######OpenITI# #META# Origin: converted with Kraken (ocr model: 12-24-2021_ArabPersGeneralized.mlmodel, segmentation model: DEFAULT) #META# Date: 2022-04-13 #META#Header#End# PageV00P002 ~~============================================================ ~~قديه ~~يختلف أسلوب عتار البدليسي في كتابيه، عن غيره ممن سبقه في ~~الكتابة عن التصوف، بأنه يتوجه إلى الخيال الصوفي المتمكن لدى مريديه، ~~لكي يحفزهم إلى دراسة التصوف ممارسة وتطبيقا (= على الحقيقة)، وليس ~~فلسفيا وذهنيا فقط. ومع أنه لا يضيف حقائق جديدة إلى ما جاء به الأوائل ~~من الصوفية المحققين، إلا أنه يسكب تلك الأفكار في قوالب مرصعة أحيانا ~~بالسجع والكلمات المتشعبة المعاني، لكي يثير في نفوس مريديه حمية ~~التأثل والتفكر والذكر، في الخلوة وخارجها. وفي أسلوبه هذا، يعطي عمار ~~القاري الانطباع بأنه يتكلم عن معان يصعب سبر غورها إلا بالذوق 9 ~~والمشاهدة، لأنه يغترفها من بثر أسرار عميقة. ويبدو أن بعض هذه السوانح ~~كانت تجيئه بغتة أثناء الكلام، وأحيانا بعد ذكر بعض الكلمات التي تذكره ~~فجأة بمعان جديدة فيلحقها بجملته السابقة، مما يجعل فهم بعض نصوصه ~~صعب المنال: ~~ثم إن كون عمار شيخ تربية في الأساس، جعله يتوجه إلى قلوب ~~مريديه وخيالهم، ملمتحا لهم عما قد يذوق بعضهم من الأحوال، وما قد 15 ~~يصل إليه بعضهم من المقامات، إن هم ساروا على الطريقة التي يدربهم على ~~ممارستها، وإن هم نجحوا في التخلص من علاثق الدنيا بكاملها، وواصلوا ~~ترويض النفس الأمارة بالسوء إلى أن تصبح راضية مرضية، وإن هم انتصروا 18 ~~على وساوس العدو (- الشيطان) التي تأتيهم أحيانا من حيث لا يتوقعون، ~~وذلك بالاستقامة الحقة ودوام ذكر القلب. # لا يسهل لنا مثل هذا الأسلوب، الموجه في الأساس إلى مريديه 21 PageV00P003 ~~============================================================ ~~تقديم ~~الممارسين المتمرسين، أن نستنتج نظاما متشعبا حسن الحبك يلتقي في ~~التهاية في نقطة واحدة واضحة المعالم. بل إتنا نجد مفعول أفكاره وتأثيرها ~~3 منحصرا في الثخبة القليلة المتمثلة في دائرة مريديه ومريدي مريديه. ويبدو ~~أن صعوية فهم ما يرمي اليه عمار في كتابيه، بسبب إكثاره من استعمال ~~الجدل البلاغي المرتبط بالنص إلى درجة يصعب معها اسخلاص فحوى ~~أقواله بكلمات أخرى - اللهم إلا لمن اخذها عن عمار مباشرة، مرفقة ~~بالإيضاحات التطبيقية، وربما التعليقات اللفظية أيضا، في حلقات الذكر، ~~وحتى في ms01 الخلوة، حيث يكون المريد تحت إشراف شيخه عمار، شيخ ~~التربية، الذي قال لنجم الدين الكبرى، مؤسس الطريقة الكبروية، حين لقيه ~~لأول مرة، وقد جاءه طالبا مريدا: "لنا في التريية ثلاث طرق، العبارة ~~والإشارة والغيب! العبارة للضعفاء والإشارة للمتوسطين والغيب للأقوياء"(1) . # 12 وها نحن نلحق هذين الكتابين بأسلوب الإشارة والغيب اكثر من أسلوب ~~العبارة. PageV00P004 # ============================================================ ~~صوم القلب ~~صوم القلب ي ~~(21) من تأليف الإمام المحقق أبي ياسر عمار بن محمد البدليسي(1) ~~نفعنا الله به آمين (2) . # اللهم صل على سيدنا وشفيعنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ~~وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين بعدد كل حرف وسطر في هذا الكتاب وما ~~سطر ويشطر فيه وفي غيره إلى يوم الدين والحساب امين (3) . # قرأ هذا الكتاب المرحوم الشيخ أمين بن الشيخ خليل الفنان(4) على ~~طلبة العلم في دمشق الشام سنة 51226). # (1 ب) بسم الله الرحمن الرحيم ~~قال الشيخ الإمام المحقق أبو ياسر عمار بن محمد البذليسي: ~~الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد واله وصحبه وسلم. PageV00P005 ~~============================================================ ~~عمار البدليسي ~~فصل 3 1 : في صوم القلب واقطاره ~~اعلم، وفقك الله لطاعته، ومعرفة(1) أحوال باطنك، والوقوف على ~~3 معرفة سرك وفترتك(1) ونقصانك وزيادتك، أن علامة من استعمله الله تعالى ~~في العبودية، بشرائط آداب أعمال القلب، حصول حسن التفقد لأحوال ~~باطنه. ولا يصح التفقد إلا بعد وجود اليقظة - ومعناها: معرفة سوانح ما ~~يتجدد من الغيوب في القلوب من صنوف الكشوف. ولهذه اليقظة عند ~~أربابها لفظان، هما أعم للفائدة، وأقرب إلى (2) المشاهدة، وهما التبصرة ~~والذكرى. كما قال تعالى: تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} (القرآن الكريم ~~8/509). وقال تعالى: وما يتذكر إلا من ينيب} (القرآن الكريم ~~13/40)(4). ولانفكاكها عن مراتب العلوم، وإعزازها عن ذكر غير أهل ~~الفهوم للعلوم الفيضية الحقيقية، التي قرن الله سبحانه وجودها بوجود ~~12 القلب، فقال تعالى: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} (القرآن الكريم ~~37/50). فلا تحصل إلا بعد أن لا يبقى في العبد تفرقة. فبعدم التفرقة ~~وجود الجمعية، وذهاب علة التعلل من الباطن فيما شاء ms02 وسبر. كما قال الله ~~15 عز وجل: لكيلا تأسؤا على ما فاتكم* (القرآن الكريم 23/57) . لأن ~~الباطن يعتل ويسقم بهذه المذمومات، ويعتل الجسم بالمضر من ~~المأكولات، ويصيرة القلب تعمى كما تعمى (12) بصيرة الجسم. قال الله ~~18 تعالى: ولكن تغمى القلوب التي في الصدور} (القرآن الكريم 46/22) . # وكل ذلك من وقوع القلب في أودية التفرقة، فمنها يحصل الشك والشرك، PageV00P006 ~~============================================================ ~~صوم القلب ~~ولا تخلص(1) منها إلا بالجمعية. لأن منها تحصيل اليقين والتوحيد ~~والتفويض فمن أراد الله أن يهديه، يشرح صدره بنور عالم التفرقة بصده(2) ~~عالم التفرقة وحصول الجمعية. # فإذا حصلت جمعية من مقام عين الجمع، اجتمع لله تعالى بالكلية، ~~واستقام مع الله بمعاملته وإرادته. فوقف لدى الله متبريا عن حوله وقوته، ~~مستسلما في تصحيح عبوديته، بحمل ما يرذ عليه، مكتفيا بعلم الله فيه، في ~~كل ما يوجه إليه. فمن تجرد في العبودية، وأفرد التوحيد للربوبية، ووحد ~~الرب بلسان القلب، فهو الموحد على الحقيقة. # وصفة توحيد الحقيقة، ذكر الحقيقة، أن من وحد ومن ذكر على 9 ~~الحقيقة، ذكر، وهذه علامة نقلية، ذكرها الله سبحانه، فقال: فاذكروني ~~أذكزكم* (القرآن الكريم 152/2)(3). وقال: ( واذكر ربك إذا نسيت} ~~(القرآن الكريم 24/18). كأنه قال: إذا ذكرتني فاذكز ذكر شهود، ولا ذكر ~~وجود. فذكر الشهود، ذكر العيان. وفي ذكر الشهود نسيان الوجود. فليس ~~في الوجود إلا أنا وذكري، التي هي صفتي. فصفتي هي ) ذكري(4) ~~على لسان عبدي وقلبه. والعبد فيه تائه واله فإن لان القلب إذا ذكر، 15 ~~شرب، فطاب وقرب، فغاب فشهد، وسمع ففقد. وعند فقدانه وجد. فلما ~~وجد، خرج من كونه ذاكرا، فصار مذكورا. وذكر اللسان منفك عن مصاحبة ~~الأجزاء(5) والأركان. فلأجله صار بصفة اللسان لا يتخلى من (6) مقام (2 ب) 18 PageV00P007 # ============================================================ ~~عمار البدليسي ~~عالم الأجساد إلى عالم القلب والإلهام. وهذه صفة ذكر الوجود، لأن ذكر ~~الوجود تكليف، وذكر القلب تشريف. فثمرة ذكر التكليف الثواب، وثمرة ~~3 ذكر التشريف الاقتراب. قال الله تعالى: فاشجذ واقترت} (القرآن الكريم ~~19/96)، معناه: اسجد بقالبك، وأنب واشهذ بقلبك، واقترب. # والذكر ms03 ذكران، والعبادة عبادتان. فذكر اللسان وذكر القلب، وأعمال ~~6 الجوارح وأعمال القلوب. وأشرف الأعمال عمل السر، ثم عمل القلب، ثم ~~عمل الأبدان إذا قيدها الإخلاص، وكان على وفق للأمر والنهي والتقوى، ~~لا على وفق الطبع ومتابعة الهوى. وعمل القلب أشرف، لأن القلب أشرف. # 9 وكذلك عمل كل من له قلب د شرف ) على عمل من لا قلب له. وقد ~~مدح الله المؤمنين بصلاة قلوبهم، فقال: قذ أفلح المؤمنون الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون} (القرآن الكريم 1/23 - 2)(1). والخشوع في القلب، ~~12 ركوع للقلب. وكما أن للقلب صلاة، وصلاته أفضل الصلوات، فكذلك له ~~صوم، وصومه أفضل الصيام. وكما أن بين القلب والقالب تباين في الصورة ~~والمعنى، كذلك لعمل القلب تباين عن عمل البدن في الصورة، لا في ~~15 المعنى. لأن صلاة البدن ركوع وسجود وقيام وتشهد، وصلاة القلب خضوع ~~وشهود واستسلام وتجرد. وكما أن صوم البدن هو الكفة عن المأكول ~~والمشروب، كذلك صوم القلب كفة عن كل فضول أو ما يوقع في فضول. # 18 ثم إن(2) أرباب صوم القلب طوائف: طائفة صوم قلوبهم ترك ~~المحظورات قولا وسماعا، وهو لأهل البدايات. وطائفة صوم قلوبهم حفظ ~~القلوب، كيلا يوسوس فيها(3) العدؤ (13) بذكر، صغيرة وكبيرة من الذكر؛ PageV00P008 ~~============================================================ ~~صوم القلب ~~وهؤلاء أهل التربية والتصفية. فهم بالتربية والتصفية في حفظ وحراسة ~~وحماية عن إلقاء العدو. لأن القلب إذا صفا، وحصل الصفاء صفة له [ققد ~~أن] لا يبقى عليه لغير الله حكم ولا للعدو إليه طريق. بل ربما في بعض 3 ~~الأوقات يوقع في القلب شيئا بطريق التسلط، وذلك من أجل التنبيه، كما ~~وقع في قلب الرسول، عليه السلام، وبعد ذلك غصم. قال الله تعالى: ووما ~~أزسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته 6 ~~(القرآن الكريم 52/22)، فصار ذلك قاعدة في حق أهل التربية والصفاء. # فإذا تفرد الصفاء بصفته صار لا يقبل إلا أجناس الصفاء. وكما أن ~~الخبث لا يقبل إلا أجناس الخبث، لأن الصفاء نوعان: نوع من صفاء 9 ms04 ~~الملائكة(1)، ونوع من صفاء الحق. فمن كان صفاء قلبه من صفاء صفات ~~الحق فهو الذي لا سبيل عليه للشيطان، وهو الرباني. ومن كان صفاء قلبه ~~من صفاء صفات(4) الملائكة فهو صاحب المحمودات، غلبت محموداته 12 ~~على مذموماته. فله جنس وضد: فإلى جنسه يميل، ومن ضده يستقيل (3). # وانما يدخل الضد على ضده بالقهر والغلبة. فما دام حفاظ رقباء الصفات ~~يحرسون ويحفظون الصفاء عن دخول الكدورة عليه، فقد استقام الصفاء في 15 ~~كماله. فإن العبد في تلك الحالة محفوظ بحفظ الربوبية. كما قال الله تعالى : ~~إن عبادي ليس لك عليهم سلطان (القرآن الكريم 42/15) . والله يتولى ~~صفاء أهل الصفاء بحفظه وحفظ أدلائه وملائكته وكلامه. من ذلك ما قال 18 ~~عليه السلام: "إنه ليغان على قلبي"(4) الحديث. (3 ب) قال الله تعالى: PageV00P009 ~~============================================================ ~~عمار البدليسي ~~(وإذا قرأت القران جعلنا بينك ويين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا ~~مشتورا} (القرآن الكريم 45/17) . # وطائفة صوم قلوبهم من كل داخل من الخطرات الحميدة الجيدة ~~المأمورة بالخير، المقبولة في الطريقة والشريعة، إلا أنها لما كان (1) موردهن ~~ومصدرهن من عند غير الله، وجب عليهم حفظ القلوب منهن. لأن قلوبهم ~~الفت واعتادت الشرب من الخواطر الربانية، والكلمات الإلهامية، والنفحات ~~الرحمانية، والواردات الإلهية، والإشارات الغيبية، وجب عليهم الصوم من ~~خواطر الملك، والطبع المستسلم بحكم القلب، والنفس المطمئنة الراضية ~~المسلمة. لأن كل قلب ألف السماع من الله، والقول مع الله، والنظر ~~إلى الله، فإنه إذا أحيل إلى واسطة كأنه نقل من الزلال العذب إلى شرب ~~الكدر المالح. وكيفية هذا الصيام هو التحفظ من هذه الخواطر، حيث ~~12 لا تدخل القلب. فإن دخول تلك الخواطر يفطر القلب من صومه. وصومه ~~دوام النظر إلى الله، ودوام الوقوف مع الله، ودوام الاستسلام لدى الله. # وكيفية التحفظ في هذا المقام هو الوصول إلى مقام المراقبة فمن ~~15 لا مراقبة له، لا تحفظ له. ومن لا تحفظ له، لا صوم قلب(2) له. فصوم ~~قلوب هذه الطائفة الثالثة بشهود الله، وفطرهم عند أوان الإفطار على أنواع ~~كشوف الله- وهو سر ms05 معنى الخبر: اللصائم فرحتان (3): فرحة عند إفطاره، ~~211:4 والمعجم المفهرس 28 تحت: غان. وانظر بهجة فصل30، ~~ص15/118 وصوم ص 19/9. PageV00P010 # ============================================================ ~~صوم القلب ~~وفرحة عند لقاء ربه". ولهذه الطائفة، كلتا الفرحتين موجودة، لأنهم ~~يشهدون الحق ويجدون الفطور (24) من عند الحق، فإذا صام القلب في ~~مقام المراقبة، فله المشاهدة، وهو في جميع اليوم مستغرق هائم حاضر 3 ~~ذاكو، بل مذكور، وذكره ذكر مذكوره إياه. فلأجله يكون غائبا عنه، حاضرا ~~مع ما غيبه. وصوم هذا القلب: صوم شهود الله. كما ورد في الخبر: "أنا الله ~~الذي اقتربت من قلبك، وبالغيب رأيت نوري". # ودون هذا الصوم، يختمل في حقه معنى الفزحة عند إفطاره، التحفظ ~~من خواطر إلقاء العدو، ووساوس النفس الأمارة. فإذا انقضى صومه بسلامة ~~عن دخول ما يفسد صومه ويفطره عن فضيلة صومه، فلأجله فرح عند إتمام 9 ~~صومه له فهذه مجاهدة عظيمة، وصاحب هذه المجاهدة مقامه التفر ~~الدائم. لأن التفكر، بوجود الذوق، في آلاء الله، بذوق العبد المتفكر لذة ~~وحلاوة، يمتلى صدر العبد من لذة التفكر بمعرفة حقيقة ما فيه نظر وتفكر. 12 ~~وذلك يمنع وساوس الشيطان وإلقاء العدو بنزول معرفة أسرار المصنوعات ~~في القلب. # وفطور هؤلاء الطائفة الثانية على أسرار المصنوعات بواسطة التفكر. 15 ~~فلذة كلمة حكمة أشهى للقلب من حلاوة الدنيا وما فيها. وصوم هذا القلب ~~عن المذام وإفطاره بالمحامد. ومعنى هذا الصوم يكون من أجل الله تصحيحا ~~للعبودية، وتطهيرا للقلب مما سوى الرب جل وعز. ويقال لهذا الصوم: 18 ~~صوم الإرادة(1) والذوق، ولما هو أعلى من هذا: صوم الدنو والقرب ~~والمعرفة. # والفرحة الثانية تكون عند لقاء ربه. ويحتمل لقاء الرب لأهل صوم 21 PageV00P011 # ============================================================ ~~عمار البدليسي ~~الارادة عند نهاية (4 ب) مجاهداتهم، وتتمة مقاماتهم. وهو قلب صام ~~لأجل الله، معناه: حتى يشهده، والى على نفسه(1) أن لا يقطر إلا بلقاء الله، ~~معناه: مشاهدة الله، فلما شاهده أفطر به، لا بغيره. # ونهاية مقام هذا في الفطور، عند نهاية مقام قلبه في الصوم، مثل كل ~~فطور كل يوم، كل ليلة من صوم ms06 قلب أهل الدنو، إذ له الفرحتان في كل ~~ليلة. وهذا له فرحة واحدة: وهو وجدان لذة التفكر، أو وجدان سر ما فيه ~~تفكر. # والطائفة الأولى(2) من أرباب صوم القلوب هم أهل الطلب والعلم ~~والشوق، أوجب عليهم ذكر الله نزاهة الصوم عن اختيار المفطرات. وقد ~~ورد: "خمسن يقطزن الصائم"، فالذاكر الصادق المشتاق، لما ذاق ثمرة ~~الذوق، عرفه (3) الذكر، وكشف له عن حقيقة صوم القلب، لأنه بعزلته في ~~12 الخلوة عن الناس، حصل له(4) صوم القلب، كما حصل له ذكر القلب. ولا ~~يحصل ذلك إلا بترك المحظورات قولا وسماعا ونظرا. ولا يحصل ذلك - ~~خصوصا للمبتدئ - إلا بالعزلة. # 15 ومعنى العزلة، أي: في العزلة عز له. فإذا حصل هذا، فصوم قلوبهم ~~حفظ القلب على الذكر، ونفي ما سوى الذكر عن القلب. وترك الكلام من ~~شرط هذا الصوم، إلا مع دليله، أو ربه. وترك الكلام من شرائط صوم ~~18 القلب. وإن اضطر: تكلم بالرفز، كما أمر الله سبحانه وتعالى لزكريا، عليه ~~السلام، وقال: ايتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} (القرآن الكريم PageV00P012 # ============================================================ ~~صوم القلب ~~41/3) . وقول مريم: ل إني ندزث للرخمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا) ~~(القرآن الكريم 26/19). وإنما فائدة صوم القلب أن لا يكلم إنسيا بلسانه . # و ح لأن اللسان ترجمان القلب، بل باب القلب، وجب في صوم القلب ~~غلقه واستكانه في عالم الأجساد، إذ الكلام مع الإنس ينافي صوم القلب، إذ ~~القلب من(1) عالم الأمر، وإنما صام في عالم الأجسام (25) عن الكلام مع ~~غير جسه، لحصول الكلام مع آبناء جنسه من الروحانيين، والملائكة ~~وذكر الامتناع عن الضد إباحاة المباسطة مع الجنس، إذ لا يتأتى بين 9 ~~الجنسين مسافة للعبادة كما يتأتى بين القلب والملائكة - هذا إذا كان القلب ~~في مقام العزلة عن الناس. إذ الناس أضداد عند القلب بالإضافة إلى ~~الملائكة. فأما إذا كان القلب في قطع عالم الوجود، فإن صومه العزلة عن ~~الناس، وترك الكلام معهم. فإذا قطع مسافة عالم الإنسان، فإن المصاحبة ~~مع أجناس العلى، وذلك من أجناس ms07 ما هو بصدده من مطلوبه. وصوم قلبه ~~حتى ينتهي أيضا سيره في عالم العلى. فإذا قطع عالم الأرواح والملائكة، ~~فهناك تعين له وعليه العزلة عما سوى الله . فيكون صوم القلب فيه صوما عما ~~سوى الله، لشهود الله. ورؤية(1) ما سوى الله يقدح في صومه في هذا المقام، ~~إلى أن ينتهي حاله (3)، فيكون لله بالله، أي مع الخلق بالله، ومع الحق لله . # فحييذ صوم قلبه لا نقص يتطرق إليه، لاستيلاء حكم قلبه على جميع ~~حواسه: من عقله وعمله وطبعه ونفسه وشهوته، وحكم الله مستول على PageV00P013 ~~============================================================ ~~عمار البدليسي ~~قالبه، والقلب في حكم قبضة وقدرته. والمقدورات في حكم تصرف قلبه، ~~وقلبه لوخ محفوظ: علم الله وعرش تجليه، يراه في مشاهدته ويخبر عنه ~~3 بمحدثيته. كما ورد في الخبر عن موسى، عليه السلام، قال: "إلهي آين ~~أبغيك؟ فقال: يا موسى، (ه ب) وأي بيت يسعني، وأي مكان يحملني ~~فإن أردت أن تعرف أين أنا، فأنا في قلب الوادع التارك العفيف"(1). وهذه ~~الثلاثة صفة صوم القلب. # فصوم القلب دأب الأنبياء والمرسلين والأولياء الصديقين. ولذلك ~~جعل الله عز وجل آية زكريا، عليه السلام، عند إعطاء الولد صوم ثلاثة أيام، ~~ثم أعطاه الولد، لأن للصيام دعوة مستجابة. ومتى صح صوم القلب، صح ~~صوم البدن. ومتى صح صوم البدن، يستجاب ذعاء العبد. وما(2) لم يصح ~~والإصغاء إلى اللهو واللعب. وكل هذا يقدح في الصوم ويذهب بفضله. # وإذا ذهب فضل الصيام، لم يرتق إلى صوم القلب أبدا: ~~1 وانما أول شرط صوم القلب هو الدخول في صوم الفرض بموجب ~~الشرائط الشرعية، ثم بالتحفظ من حيث الجوارح والأقوال والخواطر. فإنهم ~~كانوا يكرهون فضول النظر، كما كانوا يكرهون فضول الكلام. وفضول النظر ~~18 من جملة العفطرات، كذلك فضول الكلام: وهو النظر بشهوة، والكلام في ~~غير طاعة، ويعتزلون من الهموم والخواطر، كما يعتزلون بالظواهر PageV00P014 # ============================================================ ~~صوم القلب ~~والنواظر. وإذا اجتمع للعبد فضائل صوم البدن، ترقى منه إلى صوم القلب. # وفي الأول حصول صوم القلب، ثم حصول فضيلة صوم القلب. ومعنى ~~صوم القلب: الكفة ms08 عن معاصي القلوب بالاشتغال بطاعات القلوب. وكما 3 ~~أن لصوم البدن فضيلة، كذلك لصوم القلب (6 2) فضيلة. # ومن فضائل صوم القلب ظهور اية الصوم في الحال أو بعد ثلاثة ~~أيام * (1)، كحالة مريم، أو كحالة زكريا، عليهما السلام، وإنهما يرزقان 6 ~~من الأنعم الباطنية في قلويهم على سبيل إظهار الكرامة والعطاء، لو] من ~~الأنعم الظاهرة عند الافطار مع استجابة الدعاء. # أو كحالة نبينا، عليه السلام، حيث كان يقول: "إني أبيت عند ربي 9 ~~يطعمني ويسقيني"(2). وهذا أعلى رتبة صوم القلب. وقد أغطي هذا ~~الصوم محمد =ا، وامته، لأن عبادة هذه الأمة في مقام ~~المشاهدة، وذلك لكون معراجه، عليه السلام، أعلى معاريج الأنبياء. وإنما 12 ~~صار معراجه أعلى لأن مشاهدته أوضح وأكشف: لأن قربه من الذنو في ~~حضرة العزة كان أقرب مقامات الأنبياء. فلأجل ذلك ظهر فضل درجات أمته ~~على سائر الأمم لعلو أحوالهم من الله ومع الله. ولهذا قال، عليه السلام: ~~"اعلماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"، يعني: العلماء بالله في أمتي بفضل ~~الأحوال، وظهور الآيات والعلامات من خلع الولايات، أقاموا بعد انقطاع ~~النبوة على منهج النبي، عليه السلام، يدعون الخلق إلى الحق، إلى يوم 18 PageV00P015 ~~============================================================ ~~عمار البدليسي ~~موجودة باقية، والنبوة منقطعة عاطلة. وهؤلاء في هذا الزمان، في الأجر ~~والدرجات، بإحياء سنة نبيهم بعده، كأولائك الأنبياء في زمانهم. إذ فعلهم ~~هح ~~3 في الدعوة كفعلهم فأشبهوا الأنبياء بأفعالهم ودعوتهم وحسن سيرتهم ~~وطريقتهم وسمعتهم وهذيهم. كما شبه علي، عليه السلام، بنوح النبي، ~~عليه السلام. وشبة بعضهم بالخليل. (6 ب) وكل ذلك الشرف لأمته على ~~سائر الأمم لوجود(1) شرفه، عليه السلام، أعظم وأشرف وأجل عند الله من ~~الأولين والآخرين، ولأن حالته عند الله بمقام الإخلاص من المشاهدة: لم ~~يعادله مثله لا ملك مقرت ولا نبي مرسل. كذلك أهل الأحوال من أمته: ~~9 أحوالهم خير أحوال الأمم، لأتهم خير الأمم عند الله. # فصل - 2: في فتوح السالك ~~قيل للجنيد: هل في القرآن (2) شيء يدل على فتوح السالك4(3) ~~12 فقال: نعم. ثم قرأ: وكلا نقص عليك من ms09 أنباء الرسل ما نثبت به ~~فؤادك} (القرآن الكريم 120/11) . # ففي الفؤاد خزانة سر الكشف والإشهاد، والمحبة والوداد، وسر ما ~~15 ظهر من العدم إلى الإيجاد، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو ~~ح عظيم (القرآن الكريم 35/41)، هم الذين رزقهم الله التبصرة في ~~قلوبهم، على نفوسهم، فلا يتحركون في حركة إلا ببرهان بصيرة. * و ح ~~18 لم يزالوا في طلب الأدلة فيما يستح لهم ويحدث فيهم، حتى وقفوا على PageV00P016 # ============================================================ ~~صوم القلب ~~معرفة كل شيء وضده. وبذلك تكلموا في علوم المعاملات، وحلوا منها ~~عقد المشكلات، ويينوا فيها عن كيفية مواطن الافات. وذلك بحصول ~~نور الله في القلب، فكانوا بذلك على بينة من ريهم. والبينة من الله ~~هي صفتهم، بها يعرفون الافات، ويفرقون بها بين الخيالات ~~والمشاهدات، ويبينون عما يلقى إلى الباطن من إلقاء العدو والنفس من ~~النزعات، وما يكون من إملاء القلب، أو الملك، أو الطبع، أو الحق جل ~~وعلا من الإشارات والخطرات. وهذا هو معنى الدليل، 12ح لموصوف ~~به كل من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} (القرآن الكريم 50/ 37) . # فصاحب القلب هو المحدث من قبل قلبه عن ريه، ويلقي "السمع": هو 9 ~~المصغي إلى قلبه وقلبه المصغي إلى الغيب. # فصل - 3: في حقيقة الصوم ك ~~(27) وإنما صير القلوب، مجال توازل الغيوب، حسن التصفية، 12 ~~والتطهير، والتريية والتنوير. وكيفية تلك التصفية والتطهير للقلوب هي حقيقة ~~الصوم في ذوق الحقيقة عن أستاذ التربية، وهو الصوم عن الاثام، ثم عما ~~لا يعنيه من الكلام، ثم عن (1) مخالطة من (2) لا يأمن منه السلامة من الأنام . # فتصويم جميع الجسد، هو بداية تصويم القلب، وهو الصوم على الحقيقة. # و) بذلك وصلوا إلى الصوم عن كل محظور، ثم إلى الصوم عن كل ~~نظرة بغفلة، أو إرادة بشهوة، أو حركة في غير طاعة، ثم إلى الصوم له به، ~~وهو صوم الحالة: صومهم الوقت الغالب عليهم عن رؤية ما سواه، أو النظر ~~الى ما عداه. وهذا هو صوم قلب، هو في تصرف الحال، غلب عليه ذكر PageV00P017 # ============================================================ ~~عمار ms10 البدليسي ~~المذكور، حتى سلب شعوره بكل موجود سواه، جميع نهاره، فلما آن أوان ~~انقضاء صوم العموم شرعا، ورد إليه وعليه من ملاحظة نظر العناية، سر(1)، ~~3 تبدى(2) له من ثمرة الصوم: إما علما من علوم حاله، أو كشفا من مشاهدة ~~سر حاله، - أو شيئا من غرائب أجناس العلى. وذلك فطور جسمه من ~~الأنعم الظاهرة. # فمن خسم عنه مواد الحواس، ولزم العزلة عن الناس، ونزه صومه عن ~~الأدناس، والأنجاس، وصل إلى رتبة الاستثناس. ففي الصوم مجاهدات ~~عظيمة، وفيه أيضا مشاهدات جسيمة. قال الله تعالى: واستعينوا بالصبر ~~9 والصلاة (القرآن الكريم 45/2 و153)(3)، يعني به الصوم والصلاة. # فالاستعانة بالصوم لما فيه من المنافع والفوائد والثمرات. ولهذا ورد في ~~الخبر: اصوموا تصحوا"، يعني من علل الباطن. لأن صوم البدن إنما زاد ~~12 في الغفلة (7 ب) علة من حيث الحرارة واليبوسة. وإنما أراد به العلل ~~الباطنة. وإنما يزيل العلل من الباطن إذا كان صوما قلبيا. فصوم القلب ~~شرطه الصحة، والصحة شرطها(4) صوم القلب. ومعنى الصحة من سقم ~~15 الذنوب، وقساوة القلوب. لأن مرض () القلوب يمنع القلب من وجدان ~~فائدة الصوم وثمرته، كما يمنع المرض المريض من وجدان لذة الطعام الذي ~~هو عذته وقوته. وكذلك للقلب من الصوم قوة وطهارة وتصفية. PageV00P018 ~~============================================================ ~~صوم القلب ~~فصل - 4: في أن الصيام ثلاثة أنواع ك ~~والصيام ثلاثة أنواع: نوع للبدن، ونوعان للقلب. # فالأول من صيام القلب خص بالثمرات واللذات، ترد إليه من دوام 3 ~~الذكر والفكر، من الله، في مقام المحاسبة. وفطور هذا الصوم على الإنعام. # ومعنى الإنعام: وجدان اللذات والمؤاتسات. وصاحبه من خواص العبيد. # فصومه صوم الخصوص: ~~الثاني من صوم القلب خص بالمشاهدات والواردات. ففطوره على ~~الإلهام، لأنه في مشاهدة الحالات، في مقام الاقتراب. وقد قال الله تعالى: ~~"الصوم لي، وأنا أجزي به"(1). وكل الصيام له، كما أن كل العبيد له. بل له 9 ~~عبيد على التخصيص والاقتناء، هم آقرب إليه، وأرفع عنده من سواهم. # كذلك له من الصيام صوم هو منحة من متحه وهدية من هداياه، إلى ms11 الأخص ~~من عبيده. وصاحب هذا الصوم من أخص العبيد، فصومه صوم خصوص 12 ~~الخصوص فمن عبد صومه الله بهذا الصوم، فقد أدخله في حقيقة العبودية، ~~وارتضاه عبدا، واقتناه حرا، وتولاه خلا، وخلع عليه بخلعة أهل المزيد ~~والإلهام. لأن سر قوله عز وجل: "الصوم لي" يقتضي فيه سرا خفيا، كأنه ~~يقول: إن في الصوم (18) سرا هو لي، لا يطلع عليه غيري؛ من رزق ذلك ~~الصوم، جازيته بالقرب. "وأنا أجزي به" معناه: كما أفرد لي سره، وأخلى ~~لأجلي قلبه، وجعلني قصده، فإن جزاءه: بأن أقربه، وأقترب منه، وأسر في 18 PageV00P019 # ============================================================ ~~عمار البدليسي ~~سره، وأبث في قلبه. وقد قال الله تعالى: "أنا الله الذي اقتربت من قلبك، ~~وبالغيب رآيت نوري". # وأما صوم البدن ف خص بالثواب من الله تعالى، وفطوره على ~~الطعام، ولا فطور لقلبه فكما لم يكن له صوم، لم يكن له إفطار. وظاهر ~~الصوم ما سترك وحماك من (1) الذتوب. وسر الصوم ما سيرك ورقاك إلى ~~6 مشاهدة القلوب من الغيوب. وقد قال، عليه السلام، بمقتضى ما ذكرناه: ~~"الصوم جنة"(2)، وظاهرها ما حفظك على الطاعة من المعصية، وباطنها ما ~~حفظ القلب كيلا يطلع على سره غير الرب. # فمتى حفظ القلب، حفظ سر القلب. فمن لم يتحفظ لا بظاهره ولا ~~بباطنه، فلا فائدة لجتته. فكأته لم يستتر بالجنة بموجب الاستتار. وكذلك ~~من يصوم بغير موجب الصيام، لم يخظ (3) لا بالإنعام ولا بالإلهام(4)، ولا ~~12 بالثواب ولا بالاقتراب. # قصل - 5: في موجيات الصيام ~~وموجبات الصيام نوعان: نقلي وذوقي: ~~1 فظاهر الجنة(5) هو واجبات النقل. فمن لم يلتزم ذلك فقد خرق جنة PageV00P020 ~~============================================================ ~~صوم القلب ~~صومه، وهيهات آن يصل إلى وقاية جتة صوم قلبه. قال عليه السلام: ارغم ~~أنف من أدرك شهر رمضان ولم يدخل الجنة". # فحظ الذوق من أسرار الخبر = ف ح كما أن للبدن من شرائط 3 ~~الصوم جنة كذلك للقلب من حقيقة الصوم في كل يوم وساعة من الله سبحانه ~~وتعالى حضور وشهوذ وجنة. لأن لذة ثمرة حقيقة الصوم في ذوق القلب عند ~~(8 ms12 ب) مشاهدة غيب صخو الحالة أطيب عند الصائم لله بقلبه وكليته من جنة 6 ~~عذن. فمن لم يدخل في جنة جنة حقيقة صومه، رغم أنفه. إذ فائدة جنة ~~الصائم لحاظ(1) للقرب من الرب. إذ صوم القلب إذا كان لشهود الله، ~~ففطوره وإفطاره عند لقاء الله على شهود شاهد الله أو شواهد الله. وكما أن ~~أوان إفطار الأبدان، ورود الأذان إلى الاذان، كذلك أوان إفطار القلوب، ~~عند ورود الأمر والإذن من عند الملك الديان. وكان بعضهم يقول: أقوم ولا ~~إله إلا الله، وأقعد ولا إله إلا الله، واكل ولا إله إلا الله. معناه في الحقيقة 12 ~~عند أريابها، أي: بالله أقوم، وبالله أقعد، وبالله اكل. ومعنى هذا: الإذن ~~والأمر على الخصوص، لا تصرف القدرة على العموم. وفي معناه ورد في ~~الخبر: "فبي يسمع، وبي يبصره، أي: بالأمر والإذن من الله لأنبيائه 15 ~~وأوليائه. # فإذن الأنبياء بالوحي الظاهر والوحي الباطن. وإذن الأولياء بالقذف ~~والإلهام. # فالقذف قد يكون من داخل، وقد يكون من خارج. ومنه الهاتف الذي ~~يسمع صوتا ويشهذ شخصا. PageV00P021 # ============================================================ ~~عمار اليدليسي ~~وقد ورد في الخبر: "للجتة باب يقال لها الريان(1)، لا يدخل فيه إلا ~~الصائمون". وعند أهل الذوق والحقيقة والكشف والمشاهدة مثل ذلك الباب ~~3 من الغيب إلى القلب، منه يتزل للقلب من الرب النظر إليه، والسماع منه . # ال والدليل القاطع على أن ثمرة الصوم القلبي هي المشاهدة، أن الله ~~تعالى أمر لموسى، عليه السلام، بالصيام، ثم لما انتهت (2) مدة صومه، دعاه ~~إلى الكلام، فخلع عليه بالمكالمة (9ا) وذلك لتخصيص الصوم بالمشاهدة، ~~دون غيره من العبادات. وقد كان رسول الله، ي، يصوم ويواصل في ~~صومه، فاستن به جماعة من الصحابة، وكانوا يستضرون من ذلك. ففطن ~~لذلك رسول الله، فنهاهم. فقالوا: يا رسول د الله ، نراك تواصل. # فقال: "لست كأحدكم، إني أبيت عند ريي فيطعمني ويسقيني"(2). معناه: إن ~~للقلب من الرب قرزبا وشزبا، ورؤحا وذؤقا، ليست لقلوبكم. فلم يتركهم ~~12 يتحملون(4) من المجاهدات إلا بقدر شرب قلوبهم من الصوم. # فصل - 6: في نهاية ms13 صوم القلب ي ~~فأما نهاية صوم القلب أنه إذا صام، استغرق وهام، واستوى عند ~~15 الراحات والالام، وانقطع لساته عن الكلام، وشغله وجدان اللذة عن أن ~~يخطر() بباله الطعام، وذلك لاستطعام القلب من طعام الإلهام. فلا يجذ ~~القلب الذوق في الصوم إلا بعد إفناء الحظوظ وإبقاء الحقوق. ولا يصير PageV00P022 ~~============================================================ ~~صوم القلب ~~بالحقوق قائما وعن الحظوظ فانيا إلا بعد انعدام تصرف البشرية، وحصول ~~التصرف جميعا في القلب للربوبية. وعلامة ذلك أن يكون القلب في ~~المملكة. والتفس في الخدمة، راضية مطمئنة. فهناك الشرع والعقل 3 ~~والحقيقة من حجاب القلب، والغيب حاكمه، وعند النهاية محكومه، ومقعد ~~الصدق مقره، والمليك المقتدر سبحانه جليسه وأنيسه. # قصل ل: في الصمت وثمرته ~~فمن عز له أن يصل إلى هذا الصوم، فليجتهد في التحفظ من الاثام، ~~وترك اكل الحرام، والفرار من جميع الأنام، بالتوجه في أداء حقوق عبادة ~~الملك العلام، بجمع هم(1)، وفراغ قلب، وتوحد خاطر، وصحة (9 ب) ~~ق صد، وحسن نية وطوية. ثم يلزم السكوت ويسكن قعر البيت. ويجتهد في ~~استقامة اللسان- ولا يستقيم إلا بالصمت، ولا يصمت إلا بالتكلف ~~والمجاهدة. فإذا داوم على ذلك، ربما ذاق ثمرة الصمت. فبذلك يأخذ ~~بالاستقامة: وهو آن يصير الصمت اختيارا له، محبوبا عنده، عزيزا عليه، ~~لا يسشمح بنفس أو كلمة ولو في حق. خاف على نفسه من لسانه الجاري، ~~كما يخاف من عدؤه السبع الضاري ~~وللصمت فائدة عظيمة. وفيه منفعة جسيمة. ولهذا قال، عليه السلام: ~~"الصمت حكم، وقليل فاعله"، معناه، والله أعلم: لو فعله واختاره (2) كل ~~الخلق، لاعتدلوا واستقاموا. لأن الصمت الدائم يصفو (3) اللسان، ويستقيم 18 ~~به الإنسان. وفيه معنى آخر: بالصمت حكم، أي: مقؤم وحكم في تقويم PageV00P023 # ============================================================ ~~عمار اليدليسي ~~اللسان، فتقويم جميع الجوارح من الإنسان. وفي اعوجاجه اعوجاج سائر ~~الجوارح من(1) الانسان. ومنه يسري الاعوجاج إلى القلب، فيعوج، ~~3 وباعوجاجه يسري النقص إلى الايمان. وقد ورد في الخبر، عن سيد ~~البشر، ي أنه قال: "لا يستقيم إيمان امرئ حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم ~~قلبه حتى يستقيم لسانه"(2). وهذا هو ms14 فائدة الصوم وثمرته. # فصل - 8: في الاستقامة وأنواعها ح ~~فإذا تحقق العبد في الصمت حصل بين ثلاث استقامات (2): استقامة ~~اللسان، ثم استقامة القلب، ثم استقامة الإيمان. # 6 كل الاستقامة في استقامة القلب. والمراد من استقامة القلب، ~~الاستقامة في توجهه إلى الله، بحقيقة الإقبال على الله، بترك الالتفات إلى ما ~~سواه، في جميع الأحوال. وهذا هو استقامة الحالة والاتصاف. فمن ~~12 لا يكون في جميع الأحوال مقبلا على الله (210) بالكلية، مغرضا عما سواه ~~في جميع الأحوال، فإنه قد يكون في استقامة التوقي والسير والترقي، فتارة ~~يغرض وتارة يقيل. وعند ورود الإعراض، يقال له : فاستقم كما أمزت. فإنه ~~15 كان قد أمر بحقيقة الإقبال عليه، في قوله: ألم تر إلى ربك} (القرآن ~~الكريم 45/25)، وفي قوله: {فإنك بأعيننا} (القرآن الكريم 48/52)، ~~حتى وصلت الاستقامة إلى حالة الاتصاف، من مقام النهاية، قيل في حقه، ~~18 عليه السلام: ما زاغ البصر وما طغى) (القرآن الكريم 17/53) . # ومعنى حقيقة الاستقامة، هو شرح الصدر، ورفع الذكر، ودعوة العباد PageV00P024 # ============================================================ ~~صوم القلب ~~إلى التقويم، والصراط المستقيم، ولا يصلح للدعوة والتقويم إلا كل كامل ~~تقيه ~~وأما استقامة الإيمان فهو نوعان: نوع لموجب(1) الأعمال، ونوع 3 ~~بموجب الأحوال. # فالذي لموجب(1) الأعمال: الاتصاف بمكارم الأخلاق، وجميع ~~الاداب، وأسنى الطرائق، وأزكى الأعمال. كما قال، عليه السلام: "المؤمن ~~كيس فطن حذر ألف مالوف غر كريم(2) وقاف في (3) الأمور غير عجول"، ~~إلى غير ذلك من الأوصاف المرضية : فرار من المناهي والمكروهات كالفرار ~~من النار، فعال لزام للأوامر والنوادب والواجبات والمستحبات ~~والمسترغبات(4) في قدم المجاهدات والرياضات. هذا فيما بينه وبين الحق ~~سبحانه. وأما ما بينه وبين الخلق - ف ح بمحاسن الأدوات، واتصال ~~الراحات، والمعاونة في المهمات، وبذل المجهود معهم في الملمات، ~~والمشاركة لهم في المسرات والمضرات، حتى يسوءه ما يسوء [لا عدوه، ~~(10ب) عن (5) صديقه، ويسره ما يسر [لا عدوه، ليكون مؤديا لشرائط ~~أخوة الإيمان، وكذا = لك حقوق الأخوة من استقامة الإيمان، وترك 15 ~~حقوق إخوان الإيمان من ضد الاستقامة. ولا(1) كل إيمان في مقام ~~الاستقامة، ms15 ولا كل مؤمن مستقيم. PageV00P025 ~~============================================================ ~~عمار البدليسي ~~وأصل الاستقامة: العدل، فمتى كان الإيمان في حد الاستقامة، ظهر ~~العدل بين الطبع والشرع والجهل والعلم. وإذا ظهر البعاد بين الأضداد في ~~3 العبد فذلك من علامة استقامة الإيمان. # الومن أوصاف استقامة الإيمان استواء السر والعلانية، كما ورد في ~~الخبر: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون قلبه ولسانه شيئا واحدا (1)، وحتى يحب ~~لأخيه ما يحب لنفسه"(2). وليس المراد به نفي الإيمان بالكلية، وإنما أراد به ~~كمال الإيمان وحقيقة الإيمان (3). فكما بالطاعة والمحامد يزداد(4) لك، ~~بالمعصية والمذام ينقص. # وأما النوع الذي هو بموجب الأحوال، فهو الإيمان في رتبة المعاينة ~~والعرفان والإيقان. فإذا استقامت(5) رتبته في الأعمال، نقل إلى الأحوال. # كما ورد: "لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه"(6)، الحديث. # 12 والمحبة من الأحوال. والطريق إلى الأحوال هو الأعمال. فما كان في مقام ~~العمل عاملا له، موقنا به، ففي مقام الحال يكون مشاهدا له، ناظرا إليه. # يذل عليه قول حارثة(2): أصبحت مؤمنا حقا(4). قيل له: وما حقيقة PageV00P026 ~~============================================================ ~~صوم القلب ~~إيمانك؟ فذكر المشاهدة، فقال: كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا(1). ونقل ~~من العلم إلى المعرفة. # فصل - 9: في أن المعرفة مشاهدة ومعاينة 3 ~~والمعرفة مشاهدة ومعاينة. فالمشاهدة في مقام القزبة والمحبة. # فأول الاعتدال، استقامة كسب ومجاهدة في قدم الأعمال، وآخر ~~الاعتدال، استقامة قرب ومشاهدة في قدم الأحوال. ونهاية استقامة(2) ~~الايمان في الأحوال اتصاف القلب بالمشاهدات، والقالب بالآيات ~~والكرامات. فيكون العبد بايمانه مستقيما، وبعرفانه على صحة العبودية ~~مقيما. فمن استقام إيمانه، تم عيانه وعزفانه، وأثمرت حركاته وأثرت 9 ~~إشاراته. حكي عن إبراهيم بن أدهم(3)، رحمه الله، (11 2) أنه كان قاعدا في ~~الحرم تجاه الكعبة، فجاءه رجل، فقال: يا شيخ، ما علامة الرجل المستقيم؟ # فقال: أن يتحرك لإشارته هذا الجبل. وأشار إلى جبل أبي قبيس، فتحرك 12 ~~الجبل. فقال: اسكن، فمالك أعني، فسكن(4)، هذه علامة نهاية الاستقامة . # وأما استقامة اللسان فنوعان: توع ظاهر بموجب العلم، ونوع باطن ~~موجب المعرفة: ~~خطا في فهرس الترجمة الألمانية لعوارف المعارف للأستاذ غرامليش ص 488، ~~يدل: ms16 حارثة بن مالك الأنصاري، حارث بن بدر بن حسين التميمي، وانظر أيضا ~~قوت القلوب 2: 171. PageV00P027 ~~============================================================ ~~عمار البدليسي ~~فالاستقامة بموجب العلم أن لا ينطق إلا بإذن العلم، فيما له فيه (1) ~~الإذن، صامتا ساكتا عن آن ينطق بهواء نفسه البتة، ما دام هو في تصرف ~~3 العلم. فإذا جاز إلى تصرف القلب، فيصير بابا مغلقا للقلب، لا ينفتح إلا ~~بإذن القلب. قال بعضهم: كنت ثلاثين سنة يسمع لساني من قلبي، ثم صرت ~~ثلاثين سنة يسمع قلبي من لساني (2). مثاله مثال التعلم في حضرة العالم: ما ~~6 دام العالم يتكلم فهو المضغى إليه؛ فإذا سكت العالم، نطق المتعلم. كذلك ~~حكم على اللسان بالسكوت. ولما كان القلب في تربية الاستقامة، قيل (3 ~~للسان: اصغ إليه لتستقيم. فلما حصل له الاستقامة، قيل للقلب: اضغ إليه. # 9 ومثله مثل الصبي، يصغي الى أستاذه ليسمع منه ما يتعلم. فإذا تعلم، أصغى ~~اليه الأستاذ ليسمع منه ما حفظ ~~فصل 10: نوع تالث من الاستقامة ~~2 وفي الاستقامة نوع ثالث، وهو أن لا ينطق إلا عند إجازة النطق. # وجواز النطق له شيئان (4) : أحدهما بإشارة العلم، والثاني بإشارة الحال. ولا ~~يجوز له الحال إلا بعد التحقق في السكوت، وهو أن لا يبقى في اللسان ~~15 صفة يكرهها القلب. فإذا تكلم بإذن القلب، فعلامته أن لا ينطق إلا عن ~~حال، ولا يعبر(5) إلا عن مشاهدة، ولا يخبر إلا عن فعل وذوق، فيسلم إليه ~~(11 ب) التكلم. ويجوز له الكلام، عند استقامة اللسان. وإذا استقام PageV00P028 # ============================================================ ~~صوم القلب ~~اللسان، فشرطه استقامة القلب، وإذا استقام القلب، فشرطه استقامة ~~الإيمان. وإذا استقام الإيمان، فشرطه استقامة جميع الأركان. واذا استقام ~~الأجزاء والأركان، فشرطه استقامة الطبع والإسلام والعقل والإيمان. كما 3 ~~ورد في الخبر: "إن في جسد ابن آدم مضغة، إذا صلحت صلح لها سائر ~~الجسد، ألا وهي القلب"(1). # وباب الاستقامة: اللسان. ومحل الاستقامة: القلب. وشرط6 ~~الاستقامة: حصول حقيقة الإيمان، ومعناه: اليقين. # فصل -11: في أن الكلام مع عدم الاستقامة حرام ك ~~فإذا كان اللسان بحكم القلب، والقلب بحكم الرب، ms17 فقد استقام 9 ~~القلب واللسان والإيمان. فعند ذلك يجوز له التكلم على الناس. ومعنى ~~اليقين: المعرفة . وحاصل الأمر أن التصدي للكلام مع عدم الاستقامة حرام ~~ووبال على المتكلم، وحاصله محال. إذ لا يصلح لمرتبة التكلم على الناس 12 ~~إلا عالم مستعمل لعلمه، أو عارف ينطق عن حقيقة حاله، أو رجل قائم لله ~~بلا سبب، أو مريد زال عنه الطمع. فهؤلاء من (2) أهل تصفية القلوب، ~~والمجتنين لثمرات أسرار الغيوب، بعد أن هذبوا النفوس، وأدبوا الجوارح، 15 ~~وصاموا عن الدنيا وما فيها. فكان فطورهم على وجدان اللذات، من آسرار ~~المعاملات، وصفاء الأوقات. # وهذا الصوم بموجب الأعمال. فلعلو هممهم، وصفاء قلوبهم، عرفوا 18 ~~أن الصوم بموجب الأحوال أزكى عند الله، وأرفع عنده. فاختاره موت PageV00P029 # ============================================================ ~~عمار البدليسي ~~الإرادة بالدخول (212) في الزاوية كالدخول في الحافرة(1). وقاسوا شدة ~~تصفية الوجود، لحصول انوار الشهود. وفي حقهم قيل: "إن لريكم في ايام ~~3 دهركم لنفحات، ألا فتعرضوا لها"(2). ولأجلها اختاروا الممات، عن ~~الرسوم والعادات، وانفردوا بصدق الارادات، تصحيحا للعبودية ~~والمعاملات. # فصل - 12: في الوحدة والخلوة ~~فعلى الحقيقة: من ذاق لذة أنس الوحدة، عرف أن المتفرد لأجل ~~الحق، كالميت عن الخلق. وإنما اختاروها، لأنهم صادفوها دواء لعلل ~~النفوس، وأنفع احتماء في المحسوس. وكيف لا يكون كذلك، وهو دأب ~~الأولياء، وقد كان قبلهم من سنن الأنبياء؟ وقد اشتهر عن النبي، ، أنه ~~تخلى في غار حراء. وكان في بدء الأمر قد حبب إليه الخلاء، وظهر عليه ~~12 تأثير الذكر، حتى قال العرب: إن محمدا عشق ربه. # وأول الأمر خلوة، ثم آخرها جلوة. وقد يكون للمجذوب جلوة ثم ~~خلوة، ومشاهدة ثم مجاهدة. وقاعدة السلوك: في الأول خلوة ثم جلوة، ~~15 ومجاهدة ثم مشاهدة فالخلوة صوم القلب، وفطوره الجلوة. وكما في ~~صوم الجسد يحصل للجسد ضعف وجوع، فمن صوم القلب يحصل للقلب ~~حزن وانكسار. وكما أن إفطار صوم الجسد محال إلى الطعام، كذلك إفطار ~~فصار إفطار القلب الحزين على فطور الأنس، وإفطار القلب المنكسر على PageV00P030 # ============================================================ ~~صوم القلب ~~فطور القرب. لأن الأنس(1) من أوصاف المحبة، ms18 كما أن القرب من أوصاف ~~العندية. # فصل - 13: في صوم الحقيقة، وتفاوت القلوب ر3 ~~قالصوم الواجب عبارة عن منع النفس عن (12 ب) وطرها وعادتها، ~~حلالها وحرامها، إلى وقت معين من آخر النهار وأول الليل. فهناك يحل ~~عليه المباشرة إلى قضاء وطرها وتناول عادتها بسبب يحل ويخمد. لأن 6 ~~المحرم شرعا يفسد الصوم ويذهب فضله، ويحكم عليه بالكفارة والقضاء. # علماء الحقيقة يؤسسون صوم الحقيقة ح: ~~ومن هذا الباب دخل علماء الحقيقة إلى مقعد صدق التحقق. فأسسوا ~~صوم الحقيقة، وصوم الحواس آجمع، عن المباحات، فضلا عن ~~المكروهات والمحرمات، في صوم الجوارح، وزعموا أن كل شيء فيه ~~للنفس حظ وشهوة فهو مبطل لفضل الصوم، ومغدم لتأثير فائدة القلب من ~~الصوم، وإن كان ذلك مباحا في الشرع. إذ وإن كان مباحا، فيه حظ النفس، ~~فهو نوع من المعصية. لأن ذلك عندهم من جملة المحرمات التي يجب ~~عليهم تركها (2). وقد قال الله تعالى: وذروا ظاهر الإثم وباطنة) (القرآن 15 ~~الكريم 120/6). قال بعض الصحابة: "كنا نضع سبعين ضعفا من الحلال ~~مخافة أن [لا] نقع في الحرام" . لأن الحلال عندهم ما ليس للنفس فيه حظ، ~~وللقلب فيه فائدة وزيادة. وهو ما كان معاونا على البر والتقوى، ومرضيا 18 ~~عند الله: وذلك ما يقبله القلب وينشرح به. وأما ما كان للنفس فيه تقوية، ~~فذلك عندهم ممقوت متروك. لأن ذلك عند الله مبغوض مكروه. فكان حكم PageV00P031 ~~============================================================ ~~عمار البدليسي ~~القوم في الحلال والحرام محبوب القلب والنفس. وذلك من مادة الحقيقة ~~عند انكشاف أنوار البصيرة. فصار عندهم الأعمال ظاهرا وباطنا. لأنهم لما ~~3 حفظوا لوازم الشرع في الأعمال، ودققوا النظر في طريق طلب له أحوال، ~~كشف الله لهم عن باطن أسرار الأحكام، وعرفهم علوم الافات، وجعلهم من ~~علماء المعاملات، - و حصل لهم في الأحكام تصرف ونظر، (213) ~~6 فما من حكم من أحكام الشرع إلا ولهم فيها باطن وحقيقة وأسرار، ~~فالصوم(1) عندهم كذلك، إذ لهم(2) صوم وحقيقة صوم. فالصوم هو ~~الواجب الشرعي على ظاهر العبد وباطنه. # وحقيقة الصوم هو صوم القلب، ms19 وهو عبارة عن التزام طلب مطلوب ~~واحد، وهو الله تعالى فإذا صام لأجله عن جميع ما سوى الله، شاهد ~~بقلبه الله(3)، ولأجل ذلك حفظ الله قلوبهم عن الاثام الباطنة . إذ د إن م ~~12 قلوبهم محل نظره، وموطن أنسه. وكما حفظ قلوبهم عن الاثام الباطنة، ~~حفظ جوارحهم عن الاثام الظاهرة. # فالقلوب متفاوتة، وصوم القلوب متفاوت، ومعاصي القلوب متفاوتة. # 15 وسنذكر تفاوت القلوب في ثلاثة أصناف من أهل الحقيقة: أهل الإرسال، ~~وأهل الأحوال، وأهل الأعمال. # صوم قلوب أهل الإرسال ك: ~~8 فقلوب أهل الإرسال من الأنبياء أقرب وأرق وأصفى وأصلب. # وأقرب إلى الله لتقدمه موجودا في علم الله على سائر الموجودات. كما PageV00P032 ~~============================================================ ~~صوم القلب ~~قال، عليه السلام: ل"اكنت نبيا وادم بين الماء والطين"(1)، وقوله: "أول ما ~~خلق الله نوري"(2). وأرق لديه، لوفور معرفته وخوفه. وقال، عليه السلام: ~~"أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خوفا"(3). فلرقة قلبه شدة خوفه، وبمقتضى 3 ~~خوفه زيادة معرفته. وأصفى لله في شهود أنوار الربوبية من كدورة الطبع ~~والبشرية. وأصلب في دين الله ودعوة الخلق إلى الحق. والشرك مشتهر، ~~والتوحيد عندهم مستنكر. والرسول، ، بقوة الإرسال عليهم مستظهر ~~منتصر، مع عدم كثرة شوكته من البشر. فلم يمتنع ولم يرتدع عن قول الحق ~~واظهاره، حتى أوضح الحق وأظهر، وأضحض الباطل ودمر. وأزال بقوة ~~معروفه المنكر، وقيل في مشارق الأرض ومغاربها: الله أكبر، (13 ب) الله 9 ~~اكبر. ما ذاك إلا لقوة قلبه من ريه، وعدم خوفه من غيره. وقد ورد: "إن لله ~~في الأرض أواني، وهي القلوب. فأحبها إلى الله أرقها وأصفاها ~~وأصلبها"(4). فيظهر من الرق الخوف، ومن الصفاء المعرفة، ومن الصلابة ~~اليقين. فيكون بالخوف مع الله، بصحبة العبودية، عبدا على الحقيقة، ومع ~~الخلق بغاية الشفقة، وبالمعرفة مع الله بدوام الرضا في كل حال، ومع الخلق ~~بسلامة الصدر. وباليقين مع الله بدوام الاسترسال، ومع الخلق بدوام 15 ~~الاحتمال فصحة العبودية، وصحة المعرفة، ودوام الاسترسال هو صوم ~~القلب. # وصوم هذا القلب يعلو رتبة الإرسال: أعلى، وأخص، واكثر فائدة، 18 PageV00P033 ~~============================================================ ~~عمار البدليسي ms20 ~~وأطيب ثمرة. وكل ذلك سر قوله، عليه السلام: "لي مع الله وقت لا يسعني ~~فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل"(1). أخبر، صلوات الله عليه وسلامه، بخلوة ~~3 قلبه مع ربه، ثم قيدها بالوقت، لأنه حال يحل ثم يحول. ففي وقت حلوله ~~لم يسعه إلا الامتناع عما سواه. وهذا هو حقيقة الصوم للقلب، وهو أمر ~~رباني بوقت معين: إذا حل، لم يسع العبد إلا الامتناع عن ضده. وكما أن ~~6 وجوب الصوم إذا حل، أشغل به عن غيره، كذلك حقيقة الصوم: إذا حل ~~بالقلب أشغل القلب عن غيره. ولا(2) كل من صام بجوارحه صام بقلبه. # اا ومن لم يصم بقلبه لم يجد سر الصوم في قلبه. وانعدام ذلك لقوم بانعدام ~~9القلب، ولقوم مع وجود القلب، لاستيلاء الغفلة. فعلى قدر زوال غيم ~~الغفلة من وجود القلب تظهر شمس يقظة القلب، فيظهر فيها وجود الحالة ~~بحن القلب حينئذ، بفائدة الصوم: إما بوجدان رقة، أو وجدان خوف، أو ~~12 وجدان خشية (214) أو خشوع، أو وجدان لذة وحلاوة وأنس وفرح، أو ~~كشف عن سر، أو شهود لأنوار، أو استغراق في حالة قبض أو بسط. وكل ~~هذا، وأضعاف هذا، من إمارات صوم القلب. وذلك للقلب بمثابة فطور ~~15 الجسد. وكما أخبر، عليه السلام، بحالة قلبه مع الله بالانفراد مما سواه، ~~بمثابة امتناع الصيام عن ضد صومه، أخبر عن ثمرة حاله من الله بمثابة فطور ~~الصائم، فقال: "لست كأحدكم، إني آبيت عند ريي فيطعمني ويسقيني"(2)، PageV00P034 ~~============================================================ ~~صوم القلب ~~اي: قلبي يبيت(1) عند ربي كضيف نزل بقوم وهو جائع عن (2) الطعام، ~~عطشان إلى الشراب. كذلك القلب يبيت عند الرب، من مسافة قطع سفر ~~سير وجوده، وهو جائع إلى شهود الله، وذلك طعامه، وعطشان إلى أنس 3 ~~السماع من الله، وذلك شرابه. فليعلم من لا ذوق له من الصوم، أن صوم ~~القلب وإفطار القلوب، على أسرار الغيوب، على هذه الحالة المنقولة إليه ~~من حاله، عليه السلام. فهذا الجنس - هو صوم قلوب أهل الإرسال. 6 ~~وصوم قلوبهم أعلى الصيام، إذ قلوبهم ms21 أضيغ القلوب، وفطور صوم قلوبهم ~~أخص الفطور. لأنهم في أول الصف من العزة، فقلوبهم محاذية لأنوار ~~العزة، وأنوار العزة ساطعة إلى قلوبهم، ثم من قلوبهم يسطع إلى الآفاق،9 ~~ومن الآفاق يسطع إلى باقي (3) القلوب. وأي قلب يطيق أشعة أنوار العزة إلا ~~قلوب الأنبياء؟ فقلوبهم مراة بين الحق والخلق. فلولا وجودهم، وشهود ~~قلوبهم، وحالهم مع الله، ووحيهم من الله، لقل أن توجد شريعة، أو حقيقة، 12 ~~أو أعمال، أو أحوال، كما كاتوا هم أعز الخليقة وأقدمهم مع الله. كذلك ~~قلوبهم أقرب القلوب إليه، وأحوال قلوبهم (14 ب) أشرف عنده. فكذلك ~~ذنوبهم واثام قلوبهم أدق وألطف، وعتابهم من الله على جنس ذلك. كما 15 ~~قيل: حسنات الأبرار سيئات(4) المقربين. وكل من لقلبه حال مع الله، فلقلبه ~~صوم لله. وعلى قدر صومه فطوزه. # صوم قلوب أهل الأحوال ): ~~وأما صوم قلوب أهل الأحوال، فصوم قلوبهم بالمراقبة والجمعية. PageV00P035 # ============================================================ ~~عمار البدليسي ~~فالمراقبة للقلب كالعزلة للجسد. والجمعية للقلب كالصمت للسان ~~عن قول الزور. فكما أن قول الزور يفطر البدن عن صومه، كذلك التفرقة ~~3 يفطر القلب عن صيامه. وكما أن المخالطة مع الناس تفسد العزلة، كذلك ~~ترك التفقد وعدم التذكر يفسد المراقبة. إذ ليس ضد المراقبة إلا التغافل عن ~~القلب، والتشاغل عن الخواطر. وإنما صوم الأحوال محافظة (1) القلب عن ~~ذكر ما يفسد الصوم، كمحافظة الجوارح عن فعل ما يفسد الصوم(2). # معصية القلوب : ~~ومعصية القلوب هو ذكر المعصية، خصوصا إذا كان قصدا واهتماما: ~~9 كما ذكر الله، جل وعز، في حق يوسف، عليه الصلاة والسلام، في قوله: ~~(ولقذ همت به وهم بها (القرآن الكريم 24/12)، ذكر ذلك في معرض ~~التوبيخ بقوله: لؤلا أن رأى بزهان ربه} (القرآن الكريم 24/12). وكان ~~12 ذلك في حقه من الذنوب القلبية، وذلك لعلو شأنه معما(3) أن الشرع قد عفا ~~عن حديث النفس، ما لم يعمل أو يتكلم به. إلا أن الأكابر لا يسامحون ~~بالخطرات، كما لا يسامح الأصاغر بالحركات. وأيضا، فإن القلب بذكر ~~15 المعصية يتوسخ، كما بذكر الطاعة يتنور. فمؤاخذات أهل ms22 القلوب على ~~معاصي القلب، لا على معاصى الجوارح، لأنهم عن ذلك في حفظ. وإنما ~~اجتهادهم مكابدتهم في تصويم القلب عن معاصيه واثامه، ليكونوا من حيث ~~18 القلوب محفوظين، (15 2) كما من حيث الجوارح. إذ كما له طاعات ~~وعبادات ومعاملات شريفة خفية، كذلك له ذتوب وسيئات دقيقة خفية. PageV00P036 ~~============================================================ ~~صوم القلب ~~قال، عليه السلام: "الشرك في أمتي أخفى من دبيب النثل"(1) . # أنواع القلوب ): ~~أما قلب عزل عن مراتب الأعمال والأحوال فليس له ذكر في مراتب ~~القلوب. وإنما ذلك مسخر لخدمة النفس الأمارة بالسوء. فمعاصيه جلية ~~ظاهرة. # وقلب، هو مستقيم في مراتب الأحوال، متحقق بالأحوال في ~~الأحوال، فالأحوال صفته. فصومه عن مشاهدة، لا عن مجاهدة، كصوم ~~حارثة - بن مالك الأنصاري )، حين قال: "أشهرث ليلي، واظمأت ~~نهاري"(2). ثم ذكر المشاهدة. # وقلب ثالث هو في طريق الاستقامة، متحفظ بالأحوال. فالأحوال ~~حفظته وحماي(3). فصومه عن مجاهدة وثمرة ولذة، لا عن مشاهدة ~~ومعاينة. # وقلب رابع، ليس بمستقيم، ولا في طلب أن يكون مستقيما. فأغلب ~~الظن أن هذا: كما = أن لا طريق له إلى الأحوال، لا طريق له إلى ~~الأعمال. فصومه صوم الجوارح. وعنه قوله، عليه السلام: لارب صائم ليس ~~له من صومه إلا الجوع والعطش"(2). فهذا إن سلم له جوعه وعطشه من PageV00P037 ~~============================================================ ~~عمار البدليسي ~~الافات، انحظى (1) بالثواب على جوعه وعطشه. وإن خالط ذلك شيء من ~~الآفات صار محروما: فلا ثواب، ولا اقتراب. وليته خلص من الحساب ~~3 والعذاب. وأعظم الخطر في أعمال البدن إذح 1 لم يتابعه القلب إيطال (2) ~~العمل. وليته إذا بطل ثوابه بطل عقابه وحسابه. # شرائط صوم القلب ): ~~وكما أن لصوم القلب شرائط لا يجب إلا بها، كذلك لصوم القلب ~~شرائط لا تصح إلا بها. # 1 - وأول الشرائط وجود القلب متيقظا، كوجود الصبي بالغا مسلما: ~~ومع كونه متيقظا، أن يكون متحفظا أو طالبا في طريق التحقق. # لكون المسلم البالغ (15 ب) أنجب. # 2 - وأن يكون عالما بواجبات الصوم، أو متعلما. لأن اليقظة ~~والطلب من مقام البداية. والتحقيق في الصوم من مقام النهاية. # فأهل البداية، بعد ms23 التيقظ، من شأنهم الطلب، بوجود المجاهدة، ~~كوجود الطلب(3) للبالغ، بالعلم أو بالتعلم. فالقلب شرط، ~~والتيقظ فيه شرط ثان، والمجاهدة، بمثابة العلم، شرط ثالث، ~~ثم الأحوال، بمثابة الإسلام، شرط رابع ~~فالمراد من إيجاب الأعمال، تعبد القلب، ثم تعبد الجوارح كما ~~18 قال الله تعالى: فائقوا الله وأطيعون (القرآن الكريم 50/3) . والتقوى ~~من تعبد القلب. وقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليغبدوا الله مخلصين) PageV00P038 ~~============================================================ ~~صوم القلب ~~(القرآن الكريم 5/98)(1). والإخلاص من أعمال القلب. إذ لا مراد للقلب ~~إلا الرب، ولا مطلوب له سواه. فما من عمل من الأعمال أمر الله القيام ~~بذلك، إلا وصفة ذلك(2) العمل من وظائف القلب. كما أن صورة العمل من 3 ~~وظائف القالب. # والمراد من وضع التكاليف تهذيب النفوس، وتصفية الجوارح، وتزكية ~~القلوب، ولأجل المعرفة. كما قال الله تعالى: وما خلقت الجن والإنس 6 ~~إلا ليغبدون} (القرآن الكريم 56/51). وهيهات أن يحصل تهذيب وتصفية ~~بدون تزكية القلوب. والمراد من ذلك حصول الاعتدال والاستقامة للطبع ~~والنفس البشرية. وكل ذلك موقوف على وجود القلب. فإذا وجد كماله ~~وتصرقه ظهر الاعتدال والاستقامة. # ثم إن نظرت في أصل الإيجاد للموجودات، وفي سر مراد الله في ~~اظهار الموجودات، عرفت أن المراد من خلق الجميع: ايجاد القلب. وهو 12 ~~مضمر في قوله تعالى: إن اكرمكم عند الله أتقاكم} (القرآن الكريم ~~13/49)، ولا تقوى(3) إلا بالقلب. فلما كان هو الأصل من المخلوقات - ~~وهو المراد من تكوين الأجساد - بمثابة الدر في باطن الصدف. والمراد من ~~تكوين (216) الصدف: الدر. ثم المراد من خلق الدر نفع العالم. والمراد ~~من خلق العالم حصول المعرفة لقيمة هذا الدر. فالقلب هو الدر في صدف ~~الوجود، وهو من أعز الموجودات عند الله. فمن كان عند الله عزيزا، جعل ~~ذلك الموجود العزيز خلعة له منه. لأنه هو الطريق إليه، والدليل عليه. إذ ~~هو لوح محفوظه، وعرش تجليه. ولذلك قال ح تعالى : إن في ذلك PageV00P039 # ============================================================ ~~عمار البدليسي ~~لذكرى لمن كان له قلب (القرآن الكريم 37/50)، معناه : من كان له ~~قلب، فله منا ذكرى. لأن القلب ms24 هو المخبر والمحدث عن الله، ومن الله . # 3 كما ورد في الخبر عن الله تعالى، يقول: "أقبل عليهم بوجهي؛ أترى أن من ~~واجهثه بوجهي يعلم أحد أي شيء أريد أن أعطيه؟" ثم قال: "أول ما ~~أعطيهم، أن أقذف نوري في قلوبهم، فيخبرون عني كما أخبر عنهم". # البدليسي يتحدث عن هذا الكتاب ح: ~~قال الشيخ (1): وقد أشرنا بطريق التلويح، لصغر حجم هذا الكتاب، ~~من مبادي ما أخذ الذوق من وجدان الثمرات من أعمال القلوب. ولم يكن ~~الغرض إلا الكشف عن حقيقة صوم القلب فحسب. وقد ذكرنا من ذلك نبذا ~~في جميع الكتاب، وأن للقلب أعمالا وأحوالا، وأنه هو المراد للعبادة ~~المخضة بقوله عز وجل: كتب في قلويهم الإيمان} (القرآن الكريم ~~12 22/58)، ثم زين الإيمان، بالإتقان والعرفان، ثم خصص العرفان، ~~بالمشاهدة والعيان. فقال عز وجل: فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليؤم ~~حديد} (القرآن الكريم 22/50). فالأعمال تكليف عليه، والأحوال تشريف ~~15 من الله إليه. ومن وصل إلى قلبه، وصل إلى ريه. ومن عرف لقلبه، عرف ~~لربه. وعلى من فتح الطريق إلى عالم القلب، فتح له إلى حضرة(2) الرب. # فهو تارة في شهود الصفات، وتارة في شهود صفات الذات. ومن عرف ~~18 (16ب) طريق مناسبة الأعمال من الأحوال، يوشك أن يقع من أعمال ~~الجوارح إلى أعمال القلب، لمن يعلم حقيقة العبودية. ومعنى حقيقة ~~العبودية(3) أن يعبد الله تعالى بكليته: بظاهره وباطنه وقلبه وسره وخواطره. PageV00P040 # ============================================================ ~~صوم القلب ~~وثمرة ذلك أن يجد في كل تعبد فضل الربوبية، بطريق الذوق والمشاهدة، ~~بعد التحقق في المجاهدة. # فأول الأمر العلم بأعمال القلوب. ثم الاستعمال لأعمال القلوب 3 ~~بالرياضات والمجاهدات. ثم الذوق للذة ثمرات أعمال القلوب. ثم ~~المشاهدة لمراتب أعمال القلوب بالزيادة والنقصان، والرد والقبول، والصفاء ~~والكدورة. ثم الوجدان لشراب القلوب من الأعمال. ثم معرفة ما يلقى إلى 6 ~~الباطن من نزغات العدو(1)، من خفايا الاغترارات، كما قال الله تعالى: إن ~~الذين اتقؤا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم منصرون (القرآن ~~الكريم 201/7)(2). # قصل - 14: في الفرق بين ms25 معاملة أهل الأعمال أو التعبد وبين ~~أهل الأحوال أو السلوك ك ~~قال الشيخ(3)، رضي الله عنه: وإنما صوم الحقيقة والأحوال صوم عن 12 ~~أشياء لأجل أشياء. كما أن صوم الشريعة والأعمال صوم عن المنهيات لأجل ~~المأمورات، فكذلك القلب يصوم عن الدخول في المعاملات بموجب الأمر ~~والتقليد، بل بموجب الأمر والمشاهدة. وهذا هو الفرق بين معاملة أهل ~~الأعمال ومعاملة أهل الأحوال. فأهل الأعمال هم أهل التعبد، وأهل ~~الأحوال هم أهل السلوك. ومعاملة المتعبد الواقف لا ترقي لعمله، بل هو ~~واقف مع صورة المعاملة، لا جواز له إلى صفة المعاملة. إذ لو جاز لوصل 18 PageV00P041 # ============================================================ ~~عمار البدليسي ~~إلى الأحوال. ومن وصل إلى الأحوال، تحقق في الأحوال. والتحقق في ~~الأحوال، هو نهاية الكمال. # 3 فلما لم يكن للمتعبد (217) الواقف تخط (1) من (2) أول رتبة التوبة إلى ~~آخر رتبة التوبة، سمي ذلك المقام تعبدا لإحاطة التقليد به . ولهذا قيل (3): ~~"المتعبد يبقى سبعين سنة على فرد قدم، والسالك يتلون في كل يوم سبعين ~~6 قدما". ولأن المتعبد محبوس في الوجود، فلأجله خرم الشهود. والسالك ~~خارج عن الوجود، راغب عن كل موجود، فأنعم عليه بالشهود. وسمي ~~سلوكا لأجل الترقي، إذ له في كل خطوة ونفس سير ووجدان فائدة وخير، ~~9 ولأن له(4) مباينة ثم معاينة، وفقدان ثم وجدان، وانفصال ثم اتصال، ~~ومجاهدة ثم مشاهدة، وتلوين ثم تمكين، إلى غير ذلك. وسمي تعبدا ~~لاتعدام الثمرات في العبادات والزيادات في الأوقات. بل يستوي اخر القدم ~~12 مع أول القدم. ونهاية التعبد تيقظ بالجهد والتكلف. يقال للسالك المريد: ~~احذر من يقظتك وصفاء وقتك. كما يقال للمتعبد: احذر من غفلتك وتكدر ~~وقتك. ونهاية يقظة السالك الهرب من اليقظة إلى الغفلة. ونهاية المتعبد ~~15 الهرب من الغفلة إلى اليقظة . قال الشيخ (5)، رضي الله عنه : سمعت شيخ ~~الإسلام(6)، رضي الله عنه، يقول، في وقت سماعه ومجلسه: "اللهم ارزقنا PageV00P042 # ============================================================ ~~صوم القلب ~~غفلة نعيش بهاه. والأعمال بدايات الأحوال، والأحوال ثمرات الأعمال: ~~والمحافظة علسى الأوقات ولزوم الخلوات، بدايات المشاهدات. # والمشاهدات نهايات المقامات. # فصل - 15: في الفرق بين ms26 التعيد والسلوك ~~فاعلم أن التعبد أعمال مجردة، لا أحوال فيها. فهي بمثابة جسد ~~لا روح فيه. لأن الحال روخ العمل. فإذا (17 ب) فقد الحال سمي تعبدا، 6 ~~لا سلوكا. إذ عبادة السالك مع فائدة وثمرة. ألا ترى إلى قوله، عليه ~~السلام: "إذا زهد أحدكم"، وقوله: امن آراد علما بغير تعلم، وهدي بغير ~~هداية، فليزهد في الدنيا". فانظر الآن، وتأمل ببصيرتك، وقس بقياس* ~~ذوقك، لا عقلك، واجعل المطالعة إلى مراة قليك وواقعك، لا إلى دفترك ~~وتعليقك. # إن الفرق بين التعبد والسلوك، بقول رسول الله، : "زهده، بإفادة 12 ~~علم وحكمة، من غير تعلم وتقليده. وهذا زهد السالك. وأما زهد المتعبد، ~~فهو ما أفاد عجزا وافتقارا إلى تعلم وتقليد. وفرق ثان، أن كل عمل أوصل ~~إلى حال، أوجد استغناء بالله وافتقارا إليه. وكل عمل تجرد عن حال أوجد 15 ~~افتقارا إلى الخلق، وطمعا فيه. # قال الشيخ، رضي الله عنه: سمعت شيخ الإسلام، رضي الله عنه، ~~يقول: "أول فتوح السالك من هذا الطريق الاستغناء بالله". قيل : فما نهايته؟ 18 ~~قال: لاحصول الغناء عن طلب الاستغناء". معناه: حصول التصرف بالله، ~~الاورؤية الله في كل حال. وسياق الكلام إلى أن صوم القلوب والإفطار على ~~أسرار الغيوب ووجود الأحوال في قلبه. فمن لا حال في قلبه، لا صوم 21 ~~لقلبه. وقد قيل في الأثر: اصم بقلبك عن الدنيا، واجعل فطرك الاخرة" . # فهذا صوم قلوب أهل البدايات والحالات. PageV00P043 # ============================================================ ~~عمار البدليي ~~وأهل التلوين في النقصان إلى الزيادة، وكل ما في الدنيا مذام في ~~حقهم. وإنما العيش عيش الآخرة. وهذا عند أول الكشف وأول المعرفة ~~3 للدنيا والاخرة. وقد ورد في الخبر مقتضى هذا، وهو قوله، عليه السلام: ~~لاتفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم". وقال بعضهم: اصم عما سوى الله، ~~واجعل فطرك على لقاء الله". (218) فهو سر قوله، عليه الصلاة والسلام: ~~"الا راحة للمؤمن دون لقاء ربهه. وهذا يكون عند الكشف الثاني والمعرفة ~~الثانية لله وما سوى الله. وإن كل ما هو دونه وسواه فهو قاطع وحجاب ~~ومذموم، بل ms27 في طريق الحقيقة شرك. وقد قال الله تعالى: ففروا إلى الله) ~~(القرآن الكريم 50/51)، وهو فرار القلوب إليه مما سواه. # ومعنى فرار القلب إليه، إنما هو من حيث الهمم، حتى تتحد. وبتوخا ~~فيكون هما واحدا. كما ورد في الخبر: هطوبى لمن كان همه هما ~~12 واحدا"(1). # فصل - 16: أنواع الهموم ~~والهموم ثلاثة أنواع، كما أن الطلاب ثلاثة أصناف: هم المعاد، وهم ~~15 المعاش، وهم لله وفي الله: وطالب الدنيا، وطالب الآخرة، وطالب الله. # وقال الله تعالى: { منكم من يريد الذنيا ومنكم من يريد الاخرة} (القرآن ~~الكريم 152/3)، وقال: يريدون وجه اللهو} (القرآن الكريم 38/30) . # 18 وقد ورد: "للدنيا قوم، وللاخرة قوم، وللمجالسة قوم اخرون"(2). وفي PageV00P044 ~~============================================================ ~~صوم القلب ~~الخبر: "الدنيا حرام على أهل الآخرة، والاخرة حرام على أهل الدنيا، ~~والدنيا والآخرة حرام على أهل الله"(1) . # والهم الواحد على التحقيق، لا يكون إلا لأهل الله . لأن أهل الآخرة 3 ~~لا يخلون من هم طلب الكفاية، وما لا بد لهم مته. أما أهل الله د ف كهم ~~قوم اجتمعوا به عما سواه- ثم لما جمعهم في عين الجمع إليه، فرقهم لأجله ~~فيه فاستغرقوا في بحر التيه والتحير. فلا خبر عندهم من سوى حالهم. # لبسوا كل سرور بسروره من تجريدهم، وكل لذة بلذتهم من شربهم في مقام ~~قربهم، حتى نسوا مصالح تدبير الأجسام، إذ الهمم اتحدت على معرفة ~~مطلوب واحد، فأنسيت ما سواه، لأن الهمم له، لا لهم، وبحكمه، ~~لا بحكمهم فصار مقام العبد عند همته، وهمته عند جمعيته، وجمعيته بيد ~~قبضة قدرته، لوقوف القلب في مقام النظر إليه، (18 ب) شاخصا، مراقبا ~~لملاحظات نفحات نظره. كما قال د تعالى ) في حقه، عليه السلام: ~~(واضبر لحكم ربك فإيك بأعيننا} (القرآن الكريم 48/52)، أي بمرأى (2) ~~منا. فمن كان مطلوبه واحد د آح، فهمه واحد. وهذا لا يوجد إلا لأهل ~~الذوق والشوق والمزيد والتحقق والتجريد. وكل صادق متحقق مريد، ~~استغرقت همته في الملكوت . فأغناه لذة المشاهدة عن هم القوت. بل همه ~~في الاقتراب وخوفه من وقوع الحجاب. وهذا ms28 صفة صوم قلوب أهل ~~الأحوال: ~~وللمجالسة قوما وللمشاهدة قوماه، وذلك باضافة "للمشاهدة قوما". PageV00P045 # ============================================================ ~~عمار البدليسي ~~وأما صفة صوم قلوب(1) أهل الأعمال، فعليهم التحفظ بموجب ~~الحقيقة، لأنهم في طريق الحقيقة. فصومهم التحفظ من الغفلات، من ~~3 صرف نفس في غير ذكر، وخروج كلمة في غير منفعة وفائدة، ثم الصمت ~~عن الكلام فيما لا يعنيه ولا يليق بحاله أو يكون بغير مقامه. فعلى الجملة ~~والتفصيل، عند أهل الاستقامة والتعديل، المتصرفين في الأعمال ~~والاحوال، بإطالة النفس والتفصيل. كذا زعموا في حق صوم أهل الأعمال، ~~اذ ليس لقلبهم صوم منفرد، لأن ذلك من شرط أهل الأحوال. فدوام التحفظ ~~من الآفات، مع دوام الذكر والفكر، صفة صوم قلبه، مع دوام الصمت. فإن ~~9 في صمت اللسان، حفظ جميع الأركان. كما ورد في الخبر: لامن صمت ~~نجا"(2). # والسالك في بدء أمره متعبد. إلا أن بينه وبين متعبد لا جواز له من ~~12 التعبد، فرقا(3). وعلامة لتعبد(4) بين تعبد، هو من مقام السلوك والأحوال، ~~الوبين تعبد، هو من مقام التقليد والأعمال، أن يجد متعبد السلوك والأحوال، ~~ثمرات الأعمال. كما قال الله تعالى: إن الصلاة تنهى عن الفخشاء ~~15 والمنكر (القرآن الكريم 45/29) وكما قيل لرسول الله: "إن فلانا كثير ~~الصلاة، حسن العبادة، لكته يسرق". فقال: لاستنهاه صلاته عما يقولون". # فظهر أن (19 2) تأثير الأعمال، من مبادئ الأحوال. وهذا هو الفرق الثاني ~~18 بين التعبد والسلوك، وبين المتعبد المقلد والمتعبد المقسط (5) السالك. لأن PageV00P046 # ============================================================ ~~صوم القلب ~~تعبد التقليد(1) تعبذ من غير تربية وتصفية، كمن شرب شربة من غير احتماء، ~~ولا بقانون معرفة مزاج، بل على وجود جهل وتخليط. كما لم تؤثر تلك ~~الشربة في غلته، كذلك لم تؤثر تلك العبادة في تصفيته . وقد ثبت بقول الله 3 ~~الورسوله أن للعبادة تأثير في قمع المذموم ودفع المنهي عنه ح؛ فإذا لم ~~يوجد فهو عبادة تعيد، لا عبادة سلوك. # وقد يوجد في الناس من المتعيدين ذو عبادة واجتهاد، وما زالت ~~مذموماته والاستنارة باطنه (2)، ليعبد الله على غفلة وسهو وكدورة. وهو آن ms29 ~~يتعبد ويجتهد وأمله طويل، وحرصه زائد شديد، وحبه للدنيا والدرهم ~~متجاوز الحد، إلى غير ذلك. فعليه، تكون ح تلك العبادة، أنه تعبد 9 ~~بتفسه وإرادته وتدبيره لنفسه، فلم يؤثر فيه لوجود نفسه ما بينه وبين عبادته، ~~وكأنه شرب الدواء ولم يؤثر في معالجة الداء، وهو يظن أته زال عنه الداء، ~~وأثر فيه الدواء. فكذا، هذا يظن أنه بعيد عن الافات، والآفات محيطة (3) 12 ~~به. فمن خرم لذات الأعمال، ونسيم صفاء الأوقات(4)، تواترت عليه ~~[وفادة] الآفات، وهو لا يشعر. إذ ليس فيه مفرق يفرق بين الحق والباطل. # كما قال، عليه السلام : "واعظ الله في قلب كل(5) امري(6) مسلم"(27). وإذا15 ~~لم يكن في قلبه آمر وزاجر من الله، ولم يكن له دليل يرجع إليه ويحكم PageV00P047 ~~============================================================ ~~عمار البدليسي ~~عليه: إما من علم نافع، أو عالم رباني، يتحفظ به عن سبيل الغي، ويهتدي ~~به إلى سبيل الرشاد، فعمل هذا، كما قال الله تعالى: { وهم يخسبون أنهم ~~3يخسنون صنعا} (القرآن الكريم 104/18) . وقد ندب الله ذلك لأهل البداية ~~والطلب، وأكد عليهم وحذرهم، فقال: {يا أيها الذين آمنوا ايقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين} (القرآن الكريم 119/9) . (19 ب) وقال أيضا : ~~6فاسألوا أفل الذكر إن كنتم لا تغلمون (القرآن الكريم 43/16)، أي أهل ~~الفهم في افات المعاملات . # فالمتحفظ لقلبه في عبادة قالبه صادق طالب: مقصوده من العبادات ~~والمجاهدات - هو ب تصفية وجوده وقلبه. وقد عرف آن دواء التصفية هو ~~المجاهدة والعبادة. وعرف مع ذلك أنه في ذلك محتاج إلى أطباء الأديان في ~~مداواة أمراض القلوب. إذ لو كان كل إنسان في مرض قلبه وظلمة باطنه ~~12 ومعالجة علل نفسه طبيب نفسه، لكانوا عن الرسل والأنبياء والأولياء في ~~غنية، ولما بعث الله بشرا رسولا. وإنما لاحتياج الخلق إلى الرسل لمعالجة ~~أمراض القلوب، وتركة(1) الغفلات على القلوب، واستيلاء القساوة والظلمة ~~15 في الباطن، وظهور سلطنة النفس والشيطان على القلوب، بحيث أظلم نهار ~~الإيمان، وظهر ليل الشرك، فلما أراد الله تعالى سبحانه إصلاح العالمين، ~~واظهار الإسلام والمسلمين، وإطلاق القلوب من ms30 رق تصرف الشياطين، ~~18 بعت الرسل، عليهم السلام، بأدوية قنع التفوس، وتصفية القلوب. فثبت به ~~الدين واليقين، وصار في الناس مؤمنون وموقنون ومتقون عارفون(2)، على ~~منهاج سنن النبيين. كل ذلك من أجل معالجة القلوب. # 2 ولا بد من أطباء الأبدان لمداواة الأجسام. كذلك لا بد من أطباء PageV00P048 ~~============================================================ ~~صوم القلب ~~الأديان لمداواة القلوب، من أمراض الذنوب، وهم العلماء بالله، والعرفاء ~~بأيام الله، والأولياء لله. وبحق الله، ويعلم الله، وبعلم أمر الله، جعل الله لهم ~~الولاية، على أهل الطلب والإرادة: يتصرفون فيهم وعليهم. بصحة دلاله(1) 3 ~~أعطاهم، نورا(2) وهداية أولاهم، وتصرف دعوة خصهم. ولهذا قيل: ~~"الشيخ في قومه كالنبي في أمته". فجعل لهم في بواطنهم وقلوبهم تبصرة ~~اا ونورا، وبالنور جعل لهم فراسة، وجعل لهم من الهمة جاسوسا يتجسس في2 ~~القلوب. فهي(3) للقلوب، بمثابة الساعي للملوك، (20 2) تخبر القلوب ~~بخطرات قلوب المريدين، بتأييد حال السفير والمعبر، لأنها للقلب سفير ~~ومعبر، ولها مقام الحراسة والحفظ. فإلى من وجهوها، وبمن وكلوها، 9 ~~وعلى آي أمر سلطوها، آظهرت قوتها، وأتمت فعلها، وأنفذت بحفظها ~~وحراستها، لأنها الهمة الفعالة، خصها الله لقلوب الأنبياء والأولياء، لأجل ~~الامتثال والخدمة والسمع والطاعة. فهي في تصرف القلب كالمملوك في 12 ~~تصرف المالك. فهي صاحب خبر القلب من القلوب. # فصل - 17: في الهمة ~~فإن قيل: ما الهمة؟ # قيل: سيار القلب، ومعنى من توابع القلب. فحيث وجد القلب ~~وجدت. وبقدر علو(4) القلب تكون عالية(5)، وبقدر تصرف القلب تكون PageV00P049 # ============================================================ ~~عمار البدليسي ~~متصرفة. فهي في النفاسة والخساسة موقوفة عند صفات القلب. وإن كان ~~القلب موصوفا بمقامات الأحوال، فالهمة بسعة تصرف القلب متصرفة فعالة ~~3 على الاطلاق لأن القلب مشغول بالله، مستغرق في الله. قالهمة متصرفة، ~~موكلة - بقيادة الله - لأجل التولية والولاية، ووصول الحال إلى النهاية. # وإن كان القلب موصوقا بمقامات (1) الأعمال، فالهمة لأجل عبودية القلب، ~~6وطاعة القلب طائعة عابدة(2)، لشغل القلب بنفسه. كذلك الهمة مشغولة ~~بنفسها. كما لا تصرف للقلب، إذ لا ولاية له. فكذلك لا تصرف للهمة، إذ ~~لا شغل لها. بل إن كان القلب ms31 سالكا، فعليه للغيب تولية، وإن كان متعبدا، ~~9 فعليه للعلم تولية. فإن كان سالكا، لا يزال الغيب يتصرف فيه وعليه، بقانون ~~ما وضع له في الأزل، بواسطة الأعمال من اللذات والراحات والثمرات، ~~ووجدان خفة أثقال المعاملات، فيتيسر عليه الدخول في كل مخوف مهلك، ~~12 من غير جزع، ولا فزع، مع ازدياد صدقه وإرادته، مع معارضة الفترات ~~والافات. بل كلما كثر عناؤه وبلاؤه، كثرث (20 ب) بقوة هذه، إلى غير ~~هذه الأعمال / تأثير وشرب والتأثير في الأعمال ومشارق الأحوال/ (3) وإن ~~15 كان القلب متعبدا لم يجد من الأعمال شربا ولا تأثيرا، لأن أعماله (4) ~~لا ارتباط لها بالأحوال. وذلك لأجل أن القلب(5) لا تصرف عليه من ~~الغيب، ولا هو من أدلاء الولاية. وذلك لأجل أنه ما وضع في خزانة الغيب ~~18 الأعمال المجرد = ة ) عن الأحوال. فأعمال المتعبد أعمال مجاهدة، ~~لا أعمال مشاهدة. في عمل المجاهدة، التصرف للعلم، وفي عمل PageV00P050 ~~============================================================ ~~صوم القلب ~~المشاهدة، التصرف للقلب. ألا ترى كيف قال، عليه السلام، في ~~عمل المشاهدة: "يا وابصة، استفت قلبك، وإن أفتاك المفتون"(1) . # لأن لعمل القلب علما باطنا خفيا. من كان الغالب عليه الأحوال، 3 ~~فالحكم عليه للعلم(2) الباطن، والفتوى فيه للقلب. فإن كان القلب في ~~العمل في هذا المقام، فقلبه في العمل من تصرف الغيب باب مفتوح، واليه ~~من تصرف الغيب وارذ علم من علم الحقيقة. فلما قال للرسول، عليه 6 ~~السلام، أجابه من مقام أهل العزيمة، وقال: "استفت قلبك". ولم يحله إلى ~~حكم ظاهر الفتوى والرخصة، بل أجابه على باطن الفتوى والعزيمة، فقال: ~~القلبي الذوقي، فمن أجل ذلك أحاله إلى استفتاء القلب. وهذا سبيل كل ~~سالك من البداية إلى النهاية: لا يعول على فتوحه حتى يعرضه على دليله، 12 ~~كما فعل وابصة. # الفائدة الثانية، أنه إذا كمل القلب، ووصل إلى حد الكمال، يجب PageV00P051 # ============================================================ ~~عمار البدليسي ~~القبول منه، لقوله، عليه السلام: "استفت قلبك"، أي عول على قوله ~~فحسب. وحد كماله أن لا يبقى له ضد. # الثالثة، أن المريد يسلم له - عند كماله - القبول ms32 من قلبه، من غير ~~حكم دليل، وهذا إذا كان قد عرف (21]) الفرق بين(1) كلام القلب، وبين ~~خاطر النفس والشيطان. فكل قلب يكون من هذا الوصف، فهو محل ~~6للحكمة والمعرفة، بصحة(2) العلم من الله، لأنه بلغ الأخذ من الله، وذلك ~~نهاية القلب. # فصل -18: في ضعف الأحوال وقوتها ~~ومن حفظ قلبه عن المذمومات، بالمجاهدات القلبية والمجاهدات ~~البدنية، إلى أن يقع في أعمال القلوب، فإذا حصل له أعمال القلوب، بذلك ~~يصل إلى أحوال الغيوب. قال الشيخ (3)، رضي الله عنه: وقد شرحنا طرفا ~~12 من أعمال القلوب، بالتلويح والاختصار. فإذا تحقق في أعمال القلوب، ~~فحينئذ ينتقل من الأعمال إلى الأحوال. فتكون الأحوال تشريفا له، كما ~~كاند ست ح الأعمال تكليفا عليه. فهذا هو الفرق بين القلوب الثلاثة. # 15 وصوم كل قلب على جنس القلب وحاله ومقامه. # والأحوال تغرف بالضعف والقوة، بحدين: الأول بحد الضرورة، ~~لدخول الرخصة فيها، وذلك لضعفها. والثاني بحد العزيمة، لدخول اليقين ~~18 والتوكل فيها، وذلك لقوتها. وقد يستوي في حال ذي(4) اليقين والمعرفة، PageV00P052 # ============================================================ ~~صوم القلب ~~العسر واليسر، والوجذ والفقد، والسفر والحضر(1)، لوجود اليقين. # والتوكل صفة لقلبه، لا يفارقه. فهو بهما في سعة، لا في شدة. فلأجله: ~~3 (2) ~~لا ضرورة له، ولا رخصة له. وعلى هذا القلب الأكل بالعزيمة، وتفتش(2) 3 ~~الحلال بالعزيمة، بمعرفة القلب، لا بمعرفة العلم. # فلما كان حال وابصة من أحوال القلب، لا من أحوال الجوارح، وقلبه ~~من قلوب أهل الأحوال، لا من قلوب أهل الأعمال، رده - في معرفة 6 ~~الحلال والحرام وأشبهه - إلى معرفة القلب. إذ كان من أهل العزائم، لا من ~~أهل الرخص. # فصل - 19: في نوعي الحلال ك ~~فالحلال نوعان: نوع يدخل فيه الشبهة، فيتطرق فيه (3) الرخصة، ولا ~~تدخله العزيمة. ونوع تدخل فيه العزيمة، ولا تدخله الرخصة . لأن الحلال ~~(21ب).. (4) قلوبهم وخوفهم وخشوعهم. فلو كان... (5) تلك الشبهة 12 ~~حال قلوبهم، فوجب عليهم ترك ما غير قلوبهم فان ذلك عندهم بمثابة ~~الحرام المحض فكما.. (2) ترك الحرام المحض وجب على أرباب القلوب ~~ترك المكروه والشبهة. لأن الذي أبيح لغيرهم ms33 من أجل الضرورة، خرم 15 PageV00P053 ~~============================================================ ~~عمار البدليسي ~~عليهم من أجل العزيمة والطمأنينة. لأن الله عز وجل، لما شرف القلب ~~بالأحوال، شرفه بالقوت الحلال. إذ لا يليق بمن يأكل من موائد الغيب، أن ~~3 يأكل من موائد الشبه والريب. فكما أعطي القلب بسبب الأحوال، أعطي ~~الأحوال بسبب الحال. وإنما خلع على القلب بالأحوال، ثم بالطلف (1) من ~~الحلال، لأنه صام لأجل الله عما سوى الله، واشتغل بذكر الله عن ذكر ما ~~6 سواه، فجازاه بما يحبه ويرضاه. اذ من ترك لأجل الله هواه، ملك من الله ~~رضاه، فكفاه العبادة شغلا، والصوم عما سوى الله عملا وفعلا:. # فأول الأمر الصوم عن الدنيا وما فيها. وهو الخروج من التسببات ~~والأسباب، على شرط سر قوله، عليه السلام: "كفى بالعبادة شغلا"(2)، ~~ومعناه: أن من جعل له العبادة شغلا، جعل لقلبه في العيادة شغلا: وهو ~~الذوق والمشاهدة. - ف ح أغناه وكفاه ذلك عن الأسباب والاكتساب. # 12 لأن العبادة من أجل الحرف والصناعات، لما فيها من الثمرات ~~والمشاهدات. فمن ذاق من ثمرة كسبه من عبادات، قطعه ذلك إلى الله ~~وأشغله بالله، فصار بما يأتيه من كسب عبادته مستغنيا عن (3) كسب الدنيا: ~~15 من شرقها إلى غربها. وقد قال أبو الدرداء(4): "ما يسرني أن اكسب كل يوم ~~ثلاثمائة دينار أنفقها في سبيل الله" فقال: "ولم؟" قال: "يشغلني عن PageV00P054 ~~============================================================ ~~صوم القلب ~~التفكر". إذ كسبه من التفكر. فرة(1) ساعة يساوي الدنيا والآخرة. وهو تفكر ~~الاستغراق في تعداد الأنعم الظاهرة والباطنة. وهو سر قوله، عليه السلام: ~~"تفكر ساعة، (222) خير من عبادة سنة"، وسر قوله تعالى: { ومن يتوكل 3 ~~على الله فهو حسبة (القرآن الكريم 3/25)(2)، كفاه العبادة شغلا. صام ~~عن الدنيا فلم يتوله في حظوظها. . (3) الحقوق من الدنيا اغناه وكفاه. # فهمته وبهتته في الطاعة. (4)، وبقرة عينه فيها عاجلا، كما قال 6 ~~رسول الله، "وقرة عيني في الصلاة"(5)، وآجلا، كما قال عز وجل: ~~فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أغين جزاء بما كانوا يغملون} (القرآن ~~الكريم 17/32). # فمن صام عن قرة ms34 عين الدنيا، صار قرة عين الآخرة جزاؤه، كما قال ~~تعالى: ومن أراد الآخرة وسعى لها سغيها} (القرآن الكريم 19/17)، ~~الاية. ومن كانت العبادة مطيته، صام عن الآخرة، لأن الصلاة صلة القلب 12 ~~ووصله واتصال ده. فحظه من السجود: شهود، ومن الركوع: ~~خضوع وخشوع. وكذلك الصوم، تأثيره في القلب: نسيان وهيمان وغيبة، ~~هي بصفة هيبة. والعبارة عنه في الحقيقة، أخذا بزمام القلب إلى مقام العندية 15 ~~والمعية. فأعطي المحبة، وسقي في مقام القرب حقيقة ثمرة الصوم، ومن ~~قوله تعالى ) : "الصوم لي". وما كان له، كان طريقا إليه (2). PageV00P055 ~~============================================================ ~~عمار البدليسي ~~ومن كانت العبادة مشاهدته وواسطته، فالصوم له، صوم عما ~~سوى الله، فجميع ما يرد إليه، وعليه، من النازلات والواردات، لم يشغله ~~3 عن الله طرقة عين، بصفة قوله تعالى، في حق نبيه، عليه السلام: ما زاغ ~~البصر وما طغى (القرآن الكريم 17/53). لأن الصائم في الحقيقة، هو ~~المستغرق الصائم. فإذا صام القلب هام، وإلا فهو بدون ذلك في صوم ~~6 العوام والخواص. # الصوم مفتاح الإلهام، ولمواح(1) الأنعام، وليلة القدر من جملة ~~ثمرات الصيام، وكذلك جعلت في شهر الصيام. معناه، آن من صام على ~~الحقيقة أدركها ووجدها. فمن أدرك حقيقة الصيام، أدرك ليلة القدر. فمن ~~الناس من حظه منها (22 ب)... (2) في المنام، وذلك من مجازاة(3) ~~الأعمال، وصحة الصيام والقيام . ومن الناس من حظه ما يجد في قلبه لذة(4) ~~12 وصفاء وعلما ورقة وخوفا وخشوعا واخلا (؟) وتسكنا(5) وافتقارا وتضرعا ~~وغير ذلك من الآيات والعلامات، مما لا يجدها في سائر الليالي. وهذا من ~~البركات، لا من الحالات والمشاهدات. ومنهم من تجري عليه خوارق ~~15 الكرامات، ويصح له نظر الفراسات(1)، ويشهد نوعين (1) من المغيبات. # ومنهم من يزداد بكاؤه، ويخلص لله دعاؤه، وتصدق في الله رغبيه، ومته (8). PageV00P056 ~~============================================================ ~~صوم القلب ~~رهبته، ولا يشهد شيئا. وهذا من تأثير نزول الملائكة، وبركة دعائهم ~~وسلامهم. ومنهم من يسمع كفاحا، ويشهد إيضاحا، ويغشاه صباحا، ~~ويفجؤه روحا، فيقضي حاجاته، وتستجاب دعواته. وهو يدرك الكيفية 3 ~~موصوف(1)، وحقيقة الأمر له مكشوف، لكته عن ms35 الإخبار عنها ومنها ~~مصروف، لا إذن له في القول. # وقد رآها النبي، عليه السلام، ثم لما(2) أراد أن يخبر القوم بذلك، 6 ~~دفع، فنسي وأنسي. فقال: "إني أريت ليلة القدر(2)، فخرجت وأنا أريد أن ~~أخبركم، فتلاحى(4) رجلان فرفعت". فصار لحاهما سببا لاستخفائها، ~~لتكون ذاتها في الخلق موجودة(5)، وحقيقتها غير مشهودة. وإنما شرب 9 ~~القلوب منها ضروب، وأسرارها إلى القلوب غيوب، والقلب عن كيفيتها ~~محجوب، وعن حقيقتها مسلوب. فمن وجودها للقلب منافع، ومن شهودها ~~إلى القلب سواطع ولوامع. ولذلك صارت مطلوبة الخواص، من أهل 12 ~~الاختصاص، ومرغوية لجميع الأشخاص، من العام والخاص، وهي من ~~أحباء أهل الجد والإخلاص، وأخلاء أهل البحث والإفحاص(2). تتقرب ~~اليهم ببرها، وتتحبب إليهم بسرها، وتلاحظهم بنظرها، وتغمر(2) القلوب 15 ~~بأنوارها، وتغمرها بأسرارها. فيسترق القلب (223) منها الفوائد من وراء PageV00P057 # ============================================================ ~~عمار البدليسي ~~ستر رقيق، ويذوق منها الزوائد على... (1) والتحقيق. والله يختض ~~برخمته من يشاء} (القرآن الكريم 105/2)، ويبين الله اياته للناس لعلهم ~~3 يتقون) (القرآن الكريم 187/2)(2). و { الحمد لله رب العالمين) (القرآن ~~الكريم 1/1)، وصلى الله على محمد،. (3) خلقه، واله وأصحابه ~~اجمعين ~~وفرغ()) من كثبته (5) في غرة شهر ذي القعدة من سنة ثلاث وستمائة، ~~-الموافق 30 أيار/ مايو سنة 1206 م =. # اجازة =: ~~قرأ علي الولد الأعز الأكرم، شمس الدين، جمال الإسلام، مجد ~~الفقهاء، زين الطائفة، آبو إبراهيم إسحاق بن محمد بن آبي لكوية ~~البروجردي، كتاب صوم القلب، بتمامه وكماله، وسماعي من مصنفه الشيخ ~~12 الكبير وشيخ الشيوخ وضياء الدين، مرشد السالكين الصوفي، سمع من ابن ~~الوقت أبي ياسر عمار بن محمد بن عمار بن مطر بن سحاب الشيباني ~~البدليسي(1)، نور الله مضجعه، في تاريخ سنة تسعين وخمس مائة، وأجاز له ~~15 رواية ذلك، بشرط الصحة وقت العصر، يوم الخميس من سلخ صفر سنة ~~أربع وستمائة. كتبه بخطه أبو النجيب محمد بن محمد بن أبي علي اللري PageV00P058 # ============================================================ ~~صوم القلب ~~(؟) الوجيهي اليافتي (؟). والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وآله ~~أجمعين ~~تعليق على الهامش الأيسر للصفحة ح: ~~اللهم صل(1) على ms36 محمد وعلى آله وأزواجه وذريته وسلم تسليما كثيرا ~~إلى يوم الدين. الحمد لله على كل حال. طالع هذا الكتاب من أوله إلى ~~آخره، أقل عبيد الله وأحوجهم إلى مغفرته، محمد بن يوسف الميدومي (4) 6 ~~العمري، غفر له ولوالديه ولإخواته في الله ولوالديهم ولجميع المسلمين امين ~~امين امين. # ثم يليه بخط مغاير ك: ~~سمر(2) يوسف بن محمد سبط الراوي الحيل (2)، عامله الله ~~بلطفه ورجم سلفه: ~~(23) نجد على هذه الصفحة أيضا شرحا لاستعمال الحروف 12 ~~على ترتيب الأبجدية، بدلأ من الأرقام، مع قائمة بالأحرف تقابلها القيمة ~~العددية لكل حرف على حساب الجعل ). PageV00P059 ~~============================================================ ms37