######OpenITI# #META# MULTIVOLUME: IDs 3314, 3315 #META# المؤلف: محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ] #META# المحقق: الدكتور أحمد حجازي السقا #META# الناشر: مكتبة الكليّات الأزهريّة #META# المطبعة: مطبعة دار التضامن #META# الطبعة: ١ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤٠٦ هـ.ق #META# الصفحات: ٣٥٤ #META#Header#End# ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * [اللهم انفعنا بما علمتنا ، وعلمنا ما ينفعنا] # قال (1) الامام حجة الاسلام ، فخر الدين أبو عبد الله : محمد ابن عمر ~~الرازى برد الله مضجعه : # سبحان المتفرد فى قيوميته بوجوب الأزلية والبقاء ، المتوحد فى ديمومية ~~ألوهيته بامتناع التغير والفناء ، المتعالى بجلال هوية صمديته عن التركيب ~~من الابعاض والاجزاء ، المنزه بسمو سر مديته عن مشاكلة الأشباه ومماثلة ~~الأشياء ، والعالم الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء. # المحسن الذي لا تنقطع موائد كرمه عن عبيده فى طورى السراء والضراء ، ~~وحالتى الشدة والرخاء ، الجليل الذي غرقت فى بحار جلاله غايات عقول العقلاء ~~، العظيم الذي تضاءلت فى سرادقات كما له نهايات علوم العلماء ، الكريم الذي ~~تجاوزت أنواع آلائه ونعمائه عن التحديد والاحصاء ، الحكيم الذي تحيرت فى ~~كيفية حكمته فى خلقة أصغر ذرة من ذرات مبدعاته ومكوناته : ألباب الألباء ، ~~وحكمة الحكماء. # أحمده على ما أعطى من النعماء ، ورفع من البلاء. PageV01P017 # وأشهد أن لا إله الا الله ، وحده لا شريك له شهادة أتوسل بها الى رحمته ~~يوم اللقاء فى دار البقاء ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم الأنبياء ، ~~وسيد الأصفياء والأتقياء. صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا. # أما بعد # فان الله تعالى لما وفقنى ، حتى صنفت فى أكثر العلوم الدينية ، والمباحث ~~اليقينية : كتبا مشتملة (2) على تقرير الدلائل والبينات ، والأجوبة عن ~~الشكوك والشبهات ، أردت أن اكتب هذا الكتاب ، لأجل أكبر أولادى ، وأعزهم ~~على «محمد» رزقه الله الوصول الى أسرار المعالم الحكمية والحكمية ، ~~والاطلاع على حقائق المباحث العقلية والنقلية أشرح فيه المسائل الالهية ، ~~وأنبه على الغوامض العقلية. ليكون هذا الكتاب دستورا له. يرجع في المضائق ~~إليه ، ويعول عليه. وسميته : ب «الأربعين فى أصول الدين». # والله سبحانه وتعالى يوفقنا للصدق والصواب ، ويصون عقولنا عن الزيغ ~~والارتياب. وبالله التوفيق. PageV01P018 ### ||| * المسألة الأولى ### ||| * فى ### ||| * حدوث العالم # اعلم : أنا اذا ادعينا أن العالم محدث ، فلا بد وأن نعلم أن العالم ما ~~هو؟ وأن المحدث ما هو؟ وأن نعرف مذاهب الناس فى هذه ms001 المسألة ، حتى يمكننا ~~أن نشرع بعد ذلك فى تقرير الدلائل. فلا جرم وجب علينا قبل الخوض فى تقرير ~~الدلائل ، تقديم ثلاث مقدمات : ### ||| ** المقدمة الأولى : فى حقيقة العالم # قال المتكلمون : العالم كل موجود سوى الله تعالى. وتحقيق الكلام فى هذا ~~الباب : أن نقول : الموجود على قسمين. وذلك لأن الموجود ، اما أن يكون من ~~حيث هو هو غير قابل للعدم البتة ، واما أن يكون من حيث هو هو قابلا للعدم. ~~فالموجود الذي تكون حقيقته من حيث هى هى غير قابلة للعدم البتة ، فهو ~~المسمى بواجب الوجود لذاته. وهو الله سبحانه وتعالى. وأما الموجود الذي ~~تكون حقيقته من حيث هى هى قابلة للعدم ، فهو المسمى بممكن الوجود لذاته وهو ~~بحسب القسمة العقلية على ثلاثة أقسام : المتحيز ، والحال فى المتحيز ، ~~والذي لا يكون متحيزا ولا حالا فى المتحيز. # أما القسم الأول وهو المتحيز. فاعلم أن المراد من المتحيز الذي يمكن أن ~~يشار إليه ، اشارة حسية بأنه هاهنا أو هناك. # واذا عرفت حقيقة المتحيز. فنقول : المتحيز اما أن يكون قابلا للقسمة ، ~~واما أن لا يكون. فالمتحيز الذي يكون قابلا للقسمة هو المسمى PageV01P019 # بالجسم. فعلى هذا : الجسم ما يكون مؤلفا من جزءين فصاعدا. والمعتزلة ~~يقولون : الجسم هو الذي يكون طويلا عريضا عميقا واقل (3) الجسم انما يحصل ~~من ثمانية أجزاء. وهذا النزاع لغوى لا عقلى. وأما المتحيز الذي لا يكون ~~منقسما. فهو المسمى بالجواهر الفرد. والناس قد اختلفوا فى اثباته. وسنذكر ~~هذه المسألة على الاستقصاء. ان شاء الله تعالى. # وأما القسم الثانى من اقسام الممكن. وهو الذي يكون حالا فى المتحيز. ~~وتفسير الحلول هو : أن الشيئين اذا اختص أحدهما بالآخر ، فقد يكونان بحيث ~~تكون الاشارة الى أحدهما غير الاشارة الى الآخر. مثل : كون الماء فى الكوز ~~، فان ذات الماء مباينة لذات الكوز ، فى الاشارة الحسية ، الا أنهما ~~متماسان بسطحيهما. وقد يكونان بحيث تكون الاشارة الى أحدهما ، اشارة الى ~~الآخر ، تحقيقا أو تقديرا. وهو مثل كون اللون فى المتلون. فان اللون ليس له ~~ذات مباينة عن ذات (4) المتلون ms002 فى الاشارة الحسية ، بل الاشارة الى اللون ~~نفس الاشارة الى المتلون. # اذا عرفت هذا ، فنقول : الشيئان اذا اختص أحدهما بالآخر على القسم الثانى ~~ثم يكون احدهما محتاجا فى وجوده الى الآخر ، ويكون الآخر غنيا فى وجوده عن ~~الأول : يسمى المحتاج حالا ، والغنى محلا. فان الجسم غنى فى وجوده عن اللون ~~واللون محتاج فى وجوده الى الجسم. فلا جرم قلنا : ان اللون حال فى الجسم ، ~~والجسم محل اللون. # اذا عرفت معنى الحلول. فنقول : كل ما كان حالا فى المتحيز ، فذلك الحال ~~يسمى بالعرض. ثم نقول : العرض قسمان : أحدهما الذي PageV01P020 # يمكن قيامة بغير الحى. والثانى : الذي لا يمكن قيامة بغير الحى. ويتدرج ~~تحت كل واحد من هذين القسمين : أنواع كثيرة ، لا يمكن استقصاء القول فيها ~~فى هذا المختصر. # ويجب أن تعلم أن أحد أنواع العرض ، الذي يمكن قيامه بغير الحى : الأكوان. ~~والكون : عبارة عن حصول الجوهر فى الحيز. ويندرج تحت الكون : أربعة أشياء : ~~الحركة. وهى عبارة عن الحصول فى حيز ، بعد أن كان فى حيز آخر. والكون. وهو ~~عبارة عن حصول الجسم الواحد ، فى حيز واحد ، أكثر من زمان واحد. والاجتماع. ~~وهو عبارة عن حصول المتحيزين فى حيزين ، بحيث لا يمكن أن يتوسط بينهما ~~ثالث. والافتراق. وهو عبارة عن حصول المتحيزين فى حيزين يمكن أن يتوسط ~~بينهما ثالث. # واعلم : أن المشهور عند (جمهور المتأخرين) أن حصول الجوهر فى الحيز ، صفة ~~معللة ، بمعنى قائم فى الجوهر. وذلك المعنى يوجد ، كونه حاصلا فى ذلك ~~الحيز. ثم انهم سموا حصول الجوهر فى الحيز بالكائنية. وسموا المعنى الموجب ~~للكائنية بالكون. وقالوا : هذا الكون علة للكائنية. # وهذا القول عندنا باطل. (وذلك لأن المعنى الذي يوجب حصول الجوهر فى حيز ~~معين. اما أن يتوقف صحة قيامه بالجوهر ، على كون ذلك الجوهر حاصلا فى ذلك ~~الحيز ، وأما أن لا يتوقف عليه. والأول باطل. لأنا اذا عللنا حصول ذلك ~~الجوهر فى ذلك الحيز بذلك المعنى ، كان حصول ذلك الجوهر فى ذلك الحيز ، ~~محتاجا الى قيام ذلك المعنى به. وقيام ذلك ms003 المعنى به. يكون محتاجا الى حصول ~~ذلك الجوهر فى ذلك الحيز. فيلتزم الدور. وهو محال. PageV01P021 # والثانى أيضا باطل. لأن على هذا التقدير ، يجوز حصول ذلك المعنى ، وعند ~~ما لا يكون ذلك الجوهر حاصلا فى ذلك الحيز. وذلك يقتضي جواز حصول العلة ~~منفكة عن معلولها. وهو محال. فتعين أن تعليل الكائنية بالمعنى ، يفضى الى ~~أحد هذين الباطلين. والدليل عليه (5) أنا بينا أن كون العرض قائما بالجوهر ~~، معناه حصول ذلك العرض فى ذلك الحيز تبعا لحصول محله فيه. فلو كان حصول ~~الجوهر فى ذلك الحيز معللا بمعنى قائم به ، لكان حصول ذلك الجوهر ، فى ذلك ~~الحيز ، تبعا لقيام ذلك المعنى ، من حيث ان معلول تبع للعلة. فيلزمه كون كل ~~واحد منهما تبعا للآخر. وهو محال (ولقائل أن يقول : ان عنيت بالتوقف آخر ~~الموقوف عليه : لا يلزم (6) وهذه الحجة فيها بحث. # القسم الثالث من أقسام الممكنات : الشيء الذي لا يكون متحيزا ، ولا يكون ~~قائما بالمتحيز. واعلم : أن جمهور الفلاسفة يثبتون هذا القسم. وجمهور ~~المتكلمين ينكرونه. وأقوى دلائل المنكرين : أن قالوا : لو حصل موجود سوى ~~الله تعالى بهذه الصفة ، لكان ذلك الموجود مساويا لذات الله تعالى ، فى أنه ~~ليس بمتحيز ، ولا قائم بالمتحيز. ولو حصلت المساواة فى هذه الصفة لحصلت ~~المساواة فى تمام الماهية ولو حصلت المساواة فى تمام الماهية ، لزم القول ~~بأنه اما يكون الواجب ممكنا أو يكون الممكن واجبا. وكل ذلك محال. # واعلم : أن هذه الحجة ضعيفة. وذلك لأن الاستواء فى كونه ليس بمتحيز ولا ~~حال فى المتحيز ، استواء فى مفهوم سلبى. والاستواء فى المسلوب ، لا يوجب ~~الاستواء فى الماهية. لأن كل ماهيتين مختلفتين فلا بد وأن يتشاركا فى سلب ~~كل ما عداهما عنهما واذا بطلت هذه المقدمة ، سقطت هذه الحجة. PageV01P022 # بل نقول : الاستواء فى الصفات الثبوتية ، لا يوجب الاستواء فى الماهية. ~~لأن المختلفين لا بد وأن يتشاركا فى كون كل واحد منهما مخالفا للآخر. ~~والضدان لا بد وأن يتشاركا فى كون كل واحد منهما ضدا للآخر. # واذا عرفت ما قلناه ، ظهر ms004 أنه لا يلزم من اثبات حدوث الأجسام والاعراض ، ~~حدوث كل ما سوى الله تعالى. وقد كان الأولون والآخرون من المتكلمين ، ~~يكتفون فى هذا المطلوب بهذا القدر. وبالله التوفيق. ### ||| ** المقدمة الثانية فى حقيقة المحدث ### ||| ** وفيه بحثان غامضان : ### |||| ** البحث الأول : اعلم أن العبارات ، وان كثرت فى تفسير المحدث ، الا أن حاصلها يرجع الى ~~نوعين من التعريف. # أحدهما : أن المحدث هو الذي يكون مسبوقا بالعدم. # والثانى : أن المحدث هو الذي يكون مسبوقا بالغير. # وللفلاسفة على كل واحدة من هاتين العبارتين اشكال (7). أما العبارة ~~الأولى فقالوا : التقدم والسبق والقبلية الى غيرها من العبارات ، له خمسة ~~أقسام : # أولها : تقدم العلة على المعلول. كتقدم المضىء على الضوء. وهذا التقدم ~~ليس بالزمان. لأن جرم الشمس لم ينفك قط عن النور. فههنا التقدم بالزمان ، ~~منفى. مع أن العقل يقضى بأن النور من الشمس ، وأن الشمس ليست من النور. ~~وأيضا : العقل يقضى بأن حركة الخاتم متفرعة على حركة الاصبع وليست حركة ~~الاصبع متفرعة على حركة PageV01P023 # الخاتم. وهذا الترتيب مما يشهد العقل بثبوته ، ولا يمكن أن يكون ذلك ~~الترتيب بالزمان. وذلك لأن سطح الاصبع اذا كان مماسا لسطح الخاتم ، فاذا ~~تحرك جسم الاصبع الى ذلك الجانب ، ففى عين ذلك الزمان لا بد وأن يتحرك ~~الخاتم. اذ لو بقى جسم الخاتم فى ذلك الحيز ، لزم تداخل الجسمين. وهو محال. ~~وهذا مما قضى العقل بأن لحركة الاصبع تقدما على حركة الخاتم ، وقضى بأن ذلك ~~التقدم ، يمتنع أن يكون بالزمان. فاذا حصل هاهنا نوع من التقدم ، سوى ~~التقدم بالزمان ، فنحن سميناه بالتقدم بالعلية. # والقسم الثانى من أقسام التقدم : ما نسميه بالتقدم بالذات. ومثاله ماهية ~~الاثنين مفتقرة الى حصول الواحد ، فأما حصول الواحد فهو غنى عن حصول ~~الاثنين. والفرق بين هذا القسم وبين القسم الأول : أن هاهنا المتقدم ليس ~~علة لوجود المتأخر ، وفى القسم الأول كان المتقدم علة للمتأخر. # والقسم الثالث : للتقدم بالشرف والفضيلة. كتقدم «أبى بكر» على «عمر» رضى ~~الله عنهما # والقسم الرابع : التقدم بالرتبة. اما بالرتبة الحسية. كتقدم الامام على ~~المأموم ، أو ms005 بالرتبة العقلية. كتقدم الجنس على النوع. اذا جعلنا المبدا هو ~~الجنس الأعلى. # والقسم الخامس : التقدم بالزمان. وحاصله : أن فى الماضى كل ما كان أبعد ~~عن الآن ، كان متقدما على ما هو الأقرب الى الآن. وفى المستقبل على العكس ~~من ذلك. ومثاله : تقدم الأب على الابن. وحقيقة هذا التقدم : ترجع الى أنه ~~كان قد حصل زمان ، حصل فيه الأب. ثم PageV01P024 # انقضى ذلك الزمان ، وحصل بعده زمان آخر ، حصل فيه الابن. فاذن التقدم ~~الزمانى ، لا يعقل حصوله الا عند حصول الزمان. # واذا تلخصت هذه المقدمة ، فعند ذلك قالت الفلاسفة ما المراد من قولكم : ~~عدم العالم متقدم على وجوده؟ لا جائز أن يكون المراد منه التقدم بالعلية ~~والتأثير. لأن العدم لا يكون علة للوجود ، ولأن العلة يجب أن تكون حاصلة مع ~~المعلول. فلو كان عدم العالم علة لوجوده ، لزم أن يحصل عدمه ووجوده معا. ~~وهذا محال. # وأما ان كان المراد منه التقدم بالذات. فهذا متفق عليه. وذلك لأن العالم ~~ممكن لذاته. والممكن لذاته يستحق لذاته أن لا يستحق الوجود وصيرورته مستحقا ~~للوجود ، انما يكون من غيره. وما بالذات قبل ما بالغير. فاذن عدمه قبل ~~وجوده : قبلية بالذات بالانفاق. ولا جائز أن يكون المراد منه التقدم بالشرف ~~، ولا بالمكان. وهو ظاهر. # بقى أن يكون تقدم عدمه على وجوده ، تقدما بالزمان. ولكنا بينا : أن ~~التقدم بالزمان لا يتقرر. الا عند حصول الزمان. فلو كان عدم العالم متقدما ~~على وجوده بالزمان ، تقدما من الأزل الى الأبد. لزم أن يكون الزمان موجودا ~~من الأزل الى الأبد. لكن الزمان من لواحق الحركة ، التى هى من لواحق الجسم ~~، فيلزم من تفسير المحدث بما ذكرتم ، القول بقدم الزمان والحركة والجسم. ~~وذلك نقيض مطلوبكم ، وضد غرضكم. فثبت : أن القول بتفسير كون العالم محدثا ~~بما ذكرتم ، يفضى ثبوته الى نفيه. فوجب أن يكون هذا التفسير باطلا. # وأما التفسير الثانى. وهو أن يقال : المحدث ما يكون مسبوقا بالغير. فنقول ~~: اما ان يكون المراد بهذا السبق : السبق بالعلية. فذاك متفق عليه. لأن ~~مذهبنا : أن ms006 العالم ممكن لذاته ، واجب لوجوب PageV01P025 # علته. (8) لكن هذا لا يقتضي أن يكون للحوادث بداية ، لأنه لا يمتنع فى ~~العقل دوام المعلول بدوام علته. وان كان المراد بهذا السبق هو السبق بالذات ~~أو بالشرف ، فهو أيضا متفق عليه. وأما السبق بالمكان فهو منفى بالاتفاق ~~وعلى تقدير ثبوته ، فذلك لا يوجب أن يكون للحوادث بداية ، اذ لا يمتنع فى ~~بداهة العقول ، وجود موجود فوق العالم ، ويكونان موجودين أزلا وأبدا. فلم ~~يبق هاهنا الا أن يفسر ذلك السبق بالسبق الزمانى. وهذا محال. وبتقدير الصحة ~~فهو متناقض. # أما انه محال. فلوجهين. # أحدهما : أنه يلزم منه كون الله تعالى زمانيا. وذلك محال. # وأما ثانيا : فيلزم منه كون الزمان زمانيا. وذلك أيضا محال. # وأما بتقدير الصحة ، فهو متناقض. وذلك لأنه اذا كان الله تعالى ، متقدما ~~على العالم تقدما ، لا أول له. وذلك التقدم تقدم زمانى ، لزم اثبات زمان لا ~~أول له. وحينئذ يعود الكلام الى أنه يلزم قدم الزمان والحركة والجسم. فهذا ~~تمام تقرير هذا الاشكال. والجواب : انا نثبت نوعا آخر من التقدم. وراء هذه ~~الأقسام الخمسة التى ذكرتموها. والدليل عليه : انا ببداهة العقل نعلم : أن ~~الأمس متقدم على اليوم. فنقول : تقدم الأمس على اليوم ليس تقدما بالعلية. ~~وذلك لأن المتقدم بالعلية ، يوجد مع المتأخر بالمعلولية (9) والأمس واليوم ~~لا يوجدان معا البتة. وأيضا : ان أجزاء الزمان متشابهة. فيمتنع أن يكون ~~بعضها علة (10) للبعض. # وبهذا الطريق ظهر أنه ليس تقدما بالذات ، ولا بالشرف ، PageV01P026 # ولا بالمكان. وأيضا : لا يمكن أن يكون ذلك التقدم تقدما بالزمان. ~~والالزام أن يكون ذلك الزمان حاصلا فى زمان آخر ، ثم يعود الكلام فى ذلك ~~الزمان ، كما فى الأول. فيفضى الى أن تحصل أزمنة ، لا نهاية لها دفعة ~~واحدة. ويكون كل واحد منها ظرفا للآخر. وذلك مجال. لأن مجموع تلك الأزمنة ~~التى لا نهاية لها ، يكون أمسها متقدما على يومها. فيلزم افتقار ذلك ~~المجموع الى زمان آخر ، يحيط به. وذلك محال. لأن الزمان المحيط بذلك ~~المجموع ، يجب أن يكون خارجا عنه. لأن الظرف مغاير ms007 للمظروف. ويجب أن لا ~~يكون خارجا عنه. لأن مجموع الأزمنة لا بد وأن يدخل فيه كل واحد من آحاد ~~الأزمنة. فيلزم أن يكون ذلك الزمان خارجا عن ذلك المجموع ، وغير خارج عنه. ~~وهو محال فثبت : أن تقدم الأمس على اليوم ، تقدم خارج عن الأقسام الخمسة ، ~~التى ذكرتموها. فلم لا يجوز أن يكون تقدم عدم العالم على وجوده ، وتقدم ~~وجود الله تعالى على وجود العالم ، على هذا الوجه؟ وحينئذ يزول الاشكال ~~المذكور. # البحث الثانى فى تفسير المحدث : وهو ان صحة حدوث الحوادث. اما أن تكون ~~لها بداية ، أو لا تكون. # والقسم الأول باطل. لوجوه : # أحدها : انه لو كان للصحة أول لما كانت الصحة الذاتية حاصلة قبل ذلك ~~المبدأ. واذا لم تكن الصحة الذاتية حاصلة قبل ذلك المبدأ ، فالحاصل قبل ذلك ~~المبدأ اما الوجوب الذاتى ، أو الامتناع الذاتى. فان كان الأول كان القول ~~بقدم العالم : ألزم. وان كان الثانى فالعالم قبل ذلك المبدأ : كان ممتنعا ~~لذاته ، ثم انقلب ممكنا لذاته. وهذا محال. لأن الأمور الذاتية لا تتقلب ~~البتة. ولو جوزنا ذلك ، فحينئذ لا يبقى الوثوق بحكم العقل فى جواز الجائزات ~~ووجوب الواجبات ، وامتناع الممتنعات. ولعن سائر الممتنعات لذواتها تنقلب ~~واجبة لذواتها ، أو بالضد. وكل ذلك باطل. PageV01P027 # وثانيها : وهو أنا لو قلنا بأنه كان ممتنعا لذاته ، ثم انقلب ممكنا. ~~فحدوث ذلك الامكان اما أن يكون لأمر ، أو لا لأمر ، فان كان لأمر فحدوث ذلك ~~الامكان يكون ممكنا لذاته والكلام فى الامكان الثانى ، كما فى الأول. فيلزم ~~التسلسل. وان كان لا لأمر ، فقد جوزتم أن ما كان ممتنعا لذاته ، انقلب ~~ممكنا لذاته ، لا لأمر. والامكان للممكن واجب. فحصول ذلك الامكان كان ~~ممتنعا لذاته ، قبل ذلك المبدأ ، ثم صار واجبا لذاته. واذا جاز ذلك ، فلم ~~لا يجوز فى وجود المحدثات ، أن يقال : انه كان ممتنعا لذاته ، ثم انقلب ~~واجبا لذاته؟ وحينئذ يلزم نفى الصانع. وهو محال. # وثالثها : ان حدوث ذلك الامكان. اما أن يقال : انه كان موقوفا على حدوث ~~أمر ما ، بأن يوجد شيء بعد ms008 عدمه ، أو بأن يعدم شيء بعد وجوده ، أو لم يكن ~~موقوفا على ذلك. فان كل الأول كان الكلام فى اختصاص ذلك الوقت بحدوث ذلك ~~الأمر ، كما فى الأول فيلزم التسلسل. وان كان الثانى لم يكن اختصاص حدوث ~~ذلك الا مكان بذلك الوقت أولى من اختصاصه بسائر الأوقات. # فثبت بهذه الوجوه : أنه لا يمكن أن يقال : ان لصحة حدوث الحوادث بداية. # وكذلك القول فى بيان أنه لا بداية لصحة تأثير المؤثر فى احداث المحدثات. ~~واذا ثبت ذلك ، كان كون العالم موجود فى الأزل غير ممتنع. وكذلك أيضا يكون ~~تأثير المؤثر فى وجود العالم أزلا غير ممتنع. واذا ثبت هذا ، كان القول ~~بأنه يمتنع كون العالم أزليا ، ويمتنع تأثير قدرة الله تعالى فى ايجاد ~~العالم فى الأزل : جمعا بين الحكم بحصول الامتناع فى الأزل ، وبحصول الجواز ~~فى الأزل. وذلك جمع بين النقيضين. وهو محال. وهذا تمام الاشكال. PageV01P028 # والجواب عنه : انه لا يلزم من قولنا : انه لا بداية لصحة حدوث الحوادث : ~~أن يحكم بجواز كون العالم أزليا. والدليل عليه : انا اذا أخذنا هذا الحادث ~~المعين بشرط كونه مسبوقا بالغير. فهذا الحادث المأخوذ مع هذا الشرط ، اما ~~أن تكون لصحة حدوثه بداية. وأما أن لا تكون لها بداية. والأول باطل ، لجميع ~~الدلائل التى ذكرتموها. فبقى أنه لا بداية لصحة حدوث هذا الحادث المأخوذ مع ~~هذا الشرط. ثم انا نعلم قطعا امتناع كون هذا الحادث أزليا. لأن الأزل عبارة ~~عن عدم المسبوقية بالغير ، وهذا الحادث مأخوذ بشرط كونه مسبوقا بالغير ، ~~والجمع بينهما محال. فثبت : أن القول بأنه لا مبدأ لصحة حدوث الحوادث ، لا ~~يقتضي القول بجواز كون ذلك الشيء أزليا. ### ||| ** المقدمة الثالثة فى شرح مذاهب الناس فى هذه المسألة : # المذاهب الممكنة فى هذه المسألة لا تزيد على خمسة لأنه اما أن يقال : ~~الأجسام محدثة بذواتها وصفاتها. أو يقال : انها قديمة بذواتها وصفاتها. أو ~~يقال : انها قديمة بذواتها محدثة بصفاتها. أو يقال انها بصفاتها محدثة ~~بذواتها. أو يتوقف فى كل واحد من هذه الأقسام # أما الاحتمال ms009 الأول : وهو القول بأن هذه الأجسام محدثة بذواتها وصفاتها. ~~فهو قول الأكثرين من أرباب المال. وهم المسلمون ، واليهود ، والنصارى ، ~~والمجوس. ### |||| ** وأما الاحتمال الثانى : وهو القول بأن الأجسام قديمة بذواتها وصفاتها. فهو قول بعض الفلاسفة وتفصيل ~~مذاهبهم : أن الأجسام الفلكية قديمة بذواتها وقديمة بصفاتها المعينة. الا ~~حركاتها. فان كل واحدة من حركاتها مسبوقة بحركة أخرى ، لا الى بداية. وأما ~~الأجسام العنصرية. فان هيولاها قديمة ، وأما صورها وأعراضها فكل واحد منها PageV01P029 # مسبوق بآخر ، لا الى بداية. وهذا مذهب «أرسطاطاليس» وأتباعه من المتقدمين ~~والمتأخرين. # وأما الاحتمال الثالث : وهو أن الأجسام قديمة بذواتها محدثة بصفاتها. ~~فهذا اقول أكثر الفلاسفة الذين كنوا قبل «أرسطاطاليس» ثم هؤلاء فريقان : # الفريق الأول : الذين قالوا : الذوات القديمة كانت أجساما. وهؤلاء منهم ~~من قال : أصل الأشياء هو التراب. وكون العناصر الثلاثة الباقية عنه ~~بالتلطف. # ومنهم من عكس ، وقال : أصل الأشياء هو النار ، وكون العناصر الثلاثة ~~الباقية عنها بالتكاثف. # (ومنهم من قال : أصل الأشياء هو الهواء. وكون العنصر اللطيف عنه : ~~بالتلطف ، وكون العنصرين الكثيفين عنه : بالتكاثف) (11). # ومنهم من قال : أصل الأشياء هو البخار. وكون العنصرين اللطيفين عنه : ~~بالتلطف وكون العنصرين الكثيفين عنه : بالتكاثف. # ومنهم من قال : أصل الأشياء هو الماء. ثم ان الماء تحرك ، فاوجبت حركته ~~سخونة ، فتصاعد على وجه الماء من تلك السخونة : زبد وارتفع منه دخان فتكونت ~~الأرض من ذلك الزبد ، والسماء من ذلك الدخان. # ومنهم من قال : أصل العالم أجزاء جسمانية كرية صلبة. ولما كانت أجزاء ~~الخلاء متشابهة ، لم يكن بقاء كل واحد من تلك الأجزاء PageV01P030 # فى حيز معين ، من ذلك الخلاء أولى من حصوله فى حيز آخر ، فلا جرم وجب ~~فيها أن تكون متحركة من الأزل الى الأبد. ثم اتفق لتلك الأجزاء أن تصادمت ~~على شكل خاص ، فتمانعت بسبب حركاتها المتدافعة ، فتكونت السماوات بهذا ~~الطريق ، ثم انها لما استدارت وكان باطنها مملوءا من الأجسام عرض لما كان ~~فى غاية القرب من السموات ، أن تسخن جدا وهو النار وعرض لما كان فى غاية ~~البعد من السموات ، أن تكاثف ms010 وبرد جدا وهو الأرض والذي كان قريبا من النار ~~، هو الهواء. والذي كان أبعد منه هو الماء. لأن الهواء الطف وأسخن من الماء ~~، ثم اختلطت هذه العناصر الأربعة ، بسبب حركات الأجرام الفلكية ، وتولدت ~~المركبات من المعادن والنبات والحيوان. # والفريق الثانى : الذين قالوا : الذوات القديمة ما كانت أجساما فهؤلاء ~~ثلاث طوائف. # الطائفة الأولى : الذين قالوا : الأجسام مركبة من الهيولى والصورة. ~~فالهيولى كانت قديمة ، وكانت خالية عن الجسم ، ثم حدثت الصورة الجسمية فيها ~~، فحدثت الأجسام. # والطائفة الثانية : الذين قالوا : العالم انما تولد من امتزاج النور ~~بالظلمة ، وأما الأنوار والظلمات ، فانها قديمة. وهذا قول الثنوية. # والطائفة الثالثة : الذين قالوا : أصل الأجسام : الوحدات. وذلك لأن ~~الوحدة اذا كانت مجردة عن الوضع والاشارة ، كانت مجرد وحدات. واذا كانت ~~الوحدة مشارا إليها ، صارت نقطة. فاذا تركبت نقطتان ، صار خطا. واذا تركب ~~خطان ، صار سطحا. واذا تركب سطحان ، صار جسما. فأصل الأجسام : الوحدات. وهى ~~أمور قديمة قائمة بذواتها. فهذا شرح هذه الأقوال على الاختصار. PageV01P031 # الاحتمال الرابع : بأن يقال : العالم قديم الصفات ، محدث الذات. وهذا ~~معلوم البطلان بالبداهة. فلا جرم لم يقبل به قائل. # الاحتمال الخامس : التوقف فى هذه الأقسام وعدم القطع بواحد منها. وهو قول ~~«جالينوس». # وهذا آخر الكلام فى شرح هذه المقدمات ، التى يجب تقديمها على الشروع فى ~~البراهين : # البرهان الأول : فى اثبات حدوث الأجسام. وهو أنا نقول : الأجسام لو كانت ~~أزلية لكانت فى الأزل ، اما أن تكون متحركة ، أو ساكنة. والقسمان باطلان ، ~~فالقول بكونها أزلية باطل. فنفتقر فى تقرير هذا البرهان الى اثبات مقدمات ثلاث : # المقدمة الأولى فى اقامة الدليل على الحصر : فنقول : الدليل عليه : أن كل ~~ما كان متحيزا فلا بد وأن يكون مختصا بحيز معين. والمراد منه : أنه لا بد ~~وأن يكون بحيث يصح أن يشار إليه بأنه هاهنا أو هناك. # اذا عرفت هذا ، فنقول : انه فى الأزل اما أن يكون باقيا فى حيز واحدا ، ~~أو لا يكون كذلك ، بل يكون منتقلا من حيز الى حيز ، والأول هو الساكن ، ~~والثانى هو المتحرك. فثبت ms011 : أن الجسم لو كان أزليا ، لكان فى الأزل اما أن ~~بكون متحركا ، أو ساكنا. # المقدمة الثانية : فى اقامة الدلالة على أنه يمتنع كون الأجسام فى الأزل ~~متحركة : ويدل عليه وجوه : # الأول : ان الحركة ماهيتها وحقيقتها ، أنها انتقال من حالة الى حالة. ~~والانتقال من حالة الى حالة ، لا بد وأن يكون مسبوقا بحصون PageV01P032 # الحالة المنتقل عنها. فاذن حقيقة الحركة من حيث انها تلك الحقيقة ، تقتضى ~~المسبوقية بالغير. وحقيقة الأزل من حيث انها هذه الحقيقة تنافى المسبوقية ~~بالغير ، فوجب أن يكون الجمع بين الحركة والأزل محالا ممتنعا لذاته. ### |||| ** البرهان الثانى : أنا اذا فرضنا أن كل دورة من دورات الفلك ، كانت مسبوقة بدورة أخرى ، لا ~~الى أول. فحينئذ يكون كل واحدة من تلك الدورات مسبوقة بعدم لا أول له ، ~~فتكون العدمات بأسرها مجتمعة فى الأزل. وانما الترتيب فى الوجودات ، لا فى ~~العدمات. فاذن جميع العدمات السابقة على كل واحدة من هذه الوجودات ، كانت ~~مجتمعة فى الأزل. فاما أن يحصل مع مجموع تلك العدمات الحاصلة فى الأزل شيء ~~من الوجودات ، أو لم يحصل. والأول باطل. والا لزم أن يكون السابق مقارنا ~~للمسبوق. وهو محال. واذا بطل القسم الأول تعين القسم الثانى ، وهو أنه لم ~~يحصل فى الأزل شيء من الوجودات. وذلك يقتضي أن يكون لمجموع الوجودات بداية ~~وأول. وهو المطلوب. # البرهان الثالث : وهو أنه اما أن يقال : حصل فى الأزل شيء من هذه الحركات ~~، او لم يحصل. فان لم يحصل فى الأزل شيء من هذه الحركات والحوادث ، وجب أن ~~تكون لمجموع هذه الحركات والحوادث بداية وأول. وهو المطلوب. وان حصل فى ~~الأزل شيء من هذه الحركات ، فتلك الحركة الحاصلة فى الأزل. ان لم تكن ~~مسبوقة بغيرها كانت تلك الحركة أول الحركات. وهو المطلوب. وان كانت مسبوقة ~~بغيرها ، لزم أن يكون الأزل مسبوقا بغيره. وهو محال. ### |||| ** البرهان الرابع : ان فى مدة دورة واحدة من أدوار «زحل» تتحرك الشمس ثلاثين دورة. فاذن عدد ~~دورات «زحل» تكون أقل من دورات «الشمس» وكل ما كان أقل من غيره ms012 ، فهو ~~متناه. فاذن PageV01P033 # عدد دوراته متناه ، فلحركة «زحل» بداية. واذا كان كذلك ، وجب أن يكون ~~أيضا لجميع الحركات بداية. لأن ضعف المتناهى مرارا متناهية ، يكون متناهيا. # البرهان الخامس : اذا فرضنا الحوادث الماضية من اليوم الى الأزل جملة ، ~~ومن زمان الطوفان الى الأزل جملة أخرى. فلا شك أن الجملة الأولى أزيد من ~~الجملة الثانية ، بما بين زمان الطوفان الى هذا اليوم. فاذا طبقنا فى الوهم ~~الطرف المتناهى من الجملة الزائدة ، على الطرف المتناهى من الجملة الناقصة ~~، حتى يقابل كل فرد من أفراد احدى الجملتين بما يشابهه فى المرتبة من ~~الجملة الأخرى. فان لم تنقص الجملة الناقصة عن الزائدة فى الطرف الآخر ، ~~كان الشيء مع غيره ، كهو ، لا مع غيره. وهذا محال. وان انقطعت الجملة ~~الناقصة من ذلك الطرف ، كانت متناهية من ذلك الطرف ، وكانت متناهية من جانب ~~الأزل. والزائد زاد عليها بمقدار متناه ، والزائد على المتناهى بمقدار ~~متناه يكون متناهيا. فالكل متناه فى جانب الأزل. ### |||| ** البرهان السادس : لو كانت الأدوار الماضية غير متناهية ، لكان حدوث اليوم موقوفا على انقضاء ~~ما لا نهاية له ، وانقضاء ما لا نهاية له محال فيلزم أن يكون حدوث اليوم ~~موقوفا على شرط محال ، والموقوف على الشرط المحال ، لا يوجد. فكان يلزم أن ~~لا يوجد اليوم. وحيث وجد ، علمنا : أن الأمور المنقضية قبل هذا اليوم ، ~~متناهية فثبت بهذه البراهين : أن القول بكون الأجسام متحركة فى الأزل محال. ### ||| ** المقدمة الثالثة : فى بيان أنه يمتنع كون الأجسام ساكنة فى الأزل # واعلم أنا نحتاج فى هذا المقام الى اقامة الدلالة على أن السكون أمر ~~وجودى. والفلاسفة يزعمون : أنه عبارة عن عدم الحركة ، عما من شأنه أن ~~يتحرك. وانما افتقرنا الى اثبات هذه المقدمة. لأن دليلنا على PageV01P034 # أن السكون يمتنع أن يكون أزليا : هو أن نقول : لو كان السكون أزليا ، لما ~~جاز ، زواله. وقد جاز ، زواله. فوجب أن لا يكون أزليا. ولو كان السكون أمرا ~~عدميا ، لما صح هذا الكلام. لأن زوال العدم فى الأزل جائز بالاتفاق. اذ لو ~~لم يجز ms013 ذلك ، لبطل القول بحدوث العالم. فان للمسائل أن يقول : لو كان ~~العالم محدثا ، لكان عدمه أزليا. ولو كان عدمه أزليا ، لما زال بسبب طريان ~~الوجود. وحيث وجد العالم ، علمنا : أن عدم العالم ما كان أزليا. فان لم يكن ~~عدمه أزليا ، كان وجوده أزليا ، فكان العالم قديما. فثبت : أنه لا يمكننا ~~أن نقول : كل ما كان أزليا ، امتنع زواله بل يجب تخصيص هذه الدعوى بالأمور ~~الوجودية. فيقال : كل ما كان موجودا فى الأزل ، امتنع زواله. فاذا كان كذلك ~~، فحينئذ نفتقر الى اثبات كون السكون أمرا وجوديا ، حتى يستقيم الكلام. # اذا عرفت ذلك ، فنقول : الدليل على أن السكون أمر وجودى : أنا نرى الجسم ~~الواحد يصير ساكنا ، بعد أن كان متحركا. وبالعكس. فتبدل هاتين الحالتين. مع ~~بقاء الذات فى الحالتين ، يقتضي كون احدى هاتين الحالتين أمرا وجوديا. واذا ~~ثبت ذلك ، لزم كون كل واحد منهما أمرا وجوديا. وذلك لأن الحركة عبارة عن ~~الحصول فى الحيز ، بعد أن كانت فى حيز آخر ، والسكون عبارة عن الحصول فى ~~الحيز ، بعد أن كان فى نفس ذلك الحيز. فالحركة والسكون متساويان فى تمام ~~الماهية ، وانما الاختلاف بينهما فى كون الحركة مسبوقة بحالة أخرى ، وكون ~~السكون ليس كذلك. وكون الشيء مسبوقا بغيره ، وصف عرضى. والأوصاف العرضية لا ~~تقدح فى اتحاد الماهية. فثبت : أن الحركة والسكون متساويان فى تمام الماهية ~~والحقيقية. فاذا كان أحدهما وصفا ثبوتيا ، لزم كون الآخر ثبوتيا قطعا. فثبت ~~بما ذكرنا : أن السكون وصف ثبوتى. PageV01P035 # واذا قامت الحجة على صحة هذه المقدمة ، فلنرجع الى المطلوب. فنقول : لو ~~كان السكون أزليا ، لامتنع زواله ، ولا يمتنع زواله. فوجب أن لا يكون أزليا ~~، بيان الشرطية : انه بتقدير أن يكون أزليا ، فاما أن يكون واجبا لذاته ، ~~أو ممكنا لذاته. فان كان واجبا لذاته ، ظهر أنه يجب أن لا يزول اصلا. وان ~~كان ممكنا لذاته فالمؤثر فيه اما أن يكون فاعلا بالاختيار ، أو موجبا ~~بالذات. والأول محال. لأن الفاعل (12) بالاختيار انما يفعل بواسطة القصد ~~والاختيار. والقصد الى تكوين الشيء ، لا يتحقق ms014 الا عند عدمه ، أو حال حدوثه ~~وعلى التقديرين فكل ما يقع بالفاعل المختار ، كان محدثا. والقديم لا يكون ~~محدثا ، فيمتنع أن يكون المؤثر فى وجود القديم فاعلا مختارا. فثبت : أنه لو ~~كان له مؤثر لكان ذلك المؤثر لا بد وأن يكون موجبا بالذات. ثم ذلك الموجب ~~ان كان ممكنا عاد الكلام فيه ، وان كان واجبا فان لم يتوقف تأثيره فى وجود ~~ذلك القديم على شرط أصلا ، لزم من وجوب وجود تلك العلة ، وجوب وجود ~~المعلول. فيلزم امتناع العدم على ذلك القديم. وان توقف تأثيره على شرط ، ~~فذلك الشرط لا بد وأن يكون المؤثر فيه موجبا بالذات ، وواجبا بالذات ، وإلا ~~عاد المحال المذكور. وحينئذ يلزم من امتناع التغير على العلة ، وعلى شرط ~~العلة ، امتناع التغير على المعلول. فثبت بما ذكرنا : أن كل ما كان موجودا ~~فى الأزل ، فانه يمتنع زواله. وانما قلنا : ان الزوال على السكون جائز. ~~وذلك لأن كل متحيز ، فانه يمكن خروجه عن حيزه ، وبتقدير خروجه عن حيزه ، ~~فانه يبطل ذلك السكون. ### ||| ** بيان المقام الأول من وجهين : # الأول : ان كل متحيز يفرض. فانه اما أن يكون مركبا أو بسيطا. فان كان ~~مركبا فانه لا بد وأن يحصل فيه بسائط. فاذا أخذنا بسيطا PageV01P036 # واحدا من تلك البسائط ، فلا شك أنه يفرض فيه جانبان. وطبيعة كل واحد من ~~ذينك الجانبين مساوية لطبيعة الجانب الآخر ، والا لكان ذلك الجزء مركبا. ~~وقد فرضناه بسيطا. هذا خلف. وان كانت طبيعة كل واحد من ذينك الجانبين ~~مساوية لطبيعة الجانب الآخر ، وكل شيئين متساويين ، وجب أن يصح على كل واحد ~~منهما ما يصح على الآخر ، فاذن الجانب الذي يلاقيه أو يحاذيه بيمينه ، يصح ~~أن يلاقيه أو يحاذيه بيساره ، ولا يمكن ذلك الا اذا انقلب فى حيزه ، حتى ~~يصير يمينه يسارا ، أو يساره يمينا. فثبت : أن كل جزء يفرض ، فانه يصح عليه ~~الحركة. واذا تحرك ، فقد بطل ذلك السكون. لأنه لا معنى للسكون ، الا ذلك ~~الحصول. واذا بطل ذلك الحصول ، فقد بطل ذلك السكون. # الوجه الثانى : انا ms015 نكتفى (1) هنا بإلزام الخصم. وذلك لأن الأجسام عندهم ~~اما فلكية أو عنصرية ، أما الفلكيات فانها عندهم متحركة على سبيل الوجوب. ~~وأما العنصريات فكل واحد من أجزائها جائز الحركة. وعلى كلا التقديرين يثبت ~~أن زوال السكون جائز. فثبت بما ذكرنا : أن السكون لو كان أزليا ، لما جاز ~~زواله. وثبت أنه يجوز زواله ، فيلزم أن لا يكون السكون أزليا. ولما ثبت أنه ~~يمتنع أن يكون الجسم فى الأزل ساكنا ، ويمتنع أن يكون فى الأزل متحركا ، ~~وثبت أنه لو كان أزليا ، لكان اما ساكنا واما متحركا. ثبت : أن الجسم يمتنع ~~أن يكون أزليا. وهو المطلوب. # وهذا تمام هذا القول فى تحرير هذا الدليل. وبالله التوفيق. # فان قيل : لا نسلم أن الجسم لو كان أزليا ، لكان اما متحركا ، واما ~~ساكنا. قوله : «والدليل عليه : وهو أن كل جسم ، فانه لا بد وأن PageV01P037 # يكون حاصلا فى حيز ، واذا كان كذلك ، فان بقى مستقرا فيه ، فهو الساكن ، ~~وان لم يبق مستقرا فيه ، فهو المتحرك». # قلنا : هذا التقسيم بناء على قولكم : ان كل جسم ، فانه لا بد وأن يكون ~~حاصلا فى الحيز ، فما المراد من الحيز الذي جعلتموه ظرفا للجسم : وتقريره : ~~أن المسمى بالحيز. اما أن يكون معدوما أو موجودا فان كان معدوما ، كان نفيا ~~محضا ، وعدما صرفا. والقول بكون الجسم حاصلا فى العدم المحض ، والنفى الصرف ~~، غير معقول. وأما ان كان المسمى بالحيز أمرا موجودا ، فذلك الموجود اما أن ~~لا يمكن أن يشار إليه اشارة حسية ، أو يمكن. فان لم يمكن استحال حصول الجسم ~~فيه. لأن الجسم الموجود يجب أن يكون ، بحيث يمكن أن يشار إليه شارة حسية. ~~فاذا كان المسمى بالحيز موجودا ، ويمتنع أن يشار إليه اشارة حسية ، كان ~~القول يجعل الحيز ظرفا للجسم : جمعا بين النقيضين. وهو محال. وأما ان كان ~~المسمى بالحيز ، أمرا يشار إليه اشارة حسية ، فكونه كذلك ، اما أن يكون ~~بالاستقلال ، أو بالتبعية. فان كان بالاستقلال كان المسمى بالحيز جسما. ~~والقول بكون الجسم حاصلا فى الحيز ، يرجع حاصله الى كون الجسم حاصلا. ms016 فى ~~الجسم. ثم المراد من هذه الظرفية : وان كان هو الحلول ، كان ذلك قولا ~~بتداخل الأجسام. وهو محال. وان كان المراد منه هو المماسة ، لزم أن يكون ~~جسم مموس جسم آخر. وذلك يوجب القول بوجود أجسام لا نهاية لها. وأنتم تنكرون ~~ذلك. وأما ان كان المسمى بالحيز أمرا مشارا إليه اشارة حسية ، على سبيل ~~التبعية. فذلك هو العرض. # فيرجع حاصل قولنا الجسم فى الحيز : أن الجسم حاصل فى العرض ، الا أن ذلك ~~أيضا باطل من وجهين : PageV01P038 # أحدهما : أن العرض حاصل فى الجسم ، فلو كان الجسم حاصلا فى العرض لزم ~~الدور. والثانى : أنكم تقولون : الجسم انتقل من هذا الحيز الى حيز آخر. فلو ~~كان المراد من الحيز هو العرض ، لزم أن يكون المراد من قولنا : انتقل الجسم ~~من حيز الى حيز ، هو انه انتقل الجسم من عرض الى عرض. وكل ذلك محال. فثبت : ~~أن القول بكون الجسم حاصلا فى الحيز ، أمر باطل محال. فكان التقسيم الذي ~~فرعتموه عليه أولى بالاستحالة والفساد. ثم انا نترك الاستدلال على فساد هذا ~~المذهب ، ونطالبهم بتفسير الحيز ، وبتفسير كون الجسم مظروف الحيز. فان ~~بمجرد المطالبة بهذا التفسير ، يصعب الكلام على المستدل. # لا يقال : الحيز له تفسيران : # أحدهما : ما اتفق عليه جمهور المتكلمين. وهو أنه ليس أمرا وجوديا بل هو ~~أمر يفرضه الذهن ، ويقدره العقل ، ويحكم بكون الجسم حاصلا فيه. ### |||| ** والثانى : ما ذكره قدماء الفلاسفة. وهم القائلون بأن المكان هو البعد ، وهو مجرد ~~الطول والعرض والعمق ، الذي لا يكون حالا فى مادة والجسم عبارة عن الطول ~~والعرض والعمق مع المادة. فاذا حصل الجسم فى المكان ، فالمعنى أنه نفذ بعد ~~الجسم فى ذلك البعد المجرد عن المادة ، المسمى بالمكان. # قالوا : والذي يدل على وجود هذا البعد المسمى بالمكان وجوه : # احدها : انه لا شك أن بين طرفى الطاس مقدارا من البعد. فالطاس المملوء من ~~الماء اذا قدرنا أن الماء خرج منه ولم يدخل الهواء فيه ، فمع هذا الفرض لا ~~بد وأن يبقى بين طرفى الطاس مقدار من البعد والامتداد. ms017 وذلك البعد قد ~~فرضناه خاليا عن الأجسام. فثبت : أن المكان هو البعد. PageV01P039 # وثانيها : انا لو قدرنا حجرا واقفا فى ماء جار ، فالشيء الساكن لا معنى ~~لسكونه ، الا أنه بقى فى مكانه أكثر من زمان واحد. ولا يمكن أن يكون المكان ~~مفسرا بالسطح المحيط ، لأن الماء اذا كان جاريا على ذلك الحجر ، لم يبق ذلك ~~الحجر ملاقيا لسطح واحد ، أزمنة كثيرة. فلو كان المكان عبارة عن السطح ، ~~لوجب أن لا يكون ذلك الحجر واقفا. ولما دلت المشاهدة على أنه واقف ساكن ، ~~علمنا : أنه لا بد وأن يكون المكان أمرا آخر ، مغايرا للسطح المحيط. وما ~~ذلك الا ذلك البعد الذي نفذ بعد الجسم الواقف فيه. # وثالثها : ان كل أحد يعلم بالضرورة أن بين طرفى الآنية مقدارا من البعد. ~~وذلك المقدار من البعد ، ليس هو الجسم. والا لزم القول بكون العالم ملاء. ~~وذلك محال. والا لكانت الحركة ممتنعة على الأجسام. فثبت : أن البعد المفترض ~~بين طرفى الآنية ليس بجسم. ولا شك أن الجسم ينفذ فيه وينطبق بعده عليه. ~~فثبت : أن المكان بعد. ### ||| ** لأنا نقول : # اما التفسير الأول : فهو باطل قطعا. وذلك لأن المسمى بالحيز ، أما أن لا ~~يكون له وجود فى الخارج ، واما أن يكون له وجود فى الخارج. فان لم يكن له ~~وجود فى الخارج ، امتنع أن يكون الجسم الموجود فى الخارج حاصلا فيه. لأن ما ~~لا يكون موجودا فى الخارج ، امتنع حصول الجسم فيه فى الخارج ، وأما ان كان ~~له وجود فى الخارج ، فحينئذ يرجع التقسيم المذكور بتمامه. # واما التفسير الثانى : وهو أن القول بأن المكان عبارة عن البعد المجرد. ~~فنقول : هذا باطل قطعا. ويدل عليه وجوه ثلاثة : # أحدها : ان طبيعة البعد اما أن تكون قابلة للحركة ، واما أن لا تكون ~~قابلة لها. فان كانت قابلة للحركة ، فاذا كان المكان هو بعدا ، PageV01P040 # كانت الحركة على المكان جائزة لكن الحركة انما تكون من مكان الى مكان ، ~~فيلزم أن يكون للمكان مكان آخر ، ويلزم التسلسل. وهو محال. وان لم تكن ~~قابلة للحركة. فالبعد ms018 القائم بالجسم ، لا يكون قابلا للحركة. فاذن الجسم ~~قارنه ما يمنع من الحركة ، فوجب أن لا تصح الحركة على الجسم. وذلك محال : # لا يقال : لم لا يجوز بأن يقال كون البعد قابلا للحركة ، مشروط بكون ~~البعد حالا فى المادة. فاذا كان مجردا كان شرط صحة الحركة زائلا ، فكانت ~~صحة الحركة غير حاصلة. # لأنا نقول : المادة اما أن يكون لها فى حقيقة ذاتها ، وخصوصية ماهيتها ~~بعد وامتداد. واما أن لا يكون. فان كان لها فى حقيقة ذاتها بعد وامتداد ، ~~فتكون المادة لذاتها ، لا لصفة مغايرة لها ، ممتدة فى الجهات. وعلى هذا ~~التقدير يمتنع كون الامتداد أمرا حالا فى المادة ، وان لم يكن للمادة فى ~~خصوصية ذاتها بعد وامتداد ، كانت الحركة على مثل هذا الشيء ممتنعة لذاتها. ~~واذا كان كذلك ، امتنع أن يكون ذلك شرطا فى صحة الحركة على البعد ~~والامتداد. # والوجه الثانى فى بيان أنه يمتنع كون المكان بعدا : أن البعد كان من حيث ~~انه هو هو غنيا عن المادة ، امتنع حلوله فى المادة. فكان يجب أن لا يحل ~~البعد فى المادة أصلا. وان كان مفتقرا الى المادة ، امتنع كونه مجردا عن ~~المادة. # الوجه الثالث : هو أن المكان لو كان عبارة عن البعد ، والمتمكن له بعد ~~آخر ، يلزم منه تداخل البعدين. وهو محال. أما أولا : فلأنه يقتضي الجمع بين ~~المثلين. وهو محال. وأما ثانيا : فلأن البعدين طرفى الاناء ، اذا كان ذراعا ~~واحدا ، فلو كان هناك بعد ان أحدهما بعد المكان ، والثانى بعد المتمكن ، ~~لزم القول بكون الذراع الواحد : PageV01P041 # ذراعين. وذلك محال. فثبت بهذه الوجوه : فساد القول بأن المكان هو البعد. # سلمنا : أن القول بالحيز : معقول. فلم قلتم : ان الجسم لا بد وأن يكون ~~اما ساكنا فى الحيز ، واما متحركا؟ # بيانه : ان المتحرك هو الذي حصل فى الحيز ، بعد أن كان فى حيز آخر ، ~~والساكن هو الذي حصل فى الحيز ، بعد أن كان فى نفس ذلك الحيز. فاذن كونه ~~ساكنا متحركا ، مشروط بكونه موجودا قبل ذلك. فاذن الجسم فى أول زمان حدوثه ms019 ~~، يجب أن لا يكون ساكنا ولا متحركا ، واذا ثبت هذا ، بطل قولكم : انه لا ~~واسطة بين كون الجسم ساكنا أو متحركا. # سلمنا : أن الجسم لو كان أزليا ، لكان اما أن يكون ساكنا واما أن يكون ~~متحركا. فلم قلتم : انه يمتنع كون الجسم فى الأزل متحركا؟ والدلائل الستة ~~التى عولتم عليها فى بيان امتناع كون الجسم متحركا فى الأزل : هى بأسرها ~~معارضة بوجه واحد. وهو أن وجود الحركة وتأثير المؤثر فى ايجاد الحركة فى ~~الأزل ، اما أن يكون ممتنعا لعينه ولذاته ، واما أن لا يكون ممتنعا لعينه ~~ولذاته. فان كان ممتنعا لذاته ، وجب أن لا يزول ذلك الامتناع قط. لأن ما ~~بالذات لا يزول فوجب أن لا توجد الحركة أصلا. وأما ان كان وجود الحركة ~~الأزلية وايجاد الحركة فى الأزل ليس ممتنعا لذاته. فاما أن يكون ممتنعا ~~لغيره ، أو لا يكون كذلك. # فان كان ممتنعا لغيره ، فذلك المانع ان كان واجبا لذاته ، امتنع زواله. ~~وكان يجب امتناع زوال ذلك الامتناع وان كان واجبا أيضا لغيره ، كان الكلام ~~فيه كما فى الأول. فيلزم التسلسل. وأما ان كان وجود PageV01P042 # الحركة الأزلية غير ممتنعة لذاتها ، ولا لغيرها ، امتنع الحكم عليها ~~بالامتناع ودلائلكم عليها تقضى بالامتناع. فكانت باطلة. # لا يقال : المانع من حصول الحركة هو تحقق مسمى الأزل. لأن الحركة تقتضى ~~المسبوقية بالغير ، والأزل ينافى المسبوقية بالغير. فالجمع بينهما محال. # لأنا نقول : مسمى الأزل حيث ثبت وتحقق ، ان كان واجب الثبوت لذاته ، ~~امتنع زواله قط ، فكان يجب أن لا يزول ذلك الامتناع أبدا ، وان لم يكن واجب ~~الثبوت لذاته ، كان ثبوته لأجل شيء آخر. والكلام فى ذلك الثانى ، كما فى ~~الأول. ولا يتسلسل ، بل ينتهى بالآخرة الى واجب الوجود لذاته. وحينئذ يلزم ~~من امتناع زوال الواجب لذاته ، امتناع زوال مسمى الأزل ، ويلزم من امتناع ~~زواله أن لا يزول قط امتناع حدوث الحركة. ولما كان ذلك باطلا ، علمنا : أن ~~الحركة لا يمتنع حصولها فى الأزل. # سلمنا : أن الجسم يمتنع أن يكون متحركا فى الأزل. فلم لا ms020 يجوز أن يكون ~~ساكنا؟ قوله : «لأن السكون أمر ثبوتى ، والثابت الأزلى يمتنع زواله» قلنا : ~~لا نسلم أن السكون أمر ثبوتى. # وقوله : «الدليل عليه : أن الجسم يتحرك بعد أن كان ساكنا ، وبالعكس. وذلك ~~يوجب كون أحدى الحالتين أمرا ثبوتيا». # نقول : لا نسلم أن تبدل احدى الحالتين بالأخرى ، يوجب كون احدى الحالتين ~~ثبوتية. والذي يدل عليه وجوه : # أحدها : أن الحوادث عندكم ممتنعة الحدوث فى الأزل ، ثم انقلبت جائزة ~~الحدوث فيما لا يزال. فههنا تبدل الامتناع بالصحة ، مع أنه PageV01P043 # لا يصح (13) أن يكون الامتناع أمرا ثبوتيا. وتكون الصحة أمر ثبوتيا. # أما أن الامتناع لا يكون أمرا ثبوتيا ، فلأن الامتناع لو كان أمرا ثبوتيا ~~، لكان الموصوف به ثبوتيا ، فيلزم أن يكون ممتنع الثبوت ثابتا. وهو محال. ~~وأما أن الامكان لا يمكن أن يكون أمرا ثبوتيا. فذلك لأنه لو كان أمرا ~~ثبوتيا ، لامتنع كونه واجبا لذاته ، بل يكون ممكنا لذاته. فيكون امكانه ~~زائدا عليه. ويلزم التسلسل. # والوجه الثانى. فى بيان أن تبدل احدى الحالتين بالأخرى ، لا يقتضي كون ~~احدى الحالتين أمرا ثبوتيا ، ولا تجدد أمر فى المحل : ذلك لأنه قبل حصول ~~الحادث المعين ، لا يصدق أن الله تعالى عالم بحصوله فى هذا الوقت ، لأنه لو ~~صدق عليه أنه عالم بحصوله فى ذلك الوقت ، مع أنه غير حاصل فى ذلك الوقت ، ~~لكان ذلك جهلا. وهو على الله تعالى محال. ثم انه اذا حصل ذلك الحادث ، فانه ~~يصدق على الله تعالى أنه عالم بحصوله فى ذلك الوقت. فاذن صدق على الله ~~تعالى أنه ما كان عالما بحصوله فى ذلك الوقت ، ثم صار عالما بحصوله فى ذلك ~~الوقت. فلو اقتضى صدق هذه القضية ، حدوث أمر وتجدد وصف لزم حدوث شيء فى ذات ~~الله. وذلك عندكم محال. # الوجه الثالث : ان الجسم قبل حدوث العرض المعين فيه ، ما كان محلا لذلك ~~العرض ، ثم اذا حصل ذلك العرض ، فقد صار محلا لذلك العرض. فيلزم أن يكون ~~كونه محلا لذلك العرض عرضا آخر ، ثم انه على هذا التقدير ، يصير محلا لذلك ~~العرض ms021 الآخر ، بعد أنه ما كان كذلك. فيلزم : أن يكون كونه محلا لتلك ~~المحلية ، عرضا آخر. ويلزم التسلسل. PageV01P044 # لا يقال : أنه لا معنى لكونه محلا لذلك العرض ، وكون ذلك العرض حالا ، ~~الا مجرد حصول ذلك العرض فيه. # لأنا نقول : ليس كون الجسم محلا لذلك العرض ، وكون ذلك العرض حالا فى ذلك ~~الجسم ، هو نفس ذلك العرض ولذاته. لأنه يمكن العلم بذات ذلك العرض ، وذات ~~ذلك الجسم ، مع الشك فى كون ذلك العرض حالا فى ذلك الجسم ، وكون ذلك الجسم ~~محلا لذلك العرض. والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم. فعلمنا : أن المحلية ~~والحالية صفتان مغايرتان لذات ذلك العرض ، ولذات ذلك الجسم. # سلمنا : أن صدق قولنا : لم يكن ثم كان : يقتضي كون احدى الحالتين أمرا ~~ثبوتيا (14). فلم لا يجوز أن تكون الحركة أمرا ثبوتيا ، وأن يكون السكون ~~عبارة عن عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك؟ # قوله : «الحركة والسكون كل واحد منهما عبارة عن الحصول فى الحيز. ولا ~~تفاوت بينهما الا فى وصف عرضى». # قلنا : لا نسلم أن الحركة عبارة عن الحصول فى الحيز الثانى. والدليل عليه ~~: أنه متى حصل فى الحيز الثانى ، فقد انقطعت الحركة وانتهت. ونهاية الشيء ~~لا تكون نفس ذلك الشيء ، بل الحركة عبارة عن كونه منتقلا عن الحيز الأول ~~الى الحيز الثانى. وذلك الانتقال أمر متقدم على الحصول فى الحيز الثانى. # سلمنا : أن السكون أمر ثبوتى. فلم قلتم : ان الثابت الأزلى لا يزول؟ قوله ~~: «لأن ذلك الأزلى اما أن يكون واجبا لذاته ، واما أن يكون معلولا لما يكون ~~واجبا لذاته. وعلى التقديرين ، فانه يلزم امتناع العدم عليه. PageV01P045 # قلنا : أنتم سلمتم أن العدم الأزلى جائز الزوال. ولا يمتنع أيضا أن يكون ~~تأثير العلة فى معلولها : موقوفا على شرط عدمى أزلى. # اذا ثبت هذا ، فنقول : لم لا يجوز أن يكون الواجب لذاته : علة لوجود ذلك ~~الأزلى ، الا أن تأثيره فى ايجابه كان موقوفا على شرط عدمى أزلى ، ثم ان ~~ذلك الشرط العدمى الأزلى زال. ولما زال شرط التأثير ، لا جرم زال الأثر. ms022 ~~وهذا سؤال قوى. ### ||| ** ثم نقول : قولكم «الأزلى لا يزول» منقوض بأمور : # أحدها : أنه تعالى كان عالما فى الأزل بأن العالم سيوجد ، فاذا أوجده لم ~~يبق علمه بأن العالم سيوجد ، والا كان ذلك جهلا. فاذن علمه بأن العالم ~~سيوجد أزلى ، مع أنه قد زال. # وثانيها : ان الله تعالى كان موصوفا فى الأزل بأنه يصح منه ايجاد العالم ~~فى لا يزال ابتداء. ثم اذا أوجد الله تعالى العالم ، استحال بعد ذلك أن يصح ~~منه ايجاد العالم ابتداء. والا لكان ذلك ايجاد الموجود. وانه محال. فتلك ~~الصحة : حكم أزلى. وقد زال. # وثالثها : ان النسخ عندكم عبارة عن رفع الحكم. وذلك الحكم المرفوع اما أن ~~يقال : انه كان حدثا ، أو كان قديما. والأول محال والالزام كون ذات الله ~~تعالى محلا للحوادث. فبقى القسم الثانى وهو أن ذلك الحكم المرفوع كان اذن ~~قديما. فارتفاعه يكون زوالا للقديم. # سلمنا : أن الثابت الأزلى لا يزول. فلم قلتم بأن كل سكون ، فانه ممكن ~~الزوال؟ وهذا باطل. لأنا نشاهد بعض الأجسام متحركة. ولكن لم لا يجوز أن ~~يكون بعض الأجسام مختصا بأحياز معينة ، على سبيل الوجوب ، بحيث يمتنع ~~خروجها عن تلك الأحياز؟ فانكم ما لم تبطلوا هذا الاحتمال ، لا يتم لكم ~~اثبات أن كل جسم محدث. PageV01P046 # قوله : «كل متحيز فانه لا بد وأن يفترض فيه جانبان متساويان فى تمام ~~الماهية. وكل شيئين متساويين فى تمام الماهية ، فانه يصح على كل واحد منهما ~~ما يصح على الآخر وذلك يقتضي صحة الحركة على ذلك المتحيز». # قلنا : لو افترض فى كل متحيز جانبان لزم كون الجسم قابلا لانقسامات لا ~~نهاية لها. وذلك محال بالدلائل الدالة على اثبات الجوهر الفرد. ولما بطل ~~ذلك ، فسدت هذه المقدمة. وبالله التوفيق. # الجواب : أما الاستفسار عن الحيز. فنقول : ان كل أحد يعلم بالضرورة : أن ~~كل متحيز فانه يصح أن يشار إليه بالحس ، بأنه هنا أو هناك. وهذا القدر ~~معلوم بالضرورة. ويكفينا بناء الفرض على هذا المقدار وذلك لأن كونه هنا أو ~~هناك ، اما أن يبقى مستمرا ، أو ms023 لا يبقى. فان بقى مستمرا فهو الساكن ، وان ~~لم يبقى فهو المتحرك. وهذا القدر واف بتقرير هذه المقدمة. # وأما الخوض فى بيان أن حقيقة المكان ما هى؟ فلا حاجة بنا فى المسألة إليه. # قوله : «الجسم فى أول حدوثه ليس بمتحرك ولا ساكن» قلنا : كلامنا فى الجسم ~~الباقى ولا شك أن الجسم حال بقائه لا بد وأن يكون اما متحركا واما ساكنا. ~~ثم أنا ذكرنا الدلائل الستة على أن الجسم يمتنع أن يكون متحركا فى الأزل. # قوله : «انه لا بداية لصحة وجود الحركة ، فيلزم صحة كون الحركة أزلية» ~~قلنا : قد ذكرنا : أن الشيء اذا أخذ بشرط كونه مسبوقا بالعدم ، فهو مع هذا ~~الشرط لا أول لصحته. ثم انه لم يلزم منه صحة كون هذا الشيء بهذا الشرط ~~أزليا. فكذا هاهنا. PageV01P047 # قوله : «لم قلتم بانه لما صدق على الشيء ، أنه لم يكن كذا ، ثم صار كذا ، ~~فانه يقتضي كون احدى الحالتين أمرا ثبوتيا». # قلنا : احدى الحالتين ان كانت ثبوتية فهو المقصود. وان كانت عدمية ~~فالحالة الثابتة رافعة لها. ورافع العدم ثبوت. فالحالة الثابتة يجب أن تكون ~~ثبوتية. # وأما النقوض التى ذكرتموها ، فهى نقوض على مقدمة بديهية. فلا تستحق ~~الجواب. # قوله : «الحركة ليست عبارة عن حصول الجوهر فى الحيز الثانى ، بل عن حالة ~~متقدمة على هذا الحصول. وهو انتقاله من الحيز الأول الى الحيز الثانى». # قلنا : ان الحصول فى الحيز الأول لما عدم ، بقى «الآن» الذي هو أول زمان ~~ذلك العدم. ولا بد وأن يكون الجسم قد حصل فى حد آخر ، من حدود المسافة. ~~فاذن لا معنى للحركة الا حصول المماسة الثانية فى «الآن» هو أول زمان عدم ~~المماسة الأولى. # قوله : «لم لا يجوز أن يكون تأثير العلة الواجبة لذاتها ، فى وجود ذلك ~~المعلول الأزلى ، كان موقوفا على شرط عدمى أزلى ، فلما زال ذلك الشرط ~~الأزلى ، زال ذلك المعلول الأزلى»؟. # قلنا : شرط التأثير لا يمكن أن يكون عدميا ، لأن قبل حصول ذلك الشرط. ان ~~بقيت العلة مؤثرة ، لم يكن ذلك الذي فرضناه شرطا ms024 لذلك التأثير : شرطا له. ~~وان لم تبق العلة مؤثرة ، فحينئذ تكون مؤثرية تلك العلة فى ذلك المعلول : ~~معلولة (15) بذلك العدم ، فيكون العدم PageV01P048 # علة لتلك المؤثرية ، فيكون العدم علة للأمر الوجودى. وهو محال. وأما ~~النقوض التى ذكرتموها على قولنا : «الأزلى لا يزول» فهى غير واردة. وذلك ~~لأن الذي وقع فيه التغير ، هو النسب والاضافات. والنسب والاضافات لا وجود ~~لها فى الأعيان. # قوله : «لو افترض فى كل متحيز جانبان ، للزم أن يكون كل متحيز قابلا ~~للقسمة ، لا الى نهاية». # قلنا : ان من المعلوم بالضرورة : أن كل متحيز ، فان الجانب الذي منه يلى ~~السماء ، غير الجانب الذي منه يلى الأرض. وما كان معلوم الثبوت بالضرورة ، ~~لا يمكن انكاره. وبالله التوفيق. # البرهان الثانى : فى اثبات حدوث الأجسام : فنقول الأجسام متناهية فى ~~المقدار. وكل ما كان متناهيا فى المقدار ، فهو محدث. فالأجسام محدثة. ### ||| ** والذي يدل على أن الأجسام متناهية فى المقدار وجهان : # الوجه الأول : الأجسام لو كانت غير متناهية ، أمكن أن يفرض فيها خطان ~~متوازيان : أحدهما غير متناه. والآخر متناه. فاذا زال الخط المتناهى عن ~~الموازاة الى المسامتة. فلا بد وأن يحدث فى الخط الذي هو غير متناه ، نقطة. ~~هى أول نقطة المسامتة لكن ذلك محال فى الخط الذي هو غير متناه. لأن كل نقطة ~~فرضناها فيه ، وجعلناها أول نقطة المسامتة ، كانت المسامتة مع النقطة التى ~~فوقها ، حاصلة قبل المسامتة معها. فاذن يلزم أن يحصل فى الخط الغير ~~المتناهى ، نقطة هى أول نقطة المسامتة. وأن لا يحصل. وهو محال. وهذا المحال ~~انما يلزم من فرضنا ذلك الخط غير متناه ، واذا فرض الخط غير متناه ، وجب أن ~~يكون محالا باطلا. PageV01P049 # والوجه الثانى فى بيان أن الأجسام يجب أن تكون متناهية : لو كانت الأجسام ~~غير متناهية. أمكننا أن نفرض فيها خطا غير متناه. وليكن ذلك الخط : خط (أب) ~~ويمكننا أن نفرض فى وسط هذا الخط نقطتين : إحداهما نقطة (ج) والأخرى نقطة ~~(د) فنقول : خط (ج ا من جانب (ج) متناه ، ومن جانب (ا) غير متناه. وخط (دا) ms025 ~~أيضا كذلك. لكن خط (ج ا) أقل من خط (دا) بمقدار خط (ج د) وليكن ذلك المقدار ~~شبرا واحدا. # واذا تلخص هذا ، فنقول : عدد الأشبار الموجودة فى الخط الناقص ، ان كانت ~~مساوية لعدد الأشبار الموجودة فى الخط الزائد ، كان الشيء مع غيره ، كهو لا ~~مع غيره. وهذا محال. وان كانت أنقص منه ، فذلك التفاوت اما أن يظهر من ~~الجانب المتناهى ، أو من الجانب الغير المتناهى والأول محال. لأنا فرضنا ~~التطبيق بحسب مراتب الأعداد فى هذا الجانب المتناهى ، فوجب أن يظهر التفاوت ~~من الجانب الآخر. # ومعنى فرض التطبيق بحسب مراتب الأعداد : أن الشبر الأول من هذه الجملة ~~مقابل بالشبر الأول من تلك الجملة الثانية. والشبر الثانى من هذه الجملة ~~مقابل بالشبر الثانى من تلك الجملة ولتكن هذه الدقيقة معلومة ، حتى يتم ~~البرهان فاذا حصل التطابق من هذا الجانب ، وجب أن لا يظهر التفاضل الا من ~~الجانب الآخر ، وحينئذ تنقطع الجملة الناقصة من ذلك الجانب. والزائد زاد ~~عليه بشبر واحد ، فتكون الجملة الزائدة أيضا متناهية. وهو المقصود. # فثبت بهذين البرهانين : أن كل جسم فهو متناه فى المقدار. # وأما المقدمة الثانية. وهى فى بيان أن كل ما كان متناهيا فى المقدار ، ~~فهو محدث. والدليل عليه : أن كل ما كان متناهيا فى PageV01P050 # المقدار ، فانه لا يمتنع فى العقل فرض وجوده أزيد من ذلك المقدار بذرة ، ~~أو أنقص منه بذرة. والعلم بجواز ذلك ضرورى. واذا استوت المقادير الثلاثة ~~أعنى : حصول ذلك المقدار ، وحصول ذلك الأزيد منه ، وحصول الأنقص منه استحال ~~رجحان ذلك القدر ، على ما هو أزيد منه أو أنقص منه. الا بتخصيص مخصص ، ~~وايجاد قادر. والا فقد ترجح أحد طرفى الممكن على الآخر من غير مرجح. وهو محال. # وقد بينا فى البرهان الأول : أن كل ما كان فعلا لفاعل مختار فهو محدث. ~~فاذن قد ثبت أن كل جسم فهو متناه فى المقدار ، وثبت : ان كل ما كان متناهيا ~~فى المقدار فهو محتاج فى وجوده الى الفاعل المختار ، وثبت أن كل ما كان ~~محتاجا فى ms026 وجوده الى الفاعل المختار ، فهو محدث فيلزم الجزم بأن كل جسم محدث. # البرهان الثالث : فى حدوث الأجسام : أن الجسم لو كان أزليا ، لكان فى ~~الأزل حاصلا فى حيز معين. ولو كان فى الأزل حاصلا فى حيز معين ، لامتنع ~~خروجه عنه. فكان يلزم أن يمتنع على كل واحد من أفراد الأجسام ، كونه ~~متحركا. ولما كان هذا الثانى باطلا ، كان القول بكون الجسم أزليا باطلا. # أما المقدمة الأولى : وهى قولنا : ان الجسم لو كان أزليا ، لكان فى الأزل ~~حاصلا فى حيز معين. فهى مقدمة بديهية. لأنا قد ذكرنا : أن المراد من ~~المتحيز ما يمكن أن يشار إليه اشارة حسية ، بأنه هنا أو هناك وكل موجود هذا ~~شأنه وصفته ، فانه لا بد وأن يكون مختصا بجهة معينة ومكان معين. فثبت : أن ~~الجسم لو كان أزليا ، لكان فى الأزل حاصلا فى حيز معين. ولو كان كذلك ، ~~لكان حصوله فى ذلك الحيز المعين : أزليا. وقد بينا فى البرهان الأول أن ~~الأزلى لا يزول. فكان يمتنع عقلا زوال ذلك الحصول. واذا امتنع زواله ، ~~امتنعت الحركة عليه. فثبت : PageV01P051 # أن الجسم لو كان أزليا ، لكانت الحركة ممتنعة عليه. لكن الحركة غير ~~ممتنعة عليه. أما فى الاجسام المشاهدة ، فالحس دال على جواز الحركة عليها. ~~وأما فى الأجسام الغائبة. فالبرهان عليه هو الذي ذكرناه فى البرهان الأول. ~~فظهر أن الجسم يمتنع أن يكون أزليا. # البرهان الرابع فى حدوث ما سوى الله تعالى : فنقول : كل ما سوى الواجب ~~الوجود الواحد ، فانه ممكن لذاته. وكل ممكن لذاته ، فهو محدث. فاذن كل ما ~~سوى ، الموجود الواحد ، فانه محدث. # بيان المقدمة الأولى : وهى قولنا كل ما سوى الموجود الواحد فهو ممكن ~~لذاته. فنقول الدليل عليه : أنا لو فرضنا موجودين ، يكون كل واحد منهما ~~واجبا لذاته. فلا بد وأن يكونا متشاركين فى الوجوب الذاتى ، ولا بد وأن ~~يكونا غير متشاركين فى التعين. وما به الاشتراك غير ما به الامتياز. فاذن ~~يكون كل واحد منهما مركبا من الوجوب الذاتى ، الذي حصلت به المشاركة ، ومن ~~التعين الذي ms027 به حصلت المباينة. لكن كل مركب فانه مفتقر فى ماهيته وفى تحققه ~~الى كل واحد من مفرديه ، وكل واحد من مفرديه مغاير له ، لأن الكل مغاير لكل ~~واحد من أجزائه. فاذن كل مركب ، فانه مفتقر فى تحققه الى غيره ، وكل مفتقر ~~فى تحققه الى غيره ، فهو ممكن لذاته. فاذن كل مركب فهو ممكن لذاته. فاذن لو ~~فرضنا موجودين واجبى الوجود ، لكان كل واحد منهما ممكنا لذاته. والثانى ~~محال. فاذن فرض موجودين واجبى الوجود : يجب أن يكون محالا. فثبت : أن كل ما ~~سوى الموجود الواحد ، يجب أن يكون ممكنا لذاته. # وأما المقدمة الثانية : وهى أن كل ما كان ممكنا لذاته ، فانه يجب أن يكون ~~محدثا. فالبرهان على صحته : ان كل ما كان ممكنا لذاته ، فانه مفتقر فى ~~رجحان وجوده على عدمه الى المؤثر. وكل ما كان مفتقرا فى وجوده الى المؤثر ، ~~فانه يجب أن يكون محدثا. PageV01P052 # بيان المقدمة الأولى : أن الممكن ما تكون ماهيته قابلة للعدم والوجود ، ~~على البدل. وما كان كذلك ، امتنع رجحان أحد الطرفين على الآخر ، الا لمؤثر منفصل. # بيان المقدمة الثانية : أن نقول : الافتقار الى المؤثر ، اما أن يحصل حال ~~الوجود ، أو حال العدم. فان حصل حال الوجود ، فاما أن يحصل حال البقاء ، أو ~~محال الحدوث. لا جائز أن يحصل حال البقاء. والالزام أن يكون الشيء حال ~~بقائه مفتقرا الى موجد يوجده. والى مكون يكونه ، وذلك محال. لأن ايجاد ~~الموجود ، وتحصيل الحاصل محال فى بداهة العقول. فلم يبق الا أن يكون افتقار ~~الأثر الى المؤثر. اما حاصلا حال الحدوث ، أو حال العدم. وعلى التقديرين ~~فانه يلزم أن يكون كل مفتقر فى وجوده الى المؤثر ، فانه يكون محدثا. فثبت : ~~أن كل ما سوى الواحد ممكن لذاته. وثبت : أن كل ما كان ممكنا لذاته ، فهو ~~مفتقر فى وجوده الى المؤثر. وثبت أن كل ما كان مفتقرا فى وجوده الى المؤثر ~~: فاذن يلزم من هذا البرهان : أن كل ما سوى الواحد ، لا بد وأن يكون محدثا. ~~وهذا البرهان يفيد حدوث الاجسام ms028 والأعراض والعقول والنفوس والهيولى. ويفيد ~~أن واجب الوجود واحد. وهو الله جل جلاله وبالجملة : فهو برهان عظيم واف ~~باثبات أكثر المباحث الشريفة الالهية. # فان قيل : لا نسلم أن ما سوى الواحد ممكن لذاته. قوله : «لو فرضنا ~~موجودين يكون كل واحد منهما واجبا لذاته ، لكانا متشاركين فى الواجب الذاتى ~~، ومتباينين فى التعين ، فحينئذ يكون كل واحد منهما مركبا ، وكل مركب ممكن ~~، فحينئذ يكون الواجب لذاته ، ممكنا لذاته» ### |||| ** قلنا : لا نسلم أنه يلزم من فرض كون كل واحد منهما واجبا لذاته ، وقوع التركيب. ~~وبيانه من وجوه : PageV01P053 # أحدها ان بتقدير أن يكون وجوب الوجود وصفا سلبيا ، يكون كل واحد منهما ~~مشاركا للآخر ، فى وصف سلبى ، ويكون كل واحد منهما مباينا للآخر ، فى تمام ~~الماهية. # فالاشتراك فى وصف السلبى لا يوجب وقوع التركيب فى الماهية. بدليل : أن كل ~~ماهيتين بسيطتين : فلا بد وأن يشتركا فى سلب ما عداهما عنهما. فلو كان ~~الاشتراك فى السلوب ، يوجب وقوع الكثرة فى الماهية ، لزم أن يكون كل بسيط ~~مركبا. وذلك محال. فعلمنا : أن بتقدير أن يكون وجوب الوجود وصفا سلبيا ، لا ~~يلزم وقوع الكثرة. فما الدليل على أن الوجوب ليس وصفا سلبيا؟ ثم الذي يدل ~~على أن الوجوب وصف سلبى وجوه : # أحدها : ان الوجوب لو كان وصفا ثبوتيا ، لكان مساويا لسائر الموجودات فى ~~الوجود ، ومخالفا لها فى ماهياتها المخصوصة. وما به المشاركة ، مغاير لما ~~به المباينة. فالوجوب بالذات ، لو كان أمرا ثبوتيا لكاتب ماهيته مغايرة ~~لوجوده ، فاتصاف ماهيته بوجوده اما أن يكون واجبا ، واما أن لا يكون. فان ~~لم يكن واجبا ، كان الوجوب الذاتى ممكن الوجود لذاته ، فكان الواجب لذاته ~~أولى أن يكون ممكنا لذاته. وذلك محال. وان كان واجبا. فهذا الوجوب صفة لا ~~تصاف تلك الماهية بذلك الوجود ، فيكون وجوب ذلك الوجود مغايرا له ، ويكون ~~الكلام فيه كما فى الأول. فيلزم التسلسل. وهو محال. # وثانيها : ان الوجوب لو كان وصفا ثبوتيا ، لكان اما أن يكون عبارة عن ~~تمام تلك الحقيقة المحكوم عليها بالوجوب ، واما أن يكون جزءا ms029 من تلك ~~الحقيقة ، واما أن يكون أمرا خارجا عن تلك الحقيقة. والأقسام الثلاثة باطلة ~~، فالقول بكون الوجوب أمرا ثبوتيا باطل. وانما قلنا : انه يمتنع أن يكون ~~الوجوب تمام تلك الحقيقة والماهية. PageV01P054 # وذلك لأن تلك الماهية محكوم عليها بأنها واجبة ، والموضوع يمتنع أن يكون ~~عين المحمول. ولأن ماهية واجب الوجود غير معلومة. والمعلوم ليس هو نفس ما ~~هو غير معلوم. # وانما قلنا : انه يمتنع كون الوجوب جزءا من تلك الحقيقة ، لأن على هذا ~~التقدير تكون تلك الحقيقة مركبة. وقد بينتم : أن كل مركب ممكن. فاذن يلزم ~~أن يكون الواجب لذاته ، ممكنا لذاته وانما قلنا : انه يمتنع كون الوجوب صفة ~~خارجة عن الحقيقة ، لأن كل ما كان صفة خارجة عن الحقيقة مفتقرا إليها ، كان ~~تحققه متوقفا على تحقق تلك الحقيقة. وكل ما كان كذلك ، كان ممكنا لذاته. ~~فذلك الوجوب بالذات ممكن لذاته. واذا كان الوجوب ممكنا بالذات ، كان الواجب ~~بالذات أولى بأن يكون ممكنا بالذات. فثبت : أن الأقسام الثلاثة باطلة ، ~~فكان القول بكون الوجوب أمرا ثبوتيا باطلا. # ثالثها : ان الوجوب محمول على العدم ، والمحمول على العدم ، يمتنع أن ~~يكون ثابتا. فالوجوب يمتنع أن يكون ثابتا. وانما قلنا : ان الوجوب محمول ~~على العدم : لأن كل ما يصدق عليه أنه يمتنع أن يوجد ، يصدق عليه أنه يجب أن ~~لا يوجد. فالوجوب محمول على لا وجود. فثبت : أن مفهوم الوجوب ، محمول على ~~العدم. وانما قلنا : ان المحمول على العدم ، يمتنع أن يكون ثابتا. لأنه ثبت ~~فى بداهة العقول : أن قيام الصفة الموجودة بالنفى. المحض محال. فثبت بهذه ~~البراهين الثلاثة : ان الوجوب صفة عدمية. وثبت أن الاشتراك فى الصفة ~~العدمية ، لا يوجب وقوع الكثرة فى الماهية. فثبت : أنه لا يلزم من اشتراك ~~الشيئين فى الوجوب ، وقوع التركيب فى ماهيتهما. # السؤال الثانى : سلمنا أن الوجوب صفة ثبوتية ، لكن لا نسلم أن التعين أمر ~~ثبوتى. بل نقول : التعين ليس بأمر ثبوتى. واذا كان PageV01P055 # كذلك ، لا يلزم من حصول المباينة فى التعين ، وقوع التركيب فى الماهية. ### ||| ** والذي يدل على ms030 أن التعين ليس أمرا ثبوتيا وجوه : # أحدها : ان تعين كل شيء متعين ، غير تعين المتعين الآخر ، والا لكان تعين ~~كل شيء ، عين تعين غيره. وعلى هذا التقدير. يلزم أن تكون الأشياء كلها ~~متعينة بتعين واحد. وهو محال. واذا ثبت هذا فنقول : أفراد التعينات متساوية ~~فى ماهية كونها تعينا ، وكل واحد من تلك الأفراد يباين الآخر بتعينه ، ~~فيلزم أن يكون تعين المتعين زائدا عليه ، ثم الكلام فى الثانى كما فى الأول ~~، فيلزم التسلسل وهو محال. # وثانيها : وهو أن التعين لو كان زائدا على الذات ، لكان اختصاص ذلك ~~الزائد المسمى بالتعين بهذه الذات ، دون تلك الذات ، يتوقف على امتياز هذه ~~الذات عن تلك الذات. ولكن امتياز هذه الذات عن تلك الذات ، يتوقف على تعين ~~هذه الذات ، وتلك الذات ، فلو كان تعين هذه الذات ، وتعين. تلك الذات ، ~~معللا بذلك الزائد : وقع الدور. وانه محال. # وثالثها : لو كان التعين وصفا زائدا على الذات ، لكان المتعين لم يكن فى ~~نفسه شيئا واحدا ، بل كان شيئين : أحدهما : تلك الذات. والثانى : الصفة ~~المسماة بالتعين ، القائمة بالذات. واذا كانا شيئين ، ولكل واحد منهما تعين ~~، فلا يكون ذلك الشيء اثنين ، بل أربعة ، ثم لكل واحد من تلك الأربعة تعين ~~آخر ، فلا يكون ذلك أربعة ، بل ثمانية. وهلم جرا. فيلزم من ذلك أن الشيء ~~الذي حكمنا عليه بأنه واحد ، ليس بواحد ، بل أعداد غير متناهية. وذلك محال. ~~لأن الواحد لا يكون عددا. وأيضا : فان الكثرة عبارة عن مجموع الوحدات. PageV01P056 # فلا بد هناك من وحدة ، لكن تلك الوحدة لها تعين ، فلا تكون الوحدة وحدة. ~~هذا خلف. # ورابعها : ان التعين عبارة عن أنه ليس هو ذلك الآخر ، ومفهوم أنه ليس هو ~~الآخر: مفهوم سلبى لا ثبوتى. # فثبت بهذه الدلائل : أن التعين يمتنع أن يكون أمرا ثبوتيا. # واذا ثبت هذا ، فنقول : لم لا يجوز أن يقال : الشيئان اللذان يكون كل ~~واحد منهما واجبا لذاته ، أنهما يتشاركان فى تمام الماهية وهى الوجوب ~~ويتباينان بالتعين ، الا أن التعين أمر عدمى. وعلى هذا التقدير لا يلزم ms031 ~~وقوع التركيب فى الماهية؟ # السؤال الثالث : سلمنا أنه يلزم من حصول الاشتراك فى الوجوب ، وحصول ~~التباين فى التعين : وقوع الكثرة فى الماهية. لكن هذه الكثرة لازمة. سواء ~~قلنا بأن واجب الوجود واحدا ، أو لم نقل به. وبيانه من وجوه : # أحدها : أنه لا شك أن هنا لوازم وملزومات. فان الثلاثة مستلزمة لذاتها ~~لمعنى الفردية والاربعة مستلزمة لمعنى الزوجية ، والسواد لذاته مناف ~~للبياض. فهذه الاستلزامات الذاتية : وجوبات ذاتية. وهى أنواع كثيرة. فاذن ~~واجب الوجود لذاته ، أكثر من واحد. # وثانيها : هب أن واجب الوجود لذاته ، ليس الا الواحد ، لكن الواجب بغيره. ~~فيه كثرة. ثم الواجب لذاته يشارك الواجب بغيره فى مسمى كونه واجبا ، ويمتاز ~~عنه بخصوص كونه واجبا لذاته. وما به المشاركة مغاير لما به المباينة. ~~فالوجوب بالذات مركب فى ماهيته. وحينئذ تعود المحالات المذكورة. PageV01P057 # وثالثها : ان واجب الوجود لذاته ، يساوى فى كونه موجودا سائر الوجودات ، ~~ويباينها بتعينه. وذلك التعين اما أن يكون سلبيا ، أو ثبوتيا. فان كان ذلك ~~التعين سلبيا يكون هو ، من حيث انه هو عدما لا وجودا. وذلك محال. فاذن ذلك ~~التعين الذي به باين غيره ، أمر ثبوتى. فاذن هو مركب عن الوجود الذي به ~~يشارك غيره ، وعن التعين الذي به امتاز عن غيره. فيلزم وقوع الكثرة فى ذاته. # السؤال الرابع : هب أنه يلزم من ذلك وقوع الكثرة فى ذات كل واحد منهما. ~~لكن لم لا يجوز أن يقال : كل واحد من جزئى ذاته واجب لذاته. وذلك المجموع ~~يجب لوجوب جزئيه معا. وعلى هذا التقدير لا يلزم منه محذور أصلا؟ سلمنا : أن ~~كل ما سوى الواحد ممكن لذاته ، فلم قلتم : ان كل ممكن لذاته محدث؟ قوله لأن ~~كل ما كان ممكنا لذاته ، فانه محتاج الى المؤثر ، وكل محتاج الى المؤثر فهو ~~محدث» قلنا : ### |||| ** أما المقدمة الأولى. وهى أن كل ما كان ممكنا لذاته ، فانه محتاج الى أؤثر ، فسيجيء البحث عليها ~~فى مسألة اثبات الصانع. ان شاء الله تعالى. وأما المقدمة الثانية. وهى قوله ~~: «ان كل ما كان محتاجا الى المؤثر ms032 فهو محدث» فهذا ممنوع ، وقوله : «حاجة ~~الأثر الى المؤثر ، اما أن تحصل حال البقاء أو حال الحدوث ، أو حال العدم» ~~قلنا : الكلام عليه من وجهين : # الأول : انه منقوض بالمعلول ، فانه يبقى مفتقر الى العلة ، حال بقائه. ~~وكذلك المشروط يبقى مفتقرا الى الشرط حال بقائه. وكذلك عالمية الله تعالى ~~معللة بعلمه ، مع كون كل واحد منهما أزليا. # ومن النقوض اللازمة : ان أريد بقاء الشيء. اما على وجودة أو على عدمه ، ~~فبقاء الشيء على وجوده ، يمتنع أن يكون صفة زائدة على ذاته. لأنه لا معنى ~~للبقاء الا نفس حصوله فى الزمان الثانى. وحصول الشيء فى الزمان الثانى لو ~~كان زائدا عليه ، لكان ذلك الزائد PageV01P058 # حاصلا فى ذلك الزمان. ويلزم التسلسل وهو محال. وأما بقاء الشيء على عدمه ~~، فيمتنع أن يكون وصفا ثبوتيا زائدا عليه. والالزام قيام الموجود بالمعدوم. ~~فلما ثبت أن الانسان قد يريد بقاء الشيء ، وثبت أن بقاء الشيء نفس ذات ~~الشيء ، ثبت : أن الإرادة قد تتعلق بالشيء حال بقاء الشيء. # الوجه الثانى من الكلام على ذلك الدليل : انا نعارضه بوجوه أخر من ~~الدلائل : # الوجه الأول : ان عدم الفعل ينافى وجوده ، وعدم الفاعلية ينافى حصولها. ~~ومنافى الشيء يمتنع أن يكون شرطا له. فالعدم السابق يمتنع أن يكون شرطا ~~لكون الفعل فعلا ، ولكون الفاعل فاعلا. فاذن كون الفعل فعلا ، وكون الفاعل ~~فاعلا ، ممكن التحقق بدون العدم السابق ، وذلك هو المطلوب. # الوجه الثانى : ان الأثر. حال بقائه ممكن الوجود ، فلا بد له من مؤثر. ~~فالشيء حال بقائه مفتقر الى المؤثر. انما قلنا : ان الأثر حال بقائه ممكن ~~الوجود ، لأن المراد من الا مكان كون تلك الماهية فى نفسها قابلة للعدم ~~والوجود ، وكونها فى نفسها غير متأبية من الأمرين فتلك الماهية من حيث هى. ~~هى ، ان كانت متأبية من قبول العدم ، وجب أن تكون كذلك أبدا. وان كنت ~~هويتها من حيث هى هى ، لا تتأبى عن قبول العدم ، كانت هذه الحالة حاصلة ~~أبدا. فكانت ممكنة أبدا. وأما أن الممكن لا بد له من مؤثر. ms033 فهو ظاهر. # واذا ظهرت المقدمتان ، ثبت ان الممكن حال بقائه مفتقر الى المؤثر. وذلك ~~يقدح فى أن الافتقار الى المؤثر ، لا يحصل الا حال الحدوث. # الوجه الثالث : ان الحدوث عبارة عن كون وجود الشيء مسبوقا بعدمه. وهذه ~~المسبوقية صفة من صفات الشيء ، ونعت من نعوته. PageV01P059 # وصفة الشيء مفتقرة الثبوت الى تحقق الموصوف. فحدوث الشيء مفتقر الى وجوده ~~ثم ان وجوده مفتقر الى تأثير المؤثر فيه ، الذي هو مفتقر الى احتياج الأثر ~~الى المؤثر ، الذي هو مفتقر الى علة ذلك الاحتياج ، والى جزء تلك العلة ، ~~والى شرط تلك العلة. فلو كان الحدوث علة للحاجة ، أو جزءا من تلك العلة ، ~~أو شرطا لتلك العلة ، لزم تأخر الشيء عن نفسه بمراتب وهو محال. فعلمنا : ~~أنه لا عبرة بالحدوث فى حصول احتياج الأثر الى المؤثر. # الوجه الرابع : وهو أن الممكن الخاص هو الذي يصدق عليه أنه يمكن وجوده ، ~~ويمكن عدمه. واذا ثبت هذا ، فنقول : كون العدم ممكنا اما أن يكون محوجا الى ~~المؤثر ، ولا يكون كذلك. فان كان الأول كان العدم الممكن المستمر من الأزل ~~الى الآن محتاجا الى المرجح. فثبت : أن الشيء حال استمراره ، قد يفتقر الى ~~المؤثر. وان كان الثانى فهو باطل ، لأن ماهية الامكان الخاص واحدة فى جانبى ~~الوجود والعدم. فان لم يكن فى جانب العدم محوجا الى المرجح ، فكذا فى جانب ~~الوجود ، وجب أن لا يحوج الى المؤثر. وحينئذ يلزم استغناء الممكن عن ~~المؤثر. وهو محال. # الوجه الخامس : ان الممكنات لا بد من انتهائها فى سلسلة الحاجة الى واجب ~~الوجود. فنقول : واجب الوجود اما أن يكون مستجمعا لجميع تلك الأمور ~~المعتبرة فى المؤثرية فى الأزل ، أو ما كان مستجمعا لتلك الأمور فى الأزل. ~~فان كان الأول لزم من دوامه مع دوام جميع ذلك الأمور المعتبرة فى المؤثرية ~~، دوام آثاره. وعلى هذا التقدير ، ثبت : أن استناد الأثر الى المؤثر ، لا ~~يتوقف على كون الأثر حادثا. وأما ان قلنا بأنه تعالى ما كان مستجمعا فى ~~الأزل لجميع الأمور المعتبرة فى المؤثرية ، فحينئذ ms034 يكون حصول تلك الأمور ~~المعتبرة فى المؤثرية حادثا. ثم الكلام فى كيفية حدوثها كما فى الأول. ~~ويلزم التسلسل. وهو محال. PageV01P060 # الوجه السادس : انا لو تصورنا محدثا حدث مع وجوب أن يحدث لذاته ، قطعنا ~~بأنه لا حاجة به فى حدوثه الى المرجح ، لأنه لما كان مترجحا لذاته ، ~~فالمترجح لذاته وبذاته ، يمتنع استناده الى المؤثر ، المرجح الخارجى. وأما ~~اذا تصورنا موجودا باقيا واعتقدنا أن الوجود بالنسبة إليه كالعدم ، قطعنا ~~بأنه لا بد له من المرجح. وهذا يدل على أن علة الحاجة هى الامكان لا ~~الحدوث. # الوجه السابع : ان المحدث له أمور ثلاثة : الوجود الحاصل فى الحال ، ~~والعدم السابق ، وكون هذا الوجود مسبوقا بذلك العدم. فنقول : المحتاج الى ~~المؤثر ليس هو العدم السابق فانه نفى محض. وهو مناقض لحصول التأثير. وليس ~~هو أيضا كون ذلك الوجود مسبوقا بالعدم ، فان كون هذا الوجود مسبوقا بالعدم ~~، أمر واجب لذاته ، ممتنع التغير. والواجب لذاته لا يحتاج الى المؤثر. فلم ~~يبق الا أن يقال : المحتاج الى المؤثر ، هو الوجود الحاصل فى الحال. فنقول ~~: لا جائز أن يكون المحتاج الى المؤثر مطلق الوجود ، والا لكان الواجب ~~لذاته ، مفتقرا الى المؤثر. وهو محال. ولما بطل هذا القسم ، لم يبق الا أن ~~يقال : المحتاج الى المؤثر ، هو الوجود الممكن. فان الحدوث ساقط عن درجة ~~الاعتبار بالكلية. # الوجه الثامن : ان الصفات الخارجة اللازمة للماهية ، كالزوجية للأربعة ، ~~والفردية للخمسة. لا بد وأن تكون ممكنة فى نفسها ، لأنه لا يعقل وجود هذه ~~الصفات على سبيل الانفراد والاستقلال. بل لا يعقل ثبوتها الا عارضة لهذه ~~الماهيات ، وكل ما لا يكون مستقلا بنفسه ، ولا منفردا بذاته. فانه لا بد ~~وأن يكون ممكنا لذاته ، واجبا لغيره. فاذن هذه اللوازم معلولة بتلك ~~الماهيات ، ثم ان تلك الماهيات قط ، ما كانت خالية عن تلك اللوازم. فان ~~الأربعة لا يعقل أن تكون منفكة عن الزوجية ، والخمسة لا تكون منفكة عن ~~الفردية. فقد ثبت فى هذه الصور : استناد الشيء الى غيره ، مع كون الأثر ~~دائما بدوام المؤثر. PageV01P061 # فهذه الدلائل الثمانية ms035 : دالة على أنه لا يلزم من افتقار الشيء فى وجوده ~~الى غيره كون الأثر حادثا. وبالله التوفيق. # ثم نقول : ما ذكرتم من الدلالة منقوض بكون الله تعالى عالما بالعلم ، ~~قادرا بالقدرة فان علم الله تعالى ان كان واجبا لذاته ، وذاته أيضا واجبة ~~لذاتها. فقد حصل موجودان كل واحد منهما واجب لذاته. وذلك يبطل المقدمة ~~الأولى من مقدمات دليلكم. وان كان علم الله تعالى ليس واجبا لذاته ، بل ~~ممكنا لذاته ، واجبا بوجوب ذاته ، مع أن علمه قديم ، كان ذلك اعترافا بكون ~~الأثر والمؤثر دائمين. وذلك يبطل المقدمة الثانية من مقدمات دليلكم. وبالله ~~التوفيق. # والجواب : قوله : «ما الدليل على أن الوجوب أمر ثبوتى؟» # قلنا : يدل عليه وجهان. # الأول : ان الوجوب تأكيد الوجود. فلو كان الوجوب عدميا ، لكان أحد ~~النقيضين سببا لتأكد الآخر. وانه محال. ### |||| ** الثانى : ان الوجوب يناقض اللاوجوب ، والداخل تحت اللاوجوب اما الممتنع وأما الممكن ~~الخاص. والممتنع معدوم. والممكن الخاص يجوز أن يكون معدوما. فاذن اللاوجوب ~~محمول على المعدوم ، فيكون معدوما. وان كان اللاوجوب معدوما ، كان الوجوب ~~موجودا. ضرورة أن أحد النقيضين ، لا بد وأن يكون موجودا. # وأما المعارضات فانها بأسرها معارضة بوجه واحد. وهو أن الوجوب لو كان ~~عدميا محضا فى الخارج ، لم يكن الشيء فى الخارج موصوفا بأنه واجب. فهذا ~~يقتضي نفى واجب الوجود لذاته. وانه محال. PageV01P062 # قوله : «ما الدليل على أن التعين أمر ثبوتى»؟ قلنا : الدليل عليه : أن ~~هذا الانسان يساوى ذلك الانسان فى كونه انسانا ، ولا يساويه فى كونه هذا أو ~~ذلك. وما به المشاركة غير ما به المباينة. فلتعين أمر زائد على الماهية. ثم ~~ذلك الزائد لا يجوز أن يكون عدميا. ويدل عليه وجهان : # الأول : ان التعين جزء من ماهية المعين ، والمعين من حيث انه ذلك المعين ~~موجود ، وجزء الموجود موجود. فالتعين أمر موجود. # الثانى : ان التعين لو كان عدما ، لم يكن عدم أى تعين (16) اتفق. بل كان ~~عبارة عن كون هذا الشيء ، ليس هو ذلك الشيء. فاذا فسرنا تعين هذا بعدم تعين ~~ذاك ، فتعين ذاك ms036 ان كان عدما ، كان تعين هذا عدما للعدم. وعدم العدم وجود. ~~فتعين هذا أمر موجود. وان كان تعين ذاك امرا وجوديا ، كان ذلك التعين أمرا ~~موجودا. فثبت : أن أحد التعينين أمر موجود. واذا كان كذلك ، وجب أن يكون كل ~~تعين أمرا موجودا. لأن حقيقة التعين حقيقة واحدة لا تختلف بصورة وصورة. # وأما المعارضة الأولى : فجوابها : ان الماهية والتعين اذا اجتمعنا ، ~~فبانضياف التعين الى الماهية ، صارت الماهية متعينة ، وبانضياف الماهية الى ~~التعين ، صار التعين متعينا. وبهذا الطريق ينقطع التسلسل. # لا يقال : انه لم يلزم التسلسل. لكنه يلزم الدور. لأنا نقول : الدور انما ~~يلزم لو كانت ماهية كل واحد منهما سببا لماهية الآخر ، لكننا لا نقول كذلك ~~، بل نقول : ماهية كل واحد منهما سبب لتعين PageV01P063 # الآخر ، وذلك لا يوجب الدور. وبهذا الطريق نجيب عن بقية المعارضات وبالله ~~التوفيق. # قوله : «كون الثلاثة فردا ، والأربعة زوجا : أمور واجبة لذواتها. فاذن ~~واجب الوجود أكثر من واحد». قلنا : مرادنا من قولنا واجب الوجود لذاته : ~~الموجود الذي يكون مستقلا ومستبدا بذاته وتحققه. وهذه صفات تكون لا حقة ~~للماهيات ، فلا تكون واجبة لذواتها. # قوله : «الواجب لذاته ، يشارك الواجب لغيره فى مسمى الوجوب» قلنا : لكنه ~~يمتاز عنه بقيد سلبى. وعلى هذا التقدير لا تلزم الكثرة. # قوله : «الواجب لذاته يشارك الممكن لذاته فى مسمى الموجودية ، ويخالفه فى ~~التعين فتلزم الكثرة». قلنا : مذهبنا أن الوجود الذي به المشاركة ، مغاير ~~للماهية المخصوصة التى بها المخالفة ، لكن لم لا يجوز أن تكون تلك الماهية ~~، مستلزمة لذلك الوجود؟ الا أنه يبقى هاهنا اشكال. وهو أنكم لما جعلتم تلك ~~الماهية علة لذلك الوجود ، مع كون الماهية والوجود دائمين. فقد اعترفتم بأن ~~استناد الأثر الى المؤثر ، لا يتوقف على الحدوث. وهذا الاشكال مما نستخير ~~الله تعالى فيه. # قوله : «لم لا يجوز أن كل واحد من الموجودين الواجبين يكون مركبا من ~~الوجود الذي به المشاركة ، ومن التعين الذي به المباينة. الا ان كل واحد من ~~هذين الجزءين يكون واجبا لذاته. وحينئذ يكون المركب واجبا لوجوب كل واحد ms037 من ~~جزئيه؟» قلنا : هذا باطل من وجهين : ### |||| ** الأول : هو أنا لو فرضنا موجودين يكون كل واحد منهما واجبا لذاته ، لزم كون كل واحد ~~منهما مركبا. وكل مركب ممكن. فيلزم PageV01P064 # أن يكون الواجب لذاته غير واجب لذاته. وذلك محال. واذا لزم المحال من هذا ~~القدر ، كفانا هذا القدر فى تقرير المطلوب. # الوجه الثانى : وهو أنا لو فرضنا كل واحد من ذينك الجزءين واجبا ، فحينئذ ~~يشتركان فى الوجوب ، ويتباينان فى الخصوصية. فيلزم كون كل واحد من ذينك ~~الجزءين ، مركبا من أجزاء لا نهاية لها. # وأما الوجوه التى ذكرتموها فى بيان أن الافتقار قد يحصل حال البقاء. ~~فنقول : ان دليلنا أقوى من الوجوه التى ذكرتموها. وذلك لأنا اذا أسندنا ~~الباقى حال بقائه الى المؤثر ، فذلك المؤثر اما أن يقال : أنه لم يصدر عنه ~~أثر ، أو يقال : صدر عنه أثر. فان لم يصدر عنه أثر ، لم يكن مؤثرا. وان صدر ~~عنه أثر ، فذلك الأثر. اما أن يصدق عليه أنه كان حاصلا قبل ذلك ، أو يصدق ~~عليه أنه ما كان حاصلا قبل ذلك فان صدق عليه أنه كان حاصلا قبل ذلك ، ~~فحينئذ يلزم أن يقال : المؤثر حصل فى هذا الوقت شيئا ، كان ذلك الشيء حاصلا ~~قبل ذلك. وهذا غير معقول. واما أن يصدق عليه أنه ما كان حاصلا قبل هذا ~~الوقت. فهذا الأثر يكون حادثا لا باقيا. فكان المفتقر الى المؤثر هو الحادث ~~، لا الباقى فهذه نكتة جليلة قوية فى بيان أن اسناد الأثر الى المؤثر لا ~~يحصل الا حال الحدوث. # وأما الجواب عن تلك الوجوه على سبيل التفصيل. فمذكور فى المطولات. # قوله : «هذا منقوض (17) بكونه تعالى عالما بالعلم ، قادرا بالقدرة» قلنا ~~: هذا السؤال صعب. وهو مما نستخير الله تعالى فيه. # البرهان الخامس فى حدوث الأجسام : لو كان الجسم قديما ، لكان قدمه اما أن ~~يكون عين كونه جسما ، واما أن يكون مغايرا لكونه PageV01P065 # جسما. والقسمان باطلان ، فبطل القول بكون الجسم قديما. انما قلنا : انه ~~لا يجوز أن يكون قدم الجسم عين كونه جسما ، لأنه لو ms038 كان كذلك ، لكان العلم ~~بكونه جسما ، علما بكونه قديما. فكما أن العلم بكونه جسما ضرورى. لزم أن ~~يكون العلم بكونه قديما ضروريا. ولما بطل هذا ، فسد هذا القسم. وانما قلنا ~~: انه لا يجوز أن يكون قدم الجسم زائدا على كونه جسما ، لأن ذلك الزائد ان ~~كان قديما لزم أن يكون قدمه زائدا عليه. ولزم التسلسل. وان كان حادثا ، فكل ~~حادث فله أول وكل قديم فلا أول له. فلو كان قدم القديم عبارة عن ذلك الحادث ~~، لزم أن يكون ذلك الشيء له أول ، وأن لا يكون له أول. وهو محال. # فان عارضونا بكونه حادثا. قلنا : الحادث عبارة عن مجموع الوجود الحاصل فى ~~الحال ، والعدم السابق. ولا يبعد حصول العلم. بالوجود ، الحاصل مع الجهل ~~بالعدم السابق. بخلاف القديم فانه لا معنى له الا نفس وجوده. فظهر الفرق. ~~وهذا وجه جليل (18) وفيه مباحث دقيقة. # وليكن هذا آخر كلامنا فى شرح دلائل حدوث الأجسام والله أعلم. ### ||| ** واحتج القائلون بالقدم بوجوه : # أولها : لا شك أن الممكنات تنتهى فى سلسلة الحاجة الى واجب الوجود. فنقول ~~: كل ما لا بد منه فى كونه تعالى مؤثرا فى آثاره. اما أن يقال : انه كان ~~حاصلا فى الأزل أو ما كان حاصلا فى الأزل. فان كان كل ما لا بد منه فى ~~المؤثرية حاصلا فى الأزل ، فاما أن يجب مع PageV01P066 # حصولها حصول الأثر ، أو لا يجب. فان وجب لزم من دوامه دوام الأثر ، وان ~~لم يجب كان وجوده مع عدم تلك الآثار جائزا. # فلنفرض ذاته مع مجموع الأمور المعتبرة فى المؤثرية. تارة مع وجود تلك ~~الآثار ، وأخرى مع عدمها. فاختصاص ذلك الوقت بالوجود دون الوقت الآخر ، اما ~~أن يتوقف على اختصاصه بأمر ما لأجله كان هو أولى بوجود ذلك الأثر ، واما أن ~~لا يكون كذلك. فان كان الأول كان ذلك المخصص معتبرا فى المؤثرية. وهو ما ~~كان حاصلا قبل ذلك الوقت. فاذن كان ما لا بد منه فى المؤثرية ، ما كان ~~حاصلا فى الأزل. وكنا قد فرضناه حاصلا. هذا خلف. ms039 وان كان الثانى ، كان ذلك ~~ترجيحا لأحد طرفى الممكن المتساوى على الآخر ، من غير مرجح أصلا. وهو محال. ~~هذا اذا قلنا بأن كل ما لا بد منه فى المؤثرية كان حاصلا فى الأزل. أما اذا ~~قلنا بأن كل ما كان حاصلا فى الأزل ، فحدوثه فى لا يزال ، بعد أن لم يكن ، ~~اما أن يفتقر الى مؤثر ، أو لا يفتقر. فان لم يفتقر ، فقد حدث الممكن لا عن ~~مرجح ، وان افتقر نقلنا الكلام الى كيفية احداث تلك الأمور. ويلزم التسلسل. ~~وهو محال. # هذا هو العمدة الكبرى للقوم. ### ||| ** أجاب المتكلمون عنه فى وجوه : # أحدها : انه لم لا يجوز أن يقال : العالم انما حدث فى الوقت المعين ، لأن ~~إرادة الله تعالى تعلقت بايجاده فى ذلك الوقت ، دون سائر الأوقات. وليس ~~لأحد أن يقول : لم تعلقت الإرادة باحداث العالم فى ذلك الوقت ، ولم تتعلق ~~ارادته باحداثه فى سائر الأوقات؟ وذلك لأن تلك الإرادة بعينها وماهيتها ~~المخصوصة ، اقتضت التعلق باحداث العالم فى ذلك الوقت والماهيات لا تعلل. # وثانيهما : انه تعالى عالم بجميع الجزئيات. فكان علمه القديم متعلقا بأن ~~العالم فى أى الأوقات يوجد ، وفى أيها لا يوجد. والإرادة PageV01P067 # لا تتعلق بالشيء ، الا على وفق العلم. فلهذا السبب تعلقت إرادة الله ~~باحداث العالم فى الوقت الذي علم وقوعه فيه ، ولم تتعلق باحداثه فى سائر ~~الأوقات. # وثالثها : لم لا يجوز أن يقال : ان ذلك الوقت اختص بحكمة خفية ، لأجلها ~~خصص الله تعالى احداث العالم بذلك الوقت ، دون سائر الأوقات؟ واذا كان هذا ~~الاحتمال قائما ، سقطت هذه المطالبة. # ورابعها : ان احداث العلم فى الأزل محال. لأن الاحداث عبارة عن جعله ~~موجودا بعد ان كان معدوما. وذلك يستدعى سبق العدم. والأزل عبارة عن نفى ~~المسبوقية بالغير ، فكان الجمع بينهما محالا. # وخامسها : ان العالم قبل ذلك الوقت ، ما كان ممكنا ، بل كان ممتنعا ، ثم ~~انقلب ممكنا فى ذلك الوقت. # وسادسها : ان القادر المختار يمكنه أن يرجح أحد المقدورين على الآخر ، من ~~غير مرجح. كما أن الهارب من السبع اذا عن ms040 (19) له طريقان متساويان من جميع ~~الوجوه ، فانه يختار أحدهما على الآخر من غير مرجح ، والعطشان اذا خير بين ~~قدحين متساويين ، فانه يختار أحدهما على الآخر من غير مرجح. # قالت الفلاسفة : لو تأملتم حق التأمل فى الحجة التى ذكرتموها لما أوردتم ~~هذه الأجوبة. وذلك لأن حاصل هذه الأجوبة يرجع الى حرف واحد. وهو : أن كل ما ~~لا بد منه فى ايجاد العالم ما كان حاصلا فى الأزل. PageV01P068 # وأما الجواب الأول : فلأنكم قلتم بان إرادة الله تعالى تعلقت بايجاد ~~العالم ، فى ذلك الوقت المعين. وذلك الوقت المعين ما كان حاصلا فى الأزل. ~~فاذن العالم انما لم يوجد فى الأزل ، لأن حصول ذلك الوقت المعين : شرط. ~~وذلك الوقت ما كان حاصلا فى الأزل ، ففات الايجاد لفوات شرطه. # وأما الجواب الثانى : فهو أن الوقت الذي علم الله تعالى أن العالم يوجد ~~فيه ، شرط لوجود العالم. وذلك الوقت ما كان حاضرا فى الأزل. والعالم لا ~~يوجد ، لأن شرطه ما كان حاضرا فى الأزل. # وأما الجواب الثالث : فهو أن شرط دخول العالم فى الوجود ، حضور ذلك الوقت ~~المشتمل على تلك المصلحة. وذلك الوقت ما كان حاضرا فى الأزل. فالعالم لم ~~يحصل لان شرط حصوله كان فائتا. # وأما الجواب الرابع : فهو أن انقضاء الأزل شرط الايجاد. وهذا الشرط ما ~~كان حاصلا فى الأزل ، ففات الايجاد لقوات شرطه. # وأما الجواب الخامس : فهو ان حضور الوقت الذي حدث فيه امكان العالم : شرط ~~الايجاد. وهذا الشرط ما كان حاصلا فى الأزل ، ففات الايجاد لفوات شرطه. # وأما الجواب السادس : وهو أن القادر يرجح أحد مقدورية على الآخر ، لا ~~لمرجح. فمعناه أن دخول العالم فى الوجود ، يتوقف على ذلك الترجيح. ثم ان ~~ذلك الترجيح ما كان حاصلا فى الأزل ، ففات الايجاد لفوات شرطه. # فثبت : أن هذه الأجوبة الستة كلها راجعة الى حرف واحد. وهو اختيار أحد ~~القسمين المذكورين فى تلك الحجة. وهو أن كل ما لا بد منه فى المؤثرية ، ما ~~كان حاصلا فى الأزل. لكنا ذكرنا هذا القسم ، وابطلناه بأن تلك ms041 الأمور لما ~~لم تكن حاصلة فى الأزل ، PageV01P069 # ثم حدثت. فان كان حدوثها غنيا عن المرجح ، لزم نفى الصانع. وان افتقر الى ~~المرجح ، عاد التقسيم الأول فيه. ولزم التسلسل. فهذه الوجوه ليست أجوبة عن ~~تلك الحجة البتة أصلا. # ثم انا بعد هذا ، نبطل كل واحد من تلك الأجوبة على سبيل التفصيل : ### |||| ** أما الجواب الأول : فهو ضعيف من وجهين : # الأول : ان الإرادة القديمة المتعلقة بايجاد العالم فى الوقت المعين ، ~~اما أن تكون صالحة التعلق بايجاد العالم فى وقت آخر ، وأما أن لا تكون ~~صالحة لذلك. فان كان الحق هو الأول ، كانت الإرادة صالحة لايجاد العالم فى ~~هذا الوقت ، وصالحة للتعلق بايجاد العالم فى سائر الأوقات. فترجيح بعض ~~التعلقات على ما سواه. ان لم يفتقر الى المرجح فقد ترجح الممكن لا عن مرجح ~~، وان افتقر الى المرجح كان الكلام فيه كما فى الأول. ويلزم التسلسل. وان ~~كان الحق هو القسم الثانى. وهو أن تلك الإرادة المتعلقة بايجاد العالم فى ~~ذلك الوقت ، ما كانت صالحة للتعلق بايجاد العلم فى وقت آخر ، فحينئذ لا ~~يكون هذا المؤثر فاعلا مختارا ، بل مؤثرا موجبا بالذات. واذا كان موجبا ~~امتنع تخلف المعلول عنه. فهذا يقتضي القول بقدم العالم لا بحدوثه. # والوجه الثانى : ان تعلق إرادة الله بايجاد العالم ، اما أن لا يكون ~~مشروطا بوقت معين ، واما أن يكون مشروطا بوقت معين. فان لم يكن مشروطا بوقت ~~معين ، فهذا معناه أنه تعالى فى الأزل ، أراد ايجاد العالم من غير أن تكون ~~تلك الإرادة مختصة بوقت معين. واذا كانت الإرادة غير مقيدة بوقت معين ~~البتة. وما كانت مشروطة بشرط فائت البتة. وجب حصول المراد مع هذه الإرادة. ~~فكان التقدم لازما. PageV01P070 # وأما ان كانت الإرادة مشروطة بوقت معين. مثل أن يقال : انه تعالى أراد ~~ايجاد العالم فى وقت معين ، فذلك الوقت ان كان حاضرا فى الأزل لزم حصول ذلك ~~المراد ، فى الأزل. وان لم يكن حاضرا فى الأزل كان حادثا. فحينئذ ينتقل ~~الكلام الى كيفية ارادته لاحداث ذلك الوقت. فان كانت ms042 تلك الإرادة مشروطة ~~بوقت آخر ، لزم التسلسل. وهو محال. ### ||| ** وأما الجواب الثانى : فهو أيضا ضعيف من وجهين : # الأول : ان العلم بحدوث العالم فى ذلك الوقت ، تبع لحدوث العالم فى ذلك ~~الوقت. لان العلم تبع للمعلوم. وحدوث العالم فى ذلك الوقت ، تبع لارادة ~~احداثه فى ذلك الوقت. فلو جعلنا إرادة احداثه فى ذلك الوقت ، تبعا لعلمه ~~بوقوع العالم فى ذلك الوقت : لزم الدور. # الثانى : ان علم الله تعالى لما تعلق بحدوث العالم فى وقت معين ، وبعدم ~~حدوثه فى وقت آخر. تغير المعلوم. وتغير المعلوم محال. فحينئذ يمتنع عقلا أن ~~لا يحدثه فى ذلك الوقت الذي علم حدوثه فيه ، ويمتنع عقلا أن يحدثه فى الوقت ~~الذي علم أنه لا يحدثه فيه. فهذا المؤثر لا يكون فاعلا مختارا ، بل يكون ~~موجبا بالذات. # وأما الجواب الثالث : وهو أن حدوث العالم انما اختص بذلك الوقت لاختصاص ~~ذلك الوقت بمصلحة لا توجد فى سائر الأوقات. فهو أيضا ضعيف من وجهين : # الأول : ان حدوث العالم لما توقف على حضور ذلك الوقت المختص بتلك ~~المصلحة. فحدوث ذلك الوقت ان كان لا لمحدث ، فهو نفى الصانع. وان كان لمحدث ~~، فالسؤال عائد فى أنه لم لم يحدث قبل ذلك الوقت أو بعده؟ ويلزم التسلسل. ~~وأيضا : فالمصلحة الحاصلة فى ذلك الوقت PageV01P071 # ان كانت حاصلة قبل ذلك الوقت ، فما لأجله حدث العالم كان حاصلا قبل ذلك ~~الوقت ، فيلزم أن يحدث العالم قبل أن حدث. وانه محال. وان قلنا : ان تلك ~~المصلحة ما كانت حاصلة قبل ذلك الوقت ، وانما حصلت فى ذلك الوقت. فاما أن ~~يقال : انه حدثت تلك المصلحة فى ذلك الوقت ، مع وجوب أن تحدث ، أو مع جواز ~~أن تحدث. فان كان الأول فقد جوزتم أن يحدث الشيء لذاته. واذا جاز ذلك فى ~~بعض الأمور ، جاز مثله فى كلها ويلزم نفى الصانع. وهو محال. وان كان الثانى ~~، افتقر اختصاص ذلك الوقت بتلك المصلحة ، الى مخصص آخر. والكلام فيه كما فى ~~الأول ويلزم التسلسل. وهو محال أيضا. # والثانى : وهو ان مع العلم ms043 باشتمال ذلك الوقت على تلك المصلحة ، اما أن ~~يكون الترك ممكنا أو لا يكون. فان لم يكن ممكنا كان المؤثر موجبا بالذات ، ~~لا فاعلا بالاختيار. وان كان الترك ممكنا ، فلما كان الترك والفعل ممكنين ~~مع ذلك الداعى. فان توقف على مرجح آخر كان الكلام فيه كما فى الأول ويلزم ~~التسلسل. وان لم يتوقف كان الممكن واقعا لا عن مرجح. # لا يقال : الفعل مع هذا الداعى يصير أولى بالوقوع. ولا تنتهى الأولوية ~~الى حد الوجوب. لأنا نقول : القول بهذه الأولوية سيأتى ابطاله ان شاء الله ~~تعالى فى مسألة خلق الأفعال (20). # وأما الجواب الرابع : وهو ان حضور الأزل كان مانعا من الايجاد. فهو أيضا ~~ضعيف من وجهين : # الأول : ان مسمى الأزل الذي جعلتموه مانعا من الايجاد ، اما أن يكون ~~واجبا لذاته أو ممكنا لذاته. فان كان الأول امتنع زواله. وكان PageV01P072 # يجب أن لا يزول ذلك الامتناع. هذا خلف. وان كان ممكنا لذاته. فلا بد ~~لحصوله من سبب. والكلام فيه كما فى الأول ، ولا ينقطع حتى ينتهى الى الواجب ~~لذاته. وحينئذ يعود المحذور المذكور. # والثانى : ان عدم العالم فى الأزل الى وقت حدوثه ، نفى محض والنفى المحض ~~لا يكون فيه اختلاف وامتياز ، فامتنع القول بأن ذلك العدم فى الأزل مانع من ~~الفعل ، وفى لا يزال غير مانع منه. # وأما الجواب الخامس : وهو أن العالم ما كان ممكن الوجود ، قبل أن وجد. ~~فهو أيضا ضعيف من وجهين : # الأول : ان هذا يقتضي أن يقال : انه كان ممتنع الوجود لذاته ، ثم انقلب ~~ممكنا لذاته. وهذا يقتضي انقلاب الحقائق. وهو محال. # الثانى : ان حال الماهية من حيث هى هى ، لا تختلف. فان ثبت كونها قابلة ~~للوجود فى بعض الأوقات ، ثبت أنها من حيث هى هى ، قابلة للوجود أبدا. فكانت ~~ممكنة أبدا ، فيمتنع أن يكون حصول ذلك الامكان مخصوصا بوقت دون وقت. # وأما الجواب السادس : وهو قولهم : «القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على ~~الآخر ، من غير مرجح» فهو أيضا ضعيف من وجهين : # الأول : انه لما استوى الأمران ، بالنسبة ms044 إليه. ثم وقع أحدهما دون الآخر ~~، من غير مرجح. كان وقوع ذلك الفعل اتفاقيا لا اختياريا. وان جاز ذلك ، ~~فليجز مثله فى سائر الحوادث. وذلك يقتضي استغناء الحدوث عن المرجح. # الثانى : وهو أن القادر على الفعل والترك ، اذا استوى الفعل والترك ~~بالنسبة إليه. فاما أن يقال : انه لا يرجح أحد الطرفين على PageV01P073 # الآخر ، الا اذا خص ذلك القادر ، ذلك الطرف بنوع ترجيح ، أو يقال : أنه ~~يرجح أحد الطرفين على الآخر ، وان لم يخص ذلك القادر ذلك الطرف بنوع ترجيح. ~~فان كان الأول فحينئذ يتوقف رجحان ذلك الطرف على الطرف الآخر ، على انضياف ~~ذلك المرجح إليه. وحينئذ يعود الاشكال من الرأس. وهو أن ذلك المرجح. هل كان ~~حاصلا فى الأزل ، أو ما كان حاصلا فى الأزل؟ فان كان الحق هو الثانى. كان ~~معنا ، أنه يترجح أحد مقدورية على الآخر ، من غير أن يكون ذلك الرجحان ، ~~لسبب ترجيحه. وحينئذ لا يكون ذلك الفعل واقعا بايقاعه بل يكون واقعا من غير ~~سبب. وذلك يقتضي استغناء الفعل عن الفاعل. # وبهذا الحرف يظهر ضعف كلامهم فى التمثيل بالهارب من السبع ، اذا عن له ~~طريقان وبالعطشان اذا خير بين شرب قدحين. لأن فى هذه الصورة يعلم كل أحد ~~أنه ما لم يحضر فى قلبه إرادة الذهاب فى أحد الطريقين ، وإرادة شرب أحد ~~القدحين ، فانه لا يترجح ذلك الطريق على الثانى ، ولا يترجح ذلك القدح على ~~الثانى. فظهر بهذا ان حصول الترجيح من غير المرجح. اما أن يكون محالا ، ~~واما أن يلزم منه نفى المؤثرات والتأثرات. وذلك يوجب نفى الصانع بالكلية. ~~وهو باطل. # فهذا تمام الكلام فى تقرير هذه الشبهة. وهى فى الحقيقة أعظم شبه الفلاسفة ~~فى هذه المسألة. # والشبهة الثانية لهم فى هذه المسألة : قالوا : المفهوم من كون الواجب ~~مؤثرا فى العالم ، أمر مغاير لذات واجب الوجود ، ولذات العالم. ويدل عليه وجوه : # أحدها : انه يمكنا أن نعقل ذات واجب الوجود ، ونعقل ذات العالم ، مع الشك ~~فى أن واجب الوجود مؤثر فى العالم. ومع الشك PageV01P074 # فى أن ms045 ذات العالم أثر واجب الوجود. واذا أمكن تعقل الذاتين حال كون ~~المؤثرية والأثرية (21) مجهولة. علمنا : أن كون الواجب مؤثرا فى وجود ~~العالم ، وكون العالم ، أثرا لواجب الوجود ، أمر مغاير للذاتين. # وثانيها : ان كون أحد الذاتين مؤثرة فى الأخرى : نسبة بين الذاتين. ~~والنسبة بين الشيئين متوقفة عليهما. والمتوقف على الشيء مغاير له. فهذه ~~المؤثرية والأثرية وصفان مغايران للذاتين. # وثالثها : أنا نقول : هذه الذات مؤثرة فى تلك. فنحكم على تلك الذات ~~بالمؤثرية. والمحكوم عليه مغاير للمحكوم به لا محالة. # ورابعها : أنا نقول : هذه الذات صارت مؤثرة فى الأثر الفلانى ، بعد أن ~~كانت غير مؤثرة فيه. فتجدد صفة المؤثرية مع كون الذات موجودة قبل ، يدل على ~~أن صفة المؤثرية مغايرة لتلك الذات. # لا يقال : لم لا يجوز أن يكون المراد من كونها مؤثرة فى ذلك الأثر ، نفس ~~حصول ذلك الأثر؟ لأنا نقول : هذا باطل. فانا نقول : انما وجد هذا الأثر ، ~~لأجل أن هذا المؤثر أثر فى وجوده. فعللنا وجوده لمؤثرية المؤثر فيه. فلو ~~كانت مؤثرية المؤثر عبارة عن وجود الأثر ، لكان ذلك تعليلا لوجود الأثر ~~بنفسه. وانه محال. واذا ثبت أن كون واجب الوجود مؤثرا فى وجود العالم : وصف ~~زائد على الذات فنقول : هذا الوصف لا جائز أن يكون وصفا سلبيا ، لأن قولنا ~~الشيء الفلانى أثر فى كذا ، نقيض لقولنا انه ما أثر فى كذا. ولما كان قولنا ~~ما أثر فى كذا سلبيا محضا ، وجب أن يكون قولنا انه أثر فى كذا : وصفا ~~ثبوتيا زائدا على الذات. PageV01P075 # ثم نقول : كون الله تعالى مؤثرا فى وجود العالم. اما أن يكون حادثا أو ~~قديما. فان كان حادثا افتقر الى محدث. فكانت مؤثرية المؤثر فى احداث تلك ~~المؤثرية زائدا عليه ، فيلزم التسلسل فاذن مؤثرية الله تعالى فى العالم صفة ~~قديمة. ولكن كون الشيء مؤثرا فى غيره ، صفة اضافية. لا يعقل ثبوتها الا مع ~~ثبوت المضافين. فاذن كون الشيء موصوفا بصفة المؤثرية ، من غير وجود الأثر ~~محال عقلا. واذا كانت صفة المؤثرية قديمة ، يلزم كون الأثر قديما. ms046 وذلك ~~يوجب القول بقدم الآثار. # الشبهة الثالثة لهم : قالوا : العالم لو كان محدثا ، لكان قبل حدوثه ، ~~اما أن يكون ممكنا ، أو واجبا ، أو ممتنعا. فان كان واجبا ، كان قبل وجوده ~~موجودا. وهذا محال. وان كان ممتنعا ، ثم انقلب ممكنا ، لزم أن ينقلب ~~الممتنع لذاته ، ممكنا لذاته. وهو محال. ولما بطل القسمان لم يبق الا ~~الثالث. وهو أن العالم قبل حدوثه ، كان ممكن الوجود. فنقول : الامكان اما ~~أن يكون صفة سلبية ، أو ثبوتية. والأول باطل. لأن الامكان نقيض الامتناع ، ~~والامتناع عدم. اذ لو كان موجودا لكان الممتنع الموصوف به أولى بأن يكون ~~موجودا. فثبت: أن الامكان صفة ثابتة. # فنقول : هذا الامكان اما أن يكون عبارة عن كون القادر متمكنا من ايجاده ، ~~واما أن يكون وصفا راجعا الى ذات الممكن. والأول باطل. وذلك لأن القادر ~~يمكنه ايجاد الممكنات ، ولا يمكنه ايجاد المحالات ، فلولا امتياز الممكن عن ~~المحال بوصف عائد إليه ، والا لم يكن اقتداره على ايجاد الممكنات أولى من ~~اقتداره على ايجاد المحالات ، فثبت : أن كل محدث مسبوق بالامكان ، وثبت أن ~~الامكان صفة موجودة عائدة الى ذات الممكن. # ومن المعلوم بالبداهة : أن الموصوف بالصفة الموجودة ، لا بد وأن PageV01P076 # يكون موجودا. وذلك الشيء الذي يحصل فيه امكان حدوث الأشياء هو المسمى ~~بالهيولى. فاذن كل محدث ، فانه مسبوق بالهيولى. وثبت فى أصول الحكمة : أن ~~الهيولى اما أن يكون هو الجسم ، أو يكون أمرا لا ينفك عن الجسمية. وعلى ~~التقديرين فالقول بقدم الأجسام : لازم. # الشبهة الرابعة لهم : قالوا : كل محدث فانه لا بد وأن يكون عدمه ، قبل ~~وجوده. ولا يجوز أن تكون تلك القبلية ، نفس ذلك العدم. لأن العدم الحاصل ~~قبل ، والعدم الحاصل بعد يتشاركان فى كونهما عدما ، ولا يتشاركان فى معنى ~~القبلية والبعدية. فاذن المفهوم من القبلية أمر زائد على ذات العدم. وذلك ~~الزائد لا بد وأن يكون أمرا موجودا. ثم ذلك الزائد محدث ، فيكون مسبوقا ~~يقبل آخر. فاذن لكل قبل : قبل (22) لا الى نهاية. وما ذاك الا الزمان. فاذن ~~الزمان قديم. وثبت فى ms047 أصول الحكمة : أن الزمان من لواحق الحركة. والحركة من ~~لواحق الجسم. فيلزم من قديم الزمان ، قدم الحركة. ومن قدم الحركة ، قدم الجسم. # الشبهة الخمسة لهم : قالوا : الايجاد احسان. فلو لم يكن الله تعالى موجدا ~~فى الأزل ، لكان تاركا للجود والاحسان ، مدة غير متناهية. وذلك غير جائز. ~~وربما عبروا عنه بعبارة أخرى. فقالوا علة وجود العالم ، جود البارى تعالى. ~~وجود البارى تعالى أزلى. فيلزم أن يكون وجود العالم أزليا. # الشبهة السادسة لهم : قالوا : لو كان البارى تعالى موجدا للعالم ، بعد أن ~~لم يكن موجودا له. لكان فاعلا بالاختيار. وهذا محال ، فذاك محال. أما ~~الملازمة فبينة بذاتها. ومتفق عليها. وأما أن التالى محال. فلأن من قصد الى ~~ايجاد شيء ، فأما أن يكون ذلك الايجاد أولى بالنسبة إليه من ترك الايجاد ، ~~واما أن يكون (23) طرفاه PageV01P077 # متساويين. والأول محال. لأن قبل ذلك الايجاد ما كانت تلك الأولوية حاصلة ~~، وعند الايجاد حصلت تلك الأولوية. فيلزم منه أن يكون ناقصا لذاته ، ~~مستكملا بغيره. وهذا محال. وأما ان لم يكن الفعل أولى بالنسبة إليه من ~~الترك ، امتنع أن يرجح الفعل على الترك ، لأن الترجيح والاستواء ضدان. ~~والجمع بينهما محال. # لا يقال الفعل وان لم يكن أولى من الترك بالنسبة الى ذلك الفاعل ، الا ~~أنه أولى بالنسبة الى غيره ، لأن الايجاد احسان الى الغير. وهذا القدر من ~~الرجحان ، كاف فى ترجيح الفعل على الترك. لأنا نقول : ايصال الاحسان الى ~~الغير ، ان كان أولى بالنسبة إليه من عدمه ، عاد حديث النقص الذاتى. وان لم ~~يكن أولى ، عاد حديث الاستواء. والله الهادى. # والجواب عن الشبهة الأولى : أن نقول : ان صح ما ذكرتم ، يلزم أن لا يحصل ~~فى العالم شيء من التغيرات. لأنه يلزم من دوام واجب الوجود أزلا وأبدا ، ~~دوام المعلول الأول. ومن دوام المعلول الأول دوام المعلول الثانى. وهلم جرا ~~، الى آخر المراتب. فيلزم : أن لا يحصل فى العالم شيء من التغيرات. وانه ~~خلاف الحس. # فان قال قائل : لم لا يجوز أن يقال : ان واجب الوجود عام الفيض ، الا ms048 أن ~~حدوث الأثر عنه ، يتوقف على استعداد القوابل. وحدوث هذه الاستعدادات ~~المختلفة فى القوابل ، يتوقف على الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية. وكل ~~حادث منها مسبوق بآخر ، لا الى أول. فلهذا السبب حدث التغير فى هذا العالم. # فالجواب : انا نقول : العرض المعين اذا حدث فى هذا العالم ، فاما أن ~~يفتقر فى حدوثه الى سبب أو لا يفتقر. فان لم يفتقر فقد حدث الممكن لا عن ~~سبب. وهو باطل بالاتفاق. وان افتقر الى سبب فذلك PageV01P078 # السبب ، ان كان حادثا ، كان الكلام فى كيفية حدوثه كما فى الأول ، فيفضى ~~الى حدوث أسباب ومسببات لا نهاية لها دفعة واحدة. وهو محال. وان كان السبب ~~قديما ، فقد أسندتم الى المؤثر القديم أثرا محدثا. واذا عقلتم ذلك ، فلم لا ~~يجوز فى كل العالم مثل ذلك أيضا؟ # والجواب عن الشبهة الثانية : انا نقول : مؤثرية المؤثر فى الأثر ، لا ~~يجوز أن تكون وصفا زائدا على ذات المؤثر ، لأنه لو كان كذلك ، لكانت تلك ~~الصفة مفتقرة فى تحققها الى ذات الموصوف ، فتكون ممكنة فى ذاتها ، مفتقرة ~~الى المؤثر. فتكون مؤثرية المؤثر فى تلك المؤثر ، زائدة عليها. ويلزم ~~التسلسل. # والجواب عن الشبهة الثانية : ان الامكان لا يمكن أن يكون صفة موجودة. ~~ويدل عليه وجوه : # أحدها : انكم سلمتم أن الشيء قبل حدوثه ، ممكن الوجود. فلو كان الامكان ~~صفة موجودة ، لكان اما أن تكون قائمة به أو بغيره. لا جائز أن تكون قائمة ~~به ، والالزام قيام الموجود بالمعدوم. ولا جائز أن نقوم بغيره. لأن صفة ~~الشيء لا يعقل قيامها بغيره. كما أن الحركة التى يكون الجسم موصوفا بها ، ~~يمتنع أن تكون قائمة بغير ذلك الجسم. # وثانيها : ان اتصاف الماهية بامكان الوجود ، سابق على اتصافها بالوجود. ~~فلو كان الامكان صفة موجودة ، لزم أن يكون اتصاف الماهية بوجود شيء آخر ، ~~سابقا على اتصافها بوجود نفسها. # وثالثها : ان الامكان لو كان موجودا ، لكان مساويا لسائر الموجودات فى ~~الوجود ، ومخالفا لها فى الماهية المخصوصة. فاذن ماهيته غير وجوده. فاتصاف ~~ماهيته بوجوده. ان كان على سبيل PageV01P079 # الوجوب ، كان ms049 موجودا واجبا لذاته. فيلزم أن تكون الصفة المفتقرة لذاتها ، ~~الى ما يكون ممكنا لذاته. تكون واجبة لذاتها. وهو محال وان كان ذلك الاتصاف ~~على سبيل الامكان ، لزم أن يكون للامكان امكان آخر. ويفضى الى التسلسل. # ورابعها : ان العقول الفعالة والأرواح البشرية والهيولى : كلها ممكنة. ~~فيلزم افتقارها الى هيولى أخرى. وهو باطل. # لا يقال : الممكن انما يفتقر الى الهيولى ، اذا كان محدثا. لأنه قبل ~~حدوثه غير موجود. فلا بد له من شيء آخر ، يكون موجودا قبل حدوثه ، حتى يكون ~~ذلك الشيء محلا لذلك الامكان. أما العقل الفعال والهيولى ، لما كانا ~~موجودين أزلا وأبدا ، كان امكانه قائما به ، فلا يفتقر الى هيولى أخرى. وهو باطل. # لأنا نقول ### |||| ** : ثبوت الامكان للماهية الممكنة ، يكون على سبيل الوجوب الذاتى. فاذا كان شرط ~~قيام الامكان به : كونه فى نفسه. موجودا. وثبوت الامكان له أمر واجب لذاته. ~~وما كان شرطا لما كان واجبا لذاته ، أولى بأن يكون واجبا لذاته. فيلزم : أن ~~يكون ثبوت الوجوب لهذه الأشياء ، واجبا بالذات. فيلزم أن يكون الممكن لذاته ~~، واجبا لذاته. وهو محال. # فثبت بهذه الدلائل : أن الامكان لا يعقل أن يكون صفة موجودة وبالله ~~التوفيق. # والجواب عن الشبهة الرابعة : ان المفهوم من القبلية ، لا يعقل أن يكون ~~صفة ثبوتية ، ويدل عليه وجوه : # أحدها : انكم (ان) سلمتم أن كل محدث ، كان عدمه قبل PageV01P080 # وجوده ، فقد جعلتم القبلية صفة للعدم. وصفة العدم لا يعقل أن تكون ~~موجودة. فالقبلية صفة غير موجودة. # وثانيها : ان التقدم اضافة ، لا تعقل الا بالإضافة (24) الى التأخر. ~~والمضافان يوجدان معا ، فلو كان التقدم صفة موجودة ، لاستحال وجودها ، الا ~~مع وجود التأخر. واذا كان حصول التقدم والتأخر معا ، لزم أن يكون حصول ~~المتقدم والمتأخر معا. ولكن المعية تنافى فى التقدم والتأخر ، فاذن القول ~~بأن القبلية صفة موجودة ، يفضى الى هذا المحال. فيكون ذلك محالا. # وثالثها : انا قد دللنا فى أول المسألة على أن الأمس متقدم على اليوم. ~~وليس ذلك التقدم بالزمان. فلم لا يجوز أن يكون تقدم العدم على الوجود جاريا ms050 ~~مجرى تقدم اليوم على الغد؟ # والجواب عن الشبهة الخامسة وهى قولهم «الايجاد جود» نقول : هذا ينتقض ~~بايجاد هذه الصور والأعراض الحادثة. فانه جود. ولم يلزم منه قدم هذه الصور ~~والأعراض. # والجواب عن الشبهة السادسة : لم لا يجوز أن يقال : الفاعل المختار يرجح ~~أحد مقدوريه على الآخر ، من غير اكتساب كمال ولا رفع يقتضيه ، بل محض ~~الإرادة. وبالله التوفيق. PageV01P081 # والثاني : ان بتقدير أن تكون جوهرا قائما بالنفس ، فهذا الجوهراما أن ~~يكون بينه وبين الأثرنسبة واضافة ، او لايكون. فأن كان الأول كان الكلام في ~~تلك النسبة كما في الأول ، فيلزم التسلسل. وان كان الثاني لم يكن بينه وبين ~~الأثر (7) نسبة واضافة ولم يكن بينهما تعلق أصلا ، وكان أجنبيا باكلية عن ~~ذلك الأثر. ولما بطل هذا القسم تعين أن المؤثرية بتقدير الثبوت ، وجب أن ~~تكون صفة لذات المؤثر، مفتقرة الى تلك الذات. وكل ما كان مفتقرا الى غيره ، ~~كام ممكنا لذاته مفتقرا في وجوىه الى مؤثر. فيلزم افتقارتلك المؤثرية في ~~وجودها الى موجد (8) آخر ، وحينئذ يعود الكلام في تأثير المؤتمرفي وجوى تلك ~~المؤثرية. ويلزم التسلسل. وهو محال. # فثبت بما ذكرنا : انه لو فرض مؤثر في اثر ، لكان تأثيره في ذلك الأثر اما ~~أن يكون نفس المؤثر والأثر ، واما أن يكون مغايرا لهما. والقسمان باطلان ، ~~فكان القول بالتأثير باطلا. # السؤال الرابع : ان جواز الوجود متعلق بالطرفين أعنى الوجود والعدم فلو ~~كان جواز الوجود يقتضى احتياج الوجود الى المؤثر، لكان جواز العدم يقتضى ~~احتياج العدم الى المؤثر. لكن احتياج العدم الى المؤثرمحال. لأن العدم ~~مستمر من الأزل الى الأبد. والباقي لايمكن اسناده حال بقائه الى المؤثر. # فثبت : انه لوكان جواز الوجود يحوج الوجود الى المؤثر ، لكان جواز العدم ~~يحوج العدم الى المؤثر ، وثبت : أن احتياج العدم الى المؤثر محال ، فيلزم ~~أن يكون احتياج الوجود أيضا الى المؤثر محالا. PageV01P082 # قلنا : لا شك فى أن العقل يتصور من معنى الثبوت مفهوما ، ومن معنى السلب ~~مفهوما. ويجزم بأنهما لا يجتمعان ولا يرتفعان. وهو عند تصور مفهوم الثبوت ~~ومفهوم ms051 السلب ، لا يفتقر الى الاشارة الى ماهية معينة. وذلك يوجب كون مفهوم ~~الثبوت أمرا واحدا. # الوجه الثانى : فى بيان أن المفهوم من الموجودية أمر واحد : أنه يمكننا ~~تقسيم الموجود الى الواجب لذاته ، والى الممكن لذاته ، فمورد التقسيم مشترك ~~بين القسمين. وهذا يقتضي أن يكون المفهوم من الموجود قدرا ، مشتركا بين ~~القسمين. # الوجه الثالث : انا اذا اعتقدنا أن أمرا من الأمور موجود. فسواء اعتقدنا ~~أن ذلك الأمر جوهر أو عرض. وبتقدير أن يكون جوهرا ، فهو متحيز أو غير ~~متحيز. وبتقدير أن يكون عرضا ، فهو اما لون أو طعم. فان اعتقادنا فى كونه ~~موجودا ، يكون باقيا ، غير متغير. ولو لا أن المفهوم من كونه موجودا ، أمر ~~واحد فى الكل ، لوجب أن يتغير ذلك الاعتقاد ، عند تغير اعتقاد الخصوصيات. ~~كما اذا اعتقدنا فيه أنه جوهر ، ثم اعتقدنا فيه أنه عرض. فانه يتغير ~~الاعتقاد الأول. # الوجه الرابع : ان من قال : الوجود غير مشترك فيه بين الماهيات ، يلزمه ~~الاعتراف بأن الوجود مشترك فيه بين الماهيات. والا لكنا نفتقر فى كل واحد ~~واحد ، من مسمى الوجود ، بأنه غير مشترك فيه بين الماهيات الى الدليل منفصل ~~، ولما كان الحكم على الوجود بأنه غير مشترك فيه ، يعم كل وجود ، علمنا : ~~أن الوجود من حيث انه وجود : مفهوم واحد. # فثبت بما ذكرناه : أن الوجود أمر واحد فى جميع الموجودات. PageV01P083 # وأما أن خصوصية ماهية كل واحد من الماهيات غير مشترك فيها (1) بين ~~الماهيات. فمعلوم بالضرورة. فثبت بمجموع هاتين المقدمتين : أن وجود كل شيء ~~مغاير لماهيته. # الحجة الثانية : على أن الوجود مغاير للماهية : هى أنه لا شك أن فى ~~الموجودات ما هو ممكن لذاته. فنقول : ذلك الموجود الذي هو ممكن لذاته. ان ~~أخذناه مع اعتبار الوجود كان غير قابل للعدم. لأن الشيء حال كونه موجودا لا ~~يقبل العدم. وما لا يقبل العدم لا لكون ممكن الوجود والعدم. وان أخذناه مع ~~اعتبار العدم ، كان غير قابل للوجود. لأن الشيء حال كونه معدوما ، لا يقبل ~~الوجود. وما لا يقبل الوجود لا يكون ممكن ms052 الوجود والعدم. فلو لم تكن ماهيته ~~مغايرة للوجود والعدم ، لما كانت الماهية ممكنة أصلا. ولما كانت ممكنة ، ~~علمنا أنها مغايرة للوجود والعدم. # ويمكن تقرير هذه الحجة بعبارة أخرى : وهى ان قولنا فى الشيء : انه ممكن ~~الوجود والعدم : أنه لا يمتنع أن يحكم على تلك الماهية بكونها موجودة ~~وبكونها معدومة. والمحكوم عليه بحكم لا بد وأن يكون متقررا (2) مع ذلك ~~الحكم. فوجب أن تكون تلك الماهية الممكنة متقررة ، حالتى الوجود والعدم. ~~وذلك يقتضي كون الماهية مغايرة للوجود. # فان قيل : هذه الحجة انما تلزم لو قلنا : الماهية حال وجودها ، أو حال ~~عدمها ، يكون محكوما عليها فى ذلك الوقت بأنها ممكنة الوجود. نحن لا نقول ~~بذلك. بل نزعم أنها حال وجودها يمكن وجودها وعدمها فى الزمان الثانى ، من ~~ذلك الزمان الحاضر والحاصل : انا لا نسلم ثبوت الامكان بالنسبة الى الحال ، ~~بل نسلم ثبوته بالنسبة الى زمان الاستقبال. PageV01P084 ### ||| ** والجواب من وجهين : # الأول : ان الموجود فى الحال ، اذا حكم العقل عليه بأنه يمكن أن يصير ~~معدوما فى الاستقبال ، فالمحكوم عليه بالعدم فى الاستقبال ، هو هذه الماهية ~~والمحكوم عليه بحكم لا بد وأن يكون متقررا مع ذلك الحكم ، فتلك الماهية ~~ممكنة التقرر مع العدم فى الاستقبال. واذا حصلت الماهية بدون الوجود ، كانت ~~الماهية مغايرة للوجود. # الثانى : هو ان قولكم الشيء يمكن أن يصير معدوما فى الاستقبال ، يحتمل ~~وجهين : # أحدهما : ان امكان العدم فى الاستقبال ، حاصل فى الحال. # والآخر : ان امكان العدم فى الاستقبال يحصل فى الاستقبال. # والأول باطل. لأن امكان العدم فى الاستقبال ، مشروط بحصول الاستقبال ، ~~والاستقبال ممتنع الحصول فى الحال. فامكان العدم فى الاستقبال ، موقوف على ~~شرط ممتنع الحصول لذاته. وما توقف على مثل هذا الشرط ، كان ممتنع الحصول فى ~~الحال. فثبت : أنه يمتنع أن يحصل فى الحال امكان العدم فى الاستقبال. ولما ~~بطل هذا الاحتمال بقى الاحتمال الثانى. وهو أن الموجود فى الحال يمكن أن ~~يصير معدوما فى الاستقبال ، عند حضور الاستقبال. لكن الاستقبال اذا حضر ، ~~صار حاضرا. فحينئذ يعود الأمر الى ان الممكن ms053 انما يكون محكوما عليه ~~بالامكان بالنسبة الى الحال ، لا بالنسبة الى الاستقبال. وذلك يبطل ما ~~ذكرتم من السؤال. # الحجة الثالثة على أن الوجود زائد على الماهية : وهو أنه يمكننا أن نعقل ~~الماهية مع الذهول عن وجودها. ولو كان الوجود نفس الماهية ، أو جزءا من ~~أجزاء الماهية. لكان ذلك ممتنعا. PageV01P085 # فان قيل : هذه الحجة منقوضة على قول الفلاسفة. فان عندهم وجود البارى ~~سبحانه نفس حقيقته ، مع أنا نعقل وجوده ولا نعقل ماهيته. وأيضا : فانا ~~نتصور أن الوجود ما هو؟ ثم نصدق بأن ذلك المفهوم حاصل وكائن وواقع. والتصور ~~غير التصديق. فيلزم أن يكون تصديقنا بأن الوجود واقع وحاصل ، دالا على حصول ~~وجود الوجود. ويلزم منه التسلسل. # وأيضا : فانا قد نعقل ذاتين مع الذهول عن كون أحدهما لازما للآخر ، أو ~~ملزوما له ، أو كون أحدهما مؤثرا فى الآخر ، أو اثر له ، أو كون أحدهما ~~حالا فى الآخر ، أو محلا له. فيلزم أن يكون كون الشيء لازما للآخر ، ~~وملزوما له ، ومؤثرا فيه وأثرا له ، وحالا فيه ومحلا له. زائدا على الذات. ~~وذلك محال لافضاء ذلك الى التسلسل. وأيضا : فهب أن ما ذكرتم يدل على أن ~~الوجود الخارجى زائد على الماهية. ولكنه لا يفيد أن الوجود الذهنى زائد على ~~الماهية. # والجواب : انه اذا صدق على أحد الأمرين كونه معلوما ، وعلى الآخر أنه غير ~~معلوم : فلو لم يثبت التغير بينهما ، لكان قد صدق على الأمر الواحد ، أنه ~~معلوم وأنه غير معلوم. فيلزم اجتماع النفى والاثبات. وانه محال فى بداهة ~~العقول. واذا كانت هذه المقدمة من أقوى البديهيات ، كان ايراد النقض عليها ~~تشكيكا فى البديهيات. فلا يستحق الجواب. # وأيضا : فعندنا أن وجود الله زائد على ماهيته (1) وأما تصديقنا بأن ~~الوجود قد وقع ، فليس المراد منه أن الوجود حصل له وجود آخر ، بل المراد ~~منه : أن الوجود هل حصل للماهية أم لا؟ وهذا عين الدليل الذي تمسكنا به ~~وأما حديث اللازمية والملزومية ، وأمثالها. فهى PageV01P086 # اعتبارات ذهنية ، بخلاف الوجود الخارجى. فانه لا يمكن أن يقال : انه ~~اعتبار ذهنى ms054 ، والا لزم أن يقال : انه لا موجود فى الأعيان ، وأن يقال : ~~وجوده فى الأعيان نفس الماهية. فحينئذ يرجع ما ذكرتم من اجتماع النفى ~~والاثبات على الشيء الواحد. وهو محال. # وأما الوجود الذهنى. فجوابه : ان الماهية كما وجدت فى الأذهان عارية عن ~~الوجود الخارجى ، فقد وجدت فى الأعيان عارية عن الوجود الذهنى. وذلك يوجب ~~التغاير. # الحجة الرابعة : على أن الوجود زائد على الماهية : هى أنا فى بداهة ~~العقول ندرك الفرق بين التصور والتصديق. فالفرق بين قولنا : السواد. وبين ~~قولنا : السواد موجود : معلوم بالبداهة. ولذلك فان (3) من قال السواد وسكت ~~، حكم كل عاقل بأنه ما نفى ، وما أثبت ، وما ذكر كلاما مفيدا. واذا قال ~~السواد موجود أو غير موجود ، فقد نفى ، أو أثبت وادعى ويطالب على صحة ما ~~ذكره بالحجة. ولو كان كونه. موجودا هو نفس كونه سوادا ، لما حصل الفرق ~~المذكور المعلوم بالبداهة. # فان قيل : هذا الفرق الذي ذكرتم واقع بحسب اللفظ ، لا بحسب المعنى. ### |||| ** فالجواب : انا نعلم بالبداهة أن من ادعى أن للعالم صانعا ، ثم أقام الدليل على دعواه ~~، لم يكن مطلوبة بهذه الحجة نفس اللفظ ، بل المعنى. فسقط ما ذكروه من ~~السؤال. # واحتج من قال : الوجود غير زائد على الماهية. بأن قال : لو كان الوجود ~~زائدا على الماهية ، لكان قيام الوجود بالماهية. وان توقف على كون الماهية ~~موجودة ، لزم اما كون الشيء مشروطا بنفسه ، PageV01P087 # أو وقوع التسلسل. وان لم يتوقف عليه فحينئذ يلزم قيام الصفة الثبوتية ~~بالعدم المحض. وذلك محال. لأن المحسوس عندنا من الذوات ، ليس الا الصفات. ~~واذا جوزنا قيام الموجود بالمعدوم ، فالجدار الذي نشاهده لا نشاهد منه الا ~~لونه وكثافته وثقله. فاذا لم يبعد قيام الصفة الموجودة بالمحل المعدوم ، لم ~~يبعد أن يكون الموصوف بالكثافة والثقل واللون المخصوص معدوما محضا. وذلك ~~يقتضي وقوع الشك فى أن ذات الجدار وذات الانسان. هل موجودة أم لا؟ ومعلوم ~~أن ذلك فاسد. # والجواب عنه : ان محل الوجود هو الماهية. ثم ان الماهية من حيث هى هى ، ~~ماهية مغايرة للوجود والعدم ، فلا ms055 يلزم من ذلك قيام الموجود بالمعدوم. # واذا عرفت هذه المسألة. فلنرجع الى المقصود. فنقول : أما من قال : وجود ~~كل شيء نفس ماهيته ، لزمه القطع بأنه متى زال الوجود ، فقد زالت الماهية ، ~~فالقول بأن المعدوم شيء لا يتصور على مذهب هذا القائل. أما من قال : الوجود ~~زائد على الماهية. فقد اختلفوا فى أنه هل يمكن تقرير الماهية عند زوال صفة ~~الوجود؟ فمن جوز ذلك قال : المعدوم شيء. وعنى به : أن الماهية من حيث هى هى ~~، تكون متقررة حال ما لا تكون موجودة. ومن لم يجوز ذلك ، قال : المعدوم ليس بشيء. # اذا عرفت هذا ، فلنرجع الى تعيين محل النزاع فى هذه المسألة فنقول : ~~المعدوم. اما أن يكون واجب العدم ممتنع الوجود ، واما أن يكون جائز الوجود ~~جائز العدم. # أما الممتنع. فقد اتفقوا على أنه محض ، وعدم صرف ، وليس بذات ولا بشيء. ~~وأما المعدوم الذي يجوز وجوده ويجوز عدمه ، فقد ذهب أصحابنا الى أنه قبل ~~الوجود نفى محض ، وعدم صرف ، وليس PageV01P088 # بشيء ولا بذات. وهذا قول «أبى الحسن البصرى» من المعتزلة وذهب أكثر شيوخ ~~المعتزلة: الى أنها ماهيات وذوات وحقائق ، حالتى وجودها وعدمها. فهذا هو ~~تلخيص محل النزاع. ### ||| ** ولنا فى بيان أن المعدوم ليس بشيء وجوه : # البرهان الأول : ان هذه الماهيات لو كانت متحققة فى الخارج حال عرائها عن ~~الوجود ، لكانت متساوية فى كونها متحققة خارج الذهن. ومباينة لخصوصياتها ~~المعينة. وما به المشاركة غير ما به الممايزة (4) فيلزم أن يكون تحقق كل ~~ماهية تقررها زائدا على خصوصيتها. ولا معنى للوجود الا هذا التحقق والتقرر ~~، فيلزم كونها موجودة حال كونها معدومة. وذلك محال. # ومما يدل على أن كونها متحققة خارج الذهن أمر زائد على ماهيتها المخصوصة ~~: انا اذا قلنا : السواد. ثم قلنا : السواد متقرر حال العدم. فنحن ندرك ~~تفرقة بديهية بين ذلك التصور ، وهذا التصديق. ولو لا أن تقررها خارج الذهن ~~حال عدمها أمر زائد على ماهيتها ، والا لما بقى فرق بين التصور والتصديق. ~~وذلك محال على ما قررناه. فثبت : أن الماهيات لو كانت ms056 متقررة حال عدمها ، ~~لكانت موجودة حال عدمها ، ولما كان ذلك محالا ، علمنا : أن القول بأن ~~الماهيات متقررة حال عدمها محال. # البرهان الثانى : ان الذوات الثابتة فى العدم ، اما أن تكون متناهية ، أو ~~غير متناهية والقسمان باطلان ، فبطل القول بثبوت الذوات المعدومة : اما أن ~~كونها متناهية باطل ، فبالاتفاق. وأما أن كونها غير متناهية باطل. فذلك لأن ~~مجموع الذوات المعدومة حين ما لم يخرج منها شيء الى الوجود ، كانت أكثر مما ~~يبقى منها فى PageV01P089 # العدم بعد خروج بعضها الى الوجود. والا لكان الشيء مع غيره ، كهو لا مع ~~غيره. وذلك محال. واذا كان كذلك ، كانت الذوات التى بقيت الآن فى العدم ، ~~أقل من مجموع الذوات التى كانت معدومة عند ما لم يخرج شيء منها الى الوجود. ~~وما كان أقل من غيره فهو متناه. فالذوات التى بقيت الآن فى العدم متناهية ، ~~والتى خرج منها الى الوجود متناهية. ومجموع المتناهى مع المتناهى يكون ~~متناهيا. فثبت : أن القول بكون الذوات غير متناهية محال. # البرهان الثالث : هذه الماهيات من حيث انها هى : ممكنة لذواتها. وكل ممكن ~~محدث فهذه الماهيات من حيث هى هى ، محدثة فيلزم أن تكون هذه الماهيات ~~مسبوقة بالنفى المحض والعدم الصرف. وهو المطلوب. # وانما قلنا : بأن هذه الماهيات ممكنة لذواتها ، وذلك لأنها لو كانت واجبة ~~التقرر لذواتها فى الخارج ، لكانت واجبة التقرر فى الخارج ممتنعة الزوال ، ~~ولا معنى لواجب الوجود الا ذلك. وحينئذ يكون واجب الوجود أكثر من واحد. ~~وذلك محال. واذا ثبت أنها فى كونها متقررة فى الأعيان ، ممكنة ، وثبت أن كل ~~ممكن محدث ، ثبت : أنها من حيث انها ماهيات: محدثة. وذلك يبطل القول بأن ~~المعدوم شيء. وتمام تقرير هذا البرهان قد تقدم فى مسألة حدوث الأجسام. # البرهان الرابع : قوله تعالى : ( @QUR@05 والله على كل شيء قدير ) (5) ~~وجه الاستدلال بالآية: ان اسم الشيء يتناول الماهيات ، فوجب أن يكون الله ~~تعالى قادرا على تلك الماهيات. وانما يكون قادرا عليها لو كان لقدرته ~~صلاحية ، أن تؤثر فى تلك الماهيات تقريرا وابطالا. ومتى كان PageV01P090 # الأمر كذلك ms057 ، كان وجود الله تعالى متقدما على تقرير تلك الماهيات ، لوجوب ~~تقدم المؤثر على الأثر. ومتى كان الأمر كذلك ، ثبت أن الماهيات بأسرها نفى ~~محض ، وعدم صرف فى الأزل. وذلك هو المطلوب. ### ||| ** واحتج القائلون : بأن المعدوم شيء بأمور : # الحجة الأولى : ان المعدومات متميزة فى أنفسها. وكل ما يتميز بعضه عن ~~البعض ، فلا بد وأن تكون فى أنفسها حقائق متعينة. ولا معنى لقولنا المعدوم ~~شيء الا ذلك. والذي يدل على أن المعدومات متميزة بعضها عن البعض حال عدمها وجوه : # الأول : وهو انا نعلم أن غدا تطلع الشمس من المشرق ، ولا تطلع من المغرب. ~~وهذان المطلوعان معدومان فى الحال. ونحن الآن نعلم امتياز كل واحد منهما عن ~~الآخر. وهذا يدل على وقوع الامتياز فى المعدومات. # الثانى : هو أنا قادرون على الحركة يمنة ويسرة ، ولسنا قادرين على ~~الطيران الى السماء. فقد تميز أحد المعدومين عن الثانى ، من حيث ان أحدهما ~~مقدور لنا ، والآخر غير مقدور لنا. وهذا الامتياز واقع حال العدم. فثبت : ~~وقوع الامتياز فى المعدومات. # الثالث : هو أنا نجد من أنفسنا أنا نريد أن تحدث لنا أموال وأولاد وخيرات ~~وسعادات وأن لا تحدث لنا أنواع الأمراض والآفات ، مع كون كل واحد من هذين ~~القسمين معدوما ، فلولا تميز أحد المعدومين عن الآخر ، حال كونه معدوما ~~بماهيته المعينة ، وحقيقته المخصوصة ، والا لامتنع كون أحدهما مراد الوقوع ~~، والآخر مكروه الوقوع. # الرابع : هو أن المعدوم قسمان ممتنع وجائز. ولا شك أن كل واحد PageV01P091 # من هذين القسمين متميز عن الآخر فى نفسه وحقيقته. ولذلك كان القادر ~~المختار لا يمكنه ايجاد الممتنعات ويمكنه ايجاد الممكنات. فلولا امتياز ~~الممكن عن الممتنع فى نفسه ، والا لما صح ذلك. # لا يقال : هذه الأمور ، وان كانت معدومة فى الخارج ، الا أنها موجودة فى ~~الذهن ، فلهذا صح وقوع الامتياز فيها. لأنا نقول : انكم اما أن تقولوا هذه ~~المعلومات (6) موجودة فى الذهن ، أو تقولوا : العلم بها موجود فى الذهن. ~~والأول باطل. لأنا انما نعلم الشمس والقمر. فلو كانت هذه المعلومات موجودة ~~فى الذهن ، لزم فيمن ms058 تصور شموسا كثيرة ، وأقمارا كثيرة ، وبحرا من زئبق ، ~~وجبلا من زبرجد : أن توجد فى ذهنه هذه الأشياء. والقول بفساده معلوم ~~بالضرورة. وأما الثانى وهو أن الحاضر فى الذهن هو العلم بهذه الأشياء. فهذا ~~مسلم. الا أن بحثنا عن المعلوم ، لا عن العلم. فهذه المعلومات لما لم تكن ~~موجودة فى الذهن ، علمنا أنها فى أنفسها وحقائقها متميزة ، سواء وجدت فى ~~الذهن أو لم توجد. وذلك هو المطلوب. # فثبت بهذه البراهين الأربعة : تميز بعض المعدومات ، عن البعض ، حال كونها ~~معدومة. # واذا ثبت هذا فنقول : امتياز أحد الأمرين عن الآخر ، يتوقف على كون كل ~~واحد منهما فى نفسه حقيقة معينة ، وماهية معينة. فان تميز البعض عن البعض : ~~حكم من أحكام تلك الحقائق ، وصفة من أوصافها. وثبوت الصفة والحكم بدون ~~تقرير الموصوف : محال. فثبت : أن المعدومات متميزة متقررة ، وثبت أن ~~المتميز لا يتحقق الا عند كون الحقائق والماهيات متقررة. وهذا يوجب القطع ~~بكون المعدومات ذوات وماهيات وحقائق. وذلك هو المطلوب. PageV01P092 # الحجة الثانية : للمعتزلة على أن المعدوم شيء : وهى أنه لا نزاع فى وجود ~~موجودات ، ممكنة الوجود لذواتها. ولا معنى للممكن الا الذي يصح عليه الوجود ~~والعدم. وكل ما كان كذلك ، كانت ماهيته ممكنة التقرر ، مع الوجود ، ومع ~~العدم تارة أخرى. واذا عقل تقرر ماهيته مع العدم ، ثبت أن المعدوم شيء. # لا يقال : المراد من قولنا : انه يمكن أن يكون معدوما ، هو أنه لا يمتنع ~~بقاء ماهيته متقررة متحققة ، ولا يمتنع أيضا بطلان تلك الماهية وخروجها عن ~~كونها ماهية وحقيقة. فهذا هو المراد من الامكان. ومعلوم أن هذا القدر لا ~~يدل على أن المعدوم شيء. لأنا نقول : اذا قلنا : هذه الماهية يمكن بطلانها ~~وزوالها ، فلا شك أن هذه قضية موضوعها : قولنا هذه الماهية. ومحمولها : ~~قولنا يمكن بطلانها وزوالها. ولا شك أن ماهية القضية مركبة من الموضوع ~~والمحمول والنسبة الخاصة. ولا شك أن المركب لا يوجد الا عند وجود جميع ~~مفرداته. فاذن هذه القضية لا توجد ولا تتقرر الا اذا حصل موضوعها مقارنا ~~لمحمولها. فاذا قلنا ms059 : الموضوع نفس تلك الماهية. وجعلنا المحمول امكان ~~بطلان الماهية ، كان معنى هذا الكلام : أن هذه الماهية يمكن تقررها حال ~~بطلانها. ومعلوم أن ذلك محال. فثبت : أن كون الممكن ممكنا يستحيل أن يكون ~~مفسرا بهذا المعنى ، بل لا بد وأن يكون مفسرا بأنه يجوز كون الماهية موصوفة ~~بالوجود ، ويجوز كونها خالية عن الوجود. ومهما كان الأمر كذلك ، ثبت أن ~~المعدوم شيء. # الحجة الثالثة : ان كل موجود. فهو اما أن يكون ممتنع الوجود لذاته ، واما ~~أن يكون متصور الوجود لذاته. سواء كان ذلك الذي هو متصور الوجود ، واجب ~~الوجود أو غير واجب الوجود. فاذن كونه ممتنع الوجود وكونه متصور الوجود ، ~~أمران متقابلان لا واسطة بينهما. فنقول : امتناع صفة موجودة. اذ لو كان ~~الامتناع صفة موجوده PageV01P093 # لكان الممتنع الموصوف بهذا الامتناع موجودا ، ضرورة الوجود لا يمكن أن ~~يكون امتناع قيام الصفة الموجودة بالنفى المحض والعدم الصرف ، وحينئذ يلزم ~~أن يكون ممتنع الوجود موجودا. وهو محال. فثبت أن امتناع الوجود ليس صفة ~~موجودة ، فوجب أن يكون تصور الوجود صفة موجودة ضرورة أنه لا بد فى أحد ~~النقيضين من أن يكون أمرا ثبوتيا. # اذا ثبت هذا ، فنقول : لا شك أن كل محدث فانه قبل حدوثه ممكن الحدوث ~~لذاته. اذ لو لم يكن ممكنا لذاته ، لكان اما واجبا لذاته ، فيكون موجودا ~~قبل أن كان موجودا. وهو محال. أو ممتنعا لذاته. فيلزم انقلاب الماهية من ~~الامتناع الذاتى الى الا مكان الذاتى. وهما محالان. فثبت : أن كل محدث فهو ~~قبل حدوثه ممكن لذاته ، وثبت أن الامكان صفة ثابتة ، وثبت أن الصفة الثابتة ~~تستدعى موصوفا ثابتا. فاذن لا بد وأن تكون الماهية متقررة قبل حدوثها ، حتى ~~تكون موصوفة بهذا الامكان. وذلك يوجب القول بكون المعدوم شيئا. # لا يقال : لم لا يجوز أن يكون الا مكان عبارة عن كون القادر متمكنا من ~~ايجاده؟ لأنا نقول : القادر متمكن من ايجاد المعدوم الممكن ، وغير متمكن من ~~ايجاد المعدوم الممتنع ، فلو لا امتياز الممكن عن الممتنع فى نفسه بأمر ~~عائد إليه ، والا لما ms060 كان الأمر كذلك. # الحجة الرابعة : الماهيات لو كانت متجددة ، لكان تجددها باحداث محدث ، ~~وايقاع قادر ، وهذا محال فذلك مثله. بيان الملازمة. أن كل ما حدث بعد أن لم ~~يكن ، فلا بد له من مكون ومحقق. وبيان أنه يمتنع أن يكون تحقق تلك الماهيات ~~وتقررها باحداث محدث. وذلك لأن كل ما كان تحققه بسبب غير. لزم من فرض عدم ~~ذلك الغير ، عدم ذلك الأثر. فلو كان كون الجوهر جوهرا ، وكون السواد سوادا ~~، لأجل سبب منفصل ، لزم عند فرض عدم ذلك السبب المنفصل ، أن يخرج الجوهر عن ~~كونه جوهرا ، والسواد عن كونه سوادا. وذلك محال. PageV01P094 # لأن قولنا : «السواد خرج عن كونه سوادا». و «بطل كونه سوادا» قضية موضوعها ~~«السواد» ومحمولها «خرج عن كونه سوادا» أو «بطل كونه سوادا» ومن شرط صحة ~~القضية امكان اجتماع موضوعها ومحمولها معا. ومعلوم أن اجتماع النقيضين محال ~~فثبت : أنه يستحيل قولنا : السواد خرج عن كونه سوادا ، وبطل كونه سوادا. ~~واذا كان الأمر كذلك ، ثبت : أنه يمتنع اسناد تقرر الماهية وتكونها الى ~~ايجاد موجد ، وايقاع فاعل. # الحجة الخامسة : قوله تعالى : ( @QUR@07 ولا تقولن لشيء : إني فاعل ذلك ~~غدا ) (7) الآية. سمى الأمر الذي سيفعله غدا فى الحال باسم الشيء. وذلك ~~يقتضي أن يكون المعدوم شيئا. # والجواب عن الحجة الأولى : أن نقول : انا نجد من أنفسنا شعورا وادراكا فى ~~صور كثيرة ، مع حصول الاتفاق بيننا وبينكم على أنها ليست بماهيات ولا حقائق ~~، بل هى نفى محض ، وعدم صرف : # الصورة الأولى : العلم بالممتنعات. وذلك لأنا نحكم بأن شريك الله ممتنع ~~ونقيم الدلائل على ذلك. ولو لا أنا تصورنا شريك الإله. والا لاستحال منا أن ~~نحكم عليه بالامتناع. لأن التصديق بدون التصور محال. ولأنا نقول : شريك ~~الاله محال. والجمع بين الوجود والعدم محال ، وحصول الجسم الواحد فى أن ~~واحد فى مكانين محال ، ونميز بين كل واحد من هذه التصديقات ، وبين الآخر. ~~والشعور الذهنى والامتياز العقلى حاصل فى هذه الصور ، مع حصول الاتفاق بين ~~جميع العلماء (8) على أن هذه الممتنعات ليست ذوات ولا حقائق ms061 ولا ماهيات. PageV01P095 # الصورة الثانية : العلم بالمركبات ، كما اذا تصورنا بحرا من زئبق ، وجبلا ~~من زبرجد (9) فان البحر والجبل عبارة عن جواهر موصوفة بالتركيب والتأليف ، ~~وموصوفة بألوان مختلفة ، وأشكال مخصوصة. وعندكم الثابت فى العدم ، انما هو ~~ذوات الجواهر والأعراض. فأما أن يكون الجوهر موصوفا بالعرض ، فذلك غير ثابت ~~فى العدم البتة والجبل انما يكون جبلا بكون الجواهر موصوفة بالأعراض ~~والتركيبات. فاذن الشعور الذهنى حاصل فى هذه الصورة ، مع أن المشعور به غير ~~حاصل البتة ، لا فى العدم ولا فى الوجود. # الصورة الثالثة : العلم بالنسب والاضافات. مثل علمنا بحصول هذا الجسم فى ~~هذا الحيز ، دون ذلك الحيز ، وطلوع الشمس غدا من المشرق لا من المغرب. ولا ~~معنى لطلوع الشمس من المشرق الا حصول ذاتها فى ذلك الحيز دون هذا الحيز ولا ~~شك ولا نزاع أن هذه النسب غير ثابتة فى العدم ، لأن كون الشمس المعدوم ~~حاصلة فى المكان المعدوم محال فى بداهة العقل ، وأنتم ساعدتم أيضا على أنه ~~لا حصول ولا تقرر لأمثال هذه النسب فى العدم. # الصورة الرابعة : انا نعلم امتياز العدم عن الوجود ، وامتياز النفى المحض ~~والسلب الصرف عن الثبوت. ومسمى النفى الصرف والسلب المحض محكوم عليه بكونه ~~متميزا عن الثبوت ، مع أنه يستحيل أن يكون لمسمى النفى المحض ثبوت. لأن ~~المراد من النفى المحض ما هو مقابل لمسمى الثبوت ومناف له. فلو كان له ثبوت ~~بوجه ما ، لكان منافى الشيء ومناقضه ، نفس ذلك الشيء. وهو محال. ولأن الخصم ~~يساعد على أن مسمى العدم غير ثابت فى العدم. # الصورة الخامسة : انا نحكم على الماهية المعدومة بأنها غير PageV01P096 # موجودة. فقبل اتصاف تلك الماهية بالوجود نحن نتصور ماهية الوجود ، ونميز ~~فى أذهاننا بين مسمى الوجود وبين مسمى الجوهر والسواد. ولذلك فان الخصم ~~يقول : مسمى الجوهر والسواد ثابت فى العدم ، ومسمى الوجود غير ثابت فى ~~العدم. فثبت : أنا نتصور ماهية الوجود وحقيقته قبل صيرورة الماهية موصوفة ~~بالوجود. فلو لزم من مجرد هذا التمييز الذهنى والشعور العقلى ، كون المشعور ~~به حاصلا فى العدم ، لزم ms062 كون ماهية الوجود متقررة فى العدم. وذلك محال. لأن ~~العدم نقيض الوجود. والنقيضان لا يجتمعان ولأن الخصم أيضا يساعد على أن ~~ماهية الوجود غير متقررة فى العدم. # الصورة السادسة : نحن نعقل الماهية المؤثرية ، وماهية المتأثرية ، ونميز ~~بين كل واحد منهما وبين الآخر ، وبينهما وبين غيرهما. مع أن الخصم يساعد ~~على أن المعدوم لا يكون مؤثرا ولا متأثرا ، ولا يتقرر حال العدم بمسمى ~~المؤثرية ومسمى المتأثرية. فالشعور الذهنى والادراك العقلى حاصل. مع أن ~~المشعور به غير حاصل. وكذا كون الشيء فوق غيره وتحت غيره ويمينا وشمالا. ~~ويدخل فيه جميع النسب والاضافات. # واذا عرفت هذا فنقول : تعنى بكون المعدوم معلوما ، هذا القدر من التمييز ~~الذهنى الحاصل فى هذه الصورة ، أم تعنى به أمرا وراء هذا القدر؟ فان عنيت ~~به الأول تعذر الاستدلال بكونه معلوما (10) على كونه شيئا ، لأن هذا القدر ~~من المعلومية حاصل فى هذه الصور ، مع أنها ليست بماهيات ولا ذوات ولا حقائق ~~بالاتفاق. وان عنيت يكون المعدوم معلوما ، أمرا وراء هذا القدر ، فلا بد من ~~تفسير كون المعدوم معلوما ، ثم اقامة الدلالة على كونه معلوما بذلك ~~التفسير. فانا من وراء النزاع فى المقامين. واعلم : أنك متى أوردت هذا ~~السؤال على هذا الوجه ، ضاق الكلام على الخصم جدا. PageV01P097 # أما دليلهم الثانى على قولهم ان المعدوم متميز ، وهو أن المقدور قبل ~~دخوله فى الوجود متميز عن غير المقدور ، وذلك يقتضي وقوع الامتياز فى ~~المعدومات. # فالجواب : ان المقدور هو الذي يكون للقادر فيه تأثير اما بالتحقيق ، واما ~~بالابطال. وعندكم هذه الماهيات ثابتة فى العدم ، ولا تأثير للقادر فيها ~~البتة. وانما تأثير القادر فى اعطاء صفة الوجود لتلك الماهيات. فالمقدور ~~اما الوجود واما موصوفية الماهية بالوجود وأياما كان ، فهو غير ثابت حال ~~العدم. فثبت : أن الذي يمكن جعله مقدورا استحال القول بكونه ثابتا فى ~~العدم. والذي يمكن القول بكونه ثابتا فى العدم ، استحال القول بكونه مقدورا ~~للقادر. فقد سقطت هذه الشبهة. # وأما دليلهم الثالث : على قولهم المعدومات يتميز بعضها عن البعض ، وهو ~~التمسك بكون ms063 بعض المعدومات مرادا ، وبعضها مكروها. # فجوابه : ان الماهيات يمتنع عليها التبدل والتغير ، فيمتنع كونها متعلقة ~~للارادة والكراهة. بل متعلق الإرادة والكراهة صيرورتها موجودة ، لكن ~~صيرورتها موجودة لا يتقرر حال العدم ، فعاد ما ذكرنا من أن الذي يمكن جعله ~~متعلق الإرادة والكراهة ، لا يمكن القول بثبوته فى العدم ، والذي يمكن ~~القول بثبوته فى العدم ، لا يمكن جعله متعلق الإرادة والكراهة. # وأما دليلهم الرابع على ذلك ، وهو تميز المعدوم الممكن عن المعدوم ~~الممتنع. # فجوابه : ان المعدومات الممتنعة أقسام كثيرة. مثل شريك الاله ، والجمع ~~بين الضدين وحصول الجسم الواحد فى الآن الواحد فى مكانين PageV01P098 # وكل واحد من هذه الأقسام متميز عن الآخر فى الذهن ولم يلزم من ذلك كونها ~~ثابتة فى العدم ، فكذلك هاهنا. # وأما الحجة الثانية التى عولوا عليها فى أن المعدوم شيء. وهو قولهم : ان ~~الممكن هو الذي يمكن تقرر ماهيته تارة مع العدم ، وأخرى مع الوجود. وذلك ~~يقتضي جواز تقرر الماهية بدون الوجود. # فجوابها : ان الماهية اذا كانت واجبة التقرر حالتى العدم والوجود ، ~~ممتنعة التغير فى نفسها ، أمتنع جعل الامكان صفة لها ، بل الامكان يكون صفة ~~للوجود. ثم انا توافقنا على أن الوجود غير ثابت فى العدم ، فعاد ما ذكرنا ~~من أن الذي يمكن جعل الامكان وصفا له لا يعقل اثباته فى العدم ، وما يمكن ~~اثباته فى العدم ، لا يمكن جعل الامكان وصفا له. # وأما الحجة الثالثة : وهى قولهم : الامكان صفة موجودة حاصلة قبل الوجود ، ~~فوجب تحقق الماهية قبل الوجود. # فجوابها : قد تقدم فى مسألة حدوث العالم. # وأما الحجة الرابعة : وهى قولهم : لو كانت الماهية متجددة ، لكان وقوعها ~~بالفاعل ممكنا. لكن وقوعها بالفاعل محال. # فجوابها : ان القادر كما يجعل الماهية موجودة ، فهو يجعل الماهية ماهية. ~~والحجة التى تمسكتم بها فى امتناع وقوع الماهية بالفاعل ، فهى بعينها تقتضى ~~امتناع وقوع الوجود بالفاعل ، فانه لو وقع الوجود بالفاعل ، لزم عند تقدير ~~عدم ذلك الفاعل ، أن يخرج الوجود عن كونه وجودا. وهو محال. # فان التزموا أن الوجود لا يقع بالفاعل ، وزعموا : أن الواقع ms064 PageV01P099 # بالفاعل هو موصوفية الماهية بالوجود ، أوردنا عليهم ذلك الكلام فى نفس ~~تلك الموصوفية. وذلك يقتضي أن لا يقع بالفاعل لا الماهية ولا الوجود ولا ~~موصوفية الماهية بالوجود. وذلك يوجب أن لا يكون للمؤثر أثر البتة. وهو يوجب ~~نفى الصانع. فثبت : أن هذه الحجة ساقطة. # واما الحجة الخامسة : هى التمسك بقوله تعالى : ( @QUR@011 ولا تقولن لشيء ~~إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ) (11). # فهذا يقتضي اطلاق اسم الشيء على المعدوم. ولا يقتضي كون المعدوم ذاتا ~~وماهية وحقيقة. وأما قوله تعالى : ( @QUR@05 والله على كل شيء قدير ) (12) ~~فانه يقتضي وقوع الماهيات بالقادر. وذلك يفيد (13) نفى كون الذوات ~~والماهيات متحققة فى الأزل. # والآية التى عول الخصم عليها لا تفيد الا مجرد اللفظ. والآية التى عولنا ~~عليها تفيد المعنى. فكان قولنا أولى. PageV01P100 ### ||| * المسألة الثالثة ### ||| * فى ### ||| * اثبات العلم بالصانع # وقبل الخوض فى المقصود ، لا بد من تقديم مقدمات : ### ||| ** المقدمة الأولى : فى الفرق بين الامكان والحدوث : # الامكان عبارة عن كون الشيء فى نفسه ، بحيث لا يمتنع وجوده ولا عدمه ، ~~امتناعا واجبا ذاتيا. والحدوث : عبارة عن كون الوجود مسبوقا بالعدم والفرق ~~بين هذين الأمرين ظاهر. # المقدمة الثانية : زعم كثير من مشايخ علم الأصول أن علة الحاجة الى ~~المؤثر ، هى الحدوث. ومنهم من زعم : أن علة الحاجة هى مجموع الامكان ~~والحدوث. فيكون الحدوث على هذا القول شطر العلة. ومنهم من زعم : أن الحاجة ~~هى الامكان بشرط الحدوث. فيكون الحدوث على هذا القول شرط العلة. وعندنا : ~~أن الحدوث غير معتبر فى تحقق الحاجة. لا بأن يكون تمام العلة ، ولا بأن ~~يكون شطر العلة ، ولا بأن يكون شرط العلة. # والدليل عليه : أن الحدوث عبارة عن كون الشيء (1) مسبوقا بالعدم. ~~ومسبوقية الوجود بالعدم صفة للوجود ، الذي هو متأخر عن تأثير القادر فيه. ~~والذي هو متأخر عن احتياجه الى القادر ، الذي هو متأخر عن علة تلك الحاجة ، ~~وعن جزء تلك العلة ، وعن شرط تلك العلة. فلو جعلنا الحدوث علة للحاجة ، أو ~~جزءا من هذه العلة ، أو شرطا لهذه العلة ، لزم تأخر الشيء عن ms065 نفسه بمراتب. ~~وهو محال. PageV01P101 # المقدمة الثالثة : زعم الجمهور من الفلاسفة والمعتزلة : أن تأثير المؤثر ~~انما يكون فى وجود الأثر لا فى ماهيته. وهذا القول عندنا باطل. لأن الوجود ~~له ماهية. فلو امتنع أن يكون للقادر تأثير فى الماهية ، لامتنع أن يكون له ~~تأثير فى الوجود. # فان قيل : تأثير القادر فى كون (2) الماهية موصوفة بالوجود. # قلنا : موصوفية الماهية بالوجود يمتنع أن يكون أمرا ثابتا. ويدل عليه وجوه : # احدها : ان اتصاف الماهية بالوجود ، لو كان أمرا ثابتا مغايرا للماهية ~~والوجود ، لما كان جوهرا مستقلا بنفسه ، قائما بذاته ، بل كان صفة من صفات ~~الماهية وحينئذ يكون اتصاف تلك الماهية بتلك الصفة زائدا على الماهية ، ~~وعلى تلك الصفة. ويلزم منه التسلسل. # وثانيها : وهو أن تلك الموصوفية تكون مساوية فى الوجود لسائر الموجودات ، ~~ومخالفة لها فى الماهية ، فيلزم : أن يكون لاتصاف الماهية بالوجود ماهية ~~ووجود آخر ، فيكون اتصاف ماهيتها بوجودها زائدا عليه (3) ويعود الكلام ~~الأول فيه. ويلزم التسلسل. وحينئذ لا يكون الموجود الواحد موجودا واحدا ، ~~بل يكون موجودات غير متناهية. وذلك محال. # وثالثها : وهو أن موصوفية الماهية بالوجود ، بتقدير أن يكون أمرا مغايرا ~~للماهية والوجود ، فلا بد أن تكون له ماهية. فاذا امتنع أن يكون للقادر ~~تأثير فى الماهيات ، امتنع أن يكون له تأثير فى هذه الموصوفية. وعلى هذا ~~التقدير لا يكون للمؤثر : أثر ، لا فى الماهية ، ولا فى الوجود ، ولا فى ~~موصوفية الماهية بالوجود. وهذا نفى للتأثير PageV01P102 # والمؤثر بالكلية. وهو باطل قطعا. بل القول الصحيح : أن المؤثر كما يؤثر ~~فى جعل الماهية موجودة ، فكذلك يؤثر فى جعل الماهية ماهية. # المقدمة الرابعة : ان الطريق الى اثبات الصانع تعالى ليس ، الا احتياج ~~أجسام هذه الموجودات المحسوسة ، الى موجود آخر غير محسوس. ومنشأ تلك الحاجة ~~على قول بعضهم هو الامكان ، وعلى قول آخرين هو الحدوث ، وعلى قول ثالث هو ~~مجموع الامكان والحدوث. ثم هذه الأمور الثلاثة ، اما أن تعتبر فى الذوات ، ~~أو فى الصفات أو فى مجموعها أو بالعكس. فللمجموع طرق ستة : # * * * # الطريق الأول : الاستدلال على وجود ms066 واجب الوجود بامكان الذوات : فنقول : ~~لا شك أن الحقائق والماهيات موجودة. وكل موجود فاما أن تكون حقيقته قابلة ~~للعدم أو لا تكون كذلك. فان لم تقبل حقيقته العدم لما هى هى ، كان ذلك ~~الموجود هو واجب الوجود لذاته. وهو المطلوب. فان كانت حقيقته قابلة للعدم ~~فنقول : كل موجود تكون حقيقته قابلة للعدم ، فانه تكون نسبة حقيقته الى ~~الوجود والعدم على السوية. وكل ما كان كذلك لم يكن وجوده راجحا على عدمه ~~الا لمرجح. وذلك المرجح لا بد وأن يكون موجودا. ثم ذلك المرجح ان كان ممكنا ~~عاد الكلام فيه ، ويلزم اما الدور واما التسلسل. وهما محالان. فلا بد من ~~الانتهاء الى واجب الوجود لذاته. # وهذا البرهان مبنى على هذه المقدمات : # المقدمة الأولى : قولنا : كل موجود يقبل العدم. فان الوجود والعدم ~~بالنسبة الى ماهيته على السوية. # ولقائل أن يقول : لم لا يجوز أن تكون ماهيته قابلة للعدم والوجود ، الا ~~أن الوجود أولى بتلك الماهية من العدم ، فلكونه قابلا للعدم يكون PageV01P103 # من الممكنات. ويكون الوجود أولى به من العدم ، يستغنى عن المرجح والمؤثر؟ # ونقول فى جواب هذا السؤال : انه متى كان الوجود أولى به من العدم ، كان ~~واجب الوجود لذاته. والذي يدل عليه : هو أن تلك الماهية مع تلك الأولوية. ~~ان لم يصح العدم عليها ، كان واجبا لا ممكنا. وان صح العدم عليها ، كان ~~ممكنا. وكل ما كان ممكنا ، لا يلزم من فرض تحققه محال. # فلتفرض الماهية مع تلك الأولوية. تارة موجودة ، وأخرى معدومة ، ونسبة تلك ~~الأولوية الى الوقتين على السوية. فاختصاص أحد الوقتين بالوجود دون الثانى. ~~اما أن يتوقف على انضمام قيد إليه لأجله اختص ذلك الوقت بالوجود ، واما أن ~~لا يكون كذلك. فلو كان الأول لم تكن تلك الأولوية كافية فى حصول الوجود ، ~~بل لا بد معها من هذا القيد الزائد. لكنا قد فرضنا أن تلك الأولوية كافية ~~فى وقوع الوجود. هذا خلف. # وأيضا : فانا نقول : تلك الأولوية مع هذه الضميمة ، ان لم تقتض الوجوب ، ~~عاد التقسيم الأول فيه. وان ms067 أفاد الوجوب ، فحينئذ يصح قولنا : انه متى حصل ~~الرجحان ، حصل الوجوب. # المقدمة الثانية : قولنا الممكن المتساوى لا يترجح أحد طرفيه على الآخر ، ~~الا لمرجح وللعلماء فى تقرير هذه المقدمة قولان : # أحدهما : انها مقدمة أولية بديهية. وذلك لأنه لما كانت نسبة الوجود ونسبة ~~العدم الى تلك الماهية على السوية ، قضى صريح العقل بأنه يمتنع رجحان ~~أحدهما على الآخر لا لأجل انضياف أمر من الأمور الى الطرف الراجح. ولذلك ~~فان كل عاقل اذا أحس بحدوث شيء فى PageV01P104 # وقت معين ، طلب لحدوثه علة وسببا. وذلك يدل على أن افتقار رجحان الجائز ~~الى المرجح أمر مقرر فى بداهة العقول. # القول الثانى : ان هذه المقدمة برهانية. وأحسن ما قيل فى هذا المقام : ان ~~الاستواء والرجحان متناقضان متنافيان ، ولما ثبت أن ماهية الممكن مقتضيه ~~للاستواء ، فلو حصل الرجحان أيضا ، لاجتمع النقيضان وهو محال. # وعندى : أن هذه الحجة ضعيفة. لأن التناقض انما يلزم لو كانت الماهية ~~مقتضية للاستواء أو مقتضية للرجحان أيضا. أما من يقول : الماهية مقتضية ~~للاستواء. وأما الرجحان فانه حصل لا لعلة البتة ، لا لذاته ولا لغيره ، لم ~~يلزم التناقض على هذا القول. والأقوى أن يقال : الممكن هو الذي يكون العدم ~~والوجود بالنسبة إليه على التساوى ، والشيء الذي يكون كذلك ، امتنع أن يدخل ~~فى الوجود ، الا بعد أن يصير وجوده راجحا على عدمه. وذلك الرجحان يجب أن ~~يكون صفة لشيء آخر سابق على وجوده ، فيمتنع أن يكون محل ذلك الرجحان ، هو ~~وجوده. لأن ذلك الرجحان لو كان صفة لوجوده ، لكان متأخرا عن وجوده. لكنا قد ~~بينا أنه متقدم على وجوده. فيحصل الدور ، وهو محال فاذن ذلك الرجحان ، يجب ~~أن يكون صفة لشيء آخر ، يلزم من وجوده. وذلك هو المؤثر. فثبت : أن كل ممكن ~~فهو مفتقر الى المؤثر. # ويمكن تقرير هذه المقدمة بناء على قول الفلاسفة من وجه آخر : وذلك أنهم ~~قالوا : الزمان يمتنع أن يكون له مبدأ ومنتهى. لأنا لو فرضنا للزمان أولا ، ~~لكان عدمه سابقا على وجوده بالزمان. والسبق بالزمان لا يحصل الا مع ms068 وجود ~~الزمان فيلزم أن يقال : الزمان كان موجودا قبل أن كان موجودا. وذلك محال. PageV01P105 # وهكذا لو فرضنا للزمان منتهى. لكان عدمه حاصلا بعد وجوده ، بعدية ~~بالزمان. والبعدية بالزمان لا تحصل الا مع وجود الزمان. فيلزم : أن يقال : ~~الزمان موجود بعد أن لم يكن موجودا. وذلك محال فثبت : أن عدم الزمان محال. # واذا ثبت هذا. قالوا : الزمان اما أن يكون واجبا لذاته ، واما أن يكون ~~ممكنا لذاته. والأول باطل. لأنه مركب من آنات متوالية منقضية. وكل ما كان ~~كذلك ، لم يكن واجبا لذاته ، فهو اذن ممكن لذاته. وهذا الممكن اما أن يقع ~~لغيره أو لذاته ، أو لا لغيره ولا لذاته. # فان كان لغيره ثبت افتقاره الى المؤثر ، وان كان لذاته وجب أن لا يكون ~~منقضيا ، بل يكون باقيا مستمرا. وهو محال. وان كان لا لذاته ولا لغيره ، ~~كان حدوثه. اتفاقيا. وكل ما كان اتفاقيا ، لم يمتنع فى العقل أن لا يوجد. ~~لكنا قد بينا أن العدم على الزمان محال. ولما بطل القسمان ، ثبت القسم ~~الأول وهو أنه ممكن لذاته. الا انه واجب الوجود لسببه ومؤثره. فلأجل وجوبه ~~لوجوب سببه ، يمتنع العدم عليه. # وعند هذا يظهر أن دلالة وجود الزمان على وجود واجب الوجود ، أظهر من ~~دلالة جميع الممكنات. ولعله هو المراد من قوله عليه السلام : «لا تسبوا ~~الدهر ، فان الله هو الدهر» هذا ما يمكن تقريره بناء على أصول القوم. ### ||| ** فان قيل : القول بافتقار الممكن الى المؤثر عليه اسئلة : ### |||| ** السؤال الأول : افتقار الممكن الى المؤثر ، اما أن يكون حال وجوده (4) أو حال عدمه. ~~والقسمان باطلان ، فبطل القول بالافتقار. أما الحصر فظاهر. وأما أنه يمتنع ~~أن يكون الافتقار حال الوجود ، PageV01P106 # فلانه يلزم ايجاد الموجود. وهو محال. وأما أنه يمتنع أن يكون الافتقار ~~حال العدم. وذلك لأن المؤثر ما يكون له أثر. والعدم نفى محض. فالقول باثبات ~~التأثير حال كون الأثر عدما محضا : محال. # وأيضا : فلأنه ما دام يكون باقيا على العدم كان باقيا على عدمه الأصلي ، ~~والعدم الأصلي يمتنع استناده الى مؤثر ms069 الوجود والايجاد. فاذن ما دام يكون ~~باقيا على العدم ، امتنع استناده الى المؤثر. واذا ثبت فساد القسمين ، ثبت ~~أن القول بالتأثير محال. # السؤال الثانى : لو فرضنا أن مؤثرا يؤثر فى أثر لكان اما أن يؤثر فى ~~ماهية ذلك الأثر ، أو فى وجوده ، أو فى اتصاف ماهيته بوجوده. والكل باطل ، ~~فكان القول بالتأثير باطلا. أما بيان الحصر فلأنه لو لم تكن الماهية ولا ~~الوجود ولا اتصاف الماهية بالوجود مستندا الى المؤثر ، لكان ذلك الذي يفرض ~~أثرا لذلك المؤثر غنيا عن ذلك المؤثر فى ماهيته وفى وجوده وفى اتصاف ماهيته ~~بوجوده ، وحينئذ يكون ذلك الأثر غنيا عن ذلك المؤثر مطلقا ، فلا يكون أثرا ~~له. هذا خلف. # واما بيان فساد الأقسام : فهو أن نقول : انما قلنا : انه لا يجوز أن يكون ~~تأثير المؤثر فى ماهية الأثر. وذلك لأنه لو كان كون السواد سوادا بالفاعل ~~مثلا ، لكان عند فرض عدم ذلك الفاعل ، يلزم (5) خروج السواد عن كونه سوادا. ~~لأن ما بالغير لا يبقى عند فرض عدم ذلك الغير. لكن خروج السواد عن كونه ~~سوادا محال ، فوجب أن لا يكون كون السواد سوادا ، واقعا بالفاعل. وأما أنه ~~لا يجوز أن يكون تأثير المؤثر فى الوجود. لأن عند تقدير عدم المؤثر ، يلزم ~~أن يخرج الوجود عن كونه وجودا. وذلك أيضا محال كما قررناه فى الماهية. PageV01P107 # وأما أنه لا يجوز أن يكون تأثير المؤثر فى اتصاف الماهية بالوجود فذلك ~~لوجهين : # الأول : ان اتصاف الماهية بالوجود ليس أمرا زائدا على الماهية وعلى ~~الوجود. اذ لو كان زائدا ، لكانت له ماهية ، وله وجود. وكان اتصاف تلك ~~الماهية بذلك الوجود زائدا عليه. ولزم التسلسل. # الثانى : ان بتقدير أن تكون تلك الموصوفية أمرا زائدا على الماهية وعلى ~~الوجود ، حصلت لها ماهية ووجود ، فحينئذ يعود التقسيم المذكور ، وهو أن ~~المؤثر اما أن يؤثر فى ماهيته أو فى وجوده أو فى موصوفية ماهيته بوجوده. ~~والكل محال. فثبت : أن المؤثر لو أثر ، لكان أما أن يؤثر فى الماهية أو فى ~~الوجود أو فى موصوفية ms070 الماهية بالوجود. والكل محال. فكان القول بالتأثير محالا. # السؤال الثالث : لو أثر شيء فى شيء ، لكان تأثير المؤثر فى الأثر اما أن ~~يكون عين ذات المؤثر أو ذات الأثر أو يكون أمرا ثالثا مغايرا لهما. ~~والقسمان باطلان ، فكان القول بالتأثير باطلا. ### ||| ** انما قلنا : ان كونه مؤثرا يمتنع أن يكون عين ذات المؤثر وذات الأثر بوجوه : # الأول : انه يمكننا أن نعقل ذات المؤثر وذات الأثر ، مع الشك فى كون ذلك ~~المؤثر مؤثرا فى هذا الأثر. مثلا : نعقل الموجود الذي هو واجب الوجود لذاته ~~، ونعقل هذا العالم ، ثم نشك فى أن المؤثر فى وجود هذا العالم : هو ذلك ~~الواجب ، أم واجب آخر ، أو شيء من معلولات واجب الوجود؟ والمعلوم غير ما هو ~~غير معلوم (6) فهذه PageV01P108 # المؤثرية التى هى غير معلومة مغايرة لذات المؤثر ، ولذات الأثر ، الذي هو معلوم. # الثانى : ان تأثير المؤثر فى الأثر نسبة بين ذات الأثر وذات المؤثر ، ~~والنسبة بين شيئين متأخرة عن تينك الذاتين ، والمتأخر عن الشيء مغاير لذلك الشيء. # الثالث : وهو انا نصف ذات المؤثر بكونه مؤثرا فى ذلك الأثر ، والموصوف ~~مغاير للصفة. # الرابع : وهو انا نعلل الأثر لا بذات المؤثر ، بل بكونه مؤثرا. فانا نقول ~~: انما وجد هذا الأثر ، لأن البارى تعالى أوجده وأبدعه وخلقه. ولا نقول : ~~انما وجد هذا الأثر لأن البارى تعالى موجود وواجب الوجود. وصدق النفى ~~والاثبات يوجب التغاير. # فبطل بهذه الوجوه أن يقال : كون المؤثر مؤثرا فى الشيء عبارة عن ذات ~~المؤثر وذات الأثر ، وانما قلنا : انه لا يجوز أن تكون المؤثرية زائدة على ~~ذات المؤثر وذات الأثر ، وذلك لأن على هذا التقدير اما أن تكون المؤثرية ~~أمرا عدميا أو ثبوتيا. لا جائز أن تكون عدميا ، لأن المؤثرية نقيض ~~اللامؤثرية ، واللامؤثرية عدم محض ونفى صرف. وذلك معلوم بالضرورة. وعدم ~~العدم ثبوت. فكانت المؤثرية صفة ثبوتية. # ثم نقول : هذه المؤثرية التى هى معلوم ثبوتى ، وهى مغايرة لذات الأثر ~~وذات المؤثر ، اما أن تكون جوهرا قائما بنفسه ، أو عرضا مفتقرا الى موصوف. ~~والأول محال لوجهين ms071 : # الأول : وهو أن مؤثرية الشيء ، نعت للشىء وصفة له. ولا يمكن تعقلها الا ~~صفة للشىء ونعتا له ، فيمتنع أن تكون جوهرا قائما بالنفس. PageV01P109 # والثانى : ان بتقدير أن تكون جوهرا قائما بالنفس ، فهذا الجوهر اما أن ~~يكون بينه وبين الأثر نسبة واضافة ، أو لا يكون. فان كان الأول كان الكلام ~~فى تلك النسبة كما فى الأول ، فيلزم التسلسل. وان كان الثانى لم يكن بينه ~~وبين الأثر (7) نسبة واضافة ولم يكن بينهما تعلق أصلا ، وكان أجنبيا ~~بالكلية عن ذلك الأثر. ولما بطل هذا القسم تعين أن المؤثرية بتقدير الثبوت ~~، وجب أن تكون صفة لذات المؤثر ، مفتقرة الى تلك الذات. وكل ما كان مفتقرا ~~الى غيره ، كان ممكنا لذاته مفتقرا فى وجوده الى مؤثر. فيلزم افتقار تلك ~~المؤثرية فى وجودها الى موجد (8) آخر ، وحينئذ يعود الكلام فى تأثير المؤثر ~~فى وجود تلك المؤثرية. ويلزم التسلسل. وهو محال. # فثبت بما ذكرنا : أنه لو فرض مؤثر يؤثر فى أثر ، لكان تأثيره فى ذلك ~~الأثر اما أن يكون نفس المؤثر والأثر ، واما أن يكون مغايرا لهما. والقسمان ~~باطلان ، فكان القول بالتأثير باطلا. # السؤال الرابع : ان جواز الوجود متعلق بالطرفين أعنى الوجود والعدم فلو ~~كان جواز الوجود يقتضي احتياج الوجود الى المؤثر ، لكان جواز العدم يقتضي ~~احتياج العدم الى المؤثر. لكن احتياج العدم الى المؤثر محال. لأن العدم نفى ~~محض وسلب صرف ، فجعله أثرا أو مؤثرا محال. ولأن العدم مستمر من الأزل الى ~~الأبد. والباقى لا يمكن اسناده حال بقائه الى المؤثر. # فثبت : أنه لو كان جواز الوجود يحوج الوجود الى المؤثر ، لكان جواز العدم ~~يحوج العدم الى المؤثر ، وثبت : أن احتياج العدم الى المؤثر محال ، فيلزم ~~أن يكون احتياج الوجود أيضا الى المؤثر محالا. PageV01P110 # السؤال الخامس : لو كان الجواز علة للحاجة الى المؤثر ، لكان الشيء حال ~~بقائه مفتقرا الى المؤثر. وهذا محال ، فالقول بأن الجواز علة للحاجة الى ~~المؤثر محال. بيان الملازمة : هو أن الامكان من لوازم الماهيات الممكنة ، ~~ولازم الشيء حاصل فى جميع زمان وجوده ms072 ، وكان الامكان حاصلا حال بقاء ~~الممكنات ، فلو كان الامكان علة للحاجة الى المؤثر ، لزم افتقار الباقى حال ~~بقائه الى المؤثر. وانما قلنا : ان هذا محال ، لأن هذا يقتضي تحصيل الحاصل. ~~وهو محال. # لا يقال : لم لا يجوز أن يكون تأثير المؤثر حال بقاء الأثر فى بقائه. ~~وبقاؤه زائد على ذاته؟ # لأنا نقول : بقاؤه لما كان زائدا على ذاته ، لم يكن التأثير فى بقائه ~~تأثيرا فى ذاته. لكنا بينا : أن ذاته من حيث هى هى ، ممكنة فى الزمان ~~الثانى. فلو كان الامكان علة للحاجة الى المؤثر ، لكانت ذاته من حيث هى هى ~~، محتاجة فى الزمان الثانى الى المؤثر. وذلك محال. لأنه يقتضي تحصيل الحاصل ~~، وتكوين الكائن. وهو غير معقول. فوجب القطع بأن الامكان ليس علة للحاجة ~~الى المؤثر. # لا يقال : لم لا يجوز أن يقال : الامكان علة للحاجة الى المؤثر ، بشرط ~~الحدوث. وهذا الشرط غير حاصل حال البقاء. فلم يلزم تحقق الاحتياج حال ~~البقاء؟ # لأنا نقول : انا بينا فى ما تقدم : أن الحدوث لا يمكن أن يكون علة للحاجة ~~، ولا جزءا لهذه العلة ولا شرطا لها. فسقط قولكم. # السؤال السادس : لا شك أنا نشاهد حدوث صور ، وأعراض فى هذا العالم. فلو ~~كان الحدوث والامكان علة للحاجة الى المؤثر فيها ، فالمؤثر فيها اما أن ~~يكون قديما أو حادثا والقسمان باطلان ، فبطل القول بالمؤثر. وانما قلنا : ~~انه لا يجوز أن يكون المؤثر فيها قديما ، PageV01P111 # لأن تأثير ذلك المؤثر القديم فيها ، اما أن يكون موقوفا على شرط حادث ، ~~أو لا يكون كذلك. فان كان الأول عاد التقسيم الأول فيه. فيلزم أن يكون حدوث ~~ذلك الشرط الحادث ، لأجل حدوث شرط آخر ، ولزم التسلسل. وان كان الثانى لزم ~~اختصاص حدوث هذا الحادث بهذا الوقت دون ما قبله (9) لا لأمر أصلا البتة ، ~~فكان هذا قولا بوقوع الجائز ، لا عن سبب ، ولا عن مرجح. وهذا يبطل القول ~~بافتقار الجائز الى المرجح. # وانما قلنا : انه لا يجوز أن يكون المؤثر فى حدوث هذه الحوادث. فى هذا ~~الوقت أمرا حادثا. ms073 لأن الكلام يعود فيه. ويلزم التسلسل ، وحصول أسباب ~~ومسببات لا نهاية لها دفعة واحدة. وذلك يبطل القول باثبات واجب الوجود. # السؤال السابع : وهو أن نقول : جملة ما حدث (10) فى هذا الوقت ، اما أن ~~يكون له مؤثرا ، أو لا يكون. فان لم يكن له مؤثر ، فقد حدث الحادث لا عن ~~مؤثر. وذلك يبطل القول بافتقار الممكن والمحدث الى المؤثر. وأما ان كان لها ~~مؤثر فالمؤثر فيها اما أن يكون حادثا أو قديما. ويمتنع أن يكون حادثا ، لأن ~~المؤثر فى الشيء مغاير للأثر ، فلو كان المؤثر فى جملة الحوادث حادثا ، ~~لكان ذلك الحادث مغايرا لجملة الحوادث. وذلك محال. لأن كل ما كان حادثا كان ~~داخلا فى جملة الحوادث وفى مجموعها. # ويمتنع أن يكون المؤثر فيها قديما ، لأن ذلك القديم قبل ايجاد هذه ~~الحوادث ، لم يكن موجدا لها ، ولا مخرجا لها من العدم الى الوجود. والآن ~~صار موجدا لها ، ومخرجا لها من العدم الى الوجود PageV01P112 # فتكون موجدية هذا الموجد لها ، حكما حادثا متجددا ، وحينئذ يعود ما ذكرنا ~~من تعليل جملة الحوادث لشيء حادث. وذلك محال على ما بيناه. # وأيضا : فلو افتقر الحادث الى المؤثر ، لافتقرت هذه الموجدية الحادثة الى ~~المؤثر ، فيلزم اما الدور واما التسلسل. وهما محالان. وبتقدير القول بهما ~~يبطل الطريق الى اثبات الصانع. واذا كان كذلك ، وجب أن تكون تلك الموجدية ~~المتجددة غنية عن المؤثر. وذلك يوجب القطع باستغناء الممكن المحدث (11) عن ~~المؤثر. # والجواب عن السؤال الأول : لم لا يجوز أن يقال : تأثير المؤثر فى الوجود ~~يحصل مع الوجود لا قبله ولا بعده؟ وقول السائل : «هذا يقتضي ايجاد الموجود. ~~وهو محال» فجوابه: ان ايجاد موجود كان موجودا قبل ذلك الايجاد محال. وأما ~~ايجاد موجود ما كان موجودا قبل ذلك الايجاد ، وانما حصل حال ذلك الايجاد. ~~فلم قلتم بأنه محال؟ # والجواب عن السؤال الثانى : أنه لو وقعت الشكوك والشبهات فى تأثير شيء فى ~~شيء ، لامتنع تجدد شيء وحدوثه. لكنه لا شك ولا شبهة فى تجدد الحوادث والصور ~~والأعراض. وما ذكرتموه من التقسيم ms074 قائم هاهنا بعينه. وذلك لأنه لو تجدد أمر ~~، أو حدث أمر ، لكان المتجدد اما الماهية ، أو الوجود ، أو موصوفية الماهية ~~بالوجود. والكل محال ، فوجب أن لا يحصل التجدد أصلا. # وانما قلنا : انه يمتنع تجدد الماهية. لأنه يلزم أن يقال : السواد ما كان ~~سوادا ، ثم انقلب سوادا. وذلك يقتضي انقلاب الماهية والحقيقة. وذلك محال. PageV01P113 # وانما قلنا : أنه يمتنع تجدد الوجود ، لأنه يقتضي أن يقال : الوجود ما ~~كان وجودا ثم انقلب وجودا. وذلك يقتضي انقلاب الماهية. # وانما قلنا : انه يمتنع تجدد موصوفية الماهية بالوجود ، لأن هذه ~~الموصوفية ان لم تكن أمرا زائدا على الماهية وعلى الوجود ، امتنع القول ~~بأنها هى المتجدد. وان كان أمرا زائدا. فالمتجدد اما ماهيتها أو وجودها. ~~ويعود التقسيم المذكور. # فثبت : أن ما ذكرتم من التقسيم يمنع من القول بالتجدد والحدوث. ولما كان ~~ذلك مشاهدا محسوسا ، علمنا : أن ما ذكرتم من التقسيم باطل. # والجواب عن السؤال الثالث : ان ذلك التقسيم أيضا قائم فيما عرف فساده ~~بالضرورة. وذلك لأنه يقال : لو حصل شيء فى هذه الساعة ، لكان حصوله فى هذه ~~الساعة اما أن يكون حصوله نفس ذاته ، أو زائدا على ذاته. والقسمان باطلان. ~~فبطل القول بحصوله فى هذه الساعة. وانما قلنا : انه لا يجوز أن يكون حصول ~~هذه السماء ، وحصول هذه الأرض فى هذه الساعة : نفس ذات السماء ، ونفس ذات ~~الأرض لوجوه. # أحدها : أنه يمكننا أن نعقل ذات السماء وذات الأرض ، مع الشك فى حصولهما ~~فى هذه الساعة. # والثانى : ان حصولهما فى هذه الساعة نسبة لتينك الذاتين (12) الى هذه ~~الساعة والنسبة بين الشيئين مغايرة لهما. # والثالث : ان ذات السماء والأرض لو كانتا نفس حصولهما فى هذه الساعة ، ~~ففى الساعة الثانية لم يبق حصولهما فى الساعة الأولى ، PageV01P114 # فوجب أن لا تبقى ذاتهما فى الساعة الثانية. فان التزموا ذلك ، وقالوا : ~~الأجسام تحدث حالا بعد حال ، ألزمناهم فى واجب الوجود. وانما قلنا : أنه لا ~~يجوز أن يكون حصول السماء والأرض فى هذه الساعة زائدا على الذات. لأن ذلك ~~الزائد يكون حاصلا لا محالة ms075 فى هذه الساعة ، فيكون حصول ذلك الزائد فى هذه ~~الساعة زائدا عليه. ولزم التسلسل وهو محال. # فثبت : أن ما ذكروه من التقسيم حاصل فى هذا المقام ، الذي عرف بطلانه ~~بالضرورة. فوجب الجزم ببطلان هذا التقسيم. # والجواب عن السؤال الرابع : انه لا نزاع فى أن الامكان متعلق بطرفى ~~الوجود والعدم ، الا أن رجحان الوجود يكون لوجود ما يؤثر فى الوجود ، ~~ورجحان العدم يكون لعدم ما يؤثر فى الوجود. وهذا هو الكلام المشهور من أن ~~علة العدم هى عدم العلة. # والجواب عن السؤال الخامس : ان عندنا الذات الممكنة حال البقاء ، تفتقر ~~الى المبقى. لا بمعنى أن المبقى يعطيه حال البقاء : وجودا آخر ، بل بمعنى ~~أنه يدوم ذلك الوجود لدوام ذلك المؤثر الأول. فلم قلتم بأن ذلك محال؟ # والجواب عن السؤال السادس : هو ان ذلك الاشكال انما يعظم اذا قلنا المؤثر ~~فى حدوث الحوادث هو العلة الموجبة بالذات ، أما اذا قلنا : انه فاعل مختار ~~، اندفع الاشكال. لا محالة. # والجواب عن السؤال السابع : أن تأثير الشيء فى الشيء نسبة مخصوصة بينهما. ~~وقد بينا : أن هذه النسبة لا وجود لها فى الأعيان ، فلم يلزم وقوع التغير ~~فى المؤثر. PageV01P115 # فهذا هو الكلام فى هذه المقدمة مع أنه ليس لأحد من المتقدمين ولا من ~~المتأخرين خوض فيها بالتقرير والاشكال وبالله التوفيق. # * * * ### ||| ** المقدمة الثالثة : من مقدمات برهان اثبات واجب الوجود : # نفى الدور. # والدور : هو أن يحصل موجودان ، ممكنان. ويكون كل واحد منهما علة لوجود الآخر. # ومن الناس من احتج على فساد ذلك بأن قال : المؤثر متقدم على الأثر ~~بالذات. فلو كان كل واحد منهما مؤثرا فى الآخر ، لكان كل واحد منها متقدما ~~بالذات على الآخر ، فكان كل واحد منهما متقدما على المتقدم على نفسه ، ~~والمتقدم على المتقدم على الشيء متقدم على ذلك الشيء ، فيلزم كون كل واحد ~~منهما مقدما على نفسه بمرتبتين. وذلك محال. لأنه من حيث انه متقدم يقتضي أن ~~يكون موجودا قبل ، ومن حيث انه متأخر يقتضي أن لا يكون موجودا قبل. وهذا ~~يقتضي أن يكون ms076 موجودا قبل ، وأن لا يكون موجودا قبل. فيلزم اجتماع العدم ~~والوجود فى الشيء الواحد من الوجه الواحد. وهو محال. # وأعلم : أن هذه الحجة مبنية على مقدمة مشكلة. وهى اثبات التقدم الذاتى. ~~فنقول : ليس المراد من هذا التقدم التقدم بالزمان. لأنا قد بينا فى أول هذا ~~الكتاب : أن تقدم المؤثر على الأثر لا يجب أن يكون بالزمان ، لأن حركة ~~الاصبع علة لحركة الخاتم. مع أن هاتين الحركتين يحصلان معا ، ولا تقدم ~~لأحدهما على الأخرى بالزمان البتة. PageV01P116 # واذا بطل القول بأن المؤثر يجب تقدمه على الأثر بالزمان. فنقول : ان عنيت ~~بقولك المؤثر متقدم على الأثر بالذات : كون المؤثر مؤثرا فى الأثر : رجع ~~حاصل هذا التقدم الى التأثير. فقولك : لو كان كل واحد منهما مؤثرا فى الآخر ~~، لكان كل واحد منهما متقدما على الآخر : مقدمة باطلة. لأن تاليها عين ~~مقدمها من غير فرق. وليس فيها الا تبديل عبارة بعبارة. فان كان القول بكون ~~كل واحد منهما مؤثرا فى الآخر ، معلوم البطلان بالضرورة ، لم يكن فى ذكر ~~هذا الكلام فائدة ، ولا إليه حاجة. وان لم يكن معلوم البطلان بالضرورة ، لم ~~يكن تغيير العبارة مفيدا البتة. # وأما ان كان المراد من قوله : المؤثر متقدم بالذات على الأثر : أمرا آخر ~~مغايرا للتقدم بالزمان ، ومغايرا لنفس (13) هذا التأثير ، فذلك التقدم لا ~~بد من إفادة تصوره ، ثم من اقامة الدليل على ثبوته. فان كل واحد من ~~المقامين مما غفلوا عن تلخيصه وتحصيله الى الآن. # والأولى فى ابطال الدور أن يقال : المعلول مفتقر الى العلة. فلو كان كل ~~واحد منهما معلولا للآخر ، لكان كل واحد منهما مفتقرا الى الآخر ، فكان كل ~~واحد منهما مفتقرا الى المفتقر الى نفسه ، فيلزم كون كل واحد منهما مفتقرا ~~الى نفسه. وذلك محال. لأن الافتقار الى الشيء اضافة بين المفتقر والمفتقر ~~إليه ، والاضافة لا تعقل الا بين الشيئين. # فان قال قائل : الاضافيان كل واحد منهما علة لوجود الآخر ، وذلك لأنه ~~يلزم من فرض وجود أيهما كان ، وجود الآخر قطعا. ومن فرض عدم أيهما كان ms077 ، ~~عدم الآخر قطعا. فوجب كون كل واحد منهما علة لوجود الآخر. PageV01P117 # فالجواب : ان قلنا : ان الاضافات لا وجود لها فى الأعيان ، فقد زال ~~السؤال. وان قلنا : ان لها وجودا فى الأعيان ، قلنا : الملازمة بينهما ~~معللة بوحدة السبب. # المقدمة الرابعة من مقدمات برهان اثبات العلم بواجب الوجود : ابطال ~~التسلسل. # مقدمة واعلم : أنا قبل الخوض فى تقرير هذا المطلوب ، نفتقر الى تقديم ~~مقدمة. وهى: ان العلة المؤثرة لا بد وأن تكون موجودة حال وجود المعلول. ~~والدليل عليه : أنه لو لم يكن كذلك ، لكان عند حصول المعلول تكون العلة غير ~~موجودة ، فيلزم حصول المعلول حال عدم العلة ، فحينئذ يكون حصول ذلك المعلول ~~بكون العلة غير موجودة ، فيلزم حصول المعلول حال عدم العلة ، فحينئذ يكون ~~حصول ذلك المعلول لا لأجل وجود تلك العلة. وقد فرضنا الأمر كذلك. هذا خلف. # لا يقال : لم لا يجوز أن يقال : العلة فى حال وجودها ، توجب وجود المعلول ~~بعد انقضاء العلة. وعلى هذا التقدير يكون وجود المعلول معللا بتلك العلة ~~التى كانت موجودة قبل ذلك؟ # لأنا نقول : القول بأن هذه العلة أوجبت فى هذه الساعة حصول المعلول غدا : ~~قول باطل. وذلك لأن هذه العلة لما صدق عليها فى هذه الساعة أنها أوجبت ذلك ~~المعلول ، فإيجاب ذلك المعلول اما أن يكون عبارة عن حدوث ذلك المعلول ، أو ~~عن شيء آخر يترتب عليه حدوث ذلك المعلول. فان كان الأول لزم حدوث ذلك ~~المعلول فى هذه الساعة لا بعده. وذلك لأنه لما صدق على تلك العلة انها ~~أوجبت فى هذه الساعة PageV01P118 # ذلك المعلول. وهذا الايجاب عبارة عن حدوث ذلك المعلول. ولما (14) وجد ذلك ~~الايجاب فى هذه الساعة. لزم حصول ذلك المعلول فى هذه الساعة. فالقول بأن ~~ذلك المعلول يحصل لا فى هذه الساعة بل فى الساعة الثانية : قول يناقض ~~الكلام الأول. # وأما ان قلنا بأن ايجاب العلة لذلك المعلول ، عبارة عن أمر مغاير لذلك ~~المعلول ، ويترتب عليه ذلك المعلول. فهذا باطل. لأن ذلك المغاير لا بد وأن ~~يصدق عليه أنه يوجب فى ms078 هذه الساعة ذلك المعلول ، فى الساعة الثانية. فيكون ~~ايجابه لذلك المعلول زائدا على ذاته. ويلزم التسلسل فى الايجابات. وكل ذلك ~~محال. فثبت بما ذكرنا : أن المؤثر التام لا بد وأن يوجد الأثر معه. ### ||| ** اذا عرفت هذه المقدمة ، فنقول : البرهان على ابطال التسلسل من ثلاثة أوجه : # البرهان الأول : لو تسلسلت الأسباب والمسببات الى غير نهاية ، لكانت ~~بأسرها موجودة فى الحال ، بناء على المقدمة التى قررناها : من أن العلة ~~والمعلول يوجدان معا. واذا كان كذلك ، فنقول : مجموع تلك الأسباب والمسببات ~~اما أن يكون واجبا لذاته ، أو ممكنا لذاته. والأول باطل ، لأن كل مجموع فهو ~~مفتقر الى كل واحد من آحاده. وكل واحد من آحاد هذا المجموع : ممكن لذاته. ~~والمفتقر الى الممكن لذاته ، أولى بأن يكون ممكنا لذاته. فهذا المجموع ممكن ~~لذاته. وكل واحد من آحاده ممكن لذاته. وكل ممكن لذاته ، فله مؤثر مغاير له ~~فهذا المجموع مفتقر بحسب مجموعيته ، وبحسب كل واحد من آحاد مجموعيته ، الى ~~مؤثر مغاير له. وكل ما كان مغيرا المجموع الممكنات ولكل واحد من آحاد مجموع ~~الممكنت : لم يكن ممكنا لذاته. وكل PageV01P119 # موجود لا يكون ممكنا لذاته ، كان واجبا لذاته. فثبت بهذا البرهان : وجوب ~~انتهاء جميع الممكنات الى موجود واجب لذاته. وهو المطلوب. # البرهان الثانى : لما ثبت أن ذلك المجموع ممكن لذاته. وكل ممكن لذاته فله ~~مؤثر. فلذلك المجموع مؤثر. والمؤثر فى ذلك المجموع اما أن يكون هو نفس ذلك ~~المجموع ، أو شيء من الأمور الداخلة عليه. أو شيء من الأمور الخارجة عنه. ~~لا جائز أن يكون المؤثر فى ذلك المجموع هو نفس ذلك المجموع ، لامتناع كون ~~الشيء مؤثرا فى نفسه. ولا جائز أن يكون المؤثر فيه شيئا من الأمور الداخلة ~~فيه ، لأن كل ما كان مؤثرا فى وجود مركب ، وجب كونه مؤثرا فى جميع أفراد ~~ذلك المركب. وذلك الفرد الذي جعلناه علة لذلك المركب ، لما كان أحد أفراد ~~ذلك المركب ، لزم كونه علة لنفسه. ولزم كونه علة لعلة نفسه. والأول باطل ، ~~لامتناع كون الشيء علة لنفسه. والثانى ms079 باطل ، لامتناع الدور. ولما بطل أن ~~تكون علة ذلك المجموع نفسه ، أو فردا من الأفراد الداخلة فيه ، وجب أن تكون ~~علته أمرا خارجا عنه. والخارج عن مجموع الممكنات بالذات ، لا يكون ممكنا ~~لذاته. وكل موجود لا يكون ممكنا لذاته ، وجب أن يكون واجبا لذاته. فثبت : ~~وجوب انتهاء جميع الممكنات الى موجود واجب لذاته. وهو المطلوب. # البرهان الثالث : لو تسلسلت الأسباب والمسببات لا الى نهاية ، فعلى هذا ~~التقدير : الأثر الأخير موجود ، الا أن الخصم يقول : المؤثر الأول غير موجود. # فلنأخذ من هذا الأثر الأخير لا الى بداية جملة واحدة. ولنأخذ أيضا من ~~المرتبة الخامسة من مراتب الآثار لا الى بداية جملة أخرى ، فلا بد وأن تكون ~~الجملة الأولى أزيد من الجملة الثانية بأربع مراتب. ثم لنطبق هذا الطرف ~~الأخير من جانب الآثار على الطرف الأخير من هاتين الجملتين. ومعنى هذا ~~التطبيق أن الأول من هذه PageV01P120 # الجملة مقابل بالأول من تلك الجملة ، والثانى من هذه بالثانى من تلك ~~الجملة. فاما أن يتقابل كل واحد من آحاد الجملة الزائدة بواحد من آحاد ~~الجملة الناقصة ، لا الى بداية. فيكون الكل مثل البعض. وذلك محال. واما أن ~~تنقطع الجملة الناقصة من الطرف الأخير ، فتكون الجملة الناقصة متناهية من ~~ذلك الطرف ، والزائدة زادت عليها بأربعة فتكون الجملة الزائدة أيضا متناهية ~~من ذلك الطرف. فيكون للأسباب والمسببات ، فى سلمة التصاعد : طرف ومبدأ. ~~وذلك يمنع من القول بأنه لا نهاية لها. ثم ذلك الطرف ان كان ممكنا لذاته ، ~~افتقر الى مؤثر آخر ، فلم يكن طرفا. هذا خلف. وان كان واجبا لذاته فذلك هو ~~المطلوب. # واذا ظهرت هذه المقدمات. فلنرجع الى أصل البرهان المذكور ، على وجود ~~اثبات واجب الوجود. وهو أنه لا شك فى وجود الموجودات. وكل موجود فهو اما ~~واجب لذاته ، واما ممكن لذاته. فان حصل فى الموجودات موجود واجب لذاته. ~~فذلك هو المطلوب. وان كان ذلك الموجود ممكنا ، افتقر الى مؤثر. والدور ~~والتسلسل باطلان. فلا بد من الانتهاء الى موجود واجب الوجود لذاته. وذلك هو ~~المطلوب. # الطريق ms080 الثانى فى اثبات واجب الوجود لذاته : الاستدلال عليه بامكان ~~الصفات. # وتقريره : أن نقول : الأجسام متساوية فى الماهية والحقيقة. ومتى كان ~~الأمر كذلك ، كان كل صفة اتصف بها جسم ، أمكن اتصاف سائر الأجسام بها. ومتى ~~كان الأمر كذلك ، افتقر كل واحد من الأجسام فى اتصافه بصفته المخصوصة الى ~~مخصص ومرجح. PageV01P121 ### ||| ** وهذا البرهان مبنى على ثلاث مقدمات : ### ||| ** المقدمة الأولى : الأجسام متساوية فى تمام الماهية : # وأجود ما يمكن أن يذكر فى هذا الباب : أن الجسم يمكن تقسيمه الى الفلكى ~~والى العنصرى ، والى الكثيف والى اللطيف. ومورد القسمة يجب أن يكون مشتركا ~~فيه بين الأقسام. فاذن كونه جسما قدر مشترك فيه بين اللطيف والكثيف ، ~~والفلك والعنصر والحار والبارد. وهذا الذي وقع الامتياز فيه هو صفات الجسم. ~~فثبت : أن الأجسام متساوية فى ذواتها وحقائقها ، والاختلاف الحاصل بينها ~~ليس الا فى صفاتها وأعراضها. وفى هذا المقام أبحاث غامضة عميقة. لا تليق ~~بهذا المختصر. ### ||| ** المقدمة الثانية : وهى أن الأجسام لما كانت متماثلة فى ذواتها وحقائقها ، وجب أن يصح على كل واحد منها ما صح على الآخر : # وذلك لأن قابلية هذا العرض ، ان كانت من لوازم تلك الماهية ، فاذا حصلت ~~تلك الماهية ، لزم حصول تلك القابلية ، فوجب أن يصح على كل واحد منها ، ما ~~صح على واحد منها. وان لم يكن من لوازمها ، كان من عوارضها. فيعود الكلام ~~فى قبلية تلك القابلية. فان كانت أيضا من العوارض ، يلزم اما التسلسل واما ~~الانتهاء الى قابلية لازمة لتلك الماهية. وحينئذ يحصل المطلوب. # فان قال قائل : أفراد النوع الواحد ، وان كانت متساوية فى ماهية ذلك ~~النوع ، لكنها غير متساوية فى كون كل واحد منها (15) غير ذلك الشخص وذلك ~~المعين. وذلك لأن تعين هذا ان كان حاصلا PageV01P122 # لذاك ، فهذا هو عين ذاك ، فلم يكن مغايرا له. فثبت : أن تعين كل واحد من ~~الأفراد غير حاصل للفرد الآخر. # واذا ثبت هذا ، فنقول : لم لا يجوز أن يكون ذلك التعين شرطا لتلك ~~القابلية فى هذا الفرد ، أو يكون تعين الفرد الآخر مانعا من هذه ms081 القابلية. ~~واذا كان الأمر كذلك ، لم يلزم أن يصح على كل واحد من أفراد النوع الواحد ، ~~ما صح على فرد من أفراده. # الجواب : أما على قول من يقول : التعين أمر عدمى. فالسؤال ساقط ، وأما ~~عند من يقول : انه أمر ثبوتى. فجوابه : ان ذلك التعين ليس من لوازم تلك ~~الماهية. والا لزم أن يكون ذلك النوع فى ذلك الشخص. لكنه ليس الأمر كذلك ، ~~لأن هذا الكلام مفروض فى نوع حصل له أفراد كثيرة بالفعل. فاذن ذلك التعين ~~الذي به صار ذلك الشخص ذلك المعين ، أمر غير لازم لتلك الماهية. فهو عارض ~~جائز الزوال. وكل ما كان عارضا لذلك الشخص بسبب ذلك التعين ، وجب أيضا أن ~~يكون جائز الزوال. وذلك يقتضي أن يكون اتصاف كل واحد من الأجسام بما اتصف ~~به ، أمرا ممكنا جائزا. # وعند هذا ظهر أن كل ما صح على العناصر ، فمثله يصح على الأفلاك. فكان ~~الخرق والالتئام والفطور والانشقاق جائزا على الأفلاك ، وكما يمكن انقلاب ~~الأرض ماء ، والماء هواء ، والهواء نارا ، فكذلك يمكن انقلاب الفلك أرضا ، ~~والأرض فلكا. وكما يمكن كون الفلك محيطا بالأرض ، والأرض مركزا ، فكذلك ~~يمكن انقلاب كون الأرض محيطا ، والفلك مركزا ، وهذه المقدمة كما أنها عظيمة ~~المنفعة فى معرفة المبدأ ، فهى أيضا عظيمة المنفعة فى معرفة المعاد ، ~~وتصحيح ما ورد فى القرآن من أحوال القيامة. # المقدمة الثالثة : وهى أن كل جسم يوجد ، فلا بد له من حيز PageV01P123 # معين ، ولا بد له من شكل معين ، ولا بد وأن يكون صلبا أو رخوا. وقد دللنا ~~على أن اختصاص كل واحد من الأجسام بصفته المعينة ، لا بد وأن يكون من ~~الجائزات. ولا بد للجائز من مرجح ومخصص. فثبت بهذا : افتقار جميع الأجسام ~~فى أحيازها وصفاتها الى مخصص ومرجح ، ثم ذلك المرجح ان كان جسما افتقر هو ~~أيضا فى حيزه المعين ، وشكله المعين ، وصفته المعينة الى مخصص ومرجح ، ثم ~~ذلك المرجح الى مخصص ومرجح. وذلك يفضى الى التسلسل. وهو محال كما سبق فثبت ~~: افتقار جميع الأجسام فى جميع صفاتها الى ms082 موجود ليس بجسم ولا بجسمانى. ~~واذا أردنا أن نبين أن ذلك الموجود : واجب الوجود لذاته ، رجعنا الى بعض ما ~~ذكرناه فى البرهان الأول. ### ||| ** الطريق (16) الثالث فى اثبات العلم بالصانع تعالى : الاستدلال عليه بحدوث الجواهر والأجسام : # وتقريره : ثبت أن الأجسام محدثة ، وكل محدث فله محدث. فالأجسام مفتقرة ~~الى المحدث. أما بيان أن الأجسام محدثة ، فقد تقدم. وأما بيان أن كل محدث ، ~~فله محدث. فللناس هاهنا طريقان : # الأول : ان كل محدث فهو جائز الوجود لذاته ، وكل ما كان جائز الوجود ~~لذاته ، فهو مفتقر الى المؤثر. وانما قلنا : ان كل ما كان محدثا ، فهو جائز ~~الوجود لذاته. وذلك لأن كل ما كان محدثا ، فقد كان قبل وجوده معدوما. ولو ~~لم تكن ماهيته قابلة للعدم ، لما كان معدوما. # وأيضا : كل محدث ، فانه بعد حدوثه موصوف بالوجود ، ولو لم PageV01P124 # تكن ماهيته قابلة للوجود ، لما كان كذلك. فثبت : أن كل ما كان محدثا ، ~~فان ماهيته قابلة للعدم وقابلة للوجود ، ولا معنى للممكن الا ذلك. فثبت : ~~أن كل محدث فانه ممكن الوجود والعدم لذاته. أما أن كل ممكن فانه مفتقر الى ~~المؤثر ، فلما مر تقريره فى البرهان الأول. وبالله التوفيق. # فان قيل : لم لا يجوز أن يقال : انه كان معدوما ، ثم انقلب فى ذلك الوقت ~~المعين (17) واجبا لذاته؟ والذي يدل على أن هذا الذي ذكرناه : محتمل. وجوه : # الأول : ان العرض عندكم فى الوقت الثانى مستحيل البقاء. واذا كان كذلك ~~فوجوده فى الوقت الأول جائز الوجود ، ثم ان عدمه فى الوقت الثانى واجب ~~لذاته. فاذا عقل أن يكون عدمه بعد وجوده عدما واجبا لذاته ، بحيث يستحيل ~~عقلا أن لا يصير معدوما. فلم لا يجوز أن يصير وجوده بعد عدمه واجبا لذاته ، ~~بحيث يستحيل عقلا أن لا يصير موجودا؟ # والثانى : وهو أن هذا الآن الذي هو آخر الماضى ، وأول المستقبل ، كما وجد ~~، يمتنع بقاؤه. لأن الحاضر لا يعقل (18) أن يكون هو عين المستقبل. فاذن هذا ~~الآن واجب التجدد حين حدث ، وواجب الفناء بعد ذلك. واذا عقل هذا فى الآنات ms083 ~~، التى هى أجزاء الزمان ، فلم لا يعقل مثله فى جميع الحوادث؟ # والثالث : العالم بشرط كونه مسبوقا بالعدم سبقا زمانيا ، يمتنع حصوله فى ~~الأزل. لأن الجمع بين النقيضين محال ، ثم فى ما لا يزال PageV01P125 # حدث ذلك الامكان. وحدوث ذلك الامكان ليس بالفاعل. لأن كل ما كان حصوله ~~بالفاعل ، كان ممتنع الحصول عند فرض عدم الفاعل. وصحة وجود العالم فى لا ~~يزال ، حاصلة سواء حصل الفاعل ، أو لم يحصل. فعلمنا أنه حدثت هذه الصحة لا ~~بالفاعل ، بل لذاته. فثبت : أن حدوث الشيء لذاته معقول. # سلمنا : أن ما ذكرتم يدل على أن كل محدث ممكن لذاته ، لكنه معارض بحجج ~~دالة على أن القول بوجود شيء ممكن الوجود : محال. # الحجة الأولى : انا اما أن نقول : الوجود نفس الماهية ، واما أن نقول : ~~الوجود غير الماهية. وعلى كل واحد من القولين ، فالقول بالامكان والجواز ~~غير معقول. أما على القول بأن الوجود نفس الماهية ، فنقول : الامكان غير ~~معقول. وذلك لأن الشيء الموصوف بالامكان هو الذي يجوز أن يكون موجودا ، ~~ويجوز أن يكون معدوما. والحكم بجواز الوجود والعدم على تلك الماهية ، ~~يستدعى جواز كون تلك الماهية مقارنة للوجود ، ومقارنة للعدم. ومتى كان ~~الأمر كذلك ، امتنع أن يقال : الوجود هو نفس الماهية. وأما على القول بأن ~~الوجود غير الماهية ، فلأن على هذا التقدير. اما أن يكون الموصوف بالامكان ~~هو الماهية ، أو الوجود ، أو كون الماهية موصوفة بالوجود. والكل محال. واما ~~أنه لا يجوز أن يكون الموصوف بالامكان هو الماهية. لأن كل ما كان ممكن ~~الثبوت ، لم يمتنع تقرره ، مع عدم ذلك الشيء. فلو قلنا : السواد يمكن أن ~~يكون سوادا ، كان معناه : السواد يمكن أن يحكم عليه بأنه سواد. ومعلوم أن ~~ذلك محال. لأنه يقتضي أن يكون حال كونه سوادا ، محكوما عليه بأنه غير سواد. ~~وذلك محال. واما أنه لا يجوز أن يكون الموصوف بالامكان هو الوجود ، لأنه ~~يرجع حاصله الى أن الوجود يمكن أن لا يكون وجودا. وهذا محال باطل PageV01P126 # أيضا. واما أنه لا يجوز أن يكون الموصوف بالامكان ms084 هو موصوفية الماهية ~~بالوجود ، لأن الذي ذكرناه فى الماهية وفى الوجود ، عائد بعينه فى موصوفية ~~الماهية بالوجود. فثبت : أن القول بامكان الوجود غير معقول سواء قلنا : ~~الوجود عين الماهية ، أو قلنا : انه غيرها. # الحجة الثانية : انا لو فرضنا شيئا من الأشياء ممكن الوجود ، لكان ذلك ~~الامكان ، اما أن يكون موجودا أو معدوما. لا جائز أن يكون موجودا ، للوجوه ~~الكثيرة التى ذكرناها فى الجواب عن شبه الفلاسفة فى قدم الأجسام ، ولا جائز ~~أن يكون معدوما ، لأن الشيء بتقدير أن يكون ممكن الوجود ، كان موصوفا فى ~~نفسه بالامكان. وذلك الامكان رافع للامتناع ، والامتناع عدم. ورافع العدم ~~ثبوت. فوجب أن يكون الامكان أمرا ثبوتيا. ولما كان القول بكون الشيء ممكن ~~الوجود ، يقتضي أن يكون الامكان اما أن يكون وصفا سلبيا ، أو وصفا وجوديا. ~~وكان القسمان باطلين ، فكان القول بكون الشيء ممكن الوجود باطلا. # الحجة الثالثة : انا اذا قلنا : الشيء يجوز أن يكون موجودا ، ويجوز أن ~~يكون معدوما : يقتضي تقرر ذلك الشيء حال وصفه بكونه معدوما. وهذا يقتضي كون ~~المعدوم شيئا. وأنتم لا تقولون به. # وأيضا : القائل بأن المعدوم شيء ، لا يمكنه القول بالامكان. وذلك لأن ~~الامكان على هذا التقدير ، اما أن يكون وصفا للماهية ، أو وصفا للوجود. # لا جائز أن يكون وصفا للماهية ، لأن الماهية يستحيل عليها الانقلاب ~~والتغير ، فلا يعقل كون الامكان وصفا لها. ولا جائز أن يكون وصفا للوجود ، ~~لأن الوجود قبل تجدده وحدوثه ، ما كان ثابتا ولا متعينا. والامكان عندكم ~~ثابت قبل الحدوث. واذا كان كذلك ، امتنع القول يجعل الامكان صفة للوجود. PageV01P127 # والجواب : مرادنا من الامكان هو كون الشيء بحيث يجوز أن يستمر على ما كان ~~عليه قبل ذلك ، ويجوز أن لا يبقى على ما كان عليه قبل ذلك. واذا ظهر مرادنا ~~من لفظ الامكان ، زالت الشبهات المذكورة. # واذا عرفت هذا ، فنقول : بقاؤه على ما كان عليه قبل ذلك ، غير ممتنع. ~~وعدم بقائه أيضا على ما كان عليه قبل ذلك غير ممتنع أيضا. ولما جاز الأمران ~~، امتنع رجحان أحدهما على ms085 الآخر ، الا لمرجح. الا أنه يبقى عليه أن يقال : ~~لم لا يجوز أن يكون محدث الأجسام محدثا ، وان كان قديما. ولكنه جائز الوجود ~~لذاته ، الا أن الموجود كان به أولى؟ وعند هذا نفتقر فى بيان كونه تعالى ~~واجب الوجود لذاته ، الى الرجوع الى ما ذكرناه فى البرهان الأول. # الطريق الثانى فى تقرير هذا البرهان : أن نقول ، الأجسام محدثة ، وكل ~~محدث فهو محتاج الى المحدث ، من غير تعرض لكون ذلك المحدث جائزا ، أو واجبا ~~وأكثر مشايخ المتكلمين كانوا معولين على هذه الطريقة ثم لهؤلاء طريقان : # الأول : الذين قالوا : العلم باحتياج المحدث الى المؤثر : علم ضرورى. ~~قالوا : والذي يدل عليه أن كل من رأى بناء رفيعا وقصرا مشيدا ، اضطر الى ~~العلم بأن له بانيا وصانعا ، حتى أن من جوز حدوث ذلك البناء ، لا عن فاعل ~~وبان : كل محكوما عليه بالجنون ، فعلمنا : أن هذه المقدمة بديهية. # الثانى : الذين قالوا بأن هذه المقدمة استدلالية وهم أكثر شيوخ المعتزلة ~~ك «أبى على» و «أبى هاشم» وطريقهم : هو أنهم يثبتون كون العبد موجدا لأفعال ~~نفسه ، ثم يثبتون : أن أفعالنا انما افتقرت إلينا ، لأنها حدثت بعد أن كانت ~~معدومة. وعند هذا يظهر PageV01P128 # أن الحدوث علة للافتقار الى المحدث. فالعالم لما كان محدثا ، وجب افتقاره ~~الى الفاعل وعلى تمسكهم بهذا القياس سؤالات صعبة : # أولها : انا لا نسلم أن الواحد منا محدث لافعال نفسه. وسيأتى تقريره ان ~~شاء الله تعالى فى مسألة خلق الأفعال. ولم لا يجوز أن يقال : ان أفعالنا ~~تحدث عند قصودنا ودواعينا ، لا بقدرتنا وداعيتنا ، بل على سبيل الاتفاق من ~~غير مؤثر؟ فان قالوا : الحدوث على سبيل الاتفاق محال. فليذكروا ذلك ابتداء ~~فى حدوث العالم. حتى يدل حدوث العالم على وجود الفاعل من غير حاجة الى ذكر ~~هذا القياس. # وثانيها : هب أن أفعالنا واقعة بقدرتنا ، لكن لا نسلم أن علة الحاجة هى ~~الحدوث. ودليله : الوجوه الكثيرة التى قدمناها فى أن الحدوث لا يمكن أن ~~يكون علة للحاجة ، ولا جزءا لهذه العلة ، ولا شرطا لها. # وثالثها : هب ms086 أن حدوثها علة لحاجتها إلينا ، لكن لم لا يجوز أن تكون ~~العلة هى ذلك الحدوث اعنى : ماهية الحدوث بشرط اضافتها الى تلك الأفعال ~~الخاصة والعالم وان حصل فيه الحدوث ، لكن لم يحصل فيه ذلك الشرط الخاص ، ~~فلا يلزم أن يحصل فيه الحاجة الى الفاعل. # البرهان الرابع فى اثبات الصانع (19) الاستدلال بحدوث الصفات والعلماء ~~حصروا ذلك فى نوعين : دلائل الأنفس ، ودلائل الآفاق. # أما دلائل الأنفس : فهى الاستدلال بتكون الانسان من النطفة. والله تعالى ~~ذكر هذه الدلالة فى القرآن العظيم ، فى آيات كثيرة. PageV01P129 # وتقريرها : أن نقول : النطفة جسم متشابه الأجزاء فى الصورة والشكل. فاما ~~أن يقال : انها متشابهة الأجزاء فى الحقيقة ، أو ليست كذلك. وذلك لأن ~~الأطباء يقولون : ان عند استيلاء حرارة الشهوة على البدن يحصل ذوبان لجملة ~~الأعضاء ، فبعضها ينفصل من ذوبان العظم ، وبعضها من ذوبان اللحم ، وبعضها ~~من ذوبان العين ، وبعضها من ذوبان القلب. فهو ان كان متشابه الحقيقة ~~والصورة (20) فى الحس ، الا أنه مختلف الطبيعة فى الحقيقة. فالعظم يتولد ~~مما ذاب من العظم ، والعصب يتولد مما ذاب من العصب. وعلى هذا القياس جميع ~~الأعضاء. # اذا عرفت هذا فنقول : ان كانت النطفة جسما متشابه الأجزاء فى الحقيقة. ~~فنقول : لا شك أن تأثير حرارة الرخوى المزاج ، وتأثير قوى الكواكب ، ~~بالنسبة إليه على السوية. ومهما كان تأثير المؤثر متشابها ، وتأثير أجزاء ~~القابل فى الماهية والطبيعة متشابهة ، وجب أن يكون الأثر متشابها. ولهذا ~~السبب فان الفلاسفة قالوا : شكل البسيط هو الكرة. قالوا : لأن قوة الطبيعة ~~فى البسيط واحدة ، والقابل متشابه. فوجب أن يكون الشكل شكلا متشابها. وهو ~~الكرة. ولما دل الحس على كون البدن مركبا من أعضاء مختلفة فى الكمية ~~والكيفية والشكل والطبيعة والخاصية ، لزم القطع بأن المؤثر فى تخليقها ليس ~~هو الطبيعة ، ولا قوى الكواكب ، بل صانع حكيم مدبر بالقدرة والاختيار. # أما على قول من يقول : النطفة وان كان جسما. متشابه الاجزاء فى الصورة ، ~~لكنها مختلفة الأجزاء فى الطبيعة. # فنقول : ان كل مركب لا بد وأن يكون مركبا من أجزاء ، كل PageV01P130 # واحد ms087 منها يكون بسيطا فى نفس الأمر وفى الحقيقة. واذا كان كذلك ، فكل ~~واحد من تلك الأجزاء يكون قابلا متشابه الأجزاء فى الحقيقة ، وتكون للقوة ~~الطبيعية الفاعلة فيها قوة واحدة. ومتى كان الأمر كذلك ، وجب أن يكون كل ~~واحد من تلك الأجزاء على شكل الكرة ، فوجب أن يكون بدن الانسان على صورة ~~شكل كرات مضمومة بعضها الى البعض. ومعلوم أن الأمر ليس كذلك. # وأيضا فالنطفة رطوبة رقيقة ، وما كان كذلك فانه لا يحفظ ترتيب الأجزاء ، ~~ولا نسبة بعضها الى بعض ، فالجزء الذي يحصل من ذوبان الرأس قد يصير أسفل ، ~~والجزء الذي يحصل من ذوبان القلب قد يصير فوق. وكان ينبغى أن لا يبقى ترتيب ~~الأعضاء ووضعها على نسبة واحدة فى الأكثر ، ولما لم يكن الأمر كذلك ، عملنا ~~: أن انخلاق كل واحد من هذه الأعضاء وبقاءها على ترتيبها ، بتخليق قادر حكيم. # الا أنه بقى هاهنا أن يقال : لم لا يجوز أن يقال : انما حصلت بتخليق بعض ~~الملائكة ، أو بتخليق الكواكب ، فانها أحياء ناطقة فاعلة مختارة؟ وعند ذلك ~~لا بد من الرجوع الى البراهين المتقدمة. # وأما دلائل الآفاق : فبعضها سفلية عنصرية. ومجامعها الاستدلال بأحوال ~~الحيوان والنبات والمعادن والآثار العلوية ، وبعضها علوية فلكية. ومجامعها ~~الاستدلال بحول الافلاك والكواكب. والاستقصاء فى هذا النوع من الدلائل ، ~~مذكور فى القرآن العظيم ، ومشروح فى كتابنا المسمى ب «أسرار التنزيل وأنوار ~~التأويل». PageV01P131 ### ||| * المسألة الرابعة ### ||| * فى ### ||| * أن الله تعالى قديم أزلى بانه سرمدى # اعلم : أنا لما دللنا فى المسألة الثالثة على وجوب انتهاء جميع الممكنات ~~الى موجود واجب الوجود لذاته ، وكل ما كان واجب الوجود لذاته فان حقيقته لا ~~تقبل العدم أصلا ، وكل ما كان كذلك ، فانه يجب أن يكون قديما أزليا باقيا ~~أبديا. فعلى هذا لا نحتاج بعد ذلك الى اقامة الدلالة على كونه تعالى أبديا. ~~الا أن المتكلمين الذين كانوا قبلنا ، لما لم يذكروا تلك الطريقة فى اثبات ~~واجب الوجود ، لا جرم كانوا معولين فى اثبات كونه تعالى أزليا أبديا على ~~وجوه أخر ، فنحن أردنا أن نتبرك بايراد ms088 تلك الوجوه أيضا. # واعلم : أن مشايخ المتكلمين لما أقاموا الدلالة على افتقار العالم الى ~~صانع. قالوا : صانع العالم ، لو كان محدثا ، لافتقر الى محدث آخر. ولزم ~~التسلسل. وهو محال. فوجب القول بأن صانع للعالم قديم. # فان قيل : الاشكال على هذا الاستدلال من وجوه : # الأول : لم لا يجوز أن يقال : خالق هذا العالم المحسوس شيء محدث ، وخالق ~~ذلك المحدث شيء قديم. وعلى هذا التقدير يكون صانع العالم محدثا. ولا يلزم ~~التسلسل أيضا. وهذا هو قول المفوضة وأصحاب الوسائط. ألا ترى أن الفلاسفة ~~يقولون : مدبر ما تحت كرة القمر ، هو العقل. وهذا العقل الفعال معلول عقل ~~آخر ، وذلك العقل PageV01P132 # معلول عقل آخر ، الى عشر مراتب ، وأكثر. ثم ذلك العقل الأول معلول وجود ~~الله تعالى. وعند المفوضة : الاله الأكبر خلق السيارات السبع ، وفوض تدبير ~~هذا العالم إليها. واذا كان هذا الاحتمال قائما ، فلا بد من ابطاله. # السؤال الثانى : ان كل موجودين يفرضان ، فلا بد وأن يكونا اما معا ، أو ~~يكون أحدهما سابقا على الآخر. فان كانا معا ، لزم أن يكونا قديمين أو ~~محدثين. لكنكم تقولون : الاله قديم ، والعالم محدث. وان كان أحدهما قبل ~~الآخر ، فتقدم أحدهما على الآخر. اما أن يكون بمقدار متناه. أو غير متناه. ~~فان كان بمقدار متناه. كان كل واحد منهما محدثا. وذلك محال. وان كان بمقدار ~~غير متناه. فذلك محال. لوجوه : # الأول : انه على هذا التقدير ، قد يكون انقضاء قبل اليوم مدة غير ~~متناهية. وانقضاء ما لا نهاية له غير معقول. # الثانى : انه ان كان يتوقف حصول اليوم على أن ينقضى قبله ما لا نهاية له ~~وانقضاء غير المتناهى محال ، والموقوف على المحال محال فوجب أن يمتنع حصول ~~اليوم. وحيث حصل اليوم ، علمنا أن المنقضى متناه. لا غير متناه. # الثالث : ان المنقضى من زمان الطوفان الى الأزل ، أقل من المنقضى من ~~زماننا هذا الى الأزل. فاذا طبقنا بين هاتين الجملتين من هذين الطرفين ~~اللذين يلياننا ، وجب أن يظهر التفاوت من طرف الأزل. والا لكان البعض مثل ~~الكل فتكون المدة ms089 المنقضية متناهية ، فيكون تقدم الله تعالى على العالم ~~متناهيا. # الرابع : انه لما كان تقدم الله على العالم أمرا واجب الثبوت. وهذا ~~التقدم لا يتقرر الا بهذه المدة ، كان دوام ذات الله تعالى واستمرار بقائه ~~، مفتقرا الى تحقيق هذه المدة. والمفتقر الى الغير ممكن لذاته ، فيلزم أن ~~يكون واجب الوجود لذاته ، ممكن الوجود لذاته. وهذا خلف. PageV01P133 # الخامس : ان المدة لا تعقل الا بتعاقب الآنات ، وتوالى الأزمنة والساعات. ~~فلو كان البارى تعالى متقدما على العالم بمدة لا نهاية لها ، ولا أول لها ، ~~لزم حصول الأزمنة المتوالية فى الأزل. وذلك محال. لأن توالى بعض الأزمنة ~~بالبعض ، يقتضي كون كل واحد منها مسبوقا بغيره. والأزل عبارة عن نفى ~~المسبوقية بالغير. والجمع بينهما متناقض. # لا يقال : هذه الاشكالات انما تلزم اذا قلنا : ان الله تعالى قبل العالم ~~، وسابق عليه بمدة موجودة وزمان متحقق. ونحن لا نقول بذلك ، بل نقول : انه ~~تعالى سابق على العالم بمدة مفروضة موهومه ، لا تحقق لها خارج الذهن. # لأنا نقول : هذا الكلام ضعيف جدا. لأن تقدم البارى تعالى على العالم ، ~~اذا كان حاصلا لا بحسب فرضنا واعتبارنا ، بل بحسب الحقيقة والوجود ، سواء ~~وجد الفرض ، أو لم يوجد ، ثم ثبت أن هذا التقدم والسبق ليس الا بمدة غير ~~متناهية ، وجب أن يكون حصول تلك المدة ، لا بحسب الفرض فقط ، بل بحسب ~~الوجود والتحقق. # السؤال الثالث : ان الأزل والأبد متقابلان تقابل السلب والايجاب ، وتقابل ~~المتناقضين والمتعاندين (21). وكل أمرين هذا شأنهما ، فلا بد وأن يتميز ~~أحدهما عن الآخر. # فعلى هذا آخر الأزل متصل بأول الأبد ، الا أن القول بهذا أيضا محال. لأن ~~كل نقطة فرضناها آخر الأزل وأول الأبد ، فأول الأبد كان حاصلا قبل ذلك. ~~لأنا لو أفرضنا نقطة أخرى قبل تلك النقطة بمائة سنة ، لم يصر الأبد أزلا ، ~~بسبب زيادة هذا القادر المتناهى PageV01P134 # عليه. فاذن ليس للأزل البتة آخر ، ولا للأبد البتة أول. فاذن لا يتميز ~~الأول عن الأبد البتة: مع كون كل واحد منهما مناقضا للآخر ، ومعاند له. هذا خلف. # السؤال الرابع ms090 : اذا قلنا : كان الله تعالى موجودا فى الأزل ، وسيكون ~~موجودا فى الأبد. فقولنا «كان» يفيد أمرا كان موجودا حاصلا ، وقد انقضى وما ~~بقى. وقولنا «يكون» يفيد أمرا سيصير موجودا وحاصلا وبعد ما حصل. فاذن كل ما ~~يصدق عليه أنه كان وسيكون ، فهو محكوم عليه بكونه متجددا متغير. وذات الله ~~تعالى لما كان واجب الدوام ممتنع التغير ، وجب أن لا يصدق عليه البتة ، أنه ~~كان فى الأزل وسيكون فى الأبد وأنه كائن الآن. ثم انا لما جربنا عقولنا ~~وجدناها حاكمة بأن كل ما لا يصدق عليه أنه كان قبل وسيكون بعد ، وأنه كائن ~~الآن : فهو معدوم محض. # وعند هذا قال المنكرون : انكم لما أثبتم ذاتا منزهة عن الجهات والأكوان ~~(22) والأوضاع ، خرج هذا الاثبات عن العقل ، وقرب من العدم المحض. ثم انكم ~~الآن لما أثبتموه منزها عن أن يصدق عليه قولنا : كان ، ويكون ، وهو كائن : ~~فهذا تصريح بالعدم المحض. واذا أدخلتموه تحت قولنا : كان ويكون وهو كائن ~~اقتضى ذلك الحكم عليه بكونه متجددا متغيرا ، فكيف الخلاص عن هذه العقدة ~~المحيرة ، والمضائق المضلة المعمية؟ # ونظم المعرى هذا المعنى فى شعر له. فقال : # قلتم : لنا صانع حكيم %~% قلنا : صدقتم. كذا نقول ثم زعمتم : بلا زمان %~% ولا مكان. ألا فقولوا هذا كلام. له خبىء %~% معناه : ليست لنا عقول PageV01P135 # والجواب عن السؤال الأول : انا سنقيم الدلالة القاهرة ان شاء الله تعالى ~~فى باب قدرة الله تعالى ، على أنه لا خالق ولا موجد الا الله. وعند هذا ~~يبطل القول بثبوت المتوسطات. # والجواب عن السؤال الثانى : انا ذكرنا فى أول مسألة حدوث الأجسام : أن ~~تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض ، ليس بالزمان. فتقدم ذات البارى تعالى ~~على العالم يكون من هذا الجنس. # والجواب عن السؤال الثالث وهو السؤال الطاعن فى قولنا : البارى تعالى ~~سابق على العالم سبقا لا أول له فاعلم : أن هذا السؤال لازم على الكل. سواء ~~أقر ذلك الانسان بحدوث العالم وقدم الصانع ، أو أنكر ذلك. وذلك لأنه ان أقر ~~بحدوث العالم لزمه الاقرار بعدم لا ms091 أول له. وان قال بقدم العالم ، لزمه ~~الاقرار بوجود لا أول له. فعلى جميع التقديرات لا بد من الاقرار بمعقول لا ~~أول له. ولا بد من الاقرار بأمر له أول. واذا كان الأمر كذلك ، زالت هذه ~~الشبهات. # والجواب عن السؤال الرابع وهو قوله : «ان كل ما يصدق عليه بأنه كان ويكون ~~، فهو متجدد ومتغير» فنقول : المراد من قولنا : كان ويكون ، استمراره مع ~~الأزمنة الماضية والأزمنة الآتية ، من غير أن يكون متغيرا بحسب تغير هذه ~~الأزمنة. وهذا المعنى مما يدركه العقل الذي نوره الله تعالى بنور هدايته ~~وان كان الوهم والخيال يعجزان عنه. ### ||| ** واعلم : أن المشايخ رحمهم الله احتجوا على بقاء الصانع بحجتين : # الحجة الأولى : قالوا : لو عدم بعد وجوده ، لكان اما أن يكون عدمه باعدام ~~معدم ، أو بطريان ضد ، أو بانتفاء شرط. والأول محال ، PageV01P136 # لان القدرة صفة مؤثرة ، والعدم نفى محض ، فيمتنع كون الاعدام بالفاعل. ~~ولا جائز أن يكون بطريان ضد ، لأن هذا الضد محدث ، والقديم أقوى من المحدث. ~~فكان اندفاع هذا الضد بسبب وجوده أولى من انعدامه بسبب طريان هذا المحدث. ~~ولا جائز أن يكون بسبب زوال شرط ، لأن ذلك الشرط يجب أن يكون قديما ، لأن ~~المحدث يمتنع أن يكون شرطا للقديم. واذا كان كذلك ، كان الكلام فى عدمه ، ~~كالكلام فى عدم القديم الأول. فيلزم التسلسل. وهو محال. # الحجة الثانية : انه لو صح عليه العدم ، لكانت ماهيته قابلة للعدم ~~وللوجود ، ولو كان كذلك لكان مفتقر الى المؤثر. وكل مفتقر الى المؤثر محدث ~~، فيلزم : أنه لو صح العدم عليه بعد وجود ، لكان محدثا. # وتقرير هذه المقدمات قد تقدم فى مسألة حدوث الأجسام ، ولما امتنع حدوثه ~~امتنع عدمه بعده وجوده. وبالله التوفيق. PageV01P137 ### ||| * المسألة الخامسة ### ||| * فى ### ||| * أن حقيقة الله تعالى مخالفت ### ||| * لسائر الحقائق لعين ذاته المخصوصة # اعلم : أن جماعة عظيمة من مشايخ علم الأصول. زعموا : أن الذوات من حيث ~~انها ذوات متساوية. وانما يمتاز بعض الذوات عن البعض ، لاختصاصها بصفات ~~مخصوصة. ثم قالوا بناء على هذا الأصل : ان ذاته تعالى من حيث ms092 انها ذات ، ~~مساوية السائر الذوات. وانما تمتاز ذاته عن سائر الذوات لاختصاص ذاته بصفات ~~مخصوصة ، لأجلها تصح الالهية. وتلك الصفات هى : وجوب الوجود ، والقدرة ~~التامة ، والعلم التام. # وزعم «أبو هاشم» : أنها صفة تقتضى لذاتها صفات أربعة : هى : الموجودية ، ~~والعالمية ، والقادرية ، والحيية. # والذي نختاره ونقول به : ان ذاته سبحانه وتعالى مخالفة لسائر الذوات لنفس ~~كونها تلك الذات المخصوصة. # واعلم : أن الخصم ربما قال فى هذا الموضع : ان كلامكم فى هذا الموضع ~~متناقض لأنكم تقولون : انه تعالى يخالف خلقه لذاته المخصوصة فقولكم ~~«المخصوصة» يدل على المفهوم الزائد على الذات. فكان هذا اعترافا بأن ~~المخالفة انما وقعت بأمر زائد على الذات. فثبت : أن قولكم بأنه تعالى يخالف ~~سائر الذوات لذاته المخصوصة ، لا لأمر زائد على الذات : كلام متناقض. PageV01P138 # واعلم : أنا قبل الخوض فى الدليل ، نذكر ما يزيل هذا الاشكال. فنقول : ~~انه لا يجب فى كل شيء يخالف شيئا آخر ، أن تكون مخالفته له ، لأجل أمر زائد ~~عليه. والذي يدل عليه وجوه : # الوجه الأول : ان الشيئين المختلفين. لو كان اختلافهما ، لأجل اختصاصهما ~~بأمر زائد ، لكان ذلك الزائد ، اما أن يكون مخالفا للآخر ، أو لا يكون فان ~~لم يكن مخالفا للآخر ، امتنع كونه سببا لأن يصير غيره مخالفا للآخر. وان ~~كان مخالفا للآخر ، وجب أن تكون مخالفته لأجل شيء آخر. ولزم اما التسلسل ~~واما الدور. وهما محالان. فثبت : أنه لا بد من الانتهاء الى شيئين يختلفان ~~لنفسهما ، لا لأمر زائد. # الوجه الثانى : وهو أن الذاتين اذا كانتا متساويتين من كل الوجوه ، ثم ~~قامت بكل واحدة منهما صفة مخالفة للصفة القائمة بالذات الأخرى ، فعند هذا ~~الفرض بقيت الذاتان كما كانتا متساويتين ، والصفتان كما كانتا مختلفتين ، ~~وما كانتا متساويتين لا تنقلبان البتة مختلفين ، وما كانتا مختلفتين لا ~~تنقلبان البتة متساويتين. وعند هذا يظهر أن المختلفتين لا يعقلان (1) الا ~~أن يكونا مختلفتين لذاتيهما. وأما فرض أمرين يختلفتان بسبب أمر زائد على ~~ذاتيهما. فذلك غير معقول. # الوجه الثالث : انا اذا فرضنا ذاتا ، وقامت بها صفة. فالذات من حيث انها ms093 ~~هى ، لا بد وأن تكون مخالفة لتلك الصفة ، والا لم تكن احداهما بأن تكون ~~موصوفة ، والأخرى بأن تكون صفة أولى من العكس. واذا كانت تلك الذات مخالفة ~~لتلك الصفة ، كانت مخالفة تلك الذات لتلك الصفة ، لنفس الذات ، لا لأمر زائد. # فثبت بهذه الوجوه : أنه لا بد من الاعتراف بأمور يخالف بعضها بعضا ، ~~لانفسها وذواتها حيث هى هى ، لا باعتبار صفة قائمة بها. PageV01P139 # واذا عرفت هذا فنقول قولنا : «الله تعالى مخالف لخلقه لذاته المخصوصة» ~~المراد منه ما ذكرناه ولخصناه (2). # واذا لخصنا محل النزاع. فنقول : الدليل على أنه تعالى مخالف لخلقه لذاته ~~المخصوصة : أنه لو كنت ذاته من حيث انها تلك الذات مساوية لسائر الذوات وقد ~~عرفت أن الأشياء المتساوية فى تمام الحقيقة يجب أن يصح على كل واحد منهما ~~ما صح على الآخر. واذا كذلك كان اختصاص ذاته بصفته المخصوصة ، وعدم اختصاصه ~~بصفات المحدثات أمرا جائزا. فترجح ذلك الجائز على سائر الجائزات ، ان لم ~~يكن لأمر فقد ترجح الممكن لا عن مؤثر. وهو محال. وان كان لأمر عاد الطلب فى ~~اختصاص ذاته بذلك الأمر ، فيلزم اما الدور واما التسلسل وهما محالان. فثبت ~~: أن القول بكون ذاته سبحانه وتعالى مساوية لسائر الذوات فى كونه ذاتا يفضى ~~الى أحد هذه المحالات ، فكان القول به محالا. وبالله التوفيق. # واحتج الخصم : بأن جميع الذوات متساوية فى كونها ذوات. واذا كان الأمر ~~كذلك ، وجب أن يكون امتياز بعضها عن البعض ، بسبب الصفات والأحوال. ### ||| ** أما بيان (3) المقدمة الأولى فيدل عليه وجوه : # الأول : انه يصح تقسيم الذوات الى الواجب والى الممكن. ومورد التقسيم ~~مشترك بين القسمين. # والثانى : انا اذا اعتقدنا. ذاتا. فسواء اعتقدناه قديما أو محدثا أو ~~واجبا أو ممكنا ، فان اعتقاد كونه ذاتا لا يزول ولا يتبدل. وهذا يدل على أن ~~المفهوم من الذوات واحد فى كل المواضع. # والثالث : انا نقول : المعلوم اما ذات واما صفة. وصريح العقل يشهد بأن ~~هذا التقسيم منحصر. ولو لا أن المفهوم من كون الذوات PageV01P140 # ذاتا أمر واحد. والا لم يكن هذا ms094 التقسيم منحصرا. فثبت بهذه الوجوه : أن ~~الذوات متساوية فى كونها ذوات. # وأما المقدمة الثانية وهى أنه لما كان الأمر كذلك ، وجب أن يكون امتياز ~~بعض الذوات عن بعض بسبب الصفات فذلك لأنه لأنه لا شك أن الله تعالى متميز ~~عن سائر الموجودات. وثبت أن ذاته مساوية لسائر الذوات. وما به الامتياز غير ~~ما به المشاركة ، فوجب أن يكون امتياز ذاته عن سائر الذوات بأمور زائدة على ~~الذات. يكون بالصفة. # لا يقال : لم لا يجوز أن يكون امتياز ذوات المحدثات عن ذاته ، بسبب ~~اختصاص ذوات المحدثات بصفات ثبوتية ، وامتياز ذاته سبحانه عن ذوات المحدثات ~~، بسبب سلب تلك الصفات عن ذاته؟ # لأنا نقول : الذات من حيث انها ذات ، لو كانت مستقلة بنفسها فى التحقق ، ~~غنية عن الصفات ، لزم جواز أن ينقلب ذات السواد بياضا ، وذات البياض سوادا ~~، وذات الواجب عرضا حالا فى المحل. وبالعكس. وكل ذلك محال. وان لم تكن ~~الذات من حيث انها ذات مستقلة الا مع الصفات ، وجب أن يكون امتياز ذات الحق ~~تعالى عن غيره ، بسبب ثبوت الصفات ، لا بسبب سلب الصفات. # والجواب : لا نسلم أن الذوات متساوية فى كونها ذوات. والوجوه الثلاثة ~~التى عولتم عليها قائمة بعينها فى الصفات ، فيلزمكم أن تكون الصفات متساوية ~~فى كونها صفات ، فيلزمكم أن يكون امتياز بعض الصفات عن بعض بصفات أخرى. ~~ويلزم التسلسل. وأيضا : فالمفهوم من كونها ذوات كونها أمور قائمة بأنفسها. ~~والقيام بالنفس عبارة عن الاستغناء عن المحل. وهو مفهوم سلبى. ولا نزاع فى ~~كون هذا المفهوم السلبى أمرا مشتركا فيه بين الذوات كلها. وانما النزاع فى ~~أن تلك الحقائق PageV01P141 # المحكوم عليها بهذا القيد السلبى. هل هى متساوية من حيث انها هى؟ ودليلكم ~~لا يفيد ذلك. واعلم : أن الخصوم زعموا : أن الذوات متساوية فى تمام كونها ~~ذوات ، ثم اثبتوا لكل واحد من تلك الذوات صفة لازمة. فحاصل قولهم يرجع الى ~~أن الأشياء المتساوية فى تمام الماهية ، يلزمها لوازم مختلفة. وذلك مما لا ~~يقبله العقل. # أما على ما قلنا فانا زعمنا : أن ms095 الذوات والحقائق مختلفة فى أنفسها ، الا ~~أنه يلزمها لازم مشترك ، وهو كونها أمورا قائمة بأنفسها ، غنية عن محال تحل ~~فيها. فحاصل قولنا يرجع الى أن الأشياء المختلفة يلزمها لوازم متساوية. ~~وهذا غير ممتنع فى المعقول. اذ المختلفات متشاركة فى كونها مختلفة ، ~~والمتضادات (4) متساوية فى كونها متضادة. PageV01P142 ### ||| * المسألة السادسة ### ||| * فى ### ||| * أن وجود الله تعالى ### ||| * هل هو نفس حقيقة أم لا؟ ### ||| ** المذاهب الممكنة فى هذه المسألة لا تزيد على ثلاثة : ### |||| ** أحدها : قول من يقول : اطلاق لفظ الموجود على واجب الوجود ، وعلى ممكن الوجود ، ليس ~~بحسب معنى واحد ، بل بحسب مفهومين. وهذا هو قول «أبى الحسن الأشعرى» و «أبى ~~الحسين البصرى» وأتباعهما. # والقول الثانى : هو أن وقوع لفظ الموجود على الواجب ، وعلى الممكن ، بحسب ~~مفهوم واحد ، الا أن ذلك المفهوم غير مقارن لشيء الماهيات ، بل هو وجود ~~مجرد ، وانما يتميز عن سائر الوجودات بقيد سلبى ، وهو أنه غير عارض لشيء من ~~الماهيات. ووجودات الممكنات أوصاف عارضة لماهيات الممكنات. وهذا القول هو ~~اختيار «أبى على بن سينا» فى جميع كتبه. # والقول الثالث : وهو أن وقوع لفظ الموجود على الواجب ، وعلى الممكن ، ~~بحسب مفهوم واحد. وذلك المفهوم صفة عارضة لماهية الحق سبحانه وتعالى وتقدس ~~ولحقيقته المخصوصة. وهو المختار عندنا ، وعند طائفة عظيمة من علماء الأصول. # فأما القول الأول فقد تكلمنا فيه فى مسألة أن المعدوم شيء أم لا؟ فلا نعيده. PageV01P143 # وأما القول الثانى الذي اختاره «أبو على بن سينا» فنقول : انه باطل ويدل ~~عليه وجوه : الأول : ان الوجود من حيث انه وجود ، مفهوم واحد على ما دلت ~~عليه الدلائل ، ووافقنا فيه «أبو على بن سينا» # وأيضا : هذه المسألة متفرعة على هذا القول. فنقول : الوجود من حيث انه ~~وجود اما أن يقتضي أن يكون عارضا الماهية ، أو يقتضي أن لا يكون عارضا ~~لماهية ، أو لا يقتضي لا أن يكون عارضا ولا أن يكون غير عارض ، بل الأمر ان ~~جائزان عليه. فان اقتضى الوجود من حيث انه وجود ، أن يكون عارضا لماهية من ~~الماهيات ، وجب أن يكون ms096 وجود واجب الوجود عارضا الماهية من الماهيات. فقوله ~~: أنه وجود مجرد ، غير عارض الشيء من الماهيات : قول باطل. وما ان اقتضى ~~الوجود ، أن يكون غير عارض الشيء من الماهيات ، وجب أن لا يكون شيء من ~~الوجودات عارضا لشيء من الماهيات البتة. فهذه الممكنات اما أن لا تكون ~~موجودة أصلا ، وان كانت موجودة كانت وجوداتها نفس ماهياتها. فيكون لفظ ~~الوجود واقعا على الموجودات بالاشتراك اللفظى ، لا بالاشتراك المعنوى. وقد ~~بينا أن ذلك باطل ، وأن هذا البحث متفرع على أن لفظ الموجود واقع على ~~الواجب والممكن بالاشتراك المعنوى. # وأما ان قلنا : الوجود من حيث انه وجود لا يقتضي أن يكون عارضا لماهية ، ~~ولا أن يكون غير عارض لها. فحينئذ يمتنع أن يصير عارضا أو غير عارض ، الا ~~لسبب منفصل. فوجود واجب الوجود لا يصير مجردا الا بسبب منفصل ، فيكون واجب ~~الوجود لذاته ، واجب الوجود لغيره. وهو محال. # وأيضا : قد عرفت أن الماهيات المتساوية فى تمام تلك الماهية ، كل ما صح ~~على كل واحد منها ، صح على كلها. فاذن كل ما صح PageV01P144 # على جميع الموجودات العارضة ، لماهيات الممكنات ، وجب أن يصح على واجب ~~الوجود. وكل ما ثبت لواجب الوجود ، وجب أن يثبت لوجودات جميع الماهيات ~~الممكنات. وكل ذلك باطل قطعا. ولما ثبت بهذا البرهان القطعى (5) امتنع هذه ~~الأقسام ، ثبت أن القول الذي اختاره «أبو على بن سينا» قول مردود. # الحجة الثانية على فساد هذا المذهب : انه لو لم تكن للبارى تعالى ماهية ~~وحقيقة ، الا الوجود المقيد بالقيد السلبى ، وهو أنه غير عارض لشيء من ~~الماهيات ، فمبدأ وجودات الممكنات اما أن يكون هو ذلك الوجود لا بشركة من ~~ذلك السلب ، واما أن يكون بشركة من ذلك السلب. فان المبدأ هو ذلك الوجود لا ~~بمشاركة من ذلك السلب ، وجب أن يكون أخس الموجودات مشاركا لذات الحق سبحانه ~~وتعالى فى تلك المبدئية وان كانت المبدئية بمشاركة من ذلك السلب ، كان ~~السلب جزءا من مبدأ الثبوت وذلك محال. اذ لو جاز فى العقل أن يكون العدم ~~جزء ms097 العلة الثبوت ، فليتجه أيضا أن يكون تمام علة الثبوت. وحينئذ لا يمكننا ~~أن نستدل بوجود الممكنات على وجود واجب الوجود. # فان قيل : لم لا يجوز أن يكون ذلك الوجود المجرد مستلزما لصفة ، ويكون ~~الوجود مع تلك الصفة مبدءا للممكنات؟ # قلنا : التقسيم المذكور عائد فى كيفية استلزام الوجود لتلك الصفة ، وهو ~~أن المؤثر فى ذلك الاستلزام اما الوجود لا بمشاركة ذلك السلب ، أو بمشاركة ~~ذلك السلب. الحجة الثالثة: اتفق الحكماء على أن الوجود بديهى التصور ، ~~والدلائل العقلية ناطقة بذلك. واتفق الحكماء على أن كنه ماهية الحق سبحانه ~~غير معقول للبشر. والبراهين العقلية ناطقة بذلك. واذا كان الوجود معلوم ~~التصور ، وحقيقة الحق PageV01P145 # سبحانه وتعالى غير معلومة التصور ، وجب أن تكون حقيقة الحق سبحانه غير ~~الوجود. # فان قيل : لم لا يجوز أن يكون المجهول من حقيقة الحق قيوده السلبية؟ # قلنا : هذا باطل لأن القيود السلبية معلومة. ولذلك فانا يمكننا أن نعقل ~~أن وجوده غير عارض لشيء من الماهيات أصلا. # واتفقت الفلاسفة على أن المعلوم من الحق سبحانه هو السلوب والاضافات. # الحجة الرابعة : ثبت فى علم «علم المنطق» أن الوجوب والامتناع والامكان ~~كيفيات لنسب المحمولات الى الموضوعات. مثلا : اذا قلنا : «الانسان يجب أن ~~يكون حيوانا» فالانسان هو الموضوع ، والحيوان والحيوان هو المحمول ، وثبوت ~~الحيوان للانسان هو النسبة. وهى المسماة بالرابطة. ثم هذه النسبة موصوفة ~~بالوجوب. وهذا الوجوب كيفية لهذه النسبة. وهذا كلام حق معقول. # اذا عرفت هذا فنقول : اذا قلنا : «يجب أن يكون البارى تعالى موجودا» ~~فالبارى هو الموضوع ، والموجود هو المحمول ، واسناد الموجود الى تلك ~~الحقيقة هو الرابطة. والوجوب كيفية لهذه النسبة والرابطة. واذا كان الأمر ~~كذلك ، لم يصر اثبات وجوب الوجود (6) فى حق الله تعالى معقولا ، الا اذا ~~قلنا : ان حقيقته مغايرة لوجوده. # الحجة الخامسة : احتج «أبو على بن سينا» على أن وجود الممكنات مغاير ~~لماهياتها بأن قال : «يمكننا أن نعقل هذه PageV01P146 # الماهيات عند ما نشك فى وجودها ، الى أن يقوم البرهان على كونها موجودة. ~~والمعلوم غير ما هو غير معلوم. فماهياتها ms098 مغايرة لوجوداتها. فكذا هاهنا ~~يمكننا أن نعقل أن إله العالم ما هو؟ وموجد الممكنات ما هو؟ حال ما نشك فى ~~وجوده الى أن يثبت بالبرهان كونه موجودا. والمعلوم غير ما هو غير معلوم. ~~فهذا يقتضي أن تكون حقيقته غير وجوده». # واعلم : أنه يمكنه أن يجيب عن هذا الوجه بفرق لطيف. # الحجة السادسة : هاهنا مقدمة سلم «أبو على بن سينا» وأكثر العقلاء صحتها ~~واستقامتها. وهى أن أفراد النوع الأخير كل ما صح على واحد منها ، صح على ~~كلها. وقد بنى «أبو على» على هذه المقدمة فى كتبه الحكمية : مطالب كثيرة. # اذا عرفت هذا ، فنقول : لو كانت حقيقة البارى تعالى هى محض الوجود ، كان ~~كل ما كان من لوازم ذاته ، وجب أن يكون حاصلا لجميع الموجودات. وان كان ~~وجوده أخص الموجودات (7) وكل ما كان ممتنعا على ذاته ، وجب أن يكون ممتنعا ~~على سائر الموجودات ، وهو يفضى الى التناقض. لأنه كما أن وجود هذه المحدثات ~~للكائنات الفاسدات ، وجود ضعيف سريع الزوال والعدم ، وجب أن يكون وجود الحق ~~سبحانه كذلك ، وكما (8) أن وجود الحق واجب الدوام ، ممتنع التغير ، وجب أن ~~تكون هذه الموجودات (9) الحسية كذلك. وذلك يفضى الى التناقض. وكل ذلك باطل. PageV01P147 # واحتج «أبو على بن سينا» على صحة قوله بأن وجود البارى سبحانه وتعالى ، ~~لو كان صفة عارضة لماهيته ، لكان مفتقرا الى تلك الماهية. والمفتقر الى ~~الغير هو الممكن لذاته. فذلك الوجود ممكن لذاته. والممكن لذاته لا بد له من ~~مؤثر. والمؤثر فيه اما تلك الماهية أو غير تلك الماهية. لا جائز أن يكون ~~المؤثر فى ذلك الوجود هو تلك الماهية. لأن المؤثر متقدم بالوجود على الأثر ~~، فيلزم أن تكون تلك الماهية متقدمة بوجودها ، على وجودها ، وذلك محال. # ولا جائز أن يكون المؤثر فى ذلك الوجود غير تلك الماهية ، لأنه يلزم أن ~~يكون الواجب لذاته مفتقرا فى وجوده الى سبب منفصل. وذلك محال والجواب : كما ~~أن المؤثر متقدم بالوجود على الأثر ، فكذلك القابل متقدم بالوجود على ~~المقبول. ولا نزاع أن وجود الممكنات زائد ms099 على ماهياتها ، فيلزم أن تكون تلك ~~الماهيات القابلة لتلك الوجودات متقدمة بوجودها على وجودها. وذلك محال. # فان قلتم : لم لا يجوز أن تكون هذه الماهيات متقدمة على وجوداتها بنفس ~~تلك الماهيات لا بوجود آخر؟ # قلنا : فلم لا يجوز أن يكون الحال كذلك فى جانب المؤثر؟ PageV01P148 ### ||| * المسألة السابعة ### ||| * فى ### ||| * أن الله تعالى ليس بمتحيز # الحجة الأولى : ويدل عليه وجوه. كل متحيز منقسم وكل منقسم ممكن الوجود ~~لذاته. فكان متحيز فهو ممكن الوجود لذاته. وهذا يستلزم أن كل ما لا يكون ~~ممكن الوجود لذاته ، وجب أن لا يكون متحيزا. أما أن كل متحيز فهو منقسم ~~لذاته ، فهذا بناء على نفى الجوهر الفرد. وسيأتى الكلام عليه فى هذه ~~المسألة ، وأما أن كل منقسم لذاته فهو ممكن لذاته ، وذلك لأن كل منقسم فهو ~~مركب ، وكل مركب فهو مفتقر فى تحققه الى تحقق كل واحد من أجزائه ، وكل واحد ~~من أجزاء الشيء غير ذلك الشيء فكل منقسم فهو مفتقر فى تحققه الى غيره ، وكل ~~مفتقر فى تحققه الى غيره ، فهو ممكن لذاته. فثبت : أن كل منقسم فهو ممكن لذاته. # الحجة الثانية : انا ذكرنا فى مسألة حدوث الأجسام : أن كل متحيز فهو ~~محدث. فلو كان البارى تعالى متحيز ، لكان محدثا ، لكنه يمتنع أن يكون محدثا ~~، فيمتنع أن يكون متحيزا. # الحجة الثالثة : وذكرنا فى مسألة حدوث الأجسام : أن كل متحيز فهو متناهى ~~المقدار ، وكل متناهى المقدار فهو محدث ، ينتج أن كل متحيز فهو محدث. ~~والبارى تعالى ليس بمحدث ، فلا يكون متحيزا. # الحجة الرابعة : ذكرنا فى مسألة اثبات الصانع : أن المتحيزات متساوية فى ~~تمام الماهية ، فلو كان البارى تعالى متحيزا ، لكانت PageV01P149 # ماهيته مساويه لسائر الماهيات فى تمام الماهية ، ولو كان كذلك لافتقر فى ~~اختصاصه بصفات الالهية الى مرجح ومخصص. وذلك محال. فالقول بكونه متحيزا محال. # الحجة الخامسة : لو كان جسما ، لكان منقسما. فاما أن يقوم علم واحد وقدرة ~~واحدة بجميع تلك الاجزاء. وهذا محال. لامتناع حاول الصفة الواحدة فى المحال ~~المتعددة ، واما أن يقوم بكل واحد من تلك ms100 الأجزاء علم على حدة وقدرة على ~~حدة ، فيكون كل واحد من تلك الأجزاء موصوفا بجميع صفات الالهية ، فكان هذا ~~تصريحا باثبات الآلهة الكثيرة. وذلك محال على ما سيأتى بيانه. # الحجة السادسة : لو كان جسما ومتحيزا ، لكان مساويا الأجسام فى كونه ~~متحيزا وجسما وبعد هذا اما أن يكون مباينا لها فى أمر ذاتى واما أن لا ~~يكون. فان باينها فى أمر ذاتى ، كانت الجسمية التى بها المشاركة ، مغايرة ~~لذلك الأمر الذي حصلت به المباينة. فكانت ذاته مركبة من جزءين ، بهما قوام ~~حقيقته. وكل ما كان كذلك ، فهو ممكن الوجود لذاته ، فيلزم أن يكون واجب ~~الوجود لذاته ، ممكن الوجود لذاته. هذا خلف. وأما ان لم يبين هذه الأجسام ~~المحدثة فى وصف ذاتى أصلا ، لزم من حدوث هذه الأجسام وقبولها للعفونة ~~والفساد ، أن يكون كل جسم كذلك تعالى الله عنه علوا كبيرا. # الحجة السابعة : لو كان جسما لكان مركبا من الأجزاء. وتلك الأجزاء اما أن ~~تكون متساوية فى الماهية أو مختلفة فى الماهية. فان فان كان الأول فكما صح ~~فى الجزء الفوقانى أن يكون فوق ، صح فى السفلانى أن يكون فوق. فاختصاص كل ~~واحد منهما بما له من PageV01P150 # الترتيب والوضع ، يكون أمرا جائزا ومفتقر الى المخصص والمرجح ، فيكون ذلك ~~الجسم لا محالة مفتقرا الى المركب والمؤلف. وما كان كذلك امتنع أن يكون ~~صانعا للعالم. وأما الثانى وهو أن تكون تلك الأجزاء مختلفة بالماهية ، وكل ~~واحد من تلك الأجزاء المفروضة تكون له طبعية واحدة وخاصية واحدة ، فالذى ~~يصح أن يكون ممسوس (1) يمين الجزء الفرد من تلك الأجزاء ، صح أيضا أن يكون ~~مموس يساره. وبالضد. واذا كان كذلك ، كان التفرق على تلك الأجزاء جائزا. ~~واذا كان كذلك ، فتلك الأجزاء قد تركبت واجتمعت ، مع جواز أن تكون متفرقة ~~متباينة. ومتى كان الأمر كذلك ، افتقرت فى تألفها وتركبها الى المؤلف ~~والمركب. وكل ذلك على خالق كل العالم محال. # الحجة الثامنة : انه لو لم تكن الجسمية والتناهى فى المقدار مانعا من ~~الالهية ، لتعذر القدح فى إلهية الشمس والقمر ms101 ، لأنه لا سبيل لنا الى القدح ~~فى إلهية كل واحد منهما ، الا لكونه جسما مركبا من الأجزاء متناهيا فى ~~القدر ، فاذا جوزنا كون الاله تعالى جسما متناهيا ، انسد هذا الطريق. فلا ~~يمكننا القدح فى إلهية الشمس والقمر ، ولما كان ذلك باطلا ، علمنا أن القول ~~بأن الاله تعالى جسم : قول باطل. PageV01P151 ### ||| * المسألة الثامنة ### ||| * فى ### ||| * أنه تعالى ليس فى مكان ولا فى جهة # أعلم : أن كثيرا ممن يثبت كونه تعالى فى الجهة ، يزعم أن كل موجودين ~~متحيزين (1) فلا بد وأن يكون أحدهما ساريا فى الآخر ، مثل العرض والجوهر ، ~~أو يكون مباينا عن الآخر فى الجهة ، مثل موجودين يكون كل واحد منهما قائما ~~بالنفس. ويدعى أن العلم بأن كل موجودين فلا بد وأن يكونا على أحد هذين ~~القسمين علم ضرورى ، فان العلم بامتناع وجود موجودين ، لا يكون أحدهما ~~ساريا فى الآخر ، ولا مباينا عنه فى الجهة : علم ضرورى بديهى ، لا يقبل ~~الشك واعلم : أنا نحتاج الى أن نبين أن هذه المقدمات (2) ليست بديهية. ~~والذي يدل عليه وجوه : # الحجة الأولى : ان العلوم البديهية لا يجوز وقوع الاختلاف فيها للجمع ~~العظيم. فلو كان وقوع هذه المقدمة بديهيا ، لامتنع اطباق الجمع العظيم على ~~انكاره. ونرى جمهور الأذكياء من العقلاء متفقين على بطلان هذه المقدمة ، ~~فان اثبات الجهة لله تعالى ، لم يقل به الا الحنبلة والكرامية. وأما كل من ~~سواهم فهم متفقون على أن ذاته سبحانه وتعالى منزه عن الاختصاص بالحيز ~~والجهة ، نظهر أن هذه المقدمة لبست بديهية. PageV01P152 # الحجة الثانية : ان صريح العقل يشهد بأن زيدا وعمرا وخالدا ، يشتركون فى ~~معنى الانسانية ، ويمتاز كل واحد منهم عن الآخر بطوله وقصره وسواده وبياضه. ~~وما به المشاركة مغاير لما به المباينة. فاذن مفهوم الانسان من حيث انه ~~انسان مغاير للطول والقصر ، ولكونه هنا وهناك ، ولكونه أسود أو أبيض. ثم ~~الانسان من حيث انه انسان ، اما أن يكون له قدر معين وحيز معين ، واما أن ~~لا يكون كذلك. والأول والأول باطل. والا لما كان مشتركا فيه بين الأشخاص ~~ذوات الأحياز ms102 المختلفة ، والمقادير المختلفة. فثبت : أن الانسان من حيث انه ~~انسان ليس له قدر معين ولا حيز معين ولا شكل معين. واذا كان كذلك فالتفتيش ~~قد أخرج من المحسوس ما ليس بمحسوس. فكيف يبعد فى خالق كل المحسوسات ، أن ~~يكون منزها عن الشكل والقدر والخير؟ # فان قيل : الانسان من حيث انه انسان لا وجود له فى الخارج ، بل فى العقل. ~~ونحن ندعى أن كل موجودين فى الخارج ، فلا بد وأن يكون أحدهما ساريا فى ~~الآخر ، أو مباينا منه فى الجهة. فأين أحد المتباينين عن الآخر؟ # قلنا : نحن لا نستدل بهذا الكلام على وجود موجود فى الخارج ، منزه عن ~~المقدار والجهة ، بل غرضنا منه أنه يمكننا أن نعقل أمرا من الأمور ، مع أن ~~العقل لا يثبت له تعالى جهة ولا قدرا. وقد ثبت لنا بهذا الدليل : هذا ~~القدر. واذا لم يكن تصور مثل هذا الموجود مستبعدا فى العقل ، فبعد ذلك ~~ادعاء أن هذا الموجود ، هل هو موجود خارج الذهن أو لا يكون؟ موقوفا على ~~دليل منفصل. # الحجة الثالثة : انا ندرك المبصرات بالقوة الباصرة ، ثم الخيال لا يمكنه ~~أن يتخيل للقوة الباصرة كيفية وشكلا ، بل الخيال يستحضر المتخيلات أشكالا ~~وصورا ، ويعجز عن أن يستحضر لنفسه صورة وشكلا ، فذات الوهم والخيال من أصدق ~~الدلائل على انه لا يجب أن يكون لكل PageV01P153 # موجود صورة وشكل ، لأنه لا صورة عند الخيال من نفسه ولا شكل عند الوهم من نفسه. # الحجة الرابعة ### |||| ** : ان أجلى (3) العلوم البديهية الأولية : أن النفى والاثبات لا يجتمعان ولا ~~يرتفعان. وهذا العلم لا بد وأن يكون مسبوقا بتصور معنى النفى والاثبات. فهل ~~يتمكن العقل من أن يقول : ان معنى النفى لا بد وأن يكون ساريا فى معنى ~~الاثبات أو مباينا عنه بالجهة والحيز ، بل هذا الحكم ممتنع لذاته؟ فعلمنا : ~~أن استحضار متصورين فى العقل بحيث لا يكون أحدهما ساريا فى الآخر ، أو ~~مباينا عنه بالجهة أمر جائز. # الحجة الخامسة : ان صريح العقل يشهد بأن كل موجودين يفرضان. فاما أن يكون ~~أحدهما ساريا فى ms103 الآخر ، او مباينا عنه فى الجهة ، أو لا سريا فى الآخر ، ~~ولا مباينا عنه بالجهة. وهذا القسم الثالث لا شك أنه حاصل بحسب القسمة ~~العقلية. واذا رجعنا الى أنفسنا لم نجد البتة فى عقولنا نبوة عن اثبات هذا ~~القسم الثالث ، بل نجد العقل متوقفا فيه بالنفى (4) والاثبات ، طالبا للحجة ~~على الجزم باثباته ، (5) الجزم بامتناعه. فعلمنا أن امتناع هذا القسم ليس ~~من الأوليات. # الحجة السادسة : ان عقلنا يشير الى ماهيات. مع أنا نعلم بالضرورة : أن ~~ليس لتلك الماهيات أحياز ، ولا جهات. فان ماهيات الأعداد مثل مسمى الواحد ~~ومسمى الاثنين ، وكذا مسمى مراتب الأعداد ، أمور يدركها العقل. ولا يمكنه ~~أن يحكم على ماهية الواحد من حيث انه واحد ، بأن مكانه هو موضع كذا ومقداره ~~هو مقدار كذا ، بل يعقل العقل هذه الماهيات ، ولا يعتبر معها البتة لا ~~مقدارا ، PageV01P154 # ولا شكلا ، ولا مكانا ، ولا حيزا. فثبت بمجموع هذه الوجوه : أن أن العقل ~~من حيث انه هو ، لا يستبعد تصور معقول حال ما لا يعتبر له مكانا ولا جهة ~~ولا قدرا ولا شكلا. فثبت: أن العلم بما تناع هذا الموجود ليس من العلوم ~~البديهية. # المقدمة الثانية : ان مرادنا بقولنا : ان الشيء الفلانى مختص بالمكان ~~والجهة ، أنه يمكن أن يشار إليه اشارة حسية بأنه هنا أو هناك. ولا شك أن ~~العالم فى المكان والجهة بهذا التفسير ، فلو كان البارى تعالى مختصا ~~بالمكان والجهة بهذا التفسير ، لم يخل الحال من أحد أمرين. وهو اما أن يكون ~~البارى تعالى مماسا للعالم ، أو محاذيا له. فأما أن يكون البارى تعالى ~~مشارا إليه بحسب الحس بأنه هنا أو هناك ، مع أنه لا يكون مماسا للعالم ولا ~~محاذيا له فهذا غير معقول. # المقدمة الثالثة : ذهب السواد الأعظم من العقلاء الى أنه تعالى منزه فى ~~وجوده عن المكان والحيز والجهة : وقالت «الكرامية» : انه مختص بجهة فوق. ~~وهذا القول بحسب القسمة العقلية يحتمل ثلاثة أوجه : # أحدها : أن يقال : انه مماس للعرش. # وثانيها : انه مباين للعرش ببعد متناه ، وأكثر طوائف «الكرامية» قائلون ~~بأحد ms104 هذين القولين. # وثالثها : أن يقال : انه تعالى مباين للعرش ببعد لا نهاية له. وهذا هو ~~قول «الهيضمية» واعلم : أن هذا القول اما أن يكون نفيا لكونه تعالى فى ~~الجهة ، أو يكون قولا غير معقول. وذلك لأنه اذا كان العالم فى أحد الجانبين ~~، وذات البارى تعالى فى الجانب الآخر ، كان البعد بينهما محصورا. والقول ~~بأن ما لا نهاية له محصور بين حاصرين ، لا يقوله من يفهم معانى هذه ~~الألفاظ. PageV01P155 # واذ قد لخصنا هذه المقدمات. فلنرجع الى ذكر الدلائل : # الحجة الأولى : كل ما كان فى جهة فاما أن يكون غير محتمل للقسمة ، واما ~~أن يكون محتملا للقسمة. فان لم يكن محتملا للقسمة ، مع أنه مشار إليه بحسب ~~الحس ، كان فى الصغر والحقرة كالجوهر الفرد. والخصوم وافقوا على أنه يجب ~~تنزيه الله تعالى عن هذه الصفة. وأما ان كان مشارا إليه مع أنه محتمل ~~للقسمة ، كان جسما مركبا من الأجزاء والأبعاض. وحينئذ يرجع الكلام الى ~~المسألة الأولى ولهذا اسر اتفق أصحابنا على أن كل من أثبت الله تعالى فى ~~الحيز والجهة ، لا بد وأن يعترف بكونه مركبا من الأجزاء والأبعاض. # واعلم : أن أصحابنا عبروا عن هذه الدلالة بأن قالوا : او كان فى جهة فوق ~~، لكان اما أن يكون أكبر من العرش ، أو مساويا له. أو اصغر منه. فان كان ~~أكبر من العرش كان القدر المساوى منه العرش ، مغايرا للقدر الفاضل منه من ~~العرش. فيكون مركبا من الأجزاء والأبعاض ، وان كان مساويا للعرش وثبت أن ~~العرش منقسم من الأجزاء والأبعاض كان المساوى له فى المقدار منقسما ، مركبا ~~من الأجزاء والأبعاض. وان كان أصغر من العرش ، فاما أن يكون قد بلغ فى ~~الصغر الى أن كان مساويا للجوهر الفرد ، والجزء الذي لا يتجزأ ، فيكون فى ~~غاية الصغر والحقارة وجل ربنا عن ذلك باتفاق العقلاء واما أن يكون أكبر من ~~الجوهر الفرد ، ويعود القول بالتركيب والقسمة. # واعلم : أن على قول من يقول : كل متحيز فهو قابل للقسمة أبدا ، لا نحتج ~~الى ذكر هذا التقسيم ، بل نقول ms105 : كل ما كان مشار إليه بحسب الحس ، فانه لا ~~بد وأن يتميز يمينه عن يساره وقدامه عن ورائه وفوقه عن تحته ، فيكون منقسما ~~مركبا من الأجزاء وإلا بعض وذلك مما بينا امتناعه فى المسألة السابقة. PageV01P156 # الحجة الثانية : كل ما كان مشارا إليه بحسب الحس ، فانه لا بد وأن يتميز ~~يمينه عن يساره. فهو متناه من جميع الجوانب. وكل ما كان متناهيا من جميع ~~الجوانب ، فهو محدث. وانما قلنا : ان كل ما كان مشار إليه بحسب الحس فهو ~~متناه من جميع الجوانب لوجهين : # الأول : البرهان المذكور وفى مسألة حدوث الأجسام على تناهى الأبعاد. وذلك ~~هو العمدة القوية التى لا ريب فيها. # الثانى : انه تعالى لو كان غير متناه ، لكان اما أن يكون غير متناه من ~~جميع الجوانب ، أو بعض الجوانب. لا جائز أن يكون غير متناه من جميع ~~الجوانب. لأن على هذا التقدير ، يلزم أن يكون العالم ساريا فى ذات الله ~~تعالى وحالا فيه. ويلزم : أن تكون ذاته مخالطة للقذورات تعالى الله عن هذا ~~المقال ، وعن هذا الوهم والخيال ولا جائز أن يقال : انه غير متناه من بعض ~~الجهات دون البعض. وذلك لأن الجانب المتناهى من ذاته ، اما أن يكون مساويا ~~للجانب الآخر الذي هو غير متناه فى الحقيقة والماهية واما أن لا يكونا ~~متساويين. فان كان الأول فكل شيئين متساويين من جميع الوجوه ، فكل ما يصح ~~على أحدهما يصح على الآخر ، فيلزم ان يقال : الجانب الذي هو غير متناه ، ~~يصح أن ينقلب متناهيا ، والجانب الذي هو متناه يصح أن ينقلب غير متناه ~~فيكون الفصل والوصل والتركيب والتفرق جائزا على ذات الله تعالى ، فيفتقر ~~ذلك التأليف الى مؤلف ، وذلك التركيب الى مركب. وذلك على خالق العالم محال ~~ممتنع. واما ان كان الجانب المتناهى مخالفا فى الماهية للجانب الذي هو غير ~~متناه ، فكل ذات كانت مركبة من اجزاء مختلفة فى الماهية والطبيعة ، فلا بد ~~وأن ينتهى فى ذلك التركيب الى أجزاء يكون كل واحد منها فى نفسه بسيطا خاليا ~~من التركيب فالجزء ms106 الواحد من تلك الاجزاء البسيطة لا بد وأن يماس بيمينه ~~شيئا ، وبيساره شيئا آخر PageV01P157 # ذلك الذي ماسه بيمينه يمكن أن يماسه بيساره ، وبالضد. واذا كان ذلك جائزا ~~كان التفرق على تلك الاجزاء جائزا. فحينئذ يكون التأليف والتركيب والتفرق ~~جائزا على تلك الأجزاء ومتى كان الأمر كذلك ، افتقر تأليفها وتركيبها الى ~~مؤلف ومركب. وكل ذلك محال. # نثبت بما ذكرنا : أنه تعالى لو كان مشارا إليه بحسب الحس ، لكان متناهيا ~~من جميع الجوانب. ونقول : انه متى كان كذلك ، وجب أن يكون محدثا. وذلك لأن ~~كل ما كان متناهيا من جميع الجوانب ، كان وجوده أزيد مما وجد ، أو أنقص مما ~~وجد جائزا واذا كان كذلك ، كان اختصاصه بذلك القدر المعين من الجائزات ، ~~مفتقرا الى مخصص ومقدر. وذلك على خالق العالم محال. # وأيضا اذا كان متناهيا من كل الجوانب ، لم يكن فوق كل الموجودات. لأن ~~فوقه أمكنة خالية عنه. فلم يكن فوق لكل. والخصم ينكر ذلك ولا يرضاه. فثبت : ~~أن كونه تعالى مشارا إليه بحسب الحس : محال. # الحجة الثالثة : لو كان ذاته مختصا بمكان وجهة ، لكان اما أن يصح عليه أن ~~يخرج منها ، أو لا يصح. فان صح لزم كونه محلا للحركة والسكون. وكل ما كان ~~كذلك كان محدثا على ما بيناه فى مسألة حدوث الأجسام وان تعذر عليه الخروج ~~منها ، كان كالزمن المقعد العاجز عن الحركة. وذلك صفة نقص. وهو على الله ~~تعالى محال. # الحجة الرابعة : وهو انه تعالى لو كان فى مكان وجهة. فهذا المكان الذي ~~حكم الخصم بأنه تعالى فيه اما أن يكون موجودا ، أو معدوما. فان كان موجودا ~~فالبارى تعالى مختص بالمكان والجهة من الأزل الى الأبد ، فحينئذ كان ذلك ~~المكان موجودا مع الله فى الأزل. وهو محال. لان ذلك المكان لما كان موجودا ~~، وكان قابلا للقسمة ، كان ذلك عين الجسم فكان هذا قولا بقدم الأجسام. PageV01P158 # وأيضا : المكان لا يفتقر فى وجوده الى المتمكن. لأن الخلاء جائز بالاتفاق ~~، وأما البارى تعالى فانه عند الخصم يمتنع وجوده فى غير الحيز والجهة. ms107 فعلى ~~هذا يكون البارى تعالى مفتقرا فى وجوده وتحققه الى وجود المكان ، ووجود ~~المكان غنيا عنه ، فكان تعالى على هذا التقدير ممكنا لذاته ، مفتقرا الى ~~غيره. وكان المكان واجبا لذاته غنيا عن غيره ، فكان المكان أولى بأن يكون ~~هو الاله سبحانه وتعالى والاله أولى بأن يكون العبد. وكل ذلك ساقط من القول. # وأما : ان قيل : بأن المكان الذي حكم الخصم بكونه تعالى حالا فيه ، معدوم ~~صرف ونفى محض. فهذا محال من القول. لأن النفى المحض والعدم الصرف لا تخصص ~~له ولا تعين له ، وما كان كذلك استحال القول بحصول الموجود فيه فثبت : أن ~~القول بحصول البارى تعالى فى المكان محال. # فان قيل : فهذا الاشكال بعينه وارد فى كون الجسم فى المكان. # قلنا : المراد بكون الجسم فى المكان كونه بحيث يمكن الاشارة الى كل واحد ~~من جوانبه بأنه غير الآخر ، وبأنه متصل به ومماس له. ويرجع حاصل كونه فى ~~المكان والجهة الى مقداره واتصال بعض أجزائه بالبعض. فان أردتم بقولكم : ~~«الله تعالى فى المكان» : هذا المعنى. كان هذا تصريحا بكونه تعالى مركبا من ~~الاجزاء والأبعاض. وحينئذ يرجع الكلام الى المسألة الأولى. # الحجة الخامسة : الأحياز والجهات اما ن تكون متساوية فى الماهية ، أو ~~مختلفة فى الماهية. فان كان الأول لزم من صحة اختصاص البارى تعالى ببعض ~~الأحياز ، صحة اختصاصه بسائر الأحياز ، بدلا عن ذلك الحيز ، واذا كان حصوله ~~فى كل واحد منها بدلا عن الآخر ، PageV01P159 # أمرا جائزا ، كان حصوله فى بعض تلك الاحياز امرا جائزا فيفتقر ذلك ~~الاختصاص الى المخصص وهو على القديم محال. وأما ان قلنا بأن الاحياز مختلفة ~~فى الماهية والحقيقة ، فلعل خاصية بعض تلك الاحياز ، اقتضى حصول ذات الله ~~تعالى فيه ، وخاصية بعضها اقتضى امتناع حصول ذات الله فيه. # فنقول ### |||| ** : هذه الأحياز أشياء متباينة بالعدد ومتباينة بالماهية ، ولكل واحد منها ~~خاصية معينة وصفة معينة. فهى اشياء موجودة قائمة بأنفسها ، موجودة فى ~~الأزل. فاذا كانت هذه الأحياز غير متناهية ، كان قد وجد مع الله تعالى فى ~~الأزل : موجودات قائمة بالنفس ms108 ، غير متناهية. وذلك لا يرتضيه المسلم (6) ~~فثبت : أن القول بأن الله تعالى فى الجهة محال. # الحجة السادسة : العالم كره. واذا كان كذلك ، وجب أن لا يكون فى الجهة ~~أصلا. انما قلنا : ان العالم كرة. وذلك لأنا اذ ارصدنا كسوفا قمريا. فاذا ~~وجدناه فى البلاد الشرقية فى أول الليل ، وجدناه فى البلاد الغربية فى ~~الآخر الليل. فعلمنا : أن أول الليل فى المشرق ، هو آخر الليل بعينه فى ~~المغرب. وذلك يدل على أن العالم كرة. # اذا ثبت هذا فنقول : الجهة التى فوق رأسنا ، هى بعينها أسفل لأولئك الذين ~~يكونون على ذلك الوجه الآخر من الأرض. فلو كان تعالى فوقا لنا ، لكان أسفل ~~بالنسبة الى سكان ذلك الجانب الآخر من الأرض. ولو كان فوقا لهم ، لكان أسفل ~~بالنسبة إلينا. فثبت : أنه لو كان فى جهة لوجب أن يكون أسفل بالنسبة الى ~~بعض الجوانب. ولما كان ذلك باطلا ، ثبت : أنه يمتنع كونه تعالى فى المكان ~~والجهة. # احتج الخصم بالعقل والنقل. PageV01P160 # أما العقل : فهو أنه تعالى لا بد وأن يكون فى حيز وجهة. واذا ثبت هذا ، ~~وجب أن يكون فى جهة الفوق. ### ||| ** أما المقام الأول : وهو أنه تعالى فى الحيز والجهة ، فاحتجوا عليه بوجهين : # الأول : ان كل موجودين. لا بد وأن يكون أحدهما ساريا فى الآخر ، كالعرض ~~السارى فى الجوهر ، أو يكون مباينا عنه بالجهة ، كالجسمين. والعلم بذلك ضرورى. # والثانى : ان الجسم مختص بالحيز والجهة. وانما كان كذلك ، لأنه قائم ~~بالنفس. والله تعالى يشاركه فى كونه قائما بالنفس ، فوجب أن يكون مشاركا له ~~فى الحصول فى الجهة. # وأما المقام الثانى : وهو أنه تعالى لما ثبت أنه يجب أن يكون فى الجهة. ~~ونقول : يجب أن تكون تلك الجهة هى جهة فوق فيدل عليه وجهان : # الأول : ان أشرف الجهات جهة فوق ، وتخصيص أشرف الجهات بأشرف الموجودات ، ~~هو المناسب المعقول. # والثانى : ان الخلق بمجرد طباعهم وقلوبهم السلمية يرفعون الأيدى الى جهة ~~العلو ، عند الدعاء والتضرع. وذلك يدل على أن فطرتهم تشهد بأن معبودهم فى ~~جهة العلو. ### |||| ** وأما النقل ms109 : فهو الألفاظ الموهمة لاثبات الجهة. كقوله تعالى : ( @QUR@04 الرحمن على ~~العرش استوى ) (7) وقوله تعالى : ( @QUR@04 وهو القاهر فوق عباده ) (8): ~~وقوله تعالى : ( @QUR@04 يخافون ربهم من فوقهم ) (9) PageV01P161 # والجواب عن الشبهة الأولى : لا شك أن قسمة العقل تقتضى انقسام الموجودات ~~الى ثلاثة أقسام. وذلك لأن كل موجودين فاما أن يكون أحدهما ساريا فى الآخر ~~أو مباينا عنه بالحيز والجهة ، أو لا ساريا فيه ولا مباينا عنه بالحيز. فان ~~ادعيتم أن القسم الثالث ممتنع الوجود والعلم بامتناعه ضرورى فقد ابطلناه. ~~وأن سلمتم أن ابطال هذا القسم الثالث ليس معلوما بالضرورة ، بل بالدليل. ~~فنقول : قولكم : ان كل موجودين اما أن يكون أحدهما ساريا فى الآخر ، أو ~~مباينا عنه بالجهة ، انما يصح عليه ، لو ثبت فساد القسم الثالث. فانكم اذا ~~أثبتم فساد القسم الثالث بهذه المقدمة ، وقع الدور. فيكون ساقطا. # وأما الجواب عن الشبهة الثانية : فنقول : لم لا يجوز أن يكون كون (10) ~~الجسم مختصا بالخير والجهة بذاته المخصوصة لا لوصف آخر؟ وذلك لأن اختصاص ~~الذات بالصفة. لو كان لأجل صفة أخرى ، لزم التسلسل. فلا بد من الانتهاء الى ~~ما يكون ثابتا له لذاته. فلم لا يجوز أن يكون كون الجسم مختصا بالحيز ~~والجهة من هذا الباب؟ # والجواب عن الشبهة الثالثة : وهى قولهم : أشرف الجهات جهة العلو # فنقول : هذا الكلام ساقط من وجوه : # الأول : ان هذا الكلام مقدمة خطابية ، فلا يلتفت إليها فى العقليات. # والثانى : انا قد بينا أنه لما كان العالم كرة ، كان كل جهة يشار PageV01P162 # إليها فهى وان كانت فوق بالنسبة الى البعض ، لكنها تحت بالنسبة الى ~~الباقين. # والثالث : انه اما أن يقال : لا نهاية لامتداد ذات الله من جهة العلو ، ~~أو يكون لامتداد ذاته نهاية. فان كان الأول لم يفرض فى ذاته نقطة ، الا ~~وفوقها نقطة أخرى. ولا شيء يفرض فيه الا وهو سفل ، لا علو مطلق. وان كان ~~الثانى افترض فوق طرفه العلوى ، خلاء. فكان ذلك الخلاء أعلى منه ، ولم يكن ~~علوا مطلقا. # والرابع : ان الشرف الحاصل بسبب العلو بالجهة ، يكون حاصلا للحيز والجهة ~~بالذات ms110 ، ويكون حاصلا للتمكن بالعرض ، بسبب أنه حصل فى ذلك المكان. فحصول ~~هذا الشرف للمكان والجهة ، أتم مما (11) للمتمكن. فلو كان البارى تعالى ~~حاصلا فى الجهة ، لزم أن يكون المكان أشرف فى هذا الباب من البارى تعالى. ~~وهو محال. # وأما الجواب عن الشبهة الرابعة : فهو أنه لو كان رفع الأيدى الى السماء ، ~~يدل على كون المعبود فى السماء ، لوجب أن يدل وضع الجبهة على الأرض على أنه ~~فى الأرض. ولما بطل ذلك ، فكذا ما قالوا : # وأما الجواب عن الوجوه النقلية : فاعلم أن هاهنا قانونا كليا وهو : أنا ~~اذا رأينا الظواهر النقلية معارضة للدلائل العقلية. فان صدقنا هما معا ، ~~لزم الجمع بين النفى والاثبات ، وان كذبنا هما معا ، لزم رفع النفى ~~والاثبات ، وان صدقنا الظواهر النقلية ، وكذبنا الشواهد (12) العقلية ~~القطعية ، لزم الطعن فى الظواهر النقلية PageV01P163 # أيضا. لأن الدلائل العقلية أصل للظواهر النقلية. فتكذيب الأصل لتصحيح ~~الفرع يفضى الى تكذيب الأصل والفرع معا ، فلم يبق الا أن تصدق الدلائل ~~العقلية ويشتغل بتأويل الظواهر النقلية ، أو يفوض علمها الى الله. وعلى ~~التقديرين فانه يظهر أن الظواهر النقلية ، لا تصلح معارضة للقواطع (13) ~~العقلية. فهذا هو القانون الكلى فى هذا الباب. ومن أراد الاستقصاء فى تأويل ~~الظواهر الواردة فى القرآن والأخبار فعليه بكتاب «أسرار التنزيل ، وأنوار ~~التأويل» PageV01P164 ### ||| * المسألة التاسعة ### ||| * فى ### ||| * أنه تعالى يستحيل أن تحل ذاته (1) فى شيء ### ||| * ويستحيل أن تحل صفة من صفاته فى شيء # اعلم : أن النصارى يذكرون الحلول تارة ، والاتحاد أخرى. وكلامهم فى غاية ~~الخبط. ونحن نذكر تقسيما مضبوطا فنقول : القوم اما أن يقولوا بالحلول أو ~~بالاتحاد ، أما لذات الله تعالى أو لصفة من صفاته. اما بالنسبة الى روح ~~عيسى عليه السلام ، أو بالنسبة الى بدنه. واما أن لا يقولوا بشيء من ذلك ، ~~بل يقولوا : انه تعالى اعطاه قدرة على خلق الأجسام والحياة وعلما ~~بالمغيبات. واما أن لا يقولوا بذلك أيضا ، بل يقولوا : انه تعالى سماه ابنا ~~على سبيل التشريف ، كما سمى ابراهيم عليه السلام خليلا على سبيل التشريف ~~فهذه هى الوجوه التى ms111 يحتملها كلامهم. # ونقول : أما القول بالحلول فهو باطل. لأنه تعالى لوحل فى شيء. لكان اما ~~أن يحل مع وجوب أن يحل ، أو مع جواز أن يحل والأول باطل لوجهين : # الأول : ان ذلك يقتضي اما حدوث الحال ، أو قدم المحل وكلاهما محالان. # والثانى : انه لما حل مع وجوب أن يحل ، كان ذاته مفتقرة الى ذلك المحل. ~~والمفتقر الى الغير ممكن بالذات. # وأما القسم الثانى وهو أنه تعالى يحل من جواز أن يحل PageV01P165 # فهذا أيضا باطل. لأن المعقول من الحلول كون الحال مفتقرا الى المحل ~~ومحتاجا إليه. واذا لم يوجد هذا المعنى ، لم يتحقق معنى الحلول. # فان قيل : لم لا يجوز أن يقال : انه حل مع وجوب أن يحل. قوله : «يلزم اما ~~قدم المحل أو حدوث الحال» # قلنا : لا نسلم ولم لا يجوز أن يقال : ان ذاته يوجب لذاته الحلول فى ~~المحل ، بشرط وجود ذلك المحل. وقبل وجود المحل لم يكن شرط هذا الاقتضاء ~~حاصلا ، فلا جرم لم يحصل هذا الحلول. وبعد وجود المحل ، حصل شرط هذا ~~الاقتضاء ، فلا جرم حصل هذا الحكم على سبيل الوجوب. # وأيضا : فلم لا يجوز أن يقال : المحل يوجب كونه تعالى حالا فيه. وعند ~~وجود هذا المحل ، وجب هذا الحلول ، وقبل وجوده ، لا يجب؟ # الجواب : الفرق بين الحال والمحل انما يظهر من حيث ان الحال مفتقر الى ~~المحل. والمحل غنى عنه. فان حصل هذا المعنى ، لزم أن يكون واجب الوجود ~~لذاته ، مفتقرا الى الغير ، فيكون الواجب لذاته ممكن الوجود لذاته. هذا ~~خلف. وان لم يحصل هذا المعنى ، لم يحصل مسمى الحلول. واما القول بالاتحاد ~~فهو أيضا باطل. لأن الشيئين اذا اتحدا ، فهما حال الاتحاد ان كانا باقيين ، ~~فهما اثنان لا واحد. وان عدما معا كان الحاصل ثالثا مغايرا لهما ، وان بقى ~~أحدهما وفنى الآخر امتنع الاتحاد أيضا لان الموجود لا يكون عين المعدوم ~~فثبت بما ذكرنا : أن القول بالحلول والاتحاد باطل. # وأما القول بأنه تعالى خلق فيه القدرة على خلق الجسم. فهذا أيضا باطل. ~~لأنا سنبين : أنه ms112 لا قدرة لأحد على الايجاد الا الله تعالى. PageV01P166 # وأما القول بأنه تعالى سماه ابنا على سبيل التشريف. فهذا البحث يصير ~~سمعيا. واحتج النصارى على قولهم : بأن عيسى عليه السلام أحيى الموتى ، وأبرأ ~~الأكمه ، والأبرص. وهذا لا يمكن الا بالقدرة الالهية. # والجواب : لم لا يجوز أن يقال : انه تعالى هو الذي أحيى الموتى ، وأبرأ ~~الأكمه فالأبرص ، على وفق دعائه اظهارا لمعجزته؟ # ولقد ناظرت بعض النصارى. فقلت له : هل تسلم أنه لا يلزم من عدم الدليل ، ~~عدم المدلول؟ فقال : نعم. فقلت له : ما الذي يدل على أن ذات الله لم تحل فى ~~بدن زيد ، وفى بدن عمرو ، ولم تحل فى بدن هذه الذبابة وهذه النملة؟ فقال : ~~هذا ممتنع. لأنا انما أثبتنا هذا الحلول فى حق عيسى عليه السلام لأنه ظهر ~~على يده احياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. فاذا لم يظهر شيء من هذه ~~الأشياء على يد زيد وعمرو ، فكيف يمكن اثبات هذا الحلول فى حقه؟ فقلت له : ~~انك سلمت أولا : أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول. واحياء الموتى ~~وابراء الأكمه والأبرص دليل حصول هذا الحلول عندكم. فلا يلزم من عدم هذا ~~الدليل ، عدم هذا الحلول. فوجب أن تبقى شاكا (1) فى حلول الله فى بدن هذه ~~النملة ، وهذه الذبابة. وكل مذهب أدى الى مثل هذا القول ، فهو خسيس جدا. # وأيضا : كما ظهر احياء الموتى على يدى عيسى عليه السلام ، فقد ظهر أيضا ~~على يدى موسى عليه السلام لأنه قلب العصا ثعبانا ، بل هو أعجب. لأن انقلاب ~~الخشبة ثعبانا عظيما ، أعجب من انقلاب الميت حيا. فان دلت معجزات عيسى ~~عليه السلام على الحلول والاتحاد ، فبأن تدل معجزات موسى على هذا الحلول ~~وبالله التوفيق أولى. # وبالجملة : فمذهب النصارى والحلولية ، أخس وأذل من أن يلتفت العاقل إليه. PageV01P167 ### ||| * المسألة العاشرة ### ||| * فى ### ||| * بيان أنه تعالى يمتنع أن يكون محلا للحوادث # المشهور : أن الكرامية يجوزون ذلك. وسائر الطوائف ينكرونه. ومن الناس من ~~قال : ان أكثر طوائف العقلاء يقولون بهذا المذهب. وأن كانوا ينكرونه ~~باللسان. أما المعتزلة فمذهب ms113 «أبى على» و «أبى هاشم» وأتباعهما : أنه تعالى ~~مريد بإرادة حادثة ، لا فى محل. وكاره للمعاصى والقبائح بكراهة محدثة. لا ~~فى محل وهذه الارادات والكراهات. وان كانت موجودة لا فى محل. الا أن صفة ~~المريدية والكارهية ، تحدث فى ذات الله تعالى. وهذا قول بحدوث الحوادث فى ~~ذات الله تعالى. # وأيضا : اذا حضر المرئى والمسموع ، حدثت فى ذات الله تعالى صفة السامعية ~~والمبصرية. # بلى. المعتزلة لا يطلقون لفظ الحدوث. وانما يطلقون لفظ التجدد. وهذا نزاع ~~فى العبارة. وأما «أبو الحسين البصرى» فانه يثبت علوما متجددة فى ذات الله ~~تعالى بحسب تجدد المعلومات. # وأما الأشعرية فانهم يثبتون النسخ ، ويفسرونه بأنه رفع الحكم الثابت ، أو ~~انتهاء الحكم. وعلى التقديرين فانه اعتراف بوقوع التغير ، لأن الذي ارتفع ~~وانتهى ، فقد عدم بعد وجوده. وأيضا : يقولون : انه تعالى عالم بعلم واحد ، ~~ثم انه قبل وقوع المعلوم يكون متعلقا بأنه سيقع ، وبعد وقوعه يزول ذلك ~~التعلق ، ويصير متعلقا PageV01P168 # بأنه كان واقعا. وهذا تصريح بتغير هذه التعلقات. ويقولون أيضا : ان قدرته ~~كانت متعلقة بايجاد الموجود المعين ، من الأزل. فاذا وجد ذلك الشيء ، ودخل ~~ذلك الشيء فى الوجود ، انقطع ذلك التعلق ، لأن الموجود لا يمكن ايقاعه. ~~فهذا اعتراف بأن ذلك التعلق قد زال. وكذا أيضا : الإرادة الأزلية كانت ~~متعلقة بترجيح وجود شيء على عدمه فى ذلك الوقت المعين ، فاذا ترجح ذلك ~~الشيء فى ذلك الوقت ، امتنع بقاء ذلك التعلق ، لأن ترجيح المترجح (2) محال. # وأيضا : توافقنا على أن المعدوم لا يكون مرئيا ولا مسموعا ، فالعالم قبل ~~أن كان موجودا لم يكن مرئيا ، ولا كانت الأصوات مسموعة. واذا خلق الألوان ~~والأصوات صارت مرئية ومسموعة. فهذا اعتراف بحدوث هذه التعلقات. ولو أن ~~جاهلا التزم كون المعدوم مرئيا ومسموعا ، قيل له : الله تعالى هل كان يرى ~~العالم وقت عدمه معدوما ، أو كان يراه. وجودا؟ لا سبيل الى القسم الثانى. ~~لأن رؤية المعدوم. موجودا غلط. وهو على الله تعالى محال. ثم اذا أوجده فانه ~~يراه. موجودا لا معدوما. والا عاد حديث الغلط. فعلمنا : أنه ms114 تعالى كان يرى ~~العالم وقت عدمه معدوما ، ووقت وجوده موجودا. وهذا يوجب ما ذكرناه. # وأما الفلاسفة : فهم مع أنهم أبعد الناس فى الظاهر عن هذا القول ، هم ~~قائلون به. وذلك لأن مذهبهم : أن الاضافات موجودة فى الأعيان. وعلى هذا ، ~~فكل حادث يحدث ، فان الله تعالى يكون موجودا معه. وكونه تعالى مع ذلك ~~الحادث ، وصف اضافى حدث فى ذاته. PageV01P169 # وأما «أبو البركات البغدادى» وهو من أكابر الفلاسفة المتأخرين فانه صرح ~~فى كتابه «المعتبر» باثبات ارادات محدثة ، وعلوم محدثة فى ذات الله تعالى. ~~وزعم : أنه لا يتصور الاعتراف بكونه تعالى إلها لهذا العالم ، الا مع هذا ~~المذهب. ثم قال : «الاجلال من هذا الجلال واجب ، والتنزيه من هذا لتنزيه ~~لازم» فاذا حصل الوقوف على هذا التفصيل ، ظهر أن هذا المذهب قال به أكثر ~~فرق العقلاء ، وان كانوا ينكرونه باللسان. # واعلم : أن الصفات على ثلاثة أقسام : أحدها : صفات حقيقية عارية عن ~~الاضافات. كالسواد والبياض. وثانيها : الصفات الحقيقية التى تلزمها ~~الاضافات. كالعلم والقدرة. وذلك لأن العلم صفة حقيقية تلزمها اضافة مخصوصة ~~الى المعلوم ، وكذا القدرة صفة حقيقية ، ولها تعلق بالمقدور. وذلك التعلق ~~اضافة مخصوصة بين القدرة وبين المقدور. وثالثها ### |||| ** : الاضافات المحضة والنسب المحضة. مثل كون الشيء قبل غيره وبعد غيره. ومثل ~~كون الشيء يمينا لغيره أو يسارا له. فانك اذا جلست على يمين انسان ثم قام ~~ذلك الانسان وجلس فى الجانب الآخر منك ، فقد كنت يمينا له ثم صرت الآن ~~يسارا له. فههنا لم يقع التغير فى ذاتك ، ولا فى وصفة حقيقية من صفاتك ، بل ~~فى محض الاضافات. # اذا عرفت هذا ، فنقول : أما وقوع التغير فى الاضافات ، فلا خلاص عنه. ~~وأما وقوع التغير فى الصفات الحقيقية ، فالكرامية يثبتونه ، وسائر الطوائف ~~ينكرونه. فظهر الفرق فى هذا الباب بين مذهب «الكرامية» ومذهب غيرهم. ### ||| ** والذي يدل على فساد قول «الكرامية» وجوه : PageV01P170 # الحجة الأولى : ان كل ما كان من صفات الله تعالى ، فلا بد وأن يكون من ~~صفات الكمال ونعوت الجلال ، فلو كانت صفة من صفاته محدثة ، لكان ذاته ms115 قبل ~~حدوث تلك الصفة خاليا عن صفة الكمال. والخالى عن صفة الكمال ناقص ، فيلزم ~~أن ذاته كانت ناقصة قبل حدوث تلك الصفة فيها. وذلك محال. فثبت : أن حدوث ~~الصفة فى ذات الله تعالى محال. # الحجة الثانية : لو كانت ذاته قابلة للصفة المحدثة ، لكانت تلك القابلية ~~من لوازم ذاته ، وكانت تلك القابلية أزلية وثبوت القابلية يستلزم صحة وجود ~~المقبول فلو كانت قابلية الحوادث أزلية ، لكان وجود الحوادث فى الأزل ~~ممكنا. الا أن هذا محال. لان الحوادث ما لها أول ، والأزل لا أول له. ~~والجمع بينهما محال. ### ||| ** واعلم : ان هذا الدليل مبنى على ثلاث مقدمات : # المقدمة الأولى : انه لو كانت ذاته قابلة للصفة المحدثة ، لكانت تلك ~~القابلية من لوازم ذاته. والدليل عليه : أنها لو لم تكن من اللوازم لكانت ~~من العوارض. فكانت الذات قابلة لتلك القابلية ، فقبول (1) تلك القابلية ان ~~كان من اللوازم ، فهو المقصود ، وان كان من العوارض ، فيفتقر الى قابلية ~~أخرى. ويلزم اما التسلسل ، واما الانتهاء الى قابلية تكون من لوازم الذات. ~~وهو المطلوب. # المقدمة الثانية : ان القابلية اذا كانت أزلية (2) وجب أن يكون المقبول ~~صحيح الوجود فى الأزل. والدليل عليه : ان كون الشيء قابلا لغيره ، نسبة بين ~~القابل والمقبول. والنسبة بين المنتسبين متوقفة PageV01P171 # على تحقق كل واحد من المنتسبين ، فصحة النسبة تعتمد صحة وجود المنتسبين. ~~ولما كانت صحة اتصاف البارى بالحوادث حاصلة فى الأزل. لزم أن تكون صحة وجود ~~الحوادث حاصله فى الازل. # المقدمة الثالثة : ان حدوث الحوادث فى الأزل غير ممكنة. والدليل عليه. ما ~~ذكرنا أنه يقتضي الجمع بين ثبوت الأزلية وبين عدمها. وكل ذلك محال. # فان قيل : ينتقض ما ذكرتم من الدليلين (3) بتغير الإضافات ، وينتقض هذا ~~الدليل بعينه بأن القدرة أزلية وتأثيرها فى صحة الفعل من لوازم ذاتها ، مع ~~أنه لا صحة للفعل فى الأزل. # والجواب عن الأول : ان الإضافات لا وجود لها فى الأعيان. والا لزم ~~التسلسل. واذا كان كذلك زال السؤال. # وأما السؤال الثانى : فجوابه : ان وجود القادر يجب أن يكون متقدما على ~~وجود المقدور ms116 ، وأما وجود القابل فلا يجب أن يكون متقدما على وجود المقبول. ~~فظهر الفرق. # الحجة الثالثة : قول الخليل عليه السلام : ( @QUR@03 لا أحب الآفلين ) (4) ~~والأفول : عبارة عن التغير. وهذا يدل على أن المتغير لا يكون إلها أصلا. ### ||| ** أما الكرامية. فقد احتجوا من وجهين : # الحجة الأولى : انهم أقاموا الدلائل على أنه لا بد من الاعتراف بحدوث ~~الكلام والإرادة والسامعية والمبصرية. ثم أقاموا الدلائل على PageV01P172 # أنه لا بد من قيام الصفة بالموصوف. وحينئذ يحصل من هذين الأصلين كونه ~~تعالى محلا للحوادث. # الحجة الثانية : انهم قالوا : حصلت الموافقة بيننا وبين «الأشعرية» على ~~أنه يصح قيام المعانى بذات الله تعالى فى الجملة. ولا فارق بين المعانى ~~القديمة ، وبين المعانى المحدثة ، الا فى القدم والحدوث. ولا يجوز أن يكون ~~القدم معتبرا فى المقتضى ، لأن القدم عبارة عن نفى الأولية. وذلك قيد عدمى. ~~والقيد العدمى لا يكون داخلا فى المقتضى. واذا سقط القدم عن درجة الاعتبار ~~، بقى أنه انما يصح قيام تلك المعانى بذات الله تعالى ، لكونها معانى. ~~وصفات الحوادث تشاركها فى هذا المعنى ، فيلزم صحة قيام الحوادث بذات الله تعالى. # والجواب عن الحجة الأولى : انا سنجيب عن دلائلكم فى حدوث الكلام والإرادة ~~والسمع والبصر. # وعن الثانية : لا نسلم أنه لا فارق بين صفات الله تعالى ، وبين هذه ~~الأعراض المحدثة ، الا فى القدم والحدوث. ولم لا يجوز أن تكون تلك الصفات ~~مخالفة لهذه الصفات بأعيانها (3) وحقائقها المخصوصة؟ سلمنا : أنه لا فارق ~~الا القدم ، فلم لا يجوز أن يكون القدم معتبرا فى المقتضى؟ # قوله : «لأنه قيد عدمى» قلنا : لا نسلم. فان القدم عبارة عن نفى العدم ~~السابق ، ونفى النفى ثبوت. PageV01P173 ### ||| * المسألة الحادية عشرة ### ||| * فى ### ||| * بيان كونه تعالى قادرا ### ||| ** والكلام فيه مرتب على فصلين : ### ||| * الفصل الأول ### ||| * حقيقة القادر # اعلم : أن القادر هو الذي يصح منه الفعل والترك ، بحسب الدواعى المختلفة. ~~مثاله: الانسان ان شاء أن يمشى قدر عليه ، وان شاء أن لا يمشى قدر عليه. ~~أما تأثير النار فى التسخين ، فليس كذلك. لأن ظهور التسخين من النار ، غير ~~موقوف على ms117 ارادته وداعيته ، بل هو أمر لازم لذاته. ### ||| ** وهاهنا للفلاسفة سؤالات : # السؤال الأول : ان هذا القادر المحكوم عليه بأنه يصح منه الفعل بدلا عن ~~الترك ، ويصح منه الترك بدلا عن الفعل ، اما أن يكون رجحان أحد طرفى الفعل ~~والترك على الطرف الآخر ، موقوفا على انضمام مرجح إليه أو لا يكون كذلك. # لا جائز أن يقال : انه لا يتوقف ذلك الرجحان على المرجح. ويدل عليه وجهان : # الأول : انه لو حصل رجحان أحد الطرفين على الآخر من غير مرجح ، لكان قد ~~حصل الممكن من غير مرجح. وذلك يفضى الى نفى الصانع. PageV01P174 # والثانى : انا لما جربنا أنفسنا وجدنا أنه ما لم يحصل فى القلب ميل الى ~~أحد الطرفين ، لم يترجح ذلك الطرف على الآخر. ومتى صار الميل الى الحركة ، ~~الى هذا الجانب والى الحركة الى الجانب الآخر على التساوى ، لم يترجح ~~أحدهما على الآخر. بل بقى الانسان فى موضعه الذي هو فيه ساكنا متحيرا ، الى ~~أن يظهر المرجح. فحينئذ يحصل الرجحان. فظهر بما ذكرنا : أن القول بأنه يجوز ~~حصول رجحان أحد الطرفين على الآخر ، من غير مرجح باطل وفاسد. # وأما القسم الثانى : وهو أنه لا بد فى هذا الرجحان من مرجح. فنقول : اذا ~~حصلت المرجحات بأسرها وهى القدرة التامة ، والإرادة الجازمة الخالية عن ~~الفتور ، والوقت ، والآلة والمصلحة ، وازالة الموانع العقلية والشرعية. فمع ~~حصول هذه المرجحات. اما أن يكون الترك ممكنا أو غير ممكنا فان كان الترك ~~ممكنا فمع حصول هذه المرجحات تارة يحصل الفعل وتارة يحصل الترك. فاختصاص ~~أحد الوقتين بالفعل والآخر بالترك ، اما أن يتوقف على مرجح ، لأجله اختص ~~أحد الوقتين بالفعل ، والآخر بالترك ، أولا يتوقف. فان توقف على مرجح ، لم ~~يكن الحاصل الأول مرجحا تاما. وكنا قد فرضناه كذلك. هذا خلف. # وأيضا : فلنفرض حصول هذا المرجح. فحينئذ اما أن يكون حصول هذا الفعل فى ~~هذا الوقت جائزا ، أو واجبا. فان كان جائزا ، عاد التقسيم الأول ، وافتقر ~~الى مرجح آخر. ولزم التسلسل. وهو محال. ولما بطل هذا ثبت : أن الفعل واجب ~~الحصول عند ms118 حصول كل المرجحات ، وممتنع الحصول عند اختلال قيد من القيود ~~المعتبرة فى الترجيح. # وعلى هذا التقدير ، فالقادر حال ما حصلت المؤثرات بأسرها ، يجب عقلا ، أن ~~يصدر عنه الأثر ، ويمتنع أن لا يصدر. وحال ما لم PageV01P175 # توجد المؤثرات بأسرها ، يجب عقلا ، أن لا يصدر عنه الأثر ، ويمتنع أن ~~يصدر وعلى هذا التقدير ، لا يبقى فرق البتة بين القادر والموجب. بل الفرق : ~~أن شرائط التأثير فى حق القادر سريعة التغير. واذا حصلت بعد أن كانت معدومة ~~، صار القادر واجب التأثير ، واذا زالت بعد أن كانت موجودة ، صار ممتنع ~~التأثير. الا أن هذا التغير (1) انما يعقل فى حق من تكون مؤثريته ، موقوفة ~~على شرائط منفصلة عن ذاته. والبارى تعالى قبل تأثيره فى غيره ، ليس موقوفا ~~على شرائط منفصلة عن ذاته. لأنه تعالى مبدأ لكل ما سواه ، فلا يكون تأثيره ~~فيما سواه موقوفا على شيء منفصل عنه. فلا جرم كان تأثيره فى غيره ، يخص ~~ذاته. وذاته ممتنعة التغير ، فكان تأثيره فى غيره أيضا ممتنع التغير. # وهذا هو السؤال القوى الذي عليه يعولون ، وبه يصولون. # السؤال الثانى : قالوا : أليس من مذهبكم أن التغير ممتنع فى صفات الله ~~تعالى ، وأن العدم على القديم محال؟ ثم من مذهبكم : ان إرادة الله تعالى ~~كانت متعلقة من الأزل الى الأبد بترجيح وجود ذلك الحادث المعين على عدمه ، ~~وقدرته من الأزل الى الأبد متعلقة بايجاد وجود ذلك الحادث المعين فى ذلك ~~الوقت المعين. فاذا كان التغير ممتنعا فى صفات الله تعالى ، استحال من الله ~~تعالى أن لا يرجح وجود ذلك المراد ، وأن لا يوجد وجود ذلك المقدور. واذا ~~كان الأمر كذلك ، كان تعالى موجبا بالذات ، لا فاعلا بالاختيار. # السؤال الثلاث : لا شك أنه تعالى عالم بجميع المعلومات. فهو يعلم أن ~~الشيء الفلانى يقع فى الوقت الفلانى ، والشيء الفلانى لا يقع فى الوقت ~~الفلانى وخلاف المعلوم محال الوقوع لان عدم وقوع الشيء مع العلم بوقوع ~~الشيء ، ضدان. والضدان ممتنعان متنافيان PageV01P176 # لذاتيهما واذا كان كذلك ، فما علم الله تعالى وقوعه ، كان واجب ms119 الوقوع ، ~~ممتنع العدم وما علم عدمه ، كان واجب العدم ، ممتنع الوجود. ولا خروج عن ~~هذين القسمين. فيكون الله تعالى موجبا بالذات ، لا فاعلا بالاختيار. # السؤال الرابع : الترك عبارة عن البقاء على العدم الأصلي. فالعدم الأصلي ~~لا يصلح أن يكون مقدور الوجهين : # الأول : ان القدرة صفة المؤثرة ، والعدم نفى محض. فلا يكون للمقدور (2) ~~أثر فيه البتة. فامتنع كون العدم (3) مقدورا. # الثانى : هو ان العدم الأصلي باق كما كان قبل ذلك ، والباقى حال بقائه لا ~~يكون مقدور. فاذن الترك عبارة عن بقاء الشيء على عدمه الأصلي ، والعدم ~~الباقى لا يصلح أن يكون مقدورا ، نظر الى كونه عدما ، ونظرا الى كونه ~~باقيا. فثبت : أن الترك لا يصلح أن يكون مقدورا البتة. فلم يكن القادر ~~قادرا ، الا على الفعل. ولا قدرة له على الترك البتة. فثبت : أن القادر له ~~صلاحية التأثير فى الوجود ، وليس له صلاحية الترك : فحينئذ ينقلب القادر ~~موجبا ، ولا يبقى بينه وبين الموجب فرق البتة. # فهذه مجموع أسئلة الفلاسفة فى هذا المقام. ### ||| ** والجواب عن السؤال الأول : هو أن نقول : ### ||| ** للمتكلمين فى هذا المقام قولان : # أحدهما : ان صدور الفعل عن القادر موقوف على الداعى. PageV01P177 # الا أن الفعل مع الداعى (4) يصير أولى بالوقوع ، الا أنه لا ينتهى الى حد ~~الوجوب ، فلأجل أنه صار أولى بالوقوع ، صار الوقوع راجحا على اللاوقوع ~~ولأجل أنه لا ينتهى الى حد الوجوب يبقى الفرق بين الموجب والقادر. ### ||| ** واعلم : أن هذا الكلام ضعيف من وجهين : # الأول : وهو ان فى الوقت الذي كان الفعل والترك فى حيز التساوى ، كان ~~رجحان الوجود على العدم فى ذلك الوقت ممتنعا. وعند ما صار أحد الطرفين ~~مرجوحا ، كان دخول المرجوح فى الوجود حال كونه مرجوحا أولى بالامتناع ، ~~لأنه حال كونه مرجوحا ، أضعف منه حال كونه مساويا. واذا كان دخول المرجوح ~~فى الوجود ممتنعا ، كان دخول الراجح فى الوجود واجبا. ضرورة أنه لا خروج عن ~~طرفى النقيض. # والثانى : ان عند حصول كل مرجحات الوجود. اما أن يكون العدم ممتنعا ، أو ~~لا يكون. فان كان ممتنعا ms120 كان الوجود واجبا. وهو المطلوب. وان لم يكن العدم ~~ممتنعا ، لم يلزم من فرض هذا العدم محال ، فلنفرض مع حصول كل مرجحات الوجود ~~تارة : حصول الوجود. وأخرى : حصول العدم. فاختصاص أحد الوقتين بحصول الوجود ~~، والوقت الثانى بحصول العدم. ان لم يتوقف على مرجح مع أن نسبة كل تلك ~~المرجحات الى هذين الوقتين على السوية ، فقد ترجح الممكن المساوى على الآخر ~~من غير مرجح. وهو محال. وان توقف على انضمام مرجح إليه ، لم يكن الحاصل قبل ~~ذلك كل المرجحات. وكنا قد فرضنا حصول كل المرجحات. هذا خلف. # ثم انا ننقل التقسيم المذكور الى هذه الحالة. وهو ان بعد PageV01P178 # حصول هذا القيد وهذا المرجح ، ان كان التأثير واجبا. فهو المقصود. وان لم ~~يكن واجبا عاد التقسيم. وافتقرنا الى قيد آخر ، ولزم التسلسل ، أو الانتهاء ~~الى الوجوب. وهذا كلام قطع لا رجاء فى دفعه. # القول الثانى للمتكلمين فى هذا المقام : وهو ان صدور الفعل عن القادر ، ~~لا يتوقف على انضمام الداعى والمرجح إليه. وهذا القول اختيار أكثر العلماء. ~~وتقريره : ان العطشان اذا خير بين شرب قد حين متساويين من جميع الوجوه ، ~~فانه يختار أحدهما على الآخر لا لمرجح. وكذلك الجائع اذا خير بين أكل ~~رغيفين متساويين من جميع الوجوه. وكذا الهارب من السبع الضارى ، اذا عن له ~~طريقان ، فانه يختار احدهما لا لمرجح. فثبت : أن صدور الفعل عن القادر لا ~~يتوقف على الداعى. ### ||| ** قالت الفلاسفة : الاعتراض على هذا الكلام من وجهين ### |||| ** الأول : انه اذا جاز فى العقل رجحان أحد طرفى الجائز على الآخر لا لمرجح أصلا ، لم ~~يكن الاستدلال برجحان أحد طرفى فى الممكن على الطرف الآخر ، على وجود ~~المرجح ، طريقا صحيحا. واذا كان لا سبيل الى اثبات الصانع الا بهذا الطريق ~~، ثم صار هذا الطريق مطعونا فيه ، لزم بطلان الاستدلال بالامكان والحدوث ~~على اثبات الصانع. # الثانى : انا اذا جربنا من أنفسنا فى القدحين والرغيفين والطريقين ، ~~علمنا : أنه ما لم يحدث فى قلبنا ، ميل وداعية الى اختيار أحدهما دون الآخر ~~، فانا لا نختار ms121 ذلك المعين ، دون الآخر ، أو اذا علمنا : أنه لا بد فى ~~الترجيح من حصول الميل الى أحدهما فى القلب على التعيين. فذلك الميل مرجح ~~خاص. فثبت : أن فى هذه الصورة لم يحصل الرجحان الا مع المرجح. PageV01P179 # اقصى ما فى الباب : أن يقال : لا ندرى لم حدث الميل الى هذا الرغيف ، ولم ~~يحدث الى ذلك الرغيف الآخر؟ لأنا نقول : سبب حدوث الميل فى قلوبنا ليس لميل ~~آخر فى القلب ، والالزام التسلسل ، بل الميول والارادات تنتهى الى ميل ~~وإرادة تحدث فى القلب ، اما بخلق الله تعالى ، أو بسبب من الأسباب ~~السماوية. وحينئذ يكون هذا الاشكال زائلا. # والذي يحقق هذا الكلام : أن العطشان اذا خير بين القدحين ، فانه ما لم ~~يخص أحد القدحين بمد اليد لأخذه ، فانه لا يمكنه أن يشرب ذلك الماء. وما لم ~~يمل قلبه الى أخذ ذلك القدح فانه لا يمد (1) يده إليه. فذلك الميل الخاص ، ~~والإرادة الخاصة ، مرجحة لأحد الطرفين على الآخر. فثبت : أن فى هذه الصورة ~~لم يحصل الرجحان الا لمرجح ، وأما أنه لم حدث الميل الى هذا ولم يحدث الى ~~ذلك؟ فذلك مستند الى الأسباب الفلكية. # أجاب المتكلمون عن السؤال الأول : بأنا لا نقول : ان رجحان أحد طرفى ~~الممكن على الآخر ، لا يحوج الى المرجح فى جميع المواضع ، بل نقول : الشيء ~~اذا وجد بعد عدمه فهذا الحدوث وهذا الامكان هو المحوج الى المقتضى. فأما ~~ترجيح الفعل على الترك فى حق القادر ، فذلك لا يحوج الى المؤثر (2). # والذي يدل عليه : أن الفرق بين القدر المختار ، وبين العلة الموجبة ، أمر ~~معلوم بالضرورة. فان كل أحد يفرق بالضرورة بين كون الانسان مختار فى فعله ~~وقوله وقيامه وقعوده ، وبين كون PageV01P180 # الحجر هابطا بالطبع ، والنار صاعدة بالطبع. وتوقف صدور الفعل عن القادر ~~على المرجح ، يقتضي بأن لا يبقى بين الموجب وبين المختار فرق البتة. وكل ~~نظرى أفضى الى الفساد الضرورى كان باطلا. فعلمنا : أنه لا بد من الاعتراف ~~بأن صدور الفعل عن القادر ، لا يتوقف على المرجح. فهذا منتهى البحث فى هذا ms122 الباب. # وأما الجواب عن السؤال الثانى : فهو أنه ليس القادر عبارة عن الذي عند ~~اختيار الفعل يتصور منه اختيار الترك ، فان ذلك يجرى مجرى (5) الجمع بين ~~الضدين. وهو محال. بل القادر هو الذي يتصور منه اختيار الترك ، بدلا عن ~~اختيار الفعل. وبالعكس. وهذا المعنى معقول فى حق الله تعالى ، فكان قادرا. # لا يقال : نفرض الكلام فى الشيء الذي تعلقت ارادته وقدرته فى الأزل ~~بايجاده فى لا يزال. فنقول : لا حال من الأحوال يشار إليه ، الا ويمتنع من ~~الله تعالى فى ذلك الوقت أن لا يوجد ذلك الفعل. اذ لو لم يوجد ، لا نقطع ~~ذلك التعلق المستمر من الأزل الى ذلك الوقت. وذلك يقتضي تغير صفات الله ~~تعالى ، وزوال ذلك التعلق القديم. وكل ذلك محال. واذا كان كذلك ، فلا حال ~~يشار إليه الا ويجب عقلا كونه تعالى موجدا لذلك الفعل فى ذلك الوقت الخاص ، ~~ويمتنع أن لا يكون مؤثرا فيه. فهذا يكون موجبا لا قادرا. # لأنا نقول : الصلاحية الأصلية كانت حاصلة. وهذا القدر يكفى فى الفرق بين ~~الموجب والمختار. # وأما الجواب عن السؤال الثالث : فهو ان تعلق العلم بوقوع الفعل فى ذلك ~~الزمان المعين ، تبع لوقوع الفعل فى ذلك الزمان المعين ، PageV01P181 # ووقوعه فى ذلك الزمان المعين ، تبع لتأثير القدرة والإرادة بايقاعه فى ~~ذلك الزمان. واذا كن الأمر كذلك ، كان تعلق العلم بوقوعه فى ذلك الزمان ~~المعين تبعا لتبع تعلق القدرة والإرادة بايقاعه فى ذلك الزمان. فيمتنع أن ~~يكون تعلق العلم مانعا من تعلق القدرة والإرادة. # وأما الجواب عن السؤال الرابع : فهو ان المراد من قولنا : انه قادر على ~~الفعل والترك ، هو أنه يمكنه أن يفعل ويمكنه أن لا يفعل ، بل يتركه كما ~~كان. وعلى هذا الوجه يسقط هذا السؤال. # فهذا مجموع الكلام فى الفرق بين القادر ، وبين الموجب. وهو من أدق ~~المباحث العقلية. ### ||| * الفصل الثانى ### ||| * فى ### ||| * اقامة الدلائل (6) على أنه تعالى قادر ### |||| ** اتفق أرباب الملل والأديان : على أن تأثير البارى تعالى فى ايجاد العالم بالقدرة والاختيار. وزعمت ~~الفلاسفة : ان تأثيره فى ms123 وجود العالم بالايجاب كتأثير الشمس فى الاضاءة ، ~~وتأثير النار فى التسخين والاحراق. # فنقول : الدليل على أنه تعالى قادر لا موجب : أنه لو كان البارى تعالى ~~موجبا بالذات ، لكان تأثيره فى وجود العالم : اما أن لا يكون موقوفا على ~~شرط ، واما أن يكون موقوفا على شرط. فان لم يكن موقوفا على شرط ، لزم من ~~قدمه قدم العالم ، أو من حدوث العالم حدوثه. وكلاهما باطلان. وأما ان كان ~~موقوفا على شرط ، فذلك PageV01P182 # الشرط ان كان قديما ، لزم أيضا قدم العالم. وان كان حادثا ، كان الكلام ~~فيه كما فى الأول. فيفضى الى التسلسل. وهو أن يكون كل حادث مسبوقا بحادث ~~آخر قبله. وذلك قول بحوادث لا أول لها. وقد أبطلناه فى مسألة حدوث الأجسام. ~~فثبت : أن القول بكونه تعالى موجبا بالذات ، يفضى الى هذه الأقسام الباطلة ~~، فيكون باطلا ، واذا بطل هذا ، ثبت : أنه تعالى قادر فاعل مختار. # فان قيل : وجود العالم فى الأزل اما أن يكون جائزا أو ممتنعا. فان كان ~~جائزا فحينئذ يلزم قدم العالم. وعلى هذا التقدير ليس لكم أن تقولوا بأن قدم ~~العالم محال. لأن هذا التقدير هو تقدير أن قدم العالم ليس بمحال. واما ان ~~كان قدم العالم محالا ، فنقول : ان العلة الموجبة قد يتخلف عنها أثرها عند ~~تخلف الشرائط ، أو حصول الموانع. ومن أقوى الشرائط : كون المعلول فى نفسه ~~ممكن الوقوع : ومن أقوى الموانع : كونه ممتنع الوقوع. فلم لا يجوز أن يقال ~~: ان الله تعالى موجب بالذات ، لوجود العالم ، الا أنه لم يوجد العالم فى ~~الأزل. لأن تحقق الأزل كالمانع من وجود العالم ، فلما زال المانع ، حصل ~~المعلول؟ # والذي يحقق هذا السؤال : هو أن القدرة. وان لم تكن موجبة لوجود الفعل ~~عنها ، الا أنها موجبة لصحة وجود الفعل. ثم انه تعالى قادر فى الأزل مع أن ~~صحة الفعل غير حاصلة فى الأزل. ولا جواب لكم عن هذا السؤال ، الا أن تقولوا ~~: القدرة توجب صحة الفعل ، بشرط عدم المانع. والأزل مانع من هذه الصحة. ~~ولهذا المعنى حصلت القدرة فى ms124 الأزل ، مع أنه لم تحصل صحة الفعل فى الأزل. ~~واذا صح منكم هذا الجواب فى القدرة ، فلم لا يصح مثله فى جانب الموجب؟ ثم ~~نقول : لم لا يجوز أن يقال : انه تعالى موجب PageV01P183 # لذاته. وجود العالم فى الوقت المخصوص فى الأزل؟ واذا كان كونه موجبا انما ~~حصل على هذا الوجه ، لم يلزم من قدم العلة قدم المعلول. # لا يقال : نسبة ذات الموجب الى جميع الأوقات المقدورة على السوية. ~~فاختصاص الايجاب بذلك الوقت المعين ، يكون ترجيحا للممكن من غير مرجح. وهو محال. # لأنا نقول : ألستم تقولون فى القادر : أنه صدر عنه فعله فى وقت دون وقت ، ~~لا لمرجح أصلا ، مع أن نسبة صلاحية القدرة والإرادة بالنسبة الى كل الأوقات ~~على السوية؟ فلم لا يجوز مثله فى الموجب بالذات؟ # والجواب عن الأول : ثبت أن الأزل مناف لحدوث العالم. ولكن اذا كان العالم ~~محدثا ، كان حدوثه مختصا بوقت معين. ولو كان حادثا قبل أن حدث بتقدير عشرة ~~أيام ، لم يصر بهذا القدر أزليا ، واذا كان كذلك ، فلا وقت يفرض حدوثه فيه ~~، الا وكان المانع وهو الأزل زائلا قبل ذلك الوقت. واذا كان المانع زائلا ~~قبل ذلك الوقت ، وكانت العلة للموجبة حاصلة قبل ذلك ، لزم حدوثه قبل أن ~~حدث. وذلك محال. فوجب القول بأنه تعالى فاعل بالاختيار ، لا أنه موجب ~~بالذات. # وقوله ثانيا : «لم لا يجوز أن يقال : انه تعالى موجب لذاته وقوع العالم ~~فى ذلك الوقت المعين». # قلنا : اذن على هذا التقدير ، يكون تأثير ذات الله تعالى فى وجود العالم ~~مشروطا بحضور ذلك الوقت. وعند هذا يعود القسم الذي ذكرناه ، من أن ذلك ~~الشرط. ان كان قديما لزم قدم المعلول ، وان حادثا كان الكلام فيه كما فى ~~الأول. وهذا يقتضي اشتراط كل حادث PageV01P184 # بحادث آخر ، لا الى أول. وهذا هو القول بوجود حوادث لا أول لها. وقد ~~ابطلناه. ### ||| ** واحتج المخالف على قوله بوجوه : # الحجة الأولى : لا شك أنه تعالى مؤثر فى وجود العالم. فكونه مؤثرا فى ~~العالم اما أن يكون لذاته ، أو لصفة ms125 قديمة أو لصفة محدثة. والقسم الثالث ~~باطل. لأن تلك الصفة المحدثة. ان وقعت لا عن مؤثر ، لزم نفى الصانع. وان ~~افتقرت الى المؤثر ، لزم التسلسل. ولما بطل هذا القسم تعين أحد القسمين ~~الأولين. وهو أن يكون كونه مؤثرا فى العالم. اما لذاته واما الصفة قديمة. ~~واذا كانت هذه المؤثرية اما لأجل الذات واما لأجل الصفة القديمة بالذات ، ~~لزم من دوام الذات ودوام تلك الصفة ، وجوب دوام تلك المؤثرية. اذ لو لم تجب ~~لزم أن يحصل الأثر تارة ، وأن لا يحصل أخرى. فيكون تمييز احدى الحالتين عن ~~الأخرى لا لمرجح. # وهو محال. واذا كانت تلك المؤثرية واجبة الثبوت ، ممتنعة الزوال ، كان ~~موجبا بالذات ، لا فاعلا بالقدرة والاختيار. # الحجة الثانية : القول بكون المؤثر قادرا ، يفضى الى التناقض. فيكون ~~القول به باطلا. انما قلنا : أنه يفضى الى التناقض ، لأن كون قادرا على ~~المقدور ، موقوف على تميز ذلك المقدور فى نفسه عن الممتنعات ، لأنه لو لا ~~ذلك التميز ، لم تكن قدرته عليها أولى من قدرته على الممتنعات. وهذا يقتضي ~~أن يكون تميز المقدور عن غيره سابقا على تعلق قدرة القادرية. # وأيضا : المقدور هو الذي يقع بتأثير القادر وتكوينه. وهذا يقتضي أن يكون ~~تحقق ذات المقدور متأخرا عن تعلق قدرة القادرية. واذا كان تحقق ذاته متأخرا ~~عن تعلق قدرة القادرية ، كان تميزه عن غيره أولى بأن يكون متأخرا عن تحقق ~~ذاته. لأن التميز حكم من أحكام ذاته ، PageV01P185 # وحالة من حوال ذاته. وحكم الشيء وحاله متأخر عن تحقق ذاته. وهذا يقتضي أن ~~يكون تميز المقدور عن غيره ، مقدما على تعلق قدرة القادرية وأن يكون متأخرا ~~عنه. وذلك محال. # فثبت : أن القول بكون القادر قادرا على الشيء ، يفضى الى هذا المحال. ~~فكان القول بكون القادر : قادرا على الشيء ، محالا. # لا يقال : ماهية المقدور (7) متقدمة على تعلق القدرة ، ووجوده متأخر عن ~~تعلق القدرة : كما هو مذهب القائلين بأن المعدوم شيء. # لأنا نقول : اذا كنت الماهية متقررة فى العدم وفى الوجود ، ولا تأثير ~~للقدرة فيها البتة ، لم تكن الماهية ms126 مقدورة البتة ، بل كان المقدور ، اما ~~الوجود ، واما جعل الماهية موصوفة بالوجود. وهذا من حيث ان متعلق القدرة ~~يجب أن يكون متقدما على القدرة ، ومن حيث ان أثر القدرة يجب أن يكون متأخرا ~~عن القدرة. فيعود المحال المذكور. # الحجة الثالثة : وجود المخلوق اما أن يكون معللا بأن القادر قادر ، أو ~~بأن الخالق (8) خلقه وقدره. فان كان الأول لزم أن يقال : انه ما دام يكون ~~قادرا ، يكون المخلوق موجودا. واذا كان كذلك امتنع انفكاك القادر عن وجود ~~المخلوق. وان كان الثانى لزم أن يكون كونه خالقا مغايرا ، لكونه قادر ، ~~لأنه لما صدق أن وجود المخلوق ليس لكونه قادرا ، بل لكونه خالقا. فصدق هذا ~~النفى والاثبات يوجب المغايرة. # ثم نقول : كونه خالقا اما أن يكون حادثا ، وحينئذ يفتقر الى خالقية أخرى. ~~وهو محال. أو يكون قديما ، فنقول الخالقية صفة PageV01P186 # قديمة فتكون ممتنعة الزوال ، واستلزام الخالقية للخلق أمر واجب بالذات. ~~لأن الخلق بدون المخلوق محال. فاذن الذات مستلزمة للخلق ، والخلق مستلزم ~~للمخلوق ، ومستلزم المستلزم مستلزم ، فذات الله مستلزمة لوجود المخلوق. ~~ومتى كان الأمر كذلك ، كان موجبا بالذات لا قادرا بالاختيار. # الجواب عن الأول : ان حدوث الآثار لأجل الصفة القديمة المسماة بالقدرة ~~قوله : «لو كان المقدور قديما ، كان الأثر قديما» وقلنا هذا انما يلزم فى ~~الموجب بالذات ، أما فى القادر بالاختيار فهو ممنوع. # والجواب عن الثانى : ان ما ذكرتموه وارد عليكم فى الموجب ، لأن الموجب لا ~~يوجب الا أثرا معينا. ولو لا امتياز ذلك الأثر عن غيره ، والا لم يكن كونه ~~موجبا لذلك الأثر ، أولى من كونه موجبا لغيره. فيلزم أن يكون تميز ماهية ~~المعلول عن غيرها ، متقدما على تأثير الموجب فيه. ولما كان تحققه بتأثير ~~تلك العلة ، لزم تأخره عنه. فيلزمكم فى الموجب ما ألزمتم علينا فى القادر. # والجواب عن الثالث : انه لا معنى لكونه تعالى خالقا ، الا وقوع المخلوق ~~بقدرته. وعلى هذا التقدير تسقط الشبهة التى ذكرتموها ، وعولتم عليها. PageV01P187 ### ||| * المسألة الثانية عشرة ### ||| * فى ### ||| * إثبات أنه تعالى عالم ### ||| ** وهذه المسألة مرتبة على فصلين ms127 : ### ||| * الفصل الأول ### ||| * فى ### ||| * اقامة الدلالة على أنه سبحانه وتعالى عالم # وبرهانه : ان أفعال الله تعالى محكمة متقنة. وكل من كان فعله متقنا محكما ~~، كان عالما بتلك الأفعال. فثبت : أنه تعالى عالم : أما أن أفعاله محكمة ~~متقنة ، فيدل عليه تشريح بدن الانسان. وقد لخصنا هذا العلم فى «الطب ~~الكبير» الذي صنفناه ، وبلغنا فيه غاية لم يبلغ فيها أكثر من تقدمنا. وأما ~~أن كل من كان فعله محكما متقنا ، وجب أن يكون عالما بتلك الأفعال. فهذه ~~مقدمة بديهية بعد الاستقراء والاختبار. # فان قيل : لم لا يجوز أن يقال : المبدأ الأول الواجب الوجود لذاته ، يوجب ~~بالذات موجودا. وذلك الموجود هو الخالق لهذا العالم. وهو عالم بما فيه من ~~المصالح. الا أن الواجب الوجود الذي هو المبدأ الأول لا يكون عالما. # سلمنا : أن فاعل هذه الأفعال الحادثة فى هذا العالم. هو الله تعالى. لكن ~~ما المراد من كونها محكمة متقنة؟ ان عنيتم بها كونها مطابقة للمصلحة. فنقول ~~: تدعون كنها مطابقة للمصلحة من بعض الوجوه أو تدعون كونها مطابقة للمصلحة ~~من كل الوجوه؟ فان PageV01P188 # أردتم الأول فهو مسلم. لكن لا نسلم أن فعل من كان مطابقا للمصلحة من بعض ~~الوجوه ، يدل على كون الفاعل عالما. لأن الأفعال الصادرة عن النائم والساهى ~~، قد تكون مطابقة للمصلحة من بعض الوجوه ، مع انها لا تدل على علم فاعلها ~~البتة. وان أردتم الثانى ، فلا نسلم أن هذه الحوادث والتركيبات مطابقة ~~للمصلحة من كل الوجوه. وظاهر أن الأمر ليس كذلك. فانه لا شيء من مفردات هذا ~~العالم ومركباته. الا وهو مصلحة من وجه ومفسدة من وجه آخر. ### ||| ** نزلنا عن مقام الاستفسار ، لكن لا نسلم أن الفعل المحكم يدل على كون فاعله عالما. والدليل عليه وجوه : # الأول : وهو أن البيوت المسدسة التى بنتها النحل من غير مسطرة ولا بركار ~~، لا يقدر عليها الانسان. والبيت الذي يتخذه العنكبوت من تلك الخيوط من غير ~~شيء من الآلات والأدوات لا يقدر عليه الانسان. فلو دل ذلك على علم الفاعل ، ~~لزم أن تكون هذه الحيوانات ms128 أكثر علما من الانسان. ومعلوم أن ذلك باطل. # الثانى : وهو أن الفعل المحكم المتقن قد يصدر مرة واحدة من الجاهل. وهذا ~~مشاهد. واذا جاز صدوره مرة واحدة ، جاز صدوره ثانيا وثالثا. لأن الأشياء ~~المتماثلة حكمها حكم واحد. واذا كان كذلك ، بطلت دلالة الفعل المحكم على ~~علم الفاعل. # سلمنا : أن فاعل الفعل المحكم لا بد له من ادراك وشعور ، لكن لم لا يكفى ~~فيه الظن؟ ولم قلتم : انه لا بد له من العلم؟ والدليل عليه : هو أن أكثر ~~هذه الأفاعيل العجيبة الصادرة من الناس ، انما تصدر عنهم حال كونهم ظانين ، ~~لا حال كونهم قاطعين. أقصى ما فى الباب : أن يقال : أن الظان قد يخطئ كثيرا ~~، الا أنا نقول : المصالح الحاصلة فى تركيبات هذا العالم غير خالية عن ~~المفاسد. ولعل هذه المفاسد انما وقعت لأجل أن فاعلها ظان لا عالم. PageV01P189 # والجواب عن السؤال الأول : ان من استدل فى حدوث العالم بدليل الحركة ~~والسكون ، كان هذا السؤال لازما عليه. أما نحن لما بينا أن كل ما سوى الله ~~تعالى محدث ، سواء كان متحيزا أو قائما بالمتحيز ، أولا متحيزا ولا قائما ~~بالمتحيز ، سقط عنا هذا السؤال. لأنه لما كان كل ما سوى الله محدثا ، كان ~~تأثيره سبحانه وتعالى فى ايجادها (1) بالقدرة والاختيار ، لا بالطبع ~~ولايجاب. والموجد للشىء على سبيل القدرة والاختيار ، لا بد وأن يكون له ~~شعور بما يقصد على ايجاده واختراعه. وهذا القدر يكفى فى اثبات كونه تعالى ~~عالما. وأما أنه تعالى عالم بكل الأشياء. فتلك مسألة أخرى. وبهذا الجواب ~~(2) سقط جميع ما ذكروه من الأسئلة. ### ||| ** واحتج قدماء الفلاسفة على انكار العلم بوجوه : # الشبهة الأولى : قالوا : لو كان عالما ، لكان علمه اما أن يكون عين ذاته ~~، أو زائد على ذاته. والقسمان باطلان. ### ||| ** أما أنه لا يجوز أن يكون علمه عين ذاته ، فلوجوه : # أحدها : انا ندرك التفرقة بين قولنا : ذاته. ذاته. وبين قولنا : ذاته ~~علمه. وهذا يوجب التغاير. # والثانى : أنا بعد معرفة أنه موجود ، واجب الوجود لذاته ، نفتقر فى معرفة ~~كونه تعالى عالما الى ms129 دليل منفصل. والمعلوم مغاير لغير المعلوم. ### |||| ** الثالث : ان حقيقة العلم مغايرة لحقيقة القدرة ولحقيقة الحياة. فلو كان الكل عبارة ~~عن حقيقة ذاته ، لزم القول بأن الحقائق الثلاثة PageV01P190 # حقيقة واحدة. وذلك باطل بالبداهة. وأما أنه لا يجوز أن يكون علمه زائدا ~~على ذاته. فلأنه لو كان زائدا على ذاته ، مع أنه صفة قائمة بتلك الذات ، ~~وجب أن يكون ذلك العلم مفتقرا فى تحققه الى تلك الذات. لأن الصفة مفتقرة ~~الى الموصوف ، والمفتقر الى الغير ممكن لذاته ، مفتقر الى المؤثر. والمؤثر ~~فيه ليس الا تلك الذات ، فتكون تلك الذات موصوفة به ، ومؤثرة فيه ، مع أن ~~تلك الذات بسيطة منزهة عن جميع جهات (3) التركيبات. فيكون البسيط قابلا ~~وفاعلا معا. وذلك محال. # لأن المفهوم من كونه قابلا ، غير المفهوم من كونه فاعلا. وهذان ~~المفهومان. ان كانا خارجين عن الذات ، كان المفهوم من استلزام الذات ~~لأحدهما ، غير المفهوم من استلزامها للآخر ، فيعود التقسيم الأول فيه. ولا ~~يتسلسل ، بل ينتهى الى كثرة تقع فى الذات ، فتكون ذاته مركبة من الأجزاء. ~~وكل ما كان كذلك كان ممكنا لذاته ، فيكون الواجب لذاته ممكنا لذاته. وهذا ~~خلف. محال. # الشبهة الثانية : انهم قالوا : ذاته سبحانه وتعالى بدون هذا العلم. اما ~~أن تكون كاملة على الاطلاق. وحينئذ لا يكون فى حصول هذا العلم كمال وجلال. ~~ويجب نفيه. واما أن لا تكون الذات بدون هذا العلم كاملة. وحينئذ تكون الذات ~~الواجبة الوجود : ناقصة بذاتها ، وكاملة بغيرها. وهو محال. # الشبهة الثالثة : كونه إلها للعالم. ان لم يتوقف على اثبات هذا العلم ، ~~لم يجز اثباته. وان توقف عليه ، كان مبدأ العالم مركبا من الذات والعلم. ~~وكل مركب ممكن. فكان مبدأ كل الممكنات ممكنا. وذلك محال. PageV01P191 # والجواب عن الشبهة الأولى : لم لا يجوز أن يكون البسيط حقا ، قابلا ~~وفاعلا معا؟ قوله : «تغاير المفهومين يدل على وقوع الكثرة فى الذات». # قلنا : هذا ينتقض بالوحدة. فانها نصف الاثنين وثلث الثلاثة وربع الأربعة. ~~وهكذا. الى غير النهاية. مع أن الوحدة أبعد الأشياء عن الكثرة. وكذلك ~~النقطة محاذية لجملة ms130 أجزاء الدائرة ، مع أنها غير قابلة للقسمة. # والجواب عن الشبهة الثانية : لم لا يجوز أن يقال : ان كون تلك الذات ~~كاملة ، يقتضي كونها مستلزمة لحصول هذا العلم. ولا نقول : الذات ناقصة ~~بذاتها ، مستكملة بغير هابل ، نقول : كونها كاملة لذاتها يستلزم حصول صفات ~~الكمال. ### |||| ** والجواب عن الشبهة الثالثة : مبدأ العالم هو الذات الواجبة الوجود ، الموصوفة بالعلم والقدرة. والذات هى ~~الواجبة لذاتها ، وبذاتها وهى مستلزمة لهذه الصفات. فلم قلتم : ان ذلك محال؟ ### ||| * الفصل الثانى ### ||| * فى ### ||| * بيان أنه سبحانه وتعالى عالم بكل المعلومات # برهانه : أنه سبحانه وتعالى حي. وكل من كان حيا ، فانه يصح منه أن يعلم ~~كل واحد من المعلومات. والموجب أيضا لهذه العالمية : هو ذاته. ونسبة الذات ~~الى الكل على السوية. فلم يكن بأن توجب ذاته كونه عالما بالبعض ، أولى من ~~أن توجب كونه عالما بالباقى. فلما أوجب كونه عالما بالبعض ، وجب أن يوجب ~~كونه عالما بالباقى. فثبت : كونه تعالى عالما بكل المعلومات. PageV01P192 # واعلم : أن المخالفين فى هذه المسألة طوائف. ونحن نشير الى شبهة كل واحد ~~منهم اشارة خفية : # النوع الأول من المخالفين : الذين يقولون : انه يمتنع كونه تعالى عالما ~~بذاته. احتجوا عليه : بأن كون الشيء عالما بالشيء : اضافة مخصوصة بين ~~العالم ، وبين المعلوم. وهذا لا يحصل الا بين الشيئين. فالشيء الواحد من ~~جميع الوجوه يمتنع كونه عالما بنفسه. وهذا بخلاف علم الواحد منا بنفسه ، ~~فان نفس الواحد منا ليست منزهة عن جميع جهات التركب. فلا جرم صح فى الواحد ~~منا أن يعلم نفسه. # لا يقال : كونه تعالى عالما ، مغايرا لكونه معلوما. فلم لا يكفى هذا ~~القدر من التغاير فى حصول علمه بذاته؟ لأنا نقول : كونه عالما ومعلوما : ~~فرع عن قيام العلم به ، وقيام العلم به : فرع عن هذه التغاير ، فيلزم وقوع الدور. # والجواب ### |||| ** : قد دللنا على أنه تعالى عالم بشيء ما ، وكل من علم الشيء أمكنه أن يعلم ~~كونه عالما بذلك الشيء. ومن علم ذلك فقد علم نفسه. فثبت : أنه تعالى عالم ~~بنفسه: قوله : «ان العلم اضافة مخصوصة ، واضافة الشيء ms131 الى نفسه محال (4)» ~~قلنا : لا نسلم. بدليل : أنه يصح أن يقال : علم ذاته : حقيقته. # النوع الثانى من المخالفين : الذين يسلمون كونه تعالى عالما بذاته ~~المخصوصة ، لكنهم ينكرون كونه عالما بغيره. واحتجوا عليه : بأن العلم بأحد ~~المعلومين : مغاير للعلم بالمعلوم الآخر ، بدليل : أنه لا يصح أن يعلم كون ~~زيد عالما بأحد المعلومين ، مع الشك فى كونه عالما بالمعلوم الآخر. ~~والمعلوم غير المشكوك. فكونه عالما بأحد المعلومين ، يوجب أن يكون مغايرا ، ~~لكونه عالما بالمعلوم الآخر. PageV01P193 # اذا ثبت هذا ، فنقول : لو كان البارى تعالى عالما بالمعلومات الكثيرة ، ~~لوجب أن يحصل فى ذاته بحسب كل معلوم : علم على حدة. وعلى هذا التقدير يحصل ~~فى ذاته كثرة لا نهاية لها. وذلك محال. # الجواب : ليس العلم عبارة عن الصور المساوية للماهيات المعلومات المنطبعة ~~فى ذات العالم ، بل العلم عبارة عن نسب مخصوصة ، واضافات مخصوصة بين ذات ~~العالم وذات المعلوم. واذا كان كذلك ، فكونه عالما بالمعلومات الكثيرة ، ~~يقتضي أن يحصل لذاته نسب كثيرة ، واضافات كثيرة. وهذا لا يقدح فى وحدة ~~الذات. بدليل : أن الواحد نصف الاثنين وثلث الثلاثة ، وربع الأربعة. وهكذا. ~~الى ما لا نهاية له من النسب ولم يقدح فى كون الوحدة وحدة ، فكذلك القول فى ~~هذه المسألة. # النوع الثالث من المخالفين : الذين سلموا كونه تعالى عالما بالماهيات ~~الكلية ، لكنهم منعوا من كونه تعالى عالما بالمتغيرات ، من حيث هى متغيرة. ~~واحتجوا عليه : بأنه تعالى لو علم أن زيدا جالس الآن فى هذا المكان. فاذا ~~قام زيد من ذلك المكان ، فان بقى ذلك العلم كان جهلا ، لأن اعتقاده أنه ~~جالس هاهنا مع أنه غير جالس هاهنا : جهل. وان لم يبق ذلك العلم ، كان ~~تغيرا. والتغير على الله تعالى محال. # واعلم : ان المتكلمين صاروا فريقين بسبب هذه الشبهة. # الفريق الأول وهم جمهور المشايخ من أهل السنة ومن المعتزلة قالوا : ان ~~العلم بأن الشيء سيوجد : نفس العلم بوجوده اذا وجد. واحتجوا على قولهم : ~~بأنا اذا علمنا : أن زيدا سيدخل البلد غدا. فاذا استمر هذا العلم الى الغد ~~والى أن ms132 دخل زيد البلد. فانا بهذا العلم نعلم أن زيدا دخل الآن البلد. ~~فعلمنا بأن العلم بأن الشيء PageV01P194 # سيوجد ، نفس العلم بوجوده اذا وجد. وانما يحتاج الواحد منا الى علم آخر ، ~~لأجل طريان الغفلة على العلم الأول. والبارى تعالى لما امتنع طريان الغفلة ~~عليه ، لا جرم يكون علمه بأن الشيء الفلانى سيوجد ، هو نفس علمه بوجود ذلك ~~الشيء ، حال ما يوجد. # وأما «أبو الحسين البصرى» فقال : هذا المذهب باطل. ويمتنع أن يقال : ~~العلم بأن الشيء سيوجد ، هو نفس العلم بوجوده حال ما يصير موجودا. وله أن ~~يحتج على ذلك بوجوه : # الحجة الأولى : ان من شرط المثلين أن يقوم كل واحد منهما مقام الآخر. ~~والعلم (5) بأن الشيء سيوجد ، لا يقوم مقام العلم بأنه موجود الآن. فان قبل ~~وقوع المعلوم لو اعتقدنا بأنه سيقع بعد ذلك ، كان علما. ولو اعتقدنا أنه ~~واقع الآن كان جهلا. وأما حال وقوعه ، فانه ينقلب الأمر. فلو اعتقدنا بأنه ~~سيقع بعد ذلك ، وأنه الآن غير واقع ، كان جهلا. ولو اعتقدنا أنه الآن واقع ~~، كان علما. فثبت : أن كل واحد منهما لا يقوم مقام الآخر. وذلك يقتضي كون ~~هذين الاعتقادين مختلفين فى الحقيقة. ومع هذا الاختلاف فى الماهية والحقيقة ~~، كيف يمكن دعوى الاتحاد؟ # الحجة الثانية : ان كونه عالما بأنه سيقع ، غير مشروط بكونه واقعا فى ~~الحال. وكونه عالما بوقوعه مشروط بوقوعه فى الحال. والشيئان اللذان يكون ~~أحدهما مشروطا بشيء ، والآخر لا يكون مشروطا بذلك الشيء ، يمتنع أن يكون ~~أحدهما نفس الآخر. # الحجة الثالثة وهى التى عول عليها «أبو الحسين» فقال : مجرد العلم بأن ~~الشيء سيقع. لا يكون علما بوقوعه اذا وقع. فان PageV01P195 # من علم أن زيدا سيدخل البلد (6) غدا. ثم انه جلس فى بيت مظلم لا يميز فيه ~~بين الليل والنهار. وبقى مستديما لذلك العلم ، حتى جاء الغد (7) ودخل «زيد» ~~البلد. فههنا هذا الشخص بمجرد علمه بأن زيدا سيدخل البلد غدا ، لا يصير ~~عالما بأنه دخل الآن فى البلد. فثبت بهذا : أن العلم بأن الشيء سيوجد غدا ، ~~لا يكون ms133 نفس العلم بوجوده اذا وجد. # بلى. من علم أن زيدا سيدخل البلد غدا ، ثم علم حصول الغد. فحينئذ يتولد ~~من هذين العلمين علم ثالث. وهو العلم بأن زيدا دخل البلد الآن. # الحجة الرابعة : ان العلم بالشيء صورة مطابقة لذلك الشيء ولا شك أن حقيقة ~~أنه سيقع بعد ذلك وهو الآن غير واقع مغايرة لحقيقة انه واقع فى الحال ~~وحاصل. واذا اختلفت المعلومات (8) وجب اختلاف العلمين. # الحجة الخامسة : وهو أنه يمكننا أن نعلم كونه عالما بأن الشيء الفلانى ~~سيقع غدا ، حال ما نجهل كونه عالما بوقوعه حال وقوعه. ولما حصل العلم بأحد ~~هذين العلمين حال ما حصل الشك فى حصول العلم الآخر ، علمنا تغاير العلم. # واعلم : أن «أبا الحسين البصرى» كما أبطل بهذه الدلائل قول المشايخ ، ~~التزم وقوع التغير فى علم الله تعالى بالجزئيات المتغيرة. فقال : «الموجب ~~لكونه تعالى عالما بالمعلومات هو ذاته ، لكن شرط هذا الايجاب : حضور تلك ~~المعلومات. فاذا حصل المعلوم واقعا على وجه معين ، حصل شرط كونه الذات. ~~موجبة للعلم بوقوع ذلك الشيء PageV01P196 # على ذلك الوجه ، فيحصل ذلك العلم. واذا عدم وقوع ذلك المعلوم على هذا ~~الوجه زال شرط الايجاب. ولا جرم يزول ذلك العلم ، ويحدث علم آخر بوقوع ذلك ~~المعلوم على الوجه الثانى». ### ||| ** فهذا مذهبه فى هذا الباب. الا أنه يتوجه عليه سؤالان صعبان : # السؤال الأول : انه تعالى قبل أن خلق العالم كان عالما بأنه سيخلقه ، ~~فاذا خلق العالم فهل زال العلم الأول أو لم يزل؟ فان لم يزل كان عالما بأنه ~~سيخلقه الآن ، مع أنه فى نفسه مخلوق. وذلك محال. وأما ان زال العلم الأول ، ~~فذلك العلم الذي زال ، كان قديما أو حادثا؟ فان كان قديما كان هذا قولا ~~بجواز عدم القديم. وحينئذ يبطل دليله على حدوث الأجسام لأن مبنى ذلك على أن ~~عدم القديم لا يجوز. وأما ان كان ذلك العلم محدثا. فهذا العلم المحدث. هل ~~كان مسبوقا بعلم آخر لا الى أول ، أو لم يكن كذلك؟ فان كان الأول. كان هذا ~~قول بحوادث لا ms134 أول لها. وهذا يبطل عليه دليل حدوث الأجسام. وأما ان انتهت ~~هذه العلوم الى علم محدث غير مسبوق بعلم آخر ، كان هذا قولا بأنه تعالى ما ~~كان فى الأزل عالما بأحوال هذه التغيرات ، فيكون هذا جهلا مطلقا لله تعالى. ~~وذلك باطل قطعا. # السؤال الثانى : وهو أن الفلاسفة أقاموا البرهان المطلق على امتناع وقوع ~~التغيرات فى ذات الله تعالى وفى صفاته. فقالوا : كل صفة يفرض ثبوتها فذات ~~الله تعالى من حيث هى هى ، اما أن تكون كافية فى ثبوتها ، أو كافية فى ~~انتفائها ، أو لا تكون كافية لا فى ثبوتها. ولا فى انتفائها. فان كانت ذاته ~~سبحانه كافية فى ثبوتها ، وجب ثبوتها للذات وأبدا. حتى تكون تلك الصفة ~~دائمة الثبوت بدوام ذاته. وان كانت ذاته سبحانه وتعالى كافية فى انتفائها ، ~~وجب انتفاؤها عن الذات أزلا وأبدا ، حتى تكون دائمة الانتفاء بدوام PageV01P197 # ذاته. وأما القسم الثالث ، وهو أن يقال : ان ذاته سبحانه غير كافية فى ~~ثبوت تلك الصفة ولا فى انتفائها ، فعلى هذا التقدير يكون ثبوت تلك الصفة ~~وعدمها ، موقوفين على ثبوت شيء منفصل ، وعلى عدمه. # فنقول : ذات الله تعالى لا تنفك عن ثبوت هذه الصفة ، وعن عدمها. وثبوت ~~هذه الصفة وعدمها موقوفان على ثبوت ذلك الشيء المنفصل وعدمه. والموقوف على ~~الموقوف على الغير ، موقوف على الغير فذات الله تعالى مفتقرة فى تحققها الى ~~الغير. والمفتقر فى تحققه الى الغير ممكن لذاته ، فيلزم أن يكون واجب ~~الوجوب لذاته ، ممكن الوجود لذاته. وذلك محال. فثبت : أن التغير فى صفات ~~الله تعالى محال. فهذا حاصل هذه المباحث فى هذا الباب. # وللفريق الثانى (9) أن يقولوا : ما ذكرتم من الدليل المانع من التغير ، ~~انما يجرى فى الصفات الحقيقية. أما الصفات الاضافية فلا يمكن منع التغير ~~فيها. وكيف لا نقول هذا ، واذا وجد حادث فان الله تعالى يكون معه. فاذا فنى ~~ذلك الحادث ، بطلت تلك المعية؟ وهذا يقتضي وقوع التغير فى الاضافات. واذا ~~ثبت هذا فنقول : هذه التعلقات من باب النسب والاضافات. واذا كان الأمر كذلك ~~، لم ms135 يمتنع وقوع التغيرات فيها. # النوع الرابع من المخالفين : الذين قالوا : انه تعالى فى الأزل كان عالما ~~بحقائق الأشياء وماهياتها ، وأما العلم بالأشخاص والأحوال ، فذلك انما يحصل ~~عند حدوث تلك الأشخاص. وهذا مذهب «هشام PageV01P198 # ابن الحكم» ومذهب «أبى الحسين البصرى» كأنه لا يتمشى الا بالتزام هذا ~~المذهب. ### ||| ** واحتج «هشام بن الحكم» على هذا المذهب بوجوه : ### |||| ** الأول : لو كان تعالى عالما فى الأزل بجميع الجزئيات التى توجد فى لا يزال ، لكان ~~عالما بكل ما يصدر من الناس من أفعالهم ، وعالما بما لا يصدر عنهم. وكل ما ~~علم الله تعالى وقوعه ، كان واجب الوقوع ، وكل ما علم الله تعالى وعدم ~~وقوعه ، كان ممتنع الوقوع. فيلزم : أن يقال : جميع أفعال الخلق اما واجبة ~~الوقوع أو ممتنعة الوقوع. ولو كان الأمر كذلك ، لم يكن لشيء من الحيوانات ~~قدرة على الفعل. # لأن الذي كان معلوم الله تعالى أنه يوجد ، يكون واجب الوقوع. والذي علم ~~أنه لا يصدر منه ، يكون ممتنع الوقوع. ولا قدرة البتة لا على ما يكون واجب ~~الوقوع ، ولا على ما يكون ممتنع الوقوع. وهذا يقتضي أن لا يكون لله تعالى ~~قدرة البتة ، وأن لا يكون لشيء من المخلوقات قدرة البتة ، وأن تكون ~~التكاليف وبعثة الرسل كلها عبثا ضائعا ، وأن يكون الوعد والوعيد والثواب ~~والعقاب كلها عبثا وجورا. وهذا يبطل القول بالربوبية. # لأن نفى القدرة عن الله تعالى يبطل القول بالربوبية ، ويبطل القول أيضا ~~بالعبودية. لأن العبد اذا لم تكن له قدرة على العبودية ، كان الأمر والنهى ~~عبثا ، واذا كان الأمر كذلك ، وجب أن يقال : انه تعالى كان عالما فى الأزل ~~بذاته وبصفاته وبماهيات الأشياء وحقائقها وصفاتها ، وأما العلم بالأشخاص ~~وأحوالها المتغيرة فذلك لا يحصل الا عند دخولها فى الوجود ، حتى تندفع هذه ~~الاشكالات. PageV01P199 # الشبهة الثانية : كل ما كان معلوما ، فهو متميز عن غيره. وكل ما له تميز ~~وتخصص وتعين ، فهو ثابت متحقق. وما لا يكون ثابتا ولا متعينا ولا متحققا ، ~~وجب أن لا يكون معلوما. وهذه الأشخاص وصفاتها وأحوالها ، كانت نفيا محضا ~~وعدما ms136 صرفا ، قبل دخولها فى الوجود. فوجب أن لا تكون معلومة. # لا يقال : لم لا يجوز أن يقال : المعدوم شيء وذات. فلا جرم لم يمتنع ~~كونها معلومة؟ # لأنا نقول : القول بأن المعدوم شيء (هو) باطل. وبتقدير تسليمه فالثابت فى ~~العدم انما هى الذوات والحقائق والماهيات ، أما الذوات بنعت كونها مركبة ~~مؤلفة موصوفة بالأعراض ، فغير ثابتة فى العدم بالاتفاق. واذا كان الأمر ~~كذلك ، وجب أن لا تكون هذه الأشخاص والأحوال معلومة قبل تحققها. # الشبهة الثالثة : لو كان عالما بكل ما سيدخل فى الوجود. لكان عالما بعدد ~~ما يدخل فى الوجود من حركات أهل الجنة وأهل النار ، وكل ما كان عدده معلوما ~~، كان متناهيا. فيلزم اثبات النهاية لثواب أهل الجنة ، ولعقاب أهل النار. ~~وذلك محال. فعلمنا : أنه تعالى لا يعلم هذه المتغيرات الا عند وقوعها. # والجواب عن الشبهة الثانية : انه منقوص بأن كل واحد منا يعلم والقدرة على ~~الايقاع أصل الوقوع. والتبع للشىء لا يكون مانعا من الأصل. # والجواب عن الشبهة الثانية : انه منقوض بأن كل واحد منا يعلم أن الشمس ~~غدا تطلع من مشرقها لا من مغربها. وهذا المعدوم معلوم. PageV01P200 # والجواب عن الشبهة الثالثة : انه تعالى انما يعلم الشيء كما هو ، فان كان ~~له عدد محصور علمه كذلك. وان كان له عدد غير محصور ، كان علمه كذلك. # النوع الخامس من المخالفين : الذين ينكرون كونه تعالى عالما بما لا نهاية ~~له من المعلومات. ولهم فيه شبه : # الشبهة الأولى : انا لما بينا أنه يجب تعدد العلم بتعدد المعلومات فلو ~~كانت المعلومات غير متناهية ، لحصل فى ذات الله تعالى علوم غير متناهية. # ولو أن قائلا يقول : انا لا نثبت العلم لله تعالى ، بل نثبت العالمية : ~~كان هذا نزاعا فى العبارة. ويلزمه : أن يثبت لله تعالى عالميات لا نهاية ~~لها. لأنه لا يمكننا أن نعلم كونه تعالى عالما بأحد هذين المعلومين ، حال ~~شكنا فى كونه تعالى عالما بالمعلوم الآخر المعلوم غير المشكوك # اذا ثبت هذا فنقول : لو كان الله تعالى عالما بما لا نهاية له ، لزم ms137 أن ~~يحصل فى ذاته علوم غير متناهية ، أو عالميات غير متناهية. وذلك محال. لأن ~~كل عدد يوجد ، فانه قابل للزيادة والنقصان ، وكل ما كان كذلك ، وجب أن يكون ~~متناهيا. # الشبهة الثانية : قالوا : كل معلوم فهو متميز عن غيره. وكل متميز عن غيره ~~، فهو متناه. لأن المتميز هو الذي ينفصل عن غيره بحده وطرفه ، فاذن كل ما ~~كان معلوما : فهو متناه. وما لا يكون متناهيا ، يمتنع أن يكون معلوما. # الشبهة الثالثة : مقدورات الله تعالى أقل من معلوماته. والأقل PageV01P201 # من غيره متناه. فمقدوراته متناهية ، ومعلوماته أضعاف مقدوراته ، وأضعاف ~~المتناهى : متناه. فمعلوماته : متناهية. # والجواب عن الأولى : ان علم الله تعالى. لم لا يجوز أن يقال : انه واحد ، ~~وانما تعلقاته غير متناهية. وهذه التعلقات نسب واضافات. ودخول اللانهاية فى ~~النسب والاضافات غير ممتنع. بدليل ما ذكرناه : أن الواحد نصف الاثنين ، ~~وثلث الثلاثة. وهكذا الى ما لا نهاية له؟ # والجواب عن الشبهة الثانية : ان هذه الشبهة اما أن نوردها فى كل واحد من ~~آحاد المعلومات ، أو فى مجموعها. والأول باطل. لأن كل واحد من آحاد ~~المعلومات متناه. والثانى باطل. لأن هذا الكلام انما يتجه لو كان للمعلومات ~~التى لا نهاية لها مجموع وجملة. وذلك محال. لأن المجموع والجملة ، يشعران ~~بالتناهى ، ووصف ما لا نهاية له بكونه مجموعا وجملة : محال. # لا يقال : هذا الذي ذكرتموه مما يؤكد السؤال. وذلك لأن كل ما كان معلوما ~~فهو شيء مشار إليه بحسب اشارة العقل ، فله خصوصية وتعين وتميز ، وكل ما كان ~~كذلك فهو متناه ، فأذن كل معلوم فهو متناه. وما لا يكون متناهيا لا يكون ~~معلوما. # لأنا نقول : انه معلوم من حيث انه غير متناه. وكونه معلوما من هذا ~~الاعتبار ، لا ينافى كونه غير متناه. # والجواب عن الشبهة الثالثة : ان قولنا : المقدورات أقل من المعلومات. هو ~~أن العلم يتعلق بالواجب والممتنع والجائز. والقدرة لا تعلق لها الا ~~بالجائزات. PageV01P202 # النوع السادس من المخالفين : الذين ينكرون كونه تعالى عالما بجميع ~~المعلومات واحتجوا عليه بوجهين : # الأول : لو كان عالما بجميع المعلومات ، لكان ms138 اذا علم شيئا ، علم كونه ~~عالما به ، وعلم كونه تعالى عالما بكونه عالما. وهكذا فى المرتبة الثالثة ~~والرابعة الى ما لا نهاية له ، فيكون له بحسب كل واحد من المعلومات علوم ~~غير متناهية ، لأنها أمور مترتبة ، لأن المرتبة الثالثة مرتبة على الثانية ~~، والثانية على الأولى. فاذا حصلت هاهنا مراتب غير متناهية ، لزم حصول ~~أسباب ومسببات لا نهاية لها دفعة واحدة. وذلك مما ظهر ابطاله فى مسألة ~~اثبات العلم بواجب الوجود. # لا يقال : لم لا يجوز أن يقال : اثبات العلم بالعالم بالشيء ، هو نفس ~~العلم بذلك الشيء؟ # لأنا نقول : هذا باطل من وجوه : # أحدها : ان المعلوم والعلم مما يتغايران ، فوجب أن يكون العلم بالمعلوم ~~مغايرا للعلم بالعلم بذلك المعلوم. # وثانيها : انه لو كان العلم بالعلم بالشيء نفس العلم بذلك الشيء. لكان من ~~علم شيئا ، حضر فى ذهنه العلم بالعلم ، والعلم بالعلم به. وهكذا هذه ~~المراتب الغير متناهية ولما علمنا بالضرورة : أنه ليس كل من علم الشيء حضر ~~فى ذهنه هذه المراتب الغير متناهية ، علمنا : أن العلم بالعلم بالشيء (هو) ~~مغاير للعلم بذلك الشيء. # وثالثها : انه يمكننا أن نعلمه عالما بذلك الشيء ، وان كنا لا نعلمه ~~عالما بكونه عالما بذلك الشيء. والمعلوم مغاير للمشكوك. PageV01P203 # فثبت بهذه الوجوه : أن العلم بالعلم بالشيء. يمتنع أن يكون نفس العلم ~~بذلك الشيء. # الوجه الثانى : انه لو كان عالما بجميع المعلومات ، سواء كانت واقعة ، أو ~~ممكنة الوقوع. فاذا علم الله تعالى جوهرا فردا ، فذلك الجوهر الفرد يمكن ~~وقوعه فى أحياز غير متناهية على البدل ، وفى أزمنة غير متناهية على البدل ، ~~وموصوفة من كل نوع من أنواع الأعراض بأفراد لا نهاية لها على البدل. فهذه ~~المراتب لا نهاية لها ، لا مرة واحدة بل مرارا ، لا نهاية لها. وكل ذلك ~~محال فى جوهر فرد ، وجزء لا يتجزأ. ومعلوم : أن استحضار العلم المنفصل بهذه ~~المراتب دفعة واحدة مما لا يقبله العقل. # والجواب عن الوجه الأول : ان علم الله تعالى واحد. الا أن مراتب تعلقاته ~~غير متناهية ، والتعلقات من باب النسب ms139 والاضافات. ودخول ما لا نهاية له ~~فيها غير ممتنع. كما ضربنا فى المثال ، من الوحدة ، المشتملة على النسب ~~والاضافات التى لا نهاية لها. # والجواب عن الوجه الثانى : أنها محض التعجب. ولا عبرة بذلك فى صفات الله ~~تعالى. فان كما لها وجلالها أعظم من أن يحيط به عقول البشر. # وهذا ما انتهى إليه العقل الضعيف. وجلال الله تعالى منزه عن غايات عقول ~~العقلاء ، ونهايات علوم العلماء. وبالله التوفيق. PageV01P204 ### ||| * المسألة الثالثة عشرة ### ||| * فى ### ||| * إثبات أنه تعالى مريد ### ||| ** وهذه المسألة مشتملة على فصول : ### ||| * الفصل الأول ### ||| * فى ### ||| * شرح حقيقة الإرادة # اعلم : أنه متى صدر عنا فعل أو ترك. فقبل ذلك الفعل وذلك الترك ، يظهر فى ~~قلوبنا حالة تقتضى ترجيح ذلك الفعل على ذلك الترك ، أو بالعكس. والعلم ~~بحصول تلك الحالة المقتضية للترجيح : علم ضرورى. # ثم اختلف العقلاء فى أن تلك الحلة المقتضية للترجيح ما هى؟ فقال قوم من ~~محققى المعتزلة : انما هى الداعية. # * * * # وتحقيق الكلام فى الداعى : ان الانسان قادر على الفعل وعلى الترك. فنسبة ~~قدرته الى طرفى الفعل والترك على السوية ، وما دامت القدرة على هذا ~~الاستواء ، يمتنع حصول الرجحان. لأن الاستواء والرجحان متنافيان. فاذا حصل ~~فى القلب علم أو اعتقاد أو ظن باشتمال ذلك الفعل على نفع زائد ، حصل ~~الرجحان بسبب ذلك. وصار المجموع الحاصل من تلك القدرة ومن ذلك العلم أو ~~الظن أو الاعتقاد : مؤثرا فى وقوع ذلك الفعل. وأما فى حق البارى سبحانه ~~فالاعتقاد والظن ممتنعان ، فلم يبق الداعى فى حق الله تعالى الا العلم ~~باشتمال ذلك الفعل على مصلحة راجحة. PageV01P205 # هذا هو الكلام فى حقيقة الداعية. # * * * # ثم قالوا : تلك الحالة المقتضية للترجيح التى نجدها من قلوبنا ليست الا ~~هذه الداعية. # ومن الناس من قال : الميل والإرادة حالة زائدة على هذه الداعية. واحتجوا ~~عليه بوجهين : # الحجة الأولى : ان الميل قد يوجد ، بدون هذه الداعية. وذلك لأن العطشان ~~اذا خير بين شرب قدحين متساويين من الماء فانه لا بد وأن يرجح أحدهما على ~~الآخر من أجل (1) أنه لا بد وأن يحدث ms140 فى قلبه ميل الى أحد القدحين دون ~~الثانى. وهذا الترجيح حاصل. وليس هذا الترجيح الا عبارة عن الداعية ~~بالتفسير الذي ذكرناه. لأنه لما استوى القدحان فى جميع المنافع المعلومة ~~والمظنونة ، امتنع أن يكون ذلك الميل الذي هو غير مشترك فيه بينهما هو عين ~~هذا العلم والظن ، الذي هو مشترك فيه بينهما. # الحجة الثانية : انا نجد من أنفسنا أنا متى علمنا أو اعتقدنا أو ظننا ~~اشتمال الفعل على هذه المصلحة الزائدة ، فانه يتولد عن ذلك العلم ميل ورغبة ~~وترجيح ، ويكون ذلك الميل كالأمر اللازم لذلك الفعل (2) وكالأمر المتولد ~~منه. ولذلك فان الخصم يقول : ان هذا العلم يدعو الفاعل الى الفعل ، فجعل ~~كون هذا العلم داعيا ، كالأمر المتولد منه. فثبت بهذين الوجهين : أن الداعى ~~مغاير للارادة فى حقنا. PageV01P206 ### ||| * الفصل الثانى ### ||| * فى ### ||| * بيان أن الله تعالى مريد # اتفقت الأمة على اطلاق هذا اللفظ. الا أنهم اختلفوا فى معناه فذهب «حسين ~~النجار» الى أن معناه : أنه تعالى غير مغلوب ولا مستكره. فجعل كونه تعالى ~~مريدا ، وصفا سلبيا. وقال «أبو القاسم البلخى» : معنى كونه مريدا لأفعال ~~نفسه : أنه موجد لها ، ومعنى كونه مريدا لأفعال غيره : أنه آمر بها. وقال ~~«أبو الحسين البصرى» : معنى كونه مريدا لأفعال نفسه أنه دعاه الداعى الى ~~ايجادها. ومعنى كونه مريدا لأفعال غيره : أنه دعاه الداعى الى الحث عليها ، ~~والترغيب فى فعلها. ولعل مذهب «أبى القاسم البلخى» هو هذا. # ومذهبنا : أن كونه تعالى مريدا : صفة زائدة على كونه تعالى عالما وهذا ~~مذهب جمهور البصريين من المعتزلة # لنا : انا وجدنا بعض أفعال الله تعالى متقدمة ، وبعضها متأخرة مع أن ما ~~تقدم ، كان يجوز فى العقل أن يتأخر ، وما تأخر كان يجوز فى العقل أن يتقدم. ~~واذا كان كذلك ، افتقر ذلك التقدم والتأخر ، الى مرجح ومخصص ، لامتناع حصول ~~الرجحان لا عن مرجح. ثم نقول : ذلك المرجح اما القدرة أو العلم أو صفة ~~أخرى. لا جائز أن يكون هو القدرة. لأن خاصية القدرة : الايجاد. وذلك ~~بالنسبة الى جميع الأوقات على السوية. ولا جائز أن ms141 يكون هو العلم. لأن ~~العلم بالوقوع تبع للوقوع. فلو كان هو تبعا لذلك العلم ، لزم الدور. فثبت : ~~أنه لا بد من شيء آخر ، يكون مخصصا ومرجحا سوى القدرة والعلم. وظاهر أن ~~الحياة والكلام والسمع والبصر لا تصلح PageV01P207 # لذلك. ولا بد من اثبات صفة وراء هذه الصفات ، خاصيتها الترجيح والتخصيص. ~~وتلك الصفة هى المسماة بالارادة. # فان قيل : لا نسلم أن تقدم المتأخر ، وتأخر المتقدم جائز. بيانه : ان من ~~المحتمل أن يكون هذه الحوادث الأرضية مستندة الى الاتصالات الفلكية ، وتلك ~~الاتصالات لازمة (3) من كون كل واحد منها (4) متحركا على وجه خاص. وكون كل ~~واحد منهما متحركا على وجه خاص انما كان لأن ماهية كل واحد منها مخالفة ~~لماهية الآخر. فلا جرم كان كل واحد من تلك الماهيات ، قد استلزم نوعا معينا ~~من الحركات. ### ||| ** لا يقال : هذا مدفوع من وجهين : # الأول : ان القول بأن ذات كل واحدة منها هى الموجبة لتلك الحركة باطل لان ~~تلك الماهية باقية ، وتلك الحركة متغيرة ، والباقى لا يكون علة لغير ~~الباقى. ### |||| ** الثانى : ان هذا محتمل. ولكنا قد دللنا على حدوث العالم ، فلم اختص حدوث العالم بذلك ~~الوقت ، ولم يحدث قبله ولا بعده؟ # لأنا نجيب عن الأول : بأنه لا يبعد أن يكون الدائم موجبا للمتغير ، على ~~معنى ان كل حالة متقدمة سابقة ، فانها تكون شرطا لكون ذلك الباقى علة لوجود ~~الحالة المتأخرة (5) وبهذا الطريق لا يمتنع كون الدائم علة للمتغير. # وعن الثانى : ان بتقدير ثبوت القول بحدوث العالم وحدوث الزمان ، لم يكن ~~قبل اول الزمان الحادث زمان آخر ، واذا كان كذلك ، لم يكن له قبل ، واذا لم ~~يكن له قبل استحال أن يقال : لم لم يوجد قبله؟ PageV01P208 # سلمنا صحة التقدم والتأخر ، ولكن لم لا يجوز أن يكون المرجح هو القدرة؟ ~~قوله : «خاصية القدرة الايجاد. وهذا بالنسبة الى الأوقات مما يختلف» (6) ~~قلنا : وكذلك خاصية الإرادة التخصيص بوقت مين ، لا بهذا الوقت المعين. فلو ~~افتقرت القدرة الى مرجح آخر ، لافتقرت الإرادة أيضا الى مرجح آخر. ولزم ~~التسلسل. # وتمام تقرير هذا السؤال ms142 : ان القدرة كما أنها صالحة للايجاد فى هذا الوقت ~~، بدلا عن ذلك الوقت ، وفى ذلك الوقت ، بدلا عن هذا الوقت : فكذا الإرادة ~~صالحة للتخصيص بذلك الوقت ، بدلا عن هذا الوقت ، وبهذا الوقت بدلا عن ذلك ~~الوقت. فان كانت تلك الصلاحية فى القدرة تحوجها الى الإرادة. فهذه الصلاحية ~~فى الإرادة تحوجها الى مخصص آخر ، وان استغنى هاهنا عن المرجح ، فكذا هناك. ~~فظهر أنه لا فرق بين الصورتين. # لا يقال : لم لا يجوز أن يقال : إرادة الله تعالى من شأنها تخصيص كل حادث ~~بالوقت الذي حدث فيه ، وليس لها صلاحية أن تخصص احداث ما حدث فى وقت بوقت ~~آخر ، وعلى هذا التقدير تستغنى الإرادة عن مرجح آخر. لأنا نقول : هذا باطل ~~من وجوه : # الأول : ان على هذا التقدير لا يكون صانع العالم فاعلا مختارا ، بل علة ~~موجبة بالذات. لأنه لما كان بحال أوجب أن يكون مؤثرا فى الايجاد فى هذا ~~الوقت ، ويمتنع عقلا أن يكون موجدا له فى وقت آخر ، لم يكن له اختيار البتة ~~، بل كان موجبا بالذات. # الثانى : لو جاز هذا الكلام فى الإرادة ، فلم لا يجوز مثله فى القدرة؟ ~~وهو أن يقال : قدرة الله لها صلاحية الايجاد فى ذلك الوقت PageV01P209 # المعين ، وليس لها صلاحية الايجاد فى سائر الأوقات. وعلى هذا التقدير ~~تستغنى هذه القدرة عن الإرادة. # الثالث : ان الأوقات متساوية ، فلو جاز أن يقال : هذا الوقت المعين له ~~خاصية ، وإرادة الله تعالى لا تصلح لتخصيص الحادث المعين ، الا به. فلم لا ~~يجوز أن يقال : لكل واحد من الأوقات خاصية ، والمؤثر فى حدوث هذه الحوادث ~~هو خواص هذه الأوقات؟ وعلى هذا التقدير يكون المؤثر فى حدوث الحوادث هو ~~الأوقات لا الصانع. ويلزم منه نفى الصانع. # سلمنا : أنه لا يجوز أن يكون المرجح هو القدرة ، فلم لا يجوز أن يكون ~~المرجح هو العلم؟ قوله : «العلم بالوقوع تبع للوقوع ، فلا يجوز أن يكون ~~مؤثرا فى الوقوع» قلنا : نحن لا نقول : المؤثر فى الوقوع هو العلم بالوقوع ~~بل نقول : علم الله تعالى باشتمال ms143 هذا الفعل على الاحسان الى الغير ، مع ~~كونه عاريا عن جميع جهات القبح : سبب لرجحان الفعل على الترك. وعلى هذا ~~التقدير يندفع ما ذكرتم. ### ||| ** والجواب : # أما السؤال الأول. فجوابه : أن الزمان وان كان محدثا. لكن لنفرض أن من ~~أول حدوث الزمان الى هذا اليوم ، دار فلك الثوابت مائة الف مرة. وكان يجوز ~~فى العقل أن يوجد العالم بحيث يكون من أول حدوث الزمان الى هذا اليوم ، قد ~~دار فلك الثوابت مائة وخمسين ألف مرة. ويجوز أيضا بحيث يكون من أول الحدوث ~~الى هذا اليوم ، دار فلك الثوابت خمسين ألف مرة. فهذا هو المراد من التقدم ~~والتأخر. واذا تلخص هذا ، ظهر الاحتياج الى المخصص والمرجح. # وأما السؤال الثانى. فجوابه : ان المفهوم من التخصيص غير المفهوم من ~~التكوين. واذا اختلف المفهومان وتغاير الاعتباران ، سمينا PageV01P210 # مفهوم مبدأ التخصيص بالارادة. وسمينا مفهوم مبدأ الايجاد بالقدرة. ### |||| ** وأما السؤال الثالث. فجوابه : انا سنقيم الدلالة على أنه تعالى خالق لجميع أفعال العباد ، واذا كان الأمر ~~كذلك ، بطل تعليل أفعال الله تعالى بالحسن والقبح ورعاية المصالح. ### ||| ** وأما الفلاسفة. فقد احتجوا على نفى كونه تعالى مريدا بوجوه : # الشبهة الأولى : ان كل من قصد الى ايجاد شيء ، فلا بد وأن يكون تحصيل ذلك ~~الفعل أولى فى علمه واعتقاده من تركه. وكل من كان كذلك ، كان قبل ذلك الفعل ~~ناقصا ، ويصير مستكملا بسبب ذلك الفعل. وهذا فى حق الله تعالى محال. # أما بيان المقدمة الأولى وهى : أن كل من قصد الى شيء ، فلا بد وان يكون ~~ذلك الفعل أولى فى اعتقاده من تركه فالدليل عليه : أنه لو لم تحصل هذه ~~الأولوية فى اعتقاد ذلك الفاعل ، لكان الفعل والترك بالنسبة إليه سيان. ولو ~~كان كذلك امتنع كونه مرجحا للفعل على الترك. لأن حصول الترجيح بدون المرجح محال. # وأما بيان المقدمة الثانية وهى أن كل من كان وجود ذلك الفعل أولى به من ~~عدمه فهو ناقص فدليله : أنه اذا فعل ذلك الفعل ، حصلت تلك الأولوية ، واذا ~~لم يفعل لم تحصل. فكان ناقصا بذاته ms144 ، مستكملا بغيره. # لا يقال : لم لا يجوز أن يقال الفعل والترك وان استويا بالنسبة إليه الا ~~أن الفعل أصلح للغير من الترك ، وهذا : الفاعل يرجح الفعل ، لا لأنه أنفع ~~له ، بل لأنه احسان الى الغير وايصال للنفع الى الغير؟ لأنا نقول : الاحسان ~~الى الغير وتركه ان استويا بالنسبة إليه ، امتنع الترجيح ، وان لم يستويا ، ~~كان الاحسان الى الغير أولى PageV01P211 # به. فيكون الاحسان الى الغير سببا لاستكماله ، وتركه يصير سببا لنقصانه. ~~فيعود المحذور المذكور. # الشبهة الثانية لهم : قالوا : لو كان الله تعالى مريدا ، لكان مريدا ~~بإرادة محدثة. وهذا محال فذلك محال. أما بيان الملازمة فهو أن القصد الى ~~الايجاد يمتنع حصوله ، الا عند حصول ذلك الايجاد ، فأما قبل حصول ذلك ~~الايجاد. فذلك لا يكون قصدا الى الايجاد ، بل يكون ذلك عزما على أنه سيوجد ~~فى الوقت الفلانى. # لا يقال : لم لا يجوز أن يكون العزم على أنه سيفعل غدا ، يكون نفس القصد ~~الى الايجاد عند حضور الغد؟ لأنا نقول : ان من عزم على أن يفعل بكرة الغد ، ~~ثم جلس فى بيت مظلم ، لا يميز فيه بين الليل والنهار ، واستمر ذلك العزم فى ~~قلبه الى أن جاء الغد. لكنه لم يعلم مجىء الغد. فانه لا يصير قاصدا الى ~~الفعل. ولو كان العزم على الفعل غدا ، يكون عين القصد الى الفعل عند مجىء ~~الغد ، لصار عند مجىء الغد قاصدا للفعل ، بل اذا كان عازما على الفعل غدا ، ~~ثم أحس مجىء الغد ، تولد من ذلك العزم ، ومن هذا العلم : قصد الى هذا ~~الفعل. فثبت : أن القصد الى احداث الفعل ، لا يتحقق الا حال حدوث الفعل. ~~فثبت : أنه تعالى لو كان يفعل الأفعال بالقصد والإرادة ، لكانت إرادة لا ~~محالة محدثة. # وانما قلنا : انه يمتنع أن تكون ارادته محدثة ، لأنها لو كانت محدثة ~~لافتقر فى خلق تلك الإرادة الى إرادة اخرى ، فيلزم اما الدور ، واما ~~التسلسل. وكل ذلك محال ، فثبت : أنه يمتنع كونه تعالى مريدا. # لا يقال : أليس من الناس من قال : ان علم الله تعالى ms145 بالمتغيرات PageV01P212 # متغير متجدد؟ وقال : ان ذاته تعالى توجب العلم بذلك المعلوم عند حدوث ذلك ~~المعلوم ، فلا جرم استغنى حدوث ذلك العلم عن علم آخر ، فلم لا يجوز مثله فى ~~الإرادة؟ # لأنا نقول : العلم بالشيء تبع لوقوع ذلك الشيء. فاذا حدث ذلك الشيء ، ~~أمكن أن يقال : ذاته تعالى توجب ذلك العلم ، بشرط وقوع ذلك المعلوم. أما ~~إرادة الوقوع فمؤثرة فى الوقوع ومتقدمة عليه ، فيمتنع أن يقال : ان ذاته ~~تعالى توجب إرادة الوقوع بشرط الوقوع. # واذا لم يمكن جعل وقوع المراد شرطا لكون ذاته موجبا لحدوث الإرادة ، لم ~~يبق الا أن يقال : انه تعالى أحدث تلك الإرادة على سبيل الاختيار. وحينئذ ~~يلزم التسلسل. فظهر الفرق بين العلم والإرادة. # الشبهة الثالثة : لو كان البارى تعالى مريدا لخلق العلم ، لكان اما ان ~~يريد خلق العالم فى جميع الأوقات أزلا وأبدا ، أو يريد تخصيص خلق العالم ~~بوقت معين. والأول يقتضي قدم العالم. واذا كان العالم قديما دائما موجودا ، ~~امتنع القصد الى الايجاد. لأن القصد الى ايجاد الموجود محال. وهذا القسم ~~يفضى ثبوته الى عدمه ، فيكون باطلا. # والثانى أيضا باطل. لأن ذلك الوقت ما كان موجودا فى الأزل ، والا عاد ~~التقسيم الأول. وهو أن ذلك الوقت قد حدث بعد أن لم يكن ، فيعود التقسيم ~~الأول فيه. وهو أنه تعالى اما أن يقال : انه أراد خلق ذلك الوقت أزلا وأبدا ~~، أو أراد خلقه فى وقت معين. والأول يلزم منه القدم ، والثانى يلزم منه ~~اشتراط كل وقت بوقت آخر. ويلزم التسلسل. وهو محال. # الشبهة الرابعة : لو كان البارى تعالى مريدا لاحداث العالم ، PageV01P213 # لكانت تلك الإرادة اما أن تكون قديمة أو محدثة. والقسمان محالان ، فثبوت ~~الإرادة فى حق الله تعالى محال. ### ||| ** انما قلنا : انه لا يجوز ان يكون مريدا بإرادة قديمة لوجهين : # الأول : ان على هذا التقدير يكون حصول الفعل فى ذلك الوقت المعين من ~~لوازم تلك الإرادة. وتلك الإرادة لكونها قديمة أزلية ممتنعة التغير ~~والزوال. ولازم اللازم لازم ، فيكون عدم وقوع ذلك الفعل فى ذلك الوقت ~~ممتنعا. واذا ms146 كان ذلك ، كان الصانع موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار. فاذن ~~القول بقدم الإرادة يفضى الى نفى الإرادة. والصفة اذا أدت الى نفى الذات ، ~~كان القول بتلك الصفة باطلا ، فبطل القول بكون تلك الإرادة قديمة. ### |||| ** الثانى : ان بدخول ذلك الفعل فى الوجود ، لا تبقى الإرادة متعلقة بايجاده ، لأن ~~ايجاد الموجود محال. فلو كان ذلك التعلق قديما ، لزم عدم القديم وهو محال. # فثبت بهذين الوجهين : انه يمتنع كونه تعالى مريدا بإرادة قديمة. # وانما قلنا : انه يمتنع كونه تعالى مريدا بإرادة محدثة : لما ذكرنا أنه ~~يلزم التسلسل فى الارادات. ولما بطل القسمان ، ثبت أن فاعلية الله تعالى ~~غير موقوفة على الإرادة. # والجواب عن الشبهة الأولى : قوله : «المريد لا يرجح أحد الطرفين على ~~الآخر ، الا اذا كان أحد الطرفين أولى به فى علمه أو ظنه أو اعتقاده» قلنا ~~: هذا مدفوع. ودليله ما ذكرنا فى مسألة القدحين والرغيفين والطريقين. PageV01P214 # والجواب عن الشبهة الثانية : ان إرادة ايقاع الفعل عند مجىء الغد ، هو ~~نفس القصد لايقاع الفعل عند مجىء الغد. والكلام فيه عين ما ذكرناه فى مسألة ~~أن العلم بأن الشيء سيوجد ، نفس العلم بوجوده اذا وجد. # والجواب عن الشبهة الثالثة : انه لما كان ايجاد هذا الزمان المعين ، غير ~~موقوف على زمان آخر ، فلم لا يجوز أن تكون إرادة احداثه ، لا تفتقر الى ~~زمان آخر؟ # والجواب عن الشبهة الرابعة : ما قدمناه فى مسألة اثبات القدرة. ### ||| * الفصل الثالث ### ||| * فى ### ||| * شرح مذاهب الناس فى كونه تعالى مريدا # اعلم : أن المفهوم من كونه تعالى مريدا. اما أن يكون صفة سلبية أو ~~ثبوتية. أما القول بأنه أمر سلبى فهذا هو المنقول عن «النجار» أنه قال : ~~«معنى كونه تعالى مريدا : أنه غير مقهور ولا مغلوب» (7) وأما الذين فسروه ~~بمعنى ثبوتى. فذلك المعنى اما أن يكون معللا بذاته أو بمعنى. # أما الأول فهو القول الثانى ل «النجار» وذلك أنه قال : انه تعالى مريد ~~لذاته. وأما الذين قالوا : المريدية معللة بمعنى ، فذلك المعنى اما أن يكون ~~قديما قائما بذات الله تعالى. وهذا هو قول ms147 اصحابنا. واما أن يكون محدثا. ~~وعلى هذا التقدير فهذه الإرادة المحدثة. اما أن تكون قائمة بذات الله تعالى ~~وهو قول الكرامية PageV01P215 # أو موجودة لا فى محل وهو قول «أبى على» و «أبى هاشم» و «القاضى عبد البحار ~~بن احمد» واما أن تكون قائمة بذات غير الله تعالى. وما رأيت أحدا اختار هذا ~~القسم. فهذا تفصيل مذاهب الناس فى هذه المسألة. ولما كثر خوض المتقدمين فى ~~هذه المباحث ، لا جرم اكتفينا فيها بالقليل من القول. # فأما قول «النجار» ان معنى كونه مريدا : «أنه غير مقهور ولا مغلوب» فهذا ~~باطل. لأن الجماد والنائم غير مقهور ، مع أنه ليس بمريد. وأما قول من قال : ~~كونه مريدا هو نفس ذاته. فهو أيضا باطل. لأنه لما دل الدليل على استناد هذا ~~العالم الى موجود واجب الوجود لذاته ، فقد علمنا ذاته بعد ما علمنا كونه ~~مريدا. والمعلوم غير ما هو غير معلوم. وأما قول من قال : ان ارادته محدثة. ~~فهو باطل. لأنه لما ثبت أن احداث المحدثات موقوف على الإرادة. فلو كانت ~~الإرادة محدثة ، لافتقر احداثها الى إرادة أخرى. ولزم التسلسل. # وأما قول «الكرامية» انه تحدث الإرادة فى ذاته. فهو أيضا باطل. لما ثبت ~~أن ذاته يمتنع أن تكون محلا للحوادث. # واما قول «المعتزلة» انه تحدث الإرادة لا فى محل. فهذا أيضا باطل. ويدل ~~عليه وجهين : # الأول : ان وجود عرض لا فى محل ، بعيد عن العقول. ولو جاز ذلك ، فلم لا ~~يجوز وجود سواد لا فى محل ، وبياض لا فى محل؟ وكذا القول فى سائر الأعراض. # الثانى : ان ذوات الحيوانات تصح عليها صفة المريدية ، فلو PageV01P216 # جوزت (1) إرادة لا فى محل ، لكانت نسبة تلك الإرادة الى ذات الله تعالى ، ~~كنسبتها الى سائر الذوات. فوجب أن توجب صفة المريدية لكل من يصح أن يكون ~~مريدا ، لعدم الاختصاص ، فيلزم أن كل ما يريده الله تعالى ، يريده كل ~~الاحياء. وذلك باطل. # فان قيل : ذات الله تعالى لا فى محل. وهذه الإرادة لا فى محل. فكان ~~اختصاص هذه الإرادة بذات الله ms148 تعالى أولى من اختصاصها بسائر الأحياء. # قلنا : كونه لا فى محل مفهوم سلبى ، فلا يجوز أن يكون ذلك علة لاختصاص ~~صفة المريدية بذات الله تعالى ، لأن السلب لا يكون علة للثبوت. واذا ظهر أن ~~هذا القيد لا يصلح أن يكون علة لهذا الاختصاص ، عاد المحذور المذكور. ~~وبالله التوفيق. PageV01P217 ### ||| * المسألة الرابعة عشرة ### ||| * فى ### ||| * كونه تعالى حيا # مذهب «أبى الحسين البصرى» أن الحى هو الذي لا يمتنع أن يعلم ويقدر. # وقال أصحابنا : الحياة صفة قائمة بالذات ، لأجلها لا يمتنع على الذات أن ~~تعلم وتقدر. # وحجة أصحابنا على قولهم : ان الذوات على قسمين : منها ما يصح عليه أن ~~يعلم ويقدر ، ومنها ما لا يصح ذلك عليه. وهى الجمادات. والقسمان متساويان ~~فى الذاتية. ولو لا امتياز ما يصح عليه أن يعلم ويقدر عما لا يصح عليه ذلك ~~، والا لما حصل هذا التفاوت. # قال «أبو الحسين البصرى» : انا قد دللنا على أن ذاته تعالى مخالفة لسائر ~~الذوات ، لنفس ذاته المخصوصة ، فلم لا يجوز أن تكون صفة العالمية والقادرية ~~فى حق الله تعالى معللة بذاته المخصوصة؟ وهذا سؤال حسن. # والمعتمد لنا أن نقول : قولك الحى هو الذي لا يمتنع عليه أن يعلم ويقدر : ~~هذا اشارة الى نفى الامتناع والامتناع سلب. ونفى الامتناع (2) سلب السلب ، ~~فيكون أمرا ثبوتيا. ثم هذا الأمر الثبوتى ليس هو نفس الذات. لأنا اذا علمنا ~~انتهاء الممكنات الى واجب الوجود لذاته ، فقد علمنا ذاته. وبعد ما علمنا ~~هذا الأمر أعنى قولنا لا يمتنع أن يعلم ويقدر والمعلوم مغاير لغير المعلوم ~~، يثبت : أن كونه تعالى حيا : صفة حقيقية قائمة بذاته. وهو المطلوب. PageV01P218 ### ||| * المسألة الخامسة عشرة ### ||| * فى ### ||| * إثبات أن لله تعالى علما وقدرة # اعلم أنا لا ندعى فى هذه المسألة أزيد من أن المفهوم من كونه تعالى عالما ~~قادرا حيا ، ليس نفس المفهوم من ذاته ، بل هو أمر مغاير لذاته. فان كانت ~~«المعتزلة» تساعدنا على هذا القدر ، فقد حصل الوفاق وزال الخلاف. واعلم : ~~أن أكثر المتكلمين تخبطوا فى تعيين محل النزاع فى هذه المسألة. # وتحقيق ms149 الكلام أن نقول : ان كل من علم أمرا من الأمور ، فانه لا بد وأن ~~يحصل بين العلم وبين المعلوم نسبة مخصوصة ، واضافة مخصوصة. هذه الاضافة هى ~~التى يعبر عنها المتكلمون بالتعلق ، فيقولون : العلم متعلق بالمعلوم. ~~وعندنا : أن العلم عبارة عن نفس هذا التعلق وعن نفس هذه الاضافة المخصوصة. ~~وندعى أن هذه الاضافة والنسبة : مغايرة لنفس الذات. فالعلم مع هذه الاضافة ~~المخصوصة أمران ، لا أمر واحد. # وجماعة من الأصحاب : أثبتوا أمورا ثلاثة : الذات والعلم وهو صفة حقيقية ~~قائمة بالذات ثم أثبتوا لهذه الصفة هذه النسبة وهذه الاضافة وهذا التعلق. ~~فيكون هذا التعلق حاصلا بين تلك الصفة وبين المعلوم. # وأما القاضى «أبو بكر الباقلانى» فظاهر كلامه يشعر باثبات أمور أربعة : ~~الذات والعلم ، ثم العلم يوجب العالمية هذه أمور PageV01P219 # ثلاثة ثم هاهنا أمر (1) آخر ، وهو أنهم أثبتوا هذا التعلق للعالمية لا ~~للعلم او للعلم للعالمية. وعلى هذا التقدير يكون الحاصل هناك أمور أربعة. ~~وأما ان أثبتوا التعلق للعالمية وللعلم ، فيكون الحاصل هناك أمورا خمسة : ~~الذات ، والعلم ، والعالمية ، وتعلق العلم ، وتعلق العالمية. وأكثر من ~~تقدمنا ما بحثوا عن هذه الفروق. فلذا بقيت مخبطة غير ملخصة (2). # والذي ندعيه ونقوله : أنه لا بد من اثبات الذات. ولا بد من اثبات النسبة ~~والاضافة وهى المسماة بالشعور وبالعلم. وأما اثبات سائر الأمور فذاك مما لا ~~ندعيه ولا نتعرض له. والدليل القاطع على ثبوت هذه المغايرة : أنا اذا علمنا ~~انتهاء الممكنات الى موجود واجب الوجود لذاته ، لم يلزم من علمنا بهذا ~~القدر ، علمنا بكونه تعالى عالما قادرا ، بالمعنى الذي ذكرناه. والمعلوم ~~مغاير لغير المعلوم. فكان كونه تعالى عالما قادرا ، ليس عين ذاته. ثم هذا ~~المفهوم الزائد ليس أمرا سلبيا. ويدل عليه وجهان : # الأول : انا نعلم بالضرورة : أن كون العالم عالما ، عبارة عن نسبة مخصوصة ~~بين العالم والمعلوم. وليست هذه النسبة وهذه الاضافة ، عبارة عن سلب شيء أو ~~عن عدم شيء آخر. # والثانى : وهو أن العلم لا يكون عبارة عن عدم أى شيء كان ، بل يكون عبارة ~~عن عدم الجهل. ms150 لأن الجهل ان أريد به عدم العلم ، كان العلم عبارة عن عدم ~~العدم ، فيكون ثابتا ، وان أريد به اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه ، لم ~~يلزم من عدم هذا المعنى حصول PageV01P220 # العلم. لأن الواحد منا قد يكون خاليا عن الجهل بالشيء بهذا التفسير ، مع ~~أنه لا يكون عالما بالشيء. فثبت : أن كونه تعالى عالما قادرا ، أمر زائد ~~على ذاته. وهو المطلوب. # قال أصحاب «أبى هاشم» : نحن لا ننازع فى اثبات هذا الزائد. لا أنا نقول : ~~هذا الزائد صفة. والصفة لا تكون معلومة ولا مجهولة وأنتم تقولون : هذه ~~الصفة معلومة. فموضع الخلاف هاهنا. # الا أنا نقول : اثبات صفة غير معلومة ، مذهب اختاره «أبو هاشم» و «القاضى ~~عبد الجبار بن أحمد» وهو فى غاية الضعف ويدل عليه وجوه : # الحجة الأولى : ان التصديق مسبوق بالتصور ، فلولا أنكم تصورتم هذه الصفة ~~، والا لامتنع منكم أن تحكموا عليها بأنها غير معلومة. وهذا القول يؤدى ~~ثبوته الى نفيه. فيكون باطلا. # الحجة الثانية : انا نعلم كون الذات موصوفة ، ولو لا أنا تصورناها ~~وعقلناها ، والا لما كان يمكننا أن نحكم بكون الذات موصوفة بها. # الحجة الثالثة ### |||| ** : انكم تميزون بين الصفة المسماة بالعالمية ، وبين الصفة المسماة بالقادرية ، ~~وتفرقون أن باعتبار صفة القادرية يصح الايجاد ، وباعتبار صفة العالمية يصح ~~الاتقان والاحكام. ولو لا أنكم تصورتم هذه الصفات وعقلتموها ، لما قدرتم ~~على هذا التمييز. # واحتج منكرو الصفات بوجوه : # أما الفلاسفة : فقد عولوا على حرف واحد ، وهو أنه ثبت أن ذاته سبحانه ~~وتعالى واجب الوجود لذاته ، فلو اتصفت تلك الذات PageV01P221 # بصفة ، لكانت تلك الصفة اما أن تكون واجبة لذاتها ، أو ممكنة لذاتها. # والأول باطل بوجهين : # أحدهما : ما ثبت أن واجب الوجود لذاته ، يمتنع أن يكون اكثر من واحد. # وثانيهما : ان الصفة مفتقرة الى الذات. والمفتقر الى الغير ممكن لذاته ، ~~لا واجب لذاته. وأما أن كانت الصفة ممكنة لذاتها ، افتقرت الى مؤثر. ولا ~~مؤثر الا تلك الذات. فيلزم كون الذات البسيطة قابلة وفاعلة معا. وذلك محال. ~~وهذه الشبهة قد ذكرنا جوابها فيما ms151 قبل. # وأما المعتزلة : فقد تمسكوا فى نفى [مطلق] الصفات بوجوه : # أولها : عالمية الاله صفة واجبة والواجب لا يعلل. وانما قلنا : ان ~~عالميته صفة واجبة والواجب لا يعلل. لأنها لو كانت جائزة لا فتقرت الى ~~الموجد والمخصص. وانما قلنا : ان الواجب لا يعلل ، لأن الافتقار الى العلة ~~انما يكون لأجل أن يترجح وجوده على عدمه ، لا لأجل تلك العلة. واذا كان ~~الرجحان على سبيل الوجوب حاصلا ، وجب كونه غنيا عن العلة. # الشبهة الثانية : لو كان علم الله تعالى أمرا زائدا على ذاته ، لكان الله ~~تعالى محتاجا فى أن يعلم الأشياء ويقدر عليها الى تلك الصفة. والحاجة على ~~الله تعالى : محال. # الشبهة الثالثة ### |||| ** : المعقول من قيام العرض بالجوهر : كون العرض حاصلا فى الحيز المعين ، تبعا ~~لحصول محله فيه. والحال انما يتميز عن المحل ، بسبب أن الحال حاصل فى ذلك ~~الحيز على سبيل التبعية. والمحل حاصل فيه على سبيل الأصالة. أما فى حق الله ~~تعالى فذاته غير مختصة بالمكان والجهة أصلا ، فلم يحصل التفاوت بين الصفة ~~والموصوف من هذا الوجه. وحينئذ لم يكن جعل أحدهما موصوفا ، PageV01P222 # والآخر صفة ، أولى من انقلب والعكس. فيلزم كون كل واحد منهما موصوفا ~~بالآخر وصفة له. وذلك محال. ولما كان القول بقيام الصفة بذاته يفضى الى هذا ~~المحال ، وجب أن يكون قيام الصفة بذاته محالا. # الشبهة الرابعة : لو قامت الصفات القديمة بالذات القديمة ، لكانت الصفات ~~والذات متشاركتين فى القدم. والقدم وصف ثبوتى ، لأنه عبارة عن نفى العدم ~~السابق. ونفى النفى ثبوت. فاذن الذات والصفات تشتركان فى هذا الوصف الثبوتى ~~المسمى بالقدم. فاما أن يتميز الذات عن الصفة باعتبار آخر ، أو لا يتميز. ~~فان تميز. فما به المشاركة غير ما به المباينة ، فيكون كل واحد من الذات ~~والصفات متركبا من هذين الاعتبارين أعنى ما به يشتركان وما به يتباينان ثم ~~ان كل واحد من ذينك الاعتبارين لا بد أن يكون أيضا قديما ، لأنه جزء جزء ~~القديم. واذا اشترك ذانك الجزءان فى القدم ، فلا بد وأن يتباينا باعتبار ~~آخر ، وحينئذ ms152 يتركب كل واحد من ذينك الجزءين من جزءين آخرين. ويلزم ~~التسلسل. وهو محال. # وأما ان قلنا : بأن الذات والصفات بعد اشتراكهما فى القدم ، لا يتميز كل ~~واحد منهما عن الآخر بماهية مخصوصة ، فحينئذ تكون الذات والصفة مثلين. ولما ~~كانت الذات إلها وجب أن تكون الصفة إلها ، فيكون هذا قولا بتعدد الآلهة. # وأيضا اذا كانت الذوات والصفات متماثلين ، لم يكن قيام أحدهما بالآخر ~~أولى من قيام الآخر به ، فتكون الذات صفة ، والصفة ذاتا ، والعلم قدره ~~والقدرة علما. وكل ذلك محال. ولما كان القول باثبات الصفة القديمة مفضيا ~~الى هذا المحال ، وجب أن يكون القول به محال. # الشبهة الخامسة : لو كان الله تعالى عالما بالعلم ، قادرا بالقدرة ، لكان ~~علمه وقدرته وحياته وذاته موجودات متغايرة ، فيكون هذا قولا بقدماء ~~متغايرة. وذلك كفر باجماع المسلمين. PageV01P223 # الشبهة السادسة : ان الله تعالى قد كفر النصارى ، فى قوله تعالى : ( ~~@QUR@08 لقد كفر الذين قالوا : إن الله ثالث ثلاثة ) فلا يخلو اما أن يقال ~~: انه تعالى كفرهم ، ثنهم أثبتوا ذواتا ثلاثة قديمة قائمة بأنفسها ، أو ~~لأنهم أثبتوا ذاتا (3) موصوفة بصفات متباينة. # والأول باطل. لأن النصارى لا يثبتون ذوات ثلاثة قديمة قائمة بأنفسها. ~~ولما لم يقولوا بذلك ، استحال أن يكفرهم الله بسبب ذلك. ولما بطل القسم ~~الأول ، ثبت القسم الثانى. وهو أنه تعالى انما كفرهم لأنهم أثبتوا ذوات ~~موصوفة بصفات متباينة. ولما كفر النصارى لأجل أنهم أثبتوا صفات ثلاثة ، فمن ~~أثبت الذات مع الصفات الثمانية ، فقد أثبت تسعة أشياء. وكان كفره أعظم من ~~كفر النصارى بثلاث مرات. # هذا مجموع شبه المعتزلة فى نفى مطلق الصفات. # * * * ### ||| ** أما شبههم فى نفى صفة (4) العلم خاصة. فمن وجوه : # * * * # الشبهة الأولى : لو كان عالما بالعلم ، لكان علمه (5) اذا تعلق بشيء يكون ~~ذلك الشيء متعلق علمنا. ومتعلق علم الله تعالى : من وجه واحد ، ومن طريقة ~~واحدة. وكل علمين كذلك ، فهما مثلان : فيلزم أن يكون علم الله وعلمنا ~~مثلين. فيلزم من حدوث علمنا حدوث علم الله تعالى ، ومن قدم علم الله تعالى ~~، قدم علمنا. ولما بطل الوجهان ms153 ، علمنا : أنه تعالى عالم لا بالعلم. # لا يقال : هذا لازم على نفاة الصفات فى العالمية. لأنا نقول : احترزنا عن ~~هذا بقولنا : ان العلمين يتعلقان بمعلوم واحد على وجه PageV01P224 # واحد على طريقة واحدة. وهذا غير لازم فى كونه تعالى عالما. لأن علمه ~~تعالى يتعلق بذلك المعلوم تعلق العالمية (6) لا تعلق العلوم. وعلمنا لا ~~يتعلق به تعلق العالمية بل تعلق العلوم. فقد اختلفت الطريقة. أما اذا كان ~~تعالى عالما بالعلم ، تعلق علمه بذلك المعلوم ، وتعلق علمنا أيضا تعلق ~~المعلوم ، فكان تعلق كل واحد منهما به على طريقة واحدة ، فيلزم التماثل. ~~فظهر الفرق. # الشبهة الثانية : لا شك أنه تعالى عالم بالمعلومات التى لا نهاية لها. ~~فاما أن يعلم كل تلك المعلومات بعلم واحد ، أو بعلوم متناهية ، أو بعلوم ~~غير متناهية؟ والكل باطل. فبطل القول بكونه تعالى عالما بالعلم انما قلنا : ~~انه لا يجوز أن يعلم الكل بعلم واحد : من وجوه : # الأول : انه يصح أن يعلم كونه عالما بأحد المعلومين ، مع الشك فى كونه ~~تعالى عالما بالمعلوم الآخر. والمعلوم غير ما هو غير معلوم. # الثانى : ان العلم المتعلق بالسواد ، مخالف للعلم المتعلق بالبياض فى ~~الشاهد ، فلو جاز تعلق العلم الواحد فى الغائب بالمعلومات الكثيرة ، لكان ~~ذلك العلم قائما مقام العلوم المختلفة فى الشاهد ، واذا جاز كون الشيء ~~الواحد قائما مقام الأشياء المختلفة ، فلم لا يجوز قيام الصفة الواحدة مقام ~~الصفات المختلفة ، حتى تثبت لله تعالى صفة واحدة تكون علما وقدرة وحياة؟ بل ~~لم لا يجوز أن تكون ذاته قائمة مقام الذات ، ومقام جملة الصفات. وحينئذ ~~يلزمكم نفى الصفات؟ ### |||| ** الثالث : انه لو جاز تعلق العلم الواحد بالمعلومين ، لم يكن تعلقه بمعلومين أولى من ~~تعلقه بثلاثة أو أربعة ، فيفضى ذلك الى تعلقه بمعلومات لا نهاية لها فى ~~الشاهد. وكل ذلك محال. PageV01P225 # فثبت بهذه الوجوه : أنه تعالى يمتنع كونه عالما بكل المعلومات بعلم واحد. # وانما قلنا : انه لا يجوز أن يعلم هذه المعلومات بعلوم متناهية. لأن ~~المتناهى اذا وزع على غير المتناهى ، لزم أن يكون المعلوم بكل ms154 علم أشياء ~~كثيرة. وقد بينا أنه لا يجوز أن يعلم بالعلم الواحد أكثر من معلوم واحد. ~~وانما قلنا : انه لا يجوز أن يعلم المعلومات التى لا نهاية لها بعلوم لا ~~نهاية لها ، لأن وجود عدد لا نهاية له محال. وذلك لأن كل عدد موجود. فهو ~~قابل للزيادة والنقصان. وكل ما كان كذلك فهو متناه ، فكل عدد موجود فهو ~~متناه. والعدد الذي لا نهاية له يمتنع وجوده. ولما كان كونه تعالى عالما ~~بالعلم ، لا بد وأن يكون على أحد هذه الأقسام وثبت أنها بأسرها باطلة ، ثبت ~~: أن كونه تعالى عالما بالعلم محال. # الشبهة الثالثة : لو كان عالما بالعلم ، لكان اما أن يعلم ذلك العلم (7) ~~بنفس ذلك العلم ، أو بعلم آخر. ولأول باطل. لأن كون الشيء عالما بالشيء ، ~~نسبة مخصوصة بين العالم والمعلوم. والنسبة لا تتحقق الا بين الشيئين. فثبت ~~: أن العلم الواحد يمتنع أن يكون علما بنفسه. والثانى باطل أيضا. لأنه لو ~~افتقر فى معرفة العلم الأول الى علم ثان ، لافتقر فى معرفة العلم الثانى ~~الى علم ثالث. ويلزم التسلسل. وهو محال. # الشبهة الرابعة : لو كان تعالى عالما بالعلم ، لكان ذا علم. ولو كان ذا ~~علم ، لحصل فوقه عليم. لقوله تعالى : ( @QUR@05 وفوق كل ذي علم : عليم ) ~~وهذا محال ، فهذا محال. فوجب أن لا يكون عالما بالعلم. PageV01P226 ### ||| ** وأما شبههم فى نفى صفة القدرة. فمن وجهين : # الشبهة الأولى : ان القدرة فى الشاهد مختلفة. وهى مع اختلافها مشتركة فى ~~أنها لا تصلح لخلق الجسم. فهذا الحكم المشترك لا بد من تعليله بوصف مشترك. ~~ولا مشترك بينهما الا كونها قدرا. واذا كان كونها قدرا علة لأن لا تكون ~~صالحة لخلق الجسم وجب فى كل ما كان قدرة أن لا تكون صالحة لخلق الجسم. فلو ~~كان الله تعالى قادرا بالقدرة ، لوجب أن لا يقدر على خلق الجسم ، واللازم ~~محال فالملزوم مثله. # قالوا : هذا الكلام لازم على أصول «الأشعرية» فانهم قالوا : العرض ~~والجوهر مشتركان فى صحة الرؤية. فلا بد من استناد هذا الحكم المشترك الى ~~وصف مشترك. ms155 ولا مشترك يعقل بين الجوهر وبين العرض الا الوجود أو الحدوث. ~~والحدوث لا يصلح لهذه العلة ، فبقى الوجود. والله تعالى موجود ، فوجب أن ~~تصح رؤيته. فكذا نقول : القدرة فى الشاهد مشتركة فى أنها غير صالحة لخلق ~~الجسم ، وهذا الحكم المشترك لا بد من تعليله بوصف مشترك ، والمشترك هاهنا ~~هو كونها قدرا ، فوجب أن يكون كونها قدرا ، علة لهذا الامتناع. فوجب أن ~~يحصل هذا الامتناع فى كل ما كان قدرة. # الشبهة الثانية : وهى ان القدرة فى الشاهد ، مع اختلافها ، لا يصلح شيء ~~منها لخلق الجسم ، فلو فرضنا قدرة فى الغائب ، لكانت تلك القدرة اما أن ~~تكون مثلا لهذه القدرة الموجودة فى الشاهد ، أو مخالفة لها. فان كانت تلك ~~القدرة مثلا لهذه القدرة فى الشاهد ، ثم ان هذه القدرة لا تصلح لخلق الجسم ~~، فكذا تلك القدرة لا تصلح لخلق الجسم. فان كانت تلك القدرة مخالفة لهذه ~~القدرة ، لم تكن مخالفتها لهذه القدرة أشد من مخالفة بعض هذه القدر لبعض. ~~ولما كانت هذه القدرة مع ما بينا من المخالفة لا يصلح شيء منها لخلق الجسم ~~، فكذلك تلك القدرة الغائبة ، وجب أن لا تصلح لخلق الجسم. PageV01P227 # فهذه جملة شبه المخالفين فى هذه المسألة. # والجواب عن الشبهة الأولى : لم لا يجوز أن تكون الصفة ممكنة لذاتها واجبة ~~لوجوب الذات؟ قوله : «يلزم كون الذات قابلة وفاعلة معا». قلنا : ولم قلتم : ~~ان ذلك محال؟ قوله «لأن الواحد لا يصدر عنه الا أثر واحد» قلنا : سنجيب عن ~~شبهتكم فى هذه المسألة ان شاء الله تعالى. # والجواب عن الشبهة الأولى للمعتزلة فى العلم وهى قولهم : عالمية الله ~~تعالى صفة واجبة والواجب لا يعلل فنقول : الجواب عنه من وجوه : # أحدها : ان قولكم : عالمية الله تعالى واجبة : قدر مشترك بين أن تكون ~~عالمية الله تعالى واجبة لذاته ، وبين أن تكون عالمية الله تعالى واجبة ~~لوجوب اتصافه بالعلم واذا كان كذلك فبتقدير أن تكون عالمية الله تعالى لاجل ~~وجوب اتصافه بالعلم لم يلزم من كون عالميته واجبة بهذا التفسير ، استغناؤه ~~عن العلم. ms156 الا أن وجوب الشيء بالشيء ، لا يقتضي استغناؤه عنه. وان ادعيتم ~~أصل وجوب العالمية بهذا القدر لا يقتضي امتناع تعليل العالمية بالعلم. فان ~~ادعيتم أصل وجوب العالمية. فهذا القدر لا يقتضي امتناع تعليل العالمية ~~بالعلم. وان ادعيتم أن عالمية الله واجبة لنفس الذات ، فمسلم : أنه لو ثبت ~~لكم هذه المقدمة ، وجب القطع بامتناع تعليل العالمية بالعلم ، الا أن قولكم ~~: عالمية الله تعالى واجبة لنفس الذات ، هو ادعاء نفس المطلوب. فلا يمكن ~~جعله مقدمة فى اثبات المطلوب. فثبت : أن هذه الشبهة مغالطة. # وثانيها : ان هذه الشبهة متناقضة. وذلك لأنكم جعلتم كون العالمية واجبة ، ~~علة لأن لا تكون معللة ، وكونها غير معللة أمر واجب PageV01P228 # عندكم ، فاذا عللتم كونها غير معللة ، بكونها واجبة ، فقد عللتم الحكم ~~الواجب. وذلك مناقض لكلامكم. # وثالثها : انكم تقولون : انه تعالى ممتاز عن خلقه بحالة توجب أحوالا ~~أربعة وهى : الموجودية والعالمية والحيية والقادرية. وهذه الأحوال الأربعة ~~واجبة الثبوت لله تعالى ، ثم انكم عللتموها بالحالة الخامسة. فقد بطل قولكم ~~: ان الواجب لا يجوز تعليله. # وأما الجواب عن الشبهة الثانية للمعتزلة وهى قولهم : لو كان عالما بالعلم ~~، لاحتاج فى معرفة الأشياء الى تلك الصفة فنقول : الاحتياج لو افتقر فى ~~حصول تلك التعلقات التى هى المسماة بالشعور والعلم الى شيء آخر ، فنحن لا ~~نقول ذلك ، بل نقول : الموجب لتلك التعلقات هو نفس الذات. وعلى هذا التقدير ~~، لا يلزم تحقق الحاجة. وأما على قول من أثبت أمورا ثلاثة : الذات والمعنى ~~والتعلقات ، فجوابه : لم لا يجوز أن تكون الذات موجبة للمعنى والمعنى موجبا ~~للتعلقات؟ فان أردتم بالحاجة هذا المعنى ، فلم قلتم : ان ذلك محال؟ فان ~~النزاع ليس الا فيه ، وان أردتم بالحاجة شيئا آخر فبينوه. # والجواب عن الشبهة الثالثة وهى قولهم : حلول الشيء فى الشيء ، عبارة عن ~~حصول الحال فى الحيز ، تبعا لحصول محله فيه فنقول : هذا التفسير باطل. ويدل ~~عليه وجهان : # الأول : ان كون الجسم حاصلا فى الحيز ، هو المسمى بالكائنية ، وهى صفة ~~حالة فى الجسم قائمة به ، فلو كان الحلول عبارة عما ms157 ذكرتم ، لزم أن تكون ~~هذه الكائنية حاصلة فى الحيز تبعا لحصول ذلك الجسم فيه ، فيكون كون الجسم ~~موصوفا بكونه حاصلا فى هذا PageV01P229 # الحيز ، مشروطا بحصول آخر لهذا الجسم فى هذا الحيز. ثم الكلام فى ذلك ~~الحصول كالكلام فى الأول. فيلزم أن يكون الجسم حاصلا فى ذلك الحيز مرارا لا ~~نهاية لها دفعة واحدة. وذلك محال. فثبت : أن كونه حاصلا فى ذلك الحيز صفة ~~قائمة به ، وحالة فيه. وثبت : أن ما ذكرتم من تفسير الحلول والقيام غير ~~حاصل فيه. فثبت : أن تفسير الحلول والقيام بما ذكرتم باطل. # الثانى : وهو انكم لا تنكرون أن ذات الله تعالى موصوفة بالأحوال ~~وبالأحكام. فقد حصل كون الشيء موصوفا وصفة بدون ما ذكرتم من التفسير ، فكان ~~ما ذكرتموه باطلا. # واذا عرفت هذا فنقول : الذات والصفة حقيقتان مختلفتان لذاتيهما ، فقول ~~القائل : «ليس أحدهما أن يكون موصوفا ، والآخر صفة : أولى من العكس» : ان ~~كان المراد به : أنا لا نعرف ما به حصلت تلك الأولوية. فهذا مسلم. واكن لا ~~يلزم من عدم علمنا به ، عدمه فى نفسه ، وان أردتم به عدم الأولوية فى نفس ~~الأمر. فهذا غير مسلم. لأن الذات والصفة ، لما كانتا مختلفتين فى الماهية ، ~~فلعله حصلت هذه الأولوية لنفس تلك الماهية ، وان كنا لا نعرف ما لأجله حصلت ~~هذه الأولوية. فسقط هذا الكلام بالكلية. # والجواب عن شبهتهم الرابعة : انا لا نسلم أن القدم مفهوم ثبوتى. قوله : ~~«القدم عبارة عن نفى العدم السابق» قلنا : لا نسلم ، بل هو عبارة عن نفى ~~كون الشيء مسبوقا بذلك العدم ، وكونه مسبوقا بالعدم أمر وجودى. # لا يقال : لو كان كونه مسبوقا بالعدم أمرا وجوديا (8) لكان PageV01P230 # ذلك الزائد ، اما أن يكون قديما ، فيلزم أن تكون الذات محدثة ، والصفة ~~قديمة وهو محال. أو يكون محدثا فيكون مسبوقا بالعدم ، فتكون المسبوقية ~~زائدة عليه. ولزم التسلسل. لأنا نقول : هذا معارض من وجه آخر ، وهو أن ~~مسبوقية وجوده بالعدم ، صفة من صفات وجوده ، ونحن ندرك بالضرورة تفرقة بين ~~هذه الصفة وبين نفس العدم المحض ، فوجب أن تكون ms158 هذه المسبوقية صفة ثبوتية. # سلمنا : أن القدم أمر ثبوتى. فلم لا يجوز أن يقال : الذات والصفة حقيقتان ~~مختلفتان لذاتيهما الا أنهما مشتركتان فى هذا القدم ، والأشياء المختلفة لا ~~يبعد فى العقل اشتراكها فى لازم واحد؟ والذي يحقق ما ذكرناه : أن الحوادث ~~مختلفة فى الماهيات ، ومشتركة فى كونها حادثة ، فلم لا يجوز أن يكون الأمر ~~كذلك فى القدم؟ # والجواب عن شبهتهم الخامسة : ان أصحابنا قالوا : الصفة مع الذات لا هو ~~ولا غيره ، واستبعد المخالفون ذلك. وهذا البحث لفظى ، فانا نقول : ان عنيتم ~~بالغيرين أشياء مستقلة بالذات والحقيقة ، فلا نسلم أن الذات والصفة غيران ، ~~على هذا التفسير. وان عنيتم بالغيرين كل شيئين سواء كانا مستقلين أو كان ~~أحدهما صفة للآخر ، والآخر موصوفا به. فلم قلتم : ان اثبات شيئين متغايرين ~~قديمين بهذا التفسير باطل ، فان النزاع ما وقع الا فيه؟ # والجواب عن شبهتهم السادسة : ان الله تعالى انما كفر النصارى ، لأنهم ~~أثبتوا صفات ثلاثة هى فى الحقيقة ذوات. ألا ترى أنهم جوزوا انتقال أقنوم ~~الكلمة من ذات الله الى بدن عيسى عليه السلام . والشيء الذي يكون مستقلا ~~بالانتقال من ذات الى ذات أخرى يكون مستقلا بنفسه قائما بذاته. فهم وان ~~سموها صفات ، الا أنهم قائلون PageV01P231 # فى الحقيقة بكونها ذوات. ومن أثبت كثرة فى الذوات المستقلة بأنفسها ، فلا ~~شك فى كفره. فلم قلتم : ان من أثبت الكثرة فى الصفات لزمه الكفر؟ # وأما الشبه الأربعة التى تمسكوا بها فى نفى علم الله : # فنقول # أما الشبهة الأولى : فالجواب عنها بوجوه : # الأول : لم لا يجوز أن يقال : العلمان المتعلقان بمعلوم واحد على وجه ~~واحد وعلى طريقة واحدة ، فانهما متساويان فى هذا التعلق ، وهذا التعلق من ~~لوازمها. وقد ثبت أن الأشياء المختلفة فى الماهية ، لا يمتنع اشتراكها فى ~~العقل فى لازم واحد ، واذا كان كذلك ، لم يلزم من استواء العلمين فى هذا ~~القدر تماثلهما؟ فان قالوا : فاذا لم يلزم من هذا القدر تماثل العلمين ، ~~فبأى طريق تعرفون تماثل العلمين فى الشاهد؟ فنقول : قد بينا أن هذا القدر ~~لا ms159 يقتضي الجزم بالتماثل وأن لم يحصل فى الشاهد الا هذا الطريق ، وجب أن لا ~~يقطع فى الشاهد أيضا بالتماثل ، بل يتوقف فيه. وان حصل فيه طريق آخر سوى ~~هذا الطريق ، قطعنا به. وهذا جواب قاطع. ### |||| ** الثانى : لم لا يجوز أن يقال : العلم فى الشاهد غير متعلق بالمعلوم ، انما المتعلق ~~بالمعلوم هو العالمية. واذا لم يكن العلم متعلقا بالمعلوم ، بطل قولهم ~~العلمان المتعلقان بمعلوم واحد على وجه واحد على طريقة واحدة ، يوجب القول ~~بكونهما متماثلين. ### |||| ** الثالث : ان ما ألزموه علينا فى العلمين ، يلزمهم فى العالميتين. فان عالمية الله ~~تعالى وعالميتنا ، قد تعلقنا بالمعلوم الواحد من الوجه الواحد على الطريقة ~~الواحدة فيلزمهم أن تكون عالمية الله تعالى مثلا لعالمية واحد منا. وتلزمهم ~~المحالات المذكورة. # والرابع : هب أنه يلزم أن يكون علم الله تعالى مثلا لعلم الواحد منا ، ~~لكن لم يلزم من هذا القدر التساوى فى القدم والحدوث؟ PageV01P232 # أليس أن الوجود فى الشاهد والغائب له حقيقتة واحدة ، ومعقول واحد ، مع أن ~~الوجود فى الشاهد متجدد ، وفى الغائب دائم؟ فلم لا يجوز أن يكون الأمر كذلك ~~فى المعلوم؟ # وأما الشبهة الثانية وهى قولهم : اما أن يعلم المعلومات التى لا نهاية ~~لها بعلم واحد ، أو بعلوم متناهية ، أو بعلوم غير متناهية فنقول : هذه ~~الشبهة بتمامها واردة عليكم فى العالمية. وكل ما تقولونه فى العالمية ، ~~نقوله فى العلم. # ثم نقول : لم لا يجوز أن يعلم جميع المعلومات بعلم واحد؟ وما ذكرتموه من ~~الوجوه فى بيان أنه لا يجوز أن يعلم بالعلم الواحد الا معلوما واحد : فهو ~~معارض بدليل آخر. وهو أن العلم المتعلق بكون السواد ضد البياض مثلا ، لا بد ~~أن يكون ذلك العلم بعينه متعلقا بالبياض والسواد ، لأنه اذا لم يكن ذلك ~~العلم المتعلق متعلقا بالسواد والبياض ، فحينئذ لا يكون متعلقا بالمضادة ~~بين السواد والبياض. بل أقصى ما فى الباب : أنه يكون متعلقا بالمضادة. ونحن ~~لا نلزم الكلام فى العلم المتعلق بالمضادة. وانما نلزم الكلام فى العلم ~~المتعلق بمضادة السواد والبياض. # لا يقال : هب أنه ms160 حصل من هذا الدليل ، أن كل معلومين يجوز (9) أن يعلم ~~أحدهما مع الذهول عن الآخر ، فانه يجوز أن يعلما بعلم واحد. لأنا نقول : ~~لما ثبت أن العلم المتعلق بمضادة السواد والبياض ، متعلق بالسواد والبياض ~~معا. فلا شك أن السواد يجوز أن يعلم حال الذهول عن البياض ، فلما صار ~~السواد والبياض معلومين بهذا العلم الواحد ، حصل أن المعلومين اللذين يجوز ~~أن يعلم أحدهما مع الذهول عن الآخر ، فانه لا يمتنع أن يعلما بعلم واحد. ~~فثبت بهذا الدليل : أنه لا يمتنع تعلق العلم الواحد بالمعلومات الكثيرة. PageV01P233 # وأما الشبهة الثالثة وهى قولهم : اما أن يعلم علمه بنفسه ، أو بعلم آخر ~~قلنا : هذا وارد عليكم فى العالمية أيضا سواء بسواء. وأيضا : فلم لا يجوز ~~أن يكون العلم متعلقا بنفسه ، ثم ثانيا بذلك التعلق. فيكون هناك تعلقات ~~مترتبة كثيرة. ولا بد لكم من التزام مثل هذا الكلام فى العالمية. # وأما الشبهة الرابعة وهى التمسك بقوله تعالى : ( @QUR@05 وفوق كل ذي علم ~~عليم ) (10) فجوابها : انها معارضة بالآيات الدالة على اثبات العلم. وهى ~~أربعة : قوله تعالى ( @QUR@02 أنزله بعلمه ) (11) ( @QUR@08 وما تحمل من ~~أنثى ولا تضع إلا بعلمه ) (12) ( @QUR@05 ولا يحيطون بشيء من علمه ) (13) ( ~~@QUR@05 إن الله عنده علم الساعة ) (14). ### ||| ** وأما الشبه التى تمسكوا بها فى نفى قدرة الله تعالى : فنقول : # أما الجواب عن الشبهة الأولى : فهو أنه لا نزاع فى أن القدرة التى فى ~~الشاهد ، لا تصلح لخلق الأجسام ، ولا نزاع فى أنه لا بد من تعليل هذا ~~الحكم. لكن لم لا يجوز تعليل هذا الحكم بخصوصية ماهية كل واحدة من تلك ~~القدر؟ أقصى ما فى ذلك الباب : أنه يلزم تعليل الأحكام المتساوية بالعلل ~~المختلفة ، الا أن هذا عندكم غير ممتنع. وهذا هو الحق. لما بينا أن الأشياء ~~المختلفة فى الماهية لا يمتنع اشتراكها فى بعض اللوازم. # سلمنا : أنه لا بد من تعليل هذه الأحكام المتساوية بوصف واحد PageV01P234 # مشترك بينها ، ولا مشترك بينها الا كونها قدرا. فلم لا يجوز أن يقال : ~~هذه القدر (6) مشتركة فى وصف. لأجل ذلك الوصف يمتنع خلق ms161 الجسم بها الا أن ~~ذلك الوصف لا تندرج فيه القدرة القديمة ، وتندرج فيه جميع هذه القدر ~~الحادثة؟ أقصى ما فى الباب : انا لا نعرف ذلك الوصف. ولكن السائل يكفيه ~~مجرد الاحتمال. وأيضا : فهذا هو عين الدليل الذي يتمسك به أصحابنا فى جواز ~~الرؤية. فان صح هذا الدليل ، لزمكم القطع بجواز الرؤية على الله تعالى ، ~~وأنتم لا تقولون به. # والجواب عن شبهتهم الثانية : لم لا يجوز أن يقال : تلك القدرة القديمة ~~مخالفة لهذه القدرة التى فى الشاهد؟ قوله : «ليست مخالفة تلك القدرة ، لهذه ~~القدرة ، أعظم من مخالفة بعضها لبعض» قلنا : هذا فى غاية الركاكة. لاحتمال ~~أن تكون تلك القدرة القديمة لها خصوصية ، ولا توجد تلك الخصوصية فى شيء من ~~القدر الموجودة فى الشاهد ، فلا جرم كانت تلك القدرة صالحة لخلق الأجسام ، ~~ولم تكن غيرها صالحة لهذا المعنى. ومع قيام الاحتمال ، بطل ما ذكرتم. PageV01P235 ### ||| * المسألة السادسة عشرة ### ||| * فى ### ||| * كونه تعالى سميعا بصيرا ### ||| ** وهى مرتبة على فصلين : ### ||| * الفصل الأول ### ||| * فى ### ||| * شرح حقيقة الابصار والاسماع # أما الأبصار : # فنقول : انا اذا نظرنا الى وجه «زيد» نظرا بالاستقصاء ، ثم غمضنا العين ، ~~فحالة التغميض نكون عالمين بتلك الصورة علما جليا خاليا عن الشك والشبهة ، ~~واذا فتحنا العين مرة أخرى ونظرنا إليه ، علمنا بالبداهة حصول تفرقة بين ~~الحالتين. فهذه الحالة الزائدة الحاصلة عند النظر الى ذلك المرئى ، أمر ~~مغاير للعلم الذي كان حاصلا حال تغميض العين. وهذا التغاير هو الأبصار. ~~فثبت : أن الابصار أمر مغاير للعلم. # قالت الفلاسفة : لم لا يجوز أن يقال : التفاوت راجع الى أن العين تتأثر ~~من المحسوس حال النظر إليه؟ والذي يدل على حصول التأثير وجوه : # الأول : ان من نظر الى قرص الشمس نظرا شديدا بالاستقصاء ، ثم غمض عينيه ، ~~فانه يتخيل كأن قرص الشمس حاضر فى خياله. PageV01P236 # ولو اراد أن يدفع ذلك الخيال ، عجز عنه. وهذا يدل على أن الحس قد يتأثر ~~عن المحسوس. # الثانى : ان من نظر الى روضة خضراء نظرا بالاستقصاء الشديد زمانا له قدر ~~، ثم حول حدقته الى شيء آخر أبيض ms162 اللون ، فانه لا يراه أبيض اللون ، بل يرى ~~لونه ممزوجا من البياض والخضرة. وما ذلك الا لأن أثر الخضرة بقى فى حدقته. ~~فلما حول الحدقة الى الشيء الأبيض ، امتزجت الخضرة الباقية فى حدقته بذلك ~~البياض ، فأحس بذلك اللون على وصف الامتزاج. # الثالث : ان من نظر الى المضىء القوى ارتدت حدقته (1) الباصرة مقهورة. ~~وهذا يدل على أن الحس يقبل الأثر من المحسوس. # اذا ثبت هذا فنقول : لم لا يجوز أن يكون التفاوت الحاصل بين ما اذا نظرنا ~~الى الشيء ، وبين ما اذا غمضنا العين ، هو كون الحس متأثرا عن المحسوس. ~~وعلى هذا التقدير وجب أن يمتنع الابصار (2) على الله تعالى ، لأن الابصار ~~لما كان عبارة عن هذا التأثر (3) وهذا التأثر من صفات الأجسام. والله تعالى ~~ليس بجسم ، وجب أن يكون الابصار ممتنعا على الله تعالى. # أجاب المتكلمون عنه : بأن الابصار ليس معناه هذا التأثر فقط. وذلك لأنا ~~اذا فتحنا العين رأينا نصف كرة العالم دفعة واحدة. وحصول هذه الصورة ~~العظيمة فى الجسم الصغير محال. ومن المعلوم أن موضع التأثر ليس الا نقطة ~~الناظر ، فعلمنا : أن الابصار حالة مغايرة للعلم ، ومغايرة أيضا لتأثير الحس. PageV01P237 # قالت الفلاسفة : هب أن الابصار حالة مغايرة لهذا التأثير. لكن لم لا يجوز ~~أن يقال : هذه الحالة مشروطة بحصول هذا التأثر ، ولما كان الشرط ممتنع ~~التحقق فى حق الله تعالى ، كان المشروط أيضا كذلك؟ # أجاب المتكلمون : بأنه لما ثبت أن الابصار حالة مغايرة لهذا التأثر ، ~~فنحن انما نعول فى اثبات هذه الحالة لله تعالى ، على الدلائل السمعية. فان ~~ظواهرها دالة على كونه بصيرا. ونحن متمسكون بالظواهر ، الا اذا أقام الخصم ~~دليلا على أن الابصار مشروط بهذا التأثر ، ولما كان هذا الشرط محالا فى حق ~~الله تعالى ، كان المشروط أيضا محالا. لكن هذا اشارة الى المعارضة ، ومن ~~ادعاها فعليه البيان. # فهذا هو الكلام فى الابصار. # * * * ### ||| ** وأما الكلام فى السماع : # فقد قالت الفلاسفة : انه اذا حصل قرع أو قلع ، حصل بسببهما تموج فى ~~الهواء. وذلك التموج سبب لحدوث الصوت. واذا ms163 وصل أثر ذلك التموج الى سطح ~~الصماخ ، أحست القوة السامعة بذلك الأثر ، وذلك الاحساس هو السماع. ~~فالمسموع فى الحقيقة هو ذلك الأثر الواصل الى الصماخ. # قال المتكلمون : هذا الكلام باطل ، لأن القوة السامعة ، لو كانت لا تسمع ~~الا ما يصل الى سطح الصماخ ، لما كان الانسان بقوته السامعة يدرك أنه سمع ~~هذا الصوت من هذا الجانب أو من ذلك الجانب ، لأنه اذا كان لا يحس الا بما ~~وصل إليه ، وجب أن لا يحس بتلك الجوانب ، التى وصل منها ذلك الأثر ، كما أن ~~القوة اللامسة والذائقة لما كانتا لا تدركان الا ما يصل إليهما ، لا جرم لا ~~تدركان الجهة التى وصل منها PageV01P238 # المحسوس إليهما. ولما كانت القوة السامعة تميز بين جهة وجهة ، علمنا أنها ~~تدرك الأصوات حيث وجدت الأصوات. # فهذا هو الكلام الملخص (4) فى حقيقة السمع والبصر. ### ||| * الفصل الثانى ### ||| * فى ### ||| * بيان أنه تعالى موصوف بالسمع والبصر # والدليل عليه : هو أن السمع والبصر من صفات الكمال ، وضدهما من صفات ~~النقصان. والقرآن وارد باثباتهما لله تعالى. قال الله تعالى : ( @QUR@04 ~~إنني معكما أسمع وأرى ) (5) وقال ابراهيم لأبيه : ( @QUR@09 يا أبت لم تعبد ~~ما لا يسمع ولا يبصر )؟ (6) وقال الله تعالى : ( @QUR@06 لا تدركه الأبصار ~~، وهو يدرك الأبصار ) (7) واذا كانت النصوص الكثيرة واردة بذلك ، وجب ~~اثباتهما لله تعالى. الا أن يقيم الخصم دلالة على أن ثبوت هاتين الحالتين ~~مشروط بشرط ممتنع التحقق فى حق الله تعالى ، فيجب المصير الى التأويل. ~~وتكون الدلالة اشارة الى المعارضة ، ومن ادعاها كان عليه البيان. هذا هو ~~الذي يعول عليه فى هذا الباب # واحتج جمهور الأصحاب : بأنه تعالى حي ، وكل حي فانه يصح أن يكون موصوفا ~~بالسمع والبصر ، وكل من صح أن يكون موصوفا بصفة ، وجب أن يكون موصوفا بتلك ~~الصفة أو بضدها. وضد السمع والبصر هو الصمم والعمى. فثبت : أنه لا بد وأن ~~يكون البارى تعالى موصوفا بالسمع والبصر ، أو بالصمم والعمى. وهذان الوصفان من PageV01P239 # باب النقائص والآفات. وهى على الله تعالى محال. ولما امتنع كونه تعالى ~~موصوفا بأضداد السمع والبصر ms164 ، وجب كونه تعالى موصوفا بالسمع والبصر. وهو ~~المطلوب. # واعلم : أن هذا الدليل مبنى على مقدمات يعسر تقريرها : # أما المقدمة الأولى : فهى قوله : «كل حي يصح أن يكون موصوفا بالسمع ~~والبصر» فنقول : أليس كل حي يصح فى الشاهد أن يكون موصوفا بالجهل والظن ~~والشهوة والنفرة والألم واللذة ، ثم انه تعالى حي مع أنه لا يصح عليه شيء ~~من ذلك؟ فعلمنا : أنه لا يلزم من كونه حيا ، أن يصح عليه ما يصح على سائر ~~الأحياء. # وتقرير القول فيه : ان ذاته تعالى مخالفة لسائر الذوات ، وحياته تعالى ~~مخالفة لحياة سائر الأحياء. واذا كان كذلك ، لم يلزم من صحة السمع والبصر ~~على سائر الأحياء ، صحتها على ذاته وحياته. # وأيضا : بتقدير أن لا تكون ذاته المخصوصة وحياته المخصوصة منافية للسمع ~~والبصر ، لكن لم لا يجوز أن يقال : ان ثبوتهما مشروط بحصول هذا التأثير ، ~~ولما كان هذا الشرط ممتنع الحصول فى حق الله تعالى ، كان المشروط أيضا كذلك؟ # فهذه الاحتمالات قائمة فى قولهم : انه تعالى يصح أن يكون موصوفا بالسمع ~~والبصر. ### |||| ** أما المقدمة الثانية وهى قولهم : كل ما يصح اتصافه بصفة ، فانه لا بد وأن يكون موصوفا بتلك ~~الصفة أو بضدها # فنقول : ان أردتم بضد الصفة عدم الصفة ، كان المعنى أن كل ما صح اتصافه ~~بصفة ، فاما أن يكون موصوفا بها ، واما أن لا يكون. وهذا حق. ولكن لم قلتم ~~: ان عدم اتصافه بتلك الصفة محال؟ فان PageV01P240 # هذا عين المتنازع فيه. ولا يمكن جعله مقدمة فى اثبات المتنازع. وان أردتم ~~بضد الصفة معنى وجوديا ، منافيا لتلك الصفة على وزان المنافيات الحاصلة من ~~السواد والبياض. فلم قلتم : ان السمع والبصر ضدان بهذا المعنى؟ ولم لا يجوز ~~أن يقال : ان العمى عبارة عن عدم البصر عما من شأنه أن يبصر ، والصمم عبارة ~~عن عدم السمع عما من شأنه أن يسمع؟ فأنتم فى هذا المقام محتاجون الى اثبات ~~أن الصمم والعمى معنيان موجودان ، مضادان للسمع والبصر. # والفلاسفة ينازعون فيه أشد المنازعة. فانهم يقولون : تقابل البصر والعمى ~~، وتقابل السمع والصمم ms165 ، تقابل العدم والملكة ، لا تقابل الضدين. وقول من ~~قال : ليس جعل العمى عد ما للبصر ، أولى من العكس : ظاهر البطلان. لأنه ان ~~أريد بعدم هذه الأولوية : عدمها فى أذهاننا وعقولنا. فهذا مسلم ، الا أن ~~هذا لا ينتج الا أن نتوقف فيه ، ولا نقطع على أحد الجانبين. وان أريد بعدم ~~هذه الأولوية عدمها فى نفس الأمر وفى الحقيقة. فهذا ممنوع ولعل هذه ~~الأولوية حاصلة فى نفس الأمر ، وان كنا لا نعرف كيفية (8) تلك الأولوية. # أما المقدمة الثالثة وهى ان بتقدير أن يكون العمى والصمم متقابلين تقابل ~~التضاد لم قلتم : ان كل ذات تكون قابلة للضدين بهذا التفسير ، فانه لا بد ~~أن تكون موصوفة بأحدهما؟ ولم لا يجوز أن يقال : انه قد تكون خالية عنهما؟ ~~فهم مطالبون باقامة الدلالة على اثبات هذه المقدمة. # ثم انا ننقض هذه المقدمة : بأن الهواء خال عن جميع الألوان وعن جميع ~~الطعوم ، والواحد قد لا يكون مريدا لأفعال أهل الفسوق (9) ولا كارها لها ، ~~فبطلت هذه المقدمة. PageV01P241 # أما المقدمة الرابعة وهى قولهم : انه لا يمكن اتصافه تعالى والعمى والصمم ~~، لأن ذلك من صفات النقص وصفات النقص على الله تعالى محال انهم عولوا فى ~~تنزيه الله تعالى عن النقائض على الاجماع ، ثم أنهم يثبتون كون الاجماع حجة ~~، بظواهر الآيات والأحاديث. # فصارت هذه الدلالة بالآخرة (10) سمعية. ثم انا نرى أن الظواهر الدلالة ~~على كونه سميعا بصيرا ، أقوى من الظواهر الدالة على أن الاجماع حجة وأكثر. ~~واذا كان الأمر كذلك ، فبأن (11) نتمسك فى اثبات كونه تعالى سميعا بصيرا ~~بهذه الظواهر القوية ، ونسقط عن أنفسنا التزام تقرير هذه المقدمات الخفية ~~المظلمة ، كان أولى. فهذا ما نقوله فى هذا الباب. ### ||| ** واحتج المنكرون لكونه تعالى سميعا بصيرا بوجهين : # الشبهة الأولى : لو كان الله تعالى سميعا بصيرا ، لكان سمعه وبصره ، اما ~~أن يكون قديما أو محدثا. والقسمان باطلان ، فبطل القول بكونه تعالى سميعا ~~بصيرا. انما قلنا : انه لا يجوز أن يكون قديما ، لأن العالم كان معدوما فى ~~الأزل. ورؤية المعدوم وسمع المعدوم محال. وان التزم ms166 جاهل أن يكون المعدوم ~~مرئيا ومسموعا ، فنقول : انه تعالى يرى العالم وقت عدمه معدوما ، اذ لو رآه ~~موجودا ، لكان ذلك غلطا وجهلا. وهو على الله تعالى محال. ثم اذا وجد العالم ~~فلا بد وأن يراه موجودا ، وإلا عاد حديث الغلط. وعلى هذا التقدير ، يزلم ~~التبديل والتغير (1) وانما قلنا : انه لا يجوز أن يكون سمعه وبصره محدثا ، ~~لأنه لو كان كذلك لصار محلا للحوادث. وهو محال. PageV01P242 # الشبهة الثانية السمع والبصر لا يحصلان الا مع تأثير الحاسة. وذلك من ~~صفات الأجسام. وهو على الله تعالى محال. # والجواب عن الشبهة الأولى : ان السمع والبصر صفتان مستعدتان لادراك ~~المسموعات والمبصرات عند وجودها. فالتغير يقع فى المسموع والمبصر لا فى ~~السمع والبصر. # ولقائل أن يقول : أليس أن كون السمع والبصر مدركين للمسموع والمبصر ، ~~موقوف على حضور المبصر والمسموع؟ وهذا الادراك الذي هو موقوف على حضور ~~المسموع والمبصر ، مغاير لتلك الصفة التى هى غير موقوفة على حضور المسموع ~~والمبصر ، فيلزمكم أن يكون كون الله تعالى مدركا للمسموعات والمبصرات ، صفة ~~متجددة. # والجواب عن الشبهة الثانية : انكم ما ذكرتم دليلا على أن الابصار والسماع ~~مشروطان بحصول تأثير الحاسة ، بل نجد فى الشاهد أن الابصار والسماع لا ~~يحصلان الا عند هذا التأثير ، ولكن مجرد الاقتران لا يدل على الاشتراط. ~~بدليل : أن الحياة والقدرة لا تحصلان الا عند المزاج ، ثم انا نثبتهما فى ~~حق الله تعالى مع القطع بكونه تعالى منزها عن الجسمية والمزاج ، فعلمنا : ~~أن مجرد المقارنة لا تدل على الاشتراط. PageV01P243 ### ||| * المسألة السابعة عشرة ### ||| * فى ### ||| * كونه تعالى متكلما ### ||| ** والكلام فى هذه المسألة مرتب على فصلين : ### ||| * الفصل الأول ### ||| * فى ### ||| * حقيقة الكلام # اعلم (1): أن الانسان اذا أراد أن يقول : اسقني الماء. فانه قبل أن ~~يتلفظ بهذا اللفظ ، يجد فى نفسه طلبا واقتضاء لذلك الفعل. وماهية ذلك الطلب ~~مغايرة لذلك اللفظ. ### ||| ** والذي يدل عليه وجوه : # الأول : ان ماهية ذلك الطلب لا تتبدل باختلاف الأزمنة والأمكنة. والألفاظ ~~الدالة على هذا المعنى تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. # الثانى : ان جميع العقلاء يعلمون بالضرورة أن قول ms167 القائل «افعل» دليل على ~~ذلك الطلب القائم بالقلب. ولا شك أن الدليل مغاير للمدلول. # الثالث : ان جميع العقلاء يعلمون بالضرورة. أن قول القائل «افعل» : لا ~~يكون طلبا وأمرا ، الا عند اصطلاح الناس على هذا PageV01P244 # الموضوع. وأما كون ذلك المعنى القائم بالقلب طلبا ، فانه أمر ذاتى حقيقى ~~لا يحتاج فيه الى الوضع والاصطلاح. # الرابع : وهو أنهم قالوا : ان قولنا : ضرب يضرب : اخبار. وقولنا : اضرب ~~لا تضرب: أمر ونهى. ولو أن الواضعين قلبوا الأمر ، وقالوا : ان قولنا ضرب ~~يضرب : أمر ونهى. وقولنا اضرب لا تضرب : اخبار. لكان ذلك ممكنا جائزا. اما ~~لو قالوا : حقيقة الطلب يمكن أن تتقلب خبرا ، وحقيقة الخبر يمكن أن تنقلب ~~طلبا ، لكان ذلك محالا. فهذه الوجوه الظاهرة دالة على أن حقيقة الطلب ~~وحقيقة الخبر : أمر مغاير لهذه الألفاظ وهذه العبارات ، بل هذه الألفاظ ~~وهذه العبارات ، دالة عليها معرفة لها. # اذا عرفت هذا ، فلنبحث عن ماهية هذا الطلب ، وماهية الحكم الذهنى الذي ~~يسمى بالخبر. فنقول : (2) هذا الطلب اما أن يكون هو الإرادة ، واما أن يكون ~~معنى مغايرا للارادة. والأول باطل ، فتعين الثانى. وهو المطلوب. # وانما قلنا : انه لا يجوز أن يكون عبارة عن الإرادة لوجوه : # الحجة الأولى : انه لا نزاع فى أنه تعالى أمر بايمان من يعلم أنه لا يؤمن ~~، ويمتنع أن يقال : انه يريد الايمان منه ، لأنه تعالى عالم الغيب. فان (3) ~~خلاف المعلوم ممتنع الوقوع ، وكل ما كان ممتنع الوقوع ، لا يكون مراد ~~الوقوع. فلما تحقق الأمر والطلب ، مع عدم الإرادة علمنا : أن ماهية هذا ~~الطلب مغايرة لماهية الإرادة. وهذه النكتة هى النكتة القوية فى اثبات هذا ~~المطلوب. # الحجة الثانية : انه قد يوجد الأمر بدون الإرادة ، وقد توجد الإرادة بدون ~~الأمر. أما أنه قد يوجد الأمر بدون الإرادة ، ففى صور : PageV01P245 # احداها : ان السلطان اذا أمر «زيدا» أن يأمر عموا بشيء ، فقد يكون «زيد» ~~كارها لصدور ذلك الفعل من «عمرو» الا أنه يأمره لأجله أن السلطان أمره ~~بذلك. فههنا الأمر حاصل ، والإرادة غير حاصلة. # ثانيها : ما ذكره أصحابنا رحمهم ms168 الله من أن الرجل اذا ضرب عبده ، فشكى ~~العبد ذلك الى السلطان ، فقال السلطان لم ضربت عبدك؟ فقال : انه لا يطيعنى ~~، ثم لأجل هذا العذر قال للعبد : افعل كذا وكذا. فالأمر قد حصل هاهنا. مع ~~أنه لا يريد اقدامه على ذلك الفعل ، لأنه لو أقدم عليه لما تمهد عذره عند ~~السلطان. # وثالثها : انه تعالى لما أخبر عن أبى جهل وأبى لهب أنهما يموتان على ~~الكفر. والنبي عليه السلام ما كان يريد الايمان منهما لأن من لوازم صدور ~~الايمان منهما ، دخول الكذب فى الكلام الله تعالى. ومريد الشيء مريد لما هو ~~من لوازمه ومن ضروراته. فثبت : أنه عليه السلام ما كان يريد الايمان منهما ، ~~وكان صلى الله عليه وسلم يأمرهما بالايمان ، فعلمنا : أن الأمر قد يحصل بدون ~~الإرادة. وأما أن الإرادة قد تحصل بدون الأمر فظاهر. فان الانسان قد يصرح ~~بذلك. ويقول: أريد منك أن تفعل هذا. الا أنى لا آمرك به. # فثبت بهذه الوجوه : أن هذا الطلب القائم بالنفس والاقتضاء الموجود فى ~~القلب : أمر مغاير للارادة. # وأما الخبر الذهنى : فنقول : لا شك أن قولنا باللسان «قام زيد» و «ضرب ~~عمرو» يدل على حكم ذهنى ، واسناد عقلى. وهذا الحكم الذهنى والاسناد العقلى ~~: ظاهر أنه ليس من جنس القدرة والإرادة ، انما الذي يقع فيه الاشتباه أن ~~يقال : ان هذا الحكم الذهنى هو الاعتقاد أو العلم. فاذا بينا بالبرهان أنه ~~ليس الأمر كذلك ، ظهر أن PageV01P246 # الخبر القائم بالنفس ، معنى مغاير للعلوم والاعتقادات ، ومغاير للقدر ~~والارادات. وذلك هو المراد من الخبر القائم بالنفس. # وانما قلنا : ان هذا الحكم الذهنى ليس من جنس العلوم والاعتقادات : وذلك ~~لأنى حال ما أكون عالما بأن العالم ليس بتقديم ، يمكننى أن أقول فى الذهن : ~~العالم قديم. وذلك لأن الذهن كما يمكنه تركيب القضايا الصادقة ، فكذلك ~~يمكنه تركيب القضايا الكاذبة. والقضايا الكاذبة الذهنية يكون ذلك الحكم ~~الكاذب فيها حاصلا فى الذهن ، والعلم بها والاعتقاد فيها غير حاصل. فههنا ~~الكلام فى القضايا الكاذبة التى يكون كذبها معلوما ، حصل الحكم الذهنى ، ~~ولم ms169 يحصل العلم والاعتقاد. وهذا يدل قطعا : على أن الحكم الذهنى ، مغاير ~~للعلم والاعتقاد. # فان قيل : هذا الحكم الذهنى عبارة عن فرض يفرضه الذهن ، وتقدير يقدره. # قلنا : هب أن الأمر على ما قلتم ، الا أن هذا الفرض وهذا التقدير ، ليس ~~من باب العلوم والاعتقادات ، ولا من باب القدر والارادات ، فكان معنى مغاير ~~لها. وهو المطلوب. وذلك لا يختلف بأن سميتموه فرضنا وتقديرا ، أو لا تسمونه ~~بذلك. فثبت بما ذكرنا : أن الطلب الذهنى مغاير للارادة ، وأن الحكم الذهنى ~~مغاير للعلم والاعتقاد. # ومن أنصف : علم أن هذا التقدير والتلخيص لم يتيسر لأحد ممن تقدمنا. ### ||| * الفصل الثانى ### ||| * فى ### ||| * اثبات كونه تعالى متكلما # اعلم : أن الأمة متفقة على اطلاق لفظ المتكلم على الله تعالى ، الا أن ~~هذا الاتفاق ليس الا فى اللفظ. وأما المعنى فغير متفق عليه. PageV01P247 # أما المعتزلة : فقالوا : ان الانسان لا يمكنه أن يعيش وحده ، بل ما لم ~~يشتغل كل واحد باعانة الآخر ، لم يحصل لكل واحد منهم مقصوده بالتمام ، وما ~~لم يعرف كل أحد ما فى قلب الآخر من جهات الحاجات ، لا يمكنه الاشتغال ~~باعانته. فاحتاج الانسان الى وضع طريق يعرف به غيره ما فى قلبه ، من فنون ~~الحاجات. فاصطلحوا على جعل هذه الأصوات المقطعة بهذه التقطيعات المخصوصة ، ~~معرفة لما فى قلوبهم من الأحوال. وقد كان يمكنهم وضع طريق آخر سوى هذا ~~الطريق من الاشارة والايماء وتصفيق اليد والكتابة. الا أن هذا الطريق كان ~~أسهل وأيسر. # اذا عرفت هذا فنقول : انه تعالى اذا أراد شيئا أو كره شيئا ، خلق هذه ~~الأصوات المخصوصة فى جسم من الأجسام ، لتدل هذه الأصوات على كونه تعالى ~~مريدا لذلك الشيء المعين ، أو كارها له ، أو كونه حاكما به بالنفى أو ~~بالاثبات. وهذا هو المراد من كونه تعالى متكلما. # وقد نازعهم أصحابنا فيه : وقالوا : انه يمتنع أن يكون متكلما بكلام قائم ~~بالغير ، كما أنه يمتنع أن يكون متحركا بحركة قائمة بالغير ، وساكنا بسكون ~~قائم بالغير. وعندى : أن هذه المنازعة ضعيفة. لأن هذه المنازعة ، اما أن ~~تكون فى المعنى ms170 ، أو فى اللفظ. أما المعنى: ### ||| ** فهنا شيئان : # أحدهما : أنه تعالى قادر على خلق هذه الأصوات المقطعة بالتقطيعات ~~المخصوصة فى جسم جمادى أو حيوانى (4) وهذا أمر لا يمكن النزاع فيه. لأن خلق ~~هذه الأصوات والحروف فى الجسم الجمادى أو الحيوانى ممكن ، والله تعالى قادر ~~على كل الممكنات. PageV01P248 # والثانى : ان الله تعالى جعل تلك الأصوات المخصوصة ، معرفة لكونه تعالى ~~مريدا لبعض الأشياء وكارها لبعضها. وهذا أيضا غير ممتنع. واذا سلم هذان ~~المقامان عن الطعن ، فقد سلمنا لهم صحة كونه تعالى متكلما بالمعنى الذي ~~أرادوه. # وأما المنازعة فى اللفظ : فهو أن من فعل هذه الأصوات المخصوصة وهى الحروف ~~المركبة فى جسم لغرض أن يعرف غيره ما يريده أو يكرهه ، فهل يسمى متكلما فى ~~اللغة أم لا؟ ومعلوم : أن هذا البحث بحث لغوى محض ، وليس للمعنى به تعلق البتة. # فثبت بما ذكرنا : أن كونه تعالى متكلما بالمعنى الذي يقوله «المعتزلة» ~~مما نقول به ونعترف به ولا ننكره بوجه من الوجوه. انما الخلاف بيننا وبينهم ~~فى أنا نثبت أمرا آخر ، وراء ذلك. وهم ينكرونه. وسنذكر ، أن ذلك الشيء ما ~~هو؟ وأما «الكرامية» فهم يقولون : انه تعالى يخلق الأصوات والحروف فى ذاته. ~~وهذا يرجع الى أنه تعالى هل يجوز أن يكون محلا للحوادث أم لا؟ وأما ~~أصحابنا. فقد قالوا : ثبت أن الكلام القائم بالنفس معنى مغاير للقدر ~~والارادات والعلوم والاعتقادات. وندعى : أن البارى تعالى موصوف بهذا المعنى ~~، وندعى : أن هذا المعنى قديم. وندعى : أنه معنى واحد ، وهو مع كونه واحدا ~~، أمر ونهى وخبر واستخبار ونداء. # والمعتزلة والكرامية ينازعون أصحابنا فى كل واحد من هذه المواضع الأربعة. ~~فأولا : ينكرون اثبات معنى مغاير للاعتقادات والارادات وبتقدير تسليمه ، ~~ينكرون كونه موصوفا به ، وبتقدير تسليمه ، ينكرون كونه قديما. وبتقدير ~~تسليمه ، ينكرون كونه واحدا. فهذا تلخيص محل النزاع فى هذا الباب. # أما المقام الأول : وهو اثبات أن كلام النفس أمر مغاير للارادات ~~والاعتقادات. فقد تقدم تقريره على أحسن الوجوه. PageV01P249 # وأما المقام الثانى : وهو أن البارى تعالى موصوف بكلام النفس. فالذى يدل ms171 ~~عليه : ما ثبت عندنا بالتواتر الظاهر (5) من جميع الأنبياء والرسل ~~عليهم السلام : أنه تعالى أمر عباده بكذا ونهاهم عن كذا وأخبرهم بكذا. ولما ~~ثبت بالمعجزات صدق الأنبياء والرسل عليهم السلام ، وجب القطع بكونه تعالى ~~آمرا وناهيا ومخبرا. # واذا ثبت هذا فنقول : هذا الأمر والنهى والخبر ، اما أن يكون من باب ~~الألفاظ والعبارات ، واما أن يكون من باب المعانى والحقائق. فان كان الأول ~~، فتلك العبارات والألفاظ لا بد وأن تكون دالة على المعانى والمدلولات. ~~فمدلول هذه العبارات فى حق الله تعالى اما أن يكون هو الارادات والاعتقادات ~~، واما أن يكون معنى مغايرا لها. لا جائز أن تكون تلك المعانى هى الارادات ~~والاعتقادات. لأنا بينا أن الأمر قد يوجد بدون الإرادة. والخبر قد يوجد ~~بدون الاعتقادات. # فثبت : أن مدلول هذه العبارات فى حق الله تعالى : معنى وراء الاعتقادات ~~والارادات. فثبت : أنه تعالى موصوف بمعنى حقيقى. هو مدلول قوله : «افعل» ~~وهو مغاير لارادته ، وانه تعالى موصوف بمعنى حقيقى ، هو مدلول قوله «الحمد ~~لله» وهو مغاير لعلمه. ونحن نسمى ذلك المعنى بالأمر الحقيقى والخبر ~~الحقيقى. وهو المطلوب. # فان قيل : كيف يمكنكم أن تستدلوا بقول الأنبياء والرسل عليهم السلام على ~~كونه تعالى متكلما ، مع أن نبوة الأنبياء عليهم السلام لا يمكن اثباتها الا ~~بعد العلم بكونه تعالى متكلما. قلنا : لا نسلم أن العلم بصحة نبوة الأنبياء ~~موقوف على العلم بكونه تعالى متكلما. وذلك لأنه PageV01P250 # لما ظهرت المعجزات على وفق دعاويهم ، ثبت كونهم صادقين ، سواء علمنا كونه ~~تعالى متكلما أو لم نعلم ذلك. # وأما المقام الثالث وهو أنا ندعى ان هذه الصفة قديمة فنقول : لو كانت ~~محدثة ، لكانت اما قائمة به أو بغيره ، أولا فى محل. فان كانت قائمة به كان ~~الله تعالى محلا للحوادث. وهو محال. وان كانت قائمة بغيره ، فهو أيضا محال ~~[وان لم تكن قائمة بشيء ، أو كانت قائمة. بغيره ، أو كانت موجودة لا فى ~~محل. فهو محال] (6) لأنا بينا : أن هذا الكلام صفة الله تعالى ونعته. ومن ~~المحال أن تحصل صفة الشيء ms172 ونعته ، لا فيه بل فى غيره. والذي يقوله المعتزلة ~~من أنه يجوز أن يكون كلامه قائما بغيره ، فليس من هذا الباب. وذلك لأنهم ~~فسروا الكلام القائم بغيره بأنه يخلق أصواتا وحروفا دالة بالوضع والاصطلاح ~~، على كونه تعالى مريدا لبعض الأشياء وكارها لبعضها. وهذا غير ممتنع البتة. # وأما نحن فى هذا المقام فقد بينا : أنه لو خلق ألفاظا دالة على الطلب ~~وألفاظا دالة على الحكم والاسناد ، فلا بد من مدلولات لتلك الألفاظ ~~ومفهومات. وبينا : أن الألفاظ الدالة على الطلب لا يمكن أن يكون مدلولها ~~الإرادة ، والألفاظ الدالة على الخبر لا يمكن أن يكون مدلولها العلم ، فلا ~~بد من صفات أخرى قائمة بذات الله تعالى ، تكون تلك الصفات مدلولة الألفاظ ~~الدالة على الطلب ، والألفاظ الدالة على الخبر ، وتلك المدلولات يمتنع ~~كونها مباينة عن ذات الله تعالى ، بل يجب كونها قائمة بذات الله تعالى. # فالذى يقوله المعتزلة من أنه يجوز أن يكون الحى متكلما بكلام قائم بالغير ~~: حق وصدق. والذي يقوله أصحابنا من أنه يمتنع أن يكون PageV01P251 # الحى متكلما بكلام قائم بالغير : حق وصدق. الا أن الكلام الذي يشير إليه ~~المعتزلة له معنى ، والكلام الذي يشير إليه أصحابنا له معنى آخر ، ~~والفريقان لما لم يشتغلوا بتلخيص محل النزاع ، لا جرم خفيت هذه المباحث ~~والمطالب. # وأما المقام الرابع : وهو أن كلام الله تعالى واحد ، ومع كونه واحدا ، ~~فهو أمر ونهى وخبر. فتحقيق الكلام فيه : يرجع الى حرف واحد ، وهو أن الكلام ~~كله خبر ، لأن الأمر عبارة عن تعريف الغير أنه لو فعله ، لصار مستحقا للمدح ~~، ولو تركه لصار مستحقا للذم. وكذا القول فى النهى. واذا كان المرجع بالكل ~~الى شيء واحد ، وهو الخبر ، صح قولنا : ان كلام الله تعالى واحد. فهذا ~~مجموع ما تلخص فى هذا الباب. # * * * # واحتج القائلون بحدوث كلام الله تعالى بالمنقول والمعقول. # أما الشبه النقلية : فمن وجوه : # الشبهة الأولى : ان القرآن ذكر. وكل ذكر : محدث. فالقرآن محدث. وانما ~~قلنا : ان القرآن ذكر ، لقوله تعالى : ( @QUR@04 ص. والقرآن ذي الذكر ) [ص ~~1 2] وقوله ms173 تعالى : ( @QUR@04 وهذا ذكر مبارك أنزلناه ) [الأنبياء 50] ~~وقوله تعالى : ( @QUR@04 وإنه لذكر لك ولقومك ) [الزخرف 44] وأما أن كل ذكر ~~محدث ، ففى سورة الأنبياء : ( @QUR@07 ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) ~~[الأنبياء 2] وفى سورة الشعراء : ( @QUR@07 وما يأتيهم من ذكر من الرحمن ~~محدث ) [الشعراء 5]. # الشبهة الثانية : تمسكوا بقوله تعالى : ( @QUR@010 إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه : أن نقول له : كن فيكون ) [النحل 40] وجه الاستدلال به من ثلاثة أوجه : PageV01P252 # الأول : ان قوله تعالى : ( @QUR@010 إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول ~~له : كن فيكون ) جملة مركبة من شرط وجزاء. والشرط هو قوله : ( @QUR@02 إذا ~~أردناه ) والجزاء هو قوله : ( @QUR@01 كن ) والجزاء لا بد وأن يكون متأخرا ~~عن الشرط. فوجب أن يكون قول الله تعالى ، متأخرا عن ارادته. والمتأخر عن ~~الغير محدث ، فوجب أن يكون قول الله محدثا. # والثانى : وهو ان الفاء فى قوله : ( @QUR@01 فيكون ) فاء التعقيب. وهذا ~~يقتضي أن يكون المكون حاصلا عقيب قوله من غير فصل ولا تراخ ، فيلزم أن يكون ~~قوله : ( @QUR@01 كن ) متقدما على المكون من غير فصل. والمقدم على المحدث ~~بزمان واحد ، يجب أن يكون محدثا ، فيلزم أن يكون قوله ( @QUR@01 كن ) محدثا. # الثالث : ان الآية صريحة فى أن قول الله تعالى : ( @QUR@01 كن ) كلمة ~~مركبة من الكاف والنون. وهما حرفان متعاقبان. فتكون هذه الكلمة محدثة ، ~~فيلزم أن يكون قول الله محدثا. # الشبهة الثالثة : قوله تعالى : ( @QUR@04 وإذ قال ربك للملائكة ) [البقرة ~~30] فكلمة ( @QUR@01 إذ ) ظرف زمان وهذا يدل على أن قول الله تعالى مختص ~~بذلك الوقت. وكل ما كان وجوده مختصا بوقت معين ، كان محدثا ، فيلزم أن يكون ~~قوله الله تعالى محدثا. # الشبهة الرابعة : انه تعالى وصف القرآن بقوله : ( @QUR@05 كتاب أحكمت ~~آياته ، ثم فصلت ) [هود 2] وقال أيضا : ( @QUR@04 إنا أنزلناه قرآنا عربيا ~~) [يوسف 20] وهذا يدل على أن القرآن مركب من السور والآيات والحروف ~~والعبارات ، ويدل على أن كلام الله تعالى تارة يكون عربيا وتارة يكون ~~عبريا. وكل ذلك يدل على أنه محدث مخلوق. # الشبهة الخامسة : ان كلام الله تعالى مسموع ، ويدل عليه قوله تعالى : ( ~~@QUR@08 وإن أحد من المشركين استجارك ، فأجره حتى ms174 يسمع PageV01P253 # @QUR@02 كلام الله ) [التوبة 6] والذي يسمعه ليس الا هذه الحروف ~~والأصوات. ولا شك أن هذه الحروف والأصوات محدثة ، فيلزم القطع بأن كلام ~~الله تعالى محدث. # الشبهة السادسة : أجمعت الأمة على أن القرآن واحد ، وأجمعوا على أن ~~القرآن معجزة لمحمد عليه السلام . والدليل العقلى : دل على أن المعجزات ~~يمتنع أن تكون قديمة ، بل يجب أن تكون محدثة. والا لكانت المعجزة سابقة على ~~الدعوى ، وحينئذ لا يكون له اختصاص بالدعوى ، فلا يكون دليلا على صدق ~~الدعوى. واذا ثبت أن القرآن معجز وثبت أن المعجز محدث ، ثبت أن القرآن محدث ~~واذا ثبت أن القرآن قول واحد ، ثبت أن كل ما كان قرآنا فهو محدث. # الشبهة السابعة : ان القرآن موصوف بكونه تنزيلا ومنزلا. وذلك يقتضي كونه محدثا. ### |||| ** الشبهة الثامنة : صح فى الأخبار أنه عليه السلام كان يقول : «يا رب القرآن العظيم ، ويا رب طه ~~ويسن» وكل ما كان مربوبا فهو محدث مخلوق. # فهذا جملة الكلام فى الشبه النقلية. # * * * ### ||| ** وأما الشبه العقلية : # فمن وجوه : # الشبهة الأولى : ان الأمر سواء قلنا بأنه عبارة عن الحروف والأصوات ، أو ~~قلنا : انه معنى قائم بالنفس ، فانه يمتنع أن يكون قديما. وذلك لأنه ما كان ~~فى الأزل مأمورا ولا منهيا ، فلو حصل الأمر والنهى من غير حضور المأمور ~~والمنهى ، كان هذا سفها وجنونا. والدليل عليه : ان الواحد منا لو جلس فى ~~بيته وحده ، ويقول : يا زيد PageV01P254 # قم ، ويا عمرو اجلس ، من غير أن يكون هناك أحد ، قضى كل عاقل بكونه ~~مجنونا. وما كان كذلك كيف يعقل اثباته فى حق الله تعالى؟ # وكيف يحسن فى العقل أن يقول : ( @QUR@07 يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك ~~) [طه 12] مع أنه لم يكن هناك موسى ، ولا أحد. وأيضا : لو كان تعالى مخبرا ~~فى الأزل عن كيفيات الأشياء ، لكان ذلك الخبر اما أن يكون المقصود منه ~~اخبار نفسه وهو عبث أو أخبار غيره ، أو لا يكون المقصود منه اخبار نفسه ولا ~~اخبار غيره. أما اخبار نفسه فهو عبث. وأما اخبار غيره مع أنه ليس هناك ms175 غيره ~~فهو جنون. وأما أن لا يكون المقصود منه ، لا هذا ولا ذلك ، فهو محض العبث ~~والسفه. # لا يقال : لم لا يجوز أن يقال : ان ذلك الأمر الأزلى كان أمرا فى الأزل ~~للأشخاص الذين سيوجدون فى لا يزال ، كما أنه تعالى كان قادرا فى الأزل على ~~أن يوجد الخلق فى لا يزال؟ # وأيضا : أليس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر وينهى حال حياته كل من ~~سيوجد بعده الى قيام القيامة؟ فثبت : أن تقدم الأمر على المأمور ، غير ممتنع. # لأنا نقول : الأمر عبارة عن الطلب. وتحقق وجود الطلب مع أنه ليس هناك من ~~يطلب منه شيء : محال فى العقول. بل العزم على الطلب قد يتقدم على الطلب. ~~مثل أن الواحد منا اذا علم أنه سيوجد له ولد ، فانه فى الحال يعزم على أنه ~~اذا وجد له ذلك الولد ، فبعد وجوده ويطلب منه تحصيل العلم والأدب. فأما أن ~~يقال : انه قبل وجود الولد ، يطلب منه تحصيل العلم والأدب ، فهذا البتة غير معقول. # وأما أن قوله بأن النبي عليه السلام كان يأمر حال حياته وينهى كل من يوجد ~~بعده الى قيام القيامة. PageV01P255 # فنقول : هذه مغالطة. وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم [ما كان له أمر ونهى ~~على الخلق ، بل هو عليه السلام ] كان يخبرنا : (7) أن أولئك الذين سيوجدون ~~بعدى يحدث الله عليهم حال وجودهم وكمال عقلهم ، أنواعا من الأمر والنهى. ~~وذلك الاخبار انما حسن من الرسول عليه السلام لأنه حضر هناك من يسمع ذلك ~~الخبر ، ويبلغه الى الذين سيوجدون بعد ذلك. أما فى الأزل فليس هناك أحد ~~البتة يسمع ذلك الخبر ، ويبلغه الى الذين سيوجدون بعد ذلك. فظهر أن هذا ~~المثال مغالطه محضة. # الشبهة الثانية : أنه سبحانه وتعالى أخبر بلفظ الماضى فى مواضع كثيرة من ~~القرآن. كقوله : ( @QUR@03 إنا أرسلنا نوحا ) [نوح 1] و ( @QUR@05 إنا ~~أنزلناه في ليلة القدر ) [القدر 1] و ( @QUR@011 إن الذين كفروا. سواء ~~عليهم أأنذرتهم ، أم لم تنذرهم. لا يؤمنون ) [البقرة 6] فلو كان هذا ~~الاخبار قديما أزليا ، لكان قد أخبر ms176 فى الأزل عن شيء مضى قبله. وهذا يقتضي ~~أن يكون الأزل مسبوقا بغيره ، وأن يكون كلام الله تعالى كذبا ، ولما كان كل ~~واحد منهما محالا ، علمنا : أن هذا الاخبار يمتنع كونه أزليا. # الشبهة الثالثة : ان كلام الله تعالى لو كان قديما أزليا ، لكان باقيا ~~أبديا. لأن ما ثبت قدمه يمتنع عدمه ، فيكون قوله تعالى ل «زيد» : «صل» ~~باقيا ، بعد أن صلى زيد صلاة الصبح ، وبعد أن مات ، وبعد أن قامت القيامة. ~~وهكذا يكون باقيا أبدا الآباد ودهر الداهرين ، ومعلوم أن ذلك على خلاف ~~المعقول ، فانه تعالى اذا أمر عبده بفعل من الأفعال فاذا أتى ذلك العبد ~~بذلك الفعل ، لم يبق ذلك الأمر متوجها عليه. واذا ثبت أن ذلك الأمر قد زال ~~، ثبت أنه كان محدثا لا قديما. PageV01P256 # الشبهة الرابعة : أجمعت الأمة على أن النسخ حق ، والنسخ عبارة اما عن ~~ارتفاع الحكم بعد ثبوته ، واما عند انتهائه. وأيا ما كان ، فهو يقتضي زوال ~~ذلك الأمر وذلك الخطاب بعد ثبوته. وكل ما زال بعد ثبوته ، لم يكن قديما. ~~لأن ما ثبت قدمه ، استحال عدمه. # الشبهة الخامسة : لو كان كلام الله قديما أزليا ، لكان تعلقه بمتعلقاته ~~ثابتا له لذاته. ولو كان كذلك لكان عام التعلق بكل ما يصح تعلقه به ، ولما ~~كان من مذهبكم أن الحسن والقبح لا يثبتان الا بالشرع ، فاذن كل ما كان ~~مأمورا لا يمتنع أن يكون منهيا. وكل ما كان منهيا ، لا يمتنع أن يكون ~~مأمورا. فيلزم تعلق أمر الله تعالى بجميع الأشياء ، وتعلق نهيه بجميعها. ~~ويلزم أن تكون جميع الأشياء مأمورة منهية حسنة قبيحة. وكل ذلك محال. فثبت : ~~أن كلام الله يمتنع أن يكون أزليا. # * * * ### ||| ** والجواب : أما جميع الشبه السمعية فالجواب عنها : # شيء واحد. وهو أن تصرف كل تلك الوجوه الى هذه الحروف والأصوات. فانا ~~معترفون بأنها محدثة. وعندهم القرآن ليس الا ما تركب عن هذه الحروف ~~والأصوات ، فكانت الدلائل التى ذكروها دالة على حدوث هذه الحروف والأصوات. ~~ونحن لا ننازع فى ذلك. وانما ندعى قدم القرآن ، بمعنى ms177 آخر (8). فكانت كل ~~هذه الشبهة ساقطة عن محل النزاع. ### ||| ** وأما الجواب عن الشبه العقلية : # فالجواب عن الشبهة الأولى : هو أنها معارضة بالقدرة. فانها صفة تقتضى صحة ~~الفعل ، ثم انها كانت ثابتة فى الأزل مع أن الفعل PageV01P257 # كان ممتنعا. فلم لا يجوز أن يقال : الأمر عبارة عن الصفة المقتضية لطلب ~~الفعل ، ثم انها كانت ثابتة فى الأزل ، مع أن طلب الفعل كان فى الأزل محالا؟ # والجواب عن الشبهة الثانية : انه تعالى كان عالما فى الأزل بأنه سيخلق ~~العالم ، ثم لما خلقه فى لا يزال ، صار العلم متعلقا بأنه قد خلقه فى ~~الماضى. ولما لم يقتض هذا حدوث هذا العالم وتغيره ، فكذا فى الخبر. # والجواب عن الشبهة الثالثة والرابعة : هو أن قدرته تعالى كانت متعلقة من ~~الأزل الى الأبد بايجاد العالم ولما أوجد العالم لم يبق ذلك التعلق ، لأن ~~ايجاد الموجود محال. ولما زال هذا التعلق ، ولم يقتض ذلك حدوث قدرة الله ~~تعالى ، فكذا القول فى الكلام. # والجواب عن الشبهة الخامسة : ان قدرة الله تعالى لها صلاحية التعلق ~~بايجاد كل الممكنات ، ثم أنها تعلقت بايجاد البعض دون البعض ، مع أن هذه ~~القدرة قديمة. واذا عقل ذلك فى القدرة ، فلم لا يعقل مثله فى الكلام؟ # فهذا جملة الكلام فى هذه المسألة. PageV01P258 ### ||| * المسألة الثامنة عشرة ### ||| * فى ### ||| * بقاء الله تعالى ### ||| ** والكلام فيه مرتب على فصلين : ### ||| * الفصل الأول ### ||| * فى ### ||| * حقيقة البقاء # اعلم : أن الشيء اذا كان معدوما ، ثم صار موجودا. فوجوده فى الزمان الأول ~~هو الحدوث ، ثم وجوده فى الذي بعد ذلك هو البقاء. # وأكثر المحققين اتفقوا على أن الحدوث لا يمكن أن يكون صفة زائدة على ذات ~~الحادث. وأما البقاء. فقد اختلفوا فى أنه هل هو زائد على ذات الباقى أم لا؟ ~~فذهب «القاضى أبو بكر» و «امام الحرمين» من أصحابنا وجمهور معتزلة البصرة ~~الى أن كون الباقى باقيا ، ليس صفة زائدة على الذات. وذهب «الشيخ أبو الحسن ~~الأشعرى» وأكثر أتباعه ، وجمهور معتزلة بغداد ، الى أنه صفة زائدة على الذات. # واعلم : أن فى هذه المسألة ms178 أبحاثا ثلاثة : # البحث الأول : ان استمرار الذات. هل هو مفهوم زائد على الذات أم لا؟ # فقال قوم : انه مفهوم زائد على الذات. وذلك لأن الذات كانت حاصلة فى ~~الزمان الأول ، ولم يكن استمرار الذات حاصلا فى الزمان PageV01P259 # الأول. فلما حصل فى الزمان الثانى حصل الذات وحصل استمرار الذات. وهذا ~~يقتضي أن يكون استمرار الذات مغايرا لنفس الذات. # وعلى هذا الكلام اشكال. وهو أنه كلما صدق على الذات أنها صارت مستمرة بعد ~~أن لم تكن كذلك ، صدق عليها أنها كانت متجددة فى الزمان الأول ، ثم فى ~~الزمان الثانى صارت غير متجددة ، فقد صارت غير (1) متجددة ، بعد أن كانت ~~موصوفة بأنها متجددة ، فيلزم أن يكون حدوثها وتجددها صفة زائدة على ذاتها. ~~وهذا محال. لأنه لو كان الحدوث صفة زائدة ، لكانت تلك الصفة حادثة ، ويلزم ~~التسلسل. # وقال آخرون : استمرار الذات ليس صفة زائدة على الذات. وذلك لأن العدم ~~يوصف بالاستمرار ، فلو كان الاستمرار وصفا ثابتا ، لزم اتصاف النفى بالصفة ~~الثابتة. وذلك محال. # البحث الثانى : هو ان الجوهر فى الزمان الثانى ، هل يحتاج الى معنى يقتضي ~~وجوده فى الزمان الثانى أم لا؟ # فمن الناس من أثبته وسماه بالبقاء. والحق : أنه محال : ويدل عليه وجوه : # الحجة الأولى : ان وجود الجوهر فى الزمان الثانى ، غير وجوده فى الزمان ~~الأول. لكن وجوده فى الزمان الأول كان غنيا عن هذا العرض. فوجوده فى الزمان ~~الثانى يحب أن يكون غنيا عنه. لأن حكم الشيء الواحد ، يمتنع أن يتبدل ~~بالحاجة والاستغناء. # الحجة الثانية : وجود الجوهر فى الزمان الثانى ، لو كان معللا بهذا العرض ~~، لكان هذا العرض مؤثرا فى ايجاد الموجود. وهو محال. PageV01P260 # الحجة الثالثة : لما كان العرض محتاجا فى تحققه وثبوته (2) الى جوهر ، ~~امتنع كون الجوهر محتاجا فى وجوده الى شيء من الأعراض ، والا وقع الدور. # الحجة الرابعة : شرط قيام البقاء بالجوهر : حصول الجوهر فى الزمان الثانى ~~، فلو كان حصول الجوهر فى الزمان الثانى ، معللا بالبقاء ، لزم الدور. وهو محال. # وأحتج مثبتو البقاء بهذا التفسير فقالوا : الجوهر حصل فى الزمان ms179 الثانى ، ~~مع جواز أن يصير معدوما. والجائز مفتقر الى المخصص ، ويستحيل أن يكون ذلك ~~المخصص الا البقاء. فكان القول بوجود البقاء حقا. ### ||| ** وهذا الكلام مبنى على مقدمات : # المقدمة الأولى : ان الجوهر حصل فى الزمان الثانى. والخلاف فيه مع ~~«النظام» كما يقال فانه زعم : أن الجسم متجدد حالا بعد حال. والدليل على ~~كون الجوهر جائز البقاء لذاته : ان كون ماهيته قابلة للوجود ، أمر من لوازم ~~الذات. فتكون هذه القابلية حاصلة أبدا. واذا كان كذلك ، كان جائز الوجود فى ~~الزمان الثانى والثالث. وذلك يقتضي كون الجسم جائز البقاء. واعلم : أن هذا ~~الكلام متين. الا أنه يلزم عليه صحة بقاء الأعراض. # المقدمة الثانية : ان الجوهر فى الزمان الثانى ، جائز العدم. وزعم قوم. ~~أنه بعد حدوثه ، يمتنع عليه العدم. والدليل على كونه جائز العدم : أن ~~ماهيته قبل وجوده ، كانت موصوفة بالعدم. فثبت : PageV01P261 # أن هذه الماهية قابلة للعدم ، وهذه القابلية من لوازم هذه الماهية. فهذه ~~الماهية قابلة للعدم أبدا. وهذا يقتضي كون الجسم جائز العدم فى الزمان ~~الثانى. # المقدمة الثالثة : لما ثبت أن الجسم حصل فى الزمان الثانى ، مع جواز أن ~~يصير معدوما. فالجائز لا بد له من المقتضى. وذلك المقتضى اما أن يكون أمرا ~~عدميا أو وجوديا. وعلى التقديرين فاما أن يكون مختارا أو موجبا. فهذه أقسام ~~أربعة : # القسم الأول : أن يقال : انه انما بقى لأن الفاعل المختار ما أعدمه. وهذا ~~قول من قال الاعدام بالقدرة جائز وهو أحد قولى «القاضى أبى بكر» من ~~أصحابنا. وقول «أبى الحسن الخياط» من قدماء المعتزلة. وهو قول «محمود ~~الخوارزمى» من متأخرى المعتزلة ومن الناس من أنكر ذلك. وقال : القدرة صفة ~~مؤثرة ، والعدم نفى محض فاسناد العدم الى القدرة محال. # والقسم الثانى : أن يقال : انه انما بقى. لأن له ضدا متى وجد ، لزم من ~~وجوده عدمه. واذا لم يوجد ذلك الضد ، لزم بقاءه. وهذا مذهب «أبى على» و «أبى ~~هاشم» و «القاضى عبد الجبار بن أحمد» من المعتزلة. وزعموا : أن ذلك الضد هو ~~عرض يخلقه الله تعالى لا ms180 فى محل ، ويسمونه بالبقاء. ### ||| ** وجمهور أصحابنا أبطلوا هذا القول من وجهين : # الحجة الأولى : ان المضادة حاصلة من الجانبين ، فليس انقطاع الباقى ~~لطريان الحادث ، أولى من اندفاع الحادث ، لوجود الباقى. وقالوا : بل اندفاع ~~الحادث لوجود الباقى أولى. وذلك لأن الحادث أضعف من الباقى ، بدليل : أن ~~الحادث لا يوجد الا عند المقتضى ، والباقى يبقى بدون المقتضى. وذلك يدل على ~~أن الباقى أقوى. PageV01P262 # الحجة الثانية : ان طريان الضد الحادث مشروط بزوال الضد الباقى ، فلو كان ~~زوال الضد الباقى معللا بطريان الضد الحادث ، لزم الدور. وهو محال. ### |||| ** والقسم الثالث : أن يقال : الجوهر انما بقى لأن الفاعل المختار ، يبقيه. قالوا : وهذا أيضا ~~محال. وذلك لأن ايجاد الموجود ، وتحصيل الحاصل محال. # والقسم الرابع : وهو أنه انما بقى لأنه قام بالجوهر فى الزمان الثانى ، ~~أعراض مقتضية لبقاء ذلك الجوهر. ثم نقول : ذلك العرض ، اما أن يكون هو من ~~الأعراض المشهورة وهى الألوان والطعوم والروائح والارادات والقدرة وأمثالها ~~واما أن يكون عرضا زائدا عليها مغايرا لها. ### ||| ** والأول باطل لوجهين : # أحدهما : ان لكل واحد من هذه الأعراض حكما خاصا. فالحركة توجب المتحركية ~~، والعلم يوجب العالمية. فلو اقتضيت أيضا كون الجوهر باقيا ، لزم أن يصدر ~~عن العلة الواحدة: حكمان مختلفان. وذلك محال. # والثانى : هو أنه ليس تعليل بقاء الجوهر ببعض هذه الأعراض ، أولى من ~~تعليل بقائه بالباقى. فيلزم أن يكون بقاؤه معللا بكل هذه الأعراض ، فيلزم ~~تعليل الحكم الواحد بالعلل الكثيرة. وهو محال. ولما بطلت كل هذه الأقسام ، ~~ولم يبق الا ان يعلل استمرار الجوهر بعرض زائد على هذه الأعراض ، وجب ~~الاعتراف به. وذلك هو البقاء. # والجواب : أنتم لما أثبتم البقاء ، لا يمكنكم أن تقولوا : ان البقاء علة ~~لذات الجوهر. ويدل عليه وجوه : # الأول : ان ذات الجوهر كان موجودا قبل ذلك. فلو كان البقاء علة له ، لكان ~~هذا تحصيلا للحاصل. وهو محال. PageV01P263 # والثانى ان البقاء لا يبقى. فلو كان البقاء علة لذات الجوهر ، لزم من ~~تجدد العلة ، تجدد المعلول. فيلزم أن لا يبقى الجوهر فى الزمان الثانى. # والثالث : هو ان ms181 البقاء عرض مفتقر الى الجوهر. فلو كان الجوهر معللا به ، ~~لزم الدور. وهو محال. وأنتم اذا أثبتم البقاء ، لا بد أن تقولوا : انه علة ~~لا لذات الجوهر بل لكونه باقيا. وهو حكم متجدد رائد على الذات. واذا كان ~~الأمر كذلك ، فلم لا يجوز اسناد هذا الحكم المتجدد الى الفاعل المختار. ~~وعلى هذا التقدير لا يلزم ايجاد الموجود لأن الواقع بالفاعل المختار هو هذا ~~الحكم المتجدد ، لا أصل الذات. وعلى هذا التقدير يسقط ما ذكرتموه من ~~الاستدلال. ### ||| * الفصل الثانى ### ||| * فى ### ||| * بقاء البارى سبحانه وتعالى # أكثر أصحابنا قالوا : البقاء صفة قائمة بذات الله تعالى ، تقتضى كونه ~~باقيا. وهذا عندنا باطل. ويدل عليه وجهان : # الحجة الأولى : انا قد بينا أن ذاته تعالى واجبة الوجود لذاته ، من حيث ~~هى هى ، وواجب الوجود لذاته ، لا يكون واجب الوجود لغيره. فاستحال أن يقال ~~: انه تعالى انما بقى لبقاء قائم به. # الحجة الثانية : انه تعالى لو كان باقيا ببقاء ، لكان ذلك البقاء باقيا ~~ببقاء. فاما أن يكون ذلك البقاء باقيا لذاته ، أو لغيره. # فان كان باقيا لذاته ، والذات باقية لأجله ، فحينئذ يكون البقاء موجودا ~~باقيا لذاته ، وتكون الذات باقية تبعا لذلك البقاء. والمستقل PageV01P264 # أولى بأن يكون ذاتا ، والتابع أولى بأن يكون صفة. وحينئذ تصير الذات صفة ~~، والصفة ذاتا. وهو محال. # وأما ان قلنا : البقاء باق لأجل شيء غيره. فذلك الغير ان كان هو الذات ~~لزم الدور ، لأن بقاء البقاء تبع لبقاء الذات. والذات تبع لبقاء البقاء. ~~وان كان متأخرا (3) كان الكلام فيه ، كما فى الأول فيلزم التسلسل. وهو محال. # فهذا تمام الكلام فى هذه المسألة. # ولمثبتى البقاء اختلافات فى كيفية بقاء صفات الله تعالى وشيء من تلك ~~الأقاويل ، لا يتوجه على هذه النكتة ، التى لخصناها. وبالله التوفيق. PageV01P265 ### ||| * المسألة التاسعة عشرة ### ||| * فى ### ||| * أن الله تعالى مرئى ### ||| ** والكلام فيه مرتب على فصول : ### ||| * الفصل الأول ### ||| * فى ### ||| * المقدمتين اللتين يجب تقديمهما. ### ||| ** وهما اثنتان : ### ||| ** الأولى : فى تفسير قولنا الله تعالى مرئى أم لا؟ # اعلم : أنا بينا فى مسألة السمع والبصر : أن الابصار ms182 حالة زائدة على ~~العلم ، وعلى تأثر الحاسة. وبينا أيضا : أن ذاته تعالى ذات مخالفة لسائر ~~الذوات. فالمراد من قولنا : ان الله تعالى هل يصح أن يرى؟ هو أنه هل تمكن ~~حالة فى الانكشاف والظهور ، نسبتها الى ذاته المخصوصة ، كنسبة الحالة ~~المسماة بالابصار والرؤية ، الى هذه المرئيات ، أم لا؟ # المقدمة الثانية : اعلم : أنا بينا أنه سبحانه وتعالى منزه عن أن يكون ~~جسما وجوهرا ، ومختصا بمكان وحيز. ثم انا ندعى أن هذا الشيء الموصوف بهذه ~~الصفات يمكن رؤيته. وهذا القول يخالفنا فيه كل من ليس على مذهبنا. أما ~~الفلاسفة والمعتزلة. فذلك ظاهر. وأما الكرامية والمجسمة. فهم انما يسلمون ~~جواز رؤية الله تعالى ، PageV01P266 # لاعتقادهم أنه جسم وفى مكان. وهم متفقون على أنه تعالى لو لم يكن جسما ، ~~ولم يكن فى مكان ، فانه يمتنع وجوده ، فضلا عن رؤيته. # اذا عرفت هذا ، فنقول : القول بامتناع رؤية هذا الموجود. اما أن ندعى فيه ~~: أنه معلوم بالبداهة ، أو ندعى فيه : أنه معلوم بالاستدلال. # اما دعوى البداهة فباطلة. ويدل عليه وجوه : # الحجة الأولى ### |||| ** : ان البديهى متفق عليه بين العقلاء. وهذا غير متفق عليه. فلا يكون بديهيا. # الحجة الثانية : انا اذا عرضنا على عقولنا : رؤية هذا الموجود ، بالتفسير ~~الذي لخصناه ، وعرضنا على عقولنا : أن الواحد نصف الاثنين ، لم نجد القضية ~~الأولى فى قوة هذه الثانية. # الحجة الثالثة : ان حكم الوهم. والخيال فى معرفة الله تعالى ، اما أن ~~يكون مقبولا أو لا يكون مقبولا. فان كان مقبولا لا يمتنع اثبات ذات منزهة ~~عن الكمية والكيفية والجهة. والمعتزلى يسلم أن ذلك باطل. وان لم يكن مقبولا ~~، لم يكن حكم الوهم بأن ما كان منزها عن الجهة ، كان غير مرئى : واجب ~~القبول. لأن الوهم والخيال لما صار كل واحد منهما مردود الحكم فى بعض ~~الأحكام ، لم يبق الاعتماد عليهما فى شيء من المواضع. # وبالجملة : فان كان حكم الوهم حقا ، كان الحق مع المجسم. وان كان مردودا ~~، كان الحق معنا. أما المعتزلى ، فانه يرد حكمه فى اثبات التجسيم والجهة ، ~~ويقبل حكمه فى مسألة ms183 الرؤية. فكان كلامه متناقضا. PageV01P267 # فثبت بما ذكرنا : أن من نفى الرؤية بالوجه الذي ذكرناه ، لا بد أن يعول ~~فى نفيها على الدليل ، لا على ادعاء الضرورة. # وانما قدمنا هذه المقدمة ، لأن هؤلاء المعتزلة فى أول الأمر يلتزمون ~~الاستدلال ، وفى آخر الأمر عند العجز عن تمشية الدليل ، كأنهم يسرعون فى ~~ادعاء الضرورة. فقدمنا هذه المقدمة ، صونا للكلام عن هذا الخبط. ### ||| * الفصل الثانى ### ||| * فى ### ||| * حكاية ما قيل فى هذه المسألة من الدلائل ### ||| * العقلية ، وذكر المباحث فيها # اعلم : أن جمهور الأصحاب عولوا فى اثبات أنه تعالى يصح أن يرى على دليل ~~الوجود. وأما نحن فعاجزون عن تمشيه ، ونحن نذكر ذلك الدليل ، ثم نوجه عليه ~~ما عندنا من الاعتراضات. # قالوا : ثبت أن الجوهر يصح أن يرى ، واللون يصح أن يرى ، والجواهر ~~والألوان تشتركان فى صحة الرؤية. وهذه الصحة حكم حادث ، فلا بد لها من علة. ~~والحكم المشترك يجب تعليله بعلة مشتركة ، لامتناع تعليل الأحكام المتساوية ~~بالعلل المختلفة. والمشترك بين الجواهر والأعراض ، اما الحدوث واما الوجود. ~~لا جائز أن تكون علة هذه الصحة ، هى الحدوث. لأن الحدوث عبارة عن وجود حاصل ~~، وعدم سابق. والعدم لا يجوز أن يكون جزءا من المقتضى. واذا سقط العدم عن ~~درجة الاعتبار ، لم يبق الا الوجود ، والوجود مشترك فيه بين الشاهد والغائب ~~، فاذن وجود الله تعالى علة صالحة لصحة رؤيته. واذا حصلت العلة ، حصل الحكم ~~لا محالة. فوجب القول بصحة رؤيته. هذا حاصل الكلام فى هذا الباب. PageV01P268 ### ||| ** ولقائل أن يقول : # (السؤال الأول): صحة الرؤية حكم عدمى ، والحكم العدمى لا يجوز تعليله. # وانما قلنا : ان صحة الرؤية حكم عدمى : لأن الصحة حكم عدمى ، واذا كانت ~~الصحة أمرا عدميا ، كانت صحة الرؤية أمرا عدميا (1). ### ||| ** وانما قلنا : الصحة أمر عدمى لوجهين : # الأول : الدلائل الكثيرة المذكورة فى مسألة حدوث الأجسام ، على أن الصحة ~~والامكان يمتنع أن يكون صفة موجودة. # والثانى : ان الصحة لو كانت صفة موجودة ، فلا شك أن العالم قبل وجوده ، ~~صحيح الوجود. وكانت تلك الصحة صفة موجودة أيضا ، فيستدعى موصوفا موجودا. ~~وذلك ms184 يوجب القول بقدم العالم. وهو محال. فثبت : أن الصحة ليست صفة ثابتة ، ~~ولا حالة ثبوتية البتة. وانما قلنا : ان الصحة لما لم تكن حكما ثابتا ، ~~امتنع كون صحة الرؤية حالة ثابتة. وذلك لأن صحة الرؤية صحة مخصوصة بكيفية ~~مخصوصية ، ولما كان أصل الصحة غير ثابت ، امتنع أن تكون كيفيتها وصفتها ~~ثابتة ، لامتناع قيام الثابت بالنفى المحض. فثبت : أن صحة الرؤية ليست صفة ~~ثابتة ولا حكما ثابتا. واذا ثبت هذا ، امتنع تعليل هذه الصحة ، لأن التعليل ~~عبارة عن تأثير أمر فى أمر ، والعدم نفى محض وسلب صرف ، فيمتنع أن يكون علة ~~ومعلولا. ### ||| ** السؤال الثانى : # هب أن صحة الرؤية حكم ثابت ، فلم قلتم : ان كل حكم ، فانه يجب تعليله. ~~والدليل عليه : اتفاق المتكلمين على أن من الاحكام ما يعلل ، ومنها ما لا ~~يعلل. ولذلك فان صحة المعلومية (2) والمذكورية PageV01P269 # والمخبرية ، لا تعلل. لأن هذه الاحكام ثابتة فى المعدومات ، والعدم لا ~~يصلح للعلية على ما قررتموه فى دليلكم وأيضا : القدر فى الشاهد لا تصلح ~~لخلق الجسم ، فهى مشتركة فى هذا الحكم. ولا يمكن تعليل هذا الحكم بكونها ~~قدرا ، والا لزم أن لا تصلح القدرة القديمة لخلق الجسم ، ولا يمكن تعليل ~~هذا الحكم بكونها قدرا حادثة ، لأنكم بينتم فى دليلكم أن الحدوث لا يصلح أن ~~يكون علة ، ولا أن يكون جزء علة. فثبت ان هذا الحكم المشترك فيه بين هذه ~~القدرة : غير معلل بشيء أصلا. # السؤال الثالث : سلمنا أن صحة الرؤية حكم ثابت. وان كان حكما عدميا ، لكن ~~الحكم العدمى يجب تعليله. لكن لا نسلم أن صحة الرؤية حكم مشترك بين الجوهر ~~والعرض. وذلك لأن صحة كون السواد مرئيا ، مخالفة لصحة كون البياض مرئيا. ~~والدليل عليه : أنه يمتنع قيام كل واحدة من هاتين الصحتين مقام الأخرى ، ~~بدليل : أن الجوهر يمتنع أن يرى سوادا ، والسواد يمتنع أن يرى جوهرا. ولو ~~تساوت الصحتان لقامت كل واحدة منهما مقام الاخرى. # لا يقال : هب أن هاتين الصحتين نوعان مختلفان فى النوعية ، لكنهما ~~مشتركان فى جنس واحد ، وهو كونه صحة ms185 الرؤية. وهذا الحكم واحد ، بحسب الوحدة ~~الجنسية. وحينئذ يعود التقريب. # لأنا نقول : انه لا نزاع فى أن الأحكام المختلفة بحسب النوعية ، وان كانت ~~متحدة فى الجنس ، فانه يجوز تعليلها بعلل مختلفة فى الماهية. والدليل عليه ~~: ان المتحركية والساكنية والعالمية والقادرية ، وان كانت مختلفة بحسب ~~الوحدة النوعية ، لكنها متحدة بحسب الوحدة الجنسية. فانها بأسرها صفات ~~وأحوال. ثم أنها مع ذلك تعلل بعلل مختلفة فى الماهية والحقيقة. فثبت : أن ~~هذا غير ممتنع. PageV01P270 ### ||| ** السؤال الرابع : # هب أن صحة رؤية الجوهر وصحة رؤية العرض ، حكمان متماثلان. لكن لم لا يجوز ~~تعليل الحكمين المتماثلين بعلتين مختلفتين؟ ### ||| ** والذي يدل عليه وجوه : # الأول : ان الأشياء المختلفة لا يمتنع اشتراكها فى لوازم متساوية والدليل ~~عليه : ان المختلفين يشتركان فى صحة الاختلاف. فانه كما أن هذا مخالف لذاك ~~، فذاك مخالف لهذا. فمسمى الاختلاف مشترك فيه. وكذا القول فى الضدين. # والثانى : وهو أن السواد بخصوص كونه سوادا ، يصح أن يكون معلوما. وكذا ~~البياض بخصوص كونه بياضا ، يصح أن يكون معلوما. وهذه أحكام متساوية معللة ~~بخصوصيات هذه الماهيات. وهى مختلفة. # الثالث : وهو ان الماهيتين اذا اشتركتا من وجه ، اختلفتا من وجه آخر. ولا ~~شك أن ما به الاشتراك ، مغاير لما به الامتياز. # اذا ثبت هذا فنقول : اما أن لا تكون بين الاعتبارين ملازمة أصلا ، واما ~~أن يكون كل واحد منهما مستلزما للآخر ، واما أن يكون ما به المشاركة ~~مستلزما لما به الممايزة ، واما أن يكون بالعكس. # والقسم الأول باطل. والا لانفك كل واحد من هذين الاعتبارين عن الآخر ، ~~وحينئذ لا يحصل من مجموعهما حقيقة واحدة. هذا خلف. والثانى والثالث : أيضا ~~باطل. اذ لو كان ما به الاشتراك مستلزما لما به الامتياز ، لما كان ما به ~~الامتياز موجبا للمائزة. وذلك محال ، فلم يبق الا القسم الرابع. وهو أن ~~يكون ما به الممايزة ، مستلزما لما به المشاركة. وهذا يقتضي الجزم بتعليل ~~الأشياء المتساوية بالعلل المختلفة. PageV01P271 # الرابع : لو وجب تعليل الحكم المشترك بوصف مشترك ، لكان صحة كونه موصوفا ~~بذلك الوصف المشترك ، معللة بوصف آخر ms186 مشترك فيه. والكلام فيه كما فى الأول ~~فيلزم التسلسل. وهو محال. فعلمنا : أنه لا بد من انتهاء تعليل الأحكام ~~المشتركة الى خصوصيات الماهيات. وحينئذ يلزم تعليل الأحكام المتساوية ~~بالماهيات المختلفة. # لا يقال : الدليل على أن تعليل الأحكام المتساوية بالعلل المختلفة لا ~~يجوز. وذلك لأن هذا الحكم لما كان معللا بهذه العلة لذاته ، والحكم الثانى ~~مساويا للحكم الأول فى الماهية. والمتساويان فى الماهية يجب استواؤهما فى ~~اللوازم ، فيلزم أن يكون الحكم الثانى مستندا الى ما يماثل تلك العلة. فثبت ~~: أن الحكمين المتساويين يجب تعليلهما بعلتين متماثلتين. # لأنا نقول : ان صح هذا الكلام ، لزم تعليل جميع الأحكام المتماثلة بعلة ~~واحدة بالشخص. لأن كون هذا الحكم معللا بهذه العلة المعينة ، أمر ثبت له ~~لذاته ، والحكم المماثل له ، مساو له فى تمام الماهية. فيلزم فى مثل ذلك ~~الحكم : أن يكون معللا بعين تلك العلة. وبالاتفاق هذا باطل. وكذا ما ~~ذكرتموه. # ثم نقول : لم لا يجوز أن يقال : اسناد هذا الحكم الى هذه العلة ، ليس ~~متولدا من ذات الحكم ، بل العلة المخصوصة لذاتها توجب ذلك الحكم ، ولما حصل ~~ذلك الحكم بتلك العلة ، وجب اسناده الى تلك العلة ، لا لأن ذاته يوجب ~~الاسناد إليها ، بل لأجل أن تكون العلة مستلزمة له ، فوجب اسناده إليها. ~~وهذا كلام دقيق ، لا بد من التأمل فيه. ### ||| ** والسؤال الخامس : # هب أنه لا بد لهذا الحكم المشترك من علة مشتركة فيها ، فلم قلتم : PageV01P272 # انه لا مشترك بين الجوهر والعرض الا الحدوث والوجود؟ وما الدليل على هذا ~~الحصر؟ وعدم العلم بالشيء ، لا يدل على عدم الشيء ، والسبر والبحث لا يفيد ~~الا الظن الضعيف. ثم نقول : هاهنا مشترك آخر ، وهو كون الشيء ممكن الوجود لذاته. # لا يقال : الامكان لا يصلح علة للرؤية. ويدل عليه وجوه : # الأول : ان الامكان عدمى ، فلا يصلح للعلية. # الثانى : ان الامكان قائم فى المعدومات ، ولا يصح رؤيتها. # والثالث : لو كان الامكان علة للرؤية ، لزم صحة رؤية جميع الممكنات ~~والخصم لا يقول به. # لأنا نقول ### |||| ** : نحن انما ذكرنا الامكان للقدح فى ms187 قولكم : انه لا مشترك بين الجوهر والعرض ، ~~الا الحدوث والوجود ، لا لبيان أن نجعله علة لصحة الرؤية. # وأيضا : فنحن نبحث عن الوجوه التى ذكرتم. # أما الأول : فنقول : صحة الرؤية عبارة عن علة امكان الرؤية ، فان كان ~~الامكان عدميا ، كانت صحة الرؤية أيضا عدمية. ولا يبعد تعليل حكم عدمى بعلة عدمية. ### |||| ** وأما الثانى : فلم لا يجوز أن تكون صحة (3) علة الرؤية للمجموع الحاصل من الامكان ~~والوجود؟ # وأما الثالث : فهو أن الخصم أخطأ فى قوله : لا يمكن رؤية بعض الممكنات. ~~ولكن لم يحصل لكم من هذا البرهان صحة رؤية الله تعالى PageV01P273 ### ||| ** السؤال السادس : # هب أنه لا مشترك الا الحدوث والوجود. فلم لا يجوز أن تكون العلة هى ~~الحدوث؟ قوله : «الحدوث ماهية مركبة من العدم السابق ، والوجود الحاضر فاذا ~~سقط العدم عن درجة الاعتبار ، لم يبق الا الوجود الحاضر» # قلنا : لا نسلم أن الحدوث عبارة عن الوجود الحاضر والعدم السابق ، بل ~~الحدوث عبارة عن الوجود الحاضر المسبوق بذلك العدم السابق. فلم قلتم بأن ~~كونه مسبوقا بالعدم نفس العدم؟ والدليل عليه : ان الحدوث صفة للوجود وكيفية ~~له ، والعدم نقيض الوجود ومناف له ، ونقيض الشيء لا يكون صفة له ، ولا ~~كيفية له. ### ||| ** السؤال السابع : # هب أن العلة لهذه الصحة هى الوجود. ولكن له قلتم : ان الوجود أمر مشترك ~~فيه بين الواجب والممكن؟ والعجب : أن عند «أبى الحسن الأشعرى» وجود الشيء ~~ذاته وحقيقته. فعلى هذا لما كانت الحقائق مختلفة فى حقائقها ، وجب أن تكون ~~مختلفة فى وجوداتها ومع هذا القول كيف يمكنه أن يقول : الوجود وصف مشترك فيه؟ ### ||| ** السؤال الثامن : # هب أن الوجود علة لصحة الرؤية. ولكن كما يعتبر فى حصول الحكم حصول العلة ~~المؤثرة ، يعتبر أيضا حصول المحل القابل ، ويعتبر فيه عدم المانع. ألا ترى ~~أن الحياة علية الجهل والشهوة والنفرة والألم واللذة ، ثم الحياة حاصلة فى ~~ذات الله. وصحة هذه الأشياء غير حاصلة. اما لأن تلك الذات المخصوصة غير ~~قابلة لهذه الأحكام أو لأنه قامت بتلك الذات صفات مانعة من تحقق هذه ~~الأشياء. PageV01P274 # فثبت ms188 بهذا : أن مع حصول العلة لا يتحقق الحكم ، الا اذا ثبت أن المحل ~~قابل والمانع زائل. فلم قلتم ان خصوصية ذات الله تعالى قابلة لهذه الصحة؟ ~~ولم قلتم : انه لا يوجد هناك ما يكون مانعا من هذه الصحة؟ ### ||| ** السؤال التاسع : # ان القوة اللامسة مدركة للجواهر والأعراض : أما أنها مدركة للجواهر ، ~~فلأنا باللمس نميز بين الطويل والعريض والعميق ، كما أنا ببصرنا ندرك ~~التفرقة بين هذه الأحوال. ولما دل ذلك على كون البصر مدركا للجسم ، وجب أن ~~يدل ذلك على كون اللمس مدركا للجسم. وأما أن القوة اللامسة مدركة للأعراض ، ~~فلأنا ندرك التفرقة بين الحار والبارد. واذا ثبت أن القوة اللامسة مدركة ~~للجواهر والأعراض ، اطرد الدليل الذي ذكرتم بتمامه. فيلزم أن تكون علة صحة ~~اللمس ، هى الوجود. والله تعالى موجود ، فوجب أن يصح أن يكون ملموسا مذوقا. ~~والتزامه فى غاية البعد. ### ||| ** السؤال العاشر : # قولكم : الوجود علة لصحة الرؤية ، يحتمل وجهين : # أحدهما : أن يكون المراد منه : أن يكون الوجود علة لصحة أن يرى الموجود فقط. # والثانى : أن يكون المراد منه : أن الوجود علة لصحة أن ترى الماهية. # اما الأول : فباطل قطعا. وذلك لأن المرئى اذا كان هو الوجود فقط ، ~~والوجود أمر مشترك فيه بين كل الموجودات ، كان المرئى PageV01P275 # لحس البصر أمرا مشتركا فيه بين كل الموجودات ، فوجب أن لا يكون اختلاف ~~المختلفات مدركا بالبصر. وهذا دخول فى السفسطة. # وأما الثانى : فانه يقتضي أن لا تكون علة صحة رؤية السواد ، هى الوجود ~~فقط ، بل أن تكون علة تلك الصحة ، هى مجموع كونه سوادا ، وكونه موجودا. ~~وعلة رؤية البياض هى مجموع كونه بياضا وكونه موجودا. وعلى هذا التقدير يبطل ~~القول بأن علة صحة الرؤية أمر مشترك فيه. # والحاصل : انا ان حملنا الكلام على الوجه الأول ، كانت السفسطة لازمة ، ~~وان حملناه على الوجه الثانى ، يسقط الدليل بالكلية. ### ||| ** السؤال الحادى عشر : # هو أنه تعالى يصح أن يكون مرئيا فى ذاته. لكن لم لا يجوز أن تكون رؤيتنا ~~موقوفة على شرط ، يمتنع ثبوته فى حقنا ، فلا جرم يمتنع ms189 المشروط لامتناع ذلك ~~الشرط. وهذا كما أن الجسم فى نفسه يصح أن يكون مخلوقا ، لكنه يمتنع أن يكون ~~مخلوقا لنا. لأن صحة خلق الجسم مشروطة بشرط يمتنع ثبوته فى حقنا. ففاتت هذه ~~الصحة فى حقنا ، لا لأن تلك الصحة فى نفسها فائتة ، بل لأن شرط تلك الصحة ~~فائت فى حقنا. وكذا القول فى مسألتنا. ### ||| ** السؤال الثانى عشر : # ما ذكرتم من الدلائل معارض بما أن الله تعالى قادر على خلق الجواهر وعلى ~~خلق الاعراض. فصحة المخلوقية حكم مشترك فيه بين الجواهر والأعراض ، فلا بد ~~من تعليل هذه الصحة بأمر مشترك بين القسمين. ولا مشترك الا الحدوث أو ~~الوجود. والحدوث باطل ، PageV01P276 # لما ذكرتم. فثبت أن علة صحة المخلوقية هى الوجود. والله تعالى موجود ، ~~فوجب صحة كونه تعالى مخلوقا. ولما بطل هذا الكلام ، فكذا ما ذكرتم. # فهذا ما عندى من الأسئلة على هذا الدليل. وأنا غير قادر على الأجوبة عنها ~~، فمن أجاب عنها ، أمكنه أن يتمسك بهذا الدليل. # * * * # ولنختم هذه الفصل بخاتمة ، وهى أنا نقول : اعلم : أن الدليل العقلى ~~المعلول عليه فى هذه المسألة هذا الذي أوردناه ، وأوردنا عليه هذه الأسئلة ~~واعترفنا بالعجز عن الجواب عنها. # اذا عرفت هذا فنقول : مذهبنا فى هذه المسألة ما اختاره الشيخ «أبو منصور ~~(4) الماتريدي السمرقندى» وهو أنا لا نثبت صحة رؤية الله تعالى بالدليل ~~العقلى ، بل نتمسك فى هذه المسألة بظواهر القرآن والأحاديث (5). فان أراد ~~الخصم تعليل هذه الدلائل ، وصرفها عن ظواهرها بوجوه عقلية ، يتمسك بها فى ~~نفى الرؤية : اعترضنا على دلائلهم ، وبينا ضعفها ، ومنعناهم عن تأويل هذه ~~الظواهر. # فهذا مجموع المقدمات التى يجب تقديمها قبل الخوض فى الدلائل. ### ||| * الفصل الثالث ### ||| * فى ### ||| * ذكر الدلائل الدالة على جواز رؤية الله تعالى # الحجة الأولى : ان موسى عليه السلام سأل الرؤية فى قوله : PageV01P277 # ( @QUR@03 أرني أنظر إليك ) [الأعراف 143] ولو كانت الرؤية ممتنعة على ~~الله تعالى ، لما سألها. ### ||| ** ولهم عليه اعتراضات : # السؤال الأول : قال «الكعبى» : لم لا يجوز أن يكون المراد من قوله ( ~~@QUR@01 أرني ) أن يظهر الله أحوالا تفيد العلم الضرورى ، بوجود ms190 الصانع؟ ~~واطلاق لفظ الرؤية على العلم الضرورى الجلى ، مجاز مشهور. # السؤال الثانى : قال «أبو على» و «أبو هاشم» : ان موسى عليه السلام انما ~~سأل الرؤية لا لنفسه بل لقومه. والدليل عليه : قوله تعالى : ( @QUR@07 لن ~~نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) [البقرة 55] ثم ان موسى عليه السلام أضاف ذلك ~~السؤال الى نفسه ، حتى يكون ذلك السؤال أولى بالاجابة ولما منعه الله تعالى ~~، كان ذلك أقوى فى الدلالة على منع الغير. # وفى التوراة مثل ما فى القرآن بالمعنى عن الرؤية بالمحكم والمتشابه. فقد ~~قال الله لموسى : «لا يقدر أحد أن يرانى ويعيش» ومنع عنه رؤيته. وقال ~~أشعياء : «حقا أنت إله محتجب يا إله اسرائيل» وفى الإنجيل : «الله لم يره ~~أحد» ولم يجوز رؤية الله من أهل الكتاب الا النصارى. ذلك لأنهم يزعمون أن ~~الله ظهر فى الجسد. وهذا الجسد هو جسد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام . PageV01P278 # السؤال الثالث : قال «أبو الهذيل» يحتمل أن يقال : ان موسى عليه السلام ~~كان عالما بالدلائل العقلية ، أنه تمتنع رؤية الله تعالى. فسأل الله الرؤية ~~، حتى يرى (6) الدلائل السمعية المانعة من الرؤية ، فتصير الدلائل السمعية ~~والعقلية متعاضدة متوافقة. وكثرة الدلائل توجب زيادة الطمأنينة ، وقوة ~~اليقين ، وزوال الشك. ولهذا السبب أكثر الله تعالى فى القرآن من ذكر ~~الدلائل الدالة على التوحيد والصفات. # السؤال الرابع : قال بعضهم : لم لا يجوز أن يقال : ان موسى عليه السلام ما ~~كان فى ذلك الوقت عالما بامتناع الرؤية على الله تعالى؟ وهذا وان كان ~~مستبعدا ، الا أنه غير مستحيل (7) ويدل عليه وجوه : # أحدها : ان كل صفة من صفات الله تعالى ، لا يتوقف على معرفتها العلم بصحة ~~النبوة. ثم لم يبعد أن لا تكون تلك الصفة معلومة للأنبياء عليهم السلام . ~~وكونه تعالى بحيث يمتنع رؤيته ، لا يتوقف على العلم به ، العلم بصحة ~~النبوة. فعلى هذا لا يمتنع أن تكون هذه الصفة غير معلومة لموسى عليه السلام . # الثانى : ان المشهور من أهل السنة أنهم يجوزون المعاصى على الأنبياء ~~عليهم السلام حال نبوتهم. فاذا جوزوا ms191 ذلك ، فلم لا يجوز هذا الجهل. # الثالث : مذهب أهل السنة أنه يحسن من الله تعالى جميع الأشياء. واذا كان ~~كذلك لم يبعد أن يقال : ان الله تعالى ما أمره بمعرفة هذه الصفة. وعلى هذا ~~التقدير لم يكن ذلك عبثا فى حق موسى عليه السلام . PageV01P279 ### ||| ** والجواب : ### ||| ** أما السؤال الأول ، فجوابه من وجهين : # الأول : ان موسى عليه السلام كان يتكلم مع الله تعالى فى هذا الوقت بلا ~~واسطة ، وفى مثل هذا الوقت يبعد أن يقول : يا إلهى أظهر لى دليلا أعرف به وجودك. # الثانى : انه قال ( @QUR@02 أنظر إليك ) ولو كان المراد ما ذكره «الكعبى» ~~لكان يقول : انظر الى دليلك. ### ||| ** وأما السؤال الثانى ، فجوابه من وجهين : # الأول : ان أولئك الذين كانوا يطلبون الرؤية. اما أن يقال : انهم كانوا ~~من المؤمنين ، أو من الكفار. فان كانوا من المؤمنين ، كانوا لا محالة ~~يقبلون قول موسى عليه السلام فى أن هذا السؤال غير جائز ، وما كان موسى ~~محتاجا الى اضافة هذا السؤال ، الى نفسه. وان كانوا من الكفار ، فهم لا ~~يصدقونه فى (8) أن الله تعالى منع العباد من سؤال الرؤية. وعلى التقديرين ~~فإضافة هذا السؤال ، الى نفسه عبث. # الثانى : ان هذا السؤال لو كان محالا ، لمنعهم عنه. ألا ترى أن القوم لما ~~قالوا له : ( @QUR@06 اجعل لنا إلها ، كما لهم آلهة ) [الأعراف 138] منعهم ~~عن هذا الكلام ، وقال : ( @QUR@03 إنكم قوم تجهلون ) [الأعراف 138]. # وأما السؤال الثالث : فجوابه : انه عليه السلام اما أن يقال : انه كان ~~شاكا فى الامتناع والجواز ، أو يقال : انه كان قاطعا بالامتناع. PageV01P280 # فان قطعنا (9) انه كان شاكا فى الجواز لزم كونه جاهلا بالله تعالى. وهذا ~~لا يليق بالأنبياء عليهم السلام وان قلنا : انه كان قاطعا بامتناع الرؤية ~~على الله تعالى ، كان الأدب أن يقول : رب زدنى دليلا على امتناع الرؤية : ~~فأما أن يسأل الرؤية ، مع العلم بامتناعها. فهذا لا يليق بالعقلاء. # وأما السؤال الرابع : فجوابه : ان الأمة مجمعة على أن علم الأنبياء ~~والرسل عليهم السلام بذات الله تعالى وصفاته ، أتم وأكمل من علم كل واحد من ms192 ~~آحاد الأمة. واذا ثبت هذا ، فنقول : لما كان العلم بامتناع الرؤية حاصلا ~~لكل واحد من آحاد المعتزلة ، فلو لم يكن حاصلا لموسى عليه السلام لكان كل ~~واحد من [آحاد] المعتزلة ، أعرف بذات الله تعالى وبصفاته من موسى ~~عليه السلام . ولما كان هذا باطلا بالاجماع ، سقط هذا السؤال. # الحجة الثانية : رؤية الله تعالى معلقة على شرط جائز ، والمعلق على الشرط ~~الجائز جائز. فرؤية الله تعالى جائزة. # وانما قلنا : ان رؤية الله معلقة على شرط جائز ، لأن رؤية الله تعالى ~~معلقة على استقرار الجبل. واستقرار الجبل جائز. فيلزم أن تكون رؤية الله ~~تعالى جائزة. وانما قلنا : ان رؤية الله تعالى معلقة على استقرار الجبل ، ~~لقوله تعالى : ( @QUR@05 فإن استقر مكانه ، فسوف تراني ) [الأعراف 143] ~~وانما قلنا : ان استقرار الجبل جائز ، لأن الجبل جسم ، وكل جسم فإنه يمكن ~~أن يكون ساكنا. وانما قلنا : ان المعلق على الجائز جائز ، لأن بتقدير وقوع ~~ذلك الشرط الجائز ، ان لم يحصل الشروط ، لزم الكذب فى كلام الله تعالى ، ~~وان حصل كان الجواز قبله حاصلا. وهذه نكتة حسنة (10). PageV01P281 # فان قيل : لا نسلم أن رؤية الله تعالى معلقة على شرط جائز ، قوله : ~~«لأنها معلقة على استقرار الجبل. وانه جائز» قلنا : بل هى معلقة على ~~استقرار الجبل ، حال كون الجبل متحركا ، واستقرار الجبل حال كون متحركا محال. # وانما قلنا : ان الرؤية معلقة على استقرار الجبل حال كونه متحركا ، لأنه ~~لو كان معلقا على استقراره لا حال كونه متحركا ، فاستقراره فى غير حال ~~حركته ، يكون واقعا حاصلا. لا محالة. لأن الجسم كلما لم يكن متحركا ، كان ~~ساكنا. لا محالة. وعلى هذا التقدير يكون شرط وقوع الرؤية حاصلا ، فكان يجب ~~أن تحصل الرؤية ، وحيث لم تحصل الرؤية ، علمنا : أن الشرط لم يحصل. وانما ~~يصح أن يقال : لم يحصل الشرط ، اذا قلنا : ان الشرط هو استقراره حال حركته. ~~واذا كان ذلك ، كان هذا الشرط محالا. فثبت : أن رؤية الله معلقة على شرط ~~محال. فلم يلزم القول بجواز رؤية الله تعالى. # والجواب : ان الشرط هو استقرار ms193 الجبل. واستقرار الجبل هذا ، من حيث هذا ~~المفهوم ، أمر جائز الوجود. فثبت : أن الرؤية معلقة على شرط جائز الوجود. # وأقصى ما فى الباب : أن يقال : دل دليل منفصل على أنه وجد فى ذلك الوقت ~~مانع ، الا أن الذي دل اللفظ على كونه شرطا للرؤية ، أمر جائز. فكان ~~المقصود حاصلا. # ومن طلب العلوم بغير كد # سيدركها اذا شاب الغراب PageV01P282 ### ||| * الفصل الرابع ### ||| * فى # بيان أن النظر المقرون بحرف الى. # هل هو موضوع للرؤية أم لا؟ # وقد اختلف الناس فيه. فزعم بعض أصحابنا : أنه للرؤية. وأنكر ذلك بعض ~~المحققين منا ، وجمهور المعتزلة. وقالوا : لفظ النظر موضوع. اما لكون ~~الحدقة مقابلة للمرئى. كما يقال : جبلان متناظران ، أى متقابلان. واما ~~لتقليب الحدقة السليمة نحو المرئى ، طلبا للرؤية. # واحتج من قال بأن لفظ النظر المقرون ب «الى» للرؤية ، بالقرآن والشعر. # أما القرآن : فآيتان : # الأولى : قوله تعالى : ( @QUR@04 رب أرني أنظر إليك ) والاستدلال به من ~~وجهين : # الأول : انه لو كان النظر عبارة عن تقليب الحدقة الى جهة المرئى ، لكان ~~معنى الآية: أرنى حتى أقلب حدقتى الى جهتك. وهذا يتقضى أن يكون موسى ~~عليه السلام قد أثبت الجهة لله تعالى. وذلك باطل. # والثانى : انه رتب النظر على الإراءة. والمرتب على الإراءة : هو الرؤية ، ~~لا تقليب الحدقة. فيدل هذا : على أن النظر هو الرؤية. ### |||| ** الآية الثانية : قوله تعالى : ( @QUR@06 أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت )؟ [الغاشية 17] ~~والذي يفيد معرفة كيفية الخلقة : هو الرؤية. لا تقليب الحدقة. PageV01P283 ### ||| ** وأما الشعر : # فقول النابغة : # وما رأيتك الا نظرة عرضت %~% يوم الامارة. والمأمور معذور # استثنى النظر عن الرؤية ، فوجب أن يكون النظر من جنس الرؤية. # وقال آخر : # نظرت الى من حسن الله وجهه %~% فيا نظرة كادت على وامق : تقضى # ومعلوم : أن الذي يقضى على الوامق : هو رؤية المعشوق ، لا تقليب الحدقة نحوه. ### ||| ** وأما الذين أنكروا كون النظر المقرون ب «الى» مفيدا للرؤية. فقد احتجوا بخمسة وعشرين وجها : # الحجة الأولى : قوله تعالى : ( @QUR@06 وتراهم ينظرون إليك ، وهم لا ~~يبصرون ) [الأعراف 198] وجه الاستدلال من وجهين. # الأول : انه أثبت النظر ms194 ونفى الأبصار. وهذا يدل على أن النظر غير الأبصار ~~: الثانى: أنه تعالى حكم بأنه يرى نظرهم إليه. # ولا شك أن الرؤية لا ترى. ولما كان النظر مرئيا ، والرؤية غير مرئية ، ~~والرؤية غير مرئية ، وجب أن لا يكون النظر هو الرؤية. # فان قيل : انه تعالى أثبت النظر للأصنام بقوله تعالى : ( @QUR@03 وتراهم ~~ينظرون إليك ) ولا شك أنه لم يحصل للأصنام تقليب الحدقة الى جهة المرئى ، ~~فوجب أن لا يكون النظر عبارة عن تقليب الحدقة. # قلنا : النظر هاهنا مفسر بالتقابل. يقال : جبلان متناظران ، أى متقابلان. ~~وهذا المعنى كان حاصلا للأصنام. # الحجة الثانية : قوله تعالى فى صفة الكفار : ( @QUR@03 ولا ينظر إليهم ) ~~[البقرة 77] نفى كونه تعالى ناظرا إليهم ، ولا شك أنه كان يراهم ، فيلزم أن ~~يكون النظر غير الرؤية. PageV01P284 # وان قيل : لو كان النظر عبارة عن تقليب الحدقة ، لكان معنى الآية : انه ~~تعالى لا يقلب حدقته إليهم. ومعلوم أن ذلك باطل. ### |||| ** قلنا : لو جعلنا النظر حقيقة فى تقليب الحدقة ، أمكن حمل قوله تعالى : ( @QUR@03 ~~ولا ينظر إليهم ) على ترك الرحمة. أما لو جعلناه حقيقة فى الرؤية ، لا يمكن ~~حمله على ترك الرحمة. فكان الأول أولى. # والذي يدل على ما قلناه : أن تقليب الحدقة الى جانب الشيء لا يختاره ~~الانسان الا اذا أحبه. ومتى أحبه فانه يرحمه ظاهرا ، فحصل بين تقليب الحدقة ~~الى جهة الشيء وبين ايصال الرحمة إليه هذه الملازمة. # وأيضا : تقليب الحدقة الى جهة الشيء ، وايصال الرحمة إليه ، فعلان ~~اختياريان .. فحصل بينهما هذه المشابهة والملازمة. وكل واحد منهما سبب ~~مستقل لحسن المجاز. أما لو جعلنا النظر عبارة عن الرؤية ، لم يحصل بينه ~~وبين الرحمة ، لا الملازمة ولا المشاكلة. أما الملازمة فلأنه ليس كل ما ~~يراه الانسان أحبه ، بل الذي يختاره الانسان فانه يحبه. لكن اختيار الرؤية ~~، ليس الا تقليب الحدقة نحوه. فثبت : أن حمل النظر على تقليب الحدقة أولى. # الحجة الثالثة : لو كان النظر عبارة عن الرؤية ، لوجب أن يقال : رأيت ~~إليه. كما يقال : نظرت إليه. وأجمع المفسرون على أن قوله تعالى : ( @QUR@04 ~~ألم تر إلى ms195 ربك ) [الفرقان 45] : مجاز. ولجاز أن يقال : نظرته. كما يقال : ~~رأيته. ولما لم يصح ذلك ، علمنا : أن النظر غير الرؤية. # الحجة الرابعة ### |||| ** : يقال : نظرت الى الهلال فلم أره. أثبت : النظر مع عدم الرؤية. PageV01P285 # الحجة الخامسة : يقال : أما ترى كيف ينظر فلان الى الهلال؟ وكيف ينظر ~~فلان الى فلان؟ وهذا يدل على أن النظر مرئى. ولا شك أن الرؤية غير مرئية. ~~فوجب أن يكون النظر مغايرا للرؤية. # الحجة السادسة : يقال : ما زلت أنظر الى الهلال حتى رأيته. ولا شك أن ~~غاية الشيء غير ذلك الشيء. ### ||| ** الحجة السابعة : قول الشاعر : نظرت إليها من وراء خصاص %~% فأبصرت وجها ، داعيا لمعاصى # ربت الابصار على النظر ، بفاء التعقيب. وهذا يدل على أن الابصار غير النظر. # الحجة الثامنة ### |||| ** : يقال : انظر الى زيد حتى ترى وجهه. ولو كان النظر عبارة عن الرؤية والأبصار ~~، لنزل هذا الكلام منزلة قوله : أبصر زيدا حتى تبصره. # الحجة التاسعة : ان قوله : نظرت الى زيد ، يفيد أن نظرة انتهى إليه. لأن ~~حرف «الى» لانتهاء الغاية ، فجرى ذلك مجرى قوله : أشرت إليه ، وأو مات ~~إليه. وذلك يفيد الحركة الى الشيء على وجه ينتهى إليه. وهذا انما يصح لو ~~كان النظر عبارة عن تحريك الحدقة الى مقابلة المرئى. # الحجة العاشرة : انهم يقسمون النظر الى أقسام كثيرة. فيقولون : نظر فلان ~~الى نظر راض ، ونظر غضبان ، ونظر متحيز. قال النابغة : # نظر أليك لحاجة لم تقضها %~% نظر المريض الى وجوه العود. # وقال آخر : # نظر التيوس الى شفار المجازر PageV01P286 # ومعلوم : أن رؤية هؤلاء واحدة. لأنهم يرون الشيء على ما هو عليه. ومن ~~الممتنع وقوع التفاوت فى نفس الرؤية ، بل المراد من قوله : نظر الى نظر ~~غضبان : وصف عينه بما تكون عليه عين الغضبان من الانحراف والازورار ، ولا ~~يعارض هذا بقولهم : فلان يرانى بعين الرضا وبعين الغضب وبعين الذل ، لأن فى ~~هذا الكلام ما أدخلوا التقسيم على الرؤية ، بل أضافوا الرؤية تارة الى عين ~~الرضا وتارة الى عين الغضب. # الحجة الحادية عشرة : انهم يصفون النظر بما لا يمكن أن توصف به ms196 الرؤية. ~~وذلك يوجب التباين بينهما. فانه يوصف النظر بكونه شزرا. # قال الشاعر : # ولا خير بالبغضاء والنظر الشرز. # ومعلوم : أن الشزر كيفية فى موضع العين وتحريكها. # ومنها : أنهم يصفون النظر بالشدة والصلابة. أنشد ابن قتيبة : # يتقارضون اذا التقوا فى موطن %~% نظرا يزيل مواطن الاقدام # قال ابن قتيبة : يكاد يزيلها من شدته وصلابته. والمراد من تلك الشدة : ~~الاعتماد على الحدقة فى تقليبها وتحريكها. # الحجة الثانية عشر : ان الذي يقدر عليه الانسان فى باب الرؤية ، انما هو ~~تقليب الحدقة الى جهة المرئى. فأما حصول الرؤية فليس ذلك فى قدرة الانسان. ~~اذا ثبت هذا فنقول : لو حملنا لفظ النظر على تقليب الحدقة ، كان قولنا فى ~~الأمر والنهى : انظر ، ولا تنظر. محمولا على الحقيقة. أما لو حملنا النظر ~~على الرؤية ، لوجب حمل قولنا أانظر ولا تنظر ، على مقدمات الرؤية ، لا على ~~نفس الرؤية. فيصير هذا اللفظ مجازا. ومعلوم : أن حمل للكلام على معنى يبقى اللفظ PageV01P287 # معه حقيقة ، أولى من حمله على معنى يبقى اللفظ معه مجازا. وهذا يقتضي كون ~~لفظ النظر حقيقة فى تقليب الحدقة لا فى الرؤية. # الحجة الثالثة عشر : ان النظر معناه بالفارسية (نگريستن) والرؤية معناه ~~بالفارسية (ديدن) والفرق بين قولنا (نگريستن) وبين قولنا (ديدن) معلوم فى ~~الفارسية بالبداهة ، فانهم يقولون : (بسيار نگريستم والبتة نديدم) وآخرون ~~يقولون : (بسيار نگريستم وآخر نديدم) ومعلوم : أنهم يريدون بقولهم : ~~(نگريستم) تحريك الحدقة الى تلك الجهة التى يعتقدون حضور المرئى فيها. وذلك ~~يحقق ما قلناه. ### ||| ** الحجة الرابعة عشر : ما أنشد بعضهم : وقفت كأنى من وراء زجاجة %~% الى الدار من فرط الصبابة ، أنظر فعيناى طورا تغرقان من البكا %~% فأغشى. وطورا يحسران فأبصر # جعل نفسه ناظرا حال كونه مبصرا ، وغير مبصر. وهذا يدل على أن النظر غير ~~الابصار. # الحجة الخامسة عشر : ما أنشده «أبو على الفارسى» فى كتاب «الحجة». # فيا «مى» هل تجزى بكائى بمثله %~% مرارا ، وأنفاسى عليك الزوافر وانى متى أشرف من الجنب الذي %~% به أنت من بين الجوانب ناظر # قال أبو على الفارسى : يطلب منها الجزاء على كونه ms197 ناظرا إليها. ولو كان ~~النظر عبارة عن الرؤية لها ، لكان قد طلب الجزاء على منفعته ولذته وحصول ~~غرضه. وذلك لا يقوله عاقل. # الحجة السادسة عشر : أنشد بعضهم : # اذا نظر الواشون صدت وأعرضت %~% وان غفلوا قلت : ألست على العهد PageV01P288 # جعل قوله : وان غفلوا فى مقابلة قوله : نظروا. وانما يغفل الانسان عن أمر ~~يفعله ويشتغل بتحصيله ، وما ذلك الا تقليب الحدقة. ### ||| ** الحجة السابعة عشر : أنشد بعضهم : ونظرة ذى شجن وامق %~% اذا ما الركائب ، جاوزن ميلا # أثبت النظر بعد مجاوزة الركائب ميلا. ومعلوم : أن الرؤية غير حاصلة فى ~~هذا الوقت ، ولما أثبت النظر حال عدم الرؤية ، ثبت أن النظر حال عدم الرؤية ~~، ثبت أن النظر غير الرؤية. # * * * # الحجة الثامنة عشر ومن هاهنا نذكر الوجوه الدالة على أن النظر المقرون ~~بحرف «الى» قد يجيء بمعنى الانتظار ، لا بمعنى الرؤية # فنقول : قوله تعالى : ( @QUR@03 إلى ربها ناظرة ) [القيامة 23] معناه : ~~أنها تنظر الى الرب لا الى غيره. وذلك لأن تقديم المفعول يفيد الحصر ، كما ~~فى قوله تعالى : ( @QUR@05 ألا إلى الله تصير الأمور ) [الشورى 52] و ( ~~@QUR@04 عليه توكلت وإليه أنيب ) [هود 88] و ( @QUR@04 أن إلى ربك المنتهى ~~) [النجم 42] و ( @QUR@04 إن إلى ربك الرجعى ) [العلق 8] و ( @QUR@04 إلى ~~ربك يومئذ المساق ) [القيامة 30] اذا ثبت هذا فنقول : مقتضى الآية : أنهم ~~لا ينظرون الى غير الله تعالى. ولا شك أنهم يرون غير الله تعالى. وذلك ~~لأنهم يرون الجنة والنار ومرافق القيامة. وذلك لأن المؤمنين نظارة فى ذلك ~~اليوم ، لأنهم هم الآمنون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ولما دلت الآية على ~~أنهم لا ينظرون الى غير الله تعالى ، ودل العقل على أنهم يرون غير الله ، ~~علمنا : أن النظر غير الرؤية. أما اذا حملنا هذا اللفظ على الانتظار ، صح ~~هذا الحصر. وذلك لأنهم لا ينتظرون الا رحمة الله ، ولا يتوقعونها الا منه. PageV01P289 # الحجة التاسعة عشر : حكى عن «الخليل» أنه قال : نظرت الى فلان ، بمعنى ~~انتظرته. وعن «ابن عباس» رضى الله عنه أنه قال : تقول العرب : انما أنظر ~~الى الله تعالى ، ثم الى فلان. وهذا الاستعمال ms198 أيضا حاصل فى الفارسية. ~~فانهم يقولون فيمن يطمع فى أمر يتوقعه : «فلان را چشم بر فلان كار است ~~ونظرا وبر فلان كار است وفلان كارى را مى نگرد» فثبت : أن هذا الاستعمال ~~متعارف مشهور فى العربية ، وفى الفارسية ، حتى أن الأعمى قد يذكر هذا اللفظ ~~، فيقول : عينى شاخصة أليك ، ونظرى الى الله تعالى ، ثم أليك. # الحجة العشرون : قول الشاعر : # وجوه ناظرات يوم بدر %~% الى الرحمن تنتظر الخلاصا # أثبت النظر المقرون بحرف «الى» لا بمعنى الرؤية ، بل بمعنى الانتظار. # لا يقال : ان بعض الرواة روى هذا البيت على وجه آخر : # وجوه ناظرات يوم بكر. # وزعم : أن مراد الشاعر يوم اليمامة. وسمى يوم بكر ، لأن القتال وقع بين ~~عسكر أبى بكر رضى الله عنه. وبين مسيلمة الكذاب. والمراد من الرحمن فى ~~البيت : مسيلمة الكذاب. فانهم كانوا يسمونه رحمن اليامة. وكانوا ينظرون الى ~~وجهه ، ويطمعون فيه أن يخلصهم من ذلك البلاء. لأنا نقول : لا منافاة بين ~~الروايتين. فنقبلهما. # الحجة الحادية والعشرون : قول الكميت : # وشعث ينظرون الى بلال %~% كما نظر الظماء الى الغمام # ومعلوم : أن الظماء ينتظرون حيا الغمام ، فعلمنا أن نظر الشعث الى بلال ، ~~هو بمعنى الانتظار. الا أنه شبه نظرهم الى بلال ينظرهم الى حيا الغمام. PageV01P290 ### ||| ** الحجة الثانية والعشرون : قال آخر : واذا نظرت أليك من ملك %~% والبحر دونك. زدتنى نعما # وصف نفسه بكونه ناظرا الى الملك حال ما كان البحر حائلا بينهما. وذلك لا ~~يحتمل الرؤية. فعلمنا : أن المراد هو الانتظار. ### ||| ** الحجة الثالثة والعشرون : قال البعيث : وجوه بهاليل الحجاز على النوى %~% الى ملك زان المغارب ناظرة # أثبت : أن «بهاليل» الحجاز ينظرون الى ملك المغرب. وذلك لا يحتمل الرؤية ~~، بل يحتمل الانتظار. ### |||| ** الحجة الرابعة والعشرون : قال بعضهم : # ويوم بذى قار ، رأيت وجوههم %~% الى الموت من وقع السيوف نواظرا # والمراد : الانتظار لأن الموت لا خلاف فى أنه لا يرى. # لا يقال ### |||| ** : المراد من الموت الرجل القتال ، كما فى قوله : # انى أنا الموت. # لأنا نقول : لا شك أن تسمية الرجل القاتل بالموت ، مجاز. فلا يصار ms199 إليه ~~الا عند الضرورة. # الحجة الخامسة والعشرون : قول «الأبيوردى» فى صفة عين ممدوحه : # هى التى لا تزال الدهر ناظرة %~% الى العلى ، ولزوار ، وفى كتب # فقوله : ناظرة الى العلى. معناه كونها طالبة للعلى ومتوقعة له. # * * * # فجملة هذه الوجوه الأول : دالة على أن النظر المقرون بحرف الى ليس للرؤية ~~وهذه الوجوه الأخيرة دالة على أنه للانتظار. # لا يقال : قد اشتهر من علماء اللغة أنهم قالوا : النظر اذا لم يكن مقرونا ~~بحرف الى ، أفاد الانتظار ، يقال نظرته أى انتظرته. أما اذا مقرونا بحرف ~~الى ، فانه ليس للانتظار. PageV01P291 # لأنا نقول : لما حصل التعارض بين دلائلنا ودلائلكم ، فلا بد من التوفيق. ~~وطريقه : أن قولهم : نظرته بمعنى انتظرته ، انما يقال فى انتظار مجىء ~~الانسان بنفسه ، أما اذا كان منتظر الرفد أو المعونة. فقد يقال فيه : نظرت ~~إليه. ومنه قولهم : انما نظرى الى الله ، ثم أليك. فهذا مجموع البحث فى هذه ~~المسألة اللفظية. # * * * # واعلم : أن الأقرب أن يقال : الأصل فى قول القائل : نظرت أليك : تقليب ~~الحدقة نحوه. ثم قد يستعمل فى الرؤية ، من حيث ان تقليب الحدقة سبب للرؤية ~~، ويستعمل أيضا فى الانتظار ، من حيث ان تقليب الحدقة سبب للانتظار ، فان ~~من انتظر شيئا فانه يقلب الحدقة نحو الجهة التى ينتظر المقصود منها. # فهذا ما عندى فى هذا البحث اللفظى. ### ||| * الفصل الخامس ### ||| * فى ### ||| * اقامة الدلالة على أن المؤمنين ### ||| * يرون الله تعالى يوم القيامة # ويدل عليه وجوه : # الحجة الأولى : قوله تعالى : ( @QUR@06 وجوه يومئذ ناضرة ، إلى ربها ~~ناظرة ) [القيامة 22 23] فنقول : النظر ان كان هو الرؤية ، فالمطلوب حاصل. ~~وان كان عبارة عن تقليب الحدقة الى جهة المرئى ، فنقول : هذا فى حق الله ~~تعالى محال ، فوجب حمل لفظة النظر على الرؤية اطلاقا للفظ السبب على المسبب ~~، فان النظر سبب للرؤية ، ولأن المقصود من تقليب الحدقة انما هو الرؤية. # فان قيل : لا نسلم أنه حصل فى هذه الآية لفظ النظر مقرونا بحرف الى. ~~وقوله ( @QUR@03 إلى ربها ناظرة ) فلا نسلم ان الى هاهنا من حروف الجر ، بل ~~هو عندنا اسم. وبيانه من ms200 وجهين: PageV01P292 # الأول : انه واحد الآلاء ، على ما ذكره «الأزهرى» فى كتاب «التهذيب» قال ~~الشاعر. وهو «الأعشى» : # أبيض لا يرهب الهزال ولا %~% يقطع رحما ، ولا يخون الى # أى لا يخون نعمه. # اذا ثبت هذا فنقول : انا توافقنا على أن لفظ ( @QUR@01 ناظرة ) اذا اذا ~~كان عاريا عن حرف «الى» أفاد معنى الانتظار ، كقوله تعالى : ( @QUR@04 ~~فناظرة بم يرجع المرسلون ) [النمل 35] اذا عرفت هذا فنقول : لم لا يجوز أن ~~يكون تقدير الآية : ( @QUR@06 وجوه يومئذ ناضرة ، إلى ربها ناظرة ) أى نعمة ~~ربها منتظرة؟ # الثانى : ان لفظ الى جاء بمعنى عند ، قال الشاعر وهو «أوس» : # فهل لكم فيما الى ، فاننى %~% طبيب بما أعيى النطاسى حذيما؟ # أى فهل لكم فيما عندى؟ اذا ثبت هذا ، فلم لا يجوز أن يكون تقرير الآية : ~~( @QUR@03 وجوه يومئذ ناضرة ). عند ربها ثم قال بعد ذلك ( @QUR@01 ناظرة ) ~~أى منظرة. وهو خبر عن الوجوه. والتقدير : وجوه يومئذ ناضرة عند ربها ، ~~منتظرة نعمة ربها؟ سلمنا : أنه حصل فى هذه الآية لفظ النظر مقرونا بحرف الى ~~، لكن لا نسلم أنه للرؤية. قوله : «لفظ النظر لتقليب الحدقة ، ولا يمكن ~~حمله هاهنا على هذا المعنى ، فوجب حمله على لازمه ، وهو الرؤي». # قلنا : حصل هاهنا وجهان آخران من المجاز : # الأول : اضمار المضاف. والتقدير الى ثواب ربها ناظرة. # والثانى : ان تقليب الحدقة الى جهة. كما يلزمه الرؤية ، فكذلك يلزمه نوع ~~النفع. وهو الانتظار. فلم كان حمل اللفظ على المجاز الذي ذكرتم ، أولى من ~~حمله على أحد هذين المجازين؟ ### |||| ** والجواب : أما حمل لفظ الى على واحد الآلاء ، أو على معنى عند. فانه يقتضي حمل قوله ( ~~@QUR@01 ناظرة ) على الانتظار. وذلك غير PageV01P293 # جائز. لأن الانتظار يلزمه الغم ، كما قيل : الانتظار الموت الأحمر ، ~~والبشارة بما يوجب الغم غير لائقة بالحكمة. قوله : «المراد من الآية : الى ~~ثواب ربها ناظرة» قلنا : هذا مدفوع من وجهين : # الأول : ان ما ذهبتم إليه يوجب الاضمار فى الآية. وما ذهبنا إليه يوجب ~~المجاز. والمجاز خير من الإضمار على ما بيناه فى أصول الفقه # والثانى : ان النظر الى الثواب لا يفيد ms201 الفرح. فلا بد من اضمار زيادة ~~أخرى. وهى كون ذلك الثواب واصلا إليه ، وتكثير الاضمارات خلاف الأصل. قوله ~~: «نحمله على الانتظار» قلنا : أنه غير جائز. # الحجة الثانية : قوله تعالى : ( @QUR@04 للذين أحسنوا : الحسنى ، وزيادة ~~) [يونس 26] والاستدلال به من وجهين : # الأول : ان الألف واللام : فى ( @QUR@01 الحسنى ) اما أن يكونا للاستغراق ~~أو للمعهود. ولا يجوز حملهما على الاستغراق ، والا لدخلت الزيادة فيها. ~~وذلك يمنع من عطف الزيادة عليها. فوجب حملهما على المعهود. ولا معهود بين ~~المسلمين الا الجنة ، وما فيها من الثواب المشتمل على المنفعة وعلى ~~التعظيم. واذا كان كذلك وجب أن تكون الزيادة (11) شيئا مغايرا للثواب ~~المشتمل على المنفعة وعلى التعظيم. وكل من أثبت شيئا زائدا على المنفعة ~~وعلى التعظيم الموعود به فى يوم القيامة ، قال : انه هو الرؤية. فوجب أن ~~يكون المراد من هذه الزيادة. الرؤية. # الثانى : ان النقل المستفيض صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ~~«الزيادة هى النظر الى الله تعالى» PageV01P294 # الحجة الثالثة : قوله تعالى ( @QUR@06 كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) ~~[المطففين 15] ذكر كون الكفار محجوبين عن الرب سبحانه وتعالى فى معرض ~~التحقير لشأنهم. وهذا يقتضي أن يكون المؤمن المعظم مبرأ منه. ### ||| * الفصل السادس ### ||| * فى ### ||| * حكاية شبه المعتزلة فى انكار الرؤية والجواب عنها # اعلم : أنهم يتمسكون بوجوه عقلية ، وبوجوه نقلية. ### ||| ** أما الشبه النقلية فأربع : # الشبهة الأولى : التمسك بقوله تعالى : ( @QUR@03 لا تدركه الأبصار ) ~~[الأنعام 103] اعلم أنهم تارة يتمسكون بهذه الآية فى بيان أنه تعالى لا ~~يراه أحد ، وأخرى فى بيان أنه يمتنع أن يراه أحد. # أما الوجه الأول : فتقريره أن نقول : الادراك المضاف الى البصر هو الرؤية ~~والابصار ، بدليل : أنه لا يصح اثبات أحدهما مع نفى الآخر ، فلا يصح أن ~~يقال : رأيته وما أدركته بعينى ، وأن يقال : أدركته بعينى وما رأيته. وهذا ~~يدل على أن ادراك البصر والرؤية شيء واحد. اذا ثبت هذا فنقول : انه تعالى ~~نفى أن يدركه أحد من الأبصار. وهذا يتناول جميع الأبصار فى جميع الأوقات. ~~وذلك يقتضي أن لا يراه أحد فى شيء ms202 من الأوقات. ### |||| ** واما الوجه الثانى : فهو أنه تعالى يمدح نفسه بأنه لا يدركه شيء من الأبصار ، وكل ما كان عدمه ~~مدحا كان وجوده نقصا. والنقص على الله تعالى محال. فوجب أن تكون الرؤية ~~ممتنعة على الله تعالى. PageV01P295 # الشبهة الثانية : تمسكوا بقوله تعالى لموسى عليه السلام : ( @QUR@02 لن ~~تراني ) [الأعراف 143] وهذه الكلمة للتأبيد ، بدليل قوله تعالى : ( @QUR@03 ~~قل : لن تتبعونا ) [الفتح 15] نثبت : أن موسى عليه السلام لا يراه قط. واذا ~~ثبت هذا فى حق موسى ، ثبت فى حق غيره ، لانعقاد الاجماع على أنه لا قائل ~~بالفرق. # الشبهة الثالثة : تمسكوا بقوله تعالى : ( @QUR@012 وما كان لبشر أن يكلمه ~~الله إلا وحيا ، أو من وراء حجاب ) [الشورى 51] دلت هذه الآية : على أن كل ~~من يكلم الله تعالى ، فانه لا يراه. واذا ثبت عدم الرؤية فى وقت الكلام ، ~~ثبت عدم الرؤية فى غير الوقت الكلام. ضرورة. أنه لا قائل بالفرق. # الشبهة الرابعة : انه تعالى ما ذكر الرؤية فى القرآن ، الا وقد استعظمها. ~~وذلك فى ثلاث آيات : أولها : قوله تعالى : ( @QUR@015 وإذ قلتم يا موسى : ~~لن نؤمن لك ، حتى نرى الله جهرة. فأخذتكم الصاعقة ، وأنتم تنظرون ) [البقرة ~~55] وثانيها : قوله تعالى : ( @QUR@022 يسئلك أهل الكتاب : أن تنزل عليهم ~~كتابا من السماء. فقد سألوا موسى أكبر من ذلك. فقالوا : أرنا الله جهرة. ~~فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ) [النساء 153] وثالثها : قوله تعالى : ( @QUR@020 ~~وقال الذين لا يرجون لقاءنا : لو لا أنزل علينا الملائكة ، أو نرى ربنا. ~~لقد استكبروا في أنفسهم. وعتوا عتوا كبيرا ) [الفرقان 21]. وهذا الاستعظام ~~يدل على أن رؤية الله تعالى ممتنعة. # * * * ### ||| ** وأما الشبه العقلية : فهى أيضا أربع : # الشبهة الأولى وهى شبهة الموانع وقبل تقريرها لا بد من مقدمة. وهى أن ~~الأشياء التى يجب حصول الابصار فى الشاهد عند حصولها : ثمانية : PageV01P296 # أحدها : سلامة الحاسة. وثانيها : كون الشيء بحيث أن يكون جائز الرؤية. ~~وثالثها : أن لا يكون فى غلية البعد. والرابع : أن لا يكون فى غاية القرب. ~~والخامس : أن يكون مقابلا للمرئى ، أو فى حكم المقابل. والسادس : أن لا ~~يكون فى غاية اللطافة. والسابع : أن لا ms203 يكون بين الرائى والمرئى حجاب. ~~والثامن : أن لا يكون فى غاية الصغر. # قالوا : عند حصول هذه الأمور الثمانية ، يجب حصول الابصار. اذ لو لم يجب ~~لجاز أن يحصل بحضرتنا جبال عالية وشموس مضيئة وأصوات هائلة ، ونحن لا نراها ~~ولا نسمعها وذلك يقتضي دخول الانسان فى الجهالات. # اذا عرفت هذه المقدمة ، فلنرجع الى تقرير الشبهة ، ونقول : أما الشرائط ~~الستة الأخيرة ، فلا يمكن اعتبارها الا فى رؤية الأجسام. والله تعالى ليس ~~بجسم ، فلا يمكن اعتبار هذه الشرائط فى رؤيته. فعلى هذا لو صحت رؤيته ، ~~لوجب أن لا يصير فى حصول رؤيته الا أمران سلامة الحاسة ، وكونه بحيث يصح أن ~~يرى. وهذان الأمران حاصلان الآن. فثبت : أنه لو صحت رؤيته ، لوجب أن نراه ~~الآن. ولما لم يكن الأمر كذلك ، وجب أن يقال : انما لا نراه الآن ، لأنه لا ~~تصح رؤيته. # الشبهة الثانية وهى شبهة المقابلة وهى أن كل ما كان مرئيا ، وجب أن يكون ~~مقابلا للرائى ، أو فى حكم المقابل له. وذلك لا يصح الا فى (12) الشيء الذي ~~يكون حاصلا فى الحيز والمكان. والله تعالى ليس فى المكان والحيز ، فامتنع ~~كونه مقابلا للرائى أو فى حكم المقابل له ، فامتنع كونه مرئيا. وانما قلنا ~~: ان المرئى يجب أن يكون مقابلا أو فى حكم المقابل ، احترازا عن صور ثلاث : PageV01P297 # أحدها : انا نرى الأعراض مقابلة للجسم ، الا أنها حالة فى الأجسام ~~المقابلة للرائى. فكانت فى حكم المقابلة. وثانيها : انا نرى وجوهنا فى ~~المرآة ، ويستحيل أن يكون الوجه مقابل لنفسه ، الا أن الشعاع يخرج من العين ~~الى المرآة ، ثم ينعكس من المرآة الى الوجه ، وبهذا الطريق يكون الوجه ~~جاريا مجرى المقابل لنفسه. وثالثها : الشيء الذي يوضع فى الرطوبة. فانه وان ~~لم يكن فى مقابلة العين ، الا أن شعاع العين ينعطف عليه ويصير مرئيا. فهو ~~أيضا فى حكم المقابل. اذا عرفت هذا فنقول : ان «أبا الحسين البصرى» ادعى ~~العلم الضرورى بأن ما لا يكون مقابلا ، ولا فى حكم المقابل ، يمتنع أن يرى. # الشبهة الثالثة وهى شبهة الانطباع وهى ms204 أن كل ما يصير مرئيا ، لا بد وأن ~~تنطبع صورته ومثاله فى العين. والله تعالى لا صورة له ولا مثال ، فوجب أن ~~تمتنع رؤيته. # الشبهة الرابعة : ان كل ما كان مرئيا ، فلا بد له من لون وشكل. ودليله : ~~الاستقراء. والله تعالى منزه عن ذلك ، فوجب أن لا يرى. # فهذا مجموع شبههم فى نفى الرؤية. # * * * # والجواب عن الشبهة الأولى وهى تمسكهم بقوله تعالى : ( @QUR@03 لا تدركه ~~الأبصار ) [الأنعام 103] من وجوه : # الأول : لا نسلم أن الادراك عبارة عن الرؤية ، بل هو عبارة عن الوصول. ~~يقال : أدرك الغلام اذا صار بالغا ، وأدركت الثمرة اذا وصلت الى حد النضج. ~~قال تعالى : ( @QUR@05 قال أصحاب موسى : إنا لمدركون ) [الشعراء 61] أى ~~لملحقون. اذا عرفت هذا فنقول : ان من رأى شيئا ورأى أطرافه ونهاياته. قيل : ~~انه أدركه على تقدير أن يكون قد أحاط به من جملة جوانبه وهذا المعنى انما ~~يتحقق فى الشيء الذي له أطراف ونهايات. والبارى تعالى منزه عن ذلك. فلم تكن PageV01P298 # رؤيته ادراكا البتة. فلم يلزم من نفى الادراك نفى الرؤية. فالحاصل : أن ~~الادراك رؤية مكفية (13) ولا يلزم من نفى الرؤية المكفية ، نفى أصل الرؤية. ~~وكما أنا نعرف الله ولا نحيط به. فكذلك نراه ولا ندركه. # الوجه الثانى فى الجواب : هب أن ادراك العين عبارة عن الرؤية ، الا أن ~~قوله تعالى : ( @QUR@03 لا تدركه الأبصار ) نقيض لقولنا : تدركه الأبصار. ~~وقولنا : تدركه الأبصار ، يقتضي أن يدركه كل أحد. لأن الألف واللام اذا ~~دخلا على اسم الجمع ، يفيدان الاستغراق. ونقيض الموجبة الكلية : السالبة ~~الجزئية. فكان قوله ( @QUR@03 لا تدركه الأبصار ) معناه : أنه لا تدركه ~~جميع الأبصار ، ونحن نقول بموجبه. فانه لا يراه جميع المبصرين. فان ~~الكافرين لا يرونه بل يراه بعض الأبصار. # الوجه الثالث فى الجواب : انا نقول بموجب الآية : أنه لا تدركه الأبصار. ~~فلم قلتم بأنه لا يدركه المبصرون؟ فان قالوا : المراد من الابصار فى الآية ~~: المبصرون ، والا خرجت الآية عن أن تكون مفيدة. فنقول : اذا حملنا الأبصار ~~على المبصرين ، وجب أن يكون معنى قوله تعالى : ( @QUR@03 وهو يدرك الأبصار ms205 ~~): أنه يدرك جميع المبصرين. ولا نزاع فى أنه تعالى مبصر ، فيلزم بحكم هذه ~~الآية : أن يبصر نفسه. وأنتم لا تقولون به. ### |||| ** الوجه الرابع فى الجواب : هب أن ظاهره يدل على نفى الرؤية عن جميع المبصرين. الا أنه عام. وقوله ~~تعالى : ( @QUR@06 وجوه يومئذ ناضرة ، إلى ربها ناظرة ) [القيامة 22 23] ~~خاص. والخاص مقدم على العام. PageV01P299 # وأما الوجه الثانى فى تمسكهم بالآية : فنقول : ذلك انما يلزم لو حملنا ~~الادراك على الاحاطة. قلنا : هب أن الادراك محال على الله تعالى ، فلم قلتم ~~: بأن الرؤية ممتنعة؟ وأيضا : نقول هذا الاستدلال معارض بأن رؤية الله ~~تعالى لو كانت ممتنعة ، لما حصل المدح بأنه لا يرى. ألا ترى أن المعدومات ~~تمتنع رؤيتها ، وليس لها مدح ، بل المدح انما يحصل لو كانت رؤيته جائزة. ثم ~~انه سبحانه وتعالى يقدر على منع الأبصار عن ذلك. # اذا ثبت هذا فنقول : هذه الآية تدل على أن رؤية الله تعالى جائزة من هذا ~~الوجه. واذا ثبت الجواز ، وجب القول بالوقوع فى القيامة. ضرورة أنه لا قائل ~~بالفرق. وأيضا : فقولهم : ان كل ما كان عدمه مدحا ، كان وجوده ممتنعا : ~~منقوض بأنه تعالى يمدح بنفى الظلم والعبث عن نفسه. حيث قال : ( @QUR@04 وما ~~ربك بظلام للعبيد ) [فصلت 46] ( @QUR@07 وما خلقنا السماء والأرض وما ~~بينهما باطلا ) [ص 27] مع ان مذهب المعتزلة أنه تعالى قادر على فعل الظلم ~~والعبث. ### |||| ** واما الجواب عن الشبهة الثانية وهى التمسك بقوله تعالى : ( @QUR@02 لن تراني ) فنقول : كلمة ( @QUR@01 لن ~~) لا تدل على التأبيد ، بدليل قوله تعالى : ( @QUR@03 ولن يتمنوه أبدا ) ~~[البقرة 96] مع أنهم يتمنونه فى الآخرة. ### |||| ** والجواب عن الشبهة الثالثة وهى التمسك بقوله تعالى : ( @QUR@08 وما كان لبشر أن يكلمه الله ، إلا وحيا ~~) فنقول : الوحى هو أن يسمع ذلك الكلام بسرعة ، وليس فيه أن يكون محجوبا عن ~~رؤية الله تعالى أم لا؟ # وأما الجواب عن الشبهة الرابعة : أن نقول لم لا يجوز أن يكون ذلك ~~الاستعظام لأجل أنهم طلبوا الرؤية على سبيل التعنت والعناد. PageV01P300 # والدليل عليه : أنه تعالى استعظم أيضا طلبهم لا نزال الملائكة. ولا نزاع ms206 ~~فى جواز ذلك ، الا أنهم لما طلبوه على سبيل العناد ، استعظم الله ذلك. فكذا ~~فى سؤال الرؤية. # * * * ### ||| ** وأما الشبه العقلية : فنقول : # أما الشبهة الأولى وهى شبهة الموانع فالجواب عنها : على مقامين : # المقام الأول : لا نسلم أن عند حصول الشرائط الثمانية ، يجب حصول ~~الأبصار. ويدل على أنه غير واجب عقلا : وجهان : # الحجة الأولى : انا نرى الجسم الكبير من البعد صغير. وان رأينا جميع ~~أجزائه وجب أن لا نراه صغير ، بل كبيرا. وان لم نر شيئا من أجزائه ، وجب أن ~~لا نراه البتة. وان رأينا بعض أجزائه دون البعض ، مع أن جميع الأجزاء ~~بالنسبة الى القرب والبعد واللطافة والكثافة وعدم الحجاب وسلامة الحاسة ~~وصحة الرؤية ، متساوية ، لزم أن لا يكون الادراك مع حصول هذه الشرائط واجبا. # لا يقال : انا اذا أبصرنا شيئا ، اتصل بطرفيه من العين خطان شعاعيان ~~كساقى المثلث ، وصار عرض المرئى كالخط الثالث ، فحصل هناك مثلث. ثم يخرج من ~~نقطة الناظر خط آخر الى وسط المرئى ، قائم عليه ، يقسم ذلك المثلث الأول ~~الى مثلثين. وكل واحد منهما مثلث قائم الزاوية. وهذا يصلح أن يكون وترا ، ~~لكل واحد من الزاويتين الحادتين الواقعتين على طرفى المثلث الأول الكبير ، ~~والخطان الطرفيان كل واحد منهما وتر للزاويتين القائمتين. ولا شك أن وتر ~~القائمة أعظم من وتر الحادة. فالخطان الطرفيان كل واحد منهما أطول من الخط ~~الوسطى. واذا كان كذلك ، لم تكن أجزاء المرئى بالنسبة الى الرائى متساوية ~~فى القرب والبعد. لأنا نقول : PageV01P301 # لنفرض أن هذا التفاوت واقع بمقدار شبر ، فلو كان المانع من الرؤية هذا ~~القدر من التفاوت فى البعد ، لكنا اذا جعلنا المرئى أبعد مما كان قبل ذلك ~~بمقدار شبر ، وجب أن لا نراه البتة. لكنا نراه. فعلمنا : أنه ليس السبب فى ~~عدم رؤية بعض الأجزاء : ذلك القدر من التفاوت فى البعد. # الحجة الثانية : اذا نظرنا الى مجموع كف من التراب ، رأيناه وذلك الكيف ~~من التراب عبارة عن مجموع تلك الذوات وتلك الأجزاء الصغيرة. فاما أن يكون ~~ادراك كل واحد من تلك الذوات ms207 مشروطا. بإدراك الآخر ، فيلزم الدور. واما أن ~~لا يكون ادراك شيء منها مشروطا بادراك الآخر ، وحينئذ يكون ادراك كل واحد ~~من تلك الذوات حالتى الانفراد والاجتماع على السوية (1) مع أنا نراها حال ~~الاجتماع ولا نراها حال الانفراد. وحينئذ لا يكون الادراك واجب الحصول عند ~~حصول تلك الشرائط. واما أن يكون ادراك البعض مشروطا بادراك الباقى. ولا ~~ينعكس. وهذا محال. ومع أنه محال فالمقصود حاصل. # أما أنه محال ، فلأن الأجزاء متساوية فيكون هذا مفتقرا الى ذاك ، مع أن ~~ذاك غنى عن هذا. وهذا ترجيح من غير مرجح. وهو محال. وأما ان المقصود حاصل ، ~~فلأن ادراك أحد تلك الأجزاء اذا كان غنيا عن ادراك الآخر ، كان حالة عند ~~الاجتماع وعند الانفراد فى صحة الادراك على السوية. وحينئذ يعود المحذور. # فهذان برهانان قويان فى بيان أن عند حصول هذه الشرائط : يكون الادراك غير ~~واجب الحصول. # وقولهم : لو لم يجب الادراك ، لجاز أن يكون بحضرتنا جبال وبوقات ، ونحن ~~لا نراها ولا نسمعها. PageV01P302 # قلنا : هذا معارض بجملة العاديات. سلمنا : أن عند حضور هذه الشرائط فى ~~الشاهد ، يكون الادراك واجب الحصول ، فلم قلتم : ان فى حق الله تعالى يجب ~~أن يكون كذلك؟ وتحقيقه : هو أن ذات الله تعالى مخالفة بالحقيقة والماهية ~~لهذه الحوادث. والمختلفان فى الماهية لا يجب استواؤهما فى اللوازم. فلم ~~يلزم من كون الادراك واجبا فى الشاهد عند حضور هذه الشرائط ، كونه واجبا فى ~~الغائب عند حضورها؟ ومما يدل عليه : أن الادراك فى الشاهد مشروط بشرائط ~~ثمانية ، وفى الغائب نقطع بأنه لا يمكن اعتباره. فكذلك لا يمتنع أن يكون ~~الادراك فى الشاهد واجب الحصول ، وفى الغائب لا يكون واجبا. وهذا سؤال ~~متعين لم يتنبه له أحد من المعتزلة ، ولا نبه أحد من أصحابنا عليه. # وأما الشبهة الثانية : فالجواب عنها من وجهين : # الأول : انا بينا فى المقدمة : أن ذكر الدلائل لا بد أن يكون مسبوقا ~~بتعيين محل النزاع. فنقول : محل النزاع : ان الموجود المنزه عن المكان ~~والجهة. هل تجوز رؤيته أم لا؟ فان ادعيتم أن ms208 العلم بامتناع رؤيته ضرورى ، ~~فذلك باطل على ما بيناه فى المقدمة وان ادعيتم أن هذا العلم استدلالى. فلا ~~بد فيه من الدليل. وقولكم «ان كل مرئى ، لا بد وأن يكون مقابلا» : يقرب من ~~أنه اعادة للدعوى. لأن المقابل هو الذي يكون مختصا بجهة قدام الرائى فكأنكم ~~قلتم : الدليل على أن ما لا يكون فى الجهة لا يكون مرئيا : هو أن كل ما كان ~~مرئيا فى جهة. والمنطقيون يسمون هذه القضية الثانية : عكس نقيض القضية ~~الأولى. وفى الحقيقة لا فرق بين القضيتين فى الظهور والخفاء. فلم يجز جعل ~~أحدهما حجة فى صحة الأخرى ، بل يقرب هذا من أن يكون اعادة للمطلوب بعبارة أخرى. # والوجه الثانى فى الجواب : ثبت أن المقابلة شرط للرؤية فى الشاهد. فلم ~~قلتم : انه فى الغائب كذلك؟ وتقريره : ما ذكرناه فى PageV01P303 # الجواب عن الشبهة الأولى. وتمام الكشف والتحقيق : انا ذكرنا فى المقدمات ~~: أن المراد من الرؤية : أن يحصل لنا انكشاف بالنسبة الى ذاته مخصوصة. وهو ~~يجرى مجرى الانكشاف الحاصل عند ابصار الألوان والأضواء. واذا كان الأمر ~~كذلك ، فاذا الانكشاف يجب أن يكون على وفق المكشوف. فان كان المكشوف مخصوصا ~~بالجهة ، والحيز ، وجب أن يكون الانكشاف كذلك. وان كان المكشوف منزها عن ~~الجهة ، وجب أن يكون انكشافه منزها عن الحيز والجهة. # وأما الشبهة الثالثة : فجوابها أيضا على هذا القانون. فالرؤية عبارة عن ~~هذا الانكشاف التام. فان كان الشيء له صورة كان انكشافه بانكشاف صورته ~~ولونه ، وان كان منزها عن الصورة واللون ، كان انكشاف كذلك أيضا. لأن شرط ~~الانكشاف أن يحصل على وفق ماهية المكشوف (14) ]. # وهذا هو الجواب بعينه عن الشبهة الرابعة. # * * * # واعلم : أن من تأمل فى هذه الكلمات على سبيل الانصاف ، علم قطعا : أنه ~~ليس للمعتزلة فى نفى الرؤية شبهة تحيله البتة. وبالله التوفيق (15). # أولا : يقول مؤلف دلالة الحائرين المتوفى سنة 603 ه : اعلم : أن العلوم ~~الكثيرة التى كانت فى ملتنا فى تحقيق هذه الأمور ، تلفت PageV01P304 # واتفق فى ابتداء الاسلام أن أصحابنا أخذوا عن المعتزلة ما أخذوا. ولم ~~يأخذوا ms209 عن الأشعرية شيئا. لأنهم ظنوا أن آراء المعتزلة مقبولة للبرهنة ~~عليها ... الخ (ج 1 ص 179 فصل : عا) # ثانيا : يقول مؤلف دلالة الحائرين : ان رؤية الله تعالى ممتنعة. كما يقول ~~المعتزلة. ويذكر الحقيقة والمجاز فى الألفاظ الدالة على الرؤية هكذا : # «اعلم : أن «رأى» و «نظر» و «حزى» ثلاثة هذه الألفاظ تقع على رؤية العين ، ~~واستعيرت ثلاثتها : لادراك العقل. اما ذلك فى «رأى» فمشهور عند الجمهور. ~~قال : «ونظر فاذا بئر فى الصحراء» (تك 29 : 2) وهذه رؤية عين على الحقيقة ~~لا على المجاز وجاءت «رأى» على المجاز : «وفى قلبى رأى كثير من الحكمة ~~والعلم» (جاء 1 : 16) وهذا ادراك عقلى ، لا رؤية عين. وبحسب هذه الاستعارة ~~، تكون كل لفظة جاءت عن الرؤية فى الله تعالى. مثل قوله : «رأيت الرب» (1 ~~مل 22 : 19) «يرى له الرب» (تك 18 : 1) «ورأى الله ذلك أنه حسن» (تك : 10) ~~«أرنى مجدك» (خر 33 : 18) «فرأوا إله اسرائيل» (خر 24 : 10) كل ذلك ادراك ~~عقلى ، لا رؤية عين بوجه. اذ لا تدرك الأعين الا جسما ، وفى جهة. وبعض ~~أعراضه أيضا. أعنى ألوان الجسم وشكله ونحوها. وكذلك هو تعالى لا يدرك بآلة. PageV01P305 # وكذلك «نظر» يقع حقيقة على الالتفات بالعين للشىء. مثل : «لا تلتفت الى ~~ورائك» (تك 19 : 17) «فالتفت امرأته الى ورائها» (19 : 26) «وينظر الى ~~الأرض» (أش 5 : 30) واستعير مجازا الى التفات الذهن واقباله على تأمل الشيء ~~حتى يدركه. مثل قوله : «لم ير اثما فى يعقوب» (عد 23 : 21) لان «الاثم» لا ~~يرى بالعين. وكذلك قوله : «وينظرون الى موسى» (خر 33 : 8) قال الحكماء ~~عليهم السلام : ان فيه أيضا هذا المعنى ، وانه اخبار عن كونهم يتعقبون ~~أفعاله وأقواله ويتأملونها. ومن هذا المعنى قوله : «انظر الى السماء» (تك ~~15 : 5) لأن ذلك كان رؤى النبوة. # وعلى هذه الاستعارة تكون كل لفظة «النظر» التى جاءت فى الله تعالى. مثل : ~~«أن ينظر الى الله» (خر 2 : 6) «وصورة الرب يعاين» (عد 12 : 8) و «ولست تطيق ~~النظر الى الأصر» (حب 1 : 13 وكذلك «حزى» يقع على رؤية العين حقيقة. مثل : ~~«ولتنظر عيوننا ms210 الى صهيون» (ميخا 4 : 7) واستعير مجازا لادراك القلب. مثل : ~~«التى رآها على يهوذا وأورشليم» (أش 1 : 1) «كان كلام الرب الى ابراهيم فى ~~الرؤيا» (تك 15 : 1) وعلى هذه الاستعارة قيل : «فرأوا الله» (خر 24 : 11) ~~فاعلم ذلك» ا. ه (ج 1 ص 29 فصل د) # ثالثا : أما عن كلام الله تعالى ، فقد فصل فيه صاحب «دلالة الحائرين» ~~القول فى فصل 46 و65 أعنى فصل «مو» وفصل «سه» وقال : ان الله تعالى موجود ~~وواحد. ومتكلم. ثم حكى اجماع علماء بنى اسرائيل على أن التوراة مخلوقة. قال ~~: «ولا سيما باجماع أمتنا : أن التوراة مخلوقة والقصد بذلك : أن كلامه ~~المنسوب إليه : مخلوق» والألفاظ المنسوبة إليه التى سمعها موسى. فان الله ~~خلقها وابتدعها ، كما نسب إليه كل ما خلق وابتدع. ووصف الله بالكلام مثل ~~وصفه بالأفعال كلها ، الشبيهة بأفعالنا. وكلام الله الى أنبيائه معناه : أن ~~هناك علما إلهيا ، يدركه النبيون بأن الله كلمهم وقال لهم. حتى نعلم PageV01P306 # ولفظ «الكلام» ولفظ «القول» على الحقيقة يأتى ، وأيضا على المجاز يأتى. # ولفظ الكلام والقول على الحقيقة. وقعا على النطق باللسان. مثل قوله : ~~«موسى يتكلم» و «قال فرعون» ووقعا على المجاز ، على المعنى المتصور فى العقل ~~من غير أن ينطق به. مثل : «فقلت فى قلبى» «فتكلمت فى قلبى» «وينطق قلبك»! ~~«لك نطق قلبى» «وقال عيسو فى قلبه» وهذا كثير. ووقعا أيضا مجازا على ~~الإرادة. مل : «وهم أن يقتل داود» فكأنه قال : وأراد قتله. أى هم به. ومثل ~~: «أتريد أن تقتلنى»؟ أى تهم به وتريده وقال المؤلف ما نصه : «فكل قولة ~~وكلام ، جاءت منسوبة لله ، فهى من المعنيين الأخيرين. أعنى : أنها اما ~~كناية عن المشيئة والإرادة ، واما كناية عن المعنى المفهوم من قبل الله ، ~~سواء علم بصوت مخلوق ، أو علم بطريق من طرق النبوة ، لا أنه تعالى تكلم ~~بحرف وصوت. ولا أنه تعالى ذو نفس. فترتسم المعانى فى نفسه ، وتكون فى ذاته ~~معنى زائدا على ذاته. بل تعلق تلك المعانى به ونسبتها إليه ، كنسبة الأفعال ~~كلها» ا. ه # هذا ما أردت ms211 بيانه هاهنا. لأبين أن للمعتزلة تأثيرا فى علماء بنى ~~اسرائيل. لا أن علماء بنى اسرائيل قد تأثروا بالمعتزلة. ذلك لأن ابن ميمون ~~توفى فى سنة ستمائة وثلاث من الهجرة. و «واصل بن عطاء الغزال» رئيس المعتزلة ~~، توفى فى سنة مائة واحدى وثلاثين من الهجرة ولأن موسى ابن ميمون قد صرح ~~بأن كتب علماء بنى اسرائيل الأوائل قد تلفت بطول الأزمان وباستيلاء الملل ~~الجاهلة فى نظره عليهم ، وبكون تلك الأمور لم تكن مباحة للناس كلهم. PageV01P307 ### ||| * المسألة العشرون ### ||| * فى ### ||| * بيان أن كنه حقيقة الله تعالى ### ||| * هل هو معلوم للبشر أم لا؟ ### ||| ** والكلام فيه مرتب على فصلين : ### ||| * الفصل الأول ### ||| * فى ### ||| * أن العلم بالكنه هل هو الآن حاصل أم لا؟ # قال الكثيرون من المتكلمين : هذا العلم حاصل. وقال جمهور المحققين : بأنه ~~غير حاصل. وهو المختار. ويدل عليه وجوه : # الحجة الأولى : ان المعلوم منه ليس الا الوجود ، والصفات السلبية ، ~~والصفات الاضافية. والعلم بهذه الأمور مغاير للعلم بالذات المخصوصة ~~والحقيقة المخصوصة. فوجب أن لا يكون العلم بالحقيقة المخصوصة حاصلا. انما ~~قلنا : ان المعلوم ليس الا الوجود والسلوب والاضافيات. وذلك لأنا اذا ~~استدللنا بوجود الممكنات على وجود واجب الوجود ، علمنا : أنه موجود. وما ~~وراء ذلك فهو من باب الصفات. مثل : أن نقول : انه واجب الوجود. ومعناه : ~~أنه الموجود الذي لا يقبل العدم. ونقول : أنه قديم. ومعناه : انه كان ~~موجودا من الأزل الى الآن. ونقول : انه أبدى. ومعناه : انه موجود من الآن ~~لا الى آخر ونهاية. ونقول : انه ليس بجسم ، ولا بجوهر ، ولا فى مكان ، وليس ~~له ضد ولا ند ، وكل ذلك سلوب. ونقول : انه قادر ، أى أنه يصح منه الفعل ~~والترك ونقول انه عالم أى أنه يصح منه ايقاع الفعل على وجه الاحكام. ونقول ~~: انه مريد ، أى أنه يصح منه ايقاع الفعل على سبيل التخصيص. وكل ذلك ~~اضافات. PageV01P308 # فثبت : أنه ليس المعلوم للخلق منه ، الا الوجود والسلوب والاضافات. وانما ~~قلنا : ان العلم بهذه الأمور لا يقتضي العلم بالحقيقة المخصوصة. لأنا اذا ~~رجعنا الى أنفسنا لم نجد عقلنا ms212 جازما ، بأنه متى كانت الصفات هى هذه. وجب ~~أن تكون الذات هى الحقيقة المخصوصة الفلانية على التعيين ، بل نجد عقلنا ~~جازما بأنه لا بد وأن تكون تلك الحقيقة فى نفسها حقيقة مخصوصة متميزة عن ~~سائر الحقائق [واما (1) أن يعرف العقل تعين تلك الحقيقة. فهذا غير حاصل. ~~وهذا كما أنا لما شاهدنا الأثر المخصوص عن المغناطيس. قلنا : ان له حقيقة ~~مخصوصة مميزة عن سائر الحقائق. فأما أن نعلم تلك الحقيقة بعينها ، فهذا غير ~~حاصل. فكذا هاهنا : لما علمنا اختصاص ذاته بهذه الصفات على أصل الوجوب ~~واللزوم ، علمنا أن له حقيقة متميزة عن سائر الحقائق ، فأما أن نعلم من هذه ~~الصفات تلك الحقيقة المخصوصة بعينها ، فهذا غير حاصل. والعلم به ضرورى. ~~فعلمنا : ان العلم بحقيقته المخصوصة : غير حاصل] (2). # الحجة الثانية : من البين : أن التصديق فرع التصور ، فما لا نتصور حقيقته ~~لا يمكننا أن نعلم أنها حاصلة أم غير حاصلة. ونحن لا يمكننا أن نتصور ~~حقيقته الا اذا أدركناها من أنفسنا ادراكا ضروريا ، كالعلم بالألم واللذة ~~والفرح والغم والغضب ، وأدركناها باحدى الحواس الخمس ، كالعلم بالألوان. ~~فانه حصل من الابصار ، والعلم بالأصوات فانه حصل بالسماع. وكذا القول فى ~~بقية المحسوسات. وأما الماهية التى ما أدركناها بواحد من هذين الطريقين ~~فاننا نعلم أنها غير متصورة (3). PageV01P309 # اذا عرفت هذا ، فنقول : حقيقة الله وكنه ماهيته غير مدركة بأحد هذين ~~الطريقين. فوجب أن لا تكون متصورة عند العقول. # الحجة الثالثة : ان كل ما نعلمه منه سبحانه وتعالى ، فان مجرد تصوره غير ~~ما تبين من وقوع الشركة فيه. ولذلك فانا بعد معرفة هذه الصفات ، نفتقر الى ~~اقامة الدلائل على أنه سبحانه وتعالى واحد ، وأما ذاته المخصوصة فانها من ~~حيث انها هى مانعة من الشركة. واذا كان كذلك ، وجب القطع بأنه من حيث انه ~~هو غير معلوم للبشر. وهذا قياس جلى من الشكل الثانى. # * * * ### ||| ** واحتج القائلون بأن تلك الحقيقة معلومة بوجهين : # الحجة الأولى : ان التصديق مسبوق بالتصور ، ولو لم تكن تلك الحقيقة ~~معلومة ، لامتنع الحكم عليها بأنها غير معلومة. # الحجة ms213 الثانية : انا نحكم على تلك الذات المخصوصة بأنها موصوفة بالوجود ~~والقدم والدوام والوجوب والوحدة وصفات الجلال والاكرام. ولو لا أن تلك ~~الحقيقة من حيث هى هى معلومة ، والا لما أمكن الحكم عليها بهذه الصفات. # والجواب : تنتقض هاتان الحجتان بخواص الاغذية والأدوية فانها من حيث هى ~~هى مجهولة ، مع العلم بكونها مستلزمة للآثار المخصوصة. وكذا هاهنا. # واعلم : أن هذا الب حث ينتج (1) اشكالات عظيمة ، لا يليق ذكرها بهذه ~~المواضع. PageV01P310 ### ||| * الفصل الثانى ### ||| * فى ### ||| * بيان أن كنه حقيقة الله تعالى ، وان لم يكن ### ||| * الآن معلوما. فهل يصح أن يصير معلوما للبشر؟ # اعلم : أنا اذا رأينا الاحتراق حاصلا فى الجسم ، علمنا : أنه لا بد لذلك ~~الاحتراق من محرق. وذلك المحرق معلوم ، لكن علمنا (يكون) بالتبع والعرض. ~~فانا لا نعلم فى هذا الوقت أن ذلك المحرق ما هو؟ بل أنه شيء ما ، معين فى ~~نفسه ، مجهول التعين عند العقل. ومن لوازمه : حصول هذا الاحتراق. وأيضا : ~~اذا وجدنا فى أنفسنا ألما ولذة وغما وفرحا. فهذه الماهيات معلومة علما لا ~~بالتبع والعرض ، بل بالذات والحقيقة. وهذه المرتبة أقوى وأجلى من المرتبة ~~الأولى. وأيضا : اذا أدركنا بالعين لونا وضوءا ، ثم غمضنا العين ، فانا ~~ندرك تفرقة بديهية بين الحالتين ، مع أن العلم بذلك اللون المخصوص حاصل فى ~~الحالتين. وتلك التفرقة هى المسماة بالرؤية. # اذا عرفت هذا فنقول : انا اذا استدللنا بوجود الممكنات على وجود الصانع ، ~~فقد حصل النوع الأول من العلم والمعرفة. أما النوع الثانى والثالث فهل هو ~~ممكن الحصول؟ قال بعضهم : هذا غير ممكن. لأنه غير متناه ، والعقل متناه ، ~~وادراك غير المتناهى بالمتناهى محال. # ومن المحققين من توقف فى جوازه وامتناعه. وقال : لا سبيل للعقل الى معرفة ~~هذه المضايق ، بل السمع لما دل على أن المؤمنين يرون الله تعالى يوم ~~القيامة ، دل ذلك على كون هاتين المرتبتين ممكنتين. ولا شك أنه لا حال ~~للبشر أشرف من هاتين الحالتين. فنسأل الله أن يجعلنا بفضله أهلا لها. والله ~~الموفق والمعين. PageV01P311 ### ||| * المسألة الحادية والعشرون ### ||| * فى ### ||| * بيان أن صانع العالم سبحانه وتعالى ms214 واحد ### ||| ** ويدل عليه وجوه : # الحجة الأولى : لو كان فى الوجود شيئان ، كل واحد منهما واجب الوجود ~~لذاته ، لكانا مشتركين فى الوجوب بالذات ، ومتباينين بالتعين. فيلزم وقوع ~~التركيب فى ذات كل واحد منهما. وكل مركب فهو ممكن لذاته. فيلزم أن يكون ~~الواجب لذاته ممكنا لذاته. وهو محال. وتمام البحث فيه قد تقدم فى مسألة ~~حدوث الأجسام. # الحجة الثانية : الاله هو الذي يكون قادرا على المقدورات. ولو فرضنا ~~إلهين ، أراد أحدهما حركة زيد والآخر سكونه. فاما أن يحصل المرادان. وهو ~~محال ، أو لا يحصل مراد واحد منهما. وذلك أيضا محال. لأن المانع لكل واحد ~~منهما عن حصول مراده ليس هو مجرد كون الآخر قادرا ، بل حصول مقدور الآخر. ~~فاذن لا يمتنع حصول مراد هذا ، الا اذا حصل مقدور ذاك. ولا يمتنع حصول مراد ~~ذاك ، الا اذا حصل مقدور هذا. فلو حصل مراد كل واحد منهما لحصل مقدور كل ~~واحد منهما. وحينئذ يرجع هذا القسم الثانى الى القسم الأول. وقد بينا أنه ~~محال. أو يحصل مراد أحدهما دون الآخر. ### ||| ** وهذا أيضا محال لوجهين ### |||| ** : # الأول : ان الذي حصل مراده. فهو قادر. والذي لم يحصل مراده. فهو عاجز. ~~والعاجز لا يصلح للالهية. PageV01P312 # والثانى : لما كانت لقدرة كل واحد منهما صلاحية التأثير فى ايجاد ذلك ~~المقدور. فنقول : انه يستحيل أن يقال : ان احدى هاتين الصلاحيتين أقوى من ~~الأخرى. وذلك لأن المقدور شيء واحد ، لا يقبل القسمة أصلا. واذا كان كذلك ، ~~فهو اما أن يكون موجودا ، أو معدوما. فأما القسم الثالث. وهو أن يقال : انه ~~يصير بعضه موجودا وبعضه معدوما. فذلك محال. واذا كان الأمر كذلك ، لم يكن ~~ايجاد مثل هذا المقدور قابلا للتفاوت. واذا لم يقبل التفاوت ، امتنع كون ~~احدى القدرتين أقوى من الأخرى. # اذا ثبت هذا ، فنقول : لما حصل التساوى فى قدرة هذين القادرين ، فلو حصل ~~مقدور أحدهما دون الثانى ، لكان هذا ترجيحا لأحد المتساويين على الآخر ، من ~~غير مرجح البتة. وذلك محال. فكان هذا القسم محالا. فثبت : أن القول بوجود ~~إلهين : يفضى الى أحد ms215 هذه الأقسام الثلاثة. ولما ثبت أن كل واحد منهما محال ~~باطل ، كان القول بوجود إلهين محالا باطلا. # فان قيل : هذه الأقسام الثلاثة متفرعة على وقوع المخالفة بين الالهين. ~~فنقول : لم لا يجوز وجود الالهين ، بحيث يمتنع وقوع المخالفة بينهما ، ~~فعليكم أن تدلوا على صحة هذه المخالفة. ولا يقال : الذي يدل على صحة وقوع ~~المخالفة بينهما : هو أنا لو قدرنا أحد هذين الالهين منفردا بالوجود ، لصح ~~منه أن يريد حركة زيد. ولو قدرنا الاله الثانى منفردا بالوجود ، لصح منه أن ~~يريد سكون زيد. واذا ثبت هذا حال الانفراد ، وجب أيضا حال الاجتماع. لأن ما ~~لكل واحد من الذات والصفات. قديم. والقديم لا يجوز عليه التغير والتبدل. ~~وهذا يقتضي أن يكون كل واحد منهما حال الاجتماع ، كما كان حال الانفراد. ~~وهذا يوجب القطع بجواز المخالفة لأنا نقول : PageV01P313 # أليس أنه انفرد أحد الالهين ، لصح منه ايجاد الحركة. ولو انفرد الثانى ~~لصح منه ايجاد السكون. ثم انهما لما اجتمعا تعذر على كل واحد منهما ايجاد ~~ما لم يكن متعذرا عليه وقت الانفراد؟ واذا كان الحال كذلك فى القدرتين ، ~~فلم لا يجوز مثله فى الارادتين؟ # سلمنا : أن ما ذكرتم يدل على جواز المخالفة بينهما ، لكن معنا ما يدل على ~~أن مع القول بوجود الالهين ، يمتنع وقوع المخالفة بينهما. وهو من وجهين : # أحدهما : هو انا لو فرضنا إلهين ، لوجب كون كل واحد منها حكيما. والحكيم ~~هو الذي لا يفعل الا الأفضل والأولى. ولا شك أن الأفضل والأولى فى كل شيء ~~واحد. واذا كان كذلك ، كان كل واحد منهما لكونه حكيما ، لا يريد الا ذلك ~~الوجه الواحد. واذا كان الأمر كذلك ، امتنع وقوع المخالفة بينهما. # الوجه الثانى : هو أن كل واحد منهما ، لما كان إلها ، وجب أن يكون كل ~~واحد منهما عالما بكل المعلومات. وكان كل واحد منهما عالما بأن أى ~~المعلومات يقع؟ وأيها لا يقع؟ وإرادة ما علم أنه لا يقع يكون محالا. واذا ~~كان الشيء الذي هو معلوم الوقوع ، ليس الا الواحد ، ويستحيل أن يريد ms216 الا ما ~~كان معلوم الوقوع ، وجب أن يكون كل واحد منهما مريدا لوقوع شيء واحد بعينه. ~~وعلى هذا التقدير فانه يمتنع وقوع المخالفة بينهما. # سلمنا : أنه يصح وقوع المخالفة بينهما ، لكن المحالات التى الزمتمونا ~~انما تلزم من وقوع المخالفة ، لا من صحة المخالفة. فلما لم تثبتوا أن هذه ~~المخالفة لا بد وأن تحصل وتدخل فى الوجود ، لا يمكنكم أن تلزموا علينا تلك ~~المحالات. فأنتم وأن PageV01P314 # أقمتم الدلائل على صحة المخالفة ، الا أنكم تحتاجون بعدها الى اقامة ~~الدلالة على وقوع تلك المخالفة. حتى يتم دليلكم. # والجواب : الدليل على صحة المخالفة بينهما : أنه لو انفرد هذا صحت منه ~~إرادة الحركة ، ولو انفرد ذلك صحت منه إرادة السكون. وعند اجتماعهما ، وجب ~~القول ببقاء هاتين الصحتين. ويدل عليه وجهان : # الأول : ان كل واحد من هاتين الصحتين أزلى. والأزلى يمتنع زواله. ### |||| ** والثانى : ان زوال احدى الصحتين بالأخرى ، انما يصح لو حصل بينهما نوع منافاة. والا ~~لم يلزم من حصول أحدهما زوال الثانى. واذا حصلت المنافاة من الجانبين ، لم ~~يكن تأثير حصول أحدهما فى عدم الآخر (1) أولى من العكس. فلا بد وأن تزول كل ~~واحدة من هاتين الصحتين بالأخرى. الا أن هذا محال. لأن المؤثر فى عدم كل ~~واحدة من هاتين الصحتين وجود الأخرى. والعلة واجبة الحصول عند حصول ~~المعلول. فلو عدمت الصحتان معا ، لزم من عدمهما معا ، لزومهما (2) معا. ~~وهذا محال. فعلمنا : أنه لا تزول هذه الصحة ، ولا تلك الصحة عند اجتماعهما. ~~فثبت : أن صحة المخالفة حاصلة عند الاجتماع. # وأما قوله : «ان هذا ينتقض بالقدرتين ، فانه يصح على كل واحدة منهما ~~ايجاد أحد الضدين عند الانفراد ، ولا يصح منهما ايجادهما عند الاجتماع» ~~قلنا : هذا عين دليلنا على كون الله تعالى واحدا. لأنا PageV01P315 # نقول : هذه الصحة كانت ثابتة لكل واحدة من القدرتين عند الانفراد. فاذا ~~بقيتا عند الاجتماع ، يلزم منه صحة الجمع بين الضدين. وهو محال وان زالتا ~~أو زالت احداهما. فهو محال للوجوه التى ذكرناها. فعلم : أن القول بوجود ~~الالهين يفضى الى هذا المحال. فكان ms217 القول به محالا. # قوله : «لو حصل فى الوجود إلهان ، لكان كل واحد منهما حكيما. وذلك يوجب ~~توافقهما» قلنا : الفعل اما أن يتوقف على الداعى أو لا يتوقف. فان توقف لزم ~~الجبر. واذا لزم الجبر لم تكن فاعلية الله تعالى موقوفة على رعاية المصالح ~~، فلم يلزم من خلو الفعل عن المصلحة ، أن لا يكون مراد الوقوع لله تعالى. ~~فلم يلزم من كون المصلحة واحدة ، عدم المخالفة. وان لم يتوقف الفعل على ~~الداعى ، لم يلزم من استواء الضدين فى المصلحة والمفسدة ، عدم الترجيح فى ~~القصد والإرادة. فثبت : أن هذا السؤال لا يمنع من صحة المخالفة. # قوله : «الشيء الذي هو معلوم الوقوع واحد. وذلك يمنع من الاختلاف فى ~~الإرادة» قلنا : إرادة الوقوع متقدمة على الوقوع ، الذي هو متقدم على العلم ~~بالوقوع. فيمتنع أن يكون العلم بالوقوع سببا لارادة الوقوع ، والا لزم الدور. # قوله : «هذه الأقسام الثلاثة انما تتولد من حصول المخالفة لا من صحة ~~المخالفة». # قلنا : هاهنا مقدمة يقينية. وهى أن كل ما كان ممكنا ، لا يلزم من فرض ~~وقوعه محال ، فلو كانت المخالفة ممكنة ، لم يلزم من فرض وقوعها محال. لكنه ~~قد لزم المحال من فرض وقوعها. وعند هذا نقول : لو فرضنا إلهين ، لكانت ~~المخالفة بينهما. اما أن تكون ممكنة ، واما أن لا تكون ممكنة. والقسمان ~~باطلان ، فبطل القول بوجود الالهين. PageV01P316 # الحجة الثالثة على امتناع وجود الالهين : هى أنا لو فرضنا إلهين ، لكان ~~كل واحد منهما قادرا على جميع الممكنات ، لأن صفة القادرية لما كانت فى حق ~~كل واحد منهما من لوازم الذات ، وكانت نسبة تلك القادرية الى جميع الممكنات ~~على السوية ، وجب كونه تعالى قادرا على جميع الممكنات. واذا ثبت هذا ، لزم ~~أن كل ما كان مقدورا لأحدهما فهو بعينه مقدور للآخر من جهة واحدة. وهى جهة ~~الايجاد والاختراع. الا أن ذلك محال ، لأن كل ما كان مقدورا لقادر ، صح منه ~~ايجاده. واذا قصد كل واحد منهما الى ايجاده. فاما أن يقع ذلك المقدور بهما ~~معا ، أو لا يقع بواحد منهما ms218 ، أو يقع بأحدهما دون الثانى. والأقسام ~~الثلاثة باطلة. # أما القسم الأول وهو وقوعه بهما جميعا فهذا محال. لأن اسناد الأثر الى ~~المؤثر ، انما كان لامكانه وجوازه. والأثر اذا أخذ مع المؤثر التام ، كان ~~واجب الوجود. وكونه واجب الوجود يمنعه من اسناده الى القدرة الثانية. فكون ~~الفعل مع القدرة الثانية ، يمنع من الاسناد الى القدرة الاولى. فيلزم أن ~~يكون حال وقوعه بكل واحدة من القدرتين أن يكون واجب الانقطاع عن كل واحد ~~منهما. وهو جمع بين النقيضين. وهو محال. # وأما القسم الثانى وهو أن لا يقع بواحد منهما فهو أيضا محال. لأن المانع ~~من وقوعه بهذه القدرة ، وقوعه بتلك القدرة. والمانع من وقوعه بتلك القدرة : ~~وقوعه بهذه القدرة. فلا يمتنع هذا الا اذا وجد ذلك ، ولا يمتنع ذلك الا اذا ~~وجد هذا. فلو امتنعا معا ، لوجدا معا. وذلك محال. فيلزم اجتماع النفى ~~والاثبات. وهو محال. # وأما القسم الثالث وهو أن يقع بأحدهما دون الآخر فهذا أيضا محال لوجهين : PageV01P317 # الأول : ان كل واحد منهما فرضناه قادرا على جميع الممكنات ، فلا يكون ~~أحدهما أقدر من الثانى. واذا كان كذلك ، امتنع رجحان أحدهما على الآخر. # الثانى : ان وقوع التفاوت فى القدرة على ايجاد المقدور الواحد محال ، لما ~~بينا أن التفاوت فى الاقتدار ، يستدعى امكان وقوع التفاوت فى المقدور. ~~والشيء الذي يكون واحدا وحدة حقيقية يمتنع وقوع التفاوت فيه ، فامتنع وقوع ~~التفاوت فى القدرة عليه. فثبت : # أن القول بوجود الالهين يفضى الى أحد هذه الأقسام الثلاثة. وثبت : أن كل ~~واحد منها محال ، فكان القول بوجود الالهين محالا. # شبهة للخصم : انا نجد فى العالم شرا وخيرا. والفاعل الواحد لا يكون خيرا ~~وشريرا معا فلا بد من القول بالاثنين. # والجواب : ان الخير ان لم يقدر على دفع الشر ، فهو عاجز لا يصلح للالهية ~~، وان قدر ولم يفعل فهو أيضا شرير ، لأن الراضى بأفعال الشر شرير. فثبت : ~~أن هذه الشبهة ساقطة والله أعلم. PageV01P318 ### ||| * المسألة الثانية والعشرون ### ||| * فى ### ||| * خلق الأفعال (1) # اعلم : أن للعقلاء فى الأفعال الاختيارية التى للحيوانات قولين ms219 : # القول الأول : ان ذلك الحيوان غير مستقل بايجاده وتكوينه. ### ||| ** وأصحاب هذا القول : فرق أربع : # الفرقة الأولى : الذين يقولون : ان الفعل موقوف على الداعى. فاذا حصلت ~~القدرة وانضم إليها الداعى ، صار مجموعهما علة موجبة للفعل. وهذا قول جمهور ~~الفلاسفة. واختيار «أبى الحسين البصرى» من المعتزلة وهو وان كان يدعى الغلو ~~فى الاعتزال ، حتى ادعى أن العلم بأن العبد يوجد ويستقل بالفعل ضرورى. الا ~~أنه لما كان من مذهبه : أن الفعل موقوف على الداعى. واذا كان عند الاستواء ~~، يمتنع وقوعه. وحال المرجوحية أولى بالامتناع. واذا امتنع المرجوح وجب ~~الراجح. لأنه لا خروج عن النقيضين : كان هذا عين القول بالجبر. لأن الفعل ~~واجب الوقوع عند حصول المرجح ، وممتنع الوقوع عند عدم المرجح. فثبت : أن ~~«أبا الحسين» كان شديد الغلو فى القول بالجبر ، وان كان يدعى فى ظاهر الأمر ~~: أنه عظيم الغلو فى الاعتزال. # الفرقة الثانية : الذين يقولون : المؤثر فى وجود الفعل هو مجموع قدرة ~~الله تعالى وقدرة العبد. ويشبه أن يكون هذا قول «الأستاذ PageV01P319 # أبى اسحاق الأسفرائيني» فانه نقل عنه : أنه قال : «قدرة العبد تؤثر ~~بمعين». # الفرقة الثالثة : الذين يقولون : الصلاة والزنا ، يشتركان فى كون كل واحد ~~منهما حركة ، وتمتاز احدى الحركتين عن الأخرى بكون احداهما صلاة ، والأخرى ~~زنا. فاذن الصلاة عبارة عن حركة موصوفة بوصف كونها صلاة ، والزنا عبارة عن ~~حركة موصوفة بوصف كونها زنا. اذا عرفت هذا فنقول : أصل الحركة انما يوجد ~~بقدرة الله تعالى. أما وصف كونها صلاة ، وكونها زنا ، فانما يقع بقدرة ~~العبد. وهذا قول «القاضى أبى بكر ابن الباقلانى». # الفرقة الرابعة : الذين يقولون لا تأثير لقدرة العبد فى الفعل وفى صفة من ~~صفات الفعل ، بل الله تعالى يخلق الفعل ويخلق قدرة متعلقة بذلك الفعل. ولا ~~تأثير لتلك القدرة البتة فى ذلك الفعل. وهذا قول «أبى الحسن الأشعرى». # فهذا كله تفصيل مذاهب القائلين بأن الحيوان غير مستقل بايجاد فعله. # * * * ### ||| ** والقول الثانى : قول من قال : الحيوان مستقل بايجاد فعله. وهو قول جمهور المعتزلة وهم طائفتان : # * * * # الطائفة الأولى : الذين يقولون : نحن ms220 نعلم بالضرورة كوننا موجدين ~~لأفعالنا. وهذا القول اختيار «أبى الحسين البصرى». # قال صاحب الكتاب : أنا شديد التعجب منه (2). انه كيف جمع بين هذا القول ~~، وبين قوله : «الفعل موقوف على الداعى»؟ فان هذا غلو فى الجبر. وكيف جمع ~~معه الغلو فى القدر؟ وأما «محمود PageV01P320 # الخوارزمى» فانه لما أراد الجمع بين هذين القولين ، قال : «الفعل مع ~~الداعى يصير أولى بالوقوع ، ولا ينتهى الى حد الوجوب» وسنبين أن هذا القدر ~~ضعيف (3). # الطائفة الثانية : الذين يقولون : ان علمنا بكوننا موجدين لأفعالنا ، علم ~~استدلالى. وهذا مذهب جمهور مشايخ المعتزلة. # فهذا تفصيل مذاهب الناس فى هذه المسألة. # * * * # ولنا : دلائل : # الحجة الأولى : ان العبد حال ما رجح الفعل. هل يصح منه ترجيح الترك بدلا ~~عن الفعل ، أو لا يصح؟ فان كان حال كونه مصدرا للفعل ، لا يصح منه الترك. ~~وحال كونه مصدرا للترك ، لا يصح منه الفعل ، فحينئذ العبد غير مستقل لا ~~بالفعل ولا بالترك. وذلك هو المطلوب. واما ان صح منه الترك بدلا عن الفعل ، ~~فترجيح أحد الطرفين على الآخر ، اما أن يتوقف على مرجح أو لا يتوقف. فان ~~توقف على مرجح ، فذلك المرجح اما أن يكون من العبد ، أو من الله تعالى ، أو ~~لا من العبد ولا من الله. فان كان من العبد عاد التقسيم الأول. ويلزم ~~التسلسل. وان كان من الله تعالى. فنقول : عند حصول ذلك المرجح ، قد صار ~~الفعل راجحا على الترك. ونقول : ذلك الرجحان اما أن يقال : انه انتهى الى ~~حد الوجوب ، أو ما انتهى الى حد الوجوب. فان كان الأول هو الحق ، لزم الجبر ~~، لأنه على PageV01P321 # تقدير حصول ذلك المرجح ، صار الفعل واجب الوقوع ، وعلى تقدير أن لا يحصل ~~، كان الفعل ممتنع الوقوع. وان كان الثانى ، هو الحق ، وهو أنه ما انتهى ~~الى حد الوجوب. فنقول : اذا كان الأمر كذلك ، كان عند حصول ذلك المرجح ، لا ~~يمتنع حصول ذلك الفعل تارة وعدم حصوله أخرى. وكل ما كان ممكنا لا يلزم من ~~فرض وقوعه محال. # فلنفرضه تارة واقعا ، وأخرى غير واقع. فاختصاص ms221 أحد الوقتين بالوقوع ، ~~والثانى بعدم الوقوع. اما أن يتوقف على انضمام قيد زائد إليه ، أو لا ~~يتوقف. فان توقف لم يكن الذي حصل أو لا ، تمام المرجح ، لأنه كان لا بد معه ~~من هذا القيد. لكنا كنا فرضنا ما حصل أو لا ، تمام المرجح. هذا خلف. # وأيضا : فانه يعود التقسيم فى المجموع الحاصل من المرجح الأول ، ومن هذا ~~القيد. فان لم يصر الرجحان واجبا ، افتقر الى مرجح آخر ، ولزم التسلسل. وهو ~~محال. وان وجب ، عاد ما ذكرناه من لزوم الجبر. وأما ان كان اختصاص أحد ~~الوقتين بالوقوع ، لا يتوقف على انضمام قيد زائد الى ما كان حاصلا أولا ، ~~مع أن نسبة ذلك المرجح الذي كان حاصلا أولا ، الى وقتى الوقوع واللاوقوع ~~على السوية ، لزم رجحان أحد طرفى الممكن المتساوى على الآخر من غير مرجح. ~~وهو محال. وأما القسم الثالث : وهو أن يحدث ذلك المرجح. لا من العبد ولا من ~~الله تعالى. فهذا يقتضي حدوث الحادثات لا عن محدث. وتجويزه يبطل القول ~~بالاستدلال بحدوث الحوادث على وجود الله تعالى. وهذا باطل. # هذا كله اذا قلنا بأن العبد حال كونه مصدرا للفعل ، يصح منه الترك بدلا ~~عن الفعل ، الا أن هذا الرجحان يتوقف على مرجح. أما اذا قلنا : انه لا ~~يتوقف على المرجح ، فحينئذ قد حصل الرجحان لا عن PageV01P322 # مؤثر. وتجويزه يبطل القول بافتقار الجائزات الى المؤثر والمرجح ، ويلزم ~~منه نفى الصانع. وأيضا : فبتقدير أن يكون الأمر كذلك ، وجب أن يكون ذلك ~~الرجحان واقعا بالاتفاق ، بمعنى أنه يكون واقعا لا لأمر صدر عن الفاعل. ~~وهذا أيضا يقتضي الجبر ، لأنه اذا وقع ذلك الاتفاق ، حصل الفعل سواء أراد ~~أو لم يرد. واذا لم يقع لم يحصل الفعل ، سواء أراد أو لم يرد. فيكون الجبر ~~لازما أيضا على هذا التقدير. # اذا عرفت هذا فنقول : ثبت أن العبد حال كونه مصدرا للفعل. ان صح منه ~~الترك. فاما أن يتوقف ذلك الترجيح على المرجح ، أو لا يتوقف. وثبت أن ~~القسمين باطلان ، فثبت أن العبد حال كونه ms222 مصدرا للفعل ، يمتنع منه الترك. ~~وحال كونه مصدرا للترك ، يمتنع منه الفعل. # فان قيل : هذا الذي ذكرتم فى الشاهد ، يلزمكم مثله فى الغائب. فوجب أن ~~يكون البارى تعالى علة موجبة بالذات ، لا فاعلا بالاختيار. # قلنا : الفرق بين الشاهد والغائب : أن صدور الفعل عن القادر موقوف على ~~الإرادة. وهذه الإرادة فى الشاهد محدثة ، فافتقرت الى محدث. فان كان ذلك ~~المحدث هو العبد ، لزم التسلسل. وهو محال. فوجب القول بانتهاء الارادات الى ~~إرادة ضرورية ، يخلقها الله تعالى فى العبد (4) ابتداء. وعند هذا يصير ~~الجبر لازما. أما إرادة الله تعالى فهى قديمة عندنا ، فاستغنت تلك الإرادة ~~لأجل قدمها عن إرادة أخرى. فظهر الفرق بين الصورتين. ### |||| ** الحجة الثانية : لو كان العبد موجدا لأفعال نفسه ، لكان عالما بتفاصيل أفعاله. وهو غير عالم ~~بتفاصيل أفعال نفسه ، فوجب أن لا يكون موجدا لها. بيان الملازمة : انه ~~لكونه قادرا يصح منه وقوع PageV01P323 # ذلك الفعل بذلك المقدار ، ويصح وقوعه أزيد منه أو أنقص منه. فوقوع ذلك ~~المقدار دون ما هو أزيد منه ، أو دون ما هو أنقص منه ، لا يكون الا لأجل ~~القصد والاختيار. والقصد والاختيار مشروط بالعلم ، لأن القصد الى ايجاد ~~العشرة فوق الخمسة ، ودون العشرين ، لا يتأتى الا مع العلم بأنه عشرة ، ~~وليس بخمسة ، وليس بعشرين. # فثبت : أن العبد لو كان موجدا لأفعال نفسه ، لكان عالما بتفاصيل أفعال ~~نفسه. وهذا هو معنى قوله سبحانه وتعالى : ( @QUR@07 ألا يعلم من خلق؟ وهو ~~اللطيف الخبير ) (الملك 14) # أحدها : ان النائم والمغمى عليه قد ينقلب من أحد جنبيه الى وانما قلنا : ~~ان العبد غير عالم بتفاصيل أفعال نفسه لوجوه : # الجنب الآخر ، مع أنه ليس له من كمية تلك الأفعال ولا كيفيتها خبر البتة. ### |||| ** والثانى : ان أكثر المتكلمين متوافقون فى اثبات الجوهر الفرد ، ومتى ثبت القول ~~بالجوهر الفرد ، كان التفاوت بين الحركات فى البطء والسرعة ، لأجل تخلل ~~السكنات فيما بين الحركات. وسيأتى البرهان على ذلك فى تقرير مسألة الجوهر الفرد. # واذا ثبت هذا فنقول : النملة اذا تحركت بحركة بطيئة ، فذاك لأنها تحركت ~~فى ms223 بعض الأحياز وسكنت فى بعضها. ومعلوم أنه ليس عند النملة خبر من كمية عدد ~~تلك الأحياز ، وليس عندها خبر من أنها سكنت هاهنا ، وتحركت هناك ، والحال ~~فى الآدمى الذي هو أعقل الحيوانات كذلك ، فانه اذا مشى فلا شك أن مشيه أبطأ ~~من حركة الفلك. وذلك لأنه سكن فى بعض الأحياز ، وتحرك فى بعضها. وهذا الذي ~~هو أعقل الخلق ، لو أراد أن يعرف أنه أين سكن؟ واين تحرك؟ لم يعرف. فعلمنا ~~: أن العبد غير عالم بتفاصيل أحوال فعله. PageV01P324 # الثالث : ان مذهب «أبى على» و «أبى هاشم» : أن الجسم. اذا تحرك ، فهناك ~~ثلاثة أمور : الجسم ، والمتحركية ، والحركة. وهذه الحركة معنى توجب ~~المتحركية. وتأثير قدرة العبد ليس فى نفس المتحركية ، بل فى هذا المعنى ~~الذي يوجب تلك المتحركية. ومعلوم أن أكثر العقلاء غافلون عن هذا الثالث. ~~ولا يخطر ببالهم ، ولا يدور فى خيالهم تصور هذا الثالث. واذا ثبت كونهم ~~غافلين عن ماهيته ، استحال منهم القصد الى ايجاده وتكوينه. فان ما لا يكون ~~متصورا عند الذهن ، امتنع القصد الى ايجاده. وهذا الوجه الثانى والثالث ~~مختص بمشايخ المعتزلة. فأما «أبو الحسين» فانه متوقف فى الجوهر الفرد ، ~~وناف لهذا المعنى الثالث. فلا يلزمه ذلك. # الرابع : ان من حرك اصبعه. فلا شك أن ذلك الاصبع مركب من الأجزاء. وقامت ~~بكل واحدة منها حركة على حدة. فاذا لزم فيمن يوجد الشيء أن يكون عالما ~~بتفاصيله من الكمية والكيفية ، وجب فى محرك هذا الاصبع أن يكون عالما بأن ~~أجزاء هذا الاصبع. كم هى؟ حتى يمكنه القصد الى ايجاد الحركة فى كل واحد من ~~تلك الأجزاء ، ويكون عالما بعدد الأحياز الواقعة من مبدأ الحركة الى ~~منتهاها ، حتى يمكنه القصد الى ايجاد الحركات فى تلك الأحياز ، ولما لم يكن ~~شيء من هذه الأحوال معلوما ، علمنا : أن العبد غير عالم بتفاصيل افعال نفسه. # واذا ثبت هذا فنقول : ظهر أنه لو كان موجدا لأفعال نفسه ، لكان عالما ~~بتفاصيل تلك الأفعال ، وظهر أنه غير عالم بتفاصيلها ، فوجب القطع بأن العبد ~~غير موجد لها. # الحجة ms224 الثالثة ### |||| ** : على أن العبد غير موجد لأفعال نفسه : هو ان ذاته سبحانه وتعالى مستلزمة ~~للقادرية. اما لنفس ذاته عند من يقول : انه تعالى قادر لذاته ، أو بواسطة ~~كونها مستلزمة لمعنى ، وذلك المعنى PageV01P325 # يستلزم القادرية عند من يقول : انه تعالى قادر لمعنى وعلى التقديرين فان ~~نسبة ذاته الى جميع الممكنات على السوية. فيلزم أن يكون الله تعالى قادرا ~~على جميع الممكنات ، وأن يكون تعالى قادرا على جميع المقدورات ، وعلى ~~مقدورات العباد. # اذا ثبت هذا فنقول : ذلك المقدور اما أن يقع بمجموع القدرتين أعنى قدرة ~~الله وقدرة العبد واما أن لا يقع بواحدة منهما ، واما أن يقع باحدى ~~القدرتين دون الأخرى. وهذه الأقسام الثلاثة باطلة ، بعين الدليل الذي ~~ذكرناه فى مسألة التوحيد ، فوجب أن لا يكون العبد قادرا على الايجاد ~~والتكوين. # الحجة الرابعة : لو كانت قدرة العبد صالحة للايجاد ، فاذا أراد الله ~~تعالى تسكين جسم ، وقدرنا أن العبد أراد تحريكه. فاما أن يقع المرادان. وهو ~~محال. أو لا يقع واحد منهما. وهو أيضا محال على ما بيناه فى مسألة التوحيد ~~لأنه خروج عن النقيضين. أو يقع مراد الله تعالى دون مراد العبد (5) وهو ~~أيضا محال. لأن وقوع أحدهما ليس أولى من وقوع الآخر ، لأن الله تعالى ، وان ~~كان قادرا على ما لا نهاية له ، والعبد ليس كذلك. الا أن ذلك لا يوجب ~~التفاوت بين قدرة الله تعالى وقدرة العبد ، فى هذه الصورة. لأن الحركة ~~الواحدة والسكون الواحد ماهية غير قابلة للقسمة والتفاوت بوجه من الوجوه. ~~واذا كان المقدور غير قابل للتفاوت ، لم تكن القدرة على مثل هذا المقدور ~~قابلة للتفاوت ، فيمتنع أن تكون قدرة الله على ايجاد هذه الحركة أقوى من ~~قدرة العبد على ايجاد السكون ، بل الله تعالى قادر على سائر المقدورات ، ~~والعبد غير قادر عليها. لكن ذلك التفاوت لا يوجب التفاوت فى القدرة على تلك ~~الحركة ، والقدرة على هذا السكون. PageV01P326 # واذا ثبت أن قدرة الله تعالى على ايجاد هذه الحركة المعينة لا يمكن أن ~~تكون أقوى من قدرة العبد على ms225 ايجاد هذا السكون ، استحال أن يقال : ان مقدور ~~الله تعالى أولى بالوقوع من مقدور العبد ، وثبت أن التفاوت الحاصل بسبب أن ~~قدرة الله تعالى متعلقة بما لا نهاية له وقدرة العبد متعلقة بالمتناهى ، لا ~~يقدح فى ذلك التساوى. فثبت : أن بتقدير أن تكون قدرة العبد صالحة للايجاد ، ~~يلزم أحد هذه الأقسام الثلاثة. وثبت : أن كل واحد منها باطل ، فلزم القطع ~~بأن قدرة العبد غير صالحة للايجاد. # الحجة الخامسة : ان الفعل الاختيارى لا يقع منه ، الا ما تعلق به القصد ~~والاختيار. والكافر لا يقصد ولا يختار احداث الجهل ، بل لا يقصد الا العلم ~~والصدق ، فكان يجب أن لا يحصل له الا العلم والصدق. ولما قصد العلم وحصل له ~~الجهل ، علمنا : أن وقوعه ليس بايقاعه بل بايقاع غيره. # فان قيل : انما حصل ذلك الجهل ، لأنه ظن أنه علم ، فلا جرم قصد ايقاعه. # قلنا : فهو انما اختار الجهل بسبب أنه كان ذلك الجهل المتقدم حاصلا له. ~~فان كان القول فيه كما فى الأول ، لزم أن يكون كل جهل مسبوقا بجهل آخر ، لا ~~الى بداية وذلك محال. فاذن لا بد من انتهاء هذه الجهالات الى جهل أول ، غير ~~مسبوق بجهل آخر. وذلك الجهل الأول يستحيل أن يكون بسبب أن الانسان اختاره. ~~لأن الإنسان لا يختار ذلك البتة. فثبت : أن ذلك الجهل الأول انما حصل ~~بايجاد الله تعالى وتخليقه ، وسائر الجهالات تفرعت عليه. فكان الكل مستندا ~~بالحقيقة الى تخليق الله تعالى وتكوينه. # وأما المعتزلة. فكلامهم فى هذا الباب فى غاية الكثرة والبسط ، PageV01P327 # الا أنه يرجع الكل الى حرف واحد ، وهو أنه لو لا الاستقلال بالفعل ، لكان ~~الأمر والنهى والمدح والذم والثواب والعقاب : باطلا. # والجواب : ان هذا السؤال لازم عليكم أيضا ، من ستة أوجه : # الأول هو أن العلم بعدم الايمان ووجود الايمان ، متضادان متنافيان ~~لذاتيهما ، كما أن الحركة والسكون متنافيان متضادان لذاتيهما. وذلك لأن ~~العلم بعدم الايمان لا يكون علما ، الا مع عدم الايمان ، وعدم الايمان ~~ووجوده متنافيان ، فوجب القول بأن العلم بعدم الايمان. مناف ومضاد ms226 لوجود ~~الايمان ، وكما أن الأمر بالجمع بين الحركة والسكون ، أمر بايجاد ما يمتنع ~~وجوده ، فكذلك الأمر بالايمان ، مع قيام العلم بعدم الايمان أمر بالجمع بين ~~الضدين. # اذا عرفت هذا ، فنقول : انه تعالى كان عالما من الأزل الى الأبد ، بأن ~~«أبا لهب» لا يؤمن. ثم انه كان يأمره بالايمان ، فكان هذا أمرا بالجمع بين ~~النقيضين. وهو محال. فالقول بتكليف ما لا يطاق لازم عليه فى مسألة العلم ، ~~كما أنه لازم علينا فى مسألة خلق الأفعال. # ولو أن جملة العقلاء اجتمعوا وأرادوا ، أن يوردوا على هذا الكلام حرفا ، ~~لم يقدروا عليه. الا أن يلتزموا مذهب «هشام بن الحكم» وهو أنه تعالى لا ~~يعلم الأشياء قبل وقوعها ، لا بالوجود ولا بالعدم. الا أن أكثر (6) ~~المعتزلة يكفرون من يقول بهذا القول. والله أعلم. # الوجه الثانى فى الالزام : انه تعالى قال : ( @QUR@011 إن الذين كفروا ، ~~سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) [البقرة 6] ، فأولئك الذين ~~أخبر الله عنهم بهذا الخبر ، لو آمنوا لانقلب هذا الخبر كذبا ، PageV01P328 # والكذب على الله تعالى محال. والمفضى الى المحال محال. فكان صدور الايمان ~~عنهم محالا ، مع أن الله تعالى كان يأمرهم بالايمان. # الوجه الثالث : انه تعالى كلف «أبا لهب» بالايمان. ومن جملة الايمان ~~تصديق الله تعالى فى كل ما أخبر عنه. ومما أخبر عنه : أن «أبا لهب» لا ~~يؤمن. فقد صار «أبو لهب» مكلفا بأن يؤمن ، بأنه لا يؤمن. وهذا تكليف بالجمع ~~بين النقيضين. # الوجه الرابع : هو ان توجه التكليف على العبد. اما أن يكون حال استواء ~~الداعى الى الفعل أو الترك ، أو حال رجحان أحد الداعيين على الآخر. أما ~~الأول فهو تكليف بما لا يطاق. لأن الاستواء والرجحان متناقضان ، فلو كلف ~~حال الاستواء بالترجيح ، لكان قد وقع التكليف بالجمع بين النقيضين. وأما ~~الثانى فهو أيضا تكليف بما لا يطاق ، لأنه ان كلف بالراجح ، فالراجح واجب ~~الوقوع على ما بيناه وما كان واجب الوقوع لنفسه ، استحال أن يكون وقوعه ~~بايقاع موقع منفصل ، فكان أمره بايقاعه ، أمرا له بما ليس فى ms227 وسعه ، وان ~~كلف بالمرجوح فالمرجوح ممتنع الوقوع ، فكان هذا أمرا بايقاع ما يكون ممتنع ~~الوقوع. والله أعلم. # فان قيل : لم لا يجوز أن يقال : انه حال استواء الداعيين ، يكون مأمورا ~~بالترجيح لا فى هذه الحالة التى هى حالة الاستواء ، بل فى الحالة الثانية ~~منهما؟ قلنا : اذا توجه عليه هذا التكليف فى حال الاستواء. فاما أن يؤمر ~~حال الاستواء بأن يحصل الترجيح فى هذه الحالة التى هى حال الاستواء ، فيكون ~~هذا جمعا بين النقيضين. واما أن يقال : انه فى هذه الحالة مأمور بأن يوقع ~~الترجيح فى الحالة الثانية من هذه الحالة. ونقول : هذا القسم أيضا ينقسم ~~الى قسمين. وذلك لأنه اما أن يكون المراد منه : أنه حال الاستواء أعلمه أنه اذا PageV01P329 # جاءت الحالة الثانية ، فهو فى تلك الحالة الثانية مأمور بايقاع الترجيح ، ~~لكن على هذا التقدير لا تكليف عليه فى حال الاستواء ، بل أعلمه أنه فى ~~الحالة الثانية سيصير مكلفا. واذا كان كذلك فنحن نقول : عند مجىء الحالة ~~الثانية ، اما أن يكون الحال حال الاستواء ، أو حال الترجيح. ويعود الاشكال ~~المذكور ، واما أن يكون المراد منه : أنه فى حالة الاستواء مأمور فى هذه ~~الحالة ، بأن يوقع الرجحان فى الحالة الثانية. # لكن على هذا التقدير يتوجه تكليف ما لا يطاق. لأن ايقاع الرجحان فى ~~الزمان الثانى ، مشروط بحصول الزمان الثانى. وحصول الزمان الثانى فى الزمان ~~الأول محال ، فكان ايقاع الترجيح فى الزمان الثانى عند حصول الزمان الأول ، ~~موقوفا على شرط محال ، والموقوف على المحال محال. فقول القائل : انه كلف ~~حال الاستواء بأن يوقع الترجيح فى الزمان الثانى : يكون تكليفا بما لا يطاق. # الوجه الخامس : أن نقول : ان شيئا من التصورات غير مكتسب ، فشيء من ~~التصديقات البديهية غير مكتسب ، فشيء من التصديقات غير مكتسب. مع أنه ورد ~~الأمر بتحصيل المعرفة ، فكان هذا تكليفا بما لا يطاق. وانما قلنا : ان شيئا ~~من التصورات غير مكتسب ، لأن من طلب اكتسابه ، فاما أن يكون له شعور بتلك ~~الماهية ، واما أن لا يكون فان كان له شعور ms228 بتلك الماهية ، كان تصورها ~~حاصلا له ، وطلب الحاصل محال ، وان لم يكن له شعور بتلك الماهية ، استحال ~~طلبها ، لأن الغافل عن الشيء ، يمتنع أن يكون طالبا له. # فان قلت : انه مشعور به من وجه دون وجه. قلت : الوجه الشعور به مغاير ~~للوجه الغير مشعور به ، فالمشعور به أمتنع طلبه ، لكونه حاصلا ، وغير ~~المشعور به ، امتنع طلبه ، لكونه مغفولا عنه. PageV01P330 # وانما قلنا : انه لما كانت التصورات غير مكتسبة ، كانت التصديقات ~~البديهية غير مكتسبة. وذلك أن التصديقات البديهية هى التى يكون مجرد طرفى ~~موضوعها ومحمولها ، كافيا فى جزم الذهن باثبات أحدهما للآخر أو سلبه عنه. # وعلى هذا التقدير : ان حضرت التصورات ، كان ذلك التصديق واجب الحصول ، ~~وان لم تحضر كان ذلك التصديق ممتنع الحصول. واذا كان هذا التصديق واجب ~~الحصول ، لزم الدوران ، نفيا واثباتا عند حضور تلك التصورات نفيا واثباتا. ~~وثبت : أن حضور تلك التصورات نفيا واثباتا ليس باختيار الانسان ، فلزم أن ~~يكون حصول هذه التصديقات نفيا واثباتا ، ليس باختيار الانسان. فثبت : أن ~~هذه التصديقات البديهية ، ليس شيء منها مكتسبا. # وانما قلنا : انه لما كان الأمر كذلك ، امتنع أن يكون شيء من التصديقات ~~مكتسبا. وذلك لأن التصديقات المكتسبة لا تتسلسل ولا تدور ، بل لا بد من ~~انتهائها الى المكتسب الأول ، فيكون التصور المكتسب الأول هو تلك البديهيات ~~لا محالة ، فتلك البديهيات اما أن تكون تامة فى استلزام المكتسب الأول ، ~~واما أن لا تكون. فان كانت البديهيات تامة ، لزم من حصولها حصول المكتسب ~~الأول ، ويلزم من عدمها امتناع حصول المكتسب الأول ، لأنه لا سبب للمكتسب ~~الأول الا تلك البديهيات وحينئذ يكون المكتسب الأول واجب الدوران ، نفيا ~~واثباتا ، مع ما لا يكون باختياره ، لا نفيا ولا اثباتا. وحينئذ يخرج ~~المكتسب الأول عن أن يكون باختياره. # واذا عرفت هذا فنقول : حال المكتسب الثانى بالنسبة الى المكتسب الأول كما ~~ذكرناه وعلى هذا التقدير ، لا يكون شيء من العلوم مكتسبا. PageV01P331 # وأما ان قلنا بأن تلك البديهيات غير تامة فى استلزام المكتسب الأول ، ~~فحينئذ لا بد مع تلك ms229 البديهيات من شيء من المكتسبات ، فحينئذ يكون ذلك ~~المكتسب مقدما على أول المكتسبات. وذلك محال. فثبت وما ذكرنا : أن جميع ~~العلوم ، اما بديهية ، واما أن تكون من لوازم البديهيات. وشيء منها ليس ~~بمكتسب ، فاذن شيء من المعلوم غير مكتسب. ولا شك فى ورود الأمر بها ، لقوله ~~تعالى : ( @QUR@06 فاعلم : أنه لا إله إلا الله ) [محمد 19] فثبت : أن ~~تكليف ما لا يطاق لازم على الكل. # الوجه السادس : انه ورد الأمر بتحصيل معرفة الله تعالى. فنقول : اما أن ~~يقال : انه توجه هذا الأمر على من يعرف الله ، أو على من لا يعرف الله ~~تعالى. فان كان الأول كان هذا أمرا بتحصيل الحاصل. وانه محال. وان كان ~~الثانى كان هذا توجها لأمر الله تعالى على من لم يكن عارفا بالله تعالى. ~~والجاهل بالذات جاهل بالصفات ، فاذن هذا الأمر متوجه على شخص لا يمكنه حال ~~بقاء ذلك الأمر : ان يعرف الآمر والأمر. وذلك عين تكليف ما لا يطاق. # فثبت بهذه الوجوه السنة : أن تكليف ما لا يطاق لازم على الكل. والاستقصاء ~~فى هذا الباب ، مذكور فيما صنفناه فى أصول الفقه. # فان قيل : هب أن هذا الاشكال لازم على الكل. فما الحيلة لنا ولهم فى دفعه؟ # قلنا : الحيلة ترك الحيلة ، والاعتراف بأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، ~~وأنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. # وهذا آخر المباحث المحصلة فى هذا الباب. وبالله التوفيق. PageV01P332 ### ||| * المسألة الثالثة والعشرون ### ||| * فى ### ||| * أنه لا يخرج شيء من العدم إلى ### ||| * الوجود إلا بقدرة الله تعالى # اعلم : ان أكثر أرباب (1) الملل يخالفوننا فى هذه المسألة ولو أطنبنا فى ~~شرح المذاهب وابطالها ، لطال الكتاب الا أنا هاهنا نكتفى بالاختصار. # فنقول : الذي يدل على صحة قولنا وجوه : # الأول : ان علة صحة المقدورية هى الامكان ، والامكان حكم مشترك فيه بين ~~كل الممكنات ، واذا كانت العلة مشتركة فيها ، كان الحكم كذلك. فاذن كل حكم ~~(2) الممكنات مشتركة فى كونها بحيث يصح أن تكون مقدورة لله تعالى. والمقتضى ~~لكونه قادرا على المقدور ، هو ذاته. ونسبة الذات الى الكل ms230 على السوية. فلما ~~اقتضت الذات كونه تعالى قادرا على البعض ، وجب أن تقتضى كونه قادرا على ~~الكل. فثبت : أنه تعالى قادر على كل الممكنات ، فلو فرضنا شيئا آخر يصلح ~~لأن يكون مؤثرا فى الوجود ، فعند فرض اجتماع هذين المؤثرين. اما أن يقع ~~الأثر بهما ، أو لا يقع بواحد منهما ، أو يقع بأحدهما دون الثانى. والأقسام ~~الثلاثة باطلة ، لما مرت الاشارة إليه فى مسألة التوحيد ، ومسألة خلق ~~الأفعال (3) فوجب القطع بأنه لا شيء سوى قدرة الله تعالى يصلح للتأثير ~~والتكوين. PageV01P333 # الثانى : ان صفة الامكان صفة واحدة فى الممكنات ، وانها محوجة الى ~~المؤثر. فاما أن يقال : الامكان يحوج الى مؤثر معين ، أو يحوج الى مؤثر غير ~~معين. والثانى محال. لأن ما لا يكون معينا فى نفسه ، لا يكون موجودا ، وما ~~لا يكون موجودا استحال احتياج غيره إليه فى الوجود. فاذن الامكان يحوج الى ~~شيء معين. # وذلك المعين اما أن يكون من الممكنات ، واما أن لا يكون. لا جائز أن يكون ~~من الممكنات والا لكان امكان ذلك الشيء ، يحوجه الى نفسه ، وحينئذ يكون ~~موجدا لنفسه. وكل ما كان موجدا لنفسه ، كان واجبا لذاته ، فيكون الممكن ~~لذاته واجبا لذاته. وهو محال. ولما بطل أن يكون ذلك الشيء من الممكنات ، ~~ثبت : أنه واجب لذاته. فثبت : أن الامكان يحوج جميع الممكنات الى الموجود ~~الواجب لذاته ، فيكون الواجب لذاته هو المبدأ لوجود جميع الممكنات. وهو ~~المطلوب. # فان قيل : لم لا يجوز ان يكون الامكان علة للحاجة الى المؤثر ، من حيث ~~انه مؤثر. والمؤثر من حيث هو مؤثر ، له ماهية واحدة ، بالنوع. وهى لا تمنع ~~دخول أشياء كثيرة تحتها بالعدد. # والجواب : لما كان المؤثر من حيث انه مؤثر ، مفهوما واحدا ، مشتركا فيه ~~بين ذوات الماهيات المختلفة ، يلزم أن تكون المؤثرية لاحقا من لواحق تلك ~~الماهيات المختلفة. وكل ما كان كذلك ، كان مفتقرا الى المؤثر : ويعود ~~التقسيم الأول فيه ، ولا ينقطع الافتقار والاستناد ، الا عند الانتهاء الى ~~الذات. ويجب أن تكون تلك الذات معينة كما بيناه وحينئذ يحصل المطلوب. ms231 # الحجة الثالثة هى مبنية على أصول الحكماء : هى أن كل ما كان ممكنا لذاته ~~، فهو قابل للوجود والعدم ، فلو كان شيء من PageV01P334 # الممكنات مؤثرا فى وجود شيء آخر ، لزم كون الشيء الواحد قابلا وفاعلا ~~معا. وهو محال. فاذن الممكن له خاصية القبول ، وليس له صلاحية التأثير ، ~~كما أن الواجب لذاته ، له خاصية التأثير ، وليس له صلاحية القبول. ### ||| ** واعلم : أن المخالفين فى هذه المسألة فرق كثيرة : # الفرقة الأولى من المخالفين فى هذه المسألة : الفلاسفة. الذين يقولون : ~~المعلول الأول لذات الله تعالى من غير واسطة شيء واحد ، وهو العقل الأول. ~~وأما سائر الأشياء فهى معلولات معلولاته. ولهم فيه شبه : # الشبهة الأولى : ان مفهوم أنه تعالى مصدر (ا) غير مفهوم أنه مصدر (ب) ~~بدليل: أنه يصح العلم بأحدهما مع الجهل بالآخر. وهذان المفهومان اما أن ~~يكونا داخلين فى الماهية ، أو خارجين عنها ، أو يكون أحدهما داخلا فى ~~الماهية ، والآخر خارجا عنها. # فان كانا داخلين فى الماهية وهو القسم الأول كانت الماهية مركبة. وهذا فى ~~حق واجب الوجود محال. # وان كانا خارجين عن الماهية وهو القسم الثانى فلا شك انهما من لواحق هذه ~~الماهية. وكل ما كان خارجا عن الماهية لاحقا لها غير مستقل بنفسه ، فانه ~~يكون ممكنا بذاته واجبا بغيره ، وحينئذ يعود التقسيم من أن تكون تلك ~~الماهية مصدرا لأحد هذين اللازمين مغايرة لكونها مصدرا للازم الثانى. وان ~~كان هذان المفهومان أيضا خارجين عن الماهية ، لزم اما التسلسل واما ~~الانتهاء الى الكثرة فى الماهية وهو القسم الأول PageV01P335 # وأما القسم الثالث : وهو أن يكون أحد القسمين داخلا فى الماهية والآخر ~~خارجا (3) عنها فهذا يقتضي أن تكون هذه الماهية مركبة. لأن كل ما له جزء ، ~~فأقله أنه مركب من جزءين. وذلك يقتضي أن يكون المعلول واحدا ، لأن الجزء ~~متقدم والمعلول متأخر ، والجزء لا يكون معلولا. # فثبت : أن القول بصدور الشيئين عنه ، يفضى الى هذه الأقسام الباطلة ، ~~فيكون باطلا. # الشبهة الثانية : اذا صدر عن الشيء الواحد باعتبار واحد ، الألف والباء ~~والألف لا شك أنه غير الباء ms232 فمن حيث انه صدر عنه الألف لم يصدر عنه الباء ، ~~لأنه من ذلك الحيث صدر عنه الباء ، والباء ليس بالألف. ومن حيث انه صدر عنه ~~الباء ، لم يصدر عنه الألف. # الشبهة الثالثة : العلة لا بد أن تكون ملائمة للمعلول ، والشيء الواحد ~~بالاعتبار الواحد ، لو أوجب الشيئين المختلفين ، لزم أن يكون الشيء الواحد ~~بالاعتبار الواحد ملائما لشيئين مختلفين. والملائم للشيئين المختلفين مختلف ~~، فيلزم أن يكون الشيء الواحد بالاعتبار الواحد ، مخالفا لنفسه. وهو محال. # الشبهة الرابعة : لما شاهدنا أن تأثير النار هو التسخين ، وتأثير الماء ~~هو التبريد ، استدللنا بهذين الأثرين (4) على أن طبيعة الماء مخالفة لطبيعة ~~النار ، واذا كان اختلاف الأثر ، دالا على اختلاف المؤثر ، فبأن يدل على ~~تعدد المؤثر أولى. PageV01P336 # والجواب عن الشبهة الأولى : ان الوحدة يصدق عليها أنها نصف الاثنين ، ~~وثلث الثلاثة ، وربع الأربعة. فنقول : مفهوم أنها نصف الاثنين ، مغاير ~~لمفهوم أنها ثلث الثلاثة ، ويعود التقسيم الذي ذكرتم فيها ، فيلزم وقوع ~~الكثرة فى الوحدة. وذلك محال. ولما كان هذا الكلام باطلا ، فكذا ما ذكرتم. # والجواب عن الشبهة الثانية : ان نقيض أنه صدر عنه الألف ، هو أنه ما صدر ~~عنه الألف ، لا أنه صدر عنه ما ليس بألف. والفرق ظاهر بين قولك ما حصل ~~بالألف وبين قولك حصل ما ليس بالألف. ولو صح ما ذكرتم لزم أن لا يقبل ~~الواحد الا الواحد ، لأنه قبل الألف وقبل الباء والباء ليس بألف فحين قبل ~~الألف لم يقبل الباء (5) وذلك محال. ولما كان هذا الكلام باطلا فى جانب ~~القابل ، فكذا فى جانب الفاعل. # والجواب عن الشبهة الثالثة : ان الملائم غير ملخص المعنى. فان أردتم به ~~كون العلة مماثلة للمعلول ، فهذا خطأ. لأن المعلول لذاته محتاج الى العلة ، ~~والعلة لذاتها مؤثرة فى المعلول ، فلو كانت العلة والمعلول مثلين ، لزم كون ~~العلة معلولا والمعلول علة. وهو محال. وان كان المراد من الملائمة شيئا آخر ~~، فلا بد من بيانه. # والجواب عن الشبهة الرابعة : ان الذي به عرفنا أن طبيعة الماء تخالف ~~طبيعة النار ، ليس هو مجرد اختلاف ms233 الأثرين ، بل لما رأينا الماء حاصلا بدون ~~التسخين ، والنار حاصلة بدون التبريد ، علمنا بهذا : اختلاف طبيعتيهما. ~~فالحاصل : أن المعرف لاختلاف الطبيعتين هو تخلف الآثار ، لا اختلاف الآثار (6). PageV01P337 # والفرقة الثانية من المخالفين فى هذه المسألة : الثنوية الذين ينسبون ~~الخير الى النور ، والشر الى الظلمة. واعلم : أن النور كيفية قائمة بالجسم. ~~ونحن قد دللنا على أن الجسم محدث ، فكان القول بحدوث النور الذي هو كيفية ~~قائمة بالجسم أولى. # وقدماء المشايخ أبطلوا مذهبهم : بأن من قال أخطأت. فقائل هذا القول اما ~~أن يكون هو النور ، أو الظلمة. فان كان هو النور ، فان كان صدقا ، فالنور ~~قد فعل الشر ، وان كان كذبا والكذب شر فالنور قد فعل الشر ، وان كان قائل ~~هذا القول هو الظلمة ، فان كان صدقا والصدق خير فالظلمة فعلت الخير ، وان ~~كان كذبا ، فالظلمة ما فعلت الخطأ. وترك الخطأ خير ، فالظلمة فعلت الخير. # الفرقة الثالثة من المخالفين فى هذه المسألة : المنجمون الذين يقولون : ~~المدبر فى هذا العالم السفلى هو الأفلاك والكواكب. والذي يدل على بطلان ~~قولهم : ان الأفلاك. اما أن تكون بسائط أو مركبة من أجزاء (7) كل واحد منها ~~بسيط فى نفسه. وكل بسيط فانه يحصل له جانبان بحيث يكون كل واحد منهما ~~مساويا للآخر فى تمام الماهية. وكل ما كان كذلك ، فكل ما صح على أحد جانبيه ~~صح على الآخر بكل ما كان كذلك فما كان ممسوس يمينه صح أن ينقلب ممسوس يساره ~~، وبالعكس. وكل ما كان كذلك ، فان التركيب والانحلال جائزان عليه. فاذن ~~التركيب والانحلال جائزان على أجرام الفلك والكواكب. فيلزم من هذه النكتة : ~~فساد أصول الفلاسفة ، اصحاب المجسطى فى أجرام الفلك. ويلزم القول بافتقارها ~~فى ذواتها وصفاتها وأشكالها الى تقدير فاعل مختار. PageV01P338 # واحتجوا بأنا نشاهد أن تغيرات أحوال هذا العالم مربوطة بتغيرات أحوال ~~الكواكب. ويدل عليه : حال الليل والنهار ، وحال الفصول الأربعة. # والجواب : ثبت فى المنطق أنه لا يلزم من حصول شيء عند شيء ، ومن عدمه عند ~~عدمه ، كونه معللا به ، لاحتمال حصول هذا الدوران مع شطر العلة ms234 وشرط العلة ~~، ومع صفة لازمة للعلة طردا وعكسا ، مع أنه يكون أجنبيا عن التأثير. # الفرقة الرابعة من المخالفين فى هذه المسألة : الطبيعيون وهم يقولون : ان ~~حوادث هذا العالم من المعادن والنبات والحيوان ، معللة بامتزاج هذه العناصر ~~بعضها مع بعض. # واعلم ان القول بالمزاج باطل. وذلك لأن هذه العناصر اذا اختلطت وامتزجت ~~فاما أن يكون تأثير كل واحد منها فى الآخر ، وتأثر كل واحد منها عن الآخر : ~~يقع دفعة ، واما أن يوجد تأثير أحدهما فى الآخر ، ثم بعد ذلك يعود ذلك ~~المغلوب غالبا. # والأول باطل. لأن المؤثر فى انكسار كل واحد منهما : قوة الآخر. فالحار ~~والبارد لو حصل انكسارهما معا وحال حصول المعلول لا بد من حصول العلة يلزم ~~أن يكونا فى غاية القوة حال كونهما منكسرين ، وذلك محال. والثانى باطل ~~أيضا. لأن المغلوب بعد صيرورته مغلوبا ، يمتنع أن يعود غالبا مع أنه حال ~~قوته ، كان عاجزا عن قهره. # لا يقال : لم لا يجوز أن يقال : النارية صفة قائمة بجسم النار ، وتلك ~~الصفة علة للحرارة واليبوسة ، وكذا المائية صفة قائمة بالماء ، PageV01P339 # وتلك الصفة علة للبرودة والرطوبة. فالكاسر لبرد الماء ورطوبته ، ليس هو ~~حر النار ويبسها ، بل ناريتها ، والكاسر لحر النار ويبسها ، ليس هو برد ~~الماء ورطوبته ، بل مائيته؟ # وعلى هذا التقدير يزول السؤال لأنا نقول : النارية والمائية انما ~~يتنافيان بواسطة ما بين أثريهما من التنافى. وحينئذ يعود الكلام الأول. # الفرقة الخامسة من المخالفين فى هذه المسألة : المعتزلة. أما «النظام» ~~فقال : انه تعالى غير قادر على خلق القبيح. قال : لأن صدور هذه الأشياء عن ~~الله تعالى محال. وكل محال فهو غير مقدور. وانما قلنا : انه محال. لأن صدور ~~هذه الأشياء عن الله تعالى ، يستلزم الجهل ، أو الحاجة وكل واحد منهما ~~محال. ومستلزم المحال محال. فصدور هذه الأشياء عن الله تعالى محال. وانما ~~قلنا : ان المحال غير مقدور ، لأن المحال ما يمتنع وقوعه ، والمقدور هو ~~الذي يمكن وقوعه. والجمع بينهما محال. # والجواب على مذهبنا : ان خلق شيء من الأشياء لا يدل فى حق ms235 الله تعالى على ~~الجهل ، ولا على الحاجة. فزال هذا السؤال. # وأما على مذهب «المعتزلة» فالجواب عن هذه الشبهة : ان معنى كون القبائح ~~مقدورة لله تعالى : أنه لو صح تحقق الداعى الى فعل هذه القبائح فى حق الله ~~تعالى ، كانت قادريته صالحة لايجادها. فالحاصل : أن فعل هذه القبائح وان ~~كان ممتنعا لامتناع الداعى ، لكنه غير ممتنع بالنظر الى صلاحية القدرة. # وأما «الكعبى» فانه يقول : انه تعالى غير قادر على مثل مقدور العبد ، لأن ~~فعل العبد اما طاعة أو معصية. وهما محالان على الله تعالى فثبت : أنه تعالى ~~غير قادر على مثل فعل العبد. PageV01P340 # والجواب : ان طاعة العبد ومعصيته. اما حركة واما سكون. والله تعالى قادر ~~على جميع الحركات والسكنات. # وأما البصريون فقد سلموا أنه تعالى قادر على مثل مقدور العبد ، الا أنهم ~~قالوا : انه تعالى غير قادر على نفس مقدور العبد. # واحتجوا عليه : بأن ما كان مقدورا للقادر ، فلا بد أن يحصل عند ما يدعوه ~~الداعى الى فعله ، وأن لا يحصل عند ما يصرفه الصارف عن فعله. فلو فرضنا ~~مقدورا واحدا بين قادرين ، وحصل الداعى الى الفعل فى حق أحدهما ، وحصل ~~الصارف عن الفعل فى حق الثانى ، لزم أن يوجد ذلك الفعل وأن لا يوجد. وهذا ~~محال. فالقول بوجود مقدور بين قادرين محال. # والجواب : [ (8) ان من جوز وجود مقدور واحد لقادرين ، لم يسلم أنه يلزم ~~من تحقق الصارف فى حق أحد القادرين عن الفعل أن لا يوجد الفعل ، لاحتمال أن ~~يكون قصد غيره الى ايجاده سببا لوجوده. # وأيضا : الرجل اذا اعتمد على جسم آخر ، فحدثت حركة فى ذلك الجسم الآخر ، ~~فقد اتفقت المعتزلة على أن الحركة الحاصلة فى ذلك الجسم المباين ، انما ~~حصلت بتأثير هذا الاعتماد وتأثير هذه المدافعة. وأصحابنا أنكروا ذلك. # وهذه هى المسألة] (9) المشهورة بمسألة التولد. # وحجة أصحابنا : أنه لو صح القول بالتولد ، لزم وقوع الأثر الواحد بمؤثرين ~~مستقلين بالأثر. وهذا محال فالقول بالتولد محال. بيان الملازمة : انه اذا ~~التصق جوهر فرد ، بكف رجلين ، ثم ان أحدهما جذب الكف ms236 فى حال ما دفع الآخر ~~أيضا كفه. فلو صح القول بالتولد ، كان الجذب مولدا للحركة فى ذلك الجوهر ، ~~كما أن الدفع PageV01P341 # مولد للحركة فيه. فاما أن تتولد من كل واحد منهما حركة على حدة أو تتولد ~~منهما معا حركة واحدة. والأول باطل ، لأنه يقتضي حصول الجسم الواحد ، فى ~~الحيز ، فى الآن الواحد ، مرتين. وهذا غير معقول # وأيضا : فعلى هذا التقدير ، تكون الحركتان ، متماثلتين ، فليس استناد ~~أحدهما الى الجذب ، والثانية الى الدفع أولى من العكس ، فيلزم استناد كل ~~واحد من الحركتين الى الجذب والى الدفع ، فيعود الأمر الى وقوع الأثر ~~الواحد بمؤثرين مستقلين. ولما بطل هذا القسم ثبت : أنه حصل فى ذلك الجوهر ~~الفرد حركة واحدة ، حصلت بعلة الجذب وبعلة الدفع ، ثم كل واحدة من هاتين ~~العلتين مستقلة باقتضاء هذا الأثر ، مع القول بالتولد. فيلزم حصول الأثر ~~الواحد بمؤثرين مستقلين. وذلك محال. لأن ذلك الأثر يستغنى بكل واحد منهما ~~عن كل واحد منهما. وهو محال. # واستدلال المعتزلة على القول بالتولد : انما هو لحسن المدح والذم ، ~~والثواب ، والعقاب. وقد تقدم الجواب عنه فى مسألة خلق الأفعال. PageV01P342 ### ||| * المسألة الرابعة والعشرون ### ||| * فى ### ||| * بيان أنه تعالى مريد لجميع الكائنات # مذهب المعتزلة : ان الإرادة توافق الأمر : فكل ما أمر الله به ، فقد ~~أراده. وكل ما نهى عنه ، فقد كرهه. # ومذهبنا : ان الإرادة توافق العلم. فكل ما علم وقوعه فهو مراد الوقوع ، ~~وكل ما علم عدمه فهو مراد العدم. فعلى هذا ايمان «أبى جهل» مأمور به. وهو ~~غير مراد ، وكفره منهى عنه. وهو مراد. ### ||| ** لنا وجهان : # الحجة الأولى : قد دللنا على أنه تعالى خالق أفعال العباد. وكل من خلق ~~شيئا لا على سبيل الاكراه والالجاء ، فهو مريد لذلك الشيء ، فوجب القطع ~~بأنه تعالى مريد لجميع أفعال العباد. # الحجة الثانية : انه تعالى علم من «أبى جهل» أنه لا يؤمن. وقد بينا أن ~~العلم بعدم الايمان مضاد لوجود الايمان. وعند قيام أحد الضدين كان الضد ~~الثانى ممتنع الوجود لذاته. فاذن ايمان «أبى جهل» ممتنع الحصول مع ذلك ~~العلم. وكل ms237 المعلومات معلوم لله تعالى. فالله تعالى لا بد وأن يكون عالما ~~بامتناع وجود هذا الايمان. ومن كان عالما بكون الشيء ممتنع الوجود ، استحال ~~أن يكون مريدا لوجوده وهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى يمتنع أن يكون مريدا ~~لصدور الايمان عن الكافر. PageV01P343 ### ||| ** وأما المعتزلة. فقد احتجوا على قولهم بوجوه : # الشبهة الأولى : انه تعالى أمر الكافر بالايمان. وكل من أمر بشيء فهو ~~مريد لوجود المأمور به ، فيلزم أن يكون الله تعالى أراد الايمان من الكافر. # الشبهة الثانية : إرادة الكفر والفسق سفه ، والسفه لا يليق بالحكيم. ~~وأيضا : ان من أراد منه الكفر والفسق ، ثم انه يعاقب عليهما ، كان ذلك غاية ~~السفاهة. # الشبهة الثالثة : الطاعة عبارة عن تحصيل مراد المطاع. فلو أراد الله ~~تعالى الكفر من الكافرين ، لكان الكافر مطيعا لله تعالى بكفره. وذلك باطل ~~بالاتفاق. # الشبهة الرابعة : الرضا بقضاء الله تعالى واجب بالاجماع ، فلو كان الكفر ~~بقضاء الله تعالى ، لوجب الرضا بالكفر ، لكن هذا باطل. لأن الرضا بالكفر كفر. # الشبهة الخامسة : لو أراد الله تعالى الكفر من الكافر ، وخلق الكفر فى ~~الكافر ، لكان تكليف الكافر بالايمان تكليف بما لا يطاق. وهذا باطل بالعقل ~~والسمع. # أما العقل : فلأن كل انسان يجد بالضرورة من نفسه ، أنه ان أراد الطاعة ، ~~يمكنه فعلها. فكيف يقال : انه غير متمكن من الطاعة ، مع أنه يجد بالضرورة ~~ثبوت هذه المكنة؟ # أما السمع : فقوله تعالى : ( @QUR@06 وما ذا عليهم لو آمنوا بالله )؟ ~~[النساء 39] ( @QUR@05 فما لهم عن التذكرة معرضين ) [المدثر 49] وكذا القول ~~فى جملة الآيات الدالة على أن الانسان غير عاجز عن الاتيان بالطاعات. PageV01P344 # الشبهة السادسة : التمسك بقوله تعالى : ( @QUR@04 ولا يرضى لعباده الكفر ~~) [الزمر 7] وقوله تعالى : ( @QUR@05 وما الله يريد ظلما للعباد ) [غافر ~~31] وبقوله : ( @QUR@03 ويهدي من يشاء ) (1) [فاطر 8] # * * * # والجواب عن الشبهة الأولى : لا نسلم أن الأمر بالشيء يستدعى إرادة ~~المأمور به. فان النزاع ما وقع الا فيه. # وعن الشبهة الثانية (2) ### |||| ** : أنا سنقيم الدلالة القاطعة ان شاء الله تعالى على أن القبيح لا يقبح الا ~~بالشرع ، وعلى هذا الأصل فانه لا يقبح من الله تعالى ms238 شيء. # وعن الشبهة الثالثة : ان الطاعة موافقة للأمر لا موافقة للارادة. # وعن الشبهة الرابعة : القضاء صفة الله. ونحن راضون بقضاء الله تعالى. أى ~~راضون بصفة الله تعالى ، وأما الكفر فليس هو نفس قضاء الله تعالى ، بل هو ~~مقتضى قضاء الله تعالى ، ولم يدل الدليل على أنه واجب الرضى بكل شيء قضى ~~الله تعالى به. # وعن الشبهة الخامسة : المعارضة بالوجوه الستة التى ذكرناها فى خلق ~~الأفعال. # وعن الشبهة السادسة : ان الرضا والمحبة ، ترك الاعتراض. والكفر والمعاصى. ~~وان كانا بإرادة الله تعالى لكنهما ليستا بمحبة الله تعالى ولا برضاه. PageV01P345 ### ||| * المسألة الخامسة والعشرون ### ||| * فى ### ||| * أن الحسن والقبح يثبتان بالشرع # أهم المهمات فى هذه المسألة : تعيين محل النزاع فنقول : لا نزاع فى أنا ~~نعرف بعقولنا كون بعض الأشياء ملائما لطباعنا ، وبعضها منافرا لطباعنا. فان ~~اللذة وما يؤدى إليها ملائم ، والألم وما يؤدى إليه منافر ، ولا حاجة فى ~~معرفة هذه الملائمة وهذه المنافرة الى الشرع. # وأيضا : نعلم بعقولنا : أن صفة كمال ، والجهل صفة نقص ، وانما النزاع فى ~~أن كون بعض الأفعال متعلق الذم فى الدنيا والعقاب فى الآخرة ، وكون البعض ~~الآخر متعلق المدح فى الدنيا والثواب فى الآخرة. هل هو لأجل صفة عائدة الى ~~الفعل ، أو ليس الأمر كذلك ، بل هو محض حكم الشرع بذلك ، أو حكم أهل ~~المعرفة به؟ # قالت : المعتزلة : المؤثر فى هذه الأحكام : صفات عائدة الى الأفعال. # ومذهبنا : أنه مجرد حكم الشرع. # واذ تنقح محل النزاع. فنقول : الذي يدل على قولنا وجوه : # الحجة الأولى : ان أفعال العباد. اما اضطرارية ، واما اتفاقية. وعلى ~~التقديرين فالقول بالحسن والقبح العقليين باطل. بيان المقدمة الأولى : ان ~~صدور الفعل عند حصول القدرة والداعى. اما أن يكون PageV01P346 # واجبا ، أو لا. فان كان واجبا كان فعل العبد اضطراريا ، لأن حصول القدرة ~~والداعى ليس بالعبد ، والا لزم التسلسل. واذا كان كذلك فعند حصولهما يكون ~~الفعل واجبا ، وعند ما لا يكونان حاصلين كان الفعل ممتنعا ، فكان الاضطرار ~~لازما لا محالة. # وأما ان لم يكن حصول الفعل عند حصول القدرة والداعى واجبا ms239 ، فاما أن ~~يتوقف رجحان الفعل على الترك على مرجح أو لا يتوقف. فان توقف كان حصول ذلك ~~الفعل عند حصول ذلك المرجح واجبا. وإلا عاد الكلام الأول ولزم التسلسل. ~~واذا كان واجبا عاد القول بأن حصول الفعل عند حصول القدرة والداعى اضطرارى. ~~وأما ان لم يتوقف رجحان الفعل على الترك على مرجح ، كان رجحان الفعل ~~اتفاقيا ، بمعنى أنه اتفق حصول هذا الرجحان ، لا لمؤثر أصلا ، فلا يكون ذلك ~~الرجحان من العبد. فثبت : أن أفعال العباد اما اضطرارية واما اتفاقية. واذا ~~كان كذلك وجب أن يكون القول بالحسن والقبح العقلى باطلا. # أما على قولنا فظاهر ، وأما على قول المعتزلة فلأن كل واحدة من هاتين ~~الحالتين ينافى الاختيار ، وعند فقدان الاختيار لا يبقى الحسن والقبح. # فان قيل : فهذا الكلام بتمامه قائم فى الغائب ، فينبغى أن لا يصدر من ~~الله تعالى فعل حسن ولا فعل قبيح. قلنا : قد ذكرنا فى مسألة خلق الأفعال أن ~~صدور الفعل عن القادر ، موقوف على المرجح ، وذلك المرجح هو الإرادة. ~~والإرادة فى حق العبد محدثة ، فافتقرت الى الخالق والموجد ، فكان هذا ~~المعنى لازما فى حق العبد ، بخلاف البارى تعالى ، فان ارادته قديمة أزلية ، ~~فاستغنت عن المؤثر. فلم يلزم الجبر فى حقه. PageV01P347 # الحجة الثانية : لو كان الظلم قبيحا لوجه عائد إليه ، لزم تعليل الحكم ~~الوجودى بالعلة العدمية. وهذا محال فذلك محال. بيان الملازمة : ان القبيح ~~نقيض اللاقبيح واللاقبيح محمول على العدم ، والمحمول على العدم عدم ، فلا ~~قبيح عدم. فوجب أن يكون القبح صفة موجودة. اذا ثبت هذا فنقول : الظلم ماهية ~~مركبة من أمور : منها : كون ذلك الاضرار غير مستحق. ومعلوم أن كونه غير ~~مستحق قيد عدمى ، فاذا عللنا قبح الظلم بكونه ظلما ، وكونه ظلما ماهية ~~مركبة من قيود : أحدها : قيد عدمى ، فحينئذ لم يكن مجموع القيود المعتبرة ~~فى كونه ظلما : أمرا وجوديا. فيلزم تعليل القبح الذي هو صفة موجودة ، ~~بالعدم ، وهو محال. وانما قلنا : ان تعليل ذلك الموجود بالعدم محال ، وذلك ~~لأن العدم نفى محض وسلب صرف ، وايجاد الغير ms240 يعتمد كونه موجودا فى نفسه. ~~واذا لم يكن له ثبوت وتحقق أصلا ، امتنع كونه علة لغيره. # الحجة الثالثة : لو كان قبح الكذب لكونه كذبا ، لوجب أن يقبح كل ما كان ~~كذبا ، وكان يلزم أن يكون الكذب الذي يكون (1) سببا لخلاص الأنبياء والرسل ~~عليهم السلام عند (2) اقدام الظلمة عليهم بالقتل ، وأنواع الايذاء : قبيحا. ~~ومعلوم : أنه ليس كذلك. فدل هذا على أن كونه كذبا ليس علة للقبح. # فان قيل : الكذب فى جميع المواضع قبيح. والواجب فى هذه الصور انما هو ذكر ~~المعاريض. كما قيل : «ان فى المعاريض لمندوحة عن الكذب» وأيضا : لم لا يجوز ~~أن يقال: ان كونه كذبا علة للقبح. الا أن الحكم تخلف عن العلة فى هذه ~~الصورة ، لقيام مانع ومعارض. PageV01P348 # والجواب عن السؤال الأول : انا نفرض أن الكلام فيما اذا لم يكن التعريض ~~كافيا ، كما اذا قال : هل رأيت فلانا فى هذه الساعة؟ وهل تعرف مكانه؟ فان ~~قلت : نعم. طالبك به وقتله لا محالة ، وان قلت : لا. فقد كذبت. # وأما السؤال الثانى : فجوابه : انه لو جاز تخلف القبح عن الكذب لمانع ، ~~فلا كذب الا ويجوز أن يقال له : لعله وجد مانع من الموانع يمنعه من قبحه. ~~وعلى هذا التقدير لا يمكنك الحكم القطعى بقبح شيء من الأكاذيب. أقصى ما فى ~~الباب : أن يكون الحاصل هو الظن. وعند هذا لا يمكنك الحكم بقبح الكذب فى حق ~~الله تعالى. # الحجة الرابعة : لو أن ظالما قال لشخص : انى سأقتلك غدا. فههنا الحسن اما ~~أن يقتله. وهو باطل قطعا. أو أن لا يقتله ، الا أنه اذا لم يقتله صار الخبر ~~بأنه سيقتله غدا : كذبا. فلو كان الكذب قبيحا ، لكان ترك القتل يلزمه ~~القبيح ، وما يلزمه القبيح فهو قبيح ، فكان يجب أن يكون ترك القبيح قبيحا. ~~ولما كان ذلك باطلا ، علمنا : أنه لا يمكن الحكم بقبح الكذب مطلقا. وبالله ~~التوفيق. # شبهة للخصم : انا نعلم ببداهة العقل أن الظلم قبيح ، وأن الاحسان حسن. ~~وهذا العلم غير مستفاد من الشرع. فان من ينكر الشرع ، حصل له ms241 هذا العلم. ~~فدل ذلك على أن هذا مستفاد من العقل. # والجواب : ان هذا (3) الحسن والقبح عبارتان عن رغبة الطبع ونفرته. ولا ~~نزاع فى أن هذا معلوم بالعقل وانما النزاع فى أن كون الفعل متعلق الذم ~~والعقاب ، أو متعلق المدح والثواب. هل هو لأجل صفة قائمة بالفعل؟ وما ~~ذكرتموه لا يدل على ذلك. وتمام الكلام فيه ، مذكور فى كتاب «المحصول فى علم ~~الأصول» والله أعلم. PageV01P349 ### ||| * المسألة السادسة والعشرون ### ||| * فى ### ||| * أنه لا يجوز أن تكون أفعال الله ### ||| * تعالى وأحكامه معللة بعلة البتة # اتفقت المعتزلة : على أن أفعال الله تعالى وأحكامه معللة برعاية مصالح ~~العباد. وهو اختيار أكثر المتأخرين من الفقهاء. وهذا عندنا باطل. ويدل عليه ~~وجوه خمسة : # الحجة الأولى : ان كل من فعل فعلا ، لأجل تحصيل مصلحة ، أو لدفع مفسدة ، ~~فان كان تحصيل تلك المصلحة أولى له من عدم تحصيلها ، كان ذلك الفاعل قد ~~استفاد بذلك الفعل تحصيل تلك الأولوية. وكل من (1) كان كذلك ، كان ناقصا ~~بذاته ، مستكملا بغيره. وهو فى حق الله تعالى محال. وان كان تحصيلها وعدم ~~تحصيلها بالنسبة إليه سيان فمع الاستواء لا يحصل الرجحان ، فامتنع الترجيح. # لا يقال : حصولها ولا حصولها بالنسبة إليه ، وان كانا على التساوى ، الا ~~أن حصولها أولى للعبد من عدم حصولها له ، فلأجل الأولوية العائدة الى العبد ~~ترجح الوجود على العدم. لأنا نقول : تحصيل مصلحة العبد وعدم تحصيلها له اما ~~أن يكونا متساويين بالنسبة الى الله تعالى ، أو لا يستويان. وحينئذ يعود ~~التقسيم المذكور. # الحجة الثانية : لو كانت موجدية الله تعالى معللة بعلة ، لكانت تلك ~~العلة. ان كانت قديمة لزم من قدمها قدم الفعل. وهو محال. وان PageV01P350 # كانت محدثة ، افتقر كونه تعالى موجدا لتلك العلة ، الى علة أخرى. فيلزم ~~التسلسل. وهو محال. وهذا هو المراد من قول مشايخ الأصول «علة كل شيء صنعه ~~(2) ولا علة لصنعه». # الحجة الثالثة : ان جميع الأغراض ، يرجع حاصلها الى شيئين : تحصيل اللذة ~~والسرور ، ودفع الألم والحزن. والله تعالى قادر على تحصيل هذين المطلوبين ~~ابتداء من غير شيء من الوسائط. ms242 وكل من كان قادرا على تحصيل المطلوب ابتداء ~~بدون الواسطة ، ولم يصر تحصيل ذلك المطلوب بتلك الوسائط أسهل عليه من ~~تحصيله ابتداء : كان التوسل الى تحصيل ذلك المطلوب بتلك الواسطة عبثا. وذلك ~~على الله تعالى محال. فثبت : أنه لا يمكن تعليل أفعاله وأحكامه بشيء من ~~العلل والأغراض. # الحجة الرابعة : انه لو وجب أن يكون خلقه وحكمه معللا بغرض ، لكان خلق ~~الله تعالى العالم فى وقت معين دون ما قبله وما بعده ، معللا برعاية مصلحة ~~وغرض. ثم ذلك الغرض وتلك المصلحة اما أن يقال : انه كان حاصلا قبل ذلك ~~الوقت ، وأ ما كان حاصلا قبله. فان كان حاصلا قبله ، كان ما لأجله أوجد ~~الله تعالى العالم فى ذلك الوقت ، حاصلا قبل أن أوجده. فيلزم أن يقال : انه ~~كان موجدا له قبل أن كان موجدا. وذلك محال. وأما ان قلنا بأن ذلك الغرض ~~وتلك المصلحة ما كان حاصلا قبل ذلك الوقت ، وانما حدث فى ذلك الوقت. فنقول ~~: حصول ذلك الغرض فى ذلك الوقت ، اما أن يفتقر الى المحدث أولا يفتقر. فان ~~لم يفتقر فقد حدث الشيء ، لا عن موجد ومحدث. وهو محال. وان افتقر الى ~~المحدث. فان افتقر تخصيص احداث ذلك الغرض بذلك الوقت الى غرض آخر ، عاد ~~التقسيم الأول فيه. ولزم التسلسل. PageV01P351 # وان لم يفتقر البتة الى رعاية غرض آخر ، فحينئذ تكون موجدية الله تعالى ~~وخالقيته ، غنية عن التعليل بالأغراض والمصالح. وهذا هو المطلوب. # واعلم : أن هذه الحجة التى ذكرناها فى اختصاص حدوث العالم بذلك الوقت ~~المعين ، عائدة فى اختصاص كل واحد من الحوادث لوقته المعين. # الحجة الخامسة : قد بينا فى مسألة خلق الأفعال : أنه لا موجد الا الله ~~تعالى ، واذا كان كذلك ، كان الخير والشر والكفر والايمان حاصلا بايجاده ~~وتخليقه وتكوينه. واذا كان الأمر كذلك ، امتنع توقف كونه تعالى خالقا ~~وموجدا على رعاية المصالح والأغراض. # واحتج الخصم على مذهبه : بأنه تعالى عالم بقبح القبائح ، وعالم بكونه ~~غنيا عنه. وكل من كان كذلك ، امتنع أن يكون فاعلا للقبيح. # أما المقدمة الأولى ms243 وهى قولنا : انه عالم بقبح القبائح ، وعالم بكونه ~~غنيا عنه فهذه المقدمة مبنية على ثلاث مقدمات : # احداها : أن القبائح انما تقبح لوجوه عائدة إليها. # وثانيها : انه تعالى منزه عن جميع الحاجات. # وثالثها : انه تعالى عالم بجميع المعلومات واذا ثبتت هذه المقدمات الثلاث ~~، ظهر أنه تعالى غنى عن فعل كل القبائح ، وأنه تعالى عالم بكونه غنيا عنها. # وأما المقدمة الثانية : وهى أن كل من كان غنيا عن القبائح ، وكان عالما ~~بكونه غنيا عنها ، فانه يستحيل أن يفعل القبيح فقد ذكروا فى تقرير هذا ~~طريقين : # الأول : انا ببداهة العقل نعلم أن جهة القبح جهة صرف عن الفعل ، لا جهة ~~دعاء إليه. فاذا حصل العلم بكونه قبيحا ولم يصر هذا PageV01P352 # الصارف معارضا بداعية الشهوة والحاجة ، بقى الصارف خاليا عن معارضة ~~الداعى ، فوجب (3) أن يمتنع الفعل. # الطريق الثانى : هو أنا نثبت هذه المقدمة فى الشاهد ثم نقيس الغائب على ~~الشاهد. أما اثباتها فى الشاهد. فلأنا اذا قلنا لانسان كامل العقل : ان ~~صدقت أعطيناك دينارا ، وان كذبت أعطيناك دينارا. وفرضنا حصول الاستواء بين ~~الصدق والكذب ، فى جميع منافع الدنيا والآخرة ، وفى جميع مضارهما من المدح ~~والذم والثواب والعقاب ، وسهولة التلفظ بتلك اللفظة وصعوبته. فان فى هذه ~~الصورة نعلم بالضرورة : أنه يرجح الصدق على الكذب. وذلك يدل على أن جهة ~~الحسن جهة دعاء وجهة القبح جهة صرف. # واذا ثبت هذا فى الشاهد ، فنقيس عليه الغائب. ونقول : هذا الترجيح لا بد ~~فيه من علة وتلك العلة ليست الا علمه بأن هذا حسن وذاك قبيح. لأنا كلما ~~علمناه قبيحا ، علمنا هذه المرجوحية. وكلما علمناه حسنا علمنا هذه ~~الراجحية. فلما دار العلم بأحدهما مع العلم بالآخر وجودا وعدما ، علمنا : ~~أن العلة فى هذا البعث وفى هذا المنع ، ليس الا العلم بهذه الجهة. واذا كان ~~العلم حاصلا فى حق الله تعالى ، وجب أن يترتب عليه هذا البعث وهذا المنع. # * * * # هذا غاية تقرير كلام المعتزلة فى هذه المسألة. # والجواب : أما المقدمة الأولى من هذا الدليل فهى مبنية على أن الحسن ~~والقبح ms244 ، انما يثبتان لوجوه عائدة الى الفعل. وقد أبطلنا هذه القاعدة. ~~سلمنا : أنه تعالى عالم بقبح القبيح وعالم بكونه غنيا ، فلم قلتم : ان كل ~~من كان كذلك ، فانه لا يفعل القبيح؟ وتقريره. انكم اما أن تقولوا : ان كل ~~من كان كذلك ، فانه يمتنع مع هذه الحالة أن يفعل القبيح ، أو لا تدعو ~~الامتناع العقلى. فان ادعيتم الامتناع العقلى ، لم يكن الله تعالى قادرا ~~مختارا ، لأن الاستغناء والعلم بذلك PageV01P353 # الاستغناء من لوازم ذاته ، وترك القبيح من لوازم هذا الاستغناء. وهذا ~~العلم ولازم اللازم : لازم. فترك القبيح من لوازم الذات المخصوصة. واذا كان ~~كذلك ، كان ترك القبيح أمرا واجبا بالذات ، ممتنع العدم. # واذا كان ترك القبيح أمرا واجبا بالذات ، كان ايصال الثواب الى المستحق ~~أمرا واجبا ، وجوبا بالذات. لأن تركه لما كان قبيحا ممتنعا بالذات ، كان ~~فعله فعلا واجبا بالذات. فحينئذ يلزم أن تكون ذاته تعالى موجبة لحصول ~~الثواب ووصوله الى المستحق ، وأن لا يكون قادرا على الترك أصلا. فاثبات ~~الحكمة على هذا الوجه ، يقدح فى كونه قادرا ، الا أن الحكمة مفرعة على كونه ~~قادرا. والفرع اذا استلزم فساد الأصل كان باطلا ، فلقول بالحكمة يجب أن ~~يكون باطلا على هذا القول. # وأيضا : اذا كان الفعل موقوفا على الداعى ، لزم الجبر ، واذا لزم الجبر ~~كان الله تعالى فاعلا لجميع أفعال العباد ، بواسطة خلق القدرة والداعى ~~الموجب لها. واذا كان كذلك ، امتنع أن يقال : انه تعالى لا يفعل هذه ~~الأفعال. # وأما القسم الثانى : وهو أن تقولوا : ان كونه تعالى غنيا ، مع كونه عالما ~~بكونه غنيا ، لا ينافى فعل القبيح. ولم يكن بين حصول هذا الفعل وحصول ذلك ~~الوصف منافاة ولا معاندة أصلا ، فحينئذ يتعذر الاستدلال بذلك الوصف على أنه ~~تعالى لا يفعل القبيح ، لأن كل ما لم يكن فيه امتناع ، لم يلزم من فرض ~~وجوده محال ولا فساد. # وهذا سؤال صعب على ما ذكروه. والله أعلم بالصواب (4). # * * * # (تم الجزء الأول. ويليه الجزء الثانى وأوله المسألة السابعة والعشرون فى ~~اثبات الجوهر الفرد). PageV01P354 ~~![](https://books.rafed.net/Books/3315_alarbain-02/images/image001.gif) PageV02P001 ### ||| * المسألة السابعة والعشرون ### ||| * فى ms245 ### ||| * إثبات الجوهر الفرد # اعلم : أنا قبل الخوض فى مسألة المعاد ، نفتقر الى اثبات أصلين : # أحدهما : معرفة النفس ، ومعرفة النفس محتاجة الى معرفة (1) الجوهر الفرد. # والأصل الثانى : اثبات الخلاء. ونحن قبل الخوض فى مسألة المعاد ، نذكر ~~هذه المسائل الثلاث : ### ||| ** أما مسألة الجوهر الفرد : # فنقول : لا شك أن هذه الأجسام المحسوسة ، قابلة للانقسامات. وهذه ~~الانقسامات الممكنة. اما أن تكون موجودة بالفعل ، أو لا تكون. وعلى كلا ~~التقديرين. فهى اما أن تكون متناهية أو غير متناهية. فحصل من هذا التقسيم ~~أقسام أربعة. لا مزيد عليها : ### |||| ** الأول : قول من يقول : الجسم المحسوس مركب من أجزاء متناهية. وكل واحد منها غير ~~قابل للقسمة بوجه من الوجوه. وهذا قول أكثر المتكلمين. ### |||| ** والثانى : قول من يقول : الجسم المحسوس مركب من أجزاء غير متناهية بالفعل. وهذا هو ~~القول المنسوب الى «النظام». # والثالث : قول من يقول : هذا الجسم المحسوس واحد فى نفسه ، كما أنه واحد ~~فى الحس ، الا أنه قابل لانقسامات غير متناهية ، PageV02P003 # لا بمعنى أنه يقبل انقسامات غير متناهية دفعة واحدة ، بل بمعنى أن الجسم ~~لا ينتهى فى الصغر الى حد الا ويقبل بعد ذلك الانقسام. وان كل ما يخرج من ~~الانسامات الى الفعل أبدا فهو متناه. كما أنا نقول : انه تعالى قادر على ما ~~لا نهاية له ، لا بمعنى أنه يمكن (2) أن يخلق أشياء لا نهاية لها. فان ذلك ~~محال. بل بمعنى أنه تعالى لا يصل فى الخلق والايجاد ، الى حد ، الا ويمكنه ~~بعد ذلك أن يوجد شيئا آخر. وان كل ما يخرج الى الوجود فانه متناه. وهذا ~~مذهب جمهور الفلاسفة. # الرابع : قول من يقول : الجسم البسيط واحد فى نفسه ، لكنه قابل لانقسامات ~~متناهية. # فهذا هو تفليل المذاهب فى هذا الباب. # * * * ### ||| ** ويدل على أن الجسم مركب من أجزاء متناهية كل واحد منها لا يقبل القسمة بوجه من الوجوه : دلائل : # الحجة الأولى : ان كانت الحركة مركبة من أمور متتالية كل واحد منها لا ~~يقبل القسمة الزمانية بوجه من الوجوه ، كان الجسم مركبا من أمور كل واحد ~~منها لا ms246 يقبل القسمة الزمانية بوجه من الوجوه. والمقدم حق فالتالى مثله. # وانما قلنا : ان الحركة مركبة من أمور متتالية كل واحد منها لا يقبل ~~القسمة الزمانية. وذلك لأن الجسم يشاهد أنه تحرك بعد أن لم يكن متحركا. ~~وهذه الحركة صفة زائدة على ذات الجسم. ثم نقول : هذه الصفة اما أن لا يحصل ~~شيء منها فى الحال ، أو يحصل. فان لم يحصل شيء منها فى الحال ، امتنع أن ~~يصير ماضيا (3) أو مستقبلا. وذلك PageV02P004 # لأن الماضى هو الذي كان حاضرا فى وقت من الأوقات. وقد زال الآن. ~~والمستقبل هو الذي يتوقع أن يحضر فى زمان من الأزمنة الآتية ، وبعد لم ~~يحضر. فلو امتنع أن يكون له حضور بوجه من الوجوه ، لم يكن ماضيا ، ولا ~~مستقبلا ولا حاضرا. وكل ما كان كذلك لم يكن موجودا البتة. فالحركة لا وجود ~~لها البتة. هذا خلف. فثبت : أنه لا بد أن يحضر من الحركة شيء فى الحال. ~~وذلك الحاضر فى الحال ، اما أن يقبل القسمة بحسب الزمان ، أو لا يقبل. فان ~~قبلها افترض فيه جزءان. أحدهما قبل الآخر ، لأن القسمة الزمانية هكذا تكون. ~~وحين ما كان النصف الأول موجودا ، لم يكن النصف الثانى حاضرا وحينما جاء ~~النصف الثانى ، صار النصف الأول فانيا. وحينئذ لا يكون الحاضر الموجود ~~حاضرا موجودا ، بل الحاضر الموجود منه نصفه. ثم يعيد التقسيم الأول فى ذلك النصف. # والحاصل : أن كل ما كان منقسما بحسب القسمة الزمانية ، لم يكن مجموعه ~~موجودا ، وما كان مجموعا حاضرا وجب أن لا يكون منقسما بحسب القسمة ~~الزمانية. فثبت : أن الحاضر من الحركة والحاصل منها فى الحال ، غير قابل ~~للقسمة الزمانية. # اذا ثبت هذا فنقول : اذا انقضى ذلك الجزء حصل عقيب انقضائه شيء آخر ، وهو ~~أيضا حاضر. فوجب أن لا يكون هو أيضا منقسما. وهكذا القول فى جميع الأجزاء ~~الواقعة فى تلك الحركة الى آخرها. فثبت بهذا البرهان القاطع القاهر : أن ~~الحركة مركبة من أمور متتالية كل واحد منها غير قابل للقسمة البتة. واذا ~~ثبت هذا قلنا : وجب أن ms247 يكون الجسم أيضا كذلك. لأن القدر الذي يقطع من ~~المسافة بالجزء الذي لا يتجزأ من الحركة. ان كان منقسما كانت الحركة الى ~~نصفها نصف الحركة الى آخرها. وحينئذ يكون ذلك الجزء من الحركة منقسما. PageV02P005 # وقد فرضنا أنه غير منقسم. هذا خلف. وان لم يكن منقسما فهو المطلوب. # ولما كانت الحركة مركبة من أجزاء متتالية. كل واحد منها غير قابلة للقسمة ~~، وثبت أن هذا القدر المقطوع بكل واحد منهما من المسافة غير منقسم ، وجب أن ~~تكون المسافة مركبة من أجزاء متلاصقة. كل واحد منها غير قابل للقسمة. وهو ~~المقصود. # الحجة الثانية : الزمان مركب من آنات متتالية ، فوجب أن يكون الجسم مركبا ~~من نقط متشافعة. # بيان المقدمة الأولى من وجهين : # الأول : ان الزمان كم. وهو اما كم منفصل ، أو متصل. لا جائز أن يكون كما ~~متصلا. لأن الماضى معدوم والمستقبل معدوم. والآن طرف ، فيلزم أن يكون أحد ~~المعدومين متصلا بالمعدوم الآخر بطرف موجود. وهو محال. فاذن هو كم منفصل. ~~فيكون مركبا عن وحدات متعاقبة. وهو المقصود. # الثانى : ان الآن الحاضر غير منقسم ، والا لم يكن حاضرا. واذا ثبت هذا ، ~~فعدمه يقع أيضا دفعة واحدة ، فيكون عدمه حاصلا عقيب وجوده. وكذا القول فى ~~الثانى. وهذا يقتضي تعاقب الآنات. واذا ثبت أن الزمان مركب من الآنات ~~المتتالية ، وجب أن يكون الجسم مركبا من نقطة متشافعة ، للتقريب المذكور فى ~~الطريقة الأولى. # الحجة الثالثة : النقطة شيء موجود ، مشار إليها. وهى لا تنقسم ومتى كان ~~الأمر كذلك ، كان القول بالجوهر الفرد لازما. أما قولنا : النقطة شيء موجود ~~، مشار إليها. وهى لا تنقسم. فهذا لا يتم الا ببيان أمور : # الأول : ان النقطة شيء موجود. وهذا متفق عليه. الا أنا نقول : PageV02P006 # الدليل عليه : أن الخط متناه بالفعل. واذا كان متناهيا بالفعل ، كانت ~~نهايته موجودة بالفعل. ولا معنى للنقطة الا نهاية الخط. فثبت : أن النقطة ~~موجودة بالفعل. # فان قيل : نهاية الشيء عبارة عن انقطاعه ، وانقطاع الشيء عبارة عن أنه ~~فنى وما بقى منه شيء البتة. وعدم الشيء كيف يكون أمرا ms248 موجودا؟ # قلنا : نحن نعلم بالضرورة أن المقدارين اذا تماسا ، فانهما يتماسان ~~بطرفيهما ، فلو كان طرف الشيء نفس العدم ، لكان معنى المماسة ، هو أن عدم ~~هذا مماس لعدم ذاك. وهذا غير معقول. فعلمنا : أن طرف الشيء يستحيل أن يكون ~~نفس العدم. # وأما المطلوب الثانى وهو أن النقطة شيء مشار إليه فذلك ظاهر ، لأنه ~~يمكننا أن نشير بالحس الى طرف الخط. # وأما المطلوب الثالث وهو ان النقطة غير قابلة للقسمة فالذى يدل عليه : ~~أنها لو انقسمت لافترض فيها جزءان ، وحينئذ يكون طرف الخط ، هو القسم ~~الثانى فقط ، وحينئذ لا يكون الطرف طرفا. هذا خلف. # فالحاصل : أن كل ما كان منقسما ، لم يكن كله طرفا ، وكل ما كان كله طرفا ~~، لم يكن منقسما. والنقطة عبارة عن نفس الطرف ، فوجب أن لا تكون منقسمة ~~ولما ثبت بالبرهان هذه المطالب الثلاثة ظهر أن النقطة موجودة مشار إليها ، ~~غير منقسمة. # واذا ثبت هذا ، فنقول : هذا الشيء اما أن يكون جوهرا ، واما أن يكون ~~عرضا. لا جائز أن يكون عرضا. والا لافتقر الى محل. ومحله ان كان منقسما لزم ~~انقسامه بانقسام محله. وذلك محال. وان لم يكن منقسما عاد التقسيم فيه. وهو ~~أنه اما أن يكون جوهرا أو عرضا. ويلزم PageV02P007 # اما التسلسل وهو محال أو الانتهاء الى (4) جوهر غير قابل للقسمة وهو ~~المطلوب # الحجة الرابعة : اذا فرضنا خطا قائما على خط ، ثم أن الخط القادم انتقل ~~من أحد جانبى الخط الثانى الى الجانب الآخر. فهذا الخط المتحرك صار بجميع ~~الأجزاء المفترضة فيه ممسوس طرف الخط المتحرك وطرف الخط المتحرك نقطة ، ~~وممسوس النقطة نقطة. فالخط المتحرك عليه ، وجب أن يكون مركبا من النقط التى ~~كل واحد منها غير قابل للقسمة. ولا معنى لقولنا الجسم مركب من الأجزاء التى ~~لا تتجزى الا ذلك. # الحجة الخامسة : اذا وضعنا كرة حقيقية على سطح حقيقى ، فموضع المماسة اما ~~أن يكون منقسما أو لا يكون. والأول باطل. والا لكان ذلك الموضع من الكرة ، ~~منطبقا على السطح المستقيم ، والمنطبق على المستقيم مستقيم. فذلك الموضع ms249 من ~~الكرة مستقيم. فاذا تدحرجت الكرة. فالموضع الثانى من مواضع المماسة يكون ~~أيضا مستقيما. ثم ان موضع المماسة الثانية لا شك أنه منطبق متصل بموضع ~~المماسة الأولى. فان كان ذلك الاتصال على الاستقامة ، صارت الكرة سطحا ~~مستويا. وان كان لا على الاستقامة ، بل على الزاوية ، صارت الكرة مضلعة. ~~هذا خلف. # فثبت : أن موضع المماسة من الكرة شيء غير (5) قابل للقسمة. واذا تدحرجت ~~الكرة حتى تمت الدائرة ، كانت تلك الدائرة مركبة من مواضع المماسات ، وتلك ~~المواضع نقط غير مستقيمة ، فحينئذ حصلت تلك الدائرة خطا مركبا من النقط ~~المتلاصقة. وذلك هو المطلوب. # الحجة السادسة : لو كان الجسم قابلا لانقسامات لا نهاية لها ، لكان مركبا ~~من أجزاء لا نهاية لها بالفعل. وهذا محال ، فذلك محال. PageV02P008 ### ||| ** بيان المقام الأول من وجهين : # الأول : أن كل موضع اختص بخاصية لا تحصل فى سائر المواضع ، كان ذلك ~~الموضع متميزا بالفعل عن سائر المواضع. وكل نقطة يمكن فرضها فى خط ، فان ~~تلك النقطة مختصة بخاصية ممتنعة الحصول فى سائر النقط ، فيلزم أن تكون كل ~~واحدة من النقط التى يمكن فرضها فى الخط ، ان تكون حاصلة بالفعل. # وجميع مقدمات هذه الحجة جلية ، الا قولنا : ان كل واحدة من النقط التى ~~يمكن فرضها فى الخط ، فانها تختص بخاصية لا توجد فى سائر النقط التى يمكن فرضها. # والدليل عليه : ان كل خط فان مقطع النصف منه موضع معين ، ويستحيل أن يكون ~~غير تلك النقطة موضع النصف. وكذا القول فى مقطع الثلث ومقطع الربع. فانك ان ~~زدت على مقطع الثلث شيئا ، أو نقصت منه شيئا ، لم يكن ذلك مقطع الثلث بل ~~مقطعا آخر ، وكذا القول فى جميع المقاطع التى لا نهاية لها. فان لكل واحد ~~منها موضعا ، لا يمكن أن يزاد عليه أو ينقص منه. فثبت : أن كل نقطة يمكن ~~فرضها فى هذا الخط ، فانها مختصة بخاصية يمتنع حصولها فى سائر النقط ~~الممكنة الفرض فى هذا الخط. فثبت : أنه لو كان الخط قابلا لانقسامات لا ~~نهاية لها ، لكانت تلك الانقسامات حاصلة فيه ms250 بالفعل. # الوجه الثانى فى تقرير هذه المقدمة : انا اذا أشرنا الى جسم بسيط ، فان ~~صريح العقل يشهد بأن هذا النصف منه مغاير للنصف الآخر منه. # اذا عرفت هذا ، فنقول : هذان النصفان قبل اشارتنا إليهما. اما أن يقال : ~~كانا موجودين (أو كانا موجودين ، فان كانا موجودين (6)) PageV02P009 # فهما كانا اثنين. وهذان الجزءان ، كانا موجودين بالفعل. # ثم ننقل الكلام الى نصف كل واحد من ذينك النصفين. الى آخر الانقسامات ~~الممكنة. # فيلزم أن يقال : ان بحسب الانقسامات الممكنة يحصل فى الجسم أجزاء بالفعل. ~~وهو المطلوب. وأما أن قلنا بأن هذين الجزءين اللذين نشير إليهما ما كانا ~~موجودين قبل اشارتنا إليهما ، بل هذان الجسمان انما حدثا عند اشارتنا ~~إليهما ، فيلزم أن يقال بأن ذلك الجسم الذي كان قبل اشارتنا إليه واحدا ، ~~صار ثانيا عند هذه الاشارة. وحدث عند هذه الاشارة هذان النصفان. # وهذا يقتضي أن يقال : الأجسام توجد وتعدم ، بحسب تغير أحوال الاشارات. ~~وهذا يقتضي أن هذا السموات والأرضين والجبال والبحار ، تعدم وتوجد فى كل ~~يوم ألف ألف مرة ، بحسب اشارات المشيرين وتوهمات المتوهمين. ومعلوم أن هذا ~~لا يليق بالعقلاء. فثبت بما ذكرناه : أن كل شيء يقبل الانقسام ، فان تلك ~~الانقسامات كانت موجودة فيه بالفعل قبل التقسيم. فظهر : أن التقسيم عبارة ~~عن تفريق المتجاورين ، كما يقوله المتكلمون. فثبت : أن الجسم لو كان قابلا ~~لانقسامات لا نهاية لها ، لكانت تلك الأجزاء التى لا نهاية لها ، موجودة ~~فيه بالفعل. # وأما المقدمة الثانية وهى قولنا : هذه الأجسام المتناهية فى المقدار ، ~~يمتنع أن تكون مركبة من أجزاء غير متناهية فى العدد فيدل عليه وجوه : # الأول : ان زيادة العدد اما أن توجب زيادة المقدار ، أو لا توجب. فان ~~أوجبت لم يكن تألفها سببا لازدياد المقدار ، فلم تكن المقادير حاصلة PageV02P010 # فيها البتة. هذا خلف. وأما ان كان ازدياد العدد موجبا ، لازدياد المقدار ~~، كانت نسبة العدد الى المقدار ، كنسبة العدد الى العدد. وكما أن بعضها ~~أزيد من البعض فى المقدار ، وجب أن يكون بعضها أزيد من البعض فى العدد. ~~والعدد الناقص متناه ms251 ، والزائد زائد على الناقص بقدر متناه ، فيكون زائدا ~~على عدده بعدد متناه ، فيكون عدد الزائد متناهيا. وقد فرضناه غير متناه. ~~هذا خلف. # والثانى : ان المسافة لو كانت مركبة من أجزاء غير متناهية ، لكان لا يمكن ~~الوصول من أولها الى آخرها ، الا بعد الوصول الى نصفها. ولا يمكن الوصول ~~الى نصفها الا بعد الوصول الى ربعها. فلو كانت أجزاء غير متناهية ، لامتنع ~~الوصول من أولها الى آخرها فى مدة متناهية. ولما لم يكن ذلك ممتنعا ، علمنا ~~: أن المقاطع الحاصلة فى المسافة متناهية. # الثالث : لو كانت المقاطع الحاصلة فى المسافة غير متناهية ، لامتنع أن ~~يصل السريع الى البطيء. ولك لأنه اذا ابتدأ البطيء ثم ابتدأ السريع بعده. ~~فان وصل السريع الى الموضع الذي وصل إليه البطيء ، يكون البطيء قد قطع بعض ~~الأجزاء. والى أن يصل السريع أيضا الى ذلك الموضع الثانى ، يكون قد وصل ~~البطيء الى موضع ثالث. فلو حصل فى الجسم مقاطع غير متناهية ، لكان كلما وصل ~~السريع الى موضع ، يكون البطيء قد تعداه. وكان يجب أن لا يصل السريع الى ~~البطيء. وحيث يصل إليه ، عملنا : أن المقاطع الحاصلة فى المسافة ، متناهية. # أما الفلاسفة : فقد أدعوا أولا : أن القسمة الوهمية غير متناهية. واحتجوا ~~عليه بوجوه : PageV02P011 # الحجة الأولى : ان كل ما كان متحيزا ، مختصا بجهة ، فان يمينه غير يساره ~~، وقدامه غير خلفه ، وفوقه غير تحته. وكل ما كان كذلك ، فهو مركب من هذه ~~الجوانب الستة ، فلا يكون فردا ، بل يكون منقسما. وربما عبروا عن هذا ~~الكلام بعبارة أخرى. وهى : انا لو فرضنا خطا مركبا من ثلاثة جواهر متماسة ، ~~فالوسط يلاقى ما على يمينه بعين ما يلاقى ما على يساره أو بغيره؟ والأول ~~باطل ، والا لكان كل واحد من الطرفين. ملاقيا كلية ذات الوسط. وهذا لا يكون ~~ملاقاة بل يكون مداخلة ، فحينئذ يكون كل واحد من الطرفين مداخلا بكليته فى ~~كلية ذات الوسط. وعلى هذا التقدير لا يكون مجموع الأجزاء الثلاثة أزيد فى ~~المقدار من الجزء الواحد. وحينئذ لا يكون تألف هذه الأجزاء ms252 سببا لازدياد ~~القدر والحجم ، ولا تكون الأعظام متألفة من تركبها. وكل ذلك باطل. ولما بطل ~~هذا القسم ثبت أن الوسط شيء يماس ما على يمينه بغير الجانب الذي به يماس ما ~~على يساره. واذا كان كذلك كان الجوهر الفرد منقسما. # الحجة الثانية لهم : انا اذا فرضنا سطحا مركبا من جواهر لا تتجزى فاذا ~~وقع الضوء على أحد وجهى ذلك السطح ، صار ذلك الوجه مضيئا والوجه الآخر منه ~~لا يصير مضيئا. والمضىء مغاير لما ليس بمضيء. فكل واحد من تلك الجواهر التى ~~منها تركب ذلك السطح ، يكون أحد وجهيه مضيئا ، والآخر غير مضىء ، فيكون كل ~~واحد منهما منقسما. # الحجة الثالثة لهم : إنا اذا ركبنا خطا من ثلاثة أجزاء متماسة ، ووضعنا ~~على طرفى هذا الخط جزءين. فعلى هذا التقدير بقى ما فوق الجزء (7) الوسطانى ~~خاليا. فاذا فرضنا أن الجوهرين الموضوعين PageV02P012 # على طرفى الخط ، تحركا الى الوسط ، لزم أن يصير كل واحد منهما مماسا لنصف ~~الجوهر الوسطانى. وذلك يوجب القسمة. # ولا يقال : ما الدليل على أن حركتهما ممكنة فى هذه الصورة؟ لأنا نقول : ~~الجزءان ، كل واحد منهما قابل للحركة. وما فوق الجزء الوسطانى فارغ. واذا ~~كان الشيء قابلا للحركة ، وكان المتحرك إليه فارغا ، كانت الحركة ممكنة قطعا. # الحجة الرابعة لهم : انا اذا فرضنا خطا مركبا من أربعة أجزاء ، ووضعنا ~~فوق طرفه الأيمن جزءا ، وتحت طرفه الأيسر جزءا آخر ، وفرضنا أن هذين ~~الجزءين ، ابتدءا بالحركة معا ، وانتهيا معا. فمن الضرورة : أن كل واحد ~~منهما لما مر بالآخر ، فقد تحاذيا. والمحاذاة لا تحصل الا عند وقوع كل واحد ~~منهما على متصل الثانى والثالث. ومتى كان الأمر كذلك ، كانت القسمة لازمة. # الحجة الخامسة لهم : نفرض مربعا مركبا من خطوط أربعة متماسة ، وكل واحد ~~من تلك الخطوط يكون مركبا من أربعة أجزاء متماسة ، فيكون هذا المربع مركبا ~~من ستة عشر جزءا ، وقطره وهو الخط المركب من الجزء الأول من الخط الأول ، ~~والثانى من الثانى ، والثالث من الثالث ، والرابع من الرابع. فهذه الأجزاء ~~اما أن تكون متلاقية أو ms253 غير متلاقية. فان كانت متلاقية ، لزم أن يكون القطر ~~مساويا للضلع. وهو محال. وان كانت غير متلاقية ، فكل واحد من تلك الفرج ، ~~اما أن يكون بحيث يتسع لجزء لا يتجزأ واما أن يكون أقل من ذلك. والأول ~~يقتضي أن يكون القطر فى مقدار سبعة جزاء. والضلعان أيضا كذلك. فيكون القطر ~~مساويا لمجموع الضلعين. وذلك محال. وأما ان كانت كل واحدة من تلك الفرج أقل ~~من الجوهر الفرد ، لزمته القسمة. PageV02P013 # الحجة السادسة لهم : اذا غرزنا خشبة فى الأرض ، فعند طلوع الشمس يقع لها ~~ظل طويل ، ثم كلما ازادات الشمس ارتفاعا ، ازداد ذلك الظل انتقاصا. فإذا ~~فرضنا أن الشمس ارتفعت بمقدار جوهر فرد ، فاما أن لا ينتقص البتة من الظل ~~شيء ، أو ينتقص. والأول باطل. اذ لو عقل أن ترتفع الشمس جوهرا فردا ، ولا ~~ينتقص من الظل شيء ، جاز أن ترتفع ثانيا وثالثا ولا ينتقص من الظل شيء ، ~~حتى تصل الشمس الى وسط السماء ، ويبقى الظل كما كان. وهو محال. واما أن ~~ينتقص من الظل شيء. فاما أن يقال : كل ما ارتفعت الشمس جزءا واحدا ، ينتقص ~~من الظل جزء واحد. فحينئذ يلزم أن يكون طول الظل مثل مدار ربع الفلك. وهو ~~محال. أو يقال : كل ما ارتفعت الشمس جزءا ، ينتقص من الظل أقل من جزء. وذلك ~~يوجب الانقسام. # الحجة السابعة لهم : اذا استدار الفلك استدارة منطقية استدارات جميع ~~الدوائر الموازية لتلك المنطقة. # اذا عرفت هذا فنقول : اذا تحركت المنطقة جزءا ، فالدائرة الصغيرة القريبة ~~من القطب الموازية للمنطقة ، ان تحركت أيضا جزءا ، لزم أن يكون مدار تلك ~~الدائرة الصغيرة مساويا لمقدار المنطقة. هذا خلف. وان لم تتحرك البتة ، ~~فحينئذ يلزم وقوع التفكك فى أجزاء الفلك. وذلك باطل. أما الأول : فلأن ~~الدلائل الفلسفية قائمة على أن أجرام الفلك لا تقبل الانخراق والتفكيك. ~~وأما ثانيا : فلأن القرآن وصفها بكونها سبعا شدادا. وذلك ينافى وقوع ~~التفكيك فيها. فلم يبق الا أن يقال : مهما تحركت المنطقة جزءا ، تحركت تلك ~~الدائرة الصغيرة أقل من جزء وهو المطلوب. وهذا ms254 الكلام قد يفرضونه فى حركة ~~الرحى. ويلزمون عليه : تفكك أجزاء الرحى. والمتكلمون يلتزمونه. ويقولون : ~~إنه سبحانه وتعالى فاعل مختار ، فهو يفكك أجزاء الرحى حال استدارتها ، ثم ~~يعيد التأليف والتركيب إليها حال وقوفها. PageV02P014 ### |||| ** والفلاسفة يدفعون هذا من وجهين : # الأول : الاستبعاد. # والثانى : ان الانسان لو ألصق عقبه بالأرض وأدار نفسه ، فحينئذ يلزم أن ~~تتفكك أجزاء بدن الانسان فى تلك الحالة. ومن المعلوم أن الانسان يعلم ~~بالضرورة أنه فى هذه الحالة بقيت أجزاء بدنه متلاصقة كما كانت قبل ذلك. ~~فبطل القول بالتفكيك. # الحجة الثامنة لهم : اذا فرضنا مربعا متساوى الأضلاع بحيث يكون كل واحد ~~من أجزائه (8) عشرة ، لزم أن يكون قطره جذر مائتين ، ببرهان شكل العروس. ~~ولكن ليس للمائتين جذر صحيح. فعلمنا : أن القول بالقسمة لازمة لهم. # الحجة التاسعة لهم : بطء الحركة ليس لتخلل السكنات. ومتى كان الأمر كذلك ~~، كان الجسم قابلا للقسمة أبدا : بيان الأول : انا نفرض فرسا جوادا شديد ~~العدو ، بحيث يعدو من أول النهار الى وقت الظهر ، خمسين فرسخا. فهذه الحركة ~~مع أنها فى غاية السرعة أبطأ من الحركة اليومية. فان الشمس تحركت من أول ~~اليوم الى وقت الظهر ، ربع الفلك الأعظم. # اذا ثبت هذا فنقول : لو كان البطء لأجل تخلل السكنات ، يلزم أن تكون نسبة ~~سكنات هذا الفرس المذكور الى حركاته كنسبة زيادة حركات الفلك الأعظم الى ~~حركات الفرس ، لكن حركات الفلك أزيد من حركات هذا الفرس ألف ألف مرة ، ~~فيلزم أن يقال : سكنات هذا الفرس أزيد من حركاته ألف ألف مرة. ولو كان ~~الأمر كذلك ، لما ظهرت تلك الحركات القليلة ، فيما بين تلك السكنات الكثيرة ~~، لكن الأمر PageV02P015 # بالضد. فانا لا نشاهد فى حركات الفرس المذكور شيئا من السكنات. فعلمنا : ~~أنه ليس بطء الحركات لأجل تخلل السكنات. # اذا ثبت هذا فنقول : يلزم أن يكون الجسم قابلا أبدا للقسمة ، لأنه لو كان ~~مركبا من الأجزاء التى لا تتجزى ، فلنفرض زمانا قطعت الحركة السريعة فيه ~~جزءا لا يتجزأ. ففى ذلك الزمان ان قطع البطيء أيضا جزءا ، كان البطيء مثل ~~السريع فى ms255 السرعة والبطء. وهذا خلف ، وان قطع البطيء أقل من جزء ، لزم ~~انقسام الجوهر الفرد. وهو المطلوب. # الحجة العاشرة لهم : كل متحيز فهو متناه ، وكل متناه فانه يحيط به حدا ~~وحدود. فان (9) أحاط به حد واحد فهو الكرة ، واذا تلاصقت الكرات حصلت فيما ~~بينها فرج ، بحيث يكون كل واحد من تلك الفرج أصغر من كل واحدة من تلك ~~الكرات ، فقد وجد شيء أصغر من الجوهر الفرد ، فينقسم الجوهر الفرد ، وان ~~أحاط به حدود مختلفة فهو المضلعات كالمثلث والمربع ، وكل ما كان كذلك ، فان ~~جانب الزاوية منه أصغر من جانب الضلع ، وكل ما وقع التفاوت بالصغر والكبر ~~فى أجزائه وجوانبه ، كان قابلا للانقسام. فالجوهر الفرد قابل للانقسام. ~~فثبت : أن الجوهر الفرد الذي يقول به المتكلمون لا بد أن يكون منقسما ، على ~~جميع التقديرات. # ولنقتصر من دلائل نفاة الجوهر الفرد على هذه الوجوه العشرة. فان لنا ~~كتابا منفردا فى هذه المسألة. ومن أراد الاستقصاء فيها ، فليطالع ذلك ~~الكتاب. # واعلم : أنا نجيب عن جميع هذه الشبه بجواب واحد ، ونحيل بالأجوبة المفصلة ~~على ذلك الكتاب. فنقول : ان جميع هذه الوجوه PageV02P016 # مشتركة فى شيء واحد ، وهو أنه قد اختص أحد جانبى الجزء بخاصية لا تحصل فى ~~الجانب الآخر منه ، ولكن هذا المعنى يوجب حصول انقسامات غير متناهية ~~بالفعل. والفلاسفة لا يقولون بهذا المعنى. وما هو نتيجة هذه الشبه لا ~~يقولون به ، وما يقولون به فهو الانقسام بالقوة فقط. لا نتيجة هذه الوجوه. ~~فثبت : سقوط هذه الوجوه بأسرها. # وأما الأجوبة المفصلة فهى مذكورة فى الكتاب الذي صنفناه فى هذه المسألة ~~وبالله التوفيق. PageV02P017 ### ||| * المسألة الثامنة والعشرون ### ||| * فى ### ||| * حقيقة النفس # اعلم : أن مرادنا من لفظة النفس ، هو الشيء الذي يشير إليه كل انسان ~~بقوله «أنا» حين (1) يقول : أنا فعلت ، وأنا أدركت. # اذا عرفت هذا ، فنقول : العقلاء اختلفوا فى حقيقة النفس. وضبط تلك ~~المذاهب أن يقال : الذي يشير إليه كل واحد بقوله «أنا» اما أن يكون جسما أو ~~جسمانيا ، أو لا جسما ولا جسمانيا ، أو يكون مركبا من هذه الأقسام ms256 تركيبا ~~ثنائيا أو ثلاثيا. فان كان جسما. فذلك الجسم اما أن يكون هو هذا الهيكل ~~المحسوس ، أو جسم حاصل فى داخله. والقول الأول : هو اختيار طائفة عظيمة من ~~المتكلمين ، الا أنه ضعيف. ويدل على ضعفه وجهان : # الأول : انى أعلم ببداهة عقلى ، أنى الآن هو (2) الذي كنت موجودا قبل هذا ~~اليوم بعشرين سنة. وهذا الهيكل المحسوس الموجود ليس هو الذي كان موجودا قبل ~~ذلك بعشرين سنة (3). لأن أجزاء هذا الهيكل متبدلة تارة بالسمن والهزال ، ~~وتارة بسائر أنواع التحللات من العرق وانفصال الفضلات من الدماميل وغيرها. ~~ولأنه محتاج PageV02P018 # والذين قالوا بأن الروح جسم مخالف بالماهية والحقيقة لهذا الجسم المحسوس ~~الذي هو جسد الانسان. استدلوا على رأيهم بآيات قرآنية وأحاديث آحاد وحكايات ~~خرافية وحكايات منامية. منها قول ابن القيم : «كان سماك بن حرب قد ذهب بصره ~~، فرأى ابراهيم الخليل فى المنام ، فمسح على عينيه ، وقال : اذهب الى ~~الفرات ، فتنغمس فيه ثلاثا. ففعل. فأبصر» ا. ه أما الحكايات فنترك الحديث ~~فى ردها ونقدها. لأن الحكايات ليست بحجة معتبرة لا عند الموافق ولا عند ~~المخالف. وأما الأحاديث فانها قد خرجت من الأدلة ، لكونها آحادا. # وأما الأدلة القرآنية. فاننا نذكرها ، ونبين خطأ المستدل بها. استدل ابن ~~القيم : فى روحه بما يلى : # الدليل الأول : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها. والتي لم تمت في منامها. ~~فيمسك التي قضى عليها الموت ، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ) فانه أخبر ~~بتوفيها وامساكها وارسالها. # الرد عليه : هو أخبر. ولكن لم يخبر بأنها فى حالة التوقى والامساك ~~والارسال تكون منفصلة عن الجسد. # ومعنى التوفى. اما أن يكون بمعنى معرفها حقها من الأجر ، واما أن يكون ~~بمعنى الموت. ولأنه قال حين موتها أى غاير بين الوفاة والموت ، يكون المعنى ~~المراد : انى معرفها حقها من الأجر ، وفى يوم القيامة تناله ، وعبر بالوفاة ~~فى الدنيا ، مع أن التوفية فى القيامة لتحقق وعد الله ووعيده. والتى لم تمت ~~فى منامها يكتب فى صحيفتها PageV02P019 # هذا معنى. وفى الآية معنى آخر. وهو : ( الله يتوفى الأنفس ) كلها. أى ~~يميت جميع ms257 الناس. وعبر عن الناس بالأنفس. وهذه التوفية أى الموت على نوعين ~~: النوع الأول : حال موت الانسان ودخوله القبر. وهذا النوع مشار إليه بقوله ~~( حين موتها ) والنوع الثانى : هو على سؤال مقدر. تقديره : ومن الذي سيميت ~~الانسان الذي هو الآن جى ، لم يمت بعد. وله فى الدنيا طول البقاء؟ وأجاب ~~بقوله : ( والتي لم تمت في منامها ) أى الله وحده هو أيضا الذي سميت الناس ~~الذين لم يموتوا بعد. وعبر ب ( منامها ) عن أنهم لم يموتوا بعد. لأن النوم ~~يدل على استمرار الحياة وان كان شبيها بالموت. ثم قال : أما التى قضيت ~~عليها الموت فانى أمسكها عن التصرف فى الأجساد. وأما التى لها طول بقاء ~~فانى أتركها الى أجلها. وعبر بالامساك عن الحفظ وعبر بالارسال عن التصرف مع ~~أنه عز وجل لا يمسك شيئا بيده الجارحة لأنه ليس جسما وخاطبنا الله بهذه ~~الألفاظ ليقرب المعانى الى عقولنا. وهذا المعنى الآخر هو الصحيح. والله أعلم. # وأيا ما كان المعنى. فان آية : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها ) لا تثبت ~~انفصال الروح عن الجسد لأنه جاءت فى القرآن آيات تدل على أن النفس هى مجموع ~~الروح والجسد. منها : ( ووفيت كل نفس PageV02P020 # فأنت ترى مما تقدم : أن النفس المقتولة هى الجسد والروح. والنفس التى ~~ستجد عملها هى الجسد والروح. والنفس التى تكلف هى الجسد والروح. والنفس ~~التى ستأتى معها سائق وشهيد هى الجسد والروح. فاذا قال الله انه يتوفى ~~الأنفس لا يقصد نفسا غير الجسد. بل يقصد الجسد والروح معا ، لأنهما معا ، ~~مثلهما مثل المقعد والأعمى اللذان تعاونا على افساد ثمر البستان. # الدليل الثانى : ( «ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ). ( والملائكة ~~باسطوا أيديهم. أخرجوا أنفسكم. اليوم تجزون عذاب الهون» ) الى قوله تعالى : ~~( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ) وفيها أربعة أدلة : 1 بسط ~~الملائكة أيديهم لتناولها. 2 وصفها بالاخراج والخروج 3 الاخبار عن عذابها ~~فى ذلك اليوم 4 الاخبار عن مجيئها الى ربها. # الرد عليه : ان قوله : ( أخرجوا أنفسكم ) نص متشابه يحتمل معنيين. أولهما ms258 ~~: اخراج الجسد والروح معا من هذه المشقة. ومثل ذلك ما لوقع انسان فى بحر ~~وأدركه الغرق ، وصاح عليه انسان وقال له : أخرج نفسك من الماء. وثانيهما : ~~اخراج الروح وحدها من الجسد. وعلى المعنى الأول يكون بسط اليد كناية عن ~~استعدادهم لتوفية أجره وختم صحيفة أعماله. وعلى المعنى الثانى يكون بسط PageV02P021 # الدليل الثالث : قوله تعالى : ( «وهو الذي يتوفاكم بالليل ). ( ويعلم ما ~~جرحتم بالنهار. ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ، ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم ~~بما كنتم تعملون وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة ، حتى إذا جاء ~~أحدكم الموت ، توفته رسلنا وهم لا يفرطون. ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق» ) ~~فقد أخبر بتوفى الأنفس بالليل ، وببعثها الى أجسادها بالنهار ، وبتوفى ~~الملائكة لها عند الموت. # الرد عليه : ليس فى الآيات ذكر للنفس. ولكنه فهم أن المراد منها النفس من ~~شبهها بآية ( الله يتوفى الأنفس حين موتها ) والذي قلناه فيها يصح أن يقال ~~فى هذه الآيات. مع أن هذه الآيات لا تخاطب النفس فقط ، بل تخاطب الانسان ~~بجسده وروحه. فمرجع الانسان الى الله لينبئه بأعماله هو للجسد وللروح. ورد ~~الناس الى الله مولاهم الحق ، ليس بأرواحهم فقط. # الدليل الرابع : قوله تعالى : ( يا أيتها النفس المطمئنة. ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية. فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) فقد وصفها بالرجوع والدخول ~~والرضا. واختلف السلف هل يقال لها ذلك عند الموت أو عند البعث أو فى ~~الموضعين؟ على ثلاثة أقوال. PageV02P022 # الرد عليه : النفس المطمئنة هى الانسان المطمئن بما قدره الله تعالى وما ~~أجراه عليه فى الدنيا ، أى المستسلم لأمره ، المطمئن بعدله ورحمته. وليست ~~النفس هى الروح وحدها ، حالة كونها منفصلة عن الجسد. ألا ترى أن قوله تعالى ~~: ( فسلموا على أنفسكم ) لا يدل على سلام على النفس وحدها وهى منفصلة عن ~~الجسد. فكذلك النفس المطمئنة. ثم اختلاف السلف كما نقل ابن القيم دليل على ~~أن النفس هى الجسد والروح معا. فانه اذا قيل لها عند الموت. كان القول لها ~~وللجسد ، لأنها لم تنفصل بعد عن الجسد ، واذا ms259 قيل لها عند البعث. فقد حيى ~~الجسد وحلت فيه الروح. ولو أن «ابن القيم» أصر على قوله بأن النفس المطمئنة ~~منفصلة عن الجسد. لكان دخولها فى الجنة فى يوم القيامة حالة كونها منفصلة ~~عن الجسد فيكون النعيم للروح وليس للجسد وهذا لم يقل به الا الفلاسفة ~~المصرحون بالبعث الروحانى فقط # أى ان الله تعالى قال للنفس المطمئنة ( ادخلي جنتي ) فهل تدخل النفس ~~وحدها أم تدخل النفس والجسد؟. اذن النفس المطمئنة هى الروح والجسد. ~~والاطمئنان صفة لها. # الدليل الخامس : قوله تعالى : ( إن الذين كذبوا بآياتنا ، واستكبروا عنها ~~لا تفتح لهم أبواب السماء ) يقول ابن القيم : وهذا دليل على أن أرواح ~~المؤمنين تفتح لهم أبواب السماء. وهذا التفتيح هو تفتيحها لأرواحهم عند الموت. # الرد عليه : ان التعبير بقوله : ( لا تفتح لهم أبواب السماء ) هو كناية ~~عن بعدهم عن رحمة الله. كما يقال : افتح لى أبواب رحمتك PageV02P023 # الى الغذاء ، والغذاء عبارة عما يصير بدلا لما تحلل من البدن. وكيف لا ~~يكون كذلك ، والبدن حار رطب. والحار اذا عمل فى الرطب أصعد عنه الأجزاء ~~البخارية وحللها؟ واذا ثبت أن هذا الانسان هو الذي بعينه كان موجودا قبل ~~هذا اليوم بعشرين سنة ، وثبت أن هذا الهيكل ليس هو الذي كان موجودا قبل ذلك ~~، ثبت قطعا : أن الانسان ليس عبارة عن هذا الهيكل. # الوجه الثانى : انى أعلم بالضرورة ذاتى المخصوصة ، حال ما أكون غافلا عن ~~جميع مالى من الأعضاء الظاهرة والباطنة. والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم ، ~~فوجب القطع بأن ما هو المشار إليه بقولى أنا : مغاير لجميع الأعضاء الظاهرة ~~والباطنة. ### ||| ** وأما القول الثانى وهو أن الانسان عبارة عن جسم موجود فى داخل هذا الهيكل فهذا القول فيه وجوه : # أحدها : قول «أقلوطرجس». وهو أنه عبارة عن الأجزاء النارية السارية فى ~~هذا الهيكل. قال : «لأن خاصية النار الاشراق والحركة. والنفس خاصيتها ~~الادراك والحركة الاختيارية. والادراك # هذه هى الأدلة القرآنية عند «ابن قيم الجوزية» والرد عليها. # وأما آية الشهداء وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون فان العندية ليست للقرب ~~المكانى ms260 ، لاستحالته ، وانما المعنى: سيصيرون فى الآخرة أحياء. وعبر بالآن ~~دلالة على تحقق الوقوع من جهة ، ولأن المدة من الموت الى البعث قليلة من ~~جهة أخرى وهى آية متشابهة. ومحكمها هو : ( كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون ~~أجوركم يوم القيامة ) فقد أثبت التوفية فى القيامة ، ومنعها فى القبر. ~~للشهيد وغيره. PageV02P024 # من جنس الاشراق» (4) فثبت : أن النفس عبارة عن النار. قالوا : ويتأيد هذا ~~بما يقول الأطباء : إن مدبر البدن هو الحرارة الغريزية وثانيها ### |||| ** : قول «ديوجانس» وهو أن النفس هو الهواء. قال : «وذلك لأنه متى كان النفس ~~مترددا ، كانت الحياة باقية. واذا انقطع النفس زالت الحياة ، فوجب أن تكون ~~النفس عبارة عن التنفس. وهو الهواء المستنشق المتردد فى مخارق البدن. وأيضا ~~: من خواص الهواء : أنه لا لون له ، ويدخل فى المنافذ الضيقة ، ويقبل ~~الأشكال المختلفة ، والجسم الذي يكون فيه مستقلا بذاته ، كالزق المنفوخ. ~~والنفس موصوفة بهذه الصفات» فثبت : أن النفس هو الهواء (5). # وثالثها : قول «ثاليس الملطى» قال : «ان النفس هو الماء. لأن الماء سبب ~~لحصول النشوء والنمو ، والنفس أيضا كذلك» فكان النفس هو الماء. # واعلم : أن دلائل هذه الأقوال الثلاثة كلها ضعيفة. لأنها أقيسة مركبة من ~~الموجبتين فى الشكل الثانى. وذلك غير منتج ، لأنه لا يمنع فى العقل استواء ~~الماهيات المختلفة فى بعض الصفات. # ورابعها : ان النفس عبارة عن مجموع الأخلاط الأربعة ، بشرط أن يكون لكل ~~واحد منها مقدار معين. # واحتجوا عليه بأنه مهما كانت هذه الأخلاط الأربعة ، باقية على كمياتها ~~المخصوصة وكيفياتها المخصوصة ، كانت الحياة باقية. ومهما لم تبق تلك ~~الكميات وتلك الكيفيات ، زالت الحياة. وهذا الدليل ضعيف. لأن الدوران لا ~~يفيد العلم بالعلية (6) PageV02P025 # وخامسها : أن النفس عبارة عن الدم. لأنه أشرف أخلاط البدن. # وسادسها : أن الأجسام مختلفة فى ماهياتها. وذلك لأن جسم الأرض كثيف ، ~~وأنه البتة لا ينقلب لطيفا ، وجسم النار لطيف ، وأنه لا ينقلب البتة كثيفا. # اذا ثبت هذا ، فنقول : الأنفس أجسام لطيفة لذواتها. وتلك الأجسام اذا ~~شاركت هذا الهيكل وسرت فيه سريان ماء الورد فى ورق الورد ، وسريان النار ms261 فى ~~الفحم ، وسريان دهن السمسم فى جرم السمسم صار هذا الهيكل حيا ، بسبب تلك ~~المشاركة والذوبان والانحلال. # والتبدل لا يتطرق الى تلك الأجسام اللطيفة الحية ، وانما يتطرق الى هذا ~~الهيكل. وما دامت الأعضاء والأخلاط قابلة لسريان تلك الأجسام اللطيفة الحية ~~لذواتها فيها ، بقى هذا الهيكل حيا. واذا أخرجت الأعضاء والأخلاط عن ~~القابلية ، انفصلت تلك الأجسام اللطيفة عنها. وذلك هو الموت. # وسابعها : ان النفس عبارة عن المزاج الذي هو عبارة عن اعتدال الأركان ~~والأخلاط. وذلك لأن الأركان والأخلاط اذا امتزج بعضها ببعض ، حصلت هناك ~~كيفية معتدلة متوسطة وهى المزاج وتلك الاعتدال عبارة عن النفس ، وعن ~~الحياة. # وثامنها : ان النفس عبارة عن الأجسام اللطيفة المتكونة فى جانب البطن ~~الأيسر من القلب ، النافذة فى الشرايين ، النابتة منه الى جملة أجزاء البدن. # وتاسعها : ان النفس عبارة عن الأرواح ال متكونة فى الدماغ ، الصالحة ~~لقبول قوة الحس والحركة والحفظ والفكر والذكر ، النافذة من الدماغ فى شظايا ~~الاعصاب ، النابتة منه الى أقاصى البدن. PageV02P026 # وعاشرها : أن أجزاء هذا البدن على قسمين ، بعضها أجزاء أصلية باقية من ~~أول العمر الى آخره ، من غير أن يتطرق إليها شيء من التغيرات والانحلالات ~~والزيادات والنقصانات ، وبعضها أجزاء عارضة تبعية. تارة تزداد وتارة تنتقص. ~~فالنفس والشيء المشار إليه لكل واحد بقوله «أنا» انما هو القسم الأول من ~~الأجزاء. واذا عرفت هذا ، فما هو أجزاء أصلية بالنسبة الى «زيد» كانت أجزاء ~~فاضلة بالنسبة الى «عمرو» وبالعكس. وهذا اختيار المحققين من المتكلمين. ~~وبهذا القول يظهر الجواب عن أكثر شبهات منكرى الحشر والنشر. # فهذا تفصيل قول من قال : النفس جسم. # * * * # وأما القسم الثانى وهو قول من قال : النفس شيء جسمانى فهذا فيه أقوال : # أحدها ### |||| ** : قول من قال : انها عبارة عن صفة الحياة. # وثانيها : قول من قال : انها عبارة عن الشكل والتخطيط. # وثالثها : قول من قال : انها عبارة عن تناسب الأركان والأخلاط. # * * * # وأما القسم الثالث وهو قول من قال : النفس ليست بجسم ولا بجسمانى فهذا ~~القول اختبار جمهور «الفلاسفة». ومن قدماء «المعتزلة» : مذهب «معمر بن عباد ms262 ~~السلمى» ومذهب أكثر الأجناس (7) من «الامامية». ومن المتأخرين «الغزالى» ~~و «أبى القاسم الراغب». # واعلم : أن الفلاسفة ذكروا فى اثبات هذا : وجوها كثيرة. واعترضنا عليها ~~فى كتبنا الحكمية. الا أن اعتمادهم على وجه واحد ونحن نذكره هاهنا: PageV02P027 # قالوا : لا شك فى وجود معلومات غير منقسمة. فيكون العلم بها غير منقسم ، ~~فيكون الموصوف بتلك العلوم غير منقسم. وكل متحيز فهو منقسم ، فاذن الموصوف ~~بتلك العلوم لا متحيز ولا حال فى المتحيز. # أما المقدمة الأولى وهى اثبات معلومات غير قابلة للقسمة فيدل عليه وجهان : # الأول : انا نعرف ذات الله تعالى. وثبت أن ذاته تعالى غير قابلة للقسمة ~~بوجه من الوجوه. وأيضا : نعرف الوحدة. والوحدة غير قابلة للقسمة بوجه من ~~الوجوه. # الثانى : لا شك أنا نعرف شيئا. وذلك الشيء اما مفرد واما مركب. فان كان ~~مفردا فقد حصل المطلوب ، وان كان مركبا فكل مركب ، فهو مركب من المفردات. ~~والعلم بالمركب مسبوق بالعلم بمفرداته ، فثبت : أنا نعلم أمورا مفردة. # وأما المقدمة الثانية وهى أن المعلوم اذا كان غير منقسم كان العلم به غير ~~قابل للانقسام فالذى يدل عليه : # أنه لو كان ذلك العلم قابلا للانقسام ، لكان ما يفرض جزءا لذلك العلم ، ~~اما أن يكون علما بذلك المعلوم ، أو يكون علما بجزء من أجزاء ذلك المعلوم ، ~~أو لا يكون علما بذلك المعلوم ولا بشيء من من أجزاء ذلك المعلوم. # فان كان جزء العلم علما بذلك المعلوم ، لزم أن يكون الجزء مساويا للكل فى ~~تمام الماهية. وذلك محال. # وان كان متعلقا بجزء من أجزاء ذلك المعلوم ، لزم كون ذلك المعلوم منقسما ~~وهو محال. PageV02P028 # وان لم يكن علما لا بذلك المعلوم ولا بشيء من أجزائه ، فعند اجتماع تلك ~~الأجزاء اما أن يحدث أمر زائد ، بسبب ذلك الاجتماع ، أو لا يحدث. فان لم ~~يحدث البتة أمر زائد ، لزم أن لا يكون ذلك المجموع علما بذلك المعلوم. ~~والعلم بالشيء لا يكون علما بذلك الشيء. هذا خلف. وان حدثت حالة زائدة بسبب ~~ذلك الاجتماع ، فتلك الحالة الزائدة ان كانت قابلة للقسمة ms263 ، عاد التقسيم ~~المذكور فيه. ولزم التسلسل. وان لم تقبل القسمة ، فالعلم بهذا المعلوم ، هو ~~هذه الحالة الزائدة الحادثة بسبب الاجتماع ، وأنه غير قابل للقسمة. فحينئذ ~~يحصل بما ذكرنا : أن المعلوم اذا لم يقبل القسمة ، كان العلم به غير قابل ~~للقسمة. # وأما المقدمة الثالثة وهى أن العلم اذا لم يكن قابلا للقسمة ، وجب أن ~~يكون الموصوف به غير قابل للقسمة فالذى يدل عليه : أن كل ما كان قابلا ~~للقسمة ، افترض فيه الجزءان. فالفرض الحاصل فيه اما أن يكون بتمامه حاصلا ~~فى كل واحد من النصفين ، أو يكون بتمامه حاصلا فى أحد النصفين دون الثانى ، ~~أو يكون نصفيه حاصلا فى أحد نصفه والنصف الآخر منه حاصلا فى النصف الثانى ~~من المحل ، أو لا يكون شيء من ذلك. # أما الأول وهو أن يحصل بتمامه فى هذا النصف وبتمامه فى النصف الثانى فهذا ~~يقتضي حصول العرض الواحد فى محلين دفعة واحدة. وهو محال. # وأما الثانى وهو أن يحصل بتمامه فى أحد النصفين منه دون الثانى فحينئذ ~~ننقل الكلام الى ذلك النصف. فان ذلك النصف ان كان منقسما ، عاد الكلام فيه ~~، فيلزم أن يكون حاصلا فى نصف ذلك النصف. وبالجملة : فكل ما يكون منقسما ، ~~فان ذلك العرض لا يكون PageV02P029 # حالا فيه. وهذا يلزمه من باب عكس النقيض : أن ما يكون ذلك العرض حالا فيه ~~، فانه لا يكون منقسما. # وأما الثالث وهو أن يقال بتوزع الحال على المحل فهذا يقتضي انقسام الحال. ~~وقد بينا أنه محال. # وأما الرابع وهو أن لا يكون شيء من هذه الأقسام فهذا محال. لأنه اذا كان ~~كل واحد من أجزاء المحل خاليا عن الحال بالكلية. وعن جملة أجزاء الحال ، ~~كان كل واحد من أجزاء المحل خاليا عن الحال بالكلية. ومتى كان الأمر كذلك ، ~~امتنع كون المحل موصوفا بالحال. والعلم به ضرورى. فثبت : أن الحال اذا كان ~~غير منقسم ، كان المحل أيضا غير منقسم. # المقدمة الرابعة وهى قولنا : ان كل متحيز منقسم فهذا بناء على مسألة نفى ~~الجوهر الفرد. وقد تقدم القول ms264 فيه. # وحينئذ يلزم القطع من مجموع هذه المقدمات الأربع : أن الشيء الذي هو ~~الموصوف منا بالمعارف والعلوم : موجود ليس بمتحيز ، ولا حال فى المتحيز. ~~وهو المطلوب. # * * * # واعلم : أنا لا نسلم أن كل متحيز فهو يقبل القسمة أبدا. وقد قدمنا ~~الدلائل على اثبات الجوهر الفرد. سلمنا ذلك. ولكن لا نسلم أن الحال فى ~~المنقسم منقسم. ويدل عليه وجوه : # أحدها : ان النقطة موجودة مشار إليها غير منقسمة. وهى ان كانت جوهرا فقد ~~ثبت الجوهر الفرد ، وان كانت عرضا ، وافتقرت الى محل. فذلك المحل ان كان ~~منقسما ، لزم انقسام النقطة لانقسام محلها. وهو محال. وان لم يكن منقسما ، ~~فقد ثبت الجوهر الفرد. PageV02P030 # وثانيها : ان الوحدة عرض. وهى من أشد الأشياء مباعدة عن الكثرة. ثم الجسم ~~قد يوصف بالوحدة. فثبت : أن ما لا يقبل القسمة يصح قيامه (1) بالجسم. # وثالثها : ان الاضافات كالأبوة والبنوة والأخوة قائمة بالأجسام ، ويمتنع ~~أن يقال : قام بنصف هيكل الأب نصف الأبوة ، وقام بثلثه ثلثها. # ورابعها : ان الوجود صفة قائمة بالجسم ، ويمتنع أن يقال : قائم بنصفه نصف ~~الوجود ، وبثلثه ثلث الوجود. أو يلتزم ذلك ، ويقال : أن نصف الوجود أيضا ~~وجود ، وثلث الوجود وجود ، لكن اذا جاز هذا ، فلم لا يجوز أن يقال : العلم ~~القائم بالجسم المنقسم يكون منقسما ، ويكون أيضا نصف العلم علما ، وثلث ~~العلم علما. # فهذا ما فى هذه المسألة. وبالله التوفيق. PageV02P031 ### ||| * المسألة التاسعة والعشرون ### ||| * فى ### ||| * إثبات الخلاء # اعلم : أن معنى (2) الخلاء هو أن يوجد جسمان. لا يتماسان ، ولا يوجد ~~بينهما ما يماسانه (3) وأكثر الفلاسفة ينكرون الخلاء داخل العالم ، الا ~~«أبا البركات البغدادى» فانه يثبته. وأقوى ما قيل فى اثبات الخلاء وجهان : # الحجة الأولى : ان الجسم اذا انتقل من مكان الى مكان ، فالمنتقل إليه. ~~اما أن يقال : انه كان خاليا قبل انتقال هذا المنتقل إليه ، أو كان مملوءا. ~~فان قلنا : انه كان خاليا ، فقد ثبت القول بالخلاء ، وان قلنا : انه كان ~~مملوءا ، فعند انتقال هذا الجسم إليه. اما أن يقال : انه بقى ذلك الجسم فيه ~~، أو انتقل ذلك الجسم من ms265 ذلك المكان الى مكان آخر ، فان بقى ذلك الجسم فيه ~~حال ما انتقل إليه هذا الجسم ، لزم اجتماع الجسمين فى مكان واحد. وهو محال. ~~وان انتقل ذلك الجسم عن ذلك المكان. فاما أن يقال : انه انتقل الى مكان ذلك ~~الجسم الذي انتقل الى مكانه أو الى مكان جسم آخر. فان كان الأول لزم الدور. ~~لأن هذا لا يمكنه الانتقال عن مكانه ، الا اذا فرغ المكان عن الثانى. ولن ~~يفرغ المكان من الثانى ، الا اذا فرغ المكان الأول عن الجسم الأول. وما ~~أفضى الى الدور امتنع وجوده. وأما ان انتقل الى مكان آخر عاد التقسيم الأول ~~فيه. ويلزم أن يقال : مهما PageV02P032 # تحركت البقة أو النملة ، أن يتحرك جملة عالم الأجسام (4) وذلك محال. فثبت ~~: أن القول بعدم الخلاء يفضى الى أقسام باطلة ، فيكون القول بعدم الخلاء ~~باطلا ، فيكون القول بالخلاء حقا. # فان قيل : فعلى هذا التقدير يلزمكم أن تقولوا : اذا تحركت الذرة فى قعر ~~البحر المحيط ، ان تندفع كلية ذلك البحر ، أو تثبتا فى داخل الماء أحيازا ~~خالية. وذلك بعيد. لأن الماء جرم ثقيل سيال ، واذا وجد موضعا خاليا ، سال ~~إليه بالطبع. قلنا : اثبات الخلاء داخل ماء البحر غير بعيد على قولنا لأن ~~عندنا خالق العالم فاعل مختار. ولا يبعد أن يمنع أجرام الماء عن السيلان ~~الى تلك الأحياز الفارغة. # الا أن لقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يقال : العالم كله ملاء الا أن ~~الجسم اذا انتقل من مكان الى مكان. فان الفاعل المختار يعدم الجسم الذي كان ~~حاصلا فى المكان المنتقل إليه ، ويخلق جسما فى المكان المستقل عنه. وعلى ~~هذا التقدير يسقط دليلكم. # الحجة الثانية فى اثبات الخلاء : انا اذا فرضنا سطحين مستويين ، انطبق ~~أحدهما بتمامه على الآخر ، ثم اذا فرضنا ارتفاع حدهما عن الآخر دفعة. فعند ~~هذا يلزم القطع بحصول الخلاء فيما بين ذينك الجسمين. وهاهنا مقدمات : # المقدمة الأولى : انه يمكن فرض سطحين مستويين من كل الوجوه. ويدل على ~~امكانه: أن عدم الاستواء فى السطح. اما أن يكون بسبب ms266 اختلاف أجزائه فى ~~الارتفاع والانخفاض ، أو بسبب حصول المسام فيه. أما الأول فلا بد وأن يكون ~~بسبب سطوح صغار يتصل بعضها ببعض ، PageV02P033 # لا على الاستقامة ، بل على الزواية ولا بد من الانتهاء الى سطوح صغار ~~مستوية ، والا لذهبت الزوايا الى غير النهاية. وهو محال. وأما حصول المسام ~~فى أجزاء السطح. فهذا لو حصل فلا بد أن يحصل بين كل منفذين سطح متصل ، والا ~~لزم كون السطح مركبا من نقط متباينة. وذلك محال. فوجب القطع (5) بوجود سطوح ~~مستوية. # وأما المقدمة الثانية وهى أنه يجوز وجود سطحين مستويين يتماسان بالكلية ~~فهذا ظاهر. لأن تماس بعض جوانب السطوح ممكن ، فيكون تماسها أيضا بالكلية ~~ممكنا. لأن جميع الأجزاء المفروضة فى السطح الواحد متساوية ، وما صح على ~~البعض جاز على الباقى. # وأما المقدمة الثالثة وهى أن ارتفاع أحد السطحين بكليته عن السطح الآخر ~~ممكن فبرهانه : أن أحد السطحين لما كان بكليته مماسا للسطح الآخر ، فاذا ~~ارتفع أحد أجزائه عما تحته ، فالجزء المتصل يجب أيضا أن يرتفع عما تحته. ~~والا لزم وقوع التفكك فى السطح الأعلى. وهو محال. # وأما المقدمة الرابعة وهى أنه اذا حصلت هذه الأمور ، لزم وقوع الخلاء ~~فيما بين هذين السطحين وذلك لأنه لو حصل جسم فيما بينهما ، لكان ذلك الجسم ~~اما أن ينتقل من الخارج إليه أو يحصل من مسام السطح الأعلى والأسفل. فان ~~انتقل من الخارج الى ذلك الوسط ، فحينما يكون ذلك الجسم المنتقل حاصلا فى ~~الطرفين ، لا يكون حاصلا فى الوسط. ففى ذلك الوقت يكون الوسط خاليا. وهو ~~المطلوب. PageV02P034 # وأما القول بأنه يوجد (6) من مسام الأعلى والأسفل. فهذا أيضا باطل. لأنا ~~فرضنا الكلام فى سطحين لا شيء من المسام فيهما. وأيضا : فبتقدير حصول ~~المسام ، الا أنه لا بد وأن يحصل بين كل منفذين من تلك الأجسام سطح متصل. ~~فالشيء الذي ينزل من المسام يكون حال كونه متصلا بطرف تلك الفرجة ، لا يكون ~~حاصلا فى وسط السطح المتوسط فيما بين الفرجتين ، فيكون ذلك الوسط خاليا لا ~~محالة. فثبت : أن القول بالخلاء ms267 لازم على كل التقديرات. # واعلم : أن هذه الحجة لا يمكن الجواب عنها ، على أصول الفلاسفة ، الا أن ~~على أصول الاسلاميين ، عليها سؤال. وهو أن يقال : لم لا يجوز أن يقال : ان ~~فى أول وقت رفع أحد السطحين عن الآخر ، يخلق الفاعل المختار فيما بينهما ~~جسما؟ وعلى هذا التقدير لا يحصل الخلاء البتة. # * * * ### ||| ** أما نفاة الخلاء. فقد احتجوا بوجوه : # الحجة الأولى : ان كل خلاء ، فانه قابل للتقدير والمساواة والمفاوتة. ~~بدليل : أن الخلاء الحاصل بين طرفى الطاس ، أقل من الخلاء الحاصل بين جدارى ~~البلد ، والخلاء الحاصل بين جدارى البلد ، أقل من الخلاء الحاصل بين السماء ~~والأرض. فثبت : أن كل خلاء فهو قابل للمساواة والمفاوتة ، وكل ما كان كذلك ~~، امتنع أن يكون عدما محضا. لأنه لا يمكن أن يقال : هذا العدم نصف ذلك ~~العدم أو ثلثه ، وأن ذلك العدم أضعاف هذا العدم. ولا يمكن أن يقال : العدم ~~عشرة أذرع أو ألف ذراع. فالخلاء يمكن (7) وصفه بهذه الأوصاف. فثبت : أن ~~الخلاء لو حصل لكان موجودا قابلا للتقدير ، PageV02P035 # فلا يكون الخلاء عدما ، بل مقدارا. والمقدار اما أن يكون عبارة عن نفس ~~الجسم ، أو عن صفة قائمة بالجسم. فثبت : أنه لو فرض الخلاء حاصلا ، لما كان ~~خلاء ، بل كان ملاء. فاذا فرض الخلاء يفضى ثبوته الى نفيه ، فكان القول به باطلا. # الحجة الثانية لهم : لو فرضنا الخلاء ، لكانت الحركة فيه اما أن تقع فى ~~زمان ، أو لا فى زمان. والقسمان باطلان ، فبطل القول بالخلاء. # انما قلنا : ان الحركة فيه يمتنع وقوعها فى زمان. وذلك لأن المتحرك فيه ~~كلما كان أرق كانت المعاوقة فيه أقل ، فكانت الحركة فيه لا محالة أسرع. ~~واذا ثبت هذا ، فلنفرض مائة ذراع من المسافة ، ولنفرض أنها لو كانت خلاء ، ~~لتم قطعها فى ساعة واحدة ، ولو كانت ملاء من الهواء ، لتم قطعها فى عشر ~~ساعات. فاذا فرضنا ملاء أقل معاوقة من الهواء ، بحيث تكون نسبة معاوقته الى ~~معاوقة الهواء ، كنسبة زمان الحركة فى الخلاء الى الحركة فى الهواء ، لزم ~~أن يقع قطع تلك ms268 المسافة المملوءة من ذلك الملاء الرقيق فى ساعة واحدة ، ~~فتكون الحركة فى الملاء مثل الحركة فى الخلاء ، فتكون الحركة مع المعاوق ، ~~كهى لا مع المعاوق. وذلك محال. فثبت : أنه لو صح القول بالخلاء ، امتنع ~~وقوع الحركة فيه فى زمان. # وانما قلنا : انه يمتنع وقوع الحركة فى الخلاء لا فى زمان ، لأن كل حركة ~~فهى على مسافة وكل مسافة منقسمة. واذا كان كذلك كانت الحركة الى نصفها ~~متقدمة على الحركة من نصفها الى آخرها. ومتى كان كذلك ، كانت الحركة واقعة ~~فى الزمان. فثبت بما ذكرنا : أن الحركة فى الخلاء ، اما أن تحصل فى زمان ، ~~أو لا فى زمان. وثبت فساد هذين القسمين ، فثبت القطع بأن القول بوجود ~~الخلاء محال باطل. PageV02P036 # الحجة الثالثة لهم : لو فرضنا الخلاء ، لكان ذلك الخلاء متشابه الأجزاء ، ~~واذا كان الأمر كذلك ، امتنع أن يبقى الجسم فيه ساكنا ، لأن بقاءه فى حيز ~~معين مع كونه مشابها لسائر الأحياز ، ترجيح لأحد المتساويين على الآخر من ~~غير مرجح. # ويمتنع أيضا : أن يبقى الجسم فيه متحركا ، لأن الانتقال من أحد الحيزين ~~الى الحيز الآخر ، تخصيص للمنتقل عنه بالهرب ، وللمنتقل إليه بالطلب. وذلك ~~أيضا ترجيح لأحد المتساويين على الآخر من غير مرجح. وهو محال. # لا يقال : لم لا يجوز أن يقال : ان الفاعل المختار يخصص الجسم ببعض تلك ~~الأحياز (8) على التعيين لمجرد القصد والاختيار. لأنا نقول : اذا كانت ~~الأحياز متساوية من جميع الاعتبارات والوجوه ، كانت نسبة القدرة والإرادة ~~الى كلها على السوية. فلو اقتضت القدرة والإرادة تخصيص ذلك الجوهر ببعض تلك ~~الأحياز دون البعض من غير مرجح أصلا ، كان ذلك ترجيحا لأحد المتساويين على ~~الآخر من غير مرجح. وهو محال. # والجواب عن الأول : لا نسلم أن نفس الخلاء يقبل التقدير والمساواة ~~والمفاوتة ، بل الشيء الذي يمكن حصوله فى الخلاء ، تثبت له (2) هذه الأحكام ~~مثلا. ولا نقول : الخلاء الذي بين طرفى الطاس أقل من الخلاء الذي بين طرفى ~~البلد ، بل نقول : الأجسام التى يمكن حصولها بين طرفى الطاس ، أقل من ~~الأجسام التى يمكن ms269 حصولها بين طرفى البلد. PageV02P037 # والجواب عن الثانى : لم لا يجوز أن يقال : ان الحركة من حيث انها حركة ، ~~تستدعى قدرا من الزمان. وبسبب ما فى المسافة من المعاوقة ، تستدعى قدرا آخر ~~من الزمان؟ # اذا عرفت هذا فنقول : اذا فرضنا أن مائة ذراع من الخلاء ، لا يمكن قطعها ~~الا فى ساعة واحدة ، ثم فرضنا ملاء أرق من الهواء ، بحيث تكون نسبة ما فيها ~~من المعاوقة الى المعاوقة التى في الهواء ، نسبة العشر. فهذه الحركة تحصل ~~فى ساعة وعشر ساعة ، أما الساعة فبسبب أصل الحركة ، وأما عشر الساعة ، ~~فبسبب حصول هذه المعاوقة الضعيفة. وأما الحركة فى الخلاء الصرف ، فانها ~~تحصل فى ساعة واحدة فقط ، فعلمنا : أن ما ذكروه مغالطة. # والجواب عن الثالث : ان حاصل الكلام فيه يرجع الى أن القادر المختار ، هل ~~يمكنه ترجيح أحد المثلين على الآخر لمحض كونه قادرا مختارا ، أم لا؟ وعندنا ~~: أن ذلك غير ممتنع على ما قررناه فى مسألة القادر فزال السؤال. PageV02P038 ### ||| * المسألة الثلاثون ### ||| * فى ### ||| * المعاد ### ||| ** وفيه فصول : ### ||| * الفصل الأول ### ||| * فى ### ||| * اعادة المعدوم # اختلف العقلاء فى أن الشيء اذا عدم وفنى. فهل يمكن اعادته بعينه مرة أخرى ~~، أم لا؟ # أما الفلاسفة : فقد اتفقوا على أنه محال. وهو قول «أبى الحسين البصرى» ~~و «محمود الخوارزمى». # وأما جملة مشايخ المعتزلة : فقد اتفقوا على أن اعادة المعدوم ممكنة ، الا ~~أنهم فرعوا هذه المسألة على مذهبهم. وذلك بأن عندهم المعدوم شيء ، والشيء ~~اذا عدم ، لم تبطل ذاته المخصوصة ، بل زالت صفة الوجود عنه ، ولما كانت ~~ذاته المخصوصة باقية حالتى العدم والوجود ، لا جرم قالوا : اعادة المعدوم جائزة. # وأما أصحابنا : فانهم يقولون : الشيء اذا عدم فقد بطلت ذاته ، وصار نفيا ~~محضا وعدما صرفا ، ولم تبق له حال العدم هوية ولا خصوصية. ثم إنهم مع هذا ~~المذهب قالوا : انه لا يمتنع فى قدرة الله اعادته بعينه. وهذا القول لم يقل ~~به أحد من طوائف العقلاء الا أصحابنا. PageV02P039 # والذي يدل على صحة هذا القول : أن الشيء اذا صار معدوما ، فانه بعد العدم ~~بقى جائز ms270 الوجود. والله تعالى قادر على جميع الجائزات ، فوجب القطع بكونه ~~تعالى قادرا على اعادته بعينه ، بعد العدم. # وانما قلنا : انه بعد عدمه بقى جائز الوجود ، لأنه قبل عدمه جائز (1) ~~الوجود. وهذا الجواز اما أن يكون من لوازم حقيقته ، واما أن يكون من عوارض ~~حقيقته. فان كان من لوازم حقيقته ، وجب أن لا يزول. وان كان من عوارض ~~حقيقته ، كانت تلك الحقيقة بحيث يجوز عليها ذلك الجواز فينتقل الكلام الى ~~جواز الجواز ، ولا يتسلسل ، بل ينتهى بالآخرة الى جواز ، هو من لوازم ~~الحقيقة. وهذا نقيض حصول هذا الجواز حالتى الوجود والعدم. فثبت بهذا : أن ~~الجواز حاصل أبدا. وأما أنه تعالى قادر على كل الجائزات ، فقد تقدم اثباته. ~~ويلزم من مجموع الأمرين كونه تعالى قادرا على اعادة المعدوم. # فان قيل : قولكم : «هذا الجواز لازم لماهيته ، فيبقى الجواز ببقاء ~~الماهية». # قلنا : هذا الكلام متين ، الا أنه مبنى على أن الماهية باقية حال العدم. ~~وهذا لا يتم الا مع القول بأن المعدوم شيء ، وأنتم لا تقولون به. # والجواب : ان بطلان الماهية حال العدم ، لا يمنع من الحكم عليها بالجواز ~~والامتناع. ويدل عليه وجوه : # أحدها : ان صريح العقل يحكم بأن هذا المحدث كان جائز الحدوث قبل أن حدث. ~~وهذا الذي حكم العقل عليه بالجواز ، ليس هو الماهية ، لأن الماهية لو كانت ~~واجبة التقرر والتحقق ، حالتى الوجود والعدم PageV02P040 # تكون ممتنعة التغير والتبدل ، من حيث انها ماهية. ويمتنع أن يكون جواز ~~التغير والتبدل نعتا وصفة لها ، بل لا بد أن يكون هذا الجواز نعتا للوجود ~~فقط أو لموصوفية الماهية بالوجود. ثم ان الوجود قبل تجدده البتة ما كان ~~حاصلا ، فعلمنا : أن عدم حصوله وعدم تحققه فى نفسه ، لا يمنع من الحكم عليه ~~بالجواز. # وثانيها : ان الخصم يحكم على هذا الذي عدم وفنى بالكلية ، بأنه يمتنع ~~عوده والمحكوم عليه بامتناع العود ، ليس الا ذلك الشخص الذي فنى فعلمنا : ~~أن فناءه وعدمه لا يمنع صحة الحكم عليه بأنه جائز أو ممتنع. # وثالثها : ان الذي فنى فهو بعد فنائه ، اما ms271 أن يجوز الحكم عليه بشيء من ~~الأحكام ، أو لا يجوز. فان جاز الحكم عليه فقد سقط هذا السؤال ، وان امتنع ~~الحكم عليه كان ذلك متناقضا ، لأن تخصيصه بأنه يمتنع الحكم عليه : حكم عليه ~~بهذا الامتناع. فثبت : أن القول بأنه يمتنع الحكم عليه يوجب كونه محكوما ~~عليه. وما أدى ثبوته الى نفيه ، كان باطلا. فبطل القول بأن ما فنى وعدم ، ~~امتنع الحكم عليه. # ورابعها : انا نحكم على شريك الله تعالى بأنه ممتنع ، وعلى الجمع بين ~~الضدين بأنه ممتنع. فالمحكوم عليه بهذا الامتناع هو شريك الله تعالى ، ~~والجمع بين الضدين. ثم هذه الماهيات ليس لها تحقق أصلا البتة باتفاق ~~العقلاء. فعلمنا : أن الحكم على الشيء لا يستدعى كون المحكوم عليه ثبوتيا. # لا يقال : المحكوم عليه بالامتناع هو الصورة المستحضرة فى الذهن. لأنا ~~نقول : تلك الصورة لما كانت حاضرة فى الذهن موجودة هناك ، لم يكن الحكم ~~عليها بكونها ممتنعة الوجود ، بل المحكوم عليه بالامتناع هو وجوده فى ~~الخارج ، لكن وجوده فى الخارج غير ثابت أصلا ، فاذن المحكوم عليه بهذا ~~الحكم لا تحقق له البتة. PageV02P041 # وخامسها : انا نحكم بأن الوجود والعدم لا يجتمعان. وهذا الحكم على مسمى ~~العدم بأنه ينافى الوجود ، ويعانده. فالمحكوم عليه بهذه المعاندة والمنافاة ~~هو مسمى العدم ، ومسمى العدم يمتنع أن يكون له تحقق ، لأنه نقيض التحقق ~~والتعين والتقرر ، وأحد هذين النقيضين لا يكون عين الثانى. ### ||| ** واحتج من أنكر جواز اعادة المعدوم بوجوه : # الحجة الأولى : ان الحكم على الشيء بأنه يجوز اعادته متوقف على كون ذلك ~~الشيء هو هو ، أعنى على كونه متعينا فى نفسه متخصصا (1) فى ذاته. والشيء ~~بعد عدمه نفى محض ، وليس له تخصص ولا تشخص ، فكان الحكم عليه بجواز الاعادة باطلا. # الحجة الثانية : انه لو كانت اعادة المعدوم جائزة ، لكانت اعادة الوقت ~~الذي أحدثه الله تعالى فيه أولا جائزة. وبتقدير أن يعيد الله تعالى الوقت ~~الأول ، ويعيده فيه. كانت هذه الاعادة حدوثا فى وقته الأول. فيلزم أن يقال ~~: انه من حيث هو معاد ليس بمعاد ، بل مبدأ. وذلك ms272 جمع بين النقيضين. وهو محال. # الحجة الثالثة : اذا فرضنا أن جوهرا قد عدم ، ثم فرضنا أن الله تعالى ~~أعاده. وفرضنا أنه تعالى أحدث جوهرا آخر. فنسبة هذين الجوهرين الى ذلك الذي ~~عدم أولا ، نسبة واحدة. فلم يكن كون أحد هذين الجوهرين : عين ذلك الذي عدم ~~، والآخر مثله : أولى من العكس. فيلزم اما القول بأن كل واحد منهما هو عين ~~ذلك الشيء الذي عدم ، فيلزم أن يكون الشيء الواحد شيئين. وهو محال. PageV02P042 # وأما القول بأنه ليس كل واحد منهما عين ذلك الذي عدم ، بل كان كل واحد ~~منهما مغايرا له ، ومثلا له : فذلك هو الحق. وهو يمنع من جواز اعادة ~~المعدوم. # ولا يقال : لم لا يجوز أن يقال : ان أحدهما أولى بأن يكون عين الذي عدم. ~~وذلك لأن هذا : عين ما كان ، والآخر مثله. فكان أحدهما أولى بأن يكون عين ~~ما كان؟ لأنا نقول : ان هذين الجوهرين اللذين حدثا : مثلان من جميع الوجوه. ~~فكانت نسبة كل واحد منهما الى الذي عدم كنسبة الآخر إليه. واذا كانا كذلك ، ~~لم يكن كون أحدهما هو عين ذلك الذي عدم والآخر مثله : أولى من العكس. ~~فقولكم : انما كان هذا عين ذلك الذي عدم لأن هذا هو عين ذلك الشيء : تعليل ~~للشىء بنفسه ويكون المعنى : أنه انما كان هذا عين ما انقضى. لأن هذا عين ما ~~انقضى. ومعلوم : أن هذا باطل. # والجواب عن الأول : انا قد دللنا على أن الحكم على الشيء بالجواز ، لا ~~يستدعى كون المحكوم عليه متحققا متعينا فى نفسه بالدلائل القاطعة. # والجواب عن الثانى : ان حدوث الشيء غير مشروط بالوقت ، والا لكان ذلك ~~الوقت حادثا ، فيلزم افتقاره الى وقت آخر. ويلزم التسلسل. بل حدوث المبدأ ~~هو الذي لا يكون مسبوقا بالحدوث البتة ، وحدوث المعاد هو أن يكون مسبوقا ~~بحدوث آخر. وعلى التقديرين يزول السؤال. # والجواب عن الثالث : ان أفراد النوع الواحد وان كانت متماثلة فى الماهية ~~، الا أنه لا شك أنها غير متماثلة فى الشخصية ، بل كل واحد من تلك الأفراد ~~مختص بتعينه ms273 وتشخصه. واذا كان كذلك ، فلا نسلم أن نسبة هذين الجوهرين ~~الحادثين الى ذلك الذي عدم نسبة واحدة ، PageV02P043 # بل القول بأن هذه النسبة واحدة لا يصح الا بعد القول بأن اعادة المعدوم ~~باطلة. لأن بتقدير أن يصح هذا القول ، كان أحد هذين الحادثين هو عين ذلك ~~الذي عدم ، والحادث الآخر ليس عينه ، بل مثله. فاذن القول بأن نسبة هذين ~~الحادثين الى ذلك الذي عدم نسبة واحدة ، مبنى على أن اعادة المعدوم ممتنعة. ~~ولو بينا هذا الامتناع بهذه المقدمة ، لزم الدور. وانه باطل. ### ||| * الفصل الثانى ### ||| * فى ### ||| * بيان أن ما سوى الله تعالى فانه يجوز الفناء عليه # قالت الفلاسفة : الأرواح البشرية وان كانت محدثة ، الا أنها أبدية غير ~~قابلة للعدم. وأيضا : العقول الفلكية والنفوس الفلكية والأجرام الفلكية ~~والهيولى ، غير قابلة للعدم. # لنا : انا بينا فى مسألة حدوث العالم : أن كل ما سوى الله تعالى فهو محدث ~~، وكل محدث فان حقيقته قابلة للعدم والوجود. وهذه القابلية من لوازم ~~الماهية. وكل ما كان من لوازم الماهية ، فانه واجب الدوام فى جميع زمان ~~دوام الماهية. فاذن قابلية العدم من لوازم ماهية كل ما سوى الله تعالى. ~~وهذا يقتضي جواز العدم على كل ما سوى الله تعالى. # وأما الفلاسفة فقد احتجوا على قولهم بوجوه : # الحجة الأولى وهى عمدتهم : ان الأرواح البشرية لا يقبل الفناء. وتقريرها ~~: أنها لو كانت قابلة للعدم ، لكانت قابليتها للعدم ، اما أن تكون قائمة ~~بها أو بغيرها. والقسمان باطلان ، فبطل القول بكونها قابلة للعدم. PageV02P044 # وانما قلنا بأنه يمتنع أن تكون هذه القابلية قائمة بها ، لأن كل ما كان ~~قابلا بشيء فان القابل يكون متقررا مع المقبول ، فلو كان الموصوف بقابلية ~~عدمها ، نفس وجودها ، لزم أن يتقرر وجودها مع عدمها. وذلك محال. وانما قلنا ~~: انه يمتنع أن تكون هذه القابلية قائمة بغيرها ، لأن مثل هذا الشيء يجب أن ~~يكون صورة فى مادة ، حتى يكون امكان وجودها وامكان عدمها قائما بتلك ~~المادة. فان النفس ان كانت كذلك كانت مركبة من مادة وصورة ، لكن النفس جوهر ~~مجرد ms274 ، فمادتها يجب أن تكون جوهرا مجردا. وحينئذ نقول : ان كانت تلك المادة ~~أيضا قابلة للعدم ، افتقرت الى مادة أخرى. ولزم التسلسل. وهو محال. # فلا بد من الانتهاء الى مادة أخيرة ، لا مادة لها. وتلك المادة لا تكون ~~قابلة للعدم وهى جوهر مجرد فهى محل العلوم والادراكات فتكون النفس هى هى لا ~~غير ، فتكون النفس باقية غير قابلة للعدم. # فان قيل : فيلزمكم أن لا يكون شيء من الصور والأعراض قابلا للعدم. # قلنا : هذا غير لازم. لأن القابل لصحة حدوثها ، ولصحة عدمها موادها. ~~وموادها متقررة مع ذلك الحدوث وذلك العدم. بخلاف جوهر النفس فانها ان كانت ~~بريئة عن المادة ، فقد ظهر الفرق ، وان كانت مادية ، كانت مادتها لا محالة ~~جوهرا مجردا. فتكون النفس هى هى لا غير. فتكون باقية. # الحجة الثانية لهم : الابتداء والانتهاء على الزمان محال. فوجب أن تكون ~~الحركة كذلك ، فوجب أن يكون الجسم كذلك. فهذه مقدمات ثلاث : PageV02P045 # المقدمة الأولى : قولنا : لا بداية للزمان ولا نهاية له. فنقول : أما ~~قولنا يمتنع أن تكون للزمان بداية. فذلك لأن كل ما لوجوده بداية ، فعدمه ~~متقدم على وجوده. وذلك التقدم ليس نفس العدم ، لأن العدم قبل ، كالعدم بعد. ~~وليس القبل بعد. فالقبلية ليست نفس العدم ، فهى صفة موجودة. فقد حصل قبل ~~مبدأ الزمان شيء آخر ، متقدم عليه بالزمان. هذا خلف. # فاذن لا بداية للزمان وأما أنه لا نهاية له. فلأنا لو فرضنا له نهاية. ~~لكانت تلك النهاية ملحقة بالعدم. وذلك العدم متأخر عنه بالزمان ، فقد حصل ~~بعد أجزاء الزمان شيء آخر متأخر عنه بالزمان. هذا خلف. فاذن يمتنع أن تكون ~~للزمان بداية ونهاية. # وأما المقدمة الثانية وهى أنه لما كان الزمان بحيث يمتنع أن يكون له ~~بداية ونهاية ، وجب أن تكون الحركة كذلك فالدليل عليه : أن الزمان عبارة ~~عما ينقسم الى الماضى والى المستقبل. فلو لم يكن هناك شيء يتغير من حالة ~~الى حالة ، لم يصدق أنه مضى أمر وسيجيء أمر آخر. فثبت : أن الزمان لا يعقل ~~حصوله الا عند حصول التغير ، ولا ms275 نعنى بالحركة الا هذا التغير ، فيلزم من ~~قدم الزمان قدم الحركة. # وأما المقدمة الثالثة وهى أنه متى كانت الحركة. قديمة ، كانت الذوات ~~قديمة فهى ظاهرة (2). لأن التغير والانتقال لا يعقل تحققه الا عند وجود ~~ذوات تعرض لها هذه التغيرات ، فيلزم من قدم الحركة قدم الذوات. فثبت : أنه ~~يلزم من هذه الشبهة : القول بكون الزمان أبديا أزليا ، وكون الحركة كذلك ، ~~وكون الذوات كذلك. # الحجة الثالثة لهم : الجهة شيء مشار إليه بالحس وهو مقصد PageV02P046 # المتحرك وكل ما كان كذلك ، فهو موجود. وهذه الجهة محدودة ، فلا بد لها من ~~محدد جسمانى. ولا يحصل هذا التحديد الا بالمحيط والمركز وتقرير هذه ~~المقدمات : قد ذكرت فى الكتب الحكمية. # اذا ثبت هذا ، فنقول : هذا المحدد غير قابل للحركة المستقيمة ، لأن ~~الحركة المستقيمة عبارة عن الانتقال من جهة الى جهة. وكل ما صح عليه ذلك ، ~~كانت الجهة المنتقل عنها ، والجهة المنتقل إليها محددة قبل ذلك الجسم ~~المنتقل إليها ، فيلزم حصول الجهة قبل حصول علتها. وذلك محال. واذا كان ~~كذلك ، ثبت أن الحركة المستقيمة ممتنعة على الفلك المحدد ، واذا كان كذلك ~~كان الخرق والالتئام ممتنعا عليه. # الحجة الرابعة لهم : عدم الأجسام اما أن يكون باعدام المعدم ، أو بطريان ~~الضد ، أو بزوال الشرط. والأقسام الثلاثة باطلة ، فالقول بصحة عدم الأجسام ممتنع. # وانما قلنا : انه يمتنع حصول الاعدام بالمعدم ، وذلك لأن القدرة صفة ~~مؤثرة ، والعدم نفى محض. فوقوع العدم بالقدرة ، يكون محالا. # وانما قلنا : انه يمتنع أن يكون العدم بسبب طريان الضد. وذلك لأن المضادة ~~حاصلة من الجانبين ، فليس عدم الضد الباقى لوجود الطارئ ، أولى من اندفاع ~~الطارئ لوجود الباقى. # وانما قلنا : انه يمتنع أن يكون لزوال شرط. لأن ذلك الشرط ان كان باقيا ، ~~كان الكلام فى كيفية عدمه ، كالكلام فى كيفية عدم الأجسام ، فيفضى ، اما ~~الى التسلسل ، واما الى الدور ، واما أن لا يكون باقيا. وهو أيضا محال. لأن ~~الباقى يمتنع أن يكون مشروطا بما لا يكون باقيا. # ولما بطلت هذه الأقسام ، ثبت : أن العدم على الأجسام ممتنع. PageV02P047 # والجواب ms276 عن الشبهة الأولى : ان حاصلها يرجع الى حرف واحد ، وهو أن ~~الامكان صفة موجودة ، ولا بد لها من محل موجود ، الا أنا بينا فى مسألة ~~حدوث الأجسام : أن الامكان يمتنع أن يكون صفة موجودة. # والجواب عن الشبهة الثانية : أن نقول : لا نسلم أنه لو كان الزمان محدثا ~~، لكان تقدم عدمه على وجوده بالزمان. والدليل عليه : أن تقدم الأمس على ~~اليوم ليس بالزمان ، واذا كان كذلك ، فلم لا يجوز أن يكون تقدم عدم المحدث ~~على وجوده ، كتقدم بعض أجزاء الزمان على البعض؟ # والجواب عن الشبهة الثالثة : ان ما ذكرتم مبنى على أن تحدد الجهات ، لا ~~يكون الا بالمحيط والمركز. وفى تقرير هذه المقدمة غموض. وبتقدير أن نسلمها ~~، الا أن هذا يقتضي أن الحركة المستقيمة ، ممتنعة على هذا المحدد. ولا ~~يقتضي أن العدم ممتنع عليه. # والجواب عن الشبهة الرابعة : ان ما ذكرتم قائم بعينه فى الصور والأعراض ، ~~مع أنا نشاهد ، أنها توجد بعد أن كانت معدومة ، وتعدم بعد أن كانت موجودة. ~~فكل ما ذكرتموه فى هذه الصور والأعراض ، فهو جوابنا فى حق الأجسام. ### ||| * الفصل الثالث ### ||| * فى ### ||| * بيان أن الخرق والالتئام جائزان على أجرام الفلك # الفلاسفة ينكرون ذلك. # ولنا : على صحته وجهان : # الحجة الأولى : ان جميع الأجسام متساوية فى الجنسية ، وتمام PageV02P048 # الماهية. ومتى كان الأمر كذلك ، فكل ما صح على واحد منها ، صح على كلها. ~~وتقرير هاتين المقدمتين : قد تقدم فى مسألة اثبات الصانع سبحانه وتعالى # الحجة الثانية : ان كل واحد من هذه الأفلاك. اما أن يكون بسيطا أو مركبا ~~من البسائط. وكل ما كان بسيطا ، فان كل واحد من جانبيه متساويان فى تمام ~~الماهية. اذ لو لم يكن كذلك ، لكن البسيط مركبا. هذا خلف. واذا كان كل واحد ~~من جانبيه متساويين فى تمام الماهية للجانب الآخر ، فكل ما صح على أحد ~~الجانبين صح على الآخر. فكما أن فلك القمر يصح أن يماس بمقعره النار ~~وبمحدبه كرة عطارد ، وجب أن يكون عكسه ممكنا. ومتى كان ذلك ممكنا كان الخرق ~~والالتئام جائزين على الأفلاك. ms277 # وأما الفلاسفة فقد احتجوا على امتناع ذلك ، بأن قالوا : الخرق والالتئام ~~لا يحصلان الا بالحركة المستقيمة ، لكن الحركة المستقيمة على أجرام الفلك ~~ممتنعة ، فوجب القطع بامتناع الخرق والالتئام عليها. # والجواب : ان هذا الكلام وان صح لكن لا يتمشى الا فى الفلك الذي هو الجسم ~~المحدد للجهات. وهو الفلك الأقصى. وأما سائر الأفلاك فلا يجرى فيها البتة. # قال المصنف : وأنا أتعجب هاهنا من هؤلاء الفلاسفة. فانهم انما عولوا فى ~~امتناع الخرق والالتئام على الأفلاك على هذا الدليل فقط ثم ان هذا الدليل ، ~~لا ينتج هذا المطلوب ، الا فى الفلك الأقصى. أما سائر الأفلاك. فهذا الدليل ~~لا يجرى فيها البتة. وكيف اكتفوا فى اثبات الدعوى العامة بالدليل الخاص؟ PageV02P049 # واعلم : أن كثيرا من العلماء الشريعة وعلماء التفسير ، قالوا : ان فى وقت ~~قيام القيامة تنخرق الأفلاك وتنهدم الكواكب ، الا أن العرش لا يتخرب ، ~~والفلك الأقصى هو العرش عندهم. واذا كان كذلك لم يلزم من قولنا : العرش لا ~~يتخرب : قدح فى (3) خراب السموات والعناصر. فثبت : أن ما ذكروه لو صح لم ~~يتطرق الطعن الى ما ورد فى القرآن. ### ||| * الفصل الرابع ### ||| * فى ### ||| * أن الله تعالى هل يعدم أجسام العالم أم لا؟ # اعلم : أنا وان بينا بالدلالة العقلية : أن كل ما سوى الله تعالى ، فانه ~~يصح العدم عليه. ولكن ليس كل ما صح وقع. وقد اختلف علماء الاسلام فى ذلك. ~~فقال قوم : انه تعالى يعدم الذوات والأجزاء ، ثم يعيدها ، وقال آخرون : انه ~~تعالى لا يعدمها ، بل يفرق أجزاء السموات والأرض ويخربها ، ثم انه تعالى ~~يؤلفها مرة أخرى كما كانت. واعلم : أن الجواز العقلى يمكن اثباته بدلائل ~~العقل. أما وقوع الجائز ، فلا سبيل الى اثباته الا بالسمع. # * * * # واحتج القاطعون على أنه تعالى يعدم العالم بآيات. ### |||| ** احداها : قوله تعالى : ( @QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه ) [القصص 88] فقوله : ( ~~@QUR@02 كل شيء ) لفظ عام يتناول الكل. والهلاك عبارة عن العدم والفناء ، ~~بدليل قوله تعالى : ( @QUR@03 إن امرؤ هلك ) [النساء 176] أى فنى ولم يبق. ~~فلو تفرقت الأجزاء لكنها ما عدمت وما فنيت ، فحينئذ يصدق أن ms278 السموات هلكت ، ~~لكنه لا يصدق أن تلك الأجزاء وتلك PageV02P050 # الذوات هلكت ، فلما قال : ( @QUR@03 كل شيء هالك ) علمنا : أن الذوات لا ~~تبقى بل تفنى وتصير معدومة. # أجاب القائلون بأن الله تعالى لا يعدم الذوات. فقالوا : الهلاك عبارة عن ~~خروج الشيء عن كونه ممتنعا. واذا تفرقت أجزاء السموات والأرض ، فقد خرجت عن ~~كونها منتفعا بها. ويكفى هذا القدر فى صدق قولنا : انها هلكت. # أجاب المستدل الأول : بأنها اذا تفرقت فقد خرجت السماء عن كونها منتفعا ~~بها. أما أنه ما خرجت تلك الأجزاء عن كونها منتفعا بها ، فلأن تلك الأجزاء ~~صالحة لأن تتركب منها السموات والعناصر والجنة والنار ، وصالحة لأن يستدل ~~بها على الصانع القديم. فثبت : أن المركبات وان خرجت عن كونها منتفعا بها ، ~~بسبب التفريق. فتلك الأجزاء والذوات ، ما خرجت عن كونها منتفعا بها. فثبت : ~~ان الأجزاء والذوات لو بقيت ، لما صدق عليها أنها هلكت. والقرآن يدل على أن ~~لكل يصير هالكا ، فوجب القطع بأن الأجزاء تفنى. # الحجة الثانية : التمسك بقوله تعالى : ( @QUR@06 وهو الذي يبدؤا الخلق ، ~~ثم يعيده ) [الروم 27] ولفظ «الخلق» متناول لجميع المخلوقات ، والضمير فى ~~قوله «يعيده» عائد الى الخلق ، فدلت هذه الآية على أنه تعالى يعيد جميع ~~مخلوقاته ، والاعادة لا تعقل الا بعد تقدم الافناء ، فدل هذا على أنه تعالى ~~يفنى جميع مخلوقاته. # الحجة الثالثة : التمسك بقوله تعالى : ( @QUR@03 هو الأول والآخر ) ~~[الحديد 3] معنى كونه أولا : هو أنه تعالى كان موجودا فى الأزل ، مع أنه ما ~~كان معه غيره وكذلك معنى الآخر : هو أنه تعالى يبقى فى الأبد مع أنه لا ~~يكون معه غيره. وهذا يقتضي أنه تعالى يعدم جميع المخلوقات حتى يتحقق كونه ~~آخرا ، ثم يعيدها مرة أخرى ، ليتحقق صدق الآيات الدالة على أن الثواب ~~والعقاب ، لا آخر لهما. PageV02P051 # الحجة الرابعة : التمسك بقوله تعالى : ( @QUR@05 كما بدأنا أول خلق نعيده ~~) [الأنبياء 104] حكم بأن الاعادة على وفق الابتداء ، ولما كان الابتداء ~~عبارة عن خلق الذوات وخلق التركيب والتأليف فيها ، وجب أن يكون وقت الاعادة ~~لخلق الذوات بخلق التركيب والتأليف فيها ، حتى يكون ms279 وقت الاعادة مشابها ~~لوقت الابتداء. # فهذه جملة الوجوه التى يتمسك بها من قطع بأن الله تعالى يعدم الذوات ~~ويفنى الأجسام. # * * * # وأما الذين قالوا : انه تعالى يفرق الأجزاء ، ولكن لا يعدمها : فاعلم ~~أنهم انما اختاروا هذا القول ، لأن عندهم اعادة المعدوم ممتنعة. قالوا : ~~فعلى هذا لو أنه سبحانه وتعالى أعدم الأجزاء والذوات ، لكان الذي يوجده بعد ~~ذلك مغايرا لتلك الأشياء التى عدمت أولا ، وعلى هذا التقدير لا يكون الثواب ~~واصلا الى المطيع ، ولا يكون العقاب واصلا الى العاصى. وذلك غير جائز ، ~~فلأجل الفرار عن هذا الاشكال قالوا : إنه تعالى يفرق الأجزاء ويزيل التأليف ~~عنها ، ولكنه تعالى لا يعدمها. فاذا أعاد التأليف إليها وخلق الحياة فيها ~~مرة أخرى ، كان هذا الشخص هو عين ذلك الشخص ، الذي كان موجودا قبل ذلك ، ~~فحينئذ يصل الثواب الى المطيع والعقاب الى العاصى ، ويزول الاشكال المذكور. # واعلم : أن اعادة المعدوم ان كانت جائزة. فهذا الاشكال زائل. وان كانت ~~ممتنعة ، فهذا الاشكال لازم. سواء قلنا : انه تعالى يعدم الأجزاء ، أو قلنا ~~: إنه لا يعدمها. وتقرير ذلك : ان المشار إليه لكل أحد بقوله : «أنا» ليس ~~هو مجرد تلك الأجزاء. وذلك لأنا لو قدرنا أن هذه الأجزاء تفرقت وصارت ترابا ~~رسميا من غير حياة ولامزاج ولا تركيب ولا تأليف ، فان كل أحد يعلم أن ذلك ~~القدر من التراب الصرف ليس عبارة عن «زيد» بل الانسان المعين انما يكون ~~موجودا ، اذا PageV02P052 # تركبت تلك الأجزاء وتألفت على وجه مخصوص ، ثم قام بها حياة وعلم وقدرة ~~وعقل وفهم. # فثبت : أن الشخص المعين ليس عبارة عن مجرد تلك الأجزاء والذوات ، بل هو ~~عبارة عن تلك الأجزاء الموصوفة بالصفات المخصوصة واذا كان كذلك كانت تلك ~~الصفات أحد أجزاء ماهية ذلك الشخص. من حيث إنه ذلك الشخص. وعند تفرق ~~الأجزاء تبطل تلك الصفات وتفنى. # وان امتنعت الاعادة على المعدوم ، امتنعت الاعادة على تلك الصفات ، فيكون ~~العائد صفات أخرى ، لا تلك الصفات باعتبارها كان ذلك الشخص ذلك الشخص. وعلى ~~هذا التقدير لم يكن العائد ثانيا هو الذي ms280 كان موجودا أولا ، فلم يكن «زيد» ~~الثانى عين «زيد» الأول. # فثبت مما ذكرنا : أنا ان جوزنا اعادة المعدوم فلا حاجة الى ما ذكروه ، ~~وان منعنا اعادة المعدوم ، كان الاشكال المذكور باقيا. سواء قلنا : انه ~~تعالى يفنى الذوات ، أو قلنا : انه تعالى لا يفنيها. وبالله التوفيق. ### ||| * الفصل الخامس ### ||| * فى ### ||| * تفصيل مذاهب الناس ### ||| * فى المعاد وتقرير القول الحق فيه # اعلم : أن هذه المسألة مفتقرة الى أربعة أركان. وذلك لأن الانسان هو ~~العالم الصغير. وهذا العالم هو العالم الكبير ، والبحث PageV02P053 # عن كل واحد منهما ، اما عن تخريبهما ، أو عن جعلهما معمورين بعد أن صارا ~~خرابين. فهذه مطالب أربعة : # المطلوب الأول ### |||| ** : فى كيفية تخريب هذا العالم الصغير وهو موت الانسان المطلوب الثانى : انه ~~تعالى كيف يجعله معمورا بعد أن جعله خرابا. وهذا البحث هو المراد بقولنا : ~~انه تعالى يعيده حيا عاقلا ، ويوصل إليه الثواب والعقاب. # والمطلوب الثالث : انه تعالى كيف يخرب هذا العالم الأكبر؟ أيخربه بتفريق ~~الأجزاء ، أو بالاعدام والافناء؟ # والمطلوب الرابع : أنه سبحانه وتعالى كيف يعمر العالم الأكبر بعد تخريبه؟ ~~وهذا هو القول فى شرح أحوال القيامة ، وبيان أحوال الجنة والنار. # فهذا هو ضبط مباحث هذا الباب. # أما المطلوب الأول وهو البحث عن حقيقة الموت فنقول : لا شك أن هذا الجسد ~~يموت. فمن قال : الانسان (4) هو هذا الجسد. قال : الانسان يموت. ومن قال : ~~الانسان شيء آخر سوى هذا الهيكل المحسوس. قال : الانسان لا يموت. فان هذه ~~البنية وهذا الهيكل ما دام مستعدا ، لأن يكون محلا لتصرف (5) النفس ، كانت ~~النفس متعلقة به ، ومدبرة له ، ومتصرفة فيه. فاذا بطل عنه ذلك الاستعداد ~~والصلاحية ، انقطع تدبير النفس له وتصرفها فيه. وهذا الترك والاعراض هو الموت. PageV02P054 # ثم القائلون بهذا. منهم من قال : النفس جوهر مجرد على ما هو قول الحكماء ~~ومنهم من قال : انه جسم نورانى شفاف سار فى هذا البدن. واذا فسد البدن ~~انفصلت تلك الأجسام الشفافة النورانية ، ورجعت الى عالم الأفلاك والأضواء ، ~~ان كانت من السعداء ، أو الى الهاوية والظلمات ، ان كانت من الأشقياء. # وأما ms281 المطلوب الثانى وهو القول فى المعاد فاعلم : أن الأقوال الممكنة فى ~~هذه المسألة لا تزيد على خمسة. وذلك لأن الحق اما أن يكون المعاد هو المعاد ~~الجسمانى فقط وهو قول أكثر المتكلمين أو المعاد الروحانى فقط وهو قول أكثر ~~الفلاسفة الالهين أو كل واحد منهما حق وصدق وهو قول أكثر المحققين أو الحق ~~هو بطلانهما معا وهو قول القدماء من الفلاسفة الطبيعيين والحق هو التوقف فى ~~كل هذه الأقسام. وهو المنقول عن «جالينوس» فانه قال : «لم يظهر لى أن النفس ~~شيء غير المزاج» وبتقدير أن تكون النفس هى المزاج ، فعند الموت تصير النفس ~~فانية معدومة. والمعدوم لا يمكن اعادته ، وأما بتقدير أن تكون النفس جوهرا ~~باقيا بعد فساد المزاج ، كان المعاد ممكنا. ولما لم يتبين عنده أن النفس هل ~~هو المزاج بعينه أو شيء غيره؟ لا جرم توقف فيه. # واعلم : أن المعاد الجسمانى أنكره أكثر الفلاسفة. وجملة أهل الاسلام (6) ~~متفقون على اثباته. واعلم : أن الجمع بين انكار المعاد الجسمانى ، وبين ~~الاقرار بأن القرآن ، حق : متعذر. لأن من خاض فى علم التفسير ، علم أن ورود ~~هذه المسألة فى القرآن ، ليس بحيث يقبل التأويل. # وأما القائلون. بالمعاد الجسمانى. فقد عرفت أنهم فريقان : منهم من يقول : ~~انه تعالى بعدم الذوات ثم يعيدها. ومنهم من يقول : انه PageV02P055 # تعالى يفرق الأجزاء ، ثم يركبها مرة أخرى. ولنا : فى هذه المسألة مقامان ~~: أحدهما : اثبات الجواز العقلى. والثانى : اثبات الوقوع السمعى. # أما المقام الأول وهو اثبات الجواز فاعلم : أنه مبنى على ثلاث مقدمات : # احداها : اثبات أن اعادة المعدوم جائزة ، واثبات أن الأجزاء التى تفرقت ~~يمكن تركيبها بعينها. كما كانت. وهذه المقدمة قد تقدم تقريريها. # وثانيها : انه تعالى قادر على جميع الممكنات. # وثالثها : انه تعالى عالم بجميع المعلومات الكلية والجزئية. واذا كان ~~كذلك ، فأجزاء الأبدان وان صارت ترابا واختلط بعض الأجزاء بالبعض ، الا أنه ~~تعالى لما كان عالما بجميع المعلومات الكلية والجزئية ، كان عالما بأن ~~الجزء الذي تحت قعر البحر الفلانى والجزء الذي فوق الجبل الفلانى ، ~~مجموعهما هو قلب ms282 «زيد» المطيع. # واذا ثبتت هذه المقدمات الثلاث ، ظهر أن المعاد الجسمانى جائز عقلا ، ~~لأنه لما كان فى نفسه ممكن الوجود ، وكان الله تعالى قادرا على جميع ~~الممكنات ، لزم كونه تعالى قادرا عليه. واذا كان عالما بجميع المعلومات ، ~~فحينئذ يمكنه تمييز المطيع عن العاصى. # واعلم : أنه سبحانه وتعالى كلما ذكر فى القرآن هذه المسألة ، بنى تقريرها ~~على هذه المقدمات الثلاث. # (وكل آية وردت فى هذه المسألة. فهى مشتملة على تقرير هذه المقدمات ~~الثلاث. ومن الآيات): # الآية الأولى : قوله تعالى فى سورة النمل : ( @QUR@027 «أمن يبدؤا الخلق ~~ثم يعيده؟ ومن يرزقكم من السماء والأرض؟ أإله مع الله؟ قل : هاتوا برهانكم ~~إن كنتم صادقين. قل : لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب ). PageV02P056 # ( @QUR@02 إلا الله )» [النمل 64 65] فقوله : ( @QUR@05 أمن يبدؤا الخلق ~~ثم يعيده )؟ اشارة الى مقدمتين : # أحدهما : ان عوده ممكن فى نفسه. # والثانية : انه تعالى قادر على هذا الممكن ، لأنه لو لم يكن الأمر كذلك ، ~~لما كان الابتداء ممكنا. وقوله تعالى : ( @QUR@010 قل : لا يعلم من في ~~السماوات والأرض الغيب إلا الله ) اشارة الى المقدمة الثالثة. وهى كونه ~~تعالى عالما بكل المعلومات ، ثم لما قرر هذه المقدمات الثلاث أخبر عن جهالة ~~من نازع فى صحة المعاد الجسمانى بعد الاقرار بتلك المقدمات الثلاث ، فقال : ~~( @QUR@014 بل ادارك علمهم في الآخرة ، بل هم في شك منها ، بل هم منها عمون ~~) [النمل 66] # والآية الثانية : فى سورة الروم. وهى قوله تعالى : ( @QUR@04 وهو الذي ~~ونسي خلقه ) الى قوله : ( @QUR@04 وهو بكل خلق عليم ) [يس 78 79] فقوله : ( ~~@QUR@03 أنشأها أول مرة ) اشارة الى الجواز الذاتى والقدرة. وقوله : ( ~~@QUR@04 وهو بكل خلق عليم ) اشارة الى كمال العلم. وأيضا : قوله تعالى : ( ~~@QUR@010 «أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم؟ ) [يس ~~81] اشارة الى الجواز الذاتى ، أو الى كمال القدرة ثم قال : ( @QUR@04 بلى. ~~وهو الخلاق العليم ) [يس 81] اعادة لتلك المقدمة مع مقدمة العلم. # والآية الثالثة : فى سورة الروم. وهى قوله تعالى : ( @QUR@012 وهو الذي ~~يبدؤا الخلق ، ثم يعيده. وهو أهون عليه. وله المثل الأعلى ) الى قوله : ( ~~@QUR@01 الحكيم ) [الروم 27] فقوله ms283 : ( @QUR@04 يبدؤا الخلق ، ثم يعيده ) ~~اشارة الى الجواز الذاتى وكمال القدرة ، ثم قوله : ( @QUR@02 وهو العزيز ) ~~اشارة أيضا الى كمال القدرة و «الحكيم» اشارة الى كمال العلم. ونحن قد شرحنا ~~فى تفسيرنا : أن كل آية وردت فى هذه المسألة فهى مشتملة على تقرير هذه ~~المقدمات الثلاث. PageV02P057 ### ||| ** أما الفلاسفة المنكرون لصحة المعاد الجسمانى ، فقد احتجوا بوجوه : # الأول : ان حشر الأجساد لا يتم الا مع القول بصحة اعادة المعدوم. وهذا ~~محال ، فذلك محال. # اما المقدمة الأولى : فقد بينا فيما تقدم أنا سواء قلنا انه تعالى يعدم ~~الأجزاء ثم يعيدها ، أو قلنا : انه تعالى يفرقها ثم يركبها ، فانه لا بد من ~~القول بصحة اعادة المعدوم. # وأما المقدمة الثانية : وهى أن اعادة المعدوم ممتنعة ، فقد سبقت حكاية ~~شبهاتهم فيها. ### |||| ** الثانى : اذا قتل انسان ، وأكله انسان آخر ، فقد صارت أجزاء بدن المقتول أجزاء بدن ~~هذا الذي أكله ، لأن من أكل شيئا واغتذى به ، فقد صارت أجزاء الغذاء ، ~~أجزاء بدن المغتذى. فيوم القيامة لا بد أن ترد تلك الأجزاء الى بدن أحد ~~هذين الشخصين ، فلا بد أن يضيع الثانى فعلمنا أن القول بحشر الأجسام محال. # الثالث : انه تعالى اذا أعاد بدن شخص ، فاما أن يعيد هذه الأجزاء التى ~~كانت موجودة وقت الموت ، أو يعيده جملة الأجزاء التى كانت أجزاء له ، فى ~~جميع مدة الحياة. والأول يقتضي أن يعاد الأعمى والأقطع والمجذوم على هذه ~~الصورة. وذلك باطل بالاتفاق والثانى أيضا باطل. لأن حشر هذا الانسان اذا ~~كان وقت اسلامه سمينا ، ثم كفر وصار هزيلا ، فاذا حشر هذا الانسان سمينا ~~وعذب فى النار ، لزم وصول العذاب الى تلك الأجزاء التى كانت موصوفة بصفة ~~الاسلام. وذلك ظلم. وعلى العكس من هذا لو كان كافرا سمينا ، ثم أسلم فصار ~~هزيلا ، لزم ايصال الثواب الى الأجزاء الكافرة (7) وهو محال. PageV02P058 # الرابع : البدن جوهر حار رطب. والحرارة اذا أثرت فى الرطوبة ، لزم أن ~~تصعد من الجوهر الرطب أجزاء بخارية لطيفة. فعلى هذا التقدير لا بد أن يرتفع ~~عن كل عضو أجزاء بخارية لطيفة. وربما التصق ms284 بعضو آخر وصار جزأ لذلك العضو ~~الآخر. فاذن هذا الجزء الواحد قد كان جزءا لأحد العضوين. ثم صار للعضو ~~الآخر ، ففى زمان الحشر لو أعيد ذلك الجزء الى العضو الأول ، ضاع العضو ~~الثانى. ولو أعيد الى العضو الثانى ، لضاع العضو الأول. ولما كان القول ~~بالحشر متأديا الى هذا الباطل ، وجب أن يكون باطلا. # والجواب عن الشبهة الأولى : أن نقول : أما الذين قالوا : ان الانسان هو ~~هذا الهيكل ، فلا جواب لهم عن هذه الشبهة ، الا ببيان أن اعادة المعدوم غير ~~ممتنعة. ونحن قد أحكمنا الكلام فى هذه المسألة. # وأما الذين قالوا : الانسان ليس هو هذا الهيكل وهذا هو الأقرب فقد احتجوا ~~عليه بوجهين أوردنا هما فيما تقدم # أحدهما : ان الانسان شيء واحد باق من أول عمره الى آخر عمره. وهذا الهيكل ~~غير باق من أول العمل الى آخره. فالانسان شيء مغاير لهذا الهيكل. # والثانى : ان الانسان قد يكون عالما بذاته المخصوصة ، حال ما يكون غافلا ~~عن جميع أجزائه الظاهرة والباطنة. والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم. # واذا ثبت هذا فنقول : لم لا يجوز أن يقال : ان الشيء الذي هو الانسان فى ~~الحقيقة أجزاء لطيفة سارية فى هذا البدن ، باقية من أول العمر الى آخره. ~~اما لأجل أن تلك الأجسام اللطيفة مخالفة بالماهية لهذه الأجسام العنصرية ~~الكائنة الفاسدة المتحللة وتلك الأجسام حية لذواتها مضيئة شفافة ، فلا جرم ~~كانت مصونة عن التبدل والتحلل PageV02P059 # واما لأنها وان كانت مساوية لهذه الأجسام العنصرية فى الماهية ، الا أن ~~الفاعل المختار صانها عن التغير والانحلال بقدرته ، وجعلها باقية دائمة من ~~أول العمر الى آخره. # ثم عند الموت تنفصل تلك الأجزاء الجسمانية التى هى الانسان ، وتبقى على ~~حالتها حية مدركة عاقلة فاهمة. وتتخلص اما الى منازل السعداء. كما قال الله ~~تعالى : ( @QUR@012 ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ، بل أحياء ~~عند ربهم ) [آل عمران 169] وأما الى منازل الأشقياء. كما قال الله تعالى : ~~( @QUR@05 النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ) [غافر 46] ثم انه تعالى يضم يوم ~~القيامة الى هذه الأجزاء الأصلية ms285 التى هى الانسان فى الحقيقة ، أجزاء أخر ~~زائدة كما فعل ذلك فى الدنيا ، ويوصل الثواب والعقاب إليه. وعلى هذا ~~التقدير لا يبقى فى المعاد الجسمانى شبهة واشكال أصلا البتة. # وعلى هذا التقدير يكون المثاب والمعاقب فى القيامة ، عين من كان مطيعا ~~وعاصيا فى الدنيا. وهذا على القول بأن الانسان جسم مخصوص ، سار فى هذا ~~البدن. وأما على قول من يقول : الانسان عبارة عن جوهر مجرد عن الحجمية ~~والمقدار ، فالقول فيه أيضا هكذا. فظهر أن على هذا التلخيص ، لا تبقى شبهة ~~البتة ، فى صحة القول بالمعاد الجسمانى. # فان قيل : ألستم قد دللتم على أن كل ما سوى الله تعالى ، فانه يفنى ويصير ~~معدوما. وعلى هذا التقدير ، فالنفس الانسانية أيضا تفنى وتعدم. وحينئذ يعود ~~الاشكال. # قلنا : نحن قد أثبتنا بالدليل العقلى : أن كل ما سوى الله تعالى فانه ~~جائز العدم. أما أن هذا الجائز يقع ، فانا انما عولنا فيه على ظواهر ~~العمومات. وتخصيص العموم بالدليل جائز ، وثبت بنصوص PageV02P060 # القرآن والأخبار المتواترة عن الأنبياء عليهم السلام القول بأن المعاد ~~الجسمانى : حق. ونشاهد أن الانسان يموت وتتفرق أجزاء بدنه. # ثم عند هذا لا يخلو اما أن تكون اعادة المعدوم جائزة ، أو لا تكون. فان ~~كانت جائزة ، فقد زالت الاشكالات ، وان لم تكن جائزة ، وجب القطع ببقاء ~~النفس الانسانية ، حتى يصح القول بالمعاد الجسمانى. # واقصى ما فى الباب : أن هذا يفضى الى تخصيص تلك العمومات. الا أن الدلائل ~~الدالة على وقوع المعاد الجسمانى قاطعة. وتخصيص ظواهر العمومات ، وان كان ~~خلاف الأصل الا أنه غير ممتنع ، وتقديم القاطع على المحتمل واجب. ومن أنصف ~~وترك العناد ، علم أن هذه المباحث وافية بازالة الاشكالات المذكورة فى هذا الباب. # والجواب عن الشبهة الثانية : هو انا بينا أن المعتبر فى الحشر والنشر ، ~~اعادة الأجزاء الأصلية ، لا اعادة الأجزاء الفاضلة. والأجزاء الأصلية ، لكل ~~مكلف أجزاء فاضلة بالنسبة الى غيره. وعلى هذا التقدير فالاشكال زائل. وأما ~~إن قلنا بأن الشيء الذي هو الانسان باق مصون عن التبدل والانحلال ، فهذا ~~الاشكال غير متوجه ms286 البتة. # وبهذا الحرف يظهر الجواب عن الشبهة الثالثة : وذلك لأن المأمور والمنهى ~~والمثاب والمعاقب ، هو تلك الأجزاء الأصلية الباقية من أول العمر الى آخره. ~~فأما الزوائد التى تتبدل باختلاف أحوال السمن والهزال ، فلا عبرة بها. # وبه يظهر الجواب عن الشبهة الرابعة : لأن الأجزاء التى تصير أبخرة وتنفصل ~~عن العضو وتتصل بعضو آخر ، فهى من الأجزاء الفاضلة ، ولا عبرة بها فى الحشر ~~والنشر. وكل من أنصف علم أن هذه الأجوبة وافية بدفع هذه الشبهات. PageV02P061 # أما المقام الثانى وهو القطع بوقوع المعاد الجسمانى فلنا إليه طريقان : ~~السمع ، والعقل. أما الطريق السمعى. فهو أن نقول : لما ثبت بالدليل العقلى ~~جوازه ، وثبت بالنقل المتواتر عن جميع الأنبياء والرسل عليهم السلام وقوعه ، ~~وجب القطع بوقوعه. لأن الصادق اذا خبر عن وقوع أمر ممكن الوقوع ، وجب القطع به. # فان قيل : لم لا يجوز أن يقال : الأنبياء عليهم السلام انما أثبتوا المعاد ~~الجسمانى ، لأن القول بالمعاد الروحانى حق. وأكثر الخلق لا يمكنهم تصور ~~المعاد الروحانى. فالأنبياء عليهم السلام ذكروا هذا المعاد الجسمانى ، ليحصل ~~به نظام العالم ، ثم إن من كان قوى العقل ، عرف أنه لا بد من تأويل هذه ~~الظواهر؟ # قالوا : والذي يحقق ذلك : أن المبدأ المذكور فى الكتب الالهية ، مذكور ~~على وجه يوهم أن ذلك المبدأ الجسمانى. ثم ان المتكلمين سلطوا التأويلات على ~~تلك الظواهر ، وزعموا: أن المبدأ منزه عن الأحوال الجسمانية ، فكذا المعاد ~~المذكور فى الكتب الالهية. وان كان جسمانيا. فلم لا يسلطون التأويلات ~~عليها؟ ولم ينكرون أن يكون ذلك المعاد مبدأ عن الأحوال الجسمانية؟ # فالحاصل : أن الحشوية تمسكوا بالظواهر ، وزعموا : أن الحق هو المبدأ ~~الجسمانى والمعاد الجسمانى. # والفلاسفة سلطوا التأويلات على الظواهر ، وزعموا : أن المبدأ منزه عن ~~الأحوال الجسمانية. وكذا المعاد. # وأما المتكلمون. فقد سلطوا التأويلات على الظواهر الواردة فى جسمانية ~~المبدأ ، واحترزوا عن تأويلات الظواهر الواردة فى جسمانية المعاد فقط. فكان ~~هذا تحكما محضا. PageV02P062 # والجواب : ان التأويلات انما يصار إليها ، لو كان الاحتمال قائما. ولما ~~علمنا بالنقل المتواتر المستفيض من دين محمد عليه ms287 السلام أنه انما كان مثبتا ~~للمعاد الجسمانى ، ومكفرا لكل من كان منكرا له ، لا جرم لم يبق للتأويل فى ~~هذا الباب مجال. # وأما الطريق العقلى المثبت للمعاد الجسمانى. فهو من وجهين : الوجه الأول ~~: انا نرى فى دار الدنيا مطيعا وعاصيا ومحسنا ومسيئا ، ونرى أن المطيع يموت ~~من غير ثواب يصل إليه فى الدنيا ، والعاصى يموت من غير عقاب يصل إليه فى ~~الدنيا ، فان لم يكن حشر ونشر ، يصل فيه الثواب الى المحسن ، والعقاب الى ~~المسىء ، لكانت هذه الحياة الدنيوية ، عبثا ، بل سفها. # واعلم : أنه تعالى ذكر هذه الحجة فى آيات من القرآن. قال فى سورة طه : ( ~~@QUR@010 إن الساعة آتية. أكاد أخفيها. لتجزى كل نفس بما تسعى ) [طه 15] ~~وقال فى سورة ص : ( @QUR@029 وما خلقنا السماء والأرض ، وما بينهما باطلا. ~~ذلك ظن الذين كفروا. فويل للذين كفروا من النار. أم نجعل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات ، كالمفسدين في الأرض ، أم نجعل المتقين كالفجار )؟ [ص 27 ~~28] وفى هذه الآيات لطائف كثيرة دالة على صحة القول بالمعاد الجسمانى ، ~~ذكرناها فى «التفسير الكبير». # والوجه الثانى من الدلائل على صحة المعاد الجسمانى : أن نقول : انه تعالى ~~خلق الخلق ، اما للراحة واما للتعب والألم ، أو لا للراحة ولا للتعب. لا ~~جائز أن يقال : خلقهم للتعب والألم. لأن هذا لا يليق بالمحسن الرحيم ، ~~الغنى عن الخلق. ولا جائز أن يقال : خلقهم لا للراحة ولا للتعب والألم. ~~لأنهم حال كونهم معدومين ، كان هذا المعنى حاصلا. فدل على أنه تعالى انما ~~خلقهم للراحة. PageV02P063 # ثم نقول : هذه الراحة اما أن تكون فى هذا العالم. أو فى عالم آخر. لا ~~جائز أن يقال: انها فى هذا العالم. لأن الذي يظنه الانسان لذة فى هذا ~~العالم ، فهو ليس بلذة ، بل هو دفع الألم. مثاله : ان لذة الأكل ليست فى ~~الحقيقة لذة ، بل هى دفع ألم الجوع. ولذلك فان ألذ اللقم هى اللقمة الأولى ~~، لأن هناك ألم الجوع أقوى. وكل لقمة هى أكثر تاخرا ، كانت أقل لذة. وذلك ~~لأن ألم الجوع هناك ، أقل قوة ، وكذلك ms288 لذة الوقاع عبارة عن دفع الألم. وذلك ~~لأن الفضلة التى يتولد منها المنى ، لما اجتمعت فى أوعية المنى ، حاولت ~~الانفصال. فقبل الانفصال يحصل نوع ألم يسبب اجتماعها فى تلك الأوعية ، فاذا ~~انفصلت زال ذلك الألم. وعلى هذا القياس سائر اللذات الحاصلة فى هذا العالم. # وأيضا : فبتقدير أن تحصل فى هذا العالم لذة جسمانية ، لكنها قليلة. ~~والغالب اما الألم أو دفع الألم. وليس من الحكمة القاء الحيوان فى بحر ~~الآلام والمكروهات ، لأجل أن يعود إليه ذرة من اللذات. ولما ثبت : أن ~~الحيوان انما خلق لأجل اللذة والراحة ، وثبت : أن ذلك المقصود غير حاصل فى ~~هذا العالم ، فلا بد من القطع بوجود عالم آخر ، بعد هذا العالم ، يحصل فيه ~~هذا المقصود. وذلك هو الدار الآخرة. # فهذه طريقة اقناعية. والاعتماد على ما تقدم. وهذا حاصل الكلام فى المعاد ~~الجسمانى. ### ||| * الفصل السادس ### ||| * فى ### ||| * المعاد الروحانى # اعلم : أن هذا البحث (1) متفرع على اثبات أن النفس جوهر PageV02P064 # مجرد ، ليس بجسم ولا بجسمانى. فنقول : القائلون باثبات هذه النفس : فرق ثلاث : # أحدها : الذين يقولون جملة النفوس الناطقة باقية بعد الموت. وهو قول أكثر ~~المحققين من الحكماء. # وثانيها : الذين يقولون النفوس الناطقة تفنى عند فناء الأبدان. وهذا قول ~~لم يقل به أحد من المحققين. # وثالثها : الذين يقولون النفوس الفاضلة تبقى. وهى التى استكملت قوتها ~~النظرية بمعرفة الحق وقوتها العملية بعمل الخير ، وأما النفوس التى لا تكون ~~كذلك ، فانها تفنى عند فناء الأبدان. # أما القول الأول وهو أنها بأسرها باقية بعد موت البدن فقد ذكرنا حجتهم. # وأما القول الثانى وهو أنها تفنى عند موت البدن فقد احتجوا بأن هذه ~~النفوس ليست أزلية ، فوجب أن لا تكون أبدية. ### ||| ** وانما قلنا : انها ليست أزلية لوجهين : # الوجه الأولى : ان النفوس لو كانت أزلية ، لكانت اما أن تكون واحدة ، أو ~~كثيرة. والقسمان باطلان ، فبطل القول بكونها أزلية. # انما قلنا : انه يمتنع كونها واحدة ، لأنها بعد التعلق بالأبدان. ان بقيت ~~واحدة ، كان نفسى نفسك. وبالعكس. فكل ما كان معلوما لانسان ، يجب أن يكون ~~معلوما لكل ms289 انسان. هذا خلف. وان تعددت فهو محال. لأن هاتين النفسين اللتين ~~هما موجودتان الآن. ان قلنا : انهما كانتا موجودتين قبل التعلق بالأبدان ، ~~فقبل التعلق بالأبدان كانت النفوس كثيرة لا واحدة ، وان قلنا بأنهما ما ~~كانتا موجودتين ، فهما قد حدثتا الآن فلا تكون هذه النفوس قديمة. PageV02P065 # وانما قلنا : انه يمتنع كونها متعددة فى الأزل ، لأن ذلك التعدد لا بد ~~فيه من مميز ، وذلك المميز اما أن يكون ذاتيا أو عرضيا. لا جائز أن يكون ~~ذاتيا. لأن النفوس البشرية متحدة بالنوع. ولا جائز أن يكون عرضيا ، لأن ~~الامتياز بالصفات العرضية تابع لاختلاف المواد. ومادة النفس هى البدن. فقبل ~~التعلق بالأبدان ليس لها شيء من المواد ، فامتنع اختلافها بسبب الصفات ~~العرضية. فثبت : أن النفوس البشرية لو كانت أزلية ، لكانت فى الأزل اما ~~واحدة أو متعددة. والقسمان باطلان ، فبطل القول بكونها أزلية. # والوجه الثانى : ان نفسى عبارة عن ذاتى المخصوصة ، التى أشير إليها بقولى ~~: «أنا» فلو كانت النفس القديمة ، لكنت أنا من حيث أنا ، أزليا قديما. واذ ~~كان الأمر كذلك ، لوجب أن أتذكر شيئا من تلك الأحوال الماضية. فان من ~~المحال أن يمارس الانسان سنين (2) حرفة من الحرف ، ثم انه ينساها بالكلية ، ~~ولا يتذكر شيئا من تلك الأحوال البتة. ولما لم يحصل عندنا تذكر شيء من تلك ~~الأحوال الماضية ، علمنا : أن القول بكون النفوس أزلية باطل. فثبت بما ~~ذكرنا : أن النفوس ليست أزلية. # اذا ثبت هذا ، فنقول : وجب أن لا تكون أبدية. ويدل عليه وجهان : # الأول : ان سبب حدوث النفس عن العلل الفلكية العالية ليس الا حدوث ~~الأبدان المستعدة لقبولها ، لمن دورات الفلك لا أول لها ، فحدوث الأبدان لا ~~أول له ، فحدوث النفوس لا أول له. فلو كانت النفوس باقية ، لزم أن يكون قد ~~حصل الآن نفوس غير متناهية. وذلك PageV02P066 # محال. لأن كل عدد موجود فانه قابل للزيادة والنقصان. وكل ما كان كذلك فهو متناه. # الثانى : ان هذه النفوس لما وجدت بعد أن كانت معدومة ، كانت ماهياتها ~~قابلة للعدم. وهذه القابلية من لوازمها ، فوجب ms290 أن تكون قابلة للعدم أبدا. ~~واذا كان كذلك ، امتنع القطع بأنها لا تعدم البتة. # واعلم : أن الاعتراض على هذه الحجة من وجهين : # (الوجه) الأول (فى الاعتراض): لا نسلم أنها ليست أزلية. ولم لا يجوز أن ~~يقال : إنها فى الأزل متعددة. وكان امتياز بعضها عن بعض بنفس الماهية. ~~وقولهم : النفوس البشرية واحدة بالنوع : فهو محض الدعوى؟ # ولا يقال : هب أنها ليست واحدة فى النوع ، لكن لا شك أن كل نفس تفرض. ~~فانها قد تحصل نفس أخرى لتساويها فى تمام الماهية. وحينئذ يتم الدليل. # لأنا نقول : هذا تمسك بالظن. ولم لا يجوز أن يقال : ان كل نفسين موجودين ~~فهما مختلفان بالماهية ، الا أن اختلافهما فى الماهية لا يمنع من اشتراكهما ~~فى صفات كثيرة؟ # وأيضا : لم لا يجوز أن يقال : كل واحد من تلك الأعداد يمتاز بعضها عن بعض ~~بالصفات العرضية؟ قوله : «التباين بالصفات العرضية لا يحصل الا بسبب اختلاف ~~المواد.» قلنا : هذا ممنوع. فما الدليل عليه؟ سلمنا ذلك. لكن لم لا يجوز أن ~~يقال : النفس قبل تعلقها بهذا البدن ، كانت متعلقة ببدن آخر كما يقوله ~~أصحاب التناسخ؟ # واعلم : أن الشيخ «أبا على بن سينا» انما أبطل التناسخ بدليل مبنى على ~~حدوث النفس. ودليله على حدوث النفس : مبنى على بطلان التناسخ كما بيناه ~~هاهنا فوقع الدور. PageV02P067 # وأما الحجة الثانية وهى قوله : «الأرواح لو كانت قديمة ، لكنا نتذكر الآن ~~شيئا من الأحوال الماضية . قلنا : هذا تمسك بالاستقراء وهو ضعيف أيضا. فلم ~~لا يجوز أن يقال : تذكر النفس للأحوال الماضية مشروط بتعلق النفس بالبدن ، ~~الذي معه حدثت تلك الأحوال. فاذا فنى ذلك البدن ، امتنع تذكر الأحوال التى ~~حصلت مع ذلك البدن. # الوجه الثانى فى الاعتراض على هذه الحجة : سلمنا أنها ليست أزلية. فلم ~~قلتم بأنها لا تكون أبدية؟ قوله : «لو كانت أبدية لكانت النفوس الموجودة ~~الآن غير متناهية». # قلنا : هذا بناء على أن الأدوار الماضية غير متناهية. وقد بينا ابطال ذلك ~~فى مسألة الحدوث. # سلمنا ولكن لم لا يجوز أن يقال : حصل الآن نفوس غير ms291 متناهية؟ قوله : «كل ~~عدد موجود فهو قابل للزيادة والنقصان ، وكل ما كان كذلك فهو متناه». # قلنا : هذه المقدمة فيها بحث دقيق ، ذكرناه فى الكتب الفلسفية. # وأما القول الثالث وهو قول من يقول : «النفوس الفاضلة العالمة تبقى بعد ~~موت البدن ، والنفوس الجاهلة تفنى. مثل نفوس الأطفال والجهال» فهذا القول ~~منقول عن الحكيم «باسيطيوس» واحتج عليه بوجهين : # الحجة الأولى : ان النفوس الخالية عن العلوم والأخلاق الفاضلة ، لو بقيت ~~بعد الموت. لبقيت اما معطلة أو معذبة. وابقاء الشيء فى التعطيل أو فى ~~التعذيب أبد الآباد غير لائق بحكمة الحكيم. # الحجة الثانية : ان العلم سبب للقوة ، والجهل سبب للضعف ، ألا ترى أن ~~العالم بالشيء اذا خاض فيه كان قوى القلب ، والجاهل PageV02P068 # بالشيء اذا خاض فيه كان ضعيف القلب ، ولا شك أن أجل العلوم وأعظمها هو ~~العلم بالله تعالى. فالنفس اذا تحلت بهذه المعرفة قويت ، واشتدت ، فلا ~~يضرها خراب البدن. ولذلك فان العارفين اذا تخلوا فى (3) أنورا جلال الله ~~تعالى لم يلتفتوا الى شيء ، ولم يقيموا لشيء وزنا. # اذا عرفت هذا ، فالنفوس العالمة تكون قوية ، فلا تفنى بموت البدن ، ~~والنفوس الجاهلة تكون ضعيفة ، فلا جرم نموت بموت البدن. # * * * # فهذا تفصيل مذاهب الناس فى المعاد الروحانى. أما الأولون وهم القائلون ~~بأن النفوس الناطقة كلها باقية بعد موت الأبدان فهؤلاء أيضا طوائف : # الطائفة الأولى : الذين يقولون : النفوس الناطقة مدركة للجزئيات واحتجوا ~~عليه بأنه يمكننا أن نحكم بأن هذا الشخص هو انسان فهذه قضية موضوعها شخص ~~معين وهو جزئى ومحمولها هو الانسان وهو كلى والتصديق مسبوق بالتصور. فصاحب ~~هذا التصديق عنده ادراك المحمول الذي هو الكلى ، وادراك الموضوع الذي هو ~~الشخص. لكن مدرك هذا الكلى هو النفس. فمدرك هذا الجزء أيضا هو النفس. فثبت ~~أن النفس مدركة للجزئيات. # اذا ثبت هذا فنقول : النفس لها صفتان : الادراك والفعل. والادراك قسمان : ~~ادراك الجزئيات ، وادراك الكليات. فالنفس هى الموصوفة بهذين القسمين من ~~الادراك وبهذا الفعل الذي هو التحريك. فاذا مات البدن وزال الحجاب الجسمانى ~~، تجلت عليها أنوار عالم الجلال ، فازداد ادراكها ms292 وفعلها ، وانتهت فى ذلك ~~الى حد الكمال ، وقربت درجتها من درجة الملائكة الذين هم أرواح عالم ~~السموات وذلك هو الغبطة الكبرى ، والدرجة العظمى. PageV02P069 # والطائفة الثانية : الذين قالوا بأن هذه الأرواح البشرية لا تقوى على ~~ادراك الجزئيات الا بواسطة آلات جسمانية. فاذا مات البدن واختلف هذه الآلات ~~الجسمانية ، لم يبعد تعلق هذه النفوس بجزء من أجزاء السموات ، حتى يكون ذلك ~~الجزء آلة للنفس ، بها تقوى على الادراكات الجزئية من الابصار والسماع ~~والتخيل والتفكر. # الطائفة الثالثة : الذين يقولون : النفس اذا انقطع تعلقها عن بدن معين ، ~~تعلقت ببدن آخر ، فان كانت فى البدن الأول من النفوس الزكية الفاضلة ، ~~تعلقت ببدن كريم فاضل. وان كانت فى البدن الأول. من النفوس الجاهلة المؤذية ~~، تعلقت ببدن مناسب لها. وهؤلاء هم القائلون بالتناسخ. وهم فرق : # احداها : الذين يقولون : الأرواح الانسانية لا تتعلق الا بالأبدان ~~الانسانية ، ثم انها لا تزال تنتقل من بدن الى بدن ، الى أن تكمل النفس ~~وتصير طاهرة عن جميع العلائق الجسمانية ، وحينئذ تتخلص الى عالم القدس ~~والطهارة. # وثانيها : الذين يجوزون انتقال الأرواح الانسانية الى أبدان البهائم. ~~ويقال لهم : أهل المسخ. # وثالثها : الذين قالوا : الأرواح البشرية اذا فارقت أبدانها ، فقد تتعلق ~~بأبدان الحيوانات ، وبأبدان النباتات والمعادن والبسائط. قالوا : وهذا هو ~~غاية العذاب. وإليه الاشارة بالدركات الضيقة فى جهنم. # قالوا : وذلك لأن القوى الناطقة والحاسة والفعالة والغاذية كلها أنوار ~~تفيض من عالم الأرواح ، فتغوص فى بواطن الأجسام. وبواطن الأجسام مظلمة جدا ~~، الا أنها مستنيرة بسبب غوص هذه القوى فيها. وكلما كانت هذه القوى أقل ، ~~كانت بواطن الأجسام PageV02P070 # ظلمة وأعظم ضيقا. فالأرواح البشرية اذا انتقلت من أبدانها الى هذه ~~الأجسام ، بقيت فى غاية الظلمات والضيق والشدة. أما أجسام الأفلاك فانها ~~لكثرة القوى الروحانية التى فيها ، كانت فى غاية الضوء والفسحة. فالأرواح ~~البشرية اذا فارقت أبدانها وانتقلت الى التعلق بعالم الأفلاك ، كانت فى ~~غاية الغبطة والفرح والضوء والسرور والروح والراحة والريحان. # فهذا هو الاشارة الى تفصيل مذاهب القائلين بالمعاد الروحانى. ### ||| * الفصل السابع ### ||| * فى ### ||| * تفصيل مذاهب القائلين ### ||| * بالمعاد الروحانى ms293 والجسمانى معا # اعلم : أن كثيرا من المحققين قالوا بهذا القول. وذلك لأنهم أرادوا الجمع ~~بين الحكمة والشريعة. فقالوا دل العقل على أن سعادة الأرواح ، فى معرفة ~~الله وفى محبته ، وعلى أن سعادة الأجساد فى ادراك المحسوسات. # قالوا : لأن الاستقراء دل على أن الجمع بين هاتين السعادتين فى الحياة ~~الدنيوية غير ممكن ، وذلك لأن الانسان حال كونه مستغرقا فى تجلى أنوار عالم ~~الغيب ، لا يمكنه الالتفات الى شيء من اللذات الجسمانية ، وحال كونه مشغولا ~~باستيفاء اللذات الجسمانية ، لا يمكنه الالتفات الى اللذات الروحانية ، لكن ~~هذا الجمع انما يتعذر لأجل أن الأرواح البشرية ضعيفة فى هذا العالم. فاذا ~~مات واستمدت هذه الأرواح من عالم القدس والطهارة ، قويت وكملت. فاذا أعيدت ~~الى الأبدان مرة أخرى ، لم يبعد أن تصير هناك قوية قادرة على الجمع بين ~~الأمرين. ولا شك أن هذه الحالة هى الغاية القصوى فى مراتب السعادات. PageV02P071 # وهذا المعنى لم يقم على امتناعه برهان عقلى. وهو جمع بين الحكمة النبوية ~~والقوانين الفلسفية ، فوجب المصير إليه. وأما معرفة تفاصيل هذه الأحوال. ~~فمما لا سبيل إليها فى هذا العالم. # فقد تكلمنا الآن فى تقرير المعاد الجسمانى وحده ، والمعاد الروحانى وحده ~~، وفى كيفية الجمع بينهما. وأما الذين ينكرونهما معا ، فهو قول من قال : ~~«النفس هى المزاج فقط ، فاذا مات الانسان فقد عدمت النفس» ثم انه ينكر ~~اعادة المعدوم ، وحينئذ يلزم انكار المعاد مطلقا الا أن الكلام فى ابطال ~~هاتين المقدمتين قد تقدم. # واعلم : أنا كنا قد ذكرنا أن مطالب مسألة المعاد أربعة : الأول : كيفية ~~تخريب العالم الأصغر. وهو الانسان. # والثانى : كيفية عمارته بعد تخريبه. وهو البعث والحشر والنشر. # والمطلوب الثالث : كيفية تخريب العالم الأكبر. وقد بينا بالدليل العقلى ~~جوازه. وأما الوقوع فلا يمكن أن يؤخذ الا من القرآن قال الله تعالى فى صفة ~~الأرض : ( @QUR@06 يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ) [ابراهيم 48]. ### ||| ** وأما الجبال. فقد ذكر أحوالها فى آيات : ### |||| ** احداها : قوله تعالى : ( @QUR@06 وحملت الأرض والجبال ، فدكتا دكة واحدة ) [الحاقة 14]. # وثانيها : قوله تعالى : ( @QUR@07 إذا رجت الأرض رجا ، وبست ms294 الجبال بسا ) ~~[الواقعة 4 5] وثالثها : قوله تعالى : ( @QUR@04 وتكون الجبال كالعهن ~~المنفوش ) [القارعة 5]. PageV02P072 # ورابعها : قوله تعالى : ( @QUR@08 وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب ) [النمل 88]. # وخامسها : قوله تعالى : ( @QUR@04 وسيرت الجبال فكانت سرابا ) [النبأ 20]. # وأما البحار. فقال الله تعالى فى صفتها : ( @QUR@02 والبحر المسجور ) ~~[الطور 6] وفى آية أخرى : ( @QUR@03 وإذا البحار فجرت ) [الانفطار 3]. ### ||| ** وأما السموات. فقد ذكر صفاتها فى آيات : ### |||| ** احداها : قوله تعالى : ( @QUR@07 ويوم تشقق السماء بالغمام ، ونزل الملائكة تنزيلا ) ~~[الفرقان 25]. # وثانيها : قوله تعالى : ( @QUR@03 إذا السماء انفطرت ) [الانفطار 1] ( ~~@QUR@03 إذا السماء انشقت ). [الانشقاق 1] ### |||| ** وثالثها : قوله تعالى : ( @QUR@04 وفتحت السماء فكانت أبوابا ) [النبأ 19]. # ورابعها : قوله تعالى : ( @QUR@04 يوم تكون السماء كالمهل ) [المعارج 8] ~~وقال فى صفة الشمس والقمر : ( @QUR@06 إذا الشمس كورت. وإذا النجوم انكدرت ~~) [التكوير 1 2] وقال تعالى فى سورة القيامة : ( @QUR@03 وجمع الشمس والقمر ~~) [القيامة 9]. # والمطلوب الرابع ### |||| ** : هو أنه تعالى كيف يعمر هذا العالم الكبير بعد تخريبه؟ واعلم : أن المعتمد ~~فى هذه المسألة هو أنه تعالى عالم بجميع الجزئيات والكليات ، قادر على جميع ~~الممكنات ، فيكون لا محالة قادرا على خلق الجنة والنار ، وعلى ايصال مقادير ~~الثواب والعقاب الى المضيعين والمذنبين. وأما تفاصيل تلك الأفعال فلا يمكن ~~معرفتها الا من القرآن والأحاديث. PageV02P073 # ونقل بعض الناس عن «سقراط» أنه قال : «سبب قيام القيامة : أن الأرض ~~موضوعة على الهواء. والهواء موضوع على النار. والنار والهواء صاعدان ~~بالطبع. فبسبب المدافعة الحاصلة من صعود النار والهواء ، بقيت الأرض واقفة. ~~ثم ان تأثير تلك النار فى الأرض يزداد يوما فيوما. فاذا بلغ الغاية حصل ~~الغليان فى البحار ، وتصاعدت الآخرة العظيمة الحارة منها الى السموات ، ثم ~~ان حر الشمس من فوق وحر هذه الأبخرة المتصاعدة إليها من تحت ، يجتمعان ~~ويصير المجموع مؤثرا فى السموات ، فتصير الأفلاك كالنحاس المذاب ، وينصب ~~الكل ويكون لها لهيب وحرارة فوق الغاية ، والأرواح الشقية (4) المتعلقة ~~بلذات هذا العالم الجسمانى ، بقيت هناك ، واحترقت بتلك الأجسام الذائبة ~~الحارة المحرقة وهذا هو المراد من جهنم ، ومن الجحيم ، ومن عذاب أهل ~~النار». # وفى المسألة مذاهب سوى ما ذكرناه ، عجيبة. ولنكتف بهذا القدر فى هذه ~~المسألة. PageV02P074 ### ||| * المسألة ms295 الحادية والثلاثون ### ||| * فى ### ||| * إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم # اعلم : أن الذين ينكرون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم طوائف : الطائفة ~~الأولى : الذين يقولون : المقصود من بعثة الأنبياء هو التكليف. ولكن القول ~~بالتكليف باطل ، فالقول ببعثة الأنبياء باطل. # الطائفة الثانية : الذين يقولون : التكليف جائز ، الا أن العقل كاف فى ~~معرفة التكليف ، لأن كل ما كان حسنا فعلناه ، وكل ما كان قبيحا تركناه ، ~~وكل ما لا يمكننا أن نعرف حسنه وقبحه ، فان كنا مضطرين أو محتاجين إليه ~~اكتفينا بالقدر الدافع للضرورة والحاجة ، وان لم تكن بنا إليه حاجة ، ~~امتنعنا عنه احترازا عن الخطر. # الطائفة الثالثة : الذين يقولون : البعثة جائزة فى العقول ، الا أن الذي ~~يمكن أن يجعل دليلا على كون الشخص رسولا من عند الله ، ليس الا المعجزات. ~~وهذه المعجزات لا دلالة فيها البتة على الرسالة ، فلا جرم بطل القول ببعثة ~~الأنبياء عليهم السلام لفقدان ما يدل عليها. # الطائفة الرابعة : الذين يقولون : لو أمكن حصول خوارق العادات ، لأمكن ~~الاستدلال بها على صدق مدعى الرسالة ، الا أن انخراق العادات محال ، فلا ~~جرم لم يحصل ما يدل على صدقهم. # الطائفة الخامسة : الذين يقولون نحن ما شاهدنا شيئا من هذه المعجزات ، ~~ولا طريق لنا الى العلم بأنها حصلت وقت دعواهم ، الا أن PageV02P075 # الناس يخبرون عن ذلك ، غير أن الخبر لا يفيد العلم وأقصى ما فى الباب : ~~أنه يفيد الظن ، الا أن الظن غير معتبر فى هذا الباب. # الطائفة السادسة : جمع من الصوفية يقولون : الاشتغال بغير الله حجاب عن ~~معرفة الله تعالى ، والأنبياء يدعون الخلق الى الطاعات والتكاليف ، فهم ~~يشغلون الخلق بغير الله ، ويمنعونهم عن الاشتغال بالله ، فوجب أن لا يكون ~~ذلك حقا وصدقا. # الطائفة السابعة : الذين يقولون : نرى الشرائع مشتملة على أشياء لا فائدة ~~فيها. فان الصوم والصلاة والحج أفعال لا منفعة فيها للمعبود ، وهى مضار ~~ومتاعب فى حق العباد (1) فكان ذلك عبثا ، بل سفها. وذلك لا يليق بأحكم ~~الحاكمين ، فوجب أن لا تكون هذه الشرائع من عند الله. # الطائفة الثامنة : الذين يسلمون ms296 أصل النبوة ، الا أنهم ينازعون فى نبوة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم . # * * * # واعلم : أنا متى دللنا على صحة نبوة محمد عليه السلام فقد دللنا على صحة ~~أصل النبوة. # فنقول : ان محمدا عليه السلام ادعى النبوة (2) وظهرت المعجزة على وفق ~~دعواه ، وكل من كان كذلك كان رسولا حقا ، ينتج : أن محمدا ~~صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله حقا. PageV02P076 # القسم الأول : لبس الحق بالباطل. أى أنهم يذكرون النص الأصلي ، ثم يضيفون ~~كلمة أو كلاما. أو يحذفون. للايهام وغموض المعنى ( ولا تلبسوا الحق بالباطل ~~) [البقرة 42] # القسم الثانى : تحريف الكلم من بعد مواضعه. أى وضع كلمة تحتمل معنيين ( ~~يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه ، وإن لم تؤتوه ~~فاحذروا ) [المائدة 41]. # ولقد غيرت التوراة الأصلية فى «بابل» على هذا النحو ، واستقرت من بعد ~~«بابل» على وضعها الحالى. وانتشرت فى العالم ، ولذلك صعب على اليهود ~~تحريفها لفظيا. ولجئوا الى نوع من التحريف عجيب. وهو تحريف الكلم عن مواضعه ~~بالتأويلات الفاسدة ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) [النساء 46] ونورد هنا ~~مثالا للايضاح والبيان : طلبه الله من موسى عليه السلام أن يجمع بنى اسرائيل ~~ناحية جبل الطور ليسمعوا صوت الله وهو يتكلم مع موسى فيخشون الله ويهابونه ~~الى الأبد «قال لى الرب : اجمع لى الشعب فأسمعهم كلامى لكى يتعلموا أن ~~يخافونى كل الأيام التى هم فيها أحياء على الأرض. ويعلموا أولادهم. فتقدمتم ~~ووقفتم فى أسفل الجبل ، والجبل يضطرم بالنار الى كبد السماء بظلام وسحاب ~~وضباب ، فكلمكم الرب من وسط النار ، وأنتم سامعون صوت كلام ، ولكن لم تروا ~~صورة بل صوتا» [تثنية 4 : 10 12] لكن بنى اسرائيل طلبوا من موسى أن يكلم ~~الله أن لا يحدث هذا المنظر الرهيب مرة أخرى ، بل اذا أراد مخاطبتهم ~~يخاطبهم عن طريق موسى. وهم منه يسمعون فوعدهم الله بنبي يأتى من بعد موسى ~~فى هذا النص : # (يقيم لك الرب إلهك : نبيا. من وسطك. من اخوتك. مثلى. له تسمعون. حسب كل ~~ما طلبت من الرب إلهك فى حوريب يوم الاجتماع PageV02P077 # الأوصاف ms297 التى يتحدث عنها هذا النص تنطبق على نبى الاسلام ~~صلى الله عليه وسلم. اذا حذفنا «من وسطك» و «من وسط» وقد وضعهما الكاتب ضمن ~~النص الأصلي للبس الحق بالباطل ، ليؤكد أن هذا النبي اذا جاء سيكون من بنى ~~اسرائيل. # وعبارة من «اخوتك» أو «اخوتهم» وضعهما الكاتب لاحتمال معنيين. المعنى ~~الأول : من اخوة اليهود أى أنه سيكون اسرائيليا. والمعنى الثانى : من اخوة ~~اليهود أى أنه سيكون من بنى اسماعيل. فاسماعيل أخ لإسحاق ، وأولاد الأعمام ~~يطلق عليهم اخوة. ولا ينصرف «من اخوتك» على بنى عيسو أخو يعقوب ، وان كان ~~ذلك ممكنا ولا على أولاد ابراهيم عليه السلام من زوجته قطوره. لأن اليهود ~~والنصارى متفقون على حرمان هؤلاء من هبات النبوة وأن يكون فى ذريتهم النبوة ~~والكتاب بأدلة منها أن عيسو باع بكوريته ليعقوب ومنها أن أولاد قطوره وبنو ~~السرارى أعطاهم ابراهيم فى حياته عطايا وصرفهم نحو المشرق ولم يكتب الكاتب ~~فى التوراة ما يفيد حرمان اسماعيل من إرث ابراهيم لأنه نسله كما كتب عن بنى ~~عيسو وأولاد قطوره «بإسحاق يدعى لك نسل ، وابن الجارية أيضا سأجعله أمة ~~لأنه نسلك» PageV02P078 # وقد وضع الكاتب فى التوراة لفظ الأخوة بالتساوى بين أولاد اسماعيل ، ~~وأولاد إسحاق ليبين أنه اذا جاء النبي منهم على وفق مرادهم أظهروا النصوص ~~التى تدل عليه. واذا جاء على غير مرادهم يجحدوه. لقد نادى ملاك الرب هاجر ~~من السماء «وقال لها : تكثيرا أكثر نسلك فلا يعد من الكثرة ، وقال لها ملاك ~~الرب : ها أنت حبلى فتلدين ابنا ، وتدعين اسمه اسماعيل لأن الرب قد سمع ~~لمذلتك ، وأن يكون انسانا وحشيا ، يده على كل واحد ، ويد كل واحد عليه ~~وأمام جميع اخوته يسكن» [تك 16 : 10 12] # ولما ظهر نبى الاسلام صلى الله عليه وسلم ، أنكره البعض من أهل الكتاب «حسدا ~~من عند أنفسهم» ولكنهم لا يستطيعون تغيير ألفاظ التوراة لانتشارها فى ~~العالم. فلذلك لجئوا الى تحريف الكلم عن مواضعه لجئوا الى تأويل النص ~~بالتأويلات الفاسدة. قالوا : «وأما النبي الذي يقيمه الله من اخوة بنى ms298 ~~اسرائيل فالمراد بذلك أنه يكون منهم» مع علمهم بيقين أن التوراة صرحت بأنه ~~لن يقوم نبى فى اسرائيل ومن بنى اسرائيل مثل موسى [تث 34 : 10] وحيث أن ~~كتاب موسى قد صرح بمجيء نبى فى المستقبل ، وأن من «اخوتهم» تعنى من بنى ~~اسماعيل ومن بنى اسرائيل. وحيث أن كتاب موسى نص على أنه لن يأتى فى ~~المستقبل مثل موسى نبى من اسرائيل ، فيكون المراد من «اخوتهم» هنا فى هذا ~~النص بنى اسماعيل وحيث أنه لم يظهر من بنى اسماعيل نبى أمى الا محمد ~~صلى الله عليه وسلم فيكون هو المراد. لتتحقق من مجيئه بركة اسماعيل فى الأمم. PageV02P079 # أما المقدمة الأولى وهى قولنا : ان محمدا عليه السلام ادعى النبوة ، وظهرت ~~المعجزة على وفق دعواه فاعلم أن تقرير هذه المقدمة مبنى على مقدمات : # المقدمة الأولى : ان محمدا عليه السلام ادعى النبوة. والاعتماد فى اثبات ~~هذه المقدمة على الأخبار المتواترة. # وقبل الخوض فى المقصود ، لا بد من شرح ماهية الخبر المتواتر. فنقول : ~~الخبر المتواتر على قسمين : # القسم الأول : أن يخبر أهل التواتر عن وجود شيء شاهدوه ، أو كلام سمعوه. ~~وهذا الخبر انما يفيد العلم بشرطين : # الشرط الأول : أن يبلغ فى الكثرة الى حيث يمتنع فى العادة تواطؤهم على ~~الكذب. مثاله : انا اذا رأينا أهل البلدان المختلفة مع تباعد بلادهم وتباين ~~أخلاقهم ، متفقين على الأخبار على أن فى الدنيا بلدة ، يقال لها : «طمعاج» ~~حصل لنا العلم القطعى بوجود هذه البلدة ، وان كنا ما رأيناها. # والشرط الثانى : أن يكون المخبر عنه شيئا محسوسا. وذلك لأن أهل الشرق ~~والغرب ، لو أخبروا عن حدوث العالم ووحدة الصانع ، لم يفد خبرهم العلم. أما ~~اذا أخبروا عن وجود «طمعاج» أفاد خبرهم العلم ، لأن المخبر شيء محسوس. # اذا عرفت هذا فنقول : اذا حصل الشرطان وهو أن يبلغ المخبرون فى الكثرة ~~الى حيث يمتنع اتفاقهم على الكذب ، وكان المخبر عنه شيئا محسوسا كان هذا ~~الخبر مفيدا للعلم اليقينى. # القسم الثانى : أن يكون المخبرون فى الكمية والكيفية بالوصف الذي ذكرناه ~~الا أنهم لا ms299 يقولون بأنا شاهدنا ذلك الشيء ، بل يقولون : PageV02P080 # انا سمعنا قوما موصوفين بالصفة المذكورة ، أنهم قالوا : سمعنا أيضا قوما ~~موصوفين بالصفة المذكورة ، أنهم قالوا : شاهدنا الشيء الفلانى. فهذا القسم ~~من الخبر أيضا : مفيد للعلم. # والشرطان المعتبران فى القسم الأول معتبران أيضا هاهنا. الا أن هاهنا ~~شرطا ثالثا ، وهو أن يكون حال جميع الطبقات فى الكمية والكيفية ، مساوية ~~لحال الطبقة الأولى فى الكيفية والكمية على الوجه الذي ذكرناه # واذا عرفت هذا فنقول : انما ثبت العلم بوجود محمد عليه السلام وبكونه ~~مدعيا للرسالة بالقسم الثانى ، من خبر التواتر. # وتقريره : انا سمعنا من أهل التواتر فى عصرنا أنهم قالوا : سمعنا أهل ~~التواتر. وعلى هذا الترتيب نقل أهل التواتر ، عن أهل التواتر. الى أن يصل ~~هذا النقل الى قوم ، لو : انا شاهدنا محمد بن عبد الله عليه السلام كان يقول ~~: انى رسول الله إليكم. وقد عرفت أن مثل هذا الخبر يفيد العلم القطعى. ~~فعلمنا بهذا الطريق : أن محمدا عليه السلام كان موجودا ، وأنه كان يدعى أنه ~~رسول الله # * * * ### ||| ** واعلم : أن من الناس من طعن فى كون خبر المتواتر مفيدا للعلم. ولهم فيه مقامان: # المقام الأول : الذين يطعنون فى جميع أقسام التواتر. ولهم فيه شبه : # الشبهة الأولى : قالوا : الكذب جائز على كل واحد من أهل التواتر وحده ، ~~فوجب أن يبقى ذلك الجواز حال الاجتماع. ويدل عليه وجهان : PageV02P081 # الأول : ان هذا الاجتماع غير مانع من هذا الجواز فى حق الاثنين والثلاثة ~~والعشرة والمائة. والعقل لا يمكنه أن يشير الى حد معين ، ويحكم بأن ~~الاجتماع الحاصل فى هذا العدد ، يمنع من جواز الكذب ، لأن أى عدد فرضه ~~العقل فان حال العدد الزائد عليه بواحد واثنين ، وحال العدد الناقص عنه ~~بواحد واثنين فى ذلك الجواز على السوية. # واذا كان هذا الجواز ثابتا فى الآحاد والحد المانع من هذا الجواز مفقود ~~وجب أن يقال : ان ذلك الجواز ثابت حال الاجتماع ، كما كان ثابتا حال ~~الانفراد. واذا كان ذلك الجواز ثابتا حال الاجتماع ، امتنع القطع بأن الكذب ~~لا يقع. # الثانى : ان ms300 المتكلمين يقولون : لما كان كل واحد من الحوادث ، له أول. ~~وجب فى الكل أن يكون له أول. وكل العقلاء يقولون : اذا كان كل واحد من ~~«الزنج» موصوفا بالسواد ، وجب فى الكل أن يكونوا موصوفين بالسواد. فكذا ~~هاهنا : لما جاز الكذب على كل واحد من المخبرين ، وجب أن يكون هذا الجواز ~~باقيا فى حق الكل. # الشبهة الثانية : هى أن الانسان انما يقدم على الكذب ، لأنه حصل فى قلبه ~~إرادة أن يكذب. وحصول هذه الارادات فى القلب : اما أن يكون من الله تعالى ، ~~أو من العبد ، أو حدثت لا عن محدث ومؤثر. وعلى التقديرات الثلاثة فكل ذلك ~~جائز فى حق كل واحد من هؤلاء المخبرين ، ولم يكن حصول هذا السبب فى حق ~~بعضهم ، مانعا ومنافيا من حصوله فى حق الباقين. واذا كان الأمر كذلك وجب ~~القطع بأنه لا يمتنع حصول ذلك السبب الداعى الى الكذب فى حق الكل. وبتقدير ~~وقوع الاشتراك فى تلك الإرادة ، وجب وقوع الاشتراك فى الكذب. والمعلق على ~~سبب جائز الوجود كان هو أيضا جائز الوقوع. فثبت : PageV02P082 # أن اشتراك الكل فى الكذب غير ممتنع البتة. واذا ثبت هذا كان القطع بأن ~~ذلك الجائز لم يقع: خطأ وبعيدا (3). # الشبهة الثالثة : انه لما ثبت أن الكذب جائز على كل واحد منهم حال ~~الانفراد ، وثبت أن الاجتماع فى المائة والمائتين غير رافع لذلك الجواز ~~وأنتم المستدلون فعليكم أن تذكروا واحدا معينا ، وتذكروا أن انتهاء ~~الاجتماع الى ذلك الحد المعين : مانع من الكذب ، لكنكم أنتم مطالبون باقامة ~~البرهان على ذلك. وأما نحن فتكفينا المطالبة. لأنا نحن السائلون ، وأنتم ~~المستدلون. # فهذه هى الشبهات التى تمسك بها من طعن فى التواتر على الاطلاق. # * * * # المقام الثانى الذين يسلمون صحة القسم الأول من التواتر ، وينازعون فى ~~القسم الثانى. ويقولون لم قلتم : ان القسم الثانى يفيد العلم ، وأنتم فى ~~مسألة النبوة ، انما تعولون على هذا القسم الثانى؟ تمسكوا فى الطعن فى هذا ~~القسم خاصة بوجوه من الشبه : # الشبهة الأولى : ان العلم بصفة الشيء مشروط بالعلم بذات ذلك الشيء. ms301 وهذه ~~المقدمة يقينية. # اذا عرفت هذا فنقول : ما لم نعلم أن جميع الطبقات التى بيننا وبين الطبقة ~~الذين شاهدوا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم كانوا موصوفين بالصفات المعتبرة فى ~~كون التواتر مفيدا للعلم ، لم يمكنا القطع بصحة هذا التواتر ، لكن العلم ~~بكون هذه الطبقات المتوسطة موصوفين بصفات التواتر : علم بصفة من صفاتهم. ~~وقد ثبت أن العلم PageV02P083 # بصفة الشيء مشروط بالعلم بذاته ، فاذن لا يمكننا أن نعلم أن هذه الطبقات ~~موصوفة بهذه الصفات ، الا اذا علمنا عدد تلك الطبقات ، ووجودهم ، لكننا لا ~~نعلم البتة من هذه الطبقات المتوسطة ، أنها كم هى؟ واذا كان كذلك كانت ~~ذواتها مجهولة لنا. واذا كانت الذوات مجهولة كانت الصفات مجهولة ، فلم يكن ~~العلم بكونهم موصوفين بالصفات المعتبرة فى التواتر حاصلا ، فوجب أن لا يحصل ~~بهذا الخبر : علم. والله أعلم. # الشبهة الثانية : انا نرى المجوس على كثرتهم وتفريقهم فى الشرق والغرب ، ~~يخبرون عن المعجزات العظيمة ل «زرادشت» مع أنه كان كذابا ساحرا عندكم. # وأيضا : اليهود على كثرتهم وتفرقهم فى الشرق والغرب ، يخبرون أن موسى ~~عليه السلام قال: «ان شريعتى لا تصير منسوخة البتة» (4). وأيضا : النصارى ~~على كثرتهم وتفرقهم فى الشرق والغرب ، يخبرون أن عيسى عليه السلام كان يقول ~~: بثالث ثلاثة سبحانه وتعالى عما يشركون وبأنه ابن الله. ويخبرون : أن ~~اليهود صلبوا عيسى وقتلوه. فان كان التواتر مفيدا للعلم ، فقد صحت هذه ~~الأخبار. ويلزم من صحتها : الطعن فى نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وان ~~كانت غير مفيدة للعلم ، فحينئذ خرج التواتر عن كونه مفيدا للعلم. # لا يقال : انما دفعنا هذه الأقوال لقيام الدلائل العقلية ، على أنها ~~باطلة. فأما التواتر عن وجود محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعن ادعائه الرسالة ~~، فانه لم تقم الدلالة على بطلانه. فظهر الفرق. لأنا نقول : هذا القدر يقوى ~~كلامنا ، لأن خبر التواتر لما حصل فى تلك PageV02P084 # الصور ، ثم قامت الدلائل القاطعة على بطلانها ، فحينئذ ثبت : أن الدلائل ~~القاطعة قامت على البطلان خبر التواتر فى هذه الصورة. واذا كان الأمر كذلك ms302 ~~، ثبت : أنه لا يمكن الاستدلال بخبر التواتر على أن المخبر عنه حق وصدق. # الشبهة الثالثة : الخبر المتواتر اذا كان خبرا عن الأمور الماضية ، حصل ~~فيه احتمال مانع من القطع واليقين. وذلك الاحتمال هو أن يقال لعل (5) واحدا ~~، ألقى ذلك الكذب على سبيل الارجاف ، ثم انه انتشر ذلك الارجاف واشتهر ~~قليلا قليلا ، حتى امتلأ العالم منه ونحن # فهذا اليهودى يناقض نفسه بنفسه. اذ قال : نقل بنو اسرائيل عقلا جامعا. أى ~~حكى الاجماع. ثم بعد ذلك قال : ورأيت قوما من أمتنا يحتجون لدفع نسخ الشرع. ~~أى انتفى الاجماع على عدم النسخ فى التوراة. والرد عليه : أنتم يا علماء ~~بنى اسرائيل تنتظرون «الماسيا» أى النبي الذي أنبأ عن ظهوره موسى ~~عليه السلام لتسمعون له وتطيعون فى كل ما يكلمكم به (تث 18 : 15 22) ومجىء ~~الماسيا هو من أجل نسخ التوراة. فلما ذا تدفعون النسخ؟ PageV02P085 # نشاهد أن مثل هذا الأرجاف كثيرا ما يحصل فى زماننا. فاذا جاز ذلك فى هذا ~~الزمان منه ، ونحن نشاهد ، فكذا فى سائر الأزمنة. # لا يقال : كل ما كان كذلك ، فانه لا بد أن ينكشف بالآخرة ، أنه كان ~~ارجافا وكذبا. # لأنا نقول : لم قلتم : انه لو كان الأمر واقعا على هذا الوجه ، لوجب أن ~~يصل خبره إلينا؟ أقصى ما فى الباب أن يقال : انه واقعة عظيمة. والوقائع ~~العظيمة يجب أن تصل إلينا أخبارها. # الا أنا نقول : هذه القاعدة منقوصة بصور منها : # أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم داوم على أداء الصلوات نيفا وعشرين سنة ~~، ثم انه لم ينقل إلينا شيء من أحوال الصلاة الا برواية آحاد. ومع التعارض. ~~ولهذا السبب اختلف المجتهدون فى كيفية أداء الصلاة اختلافا شديدا ، لا يرجى زواله. # ومنها : أن أحوال «عاد» و «ثمود» وسائر الأمم وسائر أرباب الدول والملل ، ~~كانت أمورا عظيمة. ثم انها خفيت وما وصلت إلينا. أقصى ما فى الباب أن يقال ~~: طالت المدة بيننا وبينهم ، فخفيت ، الا أن هذا انما ينفع اذا ذكرتم فى ~~ضبط المدة الطويلة ، والمدة القريبة ضابطا معلوما. ms303 حتى أن ما كان قريبا ~~نحكم عليه بأنه لا بد أن يكون معلوما لنا. وما كان بعيدا لم يجب فيه ذلك. ~~الا أن ذكر هذا الضابط كالمتعذر والممتنع. # فهذه جملة الوجوه التى تمسك بها الطاعنون فى التواتر. # * * * # والجواب : اعلم أن العلماء اختلفوا فى أن العلم الحاصل عقيب خبر التواتر ~~علم ضرورى أم نظرى؟ والاختيار : أنه ضرورى. وذلك لأن الضرورى هو الذي اذا ~~شكك فيه صاحبه لا يتشكك ، ونحن نجرب أنفسنا عند سماع هذه الشبهات التى ~~ذكرتموها ، فنجدها جازمة بأن PageV02P086 # محمدا صلى الله عليه وآله وسلم كان موجودا ، وكان يدعى أنه رسول الله الى ~~الخلق ، ولا نجد هذه الشبهات التى ذكرتموها طاعنة فى ذلك الجزم وقادحة فيه. ~~فثبت : أن العلم الحاصل عقيب خبر التواتر: علم ضرورى ، فكانت هذه الشبهات ~~طاعنة فى الضروريات ، فلم تكن مستحقة للجواب. لأن ذلك الجواب لا محالة يكون ~~نظريا ، فيتوقف الضرورى عليه ، فيقع الدور. وهو محال. فعلمنا : أن أمثال ~~هذه الشبهات لا يستحق الجواب. # وأما المقدمة الثانية وهى أن المعجزة ظهرت على وفق دعواه فاعلم : أن ~~اعتماد المتكلمين فى هذه المسألة على أن القرآن معجز. والقرآن ظهر على وفق ~~دعواه ، فيلزم من هاتين المقدمتين : أن المعجزة ظهرت على وفق دعواه. وهذا ~~دليل طويل. وفيه مباحث كثيرة ، وقد استقصينا فيه الكلام فى كتاب «نهاية ~~العقول». # واعلم : أن الرسول عليه السلام كانت له معجزات كثيرة ، سوى القرآن. ~~والعلماء أفردوا فى ذكرها كتبا. # وضبط القول فيها : أن تقول : معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم قسمان : حسية ، ~~وعقلية. # أما الحسية : فثلاثة أقسام : أحدها : أمور خارجة عن ذاته. وثانيها : أمور ~~فى ذاته. وثالثها : أمور فى صفاته. # أما القسم الأول وهو الأشياء الخارجة عن ذاته فهو كانشقاق القمر ، ~~واجتذاب الشجر ، وتسليم الحجر عليه ، ونبوع الماء من بين أصابعه ، واشباع ~~الخلق الكثير من الطعام القليل ، وحنين الخشب ، وشكاية الناقة ، وشهادة ~~الشاة المسمومة (6) واظلال السحاب قبل مبعثه ، وما كان من حال «أبى جهل» ~~وصخرته حين أراد أن يضربها على رأسه ، وما كان من شاة «أم ms304 معبد» حين مسح ~~يده على ضرعها. PageV02P087 # وأما القسم الثانى وهو الأحوال العائدة الى ذاته فهو مثل النور الذي كان ~~ينتقل من أب الى أب ، الى أن خرج الى الدنيا ، وما كان من الخاتم بين ~~كتفيه. وما سوى هذا (7) من خلقته وصورته التى هى بحكم الفراسة دالة على نبوته. # وأما القسم الثالث وهو ما يتعلق بصفاته وهى كثيرة ونحن نشير الى بعضها : # فالأول : ان أحدا ما سمع منه لا فى مهمات الدين ولا فى مهمات الدنيا ، ~~كذبا البتة. فلو صدر عنه الكذب مرة واحدة ، لاجتهد أعداؤه فى تشهيره ~~واظهاره. # والثانى : انه ما أقدم على فعل قبيح ، لا قبل النبوة ولا بعدها. ### |||| ** الثالث : انه لم يفر عن أحد من أعدائه لا قبل النبوة ولا بعدها وان عظم الخوف مثل ~~يوم أحد ويوم الأحزاب. وهذا يدل على أنه كان قوى القلب بمواعيد الله ، حيث ~~قال : ( @QUR@04 والله يعصمك من الناس ) [المائدة 67] وقال : ( @QUR@02 ~~حسبك الله ) [الأنفال 64] وقال : ( @QUR@05 إلا تنصروه. فقد نصره الله ) ~~[التوبة 40] # والرابع : انه كان عظيم الشفقة والرحمة على أمته. قال الله تعالى : ( ~~@QUR@05 فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) [فاطر 8] وقال تعالى ( @QUR@03 فلعلك ~~باخع نفسك ) [الكهف 6]. وقال : ( @QUR@03 ولا تحزن عليهم ) [النحل 127] ~~وقال : ( @QUR@09 عزيز عليه ما عنتم ، حريص عليكم ، بالمؤمنين رؤف رحيم ) ~~[التوبة 128] # الخامس : انه عليه السلام كان فى أعظم الدرجات فى السخاوة ، حتى أنه تعالى ~~عاتبه عليها. وقال : ( @QUR@04 لا تبسطها كل البسط ) [الاسراء 29] PageV02P088 # والسادس : انه ما كان للدنيا فى قلبه وقع ، وأن قريشا عرضوا عليه المال ~~والزوجة والرئاسة حتى يترك (8) هذه الدعوى ، فلم يلتفت إليهم. # والسابع ### |||| ** : انه عليه السلام كان فى غاية الفصاحة. كما قال : «أوتيت جوامع الكلم». # والثامن : انه عليه السلام بقى على طريقته المرضية من أول عمره الى آخره. # والكذاب المزور لا يمكنه ذلك. وإليه الاشارة بقوله تعالى : ( @QUR@010 قل ~~: ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ) [ص 86] # والتاسع : انه عليه السلام كان مع أهل الدنيا والثروة ، فى غاية الترفع. ~~ومع الفقراء والمساكين وأهل الدين ، فى غاية التواضع. # والعاشر : انه عليه السلام ms305 كان فى كل واحدة من هذه الصفات والأخلاق فى ~~الغاية القصوى من الكمال كان مستجمعا لها بأسرها ولم يتفق ذلك لأحد من ~~الخلق. فكان اجتماعها فى ذاته من أعظم المعجزات. # وأما المعجزات العقلية فهى ستة أنواع : # النوع الأول : انه صلى الله عليه وآله وسلم انما ظهر فى قبيلة ما كان أهلها ~~من أهل العلم ، وكانوا من بلدة ما كان فيها أحد من العلماء ، وكانت الجهالة ~~غالبة عليهم. ولم يتفق له سفر من تلك البلدة الا مرتين الى الشام. وكانت ~~مدة تلك المسافرة قليلة ، ولم يذهب أحد من العلماء والحكماء الى تلك البلدة ~~، حتى يقال : انه عليه السلام تعلم العلم من ذلك الحكيم. PageV02P089 # فاذا خرج من مثل هذه البلدة ، ومن مثل هذه القبيلة انسان من غير أن مارس ~~شيئا من العلوم ، ولا تتلمذ لأحد من العلماء البتة ، ثم بلغ فى معرفة ذات ~~الله وصفاته وأفعاله وأسمائه وأحكامه ، هذا المبلغ العظيم ، الذي عجز جميع ~~الأذكياء من العقلاء عن القرب منه ، وأقر الكل بأنه لا يمكن أن يزداد فى ~~تقرير الدلائل على ما ورد فى القرآن ، ثم ذكر قصص الأولين وتواريخ ~~المتقدمين بحيث لم يتمكن أحد من الأعداء أن يقول : انه أخطأ فى شيء منها ، ~~بل بلغ كلامه فى البعد عن الريب والشك الى أن قال عند مجادلتهم اياه : ( ~~@QUR@05 فقل : تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ) الى قوله : ( @QUR@05 فنجعل ~~لعنت الله على الكاذبين ) [آل عمران 61] وقال : ( @QUR@012 تلك من أنباء ~~الغيب نوحيها إليك ، ما كنت تعلمها أنت ولا قومك ) [هود 49] ولم يقدر أحد ~~أن يقول : انه طالع كتابا أو تتلمذ لأستاذ. # وكانت هذه الأحوال الظاهرة معلومة للأصدقاء والأعداء على ما قال تعالى : ~~( @QUR@07 أم لم يعرفوا رسولهم؟ فهم له منكرون ) [المؤمنون 69] وقال : ( ~~@QUR@013 وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ، ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب ~~المبطلون ) [العنكبوت 48] وقال : ( @QUR@08 فقد لبثت فيكم عمرا من قبله. ~~أفلا تعقلون )؟ [يونس 16] وكل من له عقل سليم وطبع مستقيم ، يعلم أن هذه ~~الأحوال لا تتيسر الا بالتعليم الالهى والهداية الربانية. # النوع الثانى : انه ms306 عليه السلام كان قبل اظهار دعوى الرسالة والنبوة ، ما ~~كان يشرع فى هذه المسألة الالهية ، وما كان يبحث عنها وما جرى على لسانه قط ~~حديث النبوة والرسالة. # والذي يدل على صحة قولنا : أنه لو اتفق له شروع فى هذه المطالب والمباحث ~~، قبل اظهار ادعاء الرسالة والنبوة ، لقالت الكفار له : انك أفنيت عمرك فى ~~التدبر والتأمل ، وتحصيل هذه الكلمات حتى PageV02P090 # قدرت الآن على اظهارها ، ولما لم يذكر هذا الكلام أحد من الأعداء مع شدة ~~حرصهم على الطعن فيه وفى نبوته ، علمنا : أنه عليه السلام ما كان شارعا قبل ~~اظهار النبوة فى شيء من هذه العلوم. ومعلوم : أن من انقضى من عمره أربعون ~~سنة ، ولم يخض فى شيء من هذه المطالب العلمية ، ثم انه خاض بها دفعة واحدة ~~، وأتى بكلام عجز الأولون والآخرون عن معارضته ، بل قد انقضى الآن قريب من ~~ستمائة سنة. وما جاء أحد يمكنه اقامة المعارضة. فصريح العقل يشهد بأن هذا ~~لا يكون الا على سبيل الوحى والتنزيل. # النوع الثالث : انه صلى الله عليه وآله وسلم تحمل فى أداء الرسالة أنواعا من ~~المشاق والمتاعب ، ولم يتغير عن المنهج الأول البتة ، ولم يطمع فى مال أحد ~~ولا جاهه ، بل صبر على تلك المشاق والمتاعب ، ولم يظهر فى عزمه فتور ولا فى ~~اصراره قصور ، ثم انه لما قهر الأعداء ، ووجد العسكر العظيم والدولة ~~القاهرة القوية ونفذ أمره فى الأموال والأزواج ، لم يتغير عن منهجه الأول ، ~~والزهد فى الدنيا ، والاقبال على الآخرة. # وكل من أنصف علم أن المزور لا يكون كذلك. فان المزور انما يزور الكذب ~~والباطل على الخلق ، ليجد الدنيا. فاذا وجدها ولم ينتفع بها ، كان ساعيا فى ~~تضييع الدنيا والآخرة على نفسه. وذلك ما لا يفعله أحد من العقلاء. # النوع الرابع فى معجزاته العقلية : انه عليه الصلاة والسلام كان مجاب ~~الدعوة. ويدل عليه وجوه : # أحدها : ان قريشا لما بالغوا فى ايذائه ، دعا عليهم. فقال «اللهم اشدد ~~وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف» والله تعالى منع من انزال ~~المطر ms307 عليهم ، فبطلت زراعاتهم وهلكت مواشيهم واستولى القحط عليهم ، فجاءوا ~~يشفعوا إليه ، حتى يسأل PageV02P091 # الله تعالى انزال المطر عليهم ، فلما سأل ذلك جاءهم المطر ، حتى خافوا ~~الغرق ، فعادوا وسألوه أن يدع الله حتى ينزل المطر بقدر الحاجة. فقال : ~~«اللهم حوالينا ولا علينا ، اللهم على الجبال ، وبطون الأودية» فاندفع ذلك ~~البلاء عنهم. # وثانيها : انه عليه السلام لما كتب الى «كسرى» ملك العجم كتابا ، ومزق ~~الملك كتابه وبعث إليه حفنة من تراب بلدته ، قال : «اللهم مزق ملكه» ثم قال ~~للصحابة رضوان الله عليهم أجمعين : «أنه بعث تراب بلدته إلينا. وهذا على ~~أنا نملك بلاده» فكان الأمر كما قال. # وثالثها : انه عليه السلام قال فى حق «عتبة ابن أبى لهب» : «اللهم سلط ~~عليه كلبا من كلابك» فافترسه الأسد. # ورابعها ### |||| ** : انه دعا عليه السلام لابن عمه «عبد الله بن عباس» فقال : «اللهم فقهه فى ~~الدين ، وعلمه التأويل» فصار ابن عباس ببركة هذا الدعاء : حبر (9) ~~المفسرين. # وخامسها : ان الكفار لما وصلوا الى الغار ، قرأ هو عليه السلام عليهم : ( ~~@QUR@08 وجعلنا من بين أيديهم سدا ، ومن خلفهم سدا ) الآية (يس 9) فأولئك ~~الكفار كانوا ينظرون الى الغار ، وما كانوا يرون النبي عليه السلام . # وسادسها : انه لما خرج من الغار ، ذهب خلفه جمع من الكفار ، فلما قرب ~~واحد منهم قال عليه السلام : «يا أرض خذيه» فغاصت قوائم فرس ذلك الكافر فى ~~الأرض ببركة دعائه. PageV02P092 # النوع الخامس من دلائل نبوته : ورود البشارة بمقدمة العزيز فى التوراة ~~والإنجيل. والدليل على ذلك : أنه صلى الله عليه وآله وسلم ادعى أن ذكره موجود ~~فى التوراة والإنجيل (10). قال الله تعالى : ( @QUR@012 الذين يتبعون ~~الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ) ~~[الأعراف 157] وقال الله تعالى حكاية عن المسيح : ( @QUR@07 ومبشرا برسول ~~يأتي من بعدي اسمه أحمد ) [الصف 6] وقل : ( @QUR@09 يا أهل الكتاب لم ~~تكفرون بآيات الله؟ وأنتم تشهدون ) [آل عمران 70] وقال : ( @QUR@07 الذين ~~آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ) [آ البقرة 146] ومعلوم : أنه ~~لو كان كاذبا فى ذلك ، لكان هذا من أعظم المنفرات لليهود والنصارى عن ~~قبوله. ms308 ولا يليق بالعاقل أن يقدم على فعل يمنعه عن مطلوبه ، ويبطل عليه ~~مقصوده ، من غير فائدة أصلا. ولا نزاع بين العقلاء أنه كان أعقل الناس ~~وأحذقهم. # النوع السادس من معجزاته : اخباره عن الغيوب. # أما اخباره عن المغيبات الماضية فهو أنه عليه السلام أخبر عن وقائع ~~المتقدمين من غير قراءة كتاب ، ولا استفادة من انسان. # وأما اخباره عن الغيوب المستقبلة (11). فهو على قسمين : منه ما ورد فى ~~القرآن ، ومنه. ما ورد فى الأخبار. # * * * PageV02P093 ### ||| ** أما الذي ورد منه فى القرآن فكثير : # أحدها : قوله تعالى : ( @QUR@04 سيهزم الجمع ، ويولون الدبر ) [القمر 45] ~~والسين فى قوله : ( @QUR@01 سيهزم ) للاستقبال ، والسورة مكية ، ثم إنه حصل ~~ذلك يوم بدر. # وثانيها : قوله تعالى : ( @QUR@07 وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين ، أنها ~~لكم ) [الأنفال 7] وقد كانت لهم. # وثالثها : قوله تعالى : ( @QUR@010 قل للمخلفين من الأعراب : ستدعون إلى ~~قوم أولي بأس شديد ) [الفتح 16] وقد وقع ذلك. لأن المراد من القوم أولى ~~البأس عند بعضهم : «بنو حنيفة» وقد دعى «أبو بكر» رضى الله عنه الى قتالهم. ~~وعند آخرين : هم فارس. وقد دعى عمر بن الخطاب» رضى الله عنه الى قتالهم. # ورابعها : قوله تعالى : ( @QUR@06 الم. غلبت الروم في أدنى الأرض ) ~~[الروم 1 2] وكان كما أخبر. ### |||| ** وخامسها : قوله تعالى : ( @QUR@06 سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ) [فصلت 53] ~~ولا يمكن حمل الآية على الآيات الدالة على التوحيد ، لأنها كانت حاضرة ~~وقوله ( @QUR@01 سنريهم ) للاستقبال فلا بد وأن يكون المراد منه : فتح ~~القرى المحيطة ب «مكة» وبقوله ( @QUR@02 وفي أنفسهم ): فتح «مكة» وقد وقع ذلك. # وسادسها : قوله تعالى : ( @QUR@08 إن الذي فرض عليك القرآن ، لرادك إلى ~~معاد ) [القصص 85] أى الى «مكة» وقد رده الله تعالى إليها. # وسابعها : قوله : ( @QUR@04 ليظهره على الدين كله ) [الفتح 28] وقد أظهره. # وثامنها : قوله تعالى : ( @QUR@010 وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات ، ليستخلفنهم في الأرض ) [النور 55] والمراد منه : PageV02P094 # الصحابة. بدليل قوله : ( @QUR@05 وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ) [النور ~~55] وكانوا هم الخائفين فى صدر الاسلام. فهذه الآية دالة على كون صانع ~~العالم سبحانه عالما بكل المعلومات. لأنه تعالى أخبر عما سيأتى. ثم كان ms309 ~~الأمر كما أخبره ، وعلى كونه تعالى قادرا على كل الممكنات ، لأنه وعد ~~بالنصرة التامة وقد وقعت وعلى نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنه استبد ~~بذكر هذا الغيب ، فلا بد أن يكون ذلك من عند الله ، وعلى خلافة الخلفاء ~~الراشدين ، لأنه تعالى قال : ( @QUR@03 ليستخلفنهم في الأرض ) فوعد ~~بالخلافة جمعا من الحاضرين فى ذلك الوقت وأقل الجمع ثلاثة # وتاسعها : قوله تعالى : ( @QUR@05 قل يا أيها الذين هادوا ) الى قوله : ( ~~@QUR@06 ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم ) [الجمعة 6 7] ثم كان كما أخبر. ### |||| ** وعاشرها : قوله تعالى : ( @QUR@04 وضربت عليهم الذلة والمسكنة ) [البقرة 61] وظهور ~~ذلك فى اليهود معلوم ، فانه ما رفعت لهم راية قط ، وما ظهر فيهم سلطان ولا ~~ملك قاهر. # * * * ### ||| ** وأما الاخبار عن الغيوب المستقبلة فى غير القرآن : فكثير : # أحدها : قوله عليه السلام : «زويت لى الأرض ، فأريت مشارقها ومغاربها. ~~وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لى منها» وكان الأمر كما أخبر. # وثانيها : قوله عليه السلام : ل «عدى بن حاتم» : «كيف بك اذا خرجت الظعينة ~~من أقصى «اليمن» الى أقصى «الحيرة» (12) لا تخاف الا الله». # وثالثها : انه عليه السلام أخبر أصحابه بموت «النجاشى» وصلى عليه ، ثم ~~شاعت الأخبار : أنه مات ذلك اليوم. PageV02P095 # ورابعها : قوله عليه السلام ل «عمار بن ياسر» : «تقتلك الفئة الباغية» ~~فقتل مع «على» رضى الله عنه يوم «صفين» وهذا يدل على توحيد الله ، ونبوة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وخلافة على رضى الله عنه. الا أنه خبر. ودليل ~~خلافة «أبى بكر» قرآن. والقرآن خير من الخبر. # وخامسها : قوله ل «على» رضى الله عنه : «أشقى الناس عاقر الناقة ، والذي ~~يخضب هذه من هذه» يعنى الذي يضرب على رأسك ، فيخضب لحيتك من دم رأسك. ثم ~~كان كما قال ، فضرب على رأسه حين قتله. # وسادسها : قوله عليه السلام ل «على» : «ستقاتل الناكثين والقاسطين ~~والمارقين». # وسابعها : قوله عليه السلام : «اقتدوا باللذين من بعدى : أبى بكر وعمر» ~~وكان هذا اخبار عن بقائهما بعده. # وثامنها : قوله عليه السلام : «الخلافة بعدى ثلاثون سنة» وكانت خلافة ~~الخلفاء الراشدين هذا القدر. ms310 # وتاسعها : ليلة الاسراء فانه أخبر قريشا عن أمور ، فكانت كما أخبر. # وعاشرها : قوله للعباس حين أسره : «افد نفسك» ، وابنى أخيك عقيل بن أبى ~~طالب ونوفل بن الحرث. فانك ذو مال» فقال : لا مال عندى. فقال : «أين المال ~~الذي وضعته بمكة عند أم الفضل. وليس معكما أحد. فقلت : ان أصبت فى سفرى ، ~~فللفضل كذا ، ولعبد الله كذا ، ولفلان كذا؟ فقال العباس : والذي بعثك بالحق ~~نبيا ، ما علم هذا أحد غيرى. وانك لرسول الله. وأسلم هو وعقيل. # واعلم : أن معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم كثيرة. واكتفينا هاهنا بهذا القدر. PageV02P096 # وثبت بمجموع ما ذكرنا : أنه صلى الله عليه وسلم ادعى الرسالة ، وظهرت ~~المعجزة على وفق دعواه. ### ||| ** وأما المقدمة الثالثة وهى أن كل من كان كذلك ، كان صادقا فالذى يدل عليه : # هو أن المعجزات لما عجز الخلق عنها ، كان ذلك فعلا. من أفعال الله تعالى ~~، خلقه عقيب دعواه ، وخلق المعجزة عقيب الدعوى ، يدل على تصديق مدعى ~~الرسالة. # ومثاله : انه اذا جلس الملك العظيم على سرير مملكته ، فقام واحد وقال : ~~انى رسول هذا الملك الى أهل مملكته ، ثم قال : يا أيها الملك ان كنت صادقا ~~فى هذه الدعوى ، فافعل شيئا يخالف عادتك. فاذا فعل ذلك الملك فى تلك الساعة ~~فعلا يخالف عادته ، علم الحاضرون بالضرورة : أنه انما فعل ذلك لأجل تصديق ~~ذلك المدعى. فهكذا هاهنا أن محمدا عليه السلام قال : يا أيها الناس انى رسول ~~الله إليكم. ثم قال : يا إلهى ان كنت صادقا فى هذه الدعوى ، فاجعل القمر ~~منشقا بنصفين ، فاذا انشق القمر ، علم كل واحد بالضرورة : أنه تعالى انما ~~شقه بنصفين لأجل تصديقه. فثبت : أن خلق المعجزة على وفق الدعوى تصديق من ~~الله لذلك المدعى. وكل من صدقه الله تعالى فهو صادق. # فان قيل : الاعتراض على هذه الدلالة من وجوه : # الاعتراض الأول : ان قول القائل : انه ظهر على يد المدعى للرسالة فعل ~~خارق للعادة. هذا الكلام انما يصح لو كان انخراق العادات جائزا. ونحن نمنع ~~هذا الجواز. والدليل على أنه ممتنع ms311 من أن تجويزه يفضى الى السفسطة : أنا لو ~~فتحنا هذا الباب ، لم نأمن أن تنقلب الجبال ذهبا ابريزا ، وأن ينقلب ماء ~~البحر دما صرفا ، وأن يكون هذا الشخص الذي نشاهده الآن شيخا صار هرما ، وأن ~~يكون قد حدث (13) فى هذه الساعة PageV02P097 # شيخ من غير أب ولا أم. ولكنا اذا شاهدنا «زيدا» لم نأمن من أن يكون الله ~~خلق فى هذه الساعة شيخا من غير أب ولا أم. مثل «زيد» فى صورته وشكله ~~وتخطيطه. ومعلوم أن تجويز هذه الأشياء يفضى الى الجهالات. ولما كان ذلك ~~باطلا ، علمنا : أن انخراق العادات غير ممكن. # الاعتراض الثانى : سلمنا أن انخراق العادات غير ممتنع ، الا أنا نقول : ~~لم قلتم : ان هذا حاصل بايجاد الله. وتقرير هذا السؤال من وجوه : # الأول : نحن بين أمرين : اما أن نثبت النفس الناطقة البشرية ، وإما أن لا ~~نثبتها. فان أثبتنا النفس الناطقة ، فلم لا يجوز أن يقال : ان النفس النبي ~~عليه السلام مخالفة لسائر النفوس بالماهية والحقيقة. فهى لماهيتها المخصوصة ~~وحقيقتها التى باعتبارها امتازت عن سائر الحقائق ، قدرت على ما لا يقدر ~~عليه غيره. وأما ان قلنا : ان القول بالنفوس الناطقة باطل ، فلا بد أن ~~نعترف أن لكل واحد من أشخاص الناس مزاجا مخصوصا وتركيبا مخصوصا ، به امتاز ~~عن سائر الأشخاص. فلم لا يجوز أن يقال : ما به امتاز هذا الشخص عن سائر ~~الأشخاص ، علة لكونه قادرا على الأفعال التى يعجز عنها غيره؟ # ألا ترى أن لكل انسان مزاجا مخصوصا وذلك المزاج يقتضي فى ظاهره خلقا ، ~~وفى باطنه خلقا لا يحصلان البتة فى غيره. فلم لا يجوز أن يقال : تلك ~~المخصوصة تكون مبدأ لتلك القدرة المخصوصة؟ وعلى هذا التقدير لا يمكننا أن ~~نعلم أن هذا المعجز هو فعل الله تعالى. # الوجه الثانى فى تقرير هذا المقام : هب أن تلك المعجزات لم تحصل لأجل ~~خصوصية نفسه ، أو خصوصية بدنه. لكن لا شك أن أنواع الأدوية كثيرة. والآثار ~~الصادرة عنها عجيبة كثيرة. فلم لا يجوز أن يقال : ان هذا المدعى وجد دواء ms312 ، ~~له قوة وخاصية تقتضى ظهور تلك الآثار والمعجزات عن تناول ذلك الدواء؟ ألا ~~ترى أن الناس يقولون : PageV02P098 # ان أكل الدواء الفلانى يزيد فى الذكاء ، وأكل الدواء الآخر يزيد فى القوة ~~الفلانية. فلم لا يجوز وجود دواء آخر يزيد فى قوة الادراك والعقل زيادة ~~منتهية الى حد الاعجاز. ومع هذا الاحتمال لا يمكن القطع بأن هذا المعجز فعل ~~الله تعالى؟ # الوجه الثالث : لم لا يجوز أن يقال : ظهور هذه المعجزات انما كان باعانة ~~الجن والشياطين. وذلك لأنا وان كنا نعرف مقادير عقول البشر ، وقدرهم. الا ~~أنا لا نعرف مقادير عقول الشياطين وقدرهم ، فلعل هذه المعجزات حصلت باعانة ~~الشياطين ولعل الاخبار عن الغيوب ، حصل بإلقاء الشياطين تلك الغيوب إليهم. # لا يقال : هذا باطل من وجهين : # الأول : ان الأنبياء عليهم السلام دعوا الخلق الى لعن الشياطين فكيف يليق ~~بالشياطين أن يعينوهم؟ # والثانى : انا انما نثبت الجن والشياطين بأخبار الأنبياء عليهم السلام ، ~~فلو جعلنا القول بالجن الشياطين طاعنا فى النبوة ، كنا قد أبطلنا الأصل ~~بالفرع. وذلك باطل. # لأنا نجيب عن الأول : بأن الشياطين اذا كان مشغوفا باضلال الخلق وهذا ~~الطريق يفضى الى حصول مقصوده لم يبعد أن يرضى بذلك اللعن ، ليحصل هذا ~~المقصود له. # ونجيب عن الثانى : انا لا نحتاج فى مقام السؤال الى الجزم بوجود الجن ~~والشياطين ، بل يكفينا مجرد الاحتمال. ومجرد الاحتمال لا يتوقف القول بصحة ~~النبوة. # الوجه الرابع : ان محمدا عليه السلام كان يقول : «جبريل عليه السلام هو ~~الذي يأتينى بهذا القرآن» وهذا المعنى مذكور فى القرآن. قال الله تعالى : ( ~~@QUR@04 إنه لقول رسول كريم ) [التكوير 19] PageV02P099 # اذا ثبت هذا فنقول : بتقدير أن يقال : ان «جبريل» عليه السلام غير معصوم ~~عن القبائح ، لم يبعد أن يقال : ان هذا القرآن كلامه ، وأنه ألقاه على محمد ~~عليه السلام لقصد الاضلال والاغواء. وما لم يبطل هذا الاحتمال ، لم تثبت ~~نبوة محمد عليه السلام فاذن القول بصحة نبوته عليه السلام ، موقوف على عصمة ~~«جبريل» عليه السلام ، الا أنه لا طريق الى عصمة «جبريل» عليه السلام الا ~~بصحة ms313 نبوة محمد عليه السلام ، فيتوقف كل واحد منهما على الآخر. فيكون دورا. # الوجه الخامس : ان مذهب جمهور الصائبة : أن الأفلاك والكواكب أحياء ناطقة ~~، وأن هذه الكواكب قد تتكلم مع بعض الناس. واذا جاز ذلك ، فلم لا يجوز أن ~~يقال : بعض الكواكب يختار من الناس شخصا واحدا ، ويبعثه الى الخلق على سبيل ~~الرسالة. وقيل إبطال هذا الاحتمال ، فى الدليل ، كان الشك قائما ، فلعل ~~مظهر هذه المعجزات هو الكواكب المخصوصة. # الوجه السادس : ان المنجمين اتفقوا على أن لاتصالات الكواكب آثارا عجيبة ~~فى هذا العالم. فلم لا يجوز أن يقال : الرسول عليه السلام كان أعلم الناس ~~بالنجوم ، فعلم أنه سيحدث اتصال عجيب فى الفلك ، وله تأثير عجيب فى هذا ~~العالم ، فصبر حتى جاء وقت ظهور ذلك الأثر وادعى النبوة فى ذلك الوقت ، ~~فوقع ذلك الأثر العجيب على وفق دعواه. فظن الناس أنه معجز خلقه الله تعالى. ~~وما كان الأمر كذلك. # الوجه السابع : ان الفلاسفة يثبتون للأفلاك والكواكب عقولا مجردة ، ~~ونفوسا ناطقة ، ونفوسا حيوانية فلكية. فلم لا يجوز أن يكون المظهر لهذه ~~الخوارق شيئا من هذه الأشياء عقلا ، أو نفسا؟ # الوجه الثامن : المنجمون اتفقوا على أن لسهم السعادة أثرا قويا فى تقوية ~~الانسان على تحصيل المرادات والسعادات ، ولسهم الغيب PageV02P100 # أثرا قويا فى كون الانسان متمكنا من الاخبار عن المغيبات. ونحن وان كنا ~~نعلم بالدليل عدم صدقهم فى هذه المقالة ، الا أن الاحتمال قائم. وبتقدير أن ~~يكون ما قالوه حقا ، لم يمكننا أن نقطع بأن ظهور المعجزات من الله تعالى ، ~~ولا بأن نقطع بأن اخبار الأنبياء عن المغيبات بوحى الله تعالى ، بل جاز أن ~~يكون بقوة هذين السهمين فى طوالعهم. # فثبت بهذه الوجوه الثمانية : أنه لا يمكن القطع بأن فاعل هذه المعجزات هو ~~الله تعالى. # * * * # الاعتراض الثالث : سلمنا : أن فاعلها هو الله تعالى. فلم قلتم : أنه ~~تعالى فعلها لغرض التصديق؟ وتقريره من وجهين : # الأول : انكم أقمتم الدلائل القاهرة على أنه يمتنع أن تكون أفعال الله ~~تعالى وأحكامه معللة بشيء من الأغراض والمقاصد. واذا كان كذلك ms314 ، امتنع ~~القول بأنه تعالى انما خلق هذه المعجزات لأجل غرض التصديق. # الوجه الثانى : هو أنا نقول : الفعل اما أن يكون موقوفا على الداعى ، ~~وأما أن لا يكون. فان كان موقوفا على الداعى ، كان الجبر لازما على ما ~~قررناه فى مسألة خلق الأفعال واذا لزم الجبر كان البارى تعالى هو الخالق ~~للكفر والمعاصى ، لأنه هو الذي فعل القدرة والداعية اللتين مجموعهما يوجب ~~هذه القبائح. واذا كان الأمر كذلك ، لم يكن الاضلال ممتنعا فى حق الله ~~تعالى. واذا كان كذلك ، فلم لا يجوز أن يقال : انه تعالى أظهر هذه المعجزات ~~على يد هذا الكاذب ، لأجل الاضلال؟ وأما اذا قلنا : ان الفعل غير موقوف على ~~الداعى ، فحينئذ لا يبعد أن يقال : انه تعالى خلق هذه المعجزة لا لغرض ~~البتة. وحينئذ لا يمكن الاستدلال بحق المعجزة على التصديق. PageV02P101 # الاعتراض الرابع : سلمنا أن أفعال الله تعالى معللة برعاية الأغراض ~~والمقاصد. الا أنكم لم قلتم : انه لا غرض لله تعالى ولا مقصود له من خلق ~~هذه المعجزات الا تصديق هذا المدعى؟ وما الدليل على هذا الحصر؟ ### ||| ** ثم انا نذكر وجوها أخر على سبيل التبرع : # الأول : ان جملة هذه الأفعال الموافقة للعادات ، لا بد أن يكون لها أول. ~~لما ثبت أن العالم محدث ، وحدوث كل واحد منها فى المرة الأولى يكون على ~~خلاف العادة ، ثم انه تعالى جعل ذلك دائما مستمرا فيما بعد ذلك. فكذا هاهنا ~~لم لا يجوز أن يقال : إنه سبحانه وتعالى أراد أن يبدأ باحداث هذا الفعل ~~الخارق للعادة. ثم انه يديمه بعد ذلك ، ويجعله عادة مستمرة بعد ذلك؟ ~~وبالجملة : فلم لا يجوز أن يكون هذا الذي حدث هو ابتداء عادة ، وستصير ~~مستمرة بعده؟ # الثانى : انه يجوز أن يكون حدوث هذا الشيء على سبيل العادة ، الا أنه ~~عادة لا تحصل الا فى أزمنة متطاولة. وذلك لأن دور الفلك الثامن لا يتم عند ~~بعضهم الا فى مدة ستة وثلاثين ألف سنة. وعلى هذا تكون العادة المستمرة ~~المطردة : هو أن كل كوكب يحصل فى كل ستة ms315 وثلاثين ألف سنة فى موضع معين من ~~الفلك. فمن نظر الى حصوله فى ذلك الوقت ظن أنه خارق للعادة ، ومن عرف الوضع ~~المقتضى لذلك ، علم أنه عادة متطاولة ، فكذا هاهنا يجوز أن يقال : هذا الذي ~~حدث ، انما حدث على وفق عادة متطاولة. # الثالث : انه لما انشق القمر على السماء ، فلعل انسانا آخر فى جانب آخر ~~من الأرض ، ادعى النبوة ، وطلب من الله تعالى اظهار المعجزة فى هذا الوقت ، ~~وهو تعالى انما أظهره فى ذلك الوقت تصديقا لذلك الانسان ، لا لهذا الانسان. PageV02P102 # الرابع : ان هذا الانسان لما ادعى الرسالة على سبيل الكذب ، وطلب من الله ~~تعالى اظهار المعجزة ، فان الله يظهر المعجزة على وفق دعواه ، حتى يصير ذلك ~~موهما لكونه صادقا ، الا أنه لما قرر فى عقل المكلف أنه يجوز أن يكون غرض ~~الله تعالى منه شيئا آخر سوى التصديق ، وكان خلق هذا المعجز يجرى مجرى ~~انزال المتشابهات ، وخلق الأوهام المورثة للشبهات ، وكان المقصود منها : ~~أنه يصعب الاحتراز عنها ، فاذا احترز المكلف عنها مع صعوبة الاحتراز عنها ، ~~كان ثوابه أعظم. # وعلى الجملة : فمن الذي يمكنه أن يعرف أقسام حكم الله تعالى فى خلق ~~الأشياء؟ وحينئذ كان الجزم بأنه لا غرض لله تعالى فى هذا الفعل ، الا هذا ~~الوجه الواحد ، تحكما من غير دليل. والله الهادى. # الاعتراض الخامس : هب أن غرضه تعالى من خلق هذه المعجزات ، أن يستدل به : ~~على أن الله صدقه. فلم قلتم : ان هذا الاستدلال حق؟ بيانه : ان على مذهب ~~أهل السنة: الله تعالى خالق الكفر فى قلب الكافر ، وخلق ما يوهم الكفر ليس ~~أبعد منه. وعلى هذا التقدير لا يمكن الاستدلال بالمعجز ، على كون المدعى صادقا. # فهذا مجموع الاعتراضات فى هذا المقام. # * * * # ثم قال المنكرون : وأما ما عولتم عليه من الدلائل فى بيان أن المعجزات ~~تدل على الصدق. فحاصل الكلام فيه : انكم ادعيتم أن فى الشاهد : اقدام الملك ~~على الفعل الخارق للعادة ، يدل على كونه مصدقا للمدعى فى دعواه. واذا ثبت ~~ذلك فى الشاهد ، فحينئذ تقيسون الغائب عليه ms316 ، فلنبحث عن كل واحد من هذين ~~المقامين : PageV02P103 # أما المقام الأول : فنقول : لا نسلم أن ظهور ذلك الفعل من الملك ، يدل ~~على أنه يصدق المدعى فى دعواه ، ولا ننكر أنه يوهم ذلك. وأما أن يدل عليه ~~قطعا ، فهذا ممنوع. وذلك لأن أقصى ما فى الباب أن يقال : انه حصل ذلك الفعل ~~عند ذلك الطلب ، ولم يفعله قبل ذلك الطلب. فحصل الدوران بينهما وجودا ~~وعدما. والدوران وجودا وعدما يدل على العلية. # الا أنا نقول : قد بينا أن الدوران وجودا وعدما ، لا يدل على العلية. ~~والذي يحقق ذلك : أنه لا يبعد أن يقال : لما التمس ذلك المدعى من ذلك الملك ~~أن يحرك قلنسوته ، فانه حصل فى ذلك الوقت سبب آخر ، استقل بأن يحرك الملك ~~قلنسوته لأجله ، لا لأجل طلب المدعى. اما لأجل أن عقربا وقع على قلنسوته ، ~~فى ذلك الوقت ، أو لأجل أنه تألم رأسه من تلك القلنسوة فى ذلك الوقت ، أو ~~لأجل أن انسانا آخر أشار إليه اشارة ، اقتضت أن يحرك الملك قلنسوته. ~~وبالجملة : فالمعلوم أنه لا بد للملك من غرض فى تحريك القلنسوة ، فأما أنه ~~لا غرض الا تصديق هذا المدعى ، فهذا لا شك أنه ظاهر. واما القطع فلا سبيل إليه. # المقام الثانى : هب أنه ثبت هذا المعنى فى الشاهد ، فكيف يقيسون الغائب عليه؟ # وطريق السؤال عليه من وجهين : # الأول : ان القياس لا يفيد اليقين. لاحتمال أن ما لأجله وقعت المفارقة ~~بين الأصل والفرع : معتبرا فى الأصل أو مانعا فى الفرع. # الثانى : انا عارفون بأحوال ذلك الملك وبأخلاقه ومناهج أفعاله ، فلا جرم ~~يمكننا أن نعرف أنه انما فعل ذلك الفعل ، لأجل ذلك الغرض. وأما أنواع حكم ~~الله تعالى فى أفعاله ومخلوقاته ، فليس لأحد سبيل PageV02P104 # الى معرفتها ، ولا قدرة لأحد على الاطلاع عليها. ولهذا قال : ( @QUR@05 ~~ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ) [الكهف 51] واذا كان الأمر كذلك ، فكيف ~~يمكن قياس أفعال الله تعالى على أفعال العباد؟ # هذا جملة الكلام فى السؤال. وبالله التوفيق. # * * * ### ||| ** والجواب : # قوله أولا : «انخراق العادات محال» قلنا : قد بينا أن الخرق ms317 والالتئام ، ~~على الأجرام الفلكية جائزان. وأيضا : بينا أن ما يصح على جسم ، يصح على ~~سائر الأجسام. # قوله ثانيا : «لم قلتم : ان موجد هذه المعجزات هو الله تعالى»؟ قلنا : قد ~~بينا فيما تقدم : أنه لا مؤثر الا قدرة الله. وعلى هذا التقدير تسقط الوجوه ~~الثمانية التى ذكرتموها. # قوله ثالثا : «ان أفعال الله غير معللة بالأغراض» قلنا : فرق بين العلة ~~وبين المعروف. ونحن لا ندعي أن خلق المعجز انما كان لغرض التصديق ، بل نقول ~~: خلق المعجز يعرف قيام التصديق بذات الله تعالى وكما أن هذه الكلمات ~~المخصوصة صارت دالة بحسب الوضع والاصطلاح على المعانى القائمة بذات المتكلم ~~، فكذلك هذه الأفعال الخارقة للعادات اذا حصلت عقيب الدعوى ، صارت دالة على ~~قيام التصديق بذات من فعل المعجز. # قوله رابعا : «يحتمل أن يكون المقصود من خلق المعجزات أمورا أخر ، سوى ~~التصديق» قلنا : لا نسلم بل هو متعين للدلالة على حصول التصديق. والدليل ~~عليه : ان موسى عليه السلام لما قال : «إلهى ان كنت صادقا فى ادعاء الرسالة ~~، فاجعل هذا الجبل واقفا فى الهواء PageV02P105 # فوق رءوسهم». ثم ان القوم يشاهدون أنهم كلما آمنوا به تباعد الجبل عنهم ، ~~وكلما هموا بتكذيبه ، قرب أن يسقط عليهم ، فعند هذا يعلم كل أحد بالضرورة : ~~أن المقصود من هذا الاظلال تصديق المدعى فى ادعاء الرسالة. # قوله خامسا : «اذا كان الكفر والفسق بخلق الله تعالى ، فحينئذ بطل ~~الاستدلال بالمعجز على التصديق» قلنا : الجواب عنه من وجهين : # الأول : ان هذا السؤال كما أنه لازم علينا ، فهو أيضا لازم على ~~«المعتزلة» وذلك لأنه انما يقبح من الله اظهار هذه المعجزة على يد الكاذب ، ~~اذا كان الغرض من خلق المعجزة ، تصديق المدعى. وأما بتقدير أن يكون الغرض ~~منه شيئا آخر ، سوى التصديق ، لم يقبح ذلك. ولما ثبت أنه لا يبعد أن يكون ~~لله تعالى أغراض أخر من هذا المعجز سوى التصديق ، يلزمهم أن يحكموا بأنه لا ~~يقبح اظهاره على يد الكاذب. # لا يقال : اظهار المعجزة على وفق دعوى الكاذب قبيح مطلقا ، لأنه ان كان ~~الغرض من ms318 خلقه هو التصديق ، فلا شك فى قبحه. وان كان الغرض منه شيئا آخر ~~سوى التصديق ، لكنه خلقه مقارنا لدعوى الكاذب ، يوهم أن الغرض منه : ~~تصديقه. ففعل ما يوهم تصديق الكاذب قبيح أيضا. # لأنا نقول : ان كان ما يوهم القبيح قبيحا ، وجب أن يكون انزال المتشابهات ~~وخلق ما يوهم الشبهات قبيحا. وبالاتفاق أنه واقع وليس بقبيح. فعلمنا : أنه ~~انما لم يقبح لأنه وان كان موهما للباطل ، الا أن فيه احتمال أن مراد الله ~~تعالى منه غير ما يشعر به ظاهره ، فلو قطع المكلف بحكمه على ذلك توجه ~~الباطل ، مع أنه فى نفسه محتمل لغير PageV02P106 # ذلك الوجه ، لكان التقصير من المكلف ، حيث جزم لا فى موضع الجزم. وكذا ~~هاهنا انه تعالى اذا أظهر المعجزة على وفق الدعوى فى حق الكاذب ، فهو وان ~~كان يوهم أن المراد منه تصديق ذلك المدعى ، الا أنه يكون المراد : القاء ~~هذه الشبهة حتى يحترز المكلف منها ، فيعظم ثوابه بسبب الاحتراز عن هذه ~~الشبهة. واذا كان هذا محتملا ، فلو قطع المكلف بأن الغرض منه : تصديق ~~المدعى ، لكان التقصير منه لا من الله تعالى ، حيث قطع لا فى موضع القطع. # واعلم : أنه لا جواب على أصول المعتزلة عن هذه المعارضة. ### ||| ** والوجه الثانى فى الجواب عن هذا السؤال : # انا نقدم على ذكر المقصود مقدمة ، فنقول : ان الشيء قد يكون جائز الوقوع ~~فى نفسه ، ومع ذلك فانا نعلم علما ضروريا أنه غير واقع ، ألا ترى أنا نجوز ~~دخول شخص فى الوجود من غير أبوين ، ونجوز أن يدخل فى الوجود شيخ هرم ، من ~~غير سبق الطفولية والشباب والكهولة ، ثم انا اذا أبصرنا انسانا شيخا ، ~~علمنا بالضرورة : أنه متولد من الأبوين ، وأنه كان طفلا ثم صار شابا ثم صار ~~شيخا. وكذا القول فى جميع الأمور العادية. # اذا عرفت هذا فنقول : انا قد بينا : أن دلالة المعجزة على أن خلق المعجز ~~لصدق المدعى ، معلوم بالضرورة. كما ضربنا من المثال فى اظلال الجبال. أقصى ~~ما فى الباب : أن يقال عنه : يجوز أن لا تكون المعجزة ms319 مخلوقة لغرض آخر وهو ~~الاطلال. الا أنا نقول : ان الشيء اذا علم وجوده بالضرورة ، لم يكن تجويز ~~نقيضه ، يقدح فى ذلك العلم الضرورى. كما بيناه فى هذه المقدمة. # وأما قوله سادسا : «إنكم أثبتم الحكم فى الشاهد بالدوران ، ثم قستم ~~الغائب عليه». PageV02P107 # قلنا : ليس الأمر كذلك ، بل نقول : ان دلالة المعجزة على التصديق أمر ~~معلوم بالضرورة. والمقصود من ذكر المثال : التنبيه على صدق قولنا : ان هذا ~~الشيء معلوم بالضرورة. لا أنا نقيس صورة على صورة. فهذا غاية الكلام فى هذا ~~الدليل. ### ||| ** وأما منكرو النبوة فقد احتجوا بوجوه : # الشبهة الأولى : قالوا : التكليف باطل ، فالبعثة أيضا باطلة. # أما المقدمة الأولى : وهى أن التكليف باطل فقد احتجوا عليه بوجوه : # الأول : ان الجبر حق ، فالتكليف باطل. انما قلنا : ان الجبر حق. وذلك ~~لأنا بينا فى مسألة خلق الأفعال : أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. واذا ~~كان الأمر كذلك ، فحال ما خلق الله تعالى تلك الأفعال ، لا يتمكن العبد من ~~ترك الفعل ، وحال ما لا يخلقها فيهم ، لا يتمكن من الفعل. فثبت : أن على ~~هذا التقدير لا يكون العبد قادرا البتة لا على الفعل ولا على الترك. # وانما قلنا : انه لما كان الجبر حقا كان التكليف باطلا ، لأنا نعلم ~~ببداهة العقل : أن من قيد يدى الانسان ورجليه بالقيود الشديدة ، ثم ألقاه ~~من شاهق جبل ، ثم يقول له : قف فى الهواء ، والا عذبتك عذابا شديدا مؤيدا ، ~~فان هذا مستقبح فى بداهة العقل ، ولو أنه كلف الأعمى بنقط المصاحف ، وكلف ~~المفلوج أن يطير فى الهواء ، فجميع العقلاء يدركون قبح ذلك فى بداهة عقولهم ~~، ويقطعون بأن هذا لا يليق بأحكم الحاكمين. فثبت بما ذكرنا : أن الجبر حق ، ~~وثبت أنه متى كان الجبر حقا ، كان التكليف باطلا. # الثانى : ان البارى سبحانه وتعالى عالم بجميع المعلومات. والشيء الذي حصل ~~التكليف به ، اما أن يكون معلوم الوقوع أو معلوم PageV02P108 # اللاوقوع. فان كان معلوم الوقوع كان واجب الوقوع ، فالتكليف به عبث. وان ~~كان معلوم اللاوقوع كان ممتنع الوقوع ، فكان التكليف به ظلما. فثبت ms320 : أن ~~القول بالتكليف باطل. # وربما ذكروا هذا الكلام فى معرض آخر ، وهو أن المقصود من التكليف : جلب ~~الثواب. وان كان ذلك الثواب معلوم الوقوع ، فحينئذ لا حاجة البتة الى فعل ~~الطاعة ، وان كان معلوم اللاوقوع كان ممتنع الوقوع. وحينئذ لا فائدة فى فعل ~~الطاعة. # الثالث : ان التكليف اما أن يتوجه حال استواء الداعى الى الفعل والترك ، ~~أو حال رجحان أحد الداعيين على الآخر. أما حال الاستواء فمحال. لأن الفعل ~~ترجيح. وحصول الرجحان حال حصول الاستواء جمع بين النقيضين ، وأما حال ~~الرجحان فمحال. لأن الراجح واجب ، والمرجوح ممتنع على ما بينا تقرير هذه ~~المقدمة فى مواضع وان وقع التكليف بالراجح ، كان ذلك تكليفا بايقاع شيء ~~واجب لوقوع ، وان كان تكليفا بالمرجوح ، كان ذلك تكليفا بايقاع ممتنع ~~الوقوع وتمام تقرير هذا الوجه قد تقدم فى مسألة خلق الأفعال. # الرابع : ان التكليف لا فائدة فيه البتة ، فكان عبثا غير لائق بحكمة ~~الحكيم. # وانما قلنا : انه لا فائدة فيه. لأن تلك الفائدة ، ان عادت الى المعبود ، ~~لزم أن يكون فى محل النفع والضرر والزيادة والنقصان. وهو محال. وان عادت ~~الى العابد فهو أيضا باطل. لأن جميع الفوائد محصورة فى أمرين: اما اللذة ، ~~واما السرور ، أو ما يكون مفضيا إليهما واما دفع الألم أو دفع الغم ، أو ما ~~يكون مفضيا إليهما. والمعبود تعالى قادر على تحصيل كل ذلك للعبد بدون واسطة ~~التكليف. فكان توسط التكليف عبثا. واذا ثبت هذا فظاهر : أن العبث لا يليق ~~بأحكم الحاكمين. PageV02P109 # الخامس : ان تكليف من علم أنه يكفر أو يفسق غير لائق بالحكمة ، لأن ~~المكلف به اذا دخل فى الوجود ، لزم تجهيل المعبود ، وان لم يدخل فى الوجود ~~، لزم استحقاق العبد للعقاب. وفعل شيء لا فائدة فيه الا أحد هذين الأمرين ~~المحذورين لا يليق بالحكمة. ### |||| ** السادس : ان التكليف يقتضي شغل القلب بتلك الأعمال. واشتغال القلب بغير الله ، يمنعه ~~عن الاستغراق فى معرفة الله ومحبته ، وكل ما كان مانعا عن المحبة والمعرفة ~~، كان تركه من أوجب الواجبات. # فثبت بهذه الوجوه الستة ms321 : أن القول بالتكليف باطل. واذا ثبت هذا ، كان ~~القول بالبعثة أيضا باطلا. لأنه لا فائدة من البعثة ، الا توجيه التكاليف ~~على الخلق. واذا كان المقصود باطلا ، كان التبع أولى بالبطلان. # والشبهة الثانية لمنكرى النبوات : ان الأفعال اما أن يكون حسنها معلوما ، ~~أو يكون قبحها معلوما ، أو لا نعلم لا حسنها ولا قبحها. فان كان حسنها ~~معلوما : علمناه ، ولا حاجة بنا فى ذلك الى تعريف الشرع ، وان كان قبحها ~~معلوما : تركناه. وان لم نعلم لا حسنها ولا قبحها ، فهذا الشيء اما أن يكون ~~فعله اضطراريا ، كالتنفس فى الهواء ، وما يجرى مجراه ، واما أن لا يكون ~~كذلك. فان كان فعله اضطراريا ، كان حورا (14) لا محالة ، لأن تكليف ما لا ~~يطاق لا يليق بالحكمة. وان لم يكن فعله اضطراريا ، وجب علينا تركه ، لأن ~~مثل الشيء لا حاجة بنا الى فعله. وفى فعله خطر واحتمال ضرر ، وكل ما كان ~~كذلك اقتضى العقل تركه. PageV02P110 # فثبت بما ذكرنا : أن جملة أحكام الأفعال فى الفعل والترك معلومة لنا. ~~واذا كان الأمر كذلك ، لم يكن فى بعثة الرسول فائدة. فتكون البعثة عبثا. ~~والعبث غير جائز على الحكيم. # والشبهة الثالثة لمنكرى النبوات : انا نشاهد فى الشرائع ، أفعالا غير ~~لائقة بالحكمة. مثل أعمال الحج ، ومثل ايقاع الفرق بين المتشابهات. فانهم ~~خصصوا بيتا معينا ، لغاية التعظيم ، من غير سبب. وخصصوا أوقاتا معينة ، ~~لعبادات معينة ، مع أن سائر الأوقات مساوية لها. وذلك لأن اليوم الأخير من ~~رمضان ، واليوم الأول من شوال ، يومان متلاصقان متشبهان من جميع الوجوه ، ~~ثم خصصوا أحدهما بحرمة الافطار ، والآخر بحرمة الصوم. وذكروا من أمثال هذه ~~المسائل شيئا كثيرا (15). # والشبهة الرابعة لمنكرى النبوات وهى شبهة اليهود : ان النسخ باطل. واذا ~~كان كذلك ، كان شرع محمد صلى الله وسلم باطلا. # وانما قلنا : ان النسخ باطل لوجوه : # الأول : ان موسى لما بلغ شرعه الى أمته. فاما أن يقال : انه بين أن شرعه ~~مؤبد ، أو يقال : انه بين أن شرعه منقطع ، أو لم يبين لا هذا ولا ذاك. # لا جائز أن يقال ms322 : انه عليه السلام بين أن شرعه منقطع. وذلك لأنه لو بين ~~ذلك وشرحه لأمته ، لوجب أن يصير ذلك معلوما بالتواتر لأمته ، فيلزم أن يكون ~~العلم بكون شرعه منقطعا ، مساويا للعلم بأصل شرعه. ولو كان كذلك لما قدر ~~اليهود على انكار هذا المعنى. لأن ما ثبت بالتواتر لا يمكن انكاره. ومعلوم ~~أنه ليس الأمر كذلك لأن PageV02P111 # اليهود مع اختلافهم فى مشارق الأرض ومغاربها ، اتفقوا على أن الأمر ليس كذلك. # ولا جائز أيضا : أن يقال : انه عليه السلام بين ذلك الشرع ، ولم يبين أنه ~~دائم ، أو منقطع. لأنه لو كان كذلك لما وجب بمقتضى شرعه شيء من الأعمال ، ~~الا مرة واحدة. لأن مقتضى الأمر المطلق هو الفعل مرة واحدة ، لا التكرار ، ~~وبالاجماع هذا باطل. ولما بطل هذان القسمان تتعين القسم الأول وهو أنه ~~عليه السلام لما بلغ شرعه الى أمته ، بين أنه دائم. واذا كان كذلك ، وجب أن ~~يكون شرعه دائما ، والا لزم نسبة الكذب إليه. وانه باطل. # وأيضا : فلو جاز فيه أن يقال انه عليه السلام وان أخبر أن شرعه دائم ، ~~لكنه لم يدم ، فلم لا يجوز أن يقال : ان محمدا عليه السلام أخبر أن شرعه ~~دائم ، ثم انه لا يدوم؟ ومعلوم أن هذا يوجب زوال الثقة عن جميع الشرائع. ~~وهو باطل. # الثانى : انه تعالى لو أمر بشيء ، ثم نهى عنه ، لدل ذلك على البداء وانه ~~غير جائز. # لا يقال : لم لا يجوز أن يقال : المصالح تتبدل بحسب اختلاف الأوقات ، ~~كالطبيب يأمر المريض بشرب شربة مخصوصة ، ثم انه ينهاه عنه بعد ذلك؟ لأنا ~~نقول : هذا انما يقبل فيما يظهر فى تبديله أثر وفائدة ، كما ذكرتم من تبديل ~~العلاج بالعلاج. وهاهنا ليس كذلك. فان تحويل العبادة من «السبت» الى ~~«الجمعة» وتحويل القبلة من «بيت المقدس» الى «الكعبة» لا ترى فيه فائدة. ~~ولا أثر البتة. فظهر الفرق. ### |||| ** الثالث : ان جملة اليهود على كثرتهم وتفرقهم فى مشارق الأرض ومغاربها فى البلاد ، ~~ينقلون عن موسى عليه السلام أنه قال : «تمسكوا PageV02P112 # بالسبت ما دامت السموات والأرض» ms323 وخبر التواتر مفيد للعلم. وقول موسى ~~عليه السلام حجة. ومتى ثبت هذان الأمران ، لزم الطعن فى شرع محمد عليه السلام . # * * * # فهذا مجموع شبهات المنكرين. ### ||| ** والجواب عن الشبهة الأولى من وجهين : # الأول : ان الخصم يقول : «القول بالتكليف باطل». وهذا منه (16) تكليف ~~باعتقاد بطلان التكليف ، فكان كلامه متناقضا. # الثانى وهو الجواب الحقيقى : ان مذهبنا : أن التكليف حاصله يرجع الى حرف ~~واحد ، وهو أنه اعلام بنزول العقاب ، أو بنزول الثواب. فان من صدر عنه ~~الفعل الذي كلف به ، كان ذلك علامة على نزول الثواب ، ومن لم يصدر عنه ذلك ~~الفعل ، كان ذلك علامة على نزول العقاب. وليس لأحد اعتراض على الله تعالى ~~فى أنه لم خصص هذا بالثواب ، وذلك بالعقاب؟ # وأما الشبهة الثانية : فجوابها : أن نقول : «هب أن العقل كاف فى التعريف ~~، لكن لم لا يجوز أن تكون الفائدة فى البعثة تأكيدا لذلك التعريف؟ ولهذا ~~السبب أكثر الله تعالى من ذكر الدلائل على التوحيد ، مع أن الواحد منها كاف. # وأما الشبهة الثالثة : فجوابها ظاهر على انكار الحسن العقلى. لأنه تعالى ~~يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وأما على تسليم الحسن والقبح العقليين ، ~~فجوابها : ان وجه الحسن فيها على التفصيل. وان لم يكن معلوما ، الا أن وجه ~~القبح فيها أيضا غير معلوم. ولا يبعد أن يحصل فيها وجه من وجوه الحكمة ، ~~وان كنا لا نعرفه. PageV02P113 # وأما الشبهة الرابعة : فجوابها : لم لا يجوز أن يقال : انه عليه السلام ~~بين أن شرعه منقطع مجذوذ ، وكان ذلك معلوما بالتواتر فى دينه (17) الا أن ~~قومه هلكوا بالكلية فى زمان «بخت نصر» وصار الباقى أقل من عدد التواتر ، ~~فلا جرم انقطع هذا النقل. # وقوله : «النسخ يدل على البداء» قلنا : لا نسلم. فانه لا يمتنع اختلاف ~~الأحكام لاختلاف المصالح. # وقوله : «لا تأثير لتحويل العبادة من يوم السبت الى يوم الجمعة» قلنا : ~~كما لم يعلم وجه الحكمة بالتفصيل فى هذا التحويل ، لم يعلم أيضا عدم الحكمة ~~فيه. فسقط الاستدلال. # وقوله : «اليهود نقلوا قوله عليه السلام : «تمسكوا بالسبت» قلنا : ان ~~تواترهم منقطع. ms324 فلا يفيد العلم (18) وبالله التوفيق. (19) PageV02P114 ### ||| * المسألة الثانية والثلاثون ### ||| * فى ### ||| * عصمة الأنبياء عليهم السلام # اعلم : أن الاختلاف فى هذه المسألة واقع فى أربعة مواضع : ### |||| ** الأول : ما يتعلق بالاعتقاد. وأجمعت الأمة على أنهم معصومون عن الكفر والبدعة ، الا ~~الفضلية من الخوارج فانهم يجوزون الكفر على # ففى التوراة قال الله لابراهيم عليه السلام : «أقيم عهدى بينى وبينك ، ~~وبين نسلك من بعدك فى أجيالهم عهدا أبديا لأكون الهالك ، ولنسلك من بعدك ، ~~وأعطى لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكا أبديا» [تك 17 : 7 9] ~~ونسل ابراهيم منه اسماعيل وإسحاق ، لقوله : «بإسحاق يدعى لك نسل ، وابن ~~الجارية أيضا سأجعله أمة لأنه نسلك» [تك 21 : 12 13] وقال الملاك لهاجر عن ~~اسماعيل «سأجعله أمة عظيمة» [تك 21 : 18] فجاء الكاتب ليلبس الحق بالباطل ~~وليضع ما يدل على أن العهد خاص بإسحاق فى هذا النص وهو «18 وقال ابراهيم ~~لله : ليت اسماعيل يعيش أمامك 19 فقال الله : بل سارة امرأتك تلد لك ابنا ، ~~وتدعو اسمه إسحاق ، وأقيم عهدى معه عهدا أبديا لنسله من بعده 20 وأما ~~اسماعيل فقد سمعت لك فيه ، ها أنا أباركه ، وأثمره وأكثره كثيرا جدا ، اثنى ~~عشر رئيسا يلد ، وأجعله أمة كبيرة. 21 ولكن عهدى أقيمه مع إسحاق الذي تلده ~~لك سارة فى هذا الوقت فى السنة الآتية» [تك 17 : 18 21] PageV02P115 # الأنبياء عليهم السلام وذلك لأن عندهم يجوز صدور الذنب عنهم. وكل ذنب فهو ~~كفر عندهم ، وبهذا الطريق جوزوا صدور الكفر عنهم. وأما الروافض فانهم ~~يجوزون عليهم اظهار كلمة الكفر ، على سبيل التقية. # الثانى : ما يتعلق بتبليغ الشرائع والأحكام من الله تعالى. وأجمعت الأمة ~~على أنه لا يجوز عليهم التحريف والخيانة فى هذا الباب ، لا بالعمد ولا ~~بالسهو ، والا لم يبق الاعتماد على شيء من الشرائع. # الثالث : ما يتعلق بالفتوى. وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز تعمد الخطأ. ~~أما سبيل السهو فقد اختلفوا فيه. # الرابع : ما يتعلق بأفعالهم وأحوالهم. وقد اختلفت فيه الأمة على خمسة ~~مذاهب : # الأول : قول الحشوية : وهو أنه يجوز عليهم الاقدام ms325 على الكبائر والصغائر. # الثانى : انه لا يجوز منهم تعمد الكبيرة البتة. وأما تعمد الصغيرة فهو ~~جائز بشرط أن لا يكون منفرا. فأما ان كان تعمد الصغيرة منفرا ، فذلك لا ~~يجوز عليهم ، مثل التطفيف بما دون الحبة. وهذا قول أكثر «المعتزلة». # الثالث : انه لا يجوز عليهم تعمد الكبيرة والصغيرة. ولكن يجوز صدور الذنب ~~منهم على سبيل الخطأ فى التأويل. وهذا قول «الجبائى». # الرابع : انه لا يجوز الكبيرة ولا الصغيرة ، لا تعمدا ولا بالتأويل ~~الخطأ. أما السهو والنسيان فجائزان عليهم ، ثم انهم يعاتبون على ذلك السهو ~~والنسيان ، لما أن علومهم أكمل ، فكان الواجب عليهم المبالغة فى الصدق ~~والتحفظ والتيقظ. PageV02P116 # الخامس : انه لا يجوز عليهم الصغيرة ولا الكبيرة ، لا بالعمد ولا ~~بالتأويل ، ولا بالسهو ولا بالنسيان. وهذا مذهب «الروافض» واختلفت الأمة ~~أيضا فى وقت وجوب هذه العصمة. فالروافض قالت : انها من أول الولادة الى آخر ~~العمر ، وقال الأكثرون : هذه العصمة انما تجب فى زمان النبوة ، وأما قبل ~~النبوة فهى غير واجبة. وهو قول أكثر أصحابنا. وقول «أبى الهذيل» و «أبى على ~~الجبائى» # والذي نقوله : (4) ان الأنبياء عليهم السلام معصومون فى زمان النبوة عن ~~الكبائر والصغائر بالعمد ، أما على سبيل السهو فجائز. ويدل على وجوب العصمة وجوه : # الحجة الأولى : لو صدر الذنب عنهم ، لكان حالهم فى استحقاق الذم عاجلا ، ~~والعقاب آجلا ، أشد من حال عصاة الأمة. وهذا باطل فصدور الذنب عنهم أيضا ~~باطل. بيان الملازمة : ان أعظم نعم الله على العباد اعطاؤهم نعمة الرسالة ~~والنبوة. وكل من كانت نعم الله تعالى عليه أكثر ، كان صدور الذنب عنه أفحش. ~~وصريح العقل يدل عليه ، ثم يؤكده من النقل وجوه : # أحدها : قوله : ( @QUR@09 يا نساء النبي لستن كأحد من النساء. إن اتقيتن ~~) [الأحزاب 32] ( @QUR@014 من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ~~ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا ) [الأحزاب 30] # وثانيها : ان المحصن يرجم وغيره يجلد. # والثالث : ان العبد يحد نصف حد الحر. # فثبت بما ذكرنا : أنه لو صدر الذنب عنهم ، لكان حالهم فى استحقاق الذم ~~العاجل والعقاب الآجل ، فوق ms326 حال جميع عصاة الأمة ، PageV02P117 # الا أن هذا باطل بالاجماع. فان أحدا لا يجوز أن يقول (5) الرسول أخس حالا ~~عند الله تعالى ، وأقل مرتبة ومنزلة من كل واحد من اللصوص والزناة. وهذا ~~يدل على عدم صدور الذنب عنهم. # الحجة الثانية : لو صدر عنهم الذنب ، لما كانوا مقبولى الشهادة ، لقوله ~~تعالى : ( @QUR@018 يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن ~~تصيبوا قوما بجهالة. فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) [الحجرات 6]. أمرنا ~~بالتثبيت والتوقف فى قبول شهادة الفاسق ، الا أن هذا باطل. فان من لم تقبل ~~شهادته فى الحبة ، كيف تقبل شهادته فى الأديان الثابتة الى يوم القيامة. # وأيضا : فان الله تعالى شهد بأن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم شهيد على الكل ~~يوم القيامة. قال الله تعالى : ( @QUR@08 لتكونوا شهداء على الناس ، ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا ) [البقرة 143] ومن كان شهيدا لجميع الرسل يوم القيامة ~~، كيف يكون بحال لا تقبل شهادته فى الحبة؟ # الحجة الثالثة : لو صدر الذنب عنهم ، لوجب زجرهم ، لأن الدلائل الدالة ~~على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، عامة. لكن زجر الأنبياء غير ~~جائز. لقول الله تعالى : ( @QUR@010 إن الذين يؤذون الله ورسوله ، لعنهم ~~الله في الدنيا والآخرة ) [الأحزاب 57] فكان صدور الذنب عنهم ممتنعا. # الحجة الرابعة : لو صدر الفسق (6) عن محمد عليه السلام لكنا اما أن نكون ~~مأمورين بالاقتداء به. وذلك باطل. لأن الأمر بالفسق PageV02P118 # لا يجوز على الحكيم ، أو لا نكون مأمورين بالاقتداء به. وهو أيضا باطل. ~~لقوله تعالى : ( @QUR@08 قل : إن كنتم تحبون الله ، فاتبعوني يحببكم الله ) ~~[آل عمران 31] ولما كان صدور الفسق عنه ، يفضى الى أحد هذين القسمين ~~الباطلين ، كان صدور الفسق عنه محالا. # الحجة الخامسة : لو صدرت المعصية عن الأنبياء عليهم السلام لوجب أن يكونوا ~~موعودين بعذاب جهنم ، لقوله تعالى : ( @QUR@08 ومن يعص الله ورسوله. فإن له ~~نار جهنم ) [الجن 23] ولكانوا ملعونين ، لقوله تعالى : ( @QUR@05 ألا لعنة ~~الله على الظالمين ) [هود 18] وباجماع الأمة : هذا باطل. فكان صدور المعصية ~~عنهم باطلا. # الحجة السادسة : انهم كانوا يأمرون بفعل الطاعات وترك المعاصى ، فلو ~~تركوا ms327 الطاعة وفعلوا المعاصى ، لدخلوا تحت قوله تعالى : ( @QUR@014 لم ~~تقولون ما لا تفعلون؟ كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) [الصف 2 ~~3] وتحت قوله تعالى : ( @QUR@010 «أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم ~~تتلون الكتاب؟ أفلا تعقلون»؟ ) [البقرة 44] ومعلوم أن هذا فى غاية القبح. ~~وأيضا : أخبر الله عن رسوله شعيب ببراءة نفسه عن ذلك. فقال : ( @QUR@08 وما ~~أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ) [هود 88]. # الحجة السابعة : قال الله تعالى (7): ( @QUR@05 إنهم كانوا يسارعون في ~~الخيرات ) [الأنبياء 90] والألف واللام فى صيغة الجمع تفيد العموم. فدخل ~~تحت لفظ ( @QUR@01 الخيرات ) فعل كل ما ينبغى ، وترك كل ما لا ينبغى وذلك ~~يدل على أنهم كانوا فاعلين لكل الطاعات ، تاركين لكل المعاصى. # الحجة الثامنة : [قال الله تعالى فى صفة ابراهيم واسحاق ويعقوب] (8) ( ~~@QUR@05 وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار ) [ص 47] PageV02P119 # وهذان اللفظان أعنى ( @QUR@01 المصطفين ) و ( @QUR@01 الأخيار ) يتناولان ~~جملة الأفعال والتروك ، بدليل : جواز الاستثناء. يقال : فلان من المصطفين ~~الأخيار الا فى كذا ، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل. فدلت هذه ~~الآية على أنهم كانوا من المصطفين الأخيار فى كل الأمور. وهذا ينافى صدور ~~الذنب عنهم. # ونظيره قوله تعالى : ( @QUR@07 الله يصطفي من الملائكة رسلا ، ومن الناس ~~) [الحج 75] وكذلك قوله : ( @QUR@011 إن الله اصطفى آدم ونوحا ، وآل ~~إبراهيم وآل عمران ، على العالمين ) [آل عمران 33] : وقال فى حق ابراهيم : ~~( @QUR@09 ولقد اصطفيناه في الدنيا ، وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) ~~[البقرة 130] وقال فى حق موسى : ( @QUR@06 إني اصطفيتك على الناس برسالاتي ~~وبكلامي ) [الأعراف 144] وقال تعالى : ( @QUR@018 واذكر عبادنا إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار ، إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ، ~~وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار ) [ص 47] # ولا يقال : الاصطفاء لا يمنع من فعل الذنب ، بدليل قوله تعالى : ( ~~@QUR@021 ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا. فمنهم ظالم لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات. بإذن الله. ذلك هو الفضل الكبير ) [فاطر ~~32]. قسم المصطفين الى الظالم ، والمقتصد ، والسابق. نقول : الضمير فى قوله ~~( @QUR@01 فمنهم ) عائد الى قوله ( @QUR@02 من عبادنا ) لا الى قوله ( ~~@QUR@01 اصطفينا ) لأن عود الضمير الى أقرب المذكورين واجب. # الحجة التاسعة ms328 : قوله تعالى حكاية عن ابليس : ( @QUR@07 فبعزتك لأغوينهم ~~أجمعين ، إلا عبادك منهم المخلصين ) [ص 82 83] استثنى المخلصين عن اضلاله ~~واغوائه ، ثم انه تعالى شهد على ابراهيم وإسحاق ويعقوب ، أنهم من المخلصين ~~، حيث قال : ( @QUR@03 «إنا أخلصناهم بخالصة PageV02P120 # @QUR@02 ذكرى الدار ) [ص 46] وقال فى حق يوسف : ( @QUR@04 إنه من عبادنا ~~المخلصين ) ولما أقر ابليس بأنه لا يغوى المخلصين ، وشهد الله تعالى بأن ~~هؤلاء من المخلصين ، ثبت : أن إغواء ابليس ووسوسته ما وصلا إليهم وذلك يوجب ~~القطع بعدم صدور المعصية عنهم. ### |||| ** الحجة العاشرة : قال الله تعالى : ( @QUR@010 ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ، فاتبعوه. إلا ~~فريقا من المؤمنين ) [سبأ 20] فذلك القوم الذين لم يتبعوا ابليس. اما يقال ~~: انهم هم الأنبياء والرسل عليهم السلام أو غيرهم. فان كانوا غير الأنبياء ، ~~لزم أن يكونوا أفضل من الأنبياء لقوله تعالى : ( @QUR@05 إن أكرمكم عند ~~الله أتقاكم ) [الحجرات 13]. # وتفضيل غير النبي على النبي باطل بالاجماع. فوجب القطع بأن أولئك الذين ~~لم يتبعوا ابليس هم الأنبياء عليهم السلام . وكل من أذنب فقد اتبع ابليس. ~~فدل هذا على أن الأنبياء عليهم السلام ما أذنبوا البتة. # الحجة الحادية عشر : انه تعالى قسم المكلفين الى قسمين حزب الشيطان ، كما ~~قال: ( @QUR@09 أولئك حزب الشيطان ، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ) ~~[المجادلة 19] وحزب الله ، كما قال : ( @QUR@09 أولئك حزب الله ، ألا إن ~~حزب الله هم المفلحون ) [المجدلة 22] ولا شك أن حزب الشيطان هم الذين ~~يفعلون ما يريده الشيطان ويأمرهم به ، فلو صدرت الذنوب عن الأنبياء والرسل ~~، لصدق عليهم أنهم من حزب الشيطان ، ونصدق عليهم قوله تعالى : ( @QUR@06 ~~ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ) ولصدق على الزهاد من آحاد الأمة قوله ~~تعالى : ( @QUR@06 ألا إن حزب الله هم المفلحون ) وحينئذ يلزم أن يكون كل ~~واحد من آحاد الأمة ، أفضل بكثير من الأنبياء عليهم السلام ولا شك فى بطلان ذلك. ### |||| ** الحجة الثانية عشر : ان أصحابنا بينوا أن الأنبياء أفضل من الملائكة وسنقيم الدلالة على أن ~~الملائكة ما أقدموا على شيء من الذنوب ، فلو PageV02P121 # صدرت الذنوب عن الأنبياء عليهم السلام لامتنع أن يكونوا أزيد فى ms329 الفضل (8) ~~عن الملائكة. لقوله تعالى : ( @QUR@013 أم نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ، كالمفسدين في الأرض. أم نجعل المتقين كالفجار ) (ص 28) # الحجة الثالثة عشر : قوله تعالى فى حق ابراهيم : ( @QUR@04 إني جاعلك ~~للناس إماما ) [البقرة 124] والامام هو الذي يقتدى به. فلو صدرت الذنوب عن ~~ابراهيم ، لكان اقتداء الخلق به فى ذلك الذنب واجبا. وانه باطل. # الحجة الرابعة عشر : قوله تعالى : ( @QUR@04 لا ينال عهدي الظالمين ) ~~[البقرة 124] وكل من أقدم على الذنب كان ظالما لنفسه ، لقوله تعالى : ( ~~@QUR@03 فمنهم ظالم لنفسه ) الآية [فاطر 32] اذا عرفت هذا فنقول : ذلك ~~العهد الذي حكم الله تعالى بأنه لا يصل الى الظالمين أما أن يكون هو عهد ~~النبوة ، أو عهد الامامة. فان كان الأول فهو لمقصود. وان كان الثانى ~~فالمقصود أظهر ، لأن عهد الامامة أقل درجة من عهد النبوة. واذا لم يصل عهد ~~الامامة الى المذنب العاصى ، فبأن لا يصل إليه عهد النبوة أولى. # الحجة الخامسة عشر : روى أن «خزيمة بن ثابت» شهد على وفق قول النبي ~~عليه السلام مع أنه ما كان عالما بتلك الواقعة. فقال عليه السلام : «كيف شهدت ~~مع أنك ما كنت عالما بكيفية الواقعة؟» فقال خزيمة : انى أصدقك فيما تخبر ~~عنه من أحوال السموات. أفلا أصدقك فى هذا القدر؟ ولما ذكر ذلك صدقه النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ولقبه بذى الشهادتين. فلو كان الذنب جائزا على ~~الأنبياء عليهم السلام ، لما كانت شهادة خزيمة فى تلك الواقعة جائزة. # * * * PageV02P122 # واعلم : أنا لما فرغنا من ذكر الدلائل الدالة على عصمة الأنبياء ~~عليهم السلام فلنذكر الآن ما يدل على عصمة الملائكة عليهم السلام ويدل عليه وجوه : # الحجة الأولى : قوله تعالى فى صفة الملائكة : ( @QUR@07 يخافون ربهم من ~~فوقهم ، ويفعلون ما يؤمرون ) [النحل 50] قوله : ( @QUR@03 يفعلون ما يؤمرون ~~) يتناول جميع الملائكة فى فعل جميع المأمورات ، وترك جميع المنهيات. لأن ~~كل ما نهى عن فعله ، فقد أمر بتركه. ### |||| ** الحجة الثانية : قوله : ( @QUR@05 يسبحون الليل والنهار ، لا يفترون ) [الأنبياء 20] ومن ~~صفته كذا لا يصدر عنه الذنب. # الحجة الثالثة : قوله تعالى فى صفة الملائكة : ( @QUR@09 بل عباد ms330 مكرمون ~~، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) [الأنبياء 26 27] # الحجة الرابعة : الملائكة رسل الله ، لقوله تعالى : ( @QUR@03 جاعل ~~الملائكة رسلا ) [فاطر 1] والرسول معصوم لقوله تعالى فى تعظيم الرسول : ( ~~@QUR@05 الله أعلم حيث يجعل رسالته ) [الأنعام 124] # فهذا مجموع الدلائل على عصمة الأنبياء والملائكة عليهم السلام . # * * * # واعلم : أن شبهات المخالفين فى هذه المسألة كثيرة. ونحن نذكرها ان شاء ~~الله تعالى على سبيل الاختصار : # القصة الأولى : قصة الملائكة وللمخالفين فيها شبهات أربع : # الشبهة الأولى : التمسك بقوله تعالى حكاية عنهم : ( @QUR@07 أتجعل فيها ~~من يفسد فيها ويسفك الدماء )؟ [البقرة 30] # فقد احتجوا بها من عشرة أوجه : # أحدها : ان قوله : ( @QUR@01 «أتجعل»؟ ) اعتراض. والاعتراض على الله من ~~أعظم الذنوب. PageV02P123 # وثانيها : انهم طعنوا فى بنى آدم. وهذا الطعن غيبة ، والغيبة من الذنوب ~~العظيمة. # وثالثها : حكمهم على البشر بالفساد والقتل ، ولا يجوز أن يقال : انهم ~~عرفوا بالوحى ، لأنه تعالى لما أراد اعزاز آدم وأولاده ، فكيف يليق بذلك ~~اطلاع الأعداء على (10) الغيوب؟ فثبت : أنهم قلوا ذلك عن الظن والحسبان. ~~وذلك ذنب عظيم ، لقوله تعالى : ( @QUR@07 وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ) ~~[النجم 28] وقوله : ( @QUR@07 ولا تقف ما ليس لك به علم ) [الإسراء 36]. # ورابعها : انهم لما طعنوا فى بنى آدم ، مدحوا أنفسهم ، فقالوا : ( ~~@QUR@05 ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) [البقرة 30] وقالوا : ( @QUR@06 وإنا ~~لنحن الصافون ، وإنا لنحن المسبحون ) [الصافات 165 166] وهذا لفظ يدل على ~~أنهم كانوا يقولون : نحن الموصوفون بهذا التسبيح لا غيرنا. وكل ذلك عجب. ~~والعجب من معظمات الذنوب ، لقوله عليه السلام : «ثلاث مهلكات» الى قوله : ~~«واعجاب المرء بنفسه» # وخامسها : انهم ذكروا عن أنفسهم الطاعة ، وذكروا أن ذلك حصل بتوفيق الله ~~تعالى واعانته. وهذا غرور. وهو من الذنوب. # وسادسها : انه تعالى قال لهم : ( @QUR@06 أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم ~~صادقين ) [البقرة 31] فهذا يدل على أنهم قد ذكروا كلاما ، وكانوا كاذبين فيه. # وسابعها : قوله تعالى حكاية عنهم : ( @QUR@08 قالوا : سبحانك لا علم لنا ~~إلا ما علمتنا ) [البقرة 32] وهذا الكلام لا شك فى أنه اعتذار ، ولو لا ~~تقدم الجرم والا لما احتاجوا الى هذا الاعتذار. PageV02P124 # وثامنها : قوله تعالى للملائكة : ( @QUR@08 ألم ms331 أقل لكم : إني أعلم غيب ~~السماوات والأرض ) [البقرة 33] وهذا الكلام يدل على أنهم كانوا شاكين فى ~~كونه تعالى عالما بجميع المعلومات. # وتاسعها : قوله تعالى : ( @QUR@06 وأعلم ما تبدون ، وما كنتم تكتمون ) ~~[البقرة 33] وهذا يدل على أنهم فعلوا فعلا كانوا يكتمونه. وذلك يقتضي كونه ~~ذنبا ، إذ لو كان طاعة ، لما احتاجوا الى كتمانه. # وعاشرها : يروى عن ابن عباس أنه قال : ان الله تعالى أمر ابليس مع عسكره ~~بمحاربة الجان ، ثم لما قال بعد ذلك : ( @QUR@05 إني جاعل في الأرض خليفة ) ~~[البقرة 30] قالوا : ليخلق ربنا أى شيء شاء ، فلن يخلق ربنا خلقا أفضل منا. ~~وهذا هو المراد من قوله : ( @QUR@06 وأعلم ما تبدون ، وما كنتم تكتمون ) ~~[البقرة 33] وهذا يدل على أنهم وصفوا الله بأنه لا يقدر على خلق قوم أفضل ~~منهم ، ويدل ذلك على غاية الغرور والعجب. وكل ذلك من الذنوب الكبيرة. # فهذا شرح وجوه الاستدلال ممن ينكر عصمة الملائكة بهذه الآية. # * * * # والجواب : ان الآيات التى تمسكنا بها فى عصمة الملائكة صريحة فى المقصود ~~، وهذه الوجوه التى ذكرتموها محتملة. والمحتمل لا يعارض الصريح. # وأما الأجوبة المفصلة عن هذه الوجوه ، فهى مذكورة فى كتاب «التفسير». # الشبهة الثانية : قالوا : ان ابليس كان من الملائكة ، ثم انه صدر عنه ~~الكفر والفسق. وانما قلنا : انه كان من الملائكة لوجهين : # الأول : قوله : ( @QUR@03 فسجدوا إلا إبليس ) [البقرة 34] وقوله : PageV02P125 # ( @QUR@06 فسجد الملائكة كلهم أجمعون ، إلا إبليس ) [الحجر 30] ~~والاستثناء لا يكون الا من الجنس (11). ### |||| ** الثانى : انه لو لم يكن من الملائكة ، لكان أمر الله للملائكة بالسجود ، غير متناول ~~له ، فوجب أن لا تحصل له صفة الذنب بترك السجود ، فضلا عن الكفر. # والجواب عن الشبهة الثانية : لا نسلم أن ابليس كان من الملائكة. ويدل ~~عليه وجوه: # الأول : ان ابليس كان من الجن ، والجن ليسوا من الملائكة. لقوله تعالى : ~~( @QUR@020 ويوم يحشرهم جميعا ، ثم يقول للملائكة : أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون؟ قالوا : سبحانك. أنت ولينا من دونهم ، بل كانوا يعبدون الجن ) [سبأ ~~40 41] دلت الآية على أنهم ما كانوا يعبدون الملائكة ، بل كانوا يعبدون ~~الجن. فوجب أن يكون ms332 الجن جنسا آخر غير الملائكة. # الثانى : ان ابليس له ذرية. لقوله تعالى : ( @QUR@05 «أفتتخذونه وذريته ~~أولياء من دوني )؟ [الكهف 50] والملائكة لا ذرية لهم ، لأن الذرية لا تكون ~~الا عند اجتماع الذكر والأنثى ، وليس فى الملائكة أنثى. لقوله تعالى : ( ~~@QUR@07 وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ) [الزخرف 19]. PageV02P126 # الثالث : ان ابليس مخلوق من النار ، قال الله تعالى حكاية عنه : ( ~~@QUR@06 خلقتني من نار ، وخلقته من طين ) والملائكة مخلوقون من النور ، لما ~~روى عروة عن عائشة رضى الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ~~«خلقت الملائكة من نور» ولأن من المشهور الذي لا يدفع : أن الملائكة ~~روحانيون. فقيل فى الاشتقاق : انهم خلقوا من الروح ، أو الريح. # الرابع : الملائكة رسل الله ، لقوله تعالى : ( @QUR@03 جاعل الملائكة ~~رسلا ) [فاطر 1] ورسول الله لا يكون كافرا ، لقوله تعالى : ( @QUR@05 الله ~~أعلم حيث يجعل رسالته ) [الأنعام 124] # أما التمسك بالاستثناء. فجوابه : ان الاستثناء من غير الجنس كثير فى ~~القرآن ، وقوله: «لو لم يكن ملكا ، لما كان أمر الملائكة متناولا له» قلنا ~~: لم لا يجوز أن يقال : انه كان من الجن ، الا أنه من [وقت صغره] (12) ~~اختلط بالملائكة ، وتربى فيما بينهم ، وعظم قدره هنالك ، فصار فى الظاهر ~~كأنه منهم ، فلا جرم كان الأمر المتوجه على الملائكة يتناوله. # الشبهة الثالثة : تمسكوا بقصة هاروت وماروت [البقرة 102] والقصة مشهورة. # والجواب : ليس الأمر كما يقال فى تلك القصة الخبيثة (13) PageV02P127 # بل الحكمة فى انزالها : أن السحرة كانوا يتلقون (14) الغيب من الشياطين ، ~~وكانوا يلقونها فيما بين الخلق ، وكان ذلك تشبيها بالوحى النازل على ~~الأنبياء عليهم السلام . فالله تعالى أمرهما بالنزول الى الأرض حتى يعلما ~~كيفية السحر للناس ، حتى يظهر بذلك الفرق بين كلام الأنبياء وبين كلام ~~السحرة. وإليه الاشارة فى قوله تعالى حكاية عنهما : ( @QUR@05 إنما نحن ~~فتنة ، فلا تكفر ) [البقرة 102] : نحن انما نعلمكم السحر لتتوصلوا به الى ~~الفرق بين المعجزة والسحر ، فلا ينبغى أن تستعملوا هذا السحر فى أغراضكم ~~الباطلة. فانكم ان فعلتم ذلك كفرتم. # والحاصل : أنه تعالى انما أنزلهما ليحصل بسبب ارشادهما : الفرق بين الحق ms333 ~~والباطل ، وبين المعجزة والسحر. والجهال قلبوا القصة ، وجعلوا ذلك سببا ~~للطعن فى هذين المعصومين ، وذلك جهل عظيم. # الشبهة الرابعة : التمسك بقوله تعالى فى صفة الملائكة : ( @QUR@01 ومن PageV02P128 # @QUR@09 يقل منهم : إني إله من دونه ، فذلك نجزيه جهنم ) [الأنبياء 29] ~~وهذا مشعر بأن هذا الخاطر ، خطر ببال بعضهم. # والجواب ### |||| ** : ان الوعيد على الفعل لا يدل على صدور ذلك الفعل عنهم ، كما أن قوله تعالى ~~لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم : ( @QUR@03 ولا تطع الكافرين ) [الأحزاب 1] ~~وقوله : ( @QUR@04 لئن أشركت ليحبطن عملك ) (الزمر 65) لا يدل على أنه أطاع ~~الكافرين ، ولا على أنه أشرك بالله # القصة الثانية : قصة آدم عليه السلام . # وفيها شبهات : # الشبهة الأولى : قصة زلة آدم. # وتمسكوا بهذه القصة من سبعة أوجه : # الأول : قوله تعالى : ( @QUR@03 وعصى آدم ربه ) (طه 121) واسم العاصى دم ~~، فدل على أنه كان صاحب الكبيرة. # الثانى : قوله تعالى ( @QUR@01 فغوى ) والغواية من الكبائر. # الثالث : انه عليه السلام تاب ، لقوله تعالى : ( @QUR@07 فتلقى آدم من ربه ~~كلمات ، فتاب عليه ) (البقرة 37) وقوله تعالى : ( @QUR@04 اجتباه ربه فتاب ~~عليه ) [طه 22] والتوبة عبارة عن الندم على المعصية ، فان كان صادقا فى ذلك ~~، فقد صدر الذنب عنه ، وان كان كاذبا فيه ، كان أيضا مذنبا ، لأن الكذب ذنب. # الرابع : انه عليه السلام ارتكب المنهى عنه بقوله تعالى : ( @QUR@05 ألم ~~أنهكما عن تلكما الشجرة )؟ [الأعراف 22] وقوله تعالى : ( @QUR@04 ولا ~~تقربا هذه الشجرة ) (الأعراف 19) وارتكاب المنهى عنه : ذنب. # الخامس : الله تعالى سماهما ظالمين ، لقوله تعالى : ( @QUR@03 فتكونا من ~~الظالمين ) [الأعراف 19] وهما سميا أنفسهما بذلك ، حيث قالا : ( @QUR@03 ~~ربنا ظلمنا أنفسنا ) [الأعراف 23] PageV02P129 # السادس : ان آدم عليه السلام اعترف بأنه لو لا مغفرة الله ، لكان من ~~الخاسرين. حيث قال : ( @QUR@08 وإن لم تغفر لنا وترحمنا ، لنكونن من ~~الخاسرين ) [الأعراف 23] وهذا لا يليق الا بصاحب الكبيرة. # السابع : انه انما خرج من الجنة بسبب وسوسة الشيطان وازلاله بقوله تعالى ~~: ( @QUR@03 فوسوس لهما الشيطان ) [الأعراف 20] وقوله تعالى : ( @QUR@07 ~~فأزلهما الشيطان عنها ، فأخرجهما مما كانا فيه ) [البقرة 36] وهذا يدل على ~~أنه صاحب الكبيرة. # والجواب : لم لا يجوز أن يقال : ان هذه الواقعة انما وقعت قبل النبوة؟ ثم ms334 ~~الذي يدل على أن الأمر كذلك وجوه : # الأول : قوله تعالى : ( @QUR@010 وعصى آدم ربه فغوى. ثم اجتباه ربه ، ~~فتاب عليه وهدى ) [طه 121 122] فدل هذا على أن الاجتباء انما حصل بعد واقعة ~~الذنب ، لأن كلمة «ثم» للتراخى. # الثانى : لما دلت هذه الدلائل على صدور الذنب ، ودلت الدلائل التى ~~ذكرناها على أن الأنبياء عليهم السلام لا يصدر عنهم الذنب ، حال كونهم ~~أنبياء ، لم يبق هاهنا وجه فى التوفيق ، الا أن تحمل هذه الواقعة على ما ~~قبل النبوة. # الثالث : انه لو كان رسولا قبل الواقعة ، لكان اما أن يقال : انه رسول ~~الى الملائكة. وهو باطل ، لأن الملائكة رسل الله. لقوله : ( @QUR@03 جاعل ~~الملائكة رسلا ) [فاطر 1] والرسول لا يحتاج الى رسول آخر أو الى البشر وذلك ~~أيضا باطل. لأنه ما كان معه فى الجنة من البشر الا «حواء» وان الخطاب كان ~~يأتيها من غير واسطة آدم ، بدليل قوله تعالى : ( @QUR@04 ولا تقربا هذه ~~الشجرة ) [البقرة 35] فان هذا الخطاب خطاب معهما ابتداء. أو كان رسولا من ~~غير مرسل إليه وهو أيضا PageV02P130 # باطل فثبت : أنه عليه السلام قبل هذه الواقعة ، ما كان موصوفا بالرسالة ~~والنبوة. # الشبهة الثانية : تمسكوا بقوله تعالى : ( @QUR@06 هو الذي خلقكم من نفس ~~واحدة ) (الأعراف 189): الى قوله ( @QUR@04 فتعالى الله عما يشركون ) ~~(الأعراف 190) قالوا : فالنفس الواحدة هذه «آدم» وزوجها المخلوق منها هى ~~«حواء» وهذه الكنايات بأسرها عائدة إليهما ، فوجب أيضا : أن يكون قوله : ( ~~@QUR@09 جعلا له شركاء فيما آتاهما. فتعالى الله عما يشركون ) [الأعراف ~~190] عائدا إليهما. وهذا يقتضي صدور الشرك عنهما. # الجواب : لا نسلم أن النفس المذكورة فى الآية ، هى آدم ، وليس فى الآية ~~ما يدل عليه ، بل نقول : هذا الخطاب ل «قريش» [والأشراف منهم] (15) «آل ~~قصى» والمعنى : ( @QUR@03 خلقكم من نفس ) قصى ( @QUR@01 وجعل ) من جنسها ( ~~@QUR@01 زوجها ) عربية قرشية ( @QUR@02 ليسكن إليها ). ( @QUR@02 فلما ~~آتاهما ) الله تعالى ما طلبا من الولد الصالح السوى ، سميا أولادهما بعبد ~~مناف» و «عبد العزى» و «عبد الدار» و «عبد قصى» فالضمير فى قوله ( @QUR@01 ~~يشركون ) لأعقابهما. # القصة الثالثة : قصة نوح عليه السلام . # وفيها شبهتان : # الشبهة الأولى ms335 : انه قال عن نوح : ( @QUR@04 إن ابني من أهلي ) (هود 45) ~~وقال تعالى : ( @QUR@08 إنه ليس من أهلك. إنه عمل غير صالح ) (هود 46) وهذا ~~يدل على أنه كذب فى قوله : ان ابنى من أهلى» ### |||| ** والجواب : المفسرون اختلفوا فى هذا الابن على ثلاثة أقوال : # الأول : انه كان ابنا لصلبه ، بدليل قوله تعالى : ( @QUR@03 ونادى نوح ~~ابنه ) [هود 42] ثم اختلفوا فى قوله : ( @QUR@04 إنه ليس من أهلك ) فقيل : PageV02P131 # ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك. وقيل : ليس من أهل دينك. وهو قول ~~«ابن عباس» و «سعيد بن جبير». # الثانى : انه كان ابنا لامرأته الا أنه لاختلاطه بأبنائه وأهل بيته ، ~~أطلق اسم الابن عليه. كما أن ابليس لاختلاطه بالملائكة أطلق اسم الملك عليه. # والدليل على ما ذكرناه : قوله : ( @QUR@04 إن ابني من أهلي ) ولم يقل : ~~منى. وهذا مروى عن «الباقر». # الثالث : انه ولد على فراشه من غير رشدة. وهو خطأ. لأنه يجب تنزيه ~~الأنبياء عليهم السلام عن مثل هذه الفضيحة. # الشبهة الثانية : ان سؤال نوح كان خطأ من وجهين : # الأول : قوله تعالى : ( @QUR@013 فلا تسئلن ما ليس لك به علم. إني أعظك ~~أن تكون من الجاهلين ) [هود 46] ### |||| ** الثانى : قوله تعالى : ( @QUR@04 إنه عمل غير صالح ) [هود 46] وفيه قراءتان : قراءة ~~«الكسائى» على لفظ الماضى : والمعنى ان ابنك عمل عملا غير صالح. والباقون ~~بالرفع والتنوين. # والأول : مرجوح لأنه يقتضي اضمار الموصوف ، والاضمار خلاف الأصل. فثبتت: ~~القراءة الثانية وهى الأولى والهاء فى قوله «انه» ضمير ، فيكون عائدا الى ~~مذكور سابق ، وهو اما السؤال ، واما الابن. ولا يجوز عوده الى الابن ، لأن ~~الابن لا يجوز وصفه ، بأنه عمل غير صالح ، بل يكون ذا عمل غير صالح ، ~~فيقتضى الاضمار ، وهو خلاف الأصل. فوجب أن يكون الضمير عائدا الى السؤال. ~~فثبت : أن ذلك السؤال غير صالح. # والجواب : لا نسلم أنه عليه السلام دعا لابنه مطلقا ، بل بشرط الايمان. PageV02P132 # لا يقال : فلم قال الله تعال : ( @QUR@07 فلا تسئلن ما ليس لك به علم ) ~~ولم قال : ( @QUR@06 إني أعظك أن تكون من الجاهلين )؟ ولم قال نوح : ( ~~@QUR@010 إني أعوذ بك أن ms336 أسئلك ما ليس لي به علم )؟ # لأنا نقول : لا يمتنع أن يكون نوح عليه السلام قد نهى عن ذلك ، وان لم يقع ~~ذلك الفعل منه. كما أن رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الشرك ، فى قوله ~~تعالى : ( @QUR@04 لئن أشركت ليحبطن عملك ) [الزمر 65] وان لم يقع ذلك منه. # وقوله ثانيا : ان الموصوف بأنه عمل غير صالح هو السؤال. قلنا : لا نسلم ~~بل هو دليل ضعيف. والأدلة الدالة على عصمة الأنبياء عليهم السلام أقوى من ~~ذلك ، فوجب المصير الى اثبات هذه الاضمار ، توفيقا بين هذه الآية ، وبين ~~الآيات الدالة على ثبوت عصمة الأنبياء عليهم السلام # القصة الرابعة : قصة ابراهيم عليه السلام # وفيها ثمان شبهات : # الشبهة الأولى : قوله تعالى : ( @QUR@02 هذا ربي ) [الأنعام 76] والجواب. ~~ذكر هذا على سبيل الفرض ليبطله بعد ذلك ، كالواحد منا اذا أراد أن يبطل ~~القول بقدم الأجسام ، فيقول أولا : الجسم قديم ، أى هكذا يقول الخصم. ثم ~~يقول : لو كان قديما ، لم يكن متغيرا فكذا هاهنا. قال ( @QUR@02 هذا ربي ) ~~أى كذا يقولون. ثم قال : ( @QUR@03 لا أحب الآفلين ) [الأنعام 76] أى لو ~~كان ربا لم يتغير. # الشبهة الثانية : قال : ( @QUR@03 بل فعله كبيرهم ) [الأنبياء 63] وهذا كذب. # والجواب من وجوه : # الأول : ان قصد ابراهيم عليه السلام ما كان أن ينسب ذلك PageV02P133 # الصادر عنه الى الصنم ، وانما قصد تقريره لنفسه على أسلوب تعريضى به. ~~وهذا كما لو قال صاحبك وقد كنت كتبت كتابا بخط حسن ، وأنت مشهور بحسن الخط ~~أنت كتبت هذا وصاحبك أمى لا يحسن الخط ، ولا يقدر الا على حروف خربشة ~~فاسدة. فقلت له : بل كتبته أنت. وكان قصدك بهذا الجواب : تقريره لك مع ~~الاستهزاء به ، لا نفيه عنك واثباته للأمى ، لأن اثباته والأمر دائر بينهما ~~للعجز ، استهزاء به واثبات للقادر. # وثانيها : ان ابراهيم عليه السلام غاظته تلك الأصنام ، حين أبصرها مزينة. ~~وكان غيظه من كبيرها أشد ، لما رأى من زيادة تعظيمهم له ، فأسند الفعل إليه ~~، لأنه هو السبب فى استهانته بها ، وحطمه لها. والفعل كما يسند الى المباشر ~~، فقد يسند الى ms337 السبب الحامل عليه. # وثالثها : يجوز أن يكون فيه وقف عند قوله : ( @QUR@03 بل فعله كبيرهم ) ~~[الأنبياء 63] ثم يبتدئ فيقول : ( @QUR@01 فسئلوهم ) والمعنى : بل ( ~~@QUR@02 فعله كبيرهم ) وعنى به نفسه. لأن الانسان أكبر من كل صنم. # الشبهة الثالثة : قوله تعالى : ( @QUR@07 فنظر نظرة في النجوم. فقال : ~~إني سقيم ) [الصافات 88 89] والتمسك بها من وجهين : # الأول : ان النظر فى علم النجوم حرام. # الثانى : ان قوله ( @QUR@02 إني سقيم ): كذب. # والجواب عن الأول : لا نسلم أن النظر فى علم النجوم حرام مطلقا ، بل من ~~نظر فيها ليستدل بها على توحيد الله تعالى ، كان ذلك أعظم الطاعات. ولهذا ~~السبب استحق ابراهيم عليه السلام المدح بالنظر فى النجوم. وهو قوله : ( ~~@QUR@06 فلما جن عليه الليل رأى كوكبا ) [الأنعام 76]. PageV02P134 # وأيضا : فلعل الله تعالى أخبر الخليل عليه السلام أنه مهما طلع النجم ~~الفلانى فانك تمرض ، فنظر فى النجوم ، فلما رأى قربه قال : ( @QUR@02 إني ~~سقيم ). # وأيضا : لعله نظر فى النجوم تشبها بأهل زمانه فى الظاهر ، وحكمه بأنه ~~«سقيم» ايهام لقومه أنه انما حكم بهذا الحكم بناء على النجوم. # وأما الوجه الثانى وهو قوله ( @QUR@02 إني سقيم ) أى كذب فجوابه من وجوه : # أحدها : لا نسلم بأنه كذب ، بل لعله سقيما فى تلك الساعة. # وثانيها : لعله انما عرف أنه سيصير سقيما فى الزمان الثانى. فقال : ( ~~@QUR@02 إني سقيم ) على تأويل انى أكون سقيما فى ذلك الوقت ، كما أنك اذا ~~علمت أنك ستصير محموما وقت الظهر ، ثم ان أحدا يدعوك الى الضيافة ، بحيث ~~تعلم أنه لا بد من الجلوس مع القوم ، الى وقت الظهر ، فتقول : انى محموم. ~~وتعنى به : أنك تكون محموما فى ذلك الوقت. # وثالثها : لعله أراد أنه سقيم القلب. والمراد : ما فى قلبه من الحزن ~~والغم ، بسبب عنادهم. # الشبهة الرابعة : قوله تعالى : ( @QUR@010 فإن الله يأتي بالشمس من ~~المشرق فأت بها من المغرب ) [البقرة 258] وهذا يدل على أنه صار منقطعا فى ~~الدليل الأول. # والجواب : فيه أبحاث لطيفة مذكورة فى كتاب «أسرار التنزيل» والذي نقوله ~~هاهنا: ان الدليل كان شيئا واحدا وهو حدوث ما لا يقدر الانسان على إحداثه. ms338 ~~فهو يدل على قادر آخر غير الخلق ، ثم هذا المعنى له أمثلة : PageV02P135 # أحدها : الاحياء والاماتة. # والثانى : طلوع الشمس من مشرقها. وهذا كان انتقالا من مثال الى مثال. أما ~~الدليل فشيء واحد فى الحالين. # الشبهة الخامسة : التمسك بقوله تعالى : ( @QUR@012 أرني كيف تحي الموتى؟ ~~قال : أولم تؤمن؟ قال : بلى. ولكن ليطمئن قلبي ) [البقرة 260] والجواب ### |||| ** : ليس فى الآية ما يدل على أن هذه الطمأنينة مطلوبة فيما اذا رأى. وهو يحتمل ~~وجوها : # أحدها : ان النبي عليه السلام اذا جاءه الملك ، احتاج الى أن يظهر الملك ~~دليلا على كونه صادقا معجزة والا لم يعرف الفرق بينه وبين الشيطان. فلعله ~~طلب الاحياء والاماتة من جبريل عليه السلام ليعرف أنه صادق فى كونه رسولا من ~~الله تعالى إليه ، وليطمئن قلبه على ذلك. # وثانيها : روى «جعفر الصادق» رضى الله عنه أنه قال : «ان الله تعالى أوحى ~~إليه انى أتخذ انسانا خليلا ، وعلامته أنى أحيى وأميت بدعائه ، فلما ظهر من ~~ابراهيم عليه السلام أنواع الطاعات ، وقع فى قلبه أنه ربما كان ذلك الانسان ~~: أنا. فطلب الاحياء والاماتة ، حتى أنه ان وقع ، اطمئن قلبه على أن ذلك هو ~~الخليل لا غيره». # وثالثها : أن يقال : وقعت هذه الواقعة قبل النبوة. # ورابعها : أن يقال : الغرض تكثير الدلائل ، ليكون العلم أبعد عن الشكوك. # الشبهة السادسة : ان ابراهيم عليه السلام استغفر لأبيه لقوله تعالى حكاية ~~عن ابراهيم ( @QUR@03 سأستغفر لك ربي ) [مريم 47] ولقوله : ( @QUR@06 واغفر ~~لأبي إنه كان من الضالين ) [الشعراء 86]. وأبوه كان كافرا لقوله تعالى : ( ~~@QUR@010 وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر : أتتخذ أصناما آلهة. إني أراك PageV02P136 # @QUR@04 وقومك في ضلال مبين ): [الأنعام 74] والاستغفار لأجل الكافر غير ~~جائز. لقوله تعالى: ( @QUR@08 ما كان للنبي والذين آمنوا ، أن يستغفروا ~~للمشركين ) [التوبة 113] ولقوله تعالى ( @QUR@09 قد كانت لكم أسوة حسنة في ~~إبراهيم ، والذين معه ) الى قوله : ( @QUR@013 إلا قول إبراهيم لأبيه ~~لأستغفرن لك ، وما أملك لك من الله من شيء ) [الممتحنة 4] فأمره بالتأسى ~~بابراهيم ، الا فى هذا القول. فثبت : أن هذا كان من المعصية. # والجواب : كل المقدمات مسلمة ، الا قوله : «لا يجوز الاستغفار ms339 للكافر» ~~فان فيه جوابين : # أحدهما : ان ذلك مما يختلف باختلاف الشرائع ، فلعل ابراهيم لم يجد فى ~~شرعه ، ما يمنعه عنه ، فلا جرم استغفر لأبيه ، فلما منعه الله منه ، سكت. # وثانيها : انه عليه السلام انما استغفر لأبيه لأنه كان يتوقع منه الايمان ~~، فلما أيس منه : ترك الاستغفار. ويدل عليه : قوله تعالى : ( @QUR@08 فلما ~~تبين له : أنه عدو لله ، تبرأ منه ) [التوبة 114] # الشبهة السابعة : تمسكوا بقوله تعالى : ( @QUR@04 ربنا واجعلنا مسلمين لك ~~) [البقرة 128] والدعاء طلب وطلب الحاصل محال. وبقوله تعالى : ( @QUR@05 ~~واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) [ابراهيم 35] ولو لا جواز ذلك عليه ، والا ~~لما طلب من الله تعالى أن يعصمه منه. وبقوله: ( @QUR@08 والذي أطمع أن يغفر ~~لي خطيئتي يوم الدين ) [الشعراء 82] وهذا تصريح باثبات الخطيئة. # والجواب : لا نزاع بين الأمة : أنه لا يجوز الكفر على الأنبياء ~~عليهم السلام بعد نبوتهم ، فكانت هذه الآية محمولة على هضم النفس ، واظهار ~~الخضوع. # الشبهة الثامنة : انه قال عليه السلام : ( @QUR@04 «واجنبني وبني أن نعبد PageV02P137 # @QUR@01 الأصنام ) والله تعالى ما أجاب دعاءه فى هذا المقام ، فكان هذا ~~كسرا لمنصبه. # والجواب : لفظ «بنى» وان كان عاما ، الا أنه محمول على البعض. وأيضا : ~~الولد الكافر لا يسمى ابنا له. لقوله تعالى فى حق نوح : ( @QUR@08 إنه ليس ~~من أهلك إنه عمل غير صالح ) [هود 46] # القصة الخامسة : قصة يعقوب عليه السلام . ### ||| ** وفيها ثلاث شبهات : # الشبهة الأولى : ان يعقوب لم رجح يوسف على سائر أولاده فى المحبة ، حتى ~~حصلت تلك المفسدة بسبب ذلك الترجيح؟ # والجواب : ميل القلوب لا يكون فى القدرة. وأيضا : انه لم يعلم أن ذلك ~~القدر من الترجيح يتأدى الى تلك المفسدة العظيمة. # الشبهة الثانية : ان اخوة يوسف [ عليهم السلام ] (16) وصفوا أباهم بالضلال ~~القديم بقولهم ( @QUR@04 إنك لفي ضلالك القديم ) [يوسف 95] والجواب ### |||| ** : ليس المراد منه الضلال فى الدين ، بل هو فى العدول عن الصواب. # لا يقال : لما وصفوه بذلك ، فقد وصفوه بأنه غير مصيب فى أفعاله. ومن ~~اعتقد فى الرسول ذلك فقد كفر ، فيلزم القول بتكفير اخوة يوسف. لأنا نقول : ~~الحكم بالكفر والايمان أمر شرعى ، فلعل ms340 ذلك ما كان كفرا فى دينهم ، أو نقول ~~كان مرادهم وصف يعقوب بالغلو فى الحب. وذلك ليس بذنب ، لأن هذا ليس فى ~~قدرته ، فلم يكن وصفهم اياه بذلك ، قدحا منهم فى عصمته. # الشبهة الثالثة : لم أسرف فى البكاء حتى ابيضت عيناه من الحزن ومن شأن ~~الأنبياء التجلد والتصبر؟ PageV02P138 # والجواب : التجلد على المصائب مندوب إليه. وليس بواجب. وترك المندوب ليس ~~بمعصية. وأيضا : فلأنه عليه السلام انما كان يظهر من حزنه شيئا قليلا ، ~~والذي كان يخفيه كان أكثر من ذلك. # القصة السادسة : قصة يوسف عليه السلام . وفيها سبع شبهات : # الشبهة الأولى : لم صبر على العبودية ، ولم يشرح للقوم حال نفسه؟ ### ||| ** والجواب من وجوه : # أحدها : لعله ما كان نبيا فى ذلك الوقت ، فلما خاف على نفسه من القتل صبر ~~على الرق. # وثانيها : ان اظهار الحرية أمر يجوز أن يختلف باختلاف الشرائع. فلعل الله ~~أمره بالسكوت عنه فى ذلك الوقت ، كما امتحن ابراهيم واسماعيل بالنار ~~والذبح. # وثالثها : لعله شرح لهم ذلك ، لكنهم لم يلتفتوا إليه. # الشبهة الثانية : قصته مع «زليخا» وهى قوله تعالى : ( @QUR@011 ولقد همت ~~به ، وهم بها. لو لا أن رأى برهان ربه ) [يوسف 24] # الجواب ### |||| ** : ان كل من له تعلق بتلك الواقعة ، قد شهد على طهارة يوسف وبراءته عن التهمة. # فأحدها : ان زوج المرأة شهد بذلك. فقال : ( @QUR@016 إنه من كيدكن. إن ~~كيدكن عظيم ، يوسف أعرض عن هذا ، واستغفري لذنبك. إنك كنت من الخاطئين ) ~~[يوسف 29] # وثانيها : الشهود. قال الله تعالى : ( @QUR@04 وشهد شاهد من أهلها ) ~~[يوسف 26] وثالثها : قول نساء مصر ( @QUR@07 حاش لله ما علمنا عليه من سوء ~~) [يوسف 51] PageV02P139 # ورابعها : قول يوسف عليه السلام : ( @QUR@04 هي راودتني عن نفسي ) [يوسف ~~26] وفى آية أخرى : ( @QUR@07 رب السجن أحب إلي ، مما يدعونني إليه ) [يوسف ~~33] وفى آية أخرى : ( @QUR@06 ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) [يوسف 52] ~~فلو قصد المعصية ، لكان قد خانه بالغيب. # وخامسها : اعتراف «زليخا» بذلك : ( @QUR@05 ولقد راودته عن نفسه ، ~~فاستعصم ) [يوسف 32] وفى آية أخرى : ( @QUR@010 الآن حصحص الحق ، أنا ~~راودته عن نفسه. وإنه لمن الصادقين ) [يوسف 51]. # وسادسها : شهادة رب السموات والأرض ms341 بذلك. وهى قوله : ( @QUR@07 وراودته ~~التي هو في بيتها عن نفسه ) [يوسف 23] وفى آية أخرى : ( @QUR@09 كذلك لنصرف ~~عنه السوء والفحشاء ، إنه من عبادنا المخلصين ) [يوسف 24] # وسابعها : اقرار «ابليس» بأن يوسف كان مبرأ عن تلك التهمة. لأنه ( ~~@QUR@08 قال : فبعزتك لأغوينهم أجمعين ، إلا عبادك منهم المخلصين ) [ص 82 ~~83] فأقر : أنه لا تعلق له بالمخلص. والله تعالى شهد بأن يوسف كان من ~~المخلصين. كما قال : ( @QUR@04 إنه من عبادنا المخلصين ) [يوسف 24] # فهذا الطعن الذي قاله أهل الحشو باطل من كل الوجوه. فان كان الحشوى على ~~دين الله ، وجب عليه أن يقبل قول الله وشهادته. وان كان على دين (17) ابليس ~~، وجب عليه أن يقبل قول ابليس. # اذا ثبت هذا فنقول : الهم هو العزم ، ولا يمكن تعلق العزم بذاتها ، لأن ~~الذوات حال بقائها ، لا تتعلق الارادات بها ، بل لا بد من تعلق العزم ~~باحداث فعل فى تلك الذات. وذلك الفعل غير مذكور ، PageV02P140 # فليس القول بأن المراد هو الهم بالزنا ، أولى من القول بأن المراد هو ~~الهم بفعل أخر. ### |||| ** ولنا : فيه وجهان : # الأول : أن يحمل ذلك على أنه عليه السلام هم بأن يدفعها عن نفسه. ولا يقال ~~: فأى فائدة على هذا التأويل ، فى قوله تعالى : ( @QUR@06 لو لا أن رأى ~~برهان ربه ) [يوسف 24] فان دفعها عن النفس واجب. والبرهان لا يصرف عنه. ~~لأنا نقول : يجوز أن يكون لما هم بدفعها عن نفسه ، أراه الله برهانا على ~~أنه لو أقدم على ما هام به ، لأهلكه أهلها وقتلوه. أو انها تدعى عليه ~~المراودة على القبيح ، وتنسبه الى أنه دعاها الى نفسه ، وضربها لأجل ~~امتناعها منه. فأخبر الله تعالى : أنه صرف بالبرهان : السوء عنه والفحشاء ~~وهو القتل والمكروه ، أو ظن القبيح ، واعتقاده فيه # والثانى : أن يحمل هذا الكلام على التقدم والتأخر ( @QUR@011 ولقد همت به ~~، وهم بها. لو لا أن رأى برهان ربه ) وهذا يجرى مجرى قولهم : قد كنت هلكت ، ~~لو لا أن تداركتك. واستبعد «الزجاج» هذا الجواب من وجهين : # أحدهما : انه لا يجوز تقديم جواب لو لا. والثانى : ان جوابه يكون باللام ms342 ~~، كقوله : ( @QUR@09 فلو لا أنه كان من المسبحين ، للبث في بطنه ) [الصافات ~~143 144] # والجواب: لا نسلم أنه لا يجوز التقديم. والدليل عليه : قوله تعالى : ( ~~@QUR@010 إن كادت لتبدي به ، لو لا أن ربطنا على قلبها ) [القصص 10] وأيضا ~~فلو لم يجعل المقدم على لو لا جوابها ، لكان جوابها محذوفا. واذا وقع ~~التعارض بين أن يكون جوابها محذوفا وبين أن يكون مقدما عليها فلا شك أن ~~التقديم أولى. لا يقال : فأى فائدة فى قوله ( @QUR@08 وهم بها لو لا أن رأى ~~برهان ربه ) اذا لم يحصل هناك؟ PageV02P141 # لأنا نقول : الفائدة فيه الاخبار عن أن ترك الهم ، لم يكن لعدم حصول ~~الرغبة فى النساء ، لكنه ترك ذلك مع الرغبة ، انقيادا لأمر الله تعالى ، ~~وطلبا لثوابه. # الشبهة الثالثة : قول يوسف عليه السلام : ( @QUR@07 وما أبرئ نفسي ، إن ~~النفس لأمارة بالسوء ) [يوسف 53] # والجواب ### |||| ** : المراد منه : الدعاء والميل ، لا العزم على المعصية. # الشبهة الرابعة : ان حبس يوسف عليه السلام فى السجن ، كان معصية فلم قال : ~~( @QUR@07 رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ) (يوسف 33) ومحبة المعصية : معصية. # والجواب : انه عليه السلام لم يقل : انى أحب هذا السجن ، بل قال : لما وقع ~~التعارض بين الفاحشة وبين هذا السجن ، فهذا ( @QUR@03 السجن أحب إلي ) ### ||| ** الشبهة الخامسة : لم جعل السقاية فى رحل أخيه؟ # والجواب ### |||| ** : ان الغرض منه التسبب الى أن يحبس أخاه عنده. ويجوز أن يكون ذلك بأمر الله ~~تعالى. وروى أنه عليه السلام أعلم أخاه بذلك ، ليجعله طريقا الى حبسه عنده. ~~وعلى هذا الوجه لا يكون ذلك سببا لادخال الغم فى قلب أخيه. # وأما نداء المنادى بأنهم لسارقون. ففيه وجوه : # الأول : لعل ذلك النداء ما كان بأمره ، بل نادى بذلك واحد من القوم ، لما ~~فقدوا الصواع. # الثانى : هب أنه كان بأمره. لكنه لم يناد بأنكم سرقتم الصواع ، بل نادى ~~بأنكم سارقون. ولعل المراد : أنهم سرقوا يوسف من أبيه. # الثالث : لعل المراد من الكلام : الاستفهام. وان كان ظاهرة PageV02P142 # الخبر. والمعنى : أنكم لسارقون؟ فأسقط ألف الاستفهام. كما فى قوله : ( ~~@QUR@02 هذا ربي ) [الأنعام 76] # الشبهة السادسة : لم لم ms343 يعلم أباه بخبره ، حتى يزول غمه # والجواب : لعل الله تعالى نهاه عن ذلك تشديدا للأمر على يعقوب الشبهة ~~السابعة : قوله تعالى : ( @QUR@07 ورفع أبويه على العرش ، وخروا له سجدا ) ~~[يوسف 100] فكيف رضى بأن يسجدوا له؟ وذلك محذور من وجهين : الأول : ان ~~السجود لغير الله لا يجوز. الثانى : ان استخدام الأبوين لا يجوز. # والجواب : المعنى : وخروا لأجله سجدا لله. فان من فقد ولده ، ثم وجده ، ~~فانه يسجد لله تعالى شكرا لنعمة الوجدان. # لا يقال : هذا التأويل يدفعه قوله تعالى : ( @QUR@011 يا أبت هذا تأويل ~~رءياي من قبل ، قد جعلها ربي حقا ) [يوسف 100] وتلك الرؤيا هى قوله : ( ~~@QUR@010 إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ، رأيتهم لي ساجدين ) [يوسف 4] # لأنا نقول : لا نسلم أن تأويل رؤياه ما ذكرتم ، بل تأويل رؤياه ، بلوغه ~~الى أرفع المنازل. ولما رأى أبويه على أشرف الأحوال فى الدارين ، كان ذلك ~~مصداقا لرؤياه المتقدمة. # القصة السابعة قصة أيوب عليه السلام وهى أنه تعالى حكى عنه أنه قال : ( ~~@QUR@05 أني مسني الشيطان بنصب وعذاب ) [ص 41] والعذاب لا يكون الا من ~~الذنب ، كالعقاب. وهذا يدل على تقدم الذنب. # والجواب : انه تعالى مدحه فى آخر الآية بقوله : ( @QUR@07 إنا وجدناه ~~صابرا ، نعم العبد ، إنه أواب ) [ص 44] واذا كان آخر الآية مدحا ، امتنع أن ~~يكون أول الآية ذما. فثبت : أن المراد من العذاب تلك الوساوس الموحشة ، ~~التى كان يلقيها الشيطان فى قلبه. PageV02P143 # القصة الثامنة : قصة شعيب عليه السلام فانه تعالى حكى عن الكفار أنهم ~~قالوا : ( @QUR@030 لنخرجنك يا شعيب ، والذين آمنوا معك من قريتنا ، أو ~~لتعودن في ملتنا. قال : أولو كنا كارهين. قد افترينا على الله كذبا ، إن ~~عدنا في ملتكم ، بعد إذ نجانا الله منها ) [الأعراف 88 89] وهذا اعتراف من ~~شعيب بأن الله تعالى خلصه عن ملته ، التى هى الكفر. وأيضا : امتنع من العود ~~الى تلك الملة. وهذا يدل على أنه كان فيها. # والجواب : يحتمل أن تلك الملة كانت حقة ، ثم ان شعيبا كان عليها. ثم انه ~~تعالى نسخها بشريعة شعيب ، ثم إن القوم كانوا يطالبون شعيبا ms344 بأن يعود إليها. # القصة التاسعة : قصة موسى عليه السلام . # وفيها ست شبهات : # الشبهة الأولى : التمسك بقوله تعالى : ( @QUR@04 فوكزه موسى ، فقضى عليه ~~) [القصص 15] فنقول : ذلك القبطى اما أن يقال : انه كان مستحقا للقتل ، أو ~~ما كان كذلك. فان كان الأول ، فلم قال موسى عليه السلام . ( @QUR@04 هذا من ~~عمل الشيطان )؟ [القصص 15] ولم قال : ( @QUR@06 رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ~~)؟ [القصص 16] ولم قال : ( @QUR@05 فعلتها : إذا ، وأنا من الضالين ) ~~[الشعراء 20] : وان قلنا انه ما كان مستحق القتل ، كان ذلك ذنبا ومعصية. # والجواب : ان هذه الواقعة كانت قبل النبوة. وأيضا : فلعله قتله خطأ. ~~والاستغفار عن الخطأ : حسن ومندوب. # الشبهة الثانية : قال الله تعالى : ( @QUR@04 أن ائت القوم الظالمين ) ~~[الشعراء 10] فلم قال موسى : ( @QUR@09 إني أخاف أن يكذبون ، ويضيق صدري ~~ولا ينطلق لساني )؟ (الشعراء 12 13) وهذا استعفاء من رسالته. PageV02P144 ### |||| ** و الجواب ### |||| ** : ليس هذا استعفاء من الرسالة. ولكنه طلب من الله أن يضم إليه أخاه فى ~~الرسالة ، ليكون معينا له على مهمات الرسالة. # الشبهة الثالثة : ولم قال موسى : ( @QUR@04 ألقوا ما أنتم ملقون ) [يونس ~~80] وهذا اذن لهم فى اظهار السحر؟ # والجواب : كان ذلك الأمر مشروطا. والتقدير : ألقوا ما أنتم ملقون ، ان ~~كنتم محقين. كما فى قوله تعالى : ( @QUR@012 فأتوا بسورة من مثله وادعوا ~~شهداءكم من دون الله. إن كنتم صادقين ) [البقرة 23] ### |||| ** الشبهة الرابعة : قوله تعالى : ( @QUR@05 فأوجس في نفسه ، خيفة : موسى ) (طه 67) وهذا يقتضي ~~كونه شاكا فيما أتى به. # الجواب : لعله انما خاف لأنه رأى من قوة التلبيس ، ما أشفق (18) عنده من ~~بقاء تلك الشبهات فى قلوب بعض الجهال ، فأمنه الله تعالى منه ، وبين حجته ~~للقوم. وهو المراد بقوله تعالى : ( @QUR@05 لا تخف إنك أنت الأعلى ) (طه 68). # الشبهة الخامسة : قوله تعالى : ( @QUR@07 وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه ~~يجره إليه ) (الأعراف 150) فنقول : ان صدر عن هارون ذنب ، حتى استحق ذلك ~~التأديب مع أن هارون كان رسولا من عند الله فقد صر الذنب من الرسول ، وكان ~~ذلك الايذاء من موسى عليه السلام فى حقه ذنبا. فعلى التقديرين يلزم صدور ~~الذنب عن النبي. وأيضا : قال هارون ( @QUR@05 لا ms345 تأخذ بلحيتي ولا برأسي ) ~~(طه 94) فان كان فعل موسى صوابا ، كان نهى هارون خطأ ، وان كان فعل موسى ~~خطأ ، فقد حصل المطلوب. # والجواب : ان بنى اسرائيل كانوا فى غاية سوء الظن بموسى عليه السلام حتى ~~أن هارون عليه السلام غاب عنهم غيبة ، فقالوا لموسى PageV02P145 # عليه السلام : أنت قتلته. فلما وعد الله لموسى ثلاثين ليلة ، وأتمها بعشر ~~، وكتب له فى الألواح من كل شيء. ثم رجع موسى ، فرأى فى قومه ما رأى ، فأخذ ~~برأس أخيه ، ليدنيه من نفسه ، ويتفحص عن كيفية الواقعة. فخاف هارون ~~عليه السلام أن يسبق الى قلوبهم ما لا أصل له ، فقال اشفاقا على موسى : ( ~~@QUR@05 لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ) لئلا يظن القوم أنك تريد أن تضربنى ~~وتؤذينى. # الشبهة السادسة : قصة موسى والخضر عليهما السلام ### ||| ** أما موسى. فعلى كلامه سؤالان : # السؤال الأول : ان موسى عليه السلام قال للخضر : ( @QUR@04 لقد جئت شيئا ~~نكرا ) و ( @QUR@02 شيئا إمرا ) (الكهف 71) وذلك الفعل ما كان منكرا ، فكان ~~كلام موسى خطأ. # والجواب : من ثلاثة أوجه : # الأول : المراد من قوله : ( @QUR@04 لقد جئت شيئا نكرا ) (الكهف 74) هو ~~أن ظاهره منكر ، بمعنى أن من نظر الى ظاهر هذه الواقعة ، ولم يعرف حقيقتها ~~، حكم عليها بأنها شيء منكر. # والثانى : انا نضمر حرف الشرط. والتقدير ان كنت قتلته ظلما. فقد جئت شيئا نكرا. # والثالث : المراد من النكر التعجب. فان من رأى شيئا عجيبا جدا ، فقد يقول ~~: هذا شيء منكر. # السؤال الثانى : قال موسى عليه السلام : ( @QUR@05 أقتلت نفسا زكية بغير ~~نفس )؟ (الكهف 74) تلك النفس ما كانت زكية. # والجواب : ان موسى عليه السلام ذكر ذلك على سبيل الاستفهام ، لا على سبيل ~~الاخبار. وأيضا : لقد جرى الكلام على الظاهر. وهو جائز. لقوله عليه السلام ~~«نحن نحكم بالظاهر» PageV02P146 # وأما السؤال على ملام الخضر عليه السلام ### |||| ** : فهو أنه قال : ( @QUR@05 فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ) (الكهف 80) وكيف ~~استباح دم الغلام لأجل الخشية مع أن الخشية لا تفيد علما ولا ظنا؟ # والجواب : لعل الله أمره بقتل ذلك الشخص ، فلذلك قتله. # القصة العاشرة : قصة داود عليه السلام ms346 . وهى قوله : ( @QUR@04 وهل أتاك ~~نبأ الخصم ) (ص 21) واعلم : أنه تعالى ذكر فيما قبل هذه القصة وفيما بعدها ~~، ما ينفى دلالتها على المعصية. أما قبل القصة. فمن وجوه : # الأول : قوله تعالى : ( @QUR@05 واذكر عبدنا داود ، ذا الأيد ) (ص 17) ~~و «الأيد» هو القوة. ولا شك أن المراد منه : القوة فى الدين. لأن القوة فى ~~الدنيا ، كانت حاصلة فى ملوك الكفار ، وما استحقوا بها مدحا ، انما الذي ~~يكون سببا لاستحقاق المدح ، هو القوة فى الدين. ولا معنى للقوة فى الدين ، ~~الا العزم الشديد على أداء الواجبات ، وترك المحذورات. فكيف يليق هذا الوصف ~~بمن لم يملك منع نفسه عن الميل الى الفجور والقتل؟ # والثانى : انه تعالى وصفه بكونه «أوابا» والأواب هو الرجاع الى ذكر الله ~~تعالى. فكيف يعقل فيه أن يكون مواظبا على أعظم الكبائر؟ # والثالث : انه تعالى قال : ( @QUR@012 إنا سخرنا الجبال معه ، يسبحن ~~بالعشي والإشراق ، والطير محشورة. كل له أواب ) (ص 18 19) أفترى أنه تعالى ~~سخر له هذه الأشياء ليتخذها وسائل الى القتل والزنى؟ وقيل : انه كان محرما ~~عليه صيد كل شيء. أفترى أن الطيور كانت آمنة منه ، والمؤمن ما كان ينجو منه ~~فى زوجته ومنكوحته؟ # الرابع : قوله تعالى : ( @QUR@02 وشددنا ملكه ) (ص 20) ومحال : أن PageV02P147 # يكون المراد منه تشديد الملك بالمال والعسكر ، مع كونه حراما من طريق ~~الدين ، لأن ذلك من صفات ملوك الكفرة ، لا من صفات الأنبياء والرسل. # والخامس : قوله تعالى : ( @QUR@04 وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب ) (ص 20) ~~والحكمة اسم جامع لكل ما ينبغى علما وعملا ، فكيف يجوز أن يقول الله : ( ~~@QUR@02 وآتيناه الحكمة ) مع اصراره على ما يستنكف عنه أخبث الشياطين ، من ~~مزاحمة أصحابه فى الزوج وفى المنكوح؟ ### ||| ** أما الذي بعد القصة. فأمور : # أحدها : قوله تعالى : ( @QUR@07 يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ) (ص ~~26) وهذا من أجل المدائح وأعظم المناصب ، فلو توسط بين أول القصة وفيه تلك ~~المدائح وبين آخرها وفيه ذكر المعصية لجرى مجرى من يقول : فلان عظيم الدرجة ~~فى الدين ، وعالى المرتبة فى طاعة الله ، يقتل ويزنى ويلوط ويسرق ، وقد ~~جعله الله خليفة لنفسه ms347 ، وأمر الكافة (19). بالاقتداء به ، ولما لم يكن ~~هذا الكلام لائقا بأحد من العقلاء ، فهو بأن لا يكون لائقا بكلام الله ~~تعالى أولى. # والثانى : قوله ( @QUR@05 إنا جعلناك خليفة في الأرض ) مرتب على ذكر تلك ~~القصة. وذلك مشعر بأنه انما وجد هذه الخلافة ، بسبب هذه القصة. لأن أصحاب ~~أصول الفقه يقولون : ترتيب الحكم على الفعل مشعر بتعليل ذلك الحكم بذلك ~~الفعل. وهذا يقتضي أن الله تعالى انما فوض إليه خلافته فى الأرض ، لأجل أنه ~~أقدم على الزنى والقتل. وذلك لا يقوله عاقل. # والثانى : ان داود عليه السلام قال : ( @QUR@013 وإن كثيرا من الخلطاء ، ~~ليبغي بعضهم على بعض. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) (ص 28) فاستثنى ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات عن هذا الحكم ، PageV02P148 # فلو كان الفاعل لذلك البغى هو داود ، لكان هو قد حكم على نفسه بعدم ~~الايمان. # والرابع : ان قوله تعالى : ( @QUR@06 وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ) (ص ~~25) لا يلائم القتل والفسق. # فثبت بما ذكرنا : أن أول هذه القصة وآخرها ، يشهدان بأن هذه القصة كاذبة ~~باطلة على الوجه الذي يرويه بها أهل الحشو ### ||| ** ثم ان أهل التحقيق ذكروا وجوها كثيرة فى تأويل الآية : # الأول : ان قوله تعالى : ( @QUR@07 وهل أتاك نبأ الخصم. إذ تسوروا ~~المحراب )؟ (ص 21) حكاية عن جماعة تسوروا قصره قاصدين قتله والاساءة إليه ~~فى أهله وماله ، تسوروا قصره فى وقت ظنوا أنه غافل ، فلما رآهم داود ~~عليه السلام خافهم ، لما تقرر فى العرف : أنه لا يتسور أحد دار غيره من غير ~~أمره ، الا لقصد السوء من قتل النفس أو سرقة المال ، خصوصا اذا كان صاحب ~~الدار شخصا معظما ، فلما رأوه مستيقظا انتقض عليهم تدبيرهم ، وخافوا ، ~~فاخترع بعضهم عند ذلك الخوف : خصومة لا أصل لها. وزعم : أنهم انما قصدوه ~~لأجلها دون ما توهمه فقالوا : ( @QUR@05 خصمان بغى بعضنا على بعض ) (ص 22): # ثم ادعى أحدهما على الآخر مال ، فقال : ( @QUR@010 إن هذا أخي. له تسع ~~وتسعون نعجة ، ولي نعجة واحدة ) (ص 23) قال داود عليه السلام : ( @QUR@06 ~~لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ) (ص 54). # واعلم : أن حمل الآية على ms348 ما ذكرناه : حمل الكلام على ظاهره. أما حملها ~~على القصة المشهورة فانه يقتضي العدول عن الظاهر من وجهين : # الأول : ان الملائكة لما قالوا : ( @QUR@05 خصمان بغى بعضنا على بعض ) PageV02P149 # كان هذا كذبا ، لأنه لم يبغ أحد من الملائكة على الآخر ، واسناد الكذب ~~الى اللصوص ، أولى من اسناده الى الملائكة (20). # الثانى : قوله : ( @QUR@010 إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ، ولي نعجة ~~واحدة ) هذا أيضا كذب. والقوم يحملون النعاج على النسوان. وهو # «فلما سمعت امرأة أوريا أنه قد مات أوريا رجلها ، ندبت بعلها. ولما مضت ~~المناحة ، أرسل داود وضمها الى بيته وصارت له امرأة وولدت له ابنا. وأما ~~الأمر الذي فعله داود فقبح فى عينى الرب. # فأرسل الرب ناثان الى داود. فجاء إليه. وقال له : كان رجلان فى مدينة ~~واحدة. واحد منهما غنى والآخر فقير. وكان للغنى غنم وبقر كثيرة جدا. وأما ~~الفقير فلم يكن له شيء الا نعجة واحدة صغيرة ، قد اقتناها ورباها وكبرت معه ~~ومع بنيه جميعا. تأكل من لقمته وتشرب من كأسه وتنام فى حضنه. وكانت له ~~كابنة. فجاء ضيف الى الرجل الغنى فعفا أن يأخذ من غنمه ومن بقره ليهيئ ~~للضيف الذي جاء إليه. فأخذ نعجة الرجل الفقير وهيأ للرجل الذي جاء إليه. ~~فحمى غضب داود على الرجل جدا. وقال لناثان : حي هو الرب. انه يقتل الرجل ~~الفاعل ذلك. ويرد النعجة أربعة أضعاف ، لأنه فعل هذا الأمر ، ولأنه لم ~~يشفق. فقال ناثان أداود : أنت هو الرجل» (صموئيل الثانى : 11 : 26 الخ) # وفى القصة : أن «بثشبع» امرأة أوريا. أنجبت ابنا من داود قبل استشهاد ~~أوريا. وأن داود حزن على مرضه ولم يحزن على موته. ولما سأل عن ذلك قال : ~~«لما كان الولد حيا صمت وبكيت ، لأنى قلت : من يعلم؟ ربما يرحمنى الرب ~~ويحيا الولد. والآن قد مات فلما ذا أصوم؟ هل أقدر أن أرده بعد. أنا ذاهب ~~إليه واما هو فلا يرجع الى» PageV02P150 # عدول عن الظاهر. وأما على قولنا فقد نسبنا هذا الكذب الى اللصوص ، وهو ~~أولى من نسبته الى ms349 الملائكة. # وبالجملة : فليس فى الآية لفظ يشهد بصحة ما ذكروه من القصة الا ثلاثة ~~ألفاظ : أحدها : قوله : ( @QUR@04 وظن داود أنما فتناه ) (ص 24) وذلك لأن ~~لفظ الفتنة يوهم الابتلاء. # وثانيها : قوله تعالى : ( @QUR@02 فاستغفر ربه ) (ص 24) وذلك يوهم صدور ~~الذنب منه. # وثالثها : قوله : ( @QUR@03 فغفرنا له ذلك ) (ص 25) واعلم : أن شيئا من ~~ذلك لا يدل على أقوالهم. ### ||| ** ويدل عليه وجوه : ### ||| ** الوجه الأول # أما قوله : ( @QUR@04 وظن داود أنما فتناه ) فالمعنى : امتحناه واختبرناه ~~، فانه لما أساء الظن بهم. فهل يعاجلهم بالعقوبة أم لا؟ ثم إنه عليه السلام ~~مع كمال سلطته وقوة مملكته ، لم يعاجلهم بالعقوبة ، ولم ينتقم منهم ، ولم ~~يضربهم ، فكان ذلك سببا لازدياد منصبه فى الحكم والدين وأما قوله : ( ~~@QUR@02 فاستغفر ربه ) فليس فى الآية أن ذلك الاستغفار لنفسه أو لغيره. ألا ~~ترى أنه تعالى حكى عن الملائكة بأنهم يستغفرون للذين آمنوا؟ وقال أولاد ~~يعقوب : ( @QUR@05 يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا ) (يوسف 97) وقال تعالى ~~لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم : ( @QUR@04 استغفر لذنبك ، وللمؤمنين والمؤمنات ~~) (محمد 19) واذا كان كذلك ، احتمل أن يكون المراد أن القوم لما أقدموا على ~~ذلك الفعل المنكر ، لم يعاجلهم داود بالعقوبة ، بل أظهر الحلم. وزاد على ~~ذلك طلبه من الله تعالى أن يعفو عنهم ، وأن يغفر لهم. PageV02P151 # وأما قوله تعالى : ( @QUR@03 فغفرنا له ذلك ) فيحتمل أن يكون المراد : ~~فغفرنا لأجل حرمته ، ولبركة شفاعته ذلك الفعل المنكر ، الذي أتى به أولئك ~~المتسورون وهذا التأويل الذي ذكرناه ينطبق عليه القرآن ، ولا نحتاج فيه الى ~~أسناد الكذب الى الملائكة ، وحمل النعاج على النسوان. ثم إنه يليق به أن ~~يذكر عقيب قوله : ( @QUR@07 يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ) فمن (21) ~~بلغت رحمته وشفقته على الرعية الى هذا الحد ، كان اللائق برحمة أرحم ~~الراحمين ، تفويض خلافة الأرض إليه ، ويليق به أن يأمر محمدا عليه السلام ~~عند تأذيه من قومه ، بأن يقتدى به. وهو قوله فى أول الآية : ( @QUR@09 اصبر ~~على ما يقولون. واذكر عبدنا داود ، ذا الأيد ) (ص 17) ومن طلب الحق وأنصف ، ~~علم أن ما ذكرناه هو الحق الصريح. # الوجه ms350 الثانى : لعل الاستغفار ، انما كان لأن القوم لما تسوروا داره ، ظن ~~بهم أنهم يقصدون قتله ، ثم انه لما لم تظهر الأمارات الدالة على أن ذلك ~~الظن حق ، ندم على ذلك الظن ، فكان الاستغفار بسببه. # الوجه الثالث : انه عليه السلام لما هضم نفسه ، ولم يؤذهم ولم ينتقم منهم ~~مع القدرة التامة ، دخله شيء من العجب ، بسبب كمال حلمه ، فكان الاستغفار ~~منه لأن العجب من المهلكات. # فهذا قول من يقول : لا دلالة فى الآية على اتيانه بشيء من الزلات وهو ~~الحق عندى # وأما من سلم دلالة الآية على الصغيرة ، فلهم فيه وجوه : # أحدها : انه عليه السلام كان عالما بحسن امرأة «أوريا» فلما سمع أنه قتل ، ~~قل غمه لميل نفسه الى نكاح زوجته ، فعوتب عليه. PageV02P152 # وثانيها : ان اهل زمان داود ، كان يسأل بعضهم بعضا ، أن ينزل له عن ~~امرأته ليتزوج بها ، اذا أعجبته. وكان ذلك جائز فيما بينهم. واتفق أن عين ~~داود عليه السلام وقعت على امرأة «أوريا» فأحبها فسأله النزول عنها ، ~~فاستحيى أن يرده ، ففعل. فتزوجها. وهى أم «سليمان» فقيل له : انك مع ارتفاع ~~قدرك وكثرة نسائك ، ما كان يليق بك أن تسأل رجلا ليست له الا امرأة واحدة ، ~~أن ينزل عنها ، بل كان الواجب عليك قهر النفس. # وثالثها : ان «أوريا» خطبها ، ثم خطبها داود ، فكان دينه انه خطب على ~~خطبة اخيه ، مع كثرة نساءه. وأهلها اختاروه ورابعها : ان داود عليه السلام ~~كان مشتغلا بعبادة ربه ، فأتاه رجل وامرأة يتحاكمان. فنظر الى المرأة ~~ليعرفها بعينها ، ليحكم عليها أولها. وذلك مباح. فمالت نفسه إليها ، ففصل ~~بينهما ، وعاد الى عبادة ربه ، واستولى عليه الفكر فى أمرها ، وصار مانعا ~~له عن الاشتغال بعبادته فعوتب. # وخامسها : ان الصغيرة منه انما حصلت بسبب العجلة فى الحكم ، قبل التثبت. ~~وهو قوله : ( @QUR@06 لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ) بل كان الواجب عليه ~~أن يسمع الدعوى من أحد الخصمين ، ثم يسأل الآخر عما عنده فيها. ومن قال ~~بهذا الوجه ، قال : ان الخوف الذي حصل بسبب دخولهما عليه ، فى غير الوقت ms351 ~~اللائق بالدخول عليه ، أنساه التثبت والتحفظ. ### ||| ** القصة الحادية عشر : قصة داود مع سليمان عليهما السلام : # قال الله تعالى : ( @QUR@06 وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ) الى قوله ~~: ( @QUR@02 ففهمناها سليمان ) (الأنبياء 78 79) قالوا : فلو كان داود ~~مصيبا فى حكمه ، لما خص الله تعالى سليمان بقوله : ( @QUR@02 ففهمناها ~~سليمان ). PageV02P153 # والجواب : ان تخصيص «سليمان» بالذكر ، لا يدل على أن «داود» كان يخالفه. ~~فان دليل الخطاب فى اللغة لا يفيد ذلك بالاجماع # ثم نقول : لهذا التخصيص فائدتان : # الأولى : ان «داود» عليه السلام كان فى تلك المسألة متوقفا ، لأجل تعارض ~~الأمارات و «سليمان» لم يكن كذلك. # والثانية : ان «داود» عليه السلام كن عالما بحكم تلك المسألة ، لكنه ما ~~صرح به امتحانا لولده «سليمان» رجاء أن يفتى به ، فكان تخصيص الله «سليمان» ~~بالذكر ، لأجل أن يفرح «داود» بذلك ، ولأجل أن يشتهر «سليمان» فيما بين ~~الناس بالعلم ، كما كان داود مشهورا به. وأنما أعرض عن ذكر «داود» لأنه كان ~~مشهورا بالعلم والاهتداء الى كيفية الفتوى والحكم ، فما كان محتاجا الى ~~ذكره هاهنا بهذا الوصف. # * * * # القصة الثانية عشر : قصة سليمان عليه السلام . ### ||| ** وفيه ثلاث شبهات (22): PageV02P154 # الشبهة الأولى : تمسكوا بقوله تعالى : ( @QUR@06 إذ عرض عليه بالعشي : ~~الصافنات الجياد ) (ص 31) قالوا : ظاهر الآية يدل على أن اشتغاله بالصافنات ~~الجياد ، ألهاه عن ذكر الله تعالى ، حتى روى أن الصلاة فاتته. # والجواب : إنا نذكر تفسير هذه الآية ، ثم نجيب عن هذه الشبهة فنقول : ان ~~سليمان كان يقول عند عرض ( @QUR@02 الصافنات الجياد ) عليه ( @QUR@07 إني ~~أحببت حب الخير عن ذكر ربي ) (ص 32) ومعناه : أن الانسان قد يحب شيئا ، ~~ولكن لا يحب أن يحبه. فأما اذا أحبه وأحب أن يحبه ، فذلك هو المبالغة فى ~~المحبة. ثم قال : ( @QUR@03 عن ذكر ربي ) أى هذه المحبة الشديدة انما حصلت ~~بسبب ( @QUR@02 ذكر ربي ) وعن أمره ، لا عن الهوى والشهوة. # وأما الضمير فى قوله : ( @QUR@03 حتى توارت بالحجاب ) (ص 32) وفى قوله : ~~«ردوها» فيحتمل : أن يكون عائدا الى الشمس لأنه جرى ذكر ماله تعلق بها. وهو ~~العشى أو أن يكون عائدا الى الصافنات. وهذا أولى ms352 لوجهين : # الوجه الأول : ان الصافنات مذكورة صريحا ، والشمس غير مذكورة صريحا. # والوجه الثانى : ان الصافنات أقرب فى الذكر من لفظ العشى ، ثم هاهنا ~~احتمالات أربعة : # الاحتمال الأول : أن يعود الضميران معا ، الى «الصافنات» كأنه قال : ( ~~@QUR@02 حتى توارت ) الصافنات ( @QUR@01 بالحجاب ) ردوا الصافنات الى ~~والاحتمال الثانى : أن يعود الضميران معا الى الشمس ، كأنه قال ( @QUR@02 ~~حتى توارت ) الشمس ( @QUR@01 بالحجاب ) ردوا الشمس الى. # قيل : انه عليه السلام لما فاتته الصلاة سأل الله تعالى أن برد الشمس. ~~وهذا بعيد لوجوه : PageV02P155 # أحدها : ان قوله : «ردوها» خطاب جمع ، فصرفها الى الأقوام الذين كانوا ~~يردون الخيل إليه ، أولى من صرفها الى الله تعالى. # وثانيها : ان الأنبياء لا يخاطبون الله تعالى بمثل هذا الخطاب. # وثالثها : ان عند صدور الذنب عن الانسان. كيف يليق به أن يخاطب ربه بمثل ~~هذا الخطاب. # ورابعها : ان رد الشمس من أعظم المعجزات. كيف يليق بالرسول العاقل أن ~~يلتمس من ربه أعظم المعجزات عند اقامه على أعظم الذنوب وهو ترك الصلاة بمثل ~~هذه العبارة التى لا تستعمل ولا تذكر الا مع العبيد ، وأراذل الخدم؟ فعلمنا ~~: أن هذا الاحتمال وهو القول بعود هذين الضميرين الى الشمس باطل. # والاحتمال الثالث : أن يعود الضمير الأول الى الشمس ، والثانى الى ~~الصافنات. وهو قول الأكثرين كأنه قيل : «حتى توارت» الشمس «بالحجاب. ردوا» ~~الصافنات. وهذا بعيد ، لأنهما ضميران وردا فى وضع واحد ، فتفريقهما خلاف الأصل. # والاحتمال الرابع : أن يعود الضمير الأول الى الصافنات ، والثانى الى ~~الشمس. وهذا لم يقل به أحد. ثم قال : ( @QUR@04 فطفق مسحا بالسوق والأعناق ~~) (ص 33) أى فجعل يمسح سوقها وأعناقها مسحا. # وقال الأكثرون : المعنى : أنه عليه السلام كان يمسح السيف بسوقها وأعناقها ~~أى يقطعها وهذا أيضا بعيد ، لأنه لو كان المسح بالسوق والأعناق ، هو القطع ~~، لكان القائل اذا قال : مسحت رأس فلان ، فهم منه : أنه قطعه ، ولكان قوله ~~تعالى : ( @QUR@03 وامسحوا برؤسكم وأرجلكم ) يفيد القطع ، بل لو قيل : مسح ~~رأسه بالسيف ، فربما يفهم منه ضرب العنق ، فأما اذا لم يذكر السيف لم يفهم ~~منه القطع البتة. PageV02P156 # اذا عرفت تفسير ms353 الآية ، فنقول : ان رباط الخيل (23) كان مندوبا إليه فى ~~دينهم ، كما فى ديننا. فجلس سليمان عليه السلام لتعرض عليه الخيل ، ثم بين ~~أن ذلك ليس بسبب حب الدنيا ، بل لأن الله تعالى أمره بذلك ثم أمر باعدادها ~~حتى توارت بالحجاب أى حتى غابت عن بصره ثم أمر بردها ، فلما وصلت إليه أخذ ~~يمسح سوقها وأعناقها. اما لأجل تشريفها واظهاره شدة رحمته عليها ، أو أظهرا ~~لكونها من أعظم الأعوان فى دفع العدو ، أو لأنه اراد أن يظهر من نفسه أنه ~~فى ضبط مصالح دينه ودنياه ، بحيث يتكفلها بنفسه ، ولا يفوضها الى أحد ، أو ~~لأنه كان أعلم بأحوال الخيل من غيره. فكان يمتحنها ويمسحها ليعلم حالها فى ~~الصحة والسقم. وهذا الذي ذكرناه كلام ينطبق عليه لفظ القرآن ، وفيه تعظيم ~~أحوال الأنبياء عليهم السلام فيكون أولى مما يكون بالضد من ذلك. # الشبهة الثانية : تمسكوا بقوله تعالى : ( @QUR@03 «ولقد فتنا سليمان ) ~~(24) وألقينا على كرسيه جسدا» (ص 34) PageV02P157 # فالجواب : أما قوله : ( @QUR@03 ولقد فتنا سليمان ) فالمعنى : امتحناه. ~~وأما قوله : ( @QUR@04 وألقينا على كرسيه جسدا ) ففيه وجوه : # أحدها : ان النبي عليه السلام قال : «ان سليمان قال (25) أطوف الليلة على ~~مائة امرأة ، فتلد كل امرأة غلاما يقاتل فى سبيل الله ، فطاف ، فلم تحبل ~~الا امرأة واحدة ، فولدت نصف غلام ، فجاءت به القابلة وألقته على كرسيه بين ~~يديه ، ولو أنه قال : ان شاء الله ، لكان كما قال» فكان الابتلاء لأجل ترك ~~الاستثناء. # وثانيها : انه تعالى امتحنه بمرض شديد ، فصار جسدا لا حراك به مشرفا على ~~الموت. كما يقال : «لحم على وضم» و «جسد بلا روح» على معنى : شدة الضعف. ~~والتقدير : وألقينا جسده على كرسيه. فحذف الهاء للمبالغة. # وثالثها : ولد ل «سليمان» ولد ، فخاف أن يهلكه الشيطان ، فأمر السحاب ~~فحملته ، وأمر الريح أن يحمل إليه غذاءه ، فمات الولد ، وألقى ميتا على ~~سريره. وانما فعل الله تعالى ذلك لأنه خاف الشيطان. # فأما الحكاية الخبيثة التى ترويها الحشوية ، فكتاب الله منزه عن ذلك ، ~~ومبرأ عنها. # الشبهة الثالثة : قول سليمان : ( @QUR@08 هب لي ملكا ، لا ينبغي لأحد ms354 من ~~بعدي ) (ص 35) وهذا حسد. # والجواب : من وجوه ### |||| ** : أحدها : ان معجزة كل نبى تكون من جنس ما يفتخر به أهل PageV02P158 # ذلك الزمان. ولما كانت منافسة أهل زمانه بالمال والجاه ، لا جرم طلب ~~مملكة فائقة على جميع الممالك ، لتكون مملكته ، معجزة له. # وثانيها : انه عليه السلام لما مرض ثم رجع الى الصحة ، عرف أن خيرات ~~الدنيا منتقلة عنه الى غيره بعد موته ، بسبب الارث ، فسأل ربه ملكا ، لا ~~يمكن أن ينتقل منه الى غيره. وذلك ملك الدين. وقوله : ( @QUR@06 ملكا لا ~~ينبغي لأحد من بعدي ) أى ملكا لا يمكن أن ينتقل عنى الى غيرى. # وثالثها : من الناس من يقول : الاحتراز عن لذات الدنيا مع القدرة عليها ، ~~غير ممكن عادة. فقال سليمان عليه السلام : ( @QUR@08 هب لي ملكا لا ينبغي ~~لأحد من بعدي ) حتى أنى مع ذلك الملك العظيم ، اشتغل بطاعتك ، بحيث لا ~~ألتفت البتة الى ذلك الملك العظيم ، ليعلم الناس أن تلك الدنيا لا تمنع عن ~~خدمة المولى. # القصة الثالثة عشر : قصة يونس عليه السلام (26). # قال الله تعالى : ( @QUR@05 «وذا النون ، إذ ذهب مغاضبا ) (الأنبياء 87) ### ||| ** واحتجوا به من وجوه : # أحدها : ان ذلك الغضب اما على الله ، أو على قوم أمره الله تعالى بدعائهم ~~الى الايمان. وعلى التقديرين فذلك الغضب ذنب عظيم. # وثانيها : قوله تعالى : ( @QUR@05 فظن أن لن نقدر عليه ) (الأنبياء 87) ~~والشك فى قدرة الله تعالى كفر. PageV02P159 # وثالثها : انه قال : ( @QUR@05 سبحانك إني كنت من الظالمين ) وهذا اعتراف ~~بالذنب. # ورابعها : انه تعالى قال : ( @QUR@04 ولا تكن كصاحب الحوت ) (القلم 48) ~~نهى محمدا عليه السلام عن مثل فعل يونس ، فدل ذلك على أن فعل يونس كان ذنبا. # والجواب : قال بعضهم : هذه الواقعة كانت قبل النبوة ، لأنه تعالى قال بعد ~~واقعة الحوت : ( @QUR@06 وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ) (الصافات 147) ~~وفيه اشكال. لأنه تعالى قال : ( @QUR@09 وإن يونس لمن المرسلين ، إذ أبق ~~إلى الفلك المشحون ) (الصافات 139 140) وهذا يدل على أنه فى ذلك الوقت كان رسولا. # واذا ثبت أن هذه الواقعة كانت بعد النبوة ، فنقول : لعل غضبه كان على قوم ~~من الكفار ms355 ، فأما قوله : ( @QUR@05 فظن أن لن نقدر عليه ) فالمعنى : أن لن ~~نضيق عليه. كما فى قوله تعالى : ( @QUR@03 فقدر عليه رزقه ) (الفجر 16) ( ~~@QUR@05 يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) (الأسراء 30) ( @QUR@08 ومن قدر عليه ~~رزقه ، فلينفق مما آتاه الله ) (الطلاق 7). # وأما قوله تعالى : ( @QUR@04 إني كنت من الظالمين ) (الأنبياء 87) أى فى ~~ترك الأفضل. # وأما قوله تعالى : ( @QUR@04 ولا تكن كصاحب الحوت ) (القلم 48) فيحتمل : ~~أن يكون المراد أن صاحب الحوت لم يقو على الصبر على تلك المحنة التى ابتلاه ~~الله بها ، ولو صبر لكان أفضل ، فأراد الله أن يحصل لمحمد عليه السلام أفضل ~~المنازل. ولهذا قال : ( @QUR@04 ولا تكن كصاحب الحوت ) # القصة الرابعة عشر : قصة لوط عليه السلام . # قال تعالى حكاية عنه : ( @QUR@05 هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ) (هود 78) ان ~~كنتم فاعلين أو. قالوا : عرض بالفاحشة مع بناته. وهذه كبيرة دالة على سقوط النفس. PageV02P160 # الجواب : قال أهل اللغة : يكفى فى حصول الاضافة : أدنى سبب. ففى قوله ~~تعالى : ( @QUR@01 بناتي ) أى البنات اللواتى هن لى بحكم المبايعة وقبول ~~الدين ، ولم يجوز لهم الفجور بهن ، بل كان غرضه ترجيح النسوان على الغلمان. # * * * ### ||| ** القصة الخامسة عشر : قصة زكريا عليه السلام : # قالوا : انه تضرع الى الله تعالى فى طلب الولد ، فلما بشره الله تعالى ~~باجابة الدعاء ، أخذ يتعجب ، ويقول : ( @QUR@09 أنى يكون لي غلام. وقد ~~بلغني الكبر ، وامرأتي عاقر )؟ (آل عمران 40) قالوا : هذا شك فى قدرة الله تعالى. # والجواب : انه عليه السلام لما بشر بالولد حال انقطاع رجائه عن الولد ، ~~عظم سروره بذلك. ومن عظم سروره بالشيء فربما يسأل عن الكيفية والكمية ، ~~ليسمع تلك البشارة مرة أخرى ، ويزداد سروره بها ، ويتأكد علمه بحصول ~~مقصوده. # * * * ### ||| ** القصة السادسة عشر : قصة عيسى عليه السلام : ### ||| ** وفيها شبهتان : # الشبهة الأولى ### |||| ** : تمسكوا بقوله تعالى : ( @QUR@013 وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم : أأنت قلت ~~للناس : اتخذوني وأمي إلهين؟ ) (المائدة 116) ولاستدلال به من وجوه : # أحدها : ان عيسى عليه السلام ان كان قد قال هذا الكلام ، فقد أتى بالذنب ~~العظيم. وان لم يقل ، فهذا الاستفهام عبث. # وثانيها : ان النفس هى الجسد. فقوله : ( @QUR@05 ولا أعلم ما ms356 في نفسك ) ~~(المائدة 116) يوهم اثبات الجسمية لله تعالى. PageV02P161 # وثالثها : ان كلمة «فى» للظرفية. وهى لا تعقل الا فى الأجسام : # والجواب عن الأول : انه عليه السلام ما قال ذلك. وفائدة هذا الاستفهام : ~~تقريع من قال بهذا القول من النصارى. كما قيل : «اياك أعنى ، واسمعى يا جارة». # وعن الثانى : ان النفس فى اللغة بمعنى الذات. # وعن الثالث : ان المراد من لفظ «فى» حلول الصفة فى الموصوف ### |||| ** الشبهة الثانية : قوله تعالى حكاية عنه : ( @QUR@011 إن تعذبهم فإنهم عبادك ، وإن تغفر لهم ، ~~فإنك أنت العزيز الحكيم ) (المائدة 118) وكيف جاز هذا القول ، مع علمه بأن ~~الله تعالى لا يغفر للكافر؟ # والجواب : المقصود من هذا الكلام : تفويض الأمر بالكلية الى الله تعالى. ~~وبالله التوفيق. # * * * # القصة السابعة عشر : قصة نبينا محمد صلى الله عليه ، وعلى آله الطيبين ~~الطاهرين ، وسلم ، وبارك ، ورضى الله عنه ، وعن أصحابه أجمعين. ### ||| ** وفيها شبه : # الشبهة الأولى : قوله تعالى : ( @QUR@03 ووجدك ضالا فهدى ) (الضحى 7) ~~فانه معارض بقوله : ( @QUR@05 ما ضل صاحبكم ، وما غوى ) (النجم 2) والتوفيق ~~: أن يحمل هذا على نفى الضلال فى الدين. وذاك على الضلال اما فى أمور ~~الدنيا ، أو فى طريق مكة ، أو فى مخالطة الخلق. # الشبهة الثانية : تمسكوا بقوله تعالى : ( @QUR@015 وما أرسلنا من قبلك من ~~رسول ولا نبي ، إلا إذا تمنى ، ألقى الشيطان في أمنيته ) (27) PageV02P162 # يروى أنه عليه السلام لما رأى اعراض قومه عنه ، شق عليه ذلك ، وتمنى أن ~~يأتيه من الله ما يتقرب به الى قومه ، فأنزل الله تعالى سورة النجم. فقرأها ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى بلغ الى قوله : ( @QUR@06 أفرأيتم اللات ~~والعزى ومناة الثالثة الأخرى ): ألقى الشيطان على لسانه : # تلك الغرانيق العلى %~% منها الشفاعة ترتجى # فلما سمعت قريش ذلك ، فرحوا وقالوا : قد ذكر آلهتنا بأحسن الذكر. فلما ~~أمسى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاءه جبريل عليه السلام ، وقال : تلوت ~~على الناس ما لم آتك به. فحزن لذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخاف من ~~الله خوفا شديدا ، فنزل قوله تعالى : ( @QUR@06 وما أرسلنا من قبلك من ms357 رسول ~~) الآية. # والجواب : انا قد ذكرنا فى «التفسير الكبير» كل الوجوه المذكورة فى هذه ~~الآية. وحاصل الكلام يرجع الى أن الأمنية يمكن تفسيرها بالقراءة ، ~~وبالعزيمة. فان فسرناها بالقراءة فلها وجهان : # أحدهما : أن يقال : ان الغرانيق هم الملائكة. وقد كان ذلك قرآنا منزلا فى ~~صحف الملائكة ، فلما توهم المشركون أن الله تعالى يريد آلهتهم ، نسخ الله ~~تلاوته. # الثانى : أن يقال : المراد منه : الاستفهام على سبيل الانكار. كأنه قال : ~~أشفاعتهن ترتجى؟ وأما ان فسرناه بالخاطر وتمنى القلب ، كان المعنى : أن ~~النبي عليه السلام كلما تمنى ما كان يتمناه من الأمور وسوس الشيطان إليه ~~بالباطل ، يدعوه الى ما لا ينبغى. ثم ان الله تعالى ينسخ ذلك ويهديه الى ~~ترك الالتفات الى وسوسته. # الشبهة الثالثة : تمسكوا بقوله تعالى : ( @QUR@08 وإذ تقول للذي أنعم ~~الله عليه وأنعمت عليه ) (الأحزاب 37) PageV02P163 ### ||| ** والجواب من وجوه : # أحدها : انه تعالى لما أراد نسخ ما كان فى الجاهلية من تحريم أزواج ~~الأدعياء ، أوحى إليه : أن «زيد» يطلق زوجته ، فان طلقها فتزوج أنت بها. ~~فلما حضر «زيد» ليطلقها ، أشفق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أنه لو ~~طلقها لزمه التزوج بها ، فيصير سببا لطعن المنافقين فيه. فقال له : «أمسك ~~عليك زوجك» وأخفى فى نفسه عزمه على نكاحها بعد أن يطلقها زيد. وهذا التأويل ~~هو المطابق لقوله تعالى : ( @QUR@015 فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ، ~~لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم ). # وثانيها : ان زيدا لما خاصم زوجته زينب وهى بنت عمة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأشرف على طلاقها ، أضمر رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه ان طلقها «زيد» يتزوج بها ، لأنها كانت ابنة عمته ~~، وكان يحب ضمها الى نفسه. كما يحب أحدنا ضم قرابته إليه ، حتى لا ينالهم ~~ضرر ، لا أنه عليه السلام ما أظهر ذلك اتقاء من ألسنة المنافقين. فالله ~~تعالى عاتبه على التفات قلبه الى الناس. وقال : ( @QUR@06 وتخشى الناس ~~والله أحق أن تخشاه ) # وثالثها : ان «زينب» طمعت فى أول أمرها أن يتزوج بها ms358 رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فلما خطبها الرسول لزيد ، شق ذلك عليها وعلى أبيها ~~وأمها ، حتى نزل قوله تعالى : ( @QUR@014 وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ، إذا ~~قضى الله ورسوله أمرا ، أن يكون لهم الخيرة ) فعنده انقادوا كرها ، فلما ~~دخل عليها زيد ، لم تساعده ، ونشرت عنه ، لاستحكام طمعها فى الرسول ~~عليه السلام ، واستحقارها زيدا ، فشكاها «زيدا» الى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال عليه السلام : «أمسك عليك زوجك» وأخفى فى نفسه ~~استحكام طمعها فيه ، لأنه عليه السلام لو ذكر ذلك لزيد ، لتنغصت عليه تلك ~~النعمة. وقال المنافقون : انه انما قال ذلك طمعا فى تلك المرأة. PageV02P164 # فهذه الوجوه الثلاثة صالحة لتأويل الآية. # وأما الذي يقال : انه عشقها. فهو من باب الآحاد. والأولى تنزيه منصب ~~النبي عنه. ثم بتقدير الصحة ، فلا معصية فيه ، لأن ميل القلب غير مقدور. # ثم من هؤلاء من قال : انه عليه السلام لما رآها وعشقها ، حرمت على زوجها. ~~وهذا باطل. والا لكان أمر زيد بامساكها أمرا بالزنا. ولكان وصفها بكونها ~~زوجا له فى قوله «أمسك عليك زوجك» كذبا. # ومنهم من قال : انها ما حرمت على زوجها ، ولكن وجب على زوجها تطليقها ~~والنزول عنها. قالوا : وهذا التكليف حصل فيه ابتلاء الزوج ، وابتلاء ~~الرسول. أما ابتلاء الزوج فلأن تكليف النزول عن الزوجة طلبا لمرضاة الله ، ~~فيه تشديد. وأما ابتلاء الرسول ، فلأنه اذا لم يحفظ نظره ، فربما وقع نظره ~~على من يميل إليها ، لأن حصول الميل بعد الرؤية ليس باختياره ، وحينئذ يجب ~~أن يجبر الزوج بأنه يجب عليه تطليقها. وان أجبره بذلك تعرض لسوء المقالة ، ~~وان لم يجبره بذلك صار خائنا فى الوحى ، فلأجل الاحتراز عن هذين الضررين ~~العظيمين ، كان عليه السلام يبالغ فى حفظ النظر. وذلك من أشق التكاليف. # الشبهة الرابعة : تمسكوا بقوله تعالى : ( @QUR@031 ما كان لنبي أن يكون ~~له أسرى حتى يثخن في الأرض ، تريدون عرض الدنيا؟ والله يريد الآخرة. والله ~~عزيز حكيم. لو لا كتاب من الله سبق ، لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) ~~(الأنفال 67 68) # الجواب ms359 : ان هذا العتاب وقع على ترك الأفضل ، لأنه كان الأفضل والأولى ~~حينئذ فى ذلك الوقت الاثخان وترك الفداء ، قطعا للأطماع. ولو لا أن ذلك من ~~باب الأولى والأفضل ، لما فوض رسول الله PageV02P165 # صلى الله عليه وآله وسلم الى أصحابه. أما قوله : ( @QUR@03 تريدون عرض الدنيا ~~)؟ فهو خطاب ينصرف الى القوم الذين رغبوا فى المال. وأما قوله : ( @QUR@06 ~~لو لا كتاب من الله سبق ) الآية. فمعناه : لو لا أنه سبق تحليل الغنائم ، ~~لعذبكم بسبب أخذكم هذا الفداء. # الشبهة الخامسة : قوله تعالى : ( @QUR@06 عفا الله عنك. لم أذنت لهم )؟ ~~(التوبة 43) والعفو يدل على تقدم الذنب. # والجواب : هذه الآية لا يمكن اجراؤها على ظاهرها ، لأنه تعالى عفا ، ثم ~~عاتب. وهذا غير ممكن ، فعلمنا : أن المراد منه : التلطف فى الخطاب ، كما ~~يقال : أرأيت رحمك الله وغفر لك. وان لم يكن هناك ذنب. وأيضا : فهو من باب ~~التدبير فى الحروب. وتارك الأفضل قد يوبخ. # الشبهة السادسة : قوله : ( @QUR@06 ووضعنا عنك وزرك ، الذي أنقض ظهرك ) ~~(الشرح 2 3) # والجواب : أنه محمول على الوزر الذي كان قبل النبوة ، أو على ترك الأفضل. ~~وأيضا: الوزر هو الثقل. قال تعالى : ( @QUR@04 حتى تضع الحرب أوزارها ) ~~(محمد 4) أى أثقالها. وانما سمى الذنب بالوزر ، لأنه يثقل فاعله. # اذا ثبت هذا ، فنحن نحمل الآية على أنه عليه السلام كان فى غم شديد بسبب ~~اصرار قومه على الشرك ، وبسبب أنه عليه السلام وأصحابه كانوا مستضعفين فيما ~~بينهم ، فلما أعلى الله كلمته ، وشد أزره ، فقد وضع عنه وزره. ويتقوى هذا ~~التأويل بقوله تعالى : ( @QUR@03 ورفعنا لك ذكرك ) (الشرح 4) وبقوله : ( ~~@QUR@04 إن مع العسر يسرا ) (الشرح 6) فان العسر عبارة عن الشدائد والغموم ~~، واليسر عبارة عن زوالها. PageV02P166 # الشبهة السابعة : قوله تعالى : ( @QUR@09 ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر ) (الفتح 2) ### ||| ** والجواب عنه من وجوه : # أحدها : انه محمول على ما قبل النبوة ، أو على ترك الأفضل كما يقال : ~~«حسنات الأبرار ، سيئات المقربين». # وثانيها : ان المراد من قوله : ( @QUR@04 ما تقدم من ذنبك ) من ذنب أمتك. ~~فان الرجل المعتبر اذا أحسن بعض خدمه أو أساء. فانه ms360 يقال له : أنت فعلت ذلك ~~، وان لم يكن هو الفاعل لذلك الفعل. # وثالثها : الذنب مصدر ، ويجوز اضافته الى الفاعل والمفعول ، والمراد : ~~ليغفر لأجلك ولأجل بركتك ما تقدم من ذنبهم فى حقك وما تأخر ، ويقرب منه ~~قوله تعالى : ( @QUR@06 وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) (الأنفال 33). # الشبهة الثامنة : قوله تعالى : ( @QUR@05 عبس وتولى ، أن جاءه الأعمى ) ~~(عبس 1 2) # والجواب : يحمل هذا العتاب على ترك الأفضل. # الشبهة التاسعة : قوله ( @QUR@07 ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي ) (الأنعام 52) # الجواب : ليس فى الظاهر أنه طردهم ، وانما فيه النهى عن طردهم. وحكمة هذا ~~النهى: أن جمعا من الكفار طلبوا منه طرد الفقراء ، فالله تعالى أنزل هذه ~~الآية لتكون حجة له في الامتناع عن قبول قولهم. # الشبهة العاشرة : قوله تعالى : ( @QUR@05 لقد تاب الله على النبي ) ~~(التوبة 117) والتوبة مسبوقة بالذنب. PageV02P167 # والجواب : انه محمول على ترك الأفضل. # الشبهة الحادية عشر : قوله : ( @QUR@02 واستغفر لذنبك ) (محمد 19) وفى ~~الحديث : «وانى لأستغفر الله فى اليوم والليلة سبعين مرة» # والجواب : انه محمول على ترك الأفضل ، أو يكون على تقدير : اذ ثبت ، ~~فاستغفر. كقوله : ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا ~~) (التحريم 8) ولا يريد به أن الكل مذنبون ، وانما المراد بعثهم على التوبة ~~أن أذنبوا. # الشبهة الثانية عشر : قوله : ( @QUR@06 لم تحرم ما أحل الله لك؟ ) ~~(التحريم 1) ظاهره مشعر بأنه فعل ما لا يجوز. # والجواب : تحريم ما أحل الله له ، ليس بذنب ، بدليل الطلاق والعتاق. وأما ~~العتاب فانما ورد على أنه فعل ذلك لابتغاء مرضاة النسوان. # الشبهة الثالثة عشر : ( @QUR@05 يا أيها النبي اتق الله ) (الأحزاب 1) و ~~( @QUR@015 يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك. وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته ) (المائدة 67) ولو لم يوجد منه فعل المحظور والاخلال بالواجب ، لم ~~يكن لهذا الأمر والنهى فائدة. # والجواب : ان أحد أسباب العصمة هو الأمر والنهى. ووجودهما لا يخل بالعصمة ~~، بل تواترهما على الرسل مقرونا بالترغيب والترهيب ، من أقوى أسباب العصمة. # الشبهة الرابعة عشر : قوله تعالى : ( @QUR@04 لئن أشركت ليحبطن عملك ) ~~(الزمر 65) ### ||| ** والجواب عنها من وجوه : # أحدهما : أن ms361 المراد منه ما روى عن ابن عباس أنه قال : «نزل PageV02P168 # القرآن ، ب «إياك أعنى ، واسمعي يا جاره» ومثاله : قوله تعالى : ( ~~@QUR@08 يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ، فطلقوهن لعدتهن ) (الطلاق 1) ~~فقوله : ( @QUR@01 فطلقوهن ) يدل على أن الخطاب مع غيره. # وثانيها : ان المراد منه الشرك الخفى. وهو الالتفات الى غير الله. # وثالثها : انه شرح الحال بتقدير الوقوع. كقوله تعالى : ( @QUR@07 لو كان ~~فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) (الأنبياء 22) # الشبهة الخامسة عشر : قوله تعالى : ( @QUR@07 سنقرئك فلا تنسى ، إلا ما ~~شاء الله ) (الأعلى 6 7) دل الاستثناء على وقوع النسيان فى الوحى. # والجواب : النسيان محمول على الترك. والمعنى : لا تترك منه شيئا ، الا ~~المنسوخ. # الشبهة السادسة عشر : قوله تعالى : ( @QUR@013 فإن كنت في شك مما أنزلنا ~~إليك ، فسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك ) (يونس 94) وأيضا : قال تعالى : ( ~~@QUR@09 لقد جاءك الحق من ربك ، فلا تكونن من الممترين ) (يونس 94) قالوا : ~~وهذا يدل على أنه عليه السلام كان شاكا فيما أوحى الله تعالى إليه. # والجواب : ان القضية الشرطية لا تفيد ، الا ترتيب الجزاء على الشرط. فأما ~~أن الشرط حاصل أم لا؟ فهذا لا تفيده الشرطية. والفائدة فى أنه تعالى أمره ~~بالرجوع الى أهل الكتاب : من وجهين : # الأول : ان نعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم (28) كان مذكورا PageV02P169 # وفى الإنجيل هذا النص : «وهذه هى شهادة يوحنا. حين أرسل اليهود من ~~أورشليم كهنة ولاويين ليسألوه من أنت؟ فاعترف ولم ينكر وأقر أنى لست أنا ~~المسيح. فسألوه اذن ما ذا؟ ايلياء أنت؟ فقال : لست أنا. النبي أنت؟ فأجاب : ~~لا» (يوحنا 1 : 19 21) # وفى التوراة اسم «محمد» فى هذه الآية : «وأما اسماعيل فقد سمعت لك فيه. ~~ها أنا أباركه. وأثمره. وأكثره. كثيرا جدا. اثنى عشر رئيسا يلد وأجعله أمة ~~كبيرة» (تكوين 17 : 20) فان كثيرا جدا فى العبرانية «بمادماد» وحروفها ~~بالجمل تساوى اثنين وتسعين ومحمد يساوى اثنين وتسعين. وان أمة كبيرة تترجم ~~فى العبرانية «لجوى جدول» وهى أيضا تساوى اثنين وتسعين. والمعنى : أن الذي ~~سيأتى من نسل اسماعيل عليه السلام لتبدأ منه بركة اسماعيل فى الأمم ms362 ، سيكون ~~اسمه مساوى لحروف بمادماد أو لجوى جدول. وكانت التوراة منتشرة بين الأمم ~~أيام كان بنو اسرائيل يهدون الأمم بشريعة موسى عليه السلام فان دعوته كنت ~~عامة الى مجىء النبي الأمى PageV02P170 # وجاء فى التوراة أيضا : «وهذه هى البركة التى بارك بها موسى رجل الله بنى ~~اسرائيل قبل موته. فقال : جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من سعير ، وتلألأ من ~~جبل فاران. وأتى من ربوات القدس ، وعن يمينه نار شريعة لهم. فأحب الشعب. ~~جميع قديسيه فى يدك. وهم جالسون عند قدمك. يتقبلون من أقوالك» (تثنية 33 : 1 3) # الكتب الهندوسية : # الهندوسية أحد الديانات القديمة فى العالم. الكتب القديمة لدين الهندوس ~~هى «الويدات». ويدعى المحققون الهندوسيون أنها ألفت قبل 000 ر 000 ر 1310 ~~«بليون وثلاثمائة وعشرة ملايين» سنة ويزعم المحققون من غير الهندوس ان ~~تدوينها يرجع الى أربعة آلاف سنة ، واقدم الويدات هى رغ ويدا. وذكرت فيه ~~بعثة نبينا كالآتى : «انسونتا ستيرنى ما محى مى غادا حستينتهوا آسروا ~~مفوتراترنى ورشنوا أغنى نهى بهير سرى ويوانره تريم رونا شيحكنى». # ومعناه : «أقامنى الرب لتبليغ هذا الكلام : # محمد صاحب أكبر مطايا النبيين ، وخادم لدين الاسلام يسمى صادقا وأمينا ، ~~ملقب بمعلم الدين وصاحب الفراسة ، متصف بجميع الصفات يعلم الأنبياء ، جواد ~~بارز بين عشرة آلاف» ... # اذا تأملنا هذا النص يتضح لنا أنه يذكر بعثة النبي «ما محى» PageV02P171 # والآن نقدم لكم نصا من «ساما ويدا» وهو كالآتى : # «احميد هى يتيوه برى مع دها مرتسى جغره رهم سورى اواجنى» معناه : «أحمد ~~حصل من الرب شريعة فيها حكمة ، انا متنور كالشمس» ... هذا النص من «ساما ~~ويدا» يبشر ببعثة «أحمد» وشريعته وحكمته. والمعروف أن محمد صلى الله عليه وسلم ~~أحمد أيضا. # الثالث من الويدات هو «أثر ويدا» وهو يبشر بمحمد صلى الله عليه وسلم هكذا : # «أدم جنا أب سرت نراشنس ستمشتى. شئيم سهسوانويتم ح كورم آروشميس دومهى». # معناه : «ايها الناس ، استمعوا باحترام محمد محمد. ونحفظ من العدو الذي ~~يهاجر ويعم الأمن» .. # ورد فى هذه الفقرة كلمة «نراشنس» والقصد به نبينا محمد ms363 صلى الله عليه وسلم ~~لا نعلم فى تاريخ الهند مرسلا باسم «نراشنس» ومعناه «الذي يحمد» وهذا عين ~~معنى اسم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . # وورد فى نص ثالث من هذا الويد ذكر صفاته عليه السلام فيقول : «أشى رشى ~~مامحى شتم نيشكانوا دس سرجه ترينى شتانى ورم ثام سيسراد غونامو» .. # وأبين لكم ترجمة هذه الفقرة كلمة. فتدبروا كيف يوضح كل كلمة منها أوصاف ~~النبي العربى عليه الصلاة والسلام. PageV02P172 # «أشسى» أى الرب. «رشى» الذات المحترمة ، والشخصية المقدسة «ما محى محمدا ~~«شتم» أى مائة «نيشكانو» قطعات الذهب ، الشخصيات الثمينة كالذهب «سرجه» ~~العقد «شتانى» مائة «ورثام» الخيل العربى «سيسراد» عشرة آلاف «غوناموا» ~~بقرة تذكر هذه الفقرة قطع الذهب والعقد وثلاث مائة فرس عشرة آلاف بقرة .. ~~وإليكم التفصيل : # شبه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بقطع الذهب لأنهم خلص كالذهب يمكن الثقة ~~بهم. ويشهد التاريخ ان الصحابة كانوا محل الثقة والاعتماد من الرسول ~~صلى الله عليه وسلم يمتثلون كل اوامره كما يثق صاحب المال بنقوده الذهبية يقضى ~~بها ما شاء من حوائجه. # ثم ذكرت العقود العشرة وهم العشرة المبشرون بالجنة. والمراد بثلاثمائة ~~خيل هم أصحاب بدر الذين حاربوا الحرب الأولى ضد الكفر ، وعشرة آلاف بقرة هم ~~الذين اشتركوا فى فتح مكة. وحصل الفتح بدون قتال. والبقرة فى الويدا علامة ~~الأمن والعلى والاتحاد. # والفقرات الاخرى من هذا الويد أيضا تشير بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~فتذكره بلقب «فاتح مكة» و «أحمد» و «صاحب العدل». # وهكذا الكتب الدينية الأخرى للهندوس مثل «ابيلشنه» يصف النبي ~~صلى الله عليه وسلم بانه «هادى الأمم» وقيل انه «أرسل إليه السلام» وقيل : ~~«سلام على محمد الذي صورته كالقمر والذي عنده قوة الأسد وقوة الرحمة». # هكذا ورد فى «البيان» نعوته عليه السلام والذي سيحدث فى حياته وسمى ~~«معلما». # هذا قليل من الكثير الوارد فى كتب الهندوس المقدسة من علامات النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويستطيع كل من يفحصها أن يجد غير ما ذكرت. PageV02P173 # الكتب الزرادشتية : # الكتاب الدينى فى هذا الدين هو ms364 «زند اوستا» قال فيه زرادشت : «سيوجد فى ~~الزمن الآتى جماعة تمنح الحياة لأمم العالم وأديانه وأسمه اسوت ارتيا ، وهو ~~رحمة وهو انسان كامل يصلح فساد الناس». # فمنها يبشر زند اوستا بنبي رحيم اسمه استوت ارتيا ، وهو فاتح ورحمة ~~للعالمين انسان كامل يصلح الناس أفلا توجد هذه الصفات فى نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم بكل وضوح وجمال؟. # أما كلمة «اسوت ارتيا» فهى مشتقة من مصدر فارسى «ستودن» وهو المدح والحمد ~~فالكلمة حينئذ ترجمة حرفية لاسم «محمد» ثم ذكر زرادشت بأنه فاتح رحيم ، ~~ويكفى مثالا لذلك قوله عليه السلام يوم فتح مكة لا تثريب عليكم اليوم ). # ويوجد تنبؤ ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم فى رسالة زرادشت الى ساسان الأول ~~يقول فيها : «اذا يسوء عمل أهل ايران فسيظهر رجل فى العرب يزول بمقدمة عرش ~~ايران وشريعتها وسيغلب المعتدون». # وكتاب آخر معروف لهم «جاماسبى» ذكر فيه سيرة الرسول عليه السلام ومضمونه ~~كأن الكاتب يراه بعينه. وإليكم معنى النص : # «سيظهر فى صحراء العرب رجل جميل فصيح متوسط القامة ، تصل دعوته كل جانب ، ~~يلبس العمامة بدل التاج الملكى ، فيخرب بيت نار الفرس ، وسيكون لختنه ابنان ~~، يقتل أحدهما مسموما ويقتل الآخر بنينوى ومعه أثنان وسبعون نفرا». # فهذا النص يبين صورة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته ولباسه ويذكر الحسن ~~والحسين وحادثة كربلاء ، وكربلاء فى العراق ، وكانت تسمى المنطقة كلها ~~«نينوى» سابقا. هل ينطبق هذا الخبر على أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~؟ كلا ثم كلا. # الكتب البوذية : # تعالوا نرجع الى خمسة وعشرين قرنا فى الماضى اذ كان البشر PageV02P174 # فى التوراة والإنجيل. فأمره الله تعالى بالرجوع إليهم فى معرفة تلك ~~العلامات ، لتصير نفسه أقوى. # الثانى : انه تعالى أمره أن يرجع إليهم فى معرفة كيفية نبوة سائر ~~الأنبياء ، حتى يعرف أنه أوتى مثل ما أوتى سائر الأنبياء من المعجزات. # فهذا جملة الكلام فى تأويل هذه الآيات. # * * * # فى مثل هذه الظروف ولد بوذا وكل نعمة من الدنيا ترفرف عليه. ولكن قد يكون ~~من عباد الله من ms365 لا يهمه راحة نفسه بل يضحى بكل ما يملك لتفريج الهم عن ~~غيره. وهكذا كان بوذا. ولما كان بوذا فى آخر نفسات من حياته كان على لسانه ~~بشارة برحمة للعالمين. # اذ سأله تلميذ يدعى نندا : «من يعلم العالم بعد ذهابك يا سيدى؟» فأجاب ~~بوذا قائلا : «يا ننداه لست أول بوذا ظهر فى العالم ولست آخر بوذا ، سيأتى ~~بوذا آخر فى وقته وسيدعو الناس مثلى الى نظام كامل دينى خالص» ، سأل نندا : ~~فكيف نعرفه؟. فقال السيد : سيسمى «ميتريا» أى بوذا ، صاحب الرحمة» # والكل يعرف أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو رحمة للعالمين. (انتهى التعليق) PageV02P175 # ولنختم هذه المسألة بذكر آيتين تمسكوا بهما فى اثبات الذنب للأنبياء على ~~الاطلاق : # الآية الأولى : قوله تعالى : ( @QUR@05 ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ) ~~(النحل 61) قالوا : هذه الآية تقتضى ثبوت الظلم لكل الناس ، فوجب ثبوته ~~للأنبياء. # والجواب : هذا معارض بقوله : ( @QUR@05 ألا لعنة الله على الظالمين ) ~~(هود 18) فلو كان النبي ظالما ، لدخل تحت هذه الآية. # والثانية : قوله تعالى : ( @QUR@026 عالم الغيب. فلا يظهر على غيبه أحدا. ~~إلا من ارتضى من رسول ، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا. ليعلم أن قد ~~أبلغوا رسالات ربهم ) (الجن 26 28) قالوا : فلولا الخوف من ايقاع التخليط ~~فى تبليغ الوحى من جهة الرسل ، لم يكن فى الاستظهار بالرصد المرسل معهم ~~(28) فائدة. # والجواب : يجوز أن تكون بعثة الملائكة مع الأنبياء عليهم السلام ليس لأجل ~~الخوف من أن الأنبياء عليهم السلام سيخلطون ويغيرون (29) ولكن لأجل أن ~~يمنعوا الشياطين من أن يوقعوا تخليطا فى أثناء أداء الرسالة (30). # ولنقتصر على هذا القدر من الكلام فى هذا الباب. فان الاستقصاء التام فيه ~~مذكور فى كتاب التفسير. والله أعلم. PageV02P176 ### ||| * المسألة الثالثة والثلاثون ### ||| * فى ### ||| * أن الملائكة أفضل أم الأنبياء عليهم السلام ؟ # مذهب أصحابنا والشيعة : أن الأنبياء أفضل من الملائكة. وقالت الفلاسفة ~~والمعتزلة : الملائكة السماوية أفضل من البشر. وهو اختيار القاضى «أبى بكر ~~الباقلانى» و «أبى عبد الله الحليمى» من أصحابنا ### ||| ** واحتج القائلون بتفضيل الأنبياء عليهم السلام [على الملائكة] بوجوه : # الحجة الأولى ms366 : ان آدم عليه السلام كان مسجودا للملائكة. والسجود أفضل من ~~الساجد. # بيان الأول : قوله تعالى : ( @QUR@05 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) ~~(البقرة 34) ( @QUR@018 إذ قال ربك للملائكة : إني خالق بشرا من طين ، فإذا ~~سويته ونفخت فيه من روحي ، فقعوا له ساجدين ) (ص 71 72) وبيان الثانى : ان ~~السجود أعظم أنواع الخدمة ، وأمر الكامل بخدمة الناقص ، لا يليق بالحكمة. # فان قيل : لم لا يجوز أن يقال : السجدة كانت لله تعالى وآدم كالقبلة؟ # سلمنا : أن السجدة كانت لآدم ، ولكن لم لا يجوز أن يكون المراد من السجدة ~~: التواضع والترحيب؟ قال الشاعر : # ترى الأكم فيها سجدا للحوافر # سلمنا : أن السجدة عبارة عن وضع الجبهة على الأرض. لكن لا نسلم أن هذا ~~غاية التواضع لأن هذا قضية عرفية ، ويجوز أن تختلف PageV02P177 # القضايا العرفية باختلاف الأزمنة. فلعل العرف فى ذلك الزمان. أن من سلم ~~على غيره ، وضع جبهته على الأرض. وتسليم الكامل على الناقص أمر معتاد. # والجواب عن الأسئلة الثلاثة : ان ذلك السجود لو لم يكن دالا على زيادة ~~منصب المسجود على الساجد ، لما قال ابليس : ( @QUR@05 أرأيتك هذا الذي كرمت ~~علي؟ ) (الاسراء 62) فانه لم يوجد شيء آخر يصرف هذا الكلام إليه ، سوى هذا ~~السجود ، فدل ذلك : على أن ذلك السجود يقتضي ترجيح منصب السجود على الساجد # الحجة الثانية : ان آدم عليه السلام كان أعلم من الملائكة ، والأعلم أفضل. # بيان الأول : قوله تعالى : ( @QUR@04 وعلم آدم الأسماء كلها ) الى قوله ~~تعالى : ( @QUR@016 سبحانك لا علم لنا ، إلا ما علمتنا. إنك أنت العليم ~~الحكيم. قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم ) (البقرة 313 33). # بيان الثانى : قوله تعالى : ( @QUR@08 قل : هل يستوي الذين يعلمون ، ~~والذين لا يعلمون ) (الزمر 9) # الحجة الثالثة : طاعة البشر أشق ، والأشق أفضل. ### ||| ** بيان الأول من وجوه : # الأول : ان الشهوة والغضب والحرص والهوى من أعظم الموانع عن الطاعات. ~~وهذه الصفات موجودة فى البشر مفقودة فى الملائكة (1). والفعل مع المانع ~~أشق منه مع غير المانع. # الثانى : ان التكاليف الملائكة مبنية على النصوص. قال تعالى : ( @QUR@06 ~~لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) (الأنبياء 27) وتكاليف PageV02P178 # البشر بعضها مبنية ms367 على النصوص ، وبعضها على الاستنباط. قال تعالى : ( ~~@QUR@04 فاعتبروا يا أولي الأبصار ) (الحشر 2) وقال تعالى : ( @QUR@04 ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) (النساء 82) والتمسك بالاجتهاد والاستنباط فى ~~معرفة الشيء ، أشق من التمسك بالنصوص. # الثالث : ان الانسان مبتلى بوسوسة الشيطان. وهذه الآفة غير حاصلة ~~للملائكة. # الرابع : أن شبهات البشر أكثر ، وذلك لأن من جملة الشبهات القوية ربط ~~الحوادث الأرضية بالاتصالات الفلكية والمناسبات الكوكبية. والملائكة ليس ~~لهم هذا النوع من الشبهة ، لأنهم سكان السموات ، ومشاهدون أحوالها ، ~~فيعلمون بالضرورة : أنها ليست بأحياء ولا ناطقة ، بل هى مفتقرة الى التدبير ~~كافتقار الأرضيات. فثبت بهذه الوجوه : أن طاعات البشر أفضل. # وانما قلنا : ان الأشق أفضل ، للنص. والقياس. # أما النص. فقوله عليه السلام : «أفضل الأعمال أحمزها» 2 أى أشقها. وقال ~~عليه السلام لعائشة رضى الله عنها : أجرك على قدر نصبك» 3. # وأما القياس : فهو أن الطاعات السهلة والطاعات الشاقة لو اشتركا PageV02P179 # فى قدر الثواب ، لكان تحمل ذلك القدر من المشقة الزائدة ، الخالية عن ~~الفائدة : ضررا. وتحمل الضرر الخالى عن الفائدة محظور قطعا. فكان يجب أن ~~تحرم عليه تلك الطاعة الشاقة. ولما لم يكن كذلك ، علمنا : أن الأشق أكثر ثوابا. # الحجة الرابعة : قوله تعالى : ( @QUR@011 إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ~~إبراهيم وآل عمران على العالمين ) (آل عمران 32) والعالم عبارة عن كل ما ~~سوى ، الله تعالى ، فيكون معنى الآية : ان الله اصطفى آدم ونوحا وآل ~~ابراهيم وآل عمران على كل المخلوقات. # ترك العمل به فيمن لم يكن نبيا من آل ابراهيم وآل عمران ، فيبقى معمولا ~~به فى حق الأنبياء. # فان قيل : يشكل هذا بقوله تعالى فى بنى اسرائيل : ( @QUR@04 وأني فضلتكم ~~على العالمين ) (البقرة 122) فانه لو كان الأمر كما ذكرتم ، لزم تفضيل ~~أنبياء بنى اسرائيل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم . فالجواب : تحمل التخصيص ~~فى آية لا يوجب تحمله فى سائر الآيات. وأيضا : شرط العالم أن يكون موجودا ، ~~ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ما كان موجودا حال وجود أنبياء بنى اسرائيل ، ~~أما الملائكة فانهم موجودون حال وجود محمد عليه السلام ، فظهر الفرق. ms368 # الحجة الخامسة : الملائكة لهم عقول بلا شهوة ، والبهائم لها شهوة بلا ~~عقول ، والآدمى له عقل وشهوة ، ثم ان الآدمى ان رجح شهوته على عقله ، كان ~~أخس من البهيمة. قال تعالى : ( @QUR@05 أولئك كالأنعام ، بل هم أضل ) ~~(الأعراف 179) فعلى هذا القياس لو رجح عقله على شهوته ، وجب أن يكون أفضل ~~من الملك. # هذا ملخص دلائل من فضل الأنبياء على الملائكة. # * * * # وأما الذين قالوا بتفضيل الملائكة على الأنبياء. فقد تمسكوا بوجوه : PageV02P180 # الحجة الأولى : قوله تعالى : ( @QUR@010 لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا ~~لله ولا الملائكة المقربون ) (النساء 172) فهذا يقتضي أن تكون الملائكة ~~أفضل من المسيح. ألا ترى أنه يقال : ان فلانا لا يستنكف الوزير من خدمته ، ~~بل السلطان. ولا يقال : انه لا يستنكف السلطان من خدمته ، بل الوزير. فلما ~~ذكر المسيح أولا ، ثم الملائكة ثانيا ، علمنا : أن الملائكة أفضل من ~~المسيح. ### ||| ** والاعتراض عليها من وجوه : # الأول : ان محمدا عليه السلام أفضل من المسيح. ولا يلزم من كون الملائكة ~~أفضل من المسيح ، كونهم أفضل من محمد صلى الله عليه وآله وسلم . # الثانى : ان قوله تعالى : ( @QUR@03 ولا الملائكة المقربون ) صيغة لجمع ، ~~وصيغة الجمع تتناول الكل وهذا يقتضي كون مجموع الملائكة أفضل من المسيح. ~~فلم قلتم : انه يقتضي كون كل واحد من الملائكة أفضل من المسيح؟ # والثالث : ان الواو فى قوله تعالى : ( @QUR@03 ولا الملائكة المقربون ) ~~حرف العطف ، وهو مفيد الجمع المطلق ولا يفيد الترتيب على ما ذكرناه فى أصول ~~الفقه وأما المثال الذي ذكرتموه فليس بحجة. لأن الحكم الكلى لا يثبت ~~بالمثال الجزئى ، ثم انه معارض بسائر الأمثلة كقولك : «ما أعاننى على هذا ~~الأمر ، لا زيد ولا عمر» وهذا لا يفيد كون المتأخر فى الذكر أفضل من ~~المتقدم. ومنه قوله تعالى : ( @QUR@08 ولا الهدي ، ولا القلائد ولا آمين ~~البيت الحرام ) (المائدة 2) ولما اختلفت الأمثلة ، امتنع التعويل عليها. # ثم التحقيق فى هذه المسألة : أنه اذا قيل : هذا العالم لا يستنكف الوزير ~~من خدمته ولا السلطان. فنحن نعلم بعقولنا : أن السلطان أعظم درجة من الوزير ~~، فعلمنا : أن الغرض من ذكر ms369 الثانى هو المبالغة. وهذه المبالغة انما ~~عرفناها بهذا الطريق ، لا بمجرد الترتيب فى الذكر. PageV02P181 # وهاهنا فى هذه الآية لا يمكننا أن نعرف أن المراد من قوله تعالى : ( ~~@QUR@03 ولا الملائكة المقربون ) بيان المبالغة الا اذا عرفنا قبل ذلك أن ~~الملائكة المقربين أفضل من المسيح. وحينئذ يتوقف صحة الدليل على صحة ~~المدلول. وذلك دور. # الرابع : هب أن هذه الآية دالة على أن منصب الملك أعلى وأزيد ، من منصب ~~المسيح. لكنها لا تدل على أن تلك الزيادة فى جميع المناصب أو فى بعضها. ~~فانه اذا قيل هذا العالم لا يستنكف من خدمته الوزير ولا السلطان ، فهو لا ~~يفيد الا أن السلطان أكمل من الوزير فى بعض الأشياء وهى القدرة والسلطنة ~~ولا يفيد كون السلطان أزيد من الوزير فى الزهد والعلم. # اذا ثبت هذا ، فنحن نقول بموجبه. وذلك لأن الملك أفضل من البشر فى القدرة ~~والقوة والبطش. فان جبريل عليه السلام قلع مدائن لوط ، والبشر لا يقدرون على ~~شيء من ذلك. فلم قلتم : ان الملك أفضل من البشر فى كثرة الثواب الحاصل بسبب ~~مزيد الخشوع والعبودية؟ # وتمام التحقيق : ان الفضل المختلف فيه فى هذه المسألة هو كثرة الثواب ، ~~ثم ان كثرة الثواب لا تحصل الا بنهاية التواضع والخضوع ، وكون العبد موصوفا ~~بنهاية التواضع لله تعالى ، لا يلائم صيرورته مستنكفا عن عبودية الله تعالى ~~، بل ينافيها ويناقضها ، فامتنع أن يكون المراد من الآية هذا المعنى. أما ~~اتصاف الشخص بالقدرة الشديدة والقوة الكاملة ، فانه مناسب للتمرد وترك ~~العبودية. # والنصارى لما شاهدوا من المسيح عليه السلام احياء الموتى ، وابراء الأكمه ~~والأبرص ، أخرجوه بسبب هذا القدر من القدرة ، عن عبودية الله تعالى. فقال ~~تعالى : ( @QUR@07 لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ) أى أن عيسى لن ~~يستنكف بهذا القدر من القدرة عن عبوديتى ، ولا الملائكة PageV02P182 # المقربون الذين هم فوقه فى القدرة والبطش والاستيلاء على عالم السموات ~~والأرضين. # وبهذا الوجه تنتظم دلالة الآية على أن الملك أفضل من البشر فى القدرة ~~والبطش والشدة ، لكنها لا تدل البتة على أن الملك ms370 أفضل من البشر فى كثرة ~~الثواب. # أو يقال : انهم انما ادعوا إلهية المسيح ، لأنه حصل من غير أب. فقيل لهم ~~: الملائكة حصلوا لا من أب ولا من أم. فكانوا أعجب من عيسى فى هذا الباب ، ~~مع أنهم لا يستنكفون عن عبودية الله تعالى. # الحجة الثانية : لمن قال بتفضيل الملك على البشر : التمسك بقوله تعالى : ~~( @QUR@06 ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ) والاستدلال به من وجهين : # الأول : انه تعالى احتج بعدم استكبار الملائكة عن عبادته ، على أن البشر ~~يجب أن لا يستكبروا عنها. فلو كان البشر أفضل من الملائكة ، لما تم هذا ~~الاستدلال. فان السلطان اذا أراد أن يقرر على رعيته وجوب طاعتهم له ، فانه ~~يقول : الملوك لا يستكبرون عن طاعتى. فمن هؤلاء المساكين؟ وبالجملة : فظاهر ~~أنه يلزم أن هذا الاستدلال لا يتم الا بالأقوى على الأضعف. # الثانى : انه تعالى قال : ( @QUR@02 ومن عنده ) وهذه العندية ليست عندية ~~بالجهة ، بل عندية بالفضيلة والقربة. # والاعتراض على الوجه الأول : لعل المراد : أن الملائكة مع شدة قوتهم لا ~~يتمردون عن طاعة الله ، فما بال البشر يتمردون عن طاعة الله ، مع غاية ~~قصورهم وحقارتهم. وهذا يوجب كون الملك أقوى من البشر ، لكنه لا يوجب كونه ~~أفضل من البشر بمعنى كثرة الثواب # والاعتراض على الوجه الثانى : انه معارض بقوله تعالى فى صفة PageV02P183 # البشر : ( @QUR@06 في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) (القمر 55) وقال ~~عليه السلام حكاية عن الله تعالى : «أنا عند المنكسرة قلوبهم» وهذا أفضل ~~لأنه قال فى صفة الملائكة : انهم عند ربهم. وقال فى صفة المنكسرة قلوبهم : ~~ان ربهم عندهم. # الحجة الثالثة : لمن قال بتفضيل الملك على البشر : عبادات الملائكة أشق ، ~~فيكون الملك أفضل. انما قلنا : انها أشق لوجوه : # الأول : انهم آمنون من الآفات التى يكون البشر خائفا منها. مثل الغرق ~~والحرق والقتل والمرض والحاجة والشقاوة والكفر والمعصية. وأيضا : فالسماوات ~~التى هى مساكنهم وأماكنهم ، كالجنان والبساتين الطيبة ، بالنسبة الى الأرض. # وكل من كان تنعمه أكثر وخوفه أقل ، كان تمرده أشد. ولهذا قال تعالى : ( ~~@QUR@016 فإذا ركبوا في الفلك ، دعوا الله ms371 مخلصين له الدين ، فلما نجاهم ~~إلى البر ، إذا هم يشركون ) (العنكبوت 65). # ثم ان الملائكة مع كثرة أسباب التنعم والتمرد ، منذ خلقوا ، بقوا مشتغلين ~~بالعبادة خاشعين وجلين مشفقين لا يلتفتون الى نعيم الجنان واللذات ، بل ~~بقوا مقبلين على الطاعات الشاقة موصوفين بالفزع الشديد ، وكأنه لا يقدر أحد ~~من بنى آدم أن يبقى كذلك يوما واحدا ، فضلا عن تلك الأعصار المتطاولة. ~~ويؤكده : قصة آدم عليه السلام فانه أطلق له فى جميع مواضع الجنة بقوله تعالى ~~: ( @QUR@05 وكلا منها رغدا ، حيث شئتما ) (البقرة 35) ومنعه من شجرة واحدة ~~، فلم يملك نفسه ، حتى وقع فى الشر. وهذا يدل على أن طاعتهم أشق من طاعة البشر. # الوجه الثانى : فى بيان أن طاعتهم أشق : أن انتقال المكلفين من نوع عبادة ~~الى نوع آخر ، كالانتقال من بستان الى بستان. أما الاقامة على نوع واحد ، ~~فانها تورث الملالة. ولهذا السبب جعلت التصانيف PageV02P184 # مقسومة بالأبواب والفصول. وجعل كتاب الله مقسوما بالسور والأخماس ~~والأعشار ، ثم ان الملائكة كل واحد منهم يواظب على عمل واحد لا يعدل عنه ~~الى غيره. كما قال تعالى : ( @QUR@05 يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) ~~(الأنبياء 20) وقال حكاية عنهم : ( @QUR@06 وإنا لنحن الصافون ، وإنا لنحن ~~المسبحون ) (الصافات 160 166). # فثبت بما ذكرنا : أن عبادتهم أشق. واذا ثبت هذا ، وجب أن يكونوا أكثر ~~ثوابا. لقوله عليه السلام : «أفضل الأعمال (4) أحمزها» والاعتراض عليه : ~~معارض بما ذكرنا من أن عبادات البشر أشق ، فتكون أفضل. # الحجة الرابعة : عبادات الملائكة أدوم ، فوجب أن تكون أفضل. # انما قلنا : أدوم ، لقوله تعالى : ( @QUR@05 يسبحون الليل والنهار ، لا ~~يفترون ) وعلى هذا التقدير لو كانت أعمارهم مساوية لأعمار البشر ، لكانت ~~طاعتهم أكثر وأدوم. فكيف ولا نسبة لعمر كل البشر ، الى عمر الملائكة. ### ||| ** وانما قلنا : ان الأدوم أفضل لوجوه : # أحدها : ان الأدوم أشق ، فكان أفضل. وقد بينا هذا الوجه. # الثانى : قوله عليه السلام «أفضل العباد من طال عمره ، وحسن عمله» ~~والملائكة أطول العباد عمرا ، وأحسنهم عملا. فوجب أن يكونوا أفضل العباد. # والثالث : قوله عليه السلام : «الشيخ فى قومه ، كالنبى فى أمته» وهذا ~~يقتضي ms372 أن يكون الملك فيما بين البشر كالنبى فى الأمة. وذلك يوجب فضلهم على البشر. PageV02P185 # الرابع : ان طاعات الملائكة مساوية لطاعات بنى آدم فى الخوف والخشية. قال ~~تعالى: ( @QUR@04 يخافون ربهم من فوقهم ) (النحل 50) وقال : ( @QUR@06 لا ~~يسبقونه بالقول ، وهم بأمره يعملون ) (الأنبياء 27) وقال : ( @QUR@04 وهم ~~من خشيته مشفقون ) (الأنبياء 28): وقال تعالى : ( @QUR@015 حتى إذا فزع عن ~~قلوبهم ، قالوا : ما ذا قال ربكم؟ قالوا : الحق. وهو العلي الكبير ) (سبأ ~~23 فهذه الآيات دالة على أن غاية خشوع الملائكة وخضوعهم ، ان لم يكن أزيد ~~من خشوع البشر وخضوعهم ، فلا يكون أقل منه. واذا ثبت هذا ، فنقول : طاعات ~~الملائكة مساوية لطاعات البشر فى الكيفية الموجبة للثواب وهى الخشوع ~~والخضوع وأزيد منها فى المدة والدوام. فوجب القطع بأن ثوابهم أزيد وأكثر. # الحجة الخامسة : الملائكة أسبق فى العبادة من البشر ، والأسبق أفضل. # أما أنهم أسبق ، فلا شك فيه. اذ من المعلوم : أنه لا خصلة من خصال الدين ~~، الا وهم أئمة مقتدون فيها ، بل هم المنشئون العامرون لطرق الدين. ### ||| ** وأما أن الأسبق أفضل : فلوجهين : # الأول : قوله تعالى : ( @QUR@04 والسابقون السابقون ، أولئك المقربون ) ~~(الواقعة 10 11) # الثانى : قوله عليه السلام : «من سن سنة حسنة ، فله أجرها وأجر من عمل بها ~~الى يوم القيامة» وهذا يقتضي أن يكون قد حصل للملائكة من الثواب ، كل ما ~~حصل للأنبياء مع زيادة الثواب التى استحقوها بأفعالهم التى أتوا بها قبل ~~خلق البشر. # الحجة السادسة : الملائكة رسل الله الى الأنبياء. والرسول أفضل من الأمة. PageV02P186 # بيان المقدمة الأولى وهى أن الملائكة رسل الله الى الأنبياء قوله تعالى : ~~( @QUR@03 علمه شديد القوى ) (النجم 5) ( @QUR@06 نزل به الروح الأمين. على ~~قلبك ) (الشعراء 193 194) ( @QUR@010 ينزل الملائكة بالروح من أمره على من ~~يشاء من عباده ) (النحل 2) ### ||| ** وأما (المقدمة الثانية وهى) أن الرسول أفضل من أمته فلوجهين : # الأول : ان رسول البشر أفضل من أمته ، فكذا هاهنا. # فان قيل : العرف أن السلطان اذا أرسل واحدا الى جمع عظيم ، ليكون متوليا ~~لأمورهم ، وحاكما فيهم ، فذلك الشخص أفضل من ذلك الجمع. وأما اذا أرسل شخصا ~~واحدا الى شخص واحد ms373 ، لأجل الاعلام ، فالظاهر أن الرسول أقل حالا من المرسل ~~إليه ، كما اذا أرسل الملك عبده الى الوزير. # قلنا : هذا مدفوع. لأن جبريل عليه السلام مبعوث الى كافة الأنبياء والرسل ~~من البشر فجبريل عليه السلام رسول ، وأمته كل الأنبياء. فعلى القانون الذي ~~ذكره السائل ، يلزم أن يكون جبريل أفضل منهم. # الوجه الثانى : ان الملائكة رسل الله ، لقوله عز وجل : ( @QUR@03 جاعل ~~الملائكة رسلا ) (فاطر 1) والملك اما أن يكون رسولا الى ملك آخر ، واما أن ~~يكون رسولا الى البشر. وعلى التقديرين ، فالملك رسول وأمته أيضا رسل. وأما ~~الرسول البشرى فهو رسول ، لكن أمته ليسوا برسل. ومعلوم : أن الرسول الذي ~~تكون كل أمته رسلا ، أفضل من الرسول الذي لا يكون أحد من أمته رسولا. # فثبت فضل الملائكة على البشر من هذه الجهة ، ولأن ابراهيم عليه السلام كان ~~رسولا الى لوط ، وكان أفضل منه. وموسى كان رسولا الى الأنبياء الذين كانوا ~~فى عسكره ، وكان أفضل منهم. فكذا هاهنا. PageV02P187 # الحجة السابعة : الملائكة أتقى من البشر. وألا تقى أفضل. # انما قلنا : انهم أتقى لأنهم مبرءون عن الزلات وعن الميل إليها ، لأن ~~خوفهم دائم. قال تعالى : ( @QUR@04 يخافون ربهم من فوقهم ) (النحل 50) وقال ~~: ( @QUR@04 وهم من خشيته مشفقون ) (الأنبياء 28) والخوف والاشفاق ينافيان ~~العزم على المعصية. أما الأنبياء عليهم السلام فلم يخل أحد منهم عن شيء هو ~~صغير ، أو ترك مندوب. قال عليه السلام : «ما منا أحد الأعمى ، أو هم بمعصية ~~، غير يحيى بن زكريا». # انما قلنا : ان الأتقى أفضل ، لقوله : ( @QUR@05 إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم ) (الحجرات 13) فاثبات الكرامة مقرونا بذكر التقوى ، يدل على أن تلك ~~الكرامة معللة بالتقوى ، وحيث كان التقوى أكثر ، وجب أن تكون الكرامة ~~والفضيلة أكثر. # لا يقال : فهذا يقتضي أن يكون «يحيى» أفضل من الأنبياء ، ومن محمد ~~عليه السلام لأنه قال : «ما منا أحد الا عصى أو هم بمعصية ، عير يحيى بن ~~زكريا». # لأنا نقول : هذه الصورة خصت بدلالة الاجماع ، فيبقى الدليل حجة فى سائر الصور. # الحجة الثامنة : الأنبياء عليهم السلام ما استغفروا لأحد ، ألا بدءوا ~~بالاستغفار ms374 لأنفسهم ، ثم بعد ذلك استغفروا لغيرهم من المؤمنين. # قال آدم عليه السلام : ( @QUR@03 ربنا ظلمنا أنفسنا ) (الأعراف 23) وقال ~~نوح : ( @QUR@08 رب اغفر لي ، ولوالدي ، ولمن دخل بيتي مؤمنا ) (نوح 28) ~~وقال ابراهيم : ( @QUR@06 رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين ) (الشعراء 83) ~~وقال موسى : ( @QUR@04 رب اغفر لي ولأخي ) (الأعراف 151) وقال تعالى لمحمد ~~عليه السلام : ( @QUR@04 واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) PageV02P188 # (محمد 19) وقال : ( @QUR@09 ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) ~~(الفتح 2) وأما الملائكة فانهم لم يستغفروا لأنفسهم ولكن طلبوا المغفرة ~~للمؤمنين من البشر. قال تعالى حكاية عنهم : ( @QUR@08 فاغفر للذين تابوا ~~واتبعوا سبيلك ، وقهم عذاب الجحيم ) (غافر 7) وقال : ( @QUR@03 ويستغفرون ~~للذين آمنوا ) (غافر 7) ولو كانوا محتاجين الى الاستغفار ، لبدءوا فى ذلك ~~بأنفسهم. لأن دفع الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير ، قال ~~عليه السلام : «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» وهذا يدل على أن الملك أفضل من البشر. # الحجة التاسعة : قوله تعالى : ( @QUR@014 يوم يقوم الروح والملائكة صفا ، ~~لا يتكلمون ، إلا من أذن له الرحمن ، وقال صوابا ) (النبأ 38) والمقصود من ~~شرح هذه الواقعة : المبالغة فى شرح هذه عظمة الله. ولو كان فى الخلق طائفة ~~، قيامهم بين يدى الله تعالى وتضرعهم فى حضرة الله أقوى فى الانباء عن عظمة ~~الله وكبريائه من الملائكة ، لكان ذكرهم فى هذا المقام أولى. ثم انه سبحانه ~~كما بين عظمته فى الدار الآخرة بذكر الملائكة ، فكذلك بين عظمته فى الدار ~~الدنيا بذكر الملائكة. قال تعالى : ( @QUR@09 وترى الملائكة حافين من حول ~~العرش ، يسبحون بحمد ربهم ) (الزمر 75) وهذا يدل على أنه لا سنبة لهم الى ~~البشر البتة. # الحجة العاشر : قوله تعالى : ( @QUR@05 وإن عليكم لحافظين. كراما كاتبين ~~) (الانفطار 10 11) وهذا عام فى حق جميع المكلفين من بنى آدم ، فيدخل فيه ~~الأنبياء وغيرهم. ### ||| ** وهذا يقتضي كون الملائكة أفضل من البشر لوجهين : # الأول : انه تعالى جعلهم حفظه لبنى آدم. والحافظ للمكلف من المعصية لا بد ~~أن يكون أبعد عن الخطأ ، والمعصية من المحفوظ. وهذا يقتضي كونهم أبعد عن ~~المعاصى ، وأقرب الى الطاعات من البشر. وذلك يقتضي مزيد الفضل. PageV02P189 # والثانى : انه ms375 سبحانه وتعالى جعل كتابتهم حجة للبشر فى الطاعة ، وحجة ~~عليهم فى المعاصى. وذلك يقتضي أن يكون قولهم أولى بالقبول من قول البشر ، ~~فلو كان البشر أعظم حالا منهم ، لكان الأمر بالعكس. # ويقرب من هذا الدليل : (5) التمسك بقوله تعالى : ( @QUR@026 عالم الغيب ~~فلا يظهر على غيبه أحدا. إلا من ارتضى من رسول ، فإنه يسلك من بين يديه ومن ~~خلفه رصدا ، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ) (الجن 26 28) وأجمعوا على أن ~~هذا الرصد هم الملائكة (6). وهذا يدل على أن الأنبياء عليهم السلام لا ~~يصيرون مأمونين من التخليط فى الوحى ، الا باعانة الملائكة وتقويتهم. وكل ~~ذلك يدل على الفضل الظاهر. # الحجة الحادية عشر : قوله تعالى : ( @QUR@014 آمن الرسول بما أنزل إليه ~~من ربه. والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ) (البقرة 285) فبين ~~تعالى : أنه لا بد فى صحة الايمان من الايمان بهذه الأشياء ، فبدأ بنفسه ~~وثنى بملائكته وثلث بكتبه وربع برسله. وكذا فى قوله ( @QUR@010 شهد الله ~~أنه لا إله إلا هو ، والملائكة وأولوا العلم ) (آل عمران 18) وفى قوله : ( ~~@QUR@06 إن الله وملائكته يصلون على النبي ) (الأحزاب 56) وقال الله تعالى ~~: ( @QUR@07 الله يصطفي من الملائكة رسلا ، ومن الناس ) (الحج 75). # والتقديم فى الذكر ، يدل على التقديم فى الشرف. والدليل عليه : أن تقديم ~~الأدون على الأشرف فى الذكر ، قبيح عرفا ، فوجب أن يكون قبيحا شرعا أما أنه ~~قبيح عرفا ، فلأن الشاعر لما قال : # عميرة ودع أن تجهزت غازيا %~% كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا. PageV02P190 # قال عمر رضى الله عنه : «لو قدمت الاسلام لأعطيتك» ولما كتبوا كتاب الصلح ~~بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين المشركين ، وقع التنازع فى تقديم ~~الاسم ، وهذا يدل على أن التقديم فى الذكر ، يدل على مزيد الشرف والفضل. ~~واذا ثبت أنه كذلك فى العرف ، وجب أن يكون فى الشرع كذلك. لقوله عليه السلام ~~: «ما رآه المسلمون حسنا ، فهو عند الله حسن». # الحجة الثانية عشر : الملك أعلم من البشر ، والأعلم أفضل. # انما قلنا : انه أعلم : لأن جبريل. كان معلما لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ms376 ~~بدليل قوله تعالى : ( @QUR@03 علمه شديد القوى ) (النجم 5) والمعلم لا بد ~~أن يكون أعلم من المتعلم. # وأيضا : فالعلوم قسمان عقلية ونقلية. # أما العقلية : فمنها ما هو واجب ، كالعلم بذات الله وصفاته ، ولا يجوز ~~وقوع التقصير فيها للملائكة وللأنبياء ومنها ما ليس بواجب ، وهو كالعلم ~~بكيفية مخلوقات الله وما فيها من العجائب كالعلم بأحوال العرش والكرسى ~~واللوح والقلم والجنة والنار وأطباق السموات وأصناف الملائكة وأنواع ~~الحيوانات فى المفاوز والجبال والبحار ، ولا شك أن جبريل عليه السلام أعرف ~~بها ، لأنه أطول عمرا ، وأكثر مشاهدة لها ، فكان علمه بها أكثر وأكمل. # وأما العلوم النقلية التى لا تعرف الا بالوحى : فهى لم تحصل لمحمد ~~عليه السلام ، ولا لسائر الأنبياء ، الا من جهة جبريل عليه السلام فيستحيل أن ~~يكون لمحمد فيها فضيلة على جبريل. وأما جبريل عليه السلام فانه كان هو ~~الواسطة بين الله تعالى وبين جميع الأنبياء فهو عالم بكل الشرائع الماضية ~~والحاضرة. وهو أيضا : عالم بشرائع الملائكة وتكاليفهم ، ومحمد عليه السلام ~~ما كان عالما بشيء من ذلك. # فثبت : أن جبريل أعلم من محمد عليهما السلام فوجب أن يكون أفضل منه. لقوله ~~تعالى : ( @QUR@05 هل يستوي الذين يعلمون ، والذين PageV02P191 # @QUR@02 لا يعلمون ) (الزمر 9) أقصى ما فى الباب : أن يقال : ان آدم ~~عليه السلام علم الأسماء كلها ولم تعلمها الملائكة. ولكن الظاهر أن العلم ~~بالحقائق والشرائع ، أفضل من العلم بالأسماء ، فكان جبريل عليه السلام أفضل ~~من آدم عليه السلام . # الحجة الثالثة عشر : انا نتكلم فى حق جبريل ومحمد عليهما السلام ونقول : ~~ان جبريل أفضل من محمد. والدليل عليه : قوله تعالى ( @QUR@04 إنه لقول رسول ~~كريم ) (التكوير 19) وقد وصف الله تعالى جبريل بستة من صفات الكمال : # أحدها : كونه رسولا من عند الله. # وثانيها : كونه كريما عند الله. # وثالثها : كونه ذا قوة عند الله. ومعلوم : أن قوته عند الله لا تكون إلا ~~قوته على الطاعات. وتخصيصه بالذكر فى معرض المدح ، يدل على أن تلك القوة ~~غير حاصلة لغيره. # ورابعها : كونه مكينا عند الله. # وخامسها : كونه مطاعا فى عالم السموات. وهذا يقتضي ms377 أن يكون مطاعا لكل ~~الملائكة ، لأن الاطلاق وعدم التقييد فى معرض المدح يفيد ذلك. # وسادسها : كونه أمينا فى كل الطاعات ، وفى تبليغ وحى الله تعالى الى ~~الأنبياء. # ثم إنه سبحانه وتعالى بعد أن وصف جبريل عليه السلام بهذه الصفات العالية ~~وصف محمدا عليه السلام بقوله : ( @QUR@03 وما صاحبكم بمجنون ) (التكوير 22) ~~ولو كان محمد مساويا لجبريل فى صفات الفضل ، أو مقاربا له ، لكان وصف محمد ~~بهذه الصفة بعد وصف جبريل بتلك الصفات العالية ، غضا (6) من منصب محمد ~~عليه السلام ، وتحقيرا PageV02P192 # لشأنه. وذلك غير جائز. فدلت هذه الآية : على أنه ليس لمحمد عند جبريل ~~عليهما السلام من المنزلة والقدر والرتبة ، الا أن يقال : انه ليس بمجنون. # فان قيل : لم لا يجوز أن يكون قوله تعالى : ( @QUR@04 إنه لقول رسول كريم ~~) (التكوير 19) صفة لمحمد لا لجبريل عليهما السلام . قلنا : لأن قوله : ( ~~@QUR@04 ولقد رآه بالأفق المبين ) (التكوير 23) يبطل ذلك. # الحجة الرابعة عشر : قوله تعالى : ( @QUR@08 ما هذا بشرا ، إن هذا إلا ~~ملك كريم ) (يوسف 31) والمراد من هذه النسبة. اما نسبة يوسف بالملك فى ~~صورته ، أو فى سيرته. والثانى أولى. لأنه شبهه بالملك الكريم ، والملك انما ~~يكون كريما بالسيرة لا بالصورة. فثبت : أن المراد تشبيهه بالملك فى نفى ~~دواعى الشهوة ، ونفى الحرص على طلب اللذات الحسية ، واثبات ضد ذلك. وهى صفة ~~الملائكة وهى غض البصر ومنع النفس عن الميل الى المحرمات فدلت هذه الآية : ~~على اطباق العقلاء من الرجال والنساء ، والمؤمن والكافر ، على اختصاص ~~الملائكة بالدرجات الفائقة على درجات البشر. # فان قيل : قول المرأة : ( @QUR@04 فذلكن الذي لمتنني فيه ) (يوسف 32) ~~يقتضي أن يكون تشبيه يوسف بالملك انما وقع فى الصورة لا فى السيرة. لأن ~~ظهور عذرها من شدة عشقها ، انما وقع فى الصورة بسبب فرط يوسف فى الجمال ، ~~لا بسبب فرطه فى الزهد. # قلنا : ان شدة عشقها له. يحتمل أن يكون بسبب غاية زهده ، لأن الانسان ~~حريص على ما منع منه ، وكل ما كان اعراض المعشوق أكثر ، كان شدة عشق العاشق أكثر. # الحجة الخامسة عشر : قوله تعالى : ( @QUR@06 وفضلناهم على ms378 كثير ممن خلقنا ~~تفضيلا ) (الإسراء 70) ومخلوقات الله تعالى اما المكلفون ، أو ما عداهم. ~~ولا شك أن المكلفين أفضل من غيرهم. أما المكلفون فهم PageV02P193 # أربعة أنواع الملائكة والانس والجن والشياطين. ولا شك أن الانسى أفضل من ~~الجن والشياطين. فلو كان أفضل أيضا من الملائكة ، لزم أن يكون أفضل من جميع ~~المخلوقات. فكان ينبغى أن يقول : وفضلناهم على كل من خلقنا. وعلى هذا ~~التقدير يصير لفظ «كثير» ضائعا. وذلك غير جائز فعلمنا : أنه ليس أفضل من الملك. # فان قيل : هذا تمسك بدليل الخطاب وهو أن تخصيص الكثير بالذكر ، يدل على ~~أن حال الباقى بخلافه. وأيضا : فهب أن جنس الملائكة أفضل من جنس البشر ، ~~لكن لا يلزم أن يكون كل فرد من أفراد هذا الجنس أشرف من كل فرد من أفراد ~~ذلك الجنس. وأيضا : يجوز أن يكون المراد : وفضلناهم فى الكرامة المذكورة فى ~~أول هذه الآية وهى الكرامة فى حسن الصورة ومزيد الذكاء والقدرة على الأعمال ~~العجيبة # واذا ثبت هذا فنقول : نحن نسلم أن البشر ليسوا أفضل من الملائكة فى هذه ~~الأمور. لكن لم قلتم : إنهم ليسوا أفضل منهم فى كثرة الثواب؟ قلنا : أما ~~السؤال الأول فجوابه من وجهين : # أحدهما : هب أنه تمسك بدليل الخطاب. الا أنه حجة ، بدليل : أن من قال : ~~اليهودى اذا مات لا يبصر شيئا ، فانه يضحك من هذا الكلام. لعلة : أنه لما ~~كان المسلم كذلك ، لم يبق لذكر اليهودى فائدة. # وهذا يدل على أن تخصيص الشيء بالذكر ، يوجب نفى الحكم عما عداه # والثانى : ان هذا ليس تمسكا بدليل الخطاب ، بل هو تمسك بأنه لو كان البشر ~~مفضلا على الكل ، لكان لفظ الكثير ضائعا. ومعلوم أنه غير جائز. # وأما السؤال الثانى فجوابه : انا انما نتمسك بهذه الآية فى بيان أن جنس ~~الملك أفضل من جنس البشر ، لا فى بيان أحوال الأفراد. واذا ثبت هذا التفاوت ~~فى الجنس ، كان الظاهر فضل الفرد على الفرد الا عند اثبات التعارض. PageV02P194 # وأما السؤال الثالث فجوابه ### |||| ** : ان قوله : ( @QUR@04 ولقد كرمنا بني آدم ) (الاسراء 70) يتناول تكريمهم ms379 ~~بالهداية والتوفيق للطاعة. فقوله : ( @QUR@01 وفضلناهم ) يجب أن يكون عائدا ~~الى كل واحد من هذه الأحوال. # الحجة السادسة عشر : قوله تعالى : ( @QUR@015 قل لا أقول لكم عندي خزائن ~~الله ، ولا أعلم الغيب ، ولا أقول لكم إني ملك ) (الأنعام 50) وهذا يدل على ~~أن حال الملك أشرف. # الحجة السابعة عشر : قوله تعالى : ( @QUR@010 ما نهاكما ربكما عن هذه ~~الشجرة ، إلا أن تكونا ملكين ) (الأعراف 20) وهذا يدل على أن منصب الملك أشرف. ### ||| ** وفى هذين الدليلين أبحاث دقيقة # الحجة الثامنة عشر : قوله عليه السلام حكاية عن الله تعالى «اذا ذكرنى ~~عبدى فى ملأ ، ذكرته فى ملأ خير من ملئه» وهذا يدل على أن الملأ الأعلى أشرف. # الحجة التاسعة عشر : لا شك أن كمال حال الأجساد لا يحصل الا عند اتصال ~~الأرواح بها. والملائكة أرواح محضة ، والجسد جسم كثيف استنار بنور الأرواح. ~~ثم ان كمال هذه الأرواح. هو أن تتصل بعالم الملائكة. كما قال تعالى : ( ~~@QUR@012 يا أيتها النفس المطمئنة ، ارجعي إلى ربك راضية مرضية ، فادخلي في ~~عبادي ) (الفجر 28 30) فجعل حال كمال الأرواح المنفصلة من هذا العالم ، أن ~~تدخل فى عباده ، وأولئك العباد ليسوا الا الملائكة. فان قوله : ( @QUR@04 ~~يا أيتها النفس المطمئنة ) خطاب مع جميع الأرواح البشرية ، والعباد الذين ~~تتصل بهم جميع الأرواح البشرية ، ليسوا الا الملائكة. # وأيضا : قال فى شرح عظم ثواب المطيعين : ( @QUR@010 والملائكة يدخلون ~~عليهم من كل باب. سلام عليكم بما صبرتم ) (الرعد 23 24) فجعل تسليم ~~الملائكة عليهم منزلة عالية ، ودرجة عظيمة لهم. ولو لا أن PageV02P195 # عالم الملائكة أشرف ، لم يكن اتصال الأرواح البشرية بهم سببا لسعادة هذه ~~الأرواح البشرية. # الحجة العشرون : الملائكة مبرءون عن الشهوة والغضب والخبال والوهم. وهذه ~~الصفات هى الحجب القوية عن تجلى أنوار الله تعالى. ولا كمال الا بحصول ذلك ~~التجلى ، ولا نقصان ألا بحصول ذلك الحجاب. ولما كان هذا التجلى لهم ، حاصلا ~~أبدا وفى أكثر الأوقات تكون الأرواح البشرية محجوبة عن ذلك التجلى علمنا : ~~أنه لا نسبة لكمالهم الى الكمالات البشرية. والذي يقال : أن الخدمة مع كثرة ~~العوائق ، أدل على الاخلاص ms380 من الخدمة بدون العوائق : كلام خيالى ، لأن ~~المقصود من جملة العبادات والطاعات ، حصول ذلك التجلى. فأى موضع كان حصول ~~ذلك التجلى فيه أكثر ، وعن المعاوق أبعد ، كان الكمال والسعادة أتم. # ولهذا قال فى صفة الملائكة : ( @QUR@05 يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) ~~(الأنبياء 20) وقال عليه السلام : «انه ليغان على قلبى ، وانى لأستغفر الله ~~فى اليوم والليلة سبعين مرة». ### ||| ** الحجة الحادية والعشرون : الروحانيات فضلت على الجسمانيات من وجوه : # أحدها : انها نورانية علوية ، والجسمانية ظلمانية سفلية. # وثانيها : ان علومها أتم. وذلك لأن الحكماء زعموا : (7) أن الروحانيون ~~السماويون مطلعون على أسرار المغيبات ، وناظرون فى اللوح المحفوظ أبدا ، ~~وعالمون بكل ما سيوجد فى المستقبل ، وبكل ما وجد فى الماضى. # وثالثها : ان علومهم فعلية كلية دائمة ، وعلوم البشر ناقصة انفعالية ~~منقطعة. PageV02P196 # ورابعها : ان أعمالهم أتم. لأنهم دائما يواظبون على الخدمة ( @QUR@05 ~~يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) لا يلحقهم نوم العيون ، ولا سهو العقول ، ~~ولا غفلة الأبدان. وطعامهم التسبيح ، وشرابهم التقديس والتمجيد ، وأنسهم ~~بذكر الله ، وفرحهم بخدمة الله متجردون عن العلائق البدنية ، مبرءون عن ~~الحجب الشهوانية والغضبية. فأين أحدهما من الآخر؟ # وخامسها : الروحانيون لهم قدرة على تغيير الأجسام ، وتقليب الأجرام ، ~~والقدرة التى لهم ليست من جنس القوى المزاجية ، حتى يعرض لها كلال ولغوب. ~~ثم انك ترى الشظية (8) الضعيفة من النبات ، فى بدو نموها تفتق الأحجار ، ~~وتشق الصخور ، وما ذلك الا بقوة فاضت عليها من جواهر القوى المساوية فما ~~ظنك بتلك القوى السماوية. فالروحانيون هم الذين يتصرفون فى الأجسام السفلية ~~تقليبا وتصريفا ، لا يستثقلون حمل الثقال ولا يستضعفون نقل الجبال. فالرياح ~~تهب بتحريكاتها ، والسحاب تعرض وتزول بتصريفاتها ، والزلازل تطرأ بقوتها ، ~~والآثار العلوية تحدث بمعونتها. # والكتاب الكريم ناطق بذلك ، كما قال : ( @QUR@02 فالمقسمات أمرا ) ~~(الذاريات 4) وقال : ( @QUR@02 فالمدبرات أمرا ) (النازعات 5) ومعلوم : أن ~~شيئا من هذه الأحوال لا يصدر عن الأرواح (9) البشرية ، فأين أحدهما من الآخر؟ # الحجة الثانية والعشرون : الروحانيون مختصون بالهياكل الشريفة وهى ~~السيارات السبع وسائر الثوابت والأفلاك لها كالأبدان ، والكواكب كالقلوب ، ~~والملائكة كالأرواح. ونسبة الأرواح الى الأرواح ، كنسبة الأبدان الى ~~الأبدان. ثم ms381 انا نعلم : أن اختلاف أحوال الكواكب والأفلاك يتأدى لحصول ~~الاختلافات فى أحوال هذا العالم ، فانه يحصل من حركات الكواكب ، اتصالات ~~مختلفة من التثليث والتسديس والتربيع والمقابلة والمقارنة. وكذلك مناطق ~~الأفلاك. تارة PageV02P197 # ينطبق بعضها على بعض وهو الرتق وعنده تبطل عمارة العالم. وأخرى ينفصل ~~بعضها عن البعض وذلك هو الفتق وعنده تنتقل العمارة فى هذا العالم السفلى من ~~جانب الى جنب. # فاذا رأينا أن هياكل العالم العلوى مستولية على هياكل العالم السفلى ، ~~فكذا أرواح العالم العلوى يجب أن تكون مستولية على أرواح العالم السفلى ، ~~لا سيما وقد دلت المباحث الفلسفية على أن أرواح هذا العالم معلولات أرواح ~~العالم العلوى ، ونسبة كمالات هذا العالم ، معلولات لكمال ذلك العالم. ~~وكمالات هذه الأرواح الى أرواح ذلك العالم وكمالاته كالشعلة الصغيرة ~~بالنسبة الى قرص الشمس ، وكالقطرة الصغيرة فى البحر الأعظم. # وهذه الأرواح البشرية كالذرات ، وأما البحار والعيون والجبال والمعادن ، ~~فهى كالأرواح العلوية. فكيف يمكن أن يقابل أحدهما بالآخر؟ # فهذه حكاية أدلة الفريقين فى هذه المسألة على الاختصار. PageV02P198 ### ||| * المسألة الرابعة والثلاثون ### ||| * فى ### ||| * كرامات الأولياء # المعتزلة ينكرونها (1). ووافقهم الأستاذ أبو إسحاق من أصحابنا. وأكثر ~~أصحابنا يثبتونها. وبه قال «أبو الحسين البصرى» من المعتزلة. # لنا : وجوه ثلاثة : # الحجة الأولى : ان حدوث الحبل لمريم من غير الذكر من خوارق PageV02P199 # «مصر الفرعونية» # وفى العدد ستمائة وتسع وعشرين من مجلة أكتوبر المصرية هذا البحث : تقول : ~~«اليزابيث ويكت» التى تعد رسالة الدكتوراه فى جامعة بنسلفانيا بالولايات ~~المتحدة : اننى فى دراستى أركز على الفن الشعبى والعادات والتقاليد التى ~~تمارس حاليا ، والبحث عن جذورها قديما ، ولكى أستطيع دراسة التقاليد ~~المصرية فى «الأقصر» كان لا بد من دراسة تاريخ «الأقصر» لمعرفة جذور هذه ~~التقاليد. # وقد كان قديما فى مصر الفرعونية يحتفل بعيد «الأوبت» حيث يحمل الكهنة ~~ثلاثة مراكب بها نواويس تماثيل الآلهة «آمون» وزوجته «موت» وابنهما «خنسو» ~~ويتم نقلهم من الكرنك الى معبد الأقصر ، عبر نهر النيل. وفى الطريق كان أهل ~~«الأقصر» يهللون ويطبلون ويزمرون ويرقصون ويذبحون الذبائح احتفالا بعيد ~~الاله آمون. # وبعد أن يقضى ms382 الاله فى معبد الأقصر عدة أيام ، يعود مرة أخرى الى ~~«الكرنك» حيث مقره الرسمى بعد أن يكون قد تنزه فى معبد «الأقصر». # وقد عثر على مناظر هذا الاحتفال على جدران معبد «الأقصر» وأعمدته .. # وبملاحظتى لما يتم من مراسم فى مولد «سيدى أبو الحجاج الأقصرى» حيث كنت ~~أقوم بتصوير فيلم تسجيلى عن هذا المولد ، وجدت أن هناك أكثر من صلة وعلاقة ~~بين ما كان يتم قديما وما يتم فى الوقت الحاضر من المراكب والبخور والذبائح ~~والطبل. وغيرها. # وقد بنى مقام سيدى أبو الحجاج فوق معبد الأقصر فى العصر الفاطمى ، ويحتفل ~~بمولده منذ بداية شهر شعبان وحتى ليلة النصف من نفس الشهر. وقد استعنت ~~«اليزابيث» فى بحثها بفيلم أرشيفى فى متحف «المتروبوليتان» ويرجع تاريخه ~~لعام 1925 يصور مولد «سيدى أبو الحجاج» ويوضح الفيلم : العادات والتقاليد ~~التى كانت موجودة فى المولد قديما ، وما زالت باقية ، وما هو مستحدث منها. PageV02P200 # وتصف «اليزابيث» يوم الاحتفال بالمولد فتقول : بدأ موكب الاحتفال بعد ~~صلاة الظهر يوم النصف من شعبان حيث ينزل خليفة الشيخ أبو الحجاج كبير ~~الحجاجية ، فوق سلم المقام ، ويركب فوق الحصان ، فيقومون برفع الدائم ، وقد ~~كانوا قديما يرفعون السارى ، الا أنه غير موجود حاليا. وقد ظهر السارى فى ~~فيلم «المتروبوليتان» فى قلب معبد الأقصر .. # ثم يبدأ بعد ذلك منشدو الأغانى الدينية «الدلائل» وخلفهم ضاربوا الطبول ~~ثم ثلاثة جمال عليها ثلاثة توابيت. وهى عبارة عن هيكل خشبى مغطى بأثواب ~~يقال : انها من عصر «سيدى أبو الحجاج» ولكن من الملاحظ أن فكرة التوابيت ~~حديثة ، ففى فيلم «المتروبوليتان» لا نراها. بل نرى قطعا من زعف النخيل ~~مغطاة بهذه الأثواب. # وبعد التوابيت يجر الرجال ثلاثة مواكب ورفاصا محملة على عربات كارو. وهذه ~~المراكب يتم اعدادها قبل المولد. حيث تخرج من مكنها بجوار مقام «سيدى أبو ~~الحجاج» الى منازل الحجاجية لاعدادها ، وخلف المراكب يسير موكب الحرف ~~المختلفة ، ثم موكب العرائس حيث يقف رجلان أحدهما يرتدى ملابس عروسه ، ~~ويطلقون عليهما الملك والملكة. # ويفسرون وجود العريس والعروس بأنه بداية موسم التزاوج عند ms383 أهل «الأقصر». # وتتساءل «اليزابيث» هل هذا مجرد صدقة أم له علاقة بالاحتفال الفرعونى ~~القديم؟ # وبهذا الموكب تبدأ «الدورة» أى بمعنى أن يقوم الموكب بالتجول فى «الأقصر» ~~كلها حتى يصلوا الى بيت الخليفة فيشربوا الشربات. ثم يعودون مرة أخرى الى ~~مقام «سيدى أبو الحجاج» # والهدف من هذه «الدورة» : هو توزيع بركة الشيخ «أبو الحجاج» على «الأقصر» ~~كلها لحمايتها وحفظها ، فهم يقولون : «يابو الحجاج يا جدنا وجاددنا» وتقول ~~«اليزابيث» : كل هذه الاحتفالات مرسومة على معبد «الأقصر». # فهل هى صدفة؟» ا. ه PageV02P201 # العادات ، وحضور الرزق عندها من غير سبب ظاهر ، من خوارق العادات. وانها ~~ما كانت من الأنبياء ، فوجب أن يقال : أن تكون هذه الوقائع من كرامات ~~الأولياء. # فان قيل : لم لا يجوز أن يقال : ان تلك الخوارق كانت معجزات لنبى ذلك ~~الزمان ، وهو زكريا عليه السلام ؟ قلنا : هذا باطل لوجوه : # الأول : ان المعجزة لا بد أن تكون أمرا ظاهرا للمنكرين. حتى يمكن ~~الاستدلال بها على المنكر ، وظهور جبريل عليه السلام لمريم ، وحبلها من غير ~~ذكر ، ما كان يطلع عليه أحد ، الا مريم. فكيف يمكن جعل هذه الأشياء معجزة ~~لزكريا عليه السلام ؟ # ثانيها : ان عند ظهور المعجز لبعض الأنبياء ، لا بد أن يكون الرسول حاضرا ~~، ولا بد أن يكون القوم حاضرين ، حتى يتمكن ذلك الرسول من الاستدلال بذلك ~~المعجز ، وفى الوقت الذي كان يقول جبريل عليه السلام لمريم : ( @QUR@08 وهزي ~~إليك بجذع النخلة ، تساقط عليك رطبا جنيا ) (مريم 25) ما كان زكريا حاضرا ~~هناك ، حتى يستدل بظهور هذه الخوارق على نبوة نفسه ، بل ما كان أحد من ~~البشر هناك حاضرا ، بدليل قوله تعالى : ( @QUR@010 فإما ترين من البشر أحدا ~~، فقولي : إني نذرت للرحمن صوما ) (مريم 26) فبطل القول بأن هذه الأشياء ~~معجزة لزكريا عليه السلام . # ثالثها : ان حصول المعجز لا بد أن يكون بالتماس الرسول. وكان زكريا ~~عليه السلام غافلا عن كيفية حدوث هذه الأشياء. بدليل قوله تعالى : ( ~~@QUR@019 كلما دخل عليها زكريا المحراب ، وجد عندها رزقا. قال : يا مريم ~~أنى لك هذا؟ قالت : هو من عند الله ms384 ) (آل عمران 37) فدل هذا على أن ذلك ما ~~كان معجزة لزكريا عليه السلام . # ورابعها : انه تعالى ذكر هذه الخوارق فى معرض تعظيم حال مريم ، ولم يذكر ~~معها ما شعر بجعلها معجزة لأحد من الأنبياء. ولو كان PageV02P202 # المقصود منها اظهار تصديق زكريا لا اظهار كرامة مريم ، لكان ذكر زكريا ~~عند ذكر هذه الخوارق ، أولى من ذكر مريم. ولما لم يكن الأمر كذلك ، علمنا ~~أن المقصود منها اكرام مريم لا تصديق زكريا. # الحجة الثانية : ان الله تعالى أبقى أصحاب الكهف ثلاث مائة سنة وأزيد فى ~~النوم ، أحياء من غير آفة. وهم ما كانوا من الأنبياء ، فوجب أن يكون هذا من ~~باب الكرامات. # فان قيل ### |||| ** : لم لا يجوز أن يقال : ان ذلك معجزة لبعض الأنبياء. وان كنا ما عرفناهم؟ ~~قلنا : هذا باطل من وجهين : # الأول : ان تلك الأحوال لو كانت معجزة للأنبياء ، لما جاز اخفاها. لكنهم ~~اجتهدوا فى اخفائها. حيث قالوا : ( @QUR@04 ولا يشعرن بكم أحدا ) (الكهف 19). # والثانى : هو أن بقاء قوم مدة ثلاث مائة سنة أحياء ، لا يمكن أن يصير ~~معلوما للخلق. وما لا يمكن أن يصير معلوما للخلق ، لا يمكن جعله معجزة دالة ~~على صدق مدعى النبوة. فثبت : أن هذا لا يصلح أن يكون معجزة ، فلم يبق الا ~~أن يكون كرامة. # الحجة الثالثة : ان تشريف الله تعالى عبده بمعرفته ومحبته ، أعظم وأعلى ~~من إعطائه رغيفا فى المفازة أو سقيه شربة من الماء. واذا لم يبعد الأول ، ~~كيف يبعد الثانى؟ ### ||| ** واحتج المنكرون بوجوه : # الحجة الأولى : ان تجويز الكرامات يفضى الى القول بالسفسطة. لأنا اذا ~~جوزنا الكرامات ، فلعل الله تعالى قلب الجبل ياقوتا ، كرامة لبعض الأولياء. ~~ولعله جفف البحر كرامة ، لولى ثان. ولعله خلق هذا الانسان الشيخ فى هذه ~~الساعة ، كرامة لولى ثالث. وقس عليه. ومعلوم أن تجويزه يفضى الى الجهالات. PageV02P203 # الحجة الثانية : من شرط الدليل أنه أينما حصل ، لا بد أن يحصل معه ~~المدلول. وظهور الخوارق يدل على النبوة ، فلو حصل فى حق النبي عليه السلام ، ~~وفى حق غيره ، لخرج عن كونه دالا ms385 على صدق النبي عليه السلام . وذلك باطل ~~بالاجماع. # الحجة الثالثة : لو جاز ظهور هذه الخوارق فى حق بعض الأولياء ، لجاز ~~ظهوره فى حق الباقين. وعلى هذا التقدير يخرج انخراق هذه العادات عن كونه ~~دليلا على النبوة ، وعن كونه دليلا على الكرامة. # الحجة الرابعة : لو ظهرت هذه الخوارق على النبي وعلى غيره ، لم يبق ~~لظهورها وقع ولا مرتبة. كما أن المنصب الذي يصل إليه الشريف والخسيس ، فانه ~~لا يبقى له وقع. ولما اتفق العقلاء على أن ظهور هذه الخوارق منصب عظيم ، ~~علمنا : أنه لا بد أن يكون مخصوصا بالأنبياء عليهم السلام # الحجة الخامسة ### |||| ** : لو ظهرت الكرامات على انسان ، ثم ادعى ذلك الانسان على أحد ما لا ، فاما أن ~~يطالبه بالبينة ، أو لا يطالب. لا جائز أن يطالبه ، لأنه ظهر بتلك الكرامة ~~كمال حاله ودرجته عند الله. ومتى كان كذلك ، امتنع أن يكون فى ادعاءه المال ~~على الغير كاذبا. ولا يجوز أن لا يطالب بالبينة لقوله عليه السلام : «البينة ~~على المدعى ، واليمين على من أنكر» ولما بطل القسمان ، علمنا : أنه لا يجوز ~~ظهور الكرامة. # الجواب عن الشبهة الأولى : ان منكر الكرامة ، يلزمه ذلك الاشكال ، لأنه ~~ان أثبت للعالم فاعلا مختارا ، فلعل ذلك الفاعل فعل هذه الأمور من قلب ~~الجبال ذهبا ، وقلب البحار دما ، وما يشبهه. اما من غير رعاية مصلحة عند من ~~لا يوقف فاعلية الله تعالى على رعاية المصلحة أو لمصلحة لا نعرفها نحن عند ~~من يوقف فاعلية الله تعالى على رعاية المصالح PageV02P204 # وأما من ينكر الفاعل المختار ، فيلزمه هذا الاحتمال أيضا. لأن سبب حدوث ~~الحوادث فى هذا العالم بتشكلات فلكية واتصالات كوكبية على مذهبه ولا يبعد ~~أيضا : أن يحدث فى الفلك تشكل غريب يوجب حدوث هذه الحوادث ، فى هذا العالم. ~~فثبت : أن هذا الاشكال ، لازم على كل الفرق. # والجواب عن الشبهة الثانية : ان الكرامات والمعجزات وان اشتركا فى كون كل ~~واحد منهما أمرا خارقا للعادة ولكن تمتاز المعجزة عن الكرامة من وجوه : # أحدها : ان الدعوى شرط فى النبوة ، وليست شرطا ms386 فى الكرامة. # وثانيها : ان الحاصل فى النبوة ادعاء النبوة ، وفى الكرامة اما أن لا ~~تحصل الدعوى. أو ان حصلت لكنها لا تكون دعوى النبوة ، بل دعوى الولاية. # وثالثها : ان المعجزة لا تكون لها معارضة ، والكرامة قد تكون لها معارضة. # والجواب عن الشبهة الثالثة : ان هذا الذي ألزمتموه علينا ، لازم عليكم فى ~~المعجزات. وذلك لأنه تعالى اذا بعث جمعا كثيرا من الأنبياء ، فظهر على يد ~~كل واحد منهم فعلا خارقا للعادة ، فحينئذ تصير الخوارق للعادات موافقة ~~للعادات. وذلك يقدح فى كون المعجزة معجزة. وان قلتم : ان تكثير المعجزات ~~انما يجوز بشرط أن لا يصير انخراق العادة عادة ، كان هذا هو جوابنا فى ~~الكرامات. # والجواب عن الشبهة الرابعة : ان دليل النبوة ليس هو الفعل الخارق للعادة ~~فقط ، بل هو الفعل مقرونا بدعوى النبوة مع عدم المعارضة. وهذا المجموع لا ~~يحصل لغير الأنبياء ، فلا يلزم سقوط وقعها. # والجواب عن الشبهة الخامسة : ان ظهور الكرامات عليه ، لا يوجب كونه صادقا ~~فى جميع الأمور ، فلا جرم يجوز مطالبته بالبينة. وبالله التوفيق. PageV02P205 ### ||| * المسألة الخامسة والثلاثون ### ||| * فى ### ||| * أحكام الثواب والعقاب ### ||| ** وفيها فصول : ### ||| * الفصل الأول ### ||| * فى ### ||| * حكم الثواب والعقاب # اعلم : أن المكلف اما أن يكون مطيعا. أو عاصيا. فان كان مطيعا ، فالله ~~تعالى يثيبه. وزعم البصريون من المعتزلة : أن أداء الطاعة ، علة لاستحقاق ~~الثواب على الله تعالى. ومذهبنا : أنه ليس لأحد على الله تعالى ، حق. ### ||| ** لنا : وجوه : # الحجة الأولى : ان الانعام يوجب على المنعم عليه ، الاشتغال بالشكر ~~والخدمة. ونعم الله تعالى على العبد فى الماضى وفى الحاضر ، كثيرة خارجة عن ~~الحصر والاحصاء. كما قال تعالى : ( @QUR@06 وإن تعدوا نعمة الله ، لا ~~تحصوها ) (ابراهيم 34) واذا كان كذلك ، فتلك النعم السالفة توجب على العبد ~~الاشتغال بالطاعة وبالشكر. وأداء الواجب لا يكون سببا لاستحقاق شيء آخر ، ~~فوجب أن لا يكون اشتغال العبد بالطاعة ، علة لاستحقاق الثواب على الله تعالى. # الحجة الثانية : لو كان العمل علة لوجوب الثواب ، لكان اما أن يمتنع من ~~الله تعالى أن لا يثيب أو يصح. فان امتنع أن ms387 لا يثيب ، فحينئذ يكون الصانع ~~علة موجبة لذلك الثواب ، لا فاعلا مختارا. وان صح فبتقدير أن لا يثيب. ان ~~لم يصر مستحقا للذم لم يتحقق معنى PageV02P206 # الوجوب ، وان صار مستحقا للذم ، لزم أن يكون ناقصا لذاته مستكملا بسبب ~~ذلك الفعل الذي يفعله. وذلك محال. # فان قيل : إنه تعالى اذا علم وجود شيء. فان لم يصح منه تركه ، كان موجبا ~~بالذات. وان صح ، لزم أن يكون قادرا على تجهيل نفسه. وهو محال. # قلنا : قد ذكرنا : أن علمه بالوقوع : تبع للوقوع الذي هو تبع للقصد الى ~~الايقاع والتابع لا يكون منافيا للمتبوع ، بخلاف فعل العبد ، فانه عند ~~الخصم واقع بقدرة العبد وارادته. فلو صار ذلك الفعل سببا ، لأن يجب على ~~الله تعالى فعل الاثابة ، لزم أن يكون العبد قد ألجأ الله تعالى بذلك الفعل ~~الى ايجاد الثواب ، الجاء لا يمكن من تركه. وهذا محال. # الحجة الثالثة : انا قد ذكرنا فى مسألة خلق الأفعال : أن صدور الفعل عن ~~العبد يتوقف على الداعى ، وبينا أن مجموع القدرة والداعى يوجب الفعل. واذا ~~كان كذلك كان حصول الطاعة ، موجبا لفعل الله تعالى ومعلولا له. واذا كان ~~كذلك كان حصول الطاعة من الله تعالى بفعل الفاعل ، لا يوجب عليه ثوابا ، ~~فوجب أن تكون طاعات العبد ، لا توجب الثواب على الله تعالى. # شبهة الخصم : قوله تعالى : ( @QUR@04 جزاء بما كانوا يعملون ) (السجدة ~~17) وأمثاله من النصوص. # والجواب : ان العمل عندنا علامة حصول الثواب ، لا أنه علة موجبة له. وهذا ~~القدر يكفى فى اطلاق اسم الجزاء على الثواب. ### ||| * الفصل الثانى ### ||| * فى ### ||| * حكاية أدلة المرجئة على عدم القطع بالوعيد # أما المكلف العاصى فهو اما أن يكون كافرا ، أو غير كافر. PageV02P207 # أما الكافر فهو على قول أكثر الأمة يبقى مخلدا فى النار. # وأما العاصى الذي ليس بكافر ، وكانت معصيته كبيرة. فللأمة فيه ثلاثة ~~أقوال : # أحدها : قول من قطع بأنه لا يعاقب. وهذا قول «مقاتل بن سليمان» وقول ~~المرجئة الخالصة. # وثانيها : قول من قطع بأنه يعاقب. وهو قول المعتزلة والخوارج. # وثالثها : قول من لم ms388 يقطع بالعفو ولا بالعقاب. وهو قول أكثر الأمة وهو ~~المختار ### ||| ** أما المرجئة. فقد تمسكوا على صحة قولهم بوجوه (1): ### |||| ** الحجة الأولى : قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام : ( @QUR@010 إنا قد أوحي إلينا : أن ~~العذاب على من كذب وتولى ) (طه 48) فهذه الآية صريحة فى أن ماهية العذاب ~~مختصة بمن كذب بالله تعالى ، وكان موليا عن دينه. ومن لم يكن مكذبا بالله ~~ولا متوليا عن دينه ، لم يكن للعذاب به تعلق. ### |||| ** والحجة الثانية : قوله تعالى : ( @QUR@021 كلما ألقي فيها فوج. سألهم خزنتها : ألم يأتكم ~~نذير؟ قالوا : بلى. قد جاءنا نذير. فكذبنا ، وقلنا : ما نزل الله من شيء ) ~~(الملك 8 9) أخبر الله تعالى : أن كل فوج يدخل النار ، فانهم يقولون : ( ~~@QUR@03 قد جاءنا نذير ) ولكن كذبناه وهذا صريح في أن كل من دخل النار ، ~~كان مكذبا بأنبياء الله تعالى ، فيقتضى أن من لم يكن كذلك ، لم يدخل النار. ### |||| ** والحجة الثالثة : قوله تعالى : ( @QUR@010 فأنذرتكم نارا تلظى. لا يصلاها إلا الأشقى. الذي ~~كذب وتولى ) (الليل 14 16) ولا يقال : قوله تعالى : ( @QUR@03 فأنذرتكم ~~نارا تلظى ) نارا مخصوصة. وهى مختصة بالأشقى ( @QUR@03 الذي كذب وتولى ) ~~فلم قلتم : ان سائر النيران لا يدخلها فساق أهل PageV02P208 # الصلاة؟ لأنا نقول : جميع النيران لا بد أن تكون متلظية. والآية دلت على ~~أن النار المتلظية تصيب الكفار. وحينئذ يحصل المطلوب. # والحجة الرابعة : ( @QUR@06 إن الخزي اليوم والسوء ، على الكافرين ) ~~(النحل 27) دلت هذه الآية : على اختصاص الخزى بالكافرين ، ثم ان كل من دخل ~~النار ، فقد حصل له الخزى. لقوله تعالى : ( @QUR@07 ربنا إنك من تدخل النار ~~، فقد أخزيته ) (آل عمران 192) ولما لم يحصل الخزى الا للكفار ، وجب أن لا ~~يحصل دخول النار الا لهم. # الحجة الخامسة : قوله تعالى : ( @QUR@016 يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم : لا تقنطوا من رحمة الله. إن الله يغفر الذنوب جميعا ) (الزمر 53) ~~حكم بغفران الذنوب جميعا. ولم يشترط فيه التوبة. وذلك يدل على أنه تعالى ~~يغفر الذنوب قبل التوبة وبعدها. فان قيل : فيلزم من دلالتها : مغفرة الكفر ~~، لأنه من الذنوب. قلنا : هب أن هذا العام دخله هذا ms389 التخصيص ، فيبقى فيما ~~عداه حجة. وأيضا : لفظ العباد فى القرآن مخصوص بالمؤمنين. قال تعالى : ( ~~@QUR@05 عينا يشرب بها عباد الله ) (الانسان 6). # الحجة السادسة : قوله تعالى : ( @QUR@07 وإن ربك لذو مغفرة للناس على ~~ظلمهم ) (الرعد 6) وكلمة «على» تفيد الحال. كقولك : رأيت الأمير على أكله. ~~أى رأيته حال أكله. فكذا هاهنا دلت الآية على أنه تعالى يغفر لهم حال ~~اشتغالهم بالظلم. وحال اشتغالهم بالظلم ، يمنع حصول التوبة. فعلمنا : أنه ~~يحصل الغفران بدون التوبة. فيقتضى هذا الدليل : حصول الغفران للمشرك. لأن ~~الشرك ظلم ، بدليل قوله تعالى : ( @QUR@04 إن الشرك لظلم عظيم ) (لقمان 13) ~~الا أنه ترك العمل به ، لقوله تعالى : ( @QUR@07 إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ) (النساء 116) فيبقى حجة فيما عداه. والفرق : أن الكفر أعظم حالا من ~~المعصية. ### |||| ** الحجة السابعة : قوله تعالى : ( @QUR@04 وهل نجازي إلا الكفور )؟ ولفظ ( @QUR@01 الكفور ) ~~للمبالغة. فوجب أن يختص هذا الحكم بالكافر الأصلي. PageV02P209 # لا يقال : هذا معارض بقوله تعالى : ( @QUR@05 من يعمل سوءا يجز به ) ~~(النساء 123) لأنا نقول : لما وقع التعارض بين العفو والوعيد ، كان الرجحان ~~لجانب العفو على ما سيأتى ان شاء الله تعالى فى وجوه الترجيحات # الحجة الثامنة : انه تعالى جعل المكلفين صنفين. فقال : ( @QUR@017 يوم ~~تبيض وجوه ، وتسود وجوه. فأما الذين اسودت وجوههم : أكفرتم بعد إيمانكم؟ ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) (آل عمران 106) فجعل كل من ( @QUR@02 ~~اسودت وجوههم ) من الذين كفروا بعد ايمانهم من أهل العذاب ، وجعل من ( ~~@QUR@02 ابيضت وجوههم ) من أهل الثواب. وأقصى ما فى الباب : أن يقال : يشكل ~~هذا بالكافر الأصلي. الا أنا نقول : خص العموم فى هذه الصورة ، فيبقى حجة ~~فيما سواها. # الحجة التاسعة : قوله تعالى : ( @QUR@015 وجوه يومئذ مسفرة ، ضاحكة ~~مستبشرة. ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة. أولئك هم الكفرة الفجرة ) ~~(عبس 38 42) # وجه الاستدلال بهذه الآية : كما تقدم فى الحجة الثانية. # الحجة العاشرة : انه تعالى قسم المكلفين الى ثلاثة أقسام : السابقون ، ~~وأصحاب الميمنة ، وأصحاب المشأمة. ثم ذكر أن السابقين وأصحاب الميمنة فى ~~الجنة ، وأن أصحاب المشأمة فى النار ، ثم بين أن أصحاب المشأمة هم الذين ~~يقولون : ( @QUR@07 أإذا متنا ms390 وكنا ترابا وعظاما. أإنا لمبعوثون ) ~~(المؤمنون 82) ولما ثبت : ان أصحاب النار ليسوا الا أصحاب المشأمة ، وثبت ~~أن أصحاب المشأمة ، هم الذين ينكرون البعث ، وجب أن يقال : إن أصحاب النار ~~ليسوا الا الذين ينكرون البعث. # ترك العمل به فى حق سائر الكفار ، فيبقى حجة فى الفساق الحجة الحادية عشر ~~: صاحب الكبيرة لا يخزى. وكل من أدخل النار ، فقد أخرى. فصاحب الكبيرة لا ~~يدخل النار ، وانما قلنا : PageV02P210 # ان صاحب الكبيرة لا يخزى ، لأنه مؤمن ، والمؤمن لا يخزى. وانما قلنا : ~~انه مؤمن. لقوله تعالى : ( @QUR@020 وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ، ~~فأصلحوا بينهما. فإن بغت إحداهما على الأخرى ، فقاتلوا التي تبغي ، حتى ~~تفيء إلى أمر الله ) (الحجرات) سماهم مؤمنين حال ما وصفهم بالبغى. وانما ~~قلنا : ان المؤمن لا يخزى : لقوله تعالى : ( @QUR@06 إن الخزي اليوم والسوء ~~، على الكافرين ) (النحل 27) ولقوله : ( @QUR@07 لا يخزي الله النبي والذين ~~آمنوا معه ) (التحريم 8) ولقوله تعالى حكاية عن المؤمنين : ( @QUR@04 ولا ~~تخزنا يوم القيامة ) (آل عمران 194) ثم قال تعالى : ( @QUR@03 فاستجاب لهم ~~ربهم ) (آل عمران 195) فثبت : ان صاحب الكبيرة مؤمن ، وثبت : أن المؤمن لا ~~يخزى ، فيلزم أن صاحب الكبيرة لا يخزى. وانما قلنا : ان كل من أدخل النار ، ~~فقد أخزى. لقوله تعالى : ( @QUR@06 إنك من تدخل النار ، فقد أخزيته ) (آل ~~عمران 192) ولما ثبتت هاتان المقدمتان ، لزم القطع بأن صاحب الكبيرة لا ~~يدخل النار. # الحجة الثانية عشر : الايمان أقوى من الكفر ، ولما لم ينفع مع الكفر شيء ~~من الطاعات ، وجب أن لا يضر مع الايمان شيء من المعاصى. # الحجة الثالثة عشر : الكافر اذا أسلم ، أزال ثواب ايمانه عقاب كفره. فدل ~~هذا : على أن ثواب الايمان أزيد من عقاب الكفر ، وعقاب الكفر لا شك أنه ~~أزيد من عقاب الفسق. فيلزم أن يكون ثواب الايمان ، أزيد من عذاب الفسق ~~بكثير. وعند الجبر والمقابلة يفضل ثواب الايمان لا محالة. فوجب القطع بأن ~~المؤمن من أهل الجنة. # ولا يقال : انه إذا كفر بعد ايمانه ، فعقاب كفره ، يزيل ثواب ايمانه. ~~لأنا نقول : هب أنه كذلك ، لكن بهذا الطريق لا يظهر أن ms391 عذاب الفسق أزيد من ~~ثواب الايمان. # وبالطريق الذي ذكرناه : يظهر أن ثواب الايمان ، أزيد من عذاب الفسق. فكان ~~الترجيح لدليلنا. والله أعلم. PageV02P211 ### ||| * الفصل الثالث ### ||| * فى ### ||| * حكاية أدلة المعتزلة على القطع بالوعيد ### ||| ** اعلم : أنهم تمسكوا فى المسألة بالقرآن والأخبار : # أما القرآن : فمجموع ما يتمسكون به من الآيات محصور فى ثلاثة انواع : # أحدها : أنهم تمسكوا بلفظ «من» فى معرض الشرط. وزعموا : أنه يفيد العموم. # وثانيها : انهم تمسكوا بصيغة الجمع مع دخول حرف التعريف فيها وثالثها ### |||| ** : تمسكوا بصيغة «الذين» ### ||| ** أما النوع الأول : فهو حجج (2): ### |||| ** الحجة الأولى : قوله تعالى : ( @QUR@010 ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده ، يدخله نارا ~~خالدا فيها ) (النساء 14) ومعلوم : أن من ترك الصلاة والحج والزكاة والصوم ~~وقتل وزنى ولاط ، فقد تعدى الحدود. # فان قيل : الحدود لفظ جمع دخل فيه حرف التعريف فيفيد العموم ، وتعدى ~~الحدود لا يصدق الا عند تعدى جميع الحدود. وهو اما أن لا يكون ممكنا أو ~~يكون ممكنا. لكنه لا يثبت الا فى حق الكافر ، أما أنه غير ممكن ، فلأن من ~~تعدى بالمجوسية لا يمكنه مع ذلك أن يتعدى باليهودية ، ومن تعدى بالفعل لا ~~يمكنه فى تلك الحالة أن يتعدى بالترك. وأيضا : فان كان ذلك ممكنا ، الا أنه ~~لا يتحقق الا فى حق الكافر ، فكانت الآية مختصة بالكافر. # واعلم : ان المؤلف توسع فى هذا الموضوع فى التفسير الكبير فى سورة ~~البقرة. عند قوله : ( بلى من كسب سيئة ). PageV02P212 # قلنا : انه تعالى شرح حدود الميراث فى مقدمة هذه الآية ، ثم قال : ( ~~@QUR@03 تلك حدود الله ) فانصرف هذا الحد الى الحدود المذكورة فيما تقدم ، ~~وهى حدود الميراث. ثم قال : ( @QUR@06 ومن يعص الله ورسوله ، ويتعد حدوده ) ~~(النساء 14) فقوله : ( @QUR@02 ويتعد حدوده ) لا بد أن يكون منصرفا الى ~~الحدود المذكورة فيما قبل ذلك. فثبت : أن هذا الوعيد مختص بمن تعدى الحدود ~~المذكورة فى الميراث. # الحجة الثانية : قوله تعالى : ( @QUR@08 ومن يقتل مؤمنا متعمدا ، فجزاؤه ~~جهنم خالدا فيها ) (النساء 93) واذا ثبت أن جزاءه ذلك ، وجب أن يصل إليه. ~~لقوله تعالى : ( @QUR@05 من يعمل سوءا يجز به ) (النساء 123) لا يقال ms392 : ~~الآية نزلت فى بعض الكفار. لأنا نقول : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. # الحجة الثالثة : قوله تعالى : ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا : إذا لقيتم ~~الذين كفروا ) الى قوله: ( @QUR@020 ومن يولهم يومئذ دبره ، إلا متحرفا ~~لقتال ، أو متحيزا إلى فئة ، فقد باء بغضب من الله ، ومأواه جهنم. وبئس ~~المصير ) (الأنفال 15 16) # الحجة الرابعة : قوله تعالى : ( @QUR@012 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ~~ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) (الزلزلة 7 8) # الحجة الخامسة : قوله تعالى : ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا : لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل ) الى قوله تعالى : ( @QUR@08 ومن يفعل ذلك عدوانا ~~وظلما ، فسوف نصليه نارا ) (النساء 29 30) # الحجة السادسة : قوله تعالى : ( @QUR@013 إنه من يأت ربه مجرما ، فإن له ~~جهنم لا يموت فيها ولا يحيى ) (طه 74) # الحجة السابعة : قوله تعالى : ( @QUR@05 وقد خاب من حمل ظلما ) (طه 111) ~~ولا شك أن هذا الوعيد يتناول الظالم ، سواء كان كافرا أو مؤمنا. PageV02P213 # الحجة الثامنة ### |||| ** : انه تعالى قال بعد تعديد المعاصى : ( @QUR@013 ومن يفعل ذلك يلق أثاما ، ~~يضاعف له العذاب يوم القيامة ، ويخلد فيه مهانا ) (الفرقان 68 69) # الحجة التاسعة : قوله تعالى : ( @QUR@024 من جاء بالحسنة ، فله خير منها ~~وهم من فزع يومئذ آمنون. ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار ، هل تجزون ~~إلا ما كنتم تعملون )؟ (النمل 89 90) فلما دل النصف الأول من هذه الآية ~~على أن الوعيد حاصل على جميع الطاعات ، دل النصف الثانى منها على أن الوعيد ~~حاصل على جميع المعاصى. # الحجة العاشرة : قوله تعالى : ( @QUR@010 فأما من طغى وآثر الحياة ~~الدنيا. فإن الجحيم هي المأوى ) (النازعات 37 39). # الحجة الحادية عشر ### |||| ** : انه تعالى حكى قول المرجئة. فقال : ( @QUR@07 وقالوا : لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودة ) (البقرة 80) ثم انه تعالى كذبهم فى هذه المقالة بقوله ( ~~@QUR@016 قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده ، أم تقولون على الله ~~ما لا تعلمون؟ ) (البقرة 80) ثم ذكر المذهب الصحيح. فقال : ( @QUR@013 بلى ~~من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) ~~(البقرة 81) # * * * ### ||| ** واعلم : أن التمسك بهذه الآيات مفتقر الى بيان أن كلمة «ما» و ms393 «من» فى معرض الشرط للعموم. وعليه دليلان : # (الدليل) الأول : انه اذا قال : «من دخل دارى أكرمته» حسن منه استثناء كل ~~واحد من العقلاء. والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه ، لوجب دخوله فيه. ~~لأنه لا نزاع فى أن المستثنى من الجنس ، لا بد أن يكون بحيث يصح دخوله تحت ~~المستثنى منه. فاما أن لا يعتبر مع الصحة الوجوب ، أو يعتبر؟ والأول باطل ~~لوجوه : # الأول : انه يلزم أن لا يبقى فرق بين الاستثناء من الجمع المنكر ، كقولك ~~: «جاءنى فقهاء الا زيدا» وبين الاستثناء من الجمع المعرف ، كقولك : «جاءنى ~~الفقهاء الا زيدا» لأن الصحة حاصلة فى الموضعين. والوجوب مفقود فى الموضعين ~~، لكن الفرق بينهما معلوم. PageV02P214 # والثانى : ان الاستثناء من العدد يخرج من الكلام ما لولاه لدخل ، فوجب أن ~~يكون حكم الاستثناء فى جميع المواضع كذلك ، دفعا للاشتراك. # والثالث : انه تعارض النقل فى هذه المسألة. فقال بعض أهل اللغة : ~~«الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لصح» وقال آخرون : «انه يخرج من الكلام ~~ما لولاه لوجب» ولما حصل التعارض وجب التوفيق ، فنقول : الصحة من لوازم ~~الوقوع. ولا ينعكس. فلو جعلناه حقيقة فى الوقوع أمكن جعله مجازا عن الصحة ، ~~لحصول الملازمة. وأما لو جعلناه حقيقة فى الصحة ، لا يمكن جعله مجازا عن ~~الوقوع ، لعدم الملازمة. فكان جعله حقيقة ، أولى فى الوقوع. فثبت : أن حكم ~~الاستثناء اخراج ما لولاه لدخل. وعند هذا يتم الدليل. ### |||| ** الدليل الثانى (1) على أن صيغة «ما» و «من» فى معرض الشرط ، يفيدان العموم: أنه لما نزل ~~قوله تعالى : ( @QUR@08 إنكم وما تعبدون من دون الله ، حصب جهنم ) ~~(الأنبياء 98) قال ابن الزبعرى : «لأخصمن محمدا» ثم قال : «يا محمد أليس قد ~~عبدت الملائكة؟ أليس قد عبد عيسى؟» # وجه الاستدلال به : أنه تمسك بعموم اللفظ. والرسول عليه السلام ما أنكر ~~عليه فى ذلك. فدل هذا على أن هذه الصيغة للعموم. # * * * # والقسم الثانى من أقسام صيغ العموم من الآيات التى تمسك بها المعتزلة فى ~~الوعيد ، صيغة الجمع المحلاة بحرف التعريف. # الحجة الأولى : قوله : ( @QUR@07 إن الأبرار لفي نعيم ، وإن ms394 الفجار لفي PageV02P215 # @QUR@08 جحيم ، يصلونها يوم الدين ، وما هم عنها بغائبين ) (الانفطار 13 16) # الحجة الثانية : قوله تعالى : ( @QUR@05 ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا ) ~~(مريم 86) # الحجة الثالثة ### |||| ** : قوله تعالى : ( @QUR@04 ونذر الظالمين فيها جثيا ) (مريم 72) # الحجة الرابعة : قوله تعالى : ( @QUR@012 ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ، ~~ما ترك عليها من دابة. ولكن يؤخرهم ) (النحل 61) بين أنه تعالى يؤخر عقابهم ~~الى يوم آخر. وذلك انما يصدق لو حصل عقابهم فى ذلك اليوم. ### ||| ** واعلم : أن التمسك بهذه الآيات ، مفتقر الى بيان أن الجمع المحلى بحرف التعريف ، يفيد العموم. ويدل عليه وجوه : ### |||| ** الحجة الأولى : ان الأنصار لما طلبوا الامامة ، احتج عليهم «أبو بكر» رضى الله عنه بقوله ~~عليه السلام «الأئمة من قريش» (3) والأنصار عرفوا صحة تلك الحجة. ولو لا أن ~~الجمع المحلى بحرف التعريف يفيد العموم ، والا لما صحت تلك الحجة. لأن ~~قولنا : بعض الأئمة من قريش ، لا ينافى وجود امام من قوم آخرين. أما قولنا ~~: كل الأئمة من قريش ينافى كون بعض الأئمة من غيرهم. # الحجة الثانية : ان هذا الجمع يؤكد بما يقتضي الاستغراق ، فوجب أن يكون ~~هذا الجمع مقتضيا للاستغراق ، أما أنه يؤكد فلقوله PageV02P216 # تعالى : ( @QUR@04 فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) (ص 73). وأما أنه بعد ~~التأكيد يقتضي الاستغراق ، فبالإجماع. وأما أنه متى كان كذلك وجب كون ~~المؤكد فى أصله للاستغراق. لأن هذه الألفاظ مسماة بالتأكيد اجماعا. ~~والتأكيد هو تقوية الحكم الذي كان ثابتا فى الأصل. ولو لم تكن افادة ~~الاستغراق. حاصلة فى الأصل وانما حصلت بسبب هذه الألفاظ ابتداء لم يكن ~~تأثير هذه الألفاظ ابتداء فى تقوية الحكم الثابت فى الأصل ، بل فى اعطاء ~~حكم جديد. فكانت مثبتة للحكم (4) لا مؤكدة. وحيث أجمعوا على أنها مؤكدة ، ~~علمنا : أن اقتضاء الاستغراق كان ثابتا فى الأصل. # الحجة الثالثة : انه يصح استثناء أى واحد يفرض منه. وذلك يدل على كونها ~~للعموم. # القسم الثالث : من صيغ العموم : ما يتمسك بها المعتزلة فى هذا المقام. ~~وهو صيغة الجمع المقرونة بحرف «الذين». # كقوله تعالى : ( @QUR@08 ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون ) (المطففين 1) وقوله : ( @QUR@011 إن ms395 الذين يأكلون أموال اليتامى ~~ظلما ، إنما يأكلون في بطونهم نارا ) (النساء 10) وقوله : ( @QUR@05 الذين ~~تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) (النحل 28) وقوله : ( @QUR@08 الذين كسبوا ~~السيئات ، جزاء سيئة بمثلها ، وترهقهم ذلة ) (يونس 27). # فهذا مجموع الآيات التى يتمسكون بها فى هذه المسألة. # * * * ### ||| ** وأما الأخبار فكثيرة : PageV02P217 # أحدها : قوله عليه السلام : «من كان ذا لسانين وذا وجهين كان فى النار» # وثانيها : قوله عليه السلام : «من غصب شبرا من أرض ، طوقه الله يوم ~~القيامة من سبع أرضين» # وثالثها : قوله عليه السلام : «والذي نفسى بيده لا يدخل الجنة عبد ، لا ~~يأمن جاره بوائقه» # ورابعها : قوله عليه السلام : «من شرب الخمر فى الدنيا ، ولم يتب لم ~~يشربها فى الآخرة» ولا شك أن صيغ العموم فى هذه الأحاديث متناولة للكفار ، ~~ولأهل الكبائر من أهل الصلاة. # هذا مجموع شبه المعتزلة فى هذه المسألة. # * * * ### ||| ** واعلم : أن أصحابنا أجابوا عن هذه الكلمات من وجوه : ### ||| ** أحدها لا نسلم أن صيغة «من» فى معرض الشرط تفيد العموم ، ولا نسلم أن صيغة الجمع اذا كانت معرفة بالألف واللام ، كانت للعموم. ويدل عليه وجوه : # أحدها : انه يصح ادخال لفظى الكل والبعض على هاتين اللفظتين فيقال : كل ~~من دخل دارى وبعض من دخل دارى. ويقال أيضا : كل الناس كذا وبعض الناس كذا. ~~ولو كانت لفظة «من» عند الشرط تفيد الاستغراق ، لكان ادخال لفظ الكل عليها ~~تكريرا. وادخال لفظ البعض عليها نقضا. وكذا القول فى لفظ الجمع المعرف. # وثانيها : ان هذه الصيغة جاءت فى كتاب الله تارة. والمراد منها ~~الاستغراق. وأخرى والمراد منها البعض. فان أكثر عمومات القرآن مخصوص ~~والمجاز والاشتراك خلاف الأصل. فلا بد من جعله حقيقة فى القدر المشترك بين ~~الصورتين. وذلك بأن يحمل على إفادة الأكثر من غير بيان أنه يفيد الاستغراق ~~أو لا يفيده. PageV02P218 # وثالثها : ان هذه الصيغ لو أفادت الاستغراق لما حسن الاستفهام ، لكنه ~~مستحسن. فإن من قال : جاءنى كل الناس ، حسن أن يقال : وهل جاءك الملك؟ وهل ~~جاءك الوزير؟ فدل على أن هذه الألفاظ غير موضوعة للعموم على التعيين. # وأما تمسكهم بدليل الاستثناء : فجوابه ms396 : ان الاستثناء يخرج من الكلام ما ~~لولاه لصح دخوله تحت المستثنى منه. ويدل عليه وجوه أربعة : # أحدها : انه ثبت فى أصول الفقه : أن ظاهر الأمر لا يفيد التكرار ، مع أنه ~~يصح أن يقال : صل الا فى الوقت الفلانى. ومن المعلوم أن الاستثناء هاهنا لا ~~يفيد الا منع الصحة. # وثانيها : ان صيغ جموع القلة يصح دخول الاستثناء فيها ، وصيغ جموع القلة ~~لا تفيد الاستغراق. والا لما كانت جموع قلة. # وثانيها : ان «سيبويه» نص على أن جمع السلامة من جموع القلة ، مع أنه يصح ~~دخول الاستثناء فيه. # ورابعها : انه يصح أن لا يقال : أصحب جمعا من العلماء ، الا فلانا. ~~ومعلوم أن تأثير الاستثناء فى هذه الصورة ، ليس الا فى المنع من الصحة. # المقام الثانى فى الاعتراض : سلمنا : أن هذه الصيغ موضوعة للعموم. ولكنها ~~تفيد العموم قطعا أم ظنا؟ (5) والأول ممنوع. والثانى مسلم ، فنحن ندل على ~~أن هذه الصيغ تفيد العموم ظنا. واذا كان كذلك ، لم يجز التمسك بها فى هذه ~~المسألة. ### ||| ** انما قلنا : انها تفيد الاستغراق ظنا ، لا قطعا لوجوه : # أحدها : ان هذه الصيغ لو أفادت الاستغراق قطعا ، لامتنع ادخال لفظ ~~التأكيد عليها ، لأن تحصيل الحاصل محال. ولما أجمعوا على أنه يحسن ادخال ~~الألفاظ المؤكدة عليها ، علمنا : افادتها الاستغراق ظنية لا قطعية. PageV02P219 # وثانيها : ان العلم بأن هذه الألفاظ موضوعة للاستغراق ، اما أن يحصل بخبر ~~التواتر أو بخبر الآحاد. والأول باطل. والا لما وقع الخلاف فيه. فيبقى ~~الثانى ، لكن خبر الآحاد لا يفيد الا الظن. # وثالثها : انا نرى أن الناس كثيرا ما يعبرون عن الأكثر بلفظ الكل والجمع ~~، على سبيل المبالغة (1). قال تعالى : ( @QUR@04 وأوتيت من كل شيء ) ~~(النمل 23) ومعلوم أنها ما أوتيت من العرش والكرسى والجنة والنار ، فعلمنا ~~: أن العادة العامة جارية بإطلاق لفظ الكل والجمع على الأكثر على وجه ~~المبالغة. واذا كان هذا أمرا معتادا ، علمنا : أن دلالة هذه الألفاظ على ~~الاستغراق دلالة ظنية محتملة ، لا قطعية. # اذا ثبت هذا فنقول : انه لا يجوز التمسك بهذه الألفاظ فى هذه المسألة ، ~~لأن هذه ms397 المسألة قطعية ، والتمسك فيها بالدليل الظنى باطل قطعا. # المقام الثالث فى الاعتراض : سلمنا أن هذه الألفاظ تفيد معنى الاستغراق ~~إفادة قطعية. لكن العقلاء ، أجمعوا على أن التمسك بالعمومات مشروط بأن لا ~~يوجد شيء من المخصصات ، لأنه لا نزاع فى جواز تطرق التخصيص الى العمومات. ~~فلم قلتم : انه لم يوجد هاهنا شيء من المخصصات ، حتى يتم استدلالكم؟ أقصى ~~ما فى الباب : أن يقال : بحثنا وطلبنا ، فلم نجد شيئا من المخصصات. لكن ~~الاستدلال بعدم الوجدان على عدم الوجود ، فى غاية الضعف. # ولا يقال : فعلى هذا التقدير يلزم أن لا يكون التمسك بشيء من العمومات ~~مفيدا للقطع. # لأنا نقول : الأمر كذلك ، وما لم يقترن بالعمومات ما يدل على عدم التخصيص ~~لا يفيد اليقين. # المقام الرابع فى الاعتراض : هب أنه لا بد للمعترض من بيان الوجه PageV02P220 # التفصيلى فى أنه لا يجوز التمسك بهذه العمومات. لكنا نقول : وجد المانع ~~عن التمسك بها. وهو من وجهين : # الأول : ان الآيات التى تمسكتم بها فى عدم العفو ، لا بد أن تكون عامة فى ~~الأحوال والأشخاص. واذ لم تكن عامة فى الأحوال والأشخاص ، لم يتم استدلالكم ~~بها. والآيات التى تمسكنا بها فى العفو ، لا بد أن تكون خاصة فى الأحوال ~~والأشخاص فانا لا نثبت العفو لكل الأشخاص. واذا ثبت هذا ، لزم القطع بأن ~~دلائلكم عامة ودلائلنا خاصة. والخاص مقدم على العام ، فوجب القطع بأن ~~الآيات الدالة على العفو : مقدمة على هذه العمومات. # الوجه الثانى : هو ان أكثر هذه العمومات نازلة فى حق الكفار على ما اشتمل ~~على شرحها كتب التفسير ونحن وان كنا نعتقد بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب ، الا أنا نعتقد أن دلالته فى غير محل السبب ، ليست دلالة قوية قاطعة ~~، بل دلالة ظنية ضعيفة. واذا كان كذلك ، لم تكن دلالتها على الاستغراق ، ~~قوية صالحة لأن يتمسك بها فى هذه المسألة القطعية. # المقام الخامس فى الاعتراض : ان عمومات الوعيد معارضة بعمومات الوعد. وهى ~~كثيرة فى القرآن : كقوله تعالى : ( @QUR@06 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) ~~(الزلزلة 7) وبالجملة ms398 : فالقرآن مملوء منها. واذا عرفت هذا فنقول : عمومات ~~الوعد ، راجحة على عمومات الوعيد. وبيان هذا الترجيح من وجوه : # الأول : ان عمومات الوعد أكثر ، والأكثر راجح. لأنا بينا فى كتاب ~~«المحصول فى الأصول» ان الترجيح بكثرة الدلائل معتبر فى الشرع. # والثانى : ان قوله تعالى : ( @QUR@04 إن الحسنات يذهبن السيئات ) يدل على ~~أن الحسنة انما كانت مذهبة للسيئة ، لكونها حسنة على ما ثبت فى أصول الفقه ~~: أن ترتيب الحكم على الوصف ، مشعر بأن علة ذلك الحكم ، هو ذلك الوصف واذا ~~كان كذلك ، وجب فى كل حسنة أن PageV02P221 # تكون مذهبة لكل سيئة. ترك العمل به فى الحسنات الصادرة عن الكفار فانها ~~لا تذهب سيئاتهم. وهى الكفر فبقى معمولا بها فى الباقى. # الثالث : انه تعالى قال : ( @QUR@013 من جاء بالحسنة ، فله عشر أمثالها. ~~ومن جاء بالسيئة ، فلا يجزى إلا مثلها ) (الأنعام 160) ثم انه تعالى زاد ~~على العشرة فقال : ( @QUR@010 كمثل حبة أنبتت سبع سنابل. في كل سنبلة مائة ~~حبة ) (البقرة 261) ثم إنه زاد عليه فقال : ( @QUR@04 والله يضاعف لمن يشاء ~~) (البقرة 261) وأما فى جانب السيئة فقال : ( @QUR@07 ومن جاء بالسيئة ، ~~فلا يجزى إلا مثلها ) وهذا تنبيه ظاهر على أن جانب الحسنة ، راجح على جانب ~~السيئة ، عند الله تعالى. # الرابع : انه تعالى قال فى آية الوعد فى سورة النساء : ( @QUR@021 والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات ، سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ، خالدين فيها ~~أبدا. وعد الله حقا. ومن أصدق من الله قيلا ) (النساء 22) فقوله : ( ~~@QUR@03 وعد الله حقا ) انما ذكره للتأكيد. ولم يقل فى شيء من القرآن وعيد ~~الله حقا. وأما قوله تعالى : ( @QUR@08 ما يبدل القول لدي ، وما أنا بظلام ~~للعبيد ) (ق 29) فهو باجماع المفسرين فى حق الكفار ، وأيضا : قوله : ( ~~@QUR@04 ما يبدل القول لدي ) يتناول الوعد والوعيد. # الخامس : قوله تعالى : ( @QUR@024 ومن يعمل سوءا ، أو يظلم نفسه ، ثم ~~يستغفر الله ، يجد الله غفورا رحيما. ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه. ~~وكان الله عليما حكيما ) (النساء 110 111) والاستغفار طلب المغفرة (6) وطلب ~~المغفرة ليس نفس التوبة. # وخرج عن هذه الآية : بأنه سواء تاب أو لم ms399 يتب ، فاذا استغفر الله ، غفر ~~الله له. ولم يقل فى جانب المعصية : ( @QUR@03 ومن يكسب إثما ) PageV02P222 # فانه يجد الله معذبا معاقبا) بل قال ( @QUR@04 فإنما يكسبه على نفسه ). ~~فدلت هذه الآيات : على أن جانب الحسنة راجح عند الله. ونظيره قوله تعالى : ~~( @QUR@07 إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ، وإن أسأتم فلها ) (الإسراء 7) ولم ~~يقل : وان أسأتم أسأتم لها. فكأنه تعالى بالغ فى اظهار أفعاله الحسنة ، حيث ~~ذكرها مرتين ، وستر عليه اساءته ، حيث لم يذكرها الا مرة واحدة. وكل ذلك ~~يدل على أن جانب الحسنات راجح. # السادس : انا سنبين ان شاء الله تعالى أن قوله : ( @QUR@06 ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء ) (النساء 116) لا يدل الا على العفو عن صاحب الكبيرة. ثم انه ~~تعالى أعاد هذه الآية فى السورة الواحدة مرتين ، والاعادة لا تحسن الا ~~للتأكيد ، ولم يذكر شيئا من آيات الوعيد على وجه الاعادة بلفظ واحد ، لا فى ~~سورة واحدة ، ولا فى سور كثيرة ، فدل على أن عناية الله فى الوعد أتم من ~~مبالغته فى جانب الوعيد. # السابع : ان عمومات الوعيد والوعد لما تعارضت ، فلا بد من تأويل أحد ~~الجانبين. وصرف التأويل الى جانب الوعيد أحسن من صرفه الى جانب الوعد. وذلك ~~لأن العفو عن الوعيد مستحسن فى العرف. أما اهمال الوعد فانه مستقبح ، فكان ~~صرف التأويل الى جانب الوعيد أولى من صرفه الى جانب الوعد. # الثامن : ان القرآن مملوء من كونه غافرا وغفورا ، وأن له الغفران ~~والمغفرة. وأنه رحيم كريم ، وله العفو والاحسان والفضل والأفضال والأخبار ~~الدالة على هذه المعانى قد بلغت مبلغا عظيما فى الكثرة والقوة. وليس فى ~~القرآن ما يدل على أنه بعيد عن الصفح والتجاوز والكرم. وكل ذلك يفيد رجحان ~~جانب الوعد على جانب الوعيد. # ألا ترى الى قوله تعالى : ( @QUR@08 غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ~~ذي الطول ) (غافر 3) فقوله ( @QUR@02 غافر الذنب ) ان كان المراد منه أنه ~~يغفر مع التوبة ، صار هذا عين قوله ( @QUR@02 قابل التوب ) فيحصل التكرار. ~~ثم انه تعالى لما ذكر عقيب هذين الوصفين ما يدل على الوعيد ، وهو PageV02P223 # قوله ms400 : ( @QUR@02 شديد العقاب ) ذكر عقيبه مرة أخرى ما يدل على العفو ~~والصفح. فقال : ( @QUR@02 ذي الطول ) وكل ذلك يدل قطعا على ترجيح جانب ~~الوعد والاحسان. # التاسع : ان هذا العاصى أتى بأحسن الطاعات وهو الايمان ولم يأت بأقبح ~~القبائح وهو الكفر فأتى فى طبقة الخيرات بما هو الغاية القصوى ، وأتى فى ~~طبقة الشر لا بما هو الغاية ، بل بما هو دون الوسط. والرجل اذا كان له عبد ~~ثم أتى عبده بأعظم أنواع الخدمة والطاعة ، ثم أتى فى باب المعاصى والذنوب ~~بمعصية ، ليست فى غاية القبح ، بل دون الوسط ، فلو أن المولى رجح تلك ~~المعصية الخفيفة ، على تلك الطاعة العظيمة ، لعد ذلك السيد والمولى لئيما ~~مؤذيا ، بعيدا عن الكرم. ومعلوم : أن هذا غير لائق بكرم أكرم الأكرمين ~~وأرحم الراحمين. فعلمنا : أن الرجحان حاصل لجانب الوعد. # العاشر : قال «يحيى بن معاذ» : «يا إلهى. ان كان توحيد ساعة ، يهدم كفر ~~خمسين سنة. كيف (7) لا يهدم معصية ساعة. إلهى. لما كان الكفر لا ينفع معه ~~شيء من الطاعات ، كان مقتضى العدل (8) أن الايمان لا يضر معه شيء من ~~المعاصى. والا فالكفر أعظم من الايمان ، فان لم يكن كذلك ، فلا أقل من رجاء ~~العفو» وهذا كلام حسن. # الحادى عشر : انا سنبين ان شاء الله تعالى أن قوله تعالى : ( @QUR@06 ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) (النساء 116) لا يمكن حمله على الصغيرة ولا ~~على الكبيرة بعد التوبة. فلو لم نحمله على الكبيرة قبل التوبة ، لزم تعطيل ~~الآية. أما لو خصصنا عمومات آية (9) الوعيد PageV02P224 # بالكفار ، لا يلزم التعطيل ، بل يلزم التخصيص. ومعلوم أن التخصيص أهون من ~~التعطيل. # الثانى عشر : ان مقصود الرحيم الكريم من الايجاد والخلق انما هو الرحمة ، ~~لا العذاب. والخصم أولى الناس بهذا القول. # * * * # والأخبار الواردة فى هذا المعنى كثيرة منها : قوله عليه السلام حكاية عن ~~الله تعالى : «سبقت رحمتى غضبى» وقوله تعالى : «خلقتكم لتربحوا على لا ~~لأربح عليكم» واذا كان كذلك ، فالمقصود الأصلي هو الرحمة والاحسان. والعذاب ~~ليس بمقصود البتة. فترجيح الوعد على الوعيد ، يقتضي ترجيح الأصل على ms401 التبع ~~والفرع ، وترجيح الوعيد على الوعد ، يقتضي ترجيح التبع على الأصل. فكان ~~الأول أولى. # الثالث عشر : ان عمومات الوعد والوعيد لما تعارضت ، فنحن نرجح عمومات ~~الوعد بالآيات الدالة على العفو والغفران. وهذا ترجيح يجب المصير إليه. ~~وذلك لأن آيات العفو لا بد أن تكون خاصة ، وآيات العقوبة والوعيد لا بد أن ~~تكون عامة. والا لم تدل على مقصودهم. والعام والخاص اذا تعارضا ترجح الخاص ~~على العام. # فثبت بمجموع هذه الوجوه : ان عمومات الوعد راجحة على عمومات الوعيد. فسقط ~~كلام المعتزلة بالكلية. # قالت المعتزلة : ترجيح جانب الوعيد أولى. ويدل عليه وجوه : # الأول : ان الأمة مجمعة على أن الفاسق يلعن ويحد على سبيل التنكيل وذلك ~~يدل على أنه مستحق للعذاب ، اذ لو لم يكن مستحقا للعذاب ، لما جاز لعنه ، ~~ولا اقامة الحد عليه على سبيل التنكيل واذا ثبت أنه فى هذه الحالة مستحق ~~للعقاب ، استحال أن يكون مستحقا الثواب ، لأن العقاب مضرة خالصة دائمة ، ~~والثواب منفعة خالصة PageV02P225 # دائمة. والجمع بينهما محال. فكان الجمع بين استحقاقيهما محالا. وثبت : أن ~~استحقاق العقاب حاصل فى الحال ، فوجب أن يكون استحقاق الثواب غير حاصل فى الحال. # فثبت بهذا الطريق : أن عمومات الوعيد راجحة على عمومات الوعد. # وهذا الدليل الذي ذكرناه : جميع مقدماته ظاهرة ، الا قولنا : ن الفاسق ، ~~يلعن ويقام الحد عليه ، على سبيل التنكيل ، وعلى سبيل العذاب ، وعلى سبيل ~~الخزى. فنقول : الدليل على أنه يلعن : قوله تعالى فى قاتل المؤمن : ( ~~@QUR@04 وغضب الله عليه ولعنه ) (النساء 93) ( @QUR@05 ألا لعنة الله على ~~الظالمين ) (هود 18) والدليل على أنه يقام عليه الحد على سبيل التنكيل : ~~قوله تعالى : ( @QUR@013 والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا ، ~~نكالا من الله. والله عزيز حكيم ) (المائدة 38) الآية. والدليل على أنه يحد ~~على سبيل العذاب : قوله تعالى فى الزانية والزانى ( @QUR@05 وليشهد عذابهما ~~طائفة من المؤمنين ) (النور 2) والدليل على أنهم من أهل الخزى : قوله تعالى ~~فى قطاع الطريق : ( @QUR@06 إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) الى ~~قوله : ( @QUR@010 ذلك لهم خزي في الدنيا. ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) ~~(المائدة 33) # فثبت ms402 بهذه الوجوه : أن استحقاق العذاب حاصل. فكان استحقاق الثواب زائلا. ~~وهذا يقتضي ترجيح جانب الوعيد على جانب الوعد. # هذا غاية تحقيق كلام المعتزلة فى هذه المقام. # الوجه الثانى فى ترجيح جانب الوعيد على جانب الوعد : أن آيات الوعيد خاصة ~~، وآيات الوعد عامة ، والخاص مقدم على العام. # الوجه الثالث : أن الناس جبلوا على الفساد والشر ، فكانت الحاجة الى ~~الزاجر أشد ، فكان جانب الوعيد راجحا. # أجاب أصحابنا عن الترجيح الأول من وجوه : PageV02P226 # الأول : انه لما وجدت آيات دالة على أنهم يلعنون ويذمون ويعذبون فى ~~الدنيا بسبب معاصيهم ، كذلك أيضا حصلت آيات دالة على أنهم يعظمون ويمدحون ~~فى الدنيا بسبب ايمانهم. قال الله تعالى : ( @QUR@013 وإذا جاءك الذين ~~يؤمنون بآياتنا ، فقل : سلام عليكم. كتب ربكم على نفسه الرحمة ) (الأنعام ~~54) فهم يرجحون الآيات الدالة على حصول الوعيد فى الآخرة بالآيات الدالة ~~على حصول اللعن والذم فى الدنيا. ونحن أيضا نرجح الآيات الدالة على حصول ~~وعد الاحسان والعفو فى الآخرة ، بالآيات الدالة على حصول المدح والتعظيم فى ~~الدنيا. فلم كان قولهم أرجح من قولنا؟ بل كان الترجيح معنا من الوجوه ~~المذكورة. # أقصى ما فى الباب أن يقال : فان كان لا يلعن ولا يذم فى الدنيا ، فلم ~~يقام فى الدنيا عليه الحد؟ # فنقول : هذا ضعيف. لأن الحد قد يقام على سبيل التنكيل. ألا ترى أن التائب ~~قد يقام عليه الحد ، مع أنه ليس هناك لعن ولا نكال. فعلمنا : أنه لا يمكن ~~الاستدلال باقامة الحد على حصول استحقاق العذاب. # الوجه الثانى : ان آيات الوعد كما أنها معارضة لآيات الوعيد ، فكذلك هى ~~معارضة لكل آية دالة على معنى يستلزم حصول الوعيد فى الآخرة. وعندكم : أن ~~الآيات الدالة على حصول المعن والخزى والنكال والعذاب فى الدنيا ، مستلزمة ~~لحصول الوعيد فى الآخرة ، فيحصل التعارض بين هذه الآيات وبين آيات الوعيد. ~~واذا حصل التعارض فى هذا المقام ، لم تكن هذه الآيات مرجحة لآيات الوعد على ~~آيات الوعيد ، فيبقى ما ذكرناه من الترجيحات سليما عن المعارض. # الثالث : ان قوله تعالى : ( @QUR@02 والسارق والسارقة ) شرع ms403 القطع فى ~~حقهما ( @QUR@06 جزاء بما كسبا ، نكالا من الله ) واجمعنا على أن حصول هذا ~~المعنى ، مشروط بعدم التوبة. فكذلك هاهنا أيضا لم لا يجوز أن يكون حصول هذا ~~المعنى مشروطا بعدم العفو؟ PageV02P227 # الرابع : ان هذه الآيات حجة عليكم من وجوه أخر. وذلك لأن الجزاء اسم لما ~~يكفى. واذا حكم الله بأن الحد الذي يقام عليه فى الدنيا جزاء ، وثبت أن ~~الجزاء ما كان كافيا : كان ظاهر هذه الآية مانعا من إيصال العقاب إليه فى ~~الآخرة. فثبت : أن الترجيح الذي ذكرتموه ، يبطل مذهبكم بالكلية. # وأما الترجيح الثانى وهو أن آيات الوعد عامة فنقول : هذا ممنوع. وذلك لأن ~~آيات الوعيد يدخل فيها الكافر والمؤمن من قبل التوبة ومن بعدها ، وآيات ~~العفو مختصة بالمؤمن. فثبت : أن الآيات التى تمسكنا بها خاصة ، والآيات ~~التى تمسكتم بها عامة. # وأما الترجيح الثالث : فضعيف. لأن الرحمة مقصودة بالذات والتعذيب مقصود ~~بالعرض. وترجيح ما هو مقصود بالذات على ما هو مقصود بالتبع والعرض أولى من العكس. # هذا تمام الكلام فى الجواب عن شبهات المعتزلة. وبالله التوفيق. ### ||| * الفصل الرابع ### ||| * فى ### ||| * دلائلنا على العفو # الحجة الأولى : الآيات الدالة على كون الله تعالى عفوا. كقوله تعالى : ( ~~@QUR@012 وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ، ويعفوا عن السيئات ، ويعلم ما ~~تفعلون ) (الشورى 25) وقوله تعالى : ( @QUR@010 وما أصابكم من مصيبة فبما ~~كسبت أيديكم ، ويعفوا عن كثير ) (الشورى 30) وقوله : ( @QUR@06 ومن آياته : ~~الجوار في البحر كالأعلام ) الى قوله : ( @QUR@07 أو يوبقهن بما كسبوا. ~~ويعف عن كثير ) (الشورى 32 34) وأيضا : أجمعت الأمة على أنه تعالى يعفو عن ~~عباده ، وأجمعوا على أن من أسمائه العفو. اذا ثبت هذا فنقول : العفو اما أن ~~يكون عبارة عن اسقاط العذاب عمن يحسن عقابه ، أو عمن لا يحسن عقابه. PageV02P228 ### ||| ** والقسم الثانى باطل لوجهين : # الحجة الأولى : (10) أن عقاب من يقبح عقابه قبيح. ومن ترك مثل هذا القبيح ~~، لا يقال : انه عفا. فان الانسان اذا لم يظلم أحدا ، لا يقال : انه عفا ~~عنه. أما اذا كان له أن يعذبه ، فترك تعذيبه ، يقال : انه عفا عنه ، ولهذا ~~قال ms404 تعالى : ( @QUR@04 وأن تعفوا أقرب للتقوى ) (البقرة 237) # والثانى : انه تعالى قال : ( @QUR@09 وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ~~ويعفوا عن السيئات ) (الشورى 25) فلو كان العفو عبارة عن اسقاط العقاب عن ~~التائب ، لكان فى هذا تكرير من غير فائدة. فعلمنا : أن العفو عبارة عن ~~اسقاط العقاب عمن يحسن عقابه. # فان قيل : لم لا يجوز أن يكون العفو عبارة عن عدم ايصال العقاب إليه فى ~~الدنيا وتأخيره الى الآخرة؟ قلنا : لأن الجزاءات مؤخرة الى الآخرة. قال ~~تعالى : ( @QUR@06 اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ) (غافر 17) واذا عرفنا أن ~~الجزاءات مؤخرة الى الآخرة ، لم يكن تأخيرها الى الآخرة عفوا. # وأيضا : لو كان هذا القدر مسمى بالعفو ، لوجب أن يقال : عفو الله عن ~~الكفار أكثر من عفوه عن المسلمين. لأن حصول المرادات لهم ودفع المكاره عنهم ~~أعنى الكفار فى الدنيا أكثر. قال تعالى : ( @QUR@015 ولو لا أن يكون الناس ~~أمة واحدة ، لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ، لبيوتهم سقفا من فضة ) (الزخرف 33) ~~وقال عليه السلام : «خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ، ثم الأمثل فالأمثل» # الحجة الثانية : الآيات الدالة على كونه تعالى غافر وغفورا وغفارا. قال ~~تعالى : ( @QUR@02 غافر الذنب ) (غافر 3) ( @QUR@02 وربك الغفور ) PageV02P229 # (الكهف 58) ( @QUR@05 استغفروا ربكم ، إنه كان غفارا ) (نوح 10) ( ~~@QUR@02 غفرانك ربنا ) (البقرة 285) والمغفرة ليست عبارة عن اسقاط العقاب ~~عمن لا يجوز عقابه (11) فتعين أن تكون عبارة عن اسقاط العقاب عمن يحسن عقابه. # وانما قلنا : ان القسم الأول باطل : لأنه تعالى ذكر صفة المغفرة فى معرض ~~الامتنان على العباد. ولو حملناه على هذا الوجه لم يبق هذا المعنى ، لأن ~~ترك القبيح لا يكون احسانا ، بل ترك القبيح بأن يكون احسانا من الفاعل الى ~~نفسه ، أولى بأن يكون احسانا الى غيره. فان على مذهب الخصم : لو فعله لا ~~يستحق الذم. فهو بترك ذلك القبيح أحسن الى نفسه حيث خلصها عن استحقاق الذم. # فان قيل : لم لا يجوز حمل العفو والمغفرة على تأخير العقاب عن الدنيا الى ~~الآخرة؟ والدليل على أن لفظ العفو مستعمل فى هذا المعنى : قوله تعالى فى ~~قصة اليهود ( @QUR@06 ثم عفونا عنكم ms405 من بعد ذلك ) (البقرة 52) وليس المراد ~~: اسقاط العذاب ، بل تأخيره الى الآخرة. وكذلك قوله تعالى : ( @QUR@010 وما ~~أصابكم من مصيبة. فبما كسبت أيديكم. ويعفوا عن كثير ) (الشورى 30) أى أنه ~~تعالى قد يعجل المصائب اما على جهة الابتلاء ، أو على جهة العقوبة المعجلة ~~بسبب ذنوبكم ، ثم انه تعالى لا يعجل العقوبة والابتلاء على كثير منها. ~~وكذلك قوله تعالى : ( @QUR@05 ومن آياته الجوار في البحر ) الى قوله : ( ~~@QUR@07 أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير ) (الشورى 32 34) أى أنه تعالى ~~لو شاء اهلاكهم لأهلكهم. الا أنه تعالى لا يهلكهم على كثير من الذنوب. # والجواب : العفو أصله من عفا أثره ، أى إزالة. واذا كان كذلك ، وجب أن ~~يكون مسمى العفو هو الإزالة. ولهذا قال تعالى : ( @QUR@06 فمن عفي له من ~~أخيه شيء ) (البقرة 178) وليس المراد منه التأخير PageV02P230 # الى وقت معلوم ، بل الازالة. وكذا قوله تعالى : ( @QUR@04 وأن تعفوا أقرب ~~للتقوى ) (البقرة 237) ليس المراد منه : التأخير الى وقت معلوم ، بل المراد ~~منه : هو الاسقاط المطلق. # وأيضا : الغريم اذا أخر المطالبة. لا يقال : انه عفا عنه. ولو أسقطه يقال ~~: إنه عفا عنه. فثبت : أن العفو لا يمكن تفسيره بالتأخير. # الحجة الثالثة : الآيات الدالة على كونه تعالى رحمانا ورحيما. والاستدلال ~~: ان رحمته اما أن تظهر بالنسبة الى المطيعين الذين هم أهل الثواب ، أو ~~بالنسبة الى العصاة الذين هم أهل العقاب. والأول باطل. لأن رحمته اما أن ~~تكون عبارة عن أنه أعطاهم الثواب الذي هو حقهم ، أو عبارة عن أنه يفضل ~~عليهم بما هو أزيد من حقهم. والأول باطل : لأن أداء الواجب لا يسمى رحمة. ~~لأن من كان له على انسان مائة دينار ، فأخذها منه قهرا ، لا يقال فى مثل ~~هذا الاعطاء : انه رحمة. # والثانى باطل : لأن المكلف صار بما أخذ من الثواب الذي هو حقه ، ~~كالمستغنى. وتلك الزيادة تسمى زيادة فى الأنعام ، ولا تسمى البتة رحمة. ألا ~~ترى أن السلطان اذا أعطى الوزير مملكة ، ثم ضم إليها مملكة أخرى ، لا يقال ~~لهذه الزيادة : انها رحمة ، بل يقال: زاد فى الانعام. # وأما ms406 القسم الثانى وهو أن رحمته ظهرت بالنسبة الى أهل العقاب فنقول : هذه ~~الرحمة ، اما أن تكون عبارة عن ترك العقاب الذي هو غير مستحق أو عن ترك ~~العقاب الذي هو مستحق # والأول باطل : والا لكان كل كافر وظالم رحيما. لأجل أنه ترك الظلم ، أو ~~لأجل أنه ترك الزيادة على ذلك الظلم الذي فعله. ولما بطل هذا ، بقى أنه ~~رحمن ورحيم. لأنه ترك العقاب المستحق. وذلك لا يتحقق فى حق صاحب الصغيرة ~~ولا فى حق صاحب الكبيرة بعد PageV02P231 # التوبة على قول الخصم لأن عذابهما قبيح. فبقى أن رحمته انما تظهر بالنسبة ~~الى صاحب الكبيرة قبل التوبة. وهو المطلوب. # فان قيل : لم لا يجوز أن يقال : ان رحمته انما تظهر لأن الخلق والتكليف ~~والتزريق كلها تفضل ورحمة ، أو لأجل أنه تعالى يخفف عن عقاب صاحب الكبيرة؟ # قلنا : أما الأول فهو يفيد كونه رحيما فى الدنيا ، فأين رحمته فى الآخرة ~~: مع أن الأمة مجمعة على أن رحمته فى الآخرة أعظم من رحمته فى الدنيا. # وأما الثانى : فعند المعتزلة التخفيف عن العذاب المستحق غير جائز. # وأيضا : هذا اشارة الى تفسير الرحمة بترك الزيادة فى التعذيب ولو كان ~~الأمر كذلك لكان أكثر الناس تعذيبا للخلق ، وايصالا للبلاء إليهم ، رحيما ~~بهم ، حيث ترك الزيادة على ذلك القدر ، ومن المعلوم أنه باطل. # الحجة الرابعة : قوله تعالى : ( @QUR@013 إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) (النساء 116) ووجه الاستدلال به : ان قوله ~~تعالى : ( @QUR@02 لمن يشاء ) لا يجوز أن يتناول صاحب الصغيرة ، ولا صاحب ~~الكبيرة بعد التوبة. فوجب أن يكون المراد منه : حمله على صاحب الكبيرة قبل ~~التوبة. # انما قلنا : انه لا يجوز حمله على صاحب الصغيرة ، ولا على صاحب الكبيرة ~~بعد التوبة ، لوجوه : # أحدها : ان قوله تعالى : ( @QUR@07 إن الله لا يغفر أن يشرك به ) معناه : ~~انه تعالى لا يغفره تفضلا. لأنا أجمعنا على أنه يغفر استحقاقا. فانه اذا ~~تاب عن كفره ، وآمن. فانه تعالى يغفر له. واذا كان قوله : PageV02P232 # ( @QUR@07 إن الله لا يغفر أن ms407 يشرك به ) معناه : أنه تعالى لا يغفر له ~~تفضلا ، لزم أن يكون قوله : ( @QUR@06 ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) أى ( ~~@QUR@06 ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) تفضلا ، حتى يكون النفى والاثبات ~~متوجهين الى شيء واحد. ألا ترى أنه اذا قيل : فلان يتفضل بمائة دينار ويعطى ~~العشرة لمن استحقها ، كان الكلام فاسدا ، أما لو قال لا يتفضل بالمائة ~~ولكنه يتفضل بالعشرة ، كان منتظما. ولما كان غفران صاحب الصغيرة وصاحب ~~الكبيرة بعد التوبة واجبا ، امتنع حمل الآية عليهما. فتعين حملها على صاحب ~~الكبيرة قبل التوبة. # وثانيها : انه لو كان قوله تعالى : ( @QUR@06 ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~) معناه : أنه يغفر لمن يستحق المغفرة ، كالتائبين وأصحاب الصغائر. لم يبق ~~لتمييز الشرك عن غيره فائدة. لأنه تعالى يغفر ما دون الشرك لمن لا يستحق ~~العقاب ، ولا يغفر لمن يستحق العقاب. فكذلك يغفر الشرك لمن لا يستحق العقاب ~~، ولا يغفره لمن يستحق العقاب. فلا يبقى البتة لهذا التقسيم والتمييز فائدة. # وثالثها : ان غفران صاحب الكبيرة وصاحب الصغيرة بعد التوبة ، واجب ~~والواجب لا يجوز تعليقه على المشيئة. لأن المعلق على المشيئة هو الذي ان ~~شاء فعله وان شاء تركه. والواجب هو الذي لا بد من فعله شاء أم أبى. ~~والمغفرة المذكورة فى الآية معلقة على المشيئة ، فلا يجوز أن يكون المراد ~~منها : هو المغفرة للتائب وصاحب الصغيرة. # واعلم : أن هذه الوجوه بأسرها الزامات مبنية على قول المعتزلة : انه يجب ~~الغفران للتائب ، وصاحب الصغيرة. ونحن لا نقول بذلك. # ورابعها وعليه الاعتماد : ان قوله تعالى : ( @QUR@04 ويغفر ما دون ذلك ) ~~يفيد القطع بأنه تعالى يغفر كل ما سوى الشرك. وذلك يندرج فيه الصغيرة ~~والكبيرة بعد التوبة وقبلها. ثم قوله بعد ذلك : ( @QUR@02 لمن يشاء ) يدل ~~على أنه تعالى يغفر كل هذه الأقسام لكن لا للكل بل للبعض. فثبت : أنه تعالى ~~يغفر كل هذه الأقسام للبعض. وذلك هو المطلوب. PageV02P233 # فان قيل : لا نسلم أن المغفرة عبارة عن أن لا يعذب العصاة فى الآخرة. ~~بيانه : أن المغفرة اسقاط العذاب ، والمفهوم من اسقاط ms408 العذاب ، أعم من ~~اسقاطه دائما ، أولا دائما. واللفظ الموضوع بإزاء القدر المشترك ، لا اشعار ~~فيه لكل واحد من ذينك القيدين. فاذن لفظ المغفرة لا دلالة فيه على كون ~~الاسقاط دائما. # اذا ثبت هذا فنقول : لم لا يجوز أن يكون المراد : ان الله تعالى لا يؤخر ~~عقوبة الشرك عن الدنيا ، لكن يؤخر عقوبة ما دون الشرك عن الدنيا فى حق من يشاء؟ # لا يقال : كيف يصح هذا التأويل ، ونحن لا نشاهد البتة اليوم مزية للكفار ~~فى عقاب الدنيا على المؤمنين؟ # لأنا نقول : تقدير الآية : ان الله تعالى لا يؤخر عقاب الشرك فى الدنيا ~~لمن يشاء ، ويؤخر عقاب ما دون الشرك فى الدنيا لمن يشاء. فحصل بذلك تخويف ~~كلا الفريقين. لأن الكفار والفساق يخافون أن يعجل (12) عقابهم فى الدنيا ، ~~وان كان لا يفعل ذلك بكثير منهم. سلمنا : أن الغفران عبارة عن الاسقاط ~~بالكلية. فلم قلتم : انه لا يمكن حمله على مغفرة التائب ومغفرة صاحب ~~الصغيرة؟ # أما الوجوه الثلاثة الأول : فهى مبنية على أصول المعتزلة. وأنتم لا ~~تقولون بها. # وأما الوجه الرابع : فلا نسلم أن قوله «ما دون ذلك» يفيد العموم والدليل ~~عليه : أنه يصح ادخال لفظى الكل والبعض عليه على البدل. مثل أن يقال : ~~ويغفر بعض ما دون ذلك ، ويغفر كل ما دون ذلك (13) وذلك يدل على أن هذه ~~الصيغة لا تفيد العموم ، والا لكان الأول نقضا ، والثانى تكريرا (14). PageV02P234 # سلمنا : أنه للعموم ولكنا نخصصه بصاحب الصغيرة والتائب. لأن الآيات ~~الواردة فى الوعيد كل واحد منها مختص بنوع واحد من الكبائر ، مثل القتل ~~والزنى والربا. وهذه الآية متناولة لجميع المعاصى ، والخاص مقدم على العام ~~، فآيات الوعيد يجب أن تكون مقدمة على هذه الآية. # والجواب عن السؤال الأول : انه لو كان المراد ما ذكرتم ، لزم أن يكون ~~عقاب المشركين فى الدنيا أكثر من عقاب غيرهم ، والا لم يبق البتة فى ~~التقسيم والتفصيل فائدة. ومعلوم أنه ليس كذلك ، بدليل : الاستقراء ~~والمشاهدة. # قوله : «لم قلتم بأن قوله «ما دون ذلك» يفيد العموم». # قلنا : لأن قوله : «ما ms409 دون ذلك» يفيد الاشارة الى الماهية الموصوفة بأنها ~~دون الشرك. وهذه الماهية من حيث هى : ماهية واحدة نوعية. وقد حكم بأنه ~~يغفرها ففى كل صورة تتحقق فيها هذه الماهية ، وجب تحقق الغفران. فثبت : أنه ~~للعموم. وأيضا : يصح استثناء كل واحد من المعاصى عنها عند الوعيدية ، وصحة ~~الاستثناء يدل على العموم. # وأيضا : فلأنه لو كان المراد بعض الأنواع ، مع أنه لم يحصل ما يدل على ~~ذلك المعنى ، صارت الآية مجملة ، والأصل عدم الاجمال. # قوله : «آيات الوعيد أخص» قلنا : لكن هذه الآية أخص منها ، لأنها تفيد ~~العفو فى حق البعض دون البعض ، وآيات الوعيد تفيد حصول الوعيد فى حق كل من ~~فعل ذلك الفعل. وأيضا : قد بينا أن عند التعارض بين الوعد والوعيد ، وجب أن ~~يكون جانب العفو والوعد راجحا. والله أعلم. # الحجة الخامسة : أن يتمسك بالدلائل التى تمسك بها «مقاتل» فى قطع العفو ، ~~فان عارضوا بآيات الوعيد ، قلنا : الترجيح ما تقدم ولما كانت تلك الترجيحات ~~ظنية ، لا جرم رجونا العفو ، وما قطعنا به. PageV02P235 # الحجة السادسة : انا سنقيم الدلالة ان شاء الله تعالى على أن تأثير شفاعة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم فى اسقاط العقاب. وذلك يدل على قولنا فى هذه ~~المسألة. # الحجة السابعة : قوله تعالى : ( @QUR@05 إن الله يغفر الذنوب جميعا ) ~~(الزمر 53). # فان قيل : هذه الآية ان دلت. فانما تدل على القطع بالمغفرة لكل العصاة ، ~~وأنتم لا تقولون بهذا المذهب. فما تدل عليه الآية لا تقولون به ، وما ~~تقولون به لا تدل الآية عليه. سلمنا ذلك ، لكن المراد : أنه تعالى يغفر ~~جميع الذنوب مع التوبة. وحمل الآية على هذا المعنى أولى لوجهين : # الأول : انا اذا حملناها على هذا الوجه فقد حملناها على جميع الذنوب على ~~ما هو ظاهر الآية وان حملناها على ما ذكرتم لا يمكن حمله على ظاهر الآية. ~~لأنه تعالى لا يغفر جميع الذنوب من غير توبة. فان الكفر ذنب. والله لا ~~يغفره الا مع التوبة. # الثانى : انه تعالى ذكر عقيب هذه الآية ، قوله تعالى : ( @QUR@010 ~~وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا ms410 له من قبل أن يأتيكم العذاب ) (الزمر 54 الآية ، ~~والانابة هى التوبة. # والجواب عن الأول : ان قوله : ( @QUR@03 يغفر الذنوب جميعا ) وعد منه ~~تعالى بأنه سيفعل ذلك فى المستقبل. ونحن نقطع بذلك. فانا قاطعون بأنه تعالى ~~سيخرج كل المؤمنين من النار لا محالة ، فيكون هذا قطعا لحصول الغفران لا ~~محالة. وبهذا الطريق يظهر أنه لا حاجة فى إجراء الآية على ظاهرها الى إضمار ~~قبل التوبة. والله أعلم. PageV02P236 ### ||| * المسألة السادسة والثلاثون ### ||| * فى ### ||| * أن وعيد الفساق منقطع # مذهبنا : أنه تعالى وان عذب الفساق من أهل الصلاة ، الا أنه لا يتركهم فى ~~النار دائما مؤبدا بل يخرجهم الى الجنة. # وقالت المعتزلة : ان الفاسق يبقى فى النار دائما. # والمعتمد لنا فى هذه المسألة : ان هذا الفاسق اما أن لا يكون مستحقا ~~للعقاب ، أو يكون مستحقا للعقاب ، لكنه مع ذلك أيضا مستحق للثواب. ومتى كان ~~الأمر كذلك ، وجب أن يكون العقاب منقطعا. # بيان المقدمة الأولى : ان هذا الفاسق قبل أن صدر عنه هذا الفسق ، كان من ~~أهل الثواب ، بحكم ايمانه وسائر طاعاته. أما عندنا فبحكم الوعد ، وأما عند ~~الخصم فبحكم الاستحقاق. واذا صدر عنه الفسق بعد ذلك فأما أن يصير بسبب ذلك ~~الفسق مستحقا للعقاب أو لا يصير كذلك. فان لم يصر مستحقا للعقاب ، فنقول : ~~كان هذا الانسان على هذا التقدير مستحقا للثواب ، ولم يصر بسبب هذا الفعل ~~مستحقا للعقاب ، فوجب أن لا يعاقب ، فضلا عن أن يكون عقابه دائما. # وأما ان قلنا : انه صار بفسقه مستحقا للعقاب. فنقول : استحقاق العقاب لا ~~يزيل ما كان ثابتا له من استحقاق الثواب. واذا كان كذلك ، وجب أن لا يكون ~~عذابه دائما. # وانما قلنا : ان العقاب الطارئ لا يزيل الثواب المتقدم. لأنه لو أزاله ~~لكان اما أن يقال الموازنة معتبرة أو غير معتبرة. وأعنى بالموازنة : أن ~~يقال : كان الثواب عشرة أجزاء ، والعقاب الطارئ PageV02P237 # خمسة أجزاء. فسقط الخمسة بالخمسة ، ويبقى له من الثواب خمسة خالية عن ~~المعارض. وأما عدم الموازنة فهو أن الطارئ يسقط السابق بقدره ، ولا يسقط ~~الطارئ البتة ms411 ، بل يبقى بحاله. والقول بالموازنة مذهب «أبى هاشم» والقول ~~بعدم الموازنة مذهب «أبى على». ### ||| ** فنقول : القول بالموازنة باطل. ويدل عليه وجوه : # الأول : ان ثبوت السابق اما أن يمنع الطارئ من الدخول فى الوجود ، أو لا ~~يمنعه. فان منعه لم يدخل الطارئ فى الوجود ، واذا لم يوجد الطارئ ، بقى ~~السابق كما كان. وهذا يمنع من الإحباط. # وأما ان قلنا : ان السابق لم يمنع الطارئ من الدخول فى الوجود ، بل دخل ~~فى الوجود. فهذا الطارئ اما أن يؤثر فى عدم السابق ، أو لا يؤثر فيه. فان ~~أثر فيه صار الطارئ غالبا والسابق مغلوا ، وعند صيرورة السابق مغلوبا امتنع ~~أن يعود غالبا ، وامتنع أن يؤثر فى اعدام الطارئ. فلم تكن الموازنة حاصلة. ~~وان قلنا بأن الطارئ بعد دخوله فى الوجود ، لم يؤثر فى اعدام السابق. فعلى ~~هذا فقد وجد الطارئ مع السابق ، واجتمعا فى الوجود. وعلى هذا التقدير ، لم ~~يحصل بينهما منافاة أصلا. واذا كان كذلك ، امتنع أن يكون حدهما مؤثرا فى ~~عدم الآخر ، وفى زواله. فثبت بهذا البرهان القوى : فساد القول بالموازنة. # الوجه الثانى فى بطلانه : هو أنه لو كان كل واحد من السابق والطارئ ، ~~مؤثرا فى عدم الآخر ، لكان تأثير كل واحد منهما فى الآخر ، اما أن يكون معا ~~، أو على التعاقب. والقسمان باطلان ، فبطل القول بكون بكون كل واحد منهما ~~مؤثرا فى عدم الآخر. # وانما قلنا : انه يمتنع حصول ذلك معا ، لأن المؤثر فى عدم كل واحد منهما ~~وجود الآخر ، فلو حصل العدمان معا ، لحصل الوجودان معا ، حال حصول العدمين. ~~لأن العلة واجبة الحصول عند حصول المعلول ، فيلزم كونهما موجودين حال كونها ~~معدومين. وهو محال. PageV02P238 # وانما قلنا : انه يمتنع حصول ذلك على التعاقب لا معا ، لأنه يقتضي أن ~~يعود المغلوب بعد صيرورته مغلوبا : غالبا. وذلك محال. # الوجه الثالث : وهو أن شرط طريان أحد الضدين : زوال الضد الأول ، فلو كان ~~زوال الضد الأول معللا بطريان الضد الثانى ، لزم توقف كل واحد منهما على ~~الآخر. وهو محال. # فهذه الوجوه الثلاثة : دالة على ms412 المنع من صحة الموازنة. ### ||| ** وأما القول الثانى وهو قول أبى على ، وهو اثبات القول بالاحباط مع القول بعدم الموازنة فهذا أيضا باطل لوجهين : # الأول : ان هذا يقتضي أن من عبد الله تعالى من أول عمره الى آخره بأعظم ~~الطاعات ، ثم شرب جرعة خمر ، أن يكون حاله وحال من لم يعبد الله قط على ~~السوية. لأن عقاب شرب هذه الجرعة ، أبطل ثواب جميع تلك الطاعات ، ولم يسقط ~~البتة من عقاب هذا الشرب شيء. ومعلوم أن ذلك باطل فى بداهة العقول. # والثانى : قوله تعالى : ( @QUR@06 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) ~~(الزلزلة 7) فاذا كان عقاب الفسق أحبط ثواب الطاعات المتقدمة ، ولم يحبط ~~بسبب ثواب تلك الطاعات شيء من عقاب هذه المعصية ، فقد ضاعت تلك الخيرات ~~بالكلية. وذلك يناقض قوله تعالى : ( @QUR@06 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) ~~فثبت : أنه لو صح القول بالاحباط ، لكان اما مع الموازنة أولا مع الموازنة. ~~وثبت فساد القسمين ، فوجب القول بفساد الاحباط أيضا. # ومما يدل أيضا على فساد الاحباط : أنه اذا كان مستحقا لعشرين جزءا من ~~الثواب ، ثم أتى بمعصية استحق بها عشرة أجزاء من العقاب. فلو قلنا : بأن ~~هذا الطارئ يحبط السابق ، لكان اما أن تحبط هذه العشرة الطارئة تلك العشرين ~~المتقدمة وهذا قول باطل بالاجماع ، لأنه يكون ظلما واما أن تكون العشرة ~~الطارئة تحبط من العشرين PageV02P239 # المتقدم عشرة فقط وهذا هو مذهب القائلين بالاحباط ونقول : هذا محال ، لأن ~~نسبة هذه العشرة الطارئة الى كل واحد من العشرتين السابقتين على السوية. ~~فاذا اقتضت هذه العشرة الطارئة إزالة احدى العشرتين السابقتين ، دون العشرة ~~الأخرى ، لكان هذا ترجيحا لأحد طرفى الممكن المساوى على الآخر من غير مرجح. ~~وهو محال. ولما بطل هذا القسم ، لم يبق الا أن يقال : هذه العشرة الطارئة ~~تؤثر فى ازالة كل واحدة من العشرتين المتقدمتين وذلك هو القسم الأول. وقد ~~أبطلناه أو لا تؤثر فى ازالة شيء مما وجد قبل ذلك؟ وهذا يمنع من القول ~~بالاحباط. وهو المطلوب فثبت بمجموع ما ذكرنا : أن الفسق الطارئ لا ms413 يزيل ~~الثواب المتقدم. # اذا ثبت هذا فنقول : ثبت أن المؤمن اذا أتى بالفسق. فهو اما أن لا يستحق ~~على فسقه عقابا ، أو أن يستحق عليه عقابا. لكن هذا الاستحقاق لا يزيل ما ~~كان ثابتا قبل ذلك من استحقاق الثواب. واذا ثبت هذا وجب ايصال هذا الثواب ~~والعقاب إليه. فاما أن يوصل إليه ثواب ايمانه فى الجنة ، ثم ينقل الى النار ~~وهو باطل بالاجماع. واما أن يوصل عقاب فسقه إليه فى النار ، ثم ينقل الى ~~الجنة. وذلك هو المطلوب. ### ||| ** أما المعتزلة فقد احتجوا على الخلود بوجوه : # الشبهة الأولى : ان الفاسق بفسقه يستحق العقاب. واستحقاق العقاب يبطل ما ~~كان ثابتا قبل ذلك من استحقاق الثواب. وذلك لأن العقاب مضرة خالصة دائمة ، ~~والثواب منفعة خالصة دائمة. والجمع بينهما محال. فكان الجمع بين ~~استحقاقيهما محالا. واذا ثبت استحقاق العقاب ، وجب أن يزول استحقاق الثواب. ~~وهذا هو العمدة الكبرى لهم فى اثبات القول بالاحباط. # اذا ثبت هذا فنقول : لو نقل الفاسق من النار الى الجنة ، لكان دخول ~~الجنة. اما أن يكون بالاستحقاق ، أو بالتفضل. والأول باطل. PageV02P240 # لما بينا أن هذا الاستحقاق غير حاصل. والثانى أيضا باطل. لأن الجنة دار ~~الثواب ، لا دار التفضل. والدليل عليه : قوله تعالى : ( @QUR@08 قد أفلح ~~المؤمنون ، الذين هم في صلاتهم خاشعون ) الى قوله : ( @QUR@06 أولئك هم ~~الوارثون. الذين يرثون الفردوس ) (المؤمنون 1 11) # الشبهة الثانية : تمسكوا بالآيات المشتملة على لفظ الخلود فى وعيد ~~الفساق. كقوله تعالى : ( @QUR@08 ومن يقتل مؤمنا متعمدا ، فجزاؤه جهنم ~~خالدا فيها ) (النساء 93) قالوا : الخلود هو الدوام. واحتجوا عليه بوجوه : # أحدها : قوله تعالى : ( @QUR@010 وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ، أفإن مت ~~فهم الخالدون )؟ (الأنبياء 34) ولا شك فى أن من كان قبله ، قد جعل الله ~~لهم لبثا طويلا فى الدنيا. فلو كان الخلود عبارة عن اللبث الطويل فقط ، لم ~~يكن لهذه الآية معنى. # وثانيها : انه يصح تأكيده بلفظ التأبيد. قال تعالى : ( @QUR@03 خالدين ~~فيها أبدا ) (البينة 8) ونص أهل اللغة على أن قوله ( @QUR@01 أبدا ) تأكيد ~~لمعنى الخلود. فلولا أن لفظ الخلود يفيد الدوام ، والا ms414 لم يصح تأكيده بما ~~يفيد الدوام. # وثالثها : انه يصح أن يستثنى من الخلود ، أى مقدار ، أريد. فيقال : أنتم ~~خلدون الا كذا وكذا. والدليل عليه : قوله : ( @QUR@010 خالدين فيها ما دامت ~~السماوات والأرض. إلا ما شاء ربك ) (هود 108) # الشبهة الثالثة : قوله تعالى فى صفة الفجار : ( @QUR@04 وما هم عنها ~~بغائبين ) (الانفطار 16) ولو خرجوا من النار ، لصاروا عنها غائبين ### ||| ** والجواب عن الشبهة الأولى : من وجوه : # الأول : انها مبنية على أن المطيع يستحق بطاعته ثوابا ، والمذنب يستحق ~~بذنبه عقابا. ونحن لا نقول بذلك ، فانا لا نوجب على الله شيئا. PageV02P241 # والثانى : انا سلمنا ذلك. لكن لا نسلم أن من صفة الثواب والعقاب ، أن ~~تكون خالصة دائمة. # لا يقال : الدليل عليه : ان الموجب للثواب والعقاب ، هو الموجب بعينه ~~للمدح والذم. لكن المدح والذم يثبتان مع (1) الدوام. فاذا كان الموجب لهما ~~شيئا واحدا. وكان هذا الموجب أوجب أحد أثريه دائما ، وجب أن يوجب الأثر ~~الثانى دائما. # لأنا نقول : لا نسلم أن الفعل يوجب المدح والذم دائما. والدليل عليه : أن ~~العبد اذا أتى بجرم واحد ، فالسيد اذا لامه يوما وشهرا وسنة. وهكذا الى آخر ~~عمره ، ينسبه جميع العقلاء الى السفه والجنون. ويقال له : قد لمته مدة فالى ~~متى؟ وأيضا : فلم قلتم : انه لما كان ايجابه لأحد المعلولين على سبيل ~~الدوام ، وجب أن يكون ايجابه للمعلول الآخر كذلك؟ وما الدليل عليه؟ وأيضا. ~~فالقول بكون ذلك الفعل موجبا للمدح والذم والثواب والعقاب : محال. لأن ذلك ~~الفعل قد انعدم وانقضى وصار بعد عدمه نفيا محضا. فكيف يفعل كونه موجبا؟ # الثالث : سلمنا ما ذكرتم من صفات الثواب والعقاب ، لكن لما حصل المقتضى ~~لكل واحد من الاستحقاقين ، كان ترجيح جانب الثواب أولى. للترجيحات التى ذكرنا. # الرابع : سلمنا أن هذا الفاسق لا يدخل الجنة باستحقاقه ، فلم لا يدخلها ~~بفضل الله تعالى؟ والآيات التى تمسكوا بها معارضة بقوله تعالى فى صفة أهل ~~الجنة : ( @QUR@07 وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ) الى قوله : ( ~~@QUR@06 الذي أحلنا دار المقامة من فضله ) (فاطر 34 35) # والجواب عن الشبهة الثانية : انا لا ms415 نسلم أن الخلود هو المكث الدائم ، بل ~~هو عبارة عن المكث الطويل. والدليل عليه : أنه يقال : PageV02P242 # ان فلانا حبس حبسا مخلدا ، ويقال : هذا وقف مخلد ، وليس المراد منه الا ~~طول المكث. ومما يحقق ما قلنا : ان لفظ الخلود لا يدل على الدوام قطعا ، بل ~~ظنا ، اذ لو دل عليه قطعا ، لامتنع افتقاره الى التأكيد بلفظ التأييد. وحيث ~~أجمعوا على حسن ذلك ، علمنا أن دلالة لفظ الخلود على الدوام ، ليست قطعية. ~~وهذه المسألة قطعية ، فلم يصح (2) أن يستدل بهذا اللفظ فى هذه المسألة. ### ||| ** والجواب عن الشبهة الثالثة : من وجوه : # الأول : ان قوله تعالى : ( @QUR@04 وما هم عنها بغائبين ) عائد الى ~~«الفجار» ولفظ «الفجار» يفيد الاستغراق. فيحتمل أن يكون المعنى : ان جملة ~~الفجار لا يغيبون. فان الكفار لا يخرجون من النار. واذا لم يخرجوا عن النار ~~، مع أنهم داخلون تحت لفظ «الفجار» لم يصدق على مجموع «الفجار» أنهم غائبون ~~عن النار. وعلى هذا التقدير ، نقول بموجب الآية. # والثانى : ان قوله : ( @QUR@08 إن الأبرار لفي نعيم ، وإن الفجار لفي ~~جحيم ) يقتضي كون «الأبرار» فى الحال فى النعيم ، وكون «الفجار» فى الحال ~~فى الجحيم. ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك ، فلا بد من التأويل. ونحن نحمل ذلك ~~على الاستحقاق. واذا ثبت هذا ، فقوله : ( @QUR@04 وما هم عنها بغائبين ) ~~محمول على أنهم لا يغيبون عن هذا الاستحقاق. وعلى هذا التقدير نحن نقول ~~بموجبه. الا أنه تعالى يعفو عنهم بفضله ويخرجهم بكرمه ورحمته. # الثالث : ان لفظ الفجار لا يتناول الا من كان كاملا فى فجوره. وذلك هو ~~الكافر. ويدل على ذلك : قوله تعالى : ( @QUR@010 ووجوه يومئذ عليها غبرة ، ~~ترهقها قترة ، أولئك هم الكفرة الفجرة ) (عبس 40 42) أقصى ما فى الباب أن ~~يقال : هذا تمسك بعموم لفظ الفجار. الا أنا PageV02P243 # نقول : هذه القرينة التى ذكرناها تصلح مخصصة لهذا العموم ، أو نقول : يجب ~~حمل لفظ الفجار على الكفار ، توفيقا بين هذه الآية وبين سائر الآيات ومنها ~~: قوله تعالى : ( @QUR@010 إنا قد أوحي إلينا : أن العذاب على من كذب وتولى ~~) (طه 48) ومنها : قوله تعالى : ( @QUR@06 إن ms416 الخزي اليوم والسوء على ~~الكافرين ) (النحل 27) ومنها : قوله تعالى : ( @QUR@027 كلما ألقي فيها فوج ~~، سألهم خزنتها : ألم يأتكم نذير؟ قالوا : بلى. قد جاءنا نذير فكذبنا. ~~وقلنا : ما نزل الله من شيء. إن أنتم إلا في ضلال كبير ) (الملك 8 9) وهذا ~~يقتضي بصريحه : أن كل من دخل النار ، فانه يكون مكذبا لأنبياء الله ، فيجب ~~أن من لم يكن مكذبا ، لا يدخل النار. # وهذا تمام القول فى هذه المسألة. وقد بلغ مذهبنا فى الظهور مبلغا عظيما. ~~اللهم اجعلنا من أهل عفوك وفضلك ومغفرتك واحسانك ، وافعل بنا ما أنت أهله ، ~~ولا تفعل بنا ما نحن أهله. يا ذا المن والكرم ، ويا ذا الجلال والاكرام ~~والجود والانعام. PageV02P244 ### ||| * المسألة السابعة والثلاثون ### ||| * فى ### ||| * شفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم # اتفقت الأمة على اثبات هذه الشفاعة. الا أن المعتزلة قالوا بتأثيرها فى ~~ايصال ازدياد النعيم الى أهل الثواب. وأصحابنا قالوا. ذلك حق. ولكن من جملة ~~تأثيراتها اسقاط العقاب عن أهل العقاب. ### ||| ** لنا : وجوه : ### |||| ** الحجة الأولى : انه تعالى أمر محمدا عليه السلام بالاستغفار للمذنبين. فقال تعالى : ( ~~@QUR@04 واستغفر لذنبك ، وللمؤمنين والمؤمنات ) (محمد 19) والفاسق مؤمن. ~~بدليل قوله تعالى : ( @QUR@015 وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ، فأصلحوا ~~بينهما. فإن بغت إحداهما على الأخرى. فقاتلوا التي تبغي ) (الحجرات 9) ~~فسماه مؤمنا حال كونه باغيا. # وقال : ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا : كتب عليكم القصاص في القتلى ) ~~(البقرة 178) سماه مؤمنا حال قتل النفس بغير الحق. # فثبت بهذا : أن الله تعالى أمر محمدا عليه السلام بأن يستغفر للفاسق. فذا ~~طلب محمد عليه السلام المغفرة للفاسق ، فلا بد أن يريد أن لا يرده الله عن ~~مطلوبه ، بل يقبل شفاعته. واذا ثبت أن محمدا عليه السلام يريد ذلك ، وجب أن ~~يقبل الله ذلك لقوله : ( @QUR@04 ولسوف يعطيك ربك فترضى ) (الضحى 5) ويلزم ~~من مجموع ذلك : أن الله تعالى يقبل شفاعة محمد عليه السلام فى حق الفساق. ### |||| ** الحجة الثانية : قوله تعالى : ( @QUR@016 «يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ، ونسوق ~~المجرمين إلى جهنم وردا ، لا يملكون الشفاعة ، إلا من PageV02P245 # @QUR@04 اتخذ عند الرحمن عهدا ) (مريم 85 87) فنقول ms417 : الذي فى ظاهر الآية ~~: أن المجرمين لا يملكون الشفاعة لغيرهم ، أو أن غيرهم لا يملكون الشفاعة ~~لهم ، لأن المصدر كما يحسن اضافته الى الفاعل ، يحسن أيضا اضافته الى ~~المفعول. الا أنا نقول : حمل الآية على الوجه الأول غير جائز. لأن حملها ~~عليه يجرى مجرى إيضاح الواضحات. فان كل أحد يعلم أن المجرمين الذين يساقون ~~الى جهنم ، لا يملكون الشفاعة لغيرهم. ولما بطل هذا ، ثبت وجوب حمل الآية ~~على الوجه الثانى. # اذا ثبت هذا ، فنقول : الآية دالة على حصول الشفاعة لأهل الكبائر. لأنه ~~تعالى قال : ( @QUR@06 إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا ) والتقدير : أن ~~المجرمين لا يملكون أن يشفع لهم غيرهم ، الا اذا كانوا قد اتخذوا عند ~~الرحمن عهدا. وهذا يقتضي أن كل من اتخذ عند الرحمن عهدا ، دخل تحت هذه ~~الآية وصاحب الكبيرة اتخذ عند الرحمن عهد الايمان والتوحيد. فوجب دخوله تحت ~~هذه الآية. ولهذا يروى عن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال : «ذلك العهد عهد ~~لا إله الا الله». # أقصى ما فى الباب : أن يقال : اليهودى اتخذ عند الرحمن عهدا. وهو الايمان ~~بالله. فوجب دخوله تحت الآية. لكنا نقول : العام بعد التخصيص ، يبقى حجة ~~فيما عداه. # الحجة الثالثة : قوله تعالى فى حق الملائكة : ( @QUR@05 ولا يشفعون إلا ~~لمن ارتضى ) (الأنبياء 28) وصاحب الكبيرة مرتضى عند الله ، لأنه مرتضى عند ~~الله بحسب ايمانه. ومتى صدق عليه أنه مرتضى فى الصفة الفلانية ، صدق عليه ~~أنه مرتضى. لأنه متى صدق المركب ، فقد صدق المفرد. واذا كان كذلك ، وجب أن ~~يدخل تحت قوله : ( @QUR@03 إلا لمن ارتضى ) والاستثناء من النفى اثبات. ~~فوجب ثبوت الشفاعة له. # فان قيل : الكلام على هذا الاستدلال من وجهين : # الأول : ان الفاسق ليس بمرتضى ، فوجب أن لا يكون أهلا لشفاعة الملائكة ~~له. انما قلنا : انه ليس بمرتضى ، لأنه ليس بمرتضى بحسب PageV02P246 # فسقه. ومتى صدق عليه أنه ليس بمرتضى بحسب فسقه ، صدق عليه أنه ليس بمرتضى ~~بعين ما ذكرتم ، وحينئذ يكون داخلا تحت النفى. # الثانى : انا نحمل الآية على أن المراد ( @QUR@05 لا يشفعون ms418 إلا لمن ~~ارتضى ) الله شفاعته ، بدليل قوله تعالى : ( @QUR@07 من ذا الذي يشفع عنده ~~إلا بإذنه ) (البقرة 225) وقوله تعالى : ( @QUR@06 لا يسبقونه بالقول وهم ~~بأمره يعملون ) (الأنبياء 27) فلم (1) قلتم : ان الله ارتضى شفاعة ~~بالفاسقين وهذا (2) أول المسألة. # والجواب عن الأول : انه ثبت فى العلوم العقلية : أن المهملتين لا ~~يتناقضان. كقوله زيد عالم. وزيد ليس بعالم. لا يتناقضان. لاحتمل أن يكون ~~المراد عالما بالفقه ، وغير عالم بالكلام. فكذا قولنا : الفاسق مرتضى ~~والفاسق ليس بمرتضى. لا يتناقضان. لأنه مرتضى بحسب ايمانه غير مرتضى بحسب فسقه. # اذا ثبت هذا فنقول : لا شك أن الفاسق مرتضى بحسب ايمانه ، وثبت أنه متى ~~صدق أنه مرتضى بحسب ايمانه ، وجب أن يصدق عليه أنه مرتضى. والمستثنى هو هذا ~~القدر وكل من صدق عليه هذا القدر ، وجب أن يكون داخلا فى الاستثناء وخارجا ~~من المستثنى منه. ويلزم من هذا ، أن يقال : الفاسق من أهل الشفاعة. # والجواب عن الثانى : ان كون الشافع مأذونا لأنه يشفع لأحد الشخصين دون ~~الآخر ، لا بد أن يكون لامتياز ذلك الشخص عن الشخص الثانى ، بصفة مرضية ~~وأفعال حسنة مقبولة. فيكون الأصل والعمدة فى الباب انما هو صدور الأفعال ~~المرضية عن المشفوع له. وحمل اللفظ على المعنى الأصلي ، أولى من حمله على ~~المعنى العرضى المعتبر على سبيل التبع. واذا كان كذلك ، كان قوله : ( ~~@QUR@05 ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) معناه : PageV02P247 # ولا يشفعون (3) الا لمن ارتضى الله منه فعلا ، والفاسق قد ارتضى الله منه ~~فعلا ، وهو الايمان. فكان داخلا تحت هذا الاستثناء. # الحجة الرابعة : قوله تعالى : ( @QUR@04 فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) ~~(المدثر 48) ذكر ذلك فى معرض التهديد للكفار ، فلو كان حال المسلم كذلك ، ~~لم يبق فى هذا التهديد فرق بين المؤمن والكافر ، فكان تخصيص الكافر عبثا. # الحجة الخامسة : قوله عليه السلام : «شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى» # * * * ### ||| ** وأما المعتزلة فانهم احتجوا على قولهم بوجوه : ### |||| ** الحجة الأولى : قوله تعالى : ( @QUR@08 واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ) (البقرة 48) ~~والاستدلال بهذه الآية من ثلاثة أوجه : # أحدها : انه لو أثرت الشفاعة فى اسقاط العقاب ms419 ، لكانت قد أجزت نفس عن نفس شيئا. # وثانيها : قوله تعالى : ( @QUR@04 ولا يقبل منها شفاعة ) (البقرة 48) ~~وهذا نكرة فى معرض النفى ، فتفيد العموم. # وثالثها : قوله تعالى : ( @QUR@03 ولا هم ينصرون ) (البقرة 48) والشفاعة بصرة. # لا يقال : هذه الآية نازلة فى اليهود. # وأيضا : فهذه الآية تنفى مطلق الشفاعة. والمعتزلة يقرون باثبات هذه ~~الشفاعة فى باب زيادة المنافع. # لأنا نجيب عن الأول : بأن المذهب الصحيح : أن العبرة بعموم اللفظ لا ~~بخصوص السبب. # وعن الثانى من وجهين : PageV02P248 # الأول : ان الآية. هب أنها صارت مخصوصة ، الا أن خصوصها فى زيادة ~~الحسنات. فتبقى حجة فيما عداها. # والثانى : ان المقصود من هذه الآية : التخويف. والتخويف انما يحصل بعدم ~~اسقاط العقاب لا بعدم زيادة الحسنات. وهذا يدل على أن هذه الآية مختصة بأن ~~الشفاعات لا تأثير لها يوم القيامة ، فى اسقاط العقوبات. # الحجة الثانية : قوله تعالى : ( @QUR@07 ما للظالمين من حميم ولا شفيع ~~يطاع ) (غافر 18) والظالم من يفعل الظلم ، فيدخل تحته الكافر والفاسق. # لا يقال : هذا ينفى كون الشفيع مطاعا. ولا ينفى كونه مقبول القول. # لأنا نقول : الجواب عنه من الوجهين : # الأول : ان كل عاقل يعلم أنه ليس فى الوجود أحد يطيعه الله تعالى ، فلا ~~يكون فى حمل الآية على ما ذكرتم فائدة. # الثانى : ان الشفيع دون المشفوع إليه ، لأنه لو كان فوقه يسمى آمرا ~~وحاكما. ولا يسمى شفيعا. فلفظ الشفيع أفاد كونه دون الله تعالى ، فلم يمكن ~~حمل قوله «يطاع» على من فوقه. فكان المراد : أنه ليس لهم شفيع يجاب. # الحجة الثالثة : قوله تعالى : ( @QUR@012 من قبل أن يأتي يوم ، لا بيع ~~فيه ولا خلة ولا شفاعة ) (البقرة 254) ظاهر هذه الآية ينفى جميع الشفاعات. # الحجة الرابعة : قوله تعالى : ( @QUR@04 وما للظالمين من أنصار ) (البقرة ~~270) والشفيع لا شك أنه من الأنصار. # الحجة الخامسة : قوله تعالى فى صفة الفساق : ( @QUR@011 وإن الفجار لفي ~~جحيم ، يصلونها يوم الدين ، وما هم عنها بغائبين ) PageV02P249 # (الانفطار 14 16) ولو كانت الشفاعة مقبولة فى حق العصاة اما فى اسقاط ~~العقاب أو فى الاخراج من النار بعد الدخول فيها ، لكان قوله : ( @QUR@04 ~~وما ms420 هم عنها بغائبين ) خلفا. # الحجة السادسة : قوله تعالى : ( @QUR@05 ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) ~~(الأنبياء 28) والفاسق ليس بمرتضى ، فوجب نفى الشفاعة عنه. # الحجة السابعة : قوله تعالى : ( @QUR@010 الذين يحملون العرش ومن حوله ، ~~يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ) الى قوله : ( @QUR@02 واتبعوا سبيلك ) (غافر ~~7) ولو كانت الشفاعة حاصلة للفاسق قبل التوبة ، لكان التقييد بقيد التوبة ~~فى قوله : ( @QUR@05 فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ) عبثا. ### |||| ** الحجة الثامنة : أجمعت الأمة على أنهم يقولون : «اللهم اجعلنا من أهل شفاعة محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ». ولو لم تحصل أهلية الشفاعة الا لأهل الكبائر ، لكان ~~معنى هذا السؤال : اللهم اجعلنا من أهل الكبائر ومن الفساق. ومعلوم أن ذلك باطل. # والجواب عن جملة هذه الشبهات : بحرف واحد : وهو ان دلائلكم فى نفى ~~الشفاعة ، لا بد أن تكون عامة فى الأشخاص والأوقات. والا لم يدخل محل ~~الخلاف فيها. ودلائلنا فى اثبات الشفاعة لا بد أن تكون خاصة فى الأشخاص ~~والأوقات. لأنا لا نثبت الشفاعة فى حق كل الأشخاص ، ولا نثبتها أيضا فى ~~جميع الأوقات. فثبت : أنه لا بد أن تكون دلائلنا خاصة ، ودلائلكم عامة. ~~والخاص مقدم على العام ، فكان الترجيح من جانبنا. وأما الأجوبة المفصلة ~~فمذكورة فى «التفسير الكبير» PageV02P250 ### ||| * المسألة الثامنة والثلاثون ### ||| * فى ### ||| * أن التمسك بالدلائل اللفظية ### ||| * هل يفيد اليقين أم لا؟ # وقبل الخوض فى هذا المطلب ، يجب أن يعلم : أن الدليل اما أن بكون عقليا ~~بجميع مقدماته ، أو نقليا بجميع مقدماته ، أو يكون مركبا من القسمين. # أما (القسم الأول وهو) ان كان عقليا بجميع مقدماته فان كانت جميع مقدماته ~~يقينية ، كانت النتيجة أيضا يقينية. اذ اللازم عن المقدمات الحقة لزوما حقا ~~، لا بد أن يكون حقا. وأما ان كانت المقدمات باسرها ظنية ، أو كان بعضها ~~يقينيا ، وبعضها ظنيا ، كانت النتيجة لا محالة ظنية لأن الفرع لا يكون أقوى ~~من الأصل فاذا كان الأصل بكليته أو ببعض أجزائه ظنيا ، كان الفرع أولى بأن ~~يكون كذلك. # وأما القسم الثانى وهو الدليل الذي يكون نقليا بجميع مقدماته فهذا محال. ~~لأن الاستدلال بالكتاب والسنة ms421 موقوف على العلم بصدق الرسول. وهذا العلم لا ~~يستفاد من الدلائل النقلية. والا وقع الدور ، بل هو مستفاد من الدلائل ~~العقلية. ولا شك أن هذه المقدمة أحد الأجزاء المعتبرة فى صحة ذلك الدليل ~~النقلى فثبت : أن الدليل الذي يكون نقليا بجميع مقدماته محال باطل. # وأما القسم الثالث وهو الدليل الذي يكون بعض مقدماته عقليا وبعضها نقليا ~~فهذا أكثر. # اذا عرفت هذه المقدمة ، فنقول : اختلف العقلاء فى أن التمسك بالدلائل ~~النقلية ، هل يفيد اليقين أم لا؟ قال قوم : انه لا يفيد اليقين PageV02P251 # البتة. وذلك لأن التمسك بالدلائل النقلية ، موقوف على مقدمات عشر ، كل ~~واحدة منها ظنى ، والموقوف على الظنى أولى بأن يكون ظنيا. # أما المقدمة الأولى : فهى أن التمسك بالدلائل اللفظية موقوف على معرفة ~~اللغات. واللغات منقولة برواية الآحاد لا بالتواتر. فان رواة اللغات جمع ~~معينون من الأدباء ، ك «الخليل» و «الأصمعى» وغيرهما. ولا شك أنهم ما كانوا ~~معصومين. ومثل هذه الرواية لا يفيد الا الظن. # والمقدمة الثانية : ان التمسك بالدلائل النقلية ، موقوف على صحة النحو ، ~~لأن باختلاف الاعرابات تختلف المعانى. والنحو منقسم الى أصول ثبتت بالرواية ~~، والى فروع تثبت بالأقيسة. أما الأصول المثبتة بالروايات فهى منقولة ~~برواية الآحاد (وروايات الآحاد) لا تفيد الا الظن. # وأيضا : فالبصريون والكوفيون يكذب بعضهم بعضا ، ويطعن بعضهم فى بعض. وأما ~~الفروع المثبتة بالقياس ، فلا شك أنها فى غاية الضعف. فثبت : أن (دلالة) ~~الكل مظنونة لا معلومة. # المقدمة الثالثة : ان التمسك بالدلائل النقلية موقوف على عدم الاشتراك فى ~~الألفاظ. لأن بتقدير حصول الاشتراك فى الألفاظ ، فلعل مراد الله من هذه ~~الآية أو من هذا الخبر ، غير ما عرفناه وتصورناه ، بل معنى آخر. فاذن تعيين ~~هذا المعنى ، يتوقف على نفى الاشتراك. # المقدمة الرابعة : ان التمسك بالدلائل النقلية موقوف على وجوب حمل اللفظ ~~على حقيقته لا على مجازه. والمجازات كثيرة. فلم يكن حمل اللفظ على بعضها ~~أولى من حمله على البقية. وقولنا : الأصل فى الكلام هو الحقيقة مقدمة ظنية. # المقدمة الخامسة : ان هذا التمسك موقوف على نفى الحذف ms422 والاضمار. لأن ~~تجويزه يفضى الى انقلاب النفى اثباتا والاثبات نفيا. PageV02P252 # قال الله تعالى : ( @QUR@04 لا أقسم بيوم القيامة ) (القيامة 1) وقال : ( ~~@QUR@06 ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ) (الأعراف 12) وقال تعالى : ( @QUR@011 ~~قل : تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا ) (الأنعام 151) ~~قالوا : النفى فى هذه الآيات كلها اثبات. قال تعالى : ( @QUR@05 يبين الله ~~لكم أن تضلوا ) (النساء 176) قالوا : الاثبات هاهنا نفى ، وعدم الاضمار ~~والحذف هنا : مقدمة ظنية. # المقدمة السادسة : نفى التقديم والتأخير معتبر فى دلالة الدلائل النقلية. ~~وهى كثيرة الوقوع فى القرآن. وهى أيضا مقدمة ظنية. # المقدمة السابعة : التمسك بالعمومات انما يفيد المطلوب ، اذا لم يوجد ~~المخصص ، لكن عدم المخصص مظنون. لأن أقصى ما فى الباب أنا طلبناه فما ~~وجدناه. والاستدلال بعدم الوجدان على عدم الوجود فى غاية الضعف. # المقدمة الثامنة : شرط التمسك بالدلائل النقلية ، عدم الناسخ. وهو أيضا ~~مظنون كما بيناه فى عدم المخصص. # المقدمة التاسعة ### |||| ** : شرط التمسك بالدلائل النقلية عدم المعارض السمعى ، لأن بتقدير وجوده يجب ~~الرجوع الى الترجيحات ، التى لا تفيد الا الظن. لكن العلم بعدم ذلك المعارض ~~السمعى ، مظنون لا مقطوع. # المقدمة العاشرة : شرطه أيضا عدم المعارض العقلى القاطع ، لأن بتقدير ~~وجوده يجب صرف الظاهر السمعى الى التأويل ، وعدم هذا المعارض القطعى مظنون ~~لا معلوم ، لأن أقصى ما فى الباب : أن الانسان لا يعرف ذلك المعارض ، وعدم ~~العلم لا يفيد العلم بالعدم. # فثبت : أن الدلائل النقلية موقوفة على هذه المقدمات العشرة. وكلها ظنية. ~~والموقوف على الظنى أولى بأن يكون ظنيا ، فالدلائل النقلية ظنية. PageV02P253 # واعلم : أن هذا الكلام على اطلاقه ليس بصحيح. لأنه ربما اقترن بالدلائل ~~النقلية (1) أمور عرف وجودها بالأخبار المتواترة. وتلك الأمور تنفى هذه ~~الاحتمالات. وعلى هذا التقدير تكون الدلائل السمعية المقرونة بتلك القرائن ~~الثابتة بالأخبار المتواترة ، مفيدة لليقين. وبالله التوفيق. PageV02P254 ### ||| * المسألة التاسعة والثلاثون ### ||| * فى ### ||| * الإمامة ### ||| ** وفيها فصول : ### ||| * الفصل الأول ### ||| * فى ### ||| * وجوب الامامة # اختلف الناس فيه. وضبط المذاهب فيه : أن يقال : نصب الامام اما أن يقال : ~~واجب ، أو غير واجب. أما القائلون بأنه واجب فهم فريقان : # أحدهما ms423 : الذين قالوا : نصبه واجب. والطريق الى معرفة هذا الوجوب : السمع ~~دون العقل. وهذا هو قول أصحابنا ، وأكثر المعتزلة والزيدية. # والثانى : الذين يقولون : الطريق الى معرفة هذا الوجوب : العقل ثم هؤلاء ~~فريقان منهم من قال انه يجب عقلا على الخلق أن ينصبوا لأنفسهم رئيسا. وذلك ~~لأن نصب هذا الرئيس يتضمن دفع الضرر عن النفس ، ودفع الضرر عن النفس ، واجب عقلا. # وهذا هو قول «أبى الحسين البصرى» من المعتزلة. ومن قدمائهم قول «الجاحظ» ~~و «أبى الحسين الخياط» و «أبى القاسم الكعبى» ومنهم من قال : بل يجب على الله ~~نصب الامام للخلق. وهؤلاء فريقان : # قالت الملاحدة والاسماعيلية : انه لا سبيل الى معرفة الله الا بتعليم ~~الرسول والامام. فوجب على الله تعالى أن لا يخلى العالم عن المعصوم ، حتى ~~أن ذلك المعصوم يرشد الخلق الى معرفة الله تعالى. # وقالت الاثنا عشرية : لا حاجة فى معرفة الله الى المعصوم. PageV02P255 # الا أنه يجب على الله تعالى نصب الامام المعصوم ، ليكون لطفا فى أداء ~~الواجبات العقلية ، والاجتناب عن القبائح العقلية. وليكون أيضا : حافظا ~~للدين عن الزيادة والنقصان. # وقال بعض قدماء الشيعة : أنه يجب على الله نصب الامام ، ليعلمهم أحوال ~~الأغذية والأدوية ، ويعلمهم السموم المهلكة ، ويعرفهم الحرف والصناعات ، ~~ويصونهم عن الآفات والمخاوف. # فذا تفصيل قول من قال : انه يجب نصب الامام. ### ||| ** وأما الذين قالوا : انه غير واجب # فهم فرق : # الأول : قال «الاصم» : ان نصب الامام عند ظهور الفتن واجب. وأما عند ~~الأمن والعدل فلا. ### |||| ** الثانية : قال بعضهم : نصب الامام عند ظهور الفتن غير واجب ، لأنه ربما يصير نصبه ~~سببا لتمرد بعضهم عن الطاعة ، فتزداد الفتن. أما عند ظهور العدل فهو واجب. # الثالثة : قول أكثر الخوارج : انه لا يجب الامام فى شيء من الأوقات. فان ~~فعلوه جاز ، وان تركوه جاز أيضا. # فهذا تفصيل مذاهب الناس فى هذه المسألة. # * * * ### ||| ** ولنا فيه مقامان : # أحدهما : بيان أنه يجب على الخلق نصب رئيس لأنفسهم. # وثانيهما : بيان أنه لا يجب على الله نصب الامام لهم. # أما المقام الأول : فالدليل عليه : أن نصب الامام يتضمن ms424 اندفاع ضرر لا ~~يندفع الا بنصبه. ودفع الضرر عن النفس واجب بقدر الامكان. وهذا يقتضي أنه ~~يجب على العقلاء أن ينصبوا إماما لأنفسهم. # بيان المقام الأول : (وهو أنه يجب على الخلق نصب رئيس لأنفسهم) فهو أنا ~~نرى أن البلد اذا حصل فيه رئيس قاهر مهيب PageV02P256 # سائس ، يأمرهم بالأفعال الجميلة وينهاهم عن القبائح ، كان حال البلد فى ~~البعد عن التشويش والفساد ، والقرب من الانتظام والصلاح : أتم مما اذا لم ~~يكن لهم مثل هذا الرئيس. والعلم به ضرورى بعد استقراء العادات. فثبت : أن ~~نصب الرئيس يقتضي اندفاع أنواع من المضار ، لا تندفع الا بنصبه. واذا كان ~~كذلك ، كان نصب هذا الرئيس دافعا للضرر عن النفس. # وأما أن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الامكان ، فهذا متفق عليه بين ~~العقلاء أما عند من يقول بالحسن والقبح العقليين ، فانه يقول وجوب هذا ~~معلوم فى بداهة العقول. وأما عند من ينكر ذلك ، فانه يقول : وجوب هذا ثابت ~~باجماع الأنبياء والرسل وباتفاق جميع الأمم والأديان. # فان قيل : كما أن فى نصب هذا الرئيس هذه المصالح ، لكن فيه أنواع من ~~المفاسد. منها : أنهم ربما يستنكفون عن طاعته ، فيزداد الفساد ومنها أنه ~~ربما استولى عليهم فيظلمهم. ومنها أنه بسبب تقوية رئاسته يكثر الحرج ، ~~فيفضى الى أخذ الأموال من الضعفاء والفقراء. # قلنا : لا نزاع فى أن هذه المحذورات قد تحصل ، لكن كل عاقل يعلم أنه اذا ~~قوبلت المفاسد الحاصلة من عدم الرئيس المطاع ، بالمفاسد الحاصلة من وجوده. ~~فالمفاسد الحاصلة من عدمه ، أزيد بكثير من المفاسد الحاصلة من وجوده. وعند ~~وقوع التعارض تكون العبرة بالرجحان. فان ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل ~~، شر كثير. # فهذا ما فى هذا المقام. # وبيان المقام الثانى وهو أنه لا يجب على الله نصب الامام فالخلاف فيه مع ~~الاسماعيلية والاثنا عشرية ، على ما شرحناه. فنقول : الدليل على أنه غير ~~واجب : أنه لو وجب على الله نصب الامام ، لكان الواجب اما نصب امام يتمكن ~~المكلف من الرجوع إليه والانتفاع به فى PageV02P257 # دينه ودنياه ، أو الواجب نصب ms425 إمام سواء ، كان كذلك أو لم يكن. والقسمان ~~باطلان ، فالقول بالوجوب باطل. # انما قلنا : ان القسم الأول باطل. لأنه غير موجود. ولو كان ذلك واجبا على ~~الله تعالى لفعله. ولكنه ما فعله. فان الواحد منا اذا احتاج الى هذا الامام ~~فى أن يستفيد منه علما أو دينا ، أو يجلب بواسطته الى نفسه منفعة ، أو يدفع ~~عنها مضرة. فلو أتى بأى حيلة كانت ، لم يجد منه البتة أثرا ولا خبرا. ~~والعلم بذلك ضرورى. # وانما قلنا : ان القسم الثانى باطل ، لأن المقصود من نصب هذا الامام اما ~~منفعة دينية أو دنيوية. لا محالة. والانتفاع به يعتمد امكان الوصول إليه ، ~~ولما تعذر امكان الوصول إليه ، تعذر ذلك الانتفاع به. واذا تعذر الانتفاع ~~به ، لم يكن فى نصبه فائدة أصلا. فكان القول بوجوب نصبه عبثا. # فان قيل : ان فى نصبه أعظم الفوائد والمنافع. وهو أن يكون هاديا الى ~~معرفة الله تعالى على قول «الاسماعيلية» أو أن يكون لطفا فى أداء الواجبات ~~العقلية ، الا أن الظلمة خوفوه تخويفا ، احتاج معه الى الاختفاء والاستتار ~~، فالذنب منهم حيث أحوجوه الى الاختفاء. # فالجواب : ان هذا المكلف المعين اذا لم يفعل فعلا البتة ، يوجب أن يصير ~~الامام خائفا منه. ثم انه بقى بحال لا يمكنه الوصول الى هذا الامام بشيء من ~~الطرق. فقد صار محروما عن هذا الانتفاع ، لا بأمر صدر منه. فكن يجب على ~~الله تعالى أن يأمر الامام بأن يظهر نفسه لهذا المحتاج. ولما لم يوجد شيء ~~من ذلك ، علمنا : أنه لا أصل لهذا الحديث. # واحتج «الشريف المرتضى» على أنه يجب على الله نصب الامام بأن قال : نصب ~~الامام لطف ، واللطف على الله واجب ، فيلزم أن يكون نصب الامام واجبا على ~~الله تعالى. PageV02P258 # واعلم : أن مرادنا من اللطف : الأمر الذي علم الله تعالى من حال المكلف ~~أنه متى وجد ذلك الأمر ، كان حاله الى قبول الطاعات والاحتراز عن المعاصى ، ~~أقرب مما اذا لم يوجد ذلك الأمر ، بشرط أن لا ينتهى الى حد الالجاء. # اذا عرفت هذا فنقول ms426 : انما قلنا : أن نصب الامام لطف ، لأن الخلق اذا كان ~~لهم رئيس قاهر يمنعهم عن المعاصى ، ويأمرهم بالطاعات ، كان حالهم فى القرب ~~من الطاعات ، والبعد من المعاصى ، أكمل مما اذا لم يكن لهم مثل هذا ~~الرئيسى. والعلم بصحة ما ذكرناه بعد استقراء العادات ضرورى. ### ||| ** وانما قلنا : ان اللطف واجب على الله تعالى لوجهين : # الأول : أن من اتخذ ضيافة الانسان ، وعلم أن ذلك الانسان لا يحضر فى تلك ~~الضيافة ، الا اذا ذهب إليه المضيف بنفسه ، والتمس منه الحضور ، فان صدق ~~فيما قال إنه يريد حضور ذلك الانسان فى ضيافته وجب أن يذهب إليه بنفسه ، ~~ويلتمس منه الحضور ، وان لم يذهب إليه ولم يلتمس منه الحضور ، مع علمه بأنه ~~ان لم يفعل ذلك لم يحضر ، علمنا : أنه ما كان يريد حضور ذلك الانسان فى ~~ضيافته. فكذا (هاهنا) انه تعالى (لو) أراد من العبد فعل الطاعات والاجتناب ~~عن المحظورات وعلم أنه لا يقدم العبد على ذلك الفعل الا اذا نصب الله تعالى ~~له إماما ، وجب أن تكون تلك الإرادة مستلزمة لارادة نصب الامام. فان لم يرد ~~هذا ، امتنع كونه مريدا لتلك الطاعات. # الثانى : ان فعل اللطف ازاحة لعذر المكلف ، فوجب أن يكون واجبا ، قياسا ~~على التمكين. # والجواب عنه من وجوه كثيرة ذكرناها فى «نهاية العقول» وفى كتاب «المحصول ~~فى الأصول» ونذكر هاهنا نكتا كافية فى هذا الباب : PageV02P259 # الأول : لا نسلم أن نصب الامام لطف. # وبيانه : هو أن اللطف الذي قررتموه انما يحصل من نصب امام قاهر سائس ، ~~يرجى ثوابه ويخشى عقابه. وأنتم لا تقولون بوجوب نصب مثل هذا الامام. أما ~~الامام الذي لا يرى له فى الدنيا أثر ولا خبر ، فلا نسلم أنه لطف البتة. ~~فاذن الامام الذي يمكن بيان كونه لطفا لا توجبون وجوده ، والذي توجبون ~~وجوده ، لا يمكن بيان كونه لطفا. فسقط الاستدلال. # والثانية : كما أن كون الخلق أقرب الى الطاعة وأبعد عن المعصية ، أتم ~~وأكمل عند وجود الامام منه عند عدمه ، فكذلك هذه الأحوال ، أكمل عند وجود ~~القضاة المعصومين ، والعساكر ms427 المعصومة ، والنواب المعصومين. وأنتم لا ~~توجبون شيئا من ذلك على الله تعالى. فعدم وجوب هذه الأشياء اما أن يقال : ~~انه لأجل أن الواجب تحصيل أصل التمكين فأما تحصيل تكميل التمكين فغير واجب ~~أو يقال : كون القضاة والعساكر معصومين وان كان لطفا من هذه الوجوه الا أنه ~~ربما اشتمل على وجه خفى من وجوه المفسدة لا نعرفه. فلا جرم لا يجب على الله ~~نصب القضاة المعصومين والعساكر المعصومين. وعلى التقديرين فلم لا يجوز مثله ~~فى هذه المسألة؟ # والثالثة : أن كون الشيء مشتملا على المصلحة من بعض الوجوه ، لا يمنع ~~اشتماله على المفسدة من وجه آخر. والشيء لا يكون لطفا واجبا على الله تعالى ~~، الا اذا كان خاليا عن جميع جهات المفسدة. فاذن لا يتم القول بأن نصب ~~الامام لطف بمجرد ما ذكرتم ، بل لا بد معه من بيان كونه خاليا عن جميع جهات ~~المفسدة ، وأنتم ما بينتم ذلك فاذن لم يثبت أن نصب الامام لطف. # لا يقال : انا فى هذا المقام انما نتكلم مع «المعتزلة» وهم يسلمون لنا أن ~~المعرفة انما يجب تحصيلها علينا ، لكونها لطفا فى أداء الواجبات PageV02P260 # العقلية ، فان كان مجرد تجويز اشتمال الشيء على المفسدة ، يمنع من الحكم ~~بكونه لطفا ، وجب أيضا : أن لا يحكموا بكون المعرفة لطفا ، لأن هذا ~~الاحتمال قائم فيها. # لأنا نقول : الفرق ظاهر. وذلك لأن المعرفة لطف يجب علينا تحصيلها ، ونحن ~~اذا عرفنا فى الشيء كونه مشتملا على جهة من جهات الحسن ، ولم نعرف فيه جهة ~~من جهات القبح ، غلب على ظننا كونه لطفا. والظن فى حقنا قائم مقام العلم فى ~~كونه سببا لوجوب الفعل علينا ، فلا جرم كفى هذا القدر فى أن يجب علينا ~~تحصيل معرفة الله تعالى. # أما أنتم فانما توجبون نصب الامام على الله تعالى ، ولا يمكن الجزم ~~بوجوبه على الله ، الا اذا ثبت أنه فى علم الله تعالى خال عن جميع جهات ~~المفسدة. فأين أحد البابين من الآخر ، بل لو ورد دليل سمعى على أنه تعالى ~~فعل ذلك : استدللنا بأن ms428 الله تعالى فعله ، على خلوه عن جميع جهات القبح ، ~~وعلى كونه لطفا (1) فى نفسه ، لا على أنه واجب على الله تعالى. فظهر الفرق ~~بين البابين. # الرابعة : لا يبعد وجود زمان. متى نصب لأهل ذلك الزمان رئيس سائس ، ~~استنكفوا عن طاعته ، فيصير ذلك الرئيس فى ذلك الزمان ، سببا لازدياد ~~الفتنة. # لا يقال : هذا وان كان محتملا ، الا أنه نادر. والنادر لا عبرة به. # لأنا نقول : هب أنه نادر ، الا أنه لا زمان الا ويحتمل أن يكون ذلك ~~الزمان ، زمانا لذلك النادر. وبتقدير أن يكون كذلك ، لم يكن نصب الرئيس فيه ~~واجبا ، وحينئذ لا يمكنكم أن تقطعوا فى شيء من الأزمنة ، بأنه يجب فيه نصب ~~الامام الرئيس على الله تعالى. PageV02P261 # الخامسة : انكم اما أن تدعوا بأن نصب الامام لطف فى الشرعيات ، أو فى ~~العقليات. فان كان الأول بطل قولكم ، لأن خلو الزمان عن التكاليف الشرعية ~~جائز. فالامام الذي هو لطف فيه ، أولى أن يجوز خلو الزمان عنه. وان كان ~~الثانى فنقول : اما أن تدعو أن الامام لطف فى ادخال تلك الواجبات العقلية ~~فى الوجود ، سواء كان ادخالها فى الوجود لأجل وجود وجوبها ، أو لهذا الوجه. ~~واما أن تقولوا بأن الامام لطف فى أن يدخلها المكلف فى الوجود ، لأجل وجه ~~وجوبها. والأول باطل. لأن ادخالها فى الوجود ، لا لأجل وجه وجوبها لا عبرة ~~به البتة ، فلم يبق لكم الا أن تدعو أن الامام لطف فى أن يدخل المكلف ~~الواجبات العقلية فى الوجود ، لأجل وجه وجوبها. # وهذا مما لا يمكنكم أن تذكروا فى تقريره شيئا. وذلك لأن ادخال الفعل فى ~~الوجود لأجل وجه وجوبه ، عبارة عن كيفية من كيفيات الدواعى القائمة ~~بالقلوب. ومن أين يمكن اثبات أن نصب الامام أبدا ، له أثر فى هذه الكيفيات؟ ~~بل لو قيل : ان الأمر بالعكس ، لكان أولى. لأن الممنوع متبوع. فاذا صارا ~~الانسان محمولا على فعل من الأفعال بالتخويف ، صار متنفرا عنه. واذا صار ~~ممنوعا عن شيء ، صار راغبا فيه. # فثبت : أن هذه التمويهات التى يذكرها هؤلاء الاثنا ms429 عشرية ، تمويهات محضة. ~~وأنه متى بحث عن محل الخلاف على التعيين ، لا يمكنهم أن يذكروا فى تقرير ~~مذهبهم بعد التلخيص : خيالا. فضلا عن حجة. # السادسة : ان عند حصول هذا اللطف المقرب اما أن يعلم الله تعالى بأنه حصل ~~ما يمنع عن الفعل أو يعلم أنه لم يحصل هذا المانع البتة. فان كان الأول. ~~فلا نسلم أنه يجب فى العقول فعل مثل هذا اللطف ، لأنه اذا كان بتقدير وجوده ~~، لا يحصل الفعل ، كما أن بتقدير عدمه أيضا لا يحصل : لم يكن فعل مثل هذا ~~اللطف واجبا بل العقل يوجب الامتناع منه. لأنه لا فائدة فى فعله البتة. وان كان PageV02P262 # الثانى وهو أن الله تعالى ، علم أن هذا اللطف يرجح من جانب الفعل ، وعلم ~~أنه لم يحصل معه ما يمنع من الفعل. فمثل هذا يقتضي وجوب حصول الأثر على ما ~~بيناه فى مسألة خلق الأفعال # فلو كان نصب الامام لطفا بهذا التفسير ، لزالت المفاسد ، وحصلت المصالح ~~لا محالة. ولما لم يكن كذلك ، وجب أن لا يكون نصب الامام لطفا. # السابعة : هذا الذي يجعل نصب الامام لطفا فيه. ان كان الله تعالى عالما ~~بوقوعه كان واجب الوقوع ، فلا حاجة به الى هذا اللطف. وان كان عالما بعدم ~~وقوعه ، كان ممتنع الوقوع ، فلم يكن للطف فيه أثر البتة. # سلمنا : أن نصب الامام لطف. لكن لا نسلم أن اللطف واجب. وقد قدمنا ما يدل ~~على أنه لا يجب على الله شيء أصلا ورأسا. # فهذا هو الكلام المختصر فى هذا الباب. ### ||| * الفصل الثانى ### ||| * فى ### ||| * أنه لا يجب أن يكون الامام معصوما # قال أصحابنا والمعتزلة والزيدية والخوارج : لا يجب أن يكون الامام ~~معصوما. وقالت الاسماعيلية والاثنا عشرية : يجب. # لنا : انا سنقيم الدلالة ان شاء الله تعالى على صحة إمامة «أبى بكر» رضى ~~الله عنه وأجمعت الأمة على أنه ما كان واجب العصمة. لا أقول انه ما كان ~~معصوما. وحينئذ يحصل لنا من مجموع هاتين المقدمتين : أن الامام ليس من شرطه ~~أن يكون واجب العصمة. ### ||| ** أما الاثنا عشرية ms430 فقد احتجوا على وجوب عصمة الامام بوجوه : # الشبهة الأولى : انا انما احوجنا الخلق الى الامام ، لجواز الخطأ عليهم ، ~~فلو حصل فى الامام هذا المعنى ، لافتقر هو أيضا الى امام PageV02P263 # آخر ، فيلزم اما التسلسل أو الدور. وهما محالان ، فوجب أن لا يتحقق فيه ~~جواز الخطأ. # واعلم : أنهم احتجوا فقالوا : ان دليلنا فى وجوب وجود الامام ، وفى وجوب ~~عصمته تعينه ، هو عين الدليل الذي يعرف به ، وجود الصانع ، ووجوب وجوده. # وذلك لأنا نقول : العالم يجوز وجوده ويجوز عدمه ، فافتقر رجحان وجوده على ~~عدمه الى مرجح. فكذا قولنا : الخلق يجوز عليهم الطاعة ، ويجوز عليهم ~~المعصية ، فافتقر رجحان الطاعة على المعصية الى المرجح. وهو الامام. ثم ~~قلنا : الجواز الذي هو علة الحاجة الى المؤثر غير حاصل فى الصانع ، والا ~~لافتقر الى مؤثر آخر ، فيلزم اما الدور واما التسلسل فكذا هاهنا. # قلنا : جواز الاقدام على المعصية غير حاصل فى الامام ، والا لافتقر الى ~~امام آخر ، فيلزم اما الدور واما التسلسل. وهما محالان. فثبت : أن مسألة ~~اثبات الامامة بعينها مطابقة لمسألة اثبات الصانع. # الشبهة الثانية فى وجوب العصمة : انه ثبت بالتواتر عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن الشريعة التى جاء بها ، فانه أوجبها على جميع ~~المكلفين الى يوم القيامة. ولما أوجبها على جميع المكلفين ، وجب وصولها الى ~~جميع المكلفين. والا لكان ذلك تكليف بما لا يطاق. ### |||| ** اذا ثبت هذا ، فنقول : هذه الشرائع لا بد لها من حافظ يحفظها عن التغير ، ومن ناقل ~~ينقلها إلينا. وذلك الناقل لا بد وأن يكون واجب العصمة ، اذ لو لم يكن كذلك ~~لم يكن نقله مفيدا للعلم. وذلك الناقل الذي هو واجب العصمة اما أن يكون ~~مجموع الأمة على ما ذهب إليه من يقول : الاجماع حجة أو بعض آحاد الأمة. ~~والأول باطل. لأن وجوب عصمة كل الأمة غير ثابت بالعقل. لأنا نرى النصارى ~~على كثرتهم مجمعين على الأباطيل. فاذن وجوب عصمة مجموع الأمة PageV02P264 # لا يعرف الا بالدلائل السمعية. وكل دليل نقلى فانه لا يبعد تطرق التخصيص ~~والنسخ إليه. ms431 فاذن كل دليل يدل على أن الاجماع حجة ، فانه لا يتم كونه ~~دليلا ، الا اذا عرفنا : أنه لم يوجد له ناسخ ، ولا مخصص وانما يحصل لنا ~~العلم بهذا العدم ، لو عرفنا أنه لو حصل هذا الناسخ أو هذا المخصص لوجب أن ~~يصل إلينا. وانما نعرف أنه لو كان لوصل لنا ، لو علمنا أنه لا يجوز على ~~الأمة أن يخلوا بنقل بعض الشرائع. وانما نعرف أنه لا يجوز فيهم هذا الاخلال ~~، اذا عرفنا كونهم موصوفين بوجوب العصمة. فثبت : أن العلم بأنه لم يحصل ~~الاخلال بنقل الشريعة. متى استفدناه من الاجماع ، لزم الدور. والدور باطل. ~~فكان هذا القسم باطلا. # واذا بطل هذا القسم ، ثبت : أن المتكفل بنقل الشريعة وحفظها عن التغيير ~~والتبديل ، أشخاص معينون موصوفون بوجوب العصمة. وذلك هو المطلوب. # لا يقال : لم لا يجوز أن يقال : الشريعة تبقى محفوظة بنقل أهل التواتر؟ # لأنا نقول : نقل أهل التواتر يدل على أن ما نقلوه صحيح. لكن لا يدل على ~~أن الذي لم ينقلوه لم يوجد. فأين أحد البابين من الآخر؟ وهذه الشبهة كانوا ~~يرتبونها على وجوه سخيفة. ونحن رتبناها لهم على هذا الوجه. # الشبهة الثالثة : الامام فى اللغة عبرة عن الشخص الذي يؤم به ويقتدى به ~~كالرداء. فانه اسم لما يرتدى به ، واللحاف اسم لما يلتحف به. واذا ثبت هذا ~~فنقول : لو جوزنا الذنب على الامام ، فحال اقدامه على ذلك الذنب ، اما أن ~~يقتدى به ، أو لا يقتدى به. فان كان الأول كان الله قد أمر بالذنب. وانه ~~غير جائز. وان كان الثانى خرج الامام عن كونه إماما. لأن المأموم اذا رأى ~~ما علم حسنه فعله. واذا رأى ما علم قبحه لم يفعله. وحينئذ لا يكون متبعا له ~~، ولا مقتديا به ، بل يكون PageV02P265 # متبعا للدليل. وذلك يقدح فى كونه إماما. فثبت : أن الخطأ على الامام غير جائز. # الشبهة الرابعة : لو جاز الذنب على الامام فبتقدير اقدامه على سفك الدماء ~~واستباحة الفروج وأنواع الظلم. اما أن يجب على الرعية منعه عن هذه الأفعال ~~، أو ms432 لا يجب. فان وجب فاما أن يجب ذلك على مجموع الأمة ، أو على آحاد الأمة. # (أما القسم الأول وهو وجوب ذلك على مجموع الأمة) فلا جائز أن يقال : يجب ~~على مجموع الأمة منعه عن تلك الأفعال : لوجهين ### |||| ** الأول : ان اطباق جميع الرعايا الموجودين فى الشرق والغرب على الفعل الواحد ، ممتنع ~~، وحينئذ لا يحصل منع الامام عن تلك الأفعال المنكرة. # الثانى : انا نرى الملك العظيم اذا أقدم على فعل قبيح ، فكل واحد من آحاد ~~الرعايا ، يخاف من اظهار الانكار عليه. لأنه يخاف أن يصير غيره موافقا لذلك ~~الملك فى ذلك الفعل القبيح ، وحينئذ يأخذون هذا الواحد الذي أظهر الانكار ، ~~ويقتلونه. واذا كان هذا الخوف حاصلا لكل واحد من آحاد الرعية ، امتنع ~~اجتماعهم على منع ذلك الملك عن ذلك الفعل القبيح. # وأما القسم الثانى وهو أن يجب على كل أحد من آحاد الرعية اظهار الانكار ~~على الملك الكبير فهذا أيضا بعيد من وجهين : # الأول : ان كل واحد من آحاد الرعية ، لا يقوى على مقاومة أمير صغير ، ~~فكيف على معاداة ملك الدنيا. # الثانى : ان المقصود من نصب الامام أن يؤدب كل واحد من آحاد الرعية. فلو ~~كلفنا كل واحد من آحاد الرعية أن يؤدب الامام ، لزم الدور. فان هذا انما ~~ينزجر عن معصيته بسبب ذاك ، وذاك ينزجر بسبب هذا. ومعلوم أن الدور باطل. PageV02P266 # وأما القسم الثالث وهو أن يقال : ان عند اقدام الامام على المعاصى ~~والفواحش لا يجوز منعه عنها البتة فهو أيضا باطل ، لأن الدلائل الدالة على ~~وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر عامة. فتتناول الامام وغيره. وأيضا : ~~فعلى هذا الطريق يصير نصب الامام سببا لتكثير الفواحش. ومعلوم : أن المقصود ~~منه تقليلها. وهذا يفضى الى التناقض. فثبت : أن الامام لو لم يكن واجب ~~العصمة ، لأفضى الى هذه الأقسام الباطلة ، فوجب القول بكونه باطلا. # الشبهة الخامسة : التمسك بقوله تعالى لابراهيم ( @QUR@013 قال : إني ~~جاعلك للناس إماما. قال : ومن ذريتي. قال : لا ينال عهدي الظالمين ) ~~(البقرة 124) دلت الآية على أن عهد الامامة لا يصل الى ms433 من كان ظالما. وكل ~~من كان مذنبا ، فانه ظالم. قال تعالى : ( @QUR@03 فمنهم ظالم لنفسه ) (فاطر ~~32) فصارت الآية نصا فى أن كل من كان مذنبا ، سواء كان ذنبه ظاهر أو باطنا. ~~فانه لا يكون إماما. واذا كان كذلك ، ثبت أن الامام لا بد وأن يكون معصوما. # والجواب عن الشبهة الأولى ### |||| ** : انها مبنية على المسألة الأولى. وهى أن الخلق لما كان الخطأ عليهم جائزا ، ~~احتاجوا الى نصب الامام. وقد تقدم الجواب عن كلامهم فيه. # والجواب عن الشبهة الثانية : ان الشريعة انما تبقى محفوظة بنقل الناقل ~~المعصوم ، لو كان ذلك الناقل المعصوم بحيث يرى ويمكن الوصول إليه والرجوع ~~الى قوله. فأما اذا لم يكن كذلك ، لم تصر الشريعة محفوظة بنقله. فسقطت هذه ~~الشبهة. # والجواب عن الشبهة الثالثة : انه لا نزاع فى أنه يجب على كل واحد من آحاد ~~الرعية أن يقتدى بنواب الامام من القضاة والعلماء والشهود ، مع أنهم ~~بالاتفاق ليسوا معصومين. وكل ما يقولونه فيهم ، فهو جوابنا عن الامام ~~الأعظم. PageV02P267 # والجواب عن الشبهة الرابعة : المعارضة أيضا بنواب الامام. وذلك أن الامام ~~المعصوم ، اذا فوض الامارة والوزارة الى بعض الناس ، فذلك المفوض إليه غير ~~معصوم ، وبتقدير صدور الذنب عنه فالمانع له اما الامام الأكبر وحده ، أو مع غيره. # والأول (وهو أن المانع له هو الامام الأكبر وحده) فهو باطل. لأن الامام ~~الأكبر وحده لا يقدر على دفع ذلك الأمير مع عساكره الكثيرة. ألا ترى أن ~~«عليا» رضى الله عنه لم يقدر على دفع «معاوية» عن الأمر ، مع ما كان معه من ~~العساكر الكثيرة. فضلا عن أن يقدر عليه وحده. # والثانى وهو أن الدافع لذلك الأمر هو الامام الأكبر مع عساكره فهذا أيضا ~~باطل. لأن عساكره ليسوا معصومين ، فربما لا يمتثلون أمر الامام المعصوم. # فثبت : أن تفويض الامارة والوزارة الى غير المعصوم ، سبب لازدياد الشر ~~والفتنة. وكل ما تقولونه هاهنا ، فنحن أيضا نقوله فى الامام. # والجواب عن الشبهة الخامسة : ان الآية دالة على أن شرط الامام أن لا يكون ~~مشتغلا بالذنب. فاما أن يكون ms434 واجب العصمة ، فلا دلالة فى الآية عليه. ### ||| * الفصل الثالث ### ||| * فى ### ||| * فيما يصير الامام به إماما # اتفقت الأمة على أن النص من الله تعالى ورسوله على شخص بالامامة سبب ~~مستقل لصيرورته إماما. لكنهم اختلفوا فى أنه هل يصير إماما بطريق آخر سوى ~~هذا التنصيص أم لا؟ فقالت الزيدية : ان الفاطمى اذا كان عالما زاهدا وخرج ~~بالسيف ودعى الى نفسه بالامامة، PageV02P268 # صار أماما. وقال أصحابنا والمعتزلة : عقد البيعة سبب لحصول الامامة. ~~والاثنا عشرية أنكروا ذلك. # لنا : انا سنقيم الدلالة على صحة إمامة «أبى بكر» رضى الله عنه وإمامته ~~لم تنعقد الا بالبيعة. وهذا يقتضي أن البيعة طريق لحصول الامامة. أما ~~الاثنا عشرية فقد احتجوا على أن البيعة لا يمكن أن تكون سببا لحصول الامامة ~~بوجوه : # الشبهة الأولى : ان هؤلاء الذين يبايعون الامام لا قدرة لهم البتة على ~~التصرف فى أقل الأمور وعلى أقل الاشخاص. ومن لا قدرة له على التصرف فى أقل ~~الأمور وعلى أقل الأشخاص. كيف يعقل أن تكون له قدرة على اقدار الغير على ~~التصرف فى جميع أهل الشرق والغرب؟ # الشبهة الثانية : ان اثبات الامامة بالبيعة والعقد ، يفضى الى الفتنة. ~~لأن كل أهل بلد يقولون : الامام منا أولى. والعقد (1) الصادر منا أرجح. ولا ~~يمكن ترجيح البعض على البعض ، فيفضى الى الهرج والمرج واثارة الفتنة. ~~ومعلوم أن المقصود من نصب الامام ازالة الفتنة بقدر الامكان. فنصب الامام ~~بطريق البيعة يفضى الى التناقض. فكان باطلا. # الشبهة الثالثة : ان منصب الامامة أعلى وأعظم من منصب القضاء والحسبة. ~~وأهل البيعة لما لم يتمكنوا من نصب القاضى والمحتسب ، فبأن لا يتمكنوا من ~~نصب الامام الأعظم أولى. # الشبهة الرابعة : الامام نائب الله تعالى ونائب رسوله. ونيابة الغير لا ~~تحصل الا باذن ذلك الغير ، فوجب أن لا يثبت الامام الا بنص الله ونص رسوله. ~~فثبت : أن الامامة لا تثبت الا بالنص. # الشبهة الخامسة : ان الامام يجب أن يكون واجب العصمة ، وأن PageV02P269 # يكون أفضل الخلق كلهم. وأن يكون أعلم الأمة كلهم. وأن يكون مسلما فيما ~~بينه وبين الله. ms435 ولا اطلاع لأحد من الخلق على هذه الصفات. والله تعالى هو ~~العالم بها. واذا كان كذلك وجب أن لا يصح نصب الامام الا بالنص. # الجواب عن الأول : انه منقوض بما أن الشاهد لا قدرة له على التصرف فى ~~المدعى عليه ثم ان القاضى بقوله يصير متمكن من التصرف فيه فكذا هاهنا. # والجواب عن الثانى : ان الترجيح يحصل اما بزيادة العلم أو الزهد أو السن ~~أو النسب أو كثرة ميل الخلق إليه. فان حصل الاستواء فى الكل ، وتعذر ~~الترجيح ، فيتدافعا ويبتدئا بعقد آخر. # والجواب عن الثالث : انه لا استبعاد فى أن يأذن الله تعالى فى تولية ~~الامامة ، ولا يأذن فى تولية القضاء. وأيضا : فالتحكيم جائز على مذهب بعض ~~الفقهاء. ### |||| ** وعن الرابع : وهو قولهم : اذا كان نصب الامام من الأمة ، كان الامام نائب الأمة لا نائب ~~الله تعالى. فجوابه : لم لا يجوز أن يكون اختيار الأمة شخصا معينا ، يكشف ~~عن كونه نائب الله تعالى. # وعن الخامس : انا لا نسلم أن العلم القطعى بحصول تلك الصفات ، شرط. بل ~~الشرط عندنا حصول الظن فقط. ### ||| * الفصل الرابع ### ||| * فى ### ||| * اقامة الدلالة على أن الامام الحق بعد ### ||| * رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر رضى الله عنه # والمعتمد فى المسألة : أن الأمة مجتمعة على أن الامام الحق بعد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم اما أبو بكر واما على واما العباس PageV02P270 # رضى الله عنهم واذا بطل القول بأن الامام هو على أو العباس رضى الله ~~عنهما وجب القطع بأن الامام هو أبو بكر رضى الله عنه واعلم : أن هذا الدليل ~~مبنى على مقدمات : # المقدمة الأولى : ان الأمة مجمعة على أن الامام بعد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أحد هؤلاء الثلاثة. # واعلم : أن الأنصار طلبوا الخلافة لأنفسهم فى أول الأمر وقالوا : منا ~~أمير ومنكم أمير. فلما ناظرهم «أبو بكر» فى ذلك تركوا قولهم ، فصار ذلك ~~القول باطلا باجماع الأمة. وكل من نظر فى كتب السير ، علم وتيقن اتفاق ~~الأمة على أن الامام بعد رسول ms436 الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس الا أحد هؤلاء ~~الثلاثة. # المقدمة الثانية : ان «عليا» رضى الله عنه ما كان بعد وفاة الرسول ~~عليه السلام فى العجز الى حيث لا يمكنه طلب حق نفسه ، وما كان «أبو بكر» رضى ~~الله عنه فى القوة والتسلط بحيث يمكنه غصب الحق من «على» رضى الله عنه # والدليل عليه : أن «عليا» رضى الله عنه كان فى غاية الشجاعة والشهامة. ~~وكانت «فاطمة» رضى الله عنها مع علو منصبها زوجة له. وكان «الحسن» ~~و «الحسين» رضى الله عنهما ابنيه وكان «العباس» مع علو منصبه معه. # فانه يروى فى الأخبار : أن «العباس» قال ل «على» : امدد يدك أبايعك ، حتى ~~يقول الناس : عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله ، ولا يختلف عليك اثنان. ~~و «الزبير» كان مع غاية شجاعته مع «على» فانه يروى أنه سل سيفه ، وقال : لا ~~أرضى بخلافة «أبى بكر» وأما «أبو سفيان» فانه قال : أرضيتم يا بنى «عبد ~~مناف» أن تلى عليكم «تيم» والله لأملأن الوادى عليكم خيلا ورجلا. وأما جملة ~~الأنصار فانهم كانوا أعداء «أبى بكر» وذلك لأنهم طلبوا الامامة لأنفسهم ، ~~فدفعهم أبو بكر عنها بقوله عليه السلام «الائمة من قريش» PageV02P271 # فو كان «على» رضى الله عنه منصوصا عليه نصا ظاهرا ، لعرفوه. ولو عرفوه ~~لقالوا لأبى بكر : نحن أردنا أن نأخذ الخلافة لأنفسنا ، فلما منعتنا عنها ، ~~فنحن نمنعك أيضا عن الظلم ، ونسلمها الى مستحقها. فان من المعلوم : أن ~~الخصم القوى اذا وجد مثل هذا الطعن ، لا يتركه. # فثبت بما ذكرنا : أن الامامة لو كانت حقا لعلى بالنص ، لكان فى غاية ~~القدرة على أخذها ومنع الظالم المنازع فيها. وأما أبو بكر فمعلوم أنه ما ~~كان معه عسكر ولا شوكة ولا مال. وعند الروافض أنه كان ضعيفا جبانا. ومتى ~~كان الأمر كذلك ، استحال فى مثل «على» مع كثرة أسباب أمره والقوة والشوكة ~~فى حقه ، أن يصير عاجزا فى يد شيخ ضعيف ، ليس له مال ولا عسكر ، او لا قوة ~~بدن ولا قوة قلب ، ثم يبلغ ms437 ذلك العجز الى حيث لم يخرج عن داره ، ولم يظهر ~~المحاربة والمنازعة بوجه من الوجوه. وهذا مما لا يقبله العقل البتة. # واعلم : أن أحوال الاثنى عشرية فى هذا الباب عجيب. وذلك لأنهم اذا وصفوا ~~عليا بالشجاعة والشوكة ، بالغوا فى ذلك الوصف بحيث يخرجونه عن المعقول. ~~واذا تكلموا فى هذه المسألة ، وصفوا عليا بالعجز ، ويبالغون فيه مبالغة ~~يخرجونه عن المعقول. # المقدمة الثالثة : أن نقول : لما ثبت بالاجماع : أن الامام أحد هؤلاء ~~الثلاثة فنقول : وجدنا عليا وعباسا ، تركا المنازعة مع أبى بكر. وذلك الترك ~~اما للعجز أو للقدرة ، لا جائز أن يكون للعجز ، لما قررناه فى المقدمة ~~الثانية. فثبت : أنهما تركا المنازعة مع القدرة على المنازعة. فان كانت ~~الامامة حقا لواحد منهما ، كان ترك هذه المنازعة معصية كبيرة. وذلك يوجب ~~انعزالهما. واذا ثبت انعزالهما ، ثبت القول بامامة أبى بكر رضى الله عنه. ~~وان لم تكن الامامة حقا لهما ، وجب أن تكون حقا لأبى بكر ، لئلا يخرج الحق ~~عن جميع أقوال الأمة. PageV02P272 # فثبت : أنه لا بد على كل حال من الاعتراف بامامة أبى بكر رضى الله عنه. # واعلم : أنه لا كلام للمخالف على هذا الدليل الا كلامهم المشهور من أن ~~عليا انما ترك المحاربة لأجل الفتنة والخوف. ونحن أبطلنا هذا الكلام. فيبقى ~~هذا الدليل سالما عن المعارضة. ### ||| ** أما الشيعة : فقد احتجوا على أن الامام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على بن أبى طالب لوجوه : # الشبهة الأولى وهى التى عليها يعولون وبها يصولون أن قالوا : أجمعت الأمة ~~على أن الامام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اما على ، واما أبو ~~بكر واما العباس رضى الله عنهم ولا يجوز أن يكون الامام هو أبو بكر أو ~~العباس. فتعين أن يكون الامام هو عليا. فيفتقر فى تقدير هذا الدليل الى ~~مقدمتين : # المقدمة الأولى : ان الاجماع حجة. قالوا : والدليل عليه. انا قد دللنا ~~على أن زمان التكليف لا يخلو من معصوم البتة. وقول المعصوم حجة. فاذا حصل ~~الاجماع كان ذلك ms438 الاجماع مشتملا على قول ذلك المعصوم ، فوجب أن يكون ~~الاجماع حجة. # المقدمة الثانية : ان أبا بكر والعباس لم يكونا صالحين للامامة. # قالوا : لأنه ثبت بالعقل أن الامام لا بد وأن يكون واجب العصمة ، وثبت ~~باجماع الأمة أنهما ما كانا واجبى العصمة. واذا ثبت أن الامام يجب أن يكون ~~واجب العصمة ، وثبت أنهما ما كانا واجبى العصمة ، ثبت أنهما ما كانا صالحين ~~للامامة. ولما بطلت إمامتهما وجب القطع بامامة على ، حتى لا يخرج الحق عن ~~قول كل الأمة. # فهذا هو العمدة الكبرى للاثنى عشرية فى هذه المسألة. PageV02P273 # الشبهة الثانية (1) ### |||| ** : ان أبا بكر والعباس لم يكونا صالحين للامامة. قالوا : لأنه ثبت بالعقل أنه ~~لو كان أبو بكر إماما ، لكانت إمامته. اما أن تثبت بالنص أو بالبيعة. ~~والقسمان باطلان ، فبطل القول بامامة أبى بكر. أما الحصر فلأن كل من قال ~~بامامته ، لم يثبتها الا بأحد هذين الطريقين. وانما قلنا : انه لا يمكن ~~اثباتها بالنص ، لأنه لو كان منصوصا عليه بالامامة ، لكان توقيفه يوم ~~السقيفة إمامة نفسه على البيعة ، من أعظم المعاصى. وذلك يقدح فى إمامته ، ~~ولكان قوله «أقيلونى» من أعظم المعاصى. وانما قلنا : انه لا يمكن إثباتها ~~بالبيعة ، للوجوه التى حكيناها فى الفصل الثالث ، حكاية عنهم ، ففى بين أنه ~~لا يجوز أن تكون البيعة طريقا الى ثبوت الامامة. قالوا : فثبت أنه لو كان ~~إماما ، لكانت إمامته بأحد هذين الطريقين ، وثبت فساد كل واحد منهما ، فبطل ~~القول بكونه إماما. # الشبهة الثالثة : قالوا : انه صلى الله عليه وآله وسلم نص على إمامة على بن ~~أبى طالب رضى الله عنه نصا جليا ، لا يقبل التأويل ، فوجب القطع بكونه ~~إماما. والذي يدل على وجود هذا النص الجلى : أن هذا النص ثبت بخبر التواتر ~~، وخبر التواتر يفيد العلم. # وانما قلنا : انه ثبت بخبر التواتر. لأن خبر التواتر عن الأمور الماضية ، ~~يعتبر فى كونه مفيدا للعلم بثلاث شرائط : # أولها : أن يكون المخبرون بلغوا فى الكثرة والتفرق فى البلاد الى حيث ~~يمتنع عقلا اتفاقهم على الكذب. وهذا الشرط حاصل هاهنا. ms439 وذلك لأن الشيعة مع ~~كثرتهم وتفرقهم فى مشارق الأرض ومغاربها ، يخبرون عن أن وجود هذا النص حاصل. # وثانيها : أن يكون المخبرون انما يخبرون عن أمر محسوس. وهذا الشرط حاصل ~~هاهنا. وذلك لأن المخبر عنه تنصيص محمد عليه PageV02P274 # السلام على إمامة على ، وذات محمد عليه السلام ، وذات على ، وتكلم محمد ~~عليه السلام بهذا الكلام ، كل ذلك أمر محسوس. وهذا الشرط هاهنا حاصل. # وثالثها : أن يكون حال المخبرين فى كثرتهم وامتناع اتفاقهم على الكذب فى ~~جميع الأزمنة مثل ما فى هذا الزمان. ### ||| ** والذي يدل على حصول هذا الشرط فى هذه الواقعة : وجهان : # الأول : ان هؤلاء الشيعة مع كثرتهم وامتناع اجتماعهم على الكذب ، يخبرون ~~أنه أخبرهم قوم شأنهم كذلك. وكذلك الطبقة الثانية والثالثة. وهكذا جميع ~~الطبقات الى زمان محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى رضى الله عنه (1) كانوا فى ~~الكثرة وامتناع الاجتماع على الكذب على ما هم عليه فى هذا اليوم. ولما كان ~~أهل زماننا بالغين الى التواتر ، وهؤلاء قد أخبروا : أن كل واحد من الطبقات ~~الماضية كانوا هكذا ، حصل العلم بأن الطبقات الماضية ، كانوا على هذه الصفة. # الثانى : لو فرضنا أن بعض الطبقات الماضية كانوا أقل من عدد التواتر ، ~~لوجب أن يشتهر ذلك ، وأن يصل هذا الخبر إلينا. ولما لم يصل هذا الخبر إلينا ~~، علمنا : أن المخبرين عن هذا الخبر فى جميع الطبقات كانوا موصوفين بالصفات ~~المعتبرة فى التواتر. فثبت بما ذكرنا: حصول التواتر فى نص رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم على إمامة على بن أبى طالب وخبر التواتر يفيد العلم. ~~وذلك يفيد المطلوب. # الشبهة الرابعة : أن الامام منصوص عليه من قبل الله وقبل رسوله ~~عليه السلام ، ومتى كان الأمر كذلك ، وجب أن يكون الامام هو على بن أبى طالب ~~رضى الله عنه # والفرق بين هذه الشبهة الثانية : أنهم فى الشبهة الثانية بينوا PageV02P275 # أنه لا يجوز أن تكون البيعة طريقا الى ثبوت الامامة ، وأما هاهنا فإنهم ~~لا يقولون : البيعة لا يجوز أن تكون طريقا الى الإمامة ، بل قالوا : هب ms440 أن ~~البيعة يجوز أن تكون طريقا للامامة ، الا أنه صحت (1) الدلالة على أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم نص على إمامة من يكون إماما بعده ، ثم يستنتج من ~~هذا : أن ذلك المنصوص عليه لا بد وأن يكون هو عليا. # وانما قلنا : انه عليه السلام نص على إمامة من كان إماما بعده لوجوه : # الأول ### |||| ** : أن النبي عليه السلام لم يخرج عن المدينة قط ، الا وقد استخلف عليها رجلا. ~~وانما كان يفعل ذلك كيلا يختل أمر الرعية. وهذا المعنى بعد الموت أهم. لأن ~~رعاية المصالح وقت الغيبة ، وان كانت شاقة الا أنها كانت ممكنة. أما ~~رعايتها بعد الموت فغير ممكنة فلما لم يترك الرسول عليه السلام الاستخلاف ~~وقت الغيبة القليلة ، فكيف يجوز أن يتركه وقت الغيبة العظمى وهى الموت # الثانى ### |||| ** : ان النبي عليه السلام قال : «انما أنا لكم مثل الوالد لولده ، فاذا ذهب ~~أحدكم الى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها» الحديث. فكما أنه يجب ~~على الوالد المشفق رعاية مصالح أولاده حال حياته ، فكذا يجب عليه رعاية ~~مصالحهم بعد مماته ، لئلا يضيعوا. ومعلوم أنه لو لم يستخلف ولم ينص على أحد ~~، لضاعوا فى دينهم ودنياهم ، فوجب القطع بأنه نص على من يكون إماما بعده. # الثالث : ان النبي صلى الله عليه وسلم بالغ فى الشفقة على الأمة وفى ارشادهم ~~الى الأصلح : أن علمهم فى كيفية الاستنجاء ثلاثين أدبا. ومن المعلوم أن ~~المصالح المتعلقة بالامامة التى هى أعظم المصالح فى الدين والدنيا بعد ~~الرسالة ، أعظم من سائر المصالح ، فلما علم PageV02P276 # فى أخس المصالح وأدونها رتبة وهو الاستنجاء ثلاثين أدبا ، فكيف يليق به ~~أن يرسل أمر الامامة بالكلية ، مع أنها أعظم المناصب فى الدين والدنيا؟ # الرابع : انه عليه السلام لم يخرج من الدنيا حتى صار أمر الدين كاملا ، ~~كما قال تعالى : ( @QUR@07 اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي ) ~~(المائدة 3) والامامة أعظم أركان الدين. فهذا يقتضي أن أمر الامامة قد تم ~~قبل وفاته. وهذا المعنى انما يحصل اذا قلنا : انه نص على إمامة شخص ms441 معين. ~~فثبت بمجموع ما ذكرنا : أنه عليه السلام نص حال حياته على إمامة من يكون ~~إماما بعده. ونقول : ذلك الشخص لا يجوز أن يكون هو أبو بكر ، اذ لو كان ~~كذلك ، لكان توقيفه الأمر على البيعة من أعظم المعاصى. وذلك يقدح فى ~~إمامته. ولما ثبت أنه ليس أبو بكر ولا العباس أيضا ، ثبت أنه «على» لئلا ~~يخرج الحق عن قول كل الأمة. # الشبهة الخامسة : ان عليا أفضل الخلق بعد الرسول عليه السلام . والأفضل ~~يجب أن يكون إماما. أما المقدمة الأولى : فسيجيء تفسيرها بعد ذلك. وأما ~~المقدمة الثانية : فالدليل على صحتها : أن من جعل إماما لغيره ، فقد جعل ~~متبوعا لذلك الغير ، وجعل الأكمل تبعا للأنقص قبيح فى العقول. ألا ترى أن ~~من بنى مدرسة ، فجعل واحدا من أوساط الفقهاء مدرسا فيها ، ثم أمر الشافعى ~~وأبا حنيفة أن يجلسا فى درسه ، وأن يكونا من أتباعه وأشياعه ، فان كل واحد ~~يذمه عليه ويلومه. ويقول : انك جعلت الكامل تبعا للناقص. وهذا قبيح فى ~~العقول. واذا ثبت أن عليا أفضل الخلق ، وثبت أن الأفضل هو الامام ، ثبت : ~~أن عليا أفضل الخلق ، وثبت أن الأفضل هو الامام ، ثبت : أن عليا هو الامام ~~بعد رسول الله عليه السلام . # الشبهة السادسة : قالوا : ان عليا أعلم الصحابة وأشجعهم وأشدهم التصاقا ~~برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فوجب أن يكون هو PageV02P277 # القائم مقامه. أما أنه أعلم وأشجع : فسيأتى الدليل عليه. وأما أنه أشدهم ~~التصاقا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو ظاهر. ما من حيث النسب فلا شك ~~فيه. وأما من حيث الصهرية فكذلك. واذا ثبت هذا ، وجب أن يكون هو الامام. ~~لأن الامام هو الذي يؤتم به ويقتدى به. وهذا لا يتأتى الا بسبب العلم ~~والشجاعة واذا كان علمه وشجاعته أكثر ، كان الاقتداء به والاهتداء بهداه أولى. # الشبهة السابعة : قوله : ( @QUR@07 أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم ) (النساء 59) أمر بطاعة أولى الأمر أمرا جزما. فوجب على أولى ~~الأمر أن لا يأمروا الا بالطاعة. اذ لو جاز أن ms442 يأمروا بالمعصية ، مع أن ~~الله تعالى أمرنا بطاعتهم مطلقا ، لكان قد أمرنا على هذا التقدير بالمعصية. ~~وذلك باطل. اذا ثبت هذا ، علمنا : أن أولى الأمر الذين أمرنا الله بطاعتهم ~~لا يأمرون الا بالطاعة. وهذا يقتضي أن المراد بأولى الأمر فى هذه الآية : ~~شخص واجب العصمة. فثبت : أن الامام يجب أن يكون واجب العصمة. وكل من قال ~~بذلك ، قال : انه على» رضى الله عنه # الشبهة الثامنة : ان أبا بكر والعباس ما كانا صالحين للامامة ، فتعين أن ~~يكون الامام هو على. انما قلنا انهما ما كانا صالحين. وذلك لأنهما كانا ~~كافرين فى أول الأمر. وكل من كفر بالله طرفة عين ، لم يصلح للامامة. ~~والدليل عليه : قوله تعالى : ( @QUR@019 وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات. ~~فأتمهن. قال : إني جاعلك للناس إماما. قال : ومن ذريتي قال : لا ينال عهدي ~~الظالمين ) (البقرة 124) وجه الاستدلال به : أن لفظ العهد مطلق. وذكر ~~الامامة قد جرى قبل ذلك ، فوجب أن يكون المراد من هذا العهد هو الامامة. # اذا ثبت هذا ، فنقول : كل من كان كافرا فهو ظالم ، لقوله تعالى : ( ~~@QUR@04 إن الشرك لظلم عظيم ) ولقوله تعالى : ( @QUR@03 والكافرون هم ~~الظالمون ) (البقرة 254) واذا ثبت هذا فنقول : كل شخص اتصف PageV02P278 # بالكفر فهو فى تلك الحالة يتصف بالظلم. فكان فى ذلك الوقت موصوفا بأنه ~~ظالم ، فوجب أن يصدق عليه فى ذلك الوقت : أنه لا ينال عهد الامامة. وقولنا ~~بأنه لا ينال عهد الامامة ، كلام يتناول الوقت الخاص الحاضر وجملة الأوقات ~~المستقبلة ، بدليل صحة استثناء جميع الأوقات منه. فيقال : ان هذا الظالم ~~والكافر ، لا ينال عهد الامامة ، لا بعد كفره ولا بعد ظلمه. والاستثناء ~~يخرج من الكلام ما لولاه لدخل تحت اللفظ. فثبت : أن الكافر حال ما كان ~~موصوفا بكفره ، صدق عليه أنه لا ينال عهد الامامة البتة فى شيء من أوقات ~~وجوده. لا حال كفره ولا بعد كفره. # واذا ثبت هذا ، ثبت أن كل من كفر بالله طرفة عين فانه لا ينال عهد ~~الامامة ، بمقتضى هذه الآية. وثبت أن أبا بكر وعمر والعباس رضى الله ms443 عنهم ~~كانوا قبل ظهور دين محمد عليه السلام على الكفر ، فوجب أن يخرجوا عن صلاحية ~~الامامة ، واذا خرجوا عن هذه الصلاحية تعين على رضى الله عنه للامامة. # واعلم : أن هذه الآية كما دلت على أن عليا هو الامام بعد النبي ~~عليه السلام ، فكذلك تدل على أنه لم يكفر طرفة عين بالله ، لأنه لو كان قد ~~كفر بالله فى أول عمره ، لزم بحكم هذه الآية أن لا يكون أهلا للامامة. فثبت ~~أيضا : أن أبا بكر والعباس ليسا أهلا للامامة بمقتضى هذه الآية ، فيلزم ~~خروج أبى بكر والعباس وعلى عن أهلية الامامة ، ويكون اجماع الأمة على أن ~~الامام بعد رسول الله أحد هؤلاء الثلاثة باطلا ، ولما كان الطعن فى الاجماع ~~فاسدا ، وثبت أن أبا بكر والعباس كانا قد كفرا بالله ، قبل ظهور دين محمد ~~عليه السلام ، ثبت أن عليا رضى الله عنه لم يكفر بالله قط ، حتى لا يلزم ~~الطعن فى الاجماع. # الشبهة التاسعة : التمسك بقوله تعالى : ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا : ~~اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) (التوبة 119) أمرنا بالكون مع الصادقين. ~~والأمر بالكون مع الصادقين ، مشروط بوجود من يعلم قطعا أنه من الصادقين ، ~~هو الذي يعلم منه كونه واجب العصمة. PageV02P279 # فثبت أن الخلق مأمورون بمتابعة شخص واحد واجب العصمة ، واذا ثبت ذلك ، ~~ثبت أن الامام هو «على» بالوجه الذي قررناه فى الطرق المتقدمة. # الشبهة العاشرة : التمسك بقوله تعالى : ( @QUR@08 وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض في كتاب الله ) (الأنفال 75) وهذه الأولوية مطلقة : فوجب حملها ~~على الكل ، دفعا للاجمال. وأيضا : يصح استثناء أى وصف أريد. كقوله : ( ~~@QUR@05 وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ) الا فى كونه قائما مقامه بعد ~~موته. والا فى التصرف فى اتباعه. وحكم الاستثناء اخراج ما لولاه لدخل. فثبت ~~: أن هذا اللفظ يتناول الامامة. اذا ثبت هذا ، فنقول : لا شك أن «أبا بكر» ~~ما كان من أولى الأرحام لمحمد عليه السلام ، وكان «على» كذلك ، فكان «على» ~~رضى الله عنه أولى بالامامة. # الشبهة الحادية عشرة : التمسك بقوله تعالى : ( @QUR@013 إنما وليكم الله ~~ورسوله ، والذين آمنوا ، الذين ms444 يقيمون الصلاة ، ويؤتون الزكاة. وهم راكعون ~~) (المائدة 55). ### |||| ** وجه الاستدلال بالآية : أن نقول : هذه الآية تدل على إمامة شخص معين. ومتى كان الأمر كذلك ، وجب أن ~~يكون ذلك الشخص هو على. # أما بيان المقام الأول : فالدليل عليه أن لفظ الولى مستعمل فى معنيين : # أحدهما : المتصرف. كقوله عليه السلام «أيما امرأة نكحت نفسها بغير اذن ~~وليها ، فنكاحها باطل». # والثانى : المحب والناصر. كقوله تعالى : ( @QUR@05 والمؤمنون والمؤمنات ~~بعضهم أولياء بعض ) (التوبة 71) ويجب أن لا يكون حقيقة فى معنى آخر ، ~~تقليلا للاشتراك. PageV02P280 # اذا ثبت هذا فنقول : الولى المذكور فى هذه الآية ، ليس بمعنى الناصر ، ~~فوجب أن يكون بمعنى المتصرف. وانما قلنا : انه ليس بمعنى الناصر ، لأن ~~الولى المذكور فى هذه الآية غير عام فى حق كل المؤمنين ، لأنه تعالى ذكره ~~بكلمة «انما» وهى للحصر. # قال الشاعر : # ولست بالأكثر منهم حصى %~% وانما العزة للكاثر # وأما الولاية بمعنى النصرة فهى عامة فى حق كل المؤمنين ، بدليل قوله ~~تعالى : ( @QUR@05 والمؤمنون والمؤمنات ، بعضهم أولياء بعض ) ويلزم من صحة ~~هاتين المقدمتين : القطع بأن الولاية المذكورة فى هذه الآية ليست بمعنى ~~النصرة. واذا بطل هذا المعنى ، وجب أن يكون المراد من الولاية المذكورة فى ~~هذه الآية : التصرف. فصار معنى الآية : انما المتصرف فيكم أيها الأمة هو ~~الله ورسوله والمؤمنون الموصوفون بكذا وكذا. والمتصرف فى كل الأمة هو ~~الامام. فثبت : أن هذه الآية دالة على إمامة شخص معين. # واذا ثبت هذا فنقول : وجب أن يكون ذلك الشخص هو على رضى الله عنه. ويدل ~~عليه وجهان : # الأول : ان الأمة فى هذه الآية على قولين : منهم من قال : انها لا تدل ~~على إمامة أحد منهم. ومنهم من قال : انها تدل على إمامة على بن أبى طالب. ~~وليس فى الأمة أحد يقول انها تدل على إمامة غيره. فلما ثبت دلالتها على أصل ~~الامامة ، وجب دلالتها على إمامة على بن أبى طالب ، اذ لو دلت على إمامة ~~غيره ، كان ذلك قولا ثالثا خارقا للاجماع. وهو باطل. # الثانى : انه اتفق أئمة التفسير على أن المراد بقوله تعالى ms445 : ( @QUR@07 ~~الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة. وهم راكعون ) هو على بن أبى طالب. ولما ~~دل قوله : ( @QUR@06 إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ) الموصوفون بكذا PageV02P281 # وثبت : أن المراد بذلك هو «على» ثبتت دلالة هذه الآية على إمامة على ~~إمامة من كان مرادا بقوله : ( @QUR@05 الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ) ~~«على» رضى الله عنه # الشبهة الثانية عشرة : التمسك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : «من كنت مولاه ~~فعلى مولاه» والكلام فى التمسك بهذا الخبر مبنى على مقامين : # المقام الأول : تصحيح أصل الخبر. وأقوى ما قيل فيه : ان الأمة فى هذا ~~الخبر على قولين : منهم من تمسك به فى اثبات فضيلة «على» ومنهم من تمسك به ~~فى اثبات إمامته. وذلك يقتضي اتفاقهم على قبوله. وكل خبر أجمعت الأمة على ~~قبوله ، وجب القطع بصحته. # وأما بيان المقام الثانى وهو التمسك به على الامامة لعلى فهو من وجهين : ### |||| ** الأول : ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : «أو لست أولى بكم من أنفسكم؟» قالوا : ~~بلى. قال : «فمن كنت مولاه فعلى مولاه» واعلم : أن التمسك بهذا الوجه موقوف ~~على مقدمات : # الأولى : ان لفظ «المولى» يحتمل الأولى. والدليل عليه : قوله تعالى : ( ~~@QUR@04 مأواكم النار هي مولاكم ) (الحديد 15) قال المفسرون : معناه : ~~النار أولى بكم. فدل هذا على أن لفظ المولى احتمل الأولى. # المقدمة الثانية : ان المراد من قوله : «من كنت مولاه ، فعلى مولاه» ~~معناه : من كنت أولى به ، فعلى أولى به. والدليل عليه : أن لفظ المولى ~~يحتمل الأولى. فان لم يحتمل لفظ المولى معنى آخر ، وجب حمله هاهنا على ~~الأولى ، وان احتمل معنى آخر سوى الأولى ، فنقول : على هذا التقدير يكون ~~لفظ المولى مجملا محتاجا الى البيان والتفسير. والكلام المذكور فى مقدمته ~~وهو ذكر الأولى يصلح بيانا له ، فوجب أن يكون هذا المجمل مفسرا بما ذكرنا ~~فى المقدمة الأولى إزالة للاجمال. PageV02P282 # فثبت : أنه سواء كان لفظ المولى محتملا لمعنى آخر سوى الأولى ، أو غير ~~محتمل ، فانه يجب أن يكون المولى مفسرا هاهنا بالأولى. # المقدمة الثالثة : لما ثبت أن قوله عليه السلام ms446 : «من كنت مولاه» معناه : ~~من كنت أولى به ، فعلى أولى به. فنقول : هذا يدل على الامامة. لأن قوله : ~~«من كنت ولى به فعلى أولى به» وجب حمله على ثبوت الأولوية فى جميع الأشياء ~~، بدليل صحة الاستثناء وبدليل دفع الاجمال. ومعنى الأولوية : أن نفاذ حكمه ~~فيكم أولى من نفاذ حكمهم فى أنفسهم. ولا معنى للامامة الا هذا. فثبت بهذا : ~~دلالة هذا الخبر على إمامة على بن أبى طالب. # الوجه الثانى فى بيان دلالة هذا الخبر على الامامة : أن لفظ المولى فى ~~اللغة جاء بمعنى المعتق ، والمعتق ، وابن العم ، والحليف ، والناصر ، ~~والمتصرف. ودل الاجماع : على أنه ليس المراد المعتق والمعتق وابن العم ~~والحليف. ولا يجوز أن يكون المراد الناصر ، لأنه يصير التقدير من كنت ناصرا ~~له ، فعلى ناصر له. وهذا غير جائز ، لأن هذا المعنى فى غاية الظهور فلا ~~يليق بالرسول عليه السلام أن يجمع الجمع العظيم لشرح هذا المعنى. # ولما بطل الكل لم يبق الا أن يكون المراد : المتصرف. فيصير المعنى : من ~~كنت متصرفا فيه ، كان «على» متصرفا فيه. ولا معنى للامامة الا ذلك. فثبت : ~~أن هذا الخبر يدل على إمامته. # الشبهة الثالثة عشرة : التمسك بقوله عليه السلام : «أنت منى بمنزلة هارون ~~من موسى» # أما بيان صحة هذا الخبر ، فكما تقدم ذكره فى خبر المولى. ### ||| ** وأما الاستدلال به على الامامة : فهو مبنى على مقدمات : # أولها : ان هارون عليه السلام كان خليفة لموسى عليه السلام بعد موته. ~~والدليل عليه : أنه كان خليفة له حال حياته ، فوجب أن يكون PageV02P283 # خليفة له بعد موته بتقدير أن يبقى. وانما قلنا : انه كان خليفة له حال ~~حياته ، لقوله تعالى : ( @QUR@07 وقال موسى لأخيه هارون ، اخلفني في قومي ) ~~(الأعراف 142) # وانما قلنا : انه لما كان خليفة له حال حياته ، وجب أن يكون خليفة له بعد ~~موته. لأن هارون كان بحيث لو بقى بعد وفاة موسى ، لكان خليفة له. لأنه لو ~~لم يكن كذلك ، لاقتضى ذلك انعزال هارون عن تلك الخلافة. وهذا الانعزال ~~مشتمل على الاهانة والاذلال. وذلك لا يليق ms447 بمنصب النبوة التى كانت حاصلة ~~لهارون. # وثانيها : ان المنازل قسمان : منها ما حصل ، ومنها ما كونه بحيث لو بقى ~~لحصل له. مثاله للابن مع الأب حالتان : احداهما : اذا مات الأب أخذ الابن ~~ميراثه. والثانى : ما اذا لم يمت الأب بعد ، ففى هذه الحالة الابن ، وان لم ~~يأخذ ميراثه ، لكنه حصل للابن فى هذه الساعة ، كونه بحيث لو مات الأب ، ~~لأخذ ميراثه. فكونه فى هذه الحيثية ، وبهذه الحالة : حكم حاصل فى الحال. # اذا ثبت هذا فنقول : ان هارون لما توفى قبل موسى عليه السلام ، لم يصر ~~خليفة له بعد وفاته. ولكنه كان بحال لو بقى بعد موسى ، لكان خليفة له بعد ~~موته. فكون هارون بهذه الحيثية وهذه الحالة ، صفة من صفات هارون ومنزلة من ~~منازله. وهى منزلة متحققة حاصلة فى الحال. # وثالثها : ان قوله عليه السلام : «أنت منى بمنزلة هارون من موسى» يتناول ~~جميع المنازل. ويدل عليه وجهان : # الأول : لو كان المراد منه منزلة واحدة ، مع أنها غير مذكورة ، لصار هذا ~~الحديث مجملا. والاجمال خلاف الأصل ، فوجب حمل اللفظ على كل المنازل دفعا ~~للاجمال. # والثانى : انه عليه السلام قال فى آخر هذا الحديث «الا أنه لا نبى PageV02P284 # بعدى» وهذا يدل على أن المراد من الخبر : اثبات جميع المنازل ، سوى هذه ~~المنزلة الواحدة. # واذا ثبتت هذه المقدمات الثلاث ، فنقول : الخبر دل على أن جميع المنازل ~~الحاصلة لهارون من موسى ، كانت حاصلة لعلى رضى الله عنه من محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم وثبت أن من منازل هارون من موسى ، كون هارون بحيث لو ~~عاش بعد موسى عليه السلام لكان خليفة له ، فوجب أن يكون من جملة منازل «على» ~~من محمد عليه السلام أنه بحيث لو عاش بعد محمد عليه السلام لكان خليفة له ، ~~لكنه عاش بعد محمد عليه السلام فوجب أن يكون خليفة له. # فثبت : أن هذا الخبر نص فى إمامة على بن أبى طالب رضى الله عنه # لا يقال : هذا الخبر فى واقعة طعن المنافقين فى قصة تبوك. لأنا نقول : ~~العبرة ms448 بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. # الشبهة الرابعة عشرة : ان الأمة مجمعة على أنه عليه السلام استخلف عليا ~~رضى الله عنه على المدينة فى غزوة تبوك ، ثم انه ما عزله عنها فوجب أن يبقى ~~خليفة له على المدينة بعد موته. واذا كان خليفة له على المدينة بعد موته ، ~~كان خليفة له فى كل الأمة. لأنه لا قائل بالفرق. # الشبهة الخامسة عشرة : انهم نقلوا عن أبى بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم ~~أفعالا طاعنة فى صحة الامامة. وذا بطلت إمامتهم بهذا الطريق ، ثبت القول ~~بامامة على بن أبى طالب رضى الله عنه ضرورة أنه لا قائل بالفرق. وتلك ~~المطاعن مذكورة فى الكتب المبسوطة. # * * * # والجواب : # اعلم : أنا لما أوردنا أكثر ما يتمسك القوم به فى مذهبهم ، فلنذكر أيضا: ~~بعض ما نتمسك به فى اثبات إمامة «أبى بكر» رضى الله عنه ثم نرجع الى الجواب ~~عن شبهاتهم. فنقول : لنا فى المسألة وجوه أخر من الدلائل سوى ما ذكرناه : PageV02P285 # الحجة الأولى : التمسك بقوله تعالى : ( @QUR@015 وعد الله الذين آمنوا ~~منكم وعملوا الصالحات ، ليستخلفنهم في الأرض ، كما استخلف الذين من قبلهم ) ~~(النور 55) فقوله: ( @QUR@05 الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ) صيغة جمع. ~~أقلها ثلاثة. فقد وعد الثلاثة فما فوقها من أصحاب محمد عليه السلام أن ~~يستخلفهم فى الأرض ، ويمكنهم من دينهم ، الذي ارتضى لهم. وكل ما وعد الله ~~به ، فقد فعله. ولم يوجد الا خلافة الخلفاء الأربعة ، فوجب القطع بأنها هى ~~التى وعد الله به فى هذه الآية وأثنى عليها وعظمها. وهذا يوجب القطع بصحة ~~خلافة هؤلاء الأربعة. # الحجة الثانية : التمسك بقوله تعالى : ( @QUR@028 قل للمخلفين من الأعراب ~~: ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ، تقاتلونهم أو يسلمون. فإن تطيعوا يؤتكم ~~الله أجرا حسنا ، وإن تتولوا كما توليتم من قبل ، يعذبكم عذابا أليما ) ~~(الفتح 16) # وجه الاستدلال بالآية : ان الداعى لهؤلاء الأعراب ، اما محمد عليه السلام ~~. واما أحد الخلفاء الثلاثة أعنى أبا بكر وعمر وعثمان وأما أن يكون الداعى ~~هو على رضى الله عنه ، واما أن يكون الداعى من كان بعد «على» ms449 # لا جائز أن يقال : الداعى هو محمد عليه السلام ، لقوله تعالى : ( @QUR@022 ~~سيقول المخلفون : إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها : ذرونا نتبعكم يريدون أن ~~يبدلوا كلام الله. قل : لن تتبعونا. كذلكم قال الله من قبل ) (الفتح 15) # ولا جائز أن يكن المراد هو «على» لأنه تعالى قال فى صفة هذه الدعوة : ( ~~@QUR@03 تقاتلونهم أو يسلمون ) ولم يتفق لعلى بعد النبي عليه السلام قتال ~~بسبب طلب الاسلام ، بل كانت محارباته بسبب طلب الامامة. ولا جائز أن يكون ~~المراد من كان بعد «على» لأنهم عندنا PageV02P286 # كانوا على الخطأ ، وعند الخصم كانوا على الكفر. وعلى التقديرين فلا يليق ~~بهم قوله تعالى : ( @QUR@015 فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا ، وإن تتولوا ~~كما توليتم من قبل ، يعذبكم عذابا أليما ) (الفتح 16) # ولما بطلت هذه الأقسام لم يبق الا أن يكون المراد به : أحد الخلفاء ~~الثلاثة أعنى أبا بكر وعمر وعثمان وعلى هذا التقدير تكون الآية دالة على ~~صحة خلافة أحد هؤلاء الثلاثة. ومتى صحت خلافة أحدهم ، صحت خلافة الكل ضرورة ~~أنه لا قائل بالفرق. # الحجة الثالثة : لو كانت خلافة أبى بكر باطلة ، لما كان ممدوحا معظما عند ~~الله تعالى. وقد كان كذلك ، فوجب القطع بصحة خلافته. # أما الملازمة فظاهرة. والخصم موافق عليه. ### ||| ** وانما قلنا بأنه ممدوح من عند الله لوجوه : # أحدها : قوله تعالى : ( @QUR@09 لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك ~~تحت الشجرة ) (الفتح 18) وهو ممن كان بايع تحت الشجرة ، فوجب أن يكون ممن ~~رضى الله عنه. # وثانيها : قوله تعالى : ( @QUR@013 والسابقون الأولون من المهاجرين ، ~~والأنصار ، والذين اتبعوهم بإحسان. رضي الله عنهم ورضوا عنه ) (التوبة 100 ~~الآية). ولا شك أنه كان من السابقين الأولين. فانا وان اختلفنا فى أنه هل ~~كان ايمانه قبل ايمان الكل؟ الا أن لفظ «السابقين» يفيد كل من كان له سبق ~~فى الدين. ولو لا أن المراد ذلك ، والا لما دخل فيه الأنصار. واذا ثبت أنه ~~من السابقين ، وجب أن يدخل تحت قوله : ( @QUR@05 رضي الله عنهم ورضوا عنه ) # وثالثها : قوله تعالى : ( @QUR@019 وسيجنبها الأتقى ، الذي يؤتي ماله ~~يتزكى. وما لأحد ms450 عنده من نعمة تجزى ، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى. ولسوف ~~يرضى ) (الليل 17 21) # فنقول : اتفق الأكثرون من أهل التفسير على أن المراد من هذه الآية هو أبو ~~بكر. ونحن مع هذا نقيم الدلالة عليه. PageV02P287 # فنقول : انه تعالى وصف الشخص المراد من هذه الآية بأنه أتقى. واذا كان ~~أتقى كان أكرم. لقوله تعالى : ( @QUR@05 إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ~~(الحجرات 13) والاكرم عند الله لا بد وأن يكون أفضل ، فثبت : أن المراد من ~~هذه الآية : شخص هو أفضل الخلق. وأجمعت الأمة على أن أفضل الخلق بعد الرسول ~~عليه السلام اما أبو بكر واما على فاذن هذه الآية مختصة اما بأبى بكر واما ~~بعلى. لا جائز أن تكون نازلة فى حق «على» لأن الشخص المراد من هذه الآية : ~~موصوف بوصف معين. وهو أنه ليس لأحد عنده من نعمة تجزى. و «على» ما كان كذلك. ~~لأن عليا انما نشأ فى تربية محمد عليه السلام وطعامه عنده وشرابه. وذلك نعمة تجزى. # وأما أبو بكر فانه ما كان للنبى عليه السلام فى حقه نعمة تجزى ، بل كان له ~~فى حقه نعمة الارشاد الى الدين ، الا أن هذه النعمة لا تجزى بدليل : أنه ~~تعالى حكى عن الأنبياء عليهم السلام أنهم كانوا يقولون لأممهم : ( @QUR@011 ~~وما أسئلكم عليه من أجر ، إن أجري إلا على رب العالمين ) (الشعراء 127) ولم ~~يقل تعالى : وما لأحد عنده من نعمة ، بل قال : ( @QUR@06 وما لأحد عنده من ~~نعمة تجزى ) فبهذا القيد خرج على رضى الله عنه عن أن يكون مرادا بهذه ~~الآية. فبقى أن يكون المراد بهذه الآية هو أبو بكر. # اذا ثبت هذا ، فنقول : دلت الآية أيضا : على أنه أفضل الخلق. فانه تعالى ~~لما وصفه بأنه أتقى. والأتقى أفضل ، وجب أن يكون هو أفضل الخلق. ودلت الآية ~~أيضا : على أنه تعالى راض عنه فى الحال والاستقبال ، لأنه قال : ( @QUR@02 ~~ولسوف يرضى ) وكلمة «سوف» مختصة بالاستقبال. هذا يدفع سؤال من قال : لعله ~~تعالى كان راضيا عنه فى تلك الحالة ، لما كان مرضيا ، ثم زال الرضاء عنه ~~وقت ms451 اشتغاله بالخلافة لأنه تعالى بين بقوله : ( @QUR@02 ولسوف يرضى ) بقاء ~~ذلك الرضوان فى المستقبل (1). PageV02P288 # فثبت بمجموع ما ذكرنا : أنه لو كنت خلافته باطلة ، لما كان مرضيا عند ~~الله فى الحال والاستقبال ، وثبت أنه مرضى عند الله فى الحال والاستقبال ، ~~فوجب القطع بصحة خلافته. # الحجة الرابعة : قال بعضهم : رأينا الصحابة كانوا يقولون له : خليفة رسول ~~الله. وعلى بن أبى طالب كان يخاطبه بهذا الخطاب والخصم يساعد عليه ، الا ~~أنه يحمله على التقية. ثم رأينا أن الله تعالى وصف الصحابة بالصدق. فقال : ~~( @QUR@07 للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ) الى قوله ~~تعالى : ( @QUR@03 أولئك هم الصادقون ) (الحشر 8) ولما ثبت أنهم خاطبوه ~~بخليفة رسول الله وأخبر الله عن كونهم صادقين ، لزم الحكم بأنه كان خليفة ~~رسول الله حقا. وهذا الوجه قريب. # الحجة الخامسة ### |||| ** : لو كانت الخلافة حقا لعلى ، لكان اما أن يقال : الأمة أعانوه على طلب هذا ~~الحق أو ما أعانوه. فان كان الأول وجب عليه أن يطلبه ، لأنه اذا لم يطلبه ~~مع القدرة على الطلب ، كان ذلك التقصير لا محالة عليه. وان قلنا : إنهم ما ~~أعانوه بل خذلوه ، لزم أن يقال : ان هذه الأمة كانت شر الأمم ، لكنه تعالى ~~وصف هذه الأمة بأنها خير الأمم. قال تعالى : ( @QUR@010 كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس ، تأمرون بالمعروف ، وتنهون عن المنكر ) (آل عمران 110): فوصفهم ~~بكونهم آمرين بكل معروف ، ناهين عن كل منكر. فلو أنهم خذلوا عليا وما ~~أعانوه على طلب حقه ، لكانوا شر أمة أخرجت للناس ، ولما كانوا آمرين ~~بالمعروف ، ولا ناهين عن المنكر. وكل ذلك باطل. # الحجة السادسة : التمسك بقوله عليه السلام : «اقتدوا باللذين من بعدى أبى ~~بكر وعمر» وقوله «اقتدوا» صيغة أمر. وهى اما للوجوب أو للندب. وعلى ~~التقديرين فانه يدل على جواز الاقتداء PageV02P289 # بهما فى الأحكام. ولو كانا على الخطأ والضلال ، لما جاز ذلك. والشيعة ~~طعنوا فيه من وجوه : # أحدها : انه خبر واحد ، فلا يكون حجة. # وثانيها : ان هذا لو صح ، لكان نصا فى ثبوت إمامته ، فكان يجب عليه يوم ~~السقيفة أن لا يوقف إمامته ms452 على البيعة. # وثالثها : لعله عليه السلام قال : اقتدوا باللذين من بعدى : أبا بكر وعمر. ~~فأمر أبا بكر وعمر بالاقتداء باللذين يبقيان بعده. وهو كتاب الله عز وجل ~~وعترته. كما ذكره فى خبر آخر. # والجواب عن الأول : ان أمر هؤلاء الشيعة عجيب. فانهم اذا وجدوا خبرا يقوى ~~مذهبهم ، كخبر المولى وخبر المنزلة ، زعموا : أنه متواتر واذا وجدوا خبرا ~~يقوى قولنا ، زعموا: أنه خبر واحد. وليس بصحيح. وهذا يجرى مجرى التحكم. # لا يقال : الأخبار الواردة فى حق «على» أقوى. لأن بنى أمية مع قوة ~~سلطنتهم ، بالغوا فى اخفاء مناقب «على» رضى الله عنه ولو لا قوتها والا لما ~~بقيت مع هذا المبطل القوى. # لأنا نقول : هذا معارض بما روى : أن الروافض كانوا فى جميع الأعصار ~~مبالغين فى القاء الشبهات فى فضائل أبى بكر ، ولو لا قوتها. والا لما بقيت ~~، بل الترجيح من هذا الجانب. لأن الانسان حريص على ما منع منه. فملوك بنى ~~أمية لما كان اجتهادهم فى اخفاء مناقب «على» أكثر ، كانت الدواعى أشد توفرا ~~على نقلها. # أما الروافض : فانهم يلقون الشبهات والشكوك فى فضائل أبى بكر وذلك يوجب ~~وهنها وضعفها ولما بقيت مع هذا المانع القوى ، علمنا : أنها فى غاية الصحة. # قوله : «لو صح هذا الخبر ، لكان نصا فى إمامته» # قلنا : لا نسلم لاحتمال أن يكون هذا دليلا على وجوب الاقتداء PageV02P290 # بهما فى الفتوى ، أو فى الرأى والمشورة. واذا كان هذا محتملا ، لم يكن ~~ذلك نصا فى ثبوت الامامة. بلى. انه يدل على أن إمامته الحاصلة بالبيعة حقة ~~لأنها لو كانت باطلة ، لما أمرنا الرسول عليه السلام باتباع المبطل. # قوله : «لعل الرواية» اقتدوا باللذين من بعدى أبا بكر وعمر» قلنا : فتح ~~الباب فى أمثال هذه التجوزات والتحريفات ، يفضى الى سقوط الوثوق بالقرآن ، ~~وبجميع الأخبار. فلان الاستدلال بالدلائل اللفظية ، لا يتم الا مع الاعراب. ~~فاذا وجهنا الطعن الى الاعرابات ، سقط التمسك بالكل. # الحجة السابعة : روى أنه عليه السلام قال : «الخلافة بعدى ثلاثون سنة ، ثم ~~تصير ملكا عضوضا» وصف القائمين بهذا الأمر ms453 فى مدة ثلاثين سنة بعده ، بالوصف ~~الدال على التعظيم والمدح. ووصف من جاء بعد ذلك بالوصف الدال على أنهم ~~أرباب الدنيا ، لا أرباب الدين. وذلك نص على صحة خلافة الخلفاء الأربعة. # لا يقال : هذا خبر واحد (لأنا نقول : (1) عندنا الامامة من فروع الدين ، ~~فلا يمتنع اثباتها بخبر واحد. ثم اذا أنصفنا لم نجد هذا الخبر أقل مرتبة من ~~خبر المولى وخبر المنزلة. # الحجة الثامنة : ان أبا بكر أفضل الخلق. والأفضل هو الامام. انما قلنا : ~~انه هو الأفضل لوجوه : # أحدها : التمسك بقوله تعالى : ( @QUR@02 وسيجنبها الأتقى ) (الليل 17) ~~وقد مر تقريره. # وثانيها : الخبر المشهور. وهو قوله عليه السلام : «والله ما طلعت الشمس ، ~~ولا غربت (2) على أحد بعد (3) النبيين أفضل من أبى بكر» : PageV02P291 # وثالثها : قوله عليه السلام لأبى بكر وعمر : «هذان سيدا كهول أهل الجنة ، ~~ما خلا النبيين والمرسلين» واذا ثبت أنه أفضل ، وجب أن يكون هو الامام ، ~~للوجه الذي تمسك به الخصم. وأيضا : فالخصم موافق فى هذه المقدمة. # الحجة التاسعة : انه عليه السلام استخلفه على الصلاة أيام مرض موته ، وما ~~عزله عن ذلك. فوجب أن يبقى بعد موته خليفة له فى الصلاة. واذا ثبتت خلافته ~~فى الصلاة ، ثبتت خلافته فى سائر الأمور ضرورة أنه لا قائل بالفرق. وهذا ~~الوجه الذي تمسك به أمير المؤمنين على رضى الله عنه فى اثبات إمامة الصديق. ~~حيث قال : «لا نقيلك ولا نستقيلك. قدمك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~لديننا. أفلا نقدمك فى أمور دنيانا» # فان قالوا : لم يثبت أنه عليه السلام استخلفه فى أمر الصلاة مدة مرضه. ~~قلنا : هذه القضية لا يمكن التوصل إليها الا بالروايات والكتب الصحيحة. ~~والأخبار ناطقة بذلك. مثل صحيح البخارى وغيره. فكيف يمكن مدافعته بمجرد ~~التشهى. # الحجة العاشرة : ان طريق حصول الامامة اما النص أو الاختيار. وبطل القول ~~بالنص على ما ستأتى دلائله فبقى القول بالاختيار. وكل من قال : طريق ~~الامامة هو الاختيار ، قال : الامام هو أبو بكر ، فوجب القطع بصحة إمامته. ~~ضرورة أنه لا قائل بالفرق. # واذا عرفت هذه الحجج ms454 ، فلنرجع الى الجواب عن الشبهات : # أما الشبهة الأولى وهى قولهم : أجمعت الأمة على أن الامام. أما «على» أو ~~أبو بكر أو العباس. وأبو بكر والعباس لا يصلحان للامامة لأن الامام يجب أن ~~يكون واجب العصمة. وهما ما كانا واجبى العصمة فلم يصلحا للامامة فتعين على ~~رضى الله عنه للامامة. # فالجواب : هب أن الأمة أجمعت على أن الامام أحد هؤلاء PageV02P292 # الثلاثة. فلم قلتم : ان الاجماع حجة. قالوا : لأنا دللنا على أن الزمان ~~لا يخلو عن وجود المعصوم ، واذا أجمعت الأمة اشتمل اجماعهم على قوله ، ~~وقوله حق. والمشتمل على الحق حق ، فكان اجماع الأمة حقا من هذا الوجه. # قلنا : لا نسلم أن الزمان لا يخلو عن وجود معصوم. وقد بينا ضعف دليلكم فيه. # سلمنا ذلك ، لكن لا يلزم من هذا أن الاجماع حجة ، لاحتمال أن الامام خاف ~~القوم فوافقهم على باطلهم على سبيل التقية والخوف. واذا كان الأمر كذلك ، ~~لم يلزم من هذا القدر أن الاجماع حجة. # وأما الشبهة الثانية : وهى قولهم : لو كان أبو بكر إماما ، لكانت إمامته ~~اما أن تثبت بالنص أو بالبيعة. قلنا : حصلت إمامته بالبيعة. والشبهات التى ~~ذكرتموها فى ابطال البيعة ، قد سبق الجواب عنها. # وأما الشبهة الثالثة وهى ادعاء النص الجلى فجوابها : انا لا نسلم أن ~~الرواة كانوا فى جميع الأعصار بالغين الى حد الكثرة المعتبرة فى التواتر. # قوله : «ولو كانوا فى حد الآحاد فى بعض الأعصار ، لاشتهر الآن. وليس ~~الأمر كذلك» قلنا : الجواب عنه من وجهين : # الأول : لا نسلم أنه يجب أن يشتهر ذلك ، والدليل عليه : أن كثيرا من ~~الأراجيف الكاذبة قد اشتهرت الآن فى الشرق والغرب ، ولا نعلم أن زمان ذلك ~~الوضع ، أى زمان كان؟ ولا أن ذلك الواضع ، من كان؟ # وأيضا : فان هذا النص الجلى لم يصل الى المخالفين خبره ، حتى أنا نحلف ~~بالله وبالأيمان الى لا مخارج عنها : أن خبر هذا النص ، لم يؤثر فى قلوبنا ~~، ولم يفد ظن الصحة ، فضلا عن القطع. فاذا جاز وقوع هذا النص مع عظم مرتبته ~~، ولم يصل ms455 خبره إلينا ، فلم لا يجوز PageV02P293 # أن يقال : أن رواة هذا الخبر كانوا فى حد الآحاد ، الا أن هذا الخبر لم ~~يصل إليكم؟ # الثانى : هب أنه يجب أن يشتهر. لكنه مشهور عند أهل العلم أن واضع هذا ~~المذهب أعنى ادعاء النص الجلى هو «ابن الراوندى» و «أبو عيسى الوراق» ~~وأمثالهما. من المشهورين بالكذب. ثم ان هؤلاء الروافض لشدة شغفهم بتقرير ~~مذهبهم ، قبلوا تلك الأحاديث (1) رواها الأسلاف للأخلاف. ### ||| ** ثم الذي يدل على أنه كذب محض وجوه : # الأول : ان هذا النص الجلى الذي لا يحتمل التأويل ، لو حصل. لكان اما أن ~~يقال: انه عليه السلام أوصله الى أهل التواتر ، أو ما أوصله إليهم. فان كان ~~قد أوصله إليهم لكان قد شاع واستفاض ووصل الى جمهور الأمة. ولو كان كذلك ~~لامتنع على الأعداء اخلفاء مثل هذا النص. ولو كان كذلك لامتنع اطباق الخلق ~~مع شدة محبتهم للرسول عليه السلام ومبالغتهم فى تعظيم أوامره ونواهيه ، على ~~ظلم على ابن أبى طالب ، ومنعه من حقه. فان طالب الامامة هب أنه ينكر هذا ~~النص الا أن من لم يكن طالبا للامامة لا ينكره ، فما الذي يحمله على انكار ~~هذا النص الجلى ، وعلى القاء النفس فى العذاب الأليم من غير غرض ، يرجع ~~إليه فى الدنيا والآخرة؟ وأما ان قلنا : انه عليه السلام ما أوصل هذا النص ~~الجلى الى أهل التواتر ، فحينئذ لا يكون مثل هذا الخبر حجة قاطعة. ويسقط ~~هذا الكلام بالكلية. # الثانى : انه لم ينقل عن على رضى الله عنه أنه ذكر هذا النص الجلى فى شيء ~~من خطبه ومناشداته ، مع أنه ذكر خبر المولى وخبر المنزلة ، وتمسك بجميع ~~الوجوه. فلو كان هذا النص اجلى موجودا ، PageV02P294 # لكان أعظم من سائر الوجوه. وكيف يليق بالعاقل أن يترك التمسك بالحجة ~~القاطعة ، ويعول على الوجوه الخفية المحتملة؟ # الثالث : انه لو كان هذا النص الجلى موجودا ، لعرفناه. ونحن لا نعرفه ، ~~فهو غير موجود. # بيان الملازمة : انه لو جاز وجوده مع أنه لم يصل خبره إلينا ، لجاز أن ~~يقال : القرآن قد عورض ms456 ولم يصل خبره إلينا ، وأنه عليه السلام نسخ صوم رمضان ~~والتوجه الى الكعبة ، ولم يصل خبره إلينا وهذا يفضى الى تشويش الشريعة ~~بالكلية. ولا شك فى بطلانه. # لا يقال : الفرق بين الصورتين : أنه كان للقوم فى اخفاء هذا النص غرض. ~~وهو أن يكونوا هم الملوك والأمراء ، وليس لهم فى اخفاء ما ذكرتموه غرض. # لأنا نقول : انه لا يلزم من عدم غرض معين ، عدم سائر الأغراض. فعليكم أن ~~تبينوا أنه لم يوجد فى هذه الصورة شيء من الأغراض الأخر. وأما الشبهة ~~الرابعة : وهى قولهم : انه وجد النص على إمامة شخص معين ، ومتى كان كذلك ~~كان هذا الشخص هو «على». # فنقول : لا نسلم انه وجد النص على إمامة شخص بعينه. والوجوه التى ~~ذكرتموها معارضة بوجه واحد. وهو أنه يحتمل أن يقال : ان الله تعالى علم أنه ~~لو نص على شخص معين ، لاستنكفوا عن طاعته ، ولتمردوا. وكيف يبعد ذلك ~~والروافض يقولون : انه تعالى لما نص على إمامة «على» تمرد القوم وأبوا ~~اطاعته وأظهروا منازعته ومخالفته؟ # واذا ثبت هذا فنقول : المقصود من نصب الامام رعاية مصلحة الخلق. ولما علم ~~الله تعالى أن التنصيص يفضى الى الفتنة وآثاره المفسدة ، كان الأصلح ترك ~~التنصيص وتفويض الأمر الى اختيارهم. وبهذا التقرير يسقط كل ما ذكرتموه. # وأما الشبهة الخامسة : وهى أن عليا رضى الله عنه أفضل. والأفضل هو ~~الامام. فنقول : ان أصحابنا عارضوا هذا بأن أبا بكر PageV02P295 # أفضل. والأفضل هو الامام. وبالجملة فستجيء مسألة التفضيل ان شاء الله تعالى. # سلمنا : أن عليا كان أفضل. فلم قلتم : ان الأفضل هو الامام؟ ولم لا يجوز ~~إمامة المفضول مع وجود الفاضل؟ # بيانه : أن المفضول اذا كان موصوفا بالصفات المعتبرة فى الامامة ، لكنه ~~كان أقل درجة فى تلك الفضائل من غيره. ونعلم أن الامامة لو فوضت الى ذلك ~~الأفضل لحصل التشويش والاضطراب ، ولو فوضت الى هذا المفضول ، لاستقامت ~~الأمور وانتظمت المصالح ، فالعقل يقتضي تفويض الامامة الى ذلك المفضول. لأن ~~المقصود من نصب الامام رعاية المصالح. واذا كانت رعاية المصالح لا تحصل (1) ~~الا ms457 بتفويض الامامة الى هذا المفضول ، لكان ذلك واجبا. وكيف لا نقول ذلك ، ~~والروافض يقولون : إن أكثر الناس كانوا يبغضون عليا ، لأنه قتل أقاربهم. ~~ولهذا السبب أنكروا النص عليه. ومنعوه عن حقه. واذا كان كذلك ، فهم قد ~~اعترفوا بأن تفويض الامامة إليه ، منشأ الفتن. وحينئذ يظهر ما ذكرناه وهذا ~~هو الجواب بعينه عن الشبهة السادسة # وأما الشبهة السابعة : وهى التمسك بقوله تعالى : ( @QUR@07 أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) (النساء 59) الآية. فنقول : لو كان ~~المراد من أولى الأمر هو المعصوم ، لكان ظاهرا ، لأن الأمر بطاعته مشروط ~~بالقدرة على الوصول إليه ، لكنه غير ظاهر ، فعلمنا : أن قوله : ( @QUR@07 ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) ليس أمرا بطاعة المعصوم. # لا يقال : نضمر فى الآية شيئا. والتقدير : أطيعوا اذا ظهر. # لأنا نقول : اذا فتحتم باب الاضمار ، فليس اضماركم أول من اضمرنا. فانا ~~نقول : التقدير أطيعوه اذا أمركم بالطاعة. PageV02P296 # وأما الشبهة الثامنة : وهى التمسك بقوله تعالى : ( @QUR@04 لا ينال عهدي ~~الظالمين ) (البقرة 124). فجوابه لم لا يجوز أن يكون ذلك مقصورا على زمان ~~حصول صفة الظلم؟ والاعتماد فى العموم على دليل الاستثناء ، معارض بما أن ~~هذا المفهوم يحتمل التقسيم. فيقال: الظالم لا ينال عهد الامامة فى حال كونه ~~ظالما ، أو فى جميع الأحوال؟ ولو لا ان ذلك المفهوم مشترك بين هذين القسمين ~~، والا لم يصح تقسيمه إليهما. # وأما الشبهة التاسعة : وهى التمسك بقوله تعالى : ( @QUR@03 وكونوا مع ~~الصادقين ) (التوبة 19) لا يمكن حمله على المعصومين ، لأنهم ليسوا ظاهرين ، ~~فوجب حمله على مجموع الأمة ، صونا للفظ عن التعطيل. فتصير هذه الآية دليلا ~~على أن الاجماع حجة. # وأما الشبهة العاشرة : وهى التمسك بقوله تعالى : ( @QUR@05 وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض ) (الأنفال 75) فجوابه : ان قوله ( @QUR@03 بعضهم ~~أولى ببعض ) لا يفيد العموم. والاعتماد على دليل الاستثناء ، معارض بما ~~ذكرناه فى صحة التقسيم. # وأما الشبهة الحادية عشرة : وهى التمسك بقوله تعالى : ( @QUR@04 إنما ~~وليكم الله ورسوله ) (المائدة 55) فجوابه : «الولاية المذكورة فى هذه الآية ~~خاصة ، والولاية بمعنى النصرة عامة» # قلنا : الولاية بمعنى النصرة اذا أضيفت الى من ms458 سوى على رضى الله عنه من ~~الأمة ، كانت مخصوصة لا محالة بعلى. لأن الانسان يستحيل أن يكون ناصرا ~~لنفسه. وأما اذا لم تكن مضافة الى أقوام معينين ، كانت عامة. فقوله : ( ~~@QUR@04 إنما وليكم الله ورسوله ) والمؤمنون الموصوفون بالصفة المذكورة. ~~وهذا خطاب مع كل الأمة ، سوى المؤمنين الموصوفين بالصفة المذكورة ، فلا جرم ~~كانت الولاية بمعنى النصرة هذه ، خاصة بالمؤمنين الموصوفين بالصفة ~~المذكورة. # وأما قوله : ( @QUR@05 والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) PageV02P297 # (التوبة 71) فنقول : ليست الولاية المذكورة فيه مضافة الى أقوام معينين ، ~~فلا جرم ما كانت خاصة بقوم معينين. فثبت بما ذكرنا : أنه لا يمتنع أن تكون ~~الولاية المذكورة فى قوله : ( @QUR@03 إنما وليكم الله ) هى المفسرة بمعنى ~~المحبة والنصرة. واذا بطلت هذه المقدمة ، سقطت هذه الشبهة. ثم نقول : ان دل ~~ما ذكرتم على أن الولاية المذكورة فى الآية ، بمعنى التصرف. فمعنا ما يبطل ~~ذلك. وهو من وجهين : # الأول : انه يقتضي حصول الامامة لعلى فى زمان حياة محمد عليه السلام وانه باطل. # والثانى : ان قوله تعالى : ( @QUR@09 والذين آمنوا. الذين يقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) مشتمل على سبعة ألفاظ من صيغ الجموع. فحملها ~~على الشخص الواحد خلاف الأصل. # وأما الشبهة الثانية عشرة : وهى التمسك بقوله عليه السلام : «من كنت مولاه ~~فعلى مولاه» فجوابها من وجوه : # الأول : انه خبر واحد. قوله : «الأمة اتفقت على صحته ، لأن منهم من تمسك ~~به فى تفضيل «على» ومنهم من تمسك به فى إمامته» قلنا : تدعى أن كل الأمة ~~قبلوه قبول القطع أو قبول الظن؟ الأول : ممنوع. وهو نفس المطلوب. والثانى : ~~مسلم. وهو لا ينفعكم فى مطلوبكم. سلمنا : صحة الحديث ، لكن لا نسلم أن لفظ ~~المولى يحتمل الأولى. # والاستدلال بقوله تعالى : ( @QUR@03 النار هي مولاكم ) (الحديد 15) بمعنى ~~هى أولى بكم ، معارض بما أنه لا يجوز اقامة كل واحد من هذين اللفظين مقام ~~الآخر فيقال : هذا أولى من ذلك ، ولا يقال : هذا مولى من ذلك. ويقال : هذا ~~مولى فلان ، ولا يقال : هذا أولى فلان. وسلمنا : أن لفظ المولى يحتمل ~~الأولى. ولكن لا نسلم أنه ms459 يجب حمل لفظ المولى فى هذا الحديث على الأولى. # قوله : «المولى مجمل ، والأولى يحتمل أن يكون بيانا له ، فوجب حمله عليه» ~~قلنا : هذا دليل ظنى فلا يقبل فى القطعيات. PageV02P298 # سلمنا : أنه محمول على الأولى ، لكن لا نسلم أنه يجب أن يكون أولى بهم فى ~~كل شيء ، بل يجوز أن يكون أولى بهم فى بعض الأشياء. وهو وجوب محبته وتعظيمه ~~والقطع على سلامة باطنه. فانه روى أنه عليه السلام انما قال هذا الكلام عند ~~منازعة جرت بين «زيد» و «على» فقال على لزيد : أنت مولاى. فقال زيد : لست ~~مولى لك ، وانما أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فقال عليه السلام ~~هذا الكلام ، عند هذه الواقعة. فوجب صرف الأولوية الى حكم هذه الواقعة. وهو ~~أن من كنت أولى به فى المحبة والتعظيم والقطع على سلامة الباطن ، فعلى أولى ~~به فى هذه الأحكام. ثم نقول : حمل اللفظ على ما ذكرناه أولى من حمله على ~~الامامة ، والا لزم كونه إماما حال حياة محمد عليه السلام نافذ الحكم متصرفا ~~فى الأمة. ولا شك فى بطلان هذا الكلام. # وأما الوجه الثانى من الوجهين الذين تمسكوا بهما من هذا الخبر فجوابه : ~~انا نحمل لفظ المولى على الناصر. والمعنى : من كنت ناصرا له فعلى ناصر له. ~~أو المعنى : من كنت سيدا له ، فعلى سيد له. ولا شك أن هذا اللفظ يفيد ~~التعظيم العظيم ، لما أنه يفيد القطع بسلامة باطن «على» عن الكفر والفسق ، ~~وأنه لا يحبه الا من أحبه الله (1) ورسوله. وهذا يفيد أعظم المدائح وأجل ~~المناصب. # ومما يدل قطعا على أنه ليس المراد من هذا الخبر ، تقرير الامامة : أن ~~النبي عليه السلام ما كان يخاف أحدا فى تبليغ أحكام الله تعالى. كما قال ~~تعالى : ( @QUR@09 يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) الى قوله ~~تعالى ( @QUR@04 والله يعصمك من الناس ) (المائدة 67) فلو كان غرضه تقرير ~~كونه إماما لذكره بلفظ صريح معلوم يعرفه كل أحد PageV02P299 # ولما لم يذكر ذلك اللفظ الصريح ، علمنا : أنه ليس الغرض ms460 من هذا الخبر : ~~ذكر أمر الامامة. # وأما الشبهة الثالثة عشرة : فجوابها : ان هذا الخبر من باب الآحاد على ما ~~مر تقريره فيما تقدم سلمنا صحته. لكن لا نسلم أن هارون عليه السلام كان بحيث ~~لو بقى ، لكان خليفة لموسى عليه السلام قوله : «لأنه استخلفه ، فلو عزله ، ~~كان ذلك اهانة فى حق هارون» قلنا : لا نسلم. فلم لا يجوز أن يقال : ان ذلك ~~الاستخلاف كان الى زمان معين ، فانتهى ذلك الاستخلاف بانتهاء ذلك الزمان. # وبالجملة : فهم مطالبون باقامة الدليل على لزوم النقصان عند انتهاء هذا ~~الاستخلاف ، بل هذا بالعكس أولى. لأن من كان شريك الانسان فى منصب ، ثم ~~يصير نائبا له وخليفة له ، كان ذلك يوجب نقصان حاله. فاذا أزيلت تلك ~~الخلافة ، زال ذلك النقصان ، وعاد ذلك الكمال. سلمنا : أن هارون كان بحيث ~~لو عاش ، لكان خليفة له بعد وفاته ، لكن لم قلتم : ان قوله : «أنت منى ~~بمنزلة هارون من موسى» يتناول جميع المنازل. ودليل الاستثناء معارض بحسن ~~الاستفهام وحسن التقسيم وحسن ادخال لفظى الكل والبعض عليه. # وأما الشبهة الرابعة عشرة : وهى أنه عليه السلام استخلفه فى غزاة تبوك. ~~فنقول : لم لا يجوز أن يقال : ذلك الاستخلاف كان مقدرا بمدة ذلك السفر ، ~~فلا جرم انتهى ذلك الاستخلاف بانقضاء تلك المدة. وأيضا : فانه معارض ~~باستخلاف النبي عليه السلام أبا بكر حال مرضه فى الصلاة. فان أنكروا ذلك ~~أنكرنا ذلك. # وأما الشبهة الخامسة عشرة : وهى التمسك بالمطاعن فى أبى بكر وعمر وعثمان. ~~فجوابها : ان ما ذكرناه من الدلائل على إمامة أبى بكر رضى الله عنه ، دلائل ~~يقينية. وما ذكرتموه من المطاعن محتمل. والمحتمل لا يعارض اليقين. ~~والاستقصاء فى تلك التفاصيل لا يليق بهذا المختصر. وبالله التوفيق. PageV02P300 ### ||| * الفصل الخامس ### ||| * فى ### ||| * بيان أن أفضل الناس بعد رسول الله ### ||| * صلى الله عليه وآله وسلم من هو؟ # مذهب أصحابنا : أن أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو أبو ~~بكر رضى الله عنه وهو قول قدماء المعتزلة. # ومذهب الشيعة : أنه على بن أبى طالب ms461 رضى الله عنه وهو قول أكثر المتأخرين ~~من المعتزلة. # أما أصحابنا : فقد تمسكوا بقوله تعالى : ( @QUR@02 وسيجنبها الأتقى ) ~~(الليل 17) وبقوله عليه السلام : «والله ما طلعت شمس ولا غربت على أحد بعد ~~النبيين والمرسلين ، أفضل من أبى بكر» وكل ذلك قد مضى تقريره فى الفصل ~~المتقدم. ### ||| ** وأما الشيعة فقد احتجوا على أن عليا أفضل الصحابة بوجوه : # الحجة الأولى : التمسك بقوله تعالى : ( @QUR@09 فقل : تعالوا ندع أبناءنا ~~وأبناءكم ، ونساءنا ونساءكم ، وأنفسنا وأنفسكم ) (آل عمران 61) وثبت ~~بالأخبار الصحيحة : أن المراد من قوله ( @QUR@01 وأنفسنا ) هو على. ومن ~~المعلوم أنه يمتنع أن تكون نفس «على» هى نفس «محمد» بعينه. فلا بد وأن يكون ~~المراد : هو المساواة بين النفسين. وهذا يقتضي أن كل ما حصل لمحمد من ~~الفضائل والمناقب ، فقد حصل مثله لعلى. # ترك العمل بهذا فى فضيلة النبوة ، فوجب أن تحصل المساواة بينهما فيما ~~وراء هذه الصفة. ثم لا شك أن محمدا عليه السلام كان أفضل الخلق فى سائر ~~الفضائل ، ولما كان «على» مساويا فى تلك الفضائل ، وجب أن يكون أفضل الخلق ~~، لأن المساوى للأفضل يجب أن يكون أفضل. PageV02P301 # الحجة الثانية : التمسك بخبر الطير. وهو قوله عليه السلام : «اللهم ائتنى ~~بأحب الخلق أليك ، يأكل هذا الطير معى» والمحبة من الله تعالى عبارة عن ~~كثرة الثواب والتعظيم. # الحجة الثالثة : ان عليا رضى الله عنه كان أعلم الصحابة ، والأعلم أفضل. # انما قلنا : انه كان أعلم الصحابة للاجمال والتفصيل. أما الاجمال فهو أنه ~~لا نزاع أن عليا كان فى أصل الخلقة فى غاية الذكاء والفطنة ، والاستعداد ~~للعلم. وكان محمد عليه السلام أفضل العقلاء ، وأعلم العلماء. وكان على غاية ~~الحرص فى طلب العلم ، وكان محمد عليه السلام فى غاية الحرص فى تربية «على» ~~وفى ارشاده الى اكتساب الفضائل. # ثم إن عليا رضى الله عنه نشأ من أول صغره فى حجر محمد عليه السلام ، وفى ~~كبره صار ختنا له. وكان يدخل عليه فى كل الأوقات. ومن المعلوم : أن التلميذ ~~اذا كان فى غاية الذكاء ، والحرص على النقل (1) وكان الأستاذ فى غاية الفضل ms462 ~~، وفى غاية الحرص على التعليم. ثم إن اتفق لمثل هذا التلميذ أن اتصل بخدمة ~~هذا الأستاذ من زمان الصغر ، وكان ذلك الاتصال بخدمته حاصلا فى كل الأوقات ~~فانه يبلغ ذلك التلميذ فى العلم مبلغا عظيما. # وهذا بيان اجمالى فى أن عليا كان أعلم الصحابة وأما أبو بكر فانه انما ~~اتصل بخدمته عليه السلام فى زمان الكبر. وأيضا : ما كان يصل الى خدمته فى ~~اليوم والليلة الا زمانا يسيرا ، أما على فانه اتصل بخدمته فى زمان الصغر ، ~~وقد قيل : «العلم فى الصغر كالنقش فى الحجر ، والعلم فى الكبر كالنقش فى ~~المدر» فثبت بما ذكرنا : أن عليا كان أعلم من أبى بكر PageV02P302 ### ||| ** وأما التفصيل. فيدل على ذلك وجوه : # الأول : قوله عليه السلام : «أقضاكم على» والقضاء محتاج الى جميع أنواع ~~العلوم. فلما رجحه على الكل فى القضاء ، لزم أنه رجحه عليهم فى جميع ~~العلوم. وأما سائر الصحابة ، فقد رجح كل واحد منهم على غيره ، فى علم واحد. ~~كقوله عليه السلام : «أفرضكم زيد بن ثابت ، وأقرأكم أبى» # والثانى : ان أكثر المفسرين سلموا أن قوله تعالى : ( @QUR@03 وتعيها أذن ~~واعية ) (الحاقة 12) نزل فى حق على رضى الله عنه. وتخصيصه بزيادة الفهم يدل ~~على اختصاصه بمزيد العلم. # الثالث : روى أن عمر رضى الله عنه أمر برجم امرأة ولدت لستة أشهر ، فنبهه ~~على رضى الله عنه. وقال له : الآية : ( @QUR@04 وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) ~~(الأحقاف 15) مع قوله : ( @QUR@05 والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ) ~~(البقرة 233) على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر. فقال عمر : «لو لا على لهلك ~~عمر» وروى أن امرأة أقرت بالزناء ، وكانت حاملا ، فأمر عمر برجمها. فقال ~~على : «ان كان لك سلطان عليها ، فما سلطانك على ما فى بطنها؟» فترك عمر ~~رجمها ، وقال : «لو لا على ، لهلك عمر» # فان قيل : لعل عمر أمر برجمها من غير تفحص عن حالها ، فظن أنها ليست ~~بحامل ، فلما نبهه على رضى الله عنه ترك رجمها. # قلنا : هذا يقتضي أن عمر رضى الله عنه ما كان يحتاط فى سفك الدماء. وهذا ~~أشر من ms463 الأول. # وروى أيضا : أن عمر قال يوما على المنبر : «ألا لا تغالوا فى مهور النساء ~~، فمن غالى فى مهر امرأة جعلته فى بيت المال» فقامت عجوز وقالت : يا أمير ~~المؤمنين أتمنع عنا ما أحله الله لنا؟ قال تعالى : ( @QUR@09 «وإن أردتم ~~استبدال زوج مكان زوج ، وآتيتم إحداهن قنطارا ، PageV02P303 # @QUR@04 فلا تأخذوا منه شيئا ) (النساء 20) فقال عمر رضى الله عنه : كل ~~الناس أفقه من عمر ، حتى المخدرات فى البيوت» فهذه الوقائع وقعت لغير على. ~~ومثلها لم يتفق لعلى. # الرابع : نقل عن على رضى الله عنه أنه قال : «والله لو كسرت لى (1) ~~الوسادة ، ثم جلست عليها ، لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم ، وبين أهل ~~الإنجيل بانجيلهم ، وبين أهل الزبور بزبورهم ، وبين أهل الفرقان بفرقانهم. ~~والله ما من آية نزلت فى بحر ولا بر ولا سهل ولا جبل ولا سماء ولا أرض ولا ~~ليل ولا نهار ، الا وأنا أعلم فيمن نزلت وفى أى شيء نزلت» # طعن «أبو هاشم» فى هذا وقال : «التوراة منسوخة. فكيف يجوز الحكم بها؟» ### ||| ** الجواب عنه من وجوه : # الأول : لعل المراد شرح كمال علمه بتلك الأحكام المنسوخة على التفصيل ، ~~وبالأحكام الناسخة لها الواردة فى القرآن. # والثانى : لعل المراد : أن قضاة اليهود والنصارى متمكنون من الحكم ~~والقضاء على وفق أديانهم ، بعد بذل الجزية. فكان المراد : أنه لو جاز ~~للمسلم ذلك ، لكان هو قادرا عليه. # والثالث : لعل المراد يستخرج من التوراة والإنجيل نصوصا دالة على نبوة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم . فيكون ذلك أقوى فى التمسك بها على اليهود ~~والنصارى. # الرابع : انا نتفحص عن أحوال العلوم. وأعظمها علم الأصول. وقد جاء فى خطب ~~أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه من أسرار التوحيد والعدل ~~والنبوة والقضاء والقدر وأحوال المعاد ، ما لم يأت فى كلام سائر الصحابة. PageV02P304 # وأيضا : فجميع فرق المتكلمين ينتهى آخر نسبهم فى هذا العلم إليه. أما ~~المعتزلة فهم ينسبون أنفسهم إليه ، وأما الأشعرية فكلهم منتسبون الى ~~«الأشعرى» وهو كان تلميذا ل «أبى على الجبائى» المعتزلى. وهو منتسب الى ~~أمير المؤمنين ms464 «على بن أبى طالب» رضى الله عنه وأما الشيعة. فانتسابهم إليه ~~ظاهر. وأما الخوارج. فهم مع غاية بعدهم عنه كلهم منتسبون الى أكابرهم. ~~وأولئك الأكابر كانوا تلامذة على بن أبى طالب رضى الله عنه. # فثبت : أن جمهور المتكلمين من فرق الاسلام كلهم كانوا تلامذة على بن أبى ~~طالب رضى الله عنه. وأفضل فرق الأمة هم الأصوليون ، فكان هذا منصبا عظيما ~~فى الفضل. # ومنها : علم التفسير وابن عباس رئيس المفسرين كان تلميذ على ومنها : علم ~~الفقه : وكان فيه فى الدرجة العالية. ولهذا قال عليه السلام : «أقضاكم على» ~~وقال على : «لو كسرت لى الوسادة لحكمت لأهل التوراة بتوراتهم» على ما ~~نقلناه. ومنها : علم الفصاحة. # ومعلوم أن واحدا من الفصحاء الذين بعده ، لم يدركوا درجته ، ولا القليل ~~من درجته. ومنها : علم النحو. ومعلوم أنه انما ظهر منه. وهو الذي أرشد «أبا ~~الأسود الدؤلى» إليه. ومنها : علم تصفية الباطن. ومعلوم أن نسب جميع ~~الصوفية ينتهى إليه. ومنها : علم الشجاعة وممارسة الأسلحة. ومعلوم أن نسبة ~~هذه العلوم ينتهى إليه. فثبت بما ذكرنا : أنه رضوان الله عليه كان أستاذ ~~العالمين بعد محمد عليه السلام فى جميع الخصال المرضية ، والمقامات الحميدة ~~الشريفة. # واذا ثبت أنه كان أعلم الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وجب أن ~~يكون أفضل الخلق بعد الرسول : لقوله تعالى : ( @QUR@08 قل : هل يستوي الذين ~~يعلمون ، والذين لا يعلمون ) (الزمر 9) PageV02P305 # وقوله تعالى : ( @QUR@09 يرفع الله الذين آمنوا منكم. والذين أوتوا العلم ~~درجات ) (المجادلة 11) # الحجة الرابعة : فى بيان أن عليا أفضل الصحابة : أن عليا كان أكثر جهادا ~~من أبى بكر فوجب أن يكون أفضل منه. اما انه كان أكثر جهادا منه. فالأمر فيه ~~ظاهر ، لمن قرأ كتب السير ، وأما أنه من كان أكثر جهادا ، كان أفضل ، لقوله ~~تعالى : ( @QUR@07 وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ) (النساء 95) # لا يقال : لم لا يجوز أن يكون المراد من هذا الجهاد : جهاد النفس. كما ~~قال تعالى : ( @QUR@05 والذين جاهدوا فينا ، لنهدينهم سبلنا )؟ (العنكبوت 69) # لأنا نقول : ان قوله ( @QUR@02 على القاعدين ) يدل ms465 على أن المراد من ذلك ~~الجهاد مع أعداء الدين. # الحجة الخامسة : التمسك بقصة فتح خيبر. قالوا روى أنه عليه السلام بعث أبا ~~بكر الى خيبر ، فرجع منهزما ، ثم بعث عمر فرجع أيضا منهزما. وبلغ ذلك الى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبات مهموما. فلما أصبح خرج الى الناس. ومعه ~~الراية. فقال : «لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ~~ورسوله. كرارا غير فرار» فتعرض لها المهاجرون والأنصار ، فقال النبي ~~عليه السلام «أين على؟» فقيل : انه أرمد العينين. فدعا له ، وتفل فى عينيه ، ~~ثم دفع إليه الراية. # ثم قالوا : هذا الحديث وكيفية هذه الواقعة يدلان على أن ما وصف به النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم عليا ، لم يكن ثابتا فى أبى بكر وعمر ، لأنهما رجعا ~~منهزمين ، وغضب الرسول عليه السلام من ذلك. ثم قال : «لأعطين الراية رجلا» ~~من صفته كذا وكذا. وهذا يوجب أن شيئا من هذه الصفات ما كان حاصلا ، لأولئك ~~الذين غضب عليهم ، ألا ترى أن ملكا حصيفا ، لو أرسل رسولا الى غيره فى مهم ، ففرط PageV02P306 # الرسول فى أداء تلك الرسالة ، فغضب الملك لذلك. وقال : لأرسلن غدا رسولا ~~حصيفا حسن القيام بأدائها. لكان يعلم كل عاقل : أن الذي وصف به الرسول ~~الثانى وأثبته له ، ليس موجودا فى الأول. وليس هذا من باب دليل الخطاب. ~~وانما هو استدلال بكيفية ما جرت الأحوال عليه. ### ||| ** الحجة السادسة : # ايمان على رضى الله عنه كان قبل ايمان أبى بكر رضى الله عنه. واذا كان ~~كذلك ، كان أفضل من أبى بكر أما المقدمة الأولى فتدل عليها وجوه : # أحدها : ما روى أن عليا قال على المنبر : «أنا الصديق الأكبر ، آمنت قبل ~~أن آمن أبو بكر ، وأسلمت قبل أن أسلم أبو بكر» ثم قالوا : انه ادعى ذلك فى ~~مجمع الناس وما كذبوه. فدل ذلك على أن هذا المعنى كان ظاهرا فيهم. # وثانيها : روى سلمان الفارسى أن النبي عليه السلام قال : «أولكم ورودا على ~~الحوض (1) على بن أبى طالب» # وثالثها : روى أنس قال : بعث ms466 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الاثنين ~~، وأسلم على رضى الله عنه يوم الثلاثاء ، وعن عبد الله بن الحسن (2) قال ~~كان أمير المؤمنين على بن أبى طالب يقول : «أنا أول من صلى ، وأول من آمن ~~بالله ورسوله ، ولم يسبقنى الى الصلاة الا نبى الله» # ورابعها : ان كون ايمان «على» قبل ايمان «أبى بكر» أقرب الى العقل. وذلك ~~لأن عليا كان ابن عم محمد ، وفى داره ، ومختصا به. وأما أبو بكر فانه كان ~~من الأجانب ، ويبعد غاية البعد أن يعرض الانسان مثل هذه المهمات العظيمة ~~على الأجانب والأباعد ، قبل عرضها PageV02P307 # على الأقارب المختصين به غاية الاختصاص. لا سيما والله تعالى يقول : ( ~~@QUR@03 وأنذر عشيرتك الأقربين ) (الشعراء 214) # لا يقال : الدليل على أن اسلام أبى بكر كان قبل اسلام «على» لقوله ~~عليه السلام : «ما عرضت الاسلام على أحد الا وله فيه كبوة ، غير أبى بكر ، ~~فانه لم يتلعثم» # وجه الاستدلال به : هو أن النبي عليه السلام بين أن أبا بكر لم يتوقف فى ~~قبول الاسلام ، فلو تأخر اسلامه عن اسلام غيره ، لم يكن ذلك التأخر بسبب ~~توقف أبى بكر. لأن الحديث دل على أنه لم يتوقف ، فوجب أن يكون ذلك لأجل أنه ~~عليه السلام قصر فى عرض الاسلام عليه. وذلك يفضى الى الطعن فى الرسول ~~عليه السلام وانه باطل. # فعلمنا : أن الرسول ما توقف فى عرض الاسلام عليه. وهو لم يتوقف فى قبوله ~~البتة. أما على. فان هذا الحديث يقتضي أنه كان له كبوة توقف فى قبول ~~الاسلام وهذا يدل على أن اسلام أبى بكر كان سابقا على اسلام على. # سلمنا : أن اسلام على كان سابقا على اسلام أبى بكر ، الا أنا نقول : ان ~~عليا حين أسلم كان صبيا. بدليل الشعر المنقول عن على رضى الله عنه أنه قال : # سبقتكم الى الاسلام طرا %~% غلاما ما ، بلغت أوان حلمى # وأبو بكر أسلم حين كان بالغا عاقلا. والناس قد اختلفوا فى صحة اسلام ~~الصبى. وكيف كان فلا شك أن اسلام البالغ العاقل الصادر عن ms467 الاستدلال ، أفضل ~~(1) من اسلام الصبى الذي لا يكون بالغا. # سلمنا : أن عليا رضى الله عنه كان بالغا وقت اسلامه ، الا أنه لا شك أنه ~~فى ذلك الوقت ما كان مشهورا فيما بين الناس ولا محترما ولا مقبول القول ، ~~بل كان كالصبى الذي يكون فى البيت. فما كان PageV02P308 # يحصل بسبب اسلامه قوة وشوكة فى الاسلام. فأما أبو بكر فانه كان شيخا ~~محترما أجنبيا ، فحصل للاسلام بسبب اسلامه قوة وشوكة. فكان إسلام أبى بكر ~~أفضل من اسلام على. # لأنا نقول : أما الخبر الذي تمسكتم به فى اثبات أن اسلام أبى بكر سابق ~~على اسلام على ، فهو من باب الآحاد ، ولا يفيد العلم. # وقوله : «ان عليا حين أسلم ما كان بالغا» ### ||| ** قلنا : الجواب عنه من وجهين (1): # الأول : لا نسلم أنه أسلم قبل البلوغ. ويدل عليه : أن سن على كان بين خمس ~~وستين سنة ، والنبي عليه السلام كان قد بقى بعد الوحى ثلاثة وعشرين سنة ، ~~وعلى بقى بعد النبي عليه السلام قريبا من ثلاثين سنة. فان أسقطنا مدة ثلاث ~~وخمسين سنة من ست وستين سنة ، بقى ثلاث عشرة سنة. فاذا كان على بن أبى طالب ~~وقت نزول الوحى على النبي عليه السلام فيما بين اثنتى عشرة سنة وبين ثلاث ~~عشرة سنة. وبلوغ الانسان فى هذا السن ممكن ، علمنا : أن كون على بالغا وقت ~~نزول الوحى على النبي عليه السلام أمر ممكن. واذا ثبت الامكان وجب الحكم ~~بوقوعه ، لما روى أن النبي عليه السلام قال لفاطمة رضى الله عنها : «زوجتك ~~أقدمهم اسلاما ، وأكثرهم علما» ولو قلنا : انه ما كان بالغا حال ما أسلم لم ~~يصح هذا الكلام. # الوجه الثانى فى الجواب عن هذا السؤال : هب أن عليا ما كان فى ذلك الوقت ~~بالغا ، لكن لا امتناع فى وجود اسلام صبى كامل العقل قبل سن البلوغ. ولهذا ~~المعنى حكم «أبو حنيفة» رحمه الله بصحة اسلام الصبى على هذا التقدير ، فصدور ~~الاسلام عن «على» وقت الصبا يدل على فضله من وجهين : PageV02P309 # أحدهما : ان الغالب على طبع الصبيان ms468 الميل الى الأبوين ، ثم أن عليا خالف ~~الأبوين وأسلم ، فكان هذا من فضائله. # وثانيهما : ان الغالب على الصبيان الميل الى اللعب ، فأما النظر والفكر ~~فى دلائل التوحيد والنبوة ، فغير لائق بهم. فكان اشتغال «على» بالنظر ~~والفكر فى دلائل التوحيد واعراضه عن اللعب فى زمان الصبا ، من أعظم الدلائل ~~على فضيلته. فانه كان فى زمان صباه مساويا للعقلاء الكاملين. # قوله : «حصل بسبب اسلام أبى بكر شوكة ، ونوع من القوة ، ولم يحصل بسبب ~~اسلام على البتة شيء من القوة» # قلنا : هذا الفرق انما يظهر لو ثبت أن أبا بكر كان محترما موقرا فيما بين ~~الخلق قبل دخوله فى الاسلام. وهذا ممنوع. واذا كان كذلك لم يظهر الفرق الذي ~~ذكرتم. فثبت بما ذكرنا: أن اسلام على كان متقدما على اسلام أبى بكر. # واذا ثبت هذا وجب أن يقال : ان عليا أفضل من أبى بكر. لقوله تعالى : ( ~~@QUR@04 والسابقون السابقون. أولئك المقربون ) (الواقعة 10 11) ولقوله ~~تعالى فى مدح الأنبياء ( @QUR@05 إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ) ~~(الأنبياء 90) # الحجة السابعة : لا شك أن عليا كان من أولى القربى لمحمد عليه السلام وحب ~~أولى القربى : واجب. لقوله تعالى : ( @QUR@09 قل : لا أسئلكم عليه أجرا ، ~~إلا المودة في القربى ) (الشورى 23) وأما أبو بكر فانه ليس كذلك. والذي يجب ~~حبه على جميع المسلمين فهو أفضل ممن لا يكون كذلك. # الحجة الثامنة : قوله تعالى : ( @QUR@07 فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح ~~المؤمنين ) (التحريم 4) والمفسرون قالوا : المراد بصالح المؤمنين : PageV02P310 # على بن أبى طالب : والمراد من المولى هاهنا : هو الناصر. لأن المفهوم ~~المشترك من المولى بين الله وبين جبريل وبين صالح المؤمنين ليس الا هذا ~~المعنى. واذا ثبت هذا فنقول : هذا يدل على فضيلة على رضى الله عنه من وجهين : # الأول : ان لفظ هو فى قوله تعالى : ( @QUR@04 فإن الله هو مولاه ). يفيد ~~الحصر فيكون المعنى : ان محمدا عليه السلام لا ناصر له ، الا الله ، وجبريل ~~، وعلى رضى الله عنه ومعلوم أن نصرة محمد عليه السلام من أعظم مراتب ~~الطاعات. # والثانى : انه تعالى بدأ بذكر نفسه وثنى ms469 بجبريل وثلث بذكر على رضى الله ~~عنه. وهذا منصب عال. # الحجة التاسعة : ان عليا رضى الله عنه كان هاشميا. والهاشمى أفضل من غير ~~الهاشمى. # والمقدمة الأولى متواترة. والثانية. يدل عليها : قوله عليه السلام «ان ~~الله اصطفى من ولد إسماعيل : قريشا. واصطفى من قريش : هاشما» # الحجة العاشرة : قوله عليه السلام «من كنت مولاه فعلى مولاه» ولفظ المولى ~~فى حق محمد عليه السلام لا شك أنه يفيد أنه كان مخدوما للكل ، وصاحب الأمر ~~فيهم. واذا كان الأمر كذلك ، وجب أن يقال فى على : انه أيضا مخدوم لكل ~~الأمة ونافذ الحكم فيهم. وهذا يوجب كونه أفضل الخلق. والذي يدل على أنه ~~يفيد المعنى الذي ذكرناه : ما نقل أن النبي عليه السلام لما ذكر هذا الكلام ~~، قال عمر لعلى : «بخ بخ يا على. أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة الى يوم ~~القيامة» # الحجة الحادية عشرة : قوله عليه السلام «أنت منى بمنزلة هارون من موسى» ~~وهارون كان أفضل من كل أمة موسى ، فوجب أن يكون على أفضل من كل أمة محمد ~~عليه السلام . PageV02P311 # الحجة الثانية عشرة : انه عليه السلام لما آخى بين الصحابة اتخذه أخا ~~لنفسه. وروى أن عليا قال فى مواضع كثيرة : «أنا عبد الله ، وأخو رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم . لا يقولها أحد بعدى الا كذاب. أنا الصديق الأكبر ، ~~وأنا الفاروق الأعظم. أن الذي يفرق بين الحق والباطل» # وانما قلنا : ان المؤاخاة تدل على الأفضلية. لأن المؤاخاة مظنة المساواة ~~فى المنصب ، وكون كل واحد منهما قائما مقام الآخر. ولما كان محمد ~~عليه السلام أفضل من الكل ، كان القائم مقامه كذلك. # الحجة الثالثة عشرة : ما روى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال فى ~~«حرقوص» (1) شر الخلق وهو ذو الثدية «يقتله خير الخلق» وفى رواية أخرى : ~~«يقتله خير هذه الأمة» وكان قاتله على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه. # الحجة الرابعة عشرة : قال النبي عليه السلام لفاطمة : «ان الله تعالى اطلع ~~على أهل الدنيا فاختار منهم أباك ، فاتخذه نبيا ، ثم أطلع ms470 ثانيا فاختار ~~منهم بعلك» # الحجة الخامسة عشرة : قالت عائشة رضى الله عنها : كنت عند النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم اذ أقبل على. فقال : «هذا سيد العرب» قالت : فقلت بأبى ~~أنت وأمى ألست سيد العرب؟ فقال : «انما أنا سيد العالمين. وهو سيد العرب» # الحجة السادسة عشرة : روى (2) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : «ان ~~أخى ووزيرى وخير من أتركه بعدى ، الذي يقضى دينى ، وينجز وعدى : على بن أبى طالب» PageV02P312 # الحجة السابعة عشرة : روى (1) ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال : «على خير البشر. من أبى فقد كفر» # الحجة الثامنة عشرة : ان عليا لم يكفر بالله تعالى ، وان أبا بكر كان فى ~~زمان الجاهلية كافرا. واذا ثبت هذا فنقول : ان عليا كان أكثر تقوى من أبى ~~بكر ، لأن من كان مؤمنا أبدا ، لا بد. وأن يكون أكثر تقوى ممن كان كافرا ، ~~ثم صار مؤمنا. والاتقى أفضل. لقوله تعالى : ( @QUR@05 إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم ) (الحجرات 13) # الحجة التاسعة عشرة : روى أحمد والبيهقى فى فضائل الصحابة قال «من أراد ~~أن ينظر الى آدم فى فضله ، والى نوح فى تقواه ، والى ابراهيم فى حلمه ، ~~والى موسى فى هيبته ، والى عيسى فى عبادته ، فلينظر الى على بن أبى طالب» # ظاهر هذا الحديث : يدل على أن عليا كان مساويا لهؤلاء الأنبياء فى هذه ~~الصفات. ولا شك أن هؤلاء الأنبياء كانوا أفضل من أبى بكر وسائر الصحابة. ~~والمساوى للأفضل أفضل ، فوجب أن يكون على أفضل منهم. # الحجة العشرون : اعلم أن الفضائل اما نفسانية واما بدنية واما خارجية. ~~أما الفضائل النفسانية فهى مصورة فى نوعين : العلمية والعملية. ### ||| ** أما العلمية : # فقد دللنا على أن علم «على» كرم الله وجهه كان أكثر من علم سائر الصحابة. ~~ومما يقوى ذلك : ما روى أن عليا رضى الله عنه قال : «علمنى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ألف باب من العلم ، فانفتح لى من كل باب ألف باب» PageV02P313 ### ||| ** وأما الفضائل النفسانية العملية. فأقسام : # منها : العفة والزهد. وقد كان ms471 فى الصحابة جمع من الزهاد ، ك «أبى ذر» ~~و «سلمان» و «أبى الدرداء» وكلهم كانوا فيه تلامذة على رضى الله عنه. ومنها : ~~الشجاعة. وقد كان فى الصحابة جماعة شجعان ك «أبى دجانة» و «خالد بن الوليد» ~~وكانت شجاعته أكثر نفعا من شجاعة الكل. ألا ترى أن النبي عليه السلام قال ~~يوم الأحزاب : «لضربة على ، خير من عبادة الثقلين». وقال على بن أبى طالب : ~~«والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية ، لكن بقوة رحمانية» (1) # ومنها : السخاوة. وقد كان فى الصحابة جمع من الأسخياء. وقد بلغ اخلاصه فى ~~سخاوته الى أنه أعطى ثلاثة أقراص. فأنزل الله تعالى فى حقه : ( @QUR@07 ~~ويطعمون الطعام على حبه : مسكينا ويتيما وأسيرا ) ومنها : حسن الخلق. وقد ~~كان مع غاية شجاعته وبسالته حسن الخلق جدا. وقد بلغ فيه الى حيث ينسبه ~~أعداؤه الى الدعابة. ومنها : البعد عن الدنيا. وظاهر أنه كان رضى الله عنه ~~مع انفتاح أبواب الدنيا عليه ، لم يظهر التنعم والتلذذ. وكان مع غاية ~~شجاعته اذا شرع فى صلاة التهجد ، وشرع فى الدعوات والتضرعات الى الله تعالى ~~بلغ مبلغا لا يوازيه أحد ممن جاء بعده من الزهاد. ولما ضربه «ابن ملجم» قال ~~: «فزت. ورب الكعبة» ### ||| ** وأما الفضائل البدنية : # فمنها : القوة والشدة. وكان فيهما عظيم الدرجة ، حتى قيل : انه كان يقطع ~~إلهام قطع الأقلام. ومنها : النسب العالى. ومعلوم : أن أشرف الأنساب هو ~~القرب من رسول الله. وهو كان أقرب الناس فى النسب الى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم . وأما العباس. فانه وان كان عم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، الا أن العباس كان PageV02P314 # أخا لعبد الله ، والد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، من الأب ، لا من ~~الأم. وأما أبو طالب فانه كان أخا لعبد الله والد رسول الله من الأب والأم. # وأيضا : فان عليا كان هاشميا من الأب والأم. لأنه : على بن أبى طالب بن ~~عبد المطلب بن هاشم. وأيضا : أم على بن أبى طالب : فاطمة بنت أسد بن هاشم. ~~ومنها : المصاهرة ms472 ولم يكن لأحد من الخلق مصاهرة مثل ما كانت له. # وأما «عثمان» فهو وان شركه فى كونه صهرا للرسول ، الا أن أشرف أولاد ~~الرسول هو فاطمة. ولذلك قال عليه السلام : «سيد نساء العالمين أربع» وعدها : منهن. # ولم يحصل مثل هذا الشرف للبنتين اللتين هما زوجتا عثمان. ومنها : أنه لم ~~يكن لأحد من الصحابة أولاد يشاركون أولاده فى الفضيلة ، كالحسن والحسين ~~وهما سيدا شباب أهل الجنة ولداه. # ثم انظر الى أولاد الحسن مثل الحسن المثنى والمثلث وعبد الله بن المثنى ، ~~والنفس الزكية. والى أولاد الحسين. مثل : زين العابدين ، والباقر ، والصادق ~~، والكاظم ، والرضا. فان هؤلاء الأكابر يقر بفضيلتهم وعلو درجتهم ، كل مسلم. # ومما يدل على علو شأنهم : أن أفضل المشايخ وأعلاهم درجة ، هو «أبو يزيد ~~البسطامى» وكان (1) نشأ فى دار جعفر الصادق ، وأما معروف الكرخى ، فانه ~~أسلم على يد على بن موسى الرضا (2) وكان بواب داره. وبقى على هذه الحالة ~~الى آخر عمره. ومعلوم أن أمثال هذه الأولاد ، لم يتفق لأحد من الصحابة. # ولو أخذنا فى الشرح والاطناب لطال الكلام. PageV02P315 # فهذا مجموع دلائل من قال بتفضيل أمير المؤمنين على بن أبى طالب قال ~~أصحابنا. # أما التمسك فى التفضيل بقوله تعالى : ( @QUR@02 وأنفسنا وأنفسكم ) (آل ~~عمران 61) # فالجواب عنه : لا نسلم أنه مخصوص بعلى ، بل يروى أنه دخل فيه جميع ~~أقربائه وخدمه. ثم ان التمسك به معارض بقوله للأشعريين : «هم منى وأنا منهم» # وأما الثانى : وهو التمسك بخبر الطير. فالاعتراض عليه : أن نقول : قوله ~~«بأحب خلقك» يحتمل أن يكون أحب خلق الله فى جميع الأمور ، أو يكون أحب خلق ~~الله فى شيء معين. والدليل على كونه محتملا لهما : أنه يصح تقسيمه إليهما. ~~فيقال : اما أن يكون أحب خلقه إليه فى كل الأمور ، أو يكون حب خلقه إليه فى ~~هذا الأمر الواحد. وما به الاشتراك غير ما به الاشتراك ، وغير مستلزم له. ~~فاذن هذا اللفظ لا يدل على كونه أحب الى الله تعالى فى جميع الأمور فاذن ~~هذا اللفظ لا يدل الا على أنه أحب إليه ms473 فى بعض الأمور. وهذا يفيد كونه أزيد ~~ثوابا من غيره فى بعض الأمور ، ولا يمتنع كون غيره أزيد ثوابا منه فى أمر ~~آخر. فثبت : أن هذا لا يوجب التفضيل. وهذا جواب قوى. # أما الحجة الثالثة : وهى أن عليا كان أعلم # قلنا : لم لا يجوز أن يقال : انه حصل له هذه العلوم الكثيرة ، بعد أبى ~~بكر. وذلك لأنه عاش بعده زمانا طويلا ، فلعله حصلها فى هذه المدة. فلم قلتم ~~: انه فى زمان حياة أبى بكر كان أعلم منه. # وأما الحجة الرابعة وهى قوله : «ان جهاد على كان أكثر» قلنا : الجهاد ~~أقسام : منها : جهاد مع النفس. ومنها : جهاد مع العدو بالحجة ، والجواب عن ~~الشبهة. ومنها : جهاد مع العدو PageV02P316 # بالسيف والسنان. أما الجهاد مع النفس ، فلا نسلم أن عليا كان أقوى فيه من ~~أبى بكر. وأما الجهاد مع العدو بالحجة والدعوة الى الله ، فكان أمر أبى بكر ~~فيه أتم. ويدل عليه وجهان : # الأول : انه لما أسلم أبو بكر اشتغل فى تلك الأيام بالدعوة الى الله ~~تعالى ، فدعا الى الله عثمان بن عفان وطلحة والزبير وسعد بن أبى الوقاص ~~وعثمان بن مظعون. وهؤلاء هم أكابر الصحاب ، جاء بهم الى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم حتى أسلموا على يده. وحصل بسبب ذلك للاسلام قوة عظيمة ~~، فحصلت بسبب اسلام أبى بكر هذه القوة العظيمة. أما على فحين أسلم لم يصر ~~اسلامه سببا لاسلام غيره. ومن المعلوم أن هذه الطاعة مما لا يوازيها شيء من ~~الطاعات. # الثانى : ان أبا بكر لما أسلم كان أبدا فى منازعة الكفار والمناظرة معهم. ~~وبقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث عشرة فى مكة ، ثم انتقل الى ~~المدينة. وبقى هناك سنة أخرى. ثم نزلت آية القتال وأبو بكر فى تلك المدة ~~الطويلة فى مكة والمدينة كان فى الذب عن دين الله ومتابعة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأما على فانه فى ذلك الوقت كان صغير السن ، وما كان ~~يخالط القوم ثم إن بعد نزول آية القتال ms474 اشتغل على رضى الله عنه بقتال ~~الكفار. # فثبت : أن ابتداء الجهاد كان لأبى بكر ، وآخره لعلى رضى الله عنهما. # وأما الحجة الخامسة وهى قولهم : ان ايمان على سابق على. ايمان أبى بكر # قلنا : وقد ذكرنا أن الأخبار فيه متعارضة. وأخبارنا وان كانت من الآحاد ، ~~فكذا أخباركم. وأيضا : فقد بينا : أن اسلام أبى بكر أثر فى قوة الاسلام ~~أثرا عظيما ، وما كان اسلام غيره كذلك. # وأما الحجة السادسة وهى التمسك بقصة خيبر فجوابها : ان ذلك الكلام يفيد ~~أن مجموع الصفات المذكورة فى مدح الثانى ، غير PageV02P317 # حاصلة فى مدح الأول. فلما قال : «لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ، ~~ويحبه الله ورسوله. كرارا غير فرار» فهذا يدل على أن هذا المجموع ما كان ~~حاصلا لأبى بكر وعمر ، لأن كونه كرارا غير فرار ما كان حاصلا فيهما. وكان ~~ذلك المجموع غير حاصل فيهما. وعدم كونه كرارا غير فرار لا يوجب نقصانا فى ~~الفضيلة. ألا ترى أن الأنبياء عليهم السلام أفضل من الملائكة عند الشيعة ، ~~مع أنا نقطع أنه ليس للأنبياء من القدرة الحسية ، ذرة من القدرة التى ~~للملائكة. وأما بقية الوجوه فهى أخبار ضعيفة ، وأمثالها موجودة فى جانب أبى ~~بكر ، على ما تشتمل عليه الكتب المصنفة ، فى هذا الجنس فهذا تمام الكلام فى ~~هذا الباب. والله أعلم (1). # هذه المشكلة واضحة من كتب فرق المسلمين. فالخوارج كفروا مخالفيهم ~~وحاربوهم. والشيعة حاربوا السنيين ، والسنيون حاربوا مخالفيهم. بل وفرق من ~~كل مذهب من هؤلاء المذاهب حاربت بعضها بعضا. على النظرية التى قلناها وهى : ~~نحن نعرف الحق ونعمل بالحق. ومن يعرف الحق ويعمل به. فهو أحق بالملك على ~~المسلمين جميعا. PageV02P318 # وهذه المشكلة كانت عند علماء بنى اسرائيل. وقد فرقتهم وأضعفتهم ولم ~~يصمدوا من بعد سليمان عليه السلام امام أعدائهم. فقد غلبهم ملك بابل ولما ~~أسسوا ملكا فى عهد المكابيين لم يدم ملكهم ، فقد غلبهم تيطوس وادريانوس. ~~وذلك لأنهم انقسموا الى سامريين وعبرانيين. والعبرانيون انقسموا الى ~~فريسيين. وصدوقيين. والفريسيون انقسموا الى ربانيين وقراءين. # وفى المسلمين أهل السنة والشيعة. وكل ms475 منهما يريد السيطرة على أخيه أولا ، ~~قبل ما يتوجه الى دعوة الأمم. فأيام التتار ساعد هولاكو الشيعة على احتلال ~~بغداد لهزيمة السنيين. كما يقول السنيون فى كتبهم. ولما أوشك الشيعة على ~~ملك المسلمين جميعا أيام الدولة الصفوية ، أوعز السوريون وسنيون على ~~السلطان سليم العثمانى ليحتل مصر والشام فيكون قوة هائلة تصد الشيعة عن ~~التوغل فى بلاد السنيين. وتم له النصر وتسلم مفاتيح الكعبة. # وفى أيامنا هذه. ظهر «آية الله الخميني» فى «ايران» ليكون الزعيم الدينى ~~للمسلمين الشيعة. ولما انتصر على أعدائه من الشيعة ، تطلع الى العالم السنى ~~، فلم يجد فيه زعيما دينيا بارزا. وأراد أتباعه أن يمدوا نفوذه الى البلاد ~~السنية. ولما فعلوا. قام السنيون ضدهم بقيادة «صدام حسين» رئيس «العراق» ~~واستمرت الحرب سنوات ، ضاعت فيها من المسلمين أموال ، وأزهقت نفوس ، وشردت ~~أسر ، وخربت ديار ، وتهدمت مدن ، وهذا كله بسبب من الأحق بالملك لأنه يعرف ~~الحق ويعمل به؟ # وحل هذه المشكلة يكون. # 1 بتوحيد كلمة المسلمين فى العالم على القرآن والسنة المفسرة له. PageV02P319 # الأحق بامامة المسلمين لا يكون هو العارف العامل. فكل مسلم يعرف دينه لأن ~~الله يسر دينه لمن يريد أن يفهم. وفى الناس منافقون يظهرون كثرة الأعمال ~~ويظهرون الغيرة على الدين لمآربهم وأغراضهم. وانما يكون هو الأكثر نفعا ~~للمسلمين. فلو أن قرية من القرى الصغيرة أرادت أن تجعل عليها رئيسا من ~~أبنائها. فانها تجعل الرئيس عليها من كان نفعه لأبنائها أكثر من غيره. وما ~~دام الكل يصلى ويتعبد ويظهر النسك. والقلب لا يعرفه الا الله وحده. فان ~~الأحق بالملك والأحق بقيادة الجيوش لنشر الاسلام بين الأمم هو من يخدم ~~وينفع. وبهذا تحل مشكلة المسلمين فى العالم. PageV02P320 ### ||| * المسألة الأربعون ### ||| * فى ### ||| * ضبط المقدمات التى يمكن الرجوع ### ||| * إليها فى إثبات المطالب العقلية ### ||| * وهى خاتمة الكتاب # العلم : اما تصور واما تصديق. والتصورات اما أن يقال : انها بأسرها ~~مكتسبة ، وهو باطل. لأنه يفضى الى الدور أو التسلسل. واما أن تكون كلها ~~بديهية وهو الذي أقول به واما أن يكون بعضها بديهيا وبعضها كسبيا. ms476 والذي ~~يدل على ما اخترته : هو أن التصور الذي يطلب اكتسابه. ان لم يكن مشعورا به ~~أصلا ، كان الذهن غافلا عنه ، فيمتنع طلبه. وان كان مشعورا به ، كان تصوره ~~حاضرا. فيمتنع ، لأن تحصيل الحاصل محال. # فان قيل : لم لا يجوز أن يكون مشعورا به من وجه دون وجه. والمطلوب هو ~~تكميل ذلك الناقص؟ وأيضا : فهذه الحجة بعينها قائمة فى التصديقات ، فوجب أن ~~لا يكون شيء منها مكتسبا. وذلك باطل قطعا. # والجواب عن الأول : أن الوجه الذي صدق حكم العقل عليه ، بأنه مشعور به ، ~~غير الوجه الذي صدق عليه حكم العقل ، بأنه غير مشعور به. لامتناع النقيضين. ~~وحينئذ يرجع التقسيم فى ذينك الوجهين. # والجواب عن الثانى : لا شك أن التصور من حيث إنه تصور ، غير التصديق ، من ~~حيث إنه تصديق. فعلى هذا : التصديق حالة زائدة على تصور الموضوع وتصور ~~المحمول وتصور السلب وتصور الايجاب. PageV02P321 # لأنه يجوز فى العقل حصول هذه التصورات الأربعة بدون التصديق. فالتصديق ~~مجهول من حيث انه تصديق ، ولكنه معلوم من حيث انه تصور وأما التصور فهو شيء ~~واحد. فيستحيل أن يكون معلوما من وجه ، مجهولا من وجه. فظهر الفرق. # أما القدماء. فقد احتجوا على قولهم : بأنا نجد من أنفسنا أنا نطلب تصور ~~حقائق الأشياء. كقولنا : ما الملك؟ وما الروح؟ وذلك يدل على أن التصورات قد ~~تكون مكتسبة. # واعلم : أن الجواب عنه مبنى عنه مبنى على مقدمة. وهى : انه لا يمكننا أن ~~نتصور شيئا ، الا ما ندركه باحدى الحواس الخمس ، أو نجده من النفس. كالألم ~~واللذة والفرح والغضب ، أو ما يركبه العقل والخيال من أحد هذه الأمور. كشجر ~~من ياقوت ، وبحر من زئبق. # اذا عرفت هذا ، فنقول : قول القائل : ما الملك؟ وما الروح؟ معناه : أنك ~~تشير بهذا اللفظ الى هذه الصورة الحاضرة فى الذهن ، فكان هذا الاستفهام فى ~~تعيين المراد بهذا اللفظ. وأما التصديقات. فلا شك أنها قسمان : بعضها ~~بديهية ، وبعضها كسبية. ولا شك أن المكتسب انما يكتسب من تركيب البديهيات. ~~ولا شك أن أجلى البديهيات هو أن النفى ms477 والاثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان. # فان قيل : أما أن النفى والاثبات لا يجتمعان ، فهو ظاهر. وأما أنهما لا ~~يرتفعان. فليس فى غاية الظهور ، لم لا يجوز أن تكون بينهما واسطة؟ # قلنا : العقل ما استحضر ماهية النفى والاثبات ، الا وجزم بأنه لا واسطة ~~بينهما. فالمراد من الإثبات : كل ماله تحقق وتعين وتميز فى نفسه ، وبالنفى ~~ما لا تحقق له ولا تعين له ، ولا تخصص له ، البتة فى نفسه. # اذا عرفت هذا ، فنقول : تلك الواسطة ان كان لها تعين وتخصص PageV02P322 # بوجه ما ، كان داخلا فى الاثبات ، وان لم يكن لها تحقق وتخصص أصلا ، كان ~~داخلا فى طريق النفى. # فثبت : أنه لا واسطة بينهما. ### ||| ** اذا عرفت هذا ، فنقول : انه يتفرع على قولنا : النفى والاثبات لا يجتمعان : مقدمات : # احداها : قولنا : الكل أعظم من الجزء. والا لكان وجود الجزء الأخير ~~معتبرا من حيث انه أحد أجزاء الكل ، وغير معتبر من حيث انه يكفى فى تحقق ~~ذلك الكل : حصول الجزء الأخير : فيلزم أن يكون هذا الجزء معتبرا وغير ~~معتبر. وهو محال. لأنه يقتضي الجمع بين النفى والاثبات. # المقدمة الثانية : ان الأشياء المساوية لشيء واحد ، متساوية. وذلك لأن ~~تلك الأشياء لما كانت حقائقها مساوية لحقيقة ذلك الشيء ، كانت حقيقتها ~~واحدة ولو لم تكن متساوية ، لما كانت حقيقتها واحدة. فيلزم : أن يكون ~~حقيقتها واحدة ، وأن لا تكون حقيقتها واحدة. فيجتمع النفى والاثبات. وهاتان ~~المقدمتان يخرج عليهما أكثر العلوم الباحثة عن لواحق الكم المتصل ، ولواحق ~~الكم المنفصل وكثيرا من المباحث الطبيعية المتعلقة بالزمان والجسم. وذلك ~~أيضا فى الحقيقة بحث عن الكم المنفصل. # المقدمة الثالثة : ان حكم الشيء حكم مثله. وذلك لأنه اذا دلت الدلالة على ~~أن التعين الذي به الامتياز غير داخل فى المناط. فحينئذ لم يبق الا الماهية ~~، فلو صارت تلك الماهية محكوما عليها بحكم فى موضع ، ويسلب منها ذلك الحكم ~~فى موضع آخر ، لزم اجتماع النفى والاثبات. وهذه مقدمة يتفرع عليها كثير من ~~المباحث الكلامية والفلسفية المقدمة الرابعة : أن صور الأشكال القياسية ~~متفرعة على مقدمة النفى والاثبات ms478 أما الشكل الأول. فلأن الأكبر لما ثبت لكل ~~ما ثبت له PageV02P323 # الأوسط. الأوسط ثابت للأصغر ، لزم ثبوت الأكبر للأصغر. اذ لو لم يثبت مع ~~أنا حكمنا بأن الأكبر ثبت لكل ما ثبت له الأوسط لزم اجتماع النفى والاثبات ~~اما الشكل الثانى فلأن المحمول ثابت لأحد الطرفين ومسلوب عن الطرف الآخر ، ~~فيلزم تباين الطرفين. والا فقد اجتمع النفى والاثبات. أما الشكل الثالث : ~~فهو وهو أن الأصغر والأكبر لما التقيا فى الأوسط ، فلو حكمنا بالتباين ، ~~لزم حصول الالتقاء ولا حصوله ، فيجتمع النفى والاثبات. وأما الشرطى المتصل ~~فهو أن وجود الملزوم يوجب وجود اللازم ، وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم. ~~والا فلا لزوم. وأما المنفصلة الحقيقية ، فيلزم من وجود أى طرفيها ، عدم ~~الآخر ، ومن عدم أى طرفيها وجود الآخر ، تحقيقا لما ذكرنا من امتناع اجتماع ~~النقيضين وارتفاعهما. واذا عرفت هذه المقدمات (1) ظهر لك أن بها يتبين جميع ~~العلوم. # المقدمة الخامسة : ان المفهوم من الألف مغاير للمفهوم من الباء فهما ~~شيئان. وتقريره يرجع الى تقرير تلك المقدمة. فانه لما صح تعقل أحدهما مع ~~الذهول عن الآخر ، فلو كان (2) واحدا ، لكان قد صدق عليه أنه معلوم وغير ~~معلوم. فيجتمع النفى والاثبات. وبهذه المقدمة تبين كثير من المباحث ~~الكلامية والفلسفية. # المقدمة السادسة : قولنا : رأينا الذات تحركت بعد أن كانت ساكنة. فلا بد ~~وأن تكون الحركة والسكون زائدين على الذات. وهذه أيضا ترجع الى ما ذكرناه. ~~لأن الذات باقية فى الحالتين ، وكل واحدة من هاتين الحالتين غير باقية فى ~~الحالتين. فلو كانت الذات هى نفس هاتين الحالتين ، لزم اجتماع النفى ~~والاثبات. وهذه هى المقدمة الجيدة القوية. PageV02P324 ### ||| ** واعلم : أن هاهنا مقدمتين يفرع المتكلمون والفلاسفة أكثر كلامهم (3) عليهما : # المقدمة الأولى : مقدمة الكمال والنقصان. كقولهم : هذه الصفة من صفات ~~الكمال. فيجب اثباتها لله تعالى ، وهذه الصفة من صفات النقصان ، فيجب نفيها ~~عن الله تعالى. وأكثر مذاهب المتكلمين متفرعة على هذه المقدمة ، ثم تنشعب ~~من هذه المقدمة ، مقدمة أخرى. وهى مقدمة الحسن والقبح. مثل أن يقال : هذا ~~الفعل حسن ، فيجب فعله ms479 ، وهذا قبيح ، فيجب تركه. وهذه المقدمة كأنها أحد ~~أنواع المقدمة الأولى. لأن الكمال والنقصان جنس تحته ثلاثة أنواع : الكمال ~~، والنقصان فى الذات ، وفى الصفات وفى الأفعال. والقبح والحسن عبارة عن ~~الكمال والنقصان فى الأفعال. # اذا عرفت هذا فنقول : ان أكثر مباحث فرق المتكلمين متفرعة على هذه ~~المقدمة. ### ||| ** أما الكمال والنقصان فى الذات ، فلنذكر فيه مثالين : # الأول : ما يتعلق بالتنزيه والتشبيه. فصاحب التنزيه يقول : لو كان جسما ~~وجوهرا أو فى مكان لكان مشابها لهذه المخلوقات. وهى ناقصة. ومشابهة الناقص ~~نقصان ، فيلزم تنزيه الله تعالى عنه. والمجسم يقول : لو لم يكن متحيزا ولا ~~مشارا إليه بحسب الحس ولا فى المكان ، لكان مشابها للعدم. وهذا غاية ~~النقصان تعالى الله عنه # والثانى : ما يتعلق بالرؤية. فنقول : الشيء الذي لا يرى ، يكون معدوما ~~وتعالى الله عنه والمعتزلى يقول : الشيء الذي يرى ، يكون فى مقابلة الرائى ~~وتعالى الله عنه # وأما الكمال والنقصان فى الصفات. فقالت المعتزلة : لو كان كلامه قديما ~~أزليا أبديا ، لكن قد أمر مع أنه لا مأمور ، وهو نقصان وتعالى PageV02P325 # الله عنه وقال أهل السنة : لو صار موصوفا بصفة بعد أن لم يكن موصوفا بها ~~، لكان قد تغير من النقصان الى الكمال وتعالى الله عنه وأما الكمال ~~والنقصان فى الأفعال : فقالت المعتزلة : لو كانت أفعال العباد بخلق الله ~~تعالى وارادته ، لكان فاعلا للقبائح مريدا لها وتعالى الله عنه وقال أهل ~~السنة : لو حدث فى ملكه ما لا يكون فى قدرته وارادته ، لكان هذا قدحا فى ~~كمال إلهيته وتعالى الله عنه وأما جميع مسائل الأغراض والأوامر والتكاليف ~~على قول المعتزلة ، فمتفرع على مقدمة الحسن والقبح. # وأما المقدمة الثانية وهى مقدمة الوجوب والامكان فهذه المقدمة فى غاية ~~الشرف والعلو. وهى غاية عقول العقلاء. قالوا : الموجود اما واجب أو ممكن. ~~والممكن لا بد له من موجب. وذلك الموجب لا بد وأن يكون واجبا فى ذاته وفى ~~صفاته ، اذ لو كان ممكنا ، لافتقر الى مؤثر آخر. أما المقدمة الأولى وهى ~~أنه واجب لذاته. فهذا له لازمان : # الأول : أن ms480 يكون منزها فى حقيقته عن الكثرة ، ثم يلزم من فردانيته فى ~~ذاته ، أمران : # أحدهما : أن لا يكون متحيزا. لأن كل متحيز منقسم ، والمنقسم لا يكون ~~فردا. ولما لم يكن متحيزا ، لم يكن فى جهة. # وثانيهما : أن لا يكون واجب الوجود أكثر من واحد. اذ لو كان أكثر من واحد ~~لاشتركا فى الوجوب وتباينا فى التعين. وما به المشاركة غير ما به الممايزة ~~، فيلزم كون كل واحد منهما فى نفسه مركبا. وقد فرضناه فردا. هذا خلف. # الثانى : كون واجب الوجود لذاته لا يكون حالا ولا محلا. والا لعاد ~~الافتقار. # * * * PageV02P326 # المقدمة الثانية وجوبه فى جميع صفاته السلبية والثبوتية قالوا : والدليل ~~على أن الأمر كذلك : أن ذاته ان كفت فى تحقق تلك الصفة ، وجب دوامها بدوام ~~الذات. وان لم تكف افتقرت ذاته فى تلك الصفة الى أمر آخر. ولا بد بالآخرة ~~من الانتهاء الى واجب لذاته. فيعود ما ذكرنا من أنه يلزم من دوام ذاته ، ~~دوام تلك الصفة. # ثم ان الفلسفى يقول : ما لأجله كان مؤثرا فى غيره. اما أن يكون هو ذاته ، ~~أو لوازم ذاته. فيلزم من دوام ذاته ، دوام مؤثريته ، ودوام أثره. # والمتكلم يقول : لما وجب فى الفعل أن يكون مسبوقا بالعدم ، لزم أن يقال : ~~إنه أوجد بعد أن لم يكن موجودا. فالفيلسوف يستدل بحال المؤثر على حال الأثر ~~، والمتكلم يستدل بحال الأثر على المؤثر. والمعركة الكبرى والطامة العظمى ~~فى هذا الموضع ، هى مقدمة الوجوب والامكان فى الذات والصفات. وبالله ~~التوفيق. ### ||| ** وهذا آخر الكلام فى هذا الكتاب. # ولنختم هذا الكتاب بالدعاء المأثور عن أكابر أهل البيت عليهم السلام وهو ~~«يا من أظهر الجميل ، وستر القبيح. يا من لم يؤاخذ بالجريمة ، ولم يهتك ~~الستر. يا عظيم العفو ، يا حسن التجاوز ، يا باسط اليدين بالرحمة ، يا واسع ~~المغفرة ، يا مفرج الكربة ، يا مقيل العثرات ، يا كريم الصفح ، يا عظيم ~~المن ، يا مبتديا بالنعم قبل استحقاقها يا رباه ، يا سيداه ، يا غاية ~~رغبتاه. يا الله. يا الله. أسألك أن تصلى على محمد ، وعلى آل ms481 محمد ، وأن لا ~~تشوه خلقى بالنار ، وأن تعطينى خير الدنيا الآخرة ، وأن تفعل بى ما أنت ~~أهله ، ولا تفعل بى ما أنا أهله ، برحمتك يا أرحم الراحمين. والحمد لله رب ~~العالمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه. وسلم تسليما. PageV02P327 ### ||| * (تم كتاب الأربعين فى أصول الدين. ### ||| * للامام فخر الدين الرازى. محمد بن عمر. رضى الله عنه) # وكان الفراغ من تحقيقه فى يوم السبت التاسع من رمضان سنة ألف وأربعمائة ~~وتسع من الهجرة. الموافق الخامس عشر من ابريل سنة ألف وتسعمائة وتسع ~~وثمانين من الميلاد فى مدينة القاهرة. فى قرية «ميت طريف» دقهلية. وأهديه ~~الى رجل الخيرات بها : الاستاذ محمد ابراهيم الامام رمضان. ||مصححه فى المطبعة محمد حجازى أحمد السقا| ms482