######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_003701 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الفخر الرازي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 606 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: عصمة الأنبياء #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر سيرة النبي والائمة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_003701 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/3701_عصمة-الأنبياء-الفخر-الرازي #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1406 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المتعالى بجلال أحديته عن مسارح ~~الخواطر والأوهام، المقدس بكمال صمديته عن مسابح البصائر والأفهام. المتنزه ~~لوجوب هويته عن مشاكلة الأعراض والأجسام. المبرأ بعظمة إلهيته عن بواعث ~~الإقدام وصوارف الأحجام، الذي لا يتغير بكرور الدهور ومرور الشهور ~~والأعوام. ولا يؤوده إنعام سجال الخواص والعوام من الاحسان والإنعام. ~~والصلاة على محمد المبعوث إلى كافة الأنام، والسلام على آله وأصحابه أئمة ~~الإسلام * [أما بعد] فهذه رسالة عملناها في النضح عن رسل الله وأنبيائه ~~والذب عن خلاصة خلقه وأتقيائه، وإبانة ما أتى به أهل الحشو من إحالة الذنوب ~~والجرائم عليهم، ونسبة الفضائح والقبائح إليهم، وأنه زور وبهتان، وحسبان ~~عاطل عن الحجة والبرهان، وإنهم يتجشئون من غير شبع، ويطمعون في غير مطمع، ~~وإن شبهاتهم لا تقوى على مقاومة الساعد الأشد ولا تسم على المنهج الأسد ~~(كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا) والله المحمود على ما أفاض ~~من توفيق، والمشكور على ما منح من تحقيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل ~~PageV00P006 # [فصل] [في شرح الأقوال والمذاهب في هذه المباحث والمطالب] [إعلم] أن ~~الاختلاف في هذه المسألة واقع في أربعة مواضع [الأول] ما يتعلق ~~بالاعتقادية. واجتمعت الأمة على أن الأنبياء معصومون عن الكفر والبدعة إلا ~~الفضيلية من الخوارج فإنهم يجوزون الكفر على الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام، وذلك لأن عندهم يجوز صدور الذنوب عنهم وكل ذنب فهو كفر عندهم، ~~فبهذا الطريق جوزوا صدور الكفر عنهم، والروافض فإنهم يجوزون عليهم إظهار ~~كلمة الكفر على سبيل التقية (1) * [الثاني] ما يتعلق بجميع الشرائع ~~والأحكام من الله تعالى، وأجمعوا على أنه لا يجوز عليهم التحريف والخيانة ~~في هذا الباب لا بالعمد ولا بالسهو، وإلا لم يبق الاعتماد على شئ من ~~الشرائع * # PageV00P007 # [الثالث] ما يتعلق بالفتوى. وأجمعوا على أنه لا يجوز تعمد الخطأ. # فأما على سبيل السهو فقد اختلفوا فيه * [الرابع] ما يتعلق بأفعالهم ~~وأحوالهم. وقد اختلفوا فيه على خمسة مذاهب (الأول) الحشوية وهو أنه يجوز ~~عليهم الإقدام على الكبائر والصغائر (الثاني) أنه لا يجوز منهم ms01 تعمد ~~الكبيرة البتة وأما تعمد الصغيرة فهو جائز، بشرط أن لا تكون منفرا. وأما إن ~~كانت منفرا فذلك لا يجوز عليهم، مثل التطفيف بما دون الحبة (1) وهو قول ~~أكثر المعتزلة (الثالث) أنه لا يجوز عليهم تعمد الكبيرة والصغيرة، ولكن ~~يجوز صدور الذنب منهم على سبيل الخطأ في التأويل، وهو قول أبي علي الجبائي ~~(الرابع) أنه لا يجوز عليهم الكبيرة ولا الصغيرة، لا بالعمد ولا بالتأويل ~~والخطأ. أما السهو والنسيان فجائز ثم إنهم يعاتبون على ذلك السهو والنسيان، ~~لما أن علومهم أكمل، فكان الواجب عليهم المبالغة في التيقظ، وهو قول أبي ~~إسحاق إبراهيم بن سيار النظام * [الخامس] أنه لا يجوز عليهم الكبيرة ولا ~~الصغيرة لا بالعمد ولا بالتأويل ولا بالسهو والنسيان. وهذا مذهب الشيعة * ~~واختلفوا أيضا في وقت وجوب هذه العصمة، فقال بعضهم: # إنها من أول الولادة إلى آخر العمر، وقال الأكثرون: هذه العصمة إنما تجب ~~في زمان النبوة. فأما قبلها فهي غير واجبة. وهو قول أكثر أصحابنا رحمهم ~~الله تعالى * # PageV00P008 # والذي نقول: إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون في زمان النبوة عن ~~الكبائر والصغائر بالعمد. أما على سبيل السهو فهو جائز. ويدل على وجوب ~~العصمة وجوه خمسة عشرة: # [الحجة الأولى (1)] لو صدر الذنب عنهم لكان حالهم في استحقاق الذم عاجلا ~~والعقاب آجلا أشد من حال عصاة الأمة. # وهذا باطل فصدور الذنب أيضا باطل، بيان الملازمة: أن أعظم نعم الله على ~~العباد هي نعمة الرسالة والنبوة. وكل من كانت نعم الله تعالى عليه أكثر كان ~~صدور الذنب عنه أفحش، وصريح العقل يدل عليه، ثم يؤكده من النقل ثلاثة وجوه ~~[الأول] قوله تعالى: # (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء) وقال تعالى: (يا نساء النبي من يأت ~~منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين) * [الثاني] أن المحصن يرجم ~~وغيره يجلد [الثالث] أن العبد يحد نصف حد الحر، فثبت بما ذكرنا أنه لو صدر ~~الذنب عنهم لكان حالهم في استحقاق الذم العاجل والعقاب الآجل فوق حال جميع ~~عصاة الأمة، إلا أن هذا باطل ms02 بالإجماع فإن أحدا لا يجوز أن يقول إن الرسول ~~أحسن حالا عند الله وأقل منزلة من كل أحد. وهذا يدل على عدم صدور الذنب ~~عنهم * [الحجة الثانية] لو صدر الذنب عنهم لما كانوا مقبولي الشهادة لقوله ~~تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتثبتوا) (2) # PageV00P009 # أمر بالتثبت والتوقف في قبول شهادة الفاسق، إلا أن هذا باطل فإن من لم ~~تقبل شهادته في حال الدنيا فكيف تقبل شهادته في الأديان الباقية إلى يوم ~~القيامة، وأيضا فإنه تعالى شهد بأن محمدا عليه الصلاة والسلام شهيد على ~~الكل يوم القيامة، قال: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ~~ويكون الرسول عليكم شهيدا) ومن كان شهيدا لجميع الرسل يوم القيامة كيف يكون ~~بحال لا تقبل شهادته في الجنة * [الحجة الثالثة] لو صدر الذنب عنهم لوجب ~~زجرهم، لأن الدلائل دالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكن زجر ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام غير جائز، لقوله تعالى: (إن الذين يؤذون ~~الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة) فكان صدور الذنب عنهم ممتنعا * ~~[الحجة الرابعة] لو صدر الفسق عن محمد عليه الصلاة والسلام لكنا إما أن ~~نكون مأمورين بالاقتداء به وهذا لا يجوز، أولا نكون مأمورين بالاقتداء به ~~وهذا أيضا باطل لقوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) ~~ولقوله تعالى: (فاتبعوه) ولما كان صدور الفسق يفضي إلى هذين القسمين ~~الباطلين كان صدور الفسق عنه محالا * [الحجة الخامسة] لو صدرت المعصية عن ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لوجب أن يكونوا موعودين بعذاب الله بعذاب ~~جهنم، PageV00P010 # لقوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها ~~وله عذاب مهين) ولكانوا ملعونين، لقوله تعالى: (ألا لعنة الله على ~~الظالمين) وبإجماع الأمة هذا باطل فكان صدور المعصية عنهم باطلا * [الحجة ~~السادسة] إنهم كانوا يأمرون بالطاعات وترك المعاصي ولو تركوا الطاعة وفعلوا ~~المعصية لدخلوا تحت قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا ~~تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) ms03 وتحت قوله تعالى: ~~(أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) ومعلوم أن هذا في غاية القبح، وأيضا ~~أخبر الله تعالى عن رسوله شعيب عليه الصلاة والسلام أنه برأ نفسه من ذلك، ~~فقال: (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنها كم عنه) * [الحجة السابعة] قال ~~الله تعالى في صفة إبراهيم وإسحاق ويعقوب (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات) ~~والألف واللام في صيغة الجمع تفيد العموم فدخل تحت لفظ (الخيرات) فعل كل ما ~~ينبغي وترك كل ما لا ينبغي، وذلك يدل على أنهم كانوا فاعلين لكل الطاعات ~~وتاركين لكل المعاصي * [الحجة الثامنة] قوله تعالى (وإنهم عندنا لمن ~~المصطفين الأخيار) وهو أن اللفظين أعني قوله تعالى (المصطفين) وقوله ~~(الأخيار) يتناولان جملة الأفعال والتروك، بدليل جواز الاستثناء، يقال: ~~فلان من المصطفين الأخيار إلا في كذا، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه ~~PageV00P011 # لدخل، فدلت هذه الآية على أنهم كانوا من المصطفين الأخيار في كل الأمور، ~~وهذا ينافي صدور الذنب عنهم، ونظيره قوله تعالى (الله يصطفى من الملائكة ~~رسلا ومن الناس) وقوله تعالى (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل ~~عمران على العالمين) وقال في حق إبراهيم (ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين) وقال في حق موسى عليه الصلاة والسلام (إني اصطفيتك ~~على الناس برسالاتي وبكلامي) وقال تعالى (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب أولي الأيدي والأبصار. إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار) * لا يقال: ~~الاصطفاء لا يمنع من فعل الذنب، بدليل قوله تعالى (ثم أورثنا الكتاب الذين ~~اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن ~~الله) قسم المصطفين إلى الظالم والمقتصد والسابق، لأنا نقول: الضمير في ~~قوله (فمنهم) عائد إلى قوله (من عبادنا) لا إلى قوله (الذين اصطفينا) لأن ~~عود الضمير إلى أقرب المذكورين واجب * [الحجة التاسعة] قوله تعالى حكاية عن ~~إبليس (فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) استثنى المخلصين ~~من إغوائه وإضلاله، ثم إنه تعالى شهد على إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم ~~الصلاة والسلام أنهم من المخلصين، حيث قال (إنا أخلصناهم ms04 بخالصة) وقال في ~~حق يوسف عليه الصلاة والسلام (إنه من عبادنا المخلصين) فلما أقر إبليس أنه ~~لا يغوي المخلصين، وشهد الله بأن هؤلاء من المخلصين ثبت أن PageV00P012 # إغواء إبليس ووسوسته ما وصلت إليهم، وذلك يوجب القطع بعدم صدور المعصية ~~عنهم * [الحجة العاشرة] قال الله تعالى (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه ~~إلا فريقا من المؤمنين) فهؤلاء الذين لم يتبعوا إبليس إما أن يقال: إنهم ~~الأنبياء أو غيرهم فإن كانوا غيرهم لزم أن يكونوا أفضل منهم، لقوله تعالى ~~(إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وتفضيل غير النبي على النبي باطل بالإجماع. ~~فوجب القطع بأن أولئك الذين لم يتبعوا إبليس هم الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام، وكل من أذنب فقد اتبع إبليس فدل هذا على أن الأنبياء صلوات الله ~~عليهم ما أذنبوا * [الحجة الحادية عشرة] أنه تعالى قسم المكلفين إلى قسمين: # حزب الشيطان كما قال تعالى (أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم ~~الخاسرون) وحزب الله كما قال تعالى (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم ~~المفلحون) ولا شك أن حزب الشيطان هو الذي يفعل ما يريد الشيطان ويأمره به. ~~فلو صدرت الذنوب عن الأنبياء لصدق عليهم أنهم من حزب الشيطان، ولصدق عليهم ~~قوله تعالى: # (ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون) ولصدق على الزهاد من آحاد الأمة قوله ~~تعالى (ألا إن حزب الله هم المفلحون) وحينئذ يلزم أن يكون واحد من آحاد ~~الأمة أفضل بكثير من الأنبياء، ولا شك في بطلانه * [الحجة الثانية عشرة] إن ~~أصحابنا رحمهم الله تعالى بينوا أن PageV00P013 # الأنبياء أفضل من الملائكة وثابت بالدلالة أن الملائكة ما أقدموا على شئ ~~من الذنوب، فلو صدرت الذنوب عن الأنبياء لامتنع أن يكونوا زائدين في الفضل ~~على الملائكة لقوله تعالى (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين ~~في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) * [الحجة الثالثة عشرة] قال الله تعالى ~~في حق إبراهيم عليه الصلاة والسلام (إني جاعلك للناس إماما) والإمام هو ~~الذي يقتدى به فلو صدر الذنب عن إبراهيم لكان اقتداء الخلق ms05 به في ذلك الذنب ~~واجبا وإنه باطل * [الحجة الرابعة عشرة] قوله تعالى: (لا ينال عهدي ~~الظالمين) فكل من أقدم على الذنب كان ظالما لنفسه لقوله تعالى: (فمنهم ظالم ~~لنفسه) * إذا عرفت هذا فنقول: ذلك العهد الذي حكم الله تعالى بأنه لا يصل ~~إلى الظالمين إما أن يكون هو عهد النبوة أو عهد الإمامة، فإن كان الأول فهو ~~المقصود، وإن كان الثاني فالمقصود أظهر، لأن عهد الإمامة أقل درجة من عهد ~~النبوة، فإذا لم يصل عهد الإمامة إلى المذنب العاصي، فبأن لا يصل عهد ~~النبوة إليه أولى * [الحجة الخامسة عشرة] روي أن خزيمة بن ثابت الأنصاري ~~رضي الله عنه شهد على وفق دعوى النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنه ما كان ~~عاما بتلك الواقعة فقال خزيمة: " إني أصدقك فيما تخبر عنه من أحوال السماء، ~~أفلا أصدقك في هذا القدر؟! فلما ذكر ذلك صدقه PageV00P014 # النبي صلى الله عليه وآله فيه ولقبه بذي الشهادتين (1) ولو كان الذنب ~~جائزا على الأنبياء لكانت شهادة خزيمة غير جائزة * [واعلم] أنا لما فرغنا ~~من ذكر الدلائل الدالة على عصمة الأنبياء فلنذكر الآن ما يدل على عصمة ~~الملائكة. ويدل عليه وجوه أربعة: [الأول] قوله تعالى في صفة الملائكة: ~~(يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون) يتناول جميع الملائكة في فعل ~~جميع المأمورات وترك جميع المنهيات، لأن كل من نهى عن فعل فقد أمر بتركه ~~[الثاني] قوله تعالى في وصفهم (بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون) [الثالث] قوله تعالى: (يسبحون الليل والنهار لا يفترون) وما كانت ~~صفته كذلك لا يصدر عنه الذنب * [الرابع] أن الملائكة رسل الله لقوله تعالى: ~~(جاعل الملائكة رسلا) والرسل معصومون لقوله تعالى في تعظيمهم: (الله أعلم ~~حيث يجعل رسالته) * # PageV00P015 # فهذا مجموع الدلائل على عصمة الأنبياء وعصمة الملائكة صلوات الله عليهم ~~أجمعين * [واعلم] أن شبهات المخالفين في هذه المسألة كثيرة، ونحن نذكرها ~~على سبيل الاختصار * [عصمة آدم عليه السلام] أما قصة آدم عليه السلام فقد ~~تمسكوا بها من وجوه ستة: # [الأول] أنه ms06 كان عاصيا والعاصي لا بد وأن يكون صاحب الكبيرة، وإنما قلنا: ~~إنه كان عاصيا لقوله تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى) وإنما قلنا إن العاصي صاحب ~~الكبيرة لوجهين: # [أحدهما] أن النص يقتضي كونه معاقبا وهو قوله تعالى: (ومن يعص الله ~~ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها) ولا معنى لصاحب الكبيرة إلا من ~~فعل فعلا يعاقب عليه * [والثاني] أن العصيان اسم ذم فلا يطلق إلا على صاحب ~~الكبيرة * [الثاني] أنه تائب والتائب مذنب. وإنما قلنا إنه تائب لقوله ~~تعالى (ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) وقوله تعالى: (فتلقى آدم من ربه ~~كلمات فتاب عليه) وإنما قلنا إن التائب مذنب لأن التائب هو النادم على فعل ~~الذنب والنادم على فعل الذنب مخبر عن كونه فاعلا للذنب، فإن كذب في ذلك ~~الأخبار فهو مذنب بفعل الكذب وإن صدق فيه فهو المطلوب * PageV00P016 # [الثالث] أنه ارتكب المنهى عنه، لقوله تعالى: (ألم أنهكما عن تلكما ~~الشجرة) وقوله تعالى (ولا تقربا هذه الشجرة) وارتكاب المنهى عنه عين الذنب ~~[الرابع] أنه تعالى سماه ظالما في قوله (فتكونا من الظالمين) وهو أيضا سمى ~~نفسه ظالما في قوله (ربنا ظلمنا أنفسنا) والظالم ملعون لقوله تعالى (ألا ~~لعنة الله على الظالمين) ومن كان كذلك كان صاحب كبيرة [الخامس] أنه اعترف ~~بأنه لولا مغفرة الله تعالى له لكان خاسرا في قوله تعالى (وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين) وذلك يقتضي كونه صاحب كبيرة * (السادس) * أنه ~~أخرج من الجنة بسبب وسوسة الشيطان وإزلاله جزاء على ما أقدم عليه من طاعة ~~الشيطان، وذلك يدل على كونه صاحب كبيرة * ثم قالوا: إن كل واحدة من هذه ~~الوجوه لا يدل على كونه فاعل كبيرة، ولكن مجموعها قاطع في الدلالة عليه، ~~ويجوز أن يكون كل واحد من الوجوه وإن لم يكن دالا على الشئ إلا أنها عند ~~الاجتماع تصير دالة كلما قلنا في القرائن * [والجواب] عن الكل عندنا: أن ~~ذلك كان قبل النبوة، فلا يكون واردا علينا * فأما الذين لم يجوزوا صدور ~~المعصية عن الأنبياء ms07 قبل النبوة فقد أجابوا عن كل واحدة من هذه الوجوه * ~~[أما الأول] فقالوا: المعصية مخالفة الأمر، فالأمر قد يكون بالواجب والندب، ~~فإنهم يقولون: أشرت عليه في أمر ولده بكذا PageV00P017 # فعصاني، وأمرته بشرب الدواء فعصاني. وإن كان كذلك لم يمتنع أن يكون إطلاق ~~اسم العصيان على آدم، لا لكونه تاركا للواجب بل للمندوب * ولقائل أن يقول: ~~إنا قد بينا أن ظاهر القرآن يدل على أن العاصي يستحق العقاب وذلك يقتضي ~~تخصيص اسم العاصي بترك الواجب فقط، وبينا أنه أيضا اسم ذم، فوجب أن لا ~~يتناول إلا تارك الواجب، ولأنه لو كان تارك المندوب عاصيا لوجب وصف ~~الأنبياء بأنهم عصاة في كل حال وأنهم لا ينفكون عن المعصية، لأنهم لا ~~يكادون ينفكون عن ترك المندوب، لا يقال: وصف تارك المندوب بأنه عاص مجاز ~~والمجاز لا يطرد. لأنا نقول: لما سلمت كونه مجازا فالأصل عدمه وحينئذ يتم ~~استدلال الخصم * فأما قوله: أشرت إليه في أمر ولده بكذا فعصاني فإنا لا ~~نسلم أن هذا الاستعمال مروي عن العرب، وإن سلمناه لكنهم إنما يطلقون ذلك ~~إذا جزموا على المستشير بأنه لا بد وأن يفعل ذلك الفعل، وأنه لا يجوز ~~الاخلال به وحينئذ يكون معنى الايجاب حاصلا، وإن لم يكن الوجوب حاصلا. وذلك ~~يدل على أن لفظ العصيان لا يجوز إطلاقه إلا عند تحقق الايجاب لكن أجمعنا ~~على أن الايجاب من الله يقتضي الوجوب، فلزم أن يكون إطلاق لفظ العصيان على ~~آدم إنما كان لكونه تاركا للواجب * [وأما الثاني] وهو أنه تائب، فقد أجاب ~~من جوز الصغيرة PageV00P018 # بأن التوبة تجب من الصغائر كما تجب من الكبائر، فإن الصغيرة إذا لم يتب ~~منها صاحبها صار مصرا عليها والإصرار على أي ذنب كان كبيرة * وأما من لم ~~يجوز الصغيرة فقد أجاب بأن التوبة قد تحسن ممن لم يذنب قط على سبيل ~~الانقطاع إلى الله تعالى والرجوع إليه، ويكون وجه حسنها استحقاق الثواب بها ~~ابتداءا. والذي يدل عليه أنا نقول: # " اللهم اجعلنا من التوابين " فلو كان حسنها مسبوقا بفعل ms08 الذنب لكان ذلك ~~سؤالا لصيرورتنا مذنبين، وأنه لا يجوز * [وأما الثالث] فهو ارتكاب المنهى، ~~فالجواب أنا نقول: لا نسلم أن النهي للتحريم فقط، بل هو مشترك بين التحريم ~~والتنزيه وتفسيره أن النهي يفيد أن جانب الترك راجح على جانب الفعل، فأما ~~جانب الفعل فهل يقتضي استحقاق العقاب أو لا يقتضي؟ فذلك خارج عن مفهوم ~~اللفظ وإذا كان كذلك سقط الاستدلال. سلمنا أن النهي للتحريم لكنه ارتكبه ~~ناسيا لقوله تعالى: (فنسي ولم نجد له عزما) وحينئذ لم يكن ذنبا لأن التكليف ~~مرتفع عن الناسي، ولقائل أن يقول: # لا نسلم أنه ارتكبه ناسيا. والدليل عليه قوله تعالى: (ما نهاكما ربكما عن ~~هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين) وقوله (وقاسمهما أني لكما لمن الناصحين) ~~وكل ذلك يدل على أنه ما نسي النهي حال الإقدام على ذلك الفعل، وأيضا فلأنه ~~لو كان ناسيا لما عوتب على ذلك الفعل، ولما سمي بالعاصي، فحيث عوتب عليه دل ~~على أنه ما كان ناسيا، وأما قوله تعالى: (فنسي) ففيه إثبات أنه نسي وليس ~~فيه أنه ما نسي سلمنا PageV00P019 # أنه لم يكن ناسيا ولكنه أخطأ في الاجتهاد وذلك لأن كلمة (هذه) في قوله: ~~(ولا تقربا هذه الشجرة) قد يراد بها الإشارة إلى الشخص وقد يراد بها ~~الإشارة إلى النوع كما في قوله عليه الصلاة والسلام: # " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " فآدم عليه الصلاة والسلام اشتبه ~~الأمر عليه فظن أن المراد هو الشخص فعدل عنه إلى شخص آخر إلا أن المجتهد ~~إذا أخطأ في الفروع لم يكن صاحب كبيرة * لا يقال: كلمة (هذه) لما احتملت ~~الأمرين كان البيان حاصلا في ذلك الوقت لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا ~~يجوز وإذا كان البيان حاصلا لم يكن آدم عليه السلام معذورا في ذلك الخطأ ~~لأنا نقول: لعل البيان كان حاصلا بطريق غامض خفي فالمخطئ فيه معذور * [وأما ~~الرابع] وهو أن الله تعالى سماه ظالما فقد أجاب عنه من يجوز الصغيرة بأن كل ~~ذنب يأتي به المكلف كبيرا كان ms09 أو صغيرا فهو ظالم لنفسه. وأما من لم يجوزها ~~فأجاب بأن ترك الأولى ظلم، لأنه لما كان متمكنا من فعل الأولى حتى يستحق به ~~الثواب العظيم فلما تركه من غير موجب فقد ترك حظ نفسه ومثل هذا يجوز أن ~~يسمى ظالما لنفسه، لأن حقيقة الظلم وضع الشئ في غير موضعه وهاهنا كذلك * ~~[وأما الخامس] فالجواب عنه: أنه محمول على الصغيرة أو على ترك الأولى ~~وتقديره ما تقدم * [وأما السادس] فجوابه: أنه ليس في الآية إلا أنه أخرج من ~~PageV00P020 # الجنة عند إقدامه على هذا الفعل، أو لأجل إقدامه على هذا الفعل وذلك لا ~~يدل على أن ذلك الإخراج كان على سبيل التنكيل والاستخفاف وكيف والله تعالى ~~إنما خلق آدم ليكون خليفة في الأرض؟ فلما كان المقصود الأصلي من خلقه ذلك، ~~فكيف يقال: إنه وقع ذلك عقوبة واستخفافا ثم الذي يدل على أنه لا بد من ~~المصير إلى الوجوه التي ذكرناها هو أنه عليه الصلاة والسلام لو كان عاصيا ~~في الحقيقة وكان ظالما في الحقيقة لوجب الحكم عليه بأنه كان مستحقا للنار، ~~لقوله تعالى (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم) وبأنه كان ملعونا لقوله ~~تعالى (ألا لعنة الله على الظالمين) فلما اجتمعت الأمة على أن ذلك لا يجوز ~~علمنا قطعا أنه لا بد من التأويل وبالله التوفيق * الشبهة الثانية تمسكوا ~~بقوله تعالى (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما ~~تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا ~~صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهم ~~فتعالى الله عما يشركون) * قالوا: لا شك أن النفس الواحدة هي آدم، وزوجها ~~المخلوق منها هي حواء فهذه الكنايات عائدة إليهما قوله تعالى: (جعلا له ~~شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون) يقتضي صدور الشرك عنهما ثم ~~قالوا: # إن إبليس لما أن حملت حواء عرض لها ولد فقال لها: إن أحببت أن ~~PageV00P021 # يعيش ولدك فسميه بعبد الحارث وكان إبليس يسمى الحارث، ms10 فلما ولدت سمته ~~بهذه التسمية فلذا قال الله تعالى (جعلا له شركاء فيما آتاهما) * [الجواب] ~~الصحيح إنا لا نسلم أن النفس الواحدة في هذه الآية هي آدم عليه السلام، ~~وليس في الآية ما يدل على ذلك، بل نقول: # الخطاب لقريش، وهو آل قصي. والمعنى خلقكم من نفس قصي وجعل من جنسها زوجها ~~عربية قرشية ليسكن إليها. فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السمي سميا ~~أولادهما الأربعة بعد مناف. وعبد العزى. وعبد قصي. # وعبد الدار، والضمير في (يشركون) لهما ولأعقابهما. وذكروا وجوها أخر سوى ~~ما ذكرناه وهي بأسرها ضعيفة [أولها] أن الكنايات كلها عن آدم وحواء، إلا في ~~(جعلا) و (يشركون) فإنهما يرجعان إلى نسلهما وعقبهما، ويكون تقدير الكلام: ~~فلما آتى الله آدم وحواء الولد الصالح الذي طلباه جعل كفار أولادهما ذلك ~~مضافا إلى غير الله، وإنما ثنى ذكرهما لأنهما جنسان ذكر وأنثى، ويقوى هذا ~~التأويل قوله (فتعالى الله عما يشركون) وذلك يدل على أن المراد بالتثنية ما ~~ذكرناه من الجنسين [وثانيهما] أن قوله (من نفس واحدة) هو آدم وجعل من تلك ~~النفس زوجها، وهي حواء، إلى ههنا حديث آدم وحواء * ثم خص بالذكر المشركين ~~من أولاد آدم الذين سألوا ما سألوا وجعلوا له شركاء. ويجوز أن يذكر العموم ~~ثم يخص بعض المذكور بالذكر. # ومثله كثير في الكلام. قال الله تعالى (هو الذي يسيركم في البر والبحر ~~حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة) فعم جميع الخلق في أول ~~PageV00P022 # الآية ثم خص في آخرها بعضهم. فكذا ههنا * [واعلم] أن هذين يقتضيان في ~~الكنايات المتوالية عقيب مذكور واحد صرف بعضها إلى ذلك المذكور وبعضها إلى ~~شئ آخر. وذلك يفكك النظم * [وثالثها] أن تكون الهاء في قوله تعالى (جعلا له ~~شركاء) راجعة إلى الولد، لا إلى الله تعالى. ويكون المعنى إنهما طلبا من ~~الله تعالى ابنا لا الولد الصالح وهو كقوله: طلبت مني درهما فلما أعطيتك ~~أشركته بآخر أي طلبت آخر مضافا إليه وهذا ضعيف لوجهين [أحدهما] أن الهاء في ms11 ~~قوله (له) لما عاد إلى الولد يصير قوله تعالى فلما آتاهما صالحا * [الثاني] ~~وأنه يصير قوله تعالى (فتعالى الله عما يشركون) منقطعا عما قبله وذلك يوجب ~~الركاكة. فهذا هو الكلام على الآية * وأما الرواية التي ذكروها فهي ضعيفة ~~لوجوه ثلاثة: # [الأول] أنها من باب الآحاد فلا يكون مقبولا في العلميات [الثاني] أنه ~~إما أن يقال: بأن آدم وحواء اعتقدا أن الولد من خلق إبليس أولم يعتقدا ذلك ~~ولكنهما سميا ولدهما بعبد الحارث مع أن الحارث كان اسم إبليس، فإن كان ~~الأول لزم أن يكون آدم وحواء قد اعتقدا إلهية إبليس، وذلك مما لا يذهب إليه ~~عاقل. وإن كان الثاني لم يلزم منه الكفر والشرك، لأن الإعلام تفيد تسمية ~~الولد بعبد الحارث لا تفيد كونه عبد الحارث، فإن الإعلام قائمة مقام ~~الإشارة فقط ولا يلزم منه الكفر والفسق أصلا PageV00P023 # [الثالث] أن العداوة الشديدة التي كانت من آدم وإبليس من أول الأمر إلى ~~وقت ذلك الحمل مانعة لآدم من الاغترار به، هب أن آدم يكن نبيا ولم يكن ~~مسلما، أما كان عاقلا؟ فصح أن هذه الرواية الخبيثة لا يجوز أن يقبلها عاقل ~~فضلا عن مسلم (1) * [قصة نوح عليه السلام] [وفيها شبهات] [الأولى] تمسكوا ~~بقوله تعالى: (ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت ~~أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ~~ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين) من وجهين: # [الأول] أن قوله تعالى: (إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح) يدل على أنه ~~لم يكن ابنا، وإذا كان كذلك كان قوله (إن ابني من أهلي) كذبا، وهو معصية ~~[الثاني] أن سؤال نوح عليه السلام كان معصية لثلاث آيات: [أحدها] قوله (لا ~~تسألن ما ليس لك # PageV00P024 # به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين) (1) * [وثانيها] قوله خبرا عن نوح ~~(قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني ms12 أكن ~~من الخاسرين) * [وثالثها] قوله (إنه عمل غير صالح) وفيها قراءتان قراءة ~~الكسائي عمل غير صالح، والمعنى أن ابنك عمل غير صالح والباقون بالتنوين ~~والرفع. والأول مرجوح لأنه يقتضي إضمار الموصوف (2) وهو على خلاف الأصل ~~فتعينت القراءة الثانية، والهاء في قوله: (إنه) ضمير والضمير لا بد وأن ~~يكون عائدا إلى مذكور سابق والمذكور السابق هاهنا إما السؤال وإما الابن لا ~~يجوز عوده إلى الابن لأن الابن لا يكون عملا غير صالح بل ذا عمل غير صالح، ~~فيقتضي الاضمار، وإنه خلاف الأصل. فثبت أن الضمير عائد إلى السؤال فثبت أن ~~ذلك كان عملا غير صالح * # PageV00P025 # * (والجواب) * عن الأول أن المفسرين اختلفوا في هذا الابن على ثلاثة ~~أقوال [الأول] فالأكثرون على أنه كان ابنا له لصلبه وهو الأقوى لقوله تعالى ~~(ونادى نوح ابنه) ثم اختلفوا فمنهم من قال ليس من أهلك الذين وعدتك أن ~~أنجيهم معك، وقيل: ليس من أهل دينك وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير ~~والضحاك وعكرمة وميمون بن مهران * [الثاني] أنه كان ابن امرأته إلا أنه ~~لاختلاطه بأبنائه وأهل بيته أطلق عليه لفظ الابن، كما أن إبليس لاختلاطه ~~بالملائكة أطلق عليه اسم الملك. ويدل عليه قوله (إن ابني من أهلي) ولم يقل ~~مني، ويروى ذلك عن الباقين [الثالث] أنه ولد على فراشه لغير رشدة (1)، وهو ~~المروى عن الحسن ومجاهد وابن جريج وعبيد بن عمير. وهذان القولان ضعيفان، ~~لقوله تعالى (ونادى نوح ابنه) والثالث أضعف لأنه يجب تنزيه منصب الأنبياء ~~عن مثل هذه الفضيحة * وعن الشبهة الثانية إنا لا نسلم أنه دعا لابنه مطلقا، ~~بل يشترط الإيمان لا يقال: فلم قال الله تعالى (لا تسألن ما ليس لك به علم) ~~وقال (إني أعظك أن تكون من الجاهلين) وقال نوح (رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ~~ليس لي به علم)؟ لأنا نقول: يمتنع أن يكون نوح عليه السلام نهى عن ذلك وإن ~~لم يقع ذلك منه، كما أن نبينا عليه الصلاة والسلام نهى عن الشرك لقوله ~~تعالى (لئن أشركت ms13 ليحبطن عمالك) وإن لم يقع # PageV00P026 # ذلك منه، فأما قوله تعالى (إني أعظك أن تكون من الجاهلين) فمعناه أن لا ~~تكون منهم. ولا شك أن وعظه تعالى الذي صرف نوحا عليه السلام عن الجهل. وأما ~~قول نوح عليه السلام (إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم) فلا دلالة ~~فيه على أنه فعل ذلك سلمنا أنه دعا له مطلقا، ولكن لشفقته الطبيعية قال ما ~~قال، والعقل لا ينكر الدعاء للكافر، وإنما يمنع منه الشرع، فلعله دعاء ~~بمقتضى الطبع إلى أن ورد الشرع بالنهي عنه * لا يقال: فلم سأل من غير إذن؟ ~~لأنا نقول: لما لم يجد نصا مانعا منه تمسك في الجواز بالإباحة الأصلية، أو ~~نقول: إنما كان مسلما في الظاهر، وكان نوح عليه السلام مأذونا في الدعاء ~~للمسلمين فدعا له بحكم الظاهر وذلك جائز لقوله عليه السلام " نحن نحكم ~~بالظاهر " (1) أو نقول: # PageV00P027 # هب أنه أخطأ في ذلك، لكن إن قلت: إن ذلك من الكبائر لقوله هذا سؤال (عمل ~~غير صالح) قلنا: لا نسلم والتعويل في تغيير هذا القسم على كون الاضمار ~~بخلاف الأصل ضعيف لأن الأدلة الدالة على عصمة الأنبياء أقوى من الدليل ~~الدال على كون الاضمار بخلاف الأصل * [قصة إبراهيم عليه السلام] تمسكوا بها ~~من وجوه تسعة * [الأولى] قوله تعالى حاكيا عن إبراهيم عليه السلام (قال هذا ~~ربي) فلا يخلو إما أن يقال: إنه قال هذا الكلام في النظر والاستدلال، أو ~~بعده. فإن كان الأول كان قطعه بذلك مع تجويزه أن يكون الأمر بخلافه إخبارا ~~عما يجوز المخبر كونه كاذبا فيه. وذلك غير جائز. وإن كان الثاني كان ذلك ~~كذبا قطعا، بل كفرا قطعا * [والجواب] قيل: إنه من كلام إبراهيم قبل البلوغ. ~~فإنه لما خطر بباله قبيل بلوغه حد التكليف إثبات الصانع فتفكر فرأى النجوم، ~~فقال (هذا ربي) فلما شاهد حركتها قال: لا بد أن تكون ربا. وكذا الشمس ~~والقمر فبلغه الله تعالى في أثناء ذلك حد التكليف، فقال (إني برئ مما ~~تشركون) وإنما بلغ ذلك في ms14 النجوم والشمس والقمر لما فيه من العلو والنور * ~~PageV00P028 # ومنهم من سلم أنه كان كلام إبراهيم بعد البلوغ ثم اختلفوا فمنهم من قال: ~~يجوز أن يكون ذلك كلامه حال اشتغاله بالنظر والاستدلال ثم إنه لم يقل (هذا ~~ربي) على سبيل الإخبار بل على سبيل الفرض كما أن الواحد منا إذا نظر في ~~حدوث الأجسام فيقول: الجسم قديم؟ # لا لأن مراده الإخبار عن قدم الأجسام، بل لأنه يفرضها قديمة ليظهر ما ~~يؤدي ذلك الفرض إليه من الفساد. فكذا هاهنا فرض ثم عقبه بما يدل على فساده ~~وهو قوله (لا أحب الآفلين) * ومنهم من قال: تكلم بذلك بعد فراغه من النظر ~~وصيرورته موقنا بالله، ثم اختلفوا فيه على وجوه خمسة فقيل: تكلم بذلك على ~~معنى أن الأمر كذلك عندهم كما يقول أحدنا للمشبه على سبيل الانكار إن إلهه ~~جسم متغير. وقال تعالى: (فانظر إلى إلهك) أي في زعمك وقيل: المراد منه ~~الاستفهام، إلا أنه أسقط حرف الاستفهام استغناء عنه، وقيل: في الآية ~~اختصار، وتقديره يقولون هذا ربي ونظيره (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل ربنا) أي ويقولان وقيل: أراد إبراهيم أن يبطل قولهم بتعظيم ~~الكواكب. فأوهم من نفسه أنه يعظمها، ثم عقبه بذكر الاستدلال على بطلانه، ~~وقيل: إنهم دعوه إلى عبادة النجوم فقال مبينا لهم خطأهم (هذا ربي) الذي ~~تدعونني إلى عبادته * والأصح من هذه الأقوال أن ذلك على وجه الاعتبار ~~والاستدلال لا على وجه الإخبار ولذلك فإن الله تعالى لم يذم إبراهيم عليه ~~السلام PageV00P029 # على ذلك بل ذكره بالمدح والتعظيم وأنه أراه ذلك كي يكون من الموقنين، هذا ~~هو البحث المشهور في الآية * وفيها أبحاث أخر من حيث أن بعض الملاحدة قال: ~~إن إبراهيم استدل على الشئ بما لا يدل عليه. وذكر أشياء لا تصح، فكان الطعن ~~متوجها، ونحن نذكر كل واحد من تلك الأسئلة الأربعة عشرة مع جوابه * [السؤال ~~الأول] قوله تعالى: (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا) دلت الآية على أنه نظر ~~في حال الكواكب أولا، ثم القمر ثانيا، ms15 وفي حال الشمس ثالثا، ولا شك أن تلك ~~الليلة مسبوقة بنهار، وأنه كانت الشمس طالعة، فلم لم ينظر في النهار السابق ~~على تلك الليلة في حال الشمس، بل كان ذلك أولى لأن الشمس أعظم من القمر ~~والكواكب ومتى ثبت أن الأعظم لا يصلح للإلهية فالأضعف أولى؟ # [جوابه] أن أم إبراهيم لخوفها عليه وضعته في كهف مظلم فلما تثبت وعقل دنا ~~من الباب فرأى الكوكب، فقد خطر بباله إثبات الصانع فقال ما قال (1) وقيل: ~~إنه كان لا يشار له إلى معبود ثم أشير إلى الكواكب فعند ذلك قال ما قال ~~اعتبارا * # PageV00P030 # [السؤال الثاني] حدوث الكوكب معلوم بحركته، فإنه لما تحرك ثبت أنه لا ~~ينفك عن الحوادث، فيكون محدثا فكان ينبغي أن يحتج عند طلوعه على حدوثه، وأن ~~لا يتوقف على أفوله * [جوابه] المراد بالأفول الهوى في حظيرة الامكان، فإن ~~حركته تدل على كونه ممكنا لذاته، والممكن لذاته معدوم لذاته موجود لغيره، ~~وذلك هو الأفول الحقيقي، وأيضا فلأنه وإن كان لا يختلف الحال بين الطلوع ~~والغروب في الحقيقة إلا أن الغروب أدل على عدم الإلهية عند العوام فلعله ~~عدل إلى الأفول لهذا الغرض * [السؤال الثالث] أنه لما علم أن حركة الكوكب ~~منتهية إلى الأفول وعلم أن الأفول يدل على الحدوث ثم رأى الشمس والقمر ~~متحركين، فكان ينبغي أن يقطع عليهما بالحدوث قبل أفولهما، فلم وقت الأمر ~~فيهما أيضا على الأفول؟ # [جوابه] أما إن حملنا الأفول على الهوى في مغرب الامكان PageV00P031 # فقد اندفع الاشكال، وإن حملناه على رعاية ما هو أظهر للعوام فكذلك * ~~[السؤال الرابع] كيف قطع بغيبة الكوكب على حركته، مع أن المحتمل أن يقال ~~السماء واقفة والأرض متحركة؟ # [جوابه] غيبة الكوكب تقتضي حركة جسم ما فيلزم حدوث ذلك الجسم فيلزم حدوث ~~كل جسم لأن الأجسام كلها متماثلة * [السؤال الخامس] هب أنه استدل بحركة ~~الكوكب على حدوثه فكان ينبغي أن يقول عقيب فراغه من النظر: إني قضيت بحدوثه ~~لكنه لم يفعل ذلك، بل جعله نتيجة دليل إثبات الصانع، فأين إحدى المسألتين ~~من ms16 الأخرى؟ # [جوابه] هذا تنبيه على أن العلم باحتياج المحدث إلى المحدث ضروري، فلما ~~كانت هذه المقدمة ضرورية لا جرم حذفها، واستدل بالدليل الدال على حدوث ~~العالم على ثبوت الصانع ولو لم تكن تلك المقدمة بديهية لكان هذا الاستدلال ~~خطأ قطعا * [السؤال السادس] هب أنه ثبت لإبراهيم عليه السلام بالدلالة التي ~~ذكرها حدوث الأجسام وثبوت الصانع، ولكن كيف استنتج منها فساد قوله: (هذا ~~ربي) فإن من المحتمل أن الكواكب والسماوات محدثة مخلوقة لله تعالى، ثم إنها ~~تكون محدثة للبشر، ولما في هذا العالم على ما يذهب إليه المعللون بالوسائط. ~~فإن قلت: كان غرضه من هذا الاستدلال معرفته مقطع الحاجات، فلما عرف أن ~~السماوات محدثة عرف أنها ليست مقطع الحاجات. قلت: ليس الأمر كذلك، لأن ~~PageV00P032 # أول الاستدلال في قوله: (هذا ربي) فكان مطلوبه أن الكوكب هل هو الشئ الذي ~~يربيني ويخلقني؟ فكان المطلوب هذا لا ما ذكرته، وأيضا بتقدير أن يكون الأمر ~~كذلك، فلم قال: (إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض) فإن بتقدير أن ~~يكون خالقه هو السماء وجب عليه الاشتغال بشكره والإقبال على طاعته * ~~[جوابه] أن إبراهيم عليه السلام كان على مذهبنا في مسألة خلق الأفعال، فإنه ~~لما عرف أنها محدثة عرف أنها ممكنة وكان من المعلوم أن المصحح لمقدورية ~~الله تعالى هو الامكان، فعرف أن كل ممكن مقدور لله تعالى فإنه لا يقع بقدرة ~~غيره فعرف أن كل ممكن خرج من العدم إلى الوجود فلم يخرج إلا به فعلم أن ~~خالقه ومربيه ليس الفلك ولا الملك بل هو الله الواحد القهار * [السؤال ~~السابع] كيف عرف أنه فطر السماوات فإن بقي ههنا احتمال آخر وهو أن الجسم ~~وإن كان محدثا إلا أن هيولاه قديمة. وعلى هذا التقدير لا يكون هو تعالى ~~فاطرها. ودليل الحركة لا يفيد إلا حدوث الجسم من حيث أنه جسم فأما حدوث ~~الهيولي التي هي جزء ماهية الجسم فلا * [وجوابه] لما عرف حدوث الجسم عرف لا ~~محالة حدوث هيولاه لأن هيولاه لو كانت قديمة لكانت في الأزل ms17 قابلة للصورة، ~~لأن قابليتها لها لازمة لماهيتها، ولو حصلت القابلية في الأزل لكان المقبول ~~صحيح الوجود، لأن القابلية نسبية وإمكان النسب متوقف على إمكان المنتسبين ~~لكن المقبول لما كان ممتنع الوجود في الأزل فكانت القابلية كذلك ~~PageV00P033 # فكان القابل كذلك فكان الكل كذلك * * (السؤال الثامن) * كلمة (الذي) ~~موضوعة لتعريف المفرد بقضية معلومة فيما قبل وكونه فاطر السماوات والأرض لم ~~يكن معلوما قبل ذلك إنما صار معلوما له في تلك الحالة فكيف قال (للذي فطر ~~السماوات) * * (جوابه) * أنه لما عرف أن العالم محدث انضمت إليه مقدمة أخرى ~~ضرورية وهي أن كل محدث له محدث، فتولد منهما بأن العالم له صانع فصار علمه ~~بافتقار العالم إلى الصانع علما جليا خاليا عن الشبهات ثم لما عرف وجود ~~الصانع عرف أنه لا بد من القيام بشكره والاشتغال بطاعته، فقال بعد ذلك ~~(وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض) فكان المعنى: وجهت وجهي إلى ذلك الشئ ~~(1) الذي ظهر في عقلي كونه فاطر السماوات والأرض * [السؤال التاسع] أنه لم ~~يحتج إلا بحركة الكوكب على حدوثه فمن أين حكم بذلك على السماوات والأرض ~~بالحدوث والحاجة إلى المحدث؟ # PageV00P034 # [جوابه] لما ثبت أن جسما ما محدث فكل جسم محدث لأن الأجسام كلها متماثلة، ~~وحكم الشئ حكم مثله، وفي هذا الموضع تنبيه على أنه تعالى ليس بجسم من وجهين ~~[الأول] أنه لما ثبت حدوث جسم فرع على تلك الدلالة حدوث جسم آخر، وذلك إنما ~~يصح إذا كانت الأجسام كلها متماثلة وذلك ينفى كونه تعالى جسما [الثاني] أنه ~~تعالى لو كان جسما لقال وجهت وجهي إلى الذي، فلما قال (للذي) ولم يقل إلى ~~الذي، دل ذلك على أنه تعالى ليس بجسم * [السؤال العاشر] لم قال (وما أنا من ~~المشركين) وأي دلالة في حدوث الأجسام على نفي الشرك، والظاهر أنه لا يجوز ~~أن يرتب على الدليل ما لا يكون لازما منه * [جوابه] لما عرف حدوث الأجسام ~~عرف أن محدثه قادر وعرف أنه إنما صح منه أن يقدر على مقدور لكون ذلك ~~المقدور ممكنا، فعرف ms18 أن الامكان هو المصحح للمقدورية فعرف أنه لو وجد لها ~~إلهان لقدر كل واحد منهما على عين مقدور الآخر لكنه محال، لما أنه يقتضي ~~وقوع مقدور من قادرين من جهة واحدة وهو محال، لأنه يلزم استغناؤه بكل واحد ~~منهما عن كل واحد منهما، ولما كان ذلك باطلا كان القول بحدوث الأجسام نافيا ~~للشرك من هذا الوجه وهذه هي الأدلة الدالة على التوحيد المطلق ونفي الأضداد ~~والأنداد في الذات والصفات والأفعال وهو الله تعالى واحد في ذاته لا شريك ~~له وواحد في صفاته لا نظير له وواحد في الخلق والإيجاد لا شبيه له ~~PageV00P035 # * (السؤال الحادي عشر) * لما جن عليه الليل ابتدأ أولا بالنظر في ~~الكواكب، فلم لم يبتدئ بالنظر في نفسه ثم في أحوال هذا العالم من العناصر؟ # * (جوابه) * الدليل الدال على حدوث الكواكب دال على حدوث العناصر ولا ~~ينعكس فكان الاشتغال بالأعم أهم * [السؤال الثاني عشر] هب أنه عرف أن ~~للعالم صانعا، ولكن لم اشتغل بعبادته في الحال فقال: (إني وجهت وجهي للذي ~~فطر السماوات والأرض) * [جوابه) من قال شكر المنعم واجب عقلا فلا إشكال ~~عليه ومن لم يقل به حمل الآية على العلم دون العمل. وفيه أشكال لأن العلم ~~أيضا عمل فقبل السمع أو لم يجز العمل لما جاز لإبراهيم هذا العمل * [السؤال ~~الثالث عشر] لم قال: (وجهت وجهي للذي) ولم يقل وجهت قلبي، مع أنه أولى * ~~[جوابه] هذا يدل على أن الاعتقاد لا بد معه في تزكية الروح من العمل لأن ~~الاعتقاد أرواح والأعمال قوالب، والكمال لا يحصل إلا باجتماعهما وبالله ~~التوفيق * [السؤال الرابع عشر] لم قدم السماوات على الأرض؟ # [جوابه] أن الاستدلال كان أولا على الكواكب والمجانسة بينها وبين الأفلاك ~~أشد ثم بينها وبين العناصر، فلذلك قدم السماوات لأنها أشرف وأقوى وأعظم ~~فأشكالها أشرف الأشكال وهو PageV00P036 # المستدير وألوانها أحسن الألوان وهو المستنير فأجسامها أصلب الأجسام ~~فإنها السبع الشداد، وهي محل البركات. ومنها تنزل الخيرات فلما فاقت ~~السفليات في هذه الصفات قدمها في الذكر * [الشبهة الثانية] تمسكوا بقول ms19 ~~الله تعالى مخبرا عن إبراهيم لما قال له قومه: (أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا ~~إبراهيم؟ قال: بل فعله كبيرهم هذا) وإنما عنى بالكبير الصنم وهذا كذب لأن ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو الذي كسر الأصنام فإضافة كسرها إلى غيره لا ~~يكون إلا كذبا * * (الجواب) * من وجوه [الأول] أنه كناية عن غير مذكور أي ~~فعله من فعله. و (كبيرهم هذا) ابتداء كلام. وروي عن الكسائي أنه كان يقف ~~عند قوله تعالى (بل فعله) ثم يبتدئ (كبيرهم هذا) * [الثاني] أنه يجوز أن ~~يكون فيه وقف عند قوله تعالى (كبيرهم هذا فاسألوهم) والمعنى بل فعله كبيرهم ~~وعنى نفسه لأن الإنسان أكبر من كل صنم [الثالث] أن يكون في الكلام تقديم ~~وتأخير كأنه قال: بل كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم فيكون إضافة ~~الفعل إلى كبيرهم مشروطة بكونهم ناطقين، فلما لما يكونوا ناطقين امتنع أن ~~يكونوا فاعلين * [الرابع] أنه ذكر إلزاما على قولهم، لأنه لما كان هو الإله ~~الأكبر فكسر خدمه المقربين لديه لا يصدر إلا عنه * [الخامس] قرأ بعضهم ~~(فعله كبيرهم هذا) أي فلعله، وعلى PageV00P037 # هذا لا يكون كذبا لدخول حرف الشك (1) * [الشبهة الثالثة] قوله تعالى ~~مخبرا عن إبراهيم (فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم) والاستدلال من ~~وجهين: [الأول] تمسك بعلم النجوم وهو غير لازم [الثاني] قوله (إني سقيم) ~~وهو كذب * [الجواب] قيل: أراد بنظره في النجوم والقمر والشمس حال كونه ~~طالبا لمعرفة الله تعالى. وقوله: (إني سقيم) أي لست على يقين من الأمر. ثم ~~لما استدل بأفولها وغروبها على حدوثها وعرف الله تعالى زال ذلك الشك. وهذا ~~ضعيف لأن الله تعالى قال: (وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم إذ ~~قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون) فدل ظاهر الآية على سلامة قلبه من الشك، ثم ~~ذكر أنه عاتب قومه على عبادة الأصنام. فقال (ماذا تعبدون) وسمى عبادتهم ~~بأنها إفك وباطل. قال (ما ظنكم برب العالمين) وهذا قول عارف بالله تعالى. # فالمعتمد أن يقول في الجواب عن الوجه الأول: لا نسلم ms20 أن النظر في النجوم ~~حرام، وذلك لأن من اعتقد أن الله تعالى أجرى العادة # PageV00P038 # أنه مهما حدث فيما بينهما اتصال مخصوص خلق في هذا العالم حادثا مخصوصا ~~واعتقد أن الله تعالى خلق فيها قوى وجعلها أسبابا لحدوث الحوادث في هذا ~~العالم فعلى هذا التقدير لا نسلم أن النظر في النجوم حرام سلمنا كونه ~~حراما، ولكن لعل الله أخبر إبراهيم عليه السلام بأنه مهما طلع النجم ~~الفلاني فإنك تمرض. فنظر في النجوم فلما مر به قال إني سقيم. سلمنا أن ذلك ~~أيضا لم يكن، لكن من المحتمل أنه حين نظر في النجوم تشبها بأهل زمانه في ~~الظاهر وحكم أنه سقيم إيهاما على قومه أنه استدل على ذلك بالنجوم وإن كان ~~الأمر في نفسه ليس كذلك * * (وأما الوجه الثاني) * فالجواب عنه لا نسلم أنه ~~ما كان سقيما في تلك الساعة الآتية: كما إذا علمت أنك ستصير محموما وقت ~~الظهر ثم إن واحدا يدعوك إلى الضيافة بحيث تعلم أنه لا بد من الجلوس مع ~~القوم وقت الظهر فتقول إني محموم، وتعني به أني أكون محموما في ذلك الوقت ~~وأيضا لعله لما كان مشرفا على السقم سمى نفسه سقيما كما في قوله تعالى (إنك ~~ميت وإنهم ميتون) وأيضا أراد إني سقيم القلب والمراد ما في قلبه من الحزن ~~والغم بسبب كفرهم وعنادهم * فإن قلت: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، قوله: إني سقيم، وقوله: # بل فعله كبيرهم هذا، وقوله لسارة: إنها أختي " (1) قلت: هذا من # PageV00P039 # أخبار الآحاد فلا يعارض الدليل القطعي الذي ذكرناه، ثم إن صح حمل على ما ~~يكون ظاهره الكذب. فأما قوله لسارة: " إنها أختي " فمعناه أنها أختي في ~~الدين، أو نظرا إلى انتسابهما إلى آدم أو إلى سائر الأجداد * [الشبهة ~~الرابعة] تمسكوا بقوله تعالى: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم) الآية انتقل ~~من دليل إلى دليل. وهذا يدل على عجزه عن نصرة دليله الأول. وأيضا فكان من ~~الواجب عليه دفع ذلك ms21 السؤال وإزالة تلك الشبهة فكان الإعراض عنه ذنبا عظيما ~~* [والجواب] أن الدليل واحد لم ينتقل إلى غيره، ولكن انتقل من مثال إلى ~~مثال آخر لعلمه بقصور فهم المخاطب عن إدراكه المقصود من المثال الأول. وذلك ~~لأن إبراهيم عليه السلام استدل بحدوث حادث يعلم كل أحد عاقل بالضرورة عجز ~~البشر عنه، وذلك يفيد العلم بوجود الإله تعالى. وهذه القضية الكلية لها ~~جزئيات منها الإحياء والإماتة، ثم إن نمروذ دعا برجلين. فقتل أحدهما ولم ~~يقتل الآخر. فقال عند ذلك: (أنا أحيي وأميت) وكان إبراهيم قادرا على أن ~~يقول: لست أعني به الإحياء والإماتة بهذا التفسير، وإنما المراد منه شئ آخر ~~لعلم كل أحد بالضرورة عجز البشر عنه، إلا أنه عليه السلام مبالغة في ~~الإيضاح عدل عن ذلك المثال إلى آخر وهو طلوع الشمس وغروبها فظهر أنه لم ~~يحصل منه الانتقال من الاستدلال إلى الاستدلال بل من المثال إلى مثال آخر. ~~ثم هاهنا بحث وهو أن PageV00P040 # الغرض من هذا الاستدلال إما إثبات الإله للعالم ونفي كون نمرود إلها، أو ~~نفي كونه شريكا لله تعالى. فإن كان الأول وهو قوله: (إن الله يأتي بالشمس ~~من المشرق) فإن ذلك عين المطلوب، وله أن يقول: # إن الشمس تطلع إما لذاتها أولا لمؤثر أصلا قما الدليل على أن الأمر ليس ~~كذلك؟ فإن البحث ما وقع إلا فيه. وإن كان الغرض هو الثاني وهو أن نمرود ليس ~~بخالق للعالم فهذا غير جائز لأن نمرود إن جوز ذلك لم يكن كامل العقل، لأن ~~العلم بأن هذا الشخص البشري الذي ما وجد إلا في هذه الأيام ليس هو الموجد ~~للسماوات السبع التي كانت موجودة قبله بألوف ألوف سنين، وأن العلم بأن هذا ~~الشخص العاجز عن التصرف في هذه السماوات والكواكب والبر والبحر ليس هو ~~الموجد لها علم ضروري، فمن شك فيها كان مختل العقل، والمناظرة مع هذا ~~الإنسان عبث، وبعثة الأنبياء إليه أيضا عبث. وإن كان الغرض هو الثالث، وهو ~~نفي كونه شريكا لله تعالى، فإن كان المراد من الشركة ms22 في خالقية السماوات ~~والأرض كان أيضا معلوم الفساد بالضرورة فكانت المناظرة فيها عبثا. وإن كان ~~المراد من الشركة الطاعة بمعنى أن نمرود كان يدعي أنه يجب عليهم طاعته كما ~~يجب طاعة الله. فهذا مما لا يبطل بالحجة التي ذكرها إبراهيم عليه السلام * ~~[سؤال آخر] وهو أن إبراهيم عليه السلام لما قال (إن الله يأتي بالشمس من ~~المشرق فأت بها من المغرب) فلو قال الخصم: بل أنا آتي بالشمس من المشرق فقل ~~لإلهك جئ بها من المغرب كيف PageV00P041 # يكون جوابه؟ # [الجواب] عن البحث الأول أن الخصم كان دهريا منكرا للصانع فاحتج إبراهيم ~~عليه السلام بهذه الحجة في إثبات الصانع وذلك لأن طلوع الشمس بعد عدمها ~~حادث فلا بد من محدث والمحدث ليس أحدا من البشر فلا بد لهذه الأجسام من إله ~~* [واعلم] أنه إنما انتقل عن الإحياء والإماتة إلى طلوع الشمس وغروبها لأن ~~أشرف ما في العالم السفلي هو الإنسان وأشرف ما في العالم العلوي هو الشمس، ~~فذكر من دلائل الآفاق أحوال الشمس، ومن دلائل الأنفس أحوال الحياة والموت * ~~[والجواب] عن البحث الثاني أن الخصم لو طالبه بذلك لكان من الواجب في حكم ~~الله تعالى أن يأتي بالشمس من المغرب تقريرا لحجة إبراهيم عليه السلام * ~~ولقائل أن يقول: هذا غير واجب. لأن لإبراهيم عليه السلام أن يقول: طلوع ~~الشمس حادث، فلا بد له من محدث. وذلك المحدث ليس من البشر، فلا بد من إله. ~~فثبت أن طلوع الشمس إنما حدث بقدرة الله تعالى. ومن المعلوم بالضرورة أن ~~القادر على تحريك الشمس من اليمين إلى الشمال قادر على تحريكها من الشمال ~~إلى اليمين. فلما كان الله تعالى قادرا على أن يأتي بالشمس من المشرق كان ~~قادرا على أن يأتي بها أيضا من المغرب. فثبت أن إلهي قادر على الكل. وأما ~~أنت فلو كنت إلها لكنت أيضا قادرا على الكل فلما عجزت عن الكل ثبت أنك ~~PageV00P042 # لست بآله. ومتى اندفعت معارضة الخصم بهذه الأدلة العقلية لم يلزم من عدم ~~إتيان الله تعالى بالشمس ms23 من المغرب القدح في دليل إبراهيم عليه السلام * ~~[الشبهة الخامسة] تمسكوا بقوله تعالى (إذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي ~~الموتى) الآية وهذا يدل على أنه لم يكن موقنا بقدرة الله على إحياء الأموات ~~* [والجواب] من وجوه (الأول) يحتمل أن يقال: وقع ذلك قبل النبوة. وقبلها ~~لما وجب عليه الاستدلال في معرفة الله تعالى وجب عليه الاستدلال أيضا في ~~أمر المعاد. فإن قلت: أليس إنه لا يتم علمه بالمبدأ إلا إذا عرفه قادرا على ~~كل المقدورات حصل العلم بكونه عالما بكل المعلومات، ومتى عرفه كذلك عرفه ~~قادرا على إحياء الموتى؟ قلت: # لا يلزم من مجرد العلم بكونه تعالى عالما بكل المعلومات قادرا على كل ~~المقدورات حصول العلم بكونه تعالى قادرا على الإحياء لاحتمال أن يقال: هذه ~~الأجزاء إنما تقبل التركيب الحيواني والحياة بطريق خاص وهو التولد. فأما ~~بغير ذلك الطريق فهو ممتنع لذاته. فلا يلزم من عدم القدرة عليه قدح في ~~قولنا إنه قادر على كل الممكنات * فإن قلت: لو كان حصول الحياة في ذلك ~~الجسم ممتنعا لما حصل فيه البتة، فلما حصل ثبت أنه ممكن لذاته فيندرج تحت ~~قدرة الله تعالى * [قلت] لعل الخصم يقول: إنه ممكن بطريق واحد، وفيما عدا ~~ذلك ممتنع، وأيضا فهب أن الدليل الذي ذكرت يصح في بيان كون الأجزاء قابلة ~~للحياة PageV00P043 # إلا أن إبراهيم عليه السلام ما أراد إثبات هذه المقدمة بهذه الدلالة ~~العقلية بل أراد إثباتها بالمشاهدة، فإنه لا يجب على المستدل أن يستدل ~~بدليل معين، كيف وفي الرجوع إلى المشاهدة هاهنا مزيد فائدة لأن الحسي أقوى ~~في ذلك من الاستدلال [الثاني] يحتمل أن يقال: وقع ذلك عند وصول الوحي إليه، ~~فإن القوم كما يحتاجون إلى المعجزة في معرفة رسالته، فالرسول لا بد له أيضا ~~من معجز ليعرف به نبوة نفسه، فقوله (أو لم تؤمن) معناه أو لم تؤمن بأنك ~~رسول الله؟ (قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) على كوني رسولا من قبلك لا من قبل ~~الشيطان * [الثالث] يحتمل أن يقال: وقع ذلك بعد ms24 النبوة ولكنه من الله تعالى ~~لمعرفة شئ آخر، كما يحكى أن الله تعالى أوحى إليه " إني اتخذت عبدا من ~~عبادي خليلا وعلامته أنه لو طلب مني إحياء الميت فإني أفعله إكراما له " ~~فأراد إبراهيم عليه السلام أن يتعرف أن ذلك الخليل هل هو هو؟ فسأل عن ذلك، ~~وكان المعنى ولكن ليطمئن قلبي على كوني خليلا لك ومخصوصا من عندك بهذا ~~الشرف * [الرابع] أن يكون المراد ليطمئن قلبي على قربك على الإحياء ~~بالمشاهدة، فإن البرهان إذا تأيد بالمشاهدة صار أقوى وأعم * [الخامس] أنه ~~عليه السلام لما أمر بذبح الولد ضعف قلبه، فكأنه قال إلهي أمرتني بإماتة ~~الحي وهو على شاق، فإن أكرمتني بإحياء الميت قوى قلبي فأقدر حينئذ على ذلك ~~التكليف، فقوله: # (ولكن ليطمئن قلبي) المراد ليطمئن قلبي على قربي منك PageV00P044 # واختصاصي بك، فأقوى بوجدان ذلك الاكرام على امتثال ذلك الالتزام * * ~~(السادس) * أن الخصم لما قال لإبراهيم عليه السلام: أنت تزعم أن ربك يحيي ~~ويميت فاسأله أن يحيي لنا ميتا وإلا قتلتك فقال إبراهيم عليه السلام: (أرني ~~كيف تحيي الموتى) ويكون معنى قوله: # (ولكن ليطمئن قلبي) زوال الخوف والأمن من القتل * * (السابع) * أن الخصم ~~لما قال: (أنا أحيي وأميت) لم يشتغل إبراهيم عليه السلام بالكشف عن فساد ما ~~قاله، ولكن انتقل إلى وجه آخر ثم بعد الفراغ عن ذلك المقصود عاد إلى شرح ~~فساد ما قاله الخصم: # فقال: (رب أرني كيف تحيي الموتى) ليعرف بهذا الكافر أن الإحياء والإماتة ~~اللذين استدللت بهما على وجود الإله كيف يكون؟ فمعنى قوله: (ليطمئن) أي ~~يطمئن قلبي على صحة الدليل واندفاع تلك المعارضة * [الثامن] وهو على لسان ~~أهل الإشارة: أن حياة القلب بالاشتغال بذكر الله وموته بالاشتغال بغير الله ~~تعالى. فقال: (رب أرني كيف تحيي الموتى) أي القلوب الميتة (قال أو لم تؤمن ~~قال بلى) ولكن ليحصل الذوق بتحصيل الاستقرار والطمأنينة. فقال (فخذ أربعة ~~من الطير) فأمر بقطع العلاقة عن هذه الهيئة المركبة من هذه الطبائع الأربعة ~~تنبيها على أن الحياة التامة الروحانية لا تحصل ms25 إلا بعد مقارنة هذا الجسد * ~~* (التاسع) * أن المراد منه طلب الرؤية في الدنيا، وهو الذي PageV00P045 # سأل موسى عليه السلام بقوله: (أرني أنظر إليك) وسأله محمد أرنا الأشياء ~~كما هو (1) إلا أنه راعى الأدب فعبر بالمسبب عن السبب فإن سبب حياة القلب ~~ليس إلا الرؤية التي هي الكشف التام، فكان طلب الأثر طلبا للمؤثر * * ~~(العاشر) * أنه عليه السلام كان أب هذه الأمة والوالد يكون مشفقا على ~~الولد، والمشفق بسوء الظن مولع. فلما علم أن كثرة بنيه عاصيا خطر بباله: ~~إني إن كنت شفيعا للعصاة فهل تقبل شفاعتي يوم القيامة، فسأل عن إحياء الميت ~~في الدنيا فقيل: أولم تؤمن بقدرتنا عليه؟ فقال: بلى ولكن ليطمئن قلبي على ~~كوني مقبول الشفاعة في حق أمة محمد عليه الصلاة والسلام وإذا كان هو كذلك ~~كان محمد عليه الصلاة والسلام أولى به، فلذلك قال: " شفاعتي لأهل الكبائر ~~من أمتي " (2) وهذا الجواب تذكيري [الحادي عشر] لعله عليه السلام أمر ~~بتبليغ الرسالة ففكر فقال: لعل الخصوم يطالبونني بمعجزات غريبة فسأل الله ~~تعالى عن هذه الغريبة. فقال (أو لم تؤمن قال بلى ولكن # PageV00P046 # ليطمئن قلبي) على أنك تجيبني في كل ما أطلب. وبالجملة قوله (ولكن ليطمئن ~~قلبي) غير متعلق في الآية على شئ معين فلك أن تصرفه إلى أي شئ شئت سوى ~~الإيمان * [الشبهة السادسة] قالوا: إن إبراهيم عليه السلام استغفر لأبيه. ~~وأبوه كان كافرا والاستغفار للكافر غير جائز. فثبت أن إبراهيم عليه السلام ~~فعل ما لا يجوز فعله إنما قلنا: إنما استغفر لأبيه لقوله تعالى حكاية عن ~~إبراهيم عليه السلام (سلام عليك سأستغفر لك ربي) وقوله (واغفر لأبي إنه كان ~~من الضالين) وأما إن أباه كان كافرا فذلك بنص القرآن وبالإجماع. وأما إن ~~الاستغفار للكافر لا يجوز لوجهين [الأول] قوله تعالى (ما كان للنبي والذين ~~آمنوا أن يستغفروا للمشركين، فثبت بهذه المقدمات أن إبراهيم عليه السلام ~~فعل ما لا يجوز [الثاني] قوله تعالى في سورة الممتحنة (قد كانت لكم أسوة ~~حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم ms26 إنا براء منكم ومما تعبدون من ~~دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا ~~بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لاستغفرن لك) فأمر بالتأسي به إلا في هذا ~~الفعل فوجب أن يكون ذلك معصية منه * [والجواب] لا نزاع إلا في قولكم ~~الاستغفار لا يجوز. والكلام عليه من وجوه [الأول] أن القطع عليه إن الله ~~تعالى يعذب الكافر لا يعرف إلا بالسمع، فلعل إبراهيم عليه السلام لم يجد في ~~شرعه ما يدل على القطع بعذاب الله تعالى الكافر. فلا جرم استغفر لأبيه * ~~[الثاني] أن الاستغفار قد يكون بمعنى الاستبطاء كما في قوله تعالى ~~PageV00P047 # (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) (1) * [الثالث] أنه ~~عليه السلام إنما استغفر لأبيه لأنه كان يرجو منه الإيمان، فلما أيس من ذلك ~~ترك الاستغفار. ويدل عليه قوله تعالى (فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه) ~~وأما قوله (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) فليس في لفظ ~~النبي عموم، لما ثبت في أصول الفقه أن الاسم المفرد المحلى بالألف واللام ~~لا يقتضي العموم فإذا حملنا النبي على رسولنا عليه الصلاة والسلام لم يلزم ~~أن يتناول إبراهيم عليه السلام، وأما الآية الثانية فهي على أنه لا يجوز ~~التأسي به في ذلك الاستغفار، فلم يدل على أن الاستغفار لم يكن جائزا له. ~~ولكنا نحمل الاستغفار الذي أتى به على استبطاء العقاب، أو تخفيفه، أو على ~~أنه ما كان عالما بكيفية الأحوال * [فائدة] اختلف المفسرون في الموعدة ~~المذكورة في قوله تعالى (إلا عن موعدة وعدها إياه) فقيل: وعد الأب ابنه ~~بالإيمان، وقيل: # وعدا لابن أباه بالاستغفار. والأول أولى على قولنا إنه لا يجوز الاستغفار ~~للكافر، لأن وعدا لابن أباه بالاستغفار لوعد الأب ابنه بالإيمان وإذا كان ~~وجود هذا الوعد واجبا ووجود الوعد الثاني غير واجب كان حمل اللفظ على الوعد ~~الأول أولى * # PageV00P048 # [الشبهة السابعة] تمسكوا بقوله تعالى (ربنا واجعلنا مسلمين لك) والدعاء ~~طلب وطلب الحاصل ممتنع لقوله تعالى (واجنبني وبني أن نعبد ms27 الأصنام) ولولا ~~جواز ذلك عليه لما طلب من الله ذلك ولقوله تعالى (والذي أطمع أن يغفر لي ~~خطيئتي يوم الدين) والاستدلال فيه أن الآية مشعرة بأنه غير قاطع بكونه ~~مغفورا له، وهي تصريح بوقوع الخطيئة منه * [والجواب] لا نزاع بين الأمة أنه ~~لا يجوز الكفر على الأنبياء بعد نبوتهم إلا عند شرذمة من الخوارج (1) فلا ~~اعتبار بخلافهم، فكانت هذه الآيات مؤولة بإجماع الأمة، فوجب حملها على هضم ~~النفس وكسرها وإظهار الإنابة والابتهال * [الشبهة الثامنة] قالوا: إنه طلب ~~من الله أن يجنب أولاده عن عبادة الأصنام، وما أجيب إليه. فكان كسرا من ~~منصبه * [الجواب] أن المفسرين حملوا هذا الدعاء على من أعلمه الله أنه يؤمن ~~ولا يعبد الأصنام وتخصيص العام غير بعيد * [الشبهة التاسعة] تمسكوا بقوله ~~تعالى: (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن ~~جاء بعجل حنيذ) * والبحث في الآية من وجوه: # [الأول أنه قدم الطعام إلى الملائكة مع علمه أنهم لا يأكلون * [الثاني] ~~لهم خافهم مع علمه بكونهم معصومين؟ فإن قلت: السبب # PageV00P049 # في هذين أنه ما كان عالما بكونهم من الملائكة، قلت: فلم صدقهم في ادعاء ~~الملائكة من غير دليل؟ # * (الثالث) * أنه تعالى وصفه بالمجادلة. فقال: (يجادلنا في قوم لوط) ثم ~~قال: (يا إبراهيم أعرض عن هذا) وهذا يدل على أن مجادلته مع الملائكة غير ~~جائزة * [والجواب] أن ذلك لو كان ذنبا لعوتب عليه ولاستغفر إبراهيم على ~~السلام منه كيف وقد مدحه الله تعالى على ذلك فقال: # (إن إبراهيم لحليم أواه منيب) فوصفه بهذه الصفات التي ليست وراءها منزلة ~~في باب الرفعة. فكيف يجوز تخطئته فيما جعله الله تعالى سببا للمدح العظيم؟ ~~وأما قوله: كيف صدقهم في ادعاء الملائكة من غير دليل فنقول ليس في الآية ~~أنه صدق من غير دليل، وإذا كان كذلك كان الدليل المذكور على عصمة إبراهيم ~~عليه السلام دليلا على أنه إنما صدقهم في تلك الدعوى بالدليل. ويقال إنهم ~~دعوا الله بإحياء العجل الذي كان ذبحه وشواه فعاد حيا، وأما المجادلة ms28 فإنها ~~غير مقصودة على المخاصمة فقد تكون بمعنى المسألة قال الله تعالى (قد سمع ~~الله قول التي تجادلك في زوجها) يعني تسألك فكأن إبراهيم عليه السلام أخذ ~~يبحث كيفية العذاب وأنه عام لهم أو خاص بالبعض، فسمي ذلك جدالا لما كان فيه ~~من المراجعة، وقيل: معنى (تجادلنا) تسألنا عن قوم لوط أن يؤخر عذابهم رجاء ~~أن يؤمنوا فأخبره الله تعالى بأن المصلحة في إهلاكهم وأن كلمة العذاب حقت ~~عليهم * PageV00P050 # لا يقال: إما أن يقال إنه كان مأذونا أو غير مأذون، فإن كان الثاني كان ~~إقدامه عليه ذنبا لأنا نقول لعله لم يكن مأذونا فيه شرعا إلا أنه بحكم أن ~~الأصل في الأشياء الإباحة اعتقد جواز تلك المجادلة فإنه لما نهى عنه سكت ~~عنه * [قصة يعقوب عليه السلام] [وفيها شبه] [الأولى] قالوا لم رجح يعقوب ~~عليه السلام يوسف على إخوته في التقريب والمحبة مع علمه إفضاء ذلك الترجيح ~~إلى الحسد والمفاسد العظيمة؟ # [الجواب] من وجهين: [الأول] لا نسلم أنه رجح يوسف على إخوته في الاكرام، ~~بل كان راجحا في المحبة وميل الطبع وذلك غير مقدور له فلا يكون مكلفا بتركه ~~* [الثاني] هب أنه عليه السلام رجحه في الاكرام لكن لا نسلم علمه بأداء ذلك ~~الترجيح إلى المفسدة، فلعله رأى من سداد إخوته وجميل ظاهرهم ما غلب على ظنه ~~أن ترجيحه لا يفضى إلى شئ من المفاسد فإن الحسد وإن كان راسخا في الطبع إلا ~~أن كثيرا من الناس يحترزون منه ويجتنبونه * PageV00P051 # * (الشبهة الثانية) * أن إخوة يوسف وصفوا أباهم بالضلال بقوله: (إن أبانا ~~لفي ضلال مبين) * (الجواب) * ليس المراد بالضلال عن الدين بالإجماع بل ~~المراد العدول عن الصواب * [فإن قلت] لما وصفوه بذلك فقد قدحوا في عصمته ~~واعتقدوا أنه غير مصيب في أحكامه ومن اعتقد في الرسل ذلك كفر فيلزم القول ~~بكفر إخوة يوسف * (قلت) * الحكم بالإسلام والكفر شرعي فلعل ذلك لم يكن كفرا ~~في دينهم، أو يقال مرادهم وصف يعقوب بالغلو في الحب. وذلك غير مقدور له. ~~فلم يكن وصفهم أباهم ms29 بذلك قدحا في عصمته * [الشبهة الثالثة] فلم أرسل يوسف ~~مع إخوته مع خوفه عليه منهم بقوله تعالى (وأخاف أن يأكله الذئب) وهل هذا ~~إلا تغريرا؟ * (الجواب) * لا يمتنع أن يعقوب عليه السلام لما رأى في بنيه ~~من الإيمان والعهود والاجتهاد في حفظ يوسف ظن السلامة وربما ظن أنه لو لم ~~يرسله معهم مع مبالغتهم في إظهار الحب لاعتقدوا في يعقوب عليه السلام أنه ~~يتهمهم على يوسف ويصير ذلك سببا للوحشة العظيمة فلهذه الدعاوى بعثه معهم * ~~* (الشبهة الرابعة) * لم أسرف يعقوب عليه السلام في الحزن والبكاء حتى ~~ابيضت عيناه ومن شأن الأنبياء التجلد والتصبر؟ * * (الجواب) * التجلد على ~~المصائب وكظم الحزن مندوب وليس بواجب، وترك المندوب ليس بمعصية، على أن ~~يعقوب عليه PageV00P052 # السلام إنما أبدل من الحزن اليسير من الكثير، وكان ما يعتبر عليه أكثر ~~وأوسع مما أظهره * [الشبهة الخامسة] أن يعقوب عليه السلام كان يعلم برؤيا ~~يوسف أن أمره يفضي إلى العاقبة الحسنة في الدنيا والدين، فلم لم يتسل بذلك ~~على حزنه؟ [الجواب] أن علمه بذلك لا يدفع الحزن الحاصل بسبب المفارقة، على ~~أن يوسف عليه السلام كان حين رأى تلك الرؤيا صبيا فلا جرم لم يقطع يعقوب ~~عليه السلام بصحته * [قصة يوسف عليه السلام] [وفيها شبه] [الأولى] أنه صبر ~~على الرق ولم يبين الحرية التي فيه وذلك معصية [الجواب] من وجوه [الأول] ~~فلعله لم يكن نبيا في تلك الحالة، ولما خاف على نفسه القتل جاز أن يصبر على ~~الرق. ومن ذهب إلى هذا الوجه حمل قوله تعالى (وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم ~~هذا) على وقت آخر [الثاني] أن إظهار الحرية أمر يجوز أن يختلف باختلاف ~~الشرائع، فلعله أمر بالسكوت عنه امتحانا، كما امتحن أبويه بنمرود والذبح ~~(1) [الثالث] لعله عليه السلام أخبرهم بذلك إلا أنهم لم يلتفتوا إليه * ~~[الشبهة الثانية] تمسكوا بقوله تعالى حاكيا عن يوسف وامرأة العزيز (وراودته ~~التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك # PageV00P053 # قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون ولقد ms30 همت به وهم ~~بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) * [الجواب] قال ~~القاضي أبو طاهر الطوسي رحمه الله تعالى: # شهد ببراءة يوسف من الذنب كل من له تعلق بتلك الواقعة من زوج وحاكم ونسوة ~~وملك وادعى يوسف ذلك واعترف له خصمه بصدق ما قاله مرتين، وشهد بذلك رب ~~العالمين الذي هو أصدق القائلين، واعترف إبليس فكيف يلتفت إلى قول هؤلاء ~~الحشوية؟! أما شهادة الزوج فقوله تعالى (إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف ~~أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين وأما شهادة الحاكم فقوله ~~(وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من دبر) وأما شهادة النسوة فقولهن ~~(حاش لله ما علمنا عليه من سوء) أما شهادة الملك فقوله (إنك اليوم لدينا ~~مكين أمين) وأما ادعاء يوسف عليه السلام ذلك فقوله (هي راودتني عن نفسي) ~~وقوله (رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه) وقوله (ذلك ليعلم أني لم أخنه ~~بالغيب) وأما اعتراف الخصم فقولها للنسوة (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) ~~وقوله (الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه) وأما شهادة رب العالمين فقوله ~~(كذلك لنصرف منه السوء والفحشاء) وأما اعتراف إبليس بذلك فقوله تعالى حكاية ~~عنه (لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) فبين أنه يغوي الكل إلا ~~المخلصين ويوسف من المخلصين لقوله تعالى (إنه من عبادنا المخلصين) فأية ~~شبهة تبقى مع هذه الشهادات في براءة PageV00P054 # يوسف عن الذنوب. ثم قال القاضي: وهؤلاء الطاعنون في يوسف إن كانوا من حزب ~~الله فليقبلوا قوله، وإن كانوا من حزب الشيطان فيجب أن لا يتركوا قوله ~~(لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) وإذا ظهرت هذه الجملة فلنذكر ~~معنى الآية فنقول * * (الهم) * في اللغة جاء لمعان أربعة * (الأول) * العزم ~~على الفعل لقوله تعالى (إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم) أي أرادوا ذلك ~~وعزموا عليه [الثاني] خطور الشئ بالبال قال الله تعالى (إذ همت طائفتان ~~منكم أن تفشلا والله وليهما) فإنما أراد الله تعالى أن الفشل خطر ببالهم ~~ولو ms31 كان المراد هاهنا العزم لما صح أن يكون الله وليا لهم، لأن العزم على ~~المعصية معصية ويدل عليه أيضا قول كعب بن زهير: # فكم فيهم من سيد متوسع * ومن فاعل للخير قد هم أو عزم [الثالث] أن يستعمل ~~بمعنى المقاربة يقولون هم بكذا أي كاد يفعله قال ذو الرمة: # أقول لمسعود بجرعاء مالك * وقد هم دمعي أن يلج أوائله والدمع لا يجوز ~~عليها العزم وإنما أراد أنه كاد وقارب * [الرابع] الشهوة وميل الطباع لأن ~~الإنسان قد يقول فيما يشتهيه هذا من همى فتثبت أن الهم مستعمل في هذه ~~المعاني. فإن حملناه على العزم ففيه وجهان: * (الأول) * أن الهم في ظاهر ~~الآية معلق بذاته وذاتها. وذلك غير جائز لأن الذوات لا تراد فلا بد من ترك ~~هذا الظاهر وتعليق الهم بشئ غير الذات: وإذا ثبت PageV00P055 # هذا فنقول: ليس تعليقه ببعض الأمور أولى من تعليقه بالباقي إلا للدليل ~~فأما همها فكان متعلقا بالفاحشة دون سائر الأمور وذلك للنص والإجماع. أما ~~النص فقوله تعالى (وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه ~~قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين) وقوله (وراودته التي هو في بيتها عن ~~نفسه) وقوله تعالى حاكيا عنها (الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن ~~الصادقين) وفي موضع آخر (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) وأما الاجماع فهو أن ~~المفسرين اتفقوا على أنها همت بالمعصية والفاحشة. وأما همه فقد دللنا على ~~أنه لا يجوز أن يكون متعلقا بالفاحشة وليس في ظاهر الآية ما يقتضيه فلا جرم ~~علقناه بدفعه إياها عن نفسه كما يقول القائل: لقد كنت هممت بفلان أي بأن ~~أوقع به ضربا * لا يقال: فأي فائدة على هذا التأويل في قوله تعالى: (لولا ~~أن رأى برهان ربه) والدفع لها عن نفسه طاعة لا يصرف البرهان عنه لأنا نقول ~~يجوز أن يكون لما هم بدفعها وضربها أرى برهانا على أنه لو قدم على ما هم به ~~أهلكه أهلها وقتلوه، وإنها تدعي عليه المراودة على القبيح وتنسبه ms32 إلى أنه ~~دعاها إلى نفسه وضربها لامتناعها منه. فأخبره الله تعالى أنه صرف بالبرهان ~~عنه السوء والفحشاء اللذين هما القتل والمراودة وظن القبح واعتقاده فيه. لا ~~يقال: فهذا يقتضي أن يكون جواب لفظة (لولا) متقدما عليها ويكون التقدير ~~لولا أن رأى برهان ربه لهم بقربها، وتقدم جواب (لولا) غير جائز. لأنا نقول: ~~لا نسلم PageV00P056 # أن تقدم جواب (لولا) غير جائز وسيأتي تقريره، سلمنا ذلك ولكن لا حاجة بنا ~~إليه في هذا المقام، لأن العزم على الضرب والهم قد وقع إلا أنه انصرف عن ~~فعله بسبب البرهان. وتقدير الكلام: ولقد همت به وهم بدفعها لولا أن رأى ~~برهان ربه لفعل ذلك. والجواب محذوف مضمر * [الوجه الثاني] في حمل الهم على ~~العزم أن يحمل الكلام على التقديم والتأخير، والتقدير: ولقد همت به ولولا ~~أن رأى برهان ربه لهم بها ويجري ذلك مجرى قولك: قد كنت هلكت لولا أن ~~تداركته، وقد استبعد الزجاج. وعلي بن عيسى هذا الجواب من وجهين: # [الأول] أنه لا يجوز تقدم جواب لولا * (الثاني) * جوابه يكون باللام ~~كقوله (فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه) * * (والجواب) * إنا لا ~~نسلم أنه لا يجوز التقديم، والدليل عليه قوله تعالى: (إن كادت لتبدي به ~~لولا أن ربطنا على قلبها) وأيضا فلو لم يجعل التقديم على (لولا) جوابا لها ~~لكان جوابها محذوفا. وإذا دار الأمر بين أن يكون جوابا محذوفا وبين أن يكون ~~متقدما عليها لا شك أن التقديم أولى * [فإن قلت] فأي فائدة في قوله: (وهم ~~بها لولا أن رأى برهان ربه) إذا لم يكن هناك هم؟ * (قلت) * الفائدة فيه ~~الإخبار على أن ترك الهم به وإجابتها إلى ملتمسها لم يكن من حيث كان غير ~~راغب في النساء لعجز لكنه ترك ذلك لله وفي الله طلبا لثوابه وهربا من ~~PageV00P057 # أليم عقابه * * (فإن قلت) * فما البرهان الذي رآه يوسف عليه السلام؟ # [قلت] فيه وجوه ثمانية: [الأول] أنه حجة الله في تحريم الزنا والعلم بما ~~على الزاني من العقاب قاله محمد بن كعب ms33 * * (الثاني) * ما آتاه الله من ~~آداب أنبيائه من العفاف وصيانة النفس عن الأرجاس * (الثالث) * رأى مكتوبا ~~في سقف البيت (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا) * * (الرابع) * ~~عن الصادق النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش * [الخامس] عن زين العابدين ~~كان في ذلك البيت صنم فألقت المرأة ثوبا عليه وقالت استحى منه. فقال يوسف: ~~تستحي من الصنم فأنا أحق أن أستحي من الواحد القهار * * (السادس) * أنه سمع ~~قائلا يقول يا ابن يعقوب لا تكن كالطير فإذا زنا ذهب ريشه [السابع] * سمع ~~قائلا يقول: أنت مكتوب في الأنبياء وتعمل عمل السفهاء * [الثامن] عن ابن ~~عباس رأى صورة الملك، وقيل: صورة يعقوب عليه السلام عاضا على أنامله * [فإن ~~قلت] لو كان البرهان عبارة عن أنه رأى يعقوب عاضا على أصبعه أو نادته ~~الملائكة بالزجر لاقتضى ذلك الالجاء وصار منافيا للتكليف، ولما استحق يوسف ~~عليه السلام بالبعد عن ذلك الفعل مدحا ولا ثناءا ولا ثوابا * PageV00P058 # * (قلت) * أليس إن المعتزلة قالوا في قوله تعالى: (ولو أننا نزلنا إليهم ~~الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن ~~يشاء الله) إن شيئا منها لا يوجب الالجاء، وإذا كان كذلك فكيف يلزم من ~~مشاهدة يعقوب وسماع صوت الملائكة حصول الالجاء * [الشبهة الثالثة] تمسكوا ~~بقوله تعالى (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء) [الجواب] من وجهين ~~[الأول] أنه أراد الدعاء والمنازعة ولم يرد العزم على المعصية، وهو لا يبرئ ~~نفسه عما لا يقوى عنه طباع البشر [الثاني] هو أن هذا من كلام المرأة لا من ~~كلام يوسف عليه السلام بدليل أن هذا مسوق إلى كلام المرأة فإنه تعالى قال ~~(وقالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ~~ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين وما أبرئ نفسي ~~إن النفس لأمارة بالسوء) الكلام على كلام المرأة. فقوله تعالى (ذلك ليعلم ~~أني لم أخنه بالغيب) من كلام المرأة لا من كلام يوسف. والمكنى عنه في قوله ms34 ~~(لم أخنه) هو يوسف. وهو غائب في السجن، ولم أقل فيه لما سئلت عن قصتي إلا ~~الحق، وليس في القرآن ما يدل على أن ذلك من قول يوسف عليه السلام. ومهما ~~جعل ذلك من قول يوسف عليه السلام احتيج إلى حذف طويل من رجوع الرسول إلى ~~يوسف عليه السلام، وإخباره بما قاله له حتى يجيبه يوسف عليه السلام، ثم ~~PageV00P059 # رجوع الرسول إلى الملك ثانيا وإخباره إياه بمقالة يوسف عليه السلام حتى ~~يقول الملك (ائتوني به أستخلصه لنفسي) وهذا محال لا يجوز مثله في القرآن ~~ولا في الشعر. ولو جعلنا ذلك من قول يوسف عليه السلام لم يوجب ذلك إلحاق ~~الفاحشة به، بل هو أدل دليل على براءة ساحته وذلك لأنه قال (ليعلم أني لم ~~أخنه بالغيب) ولا خيانة أعظم من الهم بامرأته والقعود منها مقعد الرجل من ~~امرأته * [الشبهة الرابعة] أنهم سجنوا يوسف عليه السلام، وذلك معصية ~~بالاتفاق وأنه عليه السلام قال (رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه) فيدل ~~ذلك على محبته لتلك المعصية، ومحبتها معصية * * (الجواب) * من وجهين: ~~(الأول) المراد من الأحب الأخف والأسهل فهذا كمن يخير بين شيئين مكروهين ~~جدا، فيقول إن كذا أحب إلى، أي أخف * [الثاني] أن توطين النفس على تحمل ~~مشقة السجن أحب إلى من مواقعتي المعصية. فأما قوله: (وإلا تصرف عني كيدهن ~~أصب إليهن وأكن من الجاهلين) فهو تصريح بأن شيئا من الطاعات لا يتم إلا ~~بمعونة الله تعالى ولطفه * * (الشبهة الخامسة) * كيف يجوز على يوسف مع ~~نبوته أن يعول على غير الله في الخلاص من السجن في قوله للذي كان معه ~~(اذكرني عند ربك) حتى وردت الروايات أنه إنما طال مقامه في الحبس لأنه عول ~~على غير الله؟ * (الجواب) * أن الدنيا دار الأسباب، فالتمسك PageV00P060 # بالأسباب لا ينافي حقيقة التوكل * [الشبهة السادسة] ما الحكمة في طلب ~~أخيه من إخوته، ثم حبسه عن الرجوع إلى أبيه مع علمه بما يلحق أباه من ~~الحزن؟ وهل هذا إلا ضرر بأبيه؟ # [الجواب] إنما فعل ذلك بوحي من ms35 الله تعالى إليه زيادة في امتحان أبيه. ~~والمراد من قوله (سنراود عنه أباه) ليس الخداع والكذب بل اللطف والاحتيال * ~~[الشبهة السابعة] فما معنى جعل السقاية في رحل أخيه؟ # [الجواب] أما جعل السقاية في رحل أخيه فالغرض منه التسبب إلى احتباس أخيه ~~عنده. ويجوز أن يكون ذلك بأمر الله تعالى. # وروي أنه أعلم أخاه بذلك ليجعله طريقا إلى التمسك به. وعلى هذا الوجه لا ~~يكون ذلك سببا لإدخال الغم في قلب أخيه * [فإن قلت] فلا أقل من أن يكون ذلك ~~سببا لتعريض أخيه لتهمة السرقة؟ [قلت] لا نسلم فإن وجود السقاية في رحل ~~أخيه يحتمل وجوها كثيرة، فمن صرفه إلى السرقة كان هو المقصر. وأما نداء ~~المنادي - أنهم سارقون - ففيه ثلاثة أوجه: # [الأول] أنه ما كان بأمره عليه السلام، بل نادى بذلك واحد من القوم لما ~~فقدوا الصواع * [الثاني] هب أنه كان بأمره لكنه لم يناد بأنهم سرقوا الصواع ~~بل نادى بأنهم سارقون، فلعل المراد أنهم سرقوا يوسف من أبيه * PageV00P061 # * (الثالث) * أن الكلام خارج على معنى الاستفهام، وإن كان ظاهره ظاهر ~~الخبر كأنه قال: أإنكم لسارقون؟ فأسقط همزة الاستفهام كما أسقطت في قوله ~~(هذا ربي) * * (الشبهة الثامنة) * ما بال يوسف لم يعلم أباه خبره حتى تسكن ~~نفسه ويزول حزنه؟ * (والجواب) * لعله امتنع عنه بأمر الله تشديدا على يعقوب ~~عليه السلام * * (الشبهة التاسعة) * قال الله تعالى (ورفع أبويه على العرش ~~وخروا له سجدا) وكيف رضى بأن يسجدوا له والسجود لا يكون إلا لله، وكيف رضى ~~باستخدام الأبوين؟ # * (الجواب) * المعنى خروا لأجله سجدا لله * * (فإن قلت) * هذا التأويل ~~يفسده قوله تعالى (يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا) * ~~(قلت) * لا نسلم، فإن تأويل رؤياه: بلوغه أرفع المنازل، فلما رأى أبويه على ~~أشرف الحالات في الدارين كان ذلك مصدقا لرؤياه المتقدمة * * (الشبهة ~~العاشرة) * ما معنى قوله تعالى حكاية عنه (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين ~~إخوتي) [جوابه] أن النزغ الشيطاني كان منهم إليه لا منه إليهم، وهو كقول ~~القائل: ms36 كان بيني وبين فلان شر، وإن كان من أحدهما دون الثاني * * (الشبهة ~~الحادية عشرة) * ما معنى قوله عليه السلام (اجعلني على خزائن الأرض) وكيف ~~يجوز أن يطلب الولاية من قبل PageV00P062 # الظالم؟ [جوابه] إنما التمس بتمكينه من خزائن الأرض ليحكم فيها بالعدل ~~لأنه بسبب نبوته كان مستحقا لذلك وللمستحق أن يتوصل إلى حقه بأي طريق كان * ~~[قصة أيوب عليه السلام] حكى الله تعالى أنه قال (مسني الشيطان بنصب وعذاب) ~~والعذاب لا يكون إلا جزاءا كالعقاب، فدل على كونه مذنبا، وروى جمع من ~~المفسرين أن الله تعالى إنما عاقبه بذلك البلاء لترك الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر * [جوابه] لا نسلم أن العذاب لا يكون إلا جزاءا. ولهذا يقال ~~للظالم المبتدئ بالظلم: إنه يعذب الناس فأما إضافة ذلك إلى الشيطان فنقول: # إنه عليه السلام ما أضاف المرض إلى الشيطان، وإنما أضاف إليه ما كان يشعر ~~به من وسوسته وتذكيره له مما كان فيه من النعم والعافية ودعائه له إلى ~~التضجر، ولأنه كان يوسوس إلى قومه بأن يستقذروه، لما كان عليه من الأمراض ~~البشعة المنظر، وأيضا فإن الله تعالى مدحه في آخر الآية بقوله (إنا وجدناه ~~صابرا نعم العبد إنه أواب) فلو كان أول الآية دالا على كونه مذنبا لكان ~~مدحه عقيب ذلك موهما أنه مدحه على ذنبه وهو غير جائز. والله الموفق * [قصة ~~شعيب عليه السلام] [وفيها شبه ثلاث] [الأولى] ما معنى قوله (واستغفروا ربكم ~~ثم توبوا إليه) والشئ PageV00P063 # لا يعطف على نفسه لا سيما بالحرف الذي يقتضي التراخي وهو (ثم) [جوابه] من ~~وجوه ثلاثة: # [الأول] أن يكون المعنى اجعلوا المغفرة غرضكم الذي تتوجهون إليه، ثم ~~توصلوا إليها بالتوبة. فالمغفرة أول في الطلب وآخر في السبب [الثاني] ~~استغفروا ربكم أي سلوه للمؤمنين المغفرة بالمعونة عليها، ثم توبوا إليه، ~~والشئ لا يعطف لأن المسألة للتوفيق ينبغي أن يكون قبل التوبة [الثالث] وهو ~~أن للتخلص من ضرر الذنب طريقين: # * (أحدهما) * مغفرته تعالى وعونه. وذلك إنما يكون عند تقارب الذنب ~~[والثاني] التوبة الماحية للذنب، فكأنه عليه ms37 السلام أرسل إلى طلب التخلص من ~~تلك المعاصي بجميع الطرق الممكنة * [الشبهة الثانية] ما معنى قول شعيب عليه ~~السلام لموسى عليه السلام: (إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن ~~تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك) فكيف يجوز في الصداق التخيير ~~وأي فائدة للبنت فيما شرطه هو لنفسه وليس يعود عليها من ذلك نفع؟ # [جوابه] من وجهين: (الأول) يجوز أن تكون الغنم كانت لشعيب عليه السلام ~~وكانت الفائدة لاستئجار من يرعاها عائدة إليه إلا أنه عوض ابنته عن قيمة ~~رعيتها، فيكون ذلك رعيا لها، وأما التخيير فلم يكن إلا فيما زاد على ثماني ~~حجج، وذلك الزائد لم يكن من الصداق، ويجوز أيضا أن تكون الغنم للبنت وكان ~~الأب متوليا لأمرها، قابضا لصداقها * PageV00P064 # [الثاني] يجوز أن يكون من شريعته العقد على التراضي من غير صداق معين، ~~ويكون قوله: (على أن تأجرني ثماني حجج) على غير وجه الصداق * [الشبهة ~~الثالثة] قوله: (لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا) الآيتين. فاعترف شعيب على ~~أنه تعالى نجاه من ملتهم التي هي الكفر ولا يعود فيها والعائد إلى الشئ هو ~~من كان فيه، فيرجع إليه بعد مفارقته وكذلك سبيل النجاة * * (جوابه) * العود ~~إلى الشئ قد يستعمل فيما لم يكن فيه قط، فإن الله تعالى سمى القيامة معادا ~~وإن لم تكن فيها، وكذلك النجاة قد تستعمل فيما لم تكن فيه، فإن السالم مما ~~ابتلى به غيره قد يقول: # الحمد لله الذي نجانا مما ابتلى به فلانا * (وجه آخر) * وهو أن الكناية ~~في قوله: (بعد إذ نجانا الله منها) يرجع إلى الملة، ويجوز أن يكون شعيب قبل ~~الوحي مكلفا بتلك الملة، ثم صارت منسوخة، فدعوه إليها مرة أخرى فأجابهم ~~شعيب عليه السلام بأنه ليس له أن يعود إليها بعد نسخها * * (قصة موسى عليه ~~السلام) * [فيها شبه ستة] * (الأولى) * تمسكوا بقوله تعالى: (فوكزه موسى ~~فقضى عليه) فإن ذلك القبطي إما أن يكون مستحقا للقتل أو لا. فإن كان الأول ~~فلم قال (هذا من عمل الشيطان) و (رب ms38 إني ظلمت نفسي) الآية و (فعلتها ~~PageV00P065 # إذن وأنا من الضالين)؟ وإن كان الثاني كان عاصيا في قتله * [جوابه] يحتمل ~~أن يقال: إنه لكفره كان مستحقا للقتل وإنه لم يكن لكن موسى قتله خطأ، وأنه ~~لم يقصد إلا تخليص الذي من شيعته من ذلك القبطي. فتأدى به ذلك إلى القتل من ~~غير قصد * أما الآيات فمن جوز الصغيرة حملها عليه فإن الاستغفار والتوبة ~~تجب من الصغيرة كما تجب من الكبيرة ومن أباها فلم يحملها عليه، وأما قوله: ~~(هذا من عمل الشيطان) ففيه وجهان: # [الأول] أن الله تعالى ندبه إلى تأخير قتل أولئك الكفار إلى حال القدرة ~~فلما قتل فقد ترك المندوب، فقوله: (هذا من عمل الشيطان) معناه إقدامي على ~~ترك المندوب من عمل الشيطان * [الثاني] أن يكون المراد أن عمل المقتول عمل ~~الشيطان، والمراد بيان كونه مخالفا لله تعالى مستحقا للقتل، ويكون قوله: ~~(هذا) إشارة إلى المقتول بمعنى أنه من جند الشيطان وحزبه، يقال: فلان من ~~عمل الشيطان أي من أصحابه. فأما قوله: (رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي) فعلى ~~نهج قول آدم: (ظلمنا أنفسنا) والمراد أحد الوجهين إما على سبيل الانقطاع ~~إلى الله تعالى والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه وإن لم يكن هناك ذنب ~~قط، أو من حيث حرم نفسه الثواب على فعل المندوب، وأما قوله: (فاغفر لي) ~~فالمراد إقبل مني هذه الطاعة والانقطاع إليك. وأما قوله: (فعلتها إذن وأنا ~~من الضالين) فلم يقل: # إني صرت بذلك ضالا ولكن فرعون لما ادعى أنه كان كافرا إلى حال ~~PageV00P066 # القتل نفى عن نفسه كونه كافرا في ذلك الوقت فاعترف بأنه كان ضالا أي ~~متحيرا لا يدري ما يجب عليه أن يفعله وما يريده في ذلك والله أعلم * ~~[الشبهة الثانية] كيف لموسى عليه السلام أن يقول لرجل من شيعته يستصرخه ~~(إنك لغوي مبين)؟ * (جوابه) * إن قوم موسى عليه السلام كانوا غلاظا جفاة. ~~ألا ترى إلى قولهم بعد مشاهدة الآيات (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) وكان ~~المراد ذلك * * (الشبهة الثالثة) * لما قال الله ms39 تعالى (أن ائت القوم ~~الظالمين فلم قال في جوابه (إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطق لساني ~~فأرسل إلى هارون) وهذا استغناء عن الرسالة؟ # * (جوابه) * ليس هذا استغناء عن الرسالة، ولكنه إذن في أن يسأل ضم أخيه ~~إليه في الرسالة على ما ذكره الله تعالى في قوله في سورة طه (وهل أتاك حديث ~~موسى) إلى قوله (واجعل لي وزيرا من أهلي) فقال الله تعالى (قد أوتيت سؤلك ~~يا موسى) وكان في ذلك السؤال مأذونا فاندفع السؤال * [الشبهة الرابعة] كيف ~~جاز لموسى أن يأمر السحرة بإلقاء الحبال والعصي وذلك سحر وتلبيس وكفر، ~~والأمر بمثله لا يجوز؟ # [جوابه] ذلك الأمر كان مشروطا والتقدير: ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم ~~محقين، كما في قوله تعالى (فأتوا بسورة من مثله) أي إن كنتم قادرين، وأيضا ~~لما تعين ذلك طريقا إلى PageV00P067 # كشف الشبهة صار جائزا * [الشبهة الخامسة] (فأوجس في نفسه خيفة) أوليس ~~خوفه يقتضي شكه فيما أتى به؟ [جوابه] لعله خاف لأنه رأى من قوة التلبيس ما ~~أشفق عنده من وقوع الشبهة على بعض الناس فآمنه الله منه وبين أن حجته تتضح ~~للقوم بقوله تعالى (لا تخف إنك أنت الأعلى) * [الشبهة السادسة] (وألقى ~~الألواح) الآية فلا يخلو إما أن يكون قد صدر الذنب عن هارون عليه السلام ما ~~استحق به ذلك التأديب أو لم يصدر عنه فإن صدر عنه فقد صدر الذنب عن هارون ~~عليه السلام وإن لم يصدر عنه فصدر عن موسى عليه السلام، وأيضا فلأن هارون ~~نهى موسى في قوله (لا تأخذ بلحيتي) فإن كان موسى عليه السلام مصيبا فيما ~~فعله كان هارون عاصيا في منعه عن فعل الصواب، وإن كان هارون عليه السلام ~~مصيبا في ذلك المنع كان موسى عليه السلام عاصيا في ذلك الفعل * [جوابه] أما ~~من جوز الصغائر عليهم فقد حمل الواقعة عليه وزال السؤال. وأما من أباها فله ~~وجهان: [الأول] أن موسى أقبل وهو غضبان على قومه، فأخذ برأس أخيه وجره إليه ~~كما يفعل الإنسان بنفسه في مثل ms40 ذلك الغضب، فإن المفكر الغضبان قد يعض على ~~شفتيه ويقلب أصابعه ويقبض على لحييه، فأجرى موسى عليه السلام أخاه مجرى ~~نفسه لأنه كان شريكه فصنع به ما يصنع الرجل بنفسه في حال PageV00P068 # الفكر والغضب. وأما قوله (لا تأخذ بلحيتي) فلا يمتنع أن يكون هارون خاف ~~أن يتوهم بنو إسرائيل بسوء ظنهم أنه منكر عليه معاتب له، ثم أخذ في شرح ~~القصة، وقال في موضع آخر (إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل) وفي موضع ~~آخر (يا ابن أم إن القوم استضعفوني) * * (الثاني) * أن بني إسرائيل كانوا ~~في نهاية سوء الظن بموسى حتى أن هارون عليه السلام غاب عنهم غيبة فقالوا ~~لموسى: أنت قتلته فلما واعد الله موسى عليه السلام ثلاثين ليلة وأتمها بعشر ~~وكتب له في الألواح من كل شئ رجع فرأى في قومه ما رأى فأخذ برأس أخيه ~~ليدنيه فيتفحص كيفية الواقعة فخاف هارون أن يسبق إلى قلوبهم ما لا أصل له، ~~فقال إشفاقا على موسى عليه السلام (لا تأخذ بلحيتي) لئلا يظن القوم بك ما ~~لا يليق * (قصة موسى والخضر عليهما السلام) (وفيها بحثان) (الأول) ما يتعلق ~~بموسى عليه السلام وهو من وجوه: # (الأول) أنه عليه السلام قال (لقد جئت شيئا إمرا) و (شيئا نكرا) مع أن ~~ذلك الفعل في نفسه ما كان كذلك، والحكم على ما ليس بمنكر بأنه منكر خطأ، ~~فكان مخطئا * (الثاني) أنه نعت نفس الغلام بأنها زاكية مع أنها لم تكن كذلك ~~(الثالث) قوله (لا تؤاخذني بما نسيت) وعندنا النسيان غير جائز على الأنبياء ~~* PageV00P069 # (الثاني) ما يتعلق بالخضر، وهو من وجوه [الأول] قوله تعالى: # (أما السفينة فكانت لمساكين) والسفينة البحرية تساوي المال العظيم فكيف ~~يسمى مالكها المسكين [الثاني] قوله (وكان وراءهم ملك) ومن كان وراءهم فقد ~~سلموا منه، وإنما كان خوفهم مما كان قدامهم [الثالث] قوله (فخشينا أن ~~يرهقهما طغيانا وكفرا) فكيف استباح دم الغلام لأجل الخشية مع أن الخشية لا ~~تقتضي علما ولا يقينا؟ # [الجواب] عن الأول: أما قوله (شيئا إمرا) أي ms41 عجبا، وقيل: # منكرا، فإن حملناه على الأول فلا إشكال، وإن حملناه على الثاني كان ~~الجواب عنه وعن (نكرا) واحدا. وفيه وجوه [الأول] أن ظاهره منكر ومن يشاهده ~~ينكره قبل أن يعرف علته [الثاني] أن يكون حذف حرف الشرط فكأنه قال: إن كنت ~~قتلته ظالما فقد جئت شيئا نكرا [الثالث] أن يكون قوله (نكرا) أي عجيبا، ~~فإنهم يقولون فيما يستغربونه ويجهلون علته: إنه نكر ومنكر * وعن الثاني: ~~أنه وصف النفس بكونها زاكية على سبيل الاستفهام لا على سبيل الإخبار، وأيضا ~~فلأنه تكلم بما ذكره إجراءا للأمر على ظاهره وذلك جائز لقوله عليه السلام " ~~نحن نحكم بالظاهر " (1) # PageV00P070 # وعن الثالث أنا لا نجوز عليه النسيان فيما يتعلق بالتبليغ والشرع وأما في ~~غيره فجائز * وعن الرابع إن تلك السفينة كانت ملكا لقوم، فلعل كل واحد منهم ~~كان قليل المال جدا * وعن الخامس إن لفظ الوراء يعبر به عن الخلف والقدام ~~فهي ها هنا بمعنى القدام، كما في قوله تعالى (ومن ورائهم جهنم) يعني من ~~قدامهم * وعن السادس: لعل الله أوحى إليه بقتل الشخص فلذلك أقدم عليه (1) # PageV00P071 # [قصة داود عليه السلام] [وفيها شبهتان] [الأولى] قوله (وهل أتاك نبأ ~~الخصم) الآيات. فاعلم أن الذي أقطع به عدم دلالة هذه الآية على صدور ~~الكبيرة من داود عليه السلام. وبيانه من وجوه * الأول أن الذي حكاه ~~المفسرون عن داود وهو أنه عشق امرأة أوريا فاحتال حتى قتل زوجها فتزوجها لا ~~يليق بالأنبياء بل لو وصف به أفسق الملوك لكان منكرا * [الثاني] أن الدخول ~~في دم أوريا أعظم من التزوج بامرأته فكيف ترك الله الذنب الأعظم واقتصر على ~~ذكر الأخف؟ # [الثالث] أن السورة من أولها إلى آخرها في محاجة منكري النبوة فكيف ~~يلائمها القدح في بعض أكابر الأنبياء بهذا الفسق القبيح؟ [الرابع] أن الله ~~تعالى وصف داود عليه السلام في ابتداء القصة بأوصاف حميدة. وذلك ينافي ما ~~ذكروه في الحكاية بيان وصفه تعالى بأوصاف حميدة من وجوه * [الأول] قوله ~~تعالى: (ذا الأيد) والأيد القوة ولا شك أن المراد منه ms42 القوة في الدين، لأن ~~القوة في غير الدين كانت موجودة في الملوك الكفار، وما استحقوا بها مدحا، ~~إنما المستحق للمدح هو القوة في الدين * [الثاني] أنه لما ثبت كونه موصوفا ~~بالقوة في الدين ولا معنى PageV00P072 # للقوة في الدين إلا العزم الشديد على أداء الواجبات واجتناب المحظورات ~~فكان داود عليه السلام من أولي العزم. وقد قال الله تعالى: (فاصبر كما صبر ~~أولو العزم من الرسل) وأمر محمدا عليه الصلاة والسلام بالاقتداء بأولي ~~العزم، فإذا كان داود عليه السلام من أولي العزم ما كان قد أمر محمدا ~~بالاقتداء بداود عليه السلام. وهذه درجة لا توازيها درجة * [الثالث] أنه ~~لما وصف بالقوة فأي قوة لمن لم يملك نفسه عن الفجور والقتل؟ [الرابع] أنه ~~وصفه بكونه أوابا. والأواب هو الرجاع والرجاع إلى ذكر الله يستحيل أن يكون ~~مواظبا على أعظم الكبائر * (الخامس) قال. (سخرنا الجبال معه) الآيتين، ~~أفترى أنه سخر له ليتخذه وسيلة إلى القتل والزنا؟ وقيل: إنه كان محرما عليه ~~صيد كل شئ فكانت الطيور تأمنه، فكيف يجوز أن تأمنه الطير ولا يأمنه المسلم ~~على زوجته؟ # [السادس] قوله (وشددنا ملكه) ومحال أن يكون المراد منه شدة ملكه بالمال ~~والعسكر مع كونه مسلما من طريق الدنيا لا من طريق الدين لأن ذلك سبيل ~~الملوك الكفرة، لأن قوله: (وشددنا ملكه) عام في الدين والدنيا * [السابع] ~~قوله: (وآتيناه الحكمة) والحكمة اسم جامع لكل ما ينبغي علما وعملا، فكيف ~~يجوز أن يقول الله (وآتيناه الحكمة) مع إصراره على ما يستنكفه أخبث ~~الشياطين من مزاحمة أفضل PageV00P073 # أصحابه وأحبائه في الزوج والمنكوح * فبان أن الله تعالى لما وصفه بهذه ~~الصفة كان القول بما ذكروه من الفاحشة باطلا، إذ ما قبل تلك الصفة هي هذه ~~الممادح، وما بعدها قوله تعالى (يا داود إنا جعلناك خليفة) وهذا أيضا من ~~أجل الممادح فلو توسطها ما يدل على أفحش المقابح لجرى ذلك مجرى قول من يقول ~~فلان عظيم الدرجة في الدين على الرتبة في طاعة الله، يقتل ويزني ويلوط وقد ~~جعله الله تعالى ms43 خليفة لنفسه وصوبه في أحكامه، وأمر أكابر الأنبياء ~~بالاقتداء به فكما أن هذا الكلام لا يليق بعاقل فكذا هاهنا * [الثامن] أنه ~~قال بعد تمام القصة (جعلناك خليفة في الأرض) وترتيب الحكم على الوصف مشعر ~~بكون الوصف علة لذلك الحكم فعلى ما ذكروه يلزم أن يكون تفويض خلافة الأرض ~~إليه بسبب إقدامه على القتل والفسق، وذلك مما لا يقول به عاقل * [التاسع] ~~أنه قال في حق الرسل (إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وأنهم عندنا لمن ~~المصطفين الأخيار) وكل ذلك ينافي وصفهم بالإقدام على الكبيرة والفاحشة * ~~[العاشر] إنهم ذكروا في روايتهم أن داود عليه السلام تمنى منزلة آبائه ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب قال " رب إن آبائي قد ذهبوا بالخير كله فأوحى إليه: ~~إنهم إنما وجدوا ذلك لأنهم لما ابتلوا صبروا فسأل الابتلاء فأوحى الله ~~إليه: إنك لمبتلى في يوم كذا فاحترس " ثم وقع فيما وقع فيه إلى آخر القصة، ~~فدل أول حكايتهم على أن الله تعالى PageV00P074 # ابتلاه بالبلاء الذي يزيد في منقبته، فكيف يليق العشق والقتل بذلك؟ # [الحادي عشر] قول داود عليه السلام (وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم ~~على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم) استثنى الذين آمنوا ~~من هذا البغي فإن كان هو الفاعل لذلك وجب أن يكون حاكما على نفسه بعدم ~~الإيمان * [الثاني عشر] أن قوله تعالى (وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) لا ~~يلائم العشق والقتل * فثبت بهذه الوجوه براءة نبي الله داود عما نسبه إليه ~~الجهال * [فإن قلت] إن كثيرا من المحدثين روى هذه الحكاية (1) # PageV00P075 # [قلت] هذه الدلائل الباهرة لما أبطلت قولهم وجب القطع بفسادها. فالعجب ~~اتفاق الناس على أن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن، والظن إنما ينتفع به في ~~العمليات وهذه المسألة ليست من العمليات، فصارت روايتهم ساقطة العبرة من كل ~~الوجوه. وعن سعيد بن المسيب والحارث الأعور أن عليا رضي الله عنه قال: " من ~~حدثكم بحديث داود عليه السلام على ما يرويه القصاص جلدته مأتين وستين وهو ~~حد الفرية على الأنبياء " وروى ms44 أن واحدا ذكر ذلك الخبر عند عمر بن عبد ~~العزيز وعنده رجل من أهل الحق فكذب المحدث به PageV00P076 # وقال: إن كانت القصة على ما في كتاب الله تعالى فما ينبغي أن نلتمس ~~خلافها، وإن كان على ما ذكرت وكف الله عنها سترا على نبيه فيما ينبغي إظهار ~~ما عليه، فقال عمر: سماعي هذا الكلام أحب إلى مما طلعت الشمس عليه * فإذا ~~ثبت هذا فلنبحث أنه هل في الآية ما يدل على صدور الصغيرة عنه أم لا؟ فنقول: ~~قال كثير من أهل الحق قول الله (هل أتاك نبأ الخصم) أخبر عن جماعة أنهم ~~تسوروا قصره قاصدين قتله والإساءة إلى أهله فدخلوا قصره في وقت ظنوا أنه ~~غافل. فلما رآهم داود عليه السلام خافهم لما تقرر في العرف أنه لا يتسور ~~أحد دار غيره بغير أمره إلا لسوء يريده من قتله أو لمكاره على أهله أو سرقة ~~ماله خصوصا إذا كان صاحب الدار شخصا معظما فلما رأوه مستيقظا انتقض عليهم ~~التدبير فاقترح بعضهم عند فزعه خصومة لا أصل لها زاعما أنهم قصدوه لأجلها ~~دون ما توهمه فقالا (خصمان بغى بعضنا على بعض) ثم ادعى أحدهما على الآخر ~~مالا. فقال (إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة) الآية فقال داود عليه السلام ~~(لقد ظلمك) الآية ثم قال الله تعالى (فظن داود إنما فتناه) أي امتحناه. ~~لكنه لم يعمل على ظاهر الحال، ولم ينتقم منهم مع كونه ذا أيد وقوة وسلطان ~~وقدرة بل صار مستغفرا للقوم الذين قصدوه وطالبا من الله تعالى العفو عنهم ~~وذلك إن الله تعالى لم يقل إنه أذنب ولا أنه استغفر لنفسه فإن المستغفر قد ~~يستغفر لنفسه تارة ولغيره PageV00P077 # أخرى. قال الله تعالى في وصف الملائكة (ويستغفرون للذين آمنوا) وقال ~~أولاد يعقوب لوالدهم (يا أبانا استغفر لنا) ثم قال الله تعالى (فغفرنا له ~~ذلك) معنى غفرنا لأجل حرمة داود لأولئك وقبلنا شفاعته في التجاوز عنهم فهذا ~~الذي قلناه مما ينطبق عليه لفظ الكتاب العزيز، فلا يحتاج فيه إلى المجاز من ms45 ~~حمل الخصمين على الملكين، وادعاؤهما الخصومة على التمسك لا على التحقيق، ~~وحمل النعجة على المرأة ويناسبه أمر رسولنا عليه الصلاة والسلام بالاقتداء ~~به في قوله (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) وتأدب به عليه الصلاة ~~والسلام يوم أحد لما هشمت ثناياه فقال " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون " ~~ويناسبه ما حصل عقيبه من المنصب العظيم وهو خلافة الله في أرضه * ووجه آخر: ~~لعل الاستغفار إنما كان لأن القوم لما تسوروا ظن داود عليه السلام بهم أنهم ~~يقصدون قتله فلما لم يظهر الأمر كما ظن ندم على ذلك الظن، فكان الاستغفار ~~عليه، أو لأنه لما هضم نفسه ولم يؤدبهم ولم ينتقم منهم مع القدرة التامة ~~دخله شئ من العجب على كمال حلمه، فكان الاستغفار منه لأن العجب من ~~المهلكات. فهذا قول من يقول لا دلالة في الآية على شئ من الزلات وهو الحسن ~~عندي * [القول الثاني] وهو قول من سلم دلالتها على الصغيرة فلهم فيها وجوه ~~خمسة [الأول] أنه عليه السلام كان عالما بحسن امرأة أوريا فلما سمع أنه قتل ~~قل غمه لميل طبعه إلى نكاح زوجته، فعوتب عليه PageV00P078 # بنزول الملكين [الثاني] أن أهل زمان داود عليه السلام كان يسأل بعضهم ~~بعضا أن ينزل عن امرأته فيتزوجها إذا أعجبته، وكان ذلك جائزا فيما بينهم، ~~فاتفق أن عين داود عليه السلام وقعت على امرأة أوريا، فأحبها فسأله النزول ~~عنها فاستحى أن يزده، ففعل فتزوجها وهي أم سليمان عليه السلام، فقيل له. ~~إنك مع ارتفاع قدرك وكثرة نسائك لم يكن ينبغي لك أن تسأل رجلا ليست له إلا ~~امرأة واحدة النزول عنها، بل كان الواجب قهر نفسك * [الثالث] أن أوريا ~~خطبها ثم خطبها داود عليه السلام فآثره أهله فكان ذنبه أنه خطب على خطبة ~~المؤمن مع كثرة نسائه * [الرابع] أن داود عليه السلام كان مشتغلا بعبادته ~~فأتاه رجل وامرأة يتحاكمان فنظر إلى المرأة ليعرفها بعينها ليحكم لها أو ~~عليها، وذلك نظر مباح فمالت نفسه إليها ميل الخلقة ففصل بينهما وعاد إلى ~~عبادته ms46 فشغله الفكر في أمرها عن بعض نوافله فعوتب * [الخامس] أن الصغيرة ~~منه إنما كانت بالعجلة في الحكم قبل التثبت، وكان يجب عليه لما سمع الدعوى ~~من أحد الخصمين أن يسأل الآخر عما عنده فيها ولا يقضى عليه قبل المسألة * ~~والمجيب بهذا الجواب قال: إن الفزع من دخولهما عليه في غير وقت العادة ~~أنساه التثبت والتحفظ والقائلون بهذا القول حملوا التحاكم على ضرب المثال، ~~وإلا فيلزم إقدام الملك على الكذب وحملوا النعاج على النسوة، وكل ذلك عدول ~~عن الظاهر من غير دليل * PageV00P079 # [فإن قيل] هب أنه لا دلالة في الآية على الذنب البتة ولكن مسارعته إلى ~~تصديق أحد الخصمين على حكمه يكون الآخر ظالما غير جائز [قلنا] ليس في ~~القرآن أنه صدقه من غير ظهور الحجة، إذ المراد إن كان الأمر كما ذكرت فقد ~~ظلمك * (الشبهة الثانية) تمسكوا بقوله تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان في ~~الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان) قالوا ~~فلو كان داود عليه السلام مصيبا في حكمه لما خص الله تعالى سليمان بقوله: ~~(ففهمناها) جوابه أن تخصيص سليمان عليه السلام بالذكر لا يدل على أن داود ~~بخلافه فإن دليل الخطاب في اللقب لا يفيد بإجماع المحققين، ثم في هذا ~~التخصيص فائدتان سوى ما ذكروه: # [الأولى] أن داود عليه السلام كان متوقفا لتعارض الأمارات وسليمان لم يكن ~~كذلك * [الثانية] أن داود عليه السلام كان عالما به لكنه ما أفتى امتحانا ~~لابنه سليمان رجاء أن يفتى به ويستخرج حكمه ويكون تخصيص ابنه سليمان بأن ~~فهمه ذلك تقريرا لعين والده وإعلاء درجته في الناس وإنما أعرض عن ذكر داود ~~عليه السلام للعلم باشتهاره فيما بين الخلق بمعرفة الأحكام، ثم إنه تعالى ~~خلف الكلام بقوله: (وكلا آتينا حكما وعلما) لئلا يتوهم أنه كان جاهلا به ~~وحاكما فيه بغير الصواب * PageV00P080 # [قصة سليمان عليه السلام] [وفيها شبهات ثلاثة] [الأولى] تمسكوا بقوله ~~تعالى: (إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد) الآيات قالوا: ظاهر الآية يدل ~~على أن مشاهدة الخيل ألهته عن ms47 ذكر ربه حتى روى أن الصلاة فاتته * [جوابه] ~~نذكر تفسير الآية فإن بذكره تزول الشبهة، فنقول: # المخصوص بالمدح في (نعم العبد) محذوف فقيل: هو سليمان، وقيل: # هو داود عليهم السلام، والأول أولى، لأنه أقرب المذكورين، ثم علل كونه ~~ممدوحا بكونه أوابا رجاعا إليه بتوبته، أو مؤوبا بالتسبيح مرجعا لأن كل مؤب ~~أواب (إذ عرض عليه) أي على سليمان عليه السلام لأنه أقرب المذكورين - ~~الصفون - الوقوف عن ابن قتيبة وصفها بالصفون والجودة ليجمع لها بين الوصفين ~~المحمودين واقفة وجارية فإذا وقفت كانت مطمئنة في مواقفها وإذا جرت كانت ~~سراعا في جريها (أحببت حب الخير عن ذكر ربي) وفيه ثلاثة أوجه: # [الأول] أن تضمن أحببت معنى فعل يتعدى بعن، كأنه قيل: # أتيت حب الخير عن ذكر ربي * [الثاني] أحببت بمعنى لزمت الخير عن ذكر ربي ~~عن كتاب ربي. وهو التوراة أو غيرها. فكما أن ارتباط الخيل في كتابنا ممدوح ~~فكذا في كتابهم، وهذا أولى من الأول، لأن فيه تقرير الظاهر * [الثالث] أن ~~الإنسان قد يقول: إني أحب كذا ولكني أحب أن لا أحبه كالمريض الذي يشتهي ما ~~يؤذيه فأما من أحب شيئا وأحب PageV00P081 # محبته له كان ذلك غاية المحبة، فقوله: أحببت حب الخير بمعنى أحببت حبي ~~لهذه الخيل. وهذا الوجه الذي استنبطته أظهر الوجوه والضمير في (حتى توارت) ~~وفي (ردوها) يحتمل أن يكون عائدا إلى الشمس لأنه جرى ذكر ماله تعلق بها وهي ~~العشي، وأن يكون عائدا إلى الصافنات وهذا أولى الوجهين، لأنها مذكورة صحيحا ~~دون الشمس ولأنه أقرب في الذكر من لفظ العشي، وعند ذلك يفرض هاهنا احتمالات ~~أربعة: # [الأول] أن يعود الضمير إلى الصافنات، كأنه قيل: حتى توارث الصافنات ~~بالحجاب ردوا الصافنات إلى * [الثاني] أن يعود إلى الشمس، كأنه قيل: حتى ~~توارت الشمس بالحجاب ردوا الشمس، قيل: إنه عليه الصلاة والسلام لما فاتته ~~الصلاة سأل الله أن يرد الشمس وهذا بعيد لأن قوله (ردوها) خطاب للجمع ~~والأنبياء لا يخاطبون الله تعالى بمثل هذا [الثالث] أن يعود الأول إلى ~~الشمس والثاني ms48 إلى الصافنات. وهو الذي ذهب إليه الأكثرون كأنه قيل حتى ~~توارت الشمس بالحجاب. ردوا الصافنات إلى. وهذا أبعد لأنهما ضميران وردا في ~~موضع واحد فتفريقهما لا بالدليل غير جائز [الرابع] أن يعود الأول إلى ~~الصافنات والثاني إلى الشمس. # وهذا مما لم يذهب إليه أحد (فطفق مسحا بالسوق والأعناق) فجعل يمسح مسحا ~~فالأكثرون أي يمسح بالسيف بسوقها وأعناقها، يعني يقطعها وهذا بعيد، لأنه لو ~~كان المسح بالسوق والأعناق هو القطع لكان PageV00P082 # القائل إذا قال: مسحت رأس فلان ويده فهم منه أنه قطعها ولكان معنى قوله ~~(فامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) القطع بل لو قيل مسح رأسه بالسيف فربما فهم منه ~~ضرب العنق، فأما إذا لم يذكر السيف فإنه لا يفهم منه الضرب والقطع البتة، ~~على أن قوله: مسح عنقه بالسيف لا يفيد القطع إلا على سبيل المجاز. فكيف إذا ~~ترك ذكر السيف؟ * فإذا عرفت التفسير زعمت الحشوية أنه عليه السلام غزا أهل ~~دمشق فأصاب ألف فرس فقعد يوما بعد ما صلى الأولى على كرسيه واستعرضها فلم ~~تزل تعرض عليه حتى غفل عن صلاة العصر، أو عن ورد كان له من الذكر وقت ~~العشي، حتى غربت الشمس وهو المراد من قوله تعالى (توارت بالحجاب) ثم استرد ~~الخيل، وهو المراد بقوله (ردوها على) ثم عقرها تقربا إلى الله تعالى وهو ~~المراد بقوله (فطفق مسحا بالسوق والأعناق) * واعلم أن هذه الحكاية مع أنه ~~لا دلالة في الآية عليها البتة ففي الآية ما ينافيها من وجوه خمسة [الأول] ~~أنه تعالى وصف سليمان عليه السلام في مقدمة الآية بأن الله تعالى وهبه ~~لداود عليه السلام في معرض الاكرام (1) وذلك ينافي أن يعقب ذلك بذكر أن ~~سليمان كان تاركا للصلاة وبأنه أواب حال ما عرضت عليه الصافنات فإن لفظة ~~(إذ) دالة على ذلك، وكونه أوابا وتاركا للصلاة في زمان واحد محال * # PageV00P083 # [الثاني] أن قوله (أحببت حب الخير عن ذكر ربي) لو فسرنا * بأني لزمت ~~الخير عن ذكر ربي لكان ذلك منافيا لما أرادوه، أما إذا فسرناه بأني أتيت حب ms49 ~~الخير عن ذكر ربي فربما استقام لهم ما ذكروه، لكنا بينا أن الأول أولى ~~[الثالث] أن رجوع الضمير في (توارت) إلى الشمس يقتضي ترجيح غير المذكور، ~~وترجيح البعيد على القريب، وهو غير جائز. وعلى تسليم ذلك فالحكم برجوع ~~الضمير في (ردوها) إلى الصافنات تفريق للضمائر المشاكلة على أشياء متباينة ~~* [الرابع] أن قوله تعالى (فطفق مسحا) لا دلالة فيه البتة على قولهم ~~[الخامس] أن هذه السورة إنما وردت في مناظرة الكفار، والمقصود من هذه القصص ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على مشاق التكاليف، ومتاعب الطاعات. ~~وذلك المعنى لا يليق به ذكر أن الأنبياء كانوا تاركين للصلاة، ومتهالكين في ~~حب الدنيا بل التفسير الحق الذي ينطبق اللفظ عليه أن رباط الخيل مندوب إليه ~~في دينهم كما أنه كذلك في ديننا. ثم إن سليمان عليه السلام جلس لتعرض عليه ~~الخيل، ثم بين أن ذلك لم يكن لحب الدنيا لأن الله تعالى أقره على ما قال ~~(إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي) ثم أمر بركضها حتى توارت بالحجاب أي حتى ~~غابت عن بصره ثم أمر بردها (فطفق مسحا) فطفق يمسح سوقها وأعناقها تشريفا ~~لها وإبانة لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو. أو لأنه أراد أن ~~يبين عن نفسه إنه في السياسة وحفظ الدين والدنيا بحيث لا يخفى عليه شئ من ~~مصالحه، أو لأنه كان أعلم بأحوال PageV00P084 # الخيل من غيره يفحصها ويمسحها ليعلم حالها في الصحة والسقم فهذا الذي ~~ذكرناه كلام ينطبق عليه اللفظ ويلائمه ما قبل الآية وما بعدها. وفيه تعظيم ~~الأنبياء فكان أولى بما يكون بالضد منه * [فإن قلت] فكيف تعمل بإطباق ~~الأكثرين على تلك الحكاية؟ # [قلت] الكلام في تفسير كتاب الله تعالى غيره في حكاية منفصلة عن كتاب ~~الله تعالى. ومقصودنا الآن هو الأول. وقد بينا أنه لا دلالة في الآية على ~~تلك الحكاية البتة، بل ظاهرها ينافيها من وجوه كثيرة. # فإذن لم يبق إلا أن يقال: إنها حكاية منفصلة عن كتاب الله تعالى * [فإن ~~قلت] فما ms50 قولك فيها؟ فنقول: الدلائل الباهرة عن المعقول والمنقول قد دلت ~~على وجوب عصمة الأنبياء فاتباعها أولى من اتباع حكايات لا ندري أنها في أول ~~الأمر من رئيس الملاحدة أو موضوعات اليهود. وبالله التوفيق * [الشبهة ~~الثانية] تمسكوا بقوله تعالى: (ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا) ~~الآية * [جوابه] أما قوله: (ولقد فتنا سليمان) أي امتحناه، وأما قوله: ~~(وألقينا على كرسيه جسدا) فقد اختلفوا فيه أما الذي يقوله المحققون فأحد ~~أمور ثلاثة: # [الأول] أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: " إن سليمان قال: # لأطوفن الليلة على مائة امرأة فتلد كل منها غلاما يقاتل في سبيل الله ولم ~~يقل إن شاء الله، فطاف ولم تحبل إلا واحدة فولدت نصف غلام PageV00P085 # فجاءت به القابلة وألقته على كرسيه بين يديه. ولو قال إن شاء الله لكان ~~كما قال (1) " فكان الابتلاء لأجل تركه الاستثناء * [الثاني] أنه امتحنه ~~بمرض شديد، فصار جسدا لا حراك به مشرفا على الموت، كما يقال: لحم على وضم ~~(2) وجسد بلا روح على معنى شدة الضعف، والتقدير: وألقينا جسده على كرسيه، ~~فحذف الهاء للاختصار * [الثالث] ولد لسليمان ولد، فاحتال الشياطين في قتله، ~~وقالوا: # تخاف أن يعذبنا كما يعذبنا أبوه، فأمر السحاب فحملته وأمر الريح فغذته ~~خوفا من الشياطين فمات الولد، فألقى ميتا على سريره ابتلاءا حين خاف ~~الشياطين * فأما الذي يذكره الأكثرون من القصاص من حديث الخاتم وآصف فتلك ~~الحكاية باطلة لم يدل على صحتها شئ فلا يجوز الالتفات إليها * [الشبهة ~~الثالثة] تمسكوا بقوله: (رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي) ~~قالوا: هذا حسد فكيف يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ # [جوابه] من وجوه سبعة [الأول] أن معجزة كل نبي # PageV00P086 # يجب أن تليق بأحوال أهل زمانه، ولما كانت منافسة أهل زمانه بالمال والجاه ~~طلب مملكة فائقة على كل الممالك لتكون معجزة له * [الثاني] أنه لما مرض ثم ~~رجع إلى الصحة عرف أن خيرات الدنيا وما فيها صائرة إلى الغير بإرث أو غيره، ~~فسأل ربه ملكا لا يمكن أن ينتقل منه، ms51 وذلك ملك الآخرة * [الثالث] إن في ~~مراتب الرياضات والمجاهدات كثرة ولكل واحد من السالكين اختصاص بواحد منها ~~فكأنه كان اختصاص سليمان عليه السلام بمقام رياضة النفس ومراقبتها ~~ومحاسبتها أشد، ومعلوم أن الدنيا حلوة خضرة والامتناع عن الانتفاع بها حال ~~القدرة أشق من الامتناع حال العجز فكأنه عليه السلام قال: أعطني من الدنيا ~~أكمل المراتب حتى أتحمل في الاحتراز عنها أعظم المشاق * [الرابع] إن من ~~الناس من يقول الاحتراز عن لذات الدنيا أصعب لأنها نقد ولذات الآخرة نسيئة ~~وترجيح النسيئة على النقد شاق، فهو عليه السلام رد على هؤلاء الباطلين. ~~وقال (رب هب لي ملكا) الآية حتى تروا كيف استحقره في جنب الالتذاذ بطاعة ~~المولى * [الخامس] هو أن الوصول إلى الله تعالى على نوعين: أحدهما - وهو ~~الأكمل - أن يرفعه الله إليه ابتداءا فضلا منه ورحمة من غير تكليف شئ من ~~المتاعب وهو طريقة رسولنا عليه الصلاة والسلام على ما قاله تعالى: (سبحان ~~الذي أسرى بعبده ليلا) * [والثاني] أن يتكلف العبد الذهاب إليه وهو الطريقة ~~التي PageV00P087 # حصل أعلاها لموسى عليه السلام في قوله (ولما جاء موسى لميقاتنا) وأن ~~سليمان عليه السلام على شرع موسى عليه السلام وطريقته فكان أبدا في الرياضة ~~والإنسان لا يفرغ قلبه عن شئ ما لم يجربه فكأن نفس سليمان عليه السلام كانت ~~ملتفتة إلى ملكة الدنيا فقال (رب اغفر لي وهب لي ملكا) الآية حتى أذوقه ~~فيفرغ قلبي عنه فيزول شغل الالتفات إليه، فيخلص السر إلى طاعتك والاشتغال ~~بعبادتك * [السادس] إن للسيارين إلى الله تعالى تارات، فتارة يختارون مقام ~~التواضع، وذلك إذا ما نظروا إلى أنفسهم من حيث هم هم، وتارة مقام الاستعلاء ~~وذلك إذا ما رأوا أنفسهم من حيث أنهم بالحق، فلا يبعد أن يكون هذا الخاطر ~~إنما ورد على سليمان عليه السلام في المقام الثاني [السابع] وهو جواب ~~المتكلمين إنه عليه السلام كان مأذونا من الله فيه وعلى هذا التقدير لا ~~يكون فيه عتب * [قصة يونس عليه السلام] تمسكوا بقوله تعالى: (وذا النون إذ ~~ذهب مغاضبا ms52 فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك ~~إني كنت من الظالمين) من ثلاثة أوجه: # [الأول] أنه ذهب مغاضبا وذلك كان محظورا. ألا ترى أن الله تعالى قال: ~~(واصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت) فذلك يقتضي أن ذلك الفعل من يونس ~~عليه السلام كان محضورا * PageV00P088 # [الثاني] قوله (فظن أن لن نقدر عليه) وذلك يقتضي كونه شاكا في قدرة الله ~~تعالى [الثالث] قوله: (إني كنت من الظالمين) * [الجواب] عن الأول أن الآية ~~دلت على أنه ذهب مغاضبا ولم تدل على أنه غاضب الله، وكيف ومغاضبة الله ~~تعالى لا تجوز على أحد من المسلمين، فكيف على النبي عليه السلام؟! فلعله ~~إنما خرج مغاضبا لقومه، فلم قلتم إن ذلك معصية؟ أما قوله: (ولا تكن كصاحب ~~الحوت) فليس لأنه ثقلت عليه أعباء النبوة لضيق خلقه، بل المراد أنه لم يقو ~~على الصبر على تلك المحنة التي ابتلاه الله بها ولو صبر لكان أفضل فأراد ~~الله تعالى بمحمد صلى الله عليه وسلم أفضل المنازل وأعلاها [وعن الثاني] أن ~~الشك في قدرة الله تعالى كفر، ولا نزاع أنه لا يجوز اتصاف الأنبياء به، بل ~~المراد أن لا نضيق الأمر عليه، قال الله تعالى (ومن قدر عليه رزقه فلينفق ~~مما آتاه الله) وقال (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) أي يوسع ويضيق، وقال ~~(وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه) أي ضيقه [وعن الثالث] فالجواب عنه ما ~~تقدم من قصة آدم عليه السلام * [قصة لوط عليه السلام] تمسكوا بقوله تعالى ~~إخبارا عنه عليه السلام: (هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين) عرض بالفاحشة مع ~~بناته وذلك كسرة دالة على سقوط النفس * [جوابه] قال الشافعي رحمه الله ~~الكلام يجمل في غير مقصوده ويفصل في مقصوده، فلما كان غرضه ترجيح النساء ~~على الغلمان لا جرم لم يتعرض PageV00P089 # لذكر النكاح وإن كان ذلك معتبرا في نفس الأمر، والدليل على أن هذا الشرط ~~كان معتبرا وجهان: [الأول] قال: (هن أطهر) ولا طهارة في الزنا * [الثاني] ~~أنه ms53 لو دعا نفسه إلى الزنا لكان لهم أن يقولوا الزنا واللواطة حرامان على ~~مذهبك، فأي فائدة في الدعوى من أحدهما إلى الآخر؟ # [فإن قيل] هب أنه كذلك ولكن كيف يجوز تزويج المسلمة من الكافر؟ [جوابه] ~~من وجوه أربعة: # [الأول] أن ذلك مما يختلف باختلاف الشرائع. ألا ترى أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم زوج ابنته زينب من أبي العاص وهو كافر (1) [الثاني] أنا كما ~~أثبتنا ضمنا فكذلك إسلام الزوج * [الثالث] أنه عليه السلام أراد موافقتهم ~~وتسويفهم وذلك لأن الرسل من الملائكة عليهم السلام كانوا أخبروه بهلاكهم ~~عند الصبح، كما أخبر الله عنه (وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع ~~مصبحين) * [الرابع] أنه يكفي في الإضافة أدنى سبب، فالبنات بنات # PageV00P090 # الأمة إلا أنه أضافهن إلى نفسه لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام كالأب ~~لأمتهم * [قصة زكريا عليه السلام] تمسكوا بقوله تعالى: (يا زكريا إنا نبشرك ~~بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا. قال رب أنى يكون لي غلام وامرأتي ~~عاقر وقد بلغت من الكبر عتيا قال كذلك قال ربك هو على هين ولنجعله آية ~~للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا) قالوا: قد شك في قدرة الله تعالى * ~~[جوابه] لو كان الأمر على ما قالوه لكان زكريا عليه السلام غير عاقل لما ~~سأل الله ذلك فلما أضافه إليه استنكره فاستبعد قدرته عليه كان ذلك من أفعال ~~المجانين، فثبت أن الأمر بخلاف ما قالوه وذلك أن زكريا عليه السلام لم يسأل ~~ربه أن يهب له ولدا من جهة الولادة وإنما سأله أن يهب له ولدا من عنده ~~فقال: (هب لي من لدنك وليا) وقال في آل عمران: (هب لي من لدنك ذرية طيبة) ~~إنما سأل ذلك عندما أخبرته مريم بأن رزقها يأتيها من عند الله فسأل ولدا من ~~عنده فلما بشرته الملائكة بالولد سأل كيف ذلك يقع على كبره، وكيف وكانت ~~امرأته عاقرا؟ فقال: (كذلك يفعل الله ما يشاء) * [قصة عيسى عليه السلام] ~~[وفيها شبهتان] [الأولى] تمسكوا بقوله تعالى: (وإذ قال ms54 الله يا عيسى ابن ~~مريم PageV00P091 # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين) من وجوه: # * (الأول) * إن عيسى عليه السلام إن كان قال هذا الكلام فالإشكال قائم. ~~وإن لم يقل كان الاستفهام عبثا * [الثاني] إن النفس هي الجسد فقوله تعالى ~~(ولا أعلم ما في نفسك) ظاهره يوهم إثبات الجسم لله تعالى * [الثالث] إن ~~كلمة (في) للظرفية، وهي لا تجئ إلا في الأجسام * * (والجواب) * عن الأول ~~أنه عليه السلام ما قال ذلك وللاستفهام فائدة وهي تقريع من ادعى ذلك من ~~النصارى، وعن الثاني أن النفس في اللغة بمعنى الذات، يقال: نفس الشئ ذاته، ~~وعن الثالث أن المراد حلول الصفة في الموصوف * [الشبهة الثانية] في قوله ~~تعالى (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) ~~[الجواب] المقصود من هذا الكلام تفويض الأمر إلى الله تعالى بالكلية وترك ~~الاعتراض وتحقيق معنى (لا يسئل عما يفعل) * [قصة سيدنا ومولانا محمد صلى ~~الله عليه وسلم] [وفيها شبه] [الأولى] تمسكوا بقوله تعالى (ووجدك ضالا ~~فهدى) * [الجواب] أن الضلال هو الذهاب والانصراف ولا بد من أمر يكون منصرفا ~~عنه وهو غير مذكور، والخبر أن بغير ما يوافق الدليل وهو أمور أربعة: ~~[الأول] وجدك ضالا عن النبوة فهداك إليها PageV00P092 # ويؤكده قوله تعالى (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) * [الثاني] وجدك ~~ضالا عن المعيشة وطريق الكسب * [الثالث] وجدك ضالا في زمان الصبي في بعض ~~المفاوز * [الرابع] وجدك ضالا أي مضلولا عنه في قوم لا يعرفون حقك فهداهم ~~إلى معرفتك كما يقال: فلان ضال في قومه إذا كان مضلولا عنه * [الشبهة ~~الثانية] تمسكوا بقوله تعالى. (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا ~~تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) قالوا: إن ظاهر الآية يدل على أن الشيطان ملق ~~في قراءة الأنبياء ما يؤدي إلى الشبهة، فإذا جوزنا ذلك ارتفع الوثوق، روى ~~أنه عليه الصلاة والسلام شق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به فتمنى في ~~نفسه أن يأتيه من الله تعالى ما يقارب بينه وبين قومه، ms55 وذلك لحرصه على ~~إيمانهم، فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش كثير أهله، وأحب يومئذ أن لا ~~يأتيه شئ من الله فينفروا عنه، وتمنى ذلك فأنزل الله تعالى (والنجم إذا ~~هوى) فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ (أفرأيتم اللات والعزى ~~ومناة الثالثة الأخرى) ألقى الشيطان على لسانه ما كان يحدث به نفسه ويتمناه ~~" تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى " فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته فقرأ السورة كلها وسجد في آخرها ~~فسجد المسلمون وسجد جميع من في المسجد PageV00P093 # من المشركين. فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد ابن ~~المغيرة وأبو أحيحة سعيد بن العاص، فإنهما أخذا حفنة من البطحاء ورفعاها ~~إلى جبهتهما وسجدا عليها لأنهما كانا شيخين كبيرين فلما يستطيعا السجود، ~~وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا وقالوا: # قد ذكر محمد عليه الصلاة والسلام آلهتنا بأحسن الذكر. فلما أمسى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام وقال: ما ذا صنعت؟ تلوت ~~على الناس ما لم آتك به عن الله، وقلت ما لم أقل لك؟! فحزن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حزنا شديدا وخاف من الله خوفا كثيرا فأنزل الله هذه الآية ~~(1) * # PageV00P094 # [الجواب] الذي يدل على أنه عليه السلام ما غير وما بدل وجوه خمسة: # [الأول] قوله تعالى (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم ~~لقطعنا منه الوتين) [الثاني] (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي) [الثالث] (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك ~~لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم ~~شيئا قليلا) [الرابع] (كذلك لنثبت به فؤادك) [الخامس] قوله (سنقرئك فلا ~~تنسى) وإذا ثبت ما ذكرناه فلنشرع في الجواب عن الشبهة فنقول: # التمني: جاء في اللغة لأمرين: [أحدهما] تمنى القلب * [والثاني] التلاوة ~~قال الله تعالى (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني) أي إلا ms56 قراءة لأن ~~الأمي لا يعلم القرآن من المصحف PageV00P095 # وإنما يعلمه قراءة، وقال حسان (1) * تمنى كتاب الله أول ليلة * وآخرها ~~لاقى حمام المقادر قيل: إنما سميت القراءة أمنية لأن القارئ إذا انتهى إلى ~~آية عذاب تمنى أن لا يبتلى به. وقيل: أخذ من التقدير لأن التالي مقدر ~~للحروف يذكرها شيئا فشيئا والتمني التقدير، منى الله خيرا أي قدره * إذا ~~عرف ذلك فنقول: من المفسرين من حمل الآية على تمني القلب، والمعنى أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم متى تمنى بقلبه بعض ما يتمناه من الأمور يوسوس الشيطان ~~إليه بالباطل ويدعوه إلى ما لا ينبغي، ثم إن الله تعالى ينسخ ذلك ويبطله ~~ويأتيه بما يرشده إلى ترك الالتفات إلى وسوسته. # وهذا ضعيف لأنه لو كان كذلك لم يكن ما يخطر بباله صلى الله عليه وسلم ~~فتنة للكفار، وذلك يبطله قوله تعالى (ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في ~~قلوبهم) الآية: فثبت أن المراد بالتمني القراءة * ثم اختلف الذاهبون إلى ~~هذا التأويل على وجوه ستة: # [الأول] أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلم بذلك ولا تكلم الشيطان به ~~أيضا، ولكنه عليه الصلاة والسلام لما قرأ سورة (والنجم إذا هوى) اشتبه ~~الأمر على الكفار فحسبوا بعض ألفاظ ما قرأه " تلك الغرانيق العلى وإن ~~شفاعتهن لترتجى " وذلك على حسب ما جرت العادة من توهم بعض الكلمات على غير ~~ما يقال، وهذا فاسد لوجوه ثلاثة: [الأول] أن التوهم في مثل ذلك إنما يصح ~~فيها قد جرت العادة # PageV00P096 # بسماعه، فأما غير المسموع فلا يقع فيه ذلك [الثاني] أنه لو كان كذلك لوقع ~~هذا التوهم لبعض السامعين دون البعض، فإن العادة مانعة من اتفاق الجمع ~~العظيم في الساعة الواحدة على خيال فاسد في المحسوسات * [الثالث] لو كان ~~كذلك لم يكن ذلك مضافا إلى الشيطان * [الوجه الثاني] أن يكون عليه الصلاة ~~والسلام تكلم بذلك إما عامدا أو ساهيا. أما العمد فغير جائز. لأنه تخليط في ~~الوحي. وذلك يوجب زوال الثقة عن كل ما جاء به * [فإن قلت] لعله ms57 قد ذكر ذلك ~~استفهاما على سبيل الانكار؟ # [قلت] هب أنه كذلك لكن قراءته في أثناء قراءة القرآن مع كونه على ذلك ~~الوزن توهم كونه منه، فيعود المحذور المذكور. أما السهو فغير جائز أيضا ~~لأنه لو جاز وقوع السهو ههنا لجاز في غيره وحينئذ ترتفع الثقة بالشرع. ولأن ~~الساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه الألفاظ مطابقة لوزن هذه السورة ~~وطريقتها ومعناها. فإنا نعلم بالضرورة أن واحدا لو أنشد قصيدة لما جاز أن ~~يسهو حتى يتفق فيه بيت شعر في وزنها ومعناها وطريقتها * [الثالث] أن يكون ~~الشيطان أجبر النبي صلى الله عليه وآله على التكلم وهذا أيضا فاسد لوجوه ~~ثلاثة: (الأول) أن الشيطان لو قدر على ذلك لوجب في القياس أن يزل الشيطان ~~ولجاز في أكثر منا يتكلم به الواحد منا أن يكون ذلك بإجبار الشيطان ~~[الثاني] أن الشيطان لو تمكن من إجبار النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك ~~لارتفع الإيمان عن الوحي PageV00P097 # لقيام هذا الاحتمال [الثالث] قوله تعالى حاكيا عن الشيطان (وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم) الآية وقال تعالى (إنه ليس له سلطان على ~~الذين آمنوا) الآيتان. وقال (إلا عبادك منهم المخلصين) فاعترف بأنه لا سبيل ~~له عليهم [الرابع] أن يكون ذلك الكلام كلام الشيطان وذلك بأن يلفظ بكلام من ~~تلقاء نفسه في درج تلك التلاوة في بعض وقفاته ليظن أنه من جنس الكلام ~~المسموع منه عليه السلام وهو غير ممتنع لأنه لا خلاف أن الجن والشياطين ~~متكلمون فلا يمتنع أن يسمع الشيطان من غير أن يرى صورته فإذا سمع كلامه في ~~أثناء كلام آخر لم يبعد أن يظن السامعون كون ذينك الكلامين من ذلك الشخص ~~المبصر ثم هذا لا يكون قادحا في النبوة لما لم يكن فعلا للنبي * ولقائل أن ~~يقول: إذا جوز تم أن يتكلم الشيطان في أثناء كلام الرسول عليه الصلاة ~~والسلام بما يشتبه على كل السامعين حتى يظنوه كلاما لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بقي هذا الاحتمال في كل ما ms58 يتكلم به الرسول عليه الصلاة والسلام ~~فتفضي إلى ارتفاع الوثوق عن كل الشرع * (الجواب) * أن ذلك الاحتمال قائم، ~~ولكنه لو وقع لوجب في حكمة الله تعالى أن يشرح الحال فيه كما في هذه ~~الواقعة إزالة للتلبيس * * (الخامس) * أن المتكلم بذلك بعض الكفرة، فإنه ~~عليه الصلاة والسلام لما انتهى من قراءة هذه السورة إلى هذا الموضع وذكر ~~أسماء آلهتهم وقد علموا من عادته أنه يعيبها، فقال بعض من حضر من الكفار: ~~PageV00P098 # " تلك الغرانيق العلا " فاشتبه على القوم، لأنهم كانوا يلغطون عند قراءته ~~ويكثرون من الكلام طلبا لتغليطه وإخفاء قراءته. وممكن أن يكون أيضا في ~~الصلاة لأنهم كانوا يقربون منه في حال الصلاة ويسمعون قراءته ويلغون فيها، ~~وقيل: إنه عليه الصلاة والسلام كان إذا تلا القرآن على قريش توقف في فصول ~~الآيات، فألقى بعض الحاضرين ذلك الكلام في تلك الواقعات فتوهم القوم أنه من ~~قراءته عليه الصلاة والسلام ثم أضاف الله ذلك إلى الشيطان لأنه بوسوسته ~~حصل، أو لأنه جعل ذلك المتكلم شيطانا * * (السادس) * أن المراد بالغرانيق ~~الملائكة وقد كان ذلك قرآنا منزلا في وصف الملائكة، فلما توهم المشركون (1) ~~أنه يريد آلهتهم نسخ الله تلاوته * # PageV00P099 # * (الشبهة الثالثة) * تمسكوا بقوله تعالى: (وإذ تقول للذي أنعم الله ~~عليه) الآية، روي أنه عليه الصلاة والسلام رأى زينب بنت جحش بعد ما زوجها ~~من زيد فهويها. فلما حضر زيد لطلاقها أخفى في نفسه عزمه على نكاحها بعده ~~لهواه لها فعاتبه عليه بقوله (وتخفي في نفسك ما الله مبديه) الآية (1) * * ~~(الجواب) * من أربعة وجوه * (أحدها) * الذي يدل عليه أنه لم يصدر من الرسول ~~في هذه الواقعة مذمة، ولا عاتبه الله على شئ منه، ولا ذكر أنه عصى وأخطأ. ~~ولا ذكر استغفار النبي منه، ولا أنه اعترف على نفسه مخطئا، وأنه لو صدر عنه ~~زلة لو جد من ذلك # PageV00P100 # شئ كما في سائر الأنبياء عليهم السلام متى صدرت عنهم زلة أو ترك مندوب ~~وجد منه ما ذكرناه * * (وثانيها) * أنه ذكر في القصة أنه ليس على النبي من ~~حرج ms59 فيما فرض الله له، وهذا تصريح بأنه لم يصدر منه ذنب البتة * * ~~(وثالثها) * أنه تعالى إنما زوجه إياها كيلا يكون على المؤمنين حرج في ~~أزواجهم أدعيائهم إذا قضوا منهن. وطرا، ولم يقل: إني فعلت ذلك لأجل عشقك * ~~* (ورابعها) * قوله تعالى (زوجناكها) ولو حصل في ذلك سوء لكان قدحا في الله ~~تعالى. فثبت بهذه الوجوه أنه لم يصدر منه ذنب البتة في الواقعة * بقي قوله ~~تعالى (وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) فنقول: # ذكر المحققون فيه وجوها أربعة: # * (الأول) أن الله تعالى لما أراد نسخ ما كان في الجاهلية من تحريم أزواج ~~الأدعياء أوحى الله أن زيدا - وهو دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم - يطلق ~~زوجته فتزوج أنت بها. فلما حضر زيد ليطلقها أشفق رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم من أنه لو طلقها للزمه التزوج بها فيصير بذلك سببا لسوء كلام ~~المنافقين فيه فقال له (أمسك عليك زوجك) وأخفى في نفسه عزمه على نكاحها بعد ~~طلاقه إياها وهذا التأويل هو المطابق لقوله تعالى (فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها) فثبت أن العلة في أمره بنكاحها ما ذكرناه من نسخ السنة المتقدمة ~~* PageV00P101 # (الثاني) أن زيدا لما خاصم زوجته زينب، وهي ابنة عمة النبي عليه الصلاة ~~والسلام وأشرف على طلاقها أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه طلقها زيد ~~تزوجها من حيث إنها كانت ابنة عمته، وكان يحب ضمها إلى نفسه، كما يحب أحدنا ~~ضم قراباته إليه حتى لا ينالهم ضرر، إلا أنه لم يظهر ذلك خوفا من ألسنة ~~المنافقين فالله تعالى عاتبه في التفات قلبه إلى الناس فقال (وتخشى الناس ~~والله أحق أن تخشاه) (1) * (الثالث) أن زيدا لما نكح زينب وجدها ذات جمال ~~وعفة وقوة وعقل وحسن خدمة فبدا له أن ينزل عنها لينكحها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولما رآها صالحة لصحبته خدمة له منه وقربة إلى الله تعالى بإيثار ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسه في حظ مباح. فجاء إلى رسول الله صلى ~~الله ms60 عليه وسلم # PageV00P102 # وعرض عليه الأمر ولم يكن ذلك منكرا عنده عليه الصلاة والسلام غير أن زيدا ~~تبناه النبي عليه الصلاة والسلام وكان التزوج بامرأته محرما في الجاهلية، ~~فعلم أنه لو نكحها أطالوا ألسنتهم فيه وكانوا على قرب عهد من السلام ~~يحترزون عن مثل هذه الأمور، فامتنع النبي صلى الله عليه وآله عن نكاحها ~~وقال له (أمسك عليك زوجك) مع ما في قلبه من الرضا حذرا عما ذكرناه فنزلت ~~هذه الآية (وتخفي في نفسك ما الله مبديه) يعني من إضمار الرضى (وتخشى ~~الناس) يعني تستحي منهم أن يقولوا نكح زوجة ابنه (والله أحق أن تخشاه) في ~~إظهار أمر غير ما تضمره * (الرابع) أن زينب طمعت في أول أمرها أن يتزوج بها ~~رسول الله صلى الله عليه وآله فلما خطبها الرسول لزيد شق ذلك عليها وعلى ~~أخيها وأمها، حتى نزل قوله تعالى (ما كان لمؤمن ولا مؤمنة) الآية فعند ذلك ~~انقادوا كرها، فلما بنى بها زيد لم تساعده ونشزت عنه لاستحكام طمعها في ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم واستحقارها زيدا، فشكاها إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال (أمسك عليك زوجك) وأخفى في نفسه استحكام طمعها فيه، لأنه ~~عليه الصلاة والسلام لو ذكر ذلك لزيد لتنغصت عليه تلك النعمة، ولقال ~~المنافقون إنه إنما قال ذلك طمعا في تلك المرأة. فهذه وجوه سوى ما ذكره ~~الطاعنون في أنبياء الله تعالى ورسله وكلها محتمل * (فإن قلت) هب أن الأمر ~~كذلك، ولكن قوله تعالى: (وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) يدل على أن ذلك ~~الاخفاء ما كان جائزا له * (قلت) أكثر ما فيه أنه أخفى ذلك إتقاءا لسوء ~~كلام المنافقين PageV00P103 # ولو أنه أظهره وتحمل سوء مقالتهم لكان أكثر ثوابا فيه، فيرجع حاصله إلى ~~ترك الأولى والأفضل فليس ذلك من الذنب في شئ، فأما الذين يذكرون من أنه ~~عشقها فهو من باب الآحاد والأولى تنزيه منصب الأنبياء عن مثله لا سيما ~~والقرآن لا يدل عليه البتة. ثم على تقدير الصحة ففيها روايتان: منهم من ~~يقول ms61 بأنه عليه الصلاة والسلام لما رآها وعشقها حرمت على زيد. وهذا قطعا ~~غير صحيح لأنه لو كان كذلك لكان أمره لزيد بإمساكها أمرا بالزنا ولكان وصفه ~~إياها بكونها زوجه كذبا وهذان الأمران لا يليقان بالمسلمين فضلا عن أفضل ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ومنهم من لا يقول بحرمتها على زوجها. ولكن ~~يقول يجب على الزوج تطليقها والنزول عنها، وقالوا: # والمعنى فيه امتحانا للزوج في إيمانه بتكليف النزول عن زوجته طلبا لرضى ~~الله تعالى ورضى رسوله صلى الله عليه وسلم. وفيه أيضا ابتلاء النبي عليه ~~الصلاة والسلام وتكليفه الحذر عن الأعين لأن حفظ النظر أشق على النفس فقيل ~~له إن لم تحفظ نظرك فربما أبصرت شيئا فاشتهيته لأن الشهوة ليست مقدورة ~~للبشر. وإذا اشتهيته وجب على الزوج طلاقها والنزول عنها فإن أخبرته بذلك ~~تعرضت لسوء المقالة وإن كتمته صرت خائنا في الوحي، فلأجل الاحتراز عن هذه ~~التوابع كان النبي صلى الله عليه وآله يبالغ في حفظ النظر وذلك من أشق ~~التكاليف. فهذا ما قيل في هذا الباب * PageV00P104 # (الشبهة الرابعة) تمسكوا بقوله تعالى: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى ~~يثخن في الأرض) الآيتان. والاستدلال من ثلاثة أوجه: # (الأول) قوله تعالى: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى) وذلك يقتضي أن يكون ~~استبقاء الأسرى محرما * (الثاني) قوله: (تريدون عرض الدنيا) وذلك مذكور في ~~معرض الذم (الثالث) قوله تعالى: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم ~~عذاب عظيم) * (الجواب) الذي يدل على براءة منصب الأنبياء في هذه الواقعة عن ~~كل ما لا ينبغي وجوه: # (الأول) أنه إما أن يكون قد أوحى له في جواز الأسر وخطر إليه شئ، أو ما ~~أوحى إليه شئ فإن كان قد أوحى إليه شئ لم يجز للنبي عليه الصلاة والسلام أن ~~يستشير أصحابه فيه لأن مع قيام النص وظهور الوحي لا يجوز الاشتغال ~~بالاستشارة، وإن لم يوح إليه شئ البتة لم يتوجه عليه ذنب البتة (الثاني) أن ~~ذلك الحكم لو كان خطأ لأمر الله تعالى بنقضه، فكان ms62 يؤمر بقتل الأسرى ويرد ~~ما أخذ منهم، قلنا: لما لم يكن كذلك بل قال (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) ~~علمنا أنه لم يوجد الخطأ في ذلك الحكم البتة * (الثالث) أنه عليه الصلاة ~~والسلام لم يشتغل بالاستغفار واللوم، وذلك يدل على عدم الذنب على ما تقدم. ~~وإذا قد بينا ذلك فنقول: PageV00P105 # كما يأتي العتاب على ترك الواجب فقد يأتي أيضا على ترك الأولى والأولى في ~~ذلك الوقت الاثخان وترك الفداء قطعا للأطماع وحسما للنزاع، ولولا أن ذلك من ~~باب الأولى لما فوض النبي صلى الله عليه وآله ذلك إلى الأصحاب، وهذا هو ~~العذر عن قوله (ما كان لنبي أن يكون له أسرى) فأما قوله (تريدون عرض ~~الدنيا) فهو خطاب جمع فيصرف ذلك إلى القوم الذين رغبوا في المال (1) وأما ~~قوله (لولا كتاب من الله) فمعناه لولا ما سبق من تحليل الغنائم لعذبتكم ~~بسبب أخذكم هذا الفداء. وهذا غاية التقريع في تخطئتهم في أخذ الفداء من جهة ~~التدبير * (فإن قلت) فإن كان ذلك محللا لهم فما هذا التقريع البالغ؟ # (قلت) لأن ذلك من باب الحروب، وما كان من ذلك الباب فقد يقع الخطأ فيه من ~~جهة التدبير ويقرع ذلك المخطئ، وإن كان غير مذنب * (الشبهة الخامسة) أنه ~~لما استأذنه قوم في التخلف عن الخروج معه إلى الجهاد فأذن لهم فقال الله ~~تعالى (عفا الله عنك لم أذنت لهم) والعفو لا يكون إلا بعد الذنب، فدل على ~~أنه كان مذنبا * # PageV00P106 # (الجواب) أن العفو يقتضي ترك المؤاخذة، وقوله (لم أذنت لهم) مؤاخذة. فلو ~~أجرينا قوله تعالى (عفا الله عنك) على ظاهره لزمت المناقضة. فعلمنا أنه ليس ~~المراد ذلك - ما جوابك عن كلامي - مثلا إنما المراد التلطف في المخاطبة. ~~كما يقال: أنت رحمك الله وغفر لك، وإن لم يكن هناك ذنب البتة، وأيضا فهذا ~~من باب التدبير في الحرب. وقد بينا أن تارك الأفضل فيه قد يقرع ويوبخ * ~~(الشبهة السادسة) قوله تعالى (ووضعنا عنك وزرك) الآية صريح في الذنب * ~~(جوابه) من وجوه (الأول) حمله على ms63 الوزر الذي كان قبل النبوة (الثاني) حمله ~~على الصغيرة أو ترك الأولى (الثالث) أن الوزر في أصل اللغة هو الثقل. قال ~~الله تعالى (حتى تضع الحرب أوزارها) أي أثقالها، وإنما سمى الذنب بالوزر ~~لأنه يثقل كاسبه. فعلى هذا تسمية الذنب بالوزر مجاز آخر، وهو أنه عليه ~~الصلاة والسلام كان في غم شديد لإصرار قومه على الشرك، وأنه كان هو وأصحابه ~~فيما بينهم مستضعفين فلما أعلا الله كلمته، وعظم أمره فقد وضع وزره، ويقوى ~~هذا التأويل قوله (ورفعنا لك ذكرك فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا) فإن ~~العسر بالشدائد والغموم أشبه واليسر بإزالة الهموم أشبه * (فإن قلت) إن هذه ~~السورة مكية فما ذكرت من المعنى لا يليق بها (قلت) إن وعد الله حق، فلما ~~وعده الله بذلك في مكة فقد قوى قلبه وزالت كربته * PageV00P107 # (الخامس) وهو أنه عليه الصلاة والسلام لا شك أنه بتقدير الإقدام على ~~الذنب كان يتوب عنه، فإن الاصرار على الذنب منفي عنه بالإجماع والتائب من ~~الذنب كمن لا ذنب له. وإذا كان كذلك وجب علينا وعليهم تأويل هذه الآية * ~~(الشبهة الثامنة) تمسكوا بقوله تعالى (عبس وتولى أن جاءه الأعمى) فعاتبه ~~على إعراضه عن ابن أم مكتوم * (جوابه) لا نسلم أن هذا الخطاب متوجه إلى ~~النبي عليه الصلاة والسلام. لا يقال: إن أهل التفسير قالوا: الخطاب مع ~~الرسول، لأنا نقول: هذه رواية الآحاد فلا تقبل في هذه المسألة ثم إنها ~~معارضة بأمور: # (الأول) أنه وصفه بالعبوس وليس هذا من صفات النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قرآن ولا خبر مع الأعداء والمعاندين فضلا عن المؤمنين والمسترشدين (الثاني) ~~وصفه بأنه تصدى للأغنياء وتلهى عن الفقراء وذلك غير لائق بأخلاقه * ~~(الثالث) أنه لا يجوز أن يقال للنبي (وما عليك ألا يزكى) فإن هذا الاغراء ~~يترك الحرص على إيمان قومه فلا يليق بمن بعث بالدعاء والتنبيه * سلمنا أن ~~الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم لكن لا نسلم كونه ذنبا، بيانه أنه ~~تعالى وصف نبيه بحسن الخلق، فقال (وإنك ms64 لعلى خلق عظيم) PageV00P108 # (الشبهة السابعة) تمسكوا بقوله تعالى (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر ويتم نعمته عليك) قالوا: وهذا تصريح بالمغفرة (جوابه) إنا نحمله على ~~ما قبل النبوة أو على الصغائر. ولمن أباهما تأويلات * (الأول) أن المراد ما ~~تقدم من ذنب أمتك وما تأخر، فإن الرجل المعتبر إذا أحسن بعض خدمه أو أساء ~~فإنه يقال له: أنت فعلت ذلك وإن لم يكن هو فاعله بنفسه البتة (الثاني) إذا ~~ترك الأولى قد يسمى ذنبا كما يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين (الثالث) ~~أن الذنب مصدر، ويجوز إضافته إلى الفاعل والمفعول (1)، فكأن المراد ليغفر ~~لأجلك وببركتك ما تقدم من ذنبهم في حقك وما تأخر * (الرابع) أن الغرض من ~~هذه الآية علو درجة الرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك، يحصل بقوله تعالى: ~~لو كان لك ذنب لغفرته لك، وإخراج القضية الجازمة إلى الشرطية جائز إذا دل ~~سياق الكلام عليه، # PageV00P109 # (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) (وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين) فلما ظهر منه في بعض الأوقات النادرة خلافة عاتبه عليه عرفه أن ~~ذلك غير مرضى منه فيكون ذلك من باب ترك الأولى ثم السبب في ذلك كما جاء في ~~الخبر " أنه كان يتكلم مع بعض أشراف قريش ويستميله إلى الإسلام رجاء أن يعز ~~به الإسلام وقد كان من الحرص على إسلامهم بحيث قال الله تعالى: (فلعلك باخع ~~نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) فحضره هذا الأعمى ولم يعرف ~~كيفية الحال، فسأل عن مسألة من خلال مكالمة النبي عليه الصلاة والسلام ذلك ~~الرجل، فاشتد ذلك عليه إذا كان ذلك قطعا للكلام وإفسادا لما كان يحاوله من ~~إسلام ذلك الرجل فأعرض عنه فنهاه الله تعالى عن ذلك، وأمره بالإقبال على كل ~~من أتاه من شريف ووضيع وغني وفقير بأن لا يخص بدعوته شريفا دون دني إذ ~~الواجب عليه هو التبليغ إلى الكل وليس عليه من امتناع من امتنع عن قبول ~~دعوته تبعة ولا عهدة * (الشبهة التاسعة) قوله تعالى: (ولا ms65 تطرد الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) أي لا تطرد المؤمنين وطردهم كبيرة * ~~(جوابه) ليس في الظاهر طردهم وإنما فيه النهي عن طردهم بل فيه الدلالة على ~~أنه قال تعالى: (فتطردهم فتكون من الظالمين) ولو كان طردهم لقال فطردتهم. ~~وحكمة النهي أن جمعا من الكفار طلبوا PageV00P110 # منه طرد الفقراء، فأنزل الله تعالى هذه الآية لتكون حجة له عليه الصلاة ~~والسلام عن قبول قولهم * (الشبهة العاشرة) قوله تعالى: (لقد تاب الله على ~~النبي) والتوبة لا بد أن تكون مسبوقة بذنب * (جوابه) التوبة - الرجوع - ~~محمولة على الصغيرة أو ترك الأولى * (الشبهة الحادية عشرة) قوله تعالى: ~~(واستغفر لذنبك) وفي الحديث " وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين ~~مرة " وهذا صريح * (جوابه) أنه محمول إما على الصغيرة أو ترك الأولى أو ~~التواضع كما قررناه في قول آدم (ربنا ظلمنا أنفسنا) أو على التقدير، ~~والمعنى إذا أذنبت فاستغفره كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى ~~الله توبة نصوحا) وليس يريد أن جميعهم مذنبون، وإنما بعثهم على التوبة إذا ~~أذنبوا * (الشبهة الثانية عشرة) قوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل ~~الله لك) الآية ظاهرها مشعر بأنه فعل ما لا يجوز * * (جوابه) * أن تحريم ما ~~أحل الله ليس بذنب بدليل الطلاق والعتاق، وأما العتاب فإن النهي عن فعل ذلك ~~لابتغاء مرضاة النساء أو ليكون زجرا لهن عن مطالبته مثل ذلك كما يقول ~~القائل لغيره: PageV00P111 # لم قبلت أمر فلان واقتديت به وهو دونك، وآثرت رضاه وهو عبدك، فليس هذا ~~عتبا ذنب وإنما هو عتاب تشريف * (الشبهة الثالثة عشر) قوله تعالى: (يا أيها ~~النبي اتق الله) (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك فإن لم تفعل فما ~~بلغت رسالته) فلو لم يوجد منه فعل المحظور والإخلال بالواجب لم يكن للأمر ~~والنهي فائدة * (جوابه) الأمر والنهي أحد أسباب العصمة فوجودهما لا يخل بها ~~* (الشبهة الرابعة عشر) قوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من ~~الخاسرين) فلو لم يصح ذلك منه لما خوطب به * (جوابه) ms66 من وجوه: (الأول) أن ~~المراد أمته فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: " نزل القرآن ~~بإياك أعني واسمعي يا جارة " ومثله قوله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء) الآية فقوله: (فطلقوهن) يدل على أن الخطاب توجه إلى غيره * ~~(الثاني) حمله على الشرك الخفي الذي هو الالتفات إلى غير الله تعالى * ~~(الثالث) أنه شرح الحال بتقدير الوقوع كما في قوله تعالى: # (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) * PageV00P112 # (الشبهة الخامسة عشر) قوله تعالى: (سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله) ~~والاستثناء يدل على جواز النسيان في الوحي * (جوابه) أن النسيان يجئ بمعنى ~~الترك قال الله تعالى: (فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا) (كذلك أتتك ~~آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) فقوله: (سنقرؤك فلا تنسى) أي فلا تترك ~~منها شيئا إلا ما شاء الله وهو المندوب أو المنسوخ * (الشبهة السادسة عشر) ~~(فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد ~~جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) قالوا فكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم في شك مما أوحى الله إليه، وإلا فأي فائدة في أمره بالسؤال * (جوابه) ~~القضية الشرطية لا تفيد إلا ترتيب الجواب على الشرط فأما أن الشرط حاصل أو ~~لا فهو غير مستفاد فأما الرجوع إلى اليهود والنصارى فلوجهين: # (الأول) أن نعت النبي صلى الله عليه وسلم كان مندوبا في كتبهم مذكورا في ~~التوراة والإنجيل فكان يظهر بعضهم ذلك وإن كتمه الباقون، وكان ذلك من أعظم ~~الدلائل على صدقه، فأمره الله تعالى بالرجوع وتعرف ما شهدت به الكتب ~~السماوية من نعته وصفته، ليكون أقوى معين له في إزالة الشبهة وتقوية العلم ~~* PageV00P113 # (الثاني) أن الله تعالى أمره أن يرجع إليهم في كيفية ثبوت نبوة سائر ~~الأنبياء، حتى يزول الوسواس في كونه نبيا لأنه أمر أن يأتي بمثل ما أتى به ~~من قبله من المعجزات * (جواب آخر) عن أصل الكلام، وهو أن الخطاب وإن كان ~~متوجها إلى النبي صلى الله عليه وآله ms67 يجوز أن لا يكون المراد منه هو * ~~(الشبهة السابعة عشر) قوله تعالى (وإن كادوا ليفتنونك) الآيتان قالوا وكان ~~معناه قارب فدل ذلك على أنه عليه السلام قارب الكذب ومال إليه * (جوابه) ~~لعله قارب ذلك بحسب الطبيعة البشرية، لا بحسب العقل والدين (فصل آخر) فيما ~~تمسكوا به في إثبات الذنب لا لنبي معين (الشبهة الأولى) قوله تعالى (ولو ~~يؤاخذ الله الناس بظلمهم) فهذا يقتضي ثبوت الظلم لكل الناس والنبي صلى الله ~~عليه وسلم من الناس فثبت الظلم له * (جوابه) إذا تمسكت بهذا العموم في ~~إثبات الظلم فقوله تعالى (ألا لعنة الله على الظالمين) يوجب جواز اللعن ~~عليهم وجل منصب الأنبياء عنه * (فإن قلت) * بتخصيص العموم هناك قلت به ~~هاهنا * * (الشبهة الثانية) * قوله تعالى (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه ~~أحدا) إلى آخر السورة قالوا: فلو لا الخوف من وقوع تخليط الوحي من جهة ~~الأنبياء لم يكن في الاستظهار بالرصد المرسل معهم فائدة * PageV00P114 # * (جوابه) * يجوز أن بعثه الملائكة مع الأنبياء ليس للخوف من تغيير ~~الأنبياء وتبديلهم لكن لمنع الشيطان من إيقاع تخليط في أداء الرسول، كما ~~قررناه في قوله تعالى (إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) * * (الشبهة ~~الثالثة) * تمسكوا بقوله تعالى (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ ~~منها) الآية وزعموا أنها نزلت في نبي عزل عن نبوته * (جوابه) * ليس في ~~الآية ما يدل على كون ذلك المذكور نبيا، والاعتماد فيه على أخبار الآحاد ~~غير جائز، والله أعلم بالصواب * (تمت الرسالة المسماة بعصمة الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام) (للإمام فخر الدين الرازي عليه رحمة الباري)# PageV00P115 ms68