين بأضعافه، أو أقل، أو أكثر،
~~أو لم يكن، بخلاف التدبير.
# فإذا أوصى الإنسان بثلث ماله لشخص، ثم بعد ذلك أوصى بثلث ماله لغير ذلك
~~الشخص، كان الثلث لمن أوصى له أخيرا، وكانت الوصية الأخيرة ناسخة للأولى،
~~ورافعة لحكمها، لأن الإنسان لا يستحق من ماله بعد وفاته إلا ثلث ماله، فإذا
~~أوصى به لإنسان، ثم وصى بعد ذلك به لإنسان آخر، فقد نقل الثلث الذي يستحقه
~~من الأول إلى الثاني، لأنه يعلم أنه لا يستحق سوى الثلث، فإذا وصى به ثم
~~وصى به، فقد رجع عن الوصية الأولى، وللإنسان أن يرجع عن وصيته ويبدلها
~~ويغير أحكامها ما دام حيا ثابت العقل، فليحظ ذلك، فهذا معنى قول أصحابنا،
~~وما يوجد في الكتب " أنه إذا أوصى الإنسان بوصية، ثم أوصى بأخرى، فإن أمكن
~~العمل بهما جميعا وجب العمل بهما، وإن لم يمكن العمل بهما كان العمل على
~~الأخيرة ms1240 دون الأولى ".
# فأما إذا أوصى بشئ ولم يقل بثلثي، ثم أوصى بشئ آخر ولم يذكر الثلث، وأوصى
~~بشئ آخر ولم يذكر الثلث، فإن مذهب أصحابنا أن يبدء بالأول فالأول، ويكون
~~النقصان إن لم يف الثلث داخلا على من ذكر أخيرا، لأنه لما أوصى للأول، ما
~~قال أوصيت له بثلثي، وكذلك الثاني والثالث، فظن أن ثلثه يبلغ مقداره جميع
~~من ذكره، ويفي بما ذكر، ولم ينقل عن الأول ما أوصى له به، وكذلك الثاني،
~~فلو علم أنه قد استوفى ثلث ماله لمن أوصى له به، ما أوصى بعده بشئ آخر،
~~لأنه يعلم أنه ليس له بعد موته سوى الثلث، فإذا استوفاه فيكون النقصان
~~داخلا على من ذكره أخيرا.
# فهذا الفرق بين المسألتين، فلا يظن ظان أن المسألتين واحدة، وإن بينهما
~~تناقضا أو مذهب أصحابنا إن الوصية الثانية ناسخة للأولى في جميع المواضع،
~~أو أن الواجب البدأة بالأول فالأول، بل إذا وجد في بعض الكتب إن الأخيرة
~~ناسخة للأولى، ففقه ذلك ما ذكرناه، وإذا وجد في الكتب، إن الواجب أن يبدأ
~~بالأول PageV03P195
# فالأول، ويكون النقصان داخلا على ما ذكر أخيرا، ففقهه ما ذكرناه، فليحظ
~~ويتأمل ويعمل فيه بما قررناه.
# والذي يدلك على ما حررناه، ما ذكره شيخنا أبو جعفر الطوسي في مبسوطه،
~~ومسائل خلافه.
# فإنه قال في مبسوطه: إذا أوصى الرجل بثلث ماله، ثم أوصى لآخر بثلث ماله،
~~فهاتان وصيتان بثلثي ماله، وهكذا إذا أوصى بعبد بعينه لرجل، ثم أوصى لرجل
~~آخر بذلك العبد بعينه، فهما وصيتان، ويكون الثاني رجوعا عن الأولى، ومنهم
~~من قال لا يكون رجوعا، وفيه خلاف، فمن قال ليس برجوع، قال ينظر فإن أجاز
~~الورثة، يكون لكل واحد منهما ثلث ماله، وكذلك نقول، ومن قال هو رجوع، فإن
~~أجازوه قالوا المال بينهما نصفان، وإن لم يجيزوه نظرت، فإن كان قيمة العبد
~~قدر الثلث، فإنه يكون بينهما، ولا يحتاج إلى إجازة الورثة، وإن كان قيمة
~~العبد أكثر من الثلث، فللوراث أن يمنعوا الزيادة على الثلث، فأما الثلث
~~فلا، ويكون ms1241 الثلث بينهما نصفين، هذا إذا قبلا جميعا الوصية وإن رد أحدهما
~~وقبل الآخر، فإن جميع الثلث لمن قبل، لأنه قد أوصى لكل واحد منهما بجميع
~~الثلث، وعلى ما قلناه " من أن في الثاني رجوعا عن الأول " ينظر، فإن رجع
~~الأول فلا تأثير لرجوعه، لأن الوصية له قد بطلت بالوصية للثاني، وإن رجع
~~الثاني ولم يقبلها، رجع المال إلى الورثة، لأن الوصية للأول كانت قد بطلت
~~بالوصية للثاني، هذا آخر كلامه في مبسوطه (1).
# وقال رحمه الله في موضع آخر، في هذا الفصل في مبسوطه، أيضا، فأما العطية
~~المؤخرة، إذا أوصى بعتق، أو أوصى بمحاباة دفعة واحدة، نظرت، فإن لم يكن فيه
~~عتق، فإنه يسوى بينهم، لأن حال استحقاق وجوبه واحدة، وهو بعد الموت، فإن
~~خرج كله من الثلث، صح الكل، وإن لم يخرج من الثلث عندنا، يقدم الأول فالأول
~~ويدخل النقص على الأخير، وإن اشتبهوا أقرع بينهم، وعند المخالف يقسط عليهم،
~~فهذا آخر كلامه (2).
# PageV03P196
# فانظر أيدك الله بتوفيقه، إلى كلامه في المسألة الأولى، وإلى كلامه في
~~هذه المسألة، لا وجه له إلا ما حررناه.
# وإذا أوصى الإنسان بوصية، فليس لأحد مخالفته فيما أوصى به، ولا تغيير شئ
~~من شرائطها على ما قدمناه (1)، إلا أن يكون قد وصى بما لا يجوز له أن يوصي
~~به، مثل أن يكون قد أوصى بماله في غير مرضات الله، أو أمر بإنفاقه في وجوه
~~المعاصي، من قتل النفوس، وسلب الأموال، أو إعطائه الكفار، أو إنفاقه على
~~مواضع قربهم من البيع، والكنايس، وبيوت النيران، فإن فعل شيئا من ذلك وجب
~~على الوصي مخالفته من جميع ذلك، وصرف الوصية إلى الحق، وكان على إمام
~~المسلمين معاونته على ذلك.
# فإن أوصى الإنسان لأحد أبويه أو بعض قرابته بشئ من ثلثه، وجب إيصاله
~~إليهم وإن كانوا كفارا ضلالا، وكذلك من لا بينه وبينه قرابة من الكفار على
~~ما قدمناه (2).
# وقد ذهب بعض أصحابنا أنه لا تصح للكفار إلا لمن بينه وبينه رحم.
# والأول هو الأظهر لأنا لا نراعي في الوصية ms1242 القربة، ويعضد ذلك قوله تعالى
~~" فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه " (3) وهذا عام.
# ولا بأس بالوصية للوارث عندنا إذا لم تكن بأكثر من الثلث، فإن كانت بأكثر
~~من الثلث، ردت إليه، إلا أن يجيزه الوارث على ما قدمناه (4).
# وإذا أوصى بوصية ثم قتل نفسه، كانت وصيته ماضية، لم يكن لأحد ردها، فإن
~~جرح نفسه بما فيه هلاكها على غالب العادات، ثم وصى، كانت وصيته مردودة، لا
~~يجوز العمل عليها، على ما رواه بعض أصحابنا في بعض الأخبار (5).
# والذي يقتضيه أصولنا، وتشهد بصحته أدلتنا، أن وصيته ماضية صحيحة، إذا كان
~~عقله ثابتا عليه، لأنه لا مانع من ذلك، ويعضده قوله تعالى " فمن بدله
# PageV03P197
# بعد ما سمعه " ولا دليل على إبطال هذه الوصية من كتاب، ولا سنة مقطوع
~~بها، ولا إجماع.
# وإذا أوصى بوصية ثم قتله غيره خطأ، كانت وصيته ماضية في ثلث ماله وثلث
~~ديته، على ما رواه أصحابنا (1).
# وإذا جرحه غيره، ثم وصى كان الحكم فيه أيضا مثل ذلك، في أنه تمضي الوصية
~~في ثلث ماله، وثلث ما يستحقه من أرض الجراح.
# وإذا أوصى الإنسان لعبده بثلث ماله، فإن كان الثلث وفق قيمة العبد، عتق
~~ولا شئ له ولا عليه، وإن كان أكثر عتق أيضا، وأعطي بقية الثلث، وإن كان
~~الثلث أقل من القيمة بأي شئ كان أقل (2)، عتق منه بمقدار الثلث، واستسعى في
~~الفاضل عن الثلث، لأن الإنسان يملك بعد موته ثلث ماله، فقد انعتق على كل
~~حال ما يملكه، وهو ثلث العبد (3).
# وقد رويت رواية (4) شاذة، أوردها شيخنا أبو جعفر في نهايته إيرادا لا
~~اعتقادا لصحتها، لأنه رجع عنها في مسائل خلافه، فقال في نهايته، وإذا أوصى
~~الإنسان لعبده بثلث ماله، نظر في قيمة العبد قيمة عادلة، فإن كانت قيمته
~~أقل من الثلث، أعتق، وأعطي الباقي، وإن كانت مثله أعتق وليس له شئ، ولا
~~عليه شئ، وإن كانت القيمة أكثر من الثلث بمقدار السدس، أو الربع، أو الثلث،
~~أعتق بمقدار ذلك، واستسعى في الباقي ms1243 لورثته، وإن كانت قيمته على الضعف من
~~ثلثه، كانت الوصية باطلة (5).
# وهذا لا دليل عليه من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع، لأنه عاد عن
~~ذلك في مسائل خلافه، فقال مسألة: إذا أوصى لعبد نفسه صحت الوصية، وقوم
# PageV03P198
# العبد، وأعتق، إذا كان ثمنه أقل من الثلث، فإن كان ثمنه أكثر من الثلث،
~~استسعى فيما يفضل للورثة، هذا آخر كلام شيخنا في مسائل خلافه (1). واستدل
~~عليه بإجماع الفرقة، وإلى هذا يذهب ابن بابويه في رسالته.
# وقال شيخنا في نهايته: وإذا أوصى الإنسان بعتق المملوك له، وكان عليه
~~دين، فإن كان قيمة العبد ضعفي الدين، استسعى العبد في خمسة أسداس قيمته،
~~ثلاثة أسهم للديان، وسهمان للورثة، وسهم له، وإن كانت قيمته أقل من ذلك،
~~بطلت الوصية (2) على ما روي (3) في أخبارنا، وأورده شيخنا أبو جعفر في
~~نهايته.
# والذي يقتضيه المذهب، أنه لا وصية قبل قضاء الدين، بل الدين مقدم على
~~الوصية، والتدبير عندنا وصية، فلا تمضي الوصية إلا بعد قضاء الدين، فإن عمل
~~عامل بهذه الرواية، يلزمه أن يستسعى العبد، سواء كانت قيمته ضعفي الدين، أو
~~أقل من ذلك، لأنه متى كانت قيمته أكثر من الدين، بأي شئ كانت، فإن الميت
~~الموصي قد استحق في الذي فضل على الدين ثلثه، فتمضي وصيته في ذلك الثلث،
~~ويعتق العبد، ويستسعى في دين الغرماء، وما فضل عن ثلث الباقي للورثة، ولي
~~في ذلك نظر.
# فإن أعتقه في الحال، وبت عتقه قبل موته، مضى العتق، وليس لأحد من الديان
~~ولا للورثة عليه سبيل، لأن ذلك ليس بتدبير، وإنما ذلك عطية منجزة في الحال،
~~وعطاياه المنجزة صحيحة على الصحيح من المذهب، لا تحسب من الثلث، بل من أصل
~~المال.
# ومن وصى لعبد غيره لم يصح وصيته، فإن وصى لمكاتب مشروط عليه، كان أيضا
~~مثل ذلك، فإن لم يكن مشروطا عليه، جازت الوصية له بمقدار ما أدى من كتابته،
~~لا أكثر من ذلك.
# وإذا أوصى لأم ولده، أعتقت من نصيب ولدها، وأعطيت ما أوصى لها به،
# PageV03P199
# على ms1244 ما روي (1) في الأخبار، وأورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (2)، والذي
~~يقتضيه أصول مذهبنا، إنها تنعتق بالوصية إن كانت وفق قيمتها، وما بقي بعد
~~رقبتها يكون بين ولدها وباقي الورثة، على كتاب الله تعالى، وإن كانت الوصية
~~بأكثر من قيمتها، وتخرج من الثلث، فتعتق أيضا بالوصية ويسلم إليها ذلك
~~الأكثر، وإن كانت الوصية أقل من قيمتها، عتقت بمقدارها بالوصية، وباقيها من
~~سهم ولدها، وجعل باقيها من نصيبه، لأن الله تعالى قال " من بعد وصية توصون
~~بها أو دين " (3) فجعل تعالى استحقاق الإرث بعد الوصية والدين، بغير خلاف
~~بين أصحابنا، فإذا أعتقناها من سهم ابنها، دون الوصية، فقد قدمنا الإرث على
~~الوصية، وهذا بخلاف القرآن، وهذا الرواية خبر واحد، وقد قدمنا أن أخبار
~~الآحاد لا يعمل بها في الشرعيات، لأنها لا توجب علما ولا عملا.
# وإذا أوصى الموصي بإخراج الورثة من الميراث، لم يلتفت إلى وصيته، وقوله،
~~إذا كان مقرا به قبل ذلك، أو كان مولودا على فراشه، لم يكن قد انتفى منه في
~~حال حياته بلعان امرأته.
# تصرف المريض فيما زاد على الثلث إذا لم يكن منجزا لا يصح بلا خلاف، وإن
~~كان منجزا مثل العتاق والهبة المقبوضة، فلأصحابنا فيه روايتان، إحديهما (4)
~~أنه يصح، وهو الأظهر في المذهب، الذي يعضده الأدلة، والأخرى (5) لا يصح،
~~وهو مذهب جميع من خالفنا.
# إذا أوصى إنسان بغلة بستانه، أو ثمرة نخلته، أو خدمة عبده أبدا لإنسان
~~على
# PageV03P200
# وجه التأبيد، فإن غلة البستان وثمرة النخلة، إن كانت الثمرة والغلة
~~موجودة في وقت موته، ولم يخلف غير البستان أو غير النخلة، فإن البستان أو
~~النخلة يقومان، ويعطى الموصى له بالغلة والثمرة بقدر ثلث جميع ما قوم، فإن
~~كانت الثمرة بقدر الثلث، فقد استوفى ما وصي له به، وإن نقصت عن الثلث،
~~استوفى في المستقبل من الثمرة تمام الثلث، ويعود ملك الأصول إلى الورثة بعد
~~استيفاء جميع ثلث ما كان في ملك الميت الذي ذكرنا أنه يقوم بعد الموت.
# وأما خدمة العبد، فإن العبد أيضا يقوم وقت ms1245 الموت، ويستخدمه الموصى له
~~بخدمته مدة يكون إجارتها بمقدار الثلث، فإذا استوفى الثلث، عادت رقبة العبد
~~إلى الورثة.
# هذا إذا لم يخلف الميت ثلثين، كل ثلث بمقدار قيمة الغلة أو الثمرة، أو
~~قيمة العبد سوى الثلث الذي هو قيمة الغلة أو الثمرة، أو قيمة العبد.
# فإن كانت الثمرة أو الغلة معدومة، فإن الجميع يقوم، ويأخذ في المستقبل
~~الموصى له بقدر الثلث، مما يخرج البستان أو النخلة، إلى أن يستوفي قدر
~~الثلث، ويرجعان إلى الورثة.
# إذا كان عليه حجة الإسلام، فأوصى أن يحج عنه من ثلث ماله، وأوصى بوصايا
~~أخر، قدم الحج على غيره من الوصايا، فإن كانت الحجة تطوعا فلا دلالة على
~~تقديمها.
# وروي (1) في أخبارنا أن الإنسان إذا وصى بأن يشترى بثلث ماله عبيد،
~~وأعتقوهم، فينبغي أن يشترى بالثلث ثلاثة فصاعدا، لأنهم أقل الجمع، إن بلغ
~~الثلث قيمة ثلاثة بلا خلاف، وإن لم يبلغ وبلغ اثنين وجزء من الثالث، فإنه
~~يشترى الاثنان، ويعتقان، ويعطيان البقية.
# والذي يقتضيه الأصول، وتشهد بصحته الأدلة، أنه يشترى بالباقي جزء من عبد
~~ثالث، لأنه يكون قد امتثل المأمور، لأن العبد يعتق، ويستسعى في الباقي
~~قيمته،
# PageV03P201
# فيكون قد أعتقوا ثلاثة، والرواية من أخبار الآحاد، وقد بينا أنه لا يعمل
~~بأخبار الآحاد عندنا في الشرعيات، لأنها لا توجب علما ولا عملا.
# وإذا أوصى لرجل بشئ ثم مات الموصي، فإنه ينتقل ما أوصى به إلى ملك الموصى
~~له بوفاة الموصي، لأنه لا يخلو الشئ الموصي به من ثلاثة أحوال، إما أن يبقى
~~على ملك الميت، أو ينتقل إلى الورثة، أو ينتقل إلى الموصى له، ولا يجوز أن
~~يبقى على ملك الميت، لأنه قد مات، والميت لا يملك، بل يزول ملكه بموته، ولا
~~يكون ملكا للورثة لقوله تعالى " من بعد وصية يوصي بها أو دين " (1) فجعل
~~للورثة الميراث بعد الوصية، فلم يبق إلا أن يكون ملكا للموصى له بالموت،
~~هذا استدلال شيخنا أبي جعفر في مسائل خلافه (2)، لأنه يذهب إلى أن بالموت
~~ينتقل ما أوصى به إلى ملك ms1246 الموصى له.
# والذي يقوى في نفسي، أنه لا ينتقل بالموت، بل بانضمام القبول من الموصى
~~له، لا بمجرد الموت، والذي يدل على صحة ذلك، أنه لا خلاف بين أصحابنا أنه
~~إذا رد الموصى له الوصية بعد موت الموصي، فإن الشئ الموصى به يعود إلى
~~الورثة، ويقسم قسمة الميراث، للذكر مثل حظ الأنثيين، فلو انتقل إلى ملك
~~الموصى له بالموت، ما كان كذلك، بل كان يكون هبة منه، وصلة وعطية للورثة،
~~فيكون ذكرهم وأنثاهم فيها سواء، وأيضا فإنه يبعد أن يدخل الشئ في ملك مالك
~~بغير قبوله واختياره، لأنه ليس في أصول مذهبنا ذلك، ولا لأصحابنا فتوى
~~بذلك، ولا وردت به أخبار عن الأئمة الأطهار، ولا وضعه مصنف منهم في كتابه،
~~ولا أودعه تصنيفه، ولا أجمعوا عليه، والأصل أن لا ملك، فمن ادعى دخول
~~الأشياء في الأملاك بغير رضا المالكين ولا قبولهم، فإنه يحتاج إلى دليل
~~قاهر.
# والذي يمكن أن يقال على استدلال شيخنا أبي جعفر، وتفصيله " من أنه ليس
~~بملك للميت ولا للورثة " فما بقي إلا أن يكون داخلا في ملك الموصى له.
# يقال ما تقول في التركة إذا كان على الميت دين يحيط بها، فإنها بلا خلاف
~~بيننا
# PageV03P202
# لا يدخل في ملك الغرماء، ولا ملك الورثة، والميت فقد انقطع ملكه وزال
~~فتبقى موقوفة على قضاء الدين، فالشئ الموصى به بعد موت الموصي وقبل قبول
~~الموصى له، يبقى موقوفا على القبول، لا يدخل في ملك أحد مثل التركة سواء.
# وقد رجع شيخنا في الجزء الأول في كتاب الفطرة: إذا قال إنسان قد أوصيت
~~لفلان بثلث هذا العبد، أو ثلث هذه الدار، أو الثوب، ثم مات الموصي، وخرج
~~ثلثا ذلك العبد، أو تلك الدار مستحقا، فإن الوصية تصح في الثلث الباقي في
~~جميعه، إذا خرج من الثلث، وذهب بعض المخالفين إلى أن الوصية إنما تصح في
~~ثلث ذلك الثلث الباقي الذي لم يخرج مستحقا، والدليل على ما اخترناه، أنه
~~إذا قال أوصيت لفلان بثلث هذه الدار، فإنما أوصى له بما يملكه، ms1247 ألا ترى أنه
~~إذا قال بعت ثلث هذه الدار، فإن ذلك ينصرف إلى الثلث الذي يملكه منها، فإذا
~~كان أوصى له بما يملك، وخرج من الثلث، وجب أن يصح، كما لو أوصى له بعبد
~~يملكه.
# إذا أوصى بأن يصرف ثلثه في سبيل الله، فسبيل الله يدخل فيه الجهاد وغيره،
~~من بناء المساجد، والقناطر، وجميع ما يتقرب به إلى الله سبحانه.
# إذا أوصى الإنسان أن يساوى بين ورثته الرجال والسناء، وأن يكونوا في
~~الميراث سواء هل ذلك جايز له، وهل هو في فعله على صواب أو خطأ، فالجواب عن
~~ذلك أنه يجوز ما لم يرد تفضيل البنات على ثلث ماله، فإن زاد على ذلك بطل
~~الزايد، ورد إلى الثلث.
# نكاح المريض جايز إذا دخل بها، وإن لم يدخل ولم يصح من مرضه ذلك، ومات
~~فيه قبل الصحة وقبل الدخول، لم يصح النكاح، وكان باطلا عند أصحابنا بغير
~~خلاف بينهم، ولا يجب عليها عدة ولا لها ميراث، وهذا إجماع من أصحابنا.
# الوصية للقاتل جايزة، لأنها ليست بميراث.
# إذا أوصى لمواليه، ولأبيه موال، وله موال، كان ذلك مصروفا إلى مواليه،
~~دون موالي أبيه.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه: لا يجوز أن يوصي إلى أجنبي، بأن
~~يتولى PageV03P203
# أمر أولاده الصغار مع وجود أبيه، ومتى فعل لم تصح الوصية، لأن الجد أولى
~~(1)، ولي في ذلك نظر.
# الأم عندنا لا تلي على أولادها بنفسها، إلا بوصية من أبيهم.
# إذا أوصى الإنسان إلى رجل بجهة من الجهات، فليس له أن يتصرف في غيرها من
~~الجهات.
# إذا أوصى بثلث ماله، اعتبر حال الموت، لا حال الوصية.
# من ليس له وارث قريب أو بعيد، ولا مولى نعمة، لا يصح أن يوصي بجميع ماله،
~~ولا يوصي بأكثر من الثلث.
# إذا قال أعطوا فلانا رأسا من رقيقي، فإن هذه وصية صحيحة، والورثة
~~بالخيار، يعطون أي رأس من عبيده شاؤوا، أقل ما يقع عليه اسم الرقيق، سواء
~~كان معيبا أو صحيحا، صغيرا أو كبيرا فإن هلك الرقيق إلا رأسا واحدا، ms1248 فإنه
~~يعطى ذلك العبد، لأنه أوصى له لا بعينه، وعلقه بصفة، والصفة موجودة هيهنا،
~~فأما إن قال أعطوه رأسا من رقيقي، ولم يكن له رقيق أصلا، فإن الوصية باطلة،
~~لأنه علقه بصفة ليست موجودة، كما لو أوصى له بدار، ولم يكن له دار.
# وإذا أوصى له بشاة من غنمه، فالوصية صحيحة، وللورثة أن يعطوا أي شاة وقع
~~عليها اسم الشاة، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، ضانية أو ماعزة، معيبة أو
~~سليمة، فإن كانت غنمه كلها إناثا أعطي أنثى، وإن كانت ذكرانا أعطي ذكرا،
~~وإن كانت ذكرانا وإناثا، فالورثة بالخيار بين إعطائه الذكر أو الأنثى، لأن
~~الاسم يتناول ذلك.
# إذا قال أعطوه عشر أنيق، أو عشر بقرات، أعطي الإناث لا الذكور، لأنه اسم
~~الإناث، إن قال أعطوه عشرة من الإبل، الأقوى والأظهر أن يقال يجب أن يعطى
~~ذكورا، لأن الهاء لا تدخل إلا على عدد المذكر، دون المؤنث.
# قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه: فإن أوصى، فقال أعطوه دفا من دفوفي،
# PageV03P204
# فإنه تصح الوصية، لأن الدف له منفعة مباحة، لما روي (1) عنه عليه السلام
~~أنه قال " أعلنوا هذا النكاح، وأضربوا عليه بالدف " وعلى مذهبنا لا تصح لأن
~~ذلك محظور استعماله، هذا آخر كلامه رحمه الله (2).
# ونعم ما قال لأنه من اللهو واللعب، وإن كان قد روي رواية شاذة بأنه مكروه
~~وليس بمحظور.
# وإذا قال أعطوه قوسا من قسي، وله قسي، قوس نشاب، وهو قوس العجم، وقوس
~~نبل، وهو القوس العربي، أو يكون له قوس حسبان، بضم الحاء غير المعجمة،
~~وسكون السين غير المعجمة، وفتح الباء المنقطة من تحتها نقطة واحدة، وهي
~~سهام قصار، الواحدة حسبانة، هذا قول الجوهري في كتاب الصحاح، وقال شيخنا
~~أبو جعفر في مبسوطه (3)، " قوس حسبان " وهو الذي يدفع به النشاب في مجرى،
~~وهو الوتر مع المجرى، ويرمي به، وقال في كتابه كتاب التبيان، في تفسير قوله
~~تعالى " حسبانا من السماء " (4) قال ابن عباس، وقتادة، معناه عذابا، وقيل
~~نارا من السماء تحرقها، وقيل أصل الحسبان السهام التي ترمى ms1249 بمجرى في طلق
~~واحد، وكان ذلك من رمي الأساورة هذا آخر كلامه رحمه الله في التبيان (5)، -
~~أو يكون للميت قوس جلاهق، أو يكون له قوس النداف، قال شيخنا أبو جعفر في
~~مبسوطه، فإن هذا بالإطلاق يحمل على قوس النشاب، والنبل، والحسبان، فالورثة
~~بالخيار، يعطون أي قوس من هذه الثلاثة شاؤوا، ثم قال رحمه الله، فأما إذا
~~لم يكن له شئ إلا الجلاهق، وقوس النداف، فالورثة بالخيار، يعطون أي القوسين
~~شاؤوا (6).
# PageV03P205
# قال محمد بن إدريس رحمه الله، أرى أن الورثة بالخيار في إعطاء أيهم ما
~~شاؤوا من الخمسة الأقواس، وتخصيص كلامه الموصي العام، يحتاج إلى دليل،
~~والجلاهق البندق واحده جلاهقة.
# باب شرايط الوصية قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: من شرط الوصية أن يكون
~~الموصي عاقلا حرا ثابت العقل، سواء كان صغيرا أو كبيرا، فإن بلغ عشر سنين،
~~ولم يكن قد كمل عقله، غير أنه لا يضع الشئ إلا في موضعه كانت وصيته ماضية
~~في المعروف من وجوه البر، مردودة فيما لم يكن كذلك، ومتى كان سنه أقل من
~~ذلك، لم يجز وصيته، وقد روي (1) أنه إذا كان ابن ثمان سنين، جازت وصيته في
~~الشئ اليسير، في أبواب البر، والأول أحوط، وأظهر في الروايات، وكذلك يجوز
~~صدقة الغلام إذا بلغ عشر سنين، وهبته وعتقه، إذا كان بالمعروف في وجوه
~~البر، فأما ما يكون خارجا عن ذلك، فليس بممضاة على حال، هذا آخر كلامه رحمه
~~الله (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله الذي تقتضيه أصول مذهبنا أن وصية غير المكلف
~~البالغ غير صحيحة، ولا ممضاة، سواء كانت في وجوه البر، أو غير وجوه البر،
~~وكذلك صدقته وعتقه وهبته، لأن وجود كلام الصبي غير البالغ كعدمه، ولأنه بلا
~~خلاف محجور عليه، غير ماض فعله في التصرف في أمواله، بغير خلاف بين الأمة.
# وأيضا قوله تعالى " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم
~~رشدا فادفعوا إليهم أموالهم " (3) فأمرنا بالدفع للأموال إليهم بعد البلوغ،
~~وهو في الرجال الاحتلام، أو الإنبات، أو خمسة عشرة ms1250 سنة، وفي النساء
~~الاحتلام أيضا أو الإنبات، أو بلوغ تسع سنين، أو الحمل، أو الحيض مع إيناس
~~الرشد وحده أن يكون مصلحا لماله، مصلحا لدينه، ومن أجاز شيخنا وصيته وعتقه
~~وهبته، ليس كذلك.
# PageV03P206
# وأيضا قوله عليه السلام رفع القلم عن ثلاث، عن الصبي حتى يحتلم (1)، ورفع
~~القلم عنه يدل على أنه لا حكم لكلامه، وإنما هذه أخبار آحاد، يوردها في
~~كتابه النهاية، إيرادا، وقد بينا أن أخبار الآحاد، لا توجب علما ولا عملا،
~~وقد بينا في كتاب الحجر من كتابنا هذا، حد البلوغ، ومتى يفك الحجر عن
~~الأطفال، ويسلم إليهم أموالهم، فلا معنى لإعادته.
# وليس من شرط صحة الوصية إلى الموصى إليه أن يشهد الموصي عليها شاهدين
~~عدلين، بل الأولى أن يشهدهما، كيلا يعترض فيها الورثة، فإن لم يشهد أصلا
~~وأمكن الوصي إنفاذ الوصية، وجب عليه إنفاذها على ما أوصى به إليه.
# ولا يجوز غير شهادة المسلمين (2) العدول في الوصية إلا عند الضرورة وفقد
~~العدول، فإنه يجوز والحال هذه أن يشهد نفسين من أهل الذمة، ممن ظاهرة
~~الأمانة عند أهل ملته، ولا يجوز شهادة غير أهل الذمة على حال.
# فإن لم يحضره إلا امرأة مسلمة عدلة، جازت شهادتها في ربع الوصية، فإن
~~حضرت اثنتان، جازت شهادتهما في النصف، ثم على هذا الحساب.
# وإذا أشهد إنسان عبدين له على حمل جارية له أنه منه، وأعتقهما، فشهدا عند
~~الورثة بذلك، فلم يقبلوا شهادتهما، واسترقوهما، وبيعا، أو أعتقا، فشهدا
~~للمولود بالنسب قبلت شهادتهما على الورثة، وقد حققنا ذلك وحررناه في كتاب
~~الشهادات (3).
# باب الوصية المبهمة والوصية بالعتق والحج إذا أوصى الإنسان بجزء من ماله،
~~ولم يبينه، كان ذلك السبع من ماله، وروي (4) أنه يكون العشر، والأول هو
~~المذهب، وعليه العمل على ما قدمناه (5).
# PageV03P207
# وإن أوصى بسهم من ماله، كان ذلك الثمن، وذهب بعض أصحابنا رحمهم الله، إلى
~~أنه يكون السدس، والأول هو الأظهر، وعليه العمل.
# وإذا أوصى بشئ من ماله ولم يبين مقداره، كان ذلك السدس من ماله على ما
~~قدمناه (1)، وأجملناه فيما ms1251 مضى.
# وقال شيخنا أبو جعفر رحمه الله في نهايته: فإن أوصى بثلث ماله في سبيل
~~الله ولم يسم، أخرج في معونة المجاهدين لأهل الضلال والكافرين (2).
# والصحيح من المذهب، أنه يصرف في كل ما يتقرب به إلى الله سبحانه، لأن
~~سبيل الله هو الطريق التي يتقرب بها إلى الله سبحانه، ويدخل في ذلك الجهاد
~~وغيره من وجوه البر، مثل بناء المساجد، والقناطر ومعونة الحاج والزوار،
~~وتكفين الموتى، وغير ذلك على ما قدمناه فيما مضى (3).
# إلا أن شيخنا رجع في مسائل خلافه في الجزء الثاني في كتاب قسمة الصدقات،
~~فإنه قال: مسألة سبيل الله يدخل فيه الغزاة في الجهاد، والحاج وقضاء الديون
~~عن الأموات، وبناء القناطر، وجميع المصالح وقال أبو حنيفة والشافعي ومالك،
~~أنه يختص المجاهدين، وقال أحمد سبيل الله هو الحج، فيصرف ثمن الصدقة في
~~الحج، دليلنا إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى وفي " سبيل الله " فإنه يدخل
~~فيه جميع ذلك، لأن المصالح من سبيل الله، هذا آخر كلامه في المسألة (4).
# فإن أوصى الإنسان بوصية وجعلها أبوابا مسماة، فنسي الوصي بابا منها،
~~فليجعل ذلك السهم في وجوه البر على ما روي (5) في بعض الأخبار، أورده شيخنا
~~في نهايته (6).
# وقال شيخنا في جواب الحائريات: إذا نسي الوصي جميع أبواب الوصية، فإنها
~~تعود ميراثا للورثة (7).
# PageV03P208
# فنعم ما قال وأجاب رحمه الله، فإن كان على تلك الرواية إجماع، وإلا
~~فالأولى أن تعود الباب كالمنسية ميراثا للورثة.
# وإذا أوصى الإنسان لغيره بسيف، وكان في جفن وعليه حلية، كان السيف له بما
~~فيه وعليه إذا خرج من الثلث، على ما رواه (1) أصحابنا.
# وإذا أوصى بصندوق لغيره، وكان فيه مال، كان الصندوق بما فيه للذي أوصى له
~~به، إذا خرج من الثلث على ما رواه (2) أصحابنا.
# وكذلك إن أوصى له بسفينة وكان فيها متاع، كانت السفينة بما فيها للموصى
~~له، إذا خرج أيضا من الثلث، إلا أن يستثنى ما فيها.
# وكذلك إذا أوصى بجراب - بكسر الجيم - وكان فيه متاع، كان الجراب بما فيه
~~للموصى له، سواء كان الموصي ms1252 عدلا أو فاسقا متهما على الورثة أو غير متهم،
~~لأنا لا نراعي في الموصي العدالة، بل ثبوت العقل، فإذا كان عاقلا تمضي
~~وصيته في ثلث ماله، ولا تمضي في أكثر من ثلث ماله، سواء كان عدلا أو فاسقا.
# وقال شيخنا أبو جعفر رحمه الله في نهايته بعد إيراده الوصية بالصندوق
~~والسفينة والسيف والجراب، ولم يقيد أن ذلك يجوز إذا خرج من الثلث، بل قال
~~كان الجراب بما فيه للموصى له -: هذا إذا كان الموصي عدلا مأمونا، فإن لم
~~يكن عدلا وكان متهما، لم تنفذ الوصية في أكثر من ثلثه من الصندوق والسفينة
~~والسيف والجراب، وما فيها (3).
# وقد قلنا ما عندنا في ذلك، فليلحظ.
# وإلى ما اخترناه ذهب شيخنا المفيد في مقنعته، فإنه قال: وإذا أوصى إنسان
~~لإنسان بصندوق مقفل، وكان في الصندوق متاع بقدر الثلث، أو دونه من تركته،
~~فالصندوق بما فيه للموصى له، إلا أن يستثنيه الموصي به وكذلك إن وصى له
# PageV03P209
# بسفينة فيها طعام، فالسفينة بما فيها للموصى له، إلا أن يستثنى ما فيها،
~~وكذلك إن وصى له بجراب مشدود، ووعاء مختوم، فالجراب والوعاء وما فيهما
~~للموصى له، حسبما قدمناه، هذا آخر كلام شيخنا المفيد في مقنعته (1).
# فإنه قيد بأن ما في الصندوق، ويكون بقدر الثلث أو دونه من تركته، وكذلك
~~في السفينة والجراب، ولم يجز الوصية فيما زاد على الثلث بحال، سواء كان
~~عدلا مرضيا أو فاسقا متهما، وهذا الذي يقتضيه مذهبنا، وإجماعنا منعقد عليه،
~~لا خلاف بين أصحابنا فيه، من أنه لا يجوز الوصية من كل أحد بأكثر من الثلث،
~~سواء كان عدلا أو فاسقا.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وإذا وصى الإنسان بشئ معين لأعمامه
~~وأخواله، كان لأعمامه الثلثان، وللأخوال الثلث (2).
# والذي يقتضيه مذهبنا، أن لكل واحد من أخواله مثل كل واحد من أعمامه، يكون
~~جماعة الموصى لهم من الأعمام والأخوال في الوصية سواء، لأن ذلك ليس بميراث،
~~وما ذكره رحمه الله خبر واحد أورده في نهايته، إيرادا لا اعتقادا، وقد بينا
~~أن أخبار ms1253 الآحاد لا توجب علما ولا عملا.
# ثم قال رحمه الله بعد ذلك، فإن أوصى الإنسان لأولاده وكانوا ذكورا
~~وإناثا، ولم يذكر كيفية القسمة فيه، كان ذلك بينهم بالسوية، فإن قال هو
~~بينهم على كتاب الله تعالى، كان للذكر مثل حظ الأنثيين (3).
# إذا أوصى فقال أعطوا ثلث مالي لقرابتي، فإن الوصية تكون للمعروفين من
~~أقاربه في العرف، فيدخل فيه كل من يعرف في العادة إنه من قرابته، سواء كان
~~وارثا أو غير وارث، لأن العرف يشهد بذلك، وشاهد الحال وفحوى الخطاب.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، اتباعا لشيخه المفيد في مقنعته: (4) وإذا
~~أوصى بثلث ماله لقرابته، ولم يسم أحدا، كان ذلك في جميع ذوي نسبه الراجعين
~~إلى آخر
# PageV03P210
# أب وأم له في الإسلام، ويكون ذلك بين الجماعة بالسوية (1).
# إلا أنه رجع في مسائل خلافه (2)، وفي مبسوطه، فقال في مبسوطه: إذا أوصى
~~فقال أعطوا ثلث مالي لقرابتي أو لأقربائي، أو لذي رحمي، فالحكم في الكل
~~واحد، فقال قوم هذه الوصية للمعروفين من أقاربه في العرف، فيدخل فيه كل من
~~يعرف في العادة إنه من قرابته، سواء كان وارثا أو غير وارث، وهو الذي يقوى
~~في نفسي، وقال قوم إنه يدخل فيه كل ذي رحم محرم، فأما من ليس بمحرم له، فلا
~~يدخل فيه، وإن كان له رحم مثل بني الأعمام وغيرهم، وقال قوم إنها للوارث من
~~الأقارب، فأما من ليس بوارث فإنه لا يدخل فيه، والأول أقوى، لأن العرف يشهد
~~به، وينبغي أن يصرف في جميعهم، ومن وافقنا على ذلك قال يصرف في جميعهم، إلا
~~الوارث، فإن أجازته الورثة صرف إليهم أيضا، فيكون الذكر والأنثى فيه سواء،
~~وفي أصحابنا من قال أنه يصرف ذلك إلى آخر أب وأم له في الإسلام، ولم أجد به
~~نصا ولا عليه دليلا مستخرجا، ولا به شاهدا هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر في
~~مبسوطه (3).
# وقال في نهايته: يصرف ذلك إلى آخر أب وأم له في الإسلام.
# ألا ترى أرشدك الله، قوله رحمه الله، ولم أجد ms1254 به نصا ولا عليه دليلا
~~مستخرجا، ولا به شاهدا، فالركون إلى ما يوجد في نهايته، ويورده فيها إذا لم
~~تعضده الأدلة خطأ لا يجوز ولا يحل الركون إليه، وإنما يورد، أخبار آحاد،
~~وما يجده في مصنفات أصحابنا، إيرادا لا اعتقادا لصحته، والعمل به.
# والوصية للجيران، والعشيرة، والقوم، والمسلمين، أو المؤمنين، أو
~~الهاشميين، أو العلويين، وغيرهم، مما يتناولهم الاسم العام، على ما ذكرنا
~~في الباب الوقوف (4) على السواء، لا يختلف الحال في ذلك.
# ومتى وصى لحمل غير منفصل، بل موجود في بطن أمه، غير منفصل موجود
# PageV03P211
# في الأرض، كانت الوصية ماضية، فإن سقط الحمل أو مات قبل وضعه وانفصاله من
~~بطن أمه، رجعت الوصية ميراثا على ورثة الموصي، دون ورثة الموصى له، فإن
~~وضعته أمه حيا، واستهل وصاح، ثم مات، كان ما أوصى له به ميراثا لورثته، دون
~~ورثة الموصي، هذا إذا قبل وارث الحمل المستهل للوصية بعد استهلاكه، على ما
~~قررناه (1) من أنه متى تنتقل الوصية بموت الوصي، أو بموته، وقبول الموصى له
~~الوصية، فقد بيناه.
# ومن أوصى لا لحمل، بل لمعدوم غير موجود في بطن أمه، كانت الوصية باطلة.
# وإذا أوصى المسلم بثلثه للفقراء، كان ذلك لفقراء المسلمين، دون من عداهم
~~من الناس، وإن اختلفوا في الآراء والمذاهب، اللهم إلا أن يعرف مراد الواقف،
~~إن كان وقفا، أو الموصي، ومن عناه بالذكر بمذهب له، يدل على ذلك، أو عادة
~~له في الخطاب، فيحكم عليه بذلك، دون ما وصفناه من العموم، فعلى هذا إذا
~~أوصى الكافر للفقراء، كان ذلك لفقراء أهل ملته دون غيرهم.
# وروى أصحابنا، أنه إذا أوصى بوصايا وكان في جملتها الحج بدئ به، لأنه
~~فريضة (2)، وقد قدمنا ذلك وحررناه (3).
# وإذا أوصى بعتق مملوك، وبشئ لقرابته، ولم يبلغ ثلثه، ذلك، بدئ بالمملوك،
~~لأنه أول، وما فضل بعد ذلك كان لمن أوصى له به.
# وإذا أوصى بعتق ثلث عبيده، وكان له عبيد جماعة، استخرج ثلثهم عندنا
~~بالقرعة، وأعتقوا.
# وإذا قال فلان وفلان وفلان من مماليكي أحرار بعد موتي، وكانت ms1255 قيمتهم أكثر
~~من الثلث، بدئ بالأول فالأول إلى أن يستوفي الثلث، وكان النقصان فيمن ذكرهم
~~أخيرا.
# فإن ذكر جماعة من عبيده معدودين، ولم يميزهم بصفة، ولا رتبهم في القول،
# PageV03P212
# واستخرجوا بالقرعة، وأعتقوا.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا أعتق مملوكا له عند موته، ولا يملك
~~غيره، أعتق ثلثه، واستسعى فيما بقي لورثته (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله، إن أراد رحمه الله أنه بت عتقه في حال
~~حياته، ولم يجعله مدبرا بعد موته، فإنه ينعتق جميعه، ولا يستسعى في شئ لأن
~~هذه عطية منجزة في الحال، وليس هو تدبيرا بعد الموت على الصحيح من المذهب،
~~إلا على مذهب من قال من أصحابنا، إن العطية المنجزة يكون أيضا مثل المؤخرة،
~~تخرج من الثلث إذا كانت في مرضه الموت، والأول هو الأظهر بين الطائفة،
~~وعليه الفتوى، وبه العمل، لأن للإنسان التصرف في ماله ونفقته جميعه، في
~~مرضه الموت بغير خلاف، وإن أراد رحمه الله ب " عند موته " بعد موته، وجعله
~~تدبيرا، فنعم ما قال وذهب.
# وروي أنه إذا أوصى بعتق نسمة مؤمنة، ولم يوجد ذلك، جاز أن يعتق من أبناء
~~الناس ممن لا يعرف بنصب ولا عداوة، فإن وجدت مؤمنة، لم يجز غيرها (2).
# والأظهر أنه لا يجزيه غير المؤمنة على كل حال، لقوله تعالى " فمن بدله
~~بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه " (3).
# فإن اشترى نسمة على أنها مؤمنة، وكان ظاهرها ذلك، فأعتقت ثم ظهر بعد ذلك
~~إنها لم تكن كذلك، فقد مضى العتق وأجزأ عن الوصي، لأنه المتعبد المكلف
~~المخاطب بذلك، وأجزأ أيضا عن الموصي.
# وروي أنه إذا أوصى بأن يعتق عنه رقبة بثمن معلوم، فلم يوجد بذلك القدر،
~~ووجد بأكثر منه، لم يجب شراؤه، وتركت الوصية إلى وقت ما يوجد بالثمن
~~المذكور، فإن وجد بأقل من ذلك، اشتري وأعطي الباقي، ثم أعتق (4).
# PageV03P213
# وروي أنه إذا أوصى الإنسان بعتق جميع مماليكه، وله مماليك يخصونه،
~~ومماليك بينه وبين غيره، أعتق من كان في ملكه، وقوم من كان في الشركة،
~~وأعطي ms1256 شريكه حقه، إن كان ثلثه يحتمل ذلك، وإن لم يحتمل، أعتق منهم بقدر ما
~~يحتمله (1).
# والذي يقوى عندي، أنه لا يقوم من في الشركة، بل يعتق منهم بقدر ما يملكه،
~~ولا يعطى شريكه ثمن حصته، وإن كان ثلثه يحتمل ذلك، لأنه بعد موته لا يملك
~~الثلث إذا لم يوص به، لأن الموت يزول به ملكه إلا ما استثنى من ثلثه، وهذا
~~ما استثنى شيئا.
# إذا أوصى الإنسان فقال حجوا عني بثلثي حجة، ومات، فقد أوصى بأن يحج عنه
~~بجميع ثلثه، فينظر فيه، فإن كان ثلث ماله بقدر أجرة من يحج عنه، فإن للوصي
~~أن يستأجر من يحج عنه، سواء كان وارثا أو أجنبيا، بلا خلاف، وإن كان ثلث
~~ماله أكثر ما يحج به من أجرة المثل، فكذلك عندنا، وعند المخالف يستأجر من
~~يحج عنه بجميع ثلثه إذا كان أجنبيا، ولا يجوز أن يستأجر وارثا، لأن ما زاد
~~على أجرة المثل وصية بالمحاباة، وذلك لا يصح للوارث، وعندنا أن ذلك يصح.
# وإن قال حجوا عني بثلثي، ولم يقل حجة واحدة، فقد أوصى أن يحج عنه بثلثه،
~~فينظر في ذلك، فإن كان ثلثه بقدر ما يحج به حجة واحدة، استؤجر من يحج عنه،
~~سواء كان وارثا أو غير وارث، وإن كان ثلث ماله أكثر من أجرة مثله، فإنه لا
~~يجوز أن يستأجر عنه بأكثر منه، وينظر في الزيادة، فإن أمكن أن يستأجر بها
~~من يحج عنه حجة أخرى، فعل، وإن لم يمكن ردت الزيادة إلى الورثة، لأن الوصية
~~متى لم تصح في الوجه الذي صرفه (2) فيه، رجعت إلى الورثة، والفرق بين هذه
~~المسألة والتي قبلها، إن فيما قبلها أوصى بأن يحج عنه حجة واحدة بجميع
~~ثلثه، فلأجل هذا لم تراع أجرة المثل.
# إذا أوصى الإنسان أن يحج عنه ولم يقل بثلثي، ولم يبين كم يحج عنه؟ فإنه
# PageV03P214
# يجب أن يحج عنه حجة واحدة، لأنه قد امتثل المأمور به.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: إذا أوصى الإنسان أن يحج عنه، ولم يبين ms1257
~~كم يحج عنه؟ فإنه يجب أن يحج عنه ما بقي من ثلثه شئ (1).
# وهذا غير واضح، إلا أن يقيده بالثلث، بأن يقول حجوا عني بثلثي على ما
~~قدمناه وحررناه.
# إلا أن شيخنا رجع عنه في مبسوطه، (2) وحرره كما حررناه.
# وإذا أوصى أن يحج عنه في كل سنة من ارتفاع ضيعة بعينها، فلم ترتفع كل سنة
~~مقدار ما يحج عنه به، جاز أيضا أن يجعل ارتفاع سنتين وثلث، لسنة واحدة، وحج
~~به عنه.
# وفقه هذا على ما قدمناه (3)، " من أن من أوصى بغلة الضيعة له، أو بستان،
~~أو ثمرة نخلة، للإنسان على التأبيد "، فإن ارتفاع الضيعة إن كان موجودا في
~~وقت موته، ولم يخلف غير الضيعة المعينة، فإن الضيعة تقوم، وتؤخذ للحج بقدر
~~ثلث جميع ما قوم، فإن كان الارتفاع بقدر الثلث، فقد استوفي، وحج به كل سنة،
~~إلى أن ينفذ، وإن نقص الارتفاع عن الثلث، استوفي في المستقبل من الارتفاع
~~تمام الثلث، ويعود ملك الضيعة إلى الورثة بعد استيفاء ثلث جميع ما كان في
~~ملك الميت الذي ذكرناه، أنه يقوم بعد الموت، هذا إذا لم يخلف الميت ثلثين،
~~كل ثلث بقدر قيمة الارتفاع المذكور الموجود غير الثلث الذي هو الارتفاع
~~المذكور الموجود، فإن كان الارتفاع معدوما وقت موت الموصي، فإن الجميع يقوم
~~ويؤخذ في المستقبل بقدر الثلث مما تخرج الضيعة، إلى أن يستوفي قدر الثلث،
~~فيحج به، وترجع الضيعة إلى الورثة بعد ذلك، فليلحظ هذا الموضع، ويحصل ما
~~قلناه، فإنه غامض ملتبس فليفهم عنا ما حررناه.
# PageV03P215
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا قال حجوا عني حجة واحدة، فإن كانت
~~حجة الإسلام، حج عنه من أصل المال، وإن كانت تطوعا حج عنه من الثلث، فإن لم
~~يبلغ الثلث مقدار ما يحج عنه من الموضع، حج عنه من الموضع الذي يمكن ذلك
~~فيه (1).
# وذهب في مبسوطه إلى أنه لا يجب أن يحج عنه، سواء كانت الحجة واجبة أو
~~مندوبة، ولا يلزم الورثة الأجرة والاستيجار، إلا من ميقات أهله الذي هو
~~ميقات ms1258 الإحرام (2).
# وما ذكره في نهايته، هو الصحيح الذي تشهد به الروايات عن الأئمة عليهم
~~السلام، ولأن الحج يجب على المال والبدن، ويجب عليه الخروج من بلده،
~~والنفقة لمسافته من مصره وبلدته، فإذا عدم البدن، سقط عنه، وبقي في المال
~~من الموضع الذي كان تجب عليه النفقة منه، لو كان حيا.
# وإذا قال الموصي لوصيه، أعط إنسانا كل سنة شيئا معينا، فمات الموصى له،
~~كان ما أوصى له لورثته، إلا أن يرجع فيه الموصي، فإن رجع فيه، كان ذلك له،
~~سواء رجع فيه قبل موت الموصى له، أو بعد موته، فإن لم يرجع في وصيته حتى
~~يموت، ولم يخلف الموصى له أحدا، رجعت الوصية على ورثة الموصي، هكذا أورده
~~شيخنا أبو جعفر في نهايته (3).
# والذي يقتضيه أصول مذهبنا أنه لأمام المسلمين مع قبوله للوصية، لأن
~~الإنسان لا بد له من وارث، أما من ذوي الأنساب، أو من ذوي الأسباب، فليتأمل
~~ذلك.
# وإذا قال الموصي أعطوا فلانا كذا، ولم يقل إنه له، ولا أمره فيه بأمر وجب
~~تسليمه إليه، وكان الأمر في ذلك إليه، إن شاء أخذه لنفسه، وإن شاء تصدق به
~~عنه، كل ذلك جايز له فعله.
# PageV03P216
# باب الإقرار في المرض والهبة فيه وغير ذلك إقرار المريض على نفسه جائز
~~للأجنبي وللوارث وعلى كل حال، إذا كان عقله ثابتا في حال الإقرار، ويكون ما
~~أقر به من أصل المال، سواء كان عدلا أو فاسقا متهما على الورثة، أو غير
~~متهم، وعلى كل حال، سواء كانت مع المقر له بينة، أو لم تكن، لا جماع
~~أصحابنا المنعقدان إقرار العقلاء جائز فيما يوجب حكما في شريعة الإسلام.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: إقرار المريض على نفسه جائز للأجنبي
~~وللوارث على كل حال، إذا كان مرضيا موثوقا بعدالته، ويكون عقله ثابتا في
~~حال الإقرار، ويكون ما أقر به من أصل المال، فإن كان غير موثوق به، وكان
~~متهما، طولب المقر له بالبينة، فإن كانت معه بينة، أعطي من أصل المال، وإن
~~لم تكن ms1259 معه بينة، أعطي من الثلث إن بلغ ذلك، فإن لم يبلغ فليس له أكثر منه،
~~هذا آخر كلامه رحمه الله (1).
# وقد قلنا ما عندنا في ذلك، إلا أن شيخنا رجع عن ذلك في مبسوطه (2)،
~~ومسائل خلافه، في كتاب الإقرار: قال مسألة: إذا أقر بدين في حال صحته ثم
~~مرض، فأقر بدين آخر في حال مرضه، نظر فإن اتسع المال لهما، استوفيا معا،
~~وإن عجز المال، قسم الموجود منه على قدر الدينين، ثم قال أيضا مسألة. يصح
~~الإقرار للوارث في حال المرض، ثم استدل، فقال، دليلنا إنه لا مانع يمنع
~~منه، والأصل جوازه، وأيضا قوله تعالى (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو
~~على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) (3) والشهادة على النفس هو الإقرار،
~~وذلك عام في جميع الأحوال لكل أحد، والتخصيص يحتاج إلى دلالة، وأيضا قوله
~~تعالى " قالوا أقررنا، قال فاشهدوا " (4) وهذه أيضا عامة وعلى المسألة
~~إجماع الفرقة، هذا آخر كلامه
# PageV03P217
# واستدلاله (1).
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ومتى أقر الإنسان بشئ، وقال لوصيه سلمه
~~إليه، فإنه له، وطالب الورثة الوصي بذلك، فإن كان المقر مرضيا عند الوصي،
~~جاز له أن ينكر، ويحلف عليه، ويسلم الشئ إلى من أقر له به، وإن لم يكن
~~مرضيا لم يجز ذلك له، وعليه أن يظهره، وعلى المقر له البينة بأنه له، فإن
~~لم يكن معه بينة، كان ميراثا للورثة، هذا آخر كلامه (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله، هذا غير مستقيم، وأصول مذهبنا بخلافه، وقد
~~دللنا على صحة ذلك فيما مضى (3)، والواجب على الوصي أن يسلمه إلى من أقر له
~~به، سواء كان المقر مرضيا أو غير مرضي، لأن إقرار العاقل الحر جايز على
~~نفسه.
# وشيخنا أبو جعفر قد رجع عن مثل هذا في مسائل خلافه على ما حكيناه عنه
~~واستدل على صحة ما أوردناه عنه، فلا معنى لإعادته، وهذه أخبار آحاد أوردها
~~في كتابه النهاية، على ما وجدها.
# وقال شيخنا في نهايته: وإذا كان عليه دين، فأقر أن جميع ما في ملكه لبعض
~~ورثته، ms1260 لم يقبل إقراره إلا ببينة، فإن لم يكن مع المقر له بينة، أعطي صاحب
~~الدين حقه، أولا، ثم ما يبقى يكون ميراثا (4).
# ما ذكره رحمه الله صحيح، إذا أضافه إلى نفسه، ولم يقل بأمر حق واجب، فأما
~~إن أطلق إقراره ولم يقل " جميع ما في ملكي " أو " هذه داري " لفلان، بل قال
~~هذه الدار لفلان، أو جميع هذا الشئ لفلان، كان ذلك صحيحا سواء كان المقر له
~~وارثا أو غير وارث، في صحة كان إقراره أو مرض، وعلى جميع الأحوال، إذا كان
~~عاقلا ثابت الرأي، وقد دللنا على صحة ذلك، وإنما لم تصح المسألة الأولى
~~التي ذكرها شيخنا وحكيناها عنه، لأنه أضافه إلى نفسه، بأن قال " جميع ما في
~~ملكي "
# PageV03P218
# فأضافه إليه فكيف يصح أن يكون ملكه لغيره، إلا بانتقال شرعي، لأنه يكون
~~في قوله " هذه داري لفلان " مناقضا، وقد دللنا على ذلك وشرحناه وحررناه في
~~كتاب الإقرار (1)، فليلحظ من هناك.
# وإذا قال لفلان وفلان لأحدهما عندي ألف درهم، فمن أقام البينة منهما، كان
~~الحق له، فإن لم يكن مع أحدهما بينة، كان الألف بينهما نصفين، على ما روي
~~في بعض الأخبار (2).
# والذي يقتضيه مذهبنا استعمال القرعة في ذلك، دون قسمته نصفين، لإجماع
~~أصحابنا المنعقد إن كل أمر مشكل يستعمل فيه القرعة، وإن قلنا نرجع في
~~التفسير إلى الورثة، كان قويا معتمدا.
# وإذا أقر بعض الورثة بدين على الميت، جاز إقراره على نفسه، ولزمه بمقدار
~~ما يخصه، إذا كان غير مرضي، وقد حررنا هذا القول، وأشبعناه في باب قضاء
~~الدين عن الميت (3)، وقلنا ما عندنا فيه، فليرجع إليه، ويعتمد ما أو مأنا
~~إليه من الأدلة، فهي العمدة. وكذلك إذا كان المقرون جماعة، وليس فيهم مقبول
~~الشهادة، فأما إن كان أقر واحد وهو مرضى، فإن المقر له يحلف مع شهادته، وقد
~~استحق جميع ما شهد له به، لأنا عندنا يقبل الشاهد ويمين المدعي في المال،
~~وكل ما المقصود منه المال، وهذا مال.
# وأول ما يبدأ به من التركة الكفن، ثم الدين، ms1261 ثم الوصية، ثم الميراث.
# وإذا كان على الميت دين، وخلف مالا دون ذلك، قضي بما ترك دينه، وليس هناك
~~وصية، ولا ميراث، ويكون ذلك بين أصحاب الديون بالحصص، فإن وجد متاع بعض
~~الديان بعينه، وكان فيما بقي من تركته وفاء لديون الباقين، رد عليه متاعه
~~بعينه بنمائه المتصل دون نمائه المنفصل، هذا إذا اختار ذلك، وقضي دين
~~الباقين من التركة، فإن لم يخلف غير ذلك المتاع، كان صاحبه وغيره من الديان
~~فيه سواء، يقتسمون بينهم على قدر أموالهم.
# PageV03P219
# وإذا قتل إنسان وعليه دين، وجب على أوليائه أن يقضوا دينه من ديته إذا
~~كان القتل يوجب المال، وقد روي (1) أنه سواء كان قد قتل خطأ أو عمدا، فإن
~~كان قد قتل عمدا على هذه الرواية، وأرادوا أولياؤه القود، أو العفو، لم يكن
~~لهم ذلك، إلا بعد أن يرضوا أصحاب الديون أولا، ثم إن شاؤوا بعد ذلك قتلوا
~~وإن شاؤوا عفوا عنه، وإن شاؤوا قبلوا الدية، هذه الأحكام عند من عمل بهذه
~~الرواية من أصحابنا.
# ومن لم يعمل بها قال أنا أحملها على قتل الخطأ الذي يوجب المال، دون
~~القتل الذي يوجب القود، لأنه على مذهبنا موجبه شئ واحد وهو القود، دون
~~المال، ولأن الرواية إذا لم تخص بالقتل الذي يوجب المال، ضادت القرآن، وهو
~~قوله، تعالى، " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل "
~~(2) فالعامل بها لم يجعل له سلطانا جملة، وأيضا تقف الأحكام، لأن للولي أن
~~يقول ما أؤدي إليك يا صاحب الدين مالك، ويقول له صاحب الدين لا أمكنك من
~~القود، والقاتل إذا طولب بالدية ليقضي الدين عن الميت، أن يمتنع من الأداء،
~~لأنه لا يجب عليه إلا القود عندنا، دون المال بلا خلاف بيننا، فتعطل حينئذ
~~الأحكام، وقد شرحنا ذلك فيما مضى في كتاب الديون، وبسطناه وحررناه (3).
# وإذا قال الموصي لوصيه اقض عني ديني، وجب عليه أن يبدأ به قبل الميراث،
~~فإن تمكن من قضائه ولم يقضه وهلك المال، كان ضامنا له، وليس على الورثة ms1262
~~لصاحب الدين سبيل، إن كان قد صار إليهم من التركة حقهم، وإن كان قد عزله
~~الوصي من أصل المال، وقسم الباقي بينهم، ولم يتمكن من إعطائه أصحاب الديون،
~~وهلك من غير تفريط من جهته، كان لصاحب الدين مطالبة الورثة بالدين، من الذي
~~صار إليهم وأخذوه واقتسموه.
# ومن أقر أن عليه زكاة سنين كثيرة، وأمر بإخراجها عنه، وجب أن تخرج من
# PageV03P220
# جميع المال، لأنه بمنزلة الدين، وما يبقى بعد ذلك يكون ميراثا.
# فإن كان عليه شئ من الزكاة، وكان قد وجب عليه حجة الإسلام، ففرط فيها،
~~وخلف دون ما يقضى عنه به الحجة والزكاة، حج عنه من أقرب المواضع، ويجعل ما
~~يبقى في أرباب الزكاة.
# وإذا أقر المريض أن بعض مماليكه ولده، ولم يصفه بصفة، ولا عينه بذكر، ثم
~~مات، أخرج بالقرعة واحد منهم، ويلحق به، ويورث منه.
# وإذا لم يخلف الميت إلا مقدار ما يكفن به، كفن بذلك ولم يقض به دينه، فإن
~~تبرع إنسان بتكفينه، كان ما خلف يقضى به الدين.
# والهبة في حال المرض صحيحة إذا أقبضها، ولم يكن للورثة الرجوع فيها، فإن
~~لم يقبضها ومات، كانت راجعة إلى الميراث، وكذلك حكم ما يتصدق به في حال
~~حياته.
# والبيع في حال المرض صحيح، كصحته في حال الصحة إذا كان المريض مالكا
~~لاختياره ورأيه ثابت العقل، فإن كان المرض غالبا على عقله، كان ذلك باطلا.
# والمريض إذا تزوج، كان عقده صحيحا، ويلزمه المهر قليلا كان أو كثيرا، إذا
~~دخل بالمرأة، أو برئ من ذلك المرض، فإن لم يدخل بها ولا برئ من ذلك المرض،
~~ومات فيه قبل الدخول بها، كان العقد باطلا، ولا يلزمها عدة، ولا لها ميراث،
~~لإجماع أصحابنا على ذلك، فليس عليها من الأدلة سوى الإجماع من أصحابنا.
# وطلاق المريض مكروه شديد الكراهة، حتى أن بعض أصحابنا يقول طلاق المريض
~~غير جايز، لأجل شدة الكراهة، فإن طلق، ورثته المرأة ما بينها وبين سنة، إذا
~~لم يبرأ من مرضه الذي طلقها فيه، ولا تزوجت المرأة، فإن برئ المريض، ms1263 ثم مرض
~~بعد ذلك ومات، لم ترثه المرأة، وكذلك إن تزوجت بعد انقضاء عدتها، لم يكن
~~لها ميراث، فإن لم تتزوج ومضى لها سنة، فبعدها لم يكن لها ميراث، ويرث هو
~~المرأة ما دامت في العدة الرجعية، دون العدة الباينة، على الصحيح من المذهب
~~والأقوال والروايات، لأنه الذي يقتضيه أصول مذهبنا. PageV03P221
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ولا فرق بين أن يكون التطليقة أولة، أو
~~ثانية، أو ثالثة، وعلى كل حال (1).
# إلا أنه رجع عن ذلك في مسائل خلافه، وقال: لا يرثها الزوج إلا ما دامت في
~~العدة الرجعية دون العدة التي لا له عليها رجعة (2)، على ما حكيناه عنه
~~أولا، وقدمناه (3).
# والوصية ماضية إذا تكلم بها الموصي وكان ثابت العقل، فإن اعتقل لسانه
~~وكان ممن يحسن أن يكتب، كتبها ثم أمضيت أيضا بحسب ذلك، فإن لم يقدر أن
~~يكتب، وأومئ بها، وفهم بذلك غرضه منه، أمضيت أيضا بحسب ذلك، فإن قال له
~~إنسان تقول كذا وكذا، وتأمر بكذا وكذا، فأشار برأسه أن نعم، كان أيضا ذلك
~~جائزا، إذا علم ذلك من شاهد حاله، وكان عقله ثابتا عليه، فإن كان عقله
~~زائلا في شئ من هذه الأحوال، لم يلتفت إلى شئ من ذلك.
# وقد روي أنه إذا وجدت وصية بخط الميت، ولم يكن أشهد عليها، ولا أمر بها،
~~فإن الورثة بالخيار بين العمل بها، وبين ردها وإبطالها، فإن عملوا بشئ
~~منها، لزمهم العمل بها جميعا على ما روي في بعض الأخبار (4)، وأوردها شيخنا
~~أبو جعفر في نهايته (5).
# والذي يقتضيه أصول مذهبنا، أنهم إذا أقروا بشئ منها وعملوا به، وقالوا إن
~~هذا حسب صحيح أوصى به، دون ما عداه مما في هذا المكتوب، فإنه لا يلزمهم
~~العمل بجميع ما في المكتوب، إلا بما أقروا به، دون ما عداه، وإنما هذه
~~رواية وخبر واحد أوردها شيخنا إيرادا وقد بينا أن أخبار الآحاد لا يجوز
~~العمل
# PageV03P222
# عليها، في الشرعيات، لأنها لا توجب علما ولا عملا.
# وإذا كان على إنسان دين لغيره، ومات صاحبه، ms1264 لم يجز له أن يعطيه لبعض
~~ورثته باتفاق الباقين، فإن أعطاه جميعه وأعلمه أنه لجماعة الورثة، كان
~~القاضي الذي هو المعطي، ضامنا لحصة الباقين، وقد سقط عنه نصيبه، ولا يرجع
~~عليه إن تلف بغير تفريط منه وكان قد وكله في القضاء عنه والتسليم إليهم،
~~فإن كان قد فرط في حفاظه وتلف، فإنه يرجع عليه، وإن كان قد أقر وقت تسليمه
~~إليه، وقال خذ هذا فهو لك، أو نصيبك من الدين الذي كان لمورثك علي، فإنه لا
~~يجوز له أن يعود عليه بشئ بحال.
# وإذا غاب رجل عن أهله، وترك لهم نفقة سنة أو أكثر من ذلك، ثم مات بعد
~~شهر، كان على امرأته ومن يجب عليه نفقته أن يردوا ما فضل عن نفقة الشهر
~~الذي مضى إلى الميراث. PageV03P223
# كتاب المواريث والفرائض PageV03P225
# كتاب المواريث والفرايض روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: تعلموا
~~الفرايض وعلموها الناس، فإنها نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول شئ ينتزع من
~~أمتي (1).
# وروى عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله قال تعلموا القرآن
~~وعلموه الناس، وتعلموا الفرايض وعلموها الناس، فإني امرء مقبوض، وسيقبض
~~العلم، وتظهر الفتن، حتى يختلف الرجلان في فريضة لا يجدان من يفصل بينهما
~~(2).
# وكانت الجاهلية تتوارث بالحلف والنصرة، وأقروا على ذلك في صدر الإسلام،
~~في قوله " والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم " (3) ثم نسخ ذلك بسورة
~~الأنفال بقوله تعالى " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض " (4) وكانوا
~~يتوارثون بالإسلام والهجرة، فروي (5) أن النبي صلى الله عليه وآله آخى بين
~~المهاجرين والأنصار، لما قدم المدينة، فكان يرث المهاجري من الأنصاري،
~~والأنصاري من المهاجري، ولا يرث وارثه الذي كان له بمكة، وإن كان مسلما
~~لقوله " إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله
~~والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما
~~لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا وإن
# PageV03P226
# استنصروكم في الدين فعليكم النصر " (1) ثم نسخت هذه الآية بالقرابة
~~والرحم والنسب والأسباب، بقوله تعالى " وأولو الأرحام بعضهم ms1265 أولى ببعض في
~~كتاب الله " (2) وفي آية أخرى " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب
~~الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا " (3) فبين
~~أن أولي الأرحام أولى من المهاجرين إلا أن تكون وصية وقوله تعالى " للرجال
~~نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون
~~مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا " (4) ثم قدر ذلك في سورة النساء في ثلاث
~~آيات (5) في قوله تعالى " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين "
~~(6) ذكر فرض ثلاثة أحدها جعل للبنت النصف، وللبنتين الثلثين، فإن كانوا
~~ذكورا وإناثا فللذكر مثل حظ الأنثيين، ثم بين ذكر الوالدين، وإن لكل واحد
~~منهما السدس مع الولد، فإن لم يكن ولد، فللأم الثلث، والباقي للأب، وإن كان
~~له إخوة معهما، فلأمه السدس، والباقي للأب، في قوله تعالى " ولأبويه لكل
~~واحد منهما السدس إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث
~~فإن كان له إخوة فلأمه السدس " (7) هذه الآية الأولى.
# ثم قال " ولكم نصف ما ترك أزواجكم " (8) فذكر في صدر هذه الآية حكمين،
~~وذكر في آخرها حكم الكلالة، ذكر في أولها حكم الزوج والزوجة، وأن للزوج إذا
~~لم يكن ولد النصف، فإن كان له ولد الربع وللزوجة الربع إذا لم يكن ولد، فإن
~~كان ولد فلها الثمن، ثم عقب بالكلالة، فقال إن كان له أخ من أم أو أخت، فله
~~السدس، وإن كانوا اثنين فصاعدا فلهم الثلث، وفي قراءة ابن مسعود، وإن كان
~~رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما السدس، وأيضا
~~فإن الله تعالى ذكر أنثى وذكرا، وجعل لهما الثلث، ولم يفضل أحدهما على
~~الآخر،
# PageV03P227
# ثبت أنه يأخذ بالرحم.
# الآية الثالثة في آخر سورة النساء قوله " يستفتونك قل الله يفتيكم في
~~الكلالة) (1) فذكر فيها أربعة أحكام، ذكر أن للأخت من الأب والأم إذا كانت
~~واحدة لها النصف، وإن ماتت هي ولم يكن لها ولد ولها أخ، فالأخ يأخذ الكل،
~~فإن ms1266 كانتا اثنتين فلهما الثلثان، وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ
~~الأنثيين.
# وروي عن ابن عباس أنه قال من علم سورة النساء، وعلم من يحجب ومن لا يحجب،
~~فقد علم الفرائض (2).
# وإذا ثبت هذا فالإرث على ضربين، خاص وعام، فالعام (3) إذا مات ميت ولم
~~يكن له وارث، ولا مولى نعمة، ولا مولى تضمن جريرة، كانت تركته عند أصحابنا
~~لإمام المسلمين خاصة، وهو الذي يعقل عنه، وإن مات ذمي ولا وارث له، كان
~~كذلك للإمام، وعند المخالف يكون ميراثه لبيت مال المسلمين فيئا.
# والإرث الخاص (4) يكون بشيئين، بسبب ونسب، فالسبب سببان، زوجية وولاء،
~~والولاء على ثلاثة أقسام، ولاء النعمة، وولاء تضمن الجريرة، وولاء الإمامة،
~~فالميراث بالنسب يثبت على وجهين بالفرض والقرابة، فإذا مات ميت فلا يخلو
~~حاله من ثلاثة أقسام، أولها أن يخلف من يحوز جميع المال، والثاني أن يخلف
~~من يأخذ بعض ماله، الثالث لم يخلف أحدا.
# فإن خلف من يحوز جميع المال، فلا يخلو ذلك من ثلاثة أقسام، أحدهما يأخذ
~~الكل بالقرابة، الثاني يأخذ الكل بالفرض، الثالث يأخذ بالفرض والقرابة.
# فمن يأخذ بالقرابة فقط مثل الابن والأب، فإنهما يأخذان المال بالقرابة
~~عندنا دون التعصيب، لأن التعصيب عندنا باطل، وكذلك الجد والأخ، وابن الأخ
~~والعم وكذلك من يتقرب من قبل الأم، فإن كل واحد من هؤلاء يأخذ جميع المال
~~بالقرابة.
# PageV03P228
# وأما المولى فإنه يأخذ بحق الولاء دون التعصيب، فإن كانوا جماعة أخذوا
~~المال كله بالقرابة أو الولاء، لأنه ليس لهم تسمية فيأخذون بها، والعصبة
~~عندنا باطلة.
# ومن يأخذ بالفرض دون القرابة، مثل الزوج والأخت، إذا اجتمعا، يأخذ الزوج
~~النصف والأخت النصف بلا خلاف، وكذلك حكم البنتين والأبوين والأختين من الأب
~~والأم، أو الأب مع الأختين أو الأخوين من الأم.
# ومن يأخذ بالفرض والقرابة مثل الزوج والعم أو ابن العم ومن يجري مجراه،
~~فإن الزوج يأخذ بالفرض، والباقين يأخذون بالقرابة دون التعصيب، وكذلك كل من
~~له سهم مسمى، ويفضل عن سهمه من ذوي الأنساب إذا لم يكن هناك غيره، فإنه ms1267
~~يأخذ ما سمي له بالفرض، والباقي بالقرابة يرد عليه، مثل أن يخلف البنت
~~وحدها أو البنتين، فإنها تأخذ النصف إذا كانت وحدها، والثلثين إذا كانتا
~~اثنتين، والباقي رد عليها أو عليهما.
# فأما إذا لم يخلف أحدا ممن يرثه فإن ميراثه عندنا لإمام المسلمين، وعند
~~المخالفين لبيت المال، فإذا ثبت هذا فإن كان الإمام سلم إليه، وإن لم يكن
~~ظاهرا حفظ له كما تحفظ ساير حقوقه، ولا يسلم إلى سلاطين الجور، فمن سلمه مع
~~الاختيار إلى سلاطين الجور، ضامنا.
# وجملة الأمر وعقد الباب، ما يحتاج إلى العلم به في ذلك ستة أشياء، ما به
~~يستحق الميراث، وما به يمتنع، ومقادير سهام الوراث، وترتيبهم في الاستحقاق،
~~وتفصيل أحكامهم مع الانفراد والاجتماع، وكيفية القسمة عليهم.
# فأما ما به يستحق فشيئان، نسب وسبب، والسبب ضربان، زوجية وولاء، والولاء
~~على ضروب ثلاثة، ولاء العتق المتبرع به، وولاء تضمن الجريرة، وولاء الإمامة
~~على ما قدمناه (1).
# وأما ما به يمتنع فثلاثة أشياء: الكفر والرق وقتل الوارث عمدا على وجه
~~الظلم، فكل ما يمنع من الميراث من الكفر والرق والقتل، يمنع من حجب الأم من
# PageV03P229
# الثلث إلى السدس، فإذا ثبت هذا فإنهم لا يرثون ولا يحجبون، وهو إجماع
~~الأمة إلا ابن مسعود، فإنه انفرد في جملة الخمس المسائل، بأن هؤلاء يحجبون
~~فلا يعتد بخلافه، لأنه قد انقرض، وخصوصا على مذهبنا في الإجماع وعلة كونه
~~حجة.
# فصل وأما مقادير السهام فستة: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث،
~~والسدس.
# فالنصف سهم أربعة: سهم الزوج مع عدم الولد، وولد الولد، وإن نزلوا، ذكور
~~ا كانوا أو إناثا، وسهم البنت إذا لم يكن غيرها من الأولاد، والأخت من الأب
~~والأم، والأخت من الأب إذا لم يكن أخت من أب وأم.
# والربع سهم اثنين: سهم الزوج مع وجود الولد، وولد الولد، وإن نزلوا، وسهم
~~الزوجة مع عدمهم.
# والثمن سهم الزوجة أو الزوجات الأربع، أو ما زاد عليهن في بعض الأحكام،
~~لأن المريض إذا طلق أربعا في مرضه طلاقا ثالثا فله أن يتزوج بأربع غيرهن ms1268
~~قبل خروجهن من عدتهن، فإذا دخل بمن تزوجهن أخيرا، ثم مات قبل برئه من مرضه
~~الذي طلق الأربع فيه، وقبل سنة من طلاقه لهن، وقبل تزويجهن، فإن الثمان
~~النسوة يرثنه الثمن، إن ترك معهن ولدا، أو ولد ولد، وإن نزلوا، لأنهم ينطلق
~~عليهم اسم الولد حقيقة عندنا، والربع إن لم يترك ولدا ويكون بين جميعهن
~~بالسوية، ويتقدر أن يكن أكثر من ثمان نسوة أضعافهن على التقرير والتقدير
~~الذي قدرناه وحررناه بغير خلاف بين أصحابنا رحمهم الله، فلا يتعجب مما يقوم
~~الدليل على صحته، بل الدليل كما يقال يعمل العجب.
# والثلثان سهم ثلاثة: سهم البنتين فصاعدا، والأختين فما زاد من الأب:
# والأم، والأختين فصاعدا من الأب، إذا لم يكن أخوات من أب وأم.
# والثلث سهم اثنين: سهم الأم مع عدم الولد، وولد الولد، وعدم من يحجبها من
~~الإخوة المخصوصين بنسب مخصوص، وعدد مخصوص وانتفاء صفات مخصوصة، معنى قولنا
~~بنسب مخصوص، أن يكونوا من الأب والأم، أو من الأب، فأما إن كانوا
~~PageV03P230
# من الأم وحدها، فلا يحجبونها عن الثلث، بحال، ولو كانوا ألفا، وقولنا عدد
~~مخصوص أن يكونوا ذكرين موجودين منفصلين عن البطن، لأن الحمل عندنا لا يحجب،
~~أو يكونوا أربع أخوات، أو يكونوا ذكرا وأنثيين، ولا يجب أقل من هذه العدة،
~~وقولنا انتفاء صفات مخصوصة أن لا يكونوا قتلة عمدا على جهة الظلم للمقتول،
~~ولا عبيدا، ولا كفرة، لأن كل من حصلت فيه إحدى هذه الصفات لثلاث فإنه لا
~~يحجب ولا يرث، ولو كانوا ألفا.
# وسهم الاثنين سواء كانا ذكرين أو أنثيين فصاعدا من كلالة الأم، والكلالة
~~عند أصحابنا الإخوة ومن انضم إليهم، فأما إذا لم يكن من الإخوة للأم أحد،
~~فإن المتقرب بالأم يأخذ نصيبها وهو الثلث، سواء كان واحدا المتقرب بها أو
~~أكثر من واحد، ويأخذه بالقربى لا بالفرض والتسمية، بخلاف الإخوة، لأن
~~الإخوة يأخذون بالتسمية والفرض، الواحد (1) السدس، ومن زاد عليه الثلث.
# وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن للجد من قبل الأم السدس، والاثنين الثلث،
~~وأجراهم مجرى الإخوة، ms1269 والأظهر الأول، لأن الإخوة يأخذون بالفرض والتسمية
~~بغير خلاف، فلا يزادون على ما سمي لهم، والأجداد من قبلها يأخذون سهم الأم
~~وهو الثلث، الواحد منهم الثلث، والجماعة الثلث، هذا إذا انفردوا عن الإخوة
~~من قبلها فأما إذا اجتمعوا مع الإخوة، أخذ الجميع من الإخوة والأجداد معا
~~الثلث، يكون بينهم بالسوية، لا يفضل أحدهما (2) على الآخر، ولا يفضل أخ على
~~جد، ولا جد على أخ، ولا ذكر على أنثى، فليلحظ ذلك ويتأمل، فإن فيه غموضا
~~ولبسا.
# فصل وأما ترتيب الوراث (3) فاعلم: أن الواجب تقديم الأبوين والولد، فلا
~~يجوز أن يرث مع جميعهم ولا مع واحد منهم أحد ممن عداهم من النسب والسبب،
~~إلا الزوج والزوجة، فإنهما يرثان إذا انتفت عنهما الصفات الثلاث المقدم
~~ذكرها مع جميع الوراث
# PageV03P231
# الأبوين، وحجبهما عن أعلى السهمين إلى أدناهما.
# وبعض أصحابنا يذهب إلى أن ابن البنت يعطى نصيب البنت، وبنت الابن تعطى
~~نصيب الابن.
# وذهب آخرون من أصحابنا إلى خلاف ذلك، وقالوا ابن البنت ولد ذكر حقيقة
~~فنعطيه نصيب الولد الذكر، دون نصيب أمه، وبنت الابن بنت حقيقة، تعطيها نصيب
~~البنت دون نصيب الابن الذي هو أبوها، واختاره السيد المرتضى (1) واستدل على
~~صحة ذلك بما لا يمكن المنصف دفعه من الأدلة القاهرة اللايحة، والبراهين
~~الواضحة، قال رضي الله عنه أعلم: أنه يلزم من ذهب من أصحابنا إلى أن أولاد
~~البنين والبنات يرثون سهام آبائهم مسائل سبع، لا مخلص لهم منها.
# فمن ذلك أنه يلزمهم أن يكون حال البنت أحسن من حال الابن بل أحسن من حال
~~جماعة كثيرة من البنين، كرجل خلف بنت ابن وعشرين ابنا من بنت، فعندهم أن
~~لبنت الابن نصيب أبيها وهو الثلثان، ولبني البنت نصيب أمهم وهو الثلث،
~~فالبنت الواحدة أوفر نصيبا، من عشرين ابنا.
# ومنها أن يكون نصيب البنت يساوي نصيب الابن، حتى لو كان مكانها ابن لورث
~~ما ترثه هي بعينه على وجه واحد وسبب واحد، وذلك أن مذهبهم إن بنت الابن
~~تأخذ المال كله بسبب واحد، لأن لها عندهم ms1270 نصيب أبيها، فلو كان مكان هذه
~~البنت ابن لساواها في هذا الحكم، وأخذ ما كانت تأخذه البنت على الوجه الذي
~~كانت تأخذه عليه، وليس في الشريعة أن الابن يساوي البنت في الميراث، فإذا
~~عارضونا بمن خلف بنتا ولم يخلف غيرها، فإنها تأخذ جميع المال، ولو كان
~~مكانها ابن لجرى في ذلك مجراها، فالجواب أن الابن لا يجري عندنا مجرى البنت
~~هاهنا، لأن البنت تأخذ النصف بالتسمية، والنصف الآخر بالرد، والابن يأخذ
~~المال بسبب واحد، من غير تسمية ولا رد، وأنتم توجبون مساواة الابن للبنت في
~~الميراث والسبب.
# PageV03P232
# ومنها أن البنت في الشرع وبظاهر القرآن لها النصف إذا انفردت، وللبنتين
~~الثلثان، وهم يعطون بنت الابن من عندهم البنت المتوفى (1)، ومستحقة لهذه
~~التسمية الجميع، وكذلك يقولون في ابنتي ابن لهما جميع المال من غير رد
~~عليهما، وهذا بخلاف الكتاب والإجماع.
# فإن قالوا ما جعل الله تعالى للبنت الواحدة النصف، وللبنتين الثلثين في
~~كل موضع، وإنما جعل لهن ذلك مع الأبوين خاصة، وإذا انفردت عن الأبوين، لم
~~يكن لهن ذلك قلنا قد ذهب الفضل بن شاذان إلى هذا المذهب ومن تابعه عليه،
~~فرارا من مسألة العول ونحن نبين فساد هذه الطريقة بعد أن نبين لزوم ما
~~ألزمناهم إياه على تسليم ما اقترحوه، فنقول قد جعل الله تعالى للبنت
~~الواحدة النصف، ومذهبكم هذا يقتضي أن للأبوين السدسين (2)، وما بقي لبنت
~~الابن، وهي عندكم بنت المتوفى على سبيل الحقيقة، فقد صارت البنت تأخذ مع
~~الأبوين أكثر من النصف بسبب واحد، وجرت في ذلك مجرى الابن، فأما القول بأن
~~للبنت الواحدة النصف، وللبنتين الثلثين، إنما يختص باجتماع الأبوين معهن،
~~فمن بعيد القول عن الصواب، لأن الله تعالى قال " يوصيكم الله في أولادكم
~~للذكر مثل حظ الأنثيين " (3) وهذه جملة مستقلة بنفسها، وظاهر القرآن يقتضي
~~أن للذكر مثل حظ الأنثيين على كل حال، ومع وجود كل أحد، وفقد كل أحد، ثم
~~عطف عليها جملة أخرى مستقلة أيضا فقال تعالى " فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن
~~ثلثا ما ترك ms1271 " (4) ظاهر هذه الجملة إن ذلك لهن على كل حال ومع فقد كل واحد
~~ووجوده، ثم عطف تعالى جملة أخرى مستقلة غير متعلقة بما يليها ولا ما تقدمها
~~فقال تعالى " وإن كانت واحدة فلها النصف " (5) وما جرى إلى هيهنا للوالدين
~~ذكر، وظاهر الكلام يقتضي أن للواحدة النصف مع كل أحد إلا أن يمنع دليل، ثم
~~قال تعالى " ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك، إن كان له ولد فإن لم
~~يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه PageV03P233
# الثلث " (1) فبين جل اسمه هيهنا حكم الوالدين في الميراث مع وجود الولد
~~وفقده فكيف يجوز أن يعلق إيجاب النصف للبنت الواحدة والثلثين للبنتين،
~~بوجود الأبوين، وقد تقدم ذكر حكم البنات مطلقا وبعد الخروج عنه أتى ذكر
~~الأبوين مشروطا، وكيف يتوهم ذلك فتأمل، والله تعالى يقول إن كان له ولد
~~فشرط في ميراث الأبوين الولد، ولو كان المراد أن النصف للبنت، والثلثين، مع
~~وجود الأبوين، لكان اشتراط الولد لغوا واشتراط لما هو موجود مذكور، ولو صرح
~~تعالى بما ذكروه، لكان الكلام قبيحا خارجا عن البلاغة والبيان، ألا ترى أنه
~~لو قال تعالى ولأبويه مع البنت أو البنتين لكل واحد منهما السدس، إن كان له
~~ولد لقبح ذلك وفحش، فكيف يقدر في الكلام ما لو أظهرناه لكان غير مستقيم،
~~وأجمع أهل العربية على أن الوقف التام عند قوله تعالى وإن كانت واحدة فلها
~~النصف ولو كان المراد ما توهموه من أن لها النصف مع الأبوين، لما كان ذلك
~~وقفا تاما، ولا خلاف بين أحد من أهل العلم البتة، والمفسرين، وأصحاب
~~الأحكام، في أن قوله تعالى ولأبويه كلام مبتدأ مستأنف، لا تعلق له بما
~~قبله.
# فأما اعتذارهم عند سماع هذا الكلام بأن اشتراط الولد إنما حسن، ليدخل فيه
~~الذكور وما زاد على البنتين، لأنه لم يمضي إلا ذكر البنت الواحدة والبنتين،
~~فعجيب، لأنه لو أراد ما ذكروه لقال تعالى يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل
~~حظ الأنثيين مع الأبوين، فإن كن نساء فوق اثنتين معهما فلهما ثلثا ما ms1272 ترك،
~~وإن كانت واحدة معهما فلها النصف، فلو أراد هذا المعنى على الترتيب الذي
~~رتبوه، وعنى بقوله إن ذلك لهما مع البنت أو البنتين وما زاد عليهما، وأراد
~~أن يبين إن السدسين للأبوين مع الأولاد، لكان لا يحسن أن يقول إن كان له
~~ولد، بل يقول وإن كان له أيضا ذكور، لأنه قد تقدم ذكر البنت الواحدة وما
~~زاد عليها، فلا معنى لاشتراط الولد وانفراد قوله تعالى ولأبويه عن الجملة
~~المتقدمة لا يذهب على متأمل، وإنما فروا بهذا التقدير الذي لا يتحصل عن
~~نقصان البنت في مسألة العول عن النصف،
# PageV03P234
# وادعوا أن النصف جعل لها مع الأبوين لا في كل موضع، وأحسن من ركوبهم هذه
~~المعضلة، أن يقولوا إن الله تعالى جعل (1) لها النصف بظاهر الكلام في كل
~~موضع، وفي مسألة العول قام دليل على أن لها دون ذلك، فعلمنا أن الله تعالى
~~لم يجعل لها النصف في هذا الموضع خاصة، وإن كان لها في ساير المواضع، وإنما
~~أحسن أن نخص بدليل، بعض المواضع أو يحصل ما هو مطلق من القول مشروطا بغير
~~دليل، ولا حجة على وجه يسمح به الكلام، ويذهب رونقه، وتزول فصاحته، ثم يقال
~~لهم خبرونا عمن خلف أولاد ابن، أو أولاد بنت، ذكورا وإناثا، كيف تقسمون
~~الميراث بين هؤلاء الأولاد، فإذا قالوا للذكر مثل حظ الأنثيين، قلنا فبأي
~~حجة فعلتم ذلك.
# فلا وجه لهذه القسمة، إلا قوله يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ
~~الأنثيين، وإلى الآية المفزع (2) في ذلك، فيقال لهم فقد سمى الله تعالى
~~أولاد الأولاد أولادا، فأي فرق بين أن يكون الذكور والإناث أولاد بن واحد،
~~أو بنت واحدة وبين أن يكون هؤلاء الذكور والإناث أولاد بنت وابن في تناول
~~الاسم لهم، وإذا كان الاسم متناولا لهم في الحالين، فيجب أن تكون القسمة في
~~الحالين تتفق ولا تختلف، ويعطى أولاد البنات الذكور والإناث، وأولاد البنين
~~الذكور والإناث، للذكر مثل حظ الأنثيين، فلا يخالف حكم الآية في أحد
~~الموضعين، ويتناول الآية لهما تناولا واحدا. ms1273
# فإن قالوا يلزمكم أن ترثوا (3) أولاد الأولاد مع الأولاد، لتناول الاسم
~~للجماعة عندكم.
# قلنا لو تركنا وظاهر الآية، فعلنا (4) ذلك، لكن إجماع الشيعة الإمامية بل
~~إجماع كل المسلمين منع من ذلك، فخصصنا الظاهر وحملنا الآية على أن المراد
~~يوصيكم الله في أولادكم بطنا بعد بطن.
# فإن قالوا فنحن أيضا نخصص الظاهر، ونحمل قوله تعالى يوصيكم الله في
~~أولادكم على أن المراد به أولاد الصلب بغير واسطة.
# قلنا تحتاجون إلى دليل قاطع على هذا التخصيص، كما فعلنا نحن في ذلك،
# PageV03P235
# ورجعنا فيه إلى الإجماع.
# فإن قالوا أجمعت الإمامية على ذلك.
# قلنا ما الدليل على ذلك، فإنا ما نعرف هذا الإجماع، وفي المسألة خلاف
~~بينهم، وإن كان أكثرهم يقول بخلاف الصواب في هذه المسألة تقليدا وتعويلا
~~على روايات رووها، إن كل من تقرب بغيره، أخذ سهام من تقرب به (1)، وهذا
~~الخبر إنما هو في أولاد الإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، الأخوال
~~والخالات، وبني الأعمام والأخوال، لأن هؤلاء لا تسمية لهم في الميراث،
~~وإنما يتقربون بغيرهم، فأعطوا سهام من يتقربون به، وليس كذلك أولاد
~~الأولاد، لأن هؤلاء وإن سفلوا داخلون في اسم الولد، واسم البنات والبنين
~~على الحقيقة، ممن هو مسمى في الكتاب، منصوص على توريثه، لا يحتاج في توريثه
~~إلى ذكر قرابته، وإن نعطيه نصيب من يتقرب به، كما لا يحتاج في توريث أولاد
~~الصلب بلا واسطة إلى شئ من ذلك.
# فإن قيل فما دليلكم على صحة ما ذهبتم إليه من توريث أولاد الأولاد،
~~والقسمة عليهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
# قلنا دليلنا على ذلك قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ
~~الأنثيين، ولا خلاف بين أصحابنا في أن ولد البنين، وولد البنات، وإن سفلوا
~~يقع عليهم هذه التسمية، ويتناولهم على سبيل الحقيقة، ولهذا حجبوا الأبوين
~~عن ميراثهما إلى السدسين بولد الولد، وإن هبطوا وحجبوا الزوج عن النصف إلى
~~الربع، والزوجة عن الربع إلى الثمن بولد الولد، فمن سماه الله تعالى ولدا
~~في حجب الأبوين، وحجب الزوجين، يجب أن يكون هو الذي ms1274 سماه ولدا في قوله
~~تعالى يوصيكم الله في أولادكم، وكيف يخالف بين حكم الأولاد، ويعطى بعضهم
~~للذكر مثل حظ الأنثيين، والبعض الآخر نصيب آبائهم الذي يختلف ويزيد وينقص،
~~ويقتضي تارة تفضيل الأنثى على الذكر، والقليل على الكثير، وتارة المواساة
~~بين
# PageV03P236
# الذكر والأنثى، وعلى أي شئ نعول في الرجوع عن ظاهر كتاب الله تعالى.
# فأما مخالفونا من العامة فإنهم لا يوافقونا في تسمية ولد البنت بأنه ولد
~~على الحقيقة، ومنهم من وافق على ذلك، ووافق جميعهم على أن ولد الولد وإن
~~هبط يسمى ولدا على الحقيقة. وقد حكي عن بعضهم أنه كان يقول إن ولد الولد
~~إنما يسمون بهذه التسمية إذا لم يحضر أولاد الصلب، فإن حضروا لم يتناولهم
~~الاسم، وهذا طريف، فإن الاسم إذا تناولهم، لم يختلف ذلك بأن يحضر غيرهم أو
~~لا يحضر، وما راعى أحد فيما يجري على المسميات من الأسماء مثل ذلك، وإنما
~~أحوجهم إلى ذلك إنهم وجدوا أولاد الابن لا يأخذون مع حضور الابن شيئا،
~~ويأخذون مع فقده بالآية المتضمنة للقسمة على الأولاد. وظنوا أن الاسم
~~يتناولهم في الحال التي لا يرثون فيها، وهذا غلط منهم، وقد أغناهم الله
~~تعالى عن هذه البدعة في إجراء الاسم والخروج عن المعهود فيها، بأن يقولوا
~~إن الظاهر يقتضي اشتراك الولد وولد الولد في الميراث، لولا أن الإجماع على
~~خلاف ذلك، فيخصصوا بالإجماع الظاهر.
# ومما يدل على أن ولد البنين والبنات يقع عليهم اسم الولد قوله تعالى "
~~حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم " (1) ولا خلاف بين الأمة في أن بظاهر هذه
~~الآية تحرم علينا بنات أولادنا، فلو لم تكن بنت البنت بنتا على الحقيقة،
~~لما دخلت تحت هذه الآية، ويحقق ذلك أنه تعالى لما قال " وأخواتكم وعماتكم
~~وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت " (2) ذكر في المحرمات بنات الأخ وبنات
~~الأخت، لأنهن لم يدخلن تحت اسم الأخوات، ولما دخل بنات البنات تحت اسم
~~البنات، لم يحتج، وقد حرمهن أن يقول وبنات بناتكم، وهذه حجة قوية فيما
~~قصدناه.
# وقوله تعالى " وحلائل أبنائكم " (3) وقوله جل اسمه ms1275 " ولا يبدين زينتهن
~~إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن " (4)
~~لا خلاف في عموم الحكم هيهنا بجميع أولاد الأولاد من ذكور وإناث.
# PageV03P237
# ومما يدل أيضا على أن ولد البنت ينطلق عليه اسم الولد على الحقيقة، أنه
~~لا خلاف في تسمية الحسن والحسين عليهما السلام إنهما ابنا رسول الله صلى
~~الله عليه وآله وإنهما يفضلان بذلك ويمدحان، ولا فضيلة ولا مدح في وصف مجاز
~~مستعار، فثبت أنه حقيقة، وقد روى أصحاب السير كلهم أن أمير المؤمنين صلوات
~~الله عليه لما أمر ابنه محمد بن الحنفية وكان صاحب رايته يوم الجمل في ذلك
~~اليوم فقال له:
# أطعن بها طعن أبيك تحمد * لا خير في الحرب إذا لم توقد بالمشرفي والقنا
~~المسدد.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله يعني المقوم وقد استد الشئ إذا استقام، ومنه
~~قول الشاعر:
# أعلمه الرماية كل يوم * فلما استد ساعده رماني والعامة تنشده بالشين
~~المعجمة، وهو بالسين غير المعجمة، فحمل محمد رضي الله عنه، فأبلى جهده،
~~فقال أمير المؤمنين عليه السلام أنت ابني حقا وهذان ابنا رسول الله صلى
~~الله عليه وآله يعني الحسن والحسين، فأجرى عليهما هذه التسمية مادحا لهما،
~~ومفضلا لهما، والمدح لا يكون بالمجاز والاستعارة، وما زالت العرب في
~~الجاهلية تنسب الولد إلى جده، أما في موضع مدح أو ذم، ولا يتناكرون ذلك،
~~ولا يحتشمون منه، وقد كان الصادق أبو عبد الله عليه السلام يقال له إبدأ
~~أنت ابن الصديق، لأن أمه بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، ولا خلاف بين
~~الأمة في أن عيسى عليه السلام من بني آدم وولده، وإنما ينسب إليه بالأمومة
~~دون الأبوية (1).
# فإن قيل اسم الولد يجري على ولد البنات مجازا، وليس كل شئ استعمل في غيره
~~يكون حقيقة له.
# قلنا الظاهر من الاستعمال الحقيقة، وعلى من ادعى المجاز الدلالة، وقد
~~بينا في غير موضع أن الأصل الحقيقة، والمجاز طار داخل، والاستعمال محمول
~~على الأصول، إلا أن تنقل دلالة قاهرة.
# PageV03P238
# فإن قالوا: لو حلف ms1276 رجل بالطلاق، أو بالله تعالى أنه لا ولد له، وله ولد
~~بنت، لما كان حانثا.
# قلنا يكون عندنا حانثا إذا أطلق القول، وإنما لا يكون حانثا إذا نوى ما
~~يخرجه عن الحنث.
# وقد ناقض الفضل بن شاذان في مذهبه، وقال كتابه في الفرايض، في رجل خلف
~~بنت ابن وابن بنت، إن لبنت الابن الثلثين، نصيب أبيها، ولابن البنت الثلث
~~نصيب أمه، في ولد (1) الولد نصيب من يتقرب به وأعطاه ذلك، ثم قال في هذا
~~الكتاب في بنت ابن وابن ابن، أن المال بينهما، للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذه
~~مناقضة لما قرره، لأن بنت الابن تتقرب بأبيها، وابن الابن يتقرب أيضا
~~بأبيه، فيجب أن يتساويا في النصيب، فكيف جعل هيهنا للذكر مثل حظ الأنثيين
~~مع أن كل واحد يتقرب لغيره، فله على مذهبه نصيب من يتقرب به، وإلا فعل مثل
~~ذلك في بنت ابن وابن بنت، وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين.
# ومن العجب أنه قال في كتابه ما هذه حكاية لفظه، فإن ترك ابن بنت وابنة
~~ابن، وأبوين، فللأبوين السدسان، وما بقي فلابنة الابن، حق أبيها الثلثان،
~~ولابن البنت حق أمه الثلث، لأن ولد الابنة ولد، كما أن ولد الابن ولد، وهذا
~~التعليل ينقض الفتوى، لأنه إذا كان ولد البنت ولدا كما أن ولد الابن كذلك،
~~فيجب أن يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، بظاهر قوله تعالى يوصيكم
~~الله في أولادكم فكيف أعطى الأنثى ضعف ما أعطى الذكر.
# وقد يوافق الحق مذهب ابن شاذان في بعض المسائل من هذا الباب، وإن خالف في
~~التعليل، مثل من خلف بنت بنت وابن ابن، فإنه يعطى البنت نصيب أمها وهو
~~الثلث، ويعطى الابن نصيب أبيه وهو الثلثان، وهكذا نعطيهما نحن، لأنا
~~ننزلهما منزلة ابن وبنت بلا واسطة، للذكر مثل حظ الأنثيين.
# هذا آخر كلام السيد المرتضى رضي الله عنه. وهو الذي يقوى في نفسي،
# PageV03P239
# وأفتي به، وأعمل عليه، لأن العدول إلى ما سواه عدول إلى غير دليل من
~~كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ms1277 ولا إجماع منعقد، بل ما ذهبنا إليه هو ظاهر
~~الكتاب الحكيم، والإجماع حاصل على أن ولد الولد ولد حقيقة، على ما دللنا
~~عليه في غير موضع، ولا يعدل عن هذه الأدلة القاطعة للأعذار، إلا بأدلة
~~مثلها موجبة للعم، ولا يلتفت إلى أخبار آحاد في هذا الباب، لأنها لا توجب
~~علما ولا عملا، ولا إلى كثرة القائلين به، والمودعية كتبهم وتصنيفاتهم، لأن
~~الكثرة لا دليل معها، لأنه ربما كان الدليل مع القليلين، لأن الحجة هو قول
~~إمام الزمان عليه السلام ولأجله عندنا صار الإجماع حجة ودليلا، فإذا لم
~~يقطع على أن قوله مع أقوال الكثيرين من أصحابنا، لم نأمن أن يكون قوله
~~داخلا في أقوال القليلين، فيحتاج في المسألة إلى دليل غير الإجماع، لأن
~~دليل صحة الإجماع غير مقطوع به مع أحد الفريقين، فيحتاج في المسألة إلى
~~دليل غيره.
# وإلى ما اختاره السيد واخترناه ذهب الحسن بن أبي عقيل العماني رحمه الله
~~في كتابه كتاب المتمسك بحبل آل الرسول عليهم السلام، وهذا الرجل من جلة
~~فقهاء أصحابنا ومتكلميهم، وكتابه كتاب معتمد قد ذكره شيخنا أبو جعفر الطوسي
~~رحمه الله في فهرست المصنفين، وأثنى عليه، وكان شيخنا المفيد محمد بن محمد
~~النعمان رحمه الله يكثر الثناء على هذا الرجل.
# والأقرب من الأولاد أولى من الأبعد، وإن كان الأقرب بنتا، والأبعد ابن
~~ابن.
# فإن عدم الأبوان والولد، فالواجب تقديم الإخوة والأخوات والأجداد
~~والجدات، ولا يرث مع جميعهم ولا واحد منهم أحد ممن عداهم ذوي الأنساب، ويرث
~~معهم من ذوي الأسباب الزوج والزوجة على ما قدمناه (1)، وإنهما يرثان مع كل
~~أحد، ولا يمنعان من الإرث جملة، إلا أن يكون المانع إحدى الصفات الثلاث
~~المقدم ذكرها.
# PageV03P240
# وحكم أولاد الإخوة والأخوات وإن نزلوا، حكم آبائهم وأمهاتهم في
~~الاستحقاق، ومشاركة الأجداد، وحجب من سواهم، واعتبار الأقرب منهم فالأقرب،
~~فالأخ من الأب أو الأب والأم، مع الجد للأب أو للأب والأم، بمنزلة الأخ مع
~~الأخ، والأخت من هذا النسب مع الجد المذكور بمنزلة الأخت مع الأخ، والجدة
~~من ms1278 هذا النسب المذكور مع الأخ أيضا من هذا النسب، بمنزلة الأخت مع الأخ،
~~والجدة من الأخت بمنزلة الأخت مع الأخت، فأما إن كان الأخ من الأم فحسب،
~~فقد قدمنا (1) حكمه، وكذلك إن كان الجد من الأم مع هؤلاء المقدم ذكرهم، فقد
~~قدمنا (2) أيضا حكمهم وحررناه وشرحناه فيما مضى فليلحظ من هناك، فلا وجه
~~لإعادته فإن لم يكن أحد من هؤلاء وجب تقديم الأعمام والعمات والأخوال
~~والخالات، أو واحد منهم على غيرهم من القرابات، إلا من استثنيناه، وحكم
~~الأولاد منهم وإن نزلوا، حكم آبائهم وأمهاتهم على ما قدمناه (3)، إلا في
~~مشاركة الأخوال أو الأعمام وفيما رواه (4) أصحابنا وأجمعوا عليه من أن ابن
~~العم للأب والأم، أحق بالميراث من العم للأب، فإنهم أجمعوا على عين هذه
~~المسألة وصورتها فحسب، فإن كان عوض العم المذكور فيها عمة للأب، كان
~~الميراث لها دون ابن العم الذي للأب والأم، لأنهم ما أجمعوا إلا على صورة
~~المسألة المقدم ذكرها، وكذلك لو كان خال وعم للأب، وابن العم للأب والأم،
~~كان المال للعم والخال للعم الثلثان، وللخال الثلث، وسقط ابن العم للأب
~~والأم، وكذلك لو كان خال وابن العم المقدم ذكره، كان الميراث للخال دون ابن
~~العم المذكور في المسألة.
# وقال شيخنا أبو جعفر في استبصاره في تأويل خبر أورده، وهو رجل مات ولم
~~يخلف إلا بني عم، وبنات عم، وعم أب وعمتين لمن الميراث؟ فكتب أهل العصبة
~~وبنو العم هم وارثون، قال شيخنا فالوجه في هذا الخبر أحد شيئين، أحدهما أن
~~نحمله على التقية، لأنه موافق لمذهب العامة لأن المتقرر من مذهب الطائفة أن
~~الأقرب
# PageV03P241
# أولى بالميراث من الأبعد، فإذا ثبت ذلك فالعمتان أولى، لأنهما أقرب من
~~ابن العم ومن عم الأب، والوجه الآخر أن يكون هذا الحكم يختص إذا كان بنو
~~العم لأب وأم والعم أو العمة للأب خاصة (1).
# قال محمد بن إدريس قوله أو العمة غير صحيح، لأن الإجماع منعقد على العم
~~دون العمة.
# وقد رجع شيخنا عن هذا في المسائل الحلبية، فقال المسألة ms1279 السادسة، إن ابن
~~العم للأب والأم، مع العم للأب، المال لابن العم، فإن كان معه إخوة، كان
~~بينهم، فإن كان مكان ابن العم (2) للأب عمة للأب، أو عم للأم، كان المال
~~لمن كان من قبل الأم أو الأب، دون ابن العم للأب والأم، ولا نحمل على تلك
~~المسألة غيرها لبطلان القياس، ولولا إجماع الفرقة عليها لما قلنا بها لأنها
~~تخالف الأصول، فينبغي أن يكون الفتيا مقصورا عليها، هذا آخر كلام شيخنا أبو
~~جعفر الطوسي رحمه الله (3).
# فلا يجوز لنا أن نتعدى عن المسألة وصورتها وصيغتها، ولا نقيس غيرها
~~عليها، لأن القياس عندنا باطل، كما قال.
# فإن عدم هؤلاء الوراث فالمستحق من له الولاء بالعتق المتبرع به، أو
~~الولاء بتضمن الجريرة دون ولاء الإمامة، لأن ولاء الإمامة لا يستحق به
~~الإرث إلا بعد الولائين المقدم ذكرهما.
# ولا يستحق أيضا الإرث في جميع أقسام الولاء الثلاثة، إلا بعد عدم جميع
~~ذوي الأنساب، دون الأسباب إلا في ولاء لإمامة، فإن الإمام لا يستحقه إلا مع
~~عدم جميع ذوي الأنساب أيضا، دون الأسباب إلا سبب واحد، وهو الزوج، فإن
~~الإمام لا يستحق من الإرث بولاء الإمامة شيئا مع الزوج، لإجماع أصحابنا على
~~ذلك، فأما مع الزوجة فإنه يستحق ما بقي بعد سهمها وفرضها بغير خلاف من محصل
~~متأمل،
# PageV03P242
# إلا رواية (1) شاذة لا يلتفت إليها، ولا يعرج عليها.
# فإن شيخنا أبا جعفر ذكر في نهايته قال: فإذا خلفت زوجا ولم تخلف غيره من
~~ذوي رحم قريب أم بعيد، كان للزوج النصف بنص القرآن (2)، والباقي رد عليه
~~بالصحيح من الأخبار (3) عن أئمة آل محمد عليهم السلام.
# وإذا خلف الرجل زوجة ولم يخلف غيرها من ذي رحم قريب أو بعيد كان لها
~~الربع بنص القرآن (4) والباقي للإمام (5)، وقد روي (6) أن الباقي يرد
~~عليها، كما يرد على الزوج (7).
# وقال بعض (8) أصحابنا في الجميع بين الخبرين هذا الحكم مخصوص بحال غيبة
~~الإمام، وقصور يده، فأما إذا كان ظاهرا، فليس للمرأة أكثر من الربع،
~~والباقي له على ما بيناه، وهذا ms1280 وجه قريب من الصواب.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله مصنف هذا الكتاب: ما قربه شيخنا أبعد مما
~~بين المغرب، والمشرق، لأن تخصيص الجامع بين الخبرين بما قد ذهب إليه، يحتاج
~~فيه إلى دلالة قاهرة، وبراهين متظاهرة، لأن أموال بني آدم ومستحقاتهم لا
~~يحل بغيبتهم، لأن التصرف في مال الغير بغير إذنه قبيح عقلا وسمعا.
# وشيخنا أبو جعفر فقد رجع عما قربه في إيجازه، فقال ذووا السهام على
~~ضربين، ذوو الأنساب، وذوو الأسباب، فذوو الأسباب هم الزوج والزوجة، ولهما
~~حالتان، حالة انفراد بالميراث، وحالة اجتماع، فإذا انفردوا كان لهم سهمهم
~~المسمى، إن كان زوجا النصف، والربع إن كانت زوجة، والباقي لبيت المال، وقال
~~أصحابنا إن الزوج وحده يرد عليه الباقي بإجماع الفرقة على ذلك، هذا آخر
~~كلامه في
# PageV03P243
# الإيجاز (1).
# وقال شيخنا المفيد في مقنعته، في آخر باب ميراث الإخوة والأخوات، وإذا لم
~~يوجد مع الأزواج قريب ولا نسيب للميت، رد باقي التركة على الأزواج (2).
# إلا أنه رحمه الله رجع عن ظاهر كلامه وإجماله، في كتابه كتاب الأعلام،
~~فقال في باب ميراث الأزواج: واتفقت الإمامية على أن المرأة إذا توفيت وخلفت
~~زوجا ولم تخلف وارثا غيره من عصبة ولا ذي رحم أن المال كله للزوج، النصف
~~منه بالتسمية، والنصف الآخر مردود عليه بالسنة هذا آخر كلامه رحمه الله
~~(3).
# وإلى ما اخترناه ذهب السيد المرتضى في انتصاره، فقال مسألة ومما انفردت
~~به الإمامية، إن الزوج يرث المال كله إذا لم يكن وارث سواه، فالنصف
~~بالتسمية، والنصف الآخر بالرد، وهو أحق بذلك من بيت المال، وخالف باقي
~~الفقهاء في ذلك، وذهبوا كلهم إلى أن النصف له، والنصف الآخر لبيت المال،
~~والحجة في ذلك إجماع الطائفة عليه، فإذا قيل كيف يرد على من لا قرابة له
~~ولا نسب، وإنما يرث بسبب، وإنما يرد على ذوي الأرحام، ولو جاز أن يرد على
~~الزوج، لجاز أن يرد على الزوجة حتى تورث جميع المال، إذا لم يكن وارث
~~سواها، قلنا الشرع ليس يؤخذ قياسا، وإنما يتبع فيه ms1281 الأدلة الشرعية، وليس
~~يمتنع أن يرد على من لم يكن ذا رحم وقرابة إذا قام الدليل على ذلك، وأما
~~الزوجة فقد وردت رواية (4) شاذة بأنها ترث المال كله إذا انفردت كالزوج،
~~ولكن لا يعول على هذه الرواية، ولا تعمل الطائفة بها، وليس يمتنع أن يكون
~~للزوج مزية في هذا الحكم على الزوجة، كما كان له مزية عليها في تضاعف حقه
~~على حقها، هذا آخر كلامه رحمه الله (5).
# ويقوم ولد المعتق الذكور منهم والإناث وجميع من يرثه من ذوي الأنساب على
~~حد واحد مقامه، إلا الإخوة والأخوات من الأم أو من يتقرب بها من الجد
~~والجدة
# PageV03P244
# والخال والخالة وأولادهما على الصحيح من المذهب، سواء كان المعتق المباشر
~~للعتق رجلا أو امرأة، لأنه الذي يقتضيه أصل مذهبنا (1).
# وفي أصحابنا من قال إنه لا ترث النساء من الولاء شيئا، وإنما يرثه الذكور
~~من الأولاد والعصبة إذا لم يكن أولاد ذكور، هذا إذا كان المعتق رجلا.
# فأما إذا كان المعتق امرأة فلا يرث أولادهما من ولاء مواليها شيئا، بل
~~يرث الولاء العصبة دون أولادها، سواء كان الأولاد ذكورا أو إناثا.
# وذهب بعض أصحابنا إلى أنه إذا كان المعتق رجلا يرث ولاء مواليه أولاده
~~الذكور دون الإناث منهم، فإن لم يكن له أولاد ذكور، كان الولاء للعصبة، فإن
~~كان المعتق امرأة، ورث ولاء مواليها أولادها الذكور دون الإناث، فإن لم يكن
~~ذكور فإن الولاء للعصبة، مثل ما قال إذا كان المعتق رجلا، وهذا اختيار
~~شيخنا المفيد في مقنعته (2).
# وقال الحسن بن أبي عقيل يرث الولاء جميع ورثة المعتق، وذكر اختلاف الشيعة
~~في ذلك، فقال الأكثرون منهم بما أوردناه عنه، ثم قال: وهذا مشهور متعالم
~~(3).
# قال محمد بن إدريس والثاني (4) اختيار شيخنا في نهايته (5) والأول
~~اختياره في مسائل خلافه، فإنه قال مسألة الولاء يجري مجرى النسب، ويرثه من
~~يرث من ذوي الأنساب على حد واحد، إلا الإخوة والأخوات من الأم، أو من يتقرب
~~بها من الجد والجدة والخال والخالة، وأولادهما، وفي أصحابنا من قال إنه لا ms1282
~~ترث النساء من الولاء شيئا وإنما يرثه الذكور من الأولاد والعصبة، ثم
~~استدل، فقال دليلنا إجماع الفرقة وأيضا قوله عليه السلام الولاء لحمة كلحمة
~~النسب لا يباع ولا يوهب - (6) (7)، اللحمة بضم اللام، القرابة ولحمة الثوب
~~تفتح وتضم.
# PageV03P245
# قال محمد بن إدريس رحمه الله وهذا الخبر مجمع عليه، متلقى بالقبول عند
~~المخالف والمؤالف، ومن المعلوم أن في النسب يرث جميع ذوي الأنساب على ما حد
~~واحد، إلا ما خرج بالإجماع من كلالة الأم ومن يتقرب بها على ما قدمناه.
# فصل في تفصيل أحكام الوراث مع الانفراد والاجتماع قد بينا أن أول
~~المستحقين الأبوان، والولد، فالأبوان إذا انفردا من الولد كان المال كله
~~لهما، للأم الثلث، والباقي للأب، والمال كله لأحدهما إذا انفرد، فإن كان
~~معهما زوج أو زوجة، فللأم الثلث من أصل التركة بالتسمية، والباقي بعد سهم
~~الزوج أو الزوجة للأب بآية أولي الأرحام يدل على ذلك بعد إجماعنا قوله
~~تعالى " فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث " (1) وهذا نص في موضع
~~الخلاف، لأنه لا يفهم من إيجاب الثلث لها إلا الثلث من الأصل، كما لا يفهم
~~من إيجاب النصف للبنت أو الزوج مع عدم الولد إلا ذلك.
# وأيضا فإنه تعالى لم يسم للأب مع الأم شيئا، وإنما يأخذ الثلثين، لأن ذلك
~~هو الباقي بعد المسمى للأم، لا لأنه الذي لا بد أن يستحقه، بل الذي اتفق
~~له، فإذا دخل عليهما زوج أو زوجة، وجب أن يكون النقص داخلا على من له ما
~~يبقى وهو الأب، كما أن له الزيادة دون صاحب السهم المسمى وهو الأم، ولو جاز
~~نقصها عما سمي لها في هذا الموضع، لجاز ذلك في الزوج أو الزوجة، وقد علمنا
~~خلاف ذلك.
# وحمل المخالف الآية على أن المراد للأم الثلث مع الأب إذا لم يكن وارث
~~غيرهما، ترك للظاهر من غير دليل.
# وقولهم لما ورث الأبوان بمعنى واحد وهو الولادة، وكانا في درجة واحدة،
~~أشبها
# PageV03P246
# الابن والبنت، فلم يجز أن يفضل الأنثى على الذكر، قياس لا ms1283 يجوز أن يثبت
~~به الأحكام الشرعية.
# ثم لو منع ذلك من التفضيل، منع (1) من التساوي كما منع في الابن والبنت
~~منه، وقد علمنا تساوي الأبوين.
# وقولهم إذا دخل على الأبوين من يستحق بعض المال، كان الباقي بعد أخذ
~~المستحق بينهما على ما كان في الأصل كالشريكين في مال لأحدهما ثلثه، وللآخر
~~ثلثاه، استحق عليهما بعضه، ليس بشئ لأن الشريكين قد استحق كل واحد منهما
~~سهما معينا، فإذا استحق من المال شئ كان ما يبقى بينهما على قدر سهامهما
~~المسماة المعينة، وليس كذلك ما نحن فيه، لأنا قد بينا أن الأب لا يأخذ
~~الثلثين بالتسمية، ولاهما سهمه الذي لا بد أن يستحقه، وإنما له الفاضل بعد
~~ما سمي للأم، فاتفق أنه الثلثان.
# وبهذا نجيب عن قولهم، إذا أدخل النقص على الابن والبنت معا لمزاحمة الزوج
~~أو الزوجة، فكذلك يجب في الأبوين، لأن الله سبحانه وتعالى قد صرح في الابن
~~والبنت بأن للذكر مثل حظ الأنثيين، فوجب أن يكون القسمة بينهما على ذلك في
~~كل حال، ولم يصرح بأن للأب في حال الانفراد من الولد الثلثين، وإنما أخذهما
~~اتفاقا، فافترق الأمران.
# فإن كان مع الأبوين إخوان، أو أربع أخوات، أو أخ وأختان لأب، أو لأب وأم،
~~قد انتفت (2) عنهم الصفات الثلاث المقدم ذكرها، فالأم محجوبة عن الثلث إلى
~~السدس بدليل إجماع أهل البيت عليهم السلام وأيضا فلا خلاف في صحة الحجب بمن
~~ذكرناه، وليس كذلك الحجب بمن عداهم.
# وقوله تعالى " فإن كان له إخوة فلأمه السدس " (3) وإن تناول ظاهره الإخوة
~~من الأم، فإنا نعدل عن الظاهر للدليل، وهذا جوابنا على من قال إنه لا يحجب
~~بأقل من ثلاثة من الإخوة، وتمسك بظاهر الآية، وإن أقل الجمع ثلاثة.
# PageV03P247
# وللأبوين مع الولد الثلث بينهما بالسوية، ولأحدهما السدس واحدا كان الولد
~~أو أكثر، ذكرا كان أو أنثى، ولد صلب كان أو غيره، إلا أنه إن كان ذكرا فله
~~جميع الباقي بعد سهم الأبوين، وإن كان ذكرا وأنثى، فللذكر مثل حظ الأنثيين،
~~وهذا كله بلا خلاف. ms1284
# وإن كان أنثى فلها النصف، والباقي يرد عليها وعلى الأبوين بدليل إجماع
~~الطائفة وأيضا قوله تعال " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله "
~~(1) وإذا كانت البنت والأبوان أقرب إلى الميت، وأولى برحمه من عصبته، ومن
~~إمام المسلمين وبيت المال، كانوا أحق بميراثه.
# ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام " المرأة تحوز ميراث
~~ثلاثة، عتيقها، ولقيطها، وولدها (2)، وهي لا تحوز جميعه إلا بالرد ".
# وبما رووه من أنه عليه السلام جعل ميراث ولد الملاعنة لأمه ولذريتها من
~~بعدها (3)، وظاهر ذلك أن جميعه لها، ولا يكون لها ذلك إلا بالرد.
# وبما رووه عن سعد أنه قال للنبي صلى الله عليه وآله إن لي مالا كثيرا
~~وليس يرثني إلا بنتي، أفأوصي بمالي كله؟ قال لا، قال فبالنصف؟ قال لا، قال
~~فبالثلث؟ قال الثلث، والثلث كثير (4)، فأقره عليه السلام على قوله ليس
~~يرثني إلا بنتي، ولم ينكر عليه.
# وروي هذا الخبر بلفظ آخر، وأنه قال أفأوصي بثلثي مالي والثلث لبنتي؟ قال
~~لا، قال أفأوصي بنصف مالي والنصف لبنتي؟ قال، لا قال أفأوصي بثلث مالي
# PageV03P248
# والثلثان لبنتي؟ قال الثلث والثلث كثير (1).
# وهذا يدل على أن البنت ترث الثلثين، وقول المخالف إن الله جعل للبنت
~~الواحدة النصف فكيف يزاد على ذلك، لا حجة فيه، لأنها تأخذ النصف بالتسمية،
~~وما زاد عليه بسبب آخر وهو الرد بالرحم، ولا يمتنع أن ينضاف سبب إلى آخر
~~كالزوج، إذا كان ابن عم، ولا وارث معه فإنه يرث النصف بالزوجية، والنصف
~~الآخر عندنا بالقرابة، وعند المخالف بالعصبة.
# فإن كان مع الأبوين ابنتان فما زاد، كان لهما الثلثان، وللأبوين السدسان،
~~ولأحد الأبوين معهما السدس، والباقي رد عليهم بحساب سهامهم، فإن كان هناك
~~إخوة يحجبون الأم، لم يرد عليها من فاضل الفريضة شئ، ورد ذلك على الأب
~~والبنت فحسب.
# إذا خلف بنتا وأبوين، وإخوة يحجبون الأم، فهاهنا لا يرد من الفاضل على
~~السهام شئ على الأم، ورد على الأب والبنت.
# فإن كان مع الأبوين والولد زوج أو زوجة، كان للولد ما ms1285 يبقى بعد سهم
~~الأبوين، والزوج أو الزوجة، واحدا كان الولد أو جماعة، ذكرا كان أو أنثى،
~~للصلب كان أو لغيره، فإن لم يف الباقي بالمسمى للبنت أو للابنتين، ويكون
~~النقص داخلا على البنت أو ما زاد عليها، دون الأبوين، ودون الزوج أو
~~الزوجة، لأن الأمة بأجمعها تذهب إلى أن للبنت (2) أو البنتين منقوصات وما
~~أجمعت على أن الأبوين والزوج منقصون (3)، بل أجمعت على أنهم هيهنا مسمون
~~بظاهر التنزيل، فعملنا بالقرآن هيهنا وخصصنا البنات بالنقص، وإن كن مسميات
~~بالإجماع من الأمة، وليس معنا في حق الأبوين والزوج إجماع منعقد، بحيث
~~يخصصهم به، فوفينا الظاهر حقه، وعملنا بكتاب الله، وبإجماع الأمة، وهذه من
~~مسائل العول التي يذهب المخالفون فيها إلى إدخال النقص على جميع ذوي
~~السهام، ويشبهون ذلك بمن مات وعليه
# PageV03P249
# ديون لا تتسع تركته لوفائها.
# والعول في اللغة عبارة عن الزيادة والنقصان معا، فإن أضيف هيهنا إلى
~~المال كان نقصانا، وإن أضيف إلى السهام كان زيادة، دليلنا على ما ذهبنا
~~إليه، إجماع أهل البيت عليه.
# وأيضا فلا خلاف أن النقص هيهنا داخل على البنات على ما قدمناه، ولا دليل
~~على دخوله هيهنا على من عداهن من إجماع ولا غيره، فوجب البقاء فيهم على
~~الأصل الذي اقتضاه ظاهر القرآن، ومحكم التبيان.
# وأيضا فدخول النقص على جميع ذوي السهام تخصيص لظواهر كثيرة من القرآن،
~~وعدول عن الحقيقة فيها إلى المجاز، ودخوله على البعض رجوع عن ظاهر واحد،
~~فكان أولى.
# فإذا ثبت أن نقص البعض أولى، ثبت أنه الذي عيناه، لأن كل من قال بأحد
~~الأمرين، قال بالآخر، والقول بأن المنقوص غيره، مع القول بأن نقص البعض
~~أولى، خروج عن الإجماع.
# وفي أصحابنا من يقول في هذا الموضع إن الله تعالى إنما فرض للبنتين
~~الثلثين مع الأبوين فقط إذا لم يكن غيرهم، فإذا دخل في هذه الفريضة الزوج،
~~تغيرت الفريضة التي سمي فيها الثلثين للبنتين، كما أنه لو كان مكان الزوج
~~ابن لتغيرت القسمة، ولم يكن للابنتين الثلثان.
# وقال أيضا أعني بعض أصحابنا إن ms1286 الزوج والزوجة جعل لهما في الكتاب فرضان،
~~أعلى وأسفل، وحطا من الأعلى إلى الأدون، وكذلك جعل للأبوين فرضان، أحدهما
~~أعلى وهو الثلثان للأب، والثلث للأم، ثم بين إنهما إذا حجبا عن ذلك حطا إلى
~~السدسين، وفرض للابنة النصف، وللابنتين الثلثين، ولم يحط البنات من فريضة
~~إلى أخرى، ويجب إدخال النقص على سهام من لم يلحقه نقص، ولا حط من رتبة إلى
~~رتبة أخرى، ويوفر نصيب من نقص، وحط من رتبة عليا إلى رتبة سفلى، حتى لا
~~يلحقه نقص بعد نقص آخر، فيكون ذلك إجحافا به.
# وهذا الذي حكيناه عن بعض أصحابنا فيه نظر، والمعتمد في الاستدلال على
~~PageV03P250
# ما قدمناه أولا وحررناه فإنه أحسم للشغب.
# وهذا اختيار السيد المرتضى في الناصريات، فإنه قال في المسألة التسعين
~~والمأة، الفرايض لا تعول، ولو مات رجل وخلف أبوين وبنتين وزوجة، فللزوجة
~~الثمن، وللأبوين لكل واحد منهما السدس، وما بقي فللبنتين، وهذا صحيح، وذهب
~~أصحابنا بلا خلاف إلى أن الفرايض لا تعول، ووافقنا على ذلك ابن عباس، وداود
~~بن علي الأصفهاني، وخالفنا باقي الفقهاء، وتحقيق هذه المسألة: أن تكون
~~السهام المسماة في الفريضة يضيق عنها المال، ولا يتسع لها، كامرأة خلفت
~~ابنتين وأبوين وزوجا، فللزوج الربع، وللبنتين الثلثان، وللأبوين السدسان،
~~وهذا مما يضيق عنه المال، لأنه لا يجوز أن يكون المال ثلثان، وسدسان، وربع،
~~وعندنا في هذه المسألة إن للأبوين السدسين، وللزوج الربع، وما بقي
~~فللبنتين، ومخالفونا الذين يذهبون إلى العول، يجعلون للزوج الخمس ثلاثة
~~أسهم من خمسة عشر، وللأبوين السدسان، أربعة من خمسة عشر، وللبنتين الثلثان،
~~ثمانية من خمسة عشر، فقد نسب مخالفونا في العول إلى الله تعالى ما لا يليق
~~بحكمته، وعدله، وجميل صفاته، لأنه لا يجوز أن يفرض في المال ما لا يتسع
~~المال له، فذلك سفه وعبث، ولأن الله (1) تعالى فرض للأبوين السدسين في هذه
~~المسألة وأعطوها أربعة من خمسة عشر، وهذا خمسا وثلثا عشر، لا سدسان، وفرض
~~للزوج الربع، وأعطوه ثلاثة من خمسة عشر، وهذا خمس، لأربع، وفرض للبنتين
~~الثلثين، ms1287 وأعطوهما ثمانية من خمسة عشر، وهذا ثلث وخمس لا ثلثان، فإن قالوا
~~فلم أدخلتم النقصان في هذا المسألة على البنتين دون الجماعة، والله تعالى
~~قد سمى للبنتين الثلثين، كما جعل للواحدة النصف، قلنا المعتمد في إدخال
~~النقص على نصيب البنتين في هذه المسألة وما شاكلها من المسائل التي يدعى
~~فيها العول، إنا نقصنا من أجمعت الأمة على نقصانه من سهامه، وهم (2)
~~البنتان، لأنه لا خلاف بين من أثبت العول وبين من نفاه في أن البنتين
~~منقوصتان هيهنا عن سهامهما التي هي الثلثان، وليس كذلك من عدا البنتين من
~~الأبوين والزوج، لأن
# PageV03P251
# الأمة ما أجمعت على نقصانهم، ولا قام على ذلك دليل، فلما اضطررنا إلى
~~النقصان وضاقت السهام عن الوفاء، نقصنا من وقع الإجماع على نقصانه، وقررنا
~~نصيب من لا دليل على وجوب نقصانه، فصار هذا الإجماع دليلا على أنه ليس
~~للبنتين الثلثان على كل حال، وفي كل موضع، فخصصنا الظاهر بالإجماع، ووفينا
~~الباقين في هذه الفريضة بظواهر الكتاب التي لم يقم دليل على تخصيصها، إلى
~~هيهنا آخر كلام السيد المرتضى (1).
# فنعم ما قال واستدل وحرر.
# وأيضا فقد روي الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي
~~أحد فقهاء أهل المدينة السبعة، والثاني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن
~~هشام المخزومي، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، وعروة بن الزبير
~~الأسدي القرشي، وسعيد بن المسيب بن الحرن (2) المخزومي، وسليمان بن بشار
~~مولى ميمونة بنت الحارث زوج النبي عليه السلام، وخارجة بن زيد بن ثابت
~~الأنصاري، فهؤلاء السبعة، قال جلست إلى ابن عباس، فجرى ذكر الفرايض
~~والمواريث، فقال ابن عباس سبحان الله، أترون الذي أحصى رمل عالج عددا، جعل
~~في مال نصفا وثلثا وربعا، فقال له زفر بن أوس البصري (3)، يا بن عباس فمن
~~أول من أعال الفرايض؟ قال عمر بن الخطاب لما التفت عنده الفرايض، ودافع
~~بعضها بعضا، قال والله ما أدري أيكم قدم الله وأيكم أخر؟ فما أجد شيئا هو
~~أوسع من ms1288 أن أقسم عليكم هذا المال بالحصص، وأدخل على كل ذي حق حق ما دخل
~~عليه من عول الفريضة، وأيم الله لو قدم من قدم الله، وأخر من أخر الله، ما
~~عالت فريضة (4).
# تمام الحديث.
# فإنا أخذنا منه موضع قصدنا.
# PageV03P252
# والفرق بين ما نحن فيه، وبين الديون على التركة، إن الغرماء مستوون في
~~وجوب استيفاء حقوقهم منها، ولا مزية لبعضهم على بعض في ذلك، وليس كذلك
~~مسائل العول، لأنا قد بينا أن في الورثة من لا يجوز أن ينقص عن سهمه، وفيهم
~~من هو أولى بالنقص من غيره، فخالفت حالهم حال الغرماء، ودعواهم على أمير
~~المؤمنين عليه السلام أنه كان يقول بالعول، وروايتهم عنه، أنه قال بغير
~~روية، وقد سئل وهو على المنبر، عن ابنتين وأبوين وزوجة، صار ثمنها تسعا، -
~~غير صحيحة -، لأن أبناءه عليهم السلام وشيعته أعلم بمذهبه من غيرهم، وقد
~~نقلوا عنه خلاف ذلك، وابن عباس ما أخذ مذهبه في إبطال العول إلا عنه، وقد
~~روى المخالف عنه، أنه قال من شاء باهلته، إن الذي أحصى رمل عالج، ما جعل في
~~مال نصفا وثلثا وربعا، ثم اعتمادهم في الرواية عن أمير المؤمنين عليه
~~السلام لما ادعوه من قوله بالعول في الفرايض، على أخبار آحاد لا يعول على
~~مثلها في الشرع، ثم هي موقوفة على الشعبي والنخعي، والحسن بن عمارة،
~~والشعبي ولد في سنة ست وثلاثين، والنخعي ولد في سنة سبع وثلاثين، وأمير
~~المؤمنين عليه السلام قتل في سنة أربعين، فلا تصح روايتهما عنه، والحسن بن
~~عمارة مضعف عند أصحاب الحديث، ولما ولي المظالم، قال سليمان بن مهران
~~الأعمش، ظالم ولي المظالم.
# فأما ما ادعوه من قوله عليه السلام صار ثمنها تسعا فرواه سفيان (1)، عن
~~رجل لم يسمه، والمجهول لا يعتد بروايته، على أنه تتضمن ما لا يليق به عليه
~~السلام، لأنه سئل عن ميراث المذكورين، فأجاب عن ميراث الزوجة فقط، وإغفال
~~من عداها، وقد سئل عنه، غير جايز عليه.
# وقد قيل إن الخبر لو صح لاحتمل أن يكون المراد ms1289 به صار ثمنها تسعا عند من
~~يرى العول على سبيل التهجين له والذم، كما قال الله تعالى " ذق إنك أنت
~~العزيز الكريم " (2)، أي عند قومك وأهلك ولاحتمل أيضا أن يكون أراد
~~الاستفهام، وأسقط حرفه، كما روي عن ابن عباس في قوله تعالى " فلا اقتحم
~~العقبة " (3). وقال
# PageV03P253
# عمر بن أبي ربيعة.
# ثم قالوا تحبها؟ قلت بهرا * عدد القطر والحصى والتراب فصل وإذا انفرد
~~الولد من الأبوين وأحد الزوجين، فله المال كله، سواء كان واحدا أو جماعة،
~~ذكرا كان أو أنثى، ولا يرث مع البنت أحد سوى من قدمناه، عصبة كان أو غيره،
~~بل النصف لها بالتسمية الصريحة، والنصف الآخر بالرد بالرحم، على ما بيناه،
~~ومخالفونا يذهبون إلى أنه لو كان مع البنت عم، أو ابن عم، لكان له النصف
~~بالتعصيب، وكذا لو كان معها أخت ويجعلون الأخوات عصبة مع البنات، ويسقطون
~~من هو في درجة العم أو ابن العم من نساء كالعمات وبنات العم، إذا اجتمعوا،
~~ويخصون بالميراث الرجال دونهن، لأجل التعصيب، ونحن نورثهن.
# ويدل على صحة ما نذهب إليه بعد إجماع أصحابنا عليه ما قدمناه من آية ذوي
~~الأرحام، لأن الله سبحانه نص فيها على أن سبب استحقاق الميراث القربى
~~وتداني الأرحام، وإذا ثبت ذلك وكانت البنت أقرب من العصبة، وجب أن يكون
~~أولى بالميراث.
# ويدل أيضا على أنه لا يجوز إعطاء الأخت النصف مع البنت، قوله تعالى " إن
~~امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك " (1)، فشرط في استحقاقها
~~النصف عدم الولد وفقده، فوجب أن لا يستحقه مع البنت، لأنها ولد، ويدل على
~~بطلان تخصيص الرجال بالإرث دون النساء، قوله تعالى " للرجال نصيب مما ترك
~~الوالدان والأقربون، وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، مما قل منه
~~أو أكثر، نصيبا مفروضا " (2)، فأوجب سبحانه للنساء نصيبا كما أوجب للرجال،
~~من غير تخصيص، فمن خص الرجال بالميراث في بعض المواضع، فقد ترك الظاهر،
~~فعليه
# PageV03P254
# الدلالة، ولا دلالة يقطع بها على ذلك، ولا يلزمنا مثل ذلك إذا خصصنا
~~البنت بالميراث ms1290 دون العصبة، لأن الاستواء في الدرجة مراع مع القرابة، بدليل
~~أن ولد الولد لا يرث مع الولد للصلب، وإن شمله اسم الرجال إذا كان من
~~الذكور، واسم النساء إذا كان من الإناث، وإذا ثبت ذلك وكان هو المراد
~~بالآية، وورث المخالف العم دون العمة، مع استوائهما في الدرجة، كان ظاهر
~~الآية حجة عليه، دوننا على أن التخصيص بالأدلة غير منكر، وإنما المنكر أن
~~يكون ذلك بغير دليل.
# فإن قالوا نحن نخص الآية التي استدللتم بها بما رواه ابن طاووس، عن أبيه
~~عن ابن عباس، عن النبي عليه السلام من قوله يقسم المال على أهل الفرايض على
~~كتاب الله فما أبقت فلأول ذكر قرب (1)، وتورث الأخت مع البنت بما رواه
~~الهذيل بن شرحبيل، من أن أبا موسى الأشعري سئل عمن ترك بنتا وبنت ابن وأختا
~~لأب وأم، فقال للبنت النصف، وما بقي فللأخت (2). وبما رواه الأسود بن يزيد،
~~قال قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، فأعطى
~~البنت النصف، والأخت النصف، ولم يورث العصبة شيئا (3).
# فالجواب أن ترك ظاهر القرآن لا يجوز بمثل هذه الأخبار، لأن أول ما فيها
~~أن الخبر المروي عن ابن عباس لم يروه أحد من أصحاب الحديث إلا من طريق ابن
~~طاووس، ومع هذا فهو مختلف اللفظ، فروي على ما تقدم، وروي فلأولي عصبة ذكر،
~~وروي فلأولي رجل ذكر وكل عصبة (4) واختلاف لفظه مع اتحاد طريقه، دليل،
~~ضعفه، على أن مذهب ابن عباس في نفي التوريث بالعصبة مشهور، وراوي الحديث
~~إذا خالفه كان قدحا في الحديث، والهذيل بن شرحبيل مجهول ضعيف، ثم
# PageV03P255
# إن أبا موسى لم يسند ذلك إلى النبي عليه السلام وفتواه هولا حجة فيها،
~~ولا حجة أيضا في قضاء معاذ بذلك، ولا في كونه على عهد رسول الله صلى الله
~~عليه وآله ما لم يثبت علمه عليه السلام به، وإقراره عليه، وفي الخبر ما
~~يبطل أن يكون الأخت أخذت بالتعصيب، وهو قوله ولم يورث العصبة شيئا، لأنها
~~لو كانت ms1291 هاهنا عصبة لقال ولم يورث باقي العصبة شيئا، على أن هذه الأخبار لو
~~سلمت من كل قدح، لكانت معارضة بأخبار مثلها، وإرادة من طريق المخالف مثل
~~قوله عليه السلام، من ترك مالا فلأهله (1)، وقول ابن عباس وجابر بن عبد
~~الله، إن المال كله للبنت دون الأخت، وروى الأعمش مثل ذلك عن إبراهيم
~~النخعي، وبه قضى عبد الله بن الزبير على ما حكاه الساجي والطبري، وما نختص
~~نحن بروايته في إبطال التوريث بالعصبة كثير، فإذا تعارضت الأخبار سقطت،
~~ووجب الرجوع إلى ظاهر القرآن.
# على أن أخبارهم لو سلمت من المعارضة لكانت أخبار آحاد، وقد دللنا على
~~فساد العمل بها في الشرعيات.
# على أنهم قد خالفوا في لفظ الحديث عن ابن عباس، فورثوا الأخت مع البنت،
~~وليست برجل ولا ذكر، وورثوها أيضا مع الأخ، إذا كانا مع البنت، ولم يخصوا
~~الأخ (2) وكذا لو كان مكان الأخ عم، وإذا جاز لهم تخصيصه بموضع دون موضع،
~~جاز لنا حمله على من ترك أختين لأم، وأخا لأب، مع أولاد إخوة لأب وأم، أو
~~ترك زوجة وأخا مع عمومة وعمات، فإن ما يبقى بعد الفرض المسمى للأختين، أو
~~الزوجة لأولي ذكر قرب، وهو الأخ بلا خلاف.
# على أنهم إذا جعلوا الأخت عند فقد الإخوة عصبة، لزمهم أن يجعلوا البنت مع
~~عدم البنين عصبة، بل هي أولى، لأن الابن أحق بالتعصيب من الأب، والأب أحق
~~بالتعصيب من الأخ، فأخت الابن تكون أحق بالتعصيب من أخت الأخ
# PageV03P256
# بلا شبهة، وليس لهم أن يفرقوا بأن البنت لا تعقل عن أبيها، لأن الأخت
~~أيضا لا تعقل وقد بينا فيما تقدم أن ولد الولد وإن نزلوا يقومون مقام
~~آبائهم وأمهاتهم، بل هو أولاد حقيقة، وبينا مذهبنا واختيارنا في ذلك، فلا
~~وجه لإعادته في مشاركة من يشاركونه، وحجب من يحجبونه، ويأخذ كل منهم تسمية
~~نفسه، وما ينطلق عليه من الاسم، دون ميراث من يتقرب به.
# وذهب بعض أصحابنا على ما حكيناه أولا عنهم أنه يأخذ كل منهم ميراث من
~~يتقرب به، كابن ms1292 بنت وبنت ابن، فإن لابن البنت الثلث، ولبنت الابن الثلثين،
~~والصحيح من المذهب ما قدمناه، لأن اسم الولد يقع على ولد الولد، وإن نزلوا
~~حقيقة وسواء كان الولد ذكرا أو أنثى، عند جميع أصحابنا المخالف في المسألة
~~والمؤالف، لما قدمناه من إطلاق المسلمين في عيسى عليه السلام أنه ابن آدم،
~~ولقول الرسول عليه السلام في الحسن والحسين عليهما السلام ابناي هذان
~~إمامان قاما أو قعدا (1).
# ولأن جميع ما علقه سبحانه من الأحكام بالولد، قد عم به ولد البنين
~~والبنات في قوله تعالى " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم " إلى قوله " وبنات
~~الأخ وبنات الأخت " (2) وقوله " وحلائل أبنائكم " (3) وقوله " ولا يبدين
~~زينتهن إلا لبعولتهن " (4)، فإذا وقع اسم الولد على ولد الولد حقيقة، تعلق
~~بهم أحكام الميراث إذا لم يوجد ولد الصلب، مثل ما تعلق به بظواهر القرآن.
# وليس لأحد أن يقول: إن اسم الولد يقع على ولد الولد مجازا، فلا يدخل في
~~الظواهر إلا بدليل، لأن الأصل في الاستعمال حقيقة (5) على ما بينه محصلوا
~~أصحاب أصول الفقه، ومن ادعى المجاز فعليه الدلالة، ولا يلزم على ذلك مشاركة
~~ولد الولد لولد الصلب في الميراث، ولا مشاركة الأجداد للآباء الأدنين لظاهر
~~قوله تعالى " فلأبويه لكل واحد منهما السدس ".
# PageV03P257
# لأنا عدلنا من الظاهر في ذلك للدليل القاطع، ولا دليل يوجب الرجوع عنه
~~فيما اختلفنا فيه، فبقينا على ما يقتضيه الظاهر.
# ويخص ولد الأكبر من الذكور إذا لم يكن سفيها فاسد الرأي بسيف أبيه،
~~ومصحفه، وخاتمه، وثياب جلده، إذا كان هناك تركة سوى ذلك، فإذا لم يخلف
~~الميت غيره، سقط هذا الحكم، وقسم بين الجميع، فإن كان له جماعة من هذه
~~الأجناس، خص بالذي كان يعتاد لبسه ويديمه، دون ما سواه من غير احتساب به
~~عليه.
# وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يحتسب عليه بقيمته من سهمه، ليجمع بين ظواهر
~~القرآن وما أجمعت الطائفة عليه، وهو تخريج السيد المرتضى، ذكره في الإنتصار
~~(1).
# وذهب بعض أصحابنا إلى أن ذلك مستحب تخصيصه به، دون أن يكون ذلك مستحقا له
~~على ms1293 جهة الوجوب، وهو اختيار أبي الصلاح الحلبي في كتابه الكافي (2).
# والأول من الأقوال هو الظاهر المجمع عليه عند أصحابنا، المعمول به،
~~وفتاويهم في عصرنا هذا وهو سنة ثمان وثمانين وخمسمأة عليه، بلا اختلاف
~~بينهم (3).
# وكذا ذهب السيد المرتضى فيما رواه أصحابنا، وأجمعوا عليه من أن الزوجة
~~التي لا يكون لها من الميت ولد، لا ترث من الرباع والمنازل شيئا، وألحق بعض
~~أصحابنا جميع الأرضين من البساتين والضياع وغيرها.
# وهذا اختيار شيخنا أبي جعفر، والأول اختيار شيخنا المفيد، وهو الذي
~~يقتضيه أصول مذهبنا، لأنا لو خلينا وظواهر القرآن ورثناها من جميع ذلك،
~~وإنما عدلنا في الرباع والمنازل بالأدلة، وهو إجماعنا وتواتر أخبارنا، ولا
~~إجماع معنا منعقد على ما عدا الرباع والمنازل، فحمله المرتضى على أنها لا
~~ترث من نفس ذلك، بل من قيمته، كما يذهب أصحابنا في الانقاض، والطوب -
~~بالطاء غير المعجمة المضمومة، والواو،
# PageV03P258
# والباء المنقطة من تحتها نقطة واحدة، وهو الآجر -.
# والصحيح أنها لا ترث من نفس التربة، ولا من قيمتها، بل يقوم الطوب
~~والآلات، وتعطى قيمته، وما ذكره السيد تخريج منه، وانفراد هذا إذا لم يكن
~~لها من الميت ولد، فأما إذا كان لها منه ولد، أعطيت سهمها من نفس جميع ذلك،
~~على قول بعض أصحابنا، وهو اختيار محمد بن علي بن الحسين بن بابويه تمسكا
~~منه برواية شاذة، وخبر واحد، لا يوجب علما ولا عملا.
# وإلى هذا القول ذهب شيخنا أبو جعفر رحمه الله في نهايته (1)، إلا أنه رجع
~~عنه في استبصاره (2)، وهو الذي يقوى عندي، أعني ما اختاره في استبصاره، لأن
~~التخصيص يحتاج إلى أدلة قوية، وأحكام شرعية، والإجماع على أنها لا ترث من
~~نفس تربة الرباع والمنازل شيئا، سواء كان لها من الزوج ولد أو لم يكن، وهو
~~ظاهر قول شيخنا المفيد في مقنعته (3)، والسيد المرتضى في انتصاره (4).
# ولواحد الإخوة أو الأخوات أو الأجداد أو الجدات، إذا انفرد جميع المال من
~~أي الجهات كان، وإذا اجتمع كلالة الأم مع كلالة الأب والأم، أو الأب مع عدم ms1294
~~كلالة الأب والأم، كان للواحد من كلالة الأم أخا كان أو أختا السدس،
~~ولاثنين فصاعدا الثلث، وهذا مخصوص بالإخوة، لأنها الكلالة عندنا.
# وذهب بعض أصحابنا إلى أن قال: وإذا اجتمع كلالة الأم مع كلالة الأب
~~والأم، كان للواحد من قبل الأم أخا كان أم أختا، جدا كان أم جدة، السدس،
~~وللاثنين فصاعدا الثلث، الذكر والأنثى فيه سواء.
# والصحيح من أقوال أصحابنا المحصلين، إن لواحد الأجداد من قبل الأم إذا
~~انفرد الثلث، فإن كان معه من الإخوة من قبلها أحد، كان له ولهم الثلث بينهم
~~بالسوية، والباقي لكلالة الأب، أخا كان أم أختا، جدا كان أم جدة، فإن كان
# PageV03P259
# كلالة الأب جماعة، ذكورا وإناثا فللذكر مثل حظ الأنثيين، ولا يرث أحد من
~~الإخوة والأخوات من قبل الأب خاصة مع وجود واحد منهم من الأب والأم أخا كان
~~أو أختا.
# ومتى اجتمع واحد من كلالة الأم مع أخت أو أختين فصاعدا من الأب والأم،
~~كان الفاضل من سهامهم مردودا على كلالة الأب والأم خاصة، لاجتماع السببين
~~فيهم، وتشترك كلالة الأم مع كلالة الأب فحسب في الفاضل على قدر سهامهم.
# ومن أصحابنا من قال: يختص بالرد كلالة الأب أيضا، لأن النقص يدخل عليها
~~خاصة إذا نقصت التركة عن سهامهم لمزاحمة الزوج أو الزوجة، ولا يدخل على
~~كلالة الأم، ولا على الزوج والزوجة على حال.
# والأول هو الظاهر من المذهب، لأن هؤلاء يتقربون إلى الميت بسبب واحد،
~~وأولئك أيضا بسبب واحد فلا دليل على رد الفاضل عليهم، وإنما رددنا الفاضل
~~على كلالة الأب والأم، لإجماعنا على ذلك، ولأنهم جمعوا السببين معا.
# وولد الإخوة والأخوات وإن نزلوا يقومون عند فقد آبائهم مقامهم في مقاسمة
~~الأجداد، وفي الحجب لغيرهم، وكذلك حكم الأجداد والجدات وإن علوا.
# والأدنى من جميعهم وإن كان أنثى أحق من الأبعد وإن كان ذكرا، كل ذلك
~~بدليل إجماعنا عليه.
# ويستحب إطعام الجد أو الجدة من قبل الأب السدس من نصيب الأب، فإن اجتمعا
~~كانت الطعمة بينهما نصفين، وليس ذلك بواجب.
# والطعمة في لسان ms1295 العرب الهبة، ذكر ذلك أبو سعيد الأصمعي، عبد الملك بن
~~قريب، في كتاب الأبواب، قال باب يقال هذه طعمة لفلان، أي هبة، وفي حديث بعض
~~الصحابة، أن معاوية أعطى مصر عمرو بن العاص طعمة، أي هبة.
# فإذا ثبت ذلك، فللواهب أن يهب، وله أن لا يهب، فلا يتوهم أحد أن ذلك على
~~جهة الوجوب، فهو عين الخطأ.
# هذا إذا كان الأب حيا وسهمه الأوفر، ومن أصحابنا من قال: إن هذا الحكم
~~PageV03P260
# الجد أو الجدة أيضا من قبل الأم معها، وهو الأظهر.
# والمراد بالسدس الذي هو الطعمة، سدس جميع أصل الفريضة، لا سدس ما يصيبه
~~الأب من الفريضة فحسب، ولا سدس ما يصيب الأم من الفريضة فحسب، بل سدس جميع
~~أصل الفريضة، بدلالة الخبر الذي أورده شيخنا في الإستبصار مفصلا عن أبي عبد
~~الله عليه السلام في أبوين وجدة لأم، قال للأم السدس، وللجدة السدس، وما
~~بقي وهو الثلثان للأب (1). وعموم الأخبار الباقية.
# وهذا معنى قوله في نهايته (2) ويؤخذ من ثلث الأم سدس أصل المال، فيعطى
~~الجد أو الجدة من قبلها، وكذلك قال في الجد أو الجدة من قبل الأب، يؤخذ سدس
~~أصل المال.
# والمراد بأصل المال في الموضعين، أصل الفريضة، لا أصل ما حصل للأم سهمها
~~وفرضها من الفريضة، وكذلك القول في الأب فليلحظ ذلك ويحتفظ به، فإنه ملتبس.
# وترث الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، مع فقد من قدمنا ذكره من
~~الوراث، ويجري الأعمام والعمات من الأب والأم، مجرى الإخوة والأخوات من
~~قبلهما في كيفية الإرث، وفي إسقاط الأعمام والعمات من قبل الأب فقط، ويجري
~~الأخوال والخالات مجرى الإخوة والأخوات من قبل الأم، لواحدهم إذا اجتمع مع
~~الأعمام والعمات السدس، ولمن زاد عليه الثلث، الذكر والأنثى فيه سواء،
~~والباقي للأعمام والعمات من الأب والأم، أو من الأب (3)، إذا لم يكن عم ولا
~~عمة من قبل الأب والأم، وللذكر من هؤلاء الأعمام والعمات مثل حظ الأنثيين،
~~هذا على القول بعض أصحابنا.
# والأظهر من الأقوال، والذي يقتضيه أصل مذهبنا، والذي عليه المحصلون من ms1296
~~أصحابنا، أن واحد الأخوال والخالات يأخذ مع الأعمام والعمات الثلث،
# PageV03P261
# وللاثنين فصاعدا الثلث، نصيب الأم، وإنما ذلك مخصوص بالإخوة والأخوات
~~فحسب، لأنهم الكلالة، عندنا على ما قدمناه.
# والإخوة والأخوات المتفرقون، والأعمام والعمات المتفرقون، والأخوال
~~والخالات المتفرقون، مثال ذلك، أخ من قبل الأب والأم وأخ من قبل الأم فحسب،
~~وأخ من قبل الأب، وكذلك الأعمام والأخوال، فإنه يسقط واحد الثلاثة الذي من
~~جهة الأب خاصة، فإذا فقد الذي من جهة الأب والأم، قام مقامه الذي من قبل
~~الأب، الذي أسقطناه في أخذ ما يأخذه، ومقاسمة من يقاسمه على حد واحد،
~~فليحصل ذلك ويتأمل.
# والدليل على ذلك إجماعنا عليه بغير خلاف أعلمه.
# ولا يقوم ولد الأعمام والعمات، مقام آبائهم وأمهاتهم في مقاسمة الأخوال
~~والخالات، ولا يقوم أيضا ولد الخؤلة والخالات، مقام آبائهم وأمهاتهم في
~~مقاسمة الأعمام والعمات، فلو ترك عمة أو خالة مثلا مع ابن عم وابن خال،
~~لكانت كل واحدة من العمة والخالة أحق بالميراث منهما، ولا يرث الأبعد من
~~هؤلاء مع من هو أدنى منه، إلا من استثنيناه فيما مضى، من أن ابن العم للأب
~~والأم، يكون أحق عندنا من العم للأب، لإجماعنا على صورة هذه المسألة
~~وعينها، دون ما عداها، وليس كذلك إذا ترك أخا لأبيه، وابن أخ لأبيه وأمه،
~~فإن المال هيهنا للأقرب الذي هو الأخ من الأب، دون ابن الأخ الذي من الأب
~~والأم، فليلحظ ذلك.
# وكل واحد من العم والعمة والخال والخالة يأخذ نصيب من يتقرب به، فإن جرى
~~نقص لمزاحمة زوج أو زوجة، كان داخلا على من هو من قبل الأب، مثاله امرأة
~~ماتت، وخلفت زوجها وعمها وخالها، فإن الزوج يستحق النصف من التركة، والخال
~~يستحق الثلث، والباقي وهو السدس للعم، لأنه لو كان من يتقربان به موجودا
~~وهو الأب والأم، كانت القسمة هكذا، وإجماعنا منعقد على جميع ذلك.
# فصل فإن لم يكن أحد ممن قدمنا ذكره من الوارث، PageV03P262
# لا فيما يجب عليه من الكفارات أو الواجبات غير الكفارات، أو أعتق عليه
~~بغير اختياره، سواء ms1297 كان المعتق رجلا أو امرأة، فإن لم يكن المباشر للعتق
~~حيا، ورث ولاء مواليه ورثته، ذكرانهم وإناثهم على ترتيب ميراث النسب، لأنه
~~يجري مجراه، ويرثه من يرث من ذوي الأنساب على حد واحد، على ما قدمناه (1)،
~~إلا الإخوة والأخوات من الأم، أو من يتقرب بها من الجد والجدة، والخال
~~والخالة وأولادهما، لقوله عليه السلام المجمع عليه الولاء لحمة كلحمة النسب
~~(2).
# وبعض أصحابنا يقول إن لم يكن المعتق حيا باقيا فالميراث لولده الذكور
~~منهم دون الإناث، سواء كان المباشر للعتق رجلا أو امرأة، وهو اختيار شيخنا
~~المفيد في مقنعته (3).
# ومن أصحابنا من قال إن ولد المعتقة لا يقومون مقامها في الميراث، ذكورا
~~كانوا أو إناثا، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في نهايته (4)، وإن كان قد رجع
~~عن ذلك جميعه في مسائل خلافه (5)، وقال بما اخترناه، وهو الحق اليقين.
# فإن لم يكن للمعتق أولاد، فالميراث للعصبة وأولادهم الإخوة، ثم الأعمام،
~~ثم بنو العم، هذا على مقالة شيخنا في نهايته (6)، لا على ما ذهب إليه في
~~مسائل خلافه.
# وجر الولاء صحيح، وصورته أن يزوج عبده بمعتقة غيره، فولاء أولادها لمن
~~أعتقها، فإن أعتق مولى أبيهم أباهم، انجر ولاء الأولاد إلى مولى أبيهم من
~~مولى أمهم فإن أعتق مولى جدهم لأبيهم جدهم مع كون أبيهم عبدا انجر ولاء
~~الأولاد إلى من أعتق جدهم من مولى أمهم، فإن أعتق بعد ذلك مولى أبيهم
~~أباهم، انجر ولاء الأولاد إلى مولى أبيهم من مولى جدهم، ولا ينجر ولاء من
~~بوشر عتقه إلى غير من باشره في حال من الأحوال، ولا ينجر ولاء أولاد حرة
~~أصلية لم يمسها رق أصلا، وإن
# PageV03P263
# أعتق معتق أباهم، لأن أمهم ما أعتقها معتق، حتى ينجر الولاء منه إلى من
~~أعتق أباهم.
# والحر إذا تزوج بأمة ولم يشرط مولاها كون الأولاد رقا فالأولاد أحرار
~~عندنا بغير خلاف، فإن أعتقها مولاها لا يثبت ولاء على الأولاد بحال.
# عبد تزوج بمعتقة رجل، فاستولدها بنتين، فهما حرتان، إذا لم يشترط مولاه
~~رق الأولاد، وولاؤهما لمولى الأم، ms1298 فاشترتا أباهما، فإنه ينعتق عليهما، كل
~~ذلك بلا خلاف، مات الأب، للبنتين الثلثان بحق النسب، والباقي رد عليهما
~~بآية أولي الأرحام، لا بحق الولاء، لأن الولاء عندنا إنما يثبت إذا لم يكن
~~هناك ذو نسب قريب أو بعيد، فإذا كان هناك نسب فلا ميراث بالولاء على حال،
~~وهذا أصل فيما يتعلق بهذا الباب.
# وإذا اشترى المعتق عبدا فأعتقه، فولاؤه له، فإن مات ولم يخلف أحدا،
~~فولاؤه لمولى المولى، أو لمن يتقرب به ممن يستحق الولاء، سواء كان المعتق
~~رجلا أو امرأة، لا يختلف الحكم فيه.
# قد قلنا إنه إذا زوج الرجل معتقته بعبد، ثم جاءت بولد، فولاء الولد لمولى
~~المعتقة، ثم إن سيد العبد أعتق عبده، انجر الولاء من مولى الأمة إلى مولى
~~أبي الولد، فإن زوج رجل أمته بعبد فجاءت بولد، فأعتقها سيدها مع ابنها، فإن
~~الولاء لمولى الأمة، ثم أعتق مولى العبد عبده فهيهنا لا ينجر الولاء إليه.
# والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها حيث قلنا إنه إذا أعتق الأب ينجر
~~الولاء إلى سيده، لأن هناك ما صادف عتقا هذا الابن، وما باشر عتقا فلأجل
~~هذا قلنا ينجر الولاء إلى مولى الأب، وليس كذلك هيهنا، لأنه صادف عتقا
~~وباشر العتق، فلم ينجر الولاء إلى غيره، فليلحظ ذلك.
# وحكم المدبر حكم المعتق على حد واحد.
# وأما المكاتب فلا يثبت الولاء عليه إلا بشرط، فإذا لم يشرط كان سائبة.
# ولا يصح بيع الولاء ولا هبته بحال PageV03P264
# [ولاء ضمان الجريرة] وأما ولاء تضمن الجريرة فهو أن يكون المعتق سائبة،
~~وهو كل من أعتق في كفارة، أو في واجب غير الكفارة، أو أعتق تبرعا وتبرأ من
~~ضمان جريرته فإنه يتوالى إلى من شاء، ممن يضمن جريرته وحدثه، أو يكون إنسان
~~لا نسب له معروف، فيتوالى إلى إنسان معروف النسب، أو يتوالى مجهول النسب
~~إلى مجهول النسب، كالحميلين، فأما معروف النسب والوراث (1)، فلا يجوز أن
~~يتوالى إلى أحد بحال، إلا أن لا يكون له وارث، فيتوالى إذ ذاك فمتى مات هذا
~~الإنسان، ولا ms1299 أحد يرثه من قريب ولا بعيد، فميراثه لمن ضمن جريرته وحدثه،
~~فإذا مات بطل هذا الولاء، ورجع إلى ما كان، ولا ينتقل منه إلى ورثته،
~~كانتقال ولاء المعتق (2).
# وذهب شيخنا المفيد في مقنعته (3)، إلى أنهما سواء في جميع الأحكام، وما
~~اخترناه رأي شيخنا أبي جعفر في إيجازه (4)، وهو الأظهر، لأن انتقال الضمان
~~بعد الموت والإرث يحتاجان إلى دليل شرعي، لأن هذا الحكم التزمه ضامن
~~الجريرة على نفسه، ولا دليل على التزام ورثته له بعد موته، فليلحظ ذلك.
# فإذا تعاقدا بينهما ولاء تضمن الجريرة، فليس لأحدهما فسخ ذلك العقد، سواء
~~عقل عنه بعد العقد، أو لم يعقل، وبعض المخالفين لنا قال له الفسخ ما لم
~~يعقل عنه، واختاره شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه (5).
# ومذهبنا الأول، لأنه الذي يقتضيه أصولنا، ولقوله تعالى " أوفوا بالعقود "
~~(6)، وهذا عقد يجب الوفاء به.
# [ولاء الإمامة] وأما ولاء الإمامة، فهو كل من لا وارث له قريب ولا بعيد،
~~ولا مولى عتاقة
# PageV03P265
# ولا مولى تضمن جريرة، فإن ولاءه للإمام وميراثه له، لأنه الذي يضمن
~~جريرته وحدثه من ماله وخاصة، دون مال بيت المسلمين، فإذا مات الإمام انتقل
~~إلى الإمام الذي يقوم بأمر الأمة مقامه، دون ورثته الذين يرثون تركته، ومن
~~يتقرب إليه.
# قد قلنا إنه إذا مات العبد المعتق وليس له مولى، فميراثه لمن يتقرب إلى
~~مولاه من جهة أبيه، دون أمة، الأقرب أولى من الأبعد على تدريج ميراث المال،
~~وبينا خلاف أصحابنا في ذلك، وما ذهبنا إليه هو اختيار شيخنا أبي جعفر في
~~مسائل خلافه فإنه قال مسألة: إذا مات العبد المعتق وليس له مولى، فميراثه
~~لمن يتقرب إلى مولاه من جهة أبيه دون أمه، الأقرب أولى من الأبعد على تدريج
~~ميراث المال، ثم قال دليلنا إجماع الفرقة وأيضا قوله عليه السلام الولاء
~~لحمة - بضم اللام - كلحمة النسب (1)، هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر الطوسي
~~رحمه الله (2) وهو الصحيح.
# وسهم الزوج والزوجة ثابت مع جميع من ذكرناه على ما مضى بيانه وتحريره.
# فصل قد بينا فيما ms1300 مضى أن الكافر لا يرث المسلم، فأما المسلم فإنه يرث
~~الكافر عندنا، وإن بعد نسبه، ويحجب من قرب عن الميراث بلا خلاف بيننا، وقد
~~دللنا على ذلك بظواهر آيات الميراث، لأنه إنما يخرج من ظاهرها ما أخرجه
~~دليل قاطع، وأيضا فالإسلام يزيده قوة وعلوا، لقوله عليه السلام الإسلام
~~يعلو ولا يعلى عليه (3). وبهذا يحتج على المخالف، وبقوله عليه السلام
~~الإسلام يزيد ولا ينقص (4).
# فأما ما رووه من قوله عليه السلام لا توارث بين أهل ملتين (5)، ومن قول
~~بعض الصحابة في ذلك، فأكثره مضعف مقدوح في رواته (6)، ثم هو مخالف لظاهر
# PageV03P266
# القرآن، ومعارض لما قدمناه، ولو سلم من ذلك كله، لكان من أخبار الآحاد
~~التي لا يجوز العمل بها في الشرعيات عندنا، لأنها لا تثمر علما ولا توجب
~~عملا.
# على إنا نقول بموجب قوله عليه السلام - لا توارث بين أهل ملتين - لو
~~سلمناه تسليم جدل، لأن التوارث تفاعل وذلك لا يكون إلا بأن يرث كل واحد
~~منهما الآخر، ونحن لا نقول بأن الكافر يرث المسلم، فلا توارث بينهما،
~~والحال هذه وقول بعض المخالفين إن التوارث إنما هو للنصرة والموالاة، ولذلك
~~يرث الذكور من العصبة دون الإناث، ولا يرث القاتل ولا العبد لنفي النصرة،
~~مما لا يعول عليه، لأنه غير مسلم أن التوارث لما ذكروه، وقد ورث النساء
~~والأطفال مع فقد ذلك فيهم، ثم إن النصرة مبذولة من المسلم للكافر في الحق
~~والواجب، كما أنها مبذولة للمسلم بهذا الشرط.
# وإذا خلف المسلم ولدا كافرا، ولم يخلف غيره من ولد، ولا والد، ولا ذي
~~رحم، ولا زوج، ولا زوجة، ولا قريب، ولا بعيد من المسلمين، كان ميراثه
~~للإمام عليه السلام وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته (1)، كان ميراثه لبيت
~~المال، وأطلق ذلك ومقصوده لبيت مال الإمام، دون بيت مال المسلمين.
# فإن خلف مع الولد الكافر ولدا آخر مسلما، كان المال له، ذكرا كان أو
~~أنثى، دون الكافر، وكذلك إذا كان بدل الولد المسلم أحد ذوي أرحامه، قريبا
~~كان أو بعيدا، كان المال للمسلم ms1301 كائنا ما كان على ما قدمناه، وسقط الولد
~~الكافر، ولا يستحق منه شيئا على حال.
# فإن خلف من الوراث المسلمين أكثر من واحد ممن يتقدر (2) القسمة بينهم،
~~وولدا كافرا، كان المال للوراث المسلمين، دون الولد الكافر أو الأقرب
~~الكافر.
# فإن أسلم الولد الكافر أو الأقرب الكافر قبل قسمة الميراث بين الوراث
~~المسلمين، كان له نصيبه، وإن أسلم بعد قسمة المال، لم يكن له شئ على حال،
~~فهذا معنى قوله عليه السلام من أسلم على ميراث قبل قسمته فله حقه (3).
# PageV03P267
# وكذلك من أعتق على ميراث، الحكم في ذلك سواء، لا يختلف.
# فإن خلف وارثا مسلما وآخر كافرا، كان للمسلم المال دون الكافر، فإن أسلم
~~الكافر لم يكن له من المال شئ لأن المسلم قد استحق الميراث عند موت الميت،
~~وإنما يتصور القسمة إذا كانت التركة بين نفسين فصاعدا، فإذا أسلم قبل
~~القسمة قاسمهم على ما بيناه، وذلك لا يتأتي في الواحد على حال.
# وقال شيخنا أبو جعفر، في نهايته، وإذا خلفت المرأة زوجها وكان مسلما،
~~وولدا، أو والدا، أو ذوي أرحام كفارا، كان الميراث للزوج كله، وسقط هؤلاء
~~كلهم، فإن أسلموا، رد عليهم ما يفضل من سهم الزوجية (1) و (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله وهذا غير مستقيم على الأصل الذي أصله وقرره
~~في صدر الباب، أعني باب توارث أهل ملتين، وإجماعنا أيضا مستقر عليه، وهو
~~أنه إذا كان الوارث المسلم واحدا استحق بنفس الموت الميراث، ولا يرد على من
~~أسلم بعد الموت من الميراث شئ على حال، لأن هيهنا لا تتقدر القسمة، والزوج
~~عندنا في هذه الحال وارث جميع المال، النصف بالتسمية، والنصف الآخر رد عليه
~~بإجماع أصحابنا على ما قدمناه، بل كان هذا يستقيم لشيخنا أبي جعفر لو كان
~~المخلف زوجة، لأن هيهنا تتقدر القسمة بينها وبين الإمام عليه السلام لأنها
~~غير وارثة بنفس الموت جميع المال، بل (3) لها الربع فحسب، والباقي لإمام
~~المسلمين.
# فإن أسلم الوارث الكافر قبل قسمة المال بينها وبين الإمام، أخذ ما كان
~~يأخذه الإمام، ms1302 وإن أسلم بعد القسمة، فلا شئ له بحال، فليلحظ ذلك، فإنه واضح
~~جلي.
# وروي أنه إذا خلف الكافر أولادا صغارا، وإخوة وأخوات من قبل الأب، وإخوة
~~وأخوات من قبل الأم مسلمين، كان للإخوة والأخوات من قبل الأم الثلث، للإخوة
~~والأخوات من قبل الأب الثلثان، وينفق الإخوة (4) من قبل الأم
# PageV03P268
# على الأولاد بحساب حقهم ثلث النفقة، وينفق الإخوة والأخوات من الأب بحساب
~~حقهم ثلثي النفقة، فإذا بلغ الأولاد، وأسلموا، سلم الإخوة إليهم ما بقي من
~~الميراث، وإن اختاروا الكفر، تصرفوا في باقي التركة، ولم يعطوا الأولاد
~~منها شيئا. وإن كان أحد أبوي الأولاد الصغار مسلما، وخلف إخوة وأخوات من
~~قبل أب أو من قبل أم، كان الميراث للأولاد الصغار، فإذا بلغوا أجبروا على
~~الإسلام، وقهروا عليهم، فإن أبوا كانوا بحكم المرتدين الأصليين، وجرى عليهم
~~ما يجرى عليهم سواء، أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته (1).
# والذي يقتضيه أصل مذهبنا أن في المسألة الأولى، يكون الميراث بين الإخوة
~~من الأب والإخوة من الأم، للذين من قبل الأب الثلثان، وللذين من قبل الأم
~~الثلث، يتصرفون فيه تصرف المالكين في أملاكهم، لأنه لا وارث مسلم لهذا
~~الميت الكافر، سواهم، لأنهم استحقوا الميراث، دون من عداهم من ساير الناس،
~~لأنه لا وارث له مسلم سواهم، ولو لم يكن كذلك، ما جاز لهم قسمة الميراث
~~بينهم ثلثين وثلثا، ولا سوغ لهم الشارع ذلك.
# فعلى هذا التحرير والتقرير، إذا بلغ الأولاد واختاروا الإسلام، لا يجب
~~على الإخوة رد شئ من الميراث إليهم بحال، ولا يجب لهم النفقة أيضا قبل
~~البلوغ، ولا يلزم الإخوة ذلك بحال على الأصل الذي أصلناه وقررناه، لأن
~~الأولاد حكمهم حكم آبائهم فيما يجري عليهم من الأحكام الشرعيات، لأنهم لا
~~يدفنون في مقابر المسلمين لو ماتوا قبل البلوغ، ولا إذا قتلهم قاتل من
~~المسلمين يقاد بهم، ولا ديتهم ديات المسلمين، بل حكمهم في جميع ذلك أحكام
~~الكفار.
# كما أن في المسألة الثانية لا يرثه الإخوة المذكورة بل ورثه أولاده
~~الأطفال دون إخوته، لأنهم بحكم ms1303 أبيهم المسلم، فلأجل ذلك إذا بلغوا ولم
~~يختاروا الإسلام، كان حكمهم حكم المرتدين عن فطرة الإسلام، والأولاد في
~~المسألة الأولى لا يقهرون على الإسلام، ولا إذا اختاروا الكفر كان حكمهم
~~حكم المرتدين عن فطرة الإسلام،
# PageV03P269
# ولا حكم المرتد الذي كان كافرا ثم أسلم، لأنهم بحكم الكفار الأصليين،
~~فليلحظ ذلك، فإن فيه لبسا على من لم ينعم النظر، وإنما الرواية من أخبار
~~الآحاد أوردها شيخنا في نهايته إيرادا، كما أورد أمثالها مما لا يعمل به.
# والمسلم إذا كان له أولاد ذميون، وقرابة كفار، ومولى نعمة مسلم، أو مولى
~~تضمن جريرة، أو مولى أمامة، فإن ميراثه للمولى المسلم، دون أولاده وقراباته
~~الكفار.
# والمسلمون يرث بعضهم بعضا وإن اختلفوا في الآراء والمذاهب، والاعتقادات
~~والديانات، والمقالات، لأن الذي به يثبت الموارثة، إظهار الشهادتين،
~~والإقرار بأركان الشريعة، من الصلاة والزكاة، والصوم، والحج، دون فعل
~~الإيمان الذي يستحق به الثواب، وبتركه العقاب.
# وقد يوجد في بعض نسخ المقنعة في باب أهل الملل المختلفة، والاعتقادات
~~المتباينة ويرث المؤمنون أهل البدع، من المعتزلة والمرجئة والحشوية ولا ترث
~~هذه الفرق أحدا من أهل الإيمان، كما يرث المسلمون الكفار، ولا يرث الكفار
~~أهل الإسلام (1).
# والأول هو المذهب المحصل، والقول المعول عليه، والمرجوع إليه.
# والكفار على اختلافهم يتوارث بعضهم من بعض، لأن الكفر كالملة الواحدة،
~~لقول أبي عبد الله عليه السلام لا يتوارث أهل ملتين، نحن نرثهم ولا يرثونا
~~(2)، فجعل من خالف الإسلام ملة واحدة.
# والمسلم الذي يولد (3) على فطرة الإسلام، ثم ارتد، فقد بانت منه امرأته،
~~ووجب عليها عدة المتوفى عنها زوجها، وقسم ميراثه بين ورثته، وتستحق الزوجة
~~سهمها معهم، لأنه بحكم الميت، فكأنه قد مات، وهي زوجته، ما فارقها إلا
~~بالموت، فكأنه قد مات عن زوجة، ولا يستتاب، بل يقتل على كل حال، فإن القتل
# PageV03P270
# قد تحتم عليه، فإن لحق بدار الحرب، ثم مات وله أولاد كفار وليس له وارث
~~مسلم، كان ميراثه لإمام المسلمين.
# ومن كان كافرا، فأسلم ثم ارتد، عرض عليه الإسلام، فإن رجع إليه، وإلا
~~ضربت ms1304 عنقه، وتعتد امرأته منه عدة المطلقة، دون عدة المتوفى عنها زوجها،
~~لأنها بانت منه قبل موته، وتلك ما بانت منه إلا بعد موته الذي هو ارتداده
~~الذي هو بمنزلة موته، فإن قتل أو مات وزوجته في العدة، ورثته مع وراثه
~~المسلمين، قد حكم (1) عليها استيناف عدة المتوفى عنها زوجها، مذيوم (2) مات
~~لأنه لو تاب ورجع إلى الإسلام قبل خروجها من عدتها، كان أملك بها بالعقد
~~الأول، فإن ماتت في العدة، لم يرثها وهو على حال الكفر، لأنا قد بينا أن
~~الكافر لا يرث المسلم، والمسلم يرث الكافر، ولا يجب عليها جميع الأحوال إلا
~~عدة المطلقة، دون المتوفى عنها زوجها، ما عدا الموضع الذي ذكرناه
~~واستثنيناه من وجوب استيناف عده الوفاة، لأنه لو تاب وهي في العدة، كان
~~أملك بها، وإنما يجب على من مات زوجها وهي في عدة يكون بها أملك، أن يستأنف
~~عدة المتوفى عنها زوجها، لقوله تعالى " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا
~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " (3) وهذا قد وذر زوجة، لأن المعتدة عدة
~~رجعية عندنا بغير خلاف بيننا زوجة.
# وهذا المرتد الذي ارتد لا عن فطرة الإسلام، لا يقسم ماله بين ورثته، إلى
~~أن يموت أو يقتل، ولو لحق بدار الحرب، بل يوقف وهو على ملكه، ما زال عنه
~~بارتداده.
# وقال شيخنا في نهايته، ومن كان كافرا فأسلم ثم ارتد، عرض عليه الإسلام،
~~فإن رجع إليه، وإلا ضربت عنقه، فإن لحق بدار الحرب، ولم يقدر عليه، اعتدت
~~منه امرأته عدة المطلقة، ثم يقسم ميراثه بين أهله، فإن رجع إلى الإسلام قبل
~~انقضاء عدتها، كان أملك بها، وإن رجع بعد انقضاء عدتها، لم يكن له عليها
~~سبيل، فإن مات على كفره وله أولاد كفار، أو لم يخلف وارثا مسلما، كان
~~ميراثه لبيت المال، هذا
# PageV03P271
# آخر كلامه رحمه الله (1).
# إلا أنه رجع عنه في مسائل خلافه (2)، ومبسوطه (3)، وذهب إلى ما اخترناه،
~~لأن قسمة أموال بني آدم وانتقالها منهم حكم شرعي، يحتاج في إثباته إلى دليل
~~شرعي، وإنما الشافعي في ms1305 أحد قوليه يقول المرتد الذي يستتاب يزول ملكه عن
~~ماله، وينتقل ماله إلى ورثته، وهو حي، ومذهبنا بخلاف ذلك، بل ماله باق على
~~ملكه ما دام حيا، وبالموت أو القتل ينتقل عنه إلى ورثته المسلمين، فليلحظ
~~ذلك.
# وقوله رحمه الله كان ميراثه لبيت المال، فمراده بيت مال الإمام، دون بيت
~~مال المسلمين، فليلحظ ذلك في جميع ما يقوله في باب المواريث.
# وقد قدمنا أنه إذا أسلم الكافر، أو عتق المملوك على ميراث بعد قسمته، لم
~~يرث شيئا.
# ومتى لم يكن للميت إلا وارث مملوك، ابتيع من التركة، وعتق، وورث الباقي
~~ويجبر المالك على بيعه بالقيمة العدل، هذا إذا كانت التركة تبلغ قيمته، أو
~~زايدا عليها، فأما إذا نقصت عن ذلك، فلا يجب شراؤه، ولا يجبر المولى على
~~بيعه، وتكون التركة لإمام المسلمين بغير خلاف.
# وروي أنه إذا كانت التركة أقل من ثمن المملوك، استسعي في الباقي (4)، ذهب
~~إليه بعض أصحابنا.
# والأول الأظهر، وعليه العمل والفتاوي.
# فإن كان الوارث اثنين، أو جماعة، ونقصت التركة عن شرائهما، أو شراء
~~جميعهم، ووفت بثمن واحد منهم، فلا يشترى من وقت بثمنه، بغير خلاف.
# وذهب أكثر أصحابنا إلى أنه لا يشترى إلا ولد الصلب، والوالد والوالدة
~~فحسب، دون عداهم من ساير الوراث من ذوي الأنساب والأسباب.
# وهو الذي يقوى في نفسي، وأعمل عليه، وأفتي به، وهو اختيار شيخنا
# PageV03P272
# المفيد (1)، والسيد المرتضى (2)، والأول اختيار شيخنا أبي جعفر الطوسي
~~(3).
# والذي يدل على صحة ما اخترناه، أنه لا خلاف بيننا في أن الرق يحجب الوراث
~~عن الإرث، مثل الكفر والقتل عمدا على جهة الظلم، وبإجماعنا اشتري الثلاثة
~~المذكورون، وليس معنا إجماع منعقد ممن عداهم، فبقينا فيمن عداهم على الأصل.
# وشيخنا أبو جعفر في نهايته (4) يوجب شراء الزوج والزوجة، إلا أنه رجع عن
~~ذلك في استبصاره (5)، وذهب إلى أنه لا يشترى واحد منهما، ولا يورث، بل يكون
~~التركة لإمام المسلمين.
# وأما ما عدا الولد للصلب والوالدين من ساير القرابات، فلم يرد بذلك إلا
~~خبر واحد مرسل، وراوية عبد الله ms1306 بن بكير، وهو فطحي المذهب، وقد قلنا ما
~~عندنا في ذلك فلا وجه لإعادته.
# وأم الولد إذا مات سيدها وولدها حي، ولم يكن عليه دين، جعلت في نصيب
~~ولدها، وعتقت عليه، فإن لم يخلف غيرها عتق منها نصيب الولد، واستسعيت في
~~الباقي لغيره من الورثة، فإن كان ثمنها دينا على سيدها، بيعت في الدين إذا
~~لم يخلف ما يحيط بثمن رقبتها.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته في باب أمهات الأولاد، وإذا مات مولاها
~~وولدها حي، جعلت في نصيب ولدها، وقد انعتقت، فإن لم يخلف غيرها، كان نصيب
~~ولدها منها حرا، واستسعيت في الباقي لمن عدا ولدها من الورثة، فإن لم يخلف
~~غيرها وكان ثمنها دينا على مولاها، قومت على ولدها، ويترك إلى أن يبلغ،
# PageV03P273
# فإذا بلغ أجبر على ثمنها، فإن مات قبل البلوغ، بيعت في ثمنها، وقضي به
~~الدين (1).
# إلا أنه رجع عن هذا أيضا في نهايته، في باب السراري وملك الأيمان، في
~~كتاب النكاح، فإنه قال في آخر الباب، وإذا كان للرجل جارية رزق منها ولدا
~~لم يجز له بيعها ما دام الولد باقيا، فإن مات الولد جاز له بيعها، ويجوز
~~بيعها مع وجود الولد في ثمن رقبتها إذا لم يكن مع الرجل غيرها، فإن مات
~~الرجل ولم يخلف غيرها، بيعت وقضى بثمنها دينه، وإن كان له مال غيرها، جعلت
~~من نصيب ولدها، وتنعتق، هذا آخر كلام شيخنا (2).
# ولا يرث القاتل عمدا مقتوله على وجه الظلم، على ما بيناه (3) بلا خلاف،
~~ويرثه إذا كان قتله خطأ ما عدا الدية المستحقة عليه، أو على عاقلته، بدليل
~~الإجماع من الطائفة على ذلك، وظاهر آيات المواريث، وقاتل العمد إنما
~~أخرجناه من الظاهر بدليل قاطع، وليس ذلك في قاتل الخطأ.
# وقول المخالف لو كان قاتل الخطأ وارثا لما وجب تسليم الدية عليه.
# ليس بشئ، لأنه لا تنافي بين وجوب تسليم الدية، وبين الميراث مما عداها.
# ولا يرث من الدية أحد من كلالة الأم، ولا من يتقرب بها، ويرثها من عداهم
~~من ذوي ms1307 الأنساب والأسباب.
# ولا يستحق أحد من الزوجين القود على حال، فإن رضي الورثة المناسبون بأخذ
~~الدية، وبذلها القاتل، كان لهما نصيبهما فيها.
# وميراث ولد الملاعنة لأمه ولمن يتقرب بها، ويرثها هو ومن يتقرب بها، ولا
~~يرثه أبوه ولا من يتقرب به على حال، ولا يرثه الولد إلا أن يقر به بعد
~~اللعان، فيرثه الولد دون أقاربه، لأن إقراره في حق نفسه فحسب، هذا على قول
~~بعض أصحابنا، وهو الذي أورده شيخنا في نهايته (4).
# PageV03P274
# وقال آخرون منهم ولا يرث ولد الملاعنة ملاعن أمه المصر على نفيه، ولا من
~~يتعلق بنسبه، ولا يرثونه، ومن يتعلق بنسبه، ويرثه بعد الاعتراف به والرجوع
~~عن نفيه، ومن يتعلق بنسبه، ولا يرثه الأب ولا من يتعلق بنسبه.
# وهذا هو الأقوى عندي، لأنه إذا أقر به، حكم عليه بأنه ابنه، إلا ما أخرجه
~~الدليل، ولأن الإقرار بمنزلة البينة، بل أقوى.
# إلا أن لقائل أن يقول: قد حكم الشارع في هذا الموضع أنه ليس بولد له.
# كما لو أقر اللقيط بأنه عبد، لا يقبل إقراره بالعبودية، لأن الشارع حكم
~~بأنه حر، فلا يقبل إقراره بالرق.
# والذي أعتمده في هذه الفتوى، أن الولد يرثه بعد إقراره به، دون غيره من
~~قراباته، فإنه لا يرثهم ولا يرثونه لإجماع أصحابنا على ذلك، ومن شذ منهم لا
~~يلتفت إلى خلافه، لأنه معروف النسب والاسم، وهو أبو الصلاح صاحب كتاب
~~الكافي الحلبي.
# والوالد لا يرث الولد على حال بدليل إجماعنا على ذلك، وأيضا فالاحتياط
~~فيما ذكرناه، لأن الإقرار بالولد بعد نفيه قد يكون للطمع في ميراثه، فإذا
~~لم يورث، كان ذلك صارفا له عن الإقرار به لهذا الغرض، واقتضى أن لا يكون
~~بعد الجحود إلا لتحري الصدق فقط.
# فإن مات ولد الملاعنة، وخلف أخا من أبيه الذي نفاه، ومن أمه، وخلف أختا
~~من أمه، كان الميراث بين الأخ والأخت نصفين، لأنهما من كلالة الأم، يتساوى
~~الذكر والأنثى في الميراث، لأن النسب الأخ إليه من أبيه غير معتد به، لأنه
~~بعد نفيه ما صار ms1308 أباه، فكأنه خلف أخا وأختا لأم، فليلحظ ذلك.
# وذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في استبصاره، إلى أن ولد الملاعنة
~~إن اعترف به أبوه بعد الملاعنة، فإنه يرث أباه، ولا يرثه أبوه، ويرث أخواله
~~وترثه أخواله، إذا كانت أمه ميتة، فأما إذا لم يعترف به أبوه بعد اللعان،
~~فإنه لا يرث أباه، وترثه أمه، فإذا ماتت، ترثه أخواله، وهو لا يرث أخواله
~~(1).
# PageV03P275
# هذا بخلاف مذهبه في نهايته (1)، فإن فيها أطلق القول.
# والصحيح أنه يرث أخواله، وترثه أخواله، سواء اعترف به أبوه بعد اللعان،
~~أو لم يعترف، لأن نسبه من الأم بسبب (2) شرعي بغير خلاف.
# وأورد في استبصاره حديثين قال فيهما ابن الملاعنة ترثه أمه الثلث،
~~والباقي لإمام المسلمين، لأن جنايته على الإمام، فتأولهما، وقال الوجه في
~~هاتين الروايتين أن نقول: إنما يكون لها الثلث من المال إذا لم يكن لها
~~عصبة يعقلون عنه (3).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله وهذا تأويل يرغب الإنسان عنه، ويربأ بنفسه
~~منه، لأنه مصير إلى مذهب المخالفين، وعدول عن آية ذوي الأرحام، وأصول
~~المذهب، ورجوع إلى القول بالعصبة، ثم هدم ونقض لإجماعنا، وهو أن قرابات
~~الأم وكلالتها لا يعقلون ولا يرثون من الدية شيئا بغير خلاف بيننا، فليلحظ
~~ذلك ويتأمل.
# وولد الزنا لا يرث من خلق من نطفته، ولا من ولدته، لأنهما غير أبويه
~~شرعا، ولا من يتقرب بهما إليه، ولا يرثونه على حال، لأنه ليس بولد لهما
~~شرعا على ما قدمناه، لأن الولد للفراش على ما جاء عنه (4) عليه السلام
~~والفراش المذكور في الخبر عبارة عن العقد، وإمكان الوطي عندنا وعند
~~الشافعي.
# ومن أصحابنا من قال حكمه حكم ولد الملاعنة سواء، وهو مذهب من خالفنا من
~~الفقهاء والأول هو المذهب الذي يقتضيه أصولنا.
# ويعزل من التركة مقدار نصيب الحمل، والاستظهار يقتضي عزل نصيب ذكرين، فإن
~~ولد ميتا فلا شئ له، وإن ولد حيا، ورث ويعلم حياته بالاستهلال، وهو رفع
~~الصوت أو الحركة الكثيرة التي لا تكون إلا من حي، فربما كان أخرس، وقد ms1309
~~ذكرنا أحكام الشهادة بالاستهلال وكيفيتها في كتاب الشهادات (5)، فلا وجه
~~لإعادته.
# PageV03P276
# وإن ولد مولود ليس له فرج أصلا، لا فرج الرجال ولا فرج النساء، فهذا هو
~~المشكل أمره، استخرج بالقرعة بغير خلاف بين أصحابنا في ذلك، ولقولهم عليهم
~~السلام كل أمر مشكل فيه القرعة (1) فما خرجت القرعة ورث عليه، فيكتب على
~~سهم عبد الله، وعلى سهم آخر أمة الله، ويجعلان في سهام مبهمة، ويخلط ويدعو
~~المقرع، فيقول: اللهم أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، بين لنا
~~أمر هذا الشخص، ليحكم فيه بحكمك، ثم يؤخذ سهم سهم، فإن خرج عليه عبد الله،
~~حكم له بحكم الذكور وورث ميراثهم، وإن خرج أمة الله، حكم له بحكم الإناث
~~وورث ميراثهن.
# وإذا خلف الميت شخصا له رأسان على بدن واحد، أو بدنان ورأسان على حقو
~~واحد، ترك حتى ينام، ثم ينبه أحدهما فإن انتبه والآخر نايم، فهما اثنان،
~~وإن انتبها جميعا، فهما واحد.
# فأما ميراث الخنثى، وهو الذي له فرج الرجال وفرج النساء معا، فله أحوال
~~عند أصحابنا، فأول أحواله اعتبار المبال، فإن خرج من فرج الرجال، ورث
~~ميراثهم (2)، وحكم عليه بأنه رجل، وإن خرج البول من فرج النساء، ورث
~~ميراثهن، ويحكم عليه بحكمهن، فإن بال منهما جميعا، فالاعتبار بالسابق
~~منهما، فيورث عليه، فإن لم يسبق أحدهما الآخر، فالاعتبار بالفرج الذي ينقطع
~~البول منه أخيرا فيورث عليه ويحكم به له، فإن جاء سواء في دفعة واحدة،
~~وانقطعا سواء في وقت واحد، فهيهنا وفي هذه الحال يتصور مسألة الخلاف بين
~~أصحابنا فحينئذ فحيز النزاع (3).
# وأما في الأحوال الأول (4) فلا خلاف بينهم فيها أجمع، بل الخلاف فيما
~~صورناه،
# PageV03P277
# فذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته (1)، وإيجازه (2)،
~~ومبسوطه (2)، إلى أنه يورث نصف الميراث الرجال ونصف ميراث النساء، فيجعله
~~تارة ذكرا وتارة أنثى، ويعطيه ويورثه نصف سهم الذكر ونصف سهم الأنثى، قال
~~الذاهب إلى هذا القول، الذي يعول عليه في ميراث الخنثى، وكيفية قسمته،
~~ويجعل أصلا فيه، أن يفرض الخنثى بنتا ونصف بنت مع ms1310 الباقين من الورثة، قال
~~وقيل فيه وجه آخر، وهو أن يقسم الفريضة دفعتين، بفرض الخنثى في أحدهما
~~ذكرا، وفي الأخرى أنثى، فما يصيبه في الدفعتين، أعطي نصفه من الفريضة.
# مثال ذلك: إذا خلف ابنا بيقين، وخلف خنثى، فينبغي أن يطلب ما لا يمكن
~~قسمته مع فرض الذكر ومع فرض الأنثى من غير كسر، وأقل ما يمكن فيه في هذه
~~المسألة ستة، فإن فرضت الخنثى ذكرا، كان المال بينهما نصفين، لكل واحد
~~ثلاثة، فإن فرضته بنتا كان لها سهمان من ستة فإذا أضفت السهمين إلى
~~الثلاثة، صارت خمسة، فتعطى الخنثى نصفها، وهو سهمان ونصف من ستة وثلاثة،
~~ونصف للابن المتيقن، فإذا أردت أن لا ينكسر، فاجعلها من اثني عشر، فتعطي
~~الابن سبعة، والخنثى خمسة.
# فإن فرضت بنتا بيقين وخنثى، خرجت الفريضة أيضا من اثني عشر، فإن كان ذكرا
~~كان له ثمانية، وللبنت أربعة، وإن كانت بنتا، كان لها ستة، لأن المال
~~بينهما نصفان بالفرض والرد عندنا، فنضيف الستة إلى الثمانية، يصير أربعة
~~عشر، فتعطى الخنثى نصفها سبعة، وللبنت المتيقنة خمسة.
# فإن كان ابن وبنت وخنثى، فأقل ما يخرج منه سهامهم عشرون، فإن فرضته ذكرا
~~كان له ثمانية، وإن فرضته أنثى، كان له خمسة، يصير ثلاثة عشر نعطيه نصفه
~~ستة ونصفا من عشرين، فإن أردته بلا كسر، جعلته من أربعين، فتعطي الخنثى
~~ثلاثة عشر، وتبقى سبعة وعشرون، للابن ثمانية عشر، وللبنت تسعة، ثم على هذا
# PageV03P278
# المنهاج بالغا ما بلغوا.
# وإن كان معهم زوج أو زوجة، أخرجت سهمه، والباقي قسمته على ما قلناه.
# وذهب جماهير أصحابنا والأكثرون منهم والمحصلون، إلى أنه في هذه الحال
~~المتنازع فيها، يعتبر ويورث بعدد الأضلاع، فإن نقص عدد أحد الجانبين عن
~~الآخر، ورث ميراث الرجال وحكم عليه بحكمهم، وإن تساوى الجانبان في عدد
~~الأضلاع، ورث ميراث النساء وحكم له بحكمهن، وهو مذهب شيخنا المفيد محمد بن
~~محمد بن النعمان الحارثي رحمه الله فإنه قال في كتابه كتاب الأعلام، -
~~وشرحه على جميع متفقهة العامة فيه، ومستدلا عليهم -، قال: واتفقت ms1311 الإمامية
~~في توريث الخنثى على اعتباره بالمبال، فإن خرج البول (1) مما يكون للرجال
~~خاصة، ورث ميراث الرجال، وإن كان خروجه مما يكون للنساء حسب، ورث ميراث
~~النساء، وإن بال منهما جميعا نظر إلى الأغلب منهما بالكثرة، فورث عليه، وإن
~~تساوى ما يخرج من الموضعين، اعتبر باتفاق الأضلاع واختلافها، فإن اتفقت ورث
~~ميراث الإناث، وإن اختلفت ورث ميراث الرجال، قال رحمه الله ولم أجد من
~~العامة أحدا يعتبر في الخنثى ما ذكرناه على الترتيب الذي وصفناه، قال ولنا
~~بعد الحجة بإجماع الفرقة المحقة على ما ذكرناه في هذه المسألة، ورود الخبر
~~بذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بعزوه إلى السنة
~~الثابتة عنده، عن نبي الهدى صلى الله عليه وآله، وبطلان مقال من خالفه فيه،
~~وقطع على فساده من العامة، إذ لم يعتمد في ذلك على حجة في فساده، وقد ثبت
~~أن الحق لا يخرج عن أمة محمد صلى الله عليه وآله، ولو كانت الإمامية مبطلة
~~فيما اعتقدته منه، وكان من خالفها أيضا مبطلا في إنكاره لما ذكرناه لخرج
~~الحق عن أمة محمد صلى الله عليه وآله وذلك باطل لما بيناه، وهذا آخر كلامه
~~رحمه الله (2).
# فقد رجع كما ترى عما ذكره وأورده في مقنعته (3) بغير شك ولا ارتياب.
# PageV03P279
# وهذا أيضا مذهب السيد المرتضى رضي الله عنه على ما حكاه عنه، ذكره في
~~انتصاره مثل ما ذكره شيخه المفيد، وشرحه كشرحه، وفصل أحواله كتفصيله، وصوره
~~كتصويره، حرفا فحرفا، ثم قال في استدلاله على صحة المسألة. والذي يدل على
~~صحة ما ذهبنا إليه الإجماع المتردد، وأيضا فإن باقي الفقهاء عولوا عند
~~إشكال الأمر وتقابل الأمارات على رأي وظن وحسبان، وعولت الإمامية فيما يحكم
~~به في الخنثى على نصوص وشرع محدود، فقولها على كل حال أولى. هذا آخر كلام
~~السيد المرتضى (1).
# ألا ترى أرشدك الله إلى الخيرات استدلال هذين العالمين القدوتين بإجماع
~~الإمامية على صحة القول في هذه المسألة، وفساد قول من خالفهما فيه. وإلى ما
~~ذهبا إليه أذهب، وعليه ms1312 أعمل، وبه أفتي، إذا الدليل يعضده، والحجة تسنده،
~~وهو الإجماع المشار إليه، والخبر المتفق عليه، وقد كان في بعض أصحابنا
~~الماضين رحمهم الله يتعاطى معرفة مسائل الخناثي، والضرب لها واستخراج
~~سهامهم بغير انكسار، وكنا نجيل في ذلك سهامنا مع سهامهم متبعين كلامهم قبل
~~إعمال نظرنا في المسألة، إذ الإذن البكر تقبل ما يرد عليها بلا روية ولا
~~نظر، وهذا غير محمود عقلا وشرعا، فحيث تأملنا المسألة وأعطينا النظر حقه
~~وسبرنا أقاويل أصحابنا وكتبهم، وجدناها بخلاف ما كنا عليه، فكشفنا قناع
~~صحتها، وأوضحنا غياهيب ظلمتها.
# وأيضا فالدليل على أصل المسألة قول الله سبحانه ممتنا به على خلقه وعباده
~~" يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث
~~منهما رجالا كثيرا ونساء " (2) وقال تعالى " يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن
~~يشاء الذكور " (3) وقال تعالى " أم له البنات ولكم البنون " (4) وقال " وما
~~خلق الذكر والأنثى " (5) وما قال في امتنانه - والخنثى - وقال " اصطفى
~~البنات على البنين " (6) وقال تعالى " الكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة
~~ضيزى " (7) فلو كان بعد الأنثى منزلة
# PageV03P280
# لذكرها، وقال سبحانه " فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى " (1) فلو كان
~~المجعول قسما آخر لذكره في امتنانه علينا، ألا ترى إلى قوله تعالى في هذه
~~الآيات، ووجه الامتنان بها، وذكر التثنية في جميعها، من غير إدخال قسم ثالث
~~فيها.
# ثم إن شيخنا أبا جعفر الطوسي رحمه الله رجع عما ذكره أجمع في مسائل خلافه
~~وترك القول الذي حكيناه، عنه في نهايته، ومبسوطه، وإيجازه، فقال في مسائل
~~الخلاف مسألة: إذا مات إنسان، وخلف خنثى مشكلا، له ما للرجال وما للنساء،
~~اعتبر بالمبال، فإن خرج من أحدهما أولا، ورث عليه، وإن خرج منهما اعتبر
~~بالانقطاع، فورث على ما ينقطع أخيرا فإن اتفقا روى أصحابنا أنه تعد أضلاعه،
~~فإن تساويا ورث ميراث النساء، وإن نقص أحدهما ورث ميراث الرجال، والمعمول
~~عليه أن يرجع إلى القرعة فيعمل عليها، وقال الشافعي ننزله نحن بأسوأ
~~حالتيه، فنعطيه نصف المال، لأنه اليقين، والباقي يكون موقوفا حتى ms1313 يتبين
~~حاله، فإن بان أنه ذكر، أعطيناه ميراث الذكور، وإن بان أنه أنثى، فقد أخذ
~~حقه، فيعطى الباقي للعصبة، وبه قال زيد بن ثابت، وقال أبو حنيفة يعطيه
~~النصف يقينا، والباقي يدفع إلى عصبته، وذهب قوم من الحجازيين، وقوم من
~~البصريين، أنه يدفع إليه نصف ميراث الذكر، ونصف ميراث الأنثى، فيعطى ثلاثة
~~أرباع المال، وبه قال أبو يوسف وجماعة من أهل الكوفة، دليلنا إجماع الفرقة
~~وأخبارهم، هذا آخر كلامه رحمه الله في المسألة (2).
# ألا ترى إلى قول شيخنا رحمه الله، فإن فيه إذا تأملته عجايب ودلايل على
~~صحة القول بما اخترناه، وفساد المذهب الذي ذهب إليه في كتبه المقدم ذكرها،
~~وهو قوله فإن اتفقا روى أصحابنا أنه تعد أضلاعه، فإن تساويا ورث ميراث
~~النساء، وإن نقص أحدهما ورث ميراث الرجال، فقد أقر على نفسه أن أصحابه يعني
~~الشيعة الإمامية رووا ذلك من غير خلاف بينهم في الرواية، بل تلقاها جميعهم
~~بالقبول، لأنه لم يقل وقد روي خلافه، فدل على أن الرواية متواترة، وما هذا
~~حكمه يجب
# PageV03P281
# العمل به، ولا يجوز العدول عنه، وقال رحمه الله مستدلا على خصومه، دليلنا
~~إجماع الفرقة وأخبارهم، فجعل الأخبار دليله، وهو قد حكى عن أصحابه أنهم
~~رووه، فالأخبار التي استدل بها وعناها هي التي رووا، ثم استدل بإجماعهم،
~~وإجماعهم منعقد على هذه الأخبار التي رووها في هذا المعنى، ثم إنه رحمه
~~الله خالف أصحابه على ما حكي عنهم، وخالف قوله الذي ذكره في كتبه الثلاثة
~~المقدم ذكرها، وقال هيهنا المعمول عليه أن يرجع إلى القرعة، فيعمل عليها،
~~وفي هذا ما فيه.
# ثم إن القرعة لا تستعمل إلا في كل أمر مشكل إذا لم يرد فيه بيان شرعي،
~~ولا نص مبين لحكمه، فحينئذ يفزع إلى القرعة، فيجعل بيان حكمه وحل مشكله،
~~فأما إذا ورد البيان من الشارع بحكمه، فلا يجوز الرجوع فيه إلى القرعة
~~بحال، من غير خلاف بيننا في هذا الأصل المقرر المحرر، وقد أقر رحمه الله أن
~~أصحابه رووا بيان هذا الحكم، واستدل بإجماعهم ms1314 وأخبارهم التي رووها عليه،
~~فكيف يفزع هو إلى القرعة في هذا الموضع، إن هذا لعجيب طريف، إلا أن يريد
~~بأخبارهم التي عناها إن كل أمر مشكل فيه القرعة، وقد دللنا على فساد هذه
~~الطريقة، وقلنا إنه لا يجوز استعمال القرعة إلا في أمر لم يبين الشارع حكمه
~~ومشكله، والشارع بين حكم هذا بعد (1) الأضلاع، فإن شيخنا أقر بأن أصحابه
~~رووا ذلك من غير تناكر بينهم في الرواية.
# وقد قال رحمه الله في الحايريات، لما سئل عن الخبر الذي ورد أن الله
~~تعالى لما خلق آدم عليه السلام أخذ من جنبه الأيسر ضلعه الأعوج، فخلق منه
~~حوا، وإن (2) أضلاع الرجال تنقص وأضلاع النساء تمام، فما عنده فيه؟ فقال
~~الشيخ الجواب ذلك مشهور بين أهل النقل في أصحابنا، والمخالفين، وهو جايز لا
~~مانع منه، وهو في قضايا أمير المؤمنين عليه السلام.
# ألا ترى إلى قوله ذلك مشهور بين أهل النقل في أصحابنا والمخالفين فدل على
~~أنه إجماع المسلمين، فضلا عن طائفتنا على رواية هذا الحكم.
# PageV03P282
# ثم إنه رحمه الله لم يذكر في كلامه الذي حكيناه عنه في مسائل خلافه، أنه
~~ذهب إلى ما ذكره في نهايته وإيجازه ومبسوطه، إلا قوم مجهولون غير معينين،
~~ما خلا أبا يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة، فإذا لم يذهب إليه أحد من المسلمين
~~المعروفين، ولا أحد من الصحابة والتابعين، ولا الفقهاء المعروفين سوى أبي
~~يوسف، وكفى بهذا القول وهنا وضعفا.
# وإذا عقد على الصغيرين عقد النكاح أبواهما، توارثا، فإن كان العاقد
~~غيرهما، فلا توارث بينهما حتى يبلغا ويمضيا العقد، فإن بلغ أحدهما فأمضاه،
~~ثم مات، انتظر بلوغ الآخر، فإن بلغ وأمضاه حلف بأنه لم يرض طمعا في
~~الميراث، فإذا حلف ورث سهمه، فإن لم يحلف فلا ميراث له.
# ويتوارث الزوجان بعد الطلاق الرجعي، سواء كان في الصحة أو المرض ما دامت
~~المرأة في العدة بغير خلاف، وإن كان الطلاق في حال مرض الزوج، ورثته المرأة
~~أيضا بعد خروجها من العدة، ما بينها وبين سنة، ما لم تتزوج ms1315 أو يبرأ الزوج
~~من مرضه الذي طلقها فيه، وهو لا يرثها بعد خروجها من عدتها، هذا في الطلاق
~~الرجعي، فإن كان طلاقه لها طلاقا لا رجعة له فيه، فلا ميراث بينهما ساعة
~~طلقها، إلا أن يكون أوقع هذا الطلاق البائن في مرضه، فإنها ترثه ما دامت في
~~عدتها، وبعد خروجها من العدة ما بينها وبين سنة، ما لم تتزوج المرأة أو
~~يبرأ من مرضه الذي طلقها فيه.
# وشيخنا أبو جعفر ذهب في نهايته، إلى أنهما يتوارثان ما دامت في العدة،
~~وإن كان الطلاق لا رجعة له عليها فيه، إذا كان طلاقه لها في المرض، ثم بعد
~~خروجها من العدة ترثه ما لم تتزوج، أو يبرأ الزوج من مرضه الذي طلق فيه إلى
~~سنة (1).
# إلا أنه رجع عن ذلك في مسائل خلافه على ما ذكرناه فيما تقدم (2).
# وإذا تزوج المريض ومات قبل برئه، وقبل الدخول بالمرأة، بطل العقد بينهما
~~عند
# PageV03P283
# أصحابنا، ولم ترثه المرأة، ولا عدة عليها منه.
# وإذا انفرد الزوج بالميراث، فله النصف بالتسمية، والنصف الآخر رد عليه
~~بإجماع أصحابنا، ولا يلزم على ذلك أن يرد الباقي من سهم الزوجة عليها إذا
~~انفردت بالميراث، لأن الشرع لا يؤخذ قياسا، وقد قدمنا (1) القول في ذلك
~~مشروحا، فلا وجه لإعادته.
# وإذا تعارف المجلبون - واحدهم مجلب (2) جلب وهو الحميل - واختلف في
~~تفسيره فقال الجوهري في كتاب الصحاح الحميل الذي يحمل من بلده صغيرا،
~~والحميل الدعي.
# قال الكميت يعاتب قضاعة في تحويلهم إلى اليمن:
# علام نزلتم من غير فقر * ولا ضراء منزلة الحميل وقال صاحب المجمل وهو ابن
~~فارس، الحميل الدعي.
# وقال الهروي في غريب الحديث، أما قوله الحميل لا يورث إلا ببينة، ففيه
~~قولان، يقال فيه هو الذي يحمل من بلاده صغيرا إلى بلاد الإسلام، ويقال هو
~~المحمول (3) النسب، وذلك أن يقول هذا أخي أو أبي أو ابني، ليزوي ميراثه عن
~~مواليه، فلا يصدق إلا ببينة.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وأما الحميل فهو الذي يجلب من بلاد الشرك
~~ويسترق، فإذا تعارف ms1316 منهم اثنان أو جماعة بنسب يوجب بينهم الموارثة في شرع
~~الإسلام، فإنه يقبل قولهم في ذلك، ويورثون على نسبهم، ولا يطالبون بالبينة
~~على ذلك على حال (4).
# وهذا القول قريب من قول من حكيناه من أهل اللغة، إذ كل منهما مدع نسبا من
~~الآخر، لأن حقيقة الدعوى كل خبر ليس على صحته وفساده دليل.
# PageV03P284
# إلا أن شيخنا أبا جعفر رجع في التبيان، فقال الحميل الغريب، لأنه يحمل
~~على القوم وليس منهم (1).
# فأما ميراث اللقيط، فإن كان توالى إلى إنسان، ضمن جريرته وحدثه، فإنه
~~يكون ميراثه له، وضمان جريرته عليه، فإن لم يكن توالى إلى أحد، فميراثه
~~لإمام المسلمين، وليس لمن التقطه ورباه شئ من ميراثه.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وأما المشكوك فيه، فهو أن يطأ الرجل
~~امرأته أو جاريته، ثم يطأها غيره في تلك الحال، وتجئ بالولد، فإنه لا ينبغي
~~له أن يلحقه به لحوقا صحيحا، بل ينبغي أن يربيه وينفق عليه، فإذا حضرته
~~الوفاة، عزل له شيئا من ماله قدر ما يتقوى به على شأنه، وإن مات هذا الولد،
~~لم يكن له شئ من تركته، وكانت لبيت المال إن لم يخلف ولدا ولا زوجا ولا
~~زوجة، هذا آخر كلامه في نهايته (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله ما ذكره رحمه الله ما يقتضيه أصول مذهبنا،
~~والصحيح أن هذا الولد الذي من زوجته ولده شرعا، يرثه إذا مات وكذلك الولد
~~يرث الوالد إذا لم ينتف منه باللعان مع أمه بغير خلاف بيننا، ولقوله عليه
~~السلام الولد للفراش وللعاهر الحجر (3) والفراش عبارة عن العقد، وإمكان
~~الوطي على ما جرت به العادة، دون التمكين على ما في مقدور الله تعالى، على
~~ما يذهب إليه أبو حنيفة.
# وإذا وطي نفسان فصاعدا جارية مشتركة بينهما، فجاءت بولد، أقرع بينهما،
~~فمن خرج اسمه ألحق به، وضمن للباقين من شركائه حصتهم، وتوارثا، فإن وطأها
~~نفسان في طهر واحد بعد انتقال الملك من واحد منهما إلى الآخر، كان الولد
~~لاحقا بمن عنده الجارية، ويرثه (4) الأب والولد ms1317 أيضا مثل ذلك يرثه على ما
~~رواه أصحابنا.
# PageV03P285
# وتحقيق ذلك أن يعتبر بستة أشهر وأقل منها، فإن كان أقل من ستة أشهر من
~~وقت وطي المشتري، فإن الولد يلحق بالسيد الأول الذي هو البايع، وإن كان
~~لستة أشهر فصاعدا فإنه يلحق بالمشتري الذي عنده الجارية، فأما الرواية،
~~فيمكن أن يعمل بها على بعض الوجوه، وهو أن يكونا وطياها في وقتين متقاربين
~~في يوم واحد.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ومن تبرأ عند السلطان من جريرة ولده ومن
~~ميراثه، ثم مات الولد وله مال، كان ميراثه لعصبة أبيه دون أبيه (1).
# وهذا خلاف إجماع أصحابنا وإجماع المسلمين، لأن الوالد يضمن جريرة ابنه
~~ويعقل عنه، ولا يصح التبري من المواريث على حال، وإنما هذه رواية شاذة من
~~أضعف أخبار الآحاد، وأوردها شيخنا إيرادا لا اعتقادا.
# وقد رجع عنها في الحايريات، في المسألة الخامسة والثمانين والمائة، وعن
~~العاقلة إذا تبرأت من ميراث من تعقل عنه وجريرته، أيكون ذلك بمنزلة الأب،
~~أو ما الحكم في ذلك فيه؟ فقال رحمه الله الجواب لا يصح له التبري، لأن
~~الشرع إذا حكم به لم ينفع التبري، وثبت حكمه، والرواية في تبري الأب من
~~جريرة الابن رواية شاذة فيها نظر، فإن صحت لا يقاس عليها غيرها، هذا آخر
~~كلام شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله في الجواب (2).
# والمملوك لا يملك شيئا حتى يستحقه ورثته من الأحرار، بل ماله إن كان في
~~يده شئ لمولاه، وكذلك حكم المدبر بغير خلاف بين أصحابنا.
# فأما المكاتب فهو على ضربين، مشروط عليه ومطلق، على ما قدمناه (3) في
~~موضعه، فإذا كان مشروطا عليه، فحكمه حكم المماليك، فإن كان غير مشروط عليه،
~~فإنه يرث ويورث بقدر ما أدى من مكاتبته، من غير زيادة ولا نقصان، ويحرم ما
~~زاد على ذلك.
# وإذا اشترط المكاتب على الذي كاتبه أن يكون ولاؤه له كان شرطه صحيحا،
# PageV03P286
# فإن لم يشرط ذلك، لم يكن له ولاؤه، إلا أن يتوالاه (1)، فإن شرط عليه أن
~~يكون ميراثه له دون ورثته، كان ms1318 ذلك باطلا، لأنه خلاف الكتاب والسنة.
# وإذا أدى المكاتب المطلق نصف الكتابة، ثم مات، وخلف ولدا من جارية له، أو
~~من حرة، أو وارثا غير الولد، وخلف مالا، فنصفه للسيد ونصفه لوارثه (2)،
~~ويعطى الوارث من نصيبه الذي أخذه وهو النصف، ما بقي على مورثه من مال
~~الكتابة، لأنه دين على مورثه، لا يستحق الوارث التركة إلا بعد قضاء الدين.
# وإذا كان عبد بين شريكين أعتق أحدهما نصيبه ثم مات، وخلف مالا، كان نصف
~~ما ترك للذي لم يعتق، والباقي لورثته، فإن لم يكن له ورثة، كان ذلك لمولاه
~~الذي أعتقه تبرعا.
# فصل في ميراث المجوس اختلف قول أصحابنا في ميراث المجوس إذا تحاكموا إلى
~~حكام الإسلام على ثلاثة أقوال.
# فقال قوم إنهم يورثون بالأنساب والأسباب الصحيحة التي تجوز في شرع
~~الإسلام، ولا يورثون بما لا يجوز فيه على كل حال.
# وقال قوم إنهم يورثون بالأنساب على كل حال، ولا يورثون بالأسباب إلا بما
~~هو جايز في شريعة الإسلام.
# وقال قوم إنهم يورثون من الجهتين معا، سواء كان مما يجوز في شريعة
~~الإسلام أو لا يجوز، وهذا القول الأخير الذي هو ثالث الأقوال، خيرة شيخنا
~~أي أبو جعفر الطوسي في نهايته (3)، وسائر كتبه، وأول الأقوال اختيار شيخنا
~~المفيد، محمد بن محمد بن النعمان، فإنه قال في كتاب الأعلام وشرحه، فأما
~~ميراث المجوس فإنه عند جمهور الإمامية، يكون من جهة النسب الصحيح، دون
~~النكاح الفاسد، وهو مذهب مالك، والشافعي، ومن اتبعهما فيه من المتأخرين،
~~وسبقهما إليه من
# PageV03P287
# المتقدمين، هذا آخر كلامه رحمه الله (1).
# وإلى هذا القول أذهب، وعليه أعتمد، وبه أفتي، لأن الله تعالى قال " وإن
~~أحكم بينهم بما أنزل الله " (2) وقال في موضع آخر " وقال الحق من ربكم فمن
~~شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " (3) وقال تعالى " فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو
~~أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا، وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط "
~~(4) فإذا حكم الحاكم بما لا يجوز في شرع الإسلام فقد حكم بغير الحق وبغير
~~ما أنزل الله، ms1319 وبغير القسط وأيضا فلا خلاف بيننا أن الحاكم لا يجوز له أن
~~يحكم بمذاهب أهل الخلاف مع الاختيار، وشيخنا أبو جعفر يوافق على هذا، وقد
~~ذكره في عدة مواضع من كتبه، وإنما اعتمد رحمه الله على رواية شاذة روتها
~~العامة عن أمير المؤمنين عليه السلام ذكر ذلك ابن اللبان القرضي في الموجز،
~~وهو من فقهاء المخالفين لمذهب أهل البيت عليهم السلام وأحال (5) شيخنا أبو
~~جعفر في مبسوطه على ابن اللبان، لأنه قال وقد قلنا إن الصحيح أن الميراث
~~يثبت بينهم بالزوجية على كل حال، وروي ذلك عن علي عليه السلام وذكر ابن
~~اللبان ذلك في الموجز عنه، هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر في مبسوطه (6)
~~ورأيت أنا الموجز بخط شيخنا أبي جعفر جميعه، وهو كتاب صغير في الفرايض،
~~فحسب.
# ثم إن شيخنا أبا جعفر رحمه الله يقول في نهايته، وهذا القول عندي هو
~~المعتمد، وبه تشهد الروايات (7).
# واستدل بما يرغب الإنسان عن ذكره، سترة عليه.
# ثم قال بعد ذلك أيضا في نهايته مع أنه قد رويت الرواية الصريحة، وقد
~~أوردناها في كتاب تهذيب الأحكام، بأنهم يورثون من الجهتين جميعا وإن كان
~~ذلك باطلا في شريعة الإسلام (8).
# PageV03P288
# قال محمد بن إدريس رحمه الله أعجب منه رحمه الله، كيف قال في أول كلامه -
~~وهذا القول عندي هو المعتمد، وبه تشهد الروايات - ثم قال في آخر كلامه،
~~وبابه - مع أنه قد رويت الرواية الصريحة في الأول - كانت جماعة روايات،
~~وبالأخير رواية واحدة فحسب، ثم هذه الروايات التي قال عنها في أول كلامه
~~وادعاها، أين أودعت؟ وفي أي تصنيف ذكرت؟ ثم إنه رحمه الله قد صنف كتبا
~~أخبارية أكبرها تهذيب الأحكام، أورد فيه من كل غث وسمين، وهو الذي يومي
~~إليه ويعتمد عليه، وما أورده فيه ولا ذكر سوى الرواية الواحدة التي رواها
~~مخالفونا في المذهب، وهو إسماعيل بن أبي زياد السكوني بفتح السين، منسوب
~~إلى قبيلة من العرب عرب اليمن وهو عامي المذهب بغير خلاف، وشيخنا أبو جعفر
~~موافق على ذلك، قايل به، ms1320 ذكره في فهرست المصنفين (1)، وله كتاب يعد في
~~الأصول، وهو عندي بخطي كتبته من خط ابن اشناس البزاز وقد قرئ على شيخنا أبي
~~جعفر، وعليه خطه إجازة وسماعا لولده أبي علي، ولجماعة رجال غيره، فإن كان
~~شيخنا أبو جعفر عاملا بأخبار الآحاد، فلا يجوز له أن يعمل بهذه الرواية إذا
~~سلمنا له العمل بأخبار الآحاد تسليم جدل، على ما يقترحه وذكره في عدته، وإن
~~كان مخالفا لإجماع أصحابنا سلفهم وخلفهم، حتى أن المخالفين من أصحاب
~~المقالات يذكرون في كتبهم ومقالات أهل الآراء والمذاهب، أن الشيعة الإمامية
~~لا ترى العمل في الشرعيات بأخبار الآحاد، وشيخنا المفيد ذكر ذلك أيضا في
~~كتاب المقالات (2) الذي صنفه، ومذهب السيد المرتضى ومقالته في ذلك، فأشهر
~~من أن يذكر، وما أظن خفي على هذين السيدين الأوحدين العالمين مقالة أهل
~~مذهبهما، بل ربما لم يكن لأصحابنا في المتقدمين والمتأخرين أقوم منهما
~~بمعرفة المقالات، وتحقيق أصول المذهب، ومعرفة الرجال، وخصوصا شيخنا المفيد
~~محمد بن محمد بن النعمان رحمه الله فإنه خريت هذه الصناعة.
# PageV03P289
# قال شيخنا أبو جعفر الطوسي في عدته، والذي أذهب إليه، أن خبر الواحد لا
~~يوجب العلم، وكان يجوز أن ترد العبادة بالعمل به عقلا، وقد ورد جواز العمل
~~به في الشرع، إلا أن ذلك موقوف على طريق مخصوص، وهو ما يرويه من كان من
~~الطائفة المحقة، ويختص بروايته، ويكون على صفة يجوز معها قبول خبره من
~~العدالة وغيرها (1).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله: راوي الرواية التي اعتمدها رحمه الله وهو
~~إسماعيل بن أبي زياد السكوني، ما حصلت فيه الطريق التي راعاها (2) شيخنا،
~~ولا الصفة التي اعتبرها، بل هو عامي المذهب، ليس هو من جملة الطايفة، وهو
~~غير عدل عنده، بل كافر، فكيف اعتمد على روايته، وهو لا يقول بذلك، فإن كان
~~يعمل في بعض مقالاته على أخبار الآحاد، بل يراعي أن يكون الراوي من عدول
~~طائفتنا على ما قرره في عدته على ما حكيناه عنه.
# ولقد أحسن شيخنا محمود الحمصي رحمه الله، فيما أورده ms1321 في كتابه المصادر،
~~في أصول الفقه، لما حكي كلام شيخنا أبي جعفر الطوسي رضي الله عنه في عدته،
~~فإنه ذكر جملة باب الأخبار، وطول في الإيراد لها معظمها، فإنه قال وذهب
~~شيخنا السعيد الموفق، أبو جعفر محمد بن الطوسي، قدس الله روحه ونور ضريحه
~~إلى وجوب العمل بما ترويه ثقات الطائفة المحقة، وإن كانوا في حيز الآحاد،
~~ثم ذكر بعد ذلك فصولا كثيرة، حكى فيها كلامه، ثم قال بعد ذلك، قال قدس الله
~~روحه، فإن قيل كيف تعملون بهذه الأخبار، ونحن نعلم أن رواتها أكثرهم كما
~~رووها رووا أيضا أخبار الجبر والتشبيه وغير ذلك من الغلو والتناسخ وغير ذلك
~~من المناكير، فكيف يجوز الاعتماد على ما يرويه أمثال هؤلاء، قيل لهم ليس كل
~~الثقات نقل حديث الجبر والتشبيه وغير ذلك مما ذكر في سؤال، ولو صح أنه
~~نقله، لم يدل على أنه كان معتقدا لما تضمنه الخبر، ولا يمتنع أن يكون إنما
~~رواه ليعلم أنه لم
# PageV03P290
# يشذ عنه شئ من الروايات، لا لأنه يعتقد ذلك، فإن قيل كيف تعولون على هذه
~~الأخبار، أكثر رواتها المجبرة والمشبهة والمقلدة، والغلاة، والواقفة،
~~والفطحية، وغير هؤلاء من فرق الشيعة المخالفة للاعتقاد الصحيح، ومن شرط خبر
~~الواحد أن يكون راويه عدلا عند من أوجب العمل به، وهذا مفقود في هؤلاء قيل
~~لسنا نقول إن جميع أخبار الآحاد يجوز العمل بها، بل لها شرائط نحن نذكرها
~~فيما بعد ونشير هيهنا إلى جملة من القول فيه، فأما ما يرويه العلماء
~~المعتقدون للحق، فلا طعن على ذلك بهذا السؤال. وأما الفرق الذين أشاروا
~~إليهم من الواقفة والفطحية وغير ذلك، فعن ذلك جوابان، أحدهما أن ما يرويه
~~هؤلاء يجوز العمل به إذا كانوا ثقات في النقل، وإن كانوا مخطئين في
~~الاعتقاد، فما يكون طريقة هؤلاء، جاز العمل به، قال عليه شيخنا الحمصي إلا
~~أن هذا الجواب لا يوافق المذهب الذي اختاره وقرره وقننه (1)، من أن الخبر
~~إذا كان واردا من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة، جاز العمل به، دون ما ms1322
~~يكون واردا من غير طريقهم، فإن اعتذر بما ذكره قدس الله روحه من أن هؤلاء
~~وإن كانوا مخطئين في الاعتقاد، كانوا ثقات في النقل، قيل له هذه العلة وهي
~~الثقة في النقل، قد توجد في غير هؤلاء من المبطلين في العقائد، كالمجبرة
~~والمشبهة، وغيرهم، فأجز العمل بخبرهم إذا كانوا ثقات في النقل، كما أجزت في
~~هؤلاء المبطلين، وإلا فما الفرق؟ وهذا يوجب عليه أن يرفع الفرق والتمييز
~~بين أصحابنا وبين غيرهم من الفرق في الرواية والنقل، وأن يصير إلى مذهب
~~المخالفين في أخبار الآحاد هذا آخر كلام الحمصي الذي قاله على شيخنا أبي
~~جعفر رحمه الله (2).
# ونعم ما قال واستدرك واعترض، فإنه لازم كطوق الحمامة.
# قال شيخنا أبو جعفر: والجواب الثاني أن ما يروونه إذا اختصوا بروايته لا
~~يعمل به، وإنما يعمل به إذا انضاف إلى روايتهم رواية من هو على الطريقة
~~المستقيمة، والاعتقاد الصحيح، فحينئذ يجوز العمل به.
# قال شيخنا الحمصي رحمه الله، وهذا الجواب هو الذي يوافق مذهبه الذي
~~حكيناه
# PageV03P291
# قال محمد بن إدريس رحمه الله. فالسكوني ما انضاف إلى روايته رواية من هو
~~على الطريقة المستقيمة، والاعتقاد الصحيح، فكيف جاز لشيخنا رحمه الله العمل
~~في ميراث المجوس بروايته.
# وأيضا ما هو من فرقتنا، ولا من عدول طائفتنا، على ما قرره شيخنا في مذهبه
~~في العمل بأخبار الآحاد.
# ثم إنا نورد ما أورده في كتاب تهذيب الأحكام جميعه، ونتكلم عليه.
# قال رحمه الله باب ميراث المجوس، محمد بن أحمد بن يحيى، عن بنان بن محمد،
~~عن أبيه، عن ابن المغيرة، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي،
~~إنه كان يورث المجوس إذا تزوج بأمه وبابنته من وجهين، من وجه أنها أمه،
~~ووجه أنها زوجته، قال محمد بن الحسن قد اختلفت أصحابنا رحمهم الله في ميراث
~~المجوس إذا تزوج بإحدى المحرمات من جهة النسب في شريعة الإسلام، فقال يونس
~~بن عبد الرحمن وكثير ممن تبعه من المتأخرين: أنه لا يورث إلا من جهة النسب
~~والسبب الذين ms1323 يجوزان في شريعة الإسلام، وأما ما لا يجوز في شريعة الإسلام،
~~فإنه لا يورث منه على حال، وقال الفضل بن شاذان وقوم من المتأخرين من تبعوه
~~على قوله إنه يورث من جهة النسب على كل حال، وإن كان حاصلا عن سبب لا يجوز
~~في شريعة الإسلام، فإنما (1) السبب فلا يورث منه إلا مما يجوز في شرع
~~الإسلام. والصحيح عندي أنه يورث المجوسي من جهة النسب والسبب معا، سواء كان
~~مما يجوز في شريعة الإسلام أو لا يجوز، والذي يدل على ذلك الخبر الذي
~~قدمناه عن السكوني، وما ذكره أصحابنا من خلاف ذلك ليس به أثر عند الصادقين
~~عليهم السلام، ولا عليه دليل من ظاهر القرآن، بل إنما قالوه لضرب من
~~الاعتبار، وذلك عندنا مطرح بالإجماع، وأيضا فإن هذه الأنساب والأسباب وإن
~~كانا غير جايزين في شريعة الإسلام، فهما جايزان عندهم، ويعتقدون أنه مما
~~يستحل به الفروج، ولا يستباح بغيره، فجرى مجرى العقد في الشريعة الإسلام،
~~ألا ترى إلى ما روي أن رجلا سب مجوسيا بحضرة
# PageV03P292
# أبي عبد الله فزبره، ونهاه عن ذلك، فقال إنه تزوج بأمه، فقال أما علمت أن
~~ذلك عندهم النكاح، وقد روي أيضا أنه قال عليه السلام إن كل قوم دانوا بشئ،
~~يلزمهم حكمه، وإذا كان المجوس يعتقدون صحة ذلك، فينبغي أن يكون نكاحهم
~~جايزا، وأيضا لو كان ذلك غير جايز، لوجب أن لا يجوز أيضا إذا عقد على غير
~~المحرمات، وجعل المهر خمرا أو خنزيرا أو غير ذلك من المحرمات، لأن ذلك غير
~~جايز في الشرع، وقد أجمع أصحابنا على جواز ذلك، فعلم بجميع ذلك أن الذي
~~ذكرناه هو الصحيح، وينبغي أن يكون عليه العمل وما عداه يطرح ولا يعمل عليه
~~على حال، هذا آخر الباب جميعها حرفا فحرفا التي أوردها شيخنا أبو جعفر في
~~تهذيب الأحكام (1).
# فانظر أرشدك الله بعين قلبك، واترك تقليد الرجال جانبا، هل فيها دليل
~~يعتمد ويوجب العمل والعلم ويثمر اليقين؟ بل معظمها عنده رضي الله عنه
~~الرواية عن السكوني التي جعلها ms1324 اعتماده، فصدر بها بابه، وقد بينا ما فيها.
# ثم إنه رحمه الله حكى في نهايته (2) لما قال - وهذا القول هو المعتمد
~~عندي وبه تشهد الروايات - وما أورد في تهذيب أحكامه الذي هو معدن رواياته
~~ومظان أخباره إلا رواية واحدة، وقد قلنا ما عندنا فيها.
# ثم إنه حكى في تهذيب الأحكام، أن أصحابنا على مذهبين اثنين فحسب، يونس
~~(3) ومن تابعه، ومذهب ابن شاذان ومن تبعه، فكيف يحدث هو رحمه الله قولا
~~ثالثا، وأصحابنا على ما حكاه عنهم على قولين فإذا أجمعوا على قولين، فلا
~~يجوز إحداث قول ثالث بغير خلاف، لأن الحق لا يعدوهم، وفي هذا القول ما فيه
~~عند من تدبره وتأمله.
# ثم قوله وما ذكره أصحابنا من خلاف ذلك ليس به أثر عند الصادقين عليهم
~~السلام ولا عليه دليل من ظاهر القرآن، بل إنما قالوه لضرب من الاعتبار،
# PageV03P293
# وذلك عندنا مطرح بالإجماع - فقد أقر بأن قال - وما ذكره أصحابنا يعني
~~الإمامية وما يقوله الإمامية الذين هم أصحابه، ففيه الحق، فكيف لا يكون
~~عليه دليل، بل قولهم له هو الدليل القاطع، والبرهان الساطع.
# ثم قال ليس به أثر عن الصادقين فإذا أجمعوا على القول، فلا حاجة لهم إلى
~~رواية تروى عن بعض الصادقين، إذ لا دليل فيها، بل إجماعهم عليها هو الدليل
~~على صحتها، بل في قولهم وإجماعهم على الحكم، قول بعض الصادقين، وهو رئيس
~~الكل في عصره، وإمام زمانه، مقطوع على صدقه.
# وأما قوله رحمه الله ولا دليل عليه من ظاهر القرآن بل ظاهر القرآن عليه،
~~ومعهم فيه، وهو قوله تعالى " فاحكم بينهم بما أنزل الله " (1)، " وقل الحق
~~من ربكم " (2)، إلى غير ذلك من الآيات المحكمات، وأي ظاهر قرآن معه رحمه
~~الله فيما ذهب إليه، أو أي رواية عن الصادقين معه، وفي هذا الموضع يحسن أن
~~يقال اقلب تصب.
# ثم قوله رحمه الله وشناعته بل إنما قالوه بضرب من الاعتبار إن أراد
~~بالاعتبار هيهنا القياس، فهو كما قال إنه باطل عندنا، وأي قياس هيهنا حتى
~~يشنعه؟ وإن أراد بالاعتبار ms1325 استخراج الأدلة والنظر فيها وما يقتضيه أصول
~~المذهب، فهذا لا نأباه نحن ولا هو رحمه الله، وأكثر استدلالاته في مسائله
~~على خصومه وغيرهم، قوله والذي يقتضيه أصول مذهبنا وما يزال قائلا بأن الأصل
~~الإباحة، والحظر يحتاج إلى دليل، هذا لا يزال يستدل به في مسائل خلافه، وفي
~~أول خطبة مسائل خلافه لما قرر الأدلة وبنى كتابه عليها، قال أو إجماع أو
~~دليل أصل، ثم ما رأيت أعجب منه رحمه الله يذهب إلى هذا في خطبة مسائل
~~خلافه، وفي جميع استدلالاته في مسائلها، إذا احتاج إلى ذلك، ويذهب في عدته
~~التي هي أصول فقهه في أن الأشياء في دليل العقل على الحظر أو الإباحة أو
~~إلى الوقف في ذلك، ويستدل في مسائل خلافه بأن الأصل الإباحة في الأشياء،
~~وأصول الفقه ما تراد إلا حتى (3) يركب عليها مسائل الفقه.
# PageV03P294
# ثم قوله رحمه الله بأن هذه الأنساب والأسباب وإن كانا غير جايزين في
~~شريعة الإسلام، فهما جائزان عندهم، وما روي أن رجلا سب مجوسيا بحضرة أبي
~~عبد الله عليه السلام فزبره، ونهاه وأي (1) فرج له في ذلك، وأي نسبة بين
~~هذا وبين جواز أن يحكم بالباطل، وبغير الحق وغير شرعنا (2) إذا تحاكموا
~~إلينا، وهل هذا إلا دفع بالراج، ومعارضة في غير موضعها، وبناء على شفا جرف
~~أنهار (3) فأما قوله رحمه الله لو كان ذلك غير جايز، لوجب أن لا يجوز أيضا
~~إذا عقد على غير المحرمات، وجعل المهر خمرا أو خنزيرا، أو غير ذلك من
~~المحرمات، لأن ذلك غير جايز في الشرع، وقد أجمع أصحابنا على جواز ذلك فمما
~~يضحك الثكلى، لكن ما أحسن قول الرسول عليه السلام - حبك الشئ يعمى ويصم (4)
~~- يا سبحان الله، كان ذكر المهر الحلال، ملكه شرط في صحة عقد النكاح، فنحن
~~بإجماع المسلمين نصحح عقد النكاح الدايم من غير ذكر مهر فيه، فما ذكر المهر
~~الفاسد بأعظم من ترك ذكره جملة، ومع هذا فالعقد صحيح.
# ثم ما أعجل ما نسي استدلاله في الجزء الثاني من مسائل خلافه، في ms1326 أول كتاب
~~الصداق، قال مسألة، إذا عقد على مهر فاسد مثل الخمر والخنزير والميتة وما
~~أشبهه، فسد المهر ولم يفسد النكاح، ووجب لها مهر المثل، وبه قال جميع
~~الفقهاء إلا مالكا، فإن عنه روايتين، إحديهما مثل ما قلناه، والأخرى يفسد
~~النكاح، وبه قال قوم من أصحابنا، دليلنا أن ذكر المهر ليس من شرط صحة
~~العقد، فإذا ذكر ما هو فاسد، لم يكن أكثر من أن لم يذكره أصلا، فلا يؤثر
~~ذلك في فساد العقد، وأيضا قوله عليه السلام لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي
~~عدل (5) فنفاه لعدم الولي والشاهدين، وأثبته بهم، وهنا نكاح له (6) قد عقد
~~بهم، فوجب أن يكون ثابتا وأيضا فإنهما عقدان
# PageV03P295
# يصح أن ينفرد كل واحد منهما عن صاحبه، ألا ترى أنه لو عقد بغير مهر صح
~~النكاح بلا خلاف، فإذا ثبت بعد ذلك، المهر صح أيضا فإذا كانا عقدين ففساد
~~أحدهما لا يوجب فساد الآخر إلا بدليل، هذا آخر استدلاله ومسألته (1).
# وأيضا فلا خلاف بين أصحابنا المخالف في هذه المسألة، والموالف، أن اليهود
~~والنصارى والمجوس متى انقادوا إلى الجزية، وقبلوها، وقاموا بشرايطها،
~~والتزموا أحكامنا عليهم، وما يقترحه إمامنا، عقد لهم عقد الذمة، وشرائط
~~الذمة، الامتناع من مجاهرة المسلمين بأكل لحم الخنزير، وشرب الخمر، وأكل
~~الربا، ونكاح المحرمات في شريعة الإسلام، فمتى فعلوا شيئا من ذلك، فقد
~~خرجوا من الذمة، فكيف يجوز لنا أن نقرهم على نكاح المحرمات في شرعنا، ونحكم
~~لهم بذلك، وبصحته إذا تحاكموا إلينا، وأخذ علينا أن لا نقرهم على ذلك، هذا
~~في اليهود والنصارى، الذين هم الأصل في هذه الأحكام، والمجوس فرع عليهم،
~~لأنا أمرنا الشارع أن نسن فيهم سنة أهل الكتاب اليهود والنصارى، فإذا كان
~~الأصل لا نقرهم على نكاح المحرمات فكيف بك بالفرع (2)، وهذا الاستدلال مجمع
~~عليه، لا خلاف فيه، أن من جملة شرايطه الذمة، أن لا تنكحوا المحرمات في
~~شرعنا.
# وقد قال شيخنا أبو جعفر الطوسي في مبسوطه، في الجزء الرابع في كتاب
~~المكاتب، في فصل في كتابة الذمي، يجوز ms1327 كتابة النصراني، بما يجوز به كتابة
~~المسلم، لعموم الآية والخبر، وإنما يصح كتابته على الوجه الذي يصح عليه
~~كتابة المسلم، ويرد (3)، على الوجه الذي يرد عليه المسلم، فإذا كاتب عبدا
~~ثم ترافعا إلى حاكم المسلمين، حكم بينهم بحكم الإسلام، فإن كانت الكتابة
~~تجوز بين المسلمين، أمضاها، وإن كانت لا تجوز، ردها، لأن الحاكم إنما يجوز
~~له أن يحكم بما يسوغ في دينه، هذا آخر كلامه من أول فصل إلى هاهنا حرفا
~~فحرفا.
# ألا ترى إلى قوله رحمه الله في هذا الموضع لأن الحاكم إنما يجوز له أن
~~يحكم
# PageV03P296
# بما يسوغ في دينه، وهذا هو الحق اليقين، فشيخنا أبو جعفر المخالف في
~~مسألة المجوس، إذا تحاكموا إلينا، فهو محجوج بقوله هذا الذي حكينا عنه، في
~~مبسوطه.
# وما ذهبنا إليه اختيار السيد المرتضى، ذهب إليه في المسائل الموصليات
~~الثانية فإنه قال المسألة التاسعة، والمائة، وإن ميراث المجوس من جهة النسب
~~الصحيح، دون النكاح الفاسد، والحجة في ذلك الإجماع المتكرر، وليس هذه
~~المسألة مما ينفرد بها الإمامية، بل يوافق عليها مالك والشافعي، ومن
~~المتقدمين الحسن والزهري والأوزاعي، هذا آخر كلامه في المسألة (1).
# وكلامنا أيضا فقد أطلنا فيها.
# فأما من عدا المجوس من الكفار، إذا تحاكموا إلينا ورثناهم على كتاب الله
~~تعالى، وشريعة نبيه عليه السلام بلا خلاف بين أصحابنا في ذلك.
# وهو مذهب شيخنا أبي جعفر أيضا في نهايته، فإنه قال بعد أن أطنب في ميراث
~~المجوس، فأما من عدا المجوس من الكفار، فإذا تحاكموا إلينا، ورثناهم أيضا
~~على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله سواء، هذا آخر كلامه رحمة الله
~~في الباب (2).
# قوله رحمه الله فأما من عدا المجوس من الكفار فإذا تحاكموا إلينا ورثناهم
~~أيضا على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله سواء، كأنه رحمه الله قد
~~ورث المجوس على كتاب الله وسنة نبيه حتى يعطف عليهم غيرهم، ويقول ورثناهم
~~أيضا على كتاب الله وسنة نبيه، فإن هذا قول عجيب ظريف.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، ms1328 لما ذكر اختلاف أصحابنا في ميراث المجوس،
~~قال الآخرون يورثون بكلا الأمرين، الأنساب والأسباب، سواء كانا جايزين في
~~الشرع، أو لم يكونا جايزين، وهو الذي اخترته في ساير كتبي في النهاية
~~والخلاف والإيجاز في الفرايض، وتهذيب الأحكام، وغير ذلك، لأنه الأظهر في
~~الروايات (3).
# PageV03P297
# قال محمد بن إدريس رحمه الله ما رأيت أعجب من شيخنا في هذه المقالة، وأي
~~روايات في ذلك حتى يكون ما اختاره هو الأظهر فيها، إن هذا لعجيب، وليس إذا
~~علمنا أن مصنفا أراد لفظة يقيم بها تصنيفه، فجعل مكانها لفظة تحيله (1)
~~وتفسده، وجب أن نحسب (2) له ما يتوهم أنه أراده ويترك ما قد صرح به، ولو
~~كانت الأمور كلها تجري هذا المجري، لم يكن خطأ.
# ويوقف نصيب الأسير في بلاد الكفر إلى أن يجئ، أو يصح موته، فإن لم يعلم
~~مكانه ولا موته وحياته، فهو مفقود، واختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أقوال.
# فقال قوم إن المفقود يحبس ماله عن ورثته قدر ما يطلب في الأرض كلها أربع
~~سنين، فإن لم يوجد انقضاء هذه المدة، قسم المال بين ورثته.
# وقال قوم لا بأس أن يبتاع عقار المفقود بعد عشر سنين من غيبته وفقده
~~وانقطاع خبره، ويكون البايع ضامنا للثمن والدرك، فإن حضر المفقود، خرج إليه
~~من حقه.
# وقال قوم لا يقسم مال المفقود حتى يعلم موته، أو يمضي مدة لا يعيش مثله
~~إليها بمجرى العادة، وإن مات له من يرثه المفقود، دفع إلى كل وارث أقل ما
~~يصيبه، ووقف الباقي حتى يعلم حاله.
# وهذا الأخير هو الذي يقوى عندي، وأعمل عليه، وأفتي به.
# والأول من الأقوال اختيار السيد المرتضى في انتصاره (3).
# والثاني من الأقوال اختيار شيخنا المفيد، ذكره في مقنعته (4).
# والثالث من الأقوال اختيار شيخنا أبي جعفر الطوسي ذكره في مسائل خلافه
~~(5)، وهو الأصح والأظهر لأن فيه الاحتياط والإجماع، لأن التصرف في مال
~~الغير بغير إذنه قبيح محظور عقلا وسمعا، فمن أباحه يحتاج إلى دليل، ونعم ما
~~اختار
# PageV03P298
# شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله فإن قوله في ms1329 هذه المسألة، هو الصواب،
~~وما عداه لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، ولا إجماع، والأصل المنع من التصرف
~~في مال الغير إلا بإذنه، فمن ادعى قسمته والتصرف فيه، فقد ادعى حكما شرعيا
~~يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، فالعاقل اللبيب يتوخى الإنصاف، فلا يسلم
~~إلى المتقدم إذا جاء بالردى لتقدمه، فلا يبخس المتأخر حق الفضيلة إذا أتى
~~بالحسن لتأخره، فمن العدل أن يذكر الحسن ولو جاء ممن جاء، ويثبته الآتي به
~~كائنا ما كان، فإن الحكمة ضالة المؤمن، ويطرح الردي ولو جاء ممن جاء، فقد
~~روي عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنه قال انظر إلى ما قال ولا تنظر إلى
~~من قال (1).
# وقال شيخنا المفيد في مقنعته، ومن مات وخلف تركة في يد إنسان لا يعرف له
~~وارثا، جعلها في الفقراء والمساكين، ولم يدفعها إلى سلطان الجور والظلمة من
~~الولاة (2).
# وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، ميراث من لا وارث له ينتقل إلى بيت
~~المال، وهو للإمام خاصة، وعند جميع الفقهاء ينتقل إلى بيت المال، ويكون
~~للمسلمين (3).
# وقال رحمه الله في مسألة أخرى، كل موضع وجب المال لبيت المال عند الفقهاء
~~وعندنا، للإمام، إن وجد الإمام العادل، سلم إليه بلا خلاف، وإن لم يوجد،
~~وجب عليه حفظه له عندنا، كما يحفظ سائر أمواله التي يستحقها، ثم استدل فقال
~~دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضا فإذا دفعه إلى الإمام العادل برئت
~~ذمته بلا خلاف وليس على براءتها إذا دفعه إلى الجائر، أو صرفه في مصالح
~~المسلمين، دليل هذا آخر كلامه رحمه الله (4).
# ومعه في هذا الحق اليقين، والدليل على صحة ما استدل به، فنعم ما قال
# PageV03P299
# واستدل، ولا يلتفت إلى ما قاله (1) شيخنا في مقنعته، فإنه خلاف أصول
~~مذهبنا، وإجماع طائفتنا، ومصير إلى مذهب المخالفين لنا.
# والمهدوم عليهم والغرقى إذا لم يعرف، تقدم موت بعضهم على بعض، وكان يرث
~~بعضهم بعضا، ورث بعضهم من بعض، من نفس التركة، لا مما يرثه من الآخر، لأنا
~~إن ورثناه مما يرثه، لما انفصلت ms1330 القسمة أبدا.
# وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يورثه مما ورثه أيضا، وهو اختيار شيخنا المفيد
~~(2).
# والأول هو الأظهر بين الطائفة الذي يقتضيه أصول مذهبنا، لأن الإرث لا
~~يكون إلا فيما يملكه الميت قبل موته.
# وقد روى أصحابنا أنه يقدم أضعفهم نصيبا في الاستحقاق، ويؤخر الأقوى (3)،
~~مثال ذلك زوج وزوجة، فإنه يفرض المسألة أولا كان الزوج مات، وتورث منه
~~الزوجة، لأن سهمها أقل من سهم الزوج، ويورث بعد ذلك الزوج.
# قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، وهذا مما لا يتغير به حكم، سواء قدمنا موت
~~الزوج أو الزوجة، إذا ورثنا أحدهما من صاحبه، غير إنا نتبع الأثر في ذلك
~~(4).
# ونعم ما قال ومتى ورثنا أحدهما من صاحبه قدر ما يستحقه، فما يبقى يكون
~~لورثته الأحياء، فإن فرضنا في غرق الأب والابن، إن للأب وارثا غير أن هذا
~~الولد أولى منه، وفرضنا إن للولد وارثا غير أن أباه أولى منه، فإنه يصير
~~ميراث الابن لورثة الأب، وميراث الأب لورثة الابن، لأنا إذا فرضنا موت
~~الابن أولا، صارت تركته للأب، وإذا فرضنا موت الأب بعد ذلك، صارت تركته
~~خاصة للولد، وصار مما (5) كان ورثه من أبيه لورثته الأخر، وكذلك إذا فرضنا
~~موت الأب، يصير تركته خاصة لورثة الابن، وعلى هذا يجرى أصل هذا الباب، فإن
~~خلف أحدهما
# PageV03P300
# شيئا ولم يخلف الآخر شيئا، فإنه ينتقل ميراث من له مال، إلى الذي ليس له
~~شئ، ومنه ينتقل إلى ورثته، ولا ينتقل إلى ورثة الذي خلف المال شئ على حال.
# وعلى هذا متى كان أخوان معتقان، فماتا غرقا أو هدما، ولم يعلم تقدم موت
~~أحدهما على الآخر، ورث كل منهما صاحبه، ولأحدهما مال، والآخر لا مال له،
~~فإنه ينتقل تركة الذي له مال، إلى مولى الذي لا مال له، لما قلناه، ولا
~~ترجيح في هذه المسألة لتقديم أحدهما على الآخر، لأن ميراث كل واحد منهما من
~~صاحبه على حد الآخر عند من رأى تقديم الأقوى.
# والأولى عندي أنه لا اعتبار بذلك.
# وإذا كان ليس لأحدهما وارث ms1331 غير صاحبه، فميراثهما للإمام.
# وإذا كان أحدهما يرث صاحبه، والآخر لا يرثه، فإنه لا يورث بعضهم من بعض،
~~ويكون ميراث كل واحد منهما لورثته، مثال ذلك أن يغرق أخوان، ولأحدهما
~~أولاد، والآخر لا ولد له، فإنه لا توارث بينهما، لأن مع وجود الولد لا يرث
~~الأخ.
# ومتى ماتا حتف أنفهما في وقت واحد، لم يورث بعضهم من بعض، لأن ذلك إنما
~~يجوز في الموضع الذي يشتبه الحال فيه، فيجوز تقديم موت أحدهما على صاحبه.
# قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه: فصل في المعاياة، وهذا الفصل وضعه على رأي
~~المخالف في مسائل العول، والعول باطل على مذهبنا، ومعنى المعاياة أن يأتي
~~بشئ لا يهتدى له، وجمل عياياة إذا لم يهتد للضراب، فأردت بجعلي هذا الكلمة
~~هاهنا أن يفهم معنى المعاياة التي ذكرها شيخنا في مبسوطه - وإذا كان للرجل
~~أربع نسوة، فطلق واحدة منهن، ثم تزوج بأخرى، ثم مات، ولم تتميز المطلقة من
~~غيرها، فإنه يجعل ربع الثمن للتي تزوجها أخيرا، لأنها متيقنة باستحقاقه،
~~وثلاثة أرباع الثمن بين الأربع نسوة (1)، الأول اللاتي طلق واحدة منهن، ولم
~~يتميز منهن.
# وإذا اجتمع جد أبي الميت وجدته من قبل أبيه، وجد أبيه وجدته من قبل أمه،
# PageV03P301
# وجد أم الميت وجدتها من قبل أبيها، وجدها وجدتها من قبل أمها، ولا يجتمع
~~هذه الثمانية الأجداد إلا بعد عدم الأجداد الذين يتقربون هؤلاء الثمانية
~~بهم، حتى يتقدر اجتماع هؤلاء، فإذا قدر ذلك، كان لأجداد الأب الثلثان،
~~منهما ثلثا الثلثين للجد والجدة من قبل أبيه، بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين،
~~والثلث الباقي وهو ثلث الثلثين للجد والجدة من قبل أمه، بينهما أيضا للذكر
~~مثل حظ الأنثيين، والثلث الباقي من أصل المال للجدين والجدتين من قبل الأم،
~~النصف من ذلك وهو السدس من أصل المال، للجد والجدة من قبل أبي أم الميت،
~~بينهما بالسوية، والنصف الآخر بين الجد والجدة من قبل أمها أيضا، بينهما
~~بالسوية، فهذه الفريضة مخرجها من ثلاثة، لأن أقل ما له ثلثان وثلث صحيحان
~~من ثلاثة، فتنكسر ms1332 على كل واحد من المستحقين، فتضرب عدد رؤوس الأجداد الذين
~~من قبل الأم وهم أربعة، في أصل الفريضة، فينكسر أيضا عليهم، فتضرب أيضا
~~تسعة في اثني عشر، فيرتقي إلى مائة وثمانية أسهم، منها الثلث للجدين
~~والجدتين من قبل أم الميت، وهو ستة وثلاثون سهما، للجد وللجدة من أبيها
~~النصف من ذلك، ثمانية عشر سهما لكل واحد منهما تسعة، وللجد وللجدة من قبل
~~أمها النصف الباقي، وهو ثمانية عشر سهما، لكل واحد منهما تسعة، لأن هؤلاء
~~الأربعة يأخذ كل واحد منهم مثل ما يأخذه الآخر، ذكرهم وأنثاهم سواء، لأنهم
~~من قبل الأم، ويبقى الثلثان من أصل المال وهو اثنان وسبعون سهما للجدين
~~والجدتين من قبل أب الميت، منهما الثلثان، وهو ثمانية وأربعون سهما للجد
~~والجدة من قبل أبيه، للجد اثنان وثلاثون سهما، وللجدة ستة عشر سهما، والثلث
~~(1) الباقي وهو أربعة وعشرون سهما، للجد والجدة من قبل أمه، منها للجد ستة
~~عشر سهما، وللجدة ثمانية أسهم، فذلك مأة وثمانية أسهم، وقد استوفيت
~~الفريضة، فإن خلف الميت عمة الأب، هي خالة لأم، وعمة أخرى لأب، وخالة لأب
~~وأم، كان للعمتين من قبل الأب الثلثان، اثني عشر من ثمانية عشر سهما لكل
~~واحد منهما ستة، وللخالة من الأم التي هي إحدى العمتين من
# PageV03P302
# الأب، سدس الثلث، وهو واحد من ثمانية عشر، فيصير معها سبعة، وللخالة
~~الأخرى من الأب والأم، خمسة أسهم من ثمانية عشر سهما، فكأنما خلف عمتين
~~لأب، وخالتين، إحدى الخالتين لأم، والخالة الأخرى لأب، أو لأب وأم، فأصل
~~الفريضة من ثلاثة، لأن أقل مال له ثلثان صحيحان وثلث صحيح ثلاثة، فتعطى
~~العمتان الثلثين وهما سهمان، وتعطى الخالتان سهما ينكسر عليهما، وإحديهما
~~تستحق مع الأخرى السدس، لأنها من الأم، فتضرب ستة في أصل الفريضة، فتصير
~~ثمانية عشر سهما فينقسم على ما قدمناه أولا.
# فصل في ذكر جمل تعرف بها سهام الفرايض وكيفية القسمة على الوارث مخرج
~~النصف من اثنين، والثلثين من ثلاثة، ومخرج الربع من أربعة، ومخرج السدس من
~~ستة، ومخرج الثمن من ms1333 ثمانية.
# فإن كان في الفريضة مع النصف سدس، كانت من ستة، فإن اجتمع معه ثمن أو ربع
~~فهي من ثمانية، فإن اجتمع ثلثان وثلث، كانت من ثلاثة، فإن كان فيها ربع وما
~~يبقى، أو ثمن ونصف وما يبقى، فهي من ثمانية، وإن كان مع الربع ثلث أو سدس،
~~فهي من اثني عشر، فإن كان مع الثمن ثلثان، أو سدس، كانت من أربعة وعشرين.
# فإذا أردت إخراج السهام وقسمتها صحاحا فانظر الفريضة، فإن كان فيها فرض
~~مسمى، إذا أخرجته لمستحقه، كان الباقي وفقا لباقي الوراث، فاقسمه عليهم،
~~ولست هاهنا تحتاج إلى ضرب السهام بعضها في بعض.
# مثال ذلك إنسان مات، وخلف أباه وخمسة بنين، فهذه من ستة، لأن أقل عدد
~~يخرج منه سدس صحيح فهو ستة، للأب السدس من ذلك واحد، ويبقى خمسة، يقسم على
~~البنين الخمسة، لكل واحد منهم سهم، وقد استوفيت الفريضة.
# فإن لم تجد السهام وفقا على ما ذكرناه، ووجدتها تنكسر إذا قسمتها، فهي
~~على ضربين، أحدهما أن يكون في الفريضة فرض مسمى، والباقي لمن يبقى والآخران
~~PageV03P303
# يكون فيها صاحب فرض مسمى، والباقي يرد على أصحاب تلك القسمة.
# فإن كان ما تجده ينكسر وفيها صاحب مسمى، والباقي لمن يبقى، وهو الضرب
~~الأول، فاخرج الفرض المسمى لصاحبه، فإذا وجدت الباقي بعده ينكسر على من
~~يبقى من الوراث، فاضرب رؤوسهم - أعني عددهم لا عدد سهامهم، ولا عدد مخارجها
~~سوى عدد صاحب الفرض المسمى - في أصل الفريضة، هذا إذا كان يستحق كل واحد
~~مثل ما يستحقه صاحبه سواء، ثم أقسم ذلك تجد السهام صحيحة.
# مثال ذلك إنسان مات، وترك أباه وثلاثة بنين، فهذه من ستة، يكون للأب من
~~ذلك سدس، يبقى خمسة أسهم لا تنقسم على البنين الثلاثة على الصحة، فالوجه في
~~ذلك أن تضرب عدد رؤوسهم وهي ثلاثة، في أصل الفريضة وهي ستة، فتكون ثمانية
~~عشر سهما للأب منها السدس، ثلاثة أسهم، وتبقى خمسة عشر سهما لكل واحد من
~~البنين خمسة أسهم وقد استوفيت الفريضة على الصحة من غير انكسار. ms1334
# ومثال آخر، وهو رجل مات، وخلف أبوين وخمس بنات، للأبوين السدسان، سهمان
~~من ستة، تبقى أربعة أسهم لا تنقسم على صحة، تضرب عدد البنات وهو خمسة في
~~أصل الفريضة وهو ستة، فيكون ثلاثين لكل واحد من الأبوين خمسة أسهم، ولكل
~~واحدة من البنات أربعة أسهم.
# وإن كان من بقي بعد الفرايض أكثر من واحد، ولم تصح القسمة، فاضرب عدد من
~~له ما بقي، في أصل الفريضة، مثل أبوين وزوج وبنتين، للزوج الربع، وللأبوين
~~السدسان، تخرج من اثني عشر، تبقى بعد فرائضهم خمسة، فتكسر على البنتين،
~~فتضرب عدد البنتين وهو اثنان، في اثني عشر، فيكون أربعة وعشرين، لكل واحد
~~من الأبوين أربعة أسهم، وللزوج ستة أسهم، ولكل واحدة من البنتين خمسة أسهم.
# فإن بقي بعد الفرايض ما يجب رده على أرباب الفرايض، أو على بعضهم بعد
~~فرايضهم، ولم تصح القسمة فاجمع مخرج فرايض من يجب الرد عليه، واضرب في أصل
~~الفريضة، مثل أبوين وبنت، للأبوين السدسان، وللبنت النصف، ويبقى سهم واحد
~~من ستة أسهم، فتأخذ مخرج السدسين وهو الثلث من ثلاثة، ومخرج PageV03P304
# النصف من اثنين، فيكون خمسة، فتضرب في ستة وهو أصل الفريضة، فيكون
~~ثلاثين، لكل واحد من الأبوين خمسة أسهم بالفرض، وللبنت خمسة عشر سهما
~~بالفرض، وتبقى خمسة أسهم، لكل واحد من الأبوين سهم واحد بالرد، وللبنت
~~ثلاثة أسهم بالرد.
# فإن كانت المسألة بحالها، ووجب الرد على بعضهم، بأن يكون هناك إخوة
~~وأخوات، فإن عند ذلك لا تستحق الأم أكثر من السدس، وما وجب من الرد عليها،
~~يتوفر على الأب، فإنها تكون مثل الأول سواء، غير أن السهم المردود على الأم
~~يوفر على الأب، فيحصل للأب سبعة أسهم، وللأم خمسة أسهم، وللبنت ثمانية عشر
~~سهما.
# فإن فرضنا أن المسألة فيها زوجة، فإنها تستحق الثمن، فتصح المسألة من
~~أربعة وعشرين، للأبوين السدسان ثمانية، وللبنت النصف اثني عشر، وللزوجة
~~الثمن ثلاثة، بقي سهم يحتاج إلى أن يرد على الأبوين والبنت، دون الزوجة،
~~لأن الزوج والزوجة لا يستحقان في الرد شيئا، فتضرب سهامهم ms1335 وهي خمسة في أصل
~~الفريضة وهي أربعة وعشرون، تصير مائة وعشرين، للزوجة الثمن خمسة عشر،
~~وللبنت النصف ستون، وللأبوين السدسان أربعون، بقي خمسة أعطي كل واحد من
~~الأبوين سهما، والثلاثة أسهم للبنت.
# فإن كان هناك من يحجب الأم وفر سهمها من الرد على الأب، فيحصل معه سهمان
~~من الرد، ولا شئ للأم.
# قال محمد بن إدريس، وللفرضيين طريقة أخرى في حساب هذا الباب وانكساره،
~~قالوا فإن كان الباقي صحيحا فقد استغنيت عن ضربها، فإن انكسر عليك، فانظر
~~إلى ما بقي بعد إخراج فرايضهم من السهام، هل يوافق سهام رؤوسهم بشئ من
~~الأجزاء، فإن وافقها بشئ من الأجزاء، فاضرب مخرج ذلك الجزء الذي يوافقه في
~~أصل المسألة، ثم أقسم بينهم، فإنه يصح ذلك مقسوما محررا، فإن كان الذي
~~يوافقها أيضا، فاضرب في اثنين، ثم أقسم، فإن كان الذي يوافقها أثلاثا،
~~فاضربه في ثلاثة في أصل المسألة، ثم على هذا الاعتبار أبدا. PageV03P305
# وذلك أن يقال امرأة تركت زوجها وستة بنين، فأصل هذه المسألة من أربعة
~~أسهم، لأن فيها ربعا وباقيا للزوج الربع واحد، ويبقى ثلاثة أسهم للأولاد
~~الستة، لا تصح بينهم إلا مكسورا، ويوافق الثلاثة الباقية لهم من الأسهم
~~الستة التي هي سهام رؤوسهم نصفا، فتضرب اثنين وهو مخرج النصف في أصل
~~الفريضة، وهي أربعة التي كانت أصل مسألتهم، فتكون ثمانية، فيخرج ربعها
~~اثنين، ويبقى ستة للبنين.
# وكذلك أبوان وثلاثة بنين، وبنتان، فأصل المسألة من ستة، لأن فيها سدسين
~~للأبوين سهمان، ويبقى أربعة على ثمانية وبعدد (1) سهام البنين والبنتين،
~~ويوافق الاثنين الأربعة أيضا (2) فاضرب اثنين في أصل المسألة فتكون اثني
~~عشر سهما، للأبوين السدسان، ويبقى ثمانية.
# فإن قيل لك، امرأة تركت زوجها وثلاثة بنين وثلاث بنات، فأصلها من أربعة،
~~لأن فيها ربعا، للزوج الربع واحد، ويبقى ثلاثة على تسعة بعدد سهام البنين
~~والبنات، ويوافق الثلاثة التسعة ثلاثا، فتضرب ثلاثة في أربعة.
# وكذلك امرأة وسبعة بنين وسبع بنات، فهذه أصلها من ثمانية، لأن فيها ثمنا،
~~للمرأة الثمن سهم، يبقى سبعة على أحد وعشرين، ms1336 والسبعة توافق الأحد والعشرين
~~أثلاثا، وتضرب ثلاثة في ثمانية، فتكون أربعة وعشرين، فيخرج لهم حسابا
~~صحيحا، فهذا أصل هذا الفن قد نبهتك على مبسوطه، فاعتبره واسبره (3) فإنه
~~أكثر من أن يحاط به.
# فإذا كانت مسألة لا توافق ما يبقى شيئا من الأجزاء، فاضرب عدد سهامهم في
~~أصل المسألة، تصح إن شاء الله تعالى، وذلك أن يقال لك امرأة تركت زوجا
~~وخمسة بنين، فهذه أصلها من أربعة، فللزوج الربع سهم، ويبقى ثلاثة لا تنقسم
~~ولا توافق شيئا من الأجزاء، فتضرب خمسة في أربعة، للزوج الربع خمسة،
~~والباقي يخرج بينهم
# PageV03P306
# مستويا ثلاثة ثلاثة، فهذا مختصر من حسابهم، ومجمل من مبسوط أسبابهم.
# فصل في ذكر جمل من استخراج المناسخات العمل في تصحيح ذلك أن يصحح مسألة
~~الميت الأول، ثم تصحح مسألة الميت الثاني، ويقسم ما يخص الميت الثاني من
~~المسألة الأولى، على سهام مسألته، فإن انقسمت فقد صحت المسألتان معا مما
~~صحت منه مسألة الميت الأول.
# مثال ذلك رجل مات، وخلف أبوين وابنين، فالمسألة تخرج من ستة، للأبوين
~~السدسان، ولكل واحد من الابنين اثنان، فإذا مات أحد الابنين وخلف ابنين،
~~كان لكل واحد منهما سهم من هذين السهمين، فقد صحت المسألتان من المسألة
~~الأولى.
# فإن لم تنقسم الثانية من المسألة الأولى، نظرت في سهام من يستحق المسألة
~~الثانية، وجمعتها وضربت في سهام المسألة الأولى، صحت لك المسألتان معا.
# مثال ذلك، المسألة التي قدمناها، فتفرض أن أحد الابنين مات، وخلف ابنا
~~وبنتا وكان له سهمان من ستة، لم يكن قسمتهما عليهما، ضربت سهم الابن وهو
~~اثنان، وسهم البنت وهو واحد، في أصل الفريضة المسألة الأولى، وهي ستة،
~~فتصير ثمانية عشر، للأبوين السدسان ستة، ولكل واحد من الابنين ستة.
# فإذا مات الابن وخلف ابنا وبنتا كان للابن من ذلك أربعة، وللبنت اثنان،
~~وكذلك إن مات ثالث ورابع، فصحح مسألة كل ميت، ثم أقسم ماله من مسائل
~~المتوفين قبله من السهام، على سهام مسألته، فإن انقسمت فقد صحت لك المسائل
~~كلها، وإن لم تصح، فاضرب جميع ms1337 مسألته فيما صحت منه مسائل المتوفين قبله،
~~فما اجتمع، صحت منه المسائل كلها، والله الموفق للصواب.
# ومعنى تناسخ الورثة عند الفقهاء، أن يموت ورثة بعد ورثة، وأصل الميراث
~~الأول قائم، لم يقسم بعد. PageV03P307
# باب الإقرار بوارث إذا مات رجل وخلف ابنين، فأقر أحدهما بأخ، وجحد الآخر،
~~فلا خلاف أن نسبه لا يثبت، فأما المال الذي حصل في يد المقر، فمذهبنا أنه
~~يلزمه بمقدار حصته، فيكون له ثلث ما في يده، ثم على هذا الحساب، لأنه أقر
~~على نفسه، وعلى غيره فقبلنا إقراره على نفسه، ولا نقبل في حق غيره. والنسب
~~بشاهد واحد لا يثبت.
# إذا كان الوراث جماعة، فأقر اثنان رجلان، ثبت نسبه إذا كانا مرضي
~~الشهادة، فإن لم يكونا عدلين، لم يثبت نسبه، ولزمهما بمقدار حصتهما على ما
~~قدمناه من الاعتبار.
# الإقرار بالنسب لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون المقر بالنسب مقرا على
~~نفسه بنسب أو غيره، فإن كان على نفسه، مثل أن يقر بأنه ابنه، نظر فإن كان
~~المقر به صغيرا، اعتبر فيه ثلاثة شروط، أحدها أن يمكن أن يكون ولدا له، فإن
~~لم يمكن أن يكون ولدا له، فلا يثبت نسبه، مثل أن يقر به، وللمقر ستة عشر
~~سنة، وللمقر به عشر سنين.
# والثاني أن يكون مجهول النسب، لأنه إذا كان معروف النسب فلا يثبت نسبه
~~منه.
# والثالث أن لا ينازعه فيه غيره، لأنه إذا نازعه فيه غيره، لم يثبت ما
~~يقول إلا ببينة.
# فإذا حصلت هذه الشروط الثلاثة، ثبت النسب.
# وإن كان المقر به كبيرا، فإنه يعتبر فيه أربعة شروط، الثلاثة التي
~~ذكرناها، والرابع تصديق المقر به، لأنه إذا كذبه في إقراره لم يثبت نسبه
~~منه.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، جميع ما يقر به يعتبر تصديقه له، إلا ولد
~~الصلب فحسب، فإنه يثبت نسبه منه، سواء صدقه أو كذبه (1).
# PageV03P308
# وفي ذلك نظر.
# إلا أن شيخنا رجع في مبسوطه (1)، إلى ما قلناه أولا فاعتبر تصديق المقر
~~به في الجميع.
# فإذا ثبت هذا فإن ms1338 أقر بصغير، ووجدت الشرايط الثلاثة فيه، ثبت نسبه، فإذا
~~بلغ وأنكر أن يكون ولدا له، لم يقبل منه، ولم يسمع دعواه لذلك، لأنه حكم
~~عليه قبل أن يكون لكلامه حكم بأنه ابنه، فلا يسمع بعد الحكم دعواه، كما لو
~~كان في يده صبي صغير محكوم له برقه، فلما بلغ أنكر أن يكون عبدا له، لم
~~يسمع منه، لما تقدم له من الحكم بالرق قبل أن يكون لكلامه حكم، وهكذا إذا
~~التقط الإنسان لقيطا ورباه، ثم أقر الملتقط بأنه عبد لفلان، لم يقبل إقراره
~~عليه بذلك، لأن الظاهر من اللقيط، الحرية.
# فأما إذا أقر بنسب على غيره مثل أن يقر بأخ، فإن كان صغيرا فبثلاثة شروط،
~~وإن كان كبيرا فبأربعة شروط، على ما قدمناه، ويراعى في ذلك إقرار رجلين
~~عدلين.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، أو رجل وامرأتين من الورثة (2).
# والأول الذي اخترناه، هو الذي يقتضيه أصول مذهبنا، وهو أن النسب لا يثبت
~~إلا بشهادة رجلين عدلين، فإن لم يكن كذلك، فلا يثبت النسب على ما بيناه.
# فإذا ثبت هذا، فكل موضع ثبت النسب بالإقرار، ثبت المال بغير استثناء
~~عندنا، وعند المخالف يستثنى موضعا واحدا، وهو إذا كان إثبات الميراث يؤدي
~~إلى إسقاطه، مثل أن يقر الأخوان بابن للوارث، فإن نسبه يثبت، ولا يثبت عنده
~~له الميراث، قال لأنه لو ورث، حجب الأخوين، وخرجا من كونهما وارثين، ويبطل
~~الإقرار بالنسب، لأنه أقر بمن (3) ليس بوارث، فإذا بطل النسب بطل الميراث،
~~فلما أدى إثبات الميراث إلى إسقاطه، أسقط، فثبت النسب دونه.
# PageV03P309
# قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، لما أورد ما قاله المخالف، ولو قلنا إنه
~~يثبت الميراث أيضا كان قويا، لأنه يكون قد ثبت نسب بشهادتهما، فتبعه
~~الميراث لا بالإقرار (1).
# هذا في المقر يثبت النسب بإقراره، وهو إذا كانا اثنين عدلين، فأما إذا
~~كان المقر واحدا أو كانا غير عدلين، فإنه يثبت لهما الميراث بمقدار ما
~~يخصهما.
# ولو مات المقر له، لم يرثه المقر، لأنه لم يثبت نسبه، اللهم إلا أن ms1339 يكون
~~قد صدقه المقر له في ذلك، وكان بالغا عاقلا، ولا يتعدى منهما إلى غيرهما
~~إلا إلى أولادهما فقط، فأما غيرهما من ذوي النسب، فلا يثبت ميراثهما منه
~~إلا بالإقرار منهم أيضا كذلك، أو تصديق لهما، فيقوم مقام الإقرار.
# إذا مات رجل وخلف ابنا، فأقر بأخ، ثم إنهما أقرا بثالث، ثبت نسب الثالث،
~~ثم إن الثالث أنكر الثاني، وقال ليس بأخ لنا، سقط نسبه، لأنه لم يقر بنسبه
~~اثنان من الورثة، وإنما أقر الأول، فيكون المال بين الأول والثالث، ويأخذ
~~الثاني من الأول ثلث ما في يده، لأنه مقر به وبغيره.
# إذا خلف زوجة وأخا فأقرت الزوجة بابن للزوج، وأنكره الأخ، لم يثبت نسبه
~~إلا أنه يقاسمها، فالمرأة تزعم أن لها الثمن، لأن لمورثها ابنا فينظر، فإن
~~كان المال في يد الأخ، لم تأخذ إلا الثمن، لأنه القدر الذي تدعيه، وإن كان
~~المال في يدها، لم يأخذ الأخ إلا ثلاثة أرباع المال، لأنه هو القدر الذي
~~يدعيه، لأنه يقول لها الربع، إذ ليس لمورثها ابن، فيبقى في يدها الربع، وهي
~~تدعي نصفه، فيكون لها، والباقي يرده على الابن.
# إذا خلف ابنين، فأقر أحدهما بأخ، وجحد الآخر، فإن نسب المقر به لا يثبت،
~~فإن مات الجاحد، فورثه جميع ماله، وجب عليه أن يقاسم الأخ المقر به، لأنه
~~كان أقر به، وإن خلف أخوه الجاحد ابنا، فوافق على إقراره، ثبت النسب
~~والميراث على ما ذكرناه، لأنهما اثنان.
# PageV03P310
# إذا خلف ابنين أحدهما عاقل والآخر مجنون، فأقر العاقل بنسب أخ له، لم
~~يثبت النسب بإقراره، لأنه واحد، فإن أفاق المجنون، ووافقه على إقراره، ثبت
~~النسب والميراث، وإن خالفه لم يثبت نسبه، وشارك المقر في مقدار ما يخصه،
~~وإن مات وهو مجنون، فإنه ورثه المقر جميع المال، قاسم المقر به، لأنه كان
~~مقرا به.
# فإن خلف ابنين أحدهما كافر والآخر مسلم، فأقر أحدهما بأخ، نظر فإن كان
~~الميت كافرا، كان الميراث للمسلم، فإن أقر بنسب قاسم المقر به إن كان
~~مسلما، وإلا حاز الميراث جميعه، ms1340 ولا يراعى جحود الكافر، لأنه لا يرث شيئا،
~~فالمال كله للمسلم، وإن كان الميت المسلم (1) فكذلك المال للمسلم، فإذا أقر
~~بنسب، ثبت وقاسمه المال، ولا يراعى جحود الكافر، وإن أقر الكافر في
~~المسألتين، لم يكن لإقراره تأثير، لأنه لا يرث شيئا.
# وإذا خلف ابنين، أحدهما قاتل، فالمال كله لغير القاتل، فإن أقر بنسب أخ،
~~شاركه في الميراث، وإن أقر القاتل لم يثبت النسب، لأنه ليس له من الميراث
~~شئ.
# إذا أقر ببنوة صبي، لم يكن ذلك إقرارا بزوجية أمه، سواء كانت مشهورة
~~الحرية، أو لم تكن، وإلى هذا ذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي في مسائل خلافه،
~~ووافقه الشافعي على ذلك، وخالفهما أبو حنيفة، واحتج أبو حنيفة بأن أنساب
~~المسلمين وأحوالهم ينبغي أن تحمل على الصحة، فقال شيخنا يحتمل أن يكون
~~الولد من نكاح صحيح، كما يحتمل أن يكون من نكاح فاسد، أو من وطي شبهة، ثم
~~قال ويبطل قول أبي حنيفة ببنوة أخيه (2).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله، معنى ذلك أن رجلا آخر لو أقر ببنوة أخ لهذا
~~الصبي، لكان يلزم على قول أبي حنيفة أنها تكون زوجة للمقرين في حالة واحدة،
~~صحيحة النكاح.
# وإذا مات صبي مجهول النسب وله مال، فأقر رجل بنسبه، ثبت النسب، وكان
# PageV03P311
# له ميراثه، إذا كانت الشرايط حاصلة من الإمكان وغيره على ما قدمناه.
# وليس لأحد أن يقول إن هاهنا تهمة من حيث يجوز أن يكون قصد بذلك أخذ
~~المال.
# وذلك أن هذا يفسد به إذا كان حيا وله مال فأقر به، فإن لحوق التهمة تجوز
~~في هذه الحال، لأنه لا ينتفع (1) بماله ويساره كما ينتفع به بعد موته.
# وإن كان المقر به كبيرا فإنه يثبت نسبه بإقراره، في وجود (2) الشرايط،
~~وتصديقه لا يراعى، لأنه إذا مات صار في معنى الصغير والمجنون الذي لا حكم
~~لكلامه، ولا اعتبار بتصديقه، ولا خلاف في ذلك.
# وإذا مات إنسان، وخلف ورثة، فأقر بعض الورثة بوارث آخر بالنسب، فإن كان
~~المقر له أولى به من المقر، أعطاه جميع ms1341 ما في يده، وإن كان مثله سواء أعطاه
~~مقدار ما كان نصيبه (3) من سهمه، ولا أكثر من ذلك ولا أقل منه.
# ومتى أقر بورثة جماعة كان الحكم أيضا فيه مثل ذلك سواء.
# فإن أقر بوارثين، أحدهما أولى من صاحبه، غير أنهما جميعا أولى منه
~~بالمال، أعطى جميع ما في يده للذي هو أولى بالميت وأحق بميراثه، وسقط
~~الآخر.
# فإن أقر بوارثين، فصاعدا متساويين في الميراث، وتناكروا هم ذلك النسب
~~بينهم، لم يلتفت إلى إنكارهم، وقبل إقراره لهم، وإذا أنكروا أيضا إقراره في
~~الأول لهم، لم يستحقوا شيئا من المال، فإن أقروا له بمثل ما أقر لهم به،
~~توارثوا بينهم إذا كان المقر له ولدا أو والدا، فإن كان غيرهما من ذوي
~~الأرحام، لم يتوارثوهم، وإن صدق بعضهم بعضا، ولا متعدى الحكم فيه مال الميت
~~على حال، كما قدمناه، لأنه لا يقبل إقراره على غيره.
# فإن أقر بوارث هو أولى منه بالمال، وجب أن يعطيه المال على ما بيناه، فإن
~~أقر بعد ذلك بوارث آخر هو أولى منهما، لزمه أن يغرم له مثل جميع المال، فإن
~~أقر بعد هذا بوارث آخر هو أولى منهم كلهم، لزمه أن يغرم أيضا مثل جميع
~~المال، ثم على هذا
# PageV03P312
# المثال بالغا ما بلغ إقراره.
# فإن أقر بوارث (1) أولى منه بالمال، فأعطاه ما في يده، ثم أقر بوارث مساو
~~للمقر له في الميراث، لزمه أن يغرم له مثل ما كان يصيبه من أصل التركة.
# فإن أقر بوارث مساو له في الميراث، فقاسمه المال، ثم أقر بوارث أولى
~~منهما، لزمه أن يغرم له مثل جميع المال، ثم على هذا المثال بالغا ما بلغ
~~إقراره.
# فإن أقر بزوج للميتة، أعطى الزوج مقدار ما كان يصيبه من سهمه، فإن أقر
~~بعد ذلك بزوج آخر، كان إقراره باطلا، اللهم إلا أن ينكر إقراره الأول،
~~ويكذب نفسه في الإقرار بالزوج الأول، فيلزمه حينئذ أن يغرم للزوج الثاني
~~مقدار ما يصيبه من سهمه، وليس له على الأول سبيل، ولا رجوع بشئ أخذه. ms1342
# فإن أقر ولد الميت بزوجة له، أعطاها ثمن ما كان في يده من التركة، فإن
~~أقر بزوجة ثانية، أعطاها أيضا نصف ثمن ما في يده من التركة، فإن أقر بزوجة
~~ثالثة، أعطاها ثلث ثمن ما في يده، وإن أقر بزوجة رابعة، أعطاها ربع ثمن ما
~~أخذه من التركة، فإن أقر بخامسة، وقال إن إحدى من أقررت لها ليست زوجة، لم
~~يلتفت إلى إنكاره لها، ولزمه أن يغرم للتي أقر لها بعد ذلك، ربع ثمن ما
~~أخذه من التركة، فإن لم ينكر واحدة من الأربع، لم يلتفت إلى إقراره
~~بالخامسة، وكان با طلا إلا أن يكون قد أقر بزوجات طلقهن في حال مرضه، على
~~ما قدمناه أولا وشرحناه وحررناه فليلحظ ذلك (2)، ويراعي في إقراره بالخامسة
~~وما زاد عليها.
# فإن أقر للأربع النسوة في دفعة واحدة، لم يكن لهن أكثر من الثمن بينهن
~~بالسوية، وقد قدمنا فيما مضى (3) أنه متى أقر اثنان بوارث آخر، فإن كانا
~~مرضيين مشهوري العدالة، والشرايط المقدم ذكرها أولا حاصلة، قبلت شهادتهما
~~للمقر له، وألحق نسبة بالميت، وقاسم الوراث، إلا أن يكون مشهورا بغير ذلك
~~النسب على ما بيناه، فإن كانا كذلك لم يلتفت إلى إقرارهما وشهادتهما، وإن
~~كانا غير مرضيي العدالة، لم يثبت نسب المقر له، ولزمهما في نصيبهما بمقدار
~~ما كان يصيبه من حظهما،
# PageV03P313
# لا أكثر من ذلك ولا أقل، كما ذكرناه (1) في المقر الواحد، وكذلك الحكم
~~فيما يزيد ويتفرع على المسائل من هذا الباب سواء، فينبغي أن تحصل معرفته،
~~ويعتمد عليه، فإنه يطلع به على ساير ما تشعب في التصنيفات، فإن أصولها ما
~~لخصناه (2) وأثبتناه.
# فصل آخر في كيفية القسمة بين الوراث فإن للفرضيين طريقة أخرى، وهي أن
~~قالوا قسمة الرباع والأرضين بين وارثها يفتقر إلى تصحيح السهام، لاستغناء
~~ما عداها من التركات عن ذلك، فطريق إخراج السهام صحاحا، أن ينظر مريد ذلك
~~في فريضة أهل الإرث، فإنها لا تخلو أن يكون فيها ذو نصف، أو ثلث، أو ربع،
~~أو سدس، أو ثمن، معه غيره، ms1343 فيفرضها من عدد يخرج منه ذلك السهم صحيحا، ثم
~~ينظر في الفاضل عنه وسهام ما عدا مستحقه، فإن انقسم عليهم من غير انكسار،
~~وإلا ضرب سهامهم في أصل الفريضة، فما انتهت إليه فسهام الكل يخرج منها
~~صحاحا بغير انكسار، وفهم هذه الجملة كاف، ونفصلها ليقع العلم بأعيان
~~مسائلها.
# فمن ذلك فريضة النصف، أصلها من اثنين لذي النصف سهم، ويبقى سهم، فإن كان
~~الوارث معه واحدا فهو له من غير انكسار، وإن كانا اثنين متساويين، كأخ وأخت
~~من قبل الأم، أو أخوين أو أختين من قبل الأب، انكسر الباقي عليهم، فالوجه
~~في ذلك، أن تضرب سهامهم وهي اثنان في أصل الفريضة، فيصير أربعة، لذي النصف
~~سهمان، ولكل واحد من هذين سهم.
# وإن كانوا ثلاثة يتساوون في السهام كإخوة الأم، أو اثنان مختلفان، كأخ
~~وأخت لأب، فليضرب سهامهم وهي ثلاثة في أصل الفريضة، فتصير ستة، للزوج
~~ثلاثة، ولكل واحد من الثلاثة المتساوين سهم، ولواحد الاثنين سهمان، وللأنثى
~~سهم.
# وإن كانوا ذووا سهام خمسة متساوون (3)، كإخوة أم، أو أخوات أب، أو
# PageV03P314
# إخوان لأب، وأخت له، فإن الفاضل ينكسر عليهم، فلتضرب سهامهم وهي خمسة في
~~أصل الفريضة، فتصير عشرة، لذي النصف خمسة أسهم، ولكل واحد من الخمسة
~~المتساوين سهم ولكل واحد من الأخوين مع الأخت سهمان، للأخت سهم، ثم على هذا
~~يجري الحساب في جميع أهل هذه الفريضة وإن كثروا.
# ومن ذلك فريضة الثلث، أصلها من ثلاثة، لذي الثلث سهمه، وهو واحد، وهو سهم
~~الأم مع الأب، والباقي له.
# فإن كان معهما زوج أو زوجة، فأصل الفريضة من عدد له ثلث صحيح، وربع صحيح،
~~فيعطى الأم منه الثلث، والزوج النصف، أو الزوجة الربع، والباقي للأب.
# فإن كان الزوجات جماعة، ينكسر عليهن الربع، ضربت سهامهن في أصل الفريضة،
~~فما أنهت إليه أخرجت منه السهام صحاحا.
# وإن كانت فريضة إخوة أم، وإخوة أب، وكان الفاضل عن فريضة إخوة الأم، وهو
~~اثنان، ينكسر على من معهم من إخوة الأب، فليضرب سهامهم المنكسر عليهم في
~~أصل الفريضة، فما ms1344 بلغت، أخرجت منه السهام صحاحا كأنهم كانوا أربعة متساوين،
~~أو أخا وأختين، فسهامهم أربعة، تضرب في ثلاثة، فتصير اثني عشر سهما لإخوة
~~الأم الثلث أربعة، وتبقى ثمانية أسهم، للأخ أربعة منها، ولكل أخت سهمان، ثم
~~على هذا الحساب.
# ومن ذلك فريضة الربع، أصلها من أربعة، لذي الربع حقه واحد، والباقي
~~لمشاركيه إن كانوا ثلاثة يتساوون أخذ كل واحد منهم سهما، فإن اختلفوا
~~فزادوا أو نقصوا، ضربت سهامهم في أصل الفريضة، فما انتهت إليه أخرجت منه
~~السهام صحاحا، مثال ذلك ثلاثة بنين، وبنتان مع زوج، أو ثلاثة إخوة لأب،
~~وأختان مع زوجة فسهام كل مع ذي الربع ثمانية، تضرب في أصل الفريضة، وهي
~~أربعة، فتصير اثنين وثلاثين سهما، لذي الربع ثمانية أسهم، ولكل ذكر من
~~الولد أو الإخوة ستة أسهم، ولكل أنثى ثلاثة أسهم، ثم على هذا يجري الحكم في
~~حساب سهام جميع من يرث معه، ذو الربع ومن ذلك فريضة السدس، وأصلها من ستة،
~~PageV03P315
# لذي السدس سهم، ولمشاركيه إن كانوا خمسة، يتساوون لكل واحد سهم، وإن
~~كانوا أخوين لأب، وأختا، أو ابنين وبنتا، فلكل ذكر سهما، وللأنثى سهم، وإن
~~زادت السهام عليهم أو نقصت، ضربت سهامهم في أصل الفريضة، فما بلغت أخرجت
~~منه السهام صحاحا.
# مثال ذلك ثلاثة إخوة لأب، وأربع أخوات له، مع أخ لأم، أو ثلاثة بنين
~~وأربع بنات، مع أحد الأبوين، فسهامهم عشرة، تضرب في الأصل فيصير ستين سهما،
~~لذي السدس عشرة أسهم، ولكل واحد من الذكور عشرة أسهم، ولكل أنثى خمسة أسهم،
~~ثم على هذا يجري حساب هذه الفريضة بالغا ما بلغ أهلها.
# ومن ذلك فريضة الثمن، وأصلها من ثمانية، لذي الثمن واحد، ويبقى سبعة، فإن
~~كان مشاركوه من تصح قسمتها عليهم صحاحا، قسمت، وإن انكسرت عليهم، ضربت
~~سهامهم في أصل الفريضة، فما بلغت أخرجت السهام منه صحاحا.
# مثال ذلك خمس بنين، أو ابنان وبنت، أو ابن وثلاث بنات، سهامهم خمسة، تضرب
~~في الفريضة، وهي ثمانية، فيصير أربعين سهما، لذي الثمن خمسة، ويبقى خمسة
~~وثلاثون سهما ms1345 لكل واحد من البنين الخمسة سبعة أسهم، ولكل واحد من الابنين
~~مع البنت أربعة عشر سهما، وللبنت سبعة أسهم، وللابن أربعة عشر سهما ولكل
~~بنت من الثلاث سبعة أسهم، ثم على هذا الحساب، تجري القسمة في هذه الفريضة
~~بالغا ما بلغت سهام أهلها.
# فإن اجتمع في الفريضة ربع وسدس، وهي فريضة الزوجة مع واحد الإخوة من
~~الأم، وإخوة الأب، فأصلها من اثني عشر، للزوجة ثلاثة، ولأخ الأم سهمان تبقى
~~سبعة أسهم لكلالة الأب، فإن أمكنت قسمتها عليهم صحاحا، وإلا ضربت سهام في
~~أصل الفريضة، فما بلغت، أخرجت منه السهام صحاحا، وكذلك القول في الفريضة
~~إخوة الأم والزوجة أو الزوج، عملها كالأول، فإن كان ما يستحقه كل واحد من
~~الكلالتين ينكسر عليهم، ضربت سهام كل واحد من أهل الكلالتين في سهام
~~الأخرى، فما بلغ ضرب في أصل الفريضة، فما بلغ أخرجت من السهام صحاحا، فإن
~~كانت في الفريضة ذو سهام مسماة، ورد، ينكسر كزوج وأحد الأبوين وبنت، فأصل
~~الفريضة من PageV03P316
# اثني عشر للزوج الربع، ثلاثة، ولأحد الأبوين السدس سهمان، وللبنت النصف
~~ستة أسهم، يبقى سهم ينكسر في الرد على البنت والأب، فالوجه في ذلك أن تضرب
~~سهمامهما وهي أربعة في أصل الفريضة وهي اثني عشر فيصير ثمانية وأربعين
~~سهما، للزوج الربع اثني عشر سهما، ولأحد الأبوين السدس، ثمانية أسهم،
~~وللبنت النصف أربعة وعشرون سهما، ويبقي أربعة أسهم، للبنت ثلاثة أسهم،
~~ولأحد الأبوين سهم، ثم على هذا الوجه يجري حكم حساب جميع الفرايض فليعمل
~~بحسبه واستقصاء مسائل جميع الفرايض في القسمة، وما يتفرع منها، ويتناتج،
~~يطول، وفيما ذكرناه كفاية وبلغة، ومقنع لمن فهمه وتدبره وتأمله تم الجزء
~~الخامس من كتاب السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي ويتلوه في الجزء السادس كتاب
~~الحدود والديات والجنايات إن شاء الله تعالى (1).
# PageV03P317
# كتاب الديات والجنايات PageV03P319
# بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الديات والجنايات قال الله تعالى " وما كان
~~لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية
~~مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن ms1346 كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة
~~مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة
~~مؤمنة " (1)، فذكر الله تعالى في هذه الآية ديتين وثلاث كفارات.
# ذكر الدية والكفارة بقتل المؤمن في دار الإسلام، فقال " ومن قتل مؤمنا
~~خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ".
# وذكر الكفارة دون الدية، بقتل المؤمن في دار الحرب في صف المشركين، إذا
~~حضر معهم الصف، فقتله مسلم، ففيه الكفارة دون الدية، فقال وإن كان من قوم
~~عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة " لأن قوله وإن كان كناية عن المؤمن
~~الذي تقدم ذكره، وقوله من قوم معناه في قوم، لأن حروف الصفات تقوم بعضها
~~مقام بعض على قول بعض أصحابنا، وهو مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي في مسائل
~~خلافه (2) معتمدا على قوله تعالى، " وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن
~~فتحرير رقبة " ولم يذكر الدية وتمسك أيضا بأن الأصل براءة الذمة.
# والذي يقوى في نفسي، ويقتضيه أصول مذهبنا، أن عليه، الدية والكفارة معا،
~~لقوله عليه السلام المجمع عليه لا يطل دم امرئ مسلم (3)، وقوله عليه السلام
~~في
# PageV03P320
# النفس مائة، من الإبل (1)، وهذه نفس، والدية وإن لم تذكر في الآية، فقد
~~علمناها بدليل آخر، وهو قوله عليه السلام لا يطل دم امرئ مسلم وفي النفس
~~مائة من الإبل.
# والأصل فقد انتقلنا عنه بدليل الشرع، وأيضا فإجماع أصحابنا منعقد على
~~ذلك، لم يخالف منهم أحد في ذلك، ولا أودعه كتابا له ما خلا شيخنا أبو جعفر،
~~وإذا تعين المخالف في المسألة، لا يعتد بخلافه.
# وما اختاره شيخنا في مسائل خلافه، مذهب بعض المخالفين لأهل البيت عليهم
~~السلام ولم يرد خبر عنهم عليهم السلام يعضد ما اختاره، ولا انعقد لهم
~~إجماع، ولهذا ما استدل رحمه الله على ما ذهب إليه بإجماع الفرقة ولا
~~بأخبارهم، لأنهما معدومان (2)، فثبت ما اخترناه، وذهبنا إليه، وقويناه.
# ثم ذكر الدية والكفارة بقتل المؤمن في دار المعاهدين، فقال " وإن كان من
~~قوم بينكم وبينهم ms1347 ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ".
# وعند المخالف إن ذلك كناية عن الذمي في دار الإسلام، وما قلناه أليق
~~بسياق الآية، لأن الكنايات في كان كلها عن المؤمن، فلا ينبغي أن تصرفها إلى
~~غيره بلا دليل.
# فصل في أقسام القتل وما يجب به من الديات القتل على ثلاثة أضرب، عمد محض،
~~وهو أن يكون عامدا إلى قتله بآلة تقتل غالبا، كالسيف، والسكين، واللت،
~~والحجر الثقيل، عامدا في قصده، وهو أن يقصد قتله بذلك، فمتى كان عامدا في
~~قصده، عامدا في فعله، فهو العمد المحض.
# والثاني خطأ محض، وهو ما لم يشبه شيئا من العمد، بأن يكون مخطيا في فعله،
~~مخطيا في قصده، مثل أن يرمي طايرا فيصيب إنسانا، فقد خطأ في الأمرين معا.
# PageV03P321
# الثالث عمد الخطأ، أو شبيه العمد، والمعنى واحد، وهو أن يكون عامدا في
~~فعله، مخطيا في قصده.
# فأما عامد في فعله، فهو أن يعمد إلى ضربه بآلة لا تقتل غالبا، كالسوط،
~~والعصي الخفيفة.
# والخطأ في القصد، أن يكون قصده تأديبه وزجره وتعليمه، لكنه مات منه، فهو
~~عامد في فعله، مخطئ في قصده.
# فأما الديات فتقسم ثلاثة أقسام أيضا بانقسام القتل، مغلظة في السن
~~والاستيفاء.
# فالعمد المحض مائة من مسان الإبل على أرباب الإبل تستأدى في سنة واحدة من
~~مال القاتل، دون عاقلته بعد التراضي من القاتل وأولياء المقتول، لأن عندنا
~~موجب القتل العمد المحض، القود، دون الدية.
# الثانية مخففة من وجهين السن والاستيفاء، فالسن عشرون بنت مخاض، وعشرون
~~ابن لبون، ذكر، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة.
# والاستيفاء أن تكون مؤجلة ثلاث سنين، كل رأس حول ثلثها، على العاقلة
~~خاصة.
# وهي كل دية وجبت بالخطأ المحض، ولا ترجع العاقلة بها على القاتل، سواء
~~كان في حال الأداء موسرا أو معسرا.
# وذهب شيخنا المفيد، إلى أن العاقلة ترجع بها على القاتل (1).
# وهذا خلاف إجماع الأمة.
# الثالث مغلظة من وجه مخففة من وجه (2) فالتغليظ بالسن على ما قلناه في
~~العمد، والتخفيف في الأصل عندنا، تستأدى في ms1348 سنتين من مال القاتل خاصة.
# قد ذكرنا أن القتل ثلاثة أقسام، عمد محض، وخطأ محض، وخطأ شبيه العمد،
~~وهكذا الجناية على الأطراف تنقسم هذه الأقسام.
# PageV03P322
# قد ذكرنا أن الدية تغلظ في العمد المحض وعمد الخطأ، وتخفف في الخطأ
~~المحض، فهذه مخففة أبدا إلا في موضعين، المكان والزمان، فالمكان الحرم
~~والزمان الأشهر الحرم، فعندنا إنها تغلظ، بأن توجب دية وثلثا، ولم يذكر
~~أصحابنا التغليظ إلا في النفس، دون قطع الأطراف.
# عندنا إن كانت العاقلة من غير أهل البلد، أخذ منهم ما هم من أهله، لأن
~~الدية عندنا إما مائة من الإبل أخماسا (1) وأرباعا (2) روي ذلك أجمع، (3)،
~~أو مأتان من البقر، أو ألف من الغنم، أو ألف دينار، أو عشرة ألف (4) (5)
~~درهم أو مأتا حلة، والحلة إزار، ورداء ولا تسمى حلة حتى تكون ثوبين اثنين،
~~من برود اليمن، أو نجران.
# فعلى هذا التحرير تكون الدية على أصحاب الحلل، أربعمائة ثوب، فليلحظ ذلك
~~ويتأمل.
# فكل واحد من هذه الأجناس الستة، أصل في نفسه، وليس بعضه بدلا عن بعض، هذا
~~إذا كانت على العاقلة.
# فأما إن كانت على القاتل، وهو إذا قتل عمدا أو اعترف بالخطأ، أو كان شبيه
~~العمد عندنا، فالحكم فيه كالحكم في العاقلة سواء عندنا.
# إذا أوضحه موضحتين، ففي كل واحدة منهما خمس من الإبل، لقوله عليه السلام
~~في الموضحة خمس من الإبل (6)، ولقوله وفي المواضح خمس خمس (7)، فإن عاد
~~الجاني فخرق ما بينهما، حتى صارا واحدة ففيها أرش واحدة، لأنه صيرهما واحدة
~~بفعله، كما لو أوضحه ابتداء به، لأن فعل الواحد يبنى بعضه على بعض، بدليل
~~أنه
# PageV03P323
# لو قطع يده ورجله، ثم عاد فقتله، فالدية واحدة، لأن الجاني واحد.
# قد قلنا إن قتل العمد المحض موجبة عندنا القود دون الدية بشروط.
# منها أن يكون عند مستحق بلا خلاف.
# ومنها أن يكون القاتل بالغا كامل العقل، فإن حكم عمد من ليست هذه حاله،
~~حكم الخطأ لقوله عليه السلام المجمع عليه رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى
~~يحتلم، وعن المجنون حتى ms1349 يفيق، وعن النائم حتى ينتبه (1).
# ومنها أن لا يكون المقتول مجنونا بلا خلاف بين أصحابنا.
# ومنها أن لا يكون صغيرا على خلاف بيننا فيه، إلا أن الأظهر بين أصحابنا
~~والمعمول عليه عند المحصلين منهم، الاستقادة به، لأن ظاهر القرآن يقتضي
~~ذلك.
# ومنها أن لا يكون القاتل والد المقتول، لقوله عليه السلام، لا يقتل والد
~~بولده (2).
# إلا في موضع واحد، وهو الموضع الذي يتحتم القتل عليه لأجل المحاربة،
~~فيقتل بقتل ولده لأجل المحاربة الحتم، لا لأجل الاستقادة، بدليل أن ولي من
~~قتله المحارب لو عفا لوجب على السلطان قتله حدا للمحاربة.
# ومنها أن لا يكون القاتل حرا والمقتول عبدا، سواء كان عبد نفسه أو عبد
~~غيره.
# ومنها أن لا يكون القاتل مسلما والمقتول كافرا، سواء كان معاهدا أو
~~مستأمنا أو حربيا، لقوله تعالى " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين
~~سبيلا " (3) ولقوله عليه السلام لا يقتل مسلم بكافر (4).
# ويقتل الحر بالحرة، بشرط أن يؤدي أولياؤها إلى ورثته الفاضل عن ديتها من
~~ديته، وهو النصف، بدليل إجماع أصحابنا.
# وقوله تعالى والأنثى بالأنثى (5) - لا يدل على أن الذكر لا يقتل بالأنثى،
~~إلا من
# PageV03P324
# حيث دليل الخطاب، وذلك متروك لدليل غيره، ودليل الخطاب عند المحققين من
~~أصحابنا، غير معمول به، ومن عمل به، يقول إنما أخرجنا من ذلك قتله بها مع
~~الشرط الذي ذكرناه، بدليل.
# قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: العمد المحض، هو كل من قتل غيره وكان
~~بالغا كامل العقل، بأي شئ كان بحديد، أو خشب، أو حجر، أو سم، أو خنق، وما
~~أشبه ذلك، إذا كان قاصدا بذلك القتل، ويكون فعله مما قد جرت العادة بحصول
~~الموت عنده، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، ذكرا كان أو أنثى ويجب
~~فيه القود أو الدية على ما نبينه فيما بعد (1).
# قوله رحمه الله أو الدية ليس الولي بالخيار بين القود وأخذ الدية، وإنما
~~مراده مع تراضى القاتل وولي المقتول، لا أنه إذا أبى واحد منهما أجبر عليه.
# ثم قال رحمه الله ومتى ms1350 كان القاتل غير بالغ وحده عشر سنين فصاعدا، أو
~~يكون مع بلوغه زائل العقل، إما أن يكون مجنونا، أو مؤوفا، فإن قتلهما وإن
~~كان عمدا، فحكمه حكم الخطأ المحض.
# قوله رحمه الله ومتى كان القاتل غير بالغ، وحده عشر سنين. رواية (2)
~~شاذة، لا يلتفت إليها، ولا يعرج عليها، لأنها مخالفة لأصول مذهبنا، ولظاهر
~~القرآن، والسنة، لقوله عليه السلام رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى
~~يحتلم، من بلغ عشر سنين من الصبيان الذكران، ما احتلم، فمن استقاد منه،
~~وقتله بمن قتله، فما رفع القلم عنه.
# وشيخنا أبو جعفر فقد رجع عن ذلك في مبسوطه (3)، ومسائل خلافه (4).
# وقاتل العمد المحض، لا يجوز أن يستقاد منه إلا بالحديد، وإن كان هو قد
~~قتل
# PageV03P325
# صاحبه بغير الحديد من الضرب، أو الرمي، وما أشبه ذلك.
# ولا يمكن أيضا من التمثيل به، لا تعذيبه، ولا تقطيع أعضائه، وإن كان فعل
~~ذلك هو بصاحبه، لنهيه عليه السلام عن المثلة (1)، بل يؤمر بضرب رقبته، وليس
~~له أكثر من ذلك، إلا أن يكون فرق الضرب عليه، فقطع عضوا منه، ثم بعد ذلك
~~قتله، على ما نبينه فيما بعد.
# وليس في قتل العمد الدية (2)، إلا أن يبذل القاتل من نفسه الدية، ويختار
~~ذلك أولياء المقتول، فإن لم يبذل القاتل من نفسه ذلك لم يكن لأولياء
~~المقتول المطالبة بها، وليس لهم إلا نفسه على ما قدمناه، ومتى بذل الدية،
~~ولم يأخذها أولياء المقتول وطلبوا القود، كان لهم أيضا ذلك.
# فإن فادى القاتل نفسه بمال جزيل، أضعاف أضعاف الدية الواجبة، ورضي به
~~أولياء المقتول، كان ذلك أيضا جايزا.
# فإن اختلف أولياء المقتول، فبعض يطلب القود وبعض يطلب الدية كان للذي
~~يطلب القود، القود إذا رد على الذي طلب الدية ماله منها خاصة، ثم يقتل
~~القاتل.
# وكذلك إن اختلفوا فبعض عفا عن القاتل، وبعض طلب القود، وبعض يطلب الدية،
~~كان للذي يطلب القود أن يقتل القاتل إذا رد على الذي يطلب الدية ماله منها
~~من ماله خاصة، وسهم من عفا. ما يرده ms1351 على القاتل، ثم يقتل القاتل.
# وكذلك إذا اختلفوا فبعض عفا عن القاتل، وبعض طلب القود، أو الدية فإن
~~الذي طلب القود، يجب عليه أن يرد على القاتل، سهم من عفا عنه، ثم يقتله،
~~وإن طلب الدية، كان القاتل مخيرا بين أن يعطيه ذلك بمقدار ما يصيبه من
~~الدية، وبين أن لا يعطيه ذلك، لأنا قد بينا أن موجب قتل العمد المحض القود
~~دون الدية، ولا يجب الدية عندنا، إلا برضى الجميع، فكيف يجب على القاتل
~~إعطاؤها
# PageV03P326
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وكذلك إن اختلفوا، فبعض عفا عن القاتل،
~~وبعض طلب القود أو الدية، فإن الذي طلب القود، يجب عليه أن يرد على أولياء
~~القاتل سهم من عفا عنه، ثم يقتله، وإن طلب الدية وجب على القاتل أن يعطيه
~~مقدار ما يصيبه من الدية، هذا آخر كلامه رحمه الله (1).
# قال محمد بن إدريس، لا حاجة بنا أن نرد على أولياء القاتل، بل على القاتل
~~نفسه، كما قدمناه، لأنه لا يمكن من قتله قبل تسليم المال، لأنه رحمه الله
~~قال يرد على أولياء القاتل سهم من عفا عنه، ثم يقتله، فإذا كان لا يقتله
~~إلا بعد الرد، فيكون الرد عليه، دون أوليائه بغير خلاف.
# وأما قوله رحمه الله، فإن طلب الدية وجب على القاتل أن يعطيه مقدار ما
~~يصيبه من الدية، فقد قلنا ما عندنا فيه، وأيضا فهذا ينقض علينا أصلنا
~~المقرر، لأنا بلا خلاف، بيننا، لا نخير ولي المقتول بين القود وأخذ الدية
~~بل ما يستحق إلا شيئا واحدا، وهو القود على ما قدمناه فيما مضى والمخالف
~~لنا يخيره بين القود وأخذ الدية.
# وهذا لا يذهب أحد من أصحابنا إليه.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وأولياء المقتول، هم الذين يرثون ديته،
~~سوى الزوج والزوجة.
# وقد ذكرناهم في كتاب المواريث، ويكون للجميع المطالبة بالقود، ولهم
~~المطالبة بالدية، ولهم العفو على الاجتماع والانفراد، ذكرا كان أو أنثى،
~~على الترتيب الذي رتبناه وإذا مات ولي الدم قام ولده مقامه في المطالبة
~~بالدم، ms1352 والزوج والزوجة ليس لهما غير سهمهما من الدية، إن قبلها أولياء
~~المقتول، أو العفو عنه بمقدار ما يصيبهما من الميراث، وليس لهما المطالبة
~~بالقود، ومن ليس له من الدية شئ، من الإخوة والأخوات من الأم، ومن يتقرب من
~~جهتها، فليس لهم المطالبة بالدم ولا الدية (2).
# PageV03P327
# وقال في مبسوطه، وأما الكلام في القصاص، وهو إذا قتل عمدا محضا فإنه
~~كالدية في الميراث يرثه من يرثها، فالدية يرثها من يرث المال، والقود يرثه
~~من يرث الدية، والمال معا، هذا مذهب الأكثر، وقال قوم يرثه العصبات من
~~الرجال دون النساء وفيه خلاف، والأقوى عندي الأول، وإن كان الثاني قد ذهب
~~إليه جماعة من أصحابنا، وذكرناه نحن في النهاية (1)، ومختصر الفرايض (2)،
~~فأما الزوج والزوجة، فلا خلاف بين أصحابنا أنه لاحظ لهما في القصاص، ولهما
~~نصيبهما من الميراث من الدية، هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر في مبسوطه، حرفا
~~فحرفا (3).
# قال محمد بن إدريس الذي أعول عليه، وأفتي به، القول الذي قواه شيخنا في
~~مبسوطه، دون ما ذكره في نهايته، لأنه موافق لأصول مذهبنا، يعضده ظاهر
~~القرآن، من قوله تعالى " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " (4)
~~فلا نرجع عن كتاب الله تعالى بأخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا، وهي أيضا
~~معارضة بأخبار مثلها، والإجماع فغير منعقد على ما ذكره في نهايته، فإذا لم
~~يكن على المسألة إجماع، فالتمسك فيها بكتاب الله تعالى هو الواجب.
# وذهب شيخنا في الجزء الثالث من الإستبصار، إلى أن النساء لا عفو لهن ولا
~~قصاص (5).
# وما ذكره في نهايته ومبسوطه هو الصحيح.
# وإذا كان للمقتول أولياء صغار وأولياء كبار، واختار الكبار الدية، كان
~~لهم حظهم منها، فإذا بلغ الصغار كان لهم مطالبة القاتل بالقود، بعد أن
~~يردوا عليه ما أعطى الأولياء الكبار من الدية، ولهم أيضا العفو عنه على كل
~~حال.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، فإذا بلغ الصغار، كان لهم مطالبة القاتل
# PageV03P328
# بقسطهم من الدية، أو المطالبة له بالقود (1).
# وقد قلنا ما عندنا في مثل قوله ms1353 رحمه الله كان لهم مطالبة القاتل بقسطهم
~~من الدية.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله، وأي قسط لهم من الدية، مع إنا أجمعنا على
~~أن قتل العمد المحض موجبه القود، دون الدية، بغير خلاف بيننا، إلا أن
~~يتراضى الجميع بالدية.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ودية العمد ألف دينار جيادا، إن كان
~~القاتل من أصحاب الذهب، أو عشرة آلاف درهم أن كان من أصحاب الورق جيادا، أو
~~مائة من مسان الإبل، إن كان من أصحاب الإبل، أو مائتا بقرة مسنة، إن كان من
~~أصحاب البقر، أو ألف شاة وقد روي (2) ألف كبش، إن كان من أصحاب الغنم، أو
~~مائتا حلة إن كان من أصحاب الحلل، ويلزم دية العمد في مال القاتل خاصة، ولا
~~يؤخذ من غيره إلا أن يتبرع إنسان بها عنه، فإن لم يكن له مال، فليس لأولياء
~~المقتول إلا نفسه (3).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله، ليس لأولياء المقتول إلا نفس القاتل عمدا،
~~سواء كان له مال، أو لم يكن.
# فما قاله رحمه الله، يوهم أن الأولياء يخيرون بين الدية والمطالبة بها،
~~وبين القود، وهذا خلاف مذهبنا.
# ثم قال رحمه الله تمام الكلام في نهايته، فإما أن يقيدوه بصاحبهم، أو
~~يعفوا عنه، أو يمهلوه إلى أن يوسع الله عليه (4) ثم قال ومتى هرب القاتل
~~عمدا ولم يقدروا عليه إلى أن مات، أخذت الدية من ماله، فإن لم يكن له مال،
~~أخذت من الأقرب فالأقرب من أوليائه الذين يرثون
# PageV03P329
# ديته، ولا يجوز مؤاخذتهم بها مع وجود القاتل (1).
# قال محمد بن إدريس هذا غير واضح، لأنه خلاف الإجماع وظاهر الكتاب،
~~والمتواتر من الأخبار، وأصول مذهبنا، وهو أن موجب القتل العمد، القود، دون
~~الدية، على ما كررنا القول فيه بلا خلاف بيننا، فإذا فات محله وهو الرقبة،
~~فقد سقط لا إلى بدل، وانتقاله إلى المال الذي للميت، أو إلى مال أوليائه،
~~حكم شرعي يحتاج مثبته إلى دليل شرعي، ولن يجده أبدا، وهذه أخبار آحاد شواذ
~~أوردها شيخنا في نهايته إيرادا ms1354 لا اعتقادا لأنه رجع عن هذا القول في مسائل
~~خلافه وأفتى بخلافه وهو الحق اليقين.
# فقال مسألة إذا قتل رجل رجلا، ووجب القود عليه، فهلك القاتل قبل أن
~~يستقاد منه، سقط القصاص إلى الدية، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة يسقط
~~القصاص لا إلى بدل، دليلنا قوله عليه السلام - لا يطل دم امرئ، مسلم - (2)
~~فلو أسقطناه لا إلى بدل، لأطلنا دمه، ولو قلنا بقول أبي حنيفة لكان قويا،
~~لأن الدية لا تثبت عندنا إلا بالتراضي بينهما، وقد فات ذلك، هذا آخر كلامه
~~رحمه الله (3).
# ويجب على القاتل العمد، أن يتوب إلى الله تعالى مما فعله، وحد التوبة أن
~~يسلم نفسه إلى أولياء المقتول، فإما أن يستقيدوا منه، أو يعفوا عنه، أو
~~يقبلوا الدية، أو يصالحهم على شئ يرضون به عنه، ثم يعزم بعد ذلك على أن لا
~~يعود إلى مثل ما فعل في المستقبل، ويعتق بعد ذلك رقبة، ويصوم شهرين
~~متتابعين، ويطعم ستين مسكينا، فإذا فعل ذلك كان تائبا، على ما رواه (4)
~~أصحابنا، هذا مع قدرته على كفارة الجمع المقدم ذكرها.
# فإذا لم يقدر على شئ منها، أو على (5) بعضها، فعله ولا شئ عليه، وصحت
# PageV03P330
# توبته أيضا، وكان تائبا.
# وإنما يلزم هذه الكفارة من عفا عنه، أو صالحه الأولياء على الدية، وأما
~~إذا قتل فلا كفارة عليه، لأن من جملتها الصوم، فإذا قتل من يصوم عنه.
# وتصح توبته سواء قتل مؤمنا متعمدا على إيمانه، أو الأمور الدنياوية على
~~الصحيح من أقوال أصحابنا، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في مبسوطه (1)، وهو
~~الذي يقتضيه أصول مذهبنا، لأن التوبة موقوفة على الجسد ما دامت الحياة
~~والعقل فيه، وقوله تعالى " إلا من تاب وآمن وعمل صالحا " (2) الآية وقوله -
~~يغفر الذنوب جميعا - (3) وقوله " غافر الذنب وقابل التوب " (4).
# فأما قوله تعالى - ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها - (5)
~~فليس في ظاهرها أنه تاب، ويمكن العمل بها إذا لم يتب.
# وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا تقبل توبته، ولا يختار التوبة، ولا يوفق
~~للتوبة، معتمدا ms1355 على أخبار آحاد (6)، والإجماع فغير منعقد، حتى يرجع في هذه
~~المسألة إليه، ويعول عليه.
# ولا كفارة إلا في قتل نفس المسلم، أو من في حكمه.
# ولا كفارة على قاتل اليهودي والنصراني، ومن لا يقر بالشهادتين.
# ولا كفارة على المجنون والصبي إذا كانا قاتلين، لأنهما غير مكلفين،
~~والخطاب من الحكيم يتناول المكلفين البالغين العاقلين.
# فأما دية قتل الخطأ فإنها تلزم العاقلة، وهي تلزم العصبات من الرجال،
~~سواء كان وارثا أو غير وارث، الأقرب فالأقرب، ويدخل فيها الولد والوالد.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، فأما دية قتل الخطأ، فإنها تلزم العاقلة
~~الذين يرثون دية القاتل، إن لو قتل، ولا يلزم من لا يرث من ديته شيئا على
~~حال (7).
# PageV03P331
# وقال في مسائل خلافه، العاقلة كل عصبة خرجت عن الوالدين والمولودين، وهم
~~الإخوة وأبناؤهم إذا كانوا من جهة أب وأم، أو من جهة أب، والأعمام
~~وأبناؤهم، وأعمام الأب وأبناؤهم، والموالي، هذا آخر كلامه في مسائل الخلاف
~~(1).
# وهذا قول الشافعي اختاره شيخنا في مسائل خلافه، ولم يذكر في استدلاله
~~إجماع طائفتنا، ولا أخبارهم، بل ذكر أخبار آحاد من طريق المخالف التي استدل
~~بها الشافعي، وباقي أصحابنا على خلاف شيخنا في ذلك، فهو المنفرد بالقول.
# وما ذكره في نهايته، هو أخبارنا (2)، وروايتنا، ومن طريقنا.
# وما يذهب إليه في المبسوط. ومسائل خلافه، معظمه من فروع المخالفين، بل
~~إجماعنا منعقد على أن العاقلة، جماعة الوراث من الرجال، دون من يتقرب
~~بالأم، فليلحظ ذلك ويتحقق.
# وقد رجع شيخنا في جواب مسائل الحايريات، فإنه سئل عما أودعه نهايته، أن
~~الأب إذا تبرأ من ميراث ولده، ومن ضمان جريرته، صحيح أم لا؟ فقال الجواب لا
~~يصح (3) أنه ليس له التبري، والشرع إذا حكم به لم ينفع التبري، وثبت حكمه
~~(4).
# والرواية (5) بتبري الأب من جريرة الابن، رواية شاذة، فقد رجع كما تراه.
# وذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه إلى أن الموسر من العاقلة، عليه نصف
~~دينار، والمتوسط ربع دينار، يوزع على الأقرب فالأقرب، حتى تنفد العاقلة
~~(6).
# وهو مذهب الشافعي اختاره ms1356 شيخنا، والذي يقتضيه مذهبنا، أنه لا تقدير ولا
~~توظيف على أحد منهم، بل تؤخذ منهم على قدر أحوالهم، حتى يستوفي النجم الذي
~~هو ثلثها، لأن تقدير ذلك يحتاج إلى دليل، ولا أحد من أصحابنا ذهب إلى تقدير
~~ذلك، فمن قدره يحتاج إلى دليل.
# PageV03P332
# وشيخنا فقد رجع في مبسوطه عما ذكره في مسائل خلافه، فقال في مبسوطه،
~~والذي يقتضيه مذهبنا أنه لا يقدر ذلك، بل يقسم الإمام على ما يراه من حاله
~~من الغنى والفقر، وأن يفرقه على القريب والبعيد، وإن قلنا يقدم الأولي
~~فالأولى كان قويا، لقوله تعالى " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض " (1) وذلك
~~عام هذا آخر كلامه رحمه الله (2).
# والذي يتحمل العقل عن القاتل من العاقلة، من كان منهم غنيا أو متجملا،
~~وأما الفقير فلا يتحمل شيئا منها، ويعتبر الغنى والفقر حين المطالبة
~~والاستيفاء، وهو عند حؤول الحول، ولا يعتبر ذلك قبل المطالبة، لأنه يحل عند
~~انقضاء كل حول منها ثلثها.
# وقال شيخنا المفيد في مقنعته، إن العاقلة ترجع بالدية على القاتل (3)
~~وهذا خلاف إجماع المسلمين قاطبة، ولأنه حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل
~~شرعي.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، وقال بعض أصحابنا إن العاقلة ترجع على
~~القاتل بالدية، ولست أعرف به نصا ولا قولا لأحد (4).
# اختلفوا في معنى تسمية أهل العقل بأنهم عاقلة.
# منهم من قال العقل اسم للدية وعبارة عنها، وسمى أهل العقل عاقلة، لتحملهم
~~ذلك، يقال عقلت عنه إذا تحملتها عنه، وعقلت له إذا دفعت الدية إليه.
# ومنهم من قال إنما سميت بالعاقلة، لأنها مانعة، والعقل المنع، وذلك أن
~~العشيرة كانت تمنع عن القاتل بالسيف في الجاهلية، فلما جاء الإسلام منعت
~~عنه بالمال، فلهذا سميت عاقلة.
# وقال أهل اللغة العقل الشد، ولهذا يقال عقلت البعير إذا ثنيت ركبته
~~وشددتها، وسمي ذلك الحبل عقالا، فسمي أهل العقل عاقلة، لأنها تعقل الإبل
~~بفناء ولي المقتول
# PageV03P333
# والمستحق للدية، يقال عقل يعقل عقلا، فهو عاقل، وجمع العاقل عاقلة، وجمع
~~العاقلة عواقل، والمعاقل جمع الديات، وأي هذه المعنى كان ms1357 فلا يخرج أن معناه
~~هو الذي يضمن الدية، ويبذلها لولي المقتول.
# وأجمع المسلمون على أن العاقلة تحمل دية الخطأ المحض، إلا الأصم فإنه قال
~~على القاتل، وبه قالت الخوارج.
# والعاقلة لا تعقل البهايم.
# ولا تعقل إلا بني آدم في قتل الخطأ المحض، على ما قدمناه، إذا قامت به
~~البينة العدول، ولا يعقل إقرارا ولا صلحا.
# وإذا حال الحول على موسر من أهل العقل، توجهت المطالبة عليه، فإن مات بعد
~~هذا لم يسقط بوفاته، بل يتعلق بتركته كالدين.
# الدية الناقصة، مثل دية المرأة، ودية اليهودي والنصراني، والمجوسي، ودية
~~الجنين، تلزم أيضا في ثلاث سنين، كل سنة ثلثها.
# والقدر الذي تحمله العاقلة عن الجاني، هو قدر جنايته، قليلا كان أو
~~كثيرا.
# وذهب شيخنا أبو جعفر في نهايته، إلى أنها لا تحمل ما دون الموضحة (1).
# إلا أنه رجع في مسائل خلافه، فقال مسألة: القدر الذي تحمله العاقلة عن
~~الجاني، هو قدر جنايته، قليلا كان أو كثيرا، ثم قال وروي (2) في بعض
~~أخبارنا أنها لا تحمل إلا نصف العشر (3) أرش الموضحة فما فوقها، وما نقص
~~عنه ففي مال الجاني، ثم قال دليلنا عموم الأخبار التي وردت في أن الدية على
~~العاقلة، ولم يفصلوا (4).
# قال محمد بن إدريس، ما قاله وذهب إليه في مسائل خلافه، هو الحق اليقين،
~~والإجماع منعقد عليه، ولا يرجع عن ذلك إلى رواية شاذة لا توجب علما ولا
~~عملا.
# PageV03P334
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وقال بعض أصحابنا إن العاقلة ترجع بها
~~على القاتل، إن كان له مال، فإن لم يكن له مال، فلا شئ للعاقلة عليه، ومتى
~~كان للقاتل مال ولم يكن للعاقلة شئ، ألزم في ماله خاصة الدية (1).
# قال محمد بن إدريس هذا غير مستقيم، لأنه خلاف إجماع المسلمين على ما
~~قدمناه، لأن القاتل لا يدخل في العقل، ولا يعقل عن نفسه أبدا.
# ثم قال شيخنا أبو جعفر أيضا في نهايته، ومتى لم يكن للقاتل خطأ عاقلة،
~~ولا من يضمن جريرته من مولى نعمة، أو مولى تضمن جريرة، ولا ms1358 له مال، وجبت
~~الدية على بيت مال المسلمين (2).
# وهذا أيضا غير مستقيم، لأنه خلاف إجماع أصحابنا، بل تجب الدية على مولاه
~~الذي يرثه، وهو إمام المسلمين، في ماله وبيت ماله، دون بيت مال المسلمين،
~~لأنه ضامن جريرته وحدثه، ووارث تركته، وهذا إجماع منا لا خلاف فيه، وقد
~~أحكمنا ذلك وحررناه في باب الولاء (3) فلا حاجة بنا إلى إعادته.
# وقال شيخنا في نهايته، وأما دية الخطأ شبيه العمد، فإنها تلزم القاتل
~~نفسه في ماله خاصة، فإن لم يكن له مال، استسعي فيها، أو يكون في ذمته إلى
~~أن يوسع الله عليه، فإن مات أو هرب، أخذ أولى الناس إليه بها ممن يرث ديته،
~~فإن لم يكن له أحد أخذت من بيت المال (4).
# قال محمد بن إدريس هذا غير واضح، لأنه خلاف الإجماع، وضد ما يقتضيه أصول
~~مذهبنا، لأن الأصل براءة الذمة، فمن شغلها يحتاج إلى دليل، والإجماع حاصل
~~على أن الأولياء وبيت المال لا تعقل إلا قتل الخطأ المحض، فأما الخطأ شبيه
~~العمد فعندنا بغير خلاف بيننا لا تعقله العاقلة، ولا تحمله، بل يجب الدية
~~على القاتل نفسه، فمن قال بموته، أو هربه، تصير على غيره يحتاج إلى دليل
~~قاهر، ولا يرجع في ذلك إلى أخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا.
# PageV03P335
# وعلى قاتل الخطأ المحض والخطأ شبيه العمد، بعد إعطاء الدية الكفارة، وهي
~~عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد كان عليه صيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع
~~أطعم ستين مسكينا، لأنها مرتبة، وقد ذكرناها فيما تقدم (1)، فإن لم يقدر
~~على ذلك أيضا، تصدق بما استطاع، أو صام ما قدر عليه.
# وقال شيخنا في نهايته، ومن قتل عمدا، وليس له ولي، كان الإمام ولي دمه،
~~إن شاء قتل قاتله، وإن شاء أخذ الدية وتركها في بيت المال، وليس له أن
~~يعفو، لأن ديته لبيت المال، كما أن جنايته على بيت المال (2).
# قال محمد بن إدريس، هذا غير صحيح ولا مستقيم، بل الإمام ولي المقتول
~~المذكور، إن شاء قتل، وإن شاء عفا، ms1359 فإن رضى هو والقاتل واصطلحا على الدية،
~~فإنها تكون له، دون بيت مال المسلمين، لأن الدية عندنا يرثها من يرث المال
~~والتركة، سوى كلالة الأم، فإن كلالة الأم لا ترث الدية ولا القصاص ولا
~~القود، بغير خلاف، وتركته لو مات كانت لإمام المسلمين، بغير خلاف بيننا،
~~ولأن جنايته على الإمام، لأنه عاقلته.
# وشيخنا رجع في غير نهايته من كتبه عن هذه الرواية الشاذة، إن كانت رويت،
~~فقد أوردها في نهايته إيرادا لا اعتقادا، فإن روي ذلك، فقد ورد للتقية،
~~لأنه مذهب بعض المخالفين.
# ومن قتل خطأ أو شبيه عمد، ولم يكن له أحد، كان للإمام أن يأخذ ديته، ليس
~~له أكثر من ذلك.
# ومن عفا عن القتل فليس له بعد ذلك المطالبة به، فإن قتل بعد ذلك القاتل،
~~كان ظالما متعديا، وقيد بالقاتل.
# ومن قبل الدية، ثم قتل القاتل، كان كذلك، وكان عليه القود.
# وإذا قتل الأب ولده خطأ كانت ديته على عاقلته، يأخذها منهم الورثة الذين
# PageV03P336
# لا يعقلون، دون الأب القاتل، لأنا قد بينا أن القاتل إن كان عمدا لا يرث
~~من التركة، ولا من الدية شيئا، وإن كان خطأ فإنه أيضا لا يرث من الدية شيئا
~~على ما بيناه (1)، ومتى لم يكن له وارث غير الأب ممن لا يحمل العقل، فلا
~~دية له على العاقلة على حال، لأنهم يؤدون إلى أنفسهم لأنهم حينئذ ورثته،
~~فلا فائدة، ولا معنى في ذلك.
# فإن قتله عمدا أو شبيه عمد، كانت الدية عليه في ماله خاصة، ولا يقتل به
~~على وجه قودا، لأجل قتله إياه فحسب، إلا أن يكون محاربا قتل ولده، فيقتل
~~الوالد حدا لا قودا، لأجل المحاربة، لأن القتل هاهنا يتحتم على القاتل
~~كائنا من كان، لقوله تعالى " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون
~~في الأرض فسادا أن يقتلوا " (2) وقد حررنا ذلك فيما تقدم (3).
# وتكون الدية لورثته خاصة، فإن لم يكن له وارث غير الأب القاتل، كانت
~~الدية عليه لإمام المسلمين.
# وقال شيخنا أبو جعفر لبيت المال، وأطلق (4).
# وقد ms1360 اعتذرنا له فيما مضى (5)، وقلنا أنه قال في المبسوط إذا قلت بيت
~~المال، فمقصودي بيت مال الإمام.
# وإذا قتل الابن أباه عمدا، قتل به إن كانا ممن يجري بينهما القود على ما
~~نبينه إن شاء الله تعالى (6).
# فإن قتله خطأ، كانت الدية على عاقلته، ولم يكن له منها شئ على ما بيناه.
# فإن لم يكن للأب من يرثه إلا العاقلة، فلا شئ لها على أنفسها.
# وإذا قتل الولد أمه، أو قتلت الأم ولدها عمدا محضا، قتل كل واحد منهما
~~بصاحبه، وإن قتله خطأ، كانت الدية على عاقلته على ما بيناه، ولا يرث هو
~~شيئا منها على ما بينا القول فيه وشرحناه.
# PageV03P337
# باب البينات على القتل وعلى قطع الأعضاء الحكم في القتل يثبت بشيئين،
~~أحدهما قيام البينة، وهما شاهدان عدلان في قتل العمد المحض الموجب للقود
~~على القاتل، بأنه قتل.
# فأما قتل الخطأ المحض، أو الخطأ شبيه العمد، فشهادة شاهد واحد، ويمين
~~المدعي، لأنه يوجب المال دون القود، وفي المال أو المقصود منه المال، يقبل
~~شهادة واحد ويمين المدعي.
# والثاني إقراره على نفسه، سواء كان القتل عمدا أو خطأ، أو شبيه العمد.
# فإن لم يكن لأولياء المقتول نفسان يشهدان بذلك، وكان معهم لوث بفتح اللام
~~وتسكين الواو، وهو التهمة الظاهرة، لأن اللوث القوة، يقال ناقة ذات لوث، أي
~~قوة، وكأنه قوة الظن كان عليهم القسامة، خمسون رجلا منهم، يقسمون بالله
~~تعالى، أن المدعى عليه قتل صاحبهم، إن كان القتل عمدا، وإن كان خطأ خمسة
~~وعشرون رجلا، يقسمون مثل ذلك، ولا يراعى فيهم العدالة.
# والأظهر عندنا أن القسامة خمسون رجلا، يقسمون خمسين يمينا، سواء كان
~~القتل عمدا محضا أو خطأ محضا أو خطأ شبيه العمد.
# وهذا مذهب شيخنا المفيد محمد بن النعمان، قد ذكره في مقنعته (1).
# والأول مذهب شيخنا أبي جعفر (2) فإنه فصل ذلك.
# وما اخترناه عليه إجماع المسلمين.
# واللوث أيضا عندنا يراعى في الأعضاء والأطراف، لأن القسامة لا تكون إلا
~~إذا كان لوث.
# وشيخنا ذهب في مبسوطه إلى أن الدعوى إذا ms1361 كانت دون النفس فلا يراعى فيها
~~أن يكون معه لوث (3).
# PageV03P338
# وهذا قول بعض المخالفين، ذكره في هذا الكتاب، لأن معظمه فروعهم.
# والقسامة عند الفقهاء كثرة اليمين، وسميت قسامة، لتكثير اليمين فيها.
# وقال أهل اللغة القسامة عبارة عن أسماء الحالفين من أولياء المقتول، فعبر
~~بالمصدر عنهم، وأقيم المصدر مقامهم، يقال أقسمت أقسم أقساما، وقسامة، وذلك
~~من القسم الذي هو اليمين.
# فأما إذا قامت البينة بشهادة غيرهم، فليس فيه أكثر من شهادة نفسين عدلين،
~~إذا كان القتل عمدا، أو شهادة عدل ويمين المدعي إذا كان القتل خطأ، لأن
~~المقصود من هذا القتل المال دون القود.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، فأما إذا قامت البينة بشهادة غيرهم، فليس
~~فيه أكثر من شهادة نفسين عدلين، أي ضرب كان من أنواع القتل، لا يختلف الحكم
~~فيه (1).
# وليس إطلاقه رحمه الله ذلك، يدل على أن في قتل الخطأ لا يقبل إلا شهادة
~~عدلين، ولا تقبل شهادة عدل ويمين المدعي، إلا من حيث دليل الخطاب، وذلك
~~عندنا غير معمول عليه، وإن كان قد أفصح وفصل وذهب في مبسوطه (2)، ومسائل
~~خلافه (3)، إلى ما اخترناه، وذهبنا إليه.
# وقد قلنا إن القسامة إنما تكون مع اللوث الذي هو قوة الظن، وهو التهمة
~~الظاهرة، ولا تكون القسامة مع ارتفاعها، فإن لم يكن لوث ولا تهمة ظاهرة،
~~فإن المدعى عليه، لا يلزمه سوى يمين واحدة، بأنه ما قتل المقتول، ولا تجب
~~اليمين هاهنا على المدعي، مثل ساير الدعاوي فليلحظ ذلك.
# ومتى أقاموا نفسين تشهدان لهم بالقتل أو أقاموا القسامة على ما قدمناه،
~~وجب على المدعى عليه إن كان القتل عمدا القود، إلا أن يتراضيا علي أخذ
~~الدية حسب ما قدمناه، وإن كان القتل خطأ محضا أو شبيه العمد، وجب عليه أو
~~على عصبته الدية على ما بيناه.
# PageV03P339
# ومتى لم يكن لأولياء المقتول من يشهد لهم من غيرهم، ولا لهم قسامة من
~~أنفسهم، وكان هناك لوث، كان على المدعى عليه أن يجيئ بخمسين، يحلفون أنه
~~برئ مما ادعي عليه، فإن لم يكن ms1362 له من يحلف عنه، كررت عليه الأيمان خمسين
~~يمينا، وقد برئت عهدته، فإن امتنع من اليمين، ألزم القتل، وأخذ به على ما
~~يوجبه الحكم فيه.
# والبينة في الأعضاء، مثل البينة في النفس، من شهادة نفسين عدلين، إن كان
~~عمدا أو عدل ويمين المدعي، على ما قدمناه وحررناه.
# والقسامة فيها واجبة مثلها في النفس.
# وكل شئ من أعضاء الإنسان يجب فيه الدية كاملة، مثل الأنف، والذكر، والسمع
~~والشم، واليدين، والعينين، وغير ذلك، كان فيه القسامة مثل ما في النفس
~~سواء.
# وفيما نقص من الأعضاء، القسامة فيها على قدر ذلك، وبحسبه من الأيمان، من
~~حساب الخمسين يمينا إن كانت الجناية عمدا، أو خمسة وعشرين إن كانت الجناية
~~خطأ.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، والبينة في الأعضاء مثل البينة في النفس،
~~من شهادة نفسين مسلمين عدلين، والقسامة فيها واجبة مثلها في النفس، وكل شئ
~~من أعضاء الإنسان يجب فيه الدية كاملة، مثل العينين والسمع وما أشبههما،
~~كان فيه القسامة ستة رجال، يحلفون بالله تعالى، أن المدعى عليه قد فعل
~~بصاحبهم ما ادعوه، فإن لم يكن للمدعي قسامة، كررت عليه ستة أيمان، فإن لم
~~يكن له من يحلف، ولا يحلف هو، طولب المدعى عليه بقسامة ستة نفر يحلفون عنه
~~أنه برئ من ذلك، فإن لم يكن له من يحلف، حلف ستة أيمان، أنه برئ مما ادعي
~~عليه، وفيما نقص من الأعضاء، القسامة فيها على قدر ذلك، إن كان سدس العضو
~~فرجل واحد، يحلف كذلك، وإن كان ثلثه فاثنان، وإن كان النصف فثلاثة، ثم على
~~هذا الحساب، وإن لم يكن له من يحلف، كان عليه بعدد ذلك، إن كان سدسا فيمين
~~واحدة، وإن كان ثلثا، فمرتين، وإن كان النصف، فثلاث مرات، ثم على
~~PageV03P340
# هذا الحساب، فإن لم يكن للمدعي من يحلف عنه، وامتنع هو (1) أن يحلف، طولب
~~المدعى عليه، إما أن يقسم عليه، أو تكرر الأيمان عليه، حسب ما يلزم المدعي
~~على ما بيناه (2).
# وما اخترناه مذهب شيخنا المفيد (3)، وسلار (4)، وغيرهما من المشيخة، وهو ms1363
~~الذي يقتضيه أصول مذهبنا، ولأنه مجمع عليه، والاحتياط يقتضيه.
# وما ذهب إليه شيخنا أبو جعفر اختيار ظريف بن ناصح، في كتابه الحدود
~~والديات، وتابعه على ذلك، واختار ما اختاره.
# ولا شك أنه خبر واحد، وقد بينا أن أخبار الآحاد لا يجوز العمل بها في
~~الشرعيات، لأنها لا توجب علما ولا عملا.
# وأما الإقرار فيكفي أن يقر القاتل على نفسه دفعتين، من غير إكراه ولا
~~إجبار، ويكون كامل العقل، فإن لم يكن كامل العقل، أو كان عبدا مملوكا، فإن
~~لا يقبل إقراره، لأن إقراره إقرار على الغير الذي هو سيده، فأما إن لحقه
~~العتاق بعد إقراره، قبلناه، وحكم فيه بما يقتضيه الشرع.
# وروي في بعض أخبار، أنه متى شهد نفسان على رجل بالقتل، وشهد آخران على
~~غير ذلك الشخص، بأنه قتل ذلك المقتول، بطل هاهنا القود، إن كان عمدا وكانت
~~الدية على المشهود عليهما نصفين، وإن كان القتل شبيه العمد فكمثل، وإن كان
~~خطأ محضا كانت الدية على عاقلتهما نصفين.
# أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته إيرادا لا اعتقادا.
# والذي يقتضيه أصول المذهب، ويحكم بصحته الاستدلال، أن أولياء المقتول
~~بالخيار، في تصديق إحدى البينتين، وتكذيب الأخرى، فإذا صدقوا إحداهما قتلوا
# PageV03P341
# ذلك المشهود عليه، ولم يكن لهم على الآخر سبيل، ولا يبطل هاهنا القود،
~~لأنه لا دليل عليه من كتاب ولا سنة متواترة، بل الكتاب قاض بالقود مع
~~البينة، في قوله تعالى " فقد جعلنا لوليه سلطانا " (1) فمن عمل بهذه
~~الرواية، أبطل حكم الآية رأسا، ولا وجه لأخذ الدية منهما جميعا لأنهما غير
~~مشتركين في القتل، لأن البينة عليهما، بخلاف ذلك، لأنها تشهد بقتل كل واحد
~~منهما على الانفراد، دون الاجتماع والاشتراك.
# ويحقق ذلك ويزيده بيانا المسألة التي تأتي بعد ذلك، وهو من شهد عليه
~~بالقتل، ثم أقر آخر بالقتل، فللأولياء أن يقتلوا من شاؤوا منهما بغير خلاف،
~~فإذا لا فرق بين الموضعين، لأن الإقرار كالبينة، والبينة، كالإقرار في ثبوت
~~الحقوق الشرعية التي تتعلق بحقوق بني آدم، فليلحظ ذلك.
# فإذا قامت البينة ms1364 على رجل، بأنه قتل رجلا عمدا، وأقر آخر بأنه قتل ذلك
~~المقتول بعينه عمدا، كان أولياء المقتول مخيرين في أن يقتلوا أيهما شاؤوا،
~~فإن قتلوا المشهود عليه، فليس لهم على الذي أقر سبيل، ويرجع أولياء الذي
~~شهد عليه، على الذي أقر بنصف الدية، فإن اختاروا قتل الذي أقر، قتلوه، وليس
~~لهم على الآخر سبيل، وليس لأولياء المقتول المقر على نفسه، على الذي قامت
~~عليه البينة سبيل.
# وإن أراد أولياء المقتول قتلهما جميعا قتلوهما معا ويردون على أولياء
~~المشهود عليه نصف الدية، وليس عليهم أكثر من ذلك.
# فإن طلبوا الدية، كانت عليهما نصفين، على الذي أقر، وعلى الذي شهد عليه
~~الشهود.
# هكذا أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (2).
# ولي في قتلهما جميعا نظر، لأن الشهود ما شهدوا بأنهما اشتركا في قتل
~~المقتول، ولا المقر أيضا أقر باشتراكهما في قتله، وإنما كل واحد منهما
~~ببينة من الشهود، أو الإقرار، تؤذن بأنه قتله على الانفراد، دون الآخر،
~~فكيف يقتلان معا، وما تشاركا في القتل، وإنما لو تشاركا في قتله، لأقدناهما
~~(3)، ولو كانوا ألفا، بعد أن يرد ما فضل عن ديته،
# PageV03P342
# وهاهنا رد نصف دية، فلو اشتركا لكان يرد دية كاملة ألف دينا، يتقاسم بها
~~أولياؤهما معا.
# والأولى عندي، أن يرد الأولياء إذا قتلوهما معا دية كاملة، فيكون بين
~~ورثتهما نصفين، إذ قد ثبت إنهما قاتلان جميعا بإقرار أحدهما على نفسه،
~~والبينة على الآخر، ولا يرجع في مثل هذا إلى أخبار آحاد لا توجب علما ولا
~~عملا.
# هذا إذا أقر بالقتل مجتمعين مشتركين، وتشهد البينة بذلك، فأما إذا كانا
~~متفرقين، فالعمل على ما حررناه في شهادة الشهود على الاثنين حرفا بحرفا.
# وروى أصحابنا في بعض الأخبار، أنه متى اتهم رجل بأنه قتل نفسا، فأقر بأنه
~~قتل فجاء آخر، فأقر أن الذي قتل هو دون صاحبه، ورجع الأول عن إقراره، درئ
~~عنهما القود والدية معا، ودفع إلى أولياء المقتول الدية من بيت مال
~~المسلمين، روي ذلك عن الحسن بن علي عليهما السلام (1)، وأنه قضى بهذه ms1365
~~القضية، وحكم بها في حياة أبيه عليه السلام.
# ومتى أقر نفسان فقال أحدهما أنا قتلت رجلا عمدا، وقال الآخر أنا قتلته
~~خطأ، كان أولياء المقتول مخيرين، إن أخذوا بقول صاحب العمد، فليس لهم على
~~صاحب الخطأ سبيل، وإن أخذوا بقول صاحب الخطأ، فليس لهم على صاحب العمد
~~سبيل.
# وروي أن المتهم بالقتل، ينبغي أن يحبس ستة أيام، فإن جاء المدعي ببينة،
~~أو فصل الحكم معه، وإلا خلي سبيله (2).
# وليس على هذه الرواية دليل يعضدها، بل هي مخالفة للأدلة.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ومن قتل رجلا ثم ادعى أنه وجده مع امرأته
~~في داره، قتل به، أو يقيم البينة على ما قال (3).
# قال محمد بن إدريس، الأولى أن يقيد ذلك بأن الموجود كان يزني بالمرأة،
~~وكان
# PageV03P343
# محصنا فحينئذ لا يجب على ما قاتله القود، ولا الدية، لأنه مباح الدم.
# فأما إن أقام البينة أنه وجده مع المرأة، لا زانيا بها أو زانيا بها ولا
~~يكون محصنا، فإنه يجب على من قتله القود، ولا ينفعه بينته هذه، فليلحظ ذلك.
# وقال شيخنا في مسائل خلافه، مسألة: إذا قطع طرف غيره، ثم اختلفا، فقال
~~الجاني كان الطرف أشل، فلا قود ولا دية كاملة فيه، وقال المجني عليه كان
~~صحيحا، ففيه القود والدية كاملة، فإن كان الطرف ظاهرا مثل اليدين والرجلين،
~~والعينين، والأنف، وما أشبهها، فالقول قول الجاني مع يمينه، ويقيم (1)
~~المجني عليه البينة، فإن كان الطرف باطنا، فالقول قول المجني عليه (2).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب، ما اختاره شيخنا قول الشافعي، والذي
~~يقتضيه أصول مذهبنا، أن القول قول المجني عليه في الطرفين معا، سواء كانا
~~ظاهرين أو باطنين، لإجماع أصحابنا على ذلك، وقول الرسول عليه السلام المتفق
~~عليه على الجاحد اليمين، وعلى المدعي البينة - (3) والأصل سلامة الأعضاء،
~~والجاني يدعي الشلل والعيب، فعليه البينة، ومن فصل ذلك وخصص يحتاج إلى
~~دلالة.
# باب الواحد يقتل اثنين أو أكثر منهما أو الاثنين والجماعة يقتلون واحدا
~~إذا قتل اثنان واحدا أو أكثر منهما عمدا، ms1366 كان أولياء المقتول مخيرين بين أن
~~يقتلوا واحدا منهم، يختارونه، يؤدي الباقون إلى ورثته مقدار ما كان يصيبهم
~~لو طولبوا بالدية، فإن اختاروا أولياء المقتول قتلهم جميعا، كان لهم ذلك،
~~إذا أدوا إلى ورثة المقتولين ما يفضل عن دية صاحبهم، يتقاسمونه بينهم
~~بالسوية.
# يدل على ذلك إجماع أهل البيت عليهم السلام وأيضا فما اشترطناه أشبه
~~بالعدل وأليق به.
# PageV03P344
# ويدل على جواز قتل الجماعة بالواحد بعد الإجماع المشار إليه، قوله تعالى
~~" ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا " (1) لأنه لم يفرق بين الواحد
~~والجماعة.
# وأيضا قوله تعالى " ولكم في القصاص حياة " (2) لأن المعنى أن القاتل إذا
~~علم أنه يقتل إذا قتل، كف عن القتل، وكان في ذلك حياته وحياة من هم بقتله.
# وسقوط القود بالاشتراك في القتل يبطل المقصود بالآية.
# ويحتج على المخالف بما رووه من قوله عليه السلام فمن قتل بعده قتيلا،
~~فأهله بين خيرتين (3)، الخبر، لأنه لم يفرق وقوله تعالى " النفس بالنفس "
~~(4) " والحر بالحر " (5) المراد به الجنس لا العدد، فكأنه قال إن جنس
~~النفوس يؤخذ بجنس النفوس، وجنس الأحرار يؤخذ بجنس الأحرار.
# وإذا قتل نفسان واحدا بضربتين مختلفتين، أو متفقتين، بعد أن يكون القتل
~~يحدث عن ضربهما، كان الحكم فيه سواء، لا يختلف، فإن كان قتلهما له خطأ
~~محضا، كانت الدية على عاقلتهما بالسوية.
# وإذا اشترك نفسان في قتل رجل فقتله أحدهما، وأمسكه الآخر، قتل القاتل،
~~وخلد الممسك السجن حتى يموت، فإن كان معهما ردء (6) ينظر لهما، سلمت عيناه
~~معا - أي فقئتا، يقال سلمت عينه تسمل، إذا فقئت بحديدة محماة -.
# وإذا قتلت امرأتان رجلا عمدا، قتلتا به جميعا، فإن كن أكثر من اثنتين،
~~كان لأوليائه قتلهن، ويؤدون ما يفضل عن دية صاحبهم على أوليائهن، يقسمونه
~~بينهم بالحصص، وإن كان قتلهن له خطأ، كانت الدية على عاقلتهن بالسوية.
# فإن قتل رجل وامرأة رجلا، كان لأولياء المقتول قتلهما جميعا، ويؤدون إلى
~~أولياء الرجل نصف ديته، خمسة ألف (7) درهم.
# وقال شيخنا المفيد في مقنعته، تكون خمسة آلاف درهم بين أولياء الرجل
# PageV03P345
# والمرأة، ms1367 لأولياء الرجل ثلثاها، ولأولياء المرأة ثلثها (1).
# والأول اختيار شيخنا أبي جعفر في نهايته (2) وهو الذي يقتضيه الأدلة،
~~وتشهد بصحته الأخبار والاعتبار.
# فإن اختاروا قتل المرأة، كان لهم قتلها، ويأخذون من الرجل خمسة ألف درهم،
~~فإن اختاروا قتل الرجل، كان لهم قتله، وتؤدي المرأة إلى أولياء الرجل نصف
~~ديتها، الفين وخمسمائة درهم، هكذا أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (3).
# والذي يقتضيه مذهبنا أنها ترد خمسمائة دينار إلى أولياء الرجل، لأنها جنت
~~نصف الجناية، فهما مشتركان في الجناية التي هي القتل، ولأجل ذلك إذا صالحا
~~الأولياء على أخذ الدية، كان عليها نصفها، وعلى الرجل نصفها بغير خلاف.
# وكذلك لو كان مكانها رجل واختار الأولياء قتل أحدهما، أدى الآخر الباقي
~~إلى أولياء المقاد منه المقتول، خمس مأة دينار بغير خلاف، لأنه شريكه في
~~الجناية، وهما قاتلان، وكذلك المرأة المذكورة، ولا يرجع في مثل هذا إلى
~~أخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا.
# فإن أراد أولياء المقتول الدية، كانت نصفها على الرجل، ونصفها على المرأة
~~سواء بعد تراضي الجميع بأخذ الدية والصلح على ذلك.
# وإن كان قتلهما خطأ محضا كانت الدية نصفها على عاقلة الرجل، ونصفها على
~~عاقلة المرأة سواء.
# وقد روي أنه إذا قتل رجل حر ومملوك رجلا على العمد، كان أولياء المقتول
~~مخيرين بين أن يقتلوهما، ويؤدوا إلى سيد العبد ثمنه، أو يقتلوا الحر، ويؤدي
~~سيد العبد إلى ورثته خمسة ألف درهم، أو يسلم العبد إليهم، فيكون رقا لهم،
~~أو يقتلوا العبد بصاحبهم خاصة، فذلك لهم وليس ليسد العبد على الحر سبيل فإن
~~اختاروا الدية، كان على الحر النصف منهما، وعلى سيد العبد النصف الآخر، أو
~~يسلم العبد
# PageV03P346
# إليهم، فيكون رقا لهم (1).
# وهذا الذي ذكره شيخنا في نهايته (2).
# وقال بعض (3) أصحابنا في كتاب له، وإذا قتل الحر والعبد حرا، فاختار وليه
~~الدية، فعلى الحر النصف، وعلى سيد العبد النصف، وإن اختار قتلهما، رد قيمة
~~العبد على سيده وورثة الحر، وإن اختار قتل الحر، فعلى سيد العبد نصف ديته
~~لورثته، وإن اختار قتل ms1368 العبد، قتله ويؤدي الحر إلى سيده نصف قيمته.
# قال محمد بن إدريس، وهذا الذي يقتضيه أصول مذهبنا.
# وذهب شيخنا أبو جعفر في استبصاره، إلى أنه إذا قتل الولي الحر، يجب على
~~سيد العبد أن يرد على ورثة المقتول الثاني نصف الدية، أو يسلم العبد إليهم،
~~لأنه لو كان حرا لكان عليه ذلك على ما بيناه، فحكم العبد حكمه على السواء،
~~هذا آخر كلامه في استبصاره (4).
# وهو رجوع عما ذكره في نهايته (5)، ونعم الرجوع إلى الحق.
# فإن كان قتله لهما (6) خطأ محضا، كان نصف ديته على عاقلة الرجل، ونصفها
~~على مولى العبد، أو يسلمه إلى أولياء المقتول، يسترقونه، وليس لهم قتله على
~~حال.
# وروي أيضا أنه إن قتلت امرأة وعبد رجلا حرا، واختار أولياء المقتول
~~قتلهما، قتلوهما، فإن كان قيمة العبد أكثر من خمسة ألف (7) درهم، فليردوا
~~على سيده ما يفضل بعد الخمسة ألف (8) درهم. وإن أحبوا أن يقتلوا المرأة،
~~ويأخذ العبد، إلا أن يكون قيمته أكثر من خمسة ألف درهم، فليردوا على مولى
~~العبد ما يفضل عن خمسة ألف درهم، ويأخذوا العبد، أو يفتديه مولاه، وإن كان
~~قيمة العبد أقل من
# PageV03P347
# خمسة ألف درهم، فليس لهم إلا نفسه، وإن طلبوا الدية، كان على المرأة
~~نصفها، وعلى المولى العبد النصف الآخر، أو يسلمه برمته (1)، - يعني بكماله
~~- إليهم - والرمة قطعة حبل بالية، ومنه قوله دفع إليه الشئ برمته، وأصله أن
~~رجلا دفع إلى رجل بعيرا بحبل في عنقه، ثم قيل ذلك لكل من دفع شيئا بجملته،
~~لم يحتبس منه شيئا.
# وينبغي أن يكون العمل والفتوى على هذه الرواية، لأنها تعضدها الأدلة،
~~وأصول المذهب، والإجماع، وبها يفتي شيخنا أبو جعفر في نهايته (2) واستبصاره
~~(3)، ونحن لما قدمناه من اقتران الأدلة لها (4).
# وإذا اشترك جماعة من المماليك في قتل رجل حر، كان لأولياء المقتول قتلهم
~~جميعا، وعليهم أن يؤدوا ما يفضل عن دية صاحبهم، فإن نقص ثمنهم عن ديته، لم
~~يكن لهم على مواليهم سبيل، فإن طلبوا الدية، كانت على المولى العبيد
~~بالحصص، أو تسليم ms1369 العبيد إليهم.
# فإن كان قتلهم له خطأ محضا، كان على مواليهم دية المقتول، أو تسليم
~~العبيد إلى أولياء المقتول، يستعبدونهم، وليس لهم قتلهم على حال، لأن
~~المولى لا يعقل عن عبده.
# وإذا قتل رجل رجلين أو أكثر منهما، وأراد أولياء المقتولين القود، فليس
~~لهم إلا نفسه، ولا سبيل لهم (5) على ماله، لأن الله تعالى " قال النفس
~~بالنفس " وما قال المال بالنفس، ولا لهم أيضا سبيل على ورثته ولا على
~~عاقلته، فإن أرادوا الدية، وأراد هو أيضا ذلك على ما قدمناه وحررناه فيما
~~مضى، كان لهم عليه عن كل مقتول، دية كاملة على الوفاء، فإن كان قتله لهم
~~خطأ محضا، كان على عاقلته دياتهم على الكمال.
# فإن قتل رجلا وامرأة، أو رجالا ونساء، أو امرأتين أو نساء، كان الحكم
# PageV03P348
# أيضا مثل ذلك سواء.
# والمشتركون في القتل، إذا رضي عنهم أولياء المقتول بالدية، لزم كل واحد
~~منهم الكفارة التي قدمنا ذكرها على الانفراد، رجلا كان أو امرأة، إلا
~~المملوك، فإنه لا يلزمه أكثر من صيام شهرين متتابعين، وليس عليه عتق، ولا
~~إطعام، لأنه غير مخاطب بالمال.
# وإذا أمر إنسان آخر بقتل رجل فقتله المأمور، وجب القود على القاتل
~~المباشر للقتل، دون الآمر، وكان على الإمام حبس الآمر ما دام حيا.
# فإن أكره رجل رجلا على قتل رجل، فقتله المكره، كان على المكره الذي باشر
~~القتل القود، دون المكره، لقوله تعالى " النفس بالنفس " يعني النفس القاتلة
~~بالنفس المقتولة.
# فإن أمر عبده بقتل غيره، فقتله، فقد اختلفت روايات أصحابنا في ذلك، فروي
~~(1) أنه يقتل العبد، ويستودع السيد السجن، وروي أنه يقتل السيد، ويستودع
~~العبد السجن (2).
# والذي يقوى عندي في ذلك، أنه إن كان العبد عالما بأنه لا يستحق القتل
~~(3)، أو متمكنا من العلم، فعليه القود، دون السيد، وإن كان صغيرا أو
~~مجنونا، فإنه يسقط القود، ويجب فيه الدية على السيد، دون القود، لأنه غير
~~قاتل حقيقة، وألزمناه الدية لقوله عليه السلام - لا يطل دم امرئ مسلم - فلو
~~لم يلزمه الدية، لأطللنا دمه، ومعنى يطل، ms1370 يهدر.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وإن أمر عبده بقتل غيره، فقتله، وجب على
~~العبد القود، دون سيده، ويحبس المولى ما دام حيا، ثم قال وقد روي (4) أنه
~~يقتل السيد، ويستودع العبد السجن، والمعتمد على ما قلناه.
# PageV03P349
# هذا قوله في نهايته (1) وفي استبصاره (2).
# وذهب في مسائل خلافه (3) إلى ما اخترناه نحن، وقويناه، وهو الذي يقتضيه
~~أصول مذهبنا على ما دللنا عليه فيما مضى.
# وذهب شيخنا في مبسوطه إلى أن العبد المأمور، إذا كان عاقلا مميزا، وجب
~~عليه القود، دون السيد، وإن كان غير عاقل ولا مميز، وجب على السيد الآمر
~~القود، دون العبد (4).
# وهو قوي، إلا أن ما اخترناه أقوى وأوضح وأظهر في الاستدلال.
# باب القود بين الرجال والنساء والعبيد والأحرار (5) والمسلمين والكفار
~~إذا قتل رجل امرأة عمدا، وأراد أولياؤها قتله، كان لهم ذلك، إذا ردوا على
~~الرجل، ما يفضل عن ديتها وهو نصف دية الرجل، خمسة ألف درهم، أو خمسمائة
~~دينار، أو خمسون من الإبل، أو خمسمائة من الغنم، أو مائة من البقر، أو مائة
~~من الحلل، على ما قدمناه، فإن لم يردوا ذلك لم يكن لهم القود على حال.
# فإن طلبوا الدية ورضي بها القاتل كان لهم عليه دية المرأة على الكمال،
~~وهو أحد هذه الأشياء المقدم ذكرها.
# وإذا قتلت امرأة رجلا واختار أولياؤه القود، فليس لهم إلا نفسها يقتلونها
~~بصاحبهم، وليس لهم على مالها ولا أوليائها سبيل، فإن طلب أولياء المقتول
~~الدية ورضيت هي بذلك كان عليها الدية كاملة دية الرجل، إن كانت قتلته عمدا
~~محضا، أو خطأ شبيه العمد، في مالها خاصة على ما قدمناه، وإن كان قتله (6)
~~خطأ محضا
# PageV03P350
# فعلى عاقلتها على ما بيناه، من قبل، وحررناه.
# وأما الجراح فإنه يشترك فيها النساء والرجال، السن، بالسن، والإصبع،
~~بالإصبع، والموضحة، بالموضحة، إلى أن يتجاوز المرأة، ثلث دية الرجل، فإذا
~~جازت الثلث، سفلت المرأة، تضاعف الرجل على ما نبينه فيما بعد إن شاء الله.
# وإذا قتل الذمي مسلما عمدا دفع برمته هو وجميع ما يملكه، إلى ms1371 أولياء
~~المقتول، فإن أرادوا قتله، كان لهم ذلك، ويتولى ذلك عنهم السلطان، وإن
~~أرادوا استرقاقه، كان رقا لهم، فإن أسلم بعد القتل، فليس عليه إلا القود
~~ويكون إسلامه قبل خيرة الأولياء لرقه، ودفعه إليهم، فأما إن اختاروا
~~استرقاقه، وأخذ جميع ماله، ثم بعد ذلك أسلم، فهو عبد لهم مسلم، وما أخذوه
~~منه لهم.
# وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يدفع بجميع ماله وولده الصغار إلى أولياء
~~المقتول المسلم.
# والذي يقتضيه الدلالة، إن الأولاد الصغار، لا يدفع إليهم (1)، لأن ماله
~~إذا اختاروا استرقاقه فهو مال عبدهم، ومال العبد لسيده، وأولاده أحرار قبل
~~القتل، فكيف يسترق الحر، بغير دليل.
# فأما استرقاقه هو فإجماعنا دليل عليه، وليس كذلك أولاده.
# فإن لم يختاروا استرقاقه بل اختاروا قتله، فليس لهم على ماله أيضا سبيل،
~~لأنه لا يدخل في ملكهم إلا باختيارهم استرقاقه.
# ومعنى قولهم برمته أي بجملته وكماله، لأن أصل ذلك، إن رجلا أعطى، رجلا
~~جملا بجبله، فصار كل من أعطى شيئا بكماله وجملته، قيل أعطاه برمته، لأن
~~الرمة الحبل على ما قدمناه.
# فإن كان قتله له خطأ فقد ذكر بعض أصحابنا، أن الدية تكون عليه في ماله
~~خاصة، إن كان له مال، فإن لم يكن له مال كانت الدية على إمام المسلمين،
~~لأنهم مماليكه ويؤدون الجزية إليه، كما يؤدي العبد، الضريبة، إلى سيده،
~~وليس لهم
# PageV03P351
# عاقلة، غير الإمام.
# والصحيح أن الإمام عاقلته على كل حال، سواء كان له مال، أو لم يكن.
# وإذا قتل المسلم ذميا عمدا وجب عليه ديته، ولا يجب عليه القود بحال.
# وقد روي أنه إن كان معتادا لقتل أهل الذمة.
# فإن كان كذلك، وطلب أولياء المقتول القود، كان على الإمام أن يقيده به،
~~بعد أن يأخذ أولياء الذمي ما يفضل من دية المسلم، فيرده عليه، أو على
~~ورثته، فإن لم يردوه أو لم يكن معتادا، فلا يجوز قتله به على حال (1).
# ولا ينبغي أن يلتفت إلى هذه الرواية، ولا يعرج عليها، لأنها مخالفة
~~للقرآن والإجماع، وإنما أوردها شيخنا في استبصاره (2)، وتأويلها ms1372 (3) على
~~هذا.
# ودية الرجل الذمي ثمانمأة درهم جيادا، أو قيمتها، من الذهب.
# ودية نسائهم، على النصف من دية ذكرانهم.
# ودية المجوسي ودية الذمي سواء، لأن حكمهم، حكم اليهودي والنصارى.
# ودية ولد الزنا، مثل دية اليهودي، على ما ذهب إليه السيد المرتضى رضي
~~الله عنه ولم أجد لباقي أصحابنا فيه قولا فأحكيه.
# والذي يقتضيه الأدلة التوقف في ذلك، وإن لا دية له، لأن أصل براءة الذمة.
# وإذا خرج أهل الذمة عن ذمتهم، بتركهم شرايطها، من ارتكابهم الفجور،
~~والتظاهر بشرب الخمور، وما يجري مجرى ذلك، مما ذكرناه، فيما تقدم حل دمهم،
~~وبطلت ذمتهم، غير أنهم لا يجوز لأحد أن يتولى قتلهم إلا الإمام، أو من
~~يأمره الإمام به، ويأذن له فيه.
# وديات أعضاء أهل الذمة وأروش جراحاتهم على قدر دياتهم سواء، لا يختلف
~~الحكم فيه .
# PageV03P352
# ودية جنين أهل الذمة عشر دية آبائهم، كما أن دية جنين المسلم كذلك على ما
~~يأتي بيانه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
# وإذا قتل أهل الذمة بعضهم بعضا أو تجارحوا قيد بينهم واقتص لبعضهم من
~~بعض، كما يقتص للمماليك بعضهم من بعض.
# وديات رقيقهم، قيمتهم، ما لم يتجاوز قيمة (1) دية الحر الذمي، والأمة دية
~~الحرة الذمية، فيرد إليهما.
# وإذا قتل حر عبدا مسلما لم يكن عليه قود، وكان عليه ديته، وديته قيمة
~~العبد يوم قتله، إلا أن تزيد على دية الحر المسلم، فإن زاد على ذلك رد إلى
~~دية الحر، وإن نقص عنها لم يكن عليه أكثر من قيمته، فإن اختلفوا في قيمة
~~العبد يوم قتله، كان على مولاه البينة، بأن قيمته كان كذا يوم قتل، فإن لم
~~يكن له بينة، كان القول، قول القاتل، مع يمينه، لأنه غارم، ومدعى عليه،
~~وجاحد، بأن قيمته على ما ادعاه، فإن رد اليمين على مولى العبد، كان أيضا
~~جايزا، وهو بالخيار في الرد.
# ودية الأمة المسلمة قيمتها، ولا يتجاوز بقيمتها دية الحرائر من النساء،
~~فإن زاد ثمنها على دية الحرة، ردت إلى ذلك، وإن كان أقل من دية الحرة، ms1373 لم
~~يكن على قاتلها أكثر من ذلك، وإن قتله (2) خطأ محضا كانت الدية على عاقلته
~~على ما بيناه.
# فإن قتل عبد حرا عمدا كان عليه القتل، إن أراد أولياء المقتول ذلك، فإن
~~لم يطلبوا القود، وطلبوا الدية فليس لهم الأنفس المملوك، وعلى السيد تسليمه
~~إليهم، فإن شاؤوا استرقوه، وإن شاؤوا قتلوه، فإن أرادوا قتله، تولى ذلك
~~عنهم السلطان أو يأذن لهم فيه، وإن اصطلح أولياء المقتول وسيد العبد، على
~~أخذ الدية من مال السيد، كان ذلك جايزا، وإن لم يفعل السيد ذلك، فلا شئ
~~عليه، وعليه تسليمه إليهم فقط، فإن استرقوه ورضوا باسترقاقه دون قتله، فليس
~~لهم بعد ذلك قتله، وصار عبدا لهم، وليس لهم بعد العفو عن قتله واسترقاقه
~~قتله بحال.
# فإن كان قتله الحر خطأ محضا فليس السيد عاقلة له، بل إن شاء أن يؤدي عنه
# PageV03P353
# الدية، فعل ذلك، وإن شاء أن يسلمه إليهم يكون رقا لهم، وليس لهم قتله على
~~حال.
# وللسلطان أن يعاقب من يقتل العبيد بما ينزجر عن مثله في المستقبل.
# فإذا قتل العبيد بعضهم بعضا أو تجارحوا أقيد بينهم واقتص لبعضهم من بعض،
~~إلا أن يتراضى مواليهم بدون ذلك، من الدية أو الأرش.
# وإذا قتل مدبر حرا، كانت الدية على مولاه الذي دبره إن شاء واختار ورضي
~~أولياء المقتول، واختاروا أيضا ذلك، فإن لم يصطلحوا على ذلك، وجب على مولاه
~~تسليمه برمته، إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوه، إن كان قتل صاحبهم
~~عمدا، وإن شاؤوا استرقوه، فإن كان قتله خطأ استرقوه، وليس لهم قتله.
# وروي أنه إذا مات الذي دبره، استسعى في دية المقتول، وصار حرا (1).
# ولا دليل على صحة هذه الرواية، لأنها مناقضة للأصول، وهو أنه خرج من ملك
~~من دبره، وصار عبدا لأولياء المقتول، فمن أخرجهم من ملكهم بعد دخوله فيه،
~~يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، ولا يرجع في ذلك إلى أخبار آحاد لا توجب
~~علما ولا عملا.
# ويمكن أن تحمل الرواية على أنه كان التدبير عن نذر واجب لا ms1374 يجوز الرجوع
~~فيه، فإذا كان كذلك، وكان القتل خطأ فإنه بعد موت من دبره، يصير حرا
~~ويستسعى في الدية، فأما إذا كان التدبير لاعن نذر، فهو على ما قررناه
~~وحررناه، فليلحظ ذلك ويتأمل.
# والأقوى عندي في الجميع أنه يسترق، سواء كان عن نذر، أو لم يكن، لأن
~~السيد ما رجع عن النذر، وإنما صار عبدا بحق.
# ومتى قتل مكاتب حرا، فإن كان لم يؤد من مكاتبته شيئا، أو كان مشروطا عليه
~~وإن أدى من مكاتبته شيئا فحكمه، حكم المماليك سواء، فإن كان غير مشروط عليه
~~وقد أدى من مكاتبته شيئا كان على مولاه من الدية بقدر ما بقي من
# PageV03P354
# كونه رقا، وعلى إمام المسلمين بمقدار ما تحرر منه، وإن شاء سيده الذي بقي
~~له منه شئ تسليم ما يخصه إليهم، كان له ذلك، ولا يجبر على ديته بمقدار ما
~~بقي من كونه رقا.
# ومتى قتل حر مكاتبا وكان قد أدى من مكاتبته شيئا كان عليه، بمقدار ما قد
~~تحرر منه، من دية الحر وبمقدار ما قد بقي منه من قيمة المماليك، وليس عليه
~~أكثر من ذلك، ولا يقاد قاتله به على حال.
# وذهب شيخنا في استبصاره في الجزء الثالث، إلى أن المكاتب المطلق، إذا أدى
~~نصف مكاتبته، فهو بمنزلة الحر، في الحدود، وغير ذلك من قتل أو غيره، من أن
~~حكمه حكم الأحرار، يجب على قاتله القود (1)، معتمدا على خبر شاذ فتأوله.
# والصحيح ما ذهب إليه في نهايته (2)، لأنه يعضده أصول مذهبنا.
# وديات الجوارح والأعضاء وأروش جراحاتهم على قدر أثمانهم، كما أنها كذلك
~~في الأحرار.
# ويلزم قاتل العبد إذا كان العبد مسلما من الكفارة ما يلزم في قتل حر مسلم
~~سواء، من كفارة الجميع، وهي عتق رقبة وصيام الشهرين المتتابعين وإطعام ستين
~~مسكينا، إذا كان قتله له عمدا.
# فإن كان خطأ كان عليه الكفارة الواحدة المرتبة، على ما قدمناه في الحر
~~سواء.
# ومن قتل عبده معتمدا، كان على الإمام أن يعاقبه عقوبة تردعه عن مواقعة
~~مثله في المستقبل، ويغرمه قيمة ms1375 العبد، فيصدق بها على الفقراء، وكان عليه
~~بعد ذلك كفارة قتل العمد، وهي كفارة الجمع المقدم ذكرها.
# فإن كان قتله له خطأ لم يكن عليه إلا كفارة، حسب ما قدمناه من أحد
~~الأجناس الثلاثة، على الترتيب.
# ومتى جرح إنسان عبدا، أو قطع شيئا من أعضائه مما يجب فيه قيمته على
~~الكمال، وجب عليه قيمته، ولا يتجاوز بها دية الأحرار، ويأخذ العبد، يكون
~~رقا له.
# PageV03P355
# ولا يجوز للمولى أن يمسكه ويطالب بقيمته، بل هو بالخيار بين أن يأخذ
~~قيمته ويسلمه إلى الجاني يكون رقا له وبين أن يمسكه ولا شئ له، لئلا يجمع
~~بين البدل والمبدل.
# وليس كذلك إذا جنى الحر على العبد، بما هو دون ثمنه، وديته التي هي
~~قيمته، فإنه عند هذه الحال لا يكون صاحبه في دفعه إلى الجاني بالخيار، بل
~~له دية ما جرحه وقطعه، ويمسك عبده.
# فأما إذا قطع رجل يد عبد، وقطع رجل آخر يده الأخرى، فالذي يقتضيه مذهبنا
~~وأصوله، أن سيده لا يكون هاهنا بالخيار في إمساكه، ولا شئ له على القاطعين،
~~وبين تسليمه إليهما، وأخذ قيمته منهما، بل يكون له على كل واحد منهما نصف
~~قيمته، ولا يجب عليه تسليمه إليهما، بل هو له.
# وحمل ذلك على القاطع الواحد قياس، ونحن لا نقول به، بل نقف ونأخذ بعين ما
~~ورد لنا في ذلك.
# وقال شيخنا في مبسوطه وإن قطع يدي عبد، كان عليه كمال قيمته، وتسليم
~~العبد عندنا، وإذا قطع رجل رجل عبد، والآخر يده كان عليهما كمال قيمته، على
~~كل واحد منهما نصفه، ويمسك المولى العبد هاهنا بلا خلاف، وفي الأول خلاف
~~وفيهم من سوى بين المسألتين فجعل العبد بين الجانبين وهو الأقوى هذا آخر
~~كلامه (1).
# قال محمد إدريس رحمه الله ما قواه أضعف من التمام، بل الأول، الصحيح.
# وقد روي أنه متى قتل عبد حرين، أو أكثر منهما، أو جرحهما جراحة تحيط
~~بثمنه، واحد بعد الآخر، كان العبد لأولياء الأخير لأنه إذا قتل واحدا يصير
~~لأوليائه، وإذا قتل الثاني انتقل إلى ms1376 أولياء الثاني، ثم هكذا بالغا ما بلغ
~~(2).
# PageV03P356
# والوجه في هذه الرواية، أن يكون أولياء الأول اختاروا استرقاقه ورضوا
~~بذلك، وعفوا عن قتله، فحينئذ يصير مملوكا لهم، فإذا قتل الثاني، صار
~~مملوكا، لأوليائه إن اختاروا ذلك، وإلا لهم قتله، ولا يدخل في ملك واحد من
~~القبيلين بغير اختياره، فأما إذا لم يختر أولياء الأول استرقاقه، ولا عفوا
~~عن قتله، ثم قتل الثاني، فمن سبق إلى قتله، كان له ذلك، لقوله تعالى " فقد
~~جعلنا لوليه سلطانا " (1) فليلحظ ذلك.
# وإلى ما حررناه واخترناه ذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في الجزء
~~الثالث من الإستبصار (2)، وعاد عما أطلقه، في نهايته (3)، وذهب إليه إلا
~~أنه لما أورد الرواية التي فيها أنه لأولياء الأخير من المقتولين، قال هذا
~~الخبر ينبغي أن نحمله على أنه إنما يصير لأولياء الأخير، إذا حكم بذلك
~~الحاكم، فأما قبل ذلك، فإنه يكون بين أولياء الجميع.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله وأي فائدة وأثر في الحاكم وحكمه، إن أراد
~~رحمه الله بقوله حكم الحاكم - ثبت (4) عنده، فما يكون الأحكام إلا بعد
~~ثبوتها، وإن أراد حكم الحاكم باسترقاق العبد القاتل، فلا حكم للحاكم في
~~ذلك، ولا مدخل ولا قول، بل الاختيار في ذلك إلى الأولياء، بين القتل
~~والاسترقاق، ولا مدخل للحاكم في ذلك (5).
# ومتى قتلهما بضربة واحدة، أو جناية واحدة، كان بين أوليائهما على ما
~~حررناه، وليس على مولاه أكثر من تسليمه إليهما.
# ومتى جرح عبد حرا فإن شاء الحر أن يقتص منه، كان له ذلك، فإن شاء أخذه إن
~~كانت الجراحة تحيط برقبته، وإن كانت لا تحيط برقبته، افتداه مولاه، فإن أبى
~~مولاه ذلك، كان للحر المجروح من العبد بقدر أرش جراحته، والباقي لمولاه،
~~يباع العبد، فيأخذ المجروح حقه، ويرد الباقي على المولى.
# PageV03P357
# وإذا قتل عبد مولاه، قيد به، على كل حال.
# وإذا كان لإنسان مملوكان قتل أحدهما صاحبه، كان بالخيار، بين أن يقيده
~~به، أو يعفو عنه.
# ولا قصاص بين المكاتب الذي أدى من مكاتبته شيئا، وبين العبد، كما ms1377 لا قصاص
~~بين الحر والعبد، ويحكم فيهما بالدية والأرش حسب ما يقتضيه حساب المكاتب
~~على ما بيناه.
# وإذا قتل عبد حرا خطأ فأعتقه مولاه، جاز عتقه ولزمه دية المقتول، لأنه
~~عاقلته على ما بيناه، هكذا أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (1).
# وقد قلنا نحن إن المولى لا يعقل عن عبده، وإنما مقصود شيخنا إذا أعتقه
~~تبرعا، فإنه مولاه، وله ولاؤه، وهو يعقل عنه بعد ذلك، إلا أنه في حال ما
~~قتل الحر لم يكن السيد عاقلته، ولا يجب على السيد سوى تسليمه إلى أولياء
~~المقتول، حسب ما قدمناه فإنه عبدهم، وهم مستحقون له، إلا أن يتبرع المولى
~~ويفديه بالدية، فإذا فداه وضمن عنه ما جناه، جاز له حينئذ عتقه، والتصرف
~~فيه، وقبل ذلك لا يجوز له شئ من ذلك، لأنه قد تعلق به حق للغير، فلا يجوز
~~إبطاله، إلا أن يضمن عنه، وكذلك لا يجوز بيعه، قبل الضمان عنه، ولا رهنه.
# وشيخنا أبو جعفر قائل بذلك، موافق عليه، لأنه قال في الجزء الثاني من
~~مسائل خلافه في كتاب الرهن مسألة إذا جنى العبد جناية ثم رهنه بطل الراهن
~~سواء كانت الجناية عمدا، أو خطأ أو توجب القصاص، أو لا توجبه، ثم قال
~~دليلنا على بطلانه إذا كان عمدا أنه إذا كان كذلك فقد استحق المجني عليه
~~العبد وإن كان خطأ تعلق الأرش برقبته فلا يصح رهنه (2) هذا آخر كلامه رحمه
~~الله.
# فكيف يصح ما قاله في نهايته وإطلاق كلامه بأنه عاقلته وأنه يجوز عتقه قبل
~~ضمان الدية عنه فليلحظ ذلك، فما يورده في نهايته في كتاب الديات،
# PageV03P358
# معظمه أخبار آحاد وقد بينا أنها لا توجب علما ولا عملا، وقد رجع عن أكثره
~~في مبسوطه ومسائل خلافه.
# باب من لا يعرف قاتله، ومن لا دية له إذا قتل، والقاتل في الحرم والشهر
~~الحرام من مات في زحام عبور على جسور، أو زيارات قبور الأئمة عليهم السلام
~~أو في أبواب الجوامع يوم الجمعات، أو أبواب المشاهد، أيام الزيارات،
~~ومقامات عرفات وما أشبه ms1378 ذلك، من المواضع التي يتزاحم الناس فيها، ولا يعرف
~~قاتله، ولا واكزه، كانت ديته، على بيت مال المسلمين، إن كان له ولي يطلب
~~ديته، فإن لم يكن له ولي، فلا دية له.
# ودية القتيل الموجود في القرية أو المحلة المتميزة، أو الدرب، أو الدار،
~~أو القبيلة، ولا يعرف له قاتل بإقرار، أو بينة، على أهل المحل الذي وجد
~~فيه، فإن وجد بين القريتين، أو الدارين، أو المحلتين، أو القبيلتين، فديته
~~على أقربهما إليه، فإن كان وسطا، فالدية نصفان.
# وروى أصحابنا أنه إذا كانت القريتان، متساويتين إليه، في المسافة كانت
~~ديته، على أهل الموضع الذي وجد فيه قلبه وصدره، وليس على الباقين شئ، إلا
~~أن يتهم آخرون، فيكون حينئذ الحكم فيهم، إما إقامة البينة (1)، أو القسامة،
~~على الشرح الذي قدمناه.
# قال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في الجزء الثالث من الاستبصار في
~~باب المقتول في قبيلة أو قرية، أورد ثلاثة أخبار بأن على أهل القرية، أو
~~القبيلة، الدية، ثم قال قال محمد بن الحسن الوجه في هذه الأخبار أنه إنما
~~يلزم أهل القرية أو القبيلة إذا وجد القتيل بينهم، متى كانوا متهمين
~~بالقتل، وامتنعوا من القسامة حسب ما بيناه في كتابنا الكبير، فإذا لم
~~يكونوا متهمين، أو أجابوا إلى القسامة، فلا دية
# PageV03P359
# عليهم، وتؤدي ديته من بيت المال، (1) هذا آخر كلامه.
# وإلى هذا القول أذهب، وبه أفتي، لأن لوجود القتيل بينهم لوث، فيقسم
~~أولياؤه، مع اللوث وقد استحقوا ما يقسمون عليه، وهذا الذي يقتضيه أصول
~~مذهبنا.
# فإذا دخل صبي دار قوم، فوقع في بئرهم فإن كانوا متهمين بعداوة بينهم وبين
~~أهله، كانت عليهم ديته، إن كان دخل عليهم بإذنهم، ويجري ذلك مجرى اللوث
~~المقدم ذكره، وتكون الدية المقدم ذكرها بعد القسامة منهم، فإن كانوا
~~مأمونين، أو دخل عليهم بغير اختيارهم، لم يكن عليهم شئ سوى اليمين، إنهم لم
~~يقتلوه، لأن هذه دعوى عليهم محضة.
# وقد روي أنه إذا وقعت فزعة بالليل فوجد فيهم قتيل، أو جريح، لم يكن فيه
~~قصاص، ms1379 ولا أرش جراح، وكانت ديته على بيت مال المسلمين (2).
# هذا إذا لم يتهم قوم فيه ويكون ثم لوث على ما بيناه.
# وإذا وجد قتيل في أرض فلاة كانت أيضا ديته على بيت المال.
# وقد روي أنه إذا وجد قتيل، في معسكر، - بفتح الكاف - أو في سوق من
~~الأسواق، ولم يعرف له قاتل، كانت أيضا ديته على بيت مال المسلمين (3)، إلا
~~أن يكون هناك لوث على رجل بعينه، أو قوم بأعيانهم، فيجب على الأولياء
~~القسامة، حسب ما قدمناه.
# والفرق بين القبيلة، والقرية، وبين المعسكر والسوق، على هذه الرواية، أن
~~القرية متميزة، وكذلك القبيلة لا يختلط بهم سواهم، وليس كذلك السوق
~~والمعسكر، يمكن أن يكون الوجه في هذه الرواية، ما قدمناه.
# ومن طلب إنسانا على نفسه، أو ماله، فدفعه عن نفسه، فأدى ذلك إلى قتله،
~~فلا دية له، وكان دمه هدرا.
# PageV03P360
# وعلى هذا إذا أراد امرأة أو غلاما على فجور فدفعاه عن أنفسهما، فقتلاه،
~~كان دمه هدرا.
# ومن اطلع على قوم في دارهم، أو دخل عليهم من غير إذنهم، فزجروه، فلم
~~ينزجر، فرموه بعد الزجر، فأدى الرمي إلى قتله، أو فقأوا (1) عينه، لم يكن
~~عليهم شئ.
# ومن قتله القصاص، أو الحد، فلا قود له، ولا دية، سواء كان الحد من حدود
~~الآدميين، أو من حقوق الله تعالى، وحدوده، لأن الضارب للحد محسن بفعله، وقد
~~قال تعالى " ما على المحسنين من سبيل " (2).
# وإلى هذا يذهب شيخنا أبو جعفر في نهايته (3).
# وذهب في استبصاره إلى أنه إن كان الحد، من حدود الله فلا دية له من بيت
~~المال، وإذا مات في شئ من حدود الآدميين كانت ديته على بيت المال، بعد أن
~~أورد خبرين عن الحلبي، والآخر عن زيد الشحام، بأن من قتله الحد، فلا دية
~~له، ثم أورد خبرا، عن الحسن بن صالح الزيدي، فخص به الخبرين (4).
# ولا خلاف بين المتكلمين في أصول الفقه، أن أخبار الآحاد لا يخص بها
~~العموم المعلوم، وإن كانت رواتها عدولا، فكيف وراويه من رجال الزيدية، ثم
~~إنه ms1380 مخالف للقرآن والإجماع.
# ثم إنه قال في خطبة استبصاره، أنه يقضى بالكثرة، على القلة، والمسانيد،
~~على المراسيل، وبالرواة العدول، على غير العدول، فقد أخرم هذه القاعدة، في
~~هذا المكان، في مواضع كثيرة من كتابه الذي فنن (5) قاعدته.
# ومن أخطأ عليه الحاكم بشئ، من الأشياء، أو بزيادة ضرب على الحد، أو غير
~~ذلك، فقتله، أو جرحه، فقد روى أصحابنا، أنه يكون على بيت مال
# PageV03P361
# المسلمين (1).
# ومن حذر فرمى فقتل، فلا قصاص عليه، ولا دية، لما روي عن أمير المؤمنين
~~عليه السلام أنه قال قد أعذر من حذر (2).
# ومن اعتدى على غيره فاعتدي عليه فقتل، لم يكن له قود، ولا دية.
# وقد روي في شواذ الأخبار أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (3) عن عبد الله
~~بن طلحة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن رجل سارق دخل على
~~امرأة ليسرق متاعها فلما جمع الثياب تابعته نفسه، فكابرها فواقعها، فتحرك
~~ابنها فقام إليه، فقتله بفأس كان معه فلما فرغ، حمل الثياب وذهب ليخرج،
~~فحملت عليه بالفأس فقتلته، فجاء أهله يطالبون بدمه من الغد فقال أبو عبد
~~الله (عليه السلام) اقض على هذا كما وصفت لك، فقال يضمن مواليه الذين طلبوا
~~بدمه، دم الغلام، ويضمن السارق، فيما ترك أربعة ألف (4) درهم، لمكابرتها
~~على نفسها، وفرجها (5) إنه زان وهو في ماله غرامة وليس عليها في قتلها إياه
~~شئ، لأنه سارق (6).
# قال محمد بن إدريس هذه الرواية مخالفة للأدلة وأصول المذهب، لأنا قد بينا
~~أن قتل العمد، لا تضمنه العاقلة، والسارق المذكور قتل الابن عمدا فكيف يضمن
~~مواليه دية الابن، فأما قتلها له، فلا قود عليها، ولا دية في ذلك، كما قال
~~لأنه قد استحق القتل من وجهين، لمكان غصبه فرجها، لأن من غصب امرأة فرجها،
~~وجب عليه القتل، والوجه الثاني لمكان قتله ولدها، فإنها (7) يجب لها القود
~~عليه، وأما إلزامه في ماله أربعة ألف (8) درهم. فلا دليل على ذلك.
# والذي يقتضيه أصول مذهبنا، أنه يجب عليه مهر مثلها يستوفى من تركته، إن
~~كان ms1381
# PageV03P362
# قد خلف تركة، لا يجب أكثر من ذلك لأنه لا دليل على أكثر من مهر المثل،
~~لأنه دية الفرج المغصوب، وهو العقر - بضم العين غير المعجمة وتسكين القاف -
~~وهو دية الفرج المغصوب، عند أهل اللغة والفقهاء.
# وروي أيضا أنه قال قلت رجل تزوج امرأة، فلما كان ليلة البناء، عمدت
~~المرأة إلى رجل صديق لها، فأدخلته الحجلة، - والحجلة بالتحريك واحدة حجال
~~العروس وهو بيت يزين بالثياب والأسرة والنمارق، والستور، هكذا ذكره الجوهري
~~في كتاب الصحاح (1)، فلا يظن ظان أن الحجلة السرير ويعضد قول الجوهري
~~الحديث المروي المشهور وهو أعروهن يلزمن الحجال (2)، ولا خلاف أن المراد
~~بذلك البيوت، دون الأسرة - فلما دخل الرجل يباضع أهله، ثار الصديق، واقتتلا
~~في البيت، فقتل الزوج الصديق، فقامت المرأة فضربت الزوج ضربة فقتلته،
~~بالصديق، قال تضمن المرأة، دية الصديق، وتقتل بالزوج (3)، قال محمد بن
~~إدريس رحمه الله أما قتلها بالزوج فصحيح، وأما إلزامها دية الصديق في مالها
~~فلا دليل عليه، من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع، بل لا دية له، ودمه
~~هدر، لأن قتله مستحق، لأنه متعد بخصومة صاحب المنزل في منزله، وعلى امرأته،
~~وإنما هذه روايات وأخبار آحاد توجد في المصنفات، لا دليل على صحتها فلا يحل
~~ولا يجوز الفتيا بها، لأنها لا تعضدها الأدلة، بل الأدلة بالضد منها.
# ومن قتل غيره في الحرم، أو أحد أشهر الحرم، وهي رجب، وذو القعدة، وذو
~~الحجة، والمحرم، وأخذت منه الدية، صلحا على ما قدمناه، كان عليه دية وثلث،
~~من أي أجناس الديات كانت، لانتهاكه حرمة الحرم، وأشهر الحرم، فإن طلب منه
~~القود، قتل بالمقتول.
# فإن كان إنما قتل في غير الحرم، ثم التجأ إلى الحرم، ضيق عليه في المطعم
~~والمشرب، بأن لا يبايع، ولا يخالط، إلى أن يخرج، فيقام عليه الحد.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، وكذلك الحكم في مشاهد الأئمة
# PageV03P363
# (عليهم السلام) (1).
# يريد بعطفه على الحرم في حكم واحد، لا في جميع أحكام الحرم، من أنه إذا
~~جنى في غير حرم الإمام الذي ms1382 هو المشهد، ثم التجأ إلى المشهد، ضيق عليه في
~~المطعم والمشرب، بأن لا يبايع، ليخرج فيقام عليه الحد، إلا (2) أنه إذا قتل
~~فيه وأخذت منه الدية وجبت عليه الدية وثلث لأنه لا دليل على ذلك من كتاب أو
~~سنة أو إجماع.
# باب ضمان النفوس وغيرها روى أصحابنا أن من دعى غيره ليلا فأخرجه من
~~منزله، فهو له ضامن إلى أن يرده إلى منزله، أو يرجع هو بنفسه إليه، فإن لم
~~يرجع إلى المنزل، أو لا يعرف له خبر، كان ضامنا لديته، فإن وجد قتيلا كان
~~على الذي أخرجه القود، بعد القسامة من أوليائه على ما مضى شرحه، أو يقيم
~~البينة، أنه برئ من قتله، فإن لم يقم بينة، وادعى أن غيره قتله، ولم يقم
~~بذلك بينة بقتل غيره له على ما ادعاه، كان عليه الدية، دون القود على
~~الأظهر في (3)، الأقوال، والروايات.
# وقد روي أن عليه القود (4).
# والأول هو الصحيح، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في نهايته (5).
# ومتى أخرجه من البيت ثم وجد ميتا فادعى أنه مات حتف أنفه، روي أن عليه
~~الدية، أو البينة، على ما ادعاه (6).
# والذي يقتضيه الأدلة أنه إذا كان غير متهم عليه، ولا يعلم بينهما إلا خير
~~وصلح
# PageV03P364
# فلا دية عليه بحال فأما إذا كان يعلم بينهما مخاصمة، وعداوة، فلأوليائه
~~القسامة، بما يدعونه من أنواع القتل، فإن ادعوا قتله، عمدا كان لهم القود،
~~وإن ادعوا أنه خطأ كان لهم الدية، لأن إخراجه والعداوة التي بينهما تقوم
~~مقام اللوث، مقدم ذكره، فليلحظ ذلك.
# وإذا استأجر إنسان ظئرا فأعطاها ولده، فغابت بالولد سنين، ثم جاءت
~~بالولد، فزعمت أمه أنها لا تعرفه، وزعم أهلها أنهم لا يعرفونه، فليس لهم
~~ذلك، وليقبلوه، فإنما الظئر مأمونة، اللهم، إلا أن يحققوا العلم بذلك،
~~بالأدلة القاطعة للأعذار، وأنه ليس بولد لهم، فلا يلزمهم حينئذ الإقرار به،
~~وكان على الظئر الدية، أو إحضار الولد بعينه، أو من يشتبه الأمر فيه، ولا
~~يقبل قولهم بمجرده دون البينة على الظئر، لأنها مأمونة، ومدعى عليها،
~~وغارمة، ms1383 والقول، قول الأمين، والمدعى عليه بلا خلاف.
# وإذا استأجرت الظئر، ظئرا أخرى، من غير إذن صاحب الولد، فغابت به، ولا
~~يعرف له خبر، كانت عليها الدية، لأنها فرطت بتسليمه إلى غيرها، من غير إذن
~~وليه.
# وقد روي أنه متى تقلبت (1) الظئر، على الصبي في منامها، فقتله، فإن كانت
~~إنما فعلت ذلك للفقر والحاجة، كانت الدية على عاقلتها، وإن كانت إنما طلبت
~~المظاءرة، للفخر والعز كان عليها الدية في مالها خاصة (2).
# وروي أن من نام، فانقلب على غيره فقتله، كان ذلك، شبيه العمد، يلزمه
~~الدية، في ماله خاصة، وليس عليه قود (3).
# والذي يقتضيه أصول مذهبنا، أن الدية في جميع هذا على العاقلة، لأن النائم
~~غير عامد في فعله، ولا عامد في قصده، وهذا حد قتل الخطأ المحض، ولا خلاف أن
~~دية قتل الخطأ المحض على العاقلة، وإنما هذه أخبار آحاد، لا يرجع بها عن
~~الأدلة.
# والذي ينبغي تحصيله في هذا، أن الدية على النائم نفسه، لأن أصحابنا
# PageV03P365
# جميعهم، يوردون ذلك في باب ضمان النفوس، وذلك لا تحمله العاقلة بلا خلاف.
# ومن قتل غيره متعمدا، فدفعه الوالي إلى أولياء المقتول ليقيدوه بصاحبهم،
~~فخلصه إنسان قهرا، كان عليه رده، فإن لم يرده كانت عليه الدية.
# وروي أنه إذا أعنف الرجل بامرأته، أو المرأة بزوجها، فقتل أحدهما، فإن
~~كانا متهمين، ألزما الدية، وإن كانا مأمونين، لم يكن عليهما شئ (1).
# والأولى وجوب الدية على المعنف منهما كيف ما دارت القضية، إلا أن الحكم
~~إذا كانا متهمين، فقد حصل لولي المقتول تهمة، وهو اللوث، فله أن يقسم،
~~ويستحق القود، إن ادعى أن القتل عمد، فأما إذا كانا مأمونين فالمستحق الدية
~~على المعنف فحسب، ولا يستحق الولي القود هاهنا بحال، فهذا تحرير الفتيا في
~~ذلك.
# ومن طفر من علو فوق غيره قاصدا، فقتله، فهو قاتل عمد (2)، وإن كان لغرض
~~غير ذلك، فوقع عليه من غير قصد إليه، فالدية على عاقلته، وإن كان يدفع
~~غيره، فالدية على الدافع، وإن كان بهبوب الرياح، فالدية من بيت المال
~~المسلمين.
# ولا ms1384 تعقل العاقلة صلحا، ولا إقرارا، ولا تعقل البهايم، ولا ما وقع عن تعد
~~كحدث (3) الطريق، والدابة، وكل مضمون من الأموال، بالجملة لا تعقل العاقلة
~~الأسباب، كمن حفر بئرا أو وضع حجرا، أو نصب سكينا، أو أضرم نارا، وما أشبه
~~ذلك.
# فعلى التحرير (4)، يتنوع القتل ستة أنواع.
# عمد يوجب القود.
# - وخطأ محض -.
# - وخطأ شبيه العمد - وهما جميعا يوجبان الدية دون القود.
# ومضمون بالتعدي وهو ما عدا الأنواع الثلاثة المعلوم إضافتها، وديته لازمة
# PageV03P366
# للمتعدي في ماله.
# وقتل لا يعرف فاعله، ويصح إضافة هذا القتل إلى محل وجوده، كالقرية
~~والمحلة وشبههما.
# وقتل لا يعرف فاعله، ولا يصح إضافته كقتل الزحام ونظائره، فديته على بيت
~~مال المسلمين.
# ومن غشيته دابة وخاف أن تطأه فزجرها عن نفسه، فجنت على الراكب، أو على
~~غيره، لم يكن عليه شئ، لأنه بفعله محسن، لأنه دفع الضرر عن نفسه، وقد قال
~~تعالى " وما على المحسنين من سبيل " (1).
# ومن ركب دابة فساقها، فوطأت إنسانا أو كسرت شيئا، كان ما تصيبه بيديها
~~ورأسها ضامنا له، دون ما تصيبه برجليها.
# فإن ضربها فرمحت، فأصابت إنسانا أو شيئا، كان عليه ضمان ما أصابته
~~بيديها، ورجليها معا.
# وكذلك إذا وقف عليها، كان عليه ضمان ما تصيبه بيديها ورجليها.
# فإن كان يسوقها سوقا غير معتاد، فوطأت شيئا بيديها أو رجليها أو فمها،
~~كان ضامنا له.
# وإن كان يقودها فوطأت شيئا بيديها، كان ضامنا له، وكذلك يضمن ما تصيبه
~~بفمها، وليس عليه ضمان ما تصيبه برجلها (2) إلا أن يضربها، فإن ضربها فرمحت
~~برجلها فأصابت شيئا، كان ضامنا له.
# ومن آجر دابته إنسانا، فركبها وساقها وكان صاحبها معها يراعيها، فوطأت
~~شيئا بإحدى الأربع، كان ضمان ما تطأه على صاحب الدابة، دون الراكب، فإن لم
~~يكن صاحبها معها، وكان الراكب هو الذي يراعيها، كان على راكبها ضمان ما
~~تصيبه، دون صاحبها بيديها، ورأسها، دون ما تصيبه برجليها، إذا كان سوقه لها
~~بمجرى العادة، فإن كان خارجا عن المعتاد، ضمن جميع ما تصيبه بإحدى الأربع،
# PageV03P367
# والرأس أيضا.
# فإن رمت ms1385 الدابة بالراكب، لم يكن على الذي آجرها شئ سواء كان معها أو لم
~~يكن، إلا أن يكون نفر بها، فإن نفر بها، كان ضامنا لما يكون منها، من
~~جناية.
# وحكم الدابة في جميع ما قلنا، حكم ساير ما يركب من البغال، والحمير،
~~والجمال، على حد واحد، لا يختلف الحكم فيه.
# ومن حمل على رأسه متاعا، بأجرة فكسره، وأصاب إنسانا به، كان عليه ضمانه
~~أجمع، اللهم إلا أن يكون إنسان آخر دفعه، فيكون حينئذ ضمان ذلك عليه.
# ومن قتل مجنونا عمدا فإن كان أراده فدفعه عن نفسه، فأدى ذلك إلى قتله، لم
~~يكن عليه شئ، لأنه محسن بفعله على ما قلناه فيما مضى، وحررناه، وكان دمه
~~هدرا، فإن لم يكن المجنون أراده، فقتله عمدا كان عليه ديته، ولم يكن عليه
~~قود، لأنه لا يقاد الكامل بالناقص، وإن كان قتله له خطأ كانت الدية على
~~عاقلته.
# وإذا قتل المجنون غيره، كان عمده وخطأه واحدا، تجب فيه الدية على عاقلته،
~~فإن لم يكن له عاقلة، كانت عاقلته الإمام عليه السلام دون بيت المال، لأن
~~ميراثه له، اللهم إلا أن يكون المجنون، قتل من أراده، فيكون حينئذ دم
~~المقتول هدرا.
# ومن قتل غيره وهو صحيح العقل، ثم اختلط وصار مجنونا قتل بمن قتله، ولا
~~تكون فيه الدية.
# وقد روي أن من قتل غيره، وهو أعمى، فإن عمده وخطأه سواء، وإن فيه الدية
~~على عاقلته (1).
# والذي يقتضيه أصول المذهب إن عمد الأعمى عمد، يجب فيه عليه القود، لقوله
~~تعالى " النفس بالنفس " (2) وقوله تعالى " ولكم في القصاص حياة " (3) فإذا
~~لم يقتل الأعمى بمن قتله عمدا، خرجت فائدة الآية، فلا يرجع عن الأدلة
~~القاهرة برواية شاذة وخبر واحد، لا يوجب علما ولا عملا.
# PageV03P368
# ومن قتل صبيا متعمدا والصبي غير بالغ، قتل به، ووجب عليه القود، على
~~الأظهر من أقوال أصحابنا ولقوله تعالى " النفس بالنفس " وليس هذا كمن قتل
~~مجنونا عمدا، لأن الإجماع منعقد، على أنه لا قود على قاتل المجنون، وليس
~~معنا إجماع منعقد، على أنه ليس ms1386 على قاتل الصبي غير البالغ قود، وأيضا
~~القياس عندنا باطل.
# فإن قتله خطأ كانت الدية على عاقلته.
# وإذا قتل الصبي رجلا متعمدا كان عمده وخطأه واحدا سواء كان له دون عشر
~~سنين، أو أكثر من عشر سنين على الصحيح من الأقوال، وما يقتضيه الأدلة
~~القاهرة، فإنه يجب فيه الدية على عاقلته.
# وقال شيخنا في نهايته، إلى أن يبلغ عشر سنين أو خمسة أشبار، فإذا بلغ
~~ذلك، اقتص منه، وأقيمت عليه الحدود التامة (1).
# وهذا القول غير مستقيم ولا واضح، لأنه مخالف للأدلة العقلية، والسمعية،
~~ولا يلتفت إلى رواية شاذة، وخبر واحد، لا يوجب علما ولا عملا، وإن كان
~~شيخنا أورد الرواية في نهايته، فإنه أوردها إيرادا لا اعتقادا، كما أورد
~~نظايرها مما لا يعمل عليه، ولا يفتي به ولا يعرج عليه.
# ورجع أيضا عن ذلك، في مسائل خلافه ومبسوطه (2) على ما قدمناه فيما مضى
~~وحكيناه (3) فإنه قال، في الجزء الثالث من مسائل خلافه: مسألة روى أصحابنا
~~إن عمد الصبي والمجنون، وخطأهما سواء.
# فعلى هذا يسقط القود عنهما، والدية على العاقلة مخففة.
# ثم استدل، فقال، دليلنا إجماع الفرقة، وأخبارهم ولأن الأصل براءة الذمة،
~~وما ذكرناه مجمع على وجوبه، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال
~~رفع القلم عن ثلاث أحدهم عن الصبي حتى يبلغ، هذا آخر استدلاله رحمه الله
~~وآخر مسألته (4).
# PageV03P369
# ومن وطأ امرأته قبل أن تبلغ تسع سنين، فأفضاها والإفضاء هو أن يصير مدخل
~~الذكر ومخرج البول واحدا يخرق ما بينهما من الحاجز فيرفعه، فيفضي ما بينهما
~~كان عليه ديتها، وألزم النفقة عليها، إلى أن تموت أو يموت هو، لأنها لا
~~تصلح للرجال، على ما وردت به الأخبار (1)، وتواترت (2) عن الأئمة الأطهار،
~~ويجب عليه أيضا مهرها، لأنه لا يدخل في ديتها، وكل واحد منها، لا يدخل في
~~الآخر، لأنه لا دليل عليه.
# ومن أحدث في طريق المسلمين، حدثا ليس له، أو في ملك لغيره بغير إذنه، من
~~حفر بئر، أو بناء حائط، أو نصب خشبة أو كنيف، وما أشبه ms1387 ذلك، مما ليس له
~~إحداثه، ولا فعله، فوقع فيه شئ، أو زلق به أو أصابه منه شئ، من هلاك، أو
~~تلف أو كسر شئ من الأعضاء أو تلفها، أو كسر شئ من الأمتعة، كان ضامنا لما
~~يصيبه في ماله، دون عاقلته، على ما قدمناه، قليلا كان أو كثيرا.
# فإن أحدث في الطريق ماله إحداثه، وفعله، ونصبه، مثل الميازيب، والرواشن،
~~الغير (3) المضرة بالمارة، لم يكن عليه شئ، لأنه محسن بفعله وإحداثه، غير
~~مسيئ، وقد قال تعالى " ما على المحسنين من سبيل " فمن أوجب عليه شيئا خالف
~~الآية، وأوجب عليه ما لم يوجبه الله عليه، وأيضا الأصل براءة الذمة، فمن
~~شغلها بشئ، يحتاج إلى دليل.
# وشيخنا أبو جعفر في نهايته (4)، ضمن صاحب الميزاب.
# ولا دليل على ذلك، من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع وما اخترناه مذهب شيخنا
~~المفيد محمد بن محمد بن النعمان قال في مقنعته، ومن أحدث في طريق المسلمين
~~شيئا، لحق أحدا منهم به ضرر، كان ضامنا لجناية ذلك عليه، فإن أحدث فيه ما
~~أباحه الله تعالى إياه، وجعله وغيره من الناس فيه
# PageV03P370
# سواء، فلا ضمان عليه، لأنه لم يتعد واجبا بذلك، هذا آخر كلامه بعينه (1).
# ولا خلاف بين المسلمين في إباحة نصب الميازيب وجعلها، لم ينكر أحد منهم
~~ذلك بحال.
# ومن أحرق دار قوم، فهلك فيها أنفس، وأموال، كان عليه القود، لمن قتل،
~~وغرم ما أهلكه بالإحراق من الأموال، هذا إذا تعمد قتل الأنفس.
# فأما إذا لم يتعمد قتل الأنفس، لكن تعمد إحراق الأموال والدار فحسب، فإنه
~~يجب عليه ضمان الأموال، فأما الأنفس فدياتها على عاقلته، لأنه غير عامد إلى
~~القتل، لا بالفعل، ولا بالقصد، فهو خطأ محض، لأنه غير عامد في فعله إلى
~~القتل، ولا عامد في قصده إلى تناول النفس المقتولة وتلفها.
# وذكر شيخنا في نهايته، أن عليه ضمان ما أتلف من الأنفس، وبعد ذلك عليه
~~القتل (2).
# وهذا غير واضح، لأنه إن كان قتل العمد، فليس عليه إلا القود، فحسب، وإن
~~كان قتل شبيه العمد، أو الخطأ ms1388 المحض، فلا يجب عليه القود بحال، فليلحظ ذلك،
~~فإن لم يتعمد الإحراق، لكنه أضرم نارا لحاجته فتعدت النار، باتصال مال غيره
~~من الأحطاب إلى إحراق الدار، ومن فيها، كانت دية الأنفس على العاقلة، وغرم
~~ما هلك بالنار، من الأموال عليه، في ماله، ولا يجب عليه القود لأن هذا غير
~~قاصد إلى القتل، بل هذا الخطأ محض، لأنه غير عامد في فعله بالجناية على
~~الأنفس، وغير عامد في قصده بإتلاف الأنفس، وتناولها، فليلحظ ذلك، فإن ما
~~عداه أخبار آحاد، أوردوها ووضعوها في كتبهم إيرادا، لا اعتقادا للعمل بها.
# فإن كان إضرامه النار، في مكان له التصرف فيه بحق ملك أو إجارة على وجه
~~لا يتعدى، بأن لا يتصل بالأملاك ولا بأحطاب الغير، وكان ذلك على وجه معتاد،
~~فحملتها الريح إلى ملك قوم، فأصابتهم معرتها فلا ضمان عليه.
# والبعير إذا اغتلم، وجب على صاحبه حفظه وحبسه، وإن لم يفعل ذلك، أو فرط
# PageV03P371
# فيه فتعدى، ضرره إلى أحد، ضمن صاحبه جنايته، فإن لم يعلم بهيجانه، أو لم
~~يفرط في حفاظه، وأفلت بعد الحفاظ له، فلا ضمان على صاحبه.
# قال شيخنا في نهايته، فإن كان الذي جنى عليه البعير بعد هيجانه وعلم
~~صاحبه به، وتفريطه في حفظه، ضرب البعير فقتله، أو جرحه، كان عليه بمقدار ما
~~جنى عليه، مما ينقص من ثمنه، يطرح من دية ما كان جنى عليه البعير (1).
# قال محمد بن إدريس هذا غير واضح، والذي يقتضيه أصل مذهبنا، أنه لا ضمان
~~عليه، بضرب البعير، لأنه بفعله محسن، وقال الله تعالى " ما على المحسنين من
~~سبيل ".
# ومن هجمت دابته، على دابة غيره، في مأمنها فقتلتها، أو جرحتها، كان
~~صاحبها ضامنا لذلك، هذا مع تفريطه، في حفاظها، وعلمه باغتلامها.
# فإن دخلت عليها الدابة إلى مأمنها، فأصابتها بسوء لم يضمن صاحبها ذلك.
# ومن أصاب خنزير ذمي فقتله، كان عليه قيمته، عند مستحله (2) فإن جرحه، كان
~~عليه قيمة ما نقص من ثمنه عند أهله.
# ومن اركب مملوكا له غير بالغ دابة، فجنت الدابة جناية، كان ms1389 ضمانها على
~~مولاه، لأنه فرط بركوبه له الدابة، هذا إذا كان المملوك غير بالغ، فأما إذا
~~كان بالغا عاقلا فإن كانت الجناية علي بني آدم، فيؤخذ المملوك، إذا كانت
~~دية الجناية بقدر قيمته، أو يفديه السيد على ما شرحناه، في قتل العبيد
~~للأحرار، وجناياتهم عليهم.
# وإن كانت الجناية على الأموال، فلا يباع العبد في قيمة ذلك، ولا يستسعى،
~~ولا يلزم مولاه ذلك، لأنه لا دليل عليه، وحمله على الجناية علي بني آدم،
~~قياس، فليلحظ ذلك.
# ومن دخل دار قوم بغير إذنهم، فعقره كلبهم، لم يكن عليهم ضمانه، فإن كان
~~دخلها بإذنهم، كان عليهم ضمانه.
# PageV03P372
# وإذا أفلتت دابة فرمحت إنسانا فقتلته، أو كسرت شيئا من أعضائه، أو شيئا
~~من الأموال، لم يكن على صاحبها ضمان ذلك.
# ومن وطئ امرأة في دبرها، فالج (1) عليها قاهرا لها فماتت من ذلك، كان
~~عليه ديتها وكذلك إذا أعنف بها من الضم، والعناق، على وجه غير معتاد، يجب
~~عليه ديتها، إذا ماتت من ذلك.
# وكذلك الحكم فيها إذا أعنفت به.
# ومن تطبب، أو تبيطر فليأخذ البراءة من ولي من يطببه، أو صاحب الدابة،
~~وإلا فهو ضامن إذا هلك بفعله شئ من ذلك.
# هذا إذا كان الذي جنى عليه الطبيب غير بالغ، أو مجنونا، فأما إذا كان
~~عاقلا مكلفا، فأمر الطبيب بفعل شئ، ففعله على ما أمره به، فلا يضمن الطبيب،
~~سواء أخذ البراءة من الولي، أو لم يأخذ، والدليل على ما قلناه، إن الأصل
~~براءة الذمة، والولي لا يكون إلا لغير المكلف.
# فأما إذا جنى على شئ لم يؤمر بقطعه، ولا بفعله، فهو ضامن، سواء أخذ
~~البراءة من الولي أو لم يأخذها.
# وإذا ركب اثنان دابة، فجنت جناية على ما ذكرناه، كان أرشها عليهما
~~بالسوية.
# وروي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) ضمن ختانا قطع حشفة غلام (2).
# يريد بذلك أنه فرط بأن قطع غير ما أريد منه، لأن الحشفة هاهنا، ما فوق
~~الختان، وليست القلفة التي يجب قطعها فلأجل هذا ضمنه وسواء أخذ البراءة من
~~وليه، أو ms1390 لم يأخذ، والراوية هذه صحيحة، لا خلاف فيها.
# باب الاشتراك في الجنايات روى الأصبغ بن نباتة، قال قضى أمير المؤمنين
~~عليه السلام، في جارية، ركبت
# PageV03P373
# جارية، فنخستها جارية أخرى، فقمصت المركوبة يقال قمص الفرس وغيره يقمص
~~ويقمص قمصا وقماصا، وهو أن يرفع يديه ويطرحهما معا ويعجن برجله (1) يقال
~~هذه دابة، فيها قماص بكسر القاف ولا تقل قماص بضم القاف فصرعت الراكبة
~~فماتت، قضى أن ديتها نصفان، بين الناخسة والمنخوسة (2).
# هذا اختيار شيخنا أبي جعفر في نهايته (3).
# وقال شيخنا المفيد في مقنعته، تستحق ثلثي الدية فحسب من القامصة ثلث، ومن
~~الناخسة ثلث، وسقط ثلث، لركوبها عبثا (4).
# والأول أظهر، في الرواية وأليق بمذهبنا.
# والذي يقتضيه الأدلة أن الدية جميعها على الناخسة، دون المنخوسة، لأنها
~~الجانية، والتي اضطرتها (5) للمركوبة، حتى قمصت، فأما إذا أمكنها أن لا
~~تقمص، وقمصت، لا ملجأة فالدية عليها وحدها، فليلحظ ذلك.
# وروي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال فمضى أمير المؤمنين (عليه السلام)،
~~في أربعة شربوا خمرا فسكروا، فأخذ بعضهم على بعض السلاح، واقتتلوا فقتل
~~اثنان، وجرح اثنان، فأمر بالمجروحين فضرب كل واحد منهما ثمانين جلدة، وقضى
~~بدية المقتول، على المجروحين، وأمر أن تقاس جراحة المجروحين فترفع من
~~الدية، وإن مات أحد من المجروحين، فليس على أحد من أولياء المقتولين شئ
~~(6).
# والذي يقتضيه أصول مذهبنا، أن القاتلين، يقتلان بالمقتولين، فإن اصطلح
~~الجميع على أخذ الدية، أخذت كملا من غير نقصان، لأن في إبطال القود إبطال
~~القرآن، وأما نقصان الدية، فذلك على مذهب من تخير بين القصاص، وأخذ الدية،
# PageV03P374
# وذلك مخالف لمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، لأن عندهم، ليس يستحق غير
~~القصاص فحسب.
# وروي أن ستة غلمان، كانوا في الفرات، فغرق واحد منهم، فشهد ثلاثة منهم،
~~على اثنين، أنهما غرقاه، وشهد اثنان على الثلاثة، أنهم غرقوه، فقضى بالدية
~~ثلاثة أخماس، على الاثنين، وخمسان على الثلاثة (1).
# قال محمد بن إدريس إن كان الغلمان غير بالغين، وهذا هو الظاهر فشهادة
~~الصبيان لا تقبل عندنا، إلا في الجراح، والشجاج، فحسب، دون ما عداه، ms1391 وفيما
~~تقبل فيه، أن يكونوا قد بلغوا عشر سنين، وجميع هذه الروايات، أخبار آحاد،
~~فإن عضدها كتاب، أو سنة، أو إجماع، عمل بها، وإلا حكم بما يقتضيه أصول
~~مذهبنا.
# وروي عن أبي جعفر عليه السلام، قال قضى أمير المؤمنين عليه السلام، في
~~أربعة نفر اطلعوا في زبية الأسد، فخر أحدهم فاستمسك بالثاني واستمسك الثاني
~~بالثالث، واستمسك الثالث بالرابع فقضى بالأول فريسة الأسد وغرم أهله ثلث
~~الدية لأهل الثاني، وغرم الثاني لأهل الثالث ثلثي الدية، وغرم الثالث لأهل
~~الرابع الدية كاملة، لأنه قتل، وما قتل، وجذب وما جذب (2).
# وعلى من تجب؟ قال قوم، على الثالث وحده، لأنه هو الذي باشر جذبه، وقال
~~آخرون على الثالث، والثاني، والأول، لأنهم كلهم جذبوه، فعلى كل واحد منهم
~~ثلث الدية، وعلى هذا أبدا، وإن كثروا، وهذا الذي يطابق ما رواه أصحابنا.
# وقد روى المخالف عن سماك بن حرب عن حنبش الصنعاني، أن قوما من اليمن،
~~حفروا، زبية الأسد، واجتمع الناس على رأسها، فهوى فيها واحد، فجذب ثانيا
~~فجذب الثاني ثالثا، ثم جذب الثالث رابعا، فقتلهم الأسد، فرفع ذلك إلى علي
~~(عليه السلام) فقال للأول، ربع الدية، لأنه هلك فوقه ثلاثة، والثاني (3)
~~ثلثا الدية،
# PageV03P375
# لأنه هلك فوقه اثنان، والثالث (1) نصف الدية لأنه هلك فوقه واحد والرابع
~~(2) كمال الدية فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: هو كما قال
~~على (عليه السلام) (3).
# قالوا: " وهذا حديث ضعيف ". والفقه ما بيناه في الأربعة، وروايتنا خاصة،
~~مطابقة لما بيناه أولا بعينه وفقهها على ما قلناه.
# فأما إذا حصل رجل في بئر، مثل أن وقع فيها أو نزل لحاجة فوقع فوقه آخر،
~~نظرت فإن مات الأول، فالثاني، قاتل كما لو رماه بحجر فقتله، إذ لا فرق بين
~~أن يرميه بحجر فيقتله، وبين أن يرمي نفسه عليه فيقتله، فإذا ثبت أن الثاني
~~قاتل، نظرت في القتل، فإن كان عمدا محضا، مثل أن وقع عمدا فقتله، وكان مما
~~يقتل غالبا لثقل الثاني، وعمق البئر، فعلى الثاني القود، وإن كان لا يقتل ms1392
~~غالبا فالقتل عمد الخطأ، فالدية عليه في ماله خاصة، عندنا، ولا يجب عليه
~~القود، وإن كان وقع الثاني خطأ فالقتل خطأ محض تجب الدية مخففة، على
~~العاقلة، فإن مات الثاني دون الأول، كان دمه هدرا، لأنه رجل وقع في بئر،
~~فمات فيها، والأول لا صنع له، في وقوعه وغير مفرط في حقه فإن ماتا معا فعلى
~~الثاني الضمان، على ما قدمناه، إذا مات الأول وحده، ودم الثاني هدر، كما لو
~~مات الثاني وحده.
# فإن كانت بحالها، وكانوا ثلاثة فحصل الأول في البئر، ثم وقع الثاني، ثم
~~وقع الثالث، بعضهم على بعض، فإن مات الأول فقد قتله الثاني والثالث معا
~~لأنه مات بقتلهما، فالضمان عليهما نصفان، فإن مات الثاني وحده، فلا شئ على
~~الأول، والثالث هو الذي قتل الثاني، فالضمان عليه وحده، على ما مضى، وإن
~~مات الثالث كان دمه هدرا لأنه لا صنع لغيره في قتله، فإن ماتوا جميعا، ففي
~~الأول كمال الدية، على الثاني، والثالث، وفي الثاني كمال الدية، على الثالث
~~وحده، ودم الثالث هدرا فليلحظ ذلك.
# PageV03P376
# وروي في حايط اشترك في هدمه ثلاثة نفر، فوقع على واحد منهم، فمات، فإن
~~الباقيين يضمنان كمال ديته، لأن كل واحد منهم، ضامن صاحبه (1).
# والذي يقتضيه الأدلة، ويحكم بصحته أصول المذهب أنه مات بفعله وفعل
~~الآخرين، فيسقط ثلث الدية الذي، قابل فعله، ويستحق على الاثنين، ثلثا
~~الدية، فحسب، وهذه الرواية من أخبار الآحاد، أوردها شيخنا في نهايته (2)،
~~على ما وجدها إيرادا.
# وقد أورد شيخنا في مبسوطه ما يقتضي رجوعه عن هذه الرواية، من قوله، في
~~رجال عشرة رموا بحجر المنجنيق فعاد الحجر على أحدهم فقتله، فقال تضمن
~~التسعة ديته، إلا قدر جنايته على نفسه (3).
# باب ديات الأعضاء والجوارح والقصاص فيها في ذهاب شعر الرأس الدية كاملة،
~~إذا لم ينبت، فإن نبت ورجع إلى ما كان عليه، كان عليه أرشه، وهو أن يقوم لو
~~كان عبدا كم كانت قيمته، قبل أن يذهب شعره، وكم تكون قيمته بعد ذهاب شعره،
~~ويؤخذ ذلك بحساب دية ms1393 الحر، لأن العبد أصل للحر، فيما لا مقدر فيه، والحر
~~أصل للعبد، فيما فيه مقدر منصوص عليه موظف فليلحظ ذلك، ويعتمد عليه، في كل
~~جناية على الحر، لا مقدر فيها، ولا دية موظفة منصوص عليها.
# وإن كانت امرأة، كان عليه ديتها إذا لم ينبت شعرها، فإن نبت، كان عليه
~~مهر نسائها.
# وذهب شيخنا المفيد في مقنعته إلى أن في شعر الرأس، إذا أصيب فلم ينبت،
~~مائة دينار، وكذلك في شعر اللحية إذا لم ينبت (4).
# PageV03P377
# وما اخترناه هو الأظهر الذي يقتضيه أصل مذهبنا، لأنه شئ واحد في الإنسان،
~~وقد أجمعنا على أن كل ما يكون في بدن الإنسان منه واحد، ففيه الدية كاملة.
# وهو مذهب شيخنا أبي جعفر وخيرته في نهايته (1).
# وفي الحاجبين إذا ذهب شعرهما خمسمائة دينار، وفي كل واحد منهما، مأتان
~~وخمسون دينارا، وهذا إجماع من أصحابنا، وفي شفر العين الأعلى، ثلثا دية،
~~العين، وفي شفر العين الأسفل، ثلث دية العين.
# وقال شيخنا في نهايته، وفي شفر العين الأعلى ثلث دية العين مائة وستة
~~وستون دينارا وثلثا دينار، وفي شفر العين الأسفل نصف دية العين مأتان
~~وخمسون دينارا (2).
# وهو اختيار شيخنا المفيد في مقنعته (3).
# إلا أن شيخنا أبا جعفر رجع في مبسوطه إلى ما اخترناه، فقال في الأربعة
~~أجفان (4)، الدية كاملة، وفي كل واحد منهما، مائتان وخمسون دينارا، وروى
~~أصحابنا أن في السفلى، ثلث ديتها، وفي العليا ثلثيها (5)، ومتى قلعت
~~الأجفان والعينان معا ففي الكل ديتان، فإن جني على أهدابهما فأعدم انباتها
~~(6) ففيهما الدية، وهو الذي يقتضيه (7) مذهبنا، فإن أعدم وأتلف الشعر
~~والأجفان، فيقتضي مذهبنا أن فيهما ديتين، هذا آخر كلامه في مبسوطه (8)
~~وخيرته في مسائل خلافه (9).
# وهو الأظهر الأصح، لأنه يقتضيه الأدلة، ويحكم بصحته أصول المذهب إلا في
~~قوله أهداب العينين في ذلك الدية كاملة.
# والذي يقتضيه الأدلة والإجماع، إن الأهداب وهو الشعر النابت على الأجفان،
~~لا دية فيه مقدرة، لأن أصحابنا جميعهم لم يذكروا في الشعور، مقدرا سوى شعر
# PageV03P378
# الرأس واللحية، وشعر الحاجبين، فإلحاق غير ذلك به ms1394 قياس، ولم ترد بذلك
~~أخبار جملة ولم يذكره أحد، من أصحابنا في مصنف له، بل قالوا في الأجفان،
~~الدية على تفصيلهم، ولم يذكروا الشعر عليها، والأصل براءة الذمة فإذا أعدم
~~ذلك جان مفردا عن الأجفان، كان فيه حكومة، فإذا أعدمه مع الأجفان، كان في
~~الجميع، دية الأجفان فحسب، لأن الأهداب، تتبع الأجفان، كما لو قطع اليد،
~~وعليها شعر، فليلحظ ذلك.
# وشيخنا لم يذكر ذلك إلا في فروع المخالفين، المبسوط ومسائل الخلاف، وباقي
~~كتبه وتصنيفاته الأخبارية المسندة، والمصنفة لم يتعرض بذلك، لأنه لم يرد شئ
~~من الأخبار به، ولا ذكر ظريف بن ناصح، في كتابه كتاب الديات، فإنه عندي،
~~ولا غيره من المشيخة المتقدمة، ولا أورد شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله
~~في كتاب تهذيب الأحكام، وكتاب الإستبصار، فيما اختلف من الأخبار شيئا، من
~~ذلك جملة.
# فقوله رحمه الله في مبسوطه والذي يقتضيه مذهبنا، إن في أهداب العينين
~~الدية كاملة أي أصل لنا يقتضي ذلك، لا إجماع ولا أخبار، بل الذي يقتضيه
~~مذهبنا، أنه لا مقدر في ذلك، لأن الأصل براءة الذمة، والتقدير يحتاج إلى
~~دليل.
# وفي العينين الدية كاملة، وفي كل واحد منهما نصف دية النفس، وفي نقصان
~~ضوئها بحساب ذلك.
# فإن ادعى النقصان، في إحدى العينين، اعتبر، مدى ما يبصر بها، من أربع
~~جوانب، بعد أن تشد الأخرى، فإن تساوى، صدق، وإن اختلف، كذب ثم يقاس ذلك،
~~إلى العين الصحيحة، فما كان بينهما، من النقصان أعطي بحساب ذلك، بعد أن
~~يستظهر عليه بالأيمان حسب ما قدمناه في باب القسامة.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه وروي في أخبارنا، أن عينيه، تقاسان إلى
~~عين من هو في سنه، ويستظهر عليه بالأيمان، فأما إذا نقص ضوء إحديهما، أمكن
~~اعتباره، بالمسافة، وهو أن تعصب العليلة وتطلق الصحيحة وينصب له شخص على
~~نشز أو تل أو ربوة في مستوى من الأرض، فكلما ذكر أنه يبصره، فلا يزال يباعد
~~عليه PageV03P379
# حتى ينتهي إلى مدى بصره، فإذا قال، قد انتهى غير ما عليه لون الشخص، ms1395 حتى
~~يعلم صدقه، من كذبه، لأن قصده أن يبعد المدى فإنه كلما بعد، وقصر مدى بصر
~~العليلة، كان أكثر لحقه، فلهذا غيرنا الشخص فإذا عرفنا قدر المسافة ذرعا
~~عصبنا الصحيحة، وأطلقنا العليلة ونصبنا له شخصا ولا يزال يباعد عليه، حتى
~~يقول لا أبصره بعد هذا، وقصده هاهنا تقليل المسافة، لتكثير حقه، فإذا فعل
~~هذا أدرنا الشخص من ناحية، وكلفناه أن ينظر إليه، فإن اتفقت المسافتان، علم
~~صدقه، وإن اختلفا، علم كذبه فلا يزال معه حتى تسكن النفس إلى صدقه، فتمسح
~~المسافة هاهنا، وينظر ما بين المسافتين فيؤخذ بالحصة من الدية مثل السمع
~~سواء هذا آخر كلامه في مبسوطه (1).
# وعندي إن هذا يمكن الاعتماد عليه، والاعتبار به، فإنه قوي.
# فإن ادعى النقصان في العينين جميعا، قيس عيناه إلى عيني من هو من أبناء
~~سنه، وألزم ضاربه ما بينهما، من التفاوت، ويستظهر عليه بالأيمان، ولا يقاس
~~عين في يوم غيم، ولا في أرض مختلفة الجهات في الضوء والظلمة بل يقاس في أرض
~~مستقيمة.
# ومن ادعى ذهاب بصره وعيناه مفتوحتان، صحيحتان، ولم يعلم صدق قوله، استظهر
~~عليه بالأيمان.
# وروي أنه يستقبل بعينيه عين الشمس، فإن كان كما قال، بقيتا مفتوحتين في
~~عين الشمس، فإن لم يكن كما قال، غمضهما (2).
# وفي العين العوراء، الدية كاملة، إذا كانت خلقة، أو قد ذهبت بآفة من جهة
~~الله تعالى فإن كانت قد ذهبت وأخذ ديتها، أو استحق الدية، وإن لم يأخذها،
~~كان فيها ثلث (3) الدية، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في مبسوطه (4) ومسائل
~~خلافه (5).
# PageV03P380
# وذهب في نهايته إلى أن فيها نصف الدية (1).
# والأول الذي اخترناه هو الأظهر الذي يقتضيه أصول مذهبنا، ولأن الأصل
~~براءة الذمة، فيما زاد على الثلث، فمن ادعى زيادة عليه، يحتاج إلى دليل،
~~ولا دليل عليه من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا يرجع في مثل ذلك إلى أخبار
~~الآحاد.
# والأعور، إذا فقأ عين صحيح، قلعت عينه، وإن عمي فإن الحق أعماه، فإن قلعت
~~عينه، كان بالخيار، بين أن يقتص من إحدى عينيه، أو ms1396 يأخذ تمام دية كاملة ألف
~~دينار هذا إذا كانت، قد ذهبت بآفة من الله تعالى، فإن كانت قد قلعت عينه،
~~فأخذ ديتها أو استحقها ولم يأخذها ففي العين الأخرى نصف الدية فحسب.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، والأعور إذا فقأ عين صحيح، قلعت عينه وإن
~~عمى فإن الحق أعماه فإن قلعت عيناه كان مخيرا بين أن يأخذ الدية كاملة، أو
~~يقلع إحدى عيني صاحبه، ويأخذ نصف الدية (2).
# وما اخترناه نحن أولا هو اختياره في مسائل خلافه (3)، فإنه رجع عما ذكره
~~في نهايته، وهو الذي يقتضيه الأدلة، ويحكم بصحته ظاهر التنزيل، لأن الله
~~تعالى قال " العين بالعين " (4) ولم يقل العين بالعين ونصف الدية، ولا ن
~~الأصل براءة الذمة، فمن شغلها بنصف الدية، يحتاج إلى دليل.
# وفي العين القائمة إذا خسف بها ثلث ديتها صحيحة، وكذلك في العين العوراء
~~التي أخذت ديتها، أو استحقها صاحبها، ولم يأخذها ثلث ديتها صحيحة على ما
~~بيناه أولا، وحررناه.
# وشيخنا أبو جعفر في نهايته، فرق بينهما، بأن قال إذا قلع العين العوراء
~~التي أخذت ديتها، أو استحقت الدية ولم تؤخذ نصف الدية يعني ديتها، فإن خسف
~~بها، ولم يقلعها، ثلث ديتها (5).
# PageV03P381
# والأولى عندي أن في القلع والخسف ثلث ديتها.
# فأما إذا كانت عوراء والعور من الله تعالى بلا خلاف بين أصحابنا أن فيها
~~ديتها، كاملة خمسمائة دينار.
# وقال المخالفون لأصحابنا ديتها مأتان وخمسون دينارا.
# وفي الأذنين، الدية كاملة، وفي كل واحدة منهما نصف الدية، وفيما قطع
~~منهما، بحساب ذلك.
# وفي شحمة الأذن ثلث دية الأذن، وفي خرمها، ثلث ديتها، يعني في خرم
~~الشحمة، ثلث دية الشحمة، وهو ثلث الثلث الذي هو دية الشحمة.
# وفي ذهاب السمع، دية كاملة، وفيما نقص منه، بحساب ذلك.
# ويعتبر نقصانه بأن يضرب الجرس، في أربع جهات وينظر إلى مدى ما يسمع منه،
~~فإن تساوى، صدق، واستظهر عليه بالأيمان، وإن اختلف كذب.
# ومن ادعى ذهاب سمعه كله، ومعه لوث، كانت عليه القسامة، حسب ما قدمناه ولا
~~يقاس الأذن، في يوم الريح، ms1397 بل يقاس في يوم ساكن الهواء.
# وفي الأنف، إذا استوصلت، واستوعبت جدعا بالدال غير المعجمة وهو القطع
~~الدية كاملة، وكذلك إذا قطع مارنها فحسب، كان فيه الدية أيضا والمارن ما
~~لان منها، ونزل عن الخياشيم وفيما نقص منه بحساب ذلك.
# وكذلك في ذهاب الإحساس بها كلها الدية كاملة.
# وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال يعتبر ذلك، بأن يحرق الحراق،
~~ويقرب منه فإن دمعت عينه ونحى أنفه كان كاذبا وإن بقي على ما كان صدق (1).
# وينبغي أن يستظهر عليه بالأيمان حسب ما قدمناه.
# وفي الشفتين جميعا الدية كاملة، وفي العليا منهما، ثلث الدية، وفي السفلى
~~ثلثاها.
# PageV03P382
# وقال شيخنا في نهايته في العليا منهما أربعمائة دينار، وفي السفلى منهما
~~ستة مائة دينار (1).
# إلا أنه رجع في مبسوطه إلى ما اخترناه فإنه قال، وفي الشفتين الدية كاملة
~~وفي السفلى عندنا ثلثاها، وفي العليا ثلث الدية (2).
# وهذا هو الأظهر ولا يرجع في مثل ذلك إلى أخبار آحاد لا توجب علما، ولا
~~عملا.
# وما اخترناه مذهب شيخنا المفيد رحمه الله في مقنعته (3).
# وذهب بعض أصحابنا إلى أنهما متساويتان في الدية فيهما جميعا، الدية
~~كاملة، وفي إحديهما نصف الدية، وهو ابن أبي عقيل في كتابه، وهو قول قوي،
~~إلا أن يكون على خلافه، إجماع، ولا شك أن الإجماع منعقد، على تفضيل السفلى،
~~والاتفاق حاصل على الستمائة دينار، والأصل براءة الذمة مما زاد عليه، وبهذا
~~القول الأخير أعمل، وأفتي، وهو خيرة شيخنا في الإستبصار (4).
# وفيما نقص منهما بحساب ذلك، يقاس بالخيط، ونحوه.
# وفي الشفتين، القود، إذا قطعهما متعمدا بلا خلاف لأن لهما حدا تنتهي
~~إليه.
# وحد الشفة السفلى عرضا ما تجافى عن الأسنان، واللثة بكسر اللام وتخفيف
~~الثاء ما ارتفع عن جلد الذقن، وحد عرض العليا، ما تجافى عن الأسنان، إلى
~~اتصاله بالمنخرين، والحاجز بينهما والطول حد طول الفم، إلى جانبيه، وليست
~~حاشية الشدقين منهما.
# فإن قطع بعض ذلك، ففيه الدية بحسابه على ما قلناه تعتبر بالمساحة.
# وفي لسان صحيح الحاسة والنطق، الدية كاملة، بلا ms1398 خلاف، فإن جنى على اللسان
~~المقدم ذكره، فذهب نطقه فيه أيضا كمال الدية، فإن ذهب ذوقه، ففيه
# PageV03P383
# أيضا الدية.
# فإن جنى على ذلك فذهب بعض كلامه، فالصحيح عندنا، وعندهم، أنه يعتبر بحروف
~~المعجم كلها، وهي ثمانية وعشرون حرفا، ولا تعد لا - فيها لأنه قد ذكر فيها
~~الألف واللام.
# فإن كان النصف منها، ففيه نصف الدية، وما زاد أو نقص فبحسابه.
# إذا جنى عليه، فذهب من الحروف، حرف، تزول معه الكلمة بزواله، مثل أن أعدم
~~الحاء، فصار مكان محمد، ممد، ومكان أحمد، أمد، فعليه دية الحاء وحدها، ولا
~~دية عليه في حروف باقي الكلمة، وإن كان قد ذهب معناها، لأنه ما أتلفها.
# وإن ذهب من كل كلمة، حرف، وقام مقامه غيره فصار يقول مكان محمد، مخمد،
~~فجعل مكان الحاء خاء، فعليه دية الحاء وحدها، لأنه ما أذهب غيرها.
# فإن قطع بعض اللسان نظرت، فإن قطع ربعه، فذهب ربع الكلام، أو نصفه، فذهب
~~نصف الكلام، ففيه من الدية بحساب ذلك، لأنه وافق القطع والكلام معا.
# وإذا قطع ربع اللسان، فذهب نصف الكلام، أو نصف اللسان، فذهب ربع الكلام،
~~كان فيه نصف الدية، بلا خلاف، هكذا ذكره شيخنا أبو جعفر الطوسي في مبسوطه
~~(1).
# والذي يقتضيه الأدلة، إن اللسان الصحيح، الاعتبار فيه بحروف المعجم، لا
~~بقطع أبعاضه، فإذا قطع نصف اللسان، فذهب ربع الكلام، فعليه ربع الدية،
~~اعتبارا بالكلام، دون نصف اللسان، وكذلك إذا قطع ربع اللسان، فذهب نصف
~~الكلام، كان عليه نصف الدية، اعتبارا بالكلام، فلو كان الاعتبار بالأبعاض
~~من اللسان، لكان عليه، ربع الدية، لأنه ما قطع هاهنا، سوى ربع اللسان،
~~فليلحظ ذلك.
# وقد رجع شيخنا، في موضع آخر من مبسوطه، فقال، فأما اللسان، فالاعتبار
# PageV03P384
# عندنا بالحروف، لا غير (1). فأما في نهايته (2)، فوافق لما اخترناه، فأما
~~ما ذكره أولا بمذهب (3) المخالفين، وتعليلاتهم، وقياساتهم.
# إذا قطع لسان صبي، فإن كان قد بلغ حدا ينطق بكلمة، بعد كلمة، مثل قوله
~~بابا وماما ونحوه، فقد علم أنه لسان ناطق، فإن قطعه قاطع فعليه الدية كاملة ms1399
~~كلها، كلسان الكبير الناطق، وإن كان طفلا لا نطق له بحال، كمن له شهر،
~~وشهران، وكان يحرك لسانه، لبكاء أو لغيره، مما يعير (4) فيه اللسان، ففيه
~~الدية لأن الظاهر أنه لسان ناطق، فإن أماراته، لا تخفى، فإن بلغ حدا ينطق،
~~فلم (5) ينطق، فقطع لسانه، فهو كلسان الأخرس.
# وعندنا في لسان الأخرس، ثلث دية اللسان الصحيح، واللسان يذكر ويؤنث.
# فإن قطع بعض لسان الأخرس، اعتبر بالمساحة، وأخذ على حسابه، لأنه لا كلام
~~له، فيعتبر به، بل الاعتبار فيه، بمقاديره، فهذا فرق ما بين لسان الصحيح،
~~ولسان الأخرس.
# وفي الأسنان كلها، الدية كاملة.
# والتي تقسم عليها الدية، ثمانية وعشرون سنا، ستة عشر منها، في مآخير
~~الفم، واثنتي عشرة في مقاديمه.
# فالتي هي في مآخير الفم لكل سن منها خمسة وعشرون دينارا فذلك أربعمائة
~~دينار، والتي (6) في مقاديم الفم، لكل سن منها خمسون دينارا، فذلك ستمائة
~~دينار والجميع ألف دينار، وما زاد على ما ذكرناه في العدد فليس له دية
~~مخصوصة، بل فيه حكومة، بأن تقوم إن لو كان عبدا ويعطى بحساب ذلك من دية
~~الحر، على ما بيناه، وهو مذهب شيخنا المفيد رحمه الله (7).
# وذهب شيخنا أبو جعفر في نهايته إلى أن ما زاد على ما ذكرناه في العدد
~~فليس له.
# PageV03P385
# دية مخصوصة، إلا إذا قلعت مفرده، فإن قلع السن الزائد مفردا كان فيه ثلث
~~دية السن الأصلي (1).
# وهذا المذهب قوي، وبه أخبار (2) كثيرة معتمدة وفي السن الأسود ثلث دية
~~السن الصحيحة، وروي (3) ربع دية السن الصحيح.
# وإذا ضربت السن فلم تسقط، لكنها اسودت أو انصدعت (4) ففيها ثلثا دية
~~سقوطها.
# ومن ضرب سن صبي فسقط انتظر به، فإن نبتت لم يكن فيها قصاص، وكان فيها
~~الأرش، ينظر فيما ينقص من قيمته بذلك وقت سقوطها أن لو كان مملوكا، ويعطى
~~بحساب ذلك على الاعتبار الذي قدمناه.
# فإذا قلع السن بسنخها، فالسن ما شاهدته زائدا على اللثة، بكسر اللام،
~~وتشديدها، وفتح الثاء المنقطة ثلاث نقط، وتخفيفها والسنخ أصلها المدفون في
~~اللثة، فإذا قلعها من ms1400 أصلها ففيها خمس من الإبل، لأن أصلها كأصل الإصبع.
# فإن قطع منها ظاهرها كله دون سنخها ففيها دية سن، كما لو قطع إصبعا من
~~أصلها الذي هو الكف.
# فإن جنى آخر فقلع سنخها، كان فيه حكومة، كما لو قطع رجل إصبع رجل ثم جنى
~~(5) آخر فقلع أصلها إلى الكوع كان على قاطعها دية إصبع، وعلى قاطع ما تحتها
~~حكومة.
# PageV03P386
# فأما سن المثغر يقال في اللغة، ثغر الغلام فهو مثغور إذا سقطت اللبن منه،
~~واثغر، واثغر، إذا نبتت بعد سقوطها، ويقال: ثغرت الرجل، إذا كسرت سنه فإذا
~~ثبت هذا فإذا قلع سن إنسان لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون سن صغير لم
~~يسقط بعد، أو سن كبير، فإن كان سن صغير لم يسقط بعد، وهي سن اللبن، فقد
~~قلنا ما عندنا فيه، وهو مذهب شيخنا المفيد (1) وشيخنا أبي جعفر في نهايته
~~(2).
# وذهب في مبسوطه إلى أن قال: فالذي رواه أصحابنا أن في كل سن بعيرا ولم
~~يفصلوا (3).
# والذي قاله في نهايته هو مذهب أصحابنا أجمع، وما قاله في مبسوطه لم يذهب
~~أحد من أصحابنا إليه، ولا أفتى به، ولا وضعه في كتابه على ما أعلمه.
# وقال شيخنا في مسائل خلافه: مسألة: إذا قلع سن مثغر كان له قلع سنه، فإذا
~~قلعه ثم عاد سن الجاني كان عليه أن يقلعه ثانيا أبدا (4).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: وهذا قول الشافعي، اختاره شيخنا.
# ثم استدل شيخنا بما يضحك الثكلى، فقال: " دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم "
~~يا سبحان الله من أجمع معه على ذلك؟! وأي أخبار لهم فيه؟! وإنما أجمعنا في
~~الأذن لأمور: أحدها أنها ميتة، فلا يجوز الصلاة له، لأنه حامل نجاسة فيجب
~~زوالها، والثاني إجماعنا على ذلك وتواتر أخبارنا، فمن عداه إلى غيرها فقد
~~قاس، والقياس عندنا باطل، وأيضا فالسن هبة مجددة من الله تعالى، خلقه، لا
~~هي تلك المقلوعة نفسها، فكيف تقلع أبدا، وهذا منه " رحمه الله " إغفال في
~~التصنيف، فإنه قد رجع عن ذلك في مبسوطه (5).
# PageV03P387
# وفي ms1401 اللحية إذا حلقت فلم تنبت، الدية كاملة، وإن نبتت كان فيها ثلث
~~الدية.
# وذهب شيخنا المفيد في مقنعته (1) إلى أن في شعر الرأس إذا أصيب فلم ينبت
~~مائة دينار، وفي شعر اللحية كذلك، إذا ذهب فلم ينبت.
# والأول مذهب شيخنا أبي جعفر (2) وهو الأظهر الأصح.
# وفي العتق إذا كسر فصار الإنسان منه أصور الدية كاملة.
# وفي اليدين جميعا الدية كاملة، وفي كل واحدة منهما نصف الدية، وفي أصابع
~~اليدين الدية كاملة، وفي كل واحدة منهما عشر الدية.
# وهذا مذهب شيخنا في نهايته (3) وهو الصحيح الذي يقتضيه أصول المذهب،
~~وتعضده الأدلة والاعتبار.
# وقد روي (4) أن في الإبهام ثلث دية اليد، وفي الأربع أصابع ثلثي ديتها،
~~بينها بالسوية.
# وإلى هذه الرواية يذهب شيخنا أبو جعفر في استبصاره (5) متأولا للرواية
~~الشاذة.
# والصحيح ما ذهب إليه واختاره في نهايته، لما قدمناه من الأدلة.
# وفي كل أنملة ثلث دية الإصبع، إلا في الإبهام، فإن في كل أنملة منها نصف
~~ديتها، لأن لها مفصلين.
# وفي الإصبع الزائدة ثلث دية الإصبع الصحيحة.
# وفي الظفر إذا قلع ولم يخرج عشرة دنانير، فإن خرج أسود فثلثا ديته، وقال
~~شيخنا أبو جعفر في نهايته: " جميع ديته " (6).
# وما ذكرناه أولى، لأن الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل، وأيضا
# PageV03P388
# فليس خروجه أسود كلا خروجه بالكلية.
# فإن خرج أبيض فخمسة دنانير، على ما روي (1).
# والمرأة تساوي الرجل في جميع ما قدمناه من ديات الأعضاء والجوارح، حتى
~~تبلغ ثلث دية الرجل، فإذا بلغتها رجعت إلى النصف من ديات الرجال.
# مثال ذلك: أن في إصبع الرجل إذا قطعت عشرا من الإبل، وكذلك في إصبع
~~المرأة، وفي إصبعين من أصابع الرجل عشرون من الإبل، وفي إصبعين من أصابع
~~المرأة كذلك، وفي ثلاث أصابع الرجل ثلاثون من الإبل، وكذلك ثلاث أصابع
~~المرأة سواء، وفي أربع أصابع من يد الرجل أو رجله أربعون من الإبل، وفي
~~أربع أصابع المرأة عشرون من الإبل، لأنها زادت على الثلث، فرجعت بعد
~~الزيادة إلى أصل دية المرأة، وهي النصف من ديات ms1402 الرجال، ثم على هذا الحساب،
~~كلما زادت أصابعها وجوارحها وأعضاؤها على الثلث رجعت إلى النصف، فيكون في
~~قطع خمس أصابع لها خمس وعشرون من الإبل، وفي خمس أصابع الرجل خمسون من
~~الإبل.
# بذلك ثبتت السنة عن نبي الهدى عليه السلام، وبه تواترت الأخبار (2) عن
~~الأئمة من آله الأطهار عليهم السلام وقد روي محمد بن أبي عمير، عن عبد الله
~~بن الحجاج، عن أبان بن تغلب، قال: قلت للصادق عليه السلام: ما تقول في رجل
~~قطع إصبع امرأة كم فيها؟ قال: عشر الدية، أو عشر من الإبل، قال: قلت:
~~اثنين؟ قال: خمس الدية، أو عشرون من الإبل، قلت: ثلاث أصابع؟ قال: ثلاثون
~~من الإبل، قال: قلت:
# أربع أصابع (3) قال: عشرون، قلت: سبحان الله: يقطع ثلاثا فيكون ثلاثين من
~~الإبل، ويقطع أربعا فيكون فيها عشرون! هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق، فنتبرأ
~~ممن قاله، ونقول: الذي جاء به شيطان، فقال: فمهلا يا أبان! هذا حكم رسول
~~الله صلى الله عليه وآله، إن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت
~~الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان! إنك أخذت بالقياس، والسنة إذا قيست أبطلت
# PageV03P389
# الدين (1).
# ومثل هذا رواه المخالفون عن سعيد بن المسيب، فقال له السائل كلما عظمت
~~مصيبتها، قل عقلها، فقال له سعيد، هكذا السنة (2).
# ولا فرق بين أن يكون الجاني على المرأة امرأة، أو رجلا في أن الجناية
~~ديتها، دية جارحة الرجل ما لم يبلغ ثلث الدية، لأن الأخبار عامة بأن ديات
~~أعضاء النساء، وجوارحهن تتساوى، في ديات أعضاء الرجال، وجوارحهم، وإن دية
~~جارحة المرأة مثل دية جارحة الرجل، ما لم تبلغ ثلث دية الرجل، فمن خص ذلك،
~~فعليه الدليل.
# وروى المخالف، أن ربيعة، قال لسعيد بن المسيب كم في إصبع المرأة، قال
~~عشر، قلت ففي إصبعين، قال عشرون، قلت ففي ثلاث، قال ثلاثون، قلت ففي أربع،
~~قال عشرون، فقلت له إنه لما عظمت مصيبتها، قل عقلها، قال هكذا السنة (3).
# قوله هكذا السنة دال على أنه أراد سنة النبي صلى الله عليه ms1403 وآله وإجماع
~~الصحابة والتابعين على هذا (4) الحكم مخصوص إذا كان الجاني عليها واحد ولم
~~تبلغ جنايته، ثلث ديات الرجال، أو بلغتها، كان الاعتبار ما قدمناه.
# فأما إذا اختلف الجناة، ولم تبلغ جناية كل واحد منهم، ثلث الدية، وإن
~~كانت جناياتهم بمجموعها، تبلغ ثلث ديات الرجال، فإنها لا تنقص المرأة، بل
~~يجب لها على كل واحد وجان القصاص، أو دية عضو الرجل، فليلحظ ذلك، ويتأمل،
~~فإنه غامض.
# وسواء كانت الجناة رجالا أو نساء، على ما قدمناه وحررناه من قبل، وبيناه.
# والمرأة تقاصص (5) الرجل فيما تساويه في ديته من الأعضاء، والجوارح،
# PageV03P390
# والأسنان، ولا قصاص بينهما وبينه فيما زاد على ذلك، لكنها تستحق به (1)
~~الأرش والديات، هكذا أورده شيخنا المفيد في مقنعته (2).
# والذي يقتضيه الأدلة، ويحكم بصحته أصول مذهبنا أن لها القصاص، فيما
~~تساويه، وفيما لا تساويه، غير أن فيما تساويه، لا تراد (3)، إذا اقتصت،
~~وفيما لا تساويه، ترد فاضل الدية، وتقتص حينئذ لأن إسقاط القصاص، بين
~~الأحرار المسلمين، يحتاج إلى دليل شرعي، ولا دليل على ذلك، بل القرآن،
~~والإجماع منعقد، على ثبوته.
# وإلى ما حررناه يذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في الجزء الثالث،
~~من استبصاره في باب حكم الرجل، إذا قتل امرأة (4).
# وهو الصحيح الذي يقتضيه الأدلة ولم يخالف فيه سوى من ذكرته، وهو معلوم
~~العين.
# وفي الظهر إذا كسر، ثم صلح، ثلث الدية، فإن أصيب، حتى صار بحيث لا ينزل
~~في حال الجماع، كان فيه الدية كاملة.
# وكذلك إذا صار محدودبا منه الإنسان، كان فيه الدية كاملة.
# وكذلك إن صار بحيث لا يقدر على القعود، كانت فيه الدية كاملة.
# وفي النخاع إذا انقطع، الدية كاملة، وقد بينا حقيقة النخاع في باب
~~الذبايح، فلا وجه لإعادته.
# وإذا كسر بعصوص الإنسان، أو عجانه والعجان ما بين الخصية والفقحة فلم
~~يملك بوله، أو غايطه، ففيه الدية كاملة، وإن أصابه سلس البول، ودام إلى
~~الليل، فما زاد عليه كان فيه الدية كاملة وإن كان إلى الظهر، ثلثا الدية،
~~وإن كان إلى ضحوة ثلث ms1404 الدية، ثم على هذا الحساب.
# وفي ذكر الرجل إذا قطعت حشفته، فما زاد عليها الدية كاملة، فإن كان ذكر
# PageV03P391
# عنين، ففيه ثلث الدية في جميعه، وما قطع منه فبحساب ذلك، يمسح ويعرف ذلك
~~بالاعتبار والمقدار.
# ويقطع ذكر الفحل بذكر من قد سلت بيضتاه.
# وفي فرج المرأة، دية كاملة.
# والإسكتان مكسور الأول مسكن السين غير المعجمة مفتوح الكاف بالتاء
~~المنقطة نقطتين من فوقها تثنية اسكت، وهما غير الشفرين عند أهل اللغة، وهما
~~اللحم المحيط بمشق الفرج، والشفران بضم الشين حاشية الإسكتين، كما أن
~~للعينين جفنين ينطبقان عليهما، وشفرهما في الحاشية التي ينبت فيها أهداب
~~العين، والإسكتان، كالأجفان، والشفران، كشفري العين.
# قال الزجاج، في خلق الإنسان في باب الحر يقال له الحر والقبل، والفرج
~~والحياء وفيه الإسكتان، وهما جانباه.
# وقال أبو هلال العسكري في كتاب خلق الإنسان الاسكت على وجهين أحدهما مما
~~يلي الشفرين من فرج المرأة، وهما اسكتان.
# قال جرير:
# ترى برصا بأسفل إسكتيها * كعنفقة الفرزدق حين شابا وقال شيخنا أبو جعفر
~~في مبسوطه، الإسكتان والشفرتان عبارة عن شئ واحد وهما اللحم المحيط بالفرج
~~إحاطة الشفتين بالفم وهما عند أهل اللغة عبارة (1) عن شيئين - هذا آخر كلام
~~شيخنا (2).
# والصحيح ما قاله أهل اللغة فالمرجع في ذلك إليهم.
# فإذا ثبت هذا فمتى جنى عليهما فقطع ذلك منها، فعليه ديتها كاملة.
# الرتق انسداد في الفرج.
# والقرن بفتح القاف وسكون الراء وهو عظم داخل الفرج يمنع الجماع فإذا قطع
~~قاطع شفريهما، ففيهما ديتها، لأن العيب، داخل الفرج، فهما بمنزلة شفتي
# PageV03P392
# الأخرس، ولو كان أخرس، كان في شفتيه، الدية كاملة.
# فإن قطع الركب بفتح الراء والكاف معهما ففي الركب حكومة والركب هو الجلد
~~الثاني فوق الفرج وهو منها بمنزلة موضع شعرة الرجل ففي الركب حكومة.
# والإفضاء أن يجعل مدخل الذكر، وهو مخرج المني والحيض والولد ومخرج البول،
~~واحدا، فإن مدخل الذكر، مخرج الولد واحد، وهو أسفل الفرج، ومخرج البول من
~~ثقبة كالإحليل، في أعلى الفرج، وبين المسلكين حاجز رقيق، فالافضاء إزالة
~~ذلك الحاجز.
# وقد يتوهم ms1405 كثير من الناس، أن الإفضاء، أن يجعل مخرج الغايط، ومدخل الذكر،
~~واحدا.
# وهذا غلط عظيم.
# ففي الإفضاء الدية كاملة، على ما قدمناه، فإن كانت بكرا، وجب المهر،
~~والدية معا، وقال قوم لا يجب أرش البكارة، فإنه يدخل في دية الإفضاء، ومنهم
~~من قال يجب أرش البكارة، وهو مذهبنا، لأنه لا دليل على دخوله في أرش
~~الإفضاء.
# وفي الأنثيين معا الدية كاملة، وفي كل واحد منهما نصف الدية.
# وقد روي أن في اليسرى منهما، ثلثي الدية، لأن الولد يكون من اليسرى (1).
# ولا دليل يعضد هذه الرواية.
# وفي أدرة الخصيتين بضم الألف وسكون الدال غير المعجمة وبفتح الراء غير
~~المعجمة وهي انتفاخ الخصيتين لأن الأدرة من الرجال الضخم الخصية من فتق أو
~~غيره.
# قال الجوهري، في كتاب الصحاح الأدرة نفخة في الخصية، يقال رجل آدر بين
~~الأدرة (2).
# فإذا ثبت ذلك وتحققت لغتها، ففيها أربع مائة دينار.
# فإن فحج فلم يقدر على المشي، أو مشى شيئا لا ينتفع به، كان فيه ثمانمائة
~~دينار،
# PageV03P393
# ومن تزوج بصبية فوطئها قبل أن تبلغ تسع سنين، فأفضاها، كان عليه ديتها
~~على ما قدمناه، ومهرها أيضا، ويلزم نفقتها إلى أن يفرق الله بينهما بالموت،
~~فإن وطأها بعد تسع سنين فأفضاها لم يكن عليه شئ سوى مهرها.
# ومن افتض جارية بإصبعه، فذهب بعذرتها كان عليه مهر نسائها، سواء كان
~~الفاعل رجلا أو امرأة إذا كانت المفعول بها صغيرة لا تعقل، أو كبيرة ومكرهة
~~على ذلك وكذلك إن زنى بها فأذهب (1) بعذرتها.
# وفي ثديي المرأة، ديتها، لأنهما من أصل الخلقة، وفي أحدهما نصف الدية،
~~فإن قطعهما مع شئ من جلدة الصدر، ففيهما ديتها، وحكومة، في الجلدة.
# إذا قطع من الثديين، الحلمتين، وهما اللتان، كهيئة الزر (2) في رأس الثدي
~~يلتقمهما الطفل، ففيهما الدية.
# فأما حلمتا الرجل، قال قوم فيهما الحكومة، وقال آخرون، فيهما الدية، وهو
~~مذهبنا.
# وفي الرجلين معا الدية كاملة، وفي كل واحدة منهما نصف الدية.
# وفي أصابع الرجلين معا، الدية كاملة، وفي كل واحدة منهما، عشر الدية.
# وحكم المرأة، ms1406 حكم الرجل، على ما قدمناه في اليدين سواء.
# وقد روي أن في الإبهام منها، ثلث الدية، والثلثين في الأربع الأصابع (3)
~~كما ذكرناه في اليدين سواء.
# والأول هو المعول عليه، لأن هذه الرواية، ما يعضدها دليل يوجب العلم،
~~وأخبار الآحاد، لا يعمل بها في الشرعيات عندنا.
# وكل شئ من الأعضاء في الإنسان، منه واحد ففيه الدية كاملة إذا قطع من
~~أصله إلا ما خرج بدليل من الحشفة، وهي الكمرة، وهي طرفه، بفتح الكاف والميم
~~والدال (4) غير المعجمة وهي الفيشة، والفيشة، من ذكر الصحيح، دون ذكر
~~العنين
# PageV03P394
# وفيما كان من الأعضاء في الإنسان، منه اثنان ففيهما جميعا الدية، إلا ما
~~خرج بدليل من الحاجبين إن كان ذكرا حرا مسلما، فبحساب ديته، على ما تقدم
~~ذكره ألف دينار، وإن كانت امرأة مسلمة حرة فديتها خمسمائة دينار.
# وقد بينا القول في دية العبد، والذمي، بما أغني عن تكراره في هذا المكان،
~~فدية أعضاء هؤلاء المذكورين، بحساب دياتهم، في اليد، إذا استوصلت من الزند
~~نصف الدية، وفي اليدين جميعا الدية كاملة، كذلك وفي الذراع، والذراعين،
~~والعضد، والعضدين، فإن قطع قاطع، اليد من نصف الذراع، كان عليه في اليد،
~~القود، لأن لها مفصلا ينتهي إليه، وعليه دية نصف الذراع، نصف الدية، يعتبر
~~ذلك بالمساحة، ولا قود فيه بحال، لأن فيه تغريرا بالنفس، وأيضا لا مفصل له
~~ينتهي إليه، فليلحظ ذلك.
# واليد إذا ضربت فشلت ولم تنفصل من الإنسان، كان فيها ثلثا دية انفصالها.
# ومن كسر يد إنسان، ثم برأت، وصلحت، لم يكن فيها قصاص، ويجب فيها الأرش
~~على ما بيناه من الاعتبار.
# وفي اليد الشلاء، إذا قطعت ثلث ديتها صحيحة.
# وفي كل عضو، ومفصل، إذا ضربه ضارب فشل، ولم ينفصل عن محله، ففيه ثلثا
~~ديته، فإن قطعه قاطع، بعد شلله، ففيه ثلث ديته.
# ومن رعد قلبه، فطار، كان فيه الدية كاملة.
# وفي إعدام الشم، الدية كاملة على ما بيناه.
# وفي إعدام السمع الدية أيضا كاملة.
# وقد روي أن من داس بطن إنسان حتى أحدث كان عليه، ms1407 أن يداس بطنه حتى يحدث،
~~أو يفتديه بثلث الدية (1).
# والذي يقتضيه أصول مذهبنا، خلاف هذه الرواية، لأن هذا فيه التغرير
~~بالنفس، فلا قصاص في ذلك بحال.
# PageV03P395
# وقد روي أن من ضرب امرأة مستقيمة الحيض على بطنها، فارتفع حيضها، فإنه
~~ينتظر بها سنة، فإن رجع طمثها إلى ما كان، وإلا استحلفت، وغرم ضاربها، ثلث
~~ديتها.
# ومن قطع أنف إنسان وأذنيه، وقلع عينيه، ثم قتله، اقتص منه أولا، ثم يقاد
~~به، سواء فرق ذلك به في ضربات أو كان قد ضربه ضربة واحدة، فحنت الضربة هذه
~~الجنايات.
# قال بعض أصحابنا اقتص منه أولا، ثم يقاد به إذا كان قد فرق ذلك به وإن
~~كان قد ضربه ضربة واحدة فجنت الضربة هذه الجنايات وأدت إلى القتل، لم يكن
~~عليه أكثر من القود، أو الدية، وهذا قول شيخنا أبي جعفر في نهايته (1).
# وما اخترناه اختياره في مسائل خلافه (2)، ومبسوطه (3)، وهو الأظهر،
~~والأصح عند محصلي أصحابنا، ويعضده ظاهر التنزيل، وهو قوله تعالى " فمن
~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (4) - وقوله تعالى "
~~والجروح قصاص " (5) لأنه لا يدخل قصاص الطرف، في قصاص النفس، ويدخل دية
~~الطرف، في دية النفس، فهذا الفرق بين الموضعين.
# ومن ضرب إنسانا على رأسه، فذهب عقله، انتظر به سنة، فإن مات فيما بينه
~~وبين سنة من ألم الضربة قيد به، وإن لم يمت ولم يرجع إليه عقله، كان عليه
~~جميع الدية، فإن رجع عليه عقله، كان عليه أرش الضربة.
# فإن أصابه مع ذهاب العقل، إما موضحة، أو مأمومة، أو غيرهما من الجراحات،
~~لم يكن فيه أكثر من الدية، إذا مات من الضرب.
# ومن قطع يمين رجل قطعت يمينه بها، فإن لم يكن له يمين وكان له يسار، قطعت
# PageV03P396
# بها، فإن لم يكن له يدان، فلا يقطع رجله، باليد لأنه لا دليل عليه، وكان
~~عليه الدية، لما قطع.
# وقد روي، أنه إذا لم يكن له يدان قطعت رجله، فإن لم يكن له يدان، ولا
~~رجلان، كان عليه الدية، لا غير (1).
# وروي أنه ms1408 إذا قطع أيدي جماعة قطعت يداه بالأول فالأول والرجل بالآخر
~~فالآخر، ومن يبقى بعد ذلك، كان له الدية، لا غير (2).
# وقد قلنا ما عندنا في ذلك، وهو أنه لا تقطع الرجل باليد بحال، ووجب
~~للباقين الدية.
# إذا قطع مسلم يد نصراني له ذمة، ثم أسلم وسرت الجناية إلى نفسه، وهو
~~مسلم، فمات، أو قطع حر عبدا ثم أعتق العبد، وسرت الجناية إلى نفسه، سواء في
~~أنه لا قود، في ذلك، لأن التكافؤ إذا لم يكن حاصلا في وقت القطع، وكان
~~موجودا في وقت السراية، لم يثبت القود في القطع، ولا السراية، فإذا كان
~~كذلك ولم يلزم فيما ذكرناه قود، كان فيه الدية، لأن الجناية إذا وقعت
~~مضمونة كان الاعتبار بأرشها في حال الاستقرار، يدل على ذلك أنه إذا قطع يدي
~~مسلم، ورجليه، كان فيه ديتان، فإن سرى ذلك، إلى نفسه كان فيه دية واحدة،
~~ويعتبر القصاص بحال الجناية، والمال بحال الاستقرار.
# وإذا قطع يد مرتد، ثم أسلم، ومات أو يد حربي، فأسلم، ثم مات، وكان القطع
~~في حال كفره، والسراية في حال إسلامه، لم يجب هاهنا قود، لما تقدم ذكره،
~~والدية أيضا لا تجب هاهنا، لأن الجناية إذا لم تكن مضمونة، لم تكن سرايتها
~~مضمونة.
# قد قلنا إن في الحشفة وحدها، الدية كاملة، لأن الجمال والمنفعة بها،
~~كالأصابع في اليد، فإن قطع قاطع ما بقي، ففيه حكومة، كما لو قطع الكف بلا
~~أصابع
# PageV03P397
# عليها، فإن قطع بعض الحشفة، فعليه ما يخصه من الدية، وفي اعتبارها قال
~~قوم من كل ذكر، لأنها منه، وقال آخرون من الحشفة، لأن الدية تجب بها فكان
~~الاعتبار، بها دون غيرها، وهذا هو الأظهر الأقوى، وهو اختيار شيخنا أبي
~~جعفر رحمه الله (1).
# إذا كان المجني عليه عبدا، ففيه ما نقص من قيمته، فيقال كم قيمته، وليس
~~هذه الجناية به؟ قالوا مائة، قلنا وكم قيمته وبه هذا الشين، قالوا تسعون،
~~قلنا قد نقص عشر القيمة، فيوجب فيه ما نقص، وعلى هذا كل الحكومات في
~~المملوكات أرش الجنايات ms1409 عليها ما نقصت على ما فصلناه.
# فإن كان حرا لم يمكن تقويمه، لكنه يقدر بالعبد، فيقال لو كان عبدا وليس
~~به هذه الجناية، كم قيمته؟ قالوا مائة، قلنا وبه هذه الجناية، قالوا تسعون،
~~قلنا فقد نقص عشر قيمته، فيجب في الحر عشر ديته، فالعبد أصل للحر فيما ليس
~~فيه مقدر، والحر أصل للعبد، فيما فيه أرش مقدر، فليلحظ ذلك، فإنه أصل يعتمد
~~عليه.
# وقلنا إن في الأنف، الدية، فإذا ثبت ذلك، فإنما الدية في المارن منه وهو
~~ما لان وهو دون قصبة الأنف، وذلك هو المنخران، والحاجز بينهما إلى القصية
~~فإن قطع كل المارن، ففيه الدية كاملة، فإن قطع بعضه، ففيه بالحصة مساحة،
~~كما قلناه في غير ذلك.
# فإن شق الحاجز بين المنخرين، ففيه حكومة، سواء اندمل أو بقي منفرجا، على
~~الاعتبار الذي قدمناه من قيمة العبد في حساب دية الحر.
# فإن قطع إحدى المنخرين، ففيه نصف الدية، لأنه ذهب نصف المنفعة، ونصف
~~الجمال، وهذا اختيار شيخنا أبي جعفر في مبسوطه (2).
# إذا قطع يدي الرجل ورجليه ومضت مدة يدمل فيها، ثم مات، فقال الجاني مات
~~بالسراية، فعلي دية واحدة، وقال الولي بغير سراية، وجب أن يكون القول، قول
~~الولي، لأن الظاهر وجوب ديتين، حتى يعلم غيره.
# PageV03P398
# إذا اصطدم الفارسان: فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما، نصف دية صاحبه،
~~والباقي هدر، هذا إذا كان خطأ محضا فأما إن كان عمدا محضا فعلى كل واحد
~~منهما، في تركته، نصف دية صاحبه حالة مغلظة.
# فأما إن مات الفرسان، فعلى كل واحد منهما نصف قيمة دابة صاحبه، فإن كان
~~القيمتان سواء تقاصا، وإن اختلفا فإنهما يتقاصان، ويترادان الفضل، ولا يكون
~~ضمان القيمة على العاقلة، لأن العاقلة لا تعقل البهائم، سواء كان القتل
~~عمدا، أو خطأ محضا.
# إذا سلم ولده إلى السابح، ليعلمه السباحة، فغرق، ضمنه، لأنه تلف
~~بالتعليم، فهو كما لو ضرب المعلم الصبي، على التعليم، فمات، ولأنه فرط، في
~~حفاظه، وإحكام شكوته وملازمة رجله، فقد فرط فعليه الضمان، وهو عندنا عمد
~~الخطأ، تكون ms1410 الدية في ماله عندنا مؤجلة سنتين.
# فإن كان المتعلم للسباحة كبيرا، رشيدا، فإنه لا ضمان على المعلم، بحال،
~~لأن البالغ العاقل متى غرق في تعلم السباحة، فهو الذي ترك الاحتياط في حق
~~نفسه، فلا ضمان على غيره.
# العين القائمة، واليد الشلاء والرجل الشلاء، واللسان الأخرس، والذكر
~~الأشل العنين، كل هذا وما في معناه، يجب فيه ثلث ديته صحيحة.
# وكل عضو فيه، مقدر، إذا جني عليه، فصار أشل، وجب فيه ثلثا ديته.
# وكل جرح له مقدر إذا كان في الرأس، والوجه، على ما تبينه فيما بعد إن شاء
~~الله فإذا كانت في الجسد، ففيها بحساب ذلك من الرأس، منسوبا إلى العضو الذي
~~هي فيه، إلا الجائفة، فإن فيها مقدرا في الجوف، وهو ثلث الدية.
# مثال ذلك الموضحة، إذا كانت في الرأس، أو الوجه، فيها نصف عشر الدية، فإن
~~كانت في اليد، ففيها نصف عشر دية اليد فإن كانت في الإصبع ففيها نصف عشر
~~دية الإصبع وهكذا باقي الجراح.
# إذا اصطدمت السفينتان من غير تفريط من القائم بهما، في شئ من أسباب
~~التفريط، بل بالريح، فهلكتا وما فيهما من الأموال، والأنفس، كان ذلك هدرا،
~~PageV03P399
# لا يلزم واحدا منهما شئ لصاحبه، لأن الأصل براءة الذمة.
# إذا جنى الرجل على نفسه جناية خطأ محضا، كان هدرا لا يلزم العاقلة ديته.
# المولى من أسفل، لا يعقل عن المولى من فوق شيئا بحال، ومعنى المولى من
~~فوق، هو المنعم بالعتق على العبد، ومعنى المولى من أسفل، هو المنعم عليه
~~بالعتق.
# إذا بنى حائطا مستويا في ملكه، فمال إلى الطريق، أو إلى دار جاره، ثم وقع
~~فأتلف نفسا وأموالا فلا ضمان عليه، ولا قود، ولا دية، لأن الأصل براءة
~~الذمة، وليس هاهنا دليل قاطع، على وجوب الضمان بحال.
# إذا سقط حائط إلى طريق المسلمين فعثر إنسان بترابه، فمات، لم يلزم ضمانه
~~صاحبه الحائط لمثل ما قلناه.
# إذا شرع جناحا إلى شارع المسلمين، أو إلى درب نافذا أو أراد إصلاح ساباط
~~على وجه، لا يضر بأحد من المارة، ms1411 فليس لأحد معارضته، ولا منعه منه، لأن
~~الأصل الجواز، والمنع يحتاج إلى دليل، ولأن أحدا لم ينكر هذا، والنبي صلى
~~الله عليه وآله فعله، وأقره، ولأن هذه الأجنحة، والساباط والسقايف سقيفة
~~بني النجار، وسقيفة بني ساعدة، وغير ذلك كانت موجودة، لم ينكرها أحد من
~~المسلمين، لا في زمان الرسول صلى الله عليه وآله ولا بعده وإلى يومنا هذا
~~لم ينقل أن أحدا اعترض فيها، ولا أزيلت باعتراض معترض عليها، ثبت أن
~~إقرارها جايز، بإجماع المسلمين وكك الميازيب.
# فإذا ثبت هذا، فإن وقع على أحد، لا شئ على صاحبه على ما قدمناه، لأن
~~الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل، وقوله تعالى " ما على المحسنين
~~من سبيل " (1) وهذا محسن بوضعه غير آثم على ما قدمناه.
# دية الجنين التام، مائة دينار، سواء كان ذكرا أو أنثى.
# إذا ضرب بطنها، فألقت جنينا فإن ألقته قبل وفاتها، ثم ماتت ففيها ديتها،
~~وفي الجنين قبل أن تلجه الروح، مائة دينار، وإن كان بعد أن ولجته الروح،
~~فالدية
# PageV03P400
# كاملة سواء ألقته حيا، ثم مات أو ألقته ميتا، إذا علم قبل إلقائه، إنه
~~كان حيا.
# فإن مات الولد في بطنها، وكان تاما حيا قد علم وتحقق حياته، روي في بعض
~~الأخبار أن ديته، نصف دية الذكر، ونصف دية الأنثى (1).
# والذي يقتضيه أصول مذهبنا استعمال القرعة، ولا يلتفت إلى أخبار الآحاد،
~~لأنها لا توجب علما، ولا عملا، والقرعة مجمع عليها، إنها تستعمل في كل أمر
~~مشكل، وهذا من ذاك، بغير خلاف.
# وكل موضع أوجبنا دية الجنين، فإنه لا يجب فيه كفارة القتل بحال.
# ودية الجنين موروثة عندنا، ولا تكون لأمه خاصة.
# دية جنين اليهودي، والنصراني، والمجوسي، عشر ديته، ثمانون درهما.
# وفي جنين الأمة المملوك، عشر قيمتها، وعندنا يعتبر قيمتها في حال
~~الجناية، دون حال الإسقاط.
# قد قلنا عند ذكرنا أحكام القسامة، أنه إذا كان مع المدعي للقتل، لوث، وهو
~~التهمة، للمدعى عليه، بأمارات ظاهرة، بدئ به في اليمين بحلف خمسين يمينا في
~~قتل العمد، خمسا وعشرين يمينا في ms1412 قتل الخطأ على ما قلناه.
# ويثبت اللوث، بأشياء بالشاهد الواحد، في قتل العمد، وبوجود القتيل في دار
~~قوم، وفي قريتهم التي لا يدخلها غيرهم، وكذلك محلتهم.
# ولا يثبت اللوث، بقول المقتول عند موته دمي عند فلان.
# وإذا كان المقتول مشركا والمدعى عليه مسلما، لم تثبت القسامة.
# إذا قتل عبد، وهناك لوث فلسيده القسامة، وإذا لم يكن لوث، وتكون دعوى
~~محضة مجردة من الأمارات، فاليمين في جنبة المدعى عليه، بلا خلاف، ولا يلزمه
~~أكثر من يمين واحدة.
# إذا ادعى رجل على رجل أنه قتل وليا له، وهناك لوث، وحلف المدعي، القسامة،
~~واستوفى الدية، فجاء آخر، فقال أنا قتلته، وما قتله ذلك كان الولي
# PageV03P401
# بالخيار، بين أن يصدقه ويكذب نفسه، ويرد الدية، ويستوفي منه حقه، وبين أن
~~يكذب المقر، ويثبت على ما هو عليه.
# قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه مسألة إذا كان الرجل متلففا في كساء،
~~أو في ثوب، فشهد شاهدان، على رجل أنه ضربه فقده باثنين، ولم تشهد (1)
~~الجناية غير الضرب، واختلف الولي والجاني، فقال الولي، كان حيا حين الضرب،
~~وقد قتله الجاني، وقال الجاني، ما كان حيا حين الضرب، كان القول، قول
~~الجاني، مع يمينه (2)، واستدل بما يربأ (3) الإنسان بذكره عنه.
# والذي يعول عليه، ويعمل به، ويسكن إليه، قبول قول الشاهدين وقول الولي مع
~~يمينه، ولا يلتفت إلى إنكار الجاني الحياة، لأنه مدع للموت بغير جناية،
~~والأصل الحياة، وشهادة العدلين بالجناية، وإنما كان الإنسان يفزع إلى دليل
~~براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل، قبل قيام الدليل بشغلها، وإنما هذا
~~مذهب أبي حنيفة، لا مذهب جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام، اختاره شيخنا
~~هاهنا ألا تراه، ما استدل بإجماع الفرقة، ولا بأخبارنا، فلا حاجة بنا إلى
~~القول بمذهب أبي حنيفة، وتصحيحه.
# باب القصاص وديات الشجاج والجراح من قطع شيئا من جوارح الإنسان، وجب أن
~~يقتص منه، إن أراد ذلك، وكان مكافئا له في الإسلام، والحرية وسلامة العضو
~~المجني عليه، وإن جرحه جراحة، فمثل ذلك، إلا أن يكون جراحة يخاف ms1413 في القصاص
~~منها على هلاك النفس، فإنه لا يحكم فيها بالقصاص، وإنما يحكم فيها بالأرش،
~~وذلك مثل المأمومة، والجايفة، وما أشبه ذلك، وكسر الأعضاء التي يرجى
~~انصلاحها، بالعلاج، فلا قصاص أيضا فيها بل يراعى حتى ينجبر الموضع، إما
~~مستقيما، أو على عثم - بالعين غير المعجمة والثاء المنقطة من فوقها ثلاث
~~نقط وهو الفساد والعيب - فيحكم حينئذ بالأرش،
# PageV03P402
# فإن كان ذلك شيئا لا يرجى صلاحه، فإنه يقتص من جانبه، على كل حال.
# والقصاص النفس بالنفس والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن،
~~والسن بالسن، والجروح قصاص.
# ولا قصاص بين الحر والعبد، ولا بين المسلم والذمي، ولا بين الكامل
~~والناقص، بل يقتص للكامل، من الناقص، ولا يقتص لناقص العضو، من السليم
~~الكامل العضو.
# فإن جرح عبدا حر، كان عليه أرشه بمقدار ذلك من ثمنه، وكذلك الحكم في سائر
~~أعضائه، فإن كانت الجناية قيمته (1)، كان عليه القيمة، ويأخذ العبد، والسيد
~~بالخيار بين أن يمسكه ولا شئ له، وبين أن يسلمه ويأخذ كمال قيمته، هذا إذا
~~كانت الجناية تحيط بثمنه.
# فإن كانت لا تحيط بقيمته، فليس لمولاه سوى الأرش.
# وإن جرح عبد حرا كان على مولاه، أن يسلمه إلى المجروح، يسترقه بمقدار ما
~~لزمه، أو يفديه بمقدار ذلك، فإن استغرق أرش الجراحة ثمنه، لم يكن لمولاه
~~فيه شئ، فإن لم يستغرق، كان له منه بمقدار ما يفضل من أرش الجراح.
# فإن جرح ذمي، مسلما، أو قطع شيئا من جوارحه، كان عليه أن يقطع جارحته، إن
~~كان قطع، أو يقتص منه، إن كان جرح، ويرد مع ذلك فضل ما بين الديتين.
# فإن جرحه المسلم، كان عليه أرشه بمقدار ديته التي ذكرناها.
# وروي أنه إن كان معتادا لذلك، جاز للإمام أن يقتص منه لأولياء الذمي، بعد
~~أن يردوا عليه فضل ما بين الديتين (2).
# ويقتص للرجل من المرأة وللمرأة من الرجل، ويتساوى جراحتهما ما لم تتجاوز
~~ثلث الدية، فإن بلغ ثلث الدية، نقصت المرأة، وزيد الرجل.
# وإذا جرح الرجل المرأة بما يزيد على الثلث، وأرادت المرأة، أن تقتص ms1414 منه،
~~كان لها ذلك، إذا ردت عليه فضل ما بين جراحتيهما.
# PageV03P403
# وإن جرحت المرأة الرجل، وأراد أن يقتص منها لم يكن له عليها، أكثر من
~~جراحة مثلها، أو المطالبة بالأرش على التمام من ديته، مع تراضيهما لذلك،
~~وإلا فلا يستحق عليها سوى القصاص.
# ومن لطم إنسانا على وجهه ونزل الماء في عينيه، وعيناه صحيحتان، وأراد
~~القصاص، فإنه تؤخذ مرآة - بكسر الميم وسكون الراء ومد الألف - محماة
~~بالنار، ولا يجوز أن يقال محمية على ما وضعه شيخنا أبو جعفر في نهايته (1)،
~~لأنه يقال أحميت الحديدة في النار، فهي محماة، فلا يقال حميتها، فهي محمية،
~~ويؤخذ كرسف، مبلول، وهو القطن، فيجعل على أشفار عينيه على جوانبها، لئلا
~~تحترق أشفاره، ثم يستقبل عين الشمس بعينيه، وتقرب منهما المرآة، فإنه يذوب
~~الناظر ويصير أعمى وتبقى العين، ويقال الناظرة على ما وضعه شيخنا في نهايته
~~(2) فإنه قال، وتذوب الناظرة وذلك صحيح ليس بخطأ.
# ومن قطعت أصابعه فجاءه رجل فأطار كفه، فأراد القصاص، من قاطع الكف، فروي
~~أنه يقطع يده من أصله ويرد عليه دية الأصابع (3).
# أورد هذه الرواية شيخنا أبو جعفر في نهايته (4)، وهي مخالفة لأصول
~~المذهب، لأنه لا خلاف بيننا أنه لا يقتص من العضو الكامل، للناقص، والأولى،
~~الحكومة في ذلك، وترك القصاص، وأخذ الأرش، على الاعتبار الذي قدمناه فمن
~~قيمته أن لو كان عبدا ثم يؤخذ من دية الحر، بحساب ذلك.
# ومن قتل إنسانا مقطوع اليد، وأراد أولياؤه القود، فإن كانت يده قطعت في
~~جناية جناها على نفسه، أو قطعت فأخذ ديتها، أو استحقها (5) قتلوا قاتله،
~~بعد أن يردوا إلى أوليائه دية اليد، فإن كانت يده قطعت في غير جناية ولم
~~يأخذ ديتها، وكان ذلك من قبل الله تعالى، قتلوا قاتله، وليس عليهم شئ.
# ومن شج غيره موضحة أو غيرها من الجراح، فعفى صاحبها عن قصاصها أو
# PageV03P404
# أرشها، ثم رجعت عليه وسرت إليه، فمات منها، كان على جارحه ديته، إلا دية
~~الجرح الذي عفى عنه، فإن أرادوا القود، ردوا على قاتله دية الجرح ms1415 الذي عفى
~~عنه صاحبه.
# ومن قطع شحمة أذن إنسان، فطلب منه القصاص، فاقتص له منه، فعالج الجاني
~~أذنه حتى التصق المقطوع بما انفصل عنه، كان للمقتص منه أن يقطع ما اتصل من
~~شحمة أذنه، حتى تعود إلى الحال التي استحق بها القصاص، وهكذا حكم المجني
~~عليه، سواء كان ظالما أو مظلوما، جانيا أو مجنيا عليه، لأنه حامل نجاسة،
~~وليس إنكاره ومطالبته بالقطع مخصوصا بأحدهما، بل جميع الناس.
# وكذلك القول فيما سوى ذلك من الجوارح والأعضاء، إذا لم يخف على الإنسان
~~منها تلف النفس، أو المشقة العظيمة، ووجب على السلطان ذلك، لكونه حاملا
~~للنجاسة فلا تصح منه الصلاة حينئذ، وكذلك إذا جبر عظمه بعظم نجس العين، ولم
~~يكن في قلعه خوف على النفس، ولا مشقة عظيمة، يجب إجباره على قطعه، ولا تصح
~~معه صلاته، فأما إن خاف من قلعه على نفسه، فلا يجب قلعه، ولا يجوز إجباره
~~على ذلك، وتكون صلاته صحيحة، لموضع الضرورة، لقوله عليه السلام - لا ضرر
~~ولا إضرار - (1).
# ومن قتل غيره، فسلمه الوالي إلى أولياء المقتول ليقتلوه، فضربه الولي
~~ضربات، وجرحه جراحات عدة، وتركه ظنا منه أنه مات، وكان به رمق، والرمق بقية
~~الحياة، فحمل ودوي فصلح، ثم جاء الولي فطلب منه القود، كان له ذلك، وعليه
~~أن يرد عليه دية الجراحات التي جرحه، أو يقتص منه بمثل الجراحات، هذا إذا
~~لم يكن جرح المجني عليه المقتول الأول جراحات عدة، بل قتله بضربة واحدة،
~~فأما إن كان جرحه جراحات عدة، فللولي أن يقتص منه بعد ذلك، ويقتله.
# وكذلك إن قطع بعض أطرافه، ثم قتله بعد ذلك، كان للولي أن يقطع، ثم يقتل
~~بعد ذلك.
# PageV03P405
# ولا يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس بحال على ما قدمناه، وتدخل دية الطرف
~~في دية النفس، فهذا الفرق بين الموضعين، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في
~~مسائل خلافه (1)، وإن كان مذهبه في نهايته (2) بخلاف ذلك.
# وما ذهب إليه في خلافه هو الصحيح، لأن ظاهر القرآن يعضده.
# قال شيخنا في مسائل خلافه، مسألة، إذا ms1416 قطع يد رجل ثم قتله، كان لولي الدم
~~أن يقطع يده ثم يقتله، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال أبو يوسف ومحمد
~~ليس له القصاص في الطرف، كما لو سري إلى النفس، هذا آخر كلامه رحمه الله
~~(3).
# ومن جرح غيره جراحة في غير مقتل، أو ضربه كذلك، فمرض المجروح، أو
~~المضروب، ثم مات، فإنه يعتبر حاله، فإن علم أنه مات من الجراح أو الضرب أو
~~من شئ جنياه، أو من سرايتهما، كان عليه القود أو الدية على الكمال مع
~~التراضي على ما بيناه، فإن كان مات بغير ذلك من الأمراض الحادثة من قبل
~~الله تعالى، أو لجناية جان آخر، أو اشتبه الأمر فيه، فلا يعلم أنه مات منه،
~~أو من غيره، لم يكن عليه أكثر من القصاص، فأما إذا لم يزل من يوم جرحه أو
~~ضربه، ضمنا - بفتح الضاد وكسر الميم - متألما من الجرح والضرب، فإنه يجب
~~عليه القود.
# الجراحات أولها الحارصة - بالحاء غير المعجمة، والصاد غير المعجمة - وهي
~~التي تحرص الجلد، يعني تشقه قليلا، ومنه قيل حرص القصار الثوب، إذا شقه.
# ثم الدامية، وهي التي تشق اللحم بعد الجلد.
# ثم المتلاحمة، وهي التي أخذت في اللحم، ولم تبلغ السمحاق.
# ثم السمحاق - بالسين غير المعجمة، وكسرها، وسكون الميم، والحاء غير
~~المعجمة، وفتحها، والقاف - وهي التي بينها وبين العظم قشيرة رقيقة، وكل
~~قشرة رقيقة فهي
# PageV03P406
# سمحاق، ومنه قيل في السماء سماحيق من غيم، وعلى ثرب الشاة سماحيق من شحم.
# ثم الموضحة، وهي التي تبدي وضح العظم، وتقطع القشيرة الرقيقة التي سميت
~~سمحاقا.
# ثم الهاشمة، وهي التي تهشم العظم.
# ثم المنقلة - بكسر القاف - وهي التي تخرج منها فراش العظام، وفراش الرأس
~~- بفتح الفاء والراء غير المعجمة، المفتوحة، والشين المعجمة - وهي عظام
~~رقاق تلي القحف، وتحوج إلى نقله من موضع إلى موضع.
# ثم الأمة وهي المأمونة بعبارة الفقهاء، وهي التي تبلغ أم الرأس، وأم
~~الرأس، الخريطة التي فيها الدماغ، وهو المخ، لأن الدماغ في خريطة من جلد
~~رقيق والدامغة تزيد على المأمومة، بأن ms1417 تخرق الخريطة، وتصل إلى جوف الدماغ،
~~فالواجب فيهما سواء، وهو ثلث الدية بلا خلاف.
# ففي الأول بعير، وفي الثانية بعيران، وفي الثالثة ثلاثة أبعرة، وفي
~~الرابعة أربعة أبعرة، وفي الخامسة خمسة أبعرة، وفي السادسة عشرة (1) أبعرة،
~~وفي السابعة خمسة عشر بعيرا، وفي الثامنة ثلث الدية دية النفس، وهي ثلاث
~~وثلاثون بعيرا فحسب، بلا زيادة ولا نقصان، إن كان من أصحاب الإبل، ولم
~~يلزمه أصحابنا ثلث البعير الذي يتكمل به ثلث المائة بعير التي هي دية
~~النفس، لأن رواياتهم هكذا مطلقة، وكذلك تصنيفاتهم، وقول مشايخهم وفتاويهم،
~~وإجماعهم منعقد على هذا الإطلاق، أو ثلث الدية من العين، أو الورق على
~~السواء، لأن ذلك يتحدد فيه الثلث، ولا يتحدد في الإبل والبقر والغنم، وما
~~حررناه واخترناه اختيار السيد المرتضى وتحريره في جوابات المسائل الناصريات
~~(2) التي هي الطبريات.
# وقال شيخنا المفيد في مقنعته، دية المأمونة ثلث دية النفس، ثلاثة وثلاثون
# PageV03P407
# بعيرا (1)، ولم يقل وثلث بعير.
# وهكذا قول شيخنا أبي جعفر في نهايته (2).
# والمعنى والتحرير ما ذكرناه.
# وكذلك في الدامغة على ما بيناه.
# وخمس منهن يثبت فيهن القصاص، وما عدا ذلك لا يثبت فيه القصاص، وفيه
~~الدية، لأن في ذلك تغريرا بالنفس.
# وجميعها تحملها العاقلة، إن كان الفعل خطأ محضا، على الصحيح من المذهب،
~~وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في مسائل خلافه (3).
# وقال في نهايته، لا تحمل عليها العاقلة إلا الموضحة فصاعدا (4).
# والذي اخترناه نحن هو الظاهر، وتعضده الأدلة، وجميع الظواهر تشهد بصحته.
# ثم قال في نهايته، والقصاص ثابت في جميع هذه الجراح، إلا في المأمومة
~~خاصة، لأن فيها تغريرا بالنفس، فليس فيها أكثر من ديتها (5).
# إلا أنه رجع في مسائل خلافه (6) ومبسوطه (7) إلى ما اخترناه.
# وهو الأصح، لأن تعليله في نهايته لازم له في الهاشمة والمنقلة.
# وما كان في الرأس والوجه يسمى شجاجا، وما كان منه في البدن يسمى جراحا،
~~وهذه الشجاج والجراح في الوجه والرأس سواء في الدية والقصاص، فأما إذا كانت
~~في البدن ففيها بحساب ذلك من الرأس منسوبا إلى العضو التي ms1418 هي فيه،
# PageV03P408
# إلا الجايفة، فإن فيها مقدرا في الجوف، وهو ثلث الدية.
# مثال ذلك في الموضحة إذا كانت في الرأس أو الوجه، فيها نصف عشر الدية،
~~فإن كانت الموضحة في اليد، ففيها نصف عشر دية اليد، فإن كانت في الإصبع،
~~ففيها نصف عشر دية الإصبع، وهكذا باقي الجراح على ما قدمناه فيما مضى،
~~وبيناه.
# فعلى ما حررناه، الجراحات عشرة، وقال شيخنا في نهايته (1) الجراحات
~~ثمانية.
# أولها الخارصة وهي الدامية، ثم الباضعة، ثم المتلاحمة، ثم السمحاق.
# والذي اخترناه مذهب الجلة من المشيخة من أصحابنا، مثل السيد المرتضى فإنه
~~قال في انتصاره مسألة، ومما انفردت به الإمامية، القول بأن في الشجاج التي
~~هي دون الموضحة، مثل الحارصة والدامية والباضعة والسمحاق، دية مقدرة، ففي
~~الحارصة وهي الخدش الذي يشق الجلد، بعير واحد، وفي الدامية، وهي التي تصل
~~إلى اللحم ويسيل بها الدم، بعيران، وفي الباضعة وهي التي تقطع اللحم وتزيد
~~في الجناية على الدامية، ثلاثة أبعرة، وفي السمحاق، وهي التي تقطع اللحم
~~حتى يبلغ إلى الجلدة الرقيقة المتغشية للعظم، أربعة أبعرة، هذا آخر كلام
~~السيد المرتضى رضي الله عنه (2).
# وإلى هذا يذهب شيخنا المفيد (3) رحمه الله، والفقيه سلار (4) في رسالته،
~~وهو قول جماعة اللغويين مثل الأصمعي، وأبي عبيد القسم بن سلام، قد ذكره في
~~غريب المصنف، وابن قتيبة ذكره في أدب الكتاب.
# وشيخنا أبو جعفر جعل الحارصة هي الدامية، وجعل مكان الدامية الباضعة،
~~وجعل مكان الباضعة (5) المتلاحمة، وبعدها السمحاق، وجميع أصحابنا جعلوا
~~الرابعة من الشجاج السمحاق (6) بلا خلاف.
# PageV03P409
# وفي لطمة الوجه إذا احمر موضعها دينار واحد ونصف، فإن اخضر أو اسود،
~~ففيها ثلاثة دنانير، وكذلك الحكم في الرأس، وأرشها في الجسد على النصف من
~~أرشها في الوجه، بحساب ما ذكرناه.
# وقال شيخنا في نهايته، وفي اللطمة في الوجه إذا اسود أثرها ستة دنانير،
~~فإن اخضر فثلاثة دنانير، فإن احمر فدينار ونصف (1).
# وهذا اختياره في مسائل خلافه (2).
# وما اخترناه مذهب السيد المرتضى (3)، وشيخنا المفيد محمد بن محمد بن
~~النعمان في مقنعته (4) وهو الأظهر الأصح، ms1419 لأن الأصل براءة الذمة، وشغلها
~~بما زاد على ما ذكرناه يحتاج إلى دليل، لأن ما قلناه مجمع على لزومه.
# وفي كسر عظم من عضو خمس دية ذلك العضو، وفي موضحته ربع دية كسره.
# وإذا كسر عظم فجبر على غير عثم ولا عيب، كانت ديته أربعة أخماس دية كسره.
# وفي كسر الصلب الدية كاملة، فإن جبر فبرئ على غير عثم، ففيه مائة دينار،
~~عشر دية كسره.
# وفي الأنف إذا كسرت ففسدت، الدية كاملة، وكذلك إذا استوعب واستوصل قطعها،
~~أو قطع المارن على ما قدمناه، فإن جبرت فبرأت على غير عثم، كان فيها مائة
~~دينار.
# وفي روثة الأنف - بالراء غير المعجمة، المفتوحة، والواو المسكنة، والثاء
~~المنقطة ثلاث - نقط، قال صاحب كتاب الصحاح الروثة طرف الأرنبة، وقال شيخنا
~~أبو جعفر (5) روثة الأنف الحاجز بين المنخرين - إذا قطع فاستوصل، خمسمائة
~~دينار، وهو قول شيخنا المفيد في مقنعته (6).
# PageV03P410
# فإن نفذت في الأنف نافذة لا تنسد، فديتها ثلث دية النفس، فإن عولجت فصلحت
~~وانسدت، فديتها خمس دية الأنف، مائتا دينار.
# فإن كانت النافذة في إحدى المنخرين (1) إلى الخيشوم، فعولجت فبرأت
~~والتأمت، فديتها عشر دية الأنف، المائة دينار.
# وفي إحدى المنخرين نصف دية الأنف، وقال قوم فيه ثلث دية الأنف، وما
~~اخترناه مذهب شيخنا أبي جعفر في مبسوطه (2)، واستدل، بأن قال لأنه ذهب بنصف
~~المنفعة، ونصف الجمال.
# وإذا انشقت الشفتان حتى بدت الأسنان منهما، ولم تبرأ، فدية شفتها ثلث دية
~~النفس، فإن عولجت فبرأت والتأمت، فديتها خمس دية النفس، مائتا دينار، وفي
~~شق إحديهما بحساب ذلك، فإن التأمت وصلحت، ففيها خمس ديتها.
# والعظم إذا رض، كان فيه ثلث دية العضو الذي هو فيه، فإن صلح على غير عيب،
~~فديته أربعة أخماس دية رضه.
# فإن فك عظم من عضو، فتعطل به العضو، فديته ثلثا دية العضو، فإن جبر وصلح
~~والتأم، فديته أربعة أخماس دية فكه.
# وفي نقل عظام الأعضاء لفسادها، مثل ما في نقل عظام الرأس بحساب دية
~~العضو، وكذلك في غيرها من الجراحات.
# وفي الشلل في اليدين ms1420 والرجلين، ثلثا دية اليد والرجل، وكذلك كل عضو ضرب
~~فتعطل ولم ينفصل، فيجب ثلثا ديته على الجاني.
# وفي اليد الشلاء والرجل الشلاء والعضو المعطل الأشل إذا قطع، ثلث ديته
~~صحيحا وكذلك الحكم في الأصابع، وفي الجميع الجوارح والأعضاء، وفي العين
~~العوراء لا المخلوقة (3) خلقة على ما قدمناه.
# وفي كل ضلع خمسة وعشرون دينارا.
# وقد وردت روايات في أحكام الديات، وأحاديث كثيرة مختلفة ومتفقة، آحاد
# PageV03P411
# وشواذ، أثبتها بعض مشيختنا في مصنفات، تتضمن تفصيل أحكام الديات، وقد جنح
~~فيها القول، وبسط على استقصاء فيها لا يراد الروايات منها كتاب ظريف بن
~~ناصح - بالظاء المعجمة -، وهذا الكتاب عندي طالعته، فما رأيته طائلا يورد
~~فيه ما لا يجوز العمل به، ويضاد ما الإجماع عليه، وكتاب علي بن رئاب - بهمز
~~الياء المنقطة من تحتها بنقطتين - وغيرهما من المشيخة الفقهاء، لا يحتمل
~~كتابنا هذا إيراد ذلك كله، لأنه لا يوجب علما ولا عملا.
# والذي يقتضيه أصول مذهبنا أنه إذا لم يكن إجماع على الرواية، ولا هي
~~متواترة، أن نحكم في الجناية والدية بالاعتبار الذي قدمناه من التقويم، وأن
~~يجعل العبد أصلا للحر فيما لا مقدر فيه، ولا موظف مجمع عليه، ثم يحكم بذلك
~~على المثال الذي كررناه وذكرناه فيما مضى، وحررناه في جميع ما يرد على
~~الإنسان من الأحكام والفتاوي، وفيما أثبتناه منه مقنع في معرفة ما أردنا
~~بيانه إن شاء الله.
# ولا ينبغي للحاكم أن يحكم في شئ من الجراحات وكسر الأعضاء حتى يبرأ، ثم
~~ينظر في ذلك، ويرجع فيه إلى أصحاب الخبرة، فيحكم حسب ما تقتضيه الجناية.
# ومن أراد القصاص، فلا يقتص بنفسه، وإنما يقتص له الناظر في أمر المسلمين،
~~أو يأذن له في ذلك، فإن أذن له، جاز له حينئذ الاقتصاص (1)، فإن بادر
~~واقتص، أخطأ ولم يجب عليه قود ولا قصاص.
# والأطراف كالأنفس، فكل نفسين جرى القصاص بينهما في الأنفس، جرى بينهما في
~~الأطراف، سواء اتفقا في الدية أو اختلفا فيها، كالحرين والحرتين، والحر
~~والحرة والعبدين والأمتين والعبد والأمة، والكافرين والكافرتين، والكافر
~~والكافرة ms1421 ويقطع أيضا الناقص بالكامل، دون الكامل بالناقص، وكل شخصين لا
~~يجرى القصاص بينهما في الأنفس كذلك في الأطراف، كالحر والعبد، والكافر
~~والمسلم، طردا وعكسا إلا أنه إذا اقتص للحرة من الرجل الحر في الأطراف، ردت
~~فاضل الدية على ما قدمناه فيما مضى، وشرحناه.
# PageV03P412
# إذا قتل واحد مثلا عشرة أنفس، ثبت لكل واحد من أولياء المقتولين القود،
~~لا يتعلق حقه بحق غيره، فإن قتل بالأول سقط حق الباقين لا إلى بدل، وإن بدر
~~واحد منهم فقتله سقط حق كل واحد من الباقين، ولا تتداخل حقوقهم، لقوله
~~تعالى " فقد جعلنا لوليه سلطانا " (1)، فمن قال يتداخل، فعليه الدلالة،
~~فأما إثبات البدل، فالأصل براءة الذمة، وإثبات الدية يحتاج إلى دليل، على
~~إنا قد بينا أن الدية لا تثبت إلا بالتراضي، وذلك مفقود هاهنا وأيضا قوله
~~تعالى " النفس بالنفس " (2) ولم يقل نفس بأنفس ولا نفس بمال.
# إذا قطع رجل يد رجل، فقطع المجنا (3) عليه يد الجاني، ثم إنه اندمل
~~المجنا عليه، وسرى القطع إلى نفس الجاني، كان هدرا، فإن عاش الجاني الظالم،
~~ومات المجني عليه، وجب على الجاني القود.
# إذا قتل اثنان رجلا وكان أحدهما لو انفرد بقتله قتل به دون الآخر، لم يخل
~~من أحد أمرين، إما أن يكون القود لم يجب على أحدهما لمعنى فيه، أو في فعله،
~~فإن كان لمعنى فيه، مثل أن يشارك أجنبيا في قتل ولده، أو نصرانيا في قتل
~~نصراني، أو عبدا في قتل عبد، فعلى شريكه القود دونه، وإن كان القود لم يجب
~~عليه لمعنى في فعله، مثل أن يكون عمدا محضا يشارك من قتله خطأ، أو عمد
~~الخطأ، فالقود على العامد منهما.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه لا قود على العامد المحض إذا شاركه
~~من قتله (4) خطأ (5).
# وهذا مذهب الشافعي، دون الإمامي، لأن الله تعالى قال " فقد جعلنا لوليه
~~سلطانا فلا يسرف في القتل " (6) وهذا قد قتل ظلما فوجب أن يكون لوليه
~~سلطان.
# وإجماع أصحابنا منعقد على أن القتل إذا كان عمدا محضا يوجب القود، ms1422 فمن
~~أسقطه هاهنا يحتاج إلى دليل.
# PageV03P413
# إذا قطع يدي غيره ورجليه، وأذنيه، لم يكن له أن يأخذ دياتها كلها في
~~الحال، بل يأخذ دية النفس في الحال، وينتظر حتى تندمل، فإن اندملت، كان له
~~دياتها كلها كاملة مع التراضي، على ما قلناه، وإن سرت إلى النفس، كان له
~~دية واحدة مع التراضي أيضا، والأولى أيضا عندي أنه لا يستحق دياتها، ولا
~~دية واحدة في الحال، لأن الدية عندنا لا تثبت ولا تستحق إلا مع التراضي،
~~فأما القصاص فله أن يقتص في الحال.
# إذا جرح غيره ثم إن المجروح قلع من موضع الجرح لحما، فإن كان ميتا، فلا
~~بأس، والقود على الجاني بلا خلاف، وإن كان لحما حيا، ثم سرى إلى نفسه، كان
~~على الجاني القود أيضا، وعلى أولياء المقتول أن يردوا نصف الدية على الجاني
~~أو أوليائه.
# وكذلك لو شارك السبع في قتل غيره، أو جرحه غيره وجرح هو نفسه، فمات.
# يقطع ذكر الفحل بذكر الفحل الخصي إذا سلت بيضتاه، وبقي ذكره لقوله تعالى
~~" والجروح قصاص " (1).
# أجرة من يقيم الحدود ويقتص للناس، من بيت المال.
# في العقل دية كاملة، فإن جنى جناية ذهب عقله فيها لم يدخل أرش الجناية في
~~دية العقل، سواء كان مقدرا أو حكومة، وسواء كان أرش الجناية أقل من دية
~~العقل أو أكثر منها أو مثله، سواء ضربه ضربة واحدة أو ضربتين، وقد كنا قلنا
~~من قبل، فإن كان أصابه مع ذهاب العقل إما موضحة أو مأمومة أو غيرهما من
~~الجراحات، لم يكن فيه أكثر من الدية كاملة، اللهم إلا أن يكون ضربه ضربتين
~~أو ثلاثا بحيث (2) كل ضربة منها جناية، كان عليه حينئذ ديتها، فأوردناه على
~~ما أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (3).
# إلا أن هذا أظهر من ذاك، وشيخنا فقد رجع عما أورده في نهايته، وقال بما
# PageV03P414
# اخترناه الآن في مسائل خلافه (1)، وهو الصحيح، لأن تداخل الديات إذا لم
~~يمت المجني عليه يحتاج إلى دليل.
# القصاص فيما دون النفس شيئان، جرح يشق، وعضو يقطع، ms1423 فأما العضو الذي يقطع،
~~فكل عضو ينتهي إلى مفصل، كاليد والرجل، ففي كلها القصاص، لأن لها حدا ينتهي
~~إليه، وإنما يجب القصاص فيها بثلاثة شروط التساوي في الحرية، أو يكون
~~المجني عليه أكمل، والثاني الاشتراك في الاسم الخاص، يمين بيمين، ويسار
~~بيسار، فإنه لا تقطع يمين بيسار، ولا يسار بيمين، والثالث السلامة، فإنا لا
~~نقطع اليد الصحيحة باليد الشلاء.
# فأما غير الأطراف من الجراح (2) التي فيها القصاص، وهو ما كان في الرأس
~~والوجه، لا غير، فإن القصاص يجب فيها بشرط واحد، وهو التكافؤ في الحرية، أو
~~يكون المجني عليه أكمل.
# وأما التساوي في الاسم الخاص، فهذا لا يوجد في الرأس، لأنه ليس له رأسان،
~~ولا السلامة من الشلل، فإن الشلل لا يكون في الرأس.
# والقصاص في الأطراف والجراح في باب الوجوب سواء، وإنما يختلفان من وجه
~~آخر، وهو إنا لا نعتبر المماثلة في الأطراف بالقدر من حيث الكبر والصغر،
~~ونعتبره في الجراح بالمساحة، والفصل بينهما إنا لو اعتبرنا المماثلة في
~~الأطراف في القدر والمساحة، أفضى إلى سقوط القصاص فيها، لأنه لا يكاد يدان
~~يتفقان في القدر، وليس كذلك الجراح، فإنه يعرف عرضه وطوله وعمقه، فيستوفيه
~~بالمساحة، فلهذا اعتبرناها بالمساحة، فبان الفصل بينهما.
# وجملته إنا نعتبر في القصاص المماثلة، وننظر إلى طول الشجة وعرضها فأما
~~الأطراف فلا نعتبر فيها الكبر والصغر، بل تؤخذ اليد الغليظة بالدقيقة،
~~والسمينة بالهزيلة، ولا يعتبر المساحة لما تقدم، وإنما يعتبر الاسم مع
~~السلامة، ومع التكافؤ في الحرية، قال الله تعالى " وكتبنا عليهم فيها أن
~~النفس بالنفس والعين بالعين والأنف
# PageV03P415
# بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن " (1) فاعتبر الاسم فقط، فلهذا
~~راعيناه.
# فإذا ثبت ذلك فالقصاص يجوز من الموضحة قبل الاندمال عند قوم، وقال قوم لا
~~يجوز إلا بعد الاندمال وهو الأحوط، والذي وردت الأخبار به عندنا، لأنها
~~ربما صارت نفسا.
# إذا قطع يد رجل فيها ثلاث أصابع سليمة وإصبعان شلاوان ويد القاطع لا شلل
~~بها، فلا قود على القاطع، لأنا نعتبر التكافؤ في الأطراف، والشلاء لا تكافئ
~~الصحيحة، ms1424 فإذا ثبت أنه لا قود عليه، فإن رضي الجاني أن يقطع يده بتلك اليد،
~~لم يجز قطعها بها، لأن القود إذا لم يجب في الأصل، لم يجز استيفاؤه بالبدل،
~~كالحر إذا قتل عبدا، ثم قال القاتل قد رضيت أن يقتلني السيد به، لم يجز
~~قتله.
# باب دية الجنين والميت إذا قطع رأسه أو شئ من أعضائه الجنين الولد ما دام
~~في البطن، وأول (2) ما يكون نطفة، وفيها بعد وضعها في الرحم إلى عشرين
~~يوما، عشرون دينارا، ثم بعد العشرين يوما، لكل يوم دينار إلى أربعين يوما،
~~أربعون دينارا، وهي دية العلقة، فهذا معنى قولهم وفيما بينهما بحساب ذلك،
~~ثم يصير مضغة، وفيها ستون دينارا، وفيما بين ذلك بحسابه.
# [ثم يصير عظما، وفيه ثمانون دينارا وفيما بين ذلك بحسابه] (3) ثم يصير
~~مكسوا عليه اللحم، خلقا سويا شق له العينان، والأذنان والأنف قبل أن تلجه
~~الروح، وفيه عندنا مائة دينار، سواء كان ذكرا أو أنثى، على ما قدمناه،
~~وفيما بين ذلك بحسابه.
# وذهب شيخنا في مبسوطه، إلى أن دية الجنين الذكر مائة دينار، ودية الجنين
~~الأنثى خمسون دينارا (4).
# PageV03P416
# وهذا مذهب بعض المخالفين، فأما أصحابنا الإمامية ما خالف أحد منهم في أن
~~دية الجنين الحر المسلم مائة دينار، ولم يفصلوا، بل أطلقوا وعمموا، وشيخنا
~~أبو جعفر في جميع كتبه الأخبارية موافق على ذلك، ومسلم مع أصحابه، وإنما
~~يورد في هذا الكتاب يعني مبسوط مقالة المخالفين، لأنه كتاب فروع المخالفين،
~~فقال في هذا الكتاب، إن كان الجنين عبدا ففيه عشر قيمته، إن كان ذكرا وكذلك
~~عشر قيمته إن كان أنثى (1).
# والذي عليه إجماع أصحابنا، أن في جنين الأمة والمملوك، عشر دية أمه، بلا
~~خلاف بين أصحابنا، وإنما أورد شيخنا مقالة المخالفين.
# وقال في هذا الكتاب أيضا إذا ضرب بطن أمة، فألقت جنينا ميتا مملوكا، ففيه
~~عشر قيمة أمه ذكرا كان أم أنثى، وعند قوم غرة تامة، مثل جنين الحرة، وهذا
~~الذي رواه أصحابنا، هذا آخر كلامه (2).
# قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب رحمه ms1425 الله هاهنا يحسن قول اقلب تصب،
~~بل رواية أصحابنا ما قدمه رحمه الله وقد قدمنا بيان ذلك، وهو أن لكل يوم
~~دينارا إلى أن يصل إلى الدية المقدرة، ثم تلجه الروح، وفيه الدية كاملة.
# وقد روي أنه إذا قتلت المرأة وهي حامل متم، ومات الولد في بطنها، ولا
~~يعلم أذكر هو أم أنثى، حكم فيه بديتها كاملة مع التراضي، وفي ولدها بنصف
~~دية الرجل ونصف دية المرأة (3).
# والأولى استعمال القرعة في ذلك، هل هو ذكر أم أنثى، لأن القرعة مجمع
~~عليها في كل أمر مشكل، وهذا من ذلك، هذا إذا تحقق حياته في بطنها وعلم.
# وروى محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن
~~عقبة عن سليم (4) بن صالح، عن أبي عبد الله عليه السلام في النطفة
# PageV03P417
# عشرون دينارا، وفي العلقة أربعون دينارا، وفي المضغة ستون دينارا، وفي
~~العظم ثمانون دينارا، فإذا كسى اللحم مائة دينار، ثم هي مائة حتى يستهل،
~~فإذا استهل فالدية كاملة (1).
# والرواية الأولى رواها على (2) بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن
~~يونس، عن عبد الله بن مسكان، عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام.
# وكلتا الروايتين أوردهما شيخنا أبو جعفر في تهذيب (3) الأحكام، إلا أن
~~الأولى مرسلة، والأخيرة مسندة، ويقتضيها أصول مذهبنا، والأصل براءة الذمة.
# وفي قطع جوارح الجنين وأعضائه، الدية من حساب ديته، مائة دينار.
# والمرأة إذا شربت دواء لتلقي ما في بطنها، ثم ألقت، كان عليها الدية
~~بحساب ما ذكرناه لورثة المولود دونها، لأن دية الجنين عندنا موروثة لورثته،
~~وإنما حرمت الأم هاهنا، لأنها بمنزلة القاتلة، والقاتل عندنا لا يرث من
~~الدية شيئا بحال، سواء كان قاتل عمد أو قاتل خطأ.
# ومن أفزع امرأة وضربها (4) فألقت شيئا مما ذكرنا فكان عليه ديته حسب ما
~~قدمناه.
# ولا كفارة على قاتل الجنين بحال.
# ودية جنين الذمي عشر ديته، وما يكون من أعضائه بحساب ذلك.
# ومن افزع رجلا، وهو على حال الجماع، فعزل عن امرأته، كان عليه ms1426 دية ضياع
~~النطفة، عشرة دنانير، فأما إن وضع النطفة في الرحم، ثم افزع افزع (5)
~~المرأة، فألقتها، فديتها عشرون دينارا على ما قدمناه (6).
# وقد روي أنه إذا عزل الرجل عن زوجته الحرة بغير اختيارها، كان عليه عشر
~~دية الجنين، يسلم إليها (7)، وهذه رواية شاذة لا يعول عليها، ولا يلتفت
~~إليها، لأن
# PageV03P418
# الأصل براءة الذمة، ولأنا قد بينا أن العزل عن الحرة مكروه، ليس بمحظور.
# قال شيخنا أبو جعفر في الجزء الثاني من مسائل خلافه، مسألة دية الجنين
~~إذا تم خلقه، مائة دينار، وإذا لم يتم، فغرة عبد أو أمة، وعند الفقهاء غرة
~~عبد أو أمة على كل حال، إلا أن هذه الدية ساير المناسبين، وغير المناسبين
~~(1).
# قال محمد بن إدريس، لا خلاف بيننا، أن الدية الجنين التام مائة دينار،
~~وغير التام بحسابه، من النطفة والعلقة وغير ذلك.
# فأما الغرة، فما أحد من أصحابنا ذهب إلى ذلك، وإنما هذا مذهب المخالفين
~~لأهل البيت عليهم السلام فليلحظ دليله رحمه الله في المسألة، فهو قاض عليه،
~~وإنما أردت تنبيه من يقف على المسألة التي في خلافه، وهو الجزء الثاني،
~~بحيث لا يعتقد أن ذلك مذهب أصحابنا.
# وحكم الميت حكم الجنين، وديته ديته، سواء، فمن فعل بميت فعلا لو فعله
~~بالحي لكان فيه تلف نفسه، كان عليه ديته مائة دينار، وفيما بفعل به من كسر
~~يدا أو قطعها، أو قلع عين، أو جراحة، فعلى حساب ديته، كما تكون دية هذه
~~الأعضاء في الحي كذلك لا يخلف الحكم فيه.
# والفرق بين الجنين والميت، أن دية الجنين تستحقها ورثته على ما قدمناه،
~~ودية الميت لا يستحقها أحد من ورثته، بل تكون له، يتصدق بها عنه، على ما
~~ذهب شيخنا أبو جعفر إليه في نهايته (2).
# وقال السيد المرتضى يكون لبيت المال (3).
# وهو الذي يقوى في نفسي، لأن ما ذهب إليه شيخنا أبو جعفر لا دليل عليه،
~~وهذه جناية يأخذها الإمام على طريق العقوبة والردع، فيجعلها في بيت المال.
# ودية جنين الأمة المملوك عشر قيمة أمه وقت الضرب.
# ودية ms1427 جنين البهيمة، والدواب، والحيوان، عشر دية أمه، لإجماعنا على ذلك،
# PageV03P419
# وتواتر أخبارنا (1) وفي ذلك الحجة.
# باب الجنايات على الحيوان وغير ذلك من أتلف حيوانا لغيره مما لا يقع عليه
~~الذكاة، كان عليه قيمته يوم أتلفه، وذلك مثل الكلب.
# وقال شيخنا في نهايته، وذلك مثل الفهد، والبازي (2).
# وعندنا أن الفهد يقع عليه الذكاة، ويحل بيع جلده بعد ذكاته بلا خلاف
~~بيننا، ويحل أيضا استعماله بعد دباغه في جميع الأشياء، ما عدا الصلاة، على
~~ما بيناه في كتاب الصلاة (3)، وإنما مقصود شيخنا بقوله ما لا يؤكل لحمه،
~~إلا أنه لا بد أن يراعى أن يكون مما يجوز للمسلمين تملكه.
# فإن أتلف عليه ما لا يحل للمسلمين تملكه، وكان من بيده ذلك مسلما، لم يكن
~~عليه شئ، سواء كان الجاني مسلما أو ذميا.
# فإن أتلف شيئا من ذلك على ذمي وجب عليه قيمته عند مستحليه.
# ومتى أتلف شيئا على مسلم مما يقع عليه الذكاة على وجه يمكنه الانتفاع به،
~~فلا يجب عليه كمال قيمته، بل الواجب عليه ما بين قيمته صحيحا ومعيبا، مثال
~~ذلك أن يذبح شاة إنسان ذباحة شرعية، فالواجب عليه ما بين قيمتها حية
~~ومذبوحة.
# وقال شيخنا في نهايته، يجب عليه قيمته يوم أتلفه، ويسلم إليه ذلك الشئ،
~~أو يطالبه بقيمته ما بين كونه متلفا وكونه حيا (4).
# وما ذكرناه هو الأصح وشيخنا فقد رجع عن ذلك في مبسوطه (5).
# PageV03P420
# فإن أتلفه على وجه لا يمكنه لصاحبه الانتفاع به على وجه، كان عليه قيمته
~~بغير خلاف. كقتله للشاة بالحجارة والخشب، وخنقه، أو ذبحه بيد كافر، أو
~~تغريقه وغير ذلك.
# ودية كلب الصيد، سواء كان سلوقيا أو غير ذلك إذا كان معلما للصيد، أربعون
~~درهما.
# وشيخنا قال في نهايته، ودية كلب السلوقي أربعون درهما (1)، وأطلق ذلك.
# والأولى تقييده بكلب الصيد، لأنه إذا كان غير معلم على الصيد، ولا هو كلب
~~ماشية ولا زرع ولا حايط فلا دية له، وإن كان سلوقيا، إنما أطلق ذلك لأن
~~العادة والعرف أن الكلب السلوقي الغالب عليه أنه يصطاد، ms1428 والسلوقي منسوب إلى
~~سلوق، وهي قرية باليمن.
# ودية كلب الحايط والماشية عشرون درهما، والمراد بالحايط البستان، لأن في
~~الحديث أن فاطمة عليها السلام وقفت حوايطها بالمدينة (2)، المراد بذلك
~~بساتينها.
# وفي كلب الزرع قفيز من طعام، وإطلاق الطعام في العرف يرجع إلى الحنطة.
# وليس في شئ من الكلاب غير هذه الأربعة دية على حال.
# ويجوز إجارة هذه وبيعها، والديات لهذه الكلاب مقدرة موظفة، وإن كانت
~~قيمتها أكثر من ذلك.
# فإن غصب إنسان أحد هذه الكلاب، وكانت قيمته مثلا مائة دينار، ثم مات عنده
~~قبل رده على المغصوب منه، أو قتله قبل رده، فالواجب عليه قيمته، وهي المائة
~~دينار، لا ديته الموظفة المقدرة، لأنه بالغصب قد ضمن قيمته، وصارت في ذمته،
~~كمن غصب عبد غيره، وقيمة العبد ألفا دينار، ثم مات عند الغاصب قبل رده إلى
~~المغصوب، أو قتله الغاصب قبل رده، فالواجب عليه ضمان قيمته، وهي ألفا
~~دينار، وإن كان قتله قبل غصبه إياه، لم يلزمه أكثر من ديته، ولا يتجاوز بها
~~دية الحر، وهي ألف دينار، فليلحظ ذلك، وقد ذكرنا في كتاب الغصب (3) شيئا من
~~هذا، وفيه
# PageV03P421
# كفاية ومقنع وتنبيه لذوي الفهم والتأمل.
# والقول في الجراح البهايم وكسر أعضائها وقطع أطرافها، أنه يستحق صاحبها
~~على الجاني من الأرش ما بين قيمتها صحيحة ومعيبة، وليس له خيار في أخذ
~~قيمته وتسليمه إلى الجاني، وإن كانت الجناية تحيط بقيمته كما ذكرنا ذلك في
~~إتلاف أطراف العبيد وأعضائهم.
# وقول شيخنا في نهايته، إن كان الحيوان مما يتملك، ففيه أرش ما بين قيمته
~~صحيحا ومعيبا، وإن كان مما لا يتملك، فحكم جراحه وكسره حكم إتلاف نفسه (1).
# المراد بذلك أنه إن كان الحيوان بيد مسلم، وهو مما لا يجوز للمسلمين
~~تملكه، فحكم جراحه وكسره حكم إتلاف نفسه، أي لا شئ على جارحه وكاسره، كما
~~لا شئ عليه في إتلاف نفسه، لأنا قد بينا فيما مضى (2) أن من أتلف على مسلم
~~ما لا يحل للمسلمين تملكه من الخنازير وغيرها، فلا شئ عليه، فهذا مقصوده
~~ومراده رضي ms1429 الله عنه لأنه لو أتلف ذلك على ذمي، وجب عليه قيمته عند
~~مستحليه، فإن جرحه أو كسر، وجب عليه من الأرش ما بين قيمته صحيحا ومعيبا،
~~فليلحظ ذلك، فإن فيه غموضا على وضع شيخنا في نهايته، وإطلاق القول، فإنه ما
~~أشبع الكلام، في هذا الباب ولا استوفاه، وإنما لوح تلويحا ببعض ما ذكره
~~شيخنا المفيد في مقنعته (3)، فإن شيخنا المفيد أشبع القول في ذلك واستوفاه،
~~وشيخنا في نهايته أخذه ليلخصه فعماه.
# قال شيخنا المفيد والإتلاف لأنفس الحيوان على ضربين، أحدهما يمنع من
~~الانتفاع به بعده، والثاني لا يمنع من ذلك، فالضرب الذي يمنع من الانتفاع
~~قتل ما يقع عليه الذكاة على غير وجه الذكاة، كقتله بالحجارة والخشب،
~~وتقطيعه بالسيوف، قبل تذكيته بالذبح، أو النحر، أو قتله بالماء، أو إمساك
~~النفس منه، أو
# PageV03P422
# منعه من العلف أو الماء، أو ذبحه بيد كافر لا يقع بذبحه الذكاة، وقال
~~رحمه الله ومن ذلك قتل ما لا يقع عليه الذكاة، ولا يحل أكله مع الاختيار،
~~كالبغال والحمير الأهلية، والهجن من الدواب، والسباع، من الطير وغيره، هذا
~~آخر كلامه رحمه الله في مقنعته (1).
# قال محمد بن إدريس أما قوله - ومن ذلك قتل ما لا يقع عليه الذكاة، ولا
~~يحل أكله (2)، كالبغال والحمير الأهلية أو الهجن من الدواب والسباع من
~~الطير وغيره، فغير واضح، ولا صحيح، أما البغال والحمير والخيل سواء كانت
~~عرابا (3) هجنا، فإنها على الأظهر والأصح من أقوال أصحابنا وفتاويهم
~~ومناظراتهم، مأكولة اللحم يقع عليه الذكاة، وقد قدمنا ذلك في كتاب (4)
~~الذبايح والأطعمة، وهو مذهب شيخنا أبي جعفر في سائر كتبه، واختيار السيد
~~المرتضى في انتصاره (5)، يناظر المخالف عليه، ورأي الجلة المشيخة من
~~أصحابنا، حتى أنك لو ادعيت الإجماع منهم على المسألة، لما دفعك دافع، ومن
~~يخالف منهم فمعروف الاسم، والنسب.
# فأما السباع من الطير وغيره، فعندنا أن أسئارها طاهرة، وهي طاهرة، ويقع
~~عليه الذكاة عندنا بغير خلاف، وإنما لا يقع الذكاة على الكلب والخنزير،
~~فأما السباع فيقع عندنا عليها الذكاة، ويحل بيع جلودها ms1430 بعد ذكاتها،
~~واستعمالها بعد دباغها، في جميع الأشياء ما عدا الصلاة على ما قدمناه (6).
# فإذا أتلف إنسان حيوان غيره على وجه لا يحصل معه الانتفاع به، كان عليه
~~قيمته حيا يوم أتلفه، فإن أتلف ما يحصل مع تلف نفسه لصاحبه الانتفاع به على
~~وجه من الوجوه، فعليه لصاحبه ما بين قيمته حيا وبين قيمته وتلك الجناية
~~فيه.
# وقال شيخنا المفيد، كان صاحبه مخيرا بين أن يأخذ قيمته حيا يوم أتلفه،
~~ويدفعه إليه، أو يأخذ منه أرش إتلافه، وهو ما بين قيمته حيا ومتلفا، وينتفع
~~هو
# PageV03P423
# به (1).
# وما قدمناه هو الأظهر الأصح.
# والمسلم لا يملك شيئا محرما عليه، كالخمر والخنزير، وقال شيخنا المفيد
~~(2)، والقرد والدب.
# قال محمد بن إدريس لا أرى بتملك الدب بأسا، لأنه سبع، ويجوز بيع جلده بعد
~~ذكاته، والانتفاع به بعد دباغه، لأنه سبع بغير خلاف.
# ومن أتلف على مسلم شيئا من سباع الطير وغيرها، مما قد جعل للمسلمين
~~الانتفاع به، كالبازي والصقر، والفهد، وما أشبه ذلك، كان عليه قيمته حيا.
# والحكم فيما يتملكه الإنسان من آلات اللهو المحظورة في الإسلام، كالحكم
~~في الخمور والخنازير.
# فإذا جنت بهيمة الإنسان على بهيمة غيره، أو ملك له من الأشياء فهو على
~~ضربين، إن كانت الجناية منها بتفريط وقع منه في حفظها، ومنعها من الجناية،
~~أو بتعد في استعمالها، فهو ضامن لما أفسدته بجنايتها، وإن كان بغير ذلك، لم
~~يكن عليه ضمان.
# فإذا ثبت ذلك فإن الماشية إذا أفسدت زرعا لقوم، فليس يخلو إما أن تكون يد
~~صاحبها عليها، أو لا تكون، فإن كانت يده عليها، فعليه ضمان ما أتلفت، لأن
~~جنايتها كجنايته، وفعلها كفعله، وإن لم تكن يد صاحبها عليها، لم يخل إما أن
~~يكون ذلك ليلا أو نهارا بغير سبب منه، فلا ضمان على مالكها إجماعا، لقوله
~~عليه السلام - جرح العجماء جبار (3)، والجبار الهدر، وإن فسدت ليلا، فإن لم
~~يكن من صاحب البهيمة تفريط في حفظها، بأن آواها إلى مبيتها، وأغلق عليها
~~الباب فوقع الحايط، أو نقب لص نقبا، ms1431 فخرجت وأفسدت فلا ضمان على مالكها
# PageV03P424
# لأنه غير مفرط، وإن كان التفريط منه، بأن أرسلها نهارا، وأوصله بالليل،
~~أو أطلقها ابتداء ليلا، فأفسدت الزرع فعلى مالكها الضمان.
# وكذلك إذا كان لإنسان كلب عقور، فلم يحفظه، فأتلف شيئا كان عليه ضمانه
~~لأنه مفرط في حفظه.
# وكذلك لو كانت له سنور معروفة بأكل الطيور وغير ذلك من أموال الناس،
~~فعليه حفظها، فإن لم يفعل، وأتلفت شيئا فعليه ضمانه.
# فأما إن كان في دار رجل كلب عقور، فدخل رجل داره بغير أمره، فعقره، فلا
~~ضمان عليه، لأن الرجل مفرط في دخول داره بغير إذنه، فأما إن دخلها بإذنه
~~فعقره الكلب، فعليه ضمانه.
# والبعير إذا صال، وعلم به صاحبه، فقتل أو كسر أو جرح، كان صاحبه ضامنا
~~لجنايته، لأنه يجب عليه حبسه ومنعه من الفساد.
# وقد روي أن أمير المؤمنين عليه السلام قضى في بعير كان بين أربعة شركاء،
~~فعقل أحدهم يده، فتخطى إلى بئر، فوقع فاندق، إن على الشركاء الثلاثة غرم
~~الربع من قيمته لشريكهم (1)، لأنه حفظ حقه، وضيعه عليه الباقون بترك إعقال
~~حقوقهم، وحفظه بذلك من الهلاك.
# وقد قدمنا أن من أتلف على مسلم شيئا من الملاهي، مثل العود، والطنابير،
~~والدفوف والمزامير، والطبول، والمعازف، الرباب، وما أشبه ذلك، لم يكن عليه
~~شئ.
# فإن أتلف ذلك على ذمي في حرزه، كان عليه ضمانه، فإن أتلفه عليه وكان قد
~~أظهره، لم يكن عليه شئ على حال، وهذا باب من عرف الحكم فيما ذكرناه منه على
~~التفصيل أغناه عن تعداد ما في معناه، وإطالة الخطيب فيه.
# قال شيخنا في مبسوطه في الجزء السادس، في كتاب الدفع عن النفس، فإنه ذكر
~~الوهق، فقال من عصا أو وهق، أو قوس، أو سيف، وغير ذلك (2).
# PageV03P425
# قال محمد بن إدريس، الوهق بالواو المفتوحة، والهاء المفتوحة، والقاف، حبل
~~كالطول، فيه انشوطة، قال الشاعر:
# لها حر تستعير وقدته * من قلب صب وصدر ذي حنق كأنما حره لخابره * ما
~~ألهبته في حشاه من حرق يزداد ضيقا على المراس كما * يزداد ضيقا انشوطة ms1432
~~الوهق PageV03P426
# كتاب الحدود PageV03P427
# كتاب الحدود باب مائية الزنا وما به يثبت ذلك الزنا الموجب للحد، هو وطي
~~من حرم الله تعالى وطيه من غير عقد ولا شبهة عقد، ويكون الوطي في الفرج،
~~سواء كان قبلا أو دبرا، بلا خلاف، ويكون الواطي بالغا كاملا (1)، سواء كان
~~حرا أو عبدا.
# فأما العقد، فهو ما ذكرناه في كتاب النكاح من أقسامه، مما قد أباحه الله
~~تعالى في شريعة الإسلام.
# وأما شبهة العقد، فهو أن يعقد الرجل على ذي محرم له من أم، أو بنت، أو
~~أخت، أو عمة، أو خالة، أو بنت أخ، أو بنت أخت، وهو لا يعرفها، ولا يتحققها،
~~أو يعقد على المرأة لها زوج، وهو لا يعلم ذلك، أو يعقد على امرأة وهي في
~~عدة لزوج لها، إما عدة طلاق رجعي، أو باين، أو عدة فسخ، وإن لم يكن طلاقا،
~~أو عدة المتوفى عنها زوجها وهو جاهل بحالها، أو يعقد عليها وهو محرم، أو هي
~~محرمة، وهو حلال ناسيا أو جاهلا بأن ذلك لا يجوز، ثم علم شيئا من ذلك، فإنه
~~يدرأ عنه الحد، ولم يحكم فيه بالزنا لقوله عليه السلام إدرؤا الحدود
~~بالشبهات (2).
# فإن عقد على واحدة ممن ذكرنا عالما أو متعمدا ثم وطأها، كان حكمه حكم
~~الزنا سواء، بل هو أغلظ منه، وليس علمه بالمحرم شبهة، واستحلاله ما حرمه
~~الله عليه ما يدرأ به الحدود، على ما ظنه بعض المخالفين لمذهب أهل البيت
~~عليهم السلام ويجب عليه ما يجب على الزاني على حد واحد.
# PageV03P428
# ويثبت حكم الزنا بشيئين أحدهما إقرار الفاعل العاقل الحر بذلك على نفسه،
~~من غير إكراه ولا إجبار أربع مرات في أربعة أوقات، دفعة بعد أخرى، فإذا أقر
~~أربع مرات على ما قدمناه، وكان حرا بالوطي في الفرج، حكم له بالزنا، ووجب
~~عليه ما يجب على فاعله.
# فإن أقر أقل من ذلك، أو أقر أربع مرات بوطئ ما دون الفرج المقدم ذكره، لم
~~يحكم له بالزنا، وكان عليه التعزير حسب ما يراه الإمام، ولا يتجاوز ms1433 بذلك
~~أكثر من تسعة وتسعين سوطا، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
# والثاني قيام البينة بالزنا، وهو أن يشهد رجال عدول، على رجل أنه وطي
~~امرأة ليس بينه وبينها عقد ولا شبهة عقد، وشاهدوه وطأها في الفرج، بأن أدخل
~~العضو في العضو، مثل الميل في المكحلة، فإذا شهدوا كذلك، قبلت شهادتهم،
~~وحكم عليه بالزنا، سواء كان حرا أو عبدا، إذا كان كامل العقل، ووجب عليه ما
~~يجب على فاعله على ما نبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
# فإن شهد الأربعة بالزنا، ولم يشهدوا عليه بالمعاينة، كان على كل واحد
~~منهم حد الفرية.
# فإن شهد عليه أقل من الأربعة، وادعوا المشاهدة، كان عليهم أجمع حد
~~الفرية.
# فإن شهد الأربعة، واختلفوا في شهادتهم، فبعضهم شهد بالمعاينة، وبعضهم شهد
~~بغير ذلك، كان أيضا عليهم حد الفرية.
# فإن شهد الأربعة باجتماع الرجل مع امرأة في إزار واحد مجردين من ثيابهما،
~~أو شهدوا بوطئ ما دون الفرج، قبلت شهادتهم، ووجب على فاعل ذلك التعزير.
# وإذا شهد الشهود على امرأة بالزنا، وادعت أنها بكر، أمر أربع من ثقات
~~النساء أن ينظرن إليها، فإن كانت كما ذكرت، لم يكن عليها حد، وإن لم تكن
~~كذلك أقيم عليها الحد.
# وهذا الحكم لا يصح إلا بأن يكون شهادة الشهود بالوطي في القبل دون الدبر،
~~فأما إذا شهدوا بالوطي في الدبر، لم ينفعها دعواها البكارة، ولا شهادة
~~النساء PageV03P429
# لها بذلك، فليلحظ، فإن شيخنا أبا جعفر أطلقه في نهايته (1) إطلاقا، وإن
~~كان مراده ما ذكرناه.
# فأما الشهود الأربعة فلا يحدون حد القاذف، لأنه لا دليل عليه، ولأن
~~شهادتهم ظاهرها الصحة.
# وإلى هذا القول ذهب شيخنا في المبسوط (2) ولم يذكر في النهاية شيئا.
# وإذا شهد أربعة رجال على امرأة بالزنا أحدهم زوجها، فإن شهد الزوج ابتداء
~~من غير أن يتقدم منه القذف لها مع الثلاثة المذكورة، قبلت شهادتهم، ووجب
~~على المرأة الحد، فإن كان قد رمى الزوج بالزنا أولا، ثم شهد مع الثلاثة
~~المذكورة عليها به، فلا تقبل شهادته، ms1434 لأنه يدفع بها ضررا، وكل من يدفع
~~بشهادته ضررا عن نفسه فلا تقبل شهادته، وأيضا فهو خصم في هذه الحال، فلا
~~تقبل شهادته، ويجب عليه إما لعانها ليدرأ عن نفسه الحد، أو حد الفرية، وإن
~~لم يلاعن، والثلاثة يحدون حد الفرية.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته وإذا شهد أربعة نفر على امرأة بالزنا
~~أحدهم زوجها وجب عليها الحد.
# وقد روي أن الثلاثة يحدون حد المفتري ويلاعنها زوجها (3). وهذه الرواية
~~محمولة على أنه إذا لم تعدل الشهود أو اختلفوا في إقامة الشهادة، أو اختل
~~بعض شرائطها، فأما مع اجتماع شرايط الشهادة، فإن الحكم ما قدمناه، هذا آخر
~~كلامه في نهايته (4).
# إلا أنه قيده في مسائل خلافه، فقال مسألة، إذا شهد الزوج ابتداء من غير
~~أن يتقدم منه القذف مع ثلاثة على المرأة بالزنا، قبلت شهادتهم، ووجب على
~~المرأة الحد، وهو الظاهر من أحاديث أصحابنا، وبه قال أبو حنيفة، وقد روي
~~أيضا أن
# PageV03P430
# الثلاثة يحدون، ويلاعن الزوج، هذا آخر كلامه في مسائل خلافه (1).
# وما حققه في مسائل خلافه، هو الأصح الأظهر الذي يقتضيه الأدلة وظاهر
~~القرآن، والمتواتر من الأخبار، ونحمل الرواية الشاذة على أن الزوج تقدم منه
~~قبل شهادته، الرمي بالقذف للمرأة، لقوله تعالى " والذين يرمون أزواجهم ولم
~~يكن لهم شهداء إلا أنفسهم " (2) وهذا قد رمى زوجته ولم يكن له شهداء إلا
~~نفسه، لأن شهادة الثلاثة غير معتد بها إلا بانضمام شهادة الرابع، فكأنها لم
~~تكن في الحكم فأما إذا لم يتقدم منه رمى الزوجة بالزنا، فلم تتناوله هذه
~~الآية، وتناولها الظواهر، مثل قوله تعالى " واللاتي يأتين الفاحشة من
~~نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم " (3).
# ولم يفرق بين أن يكون الزوج واحدا منهم أو لا يكون، وهذا خطاب للحكام.
# ولا تقبل شهادة الشهود على الزنا إلا إذا حضروا في وقت واحد، فإن شهد
~~بعضهم وقال الآن يجئ الباقون، جلد حد المفتري، لأنه ليس في ذلك تأخير.
# ولا تقبل في الزنا شهادة النساء على الانفراد.
# فإن شهد ثلاثة رجال وامرأتان، قبلت شهادتهم في ms1435 الزنا، ويجب بشهادتهم
~~الرجم إن كان المشهود عليه محصنا، وسنبين المحصن إن شاء الله.
# فإن شهد رجلان وأربع نسوة لم يجب بشهادتهم الرجم، ويجب بها الحد الذي هو
~~مائة سوط.
# فإن شهد رجل وستة نساء أو أكثر أو أقل، لم تقبل شهادتهم، وكان على كل
~~واحد منهم حد الفرية.
# وإذا شهد أربعة رجال على رجلين (4) وامرأتين أو ألف، قبلت شهادتهم، وأقيم
~~على الذين شهدوا عليهم الحد.
# وإذا رأى الإمام أو الحاكم من قبله تفريق الشهود أصلح في بعض الأوقات،
~~بعد أن يكونوا حضروا لإقامة الشهادة في وقت واحد، كان ذلك جايزا.
# PageV03P431
# وحكم المرأة حكم الرجل في جميع ما ذكرناه على حد واحد في أنه يحكم عليها
~~بالزنا، إما بالإقرار أو البينة، ويدرأ عنها الحد في الموضع الذي يدرأ فيه
~~الحد عن الرجل، لا يختلف الحكم في ذلك إلا ما نبينه فيما بعد إن شاء الله.
# وإذا أخذ رجل وامرأة فادعيا الزوجية، درئ عنهما الحد.
# وإذا شاهد الإمام من يزني، أو يشرب الخمر، كان عليه أن يقيم الحد عليه،
~~ولا ينتظر مع مشاهدته قيام البينة، ولا الإقرار، وكذلك النائب من قبله،
~~لأنا قد بينا في كتاب القضاء (1) إن للحاكم أن يحكم بعلمه في جميع الأشياء
~~بغير خلاف بين أصحابنا، ولأن علمه أقوى من الإقرار والبينة.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ليس ذلك لغير الإمام، بل هو مخصوص به،
~~وغيره إن شاهد يحتاج أن تقوم له بينة أو إقرار من الفاعل على ما بيناه (2).
# وهذا ذكره في كتاب الحدود، وإن كان موافقا في غير هذا الموضع، على أن
~~للحاكم أن يحكم بعلمه في جميع الأشياء، وإذا كان إجماعنا منعقدا على ذلك
~~فلا يرجع عنه بأخبار الآحاد.
# وأما القتل والسرقة والقذف وما يجب من حقوق الآدميين من الحد والتعزير،
~~فليس له أن يقيم الحد إلا بعد مطالبة الحق بحقه، وليس يكفي فيه (3) مشاهدته
~~إياه، فإن طلب صاحب الحق إقامة الحد، كان عليه إقامته، ولا ينتظر مع علمه
~~البينة أو الإقرار.
# إذا شهد ms1436 عليه أربعة شهود، فكذبهم، أقيم عليه الحد بلا خلاف، وكذلك إن
~~صدقهم.
# إذا شهد أربعة شهود على رجل بالزنا، فشهد اثنان أنه أكرهها، والآخران
~~أنها طاوعته، فإنه يجب عليه الحد، ولا يجب على المرأة الحد، لأنها غير
~~زانية، والرجل زان بغير خلاف، لأنه إذا كان مكرها لها كان زانيا، وكذلك إذا
~~طاوعته، وفي الحالين معا يكون زانيا.
# PageV03P432
# وقال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه لا حد عليه، وهو قول الشافعي (1)
~~اختاره ووافقه عليه بغير دليل، لأن هذه المسألة غير منصوصة لنا، والأصول
~~تقتضيه (2) أن عليه الحد، لأنه زان بغير خلاف.
# واحتج شيخنا بأن الأصل براءة الذمة (3).
# وإنما يستقيم له هذا الاستدلال قبل ورود الشرع، بأن على الزاني الذي شهد
~~عليه أربعة شهود بالزنا الحد، فأما بعد ذلك فكيف يصح الاستدلال بأن الأصل
~~براءة الذمة.
# ثم قال رضي الله عنه وأيضا فإن الشهادة لم تكمل بفعل واحد، وإنما هي
~~شهادة على فعلين، لأن الزنا طوعا غير الزنا كرها (4).
# وهذا استدلال يرغب الإنسان أن يذكره مناظرا لخصمه، لأن الشهادة كملت
~~بالزنا، لأن من شهد بالإكراه، فقد شهد بالزنا، ومن شهد بالمطاوعة، فقد شهد
~~أيضا بالزنا، فالفعل واحد، وإن كانت أسبابه مختلفة، فما شهد الأربعة إلا
~~بالإيلاج في وقت واحد، والإيلاج منه حينئذ حرام زنا بغير خلاف، وأيضا
~~الظواهر من القرآن تتناول ذلك، فمن أخرج هذا منها فعليه الدليل.
# إذا ملك رجل ذات محرم من نسب أو رضاع، فوطأها مع العلم بتحريم الوطي
~~عليه، لزمه القتل على كل حال عندنا بعد حد الزنا.
# وقال بعض أصحابنا عليه القتل، وأطلق الكلام ولم يذكر الحد، ولا دليل على
~~سقوطه، لقوله تعالى " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة "
~~(5) وهذا زان بغير خلاف.
# إذا استأجر امرأة للوطئ لزمه الحد بلا خلاف بيننا.
# إذا وجد الرجل امرأة على فراشه، فظنها زوجته، فوطأها، لم يكن عليه الحد،
# PageV03P433
# لقوله عليه السلام إدرأوا الحدود بالشبهات (1) ولأن الأصل براءة الذمة.
# وقد روي في بعض الروايات أن عليه الحد سرا، وعليها ms1437 الحد جهرا (2).
# أورد ذلك شيخنا في نهايته (3)، ورجع عنه في مسائل خلافه (4).
# وهو الصحيح الذي يقتضيه أصول مذهبنا، ولا يرجع إلى أخبار الآحاد في ذلك،
~~فإن شيخنا رجع عن الخبر الذي أورده في نهايته، وعمل بالأدلة القاهرة في
~~مسائل خلافه.
# إذا تكامل شهود الزنا أربعة وشهدوا به، ثم ماتوا أو غابوا، جاز للحاكم أن
~~يحكم بشهادتهم، ويقيم الحد على المشهود عليه، لقوله تعالى " الزانية
~~والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " (5) وهذا زان بغير خلاف.
# إذا تكامل شهود الزنا، فقد ثبت الحكم بشهادتهم، سواء شهدوا في مجلس واحد،
~~أو في مجالس (6) ولا يعتبر حضور الشهود لأداء الشهادة في وقت واحد، إلا
~~هاهنا، فأما التحمل لها فلا نعتبره هاهنا أن يكون في وقت واحد، بل شهادة
~~الطلاق تحملها يكون في وقت واحد على ما بيناه في كتاب الشهادات (7).
# إذا حضر أربعة ليشهدوا بالزنا، فشهد واحد أو ثلاثة، ولم يشهد الرابع، لم
~~يثبت على المشهود عليه الزنا، لأن الشهادة ما تكاملت بلا خلاف، ومن لم يشهد
~~لا شئ عليه أيضا بلا خلاف، ومن شهد فعليه حد القذف، وقصة المغيرة مشهورة،
~~فإنه استخلفه عمر بن خطاب على البصرة، وكان نازلا في أسفل الدار، ونافع
~~وأبو بكرة وكانا أخا زياد لأمه سمية، جارية للحارث بن كلدة، وشبل بن معبد،
~~وزياد في علوها، فهبت ريح ففتحت باب البيت، ورفعت الستر، فرأوا المغيرة بين
~~رجلي امرأة من بني هلال، فلما أصبحوا تقدم المغيرة ليصلي، فقال له أبو بكرة
~~تنح عن مصلانا،
# PageV03P434
# فبلغ ذلك عمر، فكتب أن يرفعوا إليه، وكتب إلى المغيرة قد تحدث عنك بما إن
~~كان صدقا فلو كنت مت قبله لكان خيرا لك، فاشخصوا إلى المدينة، فشهد نافع
~~وأبو بكرة وشبل بن معبد، فقال عمر أودى المغيرة الأربعة، فجاء زياد ليشهد،
~~فقال عمر هذا رجل لا يشهد إلا بالحق إن شاء الله فقال أما بالزنا فلا أشهد،
~~ولكني رأيت أمرا قبيحا، فقال عمر: الله أكبر، وجلد الثلاثة، فحلف أبو بكرة
~~أن لا يكلم أخاه ms1438 زيادا أبدا، فمات وما كلمه " رحم الله أبا بكرة " فقال أبو
~~بكرة بعد جلده: (1) أشهد أن المغيرة زنا، فهم عمران بجلده، فقال له أمير
~~المؤمنين علي عليه السلام: " إن جلدته فارجم صاحبك " (2) يعني المغيرة،
~~ومعنى قول علي عليه السلام إن جلدته فارجم صاحبك فإن معناه إن كانت هذه
~~شهادة غير الأولى، فقد كملت الشهادة أربعة، فارجم صاحبك، يعني إنما أعاد ما
~~شهد به، فلا تجلده بإعادته.
# وكان أبو بكرة رجلا صالحا من خيار الصحابة، ويعد في موالي رسول الله عليه
~~السلام واسمه نفيع، وأخوه نافع بن الحرث بن كلدة الثقفي، طبيب العرب،
~~وأخوهما زياد، كلهم من سمية، وكل منهم ينسب إلى رجل.
# وقال يزيد بن مفرغ الحميري، جد السيد الحميري يهجو زيادا (3).
# إن زيادا ونافعا وأبا * بكرة عندي من أعجب العجب إن رجالا ثلاثة خلقوا *
~~في رحم أنثى وكلهم لأب ذا قرشي كما يقول وذا * مولى وهذا بزعمه (4) عربي
~~إذا شهد أربعة رجال على رجل بالزنا، فردت شهادة واحد منهم، فإن ردت بأمر
~~ظاهر لا يخفى على أحد، فإنه يجب على الأربعة حد القذف، وإن ردت بأمر خفي لا
~~يقف عليه إلا الآحاد، فإنه يقام على المردود الشهادة الحد، والثلاثة لا
~~يقام عليهم الحد، لأن الأصل براءة الذمة، وأيضا فإنهم غير مفرطين في
~~إقامتها، فإن أحدا لا يقف على بواطن الناس، فكان عذرا في إقامتها فلهذا لا
~~حد، ويفارق إذا كان الرد بأمر الظاهر، لأن التفريط كان منهم، فلهذا حدوا.
# PageV03P435
# إذا شهد أربعة رجال، ثم رجع واحد منهم، فلا حد على المشهود عليه بلا
~~خلاف، وعلى الراجع الحد بلا خلاف، وأما (1) الثلاثة فلا حد عليهم، لأن
~~الأصل براءة الذمة، ورجوعه لا يؤثر في التعدي إليهم.
# فإن رجم المشهود عليه، ثم رجع واحد منهم أو الأربعة، وقال الراجع عمدت
~~قتله، كان عليه الحد والقود عندنا، ولا يسقط أحدهما الآخر.
# إذا استكره امرأة على الزنا، فلا حد عليها بلا خلاف، وعليه الحد، ولها
~~مهر المثل عندنا، وهو العقر الذي رواه (2) أصحابنا أنه ms1439 دية الفرج المغصوب.
# وقال أبو حنيفة لا مهر لها، واختاره شيخنا أبو جعفر في كتاب الحدود من
~~مسائل خلافه (3).
# إلا أنه رجع عنه في مبسوطه (4)، وفي موضع آخر من مسائل خلافه (5).
# واستدل شيخنا (6) أبو جعفر على سقوطه بقول النبي عليه السلام أنه نهى عن
~~مهر البغي (7)، وقال البغي الزانية.
# وهذا الاستدلال يرغب عن ذكره هل هذه المكرهة بغي حتى يستشهد بهذا الحديث
~~على نفي مهرها.
# روى أصحابنا أن للسيد أن يقيم الحد على ما ملكت يمينه بغير إذن الإمام،
~~سواء كان ذلك باعترافه، أو البينة، أو بعلمه، وسواء كان السيد فاسقا أو
~~عدلا، رجلا أو امرأة (8).
# PageV03P436
# إذا شهد أربعة رجال على رجل أنه زنا بها في هذا البيت، وأضاف كل واحد
~~منهم شهادته إلى زاوية منه مخالفة للأخرى، فإنه لا حد على المشهود عليه،
~~ويحدون.
# وكذلك إن شهد اثنان على زاوية، وآخران على زاوية أخرى لا يختلف الحكم
~~فيه.
# ليس من شرط إحصان الرجم الإسلام، بل من شرطه الحرية والبلوغ وكمال العقل،
~~والوطي في نكاح صحيح دائم، أو ملك يمين، فإذا وجدت هذه الشروط فقد أحصن
~~إحصان رجم.
# باب أقسام الزناة الزناة على ثلاثة أقسام، منهم من يجب عليه القتل على كل
~~حال، ومنهم من يجب عليه الجلد والرجم معا، ومنهم من يجب عليه الحد والنفي
~~إلى بلد غير بلده الذي زنى فيه سنة.
# فأما من يجب عليه القتل على كل حال، سواء كان محصنا أو غير محصن، حرا كان
~~أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، شيخا كان أو شابا، فهو كل من وطئ ذات محرم
~~له، أما أو بنتا، أو أختا، أو بنتيهما، أو بنت أخيه، أو عمته، أو خالته،
~~فإنه يجب عليه القتل على كل حال بعد جلده حد الزاني، لأنه لا دليل على
~~سقوطه عنه، لقوله تعالى " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة
~~" (1) ولا منافاة بين جلده وبين قتله بعد الجلد، وليس إطلاق قول أصحابنا
~~يجب عليه القتل على كل حال، دليلا على رفع حد ms1440 الزنا عنه.
# وكذلك الذمي إذا زنى بامرأة مسلمة، فإنه يجب عليه القتل على كل حال، وكان
~~على المسلمة الحد، أما الجلد أو الرجم على ما يستحقه من الحد.
# فإن أسلم الذمي لم يسقط بذلك عنه الحد بالقتل، ووجب قتله على كل حال.
# وكذلك من غصب امرأة فرجها، فإنه يجب عليه ذلك.
# PageV03P437
# وكذلك من زنى بامرأة أبيه أو ابنه، وجب عليه أيضا القتل والحد معا على كل
~~حال، محصنا كان أو غير محصن.
# والذي يجب تحصيله في هذا القسم، وهو الذي يجب عليه القتل على كل حال، أن
~~يقال إن كان محصنا فيجب عليه الجلد أولا ثم الرجم، فيحصل امتثال الأمر في
~~الحدين معا، ولا يسقط واحد منهما، ويحصل أيضا المبتغى الذي هو القتل، لأجل
~~عموم أقوال أصحابنا وأخبارهم (1)، لأن الرجم يأتي على القتل، ويحصل الأمر
~~بحد الرجم، وإن كان غير محصن فيجب الجلد، لأنه زان ثم القتل بغير الرجم،
~~فليلحظ ذلك.
# وأما القسم الثاني: فهو من زنى وهو محصن، والمحصن عندنا من كان بالغا
~~كامل العقل، له فرج، أما ملك يمين، أو زوجة بعقد دوام، متمكن من وطئه، يغدو
~~إليه ويروح من يومه، ويكون قد دخل بامرأته، فإذا وجدت هذه الشروط فقد أحصن
~~إحصان رجم على ما قدمناه.
# فإذا ثبت ذلك وزنى هذا العاقل ببالغة، وجب عليه الجلد أولا ضرب مائة سوط
~~أشد ما يكون من الضرب، بسوط وسيط (2) لا جديد ولا عتيق، لما روي عن الرسول
~~عليه السلام أنه أتى بسوط جديد، فلم يضرب به، وأتى بسوط خلق، فلم يضرب به،
~~وأتى بسوط وسيط (3)، قد ركب به، فضرب به (4).
# وروي عن زيد بن أسلم أن رجلا اعترف عند النبي عليه السلام، بالزنا فدعى
~~له رسول الله عليه السلام، فأتى (5) بسوط مكسور، فقال غير هذا، فأتى بسوط
~~جديد لم يقطع ثمرته بالثاء المنقطة من فوقها ثلاث نقط، وفتحها، والميم
~~وفتحها، والراء غير المعجمة وفتحها، وهي طرفه، لأن ثمرة السياط أطرافها،
~~فقال
# PageV03P438
# بين هذين، فأتى بسوط قد ركب به، ولان، قال: ms1441 فأمر به فجلد، هذا لفظ الحديث
~~(1) فإذا جلد المائة، رجم بعد ذلك، سواء كان شيخا أو شابا.
# وروى أصحابنا أنه يترك بعد ضربه الجلد حتى يبرأ جلده، ويرجم بعد ذلك (2).
# والقسم الثالث: من عدا من ذكرناه من العقلاء الأحرار، فإنه يجب عليه
~~الجلد مائة سوط، وتغريب عام من مصره، إذا كان رجلا وجز شعره على ما رواه
~~أصحابنا (3).
# ولا نفي ولا جز على المرأة، لما رواه عبادة بن الصامت، قال قال رسول الله
~~صلى الله عليه وآله خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة
~~وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة، ثم الرجم.
# فالبكر عندنا عبارة عن غير المحصن، والثيب عبارة عن المحصن.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، الزناة على خمسة أقسام، قسم منهم يجب
~~عليه الحد بالقتل على كل حال، والثاني يجب عليه الجلد ثم الرجم، والثالث
~~يجب عليه الرجم وليس عليه جلد، والرابع يجب عليه الجلد ثم النفي، والخامس
~~يجب عليه الجلد ولا يجب عليه النفي، فأما من يجب عليه القتل على كل حال،
~~سواء كان محصنا أو غير محصن، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، شيخا
~~كان أو شابا على كل حال، فهو كل من وطئ ذات محرم له، إما، أو بنتا أو أختا،
~~أو بنتهما، أو بنت أخيه، أو عمته، أو خالته، فإنه يجب عليه القتل على كل
~~حال، وكذلك الذمي إذا زنى بامرأة مسلمة، فإنه يجب عليه القتل على كل حال،
~~وكان على المسلمة الحد، إما بالرجم أو الجلد، على ما تستحقه من الحد، فإن
~~أسلم الذمي، لم
# PageV03P439
# يسقط بذلك عنه الحد بالقتل، ووجب قتله على كل حال، ومن غصب امرأة فرجها
~~فإنه يجب عليه القتل على كل حال، محصنا كان أو غير محصن، ومن زنا بامرأة
~~أبيه، وجب أيضا عليه القتل على كل حال محصنا كان أو غير محصن، وأما القسم
~~الثاني وهو من يجب عليه الجلد ثم الرجم، فهو الشيخ والشيخة، إذا زنيا وكانا
~~محصنين، كان على ms1442 كل واحد منهما جلد مائة، ثم الرجم، يقدم الجلد، ثم بعده
~~الرجم، والقسم الثالث، وهو من يجب عليه الرجم، ولا يجب عليه الجلد فهو كل
~~محصن أو محصنة ليسا بشيخين، فإنهما إذا زنيا كان على كل واحد منهما الرجم،
~~وليس عليهما الجلد (1).
# وقد قلنا نحن ما عندنا في ذلك، وهو الصحيح الأظهر الذي يعضده ظاهر
~~التنزيل، أنه يجب عليه الجلد والرجم معا لقوله تعالى " الزانية والزاني
~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " (2) فمن نسخ هذه الآية، وترك العمل بها
~~يحتاج إلى دليل، وإلا فقد عطل حدا من حدود الله تعالى بغير دليل، ولا يرجع
~~في ذلك إلى أخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا، وما اخترناه مذهب
~~السيد المرتضى (3) واختيار شيخنا المفيد (4) والجلة من المشيخة الفقهاء من
~~أصحابنا.
# وروي أن عليا عليه السلام جلد سراحة يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، فقيل
~~له تحدها حدين، فقال حددتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله
~~عليه وآله (5).
# وشيخنا أبو جعفر رحمه الله فقد رجع في التبيان فقال: يجلد الزاني
~~والزانية إذا لم يكونا محصنين، كل واحد منهما مائة جلدة، وإذا كانا محصنين
~~أو أحدهما (6).
# PageV03P440
# كان على المحصن الرجم بلا خلاف، وعندنا أنه يجلد أولا مائة جلدة، ثم
~~يرجم، وفي أصحابنا من خص ذلك بالشيخ والشيخة إذا زنيا وكانا محصنين، فأما
~~إذا كانا شابين محصنين، لم يكن عليهما غير الرجم، وهو قول مسروق، وفي ذلك
~~خلاف (1) ذكرناه في الخلاف (2).
# ثم قال (3) وحد الإحصان في الرجل هو أن يكون له فرج متمكن من وطئه، ويكون
~~مالكا له، سواء كان بالعقد أو ملك اليمين، ويراعى في العقد أن يكون مالكا
~~له على جهة الدوام، دون نكاح المتعة، فإن المتعة لا تحصن، فأما العقد
~~الدائم فلا فرق بين أن يكون على حرة، أو أمة، أو يهودية، أو نصرانية، فإن
~~جميع ذلك يحصن الرجل، وملك اليمين أيضا يحصن على ما قلناه، وإذا لم يكن
~~متمكنا من الوطي، بأن يكون غائبا عن زوجته، لا يمكنه الوصول ms1443 إليها، أو يكون
~~مع كونه حاضرا غير متمكن من وطئها، بأن يكون محبوسا وما أشبه ذلك، أو لا
~~يكون قد دخل بها بعد، فإن جميع ما ذكرناه يخرجه من كونه محصنا، والإحصان في
~~المرأة مثل الإحصان في الرجل سواء، وهو أن يكون لها زوج يغدو إليها ويروح،
~~مخلا بينه وبينها، غير غائب عنها، وكان قد دخل بها، حرا كان أو عبدا، وعلى
~~كل حال، والقسم الرابع، وهو من يجب عليه الجلد ثم النفي، وهو البكر
~~والبكرة، والبكر هو الذي قد أملك على امرأة ولا يكون قد دخل بها بعد، ثم
~~زنى، فإنه يجب عليه الجلد مائة، ونفي سنة عن مصره إلى مصر آخر، بعد أن يجز
~~رأسه، والبكرة تجلد مائة، وليس عليها جز الشعر، ولا النفي على حال (4).
# وقد قلنا ما عندنا في ذلك، إلا أن شيخنا رجع عن هذا التفسير في مسائل
~~خلافه، وقال مسألة: البكر عبارة عن غير المحصن، فإذا زنى البكر جلد مائة،
~~وغرب عاما، واستدل على ذلك بإجماع الفرقة وأخبارهم (5).
# PageV03P441
# وهو الصحيح الذي اخترناه، ومن فسر البكر بما فسره شيخنا في نهايته، يحتاج
~~إلى دليل، وليس عليه دليل من إجماع، ولا كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا يرجع
~~في ذلك إلى أخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا، بل حقيقة البكر في لسان
~~العرب من ذكرناه، وفي عرف الشرع ما أثبتناه وحكيناه، لقوله عليه السلام
~~البكر بالبكرة جلد مائة (1)، وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة (2) ثم
~~الرجم، (3) فقسم الزناة قسمين كما ترى لا ثالث لهما.
# ثم قال والخامس وهو من يجب عليه الجلد وليس عليه أكثر من ذلك، فهو كل من
~~زنى وليس بمحصن، ولا بكر، فإنه يجب عليه جلد مائة (4) وليس عليه أكثر من
~~ذلك، رجلا كان أو امرأة، ثم قال ومن هذه صورته إذا زنى، فجلد ثم زنى ثانية،
~~فجلد، ثم زنى ثالثة، فجلد، ثم زنى رابعة كان عليه القتل (5).
# قال محمد بن إدريس، والأظهر من أقوال أصحابنا، والذي يقتضيه أصول مذهبنا،
~~أنه يقتل ms1444 في الثالثة، لإجماعنا أن أصحاب الكبائر يقتلون في الثالثة، وهذا
~~منهم بغير خلاف.
# ومن عدا المحصن من الزناة إذا زنا ثلاث مرات أو أكثر من ذلك، ولم يقم
~~عليه فيها الحد، فليس عليه أكثر من مائة جلدة.
# وجميع هذه الأقسام والأحكام التي ذكرناها خاصة في الحر والحرة، إلا القسم
~~الأول، فإنه يشترك فيه العبيد والأحرار، فأما ما عدا ذلك، فحكم المملوك غير
~~حكم الحر، فحكم المملوك والمملوكة إذا زنيا أن يجب على كل واحد منهما خمسون
~~جلدة، زنيا بحر أو بحرة، أو مملوك أو مملوكة، لا يختلف الحكم فيه، شيخين
~~كانا أو شابين، محصنين أو غير محصنين، بكرين أو غير بكرين، وعلى كل حال،
~~وليس عليهما أكثر من ذلك، غير أنهما إذا زنيا سبع مرات، فأقيم عليهما الحد
~~في ذلك، ثم زنيا الثامنة، كان عليهما القتل، على ما رواه (6) أصحابنا.
# PageV03P442
# وذهب بعضهم إلى أنهما لا يقتلان إلا أن يزنيا ثماني مرات، ويقام عليهما
~~الحد في ذلك، ثم زنيا التاسعة، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في نهايته (1).
# وما اخترناه مذهب ابن بابويه، وغيره من أصحابنا، وبذلك وردت أكثر الأخبار
~~(2).
# فإن لم يقيم عليهما الحد في شئ من ذلك، وكان أكثر من ثماني مرات، لم يجب
~~عليهما أكثر من خمسين جلدة، حسب ما قدمناه.
# وزنا الرجل الحر بالحرة المسلمة، الأمة المسلمة، إذا كانت لغيره، سواء
~~كانت لزوجته أو لوالديه، أو غيرهما من الأجانب على حد واحد، لا يختلف الحكم
~~فيه.
# وكذلك حكم المرأة، لا فرق بين أن تزني بحر أو بعبد، ملك لها أو لغيرها،
~~فإن لحكم في ذلك لا يختلف.
# وقد روي أنه إذا زنى الرجل بصبية لم تبلغ ولا مثلها قد بلغ، لم يكن عليه
~~أكثر من الجلد، وليس عليه رجم (3).
# فإن أفضاها أو عابها كان ضامنا لعيبها، وعليه مهر نسائها، وكذلك المرأة،
~~إذا زنت الصبي لم يبلغ، لم يكن عليها رجم، وكان عليها جلد مائة، وعلى الصبي
~~والصبية التأديب.
# وهذا مذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته ms1445 (4).
# وذهب شيخنا المفيد في مقنعته إن على الرجل وعلى المرأة الحد.
# وأطلق كلامه وهو الصحيح عندي، لأن الإحصان والزنا وجدا معا، وهما
~~الموجبان للحد والرجم.
# ولا يبلغ بالتأديب أكثر من عشرة أسواط.
# PageV03P443
# وروي أن الرجل إذ زنى بمجنونة، لم يكن عليه (1) رجم إذا كان محصنا، وكان
~~عليه جلد مائة، وليس على المجنونة شئ بحال، لا جلد ولا رجم، ولا تعزير (2).
# فإن زنى مجنون بامرأة عاقلة، لم يكن عليه أيضا شئ بحال، ووجب على المرأة
~~الحد تاما.
# وقد روي في بعض الأخبار أن على المجنون إذا كان فاعلا الحد تاما جلد
~~مائة، أو الرجم (3).
# أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته (4)، وشيخنا المفيد في مقنعته (5).
# والذي يقتضيه أصول مذهبنا ما قدمناه، أنه لا حد على المجنون والمجنونة،
~~لأنهما غير مخاطبين بالتكاليف والأحكام، ولا قام دليل على ذلك فيهما،
~~والأصل براءة الذمة، وثبوت ذلك عليهما يحتاج إلى شرع، ولا يرجع في مثل ذلك
~~إلى أخبار آحاد، أو إيراد مصنف في كتابه، أو فتياه لأن جميع ذلك لا يوجب
~~علما ولا عملا.
# ومن زنى وتاب قبل قيام البينة عليه بذلك، درأت التوبة عنه الحد، فإن تاب
~~بعد قيام الشهادة عليه، وجب عليه الحد، ولم يجز للإمام العفو عنه، سواء كان
~~حده جلدا أو رجما.
# فإن كان (6) أقر على نفسه وهو عاقل حر، عند الإمام، ثم أظهر التوبة، كان
~~للإمام الخيار في العفو أو إقامة الحد عليه، حسب ما يراه من المصلحة في
~~ذلك، هذا إذا كان الحد رجما يوجب تلف نفسه، فأما إذا كان الحد جلدا فلا
~~يجوز العفو عنه. ولا يكون الحاكم بالخيار فيه، لأنا أجمعنا على أنه بالخيار
~~في الموضع الذي ذكرناه، ولا إجماع على غيره، فمن ادعاه وجعله بالخيار، وعطل
~~حدا من حدود الله فعليه الدليل.
# PageV03P444
# إذا وجد الرجل مع امرأته رجلا يفجر بها، وهما محصنان، كان له قتلهما
~~وكذلك إذا وجده مع جاريته أو غلامه، فإن وجده ينال منها دون الفرج، كان له
~~منعه منها، ودفعه عنها، فإن أبى ms1446 الدفع عليه، فهو هدر فيما بينه وبين الله
~~تعالى، فأما في الحكم، فإن أقام البينة على ذلك، فلا شئ عليه، فإن لم يكن
~~له بينة، فالقول قول ولي الدم، أنهم لا يعلمون ذلك منه، ولهم القود.
# وإذا زنى اليهودي أو النصراني بأهل ملته، كان الإمام مخيرا بين إقامة
~~الحد عليه بما تقتضيه شريعة الإسلام، وبين تسليمه إلى أهل دينه، أو دين
~~المرأة، ليقيموا عليهما الحدود على ما يعتقدونه، لقوله تعالى " فاحكم بينهم
~~أو أعرض عنهم " (1) وأوفي لسان العرب بغير خلاف للتخيير.
# ومن عقد على امرأة في عدتها، ودخل بها عالما بذلك، وجب عليه الحد تاما،
~~فإن كان عدتها عدة الطلاق الرجعي، كان عليها الرجم، لأنها محصنة عندنا ذات
~~بعل، فإن كانت التطليقة باينة لا رجعة للبعل عليها فيها، أو كانت عدة فسخ،
~~أو عدة المتوفى عنها زوجها، كان عليها الجلد دون الرجم، لأنها غير محصنة،
~~فإن ادعيا إنهما لم يعلما أن ذلك لا يجوز في شرع الإسلام، وكانا قريبي
~~العهد بالإسلام، فإنه يدرأ الحد عنهما لقوله عليه السلام - ادرؤا الحدود
~~بالشبهات - (2) وهذه شبهة بغير خلاف، فأما إذا كانا بخلاف ذلك، لم يصدقا
~~فيه، وأقيم عليهما الحد، لأن هذا شايع ذايع بين المسلمين، لا يختص بعالم
~~دون عامي جاهل، فلا شبهة لهما في ذلك، فليلحظ الفرق بين الموضعين.
# وشيخنا أبو جعفر أطلق ذلك في نهايته (3) إطلاقا.
# والأولى ما فصلناه، لأنه الذي يقتضيه الأدلة القاهرة، من الإجماع وغيره.
# والمكاتب إذا زنا، وكان مشروطا عليه، فحكمه حكم المماليك سواء، وإن كان
~~غير مشروط عليه، وقد أدى من مكاتبته شيئا، جلد بحساب ما أدى حد الحر من
# PageV03P445
# مائة جلدة، وبحساب ما بقي من جلد المملوك من خمسين جلدة، وليس عليه الرجم
~~إلا في الموضع الذي يجب الرجم على المملوك في الدفعة الثامنة، أو بعد أن
~~تنقضي مكاتبته، فيصير حكمه حكم الأحرار، ويطأ بعد ذلك زوجته وهو حر، فإذا
~~زنا بعد ذلك وجب عليه حينئذ الرجم.
# وكذلك المملوك المحصن، إذا أعتق ثم زنا، فإن كان ms1447 قد وطئ امرأته بعد العتق
~~وقبل الزنا، كان عليه الرجم، وإن لم يكن وطأها بعد العتق، وإن كان قد دخل
~~بها قبل ذلك، كان عليه الجلد فحسب، لأنه بحكم من لم يدخل بزوجته من
~~الأحرار.
# ومن كان له جارية يشركه فيها غيره، فوطأها مع علمه أنه لا يجوز له وطؤها،
~~وله فيها شريك، كان عليه الحد بحساب ما لا يملك منها، ويدرأ عنه الحد بحساب
~~ما يملكه منها، فأما إن اشتبه الأمر عليه، ادعى الشبهة عليه في ذلك، فإنه
~~يدرأ عنه الحد، لقوله عليه السلام ادرؤا الحدود بالشبهات (1).
# ومن وطئ جارية من المغنم قبل أن تقسم، وادعى الشبهة في ذلك، فإنه يدرأ
~~عنه الحد، للخبر المذكور المجمع عليه، وهو ما قدمناه (2).
# وقد روي أنها تقوم عليه، ويسقط عنه من قيمتها بمقدار ما يصيبه منها،
~~والباقي بين المسلمين، ويقام عليه الحد، ويدرأ عنه بمقدار ما كان له منها
~~(3).
# والأولى ما ذكرناه، لأن الاشتباه في ذلك حاصل بلا خلاف.
# وأيضا فإنه يظن أن سهمه أكثر منها ومن قيمتها.
# وأيضا الأصل براءة الذمة، والحد يحتاج إلى دليل، وقوله عليه السلام
~~المجمع عليه ادرؤا الحدود بالشبهات (4) يعضد ذلك.
# والمرأة إذا زنت، فحملت من الزنا، فشربت دواء، فأسقطت، أقيم عليها الحد
# PageV03P446
# للزنا، وعزرها الإمام على جنايتها بسقوط الحمل، حسب ما يراه.
# ومن زنى في شهر رمضان نهارا، أقيم عليه الحد، وعوقب زيادة عليه، لانتهاكه
~~حرمة شهر رمضان، وألزم الكفارة للإفطار.
# فإن زنا ليلا، كان عليه الحد والتعزير، دون القضاء والكفارة.
# ومن زنا في حرم الله أو حرم رسوله أو حرم أحد من الأئمة عليهم السلام كان
~~عليه الحد للزنا، والتعزير لانتهاكه حرمة حرم الله وأوليائه.
# وكذلك إذا فعل شيئا يوجب الحد أو التعزير (1).
# وفيما يوجب (2) التعزير تغليظ العقوبة.
# ومن زنا في الأوقات الشريفة، مثل ليالي الجمع، أو ليلة النصف من شعبان،
~~أو ليالي الأعياد، أو أيام هذا الليالي، أو يوم سبعة وعشرين من رجب، أو
~~ليلته، أو خمسة وعشرين من ذي القعدة، أو ليلة سبعة ms1448 عشر من شهر ربيع الأول،
~~أو يوم الغدير، أو ليلته، أو ليلة عاشوراء، أو يومه، أو يوم عرفة وغير ذلك
~~من الأوقات المباركات، فإنه تغلظ عليه العقوبة.
# وإذا أقر الإنسان على نفسه بالزنا، كان عليه الحد على ما بيناه، فإن أقر
~~أنه زنا بامرأة بعينها، كان عليه حد الزنا وحد القذف مع مطالبة المقذوفة له
~~بالحد، لأنه من حقوق الآدميين.
# وكذلك حكم المرأة إذا قالت زنا بي فلان.
# والسكران إذا زنا أقيم عليه الحد للزنا والسكر معا، ولا يسقط عنه واحد
~~منهما لسكره.
# وكذلك متى ارتد (3)، أو أسلم حكم بإسلامه وارتداده عندنا، فأما عقوده فلا
~~تصح، ولا طلاقه ولا عتاقه، وسيجئ الكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.
# والأعمى إذا زنا وجب عليه الحد، كما يجب على البصير، ولا (4) يسقط عنه
# PageV03P447
# الحد لعماه، فإن ادعى أنه اشتبه عليه الأمر فظن أن التي وطأها كانت زوجته
~~أو أمته، وكانت الحال شاهدة بما ادعاه، بأن تكون على فراشه نائمة، قد تشبهت
~~بزوجته أو أمته، فإنه يدرأ عنه الحد للشبهة، وإن كان شاهد الحال بخلاف ذلك،
~~فإنه لا يصدق، وأقيم عليه الحد.
# وقد روي أن امرأة تشبهت لرجل بجاريته، واضطجعت على فراشه ليلا، فظنها
~~جاريته فوطأها من غير تحرز، فرفع خبره إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأمر
~~بإقامة الحد على الرجل سرا وإقامة الحد على المرأة جهرا (1).
# أورده هذه الرواية شيخنا أبو جعفر في نهايته (2)، إلا أنه رجع عنها في
~~مسائل خلافه فقال. مسألة: إذا وجد الرجل امرأة على فراشه فظنها زوجته،
~~فوطأها، لم يكن عليه الحد، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة عليه الحد، وقد
~~روي ذلك أيضا أصحابنا، دليلنا أن الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى
~~دليل، هذا آخر المسألة من كلامه رحمه الله (3).
# وما ذهب إليه في مسائل خلافه هو الصحيح الذي يقتضيه أصول مذهبنا.
# ويعضد استدلال شيخنا قوله عليه السلام المتفق عليه إدرأوا الحدود
~~بالشبهات (4) وهذه شبهة بلا خلاف.
# وأيضا فالرجل غير زان، ولو جاءت بولد أحق به ms1449 بلا خلاف، لأنه وطئ شبهة،
~~فكيف يكون عليه الحد، فلا نرجع عن الأدلة بأخبار الآحاد التي لا توجب علما
~~ولا عملا.
# ولو كان شيخنا أبو جعفر الطوسي يعمل بأخبار الآحاد على ما يدعى عليه،
~~لأجل ما يلوح بذلك في بعض كلامه، لزمه أن يوجب عليه الحد سرا، لأنه قال على
~~ما رواه أصحابنا، وأورد الرواية في نهايته، إلا أنه دفعها في مسائل خلافه،
~~وعمل
# PageV03P448
# بما يوجب اليقين، وثلج الصدر ويقطع العذر.
# ولا يحد من ادعى الزوجية، إلا أن تقوم البينة بخلاف دعواه، ولا حد أيضا
~~مع الإلجاء والإكراه، وإنما يجب الحد بما يفعله الإنسان مختارا.
# ومن افتض جارية بكرا بإصبعه فإن كانت أمة، روي أنه يغرم عشر ثمنها، ويجلد
~~من ثلاثين سوطا إلى تسعة وتسعين سوطا عقوبة، لما جناه (1).
# والأولى أنه يغرم ما بين قيمتها بكرا وثيبا.
# وإن كانت الجارية حرة غرم عقرها، وهو مهر مثل نسائها بلا نقصان.
# فإن كان قد زنا بالحرة وهي عاقلة فذهب بعذرتها، لم يكن لها عليه شئ من
~~المهر، لأن العقر قد ذكرنا أنه دية الفرج المغصوب، وهذا ما غصبها عليه.
# وجملة الأمر في ذلك وعقد الباب أنه إذا زنا الرجل بامرأة فلا يخلو إما أن
~~يكون المرأة جارية لغيره، أو حرة، فإن كانت جارية، فلا يخلو أن تكون ثيبا
~~أو بكرا، فإن كانت ثيبا، فلا يخلو إما أن تكون مكرهة أو مطاوعة، فإن كانت
~~مطاوعة فلا شئ لمولاها على الزاني بها، فإنه لا يستحق عليه مهرا، لأن
~~الرسول عليه السلام نهى عن مهر البغي (2) فإن كانت مكرهة، فيجب على الزاني
~~لمولاها مهر أمثالها.
# وذهب بعض أصحابنا، إلى أنه عليه نصف عشر ثمنها.
# والأول هو الصحيح، لأن هذا ورد فيمن اشترى جارية ووطأها، فكانت حاملا،
~~وأراد ردها، فإنه يردها ويرد معها نصف عشر ثمنها، والقياس عندنا باطل.
# فأما إن كانت بكرا فلا يخلو أن تطاوع أو تكره على الفعال، فإن كانت
~~مكرهة، فعليه مهر أمثالها وعليه ما نقص من قيمتها قبل افتضاضها، وهو أرش ms1450
~~البكارة، تجمع بين الشيئين معا بين المهر وما نقص من القيمة، لأن أحدهما لا
~~يدخل في الآخر، ألزمناه المهر لأنها هاهنا مكرهة غير بغي، ولم ينه عليه
~~السلام إلا عن مهر
# PageV03P449
# البغي، وهذه حينئذ ليست بغيا وألزمناه ما نقص من القيمة بأخذ (1)
~~بكارتها، لأنها جناية على مال الغير، فيجب أن يلزم بأرش ما جناه وأتلفه.
# فإن كانت مطاوعة فلا يلزمه المهر، لأنها بغي، بل يجب عليه ما نقص من
~~قيمتها فحسب، والمهر لا يلزمه، لأنها بغي، والرسول عليه السلام نهى عن مهر
~~البغي.
# فأما إن كانت المزني بها حرة، فإن كانت ثيبا، وكانت مطاوعة عاقلة، فلا شئ
~~لها على الزاني بها، وإن كانت مكرهة فيجب عليه عقرها، وهو مهر أمثالها،
~~لأنها غير بغي.
# فإن كانت بكرا وكانت مطاوعة، فلا شئ لها، لأنها زانية، وبكارتها ذهبت
~~باختيارها، فإن كانت مكرهة، فلها مهر نسائها فحسب، دون أرش البكارة، ولا
~~يجمع بينهما معا فليلحظ ذلك ويتأمل.
# ومن زوج جاريته من رجل، ثم وقع عليها، ولم يدع شبهة في ذلك، وجب عليه
~~الحد كاملا، فإن كان شاهد حاله أنه لا يعلم ذلك، وادعى جهالته، درئ عنه
~~الحد، لقوله (2) عليه السلام ادرؤا الحدود بالشبهات (3).
# قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه مسألة إذا أمكنت (4) العاقلة المجنون
~~من نفسها، فوطأها ألزمها الحد. وإن وطئ المجنونة العاقل، لزمه الحد ولم
~~يلزمها (5).
# وقد حكينا عنه (6) ما ذهب أيضا إليه في نهايته، وهو أن قال: وإن زنا
~~مجنون بامرأة كان عليه الحد تاما جلد مائة، أو الرجم.
# ثم قال في مسائل خلافه بعد تلك المسألة التي حكيناها في مسائل خلافه
~~مسألة: ليس من شرط إحصان الرجم الإسلام، بل من شرطه الحرية والبلوغ، وكمال
~~العقل، والوطي في نكاح صحيح، فإذا وجدت هذه الشروط فقد أحصن
# PageV03P450
# إحصان رجم، وهكذا إذا وطئ المسلم امرأته الكافرة، فقد أحصنها (1).
# وقال في مبسوطه قد بينا شرايط الإحصان عندنا، وأنها أربعة أشياء، أن يكون
~~بالغا عاقلا حرا له فرج يغدو إليه ويروح، ويكون قد دخل بها، ms1451 وعندهم أن يطأ
~~وهو حر بالغ في نكاح صحيح، ولا يعتبر الإسلام عندنا، ثم قال والوطئ في
~~النكاح الفاسد لا يحصن (2).
# وهذا الذي قاله، وذهب إليه في مبسوطه، ومسائل خلافه، في المسألة الأخيرة،
~~هو الصحيح الذي يقتضيه الأدلة القاهرة، من أن النواهي والأوامر لا تتوجه
~~إلا إلى العقلاء، وقوله عليه السلام رفع القلم عن ثلاثة، عن المجنون حتى
~~يفيق (3).
# إذا أقر الأخرس بالزنا بإشارة معقولة، لزمه الحد، وكذلك إذا أقر بقتل
~~العمد، لزمه القود، لا نفي على العبد، ولا على الأمة في الموضع الذي يجب
~~النفي فيه على الحر، وكذلك لا يجز شعرهما في ذلك الموضع بحال.
# باب كيفية إقامة الحد في الزنا وما يتعلق بذلك من الأحكام إذا كان
~~الإنسان قد زنى وكان ممن يجب عليه الجلد والرجم معا، وهو المحصن على ما
~~ذكرناه، وحررناه، حد أولا الجلد، ثم بعده الرجم.
# وقد روى أصحابنا أنه لا يرجم حتى يبرأ جلده، فإذا برئ رجم (4).
# والأولى حمل الرواية على جهة الاستحباب، دون الفرض والإيجاب، لأن الغرض
~~في الرجم إتلافه وهلاكه.
# وإذا أراد الإمام رجمه، وكانت البينة قد قامت عليه بالزنا، فليأمر بأن
~~يحفر له حفيرة، ويدفن فيها إلى حقويه، ثم يرجم بعد ذلك، وكذلك يفعل
~~بالمرأة، إلا أنها
# PageV03P451
# تدفن في الحفيرة إلى صدرها، ثم ترجم.
# فإن فر واحد منهما من الحفيرة، رد إليها حتى يستوفى منه الحد بالرجم.
# فإن كان الرجم وجب عليهما بإقرارهما على أنفسهما، فعل بهما مثل ما تقدم
~~ذكره، إلا أنه إذا أصاب واحدا منهما الرجم، وفر من الحفيرة لم يرد إليها،
~~بل يترك يمضي حيث شاء، فإن كان فراره قبل أن يصيبه شئ من الأحجار رد إلى
~~الحفيرة على كل حال، وإنما لم يرد إذا أصابه شئ منها، وكان الحد قد وجب
~~عليه بإقراره دون البينة، هذا مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي (1).
# وذهب شيخنا المفيد، في مقنعته، إلى أنهما إذا فرا لم يردا، سواء أصابهما
~~الحجر أو لم يصيبهما (2).
# ولي في ذلك نظر.
# والذي يجب الرجم عليه ms1452 إذا كانت البينة قد قامت عليه، كان أول من يرجمه
~~الشهود، ثم الإمام، ثم الناس، فإن ماتوا أو غابوا، كان أول من يرجمه
~~الإمام، ثم الناس، وإن كان الرجم وجب عليه بإقراره على نفسه، كان أول من
~~يرجمه الإمام، ثم الناس.
# وينبغي أن تكون أحجار الرجم صغارا، ولا تكون كبارا، ويكون الرجم من خلف
~~المرجوم وورائه، لئلا يصيب وجهه شيئا منه.
# فأما الذي يجب عليه الجلد دون الرجم، يجب أن يجلد قائما مائة جلدة، أشد
~~ما يكون من الضرب، ويجلد على الحال (3) التي يوجد عليها، إن وجد عريانا،
~~ضرب عريانا، وإن كان عليه ثياب، جلد وهي عليه ما لم يمنع من إيصال شئ من
~~ألم الضرب إليه.
# ويضرب جميع جسده إلا رأسه ووجهه وفرجه.
# فإن مات لم يكن له قود، ولا دية، لا من بيت المال، ولا من الحاكم، ولا من
# PageV03P452
# عاقلته بحال.
# وإذا أريد جلد المرأة جلدت كما يجلد الرجل، وضربت كما يضرب، إلا أنها
~~تضرب جالسة، ولا تكون قائمة في هذه الحال، وتربط عليها ثيابها، لئلا تنهتك
~~عورتها، فإن جميعها عورة.
# وإذا فر من يقام عليه الحد بالجلد، رد وأعيد حتى يستوفى الحد منه، سواء
~~كان قد وجب عليه الحد بإقراره، أو البينة.
# وإذا أريد إقامة الحد على الزاني بالجلد أو الرجم، فينبغي للإمام أن يعلم
~~الناس بالحضور، فإن في ذلك انزجارا عن مواقعة مثله، ولطفا للعباد، ثم يحد
~~بمحضر منهم، لينزجروا، ولا يحضر عند إقامة الحد على الزاني إلا خيار الناس.
# وروي أن أقل من يحضر واحد (1)، وهو قول الفراء من أهل اللغة، فإنه قال
~~الطائفة يقع على الواحد.
# وإليه ذهب شيخنا أبو جعفر في نهايته (2)، فإنه أورد الرواية.
# إلا أنه رجع عنها في مسائل خلافه، فقال مسألة يستحب أن يحضر عند إقامة
~~الحد على الزاني طائفة من المؤمنين بلا خلاف، لقوله تعالى " وليشهد عذابهما
~~طائفة من المؤمنين " (3) وأقل ذلك عشرة، وبه قال الحسن البصري، وقال ابن
~~عباس أقله واحد، وروي ذلك أيضا أصحابنا، وقال عكرمة اثنان، ms1453 وقال الزهري
~~ثلاثة، وقال الشافعي أربعة، دليلنا طريقة الاحتياط، لأنه إذا حضر عشرة دخل
~~الأقل فيه، ولو قلنا بأحد ما قالوه، لكان قويا، لأن لفظ " طائفة " يقع على
~~جميع ذلك، هذا آخر المسألة (4).
# قال محمد بن إدريس، الذي أذهب إليه أن الحضور واجب، لقوله تعالى " وليشهد
~~عذابهما " (5) ولا خلاف أنه أمر، والأمر عندنا يقتضي الوجوب.
# PageV03P453
# ثم الذي أقول في الأقل، أنه ثلاثة نفر، لأنه من حيث العرف دون الوضع،
~~والعرف إذا طرأ، وصار الحكم له، دون الوضع الأصلي، وشاهد الحال يقتضي ذلك
~~أيضا، وألفاظ الأخبار، لأن الحد إن كان قد وجب بالبينة، فالبينة ترجمه
~~وتحضره، وهم أكثر من ثلاثة، وإن كان الحد باعترافه، فأول من يرجمه الإمام،
~~ثم الناس مع الإمام، وإن كان المراد والمعنى حضور غير الشهود والإمام،
~~فالعرف والعادة اليوم إن أقل ما يقال جئنا في طائفة من الناس، أو جاءتنا
~~طائفة من الناس، المراد به الجماعة عرفا وعادة، وأقل الجمع ثلاثة، وشاهد
~~الحال يقتضي أنه أراد تعالى الجميع، وفيه الاحتياط.
# فأما خيرة شيخنا في مسائل خلافه، إن أقل ذلك عشرة، فلا وجه له، فأما
~~الرواية، فمن أخبار الآحاد، وقد بينا ما في ذلك وكررناه.
# وروي أنه لا يرجمه إلا من ليس لله سبحانه في جنبه حد، وهذا غير متعذر،
~~لأنه يتوب فيما بينه وبين الله تعالى، ثم يرميه.
# وإذا وجب إقامة الحد على الزنا بالرجم، أقيم ذلك عليه، صحيحا كان أو
~~مريضا.
# والذي يجب عليه الجلد إذا كان مريضا، لم يقم الجلد عليه حتى يبرأ، فإذا
~~برئ أقيم الحد عليه فإن رأى الإمام إقامة الحد عليه، بأن تقتضيه المصلحة
~~بأن ينزجر الغير، قدمه وأخذ عرجون فيه مائة شمراخ، أو ضغثا فيه مائة عود،
~~أو ما جرى مجرى ذلك، ويضرب به ضربة واحدة، وقد أجزى ذلك في استيفاء الحد
~~منه، سواء وصلت جميعها على جسده، ووقعت عليه، أو لم تقع، يعضد ذلك قوله
~~تعالى " وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث " (1).
# إذا زنت امرأة وهي حامل، لم يقم ms1454 عليها حد بجلد ولا رجم، وهي كذلك فإذا
~~وضعت ولدها، وخرجت من نفاسها، ووجد من يرضعه، أقيم عليها الحد، فأما إذا لم
~~يوجد من يرضعه، فلا يقام عليها الحد حتى يستغنى عنها، وهذه قضية أمير
~~المؤمنين
# PageV03P454
# عليه السلام في المرأة التي جاءت إليه بالكوفة، فقالت له يا أمير
~~المؤمنين طهرني فإني زنيت، وأنا محصنة، ثم أقرت أربعة مرات في أربع دفعات،
~~فقال لها امضي فارضعي ولدك، فإذا استغنى عنك فأنا أقيم الحد عليك (1).
# وإذا اجتمع على إنسان حدود فيها قتل وغيره، بدأ أولا بما لا يكون قتلا من
~~الحدود، ثم يقتل بعد ذلك مثال ما ذكرناه أن يقتل ويسرق ويزني، وهو غير
~~محصن، فإنه يجلد أولا للزنا، ثم يقطع للسرقة بكسر الراء ثم يقتل للقود بعد
~~ذلك.
# إذا وجب على رجل الحد وهو صحيح العقل، ثم اختلط عقله بعد ذلك، وكانت
~~البينة قد قامت عليه به أقيم عليه الحد على كل حال.
# ومن يجب نفيه عن البلد الذي زنا فيه، فإنه ينفى إلى بلد آخر سنة.
# فأما نفي القواد، وهو الجامع بين الرجال والنساء للفجور، فإنه ينفى من
~~بلده إلى بلد آخر، إلا أنه لا يكون نفيه سنة.
# وأما نفي المحارب فأبدا إلى أن يتوب ويراجع الحق، وينيب إلى الله تعالى
~~على ما نبينه عند المصير إليه إن شاء الله تعالى.
# ومن أقر على نفسه بحد، ثم أنكر ذلك، لم يلتفت إلى إنكاره، إلا الرجم،
~~فإنه إذا أقر بما يوجب عليه الحد بالرجم، ثم جحد ذلك قبل أن يرجم، خلي
~~سبيله، ولا يكون الإمام هاهنا مخيرا في تخلية سبيله بل يجب عليه ذلك، فأما
~~إذا ألم يجحد، كان الإمام بالخيار في إقامة الحد عليه، أو تخليته على ما
~~يراه من المصلحة في الحال له وللأمة بشرط، إظهاره التوبة بعد الإقرار عند
~~الإمام، فأما إذا لم يتب فلا يجوز للإمام تخليته، ولا يكون مخيرا.
# ومن أقر على نفسه بحد ولم يبينه، ضرب أعلى الحدود، وهي المائة، إلا أن
~~ينهي (2) هو عن ms1455 نفسه من دونها، وبعد تجاوز الحد الذي هو الثمانون فإن نهى
~~(3) عن نفسه قبل بلوغ الثمانين سوطا، الذي هو حد شارب الخمر، فلا يقبل منه،
~~وضرب إلى
# PageV03P455
# أن يبلغه، فهذا تحرير هذه الفتيا.
# وقد روي أنه يضرب حتى ينهي (1) هو عن نفسه الحد (2).
# وإذا كانت المرأة مستحاضة لم يقم عليها الجلد إن كان حدها جلدا وإن كان
~~رجما أقيم عليها، لأن الغرض قتلها، ولا يقام عليها الجلد حتى ينقطع دمها،
~~لأنها عليلة، لأن دم الاستحاضة دم علة.
# ويقام على الحايض الجلد، لأنه دم جبلة، وليس بدم علة.
# إذا وجب على إنسان جلد، لم يقم عليه في الساعات الشديدة الحر، ولا
~~الشديدة البرد، بل إن كان في الشتاء، يترك حتى تطلع الشمس ويحمي النهار،
~~ويذهب برد أوله، وإن كان في الصيف، يترك حتى يبرد النهار، ولا يضرب في
~~السبرات الباردة، ولا الهواجر، بل يقام عليه في الأوقات المعتدلة.
# فإذا فرغ من رجم المرجوم، دفن في الحال، ولم يترك على وجه الأرض، وأحكامه
~~بعد موته أحكام غيره من الأموات، إلا في الغسل، فإنه يؤمر بالاغتسال أولا،
~~والتكفين، ثم يقام الحد عليه، فإذا مات، كان بعد ذلك أحكامه أحكام غيره،
~~فإنه يصلى عليه، ويدفن، ويجب على من مسه الغسل، على ما ذكرناه في باب تغسيل
~~الأموات، وكتاب الطهارات (3).
# وقد ذكر شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، في كتاب الحدود، قال إذا رجم رجل وصلى
~~عليه، فحكمه بعد الرجم حكم المسلم إذا مات، وحكم من يقتل قصاصا، يغسل،
~~ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين بلا خلاف، وروى أصحابنا أنه يؤمر
~~بالاغتسال قبل الرجم، والتحنيط (4) و (5)، وكذلك من وجب عليه القصاص، فإذا
~~قتل، صلي عليه، ودفن، هذا آخر كلامه رحمه الله في مبسوطه (6).
# ألا ترى إلى قوله - فحكمه بعد الرجم حكم المسلم إذا مات - ولا خلاف أن من
# PageV03P456
# جملة أحكام المسلم إذا مات، ومما يتعلق به، أنه إذا مسه إنسان بعد موته
~~وقبل غسله الذي هو بعد موته، يجب عليه الاغتسال، فليلحظ ذلك، وقد أشبعنا
~~القول ms1456 في الموضع الذي ذكرناه (1).
# ولا يقام الحد أيضا في أرض العدو لئلا تحمل المحدود الحمية والغضب على
~~اللحوق بأعداء الدين.
# وإذا التجأ إلى حرم الله سبحانه، أو حرم رسوله، أو أحد الأئمة عليهم
~~السلام، لم يقم عليه الحد فيه، بل يضيق عليه في المطعم والمشرب وبأن لا
~~يبايع، ولا يشارى، ولا يعامل حتى يخرج منه، فإذا خرج أقيم عليه الحد.
# وإذا أحدث وهو في الحرم ما يوجب إقامة الحد عليه، أقيم عليه ذلك فيه، وقد
~~قدمنا (2) ذكر ذلك وكذلك إن قتل فيه، أو جنى، قتل فيه، وأقيم عليه الحد
~~فيه، لأنه انتهك حرمة الحرم، فعوقب بجنايته فيه.
# إذا أقر رجل بالزنا أربع مرات، بأنه زنا بهذه المرأة، وأكذبته المرأة، أو
~~قالت أكرهني، كان عليه الحد، دونها، فإن أقرت المرأة أربع مرات بأن هذا
~~الرجل زنا بها، فأكذبها الرجل، كان عليها حد الزنا دونه، وحد القذف أيضا
~~إذا طالبها به الرجل، فإن صدقها مرة واحدة، أو أكثر منها، ما لم يبلغ أربع
~~مرات، كان عليها حد الزنا دون حد القذف، فإن أقر أربع مرات مصدقا لها، وجب
~~عليه حد الزنا أيضا.
# ومن وجب عليه الرجم، أقيم عليه على كل حال، عليلا كان أو صحيحا، لأن
~~الغرض إتلافه وقتله على ما قدمناه (3).
# باب الحد في اللواط وما يتعلق بذلك اللواط هو الفجور بالذكران، وهو على
~~ضربين، أحدهما إيقاع الفعل في الدبر بالإيقاب، كالميل في المكحلة، والآخر
~~بإيقاع الفعل فيما عدا ذلك من بين الفخذين، أو ما لا يكون بالإيقاب في
~~الدبر.
# PageV03P457
# ويثبت ذلك على فاعله بأمرين، أحدهما إقراره على نفسه بذلك أربع مرات، وهو
~~كل العقل حر مختار، كما قدمناه في باب حد الزنا (1)، سواء كان فاعلا أو
~~مفعولا، فإن أقر دون ذلك، لم يجب عليه الحد، وكان على الحاكم تعزيره،
~~لإقراره على نفسه بالفسق.
# والضرب الثاني البينة، وهي أربعة شهود يشهدون بذلك، كما ذكرناه في
~~شهادتهم بالزنا (2)، ويذكرون المشاهدة للفعل، كالميل في المكحلة، فإن لم
~~يشهدوا كذلك كان عليهم حد الفرية، ms1457 إلا أن يشهدوا بإيقاع الفعل فيما دون
~~الدبر، فتقبل شهادتهم، ويجب بها الحد على ما نبينه فيما بعد إن شاء الله.
# وإذا شاهد الحاكم بعض الناس على هذا الفعل، كان له إقامة الحد عليه به،
~~ولا يحتاج مع علمه ومشاهدته إلى غير ذلك، مثل الزنا سواء.
# فإذا ثبت على اللايط حكم اللواط بالإيقاب، كان حده القتل، إلا أن الإمام
~~بالخيار في كيفية قتل اللايط، إما أن يرمى من حايط عال، أو يرمي عليه جدار
~~(3)، أو يدهدهه من جبل، ومعنى يدهدهه أي يدحرجه، أو يضرب عنقه بالسيف، أو
~~يرجمه الإمام والناس، أو يحرق بالنار، والإمام مخير في ذلك، أي شئ أراد
~~فعله منه كان له ذلك، بحسب ما يراه صلاحا، فإن أقام عليه حدا بغير النار،
~~كان له إحراقه بعد ذلك.
# والفاعل لما يخالف الإيقاب فاعلا أو مفعولا يجب عليه الجلد مائة جلدة،
~~دون القتل والرجم، سواء كان محصنا أو غير محصن، على الأظهر من أقوال
~~أصحابنا.
# وقد ذهب بعضهم إلى أنه على ضربين، أحدهما أن يكون محصنا، والآخر غير
~~محصن، فإن كان محصنا، كان عليه الرجم، وإن كان غير محصن، كان عليه الحد
~~مائة جلدة، سواء كان فاعلا أو مفعولا به، حرا كان أو عبدا مسلما كان أو
~~كافرا.
# وهذا اختيار شيخنا أبي جعفر في نهايته (4)، والأول مذهب شيخنا
# PageV03P458
# المفيد، محمد بن محمد بن النعمان (1)، والسيد المرتضى (2)، وغيرهما من
~~الجلة المشيخة رحمهم الله.
# وهو الصحيح الذي يقتضيه الأدلة القاهرة، لأن الأصل براءة الذمة، وإدخال
~~الضرر على الحيوان قبيح، عقلا وسمعا إلا ما خرج بالدليل، ولا يرجع في ذلك
~~إلى أخبار شاذة لا يعضدها كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، لأنا قد بينا أن
~~الإجماع غير حاصل، ولا منعقد على ذلك.
# فأما التلوط بالإيقاب، فلا خلاف بين أصحابنا أن حده ما ذكرناه، سواء كان
~~الفاعل والمفعول، حرا أو عبدا، مسلما أو كافرا، محصنا أو غير محصن، وعلى كل
~~حال بعد أن يكون عاقلا.
# وإذا تلوط رجل عاقل بصبي لم يبلغ، كان عليه ms1458 الحد كاملا وعلى الصبي
~~التأديب، فإن كان الصبي هو الفاعل بالرجل، كان على الصبي التأديب أيضا،
~~وعلى الرجل المفعول به الحد كاملا.
# وإذا تلوط صبي بصبي مثله، أدبا جميعا، ولم يجب على واحد منهما الحد.
# وإذا كان لرجل عبد، فتلوط به، كان عليه وعلى العبد جميعا الحد كاملا، فإن
~~ادعى العبد على سيده أنه أكرهه على ذلك، درأ الحد عنه، وأقيم على سيده، لأن
~~هاهنا شبهة الرق، وقد قال عليه السلام إدرأوا الحدود بالشبهات (3).
# فإن زنى مملوك بمولاته، أقيم عليهما جميعا الحد، فإن ادعى الإكراه منها
~~له على الفعال، فلا يقبل منه ولا يصدق، ولا يدرأ الحد عنه، لأن ما هاهنا
~~شبهة، وليس هذا كالأول.
# إذا تلوط عاقل بمجنون، أقيم الحد عليه، ولم يكن على المجنون شئ، فإن لاط
~~مجنون بعاقل، كان على العاقل الحد كاملا، وليس على المجنون شئ بحال، سواء
~~كان فاعلا أو مفعولا به.
# PageV03P459
# وذهب بعض أصحابنا إلى أنه إن كان المجنون فاعلا، فيجب عليه الحد كاملا،
~~وإن كان مفعولا به، فلا يجب عليه شئ.
# وهو الذي ذكره شيخنا في نهايته (1).
# وليس عليه دليل من كتاب، ولا سنة متواترة، ولا إجماع، والأصل براءة
~~الذمة، فمن علق عليها شيئا، يحتاج إلى دليل، والأحكام الشرعية من الحدود
~~وغيرها متوجهة إلى العقلاء، دون غيرهم من المجانين والأطفال، فلا ينبغي أن
~~يترك الأدلة القاطعة للأعذار، ويرجع إلى خبر واحد أو قول مصنف قاله في
~~كتابه، وأودعه في تصنيفه، ولا يحل تقليده في ذلك بحال.
# وإذا لاط كافر بمسلم، قتل على كل حال.
# وإذا لاط بكافر مثله، كان الإمام مخيرا بين أن يقيم الحد عليهما بما
~~توجبه شريعة الإسلام، وبين أن يدفعه إلى أهل ملته، ليقيموا الحد عليه على
~~ما يرونه عندهم.
# ومتى وجد رجلان في إزار واحد مجردين، أو رجل وغلام، وقامت عليهما بذلك
~~بينة، وهي رجلان عدلان، أو أقرا بفعله، ضرب كل واحد منهما تعزيرا من ثلاثين
~~سوطا إلى تسعة وتسعين سوطا، بحسب ما يراه الإمام، فإن عادا إلى مثل ms1459 ذلك،
~~ضربا مثل ذلك (2)، فإن عادا أقيم الحد، بأن يضرب كل واحد منهما مائة جلدة،
~~على ما روي (3).
# وإذا لاط رجل، ثم تاب قبل قيام البينة، لم يكن للإمام ولا غيره إقامة
~~الحد عليه، فإن تاب بعد أن شهد عليه بالفعل، لم يسقط عنه التوبة هاهنا الحد
~~ووجب على الإمام إقامته عليه، فإن كان تائبا عند الله تعالى، عوضه الله
~~تعالى بما يناله من ألم الحد، ولم يجز العفو على كل حال.
# وإن كان اللايط أقر عند الإمام على نفسه باللواط أربع مرات، ثم تاب، وعلم
# PageV03P460
# الإمام منه ذلك، جاز له أن يعفو عنه، ويجوز له أيضا إقامة الحد عليه حسب
~~ما يراه من المصلحة وشاهد الحال، ومتى لم يظهر التوبة منه، لم يجز له العفو
~~عنه بحال.
# ومن قبل غلاما، ليس بمحرم له، على جهة الالتذاذ والشهوة وميل النفس، وجب
~~عليه التعزير.
# فإن فعل ذلك وهو محرم بحج أو عمرة، غلظ عليه تأديبه، كي ينزجر عن مثله في
~~مستقبل الأحوال.
# وقد روي أنه إذا قبل الرجل غلاما بشهوة، لعنته ملائكة السماء وملائكة
~~الأرض، وملائكة الرحمة، وملائكة الغضب، وأعد له جهنم، وسائت مصيرا (1).
# وفي حديث آخر، من قبل غلاما بشهوة، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار
~~(2) فإن كان التقبيل للغلام أو الرجل على غير ذلك الوجه، أما لأمر ديني، أو
~~صداقة دنياوية، ومودة إصلاحية، وعادة عرفية، فلا حرج في ذلك، ولا إثم، فإنه
~~قد روي (3) استحباب تقبيل القادم من مكة بغير خلاف.
# وإنما يحرم من ذلك من ما يقصد به الريبة والشهوة والفسوق، وهذا شئ راجع
~~إلى النيات والعقايد، فقد قال عليه السلام الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما
~~نوى (4).
# وفي ألفاظ الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام تقييد التحريم من ذلك
~~ما يكون بالشهوة، أورد ذلك ابن بابويه في رسالته (5)، وقيده في كلامه.
# والمتلوط بما دون الإيقاب الذي يجلد مائة جلدة، فإذا أقيم عليه الحد ثلاث
~~مرات، يقتل في الرابعة، مثل الزاني.
# والأولى عندي أنه يقتل هو والزاني في ms1460 الثالثة، لقولهم عليهم السلام،
~~المجمع
# PageV03P461
# عليه، أن أصحاب الكبائر يقتلون في الدفعة الثالثة (1) وهؤلاء بلا خلاف
~~أصحاب كبائر.
# وشيخنا أبو جعفر ذهب في نهايته إلى أنه يقتل في الرابعة (2)، وذهب في
~~مسائل خلافه أنه يقتل في الخامسة (3) وجعل ما ذهب إليه في نهايته رواية
~~فقال مسألة إذا جلد الزاني الحر البكر البالغ أربع مرات قتل في الخامسة
~~وكذلك في القذف يقتل في الخامسة، والعبد يقتل في الثامنة (4).
# وقال في نهايته، يقتل في التاسعة (5).
# ثم قال متمما للمسألة، وقد روي أن الحر يقتل في الرابعة، وخالف جميع
~~الفقهاء في ذلك، وقالوا عليه الحد بالغا ما بلغ، دليلنا إجماع الفرقة
~~وأخبارهم، هذا آخر مسألته (6).
# وما اخترناه أولا هو الأظهر بين الطائفة.
# قال محمد بن إدريس أورد شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله، في الجزء
~~الثالث من كتابه الإستبصار، في باب الحد في اللواط، خبرا عن علي بن إبراهيم
~~عن أبيه، عن الحسن بن محبوب عن ابن رئاب، عن مالك بن عطية، عن أبي عبد الله
~~عليه السلام فيمن أوقب على غلام، قال قال أمير المؤمنين عليه السلام أن
~~رسول الله صلى الله عليه وآله حكم فيه ثلاثة أحكام، إما ضربة بالسيف في
~~عنقه بالغة ما بلغت، أو إهداء من جبل مشدود اليدين والرجلين، أو إحراق
~~بالنار (7).
# وجدناه لما عارضت كتابي بخط المصنف رحمه الله.
# إهداء بألف في أوله، وألف في آخره، وصوابه دهداء، بدال في أوله، وأظن
~~الدال الأولة كانت قصيرة المدة التحتانية، وطويلة المدة الفوقانية،
~~فاعتقدها
# PageV03P462
# النساخ الناقلون ألفا مستقيمة، فوقع الرهق (1) والغلط لذلك، لأنه مصدر
~~تدهدأ الحجر وغيره، تدهدئا ودهديته أنا أدهديه دهدأة ودهدأء.
# قال ذو الرمة أدنى يقاذفه التقريب أو خبب (2) * كما تدهدى من العرض
~~الجلاميد.
# وهذا مما يبدل من الهاء ياء، قال الجوهري، في الصحاح دهدهدت الحجر
~~فتدهده، أي دحرجته فتدحرج، وقد يبدل من الهاء ياء فيقال تدهدى الحجر وغيره
~~تدهديا، ودهديته أنا، أدهديه دهدأة ودهداء إذا دحرجته، وأنشد بيت ذي الرمة
~~المقدم ذكره، وإنما أومأت إلى هذا ms1461 المكان لئلا يجري تصحيف في الخبر الذي في
~~الإستبصار.
# باب الحد في السحق السحق بضم السين الاسم، وبفتحها المصدر، وهو عبارة في
~~عرف الشرع عن فعل الأنثى بالأنثى، كما أن اللواط عبارة عن فعل الرجال
~~بالرجال، الذكران بالذكران، والزنا عبارة عن فعل الرجال بالنساء.
# فإذا ثبت ذلك، فالبينة على الجميع واحدة، وهي شهادة أربع عدول بتحقيق ذلك
~~ومعاينته على ما قدمناه، أو إقرار الفاعل أو المفعول على نفسه أربع مرات في
~~أربع دفعات وأوقات.
# فإذا ثبت ذلك وساحقت المرأة أخرى، وجب على كل واحدة منهما الحد، جلد
~~مائة، سواء كانتا محصنتين أو غير محصنتين.
# وقال بعض أصحابنا إن كانتا محصنتين وجب على كل واحدة منهما الرجم، وهو
~~اختيار شيخنا أبي جعفر في نهايته (3).
# والأول اختيار شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان في مقنعته (4)
~~والسيد
# PageV03P463
# المرتضى (1) وغيرهما من أصحابنا.
# وهو الأظهر الذي يقتضيه أصول مذهبنا، ولأن الأصل براءة الذمة، وحقن
~~الدماء، وترك إدخال الضرر على الحيوان إلا بدليل، ولا دليل على ذلك من
~~كتاب، ولا سنة متواترة، ولا إجماع.
# وإذا ساحقت المرأة جاريتها، وجب على كل واحدة منهما الحد كاملا، وهو جلد
~~مائة، ولا ينتصف في حق الإماء مثل حد الزنا، بل حد الحرة والأمة في السحق
~~سواء، لأنه ليس بزنا، والقياس عندنا باطل.
# فإن ذكرت الجارية إنها أكرهتها، درئ عنها الحد، للشبهة في ذلك، وأقيم (2)
~~على مولاتها.
# وإذا ساحقت المجنونة، لا يجب عليها الحد، سواء كانت فاعلة أو مفعولة بها.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا ساحقت المجنونة، أقيم عليها الحد،
~~فإن فعل بها ذلك، لم يكن عليها الحد (3).
# وما ذهبنا إليه هو الذي يقتضيه أصول المذهب، ولا يرجع في ذلك إلى خبر
~~واحد، أو مسطور يوجد لبعض المصنفين، إذا لم يعضده كتاب الله، أو إجماع، أو
~~أخبار متواترة.
# وإذا ساحقت المسلمة الكافرة، وجب على كل واحدة منهما الحد، وكان الإمام
~~مخيرا في الكافر بين إقامة الحد عليها، وبين إنفاذها ودفعها إلى أهل ملتها،
~~ليعملوا بها ما يقتضيه ms1462 مذهبهم.
# وإذا ساحقت المرأة العاقلة صبية غير بالغة، أقيم على العاقلة الحد، وأدبت
~~الصبية.
# فإن تساحقت صبيتان غير بالغتين أدبتا، ولم يقم على واحدة منهما الحد
~~كاملا.
# PageV03P464
# وروي أنه إذا وطئ الرجل امرأته، فقامت فساحقت جارية بكرا، فألقت ماء
~~الرجل في رحمها، وحملت الجارية، وجب على المرأة الرجم، وعلى الجارية إذا
~~وضعت مائة جلدة، وألحق الولد بالرجل، وألزمت المرأة المهر للجارية، لأن
~~الولد لا يخرج منها إلا بعد ذهاب عذرتها (1).
# فإن عضد هذه الرواية دليل من كتاب، أو سنة متواترة، أو إجماع، وإلا
~~السلامة التوقف فيها، وترك العمل بها، والنظر في دليل غيرها، لأنا قد قلنا
~~إن جل أصحابنا لا يرجمون المساحقة، سواء كانت محصنة أو غير محصنة،
~~واستدللنا على صحة ذلك، فكيف نوجب على هذه الرجم.
# وإلحاق الولد بالرجل، فيه نظر يحتاج إلى دليل قاطع، لأنه غير مولود على
~~فراشه، والرسول عليه السلام قال - الولد للفراش - (2) وهذه ليست بفراش
~~للرجل، لأن الفراش عبارة في الخبر عن العقد، وإمكان الوطئ، ولا هو من وطئ
~~شبهة بعقد (3) الشبهة.
# وإلزام المرأة المهر أيضا فيه نظر، ولا دليل عليه، لأنها مختارة غير
~~مكرهة، وقد بينا أن الزاني إذا زنا بالبكر الحرة البالغة، لا مهر (4) عليه
~~إذا كانت مطاوعة، والبكر المساحقة هاهنا مطاوعة، قد أوجبنا عليها الحد،
~~لأنها بغي، والنبي عليه السلام - نهى عن مهر البغي - (5) فهذا الذي يقال
~~على هذه الرواية، فإن كان عليها دليل غيرها من إجماع وغيره، فالتسليم
~~للدليل دونها، فليلحظ ما نبهنا عليه ويتأمل، ولا ينبغي في الديانة أن يقلد
~~أخبار الآحاد، وما يوجد في سواد الكتب.
# وإذا افتضت امرأة بكرا بإصبعها، فذهبت بعذرتها، لزمها مهرها، إذا كان ذلك
~~بغير اختيارها، وكانت البكر عاقلة بالغة فإن أمرتها بذلك، فلا شئ على
~~المرأة الفاعلة من المهر بحال، وكذلك الرجل إذا ذهب بعذرة البكر، حرفا
~~فحرفا،
# PageV03P465
# فإن كانت البكر غير بالغ، فيجب على من ذهب بعذرتها بإصبعه أو غير إصبعه
~~المهر على ما قدمناه وحررناه.
# فإن كانت الجارية البالغة أمة للغير، فالمهر ms1463 لا يجب، بل يجب ما بين
~~قيمتها بكرا أو غير بكر، لأنه مال الغير أتلفه، سواء كانت الأمة مختارة أو
~~مكرهة.
# وإذا وجدت امرأتان في إزار واحد مجردتين من ثيابهما، وليس بينهما رحم،
~~ولا أحوجهما إلى ذلك ضرورة من برد وغيره، كان على كل واحدة منهما التعزير،
~~من ثلاثين سوطا إلى تسعة وتسعين سوطا، حسب ما يراه الإمام، أو الوالي (1)
~~والحاكم من قبله، ولا يبلغ بذلك الحد.
# وقد يوجد في بعض المواضع التعزير من ثلاثين سوطا إلى تسعة وتسعين.
# والوجه في ذلك: أنه إن كان الفعال مما يناسب الزنا واللواط والسحق، فإن
~~الحد في هذه الفواحش مائة جلدة، فيكون التعزير دونها ولا يبلغها، فللحاكم
~~أن يعزر من ثلاثين سوطا إلى تسعة وتسعين، فينقص عن المائة سوطا، فأما إذا
~~كان التعزير على ما يناسب ويماثل الحد الذي هو الثمانون، وهو حد شارب الخمر
~~عندنا، وحد القاذف، فيكون التعزير لا يبلغه، بل من ثلاثين إلى تسعة وسبعين،
~~فهذا معنى ما يوجد في بعض المواضع من الكتب، تارة تسعة وتسعون، وتارة تسعة
~~وسبعون.
# قال شيخنا أبو جعفر، في الجزء الثالث من مسائل الخلاف، في كتاب الأشربة
~~ما ينبهك على ما قلناه، قال مسألة لا يبلغ بالتعزير حد كامل، بل يكون دونه،
~~وأدنى الحدود في جنية الأحرار، ثمانون، والتعزير فيهم تسعة وسبعون جلدة،
~~هذا آخر كلامه (2).
# والذي يقتضيه أصول مذهبنا وأخبارنا، أن التعزير لا يبلغ الحد الكامل الذي
~~هو المائة، أي تعزير كان، سواء كان ما يناسب الزنا أو القدف، وإنما هذا
~~الذي لوح به شيخنا من أقوال المخالفين، وفرع من فروع بعضهم، ومن اجتهاداتهم
~~وقياساتهم الباطلة، وظنونهم العاطلة.
# PageV03P466
# فإن عادتا إلى مثل ذلك، نهيتا، وأدبتا، فإن عادتا ثالثة، أقيم عليهما
~~الحد كاملا مائة جلدة، على ما روي (1).
# أورده شيخنا في نهايته (2) وقال فإن عادتا رابعة، كان عليهما القتل.
# قال محمد بن إدريس إن قتلهما في الرابعة، لقولهم عليهم السلام أصحاب
~~الكباير يقتلون في الرابعة، فالصحيح (3) أنهم يقتلون في الثالثة.
# وإذا ساحقت المرأة وأقيم ms1464 عليها الحد ثلاث مرات، قتلت في الرابعة، مثل
~~الزانية سواء.
# وقد قلنا ما عندنا في الزانية، وإن الأظهر عند أصحابنا، والذي يقتضيه
~~أصول مذهبهم، القتل في الثالثة.
# وإذا تابت المساحقة قبل أن ترفع إلى الإمام، سقط عنها الحد، فإن قامت بعد
~~ذلك عليها البينة، لم يقم عليها الحد، فإن قامت البينة عليها، ثم تابت بعد
~~ذلك، أقيم عليها الحد على كل حال، ولم يجز للحاكم العفو عنها، فإن كانت
~~أقرت بالفعل عند الحاكم، ثم أظهرت التوبة، كان للإمام العفو عنها، وله
~~إقامة الحد عليها، حسب ما يراه أصلح في الحال، هكذا أورده شيخنا في نهايته
~~(4).
# والأظهر أنه لا يجوز له العفو، لأن هذا الحد لا يوجب القتل وإنما ذلك في
~~الإقرار الذي يوجب القتل.
# باب وطي الأموات والبهائم والاستمناء بالأيدي وما يتعلق بذلك من الأحكام
~~من وطأ امرأة ميتة، فإن حكمه حكم من وطأها وهي حية، لقولهم عليهم السلام -
~~حرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا - (5).
# PageV03P467
# فإذا ثبت ذلك، فإنه يجب عليه الرجم إن كانا محصنا، والجلد إن لم يكن كذلك
~~ويضرب (1) زيادة على الحد تعزيرا، لانتهاكه حرمة الأموات، والجرأة على ذلك،
~~فإن كانت الموطوءة زوجته أو أمته، وجب عليه التعزير دون الحد، للشبهة
~~الداخلة عليه في ذلك.
# ويثبت الحكم في ذلك بإقرار الفاعل على نفسه مرتين، أو شهادة عدلين، هذا
~~ما روي (2) في أخبار الآحاد.
# والذي تقتضيه الأدلة وأصول مذهبنا، أن الإقرار أربع مرات، والشهادة أربع
~~رجال، لأنا أجمعنا أنه زان وزنا، والزنا بإجماع المسلمين لا يثبت إلا
~~بشهادة أربعة رجال، أو إقرار الفاعل أربع مرات، والإجماع فغير منعقد على
~~تخصيص ذلك، ولا يرجع في ذلك إلى أخبار الآحاد، ولا كتاب مصنف، وإن كان قد
~~أورد ذلك شيخنا في نهايته (3) إيرادا لا اعتقادا كما أورد أمثاله من أخبار
~~الآحاد.
# وحكم المتلوط بالأموات، حكم المتلوط بالأحياء على السواء، لا يختلف الحكم
~~في ذلك، بل تغلظ عقوبته، لانتهاكه حرمة الأموات.
# ومن وطأ بهيمة، كان عليه التعزير حسب ما يراه الحاكم من الصلاح في ms1465 الحال،
~~ويغرم ثمن البهيمة لصاحبها إن لم تكن له، إذا كانت مما يركب ظهرها في
~~الأغلب، كالخيل والبغال والحمير، وإن كان يقع على هذه الأجناس الذكاة،
~~وتؤكل عندنا لحومهن، إلا أنه غير غالب عليهن، بل ركوب ظهورها هو الأغلب،
~~واتخاذها لذلك هو المقصود الأشهر، وأخرجت من البلد الذي فعل بها ما فعل إلى
~~بلد آخر، وبيعت هناك لئلا يعير صاحبها بها، على ما روي (4) في الأخبار هذا
~~التعليل، فإذا بيعت، كان الثمن لمن غرمناه ثمنها، لأن صاحبها قد أخذ ثمنها،
~~وصارت.
# PageV03P468
# للواطئ فلا يعطى صاحبها غير ثمن واحد، وهو الذي غرمه (1) له، ولا يجمع له
~~الثمنين معا، لأنه لا دلالة على ذلك من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، بل قد
~~وردت أخبار (2) عن الأئمة الأطهار عليهم السلام بما قلناه.
# فإن كانت ملك الواطئ، لم يكن عليه شئ سوى التعزير، ولا يجب عليه غرم
~~ثمنها، لأن ثمنها له، فلم يغرم.
# وقال شيخنا المفيد في مقنعته، يتصدق بثمنها على المساكين والفقراء، سواء
~~كانت لصاحبها أو لغيره، إذا غرم ثمنها وبيعت، وتصدق بالثمن الثاني (3).
# فإن كانت البهيمة الموطوءة مما لا يركب ظهرها، بل في الأغلب يكون للأكل
~~والنحر والذبح، ذبحت وأحرقت بالنار، لأن لحمها قد حرم، ولحم ما يكون من
~~نسلها.
# فإن اختلطت بغيرها من البهائم، ولم تميز، قسم القطيع، وأقرع بينهما، فما
~~وقعت عليه القرعة، قسم من رأس، وأقرع بينهما، إلى أن لا تبقى إلا واحدة، ثم
~~تؤخذ وتحرق بالنار، بعد أن تذبح، وليس ذلك على جهة العقوبة لها، لكن لما
~~يعلمه الله تعالى من المصلحة في ذلك للعباد، ودفع العار بها عن صاحبها.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته، ومن نكح بهيمة، كان عليه التعزير بما دون
~~الحد، حسب ما يراه الإمام في الحال، ويغرم ثمن البهيمة لصاحبها إن لم تكن
~~له، فإن كانت له لم يكن عليه شئ، وإن كانت البهيمة مما يقع عليها الذكاة،
~~ذبحت وأحرقت بالنار، لأن لحمها قد حرم ولحم جميع ما يكون من نسلها، فإن
~~اختلطت ms1466 البهيمة الموطوءة بغيرها من البهائم ولم تتميز قسم القطيع الذي فيه
~~تلك البهيمة، وأقرع بينهما، فما وقعت عليه القرعة، قسم من الرأس، أقرع
~~بينهما، إلى أن لا تبقى إلا واحدة، ثم تؤخذ وتحرق بالنار بعد أن تذبح، وليس
~~ذلك على جهة العقوبة لها، لكن لما يعلمه الله تعالى من المصلحة في ذلك،
~~ولدفع العار بها عن صاحبها، فإن كانت
# PageV03P469
# البهيمة مما لا تقع عليها الذكاة، أخرجت من البلد الذي فعل بها ما فعل
~~إلى بلد آخر، وبيعت هناك لئلا يعير صاحبها بها. هذا آخر كلامه رحمه الله
~~(1).
# قال محمد بن إدريس أما قوله رحمه الله في أول الكلام وهو - فإن كانت
~~البهيمة مما يقع عليها الذكاة، ذبحت وأحرقت -، فالمراد به ما قلناه ونبهنا
~~عليه، من أنها تصلح للذبح في الغالب، دون ركوب الظهر، وأما قوله في آخر
~~الكلام فإن كانت البهيمة مما لا تقع عليها الذكاة، أخرجت من البلد مراده
~~بذلك ما قلناه، وهو أنها تصلح للركوب، لا للذبح في الغالب، وإن كانت عندنا
~~أيضا يقع عليها الذكاة، لأن الخيل والبغال والحمير تقع عليها الذكاة، ويؤكل
~~لحمها عندنا، إلا أنها ما تراد لذلك، ولا الغالب فيها الذبح، ولا قنيتها
~~واتخاذها للأكل والذبح، فليلحظ ذلك.
# وقد نبه شيخنا المفيد ولوح في مقنعته على شئ من ذلك، قال فإن كانت
~~البهيمة مما يقع عليها الذكاة، كالشاة، والبقرة، والبعير، وحمر الوحش،
~~والغزلان، ذبحت وحرقت (2) بالنار، ثم قال بعد ذلك، وإن كانت مما لا يقع
~~عليها الذكاة، كالدواب والبغال والحمر الأهلية وأشباه ذلك، أخرجت من البلد
~~(3).
# فهذا تنبيه على ما أشرنا إليه واعتمدنا عليه.
# قوله رحمه الله من الرأس، لا ينبغي أن يكون بألف ولام، بل عند أهل اللغة
~~يقال من رأس، ويعدون ما خالف ذلك مما تغلط فيه العامة، فينبغي أن يتجنبه
~~الإنسان ويثبت الحكم بذلك إما بالإقرار من الفاعل مرتين، أو بشهادة عدلين،
~~لا أكثر من ذلك.
# ومتى تكرر الفعل من واطئ البهيمة والميتة، وكان قد أدب وحد، وجب عليه
~~القتل في ms1467 الثالثة.
# وقال شيخنا في نهايته (4): في الرابعة.
# PageV03P470
# ومن استمنى بيده حتى أنزل، كان عليه التعزير والتأديب بما دون الحد
~~الكامل.
# وقد روي أن أمير المؤمنين عليه السلام ضرب يد من فعل ذلك، حتى احمرت،
~~وزوجه من بيت المال، واستتابه من ذلك الفعال.
# ويثبت الفعل بذلك بإقرار الفاعل مرتين، أو شهادة عدلين مرضيين.
# باب الحد في القيادة الجامع بين النساء والرجال، أو الرجال والغلمان
~~للفجور إذا شهد عليه عدلان، أو أقر على نفسه وهو عاقل مرتين، فإنه يجب عليه
~~ثلاثة أرباع حد الزاني الحر، وهو خمس وسبعون جلدة، ويحلق رأسه، ويشهر في
~~البلد، وينفى عنه إلى غيره من الأمصار من غير تحديد لمدة نفيه، سواء كان
~~حرا أو عبدا لأن الأخبار عامة مطلقة، خالية من تخصيص، فهي عامة في هذا
~~الحكم، ويجب العمل بالعموم حتى يقوم دليل الخصوص، فليلحظ ذلك.
# وشيخنا المفيد يفعل به ما قلناه في الدفعة الأولى إلا النفي، فإنه لا
~~ينفيه إلا إذا عاد دفعة ثانية، بل في الدفعة الأولى لا ينفيه، بل يحلق رأسه
~~ويشهره في البلد، ويضربه العدد الذي ذكرناه، ولا ينفيه إلا في الثانية (1).
# والأول اختيار شيخنا أبي جعفر (2) في نهايته.
# والمرأة إذا فعلت ذلك، فعل بها ما يفعل بالرجل من الجلد فحسب، ولا تحلق
~~ولا تشهر ولا تنفى بحال.
# ومن رمى غيره بالقيادة، فقال له يا قواد، كان عليه التعزير بما دون الحد،
~~لئلا يعود إلى أذى المسلمين، فإن قال له يا قايد، لم يكن عليه تعزير لأن
~~لفظ القائد، ما أفاد لفظ قواد، لأن بالعرف صار قبيحا، دون لفظ قائد.
# PageV03P471
# باب الحد في شرب الخمر والمسكر من الشراب والفقاع وغير ذلك من الأشربة
~~والمآكل المحظورة وما يتعلق بذلك من الأحكام الخمر محرمة بالكتاب والسنة
~~والإجماع، قال الله تعالى " يسئلونك عن الخمر و الميسر قل فيهما إثم كبير
~~ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما " (1) فأخبر تعالى أن في الخمر إثما
~~كبيرا، وأخبر أن فيهما منافع للناس، ثم قال وإثمهما أكبر من نفعهما، فثبت
~~إنهما ms1468 محرمان.
# وقال تعالى " قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم " (2)
~~والإثم في الآية، المراد به الخمر بلا خلاف.
# قال الشاعر:
# شربت الإثم حتى ضل عقلي * كذاك الإثم يذهب بالعقول وقال تعالى " يا أيها
~~الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان "
~~(3) إلى آخر الآيتين.
# وفيهما أدلة.
# أولها أن الله تعالى افتتح الأشياء المحرمات، فذكر الخمر والميسر، وهو
~~القمار، والأنصاب، وهي الأصنام، والأزلام، وهي القداح، فلما ذكرها مع
~~المحرمات، وافتتح المحرمات بها، ثبت إنها آكد المحرمات.
# ثم قال رجس من عمل الشيطان، فسماها رجسا، والرجس الخبيث، والرجس النجس،
~~والرجس الحرام، ثبت أن الكل حرام.
# ثم قال من عمل الشيطان، وعمل الشيطان حرام.
# ثم قال فاجتنبوه، فأمر باجتنابه، والأمر عندنا يقتضي الوجوب.
# ثم قال لعلكم تفلحون، يعني باجتنابها، وضد الفلاح الفساد.
# PageV03P472
# ثم قال " إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر
~~والميسر " (1) وما يوقع العداوة حرام.
# ثم قال " ويصدكم عن ذكر الله، وعن الصلاة " (2) وما يصد عنهما أو أحدهما
~~حرام ثم قال " فهل أنتم منتهون "، وهذا نهي ومنع منها، لأنه يقال أبلغ كلمة
~~في النهي أن تقول أنت (3) منته، لأنه تضمن معنى التهديد إن لم تنته عنه،
~~ففي الآية عشرة أدلة، على ما ترى (4).
# وروي عن النبي عليه السلام أنه قال كل شراب، أسكر، فهو حرام (5).
# وروي عنه عليه السلام أنه قال الخمر شر الخبائث، من شربها لم يقبل الله
~~له صلاة أربعين يوما، فإن مات وهي في بطنه، مات ميتة جاهلية (6).
# وروي عنه عليه السلام أنه قال لعن الله الخمر، وعاصرها، ومعتصرها،
~~وبايعها، ومشتريها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها
~~(7).
# فإذا ثبت تحريمها، فمن شربها، عليه (8) الحد، قليلا (9) شرب أو كثيرا بلا
~~خلاف، فإذا ثبت هذا فإن شرب، ثم شرب فتكرر ذلك منه، وكثر قبل أن يقام عليه
~~الحد، حد للكل حدا واحدا، لأن حدود الله إذا توالت تداخلت.
# فإن شرب فحد، ثم شرب فحد، ثم شرب فحد (10)، قتل في الثالثة ms1469 على الأظهر من
~~أقوال أصحابنا.
# وهو الذي يقتضيه أصول المذهب، وهذا اختيار شيخنا أبي جعفر في نهايته
~~(11).
# PageV03P473
# واختياره في مسائل خلافه (1) ومبسوطه (2) أنه يقتل في الرابعة.
# فأما عند مخالفي أهل البيت عليهم السلام فإنه لا يقتل بل يضرب أبدا.
# فأما بيان الأشربة المسكرة وأنواعها، فالخمر مجمع على تحريمها، وهو عصير
~~العنب النبي (3) الذي اشتد وأسكر، وفي المخالفين من قال إذا أسكر واشتد
~~وأزبد، فاعتبر أن يزبد.
# والأول مذهبنا، فهذا حرام نجس، يحد شاربها (4) سكر أو لم يسكر، بلا خلاف
~~بين المسلمين.
# وأما ما عداها من الأشربة، وهو ما عمل من العنب، فمسه طبخ، أو من غير
~~العنب، مسه طبخ أو لم يمسه. وكل شراب أسكر كثيره فقليله حرام، وكل هذا عند
~~أهل البيت عليهم السلام خمر حرام نجس يحد شاربه، سكر أو لم يسكر، كالخمر
~~سواء، وسواء عمل من تمر، أو زبيب، أو عسل، أو حنطة، أو شعير، أو ذرة، فالكل
~~واحد نقيعه ومطبوخة، هذا عندنا وعند جماعة من المخالفين وفيه خلاف.
# فإذا ثبت أن كل مسكر حرام، فإنها غير معللة عندنا، بل محرمة بالنص، لأن
~~التعليل للقياس عليه، وذلك عندنا باطل، ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله
~~عن الخليطين (5) والخليطان نبيذ يعمل من لونين، تمر وزبيب، أو تمر وبسر،
~~ونحو هذا، فكل ما يعمل من شيئين يسمى خليطين، والنهي عن ذلك نهي كراهة إذا
~~كان حلوا قبل أن يشتد.
# وأما النبيذ في الأوعية في أي وعاء كان، إذا كان زمانا لا تظهر الشدة
~~فيه،
# PageV03P474
# وقد ذكرنا ما يحتاج إليه في كتاب الأشربة (1)، فلا وجه لإعادته.
# وحد شارب الخمر عندنا ثمانون جلدة.
# وحد المفتري سواء كان مسلما أو كافرا حرا كان أو عبدا رجلا كان أو امرأة
~~لا يختلف الحكم فيه، إلا أن المسلم يقام عليه ذلك على كل شربه عليها،
~~والكافر لا يحد إلا بأن يظهر شرب ذلك بين المسلمين، أو يخرج بينهم سكران،
~~فإن استسر بذلك فشربه في بيته، أو كنيسته، أو بيعته، لم يجز أن يحد. ms1470
# والحد يقام على شارب الخمر، وكل مسكر من الشراب، قليلا كان ما شرب منه،
~~أو كثيرا، لأن القليل منه يوجب الحد، كما يوجبه الكثير، لا يختلف الحكم في
~~ذلك على ما قدمناه.
# ويثبت الحكم فيما ذكرناه بشهادة شاهدين عدلين، أو بالإقرار بذلك مرتين.
# فإن شهد أحد الشاهدين بالشرب، وشهد الآخر بالقئ، قبلت شهادتهما، ووجب بها
~~الحد، على ما رواه (2) أصحابنا، وأجمعوا عليه.
# وكذلك إن شهدا جميعا بأنه قاء خمرا اللهم إلا أن يدعي من قائها أنه شربها
~~مكرها عليها غير مختار لذلك، فيدرأ الحد عنه، لمكان الشبهة.
# فإن قيل كيف يعمل برواية أصحابنا وإجماعهم الذي ذكرتموه.
# قلنا يمكن أن يعمل بذلك، وهو أنه لا يدعي الذي قائها أنه شربها مكرها،
~~وإنما خصصنا ما بيناه، لئلا يتناقض الأدلة، فإنه قال عليه السلام وروته
~~الأمة، وأجمعت عليه، بغير خلاف إدرأوا الحدود بالشبهات (3).
# فإن ادعى أنه أكره على شرب ما قائه، يمكن صدقه، فصار شبهة، فأما إذا لم
~~يدع ذلك، فقد شهد عليه بالشرب، لأنه إذا قائها، فما قائها إلا بعد أن
~~شربها، ولم يدع شبهة في شربها، وهو الإكراه، فيجب عليه إقامة الحد فصح
~~العمل برواية أصحابنا، وبالرواية الأخرى المجمع عليها، إذ لا تناقض بينهما
~~على ما حررناه،
# PageV03P475
# فليلحظ.
# ولا تقبل شهادة على شهادة في شئ من الحدود.
# ولا يجوز أيضا أن يكفل من وجب عليه الحد، ينبغي أن يقام عليه الحد على
~~البدار.
# ولا تجوز الشفاعة في إسقاط حد من الحدود، لا عند الإمام، ولا عند غيره من
~~الحكام النواب عنه.
# ويثبت أيضا بإقرار الشارب على نفسه مرتين، ويجب به الحد، كما يجب بالبينة
~~سواء، على ما قدمناه.
# ومن شرب الخمر مستحلا لها، حل دمه، ووجب على الإمام أن يستتيبه، فإن تاب،
~~قام عليه الحد للشرب (1) إن كان شربه، ولن لم يتب قتله، هكذا أورده شيخنا
~~في نهايته (2).
# والأولى والأظهر: أنه يكون مرتدا، ويحكم فيه بحكم المرتدين، لأنه قد
~~استحل ما حرمه الله تعالى، ونص عليه في محكم كتابه.
# وليس المستحل ms1471 لما عدا الخمر من المسكرات يحل دمه، وللإمام أن يعزره،
~~والحد في شربه لا يختلف على ما بيناه، لأن الخمر مجمع على تحريمه، منصوص في
~~كتاب الله تعالى، وليس كذلك باقي المسكرات، لأن لها شبها وتأويلات.
# وشارب الخمر وساير الأشربة المسكرة يضرب عريانا على ظهره وكتفيه، ولا
~~يضرب على وجهه وفرجه على حال.
# ولا يجوز أكل طعام فيه شئ من الخمر، ولا شئ من المسكر، ولا الاصطباغ بشئ
~~فيه من ذلك، قليل ولا كثير (3)، ولا استعمال دواء فيه شئ منه.
# فمن أكل شيئا مما ذكرناه، أو شرب، كان عليه ثمانون جلدة، فإن أكل ذلك أو
~~شرب، وهو لا يعلم أن فيه خمرا لم يكن عليه شئ.
# ولا ينبغي للمسلم أن يجالس شراب (4) شئ من المسكرات، ولا أن يجلس على
# PageV03P476
# مائدة يشرب عليها شئ من ذلك، خمرا كان أو غيره، وكذلك الحكم في الفقاع
~~فمتى فعل ذلك، كان عليه التأديب، حسب ما يراه الإمام.
# ولا يقام الحد على السكران في حال سكره، بل يمهل حتى يفيق، ثم يقام عليه
~~الحد.
# وشارب الخمر إذا أقيم عليه الحد مرتين، ثم عاد ثالثة، وجب عليه القتل
~~فيها.
# وهذا اختيار شيخنا أبي جعفر في نهايته (1).
# وذهب في مسائل خلافه: إلى أنه لا يقتل إلا في الرابعة، أو الخامسة (2).
# والأول هو الذي يقتضيه أصول المذهب، لقولهم عليهم السلام أصحاب الكبائر
~~يقتلون في الثالثة.
# ومن باع الخمر أو الشراب المسكر، أو اشتراه، كان عليه التأديب، فإن فعل
~~ذلك مستحلا له، استتيب، فإن تاب وإلا وجب عليه ما يجب على المرتدين.
# وحكم الفقاع في شربه، ووجوب الحد على من شربه، وتأديب من اتجر فيه،
~~وتعزير من استعمله، حكم الخمر على السواء، بما ثبت (3) عن أهل البيت (4)
~~عليهم السلام وإجماعهم عليه.
# ومن استحل الميتة، أو الدم، أو لحم الخنزير، ممن هو مولود على فطرة
~~الإسلام، فقد ارتد بذلك عن الدين، ووجب عليه القتل بالإجماع.
# وكذا ينبغي أن يكون حكم من استحل شرب الخمر من غير استتابة للمولود (5)
~~على فطرة ms1472 الإسلام.
# وما قلناه من استتابته، فمحمول على غير المولود على فطرة الإسلام، بل على
~~من كان كافرا ثم أسلم ثم استحل ذلك، فهذا يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه،
# PageV03P477
# لأن المرتد عندنا على ضربين على ما يأتي بيانه فيما بعد إن شاء الله
~~تعالى.
# ومن تناول شيئا من ذلك محرما له، كان عليه في الخمر والمسكر الحد ثمانون
~~جلدة، فإن كان ذلك ميتة، أو لحم خنزير، أو دما، كان عليه التعزير، فإن عاد
~~بعد ذلك (1) عزر وغلظ عقابه، فإن تكرر منه ذلك دفعات وأقلها ثلاث، قتل
~~ليكون (2) عبرة لغيره.
# ومن أكل الربا بعد الحجة عليه في تحريمه عوقب على ذلك حتى يتوب، فإن
~~استحل ذلك وكان مولودا على فطرة الإسلام، وجب قتله من غير استتابة، فإن كان
~~قد تقدمه كفر استتيب، فإن تاب، وإلا وجب قتله.
# والتجارة في السموم القاتلة محظورة، ووجب على من اتجر في شئ منها العقاب
~~والتعزير، فإن استمر على ذلك ولم ينته، وجب عليه القتل.
# ويعزر آكل الجرئ، والزمار، والمارماهي، ومسوخ السمك كلها، والطحال، ومسوخ
~~البر، وسباع الطير، وغير ذلك مما يؤكل لحمه من المحرمات، فإن عاد أدب
~~ثانية، فإن استحل شيئا من ذلك، وجب عليه القتل.
# ومن تاب من شرب الخمر أو غيره من المسكرات التي توجب الحد، وكذلك الفقاع،
~~لأن حكمه عند أهل البيت عليهم السلام، حكم الخمر سواء، على ما ذكرناه، أو
~~تاب مما يوجب التأديب قبل قيام البينة عليه، سقط عنه الحد، فإن تاب بعد
~~قيام البينة عليه، لم تسقط التوبة الحد، وأقيم عليه على كل حال.
# فإن كان أقر على نفسه وتاب بعد الإقرار، قبل أن يرفع إلى الإمام أو
~~الحاكم، درأت التوبة أيضا عنه الحد، فإن كان قد أقر عند الحاكم أو الإمام،
~~ثم تاب بعد إقراره عندهما، فإنه يقام الحد عليه، ولا يجوز إسقاطه، لأن هذا
~~الحد لا يوجب القتل بل الجلد، وقد ثبت، فمن أسقطه يحتاج إلى دليل، وحمله
~~على الإقرار بما يوجب القتل في الرجم قياس لا ms1473 نقول به، لأنه عندنا باطل.
# وقال شيخنا في نهايته: فإن كان أقر على نفسه وتاب بعد الإقرار، جاز
~~للإمام
# PageV03P478
# العفو عنه، ويجوز له إقامة الحد عليه (1).
# إلا أنه رجع عن ذلك في مسائل خلافه (2) ومبسوطه (3)، وقال كل حد لا يوجب
~~القتل وأقر به من جناه، فلا يجوز للإمام العفو عنه، ووجب عليه إقامته.
# وهذا هو الظاهر من أقوال أصحابنا، بل ما أظن أحدا خالف فيه، لأن شيخنا
~~رجع عما ذكره في نهايته.
# ومن شرب الخمر والمسكر في شهر رمضان، أو في موضع شريف، مثل حرم الله، أو
~~حرم رسوله أو المشاهد والمساجد، أقيم عليه الحد في الشرب، وأدب بعد ذلك
~~لانتهاكه حرمة الله تعالى، وحرمة أوليائه، وكذلك من فعل شيئا من ذلك في
~~الأوقات الشريفة.
# إذا عزر الإمام أو الحاكم من قبله إنسانا فمات من التعزير، فلا دية له لا
~~في (4) بيت المال، ولا على الحاكم، ولا على عاقلته بحال، لقوله تعالى " وما
~~على المحسنين من سبيل " (5) وهذا محسن بتعزيره، ولا كفارة أيضا عليه ولقول
~~أمير المؤمنين عليه السلام من أقمنا عليه حدا من حدود الله، فمات، فلا ضمان
~~(6)، وهذا حد، وإن كان غير معين.
# وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، الذي يقتضيه مذهبنا، أنه يجب الدية في
~~بيت المال (7).
# ولا دليل على ما قاله من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، والأصل براءة الذمة،
~~وإنما ورد أن الدية في بيت المال فيما أخطأت فيه الحكام، وهذا ما أخطأ فيه
~~بحال.
# إذا أقام الحاكم على شارب الخمر الحد بشاهدين، فمات فبان أنهما فاسقان،
~~فالضمان على الحاكم، لأن عليه البحث عن حال الشهود، فإذا لم يفعل فقد فرط،
~~فعليه الضمان، وأين يضمن عندنا من بيت المال، لأن هذا من خطأ الحكام.
# PageV03P479
# وقال قوم من المخالفين على عاقلته.
# إذا ذكرت عند الحاكم امرأة بسوء، فأرسل إليها فأجهضت، أي أسقطت ما في
~~بطنها فزعا منه، فخرج الجنين ميتا، فعلى الحاكم الضمان، لما روي (1) من قصة
~~المجهضة، وأين يكون على ما مضى، وقلنا إن ما ms1474 أخطأت فيه الحكام فعلى بيت
~~المال هكذا أورده شيخنا أبو جعفر في مبسوطه (2).
# والذي يقتضيه أصول مذهبنا أن دية الجنين على عاقلة الإمام والحاكم، لأن
~~هذا بعينه قتل الخطأ المحض، وهو أن يكون، غير عامد في قصده (3)، فكذلك هذا،
~~لأنه لم يقصد الجنين بفعل، ولا قصد قتله، وإنما قصد شيئا آخر، وهي أمه،
~~فإذا تقرر ذلك فالدية على عاقلته، والكفارة في ماله.
# والمسألة منصوصة لنا، قد وردت في أخبارنا، وفتوى أمير المؤمنين عليه
~~السلام لعمر بن الخطاب، في قصة المجهضة، معلومة شايعة عندنا وعند
~~المخالفين، قد أوردها شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان الحارثي رضي
~~الله عنه في كتابه الإرشاد، في قضايا أمير المؤمنين عليه السلام في إمرة
~~عمر الخطاب، بحضور جماعة من الصحابة، فسألهم عمر عن ذلك، فأخطأوا وأمير
~~المؤمنين جالس فقال له عمر، ما عندك في هذا يا أبا الحسن، فتنصل من الجواب،
~~فعزم عليه، فقال له إن كان القوم قد قاربوك، فقد غشوك، وإن كانوا ارتاؤا،
~~فقد قصروا، الدية، على عاقلتك، لأن قتل الصبي خطأ، تعلق بك فقال أنت والله
~~نصحتني من بينهم، والله لا تبرح حتى تجري الدية علي بني عدي، ففعل ذلك أمير
~~المؤمنين عليه السلام (4) وإنما نظر (5) شيخنا ما ذكره المخالفون، فقد
~~اختلفوا في ذلك اختلافا كثيرا.
# قال شيخنا أبو جعفر في كتاب الأشربة من الجزء السادس من مبسوطه، الختان
# PageV03P480
# فرض عند جماعة في حق الرجال والنساء، وقال قوم هو سنة يأثم بتركها، وقال
~~بعضهم واجب وليس بفرض، وعندنا أنه واجب في الرجال، ومكرمة في النساء، فإذا
~~ثبت أنه واجب، فالكلام في قدر الواجب منه، فالواجب في الرجال أن تقطع
~~الجلدة التي تستر الحشفة، حتى تنكشف الحشفة، فلا يبقى منها ما كان مستورا،
~~ويقال لمن لم يختن الأقلف والأغلف والأغرل والأرغل والأعرم، ويقال عذر
~~الرجل فهو معذور وأعذر فهو معذر، وأما المرأة فيقال خفضت فهي مخفوضة
~~والخافضة الخاتنة، والخفض الختان، فإذا ثبت هذا فيجب على الإنسان أن يفعله
~~بنفسه قبل (1) بلوغه إن لم ms1475 يكن قد ختن، فإن لم يفعل أمره السلطان به فإن
~~فعل، وإلا أجبره على فعله، وفعله السلطان، فإن فعل ذلك به فمات، فلا دية
~~له، سواء كان الزمان معتدلا أو غير معتدل. وكذلك إن قطع في السرقة في شدة
~~حر أو برد، وكذلك في حد الزنا، لأنه مات من قطع واجب، هذا آخر كلام شيخنا
~~في مبسوطه (2).
# وكان مقصوده في إيراده في باب الأشربة، أنه إذا مات من الحد وفعل الواجب
~~به، لا دية له بحال، والأغرل والأرغل بالغين المعجمة فيها جميعا، والراء
~~غير المعجمة فيهما أيضا جميعا، وهو الأقلف الذي لم يختن، وهي القلفة
~~والغرلة، وعذر الإنسان وأعذر بالعين غير المعجمة، والذال المعجمة المكسورة،
~~والراء غير المعجمة، بالثلاثي والرباعي، كل ذلك إذا ختن، ومنه العذار، وهي
~~دعوة الختان، الدعوة بالفتح إلى الطعام، وبكسر الدال في النسب.
# وقال ابن بابويه في رسالته، ولا بأس أن يصلي في ثوب فيه خمر (3).
# قال محمد بن إدريس، هذا غير صحيح (4)، والصلاة غير جايزة فيه حتى يغسل
~~الخمر منه.
# وقال أيضا ابن بابويه، فإن خاط خياط ثوبك وبل الخيط بريقه وهو شارب
~~الخمر،
# PageV03P481
# فإن كان يشربها غبا، فلا بأس به، وإن كان مدمنا بشربها (1) كل يوم، فإن
~~للفم وضرا، بالواو المفتوحة، الضاد المعجمة المفتوحة، والراء غير المعجمة
~~وهو الدرن والدسم قال الشاعر:
# سيغني أبا الهندي عن وطب سالم * أباريق لم يعلق بها وضر الزبد فأما
~~الأعرم فإنه بالعين والراء غير المعجمتين.
# جميع حدود الجلد بالسوط، حد الزنا، وحد القذف، وحد شارب الخمر.
# ولا يقام الحدود في المساجد.
# باب الحد في السرقة وما يتعلق بذلك ويلحق به من الأحكام قال الله تعالى "
~~والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " (2) وروي عن ابن مسعود، أنه كان يقرأ -
~~فاقطعوا أيمانهما -.
# والقدر الذي يقطع به السارق عندنا ربع دينار، أو ما قيمته ربع دينار، من
~~أي جنس كان، وجملته متى ما سرق ما قيمته ربع دينار، فعليه القطع سواء سرق
~~ما هو محرز بنفسه، كالثياب والأثمان والحبوب اليابسة ونحوها، أو غير ms1476 محرز
~~بنفسه، وهو ما إذا ترك فسد، كالفواكه الرطبة بعد أخذها من الشجر، وإحرازها
~~كلها من الثمار، والخضراوات كالقثاء والبطيخ، أو كان من الطبيخ كالهريسة
~~وساير الطبايخ، أو كان لحما طريا أو مشويا الباب واحد، هذا عندنا وعند
~~جماعة.
# وقال قوم من المخالفين، إنما يجب القطع فيما كان محرزا بنفسه فأما ما لم
~~يكن محرزا بنفسه وهي الأشياء الرطبة والطبيخ، فلا قطع عليه بحال.
# وكل جنس يتمول في العادة، فيه القطع، سواء كان أصله الإباحة أو غير
~~الإباحة، فما لم يكن على الإباحة، كالثياب والأثاث، وما أصله الإباحة من
~~ذلك، الصيود على اختلافها، وكذلك الخشب كله الحطب وغيره، وكذلك الطين وجميع
~~ما يعمل منه (3)، وكذلك كل ما يستخرج من المعادن، ووافقنا على هذا القول
# PageV03P482
# الشافعي، وقال أبو حنيفة، ما لم يكن أصله الإباحة مثل قولنا، وما كان
~~أصله الإباحة في دار الإسلام فلا قطع فيه، وقال لا قطع في الصيود كلها،
~~والجوارح والخشب جميعه لا قطع فيه، إلا ما يعمل منه آنية، كالجفان والقصاع،
~~والأبواب، فيكون في معموله القطع إلا الساج، فإن فيه القطع معموله أو غير
~~معموله، لأنه ليس من دار الإسلام.
# فإذا ثبت ما قلناه، فلا قطع إلا على من سرق ربع دينار، أو ما قيمته ربع
~~دينار، ويكون عاقلا، كاملا، ولا يكون والدا من ولده، ولا عبدا من سيده، ولا
~~ضيفا من مضيفه، وأن يسرقه من حرز (1) على جهة الاستخفاء، لأن حقيقة السرقة
~~أخذ الشئ على جهة الاستخفاء، والحرز هو ما يكون مقفلا عليه أو مغلقا، أو
~~مدفونا، أو مراعى بعين صاحبه، أو من يجري مجرى صاحبه، على ما يذهب إليه
~~شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه (2)، ومبسوطه (3).
# والذي يقتضيه أصول مذهبنا، أن الحرز ما كان مقفلا، أو مغلقا أو مدفونا،
~~دون ما عدا ذلك، لأن الإجماع حاصل على ما قلناه، ومن أثبت ما عداه حرزا
~~يحتاج إلى دليل، من كتاب، أو إجماع، أو سنة مقطوع بها.
# وكل موضع، كان حرزا لشئ من الأشياء، فهو حرز لجميع ms1477 الأشياء.
# فإن سرق الإنسان من غير حرز لم يجب عليه القطع، وإن زاد على المقدار
~~المقدم ذكره، بل يجب عليه (4) التعزير.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: الحرز هو كل موضع لم يكن لغير المتصرف
~~فيه الدخول إليه إلا بإذنه، أو يكون مقفلا عليه، أو مدفونا، فأما المواضع
~~التي يطرقها الناس كلهم وليس يختص بواحد دون غيره، فليست حرزا، وذلك مثل
~~الخانات والحمامات والمساجد والأرحية، وما أشبه ذلك من المواضع، فإن كان
~~الشئ في
# PageV03P483
# أحد هذه المواضع مدفونا، أو مقفلا عليه، فسرقه إنسان، كان عليه القطع،
~~لأنه بالقفل وبالدفن، قد أحرزه إلى هاهنا كلامه رضي الله عنه (1).
# أما حده للحرز بما حده، فغير واضح لأنه قال - والحرز هو كل موضع لم يكن
~~لغير المتصرف فيه الدخول إليه إلا بإذنه -، وهذا على إطلاقه غير مستقيم لأن
~~دار الإنسان إذا لم يكن عليها باب، أو يكون عليها باب ولم تكن مغلقة ولا
~~مقفلة، ودخلها إنسان وسرق منها شيئا، لا قطع عليه بلا خلاف، ولا خلاف أنه
~~ليس لأحد الدخول إليها إلا بإذن مالكها، فلو كان الحد الذي قاله مستقيما
~~لقطعنا من سرق (2) في هذه الدار، لأنه ليس لأحد دخولها إلا بإذن صاحبها فهي
~~حرز على حده رضي الله عنه.
# فأما باقي ما أورده فصحيح، لا استدراك عليه فيه.
# وقوله والأرحية جمع رحى، لأن بعض الناس يصحفها الأرحبة جمع رحبة (3) وهو
~~خطأ محض.
# وإذا نقب الإنسان نقبا، ولم يخرج متاعا ولا مالا، وإن جمعه وكوره وحمله،
~~لم يجب عليه قطع، إلا أن يخرجه، بل وجب تعزيره، وإنما يجب القطع إذا أخرجه
~~من الحرز.
# فإذا أخرج المال من الحرز وجب عليه القطع، إلا أن يكون شريكا في المال
~~الذي سرقه، أو له حظ في المال الذي سرقه، بمقدار ما أن طرح من المال
~~المسروق، كان الباقي أقل من النصاب الذي يجب فيه القطع، فإن كان الباقي قد
~~بلغ المقدار الذي يجب فيه القطع، كان عليه القطع على كل حال، إلا أن يدعي
~~الشبهة في ms1478 ذلك، وأنه حسب بمقدار حصته، فيسقط حينئذ أيضا القطع، لحصول
~~الشبهة هاهنا لأنه قال عليه السلام ادرؤا الحدود بالشبهات (4) وهذه شبهة.
# وكذلك لو تنازع إنسان وغيره، وقد خرج بالمتاع من داره، فقال له سرقت هذا
# PageV03P484
# مني، فقال له بل أنت أعطيتني إياه، لما وجب عليه القطع، للشبهة في ذلك
~~فإن شهد عليه شاهدان بأنه فتح بابه، وأخرج المتاع من منزله، لأنه صار حدا
~~متنازعا فيه، وكل حد متنازع فيه يسقط، للشبهة في ذلك.
# ومن سرق من مال الغنيمة قبل أن يقسم (1) مقدار ما يصيبه منها، لم يكن
~~عليه قطع وكان عليه التأديب، لإقدامه على ما أخذه قبل قسمته.
# فإن سرق ما يزيد على نصيبه بمقدار ما يجب فيه القطع، وزايدا عليه، فقد
~~ذهب بعض أصحابنا إلى وجوب القطع عليه، أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته
~~(2).
# والذي يقتضيه أصول مذهبنا، أنه لا قطع عليه بحال إذا ادعى الاشتباه في
~~ذلك، وأنه ظن أن نصيبه يبلغ ما أخذه، لأن الشبهة بلا خلاف حاصلة فيما قال
~~وادعى، ولأن الأصل أن لا قطع، فمن ادعاه فقد ادعى حكما شرعيا يحتاج في
~~إثباته إلى دليل شرعي، ولا دلالة ولا إجماع على هذا الموضع.
# وأيضا قول الرسول عليه السلام المجمع عليه ادرؤا الحدود بالشبهات وهذه
~~شبهة بلا خلاف، وقد قلنا إنه إذا أخرج المال من الحرز، فأخذ، وادعى أن صاحب
~~المال أعطاه إياه، درئ عنه القطع، وكان على من ادعى عليه السرقة البينة
~~بأنه سارق.
# ومتى سرق من ليس بكامل العقل، بأن يكون مجنونا أو صبيا لم يبلغ، وإن ثقب
~~وفتح وكسر القفل، لم يكن عليه القطع.
# وقد روي أنه إن كان صبيا عفي عنه أول مرة، فإن عاد أدب، فإن عاد ثالثة
~~حكت أصابعه، حتى تدمى، فإن عاد رابعة قطعت أنامله، فإن عاد بعد ذلك، قطع
~~أسفل من ذلك، كما يقطع الرجل سواء (3).
# ويثبت وجوب القطع بقيام البينة على السارق، وهي شهادة نفسين عدلين،
~~يشهدان عليه بالسرقة، فإن لم يقم بينة، وأقر السارق على ms1479 نفسه مرتين
~~بالسرقة، كان عليه أيضا القطع، اللهم إلا أن يكون عبدا، فإنه لا يقبل
~~إقراره على نفسه بالسرقة،
# PageV03P485
# ولا بالقتل، لأن إقراره على نفسه إقرار على مال لغير ليتلفه، والإنسان لا
~~يقبل إقراره في مال غيره، فإن قامت على البينة بالسرقة، قطع كما يقطع الحر
~~سواء.
# فأما حكم الذمي فحكم المسلم سواء إذا كان حرا في وجوب القطع عليه، إذا
~~ثبت أنه سارق، أما بالبينة أو إقراره.
# وحكم المرأة في جميع ذلك حكم الرجل سواء، في وجوب القطع عليها، إذا سرقت.
# فأما إذا شهد شاهد واحد بالسرقة، فلا يجب القطع، بل يجب رد المال إذا حلف
~~الخصم مع شاهده، لأن بالشاهد الواحد ويمين المدعي يثبت المال عندنا، أو
~~المقصود منه المال.
# وهكذا الحكم إذا أقر مرة واحدة.
# ويقطع الرجل إذا سرق من مال والديه، ولا يقطع إذا سرق من مال ولده.
# فأما إذا سرقت الأم من مال ولدها، قطعت على كل حال، لأن الوالد له شبهة
~~في ذلك، وهي لا شبهة لها بحال، فهذا الفرق بينهما ممكن مع ورود الشرع به،
~~والإجماع منعقد عليه.
# ويقطع الرجل إذا سرق من مال امرأته، إذا كانت قد أحرزته دونه، وكذلك تقطع
~~المرأة إذا سرقت من مال زوجها، إذا كان قد أحرزه دونها.
# ولا يقطع العبد إذا سرق من مال مولاه على ما قدمناه.
# وإذا سرق عبد الغنيمة من المغنم، فلا قطع عليه أيضا.
# وروي أن الأجير إذا سرق من مال المستأجر، لم يكن عليه قطع، وكذلك الضيف
~~إذا سرق من مال مضيفه، لا يجب عليه قطع، على ما رواه (1) أصحابنا.
# يقال ضفت فلانا إذا ملت إليه ونزلت به، وأضفته فأنا أضيفه، إذا أملته
~~إليك، وأنزلته عليك.
# ويمكن حمل الرواية في الضيف والأجير على أنهما لا قطع عليهما إذا لم
~~يحرزه
# PageV03P486
# صاحبه من دونهما، وأدخلهما حرزه، وفتح لهما بابه، ثم سرقا، فلا قطع
~~عليهما، لأنهما دخلا بإذنه وسرقا من غير حرز، فأما ما قد أحرزه دونهما،
~~فنقباه وسرقاه، أو فتحاه وسرقاه، أو كسراه ms1480 وسرقاه، فعليهما القطع، لدخولهما
~~تحت عموم قوله تعالى " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " (1) وهما إذ ذاك
~~سارقان لغة وشرعا فأعطينا ظاهر الرواية حقها، فمن أسقط الحد عنهما فيما
~~صورناه، فقد أسقط حدا من حدود الله تعالى بغير دليل من كتاب، ولا سنة مقطوع
~~بها، ولا إجماع، فأما الإجماع على ظاهر الرواية، فقد وفينا الظاهر حقه.
# فإن قيل فأي فرق على تحريركم وقولكم بين الضيف وغيره.
# قلنا غير الضيف لو سرق من الموضع الذي إذا سرقه الضيف الذي لم توجب على
~~الضيف بسرقته القطع، قطعناه، لأنه غير مأذون له في دخول الحرز الذي دخله،
~~والضيف مأذون له في دخوله إليه فلا قطع عليه، فافترق الأمران.
# وشيخنا أبو جعفر في نهايته (2)، قال لا قطع على الضيف، وأطلق الكلام، ولم
~~يقيده وقال في مسائل خلافه مسألة: إذا سرق الضيف من بيت مقفل أو مغلق، وجب
~~قطعه، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة، لا قطع عليه، دليلنا الآية والخبر،
~~ولم يفصلا، هذا آخر المسألة (3).
# وقال في مبسوطه: فإن نزل برجل ضيف، فسرق الضيف شيئا من مال صاحب المنزل،
~~فإن كان من البيت الذي نزل فيه، فلا قطع، فإن كان من بيت غيره من دون غلق
~~وقفل ونحو ذلك، فعليه القطع، وقال قوم لا قطع على هذا الضيف، وروى (4)
~~أصحابنا أنه لا قطع على الضيف، ولم يفصلوا، وينبغي أن يفصل مثل الأول، فإن
~~أضاف هذا الضيف ضيفا آخر بغير إذن صاحب الدار، فسرق الثاني، كان عليه القطع
~~على كل حال، ولم يذكر هذه أحد من الفقهاء، هذا
# PageV03P487
# آخر كلامه (1) رحمه الله ونعم ما قال وحقق.
# قال محمد بن إدريس والذي ينبغي تحصيله في هذه المسألة ويجب الاعتماد
~~عليه، هو أن الضيف لا قطع عليه، سواء سرق من حرز أو غير حرز، من غير تفصيل،
~~لإجماع أصحابنا المنعقد من غير خلاف بينهم، ولا تفصيل من أحد منهم،
~~وأخبارهم (2) المتواترة العامة، في أن الضيف لا قطع عليه إذا سرق من مال
~~مضيفه، فمن خصصها بأنه إذا سرق من ms1481 غير حرز يحتاج إلى دليل.
# وأيضا فلا معنى إذا أراد ذلك، لإجماعهم ولا لعموم أخبارهم، لأن غير الضيف
~~في ذلك الحكم مثل الضيف سواء، فلا معنى لقولهم عليهم السلام واستثنائهم
~~وتخصيصهم أنه لا قطع على الضيف، لأن غيره ممن ليس بضيف إذا سرق من غير حرز
~~لا قطع عليه.
# ولم يذهب إلى تفصيل ذلك سوى شيخنا أبي جعفر في مبسوطه (3)، ومسائل (4)
~~خلافه، وهو موافق لباقي أصحابنا في نهايته (5).
# فأما الضيفن الذي هو ضيف الضيف، إذا سرق من حرز في الدار، فإنه يقطع
~~بخلاف الضيف، على ما رواه (6) أصحابنا، وأجمعوا عليه، فبان الفرق بين
~~الأمرين وظهر، وإلا فلا فرق بينهما على ما حكيناه عن شيخنا أبي جعفر فليلحظ
~~ذلك، ففيه لبس وغموض، والله الموفق للصواب.
# فأما الأجير فإنه يقطع.
# ومن أوجب (7) عليه القطع، فإنه تقطع يده اليمنى من أصول الأصابع الأربع،
~~ويترك له الراحة والإبهام.
# فإن سرق بعد قطع يده من حرز، المقدار الذي قدمنا ذكره، قطعت رجله
# PageV03P488
# اليسرى من مفصل المشط، ما بين قبة القدم وأصل الساق، ويترك بعض القدم
~~الذي هو العقب (1) يعتمد عليها في الصلاة، وهذا إجماع أهل البيت عليهم
~~السلام منعقد عليه.
# فإن اعترض بقوله تعالى " فاقطعوا أيديهما ".
# قلنا الأصابع تسمى يدا، لقوله تعالى " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم
~~" (2) ولا خلاف أن الكاتب ما يكتب إلا بأصابعه، فقد وفينا الظاهر حقه، وما
~~زاد عليه يحتاج إلى دليل، لأنه مبقى (3) على ما في العقل من حظر ذلك، لأنه
~~إدخال ضرر وتألم بالحيوان لا يجوز عقلا ولا سمعا إلا بدليل قاطع للعذر.
# فإن سرق بعد ذلك، خلد السجن.
# فإن سرق في الحبس من حرز القدر الذي ذكرناه، قتل عندنا بلا خلاف.
# ومن وجب عليه قطع اليمين وكانت شلاء، قطعت ولا يقطع يساره.
# وكذلك من وجب عليه قطع رجله اليسرى، وكانت كذلك شلاء، قطعت ولا تقطع رجله
~~اليمنى بحال، لأن على من نقل القطع من عضو إلى عضو الدليل، والأصل براءة
~~الذمة.
# وروي أن من سرق وليس له اليمنى، كانت ms1482 قطعت في قصاص أو غير ذلك وكانت له
~~اليسرى، قطعت اليسرى، فإن لم تكن له أيضا اليسرى، قطعت رجله اليمنى، فإن لم
~~تكن له رجل لم يكن عليه أكثر من الحبس على ما بيناه، أورد ذلك شيخنا أبو
~~جعفر في نهايته (4).
# وقال رحمه الله في المسائل الحلبية، في المسألة الخامسة، المقطوع اليدين
~~والرجلين، إذا سرق ما يوجب القطع، وجب أن نقول الإمام مخير في تأديبه
~~وتعزيره، أي نوع أراد، فعل، لأنه لا دليل على شئ بعينه، وإن قلنا يجب أن
~~يحبس أبدا، لأن القطع لا يمكن هاهنا ولا يمكن غير ما ذكرناه، وتركه مخالفة
~~(5) إسقاط الحدود،
# PageV03P489
# كان قويا، هذا آخر المسألة (1).
# قال محمد بن إدريس، الأقوى عندي أن من ذكر حاله، لا يجوز حبسه أبدا إذا
~~سرق أول دفعة، بل يجب تعزيره، لأن الحبس هو حد من سرق في الثالثة بعد تقدم
~~دفعتين قد أقيم عليه الحد فيهما، فكيف يفعل به ما يفعل في حد الدفعة
~~الثالثة في حد الدفعة الأولى.
# وإذا قطع السارق وجب عليه مع ذلك رد السرقة بعينها، إن كانت العين باقية،
~~وإن كان أهلكها أو استهلكت، وجب عليه أن يغرمها، أما بالمثل إن كان لها
~~مثل، أو بالقيمة إن لم يكن لها مثل، فإن كان قد تصرف فيها بما نقص من
~~ثمنها، وجب عليه أرشها، فإن لم يكن معه شئ، كانت في ذمته يتبع بذلك، إذا
~~أيسر.
# ولا يجب القطع، ولا رد السرقة على من أقر على نفسه تحت ضرب أو خوف، وإنما
~~يجب ذلك إذا قامت البينة، أو أقر مختارا، فإن أقر تحت الضرب بالسرقة، وردها
~~بعينها، وجب أيضا القطع على ما روي (2) وذكره شيخنا أبو جعفر في نهايته
~~(3).
# والذي يقوى عندي، أنه لا يجب عليه القطع، لأنا قد بينا أن من أقر تحت
~~ضرب، لا يعتد بإقراره في وجوب القطع، وإنما بينة القطع شهادة عدلين، أو
~~إقرار السارق مرتين مختارا، وهذا ليس كذلك، والأصل أن لا قطع، وإدخال الألم
~~على الحيوان قبيح، إلا ما ms1483 قام عليه دليل.
# ومن أقر بالسرقة مختارا، ثم رجع عن ذلك، قطع وألزم السرقة، ولم ينفعه
~~رجوعه إذا كان إقراره بذلك مرتين، فإن كان إقراره مرة واحدة، ألزم السرقة،
~~ولا يجب عليه القطع، لأن المال يثبت بإقراره دفعة واحدة، والقطع بإقرار
~~مرتين، فليلحظ ذلك.
# وقال شيخنا في نهايته: ومن أقر بالسرقة مختارا، ثم رجع عن ذلك، ألزم
~~السرقة،
# PageV03P490
# وسقط عنه القطع (1).
# وهذا غير واضح، لأنه لا دليل عليه من كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا
~~إجماع، بل مخالف لكتاب الله تعالى وتعطيل (2) لحدوده، ولا يرجع في مثل ذلك
~~إلى خبر شاذ، إن كان قد ورد.
# ومن تاب من السرقة قبل قيام البينة عليه، ثم قامت عليه البينة، سقط عنه
~~القطع، ووجب عليه رد السرقة، فإن تاب بعد قيام البينة عليه، لم يجز للحاكم
~~العفو عنه بحال فإن كان قد أقر على نفسه مرتين عند الحاكم، ثم تاب بعد
~~الإقرار، وجب عليه القطع، ولم يجز للإمام والحاكم العفو عنه بحال، لأنه
~~تعطيل لحدود الله تعالى، وخلاف لكتابه وأوامره سبحانه.
# وحمل ذلك على الإقرار بالزنا الموجب للرجم قياس، والقياس عندنا باطل، لا
~~نقول به.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: فإن كان قد أقر على نفسه، ثم تاب بعد
~~الإقرار، جاز للإمام العفو عنه، وإقامة الحد عليه، حسب ما يراه، أردع في
~~الحال، فأما رد السرقة فإنه يجب عليه على كل حال (3).
# وكذا قال في مسائل خلافه (4).
# إلا أنه رجع عن ذلك جميعه في مبسوطه، فقال إذا ادعى على رجل أنه سرق منه
~~نصابا من حرز مثله (5)، وذكر النصاب، لم يخل من أحد أمرين، إما أن يعترف أو
~~ينكر، فإن اعترف المدعى عليه بذلك مرتين عندنا، ثبت إقراره، وقطع، وعند قوم
~~لو أقر مرة ثبت وقطع، ومتى رجع عن اعترافه سقط برجوع عندهم، إلا ابن أبي
~~ليلى، فإنه قال لا يسقط برجوعه، وهو الذي يقتضيه، مذهبنا، وحمله على الزنا
~~قياس لا نقول به، هذا آخر كلامه رحمه الله في مبسوطه (6).
# PageV03P491
# وهو الصحيح ms1484 الذي لا يجوز العدول عنه، لأن فيه الحجة، وإنما شيخنا يورد في
~~نهايته أخبار آحاد إيرادا لا اعتقادا على ما كررنا القول في ذلك، واعتذرنا
~~له فيما يورده في نهايته، فإذا حقق النظر تركها وراء ظهره، وأفتى بما
~~تقتضيه الأدلة وأصول المذهب على ما قاله هاهنا، أعني مبسوطه.
# فإن سرق إنسان شيئا من كم غيره، أو جيبه، وكانا باطنين، وجب عليه القطع،
~~على ما رواه (1) أصحابنا، فإن كان ظاهرين، لم يجب عليه القطع، وكان عليه
~~التأديب والعقوبة، بما يردعه عن مواقعة مثله في مستقبل الأوقات.
# ومن سرق حيوانا يجوز تملكه، ويكون قيمته ربع دينار فصاعدا، وجب عليه
~~القطع، كما يجب في ساير الأموال على ما قدمناه.
# إذا سرق نفسان فصاعدا ربع دينار، أو ما قيمته ربع دينار، سواء كان من
~~الأشياء الخفيفة أو الثقيلة، لا يجب عليهم القطع على الأظهر من أقوال
~~أصحابنا، لأنه قد نقص عن مقدار ما يجب فيه القطع في حق كل واحد منهم، فأما
~~إن انفرد كل واحد منهم ببعضه، لم يجب عليهم القطع بلا خلاف عندنا هاهنا،
~~لأنه قد نقص عن مقدار ما يجب فيه القطع، وكان عليهم التعزير.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا سرق نفسان فصاعدا ما قيمته ربع
~~دينار، وجب عليهما القطع (2).
# إلا أنه رجع عن ذلك في مسائل خلافه، فقال مسألة إذا نقب ثلاثة، ودخلوا
~~وأخرجوا بأجمعهم، فبلغ نصيب كل واحد منهم نصابا، قطعناهم بلا خلاف، وإن كان
~~أقل من نصاب، فلا قطع، سواء كانت السرقة ثقيلة أو خفيفة، وبه قال أبو حنيفة
~~وأصحابه والشافعي، وقال مالك: إن كانت السرقة ثقيلة فبلغت قيمة نصاب،
~~قطعناهم كلهم، وإن كانت خفيفة، ففيه روايتان، إحديهما كقولنا، والثانية
~~كقوله في الثقيلة، وروى أصحابنا، أنه إذا بلغت السرقة نصابا، وأخرجوها
# PageV03P492
# بأجمعهم، وجب عليهم القطع، ولم يفصلوا، والأول أحوط، دليلنا إجماع الفرقة
~~وأخبارهم، وأيضا فما اعتبرناه مجمع على وجوب القطع به، وما ذكروه ليس عليه
~~دليل، والأصل براءة الذمة (1).
# وهكذا أيضا قوله في مبسوطه، إلا أنه ms1485 قال بعد أن قال بما قاله في مسائل
~~خلافه، وقال قوم من أصحابنا، إذا اشترك جماعة في سرقة نصاب، قطعوا كلهم
~~(2).
# يريد بذلك السيد المرتضى، فإنه يذهب في انتصاره (3) إلى ما ذهب شيخنا في
~~نهايته.
# والأظهر ما اخترناه، لأن هذا حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي،
~~والإجماع حاصل منعقد على أنه إذا بلغ نصيب كل واحد منهم مقدار ما يجب فيه
~~القطع قطعوا، وليس كذلك إذا نقص، فإن فيه خلافا، والأصل براءة الذمة، وترك
~~إدخال الألم على الحيوان.
# ومن سرق شيئا من الثمار والفواكه، وهي بعد في الشجر، لم تؤخذ من أغصانها
~~وأعذاقها، لم يكن عليه قطع، بل يؤدب تأديبا، ويحل له ما يأكل منها، ولا
~~يحمله معه على حال على ما قدمناه (4) في كتابنا هذا.
# فأما إذا سرق شيئا منها بمقدار ما يجب فيه القطع بعد أخذها من الشجر،
~~ويكون في حرز، وجب عليه القطع كما يجب في ساير الأموال.
# وإذا تاب السارق، فليرد السرقة على صاحبها، فإن كان قد مات فليردها على
~~ورثته، فإن لم يكن له وارث، ولا مولى نعمة، ولا ضامن جريرة، فليردها على
~~إمام المسلمين، لأنها مال من أمواله، وداخلة في ميراث من لا وارث له، فهو
~~له عليه السلام فإذا فعل ذلك فقد برئت ذمته.
# وإذا سرق السارق ولم يقدر عليه، ثم سرق مرة ثانية، فأخذ، وجب عليه القطع
# PageV03P493
# بالسرقة الأخيرة، ويطالب بالسرقتين معا، لأن حدود الله تعالى إذا توالت
~~تداخلت على ما قدمناه (1)، لأنها مبنية على التخفيف.
# وكذلك إذا شهد الشهود على سارق بالسرقة دفعتين، لم يكن عليه أكثر من قطع
~~اليد، فإن شهدوا عليه بالسرقة الأولى، وأمسكوا حتى يقطع، ثم شهدوا عليه
~~بالسرقة الأخيرة، وجب عليه قطع رجله بالسرقة الأخيرة، على ما بيناه، هذا
~~عند بعض أصحابنا برواية رويت (2) أوردها شيخنا أبو جعفر في نهايته (3)،
~~وقواها في مسائل خلافة (4)، وضعفها.
# إلا أنه رجع عن ذلك كله في مبسوطه، فقال إذا تكررت منه السرقة فسرق مرارا
~~من واحد أو من جماعة، ms1486 ولم يقطع، فالقطع مرة واحدة، لأنه حد من حدود الله،
~~فإذا ترادفت تداخلت، كحد الزنا وشرب الخمر، فإذا ثبت أن القطع واحد، فإن
~~اجتمع المسروق منهم وطالبوه بأجمعهم، قطعناه وغرم لهم، وإن سبق واحد منهم
~~فطالب بما سرق منه وكان نصابا غرم وقطع، ثم كل من كان بعده من القوم فطالب
~~بما سرق منه غرمناه، ولم نقطعه، لأنا قد قطعناه بالسرقة، فلا يقطع قبل أن
~~يسرق مرة أخرى، هذا آخر كلامه في المبسوطة (5).
# وهو الذي يقوى في نفسي، وأعمل عليه، لأن الأصل براءة الذمة، ولقوله تعالى
~~" والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " (6) وقد قطعنا وامتثلنا المأمور به،
~~وتكراره يحتاج إلى دليل، ولم يسرق بعد قطعنا له دفعة ثانية حتى نقطعه بسرقة
~~الثانية، فيتكرر المأمور بتكرر سببه، ولا يلتفت في مثل هذا إلى رواية
~~وأخبار آحاد، لا توجب علما ولا عملا.
# وشيخنا قال في مسائل خلافه عندها قال المخالف (7) لا يقطع قال: وهذا قوي،
~~غير أن الرواية ما قلناه (8)، فجعلها رواية لا دراية.
# PageV03P494
# وروى أصحابنا عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام، أنه قال: لا قطع على
~~من سرق شيئا من المأكول في عام مجاعة (1).
# الحقوق على ثلاثة أضرب، حق الله محض، وحق للآدمي محض، وحق الله ويتعلق
~~بحق للآدميين (2).
# فأما حقوق الله المحضة، فكحد الزنا والشرب، فإنه يقيمه الإمام من غير
~~مطالبة آدمي.
# وأما حقوق الآدميين المحضة المختصة بهم، فلا يطالب بها الإمام إلا بعد
~~مطالبتهم إياه باستيفائها.
# فأما الحق الذي لله ويتعلق به حق الآدمي، فلا يطالب به أيضا ولا يستوفيه
~~إلا بعد المطالبة من الآدمي، وهو حد السارق، فمتى لم يرفعه إليه ويطالب
~~بماله، لا يجوز للحاكم إقامة الحد عليه بالقطع.
# فعلى هذا التحرير، إذا قامت عليه البينة بأنه سرق نصابا من حرز لغائب،
~~وليس للغائب وكيل يطالب بذلك، لم يقطع حتى يحضر الغائب ويطالب، فأما إن
~~قامت عليه البينة، أو أقر بأنه قد زنى بأمة غائب، فإن الحاكم يقيم الحد
~~عليه، ولا ينتظر مطالبة آدمي لأن الحق لله تعالى ms1487 محضا.
# ولهذا قال شيخنا في مسائل الخلاف مسألة: إذا سرق عينا يجب فيها القطع فلم
~~يقطع حتى ملك السرقة بهبة، أو شراء، لم يسقط القطع عنه، سواء ملكها بعد أن
~~ترافعا إلى الحاكم أو قبله، بل إن ملكها قبل الترافع، لم يقطع، لا أن القطع
~~سقط، لكن لأنه لا مطالب له بها، ولا قطع بغير مطالبة بالسرقة، فهذا آخر
~~كلامه رحمه الله (3) ونعم ما قال:
# قد قلنا إنه لا قطع إلا على من سرق من حرز، فيحتاج إلى شرطين، السرقة
~~والحرز، فإن سرق من غير حرز فلا قطع وإن انتهب من حرز فلا قطع أيضا، وكذلك
# PageV03P495
# إن خان في وديعة عنده، لأن الخاين غير السارق لغة وشرعا، لأن الخاين من
~~خان إنسانا في وديعته عنده، والسارق آخذ الشئ على جهة الاستخفاء من حرزه.
# ولا قطع أيضا على الغاصب، لأن الغاصب غير الخائن وغير السارق، وهو الذي
~~يأخذ الشئ قهرا وجهرا، ولا على المختلس، لما رواه جابر، أن النبي صلى الله
~~عليه وآله قال ليس على المنتهب ولا على المختلس ولا على الخائن قطع (1)
~~الإبل إذا كانت مقطرة، وكان سائقا لها، فهي في حرز بشرط المراعاة لها، بلا
~~خلاف، وإن كان قائدا لها فلا تكون في حرز، إلا التي زمامها في يده، هكذا
~~أورده شيخنا أبو جعفر في مبسوطه (2).
# وقد قلنا ما عندنا في ذلك، من أن هذا مختلس ولا قطع على المختلس، ولقوله
~~عليه السلام لما سئل عن حريسة الجبل، قال ليس في الماشية قطع إلا أن يؤديها
~~المراح (3).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله، حريسة الجبل بالجيم لا بالخاء المعجمة،
~~وقال أبو عبيد (4)، ليس فيما يسرق من الماشية بالجبل قطع، حتى يؤديها
~~المراح، والتفسير الآخر أن يكون الحريسة هي المحروسة، فيقول ليس فيما يحرس
~~بالجبل قطع، لأنه ليس بموضع حرز وإن حرس، والإبل لا قطع فيها، سواء كانت
~~مقطرة أو غير مقطرة، راعاه بعينه وساقها، أو غير ذلك، إلا أن تكون في حرز.
# PageV03P496
# وما قاله يقطع إذا ساقها وراعا ms1488 بلا خلاف، فهو قول المخالفين.
# إذا نقب ثلاثة، ودخلوا وأخرجوا بأجمعهم متاعا، فبلغ نصيب كل واحد منهم
~~نصابا قطعناهم بلا خلاف، وإن كان أقل من نصاب فلا قطع على ما قدمناه (1).
# فإذا ثبت ذلك ونقب الثلاثة وكوروا المتاع، وأخرج واحد منهم دون الباقين،
~~فالقطع على من أخرج المتاع دون من لم يخرج.
# فإن نقب اثنان معا، فدخل أحدهما فأخذ نصابا وأخرجه بيده إلى رفيقه، ولم
~~يخرج هو من الحرز، أو رمى به من داخل، فأخذه رفيقه من خارج، أو أخرج يده
~~إلى خارج الحرز والسرقة فيها، ثم رده (2) إلى حرز فالقطع في هذه المسائل
~~الثلاث على الداخل دون الخارج.
# فإن نقبا معا ودخل أحدهما فقرب المتاع إلى باب النقب من داخل، فأدخل
~~الخارج يده فأخذه من جوف الحرز، فعليه القطع دون الداخل.
# قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، وقلده ابن البراج في جواهر فقهه، إذا نقبا
~~معا ودخل أحدهما فوضع السرقة في بعض النقب، فأخذها الخارج، قال قوم لا قطع
~~على واحد منهما، وقال آخرون عليهما القطع، لأنهما اشتركا في النقب،
~~والإخراج معا، فكانا كالواحد المنفرد بذلك، بدليل إنهما لو نقبا معا ودخلا
~~وأخرجا معا، كان عليهما الحد كالواحد، ولأنا لو قلنا إن لا قطع، كان ذريعة
~~إلى سقوط القطع بالسرقة، لأنه لا يشاء شيئا (3) إلا شارك غيره فسرقا هكذا،
~~ولا قطع، والأول أصح لأن كل واحد منهما لم يخرجه من كمال الحرز، فهو كما لو
~~وضعه الداخل في بعض النقب، فاجتاز مجتاز فأخذه من النقب، فإنه لا قطع على
~~واحد منهما، هذا آخر كلام شيخنا في مبسوطه (4).
# قال محمد بن إدريس رحمه الله مصنف هذا الكتاب، الذي يقتضيه أصول مذهبنا
~~أن القطع على الآخذ الخارج، لأنه نقب وهتك الحرز وأخرج المال منه، ولقوله
# PageV03P497
# تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، وهذا سارق، فمن أسقط القطع عنه،
~~فقد أسقط حدا من حدود الله تعالى بغير دليل بل بالقياس والاستحسان، وهذا من
~~تخريجات المخالفين وقياساتهم على المجتاز.
# وأيضا فلو كنا عاملين بالقياس ما ms1489 ألزمنا هذا، لأن المجتاز ما هتك حرزا
~~ولا نقب، فكيف يقاس الناقب عليه.
# وأيضا فلا يخلو الداخل من أنه أخرج المال من الحرز، أو لم يخرجه، فإن كان
~~أخرجه فيجب عليه القطع، ولا أحد يقول بذلك، فما بقي إلا أنه لم يخرجه من
~~الحرز، وأخرجه الخارج من الحرز الهاتك له، فيجب عليه القطع، لأنه نقب وأخرج
~~المال من الحرز، ولا ينبغي أن تعطل الحدود بحسن العبارات وتزويقاتها وثقلها
~~وتوريقاتها، وهو قولهم ما أخرجه من كمال الحرز أي شئ هذه المغلطة (1)، بل
~~الحق أن يقال أخرجه من الحرز أو من غير الحرز، لا عبارة عند التحقيق سوى
~~ذلك، وما لنا حاجة إلى المغالطات بعبارات كمال الحرز.
# فإن نقب إنسان وحده، ودخل فأخرج ثمن دينار، ثم عاد من ليلته أو من الليلة
~~الثانية، فأخرج ثمن دينار، فكمل النصاب، فإنه يجب عليه القطع.
# ولو قلنا إنه لا قطع عليه لكان قويا، لأنه ما أخرج من الحرز في دفعة
~~واحدة ربع دينار، ولا قطع على من سرق أقل منه.
# ودليل الأول أن النبي عليه السلام قال من سرق ربع دينار فعليه القطع، ولم
~~يفصل، وقوله تعالى " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " وهذا سارق لغة
~~وشرعا، وبهذا أفتي وعليه أعمل.
# فإن نقب ودخل الحرز فذبح شاة، فعليه ما بين قيمتها حية ومذبوحة، فإن
~~أخرجها بعد الذبح، فإن كانت قيمتها نصابا، يجب فيه القطع، فعليه القطع، وإن
~~كانت أقل من نصاب فلا قطع عليه.
# فإن نقب ودخل الحرز، وأخذ ثوبا فشقه، فعليه ما نقص بالخرق، فإن أخرجه،
# PageV03P498
# فإن بلغت قيمته نصابا، فعليه القطع، وإلا فلا قطع عليه.
# إذا سرق ما قيمته نصاب، فلم يقطع حتى نقصت قيمته لنقصان السوق، فصارت
~~القيمة أقل من نصاب، فعليه القطع.
# إذا سرق عبدا صغيرا لا يعقل، أنه لا ينبغي أن يقبل إلا من سيده، وجب عليه
~~القطع، فإن سرق حرا صغيرا، فلا قطع عليه من حيث السرقة، لأن السارق هو من
~~يسرق مالا مملوكا قيمته ربع دينار، والحر لا قيمة له، ms1490 وإنما يجب عليه القطع
~~لأنه من المفسدين في الأرض، على ما روي (1) في أخبارنا لا على أنه سارق.
# إذا سرق ما فيه القطع من المملوكات مع ما لا يجب فيه القطع، وجب قطعه إذا
~~كان المال قدر ربع دينار عندنا.
# ومن سرق من ستارة الكعبة ما قيمته ربع دينار، وجب قطعه، دليلنا الآية
~~والخبر الذي رواه أصحابنا، أن القائم عليه السلام إذا قام قطع أيدي بني
~~شيبة، وعلق أيديهم على البيت، ونادى مناديه هؤلاء سراق الله (2)، هكذا
~~أورده شيخنا أبو جعفر الطوسي (3).
# والذي ينبغي تحصيله في ذلك، أن الأصل براءة الذمة، وليس الستارة في حرز
~~والآية فمخصوصة بلا خلاف، والخبر ليس فيه ما يقتضي أن القائم عليه السلام
~~يقطعهم على أنهم سرقوا ستارة الكعبة، بل لا يمتنع إنهم سرقوا من مال الكعبة
~~الذي هو محرز تحت قفل وغلق، أو يقطعهم لأمر آخر وسرقة أخرى من مال الله
~~تعالى.
# وعلى هذا التحرير لا قطع على من سرق بواري المسجد إذا لم تكن محرزة بغلق
~~أو قفل وقد ذهب شيخنا أبو جعفر، إلى أن من سرقها يجب عليه القطع (4).
# PageV03P499
# وهذه جميعها تخريجات المخالفين وفروعهم، وليس لأصحابنا في ذلك نص ولا
~~إجماع، والأصل براءة الذمة، وحقن الدماء.
# إذا استعار إنسان بيتا من آخر وجعل متاعه فيه، ثم إن المعير نقب البيت
~~وسرق المتاع، وجب قطعه.
# إذا اكترى دارا وجعل متاعه فيها، فنقب المكري وسرق المتاع، فعليه القطع.
# إذا نقب المراح بفتح الميم فحلب من الغنم ما قيمته ربع دينار، فأخرجه،
~~وجب قطعه.
# إذا سرق شيئا موقوفا مثل دفتر أو ثوب أو ما أشبههما وكان نصابا من حرز،
~~وجب عليه القطع، لقوله تعالى " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " ولأن
~~الوقف ينتقل إلى ملك الموقوف عليه، لأنه يضمن بالغصب.
# وكل عين قطع السارق بها مرة فإنه إذا سرقها مرة ثانية، قطعناه، حتى لو
~~تكرر ذلك منه أربع مرات، قتلناه في الرابعة.
# قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه مسألة إذا قامت عليه البينة بأنه سرق
~~نصابا ms1491 من حرز لغائب، وليس للغائب وكيل يطالب بذلك، لم يقطع حتى يحضر
~~الغائب، وكذلك إن قامت عليه البينة بأنه زنى بأمة غائب، لم يقم عليه الحد
~~حتى يحضر الغائب، وإن أقر بالسرقة أو بالزنا أقيم عليه الحد فيهما (1).
# قال محمد بن إدريس أما قوله رحمه الله في القطع، فصحيح، لأنه لا مطالب
~~له، وقد قلنا إن القطع لا يجب إلا بعد المطالبة من المسروق منه، وهاهنا لا
~~مطالب له، فلأجل ذلك لم يقطع لأنه حق من حقوق الآدميين، فلا يقام إلا بعد
~~مطالبتهم به على ما قدمناه، فأما إقامة حد الزنا فلا وجه لتركه بحال، لأنه
~~حق لله محض، إلا أن يدعي الزاني بالأمة المذكورة إن مولاها أباحه نكاحها،
~~فيصير شبهة، فلا يقام لأجل ذلك، لا لأجل غيبة سيدها، بل لقوله عليه السلام،
~~ادرؤا الحدود بالشبهات (2).
# PageV03P500
# فأما قوله رحمه الله فإن أقر بالسرقة أو الزنا أقيم عليه الحد، فغير
~~مستقيم ولا واضح، بل نقول في القطع في السرقة لا يقطع، كما قلناه في إقامة
~~البينة، لأنه لا مطالب له أيضا هاهنا، فلا فرق في هذا بين البينة والإقرار
~~في أنه لا يقام عليه الحد الذي هو القطع، فأما حد الزنا فإنه يقام على كل
~~حال، لأنه أقر بالزنا، وما ادعى الإباحة من مولاها، بخلاف إقامة البينة ثم
~~يدعي الزاني الإباحة، فتصير شبهة كما قلناه، فليلحظ ما قاله رحمه الله، وما
~~نبهنا عليه وحررناه، فإنه واضح للمتأمل المحصل غير المقلد للرجال.
# إذا ترك الأحمال والأجمال في مكان واحد، وانصرف في حاجة، وكانت في غير
~~حرز هي وكل ما معها من متاع وغيره، فلا قطع فيها ولا في شئ منها، لأنها في
~~غير حرز بمجرى العادة، وما ذكرناه لا يعده أحد حرزا، لأن من ترك أجماله
~~كذلك وماله قيل إنه قد ضيعه.
# إذا سرق سارق باب دار رجل، قلعه وأخذه، أو هدم من حايطه آجرا فبلغ قيمته
~~نصابا، يجب فيه القطع، قطع، فإن الباب والآجر في الحايط في حرز، وكذلك من
~~أخذ ms1492 حلقة الباب، يقطع، لأن كلما كان حرزا لغيره فهو في نفسه حرز، فأما حلقة
~~الباب، فهي في حرز، لأن الحلقة بتسكين اللام هكذا تحرز، بأن تسمر في الباب
~~على ما جرت به العادة، فإن قلعها قالع وبلغت نصابا قطع، على ما قدمناه،
~~هكذا أورده شيخنا أبو جعفر واختاره في مبسوطه (1)، ومسائل خلافه (2)، وهو
~~من تخريجات المخالفين وفروعهم.
# والذي يقتضيه أصول مذهبنا: إنه لا قطع على ما أخذ ذلك بحال، لأن الحرز
~~عندنا القفل والغلق والدفن، وليست هذه الأشياء في حرز، والأصل براءة الذمة،
~~وقبح إدخال الضرر علي بني آدم، والإجماع من أصحابنا فغير منعقد عليه، بل ما
~~ذهب منهم سوى شيخنا أبي جعفر ومن تابعه إليه فحسب، وما وردت به عن الأئمة
~~عليهم السلام أخبار لا آحاد ولا متواترة، والعمل يكون تابعا للعلم، فلا
~~يجوز أن يقطع
# PageV03P501
# إلا بدليل قاهر مزيل للعذر.
# إذا كان باب الدار مغلقا فكل ما فيها وفي جوانبها في حرز، فإن كان باب
~~الدار مفتوحا وأبواب الخزاين مفتوحة، فليس شئ منها في حرز، فإن كان باب
~~الدار مفتوحا وأبواب الخزائن مغلقة، فما في الخزاين في حرز، وما في جوف
~~الدار في غير حرز، هذا كله إذا لم يكن صاحبها فيها، فإن كان صاحبها فيها
~~والأبواب مفتحة، فليس شئ في حرز إلا ما يراعيه ببصره، مثل من كان بين يديه
~~متاع، كالميزان بين يدي الخبازين والثياب بين يدي البزازين فحرز ذلك نظره
~~إليه، فإن سرق من بين يديه وهو ينظر إليه ففيه القطع، وإن سهى أو نام عنه
~~زال الحرز وسقط القطع.
# وهكذا الحكم إذا استحفظ إنسان حماميا ثيابه، فإن راعاها الحمامي فهي في
~~حرز، وإن سهى عنها أو نام، فليست في حرز، فأما إذا لم يستحفظه إياها ولا
~~أودعه، فليست في حرز، ولا يجب على الحمامي الضمان لها ولا الغرم بحال، هذا
~~على ما أورده شيخنا في مبسوطه (1).
# وقد قلنا ما عندنا في أمثال ذلك من أن الحرز القفل والغلق والدفن، وما
~~عداه لا دليل عليه ms1493 من كتاب ولا إجماع (2) وليس على من سرق من ذلك شيئا
~~القطع، سواء راعاه ببصره أو لم يراعه، نظر إليه أو لم ينظر بين يديه، كان
~~أولا بين يديه، إلا أن يكون في حرز، وهذه كلها تخريجات المخالفين
~~واستحساناتهم.
# إذا نقب واحد وحده ودخل الحرز، وأخذ المتاع، فرمى به من جوف الحرز إلى
~~خارج الحرز، أو رمى به من فوق الحرز، أو سده (3) في حبل، ثم خرج عن الحرز،
~~فجره وأخرجه، أو أدخل خشبة معوجة من خارج الحرز أو سده في حبل، ثم خرج عن
~~الحرز فجره وأخرجه، فعليه القطع في كل هذا، لأنه أخرجه من الحرز، بآلة (4).
# فإن كان في الحرز ماء يجري، فجعله في الماء، فخرج مع الماء، فعليه أيضا
# PageV03P502
# القطع، لأنه قد أخرجه بآلة، كما لو رمى به.
# فإن كان معه دابة، فوضع المتاع عليها، وخرجت به، فإنه يجب عليه القطع،
~~سواء ساقها أو قادها أو لم يسقها، سارت بنفسها أو لم تسر بنفسها.
# فأما إن دخل الحرز، فأخذ جوهرة، فابتلعها، ثم خرج وهي في جوفه، فإن لم
~~تخرج منه فعليه ضمانها، ولا قطع عليه، لأنه أتلفها في جوف الحرز، بدليل أن
~~عليه ضمانها، كما لو كان ذلك طعاما فأكله، وخرج، فإنه لا قطع عليه بلا
~~خلاف، كذلك هاهنا وإن خرجت الجوهرة بعد خروجه من جوفه، قال قوم عليه القطع،
~~لأنه أخرجها في وعاء، فهو كما لو جعلها في جراب، أو جبب، وقال آخرون لا قطع
~~عليه، لأنه أخرجها معه مكرها على إخراجها، غير مختار لذلك، لأنه (1) لو
~~أراد بعد ابتلاعها أن لا يخرجها معه من الحرز، ما قدر على ذلك، فهو
~~كالمحمول على إخراجها ذلك الوقت، بدليل أنه ما كان يمكنه تركها، والخروج
~~دونها، فهو كما لو نقب وأكره على إخراج المتاع، فإنه لا قطع عليه، كذلك
~~هاهنا.
# وأما الذي يقوى في نفسي، وجوب القطع عليه، لعموم الآية، ولأنه (2) نقب
~~وأخرج النصاب ولم يستهلكه في الحرز ولا خارج الحرز، وليس كذلك المسألة
~~الأولى، لأنه إذا لم ms1494 يخرج منه، ولا يقدر على إخراجها لا في الحرز ولا
~~خارجه، فقد صار ضامنا لها، فهي كالمستهلكة في الحرز، والمسألة الثانية إذا
~~كان قادرا على إخراجها خارج الحرز بمجرى العادة، فهي بمنزلة جعله لها في
~~جراب معه أو وعاء وإخراجها فيه، وقياس ذلك على المأكول (3)، فإنه بأكله قد
~~استهلكه في الحرز، وأيضا القياس عندنا باطل، وهذا تخرج المخالفين.
# فإن نقب ومعه صبي صغير لا تمييز له، فأمره أن يدخل الحرز ويخرج المتاع،
~~فقبل، فالقطع على الآمر، لأنه كالآلة، كما لو أدخل خشبة أو شيئا فأخذ به
~~المتاع، فإن عليه القطع.
# إذا كان إنسان نائما على متاعه فسرق هو والمتاع معا، فلا قطع، لأن يد
~~مالكه
# PageV03P503
# عليه، وكذلك إذا كان نائما على حمل (1)، فسرق الجمل وهو عليه، فإن كان
~~النائم على المتاع عبدا فسرقه والمتاع معا، فعليه القطع، لأن العبد مال وهو
~~لو سرق العبد وحده قطعناه، فبأن نقطعه هاهنا أولى.
# وإذا كان لرجل مال وديعة أو عارية عند إنسان، فجعلها ذلك الإنسان في حرز،
~~فجاء (2) أجنبي فهتك الحرز وسرقها، فعليه القطع، لأن صاحبه قد رضي بهذا
~~المكان حرزا لماله.
# إذا كان لإنسان قبل رجل دين، فنقب صاحب الدين، وسرق من مال من عليه الدين
~~قدر دينه، فإن كان من عليه الدين مانعا له من ذلك، فلا قطع عليه، وإن كان
~~باذلا له غير مانع، فعليه القطع.
# فإن قامت البينة على رجل أنه سرق من حرز رجل نصابا، فقال السارق المال لي
~~وملكي، وقال صاحب الحرز المال ملكي، فالقول قول صاحب المنزل والحرز، لأنه
~~قد ثبت أنه أخذه منه، فإذا حلف فلا قطع على السارق، لأنه صار خصما، وصار
~~شبهة لوقوع التنازع في المال، والحد لا يجب مع الشبهة.
# وهكذا لو وجد مع امرأة فادعى أنه زوجها، فأنكرت وحلفت، لا حد عليه، لأنه
~~صار متنازعا فيه، فكان شبهة في سقوط الحد، فلهذا لم يقطع.
# إذا قطعت يد سارق حسمت، والحسم أن يغلى الزيت حتى إذا قطعت اليد، جعل
~~موضع القطع في ms1495 الزيت المغلي، حتى تنسد أفواه العروق وينحسم خروج الدم،
~~فالزيت وأجرة القاطع من بيت المال، فإن لم يفعل الإمام ذلك، لم يكن عليه شئ
~~لأن الذي عليه، إقامة الحد، لا مداواة المحدود.
# إذا وجب الحد على شخص، فأقامه الإمام أو الحاكم في شدة حر أو برد، فمات
~~المحدود، فلا دية له بحال، لأن تجنب الإقامة في ذلك الوقت مستحب، دون أن
~~يكون ممنوعا منه بكل حال على ما قدمناه (3).
# PageV03P504
# إذا أمره الإمام بجلد القاذف ثمانين، فزاد الجلاد سوطا، فمات المحدود،
~~فعلى الجلاد الضمان.
# وكم يضمن؟ قال قوم نصف الدية، وهو الذي يقوى عندي، وقال قوم عليه جزء
~~واحد من واحد وثمانين جزء من الدية لأنها تتقسط على عدد الضرب.
# وما اخترناه هو خيرة شيخنا أبي جعفر في مبسوطه (1) وهو الأظهر الذي
~~يقتضيه أصول المذهب، لأن الدية أو القود على عدد الجناة لا الجنايات.
# باب حد المحاربين وهم قطاع الطريق والنباش والمختلس والخناق والمبنج
~~والمحتال قال الله تعالى " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في
~~الأرض فسادا أن يقتلوا ويصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من
~~الأرض " (2) ولا خلاف بين الفقهاء أن المراد بهذه الآية قطاع الطريق،
~~وعندنا كل من شهر السلاح لا خافة الناس في بر كان، أو في بحر، في العمران
~~والأمصار، أو في البراري والصحاري، وعلى كل حال.
# فإذا ثبت ذلك فالإمام مخير فيه بين أربعة أشياء، كما قال تعالى، بين أن
~~يقطع يده ورجله من خلاف، أو يقتل، أو يصلب، أو ينفى، هذا بنفس شهرة السلاح
~~وإخافة الناس.
# والنفي عندنا أن ينفيه من الأرض، وكلما قصد بلدا نفاه منه، فإن قصد بلد
~~الشرك كاتبهم بأن يخرجوه، فإن لم يفعلوا قاتلهم، فلا يزال يفعل معه كذلك
~~إلى أن يتوب ويرجع عما هو عليه.
# فأما إذا قتل، فإنه يتحتم (3) عليه القتل، سواء قتل مكافئا له، أو غير
~~مكاف، أو من يجوز أن يقاد به، أو لا يجوز، وسواء عفى عنه ولي المقتول أو لم
~~يعف، ms1496 لأن قتله
# PageV03P505
# يتحتم (1)، ومثاله أن يقتل الوالد ولده في المحاربة، أو المسلم الكافر،
~~أو الحر العبد، فإنه يقتل بمن قتله على كل حال للآية وكذلك إن عفى ولي
~~المقتول فإنه يقتل للمحاربة، ويتحتم (2) على ما قلناه، وليس للإمام نفيه
~~هاهنا دون قتله.
# فإن أخذ المال قطع، سواء أخذ ما يجب فيه قطع السارق أو أقل منه، من حرز
~~أخذه أو من غير حرز، فإنه يقطع في القليل والكثير.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: المحارب هو الذي يجرد السلاح، ويكون من
~~أهل الريبة، في مصر كان أو في غير مصر، في بلاد الشرك كان أو في بلاد
~~الإسلام، ليلا كان أو نهارا، فمتى فعل ذلك كان محاربا، ويجب عليه إن قتل
~~ولم يأخذ المال أن يقتل على كل حال، وليس لأولياء المقتول العفو عنه، فإن
~~عفوا عنه وجب على الإمام قتله، لأنه محارب، وإن قتل وأخذ المال، وجب عليه
~~أولا أن يرد المال، ثم يقطع بالسرقة، ثم يقتل بعد ذلك ويصلب، وإن أخذ المال
~~ولم يقتل ولم يجرح، قطع ثم نفي عن البلد (3)، وإن جرح ولم يأخذ المال ولم
~~يقتل، وجب أن يقتص منه، ثم ينفى بعد ذلك من البلد الذي فعل فيه ذلك إلى
~~غيره وكذلك إن لم يجرح ولم يأخذ المال، وجب عليه أن ينفى من البلد الذي فعل
~~فيه ذلك الفعل إلى غيره، ثم يكتب إلى أهل ذلك المصر بأنه منفي محارب، فلا
~~تؤاكلوه، ولا تشاربوه، ولا تبايعوه، ولا تجالسوه، فإن انتقل إلى غير ذلك من
~~البلدان كوتب أيضا أهلها بمثل ذلك، فلا يزال يفعل به ذلك حتى يتوب، فإن قصد
~~بلاد الشرك، لم يمكن من الدخول إليها، وقوتلوا هم على تمكينهم من دخولها
~~(4) هذا آخر كلامه رحمه الله (5).
# وهو اختياره في مسائل خلافه (6)، ومبسوطه (7)، فجعل أحكامه على طريق
~~الترتيب على ما حكيناه عنه، ولم يخير الإمام والحاكم في أي الأحكام
~~المذكورة في الآية، فعل به بما يختاره.
# PageV03P506
# وقال شيخنا المفيد في مقنعته، وأهل الدعارة بالدال غير ms1497 المعجمة، قال
~~الجوهري صاحب كتاب الصحاح، الدعر بالتحريك الفساد، والدعر أيضا مصدر قولك
~~دعر العود بالكسر، يدعر دعرا، فهو عود دعر أي ردي كثير الدخان، ومنه أخذت
~~الدعارة وهي الفسق والخبث، يقال هو خبيث داعر، بين الدعر والدعارة، هذا آخر
~~كلام الجوهري، عدنا إلى قول شيخنا المفيد، قال وأهل الدعارة إذا جردوا
~~السلاح في دار الإسلام، وأخذوا الأموال، كان الإمام مخيرا فيهم إن شاء
~~قتلهم بالسيف، وإن شاء صلبهم حتى يموتوا، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من
~~خلاف، وإن شاء نفاهم عن المصر إلى غيره، ووكل بهم من ينفيهم عنه إلى ما
~~سواء، حتى لا يستقر بهم مكان إلا وهم منفون (1) عنه، مبعدون، إلى أن تظهر
~~منهم التوبة والصلاح، فإن قتلوا النفوس مع إشهارهم السلاح، وجب قتلهم على
~~كل حال بالسيف أو الصلب، ولم يتركوا على وجه الأرض أحياء، هذا آخر كلامه
~~رحمه الله (2) وهو الأظهر الأصح، لأنه يعضده ظاهر التنزيل، فلا يرجع عن هذا
~~الظاهر بأخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا، لأن أو حقيقتها في لسان العرب
~~التخيير، ولأجل ذلك اخترنا في كفارة الصيد التخيير دون الترتيب.
# واللص حكمه عندنا حكم المحارب، فإذا دخل على إنسان، جاز له أن يقاتله
~~ويدفعه عن نفسه ما دام مقبلا عليه، فإن أدى الدفع إلى قتل اللص، لم يكن على
~~قاتله شئ من قود، ولا دية، ولا كفارة، لأنه محسن، وقد قال تعالى وما على
~~المحسنين سبيل " (3) فأما إذا أدبر عنه اللص، فلا يجوز له رميه ولا قتله،
~~لأنه ساغ له ذلك لأجل دفعه عنه، فإذا أدبر فلا يجوز له رميه ولا قتله في
~~حال إدباره، فإن ضربه في حال إقباله عليه ضربة قطع بها يده، فأدبر عنه، ثم
~~ضربه في حال إدباره ضربة أخرى قطع اليد الأخرى منه، فإنه يجب عليه في اليد
~~الأخيرة (4) المقطوعة القصاص، أو الاصطلاح على ديتها، ولا شئ عليه في قطع
~~اليد الأولى بحال.
# PageV03P507
# وحكم النساء في أحكام المحاربة حكم الرجال في إنهن يقتلن، ويعمل بهن ما ms1498
~~يعمل بالرجال، لعموم قوله تعالى " إنما جزاء الذين يحاربون الله " الآية
~~بخلاف المرتدة، فإنها لا تقتل بالردة، بل تحبس أبدا، هذا اختيار شيخنا أبي
~~جعفر الطوسي، في مسائل خلافه (1) ومبسوطه (2) وهذان الكتابان معظمهما فروع
~~المخالفين، وهو قول بعضهم، اختاره رحمه الله، ولم أجد لأصحابنا المصنفين
~~قولا في قتل النساء في المحاربة.
# والذي يقتضيه أصول مذهبنا أن لا يقتلن إلا بدليل قاطع، فأما تمسكه بالآية
~~فضعيف، لأنها خطاب للذكران دون الإناث، ومن قال تدخل النساء في خطاب الرجال
~~على طريق التبع، فذلك مجاز، والكلام في الحقايق، والمواضع التي دخلن في
~~خطاب الرجال فبالإجماع دون غيره، فليلحظ ذلك.
# فأما كيفية صلب المحارب فشيخنا أبو جعفر يذهب في مسائل خلافه، إلى أنه لا
~~يجوز صلبه حيا بل يقتل ثم يصلب بعد قتله، ولا ينزل إلى ثلاثة أيام (3).
# وقال شيخنا المفيد في مقنعته، يصلب حيا وينزل من خشبته بعد ثلاثة أيام،
~~ويغسل ويكفن ويحنط ويصلى عليه، لأن قتل حدا لا قودا (4).
# وشيخنا أبو جعفر الطوسي، قال في مبسوطه على ما قدمناه (5)، قتله قودا
~~(6)، فكان يلزمه أنه يؤمر أولا بالاغتسال والتكفين، ثم يصلب، وهو لا يرى
~~غسله إلا بعد نزوله من خشبته (7).
# PageV03P508
# والصحيح ما ذهب إليه شيخنا المفيد، وهو الذي يقوى في نفسي، لأنه الذي
~~يقتضيه ظاهر التنزيل، وهو قوله تعالى " أن يقتلوا أو يصلبوا " فجعل تعالى
~~الصلب غير القتل، وخير في ذلك بقوله أو، وهي تقتضي التخيير في لسان العرب
~~على ما قدمناه (1)، فعلى هذا كان يلزم المخالف لنا أن يصلبه حيا ولا يقتله،
~~بل ينزله حيا أيضا بعد صلبه، لأنه تعالى قد جعل الصلب غير القتل، وعندنا أن
~~الجميع يقتضي القتل، إلا أنه ليس كل قتل صلبا.
# وإذا قطع جماعة الطريق، أقروا بذلك، كان حكمهم ما ذكرناه، فإن لم يقروا
~~قامت عليهم بذلك بينة، وهي شهادة عدلين، كان الحكم في ذلك مثل ما ذكرناه من
~~الإقرار سواء.
# فإن شهد قطاع الطريق أو اللصوص بعضهم على بعض لم تقبل شهادتهم، لأنهم
~~فساق.
# وكذلك إن ms1499 شهد الذين أخذت أموالهم بعضهم لبعض، لم تقبل شهادتهم، لأنهم
~~خصوم، وإنما تقبل شهادة غيرهم لهم، أو يحكم بإقرار اللصوص على أنفسهم.
# لا يجب أحكام المحارب على الطليع والرد بالنظر لهم، وإنما يجب على من
~~باشر القتل، أو أخذ المال، أو جمع بينهما، أو شهر سلاحه لا خافة الناس.
# إذا جرح المحارب جرحا يجب فيه القصاص في حد غير المحاربة، مثل قطع اليد
~~أو الرجل، أو قلع العين وغير ذلك، وجب عليه القصاص بلا خلاف، ولا يتحتم، بل
~~للمجروح العفو (2).
# وإذا قطع المحارب يد رجل، وقتله في المحاربة، قطع ثم قتل، وهكذا لو وجب
~~عليه القصاص فيما دون النفس، ثم أخذ المال، اقتص منه، وقطع من خلاف، ويأخذ
~~المال صاحبه.
# والمحارب إذا وجب عليه حد من حدود الله تعالى لأجل المحاربة، مثل انحتام
~~القتل، أو قطع الرجل واليد من خلاف، والصلب (3) عند من رتب الأحكام،
# PageV03P509
# وعند من لم يرتبها، ثم تاب قبل القدرة عليه وقبل قيام الحد، سقط الحد بلا
~~خلاف، وإن تاب بعد القدرة عليه لا يسقط بلا خلاف، وما يجب عليه من حقوق
~~الآدميين وحدودهم فلا يسقط، كالقصاص والقذف وضمان الأموال، وما يجب عليه من
~~حدود الله التي لا يختص بالمحاربة، كحد الزنا والشرب واللواط فإنها تسقط
~~عندنا بالتوبة قبل رفعه إلى الحاكم والقدرة عليه.
# وكذلك كل من وجب عليه حد من حدود الله تعالى، من شرب الخمر، أو الزنا من
~~غير المحاربين، ثم تاب قبل قيام البينة عليه بذلك، فإنها بالتوبة تسقط.
# إذا اجتمع حد القذف وحد الزنا وحد السرقة، ووجوب القطع، قطع اليد والرجل
~~بالمحاربة، وأخذ المال فيها، ووجب عليه القود بقتل في غير المحاربة، فاجتمع
~~حدان عليه وقطعان وقتل، فإنه يستوفى منه الحدود كلها، ثم يقتل، ولا يتداخل
~~بعضها في بعض، لأن الظواهر تقتضي إقامتها كلها، فمن ادعى تداخلها فعليه
~~الدلالة.
# قد قلنا إن أحكام المحاربين يتعلق بالرجال والنساء سواء، على ما فصلناه
~~(1) من العقوبات، لقوله تعالى " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله "
~~الآية ولم ms1500 يفرق بين النساء والرجال، فوجب حملها على عمومها.
# إذا مات قطاع الطريق قبل إقامة الحد عليهم، لا يصلبون، لأنه قد فات
~~بالموت، ولله فيهم المشية.
# إذا شهد شاهدان أن هؤلاء قطعوا الطريق علينا وعلى القافلة، وقاتلونا
~~وأخذوا متاعنا، لم تقبل هذه الشهادة في حق أنفسهما، لأنهما شهدا لأنفسهما،
~~ولا تقبل شهادة الإنسان لنفسه، ولا تقبل شهادتهما أيضا للقافلة على ما
~~قدمناه، لأنهما قد أبانا العداوة والخصومة، وشهادة العدو والخصم لا تقبل
~~على عدوه وخصمه.
# وهكذا لو شهدا على رجل فقالا هذا قذفنا وقذف زيدا، لم تقبل شهادتهما
# PageV03P510
# لأنفسهما ولا لزيد، لما مضى.
# فإن شهدا بأن هؤلاء قطعوا الطريق على هؤلاء وهذا قذف زيدا، قبلت الشهادة،
~~لأنهما شهدا بالحق مطلقا على وجه لا ترد به شهادتهما.
# وليس للحاكم أن يسأل الشهود هل قطعوا الطريق عليكم مع هؤلاء أم لا؟
# وهل قذفكما هذا مع قذفه زيدا أم لا؟ لأن الحاكم لا يبحث عن شئ مما تشهد
~~به الشهود إلا ما يكون مجملا من قولهم مما لا يمكنه الحكم به إلا بعد
~~مسائلتهم عنه، كشهادتهم أن زيدا قتل عمروا فإنه يجب عليه أن يبحث عن صفة
~~هذا القتل، هل هو عمد محض أو خطأ محض؟ أو خطأ شبيه العمد؟ لأن القتل مجمل،
~~وهو على ثلاثة أضرب، فلا يؤمن في حكومته أن يكون القتل بخلاف الجنس الذي
~~يحكم به، فيخطي على المشهود عليه أو المشهود لهم.
# وجملته إن كل شهادة كانت بأمرين فردت في أحدهما هل ترد في الآخر أم لا؟
~~نظرت، فإن كان الرد لأجل العداوة، ردت في الآخر، وإن كان لأجل التهمة فهل
~~ترد في الآخر أم لا؟ قال قوم ترد، وقال آخرون لا ترد، وهو الأقوى عندي، لأن
~~التهمة موجودة في حق نفسه دون حق غيره، والعداوة في الشهادتين حاصلة، فبان
~~الفصل بينهما.
# فإن شهدوا فقالوا هؤلاء عرضوا لنا، وقطعوا الطريق على غيرنا، قبلت هذه
~~الشهادة، لأن العداوة ما ظهرت لهم، فلهذا سمعت وعمل بها.
# والخناق يجب عليه القتل، ويسترجع منه ms1501 ما أخذ، فيرد على صاحبه، فإن لم
~~يوجد بعينه أغرم قيمته أو مثله إن كان له مثل، أو أرش ما لعله نقص (1) من
~~ثمنه، إلا أن يعفو صاحبه عنه.
# ومن بنج غيره أو أسكره بشئ احتال عليه في شربه أو أكله، ثم أخذ ماله،
~~عوقب على فعله ذلك بما يراه الإمام أو الحاكم من قبله، واسترجع منه ما
~~أخذه، فإن جنى البنج أو الإسكار عليه جناية كان المبنج ضامنا لما جنياه.
# PageV03P511
# والمحتال على أموال الناس بالمكر والخديعة وتزوير الكتب، والرسالات
~~الكاذبة، والشهادات بالزور، وغير ذلك من الأكاذيب، يجب عليه العقوبة
~~والتعزير والتأديب ويغرم ما أخذ بذلك على الكمال، وينبغي للحاكم أن يشهره
~~بالعقوبة لكي يرتدع غيره عن فعل مثله في مستقبل الأوقات، وينهكه ضربا.
# والمختلس هو الذي يسلب الشئ ظاهرا لا قاهرا من الطرقات والشوارع، من غير
~~شهر لسلاح ولا قهرا، بل استلابا واختلاسا، فإنه يجب عليه العقاب المردع،
~~والضرب الموجع، ولا قطع عليه، لأنه ليس بسارق ولا قاطع طريق.
# ومن نبش قبرا وسلب الميت كفنه، وأخرجه من القبر، وكان قيمته ربع دينار،
~~فإنه يجب عليه القطع، ويكون المطالب بذلك الورثة، لأنه على حكم ملكهم،
~~بدلالة أنه لو أكل الميت سبع، أو أخذه سيل، وبقي الكفن فإنه يكون للورثة
~~دون غيرهم، ويجب عليه مع القطع التأديب المردع.
# فإن كان قد نبش القبر ولم يأخذ شيئا، أو أخذ وكان الكفن دون ربع دينار،
~~فإنه لا قطع عليه، بل يجب عليه العقوبة المردعة.
# فإن نبش ثانية، فإنه يجب عليه القطع إذا أخذ الكفن، سواء كان قيمته ربع
~~دينار أو أقل من ذلك، ولا يراعى في مقدار الكفن النصاب إلا في الدفعة
~~الأولى فحسب، لقولهم عليهم السلام، سارق موتاكم كسارق أحيائكم (1).
# ولا خلاف أن من سرق من حي دون ربع دينار عندنا لا يجب عليه القطع، فإن
~~قيل فهذا يلزم في الدفعة الثانية؟
# قلنا لما تكرر منه الفعل صار مفسدا ساعيا في الأرض فسادا فقطعناه لأجل
~~ذلك، لا لأجل كونه سارقا ربع دينار، ms1502 ولهذا روى (2) أصحابنا أنه من سرق حرا
~~صغيرا، فباعه، وجب عليه القطع، قالوا لأنه من المفسدين في الأرض، وأيضا
# PageV03P512
# فالأخبار مختلفة في ذلك، فبعضها يوجب عليه القطع مطلقا، وبعضها يوجب عليه
~~التعزير، ولا يوجب عليه القطع، فحملنا ما يوجب القطع منها.
# إذا سرق الكفن وأخرجه من القبر، وكان قيمته ربع دينار قطع لقولهم عليهم
~~السلام، سارق موتاكم كسارق أحيائكم على ما قدمناه، أو على من يتكرر منه ذلك
~~وكان معتادا لفعل ذلك، وإن لم تبلغ قيمة الكفن ربع دينار، وإن لم يأخذ كفنا
~~أيضا، على مذهب إليه شيخنا أبو جعفر في كتابه الإستبصار (1).
# وحملنا منها ما يوجب التعزير والعقوبة، إذا نبش أول مرة ولم يكن له عادة
~~بذلك، ولم يكن قيمة الكفن تبلغ ربع دينار، أو كونه (2) يأخذ الكفن، وقد عمل
~~بجميعها، وكان لكل منها وجه يقتضيه الأدلة.
# وقال شيخنا أبو جعفر في استبصاره، لما اختلفت عليه الأخبار، فإنه أورد
~~جملة منها بوجوب القطع، ثم أورد جملة أخرى بالتعزير فحسب، فقال فهذه
~~الأخبار الأخيرة كلها تدل على أنه إنما يقطع النباش إذا كان له عادة، فأما
~~إذا لم يكن ذلك عادته نظر، فإن كان نبش وأخذ الكفن، وجب قطعه، وإن لم يأخذ،
~~لم يكن عليه أكثر من التعزير، قال وعلى هذا تحمل الأخبار التي قدمناها، هذا
~~جملة ما أورده رحمه الله في استبصاره متوسطا بين الأخبار (3).
# قال محمد بن إدريس بقي عليه رحمه الله أنه أسقط جميع الأخبار التي رويت
~~في أن سارق موتاكم كسارق أحيائكم، لأنه رحمه الله لم يراع النصاب في شئ
~~منها في وساطته بينها، فقد سقطت جملة، وهذا بخلاف عادته، وخرم لقاعدته في
~~وساطته بينها.
# وقال في نهايته من نبش قبرا وسلب الميت كفنه، وجب عليه القطع كما يجب على
~~السارق سواء، فإن نبش ولم يأخذ شيئا أدب تغليظ العقوبة، ولم يكن عليه قطع
# PageV03P513
# على حال، فإن تكرر منه الفعل وفات الإمام تأديبه، كان له قتله كي يرتدع
~~غيره عن إيقاع مثله في مستقبل الأوقات، هذا ms1503 آخر كلامه في نهايته (1).
# وما اخترناه من مراعاة المقدار الذي يجب فيه القطع في أول مرة مذهب شيخنا
~~المفيد في مقنعته، فإنه قال ويقطع النباش إذا سرق من الأكفان ما قيمته ربع
~~دينار، كما يقطع غيره من السارق إذا سرقوا من الأحراز، وإذا عرف الإنسان
~~بنبش القبور، وكان قد فات السلطان ثلاث مرات، كان الحاكم فيه بالخيار إن
~~شاء قتله، وإن شاء قطعه وعاقبه والأمر في ذلك إليه، يعمل فيه بحسب ما يراه
~~أزجر للعصاة وأردع للجناة، هذا آخر كلامه رحمه الله (2).
# ونعم ما قال فإنه الذي يقتضيه أصول المذهب، وتحكم بصحته أعيان الآثار عن
~~الأئمة الأطهار عليه السلام، وأيضا الأصل براءة الذمة، فمن قطعه في غير
~~المتفق عليه يحتاج إلى دليل.
# وشيخنا أبو جعفر يفوح من فيه استدلاله في مسائل خلافه، إلى اعتبار
~~النصاب، لأنه قال مسألة، النباش يقطع إذا أخرج الكفن من القبر إلى وجه
~~الأرض، ثم استدل فقال دليلنا قوله والسارق والسارقة، وهذا سارق، فإن قالوا
~~لا نسلم أنه سارق، قلنا سارق هو من أخذ الشئ مستخفيا متفزعا (3)، قال الله
~~تعالى " إلا من استرق السمع " (4) وقالت عايشة - سارق موتانا كسارق أحيائنا
~~- (5) وقال عليه السلام - القطع في ربع دينار - ولم يفصل إلى هاهنا كلامه
~~رحمه الله (6).
# ألا ترى إلى استدلاله بالآية والخبر عنه عليه السلام من قوله القطع في
~~ربع دينار فاستدل بهذا الخبر، وفيه مقدار النصاب، واستدل بالآية، ولا خلاف
~~أنه لا يقطع السارق إلا إذا سرق من حرز ربع دينار، على ما بيناه وحررناه.
# والذي أعتمد عليه بعد (7) هذا كله وأفتي به، ويقوى في نفسي، قطع النباش
# PageV03P514
# إذا أخرج الكفن من القبر إلى وجه الأرض، وسلب الميت، سواء كان قيمة الكفن
~~ربع دينار أو أقل من ذلك، أو أكثر، في الدفعة الأولى أو الثانية، لإجماع
~~أصحابنا وتواتر أخبارهم بوجوب قطع النباش من غير تفصيل، وفتاويهم وعملهم
~~على ذلك، وما ورد في بعض الأخبار وأقوال بعض المصنفين بتقييد، وتفصيل ذلك
~~بالمقدار في الدفعة الأولى، فمثل ذلك لا ms1504 يخصص العموم، لأن تخصيص العموم
~~يكون دليلا قاهرا مثل العموم في الدلالة.
# باب الحد في الفرية وما يوجب التعزير والتأديب وما يلحق بذلك من الأحكام
~~قال الله تعالى " إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في
~~الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم " (1) وروى حذيفة أن النبي عليه السلام قال
~~قذف محصنة يحبط عمل ماءة سنة (2) ولا خلاف بين الأمة أن القذف محرم.
# فإن قذف إنسان مكافئا، أو أعلى منه، وجب عليه الجلد ثمانون جلدة، حرا كان
~~القاذف أو عبدا، رجلا أو امرأة، مسلما أو كافرا، لقوله تعالى " والذين
~~يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة " (3).
# وروي أن النبي عليه السلام لما نزل براءة ساحة عايشة، صعد المنبر وتلا
~~الآيات، ثم نزل فأمر بجلد الرجلين والمرأة (4).
# فالرجلان حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة مسطح بكسر الميم، والسين غير
~~المعجمة المسكنة، والطاء غير المعجمة المفتوحة، والحاء غير المعجمة، -
~~والأثاثة - بضم الألف، والثائين المنقطة كل واحدة بثلاث نقط، والمرأة حمية
~~بنت جحش، بسكون
# PageV03P515
# الميم، وفتح الحاء غير المعجمة.
# فإذا ثبت أن موجب القذف الجلد، فإنما يجب ذلك بقذف محصنة أو محصن، لقوله
~~تعالى " والذين يرمون المحصنات ".
# وشرايط الإحصان خمسة أشياء، أن يكون المقذوف حرا، بالغا، عاقلا، مسلما،
~~عفيفا عن الزنا، فإذا وجدت هذه الخصال، فهو المحصن الذي يجلد قاذفه، وهذه
~~الشروط معتبرة بالمقذوف لا بالقاذف، لقوله تعالى - والذين يرمون المحصنات -
~~فوصف المقذوف بالإحصان.
# فمتى وجدت الشرايط، وجب الحد على قاذفه مع مطالبته له.
# ومتى اختلت أو واحدة منها فلا حد على قاذفه، واختلالها بالزنا أو بالوطي
~~الحرام على ما يأتي بيانه إن شاء الله.
# وأما القاذف فلا يعتبر فيه الحصانة، وإنما الاعتبار بأن يكون عاقلا، سواء
~~كان حرا أو عبدا عندنا، فإن أصحابنا رووا وأجمعوا أن عليه الحد كاملا
~~هاهنا، وفي شرب الخمر والمسكر سواء كان حرا أو عبدا.
# فأما الكلام الذي يكون قذفا يوجب الحد الذي هو الثمانون على قائله، فهو
~~أن يقول يا زاني، يا لائط أو يا منكوحا ms1505 في دبره، أوقد زنيت، أو لطت، أو
~~نكحت، أو ما معناه معنى هذا الكلام بأي لغة كانت، بعد أن يكون القائل عارفا
~~بها وبموضوعها، وفائدة اللفظة (1) في عرفه وعادته ولغته، وإن لم يكن المقول
~~له عارفا بذلك، بل الاعتبار بمعرفة القائل فائدة اللفظ، لا المقول له، وجب
~~عليه حد القاذف، وهو ثمانون.
# فإن قال له شيئا من ذلك، وكان غير بالغ، أو المقول له كان غير بالغ، لم
~~يكن عليه حد القذف، وروي (2) أن عليه التعزير.
# فإن قال له شيئا من ذلك، وهو لا يعلم فائدة تلك اللفظة ولا تلك اللغة،
~~ولا موضوع
# PageV03P516
# الألفاظ في عادته وعرفه، لم يكن عليه شئ، وكذلك إذا قال لامرأة أنت
~~زانية، أو قد زنيت، أو يا زانية، كان أيضا عليه حد القاذف ثمانون جلدة، لا
~~يختلف الحكم فيه.
# فإن قال لكافر أو كافرة، أو عبد أو أمة شيئا من ذلك، لم يجب عليه الحد،
~~ويجب عليه التعزير، لئلا يؤذي أهل الذمة والعبيد.
# وإذا قال لغيره يا بن الزانية، أو يا بن الزاني، أو قد زنت بك أمك، أو
~~ولدتك أمك من الزنا، وجب أيضا عليه الحد، وكان مطالبة في ذلك إلى أمه، إلا
~~في قوله يا بن الزاني فإن المطالبة في ذلك إلى أبيه.
# فإن عفت عنه، جاز عفوها، لأن ذلك من حقوق الآدميين، ولا يجوز عفو غيرها
~~مع كونها حية وإن كانت ميتة، ولم يكن لها ولي غير المقذوف كان إليه
~~المطالبة والعفو، فإن كان لها وليان أو أكثر من ذلك، وعفى بعضهم أو أكثرهم
~~كان لمن بقي ممن لم يعف المطالبة وإقامة الحد عليه على الكمال، ولا يسقط
~~منه بقدر حقوقهم وعفوهم شئ على حال على ما بيناه في باب الشركة وأوضحناه
~~(1).
# ومن كان له العفو، فعفا في شئ من الحدود التي تختص بالآدميين، لم يكن له
~~بعد ذلك المطالبة ولا الرجوع فيه.
# فإن قال له يا بن الزاني، أو زنى بك أبوك، أو لاط أو ولدك من حرام، كان
~~عليه الحد ms1506 لأبيه دون أمه ودونه، لأن أباه المقذوف هاهنا فإن كان حيا، كان
~~له المطالبة والعفو، وإن كان ميتا، كان لأوليائه الذين هم وراثه سوى الزوج
~~والزوجة حسب ما ذكرناه في الأم سواء.
# وشيخنا أبو جعفر قال في نهايته فإن قال له ولدت من الزنا، وجب عليه الحد،
~~وكان المطالبة في ذلك إلى أمه (2).
# وهذا غير واضح، لأنه محتمل (3) إما أن تكون الأم هي الزانية، أو يكون
~~الأب هو الزاني دون الأم، فمع الاحتمال كيف يختص بالأم دون الأب، ووجه
# PageV03P517
# احتماله أنه قد تكون الأم غير زانية من هذه الولادة والأب زانيا منها،
~~بأن تكون مكرهة على الزنا غير مطاوعة، والأب يكون زانيا بأن يكرهها على
~~الزنا فيكون هو الزاني دونها، وقد تكون هي الزانية دون الواطي، بأن لا تعلم
~~أن لها زوجا فتقول لمن يريد نكاحها لا زوج لي، وأنا خلو من الأزواج،
~~فيتزوجها فتكون هي زانية، والواطي غير زان في هذه الولادة.
# فإذا ثبت ذلك وتقرر الاحتمال لما قلناه، كيف يختص الحد بها مع هذا
~~الاحتمال، بل على ما حررناه يختص بواحد منهما المطالبة بالحد، بأن يقول
~~ولدك أبوك من الحرام، أو من زنا، فيكون المطالب بإقامة الحد الأب دون الأم،
~~فإن قال ولدتك أمك من حرام أو من زنا، فيكون المطالبة بإقامة الحد عليه
~~الأم (1) دون الأب، فليلحظ ذلك.
# فإن قال له يا بن الزانيين أو أبواك زانيان، أو زنى بك أبواك، كان عليه
~~حدان، حد للأب وحد للأم، فإن كانا حيين، كان لهما المطالبة أو العفو، وإن
~~كانا ميتين، كان لورثتهما ذلك حسب ما قدمناه.
# فإن قال له أختك زانية، أو أخوك زان، كان عليه الحد لأخته أو لأخيه، إذا
~~كانا حيين، فإن كانا ميتين كان لورثتهما وأوليائهما ذلك على ما رتبناه.
# وحكم العم والعمة والخال والخالة، وساير ذوي الأرحام حكم الأخ والأخت، في
~~أن الأولى بهم يقوم بمطالبة الحد، ويكون له العفو على ما بيناه.
# فإن قال له ابنك زان، أو لايط، أو ابنتك زانية، أو ms1507 قد زنت، كان عليه
~~الحد، وللمقذوف المطالبة بإقامته عليه، سواء كان ابنه أو بنته، حيين أو
~~ميتين، وكان إليه أيضا العفو، إلا أن يسبقه الابن أو البنت إلى العفو، فإن
~~سبقا إلى ذلك، كان عفوهما جايزا على (2) ما روى أصحابنا، وأورده شيخنا أبو
~~جعفر في نهايته (3).
# PageV03P518
# والذي يقتضيه المذهب، أنهما إن كانا حيين غير مولى عليهما، فالحق لهما
~~وهما المطالبان به، ولا يجوز لأحد العفو عنه دونهما، ولهما العفو عنه، لأن
~~حد القذف حد من حقوق الآدميين يستحقه صاحبه المقذوف به دون غيره، فليلحظ
~~ذلك.
# فإن قال لغيره يا زان فأقيم عليه الحد، ثم قال له ثانيا يا زان، كان عليه
~~حدثان، فإن قال إن الذي قلته لك كان صحيحا، لم يكن عليه حد، وكان عليه
~~التعزير، لأنه ما صرح بالقذف في قوله إن الذي قلته لك كان صحيحا.
# فإن قال له يا زان دفعة بعد أخرى مرات كثيرة، ولم يقم عليه فيما بينها
~~(1) الحد بشئ من ذلك، لم يكن عليه أكثر من حد واحد.
# ومن أقيم عليه الحد في القذف ثلاث مرات قتل عند أصحابنا في الرابعة، أو
~~في الثالثة على ما روي عنهم عليه السلام، أن أصحاب الكباير يقتلون في
~~الثوالث (2)، وهو الصحيح وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في استبصاره (3).
# فإن قذف جماعة رجال أو نساء أو رجالا ونساء نظرت، فإن قذف واحدا بعد واحد
~~كل واحد منهم بكلمة مفردة، فعليه لكل واحد منهم حد القذف، سواء جاؤوا به
~~متفرقين أو مجتمعين فإن قذفهم بكلمة واحدة فقال زنيتم أو أنتم زناة، فالذي
~~رواه أصحابنا وأجمعوا عليه، أنه إن جاؤوا به متفرقين، كان لكل واحد منهم حد
~~كامل وإن جاؤوا به مجتمعين، كان عليه حد واحد لجماعتهم فحسب، ومخالفونا
~~اختلفوا في ذلك اختلافا كثيرا.
# ومن قال لغيره من الكفار أو المماليك يا بن الزاني، أو يا بن الزانية،
~~وكان أبواه مسلمين أو حرين، كان عليه الحد كاملا لأن الحد لمن لو واجهه
~~بالقذف لكان له (4) الحد تاما، ولأن الحر ms1508 أو المسلم المقذوف، والحد يستحقه
~~المقذوف دون غيره.
# وروي (5) أن من قال لمسلم أمك زانية، أو يا بن الزانية، وكانت أمه كافرة
~~أو
# PageV03P519
# أمة، كان عليه الحد تاما لحرمة ولدها المسلم الحر.
# والأصل مراعاة التكافؤ للقاذف، أو علو المقذوف كما قدمناه أولا في صدر
~~الباب.
# وإذا تقاذف أهل الذمة أو العبيد أو الصبيان بعضهم لبعض، لم يكن عليهم حد،
~~وكان عليهم التعزير.
# وإذا قال لغيره قد زنيت بفلانة، وكانت المرأة ممن يجب لها الحد كاملا،
~~وجب عليه حدان، حد للرجل، وحد للمرأة، مع مطالبتهما جميعا بإقامة الحد
~~عليه.
# وكذلك إذا قال لطت بفلان كان عليه حدان، حد للمواجه، وحد لمن نسبه إليه.
# فإن كانت المرأة أو الذكر غير بالغين، أو مع كونهما بالغين لم يكونا
~~حرين، أو لم يكونا مسلمين، كان عليه الحد تاما للمواجه، لأجل قذفه إياه،
~~ويجب مع ذلك عليه التعزير لنسبته له إلى هؤلاء.
# والذي يقتضيه الأدلة، أنه لا يجب على قائل ذلك سوى حد واحد، وإن كان
~~المقول لهما بالغين حرين، لأنه إذا قال له زنيت بفلانة، أو لطت بفلان، فقد
~~قذفه بلا خلاف، وأما المرأة والرجل فليس بقاذف لهما، لأنه قد لا تكون
~~المرأة زانية، بأن تكون مكرهة على الزنا، وكذلك الرجل قد لا يكون مختارا،
~~بل يكون مكرها على اللواط، فالزنا واللواط متحققان في جهة المقول لهما،
~~وغير متحقق في جنبة من فعل به ذلك، فالشبهة حينئذ حاصلة بغير خلاف وبالشبهة
~~لا يحد لقوله عليه السلام المجمع عليه، ادرؤا الحدود بالشبهات (1) وهذا
~~القول الواقع به الفعل من أعظم الشبهات، فليلحظ ذلك.
# وإنما أورد شيخنا ذلك في نهايته (2) إيرادا، لا اعتقادا كما أورد أمثاله.
# وإذا قال له زنت زوجتك، أو يا زوج الزانية، وجب عليه الحد لزوجته، وكان
# PageV03P520
# إليها المطالبة والعفو دون زوجها، فإن كانت ميتة، كان ذلك لأوليائها دون
~~الزوج، لأن الأزواج عندنا لا يرثون من الحد شيئا.
# وجملة القول وعقد الباب إن حد القذف يورث، ويرثه من يرث المال، الرجال
~~والنساء من ذوي ms1509 الأنساب، فأما ذووا الأسباب فلا يرثون منه شيئا، والمراد
~~بذوي الأسباب هاهنا، الزوج والزوجة دون من عداهما من ذوي الأسباب، لإجماع
~~أصحابنا على ذلك، فإذا ثبت ذلك فإنهم يستوجبونه ويستحقونه وكل واحد منهم
~~حتى لو عفا الكل أو ماتوا إلا واحدا، كان لذلك الواحد أن يستوفيه، فهو
~~بمنزلة الولاية في النكاح عند المخالف، هو (1) لكل الأولياء ولكل واحد
~~منهم.
# ومن قال لولد الملاعنة يا بن الزانية، أو زنت بك أمك، كان عليه الحد لأمه
~~كاملا تاما.
# فإن قال لولد الزنا الذي أقيم على أمه الحد بالزنا، يا ولد الزنا، أو زنت
~~بك أمك، لم بكن عليه الحد تاما، وكان عليه التعزير.
# فإن قال له يا بن الزانية، وكانت أمه قد تابت وأظهرت التوبة، كان عليه
~~الحد تاما، لأنها بعد توبتها صارت محصنة عفيفة.
# ويثبت الحد بالقذف بشهادة عدلين، أو إقرار القاذف على نفسه مرتين بأنه
~~قذف معلوم العين محصنا، فإذا ثبت ذلك أقيم عليه الحد بعد مطالبة المقذوف أو
~~وارثه بإقامته عليه، وليس للحاكم إقامة الحد قبل المطالبة، لأنه من حقوق
~~الآدميين على ما أسلفنا القول فيه وحررناه (2).
# ولا يكون الحد فيه كما هو في شرب الخمر والزنا في الشدة، بل يكون دون
~~ذلك.
# ويجلد القاذف من فوق الثياب، ولا يجرد على حال.
# وليس للإمام أن يعفو عن القاذف، بل ذلك إلى المقذوف على ما بيناه (3)،
~~سواء كان أقر بالقذف على نفسه، أو قامت به عليه البينة، أو تاب القاذف أو
# PageV03P521
# لم يتب، فإن العفو في جميع هذه الأحوال إلى المقذوف.
# وذهب شيخنا أبو جعفر في الجزء الثالث من الإستبصار، إلى أن المقدوف بعد
~~رفعه القاذف إلى الإمام وثبوت القذف عليه، ليس له أن يعفو عنه (1).
# والصحيح أن للمقذوف العفو على كل حال، لأن ذلك من حقوق الآدميين، وإلى
~~هذا ذهب في نهايته (2) فليلحظ ذلك.
# ومن قذف محصنا أو محصنة، لم تقبل شهادته بعد ذلك إلا أن يتوب ويرجع ويصلح
~~عمله، ولا تقبل شهادته بمجرد توبته، إلا بعد إصلاح العمل ms1510 على ما قلناه في
~~كتاب الشهادات (3) فإنا بلغنا فيه إلى أبعد الغايات.
# فأما كيفية التوبة من القذف، فإن الناس اختلفوا في ذلك، فالذي يقوى في
~~نفسي ويقتضيه أصول مذهبنا، أن يقول القذف باطل حرام، ولا أعود إلى ما قلت،
~~لأنه إذا قال كذبت فيما قلت، ربما كان كاذبا في هذا، لجواز أن يكون صادقا
~~في الباطن، وقد تعذر عليه تحقيقه، فإذا قال القذف باطل حرام، فقد أكذب
~~نفسه، وقوله لا أعود إلى ما قلت، فهو ضد ما كان منه.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ومن قذف محصنا أو محصنة، لم تقبل شهادته
~~بعد ذلك، إلا أن يتوب ويرجع، وحد التوبة والرجوع عما قذف، هو أن يكذب نفسه
~~في ملأ من الناس، في المكان الذي قذف فيه فيما قاله، فإن لم يفعل ذلك لم
~~يجز قبول شهادته بعد ذلك (4).
# إلا أنه رجع عن ذلك في مبسوطه، في الجزء السادس في كتاب الشهادات فقال
~~فصل في شهادة القاذف، إذا قذف الرجل رجلا أو امرأة، فقال زنيت أو أنت زان،
~~لم يخل من أحد أمرين، إما أن يحقق قذفته (5)، أو لا يحققه، فإن حققه نظرت.
# PageV03P522
# فإن كان المقذوف أجنبيا حققه بأحد أمرين، إما أن يقيم البينة أنه زنى، أو
~~يعترف المقذوف بالزنا، فإن كان المقذوف زوجته، فإنه يحقق قذفه بأحد ثلاثة
~~أشياء، البينة، أو اعترافها، أو اللعان، فمتى حقق قذفه، وجب على المقذوف
~~الحد، وبان أنه لم يكن قاذفا ولا حد عليه، ولا ترد شهادته، ولا يفسق.
# وأما إن لم يحقق قذفه، فقد تعلق بقذفه ثلاثة أحكام، وجوب الجلد ورد
~~الشهادة والتفسيق لقوله " والذين يرمون المحصنات إلى قوله " وأولئك هم
~~الفاسقون "، فإن تاب القاذف، لم يسقط الجلد بالتوبة، وزال فسقه بمجرد
~~التوبة بلا خلاف، وهل تسقط شهادته أبدا فلا تقبل أم لا؟ فعندنا وعند جماعة
~~لا تسقط، بل تقبل بعد ذلك وعند قوم لا تقبل.
# فأما كيفية التوبة، فجملتها أنه إذا قذفه، تعلق بقذفه ثلاثة أحكام، الجلد
~~ورد الشهادة والفسق الذي تزول ms1511 به ولايته على الأطفال والأموال، وترد به
~~شهادته.
# ثم لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يحقق قذفه أو لا يحققه، فإن حقق القذف،
~~إما بالبينة أو باعتراف المقذوف إن كان غير زوجة، أو بهما، أو باللعان إن
~~كانت زوجة، فمتى حقق القذف فلا جلد عليه، وهو على العدالة والشهادة، لأنه
~~صح صدقه، وثبت صحة قوله، وأما المقذوف فقد ثبت زناه بالبينة، أو اللعان، أو
~~الاعتراف، فيقام عليه الحد.
# فأما إن لم يحققه، فالحد واجب عليه، ورد الشهادة قائم، والفسق بحاله.
# والكلام بعد هذا فيما يزيل ذلك عنه، أما الحد فلا يزول عنه إلا بأحد
~~أمرين استيفاء أو إبراء، وأما الفسق والشهادة فهما متعلقان بالتوبة.
# والتوبة ضربان باطنة وحكمية، فالباطنة توبته فيما بينه وبين الله، وهي
~~تختلف باختلاف المعصية.
# وجملته أن المعصية لا تخلو من أحد أمرين، إما أن يجب بها حق أو لا يجب،
~~فإن لم يجب بها حق مثل أن قبل أجنبية، أو لمسها بشهوة، أو وطأها فيما دون
~~الفرج، فتوبته هاهنا الندم على ما كان، والعزم على أن لا يعود، فإذا فعل
~~هذا فقد تاب لقوله تعالى " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا
~~الله فاستغفروا لذنوبهم ومن PageV03P523
# يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم
~~مغفرة من ربهم " (1) فإذا أتى بالاستغفار وترك الإصرار، صحت توبته وغفر
~~الله ذنبه.
# فأما إن كانت المعصية مما يجب بها حق، لم يخل من أحد أمرين، إما أن يكون
~~حقا على البدن أو في مال، فإن كانت في مال كالغصب والسرقة والإتلاف، فتوبته
~~الندم على ما كان، والعزم على أن لا يعود، والخروج من المظلمة بحسب
~~الإمكان، فإن كان موسرا بها متمكنا من دفعها إلى مستحقها، خرج إليه منها،
~~فإن كانت قائمة ردها، وإن كانت تالفة رد مثلها إن كان لها مثل، وقيمتها إن
~~لم يكن لها مثل، وإن كان قادرا غير أنه لا يتمكن من المستحق لجهله، أو كان
~~عارفا غير أنه لا يقدر ms1512 على الخروج إليه منها، فالتوبة بحسب القدرة وهي
~~العزم على أنه متى تمكن من ذلك فعل، وكذلك إذا منع الزكاة مع القدرة عليها،
~~فهي كالدين والمظالم، وقد بيناه.
# هذا إذا كانت المعصية حقا في مال، فأما إن كانت المعصية حقا على البدن،
~~لم يخل من أحد أمرين، إما أن تكون لله أو للآدميين، فإن كان للآدميين فهو
~~القصاص وحد القذف، فالتوبة الندم على ما كان، والعزم على أن لا يعود،
~~والتمكين من الاستيفاء من حد أو قصاص، كالأموال سواء.
# وأما إن كان حقا لله كحد الزنا والسرقة وشرب الخمر، لم يخل من أحد أمرين
~~إما أن يكون مشتهرا أو مكتوما، فإن كان مكتوما لا يعلم به الناس، ولم يشتهر
~~ذلك عليه، فالتوبة الندم على ما كان، والعزم على أن لا يعود، والمستحب له
~~أن يستر على نفسه، ويكون على الكتمان، لقوله عليه السلام من أتى من هذه
~~القاذورات شيئا فليستتر (2) يستر الله فإن من أبدى لنا صفحته، أقمنا عليه
~~حد الله (3)، وقال صلى الله عليه وآله لهزال بن شرجيل، حين أشار على ماعز
~~بن مالك أن يعترف بالزنا، هلا
# PageV03P524
# سترته بثوبك يا هزال (1)، فإن خالف وجاء واعترف بذلك، لم يحرم ذلك عليه،
~~لما روي أن الغامدية (2) وماعز بن مالك اعترفا عند النبي عليه السلام
~~بالزنا، فلم ينكر ذلك، بل رجم كل واحد منهما (3).
# وأما إن كان مشتهرا شايعا بين الناس، فالتوبة الندم على ما كان، والعزم
~~على أن لا يعود، وأن يأتي الإمام فيعترف به عنده ليقيم عليه الحدود.
# والفصل بينهما أنه إذا لم يكن مشتهرا كان في ستره فائدة، وهو أن لا يشتهر
~~به، ولا يضاف إليه، وليس كذلك هاهنا، لأنه إذا كان مشتهرا ظاهرا، فلا فائدة
~~في ترك إقامته عليه.
# وعندي أنه لا يجوز له أن يشتهر به، ولا يعترف، وأن يتوب فيما بينه وبين
~~الله، ويقلع عما كان ويتوفر على الأعمال الصالحات، لعموم الخبر الذي تقدم.
# هذا كله في حدود الله قبل أن يتقادم عهدها أو يقادم ms1513 عهدها وقيل لا يسقط
~~بتقادم العهد، فأما من قال يسقط بتقادم العهد، فلا يعترف بذلك بحال، لأنه
~~لا حد عليه، فمتى اعترف كان اعترافا بغير حق هذا الكلام في التوبة الباطنة.
# فأما الكلام في التوبة الحكمية، وهي التي تقضى له بها بالعدالة، وقبول
~~الشهادة، فلا تخلو المعصية من أحد أمرين، إما أن تكون فعلا أو قولا، فإن
~~كانت فعلا كالزنا والسرقة واللواط والغصب وشرب الخمر، فالتوبة هاهنا أن
~~يأتي بالضد مما كان عليه، وهو صلاح عمله لقوله تعالى " إلا من تاب وآمن
~~وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات " (4) فإذا ثبت أنها صلاح
~~عمله، فمدته التي تقبل بها شهادته سنة، ومن الناس من قال يصلح عمله ستة
~~أشهر.
# فأما إن كانت المعصية قولا لم يخل من أحد أمرين، إما أن تكون ردة أو
~~قذفا، فإن كان ردة فالتوبة الإسلام، وهو أن يأتي بالشهادتين أشهد أن لا إله
~~إلا الله، وإن
# PageV03P525
# محمد رسول الله، وأنه برئ من كل دين خالف الإسلام، فإذا فعل هذا فقد صحت
~~توبته، وثبتت عدالته، وقبلت شهادته، ولا يعتبر بعد التوبة مدة يصلح فيها
~~عمله، لأنه إذا فعل هذا فقد أتى بضد المعصية.
# وأما إن كانت المعصية قذفا لم يخل من أحد أمرين، إما أن يكون قذف سب، أو
~~قذف شهادة، فإن كانت قذف سب، فالتوبة هي إكذابه نفسه، لما روي عن النبي
~~عليه السلام في قوله " وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك
~~وأصلحوا " (1) قال النبي عليه السلام توبته إكذابه نفسه (2) فإذا تاب قبلت
~~شهادته.
# فإذا ثبت أن التوبة إكذابه نفسه، فاختلفوا في كيفيته، قال قوم أن يقول
~~القذف باطل حرام، ولا أعود إلى ما قلت، وقال بعضهم التوبة إكذابه نفسه
~~وحقيقة ذلك أن يقول كذبت فيما قلت، وروي ذلك في أخبارنا (3) والأول أقوى،
~~لأنه إذا قال كذبت فيما قلت، ربما كان كاذبا في هذا، لجواز أن يكون صادقا
~~في الباطن، وقد تعذر عليه تحقيقه، فإذا قال القذف باطل حرام، فقد أكذب
~~نفسه، ms1514 وقوله لا أعود إلى ما قلت، فهو ضد ما كان منه.
# فإذا ثبت صفة التوبة فهل تفتقر عدالته التي تقبل بها شهادته إلى صلاح
~~العمل أم لا؟ قال قوم مجرد التوبة يجزيه، وقال قوم لا بد من صلاح العمل،
~~وهو الأقوى، لقوله " إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا " (4) فمن قال لا
~~يفتقر إلى صلاح العمل، فلا كلام، ومن قال يفتقر إليه، فصلاح العمل مدة سنة
~~على ما مضى هذا الكلام في قذف السب.
# وأما قذف الشهادة فهو أن يشهد بالزنا دون الأربعة، فإنهم فسقة، وقال قوم
~~يحدون، وقال آخرون لا يحدون، فالتوبة هاهنا أن يقول قد ندمت على ما كان
~~مني،
# PageV03P526
# ولا أعود إلى ما اتهم فيه، لا يقول ولا أعود إلى ما قلت، لأن الذي قاله
~~شهادة، فيجزيه أن يقول لا أعود إلى ما اتهم فيه، فإذا قال هذا، زال فسقه،
~~وثبتت عدالته، وقبلت شهادته، ولا يراعى صلاح العمل.
# والفرق بين هذا وبين قذف السب، هو أن قذف السب، ثبت فسقه بالنص، وهذا
~~بالاجتهاد عندهم، ويجوز للإمام عندنا أن يقول تب أقبل شهادتك، فقال بعضهم
~~لا أعرف هذا، وإنما قلنا ذلك، لأن النبي عليه السلام أمر بالتوبة (1).
# هذا آخر الفصل الذي من كلام شيخنا أبي جعفر رحمه الله أوردته على جهته،
~~من غير مداخلة مني له بشئ من الكلام، فإنه سديد في موضعه إلا في قوله وحده
~~صلاح العمل لسنة أو ستة أشهر، فإن هذا مذهب الشافعي، فأما نحن معشر شيعة
~~أهل البيت عليهم السلام فلا نعتبره بزمان ولا مدة، بل صلاح عمله، ولو عرف
~~ذلك منه في ساعة واحدة، لأن ما خالف ذلك لا دليل عليه.
# وقد رجع شيخنا عن ذلك في مسائل خلافه فقال مسألة إذا أكذب نفسه وتاب، لا
~~تقبل (2) شهادته حتى يظهر منه العمل الصالح، وهو أحد قولي الشافعي إلا أنه
~~اعتبر ذلك سنة، ولم نعتبره نحن، لأنه لا دليل عليه، هذا آخر كلامه في مسائل
~~خلافه (3).
# فانظر أرشدك الله إلى قوله في مبسوطه، ms1515 وجعل ما ذكره وأورده في نهايته (4)
~~رواية واعتمد على ما اخترناه، لوضوحه عنده وموافقته الأدلة، فلا يرجع عن
~~ذلك بأخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا.
# ومن قذف مكاتبا ضرب بحساب ما عتق منه حد الحر ويعزر بالباقي الذي كان
~~رقا.
# PageV03P527
# وإذا قال الرجل لامرأته يا زانية، أنا زنيت بك، كان عليه حد القاذف،
~~لقذفه إياها، ولم يكن عليه لإضافة الزنا إلى نفسه شئ إلا أن يقر أربع مرات،
~~فإن أقر أربع مرات، كان عليه حد الزنا مع ذلك على ما بيناه، فإن كان إقراره
~~أقل من ذلك، لم يجب عليه حد الزنا، ووجب عليه التعزير، لإضافة الفاحشة إلى
~~نفسه.
# وإذا قال الرجل لولده يا زاني أو قد زنيت، لم يكن عليه حد، فإن قال يا بن
~~الزانية ولم ينتف منه، كان عليه الحد لزوجته أم المقذوف، إن كانت حرة مسلمة
~~حية، فإن كانت ميتة وكان وليها ووارثها أولاده، لم يكن لهم المطالبة له
~~بالحد، فإن كان لها أولاد من غيره أو وارث سوى أولادها ممن يشارك الأولاد
~~في الميراث، كان لهم المطالبة بالحد على الكمال ولا يسقط من حيث أن الأولاد
~~ليس لهم أن يطالبوا الأب بحقهم من الحد، وكذلك لو عفا جميع الوراث إلا
~~واحدا كان له المطالبة بإقامة الحد على الكمال، على ما حررناه فيما مضى
~~وبيناه (1).
# فإن انتفى من ولده، كان عليه أن يلاعن أمه على ما بيناه في باب اللعان
~~(2)، فإن انتفى منه بعد إن كان أقر به، وجب عليه الحد، وكذلك إن قذفها بعد
~~انقضاء اللعان، كان على الحد.
# وإذا تقاذف نفسان بما يجب فيه الحد، سقط عنهما الحد، وكان عليهما جميعا
~~التعزير، لئلا يعود إلى مثل ذلك، على ما رواه (3) أصحابنا وأجمعوا عليه.
# وإذ قال الإنسان لغيره يا قرنان، أو يا كشحان، أو يا ديوث، وكان متكلما
~~باللغة التي تفيد فيها هذه اللفظة رمي الإنسان بزوجة أو أخت، وكان عالما
~~بمعنى اللفظة، عارفا بها، كان عليه الحد، كما لو صرح بالقذف بالزنا ms1516 على ما
~~بيناه، فإن لم يكن عارفا بمعنى اللفظة، لم يكن عليه حد القاذف، ثم ينظر في
~~عادته وعرفه في استعماله هذه اللفظة، فإن كان قبيحا غير أنه لا يفيد القذف،
~~أدب وعزر، وإن كان يفيد غير القذف وغير القبح في عرفه وعادته، لم يكن عليه
~~تعزير.
# PageV03P528
# ومن قال لغيره يا فاسق، أو يا خائن، أو يا سارق، أو يا شارب خمرا، أو
~~شيئا من أسباب الفسق، وهو على ظاهر العدالة، لم يكن عليه حد القاذف، وكان
~~عليه التعزير.
# وإذا قال له أنت ولد حرام، فهو كقوله أنت ولد زنا، وقد قدمنا (1) أحكام
~~ذلك فلا وجه لإعادته، إذ لا فرق بينهما في العرف وعادة الناس وما يريدونه
~~بذلك.
# وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: وإذا قال له أنت ولد حرام، أو حملت بك
~~أمك في حيضها، لم يكن عليه حد الفرية، وكان عليه التعزير (2).
# وما ذهبنا إليه هو الظاهر في الاستعمال، والمتعارف في هذه اللفظة، فأما
~~ما ذكره من قوله حملت بك أمك في حيضها، فلا يجب به حد القذف، بل فيه
~~التعزير.
# وشاهد الزور يجب عليه التعزير بما دون الحد، وينبغي للسلطان أن يشهره في
~~المصر، ليعرفه الناس، فلا يسمع منه قول، ولا يلتفت إليه في شهادة، ويحذره
~~المسلمون.
# وقول القائل للمسلم أنت خسيس، أو وضيع، أو رقيع، أو نذل، أو ساقط، أو
~~بخيل، أو نجس، أو كلب، أو خنزير، أو حمار، أو ثور، أو مسخ، وما أشبه ذلك،
~~يوجب التعزير والتأديب، وليس فيه حد محدود، فإن كان المقول له بذلك مستحقا
~~للاستخفاف، لضلاله عن الحق، لم يجب على القائل له تأديب، وكان باستخفافه به
~~مأجورا.
# وقد قلنا إن من قال لغيره يا فاسق وهو على ظاهر الإسلام والعدالة، وجب
~~عليه التعزير، فإن قال له ذلك وهو على ظاهر الفسق، فقد صدق عليه، وأجر في
~~الاستخفاف به والإهانة.
# فإن قال له يا كافر وهو على ظاهر الإيمان، ضرب ضربا وجيعا تعزيرا له
~~بخطابه على ما قال، فإن كان المقول ms1517 له جاحدا لفريضة عامة من فرائض الإسلام،
# PageV03P529
# فقد أحسن المكفر له، وأجر بالشهادة بترك الإيمان.
# وإذا واجه إنسان غيره بكلام يحتمل السب له، ويحتمل غيره من المعاني
~~والأغراض، كان عليه الأدب بذلك، إلا أن يعفو عنه الإنسان المخاطب، كما
~~قدمناه.
# ومن عير إنسانا بشئ من بلاء الله، وأظهر عنه ما هو مستور من البلايا
~~والأمراض، وجب عليه بذلك التأديب، وإن كان محقا فيما قال، لأذاه وإيلامه
~~المسلمين بما يشق عليهم ويؤلمهم من الكلام، فإن كان المعير بذلك ضالا كافرا
~~مخالفا لأهل الإيمان، لم يستحق المعير له بذلك أدبا ولا عقوبة على كل حال.
# وكل شئ يؤذي المسلمين من الكلام، دون القذف بالزنا واللواط، ففيه التعزير
~~على ما يراه سلطان الإسلام، أو المنصوب من قبل السلطان.
# وقد روي أن رجلا قال لآخر إني احتلمت البارحة في منامي بأمك، فاستعدى
~~عليه إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وطلب إقامة الحد عليه، فقال له أمير
~~المؤمنين إن شئت ضربت لك ظله، ولكني أحسن أدبه، لئلا يعود بعدها إلى أذى
~~المسلمين، ثم أوجعه ضربا على سبيل التعزير (1).
# ولم يرد أمير المؤمنين عليه السلام بقوله إن شئت ضربت لك ظله، إن ضرب
~~الظل واجب، أو شئ ينتفع به، وإنما أراد أن الحلم لا يجب به حد وحلم النائم
~~في البطلان، كضرب الظل الذي لا يصل ألمه إلى الإنسان، فنبهه عليه السلام
~~على تجاهله بالتماس الحدود على الحلم في المنام، وضرب له في فهم ما أراد
~~تفهيمه إياه هذا المثال.
# وإذا قذف ذمي ذميا بالزنا واللواط، وترافعا إلى سلطان الإسلام، أدب
~~القاذف، ولم يجلده كحد قاذف أهل الإسلام.
# فإن تساب أهل الذمة بما سوى القذف بالزنا واللواط بما يوجب فعله الحدود،
~~أدبوا على ذلك كما يؤدب أهل الإسلام، فإن تسابوا بالكفر والضلال، أو
~~تنابزوا
# PageV03P530
# بالألقاب، أو عير بعضهم بعضا بالبلايا، لم يؤدب أحد منهم على ذلك، إلا أن
~~يثمر فسادا في البلاد فيدبر أمرهم حينئذ بما يمنع من الفساد.
# وإذا أقامت البينة على إنسان بأنه اغتاب مسلما، ms1518 أو نبزه بلقب مكروه، أدب
~~على ذلك بما دون الحد.
# وإذا تساب الصبيان، أدبوا على ذلك بما يردعهم من بعد عن السباب، وقد
~~قدمنا أن القذف بالزنا واللواط يوجب الحد على القاذف بهما بأي اللسان كان
~~به قاذفا، وبأي لغة قذف وافترى.
# وفي التعرض بالقذف دون التصريح به التعزير دون الحد.
# وإذا تواضع أهل بلد أو لغة على لفظ يفيد ما أفاده القذف بالزنا واللواط
~~على التصريح، فاستعمله إنسان منهم، كان قاذف وجب عليه الحد تاما به كما يجب
~~على القاذف بالتصريح في اللغة العربية واللسان.
# وقلنا (1) إذا قال الإنسان لغيره يا قرنان، وكان هذا اللفظ موضوعا بين
~~أهل الوقت أو الناحية على قذف الزوجة بالزنا، حكم عليه بما يحكم على من قال
~~لصاحبه زوجتك زانية، وكذلك إذا قال له يا ديوث، وإذا قال له يا كشحان، وقصد
~~بذلك على عرفه رمي أخته بالزنا، كان قاذفا ووجب عليه له، كما يجب عليه إذا
~~قال له أختك زانية، فإن تلفظ بهذه الألفاظ من لا يعرف التواضع عليها لما
~~ذكرناه، وكانت عنده موضوعة لغير ذلك من الأغراض، لم يكن بها قاذفا ولم يجب
~~عليه بها حد المفتري، ولكن ينظر في معناها على عادته، فإن كان جميلا حسنا
~~من القول عنده، لم يكن بذلك عليه تبعة، وإن كان قبيحا لاحقا بالسباب الذي
~~لا يفيد القذف بالزنا واللواط، عزر عليها وأدب تأديبا يردعه عن العود إلى
~~أذى المسلمين.
# وقد قلنا إن شهود الزور يعزرون ويشهرون في مصرهم، وكيفية ذلك أن ينادى
~~عليهم في محلتهم أو قبيلتهم، هؤلاء شهود زور، فاجتنبوهم واحذروهم، ويغرمون
~~ما شهدوا به إن كان (2) قد أتلفوا بشهادتهم شيئا، على ما بيناه في كتاب
~~الشهادات.
# PageV03P531
# وإذا قال الرجل لامرأته بعد ما دخل بها لم أجدك عذراء، قاصدا وهنها، كان
~~عليه بذلك التعزير.
# ومن هجا غيره من أهل الإسلام، كان عليه بذلك التأديب، فإن هجا أهل الحرب
~~دون من بيننا وبينهم ذمة، لم يكن عليه شئ على حال، فإن حسان بن ثابت أمره ms1519
~~الرسول عليه السلام بهجاء مشركي قريش وقال عليه السلام إنه شر عليهم من
~~النبل (1).
# ومن سب رسول الله صلى الله عليه وآله أو واحدا من الأئمة عليهم السلام
~~صار دمه هدرا، وحل لمن سمع ذلك منه قتله ما لم يخف على نفسه الضرر، أو على
~~غيره من أهل الإيمان، أو ماله، فإن خاف على نفسه أو على أحد من المؤمنين
~~ضررا في الحال، أو في مستقبل الأوقات، فلا يجوز له التعرض به على حال.
# ومن ادعى أنه نبي، حل دمه ووجب قتله، ومن قال لا أدري النبي صلى الله
~~عليه وآله صادق أم كاذب، وأنا شاك في ذلك، وجب قتله، إلا أن يقر به هذا في
~~حق من كان على ظاهر الإسلام.
# ومن أفطر في شهر رمضان يوما متعمدا، وجب عليه التعزير والعقوبة المردعة،
~~فإن أفطر ثلاثة أيام سئل هل عليك في ذلك شئ أم لا؟ فإن قال لا، وجب قتله،
~~فإن قال نعم زيد في عقوبته بما يرتدع معه عن مثله، فإن لم يرتدع وجب قتله،
~~وكذلك تارك الصلاة عن غير عذر، يعزر في أول دفعة وثاني دفعة، ويقتل في
~~الثالثة، لقولهم عليهم السلام - أصحاب الكبائر يقتلون في الثوالث - (2).
# والمرتد عن الإسلام على ضربين، مرتد كان ولد على فطرة الإسلام، فهذا يجب
~~قتله على كل حال من غير أن يستتاب، ومرتد كان قد أسلم عن كفر ثم ارتد، يجب
~~أن يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه.
# والمرتدة عن الإسلام لا يجب عليها القتل، بل ينبغي أن تحبس أبدا، ويضيق
~~عليها
# PageV03P532
# في المأكول والملبوس، وتضرب في أوقات الصلوات من أي الضربين كانت، سواء
~~كانت ارتدت عن فطرة الإسلام، أو عن إسلام تعقبه كفر (1).
# وروي أن من تزوج بأمة على حرة من غير إذنها، فرق بينهما، وكان عليه اثنى
~~عشر سوطا ونصف، ثمن جلد الزاني (2).
# وكيفية ضرب نصف السوط أن يأخذ الجلاد بنصف السوط، ويضربه بالنصف الباقي
~~في يده.
# وروي أن من أتى امرأته وهي حايض في قبلها، كان عليه خمسة ms1520 وعشرون سوطا
~~(3).
# ومن وطي امرأته في شهر رمضان نهارا متعمدا، كان عليه خمسة وعشرون سوطا،
~~وعلى المرأة أيضا مثل ذلك إن طاوعته على ذلك، فإن كان أكرهها (4)، كان عليه
~~خمسون جلدة، وعليه كفارة واحدة، وعليها أيضا مثل ذلك إن كانت مختارة، فإن
~~كانت مكرهة كان على الرجل كفارتان.
# ومن قامت عليه البينة بالسحر، وكان مسلما وجب عليه القتل، فإن كان كافرا
~~لم يكن عليه إلا التأديب والعقوبة المردعة، لأن ما هو عليه من الكفر أعظم
~~من السحر.
# ولا حقيقة للسحر، وإنما هو تخيل وشعبذة، وعند بعض المخالفين أن له حقيقة،
~~ولا خلاف بينهم أن تعليمه وتعلمه وفعله محرم، لقوله تعالى: " ولكن الشياطين
~~كفروا يعلمون الناس السحر " (5) فذم على تعليم السحر.
# وروى ابن عباس أنه قال: ليس منا من سحر أو سحر له، وليس منا من تكهن أو
~~تكهن له، وليس منا من تطير أو تطير له.
# PageV03P533
# والرسول عليه السلام ما سحر (1) عندنا بلا خلاف، لقوله تعالى " والله
~~يعصمك من الناس " (2) وعند بعض المخالفين أنه سحر، وذلك بخلاف التنزيل
~~المجيد.
# التعريض بالقذف ليس بقذف، مثل أن تقول لست بزان، ولا أمي زانية، وكقوله
~~يا حلال بن الحلال، ونحو هذا كله ليس بقذف، سواء كان هذا منه في حال الرضا،
~~أو في حال الغضب.
# والذي يضرب الحدود إذا زاد على المقدار المستحق، وجب أن يستقاد منه.
# والصبي والمملوك إذا أخطأ أدبا وضرب (3) ضرب أدب، ولا يزاد على عشرة
~~أسواط، وروي (4) أنه لا يزاد على خمس ضربات إلى ست، وروي أنه إن ضرب إنسان
~~عبده بما هو حد، كان عليه أن يعتقه كفارة لفعله (5)، وذلك على الاستحباب
~~(6) دون الفرض والإيجاب.
# وإذا قذف ذمي مسلما، قتل لخروجه عن الذمة بسب أهل الإيمان.
# وقد قلنا إن المعتبر في كنايات القذف عرف القاذف دون المقذوف، وقد قلنا
~~أنه إذا كانت الولاية في القذف لاثنين فما زاد عليهما، فلكل واحد منهما
~~المطالبة بالحد، فإن أقيم له سقط حق الباقين، وإن عفى بعضهم سقط حقه، وكان
~~لمن لم ms1521 يعف المطالبة بالحد واستيفاؤه والعفو عنه، فإن مات المقذوف وليس له
~~ولي، فعلى سلطان الإسلام الأخذ بحقه، لأنه وليه ووارثه.
# وتوبة القاذف قبل رفعه إلى الحاكم أو بعده، لا تسقط عنه القذف، سواء قامت
~~به عليه بينة، أو كان قد أقر به دفعتين عندنا.
# ولا يسقط ذلك إلا بعفو المقذوف أو وليه أو وارثه من ذوي الأنساب على ما
~~قدمناه وحررناه (7).
# والتعزير تأديب تعبدا لله سبحانه به لردع المعزر وغيره من المكلفين، وهو
# PageV03P534
# مستحق بكل إخلال بواجب، وإتيان كل قبيح لم يرد الشرع بتوظيف الحد عليه،
~~وحكمه يلزم بالإقرار مرتين، أو شهادة عدلين، فمن ذلك أن يخل ببعض الواجبات
~~العقلية، كرد الوديعة وقضاء الدين، أو الفرايض الشرعية، كالصلاة والزكاة و
~~الصوم والحج إلى غير ذلك من الواجبات، والفرائض المبتدأة أو المسببة
~~والمشترطة فيلزم سلطان الإسلام أو نائبه تأديبه بما يردعه وغيره عن الإخلال
~~بالواجب، ويحمله وسواه على فعله، ومن ذلك أن يفعل بعض القبايح.
# وحكم تعريض الواحد بالجماعة بما يوجب التعزير بلفظ واحد، أو لكل منهم
~~بتعريض يخصه، ما قدمناه (1) في حكم القذف الصريح على ما اختاره شيخنا
~~المفيد في مقنعته (2).
# والأولى عندي أن يعزر لكل واحد منهم فإنه قد آلمه وحمل ذلك على القذف
~~الصريح في الجماعة بكلمة واحدة، قياس لا نقول به، وشيخنا أبو جعفر غير قائل
~~بما قاله شيخنا المفيد في هذه الفتيا.
# وإذا قذف الإنسان ولده أو عبده أو أمته عزر.
# ويعزر من سرق ما لا يوجب القطع، لاختلال بعض الشرائط كسرقة العبد من
~~سيده، والوالد من ولده، ومن يجب نفقته ممن تجب عليه، والشريك من شريكه، وما
~~نقص عن ربع دينار، إذا سرقه السارق من حرز، وما بلغ ربع دينار فما فوقه من
~~غير حرز، أو من حرز مأذون فيه أو منه أو اختلس، أو أسكر، أو بنج، أو مكر،
~~أو زور، أو طفف في كيل.
# ويعزر من أكل، أو شرب، أو باع، أو ابتاع، أو تعلم، أو علم، أو نظر، أو
~~سعى، أو بطش، ms1522 أو أصغى، أو أجر، أو استأجر، أو أمر، أو نهى، على وجه يقبح،
~~ومعظم هذا ما قدمناه (3) فيما مضى مجملا ومفصلا، وأعدناه، وزدنا عليه
~~للبيان والإيضاح.
# والتعزير لما يناسب القذف من التعريض، والنبز والتلقيب من ثلاثة أسواط
~~إلى
# PageV03P535
# تسعة وسبعين سوطا، وكذلك ما يناسب حد الشرب، من أكل الأشياء المحرمة
~~وشربها، ولما يناسب الزنا، واللواط من وطي البهائم، والاستمناء بالأيدي،
~~ووجود الرجل والمرأة لا عصمة بينهما في إزار واحد، إلى غير ذلك من ضم، أو
~~تقبيل، أو نظر مكرر غير مباح، وكذلك حكم الرجلين في شعار واحد مجردين،
~~وكذلك حكم المرأتين والرجل والصبي مع الريبة، على كل حال إلى غير ذلك، من
~~ضم وتقبيل.
# ومن افتض بكرا بإصبعه، ومالك الأمة إذا أكرهها على البغاء، وما شاكل هذه
~~الأفاعيل، مما يناسب الزنا واللواط من ثلاثة أسواط إلى تسعة وتسعين (1) على
~~ما قدمناه وحررناه من قبل (2).
# والذي يجب تحصيله في ذلك، ويعتقد صحته، أن الحاكم يعمل في ذلك ما يرى فيه
~~المصلحة للمكلفين، ويعزر على كل قبيح من فعل قبيح، أو ترك واجب ما لم يبلغ
~~أعلى الحدود، وهو حد الزنا الذي هو مائة جلدة، سواء كان ذلك مما يناسب
~~القذف وأشباهه أو ناسب الزنا وأشباهه، لأن ذلك موكول إلى ما يراه الحاكم
~~صلاحا.
# وإنما ذكرنا ما فصلناه أولا على ما لوح به شيخنا في مسائل خلافه (3)
~~ومبسوطه (4)، وذلك فروع المخالفين وتخريجاتهم، واحد من أصحابنا ما تعرض
~~لذلك بتفصيل.
# والذي أعمل عليه وأفتي به، أن التعزير إذا كان للأحرار، فلا يبلغ به أدنى
~~حدودهم، وهو (5) تسعة وسبعون، وإن كان في حق العبيد، خمسون إلا واحدا لأن
~~حده في الزنا على النصف من حد الحر فليلحظ ذلك.
# PageV03P536
# فصل في تنفيذ الأحكام وما يتعلق بذلك ممن له إقامة الحدود والآداب
~~المقصود في الأحكام المتعبد بها، تنفيذها، وصحة التنفيذ يفتقر إلى معرفة من
~~يصح حكمه، ويمضي تنفيذه، فإذا ثبت ذلك فتنفيذ الأحكام الشرعية، والحكم
~~بمقتضى التعبد فيها (1) من فروض الأئمة عليهم السلام المختصة بهم دون ms1523 من
~~عداهم ممن لم يؤهلوا لذلك، فإن تعذر تنفيذها بهم عليهم السلام وبالمأهول
~~لها من قبلهم لأحد الأسباب، لم يجز لغير شيعتهم المنصوبين لذلك من قبلهم
~~عليهم السلام تولى ذلك، ولا التحاكم إليه، ولا التوصل بحكمه إلى الحق، ولا
~~تقليد الحكم مع الاختيار، ولا لمن لم يتكامل له شروط النائب عن الإمام عليه
~~السلام في الحكم من شيعته، وهي العلم بالحق في الحكم المردود إليه، والتمكن
~~من إمضائه على وجهه، واجتماع العقل والرأي، والحزم (2)، والتحصيل، وسعة
~~الحلم، والبصيرة بالوضع، والتواتر بالفتيا، والقيام بها، وظهور العدالة
~~والتدين بالحكم، والقوة على القيام به، ووضعه مواضعه.
# ومنعنا عن صحة الحكم لغير أهل الحق، لضلالهم عنه، وتعذر العلم عليهم بشئ
~~منه لأجله، وتدينهم بالباطل، وتنفيذه، وفقد الإذن من ولي الحكم بالحق فيما
~~يحكمون به منه، وذلك مقتض لاختلال معظم الشروط فيهم، ولبعض ذلك حرم على من
~~لم يتكامل شروط الحكم فيه من أوليائهم، النيابة في تنفيذ بعض الأحكام،
~~وتقليده ذلك، والتحاكم إليه.
# واعتبرنا العلم بالحكم، لما بيناه من وقوف صحة الحكم على العلم، لكون
~~الحاكم مخبرا بالحكم عن الله تعالى، ونائبا في إلزامه عن رسول الله صلى
~~الله عليه وآله، وقبح الأمرين من دون العلم.
# واعتبرنا التمكن من إمضائه على وجهه، من حيث كان تقليد الحكم بين الناس
# PageV03P537
# مع تعذر تنفيذ الحق، يقتضي الحكم بالجور (1)، مع كونه كذلك ينافي الحكم
~~بغير علم واعتبرنا اجتماع العقل والرأي، لشديد (2) حاجة الحكم إليهما،
~~وتعذره صحيحا من دونهما.
# واعتبرنا سعة الحلم، لتعرضه بالحكم بين الناس للبلوى بسفهائهم، فيسعهم
~~بحلمه.
# واعتبرنا البصيرة بالوضع، من حيث كان الجهل بلغة المتحاكمين إليه يسد
~~طريق العلم بالحكم عنه (3) ويمنع من وضعه موضعه.
# واعتبرنا الورع، من حيث كان انتفاؤه لا يؤمن معه الحيف في الحكم لعاجل
~~رجاء أو خوف من غيره سبحانه.
# واعتبرنا الزهد لئلا تطمح نفسه (4) ما لم يؤته الله تعالى، فيبعثه ذلك
~~على تناول أموال الناس، لقدرته عليها، وانبساط يده بالحكم فيها.
# واعتبرنا التدين، من حيث كان تقليد الحكم رياسة دنيوية، ms1524 أو الاستعلاء على
~~النظراء، أو للمعيشة لا يؤمن معه جوره، ولا يتقى (5) ضرره.
# واعتبرنا القوة وصدق العزيمة في تنفيذ الأحكام، من حيث كان الضعف مانعا
~~من تنفيذ الحكم على موجبه، ومقصرا بصاحبه عن القيام بالحق، لصعوبته وعظيم
~~المشقة في تحمله.
# فمتى تكاملت هذه الشروط، فقد أذن له في تقلد الحكم، وإن كان مقلده ظالما
~~متغلبا.
# وعليه متى عرض لذلك أن يتولاه لكون هذه الولاية أمرا بمعروف، ونهيا عن
~~منكر، تعين غرضهما بالتعريض للولاية عليه، وهو إن كان في الظاهر من قبل
~~المتغلب، فهو في الحقيقة نائب عن ولي الأمر عليه السلام في الحكم، ومأهول
~~له لثبوت الإذن منه ومن آبائه عليهم السلام لمن كان بصفته في ذلك، فلا يحل
~~له
# PageV03P538
# العقود عنه، وإن لم يقلد من هذه حاله النظر بين الناس، فهو في الحقيقة
~~مأهول لذلك بإذن ولاة الأمر عليهم السلام وإخوانه في الدين مأمورون
~~بالتحاكم، وحمل حقوق الأموال (1) إليه، والتمكن من أنفسهم لحد، وتأديب،
~~تعين عليهم، ولا يحل لهم الرغبة عنه، ولا الخروج عن حكمه، وأهل الباطل
~~محجوجون بوجود من هذه صفته، ومكلفون الرجوع إليه، وإن جهلوا حقه، لتمكنهم
~~من العلم به، لكون ذلك حكم الله سبحانه الذي تعبد بقبوله، وحظر خلافه، ولا
~~يحل له مع الاختيار وحصول الأمن من مضرة أهل الباطل، الامتناع من ذلك، فمن
~~رغب عنه ولم يقبل حكمه من الفريقين، فعن دين الله رغب، ولحكمه سبحانه رد،
~~ولرسول الله صلى الله عليه وآله خالف، ولحكم الجاهلية ابتغى، وإلى الطاغوت
~~تحاكم.
# وقد تناصرت الروايات عن الصادقين عليهم السلام بمعاني ما ذكرناه، فروي عن
~~أبي عبد الله عليه السلام أنه قال، أيما رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في
~~حق، فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه، فأبى إلا أن يرافعه إلى
~~هؤلاء، كان بمنزلة الذين قال الله عز وجل " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم
~~آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد
~~أمروا أن يكفروا به " (2) و ms1525 (3) وعنه صلوات الله عليه أنه قال إياكم أن
~~يخاصم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من
~~قضايانا، فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضيا، فتحاكموا إليه (4).
# وروي عن عمر بن حنظلة، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن رجلين من
~~أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث، فيتحاكمان إلى السلطان، وإلى
~~القضاة، أيحل ذلك؟ فقال من تحاكم إلى الطاغوت، فحكم له، فإنما يأخذ سحتا،
~~وإن كان حقه ثابتا، لأنه أخذ بحكم الطاغوت، وقد أمر الله عز وجل أن
# PageV03P539
# يكفر بها، قلت كيف يصنعان، قال انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا،
~~ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فلترضوا به حكما، فإني قد جعلته
~~عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا، فلم يقبله منه، فإنما بحكم الله استخف،
~~وعلينا رد والراد علينا كالراد على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله
~~(1).
# واعلم أن فرض هذا التحاكم، مشترط بوجود عارف من أهل الحق، وكون
~~المتنازعين من أهله، فأما إن فقد العارف المحصل، وكان الخصم الدافع للحق
~~مخالفا، جاز التوصل بحكم المنصوب من قبل الظالمين إلى المستحق، فلا يحل ذلك
~~بين أهل الباطل مع وجود العارف المفتي، فإن فقد العارف بالحكم من إخوانهم
~~في مصرهما، فليرحلا إليه، أو يصطلحا.
# وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنه قال لشريح القاضي قد جلست مجلسا
~~لا يجلسه إلا نبي أو وصي أو شقي (2).
# يعني عليه السلام بالشقي من جلس بغير إذن من الله ورسوله وولي الأمر من
~~بعده، لأن المأذون له في الحكم، بحكم الله يحكم، فمجلسه للحكم مجلسهما.
# وروي عن أبي جعفر عليه السلام، أنه قال الحكم حكمان، حكم الله وحكم
~~الجاهلية، وقد قال الله تعالى " ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون " (3)
~~وأشهد على زيد بن ثابت، لقد حكم في الفرايض بحكم الجاهلية، فمن أخطأ حكم
~~الله، حكم بحكم الجاهلية (4).
# وروي عن أبي جعفر عليهم السلام أنه قال من أفتى الناس بغير علم ولا هدى
~~من الله، لعنته ms1526 ملائكة الرضاء وملائكة العذاب، ولحقه وزر من يعمل بفتياه
~~(5).
# وروي عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال من أفتى في درهمين بغير ما
~~أنزل الله
# PageV03P540
# فهو كافر بالله العظيم، وقد قال الله عز وجل " ومن لم يحكم بما أنزل الله
~~فأولئك هم الكافرون (3) والفاسقون (3) والظالمون " (5).
# وروي عن الرضا عليه السلام أنه قال من أفتى في درهمين فأخطأ في أحدهما
~~كفر (6).
# وروي عن الصادق جعفر بن محمد عليهم السلام أنه قال إذا كان الحاكم يقول
~~لمن عن يمينه وعن يساره ما ترى ما تقول، فعلى ذلك لعنة الله والملائكة
~~والناس أجمعين، إلا يقوم من مجلسه ويجلسهما مكانه (7).
# فمقتضى هذا الحديث ظاهر، لأن الحاكم إذا كان مفتقرا إلى مسألة غيره، كان
~~جاهلا بالحكم، وقد بينا قبح الحكم بغير علم، وجواب من يسأله لا يقتضي حصول
~~العلم له بالحكم بغير شبهة، فلهذا حقت عليه اللعنة، ولأنه عند مخالفينا إن
~~كان من أهل الاجتهاد، فهو مستغن عن غيره، ولا يحل له تقليده، وإن كان عاميا
~~لم يحل له تقلد الحكم بين الناس، فقد حقت لعنته بإجماع إلا أن في المخالفين
~~من يجوز للقاضي أن يستفتي العلماء ويقضي بين الناس.
# وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال القضاة أربعة ثلاثة في النار،
~~وواحد في الجنة، رجل قضى بجور وهو يعلم أنه جور فهو في النار، ورجل قضى
~~بجور وهو لا يعلم أنه جور فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم أنه حق
~~فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو يعلم أنه حق فهو في الجنة (8).
# وهذا صريح بوقوف الحكم على العلم ووجوبه، واستحقاق العالم به الثواب،
~~وفساده من دونه، واستحقاق الحاكم من دونه النار، وقد تجاوز التحريم بالحكم
~~بالجور والتحاكم إلى حكامه، إلى تحريم مجالسة أهله.
# PageV03P541
# فروي عن محمد بن مسلم الثقفي، أنه قال مر بي الصادق جعفر بن محمد عليهما
~~السلام وأنا جالس عند قاضي المدينة، فدخلت عليه من الغد، فقال لي ما مجلس
~~رأيتك فيه بالأمس، قلت جعلت ms1527 فداك، إن هذا القاضي لي مكرم، فربما جلست إليه،
~~فقال لي عليه السلام وما يؤمنك أن تنزل اللعنة فتعم جميع من في المجلس (1).
# فلفظ هذا الحديث ومعناه مطابق لما تقرر الشرع به، من وجوب إنكار المنكر
~~وقبح الرضا به والحكم بالجور من أعظم المنكرات، فمجالس الحكام به لغير
~~الإنكار والتقية، راض بما يجب إنكاره من الجور، فاستحقا اللعنة معا، وإذا
~~كانت هذه حال الجليس، فحال الحاكم بالجور ومقلده النظر والتحاكم إليه،
~~والآخذ بحكمه، أغلظ، لارتفاع الريب في رضاء هؤلاء بالقبيح.
# فإذا ثبت وتقرر ذلك فإنه لا يصح الحكم إيجابا، ولا حظرا، ولا تمليكا، ولا
~~منعا، ولا إلزاما، ولا إسقاطا، ولا إمضاء، ولا فسخا، إلا عن علم بما يقتضي
~~ذلك، أو إقرار المدعى عليه، أو ثبوت البينة بالدعوى، أو يمين المدعى عليه،
~~أو المدعي مع نكول المدعى عليه، دون ما عدا ذلك.
# فإذا ثبت ذلك، فعلم الحاكم بما يقتضي تنفيذ الحكم كاف في صحته، ومغن عن
~~إقرار وبينة ويمين، سواء علم ذلك في حال تقلد الحكم أو قبلها، لسكون نفس
~~العالم إلى ما علمه في حال حكمه بمقتضاه، سواء كان علمه حادثا في الحال، أو
~~باقيا إليها، أو متولدا عن أمثاله المعلومة المسطورة، أو حادثا، حالا بعد
~~حال في كيفية التعلق بالمعلوم على حد واحد، وانتفاء الشبهة عنه في صحته،
~~وعدم السكون بصحة الدعوى مع الإقرار أو البينة أو اليمين، وانتفاء الثقة
~~بشئ من ذلك، وإنما يعلم الحاكم مع الإقرار أو الشهادة أو اليمين، صحة
~~التنفيذ متى علم التعبد، دون صدق المدعي مع ذلك، أو المدعى عليه مع يمينه،
~~وهو مع العلم عالم بالأمرين، صدق المدعي في الدعوى، وصحة الحكم بها.
# PageV03P542
# ولا شبهة على متأمل في الظن لا حكم له مع إمكان العلم، فكيف بثبوته، وكيف
~~يتوهم عاقل صحة الحكم مع ظن الصدق، وفساده مع العلم به، وهو تفرق يفرق بين
~~حالتي العالم والظان.
# وأيضا فصحة الحكم بالإقرار والبينة أو اليمين، فرع للعلم بالإقرار وقيام
~~البينة، وحصول اليمين، وثبوت التعبد بالتنفيذ، ms1528 فلو كان العلم بصحة الدعوى
~~أو الإنكار غير متعبد به، لم يصح حكم بإقرار ولا بينة ولا يمين، لوقوف صحته
~~على العلم الذي لا يعتد به، لأن العلم بالشئ إن اعتد به في موضع، فهذا حكمه
~~في كل موضع، وإن ألقى حكمه في موضع، فهذه حاله في كل موضع، وذلك خروج عن
~~الحق جملة، إذ لا برهان عليه له يميز من الباطل غير العلم.
# وأيضا فلو لم يلزم الحاكم الحكم بما علمه من غير توقيف (1) على إقرار أو
~~بينه أو يمين، لاقتضى ذلك الحكم بما يعلم خلافه، إذا حصل به إقرار أو بينة
~~أو يمين، من تسليم ما يجب المنع منه، والمنع مما يجب تسليمه، وقتل وقطع من
~~علم عدم استحقاقه لهما، وإلحاق نسب من يعلم براءة منه، إلى غير ذلك مما لا
~~شبهة في فساده.
# وأيضا فلو لم يكن الحكم بالعلم معتبرا لم يصح للحاكم تنفيذ ما تقدم
~~الإقرار به أو الشهادة، لضمان التنفيذ، لأنه إن حكم في هذه الحالة، فإنما
~~يحكم لعلمه بماضي الإقرار والبينة، فإذا كان الحكم بالعلم لا يصح، لم يصح
~~هاهنا، والمعلوم خلاف ذلك، إذ لا فرق بين أن يحكم (2) للعلم بالإقرار
~~والبينة وبين العلم بصحة الدعوى أو الإنكار، بل الثاني أظهر.
# وأيضا فلو كان المعتبر في الحكم الإقرار والبينة واليمين دون العلم، لم
~~يجز إبطال ذلك متى علم الحاكم كذب المقر أو الشهود أو الحالف، والإجماع
~~بخلاف ذلك.
# فثبت كون العلم أصلا في الأحكام، وسقط قول من منع من تنفيذها به.
# وليس لأحد أن يمنع من الحكم بالعلم لنهي عنه، أو فقد تعبد بمقتضاه، من
~~حيث كان ما قدمناه من الأدلة على صحة الحكم به، وكونه غير مستند إلى علم
# PageV03P543
# أصلا فيها، وتعذر الحكم فيها من دونه مسقطا لهاتين الدعوتين، وكيف يشتبه
~~فسادهما على عارف بالتكليف الموقوف صحته في الأصول والفروع على العلم وحصول
~~اليقين، بفساد (1) حكم الظن فيهما (2)، مع إمكان العلم، وبالظن مع تعذر
~~العلم بالمظنون (3) غير مستند إلى علم، وكيف يجتمع له ms1529 اعتقاد ذلك مع علمه
~~بصحة الحكم مع ظن صدق المدعي أو المنكر، ونفي الحكم مع العلم بصدق أحدهما،
~~لولا جهل الذاهب إلى ذلك بمقتضى التكليف، وطريق صحة العمل فيه، وتعويله على
~~استحسان فاسد، ورأي فايل (4)، أو ليس العلم حاصلا لكل سامع للأخبار، بإمضاء
~~رسول الله صلى الله عليه وآله الحكم بالعلم لخزيمة بن ثابت الأنصاري، وسماه
~~لذلك لذلك ذا الشهادتين (5).
# وأيضا ما حكم به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في قضاء
~~الأعرابي والناقة، لعلمهما بصدقة صلوات الله عليه وعلى آله بالمعجز (6).
# مع ما ينضاف إلى ذلك من مشهور إنكار أمير المؤمنين عليه السلام على شريح
~~القاضي لما طالبه بالبينة على ما ادعاه عليه السلام في درع طلحة، ويلك أو
~~ويحك خالفت السنة بمطالبة إمام المسلمين ببينة، وهو مؤتمن على أكثر من هذا
~~(7)، فأضاف الحكم بالعلم إلى السنة على رؤوس الجمع من الصحابة والتابعين،
~~فلم ينكر عليه منكر.
# وهذا مع ما تقدم عن رسول الله صلى الله عليه وآله، برهان واضح على جهل
~~طالب البينة مع العلم، وكونه مقدما عليهما.
# وليس للمخالف فيما نصرناه أن يمنع منه لظنه أن الحكم بالعلم، يقتضي تهمة
~~الحاكم، لأن ذلك رجوع عن مقتضى الأدلة استحسانا، ولا شبهة في فساده.
# على أن ذلك لو منع من الحكم بالعلم، لمنع من الحكم بالشهادة والإقرار
# PageV03P544
# الماضيين، إذ كان الحكم في المجلس الثاني بالإقرار الحاصل في المجلس
~~الأول، أو البينة مستندا إلى العلم، وإذا لم تمنع التهمة هاهنا من الحكم
~~بالعلم، فكذلك هناك.
# وبعد فحسن الظن بالحاكم المتكامل للشروط، يقتضي البخوع لحكمه بالعلم،
~~ويمنع من تهمته كالإقرار والبينة، لولا ذلك لم يستقر له حكم، ولم يسمع قوله
~~أقر عندي بكذا، وقامت البينة بكذا، وثبت عندي بكذا، وصح عندي إلا أن يكون
~~حصول الإقرار أو البينة بمحضر من لا يجوز عليه الكذب، وهذا يقتضي نقض نظام
~~الأحكام بغير إشكال، وإذا كان علمه بكون المدعى عليه مقرا أو مشهودا عليه،
~~أو له أو حالفا أو محلوفا له موجبا ms1530 عليه الحكم، وإن لم يعلم ذلك أحد سواه،
~~ولا يحل له الامتناع لخوف التهمة، فكذلك يجب أن يحكم متى علم صدق المدعي أو
~~المنكر بأحد أسباب العلم، من مشاهدة، أو تواتر، أو نص صادق، أو ثبوت إمامة،
~~أو نبوة، إلى غير ذلك من طرق العلم، لعدم الفرق، بل ما نوزعنا فيه أولى.
# فإن قيل لو شاهد الإمام أو الحاكم رجلا يزني أو يلوط، أو سمعه يقذف غيره،
~~أو يقر بطلاق زوجته، أو يظاهر منها، أو يعتق عبده، أو يبيع غيره شيئا، كان
~~يحكم بعلمه أم يبطل ذلك؟
# قيل إن كان ما علمه الإمام أو الحاكم عقدا، أو إيقاعا شرعيا، حكم بعلمه،
~~وإن كان بخلاف ذلك، لاختلال بعض الشروط كعلمه بغيره ناطقا بكنايات الطلاق،
~~أو صريحة في الحيض، أو بغير شهادة، أو إظهار بغير لفظه، أو بغير إشهاد
~~عليه، أو قصد إليه، إلى غير ذلك، لم يحكم لفقد ما معه يصح الحكم، من صحة
~~العقد أو الإيقاع.
# فأما ما يوجب الحدود، فالصحيح من أقوال طائفتنا، وذوي التحصيل من فقهاء
~~عصابتنا، لا يفرقون بين الحدود وبين غيرها من الأحكام الشرعيات، في أن
~~للحاكم النائب من قبل الإمام أن يحكم فيها بعلمه كما أن للإمام ذلك، مثل ما
~~سلف في الأحكام التي هي غير الحدود، لأن جميع ما دل هناك، هو الدليل هاهنا،
~~وللفرق بين الأمرين مخالف مناقض في الأدلة. PageV03P545
# وذهب بعض أصحابنا إلى أن ما يوجب الحدود فإن كان العالم بما يوجبه
~~الإمام، فعليه الحكم بعلمه، لكونه معصوما مأمونا، وإن كان غيره من الحكام
~~الذين يجوز عليهم الكذب، لم يجز له الحكم بمقتضاه، وتمسك بأن قال: لأن
~~إقامة الحد أولا ليست من فروضه، ولأنه بذلك شاهد على غيره بالزنا واللواط
~~أو غيرهما، وهو واحد، وشهادة الواحد بذلك قذف يوجب الحد، وإن كان عالما
~~يوضح ذلك أنه لو علم ثلاثة نفر غيرهم زانيا، لم يجز لهم الشهادة عليه،
~~فالواحد أحرى أن لا يشهد عليه.
# قال محمد بن إدريس رحمه الله مصنف هذا الكتاب، ms1531 وما اخترناه أولا هو الذي
~~يقتضيه الأدلة، وهو اختيار السيد المرتضى في انتصاره (1) واختيار شيخنا أبي
~~جعفر في مسائل خلافه (2)، وغيرهما من الجلة المشيخة وما تمسك به المخالف
~~لما اخترناه، فليس فيه ما يعتمد عليه، ولا ما يستند إليه، لأن جميع ما قاله
~~وأورده يلزم في الإمام مثله حرفا فحرفا.
# فأما قوله إقامة الحدود ليست من فروضه، فعين الخطأ المحض عند جميع الأمة،
~~لأن الحكام جميعهم هم المعينون (3) بقوله تعالى " والسارق والسارقة فاقطعوا
~~أيديهما " (4) وكذلك قوله تعالى " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما
~~مائة جلدة " (5) إلى غير ذلك من الآيات.
# أيضا كان يؤدي إلى أن جميع الحكام في جميع البلدان النواب عن رئيس الكل
~~(6)، لا يقيم أحد منهم حدا في عمله، بل ينفذ المحدود إلى البلد الذي فيه
~~الرئيس المعصوم، ليقيم الحد عليه، وهذا خروج عن أقوال جميع الأمة (7)، بل
~~المعلوم السائغ (8) المتواتر أن للحكام إقامة الحدود في البلد الذي كل واحد
~~منهم نائب فيه من غير توقف في ذلك (9).
# PageV03P546 ms1532