######OpenITI# #META# MULTIVOLUME: IDs 3943, 3976, 3977 #META# المؤلف: أبي محمّد صدر الدين روزبهان بن أبي نصر البقلي #META# المحقق: الشيخ أحمد فريد المزيدي #META# الناشر: دار الكتب العلميّة #META# الطبعة: ١ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤٢٩ هـ.ق #META# ISBN (ردمك): 2-7451-5743-4 #META# ISBN الدورة: 978-7451-5743-X #META# الصفحات: ٥٤٢ #META#Header#End# ### | مقدمة المصنف # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي كان في أزل الآزال ، موجودا بوجوده ، وذاته كنوز صفاته ، ~~وصفاته معادن جوده ، تقدست ذاته بذاته عن الأضداد ، وتنزهت صفاته بصفاته عن ~~الأنداد ، قدمه متعال عن الكون والفساد ، وأزله مسرمد إلى أبد الآباد ، ~~تفرد بوحدانيته عن الأماكن والأكوان ، وتوحد بجلاله عن المشابهة بالحدثان ، ~~علم في القدم ما يبين بإرادته من العدم ، وأجرى بمقاديره القلم ، ورقم على ~~اللوح المحفوظ ما قضى وقسم ، لم يزل متكلما بكلامه القديم ، وعالما بعلمه ~~الأزلي الكريم ، فأوجد جوهر البسيط بقوته القدمية ، وكلماته الأزلية في ~~فضاء القدرة ، وأبدع منه فطرة الخليقة ، وأخرج من أديان القدر المقدورات ~~بصنع الألوهية ، ولباس العبودية ، واصطفى من تلك الجوهرة ، وطبيعة الأولية ~~فطرة آدم عليه السلام على جميع العالم ، وعلمه الأسماء كلها ، وجعله من جميع ~~البرية أصلها ، وأخرج من عنصر الأرواح والأشباح ، واختار منها صفوة ~~الأنبياء والرسل والأولياء بالرسالة والولاية ، وخاطبهم بخطابه الأزلي ، ~~وكلامه الأبدي ، ليدعو به عباده إلى خدمته ، وشوقهم إلى مشاهدته ، واجتبى ~~من بينهم في الأزل روح المصطفى صلى الله عليه وسلم بأفضل الدرجات ، وأكرم ~~المداناة ، واصطفاه المقام المحمود ، وكمال الكرم والجود ، وخاطبه بأشرف ~~كلامه ، وأكرم فرقانه وقرآنه ، الذي فيه بيان مكنون أسرار ذاته ، وألوان ~~صفاته ، وعجائب علومه الغيبية ، وغرائب آياته الأزلية ، وأرسله إلى كافة ~~البرية ؛ ليهديهم به إلى الحق والحقيقة. # ثم أعطى أزمته الظاهرة إلى يد أهل الظاهر من العلماء والحكماء ؛ حتى ~~شرعوا في أحكامها وحدودها ورسومها وشرائعها ، وجعل خالصة أهل صفوته غيبة ~~أسرار خطابه ، ولطائف مكنون آياته ، وتجلى من كلامه ، بنعت الكشف والعيان ~~والبيان لقلوبهم وأرواحهم وعقولهم وأسرارهم ، وأعلمهم علوم حقائقه ، ونوادر ~~دقائقه ، وصفى دروج عقولهم بكشوف أنوار جماله ، وقدس فهومهم لسناء جلاله ، ~~وجعلها مواضع ودائع خفي رموز خطابه ، وما أودع كتابه من غوامض أسراره ، ~~ولطيف إشاراته من علوم المتشابهات ومشكلات الآيات ، وعرفهم معاني ما أخفاه ~~في القرآن بنفسه حتى عرفوا بتعريفه إياهم ، وكحلهم بنور قربه ووصاله ، ~~وأطلعهم على غيبيات عرائس الحكم والمعارف والكواشف ، ومعاني فهم الفهم ، ~~وسر السر الذي ظاهره ms0001 في القرآن حكم ، وفي باطنه إشارة وكشف ، الذي استأثره الحق PageV01P011 # لأصفيائه ، وأكابر أوليائه ، وغرباء أحبائه من الصديقين والمقربين ، وستر ~~هذه الأسرار والعجائب على غيرهم من علماء الظاهر ، وأهل الرسوم الذين هم في ~~حظ وافر من الناسخ والمنسوخ والفقه والعلم ، ومعرفة الحلال والحرام ، ~~والحدود والأحكام. # وتلك الصفوة الصادقة الذين فتح الله على قلوبهم من لطائف دقائق كتابه ، ~~وما كتم على أسرار غيرهم من سني فضائل مكاشفاته ، نطقوا على حسب مقاماتهم ~~بين يدي جبروته ، وقدر سيرانهم في ميادين ملكوته بإشارات شافية ، وعبارات ~~كافية من قلوب صافية ، وعقول راسخة ، وأرواح عاشقة ، وأسرار مقدسة ، وهم في ~~إدراك إشارات القرآن بالتفاوت ، كتفاوتهم في درجات المعاينات ، والمكاشفات ~~، والحالات ، والمداناة ، ورؤية المغيبات ، وما لاح لأسرارهم من أنوار ~~الأزليات والأبديات ، وما بلغوا فيما نطقوا ، وأخبروا قعر بحار القرآن ؛ ~~لأنه صفات الرحمن ، ولا يدرك جميع حقائقه أهل الحدثان. # وصلى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم السفير الأعلى ، وسيد أهل ~~الآخرة والأولى ، وشفيع الورى الذي سافر بيداء الآزال والآباد ، ودنا من ~~القدم حتى لم يبق بينه وبين الحق ؛ إلا قاب قوسين أو أدنى ، عليه التحية ~~الأسنى والبركات الأنمى ، وعلى آله نجوم الهدى ، وأصحابه مصابيح الدجى. # أما بعد ... # فإن أطيار أسراري لما فرغت من الطيران في المقامات والحالات ، وارتفعت من ~~ميادين المجاهدات والمراقبات ، ووصلت إلى بساتين المكاشفات والمشاهدات ، ~~وجلست على أغصان ورد المداناة ، وشربت شراب الوصال ، وسكرت برؤية الجمال ، ~~وولهت في أنوار الجلال ، وصحت من مقام القدس بذوق الأنس ، وتلقفت من فلق ~~الغيب شقائق دقائق القرآن ، ولطائف حقائق العرفان ، فطارت بأجنحة العرفان ، ~~وترنمت بألحان الجنان في أحسن البيان بهذا اللسان في رموز الحق التي أخفاها ~~على فهوم أهل الرسوم. # وما تصديت لهذا الأمر إلا بعد خاطري بالمعرفة والحكمة الربانية ، واقتديت ~~بالصدر الأول من المشايخ الكرام في تفسير حقائق الكلام ، ولما وجدت أن ~~كلامه الأزلي لا نهاية له في الظاهر والباطن ، ولم يبلغ أحد من خلق الله ~~إلى كماله ، وغاية معانيه ؛ لأن تحت كل حرف من حروفه بحرا من بحار ms0002 الأسرار ~~؛ ونهرا من أنهار الأنوار ؛ لأنه وصف القدم. # وكما لا نهاية لذاته ، لا نهاية لصفاته ، قال الله تعالى : ( ~~ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت ~~كلمات الله ) [لقمان : 27] ، وقال : ( قل لو كان البحر مدادا ~~لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ) [الكهف : PageV01P012 # 19]. # وعن أبي جحيفة ، قال : سألت عليا رضي الله عنه وكرم الله وجهه : هل عندكم ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من الوحي سوى القرآن! قال : لا فالذي فلق ~~الحبة ، وبرأ النسمة إلا أن يعطي الله عبدا فهما في كتابه (1). # وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~«إن القرآن سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن ، ولكل حرف حد ومطلع» (2). # وقال جعفر بن محمد : كتاب الله على أربعة أشياء : العبارة ، والإشارة ، ~~واللطائف ، والحقائق ؛ فالعبارة للعوام ، والإشارة للخواص ، واللطائف ~~للأولياء ، والحقائق للأنبياء. # وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : ما من آية إلا ولها ~~أربعة معان : ظاهر ، وباطن ، وحد ، ومطلع ؛ فالظاهر : التلاوة ، والباطن : ~~الفهم ، والحد : هو أحكام الحلال والحرام ، والمطلع هو : مراد الله من ~~العبد بها. # قيل : القرآن عبارة ، وإشارة ، ولطائف ، وحقائق ، فالعبارة للسمع ، ~~والإشارة للعقل ، واللطائف للمشاهدة ، والحقائق للاستسلام. # وقال الجنيد : كلام الله على أربعة معان : ظاهر ، وباطن ، وحق ، وحقيقة. # وقال جعفر الصادق : يقرأ القرآن على تسعة أوجه : الحق ، والحقيقة ، ~~والتحقق ، والحقائق ، والعقود ، والعهود ، والحدود ، وقطع العلائق ، وإجلال ~~المعبود. # وقال الجريري : كلام الله متصل بعبده ، والعبد متوقع المزيد من ربه في كل حال. # وقال جعفر الصادق : أنزل القرآن على سبعة أنواع : على التعريف ، والتكليف ~~، والتعطيف ، والتشريف ، والتأليف ، والتخويف ، والتكفيف ، ثم نزل أمرا ~~ونهيا ، ووعدا ووعيدا ، ورخصا وتأسيسا ، وتمحيصا ، ثم نزل داعيا ، وراعيا ، ~~وشاهدا ، وحافظا ، وشافيا ، ودافعا ، ونافعا ، فتعرضت أن أغرف من هذه ~~البحور الأزلية غرفات من حكم الأزليات ، والإشارات الأبديات التي تقصر عنها ~~أفهام العلماء ، وعقول الحكماء ، اقتداء بالأولياء ، وأسوة بالخلفاء ، وسنة ~~للأصفياء ، وصنفت في ms0003 حقائق القرآن كتابا موجزا مخففا لا إطالة فيه ولا ~~إملال ، وذكرت ما سنح لي من حقيقة القرآن ، ولطائف البيان ، وإشارة الرحمن ~~في القرآن بألفاظ لطيفة ، وعبارة شريفة ، وربما ذكرت تفسير آية لم يفسرها ~~المشايخ ، ثم أردفت بعد قولي PageV01P013 # أقوال مشايخي مما عبارتها ألطف ، وإشارتها أظرف ببركاتهم ، وتركت كثيرا ~~منها ؛ ليكون كتابي أخف محملا ، وأحسن تفصيلا ، واستخرت الله تعالى في ذلك ~~، واستعنت به ؛ ليكون موافقا لمراده ، ومواظبا لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه وأولياء أمته ، وهو حسبي وحسب كل ضعيف ، وسميتها : ب «عرائس البيان ~~في حقائق القرآن». # وما أصبت ذلك ؛ فهو بتأييد الله ونصرته ، وما أخطأت فيه ؛ فهو لازم لي ، ~~وأنا أستغفر الله تعالى من ذلك ، إنه غفور حليم ، جواد كريم ، رءوف رحيم. PageV01P014 ### | سورة فاتحة الكتاب # ( بسم الله الرحمن الرحيم (1)) # سميت الفاتحة فاتحة ؛ لأنها مفتاح أبواب خزائن أسرار الكتاب ؛ ولأنها ~~مفتاح كنوز لطائف الخطاب ، بانجلائها ينكشف جميع القرآن لأهل البيان ؛ لأن ~~من عرف معانيها يفتح بها أقفال المتشابهات ، ويقتبس بسنائها أنوار الآيات. # ( بسم ): «الباء» : كشف البقاء لأهل الفناء ، و «السين» : كشف ~~سناء القدس لأهل الأنس ، و «الميم» : كشف الملكوت لأهل النعوت ، و «الباء» : ~~بره للعموم ، و «السين» : سره للخصوص ، و «الميم» : محبته لخصوص الخصوص ، ~~و «الباء» : بدء العبودية ، و «السين» : سر الربوبية ، و «الميم» : منة في ~~أزلية على أهل الصفوة. # و «الباء» من بسم أي : ببهائي بقاء أرواح العارفين في بحار العظمة. # و «السين» من بسم أي : بسنائي سمت أسرار السابقين في هواء الهوية. # و «الميم» من بسم أي : بمجدي وردت المواجيد قلوب الواجدين من أنوار ~~المشاهدة. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : «إن الباء بهاؤه ، والسين سناؤه ، ~~والميم مجده» (1). # وقيل في ( بسم الله ): بالله ظهرت الأشياء ، وبه فنيت ، وبتجليه ~~حسنت المحاسن ، وباستناره فتحت المفاتح. # وحكي عن الجنيد أنه قال : إن أهل المعرفة نفوا عن قلوبهم كل شيء سوى الله ~~، فقال : لهم قولوا : ( بسم الله ) أي : بي فتسموا ، ودعوا ~~انتسابكم إلى آدم عليه السلام . # وقيل : إن «بسم» يبقى به ms0004 كل الخلق ، فلو افتتح كتابه باسمه ؛ لذابت تحته ~~حقيقة الخلائق ، إلا من كان محفوظا من نبي ، أو ولي. # وروى علي بن موسى الرضا ، عن أبيه ، عن جعفر بن محمد قال : «بسم» : ~~«الباء» بقاؤه ، و «السين» أسماؤه ، و «الميم» ملكه ، فإيمان المؤمن ذكره ~~ببقائه ، وخدمة المريد ذكره بأسمائه ، والعارف فناؤه عن المملكة بالمالك لها. # وأما «الله» : فإنه اسم الجمع لا ينكشف إلا لأهل الجمع ، وكل اسم يتعلق ~~بصفة من صفاته إلا الله ؛ فإنه يتعلق بذاته وجميع صفاته لأجل ذلك ، وهو اسم ~~الجمع أخبر الحق عن PageV01P015 # نفسه باسمه الله ، فما يعرفه إلا هو ، ولا يسمعه إلا هو ، ولا يتكلم به ~~إلا هو ؛ لأن الألف إشارة إلى الأنانية والوحدانية ، ولا سبيل للخلق إلى ~~معرفتها إلا الحق تعالى. # وفي اسمه «الله» لامان : الأولى : إشارة إلى الجمال ، والثانية : إشارة ~~إلى الجلال ، والصفتان لا يعرفها إلا صاحب الصفات ، و «الهاء» : إشارة إلى ~~هويته ، وهويته لا يعرفها إلا هو ، والخلق معزولون عن حقائقه ، فيحتجبون ~~بحروفه عن معرفته «بالألف» : تجلي الحق من أنانيته لقلوب الموحدين ، ~~فتوحدوا به ، و «باللام الأولى» : تجلي الحق من أزليته لأرواح العارفين ، ~~فانفردوا بانفراده ، و «باللام الثانية» : تجلى الحق من جمال مشاهدته لأسرار ~~المحبين ، فغابوا في بحار حبه ، و «بالهاء» : تجلى الحق من هويته لفؤاد ~~المقربين ، فتاهوا في بيداء التحير من سطوات عظمته. # قال الشبلي : ما قال الله أحد سوى الله ، فإن كان من قاله بحظ ، وأنى ~~يدرك الحقائق بالحظوظ. # وقال الشبلي : الله ، فقيل له : لم لا تقول : لا إله إلا الله؟ فقال : لا ~~أبقي به ضدا. # وقيل في قوله : «الله» : هو المانع الذي يمنع الوصول إليه ، كما امتنع ~~هذا الاسم عن الوصول إليه حقيقة ، كأن الذات أشد امتناعا ، عجزهم في إظهار ~~اسمه لهم ؛ ليعلموا بذلك عجزهم عن درك ذاته. # وقيل في قوله : ( الله ): «الألف» : إشارة إلى الوحدانية ، ~~و «اللام الأولى» : إشارة إلى محو الإشارات ، و «اللام الثاني» : إشارة إلى ~~محو المحو في كشف الهاء. # وقيل : الإشارة في «الألف» هي قيام الحق بنفسه ، وانفصاله ms0005 عن جميع خلقه ، ~~فلا اتصال له بشيء من خلقه ؛ كامتناع «الألف» أن تتصل بشيء من الحروف ~~ابتداء ، بل تتصل الحروف بها على حد الاحتياج إليها ، واستغنائها عنهم. # وقيل : ليس من أسماء الله اسم يبقى على إسقاط كل حرف منه إلا الله ، فإنه ~~الله ، فإذا أسقطت منه «الألف» يكون «لله» ، فإذا أسقطت أحد لاميه يكون ~~«له» ، فإذا أسقطت اللامين بقيت الهاء ، وهو غاية الإشارة. # وقال بعضهم : «الباء» : باب خزانة الله ، و «السين» : سين الرسالة ، ~~و «الميم» : ملك الولاية. # وقال بعضهم : بالله سلمت قلوب أولياء الله من عذاب الله ، وبشفقته تطرقت ~~أسرار أصفياء الله إلى حضرته ، وبرحمته تفردت أفئدة خواص عباده معه. # وقال بعضهم : بالله تحيرت قلوب العارفين في علم ذات الله ، وبشفقته توصلت علوم PageV01P016 # العالمين في صفات الله ، وبرحمته أدركت عقول المؤمنين شواهد ما أشهدهم ~~الله من بيان الله. # وقيل بإلهيته تفردت قلوب عباد الله ، وبتعطفه صفت أرواح محبيه ، وبرحمته ~~ذكرت نفوس عابديه. # وقيل : ( بسم الله ): ترياق أعطى للمؤمنين ، يدفع الله به عنهم ~~سم الدنيا وضررها. # وقال جعفر الصادق : «بسم» : للعامة ، و «الله» : لخاص الخاص. # وقال سهل : «الله» : هو اسم الله الأعظم الذي حوى الأسماء والأسامي كلها ~~، وبين الألف واللام منه حرف مكني غيب من غيب إلى غيبه ، وسر من سر إلى سره ~~، وحقيقة من حقيقة إلى حقيقته ، لا ينال فهمه إلا الطاهر من الأدناس ، ~~الآخذ من الحلال قواما لضرورة الإيمان. # وقيل : من قال بالحروف ، فإنه لم يقل الله ؛ لأنه خارج عن الحروف والحسوس ~~، والأوهام ، والأفهام ، ولكن رضي منا بذلك ؛ لأنه لا سبيل إلى توحيده من ~~حيث لا حال ولا قال. # وحكي أن أبا الحسن النوري بقي في منزله سبعة أيام لم يأكل ، ولم يشرب ، ~~ولم ينم ، ويقول في ولهة ودهشة : الله الله ، وهو قائم يدور ؛ فأخبر الجنيد ~~، قال : انظروا محفوظا عليه أوقاته ، فقيل : إنه يصلي الفرائض ، فقال : ~~الحمد لله الذي لم يجعل للشيطان له سبيلا ، ثم قال : قوموا حتى نزوره إما ~~أن نستفيد منه ، أو نفيده ، فدخل عليه وهو في ms0006 ولهه ، فقال : يا أبا الحسن ، ~~ما الذي ولهك؟ قال : أقول : الله ، الله ، زيدوا علي ؛ فقال له الجنيد : ~~انظر هل قولك الله الله ، أم قولك : إن كان كنت القائل الله الله ، فلست ~~القائل له ، وإن كنت تقوله بنفسك ، وأنت مع نفسك ، فما معنى الوله؟ قال : ~~نعم المؤدب كنت ، وسكن من ولهه. # أما قوله : ( الرحمن ) رحم على أوليائه باسمه الرحمن ، بتعريف ~~نفسه لهم ؛ حتى عرفوا به أسماءه ، وصفاته ، وجلاله ، وجماله ، وبه خرجت ~~جميع الكرامات للأبدال والصديقين ، وبه تهيأت أسرار المقامات للأصفياء ~~والمقربين ، وبه تجلت أنوار المعارف للأتقياء والعارفين ؛ لأن اسم ( ~~ الرحمن ) مخبر عن خلق الخلق ، وكرمه على جميع الخلق ، وفي اسمه ( ~~ الرحمن ) ترويح أرواح الموحدين ، ومزيد أفراح العارفين ، وتربية ~~أشباح العالمين ، وفيه نزهة المحبين ، وبهجة الشائقين ، وفرحة العاشقين ، ~~وأمان المذنبين ، ورجاء الخائفين. # وقال بعضهم : اسمه ( الرحمن ) حلاوة المنة ، ومشاهدة القربة ، ~~ومحافظة الحرمة. # وقال ابن عطاء : في اسمه ( الرحمن ) عونه ونصرته. # وقوله ( الرحيم ): موهبة الخاص لأهل الخاص ، وهو مستند لذوي ~~العثرات ، PageV01P017 # ومسرة لأهل القربات. # و ( الرحمن ): مطية السالكين ، تسير بهم إلى معدن العناية ، و ( ~~ الرحيم ): حبل الحق للمجذوبين تجذبهم به إلى حجال الوصلة. # باسمه ( الرحمن ) أمنهم من العقاب ، وباسمه ( الرحيم ) ~~أتاهم من نفائس الثواب ؛ الأول : مفتاح المكاشفة ، والآخر : مرقاة ~~المشاهدة. # باسمه ( الرحمن ): فتح لهم الغيوب ، وباسمه ( الرحيم ) ~~: غفر لهم الذنوب. # وقال ابن عطاء : في اسمه ( الرحيم ) مودة ومحبة. # وعن جعفر بن محمد في قوله : ( الرحمن الرحيم ) إنه قال : هو واقع ~~على المريدين والمرادين ؛ فاسم ( الرحمن ): للمرادين ؛ لاستغراقهم ~~في أنوار الحقائق ، و ( الرحيم ): للمريدين ؛ لبقائهم مع أنفسهم ، ~~واشتغالهم بالظاهر. # ( الحمد لله رب العالمين (2) الرحمن الرحيم (3) مالك يوم الدين (4)) # قوله تعالى : ( الحمد لله رب العالمين ) (1) شكر نفسه للعباد ؛ ~~لأنه علم عجزهم عن شكره ، وأيضا : أدب الخلق بتقدم حمده امتنانه عليهم على ~~حمدهم نفسه. # ولسان الحمد ثلاثة : لسان الإنساني ، ولسان الروحاني ، ولسان الرباني ، ~~أما «اللسان الإنساني» : فهو للعوام ، وشكره بالتحدث بإنعام الله وإكرامه ، ~~مع تصديق القلب بأداء الشكر. # والحاصل : إن الألوهية باطن الربوبية ، فالأولى مظهر الاسم ms0007 الباطن ، ~~والثانية مظهر الاسم الظاهر ، وكذا الحق باطن الخلق ، والشمس باطن القمر ، ~~والأب باطن الابن ، والروح باطن الجسم ، فالظاهر مرآة الباطن في كل ذلك ؛ ~~وإنما جعلوا الرب الاسم الأعظم أيضا ، وفي مرتبة الجلال من حيث جمعيته ؛ ~~لأن الألوهية والربوبية لا تختصان بألوهية بعض دون بعض ، وبربوبية بعض دون ~~بعض ، وباسم دون اسم ، وبلطف دون قهر وبالعكس ، فللسلطان الجمال والجلال ، ~~وللوزير التربية بكل من اللطف والقهر ، فجمعية السلطان إنما تظهر في ~~المراتب التي دون السلطنة فاعرف ذلك. PageV01P018 # وأما «اللسان الروحاني» : فهو للخواص ، وهو ذكر القلب لطائف اصطناع الحق ~~في تربية الأحوال ، وتزكية الأفعال. # وأما «اللسان الرباني» : فهو للعارفين ، وهو حركة السر ، يصدق شكر الحق ~~جل جلاله بعد إدراك لطائف المعارف ، وغرائب الكواشف بنعت المشاهدة والغيبة ~~في قربه ، واجتناء ثمرة الأنس ، وخوض الروح في بحر القدس ، وذوق الأسرار مع ~~مباينة الأنوار. # والحامدون في حمدهم لله ، بتفاوت لسانهم في مقاماتهم ومقاصدهم ، وأهل ~~الإرادة حمدوه بما نالوا من صفاء المعاملات ، مقرونا بنور القرب ، وأهل ~~المحبة حمدوه بما نالوا من أنوار المكاشفات ، مقرونة بنور صرف الصفات ، ~~وأهل المعرفة حمدوه بما نالوا من جمال المشاهدات ، ممزوجا بعلم الربوبية ، ~~وأهل التوحيد حمدوه بما نالوا من سناء خصائص الصفات ، وجلال قدم الذات ، ~~مشوبا بنعت البقاء ، وأهل شهود الأزل بنعت الأنس حمدوه بما لاح في قلوبهم ~~من نور القدس ، وقدس القدس ، وبما أودع الله أرواحهم من أسرار علوم القدم ، ~~وما أفرد مواطن أسرارهم من غصن الأبصار في تعرض الحدثان عند حقائقها ، وما ~~خصها بكشف الكشاف ، فحمدهم بالبسط والرجاء والانبساط شطح ، وحمده في ~~الاصطلام والمحو خرس. # كما قال عليه السلام : «لا أحصي ثناء عليك» (1) في قبضه عن تحصيل شكر رؤية ~~القدم ، فلسان التحميد لأهل التفرقة ، ولسان الحمد في رؤية المحمود صفات ~~أهل الجمع. # وقيل : ( الحمد لله ): ما قضى وقدر بإدراك ، على ما هدى وحفظ ، ~~وعلى ما أرشدوا ، وعلى ما اختاروا. # وقال أبو الوزير الركبي في قوله : ( الحمد لله ): عن الله ، قال ~~: لو عرفت ذلك عبدي ، لما شكرت غيري. # وقال أبو ms0008 بكر بن أبي طاهر : ما خلق الله شيئا من خلقه ؛ إلا وألهمه الحمد ~~، ثم جعل فاتحة كتابه ، وفرضها عليهم في صلاته. # وقال ابن عطاء : «الحمد لله» معناها الشكر لله إذا كان منه الامتنان على ~~تعليمنا إياه حتى حمدنا. # وقيل : معنى «الحمد لله» أي : أنت المحمود جميع صفاتك وأفعالك. # وقيل : «الحمد لله» أي : لا جامد لله إلا الله. # وذكر عن جعفر الصادق في قوله : ( الحمد لله )، قال : من حمده ، ~~فقال : من حمد PageV01P019 # بصفاته كما وصف نفسه فقد حمده ؛ لأن الحمد حاء ، وميم ، ودال ؛ «فالحاء» ~~من الوحدانية ، و «الميم» من الملك ، و «الدال» من الديمومية ، فمن عرفه ~~بالوحدانية والديمومية والملك ؛ فقد عرفه. # وقال رجل بين يدي الجنيد : «الحمد لله» ، فقال له : أتممها كما قال الله ~~، قل : ( رب العالمين )، فقال له الرجل : ومن العالمون حتى يذكروا ~~مع الحق؟! فقال : قله يا أخي ، فإن الحادث إذا قارن بالقديم لا يبقى له أثر. # قوله تعالى : ( رب العالمين )؛ لأنه أظهر نفسه عليهم حتى نالوا ~~من بركاتهم ما هداهم إلى معرفته ، فرباهم بها على قدر مذاقهم ، فربى ~~المريدين بشعشعة أنواره ، ولوائح أسراره ، وربى المحبين بحلاوة مناجاته ، ~~ولذة خطابه ، وربى المشتاقين بحسن وصاله ، وربى العاشقين بكشف جماله ، وربى ~~العارفين بمشاهدة بقائه ، ودوام أنسه ، وحقائق انبساطه ، وربى الموحدين ~~برؤية الوحدانية والأنانية في عين الجمع ، وجمع الجمع. # وقيل : ( رب العالمين ) أي : منطقهم بحمده. # وذكر عن ابن عطاء : ( رب العالمين ) أي : مربي أنفس العارفين ~~بنور التوفيق ، وقلوب المؤمنين بالصبر والإخلاص ، وقلوب المريدين بالصدق ~~والوفاء ، وقلوب العارفين بالفكرة والعبرة. # وقال محمد بن علي الترمذي : علم الله تواتر نعمه على عباده ، وغفلتهم عن ~~القيام بشكره ، فأوجب عليهم في العبادة التي تكرر عليهم في اليوم والليلة : ~~( الحمد لله رب العالمين )، فيكون ذلك قياما لشكره ، وألا يغفلوا ~~عنه ، فأبوا ذلك. # وقال بعضهم : ذكر ( بسم الله )، ثم قال : ( الحمد لله ) ~~: أعلم أن منه المبتدأ ، وإليه المنتهى. # وقال الحارث المحاسبي : إن الله بدأ بحمد نفسه ، فأوجب للمؤمنين تقديم ( ~~ الحمد لله ) في أول كل كتاب ، وكل خطبة ، وكل ms0009 قول حسن ، وهو أحسن ~~ما ابتدأ به المبتدئ ، وافتتح مقالته. # وقال بعضهم : من قال : ( الحمد لله رب العالمين )؛ فقد قام بحق ~~العبودية ، وشكر النعمة. # وقال بعضهم : ظهر فضل آدم على الكل ، بقوله حين عطس : ( الحمد ~~لله ). # وقال الأستاذ : مربي الأشباح بوجود النعم ، ومربي الأرواح بشهود الكرم. PageV01P020 # وقوله تعالى : ( الرحمن الرحيم ): «بالرحمن» : سبقت رحمته غضبه ~~، و «بالرحيم» : حجب كرمه سخطه ، و ( الرحمن ): اسم القدم ، ~~و «الرحيم» : اسم البقاء ، و ( الرحمن الرحمن ): اسم الحقيقة ، و ( ~~ الرحيم ): اسم الصفة. # وقيل : ( الرحمن ) بالإشراف على أسرار أوليائه ، والتجلي لأرواح ~~أنبيائه. # وقيل : ( الرحمن ): خاص الاسم خاص الفعل ، و ( الرحيم ) ~~: عام الاسم عام الفعل. # وقيل : ( الرحمن ) بالنعمة ، و ( الرحيم ) بالعصمة. # وقيل : ( الرحمن ) بالتجلي ، و ( الرحيم ) بالتدلي. # وقيل : ( الرحمن ) بكشف الأنوار ، و ( الرحيم ) بحفظ ~~ودائع الأسرار. # وقيل : ( الرحمن ) بذاته (1)، و ( الرحيم ) بنعوته ~~وصفاته. # وقال سهل : بنسيم روح الله اخترع من ملكه ما شاء رحمة ؛ لأنه رحمن رحيم. # وقال الواسطي : الرحمانية تشوق الروح شوقا ، والإلهية تذوق الحق ذوقا. # وقال إبراهيم الخواص : من عرفه بأنه الرحمن الرحيم ، لزمه معرفته له ~~بالرحمة ، الثقة به في حياته ومماته ، والعطف بالرحمة على الخلائق أجمع في ~~الدنيا بالعوافي والأرزاق ، وفي الآخرة بالمغفرة والرحمة والغفران. # قال جعفر الصادق : ( الرحمن ): العاطف على خلقه لسابق المقدور ~~عليهم المراقب لهم ، و ( الرحيم ): المتعطف لهم في أمر المعاش ~~والعوافي. # وقال الجنيد في قوله : ( الرحمن الرحيم ): الرحمة على وجهين : ~~رحمة لطفه ، ورحمة عطفه ، فإشارة باسمه الرحمن إلى لطفه ، وإشارة باسمه ~~الرحيم إلى عطفه. # وقال الأستاذ : ( الرحمن ): خاص الاسم ، عام المعنى ، و ( ~~ الرحيم ): عام الاسم ، خاص المعنى (2). PageV01P021 # فالرحمن : بما روح ، و ( الرحيم ) بما لوح ، فالترويح للمباد ، ~~والتلويح بالأنوار. # و ( الرحمن ) بكشف تجليه ، و ( الرحيم ) بلطف توليه. # و ( الرحمن ) بما أولى من الإيمان ، و ( الرحيم ) بما ~~أسرى من العرفان. # و ( الرحمن ) بما أعطى من العرفان ، و ( الرحيم ) بما ~~تولى من الغفران. # و ( الرحيم ) بما من به من الرضوان ، و ( الرحمن ) بما ~~يكرم به من الرضوان. # و ( الرحيم ) بما يكرم به من الرؤية ms0010 والعيان ، فالرحمن بما يوفق ~~، و ( الرحيم ) بما يحقق ، فالتوفيق للمعاملات ، والتحقيق ~~للمواصلات ، فالمعاملات للقاصدين والمواصلات للواجدين. # و ( الرحمن ) بما يصنع لهم ، والرحيم بما يدفع عنهم ، والصنع ~~يجمع العناية ، والدفع بحسن الرعاية ، إلى هاهنا كلام الأستاذ. # أما من اختراعي أن : اسم ( الرحمن ): محل طلوع أنوار العناية ، ~~و ( الرحيم ): محل إشراق شمس الكفاية ، فبالعناية يهدى أهل ~~العرفان إلى مشاهدة القدم ، وبالكفاية تحفظ حقائق إيمانهم أبدا لوجه بقاء ~~الديمومية ، فبالرحمن تأيدهم ، وبالرحيم ترقيهم وتحفظهم ، فالأول : للعناية ~~، والآخر : للكفاية ، تغمدهم بنور الأزلية بين الصفتين ؛ حتى يصيروا ~~بالرحمن مشتاقين ، وبالرحيم والهين. # وقال حميد : هل يكون من الرحمن لأهل الإيمان ، إلا الأمن والأمان ، ~~والروية والعيان. # وقال سهل : ( الرحمن ): على عباده بالمغفرة والرضوان ، و ( ~~ الرحيم ): عليهم بالعوافي والأرزاق. # قوله تعالى : ( مالك يوم الدين ): في اسم المالك رجاء المقبلين ~~، وتخويف المهلكين ، يجازي مقاساة ألم فراق العاشقين بمشاهدته ، ونفائس ~~كرامته ، ويجازي عموم المحبين بكشف جماله وجلاله ، ويجازي المعاملة ~~الصادقين ، بإدخالهم في جنانه ، وإسكانهم في جواره. # وقال ابن عطاء : يجازى يوم الحساب كل صنف بمقصودهم وهمتهم ، ويجازي ~~العارفين PageV01P022 # بالقرب منه ، والنظر إلى وجهه الكريم ، ويجازي أرباب المعاملات بالحسنات. # وقيل : مالك يوم الكشف والأشهاد ؛ ليجازي كل نفس بما تسعى. # وقال الأستاذ : مالك نفوس العابدين ، فصرفها في خدمته ، ومالك قلوب ~~العارفين ، فشرفها ، ومالك نفوس القاصدين ، فيتمها ، ومالك قلوب الواجدين ، ~~فهيمها ، ومالك أشباح من عبده ، فلاطفها بنواله وأفضاله ، ومالك أرواح من ~~أحبه ، فكاشفها بنعت جلاله ووصف جماله ، ومالك زمام أرباب التوحيد ، فصرفهم ~~حيث شاء كما شاء ، ووفقهم حيث شاء كما شاء على ما يشاء كما شاء لم تكلهم ~~إليهم لحظة ، ولا ملكهم من أمرهم سيئة ، ولا خطرة أفناهم له عنهم (1). # ( إياك نعبد وإياك نستعين (5) اهدنا الصراط المستقيم (6)) # قوله تعالى : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) أي : بمعونتك نعبدك ، ~~لا بحولنا وقوتنا ، وإياك نستعين بتمام عبوديتك ، ودوام سترك علينا حتى نرى ~~فضلك ، ولا ننظر إلى أعمالنا. # ( إياك نعبد ) أي : إياك نعبد لا برؤية المعاملات ، وطلب ~~المكافآت ، و ( وإياك نستعين ) أي : نستعينك بمزيد العنايات ، بنعت ~~العصمة عن ms0011 القطيعة. # وأيضا : إياك نعبد بالمراقبة ، وإياك نستعين بكشف المشاهدة. # وأيضا : إياك نعبد بعلم اليقين ، وإياك نستعين بحق اليقين. # وأيضا : وإياك نعبد بالغيبة ، وإياك نستعين بالرؤية. # وقيل : إياك نعبد بقطع العلائق والأغراض ، وإياك نستعين على ثبات هذا ~~الحال بك ولا بنا. # وقيل : إياك نعبد بالعلم ، وإياك نستعين بالمعرفة. # وقيل : إياك نعبد بأمرك ، وإياك نستعين علينا بفضلك. # قال سهل : إياك نعبد بهدايتك ، وإياك نستعين بكلاءتك على عبادك. # قال الأنطاكي : إنما يعبد الله على أربع : على الرغبة ، والرهبة ، ~~والحياء ، والمحبة فأفضلها PageV01P023 # المحبة التي تليها الحياء ، ثم الرهبة ، ثم الرغبة. # وقال الأستاذ : العبادة بستان القاصدين ، ومستروح المريدين ، ومرتع الأنس ~~للمحبين ، ومرتع البهجة للعارفين ، بها قوة أعينهم ، وفيها مسرة قلوبهم ، ~~ومنها راحة أبدانهم (1). # قوله تعالى : ( اهدنا الصراط المستقيم ) أي : اهدنا مرادك منا ؛ ~~لأن الطريق المستقيم ما أراد الحق من الخلق ، من الصدق والإخلاص في ~~عبوديته. # وأيضا أرشدنا إلى ما أنت عليه. # وأيضا اهدنا إنابتك حتى نتصف بصفاتك. # وأيضا اهدنا إلى معرفتك ، حتى نستريح من معاملتنا بنسيم أنسك ، وحقائق حسنك. # وقيل : معنى اهدنا أي : مل بقلوبنا إليك ، وأقم بهمنا بين يديك ، وكن ~~دليلنا منك إليك حتى لا تقطع عما لك بك. # وقيل أي : أرشدنا طريق المعرفة ؛ حتى نستقيم معك بخدمتك. # وقيل أي : أرنا طريق الشكر فنفرح ، ونطرب بقربك. # وقيل : اهدنا بفناء أوصاف الطريق إلى أوصافك التي لم تزل ولا تزال. # وقيل : اهدنا هدى العيان بعد البيان ؛ لنستقيم لك على حسب إرادتك. # وقيل : اهدنا هدى من يكون منك مبدأه ؛ حتى يكون إليك منتهاه. # وقيل : اهدنا الصراط المستقيم على الصراط بالغيوبة ؛ لئلا يكون مربوطا ~~بالصراط. # قال الجنيد : إن القوم لما سألوا الهداية عن الحيرة التي وردت عليهم عن ~~إشهاد صفاته الأزلية ، فسألوا الهداية إلى أوصاف العبودية ؛ كيلا يستغرقوا ~~في رؤية صفات الأزلية. # قال بعضهم : إليك قصدنا ، فقومنا. # وقيل : اهدنا بالقوة والتمكين. # وقال الحسين أي : اهدنا طريق المحبة لك ، والسعي إليك. # قال الشبلي : اهدنا صراط الأولياء والأصفياء. # وقال بعضهم : أرشدنا الذي لا اعوجاج فيه ، وهو الإسلام. # وقيل : أرشدنا في ms0012 الدنيا إلى الطاعات ، وبلغنا في الآخرة الدرجات. PageV01P024 # وقال الأستاذ (1): أي أزل عنا ظلمات أحوالنا ؛ لنستضئ بأنوار قدسك عن ~~التفيؤ لظلال طلبنا ، وارفع عنا ظل جهدنا ؛ لنستبصر بنجوم جودك ، فنجدك بك. # قال الحسين : اهدنا إلى طاعتك ، كما أرشدتنا إلى علم توحيدك. # قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه اهدنا أي : ثبتنا على الطريق المستقيم ~~، والمنهج القويم. # ( صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7)) # قوله تعالى : ( صراط الذين أنعمت عليهم ) أي : منازل الذين أنعمت ~~عليهم بالمعرفة ، وحسن الأدب في الخدمة. # وأيضا «أنعمت عليهم» : باليقين التام ، والصدق على الدوام ، وإطلاعهم على ~~مكائد النفس والشيطان ، وكشف غرائب الصفات وعجائب أنوار الذات ، والاستقامة ~~في جميع الأحوال ، وبسعادة الهداية إلى القربة بعناية الأزلية ، وهم ~~الأنبياء والأولياء والصديقين ، والمقربون والعارفون ، والأمناء والنجباء. # قال أبو عثمان : «أنعمت عليهم» : بأن عرفتهم مهالك الصراط ، ومكائد ~~الشيطان ، وجناية النفس. # وقال بعضهم : أنعمت عليهم في سابق الأزل بالسعادة. # وقال جعفر بن محمد : أنعمت عليهم بالعلم بك ، والفهم منك. # وقيل : أنعمت عليهم بمشاهدة المنعم دون النعمة. # وقال بعضهم : أنعمت عليهم بالرضا بقضائك ، وقدرك. # وقيل : أنعمت عليهم بمخالفة النفس والهوى ، والإقبال عليك بدوام الوفاء. # وقال حميد : فيما قضيته من المضار والمسار. # وقال بعضهم : أنعمت عليهم بالإقبال عليك ، والفهم عنك. # ويقال : طريق من أفنيتهم عنهم طاقتهم بك ؛ حتى لم يقفوا في الطريق ، ولم ~~[... ] عنك خفايا المكر. # وقيل : صراط من أنعمت عليهم ؛ حتى يحرسوا من مكائد الشيطان ، ومغاليط ~~النفوس ، ومخاييل الظنون. # ويقال : من طهرتهم من آثارهم ؛ حتى وصلوا إليك بك. PageV01P025 # ويقال : صراط من أنعمت عليهم بالنظر إليك ، والاستعانة بك ، والتبري من ~~الحول والقوة ، وشهود ما سبق لهم من السعادة في سابق الاختيار والعلم ، ~~بتوحدك فيما قضيته من المسار والمضار. # ويقال : أنعمت عليهم بحفظ الأدب في أوقات الخدمة ، واستشعار نعت الهيبة. # وقيل : صراط من أنعمت عليهم ، من تأدبوا بالخلوة عند غليات بوادي الحقائق ~~؛ حتى لم يخرجوا عن حد العلم ، ولم يخلوا بشيء من أمر الهيبة ، ولم يصنعوا ~~من أحكام العبودية عند ظهور سلطان الحقيقة. ms0013 # وقيل : صراط من أنعمت عليهم ؛ بل حفظت عليهم آداب الشريعة وأحكامها الشرع. # وقيل : صراط من أنعمت عليهم ؛ حتى لم تطفيء شموس معارفهم ، أنوار ورعهم ، ~~ولم يضيفوا من أحكام العبودية عند ظهور سلطان الحقيقة. # قوله تعالى : ( غير المغضوب عليهم ) يعني : المطرودين عن باب ~~العبودية. # وقال أبو عثمان : الذين غضبت عليهم وخذلتهم ، ولم تحفظ قلوبهم ؛ حتى ~~تهودوا وتنصروا. # وقال الأستاذ : الذين صدمتهم هوازم الخذلان ، وأدركتهم مصائب الحرمان. # قال أبو العباس الدينوري : وكلتهم إلى حولهم وقوتهم ، وعريتهم من حولك وقوتك. # وقيل : هم الذين لحقهم ذل الهوان ، وأصابهم سوء الخسران ، وشغلوا في ~~الحلال ، باجتلاب الحظوظ ، وهو في التحقيق مكر ، ويحسبون أنهم على شيء ، ~~وللحق في شقاوتهم سر ، ولا الضالين عن شهود سابق الاختيار ، وجريان تصاريف ~~الأقدار. # ( ولا الضالين ) يعني : المفلسين عن نفائس المعرفة. # وأيضا غير المغضوب عليهم بالمكر والاستدراج ، ولا الضالين عن أنوار السبل ~~والمنهاج. # وأيضا غير المغضوب عليهم بالحجاب ، ولا الضالين عن رؤية المآب. # وأيضا غير المغضوب عليهم بالانفصال ، ولا الضالين عن الوصال. # وقال ابن عطاء : غير المخذولين والمطرودين والمهانين ، الذين ضلوا عن ~~الطريق الحق. # وقيل : غير المغضوب عليهم في طريق الهلكى ، ولا الضالين عن طريق الهدى ~~لاتباع الهوى (1). PageV01P026 # وأما في قوله : آمين أي : استدعاء العارفين مزيد القربة مع استقامة ~~المعرفة من رب العالمين ، والافتقار إلى الله بنعت الأنظار ؛ لاقتباس ~~الأنوار. # وأيضا قاصدين إلى الله بمراتب النوعية والرهبة. # وقال ابن عطاء أي : كذلك فافعل ، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين. # وقال جعفر : «آمين» : قاصدين نحوك ، وأنت أعز من أن تخيب قاصدا. ### | سورة البقرة # بسم الله الرحمن الرحيم # ( الم (1) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2) الذين يؤمنون ~~بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) والذين يؤمنون بما أنزل ~~إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (4) أولئك على هدى من ربهم ~~وأولئك هم المفلحون (5) إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ~~لا يؤمنون (6) ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم ~~عذاب عظيم (7) ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم ms0014 الآخر وما هم بمؤمنين ~~(8) يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون (9)) # ( الم ) (1) معناه : أن «الألف» : إشارة إلى وحدانية الذات ، ~~و «اللام» : إشارة إلى أزلية الصفات ، و «الميم» : إشارة إلى ملكه في إظهار ~~الآيات. # «بالألف» : أخبر عن فردانية الذات ، و «باللام» : أخبر عن سرمدية الصفات ، PageV01P027 # و «بالميم» : أخبر عن سلطانيته في إظهار الآيات. # و «الألف» : سر الذات ، و «اللام» : سر الصفات ، و «الميم» : سر القدم في ~~ظهور الآيات. أما «سر الذات» : فلا ينكشف إلا بوحدانية الذات ، و «سر ~~الصفات» : لا ينكشف إلا لمن اتخذ صفاته بالصفات ، و «سر القدم» : لا ينكشف ~~إلا لمن خرج من الآيات. # تجلى بالألف لأرواح الأنبياء من سر ذاته ، فأفتاها عن البشريات ، وكساها ~~من أنوار الذات ، فخصائصهم في ذلك إظهار المعجزات ، وتجلي باللام لقلوب ~~العارفين عن سر صفاته ، فأفناها عن الكدورات ، وألبسها من سناء الصفات ، ~~فكرامتهم في ذلك ، إظهار الشطحيات ، وتجلي بالميم لعقول الأولياء من سر ~~قدمه ، فأفناها عن الشهوات ، وأنوارها صفاء القدرة بوسائط الآيات ، فشرفهم ~~في ذلك ، إظهار الكرامات. # وقال جعفر الصادق : ( الم ): رمز وإشارة بينه ، وبين حبيبه ~~عليه السلام أراد ألا يطلع عليه أحد سواهما ، أخرجه بحروف بعيدة عن درك ~~الأغيار ، وفهم السر بينهما لا غير. # وقال بعضهم : إن الله خص حبيبه صلى الله عليه وسلم بهذه الأحرف ، والمتقي ~~الذي وصفه الله تعالى : هو الذي عزل عن الأكوان والحدثان ؛ تورعا عن إغواء ~~الشيطان ، وتخلقا بخلق الرحمن. # وقال أبو يزيد : المتقي من إذا قال ، قال : الله ، وإذا عمل ، عمل الله. # وقال الداراني : الذين نزع من قلوبهم حب الشهوات. # وقيل : المتقي من اتقى رؤية تقواه ، ولم يستند إلى تقواه ، ولم يرنجاته ؛ ~~إلا بفضل مولاه. # وقال سهل : إذا كان هو الهادي ، فمن يضل في ذلك الطريق ؛ إلا من سلكه على ~~التجارب لا على العارف ، فيصده عن مقصده بشؤم تدبيره ، ويهلكه ولو في آخر القدم. # ( الذين يؤمنون بالغيب ): ما غاب عن الأبصار ، منكشفا بنعت ~~الأنوار لعيون الأسرار. # و «الإيمان بالغيب» : هو تفرس الروح بنور اليقين مشاهدة ms0015 الحق سبحانه ~~وتعالى ، و «الإيمان بالغيب» : شوق القلب إلى لقاء الرب. # وأيضا «الإيمان» : تصديق السر ما أبصرت الروح من مكنون حقائق الغيب بنعت ~~مباشرة حلاوة انكشاف نور الحق في صميم سر السر ، واتصاله بروقة بطنان القلب ~~، وتعريفه أوصاف صفات الحق عقل الكل. # وأيضا «الإيمان» : تصديق القلب بوجدان الروح رؤية الرب جل وعلا ، ~~و «المؤمنون» : هم الذين صدقوا مواعيد الغيوب بعد إدراكهم مواجيد قلوبهم من ~~رؤيتها ، ومواجيد قلوبهم PageV01P028 # لا تكون إلا من رؤية أبصار بصائرهم أنوار غيب الغيب ، وترائي الغيب لا ~~يكون للروح الناطقة ؛ إلا بعد أن يؤيدها الحق بتبيين البراهين ، واستكشافه ~~حقائق الاستدلال ، بشهود الحال رؤية المدلول ، واستحكام أنوار البصيرة ، ~~فإذا كملت هذه الأوصاف للروح ، أبصرت صفاء صحارى الغيب ، وتمكنت تحت ركوم ~~أنوار اليقين ، وسناء قدس الحق ، بنعت بروزه في لباس حق اليقين ، وحقيقة حق ~~اليقين لا تحصل بالتحقيق ؛ إلا بعد انسلاخ السر عن الاستشهاد والاستدلال. # فإذا فرغ منها أوصله التأييد إلى مراتب الكشوف ، وإيضاح الفرقان ، وأورده ~~لصدق تحقيق رؤية الغيب ، ساحات استبصار عيون النفوس ، واستغنائه بما أنس من ~~عجائب جلال المشهود من سيرانه في عالم الشواهد. # وإذا عاين مكشوفات الغيب ببصر العرفان ، دخل في جوف إيواء عز الحق ، ~~وإغناء الحق بلوائح البيان عن طلب المشاهدة ، بالفكر في الحدثان. # وتطلع له شموس أسرار أنوار القدم ، وتخلصه بجمالها عن اقتباس مصابيح ~~البراهين. # وإذا برق السر بهذه المعاني ، أشرق له حق الغيب بأوصافه ، فصار السر ~~والغيب متحدين ، ويكون السر غيبا بعينه ، والغيب سرا بعينه ، فيغيب السر في ~~الغيب ، والغيب في السر. # وتحصيل هذا العلم أن : الغيب يصير أهلا للسر ، لا يحوي فوءه عنه أبدا ، ~~وصاحبه في كل حال شاهد المشاهدة يرى في جميع الأنفاس عالم الملكوت ، وعالم ~~الجبروت ، وهذه صفة قلب محمد صلى الله عليه وسلم . # وقال الشبلي : لما صفت أرواحهم ، وأشرفت همومهم ، أشرفوا على أسرار الغيب ~~بعظم أمانيهم. # وقال بعضهم : الذين تصدق نفوسهم أرواحهم ؛ بما أدت إليهم من خير ما ~~شاهدته قلوبهم ، بما غيب عن نفوسهم. # ( في قلوبهم مرض فزادهم الله ms0016 مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا ~~يكذبون (10) وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11) ~~ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (12) وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن ~~الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون ~~(13) وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا ~~معكم إنما نحن مستهزؤن (14) الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون (15) ~~أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت PageV01P029 # تجارتهم وما كانوا مهتدين (16) مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ~~فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (17)) # وقال أبو بكر بن طاهر : أشار الحق إلى إخلاص عباده المخلصين ؛ بأنهم ~~بذلوا لمحبوبهم قلوبهم بالإيمان بالغيب ، وبذلوا له نفوسهم بالخدمة ~~والعبودية ، بقوله سبحانه وتعالى : ( ويقيمون الصلاة )، وبذلوا له ~~ما ملكهم ، فلم يبخلوا عليه بشيء من ذلك ، علما بأنها عوار في أيديهم ، وهو ~~تعالى المالك لها ولهم على الحقيقة ، بقوله : ( ومما رزقناهم ~~ينفقون ). # بأنها أسباب الوصول الحق كلا ( في قلوبهم مرض ) أي : رعونة ~~تشغلها قبول الحق ، وتلهيها بقبول الخلق. # وأيضا أي : غفلة عن ذكر العقبي ، وهمة مشغولة بحب الدنيا ( ~~فزادهم الله مرضا ) بتبعيدهم من قربه ، وتشغيلهم عن ذكره. # وقيل : ( في قلوبهم مرض ): بخلوها من العصمة والتوفيق والرعاية. # وقال بعضهم : بميلهم إلى نفوسهم ، وتعظيم طاعتهم عندهم ، ومن مال إلى شيء ~~عمي عن غيبه ، فزادهم الله مرضا ؛ بأن حسن عندهم قبائحهم ، فافتخروا بها. # وقال سهل : «المرض» : الرياء والعجب وقلة الإخلاص ، وذلك مرض لا يداوى ~~إلا بالجوع والتقطع. # وقال أيضا : «مرض» : بقلة المعرفة بنعم الله تعالى ، والقعود عن القيام ~~بشكرها ، والغفلة عنها ، وهذا مرض القلب الذي ربما يتعدى. # ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض ) أي : لا تنكروا أولياء الله ~~، ولا تشوشوا قلوب المريدين ، بغيبة شيوخهم عندهم ، ولا تلقوهم إلى تهلكة ~~الفراق ، وقنطرة النفاق. # وأيضا لا تخربوا مزارع الإيمان في قلوبكم ، بالركون إلى الدنيا ولذاتها. # أما قولهم : ( إنما نحن مصلحون ): فأوقعهم الله في شر الاستدراج ~~، وحجبهم عن إصلاح ms0017 المنهاج ، فرأوا مساوءهم المحاسن ، فاحتجبوا عن المعنى ، ~~وخرجوا بالدعوى ، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا في ترك نصيحة العلماء ، ومصادفة ~~الأولياء ، وهذا معنى قوله تعالى : ( ولكن لا يشعرون ). # وقيل : ( هم المفسدون ): بعصيان الناصحين لهم ، ( ولكن ~~لا يشعرون )؛ لأنهم محجوبون عن طرق الإنابة والهداية. # ( الله يستهزئ بهم ) أي : يتركهم على ما هم عليه ، ولا يهديهم إليه. PageV01P030 # وأيضا يريهم الأعمال ، ويحرم عليهم الأحوال. # وقيل : يحسن في أعينهم قبائح أفعالهم. # ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ): لما احتجبوا عن رؤية ~~حقيقة مشاهدة الأحوال ، ولم ينالوا عزة معاني القربة ، آثروا حظوظهم على ما ~~أوتوا من الكرامات الظاهرة حين باعوها بلذائذ الشهوة ، وهذه صفة إبليس ~~وبلعام وبرصيصا ، وأمثالهم من أهل الخداع. # وقال ابن عطاء : القناعة بالحرص ، والإقبال على الله تعالى بالميل إلى ~~الدنيا. # ( فما ربحت تجارتهم ): ما ربح من يبدل بي سواي. # ( وما كانوا مهتدين ): في سابق علمي فلأجل ذلك مالوا عني. # ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ): هذا مثل من دخل طريق الأولياء ~~بالتقليد لا بالتحقيق ، يعمل عمل الظاهر ، وما وجد حلاوة الباطن ، فترك ~~الأعمال بعد فقدان الأحوال. # وأيضا مثل من استوقد نيران الدعوى ، وليس معه حقيقة الغنى ، فأضاءت ~~ظواهره بالصيت والقبول ، فأفشى الله نفاقه بين الخلق ؛ حتى يبدوه في أخس ~~السخرية ، ولا يجد مناصا من فضاحة الدنيا والآخرة. # وقال أبو الحسن الوراق : هذا مثل ضربه الله لمن لم تصح له أحوال الإرادة ~~، فارتقى من تلك الأحوال بالدعاء إلى أحوال الأكابر ، فكان يضيء عليه ~~الأحوال الإرادية لو صححها بملازمة آدابها ، فلما مزجها بالدعاوى ، أذهب ~~الله عنه تلك الأنوار ، وبقي في ظلمات دعاويه ، لا يبصر طريق الخروج منها. # وقال الواسطي : آمنوا بالغيب ، ولما عاينوا الحق في القيامة ، علموا ~~حقيقة أن ما آمنوا به بعيد مما شاهدوا. # وقال بعضهم : الله غيب ، وهو مغيب الغيب ، والقلب غيب ، فإذا آمن الغيب ~~بالغيب ، رفع الحجاب عن الغيب ، فوجد في غيب الغيب صاحب الغيب ، وذلك قوله ~~سبحانه : ( الذين يؤمنون بالغيب ). # قال بعضهم : الذين يؤمنون بالغيب في الغيب للغيب. # وقال الأستاذ : حقيقة الإيمان التصديق ، ثم ms0018 التحقيق ، وموجب الأمرين ~~التوفيق ، فالتصديق بالعقد ، والتحقيق ببذل الجهد في حفظ العهد. # وفرسان أهل الغيب خمس طوائف : النفوس ، والأرواح ، والعقول ، والقلوب ، ~~والأسرار ، ومشاربهم متفاوتة : فمشرب صرف بلا مزاج ، ومشرب عذب بلا أجاج ، ~~ومشرب ملح ، ومشرب ريق ، ومشرب سائق ، ومشرب زنجبيل المحبة ، ومشرب سلسبيل ~~المعرفة ، PageV01P031 # ومشرب تسنيم المشاهدة ، ومشرب عين المكاشفة ، وقائد التوفيق يقود طائفة ~~السعادة إلى مناهل القربة ، وسائق الخذلان يسوق طائفة الشقاوة إلى موارد ~~الشهود ، وموارد النفوس التي تردها هي أسن المنى ، وأحسن الهوى ، ومناهل ~~الشهوات ، سواحل نهر الغفلات ، ومشارب الأرواح التي تردها هي سواقي ~~المشاهدات والمكاشفات ، وعيون القلوب التي تردها هي صفاء المعاملات ، ~~وأنوار المناجاة ، والأنهار التي تردها العقول هي مشاهدة الربوبية ، وإدراك ~~نور القربة من مرآة الآيات ، والينابيع التي تردها الأسرار هي عجائب كشوف ~~جمال القدم ، وشهودها مشهد التوحيد ، وحقائق حق الربوبية ، ومطالع شموس ~~الصفات ، ومشارق أقمار أنوار الذات ، فالزهاد أصحاب العقول ، ومشربهم ~~الطاعات والعبادات ، والمحبوبون هم أصحاب القلوب ، ومشربهم الوجود والحالات ~~، والعارفون هم أصحاب الأرواح ، ومشربهم المراقبات والأنس والخلوات ، ~~والموحدون هم أصحاب الأسرار ، ومشربهم التفرد عن الأكوان ، والتجرد عن ~~الحدثان ، والبطالون هم أصحاب النفوس ، ومشربهم الدعاوى والأباطيل ، ~~والترهات والمزخرفات. # وقيل : «الغيب» : هو الله تعالى. # وقال بعض العارفين : «الغيب» : هو مشاهدة الكل بعين الحق. # وقال أبو يزيد : لا يؤمن بالغيب ، من لم يكن معه سراج من الغيب. # ( ويقيمون الصلاة ): يراقبون أوقات الصلاة ؛ لاستنشاق نفحات ~~الصفات ، وإقامة الصلاة حفظ آداب العبودية في جناب الربوبية ، بنعت ~~الافتقار إلى مشاهدة الملك الجبار ؛ لأن في الصلاة قرة عيون العارفين ، ~~ومناجاة المحبين ، ومشاهدة الحق للشائقين. # وقال ابن عطاء : إقامة الصلاة حفظ حدودها ، مع حفظ السر مع الله ألا ~~يختلج بسره سواه. # ( ومما رزقناهم ينفقون ) أي : يطلبون قرب الرزاق بخروجهم عن ~~الأرزاق. # وأيضا يتقربون إليه بما نالوا منه. # وأيضا يتخلقون بخلقه في الإكرام والإعطاء. # وأيضا يتحدثون بما وجدوا من أنوار الكواشف ، وكرائم المعارف عند السالكين ~~الصادقين. # وقيل : في الإمساك لذة ، وفي الإنفاق لذة ، وكل ما يلتذ به فهو بعيد من ~~عين الحق. # وقيل ms0019 : ينفقون مما خصصناهم به من أنوار المعرفة ، يفيضون بركاتها ونورها ~~على من تبعهم. PageV01P032 # ( أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5)) أي : أولئك ~~على حقيقة يقين ، متصلة بأنوار المعرفة ، أن الله تعالى بلا معارضة النفس ، ~~وريب الشيطان ، مفلحون من مكائدهما ووساوسهما. # وأيضا مفلحون من الله بالله. # وقيل : أولئك الذين لزموا طريق المفاصلة بالانفصال عما سوى الحق ما فلحوا ~~فانقطع الحجب عن قلوبهم فشاهدوا. # ( إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ~~(6)) أي : إن الذين احتجبوا عنا بحظوظ البشريات سواء عندهم إنذارك ~~بقطيعتنا عنهم ، وتخويفك بعقوبتنا عليهم ؛ لأنهم في مهمة الغفلة عن مباشرة ~~المعرفة ، لا يقرون باللقاء والمشاهدة ؛ لاستغراقهم في بحار الشهوة. # وقيل : إن الذين ضلوا عن رؤية منني عليهم في الشبق سواء عندهم من شاهد ~~الأعواض في خدمتي ، ومن شاهد المعوض لا تخلص سرائرهم ، ولا يثبت لهم ~~الإيمان الغيبي ، وإنما إيمانهم على العبادة. # ( ختم الله على قلوبهم ) أي : ما نظر إليها منذ خلقها ، فحرم ~~عليها أنوار ذكره ، ومواصلة إلهامه. # ( وعلى سمعهم ) أي : على سمعهم وقر الضلال ، فلم يسمعوا حقائق ~~الخطاب ، ( وعلى أبصارهم غشاوة ) أي : على أبصارهم غطاء القصر ، ~~فلم يبصروا بها طراوة صفة الصانع في الصنع ، ولم يتفرسوا بالبصائر ما كشف ~~الله لأهل الإيمان من ملكوت السماوات والأرض. # ( ولهم عذاب عظيم ): عذابهم بعدهم عن قرب مولاهم حتى لم يدركوا ~~بركات كراماته. # وقيل : أهل البصر نظروا من الله إلى الأشياء ، فشاهدوها في أسرار القدرة ~~، وأهل النظر استدلوا بالأشياء على الله ، فحجبهم عقولهم ، واستدلالاتهم عن ~~بلوغ كنه المعرفة بالله. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : «طبع الله على قلوبهم برؤية أفعالهم ~~بمعاونة النفوس ، حتى كفروا سرا ، وآمنوا علانية». # قال جعفر الصادق : الختم على وجوه : منهم من ختم على قلبه برؤية فعله ، ~~ومنهم من ختم على قلبه برؤية الأعواض ، ومنهم من ختم قلبه بالإسلام ، ومنهم ~~من ختم قلبه بالإيمان ، ومنهم من ختم قلبه بالمعرفة ، ومنهم من ختم قلبه ~~بالتوحيد ، فكل واقف مع ذلك الختم. PageV01P033 # وقال سهل : أسبل عليهم ms0020 ستر شقاوة ، فصموا عن سماع الحق ، وعموا عن ذكره (1). # ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ~~(8)) : هؤلاء أهل الدعاوى الذين يزينون ظواهرهم بشعار المخلصين ، ويخربون ~~بواطنهم بسوء أخلاق المنافقين ، كلامهم كلام الصديقين ، وأفعالهم أفعال ~~المكذبين. # وقيل : إن الناس اسم جنس ، واسم الجنس لا تخاطب به الأولياء. # وقال بعضهم : ليس الإيمان ما يتزين العبيد قولا وفعلا ، لكن الإيمان جري ~~السعادة في سابق الأزل ، وأما ظهورها على الهياكل ، فربما يكون عوارض ، ~~وربما يكون حقائق. # ( يخادعون الله والذين آمنوا ) أي : يخادعون أولياء الله من حيث ~~إقرار الإيمان بالقلوب ، وإخفاء التداهن في النفوس ، ( وما يخدعون ~~إلا أنفسهم ) حين لا يعلمون تفرس أهل الولاية ، فيفتضحون عندهم ، وأما ~~خدعهم مع أهل الإيمان ، من حيث الظواهر قولا وفعلا ، ودسائسهم في البواطن ~~حقدا وبعدا. # وأيضا يخادعون الله بالفرار ، والذين آمنوا بالإقرار. # وقال بعض العراقيين : الخداع والمكر تنبيه من جهة شهود السعايات ، ~~والالتفات إلى الطاعات ؛ كي لا يعتقد فيها بأنها أسباب الوصول الحق كل. # ( في قلوبهم مرض ) أي : رعونة تشغلها بقبول الحق ، وتلهيها بقبول الخلق. # وأيضا أي : غفلة عن ذكر العقبى ، وهمة مشغولة بحب الدنيا ، ( ~~فزادهم الله مرضا ) بتبعيدهم من قربه ، وتشغيلهم عن ذكره. # وقيل : في قلوبهم مرض ، بخلوها من العصمة والتوفيق والرعاية. # وقال بعضهم : بميلهم إلى نفوسهم ، وتعظيم طاعتهم عندهم ، ومن مال إلى شيء ~~، عمى عن غيبه ، فزادهم الله مرضا ؛ بأن حسن عندهم قبائحهم ، فافتخروا بها. # وقال سهل : «المرض» : الرياء والعجب وقلة الإخلاص ، وذلك مرض لا يداوى إلا # الثاني : أنه مجاز عبارة عن خلق الضلال في قلوبهم وأن ما خلق الله في ~~قلوبهم من الكفر والضلال والإعراض عن الإيمان سماه ختما. # الثالث : إنه مجاز في الإسناد كما يقال : أهلك المال فلانا وإنما أهلكه ~~سوء تصرفه فيه. # قال ابن عرفة : وسكت ابن عطية عن هذا الثالث وهو إنما يناسب مذهب ~~المعتزلة ولما جاءت الآية مصادمة لمذهبهم تأولها الزمخشري وأطال وقال : إنه ~~مجاز واستعارة. PageV01P034 # بالجوع والتقطع. # وقال أيضا «مرض» : بقلة المعرفة بنعم الله تعالى ، والقعود عن ms0021 القيام ~~بشكرها ، والغفلة عنها وهذا مرض القلب الذي ربما يتعدى. # ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض ) أي : لا تنكروا أولياء الله ~~، ولا تشوشوا قلوب المريدين بغيبة شيوخهم عندهم ، ولا تلقوهم إلى تهلكة ~~الفراق ، وقنطرة النفاق. # وأيضا لا تخربوا مزارع الإيمان في قلوبكم ، بالركون إلى الدنيا ولذاتها. # أما قوله : ( إنما نحن مصلحون ): فأوقعهم الله في شر الاستدراج ~~، وحجبهم عن إصلاح المنهاج ، فرأوا مساوئهم المحاسن ، فاحتجبوا عن المعنى ، ~~وخرجوا بالدعوى ، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا في ترك نصيحة العلماء ، ومصادفة ~~الأولياء ، وهذا معنى قوله تعالى : ( ولكن لا يشعرون ). # وقيل : هم المفسدون بعصيان الناصحين لهم ، ولكن لا يشعرون ؛ لأنهم ~~محجوبون عن طريق الإنابة والهداية. # ( الله يستهزئ بهم ) أي : يتركهم على ما هم عليه ، ولا يهديهم ~~إليه ، وأيضا يريهم الأعمال ، ويحرم عليهم الأحوال ، وقيل : يحسن في أعينهم ~~قبائح أفعالهم. # ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ): لما احتجبوا عن رؤية ~~حقيقة مشاهدة الأحوال ، ولم ينالوا عزة معاني القربة ، أثروا حظوظهم على ما ~~أوتوا من الكرامات الظاهرة ، حين باعوها بلذائذ الشهوة ، وهذه صفة إبليس ، ~~وبلعام ، وبرصيصا وأمثالهم من أهل الخداع. # وقال ابن عطاء : القناعة بالحرص ، والإقبال على الله تعالى بالميل إلى ~~الدنيا. # ( فما ربحت تجارتهم ): ما ربح من يبدل بي سواي. # ( وما كانوا مهتدين ): في سابق علمي ، فلأجل ذلك مالوا عني. # ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ): هذا مثل من دخل طريق الأولياء ~~بالتقليد لا بالتحقيق ، يعمل عمل الظاهر ، وما وجد حلاوة الباطن ، فترك ~~الأعمال بعد فقدان الأحوال. # وأيضا مثل من استوقد نيران الدعوى ، وليس معه حقيقة الغنى ، فأضاءت ~~ظواهره بالصيت والقبول ، فأفشى الله نفاقه بين الخلق حتى يبدوه في أخس ~~السخرية ، ولا يجد مناصا من فضاحة الدنيا والآخرة. # وقال أبو الحسن الوراق : هذا مثل ضربة الله لمن لم تصح له أحوال الإرادة ~~، فارتقى من تلك الأحوال بالدعاوى إلى أحوال الأكابر ، فكان يضيء عليه ~~الأحوال الإرادية ، لو صححها PageV01P035 # بملازمة آدابها ، فلما مزجها بالدعاوى ، أذهب الله عنه تلك الأنوار ، ~~وبقي في ظلمات دعاويه لا يبصر طريق الخروج منها. # ( صم ms0022 بكم عمي فهم لا يرجعون (18) أو كصيب من السماء فيه ظلمات ~~ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط ~~بالكافرين (19) يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم ~~عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير ~~(20) يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ~~(21) الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به ~~من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (22) وإن كنتم في ~~ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله ~~إن كنتم صادقين (23) فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها ~~الناس والحجارة أعدت للكافرين (24) وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن ~~لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا ~~الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون (25)) # قوله تعالى : ( صم بكم عمي فهم لا يرجعون ) أي : صمت أسماع ~~أرواحهم عن أصوات الوصلة ، وحقائق إلهام القربة التي يعرف بها الحق عن ~~صفاته لأوليائه ، بكم عن تعريف علل بواطنهم عند أطباء القلوب عجبا ونفاقا ، ~~عمى عن رؤية خاتمتهم التي ختم لهم الحرمان والشقاء ، وأيضا عمي عن رؤية ~~أنوار جمال الحق في سماء أوليائه ، وحسن أفعاله في آياته. # وقال بعضهم : «صم» : لا يسمعون القرآن ، «بكم» : لا يتكلمون بالإيمان ، ~~عمي لا يرون دلائل الرحمن. # وقيل : صمت آذان قلوبهم ، وخرست ألسنتهم عن الذكر ، وعميت أعين صدورهم عن ~~الاعتبار. # وقال الجنيد : صموا عن فهم ما سمعوا ، وبكموا عن عبادة ما عرفوا ، وعموا ~~عن البصيرة فيما إليه دعواهم. # ( كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ) أي : إذا ~~وجدوا من طاعتهم PageV01P036 # حلاوة وعوضا عاجلا ، فشرعوا فيها ، وإذا احتبس عليهم طريق الكرامات ، ~~فتركوا جميع الطاعات. # قال الحسين : إذا أضاءهم مرادهم من الدنيا والدين ألفوه ، وإذا أظلم ~~عليهم من خلاف بعقولهم قاموا مجهولين. # ( يا ms0023 أيها الناس اعبدوا ربكم ) أي : شرفوا أنفسكم بعبادة ربكم. # وأيضا اشكروا نعمة معرفتي بعبادتي ، وقيل : وحدوا ربكم. # وقال جعفر الصادق : بينوا ربوبيته ، ثم اعبدوه على حد الهيبة والإجلال ، ~~وعاينوا أول تربيتكم ؛ لتعلموا خصوصيته إياكم من بين سائر خلقه. # ( الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء ): أشار بهذا إلى ترك ~~المرتع والمنظر ، ما دامت الأرض لغرماء الحق ، ولعمار السماء غطاء. # ( وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ): بين ~~للعباد أمر رزقهم ، أنه ليس من عند غير الله ، حتى يشتغلوا عن عبادة ربه ~~باهتمام الرزق. # ( فلا تجعلوا لله أندادا ) أي : فلا تجعلوا لله شريكا في طلب ~~رزقكم منه بعبادة ربكم ، ولا تبيعوا عبادة الله بمال الدنيا. # ( وأنتم تعلمون ): إن الله تعالى رازقكم وخالقكم ، أي : لا ~~تكونوا مرائين ، وللطاعة بائعين ، وللدنيا وقبولها مشترين. # قال سهل أي : لا تجعلوا لله أضدادا ، وأكبر الأضداد النفس الأمارة ~~بالسوء. # ( وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ): إن لأهل المعرفة جنان جنة العبودية ، وجنة الربوبية ، وجنة ~~المعرفة ، وجنة المحبة ، وجنة القربة ، وجنة المشاهدة ، وجنة المداناة ، ~~وجنة الوصلة ، وجنة التوحيد ، وجنة البقاء ، وجنة البسط ، وجنة الرجاء ، ~~وجنة الانبساط ، وجنة السكر ، وجنة الصحو ، وجنة الملكوت ، وجنة المكاشفة ، ~~وجنة الحقيقة ، وجنة العلم ، ولكل جنة منها نهر تجري من تحتها ، فجنة ~~العبودية الكرامات ، ونهرها حقائق الحكمة ، وجنة الربوبية مشاهدة صرف ~~القدرة ، ونهرها رؤية تجلي الحق في مرآة الآيات ، وجنة المعرفة إدراك نوادر ~~الألوهية ، ونهرها صفاء الإخلاص ، وجنة المحبة مشاهدة الآلاء ، ونهرها ~~الرضا بمراد المحبوب ، وجنة القربة مباشرة أنوار الصفة ، ونهرها خاصية ~~المحبة ، وجنة المشاهدة الدهشة في جمال الحق ، ونهرها لطائف الإشارة ، وجنة ~~المداناة ، والاستئناس برؤية الوصال ، والتبري من الحدثان ، ونهرها كشف PageV01P037 # غرائب تجلي الصفات ، وجنة الوصلة اللذة في العشق ، ونهرها المحبة ، وجنة ~~التوحيد التلبس باللباس الرباني ، ونهرها الانسلاخ عن اللباس الإنساني ، ~~وجنة البقاء التمكين ، ونهرها السكينة ، وجنة البسط الفرج بالمشاهدة ، ~~ونهرها الطمأنينة ، وجنة الرجاء الشوق ونهرها الأنس ، وجنة الانبساط ~~الاتحاد ، ونهرها الفريدة والحكم في ms0024 الحضرة ، وجنة السكر حلاوة الفناء ، ~~ونهرها صفاء عيش الروح في المشاهدة ، وجنة الصحو المعجزات وتقلب الأعيان ، ~~ونهرها العلم اللدني ، وجنة الملكوت رؤية تصاوير أشخاص الأرواح ، ونهرها ~~مزيد اليقين ، وجنة المكاشفة المراقبة بنعت وجدان صفاء المعرفة ، ونهرها ~~أسرار الفراسات ، وجنة الحقيقة وجدان الروح في مقام الجمع والتفرقة ، ~~ونهرها التلوين والتمكين ، وجنة علم المجهول الراحة في الشطحيات ، ونهرها ~~غوص الروح في بحر الحقيقة (1). # ( وأتوا به متشابها ): أهل جنان الوصلة إذا كشفت لهم أسرار ~~الغيب ، رأوا مشاهدات أنوار الصفات في مقامات الأرواح ، جميعها يدل بعضهم ~~بعضا ، ويحصل لهم من نور الكبرياء ، ما يحصل لهم من نور العظمة ، ومن نور ~~القدم ما يحصل من نور البقاء ، هكذا جميع الصفات. # وأيضا إذا تمكن أهل المشاهدة في الجنة غذاء ، ورأوا ربهم تعالى ، وجدوه ~~على الصفة التي أظهر نفسه جل وعز لأهل المكاشفة في دار الدنيا يقولون : ( ~~ هذا الذي رزقنا من قبل ) أي : ما نحن كنا فيه من مشاهدته في العاجل ~~، يجدها بتلك الصفات في الآجل ؛ لأن وجوده يتغير بتغير الزمان في المكان ، ~~أوله في الربوبية آخره في الألوهية ، وآخره في الصمدية أوله في الأزلية. # وقال السري في قوله : ( وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ): ~~أخلص سره ، وعبادته لي. # ( أن لهم جنات تجري ) أي : نور في أسرارهم وقلوبهم ، في الدنيا ~~يستريحون إليه للتوكل والاكتفاء ، ونور في الآخرة ، بدخولهم الجنان ، ~~ومجاورتهم الرحمن. PageV01P038 # ( فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ) أما الذين شاهدوا ~~بنعت الاصطفاء في مشاهد الأزل ، ورأوا جمال مشاهدة الحق ، وسمعوا كلامه ، ~~فيعلمون أن القرآن حق من ربهم ؛ لأنهم صادقوا حقيقة مقام التصديق بنعت ~~الأرواح قبل كون صورتهم ، وبعد كونها قابلوا الآخر بالأول ، والأول بالآخر ~~، وجدوا صرفا صدقا ، فاستقاموا في الصدق والإخلاص حين سمعوا خطاب الحق. # ( وأما الذين كفروا ): الذين لم يبلغوا مقام المشاهدة ، وقفوا ~~في بحر الأشكال ، ولم يهتدوا بضرب الأمثال. # ( إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما ~~الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ما ذا ms0025 أراد ~~الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26) ~~الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون (27) كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا ~~فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون (28)) # قوله تعالى : ( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ): القرآن بحر ~~عجائب الربوبية ، وأخبار غرائب أسرار صفة القدسية ، فمن كحله الله بكحل نور ~~الحقيقة ، يرى بعين السر عرائس مشاهدات الصفات ويعشق بها ، ويبقى في طلب ~~مزيد حقيقة علومها ، ويندرج بمهجته تحت أحكامها برسم العبودية ، ومتابعة ~~المخاطبة ، ومن أعمى الله قلبه عن مشاهدة تجلي كتابه ، يضل في طريق النكرة ~~، ويغرق في بحر الضلالة. # وقيل : بين العبد وبين الله بحران : بحر الهلاك وبحر النجاة ، وقد يهلك ~~في بحر النجاة خلق كثير ، كما قال : ( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ). # ( الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ): الإشارة فيه إلى حال ~~أهل الفترة الذين سلكوا طريق أهل القصد ، ثم رجعوا إلى ما عليه عادة العوام ~~من الرخص والتأويل ، فمن هذا شأنه ، فقد زاغ عن محجة المشاهدة ، وتحير في ~~أودية الغفلة ، وتهيم في سراب الفقدان محجوبا عن مشاهدة الرحمن. # ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ) أي : كنتم أمواتا في ~~قبور العدم ، فأحياكم بأنوار القدم. # وأيضا كنتم أمواتا في غطاء الغفلة ، فأحياكم بروح المعرفة. PageV01P039 # وقال الشبلي : وكنتم أمواتا عنه ، فأحياكم به. # وقال ابن عطاء : كنتم أمواتا بالظاهر ، فأحياكم بمكاشفة الأسرار ، ثم ~~يميتكم عن أوصاف العبودية ، ثم يحييكم بأوصاف الربوبية ، ثم إليه ترجعون ~~عند تحيركم عن إدراكه صرف الذات والصفات عن شواهد المعرفة في طلب الحقيقة. # قال فارس : كنتم أمواتا بشواهدكم ، فأحياكم بشواهده ، ثم يميتكم عن ~~مشاهدكم ، ثم يحييكم بقيام الحق عنه ، ثم إليه ترجعون عن جميع ما لكم وكنتم له. # وقال الواسطي : وبخهم بهذا غاية التوبيخ ؛ لأن الموات والجماد لا ينازع ~~صانعه في شيء ، فإنما النزاع من الهياكل الروحانية. # ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ): لاعتباركم ms0026 وامتحانكم ، ~~حتى يميز بين الصادق بتركها لوصوله إلى خالقها ، وبين المدعي بسكونه إليها ~~عن مدبرها. # وأيضا خلق لكم ما في الأرض جميعا ؛ لتطلبوا في الأشياء خالق الأشياء ؛ ~~لأنه أظهر نفسه في مرآة الكون للعارفين والمحبين. # قال ابن عطاء : ليكون الكون كله لك ، وتكون لله ، فلا تشتغل بما لك عمن ~~أنت له. # ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء ~~فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم (29) وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في ~~الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ~~ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون (30)) # وقال بعض البغداديين في قوله تعالى : ( هو الذي خلق لكم ): أنعم ~~عليكم بها ، فإن الخلق عبدة النعم ؛ لاستيلاء النعمة عليهم ، فمن ظهر ~~للحضرة أسقط عنه بالمنعم رؤية النعم. # وقال أبو الحسين النوري : أعلى مقامات أهل الحقائق ، الانقطاع عن ~~العلائق. # وقال ابن عطاء : أحكم التدبير فيهن ( ثم استوى إلى السماء ) أي : ~~كما زين ملكوت الأرض بأنوار القدرة للمؤمنين ، قصد إلى تزيين ملكوت السماء ~~بماء العزة للعارفين. # ( إني جاعل في الأرض خليفة ) (1): لما لم يعرفوا الله تعالى بحق ~~المعرفة ، وعجزوا عن PageV01P040 # إدراك الحقيقة ، وانصرفوا عن باب الربوبية من هجوم إجلال سطوات العزة ~~عليهم ، فأحالهم الحق جل وعز إلى آدم باقتباس العلم والأدب في الخدمة ؛ حتى ~~يوصلهم بعلم الصفات إلى ما لم ينالوا بالعبادات ؛ لأنهم عبدوا الله بالجهل ~~، ولم يعرفوه حق معرفته ، وهو عرف الله بحقيقة العلم الذي علمه من العلوم ~~اللدنية ، لا جرم أنه أستاذهم في علم المعرفة ، وإن سبقوا منه بالعبادة. # وأيضا لم يرى في الكون محبا صافيا كما يريد ، فجعل آدم ؛ لأجل المحبة ؛ ~~لأنه خلق الملائكة ؛ لأجل العبادة ، فعرفهم عند المشورة مع الملائكة خلوهم ~~من المحبة ؛ بشغلهم عنه بالعبادة. # وأيضا أراد الملائكة أن يروا الله تعالى ، فعلم الحق ضعفهم عن النظر إليه ~~، فجعل آدم لهم حتى يرونه ؛ لأن الله تعالى خلقه بيده ، وصوره بصورته ، ~~ووضع فيه مرآة روحه ، إذا نظروا فيها تجلى ms0027 لهم الحق تعالى. # وأيضا ليس في العالم شاهد جميل يحبه الحق ، فخلق بيده ، وألبسه صفة من ~~صفاته ، وأحبه بصفاته ؛ لأجل صفاته. # وأيضا أراد الحق أن يظهر لهم نفسه في حقائق الصنع ، فانصرفوا من الحق إلى الخلق. # وقيل : عصوا الله تعالى باعتراض الحق في مذمة آدم ، ومدح أنفسهم لما ~~قالوا : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ~~ونقدس لك )؛ لأن الله تعالى سمى آدم خليفة في بدأ الخطاب ، والخليفة لا ~~يحيف ولا يجور ، فجهلوا من وصفه الله تعالى بخلافته ، وعلمه بخصائص محبته ، ~~ومدحه بالخلافة ، وهم عيروه بالفسق والجهالة من سوء الظن ، وقلة الأدب ، ~~فكشف الله تعالى نقاب القدس عن وجه آدم ، وأنور بجماله العالم ، فخجلوا من ~~دعواهم ، واعترفوا بجهلهم ، فقالوا : ( سبحانك لا علم لنا إلا ما ~~علمتنا ). # وقولهم : ( ونحن نسبح بحمدك ): تحركوا من حيث الأعمال ، وشأن ~~آدم من حيث الأحوال برؤية الفعل عن مشاهدة الاصطفائية التي سبقت بنعت الحسن لآدم. # وأيضا تعرضوا بنعت المعبودية عند سرادق العظمة منه على الربوبية ، ~~فأسقطهم الله عن مقام حقيقة المعرفة ، وأحوجهم باقتباس علم أحوالهم عن آدم. # قال بعضهم : لما شاهدوا أفعالهم وافتخروا بها ، رد الله تعالى وجوههم عنه ~~إلى آدم ، وأمرهم بالسجود له ؛ إعلاما أن العبادة لا تزن عنده شيئا. # وقال بعضهم : من استكبر بعلمه ، واستكبر بطاعته كان الجهل وطنه ؛ ألا ~~تراهم لما قالوا : ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) ألجأهم إلى أن ~~قالوا : ( لا علم لنا ). PageV01P041 # قال الواسطي : من قال أنا ، فقد نازع القدرة. # قالت الملائكة : ( نحن نسبح بحمدك ونقدس لك )، وذلك لبعدهم من ~~المعارف ، وهم أرباب الافتخار والاعتراض على الربوبية ، بقوله تعالى : ( ~~ أتجعل فيها من يفسد فيها ). # وقال ابن عطاء : أن الملائكة جعلوا دعاويهم وسيلة إلى الله ، فأمر الله ~~النار ، فأحرق منهم في ساعة واحدة ألوفا ، فأقروا بالعجز وقالوا : ( ~~ سبحانك لا علم لنا ). # وقال جعفر : لما باهوا بأعمالهم ، وتسبيحهم وتقديسهم ، ضربهم كلهم بالجهل ~~حتى قالوا : ( سبحانك لا علم لنا ). # وقال بعض العراقيين : شروط الخلافة رؤية بداية الأشياء فصلا ووصلا ، إذ ~~لا ms0028 فصل ، ولا وصل لم ينفصل منه شيء ، وأي وصل للحدث والقدم. # وقال بعضهم : عيروا آدم واستصغروه ، ولم يعرفوا خصائص الصنع به ، وأظهر ~~عليه صفات القدم ، فصار الخضوع له قربة إلى الحق ، والاستكبار عليه بعدا من الحق. # وقال أبو عثمان المغربي : ما بلاء الخلق إلا بالدعاوى. # ألا ترى الملائكة لما قالوا : ( نحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) كيف ~~ردوا إلى الجهل حتى قالوا : ( لا علم لنا ). # ( وعلم آدم الأسماء كلها ): علمه أسماء الصفات الخاصة التي عرف ~~بها حقائق جميع الصفات ، واهتدى بأنوارها طرائق معارف الذات. # وأيضا علمه أسماء المقامات التي هي مدارج الحالات. # وقال الجريري : علمه اسما من أسمائه المخزونة ، فعلم به جميع والأسامي. # وقال ابن عطاء : لو لم يكشف لآدم علم تلك والأسامي ؛ لكان أعجز من ~~الملائكة في الإخبار عنها. # ( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني ~~بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (31) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ~~إنك أنت العليم الحكيم (32) قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم ~~بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما ~~كنتم تكتمون (33) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى ~~واستكبر وكان من الكافرين (34) وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا ~~منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين PageV01P042 # (35) فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا ~~بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (36) فتلقى آدم من ربه ~~كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم (37) قلنا اهبطوا منها جميعا فإما ~~يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (38) والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (39)) # وقيل : غلب علمه على علم الملائكة ؛ لقوة مشاهدة الخطاب من غير واسطة في ~~قوله تعالى : ( وعلم آدم الأسماء كلها ) (1). # ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ): ألبس الملائكة لباس ~~العبودية ، فأعجبوا بعبادتهم ، وألبس آدم لباس الرؤية ، ورقم عليه طراز ~~صفاته ، وعرضه على الملائكة ، فرأوه ms0029 ملتبسا بلباس الحق ، فخجلوا عن تعجبهم ~~بعبادتهم ، فأمرهم الله بسجود آدم تغييرا لهم ، وتعليما أن عبادتهم لا تزيد ~~بالربوبية ، ولا تنقص عن الألوهية. # وأيضا لما خلقه بخلقه ، وصوره بصورته ، وألبسه أنواره ، ونفخ فيه من روحه ~~، وأسكنه جنته ، وأجلسه على سرير مملكته ، فأسجد له ملائكته ؛ حتى أكمل له ~~في العبودية صفات الربوبية ، فلما سجد الملائكة لآدم ، فأبى إبليس عن ~~السجود ؛ لأن الملائكة رأوا فيه سر الله تعالى ، وعليه لباس الله مصبوغا ~~بصبغ الله ، ولم ير إبليس ما كشف لهم ، فأبى واستكبر من غضب الله عليه ، ~~وكان من الكافرين ، أي : في سابق علمه من المطرودين. # وقال ابن عطاء : لما استعظموا تسبيحهم وتقديسهم ، أمرهم بالسجود لغيرهم ، ~~يريهم به استغناؤه عنهم وعن عبادتهم. # قال الحسن بن منصور : لما قيل لإبليس اسجد لآدم خاطب الحق فقال : ارفع ~~شرف السجود عن سري إلا لك في السجود ، حتى أسجد له إن كنت أمرتني فقد ~~نهيتني ، فقال له : PageV01P043 # فإني أعذبك عذاب الأبد ، فقال : أولست تراني في عذابك لي ، قال : بلى ، ~~فقال : فرؤيتك لي تحملني على رؤية العذاب ، افعل بي ما شئت ، فقال : أجعلك ~~رجيما ، قال إبليس : أوليس لم يحامد سوى غيرك ، افعل بي ما شئت. # ( يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ) أي : اسكن في جواري من قطيعتي ، ~~وإن تصيبك خطيئة ، فإن في عصيانك في دار العصمة عذر عصاة أولادك من أهل ~~التوحيد في دار المحنة ، واشتياقك إلى نعيمي بعد هجرانك من جواري ، وبلوغك ~~بعد فنائك في القدم إلى لقائي. # وأيضا أوصاه بالتمكين عند خداع إبليس ومكره ؛ حتى لا يزول قدمه عن مقام ~~التمكين بمقالة العين. # وأيضا أراد الله أن يعصيا فوكلهما إلى أنفسهما ، وعزلهما عن القربة ~~بإدخالهما في الجنة ؛ لأن آدم وحواء طفلا الزمان ، لا يستقران في جبروت ~~الرحمن ، فألجأهما إلى أكل ثمار أشجار الجنان لإفراد القديم عن الحدثان ؛ ~~ألا ترى إلى قوله تعالى : ( وكلا منها رغدا حيث شئتما ). # وقال القاسم : السكون في الجنة وحشة من الحق ، وأنه رد المخلوق إلى ~~المخلوق ، وهو رد النقص إلى النقص ؛ لامتناع ms0030 الأزل عن الحوادث. # وقال بعضهم : ردهما في السكون إلى أنفسهما ووكلهما إليها ، فقال : ( ~~ اسكن أنت وزوجك الجنة )، وفي دعاء المخلوق إلى المخلوق ، إظهار ~~العلل بمعونات الطبع. # ( ولا تقربا هذه الشجرة ): أخفى الله تعالى في الشجر أسرار ~~الربوبية لآدم وحواء ، ومنعهما عن قربها ؛ حتى لا يشوش عليهما عيش ~~الإنسانية ، ولكن هيجهما بمنعهما عن قرب الشجرة إلى طلب تناولها ، فلما ~~قربا الشجرة ، كسا الشجرة أنوار القدس ، وتجلى الحق سبحانه لهما من الشجرة ~~، كما تجلى من شجرة موسى لموسى ، فعشقا الشجرة ووقعا فيها ، ونسيا ذكر ~~النهي عن قربها. # قال ابن عطاء : نهى عن جنس الشجرة ، فظن آدم أن النهي عن المشار إليه ، ~~فتناول على حد النسيان ، وترك المحافظة لا على التعمد والمخالفة (1). PageV01P044 # قال الله تعالى : ( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له ~~عزما (115)) . # ( فتكونا من الظالمين ) أي : من المجاورين عن حد العقل إلى حد العشق. # وقال بعضهم : معناه أنه نهاهما عن قرب الشجرة ، وقضى عليهما ما قضى ؛ ~~لنريهما عجزهما ، وإن العصمة هي التي تقومهما ، لا جهدهما وطاقتهما. # ( وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ): الإشارة فيه أن المريد لا ~~يجوز أن يعتدي بكل أحد ، وربما يقع بكلام أهل الخداع في هاوية الهلاك ، ~~والمريد قد غلب عليه الإرادة ، وحلاوة المعاملة ، وكل من يدعوه إلى شيء من ~~المعاملة يسمع كلامه ، وإن كان مدعيا ؛ لأنه لا يعرف كيفية الأحوال ، فيسقط ~~عن درجة الإرادة بشؤم صحبة الأضداد. # وأيضا من سلك طريق الشهوة ، احتجب عن مشاهدة القربة ؛ لأن سوء الأدب يوجب ~~سقوط المريد عن درجة الحرمة. # ( ولكم في الأرض مستقر ) أي : مشهد إسباحكم في ملكوت الأرض ، ~~ومستقر أرواحكم في ملكوت الحضرة. # ( ومتاع إلى حين ): «متاعهم» : أنوار تجلي الحق يترادف على ~~قلوبهم ؛ ليعيشوا به تسليا عن فقدان المشاهدة. # ( فتلقى آدم من ربه كلمات ): «الكلمات» : ما اعتذر الله آدم من ~~إنفاذ قضائه وقدره عليه ، فتلقى آدم من ربه تلك الكلمات ، فاعتذر بها من ~~الله لخطيئته. # وقيل : هي ربنا ظلمنا أنفسنا. # وقال جعفر بن محمد : قال آدم يا رب ما ms0031 خدعت إلا بك. # ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ) أي : اذكروا ~~معونتي في طاعتكم وهدايتي قبل مجاهدتكم ، وما كشف لكم من أسرار معرفتي ؛ ~~حتى لا تغتروا بمعاملتكم. # ( فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (152)) . # وقال بعضهم : ربط بني إسرائيل بذكر النعمة ، وأسقط عن أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم ذلك ، فدعاهم PageV01P045 # إلى ذكره ، فقال : ( فاذكروني أذكركم )؛ ليكون نظر الأمة من ~~النعمة إلى المنعم ، ونظرت أمة محمد صلى الله عليه وسلم من المنعم إلى النعمة. # وقال سهل بن عبد الله : أراد الله أن يخص أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~بزيادة على الأمم ، كما خص نبيهم عليه السلام بزيادة على الأنبياء. # ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ) ~~(75) فقال للخليل : ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض )، ~~وقطع سر محمد صلى الله عليه وسلم ، ورؤيته عما سواه. # ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي ~~أوف بعهدكم وإياي فارهبون (40) وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا ~~أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون (41) ولا تلبسوا ~~الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون (42) وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~واركعوا مع الراكعين (43) أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون ~~الكتاب أفلا تعقلون (44) واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على ~~الخاشعين (45) الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون (46) يا بني ~~إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين (47) ~~واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها ~~عدل ولا هم ينصرون (48) وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ~~يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (49) وإذ فرقنا ~~بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون (50) وإذ واعدنا موسى ~~أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (51) ثم عفونا عنكم من ~~بعد ذلك لعلكم تشكرون (52) وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون (53)) # ألم تر إلى ربك قوله : ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) أي : أوفوا ~~بما نقشت ms0032 في قلوبكم من حقائق إلهامي وخطابي في جميع الأحوال بامتثال أمري ، ~~أوف بكشف جمالي لكم حين احتجبتم عن وصالي وقربي. # وأيضا أوفوا بما أعطيكم من استعداد معرفتي وعمارة موقع نظري ، أوف بأن ~~أطلعكم على خزائن ستري ، وحقائق علمي في سواتر غيبي. # وقال بعض البغداديين : ( وأوفوا بعهدي )، الذي عهدتم يعني : في ~~الميثاق الأول PageV01P046 # بلفظ بلى ، فلا ترجعوا في طلب الشيء إلى غيري. # وقيل : ( وأوفوا بعهدي ): أحفظوا ودائعي عندكم لا تظهروها إلا ~~عند أهلها ، أوف بعهدكم ، وأبيح لكم مفاتيح خزائن بري ، وأنزلكم منازل ~~الأصفياء. # وقال أبو عثمان : ( وأوفوا بعهدي ): في التوكل ، أوف بعهدكم ~~بكفاية مهماتكم. # وقال أبو سعيد القرشي : ( وأوفوا بعهدي ) في حفظ آداب الظاهر ، ~~أوف بعهدكم بتزيين سرائركم. # وقال بعض العراقيين : أوفوا بعهدي في العبادات ، أوف بعهدكم ، وأوصلكم ~~إلى منازل الرعايات. # وسئل أبو عمرو البيكندي عن قوله : ( وأوفوا بعهدي )، فقال وفاء ~~العهد الأمانة ، وهو : ألا يخالف سريرتك علانيتك ؛ لأن القلب أمانة ، ~~والوفاء بالأمانة الإخلاص في العمل ، فمن لم يخلص لا نقيم له يوم القيامة وزنا. # ( وإياي فارهبون ): هذا خطاب الخاص من الخاص إلى الخاص ، أمرهم ~~بإجلال نفسه بخصائص التعظيم مع لب اليقين ، خوفا منه به لا عنه ، فإنه جل ~~وعز خوفهم بنفسه لا عن نفسه. وقال سهل بن عبد الله : ( وإياي ~~فارهبون ): موضع اليقين ومعرفته ، ( وإياي فاتقون ) موضع العلم ~~السابق ، وموضع المكر والاستدراج. # قوله : ( وإياي فاتقون ) أي : بي اتقوا مني ، وبداية التقوى ~~التبري من الناسوت للاهوت ، ومن الكون للمكون ؛ حتى بلغ حقيقة التقوى ، ~~فاتقى منه به له فرجا الله ، وخاف منه. # وقال بعضهم : التقوى على أربعة أوجه : «العامة» : تقوى الشرك ، و «للخاص» ~~: ترك المعاصي ، و «للعارفين» : تقوى التوسل ، و «لأهل الصفوة» : تقواهم منه وإليه. # وقال أبو عبد الرحمن السلمي : التقوى النظر إلى الكون بعين النقص. # ( ولا تلبسوا الحق بالباطل ) أي : تخلطوا الكشف بالخيال ، والفهم ~~بالوهم ، والفراسة بالحس ، والإلهام بالوسواس ، واليقين بالشك ، والعبودية ~~بالربوبية ، والحقيقة بالرسم ، والإخلاص بالرياء ، والكرامات بالمكر. # وقال سهل : لا تخلطوا أمر الدنيا ، بأمر الآخرة. # ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) أي ms0033 : استعينوا بالصبر في طلب ~~المقامات ، والصلاة في طلب المشاهدات ، أيضا استعينوا بالصبر في تزكية ~~الأشباح ، وبالصلاة في تربية الأرواح. PageV01P047 # وقال ابن عطاء : استعينوا على البلوغ إلى درك الحقائق. # وقال أبو عثمان : استعينوا بهم على رعاية أوقاتكم. # وقال بعض العراقيين : استعينوا بالصبر عن دون الله ، والصلاة بالوقوف ~~بحسن الأدب مع الله. # ( وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ): لأن في صوم الرجال إمساك ~~عما سوى الله ، وفي صلاة أهل الكمال عذوبة القلب من طلب مناجاة الرب ، ولا ~~يستعملها إلا من خشع نفسه في العبودية ، وعشق قلبه بالربوبية. # وأيضا أمرهم بالعبودية ، وأرشدهم إلى جميع العبادة ، وهي الصوم والصلاة ، ~~وأضاف تساهلها إلى أهل الخشوع ؛ لأنها الكبيرة على العاشقين. # وقال أبو عثمان : لمن خشع قلبه وروحه ، وستره بوارد الهيبة ، وطوالع ~~الإجلال. # وقال بعضهم : لمن أيد في الأزلي تخصيص الاجتباء. # وقال ابن عطاء : إنها لكبيرة إلا على من تحقق إيمانه ، وخشع سره لعظمتي ، ~~واحترقت أحشاؤه خوفا من قطيعتي. # ( الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ): وصفهم بالظن ؛ لأنهم ليسوا ~~من أهل المكاشفة الذين رأوا ربهم بقلوبهم في غيبه ، فتوافقت بدايتهم ~~نهايتهم. # وقيل : من وحد الله بأفعاله وطاعته ، كان توحيده على الظن ؛ ألا تراه ~~يقول : ( استعينوا بالصبر والصلاة ). # وقال أبو عبد الرحمن السلمي : لو حققوا التوحيد ، كانت صلواتهم وخشوعهم ~~عليهم زينا ، فلما ركنوا إلى أفعالهم ، كان توحيدهم ظنا ، وطاعتهم عليهم شيئا. # قال بعضهم : ( الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ): يتيقنون ، وإنما ~~أقام الظن مقام اليقين ؛ لأن في الظن طرفا من اليقين ، وإنما ذكر الظن ~~إبقاء على المذنبين ، وسترا على العاصين الذين ليس لهم صفاء اليقين ، ولو ~~ذكر اليقين صرفا ، لخرجوا من الجملة. # ( وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ): أراد الله تعالى أن يقدس موسى ~~من العادة والطبيعة ورسم البشرية ، بصفاء الخلوة ، ونيران الجوع ؛ ليتهيأ ~~له استعداد تحمل أنوار المشاهدة والخطاب ، فصار سنة لأوليائه من طلاب ~~المعرفة والمشاهدة ، تلك الأربعين. # وأيضا أراد أن يربيه في كنف قربه ؛ حتى يقدر أن يسمع كلامه القديم ؛ لأن ~~تحمل الحقائق لا يكون لأحد ، حتى يستقيم في الواردات ms0034 والصادرات من التجلي ~~والتدلي. PageV01P048 # ( إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ) (1) أي : آثرتم تمثال ~~الشيطان على مشاهدة الرحمن. # وأيضا جهلتم صنع الخالق من صنع المخلوق. # وقيل : فيه عجل كل إنسان نفسه ، فمن أسقطه وخالف مراده هواه ، فقد بري من ظلمه. # ( فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ) أي : فارجعوا عن رؤية ~~مواهبه إلى معرفة نفسه ، واقتلوا أنفسكم بسيوف همومكم ؛ حتى لا يزاحمكم في ~~قربه بربكم. # وأيضا توبوا من رؤية توبتكم عليكم ، واقتلوا أنفسكم بمعرفتكم برؤية توبة ~~ربكم عليها ، حتى توصلكم معرفتها ومخالفتها إلى معرفة ربكم. # «التوبة» هاهنا : محو أصول الخيال عند مبادئ المكاشفات ، وقتل النفس عند ~~وجدان المشاهدات ، قربانا من البريات لصفات الأزليات. # وأيضا فاقتلوا أنفسكم بالمجاهدات بعد معرفة النفوس بعين النكرة على حقيقة ~~المعرفة ، حتى توصلكم إلى عين الجمع ، وصرف الاتحاد بلا رسومات البشرية. # وقيل : فاقتلوا أنفسكم في طاعته ، ثم توبوا إليه من أفعالكم وأقوالكم ~~وطاعتكم. # قال ابن منصور : «التوبة» : محو البشرية بإثبات الإلهية ، وقتل النفس عما ~~دون الله تعالى ، وعن الله حتى ترجع إلى أصل القديم ، ويبقى الحق كما لم يزل. # وقيل : إذا كان أول قدم في العبودية التوبة ، وهو إتلاف النفس وقتلها ، ~~بترك الشهوات وقطعها عن الملاذ ، فكيف الوصول إلى شيء من منازل الصديقين ، ~~وفي أول قدم منها ، تلف المهج. # وقيل : توبوا إلى بارئكم أي : ارجعوا إليه بأسراركم وقلوبكم ، واقتلوا ~~أنفسكم بالتبري منها ؛ فإنها لا تصلح لبساط الأنس. # وقال ابن منصور : ما شرع الحق إليه طريقا ؛ إلا وأوائله التلف. # ( وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا PageV01P049 # إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم ~~إنه هو التواب الرحيم (54) وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ~~فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون (55) ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ~~(56) وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (57) وإذ قلنا ادخلوا هذه ~~القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة ms0035 نغفر لكم ~~خطاياكم وسنزيد المحسنين (58) فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ~~فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون (59) وإذ استسقى ~~موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل ~~أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين (60)) # قال الله تعالى : ( فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ): فما ~~دام يصحبك تميز وعقل ، فأنت في عين الجهل ؛ حتى يضل عقلك ، ويذهب خاطرك ، ~~وتفقد نسبتك إذ ذاك عسى ولعل. # وقال الواسطي : كانت توبة بني إسرائيل إفناء أنفسهم ، ولهذه الأمة أشد ، ~~وهو إفناء نفوسهم عن مرادها مع بقاء رسوم الهياكل. # وقال الفارسي : «التوبة» : محو البشرية ؛ لإثبات الإلهية. # قال الله تعالى : ( فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ). # وقيل : ألقوا عن أنفسكم كل شيء ، لا يقربكم إلى الله تعالى. # أي : طلبتم رؤيتي ومطالعتي ؛ بتقليد موسى ، وليس لكم مقام المشاهدة ، ~~فلما برز لكم ذرة من أنوار ذاتي ، فنيتم فيها واحترقتم ؛ لأنكم في البداية ~~، وموسى في النهاية. # وأيضا أفنيتكم في سطوات عظمتي ، وأبقيتكم بأنوار جمالي وجلالي ، بقوله : ~~( ثم بعثناكم من بعد موتكم ). # وقال بعض البغداديين : من طالع الذات بغير الحرمة انمحق ، ومن طالعها ~~بالحرمة أولى عليه صفات الجبروت والعظمة ؛ ليستغيث من ذلك بلسان العجز ، ~~سبحانك تبت إليك. # ( وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى ): ظللهم ~~بغيم القدرة ، PageV01P050 # وأنزل منها على قلوبهم وابل المعرفة ، وأطعمة الحكمة. # وأيضا لما فرقهم في تيه الغربة ، حللهم بأودية الكرامة ، وأنزل عليهم ~~مائدة الحضرة بلا كلفة الاكتساب ، وكد المعاملات. # وقال الأستاذ : لما طوحهم في شابه الغربة ، لم يرض إلا بأن ظللهم ، ~~وبلبسة الكفايات جللهم ، وعن تكلف التكسب أغناهم ، وبجميل صنعه فيما ~~احتاجوا إليه تولاهم (1). # قوله : ( قد علم كل أناس مشربهم ): لأرواح الخاص مشارب المعارف ~~في بحار الذات والصفات ، يعرف كل واحد منها موردها من الحق سبحانه تعالى ، ~~ومشربها بالتفاوت ، فبعضها في مقام الحيرة ، وبعضها في مقام المنة ، وبعضها ~~في مقام الوصلة ، وبعضها في مقام الفناء ، وبعضها في مقام البقاء ، وبعضها ~~في مقام ms0036 الجلال والجمال ، وبعضها في صرف الجبروت ، وبعضها في عالم الملكوت ~~، وبعضها في مشاهدة القدس ، وبعضها في رياض الأنس على حد مقاماتها ، وتفاوت سيرها. # ( عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم ~~شرابا طهورا ) [الإنسان : 21]. # وقيل فيه : شرب كل أحد حيث أنزله رائده ، فمن كان رائده نفسه ، فمشربه ~~الدنيا ، ومن كان رائده قلبه ، فمشربه الآخرة ، ومن كان رائده سره ، فمشربه ~~في الحضرة على المشاهدة ، حيث يقول عز وجل : ( وسقاهم ربهم شرابا ~~طهورا ) طهرهم به عن كل ما سواه. # وأيضا أبلاهم الله بالنعمة ، كما أبلاهم بالنقمة. # وأيضا لما عصوا الله تعالى ، أخذ عنهم لذة ذلك الطعام ، ولم يصبروا على ~~فقد اللذة. # وأيضا من لم يشكر الله في نعمائه غيرها عليه ؛ حتى لم يصبر على بلائه. # وقيل : الناس فيه رجلان : رجل أزيل عنه تدبيره ، فهو مستريح في ميادين ~~الرضا راض بأحكام القضاء فيه ساء أو سر ، فهو في الزيادة أبدا ، وآخر رد ~~إلى تدبيره واختياره ، فلا يزال يتخبط في تدبيره واختياره إلى أن يهلك. # ( وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج ~~لنا مما تنبت PageV01P051 # الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون ~~الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة ~~والمسكنة وباؤ بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (61) إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم ~~الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (63) ثم توليتم من ~~بعد ذلك فلو لا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين (64) ولقد علمتم ~~الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين (65) فجعلناها ~~نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين (66) وإذ قال موسى لقومه إن ~~الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا ms0037 هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من ~~الجاهلين (67) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا ~~فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون (68) قالوا ادع لنا ربك يبين ~~لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين (69) ~~قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله ~~لمهتدون (70) قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث ~~مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون (71) وإذ ~~قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون (72) فقلنا اضربوه ~~ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون (73) ثم قست قلوبكم ~~من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ~~وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما ~~الله بغافل عما تعملون (74) أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم ~~يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (75) وإذا لقوا ~~الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح ~~الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون (76) أولا يعلمون أن الله ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون (77) ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن ~~هم إلا يظنون (78) فويل للذين يكتبون الكتاب PageV01P052 # بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل ~~لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (79) وقالوا لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على ~~الله ما لا تعلمون (80) بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون (81) والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة ~~هم فيها خالدون (82) وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله ~~وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا ~~وأقيموا الصلاة ms0038 وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون (83) ~~وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم ~~وأنتم تشهدون (84)) # قوله تعالى : ( وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد ): لم ~~يصبروا على كل طعام الروحانيين ؛ لأنهم أهل الطباع. # قوله : ( أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ) أي : أتستبدلون ~~طعام أهل القربة ؛ بطعام أهل الشهوة. # وقيل معناه : أتعارضون حسن اختياري لكم في الأزل ، بمخالفة السؤال ~~والدعاء ، وما يبدل القول لدي. # وقال الواسطي : في هذه الآية ما يتولاه من المن والسلوى من غير كلفة لهم ~~، فتبع القوم شهوة نفوسهم ، وما يليق بطباعهم ، لما رجع إلى الغناء والضر ~~عند ذكرهم. # ( وضربت عليهم الذلة والمسكنة ): ضرب الله عليهم ذلة الطغيان ~~قبل وجود الأكوان ، وقهرهم بلطمة المسكنة في تعبد الشيطان. # وأيضا ألبس الله قلوبهم حب الدنيا فقرا وسخطا ، وألبس سرائرهم بغض الآخرة ~~خوفا ومقتا. وقيل : الذلة والشح والمسكنة والحرص. # ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ): «البقرة» هي : النفس ~~الطاغية الأمارة بالسوء المهيجة السجية المذمومة التي تثبت الطباع في مزارع ~~الهوى ، أمرهم بقتلها عن الحياة الفانية ؛ حتى وصلوا إلى الحياة الباقية ، ~~وأدركوا بمخالفتها درجة إحياء الموتى ، ومطالعة الغيوب ، وتفرس القلوب. # ( لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك ) أي : نفس ليست بذات صبوة في ~~الفتور ، PageV01P053 # ولا بذات عزة في النفور ، ولكنها ذات شوكة وصولة في شباب الغفلة والشهوة. # ( صفراء فاقع لونها تسر الناظرين ) أي : تخرج بزي المعبودية رياء ~~وسمعة ، وهو لباس واحد ظاهره سلامة ، وباطنه خيانة ، خدعت به الناظرين من ~~الجاهلين ، وبلسان الواجدين ألبست كسوة القهر بنعت الجمع ، فإذا ظهرت من ~~عين الجمع ، تجلى الحق منها ، وجوده بصفة الخاص التي لا يدخل فيها رسم ~~الربوبية من القهريات واللطفيات ، فأبصرت عيون الناظرين من أهل الجمع تلك ~~الصفة ، فسرت أسرارهم ، وتهيجت أنوارهم ، فبين الأسرار والأنوار فنوا من ~~النظر إلى الأغيار. # ( لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث ) أي : ليست بمذللة في ~~عبوديتي ، ولا عامرة أرض القلب التي هي مزرعة محبتي ، ولا ساقية بذر ms0039 المحبة ~~في شريعة العقل ، وهي محل قرار قربتي ( مسلمة ) أي : فارغة عن ~~العبادات ، وهي عنها بمعزل أبدية عن الحكومات ، لا رغبة لها في مناجدتي ، ~~ولا رهبة لها عن معاقبتي ؛ لأنها خلقت من الضلالة وهي آيسة من الهداية. # ( لا شية فيها ) أي : لا سمة عليها لأحد ؛ لأنها لا تألف الحق أبدا. # وقال بعضهم : لا يصلح لكرامتي ، وإظهار ولايتي عليه ؛ إلا من يذلل نفسه ~~بالسكون إلى شيء من الأكوان ، ولم يسع في طلب الحوادث بحال مسلمة من فنون ~~عوارض الخلاف لا شية فيها ، لا أثر عليه لأحد بالسكون إليه والاعتماد عليه ~~، فهو القائم بي والناظر إلي ، والمعتمد علي أظهرت عليه آيات قدرتي ، ~~وجعلته أحد شواهد عزتي ، فمن شاهد استغرق في مشاهدته ؛ لأنه قد ألبس رداء ~~العز وأنشد على إثره : # هذه إذا فانظري الدنيا بعيني واسمعي %~% بإذني فيها وانطقي بلساني # ( فقلنا اضربوه ببعضها ): فهم من الآية أن الله تعالى أعلمهم أن ~~في قتل النفس إحياء القلب ، وفي حياة القلب حياة الروح ، وإذا صفت الروح ~~بصفاء حياة القلب عن كدورات النفس ، تحيي جميع الأموات بأنفاسها وآثارها ، ~~كما أحيى عيسى عليه السلام الموتى ؛ لأنه صاف بصفاتها من صفات النفس ، فظهرت ~~منه الآيات والمعجزات. # وقيل فيه : إن الله أمر بقتل حي ليحيي ميتهم ، أعلمك بذلك إنه لا يحيي ~~قلبك لأنوار المعرفة ؛ ولا لفهم الخطاب ، إلا بعد أن تقتل نفسك بالاجتهاد ~~والرياضات ، فيبقى جسمك هيكلا لا صفة له من صفاته ، ولا يؤثر عليك بقاء ~~صورتك فيحيي قلبك ، وتكون نفسك رسما لا حقيقة لها ، وقلبك حقيقة ليس عليه ~~شيء من المرسومات. PageV01P054 # قوله تعالى : ( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ) أي : من ~~عبدني لأجل الجزاء والعوض ، وسكن بالعطاء عن المعطي ، وأحاطت به رؤية ~~أفعاله وأعواضه ، أولئك أصحاب البعد ، لم ينالوا قرب وصالي ، وحقيقة جمالي. # وقيل : بلى من كسب سيئة برؤية أفعاله ، وأحاطت به خطيئته بظنه أن أفعاله ~~وأعماله تنجيه وتقربه ، فهم المبعدون عني بما تقربوا به إلي. # ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات ) أي : الذين شاهدوا الله برسم ~~الأرواح في ms0040 فضاء الأزليات ، وخرجوا من الكائنات تهذيبا للأشباح ؛ حتى دخلوا ~~حجال الأبديات ، أولئك أصحاب القربات ، ومشاهدات الصفات ، وسبحات جمال الذات. # ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ~~تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم ~~إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا ~~خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل ~~عما تعملون (85)) # وقيل : ( آمنوا ) أي : أيقنوا أن النجاة في سعادة الأزل ، وأنه ~~ليس في الطاعات إلا إتباع الأمر ، وأنفوا من صالح أعمالهم لعلمهم بقصورها ~~عن حقيقة تعبده ، أولئك هم الواصلون إلى الرضوان الأكبر. # ( وإن يأتوكم أسارى تفادوهم ) أي : أن يأتوكم أسارى الشوق ، ~~وسكارى العشق ترحمتموهم بأصوات شجية ، وأقوال مرفقة ، تفادوهم برؤية الصفات ~~، وتشغلونهم عن رؤية الآيات. # وأيضا إن يأتوكم أسارى تنكره «تفادوهم» بشواهد المعرفة. # وأيضا إن يأتوكم من غيبوبات القلوب ، تفادوهم برؤية أنوار الغيوب. # وقال أبو عثمان : وإن يأتوكم غرقى في بحر الذنوب ، تدلوهم على طريق ~~التوبة. # وقال الواسطي : إن غرتهم رؤية أفعالهم ، تنقذوهم من ذلك برؤية المنن. # وقال الجنيد : وإن يأتوكم أساري في أسباب الدنيا ، تنقذوهم إلى قطع ~~العلائق والأسباب ، فإن الحق أبى أن يتجلى بقلب متعلق بسبب. # وقال بعض البغداديين : وإن يأتوكم أسارى في صفاتهم ونعوتهم تفادوهم أي : ~~تحلوا عنهم وثاق صفاتهم بصفات الحق ونعوته ، قوله تعالى حاكيا عنهم ، قالوا ~~: قلوبنا غلف أي : PageV01P055 # مسدودة بعوارض البشريات ، محجوبة عن فهم الآيات والمعجزات. # ( أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم ~~العذاب ولا هم ينصرون (86) ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل ~~وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا ~~تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (87) وقالوا قلوبنا غلف ~~بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون (88) ولما جاءهم كتاب من عند الله ~~مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا ~~كفروا به فلعنة الله على الكافرين (89) بئسما اشتروا به أنفسهم ms0041 أن يكفروا ~~بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤ بغضب ~~على غضب وللكافرين عذاب مهين (90) وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا ~~نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم ~~تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين (91) ولقد جاءكم موسى بالبينات ~~ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (92) وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم ~~الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم ~~العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين (93) قل إن كانت ~~لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ~~(94) ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (95) ولتجدنهم ~~أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو ~~بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون (96)) # وأيضا قلوبنا في فرج أصابع القهريات ، محجوبة عن لطائف الأزليات. # وقيل : حرم قسم السعادة بها في الأزل. # ( ولتجدنهم أحرص الناس على حياة )؛ لأنهم محجوبون عن مشاهدة ~~الآخرة ، ومكاشفة الحضرة لغطاء الغفلة والشهوة. # وقال محمد بن الفضل : لعلمهم بما قدموا من الآثام والخلاف ، وهذا حال ~~الكفار ، فوجب على المؤمن أن يكون حاله ضد هذا مشتاقا إلى الموت ؛ بمكاشفة ~~الغيوب ، ورفع حجاب الوحشة ، والوصول إلى محل الأنس ؛ ألا ترى أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول : «من أحب لقاء الله PageV01P056 # أحب الله لقاءه» (1). وإن بلالا لما حضر قالت امرأته : واحزناه ، فقال : ~~بل واطرباه بلقاء الأحبة. # ( قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا ~~لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين (97) من كان عدوا لله وملائكته ورسله ~~وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين (98) ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما ~~يكفر بها إلا الفاسقون (99) أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم ~~لا يؤمنون (100) ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من ~~الذين أوتوا الكتاب ms0042 كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (101) واتبعوا ~~ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ~~يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من ~~أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين ~~المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ~~ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به ~~أنفسهم لو كانوا يعلمون (102) ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله ~~خير لو كانوا يعلمون (103) يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا ~~انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم (104) ما يود الذين كفروا من أهل ~~الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من ~~يشاء والله ذو الفضل العظيم (105) ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها ~~أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير (106)) # وقال الواسطي : جعل الموت يقظة للعالم ، فمن حجبها به حجب عن المميت ، ~~ومتى يكون في قلبك هيبة المميت ، إذا هبت طوارق الموت. # ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها ) أي : ما نسخت من ~~صفاتك شيئا عن ديوان معناي ، وهو قليل إلا رقمت فيه من صفاتي ، وما رأيتك ~~شيئا من عجائب علمي ، إلا أراك ما هو أشرف منه. # قال الله تعالى : ( ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم ) [لقمان : 27]. PageV01P057 # ( ثم دنا فتدلى ) [النجم : 8]. ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ~~) [النجم : 10]. # وقيل : ما نقلبك من حالة إلا نوصلك إلى مقام أشرف منها وأعلي ، إلى أن ~~تنتهي بك الأحوال إلى محل التداني والخطاب من غير واسطة ، بقوله : ( ~~ ثم دنا فتدلى )، ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ). # ( ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون ~~الله من ولي ولا نصير (107) أم تريدون أن تسئلوا رسولكم ms0043 كما سئل موسى من ~~قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل (108) ود كثير من أهل ~~الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين ~~لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير ~~(109) وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند ~~الله إن الله بما تعملون بصير (110) وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ~~أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (111) بلى من أسلم ~~وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (112)) # ( بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن ) أي : من بذل مهجته لله إلا ~~لما من الله ، وهو محسن بلا رؤية المعاملة ، ولا بجريان العارضة ، بل رؤية ~~الحق بنعت فناء الحق ، فله مجالسة البقاء عند ربه ، بزوال خوف الفراق ، ~~وحزن الحجاب. # وقيل : ( وهو محسن )، أي : خلصت وجوه أعماله من الرياء ، والشرك الخفي. # ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست ~~اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله ~~يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (113) ومن أظلم ممن منع ~~مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها ~~إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم (114) ولله المشرق ~~والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم (115) وقالوا اتخذ ~~الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون (116) بديع ~~السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (117)) PageV01P058 # وقيل في قوله : ( ممن أسلم وجهه ) [النساء : 125] أي : أعتق وجهه ~~عن عبودية غيره ، وهو محسن آداب العبودية ، فله أجره عند ربه ، دوام ~~المعونة إليه من رضاه ، ولا خوف عليهم من فوت حظهم من الحق ولا هم يحزنون ؛ ~~بأن يشغلهم عنه بالجنة. # قال ابن عطاء : من جعل طريقه ووجهه ومراده وقصده وتدبيره لله ، فلا ms0044 يبقي ~~له وجه إلا إليه ، ولا يكون إلا عليه ، وهو محسن. # قال : يري الحق بسره ، ويشاهده بحقائق معرفته ، ويطالعه بمعاني إخلاصه. # قال عبد العزيز المكي : في هذه الآية حال مخلص في عمله ، هائب عن ربه. # وقال أيضا : من أخلص قلبه لله محبة ، ( وهو محسن ) أي : كامل في ~~محبته ، وبالغ في مودته. # ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) أي : فأينما تولوا بعيون الأسرار ~~، فثم مكاشفة الأنوار. # وأيضا أشار بهذه الآية إلى مشاهدة المشهود في الشواهد ، كما كشف خليله ~~حيث قال : هذا ربي ، إذا نظر في دائرة الكون ، وفهم هذه الآية ، أنه من نظر ~~بعين العقل فقبلته الآيات ، ومن نظر بعين الروح فقبلته الصفات. # وقال ابن منصور : وجهه حيث توجهت ، وفقده أين فقدت. # فقال بعضهم : القصد إليه توجهك ، والطريقة إليه استقامتك منك بفهمك ، ~~وعنك بعلمك ، ارتبط كل شيء بضده ، وانفرد بنفسه. # ( بديع السماوات والأرض ) أي : خلق السماوات والأرض ، وألبسهما ~~من لباس سنا عزه ؛ حتى تسكن قلوب أحبائه ، بالنظر إلى مشاهدة الصانع في ~~المصنوعات. # ( وقال الذين لا يعلمون لو لا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك ~~قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون ~~(118)) # وقال بعضهم : علة لكل صنع صنعه ، ولا علة لكل صنع صنعه ، ولا علة لصنعه ، ~~وليس لكأنه كان ؛ لأنه قبل الكون والكان ، وأوجد الأكوان ، بقوله : ( ~~ كن ). # ( وقال الذين لا يعلمون لو لا يكلمنا الله ): لم يسمعوا كلام ~~الله من داخل قلوبهم ، فثقلت أسماعهم من وقر الضلال. # وأيضا ظنوا أنهم من أهل المخاطبة ، وجهلوا مقام المشاهدة ، وقد أخطئوا ~~فيما ظنوا ؛ لأنهم لا يطيقون رؤية الوسائط ، أعنى معجزات النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، ولا فهم خطابه ، فإذا كان الأمر كذلك كيف يسمعون صرف ~~الخطاب من حضرة الكمال. PageV01P059 # قال الواسطي : كلمتهم حيث أنزلت عليهم خطابي فلم يفهموا ، وأي آية أشرف ~~من محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد أظهر لهم ذلك قوله : ( وإذ ابتلى ~~إبراهيم ربه بكلمات ): «الكلمات» : ما خاطبه الله تعالى مع روحه في سرادق ~~الأزل بنعت السرور ، فتهيج ms0045 بها سره حتى التهب بنار محبته ، فيطلب حبيبه بعد ~~بلوغه إلى الكون بصرف الصفات ، فابتلاه الله تعالى بمقام الالتباس ، حيث ~~قال : ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ) [الأنعام : 75]. # ( إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسئل عن أصحاب الجحيم ~~(119) ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو ~~الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا ~~نصير (120) الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن ~~يكفر به فأولئك هم الخاسرون (121) يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم وأني فضلتكم على العالمين (122) واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ~~ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون (123) وإذ ابتلى إبراهيم ~~ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال ~~عهدي الظالمين (124)) # ( إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المشركين ) [الأنعام : 79]. # ( فأتمهن ) بتجرده عن اللباس برؤية الصرف ، كما قال : ( ~~إني وجهت وجهي )، وأيضا ابتلاه بشغل النبوة ، بعد ما أسكره برحيق الخلة. # وقال بعضهم : أشد ما ابتلى الله به إبراهيم ، أن حمله أثقال الخلة ، ثم ~~طالبه بتصحيح شرائطها ، وتصحيح شرائط خلة التجلي مما سراه ظاهرا أو باطنا ، ~~( قال إني جاعلك للناس إماما ). وأيضا إني جاعلك في الخلق إماما ~~في مقام التمكين ؛ لأنه صار بالنبوة متمكنا ، بعد أن كان في الخلة متلونا. ~~وأيضا ( قال إني جاعلك للناس إماما ) في المقامات ؛ لأني صاحبهم في ~~الحالات بيني. # وقيل : إني جاعلك سفيرا بيني وبين الخلق ؛ لتهذيبهم ؛ لاستصلاح الحضرة ، ~~وهذه هي الإمامة. # وقال أبو عثمان : «الإمام» : هو الذي يباشر على الظاهر ، ولا يؤثر ذلك ~~فيما بينه وبين PageV01P060 # ربه لسبب ، كالنبي صلى الله عليه وسلم قائما مع الخلق على حد الإبلاغ ، ~~وقائما مع الله على حد المشاهدة (1). # قوله : ( قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ): قطع ~~الأنساب والأسباب عن مواهبه للأنبياء والأولياء ؛ لأنه اصطفاهم بالآيات ~~والمعجزات قبل وقوع العلامات ، وأيضا من ms0046 اشتغل بنفسه عن نفسه ، اعتزل بنفسه ~~عن نفسه. # وقيل : قطع لن يصل إليه أحد بسبب أو نسب ؛ إلا برضا الأزل ، وسبق ~~العناية. # وقال الصادق : لا ينال محبتي ، ومشاهدة رؤيتي من سكن إلى أحد سواي. # وقال بعضهم : لا ينال قربي من بعد يسره عني. # ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع ~~السجود (125) وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات ~~من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى ~~عذاب النار وبئس المصير (126) وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ~~ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم (127) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ~~ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم (128) ~~ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ~~ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم (129) ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه ~~نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (130) إذ قال له ~~ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين (131)) # وقال بعضهم : من رسمته بسمة المعرضين عني ، لا يقدر الرجوع إلي. # ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ) أي : مستأنسا للراجين ، ~~وآمنا للخائفين ؛ لأن فيه أثر الله تعالى ، وهو يتجلى منه للخائفين بلطائف ~~الكرم ، فأسكنهم من هيجان الخوف ، وتجلى منه للراجين لطوائف حسن العدم ، ~~فأسكنهم من غليان الشوق. # وقيل أي : مفزعا للمذنبين وآمنا أي : من دخله من المؤمنين حافظا لحدود ~~الله فيه ، أمن من نار جهنم. # وروي عن الشيخ أبي عبد الرحمن السلمي رحمه الله أنه قال : سمعت منصور بن ~~عبد الله PageV01P061 # يقول : سمعت أبا القاسم الإسكندراني يقول : سمعت أبا جعفر المالطي ، يذكر ~~عن علي بن موسى الرضا ، عن أبيه عن جعفر الصادق رضي الله عنه قال : البيت ~~هاهنا محمد صلى الله عليه وسلم ، من آمن به وصدق برسالته ، دخل في ميادين ~~الأمن والأمانة. # ( وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي ) أي ms0047 : أن طهرا ~~قلبكما ؛ لأنه موضع نظري ، ومحل زيارتي. # ( للطائفين ) أي : للسفرة الأنوار. ( العاكفين ) أي : ~~للسكان الأسرار. # ( والركع السجود ) أي : لعرائس الغيب ؛ لأن القلب قبلة الله يزور ~~به أهل الغيب. ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ) أي : أفتنا لبقائك في ~~جمال صفاتك. # وقال الجنيد : ظاهر علم الاستسلام ، سقوط المسافات ، والمدة من البعد ، ~~ولا يجدون في إشارتهم كلفة ، ولا في ذكرهم الذي به يتقربون مؤنة ؛ لأنه ~~استولى عليهم من قربه واكتنافه لهم ، والتحنن عليهم ، والبر بهم ؛ لأنه قد ~~أزاح عنهم أسباب الطالب. # وقال فارس في قوله : ( واجعلنا مسلمين لك ): أرجنا عن أسباب ~~الطلب بالحيل ، ومطالعة الخير بالعرض. ( إذ قال له ربه أسلم ) أي : ~~تواضع لجبروتي ، وأخلص قلبك عن ملكوتي. ( قال أسلمت ) أي : تعرضت ~~لك لما تريد مني في جميع الأحوال. # وقيل أي : أخلص سرك ، فإنه موضع الاطلاع منك ، «قال أسلمت» أي : أسلمت ~~إليك سري ، فأخلصه لي ، فإنك أولى بي مني. وقيل : استأثر ، فإن قتلك لا ~~يمهل الطوارق بحر الحوادث ، بل يجذب إلى الاستغراق في بلاد القدم ، فيقول : ~~أسلمت استأثرت ، ومازلت كنت في أسر جبروتك ، وقهر عزك. # ( ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين ~~فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون (132) أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال ~~لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون (133)) # قال الشيخ أبو عبد الرحمن : سمعت النصر آبادي يقول : سمعت الروذباري يقول ~~: سلامة النفس في التسليم ، وبلاؤها في التدبير. # ( ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب ) أوصاهم بقطع العلائق والعوائق ~~، والتعرض لنفحات الصفات ، والعذوبة في المناجاة ، والانقياد لمراد الحق ، ~~والشفقة على الخلق ، ومقاومة النفس ، ومراعاة النفس ، والمصادقة لله مع ~~الإخوان فيه ، والإنصاف معهم ، وترك معارضتهما PageV01P062 # أحدا ، وأخذ الإنصاف منهم. # وقيل : أوصاهم بالمحاربة إلى الاستسلام الذي أمر به ، فصح من إبراهيم ~~التسليم ، فلما ابتلي بذبح ابنه لم ينظر إليه ؛ لأنه كان أسلم ، وصح له ~~التسليم ، فمضى فيه من غير نظر إلى الولد ، حتى فدى ، ولما لم يصح ms0048 ليعقوب ~~من التسليم ما صح للخليل ، رجع إلى حد الجزع حين فقد ابنه فقال : يا أسفى ~~على يوسف ، لكني أعتذر ليعقوب عليه السلام في هذه المسألة ، وهو أنه يرى في ~~حسن يوسف جمال الحق ، وقد عشقه ، ومع ذلك في أول العشق ، وقد بقي في محل ~~الالتباس ، والخليل صلوات الله عليه قد انفرد بحب الحق للحق ، وهذا نهاية ~~مقام العشق ؛ لأنه في محل التمكين ، وابنه يعقوب في محل التلوين ، فلأجل ~~ذلك قال : يا أسفى على يوسف. # ( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما ~~كانوا يعملون (134) وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين (135) قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل ~~إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي ~~النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (136) فإن آمنوا بمثل ~~ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو ~~السميع العليم (137) صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون (138)) # قوله : ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ): صبغة الخاصية التي ~~خلق آدم على تلك الصفة. # ( قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت ~~من العالين ) [ص : 75] ، وذلك قوله تعالى : ( لما خلقت بيدي ). # ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من ~~الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) [الإسراء : 70]. # وقال صدر الصوفية ، ورئيس البرية صلى الله عليه وسلم : خلق الله آدم ~~عليه السلام على صورته ، وهذا صبغ الظاهر الذي ألبسه صورة آدم ، وأما صبغ ~~الباطن ، هو الذي كسا الله تعالى قلب آدم ، ولهذا سجدت الملائكة بين يديه ، ~~وأورث الله تلك الصفتين اللتين خص بها آدم أرواح ذريته من الأنبياء ~~والأولياء ، وذلك إذ خلق الله تعالى الأرواح ، فحشرها في سرادق حضرته ، ~~وكشف لها عن وجهه حجاب العز ، وأراها جماله وكماله ، وألهمها خصائص علوم ~~الربوبية ، ونورها بأنوار الوصلة ، وكساها لباس ms0049 الفردانية ، وجللها برداء ~~الكبرياء ، وسقاها من شراب الزلفة PageV01P063 # بكأس المنة ، وطابت بوجهه ، وطارت في ملكوته ، وعشقت بجمال جبروته ، ~~فاكتسبت سناء المحبة ، واستنارت بنور المعرفة ، وخاضت في بحر الربوبية ، ~~وخرجت منها على أسرار الوحدانية ، وتلونت بصبغ الصفات ، وانصبغت بصبغ نور ~~الذات ، فهذه حقيقة صبغ الله تعالى الذي ذكر في كتابه ؛ ولذلك قال : ( ~~ ولقد كرمنا بني آدم ) (1). # ( قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم ونحن له مخلصون (139) أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم ~~شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون (140) تلك أمة قد خلت لها ما ~~كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون (141) سيقول السفهاء من ~~الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم (142) وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على ~~الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم ~~من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى ~~الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم (143) قد نرى ~~تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ~~ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ~~ربهم وما الله بغافل عما يعملون (144)) # قوله تعالى : ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من ~~يتبع الرسول ممن ينقلب ): صرفهم بمكر القدم في رؤية حيل الفعل ؛ مقرونة ~~بالإرادة عن مشاهدة الأمر في الأمر ، وانقيادهم بحظ التسليم عند كون ~~الامتحان ؛ حتى تظهر أسباب علم القدم ، وما سبق من علمه في تماديهم بنعت ~~الكفر في ميادين الضلال. # وقيل : بين الخطاب على مقادير العقول ، ألا ترى كيف بين علته في آخر ~~الآية ( وما أنت بتابع قبلتهم )، إحكاما منه في صنعه ، وما جرى من ضبطه. # ( قد نرى تقلب وجهك في السماء ) أي : قد نرى ms0050 تقلب عين سرك في ~~سماء الهوية ؛ PageV01P064 # لطلب عيان المشاهدة ، وقبلة القربة ، وتزول الصفة في الصفة ، ووقوع خطاب ~~الخالص في سمع الخاص ؛ حتى تصير لك عين الجمع من جميع الوجوه. # وقيل : فيه أعلمه أولا أنه بمرأى من الحق ؛ ليكون متأدبا بآداب الحق ، ~~ومن حسن أدبه ، أنه نظر إلى نحو السماء ، ولم يسأل ، وأجيب على نظره إلى مراده. # ( فلنولينك قبلة ترضاها ) أي : نطيبك ، ونكشف لك قبلة عين وجودي ~~، ترضى بها وتؤنسها ، ولا يكون لك بعد ذلك طريقا منها إلى نفسك ، ولا جهة ~~منها إلى الكون ؛ لأن مرادك مرادي ، ومرادي مرادك. # وأيضا إني قبلتك حيث توجهت ، حتى تكون بلا جهة في الكون في طلب وجودي ، ~~وقد أدبه الله بهذا عليه ؛ حتى لا يكون له سواه في جميع مناه. # وقيل : أخبره بعد أن جاء إلى مراده ، إن مرادك لم يخالف من مرادنا ؛ لأن ~~إرادتنا فيك تقلبك إلى الكعبة ، وإثباتك عليها ، وجعلنا قبلة لك ، ولأمتك ~~قبلة ؛ لتعلم أن رضاك لا يخالف رضانا أبدا. ( فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام ) أي : فول وجهك نحو المراقبة إلى صدرك ؛ لأنه مسجد أنوار الحقائق ، ~~وهو ممتنع عن الوسواس ، وغبار العلائق ، وفيه القلب ، وهو كعبة الأنس ، وفي ~~تلك الكعبة آيات بينات مقامي ، وفي الآيات آثاري ، وفي الآثار آثار صفاتي. # وأيضا فول وجهك الظاهر نحو الكعبة ؛ حتى تراني ملبسا بلباس الآيات ، ~~فعينك الظاهر للآيات ، وعينك الباطن للصفات. # ( ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما ~~أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما ~~جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين (145) الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه ~~كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون (146) الحق من ~~ربك فلا تكونن من الممترين (147) ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ~~ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير (148) ومن حيث خرجت ~~فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون ~~(149) ومن حيث خرجت فول وجهك شطر ms0051 المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ~~ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون (150) كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا ~~عليكم آياتنا ويزكيكم PageV01P065 # ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151) ~~فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (152) يا أيها الذين آمنوا استعينوا ~~بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين (153) ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل ~~الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون (154)) # وقال بعض العراقيين : ترسم معهم برسم الظاهر نحو الكعبة في استقبال ~~الكعبة ببدنك ، ولا تقطع قلبك عن مشاهدتنا ؛ فإنا جعلنا الكعبة قبلة بدنك ، ~~ونحن قبلة قلبك. # ( ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ) أي : لا ~~تقولوا ، ولا تظنوا لمن يقتل في سبيل العشق بسيف الشوق أموات ؛ بل أحياء ~~بعد فنائه عن حياة الإنسانية بحياة الربانية ، ( ولكن لا تشعرون ) ~~؛ لأنكم محبوسون بين الوجود والعدم ، وهم مخلدون في بقاء القدم. # ومن ذبح نفسه من أربعة مواضع قطع رأس حرصها من الدنيا في مذبح التفرد ، ~~وقطع رأس أملها من إرادة حياتها ووجودها في مصرع التجريد ، وقطع رأس ~~رياستها من الخلق في منجز التوحيد ، وقطع رأس ميلها إلى الآخرة في مقتل ~~التحقيق ، ألبس الله تعالى روحه أربعة لباس في أربعة مقام : ألبسها لباس ~~سناء المعرفة في مقام المكاشفة ، وألبسها لباس صفاء المحبة في مقام ~~المشاهدة ، وألبسها ضياء الوصلة في مقام القربة ، وألبسها لباس أنوار ~~الأنانية بنعت البسط والسلطنة في مقام المخاطبة ، وإذا كان بهذه الصفة ، ~~فقد فاز من سكرات الممات ، وصار حيا ببقاء الصفات. # ( ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم ~~الله جميعا إن الله على كل شيء قدير ). # وقيل : لأنهم مقتولون في الحق ، ومن كان مقتولا فيه كان حيا به ، ولكن لا ~~تشعرون أي : لا يعلمه من نظر إلى الجهاد بعين التدبير ، ولم ينظر إليه بعين الرضا. # ( ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم ~~الله جميعا ) أي : ولكل روح منهاج ms0052 وقبلة ومعراج في وجود الذات ، وحقيقة ~~الصفات ، فعين العيان قبلة الأرواح القدسية ، وصرف الصفات هو قبلة الأرواح ~~الجلالية ، وعين القدم هو قبلة الأرواح العزة ، وعين الأبد هو قبلة الأرواح ~~البقائية ، وأنوار المشاهدة هي قبلة الأرواح الشائقة ، وحسن الصفات هو قبلة ~~أرواح المؤانسة ، ونفحات بساتين الغيب هي قبلة الأرواح الروحاني ، هو ~~موليها أي : تلك الروح الرحمانية هي قاصدة إياها بجناح الشوق ، مجذوبة PageV01P066 # بحبال العشق إلى معدن الألوهية والصمدية ، ولكل واحدة منها مطلع ومنبع ، ~~فبعضها والهات ، وبعضها عاشقات ، وبعضها مؤنسات ، وبعضها فانيات ، وبعضها ~~باقيات ، وبعضها صاحيات ، وبعضها ساكرات من هول المقامات ، وكشف المشاهدات ~~، وبروز المعاينات ، وإدراك المغيبات ، فاستبقوا الخيرات ، خاطب بهذا أهل ~~الاستقامة أي : سارعوا صرف الأنانية ، فإنه أعلى الدرجات ؛ لأنهن أعني ~~أرواح أهل الوسائط في جلي الإرادات ، وأنتم أهل النهايات أينما تكونوا يأت ~~بكم الله جميعا أي : أرواح خواص أهل المعرفة ، والأرواح السائرة في ميادين ~~الأزلية ، يأتي بهن الله جميعا ؛ بعد محو الإرادات ، واضمحلال الرسومات في ~~سرادق البقاء ، ويسقي كل روح من الأرواح بكأس الصفاء شراب الوصال ، ويكشف ~~لها جمال الحق ؛ حتى يكونوا هنالك جميعا في عموم العطاء. # ( إن الله على كل شيء قدير ): قادر على أن ينشق أرواح السابقين ~~والمتصدين روائح عبهر الأنانية ، ونسيم ورد الوحدانية في مقام الاستقامة ، ~~( فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ) أي : فاذكروني بلسان ~~الأسرار أذكركم بكشف الأنوار ، واشكروا بخالص العبودية ، ولا تكفروني ~~بإدراك المعرفة ، وأيضا فاذكروني بالإعراض عن الكون أذكركم بارتفاع البون ، ~~واشكر لي ببذل الأشباح ، ولا تكفروني بتعذيب الأرواح ، وأيضا فاذكروني في ~~زمان الغفلة أذكركم بإنزال الرحمة ، واشكروا لي بقصد القربة ، ولا تكفروني ~~بمساوئ البشرية ، وأيضا فاذكروني برؤية ذكري لكم في الأزل قبل ذكركم لي ، ~~أذكر نفسي لكم كما ينبغي لي ؛ لأنكم لا تطيقون أن تذكروني بحقيقة الذات ~~والصفات ، وكيف يذكر الحدث صفات القدم ، والألسنة عن وصف ثنائه خرسة ، ~~والعيون عن إدراك جماله منطمسة ، والأسرار عن البلوغ إلى كنه عظمته فانية ، ~~واشكر لي بتعريف العجز عن أداء الشكر ، ولا تكفروني برؤية ذكركم لي ؛ لأن ms0053 ~~ذكركم لي واجب خفي كفركم. # وقال الواسطي : حقيقة الذكر الإعراض عن الذكر ونسيانه والقيام بالمذكور. # وقال بعض العراقيين في قوله : ( فاذكروني أذكركم ) قال : سريع ~~الحق يحتمل به الموارد ، وهو ذكره إياك ، ولو لا ذكره إياك ما ذكرته. # وقيل : ( فاذكروني ) بجهدكم وطاقتكم لأقرن ذكركم بذكري ، فيتحقق ~~لكم الذكر ، يسمون حقيقة الذكر أن ينسى كل شيء سوى مذكوره ، لاستغراقه فيه ~~فتكون أوقاته كلها ذكرا. وأنشد : # لا لأني أنساك أكثر ذكرا %~% ك ولكن بذاك يجري لساني # وقال بعض البغداديين : الذكر عقوبة ؛ لأنه طرد الغفلة ، وما لم تكن غفلة ~~فما معنى PageV01P067 # الذكر. # وقال بعض المتأخرين من أهل خراسان : كيف يذكر الحق بعقول مصنوعة أوهام ~~مطبوعة؟ وكيف يذكر بالزمان من كان قبل الزمان على ما هو به؟ إذ الحق سبق كل مذكور. # وقيل : ( فاذكروني ) على الدوام ليطمئن قلوبكم بي ؛ لأنه يقول : ~~( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) [الرعد : 28]. # وقال بعضهم : أتم الذكر أن تشهد ذكر المذكور لك بدوام ذكرك ، قال الله ~~تعالى : ( فاذكروني أذكركم ). # قال ابن عطاء : ( فاذكروني ) من حيث أنا ، ( أذكركم ) من ~~حيث أنا ، ولا تذكروني من حيث أنتم فينقطع دوني ذكركم. وقال بعضهم : ( ~~ أذكركم ) بتوحيدي ، ( أذكركم ) بلقائي ، و ( ~~أذكركم ) بطاعتي ( أذكركم ) بالدرجات ، و ( أذكركم ) ~~بالتوبة ( أذكركم ) بالمحبة ، و ( أذكركم ) بالنعمة ( ~~ أذكركم ) بالمزيد عندكم ، ( فاذكروني ) في أفراحكم ، ( ~~ أذكركم ) في همومكم. # وقال بعضهم : إن الذاكرين على مراتب ، قوم ذكروا الله بألسنة ناطقة ، ~~وقلوب عارفة حتى وجدوا حلاوة الذكر ، وقوم ذكروا الله بأفعال مخلصة ، ~~وطاعات مرضية حتى نسوا أنفسهم لوصولهم إلى ما طارت إليه قلوبهم ، وقوم ~~ذكروا الله بحالاتهم حتى وقفوا في بحار الحياء ؛ لأنهم نظروا إلى ذكر ~~المولى إياهم في الأزل ، وبقاء ذكره عليهم إلى الأبد ، فوجدوا ذكرهم بين ~~ذكرين عظيمين ، فذابوا حياء ، فصار الذكر عندهم هباء (1). # ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس ~~والثمرات وبشر الصابرين (155) الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا ~~إليه راجعون (156) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ~~(157)) # والخوف هاهنا على سبعة أقسام : خوف من النفس ms0054 ، وخوف من الشيطان ، وخوف من ~~الكفار ، وخوف من النار ، وخوف من الفراق والقطيعة ، وخوف الحجاب ، وخوف ~~التعظيم والإجلال لي ، فهي ثمرات أشجار المقامات ، والحالات السنية ، ~~والكرامات العالية ، وهذه PageV01P068 # كلها بليات أولياء الله في سير أسرارهم في ميادين الوحدانية ، وبيداء ~~الأزلية ، امتحنهم بهذه الصفات ليظهر صدق إرادتهم في طلب مشاهدة الحق عز وجل ~~، وينفخ بهذه نيران أشواقهم ، وبرياح الجذبة ، ونسيم الوصلة حتى يحترقوا ~~بها في طب مبتغاهم بنعت الفناء ؛ لأن من شرط حقيقة القربة احتراق أرواح ~~السابقين والمقتصدين في أنوار جلال المشاهدة. # ( وبشر الصابرين ) بحصول مقصودهم من بعد خروجهم عن امتحاني ، ( ~~ الذين إذا أصابتهم مصيبة ) من هذه المصيبات فروا من قهري إلى حجر ~~لطفي ، وسلموا أنفسهم إلي حتى أفعل بهم ما أشاء ، وهذا قوله تعالى حاكيا عن ~~خواص عباده : ( قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ). # قال الشافعي رضي الله عنه : الخوف خوف العدو ، والجوع شهر رمضان ، ونقص ~~الأموال الزكاة ، والأنفس الأمراض ، والثمرات الصدقات ، وبشر الصابرين على ~~أدائها. # ( أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ) عليهم بركات أنوار مشاهدة ~~الحق تعالى ، و ( رحمة ) يعني رفع الامتحان عنهم ، ( ~~وأولئك هم المهتدون ) إلى مقام الأمن بعد غيبوبتهم في صرف نور القدس ، ~~وصفاء حجال الأنس. # ( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا ~~جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (158) إن الذين ~~يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك ~~يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (159) إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك ~~أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم (160) إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك ~~عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (161) خالدين فيها لا يخفف عنهم ~~العذاب ولا هم ينظرون (162) وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ~~(163)) الصفا والمروة مخصوصان بأنوار التجلي لقوله عليه السلام : «جاء الله ~~من سيناء ، واستعلى من ساعير ، وأشرف من جبال فاران» (1)، وهما ملتبسان ~~بصفاء إشراق شمس العزة ، ومن صعد إليهما فينبغي أن يري فيهما ضياء لباس ~~القدرة ms0055 مستغرقا في نور المشاهدة ، وتقدس بنظره إليهما عن كدورات البشرية ، ~~ويظهر فيه الأخلاق المحمودة بنعت صفاء المعرفة ، وأيضا ذكر الصفا والمروة ~~إشارة إلى سرادق الملكوت والجبروت ؛ لأن الصفا والمروة حجابان لمكة ، ومكة ~~حجاب الحرم ، والحرم حجاب البيت ، PageV01P069 # هكذا سرادق الحضرة ، وأيضا جبل الصفا مصعد العارفين لأجل تصفية الأرواح ~~بنور المعرفة طلبا المشاهدة ، وجبل المروة مدرج الزاهدين لتزكية الأشباح ~~بمدامع الندم ، سعيا في طلب معاملة الآخرة ، وطمعا للجزاء والمثوبة ، وأيضا ~~الصفا إشارة إلى الأزل ، والمروة إشارة إلى الأبد ؛ لأنهما من شعائر الله ~~تعالى ، وأيضا الصفا هو الروح ، والمروة هي القلب. # وقيل : إن من صعد الصفا ، ولم يصف سره لله لم يتبين عليه من شعائر الحج ~~شيء ، ومن صعد المروة ، ولم يتراءى له حقائق المغيبات لم يظهر له من شعائر ~~الحق شيء. # وقيل : إن الصفا موضع المصافاة مع الحق ، من لم يجرد لمصافاة الحق معه ؛ ~~فليعلم تضييع أيامه ، وسعيه في حجه. # وروى الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله أنه قال : سمعت منصور بن عبد ~~الله يقول : سمعت أبا القاسم يقول : سمعت أبا جعفر يقول : عن علي بن موسى ~~الرضا عن أبيه عن جعفر قال : الصفا الروح لصفائها عن درن المخالفات ، ~~والمروة النفس لاستعمالها المروة في القيام بخدمة سيدها ، وقال : الصفا صفا ~~المعرفة ، والمروة مروة العارف. # ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي ~~تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به ~~الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين ~~السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون (164)) # أي : إن في إبداع السماوات والأرض كشوف نور الصفات في نور الأفعال ، ~~فظهور نور الأفعال في مسرح الآيات ، وأيضا السماء إشارة إلى الرأس ، والأرض ~~إشارة إلى الصورة ، وأيضا السماء إشارة إلى الروح ، والأرض إشارة إلى القلب ~~، وقوله : ( واختلاف الليل والنهار ) أي : في نقصانها وزيادتهما ~~وذهابهما ومجيئهما اعتبار بطلوع شمس المعرفة من مشرق القربة ، وغروبها في ~~مغرب النكرة في وقت الغيبة عن المشاهدة ، وظهور ms0056 ظلم ليالي الهجر في ذهاب ~~نور الوصل ، وزوالها بإشراق أنوار تجلي الحق في قلوب أهل المحبة ، وأيضا أي ~~: اعتبروا بهما في مواجيد الأحوال ، واستقرارها فيكم ، وفقدانها في وقت ~~انقباضكم عن رؤية البسط والانبساط. # ( والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ) أي : العارفين في ~~جريان القلب في بحار القدم والأبد ، وموج بحر الصفات لطلب دار المعرفة من ~~قعر بحر الذات بمنافع المريدين رؤية الصفات الجبروتية في الآيات الملكوتية. PageV01P070 # ( وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها )، ~~ولهم أيضا في تفكر إنزال الله تعالى من سماء القربة مزن رشاش المشاهدة ، ~~وإحيائه القلب الميت من فقد نيل القربة ، ورؤية خصائص المنة. # ( وبث فيها من كل دابة ) وأيضا لهم في إدراك التفرق وشتات سيارات ~~عالم الملكوت في قلوبهم لطائف الخطاب. # ( وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض ) أي : لهم في ~~رؤية تصريف الرياح ، وتسخير السحاب بين السماء والأرض وجدان تصريف رياح ~~المنة ، وتسخير سحاب الشفقة بين نور الروح ونار القلب ، إذا كان الرياح ~~تحرك السحاب وتعصرها حتى تمطر قطرات مياه الخطاب على نيران القلب ليسكن بها ~~ساعة عن الإحراق بالتهاب نار الوجد ، ( لآيات لقوم يعقلون ) أي : ~~لأولي النهي علامات صفات القدرة بإدراك بصائرهم الحكمة. # ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله ~~جميعا وأن الله شديد العذاب (165) إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب (166) وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة ~~فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم ~~بخارجين من النار (167)) # الأنداد تقع على كل شيء بمنع العبد عن خدمة سيده ، من جملتها النفس ~~والهوى ، كما قال الله تعالى : ( أرأيت من اتخذ إلهه هواه ) ~~[الفرقان : 43] ، ومنها الخلق لأجل الرئاسة ، ومنها الدنيا والشيطان. # ( يحبونهم كحب الله )؛ لأنهم لا يذوقون طعم معرفة الله ، ولذة ~~محبته ، ولا يرون نور مشاهدته وحقائق وصله وقربه ms0057 ، ومع ذلك محبتهم للخلق ~~محبة معلولة ، لأنهم لو لم يجدوا منهم أموالهم يفرون منهم فرار الزحف. # ( والذين آمنوا أشد حبا لله ) لأن أهل الإيمان والتوحيد سمعوا ~~خطاب قوله : ( ألست بربكم ) [الأعراف : 172] ، بالسمع الخاص في ~~سابق الدهر ، ورأوا مشاهدة جلاله قبل وقوع البلايا ، فيبقى في قلوبهم لذة ~~المشاهدة والخطاب ، فيجدون مرارة بلائه ، وغصص امتحانه ، يقبلون منه ببذل ~~نفوسهم ، وترك حظوظهم ، والوفاء بصدق عقودهم في أمر محبوبهم. PageV01P071 # وقال القاسم : وممن أخرجناهم من جملة الخطاب الخاص مخاطبة الإيمان أقوام ~~يتخذون أهواءهم آلهة يعبدونها ويحبونها ، ( والذين آمنوا أشد حبا ~~لله ) منهم لأهوائهم ؛ لأنهم يرون البلاء من الله نعمة ، ولا يحجزهم عن ~~محبتهم لربهم ترادف المحن عليهم ، بل يزيدهم بذلك محبة له ؛ فلذلك قال : ( ~~ والذين آمنوا أشد حبا لله ). # وقال الشبلي : من ادعى محبة الله تعالى ، ونسي ذكره طرفة عين ، فهو ~~المستهزئ والمفتري على الله ، ويصنع به ما يصنع بالمفتري. # وقال جعفر الصادق في قوله : ( والذين آمنوا أشد حبا لله ) قال : ~~يباهي الله على خلقه بمحبته للمؤمنين له ، ويشير أن المحبة أخص ما يتعبد له ~~المتعبدون. # وقال ابن عطاء : أحبوا الله بحب الله ، وحب الله حب باق ، فصار حبهم ~~باقيا ببقاء حب الله تعالى. # ( يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا ~~خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (168) إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون (169) وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله ~~قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا ~~يهتدون (170) ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء ~~صم بكم عمي فهم لا يعقلون (171) يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون (172) إنما حرم عليكم الميتة ~~والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم ~~عليه إن الله غفور رحيم (173) إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ~~ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ms0058 ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم ~~الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (174) أولئك الذين اشتروا ~~الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار (175) ذلك بأن الله ~~نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد (176) ليس ~~البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم ~~الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك ~~الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (177) يا أيها PageV01P072 # الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد ~~بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه ~~بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (178) ~~ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون (179)) # الطيبات ما قسم لأهل الإيمان في سابق علم الأزل بنعت الرضا من معاشهم ~~الذي لا يذم تناولها نفس العلم بحال ، وهو ما يتفرسه المؤمن بنور الإيمان ~~قبل وقوعه في أوان الحاجة ، وأيضا الطيبات التي تهيج المؤمن إلى ما يرضاه ~~الله من المعاملات السنية ، والأخلاق المحمودة ، وترك مألوفات النفس ، ~~ومتابعة الشهوة ، وأيضا الطيبات ما يحصل من الغيب بلا تصنيع الآدميين ؛ لأن ~~ما فيه تصنيع البشر لا يخلوا من المعاملات ، وأيضا الطيبات ما لم تؤكل ~~بالشهوة وثورته الحكمة والعبادة ، والطيبات أيضا ما يؤكل بالسنة ، ولا يؤكل ~~بالبدعة ، وأيضا الطيبات إشارة إلى ذكر الحق إذا لم يشب بذكر الخلق ، وهو ~~رؤية المذكور بنعت طيران الأرواح بقوة المواجيد في بساتين الصفات. # وقال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي : طيبات الرزق هو التناول في أوقات ~~الاضطرار مقدار استبقاء المهجة لأداء الفرائض ، وهو الذي لا تبعة في أكله بحال. # ( واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون ) أي : اشكروا الله بمعرفتكم ~~على المشكور إن كنتم تعبدونه بشرط المعرفة ؛ لأن العبودية لا تصح إلا ~~بالمعرفة ، وهو إغراء من الله تعالى ، وتنبيه ms0059 للمعاندين ليعرفوا أن الشكر ~~لا ينبغي إلا لمن خلق ورزق وأمات وأحيا ، وقرن هاهنا العبادة بشكر النعمة ~~لتعريف المنعم عليه أن يشكر نعمته أداء عبادته على شرط معرفته. # ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ) أي : من سار في بيداء ~~الحقيقة بنعت سباحة الروح الناطقة في بحار الأزلية عند بدو إرادة المعرفة ، ~~واحترق جسم نفسه الأمارة في نيران المحبة ، ويخاف أن يتلاشى في سطوات بسط ~~العظمة ، فيجوز له بعد اضطراره ، وهذه الصفة في مهمة الوحدانية أن يتناول ~~من حطام الدنيوية لبقاء الصورة ، لا جرم على العارف ما دام في مقام ~~العبودية ، وعجز البشرية أن يستأنس بمستحسنات المحدثات ملتفتا بنعت اقتباس ~~أنوار الألوهية من عالم الشواهد. # ( إن الله غفور ) ساتر تهمة الحدثية بنور الأزلية لأهل المعرفة ، ~~( رحيم ) بهم بأن يخرجهم من ظلمات الإنسانية إلى نور الصمدية. # ( والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ) أي : الموفون بعهد الأزل بترك ~~المعارضة في PageV01P073 # العبودية ، والإعراض عما سوى الحق في مقام المعرفة. # وقال بعضهم : الوفاء بالعهد لزوم الحدود ، والرضا بالموجود ، والصبر عن ~~المفقود. # ( والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ) أي : الصابرين في ~~دفع صولة صدمات النفوس عند معارضتها كشوف الحقائق ، وخرها عند إلقاء ~~الخطرات في ديوان المكاشفات بنعت ترغيبها وترهيبها ، وعند تطرق طوارقات ~~القهر أبواب خزائن القلب لتشددها بحثالة عوارض البشرية ، والسكون في دفع ~~الخطرات صبرا ، خص به الصادقون في طلب مرضاة الحق عند نزول حجار البليات من ~~منجنيق الامتحان. # ( ولكم في القصاص حياة ) (1) أي : لكم في قتل النفوس بعد خروجهما ~~على القلوب اقتصاصا حياة أرواح المقدسة ، فإذا شرعتم في أخذ ديات جنايات ~~النفوس تفوزون من مهلكات القهر. # قال الجنيد : للصابرين ثلاث علامات تعرف في نفسه ، الأول : ضبط نفسه عند ~~وجود النفس حظها ، والثاني : الدخول في الطاعات عند مطالبة النفس بالتخلف ~~والكسل ، والثالث : سكون القلب عند نزول الحكم. # ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين ~~والأقربين بالمعروف حقا على المتقين (180) فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه ~~على الذين يبدلونه إن الله ms0060 سميع عليم (181) فمن خاف من موص جنفا أو إثما ~~فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (182) يا أيها الذين آمنوا كتب ~~عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (183) أياما معدودات ~~فمن كان منكم مريضا أو PageV01P074 # على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ~~فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون (184)) # هذا نداء لأصحاب القلوب ، وخطاب مع طلاب هلال المشاهدة في أقطار سماوات ~~الغيوب ، أي : يا أهل اليقين فرض عليكم الإمساك عن الكون أصلا ؛ لأنكم في ~~طلب المشاهدة ، فواجب أن تصوموا عن مألوفات الطبيعة في مقام العبودية ، كما ~~كتب على المرسلين والنبيين والعارفين والمحبين من قبلكم لكي تتخلصوا من رجس ~~البشرية ، وتصلوا مقام الأمن والقربة. # ( أياما معدودات ) وهي أيام زمان الدنيا ، يغري بهذا الخطاب ~~أولياءه بترك المطايبة والمناكحة والمباشرة والمؤانسة والملاعبة ، ولذائذ ~~العيش في أكل ألوان الشهوات ، وشرب مياه الباردات ، ولبس الناعمات ، أي : ~~اصبروا يا أوليائي عن شهوات الدنيا ، فإنها أيام ستنقرض عن قريب حتى تفطروا ~~بلقائي القديم ، وتعيشوا في جواري الكريم. # ( فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) أي : من ~~يكون من المنقطعين مريضا من فرقتي أو في سفر الوحشة عن وصلتي ، فعليه تدارك ~~أيام القدرة بعد إدراكه مقام القبة والمشاهدة. # ( وعلى الذين يطيقونه فدية ) أي : وعلى الذين يطيقونه الإمساك عن ~~الكون بنعت الزهد عن الدنيا أيام حياته ، ولم يعمل عمل أهل الطاعة لقلة ~~توفيقه وهدايته فدية ، وهو خدمة أولياء الله ببذل النفس والمال من الذين ~~تركوا الدنيا لأهلها ، وذلك قوله تعالى : ( طعام مسكين ) والمساكين ~~الذين صادقوا التلوين ، ولم يبلغوا مقام التمكين. # ( فمن تطوع خيرا فهو خير له ) أي : فمن تعدى لعجزه عن حقيقة ~~المعاملة زيادة على الواجب الذي عليه من الموجود بعد مقاساته في المفقود ؛ ~~فهو خير له من طلب الرخص. # ( وأن تصوموا ) أي : أن تمسكوا عما يشتغل به أهل الدنيا ، ( ~~ خير لكم ) في ثبات حالكم ، وقوة إرادتكم. # ( إن كنتم ms0061 تعلمون ) أي : إن كنتم تعرفون ما للصائمين من الفرح ~~فرحة في الدنيا بالمكاشفة ، وفرحة في الآخرة بصرف المشاهدة. # ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى ~~والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله PageV01P075 # على ما هداكم ولعلكم تشكرون (185) وإذا سألك عبادي عني فإني ~~قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ~~(186) أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ~~علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن ~~وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم ~~عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس ~~لعلهم يتقون (187) ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام ~~لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون (188)) # شهر فيه احتراق أكباد أهل العيان من شوق مشاهدة الرحمن ، لذلك أنزل فيه ~~القرآن لرقة قلوب المخاطبين من نيران المجاهدات ، وكشف أنوار المشاهدة. # قيل : أنزل لفضله وتخصيصه من بين الشهور ، وافتراض الصوم فيه ، واستنان ~~القيام في لياليه بالقرآن. # ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) أي : من حضر فيه مقام الطلب ؛ ~~فليفطم نفسه عن رضاع الطبيعة لمقام الطرب ، وأيضا ( فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه ) عن الشراب والطعام ، ومن شهدني ؛ فليصمه عن المخالفات ~~والآثام. # قال الواسطي : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) ومن شهدني وشاهد ~~أمري ؛ فليصم أوقاته كلها عن المخالفات ، ومن شهد الشهر على رؤية التعظيم ؛ ~~فليمسك فيه عن اللغو واللهو ، ومن شهد على رؤية فعله وصومه ؛ فليس لله حاجة ~~في ترك طعامه وشرابه ، وهو كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم : «رب صائم حظه ~~من الصيام الجوع» (1). # ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ) أي : إذا سألك أهل محبتي ~~وتوحيدي عن دنوي ms0062 منهم ؛ فإني قريب منهم إليهم ، وأنا مباشر أسرار حبهم ~~فؤادهم بصفة الخاص ، فانجلي بنفسي من نفوسهم لنفوسهم ؛ لأن ظهوري للعموم ، ~~وإن لم يروني إلا أهل الخصوص ، وفي ضمن الآية إشارة إلى تنزيه الحق عن ~~البينية والأبنية ؛ لأنهم أشاروا إلى قرب البين ، وبعد الأين ؛ فقال تعالى ~~: ( فإني قريب ) من عبادي بلا أين ، وبلا بين. PageV01P076 # ( أجيب دعوة الداع إذا دعان ) أي : إني أجيب دعوة المخلصين إذا ~~دعوني من قعر قلوبهم بلسان أسرارهم ، وإن لم يعلموا إجابتي لهم. # ( فليستجيبوا لي ) إذا أدعوهم بأصوات الوصلة عند خطرات كلماتي في ~~قلوبهم إلى مائدة مشاهدتي في زوايا صدورهم بنعت إعراضهم عن غيري. # ( وليؤمنوا بي ) أي : ليوقنوا فيما كشف لهم من أسرار ملكوتي ، ~~وأنوار جبروتي ، ولا يسمعوا حديث العدد. # ( لعلهم يرشدون ) إلى مقام طمأنينة وحقائق التمكين بشرط المعرفة. # قال الشبلي : إذا وجد الحق للعبد لذاذة قربه ارتضاه لنفسه ، وتولى سياسة ~~لنفسه ، وأدبه بأخلاقه ، وأعطاه ثلاثة من أوصاف ذاته : حياة لا موت فيها ، ~~وقدرة لا يزول بعجز ، وملكا في جوار الملك ، فذلك قوله : ( وإذا ~~سألك عبادي عني فإني قريب أجيب ). # وقال ابن عطاء في هذه الآية : ( فإني قريب ) قال : أضاف عباده ~~إليه إضافة خصوصية لا إضافة ملك ، كأنه يريد إذا سألك الخواص من عبادي عني ~~فأخبرهم بأني قريب. # وقال بعضهم : إذا سألك المشتاقون من عبادي عني ، فأخبرهم إني أقرب إليهم ~~من كل قريب ، وأنا عند ظنونهم بي. # وقال رويم : القرب إزالة كل معترض. # وقال الجنيد ، وسئل عن قرب الله من العبد ؛ فقال : هو قريب لا بالاجتماع ~~، بعيد لا بالافتراق ، وقال : القرب يورث الحياء. # ( علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ) بترك مجاهدتها ، وتعليمها ~~أسرار الأدب ، والوقوف على مرادها ، واستماع كلامها على شرط التقبل منها ، ~~والصبر على انطلاقها عن رق العبودية ، واقتحامها في نيران الشهوة. # وقال ابن عطاء : خيانة النفس الوقوف معها حيث ما وقعت. # ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) أي : إذا عكفتم في ~~مساجد القربة لطلب المشاهدة ، فلا تميلوا إلى حظوظ البشرية ، وهذا من أحسن ~~الأدب ، ورد من ms0063 الله تعالى أدب به أولياءه في مجالستهم حضرته ، وأيضا ~~الاعتكاف وقوف الأرواح على بساط الفردانية لاشتغالها عن الحدوثية بنعت ~~فنائها في أنوار الأزلية. # وقال الواسطي : الاعتكاف حبس النفس ، وذم الجوارح ، ومراعاة الوقت ، ثم ~~أينما كنت ، وأنت معتكف. PageV01P077 # وقال بعضهم : أهل الصفوة معتكفون بأسرارهم عند الحي لا يؤثر عليهم من ~~جريان الحوادث شيء لاستغراقهم في المشاهدة. # ( تلك حدود الله فلا تقربوها ) أي : فلا تقربوا حدود الحقائق إلا ~~بشرط آدابها بنعت المعرفة ، وحسن حقيقة الأدب ، وأيضا رشح الحق أحكام ~~الربوبية حدود في مقام العبودية ، ليحجز العباد بها عن هتك أستار القربة ؛ ~~لأن في بداية الحدود أسرار العبودية ، وفي نهايتها أسرار الربوبية ، منع ~~الخلق بها عن الاطلاع على أسرار الأزلية لبقاء الأحكام والشرعية ( ~~كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون ) أظهر سر القدم بوصف الجبروت في ~~النعوت والآيات ، لعل عباده يبصرون بسط سطوات عظمته ، ويخافون من عقوبته ، ~~ويتركون أوصاف البشرية في ديوان الحقيقة. # ( يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن ~~تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا ~~الله لعلكم تفلحون (189)) # أي : يسألونك طور أطيار بساتين الغيب عن نقصان هلال المشاهدة عند الفترة ~~، وزيادتها عند الكشوف بنعت تجلي الأسرار ؛ لأنهم إذا غابوا في أوصاف أحكام ~~العبودية احتجبوا بها عن رؤية مشهود الغيب ، وإذا خرجوا من وطنات أزمة ~~الابتلاء ، رأوا في سماء اليقين نواد أنوار أقمار الصفات ، فتاهوا عند ذهاب ~~عقولهم في مجلس الخاص تحت حضيض سوانح الكبراء ، وطاشوا في لهوب البليات من ~~تراكم سحاب الوجد عند تدريها مزن الشوق ، فتحيروا بين المنزلين ، واستفتوا ~~من أشرف خلق الله حسام حكم الله رئيس البرية محمد صلى الله عليه وسلم عن مرسوم ~~هذه الأوصاف كي يخلصوا عن أركان الشواهد بعد جمع الجمع في قلوبهم ، فأمر ~~الله تعالى نبيه عليه السلام وقال : ( قل هي مواقيت للناس والحج ) ~~أي : لهذه الأحوال المتشتتة في كشوف عز السرمدية وذات الأبدية عيانا وغيبا ~~لمواقيت الأرواح في طيرانها إلى أعلى المقامات على ترتيبها ms0064 ، وظهور أوقات ~~المواجيد ، وقصورها إلى عالم الصفات ، لشق الله تعالى كشف القربة على قدر ~~شوق الشائقين حتى علموا أحكام العبودية في الربوبية ، والربوبية في ~~العبودية على قدر بدء الأحوال ، وكشف الصفات ؛ لأن العارف محتاج إلى حقيقة ~~علم الأحوال والآداب فيها ليستعملها بقدر وجدان أنوار القربة ، وصفات ~~المشاهدة. # ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا ~~يحب المعتدين (190) واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة PageV01P078 # أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ~~فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين (191) فإن انتهوا فإن الله غفور ~~رحيم (192) وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا ~~عدوان إلا على الظالمين (193) الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص ~~فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن ~~الله مع المتقين (194) وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ~~وأحسنوا إن الله يحب المحسنين (195)) # أمر الله تعالى أهل عرفان الحقيقة بقتال النفس على السرمدية ، وقطع بنية ~~دواعي البشرية لسلامة صدورهم عند اجتماع همومهم بين يديه ، وترك تجاوز الحد ~~بإهمالها ، والوقوف على حظوظها. # ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ) (1) أي : حاربوا ~~أنفسكم على دوام الرعاية لأوقاتكم بنعت تصفية أحوالكم عن دنس الطبيعة ، ~~وخبث الجبلة ، وإزالة أوصاف البشرية حتى لا يكون وقوع خطرات العدو في ديوان ~~الأسرار يعني صدور الصافية ، وقلوب النقية المنورة بنور الأحدية ، ويكون ~~بعد جمع الهم أسراركم وطنات مكاشفات القربة ، وحقائق الإيمان تستولي على ~~بواطن حقيقة النفوس بنعت انفراد الأسرار بين يدي العزيز الغفار. # ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) الإنفاق ~~على ثلاثة أحوال : نفقة الزاهدين ، ونفقة المحبين ، ونفقة العارفين ، أما ~~نفقة الزاهدين بترك جميع الدنيا مع لذاتها لأهلها حتى استمتع بها الأنام ، ~~وبذل نفوسهم لله في أيام الله ، وأما نفقة المحبين فإعطاء ما نالوا من الحق ~~لأهل الحق ، وأما نفقه العارفين فبذل الأرواح في مقام الفناء من وجدان غيرة ~~الحق في أسرارهم ، أمرهم الله تعالى ms0065 بالإعراض عن الكون مع استطابة أحوالهم ~~بلذائذ المحبة ، والدخول في مقام الإحسان ؛ لأن الإحسان أعلى المراتب من ~~رتبة أهل المشاهدة ؛ أعلمهم الله تعالى ألا ينالوا حقيقة المشاهدة إلا ببذل ~~حياتهم لأهل خالصة الحق ، وأخبر أن مقام الإحسان مقرون بالمحبة ، لأجل ذلك ~~قال تعالى : ( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين )، ومن فاته الإحسان ~~احتجب عن المشاهدة ، وهلك في قبضة بطش النفس متحيرا في هاوية هواها مصروعا ~~في ورطة هوساتها. PageV01P079 # ( وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا ~~تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ~~ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما ~~استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك ~~عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا ~~أن الله شديد العقاب (196) الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ~~ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير ~~الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب (197) ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا ~~من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما ~~هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين (198) ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ~~واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (199) فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله ~~كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له ~~في الآخرة من خلاق (200)) # أوجب الحق سبحانه على قدر أهل الحقيقة إتمام مقاصدهم إلى بساط القربة بأن ~~يتجردوا عن الكائنات في توجههم إلى مزار القدم ، وأن يخرجوا من الحوادث ~~بنعت التفريد والتجريد طلبا بفنائهم بقاءه في تحقيق التوحيد ، وأن يغتسلوا ~~من شوائب البشرية ، وأوساخ الطبيعة في أنهار المعرفة ، وأن يلبسوا إحرام ~~العبودية لقصدهم عرفان الربوبية ، ويتموا إجابة الحق بأدائهم ما افترض ~~عليهم من بذل النفوس في العبودية والأرواح في سلطة الربوبية ، لتقترن ms0066 إجابة ~~الظاهر بإجابة الباطن ؛ لأنهم أجابوا الحق في بدء أمرهم ؛ إذ قالوا : بلى ، ~~فيستدعي الله عنهم إتمام ميثاق الأول ، ويذكرهم عهد الأول من تعريف نفسه ~~إليهم ليتأهبوا في أمر الظاهر إتمام حقيقة الإجابة ، بأن يقولوا : لبيك ، ~~فالحج لأهل التمكين ، والعمرة لأهل التلوين ، وإتمام الحج البلوغ إلى رؤية ~~الربوبية ، وإتمام العمرة الوصول إلى حقيقة العبودية. قوله : ( ~~الله ) أي : اصبروا في إتمامها لله حتى تجدوا مأمولكم في الله. # ( فإن أحصرتم ) أي : إن منعتم أوصاف البشرية عن الطيران في هواء ~~الحقيقة ، وحبستكم حجب الابتلاء في أشجار الطبيعة ، فلا تميلوا عن حقيقة ~~الطريقة ، والشروع في طلب المشاهدة ، وابذلوا أنفسكم هديا لله ليرشدكم ~~لشفقته عليكم إلى أوطان المشاهدات ، ويبلغكم حقيقة القربات ، وأيضا فإن ~~حبستكم غيرة الحق عن الوصول إليه لسبب ما ، فتحللوا من قتل PageV01P080 # نفوسكم حيث أوقفكم ، واشتغلوا بالعبودية عن الربوبية ؛ لأن في غيرة الحق ~~إشارات تمنع أولياء الله عن السير في قربة الحق ، وذلك بأن القلوب إذا مرضت ~~وسقمت عن الجهد في طلب الحقيقة ، وسكنت بحظوظ البشرية ، فأثابها الله ~~بالإحصار في وطنات الطبيعة. # ( الحج أشهر معلومات ) (1) بين الله تعالى مواقيت العبادة لئلا ~~يسأموا عباده عن خدمته ، ويقعوا بفتورهم في مقته ، وأيضا حتى يسكن أهل ~~المعرفة عن أثقال العبودية في بسطهم برؤية الربوبية ، وانتقالهم بمشاهدة ~~الرحمن عن زحمة الامتحان ، ووقت الحق لأهل خالصة في سلوكهم ، وإتيانهم ~~لبساط القربة أحانين الصفاء والوفاء والطمأنينة واليقين ، وجمع لهم ليعرفوا ~~أن القصد لا يتهيأ إلى بساطه إلا في هذه الأوقات المعلومة. # قال النصر آبادي : وقت الله العبادات بأوقات ليتأهب للعبد لها قبل أوانها ~~بأدائه الطهارة ، ولم يوقت المعرفة لئلا يتخلى العبد عن مراقبة المشاهدة بحال. # ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ) أي : اجتنبوا على الالتفات إلى ~~غيري في استقبالكم إلي فإني زادكم في جميع الأحوال ، ولا تحتاجون أحدا سواي ~~، وأيضا إذا أردتم أن تقطعوا أقفار الديمومية وفلوات الأزلية ، فتزودوا على ~~مراكب القلوب نور الأنانية لأرواح العاشقة في سير النيوب ، وخافوا عن فقدي ~~، فإن خير الزاد في طلب وصلي الافتقار إلي ms0067 مخافة فقدان قربى ، ( ~~واتقون يا أولي الألباب )؛ لأنكم أهل الخصوص بأنوار العقول فمن يعقلني ~~بنعت العظمة لا تسكن روعته في دار امتحاني. # وقيل : ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ) هو خطاب للخاص ؛ لأنه ~~لا زاد للعارف سوى معروفة ، ولا للمحب سوى محبوبه. # وأنشدوا : # إذا نحن أدلجنا فأنت أمامنا %~% كفي بمطايانا بلقياك هاديا # ( واتقون يا أولي الألباب ) قال الواسطي : عاقبهم لأنه أحبهم. # وقيل : أقبلوا علي يا أصحاب الفهوم السليمة ، وأعقلوا عني. # وقال أيضا : هم من الخصوص ، ولم تجعل للعموم فيهم طريقا. PageV01P081 # ( واذكروه كما هداكم ) أي : اذكروه بلسان عرفان نعمة تعريف نفسه ~~لكم ، كما هداكم إلى معرفته وخصائص قربته ، ( ثم أفيضوا من حيث ~~أفاض الناس ) أي : إذا بلغتم مقام مشاهدة المذكور بعد احتراقكم بأنوار ذكره ~~، اشتغلوا بما يشتغل العوام من رسم العبادات ؛ لكي لا تفنوا في بحار الوجد ~~( واستغفروا الله ) من فترتكم عن الأحوال واشتغالكم بالأعمال ( ~~ إن الله غفور ) تقصيركم فيما وجب عليكم حق معرفته ( رحيم ) ~~عليكم بأن يردكم إلى حالاتكم ومقاماتكم. # قال ابن عطاء : إذا عمرتم بواطنكم بذكري ، واستفرغتم الوسع فيه ؛ فارجعوا ~~إلى ما رجع إليه العوام من القيام برسوم العبودية ، واستغفروا عن اشتغالكم ~~بغيره ، ( إن الله غفور ) للمطيعين تقصيرهم في طاعاتهم ( ~~رحيم ) بالعاصين أن يردهم برحمته إلى بابه. # وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري : الإشارة فيه أن لا تعلم نفسك بما ~~تمتاز عن أشكالك في الظاهر لا بلبسه ولا بخرقة وصبغة ؛ بل يكون كواحد من ~~الناس ، وإذا خطر ببالك أنك فعلت شيئا أو بك أو لك أو منك شيء فاستغفر الله ~~عز وجل ، وجدد إيمانك فإنه شرك خفي خامر قلبك. # ( فاذكروا الله كذكركم آباءكم ) أي : فاذكروني ذكر من يعلم في ~~جميع الأحيان أنه ولده أحد ؛ لأنه ذكر لا يسقط عن الإنسان أبدا في حياته ، ~~فهكذا ينبغي ذكر خالق الآباء والأمهات ، وأيضا فاذكروني كذكر الطفل أباه في ~~جميع ما أراد ؛ لأنه يأوي إليه في جميع مراده ، وأنه يعلم أن ليس له ملجأ ~~إلا أبيه ، فأدب الله بهذه الآية شرائط المعبودية بنعت الذكر ، وأيضا ms0068 وبخ ~~الله عباده بذكرهم غير ربهم ، وهذا المعنى مبهم على أكثر المفهوم. # وقيل : معناه أنك تذكر إحسان أبيك إليك ، فتذكره بذلك أبدء وإحساني إليك ~~أقدم وأكثر ، فاذكرني كما تذكر أباك. # وقال بعضهم : اذكروني بالنعماء يرد عليك زوائد الآلاء. # وقال الواسطي : ذكر عارضي ، ودعاء عادني ، كيف يرجي بركاته أو نماؤه أو ~~زيادته. # سئل أبو يعقوب المكي كيف نذكر الحق كذكر الأب فقال : أعلم أنه إذا ضربك ، ~~فإنه أدبك لحبه لك ، وإذا سلبك فأعلم أنه أعطاك بقربه منك ، وليس يسعك سوء ~~الظن به لشفقته عليك. # وقال ابن عطاء : يوما لأصحابه اذكروا الله بألسنتكم حتى لا تتحرك لغيره ، ~~واذكروه بقلوبكم حتى لا تتفكروا لغيره ، واذكروه بأسراركم حتى تحيى به ، ~~واذكروه بأرواحكم حتى PageV01P082 # تتعلق روحكم بأنواره. # قال الشبلي : بذكر الله طلع الأكياس عن بساتين الأنس ، وبذكر الله فاز ~~الأولياء بجوائز الرحمن ، وبذكره هامت قلوب العارفين شوقا إليه. # ( ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا ~~عذاب النار (201) أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (202) ~~واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا ~~إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون (203)) # حسنة الدنيا معرفة الله وطلب مرضاته بترك الاشتغال في الدنيا ، ( ~~وفي الآخرة حسنة ) وحسنة الآخرة مشاهدة الله تعالى والاشتغال به عن نعيم ~~الآخرة ، ( وقنا عذاب النار ) أي : وقنا عذاب الحجاب باحتراقنا في ~~نيران شهوات نعيم الآخرة ، وأيضا حسنة الدنيا اليقين ، وحسنة الآخرة الكشف ~~، وأيضا بحسنة الدنيا المواجيد السرمدية ، وحسنة الآخرة الشكر بمشاهدة الحق ~~جل جلاله ، وأيضا حسنة الدنيا الذكر الصافي في خاطر صاف على دوام المراقبة ~~بلا غبار الكدورة ، وحسنة الآخرة الغيبة عن الذكر بمشاهدة المذكور. # وقيل : حسنة الدنيا الإغراض عنها ، وحسنة الآخرة ترك الاشتغال بها ، وقنا ~~نيران شهواتها فإن ما شغل عندك فهو مشئوم. # وقال الواسطي : في الدنيا حسنة الغيبة عن كل متظلم من الحق ، وفي الآخرة ~~حسنة الغيبة عن رفع الأفعال والرجوع إلى الفضل والرحمة. # وقال ابن عطاء ms0069 : القناعة بالرزق والرضا بالقضاء. # وقيل : ( في الدنيا حسنة ) محبة ، ( وفي الآخرة حسنة ) ~~قربة ، ( وقنا عذاب النار ) نيران القطيعة والفرقة ، ولا ينالون من ~~نار جهنم. # وقيل : ( في الدنيا حسنة ) ذكرك ، ( وفي الآخرة حسنة ) ~~قربك ، ( وقنا عذاب النار ) أن تحرمنا ذكرك. # ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما ~~في قلبه وهو ألد الخصام (204) وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك ~~الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (205) وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة ~~بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (206) ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات ~~الله والله رؤف بالعباد (207)) PageV01P083 # أي : ومن المدعين من يعجبك طاماته ومزخرفاته ، وما كان بخلاف خاطره ، ~~وأخبر تعالى نبيه عليه السلام أن قوما يأتونك ويتكلفون في دقائق الكلام ، ~~ويظهرون خصائص الأحوال والكرامات التي كانوا يسمعونها من أهل المعرفة ، ~~ويتوقون في الإشارات والغوامض من العلوم ، وهم بمعزل عن حقائقها ، هؤلاء ~~فراعنة الضلالة ، لسانهم لسان الأنبياء ، وقلوبهم قلوب الذباب ؛ لأن الله ~~تعالى سلب نور الإيمان عن قلوبهم ، وألبس بسط الكلام ألسنتهم ، ليس لهم في ~~مقامات الأصفياء نصيب ، ولا لهم في أغصان أشجار معارفهم وكواشفهم نصيب ، ~~ولا على قولهم اعتماد ، ولا على عهدهم اتكال ، صرف الله وجوههم عن قبلة ~~الحقيقة ، ومنعهم عن ملاحظة حق الشريعة ، وأقفل أبواب قلوبهم بختم الضلالة ~~، وحجبهم عن إدراك أنوار البصيرة حتى ليس في جرابهم من معنى الحقيقة معنى ، ~~ولهم في كل محفل من الأباطيل دعوى ، فالواجب على السالكين الإعراض عن ~~مجالستهم ؛ لأنهم أعداء الله ، وأعداء أوليائه حتى سلموا من شؤم مذهبهم ، ~~وقبح مقالتهم ، وهؤلاء أهل البدع والأهواء ، يفتنون هذه الأمة ، ويحجزهم عن ~~طريق الحق ، وينكرون أهل الإصابة ، ويغرون أهل الإرادة ، ويصدونهم عن ~~الطريقة ، والله يشهد أنهم لكاذبون في دعواهم ، يتلذذون في محاوراتهم مع ~~الصديقين بأسوأ المخاطبات ، يغري الخلق رونق لباسهم ، وزينة هيئتهم ، ~~ويجذبون قلوب الناس بحلو كلامهم ، واصفرار وجوههم ، واقصرار أكمامهم ، ~~وانتفاخ أقدامهم ، ليضعوا أقدامهم على أعناق الأنام ، ( يخادعون ~~الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم ). # وقال الأستاذ أبو القاسم ms0070 القشيري : الإشارة إلى أهل الظاهر الذين لم ~~يساعدهم أنوار البصيرة ، فهم مربوطون بأحكام الظاهر ، لا لعبرة بهذا الحديث ~~إيمان ، ولا لهذه الجملة استبصاره ، فالواجب صون الأسرار عنهم. # ( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل ) ~~فأخبر سبحانه أن هؤلاء القوم إذا خرجوا بزينة الأبرار والأتقياء ، لصرف ~~وجوه الناس إليهم ، شدوا أوساطهم في جذب الأموال ، وجر المنافع حتى فاقوا ~~على الناس كلهم ، فإذا خلوا إلى أهل العزة والفتنة ، ألقوا بذر الكفر ~~والنفاق والأهواء المختلفة في قلوبهم ، وحصدوا زرع الإيمان عن صدور ضعفاء ~~المريدين ، وقطعوا وسيلة الألف من بين السالكين في الله ، ( والله ~~لا يحب الفساد ) الإشارة فيه أي إذا كان لا يحب الفساد لا ينصر أهله ~~ويخذلهم في كل مواطن حتى لا يطيقوا أن يطفئوا نور الله بأفواه الضلالة عن ~~سرج قلوب المؤمنين. # ( وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ) أي : إذا قيل ~~لهؤلاء المفسدين المدعين اتقوا الله ولا تظهر خلاف ما تضمرون عن أمر ربهم ، ~~واستكبروا وتجبروا وأكثروا فسادهم ؛ PageV01P084 # لأنهم عموا عن رؤية قبائحهم وسواء أفعالهم وهم يظنون أنهم أشرف خلق الله ~~، لذلك لا يقبلون النصيحة ، ولا يلتفتون إلى أهل الحقيقة ، وإذا أمرهم ~~بمعروف فلا ينتهون لجهلهم على أنفسهم ويحسبون أنهم مهتدون ، استولت عليهم ~~حمية الجاهلية ، واغترتهم شقوق الضلالة ، ودمرهم كبرهم في مهالك الشقاوة ، ~~أعاذنا الله من صحبتهم ورؤيتهم. # ( فحسبه جهنم ولبئس المهاد ) أي : حسبهم نيران الغفلات ، وظلمة ~~الجهليات ؛ لأن من احتجب بسوء عمله من الله ومن صحبة أوليائه فهو في عذاب ~~الأكبر ، حيث لا يرى طرق الرشاد وهو في أقبح المهاد يعني سهاد الكفر التي ~~ترضعه فيها نفس الأمارة ألبان الشهوة من ثدي الضلالة. # ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين (208)) # أي : أدخلوا في قباب اعتصام الحق بنعت الاستعاذة حتى تصيروا ساكنين تحت ~~مجاري الأقدار ، راضين في حقيقة الاختيار ، معرضين عن الكائنات ، مصرين ~~غيوبات الملكوت ، شاهدين بأنوار الجبروت ، منقادين لأحكامه ، متأهبين لذبح ~~النفوس طالبا لمرضاته وشوقا إلى ms0071 لقائه. # وقيل : السلم هو الرضا بالقضاء. # قال الجنيد رحمه الله تعالى قال ابن عطاء : اتباع الأوامر والنواهي. # وقال أبو عثمان : السلم هو الخمود تحت مجاري القدرة لك وعليك. # ( فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز ~~حكيم (209) هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي ~~الأمر وإلى الله ترجع الأمور (210) سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ~~ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب (211) زين للذين ~~كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم ~~القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب (212) كان الناس أمة واحدة فبعث الله ~~النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا ~~بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم (213) أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين ~~خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا PageV01P085 # معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب (214) يسئلونك ما ذا ~~ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم (215)) # قوله تعالى : ( فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات ) الإشارة ~~فيه أن من عرف الحق بنعت الألوهية ، ورجع من قربه إلى وطنات نفسه ، فقد ~~أشرك وعقوبته أن عجبه الحق عن وصله ومشاهدته ، ولم يؤمنه غيرة الحق على ~~أسراره ما عاش وإن كان في العبودية طاش. # ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ) (1) أي : هل ~~ينظرون أهل الغيرة في المحبة إلا إقبال جمال الحق إليهم في لباس المجهول ، ~~فإدخالهم في قباب العصمة ، وغيبتهم في جلال العصمة ، حين أسبل الحق عليهم ~~نقاب الكبرياء حتى يتجلى بمشاهدة الخاص ؛ لأنهم أهل الغيرة ، فسترهم بغيم ~~النكرة ، وشوق لهم بنور الصمدية وجلال الأبدية ، ( وقضي ms0072 الأمر ) أي ~~: قضي ما سبق لهم من العناية الخاصة ، والمنن الأزلية. # وقال جعفر : هل ينظرون إلا إقبال الله عليهم بالعصمة والتوفيق ، فيكشف ~~عنهم أستار الغفلة ، فيشهدون بره ولطفه ؛ بل يشاهدون البار اللطيف ، ( ~~ وقضي الأمر ). # قيل : وصلوا إلى ما سبق لهم في الأزل من إحدى المنزلتين. # وقال جعفر : ( وقضي الأمر ) وكشف عن حقيقة الأمر ومغيبه. # ( سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ) وبخ الله تعالى قوما ~~من المستدرجين الذين لم يشكروا الله تعالى فيما نالوا منه من خصائص ~~المقامات والكرامات ورؤية حقائق الآيات بأداء الصدق والإنصاف مع أهل القصة ~~من الأنبياء والأولياء من استشارهم رئاسة الخلق على مرافقة الحق ، وإنكارهم ~~على أوليائه ، وتغيرهم أمانة الله تعالى التي خص الله بها خواص عباده ، ~~باعوا اليقين بالوهم ، والعزيمة بالوهن ، فمسخ الله قلوبهم طمسا بذهاب ~~نورها حتى بقوا في ظلمة الحجاب وهو أشد العذاب ، كما قال الله تعالى : ( ~~ ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب ) وخوف ~~بهذا التوبيخ أهل معرفته ومحبته لئلا يلتقوا إلى الدنيا وأهلها ، ويشكروا ~~نعمة عرفان قربه ببذل الأرواح في وجدان نور الربوبية ، وتحول الأشباح بشرط ~~الخشوع في حق العبودية. # ( زين للذين كفروا الحياة الدنيا ) أي : زين للذين اغتروا بعاجل ~~الكرامات ، PageV01P086 # وقبولهم بين الخلق بإظهارهم الفراسات ، وحجبهم بها عن درجات المشاهدات ، ~~ورؤية ما سبق للأولياء من الرعايات والعنايات ، ( ويسخرون من الذين ~~آمنوا ) أي : يتهاونون أهل المواجيد الذين سبقوا بنور العصمة ، وغابوا في ~~مشاهدة مولاهم عن المكر والخديعة. # وقال جعفر : زين للذين جحدوا التوكل زينة الحياة الدنيا حتى جمعوها ، ~~وافتخروا بها ، ( ويسخرون من الذين آمنوا ) من الذين توكلوا على ~~الله في جميع أمورهم ، ونبذوا تدابيرهم وراء ظهورهم ، فأعرضوا عنها وهم ~~الفقراء الصبر الراضون. # ( كان الناس أمة واحدة ) يعني في ميثاق الأول حين خاطبهم الحق ~~سبحانه وتعالى جل سلطانه بتعريف نفسه لهم ، حيث قال : ( ألست بربكم ~~قالوا بلى ) [الأعراف : 172] ، كانوا أمة واحدة في إقرارهم برؤية خالقهم ، ~~وإلزام عبوديته على أنفسهم لما رأوا من عظم برهانه ، وشواهد سلطانه ms0073 ، وما ~~سمعوا من عجائب كلامه ، وما أدركوا من أنوار قربه وصفاته وذلك الجمعية قبل ~~أن يبتليهم الله بالعبودية ، فلما اختبرهم ببلايا العبودية إلى الدنيا ، ~~فتفرقوا جميعا ، فأهل الصفوة ساعدهم التوفيق ، فبقوا على المشاهدة والقربة ~~، وإدراك أنوار الصفوة ، ثابتين في دفع حطام الدنيا عن مجالس أسرارهم مع ~~سيدهم ، مستقيمين في خدمته بلا طلب الأعواض من الكرامات ، مقتصدين في سلوك ~~المعرفة والمحبة ، فأنزل الله سكينته في قلوبهم ، ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم ، فلا جرم ما زاغوا عن طريق الاستقامة ، وما زاغوا عن مشاهدة ~~الحبيب إلى حضرة الدنيا وشهوتها ، وما باعوا كرامة الحق بالدنيا الدنية ، ( ~~ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ~~وما بدلوا تبديلا ) [الأحزاب : 23] ، وأما أهل الخذلان فأوبقهم الحق في ~~ظلمه هواء نفوسهم حتى استأثروا الدنيا على الآخرة ، ونسوا عهد الله ، ~~ونزلوا على مراد الهوى ، وتركوا نعيم الرضا ، ومالوا عن طريق الهدى إلى ~~مضلة الضلال ودول الجهال ، وأيضا كانوا بعد كونهم من العدم جملة في غيبة من ~~الحق قبل خطاب الحق معهم ، وكشف قربه لهم فإذا كشف الله عنهم حجب الإنسانية ~~، وأراهم مشاهدة القربة ، فتفرقوا جميعا في شعب المعارف والكواشف ، فبعضهم ~~صادقوا حقائق المقامات فوقفوا بها على شرط العبودية ، وبعضهم صادقوا لطائف ~~الحالات فبقوا فيها متنعمين بمشاهدة الربوبية ، وبعضهم نالوا خصائص ~~الكرامات والمعجزات فشاهدوها بشرط أداء الأمانة ، وبعضهم أدركوا صرف ~~المشاهدة من الحق جل كبرياؤه فتاهوا في وادي العظمة ، وطاروا في هواء ~~الهوية ، وساروا في فقار الديمومية ، وأما أهل الحرمان فصادقوا في أول ~~نهوضهم من زمرة الوحدة مهالك القهريات ، فغابوا في شعاب الضلالات ، فبعضهم ~~تهودوا ، وبعضهم تنصروا ، وبعضهم تزندقوا ، وبهذا جف القلم إلى يوم ليس لهم ~~في الإيمان PageV01P087 # والخذلان اكتساب ؛ لأنه اختيار الله الذي قد سبق لهم في العدم ، وختم به ~~القضاء المبرم ، ومن هاهنا تفرقت القلوب وانشقاقها عن الموبقات ؛ لأن ~~الأرواح جنود مجندة. # ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ~~) أي : حسبتم أن تدخلوا جنان المشاهدة ، ومجالس الأنس بنور المكاشفة ms0074 قبل ~~ممارستكم مقاساة المراقبة والمحاسبة والمجاهدة ، وأيضا أحسبتم يا أوليائي ~~أن تدخلوا جنة الوصلة والقربة كأنبيائه الذين سبق لهم منا مقام النبوة بلا ~~مؤن المجاهدة وليس هذه المنزلة لغير الأنبياء ولهم خاصة كرامة لهم تشريفا ~~وتوقيرا وتفضيلا على جميع الخلق. # ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير ~~لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216) ~~يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر ~~به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ~~ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن ~~دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون (217) إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل ~~الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم (218)) # قوله تعالى : ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم ) أخبر سبحانه أن ~~مقاومة النفس ومخالفتها صعب على صاحبها ؛ لكن في درب كل خلق دنا في نيران ~~المجاهدة انفتاح كنز من كنوز الحقائق من الفراسات والكرامات والمناجاة ~~والمكاشفات والمشاهدات ؛ لأن النفس الحجاب الكلي يحجب القلب عن مشاهدة ~~الملكوت ، ورؤية أنوار الجبروت ، وسنة الله قد مضت بأن من خالف نفسه وهواه ~~فقد استن محجة المثلى وأدرك ممالك العليا ، ورقي مدارج المكاشفات ، وبلغ ~~معارج المشاهدات ؛ لأن مخالفة النفس هي موافقة للقلب ، ومن وافق قلبه أنس ~~سعادة الكبرى ، ونال منزلة الأعلى ؛ لأن من باشر أنوار القلب فقد باشر أمر ~~الحق ، ومن أدرك الحق بوصف الإلهام باشر سره نور الحكمة ، ومن أدرك نور ~~الحكمة فقد أبصر نور معرفته ، ومن أبصر نور معرفته عاين حقيقة الكل بالكل ، ~~وقد استمسك بالعروة الوثقى ، وهي مشاهدة مولاه ، فأين هذه المنزلة والمرتبة ~~في هوا حسن حظوظ البشرية ، وحصول النفس عند توقانها نفائس الشهوة ؛ بل ~~الأمر المعظم في قتال النفس ، وقمع شهواتها ، وقلع صفاتها عنها حتى تصير ~~مطمئنة ساكنة تحت قضاء الحق ، وبقي القلب ms0075 فارغا عن وساوسها ، وسر عالم ~~الملكوت بنور البصيرة ، كما قال عليه السلام : «لو لا أن الشياطين يحومون ~~على قلوب بني آدم لنظروا PageV01P088 # إلى ملكوت السماء» (1). # ( يسئلونك عن الشهر الحرام ) أي : أقل أحانين إقبال الحق على ~~العبادة بنعت بسط آلاء مشاهدة القربة ، وازدياد المعرفة على أهل الصفوة ، ~~مقرونة بظهور أنوار جماله ، مسابقة لهم بشرط الإرادة القديمة في أكناف طلاب ~~المشاهدة في إزالة مرسومها ، متفاوتة بتفاوت بروز سناء تجلي الجلال والجمال ~~في تقليب دهور الحوادث ، فأشجار بساتين الأسحار الأطيار أرواح الأخيار ، ~~وأنوار النهار المبرز بنور القدس لأشباح الأبرار ، ولكل وقت من أوقات ~~انكشاف نور الحضرة حرمة بقدر وقوع وقائع أهل القصة والخطرات فيها من النفوس ~~الأمارة أعظم وهواجسها أكبر ؛ لأن الأجرام في مواطن قربه أسخن حجابا ، ~~والحروب في بواطن الأنس أسرع عقابا. # ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) ~~الحساد لا يزالون يمكرون بأولياء الله لكي يوبقهم بأعين الحسادة ، وأنفس ~~الأمارة ؛ لأنهم لا يطيقون أن يروا نعم الله على أحبائه وأوليائه ، ( ~~ حسدا من عند أنفسهم ) وأحسد الخلق بأصفيائه هو الشيطان الذي كل وقت ~~يترصد فأتهم ، فالإشارة فيه من الله تعالى لأوليائه أنه يحذرهم من غرة ~~العدو ؛ لأنه يحسد بهم نفاسة عليهم بوجدان مشاهدة حضرته ، ونوال قربته ؛ ~~لأن من نكص على عقب النفس بعد إدراك معرفة الحق فقد هلك مع الهالكين ، وسقط ~~عن درجة السالكين العارفين ، وبقي في حجاب الغفلة ، وظلمات الجهل مع ~~الجاهلين ، نعوذ بالله من الخذلان بعد وجدان الإيمان والعرفان. # ( يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ~~وإثمهما أكبر من نفعهما ويسئلونك ما ذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم ~~الآيات لعلكم تتفكرون (219) في الدنيا والآخرة ويسئلونك عن اليتامى قل ~~إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء ~~الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم (220) ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة ~~مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن ~~خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون ms0076 إلى النار والله يدعوا إلى الجنة ~~والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون (221) ويسئلونك عن المحيض ~~قل هو أذى فاعتزلوا النساء في PageV01P089 # المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم ~~الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (222) نساؤكم حرث لكم فأتوا ~~حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر ~~المؤمنين (223) ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين ~~الناس والله سميع عليم (224) لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم (225) للذين يؤلون من نسائهم تربص ~~أربعة أشهر فإن فاؤ فإن الله غفور رحيم (226) وإن عزموا الطلاق فإن الله ~~سميع عليم (227) والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ~~ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن ~~في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة ~~والله عزيز حكيم (228)) # قوله تعالى : ( يسئلونك عن الخمر والميسر ) الخمر حب ما سوى الله ~~؛ لأن زيغ بصر السر عن مشاهدة الحضرة إلى الكون بنعت استحسانه حجاب العقل ~~الكل إذا خامر النفس سر القلب باشره الغفلة ، وسكرت بإدراك هواها وحظوظها ، ~~وسقطت عن مباشرة العبودية ، وبتأثيرها احتجبت الروح عن معاينة الآخرة ، ~~وبقيت في حجاب النفس عن الوصال ، والمقام والمشاهدة ، ( والميسر ) ~~حبل الشيطان والنفس مع القلب ، فإذا مال القلب إلى شهوة النفس فقد قامرها ~~وصار مقمورا مسلوب الإيمان والعرفان ، ( قل فيهما إثم كبير ) أن ~~ظلمة الخمر تطفي نور العقل ، ويقوي طرب النفس الأمارة فإذا خمد نور العقل ، ~~وارتفعت ظلمة الجهل تفسد النفس مقام الإيمان ، وتخربه وهو القلب ، وإذا كان ~~القلب خرابا ومنبع الإيمان مضمحلا ، فهو قريب من الكفر ، والكفر آخر الإثم ~~واللعب بالنرد ، وأمثال ذلك ، كأنه يعبد الأوثان ؛ لأن في الأشغال به ~~اشتباه نور الإيمان تمثال النرد والشطرنج ، وتخيل الفهم صور الخيال ، وهذا ~~أول أسباب الشرك لأنهما أما جميع الخبائث ، ( ومنافع للناس ) أي : ~~معرفة أفاتهما وسوء عاقبة من يشغل بهما ، وأيضا في ms0077 زوالهما منافع للناس. # وقيل : فيهما في تناولهما منافع للناس في تركهما ، ( ويسئلونك ما ~~ذا ينفقون قل العفو ) العفو عند العارفين ما سوى الحق من الكونين ، يعني ~~اتركوا إلى ما شغلكم عني وإن كان لكم فيها خصاصة حتى يكون لكم ذخرا في جميع ~~أنفاسكم عوضا لما تركتم ، فالخواص ينفقون ما يحبون طالبا لمرضاته وتركا ~~لمرادهم ؛ لأن الحق سبحانه لا يزيد أوليائه شهوة PageV01P090 # الكونين والعالمين غيرة على أحوالهم وصونا لأسرارهم ، والعوام ينفقوا ~~زوائد أموالهم حصنا لها وحرصا بها. # ( كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ) أي : لعلكم تقطعون ~~بواديهما بأجنحة الأفكار ليخلص قلوبكم عن وجودهما أنوار أفعال الحق وحسن ~~صنعته القديم ، وبه تبصرون فيهما نور صفاته لتبلغوا به مشاهدة حسن جلال ~~ذاته ، وأيضا لعلكم تبصرون بعين التفكر على صورة الدنيا لباس قهره ، خدع ~~أعدائه ليحتجبوا بزهرة الدنيا عن معرفته ، وعلى صورة الآخرة لباس لطفه ~~ابتلاء به أوليائه ، وليختبرهم بلذة الآخرة حتى يظهر صدق دعواهم في محبته ~~عن رعونات بشريتهم. # وقيل : ( لعلكم تتفكرون ) في الدنيا والآخرة أي أنهما ، ~~والاشتغال بهما مما يقطعان عن الحق. # وقيل : أنهما على مكر وخديعة. # ألا ترى أن طاوسا لما قرأ : ( إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ~~فاكهون ) [يس : 55] ، فقال لو علموا عما نهاهم ما اشتغلوا به. # ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) أي : يحب التوابين عن ~~وقوفهم في المقامات ، ويحب المتطهرين بنور المعرفة عن غبار الكائنات ، ~~وأيضا التوابين عن طلبهم إدراك بطنان القدم بالعقول الناقصة والعلوم ~~المحدثة ، والمطهرين عن رؤية مقدارهم عن صدمة قهر الكبرياء وسلطان العظمة. # وقال بعضهم : راجعين إليه في كل خطرة من قلبه ، وكل حركة من جوارحه. # وقيل : يحب التوابين من الزلة ، ويحب المتطهرين من التوهم. # وقيل : يحب التوابين من الذنوب ، والمتطهرين من العيوب. # وقال ابن عطاء : يحب التوابين من أفعالهم ، والمتطهرين من أحوالهم ، وهم ~~قائمون مع الله بلا علاقة ولا سبب. # قال جعفر : يجب التوابين من [خواطرهم] والمتطهرين من إرادتهم. # وقال محمد بن علي : التوابين من توبتهم ، والمتطهرين من إرادتهم ، وقال ~~أيضا : التوابين من ms0078 توبتهم ، والمتطهرين من طهارتهم. # وقال أبو يزيد : التوبة من الذنب واحد ، ومن الطاعة ألف. # وقال النصر آبادي : أن الله أثنى عليك ، وجعل لك قيمة حين قال : ( ~~ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ). PageV01P091 # وقال الجنيد : دخلت على السري وعليه هم فقال : دخل على فتى من البغداديين ~~، فسألني عن شرح التوبة ، فأجبته ، فقال لي : وما حقيقتها ، فقلت : أن لا ~~تنسى ما من أجله تبت ، فقال الغلام : ليس هو هكذا ، قال الجنيد فقلت : صدق ~~الفتى ، فقال : وكيف هذا؟ قال الجنيد : إذا كنت في حال الجفاء ، فينقلني ~~إلى حال الصفاء ، فذكرى الجفاء عند الصفا وحشه. # ( نساؤكم حرث لكم ... ) الآية (1) علم الله عباده أدب المباشرة ~~بشرط التقوى ، وصدق بالنية في شروعه في مطالبة النفس حتى لا ينسوه في جميع ~~أحوالهم ، ويكون صحبتهم لله إلا بإجراء الشهوة. # وقال الواسطي : قدموا نية صادقة في جماعكم ، وعفة فيما حرم عليكم ، فإن ~~ركوب الشهوة من غير نية صادقة غفلة عظيمة. # ( الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا ~~يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ~~ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون (229) فإن طلقها فلا تحل له من بعد ~~حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما ~~حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون (230) وإذا طلقتم النساء ~~فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ~~ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله ~~عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن ~~الله بكل شيء عليم (231) وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ~~ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن ~~بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون (232) ~~والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ms0079 لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة ~~بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض ~~منهما وتشاور فلا جناح PageV01P092 # عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا ~~سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير ~~(233) والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ~~فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما ~~تعملون خبير (234) ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم ~~في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا ~~قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله ~~يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم (235) لا جناح عليكم ~~إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره ~~وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين (236) وإن طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا ~~الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن ~~الله بما تعملون بصير (237)) # قوله تعالى : ( الطلاق مرتان ) (1) أحدهما طلاق النفس وشهواتها ~~والدنيا وما فيها ، والثاني طلاق الآخرة وما فيها ، فينبغي للعارف أن ~~يطلقهما ؛ لأن عروس مشاهدة الحق غاز على قلوب المحبين والعاشقين والمشتاقين ~~أن يكون لهم شيء دون الله. # وقيل : ندب إلى تفريق الطلاق لئلا يتسارع إلى إتمام الفراق. # ( إن الذين آمنوا ) وصف الله تعالى أهل العناية الذين صدقوا فيها ~~عاينوا في علم الأزل من مشاهدة القدم ، وفيها سمعوا من خطاب الحسن بنعت ~~تعريفه لهم جلاله وجماله وعظمته وصمديته وكبريائه وقدرته وحكمته ، ( ~~ والذين هاجروا ) من الحدثان إلى مشاهدة الرحمن ، ( وجاهدوا ~~) في العبودية للزوم حق الربوبية عليهم ، ( في سبيل الله ) ما بين ~~مقاديره بنعت الرضا في مراده ، ( أولئك يرجون رحمت الله ) وصاله ~~وقربه ms0080 ، ( والله غفور ) تقصيره في تزكية الأشباح ، ( رحيم ~~) بهم في تربية الأرواح. PageV01P093 # ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (238) ~~فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا ~~تعلمون (239) والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى ~~الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف ~~والله عزيز حكيم (240)) # قوله تعالى : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) المحافظة ~~شهود السر مقام الغيب ، وخمود النفس عن دواعي الرب ، ومراقبة القلب أنوار ~~الكشف ، ورعاية الروح مشاهدة الوصل ، ومراعاة الأدب ظاهرا وباطنا ، فأما ~~الظاهر بإقامة الحدود في أركانها ، وأما الباطن فبدفع الخواطر المذمومة ~~الشاغلة عن رؤية الآخرة ، ثم الغيبة عن الأركان والرسوم برؤية الحق جل ~~جلاله في صلاته ، ثم الفناء في حقائق المشاهدة عن ملاحظة وجوده لغلبة سكر ~~الوجد ، ومن هذا حاله فهو غائب في سر الاصطلام ، ولا يعلم كيفية صلاته ~~لغلبة الوقت ولا غيب عليه ؛ لأنه قد بلغ مقام المشاهدة ، وهذا مقصود الصلاة ~~، وهو إشارة النبي صلى الله عليه وسلم لقوله : «اعبد الله كأنك تراه ، فإن لم ~~تكن تراه ، فإنه يراك» (1)، لكن صورة الأحكام تجري على العارف ، ويحفظها ~~عليه ، وإن لم يعلم شأنه فيها ، فهؤلاء القوم يغيبون عن الظاهر لشغل الباطن ~~، والعامة يغيبون عن الباطن شغلا بالظاهر ، فشتان ما بين الطائفتين ، ~~فالعوام طاحوا في أودية الغفلات ، فيزينون أحكام الظاهر ، وأهل المعرفة ~~طاروا في عالم المشاهدات في غيبة عن رسوم الأحكام استغراقا في بحر أنوار ~~مشاهدات ذو الجلال والإكرام ، وأبهم صلاة الوسطى لمراعاة جميع الأوقات ، ~~ومراقبة أحانين المكاشفات. # ( وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين (241) كذلك يبين ~~الله لكم آياته لعلكم تعقلون (242) ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ~~ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يشكرون (243) وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله ~~سميع عليم (244) من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ~~والله يقبض ويبصط ms0081 وإليه ترجعون (245) ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من ~~بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم ~~إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا PageV01P094 # قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا ~~وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين ~~(246) وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له ~~الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه ~~عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم ~~(247) وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم ~~وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن ~~كنتم مؤمنين (248)) # قوله تعالى : ( وللمطلقات متاع بالمعروف ) جعل لهن المتاع تسلية ~~لقلوبهن لأنهن كابدن مقاساة الفراق لئلا يتضاعف لهن البلايا بلاء الهجران ~~وبلاء الحرمان. # ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) القرض الحسن بذل الوجود مع ~~الحياء ، والخجل معرفة على تقصيره ، وفناء أطماع الأعواض ، والفرح بمخاطبة ~~الحق معه ، وأيضا استقرض من عباده ما أعطاهم لتربية لهم ، ويزيد فضله على فضله. # وقيل : مال القرض لتربة الفقراء. # وقيل : القرض الحسن ما لا يطالع عليه الجزاء ، ولا يطلب بسببه العوض. # وقال بعضهم : ملكك ثم اشترى منك ليثبت لك معه نسبة ، ثم استقرض منك مما ~~اشتراه ، ثم وعدك عليه العوض أضعفا ، بين فيه أن عطاياه ونعمه بعيدتان أن ~~تكون مشوبا بالعلل. # ( والله يقبض ويبصط ) يقبض أرواح الموحدين بقبضة الجبروتية في ~~نور الأزلية ، ويبسط أسرار العارفين من قبضة الكبرياء ، وينشرها في مشاهدة ~~سناء الأبدية ، وأيضا يقبض المشتاقين في رفاق التوحيد ، فيتجلى لهم مشاهدة ~~العظمة ، ويبسط العاشقين في حجال الأنس ، فيتجلى لهم مشاهدة الجمال ، وصرف ~~القربة. # ويقال : القبض سره ، والبسط كشفه. # ويقال : القبض للمريدين ، والبسط للمرادين. # ويقال : القبض للمشتاقين ، والبسط للعارفين. # ويقال : القبض لمن تولى عن الحق ، والبسط لمن ms0082 تجلى له الحق. # ويقال : يقبضك إياه ، ويبسطك إياه. # قال الواسطي : يقبضك عما لك ، ويبسطك فيما عليه. PageV01P095 # وقال البغداديون : يقبض أي يوحش أهل صفوته من رؤية الكرامات ليصغرهم ، ~~يبسطهم بالنظر إلى الكرم. # ( وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله ) أي : بعد ما مكننا بنور ~~المعرفة ، وذوق المحبة ، ومصاحبة المرسلين ، وآيات النبوة ، وإدراك مقام ~~الشهادة ، وأيضا أي بعد معرفتنا أن الله تعالى مع أوليائه براية النصر ~~والظفر ، وأن من أوصاف أهل المحبة المحاربة مع أعدائه. # وقال فارس : لا يتجرد للحق من هو قائم مع الحق بسبب أو علاقة أو سكون أو مسكن. # ( فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب ~~منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا ~~قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت ~~وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ~~بإذن الله والله مع الصابرين (249) ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا ~~أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (250) فهزموهم ~~بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولو لا ~~دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ~~(251) تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين (252)) # قوله تعالى : ( إن الله مبتليكم بنهر ... ) الآية امتحنهم ~~بمجاهدة نفوسهم قبل محاربة عدوهم ، لينظر كيف يكون خلوصهم من جهاد الأكبر ~~قبل شروعهم في جهاد الأصغر ؛ لأن من يعجز عن مجاهدة نفسه لا يصلح لمحاربة ~~غيره ، وتصديق ذلك قوله تعالى في حق المبتلين الذين تجاوزوا عن الحد الذي ~~سنن لهم وشربوا من النهر أكثر ما أمرهم ( قالوا لا طاقة لنا اليوم ~~بجالوت وجنوده ) والذين أخرجوا عن محاربة نفوسهم ، وصرعوها في ميادين الذل ~~والإهانة ، فيصلحون لجهاد الكفار ، كما قال الله تعالى : ( قال ~~الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~والله مع الصابرين ) وهذا ms0083 مثل ضربه الله للدنيا ومن يطلبها ؛ لأن الدنيا ~~نهر الشهوات ، أجرى الله تعالى بين الخلائق لامتحان العباد ليضل بها قوما ~~ويهدي بها قوما ، من شرب منها بقدر الضرورة لقوة العبادة يعبرها بشرط ~~الانفراد ، فإنه من أهل الإيقان والعرفان ، ويهدي إلى مشاهدة PageV01P096 # الرحمن ، ومن شرب منها بفرط الحرص لإبغاء الغفلة قوة للمعصية ، يضل عن ~~سبيل الرشاد ، ولا يملأ جوفه منه أبدا حتى يدخل إلى النيران ، وضرب الله ~~تعالى أيضا هذا المثل في قصتهم لينظر الناظر فيه بعين الاعتبار ولاقتباس ~~الأنوار ( فلما فصل طالوت بالجنود ) الطالوت هنا الروح ، وهي ملك ~~الباطن ، ومثل داوود نبي الله عليه السلام العقل وجنوده القلب وملك الهام ~~والعلم والفهم والإدراك والخواض ، ومثل جالوت عدو الله الشيطان وجنده خيل ~~الخيال وأعوان الشهوات ، فأمر الله تعالى الروح بالمحاربة معه اختبارا ~~للنفس الأمارة ، فلما فصلت الروح بجنودها ، ( قال إن الله مبتليكم ~~بنهر ) يعني نهر الشهوة الذي تشرب منه النفس بكأس الغفلة ، وأضافت إليهم ~~الشرب ؛ لأن الروح مقدسة عن رجس البشرية ، ( فمن شرب منه فليس مني ~~) أي : ليس من عالم الروحانيات ، وليس من أهل المكاشفة الصفات ، ( ~~ومن لم يطعمه فإنه مني ) أي : من نور القدس وعالم الأنس ، ( إلا من ~~اغترف غرفة بيده ) (1) أي : القلب والحواس والنفس يغترفون بقدر الترفة حتى ~~لم يحترفوا في جوار الروح بنيران المحبة والمواجيد التي يحصل منه نور ~~المعرفة ، ( فشربوا منه ) يعني النفس وأعوانها ؛ لأنهم من ملكوت ~~الأرض ، لأجل ذلك مالوا إلى طعمة الطبيعية ، ( إلا قليلا منهم ) أي ~~: العقل والملك ؛ لأنهما من ملكوت السماء وليس لها إلا لذة التربية ، أما ~~شرب القلب قدر الكفاية ؛ لأنه ممزوج بخلاصة الجسم ، ( فلما جاوزه ~~هو والذين آمنوا معه ) أي : الروح والعقل والملك والقلب والحواس ، ( ~~ قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله ) أي : بقول أعيان الروح الذين ~~يوقنون كشف العيان بعد مجاهدة الشيطان ، ( كم من فئة قليلة غلبت ~~فئة كثيرة بإذن الله ) كم من فئة قليلة بالعدد معها نور اليقين ، ( ~~غلبت فئة كثيرة ) التي ليس معها النصر من عند الله ، ( والله مع ~~الصابرين ms0084 ) الذين وقفوا على مراد الحق بنعت الرضا والتسليم ورؤية كرمه ~~القديم وتسليمهم من مباشرتهم حظ مشاهدة الحق. # ( ولما برزوا لجالوت وجنوده ) أي : برز الروح وجندها للشيطان ~~وجنده ، ( قالوا ) أي : الذي عاينوا بنور الإيمان جمال المشاهدة ، ~~( ربنا أفرغ علينا صبرا ) أي : PageV01P097 # احبسنا بلذة المحبة حتى يقف في بساط الحرمة ، ويشرب مرارة المحنة بجمال ~~المشاهدة ، ( وثبت أقدامنا ) في صدمة القهر ، ( وانصرنا ~~على القوم الكافرين ) على الشيطان وجنده ، ( فهزموهم ) يعني جند ~~الله ، ( بإذن الله ) بالله الشيطان وجنده ، ( وقتل داود ~~جالوت ) يعني العقل الشيطان ، ( وآتاه الله الملك ) يعني سلطنته ~~وولاية القلب على جميع الجنود النفس وأعوانها ، ( والحكمة ) يعني ~~المعرفة على أحكام المحبة والقربة والمشاهدة والمكاشفة. # قال عبد العزيز : يقال أن داود عليه السلام رمى بثلاثة أحجار ، وفي ~~الإشارة إنه رمى بالنفس ، وطلق الدنيا ، وخلف الهوى ، فهزم الله جالوت ~~الشيطان وقتل. # ( وعلمه مما يشاء ) أي : من علوم الغيب حتى صارت منفردة بالرؤية ~~مشاهدة الغيب وعجائبه ، ( ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض ) أي : ~~دفعه بجنود الملكوتية جنود الإنسانية ، ( لفسدت الأرض ) يعني منظر ~~نور الإيمان والمعرفة في صدر طلاب المشاهدة والقربة ، ( ولكن الله ~~ذو فضل على العالمين ) يعني يتجلى العالم الأرواح فيغلبن على النفوس ~~الأمارة والشياطين المردة ، وأيضا يتجلى بمشاهدة القهر لعالم النفوس ~~والشياطين حتى يسرفوا بمطامعهم بعض حقائق القلوب من عالم الأرواح ، وتجربوا ~~ديوان الناقل في ديوان الغيب. # قال أبو عثمان : أن هذا مثل ضربه الله للدنيا وأهلها ، يعني النهر أن من ~~أطمأن إليها وأكثر منها فليس من الله في شيء ، ومن أعرض عنها ومقتها فهو ~~الذي هيأه الله لقربة ، إلا من تناول منها مقدار ما يقيم صلبه للطاعة. # وقيل في قوله تعالى : ( فشربوا منه إلا قليلا ) يعني أي : فاطمأن ~~إليها إلا قليلا منهم ، وهم الذين حفظهم الله من وساوس الشيطان ؛ لأن ( ~~ عبادي ليس لك عليهم سلطان ) [الحجر : 42]. # وقال النصر آبادي : من مد يده إلى الحلال بحرص وشره أداه ذلك إلى الشبه ، ~~ومن لم يبال من الشبه جره ذلك إلى الحرام النص. # ( تلك الرسل فضلنا ms0085 بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم ~~درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما ~~اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ~~ومنهم من كفر ولو PageV01P098 # شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (253) يا أيها ~~الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا ~~شفاعة والكافرون هم الظالمون (254)) # قوله تعالى : ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ) فضل أنبياء ~~بعضهم على بعض تطيب لقلوب أوليائه ؛ لأنهم أهل غيرة الحق ، وأيضا حتى لا ~~يسكنوا عن طلب زيادة المقامات والدرجات ، وأيضا حتى لا يركن بعضهم إلى بعض ~~في حقائق المعرفة والمحبة. # وقال أبو بكر الفارسي الصوفي : ما خلق الله شيئا إلا متفاضلا متفاوتا ~~أقدارهم حتى الرسل. # قال الله عز وجل : ( تلك الرسل فضلنا بعضهم ) ليعلم بذلك نقص ~~الخلق ، وكماله تعالى عز وجل . # ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما ~~في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات ~~والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم (255)) # قوله تعالى : ( الله لا إله إلا هو ) قطع بما أبدء من وصف ~~ألوهيته عن قلوب عباده أسباب العبودية ؛ لأن العبودية تكون عرفان الربوبية ~~، لأجل ذلك ذكر نفسه في أول إظهار وجوده ، وأيضا كشف عن نفسه بوصفه لعباده ~~حتى أثبتهم ببروز سلطنته في قلوبهم عند خطرات الهجران عند قوله ، وأيضا دعا ~~الخلق بنفسه إلى نفسه قبل ذكر الأسباب حتى حيرهم به فيه ، وأيضا رسخ أشجار ~~المحبة في سواقي أسرار أهل المعرفة بذكره ألوهيته قبل كل شيء ، ثم ذكر ~~ليحيرهم في سراب العدم ، ثم كشف لهم عن جمال القدم ، وأيضا أفرد قدمه عن ~~العدم ، وأيضا ضرب سرادق التنزيه على سواحل بحر التوحيد قوله : ( ~~إلا هو ) أزال العلل عن قدس الأزل ms0086 ، وكشف بالأزل عن الأزل. # سئل ابن منصور رحمة الله عليه عن هذه الآية ؛ فقال : لا إله إلا الله ~~يقتضي شيئين : إزالة العلة عن الربوبية ، وتنزيه الحق عن الدرك. # وقال ابن عطاء : صدق قبول لا إله إلا الله الصبر ، وبه ثبت على إيمانه ~~والصدق ، وبه اجتهد في الطاعات لربه في سره وإعلانه وإنفاق من ماله مبتغيا ~~به رضاه حتى لا يبقى لنفسه مدخرا غير خالقه ، والخلوة بربه في الأسحار ~~وإظهار الافتقار بلسان الاستغفار نادما على عصيانه خائفا من هجرانه. PageV01P099 # وقال أيضا : يحتاج مع قائل لا إله إلا الله ثلاثة أنوار نور الهداية ، ~~ونور الكفاية ، ونور العناية ، فمتى من الله عليه بنور الهداية فهو من ~~خواصه ، ومتى من عليه بأنوار الكفاية فهو معصوم من الكبائر والفواحش ، ومتى ~~من عليه بأنوار العناية فهو محفوظ من الخطرات الفاسدة. # وقال بعضهم : يحتاج قائل لا إله إلا الله إلى أربع خصال : تصديق ، وتعظيم ~~، وحلاوة ، وحرمة ، فمن لم يكن له تصديق فهو منافق ، ومن لم يكن له تعظيم ~~فهو مبتدع ، ومن لم يكن له حلاوة فهو مرائي ، ومن لم يكن له حرمة فهو فاسق. # قيل لأبي الحسن النووي : لما لا تقول لا إله إلا الله ، قال : بل أقول ~~الله ، ولا أبقى به ضدا. # وقال بعضهم : من قالها وفي قلبه رغبة أو رهبة أو طمع أو سؤال فهو مشرك. # ( الحي القيوم ) الحي الذي قامت به الأحياء ، و ( القيوم ~~) الذي يحيي بقيوميته الأموات ، وأيضا ( الحي ) الذي تتهمهم به ~~الأنفاس ، و ( القيوم ) الذي تقوم بكفاية الأشخاص ، والحياة من ~~صفاته الخاصة في العدم وعامة فيما أوجد الخلق من العدم ، والقيومية صفته ~~التي لم يزل كان موصوفا بها ، ويحصلها أنه استقبل بنفسه في أزليته وأبديته ~~، و ( الحي ) الذي ليس حياته أسرار الموحدين فتوحدوا به له ، و ( ~~ القيوم ) الذي يربي بتجلي الصفات وكشف الذات أرواح العارفين ، ~~ففنوا في ذاته ، واحترقوا بنور كبريائه. # وقيل في قوله : ( الحي القيوم ) أجعله مراقبا في قيوميته عليك ~~وعلى جميع العالم. # قيل : أنه قيوم بحفظ أذكاره على أسرار أهل ms0087 صفوته. # وقال سهل : ( القيوم ) قائم على خلقه بكل شيء ، وآجالهم ، ~~وأعمالهم ، وأرزاقهم. # وقال الخواص : من عرفه بأنه ( الحي القيوم ) ألزمه معرفته له طلب ~~كل شيء منه ، وترك القيام بشيء من أموره لقيام بها. # ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) يخوف بهذه الإشارة خواص المراقبين حتى ~~لا يشتغلوا بغيره طرفة عين ، وأيضا أخبر عن تنزيه إزالة التشبيه عن قلوب ~~المريدين ، وأيضا بنفي السنة عن نفسه ، نزه نفسه عن الغفلة ، وبنفي النوم ~~نفسه عن الغيرة ، وأيضا هذه إعلام منه جل وعلا أنه ينتقم عن الظالمين ~~للمظلومين ، وأيضا علم الخلق تنزيه قدم صفاته وقدس عظيم ذاته ، أي أنا مبدع ~~العلات ، وأنا منزه عن صفات المحدثات. # وقال بغداديون : أنى تأخذه السنة من كان ، ولا سنة ولوجد السنة قهر ~~العبادة ونقصا PageV01P100 # ارتبط الأشياء بأضدادها ، وانفرد هو عن الأحوال لأنه محولها. # ( ما في السماوات وما في الأرض ) أذل حلاوة زهرة الكونين ~~والعالمين عن قلوب أهل الصفوة بقوله : ( ما في السماوات ) أي : ~~الحوادث التي استأصلها عن مزار وحدانيتي ، ألا وهي الأسرار الموحدين رغبهم ~~بفنائهم عن الأسباب والعلامات ، ووبخ من التفت سره عنه إلى ماله ؛ لأن ~~الالتفات من المنعم إلى النعماء شرك بالمنعم ، ( من ذا الذي يشفع ~~عنده إلا بإذنه ) أغرق الشافع والمستشفع في بحار مننه إذ لا يفرض كلاءة ~~عباده إلا إلى نفسه ، وأيضا قطع أسباب حيل الوسيلة عن عناية الأزلية ، ~~وأيضا أدب الخلق بهذه الآية حتى لا ينبسط إليه إلا من غلبه السكر والانبساط ~~، والأذن مقام الهيبة عند سرادق العظمة ، والحكم حال الانبساط في بساط ~~الألفة ، والخائفون مراقبون الإذن ، والعاشقون يريدون ويقتحمون في الحكم ؛ ~~لأن صاحب الحكم في هيجانه ملتبس بسناء التوحيد ، معتزل عن الأشباح بنعت ~~التفريد ، أسكرته مشاهدة الحسن ، واضطرته مكاشفة القدس إلى البسط والانبساط ~~، وهذين الوصفين يكونان في العارف من الأنبياء والأولياء ، فالأول نعت تبت ~~، والآخر نعت أزلي. # وقيل : جذب به قلوب عباده إليه في العاجل والآجل. # قال الواسطي : لو جعل إلى نفسه وسيلة غير نفسه كان معلولا ، ومن تزين ~~بإخلاصه ومحبته ورضاه توسل بصفاته ms0088 إلى من لا وسيلة له إلا به قال الله ~~تعالى : ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ). # قال منصور : فأي الشفيع إلى من لا يسعه غيره ، ولا يحجبه سواه. # وقال الواسطي : من ذا الذي يدعوني حتى أذن له في الدعاء ، ومن ذا الذي ~~يؤمن به حتى أهديه ، ومن ذا الذي يطيعني حتى أوقفه ، ومن ذا الذي ينتهي عن ~~المعاصي حتى أعصمه (1). # ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ) أي : يعلم ما بين أيديهم من ~~الخطرات ، وما خلفهم من العثرات ، وأيضا يعلم ما بين أيديهم من المقامات ، ~~وما خلفهم من الحالات ، وأيضا يعلم منهم قبل إيجادهم ما ابتلاهم به من ~~أسرار الأفعال المقرونة بالإرادة ، ويعلم منهم بعد كونهم من درك المعاينات ~~في مقام العبودية من أسرار علم الأزليات. # وقال أبو القاسم : ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ) لأنه لا ~~يخرج عن علمه PageV01P101 # معلوم ، ولا يلتبس عليه وجود ولا معدوم. # ( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ) حجب علم القدم عن إدراك ~~من أوجد من العدم ، إلا ما كاشف لأهل القلوب من معانات الغيوب ، وأيضا أي ~~ولا يحيطون بشيء مما علمه الله من نفسه من علم الأزل إلا بما شاء ، أي إلا ~~به لأنه لا وسيلة إلى علمه سواه. # وقيل : ( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ) يعني من ~~معلوماته وإذا تقاصرت العلوم من الإحاطة بمعلوماته إلا بإذنه فأي طمع لها ~~في الإحاطة بذاته قالها أبو القاسم القشيري. # ( وسع كرسيه السماوات والأرض ) كرسيه قلب العارف ، وهو واسع من ~~السموات والأرض ؛ لأنه معدن علوم الألوهية وعلم اللدني ، الذي لا نهاية له ~~ولا حد له ، وأيضا ( كرسيه ) عالم الملكوت وهو مطاف أرواح العارفين ~~لجلال الجبروت ، وأيضا ( كرسيه ) وعرشه قبلتان لأهل الحدثان ولا ~~جهة للرحمن ، ولا يعرفه بنعت التنزيه عن التباس الكون والتصاقه إلا أهل كشف ~~العيان. # وقيل : العرش والكرسي إظهار للقدرة لا محلا للذات. # وقال أبو القاسم : خاطبهم على قدر فهم ، وإلا فإن خطر الأكوان عند صفاته ~~وحلال قدرته عن التعزز بعرش أو ms0089 كرسي ، أو التجمل بجنبي أو أنسى قبل علمه. # وقيل : ( كرسيه ) في السموات والأرض هي منه كدرة. # ( ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم ) أي : لا يعجزه حفظه ذلك ~~على سعته وكبره ، وأيضا لا يوازيان في عظمته خردلة ؛ لأنهما في ملكه ~~وسلطانه أقل من ذرة ، وأيضا قامت السموات والأرض به ولا علة في صنعه ولا ~~آلة في فعله منه ظهرت وبه قامت. # وقيل : وصف نفسه بالامتناع عن اعتراض القواطع والعلل. # ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ~~ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم ~~(256) الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا ~~أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون (257) ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ ~~قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله ~~يأتي بالشمس من المشرق فأت بها PageV01P102 # من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين (258)) # قوله تعالى : ( قد تبين الرشد من الغي ) تبين ما استتر عن الكون ~~في الكون في علم الأزل من السعادة والشقاء ، فظهرت سمة السعادة والشقاوة من ~~المقبولين والمطرودين ؛ لأن في جباه السعداء مصابيح أنوار المعرفة تلوح ، ~~وفي جباه الأشقياء كدورات ظلمات الغي تبوح. # ( فمن يكفر بالطاغوت ) الطاغوت رؤية الطاعات ، والطمع في ~~المكافآت ، فمن يكفر بها فهو من أهل المشاهدات ، والطاغوت يقع على كل شيء ~~سوى الله تعالى من الدنيا والنفس والشيطان. وقيل : طاغوت كل امرئ نفسه. # قال الشيخ أبو عبد الرحمن رحمه الله : من لم يتبرأ من الكلي لا يصح له ~~الإيمان بالله. # ( ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ) أي : من أقبل من نفسه ~~وحوله وقوته إلى خالقه فقد وجده بنعت الحفظ والكلاية ، ( بالعروة ~~الوثقى ) هي ذات الحق سبحانه وجل عن التشبيه ، وأيضا هي المحبة والمشاهدة ، ~~وأيضا هي العصمة القديمة التي سبقت بنعت العناية الأزلية لأهل المعرفة. # وقيل : ( بالعروة الوثقى ) التوفيق في ms0090 السبق والسعادة في الختم. # وقيل : ( بالعروة الوثقى ) محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : لا إله ~~إلا الله. وقيل : هي السنة. # ( لا انفصام لها ) (1) ترجيه من الله لأهل المعرفة ، أي من تمسك ~~بحبلي فاز في الدارين ، وسعد في المنزلين ، ولا يدخل في حجال عصمته خلل ~~الحوادث ؛ لأنه في كنف العناية محروسا بالكفاية ، ( الله ولي الذين ~~آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ) لوجدهم من ظلمات العدم إلى كشف أنوار ~~القدم ، وأيضا يخرجهم من ظلمات الامتحان إلى مشاهدة البيان ، وأيضا يخرجهم ~~من ظلمات العبودية إلى جمال الربوبية ، وأيضا يخرجهم من الفرح بما وجدوا من ~~المقامات والدرجات إلى نور مشاهدة الذات والصفات ، وأيضا يقدسهم ويخرجهم من ~~ظلمات البشرية بمياه الشفقة لنور الأبدية ، وأيضا يزيلهم عن أوصافهم ~~المحدثة ويقربهم إلى بساط الجزية ، ويلبسهم صفات الأزلية وسناء الصمدية. # وقال ابن عطاء : يغنيهم عن صفاتهم بصفته ، فيندرج صفاتهم تحت صفاته ، كما PageV01P103 # اندرجت أكوانهم تحت كونه ، وحقوقه عند ذكر حقه فيصير قائما بالحق مع الحق للحق. # وقال أيضا : بذل النفس لله على حكم الإيمان من علامة الهدى والقيام بأداء ~~ما استدعى منهما من علامة التوفيق والانتهاء عما زجر عنه من علامة العصمة ، ~~فذاك لنفي الظلمات عنه بها ، نوره الله تعالى أنوار من الإيمان ، وذلك الذي ~~يوجب له الولاية ، قال الله تعالى : ( الله ولي الذين آمنوا ) الآية. # وقال الواسطي : يخرجهم من ظلمات نفوسهم ، صدقها ورضاها وتقواها إلى نور ~~صفاته وما سبق لهم من منابعه. # وقال أيضا : يخرجهم من ظلمات نفوسهم إلى أنوار ما جرى لهم في السبق عن ~~الرضا ، والصدق والمحبة وغيرها. # وقال النوري : يخرجهم من ظلمات العلم إلى نور المشاهدة ؛ لأنه ليس ~~المعاين كالمخبر. # قال الجنيد : يخرجهم من الظلمات أوصافهم إلى أنوار صفاته. # قال أبو عثمان : يخرجهم من رؤية الأفعال إلى رؤية المنن والأفضال. # ( والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ) أي : الذين ستروا ما قد ~~عاينوا من نفوسهم أنوار فعله وقدرته وما بدت في قلوبهم من لوائح العقول ~~بالشروع في لذائذ الشهوة وغطاء الغفلة ، أولياءهم الطاغوت ومتوليهم في ~~اعتزاء التماثيل ms0091 الباطلة المتخيلة ، الشيطان يخرجونهم من أنوار العقول إلى ~~ظلمات الجهل والعنادة. # ( أولئك أصحاب النار ) أي : أصحاب الهجران عن مشاهدة الرحمن ، ( ~~ هم فيها ) في القطيعة والابتلاء ، ( خالدون ) ليس لهم مساغ ~~في الوصول أبد الآبدين. # ( أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه ~~الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو ~~بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى ~~حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما ~~تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير (259) وإذ قال إبراهيم رب أرني ~~كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من ~~الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم ~~أن الله عزيز حكيم (260) مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة ~~أنبتت سبع PageV01P104 # سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع ~~عليم (261)) # قوله تعالى : ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) وقع عليه السلام في ~~طلب مشاهدة القدرة صرفا ليرى بنورها مشاهدة القادر في المقدور ، وأيضا ~~تعجبه في القدرة ليس بشك ؛ ولكنه تلون الخاطر ونقله من مقام الإيمان إلى ~~مقام مشاهدة الحال في ظهور البرهان ، وأيضا خاض في بحر التفكر لطلب در ~~المعرفة ، والفرق بين سؤال إبراهيم وعزير عليهما الصلاة والسلام أن إبراهيم ~~عليه السلام كان في محل التمكين فأراه الله تعالى مشاهدة القدرة في غيره ، ~~وكان عزير عليه السلام في محل التلوين فأراه الله مشاهدة القدرة في نفسه حتى ~~يباشر قلبه نور الصفات ، فيشاهد حقيقة فعل القديم ، ويصير محكما في محل ~~التمكين ، وأيضا مقام الخليل عليه السلام مقام الانبساط ، ومقام عزير ~~عليه السلام مقام التحير ، فانبسط الخليل عليه السلام وسأل مشاهدة الصفات في ~~لباس الآيات ، فأراه ما سأله في غيره ؛ لأنه مملوء من أنوار القدرة ، فيطلب ~~مزيدا على حاله ms0092 ، وتعجب عزير عليه السلام نبي الله من غاية تحيره في أسرار ~~الربوبية ، فأراه الله الآيات في نفسه تأديبا له ؛ لأن أهل الانبساط ليس ~~بمؤاخذين كخليل الله عليه السلام ، وأيضا سؤال الخليل عليه السلام في طلب ~~المشاهدة وتعجب عزير عليه السلام تحير في كمال القدرة بطلب الآيات تثبيتا ~~للوحدانية ، وأيضا مقام الخليل عليه السلام مقام اتحاد تجلي الصفات ، ومقام ~~عزير عليه السلام مقام اتحاد تجلي الأفعال فتجلي الصفات باشر قلب الخليل ~~عليه السلام لقوله : ( ولكن ليطمئن قلبي ) وتجلي الأفعال باشر صورة ~~عزير عليه السلام ليكون له تحصيل العلم بقدرة القادر لقوله : ( أعلم ~~أن الله على كل شيء قدير ) وأيضا خص الخليل عليه السلام بتجلي الصرف بلا ~~آيات في نفسه ، فلا يحتاج إلى أن يميته ثم يحييه ؛ لأن الحق يتجلى له في ~~نفسه بلا واسطة الآيات ، ولكن يحتاج أن يرى الحق في غيره فيختص بالمنزلتين ~~الصرف والالتباس ، ولم يكن لعزير عليه السلام مشاهدة الخاص ، فيحتاج أن يراه ~~في نفسه بواسطة موته وحياته ، وفي غيره يعني في الحمار واللبن والثمار ، ~~ليكون له مقامات وإن لم يكن صرفا كمشاهدة إبراهيم عليه السلام وهو بعد ما ~~رأى من نفسه ما رأي فقيل له : ( فانظر إلى طعامك وشرابك ) وهو ~~مشاهدة الله في غيره ، وأيضا بلغ الخليل عليه السلام مقام كشف المعاينات في ~~الحياة ، وكشف له ملكوت الأشياء لأجل اقتباسه نور مشاهدة الحق في الآيات ، ~~ولم يضطر إلى أن يغيب روحه من الحواس حتى يرى صرف العين ؛ لأنه في حال ~~الصحو ، ولم يبلغ عزير في ذلك الزمان مقام العيان ، فأنجاه الله إلى غيبته ~~عن الصورة بنعت الغشيان ليرى في حال غيبته مشاهدة الحق ؛ لأنه في حال السكر ~~، فلما انتبه رأى في صحوه ما رأى في سكره ، لكن ما رأى في السكر وحال ~~الغيبة مشاهدة الروح ، وما رأى في الصحو مشاهدة العيان. # وقيل : أري إبراهيم عليه السلام إحياء الموتى في غيره ، وأري عزير ~~عليه السلام في نفسه ؛ لأن الخليل عليه السلام PageV01P105 # تلطف في السؤال فقال : ( أرني ) فأري في ms0093 الغير وتعجب عزير ~~عليه السلام في القدرة ؛ ألا ترى أنه ختم قصته بالإيمان ( أعلم أن ~~الله على كل شيء قدير )، وختم قصة الخليل عليه السلام بالعزة والحكمة فقال ~~: ( واعلم أن الله عزيز حكيم )؛ لأن الخليل عليه السلام سأل إظهار ~~الحكمة ومشاهدة العزة ، وعزير عليه السلام تعجب من القدرة ، فأجيب كل من حيث سأل. # وقوله تعالى : ( أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ~~ولكن ليطمئن قلبي ) يجوز أن الله تعالى امتحن الخليل عليه السلام بأنواع ~~البلايا في ظاهره وباطنه ، أما ما في ظاهره ؛ فهو الذي أخبر الله تعالى في ~~كتابه أنه ألقى في النار وعذبه بأيدي الكفار ، وأيضا ابتلاه بذبح الولد وما أشبهه. # وأما الذي في باطنه فهو ما أخبر الله من اضطراب قلبه في تحصيل إدراك محض ~~الربوبية ، وكان يقول : هذا ربى مرة ، ويقول : ( أرني ) مرة ؛ لأنه ~~كان يطلب من خاطره إثبات محض اليقين ، فأخبر الله تعالى عن جميع امتحانه مع ~~خليله عليه السلام في آية من كتابه قال : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه ~~بكلمات فأتمهن )، ومقصود الحق سبحانه وتعالى في ذلك أن بديع بواطن أنبيائه ~~وأوليائه بخطرات نفوسهم حتى يحترقوا بفقدان الحبيب وتتقدس عن شوائب البشرية ~~وإلقاء الشيطانية ، وأكثر ابتلاء الخواص هكذا كإبراهيم عليه السلام وموسى ~~عليه السلام وعزير عليه السلام ، محمد صلى الله عليه وسلم . # وذكر الله تعالى أحوالهم جميعا في كتابه ، أما لموسى عليه السلام ما روي ~~عنه أنه كان يقول في مناجاته : «أي رب ، من متى أنت!». # وقال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ( فإن كنت في شك مما ~~أنزلنا إليك )، وقال عليه السلام : «إنه ليغان على قلبي ، وإني لأستغفر ~~الله في كل يوم سبعين مرة» (1). # هكذا ابتلاء خواص الأنبياء والأولياء لا بأس ؛ لأن الرب رب والعبد عبد ، ~~وأيضا اسأل الخليل عليه السلام مشاهدة الحق في لباس الخلق ، وأيضا أراد في ~~سؤاله زيادة المعرفة في وسائط الآية لا من الاضطراب في الشك والتهمة. # وأيضا قال : ( أرني ) حقيقة بطنان الألوهية والربوبية ، وهذا من ~~الخليل عليه ms0094 السلام غاية استغراقه في الاشتياق وغوصه في سر حبيبه وأوصاف ~~قدرته ؛ لأن المحب أراد أن يحيط بحقيقة ذات المحبوب من جميع الوجوه وذلك من ~~شرط الاتحاد. PageV01P106 # وتحصيل ذلك زوائد اليقين وحقائق مقام التمكين ، وأن الله تعالى منزه عن ~~أن يدركه أحد من خلقه ؛ لأن ذاته تقدس وتعالى امتنع بعزة هويته عن مطالعة ~~المخلوقات ، فأجاب الله تبارك وتعالى خليله وقال : ( أولم تؤمن ) ~~إنك لم تدركني بشرائط سر القدم ، وأنت مخلوق أسير بنعوت الحدث ، قال : ( ~~ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) بعد رؤية جنابي في عز عظمتك وبقاء ~~ربوبيتك ؛ لأن قلبي لا يسكن عن طلب مشاهدة جمال ربوبيتك ، وأراد عليه السلام ~~في سؤاله حيلة كي يخرج من عجز العبودية ويلتبس بصفاء الربوبية ، ولهذا ~~السؤال أعظم من سؤال موسى عليه السلام بأن موسى عليه السلام سأل كشف المشاهدة ~~، والخليل عليه السلام سأل حقيقة علم صاحب المشاهدة وصرف ربوبيته ، فإذا علم ~~الحق سبحانه من الخليل عليه السلام أنه أراد علوم الربوبية وحقائق صفات ~~القدمية وكنه ذات السرمدية. # ( قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ) أشار إلى طيور الباطن ، ~~التي في نقص الجسم ، وهي أربعة من أطيار الغيب ، الأول : هو العقل ، ~~والثاني : القلب ، والثالث : النفس ، والرابع : الروح ، أي : اذبح طير ~~العقل بسكين المحبة على باب الملكوت ، واذبح طير القلب بسكين الشوق على ~~جناب الجبروت ، واذبح طير النفس بسكين العشق في ميادين الفردانية ، واذبح ~~طير الروح بسكين العجز في تيه عزة أسرار الوحدانية. # ( ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ) أي : اجعل العقل على جبل ~~العظمة حتى يتراكم عليه أنوار سلطنة الربوبية فيصير موصوفا بها ليدركني بي ~~بعد فنائه في ، واجعل القلب على جبل الكبرياء حتى ألبسه سناء قدسي فيتيه في ~~بيداء التفكر منعوتا بصرف نور المحبة ، واجعل النفس على جبل العزة حتى ~~ألبسها نور العظمة لتصير مطمئنة عند جريان ربوبيتي عليها ، لا تنازعني في ~~العبودية ولا تطلب أوصاف الربوبية ، واجعل الروح على جبل جمال الأزل حتى ~~ألبسها نور النور وعز العز وقدس القدس ، لتكون منبسطة في ms0095 السكر مطمئنة في ~~الصحو عاشقة في الانبساط راسخة في الإيجاد ، فإذا كانوا ملتبسين بصفاتي ~~يطيرون بأجنحة الربوبية في هواء الهوية ، ويرونني بلباس الديمومية والأزلية ~~، ( ثم ادعهن ) بصوت سر العشق ، وزمزمة الشوق ، وجرس المحبة من ~~بساتين القربة إلى عالم المعرفة ، ( يأتينك سعيا ) بسرعة جناح ~~سلطان الربوبية إلى معدن العبودية بجمال الأحدية ، وتراني بعد جمعهن في ~~مربع صدرك بعيون اللاهوتية ونور الملكوتية ، ( واعلم أن الله عزيز ~~حكيم ) بعزك عرفان هذه المعاني واطلاعك على صفاته القديمة حكيم في ظهوره ~~بغرائب التجلي لأسرار باطنك. # وقال بعضهم : أراد أن يصير له علم اليقين ، وعين اليقين فعل الدوام يؤمن ~~، والإيمان PageV01P107 # غيبي في علم اليقين وعين اليقين ، فقال : ( بلى ) ولكن أسأل ~~مشاهدة الغيب. # وقال بعضهم : هذا السؤال على شرط الأدب ، كأنه يقول : أقدرني على إحياء ~~الموتى ، يدل عليه قوله : ( قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن ~~قلبي ) والطمأنينة لا تكون ضد الشك ، قوله : ( ليطمئن قلبي ) على ~~هذه الشهوة والمنية. # وقيل : ( أرني كيف تحي الموتى ) القلوب الميتة عنك بإحيائها بك. # قيل : ( أولم تؤمن ) أي : لست كنت لتستدل علينا بالشمس والقمر ~~وأفعالنا ، فأسقطنا عنك علة الاستدلال ، وكنا دليلك علينا. # وقال بعضهم : اعلم أن الخليل مع خليله مختال في أموره حتى يجد قربا إلى ~~خليله ، أو سماعا لكلامه حتى أن بعضهم قال : # وإني لأستنعس وما بي نعسة %~% لعل خيالا منك يلقى خياليا # وقال جعفر الصادق : شك في الكيفية ، وما شك في غيره ، قال النبي ~~عليه السلام : # «أنا أولى بالشك من إبراهيم» (1). وعن جعفر في قوله : ( ولكن ~~ليطمئن قلبي ) قال : قلب أصحابي. # وقال ابن عطاء : أي إني إذا سألتك أجبني ، وإذا ذكرتك ذكرتني ، فإن بذكرك ~~تطمئن القلوب. # وقال سهل بن عبد الله : سأل كشف غطاء العيان ليزداد بنور اليقين يقينا ~~وتمكنا في حاله ، ألا تراه كيف أجاب عن لفظ الشك ببلى. # وقال بعضهم : إذا سكن العبد إلى ربه واطمأن إليه أظهر الله عليه من ~~الكرامات ما أقلها إحياء الموتى ، قال الله تعالى لإبراهيم : ( فخذ ~~أربعة من الطير فصرهن إليك ). # وقيل : إنه ms0096 طلب رؤية الحق سبحانه لكن بالرمز والإشارة فمنع منها بالإشارة ~~بقوله تعالى : ( واعلم أن الله عزيز حكيم )، وأن موسى إنما سأل ~~الرؤية جهرا ، فقال : ( أرني ) فرد بالجهر صريحا فقال : ( ~~لن تراني ). # وقيل : إنما طلب حياة قلبه ، فأشير عليه بأن ذلك بذبح هذه الطيور الأربع ~~، ومنها الإشارة في الطيور الأربع الطاوس ، فالإشارة إلى ذبحه هي زينة ~~الدنيا وزهرتها ، والغراب بحرصه ، والديك بشقه ، والبط لطلب رزقه. PageV01P108 # وقيل : لما قال إبراهيم عليه السلام : ( أرني كيف تحي الموتى ) ~~قيل له : أرنا كيف تذبح الأحياء يعني إسماعيل عليه السلام يطالبه بما طالبه ~~، فلما رأى ما طلب منه وافى الحق سبحانه بحكم ما طلب. # ( الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا ~~منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (262) قول ~~معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم (263) يا أيها الذين ~~آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا ~~يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين (264) ومثل الذين ~~ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها ~~وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير (265) ~~أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها ~~من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت ~~كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (266) يا أيها الذين آمنوا أنفقوا ~~من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ~~ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد (267) الشيطان ~~يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم ~~(268) يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر ~~إلا أولوا الألباب (269)) # قوله تعالى : ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ms0097 ) المن : تعزز ~~البشرية على الخيرية واستكبار الحدث على الكبرياء القديم ، ( ~~والأذى ) ازدراء السر عند العطاء المسئول. # وأيضا ( بالمن ): تذكر الحدث ونسيان العدم ؛ لأن المنان إذا من ~~على أحد فقد نسي الله عند تذكر نفسه وهذا نوع من الشرك ، ( والأذى ~~): بالبذل بنعت البخل ، والرمي بالعين إلى الفقراء على جهة تعظيم نفسه ~~ورؤية شرفه عليهم. # وأيضا ( بالمن ): شهود الأفعال ، ( والأذى ) التماس ~~الأعواض. PageV01P109 # قال السري : من تزين بعمله كانت حسناته سيئات ، فكيف من رأى لها قيمة ، ~~أو طلب لها عوضا؟ # ويقال : ينفقون ما ينفقون ، ثم لا يشهدون أفعالهم ولا أعمالهم. # وقيل : كيف تمنون بشيء تستقدرونه وتستحقرونه؟ # وقال الجنيد : أعلمنا أن الذي يخلص له ثواب صدقته ، وينجز له ما وعده ~~فيستحق الثواب على عمله ، من لا يمن بصدقة ، ولا يؤذي من تصدق عليه. # ( قول معروف ومغفرة خير من صدقة ) القول المعروف : الإنصاف لأخيك ~~عند رؤية مكروه منه ، الذي يهيجك بالغضب ، والمغفرة عفوك له عند قدرتك عليه ~~خير من أن تعطيه شيئا وتؤذيه ، وأيضا : ردك السائل بقول جميل وسترك عليه ، ~~مما ترى منه من قبيح خير من إعطائك بالمن أو وعدك مع المطل. # ويقال : إقرار منك مع الله لعجزك وجرمك ، وغفران الله تعالى على تلك ~~المقالة خير من صدقة بالمن مشوبة ، بالأذى مصحوبة. # ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ) أي : أنفقوا ~~لأرواحكم ما كسبتم بأشباحكم من المعاملات المقدسة عن شوائب الرياء والسمعة ~~( ومما أخرجنا لكم من الأرض ) أي : مما أخرجنا بمزن المعرفة عن ~~سحاب المكاشفة ، ومزارع قلوبكم من الحكمة والعلم اللدني ، والصدق والإخلاص ~~والرضا واليقين على المريدين لتخلصوا بذلك من مكائد الشيطان ، أي : أنفقوها ~~لنجاة صوركم بهذه المعاني التي تخرج من بساتين صفاء أسراركم ، ( ~~الشيطان يعدكم الفقر ) أي : يعدكم إلى قطع الرجاء عن الله تعالى في إتيان ~~نواله منه. # وأيضا : يعدكم إلى قلة الطمأنينة ، وكثرة الشك فيما وعد الله تعالى ~~لعباده من نفائس الألطاف وجميع الأقسام التي هي سبب حياة العباد في الدنيا ~~والآخرة. # وأيضا : يعدكم إلى ظنون شتى في الله تعالى ms0098 ، وهذا من قلة عرفان الحق ~~والجهل بسلطانه ؛ لأن لقاء العدو يهيج سر العبد إلى الشك في الله ، وفيما ~~وعد لعباده ، ويلجئه إلى التحير حتى يظن أن الحق سبحانه وتعالى عاجز فقير ، ~~كما قال اليهود : ( إن الله فقير ونحن أغنياء ) وهذا من وسوسة ~~العدو ، وليس لهم بإحراز العلوم والخوف من المعدوم والجمع والمنع وكثرة ~~التهمة ، ودفع الصدقة والفرار من القناعة ومن الغنى بالكفاية ، وغرهم ~~بالشروع PageV01P110 # في طلب الزيادة ( ويأمركم بالفحشاء ) (1) أي : البخل وسوء الظن ~~في الله وحب الدنيا وبغض الموت ، وعمارة الضياع والعقار ، وطلب الزيادة ~~وبغض الفقر والفقراء ومنع الزكاة ، وما أوجب الله تعالى عليهم من الحج ~~والجهاد. # وزين لهم حب الرئاسة ، وطلب نسوان المسلمين لأجل الزنا ، وشرب الخمور ~~وسماع المعازف ، والتكبر والتجبر على الضعفاء والمساكين والجور والظلم ~~والعناد ، وقلة الإنصاف واتخاذ الأرباب لحفظ الأموال وأشباه ذلك من الأمور ~~الرديئة الفاحشة. # ( والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ) معرفته تطهر قلوب الأشحاء من ~~أوساخ الشح والفاحشة ، وتحفظها عن الميل إلى حب الدنيا وما فيها وفضله ~~مشاهدته وقربته ومعرفته وتوحيده وكشف أسراره لهؤلاء العباد الذين اصطفاهم ~~لمحبته وخصائص مناجاته وخطابه وخدمته. # وأيضا المغفرة : طمأنينة النفس بكشف اليقين ، والفضل : الرضا بحكم الأزل. # وأيضا المغفرة : عن الكون ، والفضل : الوصول بلا وحشة البون. # وقيل : ( يعدكم الفقر ) بنسيان ما تعود به من فضله. # وقيل : إنه يعدكم الفقر في طلب فوق الكفاية فيكون عبده ، ومشتغلا به ~~فيردك عن غنى الكفاية إلى طلب الزيادة ، وهو الفقر الحاضر. # وقيل : ( الشيطان يعدكم الفقر ) أي : الحرص ، والله يأمركم ~~بالقناعة. # وقال أبو عثمان : الشيطان يعدكم الفقر على ترك الدنيا والإعراض عنها ، ~~والله يعدكم على ذلك مغفرة منه وفضلا. # قال محمد بن علي : ( الشيطان يعدكم الفقر ) لفقره ، ( ~~ويأمركم بالفحشاء ) وهو عمارة داره ، ( والله يعدكم مغفرة منه ~~وفضلا ) وهو جزاء عمارة المآب ، وفضله وهو استغناؤه عن كل ما سواه. # قال بعضهم : ( الشيطان يعدكم الفقر ) تحذيرا للموحدين لا تفريقا ~~للكافرين ؛ لأن الشيطان لا يدعو أحدا إلى معصيته ولا يزينها له حتى يعده ~~الفقر فإذا خاف العبد الفقر ms0099 دعاه إلى المعصية ، فإذا استحل المعصية دعاه ~~إلى النفاق ، فإذا استحل النفاق دعاه إلى الكفر ، ولا يخاف الفقر إلا من ~~نسي القسمة ولا ينسى القسمة من عرف الله الذي قسم لعباده ما أراد بمشيئته ، ~~وأصل المعاصي إيقاد الشهوات وأصل النفاق التزيين للخلق ، وأصل الكفر منازعة PageV01P111 # القدرة. # وقال سهل : الفقر أن تأخذ شيئا من غير وجهه ، وتضعه في غير حقه : ( ~~ يؤتي الحكمة من يشاء ) الحكمة : إدراك أنوار بواطن القلوب أسرار ~~عجائب بواطن الغيوب ، والحكمة ما حفظته الأرواح من ألواح الملكوت ، تلقف ~~العقول إلهام الأحكام من علم الجبروت ، والحكمة أدب الرباني لتهذيب خلق ~~الإنساني ، وأيضا الحكمة معرفة الأخلاق ، وإطلاع لغيوب النفس ودقائق ~~الشيطان والعلم بفرق حديث النفس والعدو ولمسة الملك وإرشاد العقل ، وبصيرة ~~القلب دفعه إلهام الحق ونطق الروح ، ورمز السر وأنواع خطاب الحق ومعرفة ~~أقدار الخلق ، ومداواة معرض الباطن ، ودفع الوسوسة والمعرفة بأحوال الخلق ~~والمقامات ، ووقائع المكاشفات وأنوار المشاهدات وإدراك منازل المعرفة ~~ودرجات التوحيد وما يليق بهذه الحقائق مثل معرفة دقائق الرياء ، وشك النفس ~~، والخطرات المذمومة ، والبلوغ إلى علم اللدني والكرامات والفراسات الخاصة ~~، ورؤية الغيب ، والمحادثة والمخاطبة والمكالمة مع الحق جل اسمه في أسرار ~~الخلوات وأنوار المناجاة. ومن يؤت هذه الدرجات فقد أوتي خلافة الأنبياء ~~والرسل ودرجة الملائكة الكرام ، وهذه منزلة الأعلى من منازل الأولياء ~~ومرتبة العليا من مقامات الأصفياء ، وهو خير الدنيا والآخرة ، وأيضا : صرف ~~الحكمة إدراك مراد الحق من رموز خطابه ، وامتثال ما أدركه ، والحكمة زم ~~الجوارح ودفع الخواطر والسكون في الطوارق وفي الجملة الحكمة ما تلتفت الروح ~~الناطقة من الحق سبحانه من خصائص الكلام والإشارات الإلهية. # والحكمة : المعرفة بأفعاله في المصنوعات والآيات ، وأيضا : شهود السر على ~~أسرار شواهد الملكوت ورؤية غرائبها. # وأيضا : الحكمة عند العارفين ولوح السر قباب الغيب واطلاعه على خزائن ~~الملكوت برؤية العيان إلا بالدلائل والبرهان وتحصيله علوم الربوبية بلا ~~واسطة الشواهد ، وانشراحه باقتباس أنوار القرب وانفساخه بإدراك خطاب الخاص ~~، واندراجه في طرقات الصفات ، وبسطه في مشاهدة الذات ، وإذا بلغ السر مدارج ~~الربوبية عرف مراد الحق ms0100 عز وجل في مجاري أحكامه ، ورأى في الشواهد صرف ~~الألوهية بنعت جريان القدرة ؛ لأن الحكمة في هذه المواطن من بلوغ الروح سر ~~عين الجمع ، وهو صفة الاتحاد وأفهم الحكمة من صفة الحق سبحانه الخاصة ~~الذاتية القدمية ، ولا تدركها إلا بشرط الاتحاد ، وإذا أراد الله تعالى أن ~~يهدي عبدا من عباده إلى مقام الحكمة ألبس روحه تلك الصفة حتى تصير ربانية ~~صمدية مطلعة على جميع الأشياء ظاهرا وباطنا ، وتفرست المغيبات وتدرك حقائق ~~الأشياء بتلك الصفة الخاصة ، وهذه PageV01P112 # كلها مستفادة من قوله تعالى : ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا ~~كثيرا ). # وقال تعالى في بعض أخباره التي أخبر نبيه عليه السلام : «لا يزال العبد ~~يتقرب إلي بالنوافل حتى كنت سمعه الذي يسمع بي ، وبصره الذي يبصر بي ، ~~ولسانه الذي ينطق بي ، وقلبه الذي يعقل بي» (1). # فإذا كان جميع وجوده مستغرقا في رؤية خالقه فكيف لا يطلع على مكنونات ~~الغيب ومطلعه بنعت صفة الخاص هو الله تعالى. # وقيل : الحكمة إشارة لا علة فيها ، وقيل : الحكمة إشهاد الحق على جميع ~~الأحوال ، وقيل : الحكمة تجريد السر بورود الإلهام. # وقال أبو عثمان : الحكمة هي النور المفرق بين الإلهام والوسواس. # وقال الشيخ أبو عبد الرحمن : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت الكتاني ~~يقول : إن الله بعث الرسل بالنصح لأنفس خلقه ، وأنزل الكتاب لتنبيه قلوبهم ~~وإنزال الحكمة لتسكن أرواحهم بها ، والرسول داع إلى أمره ، والكتاب داع إلى ~~أحكامه والحكمة مشيرة إلى فضله. # وقال القاسم : الحكمة أن يحكم عليك خاطر الحق ، ولا يحكم عليك شهوتك. # وقال الجنيد : أحيا الله قوما بالحكمة ومدحهم عليها فقال : ( ومن ~~يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) (2). # وقال عبد الله بن المبارك : الحكمة الخشية. # وقيل : الحكمة إصابة القول مع صحة الفعل بالإخلاص. # وقال بعضهم : متى أثر فيك الحكمة؟ قال : منذ بدأت أحقر نفسي. # قال بعضهم : الحكمة كنز الله ، والحكماء فيها ذمة الله ، أمرهم ربهم أن ~~ينفقوا كنز الله على عباد الله. # وقال بعضهم : الحكمة نور الفطنة. # وقال معروف الكرخي : من حسن علمه نزلت الحكمة في ms0101 قلبه. # وقال سهل : الحكمة هي مجمع العلوم وأصلها السنة. # قال الله تعالى ( واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ~~) [الأحزاب : 34] والآيات الفرض والحكمة السنة. PageV01P113 # وروى سهل عن شيوخه عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «القرآن حكمة الله بين عباده» (1)، فمن تعلم القرآن ، ~~وعمل به فكأنما استدرجت النبوة بين كتفيه لا الوحي ، يحاسب حساب الأنبياء ~~إلا بتبليغ الرسالة. # وروى أيضا عن شيوخه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «القرآن حكمة من تعلم القرآن في شيبته خلط القرآن بلحمه ~~ودمه ، ألا وإن النار لا تمس قلبا داعي القرآن ولا جسدا اجتنب محارمه ، ~~وأحل حلاله ، وحرم حرامه ، وآمن بمحكمه ، ووقف عند متشابهه ، ولم يبتدع ~~فيه» (2). # وقال بعضهم : الحكمة أربعة أشياء العلم والحلم والعقل والمعرفة. # قال أبو بكر الوراق : الإفاقة مع الحكمة ، قال الله تعالى : ( ~~ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ). # ( وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما ~~للظالمين من أنصار (270) إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير (271) ~~ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما ~~تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ~~(272)) # قوله تعالى : ( وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله ~~يعلمه ) يبشر أولياءه بعظيم المجازاة وجزيل المكافأة ، ويهيجهم إلى بذل ~~الموجود والمجهود ، وأدبهم ليستعملوا خواطر الإلهام من عقد القلب وتلفظ ~~باللسان ، ويحذر أولياءه باطلاعه على ضمائرهم وسرائرهم ، وأنه لا يقبل إلا ~~من وجه الإخلاص ، وأعلم أنه يجازي كلا الفريقين المحسن بإحسانه والمسيء ~~بسيئاته. # وقال الواسطي : أشار به إلى قوم لا يضرهم ولا ينفعهم مال ولا بنون ، أي : ~~إن الله بعلمه يعلم من يختم له بخير. # ( إن تبدوا الصدقات فنعما هي ) إن كان الإعطاء من مقام اليقين ~~بنعت التمكين ، وإن كان محقا ms0102 عن مطالعة النفس بنعت خصائص الإخلاص ، وأيضا ~~أن أعلنت الإنفاق لتسبي بها قلوب المريدين وتهيج أسرارهم إلى بذل الأرواح ~~في شرائط محبتنا ( فنعما هي )، PageV01P114 # لأن المعاملة من الممكن تصير قدوة لطلاب المعرفة ، وإن أخفيت ما عملت من ~~نفسك والتفات المخلوقات وارتفاع الطبع في الأعواض ( فنعما هي ) لأن ~~قدس الباطن عن رؤية الأفعال وطمع الأعواض يكون واقعا لخطرات المشوبة ~~بالرياء ، ويتولد منه صرف النفس في جميع الأحوال ( ليس عليك هداهم ~~) قطع أسباب البداية من المعاملات والشفاعات عن قلوب أهل الولايات ، وأضاف ~~كلاءتهم إلى نفسه بأنه هاديهم ( وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ) أي : ~~لأنفسكم جزاء ما علمتم من مقامات المجاهدات بصوركم ، ومن أعمال قلوبكم من ~~ألم الفراق واحتراقها بنيران الأشواق ، كما قال عليه السلام حاكيا عن الله ~~عز وجل : «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم ؛ فإنه لي وأنا مجاز به» (1). # وأيضا : أي لأنفسكم جزاء معاملتكم ، وإلى التفضل كله بالفضل به عليكم لا ~~بأعمالكم وأفعالكم ؛ لأن خاصية الفضل لي ، لا يدخل فيه على العبودية. # ( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في ~~الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس ~~إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم (273) الذين ينفقون أموالهم ~~بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون (274) الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع ~~وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن ~~عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (275) يمحق الله الربا ويربي ~~الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (276) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون (277) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن ~~كنتم مؤمنين (278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم ~~رؤس ms0103 أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (279)) # قوله تعالى : ( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ) الذين حبسوا ~~أنفسهم عن PageV01P115 # الميل إلى غير الله في مجلس مراقبة الله ، ناظرين من الله إلى الله ~~وراضين بقضاء الله في مراد الله ، صابرين في بلاء الله محتسبين لله في ~~مجاهدة أنفسهم ، لا ينقضون عهود ميثاق الأزل إلى الأجل ، أي : الذين وصفهم ~~الله تعالى بإحضار نفوسهم عن التعرض إلى غير ذلك بالرمز والإشارة ، وسؤال ~~غيره على أحوالهم وصونا لأسرارهم ومراعاة لحقيقة فقرهم ، وعفة في مجاهدتهم ~~خدمة أهل الدنيا ببذل المال والأنفس ليلا ونهارا ( لا يستطيعون ~~ضربا في الأرض ) أي : لا يتفرقون عن مجالستهم ومراقبتهم من قوة الحال ، ~~وغلبة الذكر عليهم واشتغالهم بمشاهدة سيدهم وشدة محبتهم وكثرة عشقهم وحقيقة ~~يقينهم بربهم لطلب معاشهم وحوائجهم ؛ لأنه قد غلب عليهم صحة التوكل وحسن ~~الرضا وحقيقة التسليم وهم كانوا يفوضون جميع أمورهم إلى الله ، ويسكنون ~~بوعده ؛ لأنه منان بأوليائه ، وأهل طاعته أهل الثناء والمغفرة بحفظ أوقاتهم ~~عن الخطرات والزلات ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ) لأنهم لا ~~يتملقون عند أبناء الدنيا بكلام اللين وإظهار التقشف ، ولا يظهرون أحوالهم ~~لأجل الرياء والسمعة شفقة بأحوالهم مع شدة افتقارهم إلى الله. # وصف الجاهل بقلة المعرفة بأحوالهم ؛ لأن العالم يعرفهم بنور العلم ~~والإيمان ( تعرفهم بسيماهم ) بشارة مشاهدة الحق في وجوههم ، وبهجة ~~نور المعرفة في قلوبهم ؛ لأن الله تعالى أسبل على وجوههم نقاب سناء الصفات ~~، وألبس جباههم نور جمال الذات أي : تعرفهم بهذه الصفات ؛ لأنهم الأتقياء ~~الأخفياء الذين لا يركنون إلى الخلق بسبب الدنيا وزينتها ولذتها ، وأنهم من ~~أهل المحبة الذين يبتلون بأنواع البلايا هم صابرون محتسبون لله وفي الله ، ~~( لا يسئلون الناس إلحافا ) لا ينبسطون إلى أهل الدنيا ولا يبتغون ~~حظوظ أنفسهم من الخلق ، ولكن ينبسطون إلى الإخوان في الله تلطفا بهم وتعطفا ~~عن الميل إلى مألوفات الطبع والهوى. # وأيضا : ( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ) وصف الله تبارك ~~وتعالى أهل حقائق المعرفة ، ونعتهم بالفقر أي أنهم حبسوا في صحاري التوحيد ~~، وتيه التقديس بأصفار التحير ، وألزموهم ms0104 تراكم لطمات بحار الوحدانية ، ~~وأغرقوهم في سر العظمة مفتقرين من عين التلوين إلى عين التمكين ، لا ~~يستطيعون من ثقل أحمالهم مسيرا من الحيرة إلى رؤية المنة وكشف القربة في ~~أرض الديمومية ، والطيران عن أشكال الحدوثية في أسرار الهوية القدمية. # وأن الله تعالى كشف لهم عن بساط العظمة ، وأراهم نقوش صور غيب الغيب التي ~~التبس الحق بها بنعت الرضا عن العشاق فيتحيرون بين الرسم والصرف تحيرا ~~استأصل لباس الحدوثية عن نفس أرواحهم ، فإذا برزوا بهذه السمات من بطنان ~~عجائب الغيب يحسبهم PageV01P116 # صبيان الملكوت أنهم في جمال بسط الديمومية ، ولا يعرفون شأن قبضهم ؛ ~~لأنهم في طيب مزمار الإحسان يحتجبون به عن إدراك أحوال المحترقين بنيران ~~الكبرياء ، لكن يعرف من غيب وراء الوراء وقطع حجب رسوم العبودية والربوبية ~~أنهم مفتقرون إلى مشاهدة حسن الحسن ، ومكاشفة قدم القدم والجمع بنعت ~~الاتحاد ، لا يظهرون مع عجزهم أحوال تحيرهم واحتياجهم لأهل التمكين غيرة ~~على أهل الانبساط لكن يحترقون في الباطن ويستبشرون في الظاهر ، هؤلاء مرضى ~~المحبة وأسرار المعرفة ينعتهم الله مقام التفرقة بنعت الجمع ، وقيل : ( ~~ أحصروا في سبيل الله ) الذين وقفوا مع الله بهممهم فلم يرجعوا منه ~~إلى غيره ، وقيل : ( لا يستطيعون ضربا في الأرض ) (1) أي : لا ~~يتحركون لطلب الأرزاق. # وقال محمد بن الفضل في هذه الآية : يمنعهم علو همتهم عن رفع حوائجهم إلى ~~مولاهم. # وقال ابن عطاء : يحسبهم الجاهل بحالهم أغنياء في الظاهر ، وهم أشد الناس ~~افتقارا إلى الله تعالى في الظاهر ، فاستغناؤه في الباطن. # وقيل في ( تعرفهم بسيماهم ): أي في تطييب قلوبهم وحسن حالهم ~~وبشاشة وجوههم ونور أسرارهم وجولان أرواحهم في ملكوت ربهم. # وقال سهل : إن الله عز وجل وصف الفقراء بصفة القدم من حال سؤال الافتقار ~~واللجوء إليه ووصفهم بالرضا والقنوع لا استطاعة لهم إلا به ومنه ، ولا قوة ~~لهم من حولهم وقوتهم. # قد نزع الله منهم ركون قلوبهم إلى غيره ، والمساكين راجعون إلى الأسباب ~~كما وصفهم الله مساكين يعملون في البحر فردهم إلى حال السكون إلى الأسباب. # لذلك قال بعضهم : الفقر عز ms0105 والمسكنة ذل. # وقال عمرو المكي : من أحب شيئا كان به ضنينا ، من حب شيئا كان به أنيسا ، ~~ومن أحب شيئا كان له أسيرا. # وقال النصر آبادي : الفقير ينبغي أن يكون له قناعة وعفة ، ويعتبر ~~بالقناعة ويرتدي بالعفة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم قال : «القناعة ~~مال لا ينفد» (2)، فإذا كان الفقر بهذه الصفة دخل في PageV01P117 # جملة حديث النبي صلى الله عليه وسلم : «يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء ~~بخمسمائة عام» (1). # وقال الثوري : تعرفهم بسيماهم يفرحون بفقرهم ، واستقامة أحوالهم عند ~~موارد البلاء عليهم. # وقال أبو عثمان : تعرفهم بسيماهم بإيثار ما يملكون مع الحاجة إليه. # وقال الجنيد : كلت ألسنتهم عن سؤال من يملك الملك ، فكيف من لا يملكها. # قال الجنيد : سئل عن الفقير الصادق متى يكون مستوجبا لدخول الجنة قبل ~~الأغنياء بخمسمائة عام؟ قال : إذا كان هذا الفقير معاملا لله بقلبه ، ~~موافقا له في جميع أحواله منعا وعطاء بعد الفقر من الله نعمة عليه يخاف على ~~زوالها ، كما يخاف الغني على زوال غناه ، وكان صابرا محتسبا مسرورا باختيار ~~الله له الفقر صائنا لدينه كاتما لفقره يظهره الإياس من اليأس ، مستغنيا ~~بربه في فقره ، كما قال الله تعالى : ( للفقراء الذين أحصروا في ~~سبيل الله )، فإذا كان الفقير بهذه الصفة دخل الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة ~~عام ، ويكفى يوم القيامة مؤنة الموقف. # وقال الأستاذ في قوله : ( الذين أحصروا ): أي أخذ عليهم سلطان ~~الحقيقة كل طريق لهم فلا لهم في الشرق مذهب ، ولا لهم في الغرب مشرب ، ~~كيفما نظروا رأوا سر ذوقات التوحيد محدقة بهم : # كأن فجاج الأرض ضاقت برحبها %~% علي فما تزداد طولا وعرضا # ( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية ) من بلغ ~~رؤية جمال مشاهدة الحق عشقه ، ومن شرط العشق أن يبذل العاشق وجوده وماله في ~~جميع الأوقات دفعا للخطرات وخوفا أن يسقط عن درجات المشاهدات. # قال ابن عطاء : الوقت وقتان ، والحال حالان ، فالوقت ليل ونهار ، والحال ~~سر وعلانية فإذا أنفق في الليل والنهار والسر والعلانية فقد قضى ما عليه إذ ~~المحب لا يدخر ms0106 عن حبيبه شيئا ، لا يفتر عن رضاه بحال. # قال عبد العزيز المكي في هذه الآية : أي : في ظلمة الليل حذرا من خجلة ~~الأخذ والنهار بواسطة تجعل بينه وبين الأخذ وحذرا عن حياته منه سر صفائه ، ~~وإخلاصا وعلانية أسوة واقتداء. # ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم PageV01P118 # تعلمون (280) واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ~~ما كسبت وهم لا يظلمون (281) يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل ~~مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله ~~فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان ~~الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل ~~واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من ~~الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ~~ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم ~~للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس ~~عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن ~~تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم (282)) # قوله تعالى : ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) أدب قوما ~~بتأديبه في كرمه ورحمته على المعسرين من الطاعة والمكثرين من المعصية ، ~~وهذا إخبار عن غاية شفقته على عباده إذ أمر بعضهم أن يمهل بعضا في واجب ~~حقوقهم ، أشار بهذا إلى حقيقة الحقوق له يهب بفضله ما قصروا في واجب أمره ~~تقدس وتعالى ، وأيضا : رمز لأصحاب المعاني في هذه الآية أي : إذا كان أهل ~~المعرفة في عسر من المشاهدة وكشف القربة ، فلا تطالبوهم بأثقال المعاملات ~~والتماس الكرامات إلى ميسرة الكشوف ، وبروز أنوار الحضرة في قلوبهم لأن ~~للعارف مقامين : الأول : هو القبض ، والثاني : هو البسط ، فإذا كان في ~~القبض فهو في هبوط الهجران وهو ms0107 عسر ظاهر لا يؤدي في ذلك المقام حق الحقيقة ~~، وإذا كان في مقام حق الحقيقة في مقام البسط وهو في رخاء التوحيد ويطيق أن ~~يؤدي ما وجب عليه من حق الطريقة ؛ لأنه في ذلك الحال ملتبس بأنوار الربوبية ~~ويتهيأ له ما يريد كما وصف الله تعالى أنبياءه وأولياءه في حال انبساطهم ~~وبسطهم مثل عيسى عليه السلام حيث قال : ( وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي ~~الموتى بإذن الله ). # ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ) أي : خافوا يوم الفصل من ~~الوقوف مقام الحياء والخجلة بين يدي ملك يمنع المندرجين عن مشاهدته ، ~~ويعاقب أولياءه بالخطرات والإشارات. PageV01P119 # قال الواسطي : هذا ترهيب للعام وأما للخواص بقوله : ( وإياي ~~فاتقون ). # قال بعضهم : من لم يتعظ بمواعظ القرآن فليس له سواه سقط ، وأي موعظة أعظم ~~مما أخبر الله به عباده من الرجوع إليه ، فمن لم يحزن ؛ لذلك الموقف ولم ~~يبك لذلك المشهد فبأي موعظة يتعظ؟ والذي يمضي فيه غير موثوق والذي يبقى غير مأمون. # ( وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم ~~بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن ~~يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم (283) لله ما في السماوات وما ~~في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ~~ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير (284)) # قوله تعالى : ( ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ) ~~أي : لا تكتموا ما أشهدكم الله من مقام أهل الولاية بأن تخملوا ذكرهم حسدا ~~عليهم ( ومن يكتمها ) يعني : ما خصهم الله به ( فإنه آثم ~~قلبه ) أي : جزاء كتمانه قسوة قلبه ، وإثم قلبه الحسد بأهل الولاية ، وجزاء ~~الحسد الطبع والختم ، نعوذ بالله من ذلك. # ( لله ما في السماوات وما في الأرض ) أي : لله خزائن ملكوت ~~الكونين وأسرار غيب العالمين ، لا يكشفها إلا لخواص أحبته. # قال ابن عطاء : الكونان هو مبديهما من غير شيء فمن اشتغل بهما قطعاه عن ~~الله ، ومن أقبل على الله وتركهما ملكهما الله تعالى ms0108 إياه ( وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) أي : إن تظهروا ما في ~~قلوبكم من حقائق المكاشفات والمخاطبات ليقتدي به أهل الإرادة ، وتخفوه ~~عجائب الغيب التي ترى عيون الأرواح القدسية تورعا لئلا تفتتن بها أقوام من ~~شفعاء المؤمنين لقلة فهمهم يرينكم الله تمكين المظاهر بما أظهرتم ، حتى لا ~~تفتتنوا بدقائق الرياء والسمعة ، وبيقين الباطن بما أخفيتم من الخلق إخلاصا ~~وصدقا لتذوقوا حلاوة صفاء الإخلاص في كتمان الأسرار ، وأيضا : أن تبدوا في ~~الظاهر من شره الإحساس متابعة الوسواس ( أو تخفوه ) ما تحدث به ~~أنفسكم في باطنكم من أطباء القلوب وحراس الغيوب يجازيكم بفتنة النفس ~~والشيطان والغفلة والشهوة ( فيغفر لمن يشاء ) لمن يدفع خطرات ~~الباطن ترغيبا ، ( ويعذب من يشاء ) لمن يتبع هواه بدخوله في الزلات ~~تهذيبا. # وقال جعفر : ( وإن تبدوا ما في أنفسكم ) الإسلام ، ( أو ~~تخفوه ) قال : الإيمان. PageV01P120 # وقال الواسطي : ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ) من إرادة ~~الكونين والمكنون ، ( يحاسبكم به الله ) أي : بإرادتكم فيغفر لمن ~~يشاء لمن أراد الجنة ونعيمها ، ويعذب من يشاء من أثر الدنيا على الآخرة. # وقال علي بن سهل : ( وإن تبدوا ما في أنفسكم ) الأعمال ، ( ~~ أو تخفوه ) من الأحوال ، ( يحاسبكم به الله ) العارف على ~~أحواله والزاهد على أفعاله. # ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ~~ربنا وإليك المصير (285) لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ~~ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا ~~كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا ~~واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (286)) # قوله تعالى : ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ) بأن الله ~~تعالى قدس باطن رسوله صلى الله عليه وسلم من شوائب النفسانية وخطرات الشيطانية ~~، وكحل عين سره بنور الملكوت ، حتى قيل : بالصدق والإخلاص ما كشف له من ~~عجائب الجبروت ms0109 ، ورأى بمصابيح القرآن أسرار الأزل والأبد ما جرى في بطنان ~~الغيب وغيب الغيب رؤية عيان ، وآمن بها إيمان المشاهدة والعرفان ، كما قال ~~الله : ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) [النجم : 11] ( والمؤمنون ~~كل آمن بالله ) المؤمنون على قسمين منهم العارفون والصادقون والمشاهدون ~~والمقربون ، والمكاشفون والمخلصون والمحسنون والراضون والمتوكلون والمحبون ~~والمريدون والمرادون ، كل شاهدوا بعضا مما شاهد الرسول عليه السلام ولو لا ~~ذلك لم يشرعوا في بذل الأرواح ومجاهدة الأشباح ؛ لكن للنبي صلى الله عليه وسلم ~~مشاهدة الصرف خاصة له بلا زحمة الخطرات ، ولهم مشاهدة اليقين بوسائط ~~الالتباس ممتحنين بالوسواس. # والقسم الثاني من المؤمنين هم الذين آمنوا إيمان الفطرة بإرشاد العلم ~~والعقل والبيان والبرهان ، وأصل لهذا الإشكال إلهام وفروعها أسباب. # وأيضا استقام النبي الأمي صلى الله عليه وسلم عند صدمة سلطان الألوهية ، ~~وتمكن فيها عاين من جلال ذات القديم جل جلاله بنعت صرف المشاهدة واليقين ، ~~والمؤمنون يريهم الله بعض أنوار غيبه فآمنوا بما أدركوا به. # قال الأستاذ : آمن الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث البرهان. PageV01P121 # ويقال : آمن الخلق بالوسائط ، وآمن محمد صلى الله عليه وسلم بغير واسطة. # ويقال : هذا خطاب الحق سبحانه وتعالى معه ليلة المعراج على جهة تعظيم ~~القدر ، فقال : ( آمن الرسول ) ولم يقل آمنت كما يقول العظيم الشأن ~~من الناس. # قال الشيخ : وأنت تريد قلته. # وقال ابن عطاء : إن النبي صلى الله عليه وسلم معدن سر الحق أظهره للعام ~~أوقفه على شريطة قوله : ( آمن الرسول )، وإذ أخفاه أخبر عنه بقوله ~~: ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) [النجم : 10] ، وهو مستغرق أوقاته في ~~انتظار ما يظهر عليه الحق من الزيادات على روحه وسره وفؤاده وقلبه وشخصه ؛ ~~ألا تراه كيف نعته عن صفاته ، وقوله : ( إنك ميت ) عن صفاتك لحياتك ~~بنا وبإظهار صفاتنا عليك ، ( وإنهم ميتون ) [الزمر : 30] عاجزون عن ~~بلوغ درك صفاتك ، وإيمان رسول الله صلى الله عليه وسلم إيمان مكاشفة ومشاهدة ، ~~وإيمان المؤمنين إيمان بالوسائط والعلائق. # وقيل في قوله : ( والمؤمنون كل آمن بالله ): حكما وتسمية ، ولا ~~المؤمن موجود ولا الإيمان ظاهر. # وقال فارس : ( آمن ms0110 الرسول بما أنزل إليه من ربه ) قال : إيمان ~~حقيقة ومشاهدة ( والمؤمنون كل آمن بالله ) إيمان حكم ومتابعة ( ~~ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) أي : لو أظهر من جمال عز الأزل صفة ~~من صفاتي لا يطيق الخلق أن يستقيموا عند كشف ذرة منها ، لكن أواسيهم بلوائح ~~التجلي بنعت الالتباس ؛ لكي لا يفنوا مثل تجلي موسى وعيسى ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم ، وأيضا : تسربلت الأرواح بأنوار الكبرياء ، فاستقلوا ~~بأنفسهم عند نهوضهم بأثقال المعرفة ، وما أدركت من عجائب الربوبية ، وهذا ~~معنى قوله تعالى : ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ) [الأحزاب : 72] ، ~~وأيضا : لا يكلف الله حق عبوديته نفوس أوليائه إلا قدر ما يطيقون من جهة ~~التقصير والضعف عند تحمل حقيقة العبودية ؛ لأن من حق الربوبية أن تذوب ~~الأرواح والأشباح في أول تكبيره كبروا تعظيما وإجلالا ، وأن الله تعالى ما ~~أظهر للخلق من معرفته إلا مقدار ما يعيشون به من جهلهم بربوبية ربهم ، ولو ~~أيقنوا أنهم في معزل من حقيقة العبودية وإدراك صرف الربوبية ماتوا حسرة على ~~ما فاتوا ، ( لها ما كسبت ) أي : ما كسبت أرواحهم من مقاساة ~~الهجران في دار الامتحان ، ( وعليها ما اكتسبت ) ما اكتسبت النفوس ~~من جرائم الخطرات عند مكاشفة الغيب للأسرار فيجازي الله النفوس في الدنيا ~~بالذوب في المجاهدات ، ويجازي الأرواح في الآخرة بصرف المشاهدات ، ( ~~ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا ) أي : لا PageV01P122 # تحجبنا بنا عليك إن نسيناك ، ( أو أخطأنا ) بالتفاتنا إلى غيرك ، ~~( واعف عنا ) أي : اعف عنا قلة المعرفة بك ، ( واغفر لنا ) ~~التقصير في عبادتك ، ( وارحمنا ) بمواصلتك ومشاهدتك. # وقال ابن عطاء : ( لا تؤاخذنا ) عند المصيبة واستر علينا في ~~القيامة ولا تفضحنا بها على رءوس الأشهاد ( فانصرنا على القوم ~~الكافرين ) هذا نجوى أهل الامتحان من المكاشفين والمشاهدين أي : نحن أسراء ~~معرفتك وضعفاء محبتك ، فارحمنا بتجلي العظمة حتى نقوى منك بك في محل ~~العبودية وكشف الربوبية ( فانصرنا ) بمعونة المعرفة وجند حقائق ~~الإلهام عن مشاعر الألوهية ، ( على القوم الكافرين ) أي : على ~~أوباش الطبيعة حتى يهزموا عن ms0111 ميادين معارفك بتأييد معرفتك وتشريح من ~~تشويشهم في صرف عبوديتك وطلب مشاهدة حضرتك. ### | سورة آل عمران # بسم الله الرحمن الرحيم # ( الم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (2) نزل عليك الكتاب ~~بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (3) من قبل هدى للناس ~~وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو ~~انتقام (4) إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (5) هو الذي ~~يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم (6) هو الذي أنزل ~~عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في ~~قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم ~~تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما ~~يذكر إلا أولوا الألباب (7)) # ( الم ) الألف إشارة إلى قدس فردانيته وامتناعه عن التصاق الحدث ~~بقدمه ، واللام إشارة إلى لطائف غيبه ، والميم إشارة إلى غرائب ملكوته مما ~~أخفى عن أعين الخلائق من قوة عيون أوليائه وأنبيائه ، وأيضا الألف إشارة ~~إلى أوليته ، واللام إشارة إلى جلاله وجماله ، والميم إشارة إلى محبته ~~لأوليائه في القدم ، وقد جرت العادة بين الأحباب التخاطب بالحروف المفردات ~~سترا على الأحوال ، وكتما للأسرار لئلا يطلع عليها أجنبي من هذه المعاني ~~لغير هذه المباني. PageV01P123 # كما قال : قلت لها قفي ، قالت لي : قاف لكي لا يقف العاذلون على الأسرار ~~، ونطقوا بهذه الإشارة حذرا من استشراف المترقين ، هكذا سنة الإلهية خاطب ~~خواص محبيه بالرموز والإشارات مثل الحروف المقطعة هي رموز من الحق لسادة ~~أنبيائه وأوليائه تشريفا لهم وتعظيما على سائر الخلق ، ومن قرب من الله ~~تعالى فالإشارة معه أدق والرمز معه أرق. # ألا ترى أنه تعالى أسمع كليمه كلامه أحسن العبارات ، وأسمع حبيبه خطابه ~~بأجمل الإشارات ، قال عليه السلام : «أوتيت جوامع الكلم ، واختصر الكلام ~~اختصارا» (1). # وقيل : العبارات للعموم والإشارات للخصوص. # وقيل : الإشارة في قوله : «ألف» أراد قيامه بكفايتك على عموم أحوالك ، ~~والإشارة من اللام إلى لطفه بك في ms0112 خفي السر ، والإشارة من الميم موافقة ~~جريان التقدير لمتعلقات الطلب من الأولياء ، ولا يتحرك في العالم شيء ، ولا ~~يظهر ذرة إلا وهو محل الرضا منهم. # وإذا قرعت هذه الألفاظ أسماع المحبين تفهم حقائقها أسرارهم ، وتقرأ ~~معانيها من ألواح الإلهام أرواحهم القدسية ، وكل حرف منها إشارة إلى اسم ، ~~والاسم إشارة إلى فعل والفعل إشارة إلى الصفة والصفة إشارة إلى الذات ، ~~فإذا لقيت هذه الرموز في قلوب العارفين رقوا مدارج الأسماء والأفعال ~~والصفات حتى يبلغوا سرادق الكبرياء ، فيكشف لهم معلومات السرمدية من الحق ~~للحق فيفطنون علوم المجهولة التي ليست في ديوان الملكوت. # وقيل : الألف من الأحدية ، واللام من اللطف ، والميم من الملك. # وقال ابن عطاء : إن الله جعل الأحرف سببا متصلا بالحلق ، وجعل المشكل لها ~~سببا متصلا منه لها وهو سر الله ، يعني المشكل لا يعلمه إلا هو. # وقوله تعالى : ( الحي القيوم ) الحي الذي لا تقاس حياته ببعد ~~الأوهام ، ولا تدرك سرمدية ذاته بغوص فطن الأنام ، وأيضا ( الحي ) ~~الذي حياته قام به العالم واستنارت بنورها روح آدم عليه السلام ، و ( ~~ القيوم ) الذي يبقى ببقائه أهل الفناء ويفنى بقهر قيوميته أهل ~~البقاء ، وأيضا ( القيوم ) هو المقدس عن العلائق وقيامه لخلقه بنعت ~~حفظهم ورحمته عليهم روح الخلائق. # وقال الأستاذ : ( الحي القيوم ) الذي لا يلهو فيشغل عنك ، ولا ~~يسهو فيبقى عنه فهو على عموم أحوالك رقيب سرك إن خلوت فهو رقيبك ، وإن ~~توسطت الخلق فهو قريبك. PageV01P124 # وقيل : ( الحي ) الذي لا أول لحياته ، و ( القيوم ) الذي ~~لا أمد لبقائه. # وقال الكتاني في حقيقة ( الحي ): الذي به حياة كل حي ، ومن لم ~~يحي به فهو ميت. # وقيل : ( القيوم ) من هو مزيل العلل عن ذاته بالزوال ، أو ~~بالعبارة عنه وبالإشارة فلا يبلغ أحد شيئا من كنه معرفته ؛ لأنه لا يعلم ~~أحد ما هو إلا هو. # قوله تعالى : ( إن الذين كفروا بآيات الله ) أي : إن الذين حجبوا ~~عن مشاهدة الحق بنعت اليقين في رؤية شواهد الربوبية ، ( لهم عذاب ~~شديد ) لهم حرمان وجدان وصول مقامات أهل الهدايات. # وقال أبو سعيد ms0113 الخراز : كفروا بإظهار كرامات الله على أوليائه ، ( ~~ لهم عذاب شديد ) نفي الحق عن ذلك ، ( والله عزيز ) يعز ~~أولياءه بولايته وإظهار الكرامات على من يشاء من عباده ، ( ذو ~~انتقام ) من يجحد ذلك ، ( والله عزيز ذو انتقام ) يعز أولياءه بعز ~~التوحيد ، وينتقم من أعدائه إنكارهم على أمنائه بألا يهديهم إلى ما آتاهم ~~من أنواع فضله وكرمه. # قال الواسطي : ( عزيز ذو انتقام ) عن أن يخالف إرادته أحد ، بل ~~ينتقم بما يجري عليه أن يكون عقوبته مقابلة ( إن الله لا يخفى ~~عليه شيء في الأرض ولا في السماء ) لا يخفي عليه شيء ما في صدور أوليائه في ~~الأرض من لهب الاشتياق ، ولا مما في قلوب أصفياء ملائكته تحت العرش من أزيز ~~نيران الخوف ، وهذا التسلية من الله تعالى لأوليائه أنه يعلم أحوالهم في ~~شوقه ، وإنه يجازيهم بمقاساتهم وممارستهم ابتلاءه ، وأيضا : كيف يخفى عليه ~~شيء مما فطره من محدثات الكونين ، لكن هذا تخويف من الله لأعدائه أنذرهم ~~بأنه علم ما في ضمائرهم من دنس الكفر ، وإنه يجازيهم بسوء أعمالهم. # وقال جعفر : لا يطلعن عليك ، فيرى في قلبك سواه فيمقتك. # وقيل فيه : لا يخفي عليه شيء ، فطالعوا همومكم أن تكون خالية عن الأهواء ~~والشبهات ، فإنه لا يخفى عليه شيء. # ( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ) (1) أي : الذي يلبسكم في ~~الأرحام نور جمال القدرة ، ويزينكم بحسن مكث المشاهدة ليسر الناظر إذا نظر ~~إلى وجوهكم بإدراك حسن إبداعه وإظهار جلال ربوبيته في وجوهكم ، كما قال ~~تعالى لكليمه : ( وألقيت عليك PageV01P125 # محبة مني ) [طه : 39] ، وأيضا ( هو الذي يصوركم في ~~الأرحام كيف يشاء ) على استعداد الولاية والهداية ، وأيضا يصوركم ربانيين ~~في علوم المعارف ، أو مطمئنين في كشف نور الحقائق أو المخبتين تحت أثقال ~~المعاملات أو المحسنين في شرف المقامات ، كما كان في علم أزليته. # وقيل : يصوركم عالما به وعالما بصفاته وعالما بأوامره وجاهدا له ، فمن لم ~~يصحبه حزن ما قدر عليه في وقت تصويره من السعادة والشقاوة فهو الجاهل به ~~والآمن من مكره. # وقال محمد بن علي : ( هو الذي يصوركم ms0114 في الأرحام كيف يشاء ) من ~~الأنوار والظلمات. # قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إن الله خلق الخلق في ظلمة ، وألقى عليهم ~~من نوره ؛ فمن أصابه ذلك النور اهتدى ، ومن أخطأه ضل» (1). # وقال الحسين : خصوصية تصويره إياك أنه قومك فسواك وعدلك ، وأنزلك منزلة ~~المخاطبين ( منه آيات محكمات ) المحكمات : التي لا تتبدل مما كانت ~~في الأزل ، وهي آيات لا بد للمؤمنين من استعمال أوامرها ؛ لأنها في إصلاح ~~الخلق وتثبيت إيمانهم بمنزلة الدواء للمرضى. # قال أبو عثمان : هي فاتحة الكتاب التي لا تجزي الصلاة إلا بها. # وقال محمد بن الفضل : هو سورة الإخلاص ؛ لأنه ليس فيها إلا التوحيد فقط ، ~~( هن أم الكتاب ) أي : مدار أوامر الكتاب ، وموئل أصول المعاملات ، ~~ومنبت أشجار الإيمان في قلوب أهل المداناة بنعت المزيد ، ويهيج الأرواح في ~~اقتباس المخاطبات ، ( وأخر متشابهات ) هي أوصاف التباس الصفات ~~وظهور الذات في مزار الشواهد والآيات ( فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ) أهل التقليد يخوضون في المتشابهات ~~طلبا للتوحيد ، وهم بمعزل عن شهوده ؛ لأنهم أصحاب الوهم ، وصاحب الوهم لا ~~يعرف حقيقة الأشياء المحدثة ، فكيف يعرف وجود الحق برسم الوهم ، وإذا كان ~~يطلب العلوم المتشابهة لم يبلغ حقيقتها ويقع في الفتنة ، ولهذا قال ~~عليه السلام : «تفكروا في آلاء الله ، ولا تتفكروا في ذات الله» (2). # ومن لا يعبر بحار حقائق اليقين ولم ينظر في مرآة التحقيق ، ورسم في ~~المتشابهات يسقط عن رسوم إيمانه ، ولا يبلغ معاني المتشابهات ؛ لأنه مقام ~~أهل العشق الذي يرون الحق في كل PageV01P126 # شيء. # كما قال بعض أهل المعاني : ما نظرت إلى شيء إلا ورأيت الله فيه. # هذا وصف ظهور التجلي في قراءة الكون لا أن الحق تعالى حل في الأشياء ؛ ~~لأنه منزه عن أشكال الحلول ، ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون ~~في العلم ) خص نفسه بحقيقة علم تشابه أسرار التباس هيئات الجبروت في ~~الملكوت بنعت ظهور تجليه لأهل حقيقة التوحيد والتفرد ، وأضاف إلى أوليائه ~~من أهل العشق خاصة طرفا من علم المشاهدة بنعت الالتباس في حقيقة المكاشفة ms0115 ، ~~( يقولون آمنا به ) إيمان مشاهدة وحقيقة علم وعرفان مكاشفة ، ~~والراسخون هم الذين كشف لهم أسرار العلوم اللدنية ، وعجائب معلومات الآخرة ~~الخارجة من أنصار الطاهرة ، وأيضا الراسخ الرباني الذي تخلق بخلق الحق جلت ~~عظمته أن يكون له كفوا. # وقال الواسطي : هم الذين رسخوا بأرواحهم في غيب الغيب في سر السر فعرفهم ~~وخاضوا في بحر العلم بالفهم لطلب الزيادات ما كشف لهم من مدخور الخزائن تحت ~~كل حرف منه من الفهم وعجائب الخطاب فنطقوا بالحكم. # وقال سهل : الرسوخ في العلم زيادة بيان ونور من الله ، كما قال : ( ~~ رب زدني علما ) [طه : 114]. # وقال : الراسخ في العلم من علوم المكاشفة رباني نوراني وذاتي ، وأحكام ~~العلوم أربعة : الوحي والتجلي والعندي واللدني. # وقال بعضهم : الراسخ في العلم من طولع على محل المراد من الخطاب. # وصف الأستاذ رحمه الله أهل اليقين وأهل الزيغ ، قال : أما الذين أيدوا ~~بأنوار البصائر ، فمستضيئون شعاع شموس الفهم ، وأما الذين أسبلوا غطاء ~~الريب ، وحرموا لطائف التحقيق فتنقسم بهم الأحوال ، وترتجم لهم الظنون ، ~~ويطيحون في أودية التلبيس فلا يزدادون إلا جحدا على جحد ، ونفورا على شك. # قال : ومن وجد علم التأويل من الله عز وجل فيكون إيمانهم بلا احتمال ~~لجولان خواطر التجريد ، بل عن صريحات الظهور وصافيات اليقين. # قال : وأصحاب العقول هم في صحة التذكير لوجود البراهين وستر أحكام ~~التحصيل ، وأيضا الراسخون في العلم المشاهدون بنعت الأرواح قبل الأشباح في ~~ديوان الأزل ، قد عاينوا مكنونات أسرار خصائص العلوم القدمية ، وفهموا منها ~~عواقب شأنهم في مدارج البقاء فرسخوا في بحر عين اليقين ، ولم يتزلزلوا في ~~ظهور الحكومات بنعت التصاريف والتحويل ، PageV01P127 # والمكر والخديعة فلم ينهزموا عن صولات القهر وتخويفه ، وثبتوا صدمات الله ~~، وفي الله فيما ظهر من الله من رسم المحو والطمس ، وعلموا أن جميعها ~~ابتلاء ، وامتحان فسكنوا في العبودية رسما ، ورسخوا في مشاهدة الربوبية ~~حقيقة وصرفا. # ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك ~~أنت الوهاب (8) ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف ~~الميعاد ms0116 (9) إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ~~وأولئك هم وقود النار (10) كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا ~~فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب (11) قل للذين كفروا ستغلبون ~~وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (12) قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة ~~تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره ~~من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (13) زين للناس حب الشهوات من ~~النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة ~~والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب (14) قل ~~أأنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد (15) الذين ~~يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار (16)) # قوله تعالى : ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ) أي : لا تزغ ~~قلوبنا بفقدان الطمأنينة بذكرك ، وأيضا : لا تزغ قلوبنا عن قربك ومحبتك بعد ~~إذ هديتنا إلى معرفتك ومحبتك ، ( وهب لنا من لدنك رحمة ) علما خاصا ~~ومعرفة تامة ، ( إنك أنت الوهاب ) وهب ما لا يحصى شكره. # وقال سهل : رجع قوم للتضرع إليه والمسكنة بين يديه ، ( بعد إذ ~~هديتنا ) أي : لا تمل بقلوبنا وأسرارنا عن الإيمان بك إذ مننت علينا به. # وقال جعفر : لا تزغ قلوبنا عنك بعد إذ هديتنا إليك من لدنك رحمة لزوما ~~لخدمتك ، على شرط السنة ( إنك أنت الوهاب ) المعطي بفضله عباده ما ~~لا يستحقونه من نعمة. # وقال الأستاذ : ما ازدادوا قربا إلا ازدادوا أدبا ، واللياذ إلى التباعد ~~أقوى أسباب رعاية الأدب. PageV01P128 # وقيل : حين صدقوا في حسن الاستعانة أيدوا بأنوار الكفاية ، ( ~~ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه ) إنك جامع أهل الحقيقة على بساط ~~القربة على بساط الكرامة ، والموقنون على بساط المشاهدة والمحبون على بساط ~~الوصل ، والعارفون على محل الأنس ، وكل طائفة تبلغ عندك بطي منتهى مقاصدهم ~~التي كانوا في الدنيا من رسم المقامات والحالات والمكاشفات والمشاهدات. # وقال الأستاذ : اليوم ms0117 جمع الأحباب على بساط الاقتراب وغدا جمع الكافة ~~لمحل الثواب والعقاب اليوم جمع الأسرار لكشف الجلال والجمال ، وغدا جمع ~~الأستار لشهود الأهوال ومقاساة ما أخبر عنه من تلك الأحوال ، ( إن ~~الله لا يخلف الميعاد ) لا يخلف ما وعد لأنبيائه وأوليائه من وصولهم إلى ~~مشاهدته بعد ما خاطبهم حين أبدع أرواحهم قبل وجود الكونين تعريف نفسه لهم ~~بلا كلفة العذاب ومشقة الحساب ، وأيضا لا سبيل لتغير الحدثان إلى قدم علم ~~الرحماني ؛ لأنه تعالى منزه عن أن يفعل شيئا بعلم يحدث في نفسه. # وقال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي : الميعاد الذي وعد من السعادة ~~والشقاوة في أزلي علمه لا يخلف ميعادا لزهد زاهد ، ولا لفسق فاسق. # قال الواسطي في قوله : ( إن الله لا يخلف الميعاد ) قال : في ~~إنزال كل واحد ما كان من الأعواض إيصال الخواص إلى محل الخاص من اللقاء ~~والقرب ، ( والله يؤيد بنصره من يشاء ) يؤيد حتى يجاهد نفسه على ~~شرائط السنة ( من يشاء ) من خواص عباده ، وأيضا ألبس أولياءه أنوار ~~هيبته ليفرق الشيطان بها عن أسرار مراقباتهم. # وقيل : يوفق من يشاء من عباده للزوم السنة ، وترك البدعة. # ( زين للناس حب الشهوات ) ابتلاهم حتى يظهروا الصادق بترك هذه ~~الشهوات من الكاذب بالشروع في طلبها. # قيل : من اشتغل بهذه الأشياء قطعه عن طريق الحق ، ومن استصغرها ، وأعرض ~~عنها عوض عنها السلامة منها ، وفتح له الطريق إلى الحقائق. # ( قل أأنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات ) أي : ~~لمن اتقى الله عما سوى الله جنات المقامات في المداناة فإن تبقى المتقي من ~~الدنيا وشهواتها فله جنه اليقين ، وإن تبقي المتقي من الآخرة فله جنة ~~المكاشفة ، وإن تبقى من النفس فله جنة المشاهدة بنعت الرضا كما قال تعالى : ~~( يا أيتها النفس المطمئنة (27) ارجعي إلى ربك راضية مرضية (28)) ~~[الفجر : 27 ، 28]. PageV01P129 # وقيل : من عمل رجاء الجنة فإن غاية بلوغه إلى غاية رجائه من دخول الجنة ، ~~ومن كانت معاملته على رؤية الرضا فإن له الرضوان ، قال الله تعالى : ( ~~ ورضوان من الله أكبر ) [التوبة : 72]. # وقوله تعالى ms0118 : ( الله بصير بالعباد ) (1) بصير بالعباد في تقلب ~~أرواحهم في عالم الملكوت محترقات من سطوات أنوار الجبروت حبا لجواره وشوقا ~~إلى لقائه ، يجازيهم بقدر همومها في صرف طلب وجه الأزلي وجمال الأبدي. # وقيل : عالم بهمم العاملين وإرادتهم. # ( الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ~~(17) شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا ~~إله إلا هو العزيز الحكيم (18)) # قوله تعالى : ( الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين ~~والمستغفرين بالأسحار ) الصابرين عن جميع حظوظهم لله ، والصادقين في معاملة ~~الله ، والقانتين بنعت الرضا عن الله ، والمنفقين نفوسهم لله وبالله ، ~~والمستغفرين عن التفاتهم إلى غير الله بالأسحار حين أشرقت أنوار المشاهدة ~~لأهل المكاشفة. # وأيضا : الصابرين عن الله بالله ، وبالله لله ، ولله في الله ، ولله مع ~~الله ، والصادقين في دعوى محبة الله بنعت كشف مشاهدة الله ، والقانتين بشرط ~~الإخلاص في عبودية الله ، والمنفقين حياتهم في رضا الله ، والمستغفرين عن ~~الخطرات في أوقات المناجاة. # وقيل : الصابرين على صدق المقصود ، والصادقين في العهود ، والقانتين لحفظ ~~الحدود ، والمستغفرين عن أعمالهم وأحوالهم عند استيلاء سلطان التوحيد. # وقيل : الصابرين الذين صبروا على الطلب ، ولم يتعللوا بالهرب ، ولم ~~يحتشموا من التعب ، وهجروا كل راحة وطرب يصبرون على البلوى ، ورفضوا الشكوى ~~حتى وصلوا إلى الموتى ، ولم يقطعهم شيء من الدنيا والعقبى. # والصادقين : الذين صدقوا في الطلب فقصدوا ، ثم وردوا ثم صدقوا حين شهدوا ~~، ثم صدقوا حتى وجدوا ، ثم صدقوا حتى فقدوا تزينهم قصودا ، ثم ورودا ، ثم ~~شهودتهم وجودا ، ثم خمودا. PageV01P130 # والقانتين : الذين لازموا الباب ، وداوموا على تجرع الاكتساب ، وترك ~~المحاب ، وبغض الأصحاب إلى أن تحققوا بالاقتراب. # والمنفقين : الذين جادوا بنفوسهم من حيث الأعمال ، ثم جادوا بميسورهم من ~~الأموال ، ثم جادوا بقلوبهم بصدق الأحوال ، ثم جادوا بترك كل حظ لهم في ~~العاجل والآجل استهلاكا عن القرب في الوصال بما لقوا به من الاصطلاح ~~والاستيصال. # والمستغفرين : عن جميع ذلك إذا رجعوا إلى الصحو عند الأسحار يعني : ظهور ~~الأسفار ، وهو فجر القلوب لا فجر يظهر في الأقطار. # وقال أبو عمرو المكي : ليس الصبر ترك الاختيار ms0119 على الله ، ولكن الصبر هو ~~الثبات فيه ، وتلقي بلاءه بالرحب والرغبة. # وقال عمرو : من صبر على رؤية المنة يكون تلذذه بالبلاء كتلذذه بالمنن إذ ~~هما من عين واحدة. # وقال جعفر : الصبر ما كتب فيه محفوظا ، والتصبر فيه ما رددت فيه إلى حالك وعجزك. # وقال ابن عطاء : الصابرون هم الذين صبروا بالله في طاعة الله مع الله ، ~~والصادقون هم الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه عن صدق قويم ، واعتماد صحيح ~~وسر لا يشوبه شيء ، والقانتون هم الذين أطاعوا في سرهم وعلانيتهم ، ~~والمستغفرون بالأسحار الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع. # وقال بعضهم : الصابرون مع الله على موارد قضائه ، والصادقون في توحيدهم ~~ومحبتهم والقانتون الراجعون إليه في السراء والضراء ، والمنفقون ما سواه ، ~~والمستغفرون بالأسحار من أفعالهم وأقوالهم. # وقال ابن عطاء : الصابرون الذين صبروا على ما أمروا به ، والصادقون الذين ~~صدقوا ما أقروا به من الميثاق الأول والقانتون القائمون لفنون العبادات ، ~~والمنفقون الذين ينفقون أنفسهم وأرواحهم في رضا مولاهم ، والمستغفرون ~~بالأسحار الذين لا يفترون عن خدمته بحال. # وقال أيضا : الصابرون الذين حبسوا أنفسهم على مطالعة المكاشفات ، ~~والصادقون الذين صدقوا في محبته ، والقانتون الذين ربطوا أنفسهم بخدمته ، ~~والمستغفرون بالأسحار لزموا الباب إلى أن يؤذن لهم. # وقال أيضا : الصبر مقام المحبين ، والصدق مقام العارفين ، والقنوت مقام ~~العابدين ، والإنفاق مقام المريدين ، والاستغفار مقام المذنبين. PageV01P131 # ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ) إن الله ~~تبارك وتعالى وتقدس كان بداية وصفاته عالما وعارفا كما ينبغي منه لنفسه ~~فشهد بنفسه لنفسه قبل القبل ، وكون البعد وكون الكون ؛ فليس مقابل علمه ~~بنفسه جهل ، وليس مقابل معرفته بنفسه نكرة ، وليس مقابل شهادته بنفسه عجز ~~ووحشة ، بل وصف نفسه بنفسه ، وشكر نفسه بنفسه ، إذ ليس للخلق إلى معرفته ، ~~والعلم بنفسه سبيل فأثنى بنفسه على نفسه لعلمه بعجز خلقه عن معرفة وجوده ، ~~فمراده من شهادته بنفسه قبل وجود العالم تعليما لعباده تلطفا منه عليهم ، ~~وإلا هو منزه عن وجود الخلق ، ( إن الله لغني عن العالمين ) ~~[العنكبوت : 6] ، فشهادته لنفسه حقيقة ، وشهادة الخلق له ms0120 رسم ، والحقيقة ~~بدت من الحقيقة ، وتعود إلى الحقيقة ، والرسم بدء من الرسم ، ويعود إلى ~~الرسم ؛ لأن القدم مفرد عن الحدث من جميع الوجوه علما ورسما وحقيقة. # ثم خلق الملائكة وكشف لهم ذرة من نور قدرته فاقتبسوا من نوره نورا ~~فأبصروا به آثار أفعاله القديمة فشهدوا به وبوحدانيته وأزليته وسرمديته ، ~~رامتهم في العبودية لا حقيقة منهم في الربوبية ، فرضي الله تعالى به عنهم ~~أمرا ورسما لا حقيقة ووصفا ، ثم خلق الأنبياء والأولياء ، وأبرز لهم أنوار ~~جماله ذاته في مصابيح أرواحهم قبل الأجساد بألفي ألف عام ، فنظروا بنوره ~~إلى جمال جلاله وتحيروا في كنه عظمته وكبرياء جبروته ، وعجزوا عن ثنائه ~~ووصفه وشكره لنفسه. # خاطبهم الحق جل سلطانه بنعت تعريف نفسه لهم فقال : ( ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنا ) [الأعراف : 172] ؛ فشهدوا بعد إقرارهم في محل الخطاب ، ~~فشهادتهم رسم التعليم لا من حقيقة رسم القديم ، والفرق بين شهادة الملائكة ~~، وبني آدم من أهل العلم أن الملائكة شهدوا من حيث اليقين ، وأولوا العلم ~~من حيث المشاهدة وأيضا شهادة الملائكة من رؤية الأفعال ، وشهادة العلماء من ~~رؤية الصفات. # وأيضا شهادة الملائكة من رؤية العظمة وشهادة العلماء من رؤية الجمال ، ~~لأجل ذلك يتولد من رؤيتهم الخوف ، ومن رؤية العلماء الرجاء. # وشهادة العلماء بالتفاوت فشهادة بعضهم من المقامات ، وشهادة بعضهم من ~~الحالات ، وشهادة بعضهم من المكاشفات ، وشهادة بعضهم من المشاهدات ، وخواص ~~أهل العلم يشهدون به له بنعت إدراك القدم ، وبروز نور التوحيد من جمال ~~الوحدانية ، فشهادتهم مستغرقة في شهادة الحق ؛ لأنهم في محل المحو من رؤية ~~القدم ، وسئل سهل بن عبد الله عن هذه الآية فقال : شهد بنفسه ومشاهدة ذاته ~~، واستشهد من استشهد من خلقه قبل خلقه لهم PageV01P132 # فكان في ذلك تنبيها أنه عالم بما يكون قبل كونه لا يتجاوز أحد من حكمه. # وقال ابن عطاء في قوله : ( شهد الله ) (1): دلنا من نفسه على ~~نفسه بأسماء ، وفيه بيان ربوبيته وصفاته فجعل لنا في كلامه وأسمائه شاهدا ~~ودليلا ، وإنما فعل ذلك لأن الله وحد نفسه ولم يكن معه غيره ، وكان ms0121 الشاهد ~~عليه توحيده ولا يستحق أن يشهد عليه من حيث الحقيقة سواه ، إذ هو الشاهد ~~فلا شاهد معه ، ثم دعا الخلق إلى شهادته فمن وافق شهادته شهادته فقد أصاب ~~حظه من حقيقة التوحيد ، ومن حرم ضل. # وقال ابن عطاء : إن الله شهد لنفسه بالفردانية والصمدية والأبدية ، ثم ~~خلق الخلق فشغلهم بعبادة هذه الكلمة فلا يطيقون حقيقة عبادتها ؛ لأن شهادته ~~لنفسه حق وشهادتهم بذلك رسم وأنى يستوي الحق مع الرسم. # وقال أبو عبد الله القرشي في قوله : ( شهد الله ) فقال : هو ~~تعليم منه ولطف وإرشاد لعباده إلى أن شهدوا له بذلك ، ولو لم يعلمهم ذلك لم ~~يرشدهم لهلكوا كما هلك إبليس عند المعارضة. # وقال بعضهم : شهادة الله لنفسه بما شهد به شهادة صدق ، ولا يقبل الشهادة ~~إلا من الصادقين فظهر بهذا أنه لا يصلح التوحيد إلا للصادقين دون غيرهم من الخلق. # وقال أبو يزيد رحمة الله عليه يوما لأصحابه : بقيت البارحة إلى الصباح ~~أجهد أن أقول : لا إله إلا الله ، فما قدرت عليه. # قيل : ولم؟ قال : ذكرت كلمة قلتها في صباي جاءتني وحشة تلك الكلمة ~~فمنعتني عن ذلك ، وأعجب ممن يذكر الله وهو متصف بشيء من صفاته. # وقال الشبلي : ما قلت قط الله إلا واستغفرت من ذلك ؛ لأن الله يقول : ( ~~ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ) فمن يشهد ~~بذلك له من الأكوان إلا عن أمر أو غفلة. # وقال ابن عطاء : أول ما خلقوا في حقائق البقاء مع الله فنوا عن كل شيء ~~دون الله حتى PageV01P133 # ثبتوا مع الله. # وقال الشبلي : شهادة أن لا إله إلا الله عشرة أحرف ستة في الظاهر ، ~~وأربعة في الباطن ، فأما التي في الظاهر فذكر الله بلا رياء ، والثاني : ~~أداء الأمر بلا عيب ولا تقصير ، والثالث : كف النفس عن المحارم ، والرابع : ~~النصيحة للمؤمنين ، والخامس : الفرار من الآثام ، والسادس : معاداة النفس ، ~~وأما اللواتي في البواطن فإيمان ومعرفة بالقلب ونية وخشوع وفكرة واستقامة ~~مع رؤية التوفيق فمن فعل هذا كله فقد شهد الله بالحقيقة. # وقيل ms0122 للشبلي : لم تقول : الله ، ولا تقول : لا إله إلا الله؟ # قال : القول شمس تغالب فقدها بثبوتها ، فإذا استحال الفقد ماذا يغلب ، ثم ~~قال : وهل ينفى إلا ما يستحيل كونه؟ وهل يثبت إلا ما يجوز فقده؟ # وقال المزني رحمه الله : دخل ابن منصور مكة ، فسئل عن شهادة الزور للحق ~~بالوحدانية ، وعن التوحيد فتكلم فيه حتى نسينا التوحيد ، فقلنا : هذا يليق ~~بالحق به من حيث رضي به نعتا وأمرا ، ولا يليق به وصفا ولا حقيقة ، كما رضي ~~بشكرنا لنعمه ، وأنى يليق شكرنا بنعمه. # وقال : ما دمت تشير فلست بموحد حتى يستولي الحق على إشارتك بإفنائها عنك ~~فلا يبقى مشير ولا إشارة. # وقال أبو سليمان الداراني : تطلب رضا ربك ، وتبخل بمالك وتعجز عن طاعتك ~~كلا فالشاهد لله بالحقيقة من لا يخل بروحه ونفسه وقلبه في رضا مولاه. # وقال بعضهم : ( شهد الله ) علم الله لأنه معلوم نفسه بكمال العلم ~~والشهادة إخبار عن العلم والإسلام أصول وفروع وكلها تتشعب من أصل واحد وهو ~~الوحدانية. # وقيل في قوله : ( وأولوا العلم ): أن العلماء ثلاثة : عالم بأمر ~~الله وأحكامه فهم علماء الشريعة ، وعالم بصفاته ونعوته فهم علماء السنة ، ~~وعالم به وبأسمائه فهم العلماء الربانيين. # وقوله تعالى : ( هو العزيز الحكيم ) العزيز أن يمتنع كنه قدمه من ~~مطالعة المخلوقين ، وأيضا العزيز الذي لا يصفه أحد إلا برسم وصفه نفسه ~~الحكيم ، هو الذي حكم حقيقة الشهادة لنفسه ورسمها بعباده. # والحكيم أيضا الذي حجب الخلق عن نفسه أن يروه بما حصل لهم من رسم توحيده ~~في قلوبهم ، أن ما حصل من رسوم التوحيد للعباد مشوب بطيف الخيال ، وما يبرز ~~من حقيقة التوحيد من جلال عظمته يخالف ما خطر في قلوبهم. # وقيل : العزيز الممتنع عن أن يلحقه توحيد موحد أو وصفة واصف إلا على الأمر PageV01P134 # به ، الحكيم فيما يشهد به لنفسه. # ( إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا ~~من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع ~~الحساب (19) فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ms0123 ومن اتبعن وقل للذين أوتوا ~~الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك ~~البلاغ والله بصير بالعباد (20) إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم ~~(21) أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (22) ~~ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ~~ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون (23) ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون (24) فكيف إذا جمعناهم ليوم ~~لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (25)) # قوله تعالى : ( إن الدين عند الله الإسلام ) (1) وقف الإسلام ~~الرضا بمراد الحق وإمضاء قضائه وقدره بنعت استقامة السر في الباطن ، وقلة ~~الاضطراب في الظاهر ، ووجدان لذة المحبة وقت نزول البلاء في المحنة. # قال أبو عثمان : ( إن الدين ) ما سلم لك من البدع والضلالة ~~والأهواء ، وسلمت فيه من الرياء ، والشهوة الخفية ، ورؤية الخلق ، وتعظيم ~~الطاعة. # وقيل : إن المتدين بالإسلام من سلم من رؤية الخلق ، وسلم قلبه من شهوات ~~نفسه ، وسلم روحه من خطرات قلبه ، وسلم سره من طيران روحه ، فهو في حال ~~الاستقامة مع الله. # وقال بعضهم : أركان الإسلام أربعة : التواضع ، والألفة ، وكظم الغيظ ، ~~والصبر ، إذا تم لهذه الأربعة وجد منه أربعة أخرى : من التواضع التوكل ، ~~ومن الألفة التسليم ، ومن كظم الغيظ التفويض ، ومن الصبر الرضا. PageV01P135 # قال جعفر الصادق : إذا لم يكن إسلام العبد على معرفة النعم من الله ، ~~والتوكل عليه ، والتسليم لأمره ؛ فهو على اسم الإسلام ، لا على حقيقته. # ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ~~وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير (26)) # قوله تعالى : ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع ~~الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء ) خص الله تعالى نفسه ، ومدحه ~~بملك الربوبية ، وأنه ذو الملك والملكوت والجبروت وملكه قديم ، وهو موصوف ~~به ms0124 في الأزل ، ويبقى له إلى أبد الأبد ، وهو مفرد به ؛ ثم خص بملكه الذي هو ~~صفاته من يشاء من أنبيائه وأوليائه ، فالملك الذي خص الأنبياء هو الاصطفاء ~~، والاجتباء ، والخلافة ، والخلة ، والمحبة ، والتكليم ، والآيات ، ~~والمعجزات ، والمعراج ، والمنهاج ، والرسالة ، والنبوة. # وخص بما ذكرت من بين الأنبياء صلوات الله عليهم آدم ، وشيث ، وإدريس ، ~~ونوح ، وهود ، وصالح ، وإبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب ، ويوسف ، ~~ويونس ولوط ، وشعيب ، وحزقيل ، وخضر ، وموسى ، وهارون ، ويوشع ، وكالب ، ~~وأيوب ، وداود ، وسليمان ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى ، ومحمد سيد الرسل خاتم ~~الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. # فكسا الله تعالى سفرة الأنبياء والرسل عليهم السلام كسوة الربوبية ~~والسلطنة ؛ فظهرت منهم الآيات والمعجزات وقهروا بعز ملك النبوة والرسالة ~~جبابرة الأرض ، وهذا موهبة خالصة أزلية سبقت لهم بعناية الله تعالى في أزل ~~علمه ، وحرمها على أهل الخذلان في سابق علمه وهو معنى قوله : ( ~~تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء )، وما قال تعالى لخليله : ( ~~ قال لا ينال عهدي الظالمين ) [البقرة : 124]. # وأما الملك الذي خص به أولياءه فعلى أربعة أقسام : قسم منها الكرامات ~~والآيات مثل : تقلب الأعيان ، وطي الأرض ، واستجاب الدعوة ؛ وهو لأهل ~~المعاملات ، وقسم منها وهو أشرف من الأول وهو المقامات مثل : الزهد ، ~~والورع ، والتقوى ، والصبر ، والشكر ، والتوكل ، والرضا ، والتسليم ، ~~والتفويض ، والتقويم ، والصدق ، والإخلاص ، والإحسان ، والاستقامة ، ~~والطمأنينة ؛ وهو لأهل الدرجات ، وقسم منها وهو أشرف من الثاني هو الوجد ، ~~والنجوى ، والمراقبة ، والحياء ، والخوف ، والرجاء ، والمحبة ، والشوق ، ~~والعشق ، والسكر ، والصحو ؛ وهو لأهل الحالات ، وقسم منها وهو أشرف من ~~الثالث هو الكشف والمشاهدة والمعرفة والتوحيد والتفريد والفناء والبقاء وهو ~~لأهل المعاينات ، فهذه الأحوال التي ذكرناها أصل ملك الولاية ، فمن خص بها ~~فقد بلغ ذروة ملك الأزل والأبد ، ومن حرم منها فقد PageV01P136 # سقط عن حظ الدنيا والآخرة ، يغر بها سادة أوليائه فهلكوا جميع القلوب ~~بفراسة نور الغيب ، ويذل بإنزاعها عن أعدائه حتى لا ينالوا عهد كرامته في ~~الدنيا والآخرة ، وأيضا ( تؤتي الملك من تشاء ) يعني : صرف المحبة ~~بحلية الكرامة ، ونعت الطهارة عن الأكوان ، ( وتنزع الملك ممن تشاء ~~) ملك العبودية وعرفان ms0125 الربوبية ( ممن تشاء )، أي : من ليس له ~~استعداد المعرفة ، ( وتعز من تشاء ) بالأنس ، والشوق ، والعشق ، ( ~~ وتذل من تشاء ) بالخذلان ، والحرمان ، وفقد حقائق القرآن. # قال أبو عثمان : ( الملك ) الإيمان وهذا دليل على أن الإيمان لا ~~يتحقق على شخص إلا بعد الكشف والسلامة له في الانقلاب إلى ربه ، وربما يكون ~~عارية ، وربما يكون عطاء ، قال الله تعالى : ( تؤتي الملك من تشاء ~~) فهو مترسم برسم الملوك ، وقد نزع منه ملكه. # وقال بعضهم : ملك الدين ، والشريعة ، وفرضها ، وسنتها ، ( وتنزع ~~الملك ممن تشاء ) الهداية والتوفيق ، ( وتعز من تشاء ) بولايتك ( ~~ وتذل من تشاء ) بإهانتك ، ( بيدك الخير ) إنك القادر على ~~من تشاء ، كيف تشاء. # وقال محمد بن على : الملك المعرفة ، تعطي معرفتك من تشاء من عبادك ، ~~وتنزعها عمن تشاء ، ( وتعز من تشاء ) باصطفائك واجتبائك ، ( ~~ وتذل من تشاء ) بالإعراض عنه ، ( بيدك الخير ) أي : منك ~~الاصطفاء والاجتباء ، قبل إظهار عبادة العابدين. # وقال الحسين : ( تؤتي الملك من تشاء ) فتشغله به ، ( ~~وتنزع الملك ممن تشاء ) أي : ممن اصطفيته لك فلا يؤثر فيه أسباب الملك لأنه ~~في أسرار الملك ، ( وتعز من تشاء ) بإظهار عزتك عليه ، ( ~~وتذل من تشاء ) (1) بإنصافه برسوم الهياكل. # وقال الواسطي : طوبى لمن ملكه قلبه وجوارحه ، كي يسلم من شرورهما. # وقال الشبلي : ( الملك ) الاستغناء بالمكون عن الكونين. # ( تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من ~~الميت وتخرج PageV01P137 # الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب (27) لا يتخذ المؤمنون ~~الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن ~~تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير (28) قل إن تخفوا ما ~~في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله ~~على كل شيء قدير (29) يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء ~~تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد (30)) # قوله تعالى : ( تولج الليل في النهار ) تولج دخان البشرية في ~~سلطان صفاء التوحيد ، وأيضا تلاشي ظلمة النفوس ms0126 في أنوار الأرواح ، وأيضا ~~أفنى ظلمة الطبائع في صفاء القلوب ، وأيضا تحرق سجوف ليالي الهجران بطلوع ~~شموس العرفان ، وأيضا تخرق حجب الحدوئية عند ظهور سناء قدس الصمدية ، وأيضا ~~ترفع قوام الملكوت حين تبرز أنوار جمال الجبروت. # ( وتولج النهار في الليل ) أي : تفني أنوار الأسرار في أطباق ~~ظلمات الطباع ، وأيضا أي : تسبل حجاب الفناء على وجوه أهل البقاء ، وأيضا : ~~( وتولج النهار في الليل ) حين كسفت شمس المعرفة في منازل النكرة ، ~~وغلبت ظلمة الفترة على نور المعاملة. # ( وتخرج الحي من الميت ) أي : تخرج أشجار أنوار المعرفة بكشف ~~جمال المشاهدة من القلوب الميتة بتواتر الفترة. # وأيضا : تخرج أرواح القدسية بأصوات جرس الوصلة عند غلبات الوجود من ~~الأشباح المضمحلة ، تحت أثقال سلطان كشف توحيد الوحدانية إلى فضاء السرمدية ~~لتجول في سرادق الكبرياء ، وخيام الملكوت ، طلبا لمشاهدة جمال الجبروت. # وأيضا : يخرج العارف العاشق من العامي الغافل ، وأيضا أي : مياه دموع ~~العارفين بنيران الوجد من قلوبهم الخالية عن آثار المشاهدة ( وتخرج ~~الميت من الحي ) أي : العامي من الولي الحي بالمعرفة ورؤية مشاهدة خالق ~~الخلق جل وعز. # وأيضا : إذا يبست عيون المعرفة في قلوب العارفين من حرارة امتحان القهر ~~يخرج منها حنظل الشرك مكان سكر التوحيد ، وعصاه الشك مكان نرجس اليقين ، ~~وأورقت فيها أشجار الغفلة بأوراق هموم المذمومة ، ويبست رياحينها بانقطاع ~~عنها مياه صفاء المعاملة ( وترزق من تشاء بغير حساب ) أي : من هذه ~~المقامات المختلفة بغير رؤية ولا تدبير الإنسانية. # وأيضا : ترزق العارفين مقام المشاهدات وترزق المشتاقين مقام المكاشفات ، ~~وترزق المحبين مقام المداناة وترزق الموحدين مقام البقاء ، والفناء ، ~~والصحو ، والسكر ، والاتحاد ، PageV01P138 # وترزق العاشقين مقام الجمع والتفرقة ، وترزق الأحرار مقام التلوين ~~والتمكين بغير حساب أكثر من أن يحصى عدد أسرارها ويعد حقائق أنوارها ( ~~ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء ) أي : لا يصحب العارف الجاهل ~~ولا المخلص المرائي ، ولا الصادق الكذاب ، ولا المؤمن المبتدع المنكر ، ولا ~~المريد الصادق الفاتر المدعي ، ولا يحب أهل الحق أهل الباطل حتى ينالوا ~~ببعضهم مقام حقيقة العبودية. # ( ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ms0127 ) أي : لا ينال من الله ~~تعالى درجة أهل محبته وقربته ومعرفته ، ( ويحذركم الله نفسه ) حذر ~~أصفياءه بالفراق عن وصله بسبب محبة أعدائه ، وبهذا التخويف يربي خواص أحبته ~~في قباب الشفقة وأسبل بهذا عليهم نقاب الغيرة حتى لا يراهم أحد سواه ( ~~ والله رؤف بالعباد ) مشفق بأوليائه وأهل طاعته بأن يسترهم عن أبصار ~~الغفلة والجهلة وأكرمهم بصحبة أهل التوحيد والمعرفة ، وبسط لهم بساط ~~الشريعة والحقيقة حتى يردوا موارد الأنبياء والرسل ، وشربوا من مناهل ~~المقربين شراب الصفاء ، ولبسوا من نسج الكروبيين أثواب الوفاء. # وسئل أبو عثمان عن قوله : ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء ) ~~فقال : لا ينبسط شيء إلى مبتدع ؛ لفضل عشيرة ، ولا لقرابة نسب ، ولا نلقاه ~~إلا ووجهه له كاره ، فإن فعل شيئا من ذلك فقد أحب من أبغضه الله ، وليس ~~بولي الله من لا يوالي أولياء الله ، ولا يعادي أعداءه. # وقال ابن عطاء في قوله : ( ويحذركم الله نفسه ): إنما يحذر نفسه ~~من يعرفه ، فأما من لا يعرفه ؛ فإن هذا الخطاب زائل عنه. # وقال الواسطي : يحذركم الله نفسه في دعوى إتيان شيء من الطاعات ؛ إذ فيه ~~جذب الربوبية. # وقال أيضا : ذلك ألا يأمن أحد أن يفعل به ما فعل بإبليس زينة بأنوار ~~عصمته ، وهو عنده في حقائق لعنته ، وسبق عليه ما سبق منه إليه حين غاضبه ~~فجأة بإظهار علته. # وقال أيضا : إنه لا يحذر نفسه من لا يعرفه ، وهذا خطاب الأكابر ، وأما ~~الأصاغر فخطابهم : ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله )، ( ~~ فاتقوا الله ما استطعتم ) [التغابن : 16]. # وقال جعفر : ( ويحذركم الله نفسه ) هذا الخطاب للأكابر ( ~~والله رؤف بالعباد ) خطاب للأصاغر. # وقال ابن عطاء : احذر سطوته ونقمته ؛ فإنه عزيز قهار ، وابذل روحك له ، ~~واعلم أنك PageV01P139 # مقصر مع هذا كله ، وأنشد : # لا تعرض بنا فهذا بنان %~% قد خضبناه بدم العشاق # وقال الواسطي : يحذركم أن تثبتوا نفسه بنفوسكم وصفة القديمة عليكم ~~بأحوالكم الخديعة ، وأن تنسوا الأزلية بالآخرية ، والربوبية بالعبودية ، ~~فإن الأصل أتم من الفرج ، وإن العبودية إنما ظهرت بالربوبية. # وقال إبراهيم الخواص : علامة الحذر في القلب دوام المراقبة ms0128 ، وعلامة ~~المراقبة التفقد للأحوال النازلة. # وقال جعفر : ( ويحذركم الله نفسه ) أن تشهد لنفسك بالصلاح ؛ لأن ~~من كانت له سابقة ظهرت سابقته في خاتمته. # قال الأستاذ : الإشارة من قوله : ( ويحذركم الله نفسه ) للعارفين ~~، ومن قوله : ( والله رؤف بالعباد ) للمشتاقين ، فهؤلاء أصحاب ~~العنف والفتوة ، وهؤلاء أصحاب التخفيف والسهولة. # وقيل : إغناؤهم بقوله : ( ويحذركم الله نفسه ) ثم أحياهم فأبقاهم ~~بقوله : ( والله رؤف بالعباد ). # وقال ابن عطاء رحمه الله : العبادة أجمع مؤمنهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم ، ~~وخص رحمة الرسول عليه السلام موقوفة على المؤمنين دون من سواهم ، وهذا كقول ~~إبراهيم عليه السلام حين قال : ( وارزق أهله من الثمرات من آمن ~~منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر ) [البقرة : 126] فإنه لا رازق في ~~السماوات والأرضين غيره ، وسن في ربوبيته تعالى أن يحذر أولياءه وأعداءه ، ~~فحذر أعداءه بما صدر من أفعاله القديمة من نكال الجحيم والحطمة ؛ لأنها قهر ~~بالواسطة بين الأفعال والصفات ، وحذر أولياءه والمؤمنين خاصة صفاته وذاته ، ~~فتحذير المؤمنين بالصفات كالحرمات والهجران عن نواله وكرامته ، وتحذير ~~أوليائه بعزة نفسه ، وهم على طبقات شتى ، وجمعهم في وصول التوحيد ، وفرقهم ~~في منازل المقامات ، فحذر التائبين بالسلطنة ، وحذر الخائفين الوجلين ~~بسطوات العظمة. # وحذر المحبين والمشتاقين والعاشقين بالعزة والجبرية ، وحذر العارفين ~~والموحدين بصدمة الكبرياء والظلمات بحر الديمومية ، وبهذه الصفات يحذر أهل ~~انبساط والبسط والرجاء لسقوط سوء الأدب عنهم في مدارج التوحيد والكرامة. # ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ~~والله غفور PageV01P140 # رحيم (31) قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب ~~الكافرين (32) إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ~~(33) ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم (34)) # قوله تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) أي ~~: قل إن ادعيتم محبة الله وأنتم صادقون فيما ادعيتم فاتبعوني فإني سيد ~~المحبين ، ورئيس الصديقين ، ومقدم المرسلين ، وقدوة المريدين حتى أريكم ~~مغيبات المهلكات ، وغوامض طريق المنجيات ، ودقائق أحكام المشاهدات ، وأسرار ~~لمعات المداناة ، وأرشدكم إلى أحسن المعاملات ، وأفضل الطاعات ، وأعملكم ~~حسن الآداب ، ونفائس الأخلاق ، زاد إلى ms0129 المآب ؛ لأن قد كوشفت بأسرار المحبة ~~، وأنوار القربة ، وإن متابعتي حقيقة شكر محبة المحبوب ، وإذا شكرتم الله ~~بمتابعتي زادكم الله محبته ومعرفته ، قال تعالى : ( فاتبعوني ~~يحببكم الله )، وقال : ( لئن شكرتم لأزيدنكم ) [إبراهيم : 7]. # وحقيقة المحبة عند العارفين والمحبين احتراق القلب بنيران الشوق ، وروح ~~الروح بلذة العشق ، واستغراق الحواس في بحر الأنس ، وطهارة النفس بمياه ~~القدس ، ورؤية الحبيب بعين الكل ، وغمض عين الكل عن الكونين ، وطيران السر ~~في غيب ، وتخلق المحب بخلق المحبوب ، وهذا أصل المحبة. # أما فرع المحبة فهو موافقة المحبوب في جميع ما يرضاه ، وتقبل بلائه بنعت ~~الرضا ، والتسليم في قضائه وقدره بشرط الوفاء ومتابعة سنة المصطفى صلوات ~~الله وسلامه عليه وأما آداب أهل المحبة الانقطاع عن الشهوات واللذات ، ~~والمسارعة في الخيرات ، والسكون في الخلوات والمراقبات ، واستنشاق نفخات ~~الصفات ، والتواضع في المناجات ، والشروع في النوافل والعبادات ، حتى صاروا ~~متصفين بصفات الحق ، ومنقادين بنوره بين الخلق. # قال الله تعالى : «لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى كنت له سمعا ، ~~وبصرا ، ولسانا ، ويدا» (1). # وصرف المحبة لا يكون إلا بعد أن يرى الروح الناطقة بعين السر مشاهدة الحق ~~بنعت الجمال وحسن القدم لا بنعت الآلاء والنعمة ؛ لأن المحبة إذا كانت من ~~تولد رؤية النعماء تكون محبة معلولة ، وحقيقة المحبة ما لا علة فيها من ~~المحب ، والحبيب شيء دون المحبوب. # وقال أبو عمرو بن عثمان : محبة الله هي معرفته ، ودوام خشيته ، ودوام ~~اشتغال القلب PageV01P141 # به ، ودوام انتصاب القلب بذكره ، ودوام الأنس به. # وقال محمد بن حنيف رحمه الله : المحبة : الموافقة لله في التماس مرضاته. # وقال بعضهم : المحبة هي موافقة القلوب عند بروز لطائف الجمال. # وقال أبو يزيد : أحببت الله حتى أبغضت نفسي ، وأبغضت الدنيا حتى أحببت ~~طاعة الله ، وتركت ما دون الله حتى وصلت إلى الله ، واخترت الخالق فاشتغل ~~بخدمتي كل مخلوق. # وقيل : المحبة هي اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله ~~وأحواله وآدابه إلا ما خص به ؛ لأن الله قرن محبتاه باتباعه. # وسئل الأنطاكي : ما علامة المحبة؟ قال : أن يكون قليل ms0130 العبادة ، دائم ~~التفكر ، كثير الخلوة ، ظاهر الصمت ، لا يبصر إذا نظر ، ولا يسمع إذا نودي ~~، ولا يحزن إذا أصيب ، ولا يفرح إذا أصاب ، ولا يخشى أحدا ، ولا يرجوه. # وسئل يحيى بن معاذ عن حقيقة المحبة ، قال : الذي لا يزيد بالبر ، ولا ~~ينقص بالجفوة. # وقال جعفر في قوله : ( إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ) قيد أسرار ~~الصديقين بمتابعة نبيه صلى الله عليه وسلم لكي تعلموا أنهم وإن علمت أحوالهم ~~وارتفعت مراتبهم لا يقدرون مجاوزته ولا اللحاق به. # وقال ابن عطاء : في هذه الآية أمر بطلب نور الأدنى من عمي عن نور الأعلى ~~، وأقول : لا وصول النور الأعلى من لم يستدل عليه بالنور الأدنى ، ومن لم ~~يجعل السبيل إلى النور الأعلى والتمسك بآداب صاحب نور الأدنى ومتابعته فقد ~~عمي عن نورين جميعا ، وألبس ثواب الاعتزاز. # قال أبو يعقوب السوسي : حقيقة المحبة أن ينسى العبد حظه من ربه ، وينسى ~~حوائجه إليه. # قال الواسطي : لا تصح المحبة والإعراض على سره أثر والشواهد في قلبه خطر ~~بل صحة المحبة نسيان الكل في استغراق مشاهدة المحبوب وفناؤه به عنه. # وقال ابن منصور : حقيقة المحبة قيامك مع محبوبك بخلع أوصافك ، والاتصاف ~~باتصافه. # قال الشيخ أبو عبد الرحمن : سمعت النصر آبادي يقول : محبة توجب حقن الدم ~~، ومحبة توجب سفكه بأسياف الحب ، وهو الأجل. # وروى أبو الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : ( ~~ قل إن كنتم تحبون الله PageV01P142 # فاتبعوني يحببكم الله ): «على البر والتقوى والتواضع ، وذلة ~~النفس» (1). # وسئل عمرو بن عثمان المكي عن المحبة! قال : المحبة في نفسها أصلها ~~التواضع في القلوب من لطف المعاني التي يعاينها من المحبوب على شرط ما ~~تعلقت به. # وسئل سهل بن عبد الله : ما علامة المحبوب؟ فقال : ألا يزال لسانه ذاكرا ~~لحبيبه مشغوفا به ، مستأنسا مسرورا به ، حامدا شاكرا له ، وجوارحه مشغولة ~~بمرضاة حبيبه ، فهو المحب له ، والمرضي عنه. # وقال الأستاذ : المحبة تشير إلى صفاء الأحوال ، والمحبة توجب الاعتكاف ~~بحضرة المحبوب بالسر ، ويقال : أحب البعير إذا استناخ ، فلا يبرح بالضرب ms0131 ، ~~وللحب حرفان حاء وباء ، والإشارة بالحاء إلى الروح ، والإشارة من الباء إلى ~~البدن ، والمحب لا يدخر عن محبوبه لا قلبه ولا بدنه. # قوله تعالى : ( إن الله اصطفى آدم ونوحا ) الآية اصطفى آدم بعلم ~~الصفات ، وكشف جمال الذات قبل خلق الخلق في أزل الأزل ، فإذا أراد خلق روحه ~~نظر بجماله إلى جلاله ، ونظر بجلاله إلى جماله فظهر بين النظريين روح آدم ~~فخلقها بصفة الخاص ، ونفخ في روحه روحا ، وهو علم الصفات بفعل الخاص الذي ~~يتعلق بالذات ، وخلق أيضا صورته بصفة الخاص ، ونفخ فيها روح الأول وروح ~~الثاني ، فوصف روحه فقال : ( ونفخت فيه من روحي ) [الحجر : 29] ~~ووصف صورته فقال : ( خلقت بيدي ) [ص : 75] فسبق بهذه الصفات من ~~الملائكة الكرام البررة ، وألبسه خلعة خلافته ، وأسجد له ملائكته لأجل هذا ~~التخصيص كرامة له وتشريفا وتفضيلا على مشايخ الملكوت ، وقال : ( ~~إني جاعل في الأرض خليفة ) [البقرة : 30] ، وقال : ( اسجدوا لآدم ) ~~[البقرة : 34] لا تؤثر في نعوت الأزل طوارقات الحدوث ما دام الاصطفاء بهذه ~~الصفة سابق له ، وأيضا اصطفاهم لنفسه عن خلقه لموقع الخطاب ، وكشف النقاب ~~لاستعدادهم تحمل أثقال أمانته ، والتعمق في بحار أزليته ، والسيران في ~~ميادين وحدانيته ، والطيران في هواء فوقانيته لطلب كشف أحديته ، وجمال ~~سرمديته ، والإشارة في نوح عليه السلام وآل إبراهيم عليه السلام أن الاصطفاء ~~من سبب المحبة الأزلية لا من جهة الأنساب الحديثة ، كما قال الأستاذ رحمة ~~الله عليه : اتفق آدم وذريته في الطبقة وإنما الخصوصية بالاصطفاء الذي هو ~~من قبله لا بالنسب والسبب. # وقال الفارس : اصطفاهم على الناس لثبوته ، واستخلصهم لرسالته ، فهم ~~المبعوثون إلى PageV01P143 # خلقه رحمة على أوليائه ، وحجة على أعدائه ، فهم الدعاة إلى الله بالحكمة ~~والموعظة ، مبشرين عباده جزيل الثواب ، ومنذرين أليم العقاب ، ( ~~لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) [النساء : 165] إذ لو شاء لهداهم ~~أجمعين. # قال الواسطي : اصطفاهم للولاية ، وقال أيضا : واصطفاهم في أزليته ، ~~وصفاهم لقربه ، وصافاهم لمودته. # وقال أيضا : اصطفاء في الأزل قبل كونه ، أعلم بهذا خلقه أن عصيان آدم لا ~~يؤثر في اصطفائيته له ؛ لأنه سبق العصيان مع علم ms0132 الحق بما يكون منه. # وقال أيضا : اصطفى الأنبياء للمشاهدة والتقريب ، واصطفى المؤمنين ~~للمطالعة والتهذيب ، واصطفى العالم للمخاطبة والترتيب. # وقال النصر آبادي : إذا نظرت إلى آدم عليه السلام بصفته لقيته ، بقوله : ( ~~ وعصى آدم ربه ) وإذا لقيته بصفة الحق لقيته ، بقوله : ( إن ~~الله اصطفى آدم ) وماذا يؤثر العصيان في الاصطفاء. # وقال الواسطي : الاصطفائية قائم بالحق ، والمعصية إظهار البشرية وتوبة ~~أعجب لأنه من نفسه إلى نفسه رجع. # ( إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل ~~مني إنك أنت السميع العليم (35) فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله ~~أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها ~~من الشيطان الرجيم (36) فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها ~~زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا ~~قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (37) هنالك دعا زكريا ~~ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء (38)) # قوله تعالى : ( إني نذرت لك ما في بطني محررا ) أي : حرا عن رق ~~النفس ، مقدسا عن مس الشيطان ، صافيا لك عما سواك ، مخلصا في مودتك ، صادقا ~~في طاعتك ، موافقا لخدمة أوليائك ، وأيضا حرا في مقام مشاهدتك عن الاشتغال ~~بخدمتك ليكون لك خالصا في حظ الربوبية ، وأيضا حرا في مقام عبوديتك بنعت ~~محبتك ، منفردا عن الاشتغال بالجنة والنار حتى يكون في عبادتك لك مفردا عن ~~الالتفات إلى شيء غيرك ، وأيضا أيقنت أسرار باطنها وقوع الأنثى ، وإن لم ~~يعلمها بنص العقل ، فقالت : أحررت لك ؛ لأنها موقع كلمتك يعني عيسى ~~عليه السلام PageV01P144 # ولا ينبغي لمن حمل حرا إلا أن يكون هو أيضا حرا. # قال الأستاذ : المحرر الذي ليس في رق شيء من المخلوقات ، حرره الحق في ~~سابق حكمه عن رق الاشتغال بجميع الوجود والأحوال. # قال جعفر : ( محررا ) أي : عتيقا من رق الدنيا وأهلها. # وقال محمد بن علي في قوله : ( إني نذرت لك ما في بطني محررا ) أي ms0133 ~~: يكون لك عبدا مخلصا ، ومن كان خالصا لك كان حرا مما سواك. # وسئل سهل بن عبد الله عن المحرر فقال : هو المعتق من إرادة نفسه ، ~~ومتابعة هواه. # وقال النوري : أي : خادما لأهل صفوتك. # قال أبو عثمان : ( محررا ) عن شغلي به ، وتدبيري له فيكون مسلم ~~إلى تدبيرك فيه حسن اختيارك له. # وقال محمد بن الفضل : ( محررا ) عن الاشتغال بالمكاسب. # قوله تعالى : ( فتقبلها ربها بقبول حسن ) قبول الحق لها أنه ~~أخلصها لعبادته ، وجعلها محل آيته وكرامته ، ورباها في حجر صفوة أنبيائه ~~وأوليائه ، وكشف لها من عظيم آياته ما لا يقوم بإزائها أكثر أهل زمانها ~~الأنبياء ، وأرسل إليها في الظاهر روح القدس حتى يعلمها حسن الأدب ، ونفخ ~~فيها روح الخاص الذي هو طير الأنس ، حتى يكون لها ذخيرة المآب. وقال جعفر : ~~يقبلها حتى يعجب الأنبياء مع علو أقدارهم في عظم شأنها عند الله. # ألا يرى أن زكريا قال لها : ( أنى لك هذا قالت هو من عند الله ) ~~أي : من عند من تقبلني. # وقال الواسطي : ( بقبول حسن ) محفوظ قوله تعالى : ( ~~وأنبتها نباتا حسنا ) أنبتها شجرة الربوبية وسقاها من مياه القدرة حتى ~~أثمرها ثمرة النبوة ؛ لتكون الثمرة حياة الخلق ؛ لأنها هي روح الحق يعني ~~عيسى ، وقيل : أضاف الإحسان إليها في الشريعة وفي الحقيقة حفظها وأنبتها. # وقال ابن عطاء : أحسن النبات ما كان ثمرته مثل عيسى عليه السلام روح الله. # وقال الأستاذ : ( فتقبلها ربها بقبول حسن ) حيث بلغها فوق ما ~~تمنت أمها ، وقيل : القبول الحسن إن رباها على نعت العصمة ، حتى كانت بقول ~~: ( أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ) [مريم : 18]. # وقال أيضا : من إشارات القبول الحسن أنها لم تكن توجد إلا في المحراب ( ~~ وكفلها PageV01P145 # زكريا )؛ لأن خدمة الأولياء لا تحصل إلا من الأولياء ، وأيضا ~~أنه يوافقها في جميع أحوالها من الخلوة والمراقبة والسر والنجوى والمشاهدة ~~والمكاشفة ( كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا ) يرزقها ~~الله تعالى زرق الجنة في الخلوة مكافأة للخدمة والعفة كرامة لها حتى لا ~~يشغلها تولاه المخلوق ، ويكون في حقيقة التوكل ما ms0134 فيه من الالتفات إلى غير ~~الحق ، وإن كان نبيا مرسلا. # وقال الأستاذ : إذا دخل عليها زكريا بطعام وجد عندها رزقا ليعلم العالمون ~~أن الله سبحانه لا يلقي شغل أوليائه إلى غيره. # وقال : من خدم وليا من أوليائه كان هو في رفق الولي لا أنه يكون عليه ~~مشقة لأجل أوليائه. # وقال : في هذه إشارة لمن يخدم الفقراء لا أن الفقراء تحت خلقه ( ~~أنى لك هذا ) أي : بأي عمل أوجدت هذا ( قالت هو من عند الله ) أي : ~~خالصا وجدته لا يكلفه العمل ، وعلة الكسب. # وأيضا خاف عليها أن تلك المنزلة من حيل الشيطان ففتش أحوالها حتى يعلم ~~حقيقة صدقها ، فقال : ( أنى لك هذا ) (1) قالت : ليس كما خطر ببالك ~~إنه من خصائص كرامات الله التي وهبها لي ليس فيها شيء من مخيلات الشيطان. # وقال الأستاذ : لم يكن يعتقد فيها زكريا استحقاق تلك المنزلة ، وكان يخاف ~~أن غيره لعلة انتهز فرصة تعهدها وسعة بكفاية شغلها ( هنالك دعا ~~زكريا ربه ) إذا دخل زكريا على مريم وجد عندها من فواكه الألوان علم أنها ~~من نفائس كرامات الله تعالى فتحرك فيه غيرة النبوة ، وسكن هناك في الخلوة ، ~~وطلب من الله تعالى ولدا فأعطاه الله ما سأله. # وأيضا نظر بنور النبوة في مريم فأبصر فيها نور عيسى صلوات الله عليهم ~~أجمعين يتشعشع في مريم ، ورأى كرامته عند الله فتمنى عليه ولدا مثل عيسى ~~فناجى ربه بلسان الاضطرار ، وسأل عنه يحيى عليه السلام مشكاة الأنوار ؛ ~~فاستجاب الله تعالى دعوة شيخ الأنبياء شفقة PageV01P146 # على غيرته ، وإظهارا لكرامته ، وهذا حسن الأدب للأولياء ، وأهل المعرفة ~~إذا كانوا يحتاجون إلى الله تعالى بشيء من مرادهم خلوا عن الخلق ، ودخلوا ~~في زوايا الصدق حتى يناولوا بالاعتزال عن الخلق والاشتغال بالدنيا والإخلاص ~~في النجوى حقيقة مقام استجابة الدعوة ، لأن من لزم سيده في الخلوات ~~والمراقبات يكشف له المقامات السنية والأحوال الشريفة من أسرار الآخرة ~~وأنوار المعرفة ( قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ) سأل من الله من ~~يعينه في طاعة الله ، ويكون له خليفة ms0135 في أداء الرسالة والنصيحة للأمة ، ~~وأيضا يكون له مشاورات السير في عالم الربوبية والعبودية ، ومؤنسا من الله ~~في الكشف والحقيقة والعشق والمحبة ، ( طيبة ) يعني مطهرا من أشغال ~~الكونين منفردا عن إرادته مقدسا من شهواته ، فإذا علم الحق سبحانه صدق نيته ~~أعطاه مأموله على الفور ليكون له معجزة وكرامة ، والإشارة فيه أن من طلب من ~~الله شيئا بعينه في طاعته وسببا لمرضاته فيحصل له استجابة الدعوة في ~~الساعة. # ( فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك ~~بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين (39) قال رب أنى ~~يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء ~~(40) قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ~~واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار (41)) # قوله تعالى : ( فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ) محل ~~مناجات الحق الصلاة لأنها فيه عصمة الحق فيها نزول الوحي من دخل فيها بشرط ~~التفريد ، وخلوص النية ألهمه الحق خصائص الخطاب ، وأخبره بما يكون قبل أن ~~يكون ، و ( المحراب ) محل لزوم المراقبين فيه لأجل تعرض السر نفحات ~~أسرار الحق ، وبروز نور التوحيد ، وكشف جمال مشاهدة الحضرة ، و ( ~~المحراب ) محل الأنس ، وتصفية السر ، وذم الجوارح ، وإشراق اليقين ، وسبب ~~الزلفة ، ووجدان حلاوة العبادة ، واسترواح الروح من أداء صحبة الخلق بوجدان ~~صحبة الحق ، و ( المحراب ) فقر العباد ، وملجأ الزهاد ، ومعصم ~~المتوكلين ، ومجلس المشتاقين ، ومسند الراضين ، وبستان المحبين ، وسرور ~~المريدين ، ورياض العاشقين ، وكعبة المستأنسين ، وحرم المؤمنين ، وفوز ~~التائبين ، وقيد الموحدين ، وستر الشطاحين إذا أراد الله أن يستر أحدا من ~~خاصة معرفته ألحاه إليه ليكون له مقويا في مقاصده من الله. # وقال ابن عطاء : ما فتح الله على عبد من عبيده حالة سنية إلا بأتباع ~~الأوامر وإخلاص PageV01P147 # الطاعات ، ولزوم المحاريب. # وقال الواسطي : هو قائم بربه يصلي سره بمحاربة نفسه وهواه. # وقال أبو عثمان : ( المحراب ) باب كل بر ، وموضع الإجابة ، ~~واستفتاح الطريق الانبساط ، والمناجاة والإعراض عن المحراب سبب إغلاق الباب دونك. # قال ms0136 الله تعالى : ( فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ) ~~وقيل : ملازمة الخدمة يورثك آداب الخدمة ، وآداب الخدمة يورثك منازل القربة ~~، ومنازل القربة تورثكم حلاوة الأنس ( أن الله يبشرك بيحيى ) يسمى ~~يحيى ؛ لأن من نظر إليه يرى مشاهدة الحق في جمال نبوته ، فيحيي قلبه من موت ~~الفترة. # وقيل : إنه حيا به عقر أمه. # وقيل : إنه سبب حياة من آمن بقلبه ( وسيدا وحصورا ) السيد الذي ~~قد غلب عليه نور هيبة عزة الحق جل وعلا ، والحصور الذي عصم عن جميع الشهوات ~~بعصمة الأزلية ، وأيضا السيد الذي خلعه نور الأنانية ، وكساه لباس ~~الفردانية ، وتوجه بتيجان البهاء حتى يستحق أن يستحيي منه جميع الخلق ، ~~ويضعوا تحت أمره ونهيه أعناق الجبرية ، والحصور المقدس عن شوائب التقليد ، ~~وعن الالتفات إلى الكونين ، وقيل : ( وسيدا )؛ لأنه لم يطلب لنفسه ~~مقاما ولا شاهدا لنفسه قدرا. # وقال جعفر بن محمد : السيد الذي عرف ربه وأنكر ما دونه ، والحصور الذي ~~يملك ولا يملك ، والسيد الذي يألف ولا يؤلف ، والحصور الذي لا يعرف سوى الله. # وقال : السيد الذي ساد أهل زمانه بأخلاقه ، والحصور الذي حصر ماءه عن ~~النساء وسمي يحيى حصورا ؛ لأنه قرع في قلبه تلك العظمة ، فخذ فيه ماء ~~الشهوات ، وصار حصورا ومحصورا. # وقال ابن عطاء : السيد المتحقق بحقيقة الحق ، والحصور المنزه عن الأكوان ~~وما فيها. # وقال جعفر : السيد المبائن عن الخلق وصفا وحالا وخلقا. # وقال النصر آبادي : السيد من صحح نسبته مع الحق ، فاستوجب به ميراث نسبته. # وقال الجنيد : السيد الذي جاد بالكونين عوضا عن ربه. # وقال محمد بن على : السيد من استوت أحواله عند المنع والعطاء. # وقال ابن منصور : السيد من خلى من أوصاف البشرية ، وأظهر بنعوت الربوبية. # قوله تعالى : ( قال رب اجعل لي آية ) لما وعد الله تعالى نبيه ~~عليه السلام يحيى طلب من الله تعالى علامة وقت ظهوره ، ولا يشك في وعد الله ~~لكن غرضه طمأنينة قلبه ليتهيأ أسباب PageV01P148 # الأدب لزمان ظهور موهبة الله استقبالا إلى الله بشكر نعمته ليدوم عليه ~~مواهب الإلهية ( قال آيتك ألا تكلم الناس ms0137 ثلاثة أيام إلا رمزا ) ~~حصر لسان نبيه عليه السلام عن المكالمة والمحادثة مع غير الله ليتجرد سره ~~وحاله عن ازدحام الخلق وذكرهم ، والأدب فيه أن من يطلب من الله تعالى شيئا ~~من معاني الغيب ورؤية معجزته وكرامته لا يتحرك لسانه بالفضولات ، وقلبه لا ~~يخطر به من طوارقات الوسواس حتى يكون ظاهره وباطنه مشغولا بالحق لأن التفرق ~~إذا وقع في الظاهر يتشوش به الباطن ، وأجاز له الرمز ليدفع به ضيق قلبه ، ~~ومن دخل عليه من أهله ، والرمز من الأنبياء للأولياء ، والرمز من الأولياء ~~الخاصة المريدين ، وحقيقة الرمز من تمريض السر إلى السر وإظهار التفرس إلى ~~التفرس وإعلام الخاطر إلى الخاطر بنعت تحريك سلسلة المواصلة بين المخاطب ~~والمخاطب ( واذكر ربك كثيرا ) الذكر الكثير هاهنا تخليص النية عن ~~الخطرات وجمع الهموم بنعت تصفية السر في المناجاة ، وتحير الروح في ~~المشاهدات ، أدب الله أهل محبته وإرادته بما أخبر عن معجزة زكريا واستجابة ~~دعوته حتى إذا أرادوا كشف الغيب واستجابة الدعوة اعتزلوا عن الخلق ، وعن ~~محادثتهم وتركوا ما لا يعينهم وقطعوا لسانهم بمقاريض الصمت ، وجعلوه رطبا ~~بذكر الله في أيام مناجاتهم التي أرادوا فيها كشف المقصودة. # ( وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على ~~نساء العالمين (42) يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين (43) ذلك ~~من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ~~وما كنت لديهم إذ يختصمون (44) إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك ~~بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ~~(45) ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين (46) قالت رب أنى يكون لي ~~ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له ~~كن فيكون (47) ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل (48) ورسولا إلى ~~بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير ~~فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن ~~الله وأنبئكم بما ms0138 تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم ~~مؤمنين (49) ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي PageV01P149 # حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون (50) إن ~~الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (51) فلما أحس عيسى منهم الكفر قال ~~من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا ~~مسلمون (52) ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين (53) ~~ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين (54)) # قوله تعالى : ( وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك ) ~~بإلقاء كلمته فيك ، وأيضا أصطفيك برؤية الملائكة والخطاب معهم. # وأيضا أصطفيك بالكرامات والآيات حتى يأتي الملائكة يرزقك من الجنة ( ~~ وطهرك ) أي : من لمس البشر وأيضا من دنس الخليقة. # وأيضا أي : طهر سرك عن الالتفات من الله إلى كفالة زكريا عليه السلام ( ~~ واصطفاك على نساء العالمين ) اصطفاء الأول : رفع المنزلة ، واصطفاء ~~الثاني : حقيقة العصمة بإشارته على نساء العالمين. # قال الأستاذ : فائدة تكرار الاصطفاء ، الأول : أصطفيك بالكرامة والمنزلة ~~وعلو الحالة ، والثاني : أصطفيك ؛ لأنك حملت بعيسى عليه السلام من غير أب ( ~~ يا مريم اقنتي لربك ) أي : استقيمي في طاعة مولاك ( واسجدي ~~) أي : كوني في السجود خالصة عن غيري ( واركعي مع الراكعين ) أي : ~~تقربي إلي بتواضعك مع المتواضعين من أوليائي وأنبيائي وخواص أهل محبتي ~~لتنال بركات الجمع ؛ لأن صحبة الأولياء استحكام في العبودية ، وتخليص عن رق ~~البشرية ( إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه ) ~~بشرها حتى رسخت في تحمل إيذاء اللائمين ، وعرفت منزلتها حتى لا يسقط عن ~~درجة اليقين بحديث العالمين ( وجيها في الدنيا والآخرة ) في الدنيا ~~ملتبسا بأنوار الربوبية ، وفي الآخرة ملتبسا بجمال المشاهدة ألبسه الله ~~خلعة الهيبة ، ليكون عظيما في أعين الناظرين من الفريقين المؤمنين ~~والكافرين ( ويكلم الناس في المهد وكهلا ) تكلم الناس في المهد ~~ليكون شاهدا على نبوته ورسالته وطهارة أمه ، وكهلا عن انبساطه ، وحالة ~~اتحاده ، فالأولى من النبوة ، والآخر من الأنانية ، وفعله شاهد قوله بأحياء ~~الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، في بدايته كان ms0139 ملتبسا بلسان العبودية ، في ~~نهايته كان ملتبسا بصفات الربوبية. # وقيل : يكلم الناس في المهد معجزة له ، وكهلا داعيا ربه. PageV01P150 # وقيل : يكلم الناس في المهد صبيا ، وعند نزوله من السماء كهلا ؛ ليكون ~~على طرفي كلامه معجزة. # قال الواسطي : يكلم الناس في المهد ردا لقول المخالفين إنه نطق في حال ~~يعجز من كان مثله عن ذلك ، وإذا كان كهلا ليس فيه بطش الشباب لا ضعف الشيوخ ~~( وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله ) انسلخ من أوصاف ~~الحدوثية ، واتصف بصفات الربوبية فأظهر منه الحق جل عن الأهل والولد ~~والحلول والمكان والجمعية والاختلاط مع الخليقة حقائق القدرة ليس لي في هذه ~~الآية كلام أجل من ذلك مع أن أهل المعرفة قد سبقوني في هذا المعنى ، ولا بد ~~لي من أن أتكلم فيه بشيء من عبارتي ما دام شرعت في تفسير القرآن. # وقيل : من اشتد عليه الصفات الربوبية ، وغاب عن أوصاف الحدث حتى بنفسه ~~وأحيى به كل شيء ، وأبطل بهذه الآية دعاوي من ادعى إظهار معجزة عليه به دون ~~ربه ، والله قادر على الإعجاز في جميع الأوقات يظهرها على من يشاء ، ~~فالإعجاز الله والسبب مظهر عليهم ذلك في الهياكل والصور ( ربنا ~~آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ) عاينوا بأبصار القلوب ~~حقائق الغيوب ، فقالوا : ( ربنا آمنا ). # قال ابن عطاء : ( آمنا ) بما نورت به قلوب أصفياك من علوم غيبك ، ~~( واتبعنا الرسول ) فيما أظهر من سنن أوامرك ، ونواهيك رجاء أن ~~يوصلنا اتباعه إلى محبتك ( فاكتبنا مع الشاهدين ) مع من يشهدك ولا ~~يشهد معك سواك ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) سقطوا عن ~~مشاهدة سابق الحق فاحتالوا مع أهل الولاية بتدبير النفس فكان مكرهم مكر ~~الحق عليهم ، وهم لا يعلمون أنهم مخدعون. # قال محمد بن علي : مكروا أنفسهم فحسن مكر الله عندهم ، وكان في الحقيقة ~~الماكر بهم لتزيينه ذلك عندهم ألا تراه يقول : ( أفمن زين له سوء ~~عمله فرآه حسنا ) [فاطر : 8]. # سئل بعض أهل الحقيقة : كيف تنسب المكر إلى الله؟ فصاح وقال : لا علة ~~لصنعه وأنشد : # ويقبح ms0140 من سواك الفعل عندي %~% وتفعله فيحسن منك ذاك فديتك قد جبلت على هواكا %~% فنفسي لا تنازعي سواك أحبك لا ينغصني بل بكل %~% وإن لم يبق حبك لي حراكا # ( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا PageV01P151 # وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي ~~مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون (55) فأما الذين كفروا فأعذبهم ~~عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (56) وأما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين (57) ذلك نتلوه عليك ~~من الآيات والذكر الحكيم (58) إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ~~ثم قال له كن فيكون (59) الحق من ربك فلا تكن من الممترين (60) فمن حاجك ~~فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ~~ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين (61) إن ~~هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم (62) ~~فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين (63)) # قوله تعالى : ( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ~~ومطهرك ) إن الله تعالى نفخ في صورة عيسى روحا قدسيا ورباها فيها بأنوار ~~النبوة والعبودية ، وتجلي المشاهدة ، فإذا كمل في مقامات المصطفى من صفوة ~~أنبيائه وأوليائه ، قال : ( إني متوفيك ) على عن رسم الحدوثية ( ~~ ورافعك ) إلي بنعت الربوبية ، ( ومطهرك ) عن شوائب ~~البشرية. # قال الواسطي : ( إني متوفيك ) عنك ، ( ورافعك إلي )، ( ~~ ومطهرك ) من إرادتك وهواك ، وذلك لإظهار نعوت الأزلية عليه (1). PageV01P152 # قال بعضهم : ( إني متوفيك ) عن حظوظك ، ورافع شخصك إلي ، ومطهر ~~سرك من مطالعة الأغيار والأعواض بالكلية ، ومما سمح لي في هذه بالبديهة بعد ~~ذكر المشايخ رضوان الله عليهم ، ( إني متوفيك ) غيرة حتى لا ينظر ~~إليك بنعت المحبة غيري ، ( ورافعك إلي ) بنعت العشق ، ( ~~ومطهرك ) من التفاتك إلى الملكوت ؛ لأن من شرط اتحاد الحبيب بالمحبوب ألا ~~يدخل بينهما من الحدثان ، فإذا كان العارف بلغ مقام صرف التوحيد يتشعشع نور ~~جمال الحق من وجوده فسجد له الكون ms0141 ، ومن فيه بالظاهر طوعا وكرها ؛ لأن من ~~رأى حسن جلال الحق بالواسطة ، ولم يبلغ حقيقة تحقيق المعرفة يصير مشبهيا ~~بوقوعه في الوسائط لأجل ذلك رفع روحه إليه حتى يستقيم نظام الشريعة ولم ~~ينسخ أحكام السنة ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ) خلق الله ~~الأرواح القدسية من معادن الربوبية ، وجللها بنور المشاهدة فصارت تلك ~~الجواهر من أصل واحد ، وإن كان تتفاوت في المقامات وصورة البشريات فروح آدم ~~من الملكوت خلق ، وجميع ذريته من الأنبياء والصديقين معها ، فذكر الله ~~تعالى ما صنع بروح آدم من تخصيصها بالقربة والكرامة والمشاهدة والعلم ~~والمكاشفة والتفريد والتوحيد فذكر أن روح عيسى في منازل القربات مثل روح ~~آدم بما ذكر من تخصيصها ، فقال لآدم عليه السلام : ( ونفخت فيه من ~~روحي ) [ص : 73] ومثل هذا قال لعيسى عليه السلام لكن شرف آدم عليه السلام ~~بإضافة خلق صورته إلى نفسه فقال : ( خلقت بيدي ) [ص : 75] وأنه ~~أسجد له ملائكته تخصيصا أو تشريفا من جميع الخلق لهذه المنزلة ، وقوله : ( ~~ خلقه من تراب ) دفعا لتهمة الجهلة حتى لا يظنون قدحا في الربوبية. # قال الأستاذ : حضهما بتطهر الروح عن التناسخ في الأصلاب ، وأفرد آدم ~~بصنعة اليد وعيسى بتخصيص نفخ الروح فيه على وجه الإعزاز ، وهما وإن كانا ~~كبيري الشأن فنقض الحدثان والمخلوقية لازم لهما ، قال الله تعالى : ( ~~ ثم قال له كن فيكون ) قوله : ( فلا تكن من الممترين ) طيب ~~الله تعالى هذا قلب نبيه عليه السلام أي : كما كنت قادرا بخلق آدم وعيسى ~~بكلمتي وقوة سلطاني فأعطيتك بما وعدتك من كمال دينك وشريعتك وتمام نعمة ~~المعرفة عليك وعلى متبعيك فلا تكن ملهوفا من خطرات نفسك. # قال بعضهم : ( الحق من ربك ) ألا يظهر شيئا من المكونات إلا من ~~تحت ذل ( كن ) فلا تشكن فإنه منفرد بأسمائه وصفاته لا ينازعه في ~~صفاته أحد من عبيده وخلقه. # وقال الأستاذ : الحق من ربك يا محمد فلا تشكن في أنه لا يماثله في ~~الإيجاد واحد ، ولا على إثبات سببه لمخلوق قدرة فالموجودات التي حقت ~~بوجودها عن كتم العدم من ms0142 الله عز PageV01P153 # وجل بدؤها وإليه عودها. # ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم ) أي : من آذاك بالحجة ~~الباطلة من المدعين الكاذبين فادع عليهم دعوة الحلم والانبساط ليهلكوا ~~جميعا بدعوتك لأني خصصتك من بين الأنبياء بمقام المحمود واستجابة الدعوة في ~~السجود. # قال جعفر الصادق : هذه إشارة في إظهار المدعين لأهل الحقائق لتفتضحوا في ~~دعواهم عند أنوار التحقيق وبطلان ظلمات الدعاوي الكاذبة. # ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا ~~نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ~~فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (64) يا أهل الكتاب لم تحاجون في ~~إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون (65) ها أنتم ~~هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون (66) ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا ~~مسلما وما كان من المشركين (67) إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا ~~النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين (68) ودت طائفة من أهل الكتاب لو ~~يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون (69) يا أهل الكتاب لم تكفرون ~~بآيات الله وأنتم تشهدون (70) يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل ~~وتكتمون الحق وأنتم تعلمون (71) وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي ~~أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون (72)) # قوله تعالى : ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ~~وبينكم ) هو إفراد القدم من الحدوث وإظهار الحق بنعت العبودية ، والخروج من ~~رسم دعاوي البشرية ، ودفع النفس عن الالتفات إلى الأكوان والتجلي بمحبة ~~الرحمن. # ( ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ) أي : لا نتبع الهوى ~~والدنيا وشهوتها ، ولا نلتفت بنعت الرياء والسمعة إلى غير الحق. # ( ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) لا يفرح بالمدح ~~والتزكية والعطاء والخدمة والرئاسة التي يتوقع بعضنا من بعض ، والإشارة فيه ~~أنه أعلم الحق عباده بتجرد قلوبهم عما سواه. PageV01P154 # وقال الواسطي في قوله : ( تعالوا إلى ms0143 كلمة سواء بيننا وبينكم ) ~~قال : هو إظهار العبودية عند ملاحظة الصمدية. # وقال ابن عطاء : هو تحقيق التوحيد. # وقال أبو عثمان : في قوله ( ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ~~) قال : أعلمك طريق التعبد في هذه الآية ، وهو ألا تطالع بسرك عند اشتغالك ~~بالعبادة سوى معبودك ، ولا تفرغ في أمر من أمورك إلى غيره فتتخذ بذلك ربا. # ( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما ) ما ~~كان الخليل عليه السلام متعلقا بالتشبيه مثل اليهود ، ولا بالثنوية مثل ~~النصارى ، ولكن كان حنيفا مائلا عن الكون برؤية المكون ، مسلما منقادا عند ~~جريان قضائه وقدره لإرادته. # وقال الأستاذ : الحنيف : المستقيم على الحق. # قوله تعالى : ( إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي ~~والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ) أن أولى الناس بالخليل عليه السلام للذين ~~اتبعوه بشرط التجرد عن الكونين والعالمين ومنع النفوس عن حظوظ أشكال ~~الملكوت ؛ لأن الخليل إذا بلغ مبلغ رجال القدس زاغ بصره عن عرائس الملكوت ، ~~فقال : ( إني بريء مما تشركون (78) إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض ) [الأنعام : 78 ، 79] وهذا النبي يعني محمد ~~صلى الله عليه وسلم أولى بمتابعة أبيه خليل الله ؛ لأنه زبدة مخاض محبته ، ~~وخلاصة حقيقة فطرته ، ( والذين آمنوا ) أي : أيقنوا وشاهدوا ~~معاينات الآخرة ، ومنازل الأبرار السفرة ، والله ولي المؤمنين حافظهم عن ~~آفات القهريات ، وأدخلهم في قباب العصمة والكرامات. # قال جعفر الصادق : الذين اتبعوه في شرائعهم ومناسكهم ، وهذا النبي لقرب ~~حال إبراهيم من حال النبي صلى الله عليه وسلم وشريعته من شريعته ، دون سائر ~~الأنبياء وسائر الشرائع ، والذين آمنوا لقرب حالهم من حال إبراهيم ( ~~ والله ولي المؤمنين ) في تشريفهم إلى بلوغ مقام الخليل عليه السلام ~~إذ القرب منه في درجة المحبة بقوله : ( يحبهم ويحبونه ) [المائدة : 54]. # ( ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى ~~أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ~~والله واسع عليم (73) يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (74) ومن ms0144 ~~أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده ~~إليك إلا ما دمت PageV01P155 # عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون ~~على الله الكذب وهم يعلمون (75)) # قوله تعالى : ( ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ) أي : لا تصبحوا ~~إلا أهاليكم من العارفين والربانيين الذين لا يظهرون أحوالهم عند أهل ~~الدنيا بالرياء والسمعة ولا يغالطون الناس في معاني أهل الحقيقة فيقعون ~~فيهم بالوقيعة والإنكار ويقصدون سفك دمائهم. # وقال بعضهم : لا تعاشروا إلا من يوافقكم على أحوالكم وطريقتكم. # وقال المرتعش : لا تفشوا أسرار الحق إلا إلى أهله. # وقال أبو بكر بن طاهر : لا تصدقوا ظهور كرامات الله على ما لم تتبينوا ~~ولايته ورياضته ومحافظته على ظاهر الشريعة. # ( يختص برحمته من يشاء ) الرحمة هاهنا : النبوة والولاية يختص ~~بها من يشاء من صفوة خلقه ؛ لأن سبق عنايته قبل وجود المجاهد والمجاهدة ~~والشواهد والبراهين والكون والعلل فمن أشرقه نور المشاهدة وملأ سمع سره من ~~خصائص الخطاب ، وسكرت روحه من شراب الوصلة ، فأنى له النظر إلى نفسه ~~ومعاملته ومجاهدته ؛ لأن من النقص صار مرادا وإن ذل ، ومحبوبا وإن اعتد ، ~~والاختصاص الأصلي يقع على ثلاثة أحوال : الأول : هو مكاشفة غيب الملكوت ، ~~والثاني : يقع على مشاهدة الجبروت ، والثالث : يقع على مدارج المعرفة ~~والتوحيد ، وهو أعلى وأجل ؛ لأن فيهما السكر والبسط والصحو والانبساط ~~والإيجاب والأنانية والفردانية والحرية والاتصاف بالربوبية ، ولهذه أصل ~~حقائق التمكين وتحقيق التوحيد. # وقال أبو عثمان : أمهل القول ليبقى معه رجاء الراجي وخوف الخائف. # وقال بعضهم : أزال العلل في العطايا والنفوس عن ملاحظات المجاهدات ~~فاقطعهم عن الشواهد والموارد. # وقال سهل : من نال الهداية والقربة نالهما بربه لا بنفسه. # وقال الواسطي : ارتفعت العلل في العطايا وفيما أظهر من النعوت والخفايا ، ~~وفتر النفوس عن مطالعات المجاهدات ، وكيف يتوسل المتوحد بالوسائل من أعمال ~~البر بعد قوله : ( يختص برحمته من يشاء ) (1) وأيقن بأن ليس إليه ~~طريق بالشواهد والموارد والعوائق. PageV01P156 # وقال ابن عطاء : أنبأ ألا طريق إليه بالعوائد والفوائد. # وقال الواسطي : ( يختص برحمته من ms0145 يشاء ) أن يكون بحيث كنت بلا ~~أنت ، ويكون القائم هو لك بذاته ونعته. # وقال أيضا : من تجلى له بأحوال ليس كمن تجلى له بحالة واحدة كذلك ( ~~ يختص برحمته من يشاء ). # وقال أيضا : لما أن شاهدوا البرهان وعاينوا الفرقان ، فزعوا من صفاتهم ~~إلى صفاته ومن فعلهم إلى فعله ، فسكنوا إلى ما سبق حسناه ؛ حيث يقول : ( ~~ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ) [الأنبياء : 11]. # وقال أبو سعيد الخراز : إن الرحمة هاهنا فهم معاني السماع بالسمع الحقيقي ~~، وهو الذي خص به الحق خواص السادة من عباده. # وقال الفارس : هو الهداية والخدمة والمشاهدة والولاية والنبوة والرسالة ، ~~ولو لا أنه خصهم بما خصهم به ما ظهر عليهم من آثار الموافقة شيء. # قال أبو سعيد الخراز : اختص الله من عباده خواصا جعلهم أهل ولايته ، فقال ~~: ( يختص برحمته من يشاء ) فطوبى لهذا العبد الضعيف ، ما حباه به ~~سيده من هذه الدرجة العظيمة. # وسئل ابن عطاء : ما الذي فتر العابدين عن عبادتهم؟ قال قوله : ( ~~يختص برحمته من يشاء ). # وقال بعضهم : ( يختص برحمته من يشاء ) بمعرفة نعمه عليه ، ~~والقيام بشكرها. # وقال الأستاذ : أي : بنعمته من يشاء ، فقوم اختصهم بنعمة الأرزاق ، وقوم ~~اختصهم بنعمة الأخلاق ، وقوم اختصهم بنعمة العبادة ، وآخرين بنعمة الإرادة ~~، وآخرين بتوفيق الظاهر ، وآخرين بتحقيق السرائر ، وآخرين بعطاء الإيثار ، ~~وآخرين بلقاء الأسرار. # وقال الله تعالى : ( وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها ) [إبراهيم : 34]. PageV01P157 # وقيل : لما سمعوا قوله سبحانه : ( يختص برحمته من يشاء ) علموا ~~أن الوسائل ليس بها شيء ، وأن الأمر بالابتداء والمشيئة. # وقيل : يختص برحمته من يشاء بالفهم عنه فيما يكاشفه به من الأسرار ، ~~ويلقيه من فنون التعريفات. # ( بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين (76) إن الذين ~~يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا ~~يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (77) ~~وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ~~ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله ms0146 الكذب وهم ~~يعلمون (78) ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول ~~للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون (79) ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون (80)) # قوله تعالى : ( بلى من أوفى بعهده واتقى ) العهد ثلاثة : عهد ~~الأزل بنعت الكشف للأرواح في أحانين بقلب القلب في سره في أوصاف الربوبية ~~مع الأسرار ، وهو إلقاء مخاطبة الحق بما وافق توفيق المعارف في خصائص ~~العبودية ، وعهد الله بعد تمكين العارف وكونه عارفا بالله مع عقله بوسائط ~~الكتاب والسنة لكون الأدب منه في جميع عمره فمن وافى روحه عهد الأزل فاز من ~~دركات الشرك ، وبلغ سر التوحيد ، ومن وافى قلبه إلهام الخاص بإلقاء سمع ~~الخاص وسكونه في جريان الحكم فقد بلغ عين حقيقة الرضا وخلص من درك الفناء ، ~~ومن وافى عقله أوامر الحق بالوسائل في ظاهره وباطنه فقد بلغ حسن الأدب في ~~مقام العبودية ويكون مرشد للمريدين ، وقائد للعارفين قوله : ( ~~واتقى ) أي : من اتقى خطرات النفوس وطوارق الشهوات فإن الله يبلغه مقام ~~حقيقة المحبة. # قال الأستاذ : صاحب الوفاء للوصلة مستوجب ، وللتكريم أهل ، وللرحمة مستحق ~~، وصاحب الخطأ ممقوت وللهوان أهل ، وللخجلة معترض ، والوفاء بالعهد الكون ~~معه بقطع ما سواه. # قال جعفر : من أوفى بالعهد الجاري عليه في الميثاق الأول ، وأبقى وطهر ~~ذلك العهد وذلك الميثاق من تدنسه بباطل ، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ~~«أصدق كلمة تكلمت بها العرب كلمة PageV01P158 # لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل» (1). # ومن وافى بالعهد سمي محبا ، ( فإن الله يحب المتقين ). # ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ) من مال إلى ~~حضرة الدنيا وأثرها على رؤية مشاهدة حضرة الحق ، وزين ظاهره بعبادة ~~المقربين ، ويبيعها بحظ الرياسة ، فقد سقط عن رؤية اللقاء مخاطبة الحق في ~~الدنيا والآخرة. # ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ) أي : ليس ~~من يختص بقربة الحق وكشف مشاهدته أن يلتفت سره إلى رياسة الخلق ms0147 وحرمتهم له ~~، وأن يرى لنفسه قيمة عند إجلال عظمة الحق ؛ لأن من بلغ تحقيق التوحيد لا ~~يرى لنفسه وزنا عندما يبدو من تجلي عظمة الحق ، ويكون خجلا على الدوام بين ~~يدي الرحمن من وجوده عند وجود الحق ، ويريد فناء وجوده استحياء من ربه ~~تعالى ، ولكن ما رأى نعم الله تعالى من كشف جماله وقرب وصاله ، وتعرفه ~~بالجلال والعز والكبرياء والعظمة والقهر واللطف أشفق على الخلق ، ويدعوهم ~~إلى عبادته وطالب مرضاته ، وهذا معنى قوله تعالى : ( ولكن كونوا ~~ربانيين )، ومعنى كونوا ربانيين أمر من الحق تعالى لأنبيائه وأوليائه أي : ~~كونوا موصوفين بصفته كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «تخلقوا بأخلاق ~~الرحمن» (2)، وهذا وصف من كساه الله سنا قدس جمال الأزلي ، وجلال الأبدي ~~قبل كون طينة البشر ، فكان منورا بنور صبح القدم ، إذ الأشباح والأجسام في ~~العدم ، فإذا سكن الأرواح في ظلم الهياكل خاطبهم الانبساط ، فقال : لا ~~تنسبوا إلى الماء والطين ، ولكن انتسبوا إلى الحق بنعت المحبة والمكاشفة ~~والمشاهدة والاتصاف بصفقاته ، والتربية في حجر وصاله ، وكونهم بأفعاله ~~الخاصة بالذاتية القدمية ، وليس هؤلاء كمن كان كونه بالأمر ؛ لأن الأمر ~~للعوام ، والفعل للخواص ، مع أن الحق جل من الأشكال والأشباه ، والخيال ~~والأوهام والأفهام ، والجزء والكل ، والتبعيض والصور ، والأزمان والمكان ، ~~تعالى كبرياؤه وجلت صفاته ، قوله : ( بما كنتم تعلمون الكتاب وبما ~~كنتم تدرسون ) أي : لكم خاصة علم اللدني ، وعلم الكتاب والسنة والشريعة ، ~~بها يلزم عليكم الخروج عن رسم الإنسانية ، وأوصاف البشرية. # وقال جعفر الصادق : في قوله تعالى : ( كونوا ربانيين ) قال : ~~مستمعين بسمع القلوب ، وناظرين بأعين الغيوب. PageV01P159 # وقيل : ( كونوا ربانيين ) علما والله حلما عن عباده. # وقال ابن عطاء : عاينوا أول تربيتكم ليتخلصوا من هذه الآفات كلها ، وقال ~~أيضا : أخرجهم بهذا الخطاب عما خاطبهم به من العبودية. # قال الواسطي : عاينوا أوقات تربيتكم وتقديركم قبل آدم عليه السلام ، ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم ، فالانتساب إلى آدم عليه السلام ، والافتخار بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم ليس بالافتخار ممن قدسك في الأزل. # وقال أيضا : قال : كونوا كأبي بكر إذا أورد ms0148 عليه قوادح الأمور لا يؤثر ~~على سره حين قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر : «دع بعض مناشدتك ربك ؛ ~~فإنه ينجز لك ما وعدك» (1). # وقال أيضا : في هذه الآية أمر إبراهيم عليه السلام بالاستسلام ، وأمر محمد ~~صلى الله عليه وسلم بالعلم ، فقال : فاعلم والاستسلام إظهار العبودية ، والعلم ~~به التوسل إلى الأزلية والأبدية ، لذلك خاطبهم فقال : ( كونوا ~~ربانيين )، وأيضا قال : ( كونوا ربانيين ) جذبهم بهذا من الافتخار ~~بالطين إلى الافتخار بالحق. # قال الجنيد : أخرجهم من الكون جملة ، وجذبهم إلى الحق إشارة ، فإذا أردت ~~أن تعرف مقامات الخلق ، وبواطنهم في الحقيقة ، فانظر إلى تصرف أخلاقهم تجد ~~كل واحد قائما في أشخاصه ، استقطعه ما وافق سريرته ، فانظر بما ربطت القلوب ~~، فيشهد سرائرهم ؛ لأنهم أخذوا من المصادر الأول ، فمن لم يستقطعه إلا ~~إسبال أنواره والحياء فيما ورد عليه ، أيقن كيفية باطنه على الحقيقة تنازعه ~~في ربوبيته ، وتمر عليه في عبودية وأنت لا تشعر ، وقال بعض العرافين : ~~أخرجهم من آدم عليه السلام وتراهم منه كي ينسوا العبودية والافتخار بالماء ~~والطين. # وقال الشبلي : أخرجهم عما خاطبهم به من العبودية ، فمن استحق العلم به ~~استحق علم الربانية ، والرباني الذي لا يأخذ العلوم إلا من الرب ، ولا يرجع ~~في بيانه إلا إلى الرب جل وعلا. # وقال الواسطي في هذه الآية : ( كونوا ربانيين )؛ لأن تكون ابن ~~الأزل والأبد خير لك وأحسن بك من أن تكون ابن الماء والطين والأفعال ~~والإحصاء والعدد. # وقال سهل : الرباني هو العالم بالله والعالم بأمر الله ، والمكاشف له من ~~العلوم اللدني ما غاب عن غيره ، وقال أيضا : الرباني الذي لا يختار على ربه حالا. # وقال الجريري : ( كونوا ربانيين ) أي : سامعين من الله ناطقين بالله. # وقال فضل بن العباس الشكلي : قال كونوا كأبي بكر الصديق ؛ فإنه لما مات ~~محمد صلى الله عليه وسلم PageV01P160 # اضطربت الأسرار كلها لموته ، ولم يؤثر ذلك في سر أبي بكر ، فقال : «من ~~كان منكم يعبد محمدا ؛ فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله ؛ فإن الله حي ~~لا يموت» (1). # وقال القاسم : كونوا ms0149 ربانيين متخلقين بأخلاق الحق علماء وحلماء. # وقال بعضهم : الرباني بحقه من نسي نفسه في نسيانه ، فنسي أوقاته بأوقاته ~~، ونسي أجاله وأرزاقه بصفاته ، فصفاته جذبته إلى ذاته ، وذاته ملكه عن صفاته. # وقيل : الرباني من ارتفع عنه ظل نفسه ، وعاش في كون ظله. # وقيل : الرباني الذي هو محق في وجوده ، ومحو عن شهوده ، فالقائم عنه غيره ~~، والمحوي لما عليه سواه. # وقيل : الرباني الذي لا يؤثر فيه تصاريف الأقدام على اختلافها. # وقيل : الرباني الذي لا تستقره محنة ولا يهزه نعمة فهو على حالة واحدة في ~~اختلاف الطوارق. # وقيل : الرباني الذي لا يتأثر بورود وارد عليه ، فمن استعطفه رقة قلب أو ~~استمالة هجوم أمرا ، وتفاوت عنده أخطار حادث فليس برباني. # وقيل : الرباني الذي لا يبالي بشيء من الحوادث بقوله وسره ، وإن كان لا ~~يقصر في شيء من الشرع بفعله. # وقيل : ( وبما كنتم تدرسون ) من توالي إحساني إليكم ، وتضاعف ~~نعمتي لديكم. # وقيل : بما كنتم تعلمون الكتب وبما كنتم تدرسون من آلائي ونعمائي ، وما ~~توليتم من أموركم. # ( ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ) ولا يمنون ~~عليكم بتعليمهم إياكم أن تزكوهم وتطردوهم ، ولا تلتفتون بأسرارهم إلى ~~تمكينهم ودرجاتهم ، ويعلمون أنهم في ديوان الألوهية والربوبية كل شيء في كل ~~شيء ، ولا ترون الكون مع ما فيه ومن فيه في جنب عظمة الله تعالى ، إلا كذرة ~~في السموات والأرض ، ولا تتعرضون بأمور أنفسهم في أمر الله تعالى ، ويعلمون ~~أن أمر الحق غالب على جميع الأمور ، فإنهم مأمورون كجميع الخلائق : ( ~~ أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ) أي : لا يأتون على الخلق إلا ~~لتهذيب أسرارهم عن الأكوان والحدثان في خالص عبودية الرحمن ، ويخيرونهم عن ~~أسرار الحقيقة ، وأنوار الشريعة ، وعن وحدانية الله وقدس طبقاته وعز بقاء ~~وجهه وجماله ، ويأمركم التمسك بحبل PageV01P161 # الله المتين ، وصرف الإيمان بنعت اليقين. # وقال ابن عطاء موضعا للملاحظات : وليس بأيديهم من النفع والضر شيء فكيف ~~لمن دونهم. # وقال الواسطي : في هذه الآية لا تخطرون بأسراركم تغطيهم ولا الكفر في ~~معانيهم واعلموا إنما هي ربوبية تولدت عبودية. # وقال ms0150 ابن عطاء : إياك أن تلاحظ مخلوقا وأنت تجد إلى ملاحظة الحق سبيلا ، ~~قال الله تعالى ولا يأمركم الآية. # وقال الواسطي : في هذه الآية محلا للمخاطبات ، وموضعا للمعاملات ، ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ انتم مسلمون أيأمركم بالاحتجاب عن الحق بعد معاينة ~~الحق ، أو بالانقطاع عن الحق بمواصلة غيره. # وقيل : يأمركم بالتوسل إلى من لا وسيلة له إلا بالحق. # وقيل : أيأمركم بمطالعة الأشكال ونسبة الحدثان إلى الأمثال ، بعد أن لاح ~~في أسراركم أنوار التوحيد ، وطلعت في قلوبكم شموس التفريد. # ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم ~~إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (81) فمن تولى بعد ~~ذلك فأولئك هم الفاسقون (82)) # قوله تعالى : ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب ~~وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ) أخذ الله ميثاق خصائص خطاب علم ~~المجهول الذي بنا عن حقائق أسرار الربوبية مع النبيين والصديقين بواسطة ~~إلهام الملك ، وغير واسطة منفردا عن نطق المخلوقات ، بل الحق منفرد بإنزاله ~~، وإظهار أنواره في عيون أرواحهم ، ليصدقوا به ويعرفون أنه من عند الله ~~وينصرونه باليقين والمعاملة ، وهذا من رموز الكتاب ، وأما ظاهر الكتاب ، ~~فإن الله تعالى أراد أن يري الأنبياء والأصفياء من الأولين والآخرين شرائف ~~مقامات حبيبه ، تخصيص على جمهورهم ليؤمنوا به ويعرفونه ؛ لأن من عرفه فقد ~~عرف الحق ، ومن أمن به ودخل في دائرة المحبة وحقيقة القربة. # قال الله تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ~~) وقال صلى الله عليه وسلم : «من PageV01P162 # عرفني ؛ فقد عرف الحق» (1)؛ لأن عليه كسوة الربوبية ، ويبرز من جمال ~~وجهه نور جمال مشاهدة الحق ، والإشارة في ميثاق الحق مع الأنبياء الحبيبة ، ~~لئلا يغيروه ؛ لأن العشاق يغير بعضهم بعضا ، والغيرة من لوازم العشق ، ~~وأنها من صفة الحق سبحانه من تهمة البشر ، وانظر شأن موسي عليه السلام ~~وغيرته على سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم ، ومقصود الحق من الميثاق ~~صون أسرار أنبيائه ms0151 عن صفات البشرية ( فاشهدوا وأنا معكم من ~~الشاهدين ) يحذرهم من اطلاعه عليهم في نصرة حبيبه والإيمان به ، وهذا غاية ~~تشريف نبينا صلى الله عليه وسلم من بين سائر الأنبياء عليهم السلام . # ثم بين أن من حمد سره عن محبته ، وزاغ قلبه عن نور سنته ، ومال ظاهره عن ~~طريقته وشريعته بعد ظهور معجزته وظهور كراماته سقط عن مقامات المرسلين ~~والنبيين ، وتشمر عن شوق التهديد لهم بهذا ، فقال : ( فمن تولى بعد ~~ذلك فأولئك هم الفاسقون ). # وقال فارس : أخذ عهد حبيبه صلى الله عليه وسلم على من كان قبله من الأنبياء ~~بقوله : ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ) فأي شرف أشرف من أخذ الله ~~عهده على من كان قبله ، ثم أمرهم بالشهادة له بالعهد ، وضمن أن يكون هو مع ~~الشاهدين معهم ، والشاهدين عليهم ، وإنما فعل ذلك لئلا يبقي أحدا ممن تقدم ~~وتأخر إلا ، وعليه حجة من الله في إرساله رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ~~والإيمان به ، ولا يبقي لأحد بعد ذلك حجة في مخالفته. # ( أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا ~~وكرها وإليه يرجعون (83) قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (84)) # قوله تعالى : ( أفغير دين الله يبغون ) أي : أن أصل جميع المراد ~~في طاعتي ، فمن أين يطلبون صفاء العيش ، وفي أكناف قربي لذائذ أنس العارفين ~~، وفي ألطاف وصلي حلاوة مشاهدة القدس للموحدين ، وفي أطراف سبل عنايتي نجاح ~~الكرامات للصديقين ، ومن تمسك بحبال أمال نفسه فهو عن عين عبوديتي منحرف ، ~~ومن زاغ عن عبادتي فهو عن مشاهدة وحدانيتي وفردانيتي منعزل ، ومن عزل عن ~~مشاهدة العبودية ورؤية الربوبية فهو من جملة المبطلين المستدعين الذين ~~تصرفون في غيابات جب الهوى ، ويهيمون في أودية العنا والجفا PageV01P163 # ومن طالع غير حقائق الإلوهية والأزلية ، فقد وقع في سراب الضلال ، ويتردد ~~في أغلوطات الشياطين ، فإذا نزل ، نزل في فقر العناء ، وإذا سار ، سار في ms0152 ~~مغاليط النفس وغباء غبار البلاء. # وقال الواسطي : من تمسك بغير الوحدانية بل بغير الواحد ، فهو بعيد من عين ~~الحقيقة. # ( وله أسلم من في السماوات والأرض ) إذا أظهر نفسه عن كبريائه في ~~مرآة الكون بنعت الجبروت انقاد له جميع الأنام قهرا وجبرا ؛ لأنه يقتضي ~~ظهور سلطان الوحدانية ، ووقوع الهيبة والإجلال في وجوه الخلائق بالأفعال ( ~~ طوعا وكرها ) أسلم له العارفون ببذل الأرواح ( طوعا ) لما ~~عاينوه بحسن جمال القدم وأسلم الجاهلون له ببذل النفوس ( وكرها ) ~~لما رأوا من عظم قهره في إظهار سلطنته وقهاريته ، وأيضا سخر بعضهم بكشف ~~جماله ، فأسلموا من مشقهم على مشاهدته طوعا ، وأعجز بعضهم برؤيتهم عظمته في ~~لباس فعله وصنعه ، فأسلموا من هيبته عند انكشاف نور كبريائه عن الأفاق كرها ~~، فأكرم قوما بإسبال أنوار التجلي على أسرارهم ، حتى يكونوا في جريان قضائه ~~وقدره بالطوع منقادين وأذل قوما بإرسال هيبة القهر على ظاهرهم فيكونون عند ~~بروز سطوة جباريته بالكره مذللين. # وقال الحسين : أحدهم عن شهود مثواهم بخصائص الاطلاع عليهم ، فمن طالع ~~الذات أسلم طوعا ، ومن طالع الهيبة أسلم كرها. # قوله : ( قل آمنا بالله ) أي : صدقنا بعد أن رأيناه بعيون ~~الأسرار وحقائق الأنوار ، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : «لم أعبد ~~ربا لم أراه» (1)، وأيضا ( آمنا بالله ) أي : بتوفيقه آمنا بالله ~~لا يجهدنا وسعينا. # ( وما أنزل علينا ... ) الآية إن من شرط المحبة قبول ما جاء به ~~رسل الحبيب من عند الحبيب ، ولا فرق عنده بين المبشرين والمنذرين ، إذا كان ~~المحب صادقا في حبه. # وافهم إن من غلب عليه محبة الله تعالى عاين بأبصار سره عالم الملكوت ، ~~ويري غيب الحق من الجنة والنار والملائكة والأنبياء والأولياء والعرش ~~والكرسي واللوح والقلم وأنوار الحضرة ، فإذا انكشف هذه المغيبات له ؛ فكيف ~~لا يؤمن بها بعد رؤيتها ، إذا أخبر الله أسرارها بلسان أنبيائه وأوليائه ~~عليه ، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لحارثة ، قال : «يا ~~حارثة ، لكل حق حقيقة ؛ فما حقيقة إيمانك؟» فقال : عزفت نفسي عن الدنيا ، ~~فأسهرت ليلي ، وأظمأت نهاري ، وكأني ms0153 أنظر إلى عرش ربي بارزا ، وكأني أنظر ~~إلى أهل الجنة في الجنة يتزاورون ، وأهل النار في PageV01P164 # النار يتعاوذون ، فقال عليه السلام : «عرفت فالزم» (1). # وقال ابن عطاء في قوله : ( قل آمنا بالله ): صدقنا وأقمنا على ~~طريق الصدق معه ؛ لأنه الذي كتب علينا الإيمان ، وخصنا في علمه قبل أن ~~أوجدنا ، فنحن مؤمنون به بسابق فضله علينا. # ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من ~~الخاسرين (85) كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق ~~وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (86) أولئك جزاؤهم أن عليهم ~~لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (87) خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ~~ولا هم ينظرون (88) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ~~(89) إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم ~~الضالون (90) إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ~~ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين (91)) # قوله تعالى : ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) أي : ~~من يروم مشاهدة الربوبية بغير العبودية لم يكشف له مقامات الصديقين ~~والمقربين ، وأيضا أصل جميع الحقائق ينوط بالإسلام والانقياد عند مراد الحق ~~، والإشارة فيه أن من لا يصبر في بلاء الحق ، ويجزع عند نزول المصائب إلى ~~غير الله لم يقبل منه شيء من المعاملات والمجاهدات. # وقيل : من توسل إليه من شيء دون الاعتصام ، فخسرانه أكثر من ربحه. # وقال القاسم : من يأخذ غير الانقياد طريقا في القيد لم يصل إلى شيء من ~~حقيقة العبودية. # وقال مجاهد : من لم يقيد أفعاله بالسنة لا يقبل منه عمل. # وقال سهل : في قوله ومن يبتغ غير الإسلام دينا أنه التفويض ، ومن لم يفوض ~~إلى مولاه جميع أموره لم يقبل منه شيء من أعماله ( كيف يهدي الله ~~قوما كفروا ) الآية أي : من فطراه الله على غير استعداد المعرفة وحكم عليه ~~بالكفر في سابق الأزل لم يهده إلى مشاهدة الإيمان واليقين ؛ لأن الاستعداد ~~من ms0154 لوازم المعرفة ، ومن لم يكن له استعداد الطريقة لم يقع في قلبه أنوار ~~التجلي ، ومن خاض في بحر القهر ، ولزم في قهر بعد البعد لم يكن له سبيل إلى حال PageV01P165 # قرب القرب. # قال الأستاذ : من عبده عن استحقاق الوصلة في سابق حكمه متى يقربه من بساط ~~الخدمة بفضله في وقته. # وقيل : من أقصاه حكم الأزل ، متى أدناه صدق العمل ، والله غالب على أمره ~~( أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله ) ابتدأهم في حجاب المكر ، وختم ~~أحوالهم بالاستدراج ، وهذا غاية الطرد والإبعاد عن بساط الوصال سوي أولهم ~~وأخرهم ، وردهم بعد كونهم في المعاملات إلى ما حكم عليهم في سابق علوم ~~الأزليات ، خالدين فيها لا سبيل لهم إلى معرفة وجود جلاله وكمال قدرته ، ~~فيزداد غيهم على غيهم ، ولا يخرجون من طبقات الهجران والحرمان إلى مشاهدة ~~الرحمن ( إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ) هم الذين سبق لهم ~~حسن الإيمان بمشيئة الأزل ، ووقفوا بامتحانه في بحار الفتنة والشهوة ، ~~فأدركتهم أنوار عناية الأزلية ، وأخلصتهم من أسجان النفوس ، وأصفاد ~~الشياطين ، ونور عيون أسرارهم بكحل سناء العناية ، حتى يروا خبائث أعمالهم ~~، فتابوا منها وتركوها استحياء من ربهم ؛ حيث يروا مننه السابقة التي سبقت ~~لهم بنعت العناية والرعاية والكفاية والهداية. # ( إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم ~~وأولئك هم الضالون ) أي : من كوشف له من مقامات الأول شيء وصدق به ، وآمن ~~بأحوالهم وكراماتهم ، ثم كذبهم عن إيمانه بهم بسبب أو علة أو فراد من ~~مجاهداتهم واجتهادهم وضيق رسومهم ، ثم ازدادوا كفرا بإقامتهم على إنكارهم ، ~~وشروعهم في إيذاء الأولياء والمريدين وأهل الرغائب ، والإشارة فيه أن هؤلاء ~~الذين وقعوا في عاهة الإنكار وبلية الجحود بعد شهودهم آثار الغيب في مشاهدة ~~البيان ، وأنسوا به وألفوه ثم عميت أبصار قلوبهم عن مشاهدة الآخرة ، وصمت ~~أذان أسرارهم عن خطاب الحق في بواطن الغيب ، وصدت عقولهم بدين الجهالة ، ~~وعصيت نفوسهم خالق الخلق بهجومها في غلطات الكبر والرعونة ، وخبثت أخلاقهم ~~من شوائب الشهوات ، وكدرت أرواحهم من اقتحامهم في العجب والرياء والكبر ms0155 ، ~~وأبغضت الأولياء ، وساءت آدابهم بين يدي الله ، لم يقبل الله تعالى توبتهم ~~؛ لأنهم ذاقوا حلاوة الرياء والسمعة ، وأثروا حظوظ الدنيا على صحبة أهل ~~المعرفة ، وركنوا إلى صحبة الأضداد ، ومالوا عن بساط الحرمة إلى عرصة ~~المخالفة ، ومن هذه أحواله فتوبته لا تستقيم ، وأوبته لا تدوم لغلبة الشهوة ~~على قلبه ، وكثرة الفترة على بدنه ، لا يلصق به نصيحة ، ولا آثرت فيه شفقة ~~، ولا ينتظم شمله ، بطرت نفوس هؤلاء بالشهوات ، واسودت قلوبهم من الشبهات ، ~~جازاهم الله تعالى بإبعادهم عن حضرة الوصال ومشهد الجمال ، وهو قوله تعالى ~~: ( لن تقبل PageV01P166 # توبتهم وأولئك هم الضالون ) ضالون عن طريق الحقائق والمعارف ~~والكواشف ، وأسبل الله على قلوبهم غطاء القهر حتى لا يرون أنوار عجائب ~~كرامات أوليائه ، ولا يقومون عند الله يوم القيامة وزنا ، وإن كثرت صلواتهم ~~وصيامهم وصدقاتهم ، قال الله تعالى : ( إن الذين كفروا وماتوا وهم ~~كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به ) (1). # ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن ~~الله به عليم (92)) # قوله تعالى : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) أهل هذه ~~الصفة في إنفاقهم على أربع طبقات : طبقة منهم أهل المعاملات ، وهم على عشرة ~~أقسام : قسم منهم التائبون وإنفاقهم ثلثه ترك الدنيا ، وترك الرياسة ، وترك ~~النفس لله ، وفي الله ، وقسم منهم المتورعون ، وإنفاقهم ثلثه الاجتناب من ~~المعاصي ، وترك ما سوي البلغة من الحلال ، وفطام النفس عن الشهوات ، وقسم ~~منهم الزاهدون ، وإنفاقهم ثلثه مجاهدة النفس ، وتزكية الأعمال ، وذم ~~الجوارح ، وقسم منه الفقراء وإنفاقهم ثلثه حفظ الأوقات ، وصيانة الفقر ، ~~والتعفف في جميع الأمور ، وقسم منهم الأغنياء من هذه الطائفة ، وإنفاقهم ~~ثلثه بذل الأموال بغير المنة ، والإبداء والتواضع عند الفقراء ، وطلب ~~الإخلاص في أنفسهم عند خطرات الرياء قسم منهم الصابرون ، وإنفاقهم ثلثه ~~الخروج من الجزع عند الفاقة ، ونشاط القلب عند نزول البلاء ، وإيثار البلاء ~~على الراحة ، وقسم منهم الشاكرون ، وإنفاقهم ثلثه قصر ألسنتهم عن الثناء مع ~~عرفانهم نعم ربهم استحياء منه ، وحيرة في قلوبهم عن معرفة حقيقة المنعم ~~والخروج ms0156 من رسم الأعواض في بذل الأرواح ، وقسم منهم المتوكلون ، وإنفاقهم ~~ثلثه استرسال النفوس لله عند نزول بلائه ، وبذل المهجة له طلبا لرضاه ، ~~وضبط الخاطر من الخطرات عند جريان قضائه ، وقسم منهم الراضون ، وإنفاقهم ~~ثلثه ترك اختيارهم في اختياره ، وترك تدبيرهم في مراده ، وصون أسرارهم عما ~~دونه ، وقسم منهم الصادقون ، وإنفاقهم ثلثه إخلاص العبودية عن رؤية الخلق ، ~~وإخلاص السر عن رعونة النفس ، وإخلاص التوحيد عن رسم الحدوثية ، وطبقة PageV01P167 # منهم أهل الحالات ، وهم على عشرة أقسام ، قسم منهم المراقبون وإنفاقهم ~~ثلثه دفع الخطرات ، وإخفاء المناجاة ، وحفظ الحرمة في الخلوات ، وقسم منهم ~~الخائفون ، وإنفاقهم ثلثه قلة النوم وقلة الأكل وقلة الكلام ، وقسم منهم ~~الراجعون وإنفاقهم ثلثه ترك الطبع في الدارين ، والارتقاء من هذين المنزلين ~~وتخلية السر عن ذكر العالمين ، وقسم منهم المجنون ، وإنفاقهم ثلثه الاتقاء ~~عن معرض الكرامات ، وترك الالتفات إلى الطاعات ، وتصفية القلب من الدرجات ، ~~لوصولهم إلى مقام المشاهدات ، وقسم منهم المشتاقون ، وإنفاقهم ثلثه احتراق ~~القلوب بنيران الحزن ، واحتراق النفوس بنيران الجوع ، واحتراق الأرواح ~~بنيران الخوف والإجلال ، وقسم منهم العاشقون ، وإنفاقهم ثلثه ترك طلب ~~الولاية ، وترك حظ المحبة ، والتزام السر في منزل الرعاية ، وقسم منهم ~~الموقنون ، وإنفاقهم ثلثه ترك الشفقة على النفوس ، ودوام رعاية القلوب ، ~~والشروع في تزكية الأرواح عن ذكر الحدثان ، وقسم منهم المستأنسون ، ~~وإنفاقهم ثلثه الأعراض عن الخلق ، وإلقاء الخاطر إلى مشهد طلوع صبح أنوار ~~المشاهدة ، وطهارة السر عن معارضة العد ، وقسم منهم المطمئنون ، وإنفاقهم ~~ثلثه التمكن في البلاء والصبر في العناء ، والشكر في النعماء ، وقسم منهم ~~المحسنون ، وإنفاقهم ثلثه صحة العبودية ، بنعت رؤية المشاهدة ، وبذل الروح ~~لله بلا رغبة في ثواب الجنة ، ومطالعة أنوار الكناية ، وطبقة منهم أهل ~~المعرفة ، وهم على عشرة أقسام ، قسم منهم الذاكرون ، وإنفاقهم ثلثه دفع ~~الوسواس ، وطرد الغفلة من القلب بين الناس ، والخروج من رسوم الأشخاص ، ~~ومنهم المتفكرون ، وإنفاقهم ثلثه إرسال الأرواح إلى مشاهدة الغيوب لترائي ~~هلال جلال القدم ، وإمهال العقول إلى ميادين الملكوت لمشاهدة الجبروت ، ~~وإدلاء القلوب إلى بساط القربة لطلب الوصلة بنعت الهيبة ms0157 ، وركاب السر في ~~جولانه في أنوار البقاء والأزل ، وقسم منهم الحكماء ، وإنفاقهم ثلثه التكلم ~~للمريدين ، ونشر العلم للطالبين ، وإرشاد الصواب للعالمين ، قسم منهم أهل ~~الحياء ، وإنفاقهم ثلثه الفرق بالسر من مقام المكر ، وتقديس شهوة الخفية عن ~~مشهد الذكر ، ودفع دقائق الرياء في مجاري الخطرات ، وقسم منهم أهل التلوين ~~، وإنفاقهم ثلثه التفكر في الربوبية بالعقل لتحصيل المعرفة ، والنظر إلى ~~قديم إنعامه بالقلب لتحصيل المحبة ، والسر بالروح في عالم الملكوت لتحصيل ~~أنوار المشاهدة ، وهذه صفة من يباشر قلبه نور الأحادية على الأوقات ~~السرمدية ، فهؤلاء متنورون بكنوز أنوار التوحيد ، معرفون من بحار الامتنان ~~، حقائق أسرار الهوية بنعت التجريد ، ناطقون عما في الضمائر ، وكاشفون ~~مكنون السرائر ، وقسم منهم أهل التمكين ، وإنفاقهم ثلثه حفظ جناح العبودية ~~على وصيد الربوبية ، ودفع تهمة البشرية عن مصدر كشف المشاهدة ، ورسوخ السر ~~في طوالع سلطان الهيبة ، فأهل التمكين متربون عن إدراك حقيقة جمال القدم ، ~~مقدمون عن اتحاد البقاء بإعدام مشاهد صرف سلطان الوحدانية ، PageV01P168 # فيحرسون أسرارهم عن شوائب الحوادث ، ويحفظون أنوارهم عن إطلاع الخلائق ، ~~ويصونون ما أوحى الله إليهم من أسرار الإلهام عن تحريفات الشياطين ~~وأباطيلهم ، وقسم منهم أهل الحقيقة ، وإنفاقهم ثلثه الدعاء على العصاة ، ~~وتحلم إيذاءهم على طيب النفس ، وترك الطمع في مجازاتهم ، فهؤلاء رحمة الله ~~على عباده ، فالخلق مصرمون عن المصارف ، وهم مكثرون بالكواشف ، فيضهم الله ~~لبقاء العباد والبلاد ، ليلتجئ إليهم مرتابون الأحوال ، وأهل رغائب الآلاء ~~، وقسم منهم أهل السر وإنفاقهم ثلثه كتمان الأسرار من خوف غيره الحق عليهم ~~وخروجهم مرادهم لمراد الحق وتفقد جمال غيب غيبه في صدورهم غيبه عن الخلق ~~وقسم منهم العارفون وإنفاقهم ثلثه يتركون الدنيا لأهلها ويتركون الآخرة ~~ولذتها ، ويجلسون على باب مولاهم منصرمين عما سواه ، مفلحين إليه بنعت ~~رغائب المحبة ، مفتقرين إلى مشاهدته بصفاء العبودية ، يحسموا عن المكونات ، ~~وانقطعوا إليه عن المخلوقات ، وطبقة منهم أهل التوحيد ، وهم على عشرة أقسام ~~، قسم منهم أهل القبض ، وإنفاقهم ثلثه عد أنفاس المراقبات في مقام الحزن ~~وصب الدماء في حين العشق والتأوه من صميم القلب في مقام ms0158 الشوق ، وقسم منهم ~~أهل البسط ، وإنفاقهم ثلثه الفرح بوجنتي الحبيب ، والزفرة من مخاطبة الرقيب ~~، والتقرب بكثرة النوافل إلى القريب ، وقسم منهم أهل السكر ، وإنفاقهم ثلثه ~~الشروع في السماع وطلب الوصل بالنغمات ، واستنشاق نفحات القرب بالمراقبات ، ~~وقسم منهم أهل الصحو ، وإنفاقهم ثلثه السكون في مرارة الهجران والحنين ، من ~~شوق الرحمن والتحنن على خلقه شفقة على أحوالهم ، والتمكين في محاربة ~~الشيطان ، وقسم منهم أهل الفناء ، وإنفاقهم ثلثه تزكية الأسرار بالذكر ، ~~وتربية الأحوال بالفكر ، وذم الأشباح بزمان المجاهدة ، وقسم منهم أهل ~~البقاء ، وإنفاقهم ثلثه ذكر المشاهدات ، ونشر الكرامات والتخلص من ~~المجاهدات بتحصيل المكاشفات ، وقسم منهم أهل الانبساط ، وإنفاقهم ثلثه ~~الاستغفار بعد الشطح ، وحفظ الآداب في حال السكر والأخبار عن المقامات لأهل ~~الإرادات ، وقسم منهم أهل حقائق التوحيد ، وإنفاقهم ثلثه الاستقامة في ~~الامتحان بنعت إخلاص الإيمان ، وترك حظوظهم في مقام المحبة لوجدان جمال ~~القدم ؛ لأن المحبة حظ العارف ، ورؤية القدم نصيب الحق جل وعز ، ورعاية ~~الأسرار بترك رسوم المقامات ، وقسم منهم أهل الوله ، وإنفاقهم ثلثه الرمزة ~~في العبرات والفوز في الأزليات ، وبذل المهجة للأبديات ، وقسم منهم أهل ~~الاتحاد ، وإنفاقهم ثلثه قمع شهوات العشق عن مغارس أشجار التوحيد ، وسير ~~السير في قدم القدم بنعت التجريد ، وطيران الروح في بقاء البقاء بأجنحة ~~التفريد ، هذا وصف إنفاق رجال الصدق ، وهم بالتفاوت فيما نالوا من ثواب ~~الإنفاق في هذه المقامات من جزيل الكرامات ، PageV01P169 # وهو ما ذكر الله تعالى في كتابه ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا )؛ ~~فالبر جزاؤهم منه ، ولكل طائفة منه بر من هؤلاء الذين ذكرنا أحوالهم في ~~إنفاقهم على قصد إرادتهم ، وصدق نياتهم ، فبر التائبين هو محبة الله لهم ~~بعد إيابهم منهم إليه ، وهذا إشارة الله تعالى قال : ( إن الله يحب ~~التوابين ) [البقرة : 222]. # وأما بر المتورعين ؛ فهو استجابة الدعوة مقرونة بالتقوى ، وأما بر ~~الزاهدين ؛ فهو الحكمة من الله تعالى ، وهو إشارة النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : «من زهد في الدنيا أربعين صباحا ، ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على ~~لسانه» (1). # فأما بر الفقراء فهو السكينة من الله ms0159 تعالى ظهرت في قلوبهم ، وأما بر ~~الأغنياء فهو درجة الكرامات ، وأما بر الصابرين فهو درجة الولايات ، وأما ~~بر الشاكرين فهو زيادة القربة. # قال الله تعالى : ( لئن شكرتم لأزيدنكم )، وأما بر المتوكلين ~~وهو الكفاية في جميع المراد ، ووجدان لطائف محبة الله تعالى : ( ~~ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) [الطلاق : 3] ، وقال تعالى : ( إن ~~الله يحب المتوكلين )، وأما بر الراضين ؛ فهو رضوان الله تعالى ، قال الله ~~تعالى : ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) [المجادلة : 22]. # وقال عليه السلام : «الرضوان الأكبر هو تجلي الخاص ، ومن بلغ مقام الرضا ؛ ~~فقد وجد رضوان الأكبر» (2). # وأما بر الصادقين ؛ فهو المحمدة في الدنيا والآخرة ، وحقيقة الطمأنينة ~~والكرامة على رءوس الخلائق يوم القيامة ، قال الله تعالى : ( ليجزي ~~الله الصادقين ) [الأحزاب : 24] هذا درجة أهل المعاملات في مجازات الله ~~إياهم ببره وكرامته. # وأما بر المراقبين ؛ فهو وجدان نور الفراسة وحلاوة الذكر ، وأما بر ~~الخائفين ؛ فهو ذوق المحبة ومعرفة إجلال الحق تعالى ، وأما بر الراجين ؛ ~~فهو صفاء اليقين ، ونور البسط والانبساط ، وأما بر المحبين ؛ فهو المكاشفة ~~وأنوار القربة والمشاهدة ، وأما بر المشتاقين ؛ فهو الأنس بالله في جميع ~~المعاني ، وأما بر العاشقين ؛ فهو بهجة سناء الجمال في عين الأرواح ، وأما ~~بر الموقنين ؛ فهو مشاهدة الآلاء والنعماء والطمأنينة في رسوم الربوبية ، ~~وأما بر المستأنسين ؛ فهو حلاوة حسن القدم في قلوبهم ، وتفرد خواطرهم عن ~~وجل خطرات الشياطين في أسواق PageV01P170 # الشهوات ، وأما بر المطمئنين فهو حصول الكرامات من تقليب الأعيان ، ~~وأنواع عجائب الآيات ، وأن يذوق العارف طعم حلاوة الذكر ، قال الله تعالى : ~~( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) [الرعد : 28]. # وأما بر المحسنين ؛ فهو مشاهدة الحق في لباس الملكوت ، هذا وصف بر أهل ~~الأحوال ، وأما بر الذاكرين ؛ فهو رؤية المذكور في حقائق نفس الإيمان ، ~~وأما بر المتفكرين ؛ فهو رؤية آثار تجلي الصفات في لباس الآيات ، وأما بر ~~الحكماء ؛ فهو خصائص الخطاب بنعت الإلهام. # وأما بر أهل الحياء فهو رؤية مشاهدة العظمة والكبرياء ، وأما بر أهل ~~التلوين فهو رؤية عين جميع الأفعال بنعت جمال الصفات ، وأما بر أهل التمكين ~~فهو رؤية ms0160 عين جميع الصفات بلا رسم الأفعال ، وأما بر أهل الحقيقة فهو رؤية ~~عين القدم بنعت الفناء ومحق البشرية ومحو رسوم الخيال ، وأما بر أهل السر ~~فهو رؤية كنز علم الأزلي بعين الروح في مدارج المعرفة ، وأما بر العارفين ~~فهو تجلي صرف الوحدانية والسرمدية ، ورؤية قرب القرب وهذا صفة بر العارفين ~~، وأما بر أهل القبض فهو رؤية العزة ، وأما بر أهل البسط فهو رؤية جلال ~~الصفات بنعت الحلاوة ببروز نور القربة ، وأما بر أهل السكر فهو ظهور الحق ~~لهم في لباس حالاتهم بالبغتة. # وأما بر أهل الصحو فهو رؤية الحق بنعت الحسن والجمال ، وأما بر أهل ~~الفناء فهو رؤية القيومية بنعت الفردانية ، وأما بر أهل البقاء فهو رؤية ~~ديمومية الحق جل وعز ، وأما بر أهل الانبساط فهو رؤية بسط الحق لهم في ~~وجدان مرادهم منه ، وأما بر أهل حقائق التوحيد فهو رؤية أنوار الذات ~~والصفات ، وأما بر أهل الوله فهو رؤية انبساط الحق في أنفسهم لذلك هاموا ، ~~وأما بر أهل الاتحاد فهو رؤية كسوة جمال القدم بوصف الصفات على أسرار ~~أرواحهم وتسخير الكون لهم بالحكم لا بالتضرع والدعاء. # وهذا وصف بر أهل حقائق التوحيد ذكرت في هذا الفصل ما أتحف الحق إلى ~~أوليائه من أنواع المقامات والكرامات بر أمنه لهم ، وجزاء عظيم الله أجرهم ~~، إذ كافأهم بمشاهدته وقربه وعطف عليهم بما هو أجدر منه من مننه القديمة ~~وعنايته الأزلية. # وقال الأستاذ : منهم من ينفق على ملاحظة الجزاء والعوض ، ومنهم من ينفق ~~على مراقبة دفع البلاء والمحن ومنهم من ينفق اكتفاء بعلمه. # قال قائلهم : # ويهتز للمعروف في طلب العلا %~% ليذكر يوما عند سلمى شمائله # وقيل : إذا كنت لا تصل إلى البر إلا بإنفاق محبوبك فمتى تصل إلى البار ~~وكنت تؤثر PageV01P171 # عليه حظوظك. # وقال جعفر الصادق : لن تنالوا خدمتي إلا بمعرفتي ، ولن تبالوا معرفتي إلا ~~برضائي ولن تنالوا رضائي إلا بمشاهدتي ، ولن تنالوا مشاهدتي إلا بعصمتي ، ~~ولن تناولوا عصمتي إلا بتعظيم ربوبيتي ، ولن تنالوا تعظيم ربوبيتي إلا ~~بالانقطاع عما سواي. # وقال بعضهم : أول ms0161 البر الهداية ثم المجاهدة ثم المشاهدة ، معناه : لن ~~تنالوا هذه الخصال إلا بأن تنفقوا مما تحبون. # قال ابن عطاء : لن تصلوا إلى القربة وأنتم متعلقون بحظوظ أنفسكم. # وقال جعفر الصادق : بإنفاق المهج يصل العبيد إلى بر حبيبه وقرب مولاه ، ~~قال الله تعالى : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما ~~تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ) # وقال أبو عثمان : لن يصل إلى مقامات الخواص من بقي عليه شيء من آداب ~~النفوس ورياضتها. # وقال الواسطي : الوصول إلى البر بإنفاق بعض المحاب والوصول إلى البار ~~بالتجلي من الكونين وما فيهما. # وقال النصر آبادي : أفردك له باشتقاقه المحاب منك ليكون خالصا في محبته ~~لا تلتفت منه إلى شيء سواه. # قال ابن عطاء : لن تنالوا وصلتي وفي أسراركم موافقة أو محبة بسواي. # وقال النصر آبادي : قال بعض المفسرين : البر أنه الجنة ، وعندي أن البر ~~صفة البار فكأنه قال : لن تنالوا قربتي إلا بقطع العلائق. # وقال جعفر الصادق : لن تناولوا الحق حتى تنفصلوا عما دونه. # قال ابن عطاء : لن تنالوا معرفتي وقربتي ، حتى تخرجوا من أنفسكم وهمومكم ~~بالكلية. # وقال العلوي : أحب الأشياء إليك روحك ، فاجعل حياتك نفقة عليك ؛ لكي تنال ~~بري بك. # وقال أبو بكر الوراق : دلهم بهذه الآية على الفتوة ، وقال : لن تنالوا ~~بري بكم إلا ببركم إخوانكم والإنفاق عليهم من أموالكم وجاهكم ، وما تحبونه ~~من أملاككم ، فإذا فعلتم ذلك نالكم بري وعطفي ، وأنه أعلم بنياتكم في ~~اتفاقكم وبركم ، ما كان منه لي خالصا قابلته ببري وهو أعلى وما كان من ذلك ~~للرياء والسمعة ، فأنا أغني الشركاء عن الشرك ، كما روي عن المصطفى ~~صلى الله عليه وسلم . PageV01P172 # قال الجنيد : قال : لن تنالوا محبة الله حتى نسخوا بأنفسكم في الله (1). # ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ~~من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين (93) فمن ~~افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون (94) قل صدق الله ~~فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان ms0162 من المشركين (95) إن أول بيت وضع للناس ~~للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (96)) # قوله تعالى : ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم ~~إسرائيل على نفسه ) الإشارة فيه أن أهل هذه القصة يجوز لهم أن يتركوا شيئا ~~من المأكولات من جهة المجاهدة لا من جهة التحريم ، ثم حثهم الله تعالى ~~بأعلامهم شأن أنبيائه صلوات الله عليهم في المجاهدات ؛ ليقتدوا بهم. # وأيضا فيه إشارة إلى ترك اللحوم على الدوام لما فيها ضراوة كضراوة الخمر ~~من جهة المجاهدة لا من جهة التحريم. # وأيضا : حرم على نفسه نبي الله يعقوب عليه السلام أشهى طعام فالإخبار عنه ~~تعليم الله تعالى أهل محبته ؛ ليتركوا ما أحب إليهم من الأطعمة الشهية ، ~~وما تشتهي أنفسهم من زهرة الدنيا ولذتها. # وأيضا : فيه إشارة إلى أهل الدعوى الباطلة من السالوسين والناموسين ألا ~~يحرموا ما أحل الله لهم من الطيبات ، ولا يحلوا ما حرم الله عليهم من ~~المنكرات والخبيثات ، وهؤلاء أهل الإباحة الذين ظهروا في هذا الزمان ~~استأصلهم الله في الدنيا والآخرة. # ( قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا ) ملة إبراهيم الشوق ~~والعشق والمحبة والخلة والفتوة والمروءة والشجاعة والسخاوة والحلم والأمانة ~~والديانة والكرامة وإكرام الضيف والصبر في البلاء والشكر في النعماء ~~والهجرة ، والخروج عما سوى الله بالكلية والعبرة والتأوه والصدق والإخلاص ~~والتوحيد والتجريد والتفريد والسماع والوجد والاتصاف بصفات الحق من حيث ~~رسوم البشرية بهذه الخصال صار إماما للعارفين والعالمين # أمر الله تعالى أحب عباده متابعته وموافقته في جميع أحواله ، ومن زاغ عن ~~طريقه ولو ذرة فتكون النفس له صنما قال الله تعالى : ( ومن يرغب عن ~~ملة إبراهيم إلا من سفه PageV01P173 # نفسه ) [البقرة : 130]. # ( وما كان من المشركين ) لا يميل من الحق إلى جبريل حيث عرض عليه ~~اللياذة عليه قال : ألك لي حاجة؟ فقال : أما إليك فلا ، ولا يداهن في دينه ~~المحبة أبويه قال : ( إني بريء مما تشركون ) [الأنعام : 78]. # وقال : ( إني ذاهب إلى ربي سيهدين ) [الصافات : 99] وكسر أصنام ~~الكفرة بفأس الحمية ، وطهر موضع نظر الحق عن الخيال والتمثال ، فشكر الله ~~عنه ، وقال ms0163 : ( فجعلهم جذاذا ) [الأنبياء : 58] وبذل في محبته ~~الأموال والأولاد ، ولا يخاف في الله لومه لائم لأجل ذلك قال : ( ~~فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا ) وأيضا نفى عنه خاطر الشك حيث قال : ( ~~أرني كيف تحي الموتى ) [البقرة : 260] بقوله : ( وما كان من ~~المشركين ). # ( إن أول بيت وضع للناس ) العرش قبلة الملائكة ، والكرسي قبلة ~~سكارى الحضرة ، والبيت المعمور قبلة السفرة ، والكعبة قبلة الناس عاما ~~وخاصا ، أحال الطائفيين إلى الوسائط وحجبهم بها عن مشاهدة جماله غيره على ~~نفسه عن أن يرى أحد إليه سبيلا ؛ لأنه وضع بيته قبل آدم وذريته ابتلاء ~~وامتحانا لتحجبوا بالبيت عن صاحب البيت. # ومن أعرض سره عن الجهة في توجهه إلى الله صار الحق قبلة له ، فيكون هو ~~قبلة الجميع كآدم كان قبلة الملائكة ؛ لأنه وسيلة الحق بينه وبين ملائكته ~~لما عليه كسوة جلاله وجماله كما قال عليه السلام : «خلق الله آدم على صورته» ~~(1) يعني ألقي عليه حسن صفاته ونور مشاهدته ، كما قال تعالى في حق موسى ~~عليه السلام : ( وألقيت عليك محبة مني ) [طه : 39] ، والمحبة خاصة ~~صفاته الأزلية ، ومن أعرض من أهل العبودية عن آدم فمثله كمثل إبليس من ~~الملائكة ؛ لأن من شرط المعرفة العبور بالوسائط في عالم العبودية. # فإذا كان محققا في المشاهدة فإلى أي جهة توجه فثم وجه الله ، كما قال ~~تعالى : ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) لأنه في محل عين الجمع ، ~~وكما قال بعض العارفين : ما نظرت إلى شيء إلا ورأيت الله فيه. # وأيضا : وضع بيته وكساه بكسوة آياته الكبرى ، وهي نور القدرة ليجذب قلوب ~~عباده إليه بوسيلته ؛ لأجل ذلك قال بيتي لتخصيص الإضافة ، ولأنه منور بنور ~~آياته الخاصة. # ( للذي ببكة ) سميت البكة لالتصاق أرواح العشاق به شوقا إلى لقاء ~~حبيبهم ولهيام PageV01P174 # العارفين إليه بالمبادرة والمسارعة ببذل المهج. # ويقال : لا تعلق قلبك بأول بيت وضع لك ، ولكن أفرد سرك لأول حبيب أنزله. # وقيل : شتان بين عبد اعتكف عند أول بيت وضع له وبين عبد لازم حضرته عزيز ~~كان له. # ( مباركا وهدى للعالمين ) أي : مقدسا من أن يلتصق به ريب الشاكين ms0164 ~~أو تهمة المرائين أو أن يرى وجه عروس الآيات إلى غير المخلصين ، وأيضا ~~تعظما بما كسا الله عليه من أنوار قربة وحضرة وبركاته أن يسكن به قلوب ~~المريدين ويكون مروحة لقواد المشتاقين ، وروضة لأرواح الصادقين ، وريحانة ~~لمشام العاشقين ، وهدي هاديا بانكشاف نوره للعالمين من المؤمنين ، وأيضا : ~~هدي للمريدين إلى رؤية الآيات ، وهدي للعارفين إلى رؤية صاحب الآيات ، وهدي ~~للخائفين إلى مقامات الأمن ، وهدي للمنقطعين إلى شهود الأنس ، وراشد ~~للمحسنين إلى مشاهدة الرب تبارك وتعالى. # وقال الأستاذ : بركاته اتصال المطاف والكشوفات هناك لمن قصده بهممه ، ~~ونزل عليه بقصد هداه إلى طريق رشده. # وقال الحسين : إن الحق تعالى أورد تكليفه على ضربين تكليفا عن وسائط ~~وتكليفه بالحقائق فتكليف الحقائق بدت معارفه منه وعادت إليه وتكليف الوسائط ~~بدت معارفه عمن دونه ولم يتصل به إلا بعد الترقي منها إلى الفناء عنها ، ~~فمن تكليف الوسائط إظهار البيت والكعبة ، فقال : ( إن أول بيت وضع ~~) فما دمت مشتغلا به كنت منفصلا عنه فإذا انفصلت عنه حقيقة وصلت إلى مظهره ~~وواصفه وكنت مترسما بالبيت متحققا بواضعه (1). # قوله : ( فيه آيات بينات ) البيت مرآة العارفين يتجلى الحق لهم ~~بوسائط الآيات أبهم الحق سر ظهوره فيه ؛ لئلا يطلع عليه كل أجنبي من هذه ~~القصة ، وشأن البيت وشجرة موسى سواه تجلى منها لموسى وتجلى منه لأمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، وأشار بالآيات البينات إلى نفسه تعالى وتقدس عن الحلول ~~والنزول وبنعت الانتقال. # ويقال : لا تعلق قلبك بأول بيت وضع لك ولكن أفرد سرك لأول حبيب آثرك ، ~~ويقال : شتان بين عبد اعتكف عند أول بيت وضع له وبين عبد لازم حضرة أول ~~عزيز كان له ، ويقال : ازدحام الفقراء بهممهم حول البيت ليس بأقل من ازدحام ~~الطائفين بقدمهم ، فالأغنياء يزورون البيت ، ويطوفون بقدمهم ، والفقراء ~~يبقون عنه فيطوفون حوله بهممهم. انظر : تفسير القشيري (1 / 357). PageV01P175 # قال الأستاذ : فيه آيات ولكن لا يدرك تلك الآيات بأبصار الرؤوس ؛ ولكن ~~ببصائر القلوب. # وقال محمد بن الفضل : ( فيه آيات بينات ) علامات ظاهرة يستدل بها ~~العارفون على معروفهم. # قوله ms0165 : ( ملة إبراهيم ) الرضا والتسليم والانبساط واليقين رضاه ~~حين ألقي في النار وتسليمه في ذبح ولده وانبساطه قوله : ( رب أرني ~~) [البقرة : 260] ويقينه قوله : ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت ~~السماوات والأرض وليكون من الموقنين ) وزيادته مقام المكاشفة ، فالمشاهدة ~~والخلة والفتوة فمن وافق سره سر هذه المقامات ، فقد أدى حق مقام إبراهيم ~~عليه السلام وأيضا للخليل مقام المعرفة والتوحيد والفناء والبقاء والسكر ~~والصحو فمن ذاق طعم السكر ، وتمكن في الصحو وفني عن أوصاف نفسه ، وبقي على ~~أوصاف الحق بنعت الخلق عليه والتنور بأنوار المعرفة ، والتلبس بلباس ~~التوحيد ، وطار روحه في سنا القدم ، وطاش قلبه في جلال الأبدية وسار سره في ~~الملك الأعلى ، وهام عقله في وادي العظمة والكبرياء ، واطمأنت نفسه في ~~أحكام الربوبية بلا جزع وفزع ، فقد فار برؤية مقام إبراهيم عليه السلام ؛ ~~لأنه محل التمكين. # قال الأستاذ : مقام إبراهيم عليه السلام في الظاهر ما باشر بقدمه وهو في ~~الإشارة بما وافق عليه السلام الخليل بهممه. # وقيل : إن شرف مقام إبراهيم ، لأنه آثر الخليل عليه السلام وآثار الخليل ~~عند الخليل أثر ، وخطر عظيم. # وقال الشبلي : مقام إبراهيم عليه السلام هو الخلة فمن شاهد فيه مقام ~~إبراهيم الخليل عليه السلام فهو شريف ومن شاهد في مقام الحق فهو أشرف. # قال محمد بن علي الترمذي : مقام إبراهيم عليه السلام هو بذل النفس والولد ~~والمال في رضا خليله فمن نظر إلى المقام ولم يتجل مما تجلى منه إبراهيم من ~~النفس والمال والولد ولم يسلم فقد بطل سفره وخابت رحلته. # ( فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على ~~الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (97)) # قوله تعالى : ( ومن دخله كان آمنا ) من دخل مقام الإنابة اعتصم ~~بنور الكفاية عن تواتر المعصية ومن دخل مقام الزهد ، فقد استراح من هواجس ~~الوسوسة ، ومن دخل مقام PageV01P176 # التوكل قلت من ضيق الاشتغال بالمكاسب ، ومن دخل مقام الرضا فقد فاز من ~~الفناء ومن دخل مقام الوفاء فقد ذاق طعم الصفاء. # ومن دخل مقام ms0166 الاستقامة فإنه من تلوين الخاطر ، ومن دخل مقام الإخلاص أمن ~~من آفات الرياء والسمعة. # ومن دخل مقام الصدق أمن من رعونات النفس ، ومن دخل مقام التسليم مثل ~~الخليل فقد خرج من تنازع النفس وتدبيرها وإرادتها ، ولم يبق له اختيار وسكن ~~في اختيار الحق ومراده منه ، وأمن من خوف فوت المراد ؛ لأن جميع الخوف من ~~جهة فوت المراد فإذا لم يبق له مراد زال الخوف بأسره منه ولم يبق للخوف ~~مساغ في وصفه ، ولا محالة أن دخول البيت لا يكون مستحسنا إلا بتسليم الأمور ~~إلى رب البيت ، فإن من لم يكن بالتسليم موقوفا في ترك مراده فهو معارض ~~للتقدير في جميع الأمور ، وحسن الأدب في دخول البيت التسليم بنعت الرضا دون ~~المعارضة ونزاع البشرية. # ومن دخل مقام المراقبة من بعد الاستقامة من الخطرات الرديئة ، ومن دخل ~~مقام الأنس فاءت عنه الوحشة ، وغربت عنه شره الفترة ، ومن دخل مقام الخوف ~~أمات الله عنه خوف زوال المحبة ووقر بنور الهيبة عند جميع الخلق ، ومن دخل ~~مقام الرجاء شعشعت عنه دارات الامتحان وترح عن افتنانها بحلاوة الدنيا ~~وزهرتها لأن من دخل قلبه سلطان حقائق الرجاء أمن من نوازع البشرية وهواجس ~~الطبيعة وقوارع النفسانية ، لأن نور الرجاء من بحر الأنس ونور الأنس من بحر ~~القدس والقدس من صفاته علا كبرياوه وجلت عظمته ، ومن التجأ إلى ظل سلطان ~~الوحدانية أمن من غارات الشيطان ؛ لأنه دخل في قباب عصمته ، ومن كان في ~~مقام كنف ستر جبروته فأنى يلحقه أيدي الشياطين. # قال الله تعالى : ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) [الحجر : 42] ~~وأخبر عن عدوهم : ( لأغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك منهم المخلصين ~~) [ص : 82 ، 83] ومن دخل مقام المحبة أمن من الإبعاد والطرد والغضب ، ومن ~~دخل مقام الشوق أمنت روحه من ارتباطها في عالم الحدثان ، ومن دخل مقام ~~العشق صار متصفا بصفات الحق وخرج من أوصفات النفس ، ومن دخل مقام المعرفة ~~أمن من عين النكرة ، ومن دخل مقام اليقين أمن من غبار الشك والريب ، ومن ~~دخل سرادقات التوحيد جنحت عنه خواطر ms0167 الشرك ؛ لأن حقيقة التوحيد الخروج عن ~~عرضة النفس وسجن الوسواس وعلائق المعاهدات البشرية وقطع عوائق الإنسانية عن ~~أوطان الذكر ، ومن دخل مقام الذكر اطمأن برؤية المذكور ، وخلص من ذكر ما ~~سوى الحق ، وإذا خرج العبد عن نفسه وشهواته بلغ مقام صفاء العبودية وإذا بلغ PageV01P177 # صفاء العبودية بلغ صفاء الحرية ومن بلغ صفاء الحرية بلغ صفاء الذكر ومن ~~بلغ صفاء الذكر دخل في مشاهدة المذكور وأمن من عذاب القبور. # ومن دخل مقام التفكر غاصت روحه في بحار أنوار الملكوت ، وترى في أصداف ~~الغيوب جواهر الجبروت ، وسلمت من ربق النفس وطوارق الشيطان ومن دخل مقام ~~الحياء تصدعت عن مزاد قلبه أزجل الشياطين ، وتقدس سره من نفخ الوسواس ومن ~~دخل جمال عين الجمع سكن في وجد الحق تعالى بلذة الانبساط ونور البسط ، ~~وألبسه الله خلعة الأنانية ، وأمن من صفات الإنسانية وسكر من تكاليف حياة ~~الدنيوية ، ومن دخل قلبه أنوار القربة سكنت روحه بالمشاهدة وعقله بالمكاشفة ~~، وسره بالمعاينة ونفسه في العبادة ومن دخلت روحه في أنوار العظمة تاه قلبه ~~في وادي الهيبة وعقله سكن بنور المعرفة وسره بنور الوصلة ونفسه بلذة ~~الطمأنينة في أمور الربوبية ومن دخل سره في جنان الأنس مسكن قلبه في ظهور ~~أنوار القدس وروحه في بروز نور القدم وعقله في كشوف نور القدرة. # ومن دخل عقله في نور الشواهد سكن سره ببقاء المشهود وروحه في رؤية عين ~~الحقيقة ، وقلبه في محبة الأزلية ونفسه في رسوم المخاطبة ، ومن دخلت نفسه ~~في مراد الحق وخرجت عن مرائيات الخلق سكن قلبه بنور الإخلاص وروحه بنور ~~الصدق وعقله في صفاء العبودية ، وأيضا من دخل نور اليقين قلبه أمن سره من ~~اضطراب الشك ، وعقله من رحمة النفس ، وروحه من هموم التدبير ، ونفسه من ~~نفاد الشهود الخفية ، ومن دخل نور الإيمان عقله رأى قلبه حقائق البراهين ، ~~وروحه عالم الملكوت ، وسره نور الجبروت ، ونفسه أحست أصوات خطاب الخاص من ~~حضرة الحق جلت عظمته ، ومن دخل نور التوحيد روحه فتق عين سره بنور ~~الوحدانية ، وعين قلبه بكحل الفردانية ms0168 ، ورسخت نفسه في إخلاص العبودية ، ~~ومن دخل نور الإسلام نفسه أمن روحه من خطراتها ، وأمن سره من لخطاتها ، ~~وأمن قلبه من وسواسها ، وأمن عقله من نزاعائها ، ومن دخل بهذه الصفات التي ~~ذكرنا بيت ربه تعالى أمن من عذاب هجرانه في الدنيا والآخرة. # وقال الأستاذ : جعلنا الإشارة من البيت إلى القلب ، ومن دخل قلبه سلطان ~~الحقيقة أمن من نوازع البشرية ، وهواجس عاهدت النفس. # وقيل : أن الكناية بقوله سبحانه : ( ومن دخله ) راجعة إلى البيت ~~، ومن دخله يشبه على الحقيقة كان آمنا. # وقيل : لا يكون دخول البيت على الحقيقة إلا بخروجك عنك ، إذا خرجت عنك صح ~~دخولك في البيت ، وإذا خرجت عنك أمنت. PageV01P178 # قال جعفر بن محمد في قوله : ( ومن دخله كان آمنا ) أي : من عرف ~~الله لم يأنس بشيء سواه. # وقال النوري : من دخل قلبه سلطان الاطلاع كان آمنا من هواجس نفسه ، ~~ووسواس الشيطان. # قال الواسطي : من دخله على شرائط الحقيقة كان آمنا من رعونات نفسه. # قال ابن عطاء : من دخله كان آمنا من عقابه ، ولله في الدنيا ثواب وعقاب ، ~~فثوابه العافية ، وعقابه البلاء ، فالعافية أن يتولى عليك أمرك ، والبلاء ~~أن يكلك إلى نفسك. # وقال جعفر : من دخل الإيمان قلبه كان آمنا من الكفر. # وقال الواسطي في موضع آخر : من جاوز قلبه الإيمان كان آمنا في رعونات نفسه. # وقال جعفر الصادق : من دخله على الصفة التي دخلها الأنبياء والأولياء ~~والأصفياء صار آمنا من عذابه ، كما آمنوا (1). # وقوله تعالى : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) ~~، وأضاف الحد إلى نفسه لما فيه آثار الربوبية وحقائق العبودية ، وأيضا ألزم ~~حق العبودية على عباده لإيتاء شكر الربوبية ، وأيضا أرشدهم إلى رؤية ~~المقصود في الآيات والعلامات بوسيلة القصد إلى بيته ، وأيضا فرض حج البيت ~~على الجمهور لحضور الخواص زائرين رب البيت ، وأيضا أراد أن يرى عباده عظمته ~~وكبرياءه في رؤيتهم ذل العبودية ، والتواضع ، والتضرع على أعناقهم. # وأيضا أي : واجب الوجوب على عبادي القصد إلى مشاهدتي ببذل الأموال ~~والنفوس والأرواح ، وترك الراحات ، والشهوات ، والأولاد ، والأرواح ms0169 بنعت ~~التجريد عن المكونات في قصدهم إلى بيته ، ويختص البيت لقصدهم رسما وحكما عن ~~المشاهدة ؛ لأنه تعالى وتقدس ، منزه عن الحلول والتشبيه ، يتجلى منه ~~القاصدين إليه في لباس الملك ، والآيات لأنه تعالى قال : ( فيه ~~آيات بينات ) أخبر عن الآيات في نفس البيت ، وأشار إلى تجلي الصفات في نفس ~~الآيات ، كما قال عليه السلام : «جاء الله من سيناء ، واستعلن بساعير ، ~~وأشرف من جبال فاران» (2)، يعني جبال مكة ، وعنى بالجبال والله أعلم ببيت ~~الله الحرام ؛ لأنه أحجار اصطفاها الله تعالى في الأزل PageV01P179 # قبلة لعباده ، ومرآة الكشوف لخواصه ، والاستطاعة في سبيله معرفته ، وقربه ~~ورؤية ألطافه في سائر الأوقات ، واليقين في وعده ، والتوكل عليه في جميع ~~الأمور والمراقبة ، ودوام الرعاية ، ومعرفة حفظه ، وكلايته جميع عباده ، ~~ومحبته الصافية عن رعونة النفس ، وصدق القصد إليه بصفاء النية وطهارة القلب ~~عما سواه ، زادهم دوام الذكر والفكر في الآية ، ونعمائه وقدرته الكاملة ~~ورحمته الكافية ضدا ، وأمثال هذه المقامات استطاعة القاصدين إلى بيته ~~انقطاع عن سبيل الرشاد ، وهلك في مهلكه العناد. # قال الله تعالى : ( ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) أضاف ~~الحج في أول الآية إلى نفسه ، ونزه نفسه في آخرها ، ليعلم أهل خبرة ~~العبودية له شفقته على عباده ؛ لأن العبادة ترجع إليه بالثواب ، وهو منزه ~~عن الأسباب. # والقاصدون إلى بيت الله تعالى على ثلاثة أقسام : # قسم منهم قاصدون إلى البيت بأموالهم ، وأنفسهم لطلب الثواب ، وقسم منهم ~~القاصدون إلى البيت بقلوبهم الصافية عن الدنيا وما فيها ، لامتثال الأمر ~~ولطلب مرضاة الرب. # ومنهم القاصدون إلى مشاهدة رب البيت بأرواحهم العاشقة لطلب حقائق المعرفة ~~، والقربة ، وصفاء الوصلة وزيادة مشهد التجلي والتدلي. # فأهل الظاهر يحرمون عن المحظورات ، ويحلون عن إحرامهم عند قضاء نسكهم ~~وأداء فرضه ، وأهل الباطن يحرمون عن الكائنات والنظر إلى البريات ، ولا ~~يحلون ما داموا في الدنيا إلى مشاهدة الذات ، وكشف الصفات ، فشتان بين من ~~يحرم من المعهودات ، وبين من يحرم من المسكنات ، وشهود المكونات ، لكن ~~بلاياه لا يحملها إلا مطاياه ، ألا ذهبوا وذهبت معهم البركات ، وغربت ~~بغروبهم في ms0170 مغارب الأبد شموس الكرامات ، وأقمار الآيات ، ذاع خبرهم في ~~الآفاق ، وخفي أثرهم عن الآماق ، رحمة الله عليهم حياة ومماتا ، من الإشارة ~~في قصور حجاج كعبة الحقيقة ، إذا أرادوا استقبال قلوبهم إلى نحو المقصود ~~أعني بيت الله الحرام ، عقدوا بالحقيقة مع الله بنعت المحبة عقد المعرفة ، ~~وفسخوا جميع العقود التي عقدوا في غير طريق الحق ، من إيثار سواه عليه ، ~~وعهود النفس التي أخذت للرياء والسمعة ، وطلب العلو والشرف ، أعدوا السبل ~~مواطن المشاهدة ، زاد الصدق في التوكل والإخلاص واليقين والزهد في تجارة ~~الله ، وراحلة الصبر قوائمها الحمد ، ورأسها الحلم ، وبطنها الورع ، وسرجها ~~التمكين ، وحزامها الاستقامة ، وزمامها التسليم ، وسوطها الأدب ، وأرضها ~~الرضا ، وسماؤها اليقين ، وماؤها الفكر ، وعلفها الذكر ، ورياضها المكاشفة ~~، ومرعاها المشاهدة ، وتوجهها على شهود PageV01P180 # القدم. # وإذا خرجوا من أوطانهم بهذه الراحلة هجروا من الدنيا وما فيها ، واستعدوا ~~أهبة الموت من جميع الخلائق من المعاشرين المتقاربين ، وأسرعوا في طريق ~~الرياضة ، وألزموا أنفسهم كدح الجادين المجدين ، وتوجهوا بنعت الإخلاص إلى ~~الله ، ولم يلتفتوا إلى غيره في طريقه من أهل الدثر والدبر والبتر ، وعزموا ~~أن لا يجوزوا عن قصد السبيل إلى سبل دواعي الهوى والشياطين. # وإذا ركبوا مراكبهم يكون قائدهم الهدى ، وسائقهم التقوى ، ومنهجهم الصفا ~~، ورفيقهم المولى ، وعديلهم العلم ، وصحبهم الحلم ، الشوق يسوقهم في وادي ~~العشق ، مؤنسهم الحنين ، ومطربهم الأنين ، بدر وقتهم الحبيب ، وإذا قربوا ~~من وادي المحرم ساروا مسرعين من الشوق ، وقطعوها نادمين من الذنب ، وخرقوها ~~سادمين إلى مشاهدة الرب ، متحسرين من فوت الأوقات ، هائمين في طلب الدرجات ~~، باكين دماء الحزن بالزفرات ، نائحين على أنفسهم بنعت العبرات. # وإذا أبلغوا رأس الوادي خلعوا ثوب الراحات ، وتجردوا عن جميع الشهوات ، ~~ولبسوا إحرامهم التفريد ، واغتسلوا في بحر التجريد ، وتطهروا عن جمع شوائب ~~العلل ، وإذا لبوا سمعوا أصوات الرضا بنعت الوصلة والقربة ، ونداء الحق قبل ~~كونهم في الأزل ، وإذا بلغوا عرفات صاروا متبطئين في قيود السكر ، لا فكاك ~~لهم عنها إلا بستر الصحو ، فبين السكر والصحو هائمون ، وبين الهيبة والبسط ~~حائرون ، يعرف لهم الحق جلت عظمته حقائق المشاهدة ms0171 ، وصفات المكاشفة ، وأظهر ~~لهم مكنونات الغيوب ، ومضمرات القلوب ، وإذا وقفوا ، وقفوا راجين إلى لقاء ~~الرحمن ، خائفين من القطيعة والهجران ، شاهدين مقام الحياء ، حاضرين مقام ~~الفناء في رؤية البقاء ، وإذا وصلوا إلى مشعر الحرام ذكروا الله بنعمة ~~رؤيته ، وذكرهم هناك غي اللسان وخجلة الجنان في قدم الرحمن ، مقشورين بين ~~يديه ، مطرقين من التقصير ، منحنين من التفريط ، وإذا بلغوا المنى ذبحوا ~~أنفسهم عن اللذات ، والشهوات ، وإذا رموا الجمرات رموا مجاهدتهم ورياضتهم ~~وعبادتهم إلى كتم العدم ، لوصولهم مشاهدة القدم ، وإذا كسروا الحجارة كسروا ~~معها شهوات بواطنهم ، وإرادات أنفسهم عن ممكنات أسرارهم ، وإذا حلقوا حلقوا ~~عن باطنهم فضولات الوسواس ، وحب محمدة الناس ، وإذا دخلوا أرض الحرم علموا ~~أنهم عند سرادق العظمة وأبواب الحضرة ، خاضعين من الإجلال ، ذائبين في ~~نيران الكبرياء ، محرمين عما دون الله ، متأهبين للقائه ، لا يحل عليهم شيء ~~من الأكوان قبل وصولهم إليه ؛ لأنهم في معادن الصمدية ، وصولة الصمدية ~~تمنعهم عن علات الحدوثية ، وإذا دخلوا مكة أيقنوا أنهم في جواره ؛ لأن مكة ~~بمنزلة الجنة ، ومن دخلها أمن من عقابه في جواره PageV01P181 # لوعده تعالى ، وإذا دخلوا المسجد دخلوا هائمين من رؤية عظمته ، وذكروا ~~هيبته وإجلاله ، وإذا رأوا البيت رأوا قبل رؤية البيت رب البيت ، ومشاهدته ~~، وعلموا أنهم في حضرته القديمة ، ومشاهدته الكريمة ، وإذا طافوا حول البيت ~~رأوا ملائكته مطيفين حول العرش والكرسي ، وأيقنوا أنهم عند الله تعالى ~~بمنزلتهم ، وإذا استلموا علموا أنهم بايعوا الله ببيعة الأزل بنعت الخروج ~~عن المخالفة بعد تلك المبايعة ، ولا يمدون أيديهم إلى المألوفات والشهوات ، ~~وإذا صلوا خلف المقام علموا أنهم في مقام الوصلة والقربة والمناجاة ، ومحل ~~الوافين بعهد الله ، وإذا تعلقوا بأستار الكعبة أيقنوا أنهم معتصمون بحبل ~~الاعتصام ، لائذون بحقيقة عصمته ، ملتجئون إلى كنف قربته ، منفردون عن ~~اللياذة ، واجدون الحق بعد ذلك ، وإذا دخلوا بيت تعالى ، أيقنوا أنهم في ~~حفظ عنايته وكنف كلايته ، مستغرقين في وجود قدمه وبقائه ، وإذا صعدوا الصفا ~~والمروة خرجوا من كدورات النفسانية ، ورأوا أنهم في مقام الاصطفاء ~~والاجتباء ، ومن له بصيرة المعرفة علم وتحقق ms0172 أن الله تعالى رسم هذه المناسك ~~والمشاعر مثالا لحضرة جلاله ، وبنى الكعبة مثالا للعرش والمسجد الحرام ~~مثالا لحظيرة القدس ، وجعل البلد مثالا للجنة ، والصفا والمروة وجبال مكة ~~مثالا لحجاب الملكوت ، والحرم كله سواتر الجبروت ، والمنى مقام الأمن ، ~~والمشعر مقام الخوف والتعظيم ، والمعرفة أرض المحشر ، والمحرم مقام القيامة ~~، والبادية الدنيا ، والخروج من الوطن الموت ، والقصد إلى زيارة البيت ~~التأهب للقاء الرب تبارك وتعالى ، فإذا أبصر حقائق هذه الأمثال صار حجه ~~قربة ومشاهدة سعيه مبرورا ، وعمله مشكورا. # ذكرت حج العارفين من الموقنين والمشاهدين ، وأيضا هذه أمثلة مشاعر الباطن ~~: فالكعبة هي القلب ، والحجر الصدر ، والبلد الصورة ، والصفا العقل ، ~~والمروة العلم ، والمنى الحلم ، والمشعر الذكر ، والعرفات صفاء العبودية ~~والمعرفة ، والمحرم المقامات والخالات ، والبادية النفس والهوى ، والحاج ~~الروح المقدس. # وأما أسرار العاشقين أيضا : إذا حجت فكعبتها ذات القدمية جلت عظمته ، وعز ~~كبرياؤه ، ومناسكها مراتب السر في الصفات ، فإذا تجردت الأسرار في بيداء ~~الأزل عن الأماكن والأزمان والحدثان ، استقبلت إلى عروس البقاء والسرمدية ، ~~تحولها مطاف حظائر القربة على بساط الحشمة والانبساط ، فكل نفس منها لما ~~نظره وشاهده وكاشفه فحجها منه إليه ، وعنه به ، وبه عنه ، ومنه له ، فشأنها ~~عجيب ، ووجدها غريب. # وقيل : لم يخاطب عباده في شيء من العبادات بأن الله عليهم إلا الحج ، ~~وفيه فوائد : أحدها أنه ليس من العبادات عبادة يشترك فيها المال والنفس إلا ~~الحج ، فأخرجه بهذا الاسم. # وقيل : ما كانت فيه إشارات القيامة من تجريد ووقوف. PageV01P182 # قال الله : عليك ذلك لتهيئ باطنك للموقف الأكبر كما هيأت ظاهرك لهذا ~~الموقف. # وقيل : إن رجلا جاء إلى الشبلي ، فقال له : إلى أين؟ قال : إلى الحج ، ~~قال : هات جرارتين ، فأملأهما رحمة ، واكتسبهما وجيء بهما ؛ ليكون حظنا من ~~الحج بعرضها على من حضر ، ونحيى بها من يراه ، قال : فخرجت من عنده ، فلما ~~رجعت قال لي : أحججت؟ قلت : نعم ، قال لي : إيش عملت؟ قلت : اغتسلت وأحرمت ~~وصليت ركعتين ولبيت ، فقال لي : عقدت به الحج ، قلت : نعم ، قال : فنسخت ~~بعقدك كل عقد عقدت منه ، خلفت مما يضاد هذا العقد ms0173 ، قلت : لا ، قال : فما ~~عقدت ، قال : ثم نزعت ثيابك ، قلت : نعم ، قال : تجردت من كل فعل فعلت؟ # قلت : لا ، قال : ما نزعت ، قال : ثم تطهرت ، قلت : نعم ، قال : أزلت عنك ~~كل علة يطهرك؟ قلت : لا ، قال : فما طهرك ، قال : ثم لبيت ، قلت : نعم ، ~~قال : وجدت جواب التلبية مثلا بمثل ، قلت : لا ، قال : ما لبيت ، قال : ثم ~~دخلت الحرم ، قلت : نعم ، قال : اعتقدت بدخولك ترك كل محرم ، قلت : لا ، ~~قال : ما دخلت الحرم ، قال : ثم أشرفت على مكة ، قلت : نعم ، قال : أشرف ~~عليك من الله حال بإشرافك على مكة؟ # قلت : لا ، قال : ما أشرفت على مكة ، قال : دخلت المسجد الحرام؟ قلت : ~~نعم ، قال : دخلت في قربه من حيث علمته ، قلت : لا ، قال : ما دخلت المسجد ~~، قال : رأيت الكعبة؟ قلت : نعم ، قال رأيت ما قصدت له ، قلت : لا ، قال : ~~ما رأيت الكعبة ، قال : رملت ثلاثا مشيت أربعا ، قلت : نعم ، قال : هربت من ~~الدنيا هربا علمت أنك به قد فاصلتها وانقطعت عنها ، ووجدت بمشيتك الأربع ~~أمنا مما هربت منه ، فازددت الله شكرا لذلك ، قلت : لا ، قال : فما طفت ، ~~قال : صافحت الحجر؟ # قلت : نعم ، قال : ويلك ، قيل : من صافح الحجر فقد صافح الحق ، ومن صافحه ~~فهو في محل الأمن ، أظهر عليك أثر الأمن؟ قلت : لا ، قال ما صافحت الحجر ، ~~قال : أصليت ركعتين بعدها؟ قلت : نعم ، قال : وقفت الوقفة بين يدي الله ~~ووقفت على مكانك من ذلك ، وأريته قصدك؟ # قلت : لا ، قال : ما صليت ، قال : خرجت إلى الصفا ، ووقفت بها؟ قلت : نعم ~~، قال إيش عملت؟ قلت كبرت عليها ، قال : هل صفا سرك بصعودك إلى الصفا ، ~~وصغر في عينك الأكوان بتكبيرك ربك؟ قلت : لا ، قال : ما صعدت ولا كبرت ، ~~قال : هرولت في سعيك؟ قلت : نعم ، قال : هربت منه إليه؟ قلت : لا ، قال : ~~ما هرولت وما سعيت ، قال : وقفت على المروة ، قلت : نعم ، قال : رأيت نزول ~~السكينة عليك وأنت على المروة؟ # قلت : لا ، قال : لم تقف على المروة ، قال : خرجت إلى منى؟ قلت : نعم ، ~~قال : أعطيت ما ms0174 تمنيت ، قلت : لا ، قال : ما خرجت إلى منى ، قال : دخلت ~~مسجد الخيف؟ قلت : نعم ، قال : هل PageV01P183 # تجدد عليك خوف بدخولك مسجد الخيف؟ قلت : لا ، قال : ما دخلته ، قال : ~~مضيت إلى عرفات ، قال : نفرت إلى المشعر الحرام ، قلت : نعم ، قال : ذكرت ~~الله فيه ذكرا أنساك فيه ذكر ما سواه ، قلت : لا ، قال : ما نفرت ، قال : ~~هل شعرت بماذا أجبت أو بماذا خوطبت؟ قلت : لا ، قال : ما نفرت إلى المشعر ~~قال : ذبحت؟ # قلت : نعم ، قال : أفنيت شهواتك وإرادتك في رضا الحق؟ قلت : لا ، قال : ~~ما ذبحت ، قال : رميت قلت : نعم ، قال : رميت جهلك منك بزيادة علم ظهر عليك ~~، قلت : لا ، قال : ما رميت قال : زرت؟ ، قلت : نعم ، قال : كوشفت عن شيء ~~من الحقائق أو رأيت زيادة الكرامات عليك للزيارة ؛ فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : «الحاج والعمار زوار الله ، وحق المزور أن يكرم ~~زائره» (1)، قلت : لا ، قال : ما زرت ، قال : أحللت؟ قلت : نعم ، قال : ~~عزمت على أكل الحلال؟ قلت : لا ، قال : ما أحللت ، قال : ودعت ، قلت : نعم ~~، قال : خرجت من نفسك وروحك بالكلية؟ قلت : لا ، قال : ما ودعت ولا حججت ~~وعليك العود إذا أحببت ، وإذا أحججت فاجتهد أن يكون كما وصفته لك. # وقال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي : لما دخلت على الشيخ الحصري قدس الله ~~روحه ببغداد ، قال لي : أحاج أنت؟ قلت : أنا مع القوم ، فقال لي : أليس ~~فرائض الحج أربع ، الإحرام والدخول فيه بلفظ التلبية؟ قلت : بلى ، قال : ~~والتلبية إجابة؟ قلت : بلى ، قال : والإجابة من غير دعوة سوء أدب؟ قلت : ~~بلى ، قال : فتحققت للدعوة حتى تخيب ، ثم الإحرام التجريد من الكل ، ولا ~~يكون التجريد إلا بالتفريد ، قلت : بلى ، ثم الوقوف ، قلت : نعم ، قال : ~~فاجتهد فيه فإنه محل المباهات ، انظر كيف يكون في الطواف وهو محل القربة من ~~الحق ، فيكون قربك منه بحسن الأدب ، ثم السعي ، وهو محل الفرار إليه ~~بالتبري مما سواه ، فإياك أن تتعلق بعد سعيك بعلاقة من الدارين وما فيهما. # وقال الشيخ : سمعت محمد بن الحسن البغدادي يقول ms0175 : سمعت محمد بن أحمد بن ~~سهل يقول : سمعت سعد بن عثمان يقول : سمعت عبد الباري يقول : سئل ذو النون ~~لم صير الموقف بالمشعر الحرام ولم يصير بالحرم؟ قال ذو النون : لأن الكعبة ~~بيت الله ، والحرم حجابه ، والمشعر بابه ، فلما أن قصده الوافدون أوقفهم ~~بالباب الأول يتضرعون إليه حتى أذن لهم بالدخول ، أوقفهم بالحجاب الثاني ، ~~وهو المزدلفة ، فلما أن نظر إلى تضرعهم أمرهم بتقريب قرابينهم ، فلما قربوا ~~قربانهم ، وقضوا تفثهم طهروا من الذنوب التي كانت لهم حجابا من دونه ، فأذن ~~لهم بالزيارة على الطهارة. PageV01P184 # ( قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا ~~وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون (99) يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا ~~فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين (100) وكيف تكفرون ~~وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط ~~مستقيم (101)) # وبخهم بالكفر بعد شهودهم مشاهد الآيات بأمر الظاهر ، واستدرجهم بما ~~أورثهم من الشهوات بقضاء الباطن ، وحذرهم لشهوده على أسرارهم ليطردهم عن ~~قربه ووصاله (1). # وقال الأستاذ : الخطاب بهذه الآية تأكيد الحجة عليهم ، فمن حيث الشرع ~~تؤكد الحجة عليهم ، ومن حيث الحقيقة والقهر سد الحجة عليهم ، فهم مذعورون ~~شرعا وأمرا ، مطرودون حكما وقهرا. # قوله تعالى : ( يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله ). # نهاهم الله عن الصد والصد لا يكون إلا من الحسد ، والحسد مذهب المبغضين ~~الذين لا يطيقون أن يروا على المريد أثر كرامة الله ، وهم في الحقيقة ~~مصدودون ، والمصدود مطرود يضل ويضل. # قوله تعالى : ( ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم ) ومن ~~اعتصم به منه اهتدى به إليه ؛ لأنه في محل المعرفة ، ومن عرفه يستعيذ برضاه ~~من سخطه ، وبمعافاته من عقوبته ، وبه منه ، وهذا حال سيد الأنبياء صلوات ~~الله وسلامه عليه حيث قال في سجوده : «أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بمعافاتك ~~من عقوبتك ، وأعوذ بك منك ، لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك» (2). # وكان عليه السلام في ذلك الوقت في مشاهدة الجلال ms0176 والجمال والكمال ، والقدم ~~والبقاء والجبروت والكبرياء بنعت المعرفة على وجود الحق ، مستغرقا في بحار ~~علوم القضاء والقدر ، ورأى ما رأى من عجائب قدرته ، واطلع على بعض أسرارهم ~~إرادته فخاف به منه إليه ، وأيضا من اعتصم بالله هداه الله إلى معرفة عيوب ~~النفس ، ودقائق الشيطان ، وأخلاق القلب ، وشمائل الروح ، وأوصاف العقل ، ~~وأمور المعاملات ، وحقيقة الحالات ، وطلب المكاشفات ، والاطلاع على ~~المشاهدات ، ولمة الملائكة ، وعلوم الإلهام ، والفراسات ، ويكون بهذه الخصال PageV01P185 # في مقام التمكين ، وهو أمثل طرق المستقيم (1). # وأيضا : الاعتصام انجزام القلب عن الأسباب والأرباب ، والتبري إلى الله ~~تعالى من الحول والقوة ، ومن قطع حبل الطلب عن الخلق ارتفع قتام البين بينه ~~وبين الحق ، والاعتصام قبل المعرفة محال ، والمعرفة قبل المشاهدة محال ، ~~ومن شاهد الله تعالى بنعت المعرفة يعتصم به في جميع مراده. # وقال ابن عطاء : من افتقر إلى الله من جميع ما سوى الله فقد فتح له ~~الطريق إلى الحج ، وهو قوام الطرق إلى الحج ، وهو قوام الطرق. # وقال جعفر في هذه الآية : من عرفه استغنى به عن جميع الأنام. # قال الواسطي : من يعتصم بالله للأئمة وللعامة اعتصموا بحبل الله ، وقال ~~أيضا : الاعتصام به منه ، ومن زعم أنه يعتصم به من غيره فهو وهن في ~~الربوبية. # وقال أيضا في قوله : ( ومن يعتصم بالله ): هل شاهدت مشاهدتك ~~شيئا تفرغ منك إليه ، وهل فرغت إلا إلى نفسك ، الاعتصام ترى نفسك في ظله ~~وكنفه وحسن قيام نظره لك في يده ، فإن الحقيق قسم الاعتصام والتصديق يوجب ~~الاعتصام ، وقبل الاعتصام واللجاء بطرح الحول والقوة والسكون للأمر والهدوء ~~، وتحت مراد الله (2). # وقيل : الاعتصام للمحجوبين ولأهل الحقائق رفع الاعتصام ؛ لأنهم في ~~القبضة. # قال أبو بكر الوراق : علامة الاعتصام ثلاث : قطع القلب عن معونة ~~المخلوقين ، وصرفه بالكلية إلى رب العالمين ، وانتظار الفرج من الله. # وقال جعفر : من افتقر إلى الله عن جميع ما سواه وليس في سره سوى الله ، ~~فقد هدى إلى صراط مستقيم. # قال أبو سعيد الخراز : من أمن به لا يهان ، ومن اعتصم به لا يهزم. # وقال : لا ms0177 يمكن رد النفس إلى الصلاح إلا بالحكمة والعلم ، والجهد والتضرع ~~، وأصله الاعتصام بالله. # وقال الأستاذ : بما اعتصم بالله من وجد العصمة من الله تعالى ، فأما من ~~لم يهده الله PageV01P186 # فمتى يعتصم بالله عز وجل ؟ والهداية منه في البداية توجب الاعتصام به في ~~النهاية ، لا الاعتصام منك يوجب الهداية. # وأهل الاعتصام أربعة : المحب والعاشق والعارف والموحد ، أما اعتصام المحب ~~فطرح نفسه على باب الحبيب ، عجزا وتضرعا لطلب الوصول إليه ، وهذا نعت ~~العاجز في متعب الفراق المحترق في نيران الأشواق ، فإذا اعتصم بالحق على ~~وصف غليان الحب ، والهيمان في الشوق ، فهداه الله إلى مشاهدة جماله ، وحسن ~~عطفه وأفضاله ، كما قال صلى الله عليه وسلم : «من أحب لقاء الله ، أحب الله ~~لقاءه» (1). # وأما اعتصام العاشق ، فهو قطع العلائق من قلبه ، وإيثار المشاهدة على ما ~~سواه ، فإذا تحقق في استغراقه في بحار العشق أرشده الله إلى مقام الأنس حتى ~~سكن في أكناف ألطافه ، فهو بالحقيقة مكفوف من الاستدراج بعظمة الأزلية. # وأما اعتصام العارف ، فهو بمعرفته بمعروفه فإذا عرفه تحير فيه ، واعتصم ~~بمعرفته عن النكرة تارة ، وبالنكرة عن المعرفة تارة ، والنكرة هاهنا العجز ~~عن درك الإدراك إدراك ، وإذا تحير العارف في مهمة العظمة فأصفده الحق عطاء ~~من علوم المجهول من لدنه ، فيرى بها مشاهدة الأسرار من حقائق غيب الغيب. # وأما اعتصام الموحد ، فاللياذة من الجهل على مشاهدة القدم بالعرفان على ~~مشاهدة البقاء ، ومن الجهل على مشاهدة البقاء بالعرفان على مشاهدة القدم ، ~~وإذا وجده الحق مضمحلا في ضباب عظمته وأنوار كبريائه هداه إلى طرف من حقائق ~~الوحدانية ، ليسكن به جهلا لا علما ، وعلما لا جهلا ، وأمرا لا حكما ، ~~وحكما لا أمرا. # هذا صفة المعتصمين من أهل الحق الذي نبذوا بطلق الوجوه جميع رسوم الحدثان ~~من الدنيا والآخرة ، راجين إليه خائفين منه ، حيارى سكارى ، لا تلتفتون منه ~~إلى غيره من غلبة اليقين على قلوبهم ، ولا يرضون بشيء سوى محبوبهم ، فهم ~~معصومون عن الخطرات في البواطن ، محصونون على العثرات في الظواهر. # ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق ms0178 تقاته ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون (102) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم ~~إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة ~~من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون (103) ولتكن ~~منكم أمة يدعون إلى الخير PageV01P187 # ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون (104) ~~ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم ~~عذاب عظيم (105)) # قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ) حق ~~التقوى الفناء تحت سلطان الهيبة والتحير بنعت الحياء في مقام المعرفة ، ~~وذوبان القلب في رؤية العظمة من سطوة جلال المشاهدة. # وأيضا حق التقوى : صون المعهود وحفظ الحدود والخمود تحت جريان القضاء ~~بنعت الرضا. # وأيضا حق التقوى : ترك الأكوان والحدثان لمشاهدة الرحمن ، وأيضا نية ~~الأصفياء بركضة تعريفه حقيقة عين القدم بهم ؛ ليعرفوا حق الربوبية بأداء ~~حقيقة المعبودية ، وألزمهم الاستقامة عليها ، أي : اعرفوني بحق المعرفة ، ~~ولا تأتوني إلا بشرط الاستقامة ، أي : لا يصادقكم الوفاة إلا وأنت بشرط ~~الوفاء وهو معنى قوله : ( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ). # وقال سهل : أمروا أن يعبدوه بالتوكل عليه ، والتفويض إليه ، أي : لا ~~يعرجون في الدارين على من سواه. # قال الشيخ أبو عبد الرحمن : ( حق تقاته ) تلف النفس في مواجبه. # وقال القاسم : بذل المجهود ، واستعمال الطاعة ، وترك الرجوع إلى الراحة ، ~~ولا سبيل إليه ؛ لأن أوابل طرف الوصول التلف. # وقال الواسطي : هو إتلاف النفس في مواجبه. # وقال ابن عطاء : ( حق تقاته ) هو صدق قول لا إله إلا الله ، وليس ~~في قلبك شيء سواه. # وقال بعضهم : إرادته أن يعرفنا مواضع فضله فيما رغمنا فيه من استعمال ~~مواجبه ؛ لأن واجب الحق لا يتناهى ، والعمل لا يتناهى. # وأيضا قال ابن عطاء : حقيقة التقوى في الظاهر محافظة الحدود ، وباطنه ~~النية والإخلاص (1). PageV01P188 # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن هذه الآية ؛ فقال : «أن يطاع ~~فلا يعصى ، ويذكر فلا ينسى ، ويشكر فلا يكفر» (1). # قال أبو يزيد : التقوى كل التقوى من إذا قال قال ms0179 لله ، وإذا عمل عمل لله ~~، وإذا نوى نوى لله ، ويكون بالله ولله. # وقيل أيضا : من تورع عن جميع الشبهات. # وقال النصر آبادي : حق تقاته أن يتقي كل ما سواه. # وقال جعفر : التقوى ألا يرى في قلبك شيئا سواه. # وقال الواسطي : الأكوان كلها أقدار في ميدان الحق ، وميدان الحق لا يطؤه ~~إلا من اتقى سواه ، قال الله تعالى : ( اتقوا الله حق تقاته ). # قوله تعالى : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) من حبل ~~الله : الهداية والكفاية ، والرعاية والعبودية ، والمعرفة ، والمحبة ، ~~والخدمة والأدب ، والحرمة والحشمة ، والنبي صلى الله عليه وسلم والكتاب والسنة ~~أوجب على الجهود والاعتصام بهذه الوثائق حتى وصلوا إليه ولا تفرقوا عنه ؛ ~~لأن من رجع عنه إلى رأيه وتدبيره ، وعقله ومعاملته ومجاهدته ، وحيلته ~~وفكرته واستدلاله فهو بمعزل عن ظل العناية ، وكنف الكفاية ، والاعتصام ~~بالله ، وبحبل الله من باب المعرفة. # أرشد طائفة إلى نفسه بلا وسائط ، وأغرقهم في بحار وجوده حتى يلتجئوا من ~~قعر بحر الذات إلى سفن الصفات لينقذهم من ظلمات النكرة بأنوار المعرفة ، ~~وهذا حال خاص الخاص ، وأشهد طائفة على مراتب المقامات والحالات حتى وصلوا ~~إليه بأنوار كراماته ، وألطاف نواله ، وهذا حال أهل الخاص ، والأمر ~~بالاعتصام شفقة على عجز العارفين في معرفته ، وإدراك حقيقة عظمته ، وفي ~~مشهد التوحيد الاعتصام للمحبين جهل بعلم القدم ، وللعارفين مكر وحجاب برسوم ~~المعرفة عن حقائق الأسرار ، وللموحدين كفر ؛ لأن حق التوحيد حالان ، حمود ~~السر عن الإرادة عند إرادات الحق ، وفناء الموحد عن الموحد في رؤية الموحد ~~؛ لأن من التفت عنه بعد شهوده من القدم إلى رسم الربوبية والعبودية ، فهو ~~مشرك في حقيقة ، لهذا من غرائب شطحياتي. # وأيضا : عرفهم مفر الأرواح ، وهو محل الكواشف والمعارف لكي ينطقوا عن ~~المخاصمة في الأخوة ؛ لأن من بلغ محل مشاهدة الحق بنعت رؤية الوحدانية أسقط ~~الواسطات PageV01P189 # وسلم من العداوات ، هناك حبال الاعتصام التي انعقدت بها رهن المؤاخاة ، ~~وتعارفت أرواح العاشقات ؛ لأن وحشة التفرقة يكون في الغيبة ، وحقيقة ~~الجمعية يكون في مشهد المشاهدة. # قال سهل : تمسكوا بعهده ، وعهده التوحيد. # وقال أبو ms0180 يزيد : ما لم تفقد نفسك ولا تعتصم بخالقك لا يستجاب لك ، ومتى ~~كنت وسط الأمور فالمخلوق لا يهتدي إلى الخالق ، فإذا طرحت عنك كنت معتصما به. # وقيل : الاعتصام إليه هو ميل القلب بالوفاء ، وأداء الفرائض بغير تقصير. # قال ابن عطاء : حبل الله متصل بعبده يتوقع منه المزيد والفوائد في كل وقت ~~، وحبله عهده وكناية فمن اعتصم به وصل. # سئل الجنيد عن قوله : ( واعتصموا بحبل الله ) قال : قالت ~~المتصوفة : هو خصوص وعموم ، أما قوله : ( واعتصموا بحبل الله ) ~~معناه : اعتصموا بالله عن الاعتصام بحبل الله ، وقيل : ( واعتصموا ~~بحبل الله ) اجتمعوا على موافقة الرسول صلى الله عليه وسلم أنه الحبل الأوثق ~~ولا تفرقوا عنه ظاهرا وباطنا ، سرا وعلانية. # وقوله تعالى : ( واذكروا نعمت الله عليكم )، بأن هداكم إلى نفسه ~~بنعت المعرفة والمحبة ( إذ كنتم أعداء ) أي : إذ كنتم من مشاهدة ~~التوحيد في حجاب النكرة تحت غمام البشرية عن رؤية القرب والمشاهدة ، وحين ~~كنت تحت ذل الكفر ، بتضييعكم حق الله وحق الأخوة ، وطلبكم حظوظ أنفسكم بترك ~~حظوظ الإخوان ، وسبب كون العداوة بينهم عزلهم عن لباس المعرفة ، فإذا كسى ~~الله أسرارهم خلع أنوار قربه ، وباشرت قلوبهم حقائق الوصلة ، رأى بعضهم على ~~بعض أثر جمال الحق عشقت أرواحهم بعضها على بعض ، كما قال تعالى : ( ~~حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ) [الحجرات : 7] وما شرحت فهو معنى قوله ~~تعالى : ( فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ). # وأيضا فألف بين قلوبكم بنور عصمته ، وكشف جمال حضرته ، حتى وصلوا بأجمعهم ~~حقائق مكاشفات الوصال ، فذاقوا من كأس المنة شراب الألفة ، وطابوا بجمال ~~الحبيب ، وارتفعت عن بواطن قلوبهم غشاوة الوحشة ، فصار عيشهم عيشا واحدا ، ~~ومذهبهم مذهبا واحدا ، وحظهم حظا واحدا. # وجمعهم الله على عيون الإخلاص حتى يطهروا فيها من دنس الأخلاق ، وأوساخ ~~الطبائع ، ولبسوا منها أثواب التالف ، وإخلاصهم تخلصهم عن أسرار المكونات ، ~~ورفع عن أسرارهم أخطار التفرقة ، فجمعهم في عين الجمع كنفس واحدة ، ~~فأحوالهم أورثهم الوفاء ، PageV01P190 # وإخلاصهم ألبس أسرارهم الصفاء ، فبين الوفاء والصفاء صاروا في الأخوة ~~صادقين ، وفي المحبة مخلصين ، وفي الصحبة منصفين ، وفي ms0181 المصادقة موقنين ، ~~وفي الجملة الألفة بين قلوب الأصفياء بالتفاوت على مرسوم المقامات ، ومراتب ~~الحالات (1). # وافهم أن الله تعالى إذا جمع الأرواح في مشاهدة قربة بعد إنشائها ، ~~فأكرمها بعضا بإدراك مقام التوحيد ، وبعضا بمقام المعرفة ، وبعضا بمقام ~~المحبة ، وبعضا بمقام المكاشفة ، وبعضا بمقام المشاهدة ، وبعضا بمقام الأنس ~~والوجد والحالات ، والألفة بينهم على قدر قران مقاماتهم بعضها بعضا ، وجعل ~~الجميع بعضهم على بعض رحمة وهداية وعصمة ، كما قال عليه السلام : «المرء ~~كبير بأخيه» (2). # وقال عليه السلام : «المؤمنون كالبنيان تشد بعضهم بعضا» (3). # فمن وافق في مشهد الأزل على مدارج جميع المقامات صار بين الأقران محبوبا ~~ومعشوقا وإماما بما وجد أصول حقائق القوم وإدراك حقيقة مقاماتهم ، ومن لم ~~يبلغ جميع المقامات صار حاله بخلاف ذلك ، فالتآلف أوصاف الأولين ، والتناكر ~~نعوت الآخرين ؛ لأن أرواحهم احتجبت بعضهم بعضا ، كما قال صفير الصفات ، ~~وسفير مشاهد أسرار الذات ، سيد البريات ، وقائم قوائم مهاد الأزليات ، ~~صلوات الرحمن عليه : «الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما ~~تناكر منها اختلف» (4). # قيل : كنتم أعداء بملازمة حظوظ أنفسكم ، فألف بين قلوبكم ، وأزال عنكم ~~حظوظ النفس وردكم منها إلى حظ الحق فيكم. # وقوله تعالى : ( وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ) أي ~~: كنتم في قعر بحار غضب الأزل امتحانا لا حقيقة ، فأنقذكم منها عصمة رضا ~~القدم المنعوت بعناية شرفكم ، واصطفاء نيتكم بالمعارف والكواشف ، وذاك قوله ~~: «سبقت رحمتي غضبي» (5). # وأيضا أي : كنتم محجوبين بعوارض بشريتكم ، محترقين بنيران شهواتكم ، ~~فأنقذكم منها أنوار المعرفة ، وسنا الأزلية ، وضياء القربة ، وأذاقكم طعم ~~شراب وصلته ، حتى صرتم في طلب مزيد الوصال إخوان كل عاشق محب صادق في طلب رضاه. PageV01P191 # وقيل : في قوله : ( وكنتم على شفا حفرة من النار ) أي : برؤية ~~النجاة بأعمالكم ، فأنقذكم منها برؤية الفضل. # ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد ~~إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (106) وأما الذين ابيضت وجوههم ففي ~~رحمت الله هم فيها خالدون (107) تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله ~~يريد ظلما للعالمين (108) ولله ما في السماوات ms0182 وما في الأرض وإلى الله ترجع ~~الأمور (109)) # قوله تعالى : ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) أي : تبيض وجوه ~~الصادقين في دعوى المحبة بنور المشاهدة ، حيث طلعت شمس مشرق الأزل من مطالع ~~القدم ، فأنورت بتجلي الجمال وجوها ، مغفرة بتراب جناب الحضرة عشقا وشوقا ، ~~وألبستها نورا من نورها حتى رأت بنور القدم جمال القدم ، وهي مشرفة بجلال ~~ربها ، مسفرة بيضاء قربه ، مستبشرة في رؤية وصاله ، ناضرة بتبسم أفواه ~~الرضوان الأكبر فيها ، ناظرة من ربها إلى ربها. # قال تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة* إلى ربها ناظرة ) [القيامة : 22 ~~، 23] ، واليوم تلك الأنوار ظاهرة في وجوه من تكون هذه النعوت والأوصاف لهم ~~غدا ، قال الله تعالى : ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) [الفتح ~~: 29] ، وقال : ( تعرفهم بسيماهم ) [البقرة : 273] ، تلك سمات وجوه ~~الأولياء الذين إذا رأيتهم رأيت نعيما وملكا كبيرا ؛ لأنهم مرآة الحق يتجلى ~~منهم بجلاله للخلق. # وقوله تعالى : ( وتسود وجوه ) أي : وجوه المدعين مقامات الأولياء ~~بإظهار التقشف بين الخلق وخروجهم بزي الصادقين ، وطلبهم به استحسان الخلق ، ~~وصرف وجوههم إليهم وعداوتهم ، أمناء الله في الأرض حين تخرج رجال الله من ~~حضرة الله ركبانا على بجانب النور ، وعلى رءوسهم تيجان الوقار في ميادين ~~السرور ، وغاراتهم عصاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم من أسواق القيامة ، ~~ويدخلون بهم الجنان بلا إذن الرضوان ، تسود وجوه السالوسين المدعين عند تلك ~~الوجوه على رءوس الأشهاد باحتجابهم عن مشاهدة الله ، وصحبة أهل الحضرة ، ~~قال تعالى : ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) [المطففين : 15]. # قال محمد بن علي : تبيض وجوه بنظرهم إلى مولاهم ، وتسود وجوه باحتجابهم منه. # ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ~~وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم ~~الفاسقون (110) لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا PageV01P192 # ينصرون (111) ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله ~~وحبل من الناس وباؤ بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا ~~يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ~~(112) ليسوا ms0183 سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم ~~يسجدون (113) يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين (114) وما يفعلوا من خير فلن ~~يكفروه والله عليم بالمتقين (115) إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (116) مثل ما ~~ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم ~~فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون (117) يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من ~~أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون (118) ها ~~أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا ~~وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات ~~الصدور (119) إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا ~~وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط (120) وإذ غدوت من ~~أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم (121) إذ همت طائفتان ~~منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون (122)) # قوله تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر ) مدحهم بالخيرية ، ثم شرح الخيرية بأمر المعروف ، ونهي ~~المنكر ، وذلك رتبة ؛ لأنهم آخر درجات القوم ، وهو محل التمكين ، وتقديس ~~النفس عن الخطرات ، ولم يكن ذلك إلا بعد التباسه بلباس العظمة والكبرياء ، ~~مثل الأنبياء عليهم السلام وخيريتهم بخيرية نبيهم عليه السلام واستعدادهم ~~صحبته وموافقته ، وخيريتهم مقرونة بخيريته ، وهو خير الأنبياء ، وقومه خير ~~الأمم ، وأمر المعروف دعاء المريدين بلسان المحبة مع مدح المشاهدة ، والنهي ~~عن المنكر نهيهم وردهم منهم إليه. # قال يحيي بن معاذ : هذه مدحة لهم ، ولم يكن ليمدح قوما ثم يعذبهم. PageV01P193 # قال جعفر الصادق : المعروف موافقة الكتاب والسنة (1). # ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون ~~(123) إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة ms0184 آلاف من الملائكة ~~منزلين (124) بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة ~~آلاف من الملائكة مسومين (125) وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم ~~به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم (126) ليقطع طرفا من الذين ~~كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين (127) ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم ~~أو يعذبهم فإنهم ظالمون (128) ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن ~~يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم (129) يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا ~~الربوا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون (130)) # قوله تعالى : ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ) أي : من كان ~~ذلته عند كشوف أنوار الكبرياء والعظمة يصير عظيما في عيون الخلق ، منصورا ~~بتأييد الأزلية على كل منكر ؛ لأن عليه كسوة جلال الله ، نفرق منه من تعزر بنفسه. # وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه موصوفا به لقوله ~~عليه السلام : «إن الشيطان يفر من ظل عمر» (2). # وقال الشيخ أبو عبد الرحمن في قوله : ( ولقد نصركم الله ): ~~لضعفكم ، وصحة توكلكم على ربكم ، وانقطاعكم عن حولكم وقوتكم ، وردكم الأمر ~~بالكلية إليه. # قوله تعالى : ( ليس لك من الأمر شيء ) أراد السيد عليه السلام ~~تقديس حضرة الجلال عن أنفاس المجرمين في قولهم بما لا يليق بجلال الله من ~~الشرك والكفر ، لئلا يبقى في ساحة الكبرياء من في قلبه غير الله غيرة على ~~جمال وجهه تعالى ، ومن سوغه حبه وشدة إرادته ، لم يطالع أمر القدم الذي جرى ~~بالعناية في حق المستورين من بينهم بأستار عوارض الامتحان ، فغايته الحق ~~أين أنت من مشاهدة سبق عنايتي لهم ، أنعم نظرك في ديوان الأزل ، وليس لك في ~~هذه الغيرة من أمر القدم ومشيئة الأزل في وقتك حين احتجبت بغيرتك على أمرهم ~~شيء ، وإن صرفت منك إلى رأيت أمر المشيئة ، وتستغني من الدعاء عليهم ، ~~وتصديق ذلك قوله PageV01P194 # تعالى : ( أو يتوب عليهم أو يعذبهم ). # ثم إن الله سبحانه أدب نبيه صلى الله عليه وسلم هاهنا بأحسن الأدب بشيئين : ~~أحدهما ، أنه أهل الكرم والرحمة ms0185 من العرش إلى الثرى ؛ حيث وصفه الله بكمال ~~الرحمة بقوله : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) [الأنبياء : 17] ~~أي : أرحم من حيث أنت على أمتك ، ولا تدع عليهم. # والثاني : ألبسه خلقه تعالى ؛ لأن من صفته وخلقه الرحمة على الجمهور ، ~~وأعلمه الأسوة بالأنبياء والمرسلين خص منهم إبراهيم عليه السلام وعيسى ~~عليه السلام بقوله : ( فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ~~) [إبراهيم : 36] ، وقال عيسى عليه السلام : ( إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) [المائدة : 118]. # وقال النوري في قوله : ( ليس لك من الأمر شيء ): ولكن الأمر كله ~~إليك ، فإن لك الأمر فالأمر كله إليك ، وليس لك منه شيء ، جل قدرتك أن ~~تلاحظ غير الحق فيما بعدي وتعيد. # ( واتقوا النار التي أعدت للكافرين (131) وأطيعوا الله والرسول ~~لعلكم ترحمون (132) وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض ~~أعدت للمتقين (133) الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ ~~والعافين عن الناس والله يحب المحسنين (134) والذين إذا فعلوا فاحشة أو ~~ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم ~~يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (135)) # قوله تعالى : ( واتقوا النار التي أعدت للكافرين ) في الآية ~~إشارة عجيبة لطيفة ، وأنها وضوح عيان الحق سبحانه ، حقائق الآية أن النار ~~لم تعد للمؤمنين ، ولم تخلق لهم ، لقوله : ( أعدت للكافرين ) فإذا ~~كانت للكافرين لم تخلق للمؤمنين ، لكن خوف المؤمنين بها زجرا وعظة ، كالأب ~~البار المشفق على ولده الذي خوف ولده بالأسد أو بالسيف وإن لم يضربه بالسيف ~~، ولا يلقيه عند الأسد ، فبقي الأمران لهذه الآية تلطف وشفقة على عبادة ~~المؤمنين الصادقين ، وأعجب من ذلك أنه تعالى خوفهم بالنار ، والنار للغير ، ~~ومقصوده تجلي القهر من عظمته للنار ، وعظم النار من تجلي عظمته ، أي : ~~اتقوني في النار ؛ لأني أحرق النار وأعذبها بي ، وهذا سر عين الجمع. # وقال ابن عطاء : أمر العام بإلقاء النار لخوفهم منها ، وتركهم المعاصي من ~~أجلها ، وأمر PageV01P195 # الخاص بأن يتقوه وينظروا إليه دون غيره ( واتقون يا أولي الألباب ~~) [البقرة : 197] أي : يا أهل الخصوص. # قوله ms0186 تعالى : ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات ~~والأرض أعدت للمتقين ) علم الحق سبحانه على الخلق ، وميلهم عن النفوس ، ~~فدعاهم بطاعته إلى العلتين ، المغفرة والجنة ، ودعا الخواص إلى نفسه ، قال ~~: ( ففروا إلى الله ) [الذاريات : 50]. # ثم أعلم بالكل في درك امتحان الجرم ، وأثبت بالآية ذنب الكل ؛ لأنهم وإن ~~كانوا معصومين من الزلل فذنبهم قلة معرفتهم على أقدار الحق ، كما قال ~~عليه السلام : «لو أن الله عذب الملائكة لحق منه» (1). # فقيل : إنهم معصومون ، فقال : من قلة معرفتهم بربهم ، ولذلك دعاهم إلى ~~مغفرته ، وأيضا خاطب العارفين بلسان الالتباس ، ودعاهم إلى الجمع ليتجلى ~~لهم بالوسائط ، لبقائهم في المعرفة وفي الحقيقة مغفرته قربته ، وجنته ~~مشاهدته. # قيل : طلب المغفرة هو طلب حظ النفس ، وفي آخر الآية إشارة إلى تضييق صدر ~~الزهاد في استعظامهم ما تركوا ، فقال لهم : جنتي أجر ما تركتم ، وذكر عرض ~~الجنة وسعتها لبخلهم ، وخسة طبعهم ، وهم الذين اتقوا الدنيا لأجل الجنة ، ~~وفيها يصلي العارفين من صداع سوء جوار المنكرين ، فقال : جنتي واسعة اسكنوا ~~حيث شئتم في جوار الكريم المقدس من سوء جوار المنكرين. # قوله تعالى : ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا ~~الله فاستغفروا لذنوبهم ) هذه الآية إشارة إلى قوم أخطئوا في السماع ، ~~ومجالستهم مع حظوظ أنفسهم وبقايا صفات البشرية ، فهم حيث جلسوا بغير حضور ~~ولا شهود ، ولا مراقبة ولا تقديس الأسرار في طلب الأنوار الفاحشة منهم ، ~~سماع القول وإظهار الوجد مع حظوظ النفس وحظ البشرية ، والظلم منهم دعوى ~~المعاملات والولايات ، وهم يعلمون أنهم ليسوا على التحقيق في السماع وإظهار ~~الوجد ، فأدركهم الله بفيض رحمته ؛ حيث عرفهم فضائح نفسهم عنده ، ويلقيهم ~~في رؤية التعبير والعتاب. # ويضيق صدورهم بتلك الفاحشة والظلم ، فيذكرون الله بشرط الندم ، ورؤية ~~التقصير والخجل بين يديه ، وسقوطهم عن عيون المشايخ ، فيستغفرون الله من ~~كذب دعواهم بنية الصدق في التبرئ عن دعوى ما ليس لهم ، وإذا كان الأمر كذلك ~~، ولم يصروا على ما فعلوه ، PageV01P196 # يغفر الله ما سبق منهم بإيوائهم إلى قربه ، فإنه مولاهم وصاحبهم لا غير (1). # وذلك قوله ms0187 : ( ومن يغفر الذنوب إلا الله ) وأيضا فيها إشارة إلى ~~عشاق الله الذين استغرقوا في بحار العشق والشوق ، واحترقوا بلوائح نيران ~~الكبرياء ، وبغتة سطوات العظمة ، فيطلبون روح الأنس بالاستراحة في مشاهدة ~~المستحسنات ، ويرتادون مشاهدة عروس القدم في مقام الالتباس ، وعين الجمع ~~الذي فيه رؤية الحق في مرآة الخلق ، وذلك الالتباس فاحشة منهم ؛ لأنه في ~~طلب القدم مع رؤية الحدث ، وليس لهذا الشرط تجريد حقيقة العشق ، وإذا كانوا ~~محترقين بنيران التوحيد والتفريد في رؤية الأزل والأبد والقدم والبقاء ~~يطلبون النزول من مقام التوحيد إلى مقام العشق ، وهذا ظلم منهم علي أنفسهم ~~؛ لأنهم نقصوا حظ التوحيد بفرارهم من الفناء في التوحيد إلى بقائهم في ~~العشق ، وقوله : ( ذكروا الله ) أي : إذا كانوا مدركين أنفسهم في ~~مقام المكر والاستدراج ، وفقدانهم أسرار مقام الفناء ودرجاته ، يفزعون ~~بالكلية إلى كلية الحق ، جل عن الخواطر والضمائر ؛ لأن قوله تعالى : ( ~~ ذكروا الله ) لم يقل ذكروا اسمه أو نعته أو صفته منه أو فعلا منه ~~بل ( ذكروا الله ) أي : فنوا في الفرار منه إليه في صرف الألوهية ~~برؤية الذات والصفات ، يدركهم الحق بانكشاف ما استأثر من نفسه لنفسه ، أو ~~لأهل دنو دنوه الذين بقوا في الفناء وفنوا في البقاء ، لهم خاصية واصطفائية ~~، وأيضا فيها إشارة إلى أصحاب المواجيد والوقائع والمكاشفات الذين عادتهم ~~السلوك في المعاملات من الطاعات والرياضات ، فإذا ورد عليهم وارد وتضييق ~~وقت وظائفهم ، يرجعون إلى أداء الورد ، وهذا سوء أدب. # كما سئل الجريري في ذلك قال : هذا سوء أدب ، وهذا فاحشة منهم النزول من ~~الربوبية إلى المعبودية ، والظلم تركهم مقام الوصال ، واختيارهم وسائط ~~الأحوال ، ذكروا الله بعد تغير PageV01P197 # الله إياهم بخلوهم عن الوسيلة ، ورجوعهم إلى المشاهدة والقربة. # قال الواسطي : الطاعات فواحش ، وما ذكره الواسطي تفسير بلسان الشطح. # وسئل أبو عبد الله بن جلا عن الظلم فقال : متابعة النفس على ما تشتهيها. # وسئل محمد بن على عن قوله : ( والذين إذا فعلوا فاحشة ) قال : ~~النظر إلى الأفعال ، ( أو ظلموا أنفسهم ) برؤية النجاة بأعمالهم ~~ذكروا الله لحقهم التوفيق من الله ، وأدركهم ms0188 العصمة منه ، فاستغفروا ~~لذنوبهم من أفعالهم وأقوالهم ، ( ومن يغفر الذنوب إلا الله ) علموا ~~ألا وصول إلى الله إلا به. # وقال الأستاذ : يقال فاحشة كل أحد على حسب حاله ومقامه ، وكذلك ظلمهم ، ~~وإن خطورة المخالفات ببال الأكابر كفعلها عن الأغيار. # قال قائلهم : # أنت عيني وليس من حق عيني %~% غمض أجفانها عن الأقذاء # وليس الجرم على البساط كالذنب على الباب # وقال الباب : قال إن رؤية الأحوال والأقوال كظلمات عند ظهور الحقائق. # ( أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ونعم أجر العاملين (136) قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (137) هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ~~(138) ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (139) إن يمسسكم ~~قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله ~~الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (140) وليمحص الله ~~الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141) أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين (142) ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن ~~تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون (143)) # قوله تعالى : ( أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين ) من خرج من درك الامتحان بشرط ~~الوفاء والتقديس عن أخلاق النفس والهوى ودخل بشرط رؤية التقصير بنعت الحياء ~~والخجل في ميادين الصدق والإخلاص في المحبة والمعرفة وبذل المهجة غرامة ~~للمخالفة والاستغفار بعد الندم ، يجزيه الله برده إلى فوق مقام الأول ~~بوصوله إلى مشاهدة قدسية جلالته ، ويفتح له كنوز PageV01P198 # مدخرات الغيب ويستأنس بجنات المشاهدة والمداناة ، التي هي عيون صفات ~~الذات ، تجري منها أنهار الأوصاف الأزلية ، تسقيه من مروقات سواقي الجلال ~~والجمال ، خالدين فيها بلا مكث ، ولا قطع ، ولا خطر الزمان ، ولا حجت ~~المكان ، ولا تغير بعد ذلك نعم هذه النعمة من المنعم الكريم الوهاب ~~للعالمين ، أي : الواقفين بشرط الوفاء في العشق على الحضرة القديمة بلا نقض ~~في العهود ، ولا سهو في الشهود. # قال الأستاذ في قوله : ( أولئك ms0189 جزاؤهم مغفرة من ربهم ) أي : ~~بردهم إلى شهود الربوبية وما سبق بهم عين الحسنى في سابق القسمة ، وجنات ~~تجري من تحتها الأنهار مؤجلا في الفراديس ، ومعجلا في روح المناجاة وتمام الأنس. # قوله تعالى : ( هذا بيان للناس ) وإن كلام الحق سبحانه صفته ~~الأزلية ، مبين حقائق أمور الكونين ، لمن له أهليته وأهل القرآن من كان ~~روحه جلالية ، وقلبه جماليا ، ونفسه مطمئنة ، وسره قابل كل إشارة من الحق ، ~~ولهذه الجنود اصطفائية بالمعارف والكواشف ، وإذا كان الأمر كذلك ، يتجلى ~~الحق في كلامه لأهل القرآن بنوريين له مراد الله من خطابه يهديه إلى كل ~~صواب ؛ لأنه مفتاح كنز القدم ، من وافقه يخرج له عروس الصفة القديمة من ~~حجاب الحروف بكل مراد وصول به (1). # قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : إن الله تعالى يتجلى ~~لعباده في القرآن ومن له أهلية الصفة بإدراك بيانها ، وله أهلية الذات بكشف ~~جلاله تعالى. # قال النبي صلى الله عليه وسلم : «أهل القرآن أهل الله وخاصته» (2). # بقدر ترقي المقامات عنهم سر الخطاب من كتاب الله ، قوم يسمعون بأسماع ~~العقول أمرا واعتبارا ، وقوم يسمعون بأسماع القلوب شوقا وحلاوة ، وقوم ~~يسمعون بأسماع الأرواح محبة ومعرفة وعشاقا وأنسا ، وقوم يسمعون بأسماع ~~الأسرار بملاحظة الأنوار كشفا وبيانا ، ولم ينكشف هذه الأسرار والوقائع إلا ~~للناس ، ومن لم يكن إنسانا متخلقا بخلق آدم عليه السلام وما بقي من ميراثه ~~من علم الأسماء والصفات يكون من النسناس لمن يلاحظ مشاهدة القرآن وأسراره ، ~~فإن الله تبارك وتعالى أعلمنا أنه بيان للناس لا للنسناس ، والناس من له ~~وصف ما ذكرنا ، ويبقى بالله مما دون الله بما صرح الله في بيانه قال : ( ~~ بيان للناس وهدى وموعظة PageV01P199 # للمتقين ). # قال جعفر : أظهر البيان للناس ، ولكن لا يتنبه إلا من أيد منه بنور ~~اليقين وطهارة السر ، ألا يراه يقول : ( وهدى وموعظة للمتقين ) إلا ~~أن هذا الاهتداء بهذا البيان والاتعاظ للمتقين الذين اتقوا كل شيء سواه. # وقال الأستاذ : بيان لقوم من حيث أدلة العقول ، والآخرين من حيث مكاشفة ~~القلوب ، والآخرين من حيث ms0190 تجلي الحق في الإسرار. # أعلمهم الله حقائق الإيمان ، وهو اليقين ، واليقين سكون القلب بوعد الرب ~~تعالى ، وبين إذا كنتم في معارج الإيمان والتصديق يجزى في نصركم وعلوكم على ~~عدوكم ، فما معنى الحزن والضعف ، فإن من عاين حقيقة الأمر قوى يقينه ، وذهب ~~عنه جميع الأحزان ، وينبغي أن حزن العارف ضيق صدره من ركوب القبض عند غيبته ~~عن المشاهدة ، وفرحه ببسطه وروحه من كشف ملكوت ربه. # قال محمد بن موسى : ما بال الإنسان يحزن مرة ويفرح أخرى؟ قال : لأن غذاء ~~الأرواح وتهذيبها في الاستتار والتجلي يطرب عند التجلي ، ويحزن عند ~~الاستتار ، فمتى حجب حزن ، ومتى طالعه بعين البر واللطف فرح ، وإن طالعه ~~عين السخط خاف وقلق. # ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله ~~الشاكرين (144) وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ~~ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين ~~(145) وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ~~وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (146) وما كان قولهم إلا أن ~~قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على ~~القوم الكافرين (147) فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب ~~المحسنين (148) يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على ~~أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (149)) # قوله تعالى : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) إن ~~الله تعالى عانت الكل بهذه الآية ، أي : لما أخبرتكم ربوبيتي بلسان نبيي ، ~~وأوجبت العبودية عليكم برسالته ، وعرفتكم بصفات الألوهية بغير واسطة ، فلم ~~تتزلزل بذهابه عن البين ، واضطربتم عن حقائق الإيمان وإخلاص العبودية عند ~~الفترة والامتحان ، فلو كنتم مشاهدين جلالي ما اضطربتم PageV01P200 # بموته أو برفع الوسائط بيني وبينكم ؛ لأن من شاهد الحق وعاينه تكون محبته ~~وعبوديته بغير واسطة الربوبية ، قائمة بذاته ، أبدا ليس للأولياء والأنبياء ~~إلا الإخبار والأنباء عند أمر الله ms0191 ، وكشفه مراده لهم ، وخص من بينهم ~~الصديق وأقرانه رضي الله عنهم أجمعين. # ألا ترى حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «من كان يعبد محمدا ؛ ~~فإن محمد قد مات ، ومن كان يعبد الله ؛ فالله حي لا يموت» (1)، وهذا الوصف ~~ظاهر في آخر الآية ( أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ~~ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ) في الصديق ونظرائه رضوان الرحمن عليهم ~~بقوله : ( وسيجزي الله الشاكرين ) يعنى : أبا بكر ، ومن كان قلبه ~~مثل قلبه في الإيمان والإيقان شكرهم استقامتهم في الرب والولاية ، وجزاء ~~شكرهم نصر الله وظفره لهم بانهزام المروة عن ساحة الشريعة. # قال الواسطي : غضت البصائر عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلا لرجل واحد ~~، وهو فضل عليهم ، وهو الداعي إلى الله على بصيرة ، وهو أبو بكر ، فكأن هذه ~~الآية خص هو بها ، وعجزت الأمة عن ذلك لضعف نحائرها ، ووهن بصائرها ، وبأن ~~فضيلة أبي بكر بذلك ، وهو قول : «من كان يعبد محمدا ؛ فإن محمد قد مات». # وقال الحسين : ليس للرسول إلا ما أمر به أو كشف له ، ألا تراه لما سئل : ~~«فيم يختصم الملا الأعلى» (2)، يعني : لم يسمع حسا ولا نطقا ، فلما غيب ~~عنه شاهده فوقع الصفة عليه شاهدهم بشهود الحق ، وذهب عنه صفة آدميته فتكلم ~~بالعلوم كلها. # قوله تعالى : ( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ~~) بين الله سبحانه أن من قدرته إماتة حي أعظم من إيجاد حي وأعجب من إبقائه ~~؛ لأن في الموجود قدرة وليس في المعدوم قدرة ، وأيضا إشارة إلى أهل الرياضة ~~، أي أن النفس الأمارة لا تزول بالرياضة والمجاهدة أنها تطمئن بإذن الله ~~وبحلاوة ذكره ومناجاته. # قال الواسطي : ليس نفس تملك الفناء والبقاء ، بل كان ذلك الآجال مضروبة ، ~~كما قال تعالى : ( لكل أجل كتاب ). # وقوله تعالى : ( ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب ~~الآخرة نؤته منها ) ثواب الدنيا المعرفة ، وثواب الآخرة المشاهدة ، وأيضا ~~ثواب الدنيا محبته ، وثواب الآخرة قربته ، وأيضا أي : من وقع في محل ms0192 ~~الإرادة وأرادني فقد أتجلى له بالآيات ومن الآيات PageV01P201 # وفي الآيات ، التباسا ومن وقع في المعرفة وأرادني صرفا أتجلى له بلا علة ~~؛ لأن الإرادة محل الغيبة ، والمعرفة محل الحضور ، وأيضا ثواب الدنيا صحبة ~~الأولياء ، وثواب الآخرة صحبة الحق. # قيل : ثواب الدنيا العافية. # وقيل : إلهام شكر النعمة ، وثواب الآخرة : الجنة ونعيمها # ( بل الله مولاكم وهو خير الناصرين (150) سنلقي في قلوب الذين ~~كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس ~~مثوى الظالمين (151) ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم ~~وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ~~ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل ~~على المؤمنين (152) إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ~~فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما ~~تعملون (153)) # قوله تعالى : ( بل الله مولاكم ) أي : محبكم بمحبة الأزلية ، ~~وحافظكم عن شر أنفسكم ، وكل خاطر يشير إلى غيره ، وناصركم عند تحملكم مشاق ~~العبودية عن إباء نفوسكم عن تحملها. # قال ابن عطاء : معينكم على ما حملكم من أوامره ونواهيه. # قال جعفر : متولي أموركم بدار عاقبته. # وقال ابن عطاء في قوله : ( وهو خير الناصرين ): خير الناصرين ~~لكم على أنفسكم وهواكم (1). # قوله تعالى : ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) أي : ~~منكم من وقع في بحر غنى القدم واتصف به ، ويخرج منه بنعت التمكين ، ورؤية ~~النعم في شكر المنعم كسليمان عليه السلام ، ومنكم من وقع في بحر التنزيه ~~وتقديس الأزلية ، فغلب عليه القدس والطهارة ، فيخرج بنعت الفقر بتجريد ~~التوحيد ، وإفراد قدمه من الحدوث ، كمحمد صلى الله عليه وسلم حيث قال : PageV01P202 # «الفقر فخري» (1). # وأيضا : منكم من يريد الدنيا للفناء ، ومنكم من يريد الآخرة للبقاء ، ~~وأيضا منكم من يريد مشاهدة الله في الدنيا كموسى عليه السلام ، ومنكم من ~~يريد مشاهدة الله على نعت السرمد ، ولا يكون إلا في الآخرة وعده. # قوله تعالى : ( منكم من يريد ms0193 الدنيا ) أي : رب الدنيا كقوله : ( ~~ وسئل القرية ) [يوسف : 82] أي : أهل القرية. # قال أبو سعيد الخراز : ما دمتم بكم ، وأوصافكم كانت همتكم الحوادث ~~والدارين ، وإذا توليتكم وأخليتكم من صفاتكم وأكوانكم ، وعلوت بهممكم إلى ~~فأفنيتكم من النظر إلى الأكوان وإرادتها ، وأفنيتكم بالحق مع الحق ، وقال : ~~متى ما طالعهم بأسرارهم بحقهم عن آثارهم ودهشتهم في مبادئهم. # قال النوري : العامة في قميص العبودية ، والخاصة في قميص الربوبية ، فلا ~~يلاحظون العبودية ، وأهل الصفوة جذبهم الحق ومحاهم عن نفوسهم. # قال الشبلي : منكم من يريد الدنيا للقناعة ، ومنكم من يريد الآخرة للجنة ~~، وأين مريد الله؟ ومريد الله من إذا قال ، قال : الله ، وإذا سكت فليس سوى الله. # وقال سهل بن عبد الله : دنياك نفسك ، فإذا أفنيتها فلا دنيا لك. # قيل : قرئت هذه الآية بين يدي الشبلي ، فقال : أوه ، من قطع طريق الخلق ~~إليه ورد الأشباح إلى قيمتها. # قال محمد بن علي : منكم من يريد الدنيا للآخرة ، ومنكم من يريد الآخرة لله. # ( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم ~~وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا ~~من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك ~~يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز ~~الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في ~~قلوبكم والله عليم بذات الصدور (154) إن الذين تولوا منكم يوم التقى ~~الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله ~~غفور حليم (155) يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين PageV01P203 # كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو ~~كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ~~ويميت والله بما تعملون بصير (156) ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة ~~من الله ورحمة خير مما يجمعون (157) ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون ~~(158) فبما رحمة ms0194 من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ~~فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله ~~يحب المتوكلين (159)) # قوله تعالى : ( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا ) أي : من ~~رسم طريق المعرفة تجلى القهر واللطف ، القهر من العظمة والغيرة ، واللطف من ~~الحسن والجمال ، وفي عين الحقيقة هما واحد الأول : تربية ، والثاني : ~~رفاهية ، وسنة الله جرت على مباشرتهما على التسرمد ، فما باشر للقهر وجود ~~العارف إلا ويأتي بعده نور تجلى اللطف والبسط والروح والكشف والأنس ، قال ~~الله تعالى : ( والله يقبض ويبصط ) [البقرة : 245] ، وقال : ( ~~ فإن مع العسر يسرا ) [الشرح : 6] ، فلما ذاقوا ألم الامتحان أنسوا ~~برؤية الرحمن ، الأول خوف ؛ لأنهم في العبودية ، والآخر أمن لأنهم في رؤية ~~الربوبية ، وذلك يقتضي الأمن والنعاس محل الكشف ، كاشفهم الله هموم ~~المجاهدة بنور المشاهدة. # قال ابن عطاء : من صدق إرادته واجتهاده ورياضته رد إلى محل الأنس. # صدق ابن عطاء ، هذا وصف من وصفهم الله بالتمكين والاستقامة من الصحابة ~~المباركة رضي الله عنهم بالصبر في البلاء كأنصار الأنبياء ، وصفهم الله ~~بقوله : ( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ) والربيون الربانيون ~~الذين هم مربون في قرب الرب ومشاهدته. # قال الجريري : منقطعون إلى الرب فانية منهم أوصافهم وإرادتهم ، متطلعون ~~لإرادة الله فيهم. # قال بعضهم : ( ربيون ) وزراء الأنبياء. # وقوله تعالى : ( فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ) لأن عليهم ~~روع أنوار عظمة الله ، ( وما ضعفوا ) لأنهم مقوون بقوة الله ، ( ~~ وما استكانوا )؛ لأنهم مؤيدون بتأييد الله ومع جلالتهم وضعوا ~~أقدامهم على أعناق نفوسهم الخيانة الأمارة هواها فخرجوا من داعية هواهم إلى ~~مراد الله ، لا جرم ألبسهم الله لباس وصفه الذي وصف نفسه بالصبر ، ثم أحبهم ~~لوصفه عليهم بقوله : ( والله يحب الصابرين ). PageV01P204 # قال الواسطي : أي كونوا كأبي بكر لما كانت لنسبته إلى الحق أتم لم يؤثر ~~عليه فقدان السبب ولما ضعف نسبتهم أثر عليهم ، فعمر بن الخطاب قال : «من ~~قال مات محمد ضربت عنقه» ، وأبو بكر نظر إلى ما دل عليه المصطفى ms0195 صلوات الله ~~وسلامه عليه ، فقرأ : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ). # قوله تعالى : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) إن الله سبحانه خلق ~~قلوب هذه الأمة وقت إيجادها في رؤية جمال القدم ، ونورها بالحسن والرجاء ، ~~وأخرج أرواحها من العدم إلى عالم البسط والسرور ، وسنا المشاهدة والسماع ~~والحور ، وألبسها خلق اللطف ، فصارت مستعدة لرؤية الألطاف قابلة نور الأنس ~~، ومن كمال حكمة الله ولطفه علينا خلق نبينا صلى الله عليه وسلم على خلق البسط ~~وروح الإنس ، فوافقت المرافقة ، وحصلت في البين أهلية ، ودانت الأرواح ~~وقربت الأشباح ، فبقيت الحشمة وفنيت الغلظة ، وصار رحمة تامة لهذه الأمة ~~المرحومة ، وتصديق ذلك قوله تعالى : ( ولو كنت فظا غليظ القلب ~~لانفضوا من حولك ) تبين من الخطاب لطف الجانبين نسب الفعل إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وإن كان غير متكلف في التليين ؛ لأنه كان مخلوقا باللطف ~~والكرم من الله ، وفيها الإشارة إلى تأديب الصحابة ، أي لو كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يدقق عليهم أحكام الحقائق لضاقت صدورهم ، ولم يتحملوا ~~أثقال حقيقة الآداب في الطريق ، ولكن سامحهم بالشريعة والرخص بحقائق ما ~~أوجبه الله عليهم ، وتصديق ذلك قوله تعالى : ( فاعف عنهم واستغفر ~~لهم ) فالعفو والاستغفار من مسامحة الله لهم ، فاعف عنهم تقصيرهم قلة ~~عرفانهم أقدارك ، واستغفر لهم ما يجري في صدورهم من الخطرات التي لا تليق ~~بالمعرفة ، وما يجري على صورهم من الحركات التي لا تليق بصحبتك ومجالستك ؛ ~~لأنك مستغرق في الربوبية ، وهم يطلبونك في مقام العبودية ، وهم في وصف ~~المحبة والإرادة ، فأنت في محل التوحيد مشاهد مطالع شموس الآزال وأقمار ~~الآباد (1). # قال الواسطي في قوله : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ): جميع ~~أوصافك وما يخرج من أنفاسك رحمة مني عليك وعلى من اتبعك. # وقال ابن عطاء : لما علا خلقه جميع الأخلاق عظمت المؤنة عليه ، فأمر ~~بالغض والعفو والاستغفار. PageV01P205 # قال الحارث المحاسبي في قوله : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ): ~~نسب ما كان منه في ذلك من اللين والمداراة إلى نفسه بقوله : برحمتي لنت لهم ms0196 ~~، وما كان الله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم : إنك لنت لولا إنه لينه ~~بمعرفته ووفقه للمداراة. # قال الفارسي : انظر كيف وصف الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم باللين ~~والشفقة ، ثم عراه عن أوصافه فقوله : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ~~) وذاك حق قيامك بنا وهجرانك الخلق أجمع. # قال الأستاذ : يقال : إن من خصائص رحمته سبحانه عليه أن قواه حتى صحبهم ، ~~وصبر على تبليغ الرسالة مع الذي كان يقاسيه من أخلاقهم مع سلطان ما كان ~~مستغرقا له ، ولجميع أوقاته من استيلاء الحق عليه ، فلولا قوة الإلهية ~~استأثره الحق بها ، وإلا متى أطاق صحبتهم ، ألا ترى إلى موسى عليه السلام ~~لما كان قريب العهد بسماع كلامه ، كيف له يصير على مخاطبة أخيه ( ~~وأخذ برأس أخيه يجره إليه ) [الأعراف : 150]. # وقال الأستاذ في قوله : ( ولو كنت فظا غليظ القلب ) لو سقيتهم ~~صرف شراب التوحيد غير ممزوج بما فيه لهم حظ ، لتفرقوا هائمين على وجوههم ~~غير مطيقين الوقوف معك لحظة. # وقوله تعالى : ( وشاورهم في الأمر ) إذا كان في محل العبودية ~~وأمور الشريعة وعالم العقل أمر لله بحسن معاشرته معهم واستبشارهم في وقائع ~~مستقبلات القدر ، كيف يقبلونها بالعقول والقلوب بنعت التفكر والصبر في ~~أحكامه ؛ لأنهم كانوا يشربون من سواقي بحاره ، ولأنهم في مقام الولاية ، ~~وهو في مقام الرسالة والنبوة وهما واحد في عين الجمع ، يرون الغيب بنور ~~الفراسة ، وهو يراه بأنوار النبوة والرسالة ، وكان عليه السلام يحتاج في محل ~~العبودية إلى نصرة الصحابة له في الدين. # وإذا كان في مشاهدة الربوبية ، وخرج من التفرقة إلى الجميع ، أمره الله ~~سبحانه بإفراد القدم عن الحدث ؛ حيث تجرد في سيره عما لله إلى الله بقوله : ~~( فإذا عزمت فتوكل على الله ) فإنه حسبك فيما يريد منه. # ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم ~~من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون (160) وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل ~~يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (161) أفمن ~~اتبع رضوان ms0197 الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (162) هم ~~درجات عند الله والله بصير بما يعملون (163)) PageV01P206 # قوله تعالى : ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم ) نصر الله سكينته ~~وقعت من نور تجلي الحق سبحانه في قلوب العارفين ؛ حيث توجهت من الحدثان إلى ~~جلاله بنعت التضرع في عظمته وكبريائه ، فلما تلبست أنوار الغيب مع نور ~~البسط والرجاء ، فقويت بها الأشباح فأيدت لهم بحلول الأزل وقوته ، فحينئذ ~~انحسرت جنود القهر بسطوة الهيبة عن معارك عساكر اللطف. # وذلك قوله : «سبقت رحمتي غضبي» (1)، وحقائقه مشروحة في ترقي مقامات دنو ~~النبي صلى الله عليه وسلم وذلك إشارته في سجوده بقوله : «أعوذ برضاك من سخطك ~~وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك» (2). # نصر الله في المريدين توفيقهم في قمع الشهوات ، ونصره في المحبين نور ~~اليقين من تبسم فلق صبح الأزل بنعت المداناة ، ونصره في العارفين انفتاح ~~كنوز أسرار علوم المجهولة بمفاتيح كشف المشاهدات. # قال بعضهم : إنما يدرك نصر الله من تبرأ من حوله وقوته واعتصم بربه في ~~جميع أسبابه ؛ لأن من اعتمد على حوله وقوته ورأى الأشياء منه ، فإنه مردود ~~إلى حول الله وقوته وعلمه. # قال الأستاذ : نصرته بالتوفيق بلا أشباح ، ثم بالتحقيق للأرواح. # ويقال : ينصركم بتأييد الظاهر ، وتسديد السرائر. # ويقال : النصرة إنما يكون على العدو ، وأعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك ، ~~النصر على تهزم دواعي فتنتها بعواصم رحمته حتى تنقص جنود الشهوات بهجوم ~~وقود المنازلات ، فتبقى الولاية خالصة عن شبهات الدواعي التي هي أوصاف ~~البشرية ، وشهوات النفوس وأمانيها التي هي آثار الحجبة وموانع القربة. # قوله تعالى : ( وما كان لنبي أن يغل ) مقدس أسراره عن دنس ~~الخطرات ، ووصفه بالأمانة عند إخباره عن أنباء الغيب لم يجر على قلبه عند ~~بيان الشريعة والطريقة ، مداهنة لرؤية شريف ووضيع ، ولم يخف حق الله عز وجل ~~عن عباده وأعطى علم الحق لأهل الحق ، وبين المحجوبين آية الحق ببرهان الحق ~~، ولم يخط في طريق الحق خطوة بحظ نفسه. # قال بعض المشايخ : ( وما كان لنبي ) أن تستأثر بالوحي والشريعة ~~بعض متبعيه ms0198 على بعض. PageV01P207 # قال يحيي العلوي : ( وما كان لنبي ) أن تضيع أسراره إلا عند ~~الأمناء من أمته. # ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال ~~مبين (164) أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند ~~أنفسكم إن الله على كل شيء قدير (165) وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن ~~الله وليعلم المؤمنين (166) وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في ~~سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب ~~منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون ~~(167) الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن ~~أنفسكم الموت إن كنتم صادقين (168) ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ~~أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (169) فرحين بما آتاهم الله من فضله ~~ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~(170)) # قوله تعالى : ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم ) كان النبي صلى الله عليه وسلم مرآة الحق يتجلى بجلاله وجماله للأمناء ~~والصديقين منه ، يرون الله برؤيته لقوله عليه السلام : «من رآني فقد رأى ~~الحق» (1)، من على عباده بوجوده ، ولو يتجلى لهم صرفا لاحترقوا بأول سطوات ~~عظمته ، جعله برحمته واسطة تجليه وذلك بمحل الالتباس من ظهور نفسه لذوي ~~الأبصار ، وإشارة قوله : ( من أنفسهم ) أي : حال أمته من حيث حاله ~~، وشربهم من حيث شربه ، وأي منة أعظم على المؤمنين من النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو منظر جمال الحق للخلق ، ومعرفهم أسماءه وصفاته ونعوته ~~، ومهالك المهلكات ، ومنازل السجيات. # قال بعض المشايخ : أكثر منة على الخلق وسائط الأنبياء إليهم ليصلوا بهم ~~إليه ؛ لأنه لو أظهر عليهم من صفاته ذرة لأحرقهم جميعا ، ولضلوا فيه عن ~~الطريق إلا المعصومون. # قوله تعالى : ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ) نبه ~~الخلق أن من قتل في سبيل العشق بسيوف العشق انسلخ ms0199 من الحدث إلى القدم ، ~~والتبس بنور الأزل من الأزل ، فلما بلغ نعت الأولية واتصف بصفة الأزلية ، ~~يصير منعوتا بنعت الأخروية موصوفا بوصف الأبدية ؛ لأن صفات الحق جل سلطانه ~~واحدة في الوحدانية خارجة عن الجمع والتفرقة ، فيضها في الأفعال تفرقة مع ~~الأسماء ، ونورها في العينية جمع لأهل الوحدة ، ومحل أن وصل PageV01P208 # نور الصفة فيكون خارجا عن الصفة الأولية صفة ، والأخروية صفة ، والآخر ~~أول في النعت ، فمن كان نعته أولية فيكون نعته أخروية ، وإذا خرج من ~~الحدثان إلى جمال الرحمن لم يجر عليه صفات الحدث بعده عن صفة الموت والفناء ~~، بل يصير حيا باتصافه بحياة الحق ، وحياة الحق أبدي ، لم يجر عليه علل ~~حياة الإنساني وموت الإنساني ، وهذا من فيض نور مشاهدته وعنديته ؛ لأن ~~مقتول السيف التجلي يحيا بقبض القربة والعندية ، ومن يكون في العندية كيف ~~يفنى ويموت وهو مشاهد في شهود الحق إياه ورزقه فيض مزيد مشاهدة الحق ، ~~وزيادة اتصافه ببقاء الحق ، وفرحه بنيل بقائه من بقاء الحق (1). # ومن قتل بسيف الإرادة فهو باق بنور القربة ، ومن قتل بسيف المحبة فهو باق ~~في سنا المشاهدة ، ومن قتل بسيف المعرفة فهو باق في أنس الوصلة ، ومن قتل ~~بسيف التوحيد فهو باق بالوحدة في الوحدة ، وحياة هؤلاء من تجلي الأزلية ~~وشهادة هؤلاء بغيرة العزة ، غار عليهم فأفناهم ، وأحبهم فأبقاهم. # قال ابن عطاء : المقتول على المشاهدة باق برؤية شاهده ، والميت من عاش ~~على رؤية نفسه ومتابعة هواه. # قال أبو سعيد القرشي في هذه الآية : لا تظنن الهالكين في طريق الإرادة ~~طلبا لوصله مردودين إلى مقاماتهم ، بل قد بلغ بهم غاية ما قصدوا من القرب ~~والوصلة إحياء بقرب الحق عند ربهم في مجلس المشاهدة ، يرزقون زيادة الفوائد ~~من أنوار الاطلاع فرحين بالغين أقصى رضاه. # ( يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ~~(171) الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا ~~منهم واتقوا أجر عظيم (172) الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ms0200 ونعم الوكيل (173) فانقلبوا بنعمة ~~من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم (174) ~~إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين (175)) # قوله تعالى : ( يستبشرون بنعمة من الله وفضل ) نعمة الله معرفة ~~الله ومحبته وفضله مشاهدته ، فاستبشار القوم برؤية الله وجلاله وقدمه ~~وبقائه لا بشيء من الحدثان ، كانوا إذا نظروا إلى قدمه استبشروا بنعمة ~~بقائه ، وإذا نظروا إلى بقائه فرحوا بمشاهدة قدمه. PageV01P209 # قال ابن عطاء : لو نظروا إلى المنعم لتنقص عليهم الاستبشار بنعمه وفضله ، ~~وكان استبشارهم بالمنعم المتفضل. # قوله تعالى : ( الذين استجابوا لله والرسول ) استجابوا لله بحب ~~شاهدته ، والاشتياق إلى جماله ولطائف قربه ، ولذائذ صحبته ، وللرسول ~~صلى الله عليه وسلم لما عليه من آثار أنوار صفاته ، وفيه إشارة إلى مقام ~~الاتحاد حيث الأمر واحد ، وإن الله سبحانه وتعالى وصفهم بحسن الإرادة في ~~محبته ، وطلب جماله ببذل أرواحهم بعد احتمال آلام الامتحان على أبدانهم ~~بقوله : ( من بعد ما أصابهم القرح ). # قال الواسطي : استجابوا لله بالوحدانية ، وأجابوا الرسول باتباع أوامره ، ~~واجتناب نواهيه ، وقبول الشريعة منه على الرأس والعين. # وقوله تعالى : ( للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ) أي : للذين ~~بلغوا مقام الإحسان وهو رؤية الله في مقام الامتحان ، ( واتقوا ) ~~جميع الحجاب بينهم وبينه إحسانهم إلقاء نفوسهم وهواجسها عند قبولهم مراد ~~الحق بعد خروجهم عن مرادهم ، و ( أجر عظيم ) الذي وصفه الله ~~بإعداده لهم ، هو إيصالهم إليه بغير الهجران والعتاب ، والحساب والحجاب (1). # وقيل : ( للذين أحسنوا منهم ) في إجابة المصطفى صلى الله عليه وسلم ~~، ( واتقوا ) مخالفته سرا وعلنا ، ( أجر عظيم ) هو البلوغ ~~إلى المحل العظيم من مجاورة الحق ومشاهدته. # قال الأستاذ : في هذه الآية استجابة الحق بالتحقيق بوجوده ، واستجابة ~~الرسول بالتخلق بما شرع من حدوده ، واستجابة الحق بالصفاء في حق الربوبية ، ~~واستجابة الرسول بالوفاء في إقامة العبودية ، ( من بعد ما أصابهم ~~القرح ) في ابتداء مقاماتهم قبل ظهور أنوار التجلي على قلوبهم ، وابتسام ~~الحقائق في أسرارهم ، ( للذين أحسنوا منهم ) الإحسان أن تعبد الله ~~كأنك تراه ، وهو المشاهدة ، ( واتقوا ) «فإن لم ms0201 تكن تراه فإنه ~~يراك» (2)، وهو المراقبة في حال المجاهدة أجر عظيم لأهل البداية ، مؤجلا ~~ولأهل النهاية معجلا. # قوله تعالى : ( فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ) قدس الحق ~~سبحانه حضرة PageV01P210 # الكبرياء عن تهمة الأغيار ، ونفي الأنداد عن ساحة الجلال ، قال : ( ~~ وخافون ) في التفاتكم بالأسرار بنعت الخوف من الأغيار ، رفع ما ~~استحق له عمن ليس له استحقاق ، وخوف العباد منه حقوق ربوبيته ، وليس في هذا ~~الخوف من الغير نصيب ، قرن الخوف والإيمان محل البرهان عند وقوع الامتحان ، ~~فإذا وقع نور المشاهدة تظهر أنوار الهيبة ، وتذهب علة الخوف ، خوفهم بنفسه ~~لا من عذابه ، أي : من نظر إلى غيري بنعت إجلاله احتجب عني به ، وأنا أبقيه ~~في الخوف من غيري ، وهو محل الشرك به ، أي : من خافني فهو في محل الإيمان ، ~~ومن خالف غيري فهو في محل الشرك ، وهذا الشرك شرك خفي. # قال الواسطي : الخوف من شرط الإيمان ، والخشية من شرط العلم ، وإشارته في ~~ذلك إلى قوله تعالى : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) [فاطر : 28]. # وقال ابن عطاء : ما دمتم متمسكين بالطريقة فخافوني ، فمن ترك الخوف فقد ~~ترك الطريقة المستقيمة. # ( ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا ~~يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم (176) إن الذين ~~اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم (177) ولا يحسبن ~~الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم ~~عذاب مهين (178)) # قوله تعالى : ( ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) امتحن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعزائم الأمر في التوكل والرضا ؛ حيث أحزنه بحث الكفار ~~وتخويفهم إياه ، ثم أمره بفتح عين سره في جلال قدمه ، الذي سبب ذهاب جميع ~~الأحزان من غيره عن قلبه ، فإن من استحكم في معرفته فلا يجري أحكام التلوين ~~على قلبه. # قال الواسطي : الحزن في الأحوال كلها ، وفي الحقيقة تعريف لهم وتنبيه ، ~~وهذه الآية من خيار الحقائق التي جرت أنهم لن يضروا الله شيئا ؛ لأنهم ~~جحدوا ما يليق بطبائعهم. # قوله تعالى ms0202 : ( إنهم لن يضروا الله شيئا ) أخبر عن كمال اهتمام ~~النبي صلى الله عليه وسلم وشفقته على شريعة الله ونظام دينه ، حيث أخبر بقوله ~~: ( ولا يحزنك الذين يسارعون )؛ لأن حزنه من أجله ، أي : فلا تحزن ~~فإن ساحة الكبرياء مقدسة عن هجوم ضلال الضلال ، وفيه أيضا إشارة الاتحاد ~~بقوله : ( لن يضروا الله شيئا ) أي : كيدهم بك لا يضرك ، أخبر به ~~عنه ، وأقام نفسه حيث تخلق الحبيب بالحبيب ، وتوحد الحبيب بالحبيب. # وقيل في قوله : ( إنهم لن يضروا الله شيئا ): لأنه الذي تولاهم ~~وفي البلية ألقاهم. PageV01P211 # ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث ~~من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ~~فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم (179) ولا يحسبن الذين ~~يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا ~~به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير (180) ~~لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا ~~وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق (181) ذلك بما قدمت ~~أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (182) الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا ~~نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي ~~بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين (183) فإن كذبوك فقد كذب ~~رسل من قبلك جاؤ بالبينات والزبر والكتاب المنير (184) كل نفس ذائقة الموت ~~وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما ~~الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (185)) # قوله تعالى : ( وما كان الله ليطلعكم على الغيب ) إن لله غيوبا ، ~~غيب الظاهر ، وغيب الباطن ، وغيب الغيب ، وسر الغيب ، وغيب السر. # أما غيب الظاهر : فما أخبر الله تعالى عن أمر الآخرة ولا يطلع عليها إلا ~~من بلغ مقام اليقين ، وصاحبه خارج عن شواغل النفوس ، وخطرات الشياطين ، لكن ~~لم يكن على حد الاستقامة ، فرؤية الآخرة له تارة ؛ لأن اليقين ms0203 خطرات ، وهذا ~~الخطاب بهذا المعنى خطاب الأضداد. # وأما غيب الباطن فغيب للمقدورات المكتومة عن قلوب الأغيار ، وذلك الخطاب ~~خطاب أهل الإيمان. # وأما غيب الغيب فهو سر الصفات في الأفعال ، وفي هذا المعنى خطاب ~~المريدين. # وأما سر الغيب فهو نور الذات في الصفة ، وهذا الخطاب للمحبين. # وأما غيب السر ، فهو عينية القدم التي لا يطلع عليها أسرار الخليقة أبدا (1). # وإذا كان هذا الغيب المذكور في قوله تعالى : ( وما كان الله ~~ليطلعكم على الغيب ) PageV01P212 # فخطابه مع جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين ، والأصفياء ~~الصديقين العارفين الموحدين ؛ لأن الأزلية منزهة عن إدراك الخلائق أجمعين ، ~~وخاصية نبينا صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى رؤية هذه المعاني بنعت الكشف ~~له ، وابتسام إصباح الأزل في وجهه ، لا بنعت الإحاطة وإدراك الكلية ، وذلك ~~قوله تعالى : ( ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ) مثل محمد ~~صلى الله عليه وسلم وعيسى وموسى وإبراهيم وآدم صلوات الله عليهم أجمعين ، وذلك ~~مشروح في قوله تعالى : ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا* إلا ~~من ارتضى من رسول ) [الجن : 26 ، 27]. # قيل : ( وما كان الله ليطلعكم على الغيب ) وأنتم تلاحظون أشباحكم ~~وأفعالكم وأحوالكم ، وإنما يطلع على الغيب من كان أمين السر والعلانية ~~موثوق الظاهر والباطن ، ثم يفتح له من طريق الغيب بقدر أمانته ووثاقته ، ~~ألا تراه يقول : ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا* إلا من ~~ارتضى من رسول ) [الجن : 26 ، 27] ، هو الفاني من أوصافه ، المتصف بأوصاف الحق. # وبين أن بعض الغيب مظهر للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( ولكن ~~الله يجتبي من رسله من يشاء ) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ، وذلك حكمه ~~بالغيب ، وحكمه على الغيب بقوله : «عشرة من قريش في الجنة» (1). # ومثل ما أخبر عن الله سبحانه وعن أمر الدنيا والآخرة قوله تعالى : ( ~~ ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله ) إن الله تعالى ~~زجر الستارين هاهنا بكتمان المكاشفات ، وحقائق الواردات ، ووقائع المغيبات ~~عن الطالبين ؛ لأن أصل السخاء تخليص المتحيرين عن درك الامتحان ، وإرشادهم ~~إلى طريق العرفان ، وأي سخاء ms0204 أعظم من إظهار مواهب الله على المريدين ~~لاستزاد محبتهم وجه الله سبحانه ، واستكبار شوقهم إلى جماله ، وتحبيبهم ~~أعمالهم وعبوديته ، وتصديق ذلك قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( ~~ وأما بنعمة ربك فحدث ) [الضحى : 11]. # ومن كان يطيق ما ذكرنا من إرادة الخير على طلاب الله كيف لا يطيق بذل ~~نفسه وماله وروحه في طريق الحق فداء لأولياء الله ، لأنهم معدن السخاء ، ~~والسخاء منهم ينشعب ، والسخاء بالمال وصف المريدين ، وبالنفس وصف المحبين ، ~~وبالروح وصف العارفين ، والبخل بجميع الأشياء أعمى النفس الأمارة عن رؤية ~~منن بحار القدم ، والسخاء انفتاح عين القلب على ذخائر القدرة ، وكنوز ~~الألوهية المملوءة من الآلاء والنعماء ومباشرة تجلي الوهابية PageV01P213 # الأزلية السرمدية قلوب الصديقين العاشقين ، وتلك الجبلة جبلة الأولياء ~~ليس للأعداء فيها نصيب. # كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : «ما جبل ولي الله إلا على السخاء» (1). # والذي نبأنا الله من أخبار اليهود دليل على ما ذكرنا أنهم سرقوا نعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم الذي وصف الله به نبيه في التوراة والإنجيل ، وهذا ~~الكتمان أصل البخل ، فمن كان في الدنيا محجوبا بالمال عن مقام السخاء ~~والتخلق بوصف الله سبحانه من الغنى والعطاء ، بقي فيه ذلك حجاب إلى الأبد ، ~~ويكون مفتضحا في الدنيا والآخرة ، مشهورا بعلامة اللؤم وسمة البعد ، وذلك ~~قوله تعالى : ( سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) وبخ المفلسين ؛ ~~حيث وصف نفسه ببقائه مع ملكه القديم بعد فناء خلقه وانقطاعهم عن مأمولهم ، ~~بقوله : ( ولله ميراث السماوات والأرض ) أي : أنا صاحب المواهب ~~السنية ، أجازي بها المنفقين وجودهم في طريقي ، وأعطيهم ما لم يؤت أحدا من ~~العالمين. # قال ابن عطاء : السلوك في طريق الحق على السخاء واجتناب البخل ، وهو بذل ~~النفس والمال والسر والروح والكل ، ومن بخل بشيء في طريق الحق حجب به ، ~~وبقي معه ، ومن نظر في طريق الحق إلى الغير ، حرم فوائد الحق وسواطع أنوار القرب. # ( لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من ms0205 عزم الأمور ~~(186) وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ~~فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون (187) لا تحسبن ~~الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة ~~من العذاب ولهم عذاب أليم (188) ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء ~~قدير (189)) # قوله تعالى : ( لتبلون في أموالكم وأنفسكم ) النفس صنم زينها ~~الحق بكسوة الربوبية ، وملأها من القهر واللطف ، وكسي زينة ملكه أموال ~~الدنيا امتحانا للعاشقين ، فمن نظر إلى نفسه بغير زينة الحق صار فرعونا نطق ~~لسان القهر منه ب ( أنا ربكم الأعلى ) [النازعات : 24] ، وذلك مكر ~~القدم واستدراجه. # ومن نظر إلى ربوبية وفنيت نفسه فيها نطق لسان الربوبية منه كالحلاج قدس الله PageV01P214 # روحه العزيز بقوله : أنا الحق ، ومثاله في ذلك مثال شجرة موسى عليه السلام ~~؛ حيث نطق الحق سبحانه منها بقوله : ( إني أنا الله ) [القصص : 30] ~~، نطق بصفته عن فعله. # ومن نظر إلى زينة الأموال التي هي زينة الملك صار حاله حال سليمان صلوات ~~الله عليه لأنه كان ينظر إلى شرف جلاله بإعطاء الملك إياه ، ومن نظر إلى ~~خضرة الدنيا وتابع شهواتها صار كالبلعام ، فمثله كمثل الكلب ، وأي الابتلاء ~~أعظم من رؤية الملك ورؤية الربوبية في الكون ؛ لأنه محل الالتباس ، فمن كان ~~محتجبا بهذين الوسيلتين عن رؤية الفردانية ، بقي في تهمة العشق خارجا عن ~~نعوت الفردانية والوحدانية. # قال ابن زانيار : ( لتبلون ) أموالكم بجمعها ومنعها ، والتقصير ~~في حقوق الله فيها ، ( وأنفسكم ) باتباع شهواتها وترك رياضتها ، ~~وملازمة أسباب الدنيا ، وخلوها عن النظر في أمور المعاد. # وقيل : ( لتبلون في أموالكم ) بالاشتغال بها أخذا وإعطاء. # قوله تعالى : ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه ~~للناس ولا تكتمونه ) إن الله تعالى أمر الصادقين الذين هم أصحاب إلهام ~~الخاصة والمحدثين والمكلمين من المقربين ، بأن يظهروا بعض مقاماتهم التي ~~بينهم وبين الله سبحانه ، وما يليق بفهم الطالبين ، ويعرفوا سنيات أحوال ~~أهل الولاية في زمانهم للخلق ليتركوا بهم ويصلوا إلى الله ببركاتهم ، ولا ~~يغار عليهم ، وذلك صفة أهل الكمال ms0206 من علماء المعرفة ، ولا يكونوا مداهنين ~~في كتمان مناقب الصديقين. # قيل : أخذ الله المواثيق على عامة أولياء الله به ألا تخفوا كرامات الله ~~عندهم ، فمن لا يفتتن بذلك ، ولا يتخذه دعوى ، وإن يعلموا من قصدهم من ~~المريدين الطريق إلى الحق. # وقوله تعالى : ( واشتروا به ثمنا قليلا ) هذا لمن لم يبلغ مقام ~~الواصلين ، ولو وصل ما باعه بالحدثان ، وكيف يطيق ممن رآه أن يشتغل بسواه ، ~~ولم يصلوا مقاصد القوم ، وبقوا في أول الطريق برهة من الدهر ، ولم يجدوا ~~حلاوة الوصال ، فادعوا عند الخلق بالبلاغة والكمال ، وهم علموا أنهم لم ~~يشاهدوا مواهب الله وكراماته ، فباعوا ما ليس لهم ، ووقفوا في تغير الله ، ~~وخجلوا بين يدي أولياء الله ؛ لأنهم عرفوا خيانتهم (1). PageV01P215 # قيل : ادعوا ذلك لأنفسهم ليفتتنوا به الخلق. # قوله تعالى : ( ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ) هذا وصف ~~الكذابين في دعوى المعاملات قبل شروعهم فيها في إظهارهم سمات أهل المعاملة ~~بظاهر التقشف وزي أهل الناموس لصرف وجوه الناس إليهم بمجرد الدعوى ، وأهل ~~الرياء علوا على رؤية الخلق ، وجب محمدتهم ، وذلك القوم أضل من المرائين ؛ ~~لأنهم يطلبون المحمدة والجاه بغير عمل ، وهم أقبح طائفة من المرائين ~~الكذابين ، وإن الله تعالى بين بما ذكرنا في قوله : ( ويحبون أن ~~يحمدوا بما لم يفعلوا ) وأخبر أنهم لم يخرجوا من حجب النفسانية ، وبقوا في ~~حجاب الهجران وهو أشد عذاب. # قال حاتم الأصم : حذر الله بهذه سلوك طريق المرائين والمتقربين ~~والمتزهدين والمتوسلين بسمات الصالحين ، وهم من ذلك أحوال. # قال الله تعالى : ( فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ) إن ذلك ~~الظاهر ينجيهم من العذاب ، كلا بل لهم عذاب أليم ، وهو أن يحجبهم عن رؤيته ~~ويمنعهم لذيذ خطابه. # ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي ~~الألباب (190) الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق ~~السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (191) ربنا ~~إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار (192)) # قوله تعالى : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~) في ms0207 هذه الآية إشارة لطيفة ، وذلك أن الله سبحانه وصف الربانيين بإدراك ~~أنوار صفة الأزل وذات القدم في ظهور قدرته في فعله ، أي : لهم برهان منه ~~إليه لا من الخلق ؛ لأن في إيجاده غلقة يدركه نظار المعارف وحذاق الكواشف ~~لا في رؤية الخلق ؛ لأن الحدث حجاب عن رؤية القدم ، وهذا مقام الخليل صلوات ~~الله عليه أحسن الأدب ، وعلل في السؤال برؤية الخلق مراده إدراك الربوبية ~~المحضة ، وذلك السؤال أعظم من سؤال موسى عليه السلام ؛ لأن موسى سأل رؤية ~~الله تعالى قط بغير الواسطة ، وهذا عام ، وما سأل الخليل صلى الله عليه وسلم ~~بالواسطة أدق ؛ لأنه سأل سر التقدير والقدرة من كمال شوقه من معرفته إلى ~~نكرته ، ومن نكرته إلى معرفته ، وأيضا خص السماء بظهور الآيات منها ؛ لأنها ~~مزينة بنور جلاله ، ملتبسة بسنا جماله ؛ لأنها مرآة كواشف الصديقين وطرق ~~معارج المرسلين. # ألا ترى إلى قوله : ( الله نور السماوات والأرض ) [النور : 35] ، وقال : PageV01P216 # ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ) [الأنعام : 75] ، ~~وكشف جلاله للخليل عليه السلام بواسطة الشمس والقمر والنجم ، حتى قال : ( ~~ هذا ربي ) [الأنعام : 76] ، وخاصية الأرض لموقع أقدام الصديقين ~~والأنبياء والمرسلين ، وإشراق نوره للمراقبين والمشاهدين ؛ لأنها مقبوضة ~~بطش الحق بقبضة العزة ، قوله : ( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه ) [الزمر : 67]. # وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم في معالم القدرة عن ظهور جلال الأزل من ~~مواقف المقدسية بقوله : «جاء الله من سيناء ، واستعلن بساعير ، وأشرف من ~~جبال فاران» (1). # وخص الليل ؛ لأنها محل مناجاة العارفين وكشوف عظمته ، فهو الأزل بنعت ~~الهيبة للموحدين ، وخص النهار ؛ لأنه سبب فرحة المحبين ، وموضع بسط ~~المشتاقين ، ورؤية جلاله للمبصرين ، الذين يرون الله في مرآة الكون بنور ~~القدرة وسنا المعرفة ، وقفوا باب المعارف على هذه الشواهد ، ورأوا الشاهد ~~قبل المشاهد. # كما قال بعضهم : ما نظرت إلى شيء إلا ورأيت الله فيه ، أرى الباء الحقيقة ~~أنور فعله في السماوات والأرض والليل والنهار ، ثم أراهم فيها أنوار القدرة ~~الخاصة الصفاتية ، وأرى ذاته تعالى في أنوار الصفة ، فعلل الحقائق بلفظ ~~المجهول ، وأبهم على الأغيار ms0208 أسرار معاني الخطاب ، بقوله الآيات وعني ~~بالآيات ما ذكرنا. # أنشد بعضهم : # إن المودة لم تزل موصولة %~% قرر بلادي وأكثر ودادي واحذر عداة الحي أن يلقوك %~% وليظن العداة أنك حادي # هذا محل الالتباس ، وشبيه ذلك ما أخبر تعالى لمن حق فهم ظهور جلال عظمته ~~في لباس القهر ، وفعل المجهول من المقصرين في نعوت الإرادة ؛ حيث قال : ( ~~ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ) [البقرة : 210] ~~، ومع هذا لو كنوا هؤلاء شاهدين على نعت رؤية الفردانية لم تخلهم إلى رؤية ~~الصفة في الآيات ؛ لأنها وسائط تليق بمقام المحبة وإفراد القدم عن الحدوث ، ~~مقام أهل التوحيد ؛ حيث يرونه به لا بغيره. # ألا ترى كيف خاطب الحق من انسلخ عن نعوت الحدث إلى نعوت الحدث إلى نعوت ~~الأزل صلى الله عليه وسلم حيث قال : ( ألم تر إلى ربك ) [الفرقان : ~~45] ، ولولا أنهم حجبوا بالعقول ما رفعهم إلى رؤية الحوادث بأن الله سبحانه ~~خلق العقول لجولانها في الآيات بنعت التفكر والتذكر ، وخلق PageV01P217 # الأرواح لتنسم نفحات تجلي القدس من بساتين الأنس ، وأيضا من احتاج في ~~معرفة الله سبحانه إلى رؤية الآيات ليثبت بها وجود الحق سبحانه ، فهو عامي ~~حيث يعرف القديم بالمحدث ، وأن الأكوان تلاشت في أول باد بدأ من نور العظمة ~~والكبرياء القديم. # قال الجنيد : كل من أثبته بعلة فقد أثبت غيره ، لأن العلة لا تصحب إلا ~~معلولا جل الحق عن ذلك. # وقال الواسطي في هذه الآية : هو فرق ما بين معرفة العامة ومعرفة المحققين ~~؛ لأن العامة اعتقد به بما يليق بطبعها ، والخواص اعتقدوا به بما يليق به ، ~~وكل حال أثبته العموم جحدته الخصوص ، فهو عند الخاص منزه عن كل ما وصفه به ~~العامة ؛ لأن العام اعتقدوه من حيث العبودية ، والخاص اعتقدوه من حيث ~~الربوبية. # وقال بعضهم : إن الخواص لم ينظروا إلى الكون ، والحوادث إلا لمشاهدة ~~الآيات ، وما شاهدوا الآيات إلا لمشاهدة الحق فيها ، ومن شاهد الحق لم ~~يمازج سريرته طعم الحدث. # وقال النصر آبادي : من لم يكن من أولي الألباب ، لم يكن له ms0209 في النظر إلى ~~السماوات والأرض اعتبار ، وأولو الألباب هم الناظرون إلى الخلق بعين الحق. # ( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ) إن الله سبحانه ~~لما خلق أرواح أهل المعارف أوجدها على كشف جماله ، فوقعت كينونة الأرواح ~~على سواطع نور المشاهدة ، فباشرت أنوارها صميم الأرواح ، فعشقت بالله جماله ~~وجلاله ، فلما اشترت بالأشباح بقي الذكر والعشق والمحبة معها عوض المشاهدة ~~، ففي كل نفس لا يخلو عن ذكر معاهد الأول ومشاهدة القديم بنعت الشوق ~~والمحبة والعشق ، وذلك بغير اختيارها ذاكرة للمذكور ، متفكرة للغيبة ~~والحضور ، شائقة عاشقة بنعت الهيجان والهيمان على جميع الأحوال ، مجذوبة ~~بسلسلة الوصلة إلى جمال القدم ، مستغرقة في بحار المواجيد وأنوار الكواشف ، ~~لأجل ذلك وصفها الله بدوام الذكر والفكر على نعت التسرمد ، وأخبر على قدر ~~عقول الخلق عن أحوالهم بلفظ الذكر والفكر ، وذلك نعت قلوبهم وعقولهم ~~وأبدانهم ، وأخفى شهود أرواحهم مشاهد القدس والأنس لطفا وإبقاء ومحبة وغيرة ~~، بقوله : ( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ) قيامهم ~~مقرون بذكر العظمة والكبرياء ، وقعودهم مقرون بذكر الجمال وحسن الأفضال ، ~~واضطجاعهم مقرون بذكر البسط والانبساط ، والرفاهية في الشوق والمحبة ، ~~فذكرهم على قدر كشوف الصفات ، فكشف العظمة هيجهم إلى ذكر الفناء إلى ~~التوحيد ، وكشف الكبرياء هيجهم إلى ذكر الاضمحلال في التواضع والتفريد ، ~~وكشف البهاء هيجهم إلى ذكر الخمود في الشهود ، وكشف القدرة هيجهم إلى ذكر ~~العجز في العبودية عن إدراك PageV01P218 # الربوبية ، وكشف الجمال هيجهم إلى الغيبة في ذكر الآباد ، وعلى ذلك كل ~~صفة لها تجلي ، ولذلك التجلي مباشرة في قلوب الذاكرين ، ولكل ذكر له عمل في ~~المقامات ، وله حقيقة وجد في الحالات (1). # ذكر الرضا من رضا الحق والتوكل من حب الله ، وذكر القهر من جبروت الله ، ~~وذكر الأفضال من ملكوت الله ، وذكر الآلاء من ملك الله ، وعلى قدر ظهور ~~الصفات لهم تسرمد الذكر الذي وافق الكشف من الأسماء والصفات والنعوت ~~والذات. # سبحان من خص الأولياء بكشوف صفاته ، سبق ذكره لهم بهذه الفضائل والقربات ~~قبل ذكرهم إياه إلى الآزال ، فذكره جعلهم ذاكرين ، ورحمته جعلتهم متفكرين ~~في جلاله ms0210 وعظمته ، ومن عاش منهم عن حقيقة القدم ، صار متصفا بعد الذكر بصفة ~~المذكور ، وخرج من مقام الذكر لغيبته عن الذكر في رؤية الأزل والأبد ، فعند ~~ذلك الذاكر والذكر والمذكور في باب الاتحاد واحد في شرط الفردانية ، ~~والموحد الذاكر يفنى ويبقى الموحد لا غير ، كما لم يزل في الأزل. # قال جعفر : ( يذكرون الله قياما ) في مشاهدات الربوبية ، و ( ~~ وقعودا ) في إقامة الخدمة ( وعلى جنوبهم ) في رؤية الزلف. # وقال الواسطي : كل ذاكر على قدر مطالعة قلبه بذكره ، فمن طالع ملك الجلال ~~ذكره بذلك ، ومن طالع ملك رحمته ذكره بذلك ، ومن طالع ملك معرفته ذكره على ~~ذلك ، ومن طالع ملك سخطه وغضبه كان ذكره أهيب ، ومن طالع المذكور أغلق عليه ~~باب الذكر. # قال النصر آبادي : ( الذين يذكرون الله قياما ) بقيوميته ، أفمن ~~هو قائم على كل نفس ، ( وقعودا ) بمجالسة ، «أنا جليس من ذكرني» ~~(2)، ( وعلى جنوبهم ) على إشادة ( يا حسرتى على ما فرطت ~~في جنب الله ). # قال بعضهم : ( الذين يذكرون الله قياما ) يذكرونه قائمون باتباع ~~أوامره ، ( وقعودا ) أي : قعودا عن زواجره ونواهيه ، ( ~~وعلى جنوبهم ) أي : وعلى اجتنابهم مطالعات المخالفات بحال. PageV01P219 # وقوله تعالى : ( ويتفكرون في خلق السماوات والأرض )، التفكر في ~~خلق السماوات والأرض على معنيين : # الأول : طلب غيبة القلوب في الغيوب التي هي كنوز أنوار الصفات التي تبرز ~~منها مقادير الخلق ، يتفكرون في محض الربوبية ، وإرادتهم إدراك أنوار ~~القدرة التي تبلغ الشاهد إلى المشهود بحقيقة رؤية الوصف. # والثاني : جولان القلوب بنعت التفكر في إبداع الملك في الملك ، طلب ~~مشاهدة المالك في الملك ، الأول منزل التوحيد ، والآخر منزل الجمع. # قال بعضهم : هو رؤية الله قبل التفكر في الأشياء ، وواسطة التفكر أن ترى ~~الأشياء قائمة بالله ، وفساد التفكر أن ترى الأشياء فيستدل بها على الله ، ~~وقبل ذلك بالتفكر في صفات الحق لا في المحدثات ، ولو كان ذلك على المحدثات ~~لقال : ويتفكرون في السماوات. # وقوله تعالى : ( ربنا ما خلقت هذا باطلا ) تطرقوا من مقام الذكر ~~إلى مقام التفكر في خلق الكون ، استرواحا من الاحتراق بنور الذكر بمروحة ~~صفاء الفعل ms0211 ، لكيلا يفنوا في مشاهدة المذكور ، وذلك غلبة المريدين في طلب ~~الرفاهية ، وركوب الرخص ، ألا ترى كيف احتجبوا بالفعل عن الفاعل. # وأيضا : لما استحلوا رؤية الفاعل في الفعل ، ووجدوا حكم الأزلية بنعت ~~التجلي في مرآة الفعل ، قالوا : ( ما خلقت هذا باطلا ) أرادوا وجود ~~الكون مرآة التجلي المكون في مقام التفكر بعد إرادتهم زواله في صفاء الذكر ~~، غيرة على الغير ، وذلك قوله : ( ربنا ما خلقت )، وعلة ذلك أن ~~الله سبحانه عرف مكان ضعف الخلق عن حمل مشاهدته ، صرفا فأظهر الكون ~~ليتطرقوا بالوسيلة إليه ، كيلا يحترقوا في أول بوادي ظهور العظمة ، وسطوات ~~الكبرياء رحمة وشفقة. # قال فارس : الحكمة في إظهار الكون إظهار حقائق حكمته بالفعل الحكيمي. # قال الخواص : أمرهم بالتفكر في خلق السماوات والأرض ، ثم قطعهم عن ذلك ~~بقوله : ( ربنا ما خلقت هذا باطلا ) دلهم عليها ، ثم حثهم على ~~الرجوع إليه ؛ لكيلا يقفوا معها ، وينقطعوا عن مشاهدته ، والإقبال عليه. # وقوله تعالى : ( سبحانك فقنا عذاب النار ) لما نزل القوم من مقام ~~الذكر الخالص بغير الوسائط إلى مقام التفكر في الأفعال والآيات ، ووقعوا في ~~رؤية الخلق أدركوا مافاتهم من خوالص الذكر بقولهم : ( سبحانك ) أي ~~: أنت منزه عن كل ذكر وفكر ، وكل خاطر وإشارة PageV01P220 # وعبارة ، وأنت أعظم من أن يدركك أحد بوسيلة الكون ، حيث لم يدركك بكل ذكر ~~خالص ، ولا يدركك إلا بك كل عارف ، سبحانك عما وصفناك بلسان الحدث ، أنت ~~كما أثنيت على نفسك بقولك : ( سبحان الله عما يصفون ) [المؤمنون : ~~91] ، و ( فقنا عذاب النار ) أي : عن طلبنا بنا لا بك ، وعذاب ~~النار عذاب البعد ، وذلك نيران الفراق وهو حرق من نار الظاهر. # قال النصر آبادي : ( سبحانك ) أي : نزهت نفسك في نفسك بمعناك في ~~معناك بما لا ، ومنك بك لك. # ( ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ~~ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (193) ربنا ~~وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد (194) ~~فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو ms0212 أنثى بعضكم من بعض ~~فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن ~~عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله ~~والله عنده حسن الثواب (195) لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد (196) ~~متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد (197) لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير ~~للأبرار (198)) # قوله تعالى : ( ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا ~~بربكم فآمنا ) أخبر الله سبحانه بهذه الآية عن أحكام توحيد القائمين في ~~معهد الأزل بنعت المشاهدة والفناء في القدم ، بعد رجوعهم من الأرواح إلى ~~الأشباح ؛ حيث سمعوا مناداة الحق وخطابه من لسان منادي الحق ، بشرط الوسائط ~~بعد سماعهم خطابه صرفا ، أي : إننا سمعنا مناداتك بلسان الوسيلة ، فآمنا ~~بشرط المشاهدة قبل مناداة الرسل ؛ حيث قلت : ( ألست بربكم قالوا ~~بلى ) [الأعراف : 172] ، في المشاهدة والحضور بلا حجاب ، وأيضا ( ~~إننا سمعنا ) بأرواحنا وأسرارنا منك ، فآمنا بك بغير علة ، فاتبعنا ظاهرا ~~وباطنا مناديك ، وصدقناه بما وجدنا حلاوة اليقين في قلوبنا ، ومعنى الإيمان ~~تصديق الكل برؤية الكل ، وسابقة نظر الأسرار إلى الأنوار ، وقبول الظاهر ~~بيقين الباطن ، والشروع في العبودية بعد كشف الربوبية ، ومعاينة الغيب ~~بالغيب. PageV01P221 # قال القاسم : الإيمان أنوار الحق إذا اشتملت على السريرة ، وهو أن يغيب ~~العبد تحت أنواره ، ويبدو له نجم الاحتراق فيغيبه عن وساوس الافتراق ، ~~فيكون مصحوب الحق في أوقاته ، لا يشعر بتسخيره ، ولا يعلم بحجابه ، وإنما ~~حجب الكل بالكل ، وحجب كلا بكليته ، وقمع كلا بحده ، لئلا يستوي علم أحد مع ~~علمه ، فهذا هو صريح الإيمان. # وقوله تعالى : ( ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا ~~مع الأبرار ) أي : اغفر قصور معرفتنا بك فإنه أعظم الذنوب ؛ حيث نطلب معرفة ~~القدم بالحدث ، وكيف يكون مقارنة القديم بالمحدث ، ( وكفر عنا ~~سيئاتنا ) أي : تجاوز بكرمك عن كل خاطر يشير إلى غيرك بعد ما وجدنا حلاوة ~~وصلتك ، ( وتوفنا مع الأبرار ) أي : توفنا مع الذين أنعمت عليهم ~~بكشف مشاهدتك لهم ، وإيقاع محبتك ms0213 في قلوبهم ، واستشواقك من صميم أسرارهم ~~إلى جمالك ، واكتسابهم بكسوة رضا القديم ، حتى وقفوا معك بشرك الرضا في كل ~~بلائك وامتحانك. # قال الشيخ أبو عبد الرحمن : مع من رضيت ظاهرهم للخلق ، وباطنهم لك. # وقيل : ( الأبرار ): هم القائمون على حد التفريد والتوحيد. # وقال سهل : الأبرار هم المتمسكون بالسنة. # وقال بعضهم : هم الناظرون إلى الخلق بعين الحق. # قوله تعالى : ( ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ) أي : نحن ~~احترقنا بنيران محبتك ، فأرونا بحسن مشاهدتك التي وعدت رسولك بقولك : ( ~~ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) [يونس : 26] ، وأيضا ( وآتنا ~~ما وعدتنا ) بلسان رسلك ، إن من اتبعهم تعطيه محبتك وسنيات آياتك وكراماتك ~~؛ حيث قلت : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ). # وقوله تعالى : ( ولا تخزنا يوم القيامة ) أي : لا تحجبنا بنعمتك ~~عنك ؛ حيث يشتغل أهل الفريقين بأنفسهم ، وهذا الدعاء من المعرفة تنزيه ~~الأزلية عن الحدوثية ، واستغناء الربوبية عن العبودية ، حتى لو يحرق جميع ~~الأنبياء والمرسلين ، لا يبالي بهم ، ولا تنقص من ملك جلاله ذرة لك ، عرفوا ~~ما سبق لهم من حسن العناية ، فستزادوا تواتر الأنعام ؛ حيث تسلى الحق ~~سبحانه قلوب الخائفين القانتين في رؤية العظمة ، بقوله : «سبقت رحمتي غضبي» (1). PageV01P222 # قال الشيخ أبو عبد الرحمن : أي : لا تجازنا بأعمالنا ، وعد علينا بفضلك ~~ورحمتك ، إنك لا تخلف الميعاد ، بقولك : «سبقت رحمتي غضبي». # وتفسير قوله : ( إنك لا تخلف الميعاد ) عندي نفي علة الحدث عن ~~ساحة الكبرياء ؛ لأن نقض العهد من شواغل أهل العلة ، أي : أنت منزه عن خلف ~~الوعد ، ونحن في محل الأمن من ذلك ، فإن أوصاف الحدثان لا تجري على عزة ~~كبريائك. # قال الأستاذ في هذه الآية : أي حقق لنا ما وعدتنا على ألسنة الوسائط من ~~كمال النعمة ، وتكفير السيئات ، وغفران كل ما سبق من متابعات الهوى. # قوله تعالى : ( فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم ) في هذه الآية ~~إشارة إلى تنزيه الأرواح من الخطرات ، وتقديس الأشباح من الشهوات ، هاجروا ~~من غير الله إلى الله ، ثم إن الله تعالى حث الأعداء بإخراجهم عن ديارهم ~~لحب عزته العاشقين الصادقين ، كيلا يركنوا بالطبع ms0214 والحب إلى الإخوان ~~والأوطان (1). # قيل في تفسيرها : تركوا الشرور ، وفارقوا أقرباء السوء. # وقوله تعالى : ( وأوذوا في سبيلي ) إن القوم إذا لم يذوقوا مرارة ~~إيذاء المنكرين لم يبلغوا حقائق الالتجاء إلى الله ، والفرار إليه ، فإيذاء ~~الأضداد يهيج للأولياء إلى مقام القبض ، وضيق الصدور ، ذلك محل الامتحان من ~~الله سبحانه ؛ لكظمهم غصص غيظ المنكرين ، لتفتح بعد ذلك أبواب الخطاب ، ~~وصفاء البسط ، وسرور المنة. # قال الجنيد : جزى الله إخواننا عنا خيرا ، ردونا بحقائقهم إلى الله ، ~~وهذا سنة الله التي قد جرت على أهل سلوك المعارف والكواشف ، قال تعالى : ( ~~ ولن تجد لسنة الله تبديلا ) [الأحزاب : 62]. # قيل : غير القوم بصحبة الفقراء ومجالستهم ، والتزيي بزيهم ؛ لأن الفقر هو ~~طريق الحق ، ألا ترى المصطفى صلوات الله عليه لما جلس معهم ، كيف قال : ~~«المحيا محياكم ، والممات مماتكم» (2). PageV01P223 # قوله تعالى : ( لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ) ~~أي : لا يعجبنك طوف المنكرين في البلدان لطلب الفصاحة البلاغة ، والتكلف في ~~الآداب والزينة ، طلبا لصرف وجوه الناس والربانية والحيل بأولياء الله ، ~~فإن أحوالهم مزخرفات فانية ، يريدون بها إسقاط جاه الصديقين عند الخلق ، ~~وأنا بجلالي في كل نفس أرفع درجاتهم ، وأزيد في ملك ولايتهم رغما للمنكرين ~~، وإرغاما لأنوف المبطلين. # وأيضا : لا يغرنك ، ولا يفتتنك صحة أبدانهم ، وأين عيشهم في العالم ، ~~وتيسير إقبال الدنيا إليهم في البلاد بجاههم عند العامة ؛ فإنهم يحاربونني ~~بإهانتهم أوليائي ، ومبارزتهم معي بعداوة إحمائي ، فإن أيامهم قليلة ، ~~وحسراتهم كثيرة عند طلوع أنواري من شرق العناية على وجوه أوليائي ؛ حيث قلت ~~: ( وأشرقت الأرض بنور ربها ) [الزمر : 69] ، أفتضحهم عند وضوح ~~الكتاب ، وحضور الأنبياء والشهداء ، وهذا وعيد شديد لأهل أزماننا من ~~السالوسيين الناموسيين. # قال يوسف في تفسير هذه الآية : لا تفتتنك الدنيا بوقوع الجهال عليها ، ~~والاغترار بما فيها ، والتكثر بنعيمها ؛ فإنها زادهم إلى النار. # قوله تعالى : ( وما عند الله خير للأبرار ) بين الله تعالى رفعة ~~منازل المتقين في الجنان ، ثم أبهم لطائف العندية لهم ، بقوله : ( ~~وما عند الله خير للأبرار ) أي : ما عنده من نعم المشاهدة ولطائف القربة ~~وحلاوة الوصلة ms0215 ، خير مما هم فيه من النعيم في الجنة ، وأيضا صرح في بيان ~~مراتب الولاية أنه ذكر المتقين ، والتقوى تقديس الباطن عن لوث الطبيعة ، ~~وتنزيه الأخلاق عن دنس المخالفات ، وذلك درجة الأول من الولاية ، والأبرار ~~أهل الاستقامة في المعرفة ، وبين أن أهل التقوى في الجنة ، والأبرار في ~~الحضرة. # وأيضا : أعجبوا الأبرار بما وجدوا من أنوار نيران المكاشفات ، ولطائف ~~المناجاة ، وحقائق المشاهدات بنعت الوجد والحالات ، فأخبرهم أن ما هم فيه ~~بالإضافة إلى ما عنده لهم في الآخرة كلا شيء في ذلك ، وذلك قوله تعالى : ( ~~ وما عند الله خير للأبرار )، وأيضا لا يتعجبوا صورة أحكام أهل ~~الدنيا في طراوتهم ، وحسن هيئاتهم ، أيها المريدون ؛ فإن شدائد مجاهداتك ~~تورث سليم العيش في رؤيتي وقربتي ومشاهدتي. # قيل : ما عنده لهم خير ما يطلبونه بأفعالهم. # ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل ~~إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ~~ربهم إن الله سريع PageV01P224 # الحساب (199) يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ~~واتقوا الله لعلكم تفلحون (200)) # قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ~~واتقوا الله لعلكم تفلحون ) (1) أعلم الحق سبحانه حقيقة لهيب نيران فؤاد ~~المشتاقين ، وتسلاهم بخطابه ، وبما أمرهم بالصبر في لوعة الفراق ، أي : ~~اصبروا أيها المشتاقون في ركوب عظائم آلام المحبة والشوق على قلوبكم ، ~~بتذكيركم بلوغ وصالي ، فإذا اشتد الأمر عليكم بالصبر في بلائي ، صابروا على ~~الصبر لكيلا يجزع صبركم في عناء الفرقة ، والاحتراق في المحبة ، اصبروا ~~بمشاهدتي ، وصابروا في طلبكم حقائق معرفتي ، اصبروا بأسراركم ، وصابروا ~~بأسراري ، ولا تكشفوها عند الأغيار ، ورابطوا قلوبكم بكتمانها ، واتقوا ~~الله في إفشاء السر ، كيلا تحتجبوا عنه ، ( لعلكم تفلحون ) وتظفرون ~~بنعمة جمالي ، وحسن وصالي ، وتفوزون من أليم عذاب فراقي. # وأنشد أبو حمزة الصوفي : # نهاني حيائي منك أن أكتم الهوى %~% وأغنيتني بالفهم عنك من الكشف تلطفت في أمري فإن أك شاهدا %~% إلى غايتي فاللطف يدرك باللطف # وأنشد أبو بكر أحمد بن إبراهيم المؤدب لإبراهيم الخواص : # صبرت على بعض الأذى خوف ms0216 كله %~% ودافعت عن نفسي لنفسي فعزت وجرعتها المكروه حتى تدربت %~% ولو جملة جرعتها لاشمأزت ألا رب ذل ساق للنفس عزة %~% ويا رب نفس بالتعزز ذلت إذا ما مدت الكف التمس الغنى %~% إلى غير من قال اسألوني فشلت سأصبر نفسي إن في الصبر عزة %~% وأرضى بدنياي وإن هي قلت # وأنشد الشبلي في حقائق الصبر : # عبرات خططن في الخد سطرا %~% فقرأه من لم يحسن يقرا صابر الصبر فاستغاث به الصبر %~% فصاح المحب بالصبر صبرا PageV01P225 # قال الجنيد : إن الله تعالى ذكر الصبر وشرفه وعظم شأن الصابرين لديه ، ~~فقال : ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ) أمرهم بالصبر على ~~الصبر ، ثم قال : ( ورابطوا ) وهو ارتباط السر مع الله سرا ، ~~والوقوف مع البلاء جهرا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «الصبر عند الصدمة ~~الأولى» (1). # قال الحارث : الصبر التهدف لسهام البلاء. # وقال الجريري : الصبر إسبال التولي قبل وقوع البلوى ، فإذا صارف البلوى ~~تلقاه بالتولي ولم يجزع. # وقال بعضهم : ( اصبروا ) تحت حكمي ، ( وصابروا ) في ~~الحلاوة مع أعدائي ، ( ورابطوا ) قلوبهم بموافقتي ورضائي. # وقال جعفر : ( اصبروا ) عن المعاصي ، و ( وصابروا ) على ~~الطاعات ، ( ورابطوا ) الأرواح بالمشاهدة ، ( واتقوا الله ~~) أي : اجتنبوا الانبساط مع الحق ، ( لعلكم تفلحون ) تبلغون مواقف ~~أهل الصدق ، فإنه محل الفلاح. # وقال بعضهم : ( اصبروا ) بجوارحكم على الطاعات ، ( ~~وصابروا ) بقلوبكم مع الله ، ( ورابطوا ) بأسراركم بالحقائق سبل ~~الشوق والمحبة. # وقال بعضهم : ( اصبروا ) بالله ، ( وصابروا ) مع الله ، ~~( ورابطوا ) أسراركم بالحقائق لعلكم تجردون عن همومكم وخطراتكم. # قال ابن عطاء : الصبر للمطيعين ، والمصابرة للمحبين ، والمرابطة للعارفين ~~، وقال : الصبر لله ، والمصابرة بالله ، والمرابطة مع الله. # وقال الأستاذ : الصبر فيها يتفرد به العهد ، والمصابرة مع العدو ، ~~والرباط نوع صبر ، ولكن على وجه مخصوص. # ويقال : أول الصبر التصبر ، ثم الصبر ثم المصابرة ، ثم الاصطبار وهو ~~نهايته. # ويقال : ( اصبروا ) على الطاعات وعن المخالفات ، ( ~~وصابروا ) في ترك الهوى والشهوات ، وقطع المنى والعلاقات ، ( ~~ورابطوا ) بالاستقامة في الصحبة في عموم الحالات. # ويقال : ( اصبروا ) على ملاحظة الثواب ، ( وصابروا ) على ~~ابتغاء القربى ، ( ورابطوا ) في محل الدنو أو الزلفة على شهود ~~الجمال والعزة. PageV01P226 # وقد وقع ms0217 لي قول بعد أقوال أشياخ المعرفة زيادة على قولي في الآية قبل ~~أقوالهم ، أن الله سبحانه أعلمنا في هذه الآية بيان أربع مراتب من عظائم ~~مقامات أهل الكمال في التوحيد : # الأول : مقام المعرفة ، والثاني : مقام النكرة ، والثالث : مقام الفناء ، ~~والرابع : مقام البقاء. # وأضاف الصبر إلى المعرفة ، والمصابرة إلى النكرة ، المرابطة (1) إلى ~~الفناء ، والفلاح إلى البقاء ، أي : اصبروا في معرفتي حيث أعرفكم نفسي ~~بنفسي ، فإن في عرفاني مباشرة السر بالسر ، وتخلق الصفة بالصفة ، واتحاد ~~الذات بالذات. # أي : إذا كنتم في مقام الاتحاد بإدراك ربوبيتي ، اصبروا بكتمان دعوى ~~الربوبية فإنكم في مقام المكر ، وأنتم لا تعلمون ، وإذا وقعتهم في بحار ~~ألوهيتي ، واختلط بكم بحار السرمدية والأزلية ، ولا تعرفون طرق معرفتي بعد ~~وقوعكم في نكرتي ، ونكرتي جهلكم بي بعد معرفتكم بي ؛ حيث امتزج ظلام ~~القهريات بأنوار اللطفيات. # صابروا هناك لكي تدركونني فتربحون بكم ذوق وصالي ، وسكر مشاهدتي ، وصحو ~~صحبتي من غمرات النكرات ، فإنكم في النكرة على محل غيرتي علي لكم ، وإذا ~~انكشف لكم سطوات عظمة قدمي ، وبرزت أنوار أزليتي ، وأنتم في محل الاضمحلال ~~والفناء عنكم ، ورابطوا أسراركم في أنواري ؛ كيلا تتلاشوا بي عني فيفوتكم ~~إدراك لطائف الغيبية ، ووضوح أسرار الأزلية ، فإذا استفهم في الفناء عنكم ، ~~ولقيتم بي علي تفلحون بإسبال بقائي عليكم حتى تخرجون من بحار الفناء بشرط ~~البقاء ، فإذا صرتم باقين ببقائي ، فزتم عن ورطة الفناء بعد ذلك ، ولا تجري ~~عليكم أحكام التلوين بعد الاستقامة والتمكين. ### | سورة النساء # بسم الله الرحمن الرحيم # ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها ~~زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام ~~إن الله كان عليكم رقيبا (1) وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث ~~بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا (2) وإن خفتم ~~ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم PageV01P227 # من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ~~ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا (3) وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن ~~لكم ms0218 عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا (4)) # ( يا أيها الناس ) أي : أيها الناسي عهد الأزل وميثاق القدم بشرط ~~وفاء العبودية بعد خطابي ومعرفتي وتعريفي نفسي لكم ، حيث قلت : ( ~~ألست بربكم ) [الأعراف : 172] ، فأجبتم بقولكم : ( قالوا بلى ). # وأيضا : أيها الناسي جمال مشاهدتي ؛ حيث أخرجت أرواحكم من العدم بتجلي ~~أنوار القدم ، فبصرتها بمشاهدتي ، وأسمعتها خطاب أزليتي باشتغالكم على حظوظ ~~البشرية ومأمول الطبيعة. # وأيضا : أيها المستأنس بالمستحسنات من الأكوان والحدثان طلبا لمشاهدتي ~~اعلم أنها أعظم الحجاب ؛ لأنها وسيلة حدثية وإيصال إلى أحد إلا بي ، ورؤية ~~الأشياء في رؤيتي مكر. # وأيضا : أيها المستأنس في المستوحش من غيري فلا تغرن بي ؛ فإنك لي لا لك. # وأيضا : أي : أيها الناسي أنفسكم التي هي مخلوقة من الجهل بي ، فلا ~~تخافون حيث ادعيتم معرفتي ، ومعرفتي للقدم لا للحدث. # وأيضا : هذا خطاب لبني آدم ، أي : أيها الذين انتسبتم إلى ابن الماء ~~والطين الذي اشتغل عني بأكل حبة حنطة حتى بكى عليها مائتي سنة إيش تفعلون ~~بعده في مواقف القربة ، وتنزل المشاهدة بعد المعرفة ، فإن عذاب الفراق أليم ~~، لو تعرفون أنفسكم لا تشتغلون بالحدثان ، فإني اصطفيتكم بمشاهدتي وخطابي ~~من بين البريات ، أما سمعتم قولي : ( ولقد كرمنا بني آدم ) ~~[الإسراء : 70] ، وهذا الخطاب خطاب العتاب للمفارقين أوطان المآب ؛ ألا ترى ~~إذا غضب عظيم على خادمه لم يسم باسمه ، ويقول : يا إنسان. ولا يقول : يا ~~حسن ، يا أحمد ، أي أنت على محل الجهل بمرادي منك. # والإشارة فيه : إن الله سبحانه عرف أمر المعرفة عباده حيث اشتغلوا بسواه ~~، كأنه نبههم عن رمدة الغفلات بزواجر هذا الخطاب ، ويقول : أيها الناقضون ~~عهد المعرفة والعشق ، أما تستحيون مني باشتغالكم بغيري ، اتقوا من فراقي ~~وعتابي. # قال بعضهم : يا بني النسيان والجهل. # وقال ابن عطاء : أي كونوا من الناس الذين هم الناس ، وهم الذين أنسوا به ~~، واستوحشوا مما سواه. PageV01P228 # وقال جعفر : أي : كونوا من الناس الذين هم الناس ، ولا تغفلوا عن الله ~~ممن عرفه ، إنه من الإنسان الذي خص خلقته بما خص به ، كبرت همته عن طلب ~~المنازل ، وسمت به ms0219 الرفعة حتى يكون الحق نهايته ، ثم ( إلى ربك ~~المنتهى ) [النجم : 42] ، وسمو همته مما خص به من الاختصاص من التعريف ~~والإلهام. # وقال بعضهم : ( يا أيها الناس ) خطاب العام ، و ( يا ~~عبادي ) خطاب الخاص ، وخطاب خاص الخاص ، ( يا أيها النبي )، ( ~~ يا أيها الرسول ). # قوله تعالى : ( اتقوا ربكم ) (1) أي : كونوا على تقديس الأسرار ~~عند كشف الأنوار ، وعلى شرط الانفراد في محبتي عن الأغيار ، ولا تبغوا آثار ~~الأشرار لتكونوا في منازل الصدق من الأبرار ، حذرهم من نفسه. # والإشارة فيه : إن من مال سره في سيره إليه امتنع بعزته عن مطالعة جلاله ~~، كقوله : ( ويحذركم الله نفسه ) [آل عمران : 28] ، وحقيقة التقوى ~~قدس السر عما سواه بنعت الخوف من فراقه في متابعة هواه. # قال بعضهم : التقوى ترك المخالفات أجمع. # وقال بعضهم : تقوى الله هو الاجتناب من كل شيء سواه. # وقال الواسطي : التقوى على أربع وجوه : للعامة تقوى الشرك ، وللخاص تقوى ~~المعاصي ، وللخاص من الأولياء تقوى التوسل بالأفعال ، وللأنبياء تقويهم منه إليه. # وقوله تعالى : ( الذي خلقكم من نفس واحدة ) (2)، إن الله سبحانه ~~ذكر جميع أوصاف قدمه وأمره ومشيئته ونعته وأفعاله في هذه الآية رمزا وإيماء ~~؛ لأنه تعالى لما أراد إبداع الخليقة لعرفانها حقوق الألوهية ، وانتشار ~~أنوار المحبة الأزلية في فضاء القلوب وأماكن الأرواح تجلى ذاته لصفاته ، ~~وتجلت صفاته لأفعاله ، وجمع علمه وحكمته وقدرته في نعت واحد وهو الأمر ، ~~فقرنت الإرادة بالأمر ، فنظر في الأمر بنعت الكاف والنون إلى العدم من ~~القدم ، فأظهر جوهر البسيط المجموع فيه الأجسام والأرواح والجوهر والأعراض. PageV01P229 # ثم نظر إليه بنظر الهيبة والعظمة والجود ، فأنشر منه ما سبق علمه في ~~الأزل به من العرش إلى الثرى على صور وهيئة كانت منقوشة بنقوش خواتيم ~~أفعاله ، وذلك المبدع هو أحمد صلوات الله عليه حيث قال : «أول ما خلق الله ~~نوري ، فكنت كذا وكذا» (1)، حتى ذكر أن من العرش إلى الثرى خلق من نوره ~~وهو آدم عليه السلام الأول الذي قال تعالى : ( خلقكم من نفس واحدة ) ~~، ثم جمع الأرواح والأشباح والأنوار والأسرار في قبضة عزته ، وخمرها بطينة ~~آدم ms0220 عليه السلام في أربعين ألف صباح من صبح الآزال والآباد ، حتى خلقه بخلقه ~~، وأنشأه بروحه ، فقال : ( خلقت بيدي ) [ص : 75] ، ( ونفخت ~~فيه من روحي ) [ص : 72] ، فباشرت فيه يد الأزل والأبد ، وظهر فيه قدس القدم ~~بجميع الأسماء والصفات والنعوت والأفعال ، فصوره بصورة الملك ، فتتشعب منه ~~أماكن أسرار القديم من خلق الأولين والآخرين ، وهو صورة عين الجمع التي ~~أظهر الحق منها أوصاف قدمه ، ألا ترى إلى قول سيد البشر صلوات الله عليه ~~كيف قال في المتشابهات : «إن الله خلق آدم على صورته» (2)، وهو آدم ~~الثاني. # قوله تعالى : ( وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء )، ~~أخبر عن مقام الجمع بقوله : ( خلقكم من نفس واحدة )، ثم أخبر عن ~~التفرقة بقوله : ( وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ). # وبين بعض ما أشرنا أستاذ الأستاذين شيخ التمكين عمرو بن عثمان المكي رحمة ~~الله عليه وقدس روحه وقال : إن الله خلق العالم ، وهيأه باتساق نظم واحد من ~~أطرافه وأكنافه ، وأوله وآخره ، وبدؤه ومنتهاه ، من أسفله إلى أعلاه ، ~~وجعله بحيث لا خلل فيه ولا تفاوت ولا فطور ، أحكم بناءه باتصال تدبيره ، ~~وحبسه على حدود تقديره وإن اختلفت أجزاؤه في التفرقة والأجسام والهيئات ~~والتخطيط والتصوير ، وفرقه بتفرقة الأماكن ، وحققه بائتلاف المصالح ، فهو ~~مربوط بحدود تقديره ، ومتتابع باتصال تدبيره ، وبث فيه الأجناس بينهما من ~~شواهد الزينة ، فأظهر القدرة بإيجاد آدم عليه السلام ، ثم بث أولاده في ~~البسيط إلى تصاريف التدبير لهم والمشيئة ، قال تعالى : ( هو الذي ~~خلقكم من نفس واحدة ) [الأعراف : 189]. # وقوله تعالى : ( واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام )، أكد ~~التحذير ، وبين القدرة والتقدير أي : احذروا عمن هو قادر لإيجاد الخلق من ~~لا شيء ومن شيء ترك مخالفته ؛ PageV01P230 # فإنه قادر أن يعدمكم ، حتى لم تكونوا أبدا كما لم تزالوا معدوما ، ~~والمعدوم محجوب عن ديوان النبوة والولاية. # ( واتقوا الله الذي تسائلون به ) أي : اتقوا من فراق الذي تسألون ~~منه به مشاهدته ووصاله ، وخوفهم بالأرحام ، أي : اجتنبوا من مخالفة أوليائي ~~رحم الصحبة ، قال : صحبتي موصولة بصحبتهم ، ومن فارق منهم فارق مني. ms0221 # قال الأستاذ : أي فاتقوا الأرحام أن تقطعوها ، فمن قطع الرحم قطع ، ومن ~~وصلها وصل. # وقوله تعالى : ( إن الله كان عليكم رقيبا )، ذكر التقوى وأكد ~~التقديس الأسرار ، وليقع نظرات تجليه على مواقع القلوب ، وصميم الأرواح بلا ~~علة وجود الغير فيها ؛ لأنه منزه لا يصل إليه إلا منزه عن غيره ، وهو ناظر ~~إلى مواطن القلوب من الغيوب ، وترفرف أنوار قربه عليها ، فإذا يرى فيها ذكر ~~الغير يرتحل مطايا أنواره منها إلى معادن الألوهية والربوبية ، وذلك قوله : ~~( إن الله كان عليكم رقيبا ). # وأيضا : مقام الهيبة ووقوع نور العظمة على القلب الصافي بنعت حفظه عن ~~خطرات الحوادث ، والقلب العارف المنقلب في معارج الصفات ، وهو تعالى استأثر ~~حفظه بنفسه لا يكل حفظه إلى غيره ، وبيان ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ~~«القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن ، يقلبها كيف يشاء» (1)، وإذا راقب ~~العبد ربه في البداية راقبه الله في النهاية ، كقوله عليه السلام لابن عباس ~~: «يا غلام احفظ الله يحفظك» (2)، والمراقبة منه الحفظ والكلاءة ، وفيه ~~بيان تسلية الله سبحانه قلوب المحزونين المشتاقين إلى جلاله ، أي : أنا ~~ناظر إلى أسراركم ، وأعلم حرقتكم وهيجانكم ؛ إني أجازيكم بوصلي ، وأواسيكم ~~بجمالي. # وأيضا : أخبر الله تعالى عن شوق قدمه قبل الحوادث إلى وجوه أصفيائه ، أي ~~: كنت مراقبا بنفسي بغير علة التغاير بخروجكم من العدم إلى شواهد القدم ، ~~ومن شواهد القدم إلى نور العدم ، كما قال : «وإني إليهم أشد شوقا» (3)، ~~وكان إخبار عن الأزلية في الأزلية. # قال ابن عطاء في قوله : ( إن الله كان عليكم رقيبا ) قال : عالما ~~بما تضمر من سرك ، وما تخفيه من خواطرك ، فراقب من هو الرقيب عليك. PageV01P231 # ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم ~~فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا (5) وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا ~~النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا ~~وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ~~فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا (6) للرجال نصيب ~~مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء ms0222 نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما ~~قل منه أو كثر نصيبا مفروضا (7)) # قوله تعالى : ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ) المال هاهنا حقائق ~~المعرفة التي لا يعرفها إلا الربانيون ، أي : لا تظهروها للمبتدئين ؛ لئلا ~~تفسد عقائدهم. # وأيضا : لا تعطوا المال إلى غير من يبلغ درجة التمكين ؛ فإنه يهلك في تصرفه. # قيل : أولادكم الذين يمنعونكم عن الصدقة. # قوله تعالى : ( فإن آنستم منهم رشدا ) الرشد هاهنا والله أعلم : ~~معرفة الله ومحبته وسلوك سبيله على موافقة السنة. # وقيل : أصحابه الحق ، وقيل : القيام في العبادات على شرط السنة. # قال ابن عطاء : الرشيد من يفرق بين الإلهام والوسوسة. # وقوله تعالى : ( وكفى بالله حسيبا ) هذه التسلية للمشتاقين أي : ~~كفى بكم عدي أنفاسكم التي تنفستم بها في غلبة شوقكم إلى لقائي ، فأجازيكم ~~بكل نفس بوصل بلا فصل ، وأنا حسبكم ، ومشاهدتي حسبكم ؛ لأنه بلا نهاية ولا ~~حجاب ، وتخوف به أهل المراقبة ، لئلا يخطر على قلوبهم خاطر دونه. # قيل : الحسيب الكريم أن يوفيك ما لك ، ولا يناقشك فيما عليك. # قال ابن عطاء : الحسيب الذي لا يضيع عنده عمل. # ( وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم ~~منه وقولوا لهم قولا معروفا (8) وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا ~~خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا (9) إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا (10) يوصيكم الله ~~في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ~~وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ~~ولد فإن لم يكن له ولد PageV01P232 # وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد ~~وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة ~~من الله إن الله كان عليما حكيما (11)) # قوله تعالى : ( وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين ~~فارزقوهم ) أمر الله سبحانه أولي النهايات من العارفين إذا انفتحت لهم ~~خزائن جود المشاهدة ، وانكشف لهم حقائق علوم الربوبية أن يقسمها على ms0223 ~~تلامذتهم من المريدين الصادقين على قدر مراتبهم ، ومذاق حالاتهم. # و ( أولوا القربى ) أصحاب الصحبة ، ( واليتامى ) ~~الساقطين عن الدرجة. # ( والمساكين ) أهل السلوك من المجاهدين أي : حدثوا عن نوالي عند ~~هؤلاء لتزداد محبتهم في ، وشوقهم إلي ، لأزيد عليكم نعمتي ، فإن كشفكم ~~لطائفي عندهم شكر نعمتي. # و ( لئن شكرتم لأزيدنكم ) [إبراهيم : 7] ؛ فارزقوهم من موائد ~~القربة وخوان العناية لقيمات الحقائق ، وإن هذا يحدث من نعمتي ، ولذلك أمر ~~صفي المملكة ورئيس القربة أن يذكر لطيف صنعي به على أمته ، لزيادة محبتهم ~~جماله وجلاله بنعت بذل مهجتهم له ، بقوله : ( وأما بنعمة ربك فحدث ~~) [الضحى : 11]. # قال محمد بن الفضل : دلت هذه الآية على كرم الله تعالى مع عباده ؛ لأنه ~~أمر إذا حضر من لا نصيب له في الميراث أن يرزقهم منه ، دل بهذا أنه إذا حضر ~~عباده يوم القيامة في المشهد العظيم أنه يتفضل بعطائه على من لم يكن مستحقا ~~لعطائه بمخالفته بإيصال رحمته إليه بفضله (1) وسعة رحمته ، وبلوغه إلى ~~منازل أولي الأعمال ؛ لأنه قال : ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك ~~فليفرحوا هو خير مما يجمعون ) [يونس : 58] ، من أفعالكم وطاعاتكم التي ~~اعتمدتم عليها ، واعتمدوا فضلي وسعتي ورحمتي. # قوله تعالى : ( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم PageV01P233 # فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ) ندب الله سبحانه عباده عند ~~مفارقتهم الدنيا إلى أن يوصوا أولادهم بتقوى الله وتوحيده ، وتحبيبهم له ، ~~وحثهم بالشوق إلى لقائه ، والقول المعروف وصف الله ، وذكر أفضاله وإنعامهن ~~وأمرهم بتقوى الله في ذلك ألا يداهنوهم فيما يروا منهم من الميل إلى غير ~~الله ، وأن يعطيهم تقواهم بالميراث ، فإذا كانوا متفقين ، فإن الله خلفهم ~~في أولادهم ، وهكذا شأن المشايخ عند مفارقتهم من المريدين إلى دار الآخرة ، ~~حتى لا يخفوا عنهم أسرار المقامات والحالات ، ويكلوهم إلى الله بعزائم ~~التوكل وتحقيق اليقين ؛ فإنه لا سبيل للشيطان إليهم بعدهم. # قيل : استعينوا على كثرة العيال ، وقلة ذات اليد بالتقوى ، فإنه الذي ~~يجبر الكسير ويغني الفقير. # وقال جعفر بن محمد : الصدق والتقوى يزيدان في الرزق ، ويوسعان المعيشة ، ~~قال الله تعالى : ( فليتقوا ms0224 الله وليقولوا قولا سديدا ). # وقال الأستاذ في هذه الآية : إن الذي ينبغي للمسلم أن يدخر لعياله التقوى ~~والصلاح لا المال ؛ لأنه لم يقل : فليجمعوا المال ، وليكثروا لهم العقار ~~والأسباب ، ويخلفوا العقل والأثاث ، بل قال : ( فليتقوا الله )؛ ~~فإنه يتولى الصالحين ، وقد وقع لي قول آخر ، وهو أن المرء يطلب في طول عمره ~~الأموال الكثيرة ، ويدخرها لأولاده حتى يموت ، وهم يعيشون بها ، فإن الله ~~سبحانه علم نيته ، أنه يكل أولاده إلى المال والميراث ، فحذره من ذلك ، ~~وأمره بتقوى الله ، فإن نيته في ذلك منازعة قدره ؛ فإنه تعالى يفعل بهم ما ~~يشاء ، من يتوكل على الله فهو حسبه ، وهو خلفه بعده. # قوله تعالى : ( آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ) ~~أشكل الأمرين من هاتين الطائفتين أنهما يبلغان إلى درجة الولاية والمعرفة ~~الموجبة مشاهدة الله وقربه ، التي لو وقعت ذرة منها لأحد من هذه الأمة ينجو ~~بشفاعته من النار سبعون ألفا بغير حساب ، أي اخدموا آباءكم ، وارحموا ~~أولادكم ، فربما يخرج منهم صاحب الولاية يشفع لكم عند الله سبحانه ، وحكمة ~~الإيهام هاهنا تشمل الرحمة والشفقة على الجمهور ؛ لتوقع ذلك الولي الصادق. # قال ابن عباس في قوله : ( أيهم أقرب لكم نفعا ): أطوعكم لله ~~عز وجل من الآباء والأبناء أرفعكم درجة يوم القيامة ؛ لأن الله سبحانه ~~وتعالى يشفع المؤمنين بعضهم في بعض ، فإن كان الولد أرفع درجة من والديه ~~رفع الله والديه إلى درجته ، لتقر بذلك عينه ، وإن كان الوالد أرفع درجة من ~~ولده رفع الله الولد إلى درجتهم لتقر بذلك أعينهم. PageV01P234 # قيل : ( آباؤكم ) ببرهم ، ( وأبناؤكم ) بالشفقة عليهم ، ~~والتأديب لهم هما بمحل النفع. # ( ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد ~~فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن ~~لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون ~~بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما ms0225 ~~السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو ~~دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم (12) تلك حدود الله ومن يطع ~~الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز ~~العظيم (13) ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله ~~عذاب مهين (14) واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة ~~منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن ~~سبيلا (15) والذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن ~~الله كان توابا رحيما (16)) # قوله تعالى : ( تلك حدود الله ) حسم الله سبحانه أبواب حكمته في ~~أمر فرائضه في كميتها وكيفيتها على الخليقة ، لوضع رقابهم على باب الربوبية ~~عجزا ، وتواضعا في عظمته وكبريائه ، واستأثر نفسه بعلم ذلك ، لئلا تجاوز ~~حدوده أحدا من خلقه ، ولكل صادر وارد معارفه وكواشفه حد يمنعه من مطالعة ~~صمديته وأحديته ، وحدود الله برزخ بين بحر الحدث وبحر القدم ، لا يختلطان ؛ ~~لأن القدم منزه عن مباشرة الحدثان. # قال محمد بن الفضل : حدود الله أوامره ونواهيه ، فمن تخطاها فقد ضل في ~~سبيل الرشد. # قيل : ( تلك حدود الله ): أي الإظهار من الأحوال للمريدين على ~~حسب طاقتهم لها ، فإن التعدي فيها يهلكهم. # وقال أبو عثمان : ما هلك امرؤ لزم حده ، ولم يتعد طوره. # وقال بعض البغداديين : العبد ينقلب في جميع الأوقات على الحدود ، دخل في ~~هتك الحرمات ، قال الله تعالى : ( تلك حدود الله فلا تقربوها ) ~~[البقرة : 187] ؛ لأن المرتع إلى PageV01P235 # جانب الحمى ربما يخالط الحمى. # ( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من ~~قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (17) وليست التوبة ~~للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين ~~يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما (18)) # قوله تعالى : ( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ~~) ظاهر الآية في ( إنما التوبة على الله ) على بمعنى من أي : ( ~~ إنما التوبة على الله ms0226 للذين يعملون السوء ) على لسان القوم. # الإشارة فيه : أن من وقع في المعصية وقع في الظلمة والحيرة ، ولا يرى ~~سبيل الرشد ، ولم يكن في وسع البشر أن يهدي نفسه إلى طريق الحق ، فإنه هو ~~الهادي ، والهداية متعلقة بأوصاف قدمه ، ويستحيل أن يكون الحادث على وصف ~~القديم ، فإذا على الله نعته ووصف نفسه بالهدى لأنه الهادي أن يرجع إلى ~~عبده المتحير الذي زل قدمه في شهوات طبعه ، فإنه لا يقدر أن يخلص نفسه من ~~قهر الله ، إنما تخليصه شرط كرمه الفياض ، الذي وصف به نفسه تعالى للمذنبين ~~الذين يقصدون حظوظ البشرية بغير الاختيار. # قال : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) [الأنعام : 54] فبقى ( ~~ على ) بشرط الظاهر بقوله : ( كتب ربكم على ) إنما الرجوع ~~منه إلى العبد شرط الرحمة الواسعة ، التي بها ، قال : «سبقت رحمتي غضبي» (1). # هذه سنة الله على أبينا آدم صلوات الله عليه بعد أكل الحنطة بقوله : ( ~~ فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ) [البقرة : 37]. # وقال : ( ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) [طه : 122] ، وخص توبته ~~ورجوعه للذين يعملون السوء بجهالة ، إخبارا عن عطفه ولطفه بأقوام امتحنهم ~~الله في بدو الإرادة في بعض حظوظ أنفسهم لإيقاع نيران الندم والخوف والحياء ~~والإجلال في قلوبهم ؛ لئلا يرفعوا أعناقهم بعد اتصافهم بنعوت الكبرياء ~~وبلوغهم حقائق الانبساط ومقامات الاتحاد ، فيسقطون عن رؤية الأزلية ومشاهدة ~~الأبدية في فنائهم عن الحدوث وتخلقهم بخلق القدم ، وإضافة السوء إليهم ~~ونسبتهم إلى الجهل. PageV01P236 # أي : الذين يعملون سنيات الطاعات على رؤية الأعواض جهلا بمكره ، وقلة ~~عرفانهم بعزته وتنزيه جلاله عن طاعة المطيعين ومعصية العاصين ، يعملون ~~الطاعات ، ويرونها أنها هي شيء ويتقربون بعلل الحدث إلى جناب القدم ، فإذا ~~صاروا مبصرين جمال مشاهدته استحيوا من ظنونهم بطاعاتهم في جلال عظمته ، ~~وذلك قوله تعالى : ( ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم ~~وكان الله عليما حكيما )، عليما بشوقهم إلى لقائه ، حكيما بتربيتهم في ~~معرفته. # وقيل في قوله : ( للذين يعملون السوء بجهالة ): الذين يتقربون ~~بالطاعات إلى من لا يتقرب إليه. # وقال محمد بن الفضل : ضمن الله التوبة لمن يصدر ms0227 منه الذنب من غير قصد لا ~~صح إلى من يضمره ، ويتأسف على فوته ، قال الله تعالى : ( إنما ~~التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ). # ( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا ~~تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن ~~بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (19) ~~وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ~~أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (20) وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ~~وأخذن منكم ميثاقا غليظا (21) ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما ~~قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا (22) حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ~~وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ~~وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم ~~اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم ~~الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا ~~رحيما (23) والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به ~~منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ~~إن الله كان عليما حكيما (24) ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح PageV01P237 # المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ~~والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن ~~بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة ~~فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا ~~خير لكم والله غفور رحيم (25) يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من ~~قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم (26) والله يريد أن يتوب عليكم ويريد ~~الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما (27) يريد الله أن يخفف عنكم ~~وخلق الإنسان ضعيفا (28)) # قوله تعالى : ( وعاشروهن بالمعروف ) أي : كونوا في ms0228 معاشرتهم في ~~مقام الأنس وروح المحبة وفرح العشق حين أنتم مخصوصون بالتمكين والاستقامة ~~في الولاية ، فإن معاشرة النساء لا تليق إلا بالمستأنس بالله كالنبي ~~صلى الله عليه وسلم وجميع المستأنسين من الأولياء والأبدال ؛ حيث أخبر ~~صلى الله عليه وسلم عن كمال مقام أنسه بالله وروحه بجمال مشاهدته ، فقال : ~~«حبب إلي من دنياكم ثلاث : الطيب ، والنساء ، وجعلت قرة عيني في الصلاة» (1). # وهكذا حال يوسف عليه السلام حين هم فيها ، قال الله تعالى : ( ~~ولقد همت به وهم بها ) [يوسف : 24]. # وقال ذو النون : المستأنس بالله يستأنس بكل شيء مليح ، ووجه صبيح ، وبكل ~~صوت طيب ، وبكل رائحة طيبة. # وأيضا : ( وعاشروهن ) بطلب ولد صالح منهن. # وأيضا : ( وعاشروهن ) أي : باشروهن حين رغبتكم في مرادكم منهن ، ~~فإن المعروف لا يقع إلا على استواء من كلا الجانبين على نعت واحد. # وأيضا ، أي : عرفوهن صفات الله وأسماءه ، ورغبوهن في طاعته بنعت العلم ، ~~وشوقوهن إلى جماله وجلاله. قيل : علموهن السنن والفرائض. # قال عبد الله بن مبارك : العشرة الصحيحة ما لا تورثك الندم عاجلا وآجلا. # قال أبو حفص : المعاشرة بالمعروف حسن الخلق مع العيال فيما ساءك وما كرهت ~~صحبتها. PageV01P238 # قوله تعالى : ( فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ) ~~كل أمر من الله سبحانه جاء على مخالفة النفوس امتحانا واختبارا ، والنفس ~~كارهة في العبودية ، فإذا ألزمت عليها حقوق الله بنعت المجاهدة والرياضة ، ~~واستقامت في عبودية الله أول ما يطلع على قلبك أنوار جنان القرب والمشاهدة ~~، قال تعالى : ( وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ) ~~[النازعات : 40] ، وفي أجواف ظلام المجاهدات للعارفين شموس المشاهدات ~~وأقمار المكاشفات. # قيل في تفسير الخير هاهنا : الولد الصالح. # قيل : غيب عنك العواقب ؛ لئلا تسكن إلى المألوف ، ولا تنفر من مكروه. # قوله : ( يريد الله ليبين لكم ) أي : أن يصرح لكم ما أشكل على ~~قلوبكم من علوم الغيبة وأحكام الإلهامية وحقائق الشرعية ليقتدي بكم ~~المريدون ، ويستفيد منكم الصادقون. # قيل : أي أنه ليس إليكم من أموركم شيء. # وقال الأستاذ : أي يكاشفكم بأسراره ، ليظهر لكم ما أخفي على غيركم. ms0229 # قوله تعالى : ( ويهديكم سنن الذين من قبلكم ) (1) يعني : طرق ~~معارف الأنبياء وكواشف الأصفياء وسبل مقاماتهم وحالاتهم ورياضتهم. # قيل : سنن الأنبياء والصديقين التفويض والتسليم والرضا بالمقدور ساء أم سر. # قوله تعالى : ( والله يريد أن يتوب عليكم ) إرادته قديمة ، ~~وزلتنا محدثة ، ومراده تعالى من ذنبنا رجوعه إلينا بنعت استقباله علينا ، ~~وهذا من كماله محبة عبادة في الأزل. # قال النصر آبادي : أراد لك التوبة فتاب عليك ، ولو أردته لنفسك لعلك كنت تحرم. # قوله تعالى : ( يريد الله أن يخفف عنكم ) أي : أن يخفف عنكم من ~~ثقل أوزار المعصية إذا باشرتم أمره بمراده ، وإذا استقبل العبد إلى الله ~~سبحانه في قبول أمره ثقلت عليه النفس ، فإذا صبر في العبودية رفع الله ~~أثقال النفس عنه حتى صار مخففا في عبادته ، قال تعالى : ( وإنها PageV01P239 # لكبيرة إلا على الخاشعين ) [البقرة : 45]. # ثم إن لطاعته وأمره وقوله ثقل الربوبية بقوله : ( إنا سنلقي عليك ~~قولا ثقيلا ) [المزمل : 5] فيرفع الله عن عارفه في مقام المشاهدة ثقل ~~الربوبية والعبودية ، ويسهل أمرهما عليه ، ويحمل عنه له ، قال تعالى : ( ~~ علم أن سيكون منكم مرضى ) [المزمل : 20] ، وقال : ( طه (1) ~~ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ) [طه : 1 ، 2]. # وتصديق ذلك قوله : ( وخلق الإنسان ضعيفا ). # قيل : ( يريد الله أن يخفف عنكم ) أثقال العبودية ؛ لعلمه بضعفكم ~~وجهلكم. # وقيل : ( يريد الله أن يخفف عنكم ) ما جهلتموه بجهلكم من عظيم ~~الأمانة. # يقال : يخفف عنكم أتعاب الطلب بروح الرضوان. # ويقال : يخفف عنكم كلفة الأمانة بحملها عنكم. # ويقال : يخفف عنكم مقاساة المجاهدات بما يفتح بقلوبكم من أنوار ~~المشاهدات. # قوله تعالى : ( وخلق الإنسان ضعيفا ) أي : عن حمل واردات الغيب ~~وسطوات المشاهدة وكشوف الصفة وضعف هيجانه وهيمانه وزعقاته وشهقاته ودورانه ~~وسيرانه. # قيل : ضعيف الرأي وضعيف العقل إلا من أيد بنور اليقين ، فقوته باليقين لا بنفسه. # ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (29) ومن ~~يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا (30) إن ~~تجتنبوا كبائر ما تنهون ms0230 عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما (31)) # قوله تعالى : ( ولا تقتلوا أنفسكم ) هذا خطاب أهل الرفاهية ~~والأنس والروح والبسط ، أي : لا تقتلوا أنفسكم المطمئنة بالمجاهدات ~~والرياضات ، ولا تحملوا مشقة الجهل في العبودية قلوبكم الروحانية ، ولا ~~تؤذوا أرواحكم القدسية بشروعكم فيما لا يليق بالبداية ؛ فإن هذه الأشياء ~~تمنع الأرواح العاشقة من طيرانها في عالم المشاهدات ، وتغم عليها أنوار ~~المكاشفات. # وتصديق ذلك قوله تعالى : ( إن الله كان بكم رحيما ) أي : كان في ~~الأزل رحيما بأوليائه في وضع أثقال العبودية الشاقة عنهم في مقام مشاهدتهم ~~روح قلوبهم بالله. # ألا ترى كيف سهل على سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه أمر العبودية ~~بقوله : PageV01P240 # ( طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى )، وبين أن قربته ووصله ~~تتعلق برحمته السابقة لا بأمانة النفوس وكثرة المجاهدات. # وأيضا : ( ولا تقتلوا أنفسكم ) الروحانية الملكوتية بمتابعة هوى ~~النفوس الأمارة الشيطانية ؛ فإن النفس الروحانية في جوار النفس الأمارة ، ~~وإذا علت بهواها على النفس الروحانية أظلمتها بغيم المعصية. # قال بعضهم : لا تهلكوا أنفسكم بارتكاب المخالفات واستكثار الطاعات. # قال محمد بن الفضل : باتباع هواها ، قال : فقيل : لا تغفلوا عن حظ أنفسكم ~~، فمن غفل عن حظ نفسه فكأنه قتلها ( إن الله كان بكم رحيما ). # ويقال : بنظركم إليها ، وملاحظتكم إياها. # وقال علي بن موسى الرضا ، عن أبيه ، عن جعفر رضي الله عنهم : معناه لا ~~تغفلوا عن أنفسكم ؛ فإن من غفل عن نفسه غفل عنه ربه ، ومن غفل عن ربه قتل نفسه. # قوله تعالى : ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ) (1) الكبائر ~~هاهنا في الإشارة رؤية العبودية في مشهد الربوبية ، ورؤية الأعواض في ~~الخدمة ، وميل النفس إلى غير الله من العرش إلى الثرى ، والسكون والوقفة في ~~مقام الكرامات ، وإظهار المقامات قبل بلوغها برسوم الرسومات والخطرات ~~السارقة الجارية بخفيات ضمائر الرضا في بطنان ضمائر الأسرار ، وهذه المحن ~~حجبات المعارف من بقي فيها تقاعد عن سلوك المعرفة ، واحتجب بنفسه عن نور ~~المشاهدة ، وأنه تعالى نبهنا أن من حجب عنها ، وإن باشرها يعينه ويؤيده ~~بتخليصه عنها وبرفع الوحشة والكدورة التي بقيت منها ms0231 في قلبه عن ذلك. # قوله تعالى : ( نكفر عنكم سيئاتكم ) ومن خرج عن هذه الظلمات أدرك ~~ما فاته من المقامات ، وزاد قربه في المشاهدات بقوله تعالى : ( ~~وندخلكم مدخلا كريما ) والمدخل الكريم : وصال جماله وإدراك لطائف نواله. # قال أبو تراب : أمر الله باجتناب الكبائر ، وهي الدعاوى الفاسدة ، ~~والإشارات الباطلة ، وإطلاق اللفظ بغير الحقيقة. PageV01P241 # ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما ~~اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن وسئلوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء ~~عليما (32) ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت ~~أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا (33)) # قوله تعالى : ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) ~~التمني هاهنا وصف النفس الأمارة التي رأت الأشياء بعين الجهل ، وقصورها عن ~~حقائق المقادير الأزلية التي سبقت في الجمهور على قدر مراد الله والاستعداد ~~، وذلك التمني وهمها على غير قصد الحق من رؤية هواها ، ولو كان طلب القلب ~~سني المقامات من الحق سبحانه بنعت التواضع وصدق الافتقار لكان مما يوجب ~~البلوغ إليه ، وذلك قوله : ( وسئلوا الله من فضله ). # وأيضا : زجرا للضعفاء عن جمال أحكام المجاهدات ، ومقام أهل المشاهدات. # وقال بعضهم : لا تتمنوا منازل السادات والأكابر أن تبلغوها ، ولم تهذبوا ~~أنفسكم في ابتداء إرادتكم برياضات السنن ، ولا إسراركم بالتطهير عن الهمم ~~الفاسدة ، ولا قلوبكم عن الاشتغال بالفانية ، فإن الله قد فضل بهذه الأحوال ~~أولئك ، فلا تقربوا إلى الدرجات الأعلى ، وقد ضيقتم الحقوق الأدنى. # قال أبو العباس ابن عطاء : لا تتمنوا ؛ فإنكم لا تدرون ما تحت تمنيكم ، ~~فإن تحت أنوار نعمه نيران محنه ، وتحت نيران محنه أنوار نعمه. # قال الواسطي في هذه الآية : إن تمنى ما قدر له ، فقد أساء الظن بالحق ، ~~وإن تمنى ما لم يقدر له ، فقد أساء الثناء على الله بأن ينقص قسمته من أجل ~~تمني عبده. # قوله تعالى : ( وسئلوا الله من فضله ) أمر بالسؤال ، ونهى عن ~~التمني ؛ لأن السؤال افتقار ، والتمني اختبار ، والسؤال استرداد النعمة ، ~~والتمني الاقتحام في المحنة. # وعرف ms0232 تعالى طلابه عظم فسحة سرادق كبريائه وجلاله ووسع عطايا أزليته أي : ~~أنتم يا دنيات الهمم لا تنظروا إلى فقيرات الفيض ، فإني واسع الفضل والعطاء ~~، لو أعطي ألف جنان في طرفة عين إلى عبد واحد لم ينقص من ملكي ذرة ، أين ~~وقعتم من رؤية جلال قدمي وبحار منني ، انظروا مني إلي ، واسألوا زيادة فضلي ~~، فإني وهاب كريم. # وافهم أن للسؤال مقامات ، ولتلك المقامات آداب ينبغي أن يعرفها العبد ، ~~فإن من ترك السؤال في مقام الانبساط ، وسأل في مقام الهيبة استعمل سوء ~~الأدب ، ويسقط من عين الله. # ووبخ الله سبحانه بهذه الآية أهل دناءة الهمة ، والمقصرين في طلب مشاهدته ؛ حيث PageV01P242 # خاطبهم ( ولا تتمنوا )، فقال : ( وسئلوا الله من فضله ) ~~حجبهم جميعا بالفضل عن رؤية جماله ، ولو كان على محل التحقيق من معرفته ~~ومحبته لم يحملهم إلى الفضل ، بل يردهم إلى نفسه ، كما وصف صفيه عليه السلام ~~؛ حيث عرض إليه الأكوان والحدثان في مقام المشاهدة ، ما زاغ سره إليها ، ~~بقوله : ( ما زاغ البصر وما طغى ) [النجم : 17]. # قال ابن عطاء في قوله : ( وسئلوا الله من فضله ): فإن عنده ~~أنوار كرمه. # قال الواسطي : لو لم يعط إلا على السؤال لكان الكرام ما هو أمر المعروف ~~بالكرم من يبتدئ بالعطاء قبل السؤال. # ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما ~~أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي ~~تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا ~~عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا (34) وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا ~~حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان ~~عليما خبيرا (35) واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي ~~القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب ~~وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا (36)) # قوله تعالى : ( فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ) ~~فالصالحات العارفات بالله ، وبحقوق الله ، وبأمر الله ، وبعفو الله ~~وبعقوبته ، وبما وجب ms0233 عليهن من حقوق أزواجهن في حسن معاشرتهن معهم ، ~~والنصيحة في أمرهم ، والقانتات قائمات على باب الله بخلوص نيتهن في عبوديته ~~، والشوق إلى لقائه والتواضع في خدمته. # ( حافظات للغيب بما حفظ الله ) أي : ساترات على ما كوشف لهن من ~~أحكام الغيب ، وأنوار القرب حتى لا يطلع عليهن أحد ؛ حياء من الله ، وسترا ~~على حالهن ؛ لئلا يخرجن من حدة الوجد وصفاء الود ، ومتابعة قول الله سبحانه ~~بما أمرهن ، قال : ( وقرن في بيوتكن ) [الأحزاب : 33]. # ولما رقت زجاجات قلوبهن بنيران الخوف ونور الرجاء ولطف المراقبة وسناء ~~الشهود ورقة الملازمة في البيوت وشوقهن إلى عالم الآخرة علم النبي ~~صلى الله عليه وسلم ذلك منهن ، وأمر الحادي PageV01P243 # بالسكوت عن إنشاد الشعر فقال : «يا فلان إياك والقوارير» (1). # ولا يكون ذلك إلا بما حفظن الله من الغلبات ، والخروج من الحجرات ، فتولى ~~حفظهن بنفسه ، يعني حفظهن أنفسهن بحفظي إياهن ، كما أخبر من لطفه تعالى على ~~أم موسى عند غلبات شوقها إلى موسى ، فقال : ( إن كادت لتبدي به لو ~~لا أن ربطنا على قلبها ) [القصص : 10]. # وأيضا : ( حافظات للغيب ) أي : ما رأين من أزواجهن من الكرامات ~~وأسرار الله التي انكشفت لهم فلا يقلن عند أحد. # وأيضا : بما رأين من فقرهم ومجاهدتهم وعبادتهم ؛ لئلا يفتتنوا برياء ~~الخلق ، ولا يقعن في الشكاية عنهم ، وأيضا : حافظات لفروجهن وعوراتهن من ~~خوف الله ؛ فإن خوف الله يمنعهن من هتك الأستار. # قال بعضهم : بحفظ الله لهن صرن حافظات للغيب ، ولو وكلهن إلى أنفسهن ~~لهتكت ستورهن. # ( فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ) اختلفت طينة الأشباح في ~~التداني والتباعد ، وهكذا جوهر الأرواح وقت إيجادها ، فوقعت بينها منازعة ؛ ~~لتفاوت الأخلاق والحالات والمقامات. # قال صلى الله عليه وسلم : «الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما ~~تناكر منها اختلف» (2). # من هنا وقع النشوز والخلاف بين الأزواج ؛ لتفاوت السجيات ، فإذا جعل ~~بالممارسة والمجاهدة والرياضة صوره طاعة ، طاعة الرجال فلا ينبغي أن يطلبوا ~~منهن مرافقة الطباع ومجانسة الأشباح والأرواح ؛ فإن ذلك منازعة القدر ، ~~وهذا معنى قوله ( فلا تبغوا عليهن سبيلا ) أي : لا تكلفوهن ms0234 بما لا ~~يكون لهن من تبديل الخلق ، قال تعالى : ( لا تبديل لخلق الله ) ~~[الروم : 30]. # وقيل : لا تبغوا فيهن المحبة وخلوص النية معكم ؛ فإن قلوبهن بيد الله ؛ ~~ولذلك قال عليه السلام : «اللهم هذا قسمي فيما أملك ، فلا تؤاخذني بما تملك ~~ولا أملك» (3). PageV01P244 # قوله تعالى : ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ) (1) أمر ~~بشيئين : العبودية والإخلاص في العبودية ، ولا تكون العبادة مع الشرك ، ولا ~~يكون الإخلاص والتوحيد بغير العبادة ، فطلب التوحيد بنعت إفراد القدم عن ~~الحدوث ، ونفي الأنداد والأضداد ، وطلب العبادة المقرونة بهذا التوحيد ؛ ~~لتكون العبادة موافقة للتوحيد ، ويكون التوحيد موافقا لتنزيه القدم. # خلق النفس مع حظها ، وأمر العباد بتقديس حظ اليقين عن اليقين ، وكيف يكون ~~تبديل الخلق وطبع النفس أن يكون مائلا إلى غير الله تعالى أي : اطلبوا مني ~~تقديس الأسرار في كشوف الأنوار ؛ فإني قادر على أن أزمها بأزمة الوحدانية ، ~~وأسيرها خاضعة لفردانيتي. # وأيضا : اعبدوا الله لله ، لا على رؤية العوض والعبادة ؛ فإنهما شرك ~~العارفين ، واعبدوه على رؤية التقصير ؛ فإنها عبادة الموحدين ، وأيضا : ~~شغلهم منه به ، ولو أحبهم بالحب البالغ أسكرهم بشراب القرب والمشاهدة ، ~~وأوقعهم في بحار القدم بعد خروجهم من العدم ، وهذا آخر الأمر في المحبة ~~والمعرفة ؛ ألا ترى كيف وقع بالامتحان من أهل الجنة ، وأخبر عنهم بما وجدوا ~~من راحة القرب والمشاهدة بغير نصب الامتحان ( الذي أحلنا دار ~~المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ) [فاطر : 35]. # قال أبو يزيد : إن الله سبحانه نظر في العالم فلم ير أهلا لمعرفته ، ~~فشغلهم بعبادته. # قال أبو عثمان : حقيقة العبودية قطع العلائق والشركاء عن الشرك. # وقال الواسطي : الشرك رؤية التقصير والعزة من نفسه والملامة عليها ، يقال ~~له : ألزمت الملامة من تولى إقامتها ومن قضي عليها الشره. # وقال بعضهم : العبودية فناؤك عن مشاهدتك في مشاهدة من تعبده. # قوله تعالى : ( وبالوالدين إحسانا ) الوالدان : مشايخ المعرفة ، ~~وإحسان المريدين إليهم بوضع أعناقهم عند ساحاتهم بنعت ترك مخالفاتهم في ~~جميع الأنفاس مع نشر فضائلهم عند الخلق والدعاء لهم بمزيد القرب. # قال الجنيد : أمرني أبي ms0235 أمرا ، وأمرني السري أمرا ، فقدمت أمر السري على ~~أمر أبي ، وكل ما وجدت فهو من بركاته. # قوله : ( وبذي القربى ) أي : إخوان المحبة من أهل قربة الله. PageV01P245 # ( واليتامى ) أهل فرقة الله الذين وقعوا في الفترة وآفة الشهوة ، ~~واحتجبوا بها عن المشاهدة ، فإحسانهم ترغيبهم إلى طاعة مولاهم ، وتشويقهم ~~إلى مشاهدة سيدهم مع التلطف والظرافة في دعائهم الله ، ومن مات أستاذه قبل ~~بلوغه إلى درجة القوم فهو يتيم المعرفة ، والإحسان إليه تربيته بآداب القوم ~~؛ لئلا ينقطع عن الطريق. # قوله تعالى : ( والمساكين ) أراد به السالكين غير المكذوبين ؛ ~~فإن المساكين سلكوا طريق المقامات بالمجاهدات ، وإحسانهم كشف أسرار ~~المشاهدات عندهم لتقع آثار المحبة في قلوبهم ، فيسكنوا عن المجاهدات ~~الظاهرة ، ويطلبوا الحق بالقلوب الحاضرة والأسرار الظاهرة ؛ ليصلوا بطرفة ~~عين إلى مقام لا يصلون إليه بألف سنة بالمجاهدة والرياضة. # وأيضا : المساكين الذين وقفوا على باب العظمة ، وتاهوا في أودية الصفة ، ~~وتحيروا في بيداء القدم ، ولم يجدوا سبيلا إلى مرادهم الكلي لظهور النكرة ~~في المعرفة ، والمعرفة في النكرة ، فأمر الله سبحانه أن يواسيهم بما يفرج ~~عنهم أثقال العظمة بروح القلوب ، وذلك المجالسة بالسماع مع صوت طيب ورائحة ~~طيبة بين كرام المعارف وأشراف الكواشف ؛ ليستأنسوا بسماع ساعة كي لا ~~يحترقوا بنيران الكبرياء. # قال عليه السلام : «روحوا قلوبكم ساعة فساعة» (1). # أمرهم بالنشاط بالله على الله ؛ لعلمه باحتراق أهل الإجلال والعظمة ؛ ~~فأشفق عليهم ، وأمرهم بالتوسع ، وفتح عليهم باب الرخص زيادة تشوقهم ومحبتهم ~~جماله تعالى. # قوله تعالى : ( والجار ذي القربى ) أي : أحسنوا إلى من كان مقامه ~~موافقا لمقاماتكم ؛ لأنه في طريق المعرفة جار قربة الله ، وهو قرابتكم في ~~محبة الله. # وأيضا : ( والجار ذي القربى ) هو الروح الناطقة العارفة العاشقة ~~الملكوتية ، التي خرجت من العدم بتجلي القدم ، وانقدحت من زنود الأزل ، وهي ~~أقرب كل شيء منك ، وهي جار الله ، وهي مصبوغة بصبغ الله ، وهي في يمين الله ~~، قال عليه السلام : «الأرواح في يمين الله» (2)، ومعذبها من قلبك منظر نور ~~التجلي ، ومسكن نور سنا التدلي ، وإحسانها أن تطيرها بجناح المعرفة والشوق ~~والمحبة إلى عالم المشاهدة ms0236 ، بعد أن تطلقها من قيد الطبيعة ، وتقدس سكنها ~~من حظوظ البشرية ، وهي أقرب القرابة منك ؛ لأنها أصل قيامك ، وأنت قائم بها. # ( والجار الجنب ) هو المريد المبتدئ ، فإحسانك إليه أن ترغبه إلى ~~سلوك مدارج PageV01P246 # الصديقين العارفين ، وتنشر له مطويات أسرار المحبين وفضائل أحوال ~~المشتاقين. # وأيضا : ( والجار ذي القربى ) صورتك التي هي حاملة الروح ، ~~والإحسان إليها أن تفطم جوارحها من حظوظ المعاصي والشهوات. # ( والصاحب بالجنب ) يعني رفيقك في سفر الغيب ، الذي هيجه حب الله ~~إليه ، وشوقه معرفة الله إلى معرفة الله ؛ فأنفاسه أنفاسك ، وسره سرك ، ~~ومقامه مقامك ، وهو قرينك في غربة الأزل ، وأسفار الأبد ، وإحسانك إليه ؛ ~~إذ كاد ينقطع بلذة المحبة من المحبوب ، لن تخوفه من مكره ، وترغبه إلى طلب ~~الفناء فيه. # وأيضا : ( والصاحب بالجنب ) هو قلبك ، وإحسانك إليه أن تفرده من ~~الحدثان ، وتشوقه إلى جمال الرحمن. # وأيضا : ( والصاحب بالجنب ) هي النفس الأمارة بالسوء ، التي قال ~~سيد المرسلين وإمام العالمين محمد صلى الله عليه وسلم : «أعدى عدوك نفسك التي ~~بين جنبيك» (1)، وإحسانك إليها أن تحبسها في سجن العبودية ، وتمنعها عن ~~الشهوة ، وتحرقها بنيران المحبة ، وتزر ترابها برياح المعرفة ، حتى لا يبقى ~~في جار الله غير الله. # ( وابن السبيل ) أي : غريب الله في بلاد الله ؛ حيث لا يعرفه سوى ~~الله ، الذي يتطرق إليه من نور الأفعال إلى نور الصفات ، ومن نور الصفات ~~إلى نور الذات ، وهو في غربة الآزال والآباد لا يذكر روعته ولا يطفئ حرقته ~~، ويزيد تحيره وتغربه ، لا يعرفه أحد يواسيه ، قال عليه السلام : «إن حضروا ~~لم يعرفوا ، وإن غابوا لم يفتقدوا» (2). # وزاد في وصفهم : لا يفتح لهم السدد ، ولا يروحهم المنعمات ، أنوار قلوبهم ~~أنور بنور الشمس ، والإحسان إليهم بدر المهجة بين أيديهم ، وزيادة ~~الاستطابة في أوقاتهم ، ودفع الأغيار عن صحبتهم ، حتى لا يطلع عليه أحد ~~يمنعهم من أحوالهم ساعة. # ( وما ملكت أيمانكم ) أي : مريدوكم الذين هم أرقاء الإرادة ، ~~والإحسان إليهم تربيتهم في طريق الله بآداب الله ، ونشر كرامة الله عندهم ، ~~ودعاؤهم إلى طريق الرجاء ؛ لأن الراجي طيار ، والخائف سيار ، وتعليمهم ms0237 طريق ~~المشاهدة بلزوم المراقبة. # وذكر سهل بن عبد الله في تفسير هذه الآية قال : ( والجار ذي ~~القربى ) هو القلب ، و ( والجار الجنب ) هو النفس ، ( ~~والصاحب بالجنب ) العقل الذي ظهر على اقتضاء PageV01P247 # السنة والشرع ، ( وابن السبيل ) والجوارح المطيعة لله. # وقال الأستاذ في قوله ( والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب ~~بالجنب ) من جيرانك ملكان ، فلا تؤذيهما بعصيانك ، وراع حقهما بما يصل ~~إليهما من إحسانك. # ( الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من ~~فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (37) والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ~~ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا ~~(38) وما ذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله ~~وكان الله بهم عليما (39) إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ~~ويؤت من لدنه أجرا عظيما (40)) # قوله تعالى : ( الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ) من عرف الله ~~وشاهد صفاته وبدا له حقائق المحبة ، ولم يطق أن يبذل نفسه لله وفي الله ، ~~فهو بخيل ، ولم يذق حلاوة المحبة بحقائقها ، ومن كشف الله له أحكام الملكوت ~~، ولا يذكرها عند المشتاقين إلى لقائه ، فهو بخيل ، ومنع الأساتذة والمشايخ ~~عن بيان حقائق طريق الله عن المريدين ، فهو معاتب بهذه الآية ، وتصديق ما ~~ذكرناه قوله سبحانه وتعالى : ( ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ) ~~فضله : معرفته ومحبته ، ورؤية نوال قربه ولطف بره. # قيل : الذين يمنون بالعطاء ، ويطلبون من الناس الثناء عليهم. # قال ابن عطاء في قوله : ( ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ): من ~~البراهين الصادقة. # وقال بعضهم : لا يشكرون نعمة العافية عليهم. # ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة ) أخبر عن تنزيه جلاله وتنزيه نواله ~~عن النقص على المحسنين ، وبشر في تضعيف الآية الذين يظنون أعمالهم الصالحة ~~لا تقع موقع القبول ، ولا يجدون ثوابها بأنه تعالى يثيبهم على ذلك بأحسن ما ~~يحبون منه ؛ لأن علمه تعالى محيط بما كان وما سيكون ، لا يعزب عن علمه ~~مثقال ذرة من العرش إلى الثرى ، لا ينقص ثواب الصادقين ، وإن كان أقل ms0238 من ~~ذرة ؛ لأنه خالق ذلك ، وكيف يخفى عليه ذلك ، وهذا إخبار عن كمال علمه ~~وقدرته جميع المخلوقات ، وفيه إذا كان المرء مسيئا فتاب هو تعالى يبدل ~~سيئته حسنة ، فكيف إن كان محسنا؟ فهو يقبل الحسنة منه ، ويثيبه بها بعشرات ~~أمثالها ، وأن يعطيه جميع درجات الجنان بلا حسنة ، فهو أهل له ؛ لأنه أهل ~~التقوى وأهل المغفرة. # والحسنة ههنا توحيد الله ، وإذا كان صادقا مخلصا في ذلك فدرجاته مضاعفة ~~على درجات غيره من العامة ، ثم أخبر أنه تعالى يتفضل على عبده الصادق بلا ~~سبب من عند كرمه PageV01P248 # وجلاله ما لا يحصي عدده من نوال قربه ، ومشاهدته بقوله : ( ويؤت ~~من لدنه أجرا عظيما ) والأجر العظيم : مشاهدته. # ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ~~(41) يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون ~~الله حديثا (42) يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو ~~على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا (43) ألم تر ~~إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل ~~(44) والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا (45)) # ( من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا ~~واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا ~~وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا ~~يؤمنون إلا قليلا (46) يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا ~~لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا ~~أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا (47)) # قوله تعالى : ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على ~~هؤلاء شهيدا ) أخبر تعالى عن مقام جلاله صلى الله عليه وسلم في مشاهدته تعالى ~~حيث شاهده جمهور الأنبياء والصديقين ، وبين ms0239 عن عظيم خوفه في قلوب الجميع ، ~~ووضع هاهنا الرغبة والرهبة معا ؛ لأن العارف إذا قرب من البساط يغلب عليه ~~التعظيم والإجلال والرغبة والرجاء ؛ لأن شهود أنوار قربه يقتضي هاتين ~~الحالتين ، أي : كيف حالك في رؤية القدم ، وأنت لا أنت ، وكيف حال هؤلاء ~~عند بروز سطوات عظمته ، وهم في حد الفناء في رؤية كبريائي؟ وكيف حال ~~الأنبياء والصديقين قبلك وقبل أمتك في ميادين عزتي وجلالي ، إذا كان حالك ~~وحال أمتك بهذه الصفة؟ أي : فكيف تشهد الشهداء والمشهودين عليهم حين أبرزت ~~وجهي الكريم؟ كيف تشهدون على الأمة في وجهي وكشف جمالي؟ وكيف تبقي الأمة ~~عند فناء الأنبياء؟ أما مقام الرهبة فيها فإن الله سبحانه لما كشف بعد ~~حواشي سرادق كبريائه من الأنبياء والصديقين وقع عليهم البهتة والتحير ~~والفناء من عظمته وسطوة عزته ، فلا يبقى أحد منهم إلا أن يكون مضمحلا في ~~نفسه ، فخاطب على وجه التعجب ، أي : كيف يقومون بإيذاء كشف جمالي بنعت PageV01P249 # الرضا ، وأنتم على شبه السكارى حيارى من حلاوة لذة جمالي؟. # وفي الحديث المروي : إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ابن مسعود ببعض قراءة ~~القرآن عنده ، فقال : يا رسول الله أنزل عليك القرآن ، وأنا أقرأ عندك ، ~~فقال عليه السلام : «أنا أحب أن أسمعه من غيري ، فقرأ : ( يا أيها ~~الناس ... ) إلى قوله : ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا ) فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على ابن مسعود وقال : ~~إلى ههنا ، وبكى بكاء شديدا حتى اضطربت لحياه» (1). # وفي رواية أنه عليه السلام صاح صيحة عند سماع هذه الآية ، وبين في وجده ~~عليه السلام هاتين المنزلتين. # وأيضا : بين شرف نبينا صلى الله عليه وسلم وأمته وشرف الأنبياء وأممهم ، ~~وألا يخفى عليه شيء من العرش ليستره. # قال بعضهم : ( وجئنا ) من كل أمة بولي وصديق ، ( وجئنا ~~بك ) مصدقا لولايتهم أو مكذبا لها ، قال الله تعالى : ( لتكونوا ~~شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) [البقرة : 143]. # ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ~~ما تقولون ms0240 ) هذا خطاب لأهل العشق والمحبة والشوق الذين أسكرتهم أنوار ~~القدوسية ، وسبحات السبوحية وسطوات العظمة ، وشربات بحار الأزلية ، ولطائف ~~كشوفات القدمية ، وهم حيارى سكارى ، تائهون في مشاهد الجلال والجمال ، ~~فغالب أحوالهم العبرات والغلبات والزعقات والشهقات ، والهيجان والهيمان ، ~~لا يعرفون الأوقات ، ولا يعلمون الليل من النهار ، ولا النهار من الليل ، ~~لا يقدرون في حال سكرهم أي : ماتوا على شرائط الصلاة من القيام والقراءة ~~والركوع والسجود ، كهشام بن عبدان ، وبهلول ، وسعدون ، وجميع عقلاء ~~المجانين. # أي : أيها العارفون بذاتي وصفاتي وأسمائي ونعوتي السكارى من شراب محبتي ~~وسلسبيل أنسي وتسنيم قدمي وزنجبيل قربي وخمور عشقي وعقار مشاهدتي إذا كشفت ~~لكم جمالي وأوقعتكم في مقام ربوبيتي فلا تكلفوا أنفسكم أمر صورة الظاهر ؛ ~~لأنكم في جنان مشاهدتي ، وليس في جنة جلالي تعبد ، حتى سكنتم من سكركم ، ~~وصرتم صاحين على نعت التمكين ، فإن جنون العشق يرفع قلم التكليف عن مجنون ~~محبتي ، فإذا تصلون وتقربون مقام البدايات على حد الصحو ، وإن كنتم مضطربين ~~من خمار ذلك السكر ، لأن السكران PageV01P250 # والصاحي يذهبان عن صورة العقل إلى عالم العشق ، عند طلوع جلال عظمتي ، من ~~مطالع قدمي في عيون أبصار أسرارهم ، فعند ذلك يستوي حالهما : # إذا طلع الصباح لنجم راح %~% تساوى فيه سكران وصاحي # وكشف غمة إبهام المبطلين ، الذين يطعنون إشاراتنا لقلة أفهامهم بها ؛ حيث ~~قال : ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) ذكر القربة ، وما قال : لا ~~تصلوا ، وشرط فيها السكر ، والسكر خطرات ، والصحو وطنات ، وإذا أبقى العقل ~~الإلهي في إشراق أنوار سلطان المشاهدة ذرة فينبغي أن يصلي ، ويؤدي حق ~~الأوقات ، فإن بعض مشايخنا لما حان عليهم وقت الصلاة وهم في وجد وحالة ~~قاموا إلى الصلاة ، ومريدوهم عدوا ركعاتهم وسجداتهم وركوعاتهم فإذا سهوا عن ~~شيء ذكروهم ذلك ، وهذا من كمال ظرافتهم في المعرفة. # وأيضا : خاطب أهل الغفلة وسكارى الجهل من شراب الهوى والشهوة ألا يأتوا ~~إلى مقام مناجاته وقربه ومشاهدته حتى يخرجوا منها ؛ فإن الغافل لا يؤدي ~~فرائضه على شرائط السنة. # قال الواسطي : لا تقرب إلى مواصلتي إلا وأنت منفصل عن جميع الأكوان. ms0241 # ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن ~~يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما (48) ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل ~~الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا (49) انظر كيف يفترون على الله الكذب ~~وكفى به إثما مبينا (50) ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون ~~بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا (51) ~~أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (52)) # ( أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا (53)) # قوله تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء ) مكان الآية مكان الخوف والرجاء ، أخبر أنه غفر عن العام جميع ~~المعاصي الصغائر والكبائر دون الشرك الجلي الذي يستوجبون به النار ، ولم ~~يشترط التوبة هاهنا ، ولم يبين مكان الغفران ، وفيه رجاء ، وهم بعدم ~~الشرطين ؛ لأنه يغفر ذنوبهم في الدنيا ، ولم يذكرها عندهم في الآخرة ؛ لطفا ~~وكرما إن لم تصادف المعصية الشرك ، وشدد الأمر على الخواص بمؤاخذته إياهم ؛ ~~حيث تفحص أمر الخطرات المخفية من رؤية الطاعة وأعواضها ، وحب الجاه ~~والمحمدة والرياء والسمعة ، بين أن ما دون هذه الأشياء منهم مغفور من ~~العثرات والزلات ، فإنها غير نقض عهد المحبة والمعرفة ، وإنهم مأخوذون ~~بالشرك الخفي ، فهو خطرات الرياء والشك في الطريق ، PageV01P251 # وأراد تعالى بذلك أنهم محاسبون به في جميع الأنفاس ، فإن بقوا في ذلك ~~لمحة عاقبهم الله بذلك الحجاب ، وهذا إذا كانوا غافلين عن تلك الخطرات ، ~~أما إذا استدركوها بعد جريانها ولم يغفلوا عنها برد الخاطر ورد وسوسة العدو ~~بذكر الله ونشر صفاته والتفكر في آلائه ونعمائه بفسح قلوبهم بأنوار ذكره ~~حتى تداركوها بالخجل ورؤية تقصيرهم بالمراقبة والحضور ، فبعد ذلك تنتشر ~~أسرار الألوهية وأنوار الربوبية في صدورهم ، قال تعالى : ( أفمن ~~شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ) [الزمر : 22] ، فبتلك الأنوار ~~والأسرار عمروا طرق المعارف والكواشف. # قال بعضهم في الآية : أن يطالع سره شيء سوى الله. # وقال بعضهم : إن رؤية العمل ورؤية ms0242 النفس وطلب المدح عليه كلها من أنواع ~~الشرك الذي أخبر الله أنه لا يغفره ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حاكيا ~~عن ربه : «من عمل عملا أشرك فيه غيري ، فأنا منه بريء» (1). # قال الأستاذ : العوام طولبوا بترك الشرك الجلي ، والخواص طولبوا بترك ~~الشرك الخفي. # قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من ~~يشاء ) شكا سبحانه عن أهل الدعاوى الباطلة ، الذين يراءون الناس ، ولا ~~يذكرون الله ، سمعوا كلام الأولياء ، وباعوا على سوق السالوسيين ، وأضافوا ~~حقائق الصديقين إلى أنفسهم ، وأشاروا إلى مقام الرياضات والمجاهدات بغير ~~علم ، ولم يشموا رائحة الصدق ، ومع هذه العيوب يرون أنفسهم عنها ، فرد الله ~~عليهم بقوله : ( يزكي من يشاء ) أي : يلبس أنوار تنزيهه أولياءه ~~وأصفياءه ، فيقدسهم به عن كل سوء ، وعن كل خاطر غير سبيل الحق. # قال بعضهم : ليست الأنفس بمحل التزكية ، فمن استحسن من نفسه شيئا ، فقد ~~أسقط من باطنه أنوار اليقين. # قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون ~~بالجبت والطاغوت ) وبخ الله تعالى أهل ظاهر العلم ، الذين اختاروا الرئاسة ~~، وأنكروا على أهل الولاية ، وآثروا صحبة المخالفين ، يقبلون هواجس نفوسهم ~~التي هي الجبت ، ويخطون آثار الطاغوت التي هي إبليس. # قال سهل بن عبد الله : رأس الطواغيت نفسك الأمارة بالسوء إذا خلا العبد ~~معها عن العصمة. PageV01P252 # وقال ابن عطاء : أعطوا الكتاب حجة عليهم لا كرامة لهم. # قال بعضهم : الجبت مرادك ، والطاغوت هيكلك. # ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ~~إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (54) فمنهم من آمن به ومنهم من ~~صد عنه وكفى بجهنم سعيرا (55) إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما ~~نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما ~~(56) والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا (57) إن الله ~~يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ~~إن الله نعما ms0243 يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا (58)) # قوله تعالى : ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ) ~~أخبر عن حسدة الأولياء ، الذين يرون الناس الهيبة والوقار على الصديقين ، ~~وهم معظمون به في عيون الخلق ، وهم يحسدون بهم وبكراماتهم وولايتهم ، فإذا ~~ذكر الخلق أوصافهم يدفعونه بإنكار عليهم ، وفضل الله معرفة الله وكراماته. # قال بعضهم : الفضل هاهنا الكرامات والولايات والمشاهدات ، يكذبون صاحبها ~~ولا يعظمونه. # قوله تعالى : ( وآتيناهم ملكا عظيما ) الملك العظيم : النبوة ~~والولاية ، التي تشتمل على فنون الحقائق من الفراسات والكرامات ، ورؤية ~~الغيب وكشف الأسرار. # قيل : إشرافا على الأسرار. # وقيل : فراسة صادقة. # قوله تعالى : ( فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه ) وصف المقبلين ~~والمدبرين مقبلين بنعت الإرادة في حق الأولياء ، ومدبرين بوصف الإنكار عليهم. # قوله تعالى : ( وندخلهم ظلا ظليلا ) أي : في مشاهدة صفات الأزلية ~~ورؤية جلال ذاته سبحانه. # وأيضا : الظل الظليل : عنايته الأزلية ، وكفايته الأبدية ، ورعايته ~~السرمدية. # قال بعضهم : التفويض ، وهو محل الراحة والأمن في الدارين. PageV01P253 # قوله تعالى : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) ~~(1) الأمانة : عهد الله الأزلي ، الذي عاهد به أرواح أهل القرب في مشاهدة ~~جماله ؛ حيث قبلت الأرواح من الربوبية سمات العبودية ، ومن المشاهدة لطائف ~~المحبة ، ووجدت أسرار الملك والملكوت عند سرادق الجبروت ، فكتمتها عن ~~الأغيار ، فلما تلبست بالأشباح كادت تفشيها من الضعف عن حملها ، فأمرهم ~~الله بكتمانها عن الخلق حتى يؤدونها إلى الحق سبحانه عند كشف جماله في ~~الآخرة ؛ لأنه تعالى أهل تلك الأمانة ، وذلك قوله : ( إنا عرضنا ~~الأمانة ) [الأحزاب : 72] ، لأنه أيضا أمرهم بإظهار ما كوشف لهم من أحكام ~~الغيب عند العارفين وكتمانها عن الجاهلين. # قال الجريري : أفضل الأمانات أمانة الأسرار ، فلا يظهرها ولا يكشفها إلا ~~لأهلها ؛ لأنهم أهل الأمانة العظمى. # قال بعضهم : الأمانة أسرار الله ، وأهل الأمانة هم العارفون بالله ~~والعالمون بأسراره ، وهم الناظرون إلى القلوب بأنوار الغيوب ، فيحكمون ~~عليها ، حقق الله أحكامهم ، وهو الذي قال الله : ( فوجدا عبدا من ~~عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ) [الكهف : 65]. # ( يا أيها الذين آمنوا ms0244 أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا (59) ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ~~آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد ~~أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا (60) وإذا قيل لهم ~~تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا (61)) # قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر ) جعل الله تعالى الطاعة على ثلاث مراتب ، وهي في الأصل واحد ؛ ~~لأنه مرجع الكل ، وكل طاعة منها مخصوصة بمقام من مقام الولاية ، فإذا كان ~~أهلا لبساط القربة وفهم خطاب الحق بلا واسطة PageV01P254 # أطاعه بمراده بلا واسطة ، وإذا لم يبلغ إلى تلك الدرجة ولم يفهم حقائق ~~رمز الله يرجع إلى بيان نبيه عليه السلام ؛ لأنه بين غوائص خطاب الله ، ~~وأطاعه فيما أمر ، وذلك طاعة الله بواسطة نبيه ، وإن لم يبلغ إلى فهم خطاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم واستنباطه إشارته يرجع إلى بيان أكابر علماء أمته من ~~أصحابه وغيرهم من الأولياء والصديقين والعارفين ؛ لأنهم بينوا خطاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم . # وأيضا : هذا طاعة الله بوسيلة أولي الأمر والأنبياء والملوك في الدنيا ~~مساقط ظل الله ، ومن أراد أن يرى بهاء الله وآثار عظمته فلينظر إليهم ، قال ~~عليه السلام : «السلطان ظل الله في الأرض» (1)، وقال : «الملك والنبوة ~~توأمان» ، ومن التبس بظل الله صار أمره أمر الله ، وهاهنا أشار عين الجمع. # وفي الآية إشارة : أي : إذا بلغتم مقام خطاب الخاص من العلوم المجهولة ~~المشكلة اسلكوا مسلكها بغير الواسطة ، كالخضر كان متابعا للعلم اللدني في ~~الخارج عن أمر الظاهر ، مثل قتل الغلام ، وكسر الألواح ، وهذا خاص لمن وقع ~~له سهم الغيب ، ومن بلغ مقام التوحيد ومرتبة الاستقامة لسلك مسلك الأنبياء ~~في مباشرة التوسع والرخص كالأنبياء ، مثل سليمان وداود عليه السلام ويوسف ~~عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا منزل الاقتداء ms0245 ، ولا يصلح هذا ~~للمتكلفين ، ومن فتح له باب بيان علم الحقائق يتكلم بإصلاح علماء الله ، ~~فإن سلوك مسالكهم لمن له فهم الغيب طاعة معروفة وأسوة حقيقية ، وكل ما ذكر ~~فهو تفسير قوله تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ). # وعن جعفر بن محمد قال : ( أطيعوا الله ) بالرضا بحكمه ، ( ~~ وأطيعوا الرسول ) في المجاهدة في الوفاء بأمره والسر مع الله ~~والظاهر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . # وقال محمد بن علي : أطع الله ، فإن تملك ذلك ، وإلا فاستعن بطاعة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم على طاعة الله ، # فإن وصلت إلى ذلك ، وإلا فاستعن بطاعة الأئمة والمشايخ على طاعة رسول ~~الله ، ولا تسقط عن هذه الدرجة فتهلك. # قال الجنيد في تفسير هذه الآية : العبد مبتلى بالأمر والنهي ، ولله في ~~قلبه أسرار تخطر دائما ، فكلما خطر خاطر عرضه على الكتاب فهو طاعة الله ، ~~فإن وجد له شفاء ، وإلا عرضه على السنة ، وهو طاعة الرسول ، فإن وجد له ~~شفاء ، وإلا عرضه على سر السلف الصالحين ، وهو طاعة أولي الأمر. # قال أبو سعيد الخراز : العبودية ثلاثة : الوفاء لله بالحقيقة ، ومتابعة ~~الرسول في الشريعة ، PageV01P255 # والنصيحة لجماعة الأمة. # قوله تعالى : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) أي ~~: إذا وقع عليكم حكم من أحكام الغيب المتشابه وتظهر في أسراركم معارضات ~~الامتحان فارجعوا إلى خطاب الله ورسوله ؛ فإن فيها بحار علوم الحقائق ، فكل ~~خاطر لا يوافق خطاب الله ورسوله فهو مردود ولا تعتبر به ، وإذا أشكل عليكم ~~خطاب الله ورسوله من علم الإشارة فقيسوه بظاهر الكتاب والسنة ، فإن في ~~الظاهر إعلام الباطن. # قيل : فإن أشكل عليكم شيء من أحوال الكبراء والسادة واختلفتم فيها ~~فاعرضوا ذلك على أحوال الرسول ، وردوه إليه ، فإن لم يتبين لكم فردوه إلى ~~الكتاب المنزل من رب العالمين. # قال النصر آبادي : إن علمنا لا يصلح إلا لمن له علم الكتاب والسنة ، وله ~~معاملة واردة ، ومع ذلك يكون له ظرف ونظافة. # ( فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤك يحلفون بالله ~~إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ms0246 (62) أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ~~فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا (63) وما أرسلنا من رسول ~~إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر ~~لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما (64) فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (65)) # قوله تعالى : ( فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ) ~~المصيبة التي أصابتهم هي جزاء إنكارهم على النبي وأصحابه ، ومصيبتهم ~~احتجابهم بأنفسهم عن بلوغهم إلى مقام الولاية والمعرفة ، وأعظم المصائب عند ~~القوم الانقطاع عن الله ، والتحير عن وجدان السبيل إليه. # قيل : أعظم المصائب اشتغالك عن الله ، وأعظم الغنائم اشتغالك بالله. # قال أبو الحسين الوراق : أعظم المصائب سقوط الحرمة من قلبك ، ونزع الحياء ~~من وجهك ، وثقل السنن على جوارحك. # قوله تعالى : ( أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم ~~وعظهم ) يسلي قلب نبيه عليه السلام بقوله : ( يعلم الله ما في ~~قلوبهم ) أي : لا تهتم ، فأنا أجازيهم بما في صدورهم ، فأحجبهم عن كل ~~مرادهم في الدنيا والآخرة ، فأعرض عنهم أي : اترك صحبتهم وصحبة كل PageV01P256 # جاهل غافل ، وعظهم على قدر فهومهم ، فإن موعظتك لهم عقوبة ، حيث لم ~~يعرفوها ، ولم يتبعوها حق الاتباع. # قال الواسطي : أعرض عن الجهال ، وعظ الأوساط ، وأخبر بعيوب الأشراف ، ~~وخاطب كلا على قدر طاقته. # وقيل : أعرض عنهم بقولك ، وعظهم بفعلك. # قوله تعالى : ( وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ) أي : صفني ~~بالعظمة والكبرياء واستغنائي عن كفرهم وإيمانهم ، وبعدهم الأبدي عني حين ~~احتجبوا عني بحب الرئاسة ، والإنكار على الأنبياء والصديقين. # قال الجنيد : كلمهم على مقادير العقول ومحتمل الطاقة. # قوله تعالى : ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله ~~واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ) أخبر الله سبحانه عن قوم ~~نقصوا حظ أنفسهم منه باشتغالهم بحظ أنفسهم من الكون ، وعن مرارة قلوبهم بمر ~~البعد ، لو يخرجون من ظلماتها وحجابها إلى أنوار رؤية النبي ~~صلى الله عليه وسلم يبصرون في وجهه طلعة جلالي وجمالي ، فيخرجون ms0247 في رؤيته عن ~~اشتغالهم بالكون ، فيرجعون من أنفسهم بنعت الخجل والحياء إلى ساحة كرمه ، ~~ويقفون على باب عظمته مرهونين باستغفار النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن عليهم ~~بقايا الذنوب من ترك الحرمة في ديوان النبوة ، التي لا ترفع عنهم إلا ~~بشفاعته عليه السلام ، فإذا كانوا كذلك يجدون الله بنعت الإقبال عليهم ، ~~وقبولهم وإرشادهم بنفسه إلى نفسه. # قال ابن عطاء في هذه الآية : أي لو جعلوك الوسيلة إلي لوصلوا إلي. # قوله تعالى : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) ~~بين الله سبحانه أنه عليه السلام سبب إيمان الكل ، والإيمان به يكون بمحل ~~الإيمان بالله ، وقد أشار ههنا إلى مقام الاتحاد وعين الجمع ، وأقسم بنفسه ~~تعالى على ذلك ؛ إعلاما بأن الحبيب والمحبوب واحد في المحبة ، وبين أن ~~حقائق الحكم ودقائق الدين لا تظهر إلا عنده ؛ لأنه لسان بيان الحق في ~~العالم ، ونفى الحكم عن غيره من الجبت والطاغوت ، الذين قرأوا الكتب ولم ~~يظفروا بحقائقها. # وصرح في بيان الآية أن من أسلم وسلم الحكم إليه لم يبلغ حقائق الإيمان ~~إلا بسلامة الصدر وسكونه عند قبوله أمره ؛ لأن الطمأنينة هي موضع اليقين ، ~~وحقيقة الإيمان هو اليقين ، وهذا معنى قوله تعالى : ( ثم لا يجدوا ~~في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ). # قال أبو حفص : رضي الله تعالى من عباده لنفسه بظاهر القول ، ولم يرض ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم إلا PageV01P257 # بإخلاص القلب ، والرضا بحكمه ساء أم سر ، ومن لم يكن للنبي ~~صلى الله عليه وسلم مستقيما ظاهرا وباطنا وسرا وعلنا وحقيقة ورسما كان بعيدا ~~عن حقيقة الإسلام ومراتب المسلمين. # قال عبد العزيز المكي : أقسم الحبيب للحبيب بالحبيب أنهم لا يؤمنون حتى ~~يحكموك ، فيا لها من شرف ، ويا لها من كرامة حارت فيه أوهام الخلائق ، وجعل ~~نفسه لنفسه ، وجعل الرضا بحكمه كالرضا بحكمه ما وجب على خلقه الرضا ، ~~والتسليم بحكم نبيه عليه السلام ، كما أوجب عليهم الرضا والتسليم بحكمه ، ~~فهكذا إنسان المتحابين. # قال بعضهم في هذه الآية : أظهر الحق على حبيبه خلعة من خلع ms0248 الربوبية ، ~~فجعل الرضا بحكمه ساء أم سر سبيلا لإيمان المؤمنين ، كما جعل الرضا بقضائه ~~لإيقان الموقنين ، فأسقط عنه اسم الواسطة ؛ لأنه متصف بأوصاف الحق متخلق ~~بأخلاقه ؛ ألا ترى كيف قال حسان : «فذو العرش محمود وهذا محمد» (1). # قال الأستاذ : سد الطريق إلى نفسه على الكافة إلا بعد الإيمان بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم ، فمن لم يمش تحت رايته فليس من الله في نفس. # ثم جعل من شرط الإيمان زوال المعارضة بالكلية بقوله : ( ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت )، فلا بد لك من ملقي المهالك بوجه ضاحك. # ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ~~ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد ~~تثبيتا (66) وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) ولهديناهم صراطا ~~مستقيما (68) ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) ذلك الفضل من ~~الله وكفى بالله عليما (70) يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات ~~أو انفروا جميعا (71) وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم ~~الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا (72) ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم ~~تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (73) فليقاتل في ~~سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل ~~أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما (74) وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ~~والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه PageV01P258 # القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك ~~نصيرا (75) الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل ~~الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا (76)) # قوله تعالى : ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا ~~من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ) شكا الله سبحانه عن أحبائه بهذه الآية ~~، وتقصيرهم من بذل نفوسهم لرضائه إعلاما منه للمحبين ms0249 أنهم لن يصلوا إليه ~~إلا بإيثار مراده على مرادهم ، وهذه الشكاية لا تكون من محل إيمانهم ؛ ~~لأنهم بحمد الله على الصدق والإخلاص والإيمان واليقين وصلوا إليه ، لكن ~~أخبر عن معارضة نفوسهم عند نزول البأس إلا الأقوياء والمستقيمين في المحبة ~~بقوله : ( إلا قليل منهم ). # ثم أخبر أن قتلهم النفوس بالرياضات والمجاهدات والهجرة من الخطايا ~~والذنوب ، وهجران السوء من أمارات محبة الله. # قال محمد بن الفضل : ( اقتلوا أنفسكم ) بمخالفة هواها ، أو ( ~~ اخرجوا من دياركم ) أخرجوا حب الدنيا من قلوبكم ، ( ما ~~فعلوه إلا قليل منهم ) في العدد ، كثير في المعنى ، وهم أهل التوفيق ~~والولايات الصادقة ، وقرن سبحانه مقام المجاهدة بمقام المشاهدة ، وبين أن ~~من قصر في واجب حقوقه لم يبلغ إلى معالي الدرجات. # قوله تعالى : ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم ) أي ~~: بقاؤهم في مشاهدة الله خير من بقائهم في الدنيا مع نفوسهم ، ورهن الوصول ~~بقتل النفوس بقوله : ( ولو أنهم فعلوا )، وزاد الوضوح بالآية ~~الثانية في شرح ما ذكرنا بقوله تعالى : ( وإذا لآتيناهم من لدنا ~~أجرا عظيما ) الأجر العظيم مشاهدته الأزلية وكشفه الأبدي. # ( ولهديناهم صراطا مستقيما ): الإرشاد إلى معارف طرق الصفات ، ~~والفناء في بقاء الذات ، تعالى الله عن كل إشارة وإيماء ، والصراط المستقيم ~~المعرفة بعد المعرفة بعد النكرة ، وإفراد القدم عن كل العلة. # قوله تعالى : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ) إن طاعة الله لا تحصل ~~بحقائقها إلا بعد مشاهدة الله ؛ لأن حقيقة الطاعة لا تكون إلا من المحبة ، ~~ولا تكون المحبة إلا بعد الرؤية ، والمشاهدة أي : PageV01P259 # من أطاع الله محبة الله في رؤية الله ، لقوله صلى الله عليه وسلم : «تعبد ~~الله كأنك تراه» (1)، وطاعة الرسول بمعرفة الرسول من معرفة الله ، أي : ~~بلغ طاعته إلى هذه المراتب ، فهو أهل الله ، وهو شبيه أنبيائه وشهدائه ~~ورسله وأوليائه ، ويكون في الدنيا والآخرة رفيقهم ، وهذا معنى قوله تعالى : ~~( فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ) إنعام الله على ~~النبيين مداناتهم ومشاهداتهم وعلومهم بذاته ms0250 وصفاته تعالى ، واستشرافهم على ~~خزائن ملكه وملكوته ، وإنعامه على الصديقين إعطاؤهم سني الكرامات ، وفتح ~~أبصارهم بأنوار الصفات ، وإنعامه على الشهداء كشف جماله لهم دية لدمائهم ، ~~وإنعامه على الصالحين إبراز لطائف بره لهم ليألفوه بها ، ويستقيموا في ~~الحضرة بالخدمة. # قوله تعالى : ( وحسن أولئك رفيقا ) معناه حسن مرافقتهم مع المطيع ~~لله ، وحسن مرافقة الله مطيع الله لهم ؛ لقرب منازلهم ودنو مقاماتهم بعضهم ~~بعضا ؛ لأن المرافقة لا تحسن إلا بموافقة المقامات ، والأنبياء هم الذين ~~سمعوا أنباء الله بسمع الخاص ، والصديقون هم الذين مع الله بحسن الرضا ، ~~ومشاهدة نور البقاء ، والشهداء المقتولون بسيوف محبته في معارك سطوات عظمته ~~، والصالحون هم الذين خرجوا من محن الامتحان ، وظفروا بنعمة الجنان ، ~~والروح والريحان ، ويتراءون هلال جمال الرحمن ، ولم يذكر المرسلين ؛ لأنهم ~~في الغيب غائبون وعن غيب الغيب غائبون ، آواهم الله في ستره ، لا يطلع ~~عليهم أحد من خلقه إلا عند بروزهم من الحضرة. # قال فارس : أدنى منازل الأنبياء أعلى مراتب الصديقين ، وأدنى منازل ~~الصديقين أعلى مراتب الشهداء ، وأدنى منازل الشهداء أعلى مراتب الصالحين ، ~~والصالحون في ميدان الشهداء ، والشهداء في ميدان الصديقين ، والصديقون في ~~ميدان الأنبياء ، والأنبياء في ميدان المرسلين. # ( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد ~~خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لو لا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع ~~الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا (77) أينما تكونوا ~~يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند ~~الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء ~~القوم لا يكادون يفقهون حديثا (78)) PageV01P260 # قوله تعالى : ( قل متاع الدنيا قليل ) كما أن في الآية تخويفا ~~لمحب الدنيا ، وترغيبا لطالب العقبى الذي هو مطيع الله بنعت التقوى. # وأيضا : فيها إشارة إلى أن العارف أخذ التوسع ، وألف الرخص بعد احتراقه ~~في المجاهدة والرياضة بنيران المحبة ؛ لأنه لا ينكر عليه ms0251 أحد لم يبلغ إلى ~~درجته ، فإن الدنيا بأسرها لو كانت ذهبا وجواهر ومسكا وعنبرا ووردا وريحانا ~~ونساء ومركبا وثيابا حسنة ومجالس رفيعة قليلة في جنب ما يحتاجه إليه ؛ لأنه ~~يريد أن يسلي قلبه في فراق محبوبه بشيء مستحسن من الحدثان ، ولا يكفيه جميع ~~المستحسنات من العرش إلى الثرى ، فكيف بشيء قليل من قليل ، وإن الله سبحانه ~~يسلي فؤاده بقوله : ( والآخرة خير لمن اتقى ) أي : لمن يصبر في ~~مجاهدته وشوقه إلي من الاستئناس بهذه المستحسنات القليلة ؛ لأن في الآخرة ~~كشف جمالي له ، الذي هو راحة لا راحة فوقها ، كما قال عليه السلام : «لا ~~راحة للمؤمن دون لقاء الله» (1). # قال الواسطي : هون الدنيا في أعينهم ؛ لئلا يشق عليهم تركها. # قوله تعالى : ( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج ~~مشيدة ) ظاهره تخويف للمخالفين ، وباطنه توجيه للمشتاقين ، أي : لا تخافوا ~~أيها المشتاقون إلى لقائي ؛ فإني آتيكم بأحسن ما تظنون بي ، فأريحكم من سجن ~~الدنيا ، وأوصلكم إلى مجلس وصلتي أينما كنتم ، فأنا معكم ، فإذا حان وقت ~~القربة أسلبكم من أيدي المنايا ، وموتكم خروج أرواحكم بظهور مشاهدي كحجر ~~المغناطيس حيث يظهر بجذب الحديد إليه. # وفيه إشارة : أي : لو طرتم بجناح الروحانية فوق الملكوت لتكون أجسامكم ~~كأرواحكم يدرككم سطوات عظمتي منزل أرواحكم من أجسامكم ؛ لأن الأجسام ~~الترابية لا تقوم بإزاء كشف عظمتي إلا بترتيبي إياها في مواقف العرض الأكبر ~~، ومثل هذا الموت يكون فرح المؤمن العارف به ، وهو بشارة الحبيب له ، يبشره ~~بوصله وقربته ، و «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه» (2). # بشر أحبائي أن الموت راحتهم %~% والموت وصلتهم والموت تقريب # قوله تعالى : ( قل كل من عند الله ) وبخ الله المفلسين الذين ~~سقطوا من عينه وحفظه وكلاءته حتى إذا أتت إليهم راحة أقبلوا إلى الله من ~~فرح النفوس ولذة الشهوات ، لا بنعت المعرفة والمحبة ، وإذا أتتهم محنة ~~أضافوها إلى غيره ، ورجعوا إلى الأسباب ، وخاصموا ، وظهر PageV01P261 # منهم أن إقبالهم إليه من رأس النفس ليس من حقيقة إيمانهم بالله ، فأمر ~~صفيه أن قل لهم : إنما تجدون من الأسباب ms0252 من العرش إلى الثرى لا يكون إلا من ~~عند الله السبب والمسبب ؛ لأنه سبب الأسباب والمسبب ، ولو كنتم على رؤية ~~التحقيق ترون الأكوان قائمة بالله وزاد في توبيخهم بقوله تعالى : ( ~~لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ) أي : ليس بهم في قلة إدراكهم أنبائي ~~وقلة معرفتهم بوحدانيتي حيث يكونون ثنويين إلا إدراك خذلاني إياهم. قال ~~النصر آبادي : الكل منه ومن عنده ، ولكن لا تطيب ما منه وما عنده إلا بما ~~به وبما له. # ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ~~وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا (79) من يطع الرسول فقد أطاع الله ~~ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا (80) ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك ~~بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على ~~الله وكفى بالله وكيلا (81)) # قوله تعالى : ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك ) الحسنة الطاعة ، والحسنة المحبة ، والحسنة المعرفة ، فأشار إلى ~~هذه الحسنات أنها تفضل منه لا من كسب العبد ؛ لأنه تعالى واهب هذه المراتب ~~بلا علة ولا شفاعة ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) [المائدة : 54] ~~، وهو أهل الفضل والعطاء ، والسيئة معصية الله ، وذلك صفة النفس الأمارة ، ~~نزه نفسه تعالى من مباشرة المستقبحات ، أي : كل حسنة ترجع إلى مشاهدتي ، ~~وأنا حسنة أوليائي ، فمن مشاهدتي تصدر حسنات تجليائي ، وكل سيئة ومعصية ~~فتصدر من النفس الأمارة التي خلقتها وما فيها ؛ لأني مباشرها وأنا خالقها ~~أنا منزه عن مباشرة شيء بذاتي. # قال محمد بن علي : أجل الحسنات والنعم عليك في أن عرفك نفسه ووفقك لتشكر ~~نعمه ، وألهمك ذكره. # وقيل في قوله : ( وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) باتباع هواها ، ~~وتركها رضا مولاها ، وهي من النفس الأمارة بالسوء. # واستدل القدرية بهذه الآية على مذهبهم ؛ حيث أضافوا القدرة إلى النفس ، ~~قال عليه PageV01P262 # الصلاة والسلام : «القدرية مجوس هذه الأمة» (1)؛ لأنهم قالوا باليزدان ~~والأهرمن (2)، ولم تفهم الكفرة والفرقة الضالة أن من لم يقدر أن يخلق ذاتا ~~فكيف يقدر بأن يخلق ms0253 صفاتا ، أو لم يفهموا سر القرآن وخطاب الله ؛ فإن الله ~~سبحانه نسب إتيان السيئة إلى غيره لا إلى النفس ، فقال : ( وما ~~أصابك ) والإصابة فعل الغير لا فعل النفس ، وتبين من فحوى خطابه أن السيئة ~~عني بها البلاء الذي هو جزاء معصية النفس ، وإصابة البلاء من الله جزاء ~~لكسب المعصية ، كما قال : ( إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة ~~يفرحوا بها ) [آل عمران : 120] ، فهذه السيئات هي من الأسباب لا من ~~الاكتساب. # قال الأستاذ : ( ما أصابك من حسنة فمن الله ) فضلا ( وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك ) كسبا ، وكلاهما من الله سبحانه خلقا. # قوله تعالى : ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) ظاهر هذه الآية ~~تدل على الوسيلة ، والوسيلة من الله هو الرسول ، أي : من أطاع الرسول فقد ~~أطاع الله بوسيلة الرسول ، وهذا مقام الأمر والعبودية في النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، وباطن الآية إشارة إلى عين الجمع ؛ حيث تندرج صفاته تحت ~~صفات القدم ، ويغني خلقه في خلق الأزل ، ويخرج من تحت الفناء بصفة البقاء ، ~~ويكون مرآة الحق تجلى منها للخلق ، فإذا كان كذلك أمره وطاعته مع أمر الله ~~وطاعته واحد لموضع اتصافه واتحاده. # قال جعفر بن محمد : من عرفك بالرسالة والنبوة فقد عرفني بالربوبية ~~والإلهية. # قال أبو عثمان : من صحح الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وألزم نفسه ~~طاعته أوصله الله إلى مقامات الأنبياء والصديقين والشهداء ، قال الله تعالى ~~: ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ). # قال بعضهم : المتحققون في طاعة الرسول مع الأنبياء ، والمقتصدون مع ~~الشهداء ، والظالمون مع الصالحين. # وقيل : طاعة الرسول طاعة الحق لفنائه عن أوصافه ، وقيامه على أوصاف الحق ~~، وفنائه عن رسومه ، وبقائه بالحق ظاهرا وباطنا ، فطاعته طاعته ، وذكره ~~ذكره ، وبه يصل العبد إلى الحق ، وبمخالفته ينقطع عنه. # ( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا PageV01P263 # (82) وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى ~~الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه ms0254 منهم ولو لا فضل الله ~~عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا (83) فقاتل في سبيل الله لا تكلف ~~إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا ~~وأشد تنكيلا (84) من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة ~~يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا (85) وإذا حييتم بتحية فحيوا ~~بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا (86) الله لا إله إلا هو ~~ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا (87) فما لكم ~~في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ~~ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (88)) # قوله تعالى : ( أفلا يتدبرون القرآن ) القرآن صفات القدم ، وهو ~~موصوف به ؛ لأن كلامه الأزلي والقرآن صفة خاصة ذاتية من جملة صفاته ، وهو ~~واحد من جميع الصفات ، لكنه مجمع الصفات كلها ، فيه الأسماء والنعوت وخبر ~~الصفات ، وإعلام تقديس الذات ، وهو قائم بذات الله بغير علة الأصوات ~~والحركات والحروف ، ولو وقع للخلق التفكر والتدبر فيه بنعت المشاهدة والكشف ~~لعلموا أنه خارج من صفة الحوادث ؛ لأنه نعت الأزلية ، ووقعوا في بحار ~~أسراره ، وفنوا في أنواره ، وخرجوا منها جواهر حكم القدمية ورموز السرمدية ~~وحقائق الأبدية التي هو خبر جلال الذات وعيون الصفات وأسرار الأفعال من ~~العرش إلى الثرى ، صفته تجلت في حروف الوحدانية ، وتجلت حروف الوحدانية في ~~حروف القرآن ، وكل حرف مملوء من بحار نكت الإلهية ، من وقف على أسرارها ~~يدهش في تجليها ، ويعرف أنها خرجت من القدم ، وأنها ليست من أوصاف أهل ~~العدم ، لأن وصف الله منزه عن الخلل والتضاد والخلاف ، وأوصاف الخلق متضادة ~~متباينة متغيرة ، وذلك المعنى موجود فيما بقي من الآية. # قوله تعالى : ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا ) كلهم مرضى في دار الدنيا ، يحتاجون إلى مفرج القرآن ، ولو تدبروا ~~لوجدوا كل حرف منه شفاء لعلة ، فإذا وصل دواؤه داء الخليقة يذهب آلامه ، ~~ويبقى شفاء القرآن ، ويكون صحيحا ms0255 بجماله غير سقيم باحتجابه ، قال تعالى : ( ~~ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) [الإسراء : 82] ، وفي ~~إنباء استفهامه شكاية عن العباد أي : أفلا تأتون طلاب عرائس جمال الأزل إلى ~~حجاب القرآن لأن تحت كل حرف حجلة من نور البهاء ، وفيها عروس من عرائس جمال ~~الأزل يتلو بلسان السر بنعت الترنم حقائق خطاب الحق. PageV01P264 # قال بعضهم : لا يتعظون بكريم مواعظه ، ويتبعون محاسن أوامره. # قال أبو عثمان المغربي : تدبرك في الخلق تدبر عبرة ، وتدبرك في نفسك تدبر ~~موعظة ، وتدبرك في القرآن تدبر حقيقة ومكاشفة ، قال الله تعالى : ( ~~أفلا يتدبرون القرآن ) جزاك به على تلاوة خطابه ، ولولا ذلك لكلت الألسن عن ~~تلاوته. # قال السري : أفهم الناس من فهم أسرار القرآن وتدبر فيه. # وقال سهل : تدبر القرآن تفهمه ، ولا يكون التدبر فيه إلا لمن عرف المقاصد ~~فيه ، ونطق بمعنى الحق. # قوله تعالى : ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه ~~الذين يستنبطونه منهم ) أعلم الحق سبحانه وتعالى أن المتكلفين برسوم العلم ~~يظهرون من أنفسهم بالزي والمقالة الظاهرة أنهم بلغوا مقام الربانيين ، ~~والذين هم مخاطبون من الله بأسرار القرآن ، المكاشفون بأنوار عجائبه ، ولطف ~~حقائقه ، حين تعرضوا بالأرواح الربانية والأسرار القدوسية ، واستنباط جواهر ~~الأسرار من بحار القرآن ، أي : لو تركوا التكلف ، وألقوا زمام الأمر إلى ~~ملوك المعارف ، وهم أولو الأمر في الملك والملكوت لسمعوا منهم حقائق مفهوم ~~الخطاب ، ولنجوا من مهالك آرائهم الباطلة. # قال ابن عطاء : لو أخذوا طريق السنة وطرق الأكابر في إرادتهم لأوصلهم ذلك ~~إلى المقامات الجليلة من مقامات الإيمان التي هي محل الاستنباط وطرق ~~المكاشفات. # قال الحسين : استنباط القرآن على مقدار تقوى العبد في ظاهره وباطنه وتمام ~~معرفته ، وهو أجل مقامات الإيمان. # قال أبو سعيد الخراز : إن لله عبادا يدخل عليهم الخلل ، ولولا ذلك لفسدوا ~~وتعطلوا ، وذلك أنهم بلغوا من العلم غاية صاروا إلى علم المجهول ، الذي لم ~~ينصه كتاب ، ولا جاء به خبر ، لكن العقلاء العارفين يحتجبون له من الكتاب ~~والسنة بحسن استنباطهم ومعرفتهم ، قال الله تعالى : ( لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم ms0256 ) (1). PageV01P265 # قوله تعالى : ( ولو لا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان ~~إلا قليلا ) فضل الله معرفته ، ورحمته حفظه وكلاءته عبده عن متابعة الشيطان ~~، وهذا عام في المريدين خاص في العارفين ، والفضل والرحمة منه للعموم ، ~~ومحبته للخصوص الذين هم المستثنون بقوله : ( إلا قليلا ). # قال ابن عطاء : لولا فضله عليكم في قبول طاعاتكم لخسرتم ما ضمن لكم في ~~آخرتكم ، لكن برحمته نجاكم من حسراتكم ، وتفضل عليكم بما نجاكم. # قال الأستاذ : لولا فضل الله مع أوليائه لهاموا في كل واد من التفرقة ~~كإسكانهم في الوقت. # ( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم ~~أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ~~ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا (89) إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق أو جاؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله ~~لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما ~~جعل الله لكم عليهم سبيلا (90) ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا ~~قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم ~~السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم ~~سلطانا مبينا (91) وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ ~~فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو ~~لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية ~~مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من ~~الله وكان الله عليما حكيما (92) ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا ~~فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما (93)) PageV01P266 # قوله تعالى : ( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا ~~تتخذوا منهم أولياء ) إذا خرج عارف بكسرة الربوبية من الغيب ، وظهرت سلطنته ~~في العالم هاج نيران حسد الحساد عليه ، وخافوا كسر شوق سالوسهم ، وافتضاحهم ~~بين الخلق ، ويختالون به كسحرة موسى بموسى عليه السلام من حسد فرعون ، لكي ~~يوقعوه ms0257 في بعض مخائيل الشيطان ومكائيل النفسانية بتربيتهم الرئاسة والدنيا ~~وجاهها في عينه ؛ ليكون مخدوعا مفتضحا مثلهم ، وأن الله سبحانه حافظ ~~أوليائه وناصر أحبائه ، يحفظهم بكلاءته الأزلية ورعايته الأبدية. # قال بعض المشايخ : ود أهل الدعاوى الفاسدة أن يكون المتحققون في أحوالهم ~~أمثالهم ، فلا تظهر عليهم فضائح دعاويهم ، فحذر أولياءه ألا يجالسوا ~~المخالفين ؛ لئلا يقع عليهم شؤم حسدهم بقوله : ( فلا تتخذوا منهم ~~أولياء ). # ( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند ~~الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما ~~تعملون خبيرا (94) لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ~~والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم ~~وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على ~~القاعدين أجرا عظيما (95) درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما ~~(96) إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا ~~مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك ~~مأواهم جهنم وساءت مصيرا (97) إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ~~لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا (98) فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان ~~الله عفوا غفورا (99) ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا ~~وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره ~~على الله وكان الله غفورا رحيما (100) وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح ~~أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم ~~عدوا مبينا (101) وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك ~~وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا ~~فليصلوا معك وليأخذوا PageV01P267 # حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ~~فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم ~~مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا ms0258 حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا (102)) # قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله ~~فتبينوا ) أي : إذا سلكتم مسالك المقامات بين يدي الله تعالى لطلب مشاهدة ~~الله ، وسرتم بأسراركم في أسرار صفاته وأنوار ذاته تبينوا حقائق كل مقام ~~بعرفان وبرهان وذوق وإيقان ، وتثبتوا ، واستقيموا في ظهور جلال الله ؛ لئلا ~~تقعوا في تفرقة التلوين ، ولا تقعوا في التشبيه في معارك مكريات الالتباس ؛ ~~لأن هناك ظهور الذات في لباس الصفات ، وظهور الصفات في لباس الأفعال. # قيل : إذا سافرتم اطلبوا أولياء الله ، وتثبتوا ألا يفوتكم مشاهدتهم ؛ ~~فإن الفوائد في الأسفار وموضع التثبت والاستقامة. # قوله تعالى : ( وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ) (1). # ( المجاهدين ): الذين بدلوا بهجتهم في طلب مشاهدة الله بوصف ~~المراقبة. # و ( القاعدين ) أهل الفترة قعدوا عن طلب جماله تعالى بحظوظ ~~البشرية. # و «الأجر العظيم» : مشاهدة الله ، ووصول قربته. # قال بعضهم في قوله : ( وفضل الله المجاهدين على القاعدين ) ~~القائمين بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ( على القاعدين ) عنه ~~( أجرا عظيما ). # قوله تعالى : ( لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ) وصف قوما ~~أقعدهم نور الشهود عن السير في المجاهدات ، وأفناهم عن طلب الخروج من نيران ~~الكبرياء ، وطمس طرق الرجوع من مشاهدة الذات إلى الصفات ، ومن الصفات إلى ~~الأسماء ، ومن الأسماء إلى الأفعال ، ومن الأفعال إلى الخلق في عيونهم ، ~~وحيرهم في قفار الأزليات والأبديات حتى لو يريدون روح الفترة لحظة لم ~~يظفروا به ؛ لأنهم مردودون من بحار الصفات إلى بحار الذات ، ومن بحار الذات ~~إلى بحار الصفات ، ( لا يستطيعون حيلة ) الرجوع إلى البشرية ، ( ~~ ولا # قال ابن جريج : والتفضيل «بالأجر العظيم والدرجات» هو على القاعدين من ~~غير أهل العذر ، المحرر الوجيز (2 / 179). PageV01P268 # يهتدون سبيلا ) إلى الكون والعلة ؛ لأنهم مستضعفون في قبضة ~~الألوهية ، مستغرقون في قاموس القدمية. # قال أبو سعيد الخراز : الذين أسرهم البلاء ، واستولى عليهم حتى صار ~~البلاء لهم وطنا بعد ما كان الحول لهم وطنا ، ثم أفنى عنهم شاهد البلاء علم ~~البلاء ، ورد عليهم على الإنسانية بإثبات علم الحق ، وذلك حين ردت ms0259 إليهم ~~صفاتهم بعد محو آثارهم فإذ ذاك ( لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون ~~سبيلا ). # قوله تعالى : ( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما ~~كثيرا وسعة ) أي : من هاجر من أوطان نفسه إلى فضاء ولاية التفريد ، وأتلف ~~مهجته في طريق محبة الله ، ولم يبق له مسكن يسكن قلبه فيه من العرش إلى ~~الثرى ، ويجد في الأرض المشرقة بنور وجه الله سبحانه مواطن الأنس ، ومواقف ~~القدس وسعة أنوار قربته وسنا وصلته يستغني به عن كل موطن ومرقد ، وعن كل ~~مألوف سوى الله ، وفي أرض القدم وفضاء الأزل للعارفين المهاجرين منهم إليه ~~مراغم وطنات الصفات ، ومشارب سواقي الجلال والجمال في بحار الذات وسعة كنوز ~~أزل الآزال ومشاهدة أبد الآباد. # وأيضا : من هاجر لله في سبيل الله ، وصار غريب الله في بلاد الله مستوحشا ~~مما دون الله ، يجد في أكناف أطراف الأرض مراغم صحبة أولياء الله التي هناك ~~سعة أنوار مشاهدة الله. # قال الأستاذ : من هاجر في الله بما سوى الله ، وصحح قصده إلى الله وجد ~~فسحة في عقوق الكرم ومقيلا في ذوي القبول ورحبا وسعة في كنف القرب. # قوله تعالى : ( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ) أي : ~~من يخرج من طبيعته وهوى نفسه وحوله وقوته وإشاراته وعباراته وعلمه ورسمه ~~إلى الله في طلب مشاهدته وإلى الرسول في متابعته بنعت المحبة ، ويدركه في ~~تضاعيف السير بعض الامتحان ، ويقع في منزل الفتوة بعد المجاهدة ، وقد وقع ~~أجر الوصلة له ؛ لأن الله تعالى يجازيه بصدق مقدم الأول قبل أن يهاجر عما ~~دون الله تعالى ، وقبل أن يخرج عن جميع مراداته وهواه متبعا لأوامر الله ~~وما يوصله إلى رضوانه. # قوله تعالى : ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا ~~من الصلاة ) هذه رخصة لأهل المشاهدة ، الذين استغرقوا في بحار المعرفة ~~والمحبة ، فإذا غلب عليهم سلطان الوجد وحان وقت الخدمة سهل عليهم أحكام ~~الفريضة بترخيص الله إياهم ، وهم إنس الله الذين يجوز لهم التوسع والرخص ، ~~وعلى صورة الظاهر الضعفاء رخصة من عجزهم في ديوان ms0260 الإنسانية عن حمل وارد ~~الشرع بهيئاته. PageV01P269 # قوله تعالى : ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) بين الله ~~سبحانه أن واجبات العبودية لا تسقط عن العبد ما دام فيه الرمق ، إما في ~~الخوف وإما في الأمن ، ومن تاه في الوجد وهام في الغلبة فهو مجنون العشق ، ~~خارج عن مراتب التمكين ، وذلك علة له ؛ حيث ضعف في الوجد عن حمل وارد الشرع ~~؛ لأن سلطان الشرع حق الله ، وسلطان الوجد حظ العبد ، وسلطان الله غالب على ~~ما دونه ؛ لذلك أمر سيد الرسل والأنبياء والأولياء بإقامة الصلاة في مقام ~~الاضطراب والتلوين والامتحان ، وهو سائح بحر المشاهدة ، وأصحابه فرسان ~~ميادين المحبة ، وسادات أهل الولاية ، ولو سقطت العبودية عن أهل الوجد لما ~~أمر لسيد الواجدين بأداء الفريضة في مقام الخوف. # والإشارة فيه : أي : إذا كنت بينهم فتكون الصلاة على وفق مراد الله من ~~العباد. # وأيضا : إذا كنت فيهم فالصلاة ترجع إليهم ، وإذا غبت عنهم فالصلاة ترجع ~~إلينا ؛ لأنهم في البداية في رؤية الوسيلة ، وفي النهاية في إسقاط الوسيلة. # وأيضا : ( وإذا كنت فيهم ) اشتغلت بتأديبهم ، وإذا غبت عنهم ~~اشتغلت بنا ، فالشرع خفي على العباد ، وخفي لك حجاب لحق مشاهدة الشرع في ~~مواطن القرب ، بقوله صلى الله عليه وسلم : «إنه ليغان على قلبي» (1) أي : شغلي ~~بكم حين يمنعني قلبي من حظ مشاهدتي من الله. # وأيضا : أي : ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) لأنك تدري أن ~~ساحة كبريائي مقدسة عن وقوف المصلين ، وشريعة بحار قدمي منزهة عن ورد ~~الواردين ، فالعبودية ترجع إلى العباد ، والربوبية ترجع إلى عظمتي ~~وكبريائي. # وأيضا : إذا كنت مشغولا بمشاهدة جمالي ، وتسبح في بحار عظمتي فتضيف عالم ~~الخدمة إليهم ، فإنك غائب بسترك في عيني وغيب غيبي وجلال مشاهدة أزلي ، ~~وسقط عنك ما أوجبت على الغير ، وهذا موضع خاص له عليه الصلاة والسلام ، ~~الذي قال صلى الله عليه وسلم : «لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي ~~مرسل» (2). # قال الحسين بن منصور : ليس لله مقام ولا شهود في ناد ، ولا استهلاك في ~~حيرة ، ولا ذهول ms0261 في عظمته يقطع عن الآداب الشرعية ، ولا له مقام أوقف فيه ~~الموحدين ، أشهدهم الشريعة أن جريانها عليهم علم للغير لا لهم. # ومما يصح هذا قوله : ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) فجعل ~~إقامته للصلاة PageV01P270 # أدبا لهم ، وهو في الحقيقة في عين الحصول لا يرجع إلى غير الحق في ~~منصرفاته ، ولا يشهد سواه في سعاياته. # وقال بعضهم : ما دمت فيهم فإن الصلاة تكون قائمة ، وإذا غبت فالصلاة آتية ~~إليها ، كما قال : ( وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ). # ( فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ~~فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ~~(103) ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ~~وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما (104) إنا أنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما (105) ~~واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما (106)) # قوله تعالى : ( فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ). # الإشارة فيه : أي : إذا أخرجتم من مقام الصلاة فينبغي أن تكونوا في جميع ~~الأحيان كأنكم في الصلاة ؛ لأن الصلاة هي الذكر بعينه ، وصورة الصلاة شاغلة ~~عن الذكر الحقيقي ، الذي هو نور وجه المذكور ، أي : إذا تخلصتم عن آلة ~~الصلاة وعلة الأمر فاذكروني بنعت المراقبة في جميع أنفاسكم ؛ لأنكم في مشهد ~~مشاهدتي ، واسترحتم بالذكر عن أسباب الذكر ، فذكركم في القيام حيرة في وجود ~~جلالي ومشاهدة عظمتي ، وذكركم في قعودكم سقوطكم في الوجد عن صدمات سطوات ~~كبريائي بالبديهة ، وذكركم في جنوبكم اضمحلالكم في رؤية قدمي وبقائي ، فإذا ~~كنتم في حالة التمكين وامتلأتم في أنوار ذكري فينبغي أن تخرجوا من أبواب ~~الرخص ، والاستراحة في ساعة الروح ، وترجعوا إلى مقام الصلاة ، فإن آخر ~~سيركم في ربوبيتي أول بدايتكم في عبوديتي. # ثم إن الله سبحانه وقت لأيام الخدمة وقتا ، وهو كشوف أبواب العظمة ~~والكبرياء الذي تجليه يزعج العباد إلى الفناء في بوادي عظمته وجلاله ، ولو ~~كان دائما لاحترقت الخلائق فيها ، وفني العباد بأسرها ، وكيف يوازي الحدث ~~جلال ms0262 القدم ، ومن يجرؤ أن يتعرض بالسرمدية لساحات عظمة الله تعالى ، أوقعهم ~~في الفترة ؛ غيرة على المعرفة ، ولم يوقت للذكر وقتا ؛ لأن ذكره شعاع تلك ~~الشموس وضوء تلك الأقمار ، وهو قطرات مزن الغيب ، يحيى بشريانها فؤاد ~~المحبين والموحدين ، وهاهنا مقام الضعفاء والإسراء ، والله أعلم وأحكم. PageV01P271 # قال أبو عثمان : وقت الله العبادات كلها بالمواقيت إلا الذكر ؛ فإنه أمرك ~~به على كل حال وفي كل أوان. # وقال الأستاذ في هذه الآية : الوظائف الظاهرة مؤقتة ، وحضور القلب بالذكر ~~مسرمد ، غير منقطع. # قوله تعالى : ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس ~~بما أراك الله ) تفضل على الناس بإنزال كتابه على نبيه ، وإعطائه فهم خطابه ~~، وكشف لآرائه العلية عليه السلام حقائق حكمته الأزلية السابقة بمراده من ~~عبودية عباده ، ووقوع صلاحهم من بيانه عليه السلام ، موافقا لرضا الله ، ~~أراد من العباد عبوديته في الأزل ، وعلم جهلهم بها ، فكاشف عليها على لسان ~~نبيه صلى الله عليه وسلم ، وهذا معنى قوله : ( لتحكم بين الناس بما ~~أراك الله ) أسرار ، وفي قلبه عليه السلام من الله أنوار يعرف خطاب الله ، ~~فيحكم بها بين الخلق ، ليتبين الرشد من الغي ، قال تعالى : ( قد ~~تبين الرشد من الغي ) [البقرة : 256] كتاب الظاهر الشاهد على ما أراد الله ~~من مشاهدات الغيب ، وما قدر الله لعباده من أحكام العبودية وعرفان الربوبية ~~، قال صلى الله عليه وسلم : # «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» (1). # قال سهل : ( بما أراك الله ) أي : بما علمك الله من الحكمة في ~~القرآن والشريعة. # قال بعضهم : بما كشف لك من بواطنهم ، وأظهره لك لا على ما يظهرونه ، فإن ~~رؤيتك لهم رؤية كشف وعيان. # قال ابن عطاء : ( بما أراك الله ) فإنك بنا ترى ، وعنا تنطق ، ~~وأنت بمرأى منا ومسمع. # ( ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان ~~خوانا أثيما (107) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ ~~يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا (108) ها أنتم ~~هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله ms0263 عنهم يوم القيامة أم من ~~يكون عليهم وكيلا (109) ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد ~~الله غفورا رحيما (110) ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله ~~عليما حكيما (111) ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل ~~بهتانا وإثما مبينا (112)) PageV01P272 # قوله تعالى : ( ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ) بين الله ~~سبحانه في هذه الآية أن أمر النبوة ليس من طبائع الخلق والخليقة ، ولا ~~للاكتساب فيه مدخل ؛ إنما يتعلق باصطفائية أزليته واجتبائية أبديته ، وبين ~~موضع السهو والنسيان الإنساني ، وبين أن التنزيه عن الغلط والسهو لا يكون ~~إلا لله تعالى ، عجز الخليقة عن إدراك قدس الأزلية والخروج عن علة البشرية ~~بالكلية ، وأدبه ليلقى أزمة الأمر إلى مراد الله ولا يزيد إلا ما يريد ، ~~قال : ( ولا تجادل ) أي : ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ~~وحظوظها على مراد الله ومحبته وخيانتهم مع أنفسهم أنهم عاهدوا الله أن ~~يبذلوا نفوسهم إليه ليفعل بها ما يشاء ، ليربيها بحسن قربته وحلاوة وصلته ، ~~فلما أعطوا حظوظها نقضوا عهد الأول ، وألقوا أنفسهم في ظلمات هواها حتى ~~بقيت في الحجاب عن الوصول إلى العهد الأول ، وهذا غاية الخيانة مع النفس. # قال بعضهم : خيانة النفس اتباع مرادها وترك نصيحتها. # قال الحسن بن علي الدامغاني : من خان الله في السر هتك سره في العلانية. # قوله تعالى : ( يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم ) ~~أي : يسترون من الناس معايبهم ، وخيانتهم تعميهم عن رؤية عجز الناس وقلة ~~قدرتهم بدفع المضرة وإعطاء المنفعة ؛ لأنهم عاجزون في قبضة التقدير ، وعظم ~~الخلق في قلوبهم من قلة عرفانهم عظمة الله وجلاله وإحاطته بكل ذرة من العرش ~~إلى الثرى ، ولا يستترون من الله ؛ لأنهم ليس لهم استعداد عرفانه الذي ~~ثمرته الخوف والحياء من الله سبحانه ، قال عليه السلام : «أنا أعرفكم بالله ~~، وأخوفكم منه» (1)، بين أن زيادة الخوف من زيادة العرفان. # وقوله : ( ولا يستخفون من الله وهو معهم ) أي : لا يستترون من ~~الله في مباشرة القبائح ، وهو محيط بظاهرهم وضمائرهم وإراداتهم ، لا ms0264 ~~يعرفونه بنعت الإحاطة ، وأنهم لا يقدرون بالاستتار عنه ، وهذا نفي فائدته ~~بيان عجزهم عن الاستتار عنه ، ومعناه أنهم يستحيون من الخلق ولا يستحيون من ~~الخالق. # قال محمد بن الفضل : من لم يكن أعظم شيء في قلبه ربه كان جاهلا به ومبعدا عنه. # ( ولو لا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما ~~يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ~~ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما (113) لا خير في كثير من نجواهم ~~إلا من أمر PageV01P273 # بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات ~~الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما (114) ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له ~~الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (115) ~~إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ~~ضل ضلالا بعيدا (116) إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا ~~مريدا (117)) # قوله تعالى : ( وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن ~~تعلم ) أي : أنزل عليك الكتاب شاهدا على ما كوشف لك قبل نزول الكتاب من ~~أحكام المشاهدة والمعرفة ، وما استأثرك من علوم الغيبية لتثبيت فؤادك بما ~~وجدت منا قبل نزول الكتاب كقوله : ( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ~~ما نثبت به فؤادك ) [هود : 120] ، والحكمة إحكام الطريقة وآداب القربة ~~ونوادر علوم الإلهية ، ( وعلمك ما لم تكن تعلم ) أي : علوم عواقب ~~الخلق ، وعلم ما كان وما سيكون. # قوله تعالى : ( وكان فضل الله عليك عظيما ) بمسابقتك على ~~الأنبياء بكشف جمالي ورؤية ذاتي وصفاتي ودنوك مني حيث قلت : ( ثم ~~دنا فتدلى (8) فكان قاب قوسين أو أدنى ) [النجم : 8 ، 9] ، وعني بالفضل ~~العظيم استغراقه في بحار قدمه وبقاءه بنعت المعارف والكواشف. # قال الجنيد في قوله : ( وعلمك ما لم تكن تعلم ): عرفك قدر نفسك. # قال سهل : العلماء ثلاثة : عالم بالله لا عالم بأمر الله ولا بأيام الله ~~، وهم المؤمنون ، وعالم بالله عالم بأمر الله ms0265 لا عالم بأيام الله ، وهم ~~العلماء ، وعالم بالله وعالم بأمر الله وعالم بأيام الله ، فهم النبيون ~~والصديقون. # وقيل : علمتك من مكنون أسراري ما لم تكن تعلمه إلا بي. # قال الواسطي في قوله : ( وكان فضل الله عليك عظيما ): إنما عظمه ~~بالمباشرة ، فاحتمل الذات بعد ما احتمل الصفات ، وموسى احتمل الصفات ، ولم ~~يحتمل الذات. # قال بعضهم : فضلت في الأزل بفضائل ، وقد تعثر في المشاهد العثرة ، كما ~~قال : ( عفا الله عنك ) [التوبة : 43] ، فتعاتب ، ثم ترد إلى الفضل ~~الذي جرى لك في الأزل. PageV01P274 # قيل في قوله : ( وعلمك ما لم تكن تعلم ): من علو رتبتك على ~~الكافة (1). # قوله تعالى : ( لا خير في كثير من نجواهم ) وبخ الله سبحانه قوما ~~ليس مجالستهم ونجواهم لله فكل مجالسة على غير ابتغاء وجه الله ، والشيطان ~~يغريهم إلى الغيبة والبهتان والنميمة والترهات ، أي : لا خير في كثير من ~~هؤلاء في نجواهم يعني [... ] (2) وقومه. # ثم استدرك ووصف أهل المجالسة لله الذين جلسوا لمحبته ، وقاموا لشوقه ، ~~واجتمعوا لعشقه ، وتفرقوا لطلب زيادة معرفته والمساكنة في مجالس أنسه ~~بالخلوات في الفلوات. # ثم وصفهم بأحسن الوصف ؛ حيث آواهم إلى كنف قربه وحجال أنسه بقوله : ( ~~ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا ~~أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ) [المجادلة : 7]. # ثم وصفهم على لسان نبيه ، وزاد شرفهم ؛ حيث قال عليه الصلاة والسلام فيما ~~روى عن الله عز وجل : «وجبت محبتي للمتحابين في ، والمتزاورين في ~~والمتجالسين في ، والمتباذلين في» (3). # سبق في الأزل محبته لهم ، فأوقعتهم تلك المحبة الأزلية في بحار محبته ، ~~حتى استغرقوا فيها إلى الآباد لا مخرج منها لهم بالنظر إلى سواه ، قال ~~تعالى في وصفهم : ( يحبهم ويحبونه ) [المائدة : 54] نجواهم جريان ~~أسراره وجولان أنفاسهم في ميادين أنواره ، فساعة تاهوا ، وساعة تحيروا ، ~~روحهم بمروحة أنسه ، وأدخلهم في قباب قدسه ، وسقاهم من شراب لطفه ، PageV01P275 # وأسكرهم بجمال وجهه ، وحثهم إلى مسامرته وذوق فهم طعم لطف مناجاته ، فإذا ~~سكنوا من سطوات مشاهدة جلاله ، وأفاقوا من سكر جماله لحظة احتالوا ms0266 لزيادة ~~محبته في أخذهم طريق بذل المهجة لمحبته ، ورجعوا إلى سنن المجاهدات وحقائق ~~العبادات ، أمر بعضهم بعضا ببذل الأرواح والأشباح ؛ لشوقهم إلى عالم ~~الأفراح ، وأمروا بالمعروف بحكمهم على النفوس الأمارة بإذابتها في المجاهدة ~~بنيران الرياضة ، ويراعي بعضهم بعضا بحسن النصيحة وآداب الطريقة ، ويسألون ~~الله صلاح هذه الأمة من كمال شفقتهم على عباد الله وبلاد الله ، وهم ~~المستثنون من قوله تعالى : ( إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح ~~بين الناس )، وبين أن ذلك لزيادة رغبتهم في مشاهدة الله ، وشوقهم إلى ~~جماله ، وهو تعالى وعدهم بتضعيف زيادة كراماته ودرجاتهم بقوله تعالى : ( ~~ ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ). # قيل في تفسيره : ( لا خير ) في الاجتماعات إلا ما يعود نفعه عليك ~~أو على أهل مجلسك. # وقيل : ( إلا من أمر ) تصدق بنفسه بمنعه عن أذى المسلمين ، ~~وارتكاب المحارم. # ( أو معروف ) قيل : المعروف حث النفس على سبيل الرشاد. # ( لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا (118) ولأضلنهم ~~ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن ~~يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا (119) يعدهم ويمنيهم ~~وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (120) أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا ~~(121) والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا (122)) # قوله تعالى : ( لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا )، لما التصق رغام ~~الإياس في أنف إبليس من إغواء الأولياء والمخلصين حيث يئس في سماع خطاب ~~الحق جل سلطانه في وصف إحسانه من جميع العباد بقوله : ( ليس لك ~~عليهم سلطان ) [الحجر : 42] ، رأى بعد ذلك في حواشي ساحات قلوبهم مجاري ~~ضيقة تجري فيها للنفس الأمارة وهواجسها ، قال : لما يئست من انقطاع ~~المريدين عنه ( لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا )، يعني : ألتقط ~~قطيعات من هواهم ونفوسهم نصيب وسواسي أوسوسهم من وراء القاف ؛ لأني لو دنوت ~~منهم بالمباشرة PageV01P276 # أحترق بنيران محبتهم ، وذلك النصيب لما سلبه سارق القهر من حومة مراقبتهم ~~تداركوه بالندم ورموه بسهام الذكر من ms0267 قوس الفكر ، فخرجوه حومة التلاوة ، ~~ونشاب الاستعاذة ، ثم رأوه بعد ذلك أسيرا في سجن جوعهم ومجاهدتهم. # صحة ذلك قوله تعالى : ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من ~~الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) [الأعراف : 21] أبصروه خائبا خاسرا محترقا ~~، وهم بعد ذلك ينزلون أعالي منازل القرب ، وزادوهم دنو الدنو ، قال ~~صلى الله عليه وسلم : «أيس الشيطان أن يعبده المصلون ، وقال في موضع : «ألا إن ~~الشيطان قد أيس أن يعبد في بلادكم هذا أبدا ، ولكن ستكون له طاعة فيما ~~تحتقرون من أعمالكم فسيرضى به» (1). في جزيرة العرب ، ولكن في التحريش ~~بينهم» (2) # ألا ترى كيف دار حول آدم صفي الله صلوات الله عليه فاحترق بنيران لعنة ~~الأبدية ، وكانت وسوسته لآدم سبب زيادة زلفته ، وقربته ، واجتبائيته ، ~~واصطفائيته ، قال تعالى : ( ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) [طه : ~~122] ، وهذا إعلام من الله سبحانه للخلق ، هكذا يكون شأن من يؤذي وليه ~~وحبيبه من أحبائه وأصفيائه. # قال الواسطي : فقال له : إن كان إليك شيء من القدرة والقوة فاغو أحدا سوى ~~ما جعل له من النصيب المفروض ، عند ذلك يظهر عجزه وضعفه. # وقال بعضهم في هذه الآية : لتر في أعينهم طاعتهم ، وأغلق دونهم أبواب ~~الإنابة ورؤية الفضل. # وقد وقع لي شيء أخف : أن ذلك النصيب التفات العاشق في طلب جمال الحق إلى ~~عالم المستحسنات ؛ لأن فيها ما يليق بالنفس الأمارة حين تلطف في جوار الروح ~~الناطقة العاشقة ، فأخذت الروح من الوجوه الحسان لطف معدن الحسن ، وبقى ~~للنفس الأمارة حظ من حظوظ الشهوات. # قال أبو سعيد الخراز : رأيت إبليس في منامي ، فقلت له : هل لك يد على ~~الصوفية؟ فقال : لا. ومضى ، ثم التفت ، وقال : لي عندهم لطيفة ، وهي نظرهم ~~إلى وجوه الأحداث. # وأيضا : نصيب الملعون منهم فرحهم بحالهم ، ووقوفهم بلذات مواعيدهم ، ~~وإلقاء مخاييله في مكاشفتهم ، وذلك النصيب يقع على أكثر من مقاماتهم منها ~~أي : يعدهم إلى بلوغ مقام الكرامات بغير استعمال آداب الطريق ، ومتابعة ~~المشايخ ، وموافقة الأسوة والسنة ، وهذا PageV01P277 # له في المريدين. # ومنها : أن يمنيهم بطول العمر ، ونيل الدرجات في شيخوختهم ms0268 بأن تقاعدوا عن ~~استعمال رسوم المعرفة ، وكل هذا غرور الملعون ، ولا يشتري غرور إلا من فر ~~من أمانة النفس في طريق الله ، وكل هذا معنى قوله تعالى في وصفه : ( ~~ يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا )، والغرور وله ~~للمريدين أنك قد بلغت منتهى المقامات ، وآخر الدرجات فاسكن من مجاهدتك ~~ورياضتك ، واجلس في مجلس الشيوخ ، وتكلم بكلامهم ، أنت أعظم منهم ، حتى ~~يدور حولك المريدون ، وأراد بذلك الغرور أن يوقعه إلى حب الجاه والرئاسة ، ~~فيهلك فيها كهؤلاء المطرودين في زماننا ، طهر الله وجه الأرض منهم ، ومن ~~أمثالهم. # قال بعضهم : ( يعدهم ) طوال العمر ، والموت غايتهم ، ( ~~ويمنيهم ) (1) الغنى والفقر سبيلهم ، ( وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا ) ما يقربهم من الدنيا ، ويبعدهم عن الآخرة. # ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا ~~يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا (123) ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا (124) ومن أحسن دينا ~~ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم ~~خليلا (125)) # قوله تعالى : ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا ~~يجز به ) حقيقة هذه الآية قطع أسباب الحدث عن جناب القدم ، وإفراد الأزل عن ~~الحوادث ، وأن الخليقة للعبودية لا للربوبية ، أي : ما دمتم في رق العبودية ~~يجازيكم بأعمالكم ، ليس كما يجري على خواص الأولياء ، أنا ما دام بيني ~~وبينهم نسبة المحبة لا أجازيهم باشتغالهم بغيري ، ولا أحاسبهم بالعثرات ~~والزلات ؛ فإني منزه عن أن يدركني أحد بنعت الحقوق منه علي ، فحقوقي قائمة ~~على عبادي أبدا ، وهذا معنى قوله : ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل ~~الكتاب من يعمل سوءا يجز به ) لأنه وإن كان عزيزا علي لم يخرج من رق ~~العبودية ، وأنا أجازيه بالسيئة بعد أن أوقعته فيها تربية لا حرمانا ، وإذا ~~مال خاطر العبد العارف إلى مراد نفساني فذلك الخاطر في حساب المعرفة سوء ، ~~فيجازيه باستعماله ، وهذا إشارة قوله : ( من يعمل سوءا يجز به )، ~~فذلك أسوأ جزاء سوء الخاطر ، وسوء ms0269 الخاطر امتحانه لتربيته ، ومن لم يعرفه فوجوده PageV01P278 # كله سوء ، فمن عرفه غيره فالكل قد وقفوا فيه العالم والجاهل في مدارك ~~عرفانه في عين النكرة ، والنكرة لا تتناهى ، والعبد في جميع الأنفاس في ~~جزاء النكرة بعد النكرة ، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : ~~«لو أن الله تعالى عذب جميع الملائكة لكان حقا له ، قيل : إنهم معصومون ، ~~قال : من قلة معرفتهم بربهم» (1). # وهذا الامتحان في دار الدنيا ؛ لتقديس أسرارهم عما دون الله ، وتخفيف ~~مطايا قلوبهم عن غبار الأوزار في تلك المرائي ، التي هي مجالس الأنس ومحافل ~~الطرب ، حيث هرب الهرب. # قوله تعالى : ( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ~~ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا ) بمعنى قوله تعالى : ( ~~ ومن أحسن دينا ) أنه وصف من يحمل بسربال جلاله الذي يتلألأ منه حسن ~~وجهه القديم ، وطار بجناح المحبة والشوق في هواء هويته ، فيجد طريقا من ~~الأزل إلى الأزل ، فيسير من الله إلى الله إلى أبد الأبد ، فتلك المسالك ~~دينه ، أي : دين أحسن من هذا ، وهو بجلاله وعظمته دليله منه إليه ، لم ~~ينطمس مسلك الآزال والآباد ما دام بعزته ومجده أمام مطايا أسراره وعلم ~~رواحل أنواره : # إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا %~% كفى لمطايانا برياك هاديا # بانت سمات الحسن منه حين أسلم وجهه لله إلى جمال الله ، يتجلى من وجهه ~~تعالى لوجه قاصده ، فيبرز نور وجه القدم من وجهه ، أفنى وجوده لإدراك وجوده ~~، ( وهو محسن ) أي : عارف وعالم بما يطلب ويطلبه ، ومقصده مشاهدة ~~الباقي بنعت الفناء فيها ، فسهل عليه اضمحلاله بالله في الله. # قال ابن أدهم : من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل ، فنعته في الفناء فيه ~~اتصافه برضاه ، فيرضى عنه فيما يريد منه ، ومثل هذا الدين دين الحنيفية ~~الحبيبية الجليلية المسايلة عن الحدثان في مشادة الرحمن ، ألا ترى كيف وصف ~~حبيبه بقوله : ( ما زاغ البصر وما طغى ) [النجم : 17] حين رآه لم ~~يلتفت إلى الحدثان ، وكيف وصف خليله حين برزت أنوار جلاله من مطالع القدر ~~ببراءته عن ms0270 الحدث بقوله : ( إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي ~~للذي فطر السماوات والأرض ) [الأنعام : 79]. # وبين تعالى أن تمام حسنه لم يكن إلا بمتابعة خليله : ( واتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا ) وملته كسر أصنام الطبيعة بفأس الحقيقة في بداية المحبة ، ~~وإذهاب عرائس الملكوت من PageV01P279 # خاطره بقوله : ( إني بريء مما تشركون ) بعد قوله : ( هذا ~~ربي ) [الأنعام : 77] ، حين انكشف في عينه جمال الجبروت الأول مقام الإيقان ~~، والآخر مقام العرفان وطريق تسليم نفسه لله في محل الامتحان بنعت سلامة ~~القلب عما دون الرب ، قال تعالى : ( يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا ~~من أتى الله بقلب سليم ) [الشعراء : 89]. # وزاد في وصفه بقوله : ( إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب ~~العالمين ) [البقرة : 131] امتحن تسليمه بذبح الولد ، فمرر السكين على حلقه ~~سبعين مرة ، وامتحن بنفسه بإلقائه في النار ، فعرض عليه جبريل عليه السلام ~~المعاونة ، فقال : «ألك لي حاجة؟ فقال : أما إليك فلا» (1). # وبين سبحانه إذا كان الخليل بهذه الصفة في عبوديته وعرفان ربوبيته اتخذه ~~، كان في الأزل خليل الله بلا علة ولا تهمة ، اصطفاه بالخلة في الأزل ، ولو ~~كانت خلته بعوض ما كان فضلا ؛ لأن اصطفائيته بالخلة وصف الأزل ، والأزل ~~قديم قبل وجود الحوادث ، حيث أقبلت صفته تعالى وهى المحبة إلى الذات ، ~~وأقبل الذات إلى الصفة ، وتجلى الذات للصفات ، ثم تجلى الذات والصفات للفعل ~~، وتجلى الفعل إلى القدم ، فظهر الخليل بوصف الخليل ، ويرى الخليل الخليل ~~بعين الجليل ، فصار خليلا للجليل ، ولذلك قال تعالى : ( واتخذ الله ~~إبراهيم خليلا )، وهذا الذي بعينه للحبيب ، والحبيب أفضل من الخليل ؛ لأن ~~المحبة لب الخلة ، ثم صرح بالإشارة أن المحسن الراضي إذا تابع الحبيب ~~والخليل فيما ذكرنا صار حبيب الله وخليل الله. # قال بعضهم في هذه الآية : أي من أحسن حالا ممن رضي بمجاري الأقدار عليه ~~في العسر واليسر ، وأسلم قلبه إلى ربه ، وأخلص وجهه له وهو محسن ، أي : ~~متبع لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم . # وقال أبو بكر : من ظاهر واتبع ملة إبراهيم عليه السلام حنيفا ، أي : يخرج ~~من الكونين إقبالا منه ms0271 على الحق. # وقال الواسطي : حنيفا أي : مطهرا من أدناس الكون ، خالصا للحق مما يبدو ~~له وعليه. # قال ابن عطاء : اتخذه خليلا ، ولم نخالك سرائره شيئا غيره ، فذلك حقيقة الخلة. # وأنشد : # قد تخللت مسلك الروح مني %~% وبذا سمي الخليل خليلا فإذا ما نطقت كنت حديثي %~% وإذا ما غشت كنت عليلا # قال الحسين : اتخذه خليلا ، ولا صنع لإبراهيم عليه السلام فيه ، وذلك موضع ~~المنة ، ثم أثنى PageV01P280 # عليه بالخلة ، وذلك فعل الكرام. # وقال الواسطي : تخللته أنوار بره ، فسماه خليلا. # وعن جعفر بن محمد قال : أظهر اسم الخلة إبراهيم عليه السلام ؛ لأن الخليل ~~ظاهر في المعنى ، وأخفى اسم المحبة لمحمد صلى الله عليه وسلم لتمام حاله ؛ إذ ~~لا يحب الحبيب إظهار حال حبيبه ، بل يحب إخفاءه ، ويستره ؛ لئلا يطلع عليه ~~سواه ، ولا يدخل أحد فيما بينهما. # وقال ابن عطاء في تفسير قوله : ( أسلم وجهه لله وهو محسن ) أي : ~~قصده وتدبيره لربه وهو محسن ، أي : يرى الحق بسره ، فأسلم له ذلك كله مفوضا ~~إليه ومسلما تدبيره إليه. # قوله تعالى : ( وأحضرت الأنفس الشح ) كان الله تعالى ألزم النفوس ~~سمات النكرة ، وفتح أبصارها عليها حتى لا ترى إلا وجودها ، فعشقت على ~~وجودها ، وعميت عن رؤية خالقها ، فتكون كل وقت في طلب حظها من العالم ، ~~فإذا حركها الله بواجب العبودية تأبى عن ترك حظوظها ؛ لقلة عرفانها حظ ~~الأكبر ، وهو مشاهدة خالقها ، التي هي رأس كل دولة في الكونين ، وهذا معنى ~~قوله : ( وأحضرت الأنفس الشح ). # قال النوري : ألزمت الأشباح مخالفة الحق في جميع الأحوال ، وشحها ما ~~يضرها من طلب الدنيا. # ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل ~~الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما (129) ~~وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما (130) ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن ~~اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا ~~حميدا (131) ولله ما في السماوات ms0272 وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (132) إن ~~يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا (133) من كان ~~يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا ~~(134) يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم ~~أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا ~~الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا (135) ~~يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله ~~والكتاب الذي أنزل من قبل PageV01P281 # ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا ~~بعيدا (136) إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم ~~يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا (137) بشر المنافقين بأن لهم عذابا ~~أليما (138)) # قوله تعالى : ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ) العدل صفة ~~الحق ، فمن اتصف بصفته يكون عادلا في جميع الأحيان ، لكن ما كان العدل ~~مستعارا في التخلق يرجع إلى معدنه عند الامتحان ، ولذلك قال تعالى : ( ~~ ولن تستطيعوا أن تعدلوا )، وهاهنا أجدر أن ينصرف العدل إلى معدنه ~~؛ لأن ميلان الأرواح والأشباح بعضها بعضا علة الفطرة ، وحب النساء من أحكام ~~العشق الروحاني طبعا وطلبا لمعدن حسن الأزل ، فكيف تكون الاستطاعة من النفس ~~بالعدل بينهن والروح في طلب زيادة الحسن أبدا! ولذلك قال تعالى : ( ~~ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ) أي : أرموا النفوس بأزمة المجاهدة ~~والرياضة والمراقبة عند امتناعها من الخضوع عند أمر خالقها. # قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في قوله : ( ولن تستطيعوا أن ~~تعدلوا بين النساء ): فكيف تستطيعون العدل بينكم وبين الحق وليس من العدل ~~أن تحب ما يشغلك عن حبيبك ، وليس من العدل أن تفتر عن طاعة من لا يفتر عن ترك. # وقال الواسطي في قوله : ( فلا تميلوا كل الميل ) الجوارح تبع ~~للقلب ؛ لأنه أمير أمرك أن تخالفه إذا خالف الحق. # ( ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ~~) التقوى حقيقة العبودية ، ولا ms0273 يستقيم أمرها إلا بأداء حقوق التقوى ، وهى ~~الاجتناب مما منعه الله من النفس والهوى ، ومعنى ( أن اتقوا الله ) ~~أي : أنظروا بأبصار القلوب إلى عالم الغيوب ترون سبحات عظمتي وجلال عزتي ~~الذي ينبغي للعباد أن يدونوا تحت تجليه. # قال بعضهم : أمر الكل بالتقوى ، وأوصل النفس إلى التقوى ، من جرى له في ~~السبق عناية. # قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء ) ~~أمر سبحانه العباد بالإنصاف والقسط والعدل في الشهادة ؛ لئلا يتنوع الحكم ~~حين تميل النفس إلى غير الله ، أي : راقبوني في أمري ، ولا تراقبوا غيري ؛ ~~فإن الشاهد العادل إذا كان مراقبا لي يرى شهودي على كل ذرة ، فيفرغ بي ~~شهادته من شهودي. PageV01P282 # قال الجنيد : لن يصل إلى قلبك روح التوحيد ، وله عندك حق لم تقضه أو لم تؤده. # قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ) هذا ~~بلسان الحقيقة خاطب المريدين الذين آمنوا بالمقامات والكرامات والمكاشفات ~~والمشاهدات في بدو الإرادة مطلقا بغير المباشرة ، فإذا وقعوا في مسلك ~~الحقائق رأوا أحكام الغيب ، وسمعوا أصوات الإلهام من هواتف الملكوت ، ~~واضطربوا عند معارضة النفوس ، أي : أيها المدعون في بدايتكم بالإيمان على ~~حقائق الطريقة اثبتوا بنعت الإيقان في محل الامتحان عند كشوف أسرار الغيب ، ~~وأيقنوا أن ما سمعتم من خطاب الأسرار فهو كلامي على لسان تلك الهواتف. # وأيضا : لهذا خطاب الأكابر ، أي : أيها العارفون اعرفوني ؛ فإن ما وصلكم ~~من معرفتي فهو يؤولكم إلى النكرة ، ومن ظن منكم أنه بلغ إلى حقيقة المعرفة ~~أخطأ الطريق ، فإني ممتنع بعزتي وجلالي عن مطالعة الخليقة وجود قدمي ، ~~وارجعوا من تفردكم عند إفرادكم القدم عن الحدوث إلى الوسائط ، يعني الإيمان ~~بالرسول ؛ فإنه حادث يكون محل الحوادث ، وساحة الكبرياء منزهة عن الإيمان ~~والكفر. # سئل فارس : ما معنى هذه الآية وليس في ظاهرها التجريد؟ قال : التجريد ~~إنما يقع بلسان السر من جهة هواتف الحق ، ومعنى الآية : ( آمنوا ) ~~، وقوله : ( ورسوله ) يريد تكرار الإيمان. # وقيل : أي : أيها المدعون تجريد الإيمان بي من غير واسطة ، لا سبيل لكم ~~إلى الوصول إلى عين ms0274 التجريد إلا بقبول الوسائط. # قال الأستاذ : ( يا أيها الذين آمنوا ) من حيث البرهان آمنوا من ~~حيث البيان إلى أن يؤمنوا من حيث الكشف والعيان. # ويقال : ( يا أيها الذين آمنوا ) باستعمال أدلة العقول آمنوا إذا ~~تحتم بعفوه الوصول ، واستمكنت منكم حيرة البديهة ، وغلبات الذهول ، ثم ~~أفقتم من تلك الغيبة ، فآمنوا أن الذي كان غالبا عليكم كان شاهد الحق لا ~~حقيقة الذات ، فإن الصمدية ممتنعة مقدسة عن كل قرب وبعد ووصل وفصل. # قوله تعالى : ( إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ~~ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ) يصف أهل التردد في ~~سلوك سبيل أولياء الله والإيمان بهم وبأحوالهم حين هاجت رغبتهم إلى رئاسة ~~القوم أشرفهم عند الخاص والعام ، وآمنوا رسما لا استعدادا ، فلما جنت عليهم ~~ظلمات المجاهدات لم يحتملوا ، وأنكروا عليهم ، ورجعوا إلى حظوظ أنفسهم ، ~~فإذا سمعوا أفكار الخلق على ترددهم ورأوا مهابة الأكابر PageV01P283 # عندهم آمنوا بعد ذلك رسما لا حقيقة ، فلما لم يصلوا إلى شيء من مقامات ~~القوم وكراماتهم ارتدوا ، وصاروا منكرين على القوم وعلى مقاماتهم ، وزاد ~~إنكارهم على الإنكار حين رجعوا إلى اللذات والشهوات ، واختاروا الدنيا على ~~الآخرة ، ويقولون عند الخلق إن هؤلاء ليسوا على الحق ، ويطعنونهم ، يقعون ~~في تمزيقهم وغيبتهم حتى تضيق صدور القوم عليهم ، وأن الله سبحانه ينتقم ~~منهم بأن يشغلهم بجمع المال والرئاسة ، ولا يرشدهم بعد ذلك إلى سبيل الرشاد ~~، وتبقى على وجوههم سمات الخسران ، ويحترقون غدا عندهم في وسط النيران ، ~~وهذا وصف أهل زماننا من المنكرين الذين كان عندهم بالإرادة الإيمان بنا ~~وبأحوالنا. # قال الأستاذ : إن الذين تبدلت بهم الأحوال فقاموا وسقطوا ثم تغشوا وعثروا ~~ثم ختم بالسوء أحوالهم أولئك الذين قصمتهم سطوات العزة حكما ، وأدركتهم ~~شقاوة القسمة خاتمة وحالا ، الحق تعالى لا يهديهم لقصد ولا يدلهم على رشد. # ( الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم ~~العزة فإن العزة لله جميعا (139) وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم ~~آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا ms0275 معهم حتى يخوضوا في حديث غيره ~~إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا (140) ~~الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان ~~للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم ~~بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (141) إن ~~المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ~~يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا (142) مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ~~ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (143) يا أيها الذين آمنوا ~~لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم ~~سلطانا مبينا (144) إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم ~~نصيرا (145) إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله ~~فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (146) ما يفعل الله ~~بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما (147)) # قوله تعالى : ( أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا ) أعلم ~~الحق سبحانه أن PageV01P284 # جهلة النفوس طلبوا العز من موضع الذل وأخطأوا الطريق ، فان العزة بصفة ~~الأزلية ، ومن لم يكن متصفا بعزة الأزلية لم يكن عزيزا بين الأعزاء ، ويكون ~~ذليلا بين الأذلاء ، قال على وجه الاستفهام والتعجب ونفي العز عن غيره ، ~~وأضاف العزة إلى جلاله وعظمته ، أي : افهم أنهم لو يريدون العزة فينبغي أن ~~يطلبوا العزة إلى جلاله وعظمته ، أي : افهم أنهم لو يريدون العزة فينبغي أن ~~يطلبوا العزة من عند من كان عزيزا ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~وأولياءه ؛ لأن عليهم رداء عزة العزيز ، قال تعالى : ( ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين ) [المنافقون : 8]. # قال محمد بن الفضل : كيف تبتغي العزة ممن عزه بغيره ، فاطلب العزة من ~~مظانه ومكانه ، قال الله : ( فإن العزة لله جميعا ) فمن اعتز ~~بالعزيز أعزه ، ومن اعتز بغيره أذله. # قال رسول صلى الله عليه وسلم : «من اعتز بالعبد أذله الله» (1)، فابتغ من ~~عند رب العزة يعزك في الدنيا والآخرة. # قال أبو ms0276 سعيد الخراز : العارف بالله لا يرى عزة إلا منه. # قال الواسطي : ما مالت سريرة إلى حب العز إلا ظهر خسوفها ، وما مالت ~~النحيرة إلى حب الدنيا إلا ظهرت ظلمتها عليه ، فصارت محجوبة ، وعن [المآب ~~(2) ] مصروفة. # ( إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله ~~فأولئك مع المؤمنين ) بين أن من خالف الطريق ، وظهرت منه الخيانة لم يصل ~~إلى مقام الأول إلا بالعبور على هذه الشرائط المخصوصة ، منها التوبة وهى ~~الخروج من النفس والهوى ، والرجوع إلى الله بمراد الله ، والإصلاح وهو ~~إصلاح السريرة بنعت تقديسها عن النظر إلى غير الله ، والاعتصام بالله ~~الالتجاء إليه في جريان القضاء ، والقدر عليه الإخلاص في الدين تجريد ~~الأسرار عن النظر إلى الأغيار ، فإذا غير على هذه القناطر فتكون في السلوك ~~مع العارفين ، ولكن لم يكن معهم في مشاهدة رب العالمين لا صحبة المخالف لم ~~تكن مستعدة لما نال أهل المعارف والكواشف ، وبيان ذلك قوله تعالى : ( ~~ فأولئك مع المؤمنين )، وما قال «من المؤمنين» أي : ليس هؤلاء منهم ~~وإن اجتهدوا في الطريق ؛ لأن الجاهد وإن اشتد جهده لم يكن عارفا ، لأن ~~المعرفة موهبة الأزلية ، وهبها الواهب لمحبيه بغير علة ، وهذا إخبار عن قوم ~~محرومين من الوصول إلى هذه المقامات ، وظهر في نحوي الخطاب أن هذا الخبر ~~منهم أنهم لم يفعلوا ذلك. PageV01P285 # قال ابن عطاء : ( فأولئك مع المؤمنين )، ولم يقل «من المؤمنين» ~~؛ ليعلم أن الاجتهادات لا تؤثر في سبق الأزل. # قال أبو عثمان : التوبة الرجوع من أبواب الخلاف إلى أبواب الائتلاف. # وقال محمد بن الفضل : الاعتصام هو التشبث بالسنة وطرق السلف. # وقال سهل : تابوا من التوبة. # ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله ~~سميعا عليما (148) إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان ~~عفوا قديرا (149) إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ~~ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (150) ~~أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (151) والذين آمنوا ~~بالله ورسله ms0277 ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله ~~غفورا رحيما (152)) # قوله تعالى : ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) ~~بين سبحانه شفقته على العباد ، حيث لا يرضى بشناعة الغير عليهم ظاهرا ، ~~فكيف يرضى من نفسه أن يهتك سترهم ، اعلم أنه غيور ؛ حيث لا يحب الجهر ~~بالسوء من القول. # وقوله : ( إلا من ظلم ) لأن حديث المظلوم هفوة وانبساط بين يديه ~~، وليس قول السوء فحشا ، إنما هو الدعاء على ظالمه ، وهو سميع لدعاء ~~المظلوم على الظالم ، وهذا كقوله : ( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ~~ما عليهم من سبيل ) [الشورى : 41] ، وهذا تسلية وشفاء لعلة المظلوم. # قال الواسطي : لا يرضى الله من عباده باستماع الجفاء إلا مثاله إلا من ~~جحد نعم الله عنده في البينات والبراهين. # ( يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا ~~موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا ~~العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا ~~(153) ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم ~~لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم PageV01P286 # ميثاقا غليظا (154) فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله ~~وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا ~~يؤمنون إلا قليلا (155) وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما (156)) # قوله تعالى : ( وآتينا موسى سلطانا مبينا ) أراد بالسلطان المبين ~~سطوع نور التجلي من وجهه حتى لا يرى أحد وجهه إلا حارت عيناه من غلبة بهاء ~~الله وعظمته على وجهه ، وأخبر سبحانه عن ذلك النور ؛ لقوله : ( ~~وألقيت عليك محبة مني ) (1) [طه : 39]. # قيل في تفسير الظاهر : ملاحة في عينيه لا يراه أحد إلا أحبه ، وذلك النور ~~أيضا من نور تجلي الحق الذي ظهر من الشجرة حين سمع خطاب الحق منها ، وذلك ~~قوله تعالى : ( إني آنست نارا ) [طه : 10] ، وكان موسى عليه السلام ~~من فوقه إلى قدمه برهان الله للعالمين ، وهكذا كل نبي وولي. # ألا ترى إلى اليد البيضاء والعصا وأعظم البرهان في ms0278 وجهه عكس التجلي من ~~جبل الطور على وجهه حتى احتاج بعد ذلك أن يستر وجهه بالبرقع ، والسلطان ~~المبين أيضا إخباره عن الله بكلام الله. # قال بعضهم : قوة عظيمة على سماع المخاطبة من كلام الحق. # وقيل : أعطى سلطانا على نفسه في مخالفتها وهو المبين الظاهر للخلق. # ( وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه ~~وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم ~~إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا (157) بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا ~~حكيما (158) وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون ~~عليهم شهيدا (159) فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم ~~عن سبيل الله كثيرا (160) وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس ~~بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما (161) لكن الراسخون في العلم ~~منهم والمؤمنون يؤمنون بما PageV01P287 # أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة ~~والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما (162)) # قوله تعالى : ( ولكن شبه لهم ) كان روحا روحانيا إلهيا يحيي ~~الأموات به ، حيث يبرز نور الألوهية منه لها ؛ لأنه من الله سبحانه بالقدرة ~~، فلما أراد الله أن يرفعه إلى جواره رفع الحجاب عن روحه ، فظهر روحه لبعض ~~خاصته ، فصار منقوشا بنقشه ؛ لأن صورة عيسى عليه السلام منقوشة بنقش روحه ، ~~وهذا منه قوة إلهية ، وهو كان بها مؤيدا بقلب الأعيان ، ولا تكون هذا إلا ~~من فعل الله المنزه عن مزج لاهوتية ناسوتية الإنسان. # وأدق الإشارة فيه : أن الله سبحانه عرف طباع اليهود والنصارى بميلها إلى ~~التشبيه ، وتنفرها من القدس والتنزيه ؛ لأنهم أصحاب المخائيل. # ألا ترى إلى عبدة العجل كيف كان حبهم لها ، وقول النصارى أن الله هو ~~المسيح ، فشبه لهم صورة عيسى عليه السلام بنعت الالتباس من تجلى نور اللاهوت ~~من الناسوت لقلة عرفانهم قدس الأزل عن نعوت الحدث ، فغلظ بعضهم وقالوا ~~بإلهية عيسى وعزير عليهما السلام ، فغرقهم عيسى مكان المكر في الالتباس ، ~~وفات خطهم من ms0279 رؤيته ، قصدوه بالقتل ، فألقى الله سبحانه عكس ذلك الشبه على ~~أحد استدراجا ومكرا ، فقتلوه ؛ لأنهم ما وجدوا فيه ما وجدوا في عيسى ~~عليه السلام من حلاوة الحب ولذة العشق ، وهذا الفقدان من رفعه إلى السماء ~~بقوله تعالى : ( بل رفعه الله إليه ). # قيل في تفسير : ( بل رفعه الله إليه ) كساه الريش ، وألبسه النور ~~، وقطع لذة المطعم والمشرب ، وطار مع الملائكة حول العرش ، فكان إنسيا ~~ملكيا سماويا أرضيا. # قوله تعالى : ( لكن الراسخون في العلم ) المستقيمون في سماع خطاب ~~الخاص من الله سبحانه بغير معارضة النفوس واضطراب الأسرار ؛ لأنهم عالمون ~~إلهام الحق من وسوسة الشيطان ، وهم مفرقون بين لمة الشيطان ولمة الملك ، ~~ويعرفون خطاب العقل والقلب والنفس والروح والملك والسر والشيطان بنور خطاب ~~الله ، ويعرف به مكان كل خطاب ، علمهم لدني ، ولسانهم إلهي ، وقلبهم عرشي ، ~~وروحهم ملكوتية ، وأسرارهم مشحونة بالعلوم المجهولة ، والأنباء العجيبة ~~الغيبية ، ويزنونها في جميع الأنفاس بميزان القرآن والسنة وكلام الأولياء. # قيل : هم العلماء بالله ، والعلماء بأمر الله ، والمتبعون سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . # قيل : هم الواقفون مع حدود العلم وشرائطه ، لا يجاوزونه بالرخص ~~والتأويلات. PageV01P288 # ويقال : الراسخ في العلم من يرتقي عن حد تأمل البرهان ، ويصل إلى حقائق ~~البيان. # ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ~~وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس ~~وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا (163) ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ~~ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما (164) رسلا مبشرين ومنذرين ~~لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما (165) لكن ~~الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا ~~(166) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا (167) إن ~~الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا (168) إلا ~~طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا (169) يا أيها الناس ~~قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا فإن لله ما في ~~السماوات ms0280 والأرض وكان الله عليما حكيما (170)) # قوله تعالى : ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ) ذكر ~~الأنبياء عند ذكره تسلية في الامتحان ، وتثبيتا للكشف والخطاب والبيان ~~بالغيرة لزيادة المحبة والقربة ، وذكر نوح عليه السلام ثاني ذكره ؛ لأنه هو ~~نواح الحضرة من الشوق إلى المشاهدة ، ولأن بينهما مشاركة في احتمال الجفاء ~~من الأغيار ، ألا ترى كيف قربه الله في أخذ الميثاق بقوله : ( وإذ ~~أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ) [الأحزاب : 7]. # قوله تعالى : ( وكلم الله موسى تكليما ) بين تخصيص موسى ~~عليه السلام بمقام الخطاب الخاص بلا واسطة ، بادر موسى عليه السلام من بين ~~الأنبياء بسؤال الرؤية ، فأوقفه الحق في مقام سماع كلامه ، ومنعه من مشاهدة ~~رؤيته صرفا ، وتحمل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أثقال الشوق بمطايا أسراره ~~، ولم يسأل مشاهدة الحق جهرا بالانبساط ، فأوصله الله إلى مقام مشاهدته ~~ورؤيته بالظاهر والباطن بعين الرأس وبعين القلب ، ثم أسمع كلامه بلا واسطة ~~ولا حجاب ، قال تعالى : ( فأوحى إلى عبده ما أوحى (10) ما كذب ~~الفؤاد ما رأى ) [النجم : 10 ، 11] ، وأن الله سبحانه إذا أراد أن يسمع ~~كلامه أحد من الأنبياء والأولياء يعطيه سمعا من أسماعه ، فيسمع بها كلامه ، كما PageV01P289 # حكى صلى الله عليه وسلم عنه تعالى : «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به» ~~(1)، أسمعه كلامه ، وليس هناك الحروف والأصوات ، بل أسمعه بحرف القدرة ~~وصوت الأزلية الذي منزه عن همهمة الأنفاس ، وخطرات الوسواس ، وليس في ولاية ~~الأزل من رسوم أهل الآجال شيء ، هناك السامع والمسمع واحد من حيث المحبة لا ~~من حيث الجمع والتفرقة. # ( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ~~فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد ~~سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ~~(171) لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف ~~عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه ms0281 جميعا (172) فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا ~~فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (173)) # قوله تعالى : ( إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ~~ألقاها إلى مريم وروح منه ) كان رسول الله إلى عباد الله بأمانة الله ، وهي ~~نور جلاله الذي برز من وجهه لهم ؛ ألا ترى كيف توجهوا إليه وصاروا عاشقين ~~به كما عشقت ملائكة الله لوجه آدم عليه السلام ، ولذلك سجدوا لآدم ~~عليه السلام ، وذلك من تجلي كلمته الأزلية التي كظهر نورها في مريم ، وكان ~~في ظاهره وباطنه روحا صدر من زند نعوت الأزل حين انقدحت لظهوره من العدم ، ~~وأدنى عيسى عليه السلام خاصية فرده أفضل من خاصية آدم عليه السلام ؛ لأن هناك ~~قال : ( ونفخت فيه من روحي ) [الحجر : 29] ، خصه بالروح منه فيه ، ~~ولههنا قال : ( وروح منه ) يعني ظاهر صورته وروحه بمجموعها ، ( ~~ وروح منه ) العالم بأسرها صورة وروح تلك الصورة هي الأنبياء ~~والأولياء ، قال عليه السلام : «بهم يمطر ، وبهم ينبت ، وبهم يدفع البلايا» (2). # قوله تعالى : ( لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة ~~المقربون ) لماذا اتصف بأوصاف الحق حين برزت أنوارها له ، وباشرت أسرار ~~لطائفها قلبه وروحه PageV01P290 # وعقله ، وامتلأ من سنا الألوهية أسراره حين انعقد عقد وجوده ، كاد الحال ~~أن يسلبه من رؤية العبودية ، فأدركه تأييد الحق حتى رأى الحدث محوا في ~~القدم ، فلم يدع الربوبية ، ونطق في المهد بالعبودية بقوله : ( إني ~~عبد الله ) [مريم : 30] ، لم يكن كابن الحلاج رحمة الله عليه حين ادعى ~~بالأنائية من سكر العشق والمحبة ، وفنائه في الأزلية ، واتصافه بالأبدية ؛ ~~لأنه كان في منزل التلوين ، بل حاله كان كحال سيد البشر صلى الله عليه وسلم ~~حين عاين الحق بالحق ، فخرج من بحار الذات بنعت الاتصاف بالصفات ، ورأى ~~اضمحلال الحدثان في جمال الرحمن ، فنطق بالعبودية وقال : «أنا العبد لا إله ~~إلا الله» (1)، وهكذا أهل القدس في الملكوت تلاشوا في سبحات عزته ، وقالوا ~~: «ما عبدناك حق عبادتك ، وما عرفناك حق معرفتك» (2)، وكيف ms0282 لا يكون ذلك ~~وقهر الجبروت استولى على كل ذرة من العرش إلى الثرى ، وجرها بأزمة العظمة ~~والكبرياء في تراب ساحات عزته ، راغمة في جناب جبروته والألفة من عبادة ~~صانعها مستجبلة! لأن كونها وتكوينها محض عبادته ، لأنها تكون بداعية القدم ~~من العدم ، خص ذكر عيسى عليه السلام والملائكة لأنهما موضع إشارة الكفرة ~~نسبتهم إلى الألوهية ذكر عيسى عليه السلام بالأول وأتم ذكر الملائكة. # وبين ظاهر الآية تخصيص الملائكة على عيسى عليه السلام ، والمراد من ذلك ~~أنهم سماويون نجباء الحضرة وأشياخ القدرة ؛ لأنهم أفضل من عيسى عليه السلام ~~، وأشار بوفق رسوم خواطر الكفرة ، وإلا كيف يكون هم أفضل من الأنبياء ، ~~والأنبياء جلاليون قدسيون ، والملائكة روحانيون ملكوتيون قبل ، لا يأنف أحد ~~من القيام بالعبودية ، فكيف يأنف منه وبه يتقرب إلى مولاه. # وقيل : كيف يأنف أحد من عبودية من يظهر على العبيد آثار صنائع الربوبية ~~كما أظهر على عيسى عليه السلام من إحياء الموتى وغيره. # ( يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا ~~مبينا (174) فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ~~ويهديهم إليه صراطا مستقيما (175) يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن ~~امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد ~~فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر ~~مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا PageV01P291 # والله بكل شيء عليم (176)) # قوله تعالى : ( يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا ~~إليكم نورا مبينا ) برهانه ظهوره في كل ذرة ، ولمعان سنا قدرته في جميع ~~الفطرة ، وبرهانه طوف أسراره أسماع قلوب الخلائق يكون وجوده وأنباء عجائب ~~صفاته والنور المبين خطابه الظاهر في الظاهر ونوره في الباطن. # قال ذو النون : استقرت منار الدجى ، وأقامت حجة الله على خلقه ، فأخذ ~~بحظه ومضيع لنفسه. # وقيل في قوله : ( وأنزلنا إليكم نورا مبينا ) خطابا من القرآن ~~فيه محل الشفاء لأسرار العارفين. # وقال الأستاذ : البرهان ما لاح في سرائرهم ms0283 من شواهد الحق. ### | سورة المائدة # بسم الله الرحمن الرحيم # ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام ~~إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد (1) يا ~~أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا ~~القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم ~~فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ~~وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن ~~الله شديد العقاب (2)) # ( يا أيها الذين آمنوا ) لله الأسماء الحسنى ، والنعوت الأعلى ، ~~من جملتها المؤمن ، فألبس نور هذا الاسم خواصه ، وزين أسرارهم به ، فخاطبهم ~~بخاصية اتصافهم باسمه وصفته ، وهم بنوره ، ويرونه ، فساروا بمراكب اسمه ~~ونعته في ميادين الصفات حتى بلغوا أنوار الذات ، فشاهدوه بوصف اليقين ~~والسكون ، أي : أيها الشاهدون مشاهدتي. # قال ابن عطاء : أي : أيها الذين أعطيتهم قلوبا لا تغفل عني ، ولا تحجب ~~دوني طرفة عين. # وقال شيخنا وسيدنا أبو عبد الله محمد بن حنيف : الإيمان تصديق القلوب بما ~~أعلمه الحق من الغيب. PageV01P292 # قال بعضهم : يا غيب ، وأي سر ، وها تنبيه وإخراج ، وآمنوا وصف المحبين. # قال أبو الحسين الفارسي في قوله : ( أوفوا بالعقود ) أمر الله ~~عباده بحفظ السياسية في المعاملات ، والرياضات في المحاسبات ، والحراسة في ~~الخطرات ، والرعاية في المشاهدات ، فليس للعبد من هذه الأسباب مهرب ، ولا ~~له عنه محيص. # وقال بعضهم : ( أوفوا بالعقود ) عقد القلب بالمعرفة ، وعقد ~~اللسان بالثناء ، وعقد الجوارح بالخضوع. # وقال جعفر بن محمد في قوله : ( يا أيها الذين آمنوا ): أربع ~~خصال : نداء ، وكناية ، وإشارة وشهادة ، ( يا أيها ) نداء وأي : ~~خصوص النداء ، وها كناية ، و ( الذين ) إشارة ، و ( آمنوا ~~) (1) شهادة ، أشار رضي الله عنه وما فسر ، وأراد والله أعلم أن الياء نداء ~~الأذل ، تقاضى بها وصول المشتاقين إلى الأزل بالأزل ، فخرجت الأرواح العاشق ~~بنداء القدم من العدم ، وأي خطاب بسط لأهل الخصوص من أهل الانبساط ، والهاء ~~للغائبين في جلاله ، والغائبين في سطوات عظمته وكبريائه ، المتحيرين ms0284 في ~~دائرة هويته ، كناهم بوصف الهوية ، و ( الذين ) إشارة إلى الواقفين ~~بطلب هلال جماله في سموات عظمته ، ( آمنوا ) وصف قبولهم أمانته ~~الأزلية ، وهي المعرفة القائمة بالأزلية التي عرضها على السموات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها. # وقوله : ( أوفوا بالعقود ) هذا كناية عتاب ؛ حيث طلب منهم الوفاء ~~بعهد الأزل حين قبلوا أمانة المعرفة ، وأقروا بالربوبية في معاينة المشاهدة ~~، عقد مع الأرواح العارفة في الأزل بظهور صفاته تعالى لهم ، ففي كل كشف صفة ~~لها عقد وعهد لاتصافه بها ، فطارت بوصف الصفات ونورها في الأشباح بطلب الحق ~~سبحانه الأرواح والأشباح بفوائد التخلق والاتصاف بالصفات في الأزل ؛ ولذلك ~~قال : ( أوفوا بالعقود )؛ لأن العقود جمع عقد وعهد أخذها الأرواح. # قيل : الأشباح في فضاء الأزل. # قيل : أول عقد عليك عقد إجابتك له بالربوبية ، فلا تخالفه بالرجوع إلى ~~سواه ، والعقد الثاني عقد تحمل الأمانة فلا تحقرنها. PageV01P293 # قال الواسطي : العقود إذا لم تشهد القصود تلون عليها المقصود. # قال الجريري : الوفاء متصل بالصفاء. # قال الأستاذ : ناداهم. # قيل : أن أبدلهم وسماهم قبل أن رآهم أهلهم في آزاله لما أوصلهم إليه في ~~آباده شرفهم بقوله : ( يا أيها الذين آمنوا )، وكلفهم بقوله : ( ~~ أوفوا ) (1) لما علم أن التكليف يوجب المشقة ، قدم التشريف بالثناء ~~على التكليف الموجب للفناء. # وقوله : ( غير محلي الصيد وأنتم حرم ) المحرم الذي ذكره الله هو ~~من اكتسى في إحرام أنوار عزته في حرم مشاهد قربه ، قد منعه ألا يصيد في ~~بيداء العبودية صيود الحظوظ ؛ لأن صيده هو بنفسه تعالى لا غير ، ومن كان هو ~~صيدة حرم عليه سواه. # قال الأستاذ : المحرم متجرد عن نصيب نفسه بقصده إليه ، فالأليق بصفاته كف ~~الأذى عن كل حيوان ، وقد هتفت هواتف خاطري بأن العاشق إذا ألبس إحرام العشق ~~حرم عليه ما فيه آثار صنع معشوقه وأنوار خصائصه. # ألا ترى إلى مجنون بن عامر لما اصطاد ظبيا خلاه عن القيد ، وأطلقه ، ~~وأنشد : # وعيناك عيناها وجيدك جيدها %~% سوى أن عظم الساق منك رقيق # وأنشد أيضا : # أيا شبه ليلى لا تذاع فإنني %~% لك اليوم من وحشية تصديق أقول ms0285 وقد أطلقتها من وثاقها %~% ألست لليلى أن شكرت طليق # وقوله : ( إن الله يحكم ما يريد ) قطع أطماع النفوس دخولها في ~~شهوات اختراع مرادها ، وحسم حبال أمنية الخلق عن دفع سابق المشيئة ~~بالمجاهدات ، وأفرد نفسه بالحكم الأزلي بنعت نقض عزائم الخليقة ، يحكم ~~أولياءه بنزول بلائه عليهم بعد إسقائهم شراب وداده PageV01P294 # من بحار جماله. # قال جعفر عليه السلام : حكم بما أراد ، وأمضى إرادته ومشيئته ، ومن رضي ~~بحكمه استراح وهدي لسبيل رشده ، ومن سخطه فإن حكمه ما مضى ، وله فيه السخط ~~والهوان. # قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ) خاطب ~~العارفين عند أخذ ميثاق التوحيد في مقام قرب المشاهدة بألا يباشروا محارم ~~منازل أسفار الأرواح من القدم إلى البقاء ، وهى شعائره للنفوس ؛ حيث سارت ~~في حرمات الشهوات حتى لا يوافقوها في طلب حظوظها ، وهذا معنى قوله : ( ~~ لا تحلوا شعائر الله )، ثم وقت لهم في سير الأسرار إلى مشاهدته في ~~زمان ظهور تجلي الخاص أن يتجردوا غيره ، ويمنعوا أنفسهم في زمان انجذابهم ~~من عالم الحدثان إلى جناب الرحمن عن الدخول في حمى الرفض الذي هو ينزل أهل ~~الانبساط ، وهذا معنى قوله تعالى : ( ولا الشهر الحرام )، وإذا ~~رأوا طلاب المريدين الذين ذهبوا أنفسهم إلى الله هديا في سلوك المقامات ، ~~ورأوا المجذوبين والمقلدين بسلسلة المحبة في مزار الحالات ، ورأوا السالكين ~~القاصدين إلى كعبة المشاهدة الذين يبتغون وصلته وبقاءه بألا يغيروهم عليهم ~~بغيرة المعرفة ؛ إرادة لقطع طريقهم ليلا ، يروا غير نفوسهم في باب الأزل ، ~~كما فعل موسى عليه السلام ببلعام ، وهذا معنى قوله تعالى : ( ولا ~~الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ). # ثم رخص المحرمين مما دونه إذا بلغتم إلى مقام المشاهدة ووجدتم عيد الأكبر ~~، وخرجتم من إحرام المجاهدة اصطاد ، وفي منزل البسط والانبساط زيادة روح ~~القربة والتنفس في الأنس من ترنم ألحان بلابل بساتين الربيع ، وسماع أصوات ~~الطيبات ، ومشاهدة المستحسنات. # ألا ترى إلى قوله عليه السلام لنساك الغيب ، حين تضايقت الأكوان عليهم في ~~مقام القبض كيف قال : «روحوا قلوبكم ms0286 بساعة فساعة» (1)، وهذا معنى قوله ~~تعالى : ( وإذا حللتم فاصطادوا )، وإذا كنتم في زمان الامتحان ~~ويتعرضكم أهل ظاهر السبيل والعلم ويمنعكم عن الجلوس بالسماع والرقص ~~والهيجان والوجد والهيمان وعن دخولكم مراد الله من المواقف القدسية لا ~~تخاصموهم ، ولا تقتلوهم بأنفاسكم القاتلة ؛ حتى لا يكون عليكم رقم الاضطراب ~~في الطريقة ، وهذا معنى قوله تعالى : ( ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم PageV01P295 # عن المسجد الحرام أن تعتدوا )، وإذا تحير المريدون في بيداء ~~الشوق وهاموا في وادي العشق وفنوا في قفار التوحيد زيدوا عليهم وصف مشاهدتي ~~ولذة وصالي قدس عظمتي ، يزيد حرقتهم ورغبتهم ومحبتهم لقائي ، ويزيد سرعتهم ~~في سيرة العشق والشوق إلي ، وإذا وقع في طريقهم حظ من حظوظ أنفسهم من أبواب ~~الرخص والتأويلات فامنعوهم منه ، واتقوا من احتجابي عنكم حين احتجبوا مني ، ~~فإن عذاب الفراق مني أشد العذاب ، وما ذكرنا فهو معنى قوله تعالى : ( ~~ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا ~~الله إن الله شديد العقاب ). # قيل : البر ما وافق عليه العلم من غير خلاف ، والتقوى مخالفة الهوى ، ~~والإثم طلب الرخص ، والعدوان التخطي إلى الشبهات. # قيل : البر ما اطمأن إليه قلبك من غير أن ينكره بجهة ولا سبب. # قال بعضهم : ( وتعاونوا على البر والتقوى )، وهو طاعة الأكابر ~~من السادات والمشايخ ، ولا تضيعوا حظوظكم منهم ومن معاونتهم وخدمتهم ، ( ~~ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان )، وهو الاشتغال بالدنيا ، ~~والعدوان موافقة النفس على مرادها وهواها. # وقال سهل : البر الإيمان ، والتقوى السنة ، والإثم الكفر ، والعدوان ~~البدعة. # وعن جعفر عليه السلام قال : البر الإيمان ، والتقوى الإخلاص ، والإثم ~~الكفر ، والعدوان المعاصي. # وقال الأستاذ في قوله : ( وإذا حللتم فاصطادوا ) إذا خرجتم عن ~~أسر حقوقنا فارجعوا إلى استجلاب حظوظكم ، فأما ما دمتم تحت قهر بطشنا فلا ~~نصيب لكم منكم ؛ لأنكم لنا ، وقد وقع لي في البر : معنى البر المحبة ، ~~والتقوى المعرفة ، والإثم طلب حظ المشاهدة من المشاهدة ، والعدوان دعوى ~~الأنائية في الاتحاد ؛ لأنه احتجب بحظ الربوبية عن الربوبية في العبودية. # ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله ms0287 به ~~والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ~~ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من ~~دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت ~~لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ~~(3) يسئلونك ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~تعلمونهن مما علمكم الله PageV01P296 # فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن ~~الله سريع الحساب (4)) # قوله تعالى : ( فلا تخشوهم واخشون ) خشية الله هاهنا حوالة إلى ~~رؤية سبق العارفين في الأزل ، أي : إذا وقع أمر الامتحان عليكم بواسطة ~~الخلق أقبلوا إلي بنعت معرفتي ومحبتي ، ولا تفزعوا منهم ؛ فإنهم مكان ~~امتحاني ، فإذا عرفتموني عرفتم مكان الامتحان ، فلا تبقى إذا الخوف من غيري ~~، قال تعالى : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) [فاطر : 28] ، ~~فإذا استحكم عقد الخشية منهم فيظهر للعالم بالله سر إفراد القدم عن الحدوث. # قيل : فيه قطعك عن الكل قطعا ، وجذبك إليه جذبا بهذه الآية : ( ~~فلا تخشوهم واخشون ). # قال ابن عطاء : لا تجعل لهم من قلبك نصيبا ، وأفرد قلبك لأن تجدني بصفة ~~الفردانية مقبلا عليك. # وقال سهل : أعجز الناس من خشي من من لا ينفعه ولا يضره ، والذي بيده ~~النفع والضر يخاطب بقوله : ( فلا تخشوهم واخشون ). # في قوله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الإسلام دينا ) أراد في الأزل وأزل الأزل بلا علة العمياء ، ~~والأزل منزه عن دهر الدهار والأزمنة الفرارة أن يظهر كنوز صفاته وخزائن جود ~~ذاته محبة منه ومعرفة لعباده ، كما قال تعالى : «كنت كنزا مخفيا ، فأحببت ~~أن أعرف» (1)، فيتجلى للعدم من القدم ، فظهر العباد ، وألزمهم سمة ~~العبودية ، وكشف أنوار أفعاله لهم ، فعبدوه برؤية نور أفعاله وصنائعه ، ثم ~~كشف لهم أنوار الصفات ، فأحبوه برؤية نور الصفات ، فلما حان وقت خروج سيد ~~الأولين والآخرين وأصحابه وأمنه من العدم بسط بساط العطايا لهم حتى وقفوا ~~على بساط لطفه وكرمه ، ورباهم ms0288 بحسن عنايته ، ثم تجلى لهم بنور الأسماء ~~والصفات ، ورباهم بها إلى أن بلغوا حد الاستقامة في المحبة والشوق ، فكشف ~~لهم جلال ذاته ، فعرفوه بنور الأسماء والنعوت والأفعال والصفات ، فلما ~~عرفوه بمعرفة الذات كملت أحوالهم للكشف والمشاهدة والمعرفة والتوحيد ، ولم ~~يحتجبوا عنه ببركة مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم ، وتواصلت الكشوف والتجلي ~~بالتجلي ، قال تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم )، حيث ما أكملت ~~لأحد من خلقي ما أكملت لكم. # وما ذكرنا بمجموعه قد أشار عليه السلام إليه بقوله صلى الله عليه وآلهوسلم ~~«جاء الله PageV01P297 # من سيناء ، واستعلن بساعير ، وأشرف من جبال فاران (1)» ، والدين هو ~~الطريق منه إليه بنعت عرفان طرق الصفات إلى الصفات ، وسبل الصفات إلى الذات ~~، والنعمة منه لهم كشف جماله بلا حجاب ، والعفو بلا عتاب ، والوصول بلا ~~عذاب ، وإتمامها وقايتهم من الاشتغال بغيره ، وظهوره من جمال نبيه لهم ، ~~ووصول نبيهم إلى درجة مقام المحمود لشفاعتهم وارتضاء الإسلام لهم دينا ، ~~أسأل أستار العظمة عليهم حتى انقادت نفوسهم الأمارة الفرارة من الحق لسبحات ~~عظمته ، ومباشرة قهر سلطان كبريائه ، ولا يحتجبون عن الحق بها أبدا. # قال أبو حفص : كمال الدين في شيئين : في معرفة الله ، واتباع سنة رسوله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم . # وقال جعفر بن محمد عليهما السلام : ( اليوم ) إشارة إلى يوم بعث ~~محمد صلى الله عليه وآلهوسلم ويوم رسالته. # وقيل : ( اليوم ) إشارة إلى الأذل ، والإتمام إشارة إلى الوقت ، ~~والرضا إشارة إلى الأبد. # وقيل : ( أكملت لكم دينكم ) (2) أن خصصتكم من بين عبادي بمشاهدة ~~المصطفى صلى الله عليه وآلهوسلم يخاطب به الصحابة ، وجعلتكم حجة لمن بعدكم من ~~الأمة إلى يوم القيامة. # قيل : ( وأتممت عليكم نعمتي ) بالمعرفة. # قوله تعالى : ( فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله ~~غفور رحيم ) الدنيا ميتة الأولياء ، والاجتناب منها واجب عليهم في تجريد ~~التوحيد ، فإذا وقعوا في السير في بحر الأنس ، وغلب عليهم البسط والانبساط ~~، وصاروا منعوتين بوصف العشق والمحبة ، وطابت نفوسهم في روح القلوب ~~الملكوتية ، واحتاجوا إلى مباشرة الرخص والسعادة ، فهم في حد الاضطرار من ~~جهة نفوسهم الساكنة ms0289 بروح الأنس ؛ لأنها تطلب من مستحسنات الكون PageV01P298 # ما يليق بزيادة هيجان القلوب ، وزيادة شوق الأرواح ، فإذا باشروا طيبات ~~الدنيا على حد ترويح الخواطر ، وتسكينها من الحرق والهيجان ، فهي مباح لهم ~~ما داموا في سير المعارف ، فإذا بلغوا منتهى المقامات ، ولم تجاوز النفوس ~~من تلك المباحات إلى استدامة الحظوظ فهي غير متجانفة إلى الفترة ، فإن الله ~~سبحانه يتجاوز عن مؤاخذتها بالحجاب ، ويعينها في طلب المآب ، فإنه غفور ~~لخطرات أوليائه ، رحيم بنعت الوصلة باصطفائه. # قال الأستاذ : يحتمل أن معناه من نزل عن مطالبات الحقائق إلى رخص العلم ~~لضعف وجده في الحال فرعا ، يجري معه مساهلة إذا لم يفسخ عقد الإرادة. # ونعم ما قال الأستاذ في وصف السالكين في باب الرخص ، فإن الله سبحانه صدق ~~ما ذكرنا في الآية بثانيها من الآي بقوله لنبيه : ( يسئلونك ما ذا ~~أحل لهم قل أحل لكم الطيبات )، وفي حقيقة التفسير التي أغرب مما مضى ذكره ~~أن الطيبات في الدنيا والآخرة للمحبين مشاهدة الله سبحانه وما سواها ، فهو ~~محرم عليهم من الدنيا والآخرة ؛ لأنهم يسألون عن الحلال ، والحلال مشاهدة ~~جماله وما سواه ، فهو غير حلال في الحقيقة. # وتصديق ذلك قوله صلى الله عليه وآلهوسلم : «الدنيا محرمة على أهل الآخرة ، ~~والآخرة محرمة على أهل الله» (1). # سئل أبو الحسين النوري عن القوت؟ فقال : القوت هو الله. # قال أبو علي الروذباري : أطيب أرزاق العارفين المقوتات. # وقال يوسف بن الحسين : الطيب من الرزق ما يبدو لك من غير تكلف ، ولا ~~إشراف نفس ، ولي مسألة غير مائة كرت وذلك : أن أصل الطيبات الحلالات ما وقع ~~للعارف في مقام التوكل من الغيب بنعت الرضا. # وأيضا : الطيبات السماع ورؤية المسحسنات التي تطيب قلوب المحبين بسنائها ~~حتى تفرغها إلى طلب معادن الحسن في الأزل. # ( اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ~~وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر ~~بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من ms0290 الخاسرين (5) يا أيها الذين آمنوا ~~إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم ~~وأرجلكم إلى PageV01P299 # الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء ~~أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ~~ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (6) واذكروا نعمة الله عليكم ~~وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم ~~بذات الصدور (7)) # قوله تعالى : ( ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ) الإيمان هاهنا ~~المعرفة ، أي : من وقع في بحر النكرة بعد المعرفة ولم يخرج منها إلى ساحل ~~التوحيد الذي هو مفتاح كنوز الذات والصفات وهو محجوب عن الله بالله ، ولم ~~تنعقد له عقود المحبة والمعرفة ، وما وجد من الطريق ذهب عنه بقوله : ( ~~ فقد حبط عمله ). # وأدق من هذا أن من عرف الله ووصل إليه بمعرفته وسكر بأنوار توحيده ، ~~وادعى في شكره الأنائية التي هي صفة المعدم ، فهو محجوب بالوجد من الموجود ~~؛ لأنه كفر الربوبية بأنائيته التي صدرت إليه من رؤية الربوبية ، هذا معنى ~~قوله : ( ومن يكفر بالإيمان )، وكل عمل من أعمال المعرفة له باطل ~~لخروجه من العبودية إلى الربوبية ، فإذا رجع إلى العبودية ، وعرف إفراد ~~القدم عن الحدوث يستأنف العمل ؛ لأنه ما مضى منه قد حبط بدعواه. # وأيضا : من ظن أن أعماله في الإيمان الذي هو موهبة الله الخاصة بلا علة ~~أداء حقوقه فقد كفر بالإيمان ، وحبط عمله ؛ لأن الإيمان كشوف ذاته وصفاته ، ~~وأعمال العبد معلولة محدثة ، وكيف يوازي صفة القدم بعلة الحدث. # قيل : من لم يشكر الله على ما وهب له من المعرفة واليقين ، فقد كفر ~~بمعالي درجة الإيمان ، وفيه إحباط ما سواه من الاجتهادات والرياضات. # وقيل : من لم ير سوابق المتن في خصائص الإيمان ، فقد عمي عن محل الشكر. # قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم ) بدأ بغسل الوجه ؛ لأنه منبت أنوار تجلي الحق ms0291 التي برزت من ~~الوحدانية للأرواح ، فعكست لطائفها على الوجوه. # وأيضا : خص الوجه بالغسل ابتداء ؛ لأنه تعالى خلقه بنفسه ، ونفسه بنقش ~~خاتم ملك الصفات ، وسبب حكمة غسله بالماء أنه مغير بغبار الشهوات ، منعوت ~~بنعت الحدث ، وخاصية جوهر الماء أنه تعالى خلقه من جوهر أول الفطرة ؛ حيث ~~تجلى له من نور قدسه وسنا عظمته ، فإذا وصل إلى الوجه صار طهورا من دنس ~~توجهه إلى غير القدم ببركة نوره وقدسه ، PageV01P300 # الذي أصل جوهر الماء ، كذلك جميع الأعضاء ، فإذا كان العبد بهذه الصفة في ~~الطهور أجدر أن يكون مقبلا إلى الله بوجهه. # قال عليه السلام : «من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من ~~تحت أظفاره» (1). # والإشارة في الآية إلى تطهير الأسرار من الالتفات إلى الأغيار لاقتباس ~~الأنوار بمياه الحزن التي تجري من عيون قلب المجروح بالمحبة على سواقي ~~العين ، فإذا كان مطهرا من غير الحق فصلواته مواصلة ، وحركاته قربة ، ~~وقراءته زلفة ، وقيامه محبة ، وركوعه خشية ، وسجوده شهود ، وتحياته انبساط ~~، ودعواته مستجابة ، أي : إذا قمتم عنكم إلى وصلتي ومشاهدتي طهروا أنفسكم ~~من الحدوثية في بحار الربوبية حتى تصلوا إلي بي ؛ لأن الحدث لا يقوم بإزاء القدم. # قال أبو عثمان : شرائط الطهارة معروفة ، وحقيقتها لا ينالها إلا الموفقون ~~من طهارة السر ، وأكل الحلال ، وإسقاط الوسواس عن القلب ، وترك الظنون ، ~~والإقبال على الأمر بحسب الطاقة. # وقال سهل : أفضل الطهارات أن يظهر العبد من رؤية طهارته. # قوله تعالى : ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ~~ليطهركم ) (2) تواتر العزائم بغير الرخص حرج ثقيل على المستأنسين بالله مما ~~سوى الله ، مانعة لأهل المجاهدة بقيودها عن الاقتحام إلى عالم الشهوات ، ~~فرفع الحرج عن المحبين ، وبسط الكرم للمشتاقين ، وسهل أحكام العبودية على ~~العارفين بوضع الرخص ؛ زيادة لاستشواقهم إلى مشاهدته ، وتقديسا لأسرارهم ~~بنور مشاهدته ، وهذا معنى ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن ~~يريد ليطهركم )، أي : أنه لا يريد نصب المجاهدة على أهل المشاهدة ؛ لأنه ~~تعالى أضاف تطهير أسرارهم إلى نفسه لا إليهم ، قال : ( يريد ~~ليطهركم )، وما ms0292 قال : «لتتطهروا» ، أي : يطهركم عنكم بنور مشاهدته. PageV01P301 # قال بعضهم : يريد أن يطهركم من أفعالكم ، وأحوالكم ، وأخلاقكم ، ويقينكم ~~عنها لترجعوا إليه بحقيقة الفقر من غير تعلق ، ولا علاقة بسبب من الأسباب. # قال الأستاذ : يلوح من هذه الآية إشارة إلى أنه إذا نفى المريد عن أحكام ~~الإرادة ، فليحط رحله بساحات العبادة ، وإذا عدم اللطائف في سرائره فيستدم ~~الوظائف على ظاهره ، وإذا لم يتحقق بأحكام العبودية ، فلا يخلون من آداب ~~الشرعية ، وإذا لم يخرج عن الفضلة ، فلا يدنس تصرفه بالحرام والشبهة. # وقال في قوله : ( ولكن يريد ليطهركم ): أي : يطهر ظواهركم عن ~~الذلة بعصمته ، ويطهر قلوبكم عن الغفلة برحمته. # قوله تعالى : ( وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ) إتمام النعمة ~~هاهنا بيان العبودية للعباد ، وتعليمهم آداب المعاد ؛ لينالوا بها رؤية ~~المنعم بنعت الخجل عن أداء واجب حقوقه بنعت ما يليق بجلاله ، وهذا هو الشكر ~~المطلوب من عباده بقوله : ( لعلكم تشكرون ). # قال الأستاذ : إتمام النعمة لقوم نجاة نفوسهم ، وعلى آخرين نجاتهم عن ~~أنفسهم ، فشتان بين قوم. # قوله تعالى : ( واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به ~~) نعمة الله هداية الله السابقة في الأزل لأهل سعادة المعرفة منهم إلى نفسه ~~بنعت المشاهدة والشوق إلى لقائه ، والميثاق الذي واثق به عباده ألا ينشغلوا ~~عنه بغيره إلى الأبد ، وإن كان الجنة وما فيها. # قال أبو عثمان : النعمة كثيرة ، وأجل النعم المعرفة ، والمواثيق كثيرة ، ~~وأجل المواثيق الإيمان. # قال الواسطي : أنعم الله على خلقه لكي يشهدوا المنعم بالنعم. # ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا ~~يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن ~~الله خبير بما تعملون (8) وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ~~وأجر عظيم (9) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (10) يا ~~أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ~~فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) ولقد أخذ ~~الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن ms0293 ~~أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة PageV01P302 # وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم ~~سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل ~~سواء السبيل (12)) # قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء ~~بالقسط ) أي : كونوا مستقيمين في محبتي ومعرفتي ، قائمين على باب ربوبيتي ، ~~ولا تفروا عني بنزول بلائي عليكم ، وكونوا حاضرين في حضرتي لشهودكم على ~~مشاهدتي بنعت الصدق والإخلاص والاستواء في جميع الأحوال ، ولا تخافوا في ~~عبوديتي من ملامة اللائمين عند إظهاركم حقوقي على حقي. # قال بعضهم : أي : كونوا أعوانا لأوليائه على أعدائه. # وقيل : كونوا خصماء الله على أنفسكم ، ولا تكونوا خصماء لأنفسكم على الله. # قوله تعالى : ( ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم ~~اثني عشر نقيبا ) إن الله سبحانه لما أراد أمرا عظيما من أمور الربوبية بين ~~عباده وبلاده وضعه على أولياءه ؛ ليقوموا به على وفق مراده ؛ معذرة لضعف ~~الخلق ، ونيابة من تقصيرهم ، فإذا خرجوا من ذلك بنعت الرضا في العبودية سهل ~~الله ذلك بعده على العامة ؛ لأن العامة خلقوا بنعوت الضعف ، وخلق أولياءه ~~بنعوت القوة ، وفي كل أمة خلق الله أقواما من أئمة المعارف والكواشف لواقع ~~نظره وتحمل بلائه وهم النقباء ، والبدلاء ، والنجباء ، والأولياء ، ~~والأصفياء ، والأتقياء ، والمقربون ، والعارفون ، والموحدون ، والصديقون ، ~~والشهداء ، والصالحون ، والأخيار ، والأبرار ، رئيسهم الغوث ، وأئمتهم ~~المختارون ، وعرفاؤهم السياحون السبعة ، ونقباؤهم العشرة ، ونجباؤهم ~~الأربعون ، وخلفاؤهم السبعون ، وأمناؤهم الثلاثمائة ، كل واحد منهم خلق على ~~صورة نبي ، وسيرة رسول ، وقلب ملك ، لا يعرفهم إلا مثلهم ، وهم لا يعرفون ~~إلا الله حقيقة ، قال تعالى : «أوليائي تحت قبائي لا يعرفهم سواي» (1). # روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «إن لله تعالى في الأرض ثلاثمائة ، قلوبهم على قلب آدم ~~عليه السلام ، وله أربعون قلوبهم على قلب موسى عليه السلام ، وله سبعة قلوبهم ~~على قلب إبراهيم عليه السلام ، وله خمسة قلوبهم على قلب جبريل عليه السلام ، ~~وله ثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل عليه السلام ، وله ms0294 واحد قلبه على قلب ~~إسرائيل ، فإذا مات الواحد أبدل الله مكانه من الثلاثة ، وإذا مات من ~~الثلاثة أبدل الله مكانه من الخمسة ، وإذا مات من الخمسة أبدل الله مكانه PageV01P303 # من السبعة ، وإذا مات من السبعة أبدل الله مكانه من الأربعين ، وإذا مات ~~من الأربعين أبدل الله مكانه من الثلاثمائة ، وإذا مات من الثلاثمائة أبدل ~~الله مكانه من العامة بهم يحيي ويميت ، قال : لأنهم يسألون إكثار الأمة ، ~~فيكثرون ، ويدعون على الجبابرة ، فيقصمون ، ويستسقون فيسقون ، ويسألون ~~فينبت لهم الأرض ، ويسألون فيدفع عنه أنواع البلاء» (1). # قال أبو بكر الوراق : لم يزل في الأمم أخيار وبدلاء وأوتاد على المراتب ، ~~كما قال تعالى : ( وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا )، وهم الذين كانوا ~~مرجوعين إليهم عند الضرورات والفاقات والمصائب. # كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «يكون في هذه الأمة أربعون ~~على خلق إبراهيم عليه السلام ، وسبعة على خلق موسى عليه السلام ، وثلاثة على ~~خلق عيسى عليه السلام ، وواحد على خلق محمد صلى الله عليه وسلم ، فهم على ~~مراتبهم سادات الخلق» (2). # قال أبو عثمان المغربي : البدلاء أربعون ، والأمناء سبعة ، والخلفاء من ~~الأئمة ثلاثة ، والواحد هو القطب ، والقطب عارف بهم جميعا ومشرف عليهم ، ~~ولا يعرفه أحد ولا يشرف عليه ، وهو إمام الأولياء ، والثلاثة هم الخلفاء من ~~الأئمة ، يعرفون السبعة ، ويعرفون الأربعين ، ولا يعرفهم أولئك السبعة ، ~~والسبعة الذين هم الأمناء يعرفون الأربعين الذين هم البدلاء ، ولا يعرفهم ~~البدلاء ، والأربعون يعرفون سائر الأولياء من الأئمة ، ولا يعرفهم من ~~الأولياء أحد ، فإذا نقص من الأربعين واحد أبدل الله مكانه واحدا من أولياء ~~الأمة ، وإذا نقص من السبعة واحد جعل مكانه واحدا من الأربعين ، وإذا نقص ~~من الثلاثة واحد جعل مكانه واحدا من السبعة ، فإذا مضى القطب الذي هو واحد ~~في العدد وبه قوام أعداد الخلق جعل بدله واحدا من الثلاثة ، هكذا إلى أن ~~يأذن الله لقيام الساعة. # ( فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم ~~عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة ms0295 منهم إلا قليلا ~~منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين (13) ومن الذين قالوا إنا نصارى ~~أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى ~~يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون (14) يا أهل الكتاب قد ~~جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا PageV01P304 # عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين (15)) # قوله تعالى : ( فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ) إذا أراد الله طرد ~~الغافلين عنه هيج نفوسهم إلى مباشرة أحكام القهر الذي يوجب لهم البعد ، ~~فبعد ذلك تقع مخالفة الأمر ونقض العهد الذي هو أصل الإيمان. # قال يوسف بن الحسين : ترك حفظ العهود الصحيحة ونقض المواثيق يوجب اللعن ، ~~قال الله تعالى : ( فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ). # قيل : نقض العهد مع الحق السكون إلى سواه. # وقال الأستاذ : جعل جزاء العصيان الخذلان للزيادة في العصيان. # قوله تعالى : ( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ) (1) أراد نور ~~المعرفة بلا واسطة ولا تصنع. # وأيضا : نوره الذي يتجلى به من وجود الأنبياء والأولياء لأبصار الناظرين ~~، وشاهد ذلك النور ما جاء في كتابه من بيان مقامات الصديقين ، قد جاء النور ~~منه جمعا ، وجاء الكتاب تفرقة ظاهرة في شهادته على من له من الله نور ، ~~والنور والكتاب صفتان من صفات الأزل ظهر لجذب السالكين إلى الله. # قيل : كشف عن أسراركم غطاء الوحشة ، وألبسكم لباس الأنس. # قال بعضهم : بعناية الأزل وصلتم إلى نور الكتاب المبين ونور التوحيد. # ( يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات ~~إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم (16) لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن ~~مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما ~~يشاء والله على كل شيء قدير (17)) # قوله تعالى : ( يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ) ذكر ~~واحدا منهما من النور والكتاب ؛ لأنهما في عين الجمع واحدا ، أعني معدن ~~الصفات. # والإشارة ms0296 بقوله : ( يهدي به الله ) أي : يهدي بصفته إلى طرق ~~معرفة ذاته ، ويهدي PageV01P305 # بذاته إلى سبل معرفة صفاته ورضوانه ما رضي للأنبياء والأولياء في الأزل ~~من إصابة أبصارهم إلى محل الرضوان الأكبر ، وهو غاية رعاية حسن تجليه بنعت ~~العيش في مراده ، ولا تحصل المتابعة إلا لمن سبق في الأزل رضاه له. # وأيضا : يهدي بالقرآن من اتبع محمد صلى الله عليه وسلم إلى سبل السلامة التي ~~توصل المؤمن بالتوحيد إلى كشف جماله وحسن وصاله بالعوافي. # قيل فيه : يهدي الله لأسلم المسالك في سبيل إرادته من خصه برضوانه. # قيل : إيجاده ليوصله الرضوان إلى محل الرضا والتسليم. # قوله تعالى : ( ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى ~~صراط مستقيم ) أي : من أوصله إلى سبيل الهدى يطهر أسراره عن خطوات الشك ~~والريب والاعتراضات النفسانية والخطوات الشيطانية ، فإذا كان مقدسا من هذه ~~الشوائب يكشف له أنوار الأزليات والأبديات ، وليس كل من وصل إلى هذه ~~المراتب وصل إلى محل الاستقامة في المعرفة والتوحيد ، فيختص به من يشاء من ~~سبق له عناية الأزل بوصوله إلى محل التمكين الذي لا تجري فيه بعد ذلك أحكام ~~التردد والامتحانات الظاهرة. # قال ابن عطاء : يهدي لنوره من رضي عنه في الأزل ، وخصه بكرامات الولاية ، ~~وخرجه من ظلمات الاعتراض إلى نور الرضا والتسليم. # ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم ~~بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك ~~السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير (18) يا أهل الكتاب قد جاءكم ~~رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ~~فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير (19)) # قوله تعالى : ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ) ~~وسمع كفرة اليهود والنصارى ذكر سباق الحقيقة أنهم وصلوا إلى ساحات الكبرياء ~~بكشف مشاهدة البقاء ، وسكروا بوجه القدم ، وصاروا بنعت الانبساط في مجالس ~~الأنس ، فمن سكر المحبة ادعوا القربة ، ومن سكر الأنس وحلاوة الانبساط ~~ادعوا نبوة الأسرار من الأنوار ؛ حيث ظهرت أنوار ms0297 صفات الأزل ، وسقطت من ~~زنودها أنوار أسرار الأرواح ، كما قال الواسطي : أنا أمن الأزل والأبد ، ~~وغلطوا في الطريق ، ولم يعرفوا حقائق قول المتقدمين من جهالتهم بمقامات ~~الأولياء والصديقين ، فرد الله دعواهم إلى أعناقهم المنكسرة حين ألزم الحجة عليهم PageV01P306 # بلسان نبيه عليه السلام بقوله تعالى : ( قل فلم يعذبكم بذنوبكم ) ~~، أنبأنا الله سبحانه أن من بلغ نبوة سبل الأزل بنعت المعرفة والمحبة خرج ~~من محل الامتحان حيث الأشباح. # قوله تعالى : ( بل أنتم بشر ) أي : أنتم أيها المدعون الكاذبون ~~ليس كما تزعمون ما بلغتم تلك المنازل ، بل بقيتم في مقام البشرية والنفوسية ~~، وهذا مقام من تقدس ، وتقدس الله مما سوى الله. # قوله تعالى : ( يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) أي : يوصل إلى تلك ~~المواقف المقدسة من أهل الولاية من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من يشاء ، ولا ~~يبالي بتقصيره ، ولا يشم رائحتها من يشاء من الأعداء ، لا يبالي بطاعته ، ~~فإن طاعته على غير موافقة السنة. # قيل : يغفر لمن يشاء فضلا ، ويعذب من يشاء عدلا. # ( وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمت الله عليكم إذ جعل ~~فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين (20) يا قوم ~~ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا ~~خاسرين (21) قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا ~~منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون (22) قال رجلان من الذين يخافون أنعم ~~الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله ~~فتوكلوا إن كنتم مؤمنين (23) قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا ~~فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون (24)) # قوله تعالى : ( وجعلكم ملوكا ) (1) أي : ملوكا بالولاية ~~والكرامات ، ومعرفة الصفات ، والتنور بأنوار كشوف الذات. # وأيضا : جعلكم ملوكا بسلطنة الوجد ، قوة الحال ، وعزة علم المعرفة. # وأيضا : أي : جعلكم ربانيين مالكين أنفسكم بمنعها عن غير طاعتي. # وأيضا : أي : ملتبسين بأنوار أنائيتي. # وأيضا : معافين من ضرر الامتحان ، محررين من رق الحدثان. PageV01P307 # قال القرشي : ملككم سياسة أنفسكم. # قال ms0298 سهل : مالكين لأنفسكن ، ولا يملككم نفوسكم. # قال الحسين : أي أحرارا من رق الكون وما فيه. # قوله تعالى : ( وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ) يعني : كشف ~~مشاهدتي وحلاوة مخاطبتي سنا آياتي ومعجزاتي ، وما يظهر لكم من وجه موسى ~~عليه السلام من نور تجلياتي. # قال ابن عطاء : قلوبا سليمة من الغل والغش. # وقيل : سياسة النبوة ، وآداب الملك. # قوله تعالى : ( يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ) ~~أي : ادخلوا بنعت المعرفة والنظر الفائق مساكن القلوب ؛ لتجدوا منها أنوار الغيب. # وأيضا : اطلبوا في مواقف المقدسة رجال المعرفة ؛ لتصلوا ببركة أنفاسهم ~~قدس جلالي. # قوله تعالى : ( قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ) ~~يخافون من الله فراقه ، وتذوبون بي جلاله وعظمته وميثاقه ( الذين ~~يخافون أنعم الله عليهما ) بألا يخافا غير الله ، ويتوكلا على الله ، ~~وزيادة النعمة عليهما أن الله تعالى عصمهما من جريان الخواطر المذمومة على ~~قلوبهما ، وأنه تعالى أدخلهما في باب عظمته وأنوار هيبته. # قال سهل : أنعم الله عليهما بالعصمة والمراقبة. # قال الأستاذ : أنعم الله عليهما بأنوار العرفان ، فلم يحتشما من ~~المخلوقين. # قوله تعالى : ( وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ) (1) أي : ~~كونوا على رجائي في وقت إياسكم ، وثقوا بمحبتي لكم ، ولا تفزعوا من امتحاني ~~إياكم ؛ لأني لا أقطع حبل الوصال عنكم ، ولا أنزع ثياب عصمتي عنكم ، أي : ~~إن كنتم عارفين بي تصدقون قولي توكلوا علي عند مباشرة قهري إياكم ، فأنا ~~اللطيف بأوليائي الرحيم بأصفيائي. PageV01P308 # قال شقيق : التوكل طمأنينة القلب بموعود الله. # قال سهل : التوكل طرح البدن في العبودية ، وتعلق القلب بالربوبية. # قال الواسطي : من توكل على الله لعلة غير الله فليس بمتوكل على الله ، ~~جعله سببا إلى مقصوده ، وفي ذلك قلة المعرفة بربه. # ( قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم ~~الفاسقين (25) قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس ~~على القوم الفاسقين (26) واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا ~~فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل ms0299 الله من ~~المتقين (27)) # قوله تعالى : ( قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ) من بلغ عين ~~التمكين ملك نفسه ، وملك نفوس المريدين ؛ لأنه عرفها بمعرفة الله ومعها من ~~الله سلطان سائس قاهر ، من نظر إليه يفزع من الله ، لا يطيق عصيانه ظاهرا ~~وباطنا ، فأخبر عليه السلام عن محل تمكينه وقدرته على نفسه ونفس أخيه ، ~~وأعلمنا أن بينهما اتحادا ، بحيث أنه إذا حكم على نفسه صارت نفس أخيه ~~مطمئنة طائعة لله بالانفعال ، قال صلى الله عليه وسلم : «المؤمنون كنفس واحدة» ~~(1)، ويمكن أنه عليه السلام كان مخبرا عن مقام القدرة التي اتصف بها من ~~الله سبحانه ، وفيه بيان لطف استعداد لهارون عليه السلام بقبول تلك القدرة ~~الإلهية. # قال سهل في قوله : ( لا أملك إلا نفسي وأخي ): أي : في مخالفة هواها. # قيل : في بذلها لله واستعمالها في طاعته. # قال الأستاذ : لما ادعى أنه يملك نفسه عرف عجزه عن ملكه لنفسه ؛ حيث أخذ ~~برأس أخيه يجره إليه ، تقدس شأن موسى عليه السلام من كل خاطر ، إشارته إلى ~~أنه لا يعرفه مكان عجزه من النفع والضر في ذرة ؛ لأنه عرف أن سلطان قهر ~~الله غالب على كل شيء ، وأن الحدث له قدر في الربوبية عند ساحة الكبرياء. # قوله تعالى : ( إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من ~~الآخر قال لأقتلنك ) من لم يسبق له في الأزل عناية الله صار إحسانه إساءة ، ~~وطاعته تؤول إلى المعصية. # كما قيل : من لم يكن للوصال أهلا فكل إحسانه ذنوب ، قرب هابيل بقربان ~~نفسه لله ، وقرب قابيل لحظ نفسه بغيا وحسدا على أمر كان مشرفا بتأيد الله ، ~~فلا جرم حاله كان يئول إلى PageV01P309 # الظلم الأكبر بقوله : ( لأقتلنك ). # قال ممشاد الدنيوري : كانت معصية آدم عليه السلام من الحرص ، ومعصية إبليس ~~من الكبر ، ومعصية ابن آدم من الحسد ، والحرص يوجب الحرمان ، والكبر يوجب ~~الإهانة ، والحسد يوجب الخذلان. # قوله تعالى : ( إنما يتقبل الله من المتقين ) عرفه مكان سبق ~~العناية وسبق الخذلان ، أي : إنما يتقبل الله القربان ممن اتقى الله في ~~الأزل مما ms0300 سواه ، أي : إنما يتقبل الله من الذين يخافون عظمته بعد إخلاصهم ~~في طاعته ، هل يقبل أم لا ، والمتقي هو المتجرد في التوحيد بالموحد من غير ~~الموحد. # قال سهل : التقوى والإخلاص محل القبول لأعمال الجوارح. # وقال ابن عطاء : المخلصين فيما يقولون ويعلمون. # قال السلامي : القرابين مختلفة ، وأقرب القرابين ما وعد الله تعالى ~~بقبوله ، ووعد الصدق ، وهو الذكر في السجود ؛ لأنه محل القربة ، قال الله : ~~( واسجد واقترب ) [العلق : 19]. # عن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر عليهم السلام قال : التقوى في ~~الأحوال ، والأحوال في الأفعال كالروح في الأبدان ، والأفعال إذا فارقتها ~~الأحوال فهي جيفة ميتة ، والتقوى على أربعة أوجه : من الرياء والعجب ورؤية ~~النفس ، وأن يخطر بعده غير الله عز وجل . # ( لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني ~~أخاف الله رب العالمين (28) إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب ~~النار وذلك جزاء الظالمين (29) فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من ~~الخاسرين (30) فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه ~~قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من ~~النادمين (31)) # قوله تعالى : ( لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك ~~لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين ) إن الله سبحانه أسبل ستر الغيرة على ~~وجه القدم حتى لا ينظر إلى أنوار عظمته من لم يكن أهله ، وكشف ذلك الستر ~~لأبصار العارفين ؛ لينظروا إلى عظيم جلاله ، ويكونوا في رعايته من حيث أن ~~عظمته تعالى محيطة على أسرارهم بنعت مباشرة نورها ، فالطائفة الأولى بقوا ~~في أسر عصيانه ، والأخرى بقوا في نور سلطانه ، فهدد قابيل أخاه بالقتل ، ~~وأجابه هابيل بسطوة التوحيد وخوفه من جلال الحق ؛ حيث قال : ( ما ~~أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين )، ومن شعار أهل ~~الخوف ألا يقاتل أحدا PageV01P310 # لإسقاطهم الوسيلة بينهم وبين رؤية القدر السابق. # ( من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس ~~أو فساد في ms0301 الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس ~~جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض ~~لمسرفون (32) إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ~~أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك ~~لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) إلا الذين تابوا من قبل ~~أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم (34)) # قوله تعالى : ( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) فيه إشارة ~~لطيفة من الحق سبحانه : إن النية إذا وقعت من قبل النفس الأمارة في شر ~~وباشرته فكأنها باشرت جميع عصيان الله ؛ لأنها لو قدرت على جميعها لفعلت ؛ ~~لأنها أمارة بالسوء ، ومن السوء خلقت ، فالجزاء يتعلق بالنية ، وكذلك إذا ~~وقعت النية من قلب القلب الروحاني في خير وباشره ، فكأنه باشر جميع الخيرات ~~، لأنه لو قدر الفعل ، قال عليه السلام : «نية المؤمن أبلغ من عمله» (1). # وفيه إشارة أخرى : إن الله سبحانه خلق النفوس من قبضة واحدة مجتمعة بعضها ~~من بعض ، وفرقها مختلفة ، وتعلق بعضها ببعض من جهة الاستعداد والخليقة ، ~~فمن قتل واحدا منها أثر قتلها في جميع النفوس عالمة به أو جاهلة ، ومن أحيا ~~نفس مؤمن بذكر الله وتوحيده ووصف جماله وجلاله حتى تحب خالقها وتحيى ~~بمعرفته وجمال مشاهدته ، فأثرت حياتها وبركتها في جميع النفوس ، فكأنما ~~أحيا جميع النفوس ، وفي الآية تهديد الله لأئمة الضلالة ووعد وشرف وثناء ~~حسن لأئمة الهدى. # ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا ~~في سبيله لعلكم تفلحون (35) إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ~~ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم ~~(36) يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم (37) ~~والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز ~~حكيم (38) فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ~~(39) ألم تعلم أن PageV01P311 # الله ms0302 له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله ~~على كل شيء قدير (40)) # قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه ~~الوسيلة ) أي : اتقوا الله في النظر إلى غيره ، وابتغوا إليه الوسيلة بنعت ~~التقوى ، ولا يكون عندكم الوسيلة إليه شيئا دونه ؛ لأنه هو الوسيلة إليه. # ألا ترى إلى قول الشاعر : # أيا جود معن ناج معنى بحاجتي %~% فليس إلى معن سواه شفيع # وسيلته محبته ومعرفته والاستعانة به عنه. # قال جعفر عليه السلام : اطلبوا منه القربة. # قال الواسطي : لو كشف لهم ما عاملهم به لفسدت أوقاتهم ، وأوقاته من يفتدي بهم. # وقال : ما يتوسل به إليكم ؛ لقوله : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ~~) [الأنعام : 54]. # وقال الأستاذ : ابتغاء الوسيلة التبرؤ عن الحول والقوة ، والتحقق بشهود ~~الطول والمنة. # ويقال : ابتغاء الوسيلة التقرب إليه بما سبق إليك من إحسانه. # ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين ~~قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون ~~لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا ~~فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ~~أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة ~~عذاب عظيم (41) سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض ~~عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله ~~يحب المقسطين (42) وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من ~~بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين (43)) # قوله تعالى : ( ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ) ~~قطع حبال أطماع الخليقة عن إضافة القدرة القديمة إليهم ؛ حيث أراد الفتنة ~~بالمفتتن ، وفتنته بأن يشغل الطالب بنفسه ، ويوقعه في يد نفسه ، ويغريها ~~إلى الشهوات المحببة القاطعة طريق الحق ، ويغرس أشجار الهوى في قلبه ، ~~ويسقيها من مياه الغفلة حتى حيزت حومان القلب بظلمة الشهوات ، PageV01P312 # بحيث لا يدخل فيه نور البرهان والعرفان. # ثم زاد ms0303 في وصفهم ، وعلق الجميع بإرادته ، وقال : ( أولئك الذين ~~لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ). # قال الخواص في قوله : ( ومن يرد الله فتنته ): من يرد الله ~~افتراق أوقاته لم يملك جمعها له. # وقال ابن عطاء : من يحجبه الله عن فوائد أوقاته لن يقدر أحد إيصاله إليه. # قال أبو عثمان : أي بالمراقبة والمراعاة. # وقال أبو بكر الوراق : طهارة القلب في شيئين : في إخراج الحسد والغش منه ~~، وحسن الظن بجماعة المسلمين. # قوله تعالى : ( سماعون للكذب أكالون للسحت ) وصف الله سبحانه أهل ~~السالوس الذين في هذا الزمان يجلسون في الزوايا ، ويظهرون التزهد والتقشف ، ~~ويطرحون على أعناقهم الطيالسة ، يسمعون مديح أهل الدنيا لهم ، مثلما قالوا ~~: ليس في الدنيا مثلك يا شيخ ، وأنت كذا وكذا ، وهو يشتري غرورهم وأقاويلهم ~~الباطلة ، وهم يمدحونه لأهل الشفاعة عند الأتراك ، ويجعلونه وسيلة إلى ~~السلطان ، ويعطونه رشوة ؛ لاستجلاب مرادهم ، فهو يسمع الكذب ، ويأكل السحت ~~، طهر الله وجه الأرض منهم ، ووقانا من صحبتهم وسوء أفعالهم ، فإنهم مرقوا ~~من الدين ، وأكلوا الدنيا بالدين. # قال بعضهم : سماعون الدعوى الباطلة ، أكالون للسحت يعنى أكالون بدينهم. # ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا ~~عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (44) وكتبنا عليهم فيها أن النفس ~~بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح ~~قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الظالمون (45) وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من ~~التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى ~~وموعظة للمتقين (46) وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الفاسقون (47)) PageV01P313 # قوله تعالى : ( والربانيون والأحبار ) (1) الرباني الذي نسب إلى ~~الرب بالمعرفة والمحبة والتوحيد ، فإذا وصل إلى الحق بهذه المراتب ~~والاستقامة في شهوده جلاله وجماله صار متصفا بصفات ms0304 الله ، حاملا أنوار ذاته ~~، فإذا فني عن نفسه بقى بربه صار ربانيا ، مثله مثل الحديد في النار ؛ فإذا ~~لم يكن في النار كان مستعدا لقبول النار ولم تكن نارا ، فإذا وصل إلى النار ~~واحمر صار نارا ، هكذا شأن العارف ، فإذا كان منورا بتجلي الرب صار ربانيا ~~روحانيا نورانيا ملكوتيا جبروتيا ، كلامه من الرب إلى الرب مع الرب ، ~~فالربانيون عشاق الله وأحباؤه ، الحاضرون من بين يديه ، المكاشفون وجه الله ~~سبحانه ، والأحبار الذين يسمعون كلام الله من الله بواسطة المفرقون بين ~~الحق والباطل بنور الله. # قيل : الربانيون الراجعون إلى الرب في جميع أحوالهم ، والأحبار العلماء ~~بالله وبآياته. # وقيل : الربانيون العلماء بالله ، والأحبار العلماء بأحكام الله. # وقال ابن طاهر : الربانيون هم الصحابة الذين أخذوا كلام الرب عن السفير ~~الأعلى ، والواسطة الأدنى ، والأحبار علماء الأمة العاملون بعلمهم. # قوله تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) ~~العارف مخاطب من الله في جميع أنفاسه وحركاته ، يتنزل على قلبه من الله وحي ~~الإلهام ، وربما يخاطبه بنفسه ، ويكلمه بكلامه ، ويحدثه بحديثه كقوله ~~عليه السلام : «إن في أمتي محدثين ومكلمين ، وإن عمر منهم» (2)، فإذا لم ~~يحكم بنفسه بما أنزل الله على قلبه بأن يخرجها من الشك إلى اليقين ، ومن ~~الظلمة إلى النور ، ومن المخالفة إلى المتابعة ، ومن الكذب إلى الصدق ، ومن ~~الشرك إلى التوحيد ، ومن الظلم إلى العدل ، ومن العصيان إلى الطاعة ، يكون ~~موصوفا بأواخر هذه الآيات الثلاثة ، كفر أنعام الله الذي هو مقام الخطاب ، ~~وظلم بأنه لم يضيع علمه على علمه ، وفسق عن مراد الله إلى مراد نفسه. # قال بعضهم : من لم يحكم للناس بحكمه على نفسه قد كفر نعم الله عنده ، ~~وجحد سني مواهبه لديه ؛ فظلم نفسه بذلك. PageV01P314 # وقيل : من لم يحكم خواطر الحق على قلبه كان محجوبا من المبعدين. # ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ~~ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ~~لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة ms0305 واحدة ولكن ليبلوكم ~~في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون (48) وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن ~~يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ~~ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون (49) أفحكم الجاهلية يبغون ومن ~~أحسن من الله حكما لقوم يوقنون (50) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا ~~يهدي القوم الظالمين (51) فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون ~~نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ~~ما أسروا في أنفسهم نادمين (52) ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا ~~بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين (53)) # قوله تعالى : ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) إن الله تعالى جعل ~~في بحار القدم والبقاء السواقي لورود الأرواح القدسية ، ومشارب للقلوب ~~العارفة به ، وسواقي العقول الصادرة من نوره ، ولكل واحد منها شريعة من تلك ~~البحار ، فلبعض شرعة العلم ، ولبعض شرعة القدرة ، ولبعض شرعة الصمدية ، ~~ولبعض شرعة الحكمة ، ولبعض شرعة الكلام والخطاب ، ولبعض شرعة المحبة ~~والمعرفة ، ولبعض شرعة العظمة والكبرياء ، ثم جعل لها منهاجا من الصفات إلى ~~الذات ، ومن الذات إلى الصفات ، ومن الصفات إلى الصفات ، ومن الذات إلى ~~الذات ، ومن الأسماء إلى النعوت ، ومن النعوت إلى الأسماء ، ومن الأسماء ~~إلى الأفعال ، ليعرفه كل واحد بقدر ذوقه وشربه وطريقه ، وجعل بينهم تباعدا ~~وتقاربا ، قال تعالى : ( قد علم كل أناس مشربهم ) [البقرة : 60] ؛ ~~فمن وافق شربه شرب صاحبه لم يقع بينهما الخلاف في الشرعة والمنهاج ، ومن لم ~~يكن شربه موافقا لشرب صاحبه لم يعرف أحدهما مكان الآخر ويكون بينهما نزاع ، ~~وذلك من غيرة الله عليهم ، وعلى نفسه ؛ لئلا يركن بعضهم بعضا ، ولا يطلع ~~عليه سواه. # ألا ترى كيف وصف مزاج الأبرار من مزاج المقربين ، وفرق بينهم بالمشارب PageV01P315 # والسواقي ، وكيف خص بعضا بالرحيق المختوم بقوله : ( يسقون من ~~رحيق ms0306 مختوم (25) ختامه مسك ) [المطففين : 25 ، 26] ، وذلك رحمة منه على ~~الجمهور ، ولتفاوت فوائد استنباط علوم الغيبية من مراد الله ، قال ~~عليه السلام : «اختلاف العلماء رحمة» (1)، ولاختيارهم في طريقهم بحقائق ~~العبودية وعرفان الربوبية ، وهذا قوله تعالى : ( ولو شاء الله ~~لجعلكم أمة واحدة ) يعني شيوخا وأكابر بغير المريدين والسالكين ، ( ~~ولكن ليبلوكم في ما آتاكم ) من المقامات الشريفة والأحوال السنية ، كيف ~~تخرجون من دعواكم بحقيقة عبوديته؟ وتخرجون جواهر العلوم من كتابي وحكمتي. # ثم خاطبهم جميعا بقوله تعالى : ( فاستبقوا الخيرات ) عرفهم مكان ~~تقصيرهم ، أي : ما أدركتم مني في جنب ما عندي لكم كقطرة في بحر ، سارعوا ~~إلى خيرات مشاهدتي ، وجميل عطاياتي. # ثم أفردهم مما وجدوا إلى عين جلاله بقوله تعالى : ( إلى الله ~~مرجعكم جميعا ) أي : إليه مرجع افتقاركم من مقاماتكم إليه ، لزيادة القربة ~~والمعرفة ، وهناك يظهر تفاضل درجاتكم ، وما غاب عنكم من حقائق أسراري ، ~~ونوادر لطائفي ، وهذا معنى قوله تعالى : ( فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون ). # قال بعضهم في قول : ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) كل قد فتح ~~له طريق إلى الله ، فمن استقام على الطريقة وصل إلى الله ، ومن زاغ وقع في ~~سبيل الشيطان ، وضل عن سواء السبيل. # وقال أبو يزيد البسطامي : الطريق إلى الله بعدد الخلق ، ولكن السعيد من ~~هدي إلى طريق من تلك الطرق. # قال الأستاذ في قوله : ( ولو شاء الله ) أي : ولو شاء الله لسوى ~~مراتبكم ، ولكن غاير بينكم ابتلاء ، وفضل بعضكم على بعض امتحانا. # وقال في قوله : ( فاستبقوا الخيرات ): مسارعة كل واحد على ما ~~يليق بوقته ؛ فالعابدون تقدمهم من حيث الأوراد ، والعارفون بهممهم من حيث ~~المواجيد. # ويقال : استباق الزاهدين برفع الدنيا ، واستباق العابدين بقطع الهوى ، ~~واستباق العارفين بنفي المنى ، واستباق الموحدين بترك الورى ، ولسان الدنيا ~~والعقبة. PageV01P316 # ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل ~~الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (54)) # قوله تعالى : ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ms0307 ويحبونه ) إن الله ~~تعالى وبخ المفلسين من أهل الردة بأن ليس لهم في محبة الله نصيب بارتدادهم ~~عن الإسلام ، وأخبر أنه يجيء بقوم إن الله تعالى قد أحبهم في الأزل وهم ~~بمحبته يحبونه ، وهم يوافقون النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه بشرط المحبة ؛ ~~لأن من شرط المحبة الموافقة والطاعة ، وبين أن من لم يكن مطيعا لم يكن محبا ~~، قال تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله )، ~~وفي الآية ذكر شرف الصحابة والتابعين من بعدهم ، وبين تعالى أن المحبة من ~~خواص صفته الأزلية ؛ لأنه كان بذاته يحب أحباءه ، وكان ذاته موصوفا بالمحبة ~~الأزلية ، وكما أنه تعالى يحب الأولياء بذاته وصفاته فهم يحبون الله بذاتهم ~~وصفاتهم من جميع الوجوه ؛ لأن مصدر المحبة القدم ، وليس هناك فعل ، ومحبة ~~العباد مصدرها قلوبهم ، وليس هناك فعل ، وأصل المحبة وقع بغير العلة من ~~الآلاء والنعماء والأفعال والحركات ؛ كأن سبحانه أحبهم بعلمه في الأزل قبل ~~إيجادهم باصطفائية ، فكأنه قد أحب نفسه ، لأن كونهم لم يكن إلا بكون وجوده ~~، ووجوده سبب وجودهم ، وهو تعالى أحب فعله ومرجع الفعل صفته ، فكأنه أحب ~~صفته ، ومرجح صفته ذاته ، فكأنه أحب ذاته ، لم يكن الغير في البين ، فكان ~~هو المحب وهو المحبوب وصفته المحبة ، وهم يحبونه بتجلي الصفة في قلوبهم ، ~~وهو مباشرة نور محبته في فؤادهم ، فلما تكحلت أرواحهم بنور محبته فطاب مصدر ~~أصل الصفة ، فوجدت مشاهدة الأزل عيانا بلا حجاب ، فأحبتها بالمحبة الأصلية ~~التي لا تتحول من مصرف الأصل أبدا ، فإذا كان كذلك فالمحب والمحبوب والمحبة ~~في عين الجمع واحد ، وهذه إشارة قوله سبحانه بلسان نبيه ~~صلى الله عليه وآلهوسلم حيث أخبر عن المحب المتحد المتصف بصفاته ، قال في ~~أثناء الحديث : «فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا» (1). # وفي هذا المعنى أنشد الحسين بن منصور فقال : # أنا من أهوى ومن أهوى أنا %~% نحن روحان حللنا بدنا فإذا أبصرتني أبصرته %~% وإذا أبصرته أبصرتنا # قال الواسطي في هذه الآية : كما أنه بذاته يحبهم كذلك يحبون ذاته ؛ لأن ~~الهاء راجعة إلى ms0308 PageV01P317 # الذات دون النعوت والصفات. # قال السلامي : بفضل حبه لهم أحبوه ، كذلك ذكرهم بفضل ذكره لهم ذكروه. # وقال : الحب شرطه أن تلحقه سكرات المحبة ، فإذا لم يكن ذلك لم يكن فيه حقيقة. # وقال يوسف بن الحسين : المحبة الإيثار. # وأنشد في معناه الحسين بن أحمد الرازي ، قال : أنشد أبو علي الروذباري ~~لنفسه : # سامرت صفو صبابتي أشجانها %~% حرق الهوى وغليلة نيرانها وسألت عن فرط الصبابة قيل لي %~% إيثار حبك قلت خذ بعنانها كل له وبه ومنه ، فأين لي %~% وصف؟ فأؤثره فطاح لسانها # قيل : المحبة ارتياح الذات بمشاهدة الذات. # وقيل : المحبة هي أن تصير ذات المحب صفة المحبوب. # قال الواسطي : بطل حبهم بذكر حبه لهم بقوله : ( يحبهم ويحبونه ) ~~، وأن تقع صفات المعلولة من الصفات الأزلي الأبدي ، وقد وقعت إلى إشارة : ~~أن محبة الله وقعت في الأزل ، ولم يكن هناك وجود الأحباء ؛ لأنه تعالى لم ~~يكن محتاجا إلى رؤيتهم محبته إياهم ، ولكن لم تكن محبة الأحباء له إلا بعد ~~أن رأوا مشاهدتهم ، فثبتت المشاهدة قبل المحبة ، وثبتت المحبة بعد المشاهدة ~~، والمحبة بعد المشاهدة من قبل المحبين لم تكن محبة حقيقية ، لأن محبة ~~الآلاء والنعماء وقعت معلولة ، ولذلك لم يرتدوا عن دينهم الذي هو المحبة ؛ ~~لأن من رأى عشقه فكيف يرجع عنه من كان مسلوب القلب بعشقه وجماله! # ثم زاد الله في وصفهم بذكره تواضعهم لأحبائه وغلبتهم على أعدائه بقوله ~~تعالى : ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين )، وذكر بذل ~~وجودهم في طريق محبته ، بنعت جهدهم أعدائه بالأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر ، وقلة مبالاتهم في الله إلى ملامة اللائمين بقوله تعالى : ( ~~ يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم )، وعلق جميل أوصافهم ~~بفضله وسعة رحمته ، كما أنه علق محبتهم بمحبته بقوله تعالى : ( ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ). # قال أبو بكر الوراق : الجهاد ثلاثة : جهاد مع نفسك ، وجهاد مع عدوك ، ~~وجهاد مع قلبك ، والجهاد في سبيل الله هو مجاهدة القلب بألا تتمكن منه ~~الغفلة بحال ، وجهاد النفس ألا تفتر عن الطاعة بحال ، وجهاد الشيطان ms0309 ألا ~~يجد منك فرصة فيأخذ بحظه منك. # ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة وهم PageV01P318 # راكعون (55)) # قوله تعالى : ( إنما وليكم الله ورسوله ) أي : محبكم الله بصدق ~~العناية ، ومحبة الرسول تأديبهم بالشريعة ، ومحبة المؤمنين الإيثار للنفس ~~والمال إليهم بالأخوة. # قال سهل : أما ولاية الله فهو الاختيار لمن استولاه ، وولاية الرسول ~~عليه السلام إعلام الله ورسوله أنه ولي ، فيجب على الرسول أن يوالي من والى الله. # ( ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ~~(56) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين (57)) # قوله تعالى : ( ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله ~~هم الغالبون ) أي : من وقعت له تولية الله بمحبته ورؤية مشاهدته ووقعت ~~التولية من رسول الله بموافقته لطاعة الله ، وتوليه المؤمنين من جهة ~~استعداد الفطرة ورؤية أنوار الغيب في وجوههم ، فإنه محبوب الله ، ومحبوب ~~رسوله ، ومحبوب المؤمنين ، ويكون طالبا على نفسه وشيطانه بالنصرة الإلهية. # قال القاسم : موالاة الله مشتقة من موالاة رسول الله ، ومولاة رسول الله ~~مشتقة من موالاة السادة والأكابر من عباده ، وهم المؤمنون ، ومن لم يعظم ~~الكبراء السادة لا يبلغ إلى شيء من مقام الموالاة مع الله ورسوله. # قال عليه السلام : «من تعظيم جلال الله إكرام ذي الشيب المسلم» (1). # قال في قوله : ( فإن حزب الله هم الغالبون ) قال : لأهوائهم ~~وإرادتهم ومقاصدهم. # وقال بعضهم : حزب الله أهل خاصته القائمين معه على شرائط الاستقامة. # ( وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا ~~يعقلون (58) قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون (59) قل هل أنبئكم بشر من ذلك ~~مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد ~~الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل (60) وإذا جاؤكم قالوا آمنا ~~وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله ms0310 أعلم بما كانوا يكتمون (61) وترى ~~كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت PageV01P319 # لبئس ما كانوا يعملون (62) لو لا ينهاهم الربانيون والأحبار عن ~~قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون (63)) # قوله تعالى : ( وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ) ~~مناداة الحق لا يسمعها إلا أهل الحق ، من سمع نداء الأزل وأجاب بالتلبية ~~بنعت المحبة يسمع نداءه بالواسطة بشرط إصغاء سمعه الخاص في السماع إلى قول ~~الغيب ، ومن لم تكن روحه مستروحة بمروحة الصفاء لم يكن سره منورا بنور ~~البقاء ، ولم يكن قلبه مشتاقا إلى جمال مشاهدة الله بنعت الحرق والهجان ، ~~ولم يكن من أهل السماع ، ولم يجب داعي الغيب. # قال الأستاذ في هذه الآية : الأذان دعاء إلى محل النجوى ، فمن تحقق بعلو ~~المحل فسماع الأذان يوجب له روح القلب واسترواح الروح ، ومن كان محجوبا عن ~~حقيقة الحال لاحظ ذلك بعين اللعب ، وأدركوا بسمع الاستهزاء. # قوله تعالى : ( لو لا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم ~~وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون ) في الآية تحذير الربانيين العارفين ~~بالله وبحقوق الله ، والأحبار العلماء بالله ، وبعذاب الله لمن عصاه ، ~~وبثواب الله لمن أطاعه ؛ لئلا يسكنوا عن زجر المبطلين والمغالطين المائلين ~~عن طريق الحق إلى طريق النفس ، وبين تعالى أن من داهن في دينه عذبه وإن كان ~~ربانيا. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما من رجل يجاور قوما يعمل بالمعاصي ~~بين ظهرانيهم ، فلا يأخذون على يديه إلا أوشك الله أن يعمهم منه بعقاب» (1). # قال الواسطي : الربانيون العارفون مقادير الخلق من جهة الحق ، والأحبار ~~الآمرون بالمعروف ، والناهون عن المنكر. # قال أبو عثمان : الربانيون هم أهل حقيقة الحق ، وهم أهل المحبة لله ~~بالصدق. # ( وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل ~~يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك ~~طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا ~~نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين (64) ~~ولو أن أهل الكتاب ms0311 آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات ~~النعيم (65) ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل PageV01P320 # وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم ~~أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون (66)) # قوله تعالى : ( بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) أشار الله ~~سبحانه عن التمثيل والتصوير إلى يد القدم ويد البقاء ، يد القدم اصطفائية ~~الأولياء والصديقين بمعرفته ومحبته ، وذلك كقضاء الإرادة القديمة من القدرة ~~القائمة بالذات إيجاد الصفوة ، فتجلت القدرة بالمشيئة الأزلية للعدم ، ~~فظهرت من العدم بنور القدم أرواح أهل الولاية ، فقبضتها القدرة ، وأنفقت ~~عليها أنوار المشاهدة ، ورتبها برزق القدرة والوصلة حتى أدخلتها الأشباح ~~وأوصلتها إلى يد البقاء ، قربتها يد البقاء بقربات الأبدية ، ومداناة ~~السرمدية ، ففي كل لحظة يتجلى لها القدم ألف ألف مرة بتجلي البقاء لهم في ~~كل لمحة ألف ألف مرة بغير نعت الفترة والانقطاع ؛ لأنه تعالى لا نهاية ~~لجلال قدمه وجمال بقائه. # وأيضا : يد لطفه مبسوطة بالرحمة الواسعة الأزلية لأهل العناية والسعادة ، ~~ويد قهره مبسوطة بالعذاب لأهل الشقاوة ترفع قوما بميزان اللطف ، وتضع آخر ~~من ميزان القهر. # قال عليه السلام : «يد الله ملأى ، تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ، ~~أرأيتم ما أنفق مذ خلق السموات والأرض ، فإنه لم يغض ما في يديه ، وكان ~~عرشه على الماء ، وبيده الميزان ، يخفض ويرفع» (1). # قال الأستاذ : بل قدرته بالغة ، ومشيئته نافذة ، ونعمته سابغة ، وإرادته ماضية. # قوله تعالى : ( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل ~~إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة ) أشار ~~سبحانه إلى أن لو استقاموا في عملهم بخطاب الله ولم يترسموا برسم أهل ~~الحظوظ لكوشفت لهم أنوار الملكوت في قيامهم لقوة قلوبهم وقوة أبدانهم ، ~~وكوشفت لهم أنوار الجبروت في سجودهم لقوة أرواحهم وقوة عقولهم ، وبين أن ~~فيهم أمة مستعدة لقبول هذه الأحوال ، ومع ذلك أخرج الله سبحانه قوما من ~~مقام التوكل ؛ حيث شرط معهم العمل بالكتاب كما شرط على أهل التقوى بقوله : ~~( ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب ) ~~[الطلاق : 2 ms0312 ، 3] ، ولو كانوا على محل التحقيق في المعرفة لأكلوا رزق الله ~~بالله من خوان غيبه ، كأصحاب المن والسلوى والمائدة من السماء ، ويفتح لهم ~~كنوز الأرض ، وهم على ذلك بإسقاط رؤية الوسائط. # ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته PageV01P321 # والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين (67)) # قوله تعالى : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم ~~تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) إن الله سبحانه وتعالى خوف ~~نبيه عليه السلام من نفسه حتى لا يبقى فيه غير الله ، ويسقط عن عينه الخلق ، ~~ولا يفزع منهم في وصف عليهم ومداواة معايبهم ، وحثه على تبليغ ما أخبر الله ~~إليهم ، فإن الله تعالى أراه ما لهم بين يديه بقوله : ( وإن لم ~~تفعل فما بلغت رسالته )، ومع ذلك أمره بإبلاغ ما أنزل إليه من الذي يتعلق ~~بأحكام العبودية ، ولم يأمره بأنه يعرفهم أسرار ما بينه وبين الله ، وما ~~بين الله وبين أوليائه ، فإن ذرة من أسرارها لم تحتملها السموات والأرضون ، ~~ولا الحدثان بأسرها ؛ لأنها وصف خاصية الصفات وكشوف أنوار الذات ، ومحل ~~الأنس والجمال بنعت الانبساط والاتصاف والاتحاد ، ودعوى الأنائية والأزلية ~~والسرمدية ، وذلك ما أبهم الله على قلوب الخلائق من العرش إلى الثرى ، من ~~السر ما بينه وما بين قلب نبيه في محل الدنو ، ودنو الدنو ، لقوله : ( ~~ ثم دنا فتدلى (8) فكان قاب قوسين أو أدنى (9) فأوحى إلى عبده ما ~~أوحى (10) ما كذب الفؤاد ما رأى (11)) [النجم : 8 11] ، لا يطيق أهل الكون ~~أن يحتمل ذرة من ذلك الوحي ، وكيف يحتمل الحدثان كشف قدم الرحمن ، كان ~~عليه السلام حمله به لا بنفسه ؛ لأن الحدث متلاش في الأزل ، ويبقى أنه في ~~عصمته من كيد نفوسهم وشر معاصيهم بقوله : ( والله يعصمك من الناس ) ~~أي : يعصمك من أن يوقعك أحد في التمويه والغلط والخيال في طريقك إلي ، وهذا ~~لكونه مختارا بالرسالة ، وحقائق الرسالة في الرسول ظهور أنوار الربوبية في ~~قلبه وبيان أحكام العبودية في سره. # قال ms0313 الواسطي : حقائق الرسالة لو وضعت على الجبال لذابت ، إلا أنه يظهر ~~العالم على مقادير طاقتهم ، ألا ترى إلى قوله : ( بلغ ما أنزل إليك ~~)، ولم يقل ما تعرفنا به إليك. # قال بعضهم : معناه بلغ ما أنزل ، ودع ما تعرفنا إليك ، الأول الشريعة ، ~~والثاني ما أنزل من الأنوار على سر محمد صلى الله عليه وسلم لا يطيقها بشر. # قال بعضهم : بلغ ما أنزل إليك ، ولا تبلغ ما خصصناك به من محل الكشف ~~والمشاهدة ، فإنهم لا يطيقون سماع ما أطقت حمله من مشاهدة الذات والتجلي ~~بالصفات. # قال بعضهم : الرسول هو المبتدى ، والنبي هو المقتدى ، قال الله في صفة ~~الأنبياء : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) [الأنعام : 90]. PageV01P322 # قيل في قوله : ( والله يعصمك من الناس ) (1) أي : يعصمك منهم أن ~~يكون منك إليهم التفات ، أو يكون لك بهم اشتغال. # قيل : يعصمك من أن ترى لنفسك فيهم شيئا ، بل ترى الكل منه وبه. # وقال الأستاذ في قوله : ( بلغ ما أنزل إليك من ربك ): أي : بين ~~للكافة أنك سيد ولد آدم ، وأن آدم من دون لوائك. # ويقال : ( بلغ ما أنزل إليك من ربك ) إني أغفر للعصاة ولا أبالي ~~، وأرد المطيعين من شئت ولا أبالي. # ويقال في قوله : ( والله يعصمك من الناس ) أي : حتى لا يغرق في ~~بحر التوهم بل تشاهدهم كما هم وجودا بين طرفي العدم. # ( قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل ~~وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين (68) إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون (69) لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما ~~جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون (70)) # قوله تعالى : ( وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا ) إن خطاب الله سبحانه ذو صفتين : صفة القهر ، وصفة اللطف ، فمن تجلى ~~القرآن بقلبه بصفة اللطف يزيد نور بصارته بلطائف ms0314 حكمته ، وحقائق أسراره ، ~~ودقائق بيانه ، ويزيد بذلك نور إيمانه وتوحيده ، ويعرف بذلك ظاهر الخطاب ~~وباطنه ، ومن يتجلى لقلبه بصفة القهر يزيد ظلمة طغيانه ، وقلة عرفانه بحيث ~~لا يدرك فهم الخطاب ، ويزيد لحظة بعد لحظة ظلمة قلبه ؛ لأن القرآن صفة الله ~~وصفته لا نهاية لها ، إما برؤية اللطف أو برؤية القهر ، قال تعالى : ( ~~ يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ) [البقرة : 26]. # قال الواسطي : هم الذين تولى الله إضلالهم وصرف قلوبهم عن درك دقائق ~~الحكمة. PageV01P323 # ( وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا ~~وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون (71) لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه ~~من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ~~(72) لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن ~~لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم (73) أفلا يتوبون ~~إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (74) ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد ~~خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ~~ثم انظر أنى يؤفكون (75) قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا ~~نفعا والله هو السميع العليم (76) قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير ~~الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء ~~السبيل (77) لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ~~ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (78) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما ~~كانوا يفعلون (79)) # قوله تعالى : ( وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله ~~عليهم ثم عموا وصموا ) وصف الله قوما بعميهم عن رؤية الحق ، وإدراك فهم ~~الخطاب بما على عيونهم من غشاوة الغيرة ، وبما في آذانهم من وقر الضلالة ، ~~فلم يعرفوا محض الاستدراج والامتحان في إمهال الله إياهم في ظلمة العصيان ، ~~وحسبوا ms0315 أنهم يحسنون فيما بينهم وبين الله ، ولم يعرفوا سقوطهم عن الدرجات ~~إلى الدركات ، ولما فتح الله باب الرحمة عليهم عرفوا تقصيرهم ، ثم جاء ~~إعلام القهر وسد باب العصمة والتوفيق عليهم فرجعوا إلى الضلالة وعمى الباطن ~~؛ لأنهم ليسوا بأهل الله وخاصته ، ولو أدركوه بشرط العناية لم يرجعوا عنه أبدا. # قال بعضهم : ظنوا ألا يفتتنوا في آذانهم وأهوائهم ؛ فعموا عن رؤية الحق ، ~~وصموا عن استماعه ، إلا من أدركته رحمة الله وفضله فتاب عليه وفتح عينه لرشده. # قيل : ظنوا أنهم لن يقعوا في الفتنة ، وهم طالبون الدنيا ، معتمدين على ~~الخلق ، عميت أبصار قلوبهم ، وصمت آذان أسرارهم ، إلا من يتداركه الله بكشف ~~الغطاء ، ويحله محل التائبين. PageV01P324 # قوله تعالى : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) لما ~~ظهرت آيات الله في عيسى عليه السلام وأمه برزت من الآيات أنوار الصفات ؛ ~~فوقع أكابر العشاق في مقام الالتباس ، وخضعوا عند رؤية الربوبية في رؤية ~~الصفات في الآيات ، فغلط المقلدون بما رأوا عليهم شرائط العشق وبراهين عين ~~الجمع ، فكفروا بتفريقهم الألوهية في محل تفرقة الحدثان ، وذلك ما حكى الله ~~تعالى عنهم بقوله : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) أي ~~: عموا عن رؤية حقائق رؤية وحدانية الله التي هي منزهة عن الاجتماع ~~والافتراق والامتزاج بالناسوت ، والحلول في الحدثان عند ظهوره لأبصار ~~العشاق والعارفين من لطائف الآيات وبراهين المعجزات. # تصديق ذلك قوله تعالى في نفي الأضداد والأشباه والأنداد والأوهام والجبال ~~عن ساحة جلاله : ( وما من إله إلا إله واحد ). # ثم وصف بعد وصف تنزيه المسيح ومريم بأنهما موضع آياته ، وبرهان صفاته ، ~~وصفهم بالعجز في الإنسانية والضعف في البشرية عن حمل امتحانه تعالى بقوله : ~~( ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة ) ~~أي : هو من عالم الجلال أرسلته إلى عشاقي وعرفاني ، وأول من صدقه أمه ؛ ~~لأنها شقائقه في مباشرة الآيات ورؤية الصفات ، ثم أحوجهما إلى علل الأبشار ~~بوصفهما بأنهما كانا يأكلان الطعام ، هذا كناية وعبارة عن الحدث بذلك أبرأ ~~عنهما الألوهية ، وكيف يليق ms0316 بعزة القدم تغاير الحدثان. # ( ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم ~~أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون (80) ولو كانوا يؤمنون بالله ~~والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون (81) لتجدن ~~أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة ~~للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا ~~يستكبرون (82)) # قوله تعالى : ( ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت ~~لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ) بين الله سبحانه ~~ميلان الجنس إلى الجنس في الكفر والإيمان من تجانس الفطرة الأولية ، وأظهر ~~بغضه لموالاة الأعداء بعضهم بعضا ، ومحبته لموالاة الأولياء بعضهم بعضا ، ~~وبين أن موالاة الكفار توجب سخط الله عليهم أبدا ، وبقاءهم في عذابه أبدا ، ~~ولا تظن في رضاه وسخطه أنهما صفتان متغايرتان من جهة تأثير PageV01P325 # أفعال الحدث في القدم ، فإن صفات القدم منزهة عن أن تكون محلا لنزول ~~الحدثان فيها ، فإن رضاه سبق عنايته للمقبولين ، وإن غضبه إرادة وضوح وسم ~~البعد على المطرودين. # قال الواسطي : ما أظهر من الوسم المكروه على خلقه ، جعل ذلك مضافا إلى ~~غضبه وسخطه من غير أن يؤثر عليه شيء ، ألا ترى إلى قول الحكيم كيف يؤثر ~~عليه ما هو أجراه أم كيف يغضبه ما هو أبداه. # قوله تعالى : ( ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ) وقع اليهود في ~~سخطه الأكبر ؛ حيث اختاروا من يلههم العجل بالإلهية بقوله : ( ثم ~~اتخذوا العجل ) [النساء : 153] ، وقوله : ( وأشربوا في قلوبهم ~~العجل ) [البقرة : 93] ، ثم نزلوا من رتبة الحيوان إلى رتبة الجماد بقولهم ~~لموسى عليه السلام : ( اجعل لنا إلها كما لهم ) [الأعراف : 138] ، ~~ومن علامة همتهم أشار إلى رتبة الإنسان بقولهم : ( عزير ابن الله ) ~~[التوبة : 30] ، فلما قطع الله نسبة القدم عن الحدث اشتد غضبهم على أهل ~~التوحيد وذلك قوله سبحانه : ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا ~~اليهود )، ووقع النصارى في سخطه الأصغر ، حيث ارتفعوا بهمتهم في طلب ~~الإلهية إلى عيسى عليه السلام ؛ لأنه مجمع آيات الله ms0317 وقعوا في الخيال عند ~~بروز الصفة عن الآية ؛ لقلة إدراكهم الوحدانية ، لكن بسبب استعدادهم قبول ~~ظهور الآية صاروا أقرب من اليهود إلى قبول الإسلام ، والذي وصفهم الله ~~هاهنا بقوله : ( قسيسين ورهبانا ) أنهم بقوا في النصرانية في طلب ~~الحق ، فلما لاح الحق لهم خرجوا مما دون الحق إلى الحق ، وكانوا صديقين في ~~تجريدهم في طريق الله ؛ حيث وصفهم الله بالقسيسية والرهبانية ، وإذا كانوا ~~في طلب الله أدركهم الله بنور الإسلام والتوحيد ، وما أبقاهم في الشكوك ~~والآراء المختلفة. # ثم زاد في وصفهم بالخضوع والإذعان عند بروز البرهان تصديقا وتعريفا بقوله ~~تعالى : ( وأنهم لا يستكبرون ). # قال بعضهم : جزيات الخدمة أثبت عليهم وإن كانوا على طريق المخالفة ، ~~لكنهم لما أظهروا لزوم الباب بدت عليهم آثارها في قبول الجزية وتحليل ~~المناكحات والانتساب إلى التزهد والرهبانية. # ( وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما ~~عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين (83) وما لنا لا نؤمن ~~بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين (84) ~~فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء ~~المحسنين (85) والذين كفروا PageV01P326 # وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (86)) # قوله تعالى : ( وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض ~~من الدمع مما عرفوا من الحق ) وصف الله سبحانه أهل خالصة الإيمان بحسن ~~الإصغاء عند سماع الذكر والخطاب ؛ حيث شاهد عقولهم بشواهد الكتاب بنعت ~~الانبساط ، وشاهد قلوبهم حلاوة الخطاب ، وشاهد أرواحهم مشاهد جمال الأنبياء ~~، وشاهد أسرارهم أنوار الصفات بوصف إدراك لطائفها ورؤية نوادر عجائبها ، ~~فوردت سواقي بحار علومها ، وشربت مفرحات عجائب مكنونها ، ورأت غرائب تجلي ~~عرائس غيبها ، وهاجت إلى طلب معادنها بنعوت شوقها إلى جمال المخاطب ، فلما ~~أدركته عرفته بالألوهية ، وعلمته بالوحدانية ، وعشقته بما رأت من لطيف خطاب ~~معهم وعرفان أسراره فيهم ، فأثرت ما أدركت في الأشباح حتى اضطربت وأدمعت ~~عيونها بدمع الشوق ، واحترقت قلوبها بنيران العشق في مجالس الذكر والسماع ، ~~فعرف الله صدق عرفانهم ومواجيد قلوبهم بالعلامة الصحيحة ، وهي سيلان ms0318 قطرات ~~الدموع الأسحان بوصف الهيجان على حدود أهل العرفان بقوله : ( وإذا ~~سمعوا ) إلى قوله : ( من الحق ) أي : إذا وجدوا في سماع الخطاب ما ~~فاتوا من لطائف حقائق أسراره وعرفوا حق قدر المخاطب والمخاطب استبشروا ~~بالوجدان ، وحزنوا من ضرر الفقدان ، وهيج فرحهم وحزنهم إلى الشوق والبكاء ، ~~وذلك البكاء من إصابة عيونهم قلوبهم إلى معارف الغيب ومصادفة أرواحهم شواهد ~~القرب ، ورب قتيل قتله سماع القرآن من غمرات المعرفة وغشيان النور على ~~قلوبهم. # روي عن جنيد قال : كنت قائما أصلي فقرأت هذه الآية ( كل نفس ~~ذائقة الموت ) [آل عمران : 185] ، فرددتها مرارا ، فنادى مناد من ناحية ~~البيت كم تردد هذه الآية ، فلقد قتلت بها أربعة نفر من الجن لم يرفعوا ~~رؤوسهم إلى السماء حتى ماتوا من ترديدك هذه الآية. # وكان الصديق رضي الله عنه عنه لا يتمالك بكاءه عند سماع القرآن. # ثم وصف الله سبحانه وتعالى مؤمني أهل الإنجيل بزيادة التصديق بما ذكره في ~~كتابه من قولهم : ( يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ) أي : ~~صدقناك بما عرفتنا قدر رسولك وأصحابه ؛ فإنهم شاهدون قربك ووصالك. # قال ابن عطاء في تفسير قوله : ( وإذا سمعوا ): كادت جوارحهم ~~وقلوبهم أن تنطق بقبول الوحي قبل سماعه في مشاهدة المصطفى صلى الله عليه وسلم ~~، ولما سمعوا منه لم يطيقوا حمله إلا ببكاء فرح ، أو بكاء حسرة ، أو بكاء ~~دهشة ، أو بكاء حرقة ، أو بكاء معرفة ، كما قال الله : ( مما عرفوا PageV01P327 # من الحق ). # قال الأستاذ : إذا قرع سمعهم دعوة الحق بقسم البصيرة في قلوبهم فسكنوا ~~إلى المسموع لما وجدوا من التحقيق. # ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (87) وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ~~واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (88) لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ~~ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك ~~كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين ms0319 الله لكم آياته لعلكم ~~تشكرون (89) يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90) إنما يريد الشيطان أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ~~فهل أنتم منتهون (91) وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم ~~فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين (92)) # قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله لكم ) هذا خطاب أهل المشاهدة ، أي : إذا وصلتم مقام المشاهدة فلا ~~تميتوا قلوبكم بالمجاهدة ، فإن المجاهدة للنفوس ، والمشاهدة للقلوب ، وإذا ~~ظهرت المشاهدة للقلوب فلا يبقى فيها للنفوس أثر ، وأعلم بذلك تعالى أهل ~~قربه الذين بلغوا مقام الأنس والبسطان ما يجري في قلوبهم من ذكر بدايتهم في ~~ترك الطيبات من القوت واللباس ، لا يجوز في هذه المقامات الرجوع إلى ~~البدايات ، فإن هاهنا لا يليق مجاهدة النفس بهم ؛ لأنهم يذوبون في روح ~~الأنس ونور البقاء ، وهم في ذلك عرائس الله يبيح لهم ما لا يبيح للمريدين ~~من أكل الطيبات ولبس الناعمات لبقائهم في الدنيا ولا يحترقون بواردات الوجد. # ألا ترى أن سبب نزول هذه الآية اجتماع أخيار الصحابة مثل : عثمان بن ~~مظعون ، وأبي بكر الصديق ، وعلي بن أبي طالب ، وعبد الله بن مسعود ، وعبد ~~الله بن عمر ، وأبي ذر الغفاري ، وسالم مولى حذيفة ، والمقداد بن أسود ، ~~وسلمان الفارسي ، ومعقل بن مقرن على ترك النساء والطيب واللحم ، واختاروا ~~صوم الدهر ، وقيام الليل ، والسياحة في الأرض والرهبانية ، ولبس المنسوج ، ~~ورفض الدنيا كلها ، فنهاهم الله ورسوله عن ذلك بقوله : ( يا أيها الذين PageV01P328 # آمنوا لا تحرموا ). # وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن لأنفسكم عليكم حقا ، فصوموا ~~وأفطروا ، وقوموا وناموا ، فإني أقوم وأنام ، وأصوم وأفطر ، وآكل اللحم ~~والدسم ، وآتي النساء ، ومن رغب عن سنتي فليس مني» (1)، بين ذلك ألا يجوز ~~لأهل الحقائق والمشاهدات أن يرجعوا إلى مقام البدايات. # وتصديق هذه المعاني الآية الثانية قوله تعالى : ( وكلوا مما ~~رزقكم الله حلالا طيبا ) الحلال ما وصل إلى المعارف من خوان ms0320 الغيب بلا كلفة ~~إنسانية ، والطيب ما يقوي قلبه في شوق الله وذكر جلاله بالتسرمد. # قال سهل في قوله : ( لا تحرموا ): هو الرفق بالأسباب من غير طلب ~~، ولا إشراف نفس ، وقد يبدأ الرفق بالسبب لأهل المعرفة على الظاهر وهم ~~يأخذونهم من المسبب بالحقيقة. # قال بعضهم : رزقه الذي رزقك ما هو من غير حركة منك ولا استشراف ، وهو ~~الطلب الحلال يحلك محل الدعة ويطيب قلبك يتناوله. # وقال الأستاذ : مما أباحه من الطيبات الاسترواح إلى نسيم القرب في أوطان ~~الخلوة ، وتحريم ذلك أن تستبدل تلك الحال بالخلطة دون العزلة ، والعشرة دون ~~الخلوة ، وذلك هو العدوان العظيم ، والخسران المبين ذكره في تفسير قوله : ( ~~ لا تحرموا طيبات ). # وقال في قوله : ( وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ): الحلال ~~الصافي أن يأكل ما يأكل على شهوده ، فإن نزلت الحالة عن هذا فعلى ذكره ، ~~فإن الأكل على الغفلة حرام في شريعة الإرادة ، ولي في الحلال والحرام لطيفة ~~، وهي أن الحلال الذي يراه العارف في خزانة القدرة ، فيأخذ منها بوصف الرضا ~~والتسليم ، والحرام ما قدر بغيره وهو يجتهد في طلبه لنفسه لقلة عرفانه ~~بالمحذر في المقدر ، وهذا العلم غير موازن في العقول ، وما لم يكن مرضيا في ~~الشريعة لم يكن مرضيا في المعرفة ، ولما قوي العباد بنسائم لطفه وغذاهم من ~~موائد قربه ، ورماهم بشهيات نعمه ، دعاهم بعد ذلك إلى طاعته وطاعة رسوله ؛ ~~لئلا يسقط عليهم آداب الحضرة وعلامات العبودية وظرافة الخدمة ، وحذرهم في ~~كتابه من مخالفته طرفة عين بقوله تعالى : ( وأطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول واحذروا ) طاعة الله تكون في رؤية هيبته ، وطاعة الرسول تكون بحلاوة ~~محبته ، والحذر إخراج الحدث عن وصف العدم ، وحبس الأرواح في منازل الإجلال ~~، أي : استقيموا في المعاملات ، واحذروا عن رؤيتها ورؤية أعواضها حتى لا ~~تحتجبوا PageV01P329 # بها عن مشاهدة المعطي. # وأيضا : أي : احذروا في طاعتي من ضمائر الرياء ، وفي طاعة رسوله عن ضمائر ~~الشك ، واحذروا من كراهة نفوسهم في الطاعة حتى تصلوا إلى مقام الحرقة عن ~~دعوى الأنائية ، فإن طاعتي بالإخلاص والمحبة تصير المطيع بصفة الربوبية ms0321 ، ~~وهناك موضع الخطر قال عليه السلام : «المخلصون على خطر عظيم» (1)؛ ولأن ~~هناك يفنى الحدث في العدم ويظن الفاني أن ضرغام مكر الأزل نائما ، قال ~~تعالى : ( فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) [الأعراف : 99]. # قال الواسطي في هذا الآية : الحذر لا يزول عن العبد وإن كان مدرجا تحت ~~الصفات ، ولولا ذلك لبسط العلم إلى شرط الجود وقلة المبالاة بالأفعال ، ~~ولكن الآداب في إقامة الموافقات كلما ازدادت السرائر به علما ازدادت له خشية. # وأيضا قال : ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ): ألا ~~تلاحظوا طاعتكم وتسقطوا عن درجة الكمال. # ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما ~~اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب ~~المحسنين (93) يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله ~~أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب ~~أليم (94) يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم ~~متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة ~~أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ~~ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام (95) أحل لكم صيد البحر ~~وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله ~~الذي إليه تحشرون (96)) # قوله تعالى : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما ~~طعموا إذا ما اتقوا ) لما كان الله سبحانه يتجلى بوصف اللطف بشيء فيه محل ~~ابتلاء العباد كان مباحا لهم وهم غير مأخوذين بتناوله ما داموا مبصرين ~~لطائف الحق فيه ، وإذا رفع عنهم نور تجلي اللطف حرم ذلك عليهم. # وهذه إشارة لطيفة لمن له فهم رجعنا إلى شغلنا بالتفسير : أن العاشق ~~العارف مادام في PageV01P330 # سيره إلى الله على نعت التجريد مما سواه وهو في منظر من الله بالمراقبة ~~والإجلال لم تضره أوقات الرفاهية والدخول في الرخص والبسط في السعادة مادام ~~يشبه بشرط العلم. # قال سهل : إذا طلب ms0322 الحلال ولم يأخذ فوق الكفاية وآثر مما حمله رواسي. # ( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ~~والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن ~~الله بكل شيء عليم (97) اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم ~~(98) ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (99) قل لا ~~يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب ~~لعلكم تفلحون (100)) # قوله تعالى : ( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ) ألبس ~~الله الكعبة سناء قدس آياته ونورها بصبح مشارق صفاته من مطالع ذاته ، ~~وصيرها مرآة حسنه وجماله لنظر نظار معارفه ، وأبصار عشاق كواشف رداء عظمته ~~وكبريائه ؛ لقيامهم على مشاهد قربه ومواقف قدسه ، ليطلبوا منها رؤية براهين ~~هلال صفته ومشارق صنع جلال قدمه ، وحرم تلك المنازل على الأغيار دون ~~الأخيار ، ومنع الأخيار عن الدخول فيها مع بقاء نفوسيتهم ؛ ليعلموا أنها ~~ممنوعة من تناول الكل لهم ، ليعرفوا عين القدم أنه منزه عن خطرة كل حادث ، ~~جعل الكعبة بيته ، وجعل بيته قلب العالم ، ويظهر بجلاله منه لعيون العارفين ~~، كما ظهر لموسى عليه السلام من طور سيناء ، وظهر لعيسى عليه السلام من طور ~~المصيصة ، وظهر لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته من الكعبة ، كقوله ~~صلى الله عليه وسلم : «جاء الله من سيناء ، واستعلن بساعير ، وأشرف من جبال ~~فاران» (1)، هكذا جعل قلب العارف كعبة مشاهدته في حرم صورته ، وسد بابه عن ~~كل طائف غير نظره ، فيظهر آثار جلاله من صورهم. # قال الشبلي : الكعبة أمام أعين الناس ، والحق أمام قلوب أوليائه. # وقيل : البيت الحرام حرام في مجاورته ارتكاب المخلفات بمحال. # وقيل : حرام على من يراه أن يرى وصفه دون واصفه. # وقيل : ( قياما للناس ) أي : من ذل عن قيامه فاعوج بالتدنس ~~بمعصية ، فأتاه فتعلق به ، أقامه ببركة آثار الأنبياء عليهم السلام والسادة ~~فيه ورده إلى حالة الاستقامة. # ( يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن ~~تسئلوا عنها PageV01P331 # حين ينزل القرآن تبد ms0323 لكم عفا الله عنها والله غفور حليم (101) ~~قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين (102) ما جعل الله من بحيرة ~~ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ~~وأكثرهم لا يعقلون (103) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ~~قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا ~~يهتدون (104)) # قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد ~~لكم تسؤكم ) أي : إذا لم تكونوا برؤية الغيب محرمين للغيب ، ولا تكونوا ~~بالغيب إلى معالي درجات أهل المعارف والكواشف ، ( لا تسئلوا ) عن ~~حقائقها ؛ فإنه إذا بين المستقيم لكم دقائقها بعبارة أهل الأسرار لا تطيقون ~~أن تدركوها ، فيسوؤكم حرمانكم عنها ، وربما ينكروا على بعضها فتهلكوا ، وإن ~~الله سبحانه غيور على هتك ستر الغيب للأغيار. # أنشد الحسين بن منصور قدس الله روحه : # من لم يضيق قدر ما أولاه سادته %~% لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا وعاقبوه على ما كان من زلل %~% وأبدلوه مكان الأنس إيحاشا لا تقبلوه مذيقا بعض سرهم %~% حاشا ودادهم من ذكر حاشا # وفيه تحذير المريدين عن كثرة سؤالهم في البداية عن حالات المشايخ. # قال بعضهم : لا تسألوا عن مقامات الصديقين ودرجات الأولياء ؛ فإنه إن بدا ~~لكم شيء منه فأنكرتم ذلك هلكتم. # قال سهل : سؤاله حجاب ، ودعاؤه قسوة. # ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون (105) يا أيها ~~الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل ~~منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت ~~تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ~~ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين (106) فإن عثر على أنهما ~~استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان ~~بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين (107) ~~ذلك ms0324 أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد PageV01P332 # أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين ~~(108) يوم يجمع الله الرسل فيقول ما ذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت ~~علام الغيوب (109)) # قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ~~ضل إذا اهتديتم ) ليس ظاهر الآية يوجب إسقاط أمر المعروف والنهى عن المنكر ~~، لكن فيه لطيفة أي : عليكم أن تعرفوا أسرار نفوسكم الأمارة التي لو ~~تدعونها لتدعي الربوبية ، كما كان يدعي فرعون بقوله : ( أنا ربكم ~~الأعلى ) [النازعات : 24] ، وإذا عرفتم مكائدها عرفتم سر قهر الأزل ، فإن ~~قهري يعلمها مخائيل الضلال. # لذلك قال عليه السلام : «من عرف نفسه فقد عرف ربه ، ومن عرفني فقد استقام ~~في طاعتي ، وصار موضع نظري لا يعوجه كيد كافر ، ولا مكر ماكر ؛ لأنه محفوظ ~~بي ، بل من ينظر إليه صار ضره نفعا ، وفساده صلاحا ببركته» (1). # قال سهل بن عبد الله : للنفس سر ، ما ظهر ذلك السر على أحد من خلقه إلا ~~على فرعون ، فقال : ( أنا ربكم الأعلى ) [النازعات : 24] ، ولها ~~سبع حجب سماوية ، وسبع حجب أرضية ، وكلما يدفن العبد نفسه أرضا أرضا سما ~~قلبه سماء سماء ، وإذا دفنت النفس تحت الثرى وصل القلب إلى العرش. # قال محمد بن على : عليا لنفسك أن كفيت الناس شرها ، فقد أديت أكثر حقها. # ودخل خادم الحسين بن منصور رحمة الله عليه الليلة التي وعد من الغد لقتله ~~فقال له : أوصيني ، فقال : عليك نفسك ، إن لم تشغلها شغلتك. # وسئل أبو عثمان عن هذه الآية؟ فقال : عليك نفسك إن اشتغلت بإصلاح فسادها ~~وستر عوراتها شغلك ذلك عن النظر إلى الخلق والاشتغال بهم. # قوله تعالى : ( يوم يجمع الله الرسل فيقول ما ذا أجبتم قالوا لا ~~علم لنا إنك أنت علام الغيوب ) إن لله سبحانه أياما وساعات لظهور جبروته ، ~~وكشف ملكوته ، وبروز أنوار عزة قدمه ، وشروق بروق لمعات وحدانية أبديته ، ~~وخص لها خطاب العظمة ، وسياسة السلطنة ، وأظهرها لقواطب أهل جلاله ، ورؤية ~~عظائم قدرته ، وإجراء مشيئته ، وهناك تفوح مجامر ms0325 عطر صفاته ، وتذيع نفحة ~~مسك سبحات ذاته. # قال سيد أهل البيت صلى الله عليه وسلم : «إن لربكم في أيام دهركم لنفحات ، ~~ألا فتعرضوا لها» (2). PageV01P333 # فلما أراد كشف الكلى وإجراء خطاب الأزلي يجمع أكابر أهل القرب من ~~المرسلين والنبيين والملائكة المقربين ، وذلك يوم القيامة يوم العرض الأكبر ~~، حيث يتمتع العارفون بجمال الحق وجلاله وقربه ووصاله ، والقيامة بلد أحياء ~~الله هناك يستأنسون به أبدا ، ويحولون على مراكب النور في ميادين السرور ، ~~هناك مقامات ، ففي مقام لهم بقاء ، وذلك من بسط الله بساط عطايا المشاهدة ، ~~وفى مقام لهم فناء ، وذلك من تراكم عساكر سطوات العظمة ؛ حيث يظهر رداء ~~الكبرياء وإزار العظمة ، وفي ذلك المقام يضمحل الحدثان وما فيها في عزة ~~القدم ، فيفنيهم ساعة بالجلال ، ويبقيهم ساعة بالجمال ، ويخاطبهم ساعة ~~باللطف ، وساعة بالقهر ، ليعرفهم طرائق كشوف الألوهية بنعت المباشرة ، ومن ~~ذلك الخطاب قوله : ( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) [غافر : 16]. # وأيضا قوله سبحانه : ( يوم يجمع الله الرسل فيقول ما ذا أجبتم ) ~~عرفهم بخطابه معهم عجز العبودية في الربوبية ، وفناء الحدث في القدم عيانا ~~بعد الخبر ، خاطبهم بعد إحاطته بجميع ذرات الكون وبعد علمه الشامل بجريان ~~الحدثان من الأزل إلى الأبد ، ومقصوده تعالى منهم إظهار ما أخبره بما جرى ~~على الخلق في كتابه ، كيف توافق الخبر بالمعاينة ، وهو تعالى منزه عن الجهل ~~بشيء من العرش إلى الثرى ، ومعنى قول سيد المرسلين : لا علم لنا بما تريد ~~منا وبما تريد منهم ، ولا علم لنا بما أجريت في الأزل علينا ، ولا علم لنا ~~بما في أنفسنا فضلا بما في نفسك ، ولا علم لنا إلا علما مخلوقا مستفادا من ~~علمك وتعليمك إيانا ، وإذا بهتوا وتاهوا وتحيروا وتلاشوا في كشف عظمته طاشت ~~أشباحهم وطابت أرواحهم ، ولم يطيقوا أن يتكلموا بما في ضمائرهم من صولة ~~الخطاب. # وأيضا : استحيوا من إظهار ما أجابهم قومهم عند جلاله وعظمته. # وأيضا : أي : لا علم لنا فيما وضعت في أسرارهم ؛ فإنك تعلم الغيب ، وذلك ~~قوله : ( إنك أنت علام الغيوب ). # قال الواسطي : أظهر ما منه إليهم ms0326 كلهم من تولية ، فقالوا : كيف يقول فعلت ~~الأمم أو فعلنا! عندها كلت الألسن إلا عند العبادة عن الحقيقة. # وقال : خاطبهم لعلمه بأنهم يحملون ثقل الخطاب ، وأشد ما ورد على الأنبياء ~~في ثبوتهم حمل الخطاب على المشاهدة ، لذلك لم يظهروا الجواب ، ولم ينطقوا ~~بالجواب إلا على لسان العجز ، لا علم لنا مع ما كشفت لنا من جبروتك. # وقال الجنيد : رفق بهم فلم يفقهوا ، ولو فقهوا وعلموا لماتوا هيبة ، ~~لورود جواب الخطاب. PageV01P334 # قال ابن عطاء : لا علم لنا بسؤالك ، ولا جواب لنا عنه. # قال بعضهم : لما ظهر عليهم الحق بعلمه وسبقه ثم سألهم جحدوا علومهم ، ~~ونسوها في قوله : ( يوم يجمع الله الرسل ) إلى قوله : ( لا ~~علم لنا ) وذلك من إقامة الأدب لا جهلا بما أجابوا. # قال محمد بن فضل : ( لا علم لنا ) أي : لا علم لنا بجواب ما يصلح ~~لهذا السؤال. # ( إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ ~~أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة ~~والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون ~~طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني ~~إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين ~~(110)) # قوله تعالى : ( إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك ~~وعلى والدتك ) أي : اذكر لخواص أحبائي والمريدين ما أنعمت عليك من كشف ~~جمالي لك ، وإظهار علومي عليك ، وتجليائي منك للعالمين ، وإلقاء كلمتي إلى ~~أمك ؛ إذ برزت منها أنوارها تظهرك ملتبسا بلباس نور الألوهية ، وذلك حين ( ~~ أيدتك بروح القدس ) أي : بروح المعرفة التي أشرقت من صبح الأزل ، ~~وذلك النفخ الأول الذي نفخت في آدم عليه السلام من روح تجلي جلالي ، وظهور جمالي. # ألا ترى إلى قوله : ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ) [آل عمران ~~: 59] كشف عن قدسه لصورة عيسى عليه السلام ، فصار حيا بكشفه ، ومقدسا بروح ~~قدسه عن تهمة مزج اللاهوتية بالناسوتية ، فصار جميع وجوده ms0327 روحا قدسيا. # ألا ترى كيف كان يحيى الموتى بإذن الله أي : بتأييد الله وجلال نور وروح قدسه. # وأيضا : أيدتك بجبرائيل عليه السلام ليعرفك مكان العبودية والشريعة ، ~~ويلزمك في مهد البشرية ؛ فإنك صدرت من نور الربوبية ، لو لا ذلك ما سكنت في الكون. # قال بعضهم : منهم من ألقى إليه روح النبوة ، ومنهم من ألقى إليه روح ~~الصدقين ، ومنهم من ألقى إليهم روح المشاهدة ، ومنهم من ألقى إليه روح ~~الصلاح والحرمة ، وأسر إليهم مما لا يترجم ولا يغير علم رباني غاب وصفه ~~وبقي حقه. # وقال الواسطي : لا تصح الصحبة مع الله إلا بصحبة الروح في صحبة القدم ، ~~قال الله : PageV01P335 # ( أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا ) (1) إلا بالعقل ~~، فمن صحت صحبة روحه في القدم صحت صحبته مع الله. # وقال في قوله : ( أيدتك بروح القدس ): ذكر الروح في هذا الموضع ~~لطفا لقربه من المستترات. # قال بعضهم : قدست روحك أن تمازج شيئا من هيكلك وطبعك ، بل ظهرته لئلا ترى ~~غيري ، ولا تشاهد سواي ، وأسكنته قالب جرمك سكون عارية كإسكان آدم ~~عليه السلام الجنة ، لأطهر به جسدك عن أدناس الكون حتى أقدسهما جميعا ~~وأخرجها إلى محل القدس ، ومن تمام نعمة الله عليه صيرورة جسمه بنعت روحه في ~~المهد على مثابة بالقوة الإلهية بأن نطق بوصف تنزيه الله وقدسه وجلاله ~~وربوبيته ، وفناء العبودية فيه ، وبقيت تلك القدرة فيه في كهولته حتى عرف ~~عباد الله تنزيه الله ، وقدس صفات الله ، وحسن جلال الله ، وهذا معنى قوله ~~تعالى ( تكلم الناس في المهد وكهلا ). # وزاد في وصفه بقوله تعالى : ( وإذ علمتك الكتاب ) تجلى بقدرته ~~ليده حتى تخط بغير تعلم ، ( والحكمة ) أي : حكمة معارف العشق ، ~~وطريق كواشف الملكوت ، وبطون الأفعاليات بنعت ماهيتها ، ( والتوراة ~~) علمه ما علم موسى عليه السلام بنعت تجليه له من نور التوراة ، ليعلم شرائع ~~المعرفة ، وحكم الربوبية ، ( والإنجيل ) عرفه أناجيل القدمية بظهور ~~صفات الأبدية. # وزاد وصفه على وصف باتصافه بالقدرة القائمة ، والقوة الإلهية في خلق ~~الطير حين نفخها من نفخ روح القدس التي فيه ، وذلك أمارة ms0328 ظهور ربوبية الله ~~منه ، ولذلك كان قادرا على إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى والاستشراف ~~على مكنون الغيب بقوله بما وصف في موضع آخر : ( وأنبئكم بما تأكلون ~~وما تدخرون في بيوتكم ) [آل عمران : 49]. # قال أبو علي الرودباري في قوله : ( وتبرئ الأكمه والأبرص ) غاية ~~الربوبية في غاية العبودية ، لما استقام على بساط العبودية أظهر عليه أشياء ~~من أوصاف الربوبية بقضائه PageV01P336 # وقدره. # ( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا ~~واشهد بأننا مسلمون (111) إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك ~~أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين (112) قالوا ~~نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من ~~الشاهدين (113)) # قوله تعالى : ( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ) ~~وحي الله إلى المرسلين يكون خاصا ويكون عاما ، الخاص بغير واسطة ، والعام ~~بواسطة جبريل عليه السلام ، وللوحي الخاص مراتب : وحي بالفعل ، ووحي بالصفة ~~، ووحي بالذات ، وحي الذات يكون في مقام التوحيد عند رؤية العظمة والكبرياء ~~، وهناك محل الفناء ، ووحي الصفات يكون في مقام المعرفة عند تجلي الجلال ، ~~وهناك محل البقاء ، ووحي الفعل يكون في مقام العشق والمحبة ، وهناك منازل ~~الأنس والانبساط ، وهاهنا للأنبياء والأولياء نصيب ، وليس لهم في الوحي ~~برسالة الملك نصيب ، وحي منزل التوحيد بالكلام ، ووحي منزل المعرفة الحديث ~~، ووحي منزل العشق الإلهام ، ومقام الإلهام منقسم على الإلهام الذاتي ~~والصفاتي والفعلي ، وربما يكون الإلهام الفعلي بواسطة الملك والروح والقلب ~~والعقل والسر وحركة الفطرة ، وربما يرد على السمع قرع هواتف الغيب ظاهرا ، ~~وربما يكون بلسان الخلق حركات الأكوان ، ولا يعرف هذه المقامات إلا ذو منصب ~~في معرفة الخواطر وحقائق علومها ، وهاهنا وحي الصفاتي الذي يتولد منه ~~الإيمان والمعرفة. # ألا ترى إلى قوله سبحانه : ( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا ~~بي ) أي : اعرفوني وصدقوني فيما كشفت لكم من أنوار الغيب في قلوبكم وبرسولي ~~فيما أرسلت إليه من أنباء الغيب وبيان شرائط الشرع في نعوت العبودية. # قوله : ( آمنوا بي ) مقام الجمع ، و ( وبرسولي ms0329 ) مقام ~~التفرقة. # قوله تعالى : ( إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ~~ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ) تفحص القوم مكانتهم من عند الله ~~سبحانه بتأييد الظاهر ومشاهدة المعجزة جهرا ؛ لأنهم موقنون مشاهدون بالقلوب ~~والأرواح والأسرار حقائق الغيب ، ورأوا منازلهم في محل القرب والخطاب عند ~~كشف رؤية الحق لإبصار قلوبهم ، لكن القوم ليسوا بمتمكنين في شهود الغيب ، ~~تجري عليهم أحكام أهل التلوين من معارضة النفس والعدو في رؤية الغيب ، ~~وطلبوا آيات الله ؛ لدفع المعارضة وطمأنينة القلوب. PageV01P337 # ألا ترى إلى الخليل في بداية أمره كيف قال : ( أرني كيف تحي ~~الموتى ) [البقرة : 260] ، فأجابه الله قال : ( قال أولم تؤمن قال ~~بلى ولكن ليطمئن قلبي ) [البقرة : 260] ، فأحوجه إلى رؤية القدرة في الفعل ~~بقوله : ( فخذ أربعة من الطير ) [البقرة : 260] ، وليس في الوصفين ~~شك من جانب النبوة ومن جانب الولاية ، فلما سمع عيسى عليه السلام منهم اشتد ~~عليه أمرهم وعجب منهم ذلك بعد إبقائهم ، وأجابهم بقوله تعالى : ( ~~اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ) أي : خافوا الله فيما يجري عليكم من معارضة ~~النفس ، أي : ألزموا اشتغالكم بدفع الخطرات ؛ كي لا تحتجبوا عنه بغيره ، ~~وإن من وصل إليه بنعت المعرفة ورؤية الغيب لا يستحسن منه طلب الآيات لتصديق ~~الباطن ، فإنه صفة أهل البداية ، فأظهر القوم عجزهم عن إدراك مقامات أهل ~~التمكين بقوله تعالى : ( قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ) ~~أي : نريد أن تربي أبداننا بمأكول الجنة ، كما تربي قلوبنا وأرواحنا بموائد ~~المشاهدة ، ويزيد في قلوبنا تصديقك ومحبتك حتى لا تبقى فينا معارضة الطبيعة ~~، ونكون من شهداء رؤية المعجزة ، الصادقين بآثارنا عند المريدين المقتدين ، ~~ولأنك قلت لنا : أنتم أصفياء الله وأولياؤه ، وإذا حصل مرادنا تحصل طمأنينة ~~قلوبنا في صدق الله وصدقك وصدق ولايتنا ، فسأل عليه السلام مرادهم بقوله ~~تعالى : ( أنزل علينا مائدة من السماء ) سأل من السماء لا من الأرض ~~لما فيها من الروحانية والحنانية والملكوتية غير ممزوجة بعناصر الدهر الذي ~~يتولد منه عصيان الله. وأيضا : يسأل من السماء خصوصية في المعجزات. # ( قال عيسى ابن مريم اللهم ms0330 ربنا أنزل علينا مائدة من السماء ~~تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين (114) قال ~~الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا ~~من العالمين (115)) # قوله تعالى : ( تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا ) أي : اجعلها عيدا ~~ولا تجعلها وعيدا لمجهور ، واجعلها سببا لعودنا من رؤية الآيات إلى رؤية ~~الصفات ، عيدا لأولنا من المريدين وآخرنا من العارفين ، ( وآية منك ~~) دليلا منك إليك ، فأجابهم الله سبحانه بما سألوا وهداهم من كفران نعمته ~~بقوله تعالى : ( إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه ~~عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ) أي : من عاين رؤية صفاتي في رؤية آياتي ~~ثم يرجع إلى الفترة وحظوظ النفس واختيار شهوة الدنيا علينا فإنا نحجبه عنا ~~حتى لا تصل إلى قلبه نسم عبير صفاتي وورد جلال مشاهدتي ، ولا يشرق عقله صبح ~~وصالي ، ولا تنكشف لروحه أنوار PageV01P338 # حسني وجمالي ، وإن هذا العذاب عذاب الفراق ، وهو أشد العذاب للطالبين. # قال الشيخ أبو عبد الله : كنت نائما في بدايتي ، فرأيت في منامي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يحركني ، قال : قم يا أبا عبد الله ، فإن من عرفه ~~وآثر غيره عليه فإنه يعذبه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين. # ( وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت ~~قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ~~(116) ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم ~~شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ~~(117) إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (118)) # قوله تعالى : ( وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) غير الله سبحانه المنتسبين إلى الشرك ~~بقولهم إن الله ثالث ثلاثة ms0331 فأظهر الله تنزيه عيسى عليه السلام مما زعموا. # وتصديق ذلك قوله تعالى : ( قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ~~ليس لي بحق ). # وأيضا : ألف الله سبحانه أن يخاطب الكفرة بما كذبوا وزاغوا عن التوحيد ~~والحق ، وخاطب مع صفيه وروحه إعلاما للكافرين بتغييرهم ؛ لأن السلطان إذا ~~أراد أن يخاطب قوما خاطب كبيرا من كبرائهم ، وأراد بذلك قومه ، وفيه أن ~~الله سبحانه أراد أن يجر روحه عليه السلام إلى مقام سطوات العظمة وخطاب ~~الكبرياء ، ليفيه به عنه حتى لا يبقى للحدث في القدم أثر ، ولولا فضل الله ~~عليه لا يكون بعده أبدا من عزة الخطاب وعظمة القول. # قال عبد العزيز المكي : لولا إثبات الله إياه لذاب على مكانه ، وصار ماء ~~بين حياء الله وخجلته ، ولو خير عيسى عليه السلام بين النار وبين هذا العتاب ~~لاختار النار ، ولو أحرق بنار الأبد كان أحب إليه من أن ينسب الربوبية إليه. # وفرق ابن عطاء بين السؤالين : بين سؤال الأنبياء حين قالوا : ( ~~لا علم لنا ) [البقرة : 32] ، وسؤاله عن عيسى عليه السلام ( أأنت ~~قلت للناس اتخذوني وأمي )، وقال سأل عيسى عليه السلام عن قصته وحاله ولم ~~يسعه السكوت عنه ، وسأل الأنبياء عن أحوال الأمم فدهشوا ، وذلك أن سؤال ~~الرسل إظهار العظمة ، وسؤال عيسى عليه السلام براءة وتنزيه عما قيل فيه. # وقد سنح لي قول آخر : وهو أن الأنبياء حين سئلوا كانوا في مقام الهيبة ~~ومشاهدة PageV01P339 # العظمة ، لذلك بهتوا وتحيروا وسكتوا ، وعيسى عليه السلام هناك أيضا معهم ~~بقوله : ( يوم يجمع الله الرسل )، وهو من الرسل ، فلما أفرده الحق ~~للخطاب كان في مقام البسط والانبساط ومشاهدة الجمال ، لذلك تكلم وأجاب ولم يسكت. # قوله تعالى : ( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ) أي : تعلم ~~ما في نفسي من توحيدك ومعرفتك وتنزيهك وتقديسك وتعظيمك وإجلالك الذي ينفي ~~الأضداد والأشباه والأنداد ، ولا يليق بجلالك مما تخاطبني بقولك : ( ~~ أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله )، ولا أعلم ما في ~~نفسك من علوم الغيب ، وغيب الغيب ومكر القدم ، وما ms0332 يعلم ما في نفسك بأنك لو ~~تريد أن تحرق جميع الأنبياء والصديقين لا يبالي بها. # وأيضا : ( ولا أعلم ما في نفسك ) من كنه القدم ووجود الأزل. # قال الواسطي : يعلم ما في نفسي لك ، ولا أعلم ما في نفسك لي. # وقال الحسين : تعلم ما في نفسي لأنك أوجدتها ، ولا أعلم ما في نفسك لبعد ~~الذات عن الإدراك. # قال الجنيد : تعلم ما أنا لك عليه وما لك عندي ، ولا أعلم ما لي عندك إلا ~~ما أطلعتني عليه أو أخبرتني به. # وقال سهل : تعلم ما في نفسي مما أودعته نفسي مما لا تظهره علي ، ولا أعلم ~~ما في غيبك لي. # قال علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر عليهم السلام قال : تعلم كيفيتي ، ~~ولا أعلم كيفيتك ولا كيفيته لك. # قوله تعالى : ( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ) أي : ما قلت لهم ~~إلا ما أمرتني به ، أي : ما قلت لهم إلا بإفراد قدمك عن الحدوث ، وإسقاط ~~الغير عن البين ، وهو قوله تعالى : ( أن اعبدوا الله ربي وربكم ) ~~أظهر عبوديته في عبوديتهم فردا للموحد المنزه عن الأنداد والأشباه. # قوله تعالى : ( وكنت عليهم شهيدا ) أي : في الدنيا في طاعتهم ~~وعصيانهم وما كشفت لي من بعض سرائرهم. # وأيضا : أي كنت عليهم شهيدا ، ( ما دمت ) في مقام الرسالة وإبلاغ ~~الوحي إليهم ، أما إذا أفنيت عن الأكوان من صولة مشاهدتك فغابت عني أخبار ~~أهل الكون. # وتصديق ذلك قوله تعالى : ( فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ) ~~أي : كيف PageV01P340 # نخفي عليك ما خلقت ظاهره وباطنه ، وأنت قديم محيط بكل ذرة من العرش إلى ~~الثرى ، فالعجز عن ذلك صفة من يتلاشى فيك ، كما أنا حين توفيتني عني إليك. # قيل في قوله : ( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ): أنى لي لسان ~~القول إلا بعد الإذن بقولك : ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) ~~[البقرة : 255]. # وقيل في قوله : ( فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ) أي : لما ~~أسقطت عني ثقل الإبلاغ كنت مراقبا لهم بما أجريت عليهم من مختوم قضائك. # قال أبو ms0333 بكر الفارسي في هذه الآية : الموحد ذاهب عن حاله ووصفه وعن ماله ~~وعليه ، وإنما هو ناظر بما يرد ويصدر ليس بينه وبين الحق حجاب ، إن نطق ~~نعته وإن سكت فيه ، حيثما نظر كان الحق منظوره ، وإن أدخله النار لم يلتمس ~~فرجا لأن رؤية الحق وطنه ونجاته وهلاكه من عين واحدة ، لم يبق حجاب إلا ~~طمسه برؤية التفريد ، وكان المخاطب والمخاطب واحدا ، وإنما كان يخاطب الحق ~~نفسه بنفسه لنفسه ، قد تاهت العقول ودرست الرسوم وبطل ما كانوا يعملون. # قوله تعالى : ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت ~~العزيز الحكيم ) اتفق أهل التفسير أن الله لا يغفر للمشركين الذين ماتوا ~~على شركهم ، ذلك مذهب المسلمين جميعا ، وقد أرى هاهنا لطيفة ، وهي أن الله ~~تعالى أجرى على لسان عيسى عليه السلام سرا مكتوما مبهما على قلوب جميع ~~الخلائق ، إلا من كان من أهل خالصة سره ، ومحال أن خفي على عيسى عليه السلام ~~أن من مات على الشرك وهو غير مغفور في ظاهر العلم ووارد الشرع وإنما نطق ~~بذلك من عالم السر المكتوم في الغيب ، ومفهوم أصل خطاب في ذلك كأنه أشار ~~إلى ما أشار ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم في قوله تعالى : ( ~~خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ) [هود : 18] ، قالا : يأمر النار أن ~~تأكلهم وتفنيهم ، ثم تجدد خلقهم. # قال ابن مسعود : ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد ، وذلك ~~بعدما يلبثون فيها أحقابا. # قال الشعبي : جهنم أسرع الدارين عمرانا وأسرعها خرابا ، ألا ترى صورة ~~اللفظ ( إن تعذبهم ) يعني بكفرهم ( فإنهم عبادك ) فهو حق ~~لإطلاق الملك لك ، وإن تغفر لهم ما هم فيه في الدنيا اليوم من يمنعك عن ذلك ~~وأنت العزيز الواحد بالوحدانية في ملكك لست بجاهل في غفرانهم ، فإنك حكيم ~~في أمرك ومرادك وإمضاء مشيئتك ، ونحن لا نقول أكثر من هذا ، فإنه موضع ~~الأسرار. PageV01P341 # وأيضا : ( إن تعذبهم ) بدعوى المعرفة بأن توقعهم في درك الحيرة ~~والفناء في عظمتك ، و ( وإن تغفر ) بأن تدخلهم في مقام الالتباس ~~حتى ms0334 لا يدركوك بنعوت الوحدانية ، وبقوا في حجاب حظوظهم عنك بك. # قال الوراق : ( إن تعذبهم ) بتقصيرهم في طاعتك ، فإنهم عبادك ~~مقرين لك بالتقصير ، ( وإن تغفر لهم ) ذنوبهم فأنت أهل العزة ~~والكرم ، فلم يبدلها إلا لمن خلقه لها ومن هو حق بها وأهلها. # قال بعضهم : ترك عيسى عليه السلام الانبساط في السؤال للأمة ، وترك ~~المحاكمة مع الحق في أفعاله ونبينا صلى الله عليه وآلهوسلم لا يزال يشفع ويقول ~~: أمتي ... أمتي!! حتى يجاب في الكل من أمته ، وهذا هو المقام المحمود الذي ~~خص به ، ويغبطه عليه الأولون والآخرون ، حيث يراجع الحق منبسطا ويجاب بقوله ~~: «قل تسمع واشفع تشفع» (1). # ( قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (119) ~~لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير (120)) # قوله تعالى : ( قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ) وقع ~~صدقهم على رؤية فناء الحدث في القدم ، حيث ما أدركوا الحق إلا بالعجز عن ~~إدراكه ، فلما لم يدركوه قبل العجز وبعد العجز إلا به أقروا بالجهل عن ~~معرفته ، وهذا من كمال معرفتهم بربهم ، وهذا هو الصدق الذي ذكره الله لهم ~~فلا جرم ينفعهم ، هذا العجز عند بروز طوارق مشاهدة عظمته وكشوف سطوات عزته ~~بأن يدركهم في محل فنائهم ، ويلبسهم صفة بقائه حتى بقوا مع الحق أبدا بلا ~~حجاب ولا عتاب. # قال الحسين في هذه الآية : إذا قابل ربه بصدقه ، وجهل أمر ربه ، وطالب ~~ربه بحظه ووعده ، يطالبه ربه يصدق صدقه ، فأفلسه عن رتبته ، وأبعده عما ~~قصده ، وينفع صدقه من لقيه بالإفلاس ، وأيقن أنه كان مستعملا تحت حكمه ~~وقضيته. # قوله تعالى : ( لهم جنات ) أي : جنات المشاهدات الذاتية التي ~~تجري تحتها عيون الصفات بنعت تجليها لهم لحظة فلحظة ، ( خالدين ~~فيها ) باقين بالاتصاف بها ، ( أبدا ) بلا PageV01P342 # انقطاع ، ( رضي الله عنهم ) (1) حيث وجدهم متحيرين عن إدراك كنه ~~القدم بعد فنائهم فيه ، ( ورضوا عنه ) بما وجدوا منه من لذة ~~مشاهدته ، وحلاوة خطابه ، وهذا الرضا انسداد ms0335 أبواب كشوف القدم عليهم ، ~~وإبقاؤهم فيما هم فيه ، ولو عرفوا قلة حفظهم عن القدم لماتوا جميعا في ~~الحيرة ، وكيف رضي عنه من عرفه ، وكيف سكن عنه ، وإن كان في مشاهدته عن ~~إدراكه بنعت التوحيد ، ولولا فضله ورحمته لفنوا في قهر سلطان كبريائه ، ولم ~~يبقوا بعد ، فبقاؤهم وتخليصهم من فنائهم فيه ، فبفوز عظيم وظفر كريم ~~ليتمتعوا لوصاله أبدا ، ( لله ملك السماوات والأرض ) خص ملك ~~الإيجاد والإبداع ، وزال عمن سواه ملكه. ### | سورة الأنعام # بسم الله الرحمن الرحيم # ( الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون (1) هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى ~~عنده ثم أنتم تمترون (2) وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ~~ويعلم ما تكسبون (3)) # ( الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ) جعل حمده في الأزل طريقا ~~للعباد إلى حمد جلاله ، وثناء جماله ، علم في القدم نفسه ، وأوجب الحمد ~~قطعا قبل كون الكون مقابل عين الذات والصفات ، فلم ير بحمل حمده ، فحمل ~~بنفسه حمد نفسه ، ورفع الحمد عن الحدث علما بأن الحدث يكون مثلا شيئا في ~~أوائل حمده ؛ لأن حمده لا يكون إلا بمعرفة المحمود حقيقة بجميع ذاته وصفاته ~~، وذلك مستحيل ؛ لأن حقيقة ذاته وصفاته غير متناهية ، وكيف يدرك المتناهي ~~صفات الذي هو غير متناه. # وأيضا : قطع الحمد عن غير نفسه ، وبين ألا يستحق للحمد الحقيقي إلا وجوده ~~بقوله : ( الحمد لله ) (2) أي : لله لا لغير الله. PageV01P343 # وأيضا : أي : حمد الله لله ؛ لأنه مادح نفسه بالحقيقة لا غير. # وأيضا : أي : الحمد القديم يرجع إلى القديم ، وليس للحدث فيه نصيب ، لأن ~~حمده أزلي ، والحمد الأزلي لا يليق إلا بالأزلي. # قيل : حمد نفسه بنفسه حين علم عجز الخلق عن بلوغ حمده. # قال الجنيد : الحمد صفة الله ؛ لأنه حمد نفسه بتمام الصفة ، ولو حمد ~~الخلائق كلهم لم يقدروا الإقامة ذرة من صفته ، وبيان قوله : ( خلق ~~السماوات والأرض ) أي : هذا الحمد بالحقيقة لمن هذا صنعه وقدرته ، وما دام ~~لم تقدروا معرفة نعمته في صنعه وفعله لم ms0336 تقدروا على حمده وثنائه ، له سموات ~~، وأخص سماواته الروح المقدسة ، وله أرضون ، وأخصها القلب السليم الصافي ~~بوضوح الفطرة الصافية فيه الروح سماء القلب ؛ لأن منها تتنزل عليه قطرات ~~الإلهام ، ويقع عليه منها أنوار الرحمن والقلب أرضها ، لأنه ينبت أزهار ~~الحكمة وأنوار المعرفة. # قيل : السموات المعرفة ، والأرض الخدمة. # قوله تعالى : ( وجعل الظلمات والنور ) أي : الذي خلق الروح ~~والقلب جعل في الروح نور العقل لعرفان الآيات والشواهد ، وجعل في القلب ~~ظلمة النفس الأمارة لظهور العبودية في محل الامتحان. # وأيضا : أسرج في القلب نور الإيمان من سراج الغيب ، وأنشأ في النفس ظلمة ~~الشهوات من عالم الريب. # وأيضا : نور الروح بنور المشاهدة ، وأدخل القلب في ظلمة المجاهدة. # قال بعضهم : أبدى الظلمات في الهياكل ، والنور في الأرواح. # وقال بعضهم : جعل الظلمات أعمال البدن ، ونور أحوال القلوب. PageV01P344 # وسئل الواسطي : الحكمة في إظهار الكون وقوله : ( خلق السماوات ~~والأرض )؟ قال : لا حاجة له إلى الكون ؛ لأن فقد الكون ظهوره ، وظهوره ~~فقده عنده ، فإن قيل إظهارا للربوبية. قيل : ربوبيته كانت ظاهرة ، ولم تظهر ~~ربوبيته لغيره. # قيل : لأنه لا طاقة لأحد في ظهور ربوبيته ، بل أظهر الكون ، وحجب الكون ~~بالكون لئلا تظهر لأحد الربوبية فتطمس ؛ لأن الحق في الحكمة لا يحتمله إلا الحق. # وسئل بعضهم ما الحكمة في إظهار الكون؟ قال : ارتفاع العلة ، فإذا ارتفعت ~~العلة ظهرت الحكمة بإظهار الكون ، إن الله سبحانه كان موصوفا بالعلم الأزلي ~~، وكان في علمه كون الكون كما هي ، فأظهر الكون بسابق علمه في ذاته ، ~~وإرادته السابقة في الأزل بوجود الكون ، وكيف لا يظهر الكون والعلم ~~والإرادة سابقان في الأزل بإيجاده ، فإذا بقاء الكون في العدم مستحيل. # وأيضا : ذاته تعالى معدن صفاته ، وصفاته معدن فعله ، فظهرت فوائد الذات ~~في الصفات ، وظهرت فوائد الصفات في الفعل ، كانت قدرته المنزهة حاملة ~~الأفعال ، فوضعتها بالإرادة القديمة في أخص زمان ؛ لقوله : ( يوم ~~خلق السماوات والأرض ) [التوبة : 36]. # وأيضا : كان في الأزل عاشقا مشتاقا إلى المشتاقين إليه ؛ ليظهر كنوز جلال ~~الذات ، وجمال الصفات بنعت التعريف لأحبائه ؛ لقوله سبحانه : «كنت كنزا ~~مخفيا ms0337 ، فأحببت أن أعرف» (1)، فسبب إظهار الكون شرفه إلى جمال المشتاقين ~~ومحبته السابقة للمحبين. # قال الأستاذ في قوله : ( الذي خلق السماوات والأرض ): ( ~~الذي ) إشارة و ( خلق السماوات والأرض ) عبارة ، فاشتغلت الأسرار ~~بسماع الذي تحققها بوجوده ، ودوامها بشهوده ، واحتاجت القلوب عند سماع ( ~~ الذي ) إلى سماع الصلة ؛ لأن ( الذي ) من الأسماء الموصولة ~~لكون القلوب تحت ستر الغيب ، فقال : ( خلق السماوات والأرض )، ~~وبانت لي إشارة : أن قوله تعالى : ( الحمد لله ) ظاهر الألوهية ~~لأهل العبودية ، وقوله : ( الذي ) باطن المشاهدة لأهل المحبة ، لأن ~~المحبة والمشاهدة من لطائف الأسرار ، فأشار إليها بلفظ الغيبة. # قوله تعالى : ( هو الذي خلقكم من طين ) السموات جسد ، وقلب ذلك ~~الجسد الأرض ، وأن الله سبحانه خص قلب السموات بإشراق جلاله فيه بقوله : ( ~~ وأشرقت الأرض بنور ربها ) [الزمر : 69] ، ومن تلك الخاصية خلق صورة ~~آدم عليه السلام من قلب العالم فكان قلبيا PageV01P345 # لا جسديا ؛ لأنه تعالى أودع الأرض ودائع حكمته ولطائف فطرته من الأرواح ~~القدسية والأشباح الملكوتية ، وجعل لفظ الطين نكرة غير معينة ، أي : من طين ~~الجنة خلق أجسام المؤمنين ، ومن طين الحضرة أي القربة أجساد الموقنين ، ومن ~~طين المحبة أشباح المحبين والمشتاقين ، كما أخبر سبحانه لداود عليه السلام : ~~«خلقت قلوب المشتاقين من نوري ، ورقمتها ونعمتها بجمالي ، وخلقت طينة ~~أحبائي من طينة إبراهيم عليه السلام خليلي ، وموسى عليه السلام كليمي ، وعيسى ~~عليه السلام روحي ، ويحيى عليه السلام صفيي ، ومحمد صلى الله عليه وسلم حبيبي». # وقال الحسين : ردهم إلى قيمتهم في أصل الخلقة ، ثم أوقع عليهم نور إليه ~~وخاصية الخلقة ، فتميزوا بذلك عن جملة الحيوانات بالمعرفة والعلم واليقين. # قوله تعالى : ( يعلم سركم وجهركم ) أي : يعلم لهيب نيران ~~الاشتياق إلى جماله في صميم أسراركم ، وما يتعرض إلى سبل عساكر تجلي القدم ~~بنعت طلب الوصول إليها في ضمائركم ، ويعلم حركات أشباحكم بطيران أرواحكم في ~~الولد والهيمان والوجد والهيجان ، ويرى قطرات عبرات الشوق على خدودكم في ~~سجودكم بين يديه بوصف التضرع في جبروته وتقلب القلوب في ملكوته. # وأيضا : يعلم جولان أرواحكم في السماء لطلب معادن الأفراح ، ويعلم تقلب ~~أشباحكم ms0338 في الأرض لطلب الوسيلة إلى مشاهدته. # ألا ترى كيف أشار إلى ذلك بقوله : ( وهو الله في السماوات وفي ~~الأرض يعلم سركم وجهركم ) يريكم في السموات مشاهدة الجبروت ، وفي الأرض ~~مشاهدة الملكوت. # قال بعضهم : يعلم ما تضمرون في سرائركم ، وما تجهرون به من دعواتكم. # ( وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) ~~فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن (5) ألم ~~يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا ~~السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم ~~وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (6) ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه ~~بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) وقالوا لو لا أنزل عليه ~~ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون (8) ولو جعلناه ملكا لجعلناه ~~رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (9)) # قوله تعالى : ( وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها ~~معرضين ) من عمي PageV01P346 # قلبه عن مشاهدة الله كيف يراها في آثار الله؟! وآياته في السماوات والأرض ~~، وفي وجوه أنبيائه وأوليائه ، حيث أشرقت بحسن وقوع تجليها وظهور سناها بما ~~فيها ، ويزيد على عمائه عمى ؛ لأنه موسوم بسمة البعد في الأزل ، غير مقبول ~~إلى الأبد. # قال النصر آبادي : آياته في خلقه أولياؤه ، وأهل صفوته. # قوله تعالى : ( وللبسنا عليهم ما يلبسون ) طلبوا رؤية الملائكة ~~عيانا ، وليسوا هم أهل ذلك ، ولو كانوا أهل الحقيقة لرأوا في وجه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما لم يكن في وجوه أهل الملكوت من سنا إشراق صفات نور ~~الأزل ؛ لأنه كان مشكاة نور الذات والصفات ؛ لقوله سبحانه : ( الله ~~نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ) [النور : 35] ، ولكن كيف ~~يرون ذلك ، وهم عيان في ظلمات ظلال القهريات؟ قال تعالى : ( ينظرون ~~إليك وهم لا يبصرون ) [الأعراف : 198]. # والإشارة في قوله تعالى : ( ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ) أن ~~المريدين لم يروا أهل الملكوت إلا بالمثال الحسي ؛ لأنهم في ضعف عن رؤية ~~ماهيتها ms0339 ، ولو يرون الملك لم يروه إلا في صورة الآدمي الذي هو موقع ~~الالتباس. # ( وللبسنا عليهم ما يلبسون ) (1) معناه : أريناهم رؤية أهل الغيب ~~في اللباس الإنساني بغير وقوفهم على صفات الروحاني ؛ لأنهم أهل التلبيس في ~~المعاملات ؛ حيث وقعوا في ورطة الفترة ، ويدعون مقام أهل الاستقامة. # وأصل البيان في ذلك أي : خلطنا عليهم ما يخلطون ، حتى لا يعلموا سبيل ~~خداعهم كما يريدون ، ويرجع كيدهم على أعناقهم ، ويسيروا في ظلمات التردد ، ~~ولا يعلموا نكاية كيدهم عند الأولياء والصديقين. # وكرامات الأولياء كمعجزات الأنبياء ، لا تظهر إلا لأهل الصدق والتصديق ، ~~ولا يتحقق بولايتهم إلا من سبق له الوصول إلى عين التحقيق : «سبحان من لم ~~يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ، ولم يوصل إليهم إلا من ~~أراد أن يوصله إليه» ، فأهل الإنكار عليهم لا يرون إلا ما يقتضي البعد عنهم ~~، وأهل الإقرار لا يرون إلا ما يقتضي القرب منهم والمحبة فيهم ، والله ~~تعالى أعلم [البحر المديد (2 / 126) ]. PageV01P347 # وفي إشارة أهل الحقيقة أن مقام الخداع والمكر في العشق والمحبة يكون من ~~شركهم في العشق ، حيث يطلبون المراد بنعت الاستراحة ، وهو سبحانه يجازيهم ~~بظهور صفاته في نعوت أفعاله لهم ، وهذا معنى قوله تعالى : ( ~~وللبسنا عليهم ما يلبسون ) [الأنعام : 9]. # قال الواسطي : يلتبس على أهل ولايته بحضرته ، كما أنزل في بعض الكتب ، ~~يعني ما يتحمل المتحملون من أجلي وطلب مرضاتي ، أتراني أنسى لهم ذلك؟! كيف ~~وأنا الجواد الكريم ، أقبل على من تولى عني ، فكيف بمن أقبل علي؟ # ( ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به ~~يستهزؤن (10) قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين (11) قل ~~لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم ~~القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (12) وله ما سكن في ~~الليل والنهار وهو السميع العليم (13)) # قوله تعالى : ( ولقد استهزئ برسل من قبلك ) هذا تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ، أخبر عن الجهلة لما لم يعرفوا أهل مشاهدته ، وخواص ms0340 حضرته ~~، ولم يروا آثار جلاله فيهم ، استهزأوا بهم بإعراضهم عنهم ، وإنكارهم عليهم. # قال القاسم : لما لم يعرفوا حقوق الرسل ، ولم يكرموهم ، ولم ينظروا إليهم ~~بعين الحق ؛ فعموا عن الأنوار والمشاهدات والرفع من المعاملات. # قوله تعالى : ( قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله ) أي : لمن ~~ما في السماوات والأرض إيجاد ، ( قل لله ) أي : إفناء الأول : ~~إشارة إلى الإرادة القديمة ، والثاني : إشارة إلى المحبة الباقية. # وأيضا : ( قل لمن ما في السماوات والأرض ) بالعبودية ، ( ~~قل لله ) أي : في الربوبية. # قال يوسف بن الحسين : الأول عبارة ، والثاني عبادة. # وقيل : الأول هيبة ، والثاني توحيد. # قوله تعالى : ( وله ما سكن في الليل والنهار ) الإشارة في هذه ~~الآية إلى قلوب المنقبضين بصولة العظمة ، وقلوب المنبسطين ببسط نور جمال ~~المشاهدة ، سكنت قلوب أهل القبض في الليالي بنعت الإذابة في سرادق كبريائه ~~، والسكون في مقام التواضع عند بروز سطوات عزة ذاته ، حيث تخلصت عن ازدحام ~~أهل الغفلة ، وسكنت قلوب أهل البسط برؤية أنوار جماله PageV01P348 # في مناظر آياته في النهار ، ولطائف صنع صفاته ، حيث تخلصت من رؤية أعلام ~~عظمته وكبريائه ، أي : له هذه القلوب العاشقة ، والأفئدة المتحيرة لا لغيره ~~من الحدثان ، خصها لنفسه ، والنظر إلى مشاهدته. # ومعنى قوله : ( وهو السميع العليم ) يسمع أنينها في شوقه ، ويعلم ~~ضمائرها المحزونة نداء جماله. # قال محمد بن علي الكناني : اختص الحق بقلوب العارفين لسكونها إليه ؛ فقال ~~: ( وله ما سكن في الليل والنهار ) كيف لا يسكن إلى الحق ، ولدغات ~~الحقيقة بقصده ، وهو موضع النظر؟. # ( قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا ~~يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين (14) قل إني ~~أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك ~~الفوز المبين (16) وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير ~~فهو على كل شيء قدير (17) وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير (18)) # قوله تعالى : ( قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض ) ~~أي : كيف أتخذ أحدا ms0341 بالمحبة دونه ، وليس له صفة القدم التي أغارت قلوب ~~أوليائه بحسن تجليها؟! وكيف أتخذ بالولاية محدثا لا يقدر على أن يمنع عني ~~علة الحجاب بيني وبينه ، حيث الكل حاجز في أمر مشيئته وملك جلاله؟! # ألا ترى إشارته تعالى إلى ذلك بقوله : ( فاطر السماوات والأرض ) ~~أي : الكل ملكه ، فكيف ألجأ من ملكه إلى ملكه ، وعلة الملك في المالك متلاش ~~بقوله : ( وهو يطعم ولا يطعم ). # قال الجوزجاني : أأبغي سواه ملجأ ، وقد سهل إلي السبيل إليه؟! # وقال غيره : أسواه أستكفي ، وهو الذي يكفيني الهم في الدارين؟! # وقوله تعالى : ( قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ) أي : أمرني ~~حين كنت جوهر فطرة الكون ، حيث لم يكن غيري في الحضرة أن أكون أول الخلق له ~~في المحبة والعشق والمعشوق ، وأول الخلق له منقادا بنعت محبتي له ، راضيا ~~بربوبيته ، غير منازع لأمر معيشته. # قال بعضهم : أكون أول من انقاد للحق إذا ظهر. # وقال ابن عطاء : إن أكون من الخاضعين لما يبدو من مبادئ القدرة. # وقال جعفر عليه السلام : من الراضين بموارد القضاء. PageV01P349 # قوله تعالى : ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ) أي : إن ~~يمسسك بضر الحجاب ، فلا كاشف لضره إلا ظهور مشاهدة جماله لك. # قال الجنيد : معبودك أول خاطر يخطر لك عند نزول خير ، أو ظهور بلاء ، إن ~~رجعت فيه إلى الله فهو معبودك ، وهو الذي يكفيك ، فإن رجعت إلى غيره تركك ~~وما رجعت إليه. # قال الأستاذ : إنما ينجيك من البلاء من يلقيك في الفناء ؛ إذ المتفرد ~~بالإبداع واحد ، فالأغيار كلهم أفعال ، والإيجاد لا يصلح من الأفعال. # قوله تعالى : ( وهو القاهر فوق عباده ) أي : قدمه جار في غير ~~قهره ولطفه ، بلطف مشاهدة جماله ، وكشف جلاله للمحبين حتى ذابوا في حلاوة ~~شهود مشاهدته ، وقهر بسلطان كبريائه أهل التوحيد والمعرفة حتى فنوا في ~~سبحات عظمته وعزة أزليته. # وأيضا : أي كان قاهرا في الأزل قدمه ، علا عن العدم حين تجلى قدمه للعدم ~~، وأجار به العباد عن العدم ، وكان المقدور في العدم تحت القدم ، وبقي ~~القدم بوصفه ms0342 إلى الأبد ، وبقي المقدور بوصفه كما خرج من العدم إلى الأبد. # وقال الحسين رضي الله عنه : القاهرية تمحو كل موجود. # وقال بعضهم : قهرهم على الإيجاد والإظهار ، كما قهرهم على الموت والفناء. # قال ابن طاهر : القاهر الذي إذا شهد سوى العبد أفناه عما سواه. # ( قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا ~~القرآن لأنذركم به ومن بلغ أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد ~~قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون (19)) # قوله تعالى : ( قل أي شيء أكبر شهادة ) أي : أي شيء أعظم من شهود ~~الله بوصف ظهور تجلي جلاله وجماله من كل ذرة على كل شيء من العرش إلى الثرى ~~، وذلك شهادته الأزلية التي سبقت منه على وحدانيته ، حيث لم يكن وجود الحدث ~~في القدم. # وتصديق ذلك جواب الأمر بالأمر بقوله تعالى : ( قل الله شهيد بيني ~~وبينكم )، لما عمي القوم عن رؤية شهود الله ، وصموا عن شهادة على نفسه ، ~~أنكروا على أشرف موقع شهادة ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم لغباوتهم وجهلهم ~~بما ظهر من وجهه من أنوار جلال الله ، أمر الله نبيه عليه السلام أن يقول ~~لهم بعد قوله : ( قل أي شيء أكبر شهادة ) بقوله : ( قل ~~الله شهيد بيني وبينكم ) بأن يظهر أنوار صفاته متى شاء للعالمين. # وتصديق ذلك سهولة المعجزات ، أي : من لم ير الشهادة العظمى في وجهي ؛ ~~فإنه يحتاج PageV01P350 # إلى رؤية الشهادة الصغرى وتلك معجزتي ، ومن يكون أعمى عن رؤية الشهادة ~~الكبرى ، فأيضا يكون أعمى عن رؤية الشهادة الصغرى. # قال الحسين عليه السلام : لا شهادة أصدق من شهادة الحق لنفسه بما شهد به ~~في الأزل بقوله : ( أي شيء أكبر شهادة قل الله ). # ( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين ~~خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (20) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب ~~بآياته إنه لا يفلح الظالمون (21) ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا ~~أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون (22) ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا ms0343 والله ~~ربنا ما كنا مشركين (23) انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون (24) ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول ~~الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين (25) وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن ~~يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون (26) ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ~~ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين (27) بل بدا لهم ما كانوا ~~يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون (28) وقالوا إن ~~هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين (29)) # قوله تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ~~) بين الله سبحانه أن اليهود كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم بالعلامات ~~الصحيحة ، التي وجدوها في التوراة ، من نعته وصفته ، وصدق معجزته ، لكن لم ~~يعرفوه بنور معرفة الله ، ورؤية مشاهدة الله في وجهه ، كانوا مقلدين في ~~معرفته ؛ لذلك خالفوه ، ولو عرفوه بمعرفة الله لكانوا كالصحابة المباركة ، ~~حيث كانوا تراب قدمه صلى الله عليه وآلهوسلم ، وعلى آله الطيبين الطاهرين ~~وأصحابه المتحابين. # قوله تعالى : ( ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ) كانت قلوبهم ~~محجوبة بعوارض البشرية ، وظلمات النفس الأمارة عن رؤية أنوار الغيب ، وفهم ~~خطاب الحق ، كانت قلوبهم في أغطية الغيرة ؛ لأنهم ليسوا مطبوعين باستعداد ~~قبول خطاب الله ، ورؤية عرائس الملكوت ، وفي آذان أسرارهم وقر الضلالة ، ~~ولم يسمعوا بها ما لم يسمع بسمع الخاص ، وعلى عيون ظاهرهم PageV01P351 # وباطنهم غشاوة العجب والجهل ، حتى لم يروا براهين الحق في وجوه الصديقين. # قال ابن عطاء : لأنه لم يجعل لهم سمع الفهم ، وإنما جعل لهم سمع الخطاب. # وقال الواسطي : منهم من يستمع إليك بنفسه ؛ فهو في ظلمات نفسه يتردد ، ~~ومنهم من يستمع منك بنا ؛ فهو في أنوار العارف يتقلب. # قوله تعالى : ( بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ) القوم لم ~~يعرفوا حقائق ms0344 الكفر في الدنيا ، ولو عرفوه لكانوا موحدين ، فيظهر لهم يوم ~~القيامة حقيقة الكفر ، ولا ينفع لهم ذلك لفوتهم السير في النكرات ، التي ~~معرفتها توجب المعارف ، وذلك المقام في أماكن صدورهم ، وهم كانوا يخفونه ~~بمتابعة صورة الكفر ، وشهوة العصيان بغير اختيارهم ؛ لقلة عرفانهم به ، ولا ~~يكون قلب من العرش إلى الثرى إلا ويطرقه هواتف الغيب بإلهام الله الذي يعرف ~~به طرق رضا الحق ، وصاحبه يعلم ذلك ، ويسمع ويخفيه في قلبه ؛ لأنه أدق من ~~الشعرة ، وحركته أخفى من دبيب النمل ، ومع ذلك يعرفه من نفسه ، ولكن من ~~غلبت شهوات نفسه عليه لا يتبع خطاب الله بالسر ، فأبدى الله لهم ما كانوا ~~يخفونه ، تعبيرا لهم ، وحجة عليهم. # قيل : ظهر لهم من غيوب أسرارهم ما كان يخفيه عنهم قلة علمهم. # وقال أبو العباس الدينوري رحمه الله : أبدى لهم الحق فساد دعاويهم التي ~~كانوا يخفونها ، ويظهرون للناس خلافها من التقشف والتقوى في الدنيا ، فبدا ~~لهم قبح بواطنهم عند صدور العارفين ، وأكابر الموحدين ، ويقولون : لسنا على ~~شيء ، والصدق معكم ، وذلك عند غلبة هيبة وجوههم عليهم ، فإذا رجعوا إلى ~~أوطانهم عادوا إلى الرزق والناموس من قلة معرفتهم بربهم ، وقلة معرفتهم ~~بافتضاحهم عند مشايخ القوم ، قال تعالى : ( ولو ردوا لعادوا لما ~~نهوا عنه وإنهم لكاذبون ). # ( ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى ~~وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (30) قد خسر الذين كذبوا بلقاء ~~الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم ~~يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون (31) وما الحياة الدنيا إلا ~~لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون (32) قد نعلم إنه ~~ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (33) ~~ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا ~~مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين (34) وإن كان كبر عليك إعراضهم ~~فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم PageV01P352 # بآية ms0345 ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين (35)) # قوله تعالى : ( ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ) أظهر لطفه وكرمه ~~العميم على خلقه في هذه الآية حين وقف القوم على حضرة جلاله لسماع خطابه ؛ ~~ليسهل عليهم دخول النار ، ولولا ذلك لكان عذابهم أضعافا. # والآية تعجب أي : ولو ترى إذ وقفوا في حضرة الجبروت ، وخوطبوا بخطاب ~~الهيبة كيف يتنعمون بخطابه ، وإشراق أنوار سلطان كبريائه ، وإن كانوا في ~~منازل الهيبة! والله هيبته مستلذة ، كما أن لطفه مسألة ، وجميع العذاب عند ~~خطابه يكون نعمة. # وأنشدوا : # يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى %~% إليكم تلقى طيبكم فيطيب وما ذاك إلا حين أيقنت أنه %~% يمر بواد أنت منه قريب # قال ابن عطاء : وقفوا وقوف قهر ، ولو وقفوا وقوف اشتياق لرأوا من أنوار ~~كراماته ما تعجبوا منها. # ( إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون ~~(36) وقالوا لو لا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون (37) وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ~~إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون (38)) # قوله تعالى : ( إنما يستجيب الذين يسمعون ) السماع سماعان : سماع ~~فهم ، وسماع عشق ومحبة ، من سمع سماع فهم لم يكن من أهل النطق في جريان حكم ~~المعارف ؛ لأنه في مقام البداية ، ولم يكن له تصرف إلا تصرف ظاهر العلم ، ~~ومن سمع سماع العشق بسمع المعرفة على حد الكمال يكون له لسان بيان المعرفة ~~والتصرف في الإشارات والعبارات. # ألا ترى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وموسى عليه السلام لما كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم كاملا مستقيما قال : «بعثت بجوامع الكلم» (1)، و «أنا أفصح ~~العرب والعجم» (2). # ولما كان موسى عليه السلام في محل الإرادة أخبر الله سبحانه عنه بقوله بعد ~~سؤاله بشرح الصدر الموجب فصاحة اللسان في المعرفة ، قال : ( واحلل ~~عقدة من لساني )، بين أن على قدر السماع يكون الجواب ، ونفى السماع عن غير ~~الأحياء بالمعرفة والمشاهدة. PageV01P353 # قال النوري ms0346 : من فتح سمعه بالسماع أجرى لسانه بالجواب ، قال الله تعالى : ~~( إنما يستجيب الذين يسمعون ) (1). # وقال ابن عطاء : أخبر الله أن أهل السماع هم الأحياء ، وهم أهل الخطاب ~~والجواب ، وأخبر أن الآخرين هم الأموات بقوله : ( والموتى يبعثهم ~~الله ). # قوله تعالى : ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا ~~أمم أمثالكم ) إن الله سبحانه خلق غير الآدمي والملائكة والجن من الحيوانات ~~والطيور والسباع والحشرات على فطرة التوحيد ، وجبلة المعرفة ، وإن الله ~~سبحانه خاطبها لوضوح طرق معارفه ، والإيقان والإيمان جعل لها طرقا من ~~خواطرها ، منورة بأنوار العقل إلى حضرته القديمة الأزلية وأسرارها ، ينظرون ~~بنور الأفعال ولطائف الصنعة ، وسناء الخطاب إليها على السرمدية ، وإنها ~~تعيش وتتحرك وتطير بقوة من قوى الحضرة ، وهذا الصفير والألحان والزفرات ~~والشهقات منها من حلاوة تصل إلى قلوبها من روح عالم الملكوت ، ووضوح أنوار ~~الجبروت ، ولها على قدر حالها في المعرفة والتوحيد شوق إلى الله ، وذوق من ~~بحار رحمة الله. # سمعت أن سمنون المحب كان إذا تكلم في المحبة تنشق القناديل ، ويسقط الطير ~~من الهواء ، حتى سمعت أن يوما ما كان يتكلم في المحيط فسقط طير بين يديه ، ~~وغرز منقاره في الأرض ، وقطر الدم من منقاره ، ومات بين يديه. # وأمثال هذه الحكاية كثيرة في الآثار والأخبار ، من جميع الحيوان والسباع ~~والطيور والحشرات ، ألا ترى كيف تكلم الضب مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وكيف ~~مدحه بقوله : «ألا يا رسول الله : إنك صادق ، فبوركت مهديا وبوركت هاديا» ~~إلى قوله : «فبوركت في الأحوال حيا وميتا ، وبوركت مولودا ، وبوركت ناشئا» (2). # وقوله تعالى : ( إلا أمم أمثالكم ) في طلب الحق ، وإفراد قدمه عن ~~الحد والاعتبار في صنائعه اللطيفة ، التي تبرز منها أنوار الصفات في العالم ~~ومثيلتها ، إنها خلقت من عالم الملك والشهادة والأفعال والآدمي والملائكة ~~خلقت أجسامهما من عالم الأفعال ، وأرواحها من نور PageV01P354 # الملكوت ؛ لذلك فضلت الملائكة والآدمي على غيرهما ، قال تعالى : ( ~~ ولقد كرمنا بني آدم ... ) الآية. # وقوله : ( ولا طائر يطير بجناحيه ) أي جناحيه : جناح التوكل ~~والرضا ، وجناح الخوف والرجاء ، وجناح الفناء والبقاء ms0347 ، وجناح الإيمان ~~والتقى ، وجناح النعمة والبلاء ، وجناح الهمة والصفات ، وجناح العبودية ~~والربوبية ، وجناح المعرفة والمحبة ، يطيرون بها هربا وطربا وشوقا وطلبا ، ~~وإشارة الظاهر في المثلية أن جبلة الأمم من العناصر الأربع خلقت ، ومن ~~طبيعة الحيوانية والروحانية أنشئت ، وتساوت في الأكل والشرب والحركة ~~والاجتماع ، وصفات النفسانية ونعوت الذاتية من الحرص والغضب والشره والبطر ~~، وحقائقها في التساوي رجوعها إلى معدن الفطرة ، الذي أنشأها الله منه ؛ ~~لقوله تعالى : ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ~~) [طه : 55]. # ومن أئمة التفسير الظاهر قول ابن عطاء قال : أمثالكم في التوحيد ~~والمعرفة. # وقيل : ( إلا أمم ) في التصوير ( أمثالكم ) في التسخير ، ~~وأقوام جميع الحيوان والملائكة والجن والإنس والجمادات من العرش إلى الثرى ~~بالقدرة القادرية الأزلية ، ولهم مشارب وسواق من بحر خطاب الله ، وكلماته ~~الأزلية المبينة طرق توحيد الملائكة ، ومعرفة الناس وفطرة الحيوانات ~~والطيور والحشرات والسباع الممزوجة طباعها بالعلم بصانعها وخالقها ، إلى ~~ظهور صفاته وذاته لهم بيانا غير مشكل عليهم ، ولا ناقص عن تمام مرادهم. # قال تعالى : ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) أي : كل ما يحتاج ~~الخلق في العبودية وعرفان الربوبية بيناه في كتابنا ، ليس مقام ولا حال ولا ~~وجد ولا إدراك ولا معرفة ولا رؤية إلا وبين طريقه في كلامه تعالى صفته ~~الخاصة المبينة ، عرفان جميع الصفات ، وطرق الصفات إلى الذات ، أخبر تعالى ~~به عن أسرار الأولين والآخرين من العرش إلى الثرى. # قال بعضهم في قوله تعالى : ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) أي : ~~ما أخرنا في الكتاب ذكر أحد من الخلق ، ولكن لا يبصر ذكره في الكتاب إلا ~~المؤيدون بأنوار المعرفة. # ( والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ~~ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم (39) قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو ~~أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين (40) بل إياه تدعون فيكشف ما ~~تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون (41) ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ~~فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون (42) فلو لا إذ جاءهم بأسنا ~~تضرعوا ولكن قست قلوبهم ms0348 وزين لهم الشيطان PageV01P355 # ما كانوا يعملون (43)) # قوله تعالى : ( والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات ) وصف ~~سبحانه أهل الامتحان الذين تهتف هواتف الإلهام بالخطاب لقلوبهم من الغيب ~~فيستقبلونها بمعارضة نفوسهم ، ويكذبون خواطر الحق بخاطر الباطل حين لم ~~يعرفوا الإلهام من الوسواس ، وذلك من وقر الضلالة في آذانهم ؛ حيث لم يلقوا ~~أسماعهم في مقام الشهود إلى الله ، ولم تذكر اسم الله ألسنة أسرارهم بوصف ~~الهيبة والمحبة ، وذلك من بقايا نفوسهم في ظلمات هواها. # ومعناه : أي من كذب خواطر الحق الواردة من عندنا حين ألهمنا بخالص ~~الإيمان بكرامات أوليائنا ومعجزات أنبيائنا تغطى آذان أسراره ، وأبصار ~~بصائره بغشاوة الضلالة ؛ حتى لا يسمع كلامنا في الغيب ولا يرانا في الملكوت ~~، ويبقيه في ظلمات نفسه الأمارة وشيطانه الكافر ، ولا يقدر أن يتكلم بذكرنا ~~ومعرفتنا. # قيل : لم تصدقوا إظهار كراماتنا على المقربين من عبادنا عموا وصموا عن ~~أنوار الملاحظات ، وبقوا مع ظلمات النفوس ، وهواجس الهياكل. # وقوله تعالى : ( من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط ~~مستقيم ) المشيئة تقع على المقبولين والمطرودين على الإبعاد والقبول والرضا ~~والسخط ، بما جرى عليهم في الأزل من السعادة والشقاوة ، فمن لم يكن صادقا ~~في بدء إرادته يغويه الحق في ظلمات قهره غيرة على وصله ؛ حتى لا يصل إليه ~~غير صادق في محبته ، ومن كان صادقا في بدء إرادته ولم ينقص عقد بدايته ~~بمتابعة نفسه والفترة عن طاعة يهديه الحق بنفسه إلى نفسه ، ويجعله مستقيما ~~في طريق معرفته وطاعته ، والطريق المستقيم طرق أفعاله للعقول بنعت الفكرة ، ~~وطرق صفاته للقلوب بنعت المحبة ، وطرق ذاته للأرواح بنعت المعرفة. # قيل : من يرد الله به الشر يتركه في سوء تدبيره ليبقى في ضلالته ، ومن ~~يرد الله به الخير يجره إلى حسن اختياره ، فيبقى على أسلم الطرق ، وهو ~~الرضا بمجاري القدرة ، وهو الصراط المستقيم. # وقوله تعالى : ( أغير الله تدعون إن كنتم صادقين* بل إياه تدعون ~~)، ( غير الله ): الجاهلين ربوبيته عند امتحانهم ببلائه ، يرجعون ~~إلى غيره من الخلق ؛ لطلب المعاونة بدفع البلاء عنهم ، أي : إن كنتم صادقين ms0349 ~~في دعوى معرفتي لم تتكلمون إلى غيري عند نزول البلاء؟ فإنكم تدعونني حين ~~تدعون غيري ، فإن الدعاء لم يقع على غيري ؛ إذ فنيت الحوادث في سطوات عظمتي ~~، لكن لا تعلمون أنكم تدعونني حين تدعون غيري من جهلكم بفناء الحدث في القدم. PageV01P356 # وأيضا : وبخهم بانصرافهم عن بابه تعالى في دعة العيش من قلة وجدانهم ~~حلاوة قربه ووصاله إلى طلب زيادة حظوظ أنفسهم ، والسكون إلى غير الله ، ثم ~~يرجعون إلى بابه حين امتحنهم بالبلايا ، ويدعونه لكشف الضر عنهم لا لطلب ~~مشاهدته وقربه ، يدعونه ، وهذه عادة المفلسين المعرضين عنه إلى غيره. # قيل : على غيره تتكلون ، وإلى سواه ترجعون ، وهو الذي وفقكم لمعرفته ، ~~وأقامكم مقام الصادقين من عباده. # قال الجريري : يرجع العارفين إلى الحق في أوائل البدايات ، ويرجع العوام ~~إليه بعد اليأس من الخلق. # قال الله تعالى : ( أغير الله تدعون إن كنتم صادقين ) بل الصادق ~~من إليه يرجع ، وإياه يدعو. # قال الجنيد : من دعا الحق فبإياه لإياه يدعو ، من غير حظ فيه ولا حضور من ~~نفسه ، قال تعالى : ( بل إياه تدعون ). # قال بعضهم : بل إليه المرجع لمن غفل عنه خطابه. # قوله تعالى : ( فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ) هذا ~~وصف قوم لم يذوقوا طعم وصل المشاهدة ، حيث أرجعهم الحق إليه بسوط قهره ، ~~ولو كانوا على محل المعرفة والمحبة والشوق إلى المشاهدة لم ينصرفوا عنه ~~طرفة عين. # وأيضا : إذا أراد سبحانه كلاءة قوم من محبته إياهم ألزم عليهم حراس ~~بلياته ، وضرب عليهم سرادق حفظه ؛ لئلا يشتغلوا بغيره لحظة. # وأيضا : أي لما اشتغلوا بحظوظ ما وجدوا من قربنا أوقعناهم في أودية ~~الفترة حتى لم يجدوا آنئذ المواجيد وحقائق الواردات ، ومسسناهم ببأساء ~~الفراق وضراء الأشواق ؛ لكي يصلوا إلي من نفوسهم وحظوظهم ، ويروني بنعت ~~تجريد التوحيد ، وإفراد القدم عن الحدوث. # قال ابن عطاء : أخذنا عليهم الطرق عليها ليرجعوا إلينا. # ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا ~~فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) فقطع دابر القوم الذين ~~ظلموا والحمد لله رب العالمين (45)) # قوله ms0350 تعالى : ( فلما نسوا ما ذكروا به ) وصف قوما تركوا نصائح ~~المشايخ من PageV01P357 # إعجابهم برأيهم ، ولم يتيقظوا بدقائق إلهام الله الذي نزل على قلوبهم حين ~~زجرهم طوارق الغيب عن سكونهم بما وجدوا من أنفسهم نبذة من الحكم ولمعا من ~~الفراسة ، وهذا معنى ( فلما نسوا ما ذكروا به ). # ولما سكنوا إلى أنفسهم لما وجدوا من لطائف الكرامات فتح الله عليهم أبواب ~~الرئاسة والجاه عند الخلق ، حتى إذا فرحوا بتمكينهم عند العوام يرد الله ~~قلوب الخلق عنهم ويفضحهم عندهم ، ويعرف الخلائق خيانتهم ومكرهم وسقوطهم عن ~~درجة القوم ؛ حتى لا ينظر إليهم أحد من خلقه بالشفقة والرحمة ، ويموتوا على ~~حسراتهم ، وهذا معنى قوله تعالى : ( فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى ~~إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ). # وقوله تعالى : ( فإذا هم مبلسون ) أي : آيسون من نيل كرامات الله ~~بعد ذلك ؛ لأنهم خانوا في طريقه ، وهو لا يهدي كيد الخائنين. # فلما قدس الله بساط الولاية عنهم ودفع إيذاءهم عن خواص حضرته أثنى على ~~نفسه ، وحمد جلاله المنزه عن الاستبشار بوجودهم والاستيحاش عن عدمهم نيابة ~~عن أحبائه ، الذين عجزوا عن حمده وثنائه بقوله تعالى : ( فقطع دابر ~~القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ). # ( قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله ~~غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون (46) قل أرأيتكم إن ~~أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون (47)) # قوله تعالى : ( قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على ~~قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به ) الإشارة في ذلك إلى أهل مقام ذهاب ~~الذهاب ، أي : إن أخذ الله أسماع أسراركم بصواعق العظمة ، وطمس بطون ~~بصائركم بأنوار العزة ، وختم على قلوبكم بخواتم الملكوت والجبروت بعد ~~امتلائها من أنوار الكبرياء ، وفنائها في سنا البقاء حين غلبت سطوات القدم ~~على الحدث بنعت تلاشي الحدث ، فيبقى القدم ولا يبقى العدم من يكون بعد عدمه ~~في القدم ممن يدعي الأنائية ، ويخرج نفسه بعد فنائها من تحت أذيال الأحدية ~~بوصف سمع ms0351 الأزلي ، وبصر الأبدي ، وقلب الصمدي ، لا يكون للفاني في الباقي ~~أثر ؛ فإنه تعالى قادر به بذلك ، منزه عن النظير والعديل. # قال الترمذي : إن أخذ الله سمعكم عن فهم خطابه ، وأبصاركم عن الاعتبار ~~بصنائع قدرته ، وختم على قلوبكم سلبكم معرفته ، هل أحد يقدر على فتح باب من ~~هذه الأبواب PageV01P358 # سواه؟ كلا بل هو المبدي النعمة تفضلا ، ومتممها في الانتهاء تكرما. # ( وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون (48) والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا ~~يفسقون (49) قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم ~~إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون (50)) # قوله تعالى : ( فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) أي ~~: من أيقن مني أني أعطي ولايتي لمن أطاعني ، وشاهد بقلبه حضرتي بعد تصديقه ~~إلهامي في قلبه حين دعوته منه إلي ، وأصلح مزاري وموضع تجلي من قلبه وسره ، ~~ما خرب من سابق هواجسات نفسه ، وركضات شيطانه بذكري وثنائي والاستعاذة مني ~~إلي ، فلا خوف عليه من احتجابي عنه ، ولا له حزن من انقطاعه عني. # قال بعضهم : من أخلص باطنه ، وأصلح ظاهره ، ( فلا خوف ) خوف ~~القنوط ، ( ولا هم يحزنون ) حزن القطيعة. # قوله تعالى : ( قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ) أي : ~~هل يستوي الأعمى عن النظر إلى غير الذي لم يبق له عين من نفسه إلا من عيوني ~~، والبصير بنور ملكي وملكوتي ، أفلا تتفكرون بين الفاني والباقي علي ، وفيه ~~شرف المصطفى صلى الله عليه وسلم حين تجرد في العبودية ، وتفريد التوحيد بنفي ~~الأنانية عن نفسه ، وإسقاط الحدث عن ساحة القدم حين أمر : ( قل لا ~~أقول لكم عندي خزائن الله )، ونزه نبوته عن التكلف في اقتباس علم الغيب ~~بالجد والسعد بقوله تعالى : ( ولا أعلم الغيب )، وتواضع حين أقام ~~نفسه مقام الإنسانية بعد أن كان أشرف خلق الله من العرش إلى الثرى ، وأظهر ~~من المكروبين والروحانيين على باب الله سبحانه خضوعا لجبروته ، وخشوعا ms0352 في ~~أبواب ملكوته. # وقوله تعالى : ( ولا أقول لكم إني ملك )، وليس لي اختيار في ~~نبوتي ، ( إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) هل يكون من هذا وصفه بعد كونه ~~بصيرا بنور الله ورآه به ، كالذي أعمي عن رؤية إحاطته بكل ذرة من العرش إلى ~~الثرى؟! أفلا تتفكرون أن من ولد من العدم بصيرا بنور القدم ليس كمن ولد من ~~العدم أعمى عن رؤية عظمته وجلاله! # قال بعضهم : الأعمى من عمي عن طريق رشده ، والقائم مع عبادته ، والبصير ~~الناظر إلى منن الحق عليه ، وحسن توليته له ، أفلا يتفكرون في اختلاف ~~السبيلين وتباين المذهبين. # قال الأستاذ : هل يتشاكل الضوء والظلام؟ وهل يتماثل الجحد والتوحيد؟ كلا أن PageV01P359 # يكون كذلك. # ( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ~~ولي ولا شفيع لعلهم يتقون (51)) # قوله تعالى : ( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ) أدق ~~طريق معارفه ؛ حيث أسبل نقاب العظمة على وجه جلال القدم ، وضرب سرادق العزة ~~على ساحات الكبرياء ؛ حتى لا يصل إلى إدراك كنه قدمه وبقاء ديموميته. # وبين ذلك في كلامه القديم ، أي : خوف بما وصفت نفسي بامتناعي عن مطالعة ~~الخليقة وإدراكها سر حقيقة وجودي في كتابي وخطابي ، الذين يخافون من قطيعتي ~~، ويعلمون تنزيه جلالي عن أن يصل أحد إلي بطاعته حين أحشر إلي بعلل ~~الإنسانية وسمات النفوسية ، إن الأمر هناك أجل من أن تخطر بخواطرهم ، وأدق ~~من أن يفهم أحد ، فإن مكري قديم ، وصفتي تنزيه ، لو أحرق جميع المخلصين ~~بنيران البعد بعد أن يكونوا من أهل القرب ، فلا أبالي فإن كيدي متين ، ولو ~~يأتونني بملء السماوات والأرض إخلاصا ، وأريد أن أرفق عليهم بإخلاص الإخلاص ~~لا يخلصهم إخلاصهم من دقائق حسابي. # وما أطلع عليهم من خطرات ضمائرهم المسيرة إلى غيري ، ولو أمنعهم مني من ~~يتولى أمرهم بإرجاعهم إلى غيري ، وهذا معنى قوله تعالى : ( ليس لهم ~~من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ) لعلهم يتقدسون من نفوسهم بقدس تذكرتي ~~وذكري لهم ، ويخافون مني بقلة خوفهم عني. # قال أبو عثمان : أهل ms0353 المعاملات وأرباب الصدق في ذلك خائفون مما يبدو لهم ~~من الإيمان والتوكل واليقين وأنواع العبادات ، وعرض ذلك على ربهم يشغلهم ~~خوف ذلك من رؤية أفعالهم والتلذذ والاعتماد عليها ، قال الله تعالى : ( ~~ وأنذر به الذين )... الآية. # وقال أبو سعيد الخراز في الآية : ( أن يحشروا إلى ربهم ): أن ~~يجعلوا إلي وسيلة أو شفيعا إلى نفسي سواي. # قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي : سمعت الأستاذ أبا سهل محمد بن سليمان ~~يقول : لسنا مخاطبين بحقائق القرآن ، إنما المخاطب بحقيقته هم الذين وصفهم ~~الله ، فقال : ( وأنذر به الذين ... ) الآية ، وقال : ( إن ~~في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ) [ق : 37]. # وقال الواسطي في قوله : ( ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ): من ~~استقطعته المملكة عن الملك لا يصلح لخدمة الملك. PageV01P360 # وقال : لا تلاحظ أحدا ، وأنت تجد إلى ملاحظة الحق. # وقال في قوله : ( لعلهم يتقون ) أي : أن يجعلوا إلي وسيلة غيري. # وقيل في هذه الآية : إنما تعطى الأطماع بمقاربة صرف الكريم دون السعاية ~~بضياء الهداية. # ويقال : الخوف هاهنا العلم ، وإنما يخاف من علم ، فأما القلوب التي غطاها ~~الجهل ، فلا تباشرها طوارق الخوف. # ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما ~~عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من ~~الظالمين (52) وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من ~~بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين (53)) # قوله تعالى : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه ) بين الله سبحانه في هذه الآية تخصيص الولاية بعد تخصيصه النبوة ~~والرسالة ، وصرح في بيانه أن الولاية اصطفائية محضة كما أن النبوة والرسالة ~~اصطفائية محضة ، لا يتعلقان بسبب من الأسباب من العرش إلى الثرى. # وكما أنه تعالى أحب الأنبياء والرسل كذلك أحب الأولياء والأصفياء محبة ~~بلا علة ، وكما أن الله سبحانه خص نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بالرسالة ~~بغير علة ، وجميع الخلائق من الجن والإنس والملك كذلك خص أصحابه بشرف ~~الولاية بغير سبب من جهته ، ولا جهد من جهده ، وصحة ذلك قوله تعالى ms0354 : ( ~~ ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء )، بل كما ~~سبق في الأزل العناية له بالرسالة ، كذلك سبقت لهم في الأزل الولاية ، كذلك ~~وقعت لهم الصحبة والموافقة من جهة تلك الأهلية ، اتبعوه وقبلوا أمره ، ~~ووضعوا رقابهم تحت قدمه ، ولولا تلك العناية الأزلية كان حالهم كحال هؤلاء ~~الأعداء ، لكن إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ، فمن الله على نبيه ~~عليه السلام بتأييده ونصر أصحابه له بقوله : ( هو الذي أيدك بنصره ~~وبالمؤمنين ) [الأنفال : 62] ، ولما بلغ شرفهم إلى هذه المرتبة وصى الله ~~نبيه عليه السلام بمراعاتهم ، ورعاية حالهم ، وتربيتهم ، وعاتبه في الآية ~~لأجلهم بقوله : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم ... ) الآية ، أي : لا ~~تمنع هؤلاء من صحبتك ، ولو كان لحظة لأجل حرصك بإسلام البطالين ، فإن ~~هدايتهم عندي ، و ( إنك لا تهدي من أحببت ) من أقربائك ، ( ولكن PageV01P361 # الله يهدي من يشاء ) من هؤلاء الفقراء مثل بلال ، وصهيب ، وسلمان ~~، وعمار ، وحذيفة ، والمقداد ، ونظرائهم من أصحاب الصفة ، الذين يدعون الله ~~لوصولهم إليه عند كل صباح ومساء ؛ لشوقهم إلى جماله ومحبتهم اللحوق منه ، ~~وهذا معنى قوله : ( يريدون وجهه ) (1)، وخص الغداة والعشي بالدعاء ~~؛ لانجلاء أذيال الظلام من النهار بالغداة ، وانجلاء أذيال الضياء من ~~الظلام بالعشي ، ولأن هناك ظهور تجلي القدرة وجلال العظمة ، وهناك تكون ~~ساعة تستجاب الدعوة فيها. # وأيضا : يدعون الله بنعت الفناء في شوق جماله عند طلوع كل صبح من أنوار ~~تجلي صفاته في قلوبهم عند كل نفس ؛ لأن عند تنفس كل نفس من العارف يكون ~~صبحا من ظهور بركة مشاهدته هناك ، ويدعون ويستزيدون محبته وشوقه وقرب ~~مشاهدته هناك ، ويدعون عند كل وارد غشيان الأحوال على قلوبهم بنعت الحيرة ~~في عظمته ؛ لأن ظهور تراكم سحائب العظمة وضباب الكبرياء ، وبعد كل نفس بنفس ~~العارف يكون عشي الحال ، وليالي الوصال كانوا يدعون الله في جميع أنفاسهم ~~لقاءه لإرادتهم احتراقهم في أنوار وجهه تعالى ، وعلق الدعاء بالوقتين ؛ ~~لأنهم هناك سكنوا من علية الواردات وطوارق الحالات ، فلما سكنوا في تلك ~~الساعات ضاقت صدورهم ، ودعوا الله بإرجاعهم إلى ms0355 السكر بعد الصحو ، وإلى ~~حضورهم بعد الغيبة. # ألا ترى إلى قوله : ( يريدون وجهه ) وصفهم بالإرادة مع كمالهم في ~~المعرفة ؛ لأن الكامل يرجع عند كل نفس من مقام النهاية إلى مقام البداية ؛ ~~لأن هناك منزل النكرة من ظهور أنوار آفاق القدم ، وبروز سنا بطون الآزال ، ~~وكشف غيوب الآباد فروا من سطوات الذات إلى نور الصفات ؛ لأن هناك مقام ~~المعرفة ، ورؤية الذات مقام النكرة ، ففرارهم من النكرة إلى المعرفة ، ومن ~~النهاية إلى البداية. # ألا ترى إلى قول الصديق رضي الله عنه كيف قال : «سبحان من لم يجعل سبيلا ~~إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته» (2). # وسئل بعض العارفين : ما النهايات؟ قال : الرجوع إلى البدايات. # وخص الله سبحانه إرادتهم وجهه ؛ لأن الوجه صفة أزلية من خواص صفاته ~~المتشابهة ، PageV01P362 # وهو معدن جلاله وجماله ، يتجلى بنور وجهه لقلوب العاشقين والمشتاقين ~~والمحبين ، وذكر الوجه خاصة ؛ لأن القوم في مقام العشق والمحبة والشوق ، ~~ولذلك علقهم بمقام المتشابه لوقوع الأحوال والمكاشفات على مقام الالتباس ، ~~لما كان حالهم العشق في وصفهم بالإرادة ، وعلقهم بصفة من صفاته ؛ لأن ~~العاشقين في جنب العارفين ، والموحدين كقطرات في البحار ، ولو كانوا على ~~محل النهايات ما وصفهم بالإرادة ، ولا علقهم بصفة واحدة من جميع صفاته ؛ ~~لأن العارف خرج من مقام الإرادة التي توجب العبودية إلى مقام الحقيقة التي ~~توجب الربوبية ، ولو كانوا على حد الكمال وصفهم بطلب جمع الذات والصفات ، ~~وما وصفهم بطلب صفة واحدة من جميع صفاته. # وقال في موضع قوله تعالى : ( يريدون وجهه ) أي : يريدون الله ؛ ~~لأن اسم الله عين الكل ، وعين الجمع. # وأيضا : وصفهم بإرادة وجهه ، ووجهه سبحانه عن إشارة التشبيه والتعطيل ~~مندرج تحته جميع الصفات من السمع والبصر والكلام ، ويتعلق به جميع الصفات ، ~~وأراد بالوجه عين الكل ، و ( وجهه ) أي : ذاته وصفاته. # ألا ترى إلى قوله : ( كل شيء هالك إلا وجهه ) [القصص : 88] أي : ~~إلا نفسه. # وقوله : ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) [الرحمن : 27] أي ~~: ذاته وصفاته. # وكذا قال أهل التفسير الظاهر : فإذا كان كذلك كان القوم يريدون الله ~~بجميع ذاته وصفاته ms0356 بوصف المحبة والشوق ، كانوا يريدونه لأنه تعالى يعرفهم ~~نفسه بنعت مباشرة تجلية قلوبهم ، وهذا مقام قد استأثره الله لنفسه لا لأحد ~~غيره ؛ لأنه تعالى عرف نفسه لا سواه ، غلب عليهم لذة قربه وخطابه ، فأرادوا ~~كشف كنه القدم ، كما غلب على موسى عليه السلام حين سأل هذا المقام بعد ذوقه ~~لذة كلامه تعالى بقوله : ( رب أرني أنظر إليك ) [الأعراف : 143] ، ~~لما رآه بالوسائط ، وخر من سطوات القدم ، وأفاق بنور البقاء ، فلم ير ~~للحدثان في جنات القدم أثرا تاب عن سؤاله ، فقال : ( تبت إليك وأنا ~~أول المؤمنين ) [الأعراف : 143]. # ألا أعرفك كما أنت ، وهذا مقام النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن رآه صرفا ؛ ~~حيث قال : «لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك» (1). # فلما علم سبحانه ذلك منهم أمرهم بالاستغفار وطلب العفو ، كما أخبر عنهم ~~بقوله : PageV01P363 # ( ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ) [آل عمران : 193]. # سئل أبو يعقوب النهرجوري عن المريد؟ فقال : صفته ذكرها الله في كتابه : ( ~~ ولا تطرد الذين يدعون ربهم )، وهو دوام ذكر وإخلاص عمل ، أوصى ~~بهذه الآية أكابرهم في التعطف عليهم والصفح عن زللهم. # قال بعضهم : يدعونه شوقا واعتمادا عليه لم يشغلهم شاغل ، ولم يصدهم عن ~~خدمته صاد ، قائمون على بابه من الخدمة والعبودية ، منتظرون زوائد بركاته عليهم. # ولي إشارة أخرى : أن الله تعالى وصف حضورهم بالغداة والعشي أي : حضروا في ~~الحضرة بالغداة بعزم خدمته إلى العشي ، وحضروا بالعشي بعزم خدمته إلى ~~الغداة حتى تكون أوقاتهم مسرمدة بغير فترة. # الإشارة فيه : لما وصفهم بالحضور نفى عنهم بدليل الخطاب جميع أشغال ~~الدنيا ، أي : كانوا رجال المراقبة والحضور والمشاهدة ، لا يشغلهم عن الله ~~شاغل طرفة عين ، كما وصفهم في موضع آخر بقوله : ( رجال لا تلهيهم ~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله ) [النور : 37]. # وأيضا فيه لطيفة : وصفهم بالحضور بالغداة والعشي على تسرمد الأحوال ~~لترويحهم سويعات بالأحكام الظاهرة ، هذه شفقة من الله ؛ لكيلا تحرقهم نيران ~~محبتهم ، وتزيلهم حدة إرادتهم. # يقال : أصبحوا ، ولا سؤال لهم من دنياهم ، ولا مطالبة من عقباهم ، ولا ~~همة سوى ms0357 حديث مولاهم ، فلما تجردوا لله تمحضت عناية الحق لهم فتولى حديثهم. # وقال : ولا تطردهم يا محمد ، ثم قال : ( ما عليك من حسابهم من ~~شيء ) [الأنعام : 52] ، الفقير خفيف الحال لا يكون على أحد منه كثير مؤنة. # وقوله تعالى : ( وكذلك فتنا بعضهم ببعض ): الفقير الصادق إذا ~~امتن الله عليه بمعرفته ، وكشف مشاهدته ، وكساه رداء هيبته يتجلى عند جميع ~~الخلائق لبروز نور جلال الله من وجهه بحيث يجيء بقوم العالم عنده لصولة ~~حاله ، وغلبة وجده ، ولطائف كلامه ، ويكون سالب قلوب الخلق بما يجري عليه ~~من أحكام ربوبية الله ، فيظهر للحق منه سنا كرامات الله ، ولطيف آيات الله ~~، فيحسده عليه أهل الدنيا من المغرورين بمزخرفاتها ، الواقعين في ورطاتها ، ~~ويقولون عند العامة : أهذا الذي له كرامات وآيات؟! هذا طراز سالوس ، ~~وأرادوا بذلك صرف وجوه الناس عنه إليهم. # قال الله سبحانه في وصف الحساد عند حسدهم على أوليائه : ( أهؤلاء ~~من الله PageV01P364 # عليهم من بيننا ) استهزاء ، فأجابهم الله رغما لأنوفهم : ( ~~ أليس الله بأعلم بالشاكرين ) أي : هو تعالى يعلم صدقهم وإخلاصهم ~~وبذل وجودهم شكرا لإنعامه ، وحمدا لما من عليهم من الدرجات الرفيعة ، ~~والحالات الشريفة ، ويعلم غيظ أعدائهم. # وفي الأية نكات : أن فتنة الفقر طمعه إلى الغنى ، وفتنة الغني بغضه ~~للفقير ؛ لئلا يؤديه حقه. # وأيضا : في الحقيقة مقام الفقر مقام التجريد والتوحيد والتنزيه ، وإفراد ~~القدم عن الحدوث ، وفناء النفس في الحق ، وإذا كان الفقير بهذه الأوصاف ~~يستظل بظلال الربوبية ، ومقام الغنى مقام الاتصاف بصفات غنى القدم ~~والاكتساء بكسوة الربوبية ، فإذا كان الغني بهذه الأوصاف يكون نائب الحق في ~~العالم ؛ فإذا رأى فقيرا بوصف ما ذكرنا يصول عليه بقوة مقامه ، فيكونان في ~~حجاب حالهما ومقامهما ورؤية غير الله ، وهذا من غيرة الله عليهما ؛ لئلا ~~يسكن أحدهما الآخر ، فيسقطان من درجة السكون إلى الحق ، ومن غيرته تعالى ~~على نفسه لشغل بعضهم بعضا ؛ لئلا يطلع عليه غيره. # وما ذكرنا بمجموعه فهو معنى قوله : ( وكذلك فتنا بعضهم ببعض )، ~~وما يليق بذلك من تفسير. # وقوله تعالى : ( أليس الله بأعلم بالشاكرين ) أي : بالذين منهم ~~من ms0358 لا ينظر في طريقه إلى نفسه وإلى غيره طرفة عين. # قال الحسين رضي الله عنه في قوله تعالى : ( وكذلك فتنا بعضهم ~~ببعض ): قطع الخلق بالخلق عن الحق. # وقال محمد بن حامد : فتنة الفقراء بالأغنياء ، وفتنة الأغنياء بالفقراء ، ~~ففتنة الفقير في المعنى رؤية فضله ، وبسخطه لما يمنعه ما في يده ، ويراه ~~المعطي والمانع دون الله ، وفتنة الغني في الفقير ازدراؤه الفقراء ، ~~وتحقيره إياهم ، ومنعهم ما أوجب الله عليه لهم مما في يده ، وامتنانه عليهم ~~بإيصالهم إلى حقوقهم وإيصال الحقوق إليهم ، والذي يسقط عن الفقير فتنة فقره ~~رؤية دخل الأغنياء ، والذي يسقط عن الغني فتنة غناه رؤية دخل الفقراء. # قيل : في الشكر ، والشاكرون : الراجعون إلى الله في جميع أحوالهم. # ( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على ~~نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور ~~رحيم (54) وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين (55) قل إني نهيت أن أعبد PageV01P365 # الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما ~~أنا من المهتدين (56)) # قوله تعالى : ( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ) ~~: تطييب لقلوب المريدين ، الذين يطلبون الله بوسائط الآيات ، وتسلية لقلوب ~~النادمين على ما فات عنهم من أوقات المراقبات بمباشرة الجنايات ، فأحالهم ~~الحق إلى سلام نبيه صلى الله عليه وسلم ؛ لأنهم في مقام الوسيلة ، ولو بلغوا ~~إلى درجة أهل المشاهدة لأحالهم إلى سلامه بقوله : ( سلام قولا من ~~رب رحيم ) [يس : 58]. # انظر كيف أحب الرجوع للمذنبين ؛ حيث أمره عليه السلام بالسلام عليه بقوله ~~: ( فقل سلام عليكم ) [الأنعام : 54] ؛ لأنهم قاسوا مقاساة امتحانه ~~في بيداء قهره ، لما رآهم مقبلين إليه بعد تحملهم بلاياه ، سلم عليهم بلسان ~~نبيه ، ثم رفع درجتهم من ذلك ، وواساهم بنفسه ، وروح فؤادهم بمروحة رحمته ~~السابقة عليهم في الأزل بقوله تعالى : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ~~) أي : كان في الأزل اصطفاهم برحمته ، وإن علم منهم العصيان ، رحمته ~~الأزلية أصل ثابت ، والمعصية عارضة من طوفان قهره في طريق الإقبال إليه ~~والمسارعة ms0359 في السير إلى وصاله ، فإذا وصلوا إلى معادهم بقيت الأصول ، وفنيت ~~العوارض ، إذا أحبهم بمحبته الأزلية توجب محبته أن يوصلهم إلى مشاهدته التي ~~هي رحمته الكبرى ، وأن يخلصهم من غبار الطبيعة ، ويطهرهم من أدناس ~~النفسانية بمياه رحمته الكافية بقوله تعالى : ( أنه من عمل منكم ~~سوءا ) نظر إلى غيره ( بجهالة ) بقلة علم على ذوق وصالي ولطف جمالي ~~، ( ثم تاب من بعده ) رجع من نفسه إلي ، ( وأصلح ) مزار ~~تجلياتي من قلبه ، بأن قدسه من شوائب شهواته. # ( فأنه غفور ) لما سلف من تقصير في أداء حقوقي ؛ بحيث لا أعيرهم ~~بذلك أجرا. # ( رحيم ) بأن قواهم بقوة أزلية ؛ ليحملوا أثقال مشاهداتي بها ، ~~ولولا ذلك لفني وجودهم في أول رؤية سطوات عظمتي وجلال كبريائي. # قيل في قوله : ( فقل سلام عليكم ): سلم أنت على الذين يؤمنون ~~بآياتنا ، فإنا نسلم على الذين آمنوا بنا بلا واسطة ، وذلك قوله : ( ~~ سلام قولا من رب رحيم ) [يس : 58]. # قال إبراهيم بن المولد : والله إن الحق هو الذي يسلم على الفقراء ، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك واسطة. # وقال الواسطي في قوله تعالى : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ): ~~برحمته وصلوا إلى PageV01P366 # عبادته ، لا بعبادتهم وصلوا إلى رحمته ، وبرحمته نالوا ما عنده لا ~~بأفعالهم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : «... ولا أنا ، إلا أن ~~يتغمدني الله برحمته» (1). # وقال ابن عطاء في قوله تعالى : ( أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ) ~~: كل من عصى الله عصاه بجهل له ، وكل من أطاعه أطاعه بعلم ، فإن العبد إذا ~~لم يعظم قدر معرفة الله في قلبه ركب كل نوع من البلاء. # وقال بعضهم في قوله تعالى : ( فقل سلام عليكم ): بادرهم بالسلام ~~قبل أن يسلموا ؛ إكراما لهم ، وإظهارا لقدرهم. # قال بعضهم في قوله تعالى : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ): في ~~الأبد لمن نظر إليه في الأزل بعين الرحمة. # قال أبو عثمان : أوجب على نفسه عفو المقصرين من عباده ؛ لذلك قال : ( ~~ كتب ربكم على نفسه الرحمة ). # وقال بعضهم في قوله : ( سلام عليكم ): في الصفات الجارية عليهم ~~ولهم ، الذي أعتقهم ms0360 من رق الكون ، وأظهرهم من خفايا المخزونات المصونات ~~المكنونة بأعجب أعجوبة ، ثم أشهدهم السلام ، فكانوا سالمين منه في إظهار ~~ربوبيته ، سالمين منه في آخريته ، استحقوا اسم السلام بذلك. # ( قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن ~~الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين (57) قل لو أن عندي ما تستعجلون ~~به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين (58)) # قوله تعالى : ( قل إني على بينة من ربي ) أي : على يقين ومشاهدة ~~ورؤية غيب وسلطان براهين ، وسطوع نور الأزل من وجهي ، فإنه أعظم البينات في ~~العالم ، من رآه رأى الحق ؛ لقوله عليه السلام : «من عرفني فقد عرف الحق» ~~(2)، و «من رآني فقد رأى الحق» (3). # قال أبو عثمان المغربي : الأنبياء على بينات ، والأكابر من الأولياء على ~~بينات ، وبينات الأنبياء وحي يقين ، وبينات الأولياء الفراسات الصادقة ، ~~والإخبار على الغيب كما كان ليوشع عليه السلام وللصديق الأكبر رضي الله عنه. PageV01P367 # ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر ~~وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا ~~في كتاب مبين (59)) # قوله تعالى : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) غيبة ذاته ~~القدمي ، وهو خزانة أسرار الآزال والآباد ، ومفاتيحها صفاته الأزلية ، لا ~~يعلم صفاته وذاته بالحقيقة إلا هو تعالى بنفسه ، فنفى الغير عن البين ؛ حيث ~~لا حيث ولا بين ، فمن إشارة الأحدية المفتاح والخزانة واحد ؛ لأنه منفرد ~~بصفاته وذاته عن الجمع والتفرقة. # قال الله تعالى : ( إن الله عنده علم الساعة ) [لقمان : 34] ، ~~قال : علمه مفاتيح الغيب خمس ، لا يعلمها إلا الله : ( إن الله ~~عنده علم الساعة ) إلى قوله : ( عليم خبير ). # قال السدي من كبار المفسرين : ( مفاتح الغيب ) خزائن الغيب. # وأيضا : مفاتح الغيب عنده أنوار عنايته الأزلية التي سبقت منه بنعت الكرم ~~والفضل لأنبيائه وأوليائه وملائكته ، وغيبة ذاته وصفاته تعالى ؛ لأنه كنزه ~~القديم الباقي ، ألا ترى إلى قوله : «كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف» (1). # فيفتح بلطفه بتلك الأنوار الأزلية التي سماها ms0361 المفاتيح لهم أبواب خزائن ~~صفاته وذاته ؛ ليعرفوا كنز القدم بأنوار القدم ، وهو تعالى يظهر مكنون ~~أسراره من ذاته وصفاته لهم ، وهم يستخرجون من بحار الذات والصفات جواهر ~~علومه الأزلية والأبدية ؛ ليوضحوا بأنوارها طرق العبودية لعباده ، ويبينوا ~~مدارك المعاملات ومراقي الحالات لهم. # وقوله : ( لا يعلمها إلا هو ) أي : لا يعلم الأولون والآخرون قبل ~~إظهاره تعالى ذلك لهم ، ولا يعلم حقائق أقدارها إلا هو ؛ لأنه تعالى عرف ~~قدره بالحقيقة لا غير. # وأيضا : لا يعرف طريق وجدانها والوسيلة إليها إلا هو ، هو بذاته تعالى ~~عرف طرقها لأهلها ، قال تعالى : ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه ~~أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول ) [الجن : 26 ، 27]. # وأيضا : له مفاتيح الغيب ، ومن تلك المفاتيح التي يعطي قاصديه وطالبيه في ~~بدء شأنهم ما داموا صادقين ، هي المعاملات السنية ، والمقامات الشريفة التي ~~يستفتح بها لهم خزائن الملكوت والجبروت ، ويستخرج منها أنوار المحبة والشوق ~~والعشق والمعرفة ودرجاتها ، PageV01P368 # والتوحيد ومكاشفاته وعلومه ، فيصلون بها إلى وصاله الأبدي وقربه الجلالي. # وأيضا : له مفاتيح اللطيفات والقهريات ، يفتح بها أبواب أنوار المعرفة ~~للأولياء ، ويفتح بها أبواب ظلمات الطبيعة للأعداء. # وأيضا : عنده مفاتح غيب الدرجات ، يفتح للقلوب خزائن المشاهدات ، ~~وللأرواح خزائن المكاشفات ، وللعقول خزائن المعارف ، وللأسرار خزائن علوم ~~الذات والصفات ، وللأشباح خزائن المعاملات ، يفتح للأنبياء بها خزائن ~~المعجزات ، ويفتح للأولياء خزائن الكرامات ، ويفتح للمريدين خزائن ~~الفراسات. # قال الجريري : لا يعلمها إلا هو ، ومن يطلعه عليها من صفي وخليل وحبيب وولي. # وقال ابن عطاء : هذه الآية تفتح لأهل الخير المحبة والرحمة ، ولأهل الشر ~~الفتنة والمهانة ، ولأهل الولاية الكرامة ، ولأهل السرائر السر ، ولأهل ~~التمكين جذبا. # وقال ابن عطاء : الفتح في القلوب الهداية ، وفي الهموم الرعاية ، وفي ~~الجوارح البشارة. # وقال أيضا : يفتح للأنبياء المكاشفات ، وللأولياء المعاينات ، وللصالحين ~~الطاعات ، وللعامة الهدايات. # وقال أبو سعيد الخراز في هذه الآية : أبدى ذلك لنبيه وحبيبه ، فتح عليه ~~أولا أسباب التأديب ، أدبه بالأمر والنهي ، ثم فتح عليه أسباب التهذيب ، ~~وهو المشيئة والقدرة ، ثم أسباب التذويب ، وهو قوله : ( ليس لك من ~~الأمر شيء )، ثم أسباب ms0362 التغييب ، وهو قوله : ( وتبتل إليه تبتيلا ~~) [المزمل : 8] ، فهذه مفاتح الغيب التي فتحها لنبيه صلى الله عليه وسلم . # وقال جعفر عليه السلام : يفتح من القلوب الهداية ، ومن الهموم الرعاية ، ~~ومن اللسان الرواية ، ومن الجوارح السياسة والدلالة. # وقوله تعالى : ( ويعلم ما في البر والبحر ) أي : يعلم عجائب بحر ~~غيب لطفه الأزلي للأنبياء والأولياء ، ويعلم عجائب بحر غيب قهره للأعداء. # وأيضا : يعلم في بحار الغيوب وبراري القلوب. # وأيضا : يعلم ما في بحار القلوب من عجائب الحكم وجواهر الكرم ، وأصداف ~~المعارف وألطاف الكواشف ، ويعلم ما في براري النفوس وبناتها من ألوان ~~الشهوات. # وقوله تعالى : ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات ~~الأرض ) [الأنعام : 59] : لا تسقط ورقة من أوراق أشجار الغيوب إلى فضاء ~~القلوب من سطوة صرصر رياح القهر واللطف التي هي حكمة من حكم علوم الأزلي ~~الأبدي. # وأيضا : ما تسقط ورقة من أوراق تجلي الجمال والجلال من شجر القدم على قلوب PageV01P369 # المحبين والمشتاقين والعارفين إلا بعلمه على خاصيتهم واصطفائيتهم بذلك ، ~~ولا يكون حبة المحبة في غيوبات قلوب المحبين إلا هو تعالى يربيها بمياه ~~لطفه ورياح كرمه ، وبياض نهار مشاهدته ، وسبل إسبال ستر رعايته حتى رسخت ~~أصلها في أرض القلب ، وأثمرت فرعها في سماء اليقين. # قال تعالى : ( أصلها ثابت وفرعها في السماء ) أخبر سبحانه بإحاطة ~~علمه على كل ذرة من العرش إلى الثرى ، وعن شمول أنوار سلطان كبريائه بنعت ~~الغلبة على جميع الحدثان ظاهرا وباطنا ( لا يعزب عنه مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض ) [سبأ : 3] ، وهدد به العباد ؛ ليفرغوا منه إليه ~~عند كل خاطر يخطر على قلوبهم يشير إلى غيره ، فإنه يعلم السر وأخفى ، وبين ~~أن جميع المقدورات من العرش إلى الثرى في كونيتها من العدم إلى الوجود ، ~~ومن الوجود إلى العدم يكون بسابق مشيئته الأزلية ، وإرادته القديمة ، وأن ~~جميعها مكتوب على ألواح الصمدية بأقلام أقداره ، الغربة محفوظة من تغير ~~الحدثان في تلون الزمان والمكان. # وصحة ذلك قوله سبحانه : ( ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) ~~[الأنعام : 59] رطوبتها من أثر ms0363 نسيم شمال ربيع لطف مشاهدته ، وخضرتها من ~~نضارة ظهور عرائس قدرته ، وصفرتها من تأثير رياح خريف قهره ، وسقوطها من ~~حدة صولة نظر عظمته ، وبدوها خضوعا لربوبيته ، وزوالها من تقديس جلاله عن ~~علة الكون والوجود والعدم. # قال الواسطي في قوله تعالى : ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ): ~~متى علمها حين لا متى؟ # قيل : نضرتها وخضرتها وذهابها حتى لا يوجد منها شيء ، فما ستر من صفاته ، ~~وما أظهر واحد ، ذلك على قدر الكون ، إنما يتكلم بأقدارنا ، ويشير بأخطارنا ~~، ولو كان قدره كان الهلاك. # وقيل في قوله : ( ولا رطب ولا يابس ): فالاضطرار في أن يقدم ما ~~أخر أو يؤخر ما قدم منازعة لربوبيته وخروجا عن عبديته. # قال أبو سعيد القرشي في هذه الآية : ما من دابة إلا ولها ورقة خضراء ~~معلقة من تحت العرش ، فإذا يبست الورقة وقعت بين يدي ملك الموت ، مكتوب ~~عليها اسمه واسم أبيه ، يعلم ملك الموت قد أمر به بقبض روحه فيقبض روحه. # وفي الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «ما من زرع على الأرض ~~ولا ثمار على الأشجار PageV01P370 # إلا عليها مكتوب : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) هذا رزق فلان بن ~~فلان» (1)، وذلك قوله في محكم كتابه : ( وما تسقط من ورقة إلا ~~يعلمها ). # ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم ~~فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون (60) وهو ~~القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا ~~وهم لا يفرطون (61) ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع ~~الحاسبين (62)) (2). # قوله تعالى : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ~~): توفيتهم في الليل لطيران أرواحهم في الملكوت ، وسيرانها في أنوار ~~الجبروت ، ليزيد شوقها إلى معادنها ، وتعرف ما يجازي به بأعمال الأشباح ~~التي كسبتها ، وبالنهار من الثواب والعقاب ، وتعلم قدرة الله بالإماتة ~~والإحياء مباشرة ومعاينة ؛ ليجيء عليها وقت انقطاعها من الحدثان إلى مشاهدة ~~الرحمن ، أشار إلى هذا بتمام الآية : ( ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل ms0364 ~~مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون ). # وشاهد الآية ومعناها : قوله تعالى بعد ذكر قهر سلطانه بوصف الإحاطة على ~~العبد ومحافظته بالملائكة وإرجاعه إلى كنفه القديم وقربه الكريم : ( ~~ ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ) من شرفه وكرامته لا يبقيه في سجن ~~الدنيا وبليتها ، وأبدى الملائكة الكاتبين عليه أعماله غيره على وليه ؛ ~~لئلا يطلع عليه غيره ، وفي الآية رجاء المذنبين ، وذلك تلطفه بهم حيث قال : ~~( مولاهم الحق )، لو قال : ( ثم ردوا إلى الله )، ولم ~~يقل : ( مولاهم الحق ) لذابوا من عظمته وقهر كبريائه ، ولكن تعطف ~~على عباده بإضافة مولويته إليهم ، ولو قال : «هم موالي» لكان عظيما ، خص أن ~~قال : ( مولاهم الحق ) أي : حبيبهم وناصرهم الحق أذهب الأمر من ~~مقام الهيبة إلى مقام الزلفى من قوله : ( ردوا إلى الله )، ثم قال ~~: ( مولاهم الحق ). PageV01P371 # قال بعضهم : هي أرجى آية في كتاب الله ؛ لأنه لا مرد للعبد أعز من أن ~~يكون مرده إلى مولاه. # ( قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون (64) قل هو ~~القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ~~ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون (65) وكذب به قومك ~~وهو الحق قل لست عليكم بوكيل (66)) # قوله تعالى : ( قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون ~~) الإشارة فيه إلى من غم عليه غيم القبض ، وتراكم عليه كرب الفراق ؛ ليخلصه ~~الله منها بكشف جماله له ، وقربه إلى وصاله ، فيخطر على سره وارد الامتحان ~~، فيميل من حظ رؤية الصفة إلى حظ رؤية الفعل عند رؤية مستحسنات الكون ، أي ~~: كاشفت كرب البعد عن قلوبكم ، بكشف قرب مشاهدتي لها ، فنظرتم إلى ~~المستحسنات التي رؤيتها ممزوجة بلذة شهوات نفوسكم ، فتشركون إذا سكنت ~~قلوبكم إلى غيري ، وإن كان محل لطفي ، لكان هناك منازلة مكر القدم. # قال بعضهم يقول الله : «أنا كاشف الكروب ، ومن قصدني عند كرباته وحاجاته ~~كشفت عنه كروبه ، ومن قصد غيري أسقطت عنه وجاهته» (1). # لما ذكر امتنانه بكشف الكربة وعاتبهم لشركهم ms0365 وسكونهم إلى غيره خوفهم ~~بقدرته الأزلية ، وإرجاعهم إلى ظلمات الكربة ، وعذاب الفرقة بقوله تعالى : ~~( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ) أي : بأن ~~أحجبكم من النظر إلى ملكوتي ، وأقطع موارد تجلي مشاهدتي عن قلوبكم ، ( ~~ أو من تحت أرجلكم ) أي : لا أسهل عليكم القيام على باب ربوبيتي ~~بنعت الخدمة ، وطلب الوصلة ، ( أو يلبسكم شيعا ) إنكارا على ~~أوليائي وأهل مجالستي ، ( ويذيق بعضكم بأس بعض ) مخالفة المريدين ~~للمشايخ ، ومفارقة المشايخ من المريدين. # قال القاسم في قوله : ( عذابا من فوقكم ): اللهو والنظر إلى ~~المحرمات ، والنطق بالفحش ، ( أو من تحت أرجلكم ) المشي إلى ~~الملاهي ، وأبواب السلاطين ، وهتك أستار المحرمات ، ( أو يلبسكم ~~شيعا ) برفع ما بينكم من الألفة ، ( ويذيق بعضكم بأس بعض ) بكفر ~~أهل الهوى بعضهم بعضا. # ( لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون (67) وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا PageV01P372 # فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا ~~تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (68) وما على الذين يتقون من حسابهم من ~~شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون (69)) # قوله تعالى : ( لكل نبإ مستقر ) أي : كل خطاب من خطابنا معدن من ~~ذاتنا ؛ لأن خطابنا كلامنا ، وكلامنا صفتنا قائمة بذاتنا ، وذاتنا معدن ~~صفاتنا ، فإذا ورد أمر كان وارد خبر الغيب ، وخبر الغيب وارد الخطاب ، ~~ووارد الخطاب وارد الكلام الذي هو صفة الأزل التي سطع نورها من ذات القديم ~~، وورد على أشكال الأمر والفعل ، فيكون على قدر عقول الخلق ، ولو خرج صرفا ~~لم يحتمل الحدثان ، ويضمحل فيه الزمان والأكوان ؛ لأن نعوت الأزلية لا ~~تحملها إلا صفة الأزلية. # وأيضا : لكل خبر على صورة المدركة مراد من الله سبحانه الذي يوافق خبر ~~الغيب ، ولا يفهمه إلا رباني الصفة. # وأيضا : لكل خطاب من الله سبحانه من قلوب العارفين مستقر لا تنزل إلا في ~~مستقره ، هناك لا يضطرب الخبر ؛ لأن هناك مسقط تجلي الأزل ، وخبر الأزل في ~~موضع تجلي الأزل يستقر ؛ لأنه أهله. # قال عليه السلام : «أهل القرآن أهل الله وخاصته» (1). # وأيضا : لكل نبأ بيان يدل ذلك إلى مقام من مقامات ms0366 الصديقين ، مثلما ذكر ~~في القرآن أوصافهم ، ونعوتهم من المحبة ، والخوف ، والرجاء ، والصدق ، ~~والإخلاص ، والمعرفة ، والتوحيد ، والإيمان ، والإيقان ، والمشاهدة ، ~~والمكاشفة ، والحضور ، وإلقاء السمع ، وأمثال ما ذكرنا يوجب الخبر ، وصف ~~فوائد تلك المقامات لأهلها ، ولا يستلذه ، الحمد لله الذي خص أولياءه بهذه ~~المقامات. # وأيضا : لكل نبأ من أوقات العارفين وقت ، ينزل على قلوبهم على قدر الوقت ~~ليدل على معالي درجات الغيب. # قال الحسين : لكل دعوى كشف. # قوله تعالى : ( وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ) وصف ~~رعايته تعالى أهل حضرته الذين خرجوا بنعت التجريد من أنفسهم ، ومن الأكوان ~~جميعا ، ألا يطرأ عليهم من طوارق القهر التي استأصلت أعداء الله بمماسة ~~قهرها ، أي : لا يرجع شر الأعداء إلى الأولياء في الدنيا والآخرة ؛ لأنهم ~~مصونون بكلاءة الله وحفظه إياهم ، ووصفهم بتمام الآية PageV01P373 # بقوله تعالى : ( ولكن ذكرى لعلهم يتقون ) أي : إذا كنتم مصونين ~~بحفظي عن شر الأشرار ذكرهم أوصاف عظمتي وجلالي ؛ كي يتقوا من عذابي ، ~~ويرجعوا إلى بابي نادمين من زلاتهم ؛ لأن الوعظ والتذكير من شأن أهل ~~التمكين والاستقامة في المعرفة ، والطريقة ؛ فإنهم ثواب الأولياء والرسل. # قيل : ما على التاركين الاعتماد على الوسائط ، والأخذ من الحق حظوظهم حساب. # قال سهل : أخذ الله تعالى على أوليائه بالتذكير لعباده ، كما أخذ التبليغ ~~على أنبيائه ، فعلى أوليائه أن يذكروا به ، وأن يدلوا عليه ؛ إذ أخذ الله ~~عز وجل ذلك عليهم ، ومتى قعدوا عن ذلك كانوا مقصرين. # ( وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر ~~به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل ~~لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم ~~بما كانوا يكفرون (70)) # قوله تعالى : ( وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا ) أي : اترك ~~البطالين الذين شغلوا عنا بحظوظ الكونين ؛ حتى لا يزاحموا مجالس الصديقين ؛ ~~فإنهم محجوبون بحظوظهم عن لذة خطابنا ، وحقائق خبرنا ، ولذة صحبة أوليائنا. # قال الحسين رضي الله عنه : ألا تلاحظ من شغلهم خلقنا عنا ، وأنسوا ~~بحياتهم في ms0367 دنياهم ، وهي في الحقيقة موت ، والحي من يكون حيا. # ( قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على ~~أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب ~~يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين ~~(71) وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون (72)) # قوله تعالى : ( قل إن هدى الله هو الهدى ) أي : إن هدى الله الذي ~~بسط شرائعه وحقائقه وطرائقه للأنبياء والأولياء والصديقين والمقربين ، وذلك ~~طريق عرفانه ، والوصول إلى جنان مشاهدته ، وذلك الطريق لأهل معرفته يدل ~~الأولياء على الرضا بقضائه ، والصبر في بلائه والتسليم لمراده ، بحيث لا ~~يكون منهم معارضة ، وهذا معنى قوله : ( وأمرنا لنسلم لرب العالمين ). PageV01P374 # قال القاسم : الطريق إلى الله هو الأصح ، والقاصد عرصته هو المعان ، قال ~~الله : ( إن هدى الله هو الهدى ). # قال أبو عثمان : أمر العبد بالتعليم ، والتسليم ترك التدبير والرضا ~~بمجاري القضاء ، ولما بين طرائق الهدى ووصفهم بالإذعان له في مراده منه ~~أمرهم بالصلاة ، وخوفهم فيها من نفسه ، وذلك قوله تعالى : ( وأن ~~أقيموا الصلاة واتقوه ) إقامة الصلاة ظهور الربوبية في العبودية ، وترائي ~~هلال المشاهدة في الخدمة ؛ لقوله عليه السلام : «تعبد الله كأنك تراه» (1)، ~~والتقوى هنا معناها : اتقوني في الصلاة ؛ فإنها مقام الهيبة والإجلال ~~والمناجاة من أن يخطر على قلوبكم شيء دوني ، فأحتجب عنكم بامتناعي عن ~~مطالعتكم بعيون مسدودة بعوارض الخطرات. # قال ابن عطاء : إقامة الصلاة حفظ حدودها مع الله ، وحفظ الأسرار فيها مع ~~الله ألا يختلج في سره سواه. # ( وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله ~~الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير ~~(73) وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال ~~مبين (74) وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين (75)) # قوله تعالى : ( قوله الحق وله الملك ) لما أراد تعالى أن يخرج ~~الكون من العدم تجلى من ذاته بصفاته ، ومن صفاته لأمره ، ومن أمره للكاف ~~والنون ، فيقدح ms0368 أحدهما بالآخر ، فيخرج من بين نورهما الأكوان والحدثان ؛ ~~لاتصال نور الذات بالصفات ، واتصال نور الصفات بالأمر والفعل والكاف والنون ~~، فيحقق ذلك مراده في الأزل بذلك. # ( قوله الحق ) أي : قوله يحقق ما في علمه بنعت إخراجه من العدم ~~إلى الوجود ، بحيث لا يكون في ذرة منه خلل ، يوافق فعله أمره ، وأمره ~~إرادته ؛ لأن له الملك والقدرة الأزلية القائمة بذاته القديم الباقي بوصف ~~الأزل إلى الأبد. # قال الحسين : هو الحق ، ولا يظهر من الحق إلا الحق ، قال الله : ( ~~ قوله الحق ). # قوله تعالى : ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ) أي : ~~كما خصصنا الخليل في الأزل بالخلة ، أريناه ملكوت السماوات والأرض ما يظهر ~~من أنوار صفات الأزلية ، وذات السرمدية من مرائي ملكوت السماوات التباسا ~~لثبوت خلته واستقامة PageV01P375 # محبته ، وزيادة شوقه إلى جمال القدم ؛ وليكون من المشاهدين لقاءنا في ~~مقام اليقين بواسطة الملك والملكوت. # قال أبو سعيد الخراز : أراه ذلك ليطيق الهجوم على عظمته ذكر في مقام ~~الواصلين. # وقال فارس في تفسير الآية : بدايات أعلام الغيوب التي لا تبقي على النفوس ~~غير الله ، وهو دلائل أهل التوحيد عندهم. # وقال بعضهم : أرى الخليل الملكوت لئلا يشتغل بها ، ويرجع إلى مالكها. # وقال بعضهم : أرى الخليل الملكوت ، فاشتغل بالاستدلال على الحق ، فلما ~~كشف له عن الحقيقة يتراءى الكل ، فقال : «أما إليك فلا» (1). # وقيل : ليكون من الموقنين بعد معرفة اليقين. # وقال النصر آبادي في قوله : ( وكذلك نري إبراهيم ): ولم يقل : ~~أري إبراهيم ، ولا يمكن رؤية الفروع بالفروع ، إنما رأى الفرع من الملكوت ~~بالأصول. # ( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا ~~أحب الآفلين (76) فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم ~~يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين (77) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي ~~هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون (78)) # قوله تعالى : ( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي ) إن ~~الله سبحانه امتحن خليله عليه السلام بالبلايا ، ومن جملتها امتحانه برؤية ~~الملكوت ؛ ليشتغل ms0369 بحلاوة رؤيتها عن مشاهدة القدم ، وكذلك امتحنه في بدايته ~~بمقام الالتباس عند ظهور كوكب تجلي نور الفعل الخاص في صورة الشعرى ، فنظر ~~إليه حين جن عليه ليل الامتحان ، فرأى بعين الإرادة نور فعله الخاص الذي ~~مشربه أنوار الصفة ، فقال بلسان التعجب : ( هذا ربي )، فدار عليه ~~دور الإرادة ، ورباه بنور القربة ، وبلغه إلى مقام القلة ، فلما جن عليه ~~ليل الفرقة من مقام الأول برز نور الصفة من معدن الذات ، وظهر من نور الفعل ~~الخاص في القمر له ، فنظر إليه ورأى مشاهدة الصفة في الفعل ، فقال بلسان ~~الشوق : ( هذا ربي )، فدار عليه دور الخلة ، ورباه بنور الوصلة ، ~~وبلغه إلى مقام العشق وذوقه طعم حقيقة طرب سره ، وهاج شوقه إلى طلب الزيادة ~~، فظهرت أنوار الذات في الصفات ، وظهرت أنوار الصفات والذات في الأفعال ~~الخاصة. # ثم ظهرت أنوارها في الشمس ، فلما صفا وقته واندرجت ظلمة ليلة الفراق طلعت PageV01P376 # عليها الشمس ، فنظر إليها ، فرأى مشاهدة جلال القدم في مرآة الشمس ، فقال ~~بلسان العشق : ( هذا ربي ) فوصل إليه غيرة القدم ، وجرده عن رؤية ~~الوسائط في رؤية القدم عند رؤيته أفول الآيات بنعت فنائها في عظمة أنوار ~~القدم ، وانكشف له عين القدم صرفا ، ففر منه إليه ، وتوحد بوحدانيته ، وقال ~~للنفس المطالبة حظها من رؤية الكون المشيرة إلى كوكب الفعل : ( لا ~~أحب الآفلين ) أي : الساقطين في مهوات المحو عند بروز سطوات عظمة الله. # وقال للعقل المطالب حظ رؤية القدرة في رؤية القمر ، الذي هو مرآة نور ~~الصفة : ( لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ) الذين بقوا ~~في مقام الالتباس عن رؤية صرف الصفات ، أي : لئن لم يهدني به إليه لبقيت به عنه. # وقال للقلب المطالب حظه من مقام العشق ورغبته في لذة المحبة في رؤية ~~الوسائط ، وفراره من الاحتراق في نيران الكبرياء : ( إني بريء مما ~~تشركون ) يفرون إليه من غيره ، وإن كان وسيلة إليه ، فإني أراه بلا واسطة ~~رأيته به لا غير ، برئت من حظي في الوسائط. # ( إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا ms0370 من ~~المشركين (79) وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما ~~تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون (80) ~~وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم ~~سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (81)) # قوله تعالى : ( إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ) أي : ~~إني متوجه بعد تبرئي من الحدث بنعت تجريدي في التوحيد إلى شرف القدم الذي ~~بدا من أنوار فعله كل وسيلة. # وهذا معنى قوله تعالى : ( حنيفا ) مسلما حنيفا قائدا عما دونه ، ~~مسلما منقادا بنعت الرضا عنده. # ( وما أنا من المشركين ) الذين يسيرون إلى الوسائط ، فإني ذاهب ~~إلى ربي سيهديني منه إليه ، حتى أبقى بنعت الفناء فيه قبل ، كمن فيه كواكب ~~الوحدانية وشموسها وأقمارها ، فغلب بها الشكوك في رؤية الأقمار والنجوم ~~والشموس. # قال الواسطي في قوله : ( رأى كوكبا ): قال : إنه كان يطالع الحق ~~بسيره لا الكوكب ، وكذلك الشمس والقمر بقوله : ( لا أحب الآفلين ) ~~عند رجوعه إلى أوصافه بارتفاع PageV01P377 # المعنى البادي عليه ، أي : لا أحب زوال ما استوفاني من لذة المشاهدة ، ~~فأذهلني ، وأحضري فيه. # وقال بعضهم : لما أظلم عليه الكون ، وعمي عن الاختيار ، وألجأه الاضطرار ~~إلى نفس الاضطرار ، ورد على قلبه من أنوار الربوبية ، فقال : ( هذا ~~ربي ). # ثم كوشف له عن أنوار الهيبة ، فازداد نورا ، فصاح ، ثم أفني بنور الإلهية ~~عن معنى البشرية ، فقال : ( لئن لم يهدني ربي )، ثم أبقي ببقاء ~~الباقي ، فقال : ( يا قوم إني بريء مما تشركون ). # قال الواسطي في قوله : ( لئن لم يهدني ربي ): لئن لم يقمني ربي ~~على الهداية التي شاهدتها بإعلام بواديه لأكونن من الضالين في نظري إلى ~~نفسي ، وبقائي في صفاتي. # قيل في قوله : ( إني بريء مما تشركون ) من الاستدلال بالمخلوقات ~~على الخالق بعلمي ، إنه لا دليل على الله سواه. # قال الواسطي في قوله تعالى : ( وما أنا من المشركين ) أي : مني ~~الدعوة ومن الله الهداية. # وقال جعفر عليه السلام في قوله : ( إني وجهت ) يعني : أسلمت قلبي ~~للذي خلقه ms0371 ، وانقطعت إليه من كل شاغل ، وشغل بالذي فطر السماوات والأرض ، ~~فإن الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ، وأظهر فيها بدائع صنعه قادر على ~~حفظ قلبي من الخواطر المذمومة والوساوس التي لا تليق بالحق. # قال بعضهم : كان لإبراهيم خليل الرحمن عليه السلام مقامات : الأول : مقام ~~الفاقة ، والثاني : مقام النعمة ، والثالث : مقام المعذرة ، والرابع : مقام ~~المحبة ، والخامس : مقام المعرفة ، والسادس : مقام الهيبة ، فتكلم في مقام ~~الفاقة بلسان الدعوة فقال : ( اجعلني مقيم الصلاة ) [إبراهيم : 40] ~~، وفي مقام النعمة بلسان الشكر ، وقال : ( الذي هو يطعمني ويسقين ) ~~[الشعراء : 79] ، وفي مقام الاعتذار بقوله : ( والذي أطمع أن يغفر ~~لي خطيئتي يوم الدين ) [الشعراء : 82] ، وفي مقام المحبة بلسان المودة : ( ~~ إني بريء مما تشركون ) [الأنعام : 78] ، وفي مقام المعرفة بلسان ~~الانبساط : ( رب أرني كيف تحي الموتى ) [البقرة : 260] ، وفي مقام ~~الهيبة بالسكون لما قال له جبريل عليه السلام : «هل لك من حاجة؟ قال : أما PageV01P378 # إليك فلا» (1). # وقال الأستاذ في قوله : ( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا ) يعني : ~~أحاط جوف الطلب ، ولم يخيل له صباح الوجود ، فطلع له نجم العقول ، فشاهد ~~الحق بسره بنور البرهان ، فقال : ( هذا ربي )، ثم زيد في ضيائه ، ~~فطلع له قمر العلم ، فطالعه بشرط البيان ، فقال : ( هذا ربي )، ثم ~~أسفر الصبح ، وطلع النهار ، فطلعت شموس العرفان عن برج شرقها ، فلم يبق ~~للطلب مكان ، ولا للتجويز حكم ، ولا للتهمة قرار ؛ فقال : ( يا قوم ~~إني بريء مما تشركون (78)) ؛ إذ ليس بعد الغيب ريب ، ولا عقب الظهور سر. # ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون (82)) # قوله تعالى : ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) أي : ~~الذين شاهدوا الله بوصف المعرفة والتوحيد لا برسم الاستدلال بالأكوان ~~والحدثان ، ولم يتجاوزوا في مقام المشاهدة عن مقام العبودية إلى مقام ~~الأنائية من مباشرة أحكام الربوبية وحسن تجليها ، فإن العارف إذا بقي عند ~~المشاهدة في مقام العبودية فنعته صحو وتمكين ، وهو في غاية المعرفة ، وهو ~~مقام النبي صلى الله عليه وسلم عند قوله : «أنا العبد لا إله إلا الله» (2)، ~~فإذا تجاوز منه بذوق إدراك ms0372 نور الربوبية إلى الأنائية ؛ فنعته السكر ~~والتلوين ، وهو في مقام الاضطراب غير بالغ في المعرفة ، كمن ادعى الأنائية ~~بقوله : أنا الحق وسبحاني ، فإن دعوى الأنائية هاهنا ظلم ، والظلم وضع ~~الشيء في غير موضعه ، فمن بقي بوصف العبودية في المشاهدة وقاه الله بوقاية ~~التوحيد ، والمعرفة الخاصة أن يسلبه غمرات السكر التي توقع السكران إلى هتك ~~الأسرار ودعوى الأنائية. # وهذا معنى قوله : ( أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) به إليه. # وأيضا : إشارة الآية إلى من لا يرجع في مشاهدة الله إلى الحدثان ، كما ~~وصف نبيه عليه السلام بمقام الدنو والتمكين في دنو الدنو بنعت الاستقامة في ~~مشهد القرب ؛ حيث ما زاغ سره إلى غيره بقوله : ( ما زاغ البصر وما ~~طغى )؛ لأن من التفت منه إلى غيره ، وإن كان الجنة فقد أشرك في حقائق ~~التوحيد ( أولئك لهم الأمن )، مقام الأمن لا يحصل لأحد مادام بوصف ~~الحدثية ، وكيف يكون أمنا منه وهو في رق العبودية ، ويعرف نفسه بها ، ويعرف ~~الحق بوصف القدم والبقاء وقهر الجبروت. PageV01P379 # وقال الله تعالى : ( فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) ~~فإذا رأى الله سبحانه بوصف المحبة والعشق والشوق ، وذاق طعم الدنو ، واتصف ~~بصفات الحق بدا له أوائل الأمن ؛ لأن في صفة القدم لا يكون علة الخوف ~~والرجاء ؛ لأن هناك جنة القرب والوصال ، وهم فيها آمنون من طوارق القهر ، ~~وهم مهتدون ما داموا متصفين بصفاته ، وإن كانوا في تسامح من مناقشة الله ~~بدقائق خفايا مكره. # قال ابن طاهر في قوله : ( لم يلبسوا إيمانهم ): لم يرجعوا في ~~النوائب والمهمات إلى غير الله ، ( أولئك لهم الأمن ) الكفايات ، ( ~~ وهم مهتدون ) راجعون إلى من إليه المرجع. # وقال الأستاذ : أي الذين أشاروا إلى الله ، ثم لم يرجعوا إلى غير الله. # ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ~~ربك حكيم عليم (83) ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ~~ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (84) ~~وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين (85) وإسماعيل واليسع ويونس ~~ولوطا ms0373 وكلا فضلنا على العالمين (86) ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ~~واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم (87)) # ( ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ~~ما كانوا يعملون (88) أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر ~~بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين (89)) # قوله تعالى : ( نرفع درجات من نشاء ) (1) الدرجات : المقامات ~~الشريفة في المعرفة ، والحالات الرفيعة في المحبة ، والكرامات الزكية في ~~المعاملة ، وهي بذاتها طريق إلى الله ، فإذا وصل إليه وفني فيه وبقي معه لم ~~يبق هناك درجات ولا دركات ، إنما هناك سباحة في بحار الآزال والآباد ~~للعارفين والموحدين ، أي : ( نرفع درجات من نشاء ) من المريدين ، ~~ونوصل من نشاء إلينا بلا قطع المقامات ، والسير في الدرجات من العارفين. # وأيضا : ( نرفع درجات من نشاء ) درجات العشق والمحبة والشوق ، ~~وهي مراقي القرب ، رقاهم الله بها إليه أبد الآبدين. PageV01P380 # قيل : ( نرفع درجات من نشاء ): بصفاء السر ، وصحة الهمة. # وقيل : بخلق السنا والهمة الزكية. # وقيل : بالكون مع الله والفهم عنه. # قوله تعالى : ( اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم ) أي : اجتبيناهم ~~في الأزل بمعرفتنا قبل إيجادهم ، وهديناهم إلى مشاهدتنا بعد إيجادهم ؛ لأن ~~هناك استقامة كل عارف ، ولا يدخل فيهم اعوجاج الخطرات واضطراب البشريات. # قال الجنيد : أخلصناهم لنا ، وأدبناهم لحضرتنا ، ودللناهم على الاكتفاء ~~بنا عما سوانا. # ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسئلكم عليه أجرا ~~إن هو إلا ذكرى للعالمين (90) وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل ~~الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس ~~تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ~~قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون (91)) # قوله تعالى : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) أمر حبيبه ~~عليه السلام بالاقتداء بالأنبياء والرسل قبله في آداب الشريعة والطريقة ؛ ~~لأن هناك منازل الوسائط ، فإذا أوصله بالكلية إليه وكحل عيون أسراره بكحل ~~الربوبية ، وجعله مستقلا بذاته مستقيما بحاله ، وخرج من حد الإرادة إلى حد ~~المعرفة والاستقامة ، أمره بإسقاط ms0374 الوسائط بقوله : ( قل إنما أتبع ~~ما يوحى إلي من ربي ) [الأعراف : 23]. # ألا ترى كيف زجر صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين جاء ~~إليه بورق من التوراة ليستأذن منه عليه السلام بقراءته والعمل به ، فقال : ~~«أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى ، لقد جئتكم بها بيضاء نقية ، لو ~~كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي» (1). # وأيضا : ( أولئك الذين هدى الله ) أي : عرفهم ذاته لصفاته ، ~~وعلمهم حقائق آدابه ، وأمر صفيه عليه السلام بأن يأمر أمته بالاقتداء ~~بشريعته التي هي شريعة الأنبياء. # ألا ترى كيف قال الله : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ) ~~[الشورى : 13]. # وقال الواسطي في هذه الآية : هداهم بذاته ، وقدسهم بصفاته ، فأسقط عنهم ~~الشواهد والأعراض ، ومطالبات الأعواض ، ملأ لهم إشارة في سرائرهم والعبارة ~~عن أماكنهم. PageV01P381 # قيل في هذه الآية : لا تصح الإرادة إلا بالأخذ من الأئمة وبركات نظرهم ، ~~ألا ترى كيف أثر نظر المصطفى صلى الله عليه وسلم في أصحابه ، فقال : «اقتدوا ~~باللذين من بعدي : أبي بكر وعمر» (1)، فلا يصح الاقتداء إلا بمن صحت ~~بدايته ، وسلك سلوك السادات ، وأثرت فيه بركات شواهدهم. # ألا ترى المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول : «طوبى لمن رآني» (2) أي : فاز من ~~أثرت فيه رؤيتي. # قوله تعالى : ( وما قدروا الله حق قدره ) قطع الله بهذه الآية ~~أطماع الحدثان عن إدراك كنه قدمه وغرة أزليته ؛ لأن الحدثان لا يبقى أثرها ~~في جمال سطواته عزة الرحمن ، كيف يعرف قدره من لا يعرفه؟ وكيف يعرفه من لا ~~يعرف نفسه؟ وكيف يعرف نفسه من لا يكون خالق نفسه؟ وكيف يكون خالق نفسه ، ~~والأزلية منزهة عن الأضداد والأنداد؟! لأن سطوات عظمته لا تبقي للحدثان ~~أثرا في ساحة كبريائه ، عرف قدره بنفسه لا غيره عرف قدره ، بطنان الألوهية ~~لا يدرك ؛ لأنها غير متناهية في العقول ، غير محدودة في القلوب ، غير ~~معروفة بالحلول في الأماكن والأزمنة. # قال الحسين : كيف يعرف أحد حق قدره وهو يقدره ، يريد أن يقدر قدره وأوصاف ~~الحدثان أثر يقع من أوصاف القدم. # وقال بعضهم ms0375 : ما عرفوا حق قدره ، لو عرفوا ذلك لذابت أرواحهم عند كل وارد ~~يرد عليه من صنعه. # وقوله تعالى : ( قل الله ثم ذرهم ) أي : إذا وقعت أسرار الواصلين ~~في أودية الألوهية ، وتحيرت أرواحهم في هواء الهوية ، وفنيت عقولهم في ~~سطوات القدرة ، وذابت أشباحهم في طوارق تجلي المشاهدة ، وما عرفوا مسالك ما ~~يرد عليهم من واردات موارد تجلي الجمال والجلال ، ويسألونك بنعت الدهش ~~والهيمان ، إيش بنا؟ وأين وقعنا؟ قل بلسان داء المحبة : الله ، أي : ما ~~وقعتم فيه فهو بحر آزال الله ، وقعتم بالله في الله ، وإذا سألك أهل وقائع ~~ظلمات القهر التي حيرتهم في وادي الضلال ، من أين هذا وقع علينا؟ فقل : ~~الله أوقعكم فيها ، ليست الولاية بالمجاهدة ، وليست الضلالة بالعلة ، ثم ~~ذرهم طائفتين واشتغل بي ، فإن ممازجة الحدثان لا يليق بقلب فيه محبة ~~الرحمن. # وأيضا : قل بلسانك الله ، ولا تقل بلسان سرك ؛ فإن الاشتغال بالذكر عن ~~المذكور حجاب. PageV01P382 # وأيضا : إذا فرغت من تبليغ الرسالة توجه إلى الله مما سوى الله ، وقل : ~~الله ؛ حيث لم يكن غير الله ، ثم ذر الأكوان والحدثان بعد قولك الله ؛ ~~ليوافق لسان الظاهر سريرة الباطن في المحبة. # قال بعضهم : دعا خواصه بهذه الآية إلى الانقطاع من كشف ما له إلى الكشف ~~عما به. # وقيل : ( قل الله ) إشارة إلى جريان السر ، ( قل الله ) ~~في سرك ، وذر ما في لسانك. # حكي أن رجلا سأل الشبلي ، وقال : يا أبا بكر ، لم تقول الله ، ولا تقول ~~لا إله إلا الله؟ فقال الشبلي : لا أنفي به ضدا ، فقال : زد علي من ذلك يا ~~أبا بكر ، فقال الشبلي : لا يجري لساني بكلمة الجحود ، فقال : زد علي من ~~ذلك ، فقال : أخشى الله أن أؤخذ في وحشة الجحد ، فقال : زد علي من ذلك ، ~~فقال : ( قل الله ثم ذرهم ) [الأنعام : 91] ، فزعق الرجل وخرجت ~~روحه ، فتعلق أولياء الرجل بالشبلي ، وادعوا عليه دمه ، فحملوه إلى الخليفة ~~، فخرجت الرسالة إلى الشبلي من عند الخليفة يسأله عن دعواه ، فقال الشبلي : ~~روح حنت فدنت ، فدعيت فأجابت ؛ فما ذنبي؟! فصاح الخليفة من ms0376 وراء الحجاب : ~~خلوه ، لا ذنب له. # ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ~~ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون (92)) # قوله تعالى : ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ) أي ~~: مقدس من تهمة الأوهام ، غير مدرك بحقائقه عند الأنام. # وأيضا : مبارك عليك ، وعلى أمتك الصادقين الذين يتبعونه بالشوق والمحبة ، ~~ويفهمونه بالذكر والهيبة ، فيصلون به إلى رؤية خزائن صفات القدم ؛ لأنه صفة ~~تدل كلماته إلى جميع الصفات وعرفانها ونيل خزائنها ؛ لأنه مفتاح كنوز ~~الصفات والذات ، وهو ميمون علا كل عارفيه ، وعلا كل متابعيه بالتدبر فيه ، ~~واقتباس أنواره كما ذكر في موضع آخر : ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ~~ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ) [ص : 29]. # وأيضا : مبارك ؛ لأنه كتاب الحبيب إلى الحبيب ، فيه أسرار القرب والوصال ~~والتشويق إلى الحسن والجمال ، والتحذير من البعد والفراق ، وهو مسامرة ~~النجوى لأهل النور والتقى ، ومشحون بإشارات العارفين ، ومعجون بمفرحات فؤاد ~~الموحدين ، مكنوناته مصونة عن عيون الأغيار ، ولطائفها محروسة عن مطالعة ~~أهل الاغترار ، وهو يوافق جميع الكتب في تعريف الله بصفاته وذاته وعبوديته ~~؛ لأنها جميعا من مصدر واحد وصفة واحدة غير متغيرة. # قيل : مبارك على من اتبعه وآمن به. PageV01P383 # وقيل : مبارك على من صدقه وعمل بما فيه. # وقيل : مبارك على من فهم عن الله أمره ونهيه. # وقيل : مبارك على من قرأه بالتدبر وعلى من سمعه بالحضور. # وقال الأستاذ : كتاب الأحباب عزيز الخطر ، جليل الأثر ، فيه سلوة عند ~~غلبات الوجد ، ومن بقي عن الوصول بذلك الرسول. # وقيل : # وكتبك حولي لا تفارق مضجعي %~% وفيها شفاء للذي أنا كاتم # ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح ~~إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات ~~الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما ~~كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون (93) ولقد جئتمونا ~~فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم ms0377 ~~شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم ~~تزعمون (94)) # قوله تعالى : ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي ~~إلي ولم يوح إليه شيء ) إن الله سبحانه بين في كتابه شأن الغالطين ~~والمفترين والناحلين الكذب والزور ، المترسمين بالتكلف رسوم العارفين ، ~~وألزمهم سمة الظلم ، وذكر أنهم ظالمون بدعواهم الكذب ، وإشارتهم إلى مقام ~~الأمناء من المحدثين المكلمين بغير وصولهم إلى ذرة منه ؛ تغريرا بالعوام ، ~~وطلبا لجاههم ، وهم خائنون في ذلك ، ولا يرجع مكرهم إلى منقصتهم في الدنيا ~~والآخرة ، وإسقاط جاههم عند الله وعباده ، وسقوطهم عن قلوب رجال الله. # قال تعالى : ( ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله )؛ لأنهم متشبعون ~~ولم يعطوا ، فضحهم الله بكشف غطائهم عند الخلق ، وإظهار كذبهم عند عجزهم عن ~~الإخبار من مقامات القوم بالحقيقة حين يمتحنهم أهل المعرفة بالله. # قال عليه السلام : «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زورا» (1). # وأنشد بعضهم في ذلك : # إذا انسكبت دموع في خدود %~% تبين من بكى ممن تباكى PageV01P384 # وقال آخر : # أما الخيام فإنها كخيامهم %~% وأرى نساء الحي غير نسائها # فمن ذكر الله سبحانه ورأى لذكره موقعا فهو مفتر ولا يعلم ؛ لأنه تعالى ~~وصف نفسه قبل وصف الخلق نفسه ، وكل وصف بعد وصفه صفة الحدوثية ، وكيف يصفه ~~أحد وهو لا يعرفه كما هو يعرف نفسه ، تعالى الله عن أذكار الغافلين. # قال بعضهم : إن ما لا يليق بجلالة قدره ، وحقيقة شأنه قربه ، وإن كان ~~مأذونا فيه ؛ لأن ذلك على أقدار خلقه وطاقتهم لذلك. # وقال سهل بن عبد الله : من ذكر فقد افترى ، قال الله : ( ومن ~~أظلم ممن افترى على الله الكذب ) [الصف : 7] لأذكار الغفلة. # قوله تعالى : ( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ) بين أن ~~أعمال جميع الخلائق من العرش إلى الثرى مضمحلة عند كشف جلال عظمته ، ونوال ~~جماله لما يبدو لهم أنوار الأزلية ، يتبرأون من جميع أعمالهم ؛ لأنهم ~~يرونها لا تليق بجلال قدره ، ولا يكون موازيا بما يعطيهم الله من سنيات ~~كراماته ، ولطائف بره ، وحسن مواساته ، وعند رؤية القدم ms0378 كما كانوا خارجين ~~من العدم. # قال بعضهم : أجل مقام العبد إفلاسه ، والرجوع إليه خاليا من جميع طاعته. # قيل : لأنه [حفص] (1) بماذا تقدم على الله. # قال : وما للفقير أن يقدم به على الغني سوى فقره. # قال الله : ( ولقد جئتمونا فرادى ) خالين من أعمالكم وأحوالكم ~~وطاعاتكم. # ولي هاهنا لطيفة أخرى : أي : لقد جئتمونا موحدين بوحدانيتي ، شاهدين ~~مشاهدتي بوصف الكشف والخطاب ، كما جئتمونا من العدم في بدء الأمر حين ~~عرفتكم نفسي بقولي : ( ألست بربكم ) [الأعراف : 172] ، قلتم : بلى ~~، بلا إشارة التشبيه وغلط التعطيل ، كما وصفهم نبيه صلى الله عليه وسلم : «كل ~~مولود يولد على الفطرة» (2) يعني : على فطرة الأزل ، يلزم سمة العبودية بلا ~~علة الاكتساب عند سبق الإرادة ، وزاد تعالى وضوحا في أثناء الآية بقوله : ( ~~ وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ). PageV01P385 # ( إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من ~~الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون (95) فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس ~~والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم (96) وهو الذي جعل لكم النجوم ~~لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون (97)) # قوله تعالى : ( إن الله فالق الحب والنوى ) فلق حبة محبته ~~الأزلية في قلوب المحبين والصديقين ، وفلق نوى شجر أنوار الأزل في فؤاد ~~العارفين ، فتثمران أثمارهما بالأعمال الزكية والمقامات الشريفة ، والحالات ~~الرفيعة ، قال تعالى : ( أصلها ثابت وفرعها في السماء ) [إبراهيم : 24]. # قال ابن عطاء : مظهر ما في حبة القلب من الإخلاص والرياء. # قوله تعالى : ( فالق الإصباح وجعل الليل سكنا ) فالق إصباح ~~مشاهدته من مطالع قلوب أحبائه حين انتشر نورها من بشرة الربانيين من ~~أوليائه وأصفيائه ، وجاعل الليل سكنا للمستأنسين بحلاوة خطابه ولذائذ كشف جماله. # قال بعضهم : فالق القلوب بشرح أنوار الغيوب. # وقال بعضهم : منور الأسرار بنور المعرفة. # قوله تعالى : ( وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات ~~البر والبحر ) نور نجوم العقول لتعرفوا بها حقائق الآيات ، ونور نجوم ~~القلوب لتعرفوا بها أنوار الصفات ، ونور نجوم الأرواح لتعرفوا بها لطائف ~~سبحات الذات ، جعل نجوم الأفعال لعرفان الصفات ، وجعل نجوم الصفات لعرفان ms0379 ~~الذات ، أسرج مصباح قلوبكم من أنوار نجم تجلي الجلال والجمال لتهتدوا ، ~~وتعرفوا ، وتسبحوا بها في ظلمات بحار القهر ، وظلمات براريه لتبلغوا إلى ~~رؤية أقمار الصفات وشموس الذات ، وتنالوا جواهر المعارف من أصداف الكواشف. # قال أبو علي الجوزجاني : جعل الله الليل مطية ودليلا ، فالمطية تركبها في ~~طلب الزلف ، والدليل تستدل به إلى أبواب الرضا ، قال الله : ( ~~لتهتدوا بها ) إلى طريق الجنة. # ( وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات ~~لقوم يفقهون (98) وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء ~~فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية ~~وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا ~~أثمر وينعه إن في PageV01P386 # ذلكم لآيات لقوم يؤمنون (99) وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم ~~وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون (100) بديع ~~السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء ~~عليم (101)) # قوله تعالى : ( وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع ) ~~ذكرت في موضع آخر تفسير قوله تعالى : ( أنشأكم من نفس واحدة ) أنشأ ~~الكل من جواهر الفطرة ، وجوهر الفطرة منشأ نور فعل الخاص ، ومنشأ نور فعل ~~الخاص ظهور الصفة ، وظهور الصفة وظهور الذات تجلي القدم ، فأخرج الكل من ~~العدم تخصيص لطائف الخطاب بالإشارة إلى نفس واحدة ، أي : بظهور نفس وحدانية ~~أزلية أبدية منزهة عن الاجتماع والافتراق ، فبعض القلوب مستقرها الملكوت ، ~~ومستودعها عالم الجبروت ، وبعض العقول مستقرها الملكوت ، ومستودعها عالم ~~الجبروت ، وبعض العقول مستقرها الآيات ومستودعها الصفات ، وبعض الأرواح ~~مستقرها الصفات ومستودعها الذات بنعت البقاء في الصفات والفناء في الذات ؛ ~~لأن القدم منزه أن يحل فيه الحدث. # وأيضا : مستقر القلوب المقامات ومستودعها الحالات ، ومستقر العقول ~~العبادات ومستودعها الكرامات ، ومستقر الأرواح أنوار المعرفة من تجلي ~~الصفات ومستودعها أنوار التوحيد من تجلي الذات. # قال ابن عطاء : خلق أهل المعرفة على جهة ومنزلة واحدة ، ( فمستقر ~~ومستودع ) فمستقر في حال معرفة مكشوف عنه ، ومكشوف في حال ms0380 معرفته مستقر عليه. # وقال بعضهم : مستقر لطاعته وعبادته مع الإيمان به ، ومستودع لذلك زائل ~~عنه بعد موته. # وقال الواسطي : مستقر أنوار الذات على الأبد ، ومستودع لا يعود إليه إذا فارقه. # قال محمد بن عيسى الهاشمي : لم يزل عالما بخلقه شائيا كما أراد ، أودع ~~اللوح ما استقر في كلامه ، ثم أودع إلى اللوح المقادير ما استقر فيه ، ثم ~~كذلك حالا بعد حال حتى بلغه إلى درجة السعادة والشقاوة ، وذلك قوله : ( ~~ فمستقر ومستودع ). # قوله تعالى : ( بديع السماوات والأرض ) مخرجها بصورة العلم ~~الأزلي على نعت اختراعه بالقدرة القادرية ، والحكمة الحكيمية ، فلا أخذ من ~~مأخذ المشاكلة والمشابهة ؛ فإنه تعالى ناظرهما بما كان في علمه من منقوش ~~الحكمة ، وسنا القدرة ، وجلال العزة ، كساهما أنوار فواتح قدرته ، وضياء ~~بهجته لطائف علمها ؛ ليجعلهما أسباب عبادة عباده ، ومعاش جميع PageV01P387 # خلقه. # قيل : هو المبدع للأشياء والمبدي لها. # وقال بعضهم : فاق الأشياء جمالا وكمالا. # ( ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل ~~شيء وكيل (102) لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103)) # قوله تعالى : ( ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء ~~فاعبدوه ) لما وصف تعالى نفسه بالقدرة الكاملة في خلق الكون ، وعرفهم نفسه ~~بإظهار الآيات ، ونفى عن نفسه علة الحدثان ، وعرفهم بتنزيه صفاته ، وإفراد ~~ذاته وصفاته من بين الأضداد والأنداد ، ووصف جلاله بالوحدانية الأزلية ، ~~وعرفهم قدس ذاته وصفاته بخطابه معهم بوصف تلك النعوت ، ألزمهم بعد ذلك ~~العبودية صرفا بقوله : ( فاعبدوه ) أي : اعبدوا من هذا وصفه ، ولا ~~تتكلموا إلى غيره ، فإن الكون وما فيه خاضع لعظمته بعد أن كان في قبض عزته ~~، لا يضر ولا ينفع إلا بمشيئته الأزلية ، وإرادته القديمة ، وهذا معنى قوله ~~تعالى : ( وهو على كل شيء وكيل ) أي : أنا ملجأ الكل ، ومفزع ذوي ~~الحاجات ، ومناص صواحب العاهات. # قال الأستاذ في الآية : تعرف عليهم بآياته ، ثم تعرف إليهم بصفاته ، ثم ~~كاشفهم بحقائق ذاته بقوله : ( لا إله إلا هو ) تعريف السادة ~~والأكابر ، وقوله : ( خالق كل شيء ) تعريف العوام والأصاغر. # ثم ms0381 وصف نفسه عقيب الآية بالتنزيه عن إحاطة أبصار الحدثان به ، وعجزهم في ~~حواشي ساحات كبريائه عن درك مكنون أسرار قدمه ، وإحاطة علمه ، وقدرته بجميع ~~زلات الوجود. # قوله : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) لا تدركه الأبصار ~~إلا بالإبصار ، مستفادة من أبصار جلاله ، وكيف يدركه الحدثان ووجود الكون ~~عند ظهور سطوات عظمته عدم؟! # ( وهو يدرك الأبصار ) ببصره القديم المنزه عن المشابهة بالحدثان ~~، بأن يكسوها أنوار صفاته لتراه لا بنفسها ؛ لأنه بلطف ذاته ممتنعق عن ~~مطالعة خلقه مع علو شأن علمه وإحاطته بجميعهم وجودا وعدما بقوله تعالى : ( ~~ وهو اللطيف الخبير ) من لطف جماله انجذاب القلوب بنعت العشق إلى ~~ضياء وجهه الكريم عجزا واضطرارا ، من لطفه غرقت الأرواح في بحار محبته ، ~~وفنيت الأسرار في فضاء هويته ، ودهشت القلوب في معارك أشواقه ، PageV01P388 # واضمحلت العقول في بيداء ألوهيته من إدراك غوامض علمه. # قال أبو يزيد في قوله : ( لا تدركه الأبصار ): إن الله احتجب عن ~~القلوب ، كما احتجب عن الأبصار ، فإن أوقع تجليا فالبصر والفؤاد واحد. # وقيل : معناه أن الله يطلع على الأبصار بالتجلي لها ؛ لأن الأبصار تسمو إليه. # قال الحسين في قوله : ( اللطيف ) (1) قال : لطف عن الكنه فأنى له ~~الوصف؟! ومن لطفه ذكره لعبده في الدهور الخالية ؛ إذ السماء مبنية والأرض مدحية. # قيل : سبق الوقت وإظهار الكونين وما فيها ، فهذا معنى لطيف. # وقال القاسم : اللطيف الذي لم يدع أحدا يقف على ماهية سره ، فكيف الوقوف ~~على وصفه؟! # قال ابن عطاء : لا تدركه الفهوم ، وأحاط بكل شيء علما. # وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ~~قوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار ): «لو أن الجن والإنس والشياطين ~~والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفا واحدا ما أحاطوا بالله أبدا» (2). # وقال الجنيد : اللطيف من نور قلبك بالهدى ، وربى جسمك بالغذاء ، وجعل لك ~~الولاية في البلوى ، ويحرسك وأنت في اللظى ، ويدخلك جنة المأوى. # وقيل : اللطيف الذي إن دعوته لباك ، وإن قصدته آواك ، وإن أحببته أدناك ، ~~وإن أطعته كفاك ، وإن عصيته ms0382 عافاك ، وإن أعرضت عنه دعاك ، وإن أقبلت إليه هداك. # ( قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما ~~أنا عليكم بحفيظ (104) وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم ~~يعلمون (105) اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ~~(106) ولو شاء PageV01P389 # الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل ~~(107)) # قوله تعالى : ( قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي ~~فعليها ) من الله سبحانه على عباده بمجيء بصائر آياته التي تبرز نعوت ~~الأزلية منها ، وكلماته التامات التي تتجلى لذوي الحقائق منها ، كما قال ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : «إن الله تعالى يتجلى ~~لعباده في القرآن» ، وبتلك البصائر كحل الله أبصار العارفين كحل أنوار ~~صفاته وسنا سبحات ذاته ، فمن كان له استعداد النظر إليها بنعت البصيرة وجد ~~طريق الرشد لنفسه ، ومن ليس له استعداد النظر والبصيرة صار محتجبا من رؤية ~~صفائح القدس في الآيات ، وصحائف الأنس في الكلمات. # قال الخواص : أنزل الله البصائر ، فطوبى لمن رزق بصيرة منها ، وأدنى ~~البصائر أن يبصر الإنسان رشده. # قوله تعالى : ( ولنبينه لقوم يعلمون ) صرف الله فهم خطابه عن ~~قلوب الأعداء ، وفسح لطائفها وحقائقها للأولياء ؛ لأن خطاب الحبيب لا يعرفه ~~إلا الحبيب يلطف بأهله ؛ حيث وهبهم فهم كلامه ، حتى أدركوا بمواهبه السنية ~~التي أودعت قلوبهم أنوار الغيوب والعلم بإدراك مكنون خطابه ؛ لذلك من على ~~الموصوفين بهذه الصفة بقوله : ( ولنبينه لقوم يعلمون ) أي : لقوم ~~يعرفون قدرتي ويفهمون خطابي ، لا لمن لا يعرف مكان خطابي ومرادي من كلامي. # قال ابن عطاء : القوم يعلمون حقيقة البيان ، وهو الوقوف معه حيثما وقف ، ~~والجري معه حيثما جرى ، لا يتقدمه بغلبة ولا يتخلف عنه لعجز. # قوله تعالى : ( اتبع ما أوحي إليك من ربك ) لما ذكر تعالى بيانه ~~لعموم أهل العلم لمتابعتهم أمره خص عليه السلام بما بينهما من أسرار ~~الربوبية ولطائف المحبة وحقائق الانبساط في المقامات والحالات ، وأفرده بها ~~عن جميع الخلق ؛ حيث لا طاقة للخلق لمطالعة تلك ms0383 الأسرار ، ولا قوة لهم لحمل ~~واردات تلك الأحوال غير النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه مؤيد بالقوة الأزلية ~~والنصرة الأبدية. # قال تعالى : ( اتبع ما أوحي إليك من ربك ) أي : استعد لحمل ~~واردات سطوات الألوهية ، وجذبات أنوار نعوته الأبدية ، وإنها خاصة لك ، ألا ~~ترى كيف وصف نفسه له في وسط الآية بالفردانية والتنزيه عن أشكال الخليقة ~~بقوله : ( لا إله إلا هو ) أي : هو بوصفه تجلى لك بنعته ووصفه حيث ~~كنت ، خلقت بنعت استعداد تحمل ظهور الأزلية ، وإذا كنت كذلك أنت لا تليق ~~بالمشيرين إلى غيره ، فأنت أعز وأفضل من أن يكون معك في هذا المقام PageV01P390 # أحد من المغيرين بحالهم ، وهذا معنى قوله سبحانه : ( وأعرض عن ~~المشركين ). # وكان عليه السلام له مقامات في الوحي ، كان له وحي خاص الخاص له لا لغيره ~~، وذلك موضع سر السر في دنو الدنو ، حيث خصه الله بذلك بقوله : ( ~~فأوحى إلى عبده ما أوحى ) [النجم : 10] ، وله وحي خاص له ولخواصه وإخوانه ~~من الأنبياء والأولياء بقوله تعالى : ( والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ) [الشورى : 13] ، وله وحي ~~عام ، وهو قوله تعالى : ( بلغ ما أنزل إليك من ربك ) [الأنعام : 16]. # قال بعضهم : الوحي سر عن غير واسطة ، والرسالة والإنزال ظاهر وبواسطة ؛ ~~لذلك قال : ( بلغ ما أنزل إليك من ربك )؛ لأن الوحي كان خاصا له ~~مستورا ؛ لقوله : ( فأوحى إلى عبده ما أوحى )، ( واتبع ما ~~يوحى إليك من ربك ) [الأحزاب : 2] ، والإشارة للأولياء في ذلك تأديبا لهم ، ~~حيث يتعارض إلقاء العدو ووحي الله ، أي : دعوا ما سوى الوحي من الهواجس ~~والوسواس ، واتبعوا ما يجل في قلوبكم من الخطاب الذي وصفه قدس القلوب ، من ~~الخواطر والعوارض ، ألا ترى إلى قوله عليه السلام لوابصة : «دع ما يريبك إلى ~~ما لا يريبك» (1)، و «استفت قلبك ، ولو أفتاك المفتون» (2). # ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير ~~علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون ~~(108) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن ms0384 بها قل إنما الآيات ~~عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (109) ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ~~كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون (110) ولو أننا نزلنا ~~إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا ~~إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون (111) وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ~~شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما ~~فعلوه فذرهم وما يفترون (112) ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون (113) أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي ~~أنزل إليكم PageV01P391 # الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك ~~بالحق فلا تكونن من الممترين (114) وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل ~~لكلماته وهو السميع العليم (115) وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل ~~الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (116) إن ربك هو أعلم من يضل عن ~~سبيله وهو أعلم بالمهتدين (117) فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم ~~بآياته مؤمنين (118)) # قوله تعالى : ( كذلك زينا لكل أمة عملهم ) إن الله سبحانه ابتلى ~~العموم بالدنيا وأعمالها في نفع الجاه والمال ، وابتلى الخصوص برؤية ~~المعاملات الأخروية ورؤية أعواضها ، فمن كان غير أهله أبقاهم فيها ، وحجبهم ~~بها عن لذة قربه ووصاله ، ومن كان أهلا له من العارفين والمتحققين رفعها عن ~~عينه حتى لا يرى وزنا ، ولا يزنها مقدار عند رؤية امتنانه بما سبق لهم من ~~اصطفائيته وخاصيته بالولاية والمعرفة ، زين للبطالين شرور أعمالهم ~~النفسانية حتى يروها مستحسنة ، ( الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ~~وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (104)) [الكهف : 104]. # قال تعالى : ( يحسبون أنهم يحسنون صنعا )، وزين للمجاهدين ~~أعمالهم في العبادة حتى يزيد رغبتهم فيها. # قال الواسطي : زينت الأعمال عند أربابها ؛ فأسقطوا بها عن درجة المتحققين ~~إلا من عصم بنور المشاهدة ، فشاهد المنة في التوفيق بل شاهد المنان. # قوله تعالى : ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ) أضاف الحق سبحانه تقليب ~~القلوب والأبصار إلى نفسه ، فكل موضع قلب القلوب إلى رؤية صفاته وذاته ms0385 بنعت ~~المحبة والشوق والمعرفة اتبعتها الأبصار بمطالعتها أنوار القدرة والعزة في ~~الآيات ، فوافقت الأبصار القلوب بتصحيح المعاملات وتقديس الأسرار وصفاء ~~الحالات ، وكل موضع صرف القلوب عن الإقبال إليه انصرفت الأبصار عن مطالعة ~~المشاهد في الشواهد ؛ لذلك استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : «يا مقلب ~~القلوب ثبت قلبي» (1). # قال النصر آبادي : النفوس في التنقيل ، والقلوب في التقليب ؛ لذلك قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : «يا PageV01P392 # مقلب القلوب» (1). # وقال أبو حمزة : أقبل الله على قلوب فأقبلت عليه ، وأعرض عن قلوب فأعرضت عنه. # قوله تعالى : ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته ) أخبر ~~تعالى عن سابق كلماته الصفاتية الأزلية يكلم بها بنفسه مع نفسه في نفسه ؛ ~~لاختصاص أهل ولايته واصطفائيته بخالصة محبته ، واجتبائه صفوة أهل معرفته ~~وتوحيده بغير علة اكتسابهم خيرا وشرا ولا نقضا لإبرام قضيته ، ولا ناقضا ~~لميثاق مشيئته ، سبقت منه العناية لهم بوصف استجلاب أرواحهم إلى معادن قدسه ~~، واجتذاب قلوبهم إلى مجالس أنسه ، تمت كلمته بحسن قبولهم ، حيثما اشترط ~~علة العبودية ، وتمام كلماته صدق مواعيده بلطف عنايته بلا مكافأة منهم لها ~~، وهو تعالى بذلك عادل ؛ حيث اصطفاهم بوضع خزائن معرفته في قلوبهم ، وهو ~~لها أهل ، ولهم من عنايته استعداد لقبول أمانته بشرط الرعاية ، واصطفاء ~~أسماع قلوبهم بحياطتها حتى لا تشوبها أذكار الحدثان وخطرات الطغيان ، لا ~~مبدل لكلماته ، لا يدخل في ديوان سبق رحمته لأهل عنايته طوارق قهره من علة ~~ما طرأ عليهم من وارد امتحانه ، كما قال تعالى : «سبقت رحمتي غضبي» (2). # قيل في تفسير قوله : ( صدقا وعدلا ): صدقا للأولياء تفضلا عليهم ~~، وعلى الأعداء أخذهم بميزان العدل. # قال مقاتل : صدقا فيما وعد ، وعدلا فيما حكم. # ( وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم ~~عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو ~~أعلم بالمعتدين (119) وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم ~~سيجزون بما كانوا يقترفون (120)) # قوله تعالى : ( وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم ) وصف الله ~~سبحانه أئمة الضلالة ms0386 أنهم سقطوا من طريق الصواب ، فلما رأوا فضاحة أنفسهم ~~أرادوا أن يكون أهل الإرادة من الصديقين مثلهم ، فيزينون لهم طريق الشهوات ~~، قال تعالى : ( وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ) [المائدة : ~~77] ، وذلك من جهلهم الله ، ويعلمه الذي شامل على كل موجود. PageV01P393 # قال القرشي في تفسيره قوله : ( وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير ~~علم ) يتبعون مرادهم ، ويتركون أوامر الكتاب والسنة. # قوله تعالى : ( وذروا ظاهر الإثم وباطنه ) ظاهر الإثم ما ذمه ~~الكتاب والسنة ، وباطن الإثم ما ذمه باطن علم الكتاب والسنة. # وأيضا : ظاهر الإثم ما لم يوافقه العقول ، وباطن الإثم ما لم توافقه ~~القلوب. # وأيضا : ظاهر الإثم ما يعوج الجوارح عن طريق السنة ، وباطن الإثم ما يشوش ~~القلوب عند رؤيته المشاهدة. # وأيضا : ظاهر الإثم حب الدنيا ، وباطن الإثم حب الجاه. # وأيضا : ظاهر الإثم ما يغرك برؤوسها من الأعمال ، وباطن الإثم ما يسكن ~~إليه قلبك من الأحوال. # قال بعضهم : ظاهر الإثم رؤية الأفعال ، وباطنه الركون إليها في السر باطنا. # قال سهل : اتركوا المعاصي بالجوارح ، وحبها بالقلوب. # قال الشبلي : ظاهر الغفلة ، وباطنه لسان المطالعة عن السوابق. # وقيل : باطن الإثم خفي العقائد ، ومسترقات الألحاظ. # ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (121) ~~أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون (122) وكذلك ~~جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما ~~يشعرون (123) وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ~~الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد ~~بما كانوا يمكرون (124) فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد ~~أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس ~~على الذين لا يؤمنون (125) وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم ~~يذكرون (126)) # قوله تعالى : ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ) بين ms0387 الله ~~سبحانه من الناس خلق على طبع الشياطين بقوله : ( شياطين الإنس ~~والجن )، وهم أهل السالوس ، والناموس ، والمتقشفين بزي الظاهر ، المدعين ~~مقامات أولياء الله ، يأخذون مزخرفات PageV01P394 # الشياطين بقلوبهم ، ويترفعون بألفاظ الطامات ، ويغزون بها من لا يعرف ~~الحق من الباطل. # قال أبو عثمان المغربي في هذه الآية : يلقون على ألسنة المدعين ما يقطعون ~~به الطريق على المتحققين ، ولما ذم الله المدعين الذين ماتت قلوبهم في ~~ظلمات الطغيان واحتجبت بها عن أنوار العرفان وصف بعد ذلك إحياء المعارف ~~بأنوار الكواشف بعد أن كانوا محجوبين بالعدم عن نور القدم بقوله : ( ~~ أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ) أي : ~~أو من كان ميتا بالعدم فأحييناه بنور القدم. # وأيضا : أو من كان ميتا بالمجاهدات فأحييناه بروح المجاهدات. # وأيضا : أو من كان ميتا بشهوات النفس فأحييناه بصفاء القلب ، ومن كان ~~ميتا بالخليقة فأحييناه برؤية الحقيقة. # وأيضا : من كان متمنيا برؤية الثواب ، فأحييناه برؤية المآب إلى الوهاب. # ( وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ) أعطيناه نور الفراسة يحكم ~~باستشراق قلبه على الهموم بنور الفراسات في قلوب الناس. # وأيضا : ألبسناه أنوار الغيب فيكون سراجا بين الناس لهداية الناس ~~بإنقاذهم من وثائق الوسواس. # وأيضا : كسينا روحه نور مشاهدتنا ، وعقله نور آياتنا ، وقلبه نور صفاتنا ~~، وسره نور ذاتنا ، وصورته نور حضرتنا ، وجعلنا جميع وجوده نورا بين ~~الخلائق ؛ ليهتدي به كل ضال من سبيل الرشاد هذا كالذي في ظلمات طبيعته ~~ونفسه ، وهاوية هواه متحير لا يهتدي إلى طريق الحق ؛ لأنه في حجاب القهر ~~أبدا ، ووصف امتنانه على المريدين الصادقين ، وتفضله على المقبلين ، وقهره ~~على المفلسين ، وأضاف الهداية والضلالة إلى عنايته الأزلية وكفايته الأبدية ~~وقهره السابق في المشيئة ، وسمي المريد الصادق ميتا قبل وجدان نوره وروح ~~حياته قربه ؛ لأنه كان من المقصرين ، وإن كان بعد ذلك من المتوفرين ؛ لأن ~~أكابر المعرفة كانوا أحياء في بساتين لطف مشاهدته تحت أذيال ألطاف قربه ~~أحياء من الأزل إلى الأبد. # قال جعفر عليه السلام في قوله : ( أومن كان ميتا فأحييناه ) بنا ، ~~وجعلناه إماما ms0388 يهتدي بنور الأجانب ويرجع إليه الضلال ( كمن مثله في ~~الظلمات ) كمن يرى شهوته وهواه ، فلم يؤيد بروائح القرب ومؤانسة الحضرة. # قال ابن عطاء : ( أومن كان ميتا ) بحياة نفسه وموت قلبه ، ( ~~ فأحييناه ) بإماتة نفسه وحياة قلبه ، سهلنا عليه سبل التوفيق ، ~~وكحلناه بأنوار القرب ، فلا يرى غيرنا ، ولا يلتفت إلى سوانا. PageV01P395 # قال الجريري : إذا أحيى عبدا بأنواره لا يموت أبدا ، وإذا أماته بخذلانه ~~لا يحيى أبدا. # وقال جعفر عليه السلام : أو من كان ميتا بابتعاده عن الطاعات ( ~~فأحييناه وجعلنا له ) نور التضرع والاعتذار. # وقال بعضهم : ( ميتا ) برؤية الأفعال ( فأحييناه ) برؤية ~~الافتقار. # قال القاسم : أحيا أولياءه بنور الانتباه كما أحيى الأجساد بالأرواح. # وقال سهل : ( أومن كان ميتا ) بالجهل ( فأحييناه ) ~~بالعلم. # وقال ابن عطاء : ( أومن كان ميتا ) بالانقطاع عنا ( ~~فأحييناه ) بالاتصال بنا ( وجعلنا له نورا ) أيضا ، لا كمن تركناه ~~في ظلمة الانقطاع. # وقال الأستاذ : الإيمان عند هؤلاء القوم حياة القلب بالله ، وأهل الغفلة ~~إذ ألهموا الذكر ، فقد صاروا أحياء بعد ما كانوا أمواتا ، وأرباب الذكر لو ~~اعتراهم نسيان ، فقد ماتوا بعد الحياة ، والذي هو في أنوار القرب ، وتحت ~~شعاع العرفان ، وفي روح الاستبصار لا بد أنه من هو في أسرار الظلمات ، ولا ~~يساويه من هو رهين الآفات. # وقد وجد خاطري خاصية لطيفة في حقيقة تفسير الآية : إن المراد بالميت : ~~الفاني في عالم نكرة التوحيد ؛ حيث بدت له صواعق سطوات الكبرياء والعظمة ، ~~فأحياه بروح بقائه ومشاهدة أبديته ، حيث ينتعش من بيداء النكرة بأنوار ~~المعرفة ، يمشي بالأسرار والأرواح في أنوار البقاء ، لا يحتجب عن أنوار ~~جمال وجهه أبدا ، فيحيي به كل قلب ميت ، وتطمئن برؤيته كل نفس مفترة عن ~~طاعة ربها ، مفتونة بظلمات شهواتها ، ولما استأثر إحياء ميته وإعطاء نوره ~~لنفسه ومدحه بذلك وبين مزيته على المدبرين حصن نفسه بالعلم الإلهي بوضع ~~ولايته ورسالته في الأماكن المستعدة بقبول نوره وهدايته بقوله : ( ~~الله أعلم حيث يجعل رسالته )، بين أنه يعلم من بطنان صميم الفؤاد والأرواح ~~والأسرار ، وخزائن مواهبه السنية من النبوة الولاية والرسالة والمحبة ~~والمعرفة ، ونبهنا بأنه ms0389 أراد في الأزل وضع ودائع أسراره في ملكوت القلوب ، ~~فنظر من نفسه إلى نفسه ، فأشرق نور صفاته وذاته ، وسطع ضياء مشاهدته ، ثم ~~عكس ذلك إلى غيب غيبه ، فأظهر منه أرواح القدسية الملكوتية اللاهوتية ، ~~فوضع في نفوسها أنوار الولاية والرسالة والنبوة ، وأفردها بتلك الخاصية عن ~~جميع الخلائق تفضلا وكرما ، ما اعترته في ذلك علة الحوائج ، لكن جعلهم سبل ~~الخلق والمناهج ، بهم يهتدون إلى عبودية خالقهم وعرفان ربوبية سيدهم ، ومن ~~خصه الله بذلك لا يضره حسد الحاسدين ولا كيد الكائدين ، بل يزيد شرفه أبد ~~الآبدين ، والحمد لله الذي خص نبينا صلى الله عليه وسلم بذلك ~~صلى الله عليه وآلهوسلم ، إرغاما لأنوف عواديه ، وانتصارا لمواليه. PageV01P396 # وقال النصر آبادي : الله تعالى يعلم الأوعية التي تصلح لسره ومنازلاته ~~ومكاشفاته ، فيرنيها بخواص الأنوار ، ويلطفها بلطائف الاطلاع. # قال أبو بكر الوراق : كما أن الملوك يعلمون مواضع جواهرهم وخزائنهم ، ~~ويجعلونها في أشرف الأماكن وأروحها وأخصها ، فالله يعلم حيث يجعل ويضع ~~نبوته ورسالته وولايته ، ثم إن الله سبحانه إذا أراد أن يضع جوهر معرفته في ~~وعاء قلب عبده يفسحه نور تجليه ، ويكسيه لباس نور كسوة ربوبيته ؛ ليطيق حمل ~~أثقال أمانته من المعرفة والمحبة والولاية ؛ ليسهل عليه حمل عظيم ودائع ~~أسراره ، وفوائد طوارق أنواره ، بقوله : ( فمن يرد الله أن يهديه ~~يشرح صدره للإسلام ) أي : من يرد الله أن يهديه إلى نفسه ويعرفه صفاته ، ~~ويريه جلال ذاته ، يوسع صدره بلطيف أنوار قربه وحلاوة خطابه حتى يعرفه به ~~لا بسواه ، ويراه بنوره لا بنفسه. # قال النهرجوري : صفة المراد خلوة مما له وقبوله مما عليه ، وسعة صدره ~~بمراد الحق عليه ، قال الله : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ). # يقال في هذه الآية : نور في البداية هو نور العقل ، ونور في الوسائط هو ~~نور العلم ، ونور في النهاية هو نور العرفان ، فصاحب العقل مع البرهان ، ~~وصاحب العلم مع البيان ، وصاحب المعرفة في حكم العيان. # وفي تفسير هذه الآية أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم من كيفيته وأماراته فيما ~~روى ابن مسعود رضي ms0390 الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ~~ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام )، قالوا : يا رسول الله ~~ما هذا الشرح؟ قال : نور يقذف في القلب ، فيفسح له القلب. فقيل : هل لذلك ~~من أمارة يعرف بها؟ قال : نعم. قيل : وما هي؟ قال : الإنابة إلى دار الخلود ~~، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل النزول» (1). # بين عليه السلام بوقوع نور التجلي في القلب فسحته بانتشار سناه فيه بعدما ~~خلا بالله من بوادي أسراره ، وإلباسه ضياء قربه ووصاله ، وذلك محض الجذب ~~بنعت العناية إلى مشاهدته ، فنعته في ذلك التسارع في عبوديته ، وسرعة ~~القيادة لظهور ربوبيته ، وغلبة شوق جماله عليه عند تجافيه عن كل مألوف ~~ومحبوب ، وهذا أحسن الصراط إلى الله ، المستقيم عن الاضطراب من جهة النفس ~~والاعوجاج ، بإلقاء العدو بقوله : ( وهذا صراط ربك مستقيما ) ~~الصراط المستقيم بالحقيقة طريق الصفات إلى الذات بنعت المعارف والكواشف. PageV01P397 # والإشارة : في قوله : ( وهذا صراط ربك مستقيما ) دليل قولي ؛ لأن ~~هذا إشارة إلى القرآن ، والقرآن صفته القديم ، وهو طريق إلى ذلك القديم ~~بنعت مباشرة التجلي ووجدانه بوصف المحبة والمعرفة. # قال ابن مسعود رضي الله عنه : صراط ربك هو القرآن ؛ لذلك ارتضى لنفسه ؛ ~~لأنه صفته وهو صراط ممهد لسير الأرواح من معادن الأشباح إلى عالم الأفراح ، ~~مستقيم لقوامه بذاته القديم ، لا ينقطع المعتصم بحبله والمقتدي بأسوته. # وأيضا فيه نكتة شريفة وهي : أن قوله : ( وهذا صراط ربك ) خصه ~~لنفسه ، أي : هو يأتي بنعت تجليه وظهور الصفات والذات بهذا الطريق إلى ~~أصفيائه وأوليائه وأحبائه ، لم يقل : هذا صراطكم إلي ، بل قال : ( ~~وهذا صراط ربك ) الذي أكشف فيه نقاب الحشمة عن جمال وجهي ، حتى ينظر إلي من ~~يتمسك بحبلي ، والمقبل إلي بصراطي. # قال أبو عثمان : أهدى الطرق وأقومها طريق المتابعة ، وأهدى السبل وأضلها ~~طرق الدعاوى بالمخالفة. # قال سهل : التوحيد والإسلام صراط ربك مستقيما ، ولما هداهم إلى صراطه ~~المستقيم ، ومنهجه القويم الذي ينكشف جلاله وجماله لسالكه ، الذي لم يكن ~~لإقباله إدبار ، ولم يكن لهفواته إصرار ، وصفهم بالسلامة في دار ms0391 رضوانه ~~ومربع غفرانه ، وجعل لهم هناك منازل الرفاهية ، وفتح فيها عليهم روازن ~~العافية ، التي هي مشاهدته بلا حجاب بقوله تعالى : ( لهم دار ~~السلام عند ربهم وهو وليهم ). # ( لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون (127) ~~ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من ~~الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم ~~خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (128) وكذلك نولي بعض ~~الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون (129) يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل ~~منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا ~~وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (130) ذلك أن لم ~~يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون (131) ولكل درجات مما عملوا وما ربك ~~بغافل عما يعملون (132)) # قوله تعالى : ( لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم ) دار السلام ~~: ساحة جلاله PageV01P398 # وحظائر قدس صفاته ، ومساقط وقوع أنوار الجلال ، التي هي منزهة عن خطر ~~الحجاب وعلة العتاب وظرفان العذاب ، حاشا منها عند الكريم الوهاب ، الذي هو ~~وليهم بنعت رعايتهم ، وكشف جماله لهم بالعوافي الأبدية والسلامة السرمدية. # وأيضا : ( السلام ) هو الله سبحانه الذي وصف نفسه بالسلام ؛ لئلا ~~يفرق منه قلوب العارفين ، ولا يفزع من جماله أرواح المحبين ، ولا يخاف من ~~جلاله أسرار الواصلين ؛ لأنه معدن سلامة المقبلين إليه بنعت المحبة ، وداره ~~قلوب عشاقه التي هي محل كنوز أسراره ومواهب أنواره ، ومعدن أنبائه العجيبة ~~، ولطائفه الغريبة ، وفواتح لوامع سبحاته الأزلية ، وهي بتقلبه في أنوار ~~الصفات والذات بقوله : ( عند ربهم )، ولقول صفيه صلى الله عليه وسلم ~~: «القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء» (1)، وهو وليهم ~~تعالى بحفظها ورعايتها ؛ حتى لا يدخلها هواجس النفسانية ، وغمرات وساوس ~~الشيطانية ، ما أحسن مناظرها! وما ألطف مطالعها! وما أكرم لطائفها! وما ~~أنعم بهجتها! وما أطيب حلاوة محبتها!. # وأيضا : علقهم بالدار الكرامة الجار ، ولو علقهم بالجار لم يبق في البين ~~؛ لحديث الدار ، لكن بقي في القوم بعض إزاغة ms0392 أبصارهم بنعت الالتفات عند ~~الامتحان إلى غير وجه الرحمن من النعيم والجنان ، فعلقهم بها لوقوع علة ~~الحدثان ، لكن بفضله ما خلاهم فيها حين قال : ( وهو وليهم ) يعني : ~~يرفعهم عن رؤية الغير في البين ، قال تعالى : ( كل شيء هالك إلا ~~وجهه ) أي : كل حادث مضمحل عند انكشاف وجه القدم. # وإذا كان تعالى بنفسه دعاهم فإن جميع المنازل طابت ، إما في الدنيا ، ~~وإما في الآخرة ؛ لأن بحفظه طابت الأكوان ، وبحسن جواره تلذذت الحدثان ، ~~وأنشد في معناه : # سلام على سلمى وإن شط دارها %~% سلام على الأرض قديم بها العهد سلام على جاراتها لجوارها %~% سلام حزين وامق شفه الصد إذا نزلت سلمى بواد فماؤها %~% زلال وسلسال وتيجانها ورد يا عارف لو تراه في وسط النار بردا وسلاما %~% وتكون جمراتها وردا وريحانا # ألا ترى إلى قوله سبحانه في وصف خليله صلى الله عليه وسلم حين أدخله في دار ~~سلامته ، ( يا نار كوني بردا وسلاما ) [الأنبياء : 69]. # انظر إلى شأن البدوي العاشق كيف يقول في حال حبيبه : # يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى %~% إليكم تلقى طيبكم فيطيب PageV01P399 وما ذاك إلا حيث أيقنت أنه %~% يمر بواد أنت منه قريب # وأيضا : # أهوى هواها لمن كان ساكنها %~% وليس بالدار لي هم ولا حظر # وأيضا : # إني لأحسد جاركم بجواركم %~% طوبى لمن أضحى لدارك جارا يا ليت جارك باعني من داره %~% شبرا فأعطيه بشبره دارا # قال سهل : دار السلام هو الذي يسلم فيه من هواجس نفسه ووساوس عدوه. # قال بعضهم : دار السلام هو محل السلامة من القطيعة. # قال بعضهم : دار السلام هو الذي يكرمهم الله فيه بالسلام عليهم ، وهو ~~قوله ( سلام عليكم بما صبرتم ) [الرعد : 24]. # ( وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما ~~يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين (133) إن ما توعدون لآت وما أنتم ~~بمعجزين (134) قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون ~~له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (135) وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ~~والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ms0393 فما كان لشركائهم فلا ~~يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون (136) وكذلك ~~زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ~~ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون (137) وقالوا هذه أنعام وحرث حجر ~~لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم ~~الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون (138) وقالوا ما في بطون ~~هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء ~~سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (139) قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير ~~علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين (140) ~~وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله ~~والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم ~~حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (141)) PageV01P400 # قوله تعالى : ( وربك الغني ذو الرحمة ) أخبر تعالى عن الصفتين ~~القديمتين الصادرتين من الأزل للعموم والخصوص من الحدثان ، بفنائه استغنى ~~عن طاعة المطيعين ، وبرحمته رحم كل العاصين ، حين لا ينفعه طاعة المطيعين ، ~~ولا يضره عصيان العاصين ، ملابسة أقطار الحدثان من لطائف الإنعام من بحار ~~رحمته مطر لطفه على الأنعام ، غناه أغنى العارفين عن الكونين ، ورحمته شملت ~~كل العالمين ، فقال : سماع غناه يوجب محوهم ، وسماع رحمته يوجب صحوهم. # وقال الأستاذ : ( الغني ) يشير إلى غيره ، والرحمة تشير إلى لطفه ~~، أخبرهم بقوله : ( الغني ) عن جلاله ، وبقوله : ( ذو ~~الرحمة ) عن أفضاله ، فبجلاله يكاشفهم فيفنيهم ، وبأفضاله يلاطفهم فيحييهم. # قوله تعالى : ( وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ) إن ~~لله سبحانه في قلوب العارفين جنان ورد المشاهدات وعبر المكاشفات ، وزهر ~~الجمال ، ونور الوصال وياسمين المودة ، ورياحين الزلفى ، فبعضها معروشات ~~بكرم حقائق معاملاتها وحالاتها ، بحيث تلاصق ثمراتها إلى حضرة القديم ، ~~وأنوار معارفها تسطع إلى سماء اليقين ؛ لقوله سبحانه : ( إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) [فاطر : 10] ، وذلك من جذب الله صميمها ~~وأغصان أنوارها إلى قربه بقوة أزلية في إرفاعها إليه ، ويضع ms0394 ثمراتها غير ~~معروشة لبقائها على أشجار الهموم والفهوم ؛ ليتناولها كل طالب وكل مريد ~~صادق ، تحلها هو الإيمان الثابت في أرض القلب ، وفرعها في عالم الملكوت ، ~~قال تعالى : ( أصلها ثابت وفرعها في السماء ) [إبراهيم : 24] ، ~~وزروعها تنبت فيها من بذر المحبة ، وهي مختلفة ثمراتها ، فمنها الأنس ، ~~ومنها القدس ، ومنها الشوق ، ومنها العشق ، ومنها الخوف ، ومنها الرجاء ، ~~ومنها العصمة ، ومنها المعرفة ، ومنها التوحيد ، ومنها التجريد ، وزيتونها ~~إخلاصها ، تنبت من أنس الوصال بدهن نور الجمال ، وصبغ صبح الجلال متشابها ~~في لباس الالتباس ، منبتها في منظر نور التجلي. # قال تعالى في وصفها : ( يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ~~ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ) [النور : 53] ، ~~ووصفها أيضا بقوله : ( وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ ~~للآكلين ) [المؤمنون : 20] ، ومن هاهنا خاطب كليمه يقوله : ( نودي ~~من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا ~~الله ) [القصص : 30] ، ورمانها شجرة الإلهام الذي ثمره PageV01P401 # حكمة الحقائق ولطائف الدقائق. # ( متشابها وغير متشابه ) مقاماتها بعضها متدانية من بعضها ، ~~وبعضها متباعدة من بعضها ؛ لأن بعضها معاملات وبعضها حالات واردات ، وبعضها ~~مكاشفات ، وبعضها أسرار ، وبعضها أنوار ، فخاطبهم رب هذه البساتين بأن ~~يستمتعوا بثمراتها ومنافعها لزيادة قوة الإيقان ونور الإيمان بقوله : ( ~~ كلوا من ثمره إذا أثمر ). # ثم أمرهم بأن يعطوا زكاة هذه النعم المتواترة إلى المريدين الطالبين ~~بإخراج لطائفها بنعت البيان على لسان العلم ، ونشر فضائل المقامات والحالات ~~بقوله : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) أي : يوم أكملت الأحوال ، ~~واستقيمت الأعمال بنعت التمكين والاستقامة. # ثم أمرهم بألا يبخلوا ، ولا يكتموا عن أهلها هذه النعم الغيبية المستفادة ~~من لطف الله العزيز بقوله : ( ولا تسرفوا ) فإن كتمانهم عن أهلها ~~ظلم وإسراف ( إنه لا يحب المسرفين ) (1) يعني : من كتمانها يكون ~~محتجبا بعدها ، ما هذه البساتين ، ما أطيب ثمراتها! وما ألطف زهراتها! وما ~~أعذب أنهارها! وما أشرق شموسها! وما أنور أقمارها! وما أزهر خضرتها! وما ~~أكرم نضرتها! وما أحلى أصوات ألحان بلابل أشجارها حين ترنمت بسبحاتي : وأنا الحق. ms0395 # قال الأستاذ في تفسير هذه الآية : بساتين القلوب أتم من جنان الظاهر ، ~~فأزهار القلوب مونقة ، وشموس الأسرار مشرقة ، وأنهار المعرفة زاخرة. # وقال : أما إخراج البعض فبيانه على لسان العلم وشهود المنعم في عين ~~النعمة أتم من الشكر على وجود النعمة. # ( ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا ~~خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (142) ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن ~~المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ~~نبئوني بعلم إن كنتم صادقين (143) ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل ~~آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ ~~وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن ~~الله لا يهدي القوم PageV01P402 # الظالمين (144) قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ~~إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير ~~الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (145) وعلى الذين ~~هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ~~ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون ~~(146)) # قوله تعالى : ( ومن الأنعام حمولة وفرشا ) أي : من قوى الإنسانية ~~ما لا يحمل أثقال المجاهدات ، ومنها ما يحمل أثقال وقار الامتحانات ، فما ~~يحمل الإنسانية يضعف تحت امتحان الله ، وما يحمل بقوى الربانية يكون مطية ~~حمل أمانة المعرفة ، قال تعالى : ( وحملها الإنسان ) [الأحزاب : ~~72] ، ألا ترى قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : «والله ~~ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية ، وإنما قلعتها بقوة ربانية». # وقوله تعالى : ( كلوا مما رزقكم الله ) للأشباح رزق ، وللأرواح ~~رزق ، وللقلوب رزق ، وللعقول رزق ، وللأسرار رزق ، وأما رزق الأشباح فما ~~استطابته من عالم الفعل بما وافقه العلم ، وأما رزق الأرواح فمشاهدة تجلي ~~الصفات ، وأما رزق القلوب فما ينكشف لها من أنوار الغيوب ، وأما رزق العقول ~~فما يلوح لها من ms0396 سنا الآيات ، وأما رزق الأسرار فما تجلى فيها من مكنون ~~علوم الخاص في رؤية الذات. # قال الأستاذ : الرزق ما يحصل به الانتفاع ، وينقسم إلى رزق الظواهر ~~والسرائر ، فهذا وجود النعم ، وذاك شهود الكرم ، بل الجمود في وجود العدم ، ~~وللقلب رزق ، وهو التحقيق من حيث العرفان ، وللروح رزق ، وهو المحبة بصدق ~~التجرد عن الأكوان ، وللسر رزق ، وهو الشهود ، والذي قرينه العيان. # ( فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم ~~المجرمين (147) سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم ~~فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148) قل فلله الحجة ~~البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (149) قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله ~~حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا ~~والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون (150)) PageV01P403 # قوله تعالى : ( فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة ) فيه تسلية لقلب ~~نبيه صلى الله عليه وسلم وأطماعه من الله سبحانه في إرجاع من سبق له في الأزل ~~حسن عنايته إلى باب كرمه وعفوه وإن كان في صورة الامتحان ، أي : هو واسع ~~الرحمة على الأكوان وأهلها ، يتحمل جفاء المدبرين ويواسيهم بما يصلح ~~لأبدانهم من المعاش ، ويقبل على المقبلين ، فيربي قلوبهم بلطائف خطابه ~~وأنوار جماله. # وأيضا : رغب الجمهور مع ما هم فيه إلى سواحل بحار لطفه ، وساحة جلال كرمه ~~؛ شوقا منه إلى وصول مصنوعاته من الأرواح والأشباح إليه ، وفيه مواساة قلب ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، أي : فإن جفوك فقل : ( ربكم ذو رحمة ) ~~بتخليصي وتخليص أوليائه عن جواركم إلى جواره الكريم. # قال سهل : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : من أعرض عنك فرغبه في ، فإنه من ~~رغب فينا ففيك رغب لا غير ، قال الله : ( فإن كذبوك فقل ربكم ذو ~~رحمة ) أطمعهم في الرحمة ، ولا تقطع قلبك عنهم. # قال الأستاذ : الإشارة فيه بيان تخصيصه الأولياء بالرحمة ، وتخصيص ~~الأعداء ms0397 بالطرد واللعنة ، فالصورة الإنسانية جامعة لهم ، والقسمة الأزلية ~~فاصلة بينهم. # قوله تعالى : ( قل فلله الحجة البالغة ) بين سبحانه أن ألسنة ~~الإسرار وإن كانت فصيحة ناطقة بحجج الحكمة المستفادة المتلقفة من فلق إلهام ~~الغيب عند مسامرتها مع الحق في الشهود ، فخرس عند بوادي حجج العدم ، ~~ومناقشته عند لطائف العتاب ، أي : له حجة كاملة قاطعة ألسنة الخواطر عند ~~وضوح بيان إشاراته في الإسرار ، وهذا المعنى لا يعرفه إلا أصحاب مسامرة ~~ومحاضرة ، الذي خرج من نعوت الإنسانية عند شهود الغيب. # قال النصر ابادي : الخلق كلهم منعتهم شدة الحاجة عن معاني رؤية الحجة ، ~~ولو أسقط عنهم الحاجات لكشف لهم براهين الحجة. # قال الحسين : لكل حجة حكم وأمر ونهي ، وبيان وسر ، وعلم ومعرفة ومشيئة ، ~~فاعرفوا الله في كل مقام يتعرف إليكم في كل ساعة. # وقال الجنيد : آثار مشيئة الهداية تنبيه عند أهل الهدى. # وقوله تعالى : ( فلو شاء لهداكم أجمعين ) أضاف علم البيان وهداية ~~العرفان إلى مشيئته الأزلية ، يختص بعلم الإلهام والحجة والبرهان من يشاء ~~من أهل الإيقان ، ومن لم يكن له استعداد رؤيته ومحبته وصلته لم يكن له حجج ~~في أجوبته أهل الحقائق عند مجازاة الدقائق ونشر علوم الغيبة ، تظهر لأجنانه ~~حجته ويبهم حجته ، ويبهم على قلوب المتكلفين إلهامه PageV01P404 # وبيانه. # ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا ~~تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون (151)) # قوله تعالى : ( ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن )، ( ~~ الفواحش ) عرائس الدنيا ، ما ظاهر منها زينتها وخضرتها ، وما بطن ~~حب الرياسة والجاه. # قال المحاسبي : الفواحش ما أريد بها غير الله. # قال بعضهم : ما ظهر من الفواحش في الأفعال هو الوفاء ، وما بطن منها ~~الدعاوي الكاذبة. # ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ~~وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ~~ولو كان ذا قربى ms0398 وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (152) وأن ~~هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم ~~به لعلكم تتقون (153) ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا ~~لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون (154) وهذا كتاب أنزلناه مبارك ~~فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون (155) أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين ~~من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين (156) أو تقولوا لو أنا أنزل علينا ~~الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب ~~بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا ~~يصدفون (157) هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض ~~آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ~~أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون (158) إن الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما ~~كانوا يفعلون (159)) PageV01P405 # قوله تعالى : ( وإذا قلتم فاعدلوا ) إذا ادعيتم مقام الولاية ~~فاصدقوا بإلقاء نفوسكم إلى قناطر البلايا ؛ فإن الولاية مقرونة بالبلية. # وأيضا : إذا أخبرتم مني باللسان فكونوا حاضرين عندي بالجنان ، وإذا ~~ذكرتموني بالظاهر فكونوا شاهدين مشاهدتي في الباطن ، وإذا شهدتم على معائب ~~عبادي حين تعرفهم شأنها إياهم ، لا تفرغوا في الأمر بالمعروف ، ولا تخافوا ~~عن لومة اللائمين بالنهي عن المنكر ، وكونوا عادلين فيه ، ولا تجاوزوا عن ~~الحدود التي رسمتها في شرائعي. # قال أبو سليمان في هذه الآية : إذا تكلمتم فتكلموا بذكره. # وقال محمد بن حامد : العدل من الكلام ما لا يكون على صاحبه في ذلك بلغة ، ~~عاجلا وآجلا. # وقوله تعالى : ( وبعهد الله أوفوا ) الوفاء بالعهد إقبال القلب ~~إلى الله بلا إدبار بنعت المحبة والشوق حتى يصل إليه ، ولا يحتجب بشيء دونه ~~، ولا يختار عليه غيره. # قال الجوزجاني : العهود كثيرة ، وأحق العهود بالوفاء الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر ، تأمر نفسك بالمعروف ، فإن قبلت منك وإلا رضها بالجوع ~~والسهر ms0399 وكثرة الذكر ومجالسة الصالحين ؛ لترغب في المعروف غيرك ، وتنهي نفسك ~~عن المنكر ، فإن قبلت وإلا فأدبها بالسياحة والتقطع والعزلة وقلة الكلام ~~وملازمته لتنتهي ، فإذا انتهيت فانه الناس عن المنكر. # لما شرع الله سبحانه شوارع الحقيقة ونصب في سبيل معرفته الربوبية وصى ~~عباده باللزوم فيها بنعت الصبر والرضا عند تحمل العناء والسياحة في بحر ~~البلاء للوجدان والتزين بلباس البقاء ، وكذا عقد الحقيقة عليهم ، وحج عليهم ~~؛ تمهيدا للعبودية ؛ وعرفانا للربوبية بقوله : ( هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم ~~تتقون ) صراطه المستقيم متابعة إلهامه وكلامه والشروع في عبوديته لغفرانه ~~وطلب مشاهداته عند تقديس الخاطر عن غيره. # قال جعفر بن محمد : السلام طريق من القلب إلى الله بالإعراض عما سواه ، ~~وأراد بالسبل هاهنا سبل الخطرات المذمومة والهوام النفسانية والوساوس ~~الشيطانية ؛ فإنها مظلمة مفاوزها قاطعة لطريق الميريدين ، وسبيله سبيل ~~الهدى وضوح شموس الصفات في جلال الآيات للعقول الصافية عن أكدار الخليفة. # قوله تعالى : ( ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن ) أي : ~~أعطى موسى ما خص به في المناجاة ؛ حيث يزيد كلامه القديم الذي بين له طريق ~~معارف القدم PageV01P406 # وكواشف الذات والصفات حين تجلى له ، ثم أعطى النور للعموم شريعة وبيانا ~~بالمناهج العبودية ؛ لأنهم عند مشاهدة الجلال وسمع الخاص عند كلام الخاص بمعزل. # قوله : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ) وصف المفترين ~~والمائلين عن الطريقة حقها على المريدين بذل النفوس وأمانتها بالمجاهدات ~~والرياضات بأنهم لما فارقوا سبيل الحق وقعوا في أودية الباطل ، فصاروا فرق ~~الدعاوى الهالكة ، فبعضهم زراقون ، وبعضهم طرارون ، وبعضهم متشابهة بزي ~~الرجال ، وبعضهم متلبسون بقول الإبطال. قال فارس : لم يستقيموا لله على ~~وتيرة واحدة. # ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا ~~مثلها وهم لا يظلمون (160) قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ~~ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (161) قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ~~ومماتي لله رب العالمين (162) لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ~~(163)) # قوله تعالى ms0400 : ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) من بقي على ~~رؤية الأعمال فأجره بحساب ؛ لأن أجره من عالم الحدثان من نعيم الجنان ، ومن ~~رفع بصره عن أعماله بنعت الخجل عند رؤية الرحمن أجره بغير حساب ؛ لأنه ~~لطائف العرفان وموائد الإيقان ، وأصل الحسنة إخلاص العبودية عند ظهور ~~الربوبية ، لذلك قال صلى الله عليه وسلم «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه» (1) ~~، هذا إحسان العارفين الذين أجرهم مشاهدة الله بلا نهاية. # قال بعضهم : من لاحظها من نفسه فعشر أمثالها ، ومن لاحظها من مواصلة الحق ~~فهو الذي يصلي عليكم وملائكته والله يضاعف لمن يشاء. # قوله تعالى : ( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ~~ملة إبراهيم حنيفا ) الصراط المستقيم هاهنا أغرب طريق في المعارف والكواشف ~~، هداه به نبيه إلى نفسه ؛ لأنه خاص بذلك من جميع الخلائق. # ألا ترى إلى قوله : ( قل إنني هداني ربي ) كيف خص هداية نفسه ~~بالرب ، وذلك وقوع الأسرار في منازل الأنوار وطيران روحه في الملكوت ~~والجبروت حين شاهده نور دنو الدنو بوصف الرؤية الكبرى وسامرات الأعلى بقوله ~~: ( ثم دنا فتدلى (8) فكان قاب قوسين PageV01P407 # أو أدنى (9) فأوحى إلى عبده ما أوحى (10) ما كذب الفؤاد ما رأى ~~(11)) [النجم : 8 ، 9 ، 10 ، 11] ما رأى ما جاز عن سبيل القدم بعلة الحدث ~~؛ لأنه كان محفوظا برعاية الأزلية وعناية الأبدية ، بلغ إلى أقوام الطرق في ~~مشاعر الصفات ومشاعر الذات. # ألا ترى إلى قوله : ( دينا قيما ) مستقيما له منزها عن اعوجاج ~~البشرية وطوارق التلوين ؛ لأنه بحجة المحبة وصراط النحلة التي سبلها جذبات ~~الأزل ومكاشفات الأبد ؛ لقوله تعالى : ( ملة إبراهيم ) يعني طريق ~~محبة ملة إبراهيم عليه السلام في خلته ، وإن كان هو مخصوصا بأغرب طريق ~~المعارف من جميع الخلائق ، وصفه بالحنيفية المائلة في طريق المحبة عن غير ~~الحبيب من تلك سبيله وصل إلى حبيبه ؛ لأنه مقدس من شوك الشرك وغبار القطيعة ~~بقوله : ( وما كان من المشركين ) طريق المحبة والخلة واحد في نفس ~~الاقتداء ؛ لأن معدنها عين القدم المنزه عن كل علة. # قال أبو عثمان : الصراط المستقيم الاقتداء ms0401 والاتباع ، وترك الهوى ~~والابتداع ، ألا تراه يقول : ( وما ينطق عن الهوى (3)) [النجم : 3]. # وقيل في قوله : ( دينا قيما ) أي : سليما من الاعوجاج وهواجس ~~النفس ، ووجود لذة المراد فيه ، ولما وصفه عليه السلام باهتداء إلى جلاله ~~وجمال وصفه بتنزيهه عن رؤية جميع الخلائق في عبادة خالقه ، أمره بتعريف ~~حاله ، وقدس سنائه عن الإذاعة في الحدثان بقوله : ( قل إن صلاتي ~~ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ) صلواته وصلة ، وسجوده قربة ، وشهوده ~~مشاهدة ، وركوعه وجد ، وقيامه حيرة ؛ لذلك قال صلى الله عليه وسلم : «قرة عيني ~~في الصلاة» (1)؛ لأن قرة عينه ظهور مشاهدة الله في صلواته ، ولذلك أزه ~~واردات تجلي الجلال والجمال ، حتى قيل : كان يصلي ولحوقه أزيز كأزيز المرجل ~~، أي : هذه الصلاة لله لأنها مقدسة من رؤية غير الله فيها ، ومن مثابتها ~~كانت لله خاصة لخصوصية صاحبها وشرفها على جميع الخلائق ، ولأن الصلاة عبادة ~~، والجهود كانت بالعرض إلا هذه الصلاة ؛ لأنها كانت فناء الحدث في القدم ، ~~وقربان منهم روح الأول على باب الأزل بسيف المحبة والعشق شوقا إلى معدنه ، ~~وهذا معنى قوله : ( نسكي ) فإذا جعل وجوده قربان الأزل حيى بحياة ~~القديم ، ثم فني في ظهور سطوات العزة به ، كانت حياته ومماته ومثل هذه ~~الحياة والممات والنسك والصلاة أن يكون لله رب العالمين لقدسها عن علة حظ ~~الحدثان ، وخطرات علة النسيان. PageV01P408 # قال الواسطي : بيان هذه الآية في قوله سبحانه : ( لله ما في ~~السماوات وما في الأرض ) [النساء : 131] ، فمن لاحظها من نفسه قصمته ، ومن ~~تبرأ منها عصمته ، كيف يجوز الوجدان بلا حظ فضلا. # قيل : من علم أنه بالله علم أن لله ، فإن علم نفس لم يبق فيه نصيب لغير ~~الله ، فهو مستسلم لحكم الله غير معترض على تقدير الله ، ولما كان ~~عليه السلام بوصف ما ذكر حيث انفرد بفردانية الله أفرد نفسه لله بحيث لا يرى ~~غير الله بقوله تعالى : ( لا شريك له ) أي : لا رؤية للغير في ~~البين في ظهور شمس جلاله من مطلع القلب. # قوله تعالى : ( وبذلك أمرت ) أي : هو يستحق لإفراد قدمه عن ms0402 ~~الحدوث ، ولا يستحق ذلك لغيره ، ومادام شأنه ذلك خص الله جوهره بأول الفطرة ~~التي انقادت لعزته عند ظهور تجلي هيبته الأزلية لها. # قال سبحانه عقيب قوله : ( وبذلك أمرت ): ( وأنا أول ~~المسلمين ) إشارة إلى تقدم روحه وجوهره على جميع الكون وأهله في الحضرة حين ~~خاطبه بالرسالة والولاية والمحبة والخلة ، فانقاد في أول الأول الأزلي ~~الأبدي ، تعالى الله عما يقولون الظالمون علوا كبيرا. # وأشار إلى ما ذكرنا قوله عليه السلام : «كنت نبيا وآدم بين الماء والطين» ~~(1)، وقوله عليه السلام : «أول ما خلق الله نوري» (2). # وقيل في قوله : ( وأنا أول المسلمين ) أي : أسلمت لتصاريف قدرته ~~متبرئا من حولي وقوتي ، مع أن التسليم في الحقيقة علة ، ولما كان سابقا على ~~جميع الخلائق في حضرة العزة بنعت الانقياد بعز ربوبيته ، ومعرفته بجلال ~~ديموميته ، أمره تعالى بأن يعرف نفسه الشريفة المبرأة عن علة الحدثان لجميع ~~الخلائق ؛ ليعرفه كل صادق ، ويطيعه كل محب موافق بقوله : ( قل أغير ~~الله أبغي ربا ) أي : أنا في مشاهدة قدم الله أبغي ستائر على مشاهدته سواه ~~، حاشا من عظم شأنه أن يكون عوضا لجماله من العرش إلى الثرى. # قال الجوزجاني : أسواه أطلب حافظا وراعيا ووكيلا ، وهو الذي كفاني الهم ~~وألهمني الرشد! # ( قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا ~~عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون (164) وهو الذي PageV01P409 # جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما ~~آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم (165)) # قوله تعالى : ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ) أي : ما عملت النفوس ~~إلا ما ألزمت عليها في الأزل ، فإذا عملت ترجع إليها ؛ لأن خالقها منزه عنها. # قال بعضهم : لا تكسب من خير وشر كل نفس إلا عليها ، أما الشر فهو مأخوذ ~~به ، وأما الخير فهو مطلوب منه صحة قصده ، وخلوه من الرياء والعجب ، ورؤيته ~~من نفسه والتزين به ، والافتخار به ، والاعتماد عليه ، والإحسان فيه ، فإذا ~~حصلته وجدته عليه ، لا إله إلا ms0403 أن يعفو الله عز وجل . # قوله تعالى : ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ) أي : جعلتكم خزائن ~~جودي من المعرفة والمحبة والولاية ، خلفاء العالم بعد مضي دهر الدهار ، ~~وتقلب الفلك الدوار ، والقرون الماضية ممن قسم له الرسالة والنبوة والملك ~~والشرف ، وما كان لهم في السبق السابق ، وأول الأول ، ويكون لكم يا خلفاء ~~الأنبياء والصديقين ، هو الذي جعلكم خلفاء في أرضه كآدم عليه السلام ، ونوح ~~عليه السلام ، وإبراهيم عليه السلام ، وموسى عليه السلام ، وعيسى عليه السلام ، ~~وزاد شرفكم بشرف نبيكم على الجمهور ، وقال عليه السلام : «نحن الآخرون ~~السابقون» (1). # وبين تعالى هذه الآية أن النجباء والأولياء والأصفياء والأتقياء والأخيار ~~والأوتاد والخلفاء يختلف بعضهم بعضا ، كما وصف عليه السلام الأبدال ~~والأولياء في حديث مروي بقوله : «إذا مات واحد منهم أبدل الله مكانه واحدا» ~~(2)، وصرح بخطابه أن درجاتهم متفاوتة بقوله : ( ورفع بعضكم فوق ~~بعض درجات ) لاقتداء البعض بالبعض ، وبقية أمانته وأمانه وحجته وبرهانه في ~~العالمين للعاملين درجة بعضهم المعاملات ، ودرجة بعضهم الحالات ، ودرجة ~~بعضهم المقامات ، ودرجة بعضهم المكاشفات ، ودرجة بعضهم المشاهدات ، ودرجة ~~بعضهم الفراسات ، ودرجة بعضهم الكرامات ، ودرجة بعضهم المواجيد والواردات ، ~~ودرجة بعضهم الحكميات ، ودرجة بعضهم الدنيات ، ودرجة بعضهم المعرفة ، ودرجة ~~بعضهم التوحيد ، ودرجة بعضهم التلوين ، ودرجة بعضهم التمكين ، ودرجة بعضهم ~~اليقين ، ودرجة بعضهم الفناء ، ودرجة بعضهم البقاء ، ودرجة بعضهم الحيرة ، ~~ودرجة بعضهم الوله والغيبة ، ودرجة بعضهم السكر ، ودرجة بعضهم الصحو ، ~~ودرجة بعضهم الاتصاف ، ودرجة بعضهم الاتحاد ، PageV01P410 # ودرجة بعضهم الربوبية ، ودرجة بعضهم المعبودية ، وعلم العام وعلم الخاص ، ~~وعلم العلم ، ومعرفة العلم والسر ، ومعرفة السر والخير ، ومعرفة الخير ~~والعلم المجهول ، وما فوق ذلك إلا رسوم مندرسة وطرق منطمسة ؛ لأن هناك ظهور ~~كنه القدم ، ولا يبقى مع القدم إلا القدم ، ابتلاهم بهذه المقامات لفناء ~~علة الحدث في القدم ، ومن خرج بنعوت الربوبية منها ويدعي بها يضرب ويصلب ~~ويقتل ويحرق ، كما فعل بحسين بن منصور قدس الله روحه ومن خرج منها بنعت ~~العبودية وبقي بنعت الاستقامة كالنبي صلى الله عليه وسلم ، حيث قال : «أنا ~~العبد ، لا إله إلا الله» ms0404 (1) عصم من فورة السكر ، وغفر له خطراتها في ~~أثناء الطريق ، وهو قوله تعالى : ( إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور ~~رحيم ). # قال بعضهم : مخلف الولي ولي ، والصديق صديق ، ويرفع درجات البعض على ~~البعض ، ودرجات البعض بالبعض ؛ لئلا تخلو الأرض من حجة الله وأمانه. # قال بعضهم : ( ورفع بعضكم فوق بعض درجات ) (2): ليقتدي الأدنى ~~بالأعلى ، ويتبع المريد درجة المراد ؛ ليصل إليه ، والله أعلم. ### | سورة الأعراف # بسم الله الرحمن الرحيم # ( المص (1) كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به ~~وذكرى للمؤمنين (2) اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه ~~أولياء قليلا ما تذكرون (3) وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم ~~قائلون (4) فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين (5)) # والحاصل : إن من بقي مع الأكوان شهودا وافتقارا ، كان محبوسا معها ، ومن ~~كان مع المكون كانت الأكوان معه ، يتصرف فيها بإذن الله ، خليفة عنه فيها ، ~~وهم متفاوتون في ذلك [البحر المديد (2 / 229) ]. PageV01P411 # ( المص ) كان الله سبحانه إذا أراد أن يتكلم مع نبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم بقصص الأنبياء ، وما جرى عليهم في الدهور والإعصار ، وشأنه ~~معهم في الأسرار والحقائق والشرائع ، وأراد أن يخصه عليه السلام بشريعته ، ~~وما يكون من طريقته الخاصة إلى حضرته ، وتحيره مما كان وما يكون إشارة إلى ~~هذه الأشياء له بحروف التهجي ، وأعلم سر ذلك محض الإشارة ولطيف الخطاب ، ~~وعلم تعالى أنه صلى الله عليه وسلم يعرف بتلك الإشارة مراده من علم سابق ونبأ ~~طارق ، وعلم تعالى أن عموم أمته لا تعرف تلك الإشارة فعبر عنها بسورة طويلة ~~من القرآن ؛ ليعرفوا مراده سبحانه من خطابه وخواص أمته ، ربما يطلع على سر ~~بعضها كالصحابة والتابعين والمتقدمين من الأولياء والعلماء. # كانت حروف المقطعات رموز معاني سور القرآن لا يعرف تلك الرموز إلا ~~الربانيون والأحبار من الصديقين ، فهذا الألف إشارة إلى آدم عليه السلام ، ~~ألا ترى أن أول اسم آدم عليه السلام ألف إشارة ، الألف إلى حاله وقصته وبدو ~~أمره وخلقته ، وعرضه على ms0405 الملائكة ودخوله الجنة وخروجه منها ، وكان هو أصل ~~الفطرة ، ومن تشعب منه فهو تابع له في الذكر ، وإشارة الألف إلى علم ~~الأسماء بقوله : ( وعلم آدم الأسماء ) التي فيها أنباء جميع الذات ~~والصفات والنعوت والأفعال ، وعلم ما كان وما سيكون عرف نبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم ما عرف آدم عليه السلام بجميع الأسماء بحروف الألف ؛ لأنه ~~كان صلى الله عليه وسلم ألطف الأولين والآخرين وأكرمهم على الله ، وعلى قدر ~~قربه إشارة ألطف وأخفى وأخبر باللام ، هاهنا تعالى حبيبه قصة تجلاه لموسى ~~عليه السلام والجبل ، وعرف بها تلك الأحوال الماضية. # ألا ترى إلى حرف اللام في التجلي ، وعرف بحروف الميم شأن موسى عليه السلام ~~وقصته من أوله إلى آخره ، ألا ترى إلى حرف الميم مراسم موسى عليه السلام ، ~~وعرف بحرف صاد هاهنا قصص نوح وهود عليه السلام وصالح عليه السلام وشعيب ~~عليه السلام ولوط عليه السلام وجميع ما جرى عليهم من بدئهم إلى آخر أعمارهم ، ~~وأخبر بحرف صاد صبرهم ، وتحملهم في بلائه وصدق محبتهم بالوفاء والصدق ~~بالأعمال والأقوال ، وتصديق ذلك وهو أن تحت الحروف جميع الكتب مندرجة ما ~~روي في الحديث عن قول النبي صلى الله عليه وسلم : «إن الله سبحانه أعطى آدم ~~عليه السلام حروف التهجي ، وكان كل حروف كتابا من الله تعالى إليه» (1). # وأيضا أخبر سبحانه بحرف الألف نبيه عليه السلام عن عين القدم ووحدانية ~~نفسه المنزه عن الاجتماع والافتراق ، وإصدار جميع المخلوقات منه ؛ لأنه ~~تعالى مصدر جميع الوجود ، كما أن الألف مصدر جميع الحروف ، وأخبر بالألف سر ~~الأسرار وصرف الأنوار ، وما كان في جميع الحروف من علم الأولين والآخرين ، ~~وهذا أدق إشاراته إلى نبيه عليه السلام ثم زاد وضوحه بحرف PageV01P412 # اللام لترقيه خاطره وزيادة إدراكه ، ثم صرح الخطاب بحرف الميم وبين له ~~بحرف الصاد ما كان في الأحرف الخاص ؛ لأن بحرف الصاد صفا جميع علومها له ، ~~ثم عم العبارة للخلق بالسورة لقلة إدراكهم لعز الأسرار ولطائف ضمائر ~~الإضمار ، وأيضا أخبره بلام ألف سر أوليته ، وما في بحار أزليته. ms0406 # ألا ترى كيف شق الألف من اللام لإخفاء الإشارة حتى لم يبق حديث العدم في ~~القدم ، وكيف يكون لها من لام وألف ومعناها العدم ، فشق أحدهما عن الآخر ~~حتى لا يكون حديث النفي ؛ لأن النفي علة يقع على الحدثين ، وليس ذكر ~~الحدثان في القدم أخبر بالألف عن أحدية الأولية ، وباللام عن الأزلية ~~السرمدية ، وبالميم عن محبته القدمية ، وبالصاد عن صفاته القائمة بذاته ~~الأبدي ، أخبر بالألف عن الذات ؛ لأنها عين الواحد ، ثم أخبر باللام والميم ~~والصاد عن شمول صفاته القديمة ، الألف من الذات ، واللام من صفة الأزل ، ~~والميم من صفة المحبة ، والصاد خير جميع الصفات. # قال محمد بن عيسى الهاشمي : سمعت من ابن عطاء أنه قال : لما خلق الله ~~الأحرف جعل لها سرا ، فلما خلق آدم عليه السلام بث فيه ذلك السر ولم يبثه في ~~الملائكة ، فجرت الأحرف على لسان آدم عليه السلام بفنون الجريان وفنون ~~اللغات جعله الله صوره لها. # وقال الحسين : الألف ألف المألوف ، واللام لام الآلاء ، والميم ميم الملك ~~، والصياد صاد الصدق. # وقال : في القرآن علم كل شيء ، وعلم القرآن في الأحرف التي في أوائل ~~السور ، وعلم الحروف في لام ألف ، وعلم لام تلك في الألف ، وعلم الألف في ~~النقطة ، وعلم النقطة في المعرفة الأصلية ، وعلم المعرفة الأصلية في الأزل ~~، وعلم الأزل في المشيئة ، وعلم المشيئة في غيب الهو ، وغيبه الهو ليس ~~كمثله شيء. # وقال أبو محمد الجريري : أن لكل لفظ وحرف من الحروف مشرب فهم غير الأخر. # ومن شراح ذلك حين سمعه يقول : ( المص ) للألف عندهم فهم ، وللفهم ~~في محضرهم استماع إلى حسن مخرج وطعم عذب موجود نظر إلى المتكلم ، وكذلك ~~اللام حسن استماع ومخرج غير الألف وطعم فهم موجود ، وكذلك للميم حسن استماع ~~من مخرج غير اللام وطعم فهم موجود ، والصاد حسن استماع إلى حسن مخرج وطعم ~~فهم موجود غير الميم فممزوج ذلك كله بالملاحظة للمتكلم. # وقال الحسين : الألف ألف الأزل ، واللام لام الأبد ، والميم ما بينهما ، ~~والصاد اتصال من اتصل به ، وانفصال من انفصل عنه ms0407 ، وفي الحقيقة الاتصال ~~والانفصال ، وهذه ألفاظ تجري PageV01P413 # على حسب العبارات ومعادن الحق مصونة عن الألفاظ والعبارات. # وقوله تعالى : ( كتاب أنزل إليك ) ذكرت إن حروف الأسرار كتاب ~~وتصديق ذلك قوله تعالى بعد قوله : ( المص )، ( كتاب أنزل ~~إليك ) أي : هذه الحروف ( المص ) كتاب الأسرار أنزل إليك ، ( ~~ فلا يكن في صدرك حرج منه ) أي : لا يكون في صدرك حرج نكرتها وقلة ~~إدراكها ، أي : فلا تخف أنك لا تعرف إشارتنا فيها ؛ فإنك مخصوص بعلم ~~لطائفها ، وحقائقها وصدرك محل البسط بفسخه نور تجلي جمالي ، فلا يكون فيه ~~خرج القبض (1)، وتصديق ذلك قوله : ( أنزل إليك ) أي : لهذه ~~الأسرار لا يحتمل غيرك أنها لك وأن لك استعداد فهمها ، فلا يكون في صدرك هم ~~لأجلها ، فإنها تسهل فهمها عليك. # قال ابن عطاء في ( كتاب أنزل إليك ): عهد خصصت به من بين ~~الأنبياء أنك خاتم الرسل وعهدك خاتم العهود ؛ لتشرح به صدرك ، وتقربه عينا. # وقال الجنيد : فلا يكن في صدرك حرج منه لا يضيق قلبك بحمله وثقله ، فإن ~~حمل الصفات ثقيلة إلا على من يؤيد بقول المشاهدة. # وقال النوري : إن أنوار الحقائق إذا وردت على السر ضاق عن حملها كالشمس ~~يمنع شعاعها عن إدراك نهايتها. # قال القرشي : لما قص الله في هذه السورة قصة الكليم علم أن قلب النبي ~~صلى الله عليه وسلم يتحرك ، لذلك قال : ( فلا يكن في صدرك حرج منه ) ~~لأنه كلم على الطور وكلمت وراء الصور ، ومنع المشاهدة ورزقتها. # وقال الأستاذ : كتاب الأحباب تحفة الوقت وشفاء عما يقاسيه من ألم البعد. # وقال في قوله : ( فلا يكن في صدرك حرج منه ): إشارة إلى حفظ ~~قلبه عن كل قبض ، وقال : ( فلا يكن في صدرك حرج منه ) ولم يقل قلبك ~~فإن قلبه عليه السلام في تجلي الشهود ولذلك قال : ( ولقد نعلم أنك ~~يضيق صدرك بما يقولون ) [الحجر : 97] ، ولم يقل قلبك ، ولذلك قال موسى ~~عليه السلام : ( قال رب اشرح لي صدري ) [طه : 25] ، وقال له : ( ~~ ألم نشرح لك صدرك ) [الشرح : 1] ، فإن القلب في محل الشهود ، وهو ~~أبدا بدوم الأنس والقرب ، PageV01P414 # قال ms0408 عليه السلام : «تنام عيناي ولا ينام قلبي» (1)، وقال : «أسألك لذة ~~النظر» (2). # وصاحب اللذة لا يكون له حرج. # ( فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين (6) فلنقصن عليهم ~~بعلم وما كنا غائبين (7) والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم ~~المفلحون (8) ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا ~~يظلمون (9)) # قوله تعالى : ( فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين ) أي ~~: يسأل عن الأمة فهم الخطاب وقبوله بشرط الحرمة واستعماله بوصف المتابعة ، ~~ونسأل الرسل أداء الرسالة في صورة كلام على قدر عقول الخلق شفقة على الأمة. # قال أبو حفص : لنسألن الذين أرسل عليهم سؤال تعنيف وتعذيب ولنسألن ~~المرسلين سؤال الشريف وتقريب قوله سبحانه وتعالى : ( فلنقصن عليهم ~~بعلم وما كنا غائبين ) (3) أي : لتخبرنهم حال المشتاقين إلى لقائنا ، وشأن ~~المدبرين عن ساحة كبريائنا. # وأيضا : لتخبرنهم ما جرى عليهم ، وهم كانوا لا يعرفون حقائقه من آثار ~~القهريات واللطفيات والموجودات والمعدومات. # ( وما كنا غائبين ) عن شهود المشتاقين ، وزفرات العارفين ، ~~وعبرات العاشقين ، وجفاء المتكبرين ، فإنا قد علمنا في القدم ما كان في العدم. # قال ابن عطاء في قوله : ( فلنقصن عليهم بعلم ): أي في حال عدمهم ~~ووجودهم. # قوله تعالى : ( والوزن يومئذ الحق ) للحق سبحانه وتعالى موازين ~~يزن بها الأحوال والأعمال ، يزن بميزان الإخلاص المعاملات ، ويزن بميزان ~~الصدق الحالات ، فكل عمل عمل برؤية الأعواض ورؤية العمل والالتفات فيه إلى ~~غير الله ، فهو ساقط عن محل القبول ، وكل حالة صاحبها موجب بها فهي ساقطة ~~عن درجة الوصول ، فالنيات موازين المعاملات والصدق ميزان الحالات ، فمن ~~هاهنا يزن نفسه بميزان الرياضات والمجاهدات ، ويزن قلبه بميزان المراقبات ، ~~ويزن عقله بميزان الاعتبارات ، ويزن روحه بميزان المقامات ، ويزن سره ~~بميزان المحاضرات ومطالعه الغيبيات ، ويزن صوره بميزان المعاملات ، الذي ~~كفتاه الحقيقة PageV01P415 # والطريقة ولسانه الشريعة وعموده العدل والإنصاف يوزن نفسه يوم القيامة ~~بميزان الشرف ، ويوزن قلبه بميزان اللطف ، ويوزن عقله بميزان النور ، ويوزن ~~روحه بميزان السرور ، ويوزن سره بميزان الوصول ، ويوزن صورته بميزان القبول ~~، فإذا ثقلت موازينه بما ذكرنا فجزاء نفسه الأمن من الفراق ، وجزاء قلبه ~~مشاهدة مشوق ms0409 في الأشواق ، وجزاء عقله مطالعات الصفات ، وجزاء روحه كشف ~~أنوار الذات ، وجزاء سره إدراك أسرار القدميات ، وجزاء صورته الجلوس في ~~مجالس وصال الأبديات. # وأيضا هاهنا لأهل الحق موازين ، ميزان الإرادة ، وميزان المحبة ، وميزان ~~الشوق ، وميزان العشق ، وميزان المعرفة ، وميزان اليقين ، وميزان التوحيد ، ~~فهذه سبعة موازين فينبغي أن يزن المريد نفسه في كل نفس بميزان الإرادة ، ~~ويزن المحب قلبه في كل نفس بميزان المحبة ، ويزن المشتاقين عقله في كل نفس ~~بميزان الشوق ، ويزن العاشق روحه في كل نفس بميزان العشق ، ويزان العارف ~~سره في كل نفس بميزان المعرفة ، ويزن الموقن أنفاسه في كل نفس بميزان ~~اليقين ، ويزن الموجد جميع وجوده بميزان التوحيد ، فيستوفي المريد بميزان ~~إرادته عن نفسه انقيادها للحق عند جريان القضاء والقدر عليها ، ويستوفي ~~المحب بميزان محبته عن قلبه شهوده في الحضرة بلا خطرات المذمومة ، ~~والالتفاتات المشوبة بنعت النيات الصافية ، ويستوفي المشتاق بميزان شوقه من ~~عقله جولانه في الشواهدات لطلب عرفان المشاهدات بلا فترة ولا رعونة ، ~~ويستوفي العاشق بميزان عشقه من روحه طيرانها في الملكوت لطلب الجبروت ، ~~ويستوفي العارف بميزان معرفته من سره إصغاء بنعت الشهود ؛ لكشوف أنوار ~~الغيب ، وغوصه في بحر الهموم لطلب جوهر الإلهام ، ويستوفي الموقن بميزان ~~اليقين من أنفاسه صعودها عند تنفسها إلى معارف القرب بلا هواجس اليقين ~~وغبار الوسواس ، ويستوفي الموحد بميزان توحيده من جميع وجوده اضمحلاله في ~~أنوار كبريائه القديم ، وفنائه في سبحات الأبد ، فمن ثقلت هذه الموازين ~~أفلح عن حجبة الامتحانات ، وتنقل موازين الحضرة غدا بفيض أنوار صفات الحق ، ~~ولطائف ذاته وكرامات قربته له ، فيفلح هناك بالله عن غير الله ويصير أهلا ~~لله ؛ لأنه خرج عن موازين صفاته وأنوار ذاته بنعت المعرفة والتوحيد والمحبة ~~، فطوبى لهذا المحاسب طوبى له وحسن مآب. # قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في تفسير هذه الآية : ومن وزن نفسه ~~بميزان العدل كان من المحبين ، ومن وزن خطراته وأنفاسه بميزان الحق اكتفى ~~بمشاهدته ، والموازين مختلفة ، ميزان للنفس والروح ، وميزان للقلب والعقل ، ~~وميزان للمعرفة والسر ، فميزان النفس والروح الأمر والنهي ms0410 وكفتاه الكتاب ~~والسنة ، وميزان القلب والعقل والثواب والعقاب وكفتاه الوعد والوعيد ، ~~وميزان المعرفة والسر الرضا والسخط وكفتاه الهرب والطلب. PageV01P416 # وقال الأستاذ : يوزن أعمالهم بميزان الإخلاص وأحوالهم بميزان الصدق ، فمن ~~كانت أعماله بالرياء مصحوبة لم يقبل أعماله ، ومن كانت أحواله بالإعجاب ~~مشوبة لم يرفع أحواله ، وافهم يا صاحبي أن حكمة وزن الأعمال يوم القيامة ~~للعباد أن الله يبين لهم ما كان مكتوبا في اللوح المحفوظ قبل الخلق مما ~~يجري عليهم من القضاء والقدر ، والرضا والسخط ، والشقاوة والسعادة ، مقابلة ~~بما جرى عليهم في الدنيا الذي في أوراق الحساب التي في أيدي الملائكة ~~ليزيدهم برهانا وعيانا وعلما بعلمه المحيط على كل شيء ، وليكون حجة عليهم ، ~~خرج أعمالهم على وفق ما كان مكتوبا عليهم ، وافهم يا صاحبي أن الأعمال ~~أعراض كيف تكون موزونة ليس هذا في علم الخلق أن ميزانه الحقيقي رده وقبوله ~~، وهو قادر أن يخرج الأعراض بصور الجواهر فيزن بميزانه الذي يظهره لهم يوم ~~القيامة ، وذلك على لسان الشرع يوجب الإيمان به. # قال ابن عباس : توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان ، فأما ~~المؤمن يؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في كفة الميزان وهو الحق فيثقل ~~حسناته على سيئاته ، فيوضع عمله في الجنة ، فيعرفها بعمله. # فذلك قوله تعالى : ( فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ) ~~[الأعراف : 8] ، وهم أعرف بمنازلهم في الجنة إذا انصرفوا إليها من أهل ~~الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم ، وأما الكفار فيؤتى بأعمالهم في أقبح صورة ~~فتوضع في كفة الميزان وهي الباطل ؛ فيخف وزنه حتى تضع في النار ، ثم يقال ~~للكافر : الحق بعملك. # ( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ~~(10) ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ~~إبليس لم يكن من الساجدين (11) قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير ~~منه خلقتني من نار وخلقته من طين (12) قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر ~~فيها فاخرج إنك من الصاغرين (13) قال أنظرني إلى يوم يبعثون (14) قال إنك ~~من المنظرين (15) قال ms0411 فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16) ثم ~~لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم ~~شاكرين (17) قال اخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم ~~أجمعين (18)) # قوله تعالى : ( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش ~~قليلا ما تشكرون ) من الله على عباده بتمكينهم في الأرض بنعت لتسهيل عبادته ~~، حيث يسر لهم عبوديته بقدرة خلقها فيهم بعد أن كلفهم ذلك ، وجعل فيها ~~لأبدانهم معايش الغذاء ، PageV01P417 # ولقلوبهم معايش الذكر ، ولعقولهم معايش التفكر ، ولأرواحهم معايش روح ~~رؤية ظهور جلاله في ملكوت الأرض من كل زهرة وحضرة ؛ لعرفان المنعم القديم ~~بنعت عجزهم في شكره ، ثم زاد امتنانه عليهم بأنه تعالى أجادهم بأظرف الخلق ~~وألطفه وأحسن الصور وأكرمها ، بقوله : ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) ~~أي : خلقنا أشباحكم جمعا في آدم عليه السلام ثم صورناكم في حواء ، وأيضا ~~خلقنكم هياكل وصورناكم أرواحا ، وأيضا خلقناكم بالأفعال وصورناكم بالصفات ، ~~وأيضا خلقناكم خلقكم بالأمر ، ثم صورناكم بظهور تجلي الصفات لكم ، فوقع ~~الخلق بوقوع الأمر وترتيب الصور بوقوع تجلي بروز الصفات ، فتكونت الصور ~~بنعوت الصفات ، وتكونت الهياكل بنعوت الأفعال ، وتكونت الأرواح من تجلي ~~الذات ، فيكون الجميع صادرة من العدم بنعت القدم. # ألا ترى كيف أشار عليه السلام فيه إلى سر المتشابهات حيث قال : «خلق الله ~~آدم على صورته» (1)، فجعل للأشباح طريق العبودية ، وجعل للأرواح طريق ~~عرفان الربوبية ، وجعل للعقول طريق الملكوت ، وجعل للقلوب طريق الجبروت ، ~~وجعل للأسرار طريق القدم والبقاء. # قال بعضهم : أبدع الله الهياكل وأظهرها على أخلاق شتى ، وصور مختلفة ، ~~وجعل لكل شيء منها عيشا ، فعيش القلوب في الشهود ، وعيش النفوس في الوجود ، ~~وعيش العبد معبوده ، وعيش الحواس الإخلاص ، وعيش الآخرة العلم ، وعيش ~~الدنيا الجهل والإمارة والاغترار بها. # ولما صور الجميع في آدم عليه السلام بصورة آدم عليه السلام وصور آدم ~~عليه السلام بصورة الصفات المنزهة عن المشابهة بالحدثين هاهنا علما لا رسما ~~، وهاهنا عشقا لأشباهها أحدية وتوحيد وجمعا ، وتفرقة لا تشبيها ولا تعطيلا ~~، زينة بنور الصفات ونعت الأفعال ، ثم كساه أنوار ms0412 الذات ، ثم قال للملائكة ~~: اسجدوا له ، بقوله تعالى : ( ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم )؛ ~~لأنه قبلة تجلي الصفات والذات ، وهو مصور بصورة الملك في الملكوت قبل موضع ~~استواء أنوار الذات ، وصورته موضع استواء أنوار الصفات ، وهيكله موضع ~~استواء أنوار الأفعال ، وروحه موضع استواء أنوار المحبة ، وسره موضع استواء ~~أنوار العلم والمعرفة. # ( اسجدوا لآدم ) فإنه لكم واسطة في العبودية لا معرفة الربوبية ~~واسطة في العبادة ، فإنه يليق بكم ، فإن في عبادتي لا يليق الكون ومن فيه ، ~~وما فيه أظهر استغناؤه عن عبودية PageV01P418 # الخلق ، لكن أدخل عشاق الملائكة في مقام المحبة والعشق فتجلى لهم بنور ~~جماله من مرآة وجه آدم عليه السلام ؛ ليفتر قلوبهم بلذة المحبة والعشق ، ولو ~~أبرز لهم أنوار صفاته وذاته صرفا احترقوا في أول ما بدا من نور الألوهية ، ~~ولم يسجد إبليس لأنه كان محجوبا من ذلك الجلال والجمال بنظرة إلى نفسه ~~وقياسه بجهله ، وكذا من نظر من الحق إلى النفس احتجب بها عن رب النفس. # قوله : ( إلا إبليس لم يكن من الساجدين ) أي : لم يكن من أهل ~~شهود الصفات ورؤية جلال الذات. # قال أبو حفص : عرف الملائكة استغناءه عن عبادتهم ، قال : ( ~~اسجدوا لآدم )، ولو كان سجودهم يزن عنده مثقال ذرة لما أمرهم بذلك ولا صرف ~~وجوههم إلى آدم عليه السلام ، قال : سجود الملائكة وجميع خلقه لا يزيد في ~~ملكه ؛ لأنه عزيز قبل أن خلقهم ، وعزيز بعد أن يفنيهم ، وعزيز حين يبعثهم ، ~~ثم غير إبليس بامتناعه عن السجود لآدم عليه السلام وقلة عرفانه ، شرفه بقوله ~~: ( ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ) أي : أي شيء يمنعك من متابعة أمري ~~، ولم يبق في البين غيري ، أي : يمنعك من ذلك قهر سابق مني عليك ، وخذلان ~~وارد في المشيئة عليك ، وإلا فمن الحدثان بامتناعها عن متابعة أمري ، وليس ~~لها قدرة ولا مشيئة ، وكلها عاجزة في قبضة قهري ، ومن سبق له الشفاء لا ~~يسبق بالمراد ، وإن كان جميع عبادة الثقلين مصحوبا معه في استباقه إلى ~~الحضرة. # قال الواسطي : من استصحب كل نسك في الدنيا والآخرة ms0413 والجهل فطنه ، ~~والاعتراض عرضه ، والبعد من الله سببه ، لا يقرب منه ؛ لأن العبادات تقطع ~~عن الرعايات ورؤية النسك رؤية الأفعال والنفوس ، ولا متوثب على الله أشد ~~ممن طالع نفسه بعين الرضا ، فلما كلم الله إبليس بكلام التعبير وقهر ~~السلطنة ألبسه من خطابه قدرة في الجواب ، ولولا إلباس الحق إياه لكان ~~مبهوتا عند وارد قهر الخطاب عليه ، ولم ينطق بجواب الأمر ولكن أجابه إجبارا ~~لا اختيارا ، وذلك قوله تعالى : ( أنا خير منه خلقتني من نار ~~وخلقته من طين ). لما رأى المعلون لباس قهر خطاب الحق عليه قال بقوته : ( ~~ أنا )، ولولا ذلك لما قال : ( أنا )، وأين أنائيته وكان ~~هباء في أنائية الحق ، نظر المعلون إلى جوهر النار الصادر من قهر العدم ~~فانتسب إلى قهر القدم ، قال : ( أنا خير منه )، ولم ينظر بنظر ~~المعرفة إلى الطين الذي صدر من لطف القدم ورحمة الأزلية ، النار من غضبه ، ~~والطين من رحمته ، والرحمة سابقة على الغضب ؛ لقوله سبحانه : «سبقت رحمتي ~~غضبي» (1). PageV01P419 # نظر إلى صفة واحدة ولم ينظر إلى صفة أخرى ؛ فاحتجب بالصفة عن الصفة فقال ~~: ( أنا خير منه )، ولو رأى مصدر جميع الصفات لذاب تحت رؤية ~~الكبرياء وأنوار العظمة ، ولم يكن بعد فنائه أبدا ؛ لأن من عرف وصف القدم ~~صار عدما في القدم ، ولو رأى الملعون من وجه آدم عليه السلام ما رأى ~~الملائكة ما قال : ( أنا خير منه ) كان جاهلا به والملائكة كانوا ~~عاشقين به ، غلط في قياسه ورؤيته إلى نفسه ، وأين النار من الطين الذي يقبض ~~قبض ألطاف العزة ومخلوق يد الصفة الخاصة بقوله : ( خلقت بيدي ) [ص ~~: 75] (1)، وسقط الأرواح التي صدرت من تجلي القدس بقوله : ( ونفخت ~~فيه من روحي ) [الحجر : 29] ، وذلك محل التواضع والعبودية الخالصة ومنبت ~~أجسام الأنبياء والرسل والأولياء والصديقين ، ومنبت أغذية الخلائق ومرجع ~~الكل ، وهو بريقة الأجسام والأرواح في العالم ليخرج منه سبائك القدس لمجالس ~~الأنس ، والنار عذاب قهره مجاز بها من خلقه ناريا كإبليس وجنوده ، قوته من ~~أصله الذي كان منه ، كان من نار اللعنة فعداه باللعنة ، قال : ( ~~وإن عليك اللعنة ms0414 ) [الحجر : 35] ، كل شيء يرجع إلى أصله ، كان جاهلا بظاهر ~~العلم بعد أن كان جاهلا بباطن العلم ولولا ذلك لم يسلك طريق القياس عند ~~وقوع النص ، والنص غالب على القياس من جميع الجهات. # قال بعضهم : لما نظر إلى الجوهر والعبادة توهم المسكين أنه خير ، فسبب ~~فساد النفوس من رؤية الطاعة. # وقيل : توهم أن الجواهر من الكون على مثله وشكله في الخلقة فضل من جهة ~~الخلقة والجوهرية ، ولم يعلم ولم يتيقن أن الفضل من المتفضل دون الجوهرية. # وقال الواسطي : من لبس قميص النسك خامره أنا لذلك ، قال إبليس : ( ~~ أنا خير منه ) [ص : 76] ، ولو لم يقل خير منه لأهلكه قوله في ~~المقابلة أنا. # قال ابن عطاء : حجب إبليس برؤية الفخر بنفسه عن التعظيم ، ولو رأى تعظيم ~~الحق لم يعظم غيره ؛ لأن الحق إذا استولى على سر قهره فلم يترك فيه فضلا ~~لغيره ، ولما رأى الملعون فضل آدم عليه السلام وذريته بالعلم الأسمائي ~~وعرفان الصفاتي ، والمسابقة على الكل بعنايته الأزلية حسد عليهم وخرج على ~~عدواتهم بعد طرده من باب الرحمة ، وتجاسر بجهله في مقابلة الحضرة بالمخاطبة ~~بقوله : ( فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) هاهنا قسم ، أي : PageV01P420 # بإرادتك السابقة في غوائك ، أي : لأقعدن لهم صراطك المستقيم كما قال : ( ~~ فبعزتك ) [ص : 82] ، أي : بما ألبستني لباس قهرك في الأزل أقدر أن ~~أقعد في طريقهم المستقيم ، وإلا فلا أقدر أن آمر بهم في وراء العالم بقوة ~~قهرك في الأزل ، أوسوس في صدورهم التي هي طريقك المستقيم الذي يسألك فيه ~~عساكر أنوار تجلاك. # في قوله : ( لهم ) نكتة عجيبة ، أي : لأقعدن لهم لا عليهم ، فإن ~~وسوستي لهم تزيد شرا فهم عند إحساني عن صدورهم بنعت إياسي عن الظفر بهم ، ~~ويتمازج هناك إيمانهم وإيقانهم عن نعوت الاضطراب وطوارق الوسواس وغبار الشك. # ألا ترى إلى قوله عليه السلام حين شكاه أصحابه عما وجدوا في صدورهم من ~~الوسوسة ، فأشار عليه السلام بقوله : «ذاك صريح الإيمان» (1). # قال محمد بن عيسى الهاشمي : لو نجا إبليس بشيء لنجا برؤيته القدرة عليه ~~والإقرار على نفسه بقوله : ( رب ms0415 بما أغويتني ) [الحجر : 39] ، ثم ~~زاد الجرأة بقوله : ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمائلهم ) أي : من بين أيديهم من جهة النفس والهوى ، ومن خلفهم ~~من جهة الشهوة والمنى ، وعن أيمانهم من طريق الدعوى ، وعن شمائلهم من طريق ~~إظهارهم الشكوى في البلوى. # وأيضا : من بين أيديهم من طريق الطاعات ، ومن خلفهم من طريق رؤية الأعواض ~~، وعن أيمانهم من طريق العلم ، وعن شمائلهم من طريق الجهل. # وأيضا : من بين أيديهم من طريق القلب ، ومن خلفهم من طريق العقل ، وعن ~~أيمانهم من طريق الروح ، وعن شمائلهم من طريق الصورة والنفس. # وأيضا : من بين أيديهم من طريق الإسلام ، ومن خلفهم من طريق الإيمان ، ~~وعن أيمانهم من طريق العرفان ، وعن شمائلهم من طريق الإيقان ، ولم يذكر ~~الفوق والتحت ؛ لأن التحت موضع الفناء في العبودية عند السجود الذي يوجب ~~القربة ، وذلك السجود شهود والشهود محل رعاية الحق ، ولا يقدر أن تمر على ~~باب رعايته أحد دونه ، والفرق محل الكشف ، والمشاهدة وارد التجلي وظهور ~~سبحات وجه القدم ، ولو دنا منه جميع الشياطين من العرش إلى الثرى بقدر رأس ~~إبرة لاحترقوا في أقل لمحة. # قال أبو عثمان المغربي : إن الشيطان يأتي الإنسان عن يمين الطاعات من بين ~~يدي الأماني والكرامات ، ومن خلفه بالضلالات والبدع ، ومن يساره بالشرك ، ~~فإذا جرى بعبد PageV01P421 # سعادة قبل منهم ما يأمرونه من الطاعات ، فإذا أراد أن يهلكوه بطاعته رد ~~إلى السعادة التي جرت له ؛ فيكون ذلك ربحا وزيادة ، ألا تراه بقوله : ( ~~ ثم لآتينهم من بين أيديهم ) الآية. # قال : ( ولا تجد أكثرهم شاكرين ) [الأعراف : 17] ، فالأكثر من ~~هلك بطاعته والأقل من أدركته السعادة فنجا. # قال الشبلي : لم يقل من فوقهم ولا من تحتهم ؛ لأن الفوق موضع نظر الملك ~~إلى قلوب العارفين ، والتحت مواضع الساجدين ، وموضع نظره وموضع عبادتهم ، ~~لا يكون للشيطان هناك موضع ولا فيه طريق. # ( ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا ~~هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (19) فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري ~~عنهما من ms0416 سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ~~أو تكونا من الخالدين (20) وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين (21)) # قوله تعالى : ( ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ~~) جعل الله سكونهما إلى الجنة وشغلها بأكل ثمارها ، ووعد العيش فيها ، ~~وأخفى في عيشهما كدر الامتحان بأكل الشجرة وجعلها فتنة لهما ، ولو جعل ~~سكونهما بجماله وحسن وصاله لم يدخل فيهما قهر الامتحان ؛ لأن حضرته تعالى ~~مقدسة عن رحمة الحدثان. # ( ولا تقربا هذه الشجرة ) دلالة إشارة ، والإجرار إلى الفتنة ~~بنعت الخدعة ، وكيف لم يقرباها وهو تعالى تجلى فيهما لهما بنعت الجمال ~~ليعشقهما بجماله ، فخامرهما سر الأسرار من لطائف الأقدار فاشتاقا إليها عشق ~~نظر ، فلما قربا منها غلب شهوة العشق على حقيقة العشق ؛ فأكلا منها ~~وباشراها فعلما علم سر الأسرار وعلم لطيف الأقدار ، فامتلأ ولم يحتملها ~~الجنة لثقل أنوار الأسرار ، ورزانة قوة الربوبية لذلك قال : ( ~~فتكونا من الظالمين ) بدخلوكما في حمى الربوبية واقتباسكما أسرار الألوهية ~~، ولولا أن الله حبس لسانهما عن كشف الأسرار لملأ الأقطار من علم الأقدار. # ولذلك قال بعض المسرفين : إن تلك الشجرة شجرة علم القضاء والقدر ، ومن ~~علم ، علم ما كتم الله فيها وصل إلى عز الملك والخلد بوصف الربوبية ~~والحرية. # ولذلك حكى الله عن الملعون بقوله : ( هل أدلك على شجرة الخلد ~~وملك لا يبلى ) [طه : 120] ، علم الملعون أنها شجرة الخلد والملك وحرم ~~عنهما ، فأراد مباشرتها لينازع الربوبية بقوتها ، ولم يقدر بأن ليس له ~~استعداد ذلك ؛ فتحسر في نفسه ورأى كنوز الغيب مملوءة PageV01P422 # فيها مثمرة ، فدل آدم عليه السلام إليها ليكون بتلك النعمة متمتعا أحد من ~~خلقة ، لكن مزج بالإرادة الحسد على آدم عليه السلام فأوقعه فيها ؛ لأنه علم ~~أنها موضع خطر فعصمها الله من ذلك الخطر ، فلما أكلا وجد ذلك في نفسها فزم ~~الله وجههما وقلبهما زمام قهر سلطنته فلما رأى أنفسهما ساقطين عن محل ~~الربوبية عرفا عجزها وضعفهما وعبوديتهما فقالا : ( ظلمنا أنفسنا ) ~~[الأعراف : 23] ، وأراد الملعون أنهما لما أكلا من الشجرة أن يظهرا تلك ~~الأسرار ms0417 التي لو عرفها أحد يكون عيارا سكرانا ، والهامد هوسا خارجا من قبول ~~أحكام الشرائع في العبودية ، ولا يكون في العالم حجة الله ، فقصدهما بذلك ~~لسقوطهما عن درجة الرسالة والنبوة والولاية التي هناك ظهور العبودية لما ~~يبدو لهما من عورات الأسرار المكنونة والأقدار المختومة بقوله : ( ~~فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما ) (1) إذا أراد ~~سبحانه أن يظهر لعبده سرا من أسراره أعزى إبليس بوسوسة سبب ينكشف به تلك ~~الأسرار له ، فيرتفع بعلمها درجاته ، فيرجع ضررها إلى إبليس ، ورجع منفعتها ~~إلى عبده العارف كحال آدم عليه السلام وعدوه ، أراد العدو أن يسقطه من درجته ~~فزاد شرفه على شرفه وقد سقط هو من رتبته بالحسد عليه وصار مطرود الأبد وصار ~~آدم عليه السلام مقبول الأزل والأبد لقوله سبحانه : ( ولا يحيق ~~المكر السيئ إلا بأهله ) [فاطر : 43]. # وقال تعالى في حق آدم عليه السلام : ( ثم اجتباه ربه فتاب عليه ~~وهدى ) [طه : 122] ، وقال في حق داود عليه السلام : ( وإن له عندنا ~~لزلفى وحسن مآب ) [ص : 25] ، ولما بدا لهما تلك الأسرار كتماها في نفسهما ~~باستعداداتهما إلى أشجار الرعاية بقوله : ( وطفقا يخصفان عليهما من ~~ورق الجنة ) [الأعراف : 22]. # قال أبو سليمان الداراني : وسوس لهما الشيطان لإرادة الشر بهما فكان ذلك ~~سببا لعلو آدم عليه السلام وبلوغه إلى أعلى الرتب ، وذاك أن آدم عليه السلام ~~ما عمل عملا قط أتم له من الخطيئة التي هي أدبته وأقامته مقام الحقائق ، ~~وأسقط عنه ما لعله خامر سره من سجود الملائكة له ، ورده إلى بركة الأولى من ~~التخصيص في الخلقة باليد حتى رجع إلى ربه بقوله : ( ظلمنا أنفسنا ). # قوله تعالى : ( وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ) مادام مآل أمر ~~آدم عليه السلام يئول PageV01P423 # إلى زيادة الزلفة كأنه صدق الملعون في حلفه ؛ لأنه رأى تلك الزيادة له ~~بسبب أكل الشجرة ، لكن لم تكن نصيحته بالإخلاص ؛ لأنه خامر الحسد بالنصيحة ~~فصار من الخائنين ، ( وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ) [يوسف : 52]. # قال أبو بكر الوراق : لا تقبل النصيحة إلا ممن تعتمد دينه وأمانته ، ولا ms0418 ~~تكن له حظا في نصيحته إياك ، فإن العدو أظهر لآدم عليه السلام النصيحة وأضمر ~~الخيانة ، قال الله : ( وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ). # ( فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا ~~يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ~~وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين (22) قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم ~~تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (23) قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم ~~في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (24)) # قوله تعالى : ( فدلاهما بغرور ) (1) خادعهما حين أخبرهما أن في ~~الشجرة أسرار الربوبية فدلهما إلى غرور الاطلاع على أسرار القدم ؛ ليكونا ~~أقرب من المقربين الذين هم سفر الملكوت ، وخزان خزائن الجبروت ، وغرور ذلك ~~أوقعهما في بلاء أسفار القدم والبقاء التي تأتي لهما لكل لحظة ببلايا لا ~~تقوم بها السماوات ، وهكذا شأن العشاق من شوقهم إلى وجه معشوقهم يسمعون ~~حديث كل بر وفاجر لعلهم يصلون إلى شيء من قريب حبيبهم. # أذل لآل ليلى في هواها %~% وأقبل للأكابر والصغار # قيل : غرهما بالله ولولا ذاك ما اغترا. # وقوله تعالى : ( فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما ) ذكرت سر ~~بدو السوءة ، وهاهنا لطيفة إشارته إلى أن تلك السوءة التي هي أسرار القدم ~~لم تبد لغيرهما بدت لهما خاصة من جميع الكروبيين والروحانيين ، والحمد لله ~~الذي عصم سوأتهما عن نظر الأغيار ؛ لأنهما محلا الكرامة والأمانة والرسالة ~~والنبوة والولاية ، جردهما الحق عن الجنة وما فيها لكونهما في تجريد ~~التوحيد وإفراد القدم عن الحدوث ، فأين الجنة في طريق العارفين إلى الله ~~أفردهما عن الجنة PageV01P424 # لعظمها في المعرفة ولقدسهما عن حظوظ البشرية ؛ لأن حظ البشرية في ~~المشاهدة ، فلما ذاقا ذوق شجر العشق انفرد عن الكل بالكل ، فصار عورة الحق ~~في العالم فكشف عنهما غرائب علم الأقدار بخروج جميع الأشباح والأرواح منها. # وسئل الواسطي : ما بال الأنبياء العقوبة إليهم أسرع؟ إن إبليس وآدم ~~عليه السلام في مخالفة واحدة ، قيل : ( بدت لهما سوآتهما ). # قال : سوء الأدب في القرب ليس كسوء الأدب في البعد. # قيل : يطالب الأنبياء بمثاقيل الذر ms0419 ، ولا يطالب العامة بذلك ؛ لبعدهم عن ~~مصادر السر. # وقال بعضهم : بدت لهما سوأتهما ولم تبد لغيرهما هتك عنهما سر العصمة ، ~~ولم يبد ذلك لغيرهما. # قال الواسطي : سلبه ما ألبسه وكساه كسوة الذل حتى عرفه أراذل قدرة فانيته ~~نفسه عن نفسه بنفسه ، فأيقن أنه لا ينال شيئا من ربه إلا بربه ، وانقطع به ~~إليه مغيبا عن حضوره ، ومأخوذا بحظه عن حظ غيره ، فلما بلغا إلى رأس كنوز ~~علم الغيب ، وصارا متحيرين في مهمهة الامتحان من رؤية عن النكرات لاطفهما ~~الحق بمناداته وخطابه وعتابه ليجرهما من فقار الديمومية إلى مهد طريق ~~الشريعة بقوله : ( وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ) ~~النداء نداء المآب ، والقول قول العقاب ، ذكر لهما تلك الشجرة المنهية ~~لموقعها في شوق تلك الأسرار ؛ لأنهما في البعد من تلك المزار. # قال القرشي : قيل لآدم عليه السلام أدخل الجنة ولا تأكل من الشجرة ، فلما ~~أكلا نادهما ربهما والقول على معنى القرب والنداء على حد البعد ، فلما ~~أعلمنا أنهما أخطآ حين باشرا الشجرة من جهد شهوة العشق ، والحق هناك رؤية ~~ما ظهر في الشجرة من حسن تجلي الحق ، وليس استيفاء خط البشرية بمباشرة ~~الشجرة من حق المقام أضافا الظلم إلى أنفسهما بقولهما : ( ربنا ~~ظلمنا أنفسنا ) الظلم هاهنا الجهل بحقائق المقام وطلب حظ النفس في مقام ~~مشاهدة الحق أقرا بالجهل ، وكانا في ذلك الوقت في مقام التلوين ولو كانا في ~~محل تجريد التوحيد لم يذكر النفس ولم يلوما أنفسهما ؛ لأن رؤية النفس ~~وقدرتها في شيء في مقام التوحيد شرك ؛ ألا ترى إلى قول الأستاذ حين قال : ~~من لام نفسه فقد أشرك. # قال الحسين : الظلم هو الاشتغال بغيره عنه. # وقال ابن عطاء : ظلمنا أنفسنا باشتغالنا بالجنة وطيبها عنك. # قال الشبلي : ذنوب الأنبياء تؤديهم إلى الكرامات والرتب ، كما أن ذنب آدم ~~عليه السلام أدى إلى PageV01P425 # الاجتباء والاصطفاء ، وذنوب الأولياء تؤديهم إلى الكفارة ، وذنوب العامة ~~تؤديهم إلى الإهانة. # قال الواسطي : لم تكن له في حال طينته خواطر غير الحق ، فلما أحضره في ~~حضوره غاب عن حضوره ms0420 فقال : ( ربنا ظلمنا أنفسنا ) ما ورد عليه من ~~ربه عن غيره ، وهل لا قطعه باتصاله في اتصاله عن اتصاله ، وهل لا عينه ما ~~عليه في نفسه عن نفسه ، فزاد الله حرقته وهيجانه حين أردف شوقه داء الفراق ~~من مقام الميثاق ليستوعب حقائق البلاء في سفر العشق بقوله سبحانه : ( ~~ اهبطوا ) أرسله من مقام البهجة إلى عالم المحنة بين أهل العداوة ~~ومقاساة الفرقة بعد ذوق الوصلة ؛ لأن في مقام العشق الوصال والفراق تؤمان ~~كان في عيش الوصال مع الحبيب صافي الحال بلا كدورة الجفاء ولا رحمة الفراق ~~؛ ففتح عساكر الامتحان عليه أيدي الفرقة من ممكن الغيرة وكدرت له مشرب ~~الوصال في أيام الصفاء كقول القائل : # وكان لي مشرب يصفو برؤيتكم %~% فكدرته يد الأيام حين صفا # وأنشد بعض المتأخرين : # وبتنا على رغم الحسود وبيننا %~% حديث كريح المسك شيب به الخمر حديث لو أن الميت يحيا ببعضه %~% لأصبح حيا بعد ما ضمه القبر فوسدته كفي وبت ضجيعه %~% وقلت لليلي طل فقد رقد البدر فلما أضاء الصبح فرق بيننا %~% وأي نعيم لا يكدره الدهر # لم يكن آدم عليه السلام وحواء في قيد الجنة إنما طمعا في الخلد ببقائهما ~~مع الحبيب أبدا لكن صال عليهما عسكر غيرة القدم ، وأخرجهما من ساحة ~~الكبرياء حتى لا يكون مع الله غير الله ، أصابتهما عن غيرة الأزل في معناه ~~، قال الشاعر : # إن تكن عين أصابتك فلا %~% زالت العين تصيب الحسنا # لم يهبطا من الدرجات الكرامات وإن أخرجا من بقاع الجنات قيل : لم يخرج ~~آدم عليه السلام عن رتبة الفضيلة ، وإن أخرج عن دار الكرامة ، فلذلك قال : ( ~~ ثم اجتباه ربه ) [طه : 122] ، ولما حجبهما عن مقام الوصال وأدخلهما ~~دار الفراق أخبرهما أنهما يحيان في الأرض بروح المعرفة ورزق المشاهدة ~~ويموتان في حجر الشفقة عن صولة الحال والمكاشفة فيخرجان منها بنعت التوحيد ~~والمحبة. # ( قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون (25) يا بني آدم قد ~~أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات ~~الله لعلهم يذكرون (26) يا بني آدم ms0421 لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من ~~الجنة ينزع عنهما PageV01P426 # لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ~~إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون (27) وإذا فعلوا فاحشة قالوا ~~وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون ~~على الله ما لا تعلمون (28) قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ~~وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون (29) فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون (30) ~~يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين (31) قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل ~~هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعلمون (32)) # قوله تعالى : ( قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ) فيها ~~تحيون بالله وتموتون في الله ويخرجون بنعت الله. # قال بعضهم : فيها تحيون بالمعرفة ، وفيها تموتون بالجهل ، ومنها تخرجون ~~مما أنتم فيه من التقدير والتدبير إلى سوابق القدر عليكم وجرى الأحكام فيكم. # ولما أعزى آدم عليه السلام وحواء من لباس الجنة غوص بنوه بذلك ألبسة شتي ~~من حضرته الكريمة بقوله تعالى : ( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم ~~لباسا يواري سوآتكم وريشا ) لكل طائفة لباس للعارفين لباس المعرفة ، ~~وللمحبين لباس المحبة ، وللمشتاقين لباس الشوق ، وللموحدين لباس التوحيد ، ~~وللزاهدين لباس الزهد ، وللمتقين لباس التقوى ، وللأولياء لباس الولية ، ~~وللأنبياء لباس النبوة ، وللمرسلين لباس الرسالة ، ولكل واحد منها ظاهر ~~وباطن زينة الباطن لنظر الحق وزينة الظاهر لموقع الشريعة وتلك الزينة ما ~~قال تعالى : ( وريشا ) وتلك الزينة أنوار القرب مرخص بها صار بين ~~الخلق مهينا. # وقوله تعالى : ( ولباس التقوى ذلك خير ) لأن كل لباس فيه حظ ~~العباد وليس في لباس التقوى حظ النفس ، وهذه الملابس هي كثرة العموم ولباس ~~الله لمن فني في الله واتصف بصفات الله ، فكل لباس يفني في لباس الله من ~~خرج بلباس الله صار قبلة الله للعالمين ، من ms0422 نظر إليه يرى الله ، ولهذا ~~أشار عليه السلام إلى مقام اتصافه بصفات الله واكتسائه بكسوة أنوار الله ~~بقوله : «من رآني فقد رأى الحق» (1). PageV01P427 # وقوله تعالى : ( يواري سوآتكم ) أي : كلكم عريان من أنوار القدم ~~بادي سوءة الحدث ؛ فينبغي أن تستروا بلباس القدم سوءة الحدث ، وبلباس العلم ~~سوءة الجهل ، وبلباس الربوبية سوءة العبودية. # قال الواسطي : السوءة الجهل ، وأزين الزينة أن يزين العبد بالتقوى ، ~~ولباس التقوى وقاية لا يخرقها كيد حاسد ، والتقوى لباس القلب علامتها الورع ~~، والتقوى الأدب مع الله ، وهو ألا يرى مع الله غير الله فانظر ، أي : ~~القميص لبس قميص الصدق أو قميص الفسق أو قميص النسك. # وقال النصر آبادي : للباس كلها ملك الحق ولباس التقوى لباس الحق قال الله ~~تعالى : ( ولباس التقوى ذلك خير ) واللباس الذي يواري السوءة لباس ~~الكرامة ، ولباس التقوى لباس الإيمان وهو أشرف. # وقال بعضهم : لباس الهداية للعوام ، ولباس التقوى للخواص ، ولباس الهيبة ~~للعارفين ، ولباس الزينة لأهل الدنيا ، ولباس اللقاء والمشاهدة للأولياء ، ~~ولباس الحضرة للأنبياء. # وقال الأستاذ : للقلب لباس التقوى وهو صدق القصد بنفي الطمع ، وللروح ~~لباس أمن التقديس وهو ترك العلائق وحذف العوائق ، وللسر لباس من التقوى وهو ~~نفي المساكنات والتصاون من الملاحظات (1). # ثم إن الله سبحانه حذر بني آدم بما حذر آدم عليه السلام من متابعة الشهوات ~~وطلب المألوفات بقوله : ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان ) أي بطول ~~الأمل والطمع في البلوغ إلى كبر السن ورغد العيش في المال والجاه. # كما طمع آدم عليه السلام في الخلد والإقامة في الجنة ؛ لأنها تخرج العبد ~~من مقام القدس والأنس إلى عالم الكدورة والوحشة ، كما كان حال آدم ~~عليه السلام ، وأن هذه الأشياء ينزع كسوة الأنوار عن سره وتصيره عريانا من ~~لباس التقوى الذي ذكره الله. # هاهنا ( ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما ) إذا كان العبد ~~متابعا للهوى نفسه وهوى شيطانه لشهوته ، وطلب حظه ينزع عنه لباس صفاء ~~العبادة ويجرد من نور الحضرة ، ويبدو له علل الإنسانية بنعت غلبتها عليه ~~فإنها طوارق ليلة الهجران فيرى فيها تلك السوءة أضاف ms0423 نزع لباسهما وإخراجهما ~~من الجنة إلى العدو وفي الحقيقة هو واسطة القهر إذا يرى PageV01P428 # طوارق القهر في ليلي امتحان العبد يتبعها بوسوسة وإلقاء مزخرفاته إليه ، ~~والأفاني له القدرة على إغواء العباد وليس إليه الضلال وفي كل موضع يرى ~~أنوار العناية ونيران المحبة نحسا من هناك خوفا من احتراقه في تلك النيران ~~والأنوار. # سئل بعضهم : ما الذي قطع الخلق عن الحق بعد إذ عرفوه؟ فقال : الذي أخرج ~~إياهم من الجنة اتباع النفس والهوى والشيطان. # قال ابن عطاء : خروج آدم عليه السلام من الجنة وكثرة بكائه وافتقاره ، ~~وخروج الأنبياء من صلبه خير له من الجنة والتنعيم والتلذذ بنعيمهما. # وقيل في قوله : ( ينزع عنهما لباسهما ): هو أنوار القرب ولعان العزة. # قال أبو سعيد الخراز : هو النور الذي شملهما في القرب. # قال النصر آبادي : أحسن اللبسة ما ألبس الصفي في الحضرة فلما بدت منه ~~لمخالفة نزع عنه. # لذلك قال بعض السلف : من تهاون سر الله عليه أنطقه الله بعيوب نفسه. # قال الأستاذ (1): من أطغى على وسواس نفسه بإسراع الهوى وحد الشكلية بين ~~وساوس الشيطان وهواجس النفس ، فيتناصر الوسواس والهواجس وتصير خواطر القلب ~~، وزواجر العلم معمورة مقهورة ، فعن قريب تشتمل تلك الوساوس صاحبهما وينخرط ~~من سلك موافقة الهوى فيسقط في مهواة الزلة ، فإذا لم يحصل تدارك يوشك ~~التوبة صارت الحالة قسوة والقلب إذا قسا فارقته الحياة وتم له البلاء. # وزاد تعالى تحذيره من الشيطان ، وبين أنه يسترق من حيث لا يراه الإنسان ~~بعقيب بقوله الآية : ( إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ) ~~أراد أن الشياطين ينظرون إلى العبد من حيث يأتي عليه مقادير المشيئة بنعت ~~الامتحان ، فإذا يرون قضاء عليه يتبعونه بقصد الإغواء والعبد لا يرى ذلك ~~مادام وراء حجب شهوته ، ولا يرى الشياطين مادام في ظلمات طبعه ؛ فيفعل به ~~ما كان من صنيعهم فإذا خرج من ظلمة النفس والهوى إلى ساحة الحضرة وينظر إلى ~~أسماء الغيب ويلتجئ إلى قرب مولاه من شر نفسه وشياطينه يبصره الله الشياطين ~~ومكائدهم فيلقي إليهم من قارورة الاستعاذة ms0424 ميزان المحنة ؛ فيحرقهم جميعا ~~بتأييد الله قال تعالى في ذلك من نيرات كتابه آيتين واضحتين الأولى في وصف ~~رؤيتهم مواقع حيلهم وأشكالهم ، الأولى قوله تعالى : ( إن الذين ~~اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان PageV01P429 # تذكروا فإذا هم مبصرون )، والأخرى قوله : ( لا يسمعون ~~إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب إلا من خطف ~~الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ). # قال ذو النون المصري : إن كان هو يراك من حيث لا يراه فإن الله يراه من ~~حيث لا يرى الله فاستعن بالله عليه ، فإن كيد الشيطان كان ضعيفا وبكرمه ~~وفضله صرف الشيطان عن أوليائه وجعلهم أحباء أعدائه وحث الأولياء بعداوتهم ~~جميعا بقوله : ( إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ) أضاف ~~الكل إلى نفسه جعل ألفة الأولياء في قلوب المؤمنين وجعل ألفة الفساق في ~~قلوب المفسدين فلا تضر عداوتهم أولياءه ؛ لأنهم في عين رعاية الأزل من شرهم. # قال ابن عطاء : ( إنا جعلنا الشياطين )، ( إنهم اتخذوا ~~الشياطين ) فالحقيقة منها ما أضاف إلى نفسه والمعارف ما أضاف إليهم ، كذلك ~~خطابه في جمع القرآن ولما انصرف القوم عن طريق العدل والإحسان ومتابعة الحق ~~في طلب الغفران وتابعوا سلاك الضلال ، أمر الله صفيه عليه عليه السلام أن ~~يظهر لهم ما يليق بحضرته تعالى من العدل والإخلاص والتوحيد والتوجه من كل ~~شيء دونه بقوله : ( قل أمر ربي بالقسط ) (1) القسط استواء السر ~~بنعت التجريد ، والتقديس عن الحدث في رؤية القدم بحيث لا يكون في البين من ~~حظ النفس شيء ؛ لأن هناك حظ النفس وجد أن حلاوة برد المشاهدة وحظ الله هناك ~~احتراق النفس في نيران التوحيد حين أبرز الحق للسر أنوار عزة الأزل فيستوي ~~بنعت الاستقامة على وصف صفات الأزلية. # ألا ترى كيف فتح أبواب الإحلال في كشف الجلال لأهل شهود الغيب ودعاهم ~~إليها بنعت الانقطاع عن الالتفات إلى الحدثين بقوله : ( وأقيموا ~~وجوهكم عند كل مسجد ) أي : حيث يبرز لكم أنوار القدرة وسنا المشاهدة ضعوا ~~وجوهكم على تراب فناء العزة على وصف رفع الأغيار من ساحة الأنوار عند ms0425 ~~التضرع والدعاء ؛ فإن الدعاء شوق القلب إلى لقاء الرب بحيث لا يرى في البين ~~غير الرب بإشارته ، ( وادعوه مخلصين له الدين ) صافين عن كدورة ~~الحدث والنظر إلى الغير ، فإذا تم هذه الصفات تم حقائق العبودية التي سماها الله PageV01P430 # الدين أي مثل هذه الطريقة له. # قال الجنيد : في هذه الآية أمر بحفظ السر وعلو الهمة وأن يرضى بالله عوضا ~~مما سواه. # وقال رويم : خلاص الدعاء أن ترفع رؤيتك عن أفعالك. # وقال حارث المحاسبي : وإخلاص الدعاء إخراج الخلق من معاملة الله. # وقال أبو عثمان : الإخلاص لسان رؤية الخلق لدوام النظر إلى الخالق. # وقال بعضهم : الإخلاص دوام المراقبة ونسيان الحظوظ كلها. # وقال الأستاذ في قوله : ( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ): ~~الإشارة منه إلى استدامة شهوده في كل حالة وألا ينساه لحظة في كل ما يأتيه ~~فنذره ويقدمه ويؤخره. # ولما أمر الكل بالعبودية الخاصة وخاطبهم بالوسائط بعد خروجهم من كتم ~~العدم إلى ساحة الوجود على سمات القضاء والقدرة والشقاوة والسعادة والهداية ~~والضلالة ، فأحالهم على سابق المشيئة. # أي : ليس كل من أقبل إلى العبودية فهو من أهل الوصال ، وليس كل من فر من ~~مقام العبودية وأماته النفس في الطاعة إلى كدورة حظوظ البشرية فهو من أهل ~~الفراق. # فإن الطاعة والمعصية خاصان في البين ، ومن كانت فطرته فطرة المقبولين ~~يكون مقبولا بأي صفة كان ، ومن كانت فطرته فطرة المطرودين يكون من ~~المطرودين بأي صفة كان بقوله : ( كما بدأكم تعودون فريقا هدى ~~وفريقا حق عليهم الضلالة ) بدأ الكل بسمتين سمة اللطف وسمة القهر ، فمن ~~صحبة سمة لطفه لا يضره تصاريف التلوين ، ومن صحبة قهره لا ينفعه ظاهرة ~~التمكين ، فيكونان بعد خروجهما من محل الامتحان على نعت فطرة الأزل فريقا ~~في أنوار المعرفة وفريقا في ظلمة الطبيعة. # قال النوري : يجري عليكم في الأبد ما قضينا عليكم في الأزل. # وقال الحسين : لا تغتروا بما أجرى عليه من الأعمال ؛ لأن الأعمال قد ~~توافق الخلقة وتخالف. # قال بعضهم : يعودون منه إليه أفقدهم لذة الأشياء لوجوده ، وأخلصهم بعلمه ~~عن علم من سواه ms0426 ، وأعتقهم بإرادته عن إرادة الأغيار. # ولي هاهنا نكتة كما بدأكم بعضا في رؤية الجمال وقعوا في المعرفة ، وبعضا ~~في رؤية الجلال وقعوا في النكرة ، أبواب عين نفس القدم ، وهناك تقصير ~~الأفهام عن الإدراك بقيت في ضلال النكرة ، فريق بقي في نكرة النكرة أبدا ، ~~وفريق بقي في معرفة المعرفة أبدا ، ولما ذكر سبحانه إقامة الوجوه بنعت ~~العبودية في مساجد الشهود أمرهم بأخذ زينتها في مواقف PageV01P431 # المراقبات بقوله : ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) زينة العبد لباس ~~العبودية الذي طرازها التواضع ، وسداه الاستقامة ، ولحمته الإخلاص قطع ذيله ~~من الحدثين ، وقصر كمه من الأكوان ، وجيبه خشوع وعطفه خضوع وصاحبه منور ~~بنور المآب مشرف بحسن الثواب ، فزينة التائبين الحرقة والبكاء ، وزينة ~~الورعين التضرع والثناء ، وزينة الزاهدين سمات نور السجود على وجوههم ، ~~وزينة العابدين سطوع نور الغيب من عيونهم ، وزينة المحبين الوله والهيجان ، ~~وزينة المشتاقين الزفرة والهيمان ، وزينة العاشقين الوجد والغليان ، وزينة ~~المستأنسين السكينة والوقار ، وزينة العارفين الهيبة والإجلال ، وزينة ~~الموحدين الحيرة والفناء ، دانيهم في العبودية وعاليهم في الربوبية ، من ~~أتى بالعبودية فلباسه لباس الأفعال ، ومن أتى بالربوبية فلباسه لباس الصفات ~~، ومن أتى بنعت القناعة مقبلا إلى قبلته القدم ، فلباسه لباس الذات فشتان ~~بين الأحوال ، وشتان بين اللباس ، وشتان بين العباد # تزين الناس يوم العيد للعيد %~% وقد لبست ثياب الزرق والسود أصبحت في ترح والناس في فرح %~% شتان بيني وبين الناس في العيد # قال الواسطي : ( يا بني آدم ) تغير كأنه يقول : يا بني النقص ~~والعيب ، يرد ذلك عليهم حتى لا ينظروا إلى أنفسهم ، ولا يلتفتوا إليها. # وقال الأستاذ : على موجب الإشارة زينة العبد بحضور الحضرة ولزوم السدة ~~والاستدامة لشهود الحقيقة. # ويقال : زينة نفوس العابدين آثار السجود ، وزينة قلوب العارفين أنوار ~~الوجود ، فالعابد على الباب بنعت العبودية ، والعارف على البساط بحكم ~~الحرمة ، فشتان بين عبد وبين عبد. # وقال : زينة النفوس مدار الخدمة ، وزينة القلوب حفظ الحرمة ، وزينة ~~الأرواح الإطراق بالحضرة باستدامة الهيبة والحشمة. # ويقال : زينة اللسان الذكر ، وزينة القلب الفكر. # ويقال : زينة الظاهر السجود ، وزينة الباطن الشهود. ms0427 # ويقال : زينة النفوس حسن المعاملة من حيث المجاهدات ، وزينة القلوب دوام ~~المواصلات من حيث المشاهدات ، وأذكر هذه الزينة التي هي آثار قربة على أهل ~~محبته الذين يلبسون لباس أهل البسط والأنس والانبساط من لبن الحب الذي لا ~~يليق إلا بعشاق الله وعرائس بساط الله ، ويأكل أكل الحنانيين من أطيب ~~المباحات في مقام الرفاهية غير بعد ذلك أهل إنكارهم الذين ينكرون أولياء ~~الله بلبس الفاخرات ، وأكل الطيبات في مقام المشاهدات PageV01P432 # التي هي أعياد العارفين والموحدين بقوله : ( قل من حرم زينة ~~الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) (1) الخطاب يحتلم الغضب على ~~الأعداء والتفضل على الأولياء من اجترئ أن ينكر على أحبائي الذين هم ملوك ~~حظائر قدسي وعرائس مجالس أنسي باكتسائهم بزينة العاشقين ، ويتناولهم من ~~طعام المستأنسين ، وأعلم أنها خارجة عن كسب الخلق حيث أضاف إخراجها إلى ~~نفسه ، بقوله : ( زينة الله التي أخرج لعباده ) أي : هي زينة ~~أخرجها لقاصديه وعاشقيه ، أخرجها من تكلف الخلق حين أخص نفسه بإخراجها لهم ~~، وهي التي ما جرت عليها حيل الخلائق بقدسه عن غبار العلائق حلالا على أهل ~~الحق ، حيث لا يدخل فيها خيانة الخائنين ، ولا كسب البطالين مباحا لأهل ~~الأنس بحيث جاءت من عنده بلا علة ولا كلفة ، يأكلونها بالتوكل ويلبسونها ~~بالرضا والمحبة على عادية على الأعداء باقية على الأولياء بقوله : ( ~~ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ). وأيضا ~~: في الحقيقة نور جماله وجلاله الذي ظهر من بشرة العارفين والطيبات من ~~الرزق ، هي موائد الأنس على خوان القدس ، وإثمار التجلي من أشجار التدلي. # قال بعضهم : الزينة التي أخرج الله لعباده هي المباحات في البوادي ، ~~والكسب الحلال في الحضر ، والطيبات من الرزق هي الغنائم. # وقال أبو عمرو الدمشقي : من حرم التزين بما يبدو على الأولياء من ~~المعونات والكرامات التي أخرجها لعباده المخلصين والطيبات من الرزق كسر ~~الفقراء الذين يأخذونها عن ضرورة وفاقة. # وقال الأستاذ : الطيبات من الرزق أرزاق النفوس بحكم أفضاله سبحانه ، ~~وأرزاق القلوب بموجب إقباله تعالى. # ويقال : أرزاق المعبدين إلهام ذكر الله ، وأرزاق ms0428 العارفين الإكرام بنسيان ~~ما سوي الله. # ولما ذكر تفضله تعالى على الموقنين العارفين بأن رزقهم من مدخور ما عنده ~~في خزائن جوده من الزينة والطيبات التي قويت بها أبدان الصديقين ، وحرمت عن ~~لذتها أجساد المفلسين الذين يتركونها رياء وسمعة وتزهدا وتقشفا وسالوسا ~~وناموسا ، ويقولون إنها محرمة على أولياء الله جهلا بالشريعة وإنكارا على ~~أهل الحقيقة ، بين أن ما حرم الله ليس هي إنما حرم سمعة الظاهر ورياء ~~الباطن وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بجواب الراجعين عن طريق الحق بقوله : ( ~~ قل إنما PageV01P433 # حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) (1) فحش الظاهر مباشرة ما ~~يشغله عن العبادة الخالصة ، وما بطن ما يجري على القلب من الوسواس الذي ~~يكون حجابا بينه وبين مشاهدة الحق ، وأيضا ما ظهر منها من الفواحش ، هو ما ~~يجرى في صورة الفعل بالمعصية ، وما بطن فيها ما يبقى في النفس من حلاوة ~~مباشرتها ، وزاد ذكر ما أنكره تعالى بقوله : ( والإثم والبغي ) ~~الاسم ظاهرا الإنكار على الأولياء ، والبغي الحسد في الباطن عليهم. # ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي ~~بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون (33) ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (34)) # قوله تعالى : ( وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ) أي : ~~امتنع بجلاله وعلو كبريائه في القدم من أن يكون معه في الألوهية ضد الشرك ~~رؤية الغير في البين ، ثم ألقى الرغام على أنوف المدعين الذين يدعون علوم ~~اللدنيات بقوله : ( وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ). # قال سهل : أن يكلم عن الله بغير إذن على غير سبيل الحرمة وحفظ الأدب ، ~~فقد هتك ستره وغدا طوره ، وقد حذر الله تعالى أن يقول أحد عليه ما لا يعلم ~~( وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ). # قال أبو عثمان في قوله : ( إنما حرم ربي الفواحش ): ما تريد ~~لغير الله من الطاعات. # وقال بعضهم : ما ظهر من الفواحش هو ms0429 الكذب والغيبة والبهتان ، وما بطن ~~الغل والغش والحقد والحسد. # وقال الأستاذ : ما ظهر منها الذلة ، وما بطن الغفلة. # ويقال : فاحشة الأحباب الصبر عن المحبوب. # ( يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى ~~وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (35) والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا ~~عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (36) فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا أو كذب PageV01P434 # بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا ~~يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على ~~أنفسهم أنهم كانوا كافرين (37) قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن ~~والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت ~~أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ~~ولكن لا تعلمون (38) وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكسبون (39) إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا ~~تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك ~~نجزي المجرمين (40) لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين ~~(41) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب ~~الجنة هم فيها خالدون (42) ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم ~~الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا ~~الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم ~~تعملون (43) ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ~~فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظالمين (44) الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون (45)) # قوله تعالى : ( فمن اتقى وأصلح ) أي : من تقدس عن ما دون الله في ~~رؤية إجلال الله وعظمته ، وأصلح ما بينه وبين الله من أنفاس بنفسها في غير ~~الشوق إلى الله ، وغير ملاحظة ms0430 جماله وجلاله ؛ لأن كل نفس يخرج من العبد ~~بغير هذه الأوصاف فاسد وإصلاحه على العبد واجب بالمراقبة والرعاية ~~والمحافظة عن جميع الخواطر ، ومن كان بهذه الصفة لم يبق عليه من جنايات ~~النفس شيء فلا خوف عليه من فوت المقامات ، ولا له حزن من احتجابه عن ~~المشاهدات بقوله سبحانه : ( فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ). # قال بعضهم : من اتقى في ظاهرة عن تناول الشبهات ، وأصلح باطنه بدوام ~~مراقبة الله تعالى : ( فلا خوف عليهم ) في الدنيا ولا حزن عليهم في ~~الآخرة ، ثم إن الله سبحانه وصف هؤلاء المقدسين بقدس خواطرهم من علل ~~الإنسانية وغل الشيطانية ، ووصفهم بصدق الآخرة ، وجلوسهم على أسرار العناية ~~في الحضرة بنعت الألفة والزلفة في مشاهدته ، حيث PageV01P435 # رفع الله الحجب وسقاهم من تسنيم شراب الوصال في كشوف الجمال بقوله : ( ~~ ونزعنا ما في صدورهم من غل ). # أثبت سبحانه وبين أن صدروا أهل الولاية ، وأهل بساط القرب مع إنها مكان ~~نور الإسلام واليقين فائضا فيها أماكن علل الإنسانية من الغل والغش ، ولا ~~يخرج الأولياء من هذه العلل ، وعن حد البشرية حتى لا يظن ظان أنهم خلقوا ~~مقدسين ، وإذا كان كما توهموا فأين محل الامتنان عليهم بإضافة تقديس صدورهم ~~بتفضله ، ونزعه عن أسرارهم كل خاطر لا يليق بحضرته وتصديق ذلك قول أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال : «فينا والله أهل بدر نزلت : ~~( ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ) [الحجر : ~~47]» (1). # وأيضا : يحتمل أن هذا النزع إشارة إلى أن قلوبهم خلقت مقدسة عن هذه ~~الشوائب ؛ لأنها محل نظر الله ، وفي هذه العلة تجري على صدورهم الخارجة عن ~~القلوب ؛ لأنها موضع وسوسة الشيطان بقوله تعالى : ( الذي يوسوس في ~~صدور الناس ) [الناس : 5] والعلة إذا لم تدخل القلب فهي طارئة لا يثبت ~~أثرها ، فعلة الأولياء في الصدور ، وعلة العموم في القلوب. # قيل : هو التحاسد والتباغض والتدابر الذي نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم عنها. # وقال بعضهم : من تحظى بساط القرب سقط عنه رعونات النفس وحظوظ الشيطان ، ~~قال الله ms0431 : ( ونزعنا ما في صدورهم من غل ) وعندي والله أعلم ألا ~~يبلغ أحد إلى درجة الولاية. # وقيل : ذلك قدس الله صدره عن جميع العلة وتصديق ذلك قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم حيث وصفهم بسلامة صدورهم والنصيحة للأمة ، وذلك حين وصفهم ~~عند أصحابه بسني الدرجات ورفيع الكرامات ، فقيل : يا رسول الله ، بم نالوا؟ ~~قال : «بسلامة صدورهم والنصيحة للأمة» (2). # ثم أثنى الله عليهم عقب الآية بأنهم عرفوا فضل الله عليهم في قديم إحسانه ~~ولطيف إنعامه الذي لا تدخل فيه علة الاكتساب ، ولا رحمة الاجتهاد بقوله ~~حكاية عنهم حين تجدون PageV01P436 # المنعم مفضلا عليهم بكشف النقاب ورفع الحجاب : ( وقالوا الحمد ~~لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله ) أي : هدانا ~~بنفسه إلى نفسه بسبق عنايته لنا في أزلة. # قيل : فيه دلنا على توحيده ، وجعلنا في سابق علمه من خواص عباده ، واختار ~~لنا أعز الأديان ، ولو وكلنا إلى اختيارنا لضللنا في أول لحظة. # وقال بعضهم في هذه الآية : رؤية الهيبة توقع قبضا في الأحوال وربما تورث ~~بسطا والعبد متردد فيما بينهما من قبض وبسط ، وحال البسط أورث قوله : ( ~~ الحمد لله الذي هدانا لهذا ). # وقال ابن عطاء : لما نظروا إلى هداية الحق إياهم نسوا أفعالهم وطاعاتهم ~~وعرفوا المنة عليهم فقاموا مقام الشكر. # ( وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا ~~أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون (46) وإذا صرفت أبصارهم ~~تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين (47) ونادى ~~أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم ~~تستكبرون (48) أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا ~~خوف عليكم ولا أنتم تحزنون (49) ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا ~~علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين (50) ~~الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما ~~نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون (51)) # قوله تعالى : ( وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ) إن لله ~~عبادا ms0432 في الدنيا قلوبهم تطير في الملكوت ، وأرواحهم تطير في أنوار الجبروت ~~، وعقولهم تستشرق على الأسرار ، وأسرارهم تطلع على الأنوار ، فيرون بنور ~~الله بالله من العرش إلى الثرى ، ويعرفون جميع الخلائق بسمات البعد والقرب ~~التي تظهر من وجوههم ، وهي منقوش خاتم السعادة والشقاوة الذي لا يقرأه إلا ~~عارف رباني ، ولهذا أشار عليه السلام بقوله : «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر ~~بنور الله» (1). # وهؤلاء على أعراف ذروة شرفات الحضرة يوم القيامة ، مطلعون على أحوال ~~الدارين PageV01P437 # ينظر إليهم أهل الجحيم فيحتملون برؤيتهم أثقال العذاب ، وينظر إليهم أهل ~~الجنة فيستزيدون من وجوههم سرور العيش ، وهم يشفعون على كل مقصر ، وينعمون ~~على كل متوفر والدليل على ذلك قوله تعالى : ( ونادوا أصحاب الجنة ~~أن سلام عليكم ) السلام منهم عليهم زيادة قربه أهل الجنة وقوله تعالى : ( ~~ لم يدخلوها وهم يطمعون ) يعني أهل الأعراف من أعظم شأنهم عند الله ~~في حضرته وقفوا شفاعة الخلق ، وهم يطمعون أن يدخلوا الجنة ، ويعيشون مع ~~عوام الجنة كالملوك يجلسون مع أهل الدناءة ، لتطييب قلوبهم ، والفرح ~~بملكهم. # روى أبو الحسن الفارسي عن سهل بن عبد الله يقول : أهل المعرفة هم أصحاب ~~الأعراف قال الله : ( يعرفون كلا بسيماهم ) (1) أقاموهم لإشرافهم ~~على الدارين وأهلها ، يعرفهم الملكين كما أشرفهم على أسرار العباد في ~~الدنيا وأحوالهم. # ويقال : عرفوهم غدا بسيماهم التي وجدوهم عليها في دنياهم ، فأقوم موسومين ~~بأنوار القرب وآخرون موسومون بآثار الرد والحجب. # وقال الأستاذ : هؤلاء أصحاب الأشراف خصوا بأنوار البصائر اليوم ، وأشرفوا ~~على مقادير الخلق بأسرارهم ، وأشرفوا غدا على مقامات الكل وطبقات الجميع ~~بأبصارهم. # قوله تعالى : ( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا ~~من الماء أو مما رزقكم الله ) إن من لطف الله وكرمه على خلقه أن رفع الحجاب ~~من الجنة لأهل النار حتى يحتملوا آلام العذاب برؤية الجنان وأهلها ، وهذا ~~من ألطافه الخفية. # ألا ترى إلى عاشق ينظر إلى وجه معشوقه ، وهو في وسط الثلج والزمهر فلا ~~يجد آلامه لما وجد من حلاوة مشاهدة معشوقه ، اذكر شأن صويحبات يوسف ~~عليه السلام كيف قطعن أيديهن ms0433 في مشاهدة يوسف عليه السلام ، وما شعرن في ~~مشاهدته آلام القطع سمعت أن بعضا من المشايخ مضي إلى مسجده بقرب داره بين ~~المغرب والعشاء ، وكان ينزل الثلج فرأى شابا تحت منظر يتكلم مع معشوقه على ~~المنظر ، وهما غائبان في حديثهما عن رؤية الشيخ حتى صلى ورجع ، فلما حان ~~وقت الصبح ومضى إلى قربهما فرآهما واقفين بين الثلج ، والثلج بلغ إلى ~~وسطهما ومع شيخ سراج ، فقالت المعشوقة لعاشقها : مر يا حبيبي ، فإن الشيخ ~~يمضي إلى صلاة العتمة PageV01P438 # وأنشد في هذا المعنى : # شهور ينقضين وما شعرنا %~% بأنصاف لهن ولا سراري # فصاح الشيخ صيحة وخر مغشيا عليه ، ثم قام بعد ذلك وتأوه ومزق قميصه ، ~~وقال : واويلاه أن آدميين لم يعلما في عشقهما ومشاهدتهما العتمة من الصباح ~~، ولم يشعر آلام الثلج في البرد ، وأنا أدعي حب خالق الخلق ، وأكون بهذه ~~الصفة غافلا ، أنشد الحلاج في بلائه حين رؤية مبليه. # وحرمه الود الذي لم يكن %~% يطمع في إفساده الدهر ما نالني عند نزول البلاء %~% بؤس ولا مسني الضر # وقولهم : ( أفيضوا علينا من الماء ) لأن الماء ضد النار ، أي : ~~يا أهل القدرة في الحضرة أفيضوا علينا من مياه الشفقة ، وما رزقكم الله من ~~مقام الشفاعة. # قال بعضهم : ( أفيضوا علينا من الماء ) أي : ماء الرحمة أو مما ~~رزقكم الله من القربة. # وقال الأستاذ : لا يسقيهم قطرة مع استغنائه عن تعذيبهم وقدرته على أن ~~يعطيهم ما يريدون ، ولكن قهر الربوبية وعز الأحدية وأنه فعال لما يريد لم ~~يرزقهم اليوم من عرفانه ذرة لا يستقيم غدا في تلك الأحوال قطرة ، في معناه ~~أنشدوا : # وأقسمن لا يسقينا أمر شربه %~% ولو زخرت من أرضهن بحور # وقال : إنما يطلبون الماء ليبكوا به لأنه نفذت دموعهم كما قال لهم : # يا نازحا نزحت دمعي قطيعته %~% هب لي من الدمع ما أبكي عليك به # ( ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون ~~(52) هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت ~~رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء ms0434 فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (53) إن ربكم الله الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه ~~حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله ~~رب العالمين (54) ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55) ولا ~~تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من ~~المحسنين (56)) # قوله تعالى : ( ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة ~~لقوم يؤمنون ) PageV01P439 # ذكر سبحانه امتنانه على المؤمنين بما خاطبهم بمجموع كلامه القديم الذي ~~أبنا ما عنده لهم من مدخور السعادات ، وسني الكرامات ، وعظيم الدرجات ، ~~ودعاهم به إلى أعمال ذكية ، وأحوال شريفة ، ومقامات عزيزة ، وعرفهم به ~~بأسمائه ونعوته وصفاته وذاته تعالى وأفعاله في انتظام صنائعه ، وإعلام ~~قدرته وبدلهم به إلى المعرفة كل صفة من صفاته القديمة التي معرفتها معرفة ~~ذاته تعالى ، عرف نفسه به للعارفين ، وفتح بمفاتيحه كنوز غيبه للروحنيين ، ~~وكشف قناع الجهل بأنواره عن قلوب الغافلين والعالمين ، وجذب بلطائفه قلوب ~~المحبين والمشتاقين والعاشقين إلى مشاهدته ووصاله ، ورتب فيه مقامات ~~العبودية ومعارف الربوبية ، وذلك صدر منه بسابق علمه وقديم حكمه ، ويهدي به ~~إلى نفسه قلوب المؤمنين به ، وذلك منه رحمة كافية للعموم والخصوص ، وكان ~~رحمته سبقت في الأزل لمن خاطبه سبحانه بنعمة هدايته به إليه ، وأي نعمة ~~أعظم من إنزاله كلامه إلينا الذي يعتقنا من رق النفوسية ، ويخلصنا من شهوات ~~الشيطانية ، ويهدينا بنور إلى أنوار الربانية ، والحمد لله الذي أمنن علينا ~~بفواتح أنعامه ولطائف إكرامه واصطفانا بخطابه ، وجعل استماعنا محل استماع ~~كلامه وقلوبنا أوطان بيانه وأسرارنا أوعية أنوار سلطانه وأرواحنا خزائن ~~عرفانه ، وعقولنا مشاهد برهانه وأبداننا مساقط شرائعه من قرآنه. # قال بعضهم : أنزل الله كتابا فيه هدى من الضلالة ، ورحمة من العذاب ، ~~وفرقانا بين العدو والولي ، لا يعلم معانيها إلا المؤمنين بمتشابهه ~~والعاملون بأحكامه والتالون به أناء الليل والنهار فيه الفلاح لمن طلب ~~الفلاح ، والنجاة لمن رام النجاة ، لا ms0435 يهلك عليه إلا هالك ولا ينجو به إلا ~~ناجي ، قال الله تعالى : ( ولقد جئناهم ) (1) ولما عرف نفسه بخطابه ~~للعارفين ، عرف نفسه أيضا لهم بأفعاله النورية ، وبرهانه القدرتية ، وآياته ~~الصفاتية ، وأعلامه الذاتية ، بقوله سبحانه : ( إن ربكم الله الذي ~~خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ). # فقد نبه عن عين الألوهية صريحا حين قال : ( إن ربكم الله ) ~~خاطبهم بالتربية ؛ لجذب قلوبهم بالمحبة ثم أشار إليهم بالألوهية لفناء ~~الحدث في القدم ثم صرفهم من المحو إلى الصمود ، ومن الحضور إلى الغيبة ، ~~بقوله الذي أشارة ( إن ربكم ) عبارة الأولى للبسط ، والثاني للقبض ~~، ثم صرفهم من الصفات إلى الأفعال كما صرفهم من الذات إلى الصفات كي PageV01P440 # لا تحرقوا في نور الألوهية ، الأول خطاب القلب ، والثاني خطاب الروح ، ~~والثالث خطاب العقل الأول وقوله : ( إن ربكم ) قوله : ( ~~الله ) وقوله : ( الذي ) ثم أنزلهم من الشهود إلى الشواهد ، ~~وخاطبهم على قدر عقولهم حيث أحالهم من القدم إلى الحدث لعلمه لضعفهم عن حمل ~~بوادي طارقات سطوات الوحدانية ، قال : ( الذي خلق السماوات والأرض ~~في ستة أيام ) جعل الآيات مرآة الصفات لأهل المشاهدات خلقها في ستة أيام ، ~~أيام الله قضاء الله وقدره ، احضرها بأيام مخصوصة وهي الستة ، وكل يوم من ~~أيامه ظهور صفة من صفاته ، من مطلع القدم طلعت للعدم لكون الحدث ، وهذه ~~الأيام الستة ظهور ست صفات من صفاته ، أولها العلم ، والثاني القدرة ، ~~والثالث السمع ، والرابع البصر ، والخامس الكلام ، والسادس الإرادة ، كملت ~~الأشياء بظهور أنوار الصفات الستة ، ولما أتمها صارت الحدثان كجسد آدم بلا ~~روح من صفاته السابعة ، وهي حياته القديمة الأزلية الباقية المنزهة عن ~~همهمة الأنفاس ، والمشابهة والقياس ، فقامت الأشياء بصفاته القائمة بذاته ، ~~ويكون الأبد لحياتها بروح حياته المقدسة عن الاتصال والانفصال ، وفي أدق ~~الإشارة السماوات الرواح ، والأرض الأشباح ، والعرش القلوب. # بدأ بكشف الصفات للأرواح ، وبدأ بكشف الأفعال الأشباح ، ثم بدأ بكشف ~~الذات للقلوب ؛ لأن مناظر القلوب محل الغيوب ، والغيوب من القلوب محل تجلي ~~استواء القدم استوي قهر القدم بنعت الظهور للعدم ، ثم استوي تجلي الصفات ~~على ms0436 الأفعال ، واستوي تجلي الذات على الصفات ، فاستوي بنفسه لنفسه على نفسه ~~المنزهة عن المباشرة بالحدثان والاتصال والانفصال عن الأكوان وبالأكوان ، ~~الاستواء صفة ذاتية خارجة عن مطالعة الخليفة خص السماوات والأرض بتجلي ~~الصفات ، وخص العرش بتجلي الذات السموات والأرض ، جسد العالم والعرش قلب ~~العالم والكرسي دماغ العالم ، خص الجميع بالأفعال والصفات ، وخص العرش ~~بظهور الذات لأنه قلب الكل ، وهو غيب الرحمن وعلمه وحكمته ، رأيته في ~~المكاشفة أنوار شعشعانية بلا جسم ولا مكان ولا صورة يتلألأ ، فسألت عن ذلك ~~، فقيل لى : هذا عالم يسمى عرشا. # قيل في التفسير : عرشه علمه ، كقول ابن عباس في تفسير قوله : ( ~~وسع كرسيه ) [البقرة : 255] ، أي : وسع علمه ، ثم رجع إلى ذكر الأفعال ~~لبقاء الأرواح والأشباح بقوله : ( يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا ~~والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) بدأ بذكر الليل لأنه ستر الأولياء ، ~~وحجال الأصفياء ، وملجأ النقباء ، وخيام عرائس أهل المناجاة بلبس القبض ~~البسط ؛ لأنها ضدان ويقبض ويبسط الليل قبض العارفين ، والنهار بسط ~~المشاهدين PageV01P441 # يكون أحدهما طالب الأخر لأن وصفه الحضور والغيبة من خفاء التجلي ، وبدأ ~~به الليل النفس ، والنهار القلب ، والشمس الروح ، والقمر العقل ، والنجوم ~~المعلوم مسخرات في أسماء الملكوت ، وهو الجبروت بأمره بقدرته الكاملة وعزته ~~الشاملة ومحبته القديمة التي تؤلف أرواح القدسية إلى مشاهد الأزلية ، ثم أن ~~الله سبحانه أضاف الكل إلى أمر مشيئته ونفاذ قدرته وأخرج الجميع من تكلف ~~الحدثان وعلمه الأكوان بقوله : ( ألا له الخلق والأمر ) الخلق فعله ~~، والأمر صفته الخلق في الأشباح ، والأمر في الأرواح بنور الخلق سبب العقول ~~وحيرها من أدرك كنه الآيات ، ويتجلى الأمر جذب القلوب إلى عالم الصفات ~~وعشقها بجمال الذات ، ثم أثنى على نفسه حيث تقتصر الإفهام عن وصف صفاته ، ~~وتقصر الألسن عن البلوغ إلى مدح ذاته بقوله : ( تبارك الله رب ~~العالمين ) أي : تقدس عن كل ما يجري على خواطر خلقه رب العالمين رب الجميع ~~بظهور صفته في خلقه ، ورب العارفين بظهور ذاته في صفته. # قال الأستاذ : في هذه الآية تعرف إلى الخلق بآياته الظاهرة الدالة على ~~قدرته وهي ms0437 أفعاله وتعرف إلى الخواص منهم بآياته الدالة على نصرته التي هي ~~أفضاله وإقباله ، وظهر لأسرار خواص الخاص بنعوته الذاتية التي هي جماله ~~وجلاله ، فشتان بين قوم وبين قوم. # قال الواسطي في قوله : ( ألا له الخلق ): والأمر إذا كان له ~~فمنه وبه وإليه ؛ لأن الأمر صفة الأمر ، ولما عرفهم إعلام الربوبية أمرهم ~~بخالص العبودية ، وأدبهم فيها بأحسن التأديب بقولها : ( ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية ) فإذا عرفتم نعوت الكبرياء وجلال العظمة وعز القدم والبقاء ، ~~كونوا في رؤية هذه الصفات عند احتياجكم إلينا بنعت الفناء بحيث لا طلع على ~~أسراركم نفوسكم ، فإن دعوة المضطر تقع على سامع الغيوب حين هاجت بوصف اللطف ~~من لسان القلوب ، وأن أصفى الوقت في التضرع ودعوة الخفية وذكر الخفي الذي ~~وصفه عليه السلام بالخيرية ، حيث قال : «خير الذكر الخفي» (1). # وقال أبو عثمان : التضرع في الدعاء أن لا تقدم إليه أفعالك وصلواتك ~~وصيامك وقراءاتك ، ثم تدعو على أثره إنما التضرع أن تقدم افتقارك وعجزك ~~وضرورتك وفاقتك وقلة حيلتك ثم تدعو بلا علة ولا سبب فترفع دعاءك. # وقال الواسطي : تضرعا بذل العبودية وخلع الاستطالة خفية ، أي : أخف ذكرى ~~صيانة عن غيري ، ألا تراه بقول : «خير الذكر الخفي» (2). PageV01P442 # وأفهم أن الدعاء مقامات ، فبعضهم يدعوه بلسان الظاهر ، وبعضهم يدعوه ~~بلسان الباطن ، وبعضهم يدعوه بإشارة العقل ، وبعضهم يدعوه بإشارة القلب ، ~~وبعضهم يدعوه بإشارة الروح ، وبعضهم يدعوه بإشارة السر ، نعت أهل الظاهر ~~التضرع ، ونعت أهل الباطن الافتقار والتخشع ، ونعت أهل العقل الفكر ، ونعت ~~أهل القلب الذكر ، ونعت أهل الروح الشوق ، ونعت أهل السر الفناء ، يدعونه ~~بالإذن ولا يكون الإذن في الدعاء إلا في مقامين مقام القبض ومقام البسط ، ~~الدعاء في مقام القبض بنعت العبودية ، والدعاء في مقام البسط الحكم ~~والانبساط من إدراك مباشرة صولة الربوبية ، ولا بد للعارفين من هذين ~~المقامين ، والدعاء على أحوال شيء ، دعاء أهل البلاء لكشف الهموم ، ودعاء ~~أهل النعمة لكشف الوجود ، ودعاء المحبين لتسلي القلوب ، ودعاء المشتاقين ~~للبلوغ إلى الوصول ، ودعاء العاشقين لنيل المأمول ، ودعاء العارفين لوجدان ~~البقاء ، ودعاء الموحدين لمحوهم ms0438 في الفناء ، وفيه أنس المستأنسين وتضرع ~~العارفين وبهاء المحبين وزيادة قرة عيون الموحدين ، ما أطيب ألحانهم في ~~السجود لكشف مشاهدة الموجود ، وما أحلى روح طيب مناجاتهم بالعبرات وحركات ~~ضمائرهم بالزفرات. # قال الأستاذ : ما أخلص عبد في دعائه إلا روح الله سبحانه في الوقت قلبه ، ~~ثم حذرهم عن الرجوع من الأعلى إلى الأدنى ، ومن متابعة الحق إلى متابعة ~~النفس من تخريب أرض القلب بمسحاة الهوى بعد إصلاحها بصفاء المراقبة والحضور ~~والمشاهدة بقوله : ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ). # قال الأستاذ : إمهال النفس عن المجاهدات والرجوع إلى الحظوظ بعد القيام ~~بالحقوق ، فساد الأرض بعد إصلاحها فيه ، ثم زاد سبحانه في آداب الدعاء وقرن ~~بالتواضع والإخلاص فيه مقام الخوف والرجاء بقوله : ( وادعوه خوفا ~~وطمعا ) أي : أدعوه بوصف الإجلال في رؤية جلاله ، وبنعت البسط في رؤية ~~جماله فإن حقيقة الدعاء في الشهود الرجل في العبودية لمعرفة الربوبية ، ~~والسرور من رجاء الوصول إلى المقصود. # وأيضا : ( وادعوه خوفا ) من إطلاعه على جريان كل مأمول سواه في ~~القلب ، أي خافوا من طيران ذكر الحدث في رؤية القدم ، ( وطمعا ) ~~معناه الطمع في مقام من قربه أشرف من مقام الدعاء ؛ لأن الدعاء وسيلة ؛ ~~فإذا حصل الوصول انقطع الوسيلة ، وأيضا خوفا من رد الدعاء ، وطمعا في ~~استجابة الدعاء ، وبين تعالى أن من كان هذا وصفه يكون من المحسنين PageV01P443 # الذين يقربون منه بقوله : ( إن رحمت الله قريب من المحسنين ) (1). # قيل في قوله : ( وادعوه خوفا وطمعا ) أي : خوفا من عقابه وطمعا ~~في ثوابه. # وقيل : خوفا من بعده وطمعا في قربه. # وقيل : خوفا من أعراضه وطمعا في إقباله. # وقيل : خوفا منه وطمعا فيه. # قيل : المحسن من كان حاضر بقلبه غير لاه عن ربه ولا ناس لحقه. # ثم وصف الله نفسه بإنشاء مبشرات قربه من بطنان غيبة لوصول النسائم ورد ~~مشاهدته إلى مشام أرواح عاشقيه ، وأفئدة مشتاقيه ، وأسرار وصليه ، وقلوب ~~محبيه ، والباب مريديه. # ( وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ~~ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به ms0439 من كل الثمرات كذلك نخرج ~~الموتى لعلكم تذكرون (57) والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا ~~يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون (58) لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ~~فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ~~(59) قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين (60) قال يا قوم ليس بي ~~ضلالة ولكني رسول من رب العالمين (61) أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم ~~من الله ما لا تعلمون (62) أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ~~لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون (63)) # قوله تعالى : ( وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ) يرسل ~~نسيم وصاله في أسحار أصباح طلوع جلاله إلى مشام المستأنسين بشهوده في ~~سجودهم لزيادة عطش شوقهم إلى وابل بحر مشاهدته من سحائب قربته وزلفته قدام ~~ظهور سحاب صفاته التي تتجلى من بحر ذاته للأرواح العاشقة ، وتسقيها من بروق ~~الوداد ما لا يستقر بشربها الأرواح في الأكوان والحدثان ، بل تطير في فضاء ~~البقاء وهواء القدم بأجنحة الآزال والآباد أظهر بلطفه ومحبته رياح تجلي ~~الصفات قبل ظهور تجلي الذات ؛ لإعلام قوانيط القبض ببروز PageV01P444 # سحاب تجلي الذات لأحياء بلادة قلوبهم الميتة بجذب كشف القدم بقوله : ( ~~ حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ) لا يستقل حمل أثقال ~~تجلي الذات إلا رياح تجلي الصفات ، ولا يقدر سوق أنوار القدم إلا القدم ، ~~ولا يقدر سقي زلال بحر الآزال إلى عطاش شراب الحيرة إلا الأزل ، ولا يقدر ~~أن يخرج من بلاد القلوب ثمار أشجار الغيوب إلا علام الغيوب بقوله : ( ~~ فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات ) ثمرات المقامات ~~والحالات والمكاشفات والمشاهدات. # ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد %~% لقد زادني مسراك وجدا على وجد # قال بعضهم : كل ريح تنسم نوعا من الرحمة ؛ فريح التوبة تنشر على القلب ~~رحمة المحبة ، وريح الخوف تنشر رحمة الهيبة ، وريح الرجاء تنشر رحمته الأنس ~~، وريح القرب تنشر برحمته الشوق ، وريح الشوق تنشر نيران القلق والوله ، ~~قال الله : ( وهو ms0440 الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ). # قال الأستاذ : تباشر التقرب بتقديم فينادي نسيمه إلى مشام الأسرار. # قال قائلهم : # ولقد تنسمت الرياح لحاجتي %~% فإذا لها من راحتيك نسيم # وقال الأستاذ في قوله حتى إذا قلت : ( سحابا ثقالا ) الإشارة ~~تحصل لمهجور تمادى به الصد وبرح به الوجد وأنحل جسمه ، بل أبطل كله البعد ~~فيأتيه بشير القرب فيعود عودا ووصله بعد الذبول طريا وبصيرا وأرس حاله عقب ~~السقوط قويا كما قال قائلهم : # كنا كمن ألبس أكفانه %~% وقرب النعش من الملحد فحال ماء الروح في جسمه %~% فرده الأصل إلى المولد # تبارك الله سبحانه ماكرهم هو بالسرمد ، وذكر سبحانه القلب الذي هو بلد ~~الله الذي مطر عليه من بحر امتنانه ، ويخرج منه نبات ألوان الحالات ~~والمقامات ، ويذكر ما هو بخلافه الذي فيه سجة الشهوات وشوك حظوظ البشريات ~~بقوله : ( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج ~~إلا نكدا ) إلا يا أخي أرض القلوب تنبت أزهار المواجيد ورياحين المواريد ~~بقدر كشوف أنوار الصفات والذات ، فكل قلب بذرة المحبة فنباته المشاهدة ، ~~وكل قلب بذرة الشوق فنباته الأنس والوصال ، وكل قلب بذرة العشق ونباته كشوف ~~الجلال والجمال ، وكل قلب بذرة الهوى فنباته الشهوات ؛ فالقلب المنور يظهر ~~على الجوارح آثار المحبة وهي الموافقة ، وكل قلب مظلم يظهر بالظاهر آثاره ~~وهي المخالفة. PageV01P445 # ثم أشار تعالى إلى تبديل الأخلاق ونشر الأفضال وثبوت المقامات وطيران ~~الأحوال بالإرادة السابقة والمشيئة الأزلية المنزهة عن التغاير في التدبير ~~، بل هو موصوف بأصل التقدير بقوله : ( كذلك نصرف الآيات لقوم ~~يشكرون ) لقوم يعرفون المشكور قبل وجود الآلاء والنعماء ، يجدونه شاكر ~~أنعامه بنفسه فيخجلون عن شكره بعرفانهم بعجزهم عن محل شكره. # قال أبو عثمان : أسعد الطيب مثل قلب المؤمن التقي يخرج نباته بإذن ربه ~~يظهر على الجوارح أنوار الطاعات والزينة بالإخلاص والذي خبث قلب الكافر لا ~~يظهر منه إلا النكد والشؤم والظلمات على الجوارح من إظهار المخالفات. # وقال الواسطي : البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه أي بتوليه ، والذي خبث ~~لا يخرج إلا نكدا حجب عن ms0441 التجلي والخطاب كذلك نصرف الآيات ، كذلك تحرق ~~الشمس طوائف من النبات وتنبتها وتغذي طوائف من النبات وتطيبها ، وذلك على ~~قدر جوهرها ، كما أن بإرادة واحدة ظهرت المخالفات والموافقات. # قال بعضهم : البلد الطيب الذي طيبها بدوام الأمن وعدل السلطان. # ويقال : النسيم الساطع يدل إلى الجوهر اللازم ، إن خبث الجوهر لم يطلب ما ~~لم يحل منه وإن طاب العنصر ، فالحر يحاكي أصله ، والأسرة تدل على السريرة ، ~~فمن صفا ساكن قلبه زكي ظاهر فعله ، ومن كان بالعكس فحاله بالصد. # وقال الأستاذ : وإذا زكى الأصل بماء الفرع. # قال بعضهم : هو قلب المؤمن الذي طهره الله وطيبه طهر الله الروح بماء ~~القربة ، وطيبه بطيب الكرامة ، وطهر القلب بماء العلم ، وطيب السر بنور ~~المعرفة ، وطهر اللسان بالصدق والذكر ، وطهر الجوارح بماء العظمة وطيبتها ~~بنور التوفيق. # قوله تعالى : ( وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون ) أعرفكم ~~طريق عرفان ربكم وأرشدكم إلى مشاهدة ربكم وتعطفه ولعلمه على عباده. # واعلم من الله من لطائف بره وجميل عطفه وكشوف صفاته وجمال ذاته وحلاوة ~~مشاهدته ، ولذيذ خطابه ما لا تعرفونها ، ما وصل إليه يكون في ملك لا يبلى ~~وسعادة لا تفنى ، ومن حرم من الوصول إليه يكون في بلاء وحجاب وضلال ، لا ~~ينقضي محبها أبدا. # قال بعضهم : أنصح لكم أدلكم على طريق رشدكم ، واعلم من الله ما لا تعلمون ~~من سعة رحمته قبول التوبة لمن رجع إليه بالإخلاص. # ( فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا ~~بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين (64) وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله PageV01P446 # غيره أفلا تتقون (65) قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك ~~في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين (66) قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول ~~من رب العالمين (67) أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين (68)) # قوله تعالى : ( إنهم كانوا قوما عمين ) (1) أي : محجوبين عن ~~مشاهدة الله ومبعدين عن ذوق محبة الله غير مبصرين ببصائر الأسرار أنوار ~~صفات الله وذاته التي يظهر من كل ذرة سطوعها. ms0442 # قال ابن عطاء : ضالين عن طريق الحق. # وقال بعضهم : متثاقلين في القيام إلى الطاعات. # وقال بعضهم : عميت أبصارهم عن النظر إلى الكون برؤية الاعتبار ونظرهم نظر ~~مراد وشهوة. # ( أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا ~~إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله ~~لعلكم تفلحون (69) قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا ~~فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (70) قال قد وقع عليكم من ربكم رجس ~~وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان ~~فانتظروا إني معكم من المنتظرين (71) فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا ~~دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين (72) وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ~~يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة ~~الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم ~~(73) واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها ~~قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ~~(74) قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم ~~أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه PageV01P447 # قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون (75) قال الذين استكبروا إنا ~~بالذي آمنتم به كافرون (76) فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا ~~صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين (77) فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في ~~دارهم جاثمين (78) فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ~~ولكن لا تحبون الناصحين (79) ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم ~~بها من أحد من العالمين (80) إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل ~~أنتم قوم مسرفون (81) وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم ~~إنهم أناس يتطهرون (82) فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (83) ~~وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين (84) وإلى مدين أخاهم ~~شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما ms0443 لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم ~~فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد ~~إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين (85) ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ~~وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم ~~وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين (86) وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت ~~به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين (87) ~~قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من ~~قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين (88) قد افترينا على الله ~~كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها ~~إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح ~~بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين (89) وقال الملأ الذين كفروا من ~~قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون (90) فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في ~~دارهم جاثمين (91) الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا ~~كانوا هم الخاسرين (92) فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ~~ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين (93) وما أرسلنا في قرية من نبي إلا ~~أخذنا أهلها بالبأساء والضراء PageV01P448 # لعلهم يضرعون (94) ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا ~~قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون (95)) # قوله تعالى : ( فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون ) أي : فاذكر نعم ~~الله في اصطناعه في حسن تصويركم وإلباسكم جمال فعله حتى تكونوا في أحسن خلق ~~وأظرف نعت وظهره لكم بأوضح الآيات وأنوار علاماته الدالة إلى وجوده لعلكم ~~تفوزون من بعده ، وتظفرون بقربه وأفهم أن رؤية النعمة يوجب الشكر ، ورؤية ~~الآلاء توجب الذكر ، ورؤية المذكور والمنعم توجب المحبة. # قال الواسطي : العامة تحبه على النعماء ذلك في قوله : ( اذكروا ~~نعمت الله عليكم ) [المائدة : 11] ، والخاصة تحبه على الآلاء ، وذلك في ~~قوله : ( فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون ) والأكابر تحبه على ~~الإيثار والربوبية ms0444 ، ولكل علامة فعلامة الأولى دوام الذكر له والفرج به ، ~~والثانية الاستئناس به لرؤية ما أبعده منه ، والثالثة الاشتغال به أن كل ~~قاطع يقطع عنه. # وقال ابن عطاء : إذا ذكرت آلائه ونعمائه أحببته ، وإذا أحببته قصدته ، ~~وإذا قصدته وجدته ، وإذا وجدته انقطعت إليه ، ونقول عند المشايخ لو أن ~~القوم من أهل خالصة محبته ما أحالهم إلى رؤية الآلاء بل خاطبهم برؤية الذات ~~والصفات. # ألا ترى كيف خص خواص المحبين بخطاب رؤيته وإصرافه إلى مشاهدته بقول الله ~~تعالى : ( ألم تر إلى ربك ) [الفرقان : 45] لأن محبة الآلائية ~~والنعمائية محبة معلولة كونية ، إذ كونها بسبب حدثي وخالص المحبة ما تصدر ~~من مشاهدة جلاله وجماله ، وكيف يصل إليه من كان سبب حاله ومعرفته ومحبته ~~رؤية الآلاء والنعماء أوقعهم في بداية الذكر. # قال : فأذكر وأجعل لقاءهم منتهى وهو درجة النجاة من العذاب ، ولو كانوا ~~محققين ما خاطبهم بذكر غيره وصفه أفعاله. # وقوله : ( وأنا لكم ناصح أمين ) (1) أي : أنا بعد أن خرجت من ~~حظوظ نفسي وخصني الله برسالة ، وطهرني من شوائب الطبيعة ، وعرفني طريق ~~محبته وخدمته ، وأعرفكم تلك الطريق المباركة شفقة ونصيحة وأنا أمين فيها ؛ ~~حيث لا سبيل للشيطان في نصيحتي بالتهمة PageV01P449 # التي هي من صفات من يميل قلبه إلى غير الله. # قال أبو حفص : الناصح الأمين الذي لا يكون له في نصيحته حظ لنفسه ولا طلب ~~جاهه وإنما يكون مراده منه قبول النصيحة والنجاة بها. # ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء ~~والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون (96) أفأمن أهل القرى أن ~~يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون (97) أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى ~~وهم يلعبون (98) أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ~~(99) أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ~~ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون (100)) # ( تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات ~~فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ~~(101) وما وجدنا لأكثرهم ms0445 من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين (102) ثم بعثنا ~~من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة ~~المفسدين (103) وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين (104)) # قوله تعالى : ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم ~~بركات من السماء والأرض ) ولو أنهم شاهدوا ملكوتي واتقوا سوى جبروتي لتفتح ~~على أرض قلوبهم أنوار مشاهدة صفاتي وذاتي حتى يروني في ملكوت الأرض والسماء ~~بصفة اللطف والجمال ، وتنبت في صحاري قلوبهم رياحين الزلفة والقربة والشوق ~~والعشق والمحبة واليقين والتجريد والمعرفة. # قيل : معناه لو أنهم صدقوا وعدي واتقوا مخالفتي ؛ لنورت قلوبهم بمشاهدتي ~~وهي بركة السماء ، وزينت جوارحهم بخدمتي وهي بركة الأرض وقوله تعالى : ( ~~ أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) لله بكل ~~قوم مكر ، فمكره بالعموم ممزوج بالقهر ، وهو أن يعطيهم أسباب العبودية ، ~~ولم يوفقهم بها ويعطيهم لسان الشكر ، ولا يعرفهم حقائق استدراجه بسلب ~~النعمة عنهم وأخلاهم بلا نعمة ولا شكر ، ومكره بالخصوص أن يلذذ ما وجدوا ~~منه في قلوبهم ، ويحجبهم بتلك الحلاوة عن إدراك ما فوق مقاماتهم من مكاشفة ~~الغيوب في القلوب ، ومكره بالمحبين والعاشقين ظهور الصفات في الآيات وهو ~~مقام الالتباس ، ومكره بالعارفين والموحدين أن يريهم نفسه على قدر قوة ~~المعرفة والتوحيد ، ولا PageV01P450 # يعرفهم مكان المكر هناك بأن يعملوا أن ما وجدوا منه عندما لم يجدوا منه ~~كقطرة في بحار ، وذلك من حلاوة مباشرة أنوار القدم والبقاء في أسرار ~~أرواحهم وقلوبهم وعقولهم ، ولو أطلعوا على حقائق مكره ، حيث حجبهم به عنه ~~لذابوا من الحياء تحت أنوار سلطان كبريائه وعظمته ، ومكره بأهل الاتحاد أن ~~يريهم جلاله وجماله في مرآة قلوبهم ، فيرونه بحسن الأزل وجمال الأبد بنعت ~~فنائهم فيه ، فيبقيهم به من حد الفناء ، فيرون أنفسهم كأنهم هو من حدة ~~مباشرة الصفة بالفعل ، فيتحجب عليهم ويبقيهم في حلاوة تأثير أنوار الصفات ~~فيرون أنفسهم في محل الربوبية فيدعون هناك بالأنائية (كالحسين بن منصور) ~~و (أبي يزيد) قدس الله روحهما فهناك أخفى المكر وألطف الاستدراج ، ولولا ~~فضله وكرامته ms0446 عليهم لأبقاهم فيما هم فيه ولكن بلطفه الخفي وإنعامه الجلي ~~أخرجهم من ذلك ، وأغرقهم في بحار عظمته حتى أقروا بأنهم ليسوا على شيء منه ~~، وأنهم في أول درجة من عبوديته. # ألا ترى إلى قول أبي يزيد في آخر عمره حيث قال : ما ذكرتك إلا عن غفلة ، ~~ولا عبدتك إلا عن فترة. # وإلى قول حسين بن منصور في وقت قتله قال : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ~~، وهذا لطف الله نبينا صلى الله عليه وسلم حيث حرسه من هذا المكر الخفي في ~~مقام رؤية الأعلى وشهود قاب قوسين وأدنى بقوله : «لا أحصي ثناء عليك أنت ~~كما أثنيت على نفسك» (1)، ذوقه طعم الربوبية وأوقفه في مقام العبودية ، ~~حتى افتخر بعبوديته بعد وجدان ربوبيته بقوله : «أنا العبد لا إله إلا الله» ~~(2)، وكل صنيع منه لطيف بأوليائه أن مكر بهم وأن لم يمكر بهم ، ومن نجا من ~~مكره والكل في قبضة العزة متحيرون ، وكيف يأمن به منه من يعرفه بالربوبية ~~ويعرف نفسه بالعبودية. # حكي أن رجلا سأل الشبلي عن معنى مكر الله ، فأنشد الشبلي بقوله : # أحبك لا ببعضي بل بكلي %~% وإن لم يبق حبك بي حراكا ويسمج من سواك الشيء عندي %~% فتفعله فيحسن منك ذاكا # فقال سائل : أسأل عن آيات من كتاب الله ، وتجيبني ببيت شعر فعلم الشبلي ~~إنه لم يفطن ما قال. # فقال : يا هذا مكره بهم تركه إياهم على ما هم فيه. # قال الحسين : لا يأمن من المكر إلا من هو غريق في المكر ، فلا يرى المكر ~~به مكرا ، وأما PageV01P451 # أهل اليقظة فإنهم يخافون المكر في جميع الأحوال إذ السوابق جارية ~~والعواقب خفية. # وقال أيضا : من لا يرى الكل تلبيسا كان المكر منه قريبا. # قال أبو الخير الديلمي : كنت يوما عند الجنيد فارتعدت فرائصه ، وتغير ~~لونه وبكى ، وقال : ما أخوفني أن يأخذني الله ، قال له بعض أصحابنا : نتكلم ~~في درجات الراضين وأحوال المشتاقين ، قال : يا بني إياك أن تأمن مكر الله ، ~~فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. # قال سهل : المكر تدبير ms0447 الله بسابق العلم فلا ينبغي لأحد أن يأمن مكره ، ~~وذلك أن من يأمن مكر الله بدفع القدرة ، ولا يجوز أن يخرج نفسه من قدرة ~~الله عليه. # وقوله تعالى : ( وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم ~~لفاسقين ) كأن هذه الآية أنزلت في شأننا مع هؤلاء البطالين الذين سلكوا ~~الطريقة وأخطأوا بما وجدوا فيها من الجاه والمال ، ونقضوا عهد الإرادة ~~واشتغلوا بالرياسة وخانوا في الطريقة وأنكروا على المشايخ ، أعمى الله ~~قلوبهم ما أشد إنكارهم على أهل الحق وما أشد خروجهم عن طريق الحق ، جمعهم ~~الله في الاستدراج وطردتهم عن أنوار المنهاج كأنه تعالى عاتب الجهور حيث لم ~~يفوا عهد الأزل ، حيث وقف الكل على ما وجدوا ، وهكذا شأن ما ألتفت في ~~مشاهدة المحبوب إلى غير المحبوب ، ولكن هم معذورون لأن الحدثان لا يستثقل ~~أثقال محامل الكبرياء ومطايا القدم ، والبقاء في أودية الفناء. # قال الجنيد : أحسن العباد حالا من وقف مع الله على حفظ الحدود ، والوفاء ~~بالعهود. وقال الله تعالى : ( وما وجدنا لأكثرهم من عهد ) (1). # قال الأستاذ : نجم في العذر طارقهم ، وأقل من سماء الوفاء شارقهم فعدم ~~أكثرهم رعاية العهد وحق لهم من الحق قسمة الرد والصد. # ويقال : شكا عن أكثرهم إلى أقلهم ، فالأكثرون من رده القسمة ، والأقلون ~~من قبلتهم الوصلة. # ( حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ~~ربكم فأرسل معي بني إسرائيل (105) قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من ~~الصادقين (106) PageV01P452 # فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (107) ونزع يده فإذا هي بيضاء ~~للناظرين (108) قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم (109) يريد أن ~~يخرجكم من أرضكم فما ذا تأمرون (110) قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن ~~حاشرين (111) يأتوك بكل ساحر عليم (112) وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا ~~لأجرا إن كنا نحن الغالبين (113)) # قوله تعالى : ( حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق ) لما ~~تعاين معجزته وثبت سلطانه تكلم بالانبساط وتلفظ بالهيبة وادعى بالحقيقة ؛ ~~لأنه كان في مشهد القرب والمشاهدة ، وأخبر أنه ينطق ms0448 بالحق للحق في الحق مع ~~الحق ؛ لأن الحق كان ينطق بلسانه وما نطق إلا بما يليق بالحق ، ومن بلغ ~~مقام الحقيقة فيظهر الحق منه ، للحق فجميع حركاته وسكونه ونطقه وسكوته قام ~~بالحق بوصف المشاهدة لا بوصف الغيبة. # قال ابن عطاء : من تحقق بالحق ؛ فإنه لا يقول على الحق إلا بما يليق بالحق. # وقال الخراز : سبيل الواصلين إلى الله لا يتكلم إلا عن الحق ، ولا يسمع ~~إلا من الحق ولا ينطق إلا بحق ، فإن حقائق الحق إذا استولت على أسرار ~~المتحققين أسقطت عنهم سوى الحق ولا يبلغ أحد من هذه الدرجات شيئا حتى ~~يستوفي الحق أوقاته عليه ومنه فيبقى ولا وقت له ولا حال حينئذ ، والله أعلم. # وقال الأستاذ : من إذا لم يصح له أن يقول على الحق إلا الحق والخلق محو ~~فيما هو الموجود الأزلي ، فأي سلطان لآثار التفرقة في حقائق الجميع. # قوله تعالى : ( فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي ~~بيضاء للناظرين ) ظهر سبحانه بصفات الفعلي عن العصا وألبسها بعد قلبها لباس ~~فعل العظمة لتخويف الكفرة ، وهرب السحرة ، وأكل المخابيل ، وظهر بنور الصفة ~~من يد موسى عليه السلام لفتح أبصار الإيقان والإيمان بأنوار صفاته في إظهار ~~البرهان ؛ لأن الجماد محل تصرف فعل العام من طريق الأمر القائم به ، ~~والحيوان محل تصرف فعل الخاص القائم بالصفة لأنه معدان أرواح الطباعية ، ~~والإنسان محل تصرف الصفة القائمة بذاته الأزلي ؛ لأنه أشرف المواضع من ~~العرش إلى الثرى لمحله من العقل القدسي ، والقلب الملكوتي ، والروح القدسية ~~، ظهر بالفعل عن العصا للعموم وظهر بالصفة عن موسى عليه السلام للخصوص ، ~~وعرف موسى عليه السلام عجزه في قدرته ، حيث انقلب عصاه بغير اختياره ، وخرجت ~~يده نورانية بغير اختياره ، وكان ذلك أعظم في صدق معجزته حيث لا اختيار له ~~فيه. [سورة الأعراف (7): آية 114] # ( قال نعم وإنكم لمن المقربين (114) قالوا يا موسى إما أن تلقي ~~وإما أن نكون نحن PageV01P453 # الملقين (115) قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس ~~واسترهبوهم وجاؤ بسحر عظيم (116) وأوحينا إلى موسى أن ألق ms0449 عصاك فإذا هي ~~تلقف ما يأفكون (117) فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون (118) فغلبوا هنالك ~~وانقلبوا صاغرين (119) وألقي السحرة ساجدين (120) قالوا آمنا برب العالمين ~~(121) رب موسى وهارون (122) قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر ~~مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون (123) لأقطعن أيديكم ~~وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين (124)) # قوله تعالى : ( وإنكم لمن المقربين ) إن الله سبحانه ألبس ~~أولياءه لباس أعدائه امتحانا لهم ولغيرهم ، فأرشدهم بقهره إلى لطفه ؛ إذ ~~الأصل فيهم سبق اصطفائيتهم في الأزل ، كانوا ممتحنين محجوبين من رؤية اللطف ~~بحجاب القهر ، فلما أتوا بالسحرية آلوا التقرب من فرعون من رأس الطبيعة ~~وجرى في الأزل قربهم من رؤية الحق سبحانه ، فنطق الله على لسان عدوه إخبارا ~~عن سابق العناية للسحرة بقوله : ( نعم وإنكم لمن المقربين ) المنطق ~~بالخبر هو الله سبحانه وإن لم يعرفوا مكان الخطاب ، ولكن جرى على وفق ~~العناية خبر الغيب علمهم ، وفرعون في البين واسطة ، وحقيقة الخطاب من الله ~~سبحانه. # قال بعضهم : دعا فرعون السحرة إلى القرب منه ، وجرى لهم في الأزل مقام ~~القرب من الحق. # قال فرعون : إنكم لمن المقربين إلى منازل الأبرار وبعد وأمن قرب ~~الأشقياء. # قوله تعالى : ( فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون ) السحر الحقيقي ~~من عالم الفعل بواسطة الكسب البشري ، والمعجزة من عالم القدرة القديمة ، ~~ولما ظهرت الصفة تلاشت معالم الاكتساب وغابت تواثير الفعلية. # قال السوسي : أظهر الحق لطيفة من صنعه في خشية عجز السحرة عنها ، وجعلها ~~سببا لنجاتهم ، فقال : ( فوقع الحق ) بإظهار القدر في جماد وبطل ما ~~كانوا يعملون من الأباطيل ، ولما ظهر قهر القدم بلباس العظمة من عصا موسى ~~عليه السلام ، وانهزموا من سطوات العظمة ويا ليتهم لو ثبتوا ورأوا مشاهدة ~~جلاله من لباس عظمته الذي تجلى من العصا يكون حالهم كحال السحرة ، لكن ~~غابوا في بحر ضلال الأزل ولم يوقفوا بما وفق السحرة عندما كوشف لهم وجه ~~جلال القدم ، فرأوه بلا حجاب فألقوا أنفسهم بنعت الإذعان له عشقا ومحبة ~~وشوقا إلى تلك المشاهدة بما أخبر الله ms0450 عن شأنهم بقوله : ( فغلبوا ~~هنالك وانقلبوا صاغرين وألقي PageV01P454 # السحرة ساجدين ) (1) أي : صدقنا ما أخبر لنا بلسان موسى ~~عليه السلام وهارون عليه السلام ، وشاهدنا مشاهدته عيانا ، بحيث لم يبق فينا ~~معارضة الإنسانية ، وخطرات الشيطانية. # قال الواسطي : أدركهم سابق ما جرى لهم في الأزل من السعادة ، فأظهر منهم ~~السجود. # وقال جعفر : وجدوا نسيم رياح العناية القديمة بهم فالتجاء وإلى السجود ~~شكر وقالوا آمنا برب العالمين. # وقال أبو سعيد القرشي : نازع موسى عليه السلام مع فرعون طول عمره وقد قال ~~الله إنه ليس من أهل الإسلام ، ولكن منازعة موسى عليه السلام مع فرعون كانت ~~سبب نجاة السحرة حتى قالوا آمنا برب العالمين رب موسى عليه السلام وهارون ~~عليه السلام . # قوله تعالى : ( لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم ~~أجمعين ) هددهم فرعون بالبلاء ولم يعلم أنهم غرقوا في بحار رؤية المبلي ~~متحملين بلاياه برؤية جماله ولو لا ذلك ما قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من ~~البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض. # قال سمنون : يحمل الهياكل من البلايا على المشاهدة ما لا يحمله في حال ~~الغيبة ، ألا ترى كيف لم يبال سحرة فرعون بما هددكم به من قوله : ( ~~لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ). # ( قالوا إنا إلى ربنا منقلبون (125) وما تنقم منا إلا أن آمنا ~~بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين (126) وقال ~~الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال ~~سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون (127) قال موسى لقومه ~~استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة ~~للمتقين (128) قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ~~ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون (129) ولقد أخذنا ~~آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون (130) فإذا جاءتهم الحسنة ~~قالوا لنا هذه وإن تصبهم PageV01P455 # سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (131) وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها ms0451 فما نحن ~~لك بمؤمنين (132) فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ~~آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (133)) # قوله تعالى : ( إنا إلى ربنا منقلبون ) أجابوا فرعون بعد تهديده ~~لهم بالبلاء بهذه الآية ، أي نحن ذاهبون بنعت الشوق والمحبة إلى مشاهدة ~~ربنا ، ولا نخاف من جميع البلاء لأن من عانيته لا يوثر فيه آلام البلاء ولا ~~يحجبه عن رؤية المبلي. # قوله تعالى : ( قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا ) انظر ~~إلى أدب موسى عليه السلام كيف علم قومه معاملة طريق الله أمرهم بالالتجاء ~~إليه والاستعاذة به والاستغاثة به في تحمل مشقة الصبر ووجدان حسن الرضا في ~~البلاء ، وأخبرهم أن من كان بالله صبر يكون مظفرا على جميع المراد ويكون ~~خليفة الله في أرضه. # قال أبو عثمان : من استعان بالله في أموره ، وصبر على ما يلحقه في مسالك ~~الاستعانة ، أتاه الفرج من الله ، قال الله استعينوا بالله واصبروا. # قال سهل : أمروا أن يستغيثوا بالله على أمر الله ، وأن يصبروا على أدب ~~الله ، ولما أمرهم بالاستعانة والصبر شكوا عن عقوبة الأعداء لهم بقوله : ( ~~ قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا )، فأجابهم ~~بقوله : ( قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض ). # أي : لو يصبرون على مخالفة نفوسكم ودفع شهواتكم وترك حظوظكم الدنيا وبه ~~يذهب الله عن ساح قلوبكم التي هي مواضع المشاهدة غبار الهواجس النفسانية ، ~~ويجعلكم خلفاء الله في أرضه وبلاده. # قال بعضهم : أعدى عدوك نفسك عسى الله أن يمكنك من قيامها ، ويفني عنها ~~أهواءها ومراداتها الباطلة ، ويجعلك خليفة على جوارحك وقلبك أميرا عليك ، ~~فتقهر النفس بما فيها وتستولي عليها وعلى مخالفتها ، فينظر كيف يعملون كيف ~~معرفتك بشكر ما أنعم عليك. # ( ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك ~~لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل (134) فلما كشفنا ~~عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون (135) فانتقمنا منهم فأغرقناهم ~~في اليم بأنهم PageV01P456 # كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (136) وأورثنا القوم الذين ~~كانوا يستضعفون مشارق ms0452 الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمت ربك ~~الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما ~~كانوا يعرشون (137) وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على ~~أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ~~(138) إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون (139) قال أغير الله ~~أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين (140) وإذ أنجيناكم من آل فرعون ~~يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم ~~عظيم (141)) # قوله تعالى : ( ولما وقع عليهم الرجز قالوا ) أخبر الله سبحانه ~~عن نقض عهد المفسدين بعد رؤيتهم وضوح الآيات ، وظهور المعجزات ، ونيرات ~~الكرامات ، وذوقهم طعم العذاب في البليات جحودا وإنكارا بعد علمهم بصدق ~~الرسالة والنبوة والولاية ، لما وقعوا في ورطة الهلاك التجئوا إلى نبي الله ~~عليه السلام بعد جفائهم به ، فلم ينفع التجاؤهم وتوبتهم لما سبق لهم في قديم ~~العلم من الشقاوة ، ولأنفذ فيهم سهام الهمة النبوية ، وهكذا شأن من جفا ~~المشايخ برعوناتهم وسوء آدابهم لا ينفعهم استعانتهم بالقوم. # قال القاسم : من لا يراع أسرار الأولياء في الأوقات لا ينفعه اللجوء ~~إليهم في أوقات البلاء ، ألا ترى كيف لم يوثر على أصحاب فرعون اللجوء إلى ~~موسى عليه السلام في اعتقاد المخالفة. # قال الله : ( فانتقمنا منهم )، وقوله تعالى : ( وتمت ~~كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ) معنى الآية في وارد الحكم أن ~~الكلمة صفته الأزلية ، وهي ذكر الله إياهم في سابق العلم بالتوفيق في ~~عبوديته الخالصة ، وقبولهم امتحانه وبلاه بنعت الصبر والرضا ، وذلك عطاء ~~محض ، حيث تمت تلك النعمة منه تعالى في الأزل لهم. # قيل : وقوع الفعل والجزاء والصبر والرضا فإن من تمام النعمة أن سبقت كلمة ~~الله بنعت إتمام الدرجات لهم قبل وجودهم ؛ فالكلمة تمت بإعطائهم المعرفة ~~والتوفيق في الطاعة ، ليس عناية الله الأزلية متعلقة بصبرهم واحتمالهم ~~الجفاء ، فإنهما ميراث كلمة الحسنى التي سبقت بالعناية لهم ولو لا ذلك لما ~~صبروا ؛ ألا ترى إلى قوله تعالى ms0453 : ( وما صبرك إلا بالله ) [النحل : ~~127] ، أي : بالله تصبر وقوله : ( وتمت )، أي : تمت العناية بلا ~~علة الاكتساب PageV01P457 # وصفاته الأزلية لا تحتاج إلى علة الحدث ، فإن اصطفائية الله منزهة عن خلل ~~الحدثان وأفعالها. # قال الجنيد : طالبوا تمام الكلمات بوجود النعمة والمواظبة على الصبر ~~فاستشعروا التثبت بحبائل الوفاء عند من أبلاهم ، ليتم عليهم كلمة الحسنى ~~بجميل الثناء على الصبر الذي ضمن لهم إتمامها بالوفاء. # قال أبو سعيد الخراز : طالبوا تمام النعمة بالمواظبة على الصبر واستشعروا ~~وعده الذي ضمن لهم إنما يكون عند القيام بما ألزمهم من شرائط الصبر ؛ لأنه ~~تعالى قال : ( وتمت كلمت ربك الحسنى ) بصبرهم في بلائه وإعطائهم ~~مواريث الأرض من الملكين ، ملك الدنيا وملك العقبى. # قوله تعالى : ( قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على ~~العالمين ) رد الله بلسان نبيه عليه السلام قول الجهل عند قولهم : ( ~~اجعل لنا إلها كما لهم آلهة )، وعرفهم مكان العقل في الإنسانية وتفضيل ~~الآدمية على الحيوانية ، واختيار الله إياهم التوحيد والشريعة ، أي تطلبون ~~غيره وهو بكرمه ورحمته أعطاكم العقل الذي لا يقبل في العبودية غير الله ؛ ~~لأنه يفرد القدم من الحدوث يعلم من الله معه ، وصوركم بأحسن الصورة التي لو ~~اعتبرتم بها يعرفون أن صانعها الله لا شريك له في ملكه ولا ضد له في سلطانه ~~، فضلكم على العالمين بإرسالي إليكم ، فإني أتم نعمت الله عليكم. # قال أبو عثمان : أتطلب غيره وهو فضلك على ما سواك من جميع ذوات الأرواح ~~والجماد فتذل وتخضع لغيره ، وهو فضلك عليه ذل لمن يذل له لتستوي معه فتنال ~~معه به العز الأوفر. # ( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه ~~أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين (142) ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك ~~قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ~~ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول ~~المؤمنين (143) قال يا موسى إني ms0454 اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما ~~آتيتك وكن من الشاكرين (144) وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا ~~لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين (145) ~~سأصرف عن ءايتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يرو كل ءاية لا ~~يؤمنوا بها وإن يروا PageV01P458 # سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ~~ذلك بأنهم كذيوا بئايتنا وكانوا عنها غفلين (146) والذين كذبوا بآياتنا ~~ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (147)) # قوله تعالى : ( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ~~ميقات ربه أربعين ليلة ) أي : من سنة الله سبحانه إذا أراد أن يشرف عبدا من ~~عباده بمقام لم يكن له ذلك وقربه منه وناجاه وأظهر عليه عجائب ملكه وملكوته ~~، يصفيه عن كل كدورة ، ويخلصه عن كل همه ، ويروضه بأنواع مجاهدة ، ويخلي ~~بطنه عن الطعام والشراب إلا ما يقوى به صلبه ليحرق بنيران الجوع غواشي قلبه ~~، وتقدس من قلبه مكان نظره ، ويغسل بمياه المجاهدة جوارحه ، ويزويه في ~~الخلوات ، ويشوقه بلطائف المناجاة إلى المشاهدات وله أوقات وساعات لفتح ~~أذان قلوب أوليائه وأبصار أرواح أصفيائه ؛ ليسمعها كلامه ويبصرها جماله ~~وجلاله ، وتلك أوقات تضوع عطر مشاهدته لأهل خلواته ومناجاته لا يستنشق تلك ~~الروائح إلا المعترضون لها في المراقبات والرعايات ، وأخبر من تلك الأسرار ~~سيد أهل الأنوار صلى الله عليه وسلم بقوله : «إن لربكم في أيام دهركم نفحات ~~ألا فتعرضوا لنفحات الله» (1)، ومن تلك الأربعين صارت الأربعين سنة ~~لأولياء الله في بداية أمرهم في الخلوة والرياضة بخلوص نياتهم مع الله ~~سبحانه ؛ لوجدان حكمته الأزلية وأبنائه العجيبة ، ومكاشفته البديعة ؛ لأنها ~~عرائس الله لا تنكشف إلا المتفرد عن غير الله ، وأخبر بشرائف ذلك النبي ~~صلى الله عليه وسلم بقوله : «من أخلص الله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من ~~قبله على لسانه» (2)، ما طاب زمان الوصال ومواعيد كشف الجمال لما طاب وقت ~~كليم الله في مناجاته حبيبه بعد تمام ثلثين ليلة لم يستوف وطره من لذيذ ~~خطابه ولطف جماله ms0455 ؛ فعلل بالسؤال ليستزيد المقام في شهود العين ، فعلم ~~تعالى حرق شوقه ولهيب حزنه وزيادة عشقه ومحبته ، فزاد على أوقات الوصال ~~بقوله : ( وأتممناها بعشر )، وقال : ( فتم ميقات ربه ~~أربعين ليلة )، ومراده بالأربعين تواتر الحالات والاستقامة في الواردات ؛ ~~ليحتمل بعد ذلك بها أوقات بديهات الكشوف وبروز أنوار القدم ذكر الليالي ~~لخلو الأسرار عن نظر الأغيار وصفاء المواصلة عن غبار المخالفة ، فيالها من ~~سماع ما أطيبه ومن خطاب ما ألذه من جمال ما أشهاه ومن قرب ما ألطفه. # فكان بالعراق لنا ليال %~% سلبناهن من ريب الزمان PageV01P459 جعلناهن تاريخ الليالي %~% وعنوان المسرة والأمان # وعده وجعل الأيام الخطاب ميقاتا لمزيد شوقه وزيادة خوفه وهيجاته. # قيل لأبي بكر بن طاهر : ما بال موسى عليه السلام لم يجع حين أراد أن يكلم ~~ربه وجاع في نصف يوم حين أراد أن يلقي الخضر ، فقال : ( آتنا ~~غداءنا ) [الكهف : 62] ، فقال لأنه في الأول أنساه هيبة الموقف الذي ينتظره ~~الطعام والشراب ، والثاني كان سفر التأديب ، فزد البلاد على البلاء حتى جاع ~~في أقل من نصف يوم ، والأول كان أوقات الكرامة ولما أراد المسير إلى الله ~~والذهاب إلى مواعد قربه ومناجاته جعل أتيته هارون عليه السلام خليفته في ~~قومه غيره على وقته وعلى محبوبه لئلا يكون معه غيره في سماع أسرار الأزل ~~والأبد بقوله : ( وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي ). # استخلف لهارون عليه السلام بالشريعة وانفرد عنه في مقام الحقيقة ؛ لأن ~~الحقيقة لا تقبل الغير في البين ولا يكون العشق بالشركة ؛ لأن العشق يغير ~~عن العاشق دون معشوقه ، وكان لهارون عليه السلام علم غيرة أخيه فاستقبل ~~الخلافة ولم يعارضه ، وإن كان ميل قلبه بصاحبته في الحضرة ، ولكن تحمل من ~~حلمه أثقال الفراق لصحة المؤاخاة ، وصدق الإرادة. # وقال الأستاذ : لما كان المرور إلى فرعون استصحب موسى عليه السلام هارون ~~عليه السلام ، فقال الله سبحانه : ( وأشركه في أمري ) [طه : 32] ، ~~ولما كان المرور إلى سماع الخطاب أفرده عن نفسه ، فقال : ( اخلفني ~~في قومي ) ولهذا غاية الحلم من هارون عليه السلام ونهاية الرضا ، ولهذه من ms0456 ~~شديدات بلاء الأحباب وفى قريب منه أنشد قال لي مراحب : # والبين قد جد ودمعي موافق الشهيقي %~% ما ترى في الطريق تصنع بعدي |قلت أبكي عليك طوال الطريق| # وفي الآية دليل أن للأولياء خلفاء ونجباء ونقباء يستنون بسنتهم ويقتدون ~~بأسوتهم ويبلغون الى درجاتهم بصدق إرادتهم. # قال محمد بن حامد : لم يزل الأنبياء والأولياء خلفاء يخلفهم في من بعدهم ~~من أمتهم وأصحابهم ويكون هداهم على هداهم ، يحفظون على أمتهم ما يضيعونه من ~~سنتهم وأن أبا بكر كان هو القائم بهذا المقام بعد النبي عليه السلام ، ولو ~~لم يقم لهؤلاء يثبت سنين منها محاربة أهل الردة وغير ذلك ، ولما خرج من ~~أوطان البشرية وترك علة الرفقة واستقام في الشوق إلى المشاهدة ، وهرب إلى ~~الخالق من الخليفة ، أخبر الله سبحانه عن ذهاب كليمه إليه وإلى ميقات قربه ~~وصاله بوعده بقوله : ( ولما جاء موسى لميقاتنا ) كيف له ميقات وليس ~~عنده مساء PageV01P460 # ولا صباح أزله أبده وأبده أزله ، أراد انفراده عن كل مراده وبلوغه إلى ~~كمال تربيته ليقوي أن يقف على مسيل قلزم القدم وعلى مصب طوفان الأزل وعلى ~~مهب صرصر العظمة. # ولولا أنه تعالى أكساه أنوار قربه لذاب في ميقات ربه وقته وقتاله معينا ~~النيل مراده وذلك علة البقاء البشرية وإلا لكل نفسه له فيه وقت وكشف وخطاب ~~جاء لميقاتنا واحتجب عنا بالميقات ، ولو جاء لنا صرفا ما احتجت عنا أسرى ~~حبيبة إلى الملكوت بالبديهة إلا بالميقات وسرى به ، إليه ولم يبق في همته ~~ذكر الزمان والمكان من استغراقه في بحر هموم طلبه رؤية القدم بلا سؤال ولا ~~حركة ولا إشارة ولا عبارة ولا جرم ، لم يبق بينه وبين الله وقت ولا زمان ~~ولا مكان ، وأراه بعين وهيها له منه وأسمع كلامه بسمع أعطاه إياه منه خص في ~~الأزل كليمه بسماع كلامه. # قال تعالى : ( وكلمه ربه ) لما لم يجد في مسامع أسراره مسامع ~~حديث النفس والوسواس ، ألبس سمعه لباسا من سمعه ، فأسمع كلامه بسمعه ، ولو ~~لا ذلك كيف يسمع كلام القديم بسمع المحدث؟ # وفي قوله ms0457 تعالى : ( وكلمه ربه ) إشارة إلى تفضله لموسى ~~عليه السلام لما جاء بنعت الشوق والهيمان والعشق والهيجان بخطرات الوالهين ~~إلى موعد رب العالمين ، وصار موسى عليه السلام فانيا عن موسى عليه السلام ولم ~~يبق في موسى عليه السلام إرادة موسى عليه السلام بنعت التحير في موقف الفناء ~~على جناب القدم والبقاء ، ولم يعلم من تحيره أين هو؟ وأين يطلب؟ وأين يفر؟ ~~حيث لا حيث علم سبحانه أنه في ذهاب الذهاب ، فكلمه بالبداهة فطار سر موسى ~~عليه السلام في هواء الهوية ، وطار روح موسى عليه السلام في سماء الديمومية ، ~~وطار عقل موسى عليه السلام في فقار الأحدية ، وطار قلبه في أنوار الوحدانية ~~، وكان كلا شيء الأول كلام التعظيم والهيبة والآخرة كلام اللطف والبسط ففنا ~~في الأول وبقي في الثاني ، ولولا لطفه وكرمه بكليمه كان يتلاشى في أول خطاب ~~، ولكن من عطفه ورحمته أسمع عجائب كلامه كليمه ؛ ليعرفه بكلامه لأن كلامه ~~مفاتيح لكنوز الصفات والذات. # ولولا اصطفائيته الأزلية لموسى عليه السلام واختياره بالتكليم معه ، وأنه ~~لم يخل في طول عمره عن كلامه ووحيه وإلهامه في كل نفس لم يبق في الميقات ~~عند بداهة خطابه أثره وبصفه لذة كلامه وحلاوة خطابه يا ليتني لو أن لي ~~لسانا أزليا من ألسنة القدم ، لأصف به تلك الحلاوة ؛ لكن لا يفهم من لم يذق ~~طعمه ، ولما طاب ذقته من لذيذ خطابه سكر من شراب بحر وصاله ، هاج شوقه إلى ~~طلب مزيد القربة وكشف المشاهدة ؛ فأطلق لسان البسط وخطا خطوات الانبساط ~~وهتك ستر الحياء عن وجه المحبة ، وغاص في بحر الجرأة ، حتى كان حاله ما أخبر PageV01P461 # الله سبحانه عند بقوله : ( رب أرني أنظر إليك ). # غلب عليه مواجيد الوصالية فخرج من مشيمة الأمر وأسقط في مقام العشق ~~والسكر رسوم الأدب فسكره استنطقه بطلب دنو الدنو وشهوده عين العين ؛ لأن ~~نسيم برد المشاهدة يحويه بلطائف الوصلة ، فلم يبق له قرار ولم يجد من ساكن ~~السكر مفرا ، وكيف يكون السكون للعاشق عن طلب مشاهدة المعشوق في فنائه؟ حيث ~~دنا الشائق من ms0458 المشوق وأنشد في معناه : # وأبرح ما يكون الشوق يوما %~% إذا دنت الخيام من الخيام # والله لولا موسى عليه السلام أي جمال الحق في كشوفات الغيبية بفنون ألوان ~~قمص الصفاتية وبروز سبحات الذاتية ، ولو لا أن رآه في مقام الالتباس في ~~رؤية كل ذرة من العقل إلى الثرى من مرآة الوجود لم يجد إلى طلب مشاهدة ~~الصرف سبيله ؛ لذلك وجبت الرؤية ولولا أن الرؤية حق الإبصار ، نظر المعرفة ~~ما سأل كليم الله ما خفي عن الخليقة ، فلولا رجاء الوصل ما عشت ساعة ، ~~ولولا مكان الطيف لما تهجع لم يذق الله طعم وصاله ، من له منية غير لقائه. # مناي من الدنيا لقاؤك مرة %~% فإن نلتها استوفيت كل منايا سلبت فؤادي كى تكون مكانه %~% فكوني أو فاردد علي فؤاديا # قال جعفر الصادق : أسمع الحق عبده موسى عليه السلام كلامه بلسان الرحمة ~~والعطف أولا ؛ لأنه مردود بنفسه إلى الله ، ثم أسمعه بلسان جوده وكرمه ~~ثانيا ، وهو أيضا مردود إلى نفسه. # قال أبو سعيد الخراز : من غيرة الله تعالى أنه لم يكلم موسى عليه السلام ~~إلا جوف الليل وغيبه عن كل ذي حس حتى لم يحضر كلامه معه سواه وكذلك محادثته ~~مع الأنبياء. # وقال القرشي : إنما كلم الله موسى عليه السلام بإياه ، ولو كلم على حد ~~العظمة لذاب وصار لا شيء. # قال جعفر : سمع كلامه خارجا عن بشريته وأضاف الكلام إليه وكلمه من نفسية ~~موسى عليه السلام وعبوديته فغاب موسى عليه السلام عن نفسه وفني عن صفاته ~~وكلمه ربه من حقائق معانيه فسمع موسى عليه السلام صفة موسى عليه السلام من ~~ربه ومحمد صلى الله عليه وسلم سمع من ربه صفة ربه ، فكان أحمد المحمودين عند ~~ربه ومن هذا كان مقام محمد المنتهي ، ومقام موسى عليه السلام الطور ومذ كلم ~~الله موسى عليه السلام على الطور أفنى صفتها ، فلم يظهر فيها الثبات ولا ~~تمكين لأحد عليها. # قال الحسين : في هذه الآية قال أزال عنه التوقيف والترتيب ، وجاء إلى ~~الله لله على ما دعاه إليه وأراده ms0459 له واجده عليه وأوجده منه وأظهره عليه ، ~~ببذل الجهد والطاقات وركوب الصعب والمشقات ، فلما لم يبق عليه باقية بها ~~يمتنع أقيم مقام المواجهة والمخاطبة ، وأطلق مضغة لسان المراجعة والمطالبة ~~، أما سمعت قوله قبل هذا الحال طالبا منه لما طولع بحال PageV01P462 # الربوبية ، وكوشف بمقام الألوهية سائلا حل عقدة من لسانه ؛ ليكون إذا كان ~~ذلك مالكا لنطقه وبيانه. # وقيل : لما سأل ملكيه شرح صدره ، ثم نظر إلى أليق الأحوال به ، فإذا هو ~~تيسر أمره فسأل ذلك على التمام ليترقى به حاله إلى أرفع المقام وهي المجيء ~~إلى الله بالله ، لما علم أن من وصل إليه لم يعرض عليه عارضة ، حينئذ صلح ~~المجيء إلى الله وحده بلا شريك ولا نظير ، وكان ممن وفي المواقيت حقها غابت ~~عنه الأحوال فلم يرها وذهبت عن غيبه ظهوره وما عداها إلا ما كان للحق منه ~~ومعه ، حتى تحقق بقوله تعالى : ( قال قد أوتيت سؤلك يا موسى ) [طه ~~: 36] ، ولقد مننا عليك مرة أخرى فهذا حال لمجيء ، وهذا معنى قوله : ( ~~ ولما جاء موسى لميقاتنا )، وقوله : ( وكلمه ربه )، أنه ~~انفرد بكلامه لأنه كان قبل ذلك مكلما بالسر والسفراء والوسائط. # فلما أتى الله تعالى به إلى المقام الأجل وحققه بالحال الأعظم الأرفع ~~خاطبه مكلما على الكشف وغيبته عن كل عين رائية ومرئية ، وكل صورة مكونة ~~ومنشأة إلا ما كان من الكليم والمكلم ، وأفرد الله عنده بالشرف الأعظم فسمع ~~خطابا لا كالمخاطبات فاهتاج منه وله عند ذلك طالبا لا كالمطالبات واقتضى من ~~الله ما لم يكن قبل يقتضيه ، فلذلك سأل النظر إليه إذا رجع إلى حقيقة ، ~~فرأى الله في كل منظور له ومنصور ، فلما تحققت له هذه الأحوال ، قال : ( ~~ رب أرني أنظر إليك )، فإن في كل مرئي أرجع إليك ، أي أرني ما شئت ~~فلست أرى غيرك مقابلي إذا تحققت بما حققتني به ، إنك غير مسائلي ، ألم يدلك ~~على ذلك خطابه ورجعته إليه إذ ذاك جوابه أرني فإليك أنظر وأحضراني ما شئت ~~فلست غيرك أحضر بعد أن تحققت منك بحال يوجب لي منك ms0460 ذاك ، وحق لمن تحقق بهذا ~~أو تمكن فيه أن ينفرد بسؤال لا يشارك فيه بالحقيقة. # ويقال : صار موسى عليه السلام عند سماع الخطاب بعين السكر ، فنطق بما نطق ~~والسكران لا يؤخذ بقوله ، ألا ترى أنه ليس في نص الكتاب معه عتاب بحرف. # ويقال : أخذته عزة السماع فخرج لسانه عن طاعته جريا على مقتضى ما صحبه من ~~الأريحية وبسط الوصلة. # ويقال في القصص : إنه كان يحتمل في الوعد كلمات الخلق. # ويقول : لمعارفه لكم كلام معه ، ولكم حاجة إلى الله فإني أريد أن أمضي ~~إلى مناجاته ، ثم أنه لما جاء وسمع الخطاب لم يذكر ما دبره في نفسه ، ~~وتحمله من قومه وجمعه في قلبه سينا ولا حرفا ، بل أنطق بما صار في الوقت ~~غالب قلبه ، فقال : ( أرني أنظر إليك ) وفي معناه PageV01P463 # أنشدوا : # فباليل كم من حاجة لي مهمة %~% إذا جئتكم لم أدر بالليل ماهيا # ويقال : أشد الخلق شوقا إلى الحبيب أقربهم من الحبيب ، لهذا موسى ~~عليه السلام كان غريق الوصلة واقفا في محل المناجاة محدقا به التولي غالبا ~~له بذهاب الوجود في عين ذلك ، كان يقول : ( أرني أنظر إليك ) كأنه ~~غائب عن الحقيقة لا ولكن ما إذا أزداد القوم شربا إلا ازدادوا عطشا ولا ~~ازدادوا قربا إلا ازدادوا أشوقا ؛ لأنه لا سبيل إلى الوصال بالكمال والحق ~~سبحانه لقبول أسرار أصفياه عن مداخل الملال. # ويقال : فمال موسى عليه السلام بلسان الافتقار فقال : ( رب أرني ~~أنظر إليك ) فلا أقل من نظرة ، والعبد قتيل هذه القصة هو بل بالرد ، وقال : ~~( لن تراني ) فكذا قهر الأحباب. # ولذلك قال قائلهم : # جور الهوى أحسن من عدله %~% وبخله أظرف من بذله # ويقال : لما سمعت همته إذا أسنى الطلبات ، وهي الرؤية قوبل بلن ، فلما ~~رجع إلى الخلق قال : للخضر هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا. # قال الخضر له : لن تستطيع معي صبرا قابله بلن ، فصار الرد موقوفا على ~~موسى عليه السلام من الحق ومن الخلق ، ليكون موسى عليه السلام بلا موسى ~~عليه السلام صافيا عذوبا عن كل نصيب ms0461 لموسى عليه السلام من موسى عليه السلام ، ~~وفي قريب منه أنشدوا : # أنني أبينا نحن أهل منازل %~% أبدا غراب البين فيها ينعق # ويقال : طلب موسى عليه السلام الرؤية وهو بوصف التفرق ، فقال : # ( أرني أنظر إليك ) (1)، فأجيب ب ( لن ) عين الجمع أتم ~~من عين التفرقة فزع موسى عليه السلام حتى خر صعقا ، والجبل يصير دكا ، ثم ~~الروح بعد وقوع الصعقة على القالب يكاشف بما هو حقائق الأحدية ، وكون الحق ~~لموسى عليه السلام بعد إمحاء معالم موسى عليه السلام ، خير لموسى عليه السلام ~~من بقاء موسى عليه السلام لموسى عليه السلام فإن على التحقيق شهود الحق بالحق ~~أتم من بقاء الخلق بالخلق ؛ لذا قال قائلهم لوجهها من وجهها قمر ، ولعينها ~~من عينها كحل. PageV01P464 # ولي هنا لطيفة في قوله : ( أرني أنظر إليك ) أضاف رؤيته إلى الله ~~لا إلى نفسه حيث قال : ( أرني )، إذا ترني جمالك أطيق أن أنظر ~~إليك وإلا فلا فإنه كان لي عالما بعين حديثه لا تحصل رؤية القدم ، فسأل منه ~~تعالى عينا من عيونه يراه بها ، وبها يرى عين العين وكنه الكنه ، وقدم ~~القدم ، وسر الذات ، وحقيقة الحقيقة ؛ لأنه لم يره ؛ لأن جميع ذرات موسى ~~عليه السلام يرى الله ، فلما غلب سكره وزاد شوقه سقط عنه رسوم العلم وبقى ~~معه صرف العشق فتحرك لسان البسط بطلب الإطلاع على الحقيقة ، فأجابه الحق ~~سبحانه فقال : ( لن تراني ) أي : لن تدركني كما أنا ، فإن معك في ~~البين واسطة الحدث وإن كان معك مني عيون الأزلية وأبصار الأبدية ، فأحاله ~~إلى واسطة بقوله : ( انظر إلى الجبل ). # وأيضا : ليس قوله : ( لن تراني ) نفي الرؤية عن موسى عليه السلام ~~وغيره من المؤمنين ؛ لأن قوله : ( لن تراني ) أي : لن تراني بإياك ~~ولكن تراني بإياي ، وصدق الله بهذا الخطاب وكيف يراه بين محجوبة بعوارض ~~البشرية رآه به لا بالغير ، فإذا رآه به رأى الحق لموسى عليه السلام ، ورؤية ~~الله مشاهدته ، وجلاله لموسى عليه السلام أعظم من رؤية موسى عليه السلام ~~لموسى عليه السلام . # وأيضا : لن تراني من حيث أنت إذا ms0462 أنت لن تراني بوصف القدم والبقاء وسطوات ~~العظمة والكبرياء مادام أنت أنت ، انظر إلى مثلك في الحدوثية وهو الجبل ، ~~انظر إلى الجبل فإن فيك علة الحدث ولا تريني إلا بواسطة الحدث ، فجعل الجبل ~~مرآة من فعله فتجلى من صفته لفعله الخاص ثم للجبل ، فرأى موسى عليه السلام ~~جمال القدم في مرآة الجبل فخر ؛ لأنه وصل إلى مقصوده على قدر حاله ، ولو ~~تجلى لموسى عليه السلام صرفا لصار موسى عليه السلام هباء ، ولو تجلى للجبل ~~صرفا لاحترق الجبل إلى الأرض السابعة ؛ لأنه تعالى تجلى للجبل من عين ~~العظمة وسبحات الأزلية. # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : «حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ~~ما انتهى إليه بصره من خلقه» (1). # وقال صلى الله عليه وسلم : «إذا تجلى الحق بشيء خضع له» (2). # قال تعالى : ( جعله دكا وخر موسى صعقا )، قال : وهب أمر الله أن ~~يحمل عرشه ملائكة السماء السابعة ، قال : أروه ، فلما بدا نور العرش انفرج ~~الجبل من عظمة الرب ، ورفعت ملائكة السماوات أصواتهم جميعا فارتج الجبل ~~واندك ، وكل شجرة كانت فيه ، وخر العبد PageV01P465 # الضعيف موسى عليه السلام صعقا على وجهه ، ليس معه روحه ، فقلب الله الحجر ~~الذي كان عليه موسى عليه السلام وجعله كهيئة القبة لئلا يحترق موسى ~~عليه السلام ؛ ولذلك قال له سبحانه في تعريفه عظمته وجلاله وغلبته قهر سلطان ~~كبريائه على كل شيء ، قال : ( فإن استقر مكانه فسوف تراني ) أي : ~~أنا أتجلى من نور عظمتي للجبل لك ، ولاستقر الجبل لتجلائي مع عظيم أجزائه ~~وصلابة وجوده ، فكيف تحمل صورتك الضعيفة أثقال عزتي؟! لو تريد أن تراني ~~انظر إلي بعين روحك وقلبك ، فإني أتجلى لهما بحسن جمالي ولطف جلالي ، وقلبك ~~يسع ذلك التجلي ، لأنه خلق من نور ملكوتي ، ورقمته بنور جبروتي ، وفي ذلك ~~نطق على لسان نبيه عليه السلام حيث حكى عنه تعالى بقوله : «لم يسعني ~~السماوات والأرض ويسعني قلب عبدي المؤمن» (1). # وأيضا : طلب موسى عليه السلام رؤية الحق بعين الظاهر ، وهناك عينه محجوبة ~~عن فؤاده ، فاحتجب عن رؤيته ، وكان فؤاد محمد ms0463 صلى الله عليه وسلم في عينه حين ~~شاهد جمال الحق سبحانه ، فرآه بالفؤاد وبالعين. # قال تعالى في وصفه : ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) [النجم : 11] ، ~~قيل : ما كذب فؤاده ما رأت عينه ، تصديق ذلك قوله عليه السلام في مراتب ~~معراجه : «رأيت ربي بعيني وبقلبي» (2). # ومن دخل فؤاده الملكوتي في عينه وقت تجلى الجلال وكشف الجمال يراه كفاحا ~~بلا حجاب ، فإن لله عبادا كسا نور جماله أفئدتهم ، وكمل أبصار أسرارهم بكمل ~~الملكوت والجبروت ، فتدخل القلوب بنور الغيوب في عيونهم فلا يرون شيئا من ~~العرش إلى الثرى إلا ويرون جلال الله تعالى فيها. # كما قال بعض العاشقين : ما نظرت إلى شيء إلا ورأيت الله فيه ، كان موسى ~~عليه السلام غائبا في بحر صفات الحق ومستغرقا فيها ولم يعلم أين هو ، ظن أنه ~~غائب من دوام شهوده مشاهدته عنه ، فسأل الرؤية فقيل له : ( لن ~~تراني ) كأنه استفهم ، أين أنت حيث أنا أنت وأنت أنا ، وأنشد في معناه بعض ~~الشعراء : # كبر العيان علي حتى أنه %~% صار اليقين من العيان توهما # فلما رآه غائبا أراد أن يعرف مكانه فأحاله إلى الواسطة ؛ ليعرف قدر الوصل ~~في البين ، وتعرف مكانه من المشاهدة. # ( فلما تجلى ربه ) عرف الجبل أن التجلي له عارية ، وبينه وبين ~~التجلي حجاب امتناع PageV01P466 # الأحدية عن مباشرة الخليقة ، اندك من حسرة فوت التجلي ، فلما رأى موسى ~~عليه السلام تجلي الحق بالواسطة عرف أنه سقط من مقام الاتحاد وغيبوبته في ~~الصفات ، وارتهن بعلة بسؤاله بالواسطة ، فخر صعقا من حسرة فوت المقام. # أنشد الحسين في هذا المعنى : # ما لي جفيت وكنت لا أجفى %~% ودلائل الهجران لا تخفى وأراك تمزجني وتشربني %~% ولقد عهدتك شاربي صرفا # هذا معنى قوله تعالى : ( جعله دكا وخر موسى صعقا ) فأدركه لطف ~~الباري سبحانه وأحياه بروح المشاهدة ، فلما أفاق علم أنه مقصر من معرفة ~~المقام وما كان فيه فاعتذر ، وقال : ( قال سبحانك تبت إليك وأنا ~~أول المؤمنين ). # وأيضا : كان في بحر الصفات على محل شهود نعوت الأزلية فتقاضى سره إدراك ~~حقائق الذات بعد فنائه في ms0464 الصفات ، فأسقط عن مقامه غير ذات الأزلي حتى ~~صيرته بنعت البشرية وردته إلى مقام البداية ، فعلم في الصحوة ما أخطأ في ~~السكر من طلب الاطلاع على كنه القدم ، فقال : ( سبحانك ) من إدراك ~~الحدث قدمك وجلال أزليتك. # ( تبت إليك ) مما طلبت فأنا أول المقربين بأن لأثبت أقدام ~~الحدثان على صفوان الأزل ، ولا تستقر حثالة الخليقة عند هبوب عواصف القدمية ~~عنها ، لما رجع صار في مقام «لا أحصى عليك» (1). # علم السيد عليه السلام هذا المقام في أول شهوده عين الكل ، فقال : «لا ~~أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (2). # قيل : علة الفناء والامتحان ، وعلم موسى عليه السلام هذا المقام بعد ~~الامتحان والفناء ، ولو علم في الأول إدراك ما أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ~~تاب موسى عليه السلام مرة من هذا المقام ، وتاب الحبيب عليه السلام من هذا ~~المقام في كل يوم سبعين مرة. # قال صلى الله عليه وسلم : «إنه ليغان على قلبي ، وإني لأستغفر الله في كل ~~يوم سبعين مرة» (3). # كان عينه نكرة القدم فتاب من تقصيره عن معرفة حقائقه ، فرعاه الحق برعاية ~~الكرم وعفاه عن إدراكه كنه القدم بقوله : ( ليغفر لك الله ما تقدم ~~من ذنبك وما تأخر ) PageV01P467 # [الفتح : 2] أي : من تقصير إدراكك كنه القدم ، وما تقصر إدراكك كنه القدم ~~، وما تقصر إدراك كنه أبد الأبد. # وأيضا : تاب كليم الله من تلوينه في مقام العشق والشوق إلى جمال القدم ~~حيث أحاله بعد سؤاله كشف جماله إلى رؤية الوسائط بقوله : ( انظر ~~إلى الجبل ) أي : تبت من دعوى عشقك والشوق إلى جمالك بالحقيقة ، فلو كنت ~~متحققا في جبل لم ألتفت إلى غيرك بسؤاله في مقام السكر ، لذلك نطق بلسان ~~السكارى. # فقال : ( رب أرني أنظر إليك ) فلما سمع ( لن تراني ) صار ~~صاحبا لم ينطق بلسان البسط بعد ذلك ، فصرفه بالنظر إلى الجبل فتابع أمر ~~قوله : ( أنظر ) فأمتثل الأمر ، وما كان في محل السكر ما نظر إلى ~~الغير ولم يكن مأخوذا بجرأته وانبساطه ، فلما رجع من السكر إلى الصحو ، ~~ورجع من الحقيقة إلى ms0465 الشريعة احتمل الجنايات ، واعترف بتقصيره بنظره إلى ~~غيره ، قال : ( تبت إليك ). # وأيضا : ( سبحانك ) أي : من أن يكون لك في مواهبك له علة ~~الاكتساب ، ( تبت إليك ) من قولي : ( أنظر إليك ) بعد قولي ~~: ( أرني ) ولو اكتفيت ب ( أرني ) ما احتجت إلى التوبة ~~ولكن لما ذكرت فعل عيني بقولي : ( أنظر إليك )، ( تبت ~~إليك )، فأين الحدث من استجلاب القدم إليه وأدق الإشارة. # أي : ( تبت إليك ) من إشارتي إلى نفسي في سؤالي بقولي : ( ~~ أرني )، ومن أنا حتى ( أنظر إليك )، الآن ( تبت ~~إليك ) لأراك بك لا بي ، بعد أن فنيت فيك # فترى عينك جمالك لي لا بي %~% بيني وبينك أن ينازعني # فأرفع بأنك أنني من البين ؛ ولذلك غار عليه ملائكة الملكوت حين صعق. # روي في بعض الكتب : «إن ملائكة السماوات أتوا موسى عليه السلام وهو مغشي ~~عليه ، فجعلوا يركلونه بأرجلهم ويقولون : يا ابن النساء الحيض ، أطمعت في ~~رؤية رب العزة؟» (1). # كان الملائكة معذورين فإنهم ممنوعون من قوام القرب بمقرعة خوف العظمة ، ~~ولم يعلموا أن هذه القصة وقعت على العاشقين الذين اصطفاهم الله في الأزل ~~بمحبته وعشقهم في أزله بعشقه وشوقه عشقهم به ، وشوقهم إلى جماله ، ~~وبانبساطه معهم كما جعلهم منبسطين إليه حتى سألوا ما لم يطمع فيه الكروبيون ~~والروحانيون ، ولم يعلموا أن موسى عليه السلام رأى مناه PageV01P468 # كما أراد في زمان الصحو عند سؤاله وجوابه ، ووجده في غيبته وسكره ، وحال ~~صعقته لما غاب وسكر استغراق في بحار الأزل والآباد ، وانكشف له سر الأسرار ~~، فالملائكة عدوا من وراء حجاب الفعل في مقام الشريعة ، وكان موسى ~~عليه السلام في حجر الوصلة غائبا عن الخليقة ، ولو شاهدت الملائكة ذرة من ~~حاله لصعقوا واحترقوا جميعا ، والحمد لله الذي خص بديع فطرته وذريته بهذه ~~المثابة دون غيرهم. # وأيضا : لي نكتة عجيبة ، لما وجد حلاوة خطاب الأزل واستحلاه طمع في ~~الرؤية لزيادة حلاوته ، ووجدان لذته ، فأصعقته غيرة الأزل من سكوته عنه به ~~وعما وجد من برد نسيم وصلته فلما أفاق بعد انقطاعه من حلاوته واحتراقه ~~بنيران غيرة توحيده ووحدانيته قال : ( سبحانك ) من ms0466 أن يطلبك أحد ~~بحظه ولحظه ، ( تبت إليك ) ألا أسالك إلا لك فرد بفرد فإن حلاوة ~~المشاهدة حجاب المشاهدة ، ألا ترى إلى قول بعض الموحدين في وصف موحده حيث ~~وصفه فقال سبحانه : «من حسنة حجاب حسنه» (1). # قال بعضهم في قوله : ( لن تراني ولكن انظر إلى الجبل ) فهو أشد ~~منك جسدا ، وأعظم منك خلقا ، وأهيب منك منظرا ، فإن ثبت لرؤيتي تثبت ، ولا ~~يحملني ولا يصبر على مشاهدتي شيء إلا قلوب العارفين التي زينتها بمعرفتي ، ~~وأيدتها بأنواع كراماتي ، وقدستها بنظري ، ونورتها بنوري ، فإن حملني شيء ~~فصير لمشاهدتي في تلك القلوب دون غيرها ؛ لذلك قال المصطفى صلى الله عليه وسلم ~~: «حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره» (2). # ثم إذا حملني فتلك القلوب وصبرت لمشاهدتي وأنا حاملي لا غير إذ بي حملني ~~وبإياي صبر لمشاهدتي ، فلا مشاهد للحق سواه ، جل ربنا وتعالى. # وقال ابن عطاء : شغله بالجبل ثم تجلى ، ولو لم يشغله بالجبل لمات وقت ~~التجلي. # وقال الحسين في قوله : ( لن تراني ) لو ترك على ذلك ليقطع شوقا ~~ولكن سكنه بقوله : ( ولكن ). # وقال ابن عطاء : انبسط إلى ربه في معاني الرؤية لما ظهر عليه عن الكلام ~~ولم ينطق بإياه ، ألا تراه أنه لما رجع إلى وصفه رجع إلى أوائل المقامات ، ~~فقال : ( تبت إليك ). # قال النصر آبادي : ما قطع موسى عليه السلام عن الرؤية إلى نظره إلى الجبل ~~، ولو تحقق بسؤال الرؤية لما كان يرجع منه إلى شيء سواه. PageV01P469 # قال الواسطي : ( لن ) إلى وقت ولا على الأبد. # قال جعفر : شغله بالجبل ثم تجلى ، ولولا ما كان من اشتغاله بالجبل لمات ~~موسى عليه السلام صعقا. # وقال الواسطي في قوله : ( جعله دكا ) صار الجبل كأن لم يكن قط ، ~~ولا عجب لهيبة ما ورد عليه. # قال أبو سعيد القرشي : الجمال والكرم يبقيان ، والهيبة والإجلال يفيآن ، ~~كما أن الله كلم موسى عليه السلام بصفة الهيبة وتجلى للجبل ، فصار الجبل دكا ~~وخر موسى عليه السلام صعقا ، وكان آخر عهده بالنساء ، ولم يتهيأ لأحد أن ~~ينظر في وجهه. ms0467 # قال الواسطي : وصل إلى الخلق من صفاته ونعوته على مقاديرهم لا بكلية ~~الصفات ، كما أن التجلي لم يكن بكلية الذات. # وقال أيضا : قالوا إلي نقيت التجلي ، والله يقول : ( فلما تجلى ~~ربه للجبل )، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «إن الله إذا تجلى لشيء خشع ~~له» (1). # قلت : ذلك على التعارف ومقادير الطاقات ، أليس بمستحيل أن يقال : تجلى ~~الهواء لذرة واحدة ، ولو احتجب لساوتها ، ولو تجلى لقاء ربها ، وهو أجل من ~~أن يخفى ويستر وأعز من أن يرى ويتجلى إلى وقت الميعاد ، تنزه عن أن يقع ~~عليه إلا للحظ بمعانيها ، أو تقع تحت الألسنة بأماليها. # قال : وقرئ بين يدي الجنيد ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ) ~~فصاح ، وقال : بالجهل صار دكا لا بالتجلي ؛ إذ لو وقع عليه آثار التجلي ~~أفناه بكيف التجلي. # وقال شيخنا وسيدنا محمد بن خفيف قدس الله روحه في قوله : ( قال ~~سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ) لما قال : ( فإن استقر مكانه ~~فسوف تراني )، قال : ( تبت إليك ) من ألا أصدقك بكل ما ورد منك ~~وأطالبك بالعلامات ، وذلك لما قال : ( أرني أنظر إليك قال لن تراني ~~) لم يكفه حتى نظر إلى الجبل ، فلما لم يقل موسى عليه السلام كفاني قولك : ( ~~ لن تراني ) حتى نظر إلى الجبل ، فالتوبة من هذا. # وقال بعضهم : ( سبحانك تبت إليك ) أن أسالك خطابي ؛ إذ لا يحيط ~~بك أحد ولا يشهدك غيرك. PageV01P470 # وقال الواسطي : لم يزال المقصود ممتنعا من الاستغراق ، ألا ترى إلى قول ~~موسى عليه السلام ( سبحانك تبت إليك ) قيل معناه : ( لن ~~تراني ) بالسؤال والدعاء ، وإنما تراني بالنوال والعطاء ؛ لأنه لو أعطاه ~~إياه لسؤاله لكانت الرؤية مكافأة السؤال ، ويجوز أن يكون فعله مكافأة فعل ~~عبده ، ولا يجوز أن يكون هو مكافأة فعل عبده. # قال بعضهم : برق برقة من النور فصاحت الجبال وانقطعت وغارت البحار ، ~~وانخمدت النيران ، وانكشفت الشمس ؛ فصعق موسى عليه السلام ، فكيف كان يطيق ~~موسى عليه السلام ويثبت لما لم يثبت لها الجبال الرواسي ، وإنما كانت برقة. # روى أنس رضي الله عنه عن النبي صلى ms0468 الله عليه وسلم أنه قرأ هذه الآية فقال : ~~«هكذا ، ووضع الإبهام على مفصل الأعلى من الخنصر فصاح الجبل» (1). # قال أبو سعيد الخراز : إن الله لا يتجلى بالكشف فمن يقوم له ؛ لذلك تقطع ~~الجبل حين تجلى له ، وخر موسى عليه السلام صعقا ، فإنما نظر إلى أوليائه ~~بالخصوصية من وراء الحجاب إذ أقبل عليهم بالرحمة والمحبة ، فهناك يصل إليهم ~~العلم الكثير والفوائد. # قال علي عن أبيه عن جعفر قال : لما سمع الكليم الكلام ، واستولى على ذلك ~~المقام سمع كلام الملك العلام ، قال بلسان الدلال على بساط الوصال تحت ظلال ~~الجلال : ( أرني أنظر إليك ) فإني بين يديك ، فأجابه ربه : ( ~~ لن تراني ) الآن في غير الوقت ، بل تراني ببرهاني وشواهدي فإنك ~~الآن لا تحتمل نور جلالي وسلطاني. # ( ولكن انظر إلى الجبل ) لترى عجائب قدرتي ، ( فلما تجلى ~~ربه للجبل جعله دكا ) فصار بأربع قطع ، وتبددت في أربع مواطن ، فتقطع قلب ~~موسى عليه السلام بأربع قطع ، قطعة سقطت في بحر الهيبة ، وقطعه سقطت في روضة ~~المحبة ، وقطعة سقطت في بساتين رؤية المنة ، وقطعة سقطت في أودية القدرة. # ( فلما أفاق ) خرج عن الشدة وصاح إليه بالتعظيم ، بلسان الحياء ( ~~ تبت ) أن أسألك سؤال المحال في غير الوقت. # وقال ابن عطاء : علم الله تعالى منه عجزه عن إقامة حق إرادته وما طلبه ، ~~فقال سبحانه : ( لن تراني ولكن انظر إلى الجبل ) فلما رأى الجبل قد ~~صار دكا صعق ، ولو صحت منه تلك الإرادة ، وذلك السؤال لما كان تردعه عن ذلك ~~ألف صعقة ، بل كان يقوم على مراده وسؤاله وطلبته. PageV01P471 # سئل الحسين بن منصور : لم طبع موسى عليه السلام في الرؤية وسألها قال : ~~لأنه انفرد للحق فانفرد الحق في جميع معانيه وصار الحق مواجهه في كل منظور ~~إليه ومقابلة دون كل محظور لديه على الكشف الظاهر إليه لا على التغيب ، ~~فذلك الذي حمله على سؤال الرؤية لا غير. # قال أبو عثمان المغربي : لما قال موسى عليه السلام : ( رب أرني ~~أنظر إليك )، قال الله : يا موسى عليه السلام اضرب بعصاك الجبل ، فضرب ms0469 عصاه ~~الجبل فظهر سبعون ألف بحر ، في كل بحر سبعون ألف جبل ، على كل جبل ألف موسى ~~عليه السلام عليهم الكساء وبأيديهم العصا ، يقولون كلهم : ( أرني ~~أنظر إليك )، فلما رأى ذلك ( خر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك ~~تبت إليك وأنا أول المؤمنين ) أيطمع في ليلي ، وتعلم أنها تقطع أعناق ~~الرجال المطامع. # ثم إن الله سبحانه لما أبقى موسى عليه السلام في درك حيرة رؤية الأزل ، ~~واستغراقه في بحار الشوق إلى وجهه ، تلطف عليه وتسلى قلبه بتعريف منته ~~الشاملة عليه ليكون شاكرا لأنعامه ، ومتسليا بتدارك قلبه بإكرامه ، فقال : ~~( إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من ~~الشاكرين ) أي : سبقت لك في الأزل اصطفائيتك المقدسة عن علة الحدث برسالتك ~~مني إلى أحبائي ، وتلك الرسالة شاملة لجميع ما يتوقع فيه الأولون والآخرون ~~من الدنو ودنو الدنو ، والقرب ، وقرب القرب ، والوصال وكشف الجمال ؛ لأنها ~~محل الاستقامة ووجدان جميع المنية. # وأيضا : سبقت لك الاصطفائية بأن تسمع مني كلامي بلا واسطة ، وتعلم منه ~~أسرار ملكي وملكوتي ، ألبستك من فعلي لباس الرسالة ، ومن أنوار كلامي وصفتي ~~لباس الربوبية ؛ فصرت موصوفا بصفتي حين اصطفيتك ، فوقعت في نور فعلي ، ثم ~~وقعت في نور صفتي ، حتى صرت في معنى الإنصاف مشاهدا لذاتي ، ولا تخلو شعرة ~~من جسدك إلا ولها عين من عيوني فتراني بتلك العيون ، فإيش تطلب مني ، بقولك ~~: ( أرني ) كن من الشاكرين فيما أعطيناك من هذه المنازل السنية ~~والمراتب الرفيعة ، ولا تكن مهتما من قلة إدراكك غوامض بطون قدمي وأزلي. # وقال بعضهم : الاصطفائية أورثت التكليم والكلام لا التكليم أورث ~~الاصطفائية. # وقيل في قوله : ( فخذ ما آتيتك ) من عطائي ، ( وكن من ~~الشاكرين ) لا من المدعين المختارين ، فما سبق مني إليك أكثر مما اخترته لنفسك. # وقال بعضهم : لما قال : ( واصطنعتك لنفسي ) (1) أورث الاصطناع ~~والاصطفائية ، PageV01P472 # وكنت مصطفا على الخلق لا بسابقة سبقت لك إلي ، بل بسابقة مني إليك. # وأيضا : كن من العارفين بمشكورك ، فإن المعرفة بالمشكور هو الشكر لا غير. # وقال الأستاذ في قوله : ( وكن من الشاكرين ) إشارة ms0470 لطيفة ، قال : ~~لا تكن من الشاكين ولا ممن يشكو ، يعني : أن منعتك عن سؤالك ، ولم أعطك ~~مطلوبك ، لا تشتكي إذا انصرفت ، وأنشد في معناه : # إن أعرضوا فهم الذين تعطفواكم %~% قد وفوا فأصبر لهم إن خلفوا # ثم إن الله ذكر زيادة نعمه عليه بأن عرفه مواضع حقائق علومه الغيبية ~~وأسراره العجيبة ، وأنبائه الغريبة الأزلية بقوله : ( وكتبنا له ~~في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء ). # في قوله : ( وكتبنا له ) إشارة عجيبة ، أي : كتبنا أسرارنا له ~~لأنه أهلها ، عارف بها وغيره مقلده ؛ لأن أسرار الخطاب إشارات الأزلية إلى ~~حكم الأبدية ولا يعرفها إلا من كان مصطفى ومصطنعا لها ؛ ولذلك قال : ( ~~ واصطنعتك لنفسي ) و ( اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ). # ومعنى قوله : ( وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة ) إشارة ~~إلى ألواح الصفات والذات ، كقوله : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) ~~التي خصصناه بما في علومنا الأزلية في الأزل. # وأيضا : أي كتبنا في ألواح أنوار قلبه من نقوش حروف أسرار الوحدانية ، ~~ومن كل شيء إشارة إلى علوم الذات والصفات والأفعال ؛ لأنه تعالى شيء ~~الأشياء ، أي : علمناه علم ما كان وما سيكون من العرش إلى الثرى ، موعظة ~~بلسانه للعارفين والعاشقين والمشتاقين الذين يتعرفون طرق وصالنا. # ( وتفصيلا لكل شيء ) أي : مبين غوامض بطون الأشياء ، ومفسر ~~إشارات السرمدية الأزلية ، فلما أعظم أقدار كلامه في قلبه وعينه ، وعرفهما ~~مكان شكره فيه أمره أن يقبل إليه به لا بنفسه ؛ ليعرف به لا بنفسه ، ويعمل ~~به لا بنفسه بقوله : ( فخذها بقوة ) أي : هذه أثقال الربوبية ومرجى ~~أمر الأزلية. PageV01P473 # ( فخذها بقوة ) من قواي حين تفر من نفسك ومن غيري إلي بالاستعانة ~~بي ، واقتباسك قوة ونصرة مني ، فخذها بتلك القوة الإلهية لا بقوة نفسك ، ~~فإن قوة نفسك حدثية ، ولا تحمل أثقال الربوبية إلا بقوة الإلهية ، فإذا صرت ~~مطيتها وحملت تلك الأمانة من قومك. # ( يأخذوا بأحسنها ) أي : بأسهلها عليهم من الأوامر والنواهي ؛ ~~لأن حقائقها لا تليق إلا بك وبمثلك. # وأيضا : يأخذوا بأبينها لهم ، وهي المحكمات التي توجب العبودية ويأخذون ~~متشابهها ، التي هي ms0471 وصف الصفات بحسن الاعتقاد والتسليم فيها ؛ لأن علومها ~~وحقائقها لا تنكشف إلا للربانيين ، قال الله تعالى : ( وما يعلم ~~تأويله إلا الله والراسخون في العلم ) [آل عمران : 7]. # قال بعضهم في قوله : ( وكتبنا له في الألواح من كل شيء ) سر الله ~~عند عباده ولأهل خصوصيته لا يحمله منهم إلا الأقوياء بأبدانهم وقلوبهم ، ~~ألا ترى الله يقول لكليمه عليه السلام : ( فخذها بقوة ) والقوة هو ~~الثقة بالله والاعتماد على الله ؛ ولذلك قال بعضهم : عطاياه لا يحمل إلا ~~مطاياه. # وقيل في قوله : ( فخذها بقوة ) أي : خذها بي ولا تأخذها بنفسك ، ~~فالقوي من لا حول له ولا قوة ، ويكون حوله وقوته بالقوي. # قال الأستاذ : ( وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين ) ~~فرق بين ما أمر به موسى عليه السلام من الأخذ ، وبين ما أمر أن يأمر به قومه ~~من الأخذ ، أخذ موسى عليه السلام أخذا من الحق على وجه تحقيق الزلفة وتأكيد ~~الوصلة ، وأخذهم أخذ قبول من حيث التزام الطاعة ، وشتان ما بينهما. # ثم إن الله سبحانه ذكر أن عرائس خطابه ولطائف كلامه لا تتكشف لمن رأى ~~قيمة نفسه في جنات الأزلية وميادين الربوبية بقول : ( سأصرف عن ~~آياتي الذين يتكبرون في الأرض ) أي : ما منع المدعين المعجبين بشأنهم ~~ومزخرفاتهم بمجازاتهم كلام الدعاوي الباطلة. # ( بغير الحق ) عن إدراك حقائق خطابي ، وفهم لطائف معاني كلامهم ؛ ~~لأنهم منكر وكرامات أوليائي وآيات أصفيائي ، بوصفه حالهم في تضاعيف الآيات ~~بقوله : ( وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ) ثم زاد مباعدتهم من باب ~~التوفيق ووجدان رشد الطريق بقوله تعالى : ( وإن يروا سبيل الرشد ~~لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ) PageV01P474 # لو تبين ألف طريق من طرق الأولياء إلى الله لا يتبعوها لحرمانهم عن ~~مصادقة الحق ، وإن ظهر لهم طريق الدعاوي في متابعة الشهوات ، اتبعوه وجعلوه ~~سبيل الحق ، لأن سجيتهم سجية الضلال ، والمتكبر لو عرف التكبر الذي هو ~~كبرياء القدم ما تكبر فإن جميع تكبر الحدثان من جهلهم بكبرياء الحق ، وفي ~~كل موضع تبدو سطوات كبريائه ، يتلاشى فيها كل شيء ، وكل ms0472 تكبر غير تكبر الله ~~تعالى باطل ، إلا من تكبر بكبريائه حين اتصف بكبريائه ، وذلك من إلباس الله ~~إياه نور عظمته وهيبته وكبريائه ، فينطق بالحق ويفعل بالحق ، ويظهر منه ~~الحق بوصف الكبرياء ، علامته أن يخضع له كل شيء سوى الله ، وهذا معنى قوله ~~عليه السلام : «من خضع لله خضع له كل شيء» (1). # قال بعضهم : التكبر تكبران : تكبر بحق ، وتكبر بغير حق ؛ فالتكبر بالحق ~~تكبر الفقراء على الأغنياء استغناه بالله مما في أيديهم ، والتكبر بغير حق ~~تكبر الأغنياء على الفقراء ازدراء لما هم فيه من فقرهم. # قال الواسطي : التكبر بالحق هو التكبر على الأغنياء والفسقة وعلى الكفار ~~وأهل البدع ؛ لأنه روي في الأثر : «القوا أهل المعاصي بوجوه مكفهرة» (2). # وقال سهل في قوله : ( سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون ) أي : هو أن ~~يحرمهم فهم القرآن والاقتداء بالرسول عليه السلام . # قال ابن عطاء : سأمنع قلوبهم وأسرارهم وأرواحهم عن الجولان في ملكوت القدس. # وقال ذو النون : أبى الله أن يكرم قلوب البطالين بمكنون حكمة القرآن. # ( واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا ~~أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين (148) ولما سقط في ~~أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من ~~الخاسرين (149) ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من ~~بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم ~~إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع ~~القوم الظالمين (150) قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم ~~الراحمين (151)) # قوله تعالى : ( واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له ~~خوار ) كان PageV01P475 # القوم في طلب الحق غلب عليهم رعونات الطبيعة من جهة ما شموا بعض روائح ~~القرب ، فصار في قلوبهم حلاوة فباشرت تلك الحلاوة قلوبهم ، ولم يكن غالبا ~~يفني صفات الإنسانية منها ، فاختلط ذلك الحظ بحظوظ البشرية ، فلما هاجت ~~حلاوة البشرية غابت حلاوة القرب ، وعشقه في عشق الإنسانية وحظ ms0473 البشرية ، ~~فطلبت القلوب المطلوب بعد ذلك في كل منظور من الحدثان على صورة المخاييل ، ~~لأن حظوظ بشريتهم أورثت في قلوبهم الخيالات المختلفة فسقطوا عن رؤية ~~التوحيد وإفراد القدم عن الحدوث ، وبقوا في طلب الخيال وبحثه عن كل شيء ، ~~فكل متحرك يتحرك لهم قبلوه بالمعبود من قصورهم عن كمال العشق وحقائق ~~التوحيد ، فكسا الحق سبحانه العجل كسوة من قهر ربوبيته امتحانا للقوم ، ~~فوقعوا في حسن اللباس واحتشموه ، واحتجبوا من رؤية القهر والامتحان ، ولو ~~خرجوا من أوائل الالتباس لأحرقوه كما أحرقه موسى عليه السلام ، وكذا حال من ~~لم يبلغ إلى درجة التوحيد ، وبقى في رعونة العشق حتى يؤول حلاله إلى حد غار ~~عليه التوحيد والجاه إلى القتل ؛ لأنه بقى في رؤية غير الله ، والمشرك في ~~التوحيد وجب قتله في طريق المعرفة ، ألا ترى أن الله سبحانه أمرهم بقتل ~~أنفسهم بقوله : ( فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ). # قال سهل : عجل كل إنسان ما أقبل عليه وأعرض به عن الله من أهل وولد ، ولا ~~يتخلص من ذلك إلا بعد فناء جميع حظوظه من أسبابه ، كما لم يتخلص عبدة العجل ~~من عبادته إلا من بعد قتلهم أنفسهم. # وقال الأستاذ : لم يظهر قلوبهم في ابتداء أحوالهم عن توهم الظنون ، ولم ~~يتحققوا بخصائص القدم وشروط الحدوث ، فعثروا عن أقدام ذكرهم في وهاد ~~المغاليط. # ويقال : إن أقواما رضوا بالعجل أن يكون معبودهم ، شمت أسرارهم نسيم ~~التوحيد ، هيهات لا ولا من لاحظ جبرائيل أو ميكائيل أو العرش والثرى أو ~~الخلق والورى. # قوله تعالى : ( ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا ) وصل إلى ~~كليم الله المضرب قهر ( لن تراني )، ورجع غضبانا منه عليه ، من ~~غلبة انبساطه وشربه كأس سم أفاعي الفراق ، أسفا مما فات من وصول الوصول ، ~~ورجع إلى قومه مع شريعة العبودية في تلك الحالة ، ورأى عبدة العجل صار ~~كأسود الجياع مع قومه وأخيه ، فإن الكليم رجع من باب الأزل الذي كان ~~الحدثان هناك بأسرها أقل من ذرة ، فرأى دناءة همم القوم حين اختاروا ~~مصنوعهم بالإلهية ، وأين العقل والفهم والعلم ms0474 والإنسانية هناك؟ # والعقل لا يقبل من وصفه التغير والأصوات والخوار ، والمشابهة ، والجسدية ~~والمماثلة بالإلوهية المنزهة عن المتشابه بأشكال الحدثان. PageV01P476 # ألا ترى أن الله عز وجل وصف العجل بالعرض والجوهر حيث قال : ( ~~عجلا جسدا له خوار ) ووصفه بأنه لا يكلمهم من عجزة عن إبداع الكلام ، ولا ~~يهديهم إلى سبيل نجاتهم من قهر ربوبية الأزل ، وليس من يقدر بالكلام فهو ~~إله إرادته ، لا يكلمهم مثل كلام الأزلي الذي يكلمهم الله الذي من وصفه أنه ~~صفة الأزل المنزه عن الخوار والأصوات والهمهمة والأنفاس والحروف والقياس. # قيل : ( أسفا ) على ما فاته من مخاطبة الحق إلى مخاطبة من لا ~~أوزان لهم ، فرده من شوقه إلى مشاهده ؛ لئلا يقطعه ، وحال شوقه ومن بقية ~~سكره وغضبه من فوت مكالمة الحق ، وأسفه على فوت مشاهدته. # ( وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه ) إن الله سبحانه علم ~~شوق موسى عليه السلام إلى جماله وعشقه بوجهه فأراه كل وقت ما أغاره عليه ؛ ~~لزيادة حرقه ، وهيجانه أغضبه ؛ لأن الله أحب غضب كليمه ، وهكذا عادة ~~الأحباب فأبرز من أول اللوح نعوت نبينا صلى الله عليه وسلم فلما رأى بينه وبين ~~حبيبه من أقرب منه إليه غضب من غيرة العشق ، وهكذا شأن العاشقين. # وأيضا : ذكر أيام الوصال وطيب المناجاة بغير واسطة الألواح ، فإلجاء فوت ~~تلك المقامات إلى كسر الألواح فألقى الألواح ؛ لأنها عارضة بينه وبين خطاب ~~محبوبه صرفا بلا واسطة ، وجر أخيه إليه ؛ لأنه رآه في مقام الشريعة مشغولا ~~عن تلك المواقف القدسية التي خرج منها. # قال أبو سعيد القرشي : من تحرك غيرة للحق فإن الحق يحفظ عليه حدوده لئلا ~~تخرجه الحركة إلى شيء مذموم كموسى عليه السلام لما ألقى الألواح وأخذ برأس ~~أخيه يجره ، لما رأى قومه يعبدون العجل ، فلم يعاتبه الله على ذلك ، ولو ~~باشر أحد من الكسر والأخذ ما باشر موسى عليه السلام كان ملوما ، ولكن حركة ~~موسى عليه السلام كانت ملاحظ لموسى عليه السلام فيه ، بل قام غيرة لله ~~وانتقاله ، فلم يزدد بذلك من الله إلا قربا. # ( إن الذين ms0475 اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة ~~الدنيا وكذلك نجزي المفترين (152) والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها ~~وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (153) ولما سكت عن موسى الغضب أخذ ~~الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون (154) واختار موسى ~~قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل ~~وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي ~~من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا PageV01P477 # وأنت خير الغافرين (155) واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء ~~فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون (156) الذين ~~يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ~~يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ~~ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ~~واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون (157) قل يا أيها الناس إني ~~رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ~~ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه ~~لعلكم تهتدون (158)) # قوله تعالى : ( إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة ~~في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين ) لما أخطاؤا طريق طلب الحق واقتدوا ~~بمن لا يعرف الله أبقاهم الله في شره شرب حب العجل ، وصاروا بين الموحدين ~~والعارفين أذلاء ، وكذا حال كل مخطئ في الطريق ومبطل في الاقتداء ، بقوله : ~~( وكذلك نجزي المفترين ) الذين يدعون ما لم يجدوا من المقامات ~~والأحوال ، لكن من فضله ورحمته عرفهم موقع الخطأ حين قال سبحانه : ( ~~ ولما سقط في أيديهم ) ندموا على تقصيرهم رؤية الحقيقة. # ( ورأوا أنهم قد ضلوا ) عن طريق المعرفة ، ( قالوا لئن ~~لم يرحمنا ) بأن تقبلنا بشركنا في التوحيد حتى نجدك بدرجة الشهادة ، ( ~~ ويغفر لنا ) بأن تخرجنا من رؤية غيرك إليك ، ( لنكونن من ~~الخاسرين ) الذين فارقوا ms0476 حظ مشاهدتك بغيرك. # قال أبو عثمان : من أقبل على الله فلينتظر الراحة والزلفة والقبول ، ومن ~~أعرض عنه فلينتظر الذل والسخط والبغضة مع غضب الله في الآخرة ، قال الله ~~تعالى : ( إن الذين اتخذوا العجل ) الآية. # قال الحسين بن الفضل : لا ترى مبتدعا إلا ذليلا ؛ لأن الله يقول : ( ~~ وكذلك نجزي المفترين ). # قوله تعالى : ( واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا ) اختار ~~موسى عليه السلام من شربه في الولاية شربه في النبوة من أولياء أمته ، ألا ~~ترى قولهم لما سمعوا خطاب الحق بلا PageV01P478 # واسطة واستلذوه ، وسكروا بطيب الخطاب كيف قالوا : ( أرنا الله ~~جهرة ) وكيف أحرقتهم الصعقة ؛ لأنهم ضعفاء في الحقائق ، اختار منهم سبعين ؛ ~~لأن في كل أمة سبعين من البدلاء والأولياء والنجباء ، وكذا في أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم . # قال بعضهم : ( واختار موسى ) على عدد الأولياء في الأمم السالفة ~~وفي أمته ، وهم السبعون الذين إليهم يفرغ الخلق وبهم يحفظون ، ثم لما وصل ~~إلى القوم ما وصل إلى موسى عليه السلام صعقوا وفنوا تحت الصعقة ؛ لضعف ~~قلوبهم عمن حمل سطوات العظمة ، اشتد على كليم الله وهاج سره بالانبساط ~~لقوله : ( فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ~~) أهلكتهم بنظرهم إلى العجل بين بني إسرائيل وإياي في صعقتي. # ( أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) تؤاخذنا بتقصير عبدة العجل ، ~~وهذا عادة الملوك إذا جنوا أخذوا أعيانهم ، ويمكن أن قوله : ( بما ~~فعل السفهاء ) إشارة إلى الغائبين في سكرهم بلذة خطاب الحق حين سمعوه ~~وقالوا : ( أرنا الله جهرة ) وهم ضعفاء الحالات ، أي : تهلكنا بقول ~~السكارى. # ( إن هي إلا فتنتك ) أطلق لسان الانبساط ، وخرج من سجف الاحتشام ~~من بقايا خمار تلك الشربات في وقت التجلي ، أي : ما هي الصعقة إلا امتحانك ~~لعشاقك من عشقك لهم في الأزل ، وهذا من صنيعك بمحبتك ألا ترفع محبك عن ~~المشتاقين إليك. # إلى متى تحتجب منا %~% أما آن للهجران أن ينصر ما والغصن غصن البان أن يتبسما %~% والعاشق الصب الذي ذاب وانحنى # وفي هذا المعنى أنشد حسين بن منصور حين أرادوا قتله ms0477 كان يتبختر ويقول : # نديمي غير منسوب %~% إلى شيء من الحيف سقاني مثل ما شرب %~% فعل الضيف بالضيف فلما دارت الكأس %~% دعا بالنطع والسيف كذا من يشرب الراح %~% مع التنين في الصيف # فلما سكن موسى من حدة الانبساط رجع إلى مقام التوحيد وقطع الأسباب في ~~العبودية وقال : ( تضل بها ) أي : تضل وتحجب بامتحانك واختيارك ، ( ~~ من تشاء ) مشاهدتك ، ( وتهدي من تشاء ) إلى وصالك ، فمنا ~~من بقي في الصعقة عن المشاهدة ، ومنا من وصل بك إليك في الصعقة ، وذلك فرق ~~بين مراتب النبوة والولاية ، ثم نظر إلى كلائته PageV01P479 # أنبيائه وأوليائه في مقام امتحانه فقال : ( أنت ولينا ) أنت ~~حافظنا منك فيك ( فاغفر لنا ) جناية انبساطنا في مقام رؤية هيبتك ( ~~ وارحمنا ) بكشف مشاهدتك لنا بلا امتحان ولا واسطة الحيل ، ( ~~ وأنت خير الغافرين ) لأنك قديم ومغفرتك صفتك شاملة على جميع ~~الجنايات منزهة عن خلل الحدثان. # ( واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة ) اجعل نصيبا منك في الدنيا ~~مشاهدتك ، ومعرفتك بالعافية عن قهرك وامتحانك ، ( وفي الآخرة ) ~~بغير واسطة الجنة وما فيها ، ( إنا هدنا إليك ) رجعنا منا إليك ، ~~وفررنا منك إليك. # قال ابن عطاء : أقبلنا بالكلية عليك. # ويقال : إن موسى عليه السلام جاهر الحق بنعت التحقيق وفارق الحشمة ، فقال ~~صريحا : ( إن هي إلا فتنتك ) (1)، ثم وكل الحكم إليه فقال : ( ~~ تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء )، ثم عقبة ببيان التضرع فقال : ( ~~ فاغفر لنا وارحمنا ). # قال الأستاذ في قوله : ( إنا هدنا ) ملنا إلى دينك وصرنا لك ~~بالكلية من غير أن نترك لأنفسنا بقية ، فلما سأل موسى عليه السلام وقاية ~~الحق من الحق لئلا تدخل في مربع الأنس واللطف زحمة القهر واستوفى منه حظ ~~مشاهدته بلا كدورة الحجاب ، فرارا من قهره إلى لطفه ومنه إليه إجابة الحق ، ~~أن لطف القديم مع قهر القديم بظهور فوقية قهر القدم على الحدث ، وإدخال ~~إعتاق الخليفة تحت إقدام الهيبة بقوله : ( قال عذابي أصيب به من ~~أشاء ) أي : عذاب فراقي وامتناعي من مطالعة أرواح القلوب على نعت السرمدية ~~، وأوصل إلى من شاء من العارفين والمحبين ، تربية ms0478 وامتحانا لهم في العبودية ~~، وصل عذابه بالمشيئة ، وهو موضع رجاء وخوف لأهل الإيمان ، ثم عم الكل ~~برحمته الواسعة الأزلية الشاملة على كل ذرة بقوله : ( ورحمتي وسعت ~~كل شيء ) جميع الخلائق مستغرقون في بحار رحمته ؛ لأن إيجاد الحق إياهم على ~~أي وصف كانوا عين رحمته ، حيث جعلوا تحت نظره وسلطانه وربوبيته ومباشرة ~~قدرته فيهم ، ثم إن الخلق بالتفاوت في الرحمة ، فالجمادات مستغرقة في نور ~~فعله وهي الرحمة الفعلية # يقول الفقير : هذا يدل على أنهم سمعوا كلامه تعالى على وجه الامتحان ~~والابتلاء لا على وجه التكرمة والإجلال وذلك لا يقدح في كون موسى ~~عليه السلام مصطفى بالرسالة والكلام مع أنه فرق كثير بين سماعهم وسماعه ~~عليه السلام والله أعلم. تفسير حقي (4 / 287). PageV01P480 # والحيوانات مستغرقة في نور صفته ، وهي الرحمة الصفاتية والعقلاء من الجن ~~والأنس والملائكة مستغرقون في فوز ذاته وهي الرحمة الذاتية القديمة من جهة ~~تعريفهم وربوبيته ووحدانيته ، وهم من جهة الأجسام وما يجري عليها في الرحمة ~~العامة ، ومن جهة الأرواح وما يجرى عليها في الرحمة الخاصة وهم فيها ~~بالتفاوت ، فبعضهم في رؤية العظمة ذابوا ، وبعضهم في رؤية القدم والبقاء ~~تاهوا ، وبعضهم في رؤية الجلال والجمال عشقوا فطاشوا ، ومن خرج من مقام ~~الرحمة إلى أصل الصفة ، ومن الصفة إلى أصل الذات استغرق في الراحم وفني عن ~~الرحمة فصار رحمته للعالمين ، وهذا وصف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه ~~وصل بالكل إلى الكل ، فوصفه برحمة الكل بقوله : ( وما أرسلناك إلا ~~رحمة للعالمين ). # ثم خص رحمة الخاص الصفاتية بعد أن عم الكل برحمته العامة للمتفردين بالله ~~عن غير الله ، الفانين بعظمته في عظمته ، الذين بدلوا وجودهم لحق ربوبيته ~~عليهم بقوله : ( فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم ~~بآياتنا يؤمنون ) أي : يتقون في محبة مشاهدته عن كل مألوف ومحظوظ دونه ، ~~ويؤتون الزكاة ، يتقربون إليه بذبح نفوسهم لديه. # ( والذين هم بآياتنا يؤمنون ) يشاهدون مشاهدا في رؤية آياتنا. # قال الواسطي في قوله : ( عذابي أصيب به من أشاء ) ذلك في نفس ~~العارف ما عرفه أحد إلا تكدر ms0479 عيشه ، وأرباب الحقائق ألا يعذبون في الدنيا ~~إلا بتواتر نعم الله عليهم والتقرب ، حتى يرد عليه ما منه بغيب من الصفات ~~والنعوت ، فيرتفع عنه سوء الأدب في السير. # وقال الكتاني رحمه الله : تسمع كل شيء ، لكن خص بها الأتقياء ، قال الله : ~~( فسأكتبها للذين يتقون ). # وقال أبو عثمان : لا أعلم في القرآن أنه يقنط من قوله تعالى : ( ~~ورحمتي وسعت كل شيء ) والناس يرونها أرجى آية ، وذلك أن الله يقول : ( ~~ فسأكتبها للذين يتقون )، ومن يمكنه بصحيح التقوى فتكون بشرط الآية. # وقال بعضهم : وصف العذاب بصفة الخصوص مقرونا بالمشيئة ، وعم الرحمة أنها ~~تسع كل شيء ، ثم وصف الله هؤلاء المتقين بالأسوة والقدوة والاقتداء في ~~تقواهم بالنبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( الذين يتبعون الرسول ~~النبي الأمي ). # وصف الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالأمية ، كان عليه السلام أميا بأنه كان ~~قبل الكون في بحر الوصلة ومهد القربة ، شرب ألبان النبوة والرسالة ~~والاصطفائية من ثدي مرضعة خاصة الأزل ، كان أميا PageV01P481 # كالولد العزيز في حجر أمه لا يجري عليه ما يؤذيه ، كان في حجر الأزل رباه ~~الله بلطفه وغذاء مشاهدته ، وصيره مقدسا في وقاية كرمه عن المكر والقهر. # ألا ترى كيف قال صلى الله عليه وسلم : «اللهم واقية الواقية» (1). # الوليد وصفه ، تقدس رسالته ، ولطف نبوته عن جميع علة الاكتشاف ، تلقف من ~~فلق شرف العناية كلمات الأزلية بلا واسطة الحدث ، لا يلتفت إلى علم المكتسب ~~من الحدثان لاستغراقه في بحار علوم الرحمن. # قال ابن عطاء : الأمي هو الأعجمي ، قال : يكون أعجميا عما دوننا ، عالما ~~بنا وبما نزل عليه من كلامنا وحقائقنا. # وقال : الأمي من لم يعلم من الدنيا شيئا ، ولا من الآخرة إلا ما علمه ربه ~~، حالته مع الله حالة واحدة وهي الطهارة بالافتقار إليه ، والاستغفار عما ~~سواه ، وزاد الله في وصفه عليه السلام في وضع أثقال الشرك والضلال وأغلال ~~المخالفات عنهم في متابعته والاقتداء بسنته بقوله : ( ويضع عنهم ~~إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ). # كان القوم بقوا في أسر المجاهدات بلا مشاهدات ، وأغلال الرياضات بلا ~~مكاشفات ms0480 ، فلما اتبعوه خرجوا من حد الجهالة بطريق المعرفة واستنار لهم سبل ~~الحقيقة ببركة السنة ، فوجدوا بدائع ألطاف الغيبة بنعت الجذب والمواجيد ~~البديهية ، فيخفف عنهم ما عليهم من أثقال الرهبانية ، وانحل عن أسرارهم ~~أغلال الشيطانية النفسية ، وأيضا لما رآهم عليه السلام تحت قهر البعد وأغلال ~~فقدان المعروف ، حيث إنهم كانوا مطايا أثقال القهريات المسرورات بأسر الغضب ~~القديم ، فأبرز لهم أنوار النبوة من مصباح الرسالة ودعاهم من طريق الهوى ~~والمنى إلى محجة التقوى ، وسبيل الرضا ومشاهدة المولى ؛ فأجابوا بنعت ~~الاقتداء ؛ فترفهوا من علة البدعة بروح السنة. # قال جعفر رضي الله عنه : يضع عنهم أثقال المشرك وذل المخالفات وغل ~~الإهمال. # وقال الأستاذ : لا شيء أثقل من كد التدبير ، فمن ثقل عن كد التدبير إلى ~~روح شهود التقدير فقد وضع عنه المعرفة ، واستنار لهم سبل الحقيقة ببركة ~~السنة ؛ فوجدوا بدائع ألطاف الغيبية بنعت الجذب والمواجيد البديهية ، فيخفف ~~عنهم ما عليهم من أثقال الرهبانية ، وانحل عن أسرارهم أغلال الشيطانية ~~النفسانية. # وأيضا لما رآهم عليه السلام تحت قهر البعد ، وأغلال فقدان المعروف حيث ~~إنهم كانوا مطايا أثقال القهريات المأسورات بأسر الغضب القديم ، فأبرز لهم ~~أنوار النبوة من مصباح الرسالة ، PageV01P482 # ودعاهم من طريق الهوى والمنى إلى محجة التقوى ، وسبيل الرضا ، ومشاهدة ~~المولى فأجابوا بنعت الاقتداء فترفهوا من علة البدعة بروح السنة. # قال جعفر رضي الله عنه : يضع عنهم أثقال الشرك ، وذل المخالفات ، وغل ~~الإهمال. # وقال الأستاذ : لا شيء أثقل من كد التدبير ، فمن ثقل عن كد التدبير إلى ~~روح شهود التقدير فقد وضع عنه كل إصر ، وكفي كل وزر وأمر ، والأغلال التي ~~كانت عليهم ما ابتدعوه من قبل أنفسهم باختيارهم في التزام طاعات الله ، لم ~~يفرض عليهم. # ثم وصف هؤلاء بالإيمان والإيقان ، وإعانة رسوله ونصرته عليه السلام ~~ومتابعة القرآن بقوله : ( فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا ~~النور الذي أنزل معه ) أي : شاهدوا مقامات النبوة بنعت الولاية ، وبذلوا ~~مهجتهم في نصرته على أعداء الله ، وسلكوا بنور القرآن طريق العرفان. # ثم وصفهم بالفوز والنجاة من أيدي الشياطين ، وهواجس النفوس ms0481 بنور القرآن ~~والسنة ، وظفروا بمشاهدة الحق وحلاوة محبته. # قيل : اتبعوا سنته ؛ ليوصلهم اتباع السنن إلى مبادئ الأحوال السنية. # قال بعضهم : صدقوا ما جاء به ، وبذلوا المهج بين يديه ، ثم أمر نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بإظهار ما أعطاه الله من رفيع درجاته ، وسني معجزاته ، ~~ولطيف كراماته لمن له استعداد الإنسانية ، وقبول الحق للعقل حجة للعالمين ، ~~وانفتاح أبصار الصديقين بأنوار جماله وسنا جلاله ، بقوله : ( قل يا ~~أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) أي : مخبركم عن شوق الله في وجوه ~~العارفين ، وطبيب أمراض الخليقة ، ودليلهم إلى طريق الحقيقة ، ومنقذ ~~العالمين من البدعة بأنوار الشريعة ، وأمره بوصف جلاله وملكه على انتظام ~~السماوات والأرض ، وإيجاد الخلق وإفنائهم بالحق ، بقوله : ( الذي ~~له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت ): نفى الأنداد والأضداد ~~من ساحة الكبرياء ، ووصفه بإحاطته على ملك السماوات والأرض بالعز والبقاء ، ~~وبأنه يحيي قلوب العارفين بمشاهدته ، ويميت قلوب أعدائه بقهره. # ثم أمره بأن يأمرهم بالإيمان به وبرسوله بنعت معرفته ، وشهودهم مشاهدة ~~نبوة نبيه. # ثم وصف رسوله بالأمية عما دونه ، وشهوده مشاهدة قدم به لا بنفسه ، ورؤية ~~ما أخبر عن أسرار ذاته وصفاته في كلامه ، بقوله : ( فآمنوا بالله ~~ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله ) وكلمته أي : يؤمن بالله بنعت الرضا ~~عنه فيما يجري عليه من قضائه وقدره ، ووصف حضور قلبه بنعت الكشف بين يديه ، ~~ويوقن ما أخبر له من أسرار الآزال والآباد. PageV01P483 # فلما كمل في ثنائه ، ووصفه بأحسن الوصف ، أمر الجمهور بمتابعته ؛ ليجدوا ~~بنوره مناهج معرفته ، بقوله : ( واتبعوه لعلكم تهتدون ): جعل ~~متابعة نبيه مفاتيح فواتح خزائن كنوز معارف ذاته وصفاته ، أي : اتبعوه بنعت ~~المحبة ، ووصف الاقتداء بالسنة بغير المخالفة ، لعلكم ترشدون مشاهد أنوار ~~الذات في الصفات ، ومساقط تجلي الصفات في الأفعال ، وهذا وصف من تجانس له ~~فطرة الولاية ، فطرة النبوة والرسالة. # فإذا وصل نور الرسالة إلى نور الولاية ، ظهرت طرق المعرفة لأهل الخالصة ~~من المشاهدة ليس علة المعرفة المتابعة ، ولكن علة المتابعة المعرفة ؛ لأن ~~منها ينشعب جميع المعاملات السنية ، والحالات الشريفة ms0482 ، فالمتابعة تكليف ، ~~والمعرفة تشريف ، التكليف للأشباح ، والتشريف للأرواح. # قال الحسين بن منصور : إن الحق أورد تكليفه على ضربين : تكليفا عن وسائط ~~، وتكليفا بحقائق ، فتكليف الحقيقة بدت معارفه منه ، وعادت إليه ، وتكليف ~~الوسائط بدت معارفه عما دونه ، فلم يصل إليه ، فتناهى من معارفهم إلى ~~نهايات معرفة أهل الوسائط ، ولم يتناه معارف من أحد معارفه عن شهود الحق ، ~~كل ذلك رفقا من الحق بالخلق ؛ لعلمه بأنه لا يوصل إليه إلا بما منه. # ( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (159) وقطعناهم ~~اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك ~~الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم ~~الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (160) وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها ~~حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين ~~(161) فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من ~~السماء بما كانوا يظلمون (162) وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ ~~يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم ~~كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون (163) وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله ~~مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون (164) فلما PageV01P484 # نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ~~ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون (165) فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا ~~لهم كونوا قردة خاسئين (166)) # قوله تعالى : ( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ): وصف ~~الله قوما من أمة كليمه عليه السلام ، الذين وصل إليهم ما من الله على موسى ~~بكشف الأنوار لأرواحهم ، وفتح آذان قلوبهم لسماع خطابه ، هم وجدوا الله ~~بالله ، واتصفوا بصفاته ، فأخبر الحق عن اتصافهم بصفاته ، حيث قال : ( ~~ يهدون بالحق ): والهداية صفته ، أي : يهدون بنور الله عباد الله ~~إلى الله لا بهم ، وهم على الحق لا بصورة العماء ms0483 والغلط والظنون والحظوظ ، ~~( وبه يعدلون ) أي : بعدله وباتصافهم بعدله ، يعدلون بين الحق للحق ~~، لا لأنفسهم يتصفون بالله لله ، لا يخافون لومة لائم : ( ذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء ) [المائدة : 54]. # قيل : يدلون الخلق على طريق الحق ، وإياه يسلكون ، ثم وصف الله قوم موسى ~~بأنهم على اثني عشر طريقا من طرق المعارف ، بقوله : ( وقطعناهم ~~اثنتي عشرة أسباطا ) (1). # وجعل ضرب موسى الحجر مثلا لانفتاح قلوبهم مشارب الألوهية ، بقوله : ( ~~ وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست ~~منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم ): ضرب يد الأحدية بعصا ~~العناية صفوان الأزل ، فظهر من عيون القدم ، وبحار الأولية لأرواح الموحدين ~~، وقلوب العارفين ، وعقول العاشقين ، وأسرار الشائقين ، وهمم المحبين ، ~~وأفئدة الموقنين ، وخواطر المكاشفين ، وصدور المشاهدين ، وعلوم السالكين ، ~~ونيات الصادقين ، ومزار نور الراضين ، ووجود المريدين ( اثنتا عشرة ~~عينا ): من عيون الصفات الخاصة لعرفان أهل العيان. # منها : عين القدم ، وهى مشرب أرواح الموحدين. # ومنها : عين البقاء ، وهي مورد قلوب العارفين. PageV01P485 # ومنها : عين الجمال ، وهي مورد عقول العاشقين. # ومنها : عين تجلي الوجه الذي هو صفته الخاصة ، وهي مشرب همم المحبين. # ومنها : عين القدرة ، وهي مشرب أفئدة الموقنين. # ومنها : عين العلوم ، وهي مشرب خواطر المكاشفين. # ومنها : عين صفة السمع ، وهي مشرب صدور المشاهدين. # ومنها : عين صفة البصر ، وهي مشرب علوم السالكين. # ومنها : عين الكلام الأزلي ، وهي مشرب نيات الصادقين. # ومنها : عين الإرادة القديمة ، وهي مشرب من أنوار الراضين. # ومنها : عين الحياة القديمة ، وهي مشرب وجود المريدين. # أما انفجار عين القدم لأرواح الموحدين ؛ لأن القدم أصل الأصل ، وماهية ~~عين الكل. # ومنها : انفتح أنوار التوحيد للموحدين ، والموحد لم يبلغ إلى درجة حقائق ~~التوحيد إلا بعد شربه زلال الحقيقة من بحار القدم. # وذلك الشرب يكون للأرواح الطائرة بأجنحة القدم في القدم ، وتلك الأرواح ~~لا تبرح من تلك البحار ؛ لأنها تعيش بها أبدا ، ولا ترجع منها إلى غيرها من ~~الصفات إلا ما شاء الله. # وأما انفتاح عين البقاء لقلوب العارفين ؛ لأنها مصارف جميع الصفات ، وهي ~~أصل ثان. # ومنها : تنبت ms0484 كشوف الصفات ، وشهود أنوار الذات. # والعارف لا يبلغ إلى درجة المعرفة ، إلا بعد أن يشرب منها شراب وصال ~~البقاء بنعت السكر والصحو ، ومن زاد سكره للبقاء زاد صحوه ؛ لأن البقاء ~~يوجب التمكين ، وهم لا يلتفتون من ذلك المقام إلى مقام آخر ؛ لأن قلوبهم ~~استغرقت في ذلك البحر. # وبحر البقاء باق لها ، ليس له ساحل ، وهي لزيادة العطش. # وأما انبجاس عين الجمال لعقول العاشقين ؛ لأن الجمال يوجب العشق للعاشقين ~~، ولا يكون العاشق عاشقا إلا بعد رؤيته جمال الحق سبحانه ، وتلك العقول ~~هائمة في ذلك لا تسكن عنها أبدا ، ولا ترجع إلى مقام آخر من استلذاذها ~~حلاوة الجمال. # وأما انفتاح عين تجلي الوجه لأسرار الشائقين ؛ لأنها سبب سكر العشاق ، ~~سكرت تلك الأسرار برؤية تلك الأنوار ، وهي هائمة أبدا ، لا يرجع منها إلى ~~غيرها من المقامات والحالات ؛ لأن الشوق ألذ الأحوال ، ولا يبلغ الشائق إلى ~~درجة الشوق إلا بعد كشف تجلي الوجه له. # وأما انفتاح عين الجلال لهمم المحبين ؛ لأن الجلال مشرب تلك الهمم يوقعها إلى PageV01P486 # البحرين بحر الهيبة ، وبحر الإجلال ، والإجلال يورث لها الخوف ، والهيبة ~~تورث لها الحياء وهما أخص صفات المحبين ، وصفة الجلال شاملة لصفة الجمال ، ~~والجمال يظهرها في الجلال ؛ لذلك استروحت تلك الهمم في أوقات عن برحاء ~~الجلال ، وكل محب لم يبلغ مشاهدة الجلال لم يبلغ إلى درجة المحبة بالكمال. # وتلك الهمة تنصرف بذاتها عن ذلك المقام تارة إلى محل الجمال ؛ لاقتباس ~~نور الشوق والعشق ؛ لأن الجلال والجمال مصدرهما عين واحد ، وإن كان ~~تأثيرهما في التجلي والمباشرة مختلفا. # وأما انفتاح عين القدرة لأفئدة الموقنين ، وهي بكشوفها تزيد أنوار ~~الإيقان للموقنين ؛ ولذلك قال تعالى : ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت ~~السماوات والأرض وليكون من الموقنين ) [الأنعام : 75]. # ومشربها تجري على سوابق الآيات ، والأفعال في حدود الالتباس ، ونحلت نفس ~~الصفة صرفا بغير رؤية الآيات إذا كان صرفا ، فهي توجب العرفان ، وإذا لم ~~تكن صرفا توجب الإيقان ، وكيف يكون الموقن موقنا ، ولم يشرب فؤاده من هذين ~~السقيين ، وأفئدة الموقنين هامت من سكرها من شرب سلسبيل عين ms0485 القدرة ، ولا ~~يرجع منها إلا بعد الاستيفاء منها إلى أعلى المقامات من شهود العين ، ورؤية ~~جميع الصفات ، فهي على نعت الترقي ؛ لأن تأثير القدرة في الأشياء على نعوت ~~التغاير ، وإن كانت عينها مقدسة من علة التلوين. # وأما انفتاح عين العلوم الأزلية اللدنية لخواطر المكاشفين ، وذلك أن ~~عرائس الغيوب بلباس المعلوم تنكشف لخواطر المكاشفين ، وهي تورث لعيونها ~~مشاهدة الصفات والذات ، وتورث من فوائد وجدان نضارتها وبهجة سناها علوم ~~المعارف الإلهية ، كل كشف بغير علم لا يكون على حد الكمال والعلم إلا تفارق ~~الكشف ؛ لأن الكشف محل الخطاب ، والخطاب يوجب العلم ، لكن ربما تلوح بوادي ~~الكشوف لضعفاء الطريق بالبديهة ، ولا يفهمون عنها أنباء العجيبة الإلهية. # وكل خاطر لم يشرف على هذين المنزلين ، فهو ناقص عن محل الربانية ، وتلك ~~الخواطر معادنها علوم الأزلية ، مستلذة دقائق العلوم من حيث حلاوة الكشف ، ~~وحلاوة الخطاب. # وأما انفتاح عين السمع لصدور المشاهدين يوجب لها أسماع الإلهية التي تسمع ~~لها أصوات جريان أقلام القضاء والقدر من العرش إلى الثرى ، وتسمع من الحق ~~بسمع الحق ما يقول الحق ، قال تعالى : ( أو ألقى السمع وهو شهيد ) ~~[ق : 37]. # وتلك الصدور حاضرة الغيب ، لا تحس لهواجس النفوس ، واصطكاك غيوم ظلام PageV01P487 # الشياطين. # ومن لم يبلغ إلى وجدان تلك الصفة في صدوره ، لم يكن من السامعين أصوات ~~جرس الوصلة. # وأما انفتاح عين البصر لعلوم السالكين ، وذلك أن أنوارها تبين لعلومهم ~~طرائق الغيب ، وأحكام المتشابهات ، ومغيبات الحكم ، ومن لم يبلغ إلى ذلك ~~المقام ، ولم يشرب من شربه لم يكن من المتفرسين في القلوب ، ولم يكن من ~~المشاهدين في الغيوب. # وأما انفتاح عين الكلام الأزلي لنيات الصادقين ، وذلك المشرب مخبر مشارب ~~جميع الصفات ؛ لأنه من كل صفة فراج ، فكل صادق يتكلم الحق معه بكلام القديم ~~، يصير بنوره مطلقا على جميع الصفات ، عالما بأسمائها ونعوتها ، مشاهدا ~~للذات مع جميع الصفات وتكون نيته معلقة بجريان خطاب الأزل ، يجري بجريانه ~~حيث يجري ، ويدور حيث يدور ، ولذلك هي محفوظة من خطرات الشك والريب ، ~~مرقومة بنور الإخلاص ، ومن لم يذق طعم ms0486 ذلك المشرب ليس بصادق في المعرفة ؛ ~~لأنه لم يكن معه مفاتيح كنوز الذات والصفات من الكلام. # وأما انفتاح عين الإرادة القديمة لمراد نور الراضين ، وذلك أن الرضا ~~بالإرادة يكون من نور الإرادة ، مزيلا كل إرادة غير إرادة الله ، فإذا زالت ~~الإرادات عن قرار نور أهل الرضا بقيت إرادة الله فيه ، فتكسبه سناها حتى ~~تصير إرادة الراضي إرادة الحق ، فإذا كانت الإرادة إرادة فردة ، ولم يبق ~~غيرها ، أورثت له حسن الرضا ، وذلك الرضا من رضوان الله ، فصارا متصفين ، ~~يورثان من معدن الأصل الرضا للراضي ، فحينئذ إرادة الله ، ورضي برضا الله ، ~~قال الله تعالى : ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) [المائدة : 119]. # وكل ذلك جرى له في سابق الحكم والعلم ، فباشر حين وقع تجليه على قلب ~~الراضي بغير علة اكتسابه ، ولا بحوله وقوته. # وأما انفتاح عين الحياة الأزلية لوجود المريدين ، وذلك أن المريد ميت عن ~~حياتها لمعرفة ، فيحييه الله بشربات ماء حياته ، فلا يموت بعد ذلك أبدا. # قيل : العرفاء لا يموتون ، فإذا شرب المريد من عين حياة الأزلية يستقيم ~~بها في رؤية جميع الصفات ؛ لأن الحياة أصل جميع الصفات ، وجميع الصفات كأنه ~~قائمة بها ، ومن لم يشرب من ذلك المشرب شربة الحياة لم يقدر أن يسبح بهميته ~~في بحار الملكوت والجبروت ، ولم ير جواهر الصفات ، ولآلئ الحكم والعلم في ~~بحر البقاء والأزل ، ولهؤلاء الطيارين في هواء الهويب ، والسيارين على ~~مراكب الجود في ميادين الأحدية طيرانا وسيرا بقوة الشرب من مشارب الغيب ، ~~والترقي في المقامات والدرجات إلى أعلى معالي درجاتهم من القرب PageV01P488 # والوصال. # وكل طائفة منهم عرفوا مشاربهم ، قال الله تعالى في تمام الآية : ( ~~ قد علم كل أناس مشربهم ) [البقرة : 60]. # لكل واحد منهم أعلام طريقة إلى الله من سلب المواجيد ، وحركات الجذب ، ~~وظهور الصفة ، وإلقاء السمع ، واستماع الخطاب ، ويعرف منتهاه ، ويعلم مقصده ~~، وزيادة طلبه من قرب الحق ووصاله. # حكي عن الرضا عن أبيه ، عن جعفر بن محمد في هذه الآية قال : ( ~~فانبجست ) من المعرفة : ( اثنتا عشرة عينا ) يشرب كل أهل مرتبة في ~~مقام من عين ms0487 من تلك العيون ، على قدرها (1)، «فأول عين» منها : عين ~~التوحيد. # و «الثانية» : عين العبودية ، والسرور بها. # و «الثالثة» : عين الإخلاص. # و «الرابعة» : عين الصدق. # و «الخامسة» : عين التواضع. # و «السادسة» : عين الرضا ، والتفويض. # و «السابعة» : عين السكينة ، والوقار. # و «الثامنة» : عين السخاء ، والثقة بالله. # و «التاسعة» : عين اليقين. # و «العاشرة» : عين الفعل. # و «الحادية عشرة» : عين المحبة. # و «الثانية عشرة» : عين الأنس والخلوة ، وهي عين المعرفة بنفسها. # ومنها تنفجر هذه العيون ، من شرب من عين منها يجد طلاوتها ، ويطمع في ~~العين التي هي أرفع منها ، من عين إلى عين حتى يصل إلى الأصل ، فإذا وصل ~~إلى الأصل تحقق بالحق. # وقال بعضهم في قوله : ( قد علم كل أناس مشربهم ): ظهر لكل سالك ~~سلوكه ، وآثار برهانه ، وبركات سعيه ، وأنوار حقائقه. # ( وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب PageV01P489 # إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم (167) وقطعناهم في الأرض ~~أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ~~(168) فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر ~~لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا ~~على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا ~~تعقلون (169) والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر ~~المصلحين (170) وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما ~~آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (171)) # قوله تعالى : ( إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم ): تتابع ~~الاستتار والتجلي في أقل لمحة ، أحدهما يتابع الآخر لبدا قهر القديم ، ولطف ~~القديم ، وخفائهما من معدن الأصل توجبان القبض والبسط ، والكشف والحجاب. # قال بعضهم : ما كان في القرآن من قوله : ( لسريع العقاب ): ~~فإنها عقوبة الحجاب عنه. # قوله تعالى ( وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ~~ذلك ): فوق الأولياء والأعداء في الأرض ؛ ليعيش كل طائفة بما خلق لها من ~~الطاعة والمعصية. ( منهم الصالحون ): خلفاء الأنبياء. # ( ومنهم دون ذلك ) يعني : المستبدين ms0488 بآرائهم غير مقتدين ~~بالأولياء والصديقين. # ( وبلوناهم بالحسنات والسيئات ): جعلناهم جميعا في درك الامتحان ~~؛ لأن المولى مقهور القهر ، ومعطوف اللطف ، فقهره يورث المعصية والحجاب ، ~~ولطفه يورث الطاعة والكشف ، ففي العقوبة مطالبون بالصبر ، وفي النعمة ~~مطالبون بالشكر ، فالصبر منهم محال إلا بمعرفة الله ، والشكر منهم محال إلا ~~بكشف جمال الله لهم. # ( لعلهم يرجعون ): من البلاء إلى مبليهم. # قيل : اختبرناهم بالنعم طلبا للشكر ، واختبرناهم بالمحن طلبا للصبر ، ~~فأبى الجميع ، فلا هم عند النعم شاكرون ، ولا هم عن المحن صابرون. # قوله تعالى : ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على ~~الله إلا الحق ): لما ادعوا قرب الله ، والانبساط بين يديه ، وأنه تعالى ~~لا يؤاخذهم بما كسبوا فضحهم الله بإظهاره PageV01P490 # كذبهم بما قالوا على الله ما لم يعرفوا منه. # وكذا حال المدعين إلى يوم القيامة ، وثق الحق سبحانه في كلامه على ~~الصديقين ، ألا يقولوا على الله إلا ما وصف به نفسه من التنزيه والتقديس من ~~أوصاف الحدثان ، وأن من العرش إلى الثرى تجري على مقاديره السابقة ، ~~ومشيئته القديمة. # قيل : ألم يبين لهم على لسان الوسائط ، وفي الكتب المنزلة ألا يصفوا الحق ~~إلا بنفاذ المشيئة وعلو القدرة ، ثم بين سبحانه أنهم علموا بميثاق الله في ~~كتاب الله ، وتركوا ما ندبوا إليه من سني المعاملات ، ورفيع المقامات ، ~~بقوله : ( ودرسوا ما فيه ) (1): درسوا ، وما عرفوا حقائقه ، ولو ~~ذاقوا طعم الخطاب تابعوه ببذل المهجة. # قال سهل : تركوا العمل به. # ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ~~ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ~~(172) أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما ~~فعل المبطلون (173) وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون (174)) # قوله تعالى : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ). # أخبر سبحانه عن سر تقدير الأزل الذي في نفسه في أول الأول ، قبل كل قبل ، ~~بلا تغاير الزمان وتواتر الملوان ، وذلك إرادة سابقة أزلية ذاتية ms0489 صفاتية ~~أحدية ، تكون بوجود إيجاده بظهور وجوده تعالى له ، فتقاضت الإرادة من العلم ~~، والعلم من القدرة ، والقدرة من جميع الصفات ، والصفات من الذات بغير ~~تفرقة ، ولا جمع بل الوحدانية ، فأجابت الصفات للذات ، والذات للصفات من ~~غير حاجة ، ولا وحشة ، ولا أنس بالحدثان ، بل الموجود أهل العرفان ، فمضت ~~أدهار الأزلية بلا زمان ولا مكان ، بل قدم في القدم ، وأزل في الأزل أخبر ~~عن علم القديم ، لا من الوقت ألا ترى قوله : ( وإذ )، وليس عنده ~~صباح ومساء لما تم أدهار الأولية ، التي هي دهر الدهار المنزهة عن المكان ~~والزمان ، وتمامها وقت إيجاد الأكوان والحدثان ، وإبراز أهل العرفان من ~~معدن العيان تجلت أنوار الذات لأنوار الصفات ، وتجلت PageV01P491 # أنوار الصفات لأنوار الذات ، ثم تجلت الذات بجميعها للإرادة والمحبة ، ثم ~~تجلت الإرادة والمحبة لفعل الخاص ، ثم تجلى فعل الخاص لفعل العام ، ثم تجلى ~~الفعل للعدم ، وأخرج من مكمن الغيب الأرواح بنعت إيجادها فأجادها برؤية ~~تجلي الفعل العام ، ثم كساها نور فعل الخاص ، ثم أحضرها مشارب المحبة ~~والإرادة ، فسقاها من عين المحبة شراب العشق ، ومن عين الإرادة شراب ~~التوحيد ، فاشتاقت من شراب المحبة ، وسكرت من هذا العشق ، وبهجت إلى معدن ~~الصفة ، وطارت بأجنحة التوحيد في أنوار الصفات ، ثم طارت بنور الصفات في ~~أنوار الذات ، ففنيت في القدم برؤية القدم ، وبقيت في البقاء برؤية البقاء ~~، فترفرفت كل واحدة على مورد من موارد الصفات ، وسكنت في العيون الصفات ~~الأرواح ، فبعضها في عين العظمة ، وبعضها في عين الجلال ، وبعضها في عين ~~الجمال ، وبعضها في عين الكبرياء ، وبعضها في عين القدم ، وبعضها في عين ~~البقاء ، وبعضها في عين البهاء ، وبعضها في عين الحسن ، وبعضها في عين ~~القدس ، وبعضها في نور الأنس ، وبعضها في سناه ، وبعضها في نور الأسماء ~~والنعوت ، وبعضها في عين الحياة ، وبعضها في نور السمع ، وبعضها في نور ~~البصر ، وبعضها في نور الكلام ، وبعضها في نور الوجه ، وبعضها في نور ~~القدرة ، وبعضها في نور العلم ، وبعضها في نور المشيئة والإرادة ، وبعضها ~~في صفات الخاصة من الاستواء وغيره من ms0490 الصفات ، وبعضها في نور العطاء ، ~~وبعضها في نور اللطف ، وبعضها في عين القهر ، وكل واحدة منها قويت لسجية ~~موردها ، وقوة شربها. # وكل واحدة اشتاقت فيها إلى معدنها ؛ لذلك طباعها مختلفة في المقامات ~~والحالات والمكاشفات والمشاهدات ، فوقعت أهل الألطاف في عيون المعرفة ، ~~فبقيت في المعرفة أبدا ، ووقعت أهل القهريات في النكرة ، فبقيت في النكرة أبدا. # ألا ترى إلى مناهجهما من الكفر والإيمان ، فلما أراد سبحانه عبوديتها ~~أخرجها من الغيب إلى صورة البشرية بنعت الامتحان والعبودية ، وكساها لباس ~~الصلصالية ، بقوله : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) ~~: أخرجهم جميعا بظهور وجوده لهم ، فخرجوا جميعا بنور ظهوره ، وتجلي صفاته ~~وذاته ، أخذهم بمباشرة الصفة في الفعل ، فوصل بركة أخذه إلى أهل معرفته ؛ ~~لأن أخذه لهم أخذ لطف ووصل ، وقهر أخذه إلى أهل النكرة ؛ لأنهم أهل قهر ، ~~فمن خرج بلباس اللطف شاهد الحق مشاهدة عيان ، ومن خرج بنعت القهر ، شاهد ~~قهر الحق مشاهدة امتناع وحجاب ؛ لذلك بعضهم جحدوه ، أشهدهم على أنفسهم ~~ليغيبوا عن مشاهدته ، ولو أشهدهم مشاهدته ما احتاجوا إلى تعريف الخطاب ، ~~بقوله : ( ألست بربكم ): كانوا في الأول شاهدين ، ثم كانوا غائبين ~~، فلما صاروا غائبين عرفهم تلك PageV01P492 # الموارد والمشارب في زمان الأول حين خرجوا من العدم بنور القدم. # ( ألست بربكم ): خطاب تعريف وتذكير معاهد الأولية ، وأنشد في ~~معناه : # سقيا لعهدك الذي لو لم يكن %~% ما كان قلبي للصبابة معهدا سقى الله أياما لنا وليالي مضت %~% فجرت من ذكرهن دموع فيا هل لها يوما من الدهر أوبة %~% وهل لي إلى أرض الحبيب رجوع سلام على سلمى وإن شط دارها %~% سلام على أرض قديم بها العهد # في الأول كانوا غائبين عنه ، فأدركهم نور محبته ، فأولهم قبل ظهورهم في ~~لباس آدم ، فلما عرفهم تلك الحلاوة ذكروا ما وجدوا ، وأنشدوا : # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى %~% فصادف صبا فارغا فتمكنا # ( ألست بربكم ): لأهل اللطف خطاب تعطف ، ولأهل القهر خطاب تعظم ~~، خاطب العارفين بتعريف المشاهدات ، وخاطب الجاهلين بالقهر والامتحانات ، ~~فاعترفوا جميعا بوحدانيته طوعا وكرها ، طوعا لأهل العرفان ، وكرها ms0491 لأهل ~~العماء والطغيان. # ولولا خطابه وإنطاقه بالقدرة الأزلية ما قالوا جميعهم بني إلا أهل شهود ~~جماله ، فلما خاطبهم فرح أهل محبته ، فطاروا بأجنحة توحيده في هواء ~~وحدانيته فرحا وسرورا بجماله ، وتحير أهل الحجاب ، فبهتوا وتاهوا في أودية ~~قهره ، ثم عظم ميثاقه تعالى معهم بشهوده إياهم بقوله : ( شهدنا ): ~~أخبر عن كشف نقاب الأزلية عن وجه السرمدية لأهل المعرفة ؛ لئلا ينسوه طرفة ~~عين إلى أبد الآبدين ، وإن كانوا في حجب الامتحان ؛ لأن العاشق يرى معشوقه ~~في رؤية جميع البلاء ، وكيف يحتجب المحب عن محبوبه ، ومحبته محيطة بجميع ~~وجوده : # أريد لأنسى ذكرها فكأنما %~% تمثل لي ليلى بكل سبيل # قال أبو سعيد الخراز في قوله : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم ): ~~ترابا لأهل الإيمان بالسكون ، فعرفوه ، وسكنوا واطمأنوا ، وترابا لأهل ~~الكفر بالتعظيم ، فطاشت عقولهم ، فتفرقوا عنه. # وقال يوسف : قد أخبر أنه خاطبهم ربهم ، وهم غير موجودين إلا بإيجاده لهم ~~إذا كانوا واجدين الحق من غير وجودهم لأنفسهم ، كان الحق بالحق في ذلك ~~موجودا بالمعنى الذي لا يعلمه غيره ، ولا يجده سواه. # قال بعضهم في قوله : ( ألست بربكم ) قالوا : بلى من غير مشاهدة ، ~~ثم كوشفوا ، فشهدوا ما خوطبوا به ، قالوا شهدنا أي : شهدنا حقائق حقك. PageV01P493 # وقال الحسين : الحق أنطق الذر بالإيمان طوعا وكرها ، أنطقهم بركة الأخذ ~~أخذهم عنهم وأنطقهم لا بهم ، بل أخذهم عنهم ، ثم أشهدهم حقيقة ، فأنطقت ~~عنهم القدرة من غير شركة كانت لهم فيه. # قال النصر آبادي : في هذه الآيات موئل الأكبر ، وما ألف الأعظم معافون من ~~السلالة والطين ، وما بعده من النطف والمضغ ، فأنتم في جملة أخذ الأول أو ~~مردودون إلى معتاد الأخذ في السلالات والنطف ، فإن أخذ الأول أول بأول ~~الأول ، وهو بأول الأول أول. # قال النصر آبادي : أخذ ربك تلطفا وتكرما ، بل أخذه إجلالا وعظمة ، بل ~~أخذه عز واستغناء. # وقال أيضا : أخذ لا للحاجة بل للحجة ، فمنع الخلق حاجتهم أن يروا ذرة من ~~معاني الحجة. # وقال : أخذ ربك من معدن إلى معدن ، ومن معدن لمعدن. # قال الجريري في قوله : ( ألست ms0492 بربكم ) (1) قال : تعرف إلى كل ~~طائفة من الطوائف ، وبما منحها من معرفته ، فقالت : بلى وكل أقر بما منح ، ~~ثم أخرجهم من صلب آدم ، فقال الله : ( كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ). # وقال لنبيه : ( لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ~~ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم ) [الأنفال : 63]. # وقال بعضهم : خاطب منصوب القدرة في عين القدم. # وسئل عبد الرحيم عن قوله : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم ) قال : ~~كانوا موجودين في القدرة ، مغيبين في شهود الوجود. # وقال الواسطي في قوله : ( ألست بربكم قالوا بلى ) قال : هو تقرير ~~في صورة السؤال. # وقال بعضهم : القدرة أجابت عن القدرة. # وقيل في قوله : ( قالوا بلى ): سمعوا كلامه أن ( ليس ~~كمثله شيء ) [الشورى : 11] ، وخلق حياتهم من ذلك النور ، وجعل قوام جميعهم ~~بتلك الكلمة ، وأنشد : # وآخر قال حين سئل عنه : سمعت سبعا من المواثيق. # وآخر قال : إنه صدق في كليات المواثيق أنها سبعة ، وأما جزئياتها فغير ~~متناهية ، فأنا مؤمن بذلك كله. PageV01P494 لو يسمعون كما سمعت كلامها %~% خروا لعزة ركعا وسجودا # قال ابن بنان : خالصة من خلقه انتخبهم للولاية ، واستخلصهم للكرامة ، ~~وأفردهم به ، فجعل أجسادهم دنياوية ، وأرواحهم نورانية ، وأذهانهم روحانية ~~، وأوطان أرواحهم غيبية ، وجعلهم فسوحا في غوامض غيوب الملكوت للذين أوجدهم ~~لديه في كون الأزل ، ثم دعاهم فأجابوا سراعا ، أجاب تركيبهم حين أوجدهم بعد ~~الدعوة منه ، وعرفهم نفسه حين لم يكونوا في صورة الأنسية ، ثم أخرجهم ~~بمشيئته خلقا ، فأودعهم صلب آدم ، فقال : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم ~~من ظهورهم ذريتهم ): فأخبر أنه خاطبهم ، وهم غير موجودين إلا بإيجاده لهم ~~، إذ كانوا واجدين للحق في عين وجودهم لأنفسهم ، وكان الحق بالحق في ذلك ~~موجودا. # قال الأستاذ : أخبر بهذه الآية عن سابق عهده ، وصادق عقده ، وتأكيده وده ~~بتعريف عبده ، وفي معناه أنشدوا : # سقيا لليلى والليالي التي %~% كنا بليلى نلتقى فيها أفديك في أيام دهري كلها %~% يفدين أياما عرفتك فيها # ويقال : جمعهم في الخطاب ، لكنه فرقهم في الحال ، فطائفة خاطبهم بوصف ~~القربة ، فعرفهم نفس ما خاطبهم ، وفرقة ms0493 أبقاهم في أوطان الغيبة ، فأقصاهم ~~عن نعت العرفان ، وحجبهم. # ويقال : أقوام لاطفهم في عين ما كاشفهم ، فأقروا بنعت التوحيد ، وآخرون ~~أبعدهم في نفس ما أشهدهم ، فأقروا عن ناس الجمود. # ويقال : تجلى لقلوب قوم ، فتولى تعريفهم ، فقالوا : بلى عن حاصل اليقين ، ~~وتعزز على الآخرين ، فأثبتهم في أوطان الحجة ، فقالوا : بلى عن ظن وتخمين. # ويقال : جمع المؤمنين في السماع ، ولكن غاير بينهم في الرتب ، فجذب قلوب ~~قوم إلى الإقرار بما أطمعها فيه من المبار ، وأنطق آخرين بصدق الإقرار بما ~~أشهدهم من العيان ، كاشفهم به من الأسرار. # ويقال : فرقة ردهم إلى الهيبة فهاموا ، وفرقة لاطفهم بالقربة فاستقاموا. # ويقال : كاشف قوما في حال الخطاب بجماله ، فطوحهم في هيجان حبه ، فأسكنت ~~محابهم في كوامن أسرارهم ، فإذا سمعوا اليوم سماعا ، تجددت لهم تلك الأحوال ~~، والانزعاج الذي يظهر فيهم ، لتذكر ما سلف لهم من العهد المتقدم. # ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه ~~الشيطان فكان من الغاوين (175) ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض ~~واتبع هواه فمثله PageV01P495 # كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم ~~الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون (176) ساء مثلا القوم الذين ~~كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون (177) من يهد الله فهو المهتدي ومن ~~يضلل فأولئك هم الخاسرون (178) ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم ~~قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون (179) ولله الأسماء الحسنى فادعوه ~~بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون (180) وممن خلقنا ~~أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (181)) # قوله تعالى : ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ) (1). # خوف الله أهل ولايته من ضربة مقرعة قهر الأزل بنعت الغيرة على أعناق من ~~رأى قيمة نفسه في جلال عظمة القدم من حيث صنيعه ببلعام ؛ ليمتنع المسرورون ~~بما وجدوا من سني الكرامات ، ورفيع الآيات من النظر إلى مقاماتهم ~~ومعاملاتهم ، فإنه تعالى شغل عنه من نظر إلى غيره بغيره ms0494 ونفسه ، فإن مكره قديم. # ( فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ): ذكر أنه تعالى أتاه ~~آياته ، ولو أعطاه قرب مشاهداته ما سلخ منه ؛ لأن من رآه أحبه ، ومن أحبه ~~اشتاق إليه ، ومن اشتاق إليه عشقه ، ومن عشقه استأنس به ، واستوحش مما سواه. # فمن ذلك تبين أنه كان مستدرجا بوجدان آياته ، وتصديق ذلك ما أخبر سبحانه ~~من ارتداده عن دينه ، واشتغاله بهواه ، وعداوة كليمه ، بقوله : ( ~~فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ). # ولو ذاق طعم حبه لم يلتفت إلى غيره مكر به في الأزل ، فكان مكره مستندا ~~ما إلى الأبد ، فالكرامات الظاهرة له عارضة الامتحان بين الأزل والأبد ، ~~وعند الأصل القديم لا يعتبر بالعارض الطارئ. # قال ابن عطاء : سوابق الأزل تؤثر على انتهاء الأبد ، قال الله : ( ~~ آتيناه آياتنا ). PageV01P496 # قال الأستاذ : يظهر الأعداء في صد الخلة ، ثم بردهم إلى سوابق القسمة ، ~~ويبرز الأولياء بنعت الخلاف والزلة ، ثم يغلب عليهم مقسومات الوصلة. # ويقال : أقامه في حجال القربة ، ثم أبرز له من مكامن المكر ما أعد له من ~~سابق التقدير ، فأصبح والكل دون رتبته ، وأمسى والكلب فوقه مع خساسته ، وفي ~~معناه أنشدوا : # فبتنا بخير والدنا مطمئنة %~% وأصبحت يوما والزمان تقلبا # ثم إن الله سبحانه علق ضلالته بالقسمة السابقة ، والمشيئة الأزلية التي ~~لا تتأثر بتأثير الاكتساب بقوله : ( ولو شئنا لرفعناه بها ). # أي : ولو شئنا في الأزل اصطفائيته لولايتنا لم يؤثر فيها مخالفة الظاهر ؛ ~~لأن قسمة الأزل تقصم تواترات الطبيعة ، وتتصل بالعناية الأبدية ، والرعاية ~~السرمدية ، وليس تقاعده عن طاعة مولاه علة المشيئة ، بل المشيئة علة ~~عصيانه. # قال ابن عطاء : ولو جرى له في حكم الأزل السعادة ، لأثر ذلك عليه في ~~عواقب سعيه وكدحه في أواخر أحواله. # وقال الأستاذ : لو ساعدته المشيئة بالسعادة الأزلية لم تلحقه الشقاوة ~~الأبدية ، ولكن من قصمته السوابق لم تسعفه اللواحق ، وصدق سبحانه بآية أخرى ~~ما ذكرنا في الآية ، بقوله : # ( من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ) أي : ~~من اجتباه الله بقربه ومعرفته في الأزل ، فجميع أمره على نظام تلك ~~الاجتبائية. # قال ms0495 بعضهم : ليس الناجي من سعى ، وأحسن السعي ، إنما الناجي من سبقت له ~~الهداية من الهادي. # قال الله : ( من يهد الله فهو المهتدي )، ثم وصف الخاسرين بأنهم ~~محجوبون عن ساحة كبريائه ، ورؤية جلاله ، بقوله : ( لهم قلوب لا ~~يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ) أي : قلوبهم ~~محجوبة عن مشاهدة الغيوب ، ولو أدركت تلك المشاهد لذاقت طعم الوصال ، وفهمت ~~حقائق معالي النوال ، وعيونهم في غواشي الشهوات ، ولو خرجت منها لأبصرت ~~أنوار الصفات ، وما التفتت منها إلى جميع المرادات ، وآذانهم في أثقال ~~الغفلات ، ولو خرجت من تحتها لسمعت أصوات الوصلة ، وألحان هواتف بلابل ~~القربة ، وطابت بسماعها وصاعت من جميع الملاهي. # قيل : لهم قلوب لا يفقهون بها شواهد الحق ، ولهم أعين لا يبصرون بها ~~دلائل الحق ، ولهم آذان لا يسمعون بها دعوة الحق ، ثم وصفهم بأنهم أغفل من ~~البهائم في الضلالة ؛ لأن للبهائم استعداد قبول التأديب فيقبلون التأديب ، ~~ولهم أيضا استعداد قبول التأديب ، ولا PageV01P497 # يقبلون التأديب. # قيل : الأنعام والبهائم لا يحسون بالاستتار والتجلي ، والأرواح نعيمها في ~~التجلي ، وعذابها في الاستتار ، قال الله تعالى : ( إن هم إلا ~~كالأنعام ) (1). # قال ابن عطاء : لهم قلوب لا يفقهون بها معاني الخطاب ، ولهم آذان لا ~~يسمعون بها حلاوة الخطاب ، ولهم أعين لا يبصرون بها شواهد الحق. # وقال الأستاذ : لا يفقهون معاني الخطاب كما يفهمه المحدثون ، وليس لهم ~~تمييز بين خواطر القلب ، وهواجس النفس ، ووساوس الشيطان ، ولهم أعين لا ~~يبصرون بها شواهد التوحيد وعلامات اليقين ، ولا ينظرون إلا من حيث العقل ، ~~ولا يسمعون إلا دواعي الفتنة ، ولا ينخرطون إلا من سلك ركوب الشهوة ، ثم ~~وصف نفسه تعالى بأن له الأسماء الذاتية والأسماء الصفاتية ، والأسماء ~~الفعلية ، والأسماء الخاصة المنبئة لقلوب العارفين عن عجائب صفاته الأزلية ~~، والتي مصدرها ذاته القديم تعالى بقوله تعالى : ( ولله الأسماء ~~الحسنى فادعوه بها ): خبر الخلق في طلب تلك الأسماء العظام ، ولا ينالونها ~~إلا بكشوفها ، ولا تنكشف لهم تلك الأسماء إلا بكشوف صفات الخاصة ، التي تلك ~~الأسماء مفاتيح خزانتها ، ولا تنكشف تلك الصفات ms0496 ألا بكشف الذات ، فمن خص ~~بهذه المكاشفات يهتدي إلى اسمه الأعظم ، ويهتدي بنوره إلى معاني الصفات ~~وأنوار الذات ، إذا دعا به أجيب ، ويكون قوله في مراده : ( كن ~~فيكون )، فكل اسم مخبر عن صفة ، والصفة مخبرة عن الذات. # ولكل اسم للعارفين فيه مقام ، وهم في الأسماء على مراتبها في معرفة ~~الصفات ، ومشاهدة الذات في بعضهم ، كل اسم من أسمائه يبلغك مرتبة من ~~المراتب ، واسمه الله يبلغك إلى الوله في حبه ، والرحمن الرحيم يبلغانك إلى ~~رحمته ، كذلك جميع أسمائه إذا دعوته عن خلوص ضمير ، وصفاء عقيدة. # قال بعضهم : إن وراء الأسماء والصفات صفات لا تخرقها الأفهام ؛ لأن الحق نار PageV01P498 # يتضرم لا سبيل إليه ، ولا بد من الاقتحام فيه. # وقال بعضهم : أبدى أسماءه للدعاء لا يطلب الموقوف عليها ، وأنى يقف على ~~صفاته أحد. # وقيل : فادعوه بها أي : قفوا معها عن إدراك حقيقتها ، حكي الإسناد عن ~~بعضهم أن الله سبحانه وقف الخلق بأسمائه ، فهم يذكرونها. # قال : وتعزز بذاته ، فالعقول وإن صفت لا تهجم على حقائق الإشراف ؛ إذ ~~الإدراك لا يجوز على الحق ، فالعقول عند بوادىء الحقائق منقبة بنقاب الحيرة ~~عن التعرض للإحاطة ، والمعارف تائهة عند قصد الإشراف على حقيقة الذات ، ~~والإبصار حيرة عند طلب الإدراك في أحوال الرؤية ، والحق سبحانه عزيز ~~باستحقاق نعوت التعالي منفردا ، ومثل هذا ذكره الأستاذ. # ( والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (182) وأملي ~~لهم إن كيدي متين (183) أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير ~~مبين (184) أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن ~~عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون (185) من يضلل الله فلا ~~هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون (186) يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل ~~إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا ~~تأتيكم إلا بغتة يسئلونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون (187)) # قوله تعالى : ( والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ~~) أي : من ms0497 كاشفنا له أحكام القدرة الغيبية المخبرة عن حوادث المقدرة ، التي ~~تنكشف بعد الواقعة ظاهرة في مرآة قلبه ، فكذبها بمعارضة النفس ، وشك ~~الطبيعة مشتركة في ذلك ، ولا نكشف له بعد ذلك أسرار الملك والملكوت. # وهو بما استبدأ من صنيعه في العبادات الظاهرة يفرح ، ولا يعرف احتجابه عن ~~رؤية الغيب ، وأيضا من الكذب آيات أوليائي ، وهو يترسم سلوك طريقهم ، وهو ~~معجب بذلك لا يبلغه إلى درجة القوم ، وتركه في عزته وغروره ومحاله. # وأيضا من أنعم عليه بتيسير الطاعات ، ويقف معها ولا يطلب ما وراءها من ~~القربات نحجبه بها عنا ، وهو لا يعلم ، ومثل ما ذكرنا صورة من لم يسبق في ~~مقاديره السابقة العناية له بالاصطفائية في البلوغ إلى درجة الولاية. PageV01P499 # ومن خص بتلك العناية ، كيف يلحقه الاستدراج ، وهو محفوظ بعين رعاية الأزل؟ # قال سهل : يمدهم بالنعم ، وينسيهم الشكر عليها ، فإذا تمكنوا إلى النعمة ~~، وحجبوا عن المنعم أخذوا. # قال : الاستدراج أن يلقي في أوهامهم أنهم من أهل الوصلة والحقيقة ، ~~السابق لهم من القسمة حقائق الفرقة. # قوله تعالى : ( أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق ~~الله من شيء ): من لم يكن من نظار الحقائق ، والمكاشفين أسرار الجبروت في ~~الملكوت من أهل الدقائق ، كيف ينظر إلى مرآة الصفات ، التي تبرز فيها أنوار ~~الذات ، ندبهم الحق إلى طلب مشاهدته وقربه ، وإلى النظر من القلوب إلى ~~الغيوب ؛ ليدركوا بصفاء العقول ، وأبصار الأرواح ، وعيون الفؤاد ، ما لم ~~يدركوا بجميع العبادات ؛ لأن النظر يورث الفكرة ، والفكرة تورث الذكر ، ~~والذكر يورث المعرفة ، والمعرفة تورث الحكمة ، والحكمة تورث المحبة ، ~~والمحبة تورث الشوق ، والشوق تورث العشق ، والعشق يورث الأنس ، والأنس يورث ~~الانفراد ، والانفراد يورث التوحيد ، والتوحيد يورث الفناء ، والفناء يورث ~~البقاء ، والبقاء يورث رؤية الأزل ، ورؤية الأزل تورث رؤية الأبد ، والعبد ~~هناك يطير بهذه الأجنحة من الآزال إلى الآباد ، ومن الآباد إلى الآزال. # ولو كان القوم أهل مناهج كبرى من المشاهدات أحالهم الحق بالنظر إليه ، لا ~~إلى الملك والملكوت ، فإن النظر منه إلى غيره شرك في التوحيد ، وهؤلاء ~~ضعفاء مسالك المعرفة. ms0498 # قال بعضهم : النظر في الملكوت يورث الاعتبار ، والنظر إلى المالك يسقط ~~منك الاشتغال بسواه. # وقال بعضهم : النظر إلى الملكوت على مراتب ثلاث : # «أولها» : النظر بعين العبرة لا بعين الشهوة ، و «الثانية» : النظر بعين ~~اليقين إلى قدر القادر ، و «الثالثة» : النظر بعين المعرفة من الملك إلى ~~المالك. # فأما الناظر بعين العبرة ، فإنه يجد حقيقة التوحيد ، والناظر بعين اليقين ~~يجد حقيقة الإخلاص ، والناظر بعين المعرفة يجد حقيقة المعرفة. # قال الأستاذ : أطلع الله سبحانه أقمار الآيات ، وأماط بضيائها سحاب ~~الشبهات ، فمن استضاء بها ترقى إلى شهود القدرة. # ويقال : ألاح الله لقلوب الناظرين بعيون الفكر حقائق التحصيل ، فمن لم ~~يعرج في أوطان التقصير أنزلته مراكب السير بمباحات التحقيق. PageV01P500 # ( قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم ~~الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ~~(188) هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها ~~حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا ~~لنكونن من الشاكرين (189) فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما ~~فتعالى الله عما يشركون (190) أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (191) ~~ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون (192) وإن تدعوهم إلى الهدى لا ~~يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون (193) إن الذين تدعون من دون ~~الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين (194) ألهم أرجل ~~يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان ~~يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون (195)) # قوله تعالى : ( قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ~~): لما أفرد ساحة الكبرياء من تكلف الاكتساب ، وألحق المشيئة والقدرة ~~بالأفعال إلى الأزل. # أي : لا أملك لنفسي قرب الله ولا بعده ، إنما القرب والبعد منه ، ولو ~~علمت سر المقادير الغيبية ، لكنت قادرا بوصف # الربوبية على نفع نفسي ودفع الضر ، وذلك قوله تعالى : ( ولو كنت ~~أعلم الغيب لاستكثرت من ms0499 الخير وما مسني السوء ). # قال أبو عثمان : عجز الخلق عن إيصال النفع إلى نفسه ، أو دفعه عنها عاجلا ~~، فكيف يثق بإيمانه ، وكيف يعتمد بطاعته؟ # وقال تعالى : ( قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ). # وقال بعضهم : لو كنت أملك الغيب ، أو أقدر عليه ، لما مسنى السوء ، ولكن ~~طويت الغيوب عنا ، وألزمت الملامة علينا. # قوله تعالى : ( وجعل منها زوجها ليسكن إليها ) لم يجد آدم في ~~الجنة إلا سنا تجلي الحق ، فكاد يضمحل بنور التجلي لتراكمه عليه ، فعلم ~~الله سبحانه أنه لا يحتمل أثقال التجلي ، وعرف أنه يذوب في حسنه ، وكل ما ~~في الجنة مستغرق في ذلك النور ، فيزيد عليه ضوء الجبروت والملكوت ، فخلق ~~منه حواء ليسكن إليها ، ويستوحش بها سويعات عن سطوات PageV01P501 # التجلي ، لذلك قال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها : «كلميني يا ~~حميراء» (1). # وفي أدنى العبارة هي كانت امتحانه ، لشغل بها عن الحق ، ليقع في فج ~~البلاء بها. # قال بعضهم : خلقها ليسكن آدم إليها ، فلما سكن إليها ، غفل عن مخاطبات ~~الحقيقة بسكونه إليها ، فوقع فيما وقع من تناول الشجرة. # قال الواسطى : أكبر محنة آدم عليه السلام خلق حواء من بدنه ، قطعه بها عن ~~نفسه ، بقوله : ( ليسكن إليها )، والسكون إلى غير الله محنة. # ( إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين (196) ~~والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون (197) وإن ~~تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون (198)) # قوله تعالى : ( إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ~~): أثبت محبة الأزلية ، ورعاية الأبدية لحبيبه عليه السلام في هذه الآية ~~تولاه بعين الأزل ، ورعاه بكفاية الأبدية ، ونزل عليه من بحار خطابه قطرات ~~وابل جواهر كلامه الأبدى الأزلى ، وبين أنه تعالى كما ألحق إلى نفسه تولية ~~حبيبه ، فأيضا ألحق إلى نفسه تولية الصديقين ، ومحافظته للعارفين ، يتولى ~~الأنبياء بنقاب أنوار الذات ، ويتولى الأولياء بسجوف أنوار الصفات ، ويتولى ~~العالمين بقوام أنوار الأفعال. # فالعموم في نور الآيات معصومون عن الزلات ، والخصوص في نور الصفات ms0500 ~~معصومون عن الخطرات ، وخصوص الخصوص في أنوار الذات معصومون عن المكر ~~والقهريات. # قال بعضهم : لاحظ الأولياء بعين اللطف ، ولاحظ العباد بعين البر ، ولاحظ ~~الأنبياء بعين التولي. # قيل في قوله : ( يتولى الصالحين ): عن دعوته البشرية توليا ، ~~وأصلح الخواص بصحة المقصود ، والإفراد بالإخلاص للمعبود ، وأصلح العوام ~~بصحة الأوقات. # وسئل جعفر عن الحكمة في قوله : ( وهو يتولى الصالحين )، ونحن ~~نعلم أنه يتولى العالمين. # فقال : التولية على وجهين : تولية إقامة أبدا ، وتولية عناية ورعاية ~~الإقامة الحق. # وقال الواسطي : يتولى الصالحين بالكفاية ، ويتولى الفاسقين بالغواية. PageV01P502 # وقال أيضا : أصلح الأئمة بإصلاح سرائرهم عن دعوة البشرية توليا ، وأصلح ~~الخاصة بصحة المقصود ، وأصلح العامة بالإثبات. # وقال الأستاذ : من قام بحق الله تولى الله أموره على وجه الكفاية ، فلا ~~يحوجه إلى أمثاله ، ولا يدع شيئا من أحواله إلا أجراه على ما يريد بحسن ~~أفضاله ، فإن لم يفضل ما يريده ، جعل العبد راضيا بما يفعله ، وروح الرضاء ~~على الأسرار ، أتم من راحة العطاء على القلوب. # قوله تعالى : ( وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون ~~إليك وهم لا يبصرون ): نفى الله سبحانه سمع الخاص ، ونظر الخاص عن أهل ~~الغفلة ، إذ أسماعهم وعيونهم محجوبة بعوارض الضلالة وغواشي الغفلة ، لا ~~يسمعون بآذان قلوبهم نداء الغيب ، ولا يبصرون بأبصار قلوبهم مشاهدة الحق في ~~الشواهد ، وذلك من رد الله إياهم عن شهودهم بنعت إلقاء سماعهم في محاضر ~~المراقبات ، وترائيهم بعيون قلوبهم أهلة الجلال في سماوات اليقين ، ولو شاء ~~لأسمعهم وأراهم جلاله ، ولكن منعهم قهر الأزلية وخذلان الأبدية. # كان عليه السلام مصبوغا بصبغ الألوهية في مجامع شريعة بحار القدس ، مزينا ~~بزينة نور المشاهدة ، مخبرا بسنا لباس القدرة ، موشحا بوشاح الرسالة ، ~~متوجا بتيجان الملكوت ، راكبا على مركب النبوة في ميادين الجبروت ، وكان ~~مرآة مشاهدة الله بين عباد الله ، يتجلى الحق منه للعالمين ، ولكن ما أبصره ~~إلا من له منه بصر بصيرة ، لذلك قال عليه السلام في بعض إشارته في الحقيقة ~~والاتصال قال : «من رآني فقد رأى الحق» (1). # فلما رأى الناظر إليه بنظر الحقيقة إلى أين بلغ ms0501 من رتبة القربة ، قال : ~~«طوبى لمن رآني وطوبى لمن رأى من رآني» (2). # لأن من تزود من جماله نورا وبهاء ، يفيض ذلك النور في جميع وجوده ، ~~ويتلألأ منه لعيون الناظرين : # أدر كأس السرور على أناس %~% لقاؤك عندهم كل الأماني إذا اكتحلوا بوجهك لم يزالوا %~% من الخيرات في نعم حسان # قيل في قوله تعالى : ( وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا ): كيف ~~يسمع الدعاء من أصمه الداعي عن الدعوة إليه؟ ولا يسمع نداء الحق إلا من ~~أسمعه الحق ، وبإسماعه يسمع لا بسمعه ، ولا باستماعه. PageV01P503 # وقيل في قوله : ( وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ) [الأعراف : ~~198] : بأنفسهم ينظرون إليك ، ولا يبصرون خصائص ما أودعناه فيك ، وبركات ما ~~أجريناه في الخليقة بك. # وكذا من نظر بنفسه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، حجب عن إدراك معانيه حتى ~~ينظر ببركة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرسول ، بل هو أيضا قاصر البصر حتى ~~ينظر بالحق إليه ، ومن الحق إذ ذلك يتبين له شرف ما خص به. # وقال سهل : هي القلوب التي لم تزينها أنوار القرب ، فهي عمياء عن درك ~~الحقائق ، ورؤية الأكابر. # وقال أيضا : ينظرون إليك بأعين لم تكحل بنور التوفيق ، فلا يعرفون حقك ، ~~وينظرون إليك بالقلوب التي لم يثبتها بنور هدايته شيئا. # ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (199) وإما ينزغنك من ~~الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم (200) إن الذين اتقوا إذا مسهم ~~طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (201) وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم ~~لا يقصرون (202) وإذا لم تأتهم بآية قالوا لو لا اجتبيتها قل إنما أتبع ما ~~يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (203)) # ويقال : رؤية الأكابر ليست بشهود أشخاصهم ، لكن بما يحصل للقلوب من ~~مكاشفات الغيب ، وذلك على مقادير الاحترام ، وحصول الإيمان ، ولما عظم شأنه ~~صلى الله عليه وسلم ، وعز عن إدراك ناظريه ، وعن أن يطلع على ما في جلاله ~~وجماله من أنوار الصفات ، وبرجاء سنا الذات ، وعلم الحق سبحانه عجز الخلق ~~عن أداء حقه واحترامه بحد ms0502 حقيقة أمره عليه السلام بالعفو والكرم عند قصورهم ~~عن رؤية ما كان من سطوع أنوار الرسالة والنبوة من وجهه ، بقوله ( ~~خذ العفو ) أي : فاعف عنهم من قلة عرفانهم حقك. # ( وأمر بالعرف ) أي : بلطف عليهم في أمرك ونهيك بهم ؛ فإنهم ~~ضعفاء عن حمل وارد أحكام شرائعك وحقائقك. # ( وأعرض عن الجاهلين ) الذين ليس لهم استعداد النظر إليك ، ولا ~~يعرفون حقوقك ، فإن منكر كرامات أوليائي ، ومعجزات أنبيائي لا يبلغ إلى ~~درجة القوم. # قال بعض المشايخ حين ذكر أهل الظاهر قال : دع ذكر هؤلاء الثقلاء ، ثم إنه ~~سبحانه ألبس حبيبه عليه السلام أخلاق القدم بالتجلي ، والكشف والمباشرة ~~بالفعل ، ثم أراد أن يلبسه خلقه بالأمر القديم ، والكلام الكريم ؛ ليكون ~~متصفا بجميع معانيه بجميع صفاته ، متخلقا بجميع PageV01P504 # أخلاقه حتى عظم الأمر عنده في ذلك ، وأفاض لطفه على الجمهور ، فأمر أمته ~~بما أمر الله بقوله : «تخلقوا بأخلاق الله» (1). # قال بعضهم : أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق ظاهرا وباطنا ، ~~وهو الصفح عن زلات الخلائق ، والأمر بمكارم الأخلاق. # ( وأعرض عن الجاهلين ) أي : أعرض عن المعرضين عنا ، فهم الجهال. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل صلوات الله عليه عن تفسير هذه ~~الآية ، فقال : # «تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك ، وتحسن إلى من أساء ~~إليك» (2). # قال ابن عطاء : خذ ما صفا ، ودع ما كدر. # وقوله تعالى : ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ). # الشيطان كلب قهر القدم ، فإذا نبح وراء ساحة القلب في جانب النفس ، ففر ~~من قهرنا إلى لطفنا ، ومننا إليك ؛ لذلك قال : «أعوذ بك منك» (3). # فإذا كانت ساحة القلب مستضاءة بنور التجلي يفر الشيطان من نواحيه ؛ لأنه ~~لو يدنوا منه بقدر رأس إبرة تحترق. # قال الجريري : من أعقل السلاح ، أسره الشيطان في أول لحظة. # وقال الأستاذ : إن سنح في باطنك من الوسواس أثر ، فاستعذ بالله يدركك ~~بحسن التوفيق ، وإن هجس في صدرك من الحظوظ ، فاستعذ بالله يدركك بإدامة ~~التأييد ، وإن اعتراك في الترقي أن محل الوصول وقفه ، فاستعذ بالله يدركك ~~بإدامة ms0503 التحقيق ، وإن تقاصر عنك في خصائص القرب صيانة لك عن شهود المحل ، ~~فاستعذ بالله تثبتك له به لا لك بك. # ثم وصف سبحانه أهل التقوى من أهل الولاية أنهم ممتحنون بهواجس النفوس ، ~~ووساوس الشياطين ، واستغاثتهم بالله ، وذكره عن شرهم ، بقوله : ( ~~إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا ). # حسدة الشياطين يراقبون من البعد أولياء الله ؛ ليرموهم بنيران الوسواس من ~~قوارير الحسد حين تقاصروا عن مشاهدة الذكر والمذكور ، وغفلوا لحظة عن ~~مراقبتهم ، ولو استقاموا على شريطة حضور مشاهدة الملكوت ، لم يقدروا أن ~~يمسهم من ألف فرسخ. PageV01P505 # ( إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب (10)) [الصافات : 10]. # قال تعالى : ( فأتبعه شهاب ثاقب ): فإذا وصل إليهم نار الوسواس ~~، وأوجسوا في أنفسهم غبار سنابك ، خيول الشيطان التجأوا بتراكب الذكر إلى ~~جناب الأزل ، فإذاهم يرون ما أفسد الشيطان من محافل الأنس ، ومجالس القدس ~~في قلوبهم ، ويرون طيف الشيطان أيضا بنور العرفان ، فيرمونهم بسهام الذكر ، ~~ونيران المحبة من قارورة الشوق فتحرقهم. # قال تعالى : ( فإذا هم مبصرون ). # رأى الجنيد في المنام إبليس ، فقال : هل تقدر أن تمر على مجالس أهل ~~الذكر؟ فقال : كما أن أحدا منا يمر على أحد منكم ، ويمسه ، ويصير مجنونا ~~ومصروعا ، فمنا من يمر على مجلس الذكر يصير مصروعا ، ونسميه بيننا مأنوسا ، ~~كما تقولون مصروعا منكم مجنون. # قال بعضهم : من حال سره في ميادين الأنس والقربة ، وحجر نفسه عن طوارق ~~الفتنة وطوائف الشيطان ، هم الذين قال الله : ( إذا مسهم طائف من ~~الشيطان تذكروا ). # ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (204) ~~واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن ~~من الغافلين (205) إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله ~~يسجدون (206)) # قوله تعالى : ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ~~ترحمون ). # ندب الحق سبحانه الجميع أن يسمعوا القرآن بقلوب حاضرة ، ونيات صادقة ، ~~وأسرار ظاهرة عند سكونهم عن الفضولات لوقار القرآن ، فإذا رآهم الحق في ~~منازل مقال الخطاب وحرمات الأمر ، يتفضل عليهم بكشف أسراره لقلوبهم ، ويذوق ~~طعم خطابه أسرارهم ms0504 ، ويعرفهم نكات إشاراته اللطيفة ، وأنبائه العجيبة ، ~~والحكمة الغريبة ، فمن يرى مواقع أسراره بأنواره ، ويسمع بالله كلام الله ~~صار القرآن بصائره ، يرى به جميع الصفات ومشاهدة الذات قال تعالى : ( ~~ هذا بصائر من ربكم ) (1). فلعل ههنا توجيها للمستمعين ، كلامه ~~بالأدب والسكون أي : إذا كنتم كذلك ؛ لعلكم تكاشفون بأسراره وأنواره ~~ومواجيده. # قيل فيه : استمعوا له بآذانكم ؛ لعلكم تسمعون بقلوبكم ، وتفهمون مراد ~~مخاطبة الحق PageV01P506 # إياكم ، وتتأدبون بلطائف مواعظه ، فيوصلكم حسن أدب الاستماع ، وبركة ~~الخطاب إلى رحمته ، وهو أن يرزقكم آداب خدمته ، كما رزقكم سنن شريعته ، ~~وأجل رحمة ، رحم الله بها عباده آداب العبودية التي خص بها الأكابر من ~~الأصفياء ، والسادات من الأولياء. # قال الأستاذ : الإنصات في الظاهر من آداب أهل الباب ، والإنصات بالسرائر ~~من آداب أهل البساط ، ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يذكره بجلاله وعظمته ~~في نفسه ، بقوله : ( واذكر ربك في نفسك ) حتى تفنى نفسك في نفسي ، ~~ولا يبقي فيك إلا نفسي ، لإذعانك بنعت العبودية في ساحة كبريائي ، وبنعت ~~رؤية جلالي ، حيث لا ترى غيري ، هذا معنى قوله : ( تضرعا وخيفة ). # وأيضا واذكر ربك بأوصافه في نفسك ، كأنها تحمل أثقال أسرار قدمي ، لا ~~غيرها من النفوس. # وأيضا أوصل الذكر بالنفس ؛ لأن القلب موضع المذكور. # وقال الحسين في هذه الآية : لا تظهر ذكرك لنفسك ، فتطلب به عوضا ، وأشرف ~~الذكر ما لا يشرف عليه إلا الحق ، وما خفي من الأذكار أشرف مما ظهر. # قوله تعالى : ( ولا تكن من الغافلين ) أي : لا تكن مشغولا بنا ~~عنا ، ولا عمن بقي في رؤية العطاء عن المعطي. # أمر تعالى نبيه عليه السلام بحفظ الأنفاس عن خطرات الوسواس ، وجمع الهمة ~~عن طارق الغفلة ، أي : اذكرني بي ، لا بك ، فإن من ذكرني بنفسه غفل عني ، ~~ومن ذكرني بي آخذه من الذكر والفكر ، وأكشف جمالي له حتى يصل بي إلي. # قال سهل : ما من أحد ذهب منه نفس واحد بغير ذكر ، إلا وهو غافل. # وقيل : «الغافل» : من غفل عن مراد الله فيه. # وقيل : «الغافل» : الذي غفل عن درك حقائق الأمور. # قال ms0505 الأستاذ في معنى التضرع والخيفة : «التضرع» : إذا كوشف بوصف الكمال ~~في أواني البسط. # و «الخيفة» : إذا كوشف بنعت الجلال في أحوال الهيبة ، وهذا للأكابر ، فأما ~~من دونهم فتتنوع أحوالهم من حيث الخوف والرجاء بالرغبة والرهبة ، ومن فوق ~~الجمع فأصحاب البقاء والفناء والصحو والمحو ، ووراءهم أرباب الحقائق مثبتون ~~في أوطان التمكين ، فلا تلون لهم ، ولا تخنس لقيامهم بالحق ، وامتحانهم عن ~~شواهدهم. # ثم وصف الله كرام العارفين من الكروبيين ، والمقربين أنهم في محل العندية مقدسون PageV01P507 # عن شوائب نعوت الزائغين ، وصفات المتكبرين ، بل هم موسومون بسيماء ~~العبودية في محاضر الربوبية ، بقوله : ( إن الذين عند ربك لا ~~يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون ): هم في نعوت العبودية عند بروز ~~سطوات العظمة والفناء ، بشرط التنزيه في ظهور قدس القدم يتملقون بنعت ~~البهتة في كشوف جماله الأزلي ، سبحان الذي حجبهم به عنهم ، ولولا ذلك ؛ ~~لاحترقوا به فيه. ### | سورة الأنفال # بسم الله الرحمن الرحيم # ( يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله ~~وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1) إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ~~ربهم يتوكلون (2) الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) أولئك هم ~~المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم (4) كما أخرجك ربك من ~~بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون (5) يجادلونك في الحق بعد ما ~~تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون (6) وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين ~~أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق ~~بكلماته ويقطع دابر الكافرين (7) ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (8)) # ( يسئلونك عن الأنفال ): لكل طائفة في طريق المجاهدة والقتال مع ~~النفس فتح وغنيمة ، فغنيمة المريدين صفاء المعاملات ، وغنيمة المحبين ذوق ~~الحالات ، وغنيمة العارفين كشف المشاهدات ، والسؤال عن ذلك اقتباس نور ~~الشريعة من مشكاة النبوة ، واستعلام الأدب في طريق المعرفة لله ، هذه ~~الكرامة لا بالاكتساب يؤتيه من يشاء. # ( والرسول ): الحكم فيه لجهة تربية الأمة ، وأن الله تعالى ~~مستغن عن ms0506 الخليقة ، ورسوله يظهر في أداء رسالته عن حظوظ نفسه. # ثم حذرهم بنفسه عن نفسه في طريقه ، ومواساة عباده ، بقوله : ( ~~فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ) أي : اتقوا الله في طلبه ، ولا تلتفتوا ~~إلى غيره ، وأسوأ قلوب إخوانكم يبدل مهجتكم إليهم في مؤاخاتكم ، ومصادقتكم ~~لله وفي الله. PageV01P508 # ( وأطيعوا الله ) في الحقيقة ، ( ورسوله ) في الشريعة. # ( إن كنتم مؤمنين ) أي : إن كنتم صادقين في دعوى المحبة. # قال سهل : «التقوى» : ترك كل شيء يقع عليه الذم. # وقال الأستاذ : «التقوى» : إيثار رضا الحق على مراد النفس ، ثم وصف ~~المؤمنين بالعلامات الصحيحة الدالة على صدقهم التي إذا رأيتها لا تشك في ~~إيمانهم ، وذلك تأثير وارد أنوار الغيب التي ترد على قلوبهم ، فتظهر ~~علاماتها في وجوههم ، بقوله : ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ). # وصف السامعين من أهل الإيمان والإيقان عند جريان ذكره ، وسماع خطابه ، ~~وتلاوة كتابه بالوجل ، الذي يكون عند سماع الذكر من رؤية جلال الله وعظمته ~~، تجلاها يزيد لإيمانهم نور الغيب ، ولإيقانهم سنا القرب ، ولحسن رضاهم في ~~طاعته روح الأنس ، حتى يصيروا خائفين من عظمته ، عارفين بربوبيته ، متوكلين ~~بكفايته (1). # قال شيخنا وسيدنا أبو عبد الله بن خفيف قدس الله روحه في ذكر الوجل في ~~هذه الآية قال : واعلم أن أحكام الوجل إنما تصح للوجلين عند تكشف أستار ~~ألوان ، وذهاب حجب الغفلات من القلوب ، فيشهد بقوة علمه ، وصفاء يقينه ~~سطوات الخوف ، فداخله لطيف الوجل برقة الإشفاق ، وذلك مما جلى عن القلوب ~~بعز جنابه وتعظيمه وترهيبه كل ساتر. # قال أبو سعيد الخراز : هل رأيت ذلك الوجل عند سماع الذكر ، أو عند سماع ~~كتابه وخطابه ، هل أخرسك سماع ذلك الذكر حتى لم تنطق إلا به؟ وهل أصمك حتى ~~لم تسمع إلا به منه ، هيهات. # وقال سهل في قوله تعالى : ( وجلت قلوبهم ): هاجت من خشية الفراق ~~، فخشعت الجوارح لله بالخدمة. PageV01P509 # وقال الواسطي : الوجل على مقدار المطالعة ، ربما يريه مواضع السطوة ، ~~وربما يريه مواضع المودة والمحبة ، وربما يريه التقريب والتبعيد. # وقال ms0507 الجنيد : وجلت قلوبهم من فوات الحق. # وقال بعضهم : الوجل على مقدار المطالعات ، فإن طالع السطوة هاب به ، وإن ~~طالع وده وجل عليه مخافة فوته ، ومن جملة ذلك من طالع التقريب بالتأديب وجل ~~، ومن طالع التهديد بالتبعيد وجل ، ومن طالعه مغيبا عن شاهده ، قائما ~~بسرمده ، خاليا من أزله وأبده ، فلا وجل حينئذ ولا اضطراب ، ولا تباعد ، ~~ولا اقتراب ، فإنه محقق بالذات ، ونسي الصفات ، وفني عن الذات بالذات ، كما ~~هرب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصفات إلى الذات ، فقال : «أعوذ بك منك» (1). # قال الجنيد في قوله تعالى : ( وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا ): إن لا وصول إلى الله إلا بالله. # قال الأستاذ : يخرجهم الوجل من أوطان الغفلة ، ويزعجهم عن مساكن الغيبة ، ~~وإذا انفصلوا عن أودية التفرقة ، وجاءوا إلى مشاهدة الذكر ، نالوا السكون ~~إلى الله ، فيزيدهم ما يتلى عليهم من آياته تصديقا على تصديق ، وتحقيقا على ~~تحقيق إذا طالعوا جلال قدره ، وأيقنوا قصورهم عن إدراكه ، توكلوا عليه في ~~إمدادهم برعايته في نهايتهم ، كما استخلصهم بعنايته في بدايتهم. # ويقال : سنة الحق سبحانه مع أهل العرفان ، أن يودهم بين كشف جلاله ولطف ~~جماله ، فإذا كاشفهم بجلاله ، وجلت قلوبهم ، وإذا لاطفهم بجماله ، سكنت ~~قلوبهم ، قال الله تعالى : ( وتطمئن قلوبهم بذكر الله ) [الرعد : 28]. # ويقال : وجلت قلوبهم لخوف فراقه ، ثم تطمئن وتسكن أرواحهم بروح وصاله ، ~~فذكر الفراق يفنيهم ، وذكر الوصال يصحبهم ويحييهم. # ثم إن الله سبحانه زاد في وصفهم بالعبودية ، وبذل المهجة في الطريق ، ~~بقوله تعالى : ( الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون )، ثم ~~وصفهم باستكمال إيمانهم ، بقوله تعالى : ( أولئك هم المؤمنون حقا ) ~~: فشرط حقيقة الإيمان بهذه الخصال التي ذكرها في الآيتين اللتين في صدر ~~السورة ، كان من لم يتحل بهذه الخصال المذكورة لم يتحقق في إيمانه ، وهي ~~التقوى والإصلاح بين المؤمنين ، وذلك محل صحبتهم ، وهو نوع من التمكين ~~والانقياد PageV01P510 # عند أمر الله ورسوله ، بالإخلاص ووجل القلب عند سماع الذكر والقرآن ومزيد ~~اليقين ، وترك التدبير في استقبال التقدير ، ومقام المناجاة من الصلاة ، ~~والانقطاع عن الاشتغال بالدنيا ، وإيثار ms0508 حقوق الإخوان على نفسه ، فإذا ~~استكمل هذه الجلال ، وتم اسم تحقيق الإيمان عليه ، لقوله تعالى : ( ~~أولئك هم المؤمنون حقا ). # ويستحق بعد هذا الثناء ما وعده الله المتحققين في إيمانه من المغفرة ~~التامة ، حيث لم يلتفت بفضله إلى خطراتهم ، ويشرفهم إلى علي الدرجات ، ~~ويسقيهم شراب الوصال عند كشوف المشاهدات ، بقوله تعالى : ( لهم ~~درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم ): بين أن حقيقة الإيمان مكاشفة الغيب ، ~~وظهور ما وعد الله لهم ، وتصديق ذلك سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الحارثة ~~فقال : «يا حارثة ، لكل حق حقيقة ، فما حقيقة إيمانك؟ قال : عزفت نفسي عن ~~الدنيا ، فأسهرت ليلي ، وأظمأت نهاري ، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا ، ~~وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يتزاورون ، وإلى أهل النار يتعاوذون ، ~~فقال صلى الله عليه وسلم : عرفت فالزم» (1). # فصح في الآية والحديث أن حقيقة الإيمان رؤية الغيب بالغيب ، وثمرتها ما ~~ذكره الله في الآية من المعاملات السنية ، والحالات الشريفة. # قيل : اجتمعت فيه أشياء حقق بها إيمانهم ؛ لتعظيم الذكر والوجل عند سماعه ~~، وإظهار الزيادة عليهم عند تلاوة الذكر وسماعه ، وحقيقة التوكل على الله ، ~~والقيام بشروط العبودية على حد الوفاء ، وأكملت أوصافهم في حقيقة الحقائق ، ~~فصاروا محققين بالإيمان. # قال الجنيد : حقا إنه سبقت لهم من الله السعادة. # قال أبو بكر بن طاهر : حقيقة الإيمان بخمسة أشياء : باليقين ، والإخلاص ، ~~والخوف ، والرجاء ، والمحبة ، فباليقين يخرج من الشك ، وبالإخلاص يخرج من ~~الرياء ، وبالخوف يخرج من المكر ، وبالرجاء يخرج من القنوط ، وبالمحبة يخرج ~~من الوحشة والحيرة. # وقال الأستاذ في قوله تعالى : ( لهم مغفرة ورزق كريم ): أن الحق ~~سبحانه يسر مثالب العاصين ، ولا يفضحهم ؛ لئلا يحجبوا عن مأمول أفضالهم ، ~~ويستر مناقب العارفين عليهم لئلا يعجبوا بأعمالهم وأحوالهم ، والرزق ~~للأسرار مما يكون استقلالها من المكاشفات ، ثم بين تعالى أن لأهل حقائق ~~الإيمان بعض طباع البشرية ، وحركات الأنفس الأمارة عند وقوع أمر الله ، ولا ~~ينقلب ذلك بمنقصتهم ، بل بفضله ورحمته اصطفاهم بهذه الكرامات قبل وجودهم في ~~الأزل بخاصية اجتبائه بغير علة اكتسابهم ، وبين أن الولي الصادق ms0509 وإن بلغ ~~درجة الولاية لم PageV01P511 # يخل من بعض خطرات النفس ، ولم يكن ذلك لنقصانه ، بل بيان اختصاصه ~~باختصاصه القديم في سابق حكمه لهم ، حتى لا يظن الظان أن الولي لم يبلغ ~~درجة الولاية إلا بأداء جميع حقوق العبودية ، فإن محل النبوة لا يخلو من ~~الخطرات ، فكيف بمحل الولاية ، وجملة ذلك قوله سبحانه لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم : ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من ~~المؤمنين لكارهون ). # ثم زاد في وصف طباعهم النفسانية ، بقوله تعالى : ( يجادلونك في ~~الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ). # سبحانه من خص هؤلاء بهذه الصفات بحقائق الإيمان ودرجاتها وأنوارها ~~ومكاشفاتها ، ولم ينل بتلك الصفات ؛ ليعلم الخلق أن فضله سابق عليهم ، ~~وعنايته لهم قديمة. # ومعنى الآية أن وضع قسمة الغنائم بقسمة الأزل ، كما أرادت نفوسهم ( ~~ كما أخرجك ربك ) من بيتك لقتال العدو ، وهم في ذلك كارهون ، أي : ~~كراهتهم في القتال لكراهتهم في قسمة الغنائم ، وتلك الكراهة من قبل النفس ، ~~وطبع البشرية لا من قبل الإنكار في قلوبهم لأمر الله ورسوله ؛ فإنهم موقنون ~~بقول الله ورسوله. # وكذا حال جميع السالكين لم تفر نفوسهم من أوطان قلوبهم في جميع الأنفاس ، ~~إلا عند كشوف مشاهدة الحق سبحانه ، فهناك لا يبقى على وجه أرض القلوب إلا ~~إشراق أنوار الغيوب. # قيل : أن النفس لا تألف الحق أبدا ، جدالهم مع النبي صلى الله عليه وسلم من ~~جهة ، لانبساطهم أطفال حجر الوصلة ، وجدالهم كجدال الخليل عليه السلام من ~~رأس الخلة والانبساط. # قال تعالى : ( يجادلنا في قوم لوط ) [هود : 74] ، والفرار ليلا ~~قبل وقوع المشاهدة ، فإذا وقع الحق ، ورفع الحجاب لم يبق من آثار النفوس ~~ذرة ، فالقوم كانوا في ذلك الوقت في مقام الغيبة ، فلما انكشف لهم مأمولهم ~~، بذلوا مهجتهم بطيب نفوسهم ، حيث اختاروا الشهادة في الأحد ، وإن من سنة ~~الله لأهل السلوك إخراجه إياهم من أوطانهم ؛ ليذوقوا مرارة الفرقة في ~~الغربة ، ولا يبقي عليهم مألوفات البشرية ؛ لذلك قال تعالى : ( كما ~~أخرجك ربك من بيتك ). فالحقيقة في ذلك خروج الرجال من ms0510 أوطان النفوس إلى ~~فضاء المشاهدة ، حتى لا يبقى معك غيره. # قال أبو يزيد قدس الله روحه : سألت الوصلة ، فقال لي : دع نفسك وتعال. # قال ابن عطاء : أخرجك من بلدتك ؛ ليحيي بك قلوبا عمياء عن الحق. PageV01P512 # ( وإن فريقا من المؤمنين لكارهون ): مفارقة أوطانهم ، ولا تتم ~~لعبد حقيقة الصحبة والنصيحة ، إلا بعد هجران أقاربه ومفارقة أوطانه ، ~~أخرجهم من تلك البلدة حتى ألفوا غيرها من البلاد ، ولم يبق عليهم مطالبة ~~لها ، فردهم إليها ؛ لئلا يملكنهم سوى الحق شيء. # وقال بعضهم في هذه الآية : أفناك عن أوصافك ، ومواضع سكونك واعتمادك ، ~~وما كان يميل إليه قلبك ؛ لئلا تلاحظ محلا ، ولا تسكن إلى مألوف ، فأخرجك ~~من المألوفات ؛ ليكون بالحق قيامك ، وعليه اعتمادك. # ( وإن فريقا من المؤمنين لكارهون ): ظاهر روحك ومفارقتك أوطانك ~~، ولا يعلمون أن خروجك منها الخروج عن جميع الرسوم المألوفة ، والطبائع ~~المعهودة ، وأنك بمفارقة هذا الوطن المعتاد ، يصير الحق وطنك. # ثم زاد سبحانه في وصف القوم في طلب ماهيتهم ، بقوله تعالى : ( ~~وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) (1): سنة الله التي قد جرت في الأزل ~~أن عند كل مشاهدة مجاهدة ، وأن عند كل نعمة بلا ظهور فضل الربوبية ، وإذعان ~~الخليقة لأمر القدم بنعت العبودية. # قال بعضهم : من ظن أنه يصل إلى الحق بالجهد فمتعن ، ومن ظن أنه يصل إليه ~~بغير الجهد فهن. # قوله تعالى : ( ليحق الحق ويبطل الباطل ): تعين بلطفه ، وإبراز ~~كرمه ، وظهور جلاله لأهله ، وبين الصادق في محبته ، والمدعي بكراماته. # وأيضا ( ليحق الحق ): الإيمان والصدق ببذل مهجتهم لله مما يجري ~~على أوصافهم من خطور النفسانية. # وأيضا : ( ليحق الحق ): حق المشاهدة المحبة في قلوبهم ، ويبطل ~~الهواجس في نفوسهم. # قال بعضهم : ( ليحق الحق ) بالإقبال عليه و ( يبطل ~~الباطل ) بالإعراض عنه. PageV01P513 # وقال الواسطي : ( ليحق الحق ) بتجليه ، و ( يبطل الباطل ~~) باستتاره. # وقال بعضهم : ( ليحق الحق ) بالكشف ، و ( يبطل الباطل ) ~~بالستر. # وقال بعضهم : ( ليحق الحق ) بالرضا ، و ( يبطل الباطل ) ~~بالسخط. # وقيل : ( ليحق الحق ) للأولياء و ( يبطل الباطل ) ~~للأعداء. # وقيل : ( ليحق الحق ) بالخدمة ، و ( يبطل الباطل ) ~~بالصرف. # وقيل : ( ليحق الحق ms0511 ) بالبراهين ، و ( يبطل الباطل ) ~~بالدعاوى. # ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة ~~مردفين (9) وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند ~~الله إن الله عزيز حكيم (10) إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من ~~السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به ~~الأقدام (11)) # قوله تعالى : ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ): الاستغاثة مقام ~~الشكوى والتواضع في الانبساط والفناء في رؤية البقاء ، فمن تعرض له حال ~~الاستغاثة ، فيفر منه إليه ويطلب هو منه يغيثه به لا منه ، فإن القوم طلبوا ~~منه بالاستغاثة المعونة على مأمولهم من النصر ، ونيل الغنيمة ، فأغاثهم ~~بإمداد الملائكة ، ثم صرفهم عن رؤية الغير. # بقوله : ( وما النصر إلا من عند الله ): إجابتهم بالسرعة من صدق ~~لجوئهم إليه ، وكمال الإجابة ، استغراقهم في بحار شهود سنا جماله ، وأنوار جلاله. # قال بعضهم : من صدق اللجوء والاستغاثة ، أجيب في الوقت. # قال الله تعالى : ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ). # قال النصر آبادي : استغاثة منه ، واستغاثة إليه ، الاستغاثة منه لا يجاب ~~صاحبها بجواب ، بل يكون أبدا معلقا بتلك الاستغاثة ، والاستغاثة إليه ، ~~فذلك الذي يجاب إليه الأنبياء والأولياء والأصفياء. # قال أيضا : النفس تستغيث بطلب حظها من البقاء ، ودوام العافية فيها ، ~~والقلب يستغيث من خوف التقليب ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «قلب ابن آدم ~~بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء» (1). # والروح تستغيث بطلب الرواح ، والسر يستغيث لإطلاعه على الخفيات ، قال ~~تعالى : PageV01P514 # ( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ) [غافر : 19]. # قال الأستاذ : الاستغاثة على حسب شهود الفاقة ، وعدم المنة والطاقة ، ~~والتحقق بانفراد الحق بالقدرة على إزالة الشكاية. # قوله تعالى : ( وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم ) ~~إمداد الملائكة بشارة لصدق مواعيده ، ولطمأنة قلوب عباده بأنوار بقائه ، ~~وصورة البرهان يكون لضعف الإيقان ، ولو كان الإيقان على حد الاستكمال ~~بالعرفان ، لم تتعلق الطمأنينة بالبرهان. # فلما عز في جلاله وكبريائه ، صرف عيون القوم عن الوسائط إلى عز جلاله ، ~~بقوله : ( وما النصر إلا من عند الله ms0512 ): «النصرة» : كشف أنوار ~~مشاهدته للأرواح السكرى بشراب شوقه ، يظفرها بوصله ؛ لانهزام جنود قهرياته ~~من ساحات لطفه. # قيل : بين الله آثار النصرة ، وبدو السلامة ، فمن لم يطلب النصرة ~~والسلامة بالذلة والافتقار إليه لا ينالها ؛ لأن طلب النصرة بالقوة والقدرة ~~منازعة للربوبية ، ومن نازع المولى قهره. # ثم تعزز بعزته في نصرة أوليائه عند تبريهم من حولهم وقوتهم ، بقوله : ( ~~ إن الله عزيز حكيم ): «عزيز» : بامتناعه عن مطالعة خلقه جلاله ~~وجماله بعلة من العلل ، «حكيم» : باختصاصه مقام مشاهدته ، وكشف قربه لهم. # قال الواسطي : «العزيز» : الذي لا يدركه طالبوه ، ولو أدركوه لذل. # وقال الأستاذ في قوله : ( عزيز ): فالطالب واجد ، لكن بعطائه ، ~~والراغب واصل ، ولكن إلى مباره ، والسبيل سهل ، ولكن إلى وجدان لطفه. # فأما الحق سبحانه ، فهو عزيز وراء كل وصل وفصل ، وقرب وبعد ، ما وصل إلى ~~نصيبه ، وما بقي أحد إلا عن حظ ، وأنشد : # وقلوبنا نحن الأهلة إنما %~% تضيء لمن يسري بليل ولا نقرى فلا بذل إلا ما تزود ناظري %~% ولا وصل إلا بالخيال الذي سرى # ثم وصف سبحانه زيادة امتنانه عليهم بعد نصرهم ونيلهم مرادهم ، بعد أن ~~أراح أبدانهم من وجع الآلام ، وقلوبهم عن كد القبض بإنزاله عليهم النعاس ، ~~بقوله تعالى : ( يغشيكم النعاس أمنة منه ). # «النعاس» : ارتفاع بخار الدم من حرقة القلب إلى الدماغ في أصل الحكمة ؛ ~~لاستراحة أعصاب الدماغ وقت استرخائها من حدة مشاغل تنفس أنفاس الدموية ~~المختلطة برطوبات PageV01P515 # صفاء البلغمية ، وليس ذلك يقوى. # فإذا هاج ذلك الدم من أصل الكبد والقلب ، ومشرعه المعدة ، وارتفع إلى ~~الدماغ يختلط هناك برطوبات الدماغ ، فيصير ثقيلا ، فيسقط ثقله إلى القلب ، ~~ويصير الدماغ والقلب ثقيلين ، ويجري ذلك الثقل في جميع العروق ، فتصير جميع ~~الأعضاء مسترخية من غشيان ذلك الدم ، ويغلب على العقل والحواس ، فيسمى ذلك ~~بعينه النوم وهذه الصفات صفات حيوانية إنسانية ، نفى الله تلك الصفة عن ~~جلال ذاته ، حيث وصف نفسه بالتنزيه والتقديس عن علة الحدثان ، بقوله تعالى ~~: ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) [البقرة : 255] ، ومن فضلة وكرمه على ~~أوليائه إذا أراد أن يروح أبدان الصديقين من ms0513 ثقل العبادات يغشي دماغهم ~~بغفوة النعاس ؛ ليستريحوا من عناء القبض ، ويسكنوا بروح البسط. # ثم النعاس موضع ظهور أوائل أشكال المكاشفات ، واشتمال هواتف الغيبية من ~~عالم الملكوت ، يرون بقلوبهم بين النعاس والنوم واليقظة ، أشياء بديهية ~~غيبية ، تورث السكينة والطمأنينة والأمن ، بقوله تعالى : ( أمنة ~~منه ) أي : أمنا منه من زيادة الامتحان ، وغلبة النفس والشيطان. # قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : «النعاس في القتال أمنة من الله ، ~~وفي الصلاة من الشيطان» ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم نومه نعاسا ، لذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم : «تنام عيناي ولا ينام قلبي» (1)؛ لأن القلب إذا نام ~~لم ير من عالم الملكوت شيئا ، وهكذا حال الأولياء قلوبهم في جميع الأوقات ~~يقظى ، ونومهم ليس بكثير ، وكل قلب يرى في نومه شيئا من الغيب لم يكن في ~~ذلك الوقت إلا نعاس. # قال سهل : «النعاس» : ينزل من الدماغ والقلب ، والنوم محل بالقلب من ~~الظاهر ، وهو حكم النوم ، وحكم النعاس حكم الروح ، وفائدة النعاس هاهنا ~~إعلام الله إياهم أن فيض كرمه ليس باكتسابهم ، أفناهم عن نفسه ، ثم أظهر ~~فضله عليهم بأن يهزم عدوهم بإلقائه عساكر الرعب في قلوبهم ، قال عليه السلام ~~: «نصرت بالرعب» (2). # وإذا برء العبد من حوله وقوته ، يجيء نصر الله له ، فيظفر بجميع مراده ، ~~ثم من الله عليهم بإنزاله رحمته من السماء عليه ، بقوله تعالى : ( ~~وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ) الماء الطاهر يطهر الأشباح ، وماء ~~المعرفة يطهر الأرواح ، ويعرفها مكان كل حقيقة من عين الفعل والصفة ، فإذا ~~عرفت الأفعال والصفات عرفت الذات ، فمثالها مثال الأصداف في PageV01P516 # البحار. # فالأرواح أصداف ، بحار الأفعال تتلقف قطرات عرفان الصفات من بحار الذات ، ~~كما تتلقف الأصداف في البحار من قطر الأمطار ، فتصير القطرة في أجوافها درا ~~، فكذلك قطرة المعرفة في جوف الأرواح ، تصير درة الحقيقة ، والحكمة الإلهية ~~الأزلية. # قال بعضهم : ماء اليقين إذا نزل على الأسرار ، أسقط عنها الاختلاج والشك. # قال الله تعالى : ( وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ) من ~~كل ما تدنستم به من أنواع المخالفات ، ثم ms0514 وصف ذلك الماء الحقيقي بأنه يربط ~~به قلوبهم في معرفة العبودية والربوبية ، وهو ماء اليقين الذي يقوي القلوب ~~في معرفة الله ، ويثبتها بوصف التمكين والاستقامة في سيرها في المقامات ، ~~بقوله : # ( وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ): نفس عن قلوبهم وحشة ~~الفرقة ، وأثبتها في رؤية الوصلة ، وتجلي القربة بربط أبدانهم بالطاعات ، ~~وربط عقولهم بالآيات ، وربط قلوبهم بأنوار الصفات ، وربط أرواحهم في سطوات ~~الذات ، وربط أسرارهم بعلوم الآزال والآباد. # ثم أخذ أيديهم عن استغراقهم فيه بنعت الفناء ، وثبتهم به في مقام البقاء ~~، ولولا تثبيته إياهم ، لفنوا في أول باد بدا من ربوبيته ، وأول ظهور سطوة ~~من سطوات عظمته كانوا يحتملون به ، ومشاهدته قهر سلطان عزته. # قال بعضهم : ربط على قلوب أوليائه ، لتلقي البلاء بالمحبة والصبر ، وربط ~~على قلوب العارفين ، لثبات الأسرار في مشاهدة ما يبدو لهم من الغيوب ، ~~ويثبت أقدام أهل الاستقامة ، فاستقاموا له على جميع الأحوال ، ولم يزالوا. # قال بعضهم : القلوب ثلاثة : قلب مربوط بالأكوان ، وقلب مربوط بالأسماء ~~والصفات ، وقلب مربوط بالحق. # ( إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي ~~في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان (12) ~~ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ~~(13) ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار (14) يا أيها الذين آمنوا إذا ~~لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار (15) ومن يولهم يومئذ دبره إلا ~~متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس ~~المصير (16) فلم تقتلوهم PageV01P517 # ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي ~~المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم (17)) # قوله تعالى : ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ~~ولكن الله رمى ): افهم أن في هذه الآية للعارفين موضع الاتحاد ، ولهم في ~~الاتحاد مقامات اتحاد بالأفعال ، واتحاد بالصفات ، واتحاد بالذات ، وهاهنا ~~إشارة اتحاد الأفعال ، واتحاد الصفات ، فإضافة فعل القوم إلى نفسه بالقتل ~~اتحاد الفعل. # وذلك مقام جمع وتفرقة ، ولهم تفرقة في الجمع ms0515 ، إذ ذكر ( فلم ~~تقتلوهم )، نفي فعلا بعد إثباته لهم ، فإذا باشروا القتل كانوا في محل ~~تفرقة ، وإذا أضاف القتل إلى نفسه كانوا في محل جمع ، فالتفرقة عالم الصورة ~~ورسم الخليقة ، إذ كانوا في الخليقة معارفين من مصدر خاصية فعله تعالى ، ~~ومن حيث إنهم قائمون في جميع الذرات بفعله الخاص المتعلق بالقدرة ، كانت ~~عينهم عين الفعل ، خاصة أنه تعالى تجلى من فعله الخاص لهم بنعت القهر ~~للمقتولين ، فهم مع فعله عين أخذ ، فإذا كان كذلك ، والإضافة إلى نفسه ~~إضافة حقيقة ، إذ لا يبقى في البين غير فعله من جميع الوجوه ، وهكذا أحكام ~~الخلق من العرش إلى الثرى في جميع الأوقات من جهة الفعلية والخلقية. # لكن إذا لم يكن وقت المباشرة تجلى الفعل إلى الفعل ، لم يكن هناك خاصية ~~اتحاد الأفعال ، كانوا كسيف على يد ضارب ، بل السيف واليد واحد بالمراتب ~~والترقي ، وإذا كان المصدر مصدرا واحدا ، لم يكن في البين من العرش إلى ~~الثرى غير الله. # وللنبي صلى الله عليه وسلم ههنا خاصية اتحاد الصفة ، حيث اتصف بصفته حين ~~عاينه بنعت كشف تجلي صفته تعالى في قلبه وروحه وعقله ، وسره وظاهره وباطنه ~~وصورته ، فيصير جميع وجوده مستغرقا في نور الصفة ، فعله أضاف إلى صفته لا ~~إلى فعله ؛ لأن القوم كانوا في رؤية أنوار آياته ، وكان عليه السلام في رؤية ~~أنوار صفاته ، وخاصية اتحاد الذات بعد مروره بالآيات ، وسباحته في بحر ~~الصفات ، وقع بعد مباشرة المقامين ، واتصافه بالصفتين صفة الفعل ، وصفة ~~الخاص إدراكه جلال الذات ، وفناؤه فيه ، وبقاؤه به معه ، واستغراقه في ~~آزاله وآباده ، وخروجه من بحر الأولية والآخرية بنعت الصفة ، وسنا الذات ، ~~حتى صار مرآة للذات والصفات والفعل ، فأبرزه الله للعالمين ؛ لتعريف نفسه ~~به إياهم ، كإخراجه خليفته آدم عليه السلام بعرفان الملائكة ، وكان متصفا ~~بالصفة ، متحدا بها ، والنبي عليه السلام كان متحدا بنور الذات بعد اتحاده ~~بنور الذات والصفات ، بعد اتحاده بنور الصفات ، وكان فوق آدم باتحاد أنوار ~~الذات ، فلما كمل في اتحاده عرف الله مكانه في تمام الخلق ، بقوله : ( ~~ من ms0516 يطع الرسول فقد أطاع الله ) [النساء : 80] لم PageV01P518 # يبق في تجلي علمه وصفته وذاته من وصف الحدوثية شيء. # لذلك قال صلى الله عليه وسلم : «من رآني فقد رأى الحق ، ومن عرفني فقد عرف ~~الحق» (1). # كأن تفرقته في عين الفعل جمعا ، وجمعه في الصفة جمع الجمع في عين الذات ، ~~وفي عين الذات من حيث الألوهية جمع بغير تفرقة ، ومن حيث الخليقة تفرقة وجمع. # ذكرت نبذة من مقام الاتحاد والاتصاف بالجمع ، والتفرقة في هذه الآية لا ~~يعرف معناها إلا صاحب رجاء العشق ، وبسط المحبة ، وروح الشوق ، وأنس ~~المشاهدة ، وانبساط المعرفة ، وفناء المعرفة والتوحيد ، والبقاء والاتصاف ، ~~وإدراك علم الله في المجهول عند علوم العلماء ، وفهوم الفقهاء. # وما ذكر المشايخ في الآية قول فارس : ما كنت راميا إلا بنا ، ولا مصيبا ~~إلا بمعونتنا ، وإمدادنا إياك بالقوة. # قال بعضهم : ما رميت ، ولكن رميت بسهام الجمع ، فغيبك عنك ، فرميت ، وكنا ~~رامين عنك ؛ لأن المباشرة لك ، والحقيقة كنا إذ لم يفترق. # وقال الأستاذ : ( إذ رميت ) فرقا ، ولكن الله رمى جمعا ، والفرق ~~صفة العبودية ، والجمع نعت الربوبية ، ثم عرف موضع نعمته برميه بنفسه ، ~~وصرف قهره عنهم ، بقوله : ( وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ) كما ~~باشر بأنوار صفته قلب نبيه عليه السلام في الرمي وأسرارهم في القتل ، باشر ~~بها قلوبهم بحسن تجليها ؛ ليعرفوا بها نفسه ، واتجاه إياهم من مكره وقهره ، ~~والبلاء الحسن وقوع محبته في قلوب أوليائه ، وكشف جماله لأصفيائه ، وإسماع ~~خطابه لنجبائه. # سئل الجنيد عن قوله : ( وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ). # قال : «البلاء الحسن» : أن يثبته عند الأمر ، ويحفظه عند الأمر ، ويفرده ~~به عند مشاهدة الفر. # قال رويم : «البلاء الحسن» : أن تكون رؤية الحق أسبق إليه من نزول البلاء ~~، فيمر به البلاء ، وهو لا يشعر ؛ لاستغراقه في رؤية الحق. # وقال أبو عثمان : «البلاء الحسن» : ما يورثك الصبر عليه ، والرضا به. # وقال علي بن موسى الرضا ، عن أبيه ، عن جعفر بن محمد قال : أن يفنيهم عن ~~نفوسهم ، فإذا أفناهم عن نفوسهم ، كان هو عوضا لهم عن نفوسهم. PageV01P519 # قال الأستاذ : «البلاء الحسن» ms0517 : توفيق الشكر في المحنة ، وتحقيق الصبر في ~~المحنة. # ويقال : «البلاء الحسن» : أن يشهد المبلى في عين البلاء ، ثم روح قلوب ~~المحتملين بلاء محبته ، وأثقال شوقه ، بقوله تعالى : ( إن الله ~~سميع عليم ): # ( سميع ): أنين أهل الشكوى في شوقه ، ( عليم ): ألم ~~فقدانه في قلوب أهل محبته. # قال الأستاذ : تنفيس لقوم ، وتهديد لقوم ، أصحاب الرفق يقول لهم : إن ~~الله سميع لأنينكم ، فيتروح عليهم بهذا وقتهم ، ويحمل عنهم بلاءهم ، وأنشد ~~في هذا المعنى : # إذا ما تمنى الناس روحا وراحة %~% تمنيت أن أشكو إليه فيسمع # ( ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين (18) إن تستفتحوا فقد جاءكم ~~الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو ~~كثرت وأن الله مع المؤمنين (19) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ~~ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون (20) ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا ~~يسمعون (21) إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (22) ولو ~~علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون (23) يا أيها ~~الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله ~~يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون (24)) # قوله تعالى : ( ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ): ~~حذر الله الصادقين عن الدعاوى الباطلة ، التي لم يكن معها المعنى ، فإن ~~سماع الظاهر بغير فهم ، ومتابعة أمر ، فهو سماع غفلة. # ثم وصف هؤلاء المدعين بأنهم أغفل من الحيوان ، بقوله تعالى : ( ~~إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ): «الصم» : عن استماع ~~هواتف الغيب ، و «البكم» : عن نشر فضائل المعرفة ، ووصف المعروف بنشاط ~~المعرفة ورؤية المشاهدة ، وذلك ميراث جهالتهم بأنفسهم ، ومعرفة صانعهم عن ~~طريق العقل والعلم في كل موضع. # العقل هناك أمير البدن ، لا يقبل عن صاحبه إلا النظر إلى الحق ، والسماع ~~من الحق ، والقول بالحق. # قال بعضهم : من سمع ، ولم يؤثر عليه فوائد السماع وزوائده في أحواله ، ~~فهو غير مستمع ، ولا سامع ، والمستمع على الحقيقة من يرجع من حال السماع ~~بزيادة فائدة ، أو بزيادة حال ms0518 ، ومن حضر مجالس السماع ، ولم يرجع بزيادة ، ~~فإنما يرجع بنقصان. # قال الله تعالى : ( ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ). PageV01P520 # وقال بعضهم : «الصم» : عن سماع الذكر ، وفهم معانيه ، و «البكم» : عن ~~مداومة تلاوة الذكر وطلب الزيادة منه ، الذين لا يعقلون ما خوطبوا به ، وما ~~خلقوا له ، وما هم صائرون إليه في المآب. # وقال الأستاذ : من صم عن إدراك ما خوطب به وبسره ، وعمي عن شهود ما كوشف ~~به قلبه ، وخرس عن إجابة ما أرشد إليه من حجة فهمه وعقله ، فدون رتبة ~~البهائم قدره ، وفوق كل خسيس من حكم الله ذله وصغره ، ثم أن الله سبحانه ~~أضاف حرمانهم من فهم الخطاب ، وإدراكه حقائقه ، ومتابعة أمره إلى قسمة أزله ~~، ومشيئة سابق حكمه (1)، بقوله : # ( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ~~) أي : لو علم الله في قلوبهم خير اصطفائيته الأزلية ، لأسمعهم حقيقة خطابه ~~، وعرفهم مكان مراده فيه ، ولكن ما داموا لم يكونوا مصطفين في أزل الخيرية ~~الاصطفائية ، ما أسمعهم لطائف كلامه ، وما عرفهم مواضع أنبائه العجيبة ، ~~وحقائق حكمه الغريبة ، وبين أنه تعالى لو أسمعهم خطابه بنعت ما وصفنا لم ~~يدركوه ، وهم معرضون عن متابعة أمره ؛ لأنهم محرومون في الأزل من رؤية حسن ~~حضرته ، وإدراك اجتبائه. # قال يحيى بن معاذ : إن هذا العلم الذي تسمعونه ، إنما تسمعون ألفاظه من ~~العلماء ، ومعانيها من الله بآذان قلوبكم ، فاعملوا وتعقلوا ما تسمعون ، ~~فإن لم تعلموا كان ضره أقرب إليكم من نفعه. # قال بعضهم : علامة الخير في السماع لمن سمعه فناء أوصافه ونعوته وسمعه ~~بحق من حق. # وقال الأستاذ : من أقصته سوابق القسمة لم يدنه لواحق الخدمة ، ولها وصف ~~حرمان الزائغين عن الحق وعي ، فإن # الخطاب خطاب أهل إرادة المحبة ، ودعاهم إلى مشاهدته وقربه ، وطلب منهم ~~إجابة دعوته بنعت متابعته ، ومتابعة رسوله ، بقوله : ( يا أيها ~~الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ). # طيب أرواحهم بنسيم روائح قدس ندائه ، وفتح آذان قلوبهم لحلاوة دعائه ، ~~وشوق أسرارهم بلذيذ خطابه ، وجعلهم مستبشرين بلطيف حكمه ms0519 ، وعلى وجدانهم ~~أنوار قربه. # ألا ترى كيف قال : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه ~~تحشرون ): دعاءه PageV01P521 # لا لأنفسكم وحظوظكم ، وطلب أعواض أعمالكم. # ( استجيبوا ): ببذل أرواحكم وأشباحكم لداعية الأزل ، حيث دعاكم ~~منه إليه قبل وقوع حد وثبتكم ، دعاكم بوصف السرمدية من محبته لكم ، وشوقه ~~إليكم ، فأحبوه واشتاقوا إليه بمحبته وشوقه ، واستجيبوا للرسول بمتابعة ~~أمره ، فإنه روح الصغرى من عالم الملكوت أدرك من روح الكبرى ، وهي نعوت ~~الجبروت حياة القدم. # ( يحييكم ): بروح الصغرى والكبرى. # وأيضا ( لما يحييكم ) أي : مشاهدة الأزلية ، وقربته الأبدية ، ~~ومحبته الصفاتية ، ومعرفته الذاتية. # قال الجنيد في هذه الآية : قرع أسماعهم ، فيسمعهم حلاوة الدعوة ، ~~فيتنسموا روح ما أدته إليهم الفهوم الطاهرة من الأدناس. # فأسرعوا إلى حذف العلائق المشغلة قلوب الموافقين ومنعها ، وهجموا بالنفوس ~~على معانقة الحذر ، وتجرعوا مرارة المكابدة ، وصدقوا الله في المعاملة ، ~~وحسن الأدب فيما توجهوا إليه ، وهانت عليهم المصيبات ، وعرفوا قدر ما ~~يطلبون ، واغتنموا سلامة الأوقات ، وسجنوا همومهم عن التقلب إلى مذكور سوى ~~وليهم ، فحيوا حياة الأبد بالحي الذي لم يزل ولا يزال ، فهذا معنى قوله : ( ~~ استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ). # وقال الواسطي في قوله : ( إذا دعاكم لما يحييكم ): حياة تصفيتها ~~من كل معلول لفظا وفعلا. # وقال جعفر : أجيبوه إلى الطاعة ؛ ليحيي بها قلوبكم. # وقال أيضا : ( إذا دعاكم لما يحييكم ): «الحياة» : هي الحياة ~~بالله ، وهي المعرفة ، كما قال الله تعالى : ( فلنحيينه حياة طيبة ~~) [النحل : 97]. # وقال بعضهم : استجيبوا لله بسرائركم ، وللرسول بظواهركم إذا دعاكم إلى ما ~~يحييكم. # فحياة النفوس بمتابعة الرسول ، وحياة القلب بمشاهدة الغيوب ، وهو الحياء ~~من الله برؤية التقصير. # وقال جعفر الصادق : حياة القلوب في المعاشرة ، وحياة الأرواح في المحبة ، ~~وحياة النفوس في المتابعة ، ولما دعاهم إلى مشاهدته بنعت الشوق ، عرفهم أن ~~قلوبهم مسلوبة منهم بكشف جماله ، وإلقاء محبته ومعرفته فيها ، بقوله : # ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) أي : قلوبكم معي ~~فاتبعوا أثرها ، PageV01P522 # واطلبوها مني حتى أطهرها لكم ، متقلبات في بحر الصفات ms0520 والذات ، حائرات في ~~المشاهدات ، ساكرات بشراب القربات ، دانيات مني ، فانيات في ، باقيات معي ، ~~لو تعرفونها تعرفوني ، لذاك قال عليه السلام : «من عرف نفسه فقد عرف ربه» ~~(1)؛ لأنه نفس النفس ، وقلب القلب ، وروح الروح ، وعقل العقل ، وحياة ~~الحياة. # ثم وصف عليه السلام تقلبها في عيون الصفات بنعت البقاء ، وسباحتها في بحار ~~الذات بنعت الفناء ، بقوله صلى الله عليه وسلم : «القلوب بين أصبعين من أصابع ~~الرحمن» (2). # قيل : أن الله أشار إلى قلوب أحبابه بأنه يأخذها منهم ، ويجمعها ويقلبها ~~بصفاته ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «قلب ابن آدم بين أصبعين من ~~أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء» (3)، فيختمها بخاتم المعرفة ، ويطبعها ~~بطبائع الشوق. # وقيل : ( يحول بين المرء وقلبه ) أي : عقله وفهمه عن الله خطابه. # وقيل : يحول بين المؤمن والإيمان ، وبين الكافر والكفر ، ويردهما إلى ~~الذي سبق لهم منه في الأزل. # ويقال : حال بينهم وبين قلوبهم ؛ لئلا يكون لهم رجوع إلا إلى الله. # ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله ~~شديد العقاب (25) واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن ~~يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون (26) يا ~~أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون (27)) # قوله تعالى : ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ): ~~حذر الله أهل القصة من الدعاوى الكاذبة ، وهي التي لم يبلغ صاحبها إلى ما ~~تدعي من المقامات ، فيفتتن بها هو وغيره من المريدين ، فإن من أظهر شيئا من ~~نفسه ، ولم يكن أهل ذلك ، فهو يحتجب به عن كل مقصود. # ويضل من يقتدي به ممن لا يعرف الحق من الباطل ، قال عليه السلام : ~~«المتتبع بما لم يعط كلابس ثوبي زورا» (4). # قال أبو عثمان : اكتساب المال من الحرام من الفتن التي تصيب بغير مباشرة. PageV01P523 # وقال الأستاذ : الإشارة إذا باشر زلة بنفسه ، عاد إلى القلب منه الفتنة ، ~~وهي القسوة المعجد ، وتصيب النفس من الفتنة العقوبة ، والقلب إذا حصل منه ~~زلة ، وهو فيما لا يجوز يتأدى فتنته إلى السر ، وهي ms0521 الحجبة. # ويقال : أن الزاهد إذا انحط إلى رخص الشرع في أخذ الزيادة من الدنيا ما ~~فوق الكفاية ، وإن كان من وجه الحلال تعدى فتنته إلى من تخرج به من ~~المبتدئين ، فيحمله على ما رأى منه على الرغبة في الدنيا وترك التقلل ، ~~فتؤديه إلى الانهماك في أودية الغفلة من الانشغال بالدنيا عن ربه. # والعابد إذا جنح إلى ترك الأوراد ، تعدى في ذلك إلى من كان يبسط في ~~المجاهدة ، فيستوطن الكسل ، ثم يحمله الفراغ ، وترك المجاهدة على اتباع ~~الشهوات فيصير كما قيل : أن الفراغ والشباب والحدة مفسدة للمرء ، أي مفسدة. # قوله تعالى : ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ): من ~~الله على أوليائه بأنه وإن كان عددهم قليلا ، فهو عند الله عظيم ، فأكثرهم ~~بالإخوان من العارفين حين كانوا عند الأعداء خائفين من شرهم ، ومن شر ~~معصيتهم وقلة احترامهم ، بقوله : ( تخافون أن يتخطفكم الناس )؛ ~~لأنهم في منادى الأحوال ، فلما آواهم الله إلى مقام مشاهدته ، وألبسهم لباس ~~أنوار هيبته ، وسقاهم شراب وصلته ، غلبوا بنصرة الله على أعداء الله ، ~~وصاروا صاغرين عند هؤلاء الأولياء ، وذلك قوله تعالى : ( فآواكم ~~وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات ): آواهم من قهره إلى لطفه ، ووسمهم بسمات ~~قدرته ، وأطعمهم من موائد قربته. # ( لعلكم تشكرون ): تعرفون مشكوركم حين تعجزون عن أداء شكر ~~معرفته. # قال الأستاذ : رزق الأشباح من طيبات الغذاء ، ورزق الأرواح والسرائر من ~~صنوف الضياء ، فلما وفقهم بعوالي تلك الدرجات ، حذرهم الله عن الخيانة في ~~الطريق ، بقوله تعالى : # ( يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ~~وأنتم تعلمون ): إذ عرفكم الله معالم الربوبية ، وحقائق العبودية ، ~~وأعلمكم علوم حكم المعرفة لا تكتموها عن أهلها من المريدين الصادقين ، وما ~~وجدتم من ذلك من شرائع رسولي ، وعلمه المأثور منه لا تمنعوا منه من يقتبس ~~منكم ، قال عليه السلام : «بلغوا عني ولو آية» (1) # وإذا عرفتم ذلك اعملوا به ، ولا تخونوا في تلك الأمانة التي أودعها الله ~~قلوبكم بترك رعايتها بنعت العمل ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فذلك ~~قوله : ( وتخونوا أماناتكم )، PageV01P524 # وأنتم تعلمون أنكم خائنون ms0522 في تضييعكم ، ومن الله عليكم من علمه الذي علمكم. # وأيضا من عرف الله والتفت سره إلى شيء غير الله ، فقد خان الله في محبته ~~وأمانته ، وودائع معرفته في صدور عباده التي توجب انفراد خواطرهم من كل ~~العوارض النفسانية والشيطانية. # قال أبو عثمان : من خان الله في السر ، هتك ستره في العلانية. # وقال بعضهم : خيانة الله في الأسرار من حب الدنيا ، وحب الرئاسة ، ~~والإظهار خلاف الإضمار ، وخيانة الرسول في آداب الشريعة ، وترك السنن ~~والتهاون بها ، وخيانات الأمانات في المعاملات والأخلاق ، ومعاشرة المؤمنين ~~في ترك النصيحة لهم. # ( واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم ~~(28) يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم ~~سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم (29) وإذ يمكر بك الذين كفروا ~~ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين (30) ~~وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا ~~أساطير الأولين (31) وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم (32)) # قوله تعالى : ( أنما أموالكم وأولادكم فتنة ): بين سبحانه أن من ~~اتكل إلى المال في معيشته ، وتولى إلى أولاده في طلب نصرته ، فقد افتتن في ~~طريق الله بغير الله. # قال بعضهم : «أموالكم» : فتنة إن جمعها وأمسكها ، ونعمة إذا أنفقتم ، ~~وبذلتم في وجوه الخيرات. # وقال بعضهم : «المال» : فتنة لمن طلب الفتنة ، ونعمة لمن كان خازنا لله ~~فيه يأخذه بأمره ، ويخرجه بأمره إلى أربابه. # وقال أبو الحسين الوراق : ما اعتمدت سوى الله من الدنيا والآخرة ، فهو ~~فتنة حتى تعرض عن الجميع ، وتقبل على مولاك ، وتعتمد عليه. # قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم ~~فرقانا ): بين سبحانه من مخرج بسره من جب شيء سوى الله من المال والولد ~~والدنيا والآخرة ، يسرج الله في قلبه في مسرجة التقوى مصباح أنوار الغيب ، ~~تضيء الأبصار أسراره ما في خزائن ملك الملكوت ، ويفرق بسناها بين المكاشفات ~~والمخاييل. PageV01P525 # قال ms0523 سهل : نورا يفرق به بين الحق والباطل. # وقال الجنيد : إذا اتقى العبد ربه جعل له تبيانا يتبين به الحق من الباطل ~~، وهذه نتيجة التقوى. # فقيل له : أليست التقوى فرقانا؟ قال : بلى ، الأول : بداية من الله ، ~~والثاني : اكتساب ، فإذا اتقى الله ، اكتسب بتقواه معرفة التفرقة بين الحق ~~والباطل ، فيتبين هذا من هذا. # وقال الأستاذ : «الفرقان» : ما يفرقون به بين الحق والباطل ، من علم وافر ~~، وإلهام قاهر ، فالعلماء فرقانهم محبوب برهانهم ، والعارفون فرقانهم موهوب ~~عرفانهم ، فهؤلاء مع مجهود نفسهم ، وهؤلاء لمقتضى جود ربهم ، فالعرفان ~~تعريف من الله ، والتكفير تخفيف من الله ، والغفران تشريف للعبد من الله. # قوله تعالى : ( والله خير الماكرين ) وصف تعالى نفسه بالمكر ، ~~ومكره منزه عن الحيل والمخاييل والأباطيل. # «مكره» : سخطه السابق ، الذي ظهر سماته للعبد على وجوه المطرودين ، ~~وسوابق المشيئة الأزلية ، وامتناع جماله بعزته عن مطالعة غير العاشقين به ، ~~فأخرجهم بصورة المقبولين ، وكانوا في الأزل من المطرودين ، فما عرفهم مكان قهره. # ومكره بهم وعليهم ، فأبرز لهم أنوار السعادة ، وأزمهم في ورطات قهرياته ~~بأزمة الشقاوة ، فما رأوا على أنفسهم حلي الطاعات ، وغفلوا عن ظلمات ~~بواطنهم ؛ لأنهم مطموسون بطمس مكر الأزل. # قال تعالى في وصفهم : ( ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون ~~أنهم يحسنون صنعا ) [الكهف : 14] ، هذا وصف مكر البعد منه ، فالمكر في ~~الأولياء مكر انبساط وقرب ، وهو من علم المجهول ، وذلك مقام الالتباس حيث ~~ظهر عين الصفة في عين الفعل على حد الجمع والتفرقة ، وتلك لطائف مشاهدة ~~المتشابهات من الاستواء والنزول ، وغيرهما من الصفات ، وما ذكرنا بمجموعه ، ~~فيكون في إشارته عليه السلام حين عاين العدم في مرآة الحدث ، بقوله ~~صلى الله عليه وسلم : «رأيت ربي في أحسن صورة» (1). # وهذا محل العشق والبسط والانبساط ، والأنس والشوق. # قال الشبلي : المكر في النعم الباطنة ، والاستدراج في النعم الظاهرة. # وقيل : «المكر» مكران : مكر تلبيس ، ومكر هلاك. PageV01P526 # وقال الأستاذ : من جملة مكره اغترار قوم بما يرزقهم من الطيبات الجميلة ، ~~وأجر كثير الطاعات عليهم ، مع شرب لهم من قبول الناس إياهم ، ثم أسرارهم ~~تكون بالأغيار منوطة ms0524 ، وهم عند الله غافلون ، وعند الناس أنهم عند الله ~~مكرمون ، وفي معناه قيل : # وقد حسدوني قرب داري منهم %~% فكم من قريب الدار وهو بعيد # ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون (33) وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما ~~كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون (34) وما كان ~~صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (35) إن ~~الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم ~~حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون (36) ليميز الله الخبيث من ~~الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم ~~الخاسرون (37) قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد ~~مضت سنت الأولين (38)) # قوله تعالى : ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون ) (1): كان عليه السلام رحمة تامة للجمهور حياة ومماتا ~~، صرف الله عذابه المستأصل عمن كان على رأس المخالفة ، ونبيه عليه السلام ~~بين أظهرهم ؛ لأن كل عين نظرته ، واقتبست نوره ، لم يكن مستأصلا من أصلها ، ~~وإن كانت محجوبة عن رؤية مراتبه ، وشرف منازله ؛ لأن مكثه وظله عليه السلام ~~كنف رحمة الله ، ومن يدرك في نفسه قارعة لتنبهه من غفلته ، وتخلصه من عذاب الله. # وأيضا ما كان الله ليعذب قومك بعذاب البعد ، وأنت قريب منهم ، فإن من رآك ~~رآني ، لا يحتجب منا ما دام ينظر إليك (2). PageV01P527 # قال أبو بكر الوراق : ما كان الله ليظهر فيهم البدع ، وأنت فيهم ، وما ~~كان الله ليأخذهم بذنوبهم ، وهم يستغفرون. # قال بعضهم : الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأمان الأعظم ، ما عاش وما دامت ~~سنته باقية فهو باق ، وإذا أميتت سنته ، فلينتظروا البلاء والفتن. # وقال الأستاذ : وما كان الله ليعذب أسلافهم ، وأنت في أصلابهم ، وليس ~~يعذبهم اليوم ، وأنت فيما بينهم إجلالا لقدرك ، وإكراما لمحلك ، وإذا خرجت ~~من بينهم ، فلا يعذبهم وفيهم خدمك ، الذين يستغفرون. # ويقال للجواد : حرمت فجاد الكرام ms0525 في ظل أنعامهم ، والكفار إن تمتعوا بقرب ~~الرسول عليه السلام ، فقد اندفع العذاب بمجاورته عليهم ، وأنشد في هذا ~~المعنى : # وأحبها وأحب منزلها الذي %~% حلت به وأحب أهل المنزل # ثم إن الله سبحانه ذكر أنه يعذب من يعادي نبيه عليه السلام في الدنيا ~~بالسيف ، ولا يعذبهم عذاب الاستئصال إلا في الآخرة ، بقوله تعالى : ( ~~ وما لهم ألا يعذبهم الله ): لحرمة نبيه عليه السلام وإن المؤمن ~~الصادق في إيمانه لا يعذبه الله في الآخرة ؛ لأن نبيه يكون فيهم يوم ~~القيامة ، وبشرنا سبحانه أنه لا يعذب أمته مادام هو فيهم ، فيكون في الآخرة ~~هو فيما بين المؤمنين ، فيدخل المؤمن النار ؛ لتحلة قسمه ، وبأن يطفئ بنوره ~~ناره ، وذلك قوله عليه السلام : «جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك ناري» (1). # يدخل المؤمن والكافر في النار ، فيبقي الكفار في النار ، والمؤمنون يمرون ~~على الصراط كالبرق الخاطف. # فإن وصلت النار إلى المجرمين من أمته ، لا تصل إليهم لجهة الخلود ، بل ~~لجهة الخلوص ، وفي هذا المعني قيل : # إذا سلم العهد الذي كان بيننا %~% فردي وإن شط المزار سليم # وهكذا قال الأستاذ رحمة الله عليه ثم بين سبب إيصال العذاب إلى الكافرين ~~، بقوله تعالى : ( يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن ~~أولياؤه إلا PageV01P528 # المتقون ): كانوا يعملون شيئا ليس لهم ، فإنهم ليسوا من أهل ~~الحرم مع جهلهم بالله ، وهم لا يعلمون أن ليس لهم صد المؤمنين عنه ، فإن ~~أحباء الكعبة ، هم الذين قدسوا أعينهم من النظر إلى ما سوى الله غير الكعبة ~~، التي هي مرآة تجلي صفاته ، بقوله تعالى : ( فيه آيات بينات ). # قوله تعالى : ( ليميز الله الخبيث من الطيب ). # إن الله سبحانه أراد بحشر الخلق يوم القيامة أن يزيد أشواق المحبين ~~والعارفين والمشتاقين ، بكشف جماله ، وحسن جلاله ، وتمييزهم من المدعين ~~الكاذبين ، الذين يدعون في الدنيا معرفته ومحبته وولايته ؛ وليريح أصفياءه ~~من صحبة هؤلاء الكفرة الضالين ، الذين صرفوا وجوههم من الحق إلى الخلق ~~بالرياء والسمعة ، وطلب الجاه والمنزلة. # وأيضا يخلص أحباءه من مناهضة هواجس النفس الأمارة ، وخطرات الشيطانية ، ~~ويقدس قلوبهم وأرواحهم وعقولهم ms0526 من هجوم طوارق القهريات ، التي يأتي عليها ~~بالابتلاء والامتحان. # قيل : المخلص من المرائي ، والمؤمن من الكافر ، والمطيع من العاصي. # ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا ~~فإن الله بما يعملون بصير (39) وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم ~~المولى ونعم النصير (40) واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ~~ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما ~~أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير ~~(41) إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو ~~تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك ~~عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم (42) إذ يريكهم الله في ~~منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه ~~عليم بذات الصدور (43) وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في ~~أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور (44) يا أيها ~~الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (45)) # قوله تعالى : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) ~~: الإشارة إلى كفرة النفوس الأمارة بسوء أي : جاهدوها ، وأميتوها حتى تتقدس ~~مزارع أنوار اليقين ، PageV01P529 # ومرابع سنا الإسلام والدين ، ويتفرد القلب بنور الموحد والتوحيد من كل ~~خاطر غير خاطر الحق ، ويكون القلب كله مستغرقا في بحار محبته ، والروح ~~هائمة في أودية هويته ، والعقل تائها في صحاري أزله وأبده ، ولا يكون منها ~~جميعا نظر إلى غيره. # فإن النفس حجاب القهر بينها وبين بارئها ، الذي هو منعم عليها بإلقاء ~~محبة وجهه فيها ، ونصرها على نفوسها وهواها ، وفي ذلك مدح نفسه تعالى ، ~~بقوله : ( نعم المولى ونعم النصير ): نعم المولى لأوليائه ، ونعم ~~النصير لعماله ، أنعم بسبق ولايته ومحبته على المحبين في أزله ، وعلى ~~المجاهدين له هواهم ونفوسهم ، بنصرته لهم إلى أبد أبده. # قال بعضهم : نعم المولى لمن والاه ، ونعم النصير لمن استنصره. # وقيل : نعم المولى لأهل الولاية ، ونعم النصير ms0527 لأهل الإرادة. # يقال : نعم المولى بالتعريف. # وقيل التكليف ، ونعم الناصر لك بالتخفيف والتضعيف يضعف الحسنات ، ويخفف ~~عنكم السيئات ، فأنشد : # هواك أول ما عرفت من الهوى %~% والقلب لا ينسى الحبيب الأزلا # قوله تعالى : ( ليقضي الله أمرا كان مفعولا ): نفي التدبير عن ~~ساحة التقدير ، ويخرج ما في المشيئة الأزلية على لباس الأمر بنقض العقود ~~والعزائم التي اجتمعت عموم الخلق عليها. # قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه : عرفت الله بنقض ~~العزائم ، وفسخ الهمم. # قال جعفر : ما قضى في الأزل يظهره في الحين والوقت بعد الوقت. # وقال بعضهم : ليكشف عن سوابق علمه في غيبه ، باتصال كل من الفريقين إلى ~~ما سبق له منه في أزله ، ثم صرف الخلق من ديمومة المشيئة ، إلى صورة ~~الأحكام ، لعلمه بقلة إدراكهم سوابق القسمة في الأزل ، بقوله تعالى : ( ~~ ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ): قدر في الأول ، ~~ونصب أعلام القهر واللطف في الطريقة في الآخر ، فيرجع الآخر بما يبدو منه ~~إلى مصدر تقدير الأول ، وبين أنه منزه عن الجهل والظلم ، نصب الأدلة لبيان ~~حكمته ، وإثبات حجته. # ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ): أمره السابق ، ~~وإرادته القائمة. # ( ويحيى من حي ): بتلك البينات. PageV01P530 # ( من هلك ): بهواه ما هلك إلا بإهلاكه إياه في الأزل. # و ( من حي ): بمناه من مشاهدته ومعرفته ، ما حيا إلا بإحيائه في ~~الأزل إظهار الشريعة ، وإبراز الأدلة حكم في محل الامتحان ، وقضية الأزل ~~غالبة على صورة الأمر. # قال تعالى : ( والله غالب على أمره ). # قال بعضهم : أظهر للخلق الآيات ، ونصب لهم الأعلام ، وفتح أعين القوم ~~لرؤيتها ، وأعمى قوما دونها ، وبعث إليهم الوسائط بالبراهين الصادقة ، ~~والأنوار النيرة ، ولكن ( يهدي به من يشاء من عباده ). # وقدم هذه المقدمة : ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ). # قال بعضهم : لا خير إلا لمن حيا بذكره وأنس بقربه ، والخلق كلهم متحركون ~~في أسبابهم ، والحي منهم من تكون حياته ، بالحي الذي لا يموت. # قال الأستاذ : الهالك من عمي في أودية ms0528 التفرقة ، والحي من حيا بنور ~~التعريف. # ( وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ~~واصبروا إن الله مع الصابرين (46) ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ~~ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط (47) وإذ زين لهم ~~الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت ~~الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف ~~الله والله شديد العقاب (48) إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر ~~هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم (49) ولو ترى إذ يتوفى ~~الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق (50) ذلك ~~بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (51) كدأب آل فرعون والذين من ~~قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب (52)) # قوله تعالى : ( واصبروا إن الله مع الصابرين ). # أول الصبر التصبر ، وهو مقام التكليف ، والبصر مقام التشريف ، الأول : ~~مجاهدة ، والآخر : مشاهدة ، أي : اصبر بأني في لوعات شوقكم ، إني أشتاق ~~إليكم ، واصبر كما يصبرون ، فهذا معنى قوله : ( إن الله مع ~~الصابرين ). PageV01P531 # وأيضا اصبروا في بلاء محبتي ، وانظروا إلى مقام البلاء حتى تروني ، فإن ~~التجلي للصابرين في مكان صبرهم في. # وأيضا اصبروا لي ، فإن الصبر معي يوجب مراد الصابرين في نصرتهم على عدوهم ~~من النفوس والشياطين. # سئل محمد بن موسى الواسطي عن ماهية الصبر ، وحقيقة الذي قال الله تعالى : ~~( إن الله مع الصابرين ) قال : هو سؤال التولي قبل مخامرة المحنة ، ~~وإذا صادقت المحبة التولي حملها بلا كلفة ، هذا صفة من كان الله معه في صبره. # قوله تعالى : ( ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء ~~الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط ): حذرا وإباءة عن ~~المشابهة بهؤلاء المرائين ، الذين يخرجون من دورهم ، وزواياهم الخبيثة ~~بألوان زى السالوسيين ، ويتبخترون فيها من فرحهم بالجاه عند الظالمين ، ~~الذين لا يعرفون الهر من البر ، وهم كالأنعام بل هم أضل ، ويتبعون أهل ~~الإرادة من صحبة الأولياء ؛ لتسعير ms0529 أسواقهم وترويج نفاقهم ، حتى يجتمعوا ~~عليهم ، ويجلوهم في أعين الخلق ، أهلكهم الله في أودية قهره. # ثم وصفهم بأن الشياطين تزين قبائح أعمالهم في أعينهم ، بقوله سبحانه ~~وتعالى : ( وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ): يريهم أعمالهم الفاسدة ~~بصورة حسنة ، وهم بها يغترون. # قال بعضهم : عظم طاعاتهم في أعينهم ، وصغر نعم الله عندهم. # وقال الأستاذ : الشيطان إذا زين للإنسان يوسوسه أمرا ، والنفس إذا استولت ~~له شيئا عميت بصائر أرباب الغفلة عن شهود صواب الرشد ، فينخر الغافل معه في ~~قياد وسواسه ، ثم يمحقه هو بهم التقدير وكوامن المكر من حيث لا يرتقب ، فلا ~~الشيطان يفي له بما يعده ولا النفس شيئا مما يتمناه تجده ، وهو كما قال ~~القائل : # وساءلتك الليالي فاغتررت بها %~% وعند صفو الليالي يحدث الكدر # وذكر الله سبحانه فعل ذلك الشيطان بعد تزيينه مخاييله لهم بقوله : ( ~~ فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما ~~لا ترون ): بين تعالى أن الشيطان زين للمريدين شيئا من الأمل ، ويدليه ~~بخيال المنية في ورطة الغفلة ؛ ليغويه عن طريق قربة الله ، ويحجبه عن ~~مشاهدته ، ويعده بالكرامات ووجدان الآيات ، فلما أيده الله بجذبه ، ووارد ~~وجده نكص العدو على عقبيه ، واحترز من احتراقه بنيران مواجيده ، ويبقى ~~المريد بلا خيال في مشاهدة الجمال ، فتقول نفسه لشيطانه : أين أنت من ~~الوسوسة؟ PageV01P532 # فيقول : إني أرى ما لا يرون من عجائب مكاشفة الملكوت له ، وأخاف الله أن ~~يجعلني في جنس مجاهدته أسيرا بأسر هيبته ، وأيضا يوسوس نفس الولي بأنها ~~تغلب بشهواتها عليه بإعانته. # فلما رأى صولة جده ، واستعانته بربه ، ورميه إليها بأنفاس محبته يفر منه ~~، ويترك النفس أسيرة في يده ، ويقول : إني برئ منكم ، إني أرى ما لا ترون ~~أي : أخاف الله. # بين الله سبحانه أن الشيطان يرى ما لا يرى الآدمي من أحكام الملكوت بعد ~~ظهورها في هذا العالم ، وذلك أنه رأى قبل هذا العالم عجائب الملكوت ، ويريه ~~الله أنوار المؤمنين بتفريقه عنهم ، وقوله : ( إني أخاف الله ) أي ~~: إني أخاف عذاب الله ، وذلك بعد رؤية البأس ، ولا ms0530 ينفع ذلك ، ولو كان ~~متحققا في خوفه ما عصى الله طرفة عين. # قال الواسطي : ترك الذنوب على ضروب ، منهم من تركها حياء من نعمه كيوسف ~~عليه السلام ، ومنهم من تركها خوفا كإبليس ، حين قال تعالى : ( فلما ~~تراءت الفئتان نكص على عقبيه ) (1). # ( ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم وأن الله سميع عليم (53) كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا ~~بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين (54) إن ~~شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) الذين عاهدت منهم ثم ~~ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (56) فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم ~~من خلفهم لعلهم يذكرون (57) وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ~~إن الله لا يحب الخائنين (58) ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون (59)) # قوله تعالى : ( ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم ). # أخبر سبحانه عن مقام امتحان القوم حيث أراهم مقامات رفيعة ، وبلغهم إلى ~~بعضها ، ولم يعر شفاههم حقائقها ، ولم يوفقهم لأداء حقوقها ، وشكر مراتبها ~~، وأبقاهم في ذلك برهة من الدهر ، ثم حجبهم عنها قليلا بنعت الاستدراج ، ~~فبقوا مغيبين عن ملابس أنوار الملكوت ، PageV01P533 # وآثار الجبروت ، وهذا إذا كانوا غير مصطفين في الأزل بالولاية السابقة في ~~مشيئة الحكم ، بل هم مخذولون بحرمانهم الأزلي عن كمال البلوغ إلى معالي ~~درجات المعرفة مثل بلعام وبرصيصا وإبليس ، وحاشا من كرم الله العميم ، ~~وأفضاله القديمة أنه سلب أولياءه أنوار الولاية ، الذين سبقت لهم اصطفائيته ~~، بحسن عنايته في أزله ، وكنايته إلى أبده. # قال جعفر : ما دام العبد يعرف نعم الله عنده ، فإن الله لا ينزع عنه نعمه ~~، حتى إذا جهل النعمة ، ولم يشكر الله عليها إذ ذاك جزي بأن تنزع منه. # ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو ~~الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في ~~سبيل الله يوف إليكم وأنتم ms0531 لا تظلمون (60) وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل ~~على الله إنه هو السميع العليم (61) وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو ~~الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (62) وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض ~~جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم (63) يا أيها ~~النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64) يا أيها النبي حرض المؤمنين ~~على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة ~~يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون (65)) # قوله تعالى : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ): أعلم الله ~~المؤمنين والعارفين الاستعداد لقتال أعداء الله ، وسمى آلة القتال القوة ، ~~وتلك القوة قوة الإلهية ، التي لا ينالها العارف من الله إلا بخضوعه بين ~~يديه بنعت الفناء في جلاله ، فإذا كان كذلك يلبسه الله لباسا من الله ~~بخضوعه بين يديه بنعت الفناء في جلاله ، فإذا كان كذلك يلبسه الله لباس ~~عظمته ، ونور كبريائه وهيبته ، ويغريه إلى الدعاء عليهم ، ويجعله منبسطا ، ~~حتى يقول في همته وسره : إلهي خذهم ، فيأخذهم بلحظة ، ويسقطهم صرعى بين ~~يديه بعونه وكرمه ، ويسلي قلب وليه ، ويريحه من شرور معارضيه ومنكريه ، ~~وذلك سهم رمي بقوس الهمة عن كنانة الغيرة ، كما رمى نبي الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى منكريه ، حين قال : «شاهت الوجوه» (1). # وهذا الوحي من الله بقوله تعالى : ( وما رميت إذ رميت ولكن الله ~~رمى ). # سمعت أن ذا النون كان في غزو ، وغلب المشركون على المؤمنين ، فقيل له : ~~لو دعوت PageV01P534 # الله ، فنزله عن دابته وسجد ، فهزم الكفار في لحظة ، وأخذوا جميعا ، ~~وأسروا وقتلوا. # وأيضا اقتبسوا من الله قوة عن قوى صفاته لنفوسكم ؛ حتى تقويكم في ~~محاربتها وجهادها. # قال أبو علي الروذباري : «القوة» : هي الثقة بالله. # قيل : ظاهر الآية أنه الرمي بسهام القسي ، وفي الحقيقة رمي سهام الليالي ~~في الغيب بالخضوع والاستكانة ، ورمي القلب إلى الحق ، معتمدا عليه ، راجعا ~~عما سواه. # ثم بين أن المعول على الله ونصرته ، لا على السلاح والآلات ، بقوله تعالى ~~: ( هو الذي أيدك ms0532 بنصره وبالمؤمنين ) أي : قواك بقوته الأزلية ، ~~ونصرك بنصرته الأبدية ، ووفق المؤمنين بإعانتك على عدوك. # قال الواسطي : قواك به ، وقوى المؤمنين بك ، بل أيدك به ، وأيد المؤمنين ~~بنصرك ، ثم بين سبحانه أن نصرة المؤمنين لم تكن إلا بتأليفه بين قلوبهم ، ~~وجمعها على محبة الله ، ومحبة رسوله بعد تباينها بتفرقة الهموم في أودية ~~الامتحان ، بقوله : ( وألف بين قلوبهم ) أي : جمع أرواحها في بدء ~~الأمر على موارد شريعة المشاهدة ، ومشارع الحقيقة ، فائتلفت بعضها بعضا في ~~الحضرة القديمة عند مشاهدة الجليل جل جلاله ، فارتفعت من بينهم المناكرة ، ~~وبقيت بينهم المصادقة والمحبة والموافقة. # ثم تأكد ذلك الائتلاف بأنه لا يكون من صنيع الخلق ، ويكلف الاكتساب ، بل ~~من إلقائه نور الإسلام في قلوبهم ، وجمعه إياهم على متابعة نبيه بنظره ~~ولطفه ، بقوله تعالى : ( لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين ~~قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ): ألف بين الأشكال بالتجانس والاستئناس ؛ ~~لأنها من مصدر فطرته. # قوله : ( خلقت بيدي ) [ص : 75] وألف بين الأرواح بالتجانس ~~والاستئناس من جهة الفطرة الخاصة من قوله : ( ونفخت فيه من روحي ) ~~[ص : 72] ، وألف بين القلوب بمعاينة الصفة لها بإشارة قوله صلى الله عليه وسلم ~~: «القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن» (1). # وألف بين العقول بتجانسها ، وأصل فطرتها التي قيل فيها : العقل أول ما ~~صدر من البارئ ، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم : «أول ما خلق الله العقل» (2). # انصرف من مصدر الأزلية ، وألف بين الأسرار بمطالعتها الأنوار ، واتصال ~~الأنوار بها PageV01P535 # من الغيب ، بقوله : ( الذين يؤمنون بالغيب ) [البقرة : 3]. # قيل : أي يشاهدون أنوار الغيب ، فموافقة الأشباح من حيث تجانس مقاماتها ~~في الطاعات ، ورؤية الآيات ، والظفر بالكرامات ، وموافقة الأرواح بابتلائها ~~من مجانسة مقاماتها في المشاهدات ، وسلوكها في مسالك المراقبات والمحاضرات ~~، وموافقة القلوب من تجانس سيرها في الصفات. # فمن شاهد القدرة يأتلف بمن شاهد بقاءه في القدرة ، وكذلك مقام رؤية جميع ~~الصفات ؛ لأن سيرها في أنوار الصفات ، وموافقتها العقول من تجانس إدراك ~~أنوار الأفعال ، وتحصيلها سنا الحكميات من أصول الآيات ، وتدبرها وتذكرها ~~فيها بأنوار الهدايات ، وموافقة الأسرار من تجانس ms0533 مشاربها من مشاهدة القدم ~~، ومطالعة الأبد ، وكل سر يرد مشرب المعرفة ، أو المحبة والشوق ، أو ~~التوحيد ، أو الفناء ، أو السكر ، أو الصحو يستأنس بمن يكون شربه من مقامه ~~من الأسرار ، فسبحان الذي ألف بين كل جنس مع جنس ، رحمة منه وتلطفا. # قال صلى الله عليه وسلم في بيان ما شرحنا من ائتلاف هذه المؤتلفات ، ~~واستئناس هذه المستأنسات في مقام القربات قال : «الأرواح جنود مجندة فما ~~تعارف منها ائتلف» (1)، فائتلاف المريدين في الإرادة ، وائتلاف المحبين في ~~المحبة ، وائتلاف المشتاقين في الشوق ، وائتلاف العاشقين في العشق ، ~~وائتلاف المستأنسين في الأنس ، وائتلاف العارفين في المعرفة ، وائتلاف ~~الموحدين في التوحيد ، وائتلاف المكاشفين في الكشف ، وائتلاف المشاهدين في ~~المشاهدة ، وائتلاف المخاطبين في سماع الخطاب ، وائتلاف الواجدين في الوجد ~~، وائتلاف المتفرسين في الفراسة ، وائتلاف المتعبدين في العبودية ، وائتلاف ~~الواجدين في الوجد ، وائتلاف المتفرسين في الفراسة ، وائتلاف المتعبدين في ~~العبودية ، وائتلاف الأولياء في الولاية ، وائتلاف الأنبياء في النبوة ، ~~وائتلاف المرسلين في الرسالة ، فكل جنس يستأنس بجنسه ، ويلحق بمن يليه في مقامه. # قال بعضهم : ألف بين قلوب المرسلين بالرسالة ، وقلوب الأنبياء بالنبوة ، ~~وقلوب الصديقين بالصدق ، وقلوب الشهداء بالمشاهدة ، وقلوب الصالحين بالخدمة ~~، وقلوب عامة المؤمنين بالهداية ، فجعل المرسلين رحمة على الأنبياء ، وجعل ~~الأنبياء رحمة على الصديقين ، وجعل الصديقين رحمة على الشهداء ، وجعل ~~الشهداء رحمة على الصالحين ، وجعل الصالحين رحمة على عامة عباده المؤمنين ، ~~وجعل المؤمنين رحمة على الكافرين. # وقال أبو سعيد الخراز : ألف بين الأشكال ، وغير الرسوم لمقام آخر ، فكل ~~مربوط بمنحته ، ومستأنس في أهل نحلته. PageV01P536 # وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : «الأرواح جنود مجندة» (1). # ثم أن الله سبحانه امتن على نبيه بأنه حسبه في كل مراد له منه ، وحسب ~~المؤمنين بما يريدون منه ، وأفرد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والمؤمنين ~~؛ لتبريهم من حولهم وقوتهم ، حيث ضمن دفع العدوان عنهم بنصرته وأزليته ، ~~بقوله تعالى : ( يا أيها النبي حسبك الله ). # أولها مننت عليك بائتلاف قلوب المؤمنين في نصرتك ، فلا تلتفت إليهم في ~~محل التوحيد ، فإني حسبك وحدي ms0534 بغير معاونة الخلق ، فينبغي أن تفرد القدم عن ~~الحدوث في سيرك مني إلي ، وأنا حسب المؤمنين عن كل ما دوني ، وإن كان ملكا ~~مقربا ، أو نبيا مرسلا ، ولا ينبغي في حقيقة التوحيد النظر إلى غيري ، وإن ~~كان مني ، وفي هذه الإشارة قد أشار بقوله سبحانه في وصف كبرياء مجالسه من ~~المقربين ، بقوله : ( ما عليك من حسابهم من شيء ) [الأنعام : 52]. # قال الواسطي : حسبك بالله وليا وحافظا وناصرا ، ومن اتبعك من المؤمنين ، ~~فالله حسبهم. # ( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة ~~صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع ~~الصابرين (66) ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض ~~الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم (67) لو لا كتاب من الله سبق ~~لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68)) # قوله تعالى : ( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ): كل ~~مسامحة من الله في المجاهدة تكون من كشف المشاهدة. # فالمستأنس بالله يكون خفيف القلب ، خفيف البدن ، خفيف الحل ، شريف الهمة ~~، لا يحتمل مع أنوار مشاهدته كثرة أثقال العبودية ، فيخفف الله بأوليائه ~~رحمة عليهم ، وتلطفا منه عليهم ؛ ليزيد روح قلوبهم من المراقبة والاستئناس ~~من المحاضرة ، ولذلك أكرم نبيه عليه السلام بأن رفع مشقة كثرة العبودية عنه ~~حين تورمت قدماه من كثرة العبادة ، بقوله تعالى : ( طه (1) ما ~~أنزلنا عليك القرآن لتشقى ) [طه : 1 ، 2] ، بعد أن كان في البداية قد أقامه ~~في أجواف الليالي لخدمته ، بقوله : ( يا أيها المزمل (1) قم الليل ~~إلا قليلا ) [المزمل : 1 ، 2]. PageV01P537 # ثم من على أصحابه حين بلغوا هذه الرتبة ، بقوله تعالى : ( الآن ~~خفف الله عنكم ) أي : ما تفعلون بقوتكم في المجاهدات والجهاد ، فأنصركم ~~بقوتي ، وأريحكم بكشف مشاهداتي عن مشقة المجاهدة ، وما أفعل لكم خير مما ~~تفعلون لأنفسكم. # قال ابن عطاء : ما في السماء لا يوجد إلا بالافتقار ، وما في الأرض لا ~~يوجد إلا بالاضطرار. # وقال النصر آبادي : هذا التخفيف كان للأمة دون الرسول عليه السلام ، ومن ~~لا تثقله حمل ms0535 أمانة النبوة كيف يخاطب بتخفيف اللقاء للامتداد ، وكيف يخاطب ~~به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو الذي يقول : «بك أصول وبك أجول» (1). # ومن كان به كيف يخفف عنه ، أو يثقل عليه؟ # قوله تعالى : ( تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ). # أخبر سبحانه عن سر فطرة النفس الأمارة التي من حيلة ما إن تميل في أكثر ~~الأوقات إلى شهواتها ، وذلك ميلان النفس ، لا ميلان القلب. # أخبر عن الخطرات دون الوطنات ، وحاشا أنهم يريدون عرض الدنيا ، ولا ~~يريدون مشاهدة الحق ، ولقاء الآخرة لكن ما مسامحهم الله في حرمان تلك ~~الخواطر لقدس أسرارهم ، وطهارة نياتهم في معرفته وخدمته ، ألا ترى كيف حذر ~~نبيه صلى الله عليه وسلم مع جلالته عن النظر إلى عرض الدنيا ، بقوله : ( ~~ ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ) [الكهف : 28] ، وقال ~~تعالى : ( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ) [طه : 131] أي : ~~تريدون الرفاهية في المجاهدة من قبيل خاطر النفس ، وأنا أريد بكم كشف ~~مشاهدة الآخرة ، ووصولكم إلى مقام القربة والمشاهدة. # قال جعفر : ما يريد الله لكم خير مما تريدون لأنفسكم. # ( فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم ~~(69) يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم ~~خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (70) وإن يريدوا ~~خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم (71) إن الذين ~~آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا ~~أولئك بعضهم أولياء بعض PageV01P538 # والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ~~وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله ~~بما تعملون بصير (72) والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة ~~في الأرض وفساد كبير (73)) # قوله تعالى : ( فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ): أمر الله سبحانه ~~بأكل الحلال الطيب ، الذي يتولد من كشف الحلال مثل الجهاد ، وذلك أن لقمة ~~الحلال معجونة بنظر لطفه ، تقوي أبدان الصديقين ، وقلوب المقربين ، وأرواح ms0536 ~~المحبين ، ولا يتولد منه الأمان فيها معجونا ، وهو لطف الباري سبحانه ، ~~ويهيجه إلى طهارة القلب من الوسواس ؛ لأن الحرام ميراث الشيطان ، وهم ~~يتبعون ميراثهم ، ويطلبون عوضه حال الصادق وإيمانه. # قال جعفر : «الحلال» : ما لا يعصى الله فيه ، و «الطيب» : ما لا ينسى الله فيه. # وقال بعضهم : «الحلال» : ما أخذته عن ضرورة ، و «الطيب» : من الحلال ما ~~أثرت به مع الحاجة والفاقة. # وقال بعضهم : «الحلال» : ما يظهر لك من غير سبب ، و «الطيب» : ما يبدو لك ~~من السبب ، وما أرى من الفرق بين الحلال والطيب أن الحلال ما تأكل في ~~المجاهدة ، والطيب ما تأكل في المشاهدة ، وأيضا الحلال ما لم يحك الصدر ، ~~والطيب ما يروح القلب. # قال صلى الله عليه وسلم في هذه الإشارة : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، ~~واستفت قلبك ولو أفتاك المفتون» (1). # وقال صلى الله عليه وسلم : «الإثم ما حاك صدرك» (2) # وأيضا «الحلال» : ما يتعرض لك من الغيب بمراقبتك وانتظارك ، و «الطيب» : ~~ما يبدو لك من الغيب بغير مراقبتك ، واستشراف نفسك. # وقال الأستاذ : «الحلال» : ما كان مأذونا فيه ، و «الحلال الطيب» : أن ~~تعلم أن ذلك من قبل الله فضل لك من قبله ، لا استحقاق. # ( والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ~~ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم (74) والذين آمنوا من ~~بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب PageV01P539 # الله إن الله بكل شيء عليم (75)) # قوله تعالى : ( والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله ): ~~الذين شاهدوا بأرواحهم مشاهدة الأزل ، حين عرف سبحانه نفسه لها بتحقيق ~~الخطاب ، بقوله تعالى : ( ألست بربكم ) [الأعراف : 172]. # قالوا : بلى ، فصحبتها أنوار مشاهدته من الأزل إلى الأبد بنعت المعاينة ، ~~وحلاوة السماع ، ومواجيد واردات القرب ، مع اتصال نور الغيب على السرمدية ، ~~وهاجروا عن حظوظ طباعها من الأكوان والحدثان ، وجاهدوا في مكابدتها في محل ~~الامتحان مع النفس ، والشيطان لرضا الرحمن ، وخوف الهجران ، فلما اتصفوا ~~بهذه الأوصاف حصل لهم حقائق الإيمان والعرفان ، وسماهم محققين في الإيقان ، ~~بقوله : ( أولئك ms0537 هم المؤمنون ). # ثم ذكر امتنانه عليهم بغفرانه حركات ضمائرهم في وقت الامتحان ، وتقصيرهم ~~في حقيقة العرفان ، وكشف جماله لهم في مرآة البرهان ، بقوله : ( ~~لهم مغفرة ورزق كريم ): سترهم عن عين القهر ، حتى لا تصل إليهم ضرب عين ~~القهريات ، ورزقهم رزق قربه بكشف المواصلات. # قال أبو يزيد : جهاد النفس في هجرانها نزعها عن المألوفات ، وإجراؤها على ~~سبيل الله بإسقاط العلائق عن المال والأهل ، وذلك قوله تعالى : ( ~~وهاجروا وجاهدوا ). # وقال بعضهم : أي : فارقوا قرناء السوء ، والأعمال القبيحة ، والدعاوى ~~الباطلة. # قال بعضهم : آمنوا ببذل القلوب لله ، وهاجروا ببذل الأملاك لله ، وجاهدوا ~~، وابذلوا الروح لله في سبيل الله ، فمن بذل قلبه لمحبته ، وبذل ملكه لرضاه ~~، وبذل نفسه وروحه لإعزاز دينه كان محبا حقيقة ، ومن كان محبا حقيقة كان ~~مؤمنا حقا. # قال أبو بكر الوراق : فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بشيئين : بصحبتهم ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم والمجاهدة معه ، وهجرانهم إلى الله بالسرائر ، ~~وغربتهم مع أنفسهم. # ألا ترى الله تعالى يقول : الذين أمنوا من طوارق الخذلان ، وهاجروا ~~بقلوبهم في ملكوت الغيوب ، وجاهدوا أنفسهم على طاعة رسوله : ( ~~أولئك هم المؤمنون حقا )، حقيقة إيمانهم ما قدم من الثناء عليهم ، والله أعلم. # قوله تعالى : ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن ~~الله بكل شيء عليم ). # بين سبحانه أن ميراث الأولياء والصديقين من العلوم الغيبية ، والحكم ~~الغريبة ، PageV01P540 # والأنباء العجيبة ، وبيان المكاشفات والمشاهدات ، وأسرار الجذبات ، ~~وأحكام المواجيد والواردات ، ولطائف المقامات ، والسير في المجاهدات لا يصل ~~إلا إلى المريدين الصادقين ، والطالبين الموفقين ، والقاصدين المودين ، ~~والمحبين ، والمستغرقين في أنوار الأذكار ، والطيارين من المشتاقين بأجنحة ~~الأفكار ؛ لأنهم في محاضر الولايات خرجوا برسم الأرواح جميعا من معادن ~~الأفراح ، وأظهروا من أرحام العدم بتجلي القدم ، ومن لم يكن عنهم من أهل ~~الدعاوي والمترسمين ، لم يصل إليه ميراث بلابل بساتين الملكوت ، وعنادل ~~رياض الجبروت. # ولا يعرف ألحان تلك الأطيار إلا طير يطير بجناح الرسالة والمحبة ، ~~والنبوة ، والولاية الأذى كيف وصف الله سبحانه خليفة ملكه سليمان صلوات ~~الله عليه ، حيث نشر فضائل ms0538 ما من الله عليه ، بقوله : ( علمنا منطق ~~الطير وأوتينا من كل شيء ) [النمل : 16]. # نسب إليهم بطريق من هذه الطرق ، فهو نسبهم في الولاية ، وله منهم ميراث ~~علوم الحقيقة ، وأن الله سبحانه بين في كتاب الأزل ، بقوله في كتاب الله ~~قسمت أرباب هذه المواريث. # قال عليه السلام في هذه الإشارة : «العلماء ورثة الأنبياء» (1)، ورثوا ~~علومهم بقدر حواصلهم وفهومهم وأحوالهم ، وسرعة سيرهم في الملكوت ، ~~واقتباسهم أنوار الجبروت ، أولئك هم إلهيون ، ورثوا نعيم مشاهدته ، وهم ~~فيها خالدون ، ثم أثنى على نفسه أنه كان عالما في الأزل باختياره هؤلاء ~~الصديقين بهذه الكرامات ، محيطا بعلمه على اصطلاحهم بعد إيجاده إياهم بوصف ~~قبولهم هذه الكرامات ، بقوله تعالى : ( ولقد اخترناهم على علم على ~~العالمين ) [الدخان : 32] ، وبقوله في تمام السورة : ( إن الله بكل ~~شيء عليم ) أي : «عليم» : بما أبدى لهم من الاصطفائية الأزلية ، وما يبدو ~~منهم من سنيات طاعته ، والزفرات في شوقهم إلى لقائه إلى الأبد ، والله أعلم. ### |PARATEXT| # تم الجزء الأول # ويليه الجزء الثاني ، وأوله : # سورة التوبة PageV01P541 ### |EDITOR| # | فهرس المحتويات # التقديم.............................. 3 # ترجمة الشيخ ................ 5 # نماذج من صور ............. 9 # مقدمة المصنف..................... 11 # سورة فاتحة الكتاب................. 15 # سورة البقرة......................... 27 # سورة آل عمران................... 123 # سورة النساء...................... 227 # سورة المائدة...................... 292 # سورة الأنعام...................... 343 # سورة الأعراف.................... 411 # سورة الأنفال..................... 508 # فهرس المحتويات................... 542 PageV01P542 ![](https://books.rafed.net/Books/3976_tafsir-araes-albayan-02/images/image001.gif) PageV02P001 ### | سورة التوبة # ( براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) ~~فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي ~~الكافرين (2) وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء ~~من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير ~~معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم (3) إلا الذين عاهدتم من المشركين ~~ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ~~إن الله يحب المتقين (4) فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم (5) وإن ms0539 أحد من المشركين ~~استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ~~(6) كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند ~~المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين (7)) # ( براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ) # افهم أن الوفاء بالعقود ، وعهود المعرفة والمحبة والعبودية ، لا يأتي إلا ~~ممن شاهد الربوبية حين خرج من العدم بنور القدم ، ومن خلا من المحبة ، وعشق ~~القديم فليس له عهد ، والوفاء بالعقد. # وكيف يكون منهم الوفاء وهم عن ساحة الكبرياء مطرودون إلى الأبد هم من ~~وصال الحق غير مقبولين ، قد برء الحق من أهل الرعونات الذين يعبدون أنفسهم ~~وهواها ، والدنيا وزينتها وجاهها ، وقبولها ألزمهم سمات الفراق ؛ لخروجهم ~~من عهد الأزل والميثاق ، يا ليتهم لو أعلموا أداء الفرقة لفنوا من آلام ~~البعد ، وأي داء أشد من داء الفراق ، وأنشد في هذا المعنى : # وكل مصيبات الزمان رأيتها %~% سوى فرقة الأحباب هينة الخطب # تقبل الله ورسوله كل عذر سوى الشرك ؛ لأن الشرك ظلم عظيم ، حيث ساوى ~~الحدث بالقدم ، ووقعت الفرقة بالبداهة بعد العهود. PageV02P003 # وما أشد ذلك لا سيما إذا كانت بغتة على غير رقبة في أزمنة السليمة : # فتنبأ بخير والدنا مطمئنة %~% وأصبحت يوما والزمان تقلبا # كانوا في زمان العهود على رجاء الوصول ، فجازتهم طوارق الغيرة ، وأسقطتهم ~~عن نيل المنية ، وكأن سراج الوصل أزهر بيننا ، فبهت به ريح من البين ~~فانطفأ. # ثم أن الله سبحانه رأى نقض عهودهم بعد أن أمهلهم في زمان يمكن تدارك ما ~~أفاقوا ، وذلك ما قال : ( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) (1). # وأشفع عليهم بنقض العهد بين جمهور الخلائق ، بقوله : ( وأذان من ~~الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ): عرف عباده يوم عيد الأكبر يعني ~~: يوم كانت الأرض والسماء واحدا ، بل العرش والكرسي والأرض سواء لكشوف ~~جلاله لنبيه وأوليائه. # قال عليه السلام : «إذا كان يوم عرفة إن الله تبارك وتعالى ينزل إلى ~~السماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة ...» (2). # بأنه تعالى برئ من المشركين المحجوبين ms0540 بهواهم عن الله ورسوله ، برئ منهم ~~؛ لأن الحبيب يوافق حبيبه في كل مراده ، وهكذا يقتضي غيرة التوحيد. # قال ابن عطاء : كل من أشرك مع الله فيما لله غير الله فهو منه بريء ، ثم ~~من كرمه ورحمته ما أخرجهم عن مربع الرجاء بالكلية ، وما قطع حبال الوصال ~~بالجملة حين استتابهم بقوله : ( فإن تبتم فهو خير لكم ) أي : إن ~~رجعتم من حظوظ أنفسكم من الدنيا إلى حظوظ قلوبكم من مشاهدتي ، فهو خير لكم ~~، فإن الخير كل الخير في وصالي وقربتي. # و «التوبة» عند أهل الإشارة : ذهاب الحدثان على الجنان عند مشاهدة قدم ~~الرحمن. # قال أبو عثمان : التوبة مفتاح كل خير ( فإن تبتم فهو خير لكم ). # ( كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم ~~بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون (8) اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ~~فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون (9) لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ~~ذمة وأولئك هم PageV02P004 # المعتدون (10) فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم ~~في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون (11) وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم ~~وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون (12) ~~ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة ~~أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين (13) قاتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (14) ويذهب غيظ قلوبهم ~~ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم (15) أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم ~~الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين ~~وليجة والله خبير بما تعملون (16) ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ~~شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون (17)) # قوله تعالى : ( لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ): وصف الله ~~سبحانه المخالفين بأن ليس لهم رعاية أهل الجنة ، ولا يحترمون أهل المعرفة ؛ ~~لقلة معرفتهم بحرمات أهل الحضرة ، وما من الله عليهم من الكرامات السنية. # قال محمد بن الفضل : حرمة المؤمن أفضل الحرمات ms0541 ، وتعظيمه أجل الطاعات ، ~~قال الله تعالى : ( لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ). # قوله تعالى : ( أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ): ~~بين الله تعالى أن من يخشى غير الله ، فلا وزن له في المعرفة ، صغر الأعداء ~~في عيون الأولياء ؛ لئلا يفزعوا منهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ~~وملأ قلوبهم من أنوار هيبته وإجلاله ، وحذرهم من المداهنة في الدين ، ~~وعرفهم عجز الخلق بعد تعريفهم عزته وجلاله ، أي : تخشونهم ، وهم هباء في ~~بطش قهر ربوبيتي ، فأنا أهل أن تخشوا مني ، فإني بوصف الجبروت قهار قهر كل ~~من يبارزني في محاربة أوليائي ، وأضاف خشيتهم إلى نفسه بلفظ الجمع على معنى ~~الذات والصفات ، ألا ترى إلى قوله : ( فالله أحق أن تخشوه ): اسم ~~الله : اسم عين الجمع ، وهو عين الذات والصفات. # قال بعضهم : الخشية للذات ، والخوف للصفات. # قال الله : ( أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه ). # وقال : ( ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ) [الرعد : 21]. PageV02P005 # قوله تعالى : ( أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا ~~منكم ): خاطب المدعين الذين يظنون أن الحقيقة تحصل بمجرد الدعوى دون ~~التحقق بالمعنى بالتفريع عند حسابهم ومخاييلهم ، وعرفهم أن من لم يكن باذلا ~~لوجوده لله ، مخلصا في معرفته بنعت زوال عوارض البشرية ، والصدق في صحبته ~~أهل الولاية ، فهو على غلط من حسبانه ، وفي سهو من حسابه ، وذلك تمام الاية ~~بقوله : ( ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ) ~~(1)، ثم حذرهم عن دعوى المحال ، وما في ضمائرهم من غبار الخيال ، بقوله : ~~( والله خبير بما تعملون ). # ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين (18) ~~أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد ~~في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين (19) الذين ~~آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله ~~وأولئك هم الفائزون (20)) # قوله تعالى : ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ): جمع الله ms0542 ~~سبحانه جملا من الخصال الحميدة من الفرائض والسنن ، والإيمان والمعرفة ، ~~والثقة بوجوده فيمن يجوز له عبارة مجالس أنس العارفين والمحبين والعابدين ~~والمطمئنين والمراقبين. # وتلك العمارة تكون بخلو قلبه عما دون الله عند دخوله في مساجد الله ، ~~وطهارة سره عن شواغل الطبيعة ، وغبار الوسوسة. # قال بعضهم : عمارة المسجد بعمارة القلب عند دخوله بصدق النية ، وحسن ~~الطوية وطهارة الباطن لله ، كما طهرت ظاهرك بأمر الله ، ودخول المسجد ~~بالخروج عن جميع الأشغال والموانع ، فذلك من عمارة المساجد. # ( يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم (21) ~~خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم (22) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا PageV02P006 # آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن ~~يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون (23) قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم ~~وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها ~~أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ~~والله لا يهدي القوم الفاسقين (24)) # قوله : ( يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم ~~مقيم ): أن الله سبحانه وصف المهاجرين في الاية المتقدمة ، بخروجهم مما ~~دون الله لوجدان رضوانه ، وبشارته بلقائه وغفرانه ، وهو تعالى لما وجدهم ~~أسارى سلب مشاهدته ، ومقيدين بأسر محبته ، ولم ير في قلوبهم من العرش إلى ~~الثرى غير أنوار الإيقان والعرفان ، بشرهم بنفسه بلا واسطة ، وإذا كان ~~المبشر واسطة بين الأحباب والحبيب ، فهو عظيم كما قيل : # لو لا تمتع مقلتي بلقائه %~% لوهبتها لمبشري بإيابه # لا سيما والحبيب هو مبشرهم بنفسه ، وبشارته خطاب مع كشف المشاهدة ، ومن ~~يطيق أن يسمع بشارته بوصاله مع كشف جماله أن يبقى عند حسن شهوده ، ولذة ~~خطابه ، وهذا كما أنشد : # تراءيت لي بالغيب حتى كأنما %~% تبشرني بالغيب أنك بالكف أراك وبي من هيبتي لك وحشة %~% فتؤنسني باللطف منك وتحيي محيا أنت في الحب حتفه %~% وإذ أعجب كون الحياة مع الحتف # بشرهم برحمته ، ورحمته كشفت جماله بلا حجاب ، وهو أول درجة العارفين ، ثم ~~بشرهم بالرضوان ، وهو الوصال بنعت المؤانسة بلا كدورة الهجران ، ثم ms0543 بشرهم ~~بدخولهم في جنات قربات الصفات والذات ، بنعت تحصيل علوم الأزال والاباد من ~~رؤيتها ، والبقاء في نعيمها بنعت الدواء ، وأي نعيم ، وأي جنة أشرف من تجلي ~~جلاله ، وجماله لعرفانه. # بشر المؤمنين بالرحمة ، وبشر المطيعين بالجنة ، وبشر العارفين بالرضوان ~~والوصلة ، وأيضا بشر التائبين بالرحمة ، وبشر الصادقين بالمشاهدة ، وبشر ~~المحبين بالمجاورة. # قال أبو عثمان : هو الذي يستجلب رضوانه ، ورضوانه يوجب مجاورته ، ~~ومجاورته توجب النعيم الدائم. # قال الله : ( يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم ~~مقيم ). ويقال : إن القلوب مجبولة على حب من يبشر بالخير ، فأراد الحق ~~سبحانه أن تكون محبة العبد PageV02P007 # له سبحانه على الخصوص ، فتولى بشارته بعزيز خطابه من غير واسطة ، فقال : ~~( يبشرهم ربهم ). # ( لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ~~فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) ثم ~~أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين ~~كفروا وذلك جزاء الكافرين (26) ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله ~~غفور رحيم (27) يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن ~~الله عليم حكيم (28) قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (29) وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت ~~النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل ~~قاتلهم الله أنى يؤفكون (30)) # قوله تعالى : ( لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ ~~أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ): أخبر سبحانه أن الأولياء والأصفياء ~~لا تخلو قلوبهم من قوارع خطرات الامتحانية ، مع شرفهم بالولاية ، ~~واصطفائيتهم بالكرامة ؛ ليعلم الحق أن ولايتهم غير مكتسبة بالأعمال ، وهذا ~~تعريفه تعالى مواضع نعمه لهم ، واختياره لهم المنازل الرفيعة في الأزل ، ~~ومعنى الاية أي : حيث تبرأتم من حولكم وقوتكم ، وافتقرتم ms0544 إلي ، وفررتم مني ~~إلي ، ونصرتكم على عدوكم بحولي وقوتي حين شاهدتم عزة أزليتي ، وجلال أبديتي ~~، وحين نظرتم إلى حولكم وقوتكم ، واحتجبتم بها عن مشاهدة قدرتي تركتكم مع ~~أنفسكم. # قال جعفر : استجلاب النصر في شيء واحد ، وهو الذل والافتقار والعجز ، ~~لقوله : ( لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ): لم تقوموا فيها ~~بأنفسكم ، ولم تشهدوا قوتكم وكثرتكم ، وعلمتم أن النصر لا يوجد بالقوة ، ~~وأن الله هو الناصر المعين ، ومتى علم العبد حقيقة ضعفه نصره الله ، وحلول ~~الخذلان بشيء واحد ، وهو العجب. # قال الله تعالى : ( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم ~~شيئا )، فلما عاينوا القدر من أنفسهم دون الله ، رماهم الله بالهزيمة ، ~~وضيق الأرض عليهم. PageV02P008 # ( ثم وليتم مدبرين ): موكولين إلى حولكم وقوتكم وكثرتكم ، فلما ~~رأى تقصيرهم بصرف عيونهم عن مشاهدة الله إلى أنفسهم طرفة عين ، وندموا على ~~ذلك ، ورجعوا بعد الامتحان إلى ساحة الرحمن ألبسهم الله أنوار قربه ، ~~وكساهم سنا قدرته وهيبته ، ولذت قلوبهم بحسن عنايته حتى قويت بها في ~~احتمالها أثقال عبوديته (1)، وبين ذلك بقوله سبحانه : ( ثم أنزل ~~الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ): والإشارة فيه إلى أن قلب نبيه ~~صلى الله عليه وسلم كان لم يخل أيضا من شواهد امتحانه ؛ لأن الحق حق ، والخلق ~~خلق ؛ ولذلك قال : ( أنزل الله سكينته على رسوله ). # كان عليه الصلاة والسلام في مثل ذلك يقول : «إنه ليغان على قلبي ، وإني ~~لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة» (2). # ( سكينته ): زيادة أنوار كشف مشاهدة الله له حين خاف من مكر ~~الأزل ، فأراه الله اصطفائيته الأزلية ، وأمنه من مكره لا أنه ينظر من الحق ~~إلى نفسه طرفة عين ، لكن إذا غاب في بحار القدم لم ير للحدث أثرا ، ورأى ~~الحدثان متلاشية في قبض بطش العظمة ، ففزع منه به ، فاواه الله منه إليه ~~حتى سكن به عنه سكينته بالدنو ، حيث قال : ( ثم دنا فتدلى ) [النجم ~~: 8] ، وثباته بدنو الدنو ، بقوله تعالى : ( فكان قاب قوسين أو ~~أدنى ) [النجم : 9] ، فلما وصفه بالمرتبة الأعلى ، والمشاهدة الأدنى ، ~~وسكينة قربه الأصفى ، زاد في وصفه حين لم ms0545 ير في مشاهدة القدم ما خرج من ~~العدم ، بقوله : ( ما زاغ البصر وما طغى ) [النجم : 17] سكينته ~~كانت من رؤية الذات ، وسكينة المؤمنين من رؤية الصفات. # قال بعضهم : السكينة التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم هي التي ~~أظهر عليها ليل المسرى عند سدرة المنتهى ، فما زاغ ، وما طغى ، بل السكينة ~~إقامة مقام الدنو ، بحسن الأدب ناظرا إلى الحق ، مستمعا منه ، مثنيا به ~~عليه ، بقوله : «التحيات لله» (3). # والسكينة التي نزلت على المؤمنين ، هي سكون قلوبهم إلى ما يأتيهم به ~~المصطفى صلى الله عليه وسلم من PageV02P009 # وعد ووعيد ، وبشارة وحكم. # وقيل : السكينة المقام مع الله بفناء الحظوظ. # قال الأستاذ : السكينة استحكام القلب عند جريان حكم الرب بنعت الطمأنينة ~~، وبخمود آثار البشرية بالكلية ، والرضا بالبادي من الغيب من غير معارضة ~~واختيار. # ويقال : السكينة الفرار على بساط الشهود بشواهد التأديب ، بإقامة صفات ~~العبودية من غير لحوق مشقة ، ولا تحرك عرق بمعارضة حكم ، وذكر تمام نعمه ~~بإنزال الملائكة عليهم بقوله : ( وأنزل جنودا لم تروها ). # وفي لطيف الإشارة «الجنود» : روادف آثار قوة تجلي الحق بغير الاحتجاب ، ~~ونعت الانقطاع. # قال الأستاذ : الجنود ههنا وفود اليقين ، وزوائد الاستبصار ، ثم إن الله ~~سبحانه وصف من كان مجبولا في الأزل بسمة السعادة ، وبقي في حجاب النكرة ، ~~يخرجه بأنوار سوابق حكمه من ظلمات قهره ، بقوله تعالى : ( ثم يتوب ~~الله من بعد ذلك على من يشاء ): كشف لهم ما غاب عنهم من أنوار معدن الغيب ~~، وهداهم بها إلى محل شهود الحضرة ، ومن عليهم بكشف المشاهدة ، وأوصلهم ~~إليه بالرحمة ، وسترهم بوصله عن غير الفرقة ، وذلك قوله : ( والله ~~غفور رحيم ): ما أكرم مولانا تعالى سبقت رحمته ومغفرته لعباده في الأزل ، ~~مع علمه بما يبدو منهم من العصيان ، ولم يكن عليهم غضبا ، ولم يسلب منهم ~~غفرانا ، سبحانه ما ألطفه سبحانه. # قال الأستاذ : ردهم من الجهل إلى حقائق العلم ، ثم نقلهم من تلك المنازل ~~إلى مشاهد اليقين. # ثم إن الله أعلمنا بفضله أن من لم يكن خاطره مطهرا بمياه التوحيد من بحر ~~التفريد من ms0546 أدناس الوساوس ، ورياء الناس لا يصلح لمقام القرب والاستئناس ، ~~بقوله : ( يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا ~~المسجد الحرام ): بين أن من بقي في قلبه في عبودية خالقه نظر إلى غيره ، ~~أو إلى نفسه لا يجوز أن يدنو من مجالس أوليائه ، فإن صحبته تشوش خواطرهم ، ~~وتنجس بنفسه أنفاسهم ، وحذر العارفين أيضا من صحبة المخالفين ؛ لأنهم غرائس ~~الله ، ولا يجوز أن ينظر إليهم. # قال الجنيد : الصوفية أهل بيت لا يدخل فيهم غيرهم ، والإشارة فيه أيضا أن ~~من عكس فيه آثار قهر القدم ، أوقعه في بحر رؤية النفس ، وتلك الرؤية نجاسة ~~بقيت في قلبه ، ولا يقرب بها من مواقف القدسية من عالم الملكوت والجبروت. # قال أبو صالح حمدون : المشرك في عمله ، من يحسن ظاهره لملاقاة الناس ، ~~ومجاورتهم PageV02P010 # ويظهر للخلق أحسن ما عنده ، وينظر إلى نفسه بعين الرضا عنها ، بما أظهر ~~عليها من زينة العبادات ، وينجس باطنه بمخالفة ما أظهره من الرياء والشهوات ~~، وسائر المخالفات ، فذاك المشرك في عبادته ، النجس باطنه ، ولا يصلح لبساط ~~القدس إلا المقدس ظاهرا وباطنا ، سرا وعلنا ؛ لأن الله تعالى قال : ( ~~ إنما المشركون نجس )، ومن كان نجسا ، فإن الأمكنة لا تطهره ، وستر ~~الظاهر عليه لا ينظفه. # وقال الأستاذ : فقدوا طهارة الإسرار بماء التوحيد ، وبقوا في قذرات ~~الظنون والأوهام ، فمنعوا قربان المساجد التي هي مشاهد القرب. # ثم إن الله سبحانه وعد العارفين بأن يكسوهم كسوة غنى بقائه ؛ حتى لا ~~يحتاجوا للنظر إلى سواه بقوله تعالى : ( وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم ~~الله من فضله ) (1): إذا أخرجتم أهل الدنيا من بين سفير الأعلى من ~~المقربين الذين نعوتهم الفقر ، وسماتهم التصوف والعبادة ، ويخطر على قلوبكم ~~انقطاع مواساتهم لكم ، فأنا أغنيكم عما سواي ، وأرزقكم من غير وسيلة ~~تحتجبون بها عني. # قال الأستاذ : توقع الإرفاق من الأسباب ، من قضايا انغلاق باب التوحيد ، ~~ومن لم يفرد معبوده بالقسمة يبقى في فقر سرمدي. # ويقال : من أفلح بعفو وكرم مولاه ، واستمطر سحاب جوده غناه عن كل سبب ، ~~وكفاه كل تعب ، وقضى له كل سؤل وأرب ، وأعطاه ms0547 من غير طلب. # ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ~~وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) ~~يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره ~~الكافرون (32) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~ولو كره المشركون (33) يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ~~ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين PageV02P011 # يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب ~~أليم (34) يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ~~هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35)) # قوله تعالى : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ): عبر من بقي ~~في رؤية المقتدى عن رؤية الحق ، وإن كان وسيلة منه ، فكان في إفراد القدم ~~من الحدوث إلى النظر إلى الوسائط شرك ، وتصديق ذلك تمام الاية قوله تعالى : ~~( وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا ): غيرة الوحدانية ما أبقت في ~~البين غير أمن الشواهد والايات ، وجميع الخلق. # قال الله تعالى : ( قل الله ثم ذرهم ) [الأنعام : 91] ، ولما رأى ~~عليه السلام غيرة القدم على شأن استهلاك الغير ، زجر من مدحه ، وتجاوز في ~~المدح ، فقال صلى الله عليه وسلم : «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح» (1)، ~~وتحرك في تفريد سره من رفع الحدثان ، حين تكلم في الصحو بعد السكر ، وأخبر ~~عن فناء الكل في الكل ، وقطع مسالك الصورة عن إفراد القدم ، بقوله ~~صلى الله عليه وسلم : «لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ، ولا نبي مرسل» ~~(2)، بعد أن كان مأمورا بمتابعة الخليل عليه السلام ، بقوله تعالى : ( ~~ أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ) [النحل : 132]. # قال أبو يزيد في «مقالة التوحيد» : إياك أن تلاحظ الحبيب والكليم والخليل ~~، وتجد عند الله سبيلا. # وسئل الشبلي عن وصف جبرائيل عليه السلام ، فقال : والله ما خطر على قلبي ~~منذ شهر أن الله خلق جبرائيل ، وأخبر عن فناء شهوده في شهود الله. # قال بعضهم في هذه الاية : سكنوا إلى أمثالهم ms0548 ، فطلبوا الحق من غير مكانه ~~، وطرق الحق خلق جبرائيل ، وأخبر عن فناء شهوده في شهود الله. قال بعضهم في ~~هذه الاية : سكنوا إلى أمثالهم ، فطلبوا الحق من غير مكانه ، وطرق الحق ~~واضحة لمن كمل بنور التوفيق ، وأبصر سبل التحقيق ، ومن عمي عن ذلك كان ~~مردودا عن طريق الحق إلى طرق الضالين من الخلق. # وقد وقع أنهم معيرون وموبخون بقلة عرفانهم أهل الحقائق ، وركونهم إلى أهل ~~التقليد ، وسقطوا عن منازل أهل التوحيد في التفريد ، وهكذا شأن من اقتدى ~~بالزراقين من أهل السالوس المتزينين بزي المشايخ والعارفين المتحققين ، ~~وتخلف خلف الجامعين للدنيا ، الذين يقولون : نحن أبناء المشايخ ، ونحن ~~رؤساء الطريقة ، يضحك الله الدهر ملجأهم حيث علموا أن الولاية بالنسب ، ~~حاشا أن من لم يذق طعم وصال الله ، وقلبه معلق بغير الله يكون PageV02P012 # من أولياء الله. # قال الجنيد : إذا أراد الله بالمريد خيرا ، هداه إلى صحبة الصوفية ، ~~ووقاه من صحبة القراء ، ولو اشتغلوا بشأنهم وجمع دنياهم ، ولم يتعرضوا ~~لأولياء الله ، ولم يقصدوا إسقاط جاههم يكفيهم شقاوتهم ، لا سيما ويطعنون ~~الصديقين والعارفين ، قال الله تعالى في شأنهم : ( يريدون أن ~~يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ): ~~كيف يطفئون نيرات حسناتهم ، وأنوار شموس الصفات ، التي تبرز من جباه وجوههم ~~، ولاليء خدودهم ، وأصلها ثابت في أفلاك الوحدانية ، وسماوات القيومية ، ~~ويزيد نورهم على نور ؛ لأنه تعالى بلا نهاية ، ولا منتهى لصفاته. # قوله تعالى : ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ): إن الله ~~سبحانه سن سنة أزلية ، ألا يجد أحد سبيله إلا يفيض له أستاذا عارفا بالله ~~وبعبوديته وربوبيته ، فيدله إلى منهاج عبوديته ، ومعارج روحه وقلبه إلى ~~مشاهدة ربوبيته ، ويكون هو واسطة بينه وبين الله ، وإن كان الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء ، بغير علة ، ولا سبب جعله واسطة للتأديب ، لا للتقريب ، ~~وصيره شفيعا للجنايات ، لا شريكا في البدايات ، هداه نور القرآن ، ودينه ~~حقيقة البيان مع إظهار البرهان. # قيل : جعل الله الوسائط طريقا لعباده إليه ، وبعثهم أعلاما على الطرق ، ~~ونورا يهتدون به ms0549 ، وعمر بهم سبيل الحق ، وحقيقة الدين ، قال الله تعالى : ( ~~ أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ). # قوله تعالى : ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل ~~الله ): وبخ الله البخلاء بقلة الإنفاق ، وخروجهم عن سبيل الوفاق ، ولا ~~يكون ذلك إلا من مواريث النفاق ، وتأثير الفراق. # قال بعضهم : من بخل بالقليل من ملكه ، فقد سد على نفسه باب نجاته ، وفتح ~~على نفسه طريق هلاكه. # ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق ~~السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ~~وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين (36) ~~إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ~~ليواطؤا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا PageV02P013 # يهدي القوم الكافرين (37) يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل ~~لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من ~~الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل (38) إلا تنفروا يعذبكم ~~عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير (39)) # قوله تعالى : ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب ~~الله ): جعل الله أيام الفراق ممدودة ، وجعل أيام الوصال بلا حساب ، ولا ~~انقطاع ، وجعلها على التأبيد. # قال الله تعالى : ( لا مقطوعة ولا ممنوعة ) [الواقعة : 33] ، ~~وجعل لأيام العبادة منقطعا ، وجزاؤها بمشاهدته لهم لم يجعل له منقطعا. # قال الله تعالى : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) [الزمر ~~: 10] : حث بهذه الاية المشتاقين إلى الفرح بوصاله ، وزيادة شوقهم إلى كشف ~~جماله ، حيث جعل أيام التفرقة القليل ، وحسن وصالهم الخليل : # دنا وصال الحبيب واقتربا %~% وطربا للوصال وأطربا # كان في الكتاب الأزلي لأيام العبودية حصر ؛ لأنها زمان الامتحان ، وهي من ~~أوصاف الحدثان ، فإذا خرجت من أماكن الكونين لا يبقى إلا أنوار جمال الرحمن ~~المنزهة عن تغاير الملوان ، وعن الانقلاب والدوران ، وحدود المكان ، ومضي ~~الزمان ، لا يكون هناك إلا كشف جمال الأزل ms0550 بجلال الأبد ، وكشف جلال الأبد ~~بجمال الأزل ليس عنده مساء غروب بالفناء ، ولا صباح علل البداء. # وقت العارف في كشف جمال وجهه ليس وقت الأزمنة ، بل تسرمد استغراقه في ~~بحار القدمية ، وطيرانه بأجنحة البقاء في هواء الأبدية ، ولا يجري عليهم ~~طوارق الزمان ، ولا علة الحدثان ، ما أطيب أيام الوصال للمشاهدين كشف ~~الجمال ، وطوبى لأعين قوم أنت بينهم فهن من نعمة من وجهك الحسن. # والإشارة في قوله : ( يوم خلق السماوات والأرض ) كشف أوقات ~~السرمدية بنعت تجلي الأزلية لوقت مرور القضاء والقدر ، اليوم عبارة عن طلوع ~~الشمس وغروبها ، وليس في جلال القدم مشرق الحدث ، ومغربة المشارق هناك آزال ~~، وآزال الازال ، والمغارب آباد وآباد الاباد ، الدهر الدهار ، والفلك ~~الدوار فانيان في قدم الرحمن ، أوجد من العدم وقتا بقدر يوم ، فخلق الخلق ~~في ذلك اليوم. PageV02P014 # وقوله : ( منها أربعة حرم ) (1) وجعل بكرمه ورحمته منها شهور ~~القربات ، وزيادة للمدانات ، ومناسكا للعبادات ، وشرفها لكشف المشاهدات ، ~~ومنعهم فيها عن التمتع والتنعم ، وأمرهم فيها بالتعطف ، وأمهل فيها ~~الخارجين من السنة ؛ لتأهبهم أهبة الأولية والأبرار إلى جوار الرحمة ، وما ~~سواهما من الأيام والشهور ، رفاهية لأهل الأنس ، ومطايبة لأهل البسط ، ~~وكذلك تلك الحرمات على أهل القربات ، وقال : ( ذلك الدين القيم ) ~~إلى الطريق المستقيم إلى الله ، وشهادة وصال الله ، وكشف مشاهدة الله ، ~~وحذرهم فيها عن مخالفة الله ، بقوله : ( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) ~~، بمنعها عن المجاهدات ، وطلب المشاهدات ، وإعطائكم حظها من الشهوات. # قال بعضهم : ظلم نفسه من أطلق عناقها في طرق الأماني من اتباع الشهوات ، ~~وارتكاب السيئات ، والتخطي إلى المحارم. # من نفوسهم من المخاييل الشيطانية التي هيجتهم إلى الاستبداد بارائهم ~~الفاسدة في استبداعهم طهي الباطل ، وهم رأوها من أنفسهم مستحسنة ، من قلة ~~عرفانهم بطريق السنة الإلهية. # قال الواسطي : خيرهم على ما فيه هلاكهم ، ولم يعذبهم ، بقوله : ( ~~زين لهم سوء أعمالهم ). # وسئل جعفر الصادق عن قوله : ( زين لهم سوء أعمالهم ). # قال : هو الرياء ، ثم حث المؤمنين بترك الدنيا ولذتها ؛ لأجل مشاهدته ، ~~وحسن رضاه بقوله : ( أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ) أي : ~~اخترتم موضع الكرامات ، وظهور ms0551 الايات عن كشف المشاهدات. # قال يحيى بن معاذ : الناس من مخافة النصيحة في الدنيا وقعوا في فضحية ~~الاخرة. # قال الله : ( اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ~~)، ثم وصف الدنيا بالقلة والدناءة ، ووصف الاخرة بالشرف والمنزلة ، بقوله : # ( فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ) أي : ما وجد ~~العارف الصادق في الدنيا من القربة والمعرفة ، والوجه والحالة والفضل ~~والكرامة في جنب ما تجده من الحضرة بعد PageV02P015 # وصوله إليها ، وما يرى من وصال الحق ، وكشف جماله أقل من قطرة في البحار. # قال النهر جوري : الدنيا بحر ، والاخرة ساحل ، والمركب واحد ، وهو التقوى ~~، والناس سفر. # ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ ~~هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه ~~وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ~~والله عزيز حكيم (40) انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في ~~سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (41) لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا ~~لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم ~~يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون (42)) # قوله تعالى : ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ~~ثاني اثنين إذ هما في الغار ): من كان مصطفى بتأييد الأزل لا يحتاج إلى ~~نصرة أحد غير الله ، ومن أعزه الله بعزته ، جعله ناصرا له ، وهو مستغن عن ~~نصرته ، وناصره تشرف نصرته ، أو نصرة الخلق قائم بنصرة الحق ، ومن انقطع ~~إلى الله من الخلق ، أعانه الله على كل همه ، ويصل إلى كل نعمة. وصف تعالى ~~نصرته لنبيه عليه السلام حين أوى إليه في دخوله مع صاحبه في الغار ، بكشف ~~جماله ، وإبراز نور منه لصاحبه ، أي : من كان قادرا بنصرة من كان مخفيا ~~وراء نسج العنكبوت على أعدائه بلا مددكم ولا عددكم ، وأيضا هو ينصره ، ~~ويجعله غالبا على كافة الخلائق مما أعطاهم من راية نصرة الأزلية ، وأعلام ~~دولة الرسالة والنبوة. # قيل : نصره الله حيث أغناه ms0552 عن نصرتكم ، بقوله : ( والله يعصمك من ~~الناس ) [المائدة : 67] ، ومن كان في ميدان العصمة ، كان مستغنيا عن نصرة ~~المخلوقين ، ألا تراه لما اشتد الأمر كيف قال : بك أصول فإنك الناصر ~~والمعين. # ومعنى قوله : ( ثاني اثنين إذ هما في الغار ) (1) إشارة إلى ~~خاصية الصديق لصحبته الحبيب ، إذ كان مشرب من مشارب بحار نبوته ، وسواقي ~~أنهار رسالته التي جرت PageV02P016 # من قلزم القدم. # ولو لا تلك الأهلية لما كان فردا في الصحبة ، وكان الصديق في منزل ما كان ~~محمد ، وكان الله ولم يكن معه شيء من شقائق قدسه ، وبرق من بروق أنوار أنسه ~~، خرجا من تلك الأنوار ودخلا بها في الغار ، وعرف الحبيب الصديق خصائص ~~المعية معه حين ورد عليه طوارق الامتحان ، وأخرجته من رؤية الحدثان ، بقوله ~~: ( إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ) أي : لا يحزن بتغير ~~الاصطفائية ، وانكسار حصون العصمة ، فهو معناه بمعنى القدرة والعلم الأزلي ~~، وعناية الأبدية ، وظهور مشاهدته من حيث القلب والروح والعقل ، بوصف ~~المناجاة والمداناة. # وقال ابن عطاء في قوله : ( ثاني اثنين إذ هما في الغار ). # قال : في محل القرب في كهف الأنوار في الأزل. # وقال في قوله : ( لا تحزن إن الله معنا ): ليس من حكم من كان ~~الله معه أن يحزن. # وقال الشبلي : ( ثاني اثنين ): تشخصه مع صاحبه ، ووحد الواحد ~~بقلبه مع سيده. # وقال ابن عطاء في قوله : ( إن الله معنا ) معناه : إن الله معنا ~~في الأزل حيث وصل بينا ، ووصل الصحبة ، ولم يتفضل. # قيل في قوله : ( لا تحزن ): كان حزن أبي بكر رضي الله عنه ؛ ~~إشفاقا على النبي صلى الله عليه وسلم . # وقيل : شفقة على الإسلام أن يقع فيه وهن. # وقال فارس : إنما نهى عن الحزن ؛ لأن الحزن عنه ، وإنما هو تعريف أن ~~الحزن لا يحل بمثله ؛ لأنه في محل القربة. # وقيل : أخرجتهما الغيرة إلى الغار عليهما الحق ، فسترهما عن أعين الخلق ؛ ~~لأنهم كانا في مشاهدته يشهدهم ويشهدونه ، ألا ترى كيف يقول عليه السلام لأبي ~~بكر رضي الله عنه : «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (1) مشاهدا لهما ms0553 ، وعونا ~~وناصرا. # ويقال في قوله : ( نصره الله ) من تلك النصرة أبقاه إياه فيما ~~أبقاه به من كشوفاته في تلك الحالة ، ولو لا نصرته لتلاشى تحت سطوات كشفه. # ويقال : صحيح ما قالوا للبقاع دون ما خطر ببال أحد ، أن ذلك الغار يصير ~~مثوى ذلك السيد صلى الله عليه وسلم ؛ ولكن يختص بقسميه ما يشاء ، كما يختص ~~برحمته من يشاء. # ويقال : علقت قلوب قوم بالعرش ، فطلبوا الحق منه. PageV02P017 # وهو تعالى يقول : ( إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ) أنه ~~سبحانه تقدس عن كل مكان ، ولكن هذا الخطاب حياة لأسرار أرباب المواجيد ، ~~وينشد : # يا طالب الله في العرش الرفيع به %~% لا تطلب العرش إن الحب فاره # لي نكتة عجيبة في قوله تعالى : ( ثاني اثنين إذ هما في الغار ) ~~في قوله صلى الله عليه وسلم لصاحبه : ( لا تحزن إن الله معنا ) هذا ~~نفى الاتحاد بالوحدانية ، كما نفى عن عيسى وأمه حين زعموا النصارى أن الله ~~ثالث ثلاثة ، فقال : ( وما من إله إلا إله واحد ) [المائدة : 73] ~~نفى الإلوهية عن الروح والصديقية ، كما نفى هاهنا عن سيد المرسلين ، وسيد ~~الصديقين حتى لا يظن ظان أن من العرش إلى الثرى لم يكن في ساحة الكبرياء ~~والأزلية أثر ؛ لأن الألوهية القديمة ممتنعة عن الانقسام والافتراق ~~والاجتماع ، وتحقيق ذلك قوله : # ( إن الله معنا ) وتلويح ذلك نفي الاتحاد ، وإظهار الانبساط ، ~~ودليل الإشارة بقوله : ( لا تحزن ) أثبت الحزن في طلب أبي بكر رضي ~~الله عنه ، وذلك الحزن حزن فوت الحال ، والوقت في زمان البأس والابتلاء ، ~~وعرف عليه السلام أن الوقت والحال لا يفوت عنا ، فهو تعالى معنا بالكشف ~~والوقت والحال ، بقوله : ( إن الله معنا )، ثم زاد في حدث الكشف ~~والوصال حيث حزن صاحبه لأجلها بقوله : ( فأنزل الله سكينته عليه ) ~~إشارة أن سكينته نزلت من عند الله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ، وتلك ~~زيادة وضوح الكشف والمداناة ، النبي صلى الله عليه وسلم كان مستقيما في ~~الأحوال كلها ، وما حزن لأجل الفوت ، ولكن أنزلت السكينة عليه ؛ لأجل زيادة ~~استقامة قلب ms0554 الصديق ، وذهاب الحزن عنه ؛ ليستضيء نورها من جمال النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، ولو أنزلت على الصديق بغير واسطة النبي صلى الله عليه وسلم ~~؛ لذاب تحت إشراق سلطان أنوار القدم ؛ لأن تلك البرهاء في تلك الأوقات لا ~~يحتملها إلا المرسلون من أولي العزم ، كما قال : أنزل سكينة أبي بكر على ~~محمد ، وإن كان البهاء راجعا إلى الله سبحانه ، ويحتمل أن السكينة نزلت على ~~أبي بكر ، فأما النبي صلى الله عليه وسلم فكانت السكينة عليه ، قيل ذلك. # قال بعضهم : السكينة لأبي بكر ما ظهر له على لسان المصطفى صلوات الله ~~عليه من قوله صلى الله عليه وسلم : «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (1). # قال بعضهم : السكينة سكون القلب إلى ما يبدو من مجاري الأقدار. # وقال ابن عطاء : يحتمل أن أبا بكر لم يكن محزونا ، ولكن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لشفقته عليه ، حذر ما PageV02P018 # يجوز أن يكون في ذلك الحال ، فقال له : ( لا تحزن إن الله معنا ). # قال أبو بكر بن طاهر : دعا الرسول صلى الله عليه وسلم بأخص أسمائه وأرفعها ، ~~وقدم اسمه على صفتهما. # وقال موسى : ( إن معي ربي ) [الشعراء : 62] : فدعاه باسم التربية ~~، وهو من عموم الأسماء ، وقدم اسمه على اسم ربه ، فقال : ( إن معي ~~ربي ): فلذلك عصم أمة محمد صلى الله عليه وسلم عن الشرك ، وابتلى أمة موسى ~~عليه السلام بعبادة العجل. # وههنا أن موسى عليه السلام كان غيورا ، فلم ير في البين أحدا من غيره على ~~لجه ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم خرج من حد الغيرة هاهنا ؛ لأنه كان غنيا ~~بالمشاهدة ، وكان موسى في محل الافتقار إلى المشاهدة. # وقال الكليم : ( إن معي ربي ). # قال الحبيب صلى الله عليه وسلم : ( إن معي ربي )، فوقع موسى في ~~رؤية الصفات ، حيث سمى بالرب ، ووقع النبي صلى الله عليه وسلم في رؤية الذات ~~بما سماه باسم الجمع ، وهو قوله : ( إن الله معنا )، وزاد عليه ~~نعمته بقوله : # ( وأيده بجنود لم تروها ) هذه الجنود جنود عساكر تجلي جمال الأزل ~~، أنزلت على أسراره ؛ لأنها تطيق ms0555 حملها ، فإن في الكون لم يكن لتلك الجنود ~~محل قبولها. # وقال جعفر في قوله : ( بجنود ) اليقين والثقة بالله ، والتوكل عليه. # ويقال : كان الرسول عليه السلام ( ثاني اثنين ) بظاهر شبحه ، ولكن ~~كان مستهلك الشاهد في الواحد بسره ، ثم وصف منته سبحانه على الكل ، بإذهابه ~~ظلمة الطبائع ، وإخراجه أنوار الشرائع ، بقوله : ( وجعل كلمة الذين ~~كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ) جعل الدعاوى الباطلة فانية تحت أنوار ~~التوحيد ، والحقيقة كلمة انفراده بفردانيته ، وعلوه بنعت التنزيه والتقدير ~~عن ظنون خلقه ، بأنه عزيز بعز الكبرياء ، وحكيم في اختصاص أوليائه بكشف ~~البقاء ، ثم إن الله سبحانه حث الجميع على التسارع ببذل القلوب والأرواح ~~والأشباح إلى ميادين الوحدانية والفردانية ؛ لرؤية جماله ، وكشف جلاله ، ~~وإدراك وصاله ، بقوله : # ( انفروا خفافا وثقالا ) أي : انفروا إلى أبواب الأزل خفافا ~~بالعقول القدسية ، وثقالا بالقلوب الملكوتية ، وأيضا خفافا بالأرواح ~~الروحانية ، وثقالا بالقلوب السماوية ، وأيضا خفافا بالإرادات الصادقة ، ~~وثقالا بالمحبة المفرطة ، وأيضا خفافا بالإيمان ، وثقالا بالإيقان ، وأيضا ~~خفافا بالأنس ، وثقالا بالقدس ، وأيضا خفافا بأنوار المودة ، وثقالا ~~بأمانات المعرفة ، PageV02P019 # وأيضا خفافا بالتجريد عن الحدثان ، وثقالا بأنوار التوحيد إلى جمال ~~الرحمن. # وأيضا خفافا بنعوت الافتقار ، وثقالا بكسوة غنى العزيز الغفار ، وأيضا ~~خفافا بالقناعة ، وثقالا بالتوكل ، وأيضا خفافا بالبسط ، وثقالا بالقبض. # قال ابن عطاء : خفافا بقلوبكم ، وثقالا بأبدانكم. # وقال أبو عثمان : خفافا وثقالا في وقت النشاط والكراهية ، فإن البيعة على ~~هذا وقعت. كما روي عن جرير بن عبد الله قال : بايعنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على المنشط والمكره. # وقال بعضهم : خفافا إلى الطاعات ، وثقالا إلى المخالفات ، وجاهدوا ~~بأموالكم للفقراء ألا تمنعوهم حقوقهم ، وجاهدوا بأنفسكم الشياطين ؛ كيلا ~~تستولي عليكم. # ( عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم ~~الكاذبين (43)) # قوله تعالى : ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) إن من سنة الله ~~سبحانه إذا أراد أن يفتح كنزا من كنوز غرائب علمه ، ونوال قربه ، ولطائف ~~وصلته على أحد من أحبائه وأصفيائه وأنبيائه ، أوقعهم في محل الامتحان ، ~~وأجرى عليه زلة من زلل الحدثان ؛ حتى يضيق ms0556 صدره بالغيبة ، ويذوق قلبه مرارة ~~الفرقة ، وتذوق روحه من الندامة ، ويطيح عقله من حشمة العتاب ، ويزول شبحه ~~من دار الاحتجاب ، فيطلع الله شمس عزة جلاله من مطلع قلبه ، ويتنسم صبح ~~الوصال من مشرق روحه ، وتبدو أنوار الصفات من روازن أسراره ، وتشرق سبحات ~~الذات في أرض فؤاده ، وتتنور مجامع عقله بظهور سنا أفعاله ، فيرى العبد في ~~البسط بعد القبض مشاهدة بديهية ، ووصلة أبدية ، وخطابا سرمديا يطير ~~بأنوارها في الازال والاباد ، وتصير ذلته زلفى ، وذنبه كشف وصلة ، ويقابل ~~الله من ذنبه لجميع حسنات العالمين ؛ لأنه مصطفى في الأزل بمحبته ، ومجتبى ~~بنوال قربه في القدم ، وتكون سيئاته حسنات ، وزلاته زلفات ؛ لأنه مختار ~~الله في أرضه ، وعروسه بين عباده ، جميع حركاته تقع حسنة ، وأفعاله تكون ~~عند الله مستحسنة ، وهكذا شأن الأحباب ، المحب يعتذر لزلة حبيبه ، ويعشق ~~على غيرة معشوقه ؛ لأن من كان حسنا ، فما يبدو منه أيضا يكون حسنا : # فإن نطقت جاءت بكل ملاحة %~% وإن سكتت جاءت بكل جميل # ملاحته ، وحسن وجهه يعتذر لذنبه في وجه شافع يمحو إساءته عن القلوب ~~بالمعاذير : # وإذا الحبيب أتى بذنب واحد %~% جاءت محاسنه بألف شفيع ما حطك الواشون عن رتبة %~% عندي وما ضرك مغتاب كأنهم أثنوا ولم يعلموا %~% عليك عندي بالذي عابوا PageV02P020 # ولما سبقت الاصطفائية له قبل وقوع المعاملات ، سبق منه العفو له قبل ~~الزلات. كان عليه السلام من عظمته في المعرفة إذا جرى عليه حكم له موقع ~~العتاب ، خاطبه الله قبله بعفو وتلطف حتى لا يفني وجوده في رؤية جلاله ~~وهيبته من حدة الحياء والاحتشام ، ولا يكون إلا لمن كان معرفته كاملة ، ألا ~~ترى إلى قوله عليه السلام : «أنا أعرفكم بالله وأخوفكم منه» (1). # قيل : إن الله إذا عاتب أنبياءه وأولياءه ، عاتبهم ببر قبلها ، أو بعدها ~~ألا تراه يقول : ( عفا الله عنك ). # وقال الحسين بن منصور قدس الله روحه : الأنبياء مبسوطون على مقاديرهم ~~واختلاف مقاماتهم ، وكل يطيع حظه باستعمال الأدب بين يدي الحق ، وكل أدب ~~على ترك الاستعمال ، فمنهم من أنس قبل التأديب ، ومنهم من أنس بعد التأديب ms0557 ~~، على اختلاف مقاماتهم ، فأما محمد صلى الله عليه وسلم ، فإنه أنس قبل التأديب ~~، إذ لو أنس بعد التأديب لتفطر لقربه من الحق ، وذلك أن الحق تعالى أمره ~~بقوله : ( فأذن لمن شئت منهم ) [النور : 62] ، ثم قال مؤدبا له على ~~ذلك ( عفا الله عنك ) لذاب ، وهذا غاية القرب. # وقال تعالى حاكيا عن نوح عليه السلام : ( إن ابني من أهلي وإن ~~وعدك الحق ) [هود : 45] ، مؤدبا له ، وأنسه بعد التأديب ( إنه ليس ~~من أهلك ) [هود : 46] إلى قوله : ( إني أعظك أن تكون من الجاهلين ). # ولو لم يؤنسه بعد التأديب لتفطر ، وهذا مقام نوح عليه السلام ، وليس ~~المفضول بمقصر ، إذ كل منهم له رتبة من الحق ، ولي نكتة من عجيب الخطاب أن ~~لفظ المسامحة والأنس ، جرى على فعل الماضي لا على فعل المستقبل ، وكلامه ~~تعالى أزلي أي : عفا الله عنك في الأزل ، قبل وجود العمل ففرح فؤاده بعفوه ~~السابق له ، ثم استعمل الانبساط معه بموضع الاستفهام من الأمر ، بوصف ~~الاستئناس والبسط ، ولو قال : إن الله يعفو عنك ، لكان مستوحشا في موقع ~~الخطاب ؛ لأن المرجو ليس كالمدرك. # ( لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين (44) إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون (45) ولو أرادوا ~~الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع ~~القاعدين (46) لو خرجوا PageV02P021 # فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم ~~سماعون لهم والله عليم بالظالمين (47)) # قوله تعالى : ( لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ): ~~وصف الله الولاية والنبوة أنهما شقيقان ، وما وقع الأمر من الغيب ، إلا ~~والولي والنبي يقبلانه بالإيقان والعرفان ، وكيف يكون الولي مخالفا للنبي ، ~~وهو مخاطب بسر الإلهام وبمتابعته. # قال الواسطي : كيف يستأذن من هو مأذون له الإذن ، وإن قام بإذن ، وإن قعد ~~قعد بإذن ، فجريان الحركات منه تظهر سوابق المأذون له فيه. # قوله تعالى : ( ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ): بين الله ~~سبحانه أن إرادة العباد لا تقع إلا بإرادته ، حيث يقول ms0558 : ( ولكن ~~كره الله انبعاثهم ): نفى عنهم صدق الإرادة ، ولو كانوا صادقين في الإرادة ~~؛ لاستجابوا لبذل الوسع والطاقة ، ولكن سقمت إرادتهم ، فحصلت دون الخروج ~~بإرادتهم ، كذلك لو صح منك الهوى أرشدت للحيل. # قال جعفر : لو عرفوا الله ؛ لاستحوا منه ؛ ولخرجوا له عن أنفسهم وأزواجهم ~~وأموالهم ؛ بذلا لأمر واحد من أوامره. # وقال بعضهم : لو طلبوا التوكل ؛ لسلكوا سبيل الثقة بالله ؛ فإنها الطريق إليه. # قوله تعالى : ( ولكن كره الله انبعاثهم ): وصف أهل النفاق الذين ~~لدغتهم أفاعي القرب بنعت عدم الترياق من مفرح الوفاق ، دعاهم بلسان الأمر ~~إلى العبودية ، وأجرى شقاوتهم في سابق أحكامه الأزلية ، كانوا مخاطبين ~~بالعبودية ، غير مكاشفين بجمال الربوبية ، امتحنهم بالأمر ، وردهم عن ساحة ~~الكبرياء بالحكم ، طالبهم بالأعمال ، ومنعهم عن الأحوال. # قال جعفر : طالب عباده بالحق ، ولم يجعلهم لذلك أهلا ، ثم لم يعذرهم ~~ولامهم على ذلك ألا تراه يقول : ( وقالوا لا تنفروا في الحر ) (1). # قال ابن الفرحي : إنما هو نعت واحد ، كالماء الواحد يسقى به ألوان الشجر ~~، فيختلف ثمارها ، ولو سقي الورد بالبول ما وجد منه إلا ريح الورد ، ولو ~~سقي الحنظل بماء الورد لما خرج إلا الحنظل وريحه ، إنما هي اللطيفة التي ~~جرى بها الخذلان والتوفيق. # ( لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر ~~أمر الله PageV02P022 # وهم كارهون (48) ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة ~~سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (49) إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة ~~يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون (50) قل لن يصيبنا إلا ما ~~كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون (51) قل هل تربصون بنا ~~إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ~~فتربصوا إنا معكم متربصون (52) قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم ~~كنتم قوما فاسقين (53)) # قوله تعالى : ( لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى ~~جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون ): وصف المنافقين بأن من غاية حسدهم ، ~~وقلة معرفتهم باصطفائية أهل الولاية ms0559 يطلبون أن تمنعهم عن الله ، وعن طريقه ~~، فإذا رأوا ما كشف الله للأنبياء والأولياء يحمدون في ظلمات كفرهم وحسدهم. # قال السوسي : حملوك على طلب الدنيا والركون إليها ، حتى أظهر الحق سرك من ~~الركون إلى شيء سواه ، وظهر أمر الله. # قال : فتح لك من خزائن الأرض ، وعرفها عليك ، وأبيت أن تسكن إليها ، ~~وتقبل منها ، وهم كارهون ما أنت عليه من الإعراض ، عما أقبلوا عليه. # قوله تعالى : ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) ما كتب ~~للأنبياء وللأولياء في الأزل إلا سعادة الولاية ، وشرف النبوة ، وحقيقة ~~الوصلة ، ولطائف علوم المشاهدة ، وما كتب من البليات لهم فتلك زيادة ~~أحوالهم ؛ لأن الله تعالى جعل قلوبهم بنور رضاه ، فيقبلون كلا منه بسابق ~~الرضا والاصطفائية ، فيزيد في حالهم شرف القربة من كل مكروه ومحبوب ، وهم ~~في ذلك بنصره الله محفوظون ، وعليه بفضله متوكلون ، وعما يبدو منه بفضله ~~عنه راضون ، لقوله : ( هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ). # قال بعضهم : العارف بالله : من سكن إلى ما يبدو له في الوقت بعد الوقت من ~~تصاريف القضاء ، ومجاري القدرة ، ولا يسخط وارد من ذلك. # ( وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ~~ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون (54) فلا تعجبك ~~أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق PageV02P023 # أنفسهم وهم كافرون (55) ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ~~ولكنهم قوم يفرقون (56) لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم ~~يجمحون (57) ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا ~~منها إذا هم يسخطون (58)) # قوله تعالى : ( ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ) وصف الله ~~الجاهلين بجلاله ، المحجوبين عن مشاهدة جماله ، الذين لم يذوقوا من عبودية ~~خالقهم طعم وصاله ، ولو كانوا أهل الذوق من مناجاة الله في الصلاة وإدراك ~~قرة العيون منها ، لكان حالهم كمال ما أخبر صلى الله عليه وسلم عن المصلي ~~الصادق بقوله : «المصلي يناجي ربه» (1). # وما أخبر عن حال نفسه عليه ms0560 السلام : «جعلت قرة عيني في الصلاة» (2). # ولكن خص الله هذه المراتب الشريفة بالخاشعين في جبروته ، والمتواضعين في ~~الملكوت بقوله : ( وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ) [البقرة : 45] ~~، ووصفه إياهم بقوله : ( الذين هم في صلاتهم خاشعون ) [المؤمنون : 2]. # قال محمد بن الفضل : من لم يعرف الأمر ، قام إلى الأمر على حد الكسل ، ~~ومن عرف الأمر قام إليه على حد الاستغناء والاسترواح. # قوله تعالى : ( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ) إن الله سبحانه ~~حذر المؤمنين بما خاطب نبيه عليه السلام عما مع أهل الدنيا من الأموال ~~والزينة أن يستحسنوها ، فيحتجبون بها عن عمل الاخرة ورؤيتها ، فإن الناظر ~~إلى الدنيا بنعت استحسانها من حيث الشهوة والنفس والهوى ، يسقط في الساعة ~~عن مشاهدة ملك الملكوت ، وأنوار الجبروت. # وبين سبحانه أن أموال الدنيا سبب احتجابهم عن الله ، وإيصال العذاب إليهم ~~؛ لأن الدنيا إذا كثرت لم تخل من الحرام والشبهات ، ومن باشر الحرام ، وأكل ~~الشبهات صار معذبا بحجاب الباطن ، وعمي عن مكاشفة الاخرة ، وعذاب الظاهر ~~بالغرامة في الدنيا والعذاب في الاخرة قال صلى الله عليه وسلم : «حلالها حسنات ~~، وحرامها عذاب» (3). # قال بعضهم : لا يعجبك ما يتزينون به من صنوف الأموال والعبيد والخدم ، ~~ويستكثرون به من أولاد. PageV02P024 # ( إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ). # قال : يعذبهم لجمعها ، ويعذبهم بحفظها ، ويعذبهم لحبها ، ويعذبهم بالبخل ~~بها ، والحزن عليها ، والخصومة فيها كل هذا عذاب لأن يوردهم عذاب النار. # ( ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون (59) إنما الصدقات ~~للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين ~~وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم (60) ومنهم الذين ~~يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ~~ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم (61) يحلفون ~~بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين (62) ألم ~~يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي ~~العظيم ms0561 (63) يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل ~~استهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون (64) ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ~~ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن (65)) # قوله تعالى : ( ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ): وصف الله ~~قوما ليسوا من أهل مقام الرضا ، بأنهم كانوا محرومين عن معرفة الله ورسوله ~~، ومعرفة حقائق الدين ، ولو كانوا من أهل المعرفة ، لرضوا فيما ابتلاهم ~~الله ، فإن الرضا مقرون بالمعرفة ، ونعت الراضي المنشاط بما استقبله من ~~الله ، ويستلد باشر قلبه من البلاء ؛ لأنه يحتمل البلاء برؤية المبلي ، ~~ويسكن في جريان المقادير عليه مما يرد على قلبه من روح أنوار المقدر ، ~~والراضي موصوف بصفة الرضا من الله ، والمتصف بصفاته يرضى برضا الله في ~~امتحانه ، ورضا الله مقدس عن التغيير بوارد الحدثان. # وبين الله سبحانه أن الراضي عن الله ، فالله خلفه عن كل فوت ، وحياته عن ~~كل موت بقوله : ( وقالوا حسبنا الله ): من كان هو حسبه ، فأجره ~~مشاهدة حسيبه. # قال الله : ( سيؤتينا الله من فضله ) أي : من قربه ومشاهدته. # ( ورسوله ): يظهر لنا من فوائد الغيب المكشوفة له ، ويؤدبنا بما ~~استأثره الله من حقائق الأدب. ( إنا إلى الله راغبون ): بنعت ~~الشوق إلى جماله لا إلى غيره من العرش إلى الثرى ، PageV02P025 # علم الله تعالى أدب الرضا ، والسؤال في هذه الاية الصادقين والعارفين ~~والمريدين. # قال إبراهيم بن أدهم : من رضي بالمقادير لم يغتم. # وقال فضيل الراضي : لا يتمنى فوق منزلته. # ثم إن الله تعالى لما دس رغام الحرمان في أفواه المدعين بمقام الإيمان ~~والمعرفة ، الذين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم ما خص الله به الروحانيين ~~والربانيين ، مما ألزم على أعناق أهل الدنيا الذين يجمعونها من سهم الزكاة ~~ذكر أنه استأثره لأهل المراقبات والمشاهدات ، وغيرهم من أهل المقامات بقوله ~~: ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها ): إن الله ~~سبحانه قسم هذه الجوائز من فضله ولطفه على أهل معرفته ، رحمة منه عليهم ~~بعلمه أنهم غائبون في أودية فردانيته ، المستغرقون في بحار وحدانيته ، ~~والهون من حبه هائمون ms0562 ، ومن شوقه لا يطيقون أن يشتغلوا بما لا بد لهم من ~~كثيرات حريقات ؛ ليأخذوا كلهم على قدر مراتبهم من سهام ما رزقهم الله حلالا ~~طيبا مما أوجبه على طلاب الدنيا ، وحذر أهل الدنيا من عذابه الأليم ، إذ ~~يقصرون في إعطاء الزكاة إلى هؤلاء السادة يطيب نفوسهم ، ونشاط قلوبهم وبين ~~عدد أهلها. # وقسمهم ثمانية أقسام ، وجعل أولهم الفقراء ، وحسم أطماع غيرهم عن هذه ~~السهام. # وقال : ( إنما الصدقات للفقراء ): ومن بعدهم من أصناف الثمانية ~~، ودليل الخطاب أن هذه لهم لا لغيرهم بدأ بالفقراء ، وهم : المتجردون ~~بقلوبهم وأبدانهم عن الكونين والعالمين ، المنعوتون بنعت التنزيه حيث وقعوا ~~في قدس القدم ، فاتصفوا بقدسيته ، وتنزهوا بتنزهيه ، وانفردوا بفردانيته ~~يفتقرون إلى وصال الأبد. # ( والمسكين ): هم الذين سكنوا في حجاب الأنس بنور القدس ، ~~حاضرين في العبودية بنفوسهم ، غائبين في أنوار الربوبية بقلوبهم ؛ لذلك ~~اختار المسكنة سيد فرسان العالمين محمد صلى الله عليه وسلم بقوله : «اللهم ~~أحيني مسكينا وأمتني مسكينا وأحشرني في زمرة المساكين» ، وأنشد : # مساكين أهل الأرض شاقت قلوبهم %~% فهم أنفس عاشوا بغير قلوب # ( والعاملين ): أهل التمكين من العارفين ، وأهل الاستقامة من ~~الموجدين الذين وقعوا في نور البقاء ، فأورثتهم البسط والانبساط ، فيأخذون ~~منه ويعطون له ، وهم خزائن خزائن جوده ، المشفقون على أوليائه ، قلوبهم ~~معلقة بالله لا بغيره من العرش إلى الثرى. # ( والمؤلفة قلوبهم ): هم المريدون الذين سلكوا طريق محبته برقة ~~قلوبهم ، وصفاء نياتهم ، وبذلوا مهجتهم في عساكر ميادين شوقه ومحبته وعشقه ~~، وهم عند الأقوياء ضعفاء الأحوال ، يحفهم الله هذه التحفة في مواساة ~~حظوظهم ، واستجلاب نشاط نفوسهم في PageV02P026 # طاعات مولاهم ، وحاشا أنهم بذلوا أنفسهم لنيل ثواب ، ولرؤية مقام أو تطلع ~~حال ، بل فناء لله عما سوي الله ، كما أنشد بعضهم : # من لم يكن بك فانيا عن حظه %~% وعن الهوى والأنس بالأحباب أو تيمته صبابة جمعت له %~% ما كان مفترقا من الأسباب فلأنه بين المراتب واقف %~% لمنال حظ أو لحسن ماب # ( وفي الرقاب ): هم الذين رهنت قلوبهم بلذة محبة الله وبقيت ~~نفوسهم في المجاهدة في طريق الله لم يبلغوا بالكلية ms0563 إلى شهود كشف مشاهدة ~~الله فتارة يغريهم سلبات القهر ، وتارة يفينهم أنوار اللطف ، فلحظة هم في ~~الحج بحار الإرادات ، ولحظة هم في سواحل بحر القربة ما أشد جبرتهم في فقر ~~الولاية ، وما أعظم رغبتهم في فقر المحبة لا يصلون إلى الحقيقة ما دام ~~عليهم بقية المجاهدة. # قال صلى الله عليه وسلم : «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» (1). # وأنشد في ذلك : # تمنى على الزمان محالا %~% أن تري مقلتاي طلعته حر # ( والغارمين ): هم الذين ما قضوا حقوق معارفهم في العبودية ، ~~وما أدركوا في إيقانهم حقائق الربوبية ، وهم بقوا أبدا في تلك الغرامة ؛ ~~لأن الفقدان بلا نهاية والموحدان بلا نهاية ، ومن نودي ما فات عنه في ~~الفقدان من بذل الوجود بنعت الصبر ، ومن يؤدي حقوق الوجدان بنعت الشكر هذا ~~قبل المعرفة غريم لا يقضي دينه. # ( وفي سبيل الله ): هم المحاربون مع نفوسهم بالمجاهدات ~~والمرابطون قلوبهم في شهود الغيب لكشف المشاهدات. # ( وابن السبيل ): هم المسافرون بقلوبهم في بوادي الأزل ومسافرون ~~بأرواحهم في فقار الأبد وبعقولهم في طرق الايات وبنفوسهم في طلب أهل ~~الولايات. # ( فريضة من الله ): واجبة منه على أهل زمام الإيمان ، يواسوا ~~بهذه القسمة أهل الإيقان والعرفان. # ( والله عليم حكيم ): ( عليم ): بأحوال هؤلاء المقربين ~~في غيبتهم عن الدنيا ، حكيم : حيث أوجب مواساتهم على أهل الاخرة والعقبى. PageV02P027 # قال بعضهم : الفقراء ثلاثة : # فقير لا يسأل ، ولا يتعرض ، وإن أعطي لا يقبل ، فذاك كالروحانيين. # وفقير لا يسأل ، ولا يتعرض ، وإن أعطي قبل مقدار حاجته ، فذلك لا حساب عليه. # وفقير يسأل مقدار قوته ، وإن استغنى كف ، فذلك في حظيرة القدس. # وقال إبراهيم الخواص : نعت الفقير السكون عند العدم ، والإيثار والبذل ~~عند الوجود ، والمسكين من يرى عليه أثر العدم. # وقال الأستاذ : الفقير الصادق عندهم ، من لا سماء تظله ، ولا أرض تقله ، ~~ولا سمة في أوان العبودية تتناوله ، ولا معلوم يشغله ، فهو عبد بالله لله ~~يرد إلى التمييز في غير هذا الوقت ، مصطلم عن شواهد واقف بربه ، متشعب عن ~~حماسته. # وقال الأستاذ : ابن السبيل عند القوم ، إذا تقرب العبد ms0564 من مألوفات أوطانه ~~، فهو في قرى الحق ، فالجوع طعامه ، والخلوة مجلسه ، والمحبة شرابه ، ~~والأنس سوره ، والحق تعالى مشهوده. # ( وسقاهم ربهم شرابا طهورا ) [الإنسان : 21] للقوم وعد في الجنة ~~، والاخرين نقد في الوقت ، وهو شراب المحاب وغذاء شراب الثواب ، وأنشد : # ومقعد قوم مشى من شرابنا %~% وأعمى سقيناه ثلثا فأبصرا أخرس لم ينطق ثلثين حجة %~% أدرنا عليه الكأس يوما فأخبرا # ( لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب ~~طائفة بأنهم كانوا مجرمين (66) المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون ~~بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين ~~هم الفاسقون (67) وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين ~~فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم (68) كالذين من قبلكم كانوا أشد ~~منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما ~~استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون (69) ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم ~~نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات ~~فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (70) والمؤمنون والمؤمنات ~~بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف PageV02P028 # وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ~~ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم (71)) # قوله تعالى : ( لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) وصف الله نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بأخص صفة ، وهو الخلق العظيم الذي من الله سبحانه ، بقوله ~~: ( وإنك لعلى خلق عظيم ) [القلم : 4] ، وهكذا وصف الحساد ، يرى ~~الحسن من غيره قبيحا ، ويرى القبيح من نفسه حسنا ، وعين الرضا تري القبيح ~~حسنا من الجميع ، كما قيل : # وعين الرضا عن كل عيب كليلة %~% ولكن عين السوء تبدي المساوئ # وقيل : # عين العداوة بالمساوئ موكلة %~% وعين الرضا عن المعايب كليلة # قال الأستاذ : بسطوا لسان الملامة في الرسول صلى الله عليه وسلم ، فعابوه ~~بما هو أمارة كرمه ، ودلالة فضله ، قال عليه السلام : «المؤمن غر كريم ~~والمنافق خب لئيم» (1). # وقيل : من العاقل ، قالوا : الفطن المتعاقد. # ولولا الكريم أتيته بخديعة ms0565 %~% فرأيته فيما تروم يسارع واعلم بأنك لم تخادع جاهلا %~% إن الكريم بفضله متخادع # قوله تعالى : ( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ): أخبر ~~سبحانه أن طينة النفاق في وقت مباشرة قهره فيها بعضها من بعض ، وما يتولد ~~من قطرة نفاقهم يستحسنه بعضهم من بعض ، ويأمرون بعضهم مخالفة الله ، ~~ومخالفة رسوله في إيذاء أولياء الله. # قال أبو بكر الوراق : المنافق ستر المنافق يستر عليه عوراتهن ، والمؤمن ~~مرآة المؤمن يبصر عيوبه ، ويدله على سبيل نجاته. # قوله تعالى : ( ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم ): وصف الله ~~بخل المنافقين ، وقلة نصرهم للمؤمنين ، وإقباض أيديهم برفعها إلى الدعاء ، ~~وغيظهم للمؤمنين حين يقبضون أيديهم من الغضب في نفوسهم ، وخلواتهم وراء ~~الستور بالوكزات لأهل الحق. # وهذه صفة المبغضين إذا جلس واحد منهم يعض أنامله ، ويقبض يده ، ويهيج ~~قلبه حسدا وعداوة على أولياء الله. # قال الله : ( وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا ~~بغيظكم ) PageV02P029 # [آل عمران : 119] ثم بين أن هذا الغيظ من تولد نسيانهم قهر الله في بطش ~~جبروته ، وبروز عظائم أنوار ملكوته ، لم يكونوا من أهل الذكر ، فطرأ عليهم ~~طرآن النسيان ، لم يذوقوا حقائق الذكر ، تركوا أمر الله لجهلهم بجلال الله ~~، فتركهم الله في ظلمات قهره يعمهون ، لا يرون سبيل الرشد أبدا ، وهكذا وصف ~~من ادعى معرفة الله ، ولم يذق طعم محبة الله ، ولا يستقيم في دعواه ، ونفر ~~من الطريق إلى جمع الدنيا من قلة صبرهم مع أولياء الله ، فيجمعون الدنيا ، ~~ويحتجبون بها عن ذكر الله ، فتركهم الله في حبها وحب جاهها ، ولا ينفقون ~~منها في طريق الله. # قال الله : ( ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم ). # قال بعضهم : يقبضون أيديهم عن رفعها إلى مولاها في الدعوة والحوائج ، كما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى كأنه في الموقف ، ويده على صدره ~~كاستطعام المسكين. # ها أنا مددت يدي إليك %~% فردها بالوصل لاستماتة الحساد # وقيل : يقبضون أيديهم عن الصدقة. # وقيل : يقبضون أيديهم عن معونة المسكين. # وقال سهل : في قوله : ( نسوا الله فنسيهم ): نسوا أنعم الله ~~عندهم ، فأنساهم الله شكر ms0566 النعم. # وصف المؤمنين والمؤمنات بالموافقات في جميع الخيرات بقوله : # ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض )؛ لأن أرواحهم كانت ~~مستغرقة في أنوار القدم ، وهو تعالى ألف هناك بين الأرواح ، بأنها من جواهر ~~أنوار الملكوت ألفت بعضها بعضا بألف الله سبحانه في مشاهدة جماله ، حين إذا ~~قربا طعم وصال ، فأحب المؤمنون بعضهم بعضا بمحبة الله في قلوبهم ، ~~ويتعاونون بعضهم بعضا في عبادة الله ، ونصرة أنبياء الله وأوليائه. # وقال أبو عثمان : المؤمنون أنصار يتعاونون على العبادة ، ويتبادرون إليها ~~، وكل واحد منهم يشد ظهر صاحب ، ويعينه على سبيل نجاته ، ألا ترى النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» (1). وقال ~~صلى الله عليه وسلم : «المؤمنون كالجسد الواحد» (2). # قال الله : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ). # وقال أبو بكر الوراق : المؤمن تولى المؤمن طبعا وسجية. # ( وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها PageV02P030 # ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز ~~العظيم (72) يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم ~~جهنم وبئس المصير (73) يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا ~~بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من ~~فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا ~~والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير (74) ومنهم من عاهد الله لئن ~~آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) فلما آتاهم من فضله بخلوا ~~به وتولوا وهم معرضون (76) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما ~~أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (77) ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ~~ونجواهم وأن الله علام الغيوب (78) الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في ~~الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب ~~أليم (79) استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر ~~الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين (80) ~~فرح المخلفون بمقعدهم خلاف ms0567 رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا ~~يفقهون (81) # قوله تعالى : ( وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة ): إن الله سبحانه وعد أعلى شهود الغيب ~~من الموقنين الصادقين في رؤية الاخرة واللحوق بالله ، وهذا الوصف منه تعالى ~~وصول نفذ ؛ لأن الخبر منه معاينة ؛ حيث يهيب روائح قدسه لأهل الأنس ، ~~وتنشقها مع طيبها أرواحهم وقلوبهم ؛ لأجل ذلك هاموا في شوقه ، وغابوا في ~~حبه ، وطاروا من الفرح بوصاله. # وما قرن هذا الوعد بشرط من شروط العبودية ، في نفس الاية يدل عنه فضل بلا ~~علة ، ووصول أهلها إلى معادنها ؛ لأن تراب أهل العرفان من معدن الرضوان. # قال تعالى : ( إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ) [القصص ~~: 85] : اصطفاهم الله في الأزل لحضرته ، وسماهم المؤمنين أي : الصادقين ~~فيما رأوا بقلوبهم أنوار الغيب ، والمؤمن إذا كان صادقا ، فهو صالح وشهيد ؛ ~~لأنه اتبع ببذل نفسه وروحه ، بمن استنشق من الغيب من نسيم الوصال ، وهو ~~مقبول لحبه بمشاهدة الجمال ، ولا يبالي الله بما PageV02P031 # جرى على صورته من الزلات ، فإن المؤمن إذا باشر معصية ندم ، وغص بتلك ~~المعصية له ، وصار مراما منغصا بندامته ، ويذوب قلبه رجاء ربه ، وكانت ~~معصيته طاعة ، وعدهم بالجنات ، وقلوبهم في جنات المشاهدة ، فكيف يلتفتون ~~إلى الجنة؟ # ووعدهم بالمساكين الطيبة ، وهم ساكنون بأرواحهم في مشاهدة جماله وقربه ~~ووصاله ، ويجري عليهم واردات لذة خطابه ، ولذيذ لطائف نوره ، وطابت نفوسهم ~~في مساكن طاعاته ، باسترواحهم بنسيم مروجه رجاء وصاله ، وطابت عقولهم ~~بدورانها في أنوار آياته ، وطابت قلوبهم بشهودها على مشارب صفاته ، فتشرب ~~منها شربات المحبة ، وتسكر برؤيتها بنعت الحيرة. # وطابت أرواحهم بطيرانها في سبحات ذاته ، بأجنحة رضوانه ، فهي تعلق أبدا ~~إلى مساكن كشف قدمه ، وجلال سرمدية رضوانه الأكبر ، بتنسم صبح الصفات في ~~وجوه الهائمين في محبة مشاهدة الذات. # يا أخي هؤلاء في الدنيا في طيب مساكن الوصلة ، وجنات عدن القربة ، وما ~~داموا ها هنا في هذه الغربة ، وجدوا ms0568 ما يعاين لأهل الوعد ، فلا يبالون ~~بالغد ، فإن قلب جميع المساكن لا يكون إلا برؤيته وجماله ، ومن أدرك ذلك ~~كيف يلتفت إلى حسن النظر ، وطيب المسكن؟ ، وإن كان في موضع وحش ، وأنشد : # تمنيت من حبي بثينة أننا %~% على مدمت في البحر ليس لنا وفي كل موضع لم يكن مما وصفنا به أثر %~% فهو خراب مستوحش وإن كان الجنة أجيراننا ما أوحش الدار بعدكم %~% إذا غبتم عنها ونحن حضور وإني لأهوى الدار ولا يستقرني %~% بها الرد إلا أنها من دياركا # ويقال : # قوم يطيب مسكنه بوجود عطائه %~% وقوم يطيب مسكنه بشهود لقائه # وقال الأستاذ : أمارة هذا الرضوان ، وجدان طعمه فقدا ، فهو في روح الأنس ~~، وروح الأنس لا تتقاصر عن راحة دار القدس ، بل هو أتم وأعظم ، ثم حث نبيه ~~عليه السلام ، بجهاد من حاله يخالف حال هؤلاء ، حتى يطهر وجه الأرض من ~~الأغيار ، وذلك من غيرة الجبار على أهل تلك الدار. # بقوله : ( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ) (1). PageV02P032 # ( الكفار ): النفوس الأمارة ، وجهادها إماتة شهواتها ، ( ~~ والمنفقين ): هم إبليس وجنوده ، وجهادهم [مجاهدة] طريق الوسواس ~~بالجوع الدائم ، والحزن القائم ، والزجر الغليظ عليهم يكون من القلب ~~الروحاني المملوء من النور الرباني ، وفيه رخصة زجر المدعين ، فيجوز الصادق ~~أن يزجرهم ، ويعرض عنهم. # قال محمد بن على : جاهد الكفار بالسيف ، والمنافقين باللسان. # وقال سهل : النفس كافرة ، فجاهدها بسيف المخالفة ، وأحملها جولات الندم ، ~~وسيرها في مفاوز الخوف ، لعلك تردها إلى طريق التوبة والإنابة ، ولا تصح ~~التوبة إلا لمتحير في أمره ، مبهوت في شأنه ، واله القلب مما جرى عليه. # قال الله : ( حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ). # ثم وصف الله أهل النفاق بنقض العهود ، وفسخ العقود ، وشح النفوس ، بقوله ~~: ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين ): هذا وصف المغرورين الذين ما ذاقوا لهم محبة الله ، ولو وجدوا ~~لذة منها بقدر رأس إبرة ، ليدلوا وجودهم لشوق جماله. # قال النصر آبادي : الفضل في رؤية الإحسان ، رأوا من أنفسهم إحسانا لم ~~يعملوه بعد ، وصدقة لم ms0569 يتصدقوا بها ، وصححوا لأنفسهم أفعالا ، بقوله : ( ~~ لنصدقن )، فنقضوا العهد لما ظهر لهم ما سألوه ، فتولد لهم من ذلك ~~البخل الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم : «أي داء أدوى من البخل» (1). # والتولي عن سبيل الرشد ، والإعراض عن مناهج الحق ، وذلك أنهم أخلفوا ~~وعدهم في السخاء ، فلزم عليهم الخيانة والبخل والكذب ، بقوله : ( ~~فلما آتاهم من فضله بخلوا به ). # ثم إن الله سبحانه وصفهم بتمام الحرمان عن السعادة والسخاوة ، بقوله : ( ~~ فأعقبهم نفاقا في قلوبهم )، زاد نفاقهم جزاء لبخلهم. # قيل : هو ميراث البخل ، وهو الكذب والخلف والخيانة. PageV02P033 # سئل أبو حفص : ما البخل؟ قال : ترك الإيثار عند الحاجة إليهم ، ثم أن ~~الله سبحانه أعلم أنه مطلع على عقودهم الفاسدة ، وعهودهم الكاذبة في قلوبهم ~~، لمعرفته لسجيتهم المجبولة بالبخل والنفاق ، بقوله : ( ألم يعلموا ~~أن الله يعلم سرهم ونجواهم ). # أعلمنا وصف علمه المحيط بالسرائر والضمائر ، وخوفنا من عظيم مراقبته ، ~~وارتصاده بمراصد الملكوت والجبروت ، وعرفنا مكان الحياء منه ، وإجلاله ~~والخوف من عظمته ، حيث أنه علام على خطرات قلوبنا ، وحركات أسرارنا ، ذكر ~~السر والنجوى ، و «السر» : ما هو يعلم من نفسك ، ولا تعلم ذلك من نفسك ، ~~و «النجوى» : ما هو يعلم من نفسك ، ولا يتم ذلك من نفسك أيضا ، ولا يعلم منك ~~أحد غير الله. # النجوى : سر ، وسر غير النجوى سر السر. # قيل : «السر» : ما لا يطلع عليه إلا أعلم الأسرار ، و «النجوى» : ما يطلع ~~عليه الحفظ. # ( فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون (82) ~~فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن ~~تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين (83) ولا ~~تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله ~~وماتوا وهم فاسقون (84) ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن ~~يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (85) وإذا أنزلت سورة أن ~~آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع ~~القاعدين (86) رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع ms0570 على قلوبهم فهم لا يفقهون ~~(87) لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم ~~الخيرات وأولئك هم المفلحون (88) أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ذلك الفوز العظيم (89) وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم ~~وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم (90)) # قوله تعالى : ( فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا ) أي : فليضحكوا ~~فيها ما شاء ، وإذا أبغضوها وصاروا إلى الله ، استأنفوا بكاء لا ينقطع أبدا. # وقال أبو يزيد : ( فليضحكوا قليلا ): لئلا تغرنهم الدنيا ، ( ~~ وليبكوا كثيرا ): شوقا إلى مولاهم. PageV02P034 # قال طاهر المقدسي : ( فليضحكوا قليلا ): فإنهم في دار الخدمة ، ~~وليس من أوصاف الخدم الضحك الكثير. # ( وليبكوا كثيرا ): فإنهم في ميادين الحزن والغم ، ولذلك اختار ~~سبحانه وتعالى تقليل الضحك ، والضحك إذا كان من غيبة الأنس ، ووضوح صبح نور ~~الجمال ، فالضحك والبكاء هناك واحد. # و «البكاء الكثير» : ما يكون قبل المشاهدة في الشوق ، وبعد كشف المشاهدة ~~من الفرح ، والأنس بالوصال ، فهذا البكاء هو بكاء المريدين ، وذلك من ~~الأشجان والأحزان ، والمحبين من الفوت والفراق. # وصف الله حال الأولين بقوله : ( وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ~~ترى أعينهم تفيض من الدمع ) [المائدة : 83] : وذلك بديهة الغيب عند ظهورها ~~من الغيب ، فيفرح لصورتها ويجهل بحقائقها ، وهو معذور ما دام مغلوبا ، لذلك ~~نهي النبي صلى الله عليه وسلم الضحك من غير مجب ، وما يجوز للمقتضين من ركوب ~~التوحيد ، وأحزان المحبة ، أن يكون ضحكهم ترفيه فؤادهم من برحاء الحزن ، لا ~~يجوز أكثر من ذلك. # قال في قوله تعالى : ( ترى أعينهم تفيض من الدمع ) (1): عين ~~فاضت دمعها بأخبار ، وعين فاضت دمعها على قلة الوقار ، وعين فاضت دمعها على ~~الإخلاص والصفاء. # قال الحريري : العيون الباكية على ضروب : فعين تبكي عبادة ورسما ، وعين ~~تبكي خشية وحزنا ، وعين تبكي هيبة ووجلا ، وعين تبكي خصوصية وحقيقة. # ثم مدح الله رسوله وأصحابه بعد ذمه المنافقين ، بقوله : ( لكن ~~الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم ). # جاهد الرسول صلى الله عليه وسلم باحتمال أثقال أمانة الرسالة ، وأدائها بغير ~~حظوظ البشرية ، وجاهد العارفون ، بإفناء ms0571 وجودهم لمشاهدة الله ، ونيل وصاله ~~، ثم وصف المؤمنين بالمعية معه بالأرواح في مشارب بحار المشاهدة ، وسواقي ~~الرسالة ، فالولاية حين أشهدها الله مشاهدته في أبد الأزل حين عرف نفسه لهم ~~، بقوله : ( ألست بربكم ) [الأعراف : 172]. # ولولا تلك المعية والتعريف ، لما وافقوا في بذل مهجهم معه في معارك مشهد العشاق PageV02P035 # المقتولين بشوق المحبة من أهل الأشواق ، ثم عمهم الله مع نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بنيل جزيل ألطافه ، ولذائذ ألفاظه ، واعتطافه من كشوف ~~أنوار جماله ، وسناء جلاله ، بقوله : ( وأولئك لهم الخيرات ). # يعني المشاهدة والمكاشفات والوصلات والقربات ، ثم زاد في وصفهم ، بأنهم ~~نجوا بهذه النعم ، وسابقة سعادتهم ، من نكايات قهره ، ونكال بطشه ، بقوله : ~~( وأولئك هم المفلحون ). # الفائزون من كل فرقة ، والظافرون بكل بغية ، وتصديق ذلك قوله سبحانه : ( ~~ أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز ~~العظيم ). # جناية قرباته ، ومشاهدات صفاته التي تجري أنهار علوم الأزليات في أنوارها ~~من بحار الذات ، ومن فاز بشربة منها ، يصير متصفا بتلك الصفات ، ويكون ~~باقيا في مشاهدة الذات ، وذلك الفوز ، النجاة من الحدثان ، والبلوغ إلى ~~مشاهدة الرحمن. # قال بعضهم : اجتهد الرسول في أداء الرسالة ، أبلغ العناية ، وجاهد ~~المسلمون بأنفسهم في قبول ما جاء به من الشرع ، ما كان منه حظ النفس بالنفس ~~، وما كان منه حظ المال بالمال. # ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ~~ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ~~(91) ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا ~~وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون (92) إنما السبيل على ~~الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على ~~قلوبهم فهم لا يعلمون (93) يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن ~~نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى ~~عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (94) سيحلفون بالله لكم إذا ~~انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا ms0572 عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما ~~كانوا يكسبون (95) يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى ~~عن القوم الفاسقين (96) الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما ~~أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم (97)) # قوله تعالى : ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين ~~لا يجدون PageV02P036 # ما ينفقون حرج ): وصف الله زمرة أهل المراقبات ، ومجالس ~~المحاضرات ، والهائمين في المشاهدات ، والمستغرقين في بحار الأزليات الذين ~~أنحلوا جسومهم بالمجاهدات ، وأمرضوا نفوسهم بالرياضات ، وأذابوا قلوبهم ~~بدوام الذكر وجولانها في الفكر ، وخرجوا بعقائدهم الصافية عن الدنيا ~~الفانية بمشاهدته الباقية ، بأن رفع عنهم بفضله حرج الامتحان ، وأبقاهم في ~~مجالس الأنس ، ورياض الإيقان. # وقال : ( ليس على الضعفاء ) يعني : الذين أضعفهم حمل أوقار ~~المحبة. # ( ولا على المرضى ): الذين أمرضهم مرارة الصبابات. # ( ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون ): الذين يتجردون عن ~~الأكوان بتجريد التوحيد ، وحقائق التفريد. # ( حرج ): عتاب من جهة العبودية والمجاهدة ؛ لأنهم مقتولون بسيف ~~المحبة ، مطروحون بباب الوصلة ، ضعفهم من الشوق ، ومرضهم من الحب ، وفقرهم ~~من حسن الرضا ، ثم زاد في وصفهم بالشفقة على دين الله ، وعلى سنة رسوله ، ~~بقوله : ( إذا نصحوا لله ورسوله ). إذا عرفوا عباد الله طريق الله ~~، والأسوة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم وصفهم بترائي قلوبهم هلال ~~جلاله بنعت بذل أرواحهم ونفوسهم لله في الخلوات ، وبين أنهم فائزون من ~~نكايات المكر والامتحان ، وجميع البليات والعقوبات ، بقوله : ( ما ~~على المحسنين من سبيل ) أي : ما على المشاهدين جلاله وجماله سبيل الحجاب ، ~~وقارعة العتاب ؛ لأنه كان في الأزل اختارهم برحمته السابقة ، وغفر في القدم ~~تقصيرهم في المعرفة ، بأنه علم أن الخلق يعجزون عن حمل بوادي عظمته ، ~~وأوائل كشف سلطان كبريائه ، قال الله سبحانه : ( والله غفور رحيم ). # قال بعضهم في قوله : ( ليس على الضعفاء ): من لم يكن من القدرة ~~، فقد رفع عنه الحرج. # قال ابن طاهر : لو لم يكن في الفقر والقلة إسقاط الحرج عن صاحبه ، لكان ~~ذلك عظيما. # قال الله : ( ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون ms0573 حرج ). # وقال القاسم : في قوله : ( ما على المحسنين من سبيل ): من يرى ~~الإحسان كله من الله ، فلا يكون لأحد عليه سبيل ، وقد وقع لي في قوله : ( ~~ ما على المحسنين من سبيل ) أي : ما على من أصفاه الله في سابق ~~إحسانه عليه تغيير الاصطفائية قط ، وإحسانه لله PageV02P037 # إحسان الله فيه ، وشهوده عليه ، وشهود العبد مشاهدته بشرط ألا يرى لغير ~~الله وزنا من نفسه ، وجميع الأكوان حتى لا يجد عليه أحد سبيل المنة. # ثم وصف هؤلاء المحسنين بالفقر والظرافة فيه ، بنعت بذل الوجود ، وصدق ~~اللقاء المحمود ، بقوله : ( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ) ~~أي : لترفعهم عن رؤية غير الله ؛ حتى رؤية ما وجدوا من الله من حظوظ حلاوة ~~مشاهدته إلى الفناء فيه ؛ حتى لا يبقى فيهم غير حظ الله منهم. # أيضا أي : لتحملهم بالله ؛ حتى يكونوا معك في مشاهدة الله أبدا ، ولا ~~ينقطعوا عنك طرفة عين ، ثم بين الله سبحانه وصف القوم برغبتهم في بذل ~~وجودهم لله ، وسرعة مسارعتهم إلى الله ، وشدة شوقهم إليه ، وكثرة حزنهم بما ~~فاتوا عنهم من حقوق الطريقة بتمام الاية ، مما أجابهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : ( قلت لا أجد ما أحملكم عليه ) أي : لا أجد من ~~العرش إلى الثرى شيئا يحملكم غير الله ، ثم قال الله : ( تولوا ~~وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ): بين أن البكاء من الحزن ، وهو بكاء ~~المريدين ؛ لأن بكاء العارفين والمحبين من الفرح بالله. # قال النصر آبادي في قوله : ( إذا ما أتوك لتحملهم ) أي : يحملهم ~~على الإقبال علينا ، والثقة بنا والرجوع. # وقال أيضا : يحملهم أي : فتحمل عنهم أثقال المخالفات ، ثم بين أن العتاب ~~على من سكن إلى الدنيا ، وفرح بها ، بقوله : ( إنما السبيل على ~~الذين يستأذنونك وهم أغنياء ): وصف المتقاعدين عن الحق ، وعن السير إلى ~~معارك شهداء العشق الذين قتلوا بسيوف المحبة ، باشتغالهم بنفوسهم الأمارة ، ~~وهواها القاطع سبيل طلعة الله سبيل العار والشنار عليهم ؛ لأنهم تركوا حظ ~~الأكبر بالحظ الأصغر. # قال النصر آبادي : ألزم الله الندم الأغنياء ؛ لأنهم اعتمدوا أملاكهم ~~وأموالهم ، واستغنوا ms0574 بها ، ولو اعتمدوا على الله ، واستغنوا به لما ألزموا ~~المذمة. # ثم وصف تكلف أهل الدنيا ، في إنفاقهم بالنفاق والرياء والسمعة ، ثم رأوا ~~ذلك أيضا غرامة ؛ لأنهم لم يعرفوا ما يطلبون ، ومن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل. # ( ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم ~~دائرة السوء والله سميع عليم (98) ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ~~ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم ~~الله في رحمته إن الله غفور رحيم (99) والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار والذين PageV02P038 # اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري ~~تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (100) وممن حولكم من ~~الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ~~سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم (101)) # قال تعالى : ( ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ): هكذا شأن ~~من لم يذق ذوق السخاء في المعرفة. # قيل : من يري الملك لنفسه ، كان ينفقه غرامة عنده ، ومن يري الأشياء لله ~~عارية في يده ، رأى ما ينفقه عنها إلا غرما. # ثم استثني من هؤلاء من تصديق الله ورسوله والدار الاخرة ، بنور قذفه الله ~~في قلوبهم ، وشرح به صدورهم ، فينفقون على رجاء قربة الله. # قال تعالى : ( ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ~~ينفق قربات عند الله ) يعني : مشاهدات ، وكشف حجاب ، ورجاء وصال. # ( وصلوات الرسول ): بأن يدعوا لهم ، ويستزيد لهم مزيد قربة الله. # ثم قال تعالى على وجه استحسان ما أنفقوا له على أوليائه : ( ألا ~~إنها قربة لهم ) أي : إنها وسيلة إلى قربة الله ، بل من قربة الله منهم ، ~~وفقهم ببذل وجودهم له (1). # ثم وصفهم بأنهم سيدخلون في حضرته وقربته ، وحجاب مملكته ، ويرونه بلا ~~حجاب ، ولا عتاب ، بقوله : ( سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور ~~رحيم ): رحمة مشاهدته ، أن يسترهم بكنفه عن غيره. # قال بعضهم : من طلب القربة إلى الله هان عليه ما يبذله في جنب ذلك ، وكيف ~~ينال القربة إلى ms0575 الله من لا يزال يتقرب إلى ما يبعده من الله ، وهي الدنيا. # ثم وصف الله أهل سعادة الكبرى من سوابق زمرة الأعلى ، الذائقون طعم مجالس ~~دناني ، وكان قاب قوسين أو أدنى ، بقوله : ( والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار ) أي : السابقون بالأرواح قبل الكون إلى مشاهدة الأزل ، ~~بنعت المحبة والمعرفة والشوق حين أوجدها الحق من مكمن الغيب ، وأحضرها لديه ~~على جزائر النور ، ومجالس PageV02P039 # السرور ، فلا يزال طائرات بأجنحة الرضا في قضاء البقاء بنعت الفرح ~~بالمنى. # فإذا تلبست بأشباحها ، طلبت أماكنها ومعادنها ، فأبصرت بنورها مراد تجلي ~~القدم ، فسبقت إليها ، وسكنت بسبيل الاستقامة في طريق المعرفة بطلب زيادة ~~الزلفات ، وحقائق الوصلات. # قال ابن عطاء : «السابق» : من سبق له في الأزل حسن عنايته ، فيظهر عليه ~~في وقت إيجاده أنوار تلك السابقة ، فإنه ما وصل إليه أحد ، إلا بعد أن سبق ~~له في الأول منه لطف وعناية. # وقال الواسطي : السباق قولا وفعلا ، وحذر النفس حسرة المسبوق ، ثم وصف ~~السابقين لهم ، فقال : ( والذين اتبعوهم بإحسان ) أي : أدركوهم ، ~~وأدركوا ما هم فيه من لطائف الكرامات ، وأنوار المشاهدات. # وقوله : ( بأحسن ) أي : بإحسان الله عليهم في الأزل ، حيث أرشدهم ~~طريق المعارف ، فأحسنوا بإحسان الله ، وإحسانهم شهودهم حضرة الله ، بنعت ~~استضاء نور الإيقان والإيمان والعرفان. # ثم بين تعالى أن هذه الكرامة لهم من حسن الرضا عنهم في الأزل ، بقوله : ( ~~ رضي الله عنهم ورضوا عنه ): رضاه عنهم سابقة الاصطفائية منه لهم ~~في الأزل ، فجعلهم راضين عنه بعد كشف لقائهم ، فقد اختاروا مشاهدة الله على ~~ما سواها إلى الأبد. # قال جعفر رضي الله عنه : بما كان سبق لهم من الله من عنايته وتوفيقه ، ~~ورضوا عنه بما من عليهم ، بمتابعتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وقبول ما جاء ~~به ، وإنفاقهم الأموال ، وبذلهم المهج. # وقال النصر آبادي : ما رضوا عنه ، حتى رضي عنهم بفضل رضاه عنهم ، رضوا عنه. # ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله ~~أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم (102) خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ~~بها وصل عليهم إن ms0576 صلاتك سكن لهم والله سميع عليم (103) ألم يعلموا أن الله ~~هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم (104)) # قوله تعالى : ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر ~~سيئا ): وصف الله قوما عرفوا معايب أنفسهم لمعرفة الله وتعريفه إياهم نفسه ~~، فعرفوا نفوسهم بمعرفة الله ، فندموا عما جرى عليهم من أعلام المخالفات من ~~الخجل والحياء بين يد الله. # وهم قوم ألحقتهم أنوار العناية تارة إلى المباشرة ، وسائر القربة ، ~~ونشقهم نسائم PageV02P040 # الوصلة ، ثم مسهم طوارق الفرقة ، امتحانا من اللطف والقهر ؛ كي يعرفوا ~~الحق بمعرفة قهره ولطفه ، وذلك معني قوله تعالى : ( خلطوا عملا ~~صالحا وآخر سيئا )، فإذا بلغوا إلى محل الاستقامة ، رفعت عنهم نوائب ~~الامتحان ، وسكنوا في مشاهدة الرحمن ، وهذا قوله : ( عسى الله أن ~~يتوب عليهم إن الله غفور رحيم ). # قال بعضهم : صفة النادمين والمعرضين عن الذنوب ، والناوين للتوبة هي : ~~الاعتراف بما سبق منهم ، وكثرة الندم على ذلك ، والاستغفار فيه ، ونسيان ~~الطاعات ، وذكر المعاصي على الدوام ، والابتهال إلى الله بصحة الافتقار ؛ ~~لعل الله يفتح له باب التوبة ، ويجعله من أهلها. # قال الله تعالى : ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم ). # قوله تعالى : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ): بين ~~سبحانه أن يده في أخذ الصدقة ، يد الله بقوله عليه السلام : «الصدقة تقع في ~~يد الله قبل أن تقع في يد السائل». # قال تعالى : ( ويأخذ الصدقات ) أي : خذ ما يتعلق بحظوظ أنفسهم ، ~~حتى لم يبق بينهم وبين الله حظ النفس. # وأيضا أي : باشر أموالهم بأخذ الصدقات للفقراء ؛ حتى تصل بركة يدك إلى ~~أموالهم ، وتطهر بلطف يدك نفوسهم من المعاصي وجميع العذاب ، وتطهر قلوبهم ~~من حب ما سوى الله. # ( وتزكيهم ): تقدسهم من البخل ، وسوء الخلق. # ( وصل عليهم ) أي : ادع لهم بقبول الله إياهم لوصاله ، وقبوله ~~منهم ما من عليهم من نواله. # ( إن صلاتك ): سكينة قلوب المؤمنين ، فإن دعاءك لهم ، مقرون ~~بالإجابة ، وهم موقنون بذلك. # قال رويم : تطهر سرائرهم ، وتزكي نفوسهم. # قال ms0577 الواسطي : تطهر أبدانهم من دنس الانشغال بها والانقطاع إليها ، ~~وتزكيهم عن دنس الافتخار بها ، والمكاثرة بجمعها ، وليس على الأنبياء زكاة ~~؛ لأنه ليس على سرائرهم خطر الأموال. # وقال أيضا : تطهر قلوبهم من أنجاس الذنوب ، وتزكي بواطنهم وسرائرهم من ~~أنجاس العيوب ، فأنجاس ذنوب الظاهر المنع ، وأنجاس عيوب الباطن الأذى. PageV02P041 # وقيل في قوله : ( وصل عليهم ) (1) أي : ادع لهم ، فإن دعاءك لهم ~~يكون سكونا إلى الاخرة ، وانقطاعا عن الدنيا. # قوله تعالى : ( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ~~ويأخذ الصدقات ) إن الله سبحانه عرف الخلق كرمه القديم ، وفضله العميم يعطي ~~الكثير ، ويقبل القليل ، ويرى من عبده كثير السيئات ، ويبدلها له بالحسنات. # أي : يقبل توبة الاسف على ما فاته من قربة في زمان الطاعة ، ويأخذ صدقة ~~الموقن بجزائه بكشف المشاهدة. # قال النصر آبادي : فرق بين القبول والأخذ ؛ لأنه قد يقبل ثم يأخذ ، ولا ~~يأخذ إلا عن قبول ، فالأخذ أتم وأعم. # وقال أيضا : أخذ الصدقة أجل من قبول التوبة ؛ لذلك تقع فيه التربية ، قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : «إن الله يأخذها فيربها كما يربي أحدكم فلوه أو ~~فصيلة ..» (2) الحديث. # وعند عبده وخادمه والله أعلم أن القبول أتم من الأخذ ؛ لأنه ربما يأخذ ، ~~ولا يليق بنفسه وتعطى إلى غيره ، ولا يقبل بطيب نفسه منه ، بل يأخذ بطيب ~~قلب المعطي ، فإذا قبل لطيب نفسه يأخذ لنفسه ، ولا يعطي إلى غيره. # وأيضا : يرى أن قبول التوبة أعظم من قبول الصدقة ؛ لأن الصدقة شيء لا ~~يتعلق بوجود التائب ، وما جرى على التائب من المعصية كراهية عند الله ، ~~لأجل منازعته ومخالفته وذلك يتعلق بالجبروت ، فإذا ندم وخضع وخجل بين يدي ~~الله ، يصير خارجا من صورة المنازعة ، وخاضعا للربوبية ، فما كان في نفسه ~~من الإيمان واليقين والندم والخجل ، أعظم من جميع الكون عند الله. # إن كان صدقة منه ، فإنه يعظم الله ويصدقه ، وينزهه بفنائه في عظمته ، ~~وهذا عمل القلب والصدقة وما سواهما عمل الجوارح ، وأين عمل الجوارح عند عمل القلب؟ # وذكر الله أعظم من جميع الصدقات وجميع المعاملات ، فإنه ms0578 ذكر ذاته وصفاته ~~، قال : ( ولذكر الله أكبر ) [العنكبوت : 45] ، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : «حمد الحامد أعظم مما أعطي له من النعمة». # ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم PageV02P042 # الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (105) وآخرون مرجون ~~لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم (106) والذين اتخذوا ~~مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من ~~قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون (107) لا تقم فيه ~~أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن ~~يتطهروا والله يحب المطهرين (108) أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان ~~خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي ~~القوم الظالمين (109) لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن ~~تقطع قلوبهم والله عليم حكيم (110) # قوله تعالى : ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) ~~بين سبحانه مراتب علوم الإلهية على ثلاثة أقسام : استأثر قسما لنفسه ، ~~وقسما لرسوله ، وقسما لأوليائه ، فما استأثر لنفسه ، فهو العلم القديم ، ~~وإحاطة نظره القديم على كل محدث ، ولا تخفى عليه الضمائر ، وما يجري في ~~السرائر علما ورؤية بغير علة الاكتساب. # ثم استأثر الأنبياء بنور منه يرون به ، فترى قلوبهم به أعمال الخلائق ~~عيانا وبيانا ، وذلك نور الذات ، واستأثر أولياءه بسنا منه ، فيرى به أعمال ~~الخلائق في الخلوات ، وما في قلوبهم من المغيبات بالفراسات الصادقة ، ذلك ~~نور الصفات ، وفيه تخويف المخلصين والصادقين الذين يتعرض لقلوبهم النعوس ، ~~والشياطين بالهواجس والوساوس في أوقات الفترة ؛ حتى يراقبوا أسرارهم ، ~~ويراعوا أوقاتهم بتقديس القلوب من الخطرات. # قال أبو حفص أو أبو عثمان : اعمل ، وأصلح العمل ، وأخلص النية ، فإن الله ~~يرى سرك وضميرك ، والرسول يراه رؤية مشاهدة ، والمؤمنون يرونه رؤية فراسة ~~وتوسم ، قال الله تعالى : ( إن في ذلك لآيات للمتوسمين ) [الحجر : 75]. # قوله تعالى : ( لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم ~~فيه ): بين الله سبحانه أن تأسيس ms0579 كل عبادة لا يكون إلا بالتقوى ، والتقوى ~~بظهور الأسرار عن النظر إلى الأغيار ، وكل موضع يتضرر فيه ، ونيران التقوى ~~تحرق جميع الأوصاف النفسانية والشيطانية من الشرك والشك والرياء والنفاق ~~والسمعة ، ولا يبقى هناك إلا صفاء السر وطهارة الضمير ، وخلوص النية ، ~~وصفاء القلب ، وتجريد ذكر الله عن ذكر مخلوق. # وإذا كان كذلك تكون العبادة والإرادة ، تبلغ الإيمان والإيقان إلى درجة ~~العرفان ، PageV02P043 # والعرفان يبلغ هذه المراتب إلى درجة التوحيد ، والتوحيد يبلغ الجميع إلى ~~مشاهدة الموحد ، حتى صارت كل غيبة عيانا ، وكل نكرة عرفانا وكل إبهام بيانا ~~، قال الله تعالى : ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) ~~[فاطر : 10]. # وفي هذه الاية عرفنا الله سبحانه أن الشر قديم ، وفي كل زمان ، لكل صادق ~~قيض الله له بذاته ملعونا سالوسا يؤذيه ، قال تعالى : ( وكذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين ) [الفرقان : 31] ، ومن جملة من كان يؤذى ~~نبينا صلى الله عليه وسلم : أبو عامر الفاسق ، وكان راهبا أمر المنافقين ~~ليبنوا مسجدا ضد مسجد قباء ، أو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم رياء وسمعة ~~ونفاقا ، وصد الخلق عن الدخول في الإسلام. # كذلك في زماننا هذا لبسوا الصوف ، وأظهروا الزهد ، وبنوا بقاع السوء ، ~~وجلسوا فيه بالأربعين ، ويرسلون الشياطين إلى أبوابه ، لا تراك العوانين ~~حتى يقولوا أن فلانا في الأربعين ، ينبغي أن تزوروه ، فإنه من أولياء الله ~~، ويريدون بذلك جر المنفعة إليهم ، وصرف وجوه الناس إليهم مع مضادات أولياء ~~الله ، فإذا دخل عليهم أحد من العوام ، يقعون في ذكر مساوئ أولياء الله ، ~~وعيبهم وقبح المقال فيهم ؛ ليصدوا الناس عن التبرك بهم ، والاعتقاد فيهم ~~يخونون الله ، ويخونون أولياء الله ، والله لا يهدي كيد الخائنين ، طهر ~~الله وجه الأرض من مثلهم. # قال أبو بكر الوراق في قوله : ( لمسجد أسس على التقوى ) من صحح ~~إرادته بدءا ، ولم يعارضه شك أو ريبة ، فإن أحواله تجري على الاستقامة ، ~~وتصحيح الإرادة ، هو الخلع عن مراده أجمع ، والرجوع إلى مراد الله فيه. # قال الله : ( لمسجد أسس على التقوى ). # قال أبو عثمان : أرض الفتنة لا ينبت فيها ms0580 إلا الفتنة ، وأرض الرحمة تصيب ~~الإنسان رحمة ، ولو بعد حين (1). # ثم إن الله سبحانه وصف أهل القباء بتقديس أسرارهم ، وعلو مراتبهم ، ~~وقبولهم في أزل محبته لهم ، بقوله : ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا ~~والله يحب المطهرين ): وصفهم بحب الطهارة ، ووصف نفسه تعالى بحب المطهرين. # و «الطهارة» : طهارة الأسرار من الخطرات ، وطهارة الأرواح من الغفلات ، ~~وطهارة القلوب من الشهوات ، وطهارة العقول من الجهلات ، وطهارة النفوس من ~~الكفريات ، PageV02P044 # وطهارة الأبدان من الزلات ، ومن أحبه الله في الأزل ، يطهره في الدنيا ~~مما يشغله عن الله طرفة عين ، فإن المحب لا يترك حبيبه في شيء يضر به. # قال سهل : الطهارة على ثلاثة أوجه : طهارة العلم من الجهل ، وطهارة الذكر ~~من النسيان ، وطهارة الطاعة من المعصية. # وقال بعضهم : ( يحبون أن يتطهروا ) أي : يطهروا أسرارهم عن دنس ~~الأكوان ، ثم وصف سبحانه لهؤلاء الرجال ، وتأسيسهم بناء الطاعات على موافقة ~~الله ورسوله ، وطلب رضوانه ، بقوله : ( أفمن أسس بنيانه على تقوى ~~من الله ورضوان خير ): لله بنيان ، وهو قلوب الصديقين ، وفيها مناظر القدس ~~، ومحافل الأنس ، تحفوها أنوار تجلي الحق سبحانه ، فمن أسس بنيان قلبه بعد ~~تطهيره عن دنس الأخلاق ، وتنويره بنور الخلاق ؛ لذكر جلاله ، وتعظيم عظمته ~~، وحب لقائه ، وشوقه إلى جماله ، ومعرفته وتوحيده ، وإفراد قدمه عن الحوادث ~~بنعت فنائه في احتشام الله ، وخوفه وإجلاله ، وخشيته من كبريائه ، ومراقبته ~~خطابه وأسراره ، وطلب رضوانه ووصاله ، يصل بهذه الأوصاف إلى أن يكون قلبه ~~موضع أسرار الله ، ولطائف رضوان الله ، وظرف محبة الله ، ومحل زيارة الله ، ~~كما حكي للنبي صلى الله عليه وسلم عن الله سبحانه ، بأن له تعالى ظروف أسراره ~~في الأرض ، قال : «إن لله أواني ألا وهي القلوب» (1). # قال أبو تراب النخشبي : من كان إبقاء إرادته على الصحة والسلامة من هواجس ~~نفسه إلى الرضوان الأكبر ، والمقام الأرفع. # قال الله : ( أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ). # قال الواسطي : ( على تقوى من الله ): لا من نفسه يكون الله أصل ~~تلك التقوى. # ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في ms0581 سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو ~~الفوز العظيم (111) التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون ~~الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين ~~(112) ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ~~من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب PageV02P045 # الجحيم (113) وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها ~~إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم (114)) # قوله تعالى : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن ~~لهم الجنة ) تقتضي همة المعرفة أنه أغار على نفسه في الأزل بعد أن وصف نفسه ~~بمحبتهم ، فمنهم عن نفسه ، وشغلهم بغيره مكرا بهم واستدراجا ، اشترى نفسه ~~منهم ؛ لأنه بذاته نفس الكل ، حيث قام الوجود بنفسه ، ولو لا قيامه على شيء ~~تلاشت الأشياء ، ما قل من لمحة عرض نفسه الحدثان ، ولم يرها أهلا لنفسه ، ~~فاشترى نفسه من نفسه ؛ لعلمه بضعف الخلق عن حمل وارد تجلي عظمة نفسه ، وكيف ~~يقوم الحدث جلال القدم ، وهو تعالى قيمة نفسه لا غير ، اشترى شفقة عليهم ؛ ~~كيلا يتلاشوا في سبحات عزته ، ثم اشترى أموالهم ، وهي كشوف نعوته الأزلية ، ~~وتمتعهم بمشاهدتها ؛ حتى لا يبقى سر العدم إلا في القدم. # فلما قطعهم عن رؤية سبحات القدم بالحقيقة ، شغلهم بما يليق بهم ، وهي ~~الجنة ، وأيضا لم ير للنفوس والأموال نفاسة حيث اشتراها بالجنة ، ولو كان ~~لها موقع لاشتراها بنفسه لا بشيء محدث ، وأيضا اشترى النفوس ؛ لأنها حجاب ~~القلب من الرب ، وكذلك المال ؛ حتى لم يبق بينه وبين الرب حجاب ، وأيضا ~~اشترى منهم النفوس التي تحت سلطانهم بالمجاهدات ، وما اشترى قلوبهم ؛ لأن ~~قلوبهم لم تدخل تحت أملاكهم ، فإنه مستغرق في رؤية الصفات. # وقال ابن عطاء : نفسك موضع كل شهوة وبلية ، ومالك محل كل إثم ومعصية ، ~~فأراد أن يزيل ملكك عما نصرك ، ويعوضك عليه ما ينفعك عاجلا أو آجلا. # قال سهل : لا نفس للمؤمن ؛ لأنها دخلت في البيع ms0582 مع الله ، فمن لم يبع من ~~الله حياته الفانية ، كيف يعيش مع الله ، ويحيى حياة طيبة. # قال الله : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ). # قال جعفر : مكر بهم على لسان الحقيقة ولسان المعاملة ، واشترى منهم ~~الأجساد لمواضع وقوع المحبة في قلوبهم ، فأحياهم بالوصلة. # وقال الحسين : نفوس المؤمنين نفوس أبية اشتراها الحق ، فلا يملكها سواه. # وقال النصر آبادي : سئل الجنيد : متى اشترى؟ قال : حين لا متى أزال عنهم ~~العلل ، بزوال ملكهم عن أنفسهم وأموالهم ؛ ليصلحوا لمجاورة الحق ومخاطبته. # وقال النصر آبادي : اشترى منك ما هو صفتك ، والقلب تحت صفته لم يقع عليه PageV02P046 # المبايعة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «قلب ابن آدم بين أصبعين من ~~أصابع الرحمن» (1) # فقال : النفس محل الغيب ، والكريم يرغب في شراء ما يزهد فيه غيره ، وما ~~سنح لي بعد قولهم ، وما ذكرت في مقدم قولهم : أنه تعالى ألبس النفوس حين ~~أوجدها لباس قهر الربوبية ، فأسخطت من مباشرته وصف الكبرياء ، فلما اتصف ~~بقهره تعالى نازعته ، فعلم الحق تعالى لو تركها مع المؤمنين أغوتهم ، كما ~~أغوت فرعون ، بقوله : ( أنا ربكم الأعلى ) [النازعات : 24] ، وكما ~~قال إبليس : ( أنا خير منه ) [الأعراف : 12] ، فهلكها بقهره ؛ حتى ~~لا يبقى في المؤمن غير العبودية. # ثم أن الله سبحانه فرح فؤاد العارفين بوفائه معهم ، وخطابه بأخباره عن ~~صدقه بوفائه ؛ ليكونوا في بذل وجودهم وقتل نفوسهم ، والجهاد مع عدوهم على ~~حسن الظن في الله ، وحسن الرضا إلى وعد الله وفائه لعهده ، بقوله : # ( ومن أوفى بعهده من الله ) أي : كل حادث ناقص في أمر المستقبل ~~والقديم ، منزه عن نقائص الحدثان ، فيفعل بموجب الأخبار على موافقة الحكم ، ~~ويعطي للعبد ما وعد به وأكثر ، إظهارا لربوبيته ، ومنا على عباده. # قال الحسين : عهد الحق في الأزل إلى خواصه باختصاص خاصية خصهم من بين ~~تكوينه ، فأظهر آثار أنوار ذلك عليهم عند استخراج الذر ، فرأى آدم ~~عليه السلام الأنوار تتلألأ ، فقال : من هؤلاء؟ ، ثم أظهر سمات ذلك حين ~~أوجدهم ، وهى أثار ذلك العهد الذي عهد إليهم فوفى لهم بعهودهم ( ~~ومن أوفى بعهده من ms0583 الله ). # ثم إن الله سبحانه بشر المؤمنين باشترائه نفوسهم منهم ، وبما يجازيهم بها ~~من لطفه وكرمه وفضله ومشاهدته ، بقوله : # ( فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به )، وأضاف اشتراء النفوس إلى ~~نفسه ، اشتراها في الأزل ، وأضاف بيعها إلى المؤمنين ، وأين المؤمنون في الأزل؟ # وأقام نفسه مقام المؤمنين ؛ لإشارة مقام الاتصاف والاتحاد ، كما أشار إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، بقوله : ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ~~وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله ~~سميع عليم ) [الأنفال : 17] ، والاية من قبيل عين الجمع بشرهم نبيهم ، ~~والغرض من ذلك المشتري أي : بشروا بمتابعتكم معي حيث اصطفيتكم بخطابي ~~وشرائي ، الذي ينبئكم عن كريم لطفي بكم ، بأني أعطيكم ما وعدتكم بلا PageV02P047 # عذاب ولا حساب ، وأكشف عن وجهي قناع الجبروت ، وأريكم جمالي وجلالي ، ~~وذلك قوله سبحانه : ( وذلك هو الفوز العظيم ). # قال النصر آبادي : البشرى في هذا البيع ، أنه يوفي بما وعد ، بأن لهم ~~الجنة ، ويزيد لمن يشاء فضلا منه وكرما بالرؤية والمشاهدة. # ثم وصف أهل ذلك البيع والشراء ، بأوصاف المقامات مفصلا ومقسما ، بعد أن ~~جعل جميع الأوصاف في اسم العلم الذي هو المؤمن ، وذلك الاسم اسم جامع لمعان ~~كثيرة ، وهي ما وصفهم الله بهذا في قوله تعالى : ( التائبون ~~العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون ~~عن المنكر ) بين تسعة مقامات ، وذكر في أولها ذكر الإيمان ، حيث قال : ( ~~ إن الله اشترى من المؤمنين ) لأن الإيمان أصل جميع المعاملات ~~والحالات والدرجات والمنازلات ، وهو أصل جميع الخيرات في الدنيا والاخرة ، ~~وهو تعريف الله نفسه لعبده بعد أن جعله عاقلا مستعدا لمعرفته ، فاهما ~~لخطابه. # ومن الإيمان تتشعب هذه الخصال ، وهذه المقامات ، فصارت قسمة المقامات ~~عشرة مع الإيمان ، والإيمان أوله. # والمؤمن ممتحن ببلايا المعرفة من الله ، فيذوق مرارة الفرقة بعد ذوق ~~الوصلة ، فيقع بتوفيق الله السابق في الأزل ، فيوقظه من نوم الغفلة ، ~~وينبهه من قدرة الفرقة حتى يتنبه ويفتح عين قلبه ، فيعرف ما أفسدت النفس ~~والشيطان في مصارع قلبه بذئاب الشهوات ، وسباع الشبهات ، ويرى خيول الهوى ~~في ms0584 محل الروح الناطقة ، فيهيج سره نور الإيمان إلى إخراجها من منظر نظر ~~الله ، فيقدس أسراره من النظر إلى الأغيار ، ويخرج نفسه من منازل الاغترار ~~، ويندم على ما فاته من أوقات الطاعات ، ويرجع بالحياء والخجل إلى أبواب ~~المداناة ، ويستأنف عمل الإرادات ، حتى تستحق له مرتبة التوبة ، فيتوب الله ~~عليه بعطف وصاله وكشف جماله. # فالتائبون : قوم رجعوا من غير الله إلى الله ، واستقاموا بالله مع الله ، ~~ولا يرجعون من الله إلى غير الله أبدا. # ثم يوجب هذه الأوصاف للتائب الصادق ، العبادات والمجاهدات والرياضات ، ~~حتى يذوق طعم العبودية ، وذلك بعد الحرية عما سوى الله ، حتى يكون عبدا لله ~~لا لغير الله ، ويرى مشاهدة الله في عبادة الله بعين الإحسان ونور العرفان ~~، كما قال سيد فرسان العالمين في ميادين PageV02P048 # المعرفة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الإحسان أن تعبد الله كأنك ~~تراه» (1). # فالعابدون : هم القائمون بالله في الله عن غير الله ، فإذا تمت هذه النعم ~~لهذا العابد يقتضي حاله حمد المنعم القديم بإحسانه السابق للعابد في الأزل ~~بإنعامه ، فيحمده بوصل الخجل ، وخرس ألسنة أسراره عن البلوغ إلى ثنائه ، ~~فيحمده بلسان حمده بنعت نسيان غيره في حمده ، فيحمد منعمه بنعمة تعريف نفسه ~~له ، فيستعف لسان الحمد من صفته ، فيصفه بصفته لا بوصفه ؛ لأن الحادث كيف ~~يطيق أن يحمد القديم؟ # ألا ترى كيف رأى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه عن حمده في رؤية جلاله مقصرة ~~عن البلوغ إلى حقيقة حمده وثنائه ، بقوله : «لا أحصي ثناء عليك أنت كما ~~أثنيت على نفسك» (2). # فالحامدون : الذاكرون الله لجميع الوجود ظاهرا وباطنا ، سرا وعلانية ، ~~حتى لا تخلو شعرة منهم إلا ولها لسان من الله بحمد الله به في جميع الأنفاس ~~، المستغرقون في بحار امتنان مشاهدته. # ثم يقتضي حمده للحامد حبس النفس عن مألوفاتها حين عاين هلال جماله في ~~سماء الإيقان ، ألا ترى كيف قال صلى الله عليه وسلم : «صوموا لرؤيته» ، ولا ~~يكون فطوره إلا حلاوة مشاهدته ؛ لقوله عليه السلام : «وأفطروا لرؤيته» (3). # فالسائحون : السيارون بقلوبهم في الملكوت ، الطائرون بأجنحة ms0585 المحبة في ~~هواء الجبروت ، ثم السباحة في أقطار الغيب ، يقتضي المشايخ الخضوع بنعت ~~الفناء عند مشاهدة العظمة والكبرياء في مراكع الكشوف ، فيركع بنعت السكر ~~لجبروته في كل موطن من العالم شوقا إلى جود جماله ، وحسن وصاله. # فالراكعون : العاشقون المنحنيون من ثقل أوقار المعرفة على باب العظمة من ~~رؤية الهيبة ، ثم يقتضي ركوع هذا الراكع شهود أسراره في منازل الأنوار ؛ ~~لطلب جمال الملك الغفار جل جلاله وعز كبريائه ، فيسجد عند كل كشف في كل ~~موضع وحش ، حتى يصير مدهوشا في دهشة بديهة كشف جماله من كل قبلة في العالم ~~، فيسجد لجميع الجهات لغيبه في معاينات الصفات. # وهكذا كان هشام بن عبدان الشيرازي رحمة الله عليه في سكره ، ومات بهذه ~~الصفة بارك الله في حياته ومماته ، وجعلنا مثله في عرصات المقبولين بسيف ~~محبته ، وكشف مشاهدته PageV02P049 # ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ) [البقرة : 115]. # فالساجدون : الشاهدون مشاهدة الغيب بعد كشف الغيب حرقة وهيجانا وشوقا ~~وهيمانا ، أنشد : # لو يسمعون كما سمعت كلامها %~% خروا لعزة ركعا وسجودا # وهذا السجود يقتضي التوبة ، والقربة تقتضي المشاهدة ، والمشاهدة تصير ~~شاهدا متصفا بصفاتها ، فمن وقع في نور أسماء الله وصفاته ، صار متصفا بوصف ~~الربوبية ، متمكنا في العبودية ، فيحكم بحكم الله بهذه النعوت. # وقال : ( الآمرون بالمعروف ) الداعون الخلق إلى الحق بلسان ~~الظرافة ، ومباشرة المعاملة ، الباذلون أنفسهم في الله ، دفع المضرة عنهم ، ~~وأخرجهم عن معصية الله بتأييد الله ، وبما كساهم الله من أنوار هيبته ، ~~وكسوة سنا عظمته ، فيكونون محتشمين باحتشامه بين الخلائق ، فنهاهم عن ~~متابعة الشهوات بعد أن منعتهم نفوسهم عن جميع المخالفات. # قال تعالى : ( والناهون عن المنكر ) الناهون نفوسهم عن الهواجس ، ~~وشياطينهم عن الوساوس ، وقلوبهم عن طلب الاخرة ، وأرواحهم عن وقوفها في ~~مقام المحبة ؛ لأن الأزلية بلا نهاية ، والوقوف على منزل واحد حرام على كل ~~عاشق ، وهذا مجال يقتضي رتبة أعلى ، وهي حفظ حدود الله ، وتابعوا سنة الله ~~ورسوله في شريعته ، وأمروا على أنفسهم وعلى خلقه أمر الله ورسوله ، ولا ~~يتجاوزون عن حدود الله التي أعلامها معروفة في خطابه ms0586 ، فالحافظون # لحدود الله ، القائمون في مقام العبودية بعد كشف صفات الربوبية لهم ، فلا ~~يتجاوزون عن حد العبودية ، وإن ذاقوا طعم حلاوة الربوبية ، وبعد أن اتصفوا ~~بصفاته ، وعاينوا جمال ذاته ، لا يدعون الربوبية كفعل سكارى المحبة ؛ لأنهم ~~في محل التمكين على أسوة مراتب النبي صلى الله عليه وسلم مع كماله ، قال : ~~«أنا العبد لا إله إلا الله» (1). # ثم جمع هذه الأوصاف الشريفة ، والمراتب الرفيعة في اسم واحد ، وهو اسم ~~المؤمن ، وبشرهم بجزيل المقامات في الدنو والمداناة ، بقوله : ( ~~وبشر المؤمنين ) يعني : العارفين الذين هذه الأوصاف صفتهم ، وهم في أعلى ~~الدرجات من التوحيد أي : بشرهم أنا لهم وهم لي ، حجاب بيني وبينهم أبدا ، ~~وإذا خرجوا من هذه المفاوز الوعرة لا يبقى بيني وبينهم امتحان بعد ذلك ، ~~فإن هناك لهيب الوصال بلا علة الفرقة ، وكشف الجمال بلا حجاب الوحشة ، قال ~~تعالى : ( فلنحيينه حياة طيبة ) [النحل : 97]. PageV02P050 # ولي أيضا لطيفة في حق المؤمنين ، أن الله سبحانه ذكر أوصاف هؤلاء الكبراء ~~من أهل المقامات والدرجات ، وما ذكر ذكر البشارة هناك ، كأن ذلك يقتضي حزن ~~المؤمنين الذين هم في أدنى الدرجات من درجاتهم ، فبشرهم بالبشارة ، وعاملهم ~~بالبيع والشراء. # قال في الأول : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم )، وقال في ~~آخر الاية : ( وبشر المؤمنين ) أي : اشتريت منهم نفوسهم بثمن كريم. # قال : ( وبشر المؤمنين ): بأن ذلك الثمن الكريم جنة مشاهدتي ، ~~التي بسامة بنعت الرضا في وجوههم حين تطلع لعيونهم ، وأن ليس لهم هذه ~~المقامات ، فأنا مشتري المفلسين ، وأنا مبشر المحزونين ، أي : الدرجات ~~لهؤلاء ، وأنا للمؤمنين خاصة بلا علة المعاملة ، ولا شبهة الجهد والجاهدة ، ~~وأيضا : بشر المؤمنين بهذه المقامات ، فإنها أيضا من أهل المقام بإيمانهم ~~بهؤلاء الأصفياء. # ألا ترى إلى قول رويم قدس الله روحه حيث قال : من آمن بكلامنا هذا من ~~وراء سبعين حجابا ، فهو من أهله. # قال سهل في قوله : ( التائبون ): ليس في الدنيا شيء من الحقوق ، ~~أوجب على الخلق من التوبة ، إلا بالحمد على ما وقفت به عليه من طلب طريق ~~التوبة ، ولا تصح التوبة إلا بمداومة السياحة ms0587 والرياضة ، ولا تدرك هذه ~~المقامات ، إلا بمداومة الركوع والسجود ، ولا يصح هذا كله ، إلا بالأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا يصح مما تقدم ، إلا بحفظ الحدود ظاهرا ~~وباطنا. # والمؤمن من تكون هذه صفته ؛ لأن الله يقول : ( وبشر المؤمنين ) ~~الذين هم بهذه الصفة. # قيل في قوله : التائبون الراجعون إلى الله بالكلية عن جميع ما لهم من ~~صفاتهم وأحوالهم ، العابدون القائمون معه على حقيقة شرائط الخدمة ، ~~الحامدون العارفون نعم الله عليهم في كل خطرة وطرفة عين. # ( السائحون ) الذين حبسوا أنفسهم عن مرادها ؛ طلبا للرضا. # ( الراكعون ) الخاضعون له على الدوام. # ( الساجدون ) الطالبون قربه. # ( الآمرون بالمعروف ) الامرون بسنة النبي صلى الله عليه وسلم . # ( والناهون عن المنكر ) عن ارتكاب مخالفات السنن. PageV02P051 # ( والحافظون لحدود الله ) المراعون أوامر الله عليهم في خوارجهم ~~، وقلوبهم ، وأسرارهم ، وأرواحهم ، ( وبشر المؤمنين ) القائمين ~~بحفظ هذه الحرمات. # وقال أبو يزيد : السياحة راحة ، من ساح استراح. # وقال أبو سعيد الخراز في قوله : ( والحافظون لحدود الله )، قال ~~: هم الذين أصغوا إلى الله باذان فهومهم الواعية ، وقلوبهم الطاهرة ، ولم ~~يتخلفوا عن ندائه بحال. # وعن علي بن موسى الرضا ، عن أبيه ، عن جعفر قال : لا تصح العبادة إلا ~~بالتوبة ، فلذلك قدم التوبة على العبادة ، ولا تتم التوبة إلا بملازمة ~~العبادة ؛ فجعلها تالية. # قال ابن عطاء : التئبون الراجعون إلى الله من كل ما سواه من الأغيار. # والعبدون الواقفون على بابه يطلبون الإذن عليه شوقا منهم إليه. # والحمدون هم الذين يشكرونه على السراء والضراء ، إذ كل منه ، وما كان منه ~~، فهو مقبول بالسمع والطاعة. # والسئحون التاركون شهواتهم ، ومراداتهم لمراد الحق فيهم. # والركعون الخاضعون لعظمة الله. والسجدون : المتقربون إلى الله بخدمته ، و ~~( الآمرون بالمعروف ) القائمون بأوامر الله بحسب الطاقة ، ( ~~ والناهون عن المنكر ) التاركون مخالفة الحق أجمع ، وهم الذين ~~يوالون أولياء الله ، ويعادون أعداءه. # قال الأستاذ في قوله : التائبون الراجعون إلى الله ، فمن راجع ، يرجع عن ~~زلته إلى طاعته ، ومن راجع ، يرجع عن متابعة هواه إلى موافقة رضاه ، ومن ~~راجع ، يرجع من شهود نفسه إلى شهود لطفه ، ومن راجع ، يرجع عن ms0588 الإحسان ~~بنفسه وأبناء جنسه إلى الاستقرار في حقائق حقه. # وقال في قوله : العبدون هم الخاضعون بكل وجه ، الذين لا تسترقهم كرائم ~~الدنيا ، ولا تستعبدهم عظائم العقبى ، والحمدون الشاكرون له على وجود ~~أفضاله المثنون عليه عند شهود جماله وجلاله ، والسئحون الممتنعون عن خدمة ~~غير الله ، المكتفون من الله بالله ، والركعون الخاضعون لله في جميع ~~الأحوال تحت سلطان التجلي ، والسجدون في الظاهر بنفوسهم على بساط العبودية ~~، وفي الباطن بقلوبهم عند شهود الربوبية. # ( الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ) هم الذين يدعون الخلق ~~إلى الله ، PageV02P052 # ويحذرونهم عن غير الله ، يتواصون بالإقبال على الله ، وترك الانشغال بغير ~~الله. و ( والحافظون لحدود الله ) يحفظون الله مع الله أنفاسهم. # قيل في قوله : السئحون الذين يسيحون في الأرض على جهة الاعتبار ؛ طلبا ~~للاستبصار ، ويسيحون بقلوبهم في مشارق الأرض ومغاربها ، بالتفكر في جوانبها ~~ومساكنها ، والاستدلال بتغيرها على منشئها ، والتحقق بحكمة خالقها ، كلما ~~يرون من الايات التي فيها ، ويسيحون بأسرارهم في الملكوت ، فيجدون روح ~~الوصال ، ويعيشون بنسيم الأنس ، والتحقق بشهود الحق. # ( وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ~~إن الله بكل شيء عليم (115) إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما ~~لكم من دون الله من ولي ولا نصير (116)) # قوله تعالى : ( وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم ) إن الله ~~سبحانه إذا أذاق طعم وصاله ، ولذائذ حلو خطابه أرواح الصديقين والعارفين ، ~~وأراهم جماله وجلاله ، فجعلهم عاشقين بوجهه ، شائقين إلى جماله ، وهم بهذه ~~النعوت لا يبرحون عن بابه ، ولا يفرحون إلا بوصاله ، ولا يلتفون بقلوبهم ~~ونياتهم إلى غيره ، فلما اصطفاهم بهذه الصفات في الأزل بنفسه ، كيف يحجبهم ~~عن نفسه ، وهو بذاته كان محبا بحبهم ، وعاشقا بعشقهم ، وشائقا إلى شوقه ، ~~حاشا التغيير في أهل الصفات ، ولا تبديل الكلمات التامات التي سبقت ~~باصطفائيتهم في الازال ، وآزال الازال ، وهم بحمد الله في كنف الله ، ~~محروسون بعين لطفه عن عين قهره إلى الاباد وآباد الاباد ، ولا اعتبار بما ~~يجري عليهم من أحكام الابتلاء والامتحان ، فإن سيئاتهم توجب ms0589 الحسنات ، ~~وحسناتهم توجب القربات ، وهم غير مأخوذين بالجنايات ، لسبق العنايات. # وقوله تعالى : ( حتى يبين لهم ما يتقون ) لا يمنع تغيير ما ذكرنا ~~، فإن الضلال هاهنا ظهور النكرة في محل الامتحان من القهر والغيرة ، وخفاء ~~الحال ، والغرض في ذلك انفتاح عين المعرفة في النكرة ، حتى يعرفوا الحق ~~بطريق القهر واللطف ، وتأويل الظاهر. # قال بعضهم : من جرى له في الأزل من السعادة والعناية نصيب ، فإن الجنايات ~~لا تؤثر عليه. # قال الله تعالى : ( وما كان الله ليضل قوما ) في الأبد ، ( ~~ بعد إذ هداهم ) في الأزل. PageV02P053 # وقيل : لا يضلهم بعد إذ هداهم إليه. # وقال الأستاذ : الإشارة فيه أنه لا سلب لعطائه ، إلا بترك الأدب منكم. # ويقال : من أهله لبساط الوصلة ما مني بعده بعذاب الفرقة ، إلا لمن سلب ~~منه ترك الحرمة. # ثم وصف نفسه بأنه مالك الملك من العرش إلى الثرى ؛ إعلاما بأن الحكم له ~~في الضلالة والهداية والحياة بالوصلة ، والموت بالفرقة ، بقوله : ( ~~ إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله ~~من ولي ولا نصير ). # إشارة القهر أن ملك الكون لا خطر في قلب العارف عند رؤية المكون ؛ لأن من ~~عاين المكون غاب عن الكون ، والكون له ؛ لأن العارف والمعروف بشرط الانبساط ~~واحد ، له ملك الولاية في الأرض ، وملك الملكية في السماء ، من قصده لهاتين ~~المنزلتين يكون مرهونا للدرجات عن المشاهدات ، التي تحيي قلوب العشاق ~~بجمالها ، وتميت المشغولين بغيره ، بفراقها ، وتحيي قلوب العارفين بالبسط ~~والأنس ، وتميت نفوسهم بالقبض والهيبة. # قال ابن عطاء : من طلب من الملك غير المالك ، فقد أخطأ الطريق. # وقال جعفر : الأكوان كلها له ، فلا يشغلك ما له عنه. # قال الأستاذ : يحيي من يشاء بعرفانه وتوحيده ، ويميت من يشاء بكفرانه ~~وإلحاده. ويقال : يحيي قلوب العارفين بأنوار المواصلة ، ويميت نفوس ~~العابدين باثار المنازلة. # ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ~~ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤف ~~رحيم (117) وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم ms0590 الأرض بما رحبت ~~وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ~~ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم (118) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين (119) ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن ~~يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ~~ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من ~~عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين (120) ولا ~~ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله ~~أحسن ما كانوا يعملون (121)) PageV02P054 # قوله تعالى : ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ) ~~(1) التوبة توبتان : # توبة العبد : وهى الرجوع من الزلات إلى الطاعات. # وتوبة الله : رجوعه إلى الله بنعت الوصال ، وفتح باب الماب ، وكشف النقاب ~~عن الاحتجاب ، وطلب العتاب : # إذا مرضتم أتيناكم نعودكم %~% وتدينون فنأتيكم فنعذر # انظر لطف الله بنبيه وأصحابه ، كيف تاب لأجلهم مكان توبتهم ، رجع إليهم ~~قبل رجوعهم إليه ؛ ليسهل عليهم طريق الرجوع إليه ، فرجوعه إلى نبيه بكشف ~~المشاهدة ، ورجوعه إليهم بكشف القربة ، فتوبة النبي عليه السلام من غيبته عن ~~المشاهدة باشتغاله بأداء الرسالة ، وتوبة القوم من غيبتهم عن ملاحظة الحضرة ~~، فلما ذاقوا طعم الجنايات ، واحتجبوا عن المشاهدات ، أدركهم فيض الوصال ، ~~وانكشف لهم أنوار الجمال ، وهكذا سنة الله مع الأنبياء والأولياء إذا دانوا ~~في مقام الامتحان ، وبقوا في الحجاب عن مشاهدة الرحمن ، يمطر عليهم وابل ~~سحاب الكرم ، ويلمع لأبصار أسرارهم نور شرق القدم ، فيؤنسهم بعد إياسهم ، ~~ويوصلهم بعد قنوطهم. # قال تعالى : ( وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ) [الشورى : ~~28] ، وقال : ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم ~~نصرنا ) [يوسف : 110] ، وأنشد في معناه : # نا كمن ألبس أكفانه %~% وقرب النعش من الملحد فحال ماء الروح في جسمه %~% فرده أمل إلى المولد تبارك الله سبحانه %~% ما كل هو بالسرمد # قال بعضهم : توبة النبي صلى الله عليه وسلم ، هي مقدمة توبة ms0591 الأمة ؛ لتصح ~~بالمقدمة التوابع من توبة التائبين. # وقال بعضهم : توبة الأنبياء لمشاهدة الخلق في وقت الإبلاغ ، إذ الأنبياء ~~لا يغيبون عن الحضرة ، بل لا يحضرون في مواضع الغيبة ؛ لأنهم في عين الجمع ~~أبدا ، ثم خص الثلاثة الذين غرقوا في بحار الامتحان ، برجوعه عليهم بقبول ~~توبتهم ، بقوله : PageV02P055 # ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ~~): انبسطت عرصات قلوبهم لتراكم غيوم القبض ، وتتابعت على أسرارهم أنوار ~~العظمة ، فأبرزت الأرض من عظائم برحاء مواجيدهم ، وتراكم حقائق همومهم ، ~~فلا يبقى ذرة من الأرض إلا واستغرقت في بحار أنفاسهم الملكوتية ، واحترقت ~~بنيران أفئدتهم الجبروتية ، وما رأوا على وجه الأرض ما يستأنسون به غير الله. # ثم وصف نفوسهم بفنائها في آثار قلوبهم ، بقوله : ( وضاقت عليهم ~~أنفسهم ) ضاقت نفوسهم من حمل وارد الغيب عليهم ، وعن أثقال أرواحهم ، التي ~~هي مطايا أسرار الألوهية ، ولطائف كنوز الربوبية ، وفنوا تحت سلطان كبريائه ~~، ودخلوا تحت أكناف لطفه من عزائم قهره. # بقوله تعالى : ( وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ) عرفوا موضع ~~الفرار منه إليه ، فقطعوا الوسائط ، وخاضوا في بحار القهر بسفن اللطف ، ~~فلما رآهم منفردين من دونه ، أقبل إليهم بنوادر لطفه ؛ ليقلبهم من الكون ~~إلى وجهه ، بقوله : ( ثم تاب عليهم ليتوبوا ) رفع حجاب الحشمة من ~~البين ؛ ليدخلوا الحضرة بوصف الأنس ، اشتاق إليهم ، فشوقهم إليه ، ثم وصف ~~نفسه بأنه قابل التوبة في الأزل ، رحيم على من رجع إليه ، بأن أمنه بعد ~~خوفه ، وقربه بعد بعده. # قال أبو عثمان : من رجع إلى الله ، وإلى سبيله ، فلتكن صفته هذه الاية ، ~~تضيق عليه الأرض حتى لا يجد فيها لقدمه موضع قرار ، إلا وهو خائف أن الله ~~ينتقم منه فيها ، وتضيق عليه أحوال نفسه ، فينتظر الهلاك مع كل نفس ، هذه ~~أوائل دلائل التوبة النصوح ، ولا يكون له ملجأ ولا معاد ولا رجوع ؛ إلا إلى ~~الله بانقطاع قلبه عن كل سبب. # قال الله تعالى : ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم ~~الأرض ). # وقيل في قوله : ( وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا ms0592 إليه ) لن ~~يعتمدوا حبيبا ، ولا خليلا ، ولا كليما ، بل قلوبهم منقطعة عن الخلق أجمع ، ~~وعن الأكوان كلها. # لذلك قيل : المعارف ألا تلاحظ حبيبا ولا خليلا ولا كليما ، وأنت تجد إلى ~~ملاحظة الحق سبيلا. # وقال أحمد بن خضرويه ، لأبي يزيد : بماذا أصل إلى التوبة النصوح؟ # قال : بالله وبتوفيقه ، ( ثم تاب عليهم ليتوبوا ). # قال بعضهم : عطف عليهم بنوال عطفه ونعمه وفضله ، فألفوا إحسانه ، ورجعوا إليه ، PageV02P056 # فكأن هو الذي أخذهم إلى نفسه ، لا هم بأنفسهم رجعوا إليه. # قال الأستاذ : إذا أشرفوا على العطب ، وقاربوا من التلف ، واستمكن اليأس ~~من قلوبهم من النصر ، وظنوا نفوسهم على أن يذوقوا إليهم اليأس ، أمطر عليهم ~~سحاب الجود بالإجابة ، فيعود عود الحياة بعد يبسه طريا ، ويرد ورد الأنس ~~عقب ذبوله غضا جليا. # وقال في وصف الثلاثة لما صدق منهم الملجأ : سبق إليهم الشفاء ، وسقط عنهم ~~البلاء ، وكذلك الحق يكون نهار اليسر على ليالي العسر ، ويطلع شموس المنة ~~على فخوس الفتنة ، ويله من تلك السعادة ، فيمحق تأثير طوارق النكادة سنة ~~منه سبحانه ، لا يبدلها عادة في الكرم يجريها ، ولا يحولها ، ثم حث هؤلاء ~~المخاطبين بالتوبة والمغفرة ، ونظر أنهم من المؤمنين ، بطلب زيادة المقامات ~~والدرجات ، وحذرهم من نفسه ، وطالبهم بالصدق في وفاء المعرفة ، بقوله : ( ~~ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) جعل الطريق ~~على ثلاثة أقسام : الإيمان ، والتقوى ، والصدق ، وهي من أعمال القلوب ؛ ~~لأنها تثبت حقائقها بكشف أنوار الغيوب ، ومن خص بالإيمان والتقوى والصدق ، ~~يدرك بالإيمان مشاهدة أنوار حقائق الايات ، ويدرك بالتقوى مشاهدة أنوار ~~الصفات ، ويدرك بنور الصدق مشاهدة أنوار الذات ، سماهم مؤمنين ، ودعاهم من ~~مقام الإيمان إلى مقام التقوى ، وهو رؤية إجلاله ، والتبري من غيره ، ~~ودعاهم من التقوى إلى مقام الصدق ، وهو مقام الاستقامة مع الله ، حيث لا ~~يفر الصادق منه ببلائه ، وبين أن المؤمن مستعد لإدراك نور التقوى ، وإدراك ~~نور الصدق ، ولو لا ذلك ما حثهم على طلبها ، وخوف المؤمنين عن مخالفة ~~الصادقين ، أي اقبلوا يا أهل الإيمان ما يصدر من الصادقين من أحكام علوم ~~المجهول ms0593 الغريبة ، والبراهين العجيبة ؛ حتى تكونوا بالإيمان به معهم في ~~مقام المشاهدة ؛ لذلك قال عليه السلام «من أحب قوما فهو معهم» (1). # وقال بعضهم : ( مع الصادقين ) مع المقيمين على منهاج الحق # قال بعضهم ( الصادقين ) الذين لم يخلفوا الميثاق الأول ، فأنها ~~صدق الكلمة. # قال أبو بكر بن طاهر : مع من ضاقت نيتهم عن طاعته ، وخلصت سرائرهم لمودة ~~ما يرد عليهم. # ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلو لا نفر من كل فرقة منهم ~~طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ~~(122) يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم ~~غلظة واعلموا أن الله مع PageV02P057 # المتقين (123) وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ~~إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124)) # قوله تعالى : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلو لا نفر من كل ~~فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ) اختار الله سبحانه قوما خاصا لمجالسة ~~نبيه عليه السلام على الدوام ، وخصهم لإلقاء الأسماع الخاصة ، لتلقف خطاب ~~الحق من فلق الغيب ، وجعل الاخرين للأسفار والمجاهدات والرياضات ؛ ليبلغهم ~~إلى مقام المشاهدة والصحبة ، فالأولون أهل الحضور وشهود الغيب ، والمؤانسة ~~بالصحبة ، وفهم الخطاب. # قال تعالى : ( ليتفقهوا في الدين ) أي : ليفهموا حقائق أحكام ~~المعرفة ، والطريقة والحقيقة ، والشريعة ، والاخرون إذا تمكنوا في العبودية ~~، وأدركوا مقام أهل المؤانسة ، وفهموا مراد الله من خطابه ، وإذا الكل على ~~سعادة من الأزل وحيث لحق بعضهم بعضا ؛ لأن شموس العناية إذا أشرقت يجاري ~~الكل أنوارها ، إذا طلع الصباح لنجم راح تساوى فيه سكران وصاح. # قال سهل : أفضل الرحلة رحلة من الهوى إلى العقل ، ومن الجهل إلى العلم ، ~~ومن الدنيا إلى الاخرة ، ومن الاستطاعة إلى التبري من الحول والقوة ، ومن ~~النفس إلى التقوى ، ومن الأرض إلى السماء ، ومن الخلق إلى الله. # قال المرتعش : السياحة والأسفار على ضربين : سياحة ؛ لتعلم أحكام الدين ~~وأساس الشريعة ، وسياحة لاداب العبودية ورياضة الأنفس ، فمن رجع من سياحة ~~الأحكام ، قام بلسانه يدعو الخلق إلى ربه ، ومن رجع من سياحة الاداب ~~والرياضة ، قام في الخلق ms0594 يؤدبهم بأخلاقه وشمائله ، وسياحة هي سياحة الحق ، ~~وهي رؤية أهل الحق والتأدب بادابهم ، فهذا بركته تضم العباد والبلاد. قال ~~الله : ( فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ). # قال سهل في قوله : ( ليتفقهوا في الدين ) ليفهموا في الدين مراد ~~خطابه ، ويقوموا باستعمال ما أمروا به مخلصين له الدين ، ثم حثهم بقتال ~~نفوسهم ، ومجاهدة هواهم ، بقوله : ( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا ~~الذين يلونكم من الكفار ) الكفار : النفوس الابدة التي هي مجمع الهوى ~~والبلاء والحجاب ، من عرفها قاتلها وأماتها بفنون الرياضات ، حتى لا يبقي ~~في عرضات قلبه من عروق أشجار الشهوات أثر ، فينبت فيها بعد ذلك أشجار ~~المعارف ، والكواشف ونور الحكمة ، ورياحين المودة ، وورود الشوق ، وياسمين ~~العشق ، ويكون بهذه الأنوار مزار جنود الأسرار ، ومنازل نزول الأنوار. PageV02P058 # قال سهل : النفس كافرة ، فقاتلها بمخالفة هواها ، واحملها على طاعة الله ~~، والمجاهدة في سبيله ، وأكل الحلال ، وقول الصدق ، وما أمرت به من مخالفة ~~الطبيعة. # وعن علي بن موسى الرضا ، عن أبيه ، عن جعفر معناه : مجاهدة النفس وشرورها ~~، فإنه أقرب شيء يليك صدق الصادق ، حيث وافق قول سيد الصادقين ~~صلى الله عليه وسلم : «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك» (1). # قوله تعالى : ( فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ) ~~وصف الله أهل الإيمان بفتح آذان قلوبهم بسماع خطابه ، وفهم بيانه ، ~~واستبشار قلوبهم بروح الخطاب ، وزيادة إيقانهم في السماع. # قال ابن عطاء : أما الذين حكموا الربوبية ، وتمسكوا بعهد العبودية ، ~~زادتهم معرفة في قلوبهم ، ونظرا أسقط عنهم النظر إلى ما سواه. # ( وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم ~~كافرون (125) أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ~~ولا هم يذكرون (126) وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ~~ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون (127) لقد جاءكم رسول من ~~أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم (128) فإن تولوا ~~فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم (129)) # قوله ms0595 تعالى : ( وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى ~~رجسهم وماتوا وهم كافرون ) جهلهم على جهلهم عند معاينة البرهان ؛ لأنهم ~~ليسوا من أهل العيان. # قال سهل : أي زاد أهل الأهواء والبدع المضلة جهلا إلى جهلهم. # قوله تعالى : ( أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ~~ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ) أخبر الله سبحانه عن أهل الفتنة والعزة ، لا ~~يعرفون طريق الحق بعد امتحانهم بالبلايا المتواترة ، ولا يهتدون سبيل ~~الرشاد بعد إظهار البرهان لهم ، وكيف لا يكونون هكذا ، وهم في الأزل ~~محجوبون عن عناية السرمدية. # قال أبو عثمان المغربي : ليس الرجوع في أيام الفتنة ، إلا إلى الملجأ ~~والاستغاثة ، وطلب PageV02P059 # الأمان ، وقصد التوبة ، فمن رجع إلى غير هذه الأسباب لم يسلم من فتنة ~~نفسه ، وإن سلم من فتنة العوام. # قال الله : ( فلا يتوبون ) أي : لا يرجعون إلى الله بقلوبهم ، ~~والراجع إلى الله سالم من الفتن والافات والهم. # ( يذكرون ) أي : لا يشكرون نعمى السالفة عندهم ، وهم يعلمون رفقي ~~بهم في الفتنة. # قوله تعالى : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) أخبر سبحانه عن كريم ~~ميلاده عليه السلام ، وعظيم ميعاده ومراده ، وشرف بها أمته ، حيث اختاره ~~منها باصطفائية رسالته ، وعظم شأنه ، والحمد لله الذي جعل طينته من طينتنا ~~، وشرف طينتنا حيث جعلها من طينته ، وخص جوهر روحه من أرواحنا ، وشرف ~~أرواحنا حيث كانت مع روحع في أول بديهة الأمر من الله سبحانه ، وأي كرامة ~~أعظم كرامة من أن الله سبحانه جعل نبينا من أنفسنا ، وأرسل إلينا بالرأفة ~~والرحمة ، وأكرم خلقه حيث جعله رحمة للعالمين ، قال : ( وإنك لعلى ~~خلق عظيم ) [القلم : 4]. # قال الخراز : أثبت لنفسك خطرا ، حين قال : ( رسول من أنفسكم ). # قال الحسين : من أجلكم نفسا ، وأعلاكم همة ، جاد بالكونين عوضا عن الحق ، ~~ما نظر إلى الملكوت ، ولا إلى السدرة ، ( ما زاغ البصر وما طغى ) ~~[النجم : 17] قلبه عن موافقته. # قال ابن عطاء : نفسه موافقة لأنفس الخلق ، خلقه ومبائنه لها حقيقة ، ~~فإنها نفس مقدسة بأنوار النبوة ، مؤيدة بمشاهدة الحقائق ، ثابتة في المحل ~~الأدنى ، والمقام الأعلى ms0596 ما زاغ ، وما طغي ، ثم زاد في وصفه ، بقوله : ( ~~ عزيز عليه ما عنتم ) اشتدت عليه مخالفتنا مع الحق ، ومتابعتنا ~~هوانا ، واحتجابنا عن الحق. # قال بعضهم : شق عليه ركوبكم مراكب الخلاف. # قال سهل : شديد عليه غفلتكم عن الله ، ولو طرفة عين ، ثم زاد في وصفه ، ~~بقوله : ( حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم ) أي : حريص على محبتكم ~~بمشاهدة الله ، ومعرفة صفاته وذاته ، وعلى متابعتكم أمر الله ، رءوف برأفة ~~الله بالمؤمنين ، ورحيم برحمة الله على الصادقين ، رءوف بأهل الجنايات من ~~المدنيين ، ورحيم على أهل الطاعات من المقصرين ، فيها تشفع لأهل الجنايات ، ~~وتدعو لأهل الطاعات ، وهذا من اتصافه بصفة الله ، حيث ألبسه أنوار عنايته ، ~~وزينه بلطفه وشفقته. PageV02P060 # قال بعضهم في قوله : ( حريص عليكم ) أي : على هدايتكم لو كانت ~~الهداية إليه ، مشفق على من اتبعه أن يأتيه نزغة من نزغات الشيطان ، رحيم ~~يستجلب برحمته له رحمة الله إياه. # وقال : ( حريص عليكم ): أن تبلغوا محل أهل المعرفة. # قال جعفر الصادق : علم الله عجز خلقه عن طاعته ، فعرفهم ذلك ؛ لكي يعلموا ~~أنهم لا ينالون الصفو من خدمته ، فأقام بينه وبينهم مخلوقا من جنسهم في ~~الصورة ، فقال : # ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم )، فألبسه من نعته الرأفة والرحمة ، ~~وأخرجه إلى الخلق سفيرا صادقا ، وجعل طاعته طاعته ، وموافقته موافقته ، ~~فقال : ( من يطع الرسول فقد أطاع الله )، ثم أفرده عليه السلام ~~لنفسه خاصة بعد أن كان من جنسهم بالصورة ، فاواه إلى نفسه بشهوده عليه في ~~جميع أنفاسه ، وسلى قلبه بإعراضهم عن متابعته ، بقوله : ( فإن ~~تولوا فقل حسبي الله ) في أمر النبوة ، وشرف الرسالة وجماله ، حسبي عن ~~الجملة ، وقربه ووصاله يكفيني عن جميع مراتب الثقلين ؛ لأنه بوحدانيته منزه ~~عن الأضداد ، فنزهني عن صحبة الأغيار بمشاهدة الأنوار بوصفه لنفسه : ( ~~ لا إله إلا هو ) أي : لا غير في البين من العرش إلى الثرى. # ( عليه توكلت ) لا على نفسي وغيري ، فإنه عماد المتوكلين ، وبه ~~ثبتت قلوب الصادقين. # ( وهو رب العرش العظيم ) حيث ألبس العرش أنوار عظمته بعظمته ، ~~ولو لا ذلك لذاب العرش في سبحات وجهه بأقل ms0597 لمحة. ### | سورة يونس # بسم الله الرحمن الرحيم # ( الر تلك آيات الكتاب الحكيم (1) أكان للناس عجبا أن أوحينا ~~إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال ~~الكافرون إن هذا لساحر مبين (2) إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم ~~الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون (3)) PageV02P061 # ( الر ): الألف عين الوحدانية ، واللام عين الأزلية ، والراء عن ~~الربوبية من عين الوحدانية ، تجلى بالألف لقلوب الموحدين والمنفردين من ~~الحدثان ، ليفنوا في سبحات الألوهية ، وتجلى من عين الأزلية باللام لأرواح ~~العارفين لتطيره بأجنحة أنوار القدم في القدم ، وتجلى من عين الربوبية ~~بالراء ؛ لأسرار المحبين ليستأنسوا بحسن الصفات ، ويشتاقوا إلى مشاهدات ~~الذات ، سقى الموحدين رحيق الأنائية بأقداح الألف من بحار الوحدانية ، ~~فخرجوا بنعت الاتحاد ، وسقى العارفين عقار العشق بأقداح اللام من أنهار ~~الجمال ، فخرجوا بنعت الاتصاف والهين ، وسقى المحبين عروق الوداد بأقداح ~~الراء من عيون أنوار الربوبية ، فخرجوا بنعت الحيرة هائمين. # وأيضا : الألف آلاؤه للصادقين ، واللام ألطافه للمقربين ، والراء رحمته ~~على التائبين. # قال الحسين : في القرآن علم كل شيء ، وعلم القرآن في الأحرف التي في ~~أوائل السور ، وقد وقع لي إنما يكون في سورة يونس من الغرائب والعجائب ~~والقصص والأمثال جمعها في ثلاثة أحرف في الألف واللام والراء ، ونبه بها ~~قلب نبيه صلى الله عليه وسلم ، بإشارة الأحرف الثلاثة فكفى له ذلك ؛ لأن بينه ~~وبين الله رموزا وإشارات ، لا يطلع عليها جميع الخلائق ، فلذلك يحتاجون إلى ~~نزول سورة كاملة. # وأيضا : خاطبه بأحسن الأسماء مواساة وتربية ، أشار بالألف : يا آدم ~~الثاني ؛ لأن الألف أول الحروف من آدم ، وأشار باللام : يا لطيف ، وأشار ~~بالراء : يا رحيم ، كما قال : يا ( طه (1)) ، يا ( يس (1) ~~يا أيها المزمل (1)) ، ( يا أيها المدثر (2)) أي : هذه الأبناء ~~آيات صفاتية أزلية التي كنت حكيما ، وعالما بما في القدم والأزل ، أيضا أي ~~: تلك علامات ما ألهمنا روحك في الأزل ، فنعرفك بها مكان خطاب الأول ms0598 ، إن ~~القرآن محكم بحكم الأزلية ، وحججه البالغة بأمر الربوبية ، والدعاء إلى ~~العبودية من فهمه صار حكيما بحكمته. # وقيل : أي فيه علامات قبول الحكماء لهذا الخطاب. # وقيل : الكتاب الحكيم العهد الناطق عليك بأحكام الظاهر والباطن. # قال الأستاذ : إن هذا الكتاب هو الموعود لكم يوم الميثاق ، والإشارة فيه ~~أن الصفر نسيج الشعر وغيره. # والعناج : الخيط الذي يشد من أسفل الدلو ، حققنا لكم الميعاد وصفرنا لكم ~~عناج الوداد ، وانقضى زمان البعاد ، فالعصاة ملقاة ، والأيام بالسرور ~~متلقاة ، فبادروا إلى شرب كاسات المحاب ، واستقيموا على نصيح الأحباب ، ~~خلقه لم يعرفوا موقع عناية الله وفضله واختياره لنبيه نبوته ورسالته بقوله ~~: ( أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم ). PageV02P062 # وأخبر أن هذه الخاصية من الله سبحانه له ؛ بأن ينبه النوامين عن مشاهدة ~~عظمته بعظيم بطشه وجلال قدره بقوله : ( أن أنذر الناس )، ويبشر ~~الصادقين في إيمانهم ؛ بأن وصاله لهم بنعت السرمدية بقوله : ( وبشر ~~الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم ). # أخبر عن أوائل كرمه وسوابق نعمه الصادقين في إرادتهم ، والمخلصين في ~~مقاصدهم أن لهم وصالا بغير حجاب ، وكشف جمال بغير عتاب. # وأيضا أي : بشر العارفين أن لأرواحهم في مقام قدس جلالي وأزلي قدم المحبة ~~وصدق اليقين بمشاهدة ، حين كشف جمال وجهي لها في ميثاق الأول ، وصدق تلك ~~الأقدام بوصف المحبة أنها لا تزول عن محل الاستقامة في العبودية ، وعرفان ~~الربوبية. # وأيضا : ما وصفت قدم الربوبية في إيجاد الكونين إلا بصدق محبتي لهم في الأزل. # وأيضا : معنى الاية أولها تخويف بقوله : ( أن أنذر الناس ) أي : ~~خوف من نسيني طرفة عين بفوت حظ مشاهدتي وفراقي ووله وصالي ، ثم بشر بلسان ~~نبيه صلى الله عليه وسلم من كان جميع قلبه مملوءا من حبه وصفاء ذكره. # وأيضا أي : بشر المريدين الذين أيقنوا قربتي لهم وعنايتي لهم أنهم وإن ~~أخطأوا بمباشرة هوى نفوسهم في زمان فترتهم ألا يقنطوا من فضلي ولطفي القديم ~~بهم في سابق حكمي ، فإن لهم عندي قدم صدق الإرادة في البداية ، ولا يحذر من ~~كرمي أن أهدم صدق أقدامهم ms0599 في الإرادات بل آويهم بعناياتي إلى قربي ووصالي ، ~~وأراعي عواقب أمورهم ؛ حتى تكون أقدام الأواخر مستويات بأقدام الأوائل. # قال أبو سعيد الخراز : تفرق الطالبون عند قوله : «من طلبني وجدني» (1) ~~على سبيل شيء ، أولهم أهل الإشارات طلبوه على ما سبق من قوة الإشارة ، وهم ~~أهل قدم الصدق عند ربهم ، فبالقدم أشار إليهم ، فهم أهل الطوالع والإشارات ~~، حظهم منه ذلك. # وقال سهل : سابقة رحمة أودعها في محمد صلى الله عليه وسلم . # وقال الترمذي : قدم صدق هو إمام الصادقين والصديقين ، وهو الشفيع المطاع ~~وسائل المجاب محمد صلى الله عليه وسلم . # وقيل في قوله : ( أن أنذر الناس ) أي : مما يذهل قلوب الصادقين ~~المنتبهين. # وقال النصر آبادي في قوله : ( بشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق ) ~~: القدم الصدق لم يبق له مقام إلا وقد سلكه بحسن الأدب ، لذلك إن قدم الصدق ~~هو موضع PageV02P063 # الشفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم . # وقال الأستاذ : قدم صدق ما قدموه لأنفسهم من طاعات أخلصوا فيها ، وفنون ~~عبادات صدقوا في القيام بنقصها (1). # ويقال : هو ما قدم الحق سبحانه لهم يوم القيامة من مقتضى عنايته بشأنهم ، ~~وما حكم لهم من فنون إحسانه وصنوف ما أفردهم به من امتنانه ، ثم وصف نفسه ~~تعالى بالربوبية والألوهية ؛ تنزيها لتربية أسرار العارفين ، وتقديسا لقلوب ~~الموحدين بقوله : ( إن ربكم الله )، ثم بين أعلام الألوهية لترفيه ~~فؤاد الموقنين بقوله : ( الذي خلق السماوات والأرض )، أخبر عن ~~ترضيته الملكوت بأنوار الجبروت لاستبصار العاقلين ، وجعل أيام بقائهما ~~معدودة لإطفاء نيران عجلة الإنسان ، وإلا هو مقتدر بقوة القدم ، أن يوجد ~~ألف ألف سماء وألف ألف أرض بأقل من لمحة ، ثم جعل العرش مرآة قدسه ، ومأوى ~~أرواح أحبائه بقوله : ( ثم استوى على العرش )، خامر أنوار عظمة ~~العرش ، وجعله مأوى أنفاس الصديقين ، ومنتهى مسالك المريدين. # ثم أخبر أنه تعالى يستهل طريقه إليه لطالبيه بقوله : ( يدبر ~~الأمر ): يقدس للأرواح العاشقة الصادقة طرق مشاهدته ووصاله من علة الحدثان ~~، ويصطفي قلوب العارفين بكشوف عجائب صفاته وأنوار ذاته ، ثم بين أنه مختار ~~لولاية الأولياء بنفسه لانتقاص من جهة ms0600 الخلق ، وعلة الخليفة بقوله : ( ~~ ما من شفيع إلا من بعد إذنه ): من يعطيه لسان الانبساط يسأل ويشفع ~~بعد انبساطه إليه ، وإلا كيف يكون للحادث عند القديم وزن؟! # ثم عرف نفسه بما وصف به نفسه لفهماء المعرفة والمربين بأنوار المحبة ~~بقوله : ( ذلكم الله ربكم ). # ثم دعاهم إلى عبادته بعد معرفته بقوله : ( فاعبدوه ): أي : ~~اعبدوه بالمعرفة ؛ لأنه خلق الخلق لعرفانه. # ( إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ~~ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم PageV02P064 # وعذاب أليم بما كانوا يكفرون (4) هو الذي جعل الشمس ضياء ~~والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا ~~بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون (5) إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق ~~الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون (6) إن الذين لا يرجون لقاءنا ~~ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون (7) أولئك ~~مأواهم النار بما كانوا يكسبون (8) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ~~ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم (9) دعواهم فيها ~~سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين (10) ~~ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين لا ~~يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون (11)) # قال : «كنت كنزا مخفيا ، وأحببت أن أعرف» (1). # ثم حثهم بالتفكر والتذكر بقوله : ( أفلا تذكرون ): أي : أفلا ~~تخوضون في بحار الأفكار لتدركوا حقائق الأذكار ، وتبصروا بها حقائق الأنوار ~~، وتنكشف لكم لطائف الأسرار. # قال بعضهم في قوله : ( يدبر الأمر ): يختار العبد ما هو خير له ~~من اختياره لنفسه. # ثم بين سبحانه أن نفسه تعالى مرجع كل غريق فيه ، ومنجى كل خائف منه ، ~~ومأوى كل هائم له ، وماب كل أواب إليه ، ومقصد كل قاصد إليه ، ومطلب كل ~~طالب له ، ومنتهى همة كل سيار في أسفار آزاله وآباده بقلبه وروحه وسره إليه ~~بقوله : ( إليه مرجعكم جميعا )، كل صفة منه تعالى مراد كل مجذوب ~~بنورها إليه من القدم إلى الأبد ، فمرجع العاشقين جماله ، ومرجع ms0601 العارفين ~~جلاله ، ومرجع الموحدين كبرياؤه ، ومرجع الخائفين عظمته ، ومرجع المشتاقين ~~وصاله ، ومرجع المحبين دنوه ، ومرجع أهل الفناء ذاته ، أنوار ذاته أوطان ~~أرواح القدسية ، وأنوار صفاته مزار قلوب الوالهة ، وأنوار أفعاله مقر عقول ~~الهائمة ، تعالى جلاله عن علة الحدثان والأكوان ، والحدثان يرجع إلى مصرف ~~وجود القدم ؛ لأنها بدت منه ، وإليه تعود ، هو مقدس بعظمته عن أن يكون محلا ~~للحادث ، وتصديق ذلك بيانه في آخر الاية : ( وعد الله حقا إنه ~~يبدؤا الخلق ثم يعيده ): أبدأهم من العدم بتجلي القدم. PageV02P065 # ثم يفنيهم بقهر سلطان غيرته ، ومرجعهم إلى معدن الأول ، ثم يعيدهم رحمة ~~وشفقة ليجازي العارفين بكشف جماله بقوله : ( ليجزي الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات بالقسط ): أي : يجزي الذين شاهدوا بقلوبهم مشاهد الملكوت ~~بكشف جمال الجبروت ، ويجازي الذين أصلحوا سرائرهم لنزول أنواره يجازيهم ~~بمداناة وصاله. # يا أخي من رجع من سفر البعاد إلى قرب محبوبه يفرح المحبوب بمقدمه ، ويعطي ~~نفسه لمريده وزائره ؛ فإنه سبحانه يكشف نقاب الغيرة عن جمال مشاهدته لكل ~~أواب إليه. # أيا قادما من سفرة الهجر مرحبا %~% أيا ذاك لا أنساك ما هبت الصبا # قال الجنيد : ( إليه مرجعكم جميعا ): منه الابتداء وإليه ~~الانتهاء ، وما بين ذلك مراتع فضله وتواتر نعمه ، فمن سبق له في الابتداء ~~سعادة أظهر عليه في مراتعه وثقلته في نعمه بإظهار لسان الشكر وحال الرضا ~~ومشاهدة المنعم ، ومن لم يجر له سعادة الابتداء أبطل أيامه في سياسة نفسه ، ~~وجمع الحطام الفانية ليرده إلى ما سبق له في الابتداء من الشقاوة. # قال الله : ( إليه مرجعكم جميعا ): فالراجع بالحقيقة إليه هو ~~الراجع مما سواه إليه ، فيكون متحققا في الرجوع إليه. # قال الأستاذ : الرجوع يقتضي ابتداء الأرواح قبل حصولها في الأشباح كان ~~لها في مواطن التسبيح والتقديس إقامة ، والغائب إذا رجع إلى وطنه من سفره ~~فلقدومه أثر عند محبيه وذويه. # ويقال : المطيع إذا رجع إلى ربه فله الحسنى والثواب والزلفى ، والعاصي ~~إذا رجع إلى ربه بنعت الإخلاص وخسران الطريق فيلقى لباس الغفران ، وحلة ~~الصفح والأمان ورحمة مولاه خير له من نسكه وتقواه. # قال ms0602 تعالى : ( وعد الله حقا ): فموعود المطيع الفراديس الأعلى ، ~~وموعود العاصي الرحمة والرضا والجنة لطف الحق ، والرحمة وصف الحق ، فاللطف ~~فعل لم يكن ثم حصل ، والوصل نعت لم يزل. # وقال الأستاذ في قوله : ( إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ): من كان ~~له في جميع عمره نفس على وصف ما ابتدأ الحق به ففي الإشارة يكون له إعادة. # ولقد أنشد قائلهم : # كل نهر فيه ماء قد جرى %~% فإليه الماء يوما سيعود # ثم وصف الله تعالى نفسه بالقدرة الكاملة والإرادة القائمة بتنوير العالم بنوره. PageV02P066 # ومن بذلك على عباده بقوله : ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر ~~نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ): جعل شمس الذات ضياء ~~للأرواح العارفة ، فبصرت بها عيون الازال والاباد ، وجعل قمر الصفات نورا ~~للقلوب العاشقة ، فنظرت به شمائل أخلاق الجمال والجلال ، فالأرواح فنيت ~~بصولة الذات في عين الذات ، والقلوب بقيت المشاهدة الصفات في عين الصفات ، ~~فشمس الذات غير محجوبة في جميع الأوقات عن بصائر الأرواح ؛ لذلك عاينتها ؛ ~~ولا غابت عنها ؛ لأنها مقام التوحيد والمعرفة ، إن الشمس النهار تغرب ~~بالليل ، وشمس القلوب ليست تغيب ، وقمر الصفات يبدو للقلوب في أوقات بسطها ~~، ويخفى في أوقات قبضها ، ولذلك صارت القلوب في التقلب في أنوار الصفات ، ~~فكما خفي القمر في شعاع الشمس ويزيد وينقص كذلك حالات القلوب في خفايا ~~الصفات وظهورها ، فلقمر الصفات في قلوب المحبين منازل من المداناة ؛ لظهور ~~المواجيد والحالات ، ولبيان أعداد الأنفاس التي لا ينبغي لها أن تجري إلا ~~باجتماع همم المعرفة ، وصفاء المحبة والإحاطة بأوقات الواردات العينية ، ~~وهذا معنى إشارة قوله : ( لتعلموا عدد السنين والحساب ) (1). # قال بعضهم : الشموس مختلفة ؛ فشمس المعرفة يظهر ضياؤها على الجوارح ، ~~فتزينها باداب الخدمة ، وأقمار الأنس تقدس الأسرار بنور الوحدانية ~~والفردانية ، فتدخلها في مقامات التوحيد والتفريد. # وقال بعضهم : جعل الله شمس التوفيق ضياء الطاعات للعباد ، وقمر التوحيد ~~نورا في أسرارهم ، فهم ينقلبون في ضياء التوفيق ، ونور التوحيد إلى منازل ~~الصديقين ، ثم زاد سبحانه ذكر أعلام شواهد ملكوته ، وأنوار جبروته للمؤمنين ~~بقوله : ( إن في اختلاف الليل والنهار ms0603 وما خلق الله في السماوات ~~والأرض لآيات لقوم يتقون )، جعل الليل مأوى أنس العارفين ، وجعل النهار ~~مواضع نزهة الصديقين ، أظهر في لباس الليل أنوار العظمة ، وأبرز من مرآة ~~النهار أنوار مشاهدة الجمال والجلال ، وجميع ما خلق من العرش إلى الثرى ~~مرائي لطغيانه ، تبرز منها لأهل الهيبة والوجل أنوار صفاته ، ليله قبض قلوب ~~العارفين ، ونهاره بسط فؤاد المحبين ، وما بينهما بين سماء الأرواح وأرض ~~القلوب أشكال الأحوال من المكاشفات ، ولا يراها إلا المتقي عما دونه من ~~الحدثان. PageV02P067 # قال الأستاذ : النهار وقت حضور أهل الغفلة في أوطان كسبهم ، والليل وقت ~~أرباب الوصلة بانفرادهم شهود ربهم. # قال قائلهم : # هي الشمس إلا أن للشمس غيبة %~% وهذا الذي تعنيه ليس يغيب # وقال : الليل لأحد شخصين : إما للمحبين فوقت النجوى ، وإما للعاصين فلبث ~~الشكوى. # ثم وصف الله من لا نصيب له مما ذكرنا من رؤية شواهد الغيب ، ولاحظ له من ~~رؤية الايات بقوله : ( إن الذين لا يرجون لقاءنا )، أي : لا ~~يخافون فراقنا ، ولا يرجون وصالنا. # ثم ذكر علة قلة رجائهم وخوفهم بقوله : ( ورضوا بالحياة الدنيا ~~واطمأنوا بها ): أي : لإيثارهم يوم الفانية على حياة الباقية ، ثم ذكر سبب ~~ذلك ؛ لأنهم غفلوا عن رؤية أنوار الصفات في مرآة الايات بقوله : ( ~~والذين هم عن آياتنا غافلون ). # قيل : لا تخافون الموقف الأعظم يوم تبلى السرائر ، وتظهر الخفايا ، ( ~~ ورضوا بالحياة الدنيا ) ركنوا إلى مذموم عيشهم ، ( ~~واطمأنوا بها ) نسوا مفاجات الموت ، ( والذين هم عن آياتنا غافلون ~~)، تقليب القلوب وعقوبات الجوارح. # ثم وصف أهل خالصته من الصادقين الذين سبقت لهم منه الحسنى في الأزل ~~بالعناية إلى الأبد بقوله تعالى : ( إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ): أي : الذين عاينوا الحق في عهد الأول ~~بعيون المحبة ، وكنسوا غبار الحوادث من طريق المعرفة ، ( يهديهم ~~ربهم ) بذاته إلى صفاته ، وبأنوار صفاته إلى جلال ذاته بإيمانهم ، يعني : ~~بما سبق لهم في الأزل من هداية الله في علم الله ، ثم بين أنهم في جوار ~~جماله ومعاينة لقائه ، حيث أفاض عنهم بركات شهودهم إلى أهل القربات بقوله : ~~( تجري ms0604 من تحتهم الأنهار في جنات النعيم )، هم في جنات المشاهدات ~~تجري من تحت عيون أرواحهم أنهار المعارف وأسرار الكواشف. # قوله تعالى : ( دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام ~~وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين (10)) . # تظهر عليهم بركات اقتدارهم عند إيجاد الذر بقولهم : بل فمن بركاتها لزوم ~~الفرائض واتباع السنن وتحقيق الإيمان وتصحيح الأعمال. PageV02P068 # ثم إن الله سبحانه وصف المشاهدين جماله أنهم إذا رأوه هيجتهم نعم ~~المشاهدة ، وراحة الوصلة وثناء جلاله ، فأغارهم أنوار سطوات العزة وسبحات ~~العظمة ، ولا يتهيأ لهم في ثنائه إلا العجز عن ثنائه ، فيؤول حالهم في ~~الثناء إلى أنهم جمعوا خصائص صفاته في نعت التنزيه بقوله : ( ~~دعواهم فيها سبحانك )، وهذا حال سيد المرسلين صلوات الله عليه حين عاين ~~الحق ، وقال : «لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك» (1). # ثم عرفهم مكاره نعمه عليهم من تعريف نفسه فيقولون : ( اللهم ) أي ~~: أنت إلهنا وبك عرفناك ونزهناك سبحانك اللهم. # ثم وصف تحيتهم بأنهم يبدأون باسم السلام بقوله : ( وتحيتهم فيها ~~سلام ): بأن سلموا من خوف حجابه وأليم فراقه ، يبرئ بعضهم بعضا من وصمات ~~النفسانية والشيطانية ، بتبري الحق وتنزيهه عن الحوادث بأنه تعالى سمى نفسه ~~بالسلام ، والسلام المبرئ من الحوادث ، فتحيتهم هناك تنزيهه ، فلما عرفوا ~~حقائق نعمه التي أدركوها بغير علة الاكتساب أثنوا على ربهم ومدحوه به لا ~~بهم بقوله : ( وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ): آخر ذكرهم ~~مدحه تعالى ؛ حيث صرحوا أن ما نالوا منه نالوا بفضله الأزلي واصطفائيته ~~القديمة. # قال ذو النون في قوله : ( دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها ~~سلام ): مقام المحققين من العارفين التنزيه والتبري من جميع ما لهم من ~~أنواع الأقوال والأفعال وغير ذلك ، والرجوع إلى الحق على حد التنزيه له أن ~~يقصده أحد بسبب أو يتحبب إليه بطاعة أو يعمل كلا إلا لإظهار سعادة الأزل ~~على السعداء ، وسمات الشقاوات على الأشقياء. # وقال الشبلي في قوله : ( وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) ~~: لو ألهموا حمد الحق في أوائل الأنفاس لسقطت عنهم الدعاوى ، لكنهم لم ms0605 ~~يزالوا يركضون في ميادين الجهل إلى أن فتح لهم طريق الحمد ، فلما فتح لهم ~~طريق الحمد سقطت عنهم الدعاوى ، فرجعوا إلى رؤية المنة ، فكانت آخر دعواهم ~~أن قالوا : الحمد لله رب العالمين فرضوا الكل به ، ورجعوا بالكلية ، ~~فأنطقهم لما أنطقهم به من المنطق المحمود. # ( وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما ~~كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا ~~يعملون (12) ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات ~~وما كانوا ليؤمنوا PageV02P069 # كذلك نجزي القوم المجرمين (13) ثم جعلناكم خلائف في الأرض من ~~بعدهم لننظر كيف تعملون (14) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا ~~يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء ~~نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) قل ~~لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا ~~تعقلون (16) فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح ~~المجرمون (17) ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ~~سبحانه وتعالى عما يشركون (18) وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولو ~~لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون (19) ويقولون لو لا أنزل ~~عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين (20) ~~وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله ~~أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون (21)) # وقد وقع لي بعد قول شاه العارفين رحمة الله عليه ، وقدس الله روحه : إن ~~القوم لما خرجوا من رؤية علل الحوادث ، وغرقوا في بحار الذات والصفات ~~أرادوا أن يثنوا عليه بما رأوا منه من عجائب أنوار الصفات ، وأسرار الذات ، ~~فما وجدوا ثناءه عليه إلا من ms0606 تعريفه إليهم ، فوجدوه المنعم عليهم في جميع ~~ما وصفوه به ، فلا يكون لهم موضع من ثنائه إلا الحمد لتأييده لهم ؛ فإن ~~منتهى قول الوصافين صفاته العجز عن البلوغ إلى حقائق ثنائه ، ولا يتعرض لهم ~~بعد ذلك إلا الحمد ، ثم العجز عن الحمد عن الخجل في المحمود القديم. # قوله تعالى : ( وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو ~~قائما ): إن الله تعالى وصف المتحيرين بين القضاء والقدر والإرادة ~~والمشيئة ، فإذا أظلم عليهم سجوف ليالي البليات ، وأذهب عنهم مباشرة القهر ~~أثر الراحات حرك يد اللطف الأزلي سلاسل عقود قلوبهم إلى إقبال الحضرة ، ~~وأضاء تنفس صباح لوائح الغيب في أسرارهم ، فصرفهم بنعت الاضطرار إلى باب ~~الربوبية ، فرأوا هنالك أعلام قهر الجبروت ، وخرجت عقولهم من مكمن جنس ~~الامتحان ، وحثهم إلى التضرع في ميادين السلطنة ، فخلصوا من ورطة الامتحان ~~بدعائهم على باب الرحمن ، فما سكنوا عن تواتر البلاء ، فاشتهت عقولهم ~~بقاءهم في الاستقامة ، PageV02P070 # فتصول عليهم عساكر القصريات ، وأغرقتهم في بحار الشهوات ، وأعمتهم أنظار ~~المشاهدات ، ويفعلون قبائح الأعمال ، وينسون عهود الأفضال ، وأيام النوال : # عن كأن الفتى لم يعربوا ماذا اكتسى %~% ولم يك صعلوكا إذا ما تحولا # يا ليتهم لو كانوا صادقين في اللجوء إليه ، والتضرع بين يديه ، فإن من ~~بلغ إلى مقام الدعاء وعرف مقاماته ؛ فهو في منزل الانبساط ، والمنبسط شاهد ~~رضوانه ، وموضع نظره وإحسانه ، ومن وصف هذا الداعي أن يكون مستأنسا بربه ، ~~ويدعوه في جميع حالاته ، وإذا دعاه بنية صادقة وعقيدة صافية فدعاه في زمان ~~البلاء الصبر ، وفي زمان النعمة الشكر. # قال أبو حفص : الدعاء باب الله الأعظم ، وهو سلاح المؤمن عند النوائب. # وقال أيضا : يرجع العبد إلى ربه بالحقيقة عند الفاقات ، ونزول المصائب ~~بالرضا ، ولكنه لما لم يكن له في أوقات الرفاهية رجوع إليه رد في حال ~~المصائب ، والضروريات إلى الدعاء واللجوء. # وقال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي : سمعت جدي يقول : الدعاء على العادة ~~جناية ، وعلى اليقين نجاة وعبادة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «الدعاء ~~هو العبادة» (1). # ولكن للدعاء أوقات وآداب ms0607 وشروط ، فمن لم يطالب نفسه بأوقات الدعاء وآدابه ~~وشروطه كان محروما ، وآداب الدعاء وشروطه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ، واعلموا أن الله لا يستجيب ~~دعاء من قلب غافل لاه» (2). # ثم زاد في وصف هؤلاء الذين لم يدركوا حقائق العبودية في مشاهد الربوبية ، ~~بأنهم هلكوا بانصرافهم عن باب الله ، ومحل الإخلاص إلى متابعة الشهوات ~~والاقتداء بالوسواس بقوله : ( ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ~~ظلموا ): الظلم ها هنا الإنكار بعد الاعتراف والإعجاب بالرأي بعد ترك ~~السنة ، والأسوة لما عتوا على أسماء الله بعد علمهم بصدق كراماته ، أهلكهم ~~الله بأن تركهم في حجاب الشهوة والنفس ، ولم يعرفهم طريق الخطأ ، ولم يشدهم ~~إلى طريق أهل قربه ووصاله. # قال ابن عطاء في قوله : ( لما ظلموا ) لما اعتمدوا سوانا. # وقال أبو عثمان : لما ظلموا لما لم يعرفوا حقوق أكابرهم ، ولما يتأدبوا ~~بادابهم ، ثم خوف الله سبحانه خلفاء الأنبياء من الصديقين والمقربين لا ~~يلتفتوا في طريق الله إلى شيء غير الله ، PageV02P071 # ولن يروا عزا من طريق السنن إلى سبيل أهل اليقين بقوله : ( ثم ~~جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ): خلفاء الأرض نواب ~~الأنبياء وورثة الرسل ، وهم أهل الاستقامة والتمكين والجمعية ، الذين ~~يخاطبهم الله في كل نفس بلسان الولاية ، ويورثهم خطابه الاداب السنية ، ~~والأعمال الزكية والأخلاق الكرامية ، والأسوة الحسنة ، ثم يورثهم هذه ~~الأحكام بالأنس بالذكر ، والخوض في الفكر ، والسير بالقلوب في أنوار الغيوب ~~، والطيران بالأرواح في عالم الأفراح ، وإيواء الأسرار إلى سرادق المجد ، ~~فيرون بعد ذلك في حضرة القدس مجالس الأنس ، ويشربون من بحار محبته ، ~~ويشتاقون إلى لقائه ، ويعشقون بوجهه ، ويرونه لظهور الصفات وكشوف الذات ~~كفاحا ، ويسمعون منه تعالى كلاما صرفا ، فيرجعون بعد ذلك إلى دعوة الخلق ~~إلى الله بألسنة الموعظة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وحفظ حدود ~~الله عليهم. # قال بعضهم : لم يزل الأنبياء لهم خلفاء ، والأولياء لهم خلفاء ، أبدلهم ~~الله مكانهم ؛ ليروا السباقين سنتهم ، ويمسكوا على طريقتهم ، قال الله : ( ~~ ثم جعلناكم خلائف في ms0608 الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ). # ( هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين ~~بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا ~~أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من ~~الشاكرين (22)) # قوله تعالى : ( هو الذي يسيركم في البر والبحر ): ذكر الله ~~سبحانه عجائب أحوال العارفين في هذه الاية ، أي : يسير نفوسكم في بر ~~المجاهدات ، ويسير قلوبكم في بحر المشاهدات. # وأيضا : يسير عقولكم في بر الايات ، ويسير قلوبكم وأرواحكم في بحر الصفات ~~والذات ، ثم وصف سير القلوب والأرواح في بحار الذات والصفات بقوله : ( ~~ حتى إذا كنتم في الفلك ): أي : في كنف الرعاية الأزلية ، ولولا ~~ذلك الفلك كيف يجري الحدث في أنوار بحار القدم جرت القلوب في بحار الصفات ~~بعناية الذات لا بها ؛ إذ هي في قبضة ملكة وملكوته ، وأصابع أنوار جبروته ~~يقلبها بسفن قبضه في أنوار صفته ، وذلك قوله : ( وجرين بهم بريح ~~طيبة ): ريح الكرم والعناية لسيرها بريح لطفه في بحار الازال والاباد ، ~~وما أطيب مهب صبا وصاله في قلوب العاشقين والوامقين ، فأنشد : # ألا يا نسيم الريح مالك %~% كلما تقربت منا زاد نشرك طنينا PageV02P072 أظن سليمى خبرت بسقامنا %~% فأعطتك رياها فجئت طبيبنا # ففرحت القلوب بسيرها في الوصال بطيب ريح الجمال ، وذلك قوله تعالى : ( ~~ وفرحوا بها ): نشطوا بالله على الله ، فلما سكنوا في مجالس الوصال ~~وتمتعوا بحسن الجمال عادت عليهم غيرة القدم ، وأرادت أن يخرجها من ساحة ~~القدم وبساطين الكرم إلى معادنها من العدم ، وهكذا عادة العشق يذيق العاشق ~~من الفراق بعد ذوق الوصال ، وذلك قوله : ( جاءتها ريح عاصف وجاءهم ~~الموج من كل مكان )، فتذروها عواصفات قهر الأزل ، وتحيطها أمواج بحار ~~الأبد ، وفارقها طيب ريح الوصال وحسن لطائف الجمال ، وبقيت في أمواج عظمة ~~الكمال. # قال قائلهم : # وبتنا على رغم الحسود وبيننا %~% حديث كريح المسك شيب به الخمر فوسدته كفي وبت ضجيعه %~% وقلت لليلى طلي فقد رقد البدر فلما أضاء الصبح فرق بيننا %~% وأي نعيم لا يكدره ms0609 الدهر # وأنشد أيضا : # أقمنا زمانا والعيون قريرة %~% وأصبحت يوما والجفون سواكب # فلما وصلت القلوب إلى قاموس الكبرياء وكادت تفنى بأمواج البهاء فرت منه ~~إليه ، واستعاذت من قهره بلطفه بقوله تعالى : ( وظنوا أنهم أحيط ~~بهم دعوا الله مخلصين له الدين ): دعوا الله بعد استماع مناداة الله بعد ~~التبري من غير الله ، وبذل الموجود لله : ( لئن أنجيتنا من هذه ~~لنكونن من الشاكرين ): أي : لئن تخلصنا من قهر غيرتك والغرق في بحار ~~ألوهيتك لأننا نحن الحدث والحدث لا يوازي القدم فوفقنا برؤية جمال بقائك ~~لنبقى ببقائك معك في بقائك ، ونشكرك بك لا بنا ، فلو أردت فناءنا كيف نبقى معك؟! # فإذا وجب علينا شكر البقاء مع بقائك وشكرنا معرفة عجزنا عن حمل شكرك ؛ ~~حيث شكرت نفسك بشكرك القديم المنزه عن شكر الشاكرين. # قيل : يسيركم في بوادي الشوق ، وبحار القربة. # ( حتى إذا كنتم في الفلك ): يعني في القبضة والأسر وهبت رياح ~~الكرم على المريدين الذين هم في الطريق وفرحوا بما يلحقهم من العناية ~~والرعاية جاءتها ريح عاصف أتت عليهم من موارد القدرة ما أفناهم عن صفاتهم ، ~~وحيرهم في طريقهم ، وجاءتهم أمواج القهر ، وقهرهم عملهم. PageV02P073 # ( وظنوا أنهم أحيط بهم ): توهموا أنهم من الهالكين في أمواج ، ~~وهم المطهرين الأخيار عن الله ، مخلصين له الدين ، تركوا ما لهم وبهم ~~وعليهم من الاختيار والتدبير ، ورجعوا إلى حل التفويض والتسليم فنجوا. # وقال بعضهم : سير العباد والزهاد بالأنفس في البر ، وهو الدرجات والمنازل ~~، وسير العارفين بالقلوب في البحر ، وفيها الأمواج والأخطار ، ولكن سير شهر ~~في يوم : # كدراجة البيوت لهن ريش %~% ولكن لا يطرن مع الحمامة # وقال بعضهم : ( هو الذي يسيركم في البر ) هو الصفات ، ( ~~والبحر ) استغراقا في الذات (1). # وقال بعضهم : ( يسيركم في البر ) الاستدلالات بالوسائط ، ( ~~ والبحر ) غلبات الحق بلا واسطة. # وقال النوري في قوله : ( مخلصين له الدين ): المخلص في دعائه من ~~لا يصحبه من نفسه شيء سوى رؤية من يدعوه. # ( فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس ~~إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا ms0610 مرجعكم فننبئكم بما ~~كنتم تعملون (23)) # ( فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس ~~إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما ~~كنتم تعملون ). # ثم وصف الله سبحانه أهل بحار السكر الذين دعوا بالسكر بعد نجاتهم منه به ~~؛ لأنهم رجعوا إلى ما لم يكن لهم من كشف الأسرار ، وهتك الأستار بقوله : ( ~~ فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق ): فلما نجوا من ~~طوفان الفناء في سطوات الأزل بقوا بنعت السكر في مقام البقاء ، ادعوا ~~الأنائية ، تجاوزوا عن حد العبودية بسكرهم في جمال الربوبية ، ثم خوفهم ~~سبحانه عن ملازمة إحاطة أنوار عظمته عليهم بعد رجوعهم من السكر إلى الظلمة ~~بقوله : ( يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ) أي : يرجع إليكم ~~ما ادعيتم لا إلى القديم ؛ فإنه منزه عن النظر ، والاتحاد بالخليقة ، وكل ~~ما ذكرتهم من ذكري ودعواكم بقربي في أتم معانيه ، فهو مردود عليكم ؛ فإن ~~ساحة الكبرياء مقدسة عن إدراك الفهوم جلال قدر الأزل ، تعالى الله مما خطر ~~على قلب بشر. PageV02P074 # قال الواسطي : البغي يحدث عن ملاحظة النفس ورؤية ما خدع به. # كما قيل لذي النون : ما أخفى ما يخدع به العبد؟ قال : الألطاف والكرامات ~~، ورؤية الايات. # قال ابن عطاء في قوله : ( حتى إذا كنتم في الفلك ): حتى إذا ~~ركبوا مراكب المعرفة ، وجرت بهم رياح العناية ، وطابت نفوسهم وقلوبهم بذلك ~~، ( وفرحوا ) بقصدهم إلى مقصودهم ( جاءتها ريح عاصف ): ~~أفنتهم عن أحوالهم وإراداتهم ، ( وجاءهم الموج من كل مكان )، ~~فزالت عنهم أخطار سعيهم ، ( وظنوا أنهم أحيط بهم ): تيقنوا أنهم ~~مأخوذون عنهم ، ولم يبق لهم ولا عليهم صفة يرجعون إليها ، وأن الحق خصهم من ~~بين عباده بأن سلبهم عن إياهم ؛ ولأنه لا شيء لهم ولا صفة ، دعوا الله ~~مخلصين له الدين ، صفى الحق أسرارهم له حتى أخلصوا الدعاء ، وخلصوا له سرا ~~وعلنا ، فلما نجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق. # ( إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به ~~نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام ms0611 حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن ~~أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم ~~تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (24) والله يدعوا إلى دار السلام ~~ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (25) للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق ~~وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (26) والذين كسبوا ~~السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت ~~وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (27) ويوم ~~نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال ~~شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (28) فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا ~~عن عبادتكم لغافلين (29) هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله ~~مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون (30)) # فلما ردهم إلى أوصافهم وأشباحهم رجعوا إلى ما عليه عوام الخلق من طلب ما ~~يصلح للنفوس ، ثم إن الله ضرب مثلا لمن سلك الطريق بالجهل ، وغير الاقتداء ~~بأهل المعرفة أن جميع سعيه يكون هباء منثورا بقوله : ( إنما مثل ~~الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء ). PageV02P075 # أول رغبة السالك مثل الماء الذي وصل إلى البذر في الأرض عند شروعه في ~~المجاهدات والرياضات ؛ لقوله : ( فاختلط به نبات الأرض )، فكثرت ~~عليه الأعمال الوافرة المتنوعة من تصفية القلب ( مما يأكل الناس ~~والأنعام )، ورياضة النفس مما يأكل الأنعام ، فتمكن في العبادات وصفاء ~~الأوقات ، وفرح بما تسهل إليه من شمائل ألطافه ، ( حتى إذا أخذت ~~الأرض زخرفها ): بهجة العبادات وزينة الطاعات ، وظن أنها تجري بمراده إلى ~~المال ، ( وظن أهلها أنهم قادرون عليها ) فيخرج عليه عساكر ~~القهريات من مكمن الافات مع مفاداته ، والعجب والرياء منه ، ( ~~أتاها أمرنا ليلا أو نهارا )، فلما تعجب بنفسه ورأى أعماله تجيء عليه ~~النفس والشيطان ويغريانه بالعجب والرياء والسمعة ، فجاء قهر الله بفصاحته ~~من عند ليالي قبائحه أو نهار طاعاته ، فجعلها هباء منثورا كقوله : ( ~~ فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس )، وهذا المثل لا يعرفه إلا من ~~له نظر الاعتبار ونور ms0612 الاستبصار ؛ لقوله : ( كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يتفكرون )، نعوذ بالله من قهر الله ، ما أطيب زمان الإرادة والرقة والصفاء ~~، يا ليت لو يبقى المريد في شأنه ، لكن يغرقه قهر الغيرة في بحر الوساوس ~~والمخائيل والرياء والسمعة حتى لا يجد من زمان الصفاء في قلبه ذرة : # فقدناه لما تم واعتم بالعلا كذاك %~% خسوف البدر عند تمامه # ويقال : كما أن الربيع تتورد أشجاره ، وتظهر أزهاره ، وتخضر رباعه ، ~~وتتزين بالنبات ألوانه وطلاعه ، ثم لا يؤمن أن تصيبه آفة من غير ارتقاب ، ~~وينقلب الحال بما لم يكن في حساب كذلك من الناس من يكون أحواله صافية ~~وأعماله بشرط الجلوس زاكية ، وغصون أنسه متدلية ورياض قربه مونقة ، ثم ~~تصيبه عين فيذبل عود وصاله ، وينسد أبواب عقائد إقباله كما قيل : # عين أصابتك إن العين صائبة %~% والعين تسرع أحيانا إلى الحسن # قال رجل لأبي محمد الجريري رحمة الله عليه : كنت على بساط الأنس ، وفتح ~~لي طريق إلى البسط فزللت زلة ، وحجبت عن مقامي فكيف السبيل إليه ، دلني على ~~الوصول إلى ما كنت عليه؟ فبكى أبو محمد ، وقال : يا أخي الكل في قهر هذه ~~اللحظة ، لكني أنشدك أبياتا لبعضهم. # فأنشد يقول : # قف بالديار فهذه آثارهم %~% تبكي الأحبة حسرة وتشوقا كم قد وقفت بها أسائل %~% مخبرا عن أهلها أو صادقا أو مشفقا PageV02P076 فأجابني داعي الهوى في رسمها %~% فارقت من تهوى فعز الملتقى # ثم إن الله سبحانه يدعو العباد من هذه الدار الفانية إلى الدار الباقية ؛ ~~لئلا يفتتنوا بزخرفها وغرورها ، ويصلوا إلى جواره ونعيم مشاهدته بقوله : ( ~~ والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) ~~السالكين إلى الجنة ، ويهدي المجذوبين إلى المشاهدة. # وأيضا : يدعو الجميع إلى داره ، ويهدي خواص العارفين إلى وصاله ، والجوار ~~للعموم من الفرقة ، والفوز والوصال للخصوص ، داره في الدنيا قلوب العارفين ~~؛ لأن فيها سلامة القربة وأنوار المشاهدة ، وفيها صراط الله المستقيم الذي ~~تسري فيه عساكر تجلي جماله إلى قلوب العارفين ، وتسري هممهم فيه إلى مصاعد ~~قرب رب العالمين ، ولكن لا يهدي إليها إلا من يشاء من ms0613 خواص المريدين ~~والصادقين. # والإشارة في الدعاء إلى دار السلام أن السلام هو الله المنزه عن علل ~~الحدثان ، يدعو إلى جواره المتبرئ من الأكوان ، المتصف بصفة الرحمن ، وأهل ~~هذه الدعوة على ثلاث مراتب : أهل الدار ، وأهل المشاهدة ، وأهل الوصال ~~الدار لأهل الإيمان ، والمشاهدة لأهل الإيقان ، والوصال لأهل العرفان ، ~~يدعو أهل الإيمان إلى داره ، وينادي أهل الإيقان بتقربهم من مشاهدته ، ~~ويهدي أهل معرفته بعد إدراكهم وصاله إلى معرفة شمائل صفاته ولطائف أنوار ~~ذاته ؛ لأن هناك الطريق المستقيم حيث عرف نفسه لعارفيه. # قال أبو سعيد القرشي : خرجت هداية المريد من الاجتهاد في قوله : ( ~~ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين (69)) ~~، وخرجت هداية المراد من المشيئة ، وهو قوله : ( ويهدي من يشاء )، ~~وهو الفرق بين المريد والمراد. # وقال القاسم : الدعوة عامة ، والهداية خاصة ، بل الهداية عامة ، والصحبة ~~خاصة ، بل الصحبة خاصة ، والاتصال خاص. # وقال بعضهم : لات الدعوة لمن لم يسبق له من الله الهداية. # وقال جعفر : عملت الدعوة في السر فتجللت بها وركنت إليها. # وقال أيضا : ما طلبت الجنة إلا بالسلام ، وإنما اختارك بهذه الخصائص ~~لكيلا تختار عليه أحدا. # وقال بعضهم : يدعو إلى دار السلام بالاداب ، ويهدي من يشاء للحقائق ~~والمعارف. # وقال بعضهم : الدعوة لله ، والهدى من الله. # وقال الأستاذ : الدعاء تكليف ، والهداية تعريف ، فالتكليف على العموم ، ~~والتعريف على الخصوص. PageV02P077 # ويقال : الصراط المستقيم طريق المسلمين ، وهذا للعوام بشرط اليقين ، ثم ~~طريق المؤمنين وهو طريق الخواص بشرط عين اليقين ، ثم طريق المحسنين ، وهو ~~طريق خاص الخاص بشرط حق اليقين ، فهؤلاء ذوو العقل أصحاب البرهان ، وهؤلاء ~~بكشف العلم أصحاب البيان ، وهؤلاء بضياء المعرفة بالوصف كالعيان ، وهم ~~الذين قال صلى الله عليه وسلم فيهم : «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه» (1). # قوله تعالى : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ~~ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (26)) . # ثم زاد الله في وصف هؤلاء بالقربة الرفيعة والدرجة السنية ، ومشاهدته ~~الكريمة بقوله : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ): حسانهم شهود ~~قلوبهم مشاهد قربه تعالى في مراقباتهم وخلواتهم بنعت بذل ms0614 وجودهم ، والأكوان ~~كلها لأول بوادي حسن تجلي الحق سبحانه ، وما ذكر الله سبحانه من جزائهم ~~بهذه النعوت الحسنى ، وهي إدراكهم إياه كشف نور جماله ؛ لأنهم لو أدركوه ~~بنعوت العظمة هلكوا ، إحسانهم من حسن جمال أرواحهم الناطقة بالكلمات ~~القدوسية ، وحسن الحق من حسن جماله القديم ، يجازيهم بكشف حسنه وجماله ، ثم ~~ذكر زيادة النعم عليهم بقوله : وزيادة الحسنى مشاهدته ، والزيادة وصاله ~~والبقاء معه في مشاهدته. # وأيضا : ( الحسنى ) النظر إلى جماله ، والزيادة : الاتصاف ~~بصفاته. # وأيضا : ( الحسنى ) محبته ، ( وزيادة ) معرفته. # قال الواسطي : معاملة الله على مشاهدة الحسنى الالتذاذ في معاملاتهم ، ~~والزيادة هو النظر إلى الله. # قال الأستاذ : يحتمل أن يكون الحسنى الرؤية ، والزيادة دوامها ، ويحتمل ~~أن يكون الحسنى اللقاء ، والزيادة البقاء في حال اللقاء. # ثم زاد الله ذكر شرفهم بأن غبار العبد لا يلحق جمال وجوههم بقوله : ( ~~ ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ): لا يغشى وجوههم قتر الخجالة ، ولا ~~يلحق وجوههم ذل الفرقة. # ثم زاد في وصف عيشهم بقوله : ( أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ~~): باقون في أنواع القربات في مشاهدة الذات والصفات. PageV02P078 # قال بعضهم : كيف تذل وجوه بلقائها الحق منه بالحسنى والإحسان ، وكيف تذل ~~شواهد من شاهد الحق على الدوام ، بل هي على زيادة الأوقات تزيد نورا وضياء وعزا. # قوله تعالى : ( هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله ~~مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون ). # وقال الأستاذ : لا يقع عليها غبار الحجاب وبعكسه حديث الكفار ، حيث قال : ~~( ووجوه يومئذ عليها غبرة (40)) ، فالذلة التي لا تصيبهم هي أنهم ~~لا يردون من عز شهوده إلى رؤية غير. # قوله تعالى : ( هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت ): أخبر الله ~~سبحانه عن مواطن امتحانه وتمييزه بغيرته القديمة بين الصادق في دعوى محبته ~~وبين الكاذب ؛ لأن الصادق في محبته هناك لا يفرغ من النيران ، ولا يطمع في ~~الجنان ؛ لغلبة شوقه إلى جمال الرحمن ، والكاذب تبدو سرائر ضلاله ، وتنكشف ~~فساد ضمائره بين جميع الخلائق ، فيرد الصادق إلى لطف مولاهم ، ويرد ~~الكاذبون إلى قهر جبارهم بقوله : ( وردوا إلى الله ms0615 مولاهم الحق )، ~~فيبقى للصادقين خصوصية درجاتهم في المحبة والوصال مع حقائق معناهم ، ويضل ~~سعي المرائين الذين يراءون الناس بأعمال الصادقين. # قوله تعالى : ( ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء ~~هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون (88)) . # وأيضا : يمتحن نفوس الحدثان عند بوادي سطوات سبحات جلال الرحمن ، حيث ~~يضمحل الحادث في القديم ، ويبقى القدم للقدم ، ويكون الحدث مقدما في القدم ~~، قال تعالى : ( كل شيء هالك إلا وجهه ). # قوله تعالى : ( فذلكم الله ربكم الحق فما ذا بعد الحق إلا ~~الضلال فأنى تصرفون (32)) . # قيل : يطالب كل مدع بحقيقة ما أدعاه. # قوله تعالى : ( فذلكم الله ربكم الحق ): بين سبحانه أن ما يبدو ~~من نور شهوده هو وصف رؤيته وإعلام صفته ، وكشف ذاته بلا شك ولا شبهة ، وذلك ~~قوله : ( فذلكم الله ربكم الحق ): أي : هو الحق بلا شبه ولا تشبيه ~~ولا تعطيل. # ثم بين أن من لم يعرف الأشياء والشواهد بهذه المثابة فهو ضال من طريق ~~مشاهدته ، وطريقه عمياء لا يكون الرشد فيها ؛ لأن من احتجب بالكون عن ~~المكون فهو يغيبه في مهمة PageV02P079 # القهر ، ولا يهتدي من كان مرهونا بالأشياء عن خالق الأشياء ، وهذا معنى ~~قوله : ( فما ذا بعد الحق إلا الضلال ). # ثم بين أن البعد لا يقتضي إلا البعد ، وليس للعبد حد ، فأين يذهب البعيد ~~في البعد ، ولا يجد في البعد إليه سبيلا. # قال تعالى : ( فأنى تصرفون ): أي : إلى من ترجعون إذا فات وصاله عنكم. # ( قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن ~~يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل ~~أفلا تتقون (31) فذلكم الله ربكم الحق فما ذا بعد الحق إلا الضلال فأنى ~~تصرفون (32) كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون (33)) # وليس للحدثان مصرف الفرار ، فأنى أين وإنهم؟! إن هذه الاية إشارة سابق ~~قوله : ( قل من يرزقكم من السماء والأرض ): أي : من يرزق الأرواح ~~من الملكوت غذاء قربه ووصاله ، ومن يرزق القلوب من ملكوت الأرض صفاء ms0616 ~~عبوديته ، ( أمن يملك السمع والأبصار ): من يملك إسماع العارفين ~~بلذيذ جلاله ، ومن يملك أبصار الصديقين بكشف جماله والنظر إلى جلاله؟ ومن ~~يخرج الحي من الميت؟ أي : من يخرج الأرواح العارفة الأحياء بحياته ومعرفة ~~ذاته وصفاته من العدم بنور القدم ، ويخرج الميت من الحي ، من يخرج الأنفاس ~~الفانية في عظمته الباقية من القلوب الحاضرة في مشاهد القربة ، ومن يدبر ~~الأمر ، من يسهل قطع صفات مفاوز النكرات للعارفين ، ومن يعرف أمور العبودية ~~والربوبية قلوب الموحدين؟! # ثم بين أن من شاهد هذه المراتب يعترف بها صدقا وعدلا بقوله : ( ~~فسيقولون الله )، فإذا اعترفوا بذلك ، وصاروا شاهدين معاني شهوده لا خوفهم ~~من نفسه إلا أن يلتفتوا إلى سواه في طريق بقوله : ( فقل أفلا تتقون ~~) أي : فلا تخافوا من فراقه ، ( فذلكم الله ربكم الحق ): أي : هو ~~منعم هذه النعماء ، يربيكم بهذه السعادات لا غير ، فأين تصرفون منه إلى غيره؟ # ( فما ذا بعد الحق إلا الضلال ): أخص الإشارة فيه أي : إذا ~~وقعتهم في أنوار معرفتي بعد كشوف صفاتي وذاتي لا تطلبوا كنه القدم ؛ فإنه ~~معادن الملكوت ونكراتها بلا نهاية ؛ لأن القدم ممتنع عن إحاطة القلوب به ، ~~وعن إدراك الأرواح والبصائر حقائقه PageV02P080 # والكنهية. # قال الحسين : الحق هو المقصود بالعبادات والمصمود إليه بالطاعات ، لا ~~يشهد بغيره ولا يدرك بسواه. # وقال الواسطي : ( فذلكم الله ربكم الحق فما ذا بعد الحق إلا ~~الضلال ): لا يجوزنا موحد أن يشهد بشاهد التوحيد ؛ لأنه وصف الأشياء ~~بالضلال ، فلم تتهيأ لضال أن يقف ، ولا لعاجز أن يصف. # وقال الحسين : الحق هو الذي لا يستقبح قبيحا ، ولا يستحسن حسنا ، فكيف ~~يعود إليه ما منه بدا ، ويؤثر عليه ما هو أنشأه؟! # قال بعضهم : قلوب أهل الحق مع الحق على مراتب : فقلب في قبضة الحق مأسور ~~بكشف الوجد مسرور ، وقلب طار إليه بالشوق وروح برياح القدوم بالقدوم عليه ، ~~وقلب اعتقد فيه الامال فهو عليه ثقل الأعمال ، وقلب انقطع إليه بالكلية من ~~كل البرية ، وقلب شديد الاحتراق لشدة الاشتياق. # وقال بعضهم : ( الحق ) طريق العلماء ، والحقيقة طريق الحكماء ، ~~والتحقيق طريق ms0617 الأولياء ، والحقائق طريق الأنبياء. # وقيل في قوله : ( فأنى تصرفون ) من الحق إلى سواه (1). # قال الواسطي في قوله : ( ومن يدبر الأمر ): من يبدئ أمره ويعيده ~~ويدبر في أوقاته السائرة ، فإذا قال : من يدبر الأمر أزال الأملاك فكيف ~~يجوز لقائل أن يقول : فعلي وعملي!. # ( قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده قل الله يبدؤا ~~الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون (34) قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل ~~الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى ~~فما لكم كيف تحكمون (35) وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق ~~شيئا إن الله عليم بما يفعلون (36) وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون ~~الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ~~(37) أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله ~~إن كنتم صادقين (38) بل كذبوا بما لم PageV02P081 # يحيطوا بعلمه ولما ياتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر ~~كيف كان عقبة الظلمين (39) ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم ~~بالمفسدين (40) وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل ~~وأنا برىء مما تعملون (41)) # قوله تعالى : ( قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده ): ~~أثبت الحجة على أن الحدثان معلولة لا تزاحم القدم المنزه عن العلل ، وكيف ~~يكون من العاجز القدرة على إيجاد الموجود ، وهو كان معدوما ، وفي وجوده عند ~~قدم جلالة بالحقيقة معدوم حيث لا يقوم بنفسه بل يقوم بالقديم ، هذا رد على ~~من أقبل إلى غير الله. # ثم وصف نفسه تعالى الشريك بأنه يبدئ الأشياء ويعيدها أبدا ، يكون بشهود ~~قدمه على العدم بوصف كشوف جميع الصفات ، ثم يسلط أنوار العظمة والهيبة ، ~~فتضمحل الحوادث تحت أذيال سرادق العزة ، ( ثم يعيده ) بكشف جمال ~~البقاء ، فيبقيها ببقائها في بقائه ، فينقلب في مدارك تصريفه بنعت المشيئة ~~والإرادة القديمة ، يبدئ أنوار القيومية في قلوب العارفين ، فيبدئ بلطائفها ms0618 ~~حقائق المعرفة ، ثم يغشيها بسطوات الجلال حتى لا يبقى في ظهور المعروف سوى ~~المعروف ، ثم يعيدها بكشف قناع الجمال ، وحسن البهاء فتبقى لشاهد حسنه. # قال ابن عطاء : يبدئ بإظهار القدرة فيوجد المعدوم ، ثم يعيدها بإظهار ~~الهيبة نفس الموجود. # وقيل : يبدئ بكشف الأولياء ، فيمحو منها كل خاطر سواه ، ثم يعيده ، فتبقى ~~بإبقائه ، فلذلك عظم حال العارف ، فلما قدس عليه الخليفة عن راحة الأزلية ~~عرف مكان العلة المخاطبين بقوله : ( قل هل من شركائكم من يهدي إلى ~~الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي )، صدق هذه الاية ما ذكر في الاية ~~الأولى ، وهي مصداقها بأن الهادي لا يكون إلا المكون القديم ، والمنزه ~~الأزلي كما أن وصفه القدرة القديمة ، فأيضا وصفه الهداية الأبدية ، هو ~~تعالى يهدي بنفسه وكشف العارف وجوده للحق الذي على أوليائه وأصفيائه ، وهو ~~حقائق العبودية والتأدب باداب الشريعة. # وأيضا : الله هو الحق يهدي أهله إلى نفسه بنفسه ؛ لأنه كان غيبا لا علة ~~في الأزل ، فتحقق حق غيبيته على أهل محبته. # ثم عرف حقوقه لحقه لأهل حقيقته ، بأن يزيلوا علة النظر إلى غيره ، وأن ~~يتبعوا المحبة PageV02P082 # والشوق ما يوجب رضاه بوصف الأسوة والاقتداء بالكتاب والسنة ، وذلك قوله : ~~( أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى ). # سئل الحسين : من هذا الحق الذي يشيرون إليه؟ قال : معلل الأنام ولا يصل ~~إليه إلا هو. # سئل الواسطي : ما حقيقة الحق؟ قال : حقيقته لا يقف عليه إلا الحق. # قال الحسين : الحق من الحق ومن أجل الحق ، وهو قائم الحق مع الحق ، وليس ~~وراء ذلك إلا رؤية الحق. # قال الله تعالى : ( أفمن يهدي إلى الحق أحق ). # ثم إن الله سبحانه أخبر عن حال الكل فهم عن إدراك حقيقة القدم وعظمة ~~البقاء في توهم النفوس ، وتمام الظنون بقوله : ( وما يتبع أكثرهم ~~إلا ظنا ): ظاهر الاية وصف أهل البعاد ، وللقوم إشارات فيها ، أن العقول ~~محجوبة بالايات ، والقلوب محجوبة بالذات ، والأرواح محجوبة بالراحات ، ~~والنفوس محجوبة بالشهوات ، والأسرار محجوبة بالخطرات ، وما وجدت الكل من ~~ساحة الكبرياء إلا ms0619 رسوم الأفعال ، وما وقع عليها إلا ظلال الملكوت وتصرفات ~~الجبروت ، وأين الحدث عن إدراك كنه القدم ، والأصل ممتنع بذاته عن أن يطلع ~~على حقيقة وجوده خاطر من الخواطر وسر من الأسرار ، ولب من الألباب ، حاشا ~~أنهم في مخائيل الظنون عن إثبات الوحدانية بل مستبصرون بنور الحق ، وهم على ~~بصيرة معرفته وتوحيده. # قال تعالى : ( على بصيرة أنا ومن اتبعني ): بل هم مستغرقون بنور ~~الحق في بحار الأزلية والسرمدية ، وما هم مبتلون بقطرة من وصول حقائقها ، ~~يشربون من لججها أنهارا ، وهم عطاشى ، كما قال قائلهم : # وأقف في الماء عطشانا %~% ولكن ليس يسقي # وهكذا دأبهم أبد الابدين كيف يصل الحدثان إلى قدم الرحمن ، وهو منزه عن ~~الاتصال والانفصال. # قال الجنيد في هذه الاية : مر علي بذي أرباب التوحيد حتى أبو يزيد ما ~~خرجوا من الدنيا إلا على التوهم. # وهكذا قال الواسطي : إلا ظنا أنهم قد وصلوا ، وهم في محل الانفصال لا وصل ~~ولا فصل على الحقيقة ذات ممتنع عن الاتصال ، كما هو ممتنع عن الانفصال. # وسئل أبو حفص عن حقيقة التوكل؟ فقال : كيف يجوز لنا أن نتكلم في حقائق PageV02P083 # الأحوال والله يقول : ( وما يتبع أكثرهم إلا ظنا ). # قوله تعالى : ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ~~كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (39)) . # سئل أبو عثمان عن الظن؟ قال : هواجس النفس في طلب مرادها. # قوله تعالى : ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ): بين الله ~~سبحانه عجز خواطر الجهل عن إدراك العلوم المجهولة عند أكثر الخلق المعروفة ~~عند أهل المعرفة ، تنطق بها ألسنة الروحانيين والملكوتيين ، وهي من أسرار ~~الملك والملكوت ، وعين الصفات والذات ، فلما لم يكونوا من أهل الخطاب كذبوا ~~حقائق الخطاب الذي جرى على لسان الأولياء والصديقين والأنبياء والمقربين ، ~~وهكذا عادة المفلسين والمنكرين كرامات أهل المشاهدات ، وفراسات أهل ~~المكاشفات لجهلهم وغرورهم وقياساتهم الفاسدة. # قال تعالى : ( وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ): ~~يسمعون حقائق كلمات القوم ، التي هي مخبر عن حقائق أسرار الغيب ، ويسمونها ~~ظلمات ، يا ليتهم ms0620 لو يشمون من ألف فرسخ رائحتها لطاروا من الفرح بوجدانها ، ~~لكن ما خلقوا لقبول الخلائق. # قال بعضهم : كذبوا أولياء الله في براهينهم لما حرموا ما خص القوم به ، ~~والمحروم من حرم حظه من قبولهم وتصديقهم الإيمان بما يظهر الله عليهم من ~~أنواع الكرامات. # قال أبو تراب النخشبي : إذا بعدت القلوب عن الله مقتت القائمين بحقوق الله. # ( ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ~~(42) ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون (43)) # وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : «الناس أعداء لما ~~جهلوا» (1). # ثم بين سبحانه أنهم يحرمون من سماع الخطاب الخاصة ، وعن رؤية جمال القديم ~~بالبصائر الصافية عن كدورات عوارض البشرية بقوله : ( ومنهم من ~~يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ومنهم من ينظر إليك ~~أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون ). # هذه الاية مصدق الأول لما لم يسمعوا بأسماع العقول والأفهام خطاب الغيب ، ~~كذبوا حقائق الإلهام ، ولما لم يبصروا مشاهدة الحق بعيون القلوب كذبوا ما ~~أخبرهم أولياء الله مما PageV02P084 # رأوا من أنوار الغيوب ، صرح الحق سبحانه أنهم مسلوبون في الأزل أسماع ~~خصوصية العقول القدسية الملكوتية ، وأبصار الأرواح الجبروتية لا جرم لم يكن ~~لهم استعداد قبول الحقائق وعلم الدقائق ، وقد تبين أن المعرفة بحقائق ~~العلوم اللدنية والنظر إلى عالم الملكوت لم يكن مكتسبا ، بل هما موهبتان ~~خاصتان من مواهب الله الخاصة الأزلية ، خص بهما في سابق علمه وأوائل حكمه ~~أهل خالصة وده بغير اعتدال اكتسابهم ، ولو كان مكتسبا لكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم قادرا على أن يسمعهم ويبصرهم ، بل فضل الله يؤتيه من يشاء ~~من خواص عباده خالصة عرفانه ، والحمد لله الذي خص نجباءه بسمع الخاصة من ~~أسماء صفاته ، والحمد لله الذي اصطفى أولياءه البصر الخاص من أبصار صفاته ، ~~ولم يبق بين ذلك السمع والإسماع والخطاب حجاب ، ولم يبق بين ذلك البصر ~~والإبصار ورؤية جماله نقاب. # قال الحسين : من استمع إليك بإياه فإنك لا تسمعه ، إنما تسمع ms0621 من أسمعناه ~~في الأزل فيسمع منك ، وأما من لم تسمعه فما إلا صم ، والسماع وإن سمع لم ~~يعقل فكأنه لم يسمع. # قال الله تعالى : ( إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ): إلا من ~~أجرينا عليه حكم السعادة في الأزل. # قال بعضهم : إذا أنت لم تسمع نداء الله ، فكيف تجب داعي الله؟! # قال الله تعالى : ( وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ~~ينظرون إليك وهم لا يبصرون (198)) . # وقال الواسطي : ليس من ينظر إليك بنفسه يراك ، إنما يراك من ينظر إليك ~~بنا ، فأما من ينظر إليك بنفسه أو به فإنه لا يراك ، ولا يراك إلا من يعمر ~~أوقاته في رؤيتك ، ويستغرق هو فيها ، قال الله : ( وتراهم ينظرون ~~إليك وهم لا يبصرون )، وقال صلى الله عليه وسلم : «طوبى لمن رآني ومن رأى من ~~رآني» (1). # ( إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (44) ~~ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين ~~كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين (45) وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو ~~نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون (46) ولكل أمة رسول فإذا ~~جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (47) ويقولون متى هذا الوعد إن PageV02P085 # كنتم صادقين (48)) # ثم بين سبحانه أن ما يجري في الأكوان من الأمر والقضاء والطاعة والمعصية ~~والكفر والإسلام هو ما جرى في الأزل بأقلام الأقدار على ألواح الأحكام ~~السابقة بمشيئة الله وإرادته القائمة بذاته ، وفيما قسم في الأزل لخلقه كان ~~حكما عليما حكيما لم يظلم في ذلك ؛ حيث اختار قوما بالولاية والنبوة ، ~~وألزم قوما الكفر والضلالة ؛ لأنه مالك الملك يتصرف في ملكه كما يشاء بقوله ~~: ( إن الله لا يظلم الناس شيئا ): لا يظلم على الكافر والمطرود ~~إذا عاقبهم ؛ فإنهم مخلوقون في الأزل لقهره لا للطفه ، ولا يظلم على أهل ~~لطفه ؛ حيث يربيهم بلطائف مشاهدته بأقدار حواصلهم ، ثم أعلمنا أن تلك ~~الطائفتين السعداء والأشقياء يظلمون بأنفسهم بقوله : ( ولكن الناس ~~أنفسهم يظلمون ): ظلم سعداء المعرفة والمحبة على أنفسهم أنهم يريدون أن ms0622 ~~يدركوا الحق بحقيقة أزليته ، وهم إلى إدراك كنهه ، وهو تعالى عالم بعجز ~~الحدث عن حمل وارد القدم كما هو ، فيريهم ما يطيقون من نفسه ، ولو يريهم من ~~حقائقه ذرة يهلكون في أول بوادي سطواتها ، وظلم استفناء الكفر طلب الربوبية ~~من أهل العبودية. # ( قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل ~~إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (49) قل أرأيتم إن أتاكم ~~عذابه بياتا أو نهارا ما ذا يستعجل منه المجرمون (50) أثم إذا ما وقع آمنتم ~~به آلآن وقد كنتم به تستعجلون (51) ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل ~~تجزون إلا بما كنتم تكسبون (52)) # قال الواسطي في هذه الاية : لا يتجلى لهم بحقه ؛ فإن ذلك ظلم ؛ لأن الخلق ~~لا يحتملونه ، بل فيه ذهابهم ، ويستحيل أن يكون لهم من القوة ما يطيقون ~~بحقه ؛ إذ في ذلك مساواة ومقارنة (1). # قوله تعالى : ( قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله ~~): أخبر عن عين PageV02P086 # التوحيد وزوال الحدث في القدم ، وجعل المشيئة مشيئة واحدة ، وهي المشيئة ~~التي لا مدخل فيها لمشيئة الحدثان صرف عن سوابق القضاء والقدر علة اكتساب الخلق. # ( ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين (53) ~~ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ~~وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (54)) # قال بعضهم : نفى السيد الأخص أن يكون له من نفسه شيء ، أو يعتمد لها حالا ~~بل أظهر أن الكل منه ، ولمن له الكل من لا يملك الأصل ، فكيف يملك فروعه من ~~لم يملك نفسه كيف يملك ضرها ونفعها؟ ومن صحت له هذه الحالة ، فقد سلم من ~~مدح الخلق ، وذمهم بالطمع فيهم والتوسل بهم. # قوله تعالى : ( ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق ) أخبر ~~سبحانه عن عمى الجاهلين الذين لم يروا أنوار جلاله وعظمته في مرائي كل ذرة ~~؛ لأنهم في غواشي طباعهم محجوبون عن شهود الحق على كل شيء ظهور نفسه. # ومصداق ذلك ms0623 قوله : ( أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد (53)) ~~[فصلت : 53] ، ثم أخبر عن وصفهم وشكوك بواطنهم. # وقال : ( ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم )، ومن كان محجوبا عن ~~لقائه فأيضا يكون محجوبا إذ أن أسرارهم عن حقائق الخطاب ، وعن فهم معانيه ، ~~وإن كان لهم بصيرة صافية يرون بها المخبر عنه في الخبر ، ولا يحتاجون إلى ~~الاستخبار منه ؛ لأن وراء كل خبر أثر. # قال بعضهم : أنوار الحق مشرقة ، وآثاره ظاهرة لا يشك فيها إلا معاند ، ~~ولا يعمى عنها إلا ضال ، فالمتحققون بحقائق الحق هم سالكون مسالك أنوار ~~الحق في مقاصدهم ومواردهم ومصادرهم ، والراجعون منها إلى الأغيار هم ~~الضالون عن سنن الحق. # قال الله تعالى : ( ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق ). # ( ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (55) هو يحيي ويميت وإليه ترجعون (56)) # قوله تعالى : ( ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد ~~الله حق ) اشتد غوائم القدم بأن الأكوان ، والحدثان صادرات من فيض فعله ~~سحرت في بطش عزته محتاجات إلى مزيد رحمته حسم أطماع عبيده عنها ، وصرف ~~وجوههم منها إلى نفسه إذ لا ذرة من الكون جارية إلا بمشيئته فمادام الكل له ~~، فابذل كلك لكليته حتى يكون كله لك لا غير ، PageV02P087 # فإن وعد الله في ذلك حق لا يخيب رجاء الصادقين ، ولا يخلف مواعيد ~~المقربين. # قال بعضهم : المغيرون من يرجع إلى غيرته في سؤاله ومهماته وطلباته ، وله ~~ما في السماوات وما في الأرض ، فالكل له ، فمن طلب بعض الكل من غيره فقد ~~أخطأ الطريق. # وقوله : ( ألا إن وعد الله حق ) أن يحرم سائل غيره ، ويبعد عليه ~~وجه طلبته ، ولا يخيب سائله ، ويبلغه إلى أقصى أمانيه. # ثم بين الحق أن من أقبل إليه يحييه بأنوار حياته حتى يبقى مع الحق بوصف ~~شهوده على معاينة ذاته وصفاته ، ويميت نفسه حتى لا تزاحم بظلمة هواجسها ~~أنوار أسراره في قلبه بقوله : ( هو يحيي ويميت وإليه ترجعون ): ~~يحيى قلوب العارفين بمعرفته ومشاهدته ، ويميت ms0624 نفوس الزاهدين بأنوار هيبته ~~ومراقبته ، فمعاد العارفين مشاهدة جماله وجلاله ، ومعاد الزاهدين آلاءه ~~ونعماءه ، وهذا معنى قوله : ( وإليه ترجعون ). # قال بعضهم : هو يحيي القلوب بإماتة النفوس بحياة القلوب ، وهذا لمن كان ~~إليه رجوعه في جميع أحواله. # وقيل : يحيي الأسرار بأنوار العزة ، ويميت النفوس بنزع الشهوات عنها. # ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور ~~وهدى ورحمة للمؤمنين (57) قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما ~~يجمعون (58) قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ~~آلله أذن لكم أم على الله تفترون (59) وما ظن الذين يفترون على الله الكذب ~~يوم القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (60)) # قال النصر آبادي : يحيي الأرواح في المشاهدة والتجلي ، ويميت الهياكل في ~~الاستتار. # ثم ذكر سبحانه سبب هذه الحياة الباقية التي هي شفاء أرواح الصديقين ، ~~وقوة أبدان المريدين ، ومنور أسرار العارفين ، وشفاء ألم فراق المشتاقين ، ~~وخبر دوام الوصال للمستأنسين والمحبين ، وهو كلامه القديم الذي هو بناء ~~القدم والبقاء ، وحلاوة الجمال والجلال وأحكام الربوبية والعبودية بقوله ~~تعالى : ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في ~~الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ): خاطب أهل وده وسماهم بالناس ؛ لأن غيرهم ~~ليسوا بالناس في الحقيقة ؛ حيث لم يعرفوا حقوق الأزلية ؛ لذلك وصفهم بأجهل ~~الجهل بقوله : ( أولئك كالأنعام بل هم أضل )، والناس من نسي نفسه ~~، وما دون الله في الله أي : قد جاء من عند الله موعظة أحكام العبودية ، ( ~~ وشفاء ) أي : أنوار الربوبية ، ( وهدى ): تعريف PageV02P088 # نفسه بظهور أنوار صفته ، ( ورحمة ): فتح أبواب المشاهدة ، ~~فالموعظة للمريدين ، والشفاء للمحبين ، والهدى للعارفين ، والرحمة ~~للمستأنسين المشتاقين. # وأيضا : الموعظة للنفوس ، والشفاء للقلوب ، والهدى للأرواح ، والرحمة ~~للأشباح. # وأيضا : الموعظة مقام الهيبة ، والشفاء مقام الوصلة ، والهدى مقام ~~المعرفة ، والرحمة مقام المخاطبة ، والموعظة صدرت من العظمة ، والشفاء صدر ~~من حسن الجمال ، والهدى صدر من عيان القدم والبقاء والرحمة ، للعموم صدر من ~~الأفعال ، وللخصوص صدر من الصفات ، ولخصوص الخصوص صدر من الذات. # وأيضا : الموعظة ms0625 للابقين ، والشفاء لمرضى المحبين ، والهدى للمريدين ، ~~والرحمة للواصلين ، بدأ بالموعظة لمريض حبه ؛ لأنها أدوية إسهال شهواته ~~بمعجونات موعظته تقديسا لأسراره عن عوارض بشرياته ، فإذا كان مقدسا بسقيه ~~من أشربه مراهم ألطافه شفاء لذلك السقم ؛ ولأنه تعالى يشفي بخطابه صدور ~~مرضى أهل شوقه ، بمقدمك المبارك زال سقمي ، وفي لقياك عجل لي شفائي ، فإذا ~~شفي يعذبه بهدايته إلى نفسه ، فلما كل في صحته يطهره بمياه رحمته عن أوساخ ~~المرض والاستحسان. # قال ابن عطاء : الموعظة للنفوس ، والشفاء للقلوب ، والهدى للأسرار ، ~~والرحمة لمن هذه صفته. # قال جعفر : ( وشفاء لما في الصدور ) أي : راحة لما في السرائر. # وقال جعفر : لبعضهم شفاء المعرفة والصفاء ، ولبعضهم شفاء التسليم والرضا ~~، ولبعضهم شفاء التوبة والوفاء ، ولبعضهم شفاء المشاهدة واللقاء. # وقال الأستاذ : الموعظة للكافة ، ولكنها لا تنجع في أقوام آخرين ، فمن ~~أصغى بسمع سره اتضح نور اليقين في قلبه ، ومن استمع إليه بنعت غيبته ما ~~اتصف إلا بدوام حجبته. # ويقال : الموعظة لأرباب الغيبة ليبوء الشفاء للخواص ، والهدى لخاص الخاص ~~، والرحمة لجميعهم ، وبرحمته وصلوا إلى ذلك. # ويقال : شفاء كل أحد على حسب ذاته ، فشفاء المذنبين بوجود الرحمة ، وشفاء ~~المطيعين بوجود النعمة ، وشفاء العارفين بوجود القربة ، وشفاء الواجدين ~~بوجود الحقيقة. # ويقال : شفاء العاصين بوجود النجاة ، وشفاء المطيعين بوجود الدرجات ، ~~وشفاء العارفين بالقرب والمناجاة. # ثم زاد تمام نعمته على عباده ؛ حيث أنعم عليهم بتذكير الموعظة والشفاء عن ~~العلة والهداية إلى القربة ، وإدخالهم في زمرة الرحمة والمشاهدة ، ودعائهم ~~إلى رؤية فضله السابق ، PageV02P089 # ورحمة الكاملة عن رؤية الاكتساب وعلى الاجتهاد وفرح فؤادهم بقوله : ( ~~ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ): حكم ~~في الأزل باختصاص أهل وده أن يختارهم لولايته ، ويصطفيهم بالنظر إلى ~~مشاهدته ، وسماع خطابه بلا واسطة ؛ فالمشاهدة فضله ، والخطاب معهم والوصلة ~~لا نهاية لهما ؛ حيث لا يقع لديهما لهم موانع من علل الحدوثية ، وعوارضات ~~البشرية للرؤية واللقاء. # قيل : فضل الله دوام التوفيق ، ورحمته تمام التحقيق. # ( وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا ~~كنا عليكم ms0626 شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا ~~في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (61) ألا إن أولياء ~~الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62)) # قيل : فضل الله الرؤية ، ورحمته أبقاهم في حال الرؤية. # قوله تعالى : ( وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ): أخبر ~~عن عظيم اطلاعه على أسرار الخواطر وما يجري في الضمائر ، وكيف لا يطلع وهو ~~مبدؤها ومنشؤها. # قال تعالى : ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (14)) : خوف ~~أشرف خلقه من اطلاعه ؛ حيث قال : ( وما تكون في شأن ) أي : ما تكون ~~في طلب وسيلة منك إلى التوصل بها إلي وما تتلو منه أي : من قرآن من خطابي ~~التبليغ على عبادي لتخبت قلوبهم بلذة خطابي إلا وأنا منتظر قدوم أسرارك علي ~~، وأراعي خطرات قلبك حتى لا يجري ذكر غيري من العرش إلى الثرى ، فتح بهذا ~~الخطاب لحبيبه أبواب أنوار عظمته ؛ ليكون عظيم الشأن في عيون العالمين ، ثم ~~خاطب الجميع بهذا الخطاب بقوله : ( ولا تعملون من عمل ): من ~~عبوديتي وطلب مشاهدة ربوبيتي : ( إلا كنا عليكم شهودا ): مطلعا ~~على جريان هممكم على أسراركم بنعت كشف جلالي وعظمتي وإلقاء سطوة كبريائي ~~على قلوبكم حتى لا تكونوا إلا مشاهدي عظائم جبروتي ، وشرائف ملكوتي ، ومعنى ~~: ( إذ تفيضون فيه ): عند عزائمكم في بذل وجودكم إلي ، وكل حركة ~~غيبية تجري عليكم. # ثم أخبر عن سلطان إحاطته على كل ذرة من العرش إلى الثرى بقوله : ( ~~ وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ~~ذلك ولا أكبر إلا في كتاب PageV02P090 # مبين ) (1): بين أن ما صدر من العدم بنور القدم يكون بين علمه ~~القديم وقدرته القائمة بذاته ، ونظره الشامل على وجود جميع الأشياء على حد ~~صغرها وكبرها ، وأنها بجميعها معروفة في علمه عند بصره ، وكلها قائمة بذاته ~~وصفاته ، وفي جميع الأوقات ينظر إلى كل ذرة بنظر الحفظ والرعاية ، ولو لا ~~كمال عزة قدرته وإحاطته بعلمه القديم لتفتت ما بين ms0627 عرصات الملكوت والجبروت ~~، وبهذه الاية يكمل خوف المراقبين وحذر الواجدين وإجلال العارفين وخشية ~~الموحدين ورعاية الصادقين ومؤانسة الصديقين ومطالبة المريدين. # قال الشقيق : على العبد أن يلزم قلبه دوام نظر الله إليه وقربه منه ، ~~وقدرته عليه ؛ لأن الله يقول : ( ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم ~~شهودا ). # وقال بعضهم : من شهد شهود الحق إياه قطعه ذلك عن مشاهدة الأغيار أجمع. # قال النصر آبادي : شتان بين من عمل على رؤية الثواب ، وبين من عمل على ~~اتباع الأمر ، وبين من عمل على سبيل المشاهدة ، قال الله تعالى : ( ~~ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا ). # وقد وقع لي إشارة لطيفة أن الله سبحانه بين التفاوت بين الأرواح والأشباح ~~، وبين أجرام الأكوان تفاوتا شريفا ، حيث أخبر تعالى أنه مع الأرواح ~~والأشباح بأنوار شهوده وكشف وجوده واستغراقها في علمه بقوله : ( ~~ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا ): خطاب الأرواح والأشباح وأجرام ~~الأكوان معها بالعلم والقدرة والإحاطة بعلمه عليها ، فالله سبحانه مع العبد ~~العارف بنعت القربة والمشاهدة ، والكون مستغرق في علمه عليها ، فالله ~~سبحانه مع العبد العارف بنعت القربة والمشاهدة ، والكون مستغرق في علمه ~~بقوله : ( وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ) ~~، وما أنت العارف لو شاهد مشهوده ليغيب عن الخوض في الأعمال ، بل يطير إليه ~~بأجنحة الأحوال إذا انكشف جماله لمحبه لم يبق بين المحب والمحبوب واسطة ~~الأعمال ، وإذا كان كذلك يسقط عنه أحزان الفوات ، وخوف الافات ؛ إذ هو في ~~مشاهد الوصال ورؤية الجمال ؛ لقوله سبحانه في وصف المشاهدين جماله ~~المستأنسين وصاله الخارجين عن مكائد القهريات ونوائب العقوبات : ( ~~ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ): العارف الصادق PageV02P091 # إذا كوشفت له أنوار جمال الذات استأنس بها ، وفرح بمواصلتها على الدوام ، ~~ثم دخل في نور البسط ، وغلبت عليه الطمأنينة والرجاء. # ثم يدخل في سماع الانبساط من روح الوصال ، فيغلب عليه النشاط والاستبشار ~~، وذلك مقام لا يدخل فيه وجل القلوب من سطوات العظمة ، ولا اضطراب الأرواح ~~من أنوار الهيبة ms0628 ، ولا فناء الأسرار من قهر سلطان الأولية ، ولا اضمحلال ~~الوجود من قوارع العزة ؛ لأن الولي العارف إذا كان في رؤية هذه الصفات تكون ~~أسراره في أسفار الازال والاباد ، ويكون هناك على خطر الفناء من غيرة ~~القهريات ، ألا ترى إلى قوله عليه السلام : «المخلصون على خطر عظيم» (1)، ~~فإذا سكنت أسرار عن تلك الأصغار وكملت الحق في الحق وتمكنت بالله في الله ~~وتوطأت في مواطن أنوار الجمال لا يجري بعد ذلك عليه طوارقات الامتحان ، ألا ~~ترى إلى المؤمن في الجنان لا يجري عليه آفات العذاب وصور الخوف والحزن ؛ ~~لأنه في جنان الظاهر وموضع الروح والريحان ، فالعارف الولي أيضا إذا بلغ ~~إلى جنان جمال مشاهدة الله يكون محروسا برعاية لطفه عن طوارق قهره أمنا به ~~عنه ؛ لذلك قال : ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون )، فقوله تعالى : ( لا خوف عليهم ) من مكر السابق في الأزل ~~؛ فإنهم أصحاب العنايات في سوابق علم القدم ، ( ولا هم يحزنون ) من ~~مستقبل عارض القهر ؛ لأنهم أصحاب الكفايات إلى الأبد ، وكيف يخاف من ينظر ~~إلى جماله ، وكيف يحزن من يكون في سنا جلاله ، ولا تتم الولاية إلا بأربعة ~~: المقام الأول : مقام المحبة ، والثاني : مقام الشوق ، والثالث : مقام ~~العشق ، والرابع : مقام المعرفة ، لا تكون المحبة إلا بكشف الجمال ، ولا ~~يكون الشوق إلا باستنشاق نسيم الوصال ، ولا يكون العشق إلا بدنو الدنو ، ~~ولا تكون المعرفة إلا بالصحبة ، وأصل الصحبة وكشف الألوهية القديمة مع ظهور ~~أنوار الصفات جميعا ، فإذا رأى أنوار الصفات وصرف النعوت والأسماء ومشارب ~~الصفات وعرف بها الذات سبحانه ويخرج من درك الفناء فيها بنعت البقاء فيكون ~~وليا ، فيورث محبته الطاعة ، ويورث شوقه الحالة ، ويورث عشقه بذل الوجود ، ~~ويورث معرفته الخلو مما سواه ، فيتورث بطاعة الفراسات ، وتورث الحالة ~~اللطافة والظرافة ، ويورث بذل الوجود الكرامات ، ويورث الخلو مما سواه ~~الهيبة والوقار ، فإذا كان كذلك بما وصفنا تكون الاية لله في بلاد الله ~~شمائله البشارة والسخاوة وأخلاقه الصحبة والنصيحة ، يأمر بالمعروف ، وينهى ~~عن المنكر ، ويحفظ حدود الله على عباد ms0629 الله ، طوبى لمن رآه ، طوبى لمن صحبه ~~، وآثر خدمته. PageV02P092 # ( الذين آمنوا وكانوا يتقون (63) لهم البشرى في الحياة الدنيا ~~وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم (64) ولا يحزنك قولهم ~~إن العزة لله جميعا هو السميع العليم (65) ألا إن لله من في السماوات ومن ~~في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن ~~هم إلا يخرصون (66) هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ~~ذلك لآيات لقوم يسمعون (67) قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في ~~السماوات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون (68) قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (69) متاع في ~~الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون (70) ~~واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري ~~بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم ~~غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون (71)) # وتصديق ما ذكرنا وصف الله إياهم عقب هذه الاية بقوله : ( الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون ): آمنوا عاينوا الله بنور الله ، وشاهدوا الله بشهود ~~الله إياهم ، وعرفوا الله بالله ؛ حيث لا سبب لمعرفتهم إلا كشف جمال الله ~~لهم ، ( وكانوا يتقون ) مما سواه من نفوسهم وغيرها من العرش إلى ~~الثرى ؛ فإيمانهم يوجب الكرامات ، وتقواهم توجب المشاهدات ، ثم أفرح فؤادهم ~~بنيل وصاله وإدراك مشاهدته بنعت الرضا عنهم في الدنيا والاخرة بقوله : ( ~~ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) أي : لهم في الدنيا ~~مشاهدة البيان ، وفي الاخرة مشاهدة العيان ، لهم في الدنيا مكاشفات ، وفي ~~الاخرة مشاهدات ، لهم في الدنيا التجلي ، وفي الاخرة مقام التدلي ، لهم في ~~الدنيا رؤية الله في المنامات ، وفي الاخرة عيان المشاهدات. # ثم بين أن تلك الاصطفائية الأزلية لا تتغير أبدا بقوله : ( لا ~~تبديل لكلمات الله ) أي : لا تبديل لما سبق لهم في الأزل من حسن عنايته لهم ~~، ( ذلك هو الفوز العظيم )؛ حيث ms0630 نجوا من قهره وظفروا بوصاله ~~ومشاهدته ، وأي فوز أعظم من ذلك. # قال الواسطي : حظوظ الأولياء من أربعة أسماء ، وقيام كل فريق منهم باسم ~~منها ، هو الأول والاخر والظاهر والباطن ، فمن فني عنها بعد ملابستها فهو ~~الكامل التام ، ومن كان PageV02P093 # حظه من اسمه الظاهر لاحظ عجائب قدرته ، ومن كان حظه من اسمه الباطن لاحظ ~~ما جرى في السرائر من أنواره ، ومن كان حظه من اسمه الأول كان شغله ما سبق ~~، ومن لاحظ اسمه الاخر كان مربوطا بما يستقبله ، وكل كوشف على قدر طبعه ~~وطاقته ، إلا من تولاه الحق ببره وقام عنه بنفسه. # وقال بعضهم : قلوب أهل الولاية مصانة عن كل معنى ؛ لأنها موارد الحق. # سئل بعضهم : ما علامة الأولياء؟ قال : همومهم مع الله ، وشغلهم بالله ، ~~وفرارهم إلى الله. # قال أبو سعيد الخراز : الأولياء في الدنيا يطيرون بقلوبهم ، يرتادون ~~ألوان الفوائد والحكمة ، ويشربون من عين المعرفة ، فهم يفرون من فضول ~~الدنيا ، ويأنسون بالمولى ، ويستوحشون من نفوسهم إلى وقت موافاة رسول ~~الرحيل. # وقال أيضا : نفوس الأولياء جملة قلوبهم ، وقلوب الأعداء تحمل أثقال ~~نفوسهم من الشرك طمعا في راحة نفوسهم. # وقال أبو يزيد : أولياء الله عرائس الله ، ولا يرى العرائس إلا من يكون ~~محروما منهم ، وهم مخدرون عند الله في حجال الأنس لا يراهم أحد. # قال أبو علي الجوزجاني : الولي هو الفاني في حاله ، الباقي في مشاهدة ~~الحق وذاته ، تولى الله اصطفاءه ، فتوالت عليه أنوار الولي ، لم يكن له عن ~~نفسه إخبار ، ولا مع أحد غير الله قرار. # وسئل أبو حفص عن الولي؟ قال : الولي من أيد بالكرامات وغيب عنها. # وقال محمد بن علي الترمذي : الولي بشرى كأنه على روحه في منامه ، وعلى ~~قلبه من تلطفه ، فروحه تسري إلى تحت العرش ، فتسجد فيه ، وقلبه يسري إلى ~~فوق العرش فيلاحظ المجالس ويناجي ويبشر (1). # قال : وليس ذلك بواجب في جميع الأولياء ، ولكن يجوز أن يعلم بعضهم أنه ~~ولي ، وكانت معرفة تلك كرامة له انفرد بها ، وليس كل كرامة لولي يجب أن ~~تكون تلك بعينها لجميع الأولياء ms0631 بخلاف الأنبياء عليه السلام ؛ لأنه يجب أن ~~يكون لهم معجزة ؛ لأن النبي مبعوث إلى الخلق ، فبالناس حاجة إلى معرفة صدقه ~~، ولا يعلم ذلك إلا بالمعجزة ، وبعكس ذلك قال الولي ؛ لأنه ليس بواجب على ~~الخلق ولا على الولي أيضا ليعلم بأنه ولي ، والعشرة من الصحابة رضي الله ~~عنهم صدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبرهم أنهم من أهل الجنة. وقول من ~~قال : لا يجوز ذلك ، لا يخرجه من الخوف ، فلا بأس أن يخافوا بغير العافية ، ~~والذي يجدونه في قلوبهم من الهيبة والتعظيم والإجلال للحق سبحانه وتعالى ~~يزيد ويربو على كثير من الخوف. PageV02P094 # قال أبو سعيد الخراز في قوله : ( لهم البشرى في الحياة الدنيا ~~وفي الآخرة ): هم به وله ، موقوفون بين يديه ، غير أن الحق ممتع لهم بما ~~له ، أراهم من عظيم الفوائد وجزيل الذخائر مما لا يقع لهم علم به ، ولا علم ~~عليه قبل حين وروده حتى يكون الحق مطالعا لهم على ما يريد من ذلك على حسب ~~ما قسمه لهم ، فهم في ذلك على أحوال شتى ، فذلك قوله : ( لهم ~~البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ). # قوله تعالى : ( هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا ~~): جعل سكون العشاق والمشتاقين والمحبين في الليل المناجاة معه ، ونيل ~~الوصال منه ، وخفض جناح القهر تحت أقدام الهمة الجامعة ، ينظر عين الجمع ~~إليها ، ما أطيب أنس العارفين في الليالي حين أمطروا من عيونهم الباكية من ~~شوق الله الدرر واللالئ. # وأنشد : # أقضي نهاري بالحديث وبالمنى %~% ويجمعني بالليل والهم جامع # وجعل النهار سريان أنوار القدرة ، تطلع من جبتها كل لحظة شمس الصفات ، ~~وأنوار الذات ، فصار مرآة نظر العارفين ، وتجلى الحق فيها لهم ، ألا ترى ~~إلى قوله تعالى : ( الله نور السماوات والأرض ). # ( فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن ~~أكون من المسلمين (72) فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف ~~وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) ثم بعثنا ~~من بعده رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات فما كانوا ms0632 ليؤمنوا بما كذبوا به من ~~قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين (74) ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى ~~فرعون وملائه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (75) فلما جاءهم الحق ~~من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين (76) قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم ~~أسحر هذا ولا يفلح الساحرون (77) قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه ~~آباءنا وتكون لكما الكبرياء في PageV02P095 # الأرض وما نحن لكما بمؤمنين (78) وقال فرعون ائتوني بكل ساحر ~~عليم (79) فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (80) فلما ~~ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل ~~المفسدين (81) ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون (82) فما آمن لموسى ~~إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملائهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في ~~الأرض وإنه لمن المسرفين (83) وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه ~~توكلوا إن كنتم مسلمين (84) فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة ~~للقوم الظالمين (85) ونجنا برحمتك من القوم الكافرين (86) وأوحينا إلى موسى ~~وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة ~~وبشر المؤمنين (87) وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في ~~الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على ~~قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم (88)) # قال بعضهم : جعل سكون الليل إلى الخلوة والمناجاة والنهار مبصرا ليبصروا ~~فيه عجائب القدرة والاعتبار بالكون. # قوله تعالى : ( وأمرت أن أكون من المسلمين ): يعني المسلمين في ~~إسلام نبيه نوح عليه السلام انقياد نفسه المتصفة بصفات الله عند قدم جلاله ~~وجبروت ملكوته وعظم كبريائه ؛ حيث نازعت نفوس المتصفين بصفاته بنعت ~~الأنائية من حدة سكرهم في بحار التوحيد وقفار التجريد ، ومهمة التفريد ؛ ~~لأنه من أولي العزم ، وصار صاحيا بعد السكر ، وليس لأهل الصحو إلا هدوء ~~الأسرار تحت أذيال الأنوار. # وأيضا : أن أكون من القائلين بالقلوب الربانية سهام امتحان قهر غيرة الأزل. # قال بعضهم : ممن تسلم ، سري من قلبي ، وقلبي من نفسي ، ونفسي من لساني ، ~~ولساني ms0633 الكذب والغيبة والبهتان. # قوله تعالى : ( ويحق الله الحق بكلماته ): سبق الحق باصطفائه ~~أهل حقيقته بالحق الذي للحق مع أهله ، فيظهر تلك الاصطفائية للخلق بالايات ~~الواضحة والكرامات المشرقة ، التي لا تكون إلا بكلمات الأزلية التي يتكلم ~~بها مع نفسه لسياق محبيه وعارفيه على كل مبطل ، ودافع عن طريق الحق. PageV02P096 # قال بعضهم : الحق على ثلاثة أوجه : حق أحق ، وهو قوله : ( ويحق ~~الله الحق بكلماته ) أي : كون الكون بكلماته ، وحق أحقه حق ، وهي : الصفات ~~؛ لأنها قائمة بالموصوف ، والموصوف قائم بالصفات ، والحق المطلق هو الله ، ~~قال الله تعالى : ( فذلكم الله ربكم ). # قال الحسين : حق الحق بكلماته أي : بإظهار ما أوجد تحت الكن. # قوله تعالى : ( إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ~~) أي : إن كنتم عرفتم الله ، وكنتم منقادين لربوبيته العبودية فعليه توكلوا ~~، فإن المعرفة والانقياد والعبودية توجب تسليم الوجود لتصرف خالقه بنعت ~~استلذاذ مرارة الامتحان. # ( قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا ~~يعلمون (89) وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا ~~حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل ~~وأنا من المسلمين (90) آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين (91) فاليوم ~~ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون (92) ~~ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى ~~جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (93)) # سئل إبراهيم الخواص عن قوله : ( فعليه توكلوا )؟ قال : تناولوا ~~السبب من الله بلا واسطة. # قوله تعالى : ( قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ): عرف الله ~~سبحانه لهما مكان الدعاء حتى يعرفا مكان الإجابة والسؤال ؛ لأن مكان الدعاء ~~مكان الإجابة ، ومن لم يعرف مكان الإجابة لا يستحسن منه الدعاء والسؤال ، ( ~~ فاستقيما ) في معرفتكما مكان السؤال مني بشرط معرفتكما مني مكان ~~الإجابة ، وذلك مكان الرضوان والبسط والانبساط. # وأيضا : هذا تهديد لهما أي : ( قد أجيبت دعوتكما ) لضعفكما من ~~تحمل وارد امتحاني ، ( فاستقيما ) بعد ذلك في تحمل بلائي والصبر ~~فيه ms0634 ؛ فإن استقامة المعرفة تقتضي الرضا بالقضاء والسكون في البلاء. # قال ذو النون : الاستقامة في الدعاء ألا تقنط لتأخير الإجابة ، ولا تسكن ~~إلى تعجيل الإجابة ، ولا تسأل سؤال خصوص. PageV02P097 # ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرؤن الكتاب من ~~قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (94) ولا تكونن من الذين ~~كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين (95) إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا ~~يؤمنون (96) ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم (97)) # قيل : ( أجيبت دعوتكما ) استقيما على مناهج الصدق. # قوله تعالى : ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك ): كان ~~صلى الله عليه وسلم مصطفى في الأزل بشرط الرسالة والنبوة ، والمقام المحمود ~~الذي خص به عن جميع خلقه ، فلما جاء عليه أوائل الاصطفائية ودلائل الرسالة ~~وحقائق أنوار الوصلة بغتة ولم يحصل له تسرمد الحاصل البداية تردد حاله ~~وعارضه وسره ، وخاف من فوت الحال ، فسلى الحق قلبه بخطابه ، وأحاله إلى ~~رؤساء أخبار كتبه المنزلة ليعرفوا من هناك نشر فضائله واختصاصه في الأزل ~~برسالته بما وجدوا في كتبهم ، ألا ترى كيف أراد أن تلقى نفسه من حبل جرى ~~شوقا إلى جبريل عليه السلام ورسالة الله سبحانه ، حتى جاء جبريل وأخذه ~~وتسلاه بسلام الله ووحيه. # ألا ترى إلى قوله : «زملوني زملوني» (1)، ولا تعجب عن خواطر التردد عن ~~البشر ، وإن كان رفيعا ، فإن شاهد القدم لو بقلب سربال الربوبية يبلغ قلوب ~~الصديقين ، ويفني أرواح المقربين من يتخلص من معارضة النفس بعد المكاشفة ، ~~وتلك المعارضة تصدر من الحق امتحانا وعبرة ، حتى تطلع على الطالب شمس ~~العناية ، وقمر السعادة ، فيرى الحق بالحق ويستقيم به له. # ألا ترى كيف قال عليه السلام : «إنه ليغان على قلبي ، وإني لأستغفر الله ~~في كل يوم سبعين مرة» (2)، وكيف قال : «نحن أولى بالشك من إبراهيم» (3)، ~~ليس هذا شكا في وعد الله إنه رفع المعارضة والخطرات ، ألا ترى إذا استقام ~~وزال الامتحان من مقام العرفان والإيقان ، كيف قال : «لا أشك لا أشك» (4)، ~~لا تعجب مما ذكرنا ؛ فإن الحق حق ms0635 ، والخلق خلق ، حاشا أنه كان في شك ، إنما ~~كان في رؤية جلال القديم ، يرى نفسه غريبا عجيبا ، ويتعجب مما يرى من غرائب ~~وضوح الرؤية ، كان كمن لم ير ، فتحير في أمر الأزلية وأحكام الربوبية ، قد ~~اضمحل الحدث في القدم ، ويرى القدم ، ولم ير أنه يرى القدم بالحدث ، فدهش ~~بين رؤيتين يسمع خطاب PageV02P098 # الأزل ، فيرى الحدث متكلفا بين أنوار القدم : # أنا مبصر وأظن أني نائم %~% ويجمعني بالليل والهم جامع كبر العيان علي حتى أن %~% صار اليقين من العيان توهما # قال ابن عطاء في قوله : ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك ): مما ~~فضلناك وشرفناك ، فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ، وهم الأعداء كيف ~~وجدوا وصفك في كتبهم ، وكيف رأوا فيها نشر فضائلك يدل عليه قوله عليه السلام ~~حين أنزلت هذه الاية : «لا أشك لا أشك» (1). # قوله تعالى : ( إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو ~~جاءتهم كل آية ): تقاضى سر الأزل من الأزل لقهره ولطفه أهلا يكونون من ~~مصرفهما صادرين ، وإليهما راجعين بنعوتهما ، فأجاب الحق سبحانه سره بكلماته ~~الأزلية بسعادة السعداء ، وشقاوة الأشقياء ، فلزم سمات لطفه الأزلية على ~~وجوه المقبولين ، وألزم سمات قهره على أعناق المطرودين ، فبقي أهل اللطف من ~~الأزل إلى الأبد في لطفه ، ويقبلون منه ما يصدر من إرادته ومشيئته وأمره ، ~~وبقي أهل قهره من الأزل إلى الأبد في ظلمات قهره ، فلا يرون واضحات مواهبه ~~على أنبيائه وأوليائه إلا وينكرون عليها ؛ لأنهم يرونها بعيون مظلمة وأبصار ~~مطموسة. # قال الواسطي : من لم يلحقه نور الأزل لا يتبين عليه صفاء الوقت ؛ فإن ~~صفاء الأوقات نتائج أنوار الأزل ، قال الله : ( إن الذين حقت ~~عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية ). # ( فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا ~~كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين (98)) # قوله تعالى : ( لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي ): أعلم الحق ~~سبحانه أن شأن مشيئته لا يكون على سنن العقول وإدراك الفهوم لما رفع مسنون ~~المعهود الذي جرى ms0636 عادته في رسم المواجدة أن يأخذ بعد معاينة العذاب ، ولا ~~يقبل التضرع والتواضع فحول ذلك ، وقبل تضرع المتضرعين عند معاينة البأس ؛ ~~لئلا يظن ظان أن أمره على مقادير العقول ، تعالى الله أن يكون في حين ~~الدركات ، التجأوا منه إليه ، فانكشف لهم صبح الوصال من مطالع الجمال بعد ~~ذهاب دجى الضلال ، فعاينوه بعد التجائهم ، فعكس أنوار طلوع شمس الألوهية ~~عليهم ، PageV02P099 # فجازهم من سطوات القهر ؛ لأن رحمته سبقت على غضبه ، ولولا كشف جماله لهم ~~لبقوا في حجاب النكرة واحترقوا. # وأيضا : ( لما آمنوا ) أي : عرفوا صفات الحق بعد بروز أنوارها في ~~قلوبهم ارتفع عنهم عذاب البعد والفراق ، ثم بين اختصاص المختصين واصطفائية ~~المصطفين أنها بمشيئة الأزلية ولا بعلة الاكتساب يكون الولي وليا ، بل ~~بفواتح كرمه وسوابق نعمه قوما من العارفين وبقهر قدمه يضع آخرين. # ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس ~~حتى يكونوا مؤمنين (99) وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس ~~على الذين لا يعقلون ) (1). # وصرح الحق أن لو شاء لخلقهم جميعا مستعدين للولاية بقوله : ( ولو ~~شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا )، ولكن جعل قوما غذاء رحمته السابقة ~~، وجعل قوما غذاء قهره الأول ؛ لتكون الصفتان على قوام حظهما من البرية ، ~~وتبين خاصية أحبائه وطرد أعدائه ، وفيه إياس الطامعين في إيمان من ليس له ~~أهليه لمعرفته. # قوله تعالى : ( وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ): كل نفس ~~ليس لها استعداد معرفته وقبول محبته ، وليس بها من الله سابقة حسن عنايته ~~في الأزل بنعت اصطفائيتها بالولاية كيف تعرفه ، ومعرفته نتائج أنوار طوالع ~~صفاته في قلوب العارفين. # قوله عز وجل : ( لآمن من في الأرض ) أراد بمن في الأرض : الأنس والجن ، ~~كما دلت عليه كلمة من ، فإنهم هم المكلفون : منهم المؤمنون ، ومنهم ~~الكافرون. # وأما من في السماء ، وما في الأرض من الملائكة ، وما عدا الإنس والجن ؛ ~~فهم مؤمنون مسبحون ، باقون على فطرته الأصلية ، لا يحتاجون إلى الدعوة ~~والتبليغ. # قوله عز وجل : ( كلهم جميعا ) أي مجتمعين في ms0637 الإيمان ؛ كاجتماع الملائكة ~~في سجدة آدم ، واجتماع بعض القبائل والطوائف على الإيمان ، كما دل عليه ~~قوله تعالى : ( ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ) [النصر : 2] ؛ فإن ~~بعض الناس إذا دخلوا في دين الله مجتمعين بمشيئة الله تعالى ؛ فكلهم من ~~شأنهم الدخول فيه كذلك ؛ لكن الله لم يشأ ذلك لحكمة تقتضيه ؛ وهي كون ~~الموطن موطن الجمال والجلال ، وظهور آثار الأسماء الإلهية مطلقا ، فلو آمن ~~كلهم ؛ لبقى بعض الأسماء بحيث لا حكم له في العين ، وذلك ينافي جمعية نشأة ~~الإنسان. PageV02P100 # ( قل انظروا ما ذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر ~~عن قوم لا يؤمنون (101) فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل ~~فانتظروا إني معكم من المنتظرين (102) ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا ~~علينا ننج المؤمنين (103) قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد ~~الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من ~~المؤمنين (104)) # قال بعضهم : لا يظهر الإيمان على أحد إلا لسعادة سابقة له في الأزل ونور ~~متقدم ، ثم زين السماوات والأرضين بأنوار ملكوته وجبروته ، وأظهر منها ~~سبحات جلاله وشهود عظمته لنظار المعارف وألباء الكواشف ، ودعاء الأحباء ~~والأعداء إلى النظر إليهما بقوله : ( قل انظروا ما ذا في السماوات ~~والأرض ) أي : ما يبرز من نوره من جبين الشمس وسناه من عارض القمر وضيائه ~~من مرآة الكواكب ، الذي انكشف لخليله ، وسليبه من الحدثان إلى رؤية القدم ~~بالنظر إلى هذه الوسائل ، حين قال : ( هذا ربي )، ثم أخبر عن ~~خروجه منها إلى أنوار السرمدية والفردانية بقوله : ( إني بريء مما ~~تشركون (78)) : أي : لو أن لكم بصائر الصفاتية وأبصار الذاتية انظروا ؛ ~~فإن جمال القدم ظاهر للعاشقين ، عيان للمشتاقين ، وبيان للمحبين ، ثم بين ~~أن من لم يكن له عين من تلك العيون ، ونور من تلك الأنوار ، ألا ترى جماله ~~وجلاله ثم بين أن من لم يكن له عين من تلكم العيون ، ونور من تلك الأنوار ، ~~ألا ترى جماله وجلاله تعالى يقول : ( وما تغني الآيات والنذر ms0638 عن ~~قوم لا يؤمنون ) أي : كيف يفعل الايات بمن خلق محروما عن الإيمان بمكون ~~الايات. # قال بعضهم : لا تصل العقول الخالية عن التوفيق إلى سبيل النجاة ولما يفنى ~~ضياء العقل مع ظلمة الخذلان ، إنما ينفع أنوار العقل من كان مؤيدا بأنوار ~~التوفيق وعناية الأزل ، وإلا فإنه متخبط في هلاكه بعقله. # قوله تعالى : ( ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج ~~المؤمنين ): إن الرسل وأتباعهم من المؤمنين محفوظون بنور عنايته عن اقتحام ~~قهره عليهم ، نجا الأنبياء والمرسلين من حجاب الخطرات ، ونجا العارفين من ~~حجاب الشهوات ، ونجا المؤمنين من غارات إبليس وسلب الشياطين إيمانهم ~~برعايته القديمة المقرونة بمحبته الأزلية إياهم ؛ لأن من أحب أحدا حفظه عن ~~مهالك البعد منه. # ( ننجي رسلنا ) منا ، وننجي المؤمنين من قهرنا الأنبياء في عين ~~الجمع ، وهم في عين التفرقة ، هم في الذات ، وهم في الصفات ، وكان ( ~~ حقا علينا ) نجاة العارفين ؛ لأنا PageV02P101 # اصطفيناهم في الأزل بالكرامات والولايات ، ومن اصطفيناه حقا علينا الوفاء ~~بما أخبرنا عن نفسنا في حقه. # قال بعضهم : ( ننجي رسلنا ) من مراد النفس ، وغلبة الشهوة ، ~~وغفلة الوقت وسطوات العدو وشتات السر ، ( والذين آمنوا ) بالرسل ~~نجريهم على مناهج الرسل ، ( كذلك حقا علينا ) نجاة من صدق في ~~عبوديته. # ( وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين (105) ولا ~~تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين (106) ~~وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب ~~به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم (107) قل يا أيها الناس قد جاءكم ~~الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا ~~عليكم بوكيل (108) واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير ~~الحاكمين (109)) # قوله تعالى : ( وأن أقم وجهك للدين حنيفا )، ( للدين ) ~~ها هنا : محبة الله والشوق إلى لقائه ، ومعرفة صفاته أي : أقبل بوجهك إلى ~~هذه الصفات الحنيفة الخليلة المبرأة عن محبة كل مخلوق سوانا ، ثم أقبل بهذه ~~الصفات جميعا ms0639 وجهك الاستقامة إلى مشاهدة وجهنا الأزلي المنزه عن المخاييل ~~والتصاوير حتى تراني بي ، وتصل إليك أنوار وجهي الذي لو أشاط ذرة منها على ~~جميع الأكوان والحدثان من العرش إلى الثرى يضمحل جميعا تحت أنوار سلطان ~~بهائي وجلالي ، قال عليه السلام : «حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ~~ما انتهى إليه بصره من خلقه» (1): أي : يستقيم لي في ذلك المقام حتى تطيق ~~أن تحمل أثقال أنوار مشاهدتي ، ثم خوفه من الالتفات إلى غيره في إقباله ~~عليه بقوله : ( ولا تكونن من المشركين ): من الطالبين من غيري ، ~~والاسرين على حبال مشاهدتي ما لا يليق به من الحدثان. # قال ابن عطاء : صحح معرفتك ، ولا تكونن من الناظرين إلى شيء سوى الحق ، ~~فيمقتك الله ، وإقامة الملة الحنيفية ، هو تصحيح المعرفة. # ثم زاد تأكيد الإقبال عليه والإعراض عما سواه بقوله : ( ولا تدع ~~من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين ): شدد ~~أمر التوكل والاعتماد عليه بقطعه طريق الإعراض عما سوى وصاله ، وبين أن من ~~نظر إلى غيره عند امتحان الله بالسراء PageV02P102 # والضراء يكون مغلوب قهره ، متروك حظه ، محروما من مراده ، محجوبا عن الله ~~بغير الله ، باقيا في فوات المراد ، ومن كان بهذه الصفة فهو ظالم ؛ حيث وضع ~~الربوبية عند من لا يستقيم في العبودية. # قال شقيق : الظالم من طلب نفعه ممن لا يملك نفع نفسه الضر ممن لا يملك ~~الدفاع عن نفسه ، ومن عجز عن إقامة نفسه كيف يقيم غيره! قال الله : ( ~~ فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين ). # ثم زاد تأكيدا إليه في رجوع عباده بالكلية وإعراضهم عما سواه بقوله : ( ~~ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد ~~لفضله ): عرف حبيبه أن كل حركة من العرش إلى الثرى فهو تعالى محركها ، وكل ~~روح وجسد وقلب ونفس وهمة وعقل وكفاية مستغرقة في بحار مقاديره لا يجري ~~عليهم إلا موارد القضاء والقدر ، وكل مشيئة في الامتحان بالضر وإيصال النفع ~~تصدر من حكمة السابق ، فينبغي ألا يرى ms0640 الغير في البين ، ( وإن ~~يمسسك الله بضر ) الحجاب ( فلا كاشف ) لذلك ( إلا ) ظهور ~~أنوار وصاله ، ( وإن يردك بخير ) كشف جماله ، ( فلا راد ) ~~لفضل وصاله من سبب ، وعلة من الألوان والأعمال ، فإن المختص في الأزل ~~بوصالنا لا يحتجب بشيء من الأشياء ؛ لأنه في الفضل السابق مصون عن جريان القهر. # ثم علق ذلك بمشيئته السابقة ، وأخرجه عن اكتساب البشر بقوله : ( ~~يصيب به من يشاء من عباده ) من عرفانه ؛ لأنه ساتر الأولياء في قباب عصمته ~~عن طوفان قهره رحيم بهم ؛ حيث رباهم بجماله ، وآواهم إلى وصاله. # قال ابن عطاء : قطع الحق على عباده طريق الرغبة والرهبة إلا إليه بإعلامه ~~أنه الضار النافع. # قوله تعالى : ( قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم ): الحق ~~هو القرآن في ظاهر التفسير وحقائقه وتجلي ذاته في صفاته ، وصفاته في فعله ، ~~فوصل بركة تجليه إلى كل مبارك ، وانصرف نوره عن كل محروم ، ثم بين سبحانه ~~أن عروس القدم قد انكشف لأهل العدم ، فمن رآه رآه بحظه الوافر ، ومن أخطأه ~~أخطأ طريق النجاة بقوله : ( فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل ~~فإنما يضل عليها ): أي : من عرفني فمعرفته راجعة إليه ، ومن جهلني فجهله ~~راجع عليه ، فإن ساحة الكبرياء منزهة عن معرفة العارفين وجهل الجاهلين ؛ ~~حيث ما استوحش حين جهلوه ، وما استأنس حين عرفوه ، ثم بين أن المتولي تعالى PageV02P103 # هو بنفسه في الهداية والضلالة بقوله : ( وما أنا عليكم بوكيل ). # قال الواسطي : لو وقع التفاضل بالنعوت والصفات كان الذات معلوما ما أظهر ~~، فإنما أظهره لك إن أجرى الإحسان عليكم فلكم بقوله : ( إن أحسنتم ~~أحسنتم لأنفسكم )، إن أجرى الاهتداء فلكم بقوله : ( فمن اهتدى ~~فإنما يهتدي لنفسه )، وإن أجرى الشكر فلكم بقوله : ( ومن شكر ~~فإنما يشكر لنفسه ). # ثم إن الله سبحانه أمر نبيه بمتابعة مراده ، واستقامته في العبودية ، ~~والصبر في بلائه ، والرضا بقضائه بقوله : ( واتبع ما يوحى إليك ~~واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ) أي : اتبع ما يحل في قلبك من خطاب ~~الأزل ، وطيب روحك بطيبه ، واصبر إذا شممت رائحة وصلتي ms0641 ، ولا تضطرب ؛ فإنك ~~في امتحان الرسالة ، حتى يحكم الله برفع الحجاب عن مشاهدته ، ويريح ~~العارفين والمحبين والمشتاقين عن بلية الحجاب أبدا ، ( وهو خير ~~الحاكمين ) بأن يفرق بين أوليائه وأعدائه ، ويخلص أهل العرفان من أذية أهل ~~الحرمان ، والله أعلم. # قال سهل : أجرى الله في الخلق أحكامه ، وأيدهم على اتباعها بقدرته وفضله ~~، ودلهم على رشدهم بقوله : ( واتبع ما يوحى إليك واصبر )، والصبر ~~على الاتباع ، وترك تدبير النفس فيه النجاة عاجلا من رعونات النفس ، وآجلا ~~من حياء المخالفة ، والله أعلم. # *** ### | سورة هود # بسم الله الرحمن الرحيم # ( الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (1) ألا ~~تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير (2) وأن استغفروا ربكم ثم توبوا ~~إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني ~~أخاف عليكم عذاب يوم كبير (3)) # ( الر ): الألف إشارة جميع التأويلات التي جرت في سوابق الأزل ~~الألوهية ، واللام إشارة جميع لوازمات العبودية التي وجبت أحكامها في الأزل ~~على أهل العبودية ، والراء إشارة إلى راحات مشاهدة الذات ، والصفات للأرواح ~~والأشباح. # قوله تعالى : ( كتاب أحكمت آياته ): مخبرات الكتاب من عيون ~~الصفات ، والذات نزهت عن تغاير الحدثان ؛ لأن أصلها صفة القدم ، وليس في ~~القدم تبديل وتغيير ، PageV02P104 # ( ثم فصلت ): أي : بينت للأرواح العارفة والقلوب الشائقة ~~مصارفها وحقائقها ، وتلك الايات معرفة الصفات والذات لأهل المشاهدات ~~والمكاشفات تعرف لهم أحكام الربوبية والعبودية ؛ ليشهدوا بأنوارها شهود ~~أنوار الحق ، ويعلموا ما يجري من أحكام الغيب القدري على الخلق. # قوله تعالى : ( من لدن حكيم خبير ): هو من كلام أزلي حكيم ؛ إذ ~~حكم باصطفائية عرفانه بمعرفته ( خبير ) باستعدادهم وقبولهم بوصف ~~محبة عبوديته. # قال بعضهم : ( أحكمت آياته ) في قلوب العارفين ، ( ثم ~~فصلت ) أحكامه على أبدان العاملين. # قيل : ( أحكمت آياته ) بالكرامات وفصلت بالبينات. # قال الأستاذ في قوله : ( أحكمت ): حفظت عن التغيير التبديل ، ثم ~~فصلت تبيان نعوت الحق فيما يتصف به من جلال الصمدية ، وما يعبد به الخلق من ~~أحكام العبودية. # ثم بين سبب نزول الكتب بهذه الأوصاف ؛ ألا يكون العباد إلا ms0642 لمولاهم ، لما ~~كان بينهم من مواصلة المحبة ووجوب الربوبية والعبودية بقوله : ( ~~ألا تعبدوا إلا الله ) أي : لا يلتفتوا إلى ما الله في عباده الله ، ثم بين ~~أنه عليه السلام نذير بعظائم قهره وبشير بلطائف وصله. # قال الأستاذ : نذير من الله بالفرقة ، بشير بدوام الوصلة. # ثم أمرهم بالافتقار إلى مشاهدته والافتخار بوصاله والاستغفار عن ملاحظة ~~غيره في طلبه إدراك جماله ، والرجوع من قهره إلى لطفه ، ومن النفوس وحظها ~~وهواها إلى مراده ومتابعة أمره بقوله : ( وأن استغفروا ربكم ثم ~~توبوا إليه ): استغفروا من جنايات الأسرار ، وتوبوا إليه لطلب الأنوار ترك ~~النظر إلى الأغيار قدم الاستغفار على التوبة ؛ لأن الاستغفار تقديس ، ~~والتوبة تخليص ، الاستغفار من الزلل ، والتوبة من الغفل. # سئل سهل بن عبد الله عن الاستغفار؟ فقال : هو الإجابة ، ثم الإنابة ، ثم ~~التوبة ، ثم الاستغفار ، والاستغفار بالظاهر ، والإنابة بالقلب ، والتوبة ~~مداومة الاستغفار من تقصيره فيها. # وقال بعضهم : استغفروا ربكم عن الدعاوى ، وتوبوا إليه من الخطرات ~~المذمومة. # وقال يوسف : استغفار العام من الذنوب ، واستغفار الخاص من رؤية الأفعال ~~دون رؤية المنة والفضل ، واستغفار الأكابر من رؤية كل شيء سوى الحق لما ~~بلغت في ذكر التفسير ، إلى ها هنا سألني بعض أهل الصحبة عن حقائق استغفار ~~العارفين؟ فقلت : استغفارهم عن PageV02P105 # كون وجودهم مع كون الحق ، وعن تقصيرهم في المعرفة عن إدراك حقائق صفات ~~معروفهم ، وعن دعوى الأنائية في السكر في مقام صحوهم ، وعن غاشية عين ~~العبودية في مشاهدة الربوبية. # ألا ترى إلى قوله عليه السلام : «إنه ليغان على قلبي ، وإني لأستغفر الله ~~في كل يوم سبعين مرة» (1)، ومن جملة استغفاره عليه السلام في هذا المقام ~~استغفار من رؤية وجوده الحق ، وعن رؤية مشاهدة الالتباس في رؤية مشاهدة صرف ~~الوحدانية ، وعن خواطر الأنائية. # ثم بين أنه تعالى يجازيهم بعد رجوعهم مما سوى الحق إلى الحق بالتمتع ~~بلقائه ووصاله والفرح بجماله أبد الابدين بقوله : ( يمتعكم متاعا ~~حسنا ): المتاع الحسن أنوار المواجيد على الدوام ، وصفاء الأحوال على ~~السرمدية ، وسنا الأذكار وحلاوة الأفكار ، ونزول حقائق الكواشف ، وظهور ~~لطائف المعارف ms0643 ، والفرح برضوان الله ، ولين العيش في مشاهدة الله ، ما أحسن ~~هذا المتاع منا في من الدنيا لقاؤك مرة! فإن نلتها استوفيت كل منائيا. # قوله تعالى : ( ويؤت كل ذي فضل فضله ): يؤتي فضل مشاهدته لمن له ~~فضل المعرفة ، ويؤتي فضل وصاله لمن له فضل الشوق إلى جماله ، ويؤتي فضل ~~الكرامات لمن له فضل العبادات ، ويؤتي فضل التحقيق لمن له فضل التوفيق ، ~~ويؤتي فضل كفاية الأبد لمن له فضل عناية الأزل ، ويؤتي كل ذي فضل الندامة ~~على ما سلف من ذنوبه ، والاستغفار من الله والرجوع من نفسه إلى خالقه فضل ~~طمأنينة القلب بالذكر ، وفضل رؤية منه الحق بنعت نسيان الخلق ، ووصل ~~المؤانسة بروح الوصال ، ولذة نور الجمال. # قال الواسطي في قوله : ( يمتعكم متاعا حسنا ): طيب النفس ، وسعة ~~الرزق ، والرضا بالمقدور. # وقال سهل : هو ترك الخلق والإقبال على الحق. # قال أبو الحسن الوراق : يرزقكم صحبة الفقراء الصادقين. # وقال الجنيد : لا شيء أحسن على العبيد من ملازمة الحقيقة ، وحفظ السر مع ~~الله ، وهو تفسير قوله : ( يمتعكم متاعا حسنا ). # قال الحسين : ( متاعا حسنا ): الرضا بالميسور ، والصبر على كرمه ~~المقدور. # وقال الواسطي : ( ويؤت كل ذي فضل فضله ): ذو الفضل من رزق بعد ~~الاستغفار ، والتوبة حسن الإنابة والإخبات مع دوام الخشوع. PageV02P106 # قال النصر آبادي : رؤية الفصل يقطع عن المنفصل ، كما أن رؤية المنة يحجب ~~عن المنان. # ( ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور (5)) # قال بعضهم : يوصل كل متحقق إلى ما يستحقه من مجالس القربة وسمو المنزلة. # قال الجوزجاني : من ندر عليه الفضل في السبق يوصله إلى ذلك عند إيجاده. # سئل أبو عثمان عن قوله : ( ويؤت كل ذي فضل فضله )؟ قال : يحقق ~~أماني من أحسن ظنه به. # قوله تعالى : ( يعلم ما يسرون وما يعلنون ): ( يعلم ما ~~يسرون ) من الخطرات ، ( وما يعلنون ) من النظرات ، يعلم ما يسرون ~~من أذكار القلوب ، وما يعلنون من الإخبار عن الغيوب ، يعلم ما يسرون من ~~الحالات ، وما يعلنون من المعاملات ، وهو تعالى ms0644 كسا أنوار جلاله فؤاد ~~الصديقين ، فيرون بأبصار قلوبهم ما يجري في صدور الخلائق من المضمرات ~~والخطرات ، كما يرون الظواهرات بعيون الظاهرة ، قال تعالى : ( ~~أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه )، وقال عليه السلام : ~~«اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» (1). # قال قائلهم : # أبعيني أراك أم بفؤادي %~% كل ما في الفؤاد بالعين باد # قال فارس : ( يعلم ما يسرون ) من أحوالكم ، ( وما يعلنون ~~) من أفعالكم ، وهو عالم بكم قبل أن خلقكم وأبدعكم. # وقال أيضا : الحركات على الجوارح ، والمشاهدة على الأسرار. # وقال بعضهم : ما يسرون من الإخلاص ، وما يعلنون من العبادات. # ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ~~ومستودعها كل في كتاب مبين (6) وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد ~~الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) ولئن أخرنا عنهم العذاب ~~إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ~~ما كانوا به يستهزؤن (8)) PageV02P107 # قوله تعالى : ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ): دعا ~~الجمهور بلسان التوحيد إلى منازل التفريد ؛ ليدخلوا إلى مرابع الرضا ، ~~ويجلسوا على مساند الصفا ، وينظروا في مرآة الأقدار مباصر الأنوار ، لتطمئن ~~أسرارهم في جريان التقدير ، بما رأوا من سوابق القسمة ، وأوائل الحكمة لكل ~~دابة رزق عليه بقدر حوصلتها ، فرزق الظاهر للأشباح ، ورزق المشاهدة للأرواح ~~، ورزق الوصلة للأسرار ، ورزق الرهبة للنفوس ، ورزق الرغبة للعقول ، ورزق ~~القربة للقلوب ، ورزق الملائكة الخوف والذكر ، ورزق الجن الزجر والوعيد ، ~~ورزق الحيوان روح العنصر ، ورزق الحشرات خطرات التسبيح ، ورزق السباع ~~اقتحام ظلام عظمة الأفعال ، ورزق الطيور الفرح والتهليل ، ورزق الإنسان ~~الذي تعيش به هو فيض الفعل وروح الفعل ، ونور الصفة وشهود سنا الذات على ~~الأسرار ، وهو تعالى بلطفه يعلم مصارف الجميع من أفعاله وصفاته وذاته لما ~~قال : ( ويعلم مستقرها ومستودعها ): مستقر الأرواح أنوار ذاته ، ~~ومستقر القلوب أنوار صفاته ، ومستقر العقول أنوار أفعاله ، مستودع العقول ms0645 ~~العبادات ، ومستودع القلوب المشاهدات ، ومستودع الأرواح المكاشفات ، ومستقر ~~الأشباح أكناف الايات ، ( ومستودعها ) قبور المجاهدات ، ومستقر ~~العقول الأذكار ومستودعها الأفكار ، ومستقر القلوب المحبة ، ( ~~ومستودعها ) المعرفة ، ومستقر الأرواح التوحيد ، ( ومستودعها ) ~~الفناء في الموحد مستقر الجميع أصلاب العدم ، ( ومستودعها ) أنوار القدم. # قيل : قرأ يوسف بن الحسين هذه الاية ، ثم قال : ندب الله عباده جميعا إلى ~~التوكل والاعتماد ، فأبوا بأجمعهم إلا اعتماد على عواري ما ملكوا إلا فقراء ~~المهاجرين ، ثم جرت تلك البركة في الفقراء الصادقين إلى من ترسم بهم من ~~الصوفية ، فالخلق أبو الاعتماد على الأسباب ، وأبت هذه الطائفة أن تعتمد ~~على غير المسبب ، وهو من أشد المناهج. # قيل : ( ويعلم مستقرها ) ظاهر إسلامه ، ( ومستودعها ) ~~باطن إيمانه. # وقيل : ( ويعلم مستقرها ) من الخلق ، ( ومستودعها ) من الحق. # وقيل : ( مستقرها ) في الطاعات ، ( ومستودعها ) في ~~الأحوال. # يقال : مستقر العابدين المساجد ، ومستقر العارفين المشاهد. # ويقال : النفوس مستودع التوفيق من الله ، والقلوب مستودع التحقيق من قبل الله. # قيل : القلوب مستودع المعرفة ، والمعرفة وديعة فيها ، والأرواح مستودع ~~المحبة ، فالمحاب ودائع فيها ، والأسرار مستودع المشاهدات ، فالمشاهدات ~~ودائع الله (1). PageV02P108 # ( ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس كفور ~~(9) ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور ~~(10) إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير (11) ~~فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لو لا أنزل عليه كنز ~~أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل (12) أم يقولون افتراه ~~قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم ~~صادقين (13) فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا ~~هو فهل أنتم مسلمون (14)) # قوله تعالى : ( ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه ): ~~إن الله سبحانه وصف الممتحن الذي ذاق من طعم أحوال العارفين والمحبين ~~والمريدين ، واقتحم في حظوظ النفس وظلمات هواها ، واحتجب بها عن مذاق مراتب ~~الذاكرين والصالحين ، ولم يتدارك ما فاته من عمارة الأوقات ، وحراسة ~~الأنفاس بقي في حجابه ms0646 ، وألبس عن مدارك إخوانه ، وزاد خوضه في متابعة النفس ~~، ويكون هالكا مع الهالكين ، وكم من طائفة هلكوا في هذه الورطة ، ولم ~~ينتعشوا. # قال قائلهم : # وكان لي مشرب يصفوا برؤيتكم %~% فكدرته الأيام حين صفا # قال أبو سعيد الخراز : من أذيق حلاوة الذكر وصفاء السر ثم نزع منه من سنا ~~المقامات والأحوال فليحكم لقلبه بالموت ، ولسره بالعمى عن طريق الهدي ؛ ~~لذلك قال الله : ( ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها )، وهو ~~محل القربة ، ( ثم نزعناها منه )، وهو حجاب النعمة. # ثم ذكر سبحانه وصف المتخلص من محن الفراق والناقة من مرض سم أفاعي القهر ~~بمفرح الترياق إذا أدرك ما فاته ، وطلع عليه شمس العناية مشرق الكفاية ، ~~وأقبل عليه أيام السعادة بعد ذهاب أيام الشقاوة بقوله : ( ولئن ~~أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب PageV02P109 # السيئات عني ): أذقناه نعماء الوصال بعد ضراء الفراق ، أذقناه ~~من شراب الوداد بعد رجوعه إلى المراد ، يطربه المواجيد ، فيسكره أنوار شراب ~~الوصلة ، فيهيج نفسه بهيجان قلبه ، ويضطرب ويفرح بذهاب ظلمة الهجران عنه ، ~~ويظن أن الأوقات باقيات عليه ، فيدعى بدعاوي البشرية بالمقامات والأحوال ~~عند الخلق ، وذلك غلط عظيم يفرح بغلطه ، ولا يعلم مزلة قدمه فيكون بعد ذهاب ~~الوقت كما كان ، وذلك معنى قوله : ( إنه لفرح فخور ). # ثم استثنى الله سبحانه أهل الاستقامة والثبات في موازات تجلي أنوار قدمه ~~بنعت الخنوع والفناء حتى يجري عليهم بديهة المكاشفة وصولات الوقت بقوله : ( ~~ إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ): أي : صبروا فيما وجدوا من ~~أعلى الزلفى ، وأرفع القربة ، ولا يفشون تلك الأسرار عند الخلق بنعت ~~الدعوى. # قوله تعالى : ( من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر ~~أولئك هو يبور (10)) . # ومعنى قوله : ( وعملوا الصالحات ): استقامتهم على تدارك الأوقات ~~بوصف وضع أقدام الصدق على هواهم ؛ حيث يراعون أنفاسهم ، ويقدسونها عن شربها ~~مع الخطرات ، ثم وعد الله لهم بصبرهم واستقامتهم ، وتدارك أحوالهم غفران ما ~~مضى من الفترة والغفلة ، وأنه تعالى يسترهم عن نفوسهم ، وهواجسها ، ~~وشياطينهم ، ووساوسها ms0647 بقوله : ( أولئك لهم مغفرة وأجر كبير ): ~~المغفرة : إقبال الله عليهم بوصف قبولهم ، والأجر الكبير دوام الأوقات على ~~السرمدية وتواتر المواجيد ، وبلوغهم إلى انبساطات الأول بوصف رفع الاحتشام ~~، وتذكير ما سلف من الفرقة. # وقال الأستاذ في تفسير قوله : ( ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ~~): من استمسك بعروة التضرع ، واعتكف بقوة التذلل ، وتحسا كاسات الحسرة ، ~~علا بعد نهل طالعه الحق بنعت الرحمة ، وجدد له ما اندرس من أحوال القربة ، ~~وأطلع عليه شمس الإقبال بعد الأفول والغيبة ، كما قيل : # تقشع غيم الهجر عن قمر الحب %~% وأشرق نور الصبح في ظلمة الغيب # وليس لأحوال الدنيوية كبير خطر في التحقيق ، ولا بعد نوالها وتكدرها من ~~جملة المحن عند أرباب التحصيل ؛ لكن المحبة الكبرى ، والوزنة العظمى تذبل ~~غصن الوصال ، وتكدر مشرب القرب ، وأفول شوارق الأنس ، ومد بصائر أرباب ~~الشهود ، فعند ذلك تقوم قيامتهم ، PageV02P110 # وهنالك تسلب العبرات ، وهي أرواح ، فتقطر من العيون بتصاعدها ، فإذا نعق ~~في ساحات هؤلاء غراب البين ارتفع إلى السماء نواح أسرارها بالويل. # ومن جملة ما قالوا في ذلك : # قولا لمن سلب الفؤاد فراقه %~% ولقد عهدنا والمناح عناقه تفد الغراء فبالذي هو بيننا %~% إلا وثبت لزدنا إزهاقه عهدي لمن جحد الهوى أرمان ما %~% نور الصبابة لا يضيق نطاقه فالان مدخل الزمان يوصلنا %~% ضاق البسيط فشأنه فعراقه هل ترتجي من وصل عزة رجعة %~% تخفوا على قمر يدوم محاقه إن كان ذاك كما تريد فخازما %~% فجر المسرة أن يرى إشراقه # ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها ~~وهم فيها لا يبخسون (15) أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما ~~صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون (16) أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه ~~شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من ~~الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس ~~لا يؤمنون (17)) # قوله تعالى : ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم ~~أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون ): أخبر ms0648 الله سبحانه أهل الرياء والسمعة ~~الذين لا يريدون من أعمالهم إلا الترفع والجاه والزينة والمال ، وهم عن ~~الاخرة بها محجوبون ، ولو ذاقوا طعم رؤية الاخرة وجاء أهل المعرفة التفتوا ~~إلى حظوظ أنفسهم ، ومع ذلك أعطاهم الله ما يحجبهم عنه في الدنيا والاخرة ، ~~ولا تظن يا أخي أن العارف المتمكن إذا باشر الدنيا وزينتها هو من جملتهم ، ~~إنه يريد الله برغبة المعرفة والشوق ، ويريد الدنيا للكفاف ، والعقاب يرزقه ~~الله حياة حسنة طيبة بأنه يجعل الدنيا خادمة له ، فيجله في عين الخلق ، ~~ويرفع هيبته في قلوب الناس ، قال الله : ( فلنحيينه حياة طيبة ). # وقال عليه السلام : «من أحسن فقد وقع أجره على الله في عاجل الدنيا وآجل ~~الاخرة» (1)، وليس كالمرائين الذين جعلهم الله محرومين من شرف الاخرة ~~بقوله : ( أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا ). PageV02P111 # قال أبو بكر الوراق : الحياة الدنيا هي ارتكاب الأماني ، واتباع الشهوات ~~والجولان في ميادين الامال والغفلة عن بغتة الاجال ، وجمع ما فيها من ~~الأموال من وجوه الحرام والحلال في زينة الدنيا هي ما أظهر الله فيها من ~~أنواع العلائق التي أخبر الله عنها بقوله : ( زين للناس حب ~~الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل ~~المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب (14)) . # وتصديق ما ذكرنا من وصف العارفين والمرائين قوله سبحانه : ( أفمن ~~كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه )، تقدير الاية على وجه الاستفهام ، ~~( أفمن كان على بينة من ربه ) كمن هو في الضلالة والجهالة ، أفمن ~~كان معرفة من ربه وولاية وعلامة من كراماته وكل عارف إذا شهد الحق سبحانه ~~بقلبه وروحه عقله وسره ، وأدرك فيض أنوار جماله وقربه يؤثر ذلك في هياكله ، ~~حتى يبرز من وجهه نور الله الساطع ، ويراه كل صاحب نظر ، قال تعالى : ( ~~ ويتلوه شاهد منه ): فالبينة بصيرة المعرفة ، والشاهد بروز نور ~~المشاهدة منه. # وأيضا : البينة كلام المعرفة وشاهده الكتاب والسنة ، ومن كان بهذه ~~المثابة يرى بعين الحق مكنون الغيوب وأسرار القلوب ، ومشاهدته غالبة ms0649 على ~~يقينه ، ويقينه غالب على بصيرته ، وبصيرته غالبة على عقله ، وعقله غالب على ~~نفسه بحيث لا يزاحم هواجسها على مناطق الغيب ، وظلمتها لا تغشى أنوار القرب ~~، بل هي فانية بحياتها تحت وارد الحق من الكشف والعيان والبيان ، ويبين ما ~~قلنا ويصدقه قوله تعالى : ( فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ) ~~: كل وارد من الحق فهو الحق حين زالت عنده معارضة النفس ، فإن خطر معارضة ~~في أول نزول الوارد فهي امتحان الحق فيرد عليها واردات حقيقة فتزيلها أصلا ~~، قال الله : ( فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ) حين بقيت ~~الواردات وزالت المعارضات. # قال أبو عثمان : من كان على البينة لا يخفى عليه سر. # وقال رويم : البينة هي الإشراف على القلوب ، والحكم على الغيوب. # قال الجنيد : البينة حقيقة يؤيدها ظاهر العلم. # قال أبو بكر بن طاهر : من كان من ربه على بينة كانت جوارحه وقف على ~~الطاعات والموافقات ، ولسانه مزمورا بالذكر ونشر الالاء والنعماء ، وقلبه ~~منورا بأنوار التوفيق وضياء التحقيق ، وسره وروحه مشاهد للحق في جميع ~~الأوقات ، عالما بما يبدو من مكنون الغيوب ومستورها ، ورؤيته للأشياء رؤية ~~يقين لا شك فيه ، وحكمه على الخلق كحكم الحق ، لا ينطق PageV02P112 # إلا بحق ، ولا يرى إلا بحق ؛ لأنه مستغرق في الحق ، فأنى له مرجع إلا إلى ~~الحق ، ولا إخبار له إلا عنه. # ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ~~ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (18) ~~الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون (19) أولئك ~~لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم ~~العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (20) أولئك الذين خسروا ~~أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (21) لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون (22)) # ولما وصف الله البينة وصدق الشاهد وصف المغالطين ومدعين مقامات أهل ~~الولاية افتراء وزورا وبهتانا قال الله : ( ومن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا أولئك ms0650 يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ~~ربهم ) أي : ظالم أشد ظلما ممن يدعي الولاية ، وكان في سابق الحكم كذاب ، ~~كأنه يريد نقض إبراهيم حكم الأزل الذي سبق بكفره وزوره وبهتانه ، وسبق ~~بعنايته الأولياء والصديقين ، فظلمه من جهة كذبه على الله بإخراج نفسه على ~~دعوى الولاية ، وهو كاذب ، وغرض هؤلاء المفسدين صرف وجوه الناس إليهم رياء ~~وسمعة وجاها ، فيعرفهم الله لجميع الخلائق حين يعرضون على ربهم ؛ ليفضحهم ~~ويكشف قبائحهم عند الخلق ، يوبخهم على رءوس الأشهاد بدعاويهم الباطلة ، ~~فيشهد على كذبهم كل صادق في الحضرة ، ثم تبعدهم عن القرب والوصال إلى النار ~~والوبال. # قال بعضهم : المفتري على الله من اتخذ أحوال السادات بدعوات لنفسه حالا ، ~~وأظهر من نفسه مشاهده ما لا يشهده أولئك الذين يفضحهم الله في الدنيا ~~بكذبهم ، فيطلع عليهم الذين يشهدون حقائق الأشياء ، فيقولون : هؤلاء الذين ~~كذبوا على ربهم ؛ لأنهم أظهروا من الأحوال ما ليس لهم ، وتزينوا بالعواري ~~من لباس السادة ، فهذه فضائحهم في مجالس أهل الحقيقة إلى أن يرجعوا إلى ~~الفضيحة في مشهد الحق. # قوله تعالى : ( ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ): لا ~~يسمعون خطاب الحق بأسماع القلوب ، ولا يرون مشاهدة الحق بأبصار الأرواح ، ~~وكيف يسمعون وما سبقت لهم في الأزل العناية ، وكيف يبصرون وليس لهم حظ عن ~~أنوار القربة ، وما تطلع من وجوه الصديقين والعارفين. # ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب ~~الجنة هم PageV02P113 # فيها خالدون (23) مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع ~~هل يستويان مثلا أفلا تذكرون (24) ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير ~~مبين (25) أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم (26)) # قال بعضهم : كيف يستطيع السمع من لم يفتح مسامعه لسماع الحق ، وكيف يبصر ~~من لم يكتحل بنور التوفيق ؛ إذ لا سماع إلا عن إسماع ، ولا بصر إلا عن إبصار. # قوله تعالى : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم ~~): ( آمنوا ) أي : أيقنوا مواعيد الغيب بنعت رؤيتها ، ( ~~وعملوا الصالحات ) بذلوا مهجهم للوصول إلى قرب الحق ms0651 ، وزكوا سرائرهم بصفاء ~~الذكر وجولان الفكر ، ( وأخبتوا إلى ربهم ): فنوا تحت أنوار سلطان ~~كبريائه حين عاينوها بأبصار أسرارهم ، أولئك أصحاب مشاهدة صفات البقاء بعد ~~إفنائهم في أنوار صفات القدم ، باقون في البقاء ؛ لأنهم لا يزالون بعد ذلك ~~إلا أصحاب الصحو بعد المحو. # قال شاه الكرماني رحمة الله عليه : الإخبات ثلاثة : غم الإياس مع التوبة ~~لكثرة العود إلى الذنوب ، وخوف الاستدراج في إسبال الستر ، وتوقع العقوبة ~~في كل وقت حذر ، أو إشفاقا من العدل. # قال الأستاذ : الإخبات التخشع لله بالقلب بدوام الانكسار ، ومن علامات ~~المخبتين الذبول تحت جريان المقادير بدوام الاستعانة بالسر ، ثم أن الله ~~سبحانه فرق بين المقبولة في الأزل بنعت اصطفائيتهم بالولاية ، وبين ~~المطرودين في القدم باحتجابهم عن الوصلة والمشاهدة بقوله : ( مثل ~~الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع ) (1): مثل المحق والمدعي كمثل ~~السميع والبصير والأعلى السميع يسمع بسمع الحق من الحق كلمات الحق التي ~~يفرق بها بين لمات الملكوتية ، والهواجس النفسانية ، ويبصر ببصر الحق جمال ~~الحق الذي ينور بصائر العارفين ، وأبصار المحبين بحيث يرون بها ضمائر ~~القلوب ، وحقائق الغيوب فهذه PageV02P114 # الأوصاف وصف المتحققين. # وقال القائل في هذا المعنى : # ليلي من وجهك شمس الضحى %~% وأنس الصدفة في الجود الناس في الظلمة من ليلهم %~% ونحن من وجهك في الضوء # والجاهل الغاوي لا يسمع هواتف الإلهام ؛ بأن ليس له سمع الخاص ، ولا يبصر ~~أنوار المعرفة بعوارضات البشرية ، ما أبين مثل الحق! حيث بين صريحا نعوت ~~العارفين ، وجهل الجاهلين ، ثم استفهم عن أهل العقول استواء أهل الهمم أي : ~~لا يستويان ، وكيف يستوي حال العارف بالله والجاهل بالله. # قال بعضهم : البصير من عاين ما يراد به ، وما يجري له ، وعليه في جميع ~~أوقاته ، والسميع من يسمع ما يخاطب به من تقريع وتأديب وحث وندب لا يغفل عن ~~الخطاب في حال من الأحوال. # وقيل : الأعمى الذي عمي رؤية الاعتبار ، والأصم الذي منع لطائف الخطاب ، ~~والبصير الناظر إلى الأشياء بعين الحق فلا ينكر شيئا ، ولا يتعجب من شيء. # وقيل : السميع من يسمع من الحق ، فميز بذلك الإلهام ms0652 من الوسواس. # وقال الجنيد : الأعمى هو الذي عمي عن درك الحقائق. # وقال الأستاذ : الأعمى من عمي أبصار رشده ، والأصم الذي طرش سمع قلبه ، ~~فلا بالاستدلالات يشهد سر تقدير في أفعاله ، ولا بنور فراسته يتوهم ما وقف ~~عليه من مكاشفات الغيب لقلبه. # وقال : البصير هو الذي يشهد أفعاله بعلم اليقين ، ويشهد صفاته بعين ~~اليقين ، ويشهد ذاته بحق اليقين ، فالغائبات له حضور ، والمستورات له كشف ، ~~والذي يسمع بصفته لا يسمع هواجس النفس ، ولا وساوس الشيطان ، فيسمع من ~~دواعي العلم شرعا ، ثم خواطر التعريف قدرا ، ثم مكاشف الخطاب من الحق سرا ، ~~فهؤلاء لا يستويان ، ولا في الطريق يلتقيان ، وانظر ما قال الأستاذ : # وأنشد : # أيها المنكح الثريا سهيلا %~% عمرك الله كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استقلت %~% وسهيل إذا استقل يمان # ( فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما ~~نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل ~~نظنكم كاذبين PageV02P115 # (27) قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من ~~عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون (28)) # قوله تعالى : ( ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا ~~الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل ): هذه عادة السفلة ~~وأهل الجهل والغباوة الذين قاسوا بارائهم الفاسدة حال الأنبياء والصديقين ، ~~ولو شاهدوا ذرة من حالهم لماتوا حسرة من شوقها ، لكن سبق لهم الشقاء الأزلي ~~محجبهم عن جمال أحوالهم وأنوار أسرارهم ، وبقوا بظنونهم المختلفة ، ~~وقياساتهم الفاسدة في الأشكال والهياكل ، واحتجبوا عن رؤية الأرواح ~~وطيرانها في الملكوت والجبروت ، وتكبروا على أولياء الله من قلة معرفتهم ~~بنفوسهم ، ومن قلة إدراكهم حقائق القوم. # قال ابن الفرحي : لم يشهد مخالف الأنبياء والرسل منهم إلا الهياكل ~~البشرية ، وعموا عن درك حقائقهم في ميادين الربوبية ، واختصامهم بما خصوا ~~به من فناء حظوظهم فيهم ، وبقاء أشباحهم وهياكلهم رحمة للخلق ، فقالوا : ( ~~ ما نراك إلا بشرا مثلنا ): أكلا وطعما وشربا ، ولو لاحظوا مقامهم ~~من الحق وقربهم منه لأخر سهم ms0653 مشاهدتهم عن مثل هذا الجواب ؛ لأنهم في مشاهد القدس. # ( ويا قوم لا أسئلكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا ~~بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون (29) ويا قوم ~~من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون (30) ولا أقول لكم عندي خزائن ~~الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن ~~يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين (31) قالوا ~~يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (32) ~~قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين (33)) # قوله تعالى : ( وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ): ~~بين سبحانه من قول نبيه نوح عليه السلام أنه قال : ما أنا بطارد قوم اختارهم ~~الله بالنظر إلى جماله والجلوس على صفائح قدسه ومجالس أنسه وسماع كلامه ، ~~والمعرفة بصفاته وذاته وقربه وقرب قربه في الأزل وسابق العلم. # تصديق ذلك قوله : ( أنهم ملاقوا ربهم ) أي : ليس على قبولهم ~~ولمرادهم من اختارني PageV02P116 # بالرسالة ، فقد اختارهم بالولاية ، يختص برحمته من يشاء لا ينظروا إلى ~~انكسارهم في الطريقة ، وإعراضهم عن دنيا الدنية ورثاثة ثيابهم ، وصفرة ~~ألوانهم وقصر أكمامهم ، فإنهم حمائم أبراج الملكوت وبزاة معارج الجبروت. # قال أبو عثمان في هذه الاية : ما أنا بمعرض عمن أقبل على الله ، فإن من ~~أقبل على الله بالحقيقة أقبل الله عليه ، ومن أعرض عمن أقبل على الله فقدره ~~أعرض عن الله. # ( ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن ~~يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون (34) أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي ~~إجرامي وأنا بريء مما تجرمون (35) وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا ~~من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون (36) واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا ~~تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (37) ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من ~~قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون (38) فسوف ~~تعلمون من ms0654 يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (39)) # قوله تعالى : ( ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم ) أي : كيف ~~تنفع نصيحتي لكم ولم يخلقكم الله على استعداد قبول ، وذلك من شقاء الأزل ، ~~والنصيحة لا تنفع إلا لمن كان في قلبه زاجر من ربه يمنعه من المعصية ويحثه ~~على استماع النصيحة. # قال حمدون القصار : لا تنفع النصيحة لمن لم ينصح نفسه. # قوله تعالى : ( واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في ~~الذين ظلموا إنهم مغرقون (37)) . # قوله تعالى : ( واصنع الفلك بأعيننا ): في هذه الكلمة إشارة عين ~~، وذلك استعارة عين الربوبية من عيون الأزلية ، ليبصر بها حقائق الصنوع في ~~علم الله ، فيصنع الفلك بمنقوشه على نقش خاتم علم ملك الأزل أي : اصنع ~~الفلك بعيني كما كنت أردت وجود السفينة في الأزل ، وذكر الأعين ، وهذا ~~إشارة إلى عيون الصفات التي معادن أنوارها حقائق الذات أي : لتصف عينك في ~~صناعة الفلك بأعين الصفاتية لترى بها ما أردنا من هيئتها وتركيبها ، وذلك ~~موجود في كلامه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، حيث حكى عن الله سبحانه ~~بقوله : «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به» (1). PageV02P117 # وأيضا : فيه تقاضا جريان العبودية في مشاهدة الربوبية كقوله عليه السلام : ~~«أن تعبد الله كأنك تراه» (1). # وأيضا أي : كن في عيون رعايتنا وحفظنا ، ولا تكن في رؤية عملك والاعتماد ~~؛ فإن من نظر إلى غيري احتجب بغيري عني. # قال بعضهم : أسقط عن نفسك تدبيرك ، واصنع ما أنت صانع من أفعالك على ~~مشاهدتنا دون مشاهدة نفسك ، ومشاهدة أحد من الخلق. # وقال بعضهم : اصنع الفلك ، ولا تعتمد عليه ؛ فإنك بأعيننا رعاية وكلاءة ، ~~فإن اعتمدت على الفلك وكلت إليه وسقطت عن أعيننا. # قوله تعالى : ( ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ): إن ~~الله سبحانه أدب نبيه نوحا عليه السلام هاهنا عرفه سابق العلم في غرقهم ~~وهلاكهم ؛ ليعرف طريق الدعاء ومكانه ، وعرف أنه سبق بالدعاء عليهم. # وقيل : ذلك ولم يقبل هاهنا ؛ لأن دعاء الأول موافق القدر ، والعارف ~~المجاب إذا دعا على أحد بعد ms0655 ذلك. # ألا ترى إلى قول ذي النون عليه السلام حيث دعا على أهل سعايته كيف كانوا ~~يفرقون ، فقال بعد ذلك : إلهي تبت ، ألا أدعو على أحد من عبادك بعد ذلك ، ~~وفيه وصف رقة قلب نبيه عليه السلام عليهم بعد احتمال جنونهم وأذيتهم ، وهكذا ~~يكون شأن الصادقين. # قال ذو النون : إن كنت قد أيدت في الأزل بشيء من العناية فقد نجوت ، وإلا ~~فإن النداء والدعاء لا ينقذ الغرقى. # ( حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين ~~اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل (40) وقال ~~اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم (41) وهي تجري بهم ~~في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع ~~الكافرين (42)) # قوله تعالى : ( إلا من سبق عليه القول ): هذه الاية وافقت قوله ~~تعالى : ( ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم )؛ لأن سوابق السعادة ~~والشقاوة لا تتغير بصنائع الحدثان ، ولا يزال هما على وصفهما إلى الأبد ، ~~كما كانا في الأزل. # قال بعضهم : بالسبق قيد العواقب ، فمن أجري له في السبق السعادة كانت عاقبته PageV02P118 # السعادة ، ومن أجري له في السبق الشقاوة كتب له بالشقاوة : ( ~~وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم (41)) ، ~~وألسنة الأنبياء والأولياء قاصرة عن سؤال مخالفة ما جرى في الأزل ؛ لأنه ~~حكم القاهرية سلطان الجبارية. # قوله تعالى : ( بسم الله مجراها ومرساها ): البحر بحر القدم ~~والأبد ، والسفينة قلب العارف يجري بشمائل العناية بروح الناطقة الربانية ، ~~( بسم الله مجراها ) في قلزم الصفات ( ومرساها ) في قاموس الذات. # ثم أخبر سبحانه عن كمال كرمه ؛ حيث لم يسد عليها الجري في الصفات مع ~~حدوثيتها ، ولم يفنها في الذات مع ضعفها بقوله : ( إن ربي لغفور ~~رحيم ). # وأيضا أي : بسط الله إياها بأنوار جمال مشاهدته جريها في الصفات ، ويقبض ~~الله بسطوات العظمة سكونها وثبوتها. # ( قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر ~~الله إلا من رحم ms0656 وحال بينهما الموج فكان من المغرقين (43) وقيل يا أرض ~~ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل ~~بعدا للقوم الظالمين (44) ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك ~~الحق وأنت أحكم الحاكمين (45) قال ينوح إنه ليس أهلك من إنه عمل غير صلح ~~فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجهلين (46)) # قوله تعالى : ( لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ) أي : لا ~~عاصم عند صولة تلاطم بحر القهريات إلا عواصم أنوار اللطيفات من التجأ إليه ~~منه نادبه عنه. # قال الأنطاكي : لا اعتصام لأحد من خلق الله إلا بالله. # وقيل : ( لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ): إلا من دله ~~على الاعتصام به ، وذلك الذي يعصمه الله من أمره. # قوله تعالى : ( وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض ~~الماء وقضي الأمر ): لما غاصت سفينة القلوب في بحار غيوب القدم ودارت في ~~لجج عظمتها كادت أن تغرق بطوفان غيرتها ، فسبقت لها عناية الأزلية ، وما ~~أبقتها في بحار الفناء ؛ لئلا يفني العبودية في سطوات الربوبية ، فنادت ~~ألسنة الوصال إلى سماء كمال الذات وأرض الصفات : ( يا أرض ابلعي ~~ماءك ويا سماء أقلعي )، فامتنعت الذات والصفات عن دركها ، وتلطفت الصفات PageV02P119 # والذات عليها بإرجاعها إلى مشاهد الأفعال والايات ، واندرس عليها مسالك ~~الازال والاباد ، وهذا معنى قوله : ( وغيض الماء وقضي الأمر واستوت ~~على الجودي ): جرى عليها أحكام معارف الذات والصفات ، وغرق منها ما دون ~~الذات والصفات في الذات ، والصفات من النفوس ، وهواجسها والشياطين ووساوسها ~~، والعقول ومراتب مقاماتها ، والكونين والعالمين ، واستوائها بنعت التمكين ~~على جودي الطريق ، والحقيقة أن تكون ساكنة بعد الاضطراب في المواجيد ، ~~وصاحية بعد السكر بأشربة بحار المقادير ، وهذه برمتها مشروحة في قوله النبي ~~صلى الله عليه وسلم حيث دنا من الوصال وتدلى إلى مشاهدة الجمال ، وكان بين قاب ~~قوسي الأزل والأبد بقوله : ( فكان قاب قوسين أو أدنى )، واستعاد ~~في دنو الدنو من الغرق في بحار الأزل والفناء ms0657 في ميادين الأبد من قهر طوفان ~~قلزم الكبرياء والعظمة ، بما سبق له من حسن عناية القدم بنعت الرضا بقوله : ~~«أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك» (1)، كان ~~عليه السلام في مدارك الصفات ، ومرائي أنوار الذات سابحا في بحر حقائق ~~الأزلية ، فخاف من فنائه في قهر النكرات ، ففر تارة من الصفة إلى الصفة ، ~~وتارة من الفعل إلى الفعل ، ومن الذات إلى الذات تارة ، فقال : أعوذ برضوان ~~عنايتك ، ومن سخط غيرتك عليك ، أن يعرفك أحد غيرك ، وأيضا أي : أعوذ برضوان ~~جمالك من سطوات جلالك حتى لا أفنى بك فيك ، وأعوذ برضا بقائك من صولة عساكر قدمك. # فلما دار في الصفة وخاف من الزوال فر منها إلى أنوال الأفعال ؛ ليروح ~~فؤاده الغائب في الألوهية عن أثقال رجاء العزة ، فقال : «أعوذ بمعافاتك من ~~عقوبتك» (2): بمعافاة دعائك الأزلي من عقوبة هجرانك الأبدي ، فلما استروح ~~من أثقال السير في الصفات بلطائف الأفعال رجع إلى مشاهدة الذات ، فقال : ~~«أعوذ بك منك» (3): أعوذ بفردانيتك من حلاوة جمال مشاهدتك ، التي تصير ~~العاشق بك بنعت وحدانيتك ، حتى يخرج بدعوى الأنائية في مشهد تنزيلها ، أعوذ ~~بك من هذا المكر حتى أكون لا أكون أنت تكون ، وأزول كما لم أزل أزول ، ~~وتكون كما لم تزل تكون ، فلما فني عن رسوم العبودية وعن مشاهد الربوبية من ~~الأفعال والصفات وبقي بإزاء أنوار الألوهية بنعت استقامة التوحيد ، وإفراد ~~القدم عن الحدوث ، واستعار من الحق لسان الأزلي ، وأثنى به عليه ، فقال : ~~«لا أحصي ثناء عليك» (4)، ثم أخرج PageV02P120 # الثناء والنفس والعبودية والتكليف والكينونة والقرب والبعد والتصاريف ~~والعلل من ساحة وجود صاحب الجود الأزلي بقوله : «أنت كما أثنيت على نفسك» (1). # جئنا إلى ظاهر الاية : إن نبي الله نوحا عليه السلام كان في مضيق القبض من ~~أذى قومه ، فاشتهى وصلة بلا فرقة ، وبسط بلا قبض ، وأنسا بلا وحشة ، فدعا ~~ربه حتى يخلصه من ذلك ، فأغرق قومه وناجى ربه ، وانفرد به عن كل ، فتغاضت ~~بشريته ابنه ، فجاء الموج وأغرق الكل حتى لا يبقى في قلبه غير ms0658 الله. # وقال الأستاذ : لما غرق ابن نوح عليه السلام سكن الموج ونضب الماء وأقلعت ~~السماء ، فكأنه كان المقصود من الطوفان أن يغرق ابن نوح. # فكان كما قيل : # عجبت لسعي الدهر بيني وبينها %~% فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر # ثم أخبر سبحانه عن انبساط نبيه نوح عليه السلام بقوله : ( ونادى ~~نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق ): تحرك سر بشريته في موضع ~~أحسن الحق حيث من حقه تقديس الأسرار عن النظر إلى الأغيار ، وبذل الموجود ~~والمجهول بينه وبين الخليل عليه السلام في منزل الامتحان فرق حين ألقي إلى ~~النار ، ولم يلتفت إلى إعانة المخلوق ، حين قال : «أما إليك فلا» (2) وسلم ~~نفسه ، ولم يتعرض لقلبه معارضة برئ من حوله ، وقوله من نفسه والكون جميعا ، ~~وههنا قد التفت إلى غرق ابنه ، وأين ذكر الابن في منازل التوحيد والتسليم ، ~~والرضا شرط المعرفة والتوحيد فنادى ، وقد طاب في مناداته مع ربه سبحانه ~~وسأل ابنه ، وحكم بأنه أهله وليس هو من أهله قال تعالى : ( إنه ليس ~~من أهلك ). # وأيضا : تعرض داء علقة البشرية بينه وبين رؤية القدر السابق ، ولو لا ذلك ~~بإرسال الله بالمناداة في منازل الانبساط ، وأسرار المناجات لطائف الخطاب ، ~~وحقائق المكاشفات ، وكل انبساط في مقام الامتحان ليس على مقارنة رؤية حكم ~~السابق ، فهو ساقط عن محل البلوغ وإدراك المراد. # قال الحسين : لم يوزن لأحد في الانبساط على بساط الحق محال ؛ لأن بساط ~~الحق عزيز حواشيه قهر وجبروت ، فمن انبسط عليه رد كنوح عليه السلام لما قال ~~: ( إن ابني من أهلي ) قيل : ( إنه ليس من أهلك ). # ثم إن الله سبحانه عرف نبيه نوحا عليه السلام بعد ارتفاع الأهلية بينه ~~وبين ابنه بارتفاع أهلية PageV02P121 # المعرفة والمحبة بين روحه وروحه في منازل الأول عند عبد الله ، وذلك أن ~~في الأزلية لم يؤت الله ابنه أهلية عرفانه وإتقانه ، فقال : ( ليس ~~من أهلك إنه عمل غير صالح ): ليس له ما أعطاك الله من المعرفة والرسالة ~~والقربة : ( فلا تسئلن ما ليس لك به علم ): أدبه بألاتسأل ms0659 إلا ما ~~وافق القدر ، وكل دعاء لم يوافق مراد الله في سابق علمه لم يؤثر في مراد ~~الداعي. # وقوله : ( إنه عمل غير صالح ) أي : ليس عمله على موافقة السنة ، ~~ثم وعظ وقال : ( إني أعظك أن تكون من الجاهلين ): الجاهل من جهل ~~قدر الله وقدر أهله أي : أنزهك عن سوء الأدب في السؤال على غير قاعدة مرادي ~~، وفيه تهديد لخواص العارفين ليكونوا على بساط الحق ، مجردين لخواطرهم عن ~~الالتفات إلى غير الله ، وأن يكونوا في محل احتشام الله مستسلمين لمراده. # قال القاسم : الأهل على الوجهين : أهل قرابة ، وأهل ملة ، فنفى الله عنه ~~أهلية الملة لا أهلية القرابة. # وقال بعضهم في قوله : ( فلا تسئلن ما ليس لك به علم ): أما علمت ~~أني قد أمضيت حال الشقاء والسعادة في الأزل ، ولا راد لحكمي وقضائي ، إني ~~أعظك أن تجهل تلك الأحكام. # قال بعضهم في قوله : ( إني أعظك ): لما اشرف نوح عليه السلام ~~ابنه على الغرق قال : ( إن ابني من أهلي )، قال خصصت غلبك للدعاء ~~دون سائر عبادي وابنك واحد منهم ، ( إني أعظك أن تكون من الجاهلين ~~): في أن يقضي حقك على خصوص ، ويمهل حقوق عباده بأجمعهم ، ثم رجع ~~عليه السلام إلى ساحة الكبرياء بسره المتضرع الحق ، ورجوعه من نفسه إليه ~~بوصف الخنوع. # ( قال رب إني أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي ~~وترحمني أكن من الخاسرين (47) قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى ~~أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم (48) تلك من أنباء الغيب ~~نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة ~~للمتقين (49) وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره إن أنتم إلا مفترون (50) يا قوم لا أسئلكم عليه أجرا إن أجري إلا على ~~الذي فطرني أفلا تعقلون (51)) PageV02P122 # ( قال رب إني أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي ~~وترحمني أكن من الخاسرين ): إن السؤال لا يستحسن ms0660 إلا بالعلم بالمسئول ، ~~ولما علم موضع الخطأ تواضع بجبروته وخاضع ملكوته ، أي : إن لم تغفر لي ترك ~~الأدب وترحمني بتسهيل أمر الربوبية في العبودية علي أكن من الذين فقدوا ~~حقائق المعرفة في العبودية. # قال أبو سعيد الخراز : إن نوحا عليه السلام وهو من أهل الصفوة وأولي العزم ~~من الرسل هج وكدح لربه ألف سنة إلا خمسين عاما. # ثم قال : ( إن ابني من أهلي )، فعوتب عليه ، فأبكاه ذلك سنة حتى ~~قال : ( وإلا تغفر لي وترحمني )، فكان دهره بطلب المغفرة من هذه ~~الكلمة ، ونسي ما كدح وعني واجتهد لما رجع إلى الله ، وتواضع للكبرياء ، ~~ألبس الله عليه لباس العافية والأمن من أنوار قربه وحضرته بقوله : ( ~~ يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ) أي : اهبط ~~بوصف التخلق والاتصاف بصفتنا من سفينة الحقيقة بسلامة منا ، بأنك بعد ذلك ~~لا تفنى في سطوات عظمتنا إذا اتصفت بصفتنا ؛ لأن بركة وصلتنا معك تنجيك ~~بركة مني ، وبركتك مع قومك تنجيهم من عذاب فرقتي ، ثم هو تعالى شرف نبينا ~~صلى الله عليه وسلم بكشف أنباء الغيب بقوله تعالى : ( تلك من أنباء ~~الغيب نوحيها إليك ) الكشف والأنباء على مرتبتين ، الأولى : للأرواح قبل ~~الأشباح في ديوان الغيب حتى رأت بنور الغيب أسرار المكتوم ، والأخرى : بعد ~~كونها في الأشباح ، فترى ويسمع ، وسمعت في الغيب قبل دخولها في الأشباح ~~تحديد المكاشفة ، وتذكير العقود المشاهدة ، وما قال سبحانه : ( ما ~~كنت تعلمها ) أي : قبل كون روحك ، وأما بعد كون روحك علمت ما كان وما سيكون ~~، وهاهنا تسلية قلبه عليه السلام في احتمال البلوى عن أهل الجفاء ابتداء ~~بأهل الوفاء من أولي العزم من الرسل. # وتصديقه قوله تعالى : ( فاصبر إن العاقبة للمتقين ) أي : اركب ~~مركب الصبر معي في ظهور حقائق وجودي ولطائف بلائي في ميادين التقوى من غيري ~~، من العرش إلى الثرى ، بالهمة الرفيعة فوق العلا ، فإن عاقبة المتقين ~~المتبرئين من غيري بي وصالي والنظر إلى جلالي وجمالي. # قال الجنيد : كشف الله لكل نبي ظرفا من الغيب ، وكشف لنبينا ~~صلى الله ms0661 عليه وسلم أنباء الغيب ، وهو الغاية في الكشف ، فكان مكشوفا له من ~~الغيب ما لا يجوز أن يكون مكشوفا لأحد من المخلوقين ، وذلك لعظم أمانته ~~وجلال قدره ؛ إذ الأسرار لا تكشف إلا للأمناء ، فمن كان أعظم أمانة كان ~~أعظم كشفا. # قال النصر آبادي : نجاة العاقبة لمن رسم في الأزل رسم التقوى ، وحلي به ، ~~قال الله : ( فاصبر إن العاقبة للمتقين ). PageV02P123 # ( ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم ~~مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين (52) قالوا يا هود ما جئتنا ~~ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين (53) إن نقول إلا ~~اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون ~~(54) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (55) إني توكلت على الله ربي ~~وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم (56) فإن ~~تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه ~~شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ (57) ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا ~~معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ (58) وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا ~~رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد (59) وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم ~~القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود (60) وإلى ثمود ~~أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض ~~واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب (61) قالوا يا ~~صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي ~~شك مما تدعونا إليه مريب (62) قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ~~وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير (63) ~~ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء ~~فيأخذكم عذاب قريب (64) فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد ~~غير مكذوب ms0662 (65) فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن ~~خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز (66) وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ~~ديارهم جاثمين (67) كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا ~~لثمود (68)) # قوله تعالى : ( ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل ~~السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ) (1) أي : استغفروا من النظر ~~إلى غيري ، وتوبوا إلى من PageV02P124 # نفوسكم ورؤية طاعتكم ، راعوا عنها يرسل سماء القدم على قلوبكم مدرار ~~أنوار تجليها ، ( ويزدكم ) أي : يزد قوة أرواحكم في طيرانها ، ~~ولبساتين قدسي ورياض أنسي ، وتلك القوة من سقيي إياها شراب الديمومية من ~~بحار السرمدية والأزلية ، ومشاهدة الذات والصفات. # قوله تعالى : ( قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون ~~من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون ) أي : غصت في بحار جلالي الأزل ، وهو ~~شاهدي وأنا بريء مما تشيرون إليه من دونه ، بريء من حولي وقوتي ، وانظر ~~إليكم ما بكم تقدرون في ملكه بذرة ، فاحتالوا لي جميعا إن كنتم تقدرون ~~بالحيلة ، ولا ينظرون لا بحيلولتي ، فإني على ثقة من ربي في ثبوتي ورسالتي ~~، وبيان براهينه ، وعلى سلطان كبريائه دل كل شيء ، وهو حسبي وحسب كل صادق ~~في بلائه ، وذلك قوله : ( إني توكلت على الله )، مشاهدته بشهوده ~~على ( ربي وربكم ): ربي يربيني بأنوار مشاهدته ولطائف وصلته ، ~~وربكم بإيجادكم وتربيتكم بأغذية الظاهر. # ثم وصف جلال قدره وإحاطته على كل ذرة بقوله : ( ما من دابة إلا ~~هو آخذ بناصيتها ): آخذ ناصية كل مخلوق بأيدي القدم ، وأخرجها بجبروته من ~~أماكن العدم ، ويجذب كل دابة من العرش إلى الثرى إلي ميادين ملكوته ، ويغذي ~~كل واحدة منها من موائد تجلي صفاته وذاته وآياته وأفعاله للأرواح غذاء ~~مشاهدة الذات ، وللقلوب غذاء مشاهدة الصفات ، وللعقول غذاء مشاهدة أنوار ~~الأفعال ، وللنفوس غذاء الطبائع من عناصر الكون : ( إن ربي على ~~صراط مستقيم ): على طريق الربوبية التي مناديها صحاري الازال والاباد ، ~~وهكذا على طريقة كل رباني صمداني يسيروني في طريق الذي هو السير في عالم ~~الذات والصفات ، وذلك ms0663 الطريق مستقيم ؛ حيث هو تعالى بجلاله يظهر نفسه في ~~جميع الأحوال لقلوب أوليائه ، وأولياءه يسيرون إليه بطريقة ، وجذب ظهوره. # إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا %~% كفى لمطايانا تلقاك هاديا # ( صراط مستقيم ): إذ هو مقدس عن اعوجاج الحدثاني وتغاير ~~النفساني ، لا تسده علة ، ولا تعوجه زلة. # قال الواسطي في قوله : ( فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون ): غلب على ~~هود عليه السلام في ذلك الوقت حال الوصلة والقربة مما يأتي بشيء ولا أحسن به ~~؛ إذ هو في محل الحضور ، ومجلس القربة. PageV02P125 # وقال في قصة لوط عليه السلام : قال لو أن لي بكم قوة كان نطقه نطقا طبيعيا ~~، شاهد في ذلك حال ووقته واشتغاله بهم ، وقال هود عليه السلام : ( ~~فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون ): نطق عن مشاهدة لا يرى سواه. # وقال بعضهم : أي : كيد يلحق من هو في قبضة الحق وسرادق العز ، وجلابيب ~~الهيبة ، والكيد لا يلحق إلا من هو سائر في طرق المخالفة. # وقال بعضهم في قوله تعالى : ( ما من دابة ): كيف يكون لك محل ، ~~وأنت بغيرك قيامك وبقاءك ؛ لذلك قيل : من قال أنا فقد نازع القبضة. # ( ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما ~~لبث أن جاء بعجل حنيذ (69) فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم ~~خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط (70)) # قوله تعالى : ( ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما ): ~~بشارة الرسل للخليل عليه السلام من الله سبحانه بدوام وصاله ، وكشف جماله ~~بلا حجاب ولا عتاب ، وإن خلته تولدت من سابق خلته الأزلية والاصطفائية ~~الأبدية ، وبأن النبوة باقية في أولاده ، وبشروا أنه تعالى مشتاق إلى ~~أحبائه وأخلائه ، وبشروا له بقدوم أخص أولاده ، وأخص خلق الله من العرش إلى ~~الثرى محمد صلى الله عليه وسلم ، وبشارتهم بأولاده من المرسلين نظام الرسالة ، ~~ودوام الشريعة ، ونشر الحقيقة والسلام ، منهم أخيار عن أهليتهم لخليله ورفع ~~النكرة ، وتعريف العهد الأولية بنعت زوال الخطرات والمعارضة ، وسلامهم ~~ممزوج بسلام الحبيب ، وبديهة دنوه من خليله ، وسلام الخليل إظهار السرور ~~بالضيف وإكرامهم ، وإظهاره الأهلية ms0664 منه ، عرف سره سرهم ، موافق سلامه ~~سلامهم ، أي : هاهنا بيت كرامة وسلامة من العيوب ، وما أطيب سلام الحبيب ~~على الحبيب! وما ألذ رسالة الحبيب إلى الحبيب! وما أشهى بشارة الحبيب ~~للحبيب! وإن كان بالوسائط : # سلام على سلمى وإن شط دارها %~% سلام على أرض قديم بها العهد سلام على جاراتها بجوارها %~% سلام حزين رامق شقة الصد سلام عليها دائما متواتر %~% سلام على أرض إليها لها قصد إذا نزلت سلمى بواد فمائها %~% زال وسلسال وشيحانها ورد # قال بعضهم : بشروا لإبراهيم بأن نسبة الخلة ثابتة فإنها لا تنقطع. # وقال بعضهم : بشروه بإخراج محمد صلى الله عليه وسلم من صلبه ، وأنه خاتم ~~الأنبياء ، وصاحب لواء PageV02P126 # الحمد. # وقال بعضهم : رسول الخليل إذا ورد فهو بشارة ، فإذا أدى الرسالة قد تمت ~~به البشرى خصوصا إذا أدى من الخليل سلاما ، ألا تراه كيف ذكر : ( ~~قالوا سلاما ) من الخليل ، فقال : سلام من الخليل ، تم به المراد. # قال ابن عطاء في قوله : ( سلاما ): قال : سلام سلم لك رتبة ~~الخلة من الزلل ، قال : سلام أي : هذه السلامة التي توجب لي السلام من ~~السلام. # قوله تعالى : ( فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ): أخبر عن فتوته ~~وإكرام ضيفه ، ولكن فيه ما فيه من إشارة إلى قلبه المذبوح ، وروحه المجروح ~~، ونفسه المبذولة بين يدي سلطان جبروته ، وأنوار ملكوته ، وسناء جماله ، ~~وسر جلاله ، وتلك مجموعة نيران المحبة ، ولهب الشوق ، وحرقة العشق ، ~~ليسلبها بياسمين القرب ، وورد الأنس ، ونسيم صباء الوصلة. # وأيضا : تعريف أحوال الملائكة هل جاءوا بالبأس أم ذلك من لطيف صنيع ~~الأبناء ، وفيه إظهار المعارضة والخفية ؛ ليعرف شأن الحال ، وإن كان خلقه ~~السخاء والكرم. # قال بعضهم : من آداب الفتوة إذا ورد الضيف أن تبدأ بالكرامة في الإنزال ، ~~ثم ثنيه بالطعام ، ثم بالكلام. # ألا ترى الخليل كيف بدأ بالطعام بعد السلام ، قال : ( فما لبث أن ~~جاء بعجل حنيذ )، وهو تعجيل ما حضروا بتكلف التكلم بعد ذلك لمن أحب. # قوله تعالى : ( فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم ): أنكر على ~~تركهم استعمال الخلق ، ولكن ما عرف ms0665 شأن الحال الذي فيه إشارة عجيبة ، أي : ~~لا تذبح عندنا عجلا فإنا لا نحتاج إلى العجل ، وليس للعجل مكان المحبة ، ~~ولكن اذبح لنا إسماعيل ، فإن المحبة والعشق مقتضيان قربان الوجود بين يدي ~~المعشوق. # حكي عن أبي الحسن البوشنجي أنه قال : من دخل هذه الدويرة ، ولم يبسط معنا ~~في كسيرة أو فيها حضر ، فقد جفاني غاية الجفاء. # وقال ابن جعفر : من امتنع عن تناول طعام الفقراء والفتيان فقد أظهر كبره. # وقيل في قوله : ( نكرهم ): نكر أخلافهم ، مع ما تفرس فيهم من الخير. # قوله تعالى : ( وأوجس منهم خيفة ): خيفة إبراهيم من الملائكة ~~ليس من جهل بهم إنما رأى آثار بأس قوم لوط من شمائلهم ، وهناك متوقع ~~الإنذار ؛ لأن ربما جاء الرسول بالإنذار : PageV02P127 لعلك غضبان ولست بعالم %~% سلام على الدارين إن كنت راضيا # وأيضا خاف على أخيه لوط عليه السلام ومؤمني قومه : ( قالوا لا تخف ~~إنا أرسلنا إلى قوم لوط ) رفعوا الحجاب وتبينوا العتاب. # قوله تعالى : ( رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت ): رحمة الله ~~وقربة الله وبركات الله أنوار مشاهدة الله. # وأيضا : رحمة الله نبوة الله وولايته ، وبركات الله رسالة الله وخلافته ، ~~وبقي ذلك في أولاده حتى خص باستجابة دعوته محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله ~~وأهل بيته وأولاده. # وأيضا : رحمة الله محبة الله ، وبركاته معرفته وتوحيده. # ( وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ~~(71) قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب (72) ~~قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد ~~مجيد (73) فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط (74)) # قال بعضهم : بركات أهل البيت من دعوات الخليل ، ودعوات الملائكة ، وأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء به في الصلوات في قوله : كما باركت على ~~إبراهيم ، فبارك علينا ، فأنا من أهل بيته وأولاده : ( إنه حميد ~~مجيد ): محمود بحمده القديم ؛ حيث حد نفسه مجيد عظيم الشأن لا يناله عوض ~~الفطن ، ولا يدركه بعد الهمم ، فلما وصلت بركات الله إليه ms0666 وانفتحت له أبواب ~~المكاشفة وأدركه فيض البشارة خرج قلبه من غبار الامتحان ، وانبسط مع الرحمن ~~بقوله : ( فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في ~~قوم لوط ): ذهب عنه خوف البعد ، وجاءته بشرى القرب ، وذاق طعم الود وسكر ~~الخليل بوجه الخليل ، وانبسط الخليل إلى الخليل ، وهكذا عادة السكارى إذا ~~شربوا شراب الوصلة وسمعوا صلوات القربة يخرجون بنعت السكارى على بساط ~~الانبساط ، وفي ذلك يحمل عنهم ما لا يحمل من غيرهم من أهل الهيبة والإجلال ~~، وانبساطه إليه من مواليد انبساطه إليهم. # ألا ترى كيف قال : ( جاءته البشرى )، ثم قال : يجدلنا ؛ ~~فالبشارة انبساط الله ، فانبسط بانبساط الله ، لكن انبساط الخليل لا يكون ~~إلا رحمة وشفقة على خلقه وأوليائه ، ألا ترى كيف قال : ( يجادلنا ~~في قوم لوط ): كان يسترحم لهم ، ويسأل نجاة لوط وأهل بيته ، لما فيه من ~~الظرافة والسخاوة والفتوة والمودة والحلم بما وصفه الله بقوله : ( ~~إن إبراهيم لحليم أواه PageV02P128 # منيب ): «حليم» بأنه كان لا يدعو على قومه ، بل قالوا : ( ~~ فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم )، وتأوهه زفرة قلبه ~~مع غيرة عينه من الشوق إلى جمال ربه ، وهكذا وصف العاشقين : التأوه ~~والزفرات ، والشهقة ، والغلبات ، والصيحة والعبرات ، «منيب» حيث أناب إلى ~~كنف قدمه ، وقوام خطاب قدسه ومجالس أنسه من رؤية شواهد ملكوته ؛ حيث قال : ~~( إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي )، ومجادلته كمال الانبساط ~~لم تكن جهلا ، ولكن كان مشفقا بارا كريما ، رأى مكانة نفسه في محل الخلة ~~واصطفائية القديمة وهو تعالى يحب غضب العارفين ، وتغير المحبين ، ومجادلة ~~الصديقين ، وانبساط العاشقين ؛ حتى يحثهم على ذلك ، وفي الحديث المروي من ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «لما أسري بي رأيت رجلا في الحضرة يتذمر. ~~فقلت لجبريل عليه السلام : من هذا؟ فقال : أخوك موسى يتذمر على ربه تعالى. ~~فقلت : وهل له ذلك؟ فقال : يعرفه فيحتمل عنه» (1)، ألا ترى كيف وصف الله ~~انبساط كليمه بقوله : ( إن هي إلا فتنتك )، ولا يجوز الانبساط إلا ~~لمن كان على وصفهم. # قال بعضهم : ذهب روع ما ms0667 يجده في نفسه من تنزههم عن طعامه ، وعلم أنهم ~~الملائكة ، وجاءته البشرى السلام من الله لما فزع من قضاء حق الضيف ، ولقي ~~البشرى رجع إلى حد الشفقة على الخلق ، والمجادلة عنهم ، ( يجادلنا ~~في قوم لوط ) للرحمة التي جبله الله عليه ، ثم إن الله سبحانه ذكر وصف ~~خليله بأنه لم يعرف الملائكة في أول مقدمهم ، ثم وصف نبيه لوطا عليه السلام ~~بما وصف خليله من ضيق صدره ، والخيفة منهم بقوله : ( ولما جاءت ~~رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا ): حزن لأجلهم ، وضاق صدره شفقة عليهم ~~من فتنة قومه ، ثم وصف بأنه مشفق حزين كريم على الأضياف بقوله : ( ~~ولا تخزون في ضيفي )، وحكمة إنشاد باب الفراسة على إبراهيم ولوط أنهما ~~كانا في محل البسط وحسن الرجاء من الله سبحانه ، ولا يتوقفان البأس والعذاب ~~على القوم ، فلما رأيا ملائكة الله لم يعرفاهم باشتغالهم بمعهود حال البسط ~~، ولطائف الرجاء والقربة ، وإن كان سرهما لا يغيبان عن معرفتهم ، ولكن ~~عارضهما التقدير لإمضاء حكم الله على قوم. # قيل : إن إبراهيم كان صاحب النبوة والخلة والرسالة ، ولا بد أن تكون ~~فراسته أصدق من فراسة كل أحد ، ولكنه في هذا الحالة لم يعرف الملائكة ليعلم ~~أن الحق سبحانه إذا أراد إمضاء حكم سد على من أراد عيون الفراسة كما سد ~~فراسة النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الإفك إلى الوقت الذي أنزل به الوحي ، ~~والتبس الحال على لوط عليه السلام إلى أن ينزله الأمر ، ولما أخذ تلاطم بحر PageV02P129 # الامتحان لوطا عليه السلام طلب قوة وركنا شديدا ليدفع بهما قوم من ارتكاب ~~المعصية. # قال سبحانه : ( قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ): ~~رأى نفسه في منازل الابتلاء والامتحان ، ورأى أبواب المكاشفات والواردات ~~والمشاهدات مسدودة ، ولم ير نفسه إلا في محل الخوف ، ورؤية المكر وخشية ~~العظمة ، قال : لو أن لي في هذه الساعة اتصافا بصفة القدرة والقدر الأزلية ~~كما كان حالي قبل هذا الامتحان لرفعتكم عن الكفر والمعصية. # ( أو آوي إلى ركن شديد ) أي : لو ms0668 كشف لي حاشية من حواشي قوام ~~العدم آوي إلى هناك ، وأسترع من رؤيتكم أو آتي من عالم الملكوت بيأسكم أو ~~أدعو لكم ، أو كان لي لسان الرباني الرحماني ليهتدوا إلى مواقع بالرشد ، ~~وتعرفوا حقوق الله عليكم. # قال ابن عطاء : لو أن المعرفة بيدي لأوصلتها إليكم. # ( يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب ~~غير مردود (76) ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم ~~عصيب (77) وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم ~~هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد ~~(78) قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (79) قال لو ~~أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (80) قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا ~~إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ~~ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب (81)) # قوله تعالى : ( قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر ~~بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم ~~إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ). # قال بعضهم : لو أن لي جرأة على الدعاء عليكم لدعوت ، أو آوي إلى ركن شديد ~~من علم الغيب بما أنتم صائرون إليه من سعادة أو شقاوة ، فلما تم الأمر وعرف ~~الحال ، كشف الملائكة له حال القوم ، ووعدوا هلاك القوم وقت الصبح بقوله : ~~( إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب )، كأنه تسارع إلى مكان ~~التخلص من بين الضلال ، وأراد أن يرجع إلى قرب الله ومشاهدته وتسريح من ~~رؤية الأضداد ؛ لأن رؤية الأضداد حمى الروح ، كأنه قال : لو أن بكم قوة ~~أزلية أهلكتكم ، وآوي إلى ركن شديد إلى حضرة الملكوت مجالس الجبروت ، PageV02P130 # وأستريح من صحبتكم ، ورؤية معصيتكم ، فأنتظر بعد ذلك ما وعدوه ، قيل له : ~~( أليس الصبح بقريب ) (1). # ما أشد على العارفين انتظار واردات الغيب ، وطلوع صبح المشاهدة ms0669 ، وانفلاق ~~شرق العناية ، وإشراق شمس المكاشفة! دنا وصال الحبيب ، واقتربا واطربا ~~للوصال وأطربا. # حكي عن السري أنه قال : قلوب الأبرار لا تحتمل الانتظار. # ( فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من ~~سجيل منضود (82) مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد (83)) # قوله تعالى : ( فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها ): إذا طاب ~~عيش العارفين بجمال معروفهم ، وسكنوا بمواساة لطائف قربه ، واستأنسوا بنرجس ~~مودته ، وورد وصلته وياسمين نور صحبته ، واطمأنوا في مكانات كشوف غرائب ~~الملك والملكوت ، وأمنوا من بليات الامتحان ، هاج غيرة القدم عليهم ، ~~وأقلعهم طوارقات القهر ، وألقتهم إلى منازل الامتحان ، وجعلت أعالي قلوبهم ~~وأحوالهم أسافل نفوسهم وشهواتها ، حتى يعرفوا أن ساحة الكبرياء منزهة عن ~~الأنس والوحشة والوجود والعدم ، والمريدون إذا استكبروا على المشايخ يقلب ~~الله مواجيدهم بطر النفوس ومجاهدتهم اتباع شهواتهم ، الويل لمن كان هكذا ~~المسلم عليهم أحجار البعد ، نعوذ بالله منها ، وسماتها تواتر العصيان ، ~~والخروج على أطيار بساتين الرحمان ، وهذا جزاء من خرج على سادته ومشايخه ، ~~قال الله : ( وما هي من الظالمين ببعيد ) أي : ما هذا الحجاب ~~والبعد من التاركين السنة والمتابعة ببعيد. # قال بعضهم : لما أدركهم الحكم السابق الجاري في الأزل عليهم قلبنا عليهم ~~أرضهم كما حكمنا عليهم بتقليب قلوبهم ، وصرفهم عن طريق الحق وسبل الرشاد. # وقال محمد بن الفضل : ما أصاب قوم لوط ما أصابهم إلا بالتهاون بالأمر ، ~~وقلة المبالاة ، وارتكاب المحارم بالتأويلات. # قال الله : ( وما هي من الظالمين ببعيد ) أي : ما له بعذاب ممن ~~حملوا ما علموا من تخطي الشرع ، والتهاون بالأمر ، وارتكاب المناهي ~~بالتأويلات ببعيد (2). PageV02P131 # ( وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم ~~محيط (84) ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ~~ولا تعثوا في الأرض مفسدين (85) بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا ~~عليكم بحفيظ (86) قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن ~~نفعل في أموالنا ما ms0670 نشؤا إنك لأنت الحليم الرشيد (87)) # قوله تعالى : ( إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم ): أراد خير ~~الدنيا الذي هو محل الاستدراج والامتحان ، وإن رأى خير الاخرة ما خاف عليهم ~~وأهل المعرفة ، إذ رأوا أنفسهم في أعالي الدرجات والمقامات والاستقامة ، ~~زاد لهم خوفا ؛ لأنهم عرفوا الله بغيرة القدم ، ولا يستقيم بإزاء غيرته ~~الحدثان ، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم : «أنا أعرفكم بالله وأخوفكم ~~منه» (1). # قال بعضهم : أقرب حال إلى الاستدراج أيام الأمن والدعة ، وتواتر النعم ~~عليك ، وترادف الخيرات عندك. # ألا ترى الله حاكيا عن بعض أنبيائه لأمته : ( إني أراكم بخير ~~وإني أخاف عليكم ). # وقال بعضهم في : ( أراكم بخير ) أي : بنعمة من الله ، ( ~~وإني أخاف عليكم ): تقصيركم في شكر النعمة. # قوله تعالى : ( بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ): بقية الله ~~وقربته ووصاله وما ادخر لأوليائه من الكرامات السنية والدرجات الرفيعة. # قال بعضهم : ما ادخر الله لكم من كراماته خير مما تسألونه فيه. PageV02P132 # ( قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا ~~حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ~~وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (88) ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي ~~أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ~~ببعيد (89) واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود (90)) # قوله تعالى : ( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ): ليس ~~للصادقين مع الخلق معاداة بسبب من أسباب الدنيا ، إنما أبغضهم وخالفهم حين ~~يتركون متابعة السنة وما يعطونهم ، إلا بعد تركهم هوى نفوسهم ، ولا ينصحهم ~~إلا شفقة عليهم. # قال أبو عثمان : ليس بواعظ من كان واعظا بلسانه دون عمله. # وتصديق الاية قوله : ( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ) أي : ما ~~كان في عقلي ونيتي من قوة الله أريد بها إصلاحكم ، ولكن الهداية والتوفيق ~~ليست معي ، ولا أطيق أن أنقذكم مما جرى عليكم في الأزل : ( وما ~~توفيقي إلا بالله ) أي : اصطفائيتي ms0671 بالنبوة والولاية باختيار الله في الأزل ~~: ( عليه توكلت ): أسكن به لا لغيره ، واثق به فيما وعد لي ، ( ~~ وإليه أنيب ): أرجع إليه بنعت شوقي إلى لقائه. # قيل في قوله : ( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ) أي : مرادي ~~صلاحكم أن يساعدكم التوفيق ، ولا أستطيع أنا ذلك لكم إلا بمؤنتي من الله لي عليه. # قال النهرجوري : التوفيق حسن عنايته من الحق سبق إلى العبد ليس له فيه ~~سبب ، ولا منه له طلب. # قال الجنيد : التوكل ألا يظهر فيك انزعاج إلى الأسباب مع شدة الفاقة ، ~~ولا يزول عن حقيقة السكون إلى الحق مع وقوفك عليها. # قوله تعالى : ( واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود ) ~~أي : استغفروا مما جرى على قلوبكم من أنكم قدرتم بشيء من الطاعة والعصيان ، ~~فإن الطاعة والعصيان لا يتعلقان إلا بالسعادة والشقاوة الأزليتين ، والرضا ~~والسخط. # ( ثم توبوا إليه ) أي : تبرءوا من حولكم وقوتكم ، فإذا تيقنتم ~~ذلك وخرجتم من رؤية وجودكم يلبسكم ربي لباس معرفته ؛ لأنه رحيم بعارفيه ، ~~ويلقي حلاوة ؛ فإنه ودود لأهل وده. # وقال محمد بن فضل : من لم يكن ميراث استغفاره بصحيح توبته كان كاذبا في PageV02P133 # استغفاره ، ( ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في ~~المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله ~~يحب التوابين ويحب المتطهرين ) [البقرة : 222] ، ومن لم يكن ميراث توبته ~~بصحيح محبته كان مبتلا في توبته ؛ لأن الله تعالى يقول : ( ~~واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه )، ويقول : ( إن الله يحب التوابين ). # وقال أبو عثمان : الودود الذي تودد إليك بالنعم قديما وجديدا من غير ~~استحقاق ولا وجوب. # ( قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ~~ولو لا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (91) قال يا قوم أرهطي أعز عليكم ~~من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط (92) ويا قوم ~~اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب ~~وارتقبوا إني معكم رقيب (93) ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا ms0672 معه ~~برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (94) كأن لم ~~يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود (95)) # قوله تعالى : ( وإنا لنراك فينا ضعيفا ) أي : مستوحشا مما نحن ~~فيه ، مستأنسا بما أنت فيه ، وأيضا : ضعيفا فيما تدعى من الرسالة والمعجزة ~~، وما تدعى من القربة والمشاهدة ، فإنك أضعف الضعفاء ، كيف تقدر أن تخبر ~~عما لم يعرفه ، وما لا يليق بعقول الخلائق. # قال الترمذي : مهجور فيما بيننا ، لا تعاشر ، ولا تعاسر. # قال بعضهم : قليل العقل. # ( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (96) إلى فرعون وملائه ~~فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد (97) يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم ~~النار وبئس الورد المورود (98) وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد ~~المرفود (99) ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد (100) وما ~~ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من ~~شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب (101) وكذلك أخذ ربك إذا أخذ ~~القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد (102) إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب ~~الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك PageV02P134 # يوم مشهود (103) وما نؤخره إلا لأجل معدود (104) يوم يأت لا ~~تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد (105) فأما الذين شقوا ففي النار لهم ~~فيها زفير وشهيق (106) خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ~~إن ربك فعال لما يريد (107) # قوله تعالى : ( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين ): الايات ~~قدرته على الإخبار عما وجد من أنوار جلاله ، وحقائق حضرته ، ونشر فضائل ~~معارفه وكواشفه ، والسلطان المبين ما ظهر من وجهه من سطوع نور الأزلية ، ~~وأثار المحبة التي قال : ( وألقيت عليك محبة مني ). # قال ابن عطاء : الايات هي القوة عند مخاطبة الحق ، وسماع كلامه ، ~~والسلطان هو الانبساط في سؤال الرؤية. # قال جعفر : الايات هي التواضع عند أولياء الله ، والسلطان التكبر على ~~أعداء الله. # وقال بعضهم : الايات محبة في قلوب خلقه ، والسلطان هيبتهم له محبة في هيبة. # قوله تعالى : ( وكذلك أخذ ربك إذا ms0673 أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه ~~أليم شديد ): تهديد لأهل الغفلة في النعمة الذين شغلتهم النعمة عن رؤية ~~المنعم. # قال أبو بكر الوراق : إذا سخط الله على قوم أكثر عليهم نعمة ، وأنساهم ~~شكره ، ونزع عن قلوبهم التوفيق ، وتراهم سدى حتى أغمروا في المعاصي ، ~~واستوجبوا أخذه ، أخذهم على غرة. # قال الله تعالى : ( ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود ): ~~ذلك اليوم يجمع العارفون لموقف رؤية الجلال ، وشهودهم مشاهد الكبرياء ~~والعظمة ، ويجمع المحبون ما قامت مشاهدة الجمال ، وشهودهم لقاء البقاء ، ~~ويجمع الموجدون لرؤية القدم وشهود الأزل ، وهم صبار لا يزالون عن طوارق ~~القدرة وسطوة العظمة ؛ لأنهم في الدنيا أهل جمع وأهل شهود. # قال أبو سعيد الخراز : من عاشق في حقيقة عين الجمع لم يهوله ما جمعوا له ~~من ذلك المقام ، ومن كان في كشف المشاهدة لم يتعجب من شهود ذلك اليوم ؛ ~~لأنه كان مكشوفا له عن ذلك ، وهذا معنى قوله : ( ذلك يوم مجموع له ~~الناس وذلك يوم مشهود ). # وقال يحيي بن معاذ : الأيام منها يوم مفقود ، ويوم مشهود ، ويوم مورود ، ~~ويوم موجود ، ويوم محدود ، فاليوم المفقود : أمسك ؛ فإنك على ما فرطت فيه ، ~~واليوم المشهود يومك فتزود منه ما استطعت ، واليوم المورود : لا تدري هو لك ~~أم أنت له لعله ليس من أيامك ، PageV02P135 # وهو غدك فلا تشغل به ولا تهتم له ، واليوم الموعود : فاجعله من بالك ، ~~واذكره على كل أحوالك ، واعمل له فإنه آخر أيامك ، ويوم ممدود : يوم يقوم ~~الناس لرب العالمين ، فانظر لنفسك لوقوف ذلك. # ( خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك ~~فعال لما يريد )، وجواب السؤال قوله تعالى : ( خالدين فيها ما ~~دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك )، ويرجى من كرم الله ولطفه أن ~~الكفار إذا حشروا يدخلهم النار بلا حساب ، ثم يحشر المؤمنون إلى عند ~~الميزان ، وتبدل الأرض ، ويقلع السماء من البين ، ويحاسب المؤمنون حسابا ~~يسيرا ، وهو قادر أن يحاسبهم بلحظة ، فإذا أراد أن يدخلهم الجنة يخرج ~~الكفار من النار ، ويلقهم في بحر الحيوان ms0674 ، ويدخلهم مع المؤمنون في الجنان ~~؛ لأنه تعالى وعد أنهم في النار ما دامت السماوات والأرض ، فإذا زالت ~~السماء والأرض كملت الحجة ، وهذا شيء مرجو ، ليس بمعتقد أهل السنة. # ومعنى قوله : ( إلا ما شاء ربك ) إلا من آمن بقلبه قبل معانية ~~الاخرة بلهفة ، ولم يطلع عليه أحد غير الله ، فإن دخله وورد على الصراط ~~كالمؤمن يكون كذلك إن شاء الله ؛ فإنه تعالى مستغن عن عذاب الكافرين ، كما ~~يستغني عن إيمان المؤمنين وطاعتهم ، وإيش يضر به أن يدخل الكفار في الجنة ~~وساحة كبريائه منزهة عن خلل الحدثان ، وإذا أنشر بساط الكرم يدخل الأولون ~~والاخرون والمؤمنون والكافرون في حاشية من حواشي بساط رحمته ، وهو صادق ~~فيما وعد وأعدوا ، وإنما العلم عند الله. # وتأكيد ما ذكرنا قول أبي مجلز : هو جزاؤهم إلا أن يشاء ربك يتجاوز عنهم ~~فلا يدخلهم النار. # وقال ابن مسعود : ليأتين على جهنم زمان تحقق أبوابها ليس فيها أحد ، وذلك ~~بعدما يلبثون فيها أحقابا. # وقال الشعبي : جهنم أسرع الدارين عمرانا أسرعهما خرابا. # وتصديق هذه الأقوال قوله تعالى : ( إن ربك فعال لما يريد )، وإن ~~هذا مما يؤيد إن شاء الله. # ( وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ (108) فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ~~ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص (109) ~~ولقد آتينا موسى PageV02P136 # الكتاب فاختلف فيه ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم ~~لفي شك منه مريب (110) وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون ~~خبير (111) فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ~~(112) ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من ~~أولياء ثم لا تنصرون (113) وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن ~~الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين (114) واصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين (115) فلو لا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد ~~في الأرض إلا ms0675 قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه ~~وكانوا مجرمين (116) وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (117) ولو ~~شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ربك ~~ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (119)) # قوله تعالى : ( وأما الذين سعدوا ففي الجنة ): الذين سبقت لهم ~~في الأزل العبادة الكبرى ، وهي التوحيد والمعرفة على قواصير النور على ~~رفارف الجنان تحت سرادق العرش. # ( خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ): سماء الجنة وأرضها ، ~~سماؤها العرش ، وأرضها الدر ومكة البيضاء من مسك أذفر. # ( إلا ما شاء ربك ): وقع المشيئة على العارفين والمحبين ~~والمشتاقين ؛ فإنهم يجتازون على الجنان ، ويدخلون في أنوار حبال الرحمن أبد ~~الابدين. # قوله تعالى : ( وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت ~~السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ )، قال الله تعالى : ( ~~ عطاء غير مجذوذ ) (1). # وقال أيضا : في فاكهة أهل الجنة في أهل الجنة ( لا مقطوعة ولا ~~ممنوعة ). # وقال ابن عطاء : إلا ما شاء ربك من الزوائد لأهل الجنة من الثواب ، ومن ~~الزوائد لأهل النار من العقاب. PageV02P137 # وقال الجنيد : الشقي من حرم الرحمة ، والسعيد من رزقها. # وقال إبراهيم الخواص : الشقي من اعتمد تدبيره وقوته ، والسعيد من فوض ~~أمره إلى ربه ، والسعيد الذي ساعده التوفيق الأزلي في كل ما يريد من ~~المقامات ، وتسهيل الطاعات ، والشقي ميت القلب عن مورد تجلي رؤية الرب. # قوله تعالى : ( فاستقم كما أمرت ): أمر الله سبحانه نبيه ~~صلى الله عليه وسلم في معهد الأزل أن يقوم بتحمل أمانة علوم كنوز القدم ، وما ~~يتعلق بها من كشوف أنوار صفاته وذاته إلى الأبد ، وذلك بعد أن كساه كسوة ~~الربوبية وقدرة الأزلية ، فذكره عهده الأول بعد كونه متحليا بأنوار التأييد ~~والعناية ، وقيامه بأداء حقوق الرسالة والنبوة ، فان الان أوان الامتحان ؛ ~~حيث زينت الدنيا بأحسن زينتها لك ، وأجريت الطبيعة فيك ، وأن يستقيم أصحابك ~~وأمتك في حمل ما تخبرهم من أحوالك معي ، وأحوالهم وكراماتهم بين يدي ؛ فإني ~~بجلالي وقدري أكشف أسراري ms0676 لك ولأمتك من أهل الحقائق ما لا يطيق بإزائها ~~السماوات والأرض ، فاستقم بما يليق برسالتك. # ( ومن تاب معك ) من أمتك بما يليق بولايتهم ، وليس للاستقامة حد ~~؛ لأنها مقامات وحالات ومعارف وكواشف وتوحيد ويقين وصدق وإخلاص وآداب وخطاب ~~، وفي كل مقام استقامة من يستقيم فيها جميعا ، وفيما يرد عليه من واردات ~~المواجيد من اللطفيات ، وما يرد عليه من الامتحان والبليات ، صار موصوفا ~~بالاستقامة ، ومن يطيق أن يقوم بإزائها مستقيما ، ولا يثبت على صفوان القدم ~~آثار أهل العدم من جعله الله مستقيما بتأييده صار مستقيما ، المخصوص في ذلك ~~محمد صلى الله عليه وسلم ، لذلك قال عليه السلام : «استقيموا ولن تحصوا» (1)، ~~ولما ثقلت عليه أثقال الاستقامة على تتابع كشوف الأزليات وأسرار الأبديات ~~قال : «شيبتني هود» (2). # وقال ابن عطاء : إنما ينال الاستقامة على حسب ما أكرم به من نور السر. # وقال بعضهم : من يطيق مثل هذه المخاطبة بالاستقامة إلا من أيد من ~~المشاهدات القوية ، والأنوار البينة ، والاثار الصادقة. # ثم عصم بالتثبيت ، ( ولو لا أن ثبتناك )، ثم حفظ في وقت ~~المشاهدة ، ومشافهة الخطاب ، وهو المزين بمقام القرب والمخاطب في بساط ~~الأنس محمد صلى الله عليه وسلم ، بعد ذلك خوطب بقوله : ( فاستقم كما ~~أمرت ): ولولا هذه المقدمات لا نفسخ دون هذا الخطاب. # ألا تراه كيف يقول للأمة : «استقيموا ولن تحصوا» (3) أي : لا تطيقوا ~~الاستقامة التي PageV02P138 # أمرت بها. # وقال جعفر الصادق في قوله : ( فاستقم كما أمرت ): افتقر إلى ~~الله بصحة العزم. # قال الشيخ أبو عبد الرحمن : سمعت أبا علي الشوني يقول : رأيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم في المنام ، فقلت له : روي عنك أنك قلت : «شيبتني هود» (1) ~~، فقال : نعم ، فقلت له : ما الذي شيبك منه قصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ فقال ~~: لا ، ولكن قوله : ( فاستقم كما أمرت ). # وقال جعفر الصادق : منهم من استقام على توحيده ، ومنهم من استقام على ~~إيمانه ، ومنهم من استقام على إسلامه ، ومنهم من استقام على معرفته ، ومنهم ~~من استقام على عظمته ، ومنهم من استقام على الحمد والثناء ، ومنهم من ~~استقام على الكرم والوفاء ، ومنهم ms0677 من استقام على الخوف والرجاء ، ومنهم من ~~استقام بالله لا شيء سواه. # وقال بعضهم : من استقام بالحق لا يعوج ، ومن استقام بباطل فهو غير مستقيم ~~؛ لأن الاستقامة لا تكون إلا بالحقيقة. # وقال بعضهم : الاستقامة لا تكون إلا باتباع السنة. # وقال الجريري : الاستقامة في النعمة للعوام ، والاستقامة في البلاء ~~استقامة للخواص. # وقال الجنيد : الاستقامة مع الخوف والرجاء حال العابدين ، والاستقامة مع ~~الهيبة والحياء حال المقربين ، والاستقامة مع الغيبة عن رؤية الاستقامة حال ~~العارفين. # وقال الأستاذ : يحتمل أن تكون السنن في الاستقامة سنن الطلب ، أي : سل من ~~الله الإقامة على الحق. # ويقال المستقيم : من لا ينصرف عن طريق الله ما لم يصل إلى الله يصل سيره بسراه. # قوله تعالى : ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ) أي : ~~لا تقتدوا بالمرائين والجاهلين وقرناء السوء ، فتمسكم نيران البعد ، وحب ~~الجاه والرياسة ، وتلحقكم نار البدعة والضلالة. # وأيضا : لا تسكنوا إلى نفوسكم المظلمة بجهلها حقوق الله سبحانه. # قال الكتاني : من لم يتأدب لحكيم أو إمام يكون بطالا أبدا ، قال الله : ( ~~ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ). # وقال سهل : لا تعتمدوا في دينكم إلا السني. # وقال حمدون القصار : لا تصاحب الأشرار ؛ فإن ذلك يحرمكم الأخيار. PageV02P139 # وقال علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر قال : لا تركنوا إلى نفوسكم ؛ ~~فإنها ظلمة. # وقال سهل : لا تجالسوا أهل البدع. # قوله تعالى : ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن ~~الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ): إن الله سبحانه حفظ الأوقات ~~على أهل المشاهدات والمحاضرات ، ووسمها بوظائف الطاعات لهم ليصلوا ~~بالمجالسات والمحاضرات والمراقبات والطاعات إلى معالي الدرجات والقربات ؛ ~~لأن من حضر بقلبه وروحه وعقله مجالس الذكر والمراقبة يصل سره إلى رؤية ~~المشاهدة أحد طرفي النهار ؛ لأن كثرة الفترة والزلة والغفلة يكون بالنهار ~~حتى يكونا ذاهبين بما جرى بينهما من الغفلات بما فيها من صفاء الأذكار ~~وجولان الأفكار ، وأخذ طرفا من الليل ، وهو أولها لبقاء صفاء الوقت ، ~~وحلاوة الذكر والطاعة ، وحرقة الوجد ، ولهب القلب ، ولذة الأنس إلى النهار ~~، ولا يترك ms0678 صاحبها عاقلا ، وإن كان نائما ، فإذا وصل أوقات الليل بأوقات ~~النهار ووصل أوقات النهار بأوقات الليل بنعت عد الأنفاس ، ونفي خواطر ~~الوساوس ، تذهب أنوارها غبار الخطرات ، وظلمة المعارضات ، وهيجان الطبيعيات ~~البشريات ، كما قال تعالى : ( إن الحسنات يذهبن السيئات ): إن ~~حسنات أنوار المشاهدات تذهب سيئات المعارضات ، وتذهب حسنات كشف الجمال ~~سيئات الخيال ، وتذهب حسنات التوحيد والمعرفة والفهم سيئات الظن والوهم ، ~~ولا يعرف ما وصفنا إلا أهل الذكر من المريدين ، وأهل المراقبة من المحبين ، ~~وأهل الرعاية من العارفين ، كما قال تعالى : ( ذلك ذكرى للذاكرين ). # قال أبو عثمان : الأوقات والساعات جعلت علامات الأذكار أوقاتا للتيقظ ~~والاعتبار ، فمن مرت عليه أحواله وأوقاته وساعاته في غفلة ، فليتيقن بموت ~~القلب ؛ لأنه مطالب في كل وقت من أوقاته ، إما بفريضة أو سنة أو أدب. # قال الواسطي : أنوار الطاعات تذهب بظلم المعاصي. # قال بعضهم : رؤية الفضل تسقط عن العبد رؤية العمل. # قال أبو عثمان : حسن الظن بالخلق يذهب بالامنة والغيبة ، ويورث الشفقة ~~والنصيحة والرحمة ، وذلك موعظة لمن يوفق له ويؤهل. # وقال يحيي بن معاذ : إن الله لم يرض للمؤمن بالذنب حتى ستر ، ولم يرض ~~بالستر حتى غفر ، ولم يرض بالغفران حتى بدل ، ولم يرض بالتبدل حتى أجره ~~عليها ، فقال : ( إن الحسنات يذهبن السيئات )، وقال : ( ~~فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ). PageV02P140 # يقال : حسنات التوبة تذهب سيئات الزلة. # ويقال : حسنات العرفان يذهبن سيئات العصيان. # ويقال : حسنات العناية تذهب سيئات الجناية ، ولما عظم شأن حفظ الأوقات ، ~~وأشكل رعاياتها على أهل المشاهدات والمجاهدات أمر بالصبر عليها بقوله : ( ~~ واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) أي : ( واصبر ) في ~~دفع الخطرات المذمومة عن مزار المجاهدة وأنوار المكاشفة. # وأيضا : واصبر تحت رجاء تجلي الكبرياء ، فإني أجازي بإحسانك بذل وجودك ~~بنعت طلب رؤيتي بكشف جمال بقائي حتى لا تفنى بنور كبريائي ، وتبقى معي بنور بقائي. # قيل : اصبر على أداء الطاعات ، وعن ارتكاب الجنايات ، فإن الله لا يضيع ~~أجر من أحسن في آداب العبودية. # وقيل : اصبر على الذكر ؛ فإن من ذكر الله على الحقيقة ذكره ، كما قال ~~عليه ms0679 السلام : «يقول الله : إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي ...» ~~الحديث (1)، وأي أجر أعظم وأجل وأبقى من ذكر باق يكون ثواب ذكر باق. # قوله تعالى : ( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ): ~~القرى قلوب العارفين ، وأهلها الأرواح القدسية الملكوتية ، فإذا كانت ~~الأرواح مخالفة لنفوسها الأمارات بألا تجليها في حواشي الأذكار والأفكار ~~ينزل عليها عساكر أنوار تجلي القدس ، وتكون قلوبها رياض الأنس ، وإن الله ~~سبحانه لا يجليها على أيدي الخطرات والنفوس الأمارات ، ولا يجري عليها ~~أحكام القهريات ، وينورها بأنوار المشاهدات والقربات. # وأيضا : لا يهلك قلوب العارفين والمؤمنين والموقنين والمحبين ونفوسها ~~مطمئنة بذكره. # قال تعالى : ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ): فإن خطر عليها ~~خاطر من قبل الهواجس والوسواس لا يحجب الحق أسرارها من جماله ومشاهدته بما ~~خطر عليها من بعض الخواطر ، قال الله سبحانه : ( وما كنا مهلكي ~~القرى إلا وأهلها ظالمون ) [القصص : 59] أي : بقليل ظلم أهل القرية ، أي : ~~بقليل من هواجس النفوس. # وأيضا أي : بظلم منه تعالى على القلوب ؛ فإنه منزه عن الظلم ، وكيف يكون ~~منه الظلم على المقبلين وهو تعالى اصطفاهم في الأزل بصلاحية قبول معرفته ؛ ~~حيث عرفهم ذاته بكشف PageV02P141 # صفاته إياهم ، فبقيت تلك الصلاحية. # قال بعضهم : ما أخذ أحدا إلا بجريرته ، ومن لزم الصلاح والطاعة وقاه الله ~~الافات ومكاره الدارين ؛ لذلك قال : ( وما كان ربك مهلك القرى حتى ~~يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ~~ظالمون ). # قال أبو سعيد القرشي : الصلاح هو الرجوع إلى الله في كل نفس بالابتهال ~~والتضرع. # قيل : في تفسير الطاهر وأهلها ينصف بعضهم بعضا. # قوله تعالى : ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ): أي : على ~~سبيل واحد من توحيده ومعرفته وقربته ومشاهدته ، ولكن حكمته الأزلية وعلومه ~~القدمية تفرقهم في طرق المعارف ، وأعطي كل واحد منهم سبيلا يسلك فيه من ~~معرفة ذاته وصفاته جميعا ، فيسيرون إليه بسبيل الصفات وطريق الذات على حسب ~~مذاقهم ومشاربهم ، فبعض في المعرفة ، وبعض في التوحيد ، وبعض في العشق ، ~~وبعض في الشوق ، وبعض في الإرادة ms0680 ، وبعض في الحالات وبعض في المعاملات ، ~~ولا يشبه حال المريدين حال المتوسطين ، ولا حال المتوسطين حال العارفين ، ~~وحال العارفين حال الأنبياء والمرسلين ، وتقدر علومهم ومعرفتهم ، ولم يرتفع ~~الاختلاف بينهم. # قال الله تعالى : ( ولا يزالون مختلفين ) أي : مختلفين في ~~الأحوال والمقامات والأفعال والأقوال ، ( إلا من رحم ربك ) ويبلغه ~~إلى مقام الغيبة عنه من ولهه في أنوار القدم ، وفنائه في سطوات الأزل ، ~~وأيضا : إلا من يبلغه مقام الصحو والتمكين حتى يطلع على الكل ، فلا تخالفهم ~~فيما هم فيه ؛ لأنه في مقام الاتصاف ونعت التمكين خارجا عن التلوين. # ( ولذلك خلقهم ) أي : طباعهم مجبولة باختلاف ترقي المقامات ~~ودرجات الحالات ، وهذه سنة الله جرت في الجميع ، قال تعالى : ( كل ~~أناس مشربهم )، ويمكن أن الجميع خلقهم للمخالفة في البدايات ، وللموافقة ~~في النهايات في هذه المقامات وهذه الدرجات ، ويمكن أن الجميع خلقوا للرحمة ~~، وهي الموافقة في النهاية بعد عبورهم على بحار الأحوال والأعمال ، إذا ~~وصلوا إلى بحار المشاهدة ، فيفرقون فيها ، ولا يعرف هناك في تلك الساعة ~~الوضيع من الشريف ؛ لأنها منازل الشرفات وحقائق المدانات ، وهو بجميعهم ~~رءوف رحيم. # إذا طلع الصباح لنجم راح %~% تساوى فيه سكران وصاحي # ( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق PageV02P142 # وموعظة وذكرى للمؤمنين (120) وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على ~~مكانتكم إنا عاملون (121) وانتظروا إنا منتظرون (122) ولله غيب السماوات ~~والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون ~~(123)) # قوله تعالى : ( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ~~وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين ). # قال الجنيد : خلقهم للاختلاف ، ولو خلقهم للموافقة لما رجعوا عنه إلى ~~سواه ، ( إلا من رحم ربك ) منهم فأيدهم بأنوار الموافقة ، فلزموا ~~الشدة ، ولا يلتفتوا إلى الأغيار. # قوله تعالى : ( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ~~): أنهم رزقهم الله فهم خطابه ، فإن الصادق العارف إذا وقع في بحر الأزل ~~يرى عجائب كشوف الصفات وأنوار الذات سبحانه تعجب بشأنه ، وظن أن واقعته لم ~~تقع على ms0681 أحد غيره ، خاصة في بداية حاله وبديع كشفه ، فظن أنه فريد في حاله ~~، فعرف الله سبحانه أحوال ما مضى على أوليائه ليعلم أن حاله لم يكن غريبا ، ~~بل يكون معروفا عند العارفين ، ومعلوما عند الصديقين ، ومشروحا عند ~~المرسلين ؛ ليفرح بسنة الله التي جرت باصطفائية أوليائه في أوليائه في ~~الأزل ، ولا يغيرها طوارق الحدثان. # قال تعالى : ( سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا ~~تحويلا )، والشيء إذا كان معروفا عند العلماء والأولياء لا مدخل فيه ~~للمعارضات والشبهات. # قال أبو بكر الكتاني : سألت الجنيد عن مجارات الحكايات؟ قال : هي جنود من ~~جنود الله في أرضه يقوي بها أحوال المريدين ؛ فقلت : أله أصل في الكتاب؟ ~~قال : قال تعالى : ( وكلا نقص عليك ) (1). # قوله تعالى : ( وجاءك في هذه الحق ) أي : الكشف لك في هذه ~~الخطابات على أثر كل خطاب جمال الحق سبحانه ، وكشوف صفاتك على وفاق الخطاب ~~، فحيث يخبر الخطاب عن الكبرياء ينكشف لك الكبرياء ، وكذلك العظمة والجلال ~~والعزة والقدم والبقاء ، وإن أخبر عن الذات يكشف لك الذات صرفا ، فإذا كان ~~صلى الله عليه وسلم في منازل الابتداء يقويه الحق بذكر PageV02P143 # أحوال من الأنبياء ليطيق أن يحمل بدائع الواردات العجيبات له ، فإذا قوي ~~بها يثبته بكشف جماله وجلاله حتى يطيق أن يعبر على بحار نكرات القدم ، ولا ~~يتغير بطوارق المكربات والامتحانات. # ثم إن الله سبحانه يقوي قلوب تابعيه من الأولياء والمؤمنين بما جرى عليه ~~من أحكام الغيب وأنباء الأزلية ، ليطيقوا أن يحملوا أثقال ما أوحي إليه ، ~~فثبت قلب النبي صلى الله عليه وسلم بقصة الرسل ، وما كشف لهم ، وثبت قلوبهم ~~الأمة بقصته وحاله ، فما أشرف هذه الأمة ، حيث هو عليه السلام سبب تثبيت ~~قلوبهم. # وتصديق ما ذكرنا قوله تعالى : ( وموعظة وذكرى للمؤمنين ): صورة ~~القرآن موعظة لأهل المعاملات وحقائقه بنصره لأهل المعاينات ، يعرف الكل من ~~بحار القرآن ما يوافق حاله وفهمه وإدراكه ، فالعموم متعلقون بظاهره ، ~~والخصوص متعلقون بباطنه ، وخصوص الخصوص في تجلي الحق فيه ، وحقيقة القرآن ~~هو الصفة الأزلية ، فإذا انكشف القرآن بأصله فقد ms0682 انكشف الحق فيه لمن خص ~~بخصوصية الصفة ، وأخبر بذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ~~فقال : إن الله يتجلى لعباده في القرآن. # قال أبو زيد : فوائد القرآن على حسب ما يؤهل له مستمعه ، فمن سمعه من ~~أمثاله ففائدته فيه علم أحكامه ، ومن سمعه كأنما سمعه من النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقرأ على أمته موعظته منه بيان معجزته ، وانشراح صدره ~~بلطائف خطابه ، ومن سمعه من جبريل عليه السلام كأنما يقرأ إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم ؛ فمشاهدته في ذلك مطالعات الغيوب والنظر إلى ما فيه من ~~الموعود ، ومن سمع الخطاب فيه من الحق فني تحته ، ومحقت صفاته ، وصار ~~موصوفا بصفات التحقيق يعني عن علم اليقين وعين اليقين ، ويحصل في درجات حق ~~اليقين. # قوله تعالى : ( ولله غيب السماوات والأرض ): غيب السماوات ~~الأرواح ، وغيب الأرض القلوب ، يعلم ما أودع الأرواح من علوم كنوز الذات ، ~~ويعلم ما أودع بابه عن أسرار الصفات. # وأيضا : غيب السماوات ما في قلوب الملائكة من علوم المقادير التي تجري ~~بنعوت القضاء والقدر على أفعال العباد ، وغيب الأرض علوم معرفة ذاته وصفاته ~~في قلوب الأنبياء والمرسلين والعارفين والصادقين. # وقوله : ( وإليه يرجع الأمر كله )، ( الأمر ) هو ~~الأرواح ترجع إليه على قدر مشاربها من عيون الصفات وأنوار الذات ، ثم رغبة ~~إلى عبوديته التي تورث الحرية ، والحرية تورث التوحيد ، والتوحيد يورث ~~التجريد ، والتجريد يورث التفريد ، والتفريد يورث المحو في PageV02P144 # الذات ، والصحو في الصفات ، فإذا قرر هذه المقامات يؤمنه من زوال الشرف ، ~~ومحو المحو عنه به ، فقال : ( وتوكل عليه ) أي : هو حسبك ، ارجع من ~~قهره إلى لطفه ، ومنه إليه ؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : «أعوذ بك منك» (1). # قال النهرجوري في قوله : ( ولله غيب السماوات ): لا يعملها إلا ~~هو ، ولا يطلع عليه إلا الأمناء من عباده ، وهم الذين يصلحون للقرب ، ~~والمجالسة ، وحفظ الأسرار ، والنظر إلى المغيبات ، وهم الذين لم يبق عليهم ~~منهم حظ ، ولا لهم فيهم مطالبة ، وكانوا بلا كون ، وشهدوا بلا شهود ، بل ~~يكونون بالتكوين ، ويشهدون بالأشهاد ، فلا هم ms0683 هم ، ولا هم لا هم ، فهم من ~~حيث الوجود لا هم ، من حيث الاتحاد هؤلاء أهل الغيب الذين غيبوا عنهم ، فلا ~~لهم في أنفسهم حظ ، ولا للخلق إليهم سبيل ؛ لأنهم أخرجوا عن حدود التفرقة ~~إلى عين الجمع ، فلا ثم كلام ، ولا عنه عبارة بحال. # وقيل في قوله : ( وإليه يرجع الأمر كله ): مرجع الكل ؛ لأن منه ~~مبدأ الكل. # ( فاعبده ): أسقط عنك حظوظ نفسك ، وقف مع الأمر بشرط الأدب ~~والسنة ، وتوكل عليه لا تهتم بما قد كفيته ، واهتم بما ندبت إليه ، ( ~~ وما ربك بغافل عما تعملون )، كيف يغفل عنك من قدر عليك عملك ، وما ~~أنت لاقيه إلى آخر أنفاسك ، والله أعلم. # *** ### | سورة يوسف عليه السلام # ( الر تلك آيات الكتاب المبين (1) إنا أنزلناه قرآنا عربيا ~~لعلكم تعقلون (2) نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن ~~كنت من قبله لمن الغافلين (3) إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر ~~كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين (4)) # ( الر تلك آيات الكتاب المبين ): الألف إشارة إلى أنائية ~~التوحيد ، واللام إشارة إلى نكرة أهل التجريد ، والراء إشارة إلى ربانية ~~أهل التفريد. # قوله تعالى : ( تلك آيات الكتاب المبين ) أي : مظنات الإشارات في الأحرف PageV02P145 # الثلاث علامات المعارف ، المعرفة في الصفات القديمة المبينة أنوارها في ~~قلوب الصديقين ، وآثارها في شواهد الملك والملكوت ، وما ذكر في القرآن. # قوله : ( تلك آيات الكتاب المبين ): أوصاف ونعوت وأسماء وصفات ~~مبينة أسرار الخطاب لأهل المكاشفات والمشاهدات من العارفين والمقربين ، ~~والحكمة في الخطاب بالحروف كتمان الأسرار عن الأغيار ، وهي سنة الأحباب في ~~رفع النقاب في الحجاب. # أبكي إلى الشرق إن كانت منازلكم %~% من جانب الغرب خوف القيل والقال أقول بالخد خال حين أذكره %~% خوف الرقيب وما بالخد من خال # هذا سر الحبيب مع الحبيب ، ولا يطلع عليه إلا من له شرب من بحره ، وسقي ~~من نهره ، وطلوع من شرقه ، وأقول في غربة ؛ لأن بهذه الطائفة رموز وإشارات ~~لا يقف عليها إلا طيار في الملكوت وسيار في الجبروت. # قال الأستاذ : في إنزال هذه ms0684 الحروف المقطعة إشارة ، وهو أن من كان بعين ~~الفضل والصحو استنبط من اللفظة اليسيرة كثيرا من المعاني ، ومن كان يشاهد ~~الغيبة والمحو يسمع الكثير فلا يفهم منه اليسير. # وقال أيضا : الإشارة من الكتاب المبين ها هنا إلى حكمة السابق له بأن ~~برقية إلى الرتبة التي لم يبلغها غيره. # قوله تعالى : ( نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك ): إن ~~الله سبحانه لما أراد أن يوقع عنقاء همته إتعاب قوسيبنية إلى شبكة عشق زينب ~~، وسقاها من مشارب سواقي الالتباس زلال بحر تجلى صفة الجمال بأقداح الأفعال ~~، رأى قدس همته عن علل الإنسانية في ذلك ، وغيرته على معهد مشاهدة الأزل ~~تسلى قلبه بهذه القصة التي هي مطية رواحل أسرار العاشقين والوامقين ، وهو ~~تعالى بجوده واختياره له سيادة الكونين ورسالة العالمين يواسيه لئلا يضيق ~~صدره في محل الامتحان ؛ لأن امتحان بالعشق الإنساني مراقي مشاهدة جمال ~~الازال والاباد ليسير في ميادين القدم والأبد بمراكب العشق ، فإن بالعشق ~~بلغوا إلى العشق ، وحسن القصة بيان عشق الإنساني في مراتب الأرواح العاشقة ~~، وطيرانها من هذه المقامة إلى عشق الألوهية ، ومشاهدة الأزلية. # بين تعالى أن قصة العاشق والمعشوق أحسن القصص لما فيها من الأمثال والعبر ~~، والذوق والشوق ، والفراق والوصال ، والبلاء والعناء ، وشأن يوسف ~~عليه السلام كله عشق به أبوه ، وهكذا كل من رآه ؛ لأن حسن جمال القديم ألبس ~~وجهه ، وكان مرآة الله في بلاد الله تجلى الحق منها للعباد. PageV02P146 # وكيف لا يكون أحسن القصص؟! وهذه القصة قديمة أزلية ، وكل حسن في العالم ~~هي معد بها ، ومنها صدر كل الحسن والمستحسن ، ومن كمال حسنها أنه تعالى ~~أخرجها من تحت التكليف ، ولم يذكر في قصة العاشق والمعشوق الأمر والنهي ، ~~كأنها خير الوصال وأثر الجمال ، ومثل لعشاقه معه ، ( وله المثل ~~الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ). # قال بعضهم : أعجب القصص ، وفيه تعزية وسلوة للنبي صلى الله عليه وسلم لما ~~لقي من أهل بيته أن يوسف لقي من إخوته أكثر مما لقي هو من أهل بيته ، فلم ~~يخرج عليهم بنفسه منتقما ms0685 ، بل رأى ذلك كله من موارد القضاء ومواجب القدر ، ~~فلما رجعوا إليه : ( قال لا تثريب عليكم )، كيف يكون عليكم فيه ~~غيب وكنتم المجبورين عليه ، وكبت المقصود به من حيث القضاء والقدر. # قال علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر قال : اشتغل العوام لسماع القصص ، ~~واشتغل الخواص بالاعتبار فيه ؛ لقوله : ( لقد كان في قصصهم عبرة ~~لأولي الألباب ). # وقال بعضهم : هذا يدل على صدق أحوال المؤمنين ، ومعاني صفة المتقين ، ~~وإلى حقائق صحبة المحبين ، وصفاء سر العارفين ، تنبيها على حسن عواقب ~~الصابرين ، وحثا على سلوك الصادقين ، وبعثا على سبيل المتوكلين ، والاقتداء ~~بزهد الزاهدين ، ودلالة على الانقطاع إلى الله ، والاعتماد عليه عند نزول ~~الشدائد ، وكشفا عن أحوال الخائبين ، وقبح طريق الكاذبين ، وابتلاء الخواص ~~بأنواع المحن والفتن ، وكشف تلك المحن وعواقبها عن الإعزاز والإكرام ، ~~وتبديل تلك الشدة بالراحة ، والبؤس بالنعمة ، والعبودية بالملك ، وفيه ما ~~يدل على سياسة الملوك في مماليكهم وحفظ رعاياتهم وغير ذلك. # وقال الأستاذ : ( أحسن القصص )؛ لأنا نحن نقص عليك أحسن القصص ، ~~لخلوه عن الأمر والنهي الذي سماعه يوجب إشغال القلب. # وقيل : أحسن القصص ؛ لأنه غير مخلوق. # وقيل : لا فيها ذكر الحبيب والمحبوب. # ولما كان يوسف عليه السلام بتلك المثابة التي ذكرتها ، وأنه كان مرآة حسن ~~الحق ، وأن حسنه تأثير معادن حسن الأزل ، يخضع له الحدثان لما عليه من كسوة ~~جمال الرحمن ، أخبر عن رؤياه ، وما رأى فيها بقوله : ( إذ قال ~~يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ~~) (1): جمع الله في اسم يوسف عليه السلام أربعة حرف : الياء ، والواو ، PageV02P147 # والسين ، والفاء ، والياء : يسار ملكه ، والواو : وضاحة وجهه ، والسين : ~~اطلاعه على أسرار الغيب بحسن تأويل الرؤيا والمكاشفات ، والفاء : وفاءه في ~~عهد الرسالة ، فإذا اجتمعت هذه الأوصاف في يوسف عليه السلام سمي يوسف ~~عليه السلام ، وأيضا كان فيه خالص العبودية والحزن في شوقه إلى جمال ~~الربوبية. # قال بعضهم : سمي يوسف بيوسف عليه السلام ؛ لأن الأسيف العبد ، وتعبد يوسف ~~، ويقال : لحزنه ، والأسف الحزن. # جئنا إلى معنى رؤياه : رؤياه ms0686 : أول مقام المكاشفة ؛ لأن أحوال المكاشفين ~~أوائلها المنامات ، فإذا قويت الحال تصير الرؤيا كشفا ، وبين الرؤيا ~~والمكاشفات مقامات ذكرتها في الكتاب المكاشفة ، وافهم رزقك الله فهم معاني ~~المكاشفات أن الله سبحانه مثل عالم الملكوت مما فيها مع أسرار الجبروت ~~بنيران الكواكب والشموس والأقمار. # وأيضا : مثل بها أحكام أكابر الأنبياء والأولياء ، فالشمس مثل الذات ، ~~والقمر مثل الصفات ، والكواكب مثل الأوصاف والنعوت والأسماء ، وليس غرضي ها ~~هنا بيان أشكال المكاشفات برقتها ، لكن أقول بعون الله وتأييده نبذة مما ~~كوشف ليوسف عليه السلام : كان يوسف عليه السلام آدم الثاني ؛ لأن عليه كان من ~~كسوة الربوبية ما كان على آدم ، فرأت الملائكة على آدم ما رأت ، فسجدوا له ~~كلهم ، وها هنا سجد له أشراف الأنبياء ، وهم خير من الملائكة ، وكيف لا ~~يسجدون لهما ، ومن وجهها تتلألأ الأنوار القدوسية ، وجلال السبوحية : # لو يسمعون كما سمعت حديثها %~% خروا لعزه ركعا وسجدا # وفيه إشارة لطيفة : أن الخليل عليه السلام رأى ذلك المعنى من جبين الشمس ، ~~وعارض القمر ، ونور الكواكب ، فقال : ( هذا ربي )، وهذا عذر ~~للملائكة والأنبياء في سجودهم لادم عليه السلام ويوسف عليه السلام ؛ لأن هناك ~~يتجلى الحق سبحانه من أجرام الفلك التي معادنها الأفعال ، وهنا يتجلى الحق ~~منها وهما من خصائص تجلي الصفات صادران ، ألا ترى إلى قوله تعالى : ( ~~ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ): أليس أنوار الهيبة على أجرام ~~الفلك ، فهاجت إليها سرائرهم ، كما ألبس على طور أنوار الهيبة فهيج الله سر ~~موسى إليها ، وألبس أنوار الجمال آدم عليه السلام ويوسف عليه السلام ، فهاجرت ~~إليه أسرار الملائكة والأنبياء ، فياليت لو رأى الخليل يوسف عليه السلام ~~وآدم عليه السلام لرأى فيها أكثر مما رأى في أجرام الفلك : PageV02P148 خليلي وعد أحسن الناس كلهم %~% ويحسدها من حسن شمس والبدر # فيا ليت الجميع لو رأوا جمال سيد الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليه ~~لهاموا في البوادي والقفار ، وغرقوا في الفيافي والبحار ، وتطير الملائكة ~~من السماء ؛ لأن نوره أنور ، وشمسه أزهر ، وبدره أشرق ، نوره كان من معادن ~~جمال القدم ، وسراجه أسرج ms0687 من سمة الكرم ، وفيه نكتة عجيبة من حقائق التوحيد ~~: أن مشار الخليل ما قال : ( هذا ربي ) سجدت لبعض نبيه بيانا ~~لتنزيه جلال الكبرياء ، وتنزيه ساحة العزة والبقاء عن الأضداد والأنداد ، ~~رأى الخليل عليه السلام هذا المعنى بنور النبوة ، فقال : ( وإنني ~~بريء مما تشركون )، وفيه أدب المريد أن المكاشفة تذكر عند أستاذه ليفرق ~~بين الكشف والخيال. # ( قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن ~~الشيطان للإنسان عدو مبين (5) وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ~~ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق ~~إن ربك عليم حكيم (6) لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين (7)) # قال بعضهم : أعجبه حسن رؤياه حتى قصها على أبيه ، فكأنه فيه أول بلية ~~ومحنة إلى أن بلغ إلى تحقيق ما رأى ، فلما رأى يعقوب أسرار الرؤيا وتأويلها ~~خاف على ابنه : ( قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك )، وهكذا ~~شأن أهل قصة المعرفة ، لا يجوز للمريد أن يفتق سر المكاشفة إلا عند أستاذه ~~، والأنفع في بحر الحجاب ، ومحن الدعاوى ، ويكون مرتهنا بعيون الغيرة ، كان ~~يعقوب عليه السلام في ذلك الوقت في رؤية العلم من رؤية ما جرى في الأزل فدبر ~~وقاية ابنه بحسن التدبير قوة من صورة التدبير إلى عين التقدير. # قال بعضهم : إن يعقوب عليه السلام دبر ليوسف عليه السلام في ذلك الوقت خوفا ~~عليه أن يقع من إخوته في شيء ، فوكل إلى تدبيره ، ووقع به ما وقع ، ولو ترك ~~التدبير ورجع إلى التسليم لحفظ ، ولما قال : ( وكذلك يجتبيك ربك ~~ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على ~~أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم )، ولما قال : ( أن ~~يأكله الذئب )، وقال : ( لا تقصص رؤياك ): أراه الله فيه ما كان ~~يخافه عليه ؛ لذلك قيل : إن التفويض والتسليم خير من ملازمة التدبير ، ولما ~~وصاه وقال : لا تقصص الرؤيا عرفه اختصاصه في الرسالة والنبوة والحسن ~~والجمال والخلق والخلق بقوله : ( وكذلك يجتبيك ربك ms0688 ويعلمك من تأويل ~~الأحاديث ): اجتباه بأن كساه من نوره نور الجمال ، ورباه بمفرح الكمال ، ~~ورزقه الرسالة والكشف وعلوم المدينة الإلهية التي قال : PageV02P149 # ( ويعلمك من تأويل الأحاديث )، وتمام نعمته عليه أن بلغ إلى ~~مقام التمكين ، ورؤية التحقيق ، وفاز من التلوين ، وذاق طعم الاستقامة ، ~~وبلغ أشده إلى ما بلغ الذبيح والخليل ، وخروجه من درك امتحان العشق بنعت ~~القدس والجارة ، كما كان وصف الأنبياء والصديقين. # قال ابن هند : اجتباه ما منحه به من حسن الخلق ، ولطيف الصحبة مع أوليائه ~~وأعدائه ، وترك الانتقام لنفسه بحال. # وقال بعضهم : اجتباك ربك فصرف عنك كيدهن ، ولولا اجتباه لورد عليك منهن ~~ما ورد. # قال يحيي بن معاذ : من تمام نعمة الله على يوسف أن جعله منعما على إخوانه ~~، واضطرهم إلى الخضوع له والتذلل بين يديه بقوله : ( إنا كنا ~~خاطئين ). # وقال سهل : ويتم نعمته عليك بتصديق الرؤيا التي رأيتها لك. # وقال بعضهم : ويتم نعمته عليك في أن عصمك عن ارتكاب ما لا يليق بك ~~ولابائك. # وقال الأستاذ : من إتمام النعمة توفيق الشكر على النعمة ، ومن إتمام ~~النعمة أن يصونك عن شهود النعمة برؤية المنعم ، فلما أعظم شأن يوسف في حسنه ~~وجماله ، وقدسه وطهارته وظرافته مع إخوانه في احتمال البلاء منهم ، وترك ~~الانتقام منهم لنفسه عظم الله ذلك. # وقال : ( لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين ): آيات يوسف ~~سواطع نور الحق من وجهه ، وظهور علوم الغيب في قلبه ، ومعرفته بذات الله ~~وصفاته ، وكريم الاية ونعمائه ولطيف أفعاله وصنائعه ، وما وضع الله في ~~النفس الأمارة من عظيم قهر شهواتها ، واستيلاء هواها ، وفترتها وشرتها ، ~~ودقائق خدعتها ، ولطيفة ما بينها وبين طبائع الشياطين ، وحسن عاقبته ، ~~وبلوغه إلى أهل التمكين ، وما بدا من إخوته من الغيرة والفرقة ، وهذه ~~البراهين تذكرة وتبصرة للمريدين والمحبين العارفين. # قال حمدون القصار : للخلق في يوسف عليه السلام آيات ، وله في نفسه آية ، ~~وهو أعظم الايات ، وهو معرفته بمكر النفس وغدرها ، قال : ( إن ~~النفس لأمارة بالسوء ). # وقال بعضهم : إن من الايات التي في يوسف أنه حجة على كل من حسن ms0689 الله خلقه ~~ونعوته ألا يدنسه بمعصية. # قال ابن عطاء : آياته ألا يسمع قصته محزون إلا استراح إليه ، وأخرج منه ~~ما فيه راحة لما هو فيه. # ( إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا ~~لفي ضلال مبين PageV02P150 # (8) اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من ~~بعده قوما صالحين (9) قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب ~~يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين (10) قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على ~~يوسف وإنا له لناصحون (11) أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون (12) ~~قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون (13) ~~قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون (14) فلما ذهبوا به ~~وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا ~~يشعرون (15) وجاؤ أباهم عشاء يبكون (16) قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ~~وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين (17) ~~وجاؤ على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله ~~المستعان على ما تصفون (18)) # قوله تعالى : ( ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ): بين ~~الله سبحانه محل امتحانه بأن لم ينجو منه أحد حتى الأنبياء لئلا يأمن من ~~مكره فإن كيده متين ، وهم في ذلك ما بلغوا مقام النبوة ، ولكن عجبت من شأن ~~قهر الله سبحانه ، كيف غير فطرة المعروفين في ديوان الأزل بالولاية ~~والرسالة حتى يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ، وذلك منه تعالى عذر ~~للمذنبين جميعا ، وبين أن مكان الصدق يخطر عليه آفاق النفس والحسد والخدعة ~~، بقوله : ( لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون )، وهم كانوا ~~يعرفون موضع الخطأ في نفوسهم من إضمار إيذاء يوسف عليه السلام ، سبحان من ~~حجبهم من نفسه وكدر عليهم مشارب الصفاء والمودة ، وحجبهم عن العلم بفراسة ~~أبيهم ؛ حيث عرفه الله مكائد نفوسهم!. # قال بعضهم : لم يكن يأمنهم عليه ؛ لما كان يرى من فراسة النبوة ms0690 في ~~شواهدهم من إضمار الحسد والبغضاء. # قوله تعالى : ( أرسله معنا غدا يرتع ويلعب ) (1): إمهال يعقوب ~~بنيه ، وتركه دفع لعبهم ، بأنه رأى لطافة خاطر يوسف عليه السلام ومواصلة حزن ~~النبوة في قلبه ، وتأثير برحاء القبض PageV02P151 # في صدره ، فأذن لهم بذلك ؛ ليخرج يوسف عليه السلام لحظة من تحت أثقال هموم ~~المعرفة ، وتواتر تراكم حزن المحبة ، ومواجيد القربة ، ويستروح ساعة برؤية ~~الالاء والنعماء ، فسامحهم بذلك ، ليس أنه غافل عن تأديبهم ، وزجرهم عن ~~اللهو واللعب ، ورأى ما في ضمائرهم من لطيف المكر ، وعلم أنه موضع البلاء ، ~~فجعل المعول عليهم وسبق التقدير على التدبير ، وحجب غيرة الله بينه وبين ~~يوسف عليه السلام . # قال محمد بن على الترمذي : لما لم يزجرهم عن اللعب وسكت عنهم جاء من ذلك ~~اللعب ما اتصل عليه به الحزن. # قال ابن عطاء : لو أرسله معهم وسلمه إلى القضاء لحفظ ، لكنه اعتمد على ~~حفظهم : ( وإنا له لحافظون )، فخانوه ، لو ترك تدبيره عليه وحفظهم ~~له لكان محفوظا كما حفظ الاخرين ، قال : ( فالله خير حافظا ). # قال بعضهم : رجع يعقوب إلى نفسه في ثلاث مواطن فابتلي فيها : قال ليوسف ~~عليه السلام : ( لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا ) فكادوا ~~له ، ولما قالوا : ( أرسله معنا غدا ) قال : ( وأخاف أن ~~يأكله الذئب ) فقالوا : أكله الذئب ، ولما قال لهم : ( لا تدخلوا ~~من باب واحد )، أصابهم في ذلك ما حذر عليهم منه. # قوله : ( قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب ~~وأنتم عنه غافلون ): صدق يعقوب خاف من ذئب حسدهم ، وبرؤيته في ذلك حقيقة ، ~~وكل ما رأى يعقوب من هذه الواقعات فقوله فيها وقوع نظر سره على سابق ~~التقدير ، وكل ما قال لبنيه من الزجر والنصيحة في حق يوسف عليه السلام مما ~~رأى بنور النبوة ما يقع في المستقبلات من الواقعات ، وذلك غير مناقض لحقيقة ~~التوحيد ، وكيف يكون استعمال معاملات العقل وعادة البشرية حجاب الأنبياء ~~والصديقين من رؤيتهم حقائق التقدير ، وهم يعلمون أن من العرش إلى الثرى من ~~الحريات والسكنات عاجزة بين حرفي الكاف والنون. # وأيضا ms0691 : أخاف من ذئب التقدير أن يفرق بيني وبين ابني وأنتم عما أراه ~~غافلون ، رأى غيرة الحق عليه حتى لا ينظر إلى الوسائط في شهود حقيقته ، ~~وتصديق ذلك أن الذئب لم يأكل يوسف ، فعلمنا أن الذئب ذئب الحسد ، وكيف كانت ~~فراسة خطأ ، ورأى بنور فراسة ما كان يجري على يوسف إلى آخر عمره وافق في ~~متابعة مراد الله ؛ لأنه أراد أن يفرق بينه وبين يوسف عليه السلام أريد ~~وصالي ويريد هجري فأترك ما أريد لما يريد. # قال أبو على الجوزجاني : خاف الذئب فسلط عليه ، ولو خاف الله لمنع عنه ~~كيد الإخوة. PageV02P152 # وقال الجنيد : ما أوقعهم في الحسد إلا ما أظهر من شفقته عليه بهذا القول. # قوله تعالى : ( قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة ): لما رأى ~~يعقوب أن حبال التقدير لا تضر وأن تواتر البلاء لا ينقطع وأن عساكر الغيرة ~~لا تمتنع أرسله معهم ، وذهب مع سيول بحر القهريات مريد المرادة ، وكيف تدفع ~~تقدير الأزل قوة العصبة وعلة التدبير ، وربما نفي نظر التوحيد في بعض ~~الوسائط في بعض الأوقات ، فقطع الله ذلك حتى لا يستمسك غريق بحر المعرفة من ~~قبلهم ، فالقوة في الجب ، ثم لما أرسل بنيامين قال : ( فالله خير ~~حافظا ): حفظه ورده إلى يوسف عليه السلام ، وردهم جميعا إلى يعقوب ، كذا ~~حال من اعتمد على ربه ، ومن اعتمد على غيره. # ولما وقع يوسف عليه السلام في بحر الامتحان ، وعجز في أيدي الأخوان ، وذاق ~~طعم جفائهم ، رفع عروس الغيب رأسه عن بحر البلاء لتسلية قلب يوسف ~~عليه السلام بالولاء بقوله : ( وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا ~~وهم لا يشعرون ): لتنبئنهم بأنباء الأزلية ، ومناطق الربوبية بلسان النبوة ~~ما غاب عنهم ، وما علموا وفعلوا وصنعوا حين نبلغك إلى رتبة الأعلى من ~~النبوة والرسالة والتمكين والاستقامة ، وهكذا كمال تسلية الله سبحانه صديقه ~~في ابتلائه. # وقال الأستاذ : الإشارة فيه أنه لما حلت به البلوى عجلنا له تعريف ما ذكر ~~من البشرى ليكون محمولا بالتعريف في عين ما هو محتمل له من البلاء العنيف. # ويقال : إن انقطع عن ms0692 يوسف عليه السلام مراعاة أبيه إياه حصل له الوحي من ~~قبل مولاه. # قوله تعالى : ( وجاؤ أباهم عشاء يبكون ): سر هذه الاية أن طبيعة ~~البشر إذا ظفرت بمرادها رقت ، فإذا دعيت بالبكاء أجابت ، ولكن لا يكون ~~بكاءها إلا من فرح الخداع وحب الجاه والرياسة ، وإن ذلك البكاء أكثره ~~تباكيا ، بكوا بغير عبرة ولا بفلق وحزن من أسف ، ولا بزفرة جاءوا عشاء حتى ~~لا يتبين تباكيهم من بكائهم ، وليرتفع من بينهم وبين أبيهم سجون الاحتشام : # إذا اشتبكت دموع في خدود %~% تبين من بكى ممن تباكى # قيل : أخروا المجيء إلى وقت العشاء الاخرة ليدنسوا على أبيهم. # وقيل : ليكونوا إجراء في الظلمة على الاعتذار ، وترويح ما مكروا. # قوله : ( وجاؤ على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا ~~فصبر جميل ): فتح الله سبحانه ثوب رزق الرازقين في هذه الاية ، الذين ~~زينوه بالرزق والسود ، وادعوا صدق المقامات والكرامات ، وإن دم الكذب إشارة ~~إلى من يدعي جراحة المحبة على PageV02P153 # قلبه ، ودم القلب من ذبح الله إياه بسيف محبته ، وليس كذلك ، فإن دم ~~المقتولين بسيف المحبة دم صدق يصدق صاحبه في عيون الصادقين. # قال عليه السلام : «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور ، ومن كذب وقع كذبه ~~في قلوب العوام» (1). # والعجب أن ما يطلع عليه العوام كيف لا تطلع عليه قلوب الأنبياء والصديقين ~~، هاجت طبيعتهم بسر الحسد ، فيتولد منه الكذبات والجنايات ؛ لأن مثل الحسد ~~كالنار المخفية في الزبد ، فإذا خرجت يحترق العالم بها. # قال الحسين بن الفضل : لما كذبوا في إجداء الأمر بقولهم : ( ~~فأكله الذئب ): رجعوا في آخر الحال عند الاعتذار إلى الكذب حين قالوا : ( ~~ إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ): بين الله سبحانه بقوله : ( ~~ بل سولت لكم أنفسكم ) فراسة يعقوب عليه السلام ، واطلاعه على ~~أسرارهم في المكر ، وعرفهم سر مكائد نفوسهم ولم يعرفوها ، والأنفس هاهنا ~~أسرار تقدير قهر الأزل ؛ أي أنتم مخدوعون بخداعكم ، وأنا لا أرى في البين ~~غير سابق التقدير ، فألبس سربال الصبر الجميل في مراد الجليل ، والصبر ~~الجميل ما يصبر به ms0693 صاحبه بالله لا بنفسه بنعت شهود سره مشاهدة المقدر ~~والمبتلى في بلائه تقديره. # قال تعالى : ( وما صبرك إلا بالله )، وقال سبحانه : ( ~~واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا )، وتحقيق هذا الصبر سكون القلب بما يجري ~~عليه الرب سبحانه بنعت ذوقه صفاء الذكر ، وإدراك رؤية المذكور ، وتحقيق ذلك ~~قوله تعالى : ( والله المستعان على ما تصفون ) أي : استعانتي في ~~بلائه وصبري به لا بغيره. # وأنشد الشبلي في حقائق الصبر : # عبرات خططن في الخد سطرا %~% فقراء من لم يحسن يقرأ صابر الصبر فاستغاث به الصبر %~% فصاح المحب بالصبر صبرا # قال الحسين : الصبر الجميل السكون إلى موارد القضاء سرا وعلنا. # وقال أيضا : الصبر الجميل تلقي المحنة بمشاهدة المنة. # قال الحكيم الترمذي : الصبر الجميل أن يلقي العبد عنانه إلى مولاه ويسلم ~~إليه نفسه مع حقيقة المعرفة ، فإذا جاءه حكم من أحكامه ثبت له مسلما بوارد ~~الحكم ، ولا يظهر بورود حكمه جزعا بحال. PageV02P154 # قال يحيى بن معاذ : الصبر الجميل أن يتلقى البلاء بقلب رحيب ووجه مستبشر. # ( وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام ~~وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون (19) وشروه بثمن بخس دراهم معدودة ~~وكانوا فيه من الزاهدين (20)) # قوله تعالى : ( وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا ~~بشرى هذا غلام ): فلما خرجت الأرواح من أماكن العدم وطارت في هواء القدرة ~~وطلبت أنوار موارد القدم فوجدت قاموس الكبرياء ، فأدلت دلاء الهمم فيها ، ~~فانكشف لها من مطالع الأزل شموس المشاهدة وأقمار العزة ، فلما ظفرت بموارد ~~الحقيقة صاحت بصياح العشق وقالت : يا بشرى ، هذا شاهد القدم وعروس الأزل ، ~~فوجدت شاهدها ، وفرحت بمشاهدته ، وطارت سكرانة في هواء آزاله وآباده من ~~الفرح ببقاء ؛ لأنها وجدت بضاعة المعارف وريح الكواشف. # قوله تعالى : ( وأسروه بضاعة ): جعلت أنوار جلاله في صميم ~~أسرارها ، وسترها عن الأغيار ، وجعلها بضاعة التوحيد والمعرفة والمحبة ؛ ~~ليريح بها مداناة الوصال والاستئناس بالجمال ، يا ليت لسيادة يوسف ~~عليه السلام لو عرفت ما في وجه يوسف عليه السلام من تلألؤ أنوار حسن الأزل ~~لسجدت له ، كما سجدت الملائكة لأنه ms0694 كالعبودية ، ولكن للعشق والمحبة ؛ لأنه ~~شاهد الله في شاهد الله. # قال جعفر : كان لله تعالى في يوسف عليه السلام سر ، فغطى عليهم موضع سره ، ~~ولو كشف لهم عن حقيقة ما أودع فيه لماتوا ، ألا تراهم كيف قالوا : ( ~~ هذا غلام )، ولو علموا آثار القدرة فيه لقالوا : هذا نبي وصديق (1). # ولما كشف للنسوة بعض الأمر : ( وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا ~~إلا ملك كريم )، ولما لم يعرفوه بخاصية النبوة والولاية ، ولم يروا عليه ~~آثار جمال الله سبحانه باعوه بثمن بخس ؛ لجهلهم به وبما فيه من ودائع كنوز ~~القدرة وأنوار المشاهدة ، والعلوم اللدنية الغيبية بقوله : ( وشروه ~~بثمن بخس دراهم معدودة ). # ولو كان فيهم ما كان في يعقوب عليه السلام من عشق الله ومحبته ، وما رأى ~~في مرآة وجهه من أنوار قدرة الباري سبحانه ، ما باعوه بالكونين والعالمين ؛ ~~لأن ما في وجه يوسف عليه السلام من جمال الظاهر لم يكن في الكونين إلا في ~~أمثاله من الأنبياء والصديقين ، وجمال ظاهره كان من جمال PageV02P155 # باطنه ، ولو اطلعوا على جمال باطنه لوقعوا بين يديه صرعى من سكر محبته ، ~~ولرأوا عجائب الملكوت والجبروت في ظاهره وباطنه. # قال جعفر : باعوا بالبخس من الثمن ؛ لجهلهم بما أودع الله فيه من لطائف ~~العلوم وبدائع الايات. # قال ابن عطاء : ليس ما باع إخوة يوسف عليه السلام من نفس لا تقع عليها ~~البيع بأعجب من بيعك نفسك بأدنى شهوة ، بعد أن بعتها من ربك بأوفر الثمن ، ~~قال الله : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم ~~الجنة )، فبيع ما قد تقدم بيعه باطل ، وإنما باع يوسف أعداؤه الذين كانوا ~~يعادونه ، وأنت تبيع نفسك من أعدائك ، وهي شهواتك وهواك ، وأعدى عدوك نفسك ~~التي بين جنبيك. # وقال الجنيد : إنما باعوه بذلك الثمن ؛ حيث لم يتفرسوا فيه ما كان به ؛ ~~لأنه لم يكن وضع لهم في جنبه حظ. # ( وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا ~~أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله ms0695 ~~غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (21)) # ألا ترى إلى الذي اشتراه لما كان له في يوسف عليه السلام حظ كيف قال : ( ~~ أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا )، فصدقت فيه فراسته ، ونال به ~~الهداية. # وقال ابن عطاء : لو جعلوا ثمنه الكونين لكان بخس في مشاهدته ، وما خص به. # قال الجنيد : كل ما وقع تحت العدد والإحصاء فهو بخس ، ولو كان الكونين ~~فلا يكن حظك البخس ، وهو كل شيء دونه ، ولما لم يعرفوا مكانته ، وباعوه ~~اشتراه من رآه بعين الحقيقة وأعد مبوأ جلاله وقدره في أخص موضع في العالم ، ~~وهو مكان المحبة والعشق بقوله : ( أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا ) ~~اشتراه بالدنيا للاخرة معرفة بجلالة وجماله ، وقال لامرأته : ( ~~أكرمي مثواه ): أي : لا تنظري إليه بنظر الشهوة ، فإن وجهه مرآة تجلي الحق ~~في العالم ، وأين طور سيناء في مكانته من وجه يوسف عليه السلام ، وتجلي الحق ~~من طور سيناء المولى ، وتجلى الحق من وجه آدم للملائكة ، وتجلى الحق من وجه ~~يوسف عليه السلام لأجرام الملكوت ، وسلاطين معارف الجبروت ، وليعقوب ~~عليه السلام وأمثاله من أنظار الغيب. # ألا ترى كيف قال : ( إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ~~رأيتهم لي ساجدين )، وأيضا : أكرمي تقواه بتقواك ، وأيضا : ( ~~أكرمي مثواه )؛ فإنه بهديه أمر PageV02P156 # الفعل في مجمع عين الجمع ، لا تنظري إليه بعين العبودية ، ولكن انظري ~~إليه بنظر المعرفة ؛ لتري فيه أنوار الربوبية ، وأيضا : أكرمي : اجعلي ~~محبته في قلبك لا في نفسك ، فإن القلب موضع المعرفة والطاعة ، والنفس موضع ~~الفتنة والشهوة. # ( عسى أن ينفعنا ): أن يعرفنا منازل الصديقين ، ومراتب ~~الروحانيين ، ويبلغنا بركة صحبته إلى مشاهدة رب العالمين. # قال بعضهم في قوله : ( أكرمي مثواه ): أحسني صحبته في الدنيا ؛ ~~لعله أن يكون لنا شفيعا في الاخرة. # قال الجنيد في قوله : ( أكرمي مثواه ): لما نظر إلى يوسف ~~عليه السلام ، وركز بقلبه إليه صار يوسف عليه السلام محنة عليه. # ( ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (22) ~~وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ ms0696 ~~الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون (23) ولقد همت به وهم بها لو ~~لا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ~~(24) واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء ~~من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم (25) قال هي راودتني عن نفسي ~~وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين (26) وإن ~~كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (27) فلما رأى قميصه قد من دبر ~~قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم (28) يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك ~~كنت من الخاطئين (29) وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن ~~نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين (30) فلما سمعت بمكرهن أرسلت ~~إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما ~~رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم (31)) # قالت له امرأته : ( ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن ). # ثم إن الله سبحانه وصف ما وهب إلى يوسف عليه السلام من أحكام الغيب ، ~~ورؤية كشوفات الملكوت ، وتمكينه في المعرفة والنبوة والرسالة بقوله : ( ~~ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث ): مكناه ~~صبرا عظيما في تمكين المعرفة ، وحمل وارد مشاهدة PageV02P157 # الغيب ، وسكناه من فوران الأحوال ، وتغاير التلوين ، وبلغناه حقائق الصحو ~~؛ ليكون كهفا لغرباء المعرفة ، والمسترشدين من أهل المحبة ، وليعرفه بعد ~~تمكينه حقائق المكاشفات ، وتأويل لطائف المنامات ، وما يبرز من الملكوت في ~~اللبس المجهولة من تصرف الملائكة ، وقوله : ( والله غالب على أمره ~~): إن كان إنهاء راجعه إلى يوسف عليه السلام ، هو تعالى المتولي على أمر ~~يوسف عليه السلام ؛ بأن خلصه من مكان الامتحان ، وبلغه إلى درجة الرضوان ، ~~وبأن نجاه من فتنة الطغيان ، وورطة الحرمان ؛ بأن كشف له البرهان والسلطان ~~حين مكر به الشيطان ، خلصه من كيد الحساد ، وجعله قبلة الأوتاد ، والله ~~غالب على أمره ms0697 حين دبر يعقوب عليه السلام في حقه ما دبر ؛ ليعرفه غلبة سلطان ~~قهره واستيلاء تقديره على تدبيره غالب على أمر يوسف عليه السلام ؛ حين برأه ~~من آفة شهوة زليخا حين همت به وهم بها ، قال تعالى : ( لو لا أن ~~رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ). # وأيضا : والله غالب على أمره على أمر عشقه ، وعشق زليخا ؛ لأن مكان العشق ~~ممزوج بطباع الإنسانية ، وإن كان صرف العشق من زند نعوت عشق الأزل ، فكشف ~~له سلطنة الكبرياء ، وخلصه بالكبرياء من مقام العشق الممزوج بطبع البشر ؛ ~~كأنه غلب الصفة على الصفة ، وإن كان الهاء راجعا إلى الله سبحانه. # فيه إشارة لطيفة : إن أمره من عالم الفعل ، والأحكام والرسوم الشريعة ~~والطريقة ، والعقول مكلفة به ، أمر رسما وغلب قهرا أمر بالشريعة ، وغلب ~~مقادير الأزلية أمرا أمرا ، وغلب على أمره بنسخه وتبديله أمر يوسف ~~عليه السلام بالتبرؤ من الأغيار ، وبألا يلتفت إلى الحدثان في مكان العرفان ~~، لكن غلب جلال قدره ، وانكشف ليوسف عليه السلام في وجه زليخا ، فأظهر القدس ~~، وجره بالقدس إلى الهمة ؛ ليذيقه حلاوة عشق الإنسان ؛ ليفوز به عشق ~~الرباني ، ومن هناك رقاه إلى مدارج ملك الازال والاباد ، ومن لم تكن بدايته ~~عشقا كان من المجاهدين لا من العارفين ، لا بأن العشاق طاروا إلى جناب ~~مشاهدة الحق ، وإن العشق مركب عشقه ، والعشق من عشقه صدر ؛ لأنه كان عاشقا ~~في الأزل ، وعشقه معادن جميع عشق العشاق. # قال تعالى : ( يحبهم ويحبونه ) [المائدة : 54] : كما أن حسن يوسف ~~وزليخا وجميع الحسن في العالم انشعب من حسنه وجلاله وجماله ، كأن عشقه غلب ~~على أمر العبودية ؛ لأن العشق صفة الربوبية ، ولم يكن عجبا غلبة الربوبية ~~على العبودية. # وأيضا : ما دام الأمر خارجا عن أماكن الأفعال وصار صرف الصفات فهو غالب ~~على جميع الحدثان ، وتدبير أهل العرفان ؛ لأنه واحد في ملكه ، أحد في ~~ملكوته ، والكائنات خاضعة فانية لجبروته. PageV02P158 # وما ذكرنا من هذه المعاني الغريبة والتفاسير العجيبة من حقائق أمر ~~الإلوهية لا يعرفها إلا أبناء المعرفة ونظار المشاهدة. # قال الله تعالى : ( ولكن ms0698 أكثر الناس لا يعلمون ): لا يعلمون ~~مواضع تقدير الأزلية ؛ حيث دبر أمور الحدثان من العرش إلى الثرى ، وكيف ~~يطلع الحدثان على قدم الرحمن. # قال ابن عطاء : غالب على أمر نفسه ، أجراه على ما شاء إلى من شاء ، وصرفه ~~عمن شاء ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أنه الغالب في أمره الذي أمر عباده من ~~طاعتهم ، إن شاء يسر لهم من طاعته ، وإن شاء أعجزهم فيها. # قال الواسطي : يصرفهم في تدبيره ويدبرهم في تصريفهم ، ويجد منهم المفقود ~~، ويفقد منهم الموجود ، فالإضافات ضرب من الإشراك. # ثم وصف الله سبحانه بلوغ يوسف أشد النبوة والولاية والتأييد الأزلية ، ~~وما وهبه من أنوار العلوم والحكمة بقوله : ( ولما بلغ أشده آتيناه ~~حكما وعلما ): ( أشده ): تمكينه واستقامته في المعاملات والحالات ~~ومراتب الاداب في العبودية كشف له تصرفات الربوبية في معادن المكاشفة. # ( حكما وعلما ): حكما بالعبودية ، وعلما بالربوبية ، حكما ~~بالطريقة ، وعلما بالحقيقة ، حكما بممالك الدنيا ، وعلما بممالك الاخرة. # ( وكذلك نجزي المحسنين ): نجازي المحسنين الذين راقبوا الله سرا ~~وعلانية ، وبذلوا مهجتهم بالله وفي الله إلى الأبد. # قال النصر آبادي في هذه الاية : لما عقل عن الله أوامره ونواهيه ~~والاستقامة معه على شروط الأدب أعطيناه حكما على الغيب في تعبير الرؤيا ، ~~وعلما بنفسه في مخالفة هواها. # قوله تعالى : ( وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب ~~وقالت هيت لك ): كانت مستغرقة في العشق الروحاني فغلبت عليها شهوة العشق ، ~~فراودته ، وذلك أن رعونة سر الطبيعة صارت منجذبة برقة عشق الروحاني إلى ~~معدنه فغلظت وصارت محجوبة بالطبيعة من الحقيقة. # ( وغلقت الأبواب ): لما كان عشق يوسف عليه السلام في قلبها ، ~~وصورته مصورة في خيالها لا يحتاج إلى غلق الأبواب ، فإن قيد همتها حكمة همت ~~يوسف حين همت به وهم بها أغلقت أبواب أسرار عشقها على يوسف ، فصارت فاشية ~~بأن العشق لا يبقى الكتمان : # ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر %~% ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر PageV02P159 فبح باسم من تهوى ودعني من الكنى %~% فلا خير في اللذات من ~~دونها ستر # وأيضا : غارت على ms0699 يوسف حتى لا يرى أحد أسرارهما ، فغلقت الأبواب ، كذا ~~ينبغي للعاشق. # قال الشبلي في قوله : ( وغلقت الأبواب ) (1): قطعت الأسباب ~~وجمعت الهمة عليه ، ثم غلب على يوسف عليه السلام قدس النبوة فامتنع من ~~مراودتها بقوله : ( قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي ) أي : ربي ~~سبحانه وتعالى أحسن مثواي في الاصطفائية الأزلية ، واختارني بالرسالة ~~والنبوة ، وعلمني من تأويل الأحاديث ، وألبسني لباس حاله الذي هو يوجب أن ~~ينظر إليها بنعت الهيبة والإجلال ، هذا سيد السادات ، وسيد الظاهر ، أحسن ~~مثواي ؛ بأن اختارني لاخرته لا لدنياه ، وأحسن مثواه في قلبك بنعت محبة ~~الله ، فلا ينبغي لك أن تنظر إلا بمحبة الله. # قيل : لما نظر في ترك المعصية إلى صاحبه وولي نعمته الأدنى ، ولم ينظر ~~إلى ربه وولي نعمته الأعلى ، عوقب بالهم حتى قال : ( همت به وهم ~~بها ). # وقال بعضهم : برؤية الهمة امتنع من الفتنة. # قال الأستاذ : إنه أكرمني مولاي تعالى ؛ حيث خلقني من الحب ، وجعل في قلب ~~العزيز لي محلا ، فقال لي : ( أكرمي مثواه )، فقال : لا ينبغي أن ~~أقدم على عصيانه ، وقد أفردني بجميل إحسانه. # ثم أخبر سبحانه عن جذب مغناطيس الهم بعضها بعضا من سر حقيقة العشق الإلهي ~~والروحاني والإنساني والطبيعي والفطري والجوهري ، التي معادنها من عالم ~~الربوبية أفعالا وصفاتا وذاتا بقوله : ( ولقد همت به وهم بها )، ~~خالص الحقيقة في هذا المعنى في تلك الهمتين ، إن همة زليخا سبقت على همة ~~يوسف عليه السلام ، وحسن يوسف عليه السلام سبق بجذب قلب زليخا وهمتها إلى ~~معدنه ؛ لأن عشق زليخا وحسن يوسف صفتان صادرتان من المعدنيين الأزليين ، ~~وهما صفة جمال القدم ومحبة الأزل ، فلما هاجت همة زليخا بعد انجذاب قلبها ~~إلى معدن عشق يوسف عليه السلام هاجت أيضا همة يوسف عليه السلام إلى أهلية ~~عشقها وحسنها وهمتها ، فصارت الهمتان بعضها من بعض ، فهاجت همة الجوهر إلى ~~الجوهر ، والفطرة إلى الفطرة ، PageV02P160 # والطبيعة إلى الطبيعة ، والإنسانية إلى الإنسانية ، والروحاني إلى ~~الروحاني ، والإلهي إلى الإلهي ، فصارت جميعها بوصف الهمتين متحيرة ، حتى ~~صار شخصهما ، وسوادهما ، وخيالهما ، وعقلهما ، وقلبهما ، وروحهما ، وسرهما ms0700 ~~واحدا في واحد. # كما قال الشاعر : # والعين كالغصنين شقهما الهوى %~% فروحاهما روح وقلباهما قلب # فكيف نتهم الهمتين ، وأصل الجوهر نور الإرادة ، وأصل الفطرة فعل الإرادة ~~، وأصل الطبيعة مباشرة القدرة ؛ لكن الصورة وأصل الإنسان وجود معجون القهر ~~الروحاني مباشرة اللطف ، وإلهي تجلي الجمال ، وظهور الذات في الصفات ، ~~وظهور الصفات في الأفعال ، فترقى الهمة من أصل الجوهر إلى نور الإرادة ، ~~ومن أصل الفطرة إلى فعل الإرادة ، ومن أصل الطبيعة مباشرة القدرة ، ومن أصل ~~الإنساني إلى وجود معجون القهر ، وذلك سر النفس الأمارة ، ومن أصل الروحاني ~~إلى مباشرة اللطف ، ومن أصل إلهي إلى تجلي الجمال ، وظهور الذات في الصفات ~~، وظهور الصفات في الأفعال ، ففي عين الجمع أصل العشقين ، والهمتين من معنى ~~تجلي الذات والصفات والأفعال ، فإذا علمت ذلك فترى شخصهما شخصا ، وروحهما ~~روحا ، وقبلهما قلبا ، وهمتهما همة ، وسرهما سرا ، وكلهما كلا ، وذلك الكل ~~صدر من الكل ، وذلك الكل علة العلل ، ومعلل الأشياء ومكون الكون أصل الأصول ~~، فمن يدم وغرائب حقيقة قدس المعرفة في الإشارة ، إشارة منه بدأت ، وإليه ~~تعود بيني وبينك ، أينازعني ، فأدفع بلطفك أنني من البين يا صاحب الهمة ، ~~إذا تجلى من فعله لفعله بوصف الفعل صار العشق مع الشهوة ، وإذا تجلت الصفة ~~بالصفة بوصف الصفة صار العشق مع شهوة الروحاني بلا شهوة الإنساني ، وإذا ~~تجلى الذات للذات بوصف الذات صار العشق بوصف العشق الأزلي المقدس عن حركات ~~أسرار جميع الشهوات ؛ لأن عشقه أزلي بلا علة ، فأول همة حركة الفعل إلى ~~الفعل ، وهناك موضع الامتحان والفتنة المخالفة الأمر ، وأوسط الهمة تجلي ~~الصفة إلى الصفة ، فهناك مقام الالتباس ، ونهايتها تجلي الذات للذات ، ~~وهناك مقام القدس والطهارة من الامتحان ، فإذا كان يوسف عليه السلام في ~~بدايتها ووسطها كان في محل العتاب ، فإذا تجلت الذات للذات سلبه أنوار ~~الذات من المقامين ، ولو لا ذلك لبقي في بحر الامتحان وعتاب الرحمن. # تصديق ذلك قوله سبحانه : ( لو لا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف ~~عنه السوء والفحشاء )، ظهور البرهان ليوسف عليه السلام ظهور صرف ذات القديم ~~المنزه ms0701 عن علة الحلول ، ومباشرة الحدوث ، وذلك الظهور يوجب إفراد القدم عن ~~الحدوث ، وصرف التجريد والتوحيد والتفريد والخروج من محل الالتباس. PageV02P161 # وقوله كذلك : ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ): إن وضع سمات ~~الفحش والسوء على أسرار تالف الأرواح والأشباح وحركات بعضها إلى بعض بنعت ~~المحبة والألفة والمودة والهوى والشهوة ، إنها عالم الامتحان والأمر ~~والتكليف والعبودية ومخالفة الأمر سوء وفحشاء من حيث العلم والعقل ، وفي ~~الحقيقة ليس هناك علة الفحش والسوء ؛ لأنها مواضع المقادير الأزلية. # وأيضا : إذا بقي العارف في الترقي والوسائط والالتباس عن توحيد الصرف بقي ~~في الحجاب عن رؤية كنه القدم وقدس الأزل ، وذلك الاحتجاب سوء وفحشاء ، وأي ~~سوء وفحش أعظم من الوقفة في بعض الطريق والانقطاع عن الوصول إلى الكل وأصل ~~الأصل ، وإذا كانت معالي هيبته العلية علت على جميع المقامات وبلغت إلى ~~رؤية الذات والصفات بنعت الفناء والبقاء ، ذكر سبحانه امتنانه عليه بعد ~~وصفه بتقديس إخلاصه. # وقال : ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) أي : من أهل الكمال من ~~الموحدين والنبيين والمرسلين. # قال ابن عطاء : همت به هم شهوة ، وهم بها هم موعظة بزجرها عما همت به ، ~~وقال : ( لو لا أن رأى برهان ربه )، قال : واعظا من قلبه ، وهو ~~واعظا لله في قلب كل عبد. # وقال أيضا : همت به وهم بها ، احتالت زليخا أن تري نفسها ليوسف ، فحجب ~~الله نفسها عن يوسف بالبرهان العالي والحق الظاهر ، حتى لم يشهد في وقت ذلك ~~غير الحق ، وقال : ( وهم بها ) أي : نظر إليها لو لا ما صده عن ذلك ~~من حجاب البرهان. # وقال الجنيد : يحرك طبع البشرية من يوسف عليه السلام ، ولم يعاونه طبع ~~العادة ، والعبد في تحريك الخلقة فيه غير مذموم ، وفي هيجان الشهوة مذموم ، ~~وفي مقاربة المعصية ملوم ، وذكر الله تعالى عن يوسف عليه السلام همه على ~~طريق المحمدة لا على طريق المذمة. # وقال ابن عطاء : قالت زليخا ليوسف عليه السلام : اصبر علي ساعة حتى أعود ~~إليك ، فقال : ما تفعلي؟ فقالت : أغطي وجه الصنم ؛ فإني أستحيي منه ، فتذكر ~~يوسف عند ذلك اطلاع ms0702 ربه عليه ، فهرب منها ، فذلك البرهان. # قال أيضا : السوء الخواطر الرؤية ، والفحشاء بالأركان. # قال محمد بن الفضل : السوء بالتفكر ، والفحشاء بالمباشرة. # قال أبو عثمان : لنصرف عنه سوء الهم وفحشاء المواقعة. # قال الجنيد : أول ما يبدأ من الإخلاص في أحوال الأولياء خلو من سرائرهم ~~وهمهم وإرادتهم ، ثم خلوص أفعالهم ، فمن لم يخلص سره لا ينال الصفاء في ~~فعله ، فلما رأى ما رأى PageV02P162 # يوسف عليه السلام لم يبق في نفسه من شهوة الإنساني أثر من استيلاء أنوار ~~التوحيد ، وفر من موضع الخطر. # قال الله تعالى : ( واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر ): لما بدأ ~~ليوسف أوائل سطوات الأزل وأنوار كشف تجلي الأبد لم يحتمل أوائلها ، وعجل ~~سره في أول بديهة التوحيد ، فر من أماكن الخطر ، ولو صبر حتى غاص في بحر ~~الوحدانية لم يحتج إلى الفرار إلى الباب ، وإن تمكن في رؤية الحق وبرهانه ~~وسكن ونظر إلى زليخا بنظر التوحيد لتذوب زليخا بنظره إليها ، والتقديس من ~~شهواتها ؛ لأن حقيقة التوحيد إذا غلبت نادت إلى فناء ما دون الله ، وتأثر ~~في كل ناظر إلى صاحبها بألا يبقى فيه أثر للشهوة الإنسانية ، ولما لم يكن ~~كذلك ما أثر في زليخا حتى عدت خلفه إلى الباب وقدت قميصه ، ولو كان يوسف ~~مستغرقا في أواخر التوحيد لاحترقت زليخا ، وما قدرت أن تعدو خلفه ، وتمزق ~~قميصه ، كان يوسف في أوائل التوحيد ، وزليخا في أواخر العشق ، فلم يؤثر ~~التوحيد في العشق ، وتخريقها ثوب يوسف من غلبة عشق الإنساني على عشق ~~الروحاني ، ولما خرقت قميصه من عشق الإنساني ، صار تخريق القميص برهانا ~~ليوسف عليه السلام شاهدا على صدقه. # قال بعضهم : لو فر إلى الله والتجأ إليه لكفى ، لكنه لما هرب منهما وفر ~~بنفسه أكمل نفسه محل التهمة حتى قالت : ( ما جزاء من أراد بأهلك ~~سوءا )، فلما نصب الله البرهان وطرد الشيطان فدخل عليها زوج زليخا ورأى ~~حالهما العيان. # قال تعالى : ( وألفيا سيدها لدى الباب ): أضاف اسم السيد إلى ~~زليخا ؛ لأن الله سيد يوسف عليه السلام حقيقة ؛ لأنه كان حرا بالتوحيد ms0703 وحرا ~~بالتفريد ، وكذا على ظاهر الشريعة ، وما أطيب العشق إلى أن يؤول إلى ~~الشفاعة! فإن عيش العاشق في الملامة أطيب. # قيل في قوله : ( وألفيا سيدها لدى الباب ): لم تقل : سيدهما ؛ ~~لأن يوسف عليه السلام كان في الحقيقة حرا ، ولم يكن العزيز له سيدا ، فلما ~~أفشى سر العشق بينهما وأطلع زوجها على سرها نفت عن نفسها الحرام ؛ لأنها ~~علمت أن لو بين جرمها عند زوجها لقتلها وأوقعت من حلاوة ومحبة يوسف والنظر ~~إلى وجهه ، كذلك أوقعت الحرام على يوسف عليه السلام : # لحبك أحببت البقاء لمهجتي %~% فإن طال أن أعرضت عني بقاؤها # ولعلمها بأن يوسف عليه السلام لم يبق في الضر والبؤس والمؤاخذة ، ولا يقدر ~~أحد أن يؤذيه ، ومن يقدر أن يضره ووجهه سالب القلوب وجالب الأرواح ، أغاب ~~العالم بعينيه ، سبى الأرواح والأشباح بحسنه وجماله. وتسبي العالمين ~~بمقلتيها. # لها في طرفها لحظات سحر %~% تميت بها وتحيى من تريد PageV02P163 # وتسبي العالمين بمقلتيها # وتعللت في كلامها حيث قالت : ( إلا أن يسجن أو عذاب أليم ) (1)، ~~ذكرت حديث السجن ، ثم ذكرت العذاب الأليم نفيا للتهمة عن نفسها ؛ حتى لا ~~يعرف زوجها شأنها وعلتها وحيلتها. # وأيضا ذكر السجن والتأديب والتعذيب لئلا يبادر بشيء آخر أو يوهم بقتل ~~يوسف عليه السلام ، كانت زليخا متمكنة في عشق يوسف عليه السلام ، فتصرفت في ~~حالها بنعت الاستقامة ، ولو كانت في فوز عشقها ما أوقعت الجرم على يوسف ~~عليه السلام ؛ لأن المهتدي لم يعرف في بدايته ما للأشياء ولم يبال بها ، ~~فحكم بحكم الوقت ، ولم يبال بقتل نفسه وقوف معشوقه عنه ، حتى أن لو كان ~~الجرم لمعشوقه لأوقع على نفسه. # ( قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ~~ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين (32) قال رب السجن أحب ~~إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين (33) ~~فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم (34) ثم بدا لهم من ~~بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين (35) ودخل معه السجن فتيان قال ms0704 أحدهما ~~إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير ~~منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين (36) قال لا يأتيكما طعام ترزقانه ~~إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم ~~لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون (37) واتبعت ملة آبائي إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى ~~الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (38) يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير ~~أم الله الواحد القهار (39) ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا ~~إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (40) يا صاحبي السجن أما ~~أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر ~~الذي فيه تستفتيان (41) وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند PageV02P164 # ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين (42) وقال ~~الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ~~يا أيها الملأ أفتوني في رءياي إن كنتم للرءيا تعبرون (43) قالوا أضغاث ~~أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين (44) وقال الذي نجا منهما وادكر بعد ~~أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون (45) يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات ~~سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس ~~لعلهم يعلمون (46) قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا ~~قليلا مما تأكلون (47) ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا ~~قليلا مما تحصنون (48) ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ~~(49) وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فسئله ما بال ~~النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم (50) قال ما خطبكن إذ راودتن ~~يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة ms0705 العزيز الآن ~~حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين (51) ذلك ليعلم أني لم ~~أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين (52) وما أبرئ نفسي إن النفس ~~لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم (53) وقال الملك ائتوني به ~~أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين (54) قال اجعلني ~~على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (55) وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها ~~حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين (56) ولأجر الآخرة ~~خير للذين آمنوا وكانوا يتقون (57)) # قال ابن عطاء : لم تستغرق هي في محبتها بعد ، فلم تخبر بالصدق ، وآثرت ~~نفسه على نفسها ، فلما استغرقت هي في المحبة وهامت ، أخبرت بالحق وقالت ~~الصدق ، وآثرت نفسه على نفسها ، فقالت : ( الآن حصحص الحق أنا ~~راودته )، ولما وضعت زليخا الجرم على يوسف عليه السلام ( قال هي ~~راودتني عن نفسي )، كان الكرم والرضا يقتضيان السكوت عن جوابها حتى لا ~~يفتضحان ، ويكون إلى التسليم وترك التدبير أقرب في التوحيد أفضل ، حيث أهل ~~الطرق يرون الأشياء على رؤية مقادير الأزلية ؛ لكن أعلمهم مكان طهارة ~~النبوة وقدس الرسالة وبيان الحجة ؛ لذلك نطق الصبي في المهد ، وتشهد بصدقه ~~إظهارا لمعجزته وطهارته عما لا يليق بالأنبياء ، ولطيف الإشارة فيه أنها ~~ادعت محبة يوسف عليه السلام ، وتبرأت منها عند نزول PageV02P165 # البلاء ، فأراد يوسف عليه السلام أن يلزم عليها ملامة المحبة ، فإن ~~الملامة شعار المحبين ، فمن لم يكن ملوما في العشق لم يكن متحققا في العشق ~~، أراد يوسف عليه السلام كونه عاشقا جلدا ليزيد عشقا على عشقها ؛ لأن ~~الملامة للعاشق زيادة ذكر المعشوق ، فإذا استقامت تزيد حرقة العشاق ~~والهيجان ، هم إلى رؤية المعشوق والخروج من موضع التهمة ، ودفعها دأب ~~المعشوقين أيضا لزيادة عشق العاشقين ، فلما بان جرمها بالبرهان الواضح قال ~~زوجها : ( إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم )، أراد بالكيد هاهنا ~~التجشم والغنج والدلال وتقليب طرفهن ، وكشف ذوائهن ، وخضاب أطراف بنائهن ، ~~ولطافة حركاتهن ، وإلقائهن التفاح والسفرجل إلى معشوقهن ، وتزيين لباسهن ، ~~ولطافة كلامهن ، وحيث يحتكن بهذه ms0706 الرعونات على من له لطافة وظرافة ورقة طبع ~~، وأهلية للعشق ، فأين إبليس منهن؟ وهو هناك أجيرهن ، عظم الله كيدهن ، ~~وأضعف كيد الشيطان بقوله : ( إن كيد الشيطان كان ضعيفا ): سبب ضعف ~~كيد الشيطان هاهنا أنه قبيح الصورة ، شنيع المنظر ، لا يقدر على الرجال إلا ~~بالوسوسة ، وهناك بحسنهن حوليات الشهوات يجرون بها الجبال. # وقال صلى الله عليه وسلم : «ما تركت من بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» (1). # وقوله عليه السلام : «النساء حبائل الشيطان» (2) أي : أعظم معاملة إبليس ~~النساء بالرجال ، أطلق حبال ذكرهن من ألف فرسخ يقيد بها أعناق الرجال ، ~~ولولاهن نجساء المعلون من وساوس الخلق ، فإن أعظم الفتنة في العالم النساء. # أيضا : سمي كيدهن عظيما ، وذلك الكيد قيدهن الرجال بلطائف ما ذكرنا من ~~شمائلهن ، وذلك من أصل وهوان حسنهن وجمالهن وظرافتهن من حسن فعل الله في ~~وجوههن ، وذلك الفعل مرآة تجلي حسن الأزل ؛ لذلك سماه عظيما ، وهذا إشارة ~~لا يعرفها إلا صاحب واقعة ، وأين الأبله والغبي والبليد من فهم هذا ~~المعنى؟! # قال بعض الحكماء : أنا أخاف من النساء أكثر مما أخاف من الشيطان ؛ لأن ~~الله يقول : ( إن كيد الشيطان كان ضعيفا )، وقال للنساء : ( ~~ إن كيدكن عظيم ). # وقال الشبلي : ( إن كيدكن عظيم ): على من لم يصحبه من ربه توفيق ~~الرعاية ، فأما من كان بعين الحق كيف يلحقه كيد كائد ، فلما فشي الخبر ~~وكثرت الملامة ، وسمعت نساء البلد هاجت سرهن ؛ لأن أزواجهن كانت متالفة ~~بروح زليخا ، وهن جميعا مع روح يوسف عليه السلام ، PageV02P166 # فتقاضى سرهن حقائق الخبر ، وتفتيش الأمر ليذقن ما ذاقت زليخا فاحتلن ، ~~وقلن ذكر ملامتها بقوله سبحانه : ( وقال نسوة في المدينة امرأت ~~العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا )، ذكرهن لملامة اشتهائهن رؤية ~~يوسف عليه السلام ، وحكمن بحكم الفراسة أن حب يوسف عليه السلام بلغ حبة قلبها ~~وصورة شغاف القلب سجف لطيف رفيق ، وبراءة عالم الكشافة ، وبعده عالم ~~اللطافة الأول مقام النفس والهوى والوساوس ، والاخر مقام العقل والروح ~~والملك ، ومقام الكشافة مقام شهوة الإنساني ، ومقام اللطافة مقام شهوة ~~الروحاني ، وليس ms0707 في الروحاني علة الهوى والنفس والشيطان ، فإذا وصل الحب ~~إلى منظر الروح واتصل بروح الروح بلغ إلى عالم الرحماني ، فإذا تمكن الحب ~~هناك تخلص من الوسائط ، وصار حب الله ، فكل محبة وصلت إلى هنا فقد وصلت ~~شغاف القلب ، واتصلت بمحبة الله ، كأنهن أردن محبة يوسف عليه السلام ، وصلت ~~في قلبها إلى محبة الله ، وهناك استغراق الحب ؛ حيث بقيت الأشباح في سورة ~~الوسائط بمحبتها ، وبقيت الأرواح في مشاهدة الحق لا للأرواح قرار ، ولا ~~للأشباح قرار ، وهذا وصفهن زليخا بهذه الصفة بقوله : ( إنا لنراها ~~في ضلال مبين ) أي : في غيبوبة من استغراق الحب ، وتمكين العشق بحيث لا ~~تخاف من الملامة ، ولا تلتفت إلى السلامة ، ويمكن أن إشارتهن إلى ضلالها ~~إلى أنها أرادت من يوسف عليه السلام وحبه أن يكون يوسف من غاية حبها صورة ~~وروحا اتحادا ، فهن في منزل العقل والعلم يقين من مباشرة الجمال ، وعلموا ~~أن ذلك مستحيل من حيث العقل ، لا من حيث العشق ومباشرة الحال. # قال الجنيد : وسئل : ما علامة المحبة؟ قال : ذكر الله في كتابه : ( ~~ قد شغفها حبا ). # قال : ألا يرى جفاء الحبيب له جفاء ، بل يرى جفاء الحبيب له وفاء. # قال سمنون : الشغاف في المحبة امتلاء القلب منه حتى لا يكون لشيء غيره ~~فيه مكان. # قال الشبلي : الشغاف نهاية العشق. # وقال بعضهم : الشغاف في المحبة حال الخمود ؛ حيث لا عبارة عما به ولا ~~إخبار ، كما قال الله : ( ويضيق صدري ولا ينطلق لساني ). # وقال السري : أذهلها حبه حتى لم تكن تعرف سواه ، ولم يكن للملامة عليه من ~~الغير أثر ، وذلك صدق المحبة. # وقال جعفر : الشغاف مثل الغيم أظلم قلبه عن التفكر في غيره ، والانشغال بسواه. # وقال ابن عطاء في قوله : ( لنراها في ضلال مبين ): أي في وجد ~~ظاهر ، ومحبة بينة ، وشوق مزعج. # سئل جعفر بن محمد عن العشق؟ فقال : ضلال. ثم قرأ : ( لنراها في ~~ضلال مبين ). PageV02P167 # قال : معناه في عشق ظاهر. # وقال بعضهم : في غلبة من العشق ضل فيه عقلها وبصيرتها ، فلم يبق عليها ~~محل الكتمان من غلبة ms0708 الشوق ، فلما وصلها خبر ملامة النسوة ، واحتيالهن في ~~طلبهن رؤية معشوقها بلطف المكر ، أرادت أن تلقيهن في بحر البلاء الذي لا ~~ينجو منه أحد. # قال الله تعالى : ( فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن ): دعتهن إلى ~~بيتها ، فاجتمع في بيتها أعيان نساء مصر اللواتي صويحبات الجمال وزينة ، ~~وكشفن وجوههن وزينتهن ليغلبن على زليخا ويسلبن يوسف عليه السلام منها ، ~~فعلمت زليخا ضعفهن عن حمل أوائل رؤية يوسف عليه السلام وحسنه ، وجماله ، ~~ولطفه ، ومنظره ، واحتالت في إلقائهن في المحبة بقوله : ( وأعتدت ~~لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا ): أجلستهن في أطيب المجالس ، وأشرف ~~المناظر ، على خوان (1) فيه ألوان الطعام والفواكه ، وأعطت كل واحدة أترجا ~~وسكينا ، وقالت : كلن وقطعن الأترج ، وأرادت بذلك الحيلة عليهن ، حتى شغلن ~~بالطعام والكلام عن رؤية يوسف عليه السلام ليخرج عليهن بالبديهة عن غير موعد ~~ولا استئذان ، حتى يستغرقن في بحر الهيبة والبهتة عند رؤيته. # قال الله تعالى : ( وقالت اخرج عليهن ): ألبست يوسف عليه السلام ~~قميصا منظوما بالدر واليواقيت ، ووضعت على رأسها تاجا مكلأ باللالئ ، ~~وألبست ساقيه وذراعيه سوارا أو خلخالا ، ووضعت على يده صفحتين حتى لا يستر ~~وجهه ؛ لأنه كان إذا رأى امرأة يغطي وجهه ، فعلمت شأنه بذلك فخرج عليهن ~~بديهة فصرن هائمات ، تائهات ، حائرات ، مفتونات من رؤية يوسف عليه السلام ، ~~ذاهبات في حسنة وجماله وعشقه. # قال تعالى : ( فلما رأينه أكبرنه ): عظمته بعظمة الله ، وهبنا ~~منه لما رأين في وجهه نور هيبة الله ، فذهلن في وجه يوسف عليه السلام ، ~~فسقطن عن التمكين والعقل ، وفعلن أفعالا مجهولة ، بقوله سبحانه : ( ~~وقطعن أيديهن )، وذلك من استغراقهن في عظمة الله وجلاله ، وإن الله سبحانه ~~ما أراهن من وجه يوسف ما أراه لزليخا ، فأوقعهن في نور العظمة والكبرياء ، ~~وجلال تجليه منه لهن ، وأرى نور حسنه وجماله لزليخا من وجه يوسف عليه السلام ~~فبقيت في العشق ، ورعونته ، ونظافته ، وبقين في العظمة والجلال ، لذلك قطعن ~~أيديهن ، ولم يشعرن بذلك ، ولو رأت زليخا ما رأين ما استقامت في حالها وما ~~راودته عن نفسه ، ألا ترى إلى قوله تعالى ms0709 : ( وقلن حاش لله ما هذا ~~بشرا إن هذا إلا ملك كريم ): رأينه على صفة الملائكة المقدسين PageV02P168 # عن أن يوهم أحدا لهم بالشهوة ، أي : ليس هذا من أن يوهم أحدا بالشهوة ؛ ~~فإنه مقدس من عالمنا ؛ لأن عليه كسوة الملائكة من سواطع النور والبرهان ~~الإلهي. # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~«مررت ليلة أسري بي إلى السماء ، فرأيت يوسف عليه السلام ، فقلت : يا جبريل ~~عليه السلام من هذا؟ قال : هذا يوسف عليه السلام ، قالوا : وكيف رأيته يا ~~رسول الله؟ قال : كالقمر ليلة البدر» (1). # وعن أبي فروة قال : كان يوسف عليه السلام إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ ~~وجهه على الجدران ، كما يرى نور الشمس والماء على الجدران. # قال وهب : بلغني أن تسعا من الأربعين متن في ذلك المجلس وجدا من يوسف ~~عليه السلام . # يا صاحب العقل افهم ؛ إن صويحبات يوسف عليه السلام لما رأين يوسف رأين ~~كسوة الربوبية على محل العبودية ، فوقعن من رؤيته فيما وقعت الملائكة من ~~رؤية آدم حين سجدت له. # ولذلك قرئ في بعض القراءات : «ما هذا إلا ملك كريم» ، وهاهنا مقام التباس ~~العارفين ومشاهدة المحبين ، ولا قدح فيه ؛ لأنهم مقدسون عن علة التشبه ~~والحلول ، تعالى الله عن المشابهة بالأرواح والأشباح. # وليس ما قال حسين بن منصور في هذا المقام إشارة إلى التشبيه ؛ لأنه فني ~~في التوحيد ، أنشد وقال : # سبحان من أظهر ناسوته سرسنا لاهوته الثاقب ، ثم بدا لخلقة ظاهرا في صورة ~~الاكل والشارب ، ثم بدا لخلقه من خلقه بأنوار برهان قدرته وسنا شواهد لطفه ~~صبغه ، ويمكن أن زليخا كانت محل التمكين ، وهن في محل التلوين ؛ لذلك ~~استقامت في رؤيته ، ولم يحل أيضا مما رأين من يوسف عليه السلام من النور ~~والعظمة ، لكن غلب عليها مقام مشاهدة الحسن والجمال ، لبقائها في مكان ~~الابتلاء ارتفعت عنهن في رؤية يوسف عليه السلام الشهوة والبشرية ؛ لغلبة ~~أنوار العظمة والهيبة ، فلا جرم ما شعرن آلام قطع أيديهن ، ولو قرض نملة ~~زليخا لشعرت بذلك ms0710 ؛ لأنها في لطافة العشق ؛ وما أطاقت من لطف حالها أن تحمل ~~ألما غير ألم العشق ، وهذا كمال في أنس المعشوق ، ولا يعلم ذلك إلا ذو عشق كامل. # قال بعضهم في قوله : ( وأعتدت لهن متكأ ): أجلستهن مجالس وطئه ~~ليكون أبين لحركتهن في مشاهدة يوسف عليه السلام ، وأسقط للملامة والتغيير ~~عنها ، ألم العشق ، وهذا كمال في أنس المعشوق ، ولا يعلم ذلك إلا ذو عشق كامل. # وقال بعضهم في قوله : ( فلما رأينه أكبرنه ): شاهدن حسنا خاليا ~~عن مواضع PageV02P169 # الشهوة ، مؤيدا بعصمة النبوة فأكبرنه. # وقال جعفر : سر هيبة النبوة عليهن مواضع إرادتهن منه ، فأكبرنه. # قال أبو سعيد الخراز : المأخوذ في حال المشاهدة غائبا عن حسنه ، بائنا عن ~~نفسه ، لا يحس بما جرى عليه. # قال الله : ( فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما ~~هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم ). # قال ابن عطاء : دهشن في يوسف عليه السلام ، وتحيرن حتى قطعن أيديهن ، فهذه ~~غلبة مشاهدة مخلوق لمخلوق ، فكيف بمن يأخذه مشاهدة من الحق ، فلم ينكر عليه ~~تغيير صفاته عليه ، أو ينطق في الوقت على حد الغلبة بمرأى كغيرة. # وقيل في قوله : ( أكبرنه ): لأنه كان مؤيدا بالعصمة ، فشغلتهن ~~هيبة العصمة ، فلم تنظر إحداهن إليه نظر شهوة. # وقال سهل : ما هذا إلا ملكا في أخلاقه ، بشرا في صورته. # قال محمد بن على : ما هذا باطلا أن يدعى إلى المباشرة بل مثله يكرم ، ~~وينزه عن مواضع الشبهة والاعتراضات لكرم أخلاقه ، ولطف شمائله. # قيل : إن أهل مصر مكثوا أربعة أشهر لم يكن لهم غذاء ؛ إلا النظر إلى وجه ~~يوسف ، كانوا إذا جاعوا نظروا إلى وجهه فشبعوا ، ويزول عنهم الجوع ، فلما ~~رأت شأن النسوة وفناءهن عن عقولهن ، صبرت حتى مر يوسف عليهن وأفقن ، وشمتت ~~بهن : ( قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ): أرادت أن يذقن ما ذاقت من ~~حب يوسف عليه السلام ، ويخرجن من ملامتها ؛ لأن من لم يعرف طعم المحبة عزل ~~أهلها : # فانظري واقطني لي تري %~% حرقا من لم يزد طرفا منها فقد # وإلا نظر أهل الملامة نظر سرك ms0711 ، حيث كانوا محجوبين عن رؤية سبق المقادير ~~، وإن العشق خارج عن حدود الاكتساب. # خليلي إني قلت بالعذل مرة %~% ومنذ علاني الحب مذهبي الجبر # وأنشد الحسين : # ما لا مني فيك أحبابي وأعدائي %~% إلا بجهلهم من عظم بلوائي تركت للناس دنياهم ودينهم %~% شغلي بحبك يا ديني ودنيائي أشعلت في كبدي نارين : واحدة %~% بين الضلوع وأخرى بين أحشائي PageV02P170 ولا هممت بشرب الماء من عطش %~% إلا رأيت خيالا منك في المائي النار أبرد من ثلج على كبدي %~% والسيف ألين بي من هجر مولائي # قال النصر آبادي : طلب العذر في العشق من نقصان العشق ، وإنما العشق ~~الحقيقي ما غلب على صاحبه وألهاه عن الاشتغال إلا بمحبوبه. # وقال بعضهم : لمتنني فيه بغيتني لصرعتن. # وأنشد : # وكنت إذا ما حدث الناسبالهوى %~% ضحكت وهم يبكون من حسرات فصرت إلى ما قيل هذا متيم %~% تلقيتهم بالنوح والعبرات # فلما رأت زليخا عذر النسوة أرادت أن تعرفهن طهارة يوسف عليه السلام فقالت ~~: ( ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ) أي : هو مقدس عن جميع التهم ، ~~وباطنه أحسن من ظاهره ؛ لأن باطنه مطهر عن دنس الشهوة ، وعلة البشرية ، ~~ومراودة النسوة والفحشاء ، معصوم بأنوار النبوة والرسالة ، وأرادت بذلك أن ~~يرينه أكبر مما يرينه ، ثم قالت : ( ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن ~~وليكونا من الصاغرين ): خوف يوسف عليه السلام من البلاء ، وكيف يخاف من ~~يكون في رؤية المبلي ، مؤيدا بعناية أزلية ، معصوما عن معصية ، وقولها في ~~ذلك من استغراقها في الحب والعشق. # وقال بعضهم : ما كان يلحق يوسف عليه السلام من السجن والمحبة ، إنما كان ~~من ترادف البلاء على زليخا ، وهيجان المحبة به. # فربما كان نصيب يوسف عليه السلام من أطراف بلائه شيئا بالسجن والهم ، وغير ~~ذلك وهذا من تمام المحبة وشدة البلاء : # أن أشارك المحبوب محبة في بلائه %~% وأنشدت ليلى صاحبة مجنون لم يكن المجنون في حاله %~% إلا وقد كنت كما كانا لكنه باح بسر الهوى %~% وإنني قد قدمت كتمانا # فلما رأى يوسف عليه السلام تملقهن ومكرهن واحتيالهن في دعائهن يوسف ~~عليه السلام إلى طاعة زليخا ms0712 التجأ إلى الله ، وتضرع بين يديه بقوله : ( ~~ قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب ~~إليهن ) أي : يا رب البلاء أحب إلى من لذة الوقت ، وشهوة النفس التي ~~تحتجبني عنك ، وعن شهوة الروحاني ، ورؤية آثار الربوبية. # وأيضا : السجن أحب إلى ؛ لأن في السجن مقام الأنس ، والخلوة ، والمناجات ~~، والمداناة ، PageV02P171 # والمشاهدات ، والمواصلات ، وإني أختار رضاك وأوثر مرادك على حظ نفسي. # وفيه إشارة لطيفة : أي : السجن أحب إلى إذا كنت محبوسا لزليخا حتى يزيد ~~عشقها على عشقها ، ويكون عشقها عشقا روحانيا ، وعشقا رحمانيا ، وتحترق ~~بنيران عشقها علل الإنسانية ، وشهوة البشرية ، وإلا تصرف عني بعصمتك ~~القديمة كيدهن في إظهار حسنهن أو جمالهن ، وزينتهن على ، وتميل نفسي إليهن ~~، ( وأكن من الجاهلين ) (1): من المؤثرين حظوظ أنفسهم على حظ ~~مشاهدتك وقربتك. # وأيضا : من الجاهلين بأنفسهم. # وأيضا : من الجاهلين بقدرتك على عقوبة الأسرار وضرب الحجاب بينها وبين ~~الأنوار. # قال الواسطي : منعك إياي عنهن بنزع القدرة عنى أحب إلى مما يدعونني إليه ~~من طلب الحظوظ. # قال بعضهم : توهم يوسف عليه السلام أن السجن ينجيه من الفتنة ، فأوقعه في ~~الفتنة الكبرى ، حتى قال لصاحب السجن : ( اذكرني عند ربك ). # قال ابن عطاء : السجن أحب إلى مما يدعونني من الزنا ، فالاختيار أفسد ~~عليه أمره لعلمه لو ترك الاختيار لكان معصوما من غير امتحان بالسجن ، كما ~~كان معصوما في وقت المراودة. # وقال الجنيد : لما جاء بالافتقار لا بالمسألة في صرف كيد الباغين عنه ، ~~وأشفق من دخول الصبوة عليه التي لا مدفع إلا بتأييد العصمة ، فأسعده ~~الإجابة ، ومنع كيد الشيطان وتسلطه ، وأخرجه من البلاء بقبول حسن ما تقدم ~~من الوعيد. # قيل : إن يدخل فيه وبمثل هذا يتعزى أهل المعرفة. # قوله تعالى : ( إنا نراك من المحسنين ): أي : ممن يعفو عمن ظلمه. # وأيضا : أي : من المشاهدين الملكوت ، والمكاشفين لهم أنوار الجبروت. # وأيضا : أي : من العالمين بحل مشكلات الغيوب ، وعجائبات القلوب. # وأيضا : من العارفين بدقائق الأحوال ، وحقائق الإجمال. # قال ابن عطاء : من المائلين إلى الفقراء بالإحسان إليهم ، والقعود معهم ~~والأنس بهم. # وقال ms0713 أبو بكر بن طاهر : إنا نراك من المحسنين ، لا ترد عذر معتذر. # وقال بعضهم : إنا نراك من المحسنين إلى من أساء إليك ، وهو من شرائط ~~الإيمان. PageV02P172 # وقال بعضهم : أي : العالمين بعلم الرؤيا. # وقال أبو بكر الوراق : الراجعين إلى الله في النوائب والمحن. # وقال يوسف بن الحسين : التاركين حظك لحظوظ إخوانك. # وقال الجنيد : العارفين حقائق الأمور. # قوله تعالى : ( واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ): أخبر ~~سبحانه عن كمال التوحيد يوسف عليه السلام ، وتمكينه أسوة بابائه من الأنبياء ~~والرسل. # ومعنى قوله : ( واتبعت ملة آبائي ) أي : أسألك طريق ما سلكوا إلى ~~الله شوقا إلى وصاله ، وعشقا لجماله بأسرار نورانيه ، وأرواح ملكوتية ، ~~وقلوب ربانية ، ونيات صادقة ، وأنفاس مقدسة ، ونفوس طاهرة ، وحقول عالمة ~~بأحكام إلهامه ، وأسرار خطابه ، وأعلام ربوبيته ، وآثار عبوديته. # انظر كيف أحسن الأدب ؛ حيث ذكر الخليل عليه السلام أولا ، وذكر إسحق ~~عليه السلام ثانيا ، ثم ذكر يعقوب عليه السلام ؛ احتراما وإكراما لهم : أي : ~~اتبعت الخليل عليه السلام في الخلة ، والمحبة ، والحلم ، والسخاء ، وإكرام ~~الضيف ، والرضا بالمقدور ، والتسليم في الأمر ، والحرقة ، والهيجان والبكاء ~~، والتلوة ، وإفراد القدم عن الحدوث ، حيث قال : ( إني بريء مما ~~تشركون ) [الأنعام : 78] ، والصدق واليقين ، وطلب مشاهدة الحق في الايات ، ~~وهو مقلم الالتباس ، بقوله : ( رب أرني كيف تحي الموتى ) [البقرة : ~~260] ، والإسلام ، والانقياد ، والحنيفة السهلة ، واتبعت ملة إسحاق ~~عليه السلام ؛ حيث ألقى نفسه لأمر الله ، وذبحه على باب ربوبيته ، وقربان ~~النفس عند سرادق مجده ، والانقياد عند أمر أبيه ؛ حيث فعل بأمر الله ما فعل ~~، واتبعت ملة يعقوب عليه السلام بالصبر الجميل ، والحزن الطويل ، والبكاء ~~على الدوام ، وتحمل البلاء على التسرمد. # وافهم أن المتابعة وصف الخاصين من المريدين ، ومن لم يتأدب باداب أهل ~~الطريقة والحقيقة لم يبلغ إلى درجات القوم. # ثم بين سبحانه قول يوسف عليه السلام أن ملة آبائه إفراد القدم عن الحدوث ، ~~وتجريد التوحيد ، وتطهير الإدراك عن الإشراك بقوله : ( ما كان لنا ~~أن نشرك بالله من شيء ): أي : لا ألتفت في طريق محبته إلى غيره. # ثم بين أن ذلك خارج عن اكتساب ms0714 البشر ، بل متعلق بسابق اختيار الله لهم ~~واصطفائيته لهم في الأزل بقوله : ( ذلك من فضل الله علينا ): أي : ~~ما ذكرت من شمائلهم ، وما وهبني الله من علم الغيب والحسن ، والجمال من فضل ~~الله على وعلى آبائي ، ( وعلى الناس ): أي : PageV02P173 # نحن فضل الله على الناس ؛ حيث أظهر شمائل جلاله منا. # ( ولكن أكثر الناس لا يشكرون ): لا يشكرون الله فيما أظهر لهم ~~منا من دين الحقيقة ، وأنوار الأزلية ، وحسنه الأبدي. # قال أبو عثمان : إصلاح القلب والسر بمتابعة الصالحين ، واعتقاد تعظيم ~~الأبرار من جميع العباد. # قال الله تعالى : ( واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ). # قال أبو عثمان المغربي : أسلم الطرق من الاغترار طريق الاقتداء والتقليد ~~؛ لأنها طريق الأئمة الصالحين. # قال الله : ( واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ). # وقال الواسطي : رؤية الفضل حسن ، ورؤية المفضل أحسن ، ورؤية المفضل حسن ، ~~والفناء عن رؤيته أحسن. # وقال أبو على الجوزجاني : أحسن الناس حالا من رأى نفسه تحت ظل الفضل ~~والمنة والنعمة ، لا تحت ظل عمله وسعيه. # ثم إن يوسف عليه السلام عرف أهل السجن مكانته في التوحيد والرسالة ، ~~ودعاهم إلى ملة آبائه بقوله : ( يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون ~~خير أم الله الواحد القهار ) أعلمهم أن العدد والانقسام صفة الحدثان ؛ لا ~~صفة الرحمن ، وإن الرحمن واحد منزه عن الانقسام ، وإذا كان منزها عن العلة ~~، يكون وصفه في ربوبيته القهر على عباده وخلقه ؛ بأنه جعلهم تحت إمرته ~~وعبادته ، عاجزين عن العناد عن خدمته. # ثم بين أن معرفة الواحد القهار وعبادته ، والإعراض عن الأغيار دينه ~~المستقيم بقوله : ( ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ): ~~لا يعرفون أن الحادث لا يكون قديما ، وأن القديم لا شريك له في عبودية ~~عباده وربوبية أزليته في نصب أعلام آياته وشواهد مملكته. # قال أبو عثمان المغربي : قد يكشف للإنسان حال غيره ، ويستر عليه حال نفسه. # ألا ترى إلى يوسف عليه السلام قال لصاحب السجن : ( أأرباب متفرقون ~~خير أم الله )، ثم قال في ثاني الحال : ( اذكرني عند ربك ). # وحكي : أن رجلا قال للفضيل بن عياض ms0715 : عظني ، فقال : أأرباب متفرقون خير ~~أم الله الواحد القهار؟ PageV02P174 # قوله تعالى : ( اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه ): إن ~~الله سبحانه وصف مكان امتحان صديقه يوسف عليه السلام ؛ حيث أغان قلبه عين ~~قهر نكرته حتى وقع في بحر النكرة ، وامتنع عنه بوصف المعرفة ، فلما احتجب ~~عن مطالعة جلال القدم بامتناع القدم بقي في رسم الطبيعة ، وعالم الصورة ~~فسلك سبيل الأسباب ، وكان ذلك أقل من لمحة ، فلما طلعت على قلبه أنوار ~~القدم ، وأدركه فيض الكرم على مكان الامتحان ، وعرف كيد الشيطان ، فرجع عن ~~ذكر الإنسان إلى ساحة الرحمن ، وإذا أراد الله بالعبد العارف زيادة معرفته ~~وقربته أوقعه لحظة في الغفلة عن الذكر ، ثم بدا لقلبه نور التجلي ، فيندم ~~عن نسيانه ويسرع قلبه في طلب مزيد عرفانه ، فيكون أقوى في طلب الحق من ~~الأول ، كانت غفلته عن الذكر تورث زيادة الذكر ، ومن كان أقرب إلى الله فهو ~~أخذته في زلته أسرع ، وبلاؤه أوفر. # ألا ترى كيف جازاه بغفلة لحظة لبثه في السجن بضع سنين ، ( فلبث ~~في السجن بضع سنين )، وإن الله سبحانه أراد من لبث يوسف عليه السلام في ~~السجن كمال تربيته في الخلوة ، وبلوغه إلى أخص درجة الأنس بالله ، وزيادة ~~القوة في الوجد ، وتمكينه في الصحو ، ألا ترى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~كيف تحنث في غار حراء ، وآنسه في الخلوة في أوائل النبوة. # ويحتمل أن قوله : ( اذكرني عند ربك ) أي : عرفني له طريقي مع ~~الله حتى يعرفني أني رسول الله ، ويطيعني في طاعة الله ، وينجو بذلك من ~~عذابه ، ويصل إلى ثوابه ، ويأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، ويوحد الله ~~سبحانه ، ويخلص من كيد الشيطان ، ومن تابعه من الإنسان. # وقوله : ( فأنساه الشيطان ذكر ربه ): إن يوسف عليه السلام لم ~~يعلم وقت إيمان الملك ، ولم يأت وقت دخوله في الإسلام : ( فأنساه ~~الشيطان ذكر ربه ) في سابق حكمه على تقدير وقت إيمان الملك ، فلبث في السجن ~~إلى وقت إيمان الملك ، فنسيان يوسف عليه السلام احتجابه عن النظر إلى مقادير ~~السابق ، والله أعلم وأحكم. ms0716 # قال الواسطي : احذروا أصول النفوس ؛ لئلا يكشف لكم عن مواضع العجز ، ألا ~~ترى يوسف عليه السلام كيف قال : ( اذكرني عند ربك ) (1). PageV02P175 # وقال بعضهم : اذكرني عند ربك ليعلم أنه ليس إليه من الضر والنفع شيء ، ~~وإنه مدبر ، وإن الأمور كلها إلى الله ؛ لئلا يعتمد على غير الله ، ولا ~~يسكن إلى أحد سواه ، يدل عليه قوله : ( فأنساه الشيطان ذكر ربه )، ~~حين قال لصاحبه : ( اذكرني عند ربك ). # وقال النصر آبادي : قدم على ذكره ذكر الذي ذكر عنده ، فأنساه الشيطان ذكر ~~ربه حين قال لصاحبه في السجن : ( اذكرني عند ربك ). # وقال بعضهم : أخذ الأنبياء بمثاقيل الذر لمكانتهم عنده ، وتجاوز عن سائر ~~الخلق لقلة مبالاته بهم في إضعاف ما أتوا به من سوء الأدب. # ألا تراه كيف يقول ليوسف عليه السلام بقوله : ( اذكرني عند ربك ) ~~، وجرى على سري أن الشيطان أنساه ذكر ربه ؛ لا ربه أنساه الذكر ، ولا أنساه ~~المذكور ، وكيف أنساه المذكور وشره مشاهد وجوده في جميع أنفاسه ، فذكره ها ~~هنا محل التوكل والرضا ، وليس من سقط عن درجة التوكل ، سقط عن رؤية الله ، ~~فإن التوكل من أسباب المقامات ، والعارف يسري في الحالات ، وليس أنه محجوب ~~عن حقيقة التوكل ؛ فإن حقيقة التوكل العلم بوحدانية الله ، وغلبة قهره على ~~كل ذرة ، وحاشا الأنبياء محجوبون عن ذلك أبدا. # قوله تعالى : ( يوسف أيها الصديق ): سماه الصديق في دعواه علم ~~الغيب ، ومكاشفته ، وعلم بأنبائه العجيبة ، صادق في مكاشفة الذي استقام ~~الصديقية فيه ، وذلك تتابع أنوار الإيقان والعرفان بعد كشف أنوار التجلي في ~~قلبه ، ووصف هذا استواء الحال ، واستقامة الإعمال. # قال أبو حفص : الصديق الذي لا يتغير عليه باطن أمره من ظاهره. # قال بعضهم : الصديق هو الصادق قولا وفعلا وعزما وزينة وعقدا. # وقال بعضهم : الصديق الذي لا يخالف قوله فعله ، ولا حاله عمله. # قال ابن الفرحي : الصديق كأبي بكر رضي الله عنه الذي يبذل الكونين في ~~رؤية الحق ؛ لما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «ما أبقيت لنفسك؟ قال الله ~~ورسوله» (1). # قوله تعالى : ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ms0717 وأن الله لا يهدي ~~كيد الخائنين ): أخبر الله سبحانه أن يوسف عليه السلام لما دعي من السجن لم ~~يبادر سريعا إلى الخروج حتى يفحص شأن النسوة ، وزليخا حين قالت لسيدها : ( ~~ ما جزاء من أراد بأهلك سوءا ) بقوله : ( ما بال النسوة ~~اللاتي قطعن أيديهن ). PageV02P176 # انظر كيف كان أدبه عليه السلام حيث لم يذكر زليخا ، وذكر النسوة ، وغرضه ~~في ذلك زليخا ، ولكن أخرج نفسه من محل التهمة باللطف والرمز فيه ، كأنه قال ~~للرسول : ( ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ) في وجهي ، ~~واستغراقهن في حبي ، كأنه تكلم من ألم سره من آلام سرهن ، وفيه ما فيه من ~~لطائف الإشارات ، وغرضه من تفحص إثبات الحجة على قومه ، وبيان طهارته من ~~علة الزنا حتى لا يشوش اعتقادهم في شأن نبوته ورسالته ؛ لأنه ينظر إلى ~~الخلق وجاههم ، فإنه كان في محل التمكين من التوكل والرضا ؛ فقوله : ( ~~ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ): مظنة هذه المعاني لم أخنه في ~~غيبته بنظر السوء إلى أهله. # وأيضا : لم أخنه في غيب خاطري بميل سري إلى غير الله ، وكيف أحزن ، وهو ~~تعالى لا يهدي الخائن إلى مراده ؛ لأن من خان لا يظفر بما يريد ، ولا يهدي ~~من طبعه الخيانة إلى محبته ومعرفته ومشاهدته. # قال ابن عطاء : لم أخونه فيما يتمني من الأهل والمال. # وقال سهل : لم أنقص له عهدا ولم أكشف له سرا. # وقال الأستاذ في قوله : ( ليعلم أني لم أخنه بالغيب ): بيان ~~الشكر لما عصمت الله ، ولما قال : إني لم أخنه بالغيب عارضه لسان الحق في ~~السر فيما هم بقوله : ( ولقد همت به وهم بها ). # وقال أهل التفسير : لما قال يوسف عليه السلام هذه المقالة قال له جبريل ~~عليه السلام : ولا حين همت بها ؛ فلما سمع يوسف عليه السلام أصوات الغيب ~~بتغيير سره أدرك ما فاته من غيبته عن مراعاته النفس ، ولزم لسانها بالدعاوي ~~واعتذر بقوله : ( وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما ~~رحم ربي )، مقالة الأولى من يوسف عليه السلام خبر عن بدايته في وقوعه في ms0718 ~~البلاء ، وهناك جبلة النبوة المقدسة عن التهمة ، وما جرت في البين هو لطيفة # الله من قهره وامتحانه ، وغلبه قدره السابق على رسوم الأمر ، وما ذكر في ~~العذر خبر من تلك اللطيفة. # وافهم : إن سر قوله : ( وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ) ~~، إن هذه النفس ليست لشيطان ، ولا قلب ، ولا ملك ، ولا عقل ، ولا لشيء له ~~أعين يتبين لأحد ، فبعضهم يسمي النفس الهوى ، وبعضهم يسمي النفس الطبيعة ~~والبشرية ، وميلها إلى الشهوة يسمي النفس ، وهذه الأقوال هي صورة رسوم ~~العلم وحقيقتها ، والله أعلم. # إنما هي وجود قهر القدم يظهر فغلبته في الفعل ، ويحرك طباع الإنسانية ~~المستعدة المخلوقة لقبول ما يصدر من القهريات مما يؤول أواخره إلى سخط الله ~~، وامتحانه ، وحجابه ، PageV02P177 # فالقوم حكموا بما صدر من القهر أنه نفس ، وأنا أرجع إلى الأصل ؛ لأن ~~القهر صفة دائمة أزلية محركة طباع البشر إلى طلب الشهوات ، ولا يطيق أحد أن ~~يخرج من تحته إلا بلطف الله بقوله : ( إلا ما رحم ربي )؛ لأنه صفة ~~غالبة على جميع الذرات ، وهو صفة الله سبحانه ، وهو نفس النفس ؛ لأن ذاته ~~تعالى موصوف بصفة القهر ، وإن قهره حار جميع الحدثان تحت غلبته ، ومن يدعي ~~أن يبعد نفسه من سلطان قهره بقوله : ( وما أبرئ نفسي ): أي : ما ~~أبرئ نفسي من غلبه قهر الله عليها ، وأنها مقهورة بين يديه. # وأيضا : ما أبرئ نفس النفس عن القهر والغلبة ، فإن نفس النفس أمارة إلى ~~ما يقتضي القهر ، وما يقتضي القهر يقتضي الامتحان ، وما يقتضي الامتحان ~~يقتضي الملامة في رسوم العلم. # وقوله : ( إلا ما رحم ربي ): أي : إلا من عصمه الحق بلطفه عن ~~قهره ، وأشار بهذا إلى وجوده حين عصمت بلطفه عن قهره. # وقوله : ( وما أبرئ نفسي ): إثبات ما جرى من الهمة : أي : ( ~~ وما أبرئ نفسي ) من الهمة التي همت بها ، وهذا محل من عرف سر القهر ~~، وسر الخطاب ، وسر الامتحان ، وسر النفس ، وغلبة الربوبية بقوله ~~عليه السلام : «من عرف نفسه فقد عرف ربه» (1). # ولما عرف حقائق النفس صلى الله عليه وسلم استعاذ منها ms0719 إلى الأصل ، وقال : ~~«أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك» (2)، وأعلمنا عليه السلام ~~أنه تعالى نفس النفوس بقوله : «أعوذ بك منك» (3). # ومن أراد أن تبرأ نفسه فقد نازع الربوبية ، فإن النفس أصل القدر السابق ~~على ما جرى من البلاء والامتحان. # ألا ترى إلى قول الواسطي كيف قال : من لام نفسه ؛ فقد أشرك. # وقال أيضا : رؤية التقصير من النفس شرك ؛ لأن من لاحظ نفسا من نفسه ؛ فقد ~~جحد الأزلية للحق ، ومن لام نفسه في شيء من أموره فقد أشرك ؛ لأنه أضاف إلى ~~نفسه ما لم يكن منه قط. # قال ابن عطاء : وما أبرئ نفسي بنفسي إنما أبرئ نفسي بربي. # قال أبو حفص : من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ، ولم يخالفها في جميع ~~الأحوال ، ولم PageV02P178 # يجرها إلى مكروهها ومخالفتها في سائر أيامه كان مغرورا ، ومن نظر إليها ~~باستحسان شيء منها فقد أهلكها ، وكيف يصح لعاقل رضي نفسه ، والكريم بن ~~الكريم بن الكريم بن الكريم يقول : ( وما أبرئ نفسي إن النفس ~~لأمارة بالسوء ): تحملك على الطاعة وتضمر فيها شرا. # وقال سهل : خلق الله النفس وجعل طبعها الجهل ، وجعل الهوى أقرب الأشياء ~~منها ، وجعل الهوى الباب الذي منه هلاك الخلق. # قال الله تعالى : ( إن النفس لأمارة بالسوء ): هي نفس الروح ، ~~والروح هو نفس الجسد. # وقال سهل : النفس الأمارة هي الشهوة ، والنفس المطمئنة هي نفس المعرفة. # وقال أبو حفص : النفس ظلمة كلها ، وسراجها سرها ، ونور سراجها التوفيق ، ~~فمن لم يصحبه توفيق في سره من ربه كانت ظلمة كلها. # وقال سهل : ( إن النفس لأمارة بالسوء ) موضع الطبع ، ( ~~إلا ما رحم ربي ) موضع العصمة. # وقال الواسطي : النفس ظلمة ، وسراجها سرها ، فمن يكن له فهم في ظلمة أبدا. # وقال الأستاذ في قوله : ( وما أبرئ نفسي ): بيان العذر لما قصر ~~في أمر الله ، فاستوجب واستحق بعذره العفو والغفران ، فلما ثبت الحجة ~~والسلطان ، وظهر قدسه وطهارته من علل الشيطان طمع الملك في أن يراه ويعظمه ~~بقوله : ( وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي ) أي : أستخلصه ~~لموعظة نفسي ليعرفني طريق ms0720 نجاة نفسي من عذاب الله. # وأيضا : أستخلصه بخالص محبتي له ليعرف خالص محبة الله ، وخصائص صفة ~~ربوبيته. # وأيضا : أستخلصه لنفسي حتى أفش عنده ما في نفسي من أسراري. # قال ابن عطاء : كيف يستخلصه لنفسه وقد استخلصه الحق من قبل فهو لديه من ~~المخلصين. # قوله تعالى : ( فلما كلمه ): أخبره عما في ضمائره من أسرار ~~الغيب ، وما في غيب الغيب ، وما يتعلق ، وما في حياة القلوب ، وما كان من ~~وصف الله وصف الطريق إليه بلسان فصيح ، ووجه صبيح الذي يبرز نور الحق منه ~~للعالمين : ( قال إنك اليوم لدينا مكين أمين ): أي : أنت بما تخبر ~~من الحق وأسراره متمكن أمين فيما أودع الله في سرك من النبوة والرسالة PageV02P179 # والولاية ؛ حيث يشهد بصدقك جمالك وجلالك ، فإن معنى الباطن يظهر من ظاهرك ~~، أنت عندنا ذا مكانة وذا أمانة ، فاحكم بنا ما شئت ، فإني لا أوثر على ~~أمرك شيئا. # قال بعضهم : أي شاهد صدق يخبر عن صدق ، فغلبه عز الصدق ، ورؤية صديقه ، ~~فقال : ( إنك اليوم لدينا مكين أمين ). # وقال الشبلي : فلما كلمه أخبر يوسف عليه السلام عما في قلبه من كوامن سره ~~، فقال : إنك متمكن في نفسك أمين ؛ حيث اطلعت على الأسرار ، فلما رأى الملك ~~آيات الله في بلاد الله وعباده آمن بيوسف عليه السلام أجله وأكرمه وأعزه ، ~~واختاره على جميع الخلق ، فعلم يوسف عليه السلام أن ما عرف الملك في جنب ما ~~لم يعرفه منه أقل القليل ، فأظهر ما وهبه الله له من علمه بالله وبطريقه ، ~~وحفظ حدوده في شريعته وشفقته على خلقه ، فقال : ( اجعلني على خزائن ~~الأرض إني حفيظ عليم ): أخبر الله يوسف عليه السلام الملك أيضا عن مقام ~~تمكينه ، وقدرته بالتصرف في الملك الدنيا ؛ بألا يتحجب في تصرفها عن مشاهدة ~~الله وملك الاخرة ، وليس كل من ينصرف في الدنيا متمكن إلا من كان على وصف ~~يوسف عليه السلام ، ووصف يوسف عليه السلام حفظ الأنفاس بالذكر ، وحفظ القلب ~~بالفكر ، حفظ أنفاسه عن الوسواس ، وحفظ قلبه وفكره عن ذكر غير الله ، عليم ~~بذات الله وصفاته ms0721 وآياته وعبادته. # وأيضا : إني حفيظ بنور تفرس نبوتي ما يقع من أمور المقادير عليهم بعلم ~~الله ما يجري في القلوب من الغيوب ، وخزائن الأرض في الإشارة قلوب الرياضين ~~من الأولياء والصديقين. # قال الواسطي : مدح النفس قبيح في الشاهد إلا في وقت الإذن فيه ، وله حين ~~وأوان ، ألا ترى يوسف عليه السلام كيف قال : ( إني حفيظ عليم ) (1). # وقال بعضهم : خزائن الأرض رجالها. # فقال : اجعلني عليهم أمينا ، فإني حفيظ لما يظهرونه ، مكشوف لي ما ~~يضمرونه ، وكذلك الأنبياء صلوات الله عليهم. # وقال أبو سعيد الخراز : إن لله عبادا يدخل عليهم الخلل ، ولولا ذاك فسدوا ~~وتعطلوا ، وذاك أنهم بلغوا من العلم غاية صاروا إلى علم المجهول الذي لم ~~ينصه كتاب ، ولا جاء به خبر ، لكن العقلاء العارفون يحتجبون له من الكتاب ~~والسنة ، وذلك بحسن استنباطهم ، PageV02P180 # وفهومهم وهو كقول يوسف : ( اجعلني على خزائن الأرض ). # ثم بين سبحانه تمكين يوسف عليه السلام ومكانته واستقلاله بنفسه في مقام ~~الرسالة والنبوة بقوله : ( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ): الإشارة ~~فيه ملك بحسنه وجماله ولطفه وكماله أرض قلوب الخلق محبة وهيبة ، تجلس محبته ~~حيث شاءت في صميم فؤاد الناس ، بقوله : ( يتبوأ منها حيث يشاء )، ~~أضاف مكانة يوسف عليه السلام إلى نفسه ، لا إلى سبب من أسباب الحدثان ، وذلك ~~إشارة إلى سبق العناية له بالرسالة ، وكسائه كسوة جماله وجلاله. # ثم بين أن ذلك رحمته الأزلية التي خص بها من يشاء من عباده : ( ~~نصيب برحمتنا من نشاء ): رحمته كشف مشاهدته للأنبياء الأولياء ، وتعريف ~~نفسه بكشف الصفات لهم إياهم حتى عرفوه به ، وسهل عليهم طريق عرفانه حيث رفع ~~بينه وبينهم علل المجاهدات والرياضات. # وذلك منة عظيمة ، ورحمة كافية إذ كشف عزة السرمدية للادميين ، وما مال ~~بأنهم لا يستحقون شهودهم مشاهدته ، وأنى لهم مع حدوثيتهم البقاء مع القديم ~~الأزلي الأبدي ، ويتلاشى الأكوان والحدثان في الأول بديهة سطوات عزته وظهور ~~مجد جلاله ، ولكن تجاوز عنهم وعن حدوثيتهم برحمته ، وأراهم ما لم يكن ~~لغيرهم من المكروبين والروحانيين ؛ لأنه تعالى اختارهم في الأزل لنفسه ~~ولوصاله ، وكشف جماله ms0722 ، ووضع أسراره في قلوبهم ، أي : بلوغ يوسف عليه السلام ~~إلى هذه المراتب السنية الرفيعة ، ( برحمتنا ) بعنايتنا وكرمنا. # هذا مكان العناية التي انقطع عندها الأسباب ، ثم بين أنه مع جلاله ولطفه ~~لا يضيع أجر العاملين الذين سلكوا سبيل الأعمال ؛ فيصلوا إلى درجة الأحوال ~~بقوله : ( ولا نضيع أجر المحسنين ) أجر أهل الإحسان كشف الجمال ~~مشاهدة الرحمن ، وإحسانهم طلب طلوع صبح الأزل من مشارق الأبد بعيون الأرواح ~~، ودوران بصائر الأسرار. # ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم في جوابه السائل عن الإحسان ، قال : ~~«الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه ؛ فإنه يراك» (1). # فإحسان يوسف عليه السلام مراقبة الله في بلائه ، وذلك الإحسان والمراقبة ~~من عصمة الله ورحمته ؛ لأن العصمة مقرونة بالاصطفائية ، وكيف كان معصوما من ~~لم يسبق له الاصطفائية في الأزل ، وأيضا إحسان يوسف عليه السلام العفو ~~والكرم للخاطئين ، وتعريف الله بوصفه وصفاته إلى عباده ليحبوه ويطيعوه ، ~~وأيضا إحسان يوسف عليه السلام كشف جماله لأهل البلاء والقحط حتى PageV02P181 # عاشوا بالنظر إلى وجهه. # قال الواسطي في قوله : ( نصيب برحمتنا من نشاء ): من لم يفصل ~~بين أول هذه الاية وآخرها التبست عليه آيات القرآن ، وأشكلت أوله للعلماء ~~وآخره للجهال به. # ألا ترى إلى قوله : ( نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر ~~المحسنين ) فبرحمته استوجب اسم الإحسان ، وبرحمته عرف الهداية والبيان ، ~~وبرحمته أشار إلى غوامض القرآن ، قال الله : ( الرحمن علم القرآن ). # وقال ابن عطاء : ( نصيب برحمتنا من نشاء ) بفضلنا يهدي من يشاء ~~إلى سبيل المعرفة. # وقال بعضهم : المحسن من يرى جميع ما يجري عليه من الإحسان منه من الحق عليه. # ( وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون (58) ولما ~~جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا ~~خير المنزلين (59) فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون (60) ~~قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون (61) وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في ~~رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون (62) فلما رجعوا ~~إلى أبيهم قالوا يا ms0723 أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له ~~لحافظون (63)) # قوله تعالى : ( وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون ~~) نكرة الإخوة كانت في رؤية يوسف عليه السلام من سبب اختفاء تجلي الحق عن ~~عيونهم في وجه يوسف ؛ فلا يرونه ولا يرون ذلك النور والتجلي ، كما رأوه قبل ~~الجناية ، فغطى الله عيونهم بنكرة الجفاء عن رؤية تلك الأنوار ، فلما لم ~~يروا ذلك جهلوه. # قال بعضهم : جهلوه لما تقدم من جفوتهم له ؛ فأحوجهم الله إليه. # وقال الأستاذ : يقال : لما جفوه صار جفاؤهم حجابا بينهم وبين معرفتهم ~~إياه ، كذلك المعاصي بخطابه وزلته يقع غيره على وجه معرفته. # قوله تعالى : ( فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون ) ~~أي : يوسف عليه السلام في قلب يعقوب عليه السلام بعض التفاته إلى الوسائط ، ~~وأراد أن يصل الشيخ إلى إفراد القدم عن الحدوث بشرط تجريد سره عن الحدثان ~~في جمال الرحمن من شفقته على يعقوب عليه السلام لتخرجه بالتلطف عن الكون حتى ~~لا يبقى في ساحة الكبرياء خيار الحدوث ؛ فتلطف في سلب بنيامين عنه. # وذلك من علمه بغيرة الله سبحانه على يعقوب عليه السلام حيث رفع محبوبه من ~~بينه ؛ فخاف PageV02P182 # عليه أن يهلك بنيامين بين يديه ويزيد داؤه على دائه ، ولولا ذلك لما قال ~~: ( فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم ) بأن ليس من دأب الفتيان طلب ~~العرض بالإحسان ، والإشارة فيه أن من لم يأت في طريق محبة الله بالوفاء على ~~عهد المعرفة ضاقت عليه طرق وصاله. # قال بعضهم : من خالف مراد سيده فيه ضيق الله عليه رزقه وحرمه مقام القربة ~~بحال وأصل ذلك قوله : ( فإن لم تأتوني به ) الاية. # وقال الأستاذ : المحبة لما كان غيور ليعقوب عليه السلام ليسلي عن يوسف ~~عليه السلام برؤية بنيامين أبت المحبة إلا أن يظهر سلطانها بالكمال ؛ فغارت ~~على بنيامين أن ينظر إليه يعقوب عليه السلام بعين يوسف عليه السلام . # ( قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير ~~حافظا وهو أرحم ms0724 الراحمين (64)) # قوله تعالى : ( فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين ) رأى يعقوب ~~عليه السلام في مرآة البلاء أن بنيامين يعتزل عنه بغير اختياره ؛ فرجع من ~~الأسباب إلى مسبب الأسباب ، وطلب منه الحفظ والعناية والرعاية لا من الخلق ~~، والإشارة في قوله : ( فالله خير حافظا ) أي : من حفظه أن يرد ~~عليه يوسف عليه السلام من بنيامين ، أي : هو تعالى يحفظهما جميعا ، وذلك ~~قوله : ( عسى الله أن يأتيني بهم جميعا )، ومعنى قوله : ( ~~وهو أرحم الراحمين ) برحمته أن يشفني ريح يوسف عليه السلام ، ويقر عيني ~~بالنظر إلى وجهه ، ثم بعد ذلك يتجاوز عن التفاتي في محبته إلى غيره ويريني ~~جماله وجلاله تعالى. # قال بعضهم : قال يعقوب عليه السلام : جربت حفظكم في واحد حين قلتم : ( ~~ وإنا له لحافظون ) اعتمدت عليكم في يوسف عليه السلام ، ولم أرجع فيه ~~وفي حفظه إلى الله ؛ فلقيت فيه ما لقيت ، وإني في هذا أرجع إلى ربي ألا ~~أعتمد حفظكم له ( فالله خير حافظا ) لما استحفظه ربه رد عليه الأول ~~والثاني. # ( ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما ~~نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك ~~كيل يسير (65)) # قوله تعالى : ( ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم ) قيل ~~: متاعهم ظاهر الكرم ، ورد إليهم باطنا لئلا يشق عليهم أثقال المنة ما ~~وجدوا ليوسف عليه السلام لمتاعهم في خزائنه موضعا لا يليق إلا بالفقراء ~~والمساكين ؛ فرد إليهم لئلا يزاحم بغناه على الفقراء PageV02P183 # بالمؤاكلة معهم ، وأنى يفعل الغني بمال الفقراء لم ير نفسه أهلا في ملكه ~~أن يأكل طعام الفقراء ، وفيه ما فيه من الإشارة إلى أن ما وجد الأولون ~~والاخرون من معرفة الله وتوحيده ومحبته وعبوديته في جنب ما يجدون منه يوم ~~الكشف الأعظم أقل من كل شيء ؛ فيرد بكبريائه ما يليق بالحدثان على الحدثان ~~، لأنه تعالى بقدمه وجلاله منزه عن أن يدركه أحد من خلقه ، وأن يطلع على ~~أسرار ذاته وصفاته أحد من عباده يرد متاع العبودية على الخلق ؛ لأنها لا ~~يليق بربوبيته فيغنيهم ms0725 بما له عمالهم. # ألا ترى إلى قوله عليه السلام : «لن ينج أحد منكم عمله» ، قالوا : يا رسول ~~الله ، ولا أنت؟ # قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة وفضل» (1). # قال بعضهم : إن أعمال الخلق كلها مردودة عليهم ؛ فإنهم إنما عملوها ~~بأنفسهم ، قال تعالى : ( ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ) وأن الذي ~~يلحقهم من الكرامات من جهة التفضل لا من جهة الجزاء. # ( قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن ~~يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل (66) وقال يا بني لا ~~تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء ~~إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون (67) ولما دخلوا من ~~حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب ~~قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (68)) # قوله تعالى : ( فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل ) ~~رأى يعقوب عليه السلام نية بنيه صادقة في شأن بنيامين بأنهم يتحفظونه ، ~~ويأتون به إلى يعقوب عليه السلام ، ورأى يعقوب عليه السلام بنور النبوة ما ~~يقع في المستقبل ؛ فتعرف عجزهم عن دفع القدر ؛ فقال الله : ( على ~~ما نقول وكيل ) أي : ليس على مرادي ومرادكم بل يفعل كما يريد ، وهو قادر ~~بحفظه وإرجاعه إلي. # قال بعضهم : ما اعتمد منهم الميثاق لما سبق منهم إليه قبل ذلك ؛ فعلم أن ~~مواثيقهم وحفظهم معلولة فقال : ( فالله خير حافظا )، وقال : ( ~~ الله على ما نقول وكيل ) هو الذي يحفظ قلوبكم ، ولا يحلكم إلى ~~آراءكم وأهوائكم ، ثم عرفهم أسباب العلم والعقل ، واستعمالها لتوقعه أن ~~تتجاوز الأقدار عنهم بناقض من الحق ، من قدر سبق الأقدار. PageV02P184 # ألا ترى إلى قوله : ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت ) يراقب من إثبات ~~القدر ومحوه ؛ فقال الله تعالى : ( يا بني لا تدخلوا من باب واحد ~~وادخلوا من أبواب متفرقة ) خاف من عين غيرة القدم على مقدور القدم ؛ فينتظر ~~عليه سبق ms0726 الرضا على السخط بقوله سبحانه : «سبقت رحمتي غضبي» (1). # فاستدرك بعد استعمال العلم صرف التوحيد ؛ فقال : ( وما أغني عنكم ~~من الله من شيء ) أي : تدبيري وعلمي وعقلي وحذري لا تدفع سابق القدر ؛ ~~فأرضى بما هو كائن منه تصديق ذلك قوله : ( إن الحكم إلا لله ) ما ~~يريد يكون كما أراد ، ثم برئ من حوله وقوته بقوله : ( عليه توكلت ~~وعليه فليتوكل المتوكلون )، وحقيقة التوكل رفع التدبير عند رؤية التقدير. # وفي الاية إشارة كان سر يعقوب عليه السلام أشار إلى بنيه أي : إذا عزمتم ~~بقلوبكم وأرواحكم وعقولكم وأسراركم سلوك سبيل الحق لا تدخلوا فيه بسبيل ~~واحد بل ادخلوا عليه بسبيل الصفات لتعرفوا حقائقها وتعرفوا بحقائقها عين ~~الذات ؛ فإن من عرفه بصفة واحدة لم يعرفه بما استحقه من أوصاف القدم وصفات الأزل. # قال جعفر في قوله : ( لا تدخلوا من باب واحد ): نسي يعقوب ~~عليه السلام اعتماده على العصبة والقوة ، وأن القضاء يغلب التدبير بقوله : ( ~~ لا تدخلوا من باب واحد )، ثم استدرك عن قريب وساعده التوفيق ، ~~وقال : ( وما أغني عنكم من الله من شيء ). # قال ابن عطاء : كيف يرد عن غيره من لا يرد عن نفسه ، وكيف يقوم بكفاية ~~الغير من هو عاجز عن سياسته. # وقال الحسين : صدق التوكل استعمال السبب مع ترك الاختيار قال الله : ( ~~ لا تدخلوا من باب واحد ... ) الاية. # وقال الواسطي : التوكل الصبر بطوارق المحن. # قال الأستاذ في قوله : ( لا تدخلوا من باب واحد ) يحتمل أن يكون ~~أراد بتفريقهم في الدخول لعل واحدا منهم يقع بصره على يوسف عليه السلام إن ~~لم يره الاخر قول الله تعالى : ( وإنه لذو علم لما علمناه ) بين ~~الله سبحانه أن ما أوصى يعقوب عليه السلام لبنيه قهر نظر نوري أبصر به ~~كينونة القدر ؛ فاستقبله به لا بنفسه ، وكان عالما بما رأى بأمور استعمال ~~الشريعة والغفل PageV02P185 # واسترسال نفسه إلى الحق بنعت الافتقاد والعجز في قدراته وتقديره ، وصفه ~~بأنه ذو علم وأن علمه غير مكتسب ( وإنه لذو علم لما علمناه ) كان ~~علمه لدنيا بلا واسطة علمه بنفسه كما وصف ms0727 الخضر عليه السلام بقول الله تعالى ~~: ( وعلمناه من لدنا علما ). # والعلم اللدني على نوعين الأول : ظاهر الغيب ، والثاني : باطن الغيب ؛ ~~فظاهر الغيب علم دقائق المعاملات والمقامات والحالات والكرامات والفراسات ، ~~وها هنا للعقل والقلب مجال وباطن الغيب على أربعة أقسام : # الأول : علم باطن الأفعال وذلك حكمة المعرفة. # والثاني : علم الصفات وذلك المعرفة الخاصة. # والثالث : علم الذات وذلك التوحيد والتجريد والتفريد. # والرابع : علم أسرار القدم وذلك علم الفناء والبقاء. # وهناك تبرز أنوار الأقدار للأسرار فعند علم بطون الأفعال ، وكشف الصفات ~~للروح مجال ، وعند علم الذات للسر مجال ، وعند علم أسرار القدم لسر السر ~~مجال ، أما تولد علم دقائق المعاملات ؛ فالصفاء والرقة ، وأما ما تولد علم ~~المقامات ؛ فصحة الإرادة ولذة المحبة ، وأما تولد علم الحالات ؛ فالشوق ~~والعشق ، وأما تولد علم الكرامات والفراسات ؛ فطمأنينة النفس الأمارة ~~بالذكر وسكون القلب بنور اليقين ، وأما تولد علم بطون الأفعال ؛ فالحيرة في ~~القدر ومباشرة لطائف الألفة ، وأما تولد علم الصفات ؛ فالإنس والجن بالجمال ~~والوله في الجلال ، وأما تولد علم الذات ؛ فالمحو في الأزل والصحو في الأبد ~~، وأما تولد علم أسرار القدم ؛ فالوقوف على العلم المجهول والحكمة المجهولة ~~، ويقتضيان ذلك حالتين حالة السكر ، وحالة الصحو ؛ فالسكر يقتضي لذلك ~~العالم إفشاء السر بلسان بالعلم المجهول ، وذلك غلبة نطق الأزلية والصحو ~~يقتضي الخرس والكتمان عن إفشاء السر ، وجميع ما ذكرنا يتعلق بشيئين ~~بالمكاشفة والمشاهدة ؛ فإذا بدا للعالم العارف لوائح أوائل الكشوف ولوامع ~~الشهود في المشهود يقف سره على موارد الصفات ، وسر سره على موارد الذات ؛ ~~فيعرف السر من كل صفة طريقا خاصا من الحق إلى الحق ، ويذوق طعما منها غير ~~طعم صفة أخرى في رؤيتها ، ويعرف سر السر من رؤية الذات طرقا من الذات إلى ~~الذات ، وذوقا خاصا خارجا عن ذوق الصفات ؛ فبقي العالم العارف مع معلومه ~~ومعروفه بخلق الربوبية حتى صار ربانيا صمدانيا جلاليا جماليا أبديا ، قال ~~الله : ( كونوا ربانيين ). # قال بعضهم : العلوم خمسة علم يصلح لكسب الدنيا ، وعلم يصلح لخدمة ~~السلاطين ، وعلم يصلح لكسبه الرياء والزينة ، وعلم يصلح للعبادة ms0728 والمجاهدة ~~، وعلم يصلح لكسب PageV02P186 # الحرية والانقطاع ، وهو أجل العلوم. # وقال يوسف بن الحسين : أجل العلوم ما أخذها العبد من الحق بغير واسطة ~~لقوله تعالى : ( وإنه لذو علم لما علمناه )، وقوله تعالى : ( ~~ وعلمناه من لدنا علما ) لكن فيها اغترارات وأخطار. # ( ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا ~~تبتئس بما كانوا يعملون (69) فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ~~ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون (70) قالوا وأقبلوا عليهم ما ذا ~~تفقدون (71) قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم (72) ~~قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين (73) قالوا ~~فما جزاؤه إن كنتم كاذبين (74) قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك ~~نجزي الظالمين (75)) # قوله تعالى : ( ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه ) خاف يوسف ~~عليه السلام بنيامين من معرفته على قلقه وشوقه إلى يوسف عليه السلام لو أن ~~يعرف يوسف عليه السلام بغتة لهلك ؛ فاواه إليه ليعرفه الحال بالتدريج حتى ~~يحتمل أثقال السرور برؤية يوسف عليه السلام ، وأيضا رأى وحشة حيث بقي وحيدا ~~بلا يوسف عليه السلام بين الإخوة فانسه بقربه ؛ وذلك من احتمال بنيامين عذاب ~~الفراق وألم البعد ، ولو كانوا كبنيامين لاواهم إليه جميعا ، ولكن الكشف ~~والمشاهدة على قدر ألم المحبة والشوق. # قال الأستاذ : حديث المحبة أقسام اشتاق يعقوب عليه السلام إلى لقاء يوسف ~~عليه السلام ؛ فبقي في الأحزان سنين كثيرة ، واشتاق يوسف عليه السلام إلى ~~بنيامين ؛ فرزق رؤيته في أوجز مدة ، هكذا الأمر ، فمنهم مرفوق به ، ومنهم ~~صاحب بلاء. # ويقال : لئن سجنت عين يعقوب بمفارقة بنيامين ، فلقد قر عين يوسف بلقائه ؛ ~~كذا الأمر لا يغرب الشمس عن قوم إلا تطلع على آخرين ؛ فلما ذاق يوسف ~~وبنيامين طعم الوصال بدوام الوصال ، وتلطف في أمر بقائه عنده بما حكي الله ~~سبحانه عنه بقوله : ( فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ~~ثم أذن مؤذن ) إن الله سبحانه بفضله ولطفه أجرى على يوسف بعض ما أجرى على ms0729 ~~إخوته في أخذ بنيامين ، ونسب السرقة إليهم جميعا ليتخفف على الإخوة أثقال ~~الجفوة السالفة منهم على يوسف مادام نسبهم إلى السرقة. # ثم إن الله سبحانه وتعالى جعل يوسف شريكا مع إخوته في إبلائهم إياهم ، ~~حيث أخذ بنيامين عنه ، ونسبه إلى السرقة ليكونوا جميعا في الجرم سواء ، ~~ويحتمل أن من كرمه فعل ذلك PageV02P187 # لئلا يخجلوا فيه بين يديه حيث جعل نفسه معهم شريكا فيما جرى عليهم وطاب ~~قلب بنيامين برؤية يوسف ووصاله ؛ فاحتمل الملامة ، وكيف لا يحتمل ذلك وبلاء ~~العالم محمودة بملامة رؤية المعشوق ، وكيف يؤثر الملامة ؛ فيمن كان في وصال ~~محبوبه. # أجد الملامة في هواك لذيذة %~% حبا لذكرك فليلمني اللوم # وفي الاية إشارة لذيذة أن من اصطفاه الله في الأزل بمحبته ومعرفته ~~ومشاهدته ، حيث خاطب الأرواح والأشباح ، وضع في محمله ضاع ملامة الثقلين. # ألا ترى إلى ما فعل آدم صفيه عليه السلام اصطفاه بقوله : ( إن ~~الله اصطفى آدم ) ثم عرض الملامة ؛ فحمله بقوله : ( فأبين أن ~~يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ) ثم هيج شهوته إلى حبة الحنطة حتى ~~أكلها ، ونادى عليه بلسان الأزلي : ( وعصى آدم ربه ) ذلك من غاية ~~حبه له حتى صرفه عن الكون وما فيه ومن فيه إليه ، ولولا أن كشف جماله لا ~~يحتمل بلاء الملامة كما فعل يوسف عليه السلام ببنيامين آواه إليه وكشف جماله ~~له وخاطبه ، ثم نادى عليه بالسرقة ليبقيه معه ، والإشارة في قوله تعالى : ( ~~ أيتها العير إنكم لسارقون ) أي : سرقتم أمانة المعرفة ، وحقائق ~~الأخوة بيني وبينكم حين فعلتم ما فعلتم بأبيكم وأخيكم. # قال جعفر في قوله : ( إنكم لسارقون ) أضمر يوسف في أمره مناديه ~~إياهم بالسرقة ما كان منهم في قصته مع أبيهم أن فعلكم الذي فعلتم مع أبيكم ~~يشبه فعل السراق. # وقيل : ( إنكم لسارقون ) لعاقون لأبيكم في أمر أخيكم ؛ حيث ~~أخذتموه منه وخنتموه فيه. # وعن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر قال : من سرق قلبه عن ربه ، نودي ~~يوم القيامة : ويا سارق ، وكل سارق عليه القطع ، ومن لم يكن للوصال أهلا ؛ ~~فكل إحسانه ms0730 ذنوب. # قال الأستاذ : احتمل بنيامين ما قيل فيه من السرقة بعد ما بقي مع يوسف. # ويقال : ما نسب إليه من سوء الأفعال هان غلبه في جنب ما وجد من الوصال. # ( فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك ~~كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من ~~نشاء وفوق كل ذي علم عليم (76) قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها ~~يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون (77) ~~قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من ~~المحسنين (78)) # قوله تعالى : ( كذلك كدنا ليوسف ) إن الله سبحانه إذا خص نبيا أو ~~وليا ألبسه PageV02P188 # صفاته بتدريج الحال ، ففي كل حالة له كساه نورا من صفته ، فمن جملة صفته ~~كيد الأزل ومكر الأبد ؛ فكيدي علم كيده قلب يوسف حتى كاد برؤية كيد الله ~~الأزلي ؛ فعرفه تعالى أسرار لطيف صنائعه وعظيم حقائق أفعاله وقدرته ؛ فمعنى ~~كدنا ليوسف عليه السلام عرفناه مصالح أمور النبوة والولاية بتأثير كشف الذات ~~والصفات. # قال ابن عطاء : أبليناه بأنواع البلاء حتى أوصلناه إلى محل العز والشرف. # وقال جعفر : أظهرنا عليه بركات آباء الصادقين بما عصمناه به في وقت الهم. # وقوله : ( نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم ) بين سبحانه ~~أن مألم يوسف عليه السلام وفعل من الألوهية ورؤية كشف مشاهدة الأزل يختص ~~بدرجة كشف جماله أهل محبته وشوقه ، ويرفع درجات عارفيه وموحديه بحيث عرفهم ~~ذاته وصفاته يرفع درجة الموحدين والعارفين من مقام العبودية إلى مقام ~~الربوبية ، بأن يكسيهم أنوار جوده ووجوده ؛ ليعلموا من رؤية كل صفة علما ~~فوق علم ، ومن رؤية الذات علما فوق علم الصفات ، كما أن ذاته وصفاته لا ~~نهاية لهما ، فأيضا علومهما لا نهاية لهما ؛ فيشرب أطيار أرواح القدسية من ~~بحر قدس قدمه زلال حيوته وعلومه الأزلية الأبدية على مقادير حواصلها ؛ ~~فيأتي كل واحد منها من تلك البحار بغريب علم ms0731 صفاته وجواهر حكم بحار ذاته. # قال تعالى : ( قد علم كل أناس مشربهم ) فعلم المريد فوق علم ~~المبتدئ ، وعلم المحب فوق علم المريد ، وعلم العارف فوق علم المحب ، وعلم ~~الموحد فوق علم العارف ، ووراء علومهم علم المجهول لا يأتي به إلا الفاني ~~في ذاته الباقي في صفاته. # قيل في قوله : ( نرفع درجات من نشاء ) بالعلم والاستقامة ، وقيل ~~: بالمكاشفة والمشاهدة ، وقيل : بالفراسة الصادقة ، وقيل : بالمعرفة ~~والتوحيد ، وقيل : بإجابة الدعاء ، وقيل : بمعرفة مكائد النفس ، وقيل : ~~بالعصمة والتوفيق. # وقال الجنيد : بإسقاط الكونين عنه ، ورفعه عن الالتفات إلى المقام ~~والأحوال ليكون خالصا بالعلة. # وقال الحسين : فضيلة أرباب الحقائق إسقاط العظيمتين ، ومحو الملكوت في ~~الحالتين ، وإبطال الخيرين ، ونفي الشركة في الوقتين الأزل والأبد ، ~~والتفرد بالحق بنفي ما سواه ، ورؤية الحق والسماع منه ، وذلك قوله : ( ~~ نرفع درجات من نشاء ). # قال بعضهم في قوله : ( وفوق كل ذي علم عليم ) فوق كل ذي معرفة ~~عارف إلى أن ينتهي المعرفة إلى المعروف ؛ فيسقط الأوصاف ويبقى حقا محضا. # وقيل : ( وفوق كل ذي علم عليم ) لأن علوم الخلق محدودات معلومات إلى أن PageV02P189 # يبلغ العلم إلى عالم السر والخفيات. # وقال ابن الفرجي : العلوم تتقارب على مقدار الطبائع والتعليم إلى أن ترى ~~من يتلقف العلم من الحق ورزق العلم اللدني ؛ فذلك الذي لا عالم فوقه من الخلق. # قوله تعالى : ( قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف ~~في نفسه ولم يبدها لهم ) فنسبوا السرقة إلى يوسف عليه السلام لكن فرق بين ~~السرقة والسراق ؛ فسرق بعضهم قماشة الظاهر ويوسف عليه السلام سرق بنرجس عينه ~~المخمور به وورد خده المصبوغ بصبغ الله قلوب العالمين ، لكن شتان بين سارق ~~وسارق صدقوا في نسبة يوسف عليه السلام إلى السرقة ، ولكن لم يعرفوا مسروقه ~~لباب الفؤاد بالمحبة وصميم الأسرار بالشوق والعشق والألفة. # أنشد الشبلي : # لها في طرفها لحظات سحر %~% تميت بها وتحيي من تريد وتسبي العالمين بمقلتيها %~% كأن العالمين لها عبيد # مفهوم خطاب الاية بقوله : ( قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ~~) من قبل ms0732 أن بقايا النفوس باقية في قلوبهم في حقد الطبيعة بما بدت من ~~أفواههم ظاهر ، وانظر إلى تمكن يوسف عليه السلام وأناته ، حيث لا يجازيهم ، ~~ولا يظهر عليهم الجواب مع علمه بأنه مأخوذ بجزاء قوله : ( إنكم ~~لسارقون )، وهكذا شأن المعصومين عن الجرائم يؤذيهم الله عند كل فلتة من ~~ألسنتهم ، ومن حكمة الله سبحانه أنه أعزا يوسف عليه السلام إلى قوله : ( ~~ إنكم لسارقون ) حتى يكون شريكا لهم فيما بدا منهم له. # وقال الأستاذ : كان بنيامين بريء مما رمي به من السرقة ؛ فأنطقهم الله ~~حتى رموا يوسف عليه السلام بالسرقة واحدا بواحد ليعلم العالمون أن الجزاء واجب. # ( قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا ~~لظالمون (79) فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم ~~قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى ~~يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين (80) ارجعوا إلى أبيكم ~~فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين ~~(81) وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون (82)) # قوله تعالى : ( قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده ~~) إشارة الاية من الحق سبحانه بألا نتخذ بمحبته واصطفائيته ومعرفته وخلته ~~وعشقه وشوقه ، إلا من أودع PageV02P190 # روحه في بدء الأمر أمانته من ودائع أسرار ملكوته وجبروته في غيب الأزل ، ~~وأيضا أي نحن لا نفشي أسرارنا إلا لمن كان في قلبه استعداد قبول معرفتنا ، ~~وأيضا لا يختار لكشف جمالي إلا من كان قلبه في شوق إلى وصالي. # قال بعض الخراسانيين : الإشارة فيه : إنا لا نأخذ من عبادنا أشد أخذا ممن ~~ادعى فينا أو اخبر عنا بما لم يكن له الإخبار عنه ، إلا من مديده إلى ما ~~لنا وادعاه لنفسه. # وقال أبو عثمان : لا نتخذ من عبادنا وليا إلا من ائتمناه على ودائعنا ؛ ~~فحفظها ولم يخن فيها ، ولطيفة الواقعة مثل الحبيب إلى الحبيب ، ومكر الحبيب ~~للحبيب حتى ms0733 لا مفارق الحبيب عن الحبيب يتعلل بكل علة حتى يسلب حبيبه ، ~~وهيهات من مفارق بين الحبيبين في محل الوصال فقال : ( معاذ الله ) ~~أن تأخذ مكان حبيبي بديلا ، فليس في مذهب المحبة أخذ بديل الحبيب ، وفي ~~معناه أنشدوا : # أبى القلب إلا حب ليلى %~% وبغضت إلي نساء ما لهن ذنوب # قوله تعالى : ( إن ابنك سرق ) انظر كيف فعل بإسرائيل عليه السلام ~~سلب منه فاكهتي قلبه ، ثم نادى عليهما بالبيع والسرقة والفرقة والعزلة ~~ليزيد عليه بلاؤه في محبته قالوا : ( إن ابنك سرق ) نسبوه إلى سرقة ~~الصاع ، ونادى لسان القدر على أن بنيامين سرق يوسف عليه السلام من بينهم ~~وهموا فيما نسبوا إليه ، وسبب ذلك أنهم كانوا في زمان البلاء ، ومن كان في ~~زمان بلائه يعرف طريق المخرج ، وكل الفعل يكون عليه لا له. # قال جعفر : كيف يجوز هذه اللفظة على نبي ابن نبي ، وهذا من مشكلات القرآن ~~، ومثله في قضية داود عليه السلام ( خصمان بغى بعضنا )، وما كان ~~خصمين وما بغيا ، صدق الصادق جعفر عليه السلام : إن في القرآن كثيرا من هذه ~~المتشابهات والمشكلات ، ولا يعلم تأويلها إلا الله ، والراسخون في العلم ، ~~ومما علموا من هاهنا أن الله سبحانه تكلم بالحقيقة والأمثال والعبر والمجاز ~~والخبر والقصص على وفق الواقعة ؛ فأخبر من حيث الظاهر عن قصتهم بما قالوا ~~وفعلوا وفي الحقيقة حق ما قال ؛ لأن الواقعة لا تخلو من إشارة إلى شيء ~~حقيقي كسرقة يوسف عليه السلام بملاحة وجهه قلوب الخلق ، وقولهم في ذلك صدق. # وقوله : ( إنكم لسارقون ) حقيقة ؛ لأنهم سرقوا الأمانة والعهد من ~~بينهم وبين أبيهم ، وقولهم : ( إن ابنك سرق ) صدق أسرار يوسف ~~عليه السلام الذي سمع منه في الخلوة والوصال عنهم ، حيث ما أخبرهم ذلك السر ~~ووضع الصاع في متاعه كان بتقريره ؛ فكلام الله صدق أخبر عن حقيقة وظاهرها ~~مجاز وتصديق ذلك قوله تعالى : ( وما شهدنا إلا بما علمنا ) PageV02P191 # بالظاهر ( وما كنا للغيب حافظين ) أي : عما بين ابنيك من الأسرار ~~التي جرت بينهما في الخلوة والوصال ، وتصديق الجميع جواب يعقوب عليه السلام ms0734 ~~بقوله : ( قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا ) أخبر يعقوب عليه السلام عن ~~حقيقة الأمر بالرضا والإشارة ، أي ليس كما يظنون ليس السرقة سرقة الصاع ، ~~وما هذا فعل الأنبياء ، ولكن سرق ما سرق من أسرار يوسف عليه السلام عنكم ، ~~وخبره من رؤيته مكامن الغيب بنور النبوة في القلب ، وقوله : ( فصبر ~~جميل ) إشارة إلى أنه قال : أنا أرى يوسف عليه السلام وبنيامين في مجالس ~~الأنس ، وأنا أصبر حتى أوصلها الله إلي ، ومعنى الصبر الجميل هاهنا ترك ~~إفشاء السر ، وابتلاع هيجان الفرح حتى لا ينكشف سر القدر ، ولا ينهتك ستر ~~الربوبية ، وهذا من وصف تمكين الأنبياء علم إن بدا هذا الأمر خبرا ، وأن ~~الوصال ورجوع الأحبة إلى الأحباء ، وانقطاع زمان البلاء دنا وصال الحبيب ، ~~واقتربا واطربا للوصال وأطربا وتصديق ما ذكرنا. # ( قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني ~~بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم (83) وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف ~~وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم (84) قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون ~~حرضا أو تكون من الهالكين (85) قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من ~~الله ما لا تعلمون (86) يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من ~~روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون (87) فلما دخلوا عليه ~~قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل ~~وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين (88) قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف ~~وأخيه إذ أنتم جاهلون (89) قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد ~~من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (90) قالوا ~~تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين (91) قال لا تثريب عليكم اليوم ~~يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين (92)) # قوله تعالى : ( عسى الله أن يأتيني بهم جميعا ) هذه الترجية من ~~رؤية الوصال بعين اليقين قوله : ( إنه هو العليم الحكيم ) معناه أي ~~: علم ما علمت ، وحكم بحكمته على فرقتي حتى ms0735 يمضي بقية الفراق ، وأيضا الصبر ~~الجميل ، هاهنا احتمال البلاء على البلاء برؤية المبقي بوصف إسقاط معارضة ~~السر والشكوى ، وأيضا الصبر الجميل الجلادة في تجرع مرارة PageV02P192 # كئوس شراب البلاء على وصف التداني حتى لا يغلب عليه بحر البلية ؛ فيغرقه ~~ويلقيه إلى بحر الشكوى ، صبرت على بعض الأذى خوف كله ، ودافعت عن نفسي ؛ ~~فغرت وجرعتها المكروه حتى تدربت ، ولو جملة جرعتها لا شمأزت ، وأيضا الصبر ~~الجميل ما يكون بالله قاله : ( وما صبرك إلا بالله ). # قال الجنيد : الصبر الجميل أن يجعل ابتداؤه وانتهاؤه لا يبتدئ فيه بتحير ~~، ولا يقطعه بدعوى بل يمضي في جميع أوقاته على رؤية من إكرامه الصبر. # قال بعضهم : الصبر الجميل الذي ليس فيه إظهار الشكوى ، ولا إحساس بلوى ، ~~ولما ثقل عليه أوقات البلاء ضاق صدره من معاشرة الخلق ، وأقبل على الله ، ~~وشكا منه عليه بقوله تعالى : ( وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف ) ~~أسفه كان على رب يوسف عليه السلام لأنه رأى من يوسف عليه السلام جمال رب يوسف ~~عليه السلام بواسطة يوسف عليه السلام ؛ فلما غاب عنه وفقده تغلل كتمانا على ~~الحقيقة ، وقال : ( يا أسفى على يوسف )، وهذا كحال الخليل ~~عليه السلام حين اشتاق إلى ربه فتعلل بقوله : ( أرني كيف تحي الموتى ~~) وأراد بذلك رؤية المحيي ، ومثل هذا احتيال العاشقين تولى عنهم إذ لم يرى ~~ما يرى في يوسف عليه السلام عنهم ، وقال : يا أسفى على مرآة الله في بلاد ~~الله تذكر أيام بالوصال ، وظهور أنوار الجمال ، وتأسف بالفراق والانفصال ~~بعد الاتصال. # سقى الله أياما لنا ولياليا %~% مضت فجرت من ذكرهن دموع فيا هل لها من الدهر أوبة %~% وهل لي إلى أرض الحبيب رجوع # ( وابيضت عيناه من الحزن ) علق ذهاب البصر إلى الحزن ، وذهابه ~~كان من فقدان ذلك الجمال بكى حتى ذهب بصره بألا يرى غير حبيبه. # لما تيقنت أني لست أبصركم %~% غمضت عيني فلم أنظر إلى أحد # ولما رأى سبحانه دعوى يعقوب بالصبر الجميل زاد حمل بلائه على بلائه حتى ~~ضاق صدره عن حمل وارد قهر القدم ms0736 ، وخرج بعجز البشرية ، وقال : ( يا ~~أسفى على يوسف )؛ لأنه تعالى غيور ولا يذر أحدا من التمكين إلا ناقصا عن ~~موازات طوارق أقدار الأزل. # ألا ترى إلى قول من قال : من صبر اجتوى ، ومن شكر ابتدى ، ومن ذكر افترى ~~، ما أعجز الحدثان في ظل نور عظمة الرحمن. # قال الجنيد : في قوله : ( وتولى عنهم ) أعرض عنهم لما لم يجد من ~~عندهم الفرح ولم يوفيهم مشتكي لشكواه ، وقال : ( يا أسفى على يوسف ~~) فلم يترك في هذا النفس الوجد له نفسا حتى أوحي إليه أتأسي على غيرنا ، ~~أين ذلك الصبر الجميل الذي وعدتنا من نفسك ، PageV02P193 # أتأسى وقد أخذنا منك واحدا ، وأبقينا لك عشرا ، فأنت مع هذا تظهر الشكوى ~~، وتقول صبر جميل. # وقال ابن عطاء : بكاء يعقوب عليه السلام وتأسفه لفقد الألفة ، وذلك أنه ~~لما لقي يوسف عليه السلام زاد في البكاء ، فقال : يا أبت ، تبكي عند الفراق ~~، وعند التلاقي ، قال : ذلك بكاء حرقة الفراق ، وهذا بكاء الدهشة. # وقال أبو سعيد القرشي : أوحى الله إلى يعقوب عليه السلام : يا يعقوب تتأسف ~~على غيري ، وعزتي لاخذن عينيك ، ولا أردهما عليك حتى تنساه. # وقال : التأسف على الغاية تضييع وقت ثان. # ثم وصف يعقوب عليه السلام بشدة حزنه وذهاب بصره ، فقال : ( فهو ~~كظيم ) الحكمة في ذهاب بصر يعقوب عليه السلام وبقاء بصر آدم عليه السلام ~~وداود عليه السلام أن بكاء يعقوب عليه السلام بكاء الحزن معجون بألم الفراق ، ~~وذلك من واقعة فقدان تجلي جمال الحق من مرآة وجه يوسف عليه السلام . # وكان يعقوب عليه السلام في خصائص العشق من الله سبحانه ، وكان يغذيه من ~~مقام العشق لطائف الالتباس ، فلما فقد ذلك الواسطة فقد مطالعة جمال الحق ~~بعظم شأن الفراق ، وبعد يوم التلاق ، وذهب نور البصر مع المبصر حتى لا ينظر ~~به إلى شيء دونه. # وبكاء آدم عليه السلام وداود عليه السلام بكاء الندم من مقام البداية ~~والتوبة ، ومقام الندم لم يكن قويا حزنه وحرقته ، ولو كانا في مقام العشق ~~كما كان يعقوب عليه السلام لذاب وجودهما ، وأنى مقام ms0737 التوبة والندم من مقام ~~العشق والالتباس الذي من عوالي درجات المعرفة ، وشأنهما شأن أقواء المعرفة ~~أعني العشق والالتباس ، ألا ترى إلى يونس عليه السلام وشعيب عليه السلام كيف ~~ذهب بصرهما في شوق الله ، وكانا لا يبكيان من الندم ، بل يبكيان من الشوق ~~إلى جمال الله ؛ فذهب بصرهما لذلك. # وفي الحديث المروي : «إن شعيبا كان بكى حتى عمي ، فرد الله بصره عليه ، ~~ثم بكى حتى عمي فرد الله بصره عليه ، فأوحى الله إليه : إن كان هذا البكاء ~~لأجل الجنة ؛ فقد أبحتها لك ، وإن كان لأجل النار ؛ فقد أجرتك عنها ، فقال ~~: لا ، بل شوقا إليك فأوحى الله إليه لأجل ذلك أخدمتك نبيي وكليمي عشر ~~سنين» (1). # وهكذا حال يونس عليه السلام في الشوق ؛ فعرض الجنة عليه ، وأمنه من النار ~~، فقال : بعزتك لو كان بيني وبينك بحر من النار أخوض فيها حتى أصل إليك ، ~~وأيضا كل بكاء يكون من الحزن والغم والخوف يضر بعين صاحبه ، وكل بكاء يكون ~~من الشوق والمحبة لا يضر بعين PageV02P194 # صاحبه بل يزيد نورها ، ويمكن أن ذهاب بصره غيرة الله عليه حين بكى لغيره ~~، وإن كان واسطة بينه وبينه. # وقال سبحانه : ( وابيضت عيناه ) وما قال : عميت عيناه حجب عيني ~~يعقوب عليه السلام عن النظر إلى العالم حتى لا ينظر إلى غير الله ؛ فرجع نور ~~بصره إلى بصيرته ؛ فيرى بذلك جمال الله سبحانه ، لأجل ذلك قال : ( ~~وابيضت عيناه ). # وتصديق ذلك ما قاله الشيخ أبو علي الدقاق رحمة الله عليه : لم يكن في ~~الحقيقة عمى ، وإنما كان ذلك حجابا عن رؤية غير يوسف عليه السلام . # سئل أبو سعيد القرشي : لم لم تذهب عين آدم عليه السلام وداود عليه السلام ~~من طول بكائهما ، وذهبت عين يعقوب عليه السلام ؟ قال : لأن بكاءهما كان من ~~خوف الله ، وبكاء يعقوب عليه السلام كان من فقد ولده ، فحفظا وعوقب. # وقال أيضا : بكاء الأحزان يعمي ، وبكاء الشوق يجلي البصر ، قال الله ~~تعالى : ( وابيضت عيناه من الحزن )، وقال أيضا : الكظيم الممتلئ ~~من الغم. # وقال ابن عطاء : أراد أن يبكي ms0738 على يوسف عليه السلام فتغرغرت عيناه ؛ فأراد ~~أن يرسلها فوجد لذة البكاء ؛ فكظمها وردها في عينيه فابيضتا. # ولي لطيفة مجربة وذلك أن كل نظير من جهة عشق الإنساني ؛ فداؤه وتعذيبه ~~أشد من داء محبة الله وتعذيبه ؛ لأن في محبة الإنسان كثافة وشدة ؛ لأنه ~~منزل الابتلاء والعذاب ، وفي محبة الله وعشقه لطفا وحلاوة ربانية لا يكون ~~بإزائها راحة الجنان ، ولذلك هناك البلاء أطيب ، والمحبة أعذب ، فلما كان ~~يعقوب عليه السلام في أشد المحبة وعظم المحبة تجلد في كظمها ، ولذا قال : ( ~~ فهو كظيم )؛ لأن هناك مكان الشكوى وشناعة ، ولو لا أن كظم لفشى ~~حاله أكثر مما فشي في العالم ، وصفه بالتمكين في تحمل البلاء ، ومن كثرة ~~كظمه الحزن والتأوه احترق مسلك نور الباصرة من مكان الروح الناطقة ؛ لأن ~~نور الباصرة تجري من نور روح الناطقة في أضيق طريق من شريان الدماغ ، فلما ~~احترق السبيل انسد باب الباصرة ، وابيضت عيناه من احتجابها عن أنوار الروح ~~، فلما رأوه حين جدد عليه ذكر يوسف عليه السلام والأسف عليه وهم محجوبون من ~~نور الفراسة في ذلك الوقت من استنشاق ريح يوسف عليه السلام أنكروا على أبيه ~~في ذكر يوسف عليه السلام بقوله : ( قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف ~~حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين ) لم تعلموا أن العاشق لا يزال ذاكرا ~~لمعشوقه ، وكيف يسكن المحب عن ذكر محبوبه ، وهو مستغرق بجميع وجوده في ذكر ~~محبوبه. # فإن تمنعوا ليلى وحسن حديثها %~% فلم تمنعوا عني البكا والقوافيا PageV02P195 # خوفوه بالهلاك والخرص ، وكيف يفزع العاشق من هلاكه في عشق محبوبه وهلاكه ~~وحياته؟! # قال تعالى : ( بل أحياء عند ربهم ) وكيف كان يسكن عن ذكر يوسف ~~عليه السلام ، وفي بصر سره ينظر إلى شاهد خيال يوسف؟! # غاب وفي قلبي له شاهد %~% يولع إضماري بذكراه مثلث الفكرة لي وجهه %~% حتى كأني أراه # قال أبو سعيد القرشي : لا تزال تذكر يوسف عليه السلام ، فمتى تذكر رب يوسف ~~عليه السلام ؟ # وقال أيضا : كل مشتاق لا يزال يذكر أنيسه وحبيبه حتى يغيره الناس على ذلك ~~، فإما ms0739 يموت ، وإما يصل إلى قربة. # فلذلك قوله : ( تفتؤا تذكر يوسف ) قيل : أطيب الأشياء في الهوى ~~الهلاك في حكم الهوى ، فكيف يخوف بالهلاك من كان أحب الأشياء إليه الهلاك ، ~~فما سمع ملامتهم ولم يرهم أهلا لدائه وحمل موارد الحق عليه أعرض عنهم. # وقال : ( قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ) أي : أن ما أجد من ~~امتحان الله علي وعظيم بلائه ، وما أرى فيها من لطائف صنعه وكشوف غرائب ~~وجوده وأنوار وجوده لا البسط إلا في بساط الحق ، ولا أحمل ذلك إلا على الحق ~~؛ فإنه يحمل هذه الأثقال التي لو تحمل على السماوات والأرضين والجبال ~~والبحار لتضمحل وجودها تحت سلطان قهرها ، وكيف أذكرها لكم وأنتم محجوبون عن ~~ذلك ، وتصديق ذلك ( وأعلم من الله ما لا تعلمون ) كان بث يعقوب ~~عليه السلام وحزنه من الله ، وكذا شكواه ؛ فقال : أشكو منه إليه ، وأفرق ~~حزني بين يديه ؛ لأن ما منه لا يرجع إلا إليه ، ما أطيب شكوى المحب إلى ~~حبيبه ؛ لأن الحبيب يعلم مداواة حبيبه لا غير ، إلى الله أشكو ما لقيت من ~~الهجر وكثرة البلوى ، ومن قلة الصبر ، ومن حرق بين الجوانح والحشا كحجم ~~العضا ، لا بل أحر من الجمر. # قال سهل بن عبد الله : لم يكن حزن يعقوب عليه السلام على يوسف عليه السلام ~~إنما كان مكاشفا لما وجد من قلبه شدة الوجد على مفارقة يوسف عليه السلام ، ~~قال : كيف يكون وجد فراق الحق على مفارقة يوسف عليه السلام ، قال : كيف يكون ~~وجد فراق الحق وقد عمل بي مفارقة يوسف عليه السلام كل هذا فشكا وبث وحزن وما ~~وقع لي من قوله : ( وأعلم من الله ما لا تعلمون ) أي : أنا لا أشكو ~~إلى غيره ، فإني أعلم غيرته على أحبائه وأهل معرفته ، إذا شكا إلى أحد إلى ~~غيره يعذبه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين ، وأنتم لا تعلمون ذلك ، وأيضا ~~أعلم من الله أن من صبر في PageV02P196 # بلائه يجازيه بلقائه الذي لا حجاب فيه ، ولا عذاب ولا حساب ، قال تعالى : ~~( إنما يوفى الصابرون أجرهم ms0740 بغير حساب ). # وأيضا أعلم من الله حقائق المكاشفات والمشاهدات والقربات ودقائق علومه ~~الغيبية ، ومن كان بهذه الصفة لا يضع حمل مطاياه إلا في فناء عطاياه حتى ~~يفعل ما يشاء. # قيل في المثل : عطاياه لا تحمل إلا مطاياه. # وأنشد ذو النون في هذا المعنى : # إذا ارتحل الكرام إليك يوما %~% ليلتمسوك حالا بعد حال فإن رحالنا خطت رضاه %~% بحكمك عن حلول وارتحال فشئنا كيف شئت ولا تكلنا %~% إلى تدبيرنا ذي المعالي # ويمكن أنه كان عليه السلام بشيرا إلى الله سبحانه يوصل إليه يوسف ~~عليه السلام ، وبنيامين عن قريب فقال : ( إني أعلم من الله ما لا ~~تعلمون )، وتصديق ذلك ما قاله سبحانه عقيب الاية بقوله : ( يا بني ~~اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ). # قال أبو عثمان في قوله : ( وأعلم من الله ما لا تعلمون ): معناه ~~علمي بالله علم حقيقة ، وعلمكم به علم استدلال ، وقال أيضا : أعلم من الله ~~إجابة دعوات المضطرين. # وقال بعضهم : أعلم من رحمته على عباده ما لا تعلمون. # قيل : لما شكا إلى الله وجد السلوة من الله. # ويقال : كان يعقوب عليه السلام متحملا بنفسه وقلبه مستريحا محمولا بسره ~~وروحه ؛ لأنه علم من الله سبحانه صدق حاله فقال : ( وأعلم من الله ~~ما لا تعلمون ) في معناه والشك اليقين إذا ما تمنى الناس روحا وراحة تمنيت ~~أن أشكو إليه فيسمع. # ومعنى قوله : ( فتحسسوا من يوسف وأخيه ) أنه كان يرى بعين سره ، ~~وقدم صفائح قدس الغيب ، منقوشا بذكر الوصال ورؤية ذلك الجمال ، ووصل إلى ~~مقام روحه روح نسيم يوسف عليه السلام ؛ فحكم حكما كاملا فقال : تحسسوا من ~~يوسف عليه السلام بخواطركم الربانية والإحساس والروحانية حتى تجدونه ، وأيضا ~~تحسسوا بجميع وجودكم وقلوبكم لا بنفوسكم الأمارة ، وأيضا انقطعوا من جميع ~~الأشياء في طلبه ، فإن متفرق الهمة لا يظفر بمأموله. # قال تعالى : ( ولا تيأسوا من روح الله ) لا تقنطوا من كرمه ~~ورحمته في إرجاع يوسف عليه السلام وبنيامين إلي ، وأيضا تحسسوا من يوسف ~~عليه السلام ، ولا تيأسوا من روح الله ؛ فإنه لا يبقيكم في PageV02P197 # الخجالة بين يديه ms0741 ؛ فإنه يعفو عنكم ، وفيه إشارة تعليم عزة قدرته أي : لا ~~تيأسوا من قدرة الله ؛ فإنه قادر بأن يوصل يوسف عليه السلام إلينا بأقل من ~~طرفة عين ، ولو كان فانيا ، وإن من لم يؤمن بذلك مبعدة من الله بقوله : ( ~~ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون )، وإنهم إن الإياس ~~في مقام الإيمان من صفات النفس الأمارة ، والإياس في صفات المعرفة من صفات ~~القلب ، وذلك قنوطه من وصوله إلى مطالعة حقائق القدم ، وذلك من غلبة ~~التوحيد ، وإفراد القدم عن الحدوث ، وتحت ذلك الإياس بحار من حسن الرجاء ~~بالوصال ، والبقاء في البقاء ، وبعد الفناء في الفناء ، وعن رؤية سرمدية القدر. # وقال الجنيد : يحقق رجاء الراجين عند تواتر المحن ، وترادف المصائب ؛ لأن ~~الله يقول : ( لا تيأسوا من روح الله )، والنبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول : «أفضل العبادة انتظار الفرج» (1). # قال تعالى : ( فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا ~~وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة ) أما قوله : يا أيها العزيز أي : أيها ~~المتلبس بأنوار الربوبية التي كسبت في الأزل ظاهرا وباطنا ، أيها الممتنع ~~من أن يراك أحد بالشهوة ، وأيها الغالب على سلب قلوب الخلائق بالجمال ~~والجلال مسنا وأهلنا ضر فراقك ، وبعد وصالك نحن في ضر جنايتنا محجوبون عن ~~جمالك وأبوك وأهاليك في ضر البعاد عن رؤيتك ووصالك ، وأنشد : # كفى حزنا بالواله الصب أن يرى %~% منازل من يهوى معطلة قفرا # ( مسنا وأهلنا الضر ) من تضير الله إيانا في حقك وعتابه فيما ~~فعلنا ، وأيضا مسنا ضر الخجالة بين يديك ، قال تعالى : ( وجئنا ~~ببضاعة مزجاة ) بعذر من جنايتنا ما لا يليق بما فعلنا بك بكيل عفوك ، وتصدق ~~علينا بالتجاوز عما فعلنا ؛ فإن الله يجزي المتصدقين بأنه يعافيك عما هممت ~~به ، وبأن يكرمك أحسن الإكرام من لطيف الإنعام ، وما أحسن افتقار الفقراء ~~أو المبتدئين عند أكابر القوم ، وتواضعهم بين أيديهم ، وتسميتهم بأسماء ~~التعظيم ، كما فعل بنو إسرائيل عند يوسف عليه السلام باءوا بذكر المقاسات ~~والفقر حين رأوا بساطا بسيطا عن ملكه وسلطانه. # ثم ذكروا قلة بضاعتهم حين ms0742 شاهدوا هيبة يوسف عليه السلام ومهابته وجلال ~~قدره ، فلما انبسط إليهم انبسطوا إليه ، وقالوا : ( فأوف لنا الكيل ~~) فلما طالعوا أن بضاعتهم لا يليق بمثل بساطه تبسطوا ، وقالوا : ( ~~وتصدق علينا )؛ فإن ما معنى لا يليق بعرض بيعك PageV02P198 # وشراك ؛ فإن جزاؤك عليه بلا علة وحديث البضاعة والفقر علة طلب الوصال ~~ورؤية الجمال والغرض الكلي ، ذلك لأنهم مأمورون بطلب يوسف عليه السلام ، ألا ~~ترى إلى قوله : ( فتحسسوا من يوسف ) عرضهم رؤيته ومشاهدته. # وأنشد في معناه : # وما الفقر من أرض العشيرة ساقنا %~% ولكننا جئنا بلقياك نسعد # هذا يكون من قبل المخلوق ، فكيف يكون إذا دخلوا عشاق جمال القدم في بساط ~~الكرم؟ أي : قالوا ما قال إخوة يوسف عليه السلام : مسنا وأهلنا الضر ، مسنا ~~من ضر فراقك ، والبعد من وصالك ما لا يحتملها الصنم الصلاب. # خليلي ما ألقاه في الحب عن ندم %~% على صخرة يتعلق بها الصحن # ويقولون : جئنا ببضاعة مزجاة من أعمال مغلولة ، وأفعال مغشوشة نفسانية ~~حدثانية ، ومعرفة قليلة عاجزة عن إدراك ذرة من أنوار عظمتك ، وكل هذا لا ~~يليق بعزتك وجلال صمديتك ، ( فأوف لنا ) كيل قربك ووصالك من بحار ~~فضلك وجودك ، وتصدق علينا أعطنا من نعم مشاهدتك التي لا تعطيها أحدا إلا ~~بتفضلك بغير الأعواض بقولك : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ). # قيل في هذه الاية : تعليم آداب الدعاء ، والرجوع إلى الأكابر ، ومخاطبة ~~السادات ؛ فمن لم يرجع إلى باب سيده بالذلة والافتقار وتذليل النفس وتصغير ~~ما يبدو منها ، ويرى أن ما من بيده إليه على طريق الصدفة والفضل لا على ~~طريق الاستحقاق كان مبتعدا مطرودا. # قال أبو سعيد القرشي في قوله : ( مسنا وأهلنا الضر ): أي : مسنا ~~الضر في ارتكاب المعاصي ، وبما اجتمع علينا من الجنايات والمخالفات ، ( ~~ وجئنا ببضاعة مزجاة ) بأنفس قاصرة عن الخلاصة ، وأعمال لا تصلح ~~لبساط المشاهدة والنشر ، ( فأوف لنا الكيل ) أي : فوف علينا بما لم ~~نزل بعد فيه من فضلك وإحسانك ، ( وتصدق علينا ) اجعلنا منك بمحل ~~الفقراء إليك الذين يستوجبون الصدقة منك تفضلا ، وإن لم يكن منهم فألحقنا بهم. # وقال سهل في قوله ms0743 : ( يا أيها العزيز ): أي : أيها المغلوب في ~~نفسه كما قال : ( وعزني في الخطاب ) أي : غلبني. # ويقال : استلطفوا بقولهم : ( مسنا وأهلنا الضر ) بعد ذلك حديث ~~قلة بضاعتهم ، ويقال : لما طالعوا فقرهم نطقوا بقدرهم فقالوا : ( ~~وجئنا ببضاعة مزجاة )، ولما شاهدوا قدر PageV02P199 # يوسف عليه السلام سألوا على قدره ، وقالوا : ( فأوف لنا الكيل ) ~~فلما ذكروا حديث الصدقة ترحم عليهم يوسف عليه السلام وهاج سره إلى إظهار ~~الحال ، وحيث رأى عجزهم وتواضعهم لم يبق له قرار حتى كشف الحال بقوله : ( ~~ علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه ) ليس غرضه تعييرهم ، بل غرضه تقريبهم ~~؛ فعاتبهم وذكر صنائعهم به وبأخيه تعريفا منه إياهم بأنه يوسف عليه السلام ~~لئلا يبقى لهم شك ، ويعرفوه حق المعرفة ووضع عن لهم بقوله : ( إذ ~~أنتم جاهلون ) أي : ما جرت في زمان الجهل والشباب لا تعيير به ، وتمكن أن ~~سر تلك النفس الأمارة باح في البين ؛ ليوقفهم في محل الخجالة ، ثم أدركه ~~الله حتى بين غدرهم بقوله : ( إذ أنتم جاهلون )، وهذا كقول بعضهم ~~: ( هل علمتم ما فعلتم بيوسف ) في باب العتاب أعظم من كل عقوبة كان ~~يعاقبهم بها ، حيث أخجلهم مكافحة. # ويقال : لما خجلوا بهذا العتاب لم يرض يوسف عليه السلام حتى بسط عذرهم ؛ ~~فقال : ( إذ أنتم جاهلون ) فلما ذكر الإشارة أوقع الله في أسرارهم ~~أن المخاطب هو يوسف عليه السلام فقالوا : ( قالوا أإنك لأنت يوسف ~~قال أنا يوسف وهذا أخي ) فلما عرفوه خاطبوه بخطاب المودة لا بخطاب التكلف ~~قالوا : ( قالوا أإنك لأنت يوسف ) فأجابهم أيضا بخطاب المودة ~~تعريفا وتواصلا وتواضعا فقال : ( أنا يوسف )، وأنشدوا : # إذا صفت المودة بين قوم %~% ودام ولاؤهم سمج الثناء # ويمكن أنهم لما عرفوه سقط عنهم الهيبة وهاجت لهم الحمية ، وما تكلموا ~~بانبساط الأول من حيث القرابية ، وقوله : ( أنا يوسف وهذا أخي ) ~~لإظهار صدق الحال ، ويمكن أن يشير إلى تعبيرهم حيث قال : ( وهذا ~~أخي )، وما قال : أنا أخوكم أي الأخوة الصحيحة ما لم يكن فيها جفاء ، ~~ويقال : هون عليهم حال بديهة الخجلة ، حيث قال : ( أنا يوسف وهذا ~~أخي ) فكأنه شغلهم بقوله ms0744 : ( وهذا أخي )، كما قيل في قوله تعالى : ~~( وما تلك بيمينك يا موسى )؛ فإنه سبحانه شغل موسى عليه السلام ~~بسماع قوله : ( وما تلك بيمينك )، وفي مطالعة العصا في غير ما ~~كوشف به من قوله : ( إني أنا الله ). # ثم رجع يوسف عليه السلام من تعريفه إلى الله ، حيث قال : ( قد من ~~الله علينا ) أي : قد تفضل علينا بما وقانا مما وقعتم فيه ، وأيضا قد من ~~الله علينا بالوصال بعد الفراق ، وأيضا قد من الله علينا بالمعرفة والمحبة ~~والرسالة ، وعلم الغيب ، والبراهين الساطعة ، والحسن والجمال الظاهر ، ~~والمكاشفة والمشاهدة الباطنة. PageV02P200 # ثم بين أنه تعالى إذا أراد أن يكرم عبدا ألهمه الصبر في بلائه والتقوى في ~~عباده بقوله : ( إنه من يتق ويصبر ) أي : من يتق في الخلوة عن ~~متابعة الشهوة والوقوع في النهمة وصبر عن انقياد هوى النفس بعد جريان الهمة. # قال ابن عطاء : من يتق ارتكاب المحارم ، ويصبر على أداء الفرائض ؛ فإن ~~الله لا يضيع سعي من أحسن في هذين المقامين ، واعتمد على الله ، ولم يعتمد ~~سعيه ولا علمه. # ولما رجع يوسف عليه السلام إلى ذكره تفضل الله عليه وعلى أخيه ، وذكر ~~توحيده أوقعهم الله ذلك إلى رؤية توحيد الله بقوله : ( قالوا تالله ~~لقد آثرك الله علينا ) رجعوا إلى الله في أول مقالتهم ، وذكروا فضله عليه ، ~~ثم أتوا إلى مذمة أنفسهم أي : آثرك الله علينا بالخلق والخلق والحسن ~~والجمال والملك والشرف والمكاشفة والعلم ( وإن كنا لخاطئين ) أي : ~~جاهلين بجاهك. # قال بعضهم : اختارك وقدمك علينا بحسن التوفيق والعصمة ، وترك المكافأة ~~على الإشارة ( وإن كنا لخاطئين ) لمسيئين إليك ، فلما سمع يوسف ~~عليه السلام اعتذارهم أرجع نفسه ونفوسهم إلى مقادير السابق ، ثم استعمل ~~الكرم والظرافة في الخلق بقوله : ( لا تثريب عليكم اليوم ) أي : ~~هذا يوم الوصال وكشف الجمال ، يرفع العذاب ، لا يوم التعيير والتثريب ، وفي ~~هذه الحالة إشارة إلى أن الأولين والاخرين إذا دخلوا في سابقة الكبرياء ~~وسكت لهم ألسنة العذر ، يبسط الله سبحانه أوراق الأقدار والتي جرت في سبق ~~السابق بما كان ، وما سيكون وتحمل أعمالهم ms0745 جميعا على مطية القدر ، ويبرئهم ~~عن الجرائم ، ويقول : من أفضاله وكرمه : ( لا تثريب عليكم اليوم ) ~~فإن أفعالهم جرت بمقاديري ، وكيف كنتم تدفعون مقاديري كأنه تعالى يضع العذر ~~على القدر ، ويغفر لهم جميعا بقوله : ( يغفر الله لكم وهو أرحم ~~الراحمين ) بين الجرم وغلب العفو والكرم على العتاب والمؤاخذة. # قال جعفر عليه السلام : لا عيب عليكم فيما عملتم ، لأنكم كنتم مجبورين ~~عليه ، وذلك في سابق القضاء عليكم. # قال أبو عثمان : ليس لمن أذنب أن يعاتب مذنبا ، وكيف أعييكم ، وقد سبق ~~مني الهم والاختيار للسجن ، وقولي : ( اذكرني عند ربك ) وكيف ~~ألومكم فيما عملتم وأنسى ما عملت؟ # قال شاه الكرماني رحمة الله عليه : من نظر إلى الخلق بعين الحق سلم من ~~مخالفاتهم ، ومن نظر إليهم بعينه أفنى أيامه في مخاصماتهم ، ألا ترى إلى ~~يوسف عليه السلام لما علم مجاري القضاء كيف PageV02P201 # عذر إخوته ، وقال : ( لا تثريب عليكم اليوم ). # قال أبو بكر : اعتذروا إليه ، وأقروا بالجناية بقولهم : ( وإن ~~كنا لخاطئين )، قال : ( لا تثريب عليكم اليوم )، وهذا من شرط ~~الكرم أن يعفو إذا قدر ، ويقبل عذر من اعتذر. # وقال الأستاذ : أسرع يوسف عليه السلام التجاوز عنهم ، ووعد يعقوب ~~عليه السلام لهم بالاستغفار بقوله : ( سوف أستغفر لكم ربي )؛ لأنه ~~كان أشد حبا لهم فعاتبهم ، وأما يوسف عليه السلام فلم يرهم أهلا للعتاب ، ~~فتجاوز عنهم على الوهلة. # ويقال : ما أصابهم في الحال من الخجلة قام مقام كل عقوبة عليه السلام ، ~~ولهذا قيل في المثل : «كفى للمقصر حياء يوم اللقاء». # ولما فرغ يوسف عليه السلام من كشف حاله مع إخوته ووصاله معهم ، رتب شغل ~~وصال يعقوب عليه السلام ، ومن كرمه وجلاله أعطى وصاله أولا للخاطئين ، ثم ~~للعاشقين ؛ لأن الخاطئ ضعيف لا يحتمل البلاء ، والعاشق قوي يحتمل البلاء ؛ ~~لأن يعقوب عليه السلام يرى يوسف عليه السلام كل وقت بعين سره ، فاحتمل بلاءه بذلك. # ( اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني ~~بأهلكم أجمعين (93) ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لو لا أن ~~تفندون (94)) # قوله تعالى ms0746 : ( اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا ~~وأتوني بأهلكم أجمعين ) الحكمة في إرسال القميص أنه علم أن يعقوب ~~عليه السلام لا يحتمل الوصال الكل بالبديهة ؛ فجعل وصاله بالتدريج لئلا يهلك ~~في أول الملاقاة من فرح الوجدان ، فأرسل القميص ليقويه بريحه وطيب روحه ، ~~ولأن عيني يعقوب عليه السلام ابيضتا لم تكونا عمياوين إنما ضعف نورهما ؛ ~~فأرسل القميص لذهاب بياضهما ، فإنه لو يشم يوسف عليه السلام بعينه احترق ~~بقية نورهما من فورة الهيجان ، فخاف على عينيه ، وأيضا إن قميص يوسف ~~عليه السلام كان من نسج الجنة ؛ فرأى يوسف عليه السلام غيرة الحق فأرسل ~~القميص إليه ليشم أولا رائحة بساط القرب ، وأيضا كان قميص يوسف عليه السلام ~~علامة بينه وبين أبيه ، فأشار إليه بالقميص ، أي : إذا كان بالقميص السلامة ~~من حرق الذنب فأنا أيضا بالسلامة. # وعن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر رضي الله عنه قال : كان المراد في ~~القميص أنه أتاه الهم من قبل القميص بقوله : ( وجاؤ على قميصه بدم ~~كذب ) فأحب أن يدخل السرور من جهته التي دخل الهم به عليه. PageV02P202 # ويقال : كان العمى في العين ؛ فأمر بإلقاء القميص عليه ليجد الشفاء من العمى. # ويقال : لما كان البكاء بالعين التي في الوجه كان الشفاء في اللقاء للعين ~~التي في الوجه ، وفي معناه أنشدوا : # وما بات مطويا على أريحية %~% بعقب النوى إلا فتى بات مغرما # وقوله تعالى : ( وأتوني بأهلكم أجمعين ) كان كرم يوسف عليه السلام ~~يقتضي أن يذهب إلى أبيه ولا يستحضره ؛ ولكن أبى نازع العشق إلا أن يزيد ~~البلاء على العاشق ، ومن يرى معشوقا في الكونين رحيما بعاشقه ؛ فإن اقتضى ~~الظاهر الأدب غلب العشق على الرسوم حتى يزيد عشقه على عشقه ، وشوقه على ~~شوقه ، ويرى يوسف عليه السلام فتوته ؛ فاثر أجر السعي على أبيه ، كان سخيا ~~بدينه لا بدنياه ، وذلك من عزة أبيه عنده ، وشارك الأهل ؛ لأنهم أيضا قاسوا ~~أيضا مقاساة الفراق أراد أن يشتركوا في الفرح. # ويقال : علم يوسف عليه السلام أن يعقوب عليه السلام لا ms0747 يطيق القيام بكفاية ~~أمر يوسف عليه السلام فاستحضره إبقاء على حاله لا إذلالا بقدره ، وما عليه ~~من إجلاله. # قوله تعالى : ( ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف ) ~~لما خرج من مصر هبت ريح الصبا على القميص ، وجاءت إلى يعقوب عليه السلام ~~وهبت على وجهه ، ونشقته ريح يوسف عليه السلام فقال : ( إني لأجد ريح ~~يوسف ) وجد ريح يوسف عليه السلام من مسافة ثلاثين فرسخا ؛ لأنه كان في كل ~~أنفاسه ، مستنشقا لريح يوسف عليه السلام ، وهكذا شأن كل عاشق يتعرضون لنفحات ~~ريح وصال الأزل ، ويستنشقون نسائم ورد مشاهدة الأبد ، بقلوب حاضرة ، وعيون ~~باكية في الخلوات والصحاري والفلوات كأنهم ينشدون هذين البيتين كل وقت شوقا ~~إلى تلك المعادن : # أيا جبلي نعمان بالله خليا %~% طريق الصبا يخلص إلي نسيمها فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت %~% على نفس مهموم تجلت همومها # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن لربكم في أيام دهركم لنفحات ~~ألا فتعرضوا لنفحات الرحمن» (1)، ما أطيب حال المحبين حيث راقبوا روائح ~~كشف الصفات من معدن الذات ، وطلبتهم عرائس القدم في قميص الالتباس كأنهم ~~ينشدون من غاية الشوق إلى تلك المعاهد هذين البيتين : PageV02P203 سلام على تلك المعاهد إنها %~% شريعة وردي أو مهب شمالي فقد صرت أرضى من سواكن أرضها %~% بخلب برق أو بطيف خيال # فديت لهذه القضية الحسنة الإلهية ، ما أحسن شمائلها ، وما أطيب لطائفها ، ~~وما أنور روائها ، انظر كيف أخبر سبحانه من حسن أحوال العاشقين والمعشوقين ~~، قال : ( نحن نقص عليك أحسن القصص ) علم يوسف عليه السلام مواساة ~~ريح الصبا ، وأودعه ريحه حتى أسرع البشير في إيصال الخبر إلى يعقوب ~~عليه السلام شوقا منه إلى وصال يعقوب عليه السلام . # أذكر في هذا المعنى أبيات لطيفة : # نسيم الصبا بلغ سلامي إليهم %~% وأرفق بفضلك بالهبوب عليهم وقل لهم إني وإن كنت نازحا %~% فروحي وقلبي حاضران لديهم نسيم الصبا إن جئت أرض أحبتي %~% فخصهم مني بكل سلام وبلغهم أني رهين صبابة %~% وأن غرامي فوق كل غرام # ومعنى قوله : ( لو لا أن تفندون ms0748 ) علم أن من لم يكن في بلاء ~~المعشوق لم يستنشق ريح المعشوق ؛ فيريب المخبر بما كوشف له. # قال جعفر : يقال : إن ريح الصبا سأل الله ، فقال : خصني بأن أبشره بابنه ~~، فأذن الله له في ذلك فكان يعقوب عليه السلام ساجدا فرفع رأسه ، وقال : ( ~~ إني لأجد ريح يوسف ) فقال له أولاده : ( إنك لفي ضلالك ~~القديم ) أي : محبتك القديمة ، وكان الريح ممزوجة بالعناية والشفقة والرحمة ~~والأخبار بزوال المحنة ، وكذلك المؤمن المتحقق يجد نسيم الإيمان في قلبه ، ~~وروح المعرفة من العناية التي سبقت له من الله في سره. # قال الأستاذ : كان أمر يوسف عليه السلام وحديثه على يعقوب عليه السلام ~~مشكلا ، فلما زالت المحنة تغيرت بكل وجه الحالة. # قيل : كان من يوسف عليه السلام على يعقوب عليه السلام أقل من مرحلة حيث ~~ألقوه في الجب ؛ فاستتر عليه خبره ، وحاله ولما زال البلاء وجد ريحه ، ~~وبينهما مسافة ثمانين فرسخا من مصر إلى كنعان. # ويقال : لا يعرف ريح الأحباب إلا الأحباب ، فأما على الأجانب فهذا حديث ~~مشكل أن يكون الإنسان ريح. # وقال الأستاذ في قوله : ( لو لا أن تفندون ) تفرس فيهم أنهم ~~يبسطون لسان الملامة ، فنبههم على ترك الملامة ؛ فلم ينجح فيهم قوله ، ~~فزادوا في الملامة بأن قرنوا كلا منهم بالقسم PageV02P204 # وقالوا : ( قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم ) لم يحتشموا أباهم ~~، ولم يراعوا حقه في المخاطبة ، فوصفوه بالضلال في المحبة. # ويقال : إن يعقوب عليه السلام قد يعرف من الرياح نسيم يوسف عليه السلام ، ~~وخبر يوسف عليه السلام كثيرا حتى جاء الأذان للرياح ، وهذا سنة الأحباب ~~مساءلة الديار ومخاطبة الأطلال. # وفي معناه أنشدوا : # وإني لأستهدي الرياح سلامكم %~% إذا أقبلت من نحوكم بهبوب وأسألها حمل السلام إليكم %~% فإن هي يوما بلغت فأجيبي # ( قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم (95) فلما أن جاء البشير ~~ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون ~~(96) قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين (97) قال سوف أستغفر ~~لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم (98) فلما ms0749 دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه ~~وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين (99)) # قوله تعالى : ( قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم ) أي : أنت ~~غائب بسرك في وادي العظمة ، وبروحك هائم في فقاد الأزلية ، وبعقلك تائه في ~~شوامخ القدرة ، وبقلبك مستغرق في بحار الشوق والعشق والمحبة ؛ فترى من كل ~~ناحية جمال معشوقك ، وتستنشق من جميع الرياح نسيم محبوبك ، وأنت واله لا ~~يعتبر قولك بهذا ، فأنت تخبر بخبر العاشقين وهيجان المحبين. # قال جعفر : سئل بعضهم : ما العشق؟ قال : ضلال ، ألا ترى إلى قوله : ( ~~ إنك لفي ضلالك القديم ). # ثم أظهر أنه برهان صدقه وصفاته بالمعجزة الظاهرة بقوله : ( فلما ~~أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا ) الإشارة فيه أن العاشق الهائم ~~المنتظر لقاء الحق سبحانه ، وذهب عينه من طول البكاء يجيء إليه بشير تجليه ~~؛ فيلقي على وجهه عهد أنسه ورد قدسه ، فينفتح عينه بنسيم شمال وصاله ، فإذا ~~يرى الحق بالحق لما وصل قميص الحبيب إلى وجه المحب رجع إليه نور عينه ؛ ~~لأنه وجد لذة نفحة الحق من قميص يوسف عليه السلام محل تجلي الحق ، وقلبه مهب ~~شمال جلاله ، وجد منه ريح جنان قدسه ياسمين أنسه ، ومحال أن من وصل إليه ~~شمال جلاله يبقى علة غيرة الفراق ، وظلمة العمر ؛ لأن نسيمه طبيب أسقام ~~العاشقين ، وآلام المحبين ، ألا تري إلى قول القائل : PageV02P205 ألا يا نسيم الريح ما لك كلما %~% تقربت منا زاد نشرك طيبا أظن سليمي أخبرت بسقامنا %~% فأعطتك رياها فجئت طبيبا # وحكمة إلقاء القميص على الوجه أن قميص الحبيب لم يكن له موضع إلا وجه ~~العاشق ؛ لذلك قال : ( فألقوه على وجه أبي )، وفي موضع يضع العشاق ~~تراب قدام المعشوقين على عيونهم ؛ كيف لا يضعون قميص الأحباب على وجوههم؟ # وفي الحديث المروي : إن النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى وردا أو باكورة ~~قبلها ، ووضعها على عينيه ، وقال : «هذا حديث عهد بربه» (1). # قال النهر جوري : ألقى على وجهه نور الرضا ؛ فارتد يبصر مواقع القضاء. # وقال بعضهم : لما جاء البشير من الله بالصلح منه في بكائه ms0750 ، والتأسف على ~~غيره ورد يوسف عليه السلام إليه. # وقال سفيان : لما جاء البشير إلى يعقوب عليه السلام قال له يعقوب ~~عليه السلام : على أي دين تركت يوسف عليه السلام ؟ قال : على الإسلام ، قال : ~~الان تمت النعمة. # ولما عاينوا معجزة أبيهم ، وعرفوا مواضع الخطأ في فراستهم اعتذروا بقوله ~~: ( قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين ) أي : ~~استغفر لنا ما قصرنا في واجب حقوقك ، وما بدا منا من إعلام عقوقك ، وقلة ~~معرفتنا بنور فراستك ، وما يئول عواقب أمور يوسف عليه السلام من شرف ~~المنازلات والمقامات والنبوات والرسالات ، وأيضا استغفر لنا تضييع أوقاتنا ~~في متابعة هوائنا ، واحتجابنا من رؤية ذنبنا ، وما أطيب حال الندامة ؛ لأن ~~منها يتولد أنوار الكرامة. # قال بعضهم : أزل عنا اسم العقوق بإظهار الرضا عنا. # قال بعضهم : استغفر لنا ذنوبنا إليك وإلى يوسف عليه السلام . # وقال بعضهم : في قوله : ( إنا كنا خاطئين ): جاهلين بأن الله ~~يحفظ أولياءه في المحن. # قوله تعالى : ( قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم ) ~~إن يعقوب عليه السلام كان عالما بالله وأخلاقه العظيمة ، وبصفاته المنزهة ، ~~وبالأوقات التي هو تعالى يقبل توبة المذنبين ، ويغفر ذنوب الخاطئين ، ~~ويستجيب دعوة المضطرين ، وهو وقت تضوع مسك نفحات شمال وصلته في أرواح ~~المقربين ، وفؤاد الصادقين ، وقلوب العارفين ، وأسرار الموحدين ، وعقول ~~المحبين ، ونفوس المريدين ، وهم يعرفون منه مكان قبول التوبة ، واستجابة PageV02P206 # الدعوة ، وعلامتها اقشعرار جلودهم ، ووجل قلوبهم ، واضطراب صدورهم ، ~~وفوران عبراتهم ، وهيجان أسرارهم ، ووقوع نور التجلي في صميم أفئدتهم ، ~~وطيران أرواحهم في رياض الملكوت ، وأنوار الجبروت ، وهي ترى نسيم صبح ~~الوصال بنعت الرضا عند منازل الثناء ، وكشف نقاب النقاب ، وأكثر ذلك وقت ~~الأسحار عند تجافي جنوب الأبرار عن مضاجعهم ، وانتباههم بركضات عساكر ~~التجلي ، وعرائس التدلي حين ينزل بجلاله من هواء القدم إلى عروش البقاء ~~تعالى الله عما أشار إليه أهل الخيال. # قيل في التفسير : أخر على السحر من ليلة الجمعة. # قال ابن عطاء : إن يعقوب عليه السلام قال : ارجعوا على يوسف عليه السلام ، ~~واسألوه أن يجعلكم في حل ms0751 ، ثم أستغفر لكم إن الذنب بينكم وبينه. # قال بعضهم : سوف أسأل ربي أن يأذن لي في الاستغفار لكم لئلا يكون مردودا ~~فيه ، كما رد نوح عليه السلام في ولده بقوله : ( ليس من أهلك ). # قال الأستاذ : وعدهم الاستغفار ؛ لأنه لم يتفرغ من استبشاره إلى ~~استغفاره. # قوله تعالى : ( فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه ) آوى إليه ~~أبويه ؛ لأنهما ذاقا طعم مرارة الفراق ؛ فخصهما من بينهم بوصاله وتدانيه ~~يوم التلاقي ، هناك يتبين تباين منازل الصديقين في المحبة ، ومراتب المحبين ~~في الوصلة. # قال الأستاذ : اشتركوا في الدخول ، ولكن تباينوا في الإيواء ؛ فانفرد ~~الأبوان به لبعدهما من الجفاء ، كذلك غدا إذا وصلوا إلى الغفران يشتركون ~~فيه ، وفي وجود الجنان ؛ ولكن يتباينون في بساطة القربة ؛ فيخص به أصل ~~الصفاء دون من اتصف اليوم بالالتواء ، ولما بان حالهما في الإيواء ظهر ~~قدرهما في بساط المؤانسة ، ومجلس القربة بقوله : ( ورفع أبويه على ~~العرش ). # قال ابن عطاء : رفع من محلهم بمقدار حزنهم كان عليه وأسفهم ، ولم يرفع من ~~أخوته لسرورهم بإتلافه وكذبهم عليه بأنه ( إن يسرق فقد سرق أخ له ). # قال محمد بن علي : من دفع من مريد فوق ما يستحقه أفسد عليه بذلك إرادته ؛ ~~لأن بعض الصحابة ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «أمرنا أن ننزل الناس ~~منازلهم» (1). # ورفع يوسف عليه السلام أبويه على العرش ، ولم يرفع إخوته ، أنزل كل واحد ~~منهم حيث يستحق من منزلته. PageV02P207 # ( ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل ~~رءياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من ~~البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو ~~العليم الحكيم (100) رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر ~~السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين ~~(101) ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم ~~يمكرون (102) وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (103) وما ms0752 تسئلهم عليه من ~~أجر إن هو إلا ذكر للعالمين (104)) # قوله تعالى : ( وخروا له سجدا ) صحت ها هنا بيان المكاشفة ، ~~وأوائل المشاهدة التي جرت ذكرها بقوله : ( إني رأيت أحد عشر كوكبا ~~) لما بان سطوع أنوار عزة الله على الصديق العزير علا هيبته عليهم ، ~~وعاينوا ما عاينت الملائكة في آدم عليه السلام ؛ فخروا له سجدا بغير ~~اختيارهم ؛ لأنه كان كعبة الله التي فيه آيات بينات أنوار مشاهداته وسنا ~~تجليه ، وظهور جلاله من إلباس قدرته مقام إبراهيم عليه السلام حين قال : ( ~~ هذا ربي ) [الأنعام : 76] رأى ذلك في آيات ملكوت السماء ، ورأوا ~~ذلك في آيات ملكوت الأرض ، لو رأى الملك وأهل مصر فيه ما رأى يعقوب ~~عليه السلام وبنوه لخروا له سجدا كما قال القائل : # لو يسمعون كما سمعت كلامها %~% خروا لعزة ركعا وسجودا # فلما اقترنت المكاشفة بالمعاينة ، قال تعالى ( وقال يا أبت هذا ~~تأويل رءياي ) أظهر على يعقوب عليه السلام كمال علمه بتأويل أحاديث ~~المكاشفات ، والايات المنامات ، قال تعالى : ( قد جعلها ربي حقا ) ~~أي : بيانا بينا ليس فيه معارضة النفس. # ثم أثنى على الله سبحانه لما أولاه من نعمه الرفيعة ، وكراماته الساطعة ~~بقوله : ( وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن ) أي : أخرجني من سجن ~~بلاء النفس وخطوات الشيطان ، وأيضا أطلقني من أسرار الإرادة والمجاهدة ~~والرياضة والامتحان إلى سعة بساط الرضوان والمعرفة والمشاهدة والإيقان ، ~~ذكر السجن لأن هناك موضع التهمة ، أي : أخرجني بكونه من سجن التهمة بأن ~~أظهر طهارتي من الذلة ، وأيضا بدأ بذكر السجن وما جرى لأجله لئلا يحزن قلوب ~~إخوته ، وهذا من شرائط كرم المكرمين ، أسقط خجلهم حين أظهر ما جري عليه من ~~الهمة ، وطول لبثه في السجن من التفاته إلى غير الله من وقت امتحان ، ثم ~~ذكر منازلهم ، وما فضل على أبويه وإخوته بقوله تعالى : ( وجاء بكم ~~من البدو ) أي : من بوادي PageV02P208 # الفراق إلى منازل الوصال جاء بكم من منازل التفرقة إلى عين الجمع ، ومن ~~محل التلوين إلى محل التمكين ، ثم رفع بكرمه الجرم عن إخوته واستعمل الأدب ~~حين لم يذكر ms0753 ذكر القدر تنزيها لقدر الله وقدره من مباشرة العلة بقوله : ( ~~ من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي ) أي : ليس من طبائع ~~الأولياء حركات الأعداء ، إنما كان شيئا طارئا بغير اختيارنا ، أغرى ~~الشيطان بالنزغات بيننا لزيادة درجتنا ، وصفاء مودتنا. # ثم وصف الله سبحانه باللطف والرحمة والعلم والحكمة بقوله : ( إن ~~ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم ) لطيف حيث جعلني لطيفا في حسن ~~وجهي ، عليم بنيتي في عفو أخوتي وقبول عذرهم ، وأيضا عليم بخلق صورتي ، ~~حكيم حيث خصني بحكمة النبوة والرسالة. # قال السيد جعفر الصادق عليه السلام : قال : قال يوسف عليه السلام : ( ~~ أحسن بي إذ أخرجني من السجن ) ولم يقل أخرجني من الجب وهو أصعب. # قال : لأنه لم يرد مواجهة إخوته بأنكم جفوتموني وألقيتموني في الجب بعد ~~أن قال تعالى : ( لا تثريب عليكم اليوم ). # وقال ابن عطاء : الحكمة أن السجن كان اختياره بقوله : ( قال رب ~~السجن أحب إلي مما يدعونني إليه )، والحب موضع اضطرار ولم يكن له فيه شيء ~~، وفي الاختيار أفاق شكرانه حين خلصه من فتنة اختياره لنفسه ، وعلم أن ما ~~اختياره الحق كان فيه الخيرة ، وخاف من اختياره لنفسه لما نجاه الله من ذلك شكره. # وقال الواسطي : قد أحسن بي إذ أخرجني من السجن بعد أن عمدت فيه سواء ~~بقوله لصاحب السجن : ( اذكرني عند ربك ). # وقال جعفر رضي الله عنه : في قوله ربي لطيف لما يشاء أوقف عباده تحت ~~مشيئته ، إن شاء عذبهم ، وإن شاء عفا عنهم ، وإن شاء قربهم ، وإن شاء بعدهم ~~، فيكون المشيئة والقدرة له لا لغيره ، ثم أظهر لطفه بعباده الذين خصهم ~~بفضله بالمحبة والمعرفة. # وقال الأستاذ : ذكر حديث السجن دون البئر لطول مدة السجن ، وقلة مدة البئر. # وقال في قول الله تعالى : ( وجاء بكم من البدو ) إشارة إلى أنه ~~كما سر برؤية إخوته وإن كانوا أهل الجفاء ؛ لأن الأخوة سبقت الحفرة ، ثم ~~رجع إلى الحق بالكلية ووصف بما نال من كرمه بقوله : ( رب قد آتيتني ~~من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث ) من ملك النبوة ms0754 والعلم بحقائق ~~المخاطبة ، وأيضا أعطيتني من ملكك ملك الربوبية حيث ألبستني شواهد PageV02P209 # جودك وأنوار جودك حتى أملك بحسني وجمال قلوب العالمين ، وأيضا آتيتني من ~~ملك شاهدتك وعلمتني من حقائق معرفتك. # ثم وصف الله سبحانه بالقدرة القديمة والعظمة الأزلية بقوله : ( ~~فاطر السماوات والأرض ) وبين مكانته في قربه وساحة كبريائه بقوله : ( ~~ أنت وليي في الدنيا والآخرة ) حيث كاشف جمالك لي في الدنيا ، ~~وعرفتني صفاتك ، وتكشف أيضا نقاب عزتك لي من وجهك الكريم في الاخرة ، ثم ~~حاج شوقه إلى جمال الأزل ، ورأى تمام نعمة الله عليه فقال تعالى : ( ~~ توفني مسلما وألحقني بالصالحين ) أي : توفني حين أخرجتني من رؤية ~~الحدثان ، وتدبير الأكوان وما سوي من العرفان والإيقان مما يبدوا إلى من ~~كشف قدمك وجلال أبدك وأنوار ألوهيتك ، غيبتني مني فيك حتى لا أبقي أنا فيك ~~وتبقى لي ، وألحقني بمن كان حاله بهذه الصفة. # قال سهل : في قوله توفني مسلما فيه ثلاثة أشياء ، سؤال ضرورة ، وإظهار ~~فقر ، واكتساب فرض. # وقال أيضا : أمتني فإنما مسلم إليك أمرك ، مفوض إليك شافي ، لا يكون لي ~~إلى نفسي رجوع بحال ولا تدبير في سبب من الأسباب. # قال الدينوري : وألحقني بالصالحين من أصلحتهم مجالستك وحضرتك ، وأسقطت ~~عنهم سمات الخلق ، وأزلت عنهم رعونات الطبع. # قال أبو سعيد القرشي في قوله : ( توفني مسلما ) قال : هذا كلام ~~مشتاق لم أجانس إلا بالله. # وقال الأستاذ : قدم الثناء على الدعاء كذلك صفة أهل الولاء ، ثم قال : ( ~~ أنت وليي في الدنيا والآخرة ) أقول بقطع الأسرار عن الأغيار. # قال الأستاذ في قوله : ( توفني مسلما ) علم أنه ليس بعد الكمال ~~إلا الزوال ، فسأل الوفاة. # ويقال : من أمارات الاشتياق تمني الموت على بساط العوافي مثل يوسف ~~عليه السلام ألقي في الجب وحبس في السجن فلم يقل توفني مسلما. # ولما تم له الملك واستقام له الأمر ولقي الأخوة سجدا له ، ولقي أبويه معه ~~على العرش ، قال : ( توفني مسلما ) فعلم أنه يشتاق إلى لقائه. # ثم بين سبحانه أن هذه القصص العجيبة والأنباء الغريبة الأزلية على لسان ~~النبي صلى الله عليه وسلم ms0755 PageV02P210 # الأمي أمرا سماوي عرفه الله بالوحي الصادق والكلام الناطق بقوله : ( ~~ ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ) لتخبر العاشقين والمحبين ~~والمؤمنين لتسلي بها ألم فؤادهم وتعرفهم بها الصبر في بلائه ، والشكر في ~~آلائه ، والشوق إلى لقائه. # ( وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ~~(105) وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) أفأمنوا أن تأتيهم غاشية ~~من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون (107)) # قوله سبحانه وتعالى : ( وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون ) أخبر سبحانه أنه جماله وقدرته ألبس أنوار قدرته ~~وهيبته على آيات السموات والأرض ، وجعل كل ذرة من العرش إلى الثرى مرآة ~~يتجلى منها لذوي البصائر من العارفين ، وذوي العقول من الموحدين ، ولا ~~يريها إلا لمن كان له بصير منور بنور الإيقان والعرفان ، وأعلمنا أن أهل ~~الجهل والغباوة محتجبون عنها حيث يرون ظاهرها ولا يرون حقائقها ، وأيضا ~~آيات السموات شواهد الملكوت وآيات الأرض سلاسل بيداء الجبروت من العارفين ~~والمحبين. # قال ابن عطاء : نظروا إليها بأعينهم ولم يلاحظوها بأبصارهم ، فلا يكشف ~~الأبصار لهم. # وقال : بعضهم لعلمهم من مواضع المكرمات والايات من الله ، وإلا تكاد على ~~من ظهر ذلك عليهم ، ثم شدد الأمر سبحانه ودقق على المجهور في أمر التوحيد ~~وإفراد القدم على الحدوث بقوله : ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم ~~مشركون ) وصف الكل في التوحيد بالإشارة إلى غيره في مقاماتهم ، وذلك وصف من ~~نظر إلى الوسائط والشواهد في معرفته وما بدأ من لطيف صنائعه بأهل معرفته ~~حتى بلغ الشرك إلى نهاية أن من أحب الله تعالى لذوق قلبه من مشاهدته ؛ فإنه ~~مشرك في حقيقة التوحيد ؛ لأن من أحب حقيقة التوحيد حبه لربوبيته ولوجوده لا ~~بجوده ، ومن نظر في رؤية الحق إلى نفسه أو إلى غيره من العرش إلى الثرى لم ~~يكن موحدا محققا ، وهذا مذهب الجمهور من العارفين. # قال الواسطي : إلا وهم مشركون في ملاحظة الخواطر والحركات. # وقال بعضهم : إلا وهم مشركون في رؤية التقصير عن نفسه والملازمة عليها. # قال الواسطي ms0756 : رؤية التقصير من النفس شرك ؛ لأن من لاحظ نفسا من نفسه ، ~~فقد جحد الأزلية للحق ، ومن لام نفسه في شيء من أموره فقد أشرك. PageV02P211 # قال الحسين : المقال منوط بالعلل ، والأفعال مقرونة بالشرك ، والحق بائنا ~~لجميع ذلك ، قال الله تعالى : ( وما يؤمن أكثرهم ). # ( قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان ~~الله وما أنا من المشركين (108) وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون (109)) # قوله تعالى : ( قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن ~~اتبعني ) أي : معرفة الله ومحبته ، وبذل الروح في طريقة ، وانقياد النفس ~~بوصف خنوعها لأمره طريقة ، ادعوا من سبقت له الحسنى نبعث العناية في الأزل ~~إلى مشاهدة الله ومحبته وبذل الوجود له ، وهذه الدعوة مني على بصيرة ويقين ~~وصدق وذوق وكشف وبيان من الله الذي لا معارضة فيه للنفس والشيطان ، وهكذا ~~من اتبعني بوصف المحبة ، وطلب المشاهدة والرضوان في الوصال ، وكشف الجمال ~~على بيان من معرفتهم ، وبيقين بلا شبهة ولا شك ولا تردد. # ثم وصف نفسه بلسان تنبيه وأمره أنه منزه من كل خيال وعلل بقوله : ( ~~ وسبحان الله ) أي : هو منزه عن إدراك الخليفة ( وما أنا من ~~المشركين ) أي : ما أنا من الملتفتين إلى غير يوسف عليه السلام المحبة وطلب ~~الربوبية منه تعالى عن كل خاطر إلا يشوب فيه شوب الحدثان ؛ لأن من كان في ~~حيز الحدثان فتوحيده يليق بقدر الحدثان لا يقر قدم الرحمن. # قال ابن عطاء : أدعوكم إلى من تعودتم منه الفضل والأفضال والبر والنوال ~~على دوام الأحوال ، وهو الله الذي لم يزل ولا يزال جل وتعالى. # قال القرشي : من دعي الخلق إلى الله يحتاج أن يكون له صولة وقبول ، ويكون ~~هذه الالات مندرجة في دعوته ، كما قال الله تعالى : ( قل هذه سبيلي ~~أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ) ففرق بين من دعي إلى الله وبين من دعي إلى ms0757 ~~سبيل الله. # وقال بعضهم : الداعي إلى الله وبين من دعي إلى سبيل الله. # وقال بعضهم : الداعي إلى الله يدعوا الخلق إليه به لا يكون لنفسه فيه حظ ~~، والداعي إلى سبيل الله يدعوهم بنفسه إليه ؛ لذلك كثرت الإجابة إلى سبيله ~~لمشاكله الطبع ، وقل من يجيب الداعي إلى الحق ؛ لأن فيه مفارقة الطبع ~~والنفس. # وقال الواسطي في قوله : ( على بصيرة أنا ومن اتبعني ) عمل ~~الفوادح على بصيرة ، فلا سموا ولا نموا له في حقيقته ؛ فإن الناس كلهم ~~مفاليس من صحة البصيرة والنخيرة ، ولو PageV02P212 # لقيت الأنبياء بهاتين الخصلتين لأفلستهم أجمعين ، وإني بالبصيرة والعالم ~~كلهم مرتبطون تحت الجناح بها يقومون إليها يؤمرون ، والأصل بصورة قاطعة ، ~~ونخيرة فائقة لضعف البصائر أطلق من أطلق الثناء من الملأ الأعلى كمن أبصر ~~البحر أخرسه ذكره ، فكيف إذا تجاذبته الأمواج وأخذته اللجج ، وحقيقة بصيرة ~~الناس هو مشاهدة رؤية الشيء ، وهو قوله : ( أدعوا إلى الله على ~~بصيرة ) إذ بالله صحت البصائر ، والبصيرة أعلى من النور ؛ لأنه لا يصح ~~البصيرة لأحد وهو تحقق رق ملك ومادام للشواهد والأعراض عليه أثر كانت ~~بصيرته واهية. # قال بعضهم : الدعاء من البصيرة ، والنفاق من ضعف النخيرة. # وقال : البصيرة من لباس الأرواح ليس لها من الأجسام حظ. # وقال الواسطي : على بصيرة أيقن أنه ليس إليه من الهداية شيء ، وقوله : ( ~~ أنا ومن اتبعني ) على ذلك ، وعلمهم بالتفويض ، والتسليم إمرتهم ، ( ~~ وسبحان الله ) أنزه الحق عن أن يروم أحد السبيل إليه إلا به ( ~~ وما أنا من المشركين )، ادعى لنفسي مع الحق شامل الكل لمن له الكل. # وقال ابن عطاء : البصيرة أحرقت المعلوم والموعظة المحجوبة بظلم الأطماع ، ~~أما علمت أنه لا يصح بصيرة لأحد وهو تحت رق الملك وأدام الشواهد والأعراض ~~عليه أثر كانت بصيرته واهية ، والبصيرة إذا صحت سلم صاحبها من كل آفة. # وقال ابن عطاء : الفرق بين البصيرة والسكينة أن البصيرة مكشوفة ، ~~والسكينة مستورة. # ويقال : البصيرة أن يطلع شموس العرفان ؛ فيندرج فيها أنوار العقول. # ولي ها هنا دقيقة فيها مشابهة كلام الكبراء في هذه الاية أدق مما ذكرت ms0758 من ~~الأول ، أي : قل يا محمد هذه التي رأيتم مني من سنن الإلهية التي اختار لي ~~في الأزل هي الشريعة ، ووراء الشريعة الطريقة ، ووراء الطريقة الحقيقة ، ~~ووراء الحقيقة حقيقة الحقيقة ، وهي البصيرة وتلك البصيرة إشراق جمال القدم ~~لبصر الروح المطمئنة الساكنة بالله ، الطائرة في الله ، الهائمة لله التي ~~طارت من قفص العدم في أنوار القدرة ، ولا يسكن من طيرانها في أنوار ~~الكبرياء والبقاء إلى الأبد ، فموضع البصيرة إدراك نظر تلك الروح ، وموضع ~~الإدراك بصر الروح ، فتلك البصيرة نور كشف صفات الحق المتصل على السرمدية ~~بذلك الأمور ، ويزيد ذلك النور حتى يضمحل فيه ذلك الإدراك ، ويغلب سطواته ~~حتى ينطمس تلك العين في ذلك النور ، فلا يبقى هناك إلا نور الحق ، وكيف ~~يبقى الحدث في القدرة وعز السرمدية بسطواتها ، يذهب آثار الحدثين في أوائل ~~ظهور العرفان ، أي في هذه حالتي وسبيلي مع الله ، وأنا لا أدعوكم إلى هذه ~~فإنها قاصرة PageV02P213 # مضمحلة من الحق بل أدعوكم إلى الله حتى تعرفونه أنكم لا تعرفونه ولا ~~تبصرونه بالحقيقة ، فإنه أعز من أن يدرك بالأبصار والبصيرة ، وهكذا من سلك ~~سبيلي فأنا يفني في حقيقتي ، يعلم أن إدراكه بالحقيقة محال ، وسبحان الله ~~هو منزه عن إدراك المدركين وإن كان نبيا مرسلا ، وملكا مقربا ( وما ~~أنا من المشركين ) إنهم يظنون أنه تعالى مدركهم. # ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي ~~من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين (110) لقد كان في قصصهم عبرة ~~لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء ~~وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (111)) # قوله تعالى : ( حتى إذا استيأس الرسل ) أخبر سبحانه من سنته ~~القائمة ، ومشيئته الثابتة القديمة التي أجراها على أهل العناية من ~~الأنبياء والمرسلين والعارفين والمحبين ؛ حيث حبسهم في أسبحان انتظار كشوف ~~الغيب حتى بلغ قلوبهم إلى محل القنوط من وضوح جلاله وبرهان شمائله وقدسه ~~وعزته ، وخافوا من سوابق قهرياته وتنزيه ربوبيته عن كون الخلق وعدمه ، فلما ~~ذابت قلوبهم ، واضمحلت أسرارهم ، ومنيت عقولهم ، وتحيرت أشباحهم ms0759 ، تطلع ~~بكرمه من مشارق أسرارهم شموس أنور ذاته ، وأنوار أقمار صفاته ، حتى لا يبقى ~~من ظلمة الالتباس وغبار الوسواس أثر ، وهذا حتى قوله سبحانه : ( ~~وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا ) خافوا على الغير لا على أنفسهم لئلا ~~يهلكوا ، فإنهم في رؤية مشاهدة القدم بأسراره نبعت السرمدية ، هذا معنى ~~الانتظار واضطرابهم وشوقهم إلى وضوح الأنوار. # لا من الشك في خصوصية الولاية وسبق العناية في النبوة والرسالة ، وفي ~~القراءة قرئ ( قد كذبوا ) بالتخفيف ؛ فعذره أنهم استغرقوا في قلزم ~~(1) الأزلية ، وغابوا تحت بحار الديمومية ، ولم يروا الحق من كمال ~~استغراقهم في الحق ، فلما لم يروه ناداهم بلسان عبرة قهر القديم ، أين ~~أنتم؟ غبتم عنه وعن الحقيقة ، فيطلع أنوار الحقيقة عليهم ، ويأخذ لطفها عن ~~شبكات امتحان القهر ، وهذا دأب (2) الحق مع الأولياء حتى لا يسكنوا إلى ما ~~وجدوا منه ، بل يفنوا به من كل ماله. # يقال : حكم الله بأنه لا يفتح للمريدين شيئا من الأحوال إلا بعد يأسهم منها. # وقال : وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته ، فكما أنه ينزل ~~المطر بعد PageV02P214 # الإياس ؛ فكذلك يفتح الأحوال بعد اليأس منها ، والرضا بالإفلاس عنها. # قوله تعالى : ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ) أي : لزوم ~~الأحوال من العارفين والمحبين والصادقين والمتقين والصابرين والعاشقين ؛ ~~لأن فيها من مقلوبات أهل الولاية ما يليق بشأنهم من الفراق والوصال والبلاء ~~والامتحان والعشق والمحبة ، وتحمل الجفاء والمكاشفة والبراهين الساطعة ، ~~اقتداء بهم وطلبا لما وصل إليهم من الدرجات الرفيعة والمقامات الشريفة. # قال جعفر الصادق رضي الله عنه : أولى الأسرار مع الله. # قال ابن عطاء : عبرة لمن اعتبر وموعظة لمن اتعظ في أن النفس ليس هي بمحل ~~أمن ولا اعتماد عليها. # قال الأستاذ : منها للملوك في بسط العدل كما بسط يوسف عليه السلام وفي ~~المن على الرغبة والإحسان إليهم كما فعل يوسف عليه السلام لما ملكهم أعتقهم ~~كلهم ، ومن العبرة في قصصهم لأرباب التقوى أن يوسف عليه السلام ل ما ترك ~~هواه رقى الله إلى ما دقاه ، ومن ذلك العبرة ms0760 لأهل التقوى في اتباع الهوى من ~~شدة البلاء ، كامرأة العزيز لما تبعت هواها لقيت ما ليقت من الضرر والفقر ، ~~ومن ذلك العبر للمماليك في حفظ حرمة السادة كيوسف عليه السلام لما حفظ حرمته ~~في زليخا ملك منك بالعزيز وصارت زليخا امرأته حلالا ، ومن ذلك العفو عند ~~القدرة كيوسف عليه السلام حيث تجاوز عن إخوته ، ومنها ثمرة الصبر كيعقوب ~~عليه السلام لما صبر على مقاسات حزنه ، ظفر يوما بلقاء يوسف عليه السلام ، ~~إلى غير ذلك من الإشارات في قصة يوسف عليه السلام . # وقال تعالى : ( وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) فيه بيان ~~جميع المقامات والمعاملات والمكاشفات والمشاهدات والايات والكرامات ~~والمنجيات والمهلكات ولطائف الإشارات إلى علوم اللدنية ، والأسرار العجيبة ~~، وهدى أي هاديا لمن له استعداد هذه الواقعات في طريق الله ، وما يبدوا منه ~~نعم مشاهدته ، وكرائم ألطافه ورحمة ، أي : هاديا لقلوب المحزونين ، وباكورة ~~لفؤاد المحبين ، وشمومة لأرواح العارفين ، الذين يؤمنون بالله لا بأنفسهم ، ~~يعرفون ربه لا بما منه ، فإن ما منه محل الامتحان ، وهو تعالى بجلاله معادن ~~العرفان ، والله أعلم. # *** ### | سورة الرعد # بسم الله الرحمن الرحيم # ( المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر PageV02P215 # الناس لا يؤمنون (1) الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ~~ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل ~~الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون (2) وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي ~~وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون (3) وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل ~~صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون (4) وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق ~~جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون (5)) # ( المر ) إن الله سبحانه تجلي من فعله الخاص لفعله العام ؛ فأجاد ~~من بين الفعلين حروفا جعلها صادق أسرار ms0761 الصفات والذات ، وأخبار الغيب ، ~~وغيب الغيب ؛ فوضع في الألف سر الألوهية لنفسه ، وسر الأنانية لصفوة توحيده ~~، ووضع في اللام سر أزليته لنفسه ، وسر لطفه وفي ظهوره بوصف الأزل لأهل ~~التباسه من أهل عشقه وشوقه ، ووضع في الميم سر محبته في هواء أزليته لطلب ~~ألوهيته ، ووضع في الراء أنور ربوبيته ، وجعلها مرآة لعبوديته عبادة ؛ ~~فيرون منها لطائف صفاته وروح ملكوت قدسه ؛ فلما انحسرت الأرواح من طلب ~~الألوهية وجعلت إلى معادن أنوار الربوبية ، وسكنت جمادات من مرآة حرف الراء ~~من رحمته الكافية ورأفة الشافية من كل شيء دون الله ؛ فالألف صندوق ~~الألوهية لا ينفتح إلا لأهل الأنائية في التوحيد ، واللام صندوق نور ~~الأزلية والجمال ولا ينفتح إلا لأهل الوله في شوقه ، والميم صندوق محبته ~~الأزلية ولا ينفتح إلا لأهل محبته ؛ فالراء صندوق نور ربوبيته ولا ينفتح ~~إلا لسلاك عبوديته الذين مرادهم منه نفسه لا غير. # قال الشبلي : ما من حرف من الحروف إلا وهو يسبح الله بلسان ويذكره بلغة ~~بكل لسان منها حروف ، ولكل حرف لسان وهو سر الله في خلقه الذي يقع زوائد ~~المفهوم وزيادة الأذكار. # وقال الحارث المحاسبي : إن الله لما خلق الأحرف دعاها إلى الطاعة ؛ ~~فأجابت على حسب ما حلاها الخطاب وألبسها ، وكانت الحروف كلها على صورة ~~الألف إلا أن ألف بقيت على صورته وحليتها التي بها ابتدأت ، ثم من سنة الله ~~سبحانه أن وضع ما تكلم به من الأسرار في لباس الحروف على رأس كل صورة ، ~~وأشار مما عقيبها من القول إليها وإلى أسرار PageV02P216 # ما فيها بقوله : ( تلك آيات الكتاب ) أي : ما أشرنا في الحروف ~~أسرار الكتاب وعلامات الخطاب ، ولم يكن معوجا معلولا بقوله تعالى : ( ~~ والذي أنزل إليك من ربك الحق ) أي : بيان وصدق واضح لمن له أهلية ~~سر الكتاب ، ولا يفهم ما فيها من الأسرار ذو فترة غافل ، وذو غباوة جاهل ~~بقوله : ( ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) أي : لا يعرفون حقائقها ، ~~ثم وصف نفسه سبحانه بالقدرة القديمة من الصفات وبالحكمة الأزلية من الأفعال ~~بقوله تعالى : ( الله الذي ms0762 رفع السماوات بغير عمد ترونها ) خاطب ~~العموم بخطاب العام ، أي : أنا رافع السماء بلا علة من العلل ، ونفي العمد ~~إذا كان معلولا ، وخاطب الخواص بخطاب الخاص ، أي : دفعها بغير عمد يرونها ~~بالأبصار ؛ ولكن رفعها بعمد ترونها بالبصائر حيث ينكشف بوصف تجليها لها ، ~~وتلك العمد القدرة القديمة الأزلية الباقية ، وهي الصفات قامت الأكوان ~~والحدثان بها ، ورؤية الصفة حيث تجلت حق كما أن رؤية الذات حق ، ثم بين أن ~~قدرته شملت الملك الأعظم بقوله : ( ثم استوى على العرش ) (1) وأيضا ~~خلق سموات الأرواح بغير عمد بانت للخلق ؛ لأنها مخزونة بسلاسل أنوار الأزل ~~إلى عالم القدم والبقاء ، ثم استوي أنوار تجليه على عرش القلوب. # قال تعالى : ( وسخر الشمس والقمر ) شمس المعرفة ، وقمر العلم ، ~~أجراهما بين سموات الأرواح عروش القلب تزيينا لملكة كواشفها ومعارفها ، ~~يجريان في عالم العقول بأنوار المشاهدة من رؤية الذات ، وكشف الصفات تطلع ~~في سماء الأرواح شموس الذات وفي عروش القلوب أقمار الصفات لانتظام أمور ~~الربوبية وتفصيل حقائق العبودية بقوله تعالى : ( يدبر الأمر يفصل ~~الآيات ) يدبر أمر هموم المحبة ويفصل آيات المعرفة لوقوع أنوار اليقين ~~وحقائق التمكين بقوله : ( لعلكم بلقاء ربكم توقنون ) أي : بهذه ~~الأنوار تعاينون تلك الأسرار ، ويرون بقلوبكم مشاهدة الملك الغفار. # قال ابن عطاء : يدبر الأمر بالقضاء السابق ، ويفصل الايات بالأحكام ~~الظاهرة لعلكم تتيقنون أن الله يجري عليكم هذه الأحوال ولا بد لكم من ~~الرجوع إليه ، ثم وصف سبحانه عجائب الملك والملكوت ، وحكمة الغالبة في ~~مصنوعاته بقوله : ( وهو الذي مد الأرض PageV02P217 # وجعل فيها رواسي وأنهارا ) بسط أراضي قلوب أوليائه ببسط نور ~~المحبة ، وجعل فيها رواسي المعرفة ؛ لئلا يتزلزل بغلبات هيجان المواجيد ، ~~وأجرى فيها أنهار علوم الحقائق ، وأنبتت فيها أنواع أزهار الحكم وأشجار ~~الفطن ، وأثمرها بثمرات المقامات والحالات بقوله : ( ومن كل ~~الثمرات )، وقرن بكل مقام حالا بقوله تعالى : ( جعل فيها زوجين ~~اثنين ) ثم يمد عليها أطلال المشاهدة ، ويطلع عليها شمس العناية بدوام ~~الكفاية بقوله : ( يغشي الليل النهار ) ثم وصفها ووصف أصحاب هذه ~~القلوب الذين هم رواسي الأرضين ، وأنفاسهم أعمدة السماوات ، ورؤيتهم ms0763 مشكاة ~~أنوار الايات إنهم علامات شمائله وسرج مشكاة قدرته لأهل التفكر في الإرادة ~~والتذكر في المحبة بقوله : ( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ). # قال بعضهم : هو الذي بسط الأرض وجعل فيها أوتادا من أوليائه وسادة من ~~عبيده فإليهم الملجأ وبهم الغياث ، فمن ضرب في الأرض بقصدهم فاز ونجا ، ومن ~~كان سعيه لغيهم خاب. # قال الجريري : كان في جوار الجنيد إنسان مصاب في خربة ، فلما مات الجنيد ~~وحملنا جنازته حضر الجنازة ، فلما رجعنا بقدم خطوات وعلا موضعا عليا من ~~الأرض واستقبلني بوجهه ، وقال : يا أبا محمد تراني أرجع إلى تلك الخربة ، ~~وقد فقدت ذلك السيد ثم أنشد بقوله : # وا أسفي من فراق قوم %~% هم المصابيح والحصون والأسد والمزن والرواسي %~% والخير والأمن والسكون لم تتغير لنا الليالي %~% حتى طوقهم المنون فكل جمر لنا قلوب %~% وكل ماء لنا عيون # قال بعضهم : الفكرة تصفية القلوب لموارد الفوائد. # قال أبو عثمان : الفكرة استرواح القلب من وساوس التدبير. # ثم وصف أراضي القلوب وما فيها من أشكال العيوب بقوله : ( وفي ~~الأرض قطع متجاورات ) قلوب المحبين متجاورات لقلوب المشتاقين ، وقلوب ~~المشتاقين متجاورات قلوب العاشقين ، وقلوب العاشقين متجاورات قلوب الوالهين ~~، وقلوب الوالهين متجاورات قلوب الهائمين ، وقلوب الهائمين متجاورات قلوب ~~العارفين ، وقلوب العارفين متجاورات قلوب الموحدين ، وفي أرض قلوب العارفين ~~قطع متجاورات قطع النفوس الأمارة متجاورات بعضها بعضا ، وقطع العقول ~~متجاورات بعضها بعضا ، وقطع الأرواح PageV02P218 # متجاورات بعضها بعضا ، وقطع الأسرار متجاورات بعضها بعضا ؛ فقطع النفوس ~~مالحة ملحها الهوى ، وقطع العقول عذبة بعذب العلم ، وقطع الأرواح طيبة بطيب ~~المعرفة ، وقطع الأسرار لطيفة بلطف الأنوار متقاربة بعضها بعضا ؛ فقطعة ~~النفوس تنبت شوك الشهوات ، وقطعة العقول تنبت نورة العلوم ، وقطعة الأرواح ~~تنبت زهر المعارف ، وقطعة الأسرار تنبت كواشف الأنوار ( وجنات من ~~أعناب ) العشق يسكر منها الأرواح ، وفيها زرع دقائق المعرفة تأكل من حبها ~~العقول ؛ فترى بها أنواع المعاملات ، وفيها يحيل الإيمان ثمرها الإيقان ~~يأكل منها أطيار الأسرار. # قال الله تعالى : ( صنوان وغير صنوان ) إيمان مع يقين وعرفان من ~~غير علة الاستدلال ، ورؤية الايات ms0764 سقي هذه البساتين من زلال قاموس الكبرياء ~~لقوله : ( يسقى بماء واحد ) أصل سقيها من عيون الإلوهية بوصف ~~تجليها ، وهو واحد منزه عن الأكوان والتغاير لسقيها من سواقي الصفات في ~~جداول الأفعال ، فلما وصل مياه التجلي ، وأنوار الصفة إلى عالم الفعل ، ~~يورث كل صفة الفعل نوعا من هذه الأشجار والأزهار ، ففرع الفعل يتلون بألوان ~~الأحوال ، وإن كان أصل منزها عن العلل وتغاير الحدثان ، وبعض المقام أشرف ~~من بعض لقوله : ( ونفضل بعضها على بعض في الأكل ) ورد المعرفة أنور ~~من نرجس المحبة ، ونرجس المحبة من ياسمين الإرادة ، وثمر المشاهدة أطيب من ~~ثمرة المراقبة ، وهذه الإشارات من الله سبحانه لا يعرفها إلا العالمون ~~بالله بعقول صافية من الأكدار ، وقلوب حاضرة مشغولة بالله عن الأغيار لقوله ~~: ( إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) فالعقل ربق الربوبية في مواطن ~~الفطنة والفطرة يزم بها الحق قلوب الخلق ويجريها إلى العبودية لوجدان ~~المعرفة والقربة ؛ فمن وافق حاله مع الله في معرفته حال واحد من أوليائه ؛ ~~فهما من أصل واحد من غير تباين وتفرق. # كما روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه : «الناس ~~من شجر شتى ، وأنا وأنت من شجرة واحدة» ، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم : ( ~~ وفي الأرض قطع متجاورات ... ) حتى بلغ : ( ... يسقى بماء ~~واحد ). # وقال الحسن البصري : هذا مثل ضربه الله لقلوب بني آدم كانت الأرض في يد ~~الرحمن طينة واحدة فسطحها وبطحها ؛ فصارت الأرض قطعا متجاورة ؛ فينزل عليها ~~الماء من السماء فيخرج هذه زهرتها وثمرتها وشجرها ، ويخرج نباتها ويحي ~~موتاه ، ويخرج هذه شجرها وملحها وخبثها وكلتاهما يسقى بماء واحد ؛ فلو كان ~~الماء ملحا ، قيل : إنما هذه من قبل الماء PageV02P219 # كذلك الناس خلقوا من آدم عليه السلام فتنزل عليهم من السماء تذكرة ؛ فترق ~~قلوبهم فتخشع وتخضع ، وتقسوا قلوب وتلهوا وتسهوا وتجفوا. # عن الجنيد قال : خلق الله الخلق وأظهر آثارها وأحي منبتها متحرفة إلى كل ~~فج عميق وبلد سحيق ، وجعلها قطعا متجاورات ، قيعانا متقاربات ، وألوانا ~~متشابهات ، جميعها في النظر وفرقها في ms0765 المواطن ؛ فسقاها بماء واحد وفضل ~~بعضها على بعض في الأكل ؛ فجل ربنا عز وجل من قادر قاهر ، جعل ذلك سببا إلى ~~معرفته ودلالة لربوبيته. # قال الواسطي في قوله : ( يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في ~~الأكل ) لم يتلون الإرادات ، وتلونت المرادات كما تلونت الأشجار والثمار ، ~~ولم يتلون المياه التي سبقت الأشياء المختلفات ، كذلك العلم بالأشياء لا ~~يتلون ، وتتلون المعلومات ؛ فمن قال : كيف فهو؟ لضيق القدرة عنده وعلل ~~تكوين الحدثات لعلة إثبات الربوبية وامتدادها ، ولئلا يسبق إلى الأوهام ~~شيئا من الكون بغير إرادته ، فأراد الموت والحياة والظلمة والضياء لم يتلون ~~الإرادة ، كذلك ما أراد من الكفر والإيمان ، قال الله : ( يسقى ~~بماء واحد ) الاية. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «العاقل من عقل عن الله أمره» (1). # وقال الواسطي : العقل ما عقلك عن المجازي. # ثم بين سبحانه إنما وصف من ذكر آلائه ونعمائه وصنعائه ومصنوعاته لا ينفع ~~بمن لا سعادة سابقة له مساعده ، ولا ينفتح له عين غير العقل ، بحيث يعجب ~~المخاطب الكريم إنكارهم بقوله : ( وإن تعجب فعجب ) من غاية ~~استغراقه في بحر الكمال التوحيد ، وغلبة صدق الرسالة عليه السلام يعجب ممن ~~لا يعرفه بالصدق في رسالته ، حيث أطلع من جماله وشمائله شمس آيات القدم ~~ونور قمر الكرم ، وأي شيء أعجب من ذلك أن من له عقل ونظر لا يبصر فيه شواهد ~~الملكوت وأنوار الجبروت ، إذ الجمادات نطقت بصدق رسالته ؛ فتسلاه الحق ~~سبحانه بقوله : ( فعجب ) أي : عجب من ذلك العجب أن من يظهر في نفسه ~~آيات الله في كل لمحة ألف مرة ولم يرها بعين البصيرة ويموت ويحي في كل ساعة ~~ألف مرة ، ولا يعرف وجوده من عدم ، ولا عدمه من وجوده ؛ فإن عند كل نفسين ~~للإنسان موتا وحياة فعند صعود النفس له موت ، وعند دخول النفس في جوفه من ~~طريق الحس حياة ؛ ولكن ليس من الحق عجب ؛ فإنه تعالى يضل به من يشاء ويهدي ~~من يشاء ؛ فإذا ذهب العجب إذ ليس شيء منه عجب. PageV02P220 # قال الجنيد : ذهب العجب ms0766 بقوة سلطان العجب كل العجب من العجب ألا تعجب ، ~~قال الله : ( وإن تعجب فعجب قولهم ). # قال الحكيم الترمذي : ليس العجب من العجب ممن يتعجب من العجب إذ لا عجب. # ( ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ~~ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب (6) ويقول الذين كفروا ~~لو لا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد (7) الله يعلم ما ~~تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار (8)) # قوله تعالى : ( ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة ) وصف الحق أهل ~~الدعاوي حين تعجلوا بالمجاهدات والرياضات ، واستقبالهم باليات الطريقة قبل ~~ذوقهم شرف الأحوال ، ووصولهم إلى طعم المواجيد البديهية من الحق بلا علة ~~الاكتساب ، وبروز لمعات الغيب في أسرارهم التي يتولد منه صدق الإرادات في ~~المعاملات ، وذلك لأنهم جميعا حيث أهل الكرامات فتمنوا جاههم عند الخلق ولا ~~ينعقد لهم صدق النية في طريقهم ؛ فلا يفتح الله عليهم إلا طريق الهوى ~~والنفس والشهوات وحب الجاه والمال ، وعاقبهم الله بسقوطهم عن قلوب الخلق ~~كما فعل سبحانه بأهل الرياء والسمعة بقوله تعالى : ( وقد خلت من ~~قبلهم المثلات ). # وقال جعفر في قوله : ( ويستعجلونك بالسيئة ) أي : بالعقوبة قبل ~~العافية ، ثم بين أن من سبق لهم العناية من المريدين يسامحه بلطفه ، حيث ~~نزل قهر قدمه في مهوات طبيعته بقوله : ( وإن ربك لذو مغفرة للناس ~~على ظلمهم ) ظلمهم مخالفة عقائدهم واتباعهم هواهم بعد معرفتهم أفات النفوس. # قال بعضهم : إن ربك ليستر على أودائه ما أظهروا من المخالفات من ظلمهم ~~أنفسهم باتباع هواها والسعي في موافقة رضاها. # قال أبو عثمان : إنما يرجوا المغفرة من الله من يرتكب الذنوب على خطر ~~وخوف وحذر لا من يفتخر فيها من غير مبالاة. # قوله تعالى : ( إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ) أي : أنت منذر ~~المريدين من عقوبة الحجاب ، ومنذر المحبين من مواراة العتاب ، ومنذرين ~~العارفين من صولة الإجلال والخجل والحياء في مشاهدة الكمال ، ولهؤلاء لكل ~~واحد منهم هو بجلاله تعالى معرفة له طريقة إليه ، ويوفقه ms0767 بما اختار له في ~~الأزل ، أي : أنت منذر مخبر عنا ونحن نهديهم إلينا ، لأنك شفيع الجنابة PageV02P221 # لا شريك القدرة ، وأيضا لكل قوم لكل طائفة من أهل المعرفة شيخ يعرفهم ~~طريق الحق ، ولا بأس بأنه فعل الله ، وفعله ميراث صفته ، وصفته قائمة بذاته ~~، كأنه هو من حيث عين الجمع ، ألا ترى إلى قوله لصفيه عليه السلام : ( ~~ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ). # قال ابن عطاء : إنما أنت مخبر عنا بصدق ما أكرمناك به عن القرب والزلف. # قال بعضهم : إنما أنت قائم بنا داع إلينا ، فالسعيد من أطاعك وقبل منك ، ~~والشقي من عصاك وأعرض عنك. # قوله تعالى : ( وكل شيء عنده بمقدار ) وصف إحاطة علمه القديم في ~~القدم على كمية كل مقدور قبل ظهوره من العدم ، فاستوى علمه القديم بمقادير ~~يوما أوجدها بعد عدمها ؛ بحيث لا ينقص مثقال ذرة ، إذا لا نقص في عز ~~ربوبيته وإحاطته بمقدوراته ، اصطفى سلاك مسالك معرفته ، ومحبته بمقدار ~~اختياره الأزلي قبل اصطفائيتهم ، فكلهم يسلكون بمقادير المعرفة السابقة ~~والاصطفائية ، وأصل الحقيقة من قوله تعالى : ( وكل شيء عنده بمقدار ~~) أي : بقدر ، وعزوا بشرف ، إذ الكل منه يبدوا ، وقدرها من قدره ، وشرفها ~~من شرفه ، وأيضا أي كل شيء عنده لفظات بيد قدرته ، ولها حد ومقدار ؛ لأن من ~~أوصاف الحدثين الحدود والنقصان ، أي كل شيء محدود مقدور لإجلال قدر القدم. # قال الحسين : كل ربط بحده ، وأوقف معرفته ، فلا يجاوز قدره إلا من يعدو طوره. # قال بعضهم : كل شيء بوزن ومقدار ، ومن لم يزن نفسه ولم يطالع أنفاسه فهو ~~في حيز الغافلين ، ومن لم يعرف مقداره وقدر عظيم النعمة عنده أعجب بنفسه ، ~~أو بما يبدو منها. # ( عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال (9) سواء منكم من أسر ~~القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار (10) له معقبات من بين ~~يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال (11)) # قوله تعالى ms0768 : ( عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال ) هذا تصديق ~~ما ذكرنا في قوله : ( وكل شيء عنده بمقدار ) لأنه كان عالما قبل ~~كون المقدور الغيبي ، وعالما بعد كون المقدور حين يبدو في عالم الملك ~~والشهادة ، وأيضا عالم ما أسرار العارفين من عجائب كشوف أنوار عزته ، ~~والرقاب فؤادهم من الاشتياق إلى جماله ، وعالم بشهادة شهودهم في حضرته بوصف ~~الزفرات والتأوه والعبرات ، الكبير من أن يدركه الأبصار ، المتعالي تعالى ~~كبرياؤه من أن يبقى عند سلطان كبريائه آثار الأغيار بقوله : ( كل ~~شيء هالك إلا PageV02P222 # وجهه ) (1). # قال ابن عطاء : العالم على الحقيقة من يكون الشاهد والغائب عنده سواء ~~بالعلم ، لا بأن يستدل ، والعالم على الحقيقة هو الحق جل وعلا الكبير في ~~ذاته المتعال في صفاته. # قال جعفر : كبر في قلوب العارفين محله ، فصغر عندهم كل ما سواه تعالى ، ~~إن تقرب إليه إلا بصرف كرمه ، وما يجري على الظواهر بقوله : ( ~~سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ) أي ~~: من كتم دقائق حقائق المعرفة وأسرار لطائف الحكمة في قلبه ، ولم يتلفظها ~~بلسانه من تمكينه ، وزيادة معرفته ومن جهر به بأن يتكلم من رأس سكرة هيجانه ~~، ويخبر بغيب ما غاب من المريدين ، ويشاهد خلوة الليالي ؛ حيث ينكشف أنوار ~~النزول لنظار الملكوت ، وطلاب أنوار الجبروت ، أو يستر حاله في ليل الملامة ~~؛ إذ يظهر ما وجد في الخلوة في النهار منه الأبرار ، ويخفي كلام المعارف في ~~شرب الأسرار عن نظر الأغيار ، فإنه تعالى لا يخفي عليه فرط خاطر المتكلم ، ~~وهدوء سره من هيجان التلوين ، أو اختفاؤه بنعت الصدق والإخلاص ، وظهوره ~~بوصف غلبة الوجد والحال ؛ فيقبل منه ما بدا منه ، ويزيد عليه إنعامه ~~وإكرامه ، فإنه تعالى حافظ أوليائه ، حيث حازهم في حيز حفظه ورعايته وأنوار ~~بهائه ، حتى يكون مستغرقا في نوره ، محفوظا بعيون ألطافه ، بقوله تعالى : ( ~~ له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ). # قال النصر آبادي في قوله : ( سواء منكم من أسر ) ما أودعنا فيه ~~من لطائف برنا ، وكتمه إشفاقا عليه ، وأظهره ms0769 ونادي عليه سرورا به ، ومحبته ~~له ، فإنهما جميعا من أهل الأمانة في محل الحقيقة ، أما المعقبات من بين ~~يديه ومن خلفه ، فالإشارة إليها أن أنوار اصطفائيته الأزلية معقبات من خلفه ~~، وأنوار العناية الأبدية معقبات من بين يديه ، تحيطه وتحفظه جميعا من أمر ~~الله ، أي من امتحانه في زمان العبودية ، وذلك قهره الذي يطارق العبد ~~العارف كل وقت غيرة منه عليه ، فيكسره عساكر حسن عناية القديم ، وجنود ~~أنوار لطائف الاصطفائية ، حتى لا PageV02P223 # يضربه القهر ، ويكون محروسا باللطف ، وذلك قوله سبحانه : ( ~~يحفظونه من أمر الله ) وتصديق ذلك قوله : «سبقت رحمتي غضبي» (1). # فسوابق رحمته تحفظه من غضبه. # قال بعضهم : المحفوظ بالأسباب محفوظ بالمسبب ، وأمره ، فالعلماء رأوا ~~السبب ، والعارفون رأوا المسبب ، قال الله : ( له معقبات من بين ~~يديه ومن خلفه ). # قال ابن عطاء : الأسباب تحفظك من أمره ، فإذا جاء القضاء خلى بينك وبينه ~~، كيف يكون محفوظا من هو محفوظ من حافظه ، والمحفوظ على الحقيقة من هو ~~محفوظ بالحافظة لا محفوظ من الحافظ. # قوله تعالى : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ~~) لله سبحانه المشيئة السابقة والامتحان ، فأما أمر المشيئة قائم بإرادته ~~لا يتغير من شتان المشقة ، ولم يكن ذلك ملحقا بالأسباب ، وأمر الامتحان ~~ملحق بأسباب العبودية ، ويكون العبد معانا بالقدرة القديمة من المشيئة ~~السابقة عليه ، ومأمور بالتصرف فيه ، فإذا تحرك فيه سر القدر بتغير الحال ~~فتغير ما به بقوة القدرة ، فيغير الحق سبحانه عليه ما يغير بنفسه من جهة ~~القدرة وقوته مجازاة ، وكيف يكون العبد في القدرتين والمشيئتين قادرا بشيء؟ ~~إنما ذكر الحق سبحانه على غرف الأسباب لإدراك فهوم الخلق ونظام العبودية ، ~~فإذا ادعى المريد فوق حاله بما ادعى ، يغير عليه ما أعطاه ويشد عليه موارد ~~القربة ، ويبقى في الامتحان والفرقة. # قال جعفر الصادق : لا يوفقهم لتغيير أسرارهم ، ولا يغير عليهم ولو وفقهم ~~لتغيير الأسرار ومشاهدة الباري لذلوا وافتقروا ، فقالوا به النجاة. # وقال النصر آبادي : لكل قوم تغيير وتبديل ؛ ولكن لا يناقش العوام في ~~التغيير والتبديل ، مثل ما يناقش عليه أهل ms0770 الصفوة. # قال بعضهم : غيروا ألسنتهم عن حقائق ذكره فغير قلوبهم عن لطائف بره ، ~~وغيروا أنفسهم عن معاني العبودية ، فغير قلوبهم عن دلائل الربوبية. # قال الواسطي : حذرهم ما أنزل بهم أن تغييرهم نعمة الله على أنفسهم ، وذلك ~~من خذلان الله لهم ، فيزيد الله عليهم التغيير ، كما قال الله تعالى : ( ~~ في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ). # وقال بعضهم : إن الله لا يحرم عبيده نعمة إلا إذا قصروا في شكره أو نسوه. PageV02P224 # ولي قول آخر : إن القوم لما امتحنوا وبقوا في امتحانهم ولم يلجئوا إلى ~~الحق نبعت بالتضرع والتواضع والافتقار ولم يغيروا موضع تقصيرهم في دعوتهم ~~في الامتحان ؛ فأهملهم الله وألقاهم فيما هم فيه ولو خضعوا له أزال عنهم ~~العلة والامتحان وأعوضهم النعمة مكان البلاء. # وقوله تعالى : ( وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم ~~من دونه من وال ). # نبه سر الاية أن جمهور السالكين لا ينجون من محل امتحانه ؛ فألزم عليهم ~~نعت القهر ، كما ألزم عليهم نعت اللطف ، ولا ينفك عنهم نعت القهر ماداموا ~~في العبودية كما لا ينفك عنهم نعت اللطف ، وذلك تربية منه لهم ، ولا ينفك ~~عنهم وإن تضرعوا وخصوا أو سألوا زوال ذاك ، لكن يسهل عليهم جريان أقدار ~~القهر فهو المجري عليهم وهو المستهل عليهم وذلك قوله : ( فلا مرد ~~له وما لهم من دونه من وال ). # قال القاسم : إذا أراد الله هلاك قوم حسن في أمنيهم وأراد الهلاك حتى ~~يمشون إليها بأرجلهم وتدبيرهم وهو الذي أتي بهم. # ( هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال (12) ~~ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم ~~يجادلون في الله وهو شديد المحال (13)) # قوله تعالى : ( هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب ~~الثقال ) بين سبحانه هزمنا مقامات المريدين والمتوسطين حيث ذكر البرق ~~والخوف والطمع ، وأين العارفون من مقام الخوف والرجاء وهم في قنوط النكرة ~~وأمن المعرفة ، وأين هم من مقام البرق وهم محترقون في بروق شموس مشاهدة ~~القدم والأزل ، هذا حال سلاك الطريقة إذا ms0771 سافروا في بيداء المحبة والشوق ~~وهم عطاش في سراب الحيرة ؛ فيتلطف بهم تعالى وينشئ شمال الشفقة وسحاب ~~الألفة ويريهم برق تجلي المشاهدة ويمطر عليهم وابل أوصال من مزن الجمال ؛ ~~فيخافون من فواته تارة ، ويطمعون بقاءه تارة ، وأيضا هو الذي يري المحبين ~~برق المكاشفة ، ويكشف لهم نور المشاهدة وينشئ للعارفين سحاب العظمة الثقال ~~بأنوار الهيبة ، ويمطر عليهم طوفان بحر الأزل والاباد ؛ فيفنيهم لطوارق ~~العظمة ، ويحيهم بماء حياة ألوهية فسقر الإرادة تحت سحاب المنة ، وكشف برق ~~المشاهدة وخوف الفرقة وطمع الوصلة. # كما أنشد الشبلي : # أظلت علينا منك يوما سحابة %~% أضاءت لنا بقا وأبطا رشاشها فلا غيمها يجلي فييأس طامع %~% ولا غيثها يأتي فيروي عطاشها PageV02P225 # ثم وصف سبحانه أهل كمال بيداء توحيده الذين قاموا عليه بشرط الفناء من ~~مشاهدة قدمه ، ورؤية بقائه بالوجد والأحوال والزفرات والعبرات والفناء ~~والبقاء بقوله : ( ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل ~~الصواعق فيصيب بها من يشاء ) الرعد هاهنا شهقات الصديقين من الوجد والهيجان ~~في بحار العظمة من وقوع أنوار تنزيه القدم في قلوبهم ؛ فرعد شهقاتهم لسان ~~الربوبية تقدس ساحة كبريائه عن غار حوادث الحدثان والملائكة أرواح العارفين ~~وهي فانية من إجلال عظمته ، ناطق ينطق أزليته بوصف ديموميته ، وإذا أشرق ~~شوامخ القدم والبقاء من طلوع شمس الذات والصفات ؛ فيقع صواعق الكبرياء على ~~أهل التجريد والتغريد ، فيفنيهم عن الحدثان وتحرقهم عن نفوسهم ؛ هكذا يفعل ~~بهم سطوات القدوسية وسبحات الألوهية غيره على مشاهدة القدم. # قال ابن البرقي : في هذه الاية يريكم أنوار محبته فمن خائف في استنارة ~~وطامع في تجليه. # وقال أبو علي الثقفي : ورود الأحوال على الأسرار كالبروق لا يمكث بل تلوح ~~، فإذا لاح فربما أزعج من خائف خوفه وربما حرك من محب حبه. # قال أبو بكر بن طاهر : خوفا من اعتراض الكدورة في صفا المعرفة ، وطمعا في ~~الملازمة في إخلاص المعاملة. # وقال أبو يعقوب الأبهري : خوفا من القطع والافتراق ، وطمعا في القرب ~~والاستباق. # وقال بعضهم : خوفا من عقابه ، وطمعا في ثوابه. # قال ابن عطاء : خوفا للمسافر ، وطمعا للمقيم. # قال ms0772 ابن الزنجاني : الوعد صعقات الملائكة ، والبرق زفرات أفئدتهم ، ~~والمطر بكاؤهم. # وقال الأستاذ : كما يريهم البرق في الظاهر ؛ فيرددهم بين خوف وطمع ، خوفا ~~من احتباس المطر ، وطمعا في محبته ، وخوفا للمسافر في مجيء المطر ، وطمعا ~~للمقيم في مجيئه ، كذلك يريهم البرق في أسرارهم بما يبدو فيها من اللوائح ~~ثم اللوامع ثم الطوالع ثم كالبرق في الضياء ، وهذه أنوار المحاضرة ثم أنوار ~~المكاشفة إلى المشاهدة ، ثم إلى الوجود ثم من قام الوجود إلى كمال الخمود. # ويقال : البروق من حيث البرهان ، ثم يزيد فيصير كأقمار البيان ، ثم يصير ~~إلى نهار الفرقان ؛ فإن طلعت شموس التوحيد فلا خفاء بعده ولا استئثار ولا ~~غروب لتلك الشموس. # كما قيل : هي الشمس إلا أن الشمس غيبة ، وهذا الذي يفنيه ليس يغيب. PageV02P226 # ويقال : يبدو لهم أنوار الوصل ؛ فتخافون أن يجن عليهم ليالي الفرقة. # قيل : ما تجلوا فرحة الوصال من أن يعقبه رجة الفراق. # كما قيل : # أي يوم سررتني بوصال %~% لم ترعني ثلاثة بصدود # وقال الأستاذ في قوله : ( وينشئ السحاب الثقال ) إذا أنشئت ~~السحابة في السماء أظلم في الوقت الجو ، لكن يعقبه بعد ذلك ضحك الرياض ، ~~وما لم يبك السحاب لا يضحك الرياض. # كما قيل : # غمامة في السماء تبكي %~% والأرض من تحتها عروس # كذلك تنشئ في القلب سحابة الطلب ؛ فيحصل للقلب تردد الخاطر ، ثم يلوح وجه ~~التحقيق فيضحك الروح بفنون أنوار الأنس وصنوف أزهار القرب. # وقال في قوله ( ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ): قد ~~يكون في القلب حنين وأنين وزفير وشهيق والملائكة ، إذا حصل لهم على قلوب ~~المريدين خصوصا اطلاع يبكون وما لأجلهم لا سيما إذا أوقع لواحد منهم فترة ، ~~والفترات في هذه الطريقة الصواعق التي تصيب بها من يشاء ، وما قيل ما كان ~~أوليت من وصلنا إلا سراجا لاح ثم انطفئ. # ( له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا ~~كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ~~ضلال (14) ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم ms0773 بالغدو ~~والآصال (15)) # قوله تعالى : ( له دعوة الحق ) دعوته الحق مناداته في الأزل ، ~~نبعت محبته وشوقه إلى أرواح المحبين والعارفين ؛ فاستجاب بإجابته المحبة ~~والشوق إليه ، وأيضا له دعوة الحق على لسان الصديقين يدعون بها المسترشدين ~~إلى مشاهدة جماله ، حين وصفوا جلاله وجماله ليبدو في قلوبهم آثار محبته ، ~~وهذه الدعوة سالمة من معينة الهلاك ، وما سواها من الدعوة ؛ فهو دعوة صاحب ~~النفس والجهل من رأى الرياء والسمعة لا يفضي إلا إلى الاحتجاب والعمى عن ~~طريق الصواب. # قال الله : ( وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ) أي : وما دعاء ~~المرابين من أصحاب النفوس والهوى إلا في ضلال عن طريق الحق والإخلاص. PageV02P227 # قال ابن عطاء : أصدق الدعاوي دعاوي الحق ؛ فمن أجاب داعي الحق بلغه إلى ~~الحق ومن أجاب داعي النفس رمي به إلى الهلاك. # قال بعضهم : داعي الحق من يدعو بالحق إلى الحق. # وقال جعفر : من دعي نفسه فاني نفسه داعي ، وهو الكفر والضلال ، وذلك محل ~~الخيانة والإسقاط من درجات من أهل الأمانة ؛ فإن الدواعي يختلف داعي الحق ~~وداعي إلى الحق وداعي إلى طريق الحق ، كل هؤلاء دعاة يدعون الخلق إلى هذه ~~الطريق لا بأنفسهم ؛ فهذه طرق الحق وداعي يدعو بنفسه ، فإلى أي شيء دعي فهو ضلال. # وقال الأستاذ : دواعي الحق صارخة في القلوب من حيث البرهان ؛ فتدعو العبد ~~بلسان الخواطر ، فمن استمع إليها بسمع التفهم استجاب ببيان العلم ، وفي ~~مقابلتها دواعي الشيطان ، وهي موبقة للعبد تتزين المعاصي ؛ فمن أصغي إليها ~~بسمع الغفلة استجاب بصوت الغي ومعها دواعي النفس ، وهي قائدة العبد بزمام ~~الحظوظ ، ومن ركن إليها ولاحظها وقع في هوان الحجاب ، ومن الدواعي دواعي ~~الحق بلا واسطة ملك ولا بدلالة عقل ولا بإشارة علم ؛ فمن اسمعه الحق ذلك ~~استجاب لا محالة بالله لله. # وقال في قوله : ( وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ) هواجس النفس ~~ودواعيها تدعوا إلى ما في الطريقة شرك ، وذلك شهود شيء منك وحسبان أمر ~~وتعريج في أوطان الفرق ، والعمى عن حقائق عين الجمع. # وقد وقع لي في زمان الصبا من هذا ms0774 القبيل في دواعي الحق كلمات مسطورة ، ~~وذلك بما تفحصت أسرار الخواطر ؛ فوجدت دواعي اللطف والقهر من الحضرة على ~~سبعة أنواع ، دعوة الحق خاصة بلا واسطة ، ودعوة لمسة الملك ، ودعوة الروح ، ~~ودعوة العقل ، ودعوة القلب ، ومن قبيل قهره دعوة النفس والشيطان. # والان أتمم عشرة الثلاثة الزيادة ، اثنان من قبيل اللطف ، والواحد من ~~قبيل القهر ، الاثنان لسان السر ولسان أسرار السر ، والواحد لسان الفطرة ~~الطبيعة ، وأما دواعي القهريات وأولها دواعي الشيطان وعلامتها النزع ، ~~وهيجان النفس ، والطبيعة واحتراق الصدر ، وغمة في القلب غبار في عين الروح ~~، وخفة في النفس ، وانجذاب في الطبيعة إلى طلب حظوظ الشهوات ، وأكثر ما ~~يلقي الوسواس ما يفضي إلى الكفر والكبائر ؛ فمن أجابت تزندق وهلك في أودية ~~التشبيه والتعطيل والأهواء المختلفة ، والثاني هواجس النفس الأمارة تدعو ~~النفس والشيطان صاحبهما بلسان العلم إلى مهالك الرياء والسمعة. # وقيل : من يعرف ذلك المكر والخديعة ؛ فمن أجابها صار مرتهنا بالبطالة ~~والكسالة PageV02P228 # والقساوة ، ويكون محجوبا عن حسن الإرادة والصحبة ، والثالث داعي الفطرة ~~الطبيعة وذلك سر عجيب هو تحرك الفطرة المخمرة باستعداد قبول الشهوة الخفية ~~التي في مكامن غيب القلب ، وهو يكون بعد أن يحركها سر القهر إلى طلب ما خلق ~~لها من لذائذ ميلها وحركتها إلى ما يقوي به من الصفات البشرية والشهوة ، ~~وذلك الشهوة الحقيقية التي أضمرتها الفطرة الطبيعة. # وتلك ما استغاث منها النبي صلى الله عليه وسلم وقال : «أخوف ما أخاف عليكم ~~الشهوة الخفية من أجابها بعد حركتها دعوتها صار محجوبا عن روح الذكر وأنوار ~~الفكر» (1). # والسبعة التي من دواعي اللطف ، أولها : دواعي القلب وهو أمر منه لصاحبه ~~بترك الاشتغال لتزكية الأعمال ووقوع صفاء الأذكار لوجدان طمأنينته ولذة ~~اليقين ، قال تعالى : ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) فمن أجابها ~~بنعت المراقبة وتقديس الخواطر يذوق طعم صفاء العبارة ويجد روح الملكوت ~~ونفحة الجبروت. # والثاني : داعي العقل وهو أن يدعو صاحبه إلى تزكية النفس ومجاهدتها ~~ورياضتها وفنون الطاعات والخلوات ؛ فمن أجابه وصل إلى أنوار المراقبات ~~والمحاضرات. # والثالث : داعي الروح وهو أن يدعو صاحبها إلى الخوض ms0775 في تفكير الغيوب ، ~~وطلب أسرارها ، وطلب رؤية أنوار الملكوت ، واستماع أصوات الجبروت ، وطلب ~~كشف هلال المشاهدة في المحاضرة وسقي شراب المحبة بكئوس الشوق ؛ فمن أجابها ~~بنعت خروجها من أوصاف البشرية وتحليه بالمحلية الروحانية وإسقاط علل ~~الإنسانية يجد حلاوة بروق التجلي من مرآة الإيقان والعرفان. # والرابع : داعي الملك وهو الهامة بأمر الله سبحانه يلهمه بعلم يفرق به ~~بين الحق والباطل من خطوات اللطيفة والقهرية وما يئول عاقبته متابعة الكتاب ~~والسنة ؛ فمن أجابه يقع في بحر الحكمة ويستخرج منها جواهر علوم الإلهية. # والخامس : لسان داعي السر وهو أن يدعو إلى تجديد الهمة من الأكوان ~~والحدثين ؛ فمن أجابه يصل إلى كشف مشاهدة الرحمن ، ويرى بنور تجليه عجائب ~~أسرار المعرفة في خزائن الربوبية. # والسادس : داعي السر وهو لسان النور يناديه من وراء غيب الغيب إلى إفراد ~~القدم عن الحدوث والانخلاع من الوجود ، والانسلاخ من جلد العبودية ، ~~والإيقان بصفات الربوبية ؛ فمن يصل إلى مطالعة مشارق أنوار التجلي الصفات ~~والذات. PageV02P229 # والسابع : داعي الحق بنفسه بلا واسطة هو ثلث مراتب ، المرتبة الأولى : ~~مناداته بلسان الأفعال الخاصة ودعاؤه به إلى مشاهدة الصفات في الفعل وهو ~~مقام مشاهدة الالتباس ؛ فمن أجابه يقع في بحر العشق الذي يعرفه بأمواج ~~اللطف حيث يدعوه بلطائف الالتباس ولا يبقيه فيه بل يخرجه إلى معادن الصرف ~~ويريه بعض أحكام الصفة لأعلى حد الكمال. # المرتبة الثانية : داعي الصفات وذلك يدعوه إلى النظر إلى طلوع أقمار ~~الصفات من مشارق الذات ليذقه من كل صفة ذوقا ، ويستعين من عين كل صفة شرابا ~~ليكون كاملا في حمل موارد أنوار الذات ؛ فمن أجابه يقع في نور السماء ~~والنعوت فيطير بجنحي. # وذلك كلام الصوف المقرون خطابه بكشف الحقيقة من عين الذات يدعوه إلى ~~الفناء في كنه القدم وأزلية الذات وأبديته ؛ فمن أجاب سره وسر سره إلى ذلك ~~يقع في بحر طوالع شموس ، القدم وقدم القدم وأعمار الأبد وأبد الأبد ، ~~وينكشف له العين وعين العين ، وعجب العجب وغيب غيب الذات ؛ فيصير متصفا ~~بالذات والصفات بعد فنائه في الذات ، والصفات بنطقه بعد ms0776 ذلك نطق الأزل ~~وسمعه سمع الأزل وعينه عين الأزل ويده يد القدرة بقوله : بعد خروج هذا ~~العبد من رسوم العبودية إلى جلال الربوبية كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ؛ ~~فيؤيده عودة وجلال وجوده إلى معرفة نفسه بنفسه ، ثم يعرف نفس العبد للعبد ، ~~فيعرف الحق بالحق ويعرف نفسه بالحق بعد نسيان نفسه في الحق هذا معنى قوله : ~~من عرف نفسه فقد عرف ربه ، ثم وصف نفسه تعالى بإذعان الوجود بنعت التلاشي ~~بين يدي كبريائه. # بقوله : ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم ~~بالغدو والآصال ) يسجد له أهل الملكوت بعد أن شاهدوا عظمته وخوفه وإجلاله ، ~~ويسجد له الادميون والجن بعد أن شاهدوا أنوار ربوبيته ، فمنهم من سجد طوعا ~~لما كوشف له من أنوار جماله تعالى ؛ فيسجد ويخضع محبة وشوقا وعشقا ومعرفة ~~وتوحيدا ، ومنهم من سجد له كرها في مقام المجاهدة وتكليف العبودية ~~والمتابعة كرها لما لم يكشف له دواعي العشق والمحبة والشوق من الحق ومن ~~اللطف معاينة أن العشاق والمحبين يسجدون طوعا لأنهم في محل العبودية من ~~العشق والمحبة ، وأن أهل الكمال من العارفين والموحدين يسجدون له كرها لأنه ~~في مقام شهود الربوبية ، وهم في الحالين هناك في كرههم في السجود إحداهما ~~أن بعضهم عاين عين القدم وجلال الأزل والأبد ، ولا يرون سجود الحدثان يليق ~~بعزة الرحمن بل يرون الحدثين متلاشيين في أول بديهة سطوة جلاله ، وأن الخلق ~~والخليقة من خدمته وهو بعزته أعز من أن يقرب إليه أحدا بسجوده له. # والثاني : أن بعضهم شربوا في بحار الأزلية شربات الإنصاف والاتحاد ، ولكن ~~لم يكونوا PageV02P230 # كاملين في مقام الانفراد والاتحاد بالربوبية ؛ فيسجدون له كرها ، فإن ~~العبودية شرك في الربوبية ومن كمل منهم لا يكون حاله حال العبودية بل حاله ~~حال الربوبية من استغراقه في أحديته ، وليس هناك للعبودية أثر ، وسكران ~~التوحيد ينسلخ عنده علة الحدثين ؛ فالعبودية على من هو سكران غائب ، بل فان ~~عن الوجود في الوجود ، وأيضا الإنسان علم الصغير بالصورة ، وعالم الكبير ~~المعنى فصورته من أعلاها السماوات ، ومن أسفلها ms0777 الأرض ، ومن في السماوات ~~والأرض الروح والعقل والقلب والنفس وجنودهم ؛ فيسجد الأرواح طوعا عند كشف ~~الجمال روحا وأنسا ، وتسجد القلوب طوعا عند كشف الجلال إجلالا وتعظيما ، ~~ويسجد العقل طوعا عند كشف الالاء وأنوار الأفعال ذكرا وفكرا واعتبارا ، ~~وتسجد النفوس كرها عند كشف أنوار الجبارية والقهارية خوفا وخشية ، وذلك ~~لأنها خلقت أبده بما فيها من نظر القهر ونكرته ، ويسجد ظلال الأرواح ~~والقلوب ، وهي الأسرار الممكنة التي جعلها الله مرآته بحقائق العرفان ؛ ~~فيسجد الأسرار التي هي ظلالها عند طلوع شمس الألوهية من مشرق الأزلية ، ~~وغروبها في مغرب الأبدية ، وتوحيد أو فناء في بقائه ، واضمحلالا في قدم ، ~~وتسجد ظلال النفوس ، وهي هواها ، راغمت عند طلوع شموس القهريات كرها لكره ~~النفوس استسلاما وانقياد على جناب الربوبية. # قال الجنيد : العارف طوعا ، والمعرض كرها. # وقال : إذا نزلت به المصائب ذل ، وإذا جاء به الرخاء بل. # قيل : السجود على قسمين ، ساجد بنفسه ، وساجد بقلبه ؛ فسجود النفس معهود ~~، وسجود القلب من حيث الوجود ، وفرق بين من يكون بنفسه ساجدا ، وبين من ~~يكون بقلبه واجدا فأغرهم من جمع بين الوصفين فيكون ساجدا بنفسه وواجدا بقلبه. # ( قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء ~~لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي ~~الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله ~~خالق كل شيء وهو الواحد القهار (16)) # قوله تعالى : ( قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات ~~والنور ) أي : لا تستوي المطموس عين قلبه عن شهود مشاهدة القدم ورؤية أنوار ~~الأزل بمن يبصر بصر روحه بنور الحق جمال الحق على نعت السرمدية بلا غواشي ~~الطبيعة ومعارضة الخليقة ، ولا يستوي ارتفاع ظلمة دخان النفوس في معارك ~~العبودية بسطوع أنور الأرواح إلى صفائح القدس ، ينعت بنفسها في مجالس الأنس ~~، وأيضا من يبصر بنور الحق جمال الحق على نعت PageV02P231 # السرمدية بلا غواشي الطبيعة ومعارضة الخليقة ، ولا يستوي من يبصر رسوم ~~العالم برسوم العلم ، ولا يستوي نور وجوه العارفين ms0778 بما يبدوا من غيره القهر ~~عن وجوه المدعين. # قال أبو عثمان : لا يستوي من كحل بنور التوفيق وهدي لطريق الخدمة ، ومن ~~عمي عنها وحرم دونها ، أم هل تستوي من هو في أنوار التوفيق مع من هو في ~~ظلمات التدبير. # وقال أبو حفص الأعمى : حقا من يرى الله بالأشياء ولا يرى الأشياء بالله ، ~~والبصير من يكون فطرة من ربه إلى المكونات. # قال الأستاذ : من جملة الظلمات الركون في أوطانها التدبير ، ومن جملة ~~النور الخروج إلى ضياء شهود التدبير. # ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا ~~رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب ~~الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال (17) للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم ~~يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم ~~سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد (18) أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك ~~الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب (19) الذين يوفون بعهد الله ولا ~~ينقضون الميثاق (20) والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ~~ويخافون سوء الحساب (21) والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة ~~وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤن بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى ~~الدار (22) جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ~~والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (23) سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى ~~الدار (24) والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به ~~أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار (25) الله يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة ~~إلا متاع (26) ويقول الذين كفروا لو لا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله ~~يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب (27) الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ~~ألا بذكر الله تطمئن القلوب (28) الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم ~~وحسن مآب ms0779 (29)) # قوله تعالى : ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل ~~السيل زبدا PageV02P232 # رابيا ) شبه الله سبحانه أنزل الماء من السماء إلى الأودية بما ~~نزل من مياه بحار أنوار ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله إلى قلوب الموحدين ~~والعارفين والصديقين والمكاشفين والمشاهدين والعاشقين والمشتاقين والمحبين ~~والموقنين والمخلصين والمتعبدين والمريدين ، وكما يحتل الأودية بضعفها ، ~~وقوتها وضيقها ، وبسطها ماء المطر ، فكذلك تلك القلوب تحتمل مياه أنوار ~~قاموس الكبرياء من الذات والصفات والأوصاف والنعوت والأسماء والأفعال بقدر ~~حواصلها ، وأقدار استعدادها من المحبة والمعرفة والتوحيد ، وكما أن قطرات ~~الأمطار يكون في الأودية سيلا ؛ فتحمل المسيل زبدا وحثالة ، وما يكون مانعا ~~من جريان السيل في الأودية ؛ فكذلك يكون تواتر أنوار تجلي الحق يكون سيل ~~المعارف والكواشف ؛ فتسيل من جداول القلوب أنهار العيوب ، فتحتمل من أوصاف ~~البشرية ، وما دون الحق الذي يمنع القلوب من روية الغيوب ؛ فيذهب به عن ~~صحاري القلوب وقيعانها التي هي أصدافهم العالية في طلب جواهر الحكم من بحار ~~المشاهدة ، فتصير بعد ذلك صافية مقدسة من زبد الرياء والسمعة والشك والشرك ~~والنفاق والخواطر المذمومة ، فيبقى القلوب في بحر المشاهدة سابحة في نور ~~الأزل والأبد بلا علاقة ، ومانع من العرش إلى الثرى ، وذلك من بركة تجلي ~~مشاهدة الله سبحانه التي بدت من الحق بلا واسطة ولا سبب ، كما أن المطر ~~ينزل من السماء بلا سبب من أسباب الخلق ، ولا بعلة طلبهم بل محض فيض فياض ~~القديم الأزلي على الذي ارتضى برضاه من أهل رضوانه في الأزل ؛ فمياه تلك ~~البحار في أودية تلك القلوب ، بعضها من بحر الذات ، وبعضها من بحر الصفات ، ~~وبعضها من بحر الأسماء ، وبعضها من بحر الأوصاف ، وبعضها من بحر النعوت ، ~~وبعضها من بحر الأفعال ، فالذي من بحر الذات يجري في أودية قلوب الموحدين ~~والعارفين والمنفردين والمتجردين ، ويذهب بما في قلوبهم من أوصاف الحدوثية ~~، وينبت أوراق ورد الربوبية من هناك يدعون الاتحاد ، ويولهون في الانبساط. # وأما الذي من بحر الصفات ؛ فيجري على قلوب العاشقين والمحبين والمشتاقين ~~، ويذهب منها أوصاف النفوسية ، وحثالة الطبيعة ، وينبت فيها نرجس ms0780 الأنس ~~وياسمين القدس ، ومن هناك يدعون السكر والهيجان والمواجيد. # وأما الذي من بحر الأوصاف والنعوت ؛ فيجري على أودية قلوب الموقنين ~~والمشاهدين والمكاشفين ، ويذهب منها غبار الخطرات وزبد الهواجسات ، وينبت ~~فيها رياحين الدقائق والحقائق. # وأما الذي من بحر الأسماء ؛ فيجري على أودية قلوب المخلصين والمتعبدين ، ~~ويذهب منها وسواس الشيطان والميل إلى الحدثين ، وينبت فيها زهر الحكمة ~~والفطنة. PageV02P233 # وأما الذي من بحر الأفعال ؛ فيجري على أودية قلوب المريدين ، ويذهب منها ~~زبد الشهوات ، وينبت فيها شقائق المعاملات وعبر المراقبات ؛ فسبحان الذي خص ~~كل قلب من قلوب هؤلاء بمورد من موارد ألطافه ، ومشرب من مشارب أعطافه. # قال الواسطي : خلق الله ذرة صافية فلاحظها بعين الجمال فذابت حياء منه ، ~~فسألت ، فقال تعالى : ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ) ~~فصفاء القلوب من وصول ذلك الماء إليه وجمال الأسرار من نزول ماء ذلك ~~المشرب. # وقال ابن عطاء : ( أنزل من السماء ماء .... ) الاية. # فقال : هذا مثل ضربه الله للعبد ، وهو أنه إذا سال السيل في الأودية لا ~~يبقى في الأودية نجاسة إلا كنسها وذهب بها ، كذلك إذا سال النور الذي قسم ~~الله للعبد في نفسه لا يبقى فيه غفلة ولا ظلمة. # ( أنزل من السماء ماء ) يعني : قسمة النور ، ( فسالت ~~أودية بقدرها ): في القلوب الأنوار على ما قسم له في الأزل. # ( فأما الزبد فيذهب جفاء ) (1) فتلك النور يصير القلب منورا ، ~~فلا يبقى فيه جفوة ، و ( وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) يذهب ~~البواطيل ، ويبقى الحقائق. # وقال بعضهم : أنزل الله تعالى من السماء أنواع الكرامات ؛ فأخذ كل قلب ~~بحظه ونصيبه فكل قلب كان مؤيدا بنور التوفيق أضاء فيه سراج التوحيد ، وكل ~~قلب أيد بنور التوحيد أضاء فيه سراج المعرفة ، وكل قلب زين بنور المعرفة ~~أضاء فيه أنوار المعرفة ، وكل قلب قيد بنور المحبة أضاء فيه لهيب الشوق ، ~~وكل قلب عمر بلهيب الشوق أضاء فيه أنس القرب ، كذالك القلوب ينقلب من حالة ~~إلى حالة حتى تستغرق في أنوار المشاهدة ، وأخذ كل قلب بحظه ونصيبه إلى أن ~~تبدو الأنوار على ms0781 الشواهد من فضل نور السر. # ثم إن الله سبحانه ضرب مثلا آخر في تقديس أسرار معاملات العارفين بقوله : ~~( ومما PageV02P234 # يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب ~~الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض ) شبه أعمال الظاهر والباطن وما ينفتح بمفاتيحها من الغيب بجواهر ~~الأرض من الذهب والفضة وغيرها إذا أذيبا لاتخاذها الحلي ، وبين أن لها زبد ~~مثل أن لهما زبد ، ومثل زبد السيل في ذوبانهما ؛ فيذهب زبدها بعد إذابتهما ~~سريعا من غلبة النيران ، ويمكث في البوتقة أصلها الصافي ؛ فكذلك أعمال ~~الظاهر والباطن فيدخل في بوتقة الإخلاص التي تحتها نيران المحبة ؛ فيذهب ~~ماء الحظوظ ونظر الأغيار ، وبقى ما هو خالص لله ، وكذلك الخواطر فخاطر الحق ~~يبقى في القلب وخاطر الباطن يطير ولا يبقى ؛ لأن خاطر الحق من أثقال إلهام ~~الحق ؛ فيمكث في القلب خاطر الوسواس هذيان لا أصل له ؛ فيفنى سريعا من غلبة ~~أنوار المعرفة والمحبة. # قال ابن عطاء : ما كان من الأحوال صدقا ثبت في القلوب بركتها ، وما كان ~~غير ذلك فإنها لا تبق فيه خيرا. # قال الشبلي : احتملت القلوب من الزوائد على مقدار ما فتح الله عليها من ~~أنواع بره. # وقال بعضهم : القلوب أوعية وفيها أودية ؛ فقلب يسيل فيه ماء التوبة ، ~~وقلب يسيل فيه ماء الرحمة ، وقلب يسيل فيه ماء الخوف ، وقلب يسيل فيه ماء ~~الرجاء ، وقلب يسيل فيه ماء المعرفة ، وقلب يسيل فيه ماء الأنس ، وكل ماء ~~من هذه المياه ينبت في القلب نوعا القربة والقرب من الله عز وجل ، وبعد هذه ~~القلوب قلوب قاسية حرمة التوفيق ؛ فهي في ميادين الشقاق يخبطه إلى أن ~~يبلغها الله مقام الأشقياء. # ولي إشارة أخرى : أن الله سبحانه أوقد نيران المحبة في صميم الأرواح من ~~تأثير تجلي جماله ؛ فلما حميت الأرواح من حرق المواجيد تؤثر حرارتها في ~~القلوب ، فتلقي القلوب ما فيها من أنواع الشهوات ، ثم هاج فطرتها السليمة ~~إلى طلب الحق ومشاهدة ؛ فيتعرف من شدة التهاب نيران المحبة والشوق ms0782 ، ويصعد ~~عرفها من قارورة عرق الكواشف والمعارف إلى الأدمغة ؛ فيسيل ذلك العرق على ~~أودية العيون وصحاري الوجوه ؛ فما أطيب ذلك العرق ويا لها من طيبه ولذته. # كما قيل : كل جمرة فمن أنفاسهم قدحت ، وكل داء فمن عين لهم جاري. # ويقال : إن الأنوار إذ تلألأت في القلوب نفت الاثار الظلمة ؛ فنور اليقين ~~يفني ظلمة الشك ، ونور العلم يفني قمة الجهل ، ونور المعرفة يمحو أثر ~~النكرة ، ونور المشاهد يفني آثار البشرية ، وأنوار الجمع يفني آثار التفرقة ~~، وعند أنوار الحقائق يتلاشى آثار الحظوظ ، وأنوار طلوع الشمس من حيث ~~العرفان تفني صدفة الليل من حيث حسبان تأثير الأغيار. PageV02P235 # وقوله تعالى : ( أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو ~~أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب ) أشار سبحانه إلى قلوب أوليائه الذين ~~يسمعون بأسماع أرواحهم وقلوبهم وعقولهم وأسرارهم كلام الحق سبحانه من الحق ~~بلا واسطة ؛ فيعرفون مكان نزول القرآن على سيد المرسلين ، وإمام المتقين ~~صلوات الله عليه من الله سبحانه بمكان سماعهم كلام الحق من الحق ، ويعلمون ~~صدقه في رسالته بما شاهدوه من براهين صفات القدم ، ليسوا بمقلدين من حيث ~~طباعهم وإيمانهم الفطري ، إنما هو صفة أهل الظاهر من أهل التقليد الذين ~~سماهم العوام بانتسابهم إلى العمى ، ولا يعلم حقيقة ذلك إلا أهل النهى من ~~العارفين بقوله : ( إنما يتذكر أولوا الألباب ). # قال الشبلي : من استدل عليك بربه ليس كمن يستدل بك على ربه ، وليس من ~~تحقق بما أنزل إليك من جهة الحق كمن يحققه من جهتك وليس من شاهد جيء أن ~~الأشياء في الأزل كمن شاهده في وقت ظهوره. # وقال الأستاذ : أي : لا يستوي البصير والضرير ، والقبول بالوصلة ، ~~والمودة بالحجة ، والمؤهل للتقريب والمعرف للتعذيب. # ثم وصف العلماء بالله القائمون بشرط الوفاء مع عهد الأزل بقوله : ( ~~ الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ) عهد الله مع الصديقين ~~ما عاهد أرواحهم في مشاهدة الأزلية ، حيث عشقها بجمال وجهه فوفوا ميثاق ~~العشق بالعشق ، والعجب كيف يطيق العاشق أن ينقض عهد معشوقه ، وعشقه صار ~~روحه ، ومن يطيق أن يفارق ms0783 روحه ، فوفاؤهم معه لزومهم على جناب عزته بنعت ~~الفناء في عبوديته. # قال بعضهم : الموفون بعهدهم القائمون له على شروط العبودية من اتباع ~~الأمر والنهي. # قال ابن عطاء : لا ينقضون الميثاق الأول في وقت يلي أنه لا رب لهم غيره ~~فلا يخافون غيره ولا يرجون سواه ولا يسكنون إلا إليه ، ثم ناد سبحانه في ~~وصفهم بوصولهم مراده منهم في طاعته بقوله : ( والذين يصلون ما أمر ~~الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ) أي : الذين يصلون ~~بأسرارهم مشاهدته وقربته ، ويخشونه به حيث وقعوا بقلوبهم في بحر إجلاله ، ~~ويخافون من عتابه ودقائقه معهم في تغيير إياهم في حركات ضمائرهم ، بأن يميل ~~إلى غيره. # وقال ابن عطاء : الذين يديمون على شكر النعمة ومعرفته منه المنعم لدوام ~~النعمة إليهم PageV02P236 # وإيصالها لهم. # قال بعضهم : هم المتجاوبون في ذات الله. # قال الواسطي : الخشية منه حقيقة الخوف منه ومن غيره ، قال تعالى : ( ~~ ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ). # وقال بعضهم : الخشية مراقبة القلب ألا يطالع في حال من أحواله غير الحق ~~فيمقته. # قال ابن عطاء : الخشية سراج القلب ، والخوف آداب النفس. # وسئل أبو العباس بن عطاء عن الفرق بين الخوف والخشية ، قال : الخشية من ~~السقوط عن الدرجات الزلف ، والخوف من الحرق بدركات المقت. # وقال بعضهم : الخشية أرق ، والخوف أصلب. # وقال الأستاذ : الوفاء بالعهد باستدامة العرفان وبشرائط الإحسان ، والتقى ~~من ارتكاب العصيان ، ولي خاطر في الفرق بين الخشية والخوف ، أن الخشية مكان ~~العلم والمعرفة بالله بنعت إجلال جلاله وثمرته الحياء ، والخوف مكان محبته ~~المقرونة بعبوديته ، وثمرته الوفاء بعهد المحبة بنعت اضطراب الخاطر من حزن فراقه. # ثم زاد الله وصف القوم بالصبر في بلائه لأجل لقائه بقوله : ( ~~والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم ) صبروا عما دون الله بالله لله ، ولكشف ~~نقابه ، والنظر إلى وجهه ، وأيضا صبروا في الله فيما ورد عليهم من أثقال ~~موارد أسراره كتمانا بها العظم إحاطة أنوار أزليته على قلوبهم طمعا لوصولهم ~~، أي : إدراك كل الكل. # قال أبو عثمان : صبروا عن المناهي أجمع لا لخوف النار بل ms0784 بسبب النهي ~~وحرمة عظمة الله. # وقال بعضهم : هذا مقام المريدين أمروا أن يصبروا على أرادتهم وعلى ما ~~يلحقهم من الميثاق ، ولا يطلبوا الرفاهية ، ولا يرجعوا إليها ، ويكون ذلك ~~ابتغاء الحقيقة بصحيح الاراء. # ثم زاد في وصفهم بإقامة الصلاة وإنفاق أموالهم بقوله : ( وأقاموا ~~الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ) راقبوا الله وشاهدوه بتقديس ~~الأنفاس ، ويبذلون وجودهم ظاهرا وباطنا لله وفي الله. # ثم زاد وصفهم بقوله : ( ويدرؤن بالحسنة السيئة ) يدفعون بحسنة ~~مشاهدته ولذة محبته ولذيذ شوقه سيئة معارضة النفس ومتابعة الهوى. # قال الأستاذ : يعاشرون الناس بحسن الخلق ؛ فيبذلون الإنصاف ولا يطلبون PageV02P237 # الانتصاب إن غلبهم أحد بالجفاء قابلوه بالوفاء ، وإن أذنب عليهم قوم ~~اعتذروا عنهم ، وإن مرضوا عادوا غيرهم. # كما قيل : إذا مرضنا أتيناكم نفوركم وتذنبون ؛ فتأتيكم ونعتذر. # ثم وصف امتنانه عليهم بقوله : ( أولئك لهم عقبى الدار (22) جنات ~~عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ) الجنات بالتفاوت الجنة ~~مع العموم بساتين الملكوت ، وجنة الخصوص معاينة ذات الجبروت ؛ فإذا جلسوا ~~على كراسي جنة الملكوت يزورهم أخوانهم من الملائكة ويهنئهم بما فازوا وما ~~ظفروا بقوله : ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ) أي : من كل ~~أبواب الأهلية بينهم وبين الملائكة في مقام المعرفة والمحبة ، قال تعالى : ~~( سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) أي : سلامة دوام الوصال ~~وبركة أنوار جماله الحق عليكم ولكم إلى الأبد بلا انقطاع ولا هم أبدا بما ~~صبرتم في طول الشوق إلى جماله ، ونظركم في بلائه. # وقال بعضهم : سلام عليكم بما صبرتم معناه عما لنا. # ثم وصف الله أضدادهم بخروجهم من مكان عبوديته في اتباعهم هواهم بقوله ~~تعالى : ( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ) ميثاقه معهم لم ~~يكن مع شرط التوفيق ولو ساعدهم في العهد نور العناية لا يقدرون على نقض ~~العهد ؛ لأن الموفق بالتوفيق يكون محفوظا بعين رعايته عن كل خطر. # وقال أبو القاسم الحكيم : نقض العهد هو السكون إلى غير سكون إليه ، ~~والفرح بغير مفروح به ، ثم وصفهم بحب الدنيا والفرح بحياتها بقوله : ( ~~ وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة ms0785 الدنيا في الآخرة إلا متاع ) لا ~~يكون الفرح بالدنيا إلا لمن كان معزولا عن الفرح بمشاهدة الله ، ومن كان ~~فرحه بالله كيف يفرح بما دون الله ، وإن كان الجنة فإذا لم يفرح بالاخرة ~~فكيف يفرح بالدنيا ، والدنيا عند الاخرة كقطرة دم عند بحر الزلال. # قال الواسطي : الدنيا مدرة ولك منها غبرة ، ومن أسترته غبرة فهو أقل ~~مستحقا ، ومن ملكه جناح بعوضة أو أقل منه فلذلك قدرة. # وقال أيضا : لا تدعو الدنيا تفرقكم في بحارها وغرقوها في بحر التوحيد حتى ~~لا يجدوا منها شيئا. # وقال بعضهم : أخبر الله أن الدنيا في الاخرة متاع ، والاخرة أقل خطر في ~~جنب الحقيقة من خطر الدنيا في الاخرة. PageV02P238 # وقال أبو عثمان : هون الدنيا وحقرها في أعينهم لئلا يشق عليهم تركها ~~بقوله تعالى : ( قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ) قطع ~~أسباب إضلال أهل الضلال وعلق الهداية برجوع الراجعين إليه. # قال : يضل من يشاء في الأزل ويرشدهم طريق الإنابة إليه يضلهم عن مشاهدة ~~جماله ، ويهدي العارفين إلى مشاهدة وصله. # قال بعضهم : يضل من قام بنفسه واعتمد عليها من سبيل رشده ويهدي إلى سبيل ~~رشده من رجع إليه في جميع أموره ، وتبرأ من حوله وقوته. # وقال جعفر : يضل عن إدراكه ووجوده من قصده بنفسه ، ويوصل إلى حقائقه من ~~طلبه به ، ثم وصف الذين أنابوا به إليه حيث أبصروا ما برز من وجه نبيه ~~صلى الله عليه وسلم من أنوار الرسالة ، وأيقنوا حقائقه ولم يحتاجوا إلى آية ~~أخرى كطلاب البرهان من رسول الرحمن بقوله : ( الذين آمنوا وتطمئن ~~قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) بين سبحانه أن ذكر المؤمنين ~~مقرون بإيمانهم ؛ فامنوا بالغيب من حيث الاعتقاد بالغيب بما وهبه الله من ~~نور الإيمان وطمأنينة قلوبهم بذكر الله ، والله تعالى غيبهم آمنوا به ولم ~~يكونوا مطمئنين بإيمانهم بالله لكن مطمئنين بذكر الله فإيمانهم غيب أيضا ، ~~وذكرهم غيب ولو شاهدوه مشاهدة كشف صار غيبهم طمأنينة قلوبهم به ، وسقط عنهم ~~الذكر ؛ فأما ما دام لم يصلوا إلى ms0786 مشاهدة المذكور فاقترنت طمأنينة قلوبهم ~~بذاكره ، وذكره للمؤمنين على معنيين ، ذكر الظاهر على ضربين ، ذكرهما ~~اللسان ، وذكرهم الاذان ، وذلك عند سماعهم ذكر الله ، وهذا الذكر الذي من ~~طريق اللسان والسمع يزيد طمأنينتهم من حيث التربية والتواجيد وذكر الباطن ، ~~وذلك على حزبين أيضا ، ذكر قلوبهم قدرا الله وجلاله ، وذلك من قوله : رؤية ~~آلاء الله ونعمائه ، وتفكر في آياته وصنائعه ، وذلك كسب القلوب ، وما لم ~~يكن من الذكر مكتسبا ؛ فذكر الله قلوب أصفيائه ، وذلك يتعلق بواردات غيب ~~أنوار وجوده حيث انكشف لها وهو ذكر خالص إلهي بلا علة ولا سبب وخالص ~~طمأنينتها به وما سواه من الذكر ؛ فهو مغلول قال تعالى : ( ألا ~~بذكر الله تطمئن القلوب ) أو بذكره في نفسه إياهم وذكرهم له بعد ذكره لهم ، ~~فإذا كان الذكر يأتي من محل الإيمان فيتولد منه الرهبة والرغبة والوجل ~~والخوف والقلق والرجاء وحسن الظن. # وأما إذا كان ذكر الإيمان يكون من محل الإيقان أي : الذين أيقنوا مشاهدة ~~الله ولقائه فهم ذاكرون الله بنور إيقانهم في وجوده ونور الإيقان أشرق من ~~نور الإيمان ؛ فنور الإيمان كصبح الأول ونور الإيقان كصبح الثاني ، فأهل ~~اليقين في طمأنينة قلوبهم بذكر الله في رؤية أنوار لوائح الحضرة ولوامع نور ~~الإلهية ، فذكر قلوبهم بقدر وضع تلك اللوامع ، فإذا ذكرهم PageV02P239 # الله بكشف أنوار حضرته لهم تطمئن قلوبهم بذكره بعد طمأنينتهم بذكرهم ؛ ~~فيتولد من ذكرهم الصدق والإخلاص والتسليم والرضا والتوكل وخالص العبودية ، ~~وإذا كان معنى آمنوا شاهدوا الله يكون طمأنينة قلوبهم ها هنا بالله وكشف ~~وجوده ، وذلك مثل ذهاب الصبح برؤية طلوع الشمس. # فالأول : من الإيمان علم اليقين. # والثاني : من الإيقان عين اليقين. # والثالث : من مشاهدة الرحمن حق اليقين ، وفي مقام المشاهدة زال الذكر ~~والذكر باستيلاء أنوار عظمة المذكور ، وهنا ليس مقام الطمأنينة بل مقام ~~فناء القلوب والأرواح والعقول والعلوم والفهوم والأفكار والأذكار في عظمة ~~الملك الجبار ، ويتولد من هذا المحبة والوله والشوق والعشق والمعرفة والأنس ~~والتوحيد والتجريد والتفريد والفناء والبقاء ، ومعنى قوله : ( ألا ~~بذكر الله تطمئن القلوب ) وذكر القلوب يعني ms0787 بالله تطمئن الأرواح. # ومحل الذكر أربعة أشياء ، وذكر القلوب من رؤية الايات ، وذكر العقول من ~~رؤية الأفعال في الصنعيات ، وذكر الأرواح من رؤية أنوار الصفات ، وذكر ~~الأسرار من رؤية سبحات الذات ، وها هنا الذكر متصير ؛ لأن الذكر غير متناه ~~، فإذا رأى العارف مشاهدة صرف ذاتية فرديته على قدر وجوده ، وحاشا أنه محيط ~~بالديمومية والأزلية ، فما كان غير مكشوف له فهو مذكور وهو ذاكرة ، وإن كان ~~في مشاهدته فهذا الذكر في مشاهدة المذكور ، وهذا ذكر عجب ما عرفت طريقا في ~~المعرفة أدق من هذا ، ولا أعرف أحدا يشير إلى هذا المقام إلا قليلا من ~~كبراء القوم. # ولذلك قال سبحانه : ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) أي : إذا ~~رأوه وأرادوا زيادة كشف الذات والصفات ، وعلموا أنهم لم يروه بقدره ، ولو ~~رأوه بقدره فنوا فيه فيما لم يروه تطمئن القلوب لرجاء وصولهم إليه ، وذلك ~~الزيادة متصور ، وإن لم يتصور الإحاطة ، وأيضا معنى قوله : ( ألا ~~بذكر الله تطمئن القلوب ) ذكر الله لهم في الأزل بحسن اصطفائيتهم بولايته ~~ومعرفته ؛ فبقيت لهم تلك الطمأنينة إلى الاباد. # قيل : القلوب على أربعة أنحاء ، وقلوب العامة اطمأنت بذكر الله تسبيحه ~~حمده والثناء عليه لرؤية النعمة والعافية ، وقلوب الخاصة اطمأنت بذكر الله ~~، وذلك في أخلاقهم وتوكلهم وشكرهم وصبرهم فسكنوا إليه ، وقلوب العلماء ~~اطمأنت بالصفات ، والأسامي والنعوت ، فهم ملاحظون ما يظهر بها ، ومنها على ~~الدهور. # وأما الموحدون كالغرقى لا تطمئن قلوبهم بحال كيف تطمئن بذكر من حملوه أم كيف PageV02P240 # تطمئن بذكر من لم يؤمنهم بل خوفهم وحذرهم. # قال الحسين : من ذكره الحق تحير في أزله اطمأن إليه في أبده. # وقال النهر جوري : قلوب الأولياء مواضع المطالع ، وهي لا تحرك ولا تنزعج ~~بل تطمئن خوفا من أن يرد عليه مفاجأة مطالعة فتجده مترسما بسوء الأدب. # وقال الواسطي : هذه على أربعة ضروب : # فالأول : للعامة لأنها إذا ذكرته ودعته اطمأنت إلى ذكرها له فحظها منه ~~الإجابة للدعوات. # والثاني : إطاعته وصدقته ورضيت عنه فهم مربوطون في أماكن الزيادات اطمأنت ~~قلوبهم إلى ذلك فكانوا ممزوجين الملاحظة بشواهدهم ms0788 ومقصودي الطبائع برؤية ~~طاعاتهم. # والثالثة : أهل الخصوص الذين عرفوا الأسماء والصفات ، وعرفوا ما خاطبهم ~~الله به ؛ فاطمأنت قلوبهم بذكره لها ألا بذكرها له وبرضاه عنها لا رضاها عنه. # والرابعة : خصوص الخصوص ، وهم الذين كشف لهم عن ذاته وعلمهم علم صفاته ؛ ~~فأدرج لهم الصفات في الذات ، وأراهم أن ما تعرف إلى الخلق بأقدارهم وعلمهم ~~أخطارهم ؛ فعلموا أن سرائرهم لا يقدر أن تطمئن إليه ولا يسكن إليه ، ومن ~~كانت الأشياء في سره كذلك إلى ماذا يسكن ويطمئن؟ فلا يجد قلبه طمأنينة لقدر ~~المكان إليه ، كلما عادت الزيادة عليه رآها حجابا لا يستطيع بالبر والنعم ؛ ~~لأنها حجاب مستور وهباء منثور ، فإن عزمت الدخول في هذا المقام ؛ فاحتسب ~~نفسك وأعظم الله أجرك. # وقال الأستاذ : قوم اطمأنت قلوبهم بذكر الله في الذكر وجدوا سلوتهم ~~وبالذكر وصلوا إلى صفوتهم ، وقوم اطمأنت قلوبهم بذكر الله لهم ؛ فذكرهم ~~الله بلطفه ، وأثبت الطمأنينة في قلوبهم على وجه التخصيص لهم. # ويقال : إذا ذكروا أن الله ذكرهم استروحت قلوبهم واستبشرت واستأنست ~~أسرارهم ، قال الله تعالى : ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) تقريرا ~~لها على ما نالت بالله من الحياة. # قال بعضهم : قلوب أهل المعرفة لا تطمئن إلا بالله ولا يسكن إلا إليه ؛ ~~لأنها محل نظره قيل اطمأنت إليه لأنها لم تجد دونه موضع أنسه وراحته. # وقال الروذباري : اطمأنت إليه ؛ لأنه جللها بالنور وشحنها بالأنس والسرور ~~؛ فاطمأنت إليه ثم أنه سبحانه لم يقنع بذكر الإيمان منهم حتى قرنه بالعمل ~~الصالح بقوله تعالى : ( الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن ~~مآب ) أي : أبصروا بعيون أسرارهم أنوار آزال الازال ، وآباد الاباد وبها ~~وصل إليهم من نور الأحدية أيقنوا ما لم يصل PageV02P241 # إليهم منه بما وجدوا منه ، ثم اختاروه بما فيه أعمالهم بشرط فنائهم في ~~أوليته وآخريته ، وذلك عملهم الصالح فأخبر من جزائهم. # وقال : ( طوبى لهم وحسن مآب ) أي : شجر القدم وذات القديم جل ~~ثناؤه لهم ، وأغصان الصفات الأزلية الأبدية بشرط الكشف والمشاهدة مأوى ~~أسرارهم وصل شجر الذات بوصف التجلي أكناف أرواحهم ، وهناك حسن ماب قلوبهم ms0789 ، ~~وأيضا أي : طوبى لمن هذا حاله مع الله وحسن رجوعه منه إليه ، وطوبى لمن كان ~~عروس الأزل شاهد مجلسه طوبى لأعين قوم أنت بينهم فهن في نعمة من وجهك الحسن. # قال الجريري : طوبى لمن طاب قلبه مع الله لحظة من عمره ، ورجع بقلبه إلى ~~ربه في وقت من أوقات. # وقال الشبلي : طوبى لمن غاب عن حضرته ، وحضر في غيبته وأصبح وأمسى مراعيا ~~لسريرته. # وقال الجنيد : طاب أوقات العارفين بمعروفهم لذلك قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : «وطيب القلب من النعيم» (1). # قال ابن عطاء : في قوله : ( الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) صدقوا ~~ما ضمنت لهم من الرزق والعمل الصالح ما كان بريئا من الشرك والرياء والعجب. # قال الأستاذ : طابت أوقاتهم ؛ فطابت أنفاسهم. # ويقال : طوبى لمن قال أحق طوبى له ، ويقال : طوبى لهم في الحال ، ولهم ~~حسن الماب في المال. # ( كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي ~~أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه ~~متاب (30)) # قوله تعالى : ( قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب ~~) لما لم ير الحق سبحانه أهلا لرؤية وحدانيته ، وإدراك حقائق توحيده من ~~الخلق إلا سيد المرسلين صلوات الله عليه اختاره بالرسالة وإنشاء سر التوحيد ~~؛ فأمره أن ينزهه بلسان الحقيقة. # وقال : ( قل هو ربي لا إله إلا هو ) أثبت ربوبيته حيث رباه بنور ~~ذاته وصفاته ، ونفى غيره ولا غيره بالحقيقة دخل في بحر النفي ، بقوله : لا ~~ووصل إلى جواهر وجود القدم والهوية فدار بسره بين دائرة هو واضمحل عن ~~كينونية وجوده ؛ فتحرك سر طلب الأصل فيه ، PageV02P242 # وعرف أنه لا يدركه بنفسه ؛ فاستعان بالأزل في معرفة الأزل ، واستعاذ به ~~فقال : ( عليه توكلت وإليه متاب ) فلما عجز لكل عن حمل هذه المعاني ~~، وحمل السيد حمل جميعهم بالله صار من العالم غرض الكل ، لذلك قال : «لولاك ~~لما خلقت الكون» (1)، ولما قام مقام الكل فهو تعالى لم يبال بالكل ، وهذه ~~كما قيل : # وكنت ذخر أفكاري لوقت %~% فكان ms0790 الوقت وقتك والسلام وكنت أطالب الدنيا لحر %~% فأنت الحر وانقطع الكلام # ( ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به ~~الموتى بل لله الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى ~~الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من ~~دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد (31) ولقد استهزئ برسل من ~~قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب (32) أفمن هو قائم على كل ~~نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ~~أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله ~~فما له من هاد (33) لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم ~~من الله من واق (34)) # قوله تعالى : ( أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى ~~الناس جميعا ) عاتب المؤمنين بهذا القول أي : العتبى لهم بأن يطردوا من ~~رؤية ربهم إلى معادن الأرواح ليعرفوا أهل الاصطفائية ممن دونهم من أهل ~~الحجاب ، ولا يطيعون إلى إيمانهم ؛ فإن سر التقدير حري يمنعهم من مطالعة جماله. # قال الواسطي : هو على ما يقدر من تصحيح حكمه وأحكام قبضته ، ولا يبدل ~~القول لديه. # قوله تعالى : ( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) هو تعالى ~~قائم على كل نفس قدر قوتها حمل أثقال ربوبيته ، وأنوار عظمته وتربية جوده ~~وحفظه وعنايته ؛ فمن نفس قام عليه بفعله ، ومن نفس قام عليه بصفته من حيث ~~كشف الصفة لها وكشف نور الفعل لها ، ومن نفس قام عليها بالذات من حيث كشف ~~سبحات الذات لها ؛ فإن كسبت النفس عبوديته ؛ فهي في مشاهدة أنوار فعله ، ~~وإن كسبت النفس محبته ؛ فهي في رؤية أنوار صفاته ، PageV02P243 # وإن كسبت معرفته وتوحيده في رؤية سحاب أنوار ذاته ؛ فإن قصرت للنفس الأول ~~في عبوديته بالتفاتها إلى حظها أخذها الحق بعقوبة المجاهدة ، وإن قصرت ~~النفس الثاني في محبته بأنها استلذت محبته ، ووقفت باللذة عنه ms0791 أخذها الحق ~~بأن وقعها في بحر النكرة ، لكن الأخذ ها هنا الزيادة معرفتها لأنه سبحانه ~~مشفق على النفس العارفة ، وهو تعالى أخذ هذه النفوس قائم بنعت حفظ أنفاسها ~~في طلبها الحق. # قال الجنيد : بالله قامت الأشياء ، وبه فنيت ، وبتجليه حسنت المحاسن ~~وباستنارته قبحت وسمحت. # قال محمد بن الفضل : لا تغفل عمن لا ينفك عنك وراقبه ، وكن حذرا. # قال الله : ( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) ثم بين سبحانه ~~أن من لم يعرف المحيط بكل شيء القائم على كل نفس ممن دونه من الحدثان ، إن ~~ذلك من قهره عليه وتزيين كفره في عينه بقوله : ( بل زين للذين ~~كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد ) زين الله مكرهم ~~بمكره فيهم في الأزل في عيونهم حتى رأوه مستحسنا وهو من أقبح القبائح ؛ ~~لأنه موضع هلاكهم وصدهم عن معرفته وحسن مشاهدته ، وكيف يخلصون بمكرهم من ~~مكره ويعرف مساوئ مكرهم بعد أن زين الله مكرهم لهم ، قال تعالى : ( ~~ومن يضلل الله فما له من هاد ). # ( مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم ~~وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار (35) والذين آتيناهم ~~الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن ~~أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعوا وإليه مآب (36) وكذلك أنزلناه حكما عربيا ~~ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق (37)) # قوله تعالى : ( مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها ~~الأنهار أكلها دائم وظلها ) أي : صفة الجنة التي وعد المتقون ، وهو جنة ~~مشاهدة الذات تجري من تحتها أنهار الصفات ، ثمره ثمر أشجار الصفات والذات ~~للمتجردين عن الحدثين دائم بأنهم يعينونها بلا حجاب ، ويعيشون في ظلال ~~تجليها بلا غصة ولا حجاب ، تلك منازل أهل الأشواق إلى رؤية الملك الخلاق ~~المتبرئين من الشرك والنفاق. # قوله تعالى : ( قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه ~~أدعوا ) مادام في حيز الحدوثية ms0792 ، وإن رأى ما رأى عليه من أنوار الربوبية ~~ووفق عليه بألا يلتفت إلى ما بدا في نفسه PageV02P244 # من أنوار الربوبية ، ويستقيم في حال العبودية ؛ فإن الربوبية في العبودية ~~مكر الحقيقة ، ومن نظر من العبودية إلى الربوبية في نفسه فقد أشرك ؛ لأنه ~~مخدوع بالله عن الله. # سئل أبو حفص عن العبودية ، قال : ترك كل مالك ، وملازمة ما أمرت به. # وقال أبو عثمان : العبودية اتباع الأمر على مشاهدة الأمر. # وقال ابن عطاء والجنيد : لا يرقى أحد من درجات التوحيد حق يحكم فيما بينه ~~وبين الله أوائل البدايات ، وأوائل البدايات هي الفروض الواجبة ، والأوامر ~~الزكية ، ومطايا الفضل ، وعزائم الأمر ، فمن أحكم على نفسه هذا من الله ~~عليه بما بعده. # قال الله تعالى : ( وكذلك أنزلناه حكما عربيا ) أي : بينا حكم ~~عربيا يا عربي ، وذلك الحكم ما حكمنا في الأزل بأنك خير البرية ، وأعطيناك ~~استعداد قبول تخلقك بخلقنا واتصافك بصفاتنا ، فإذا اتصفت بصفتنا رأيتنا بنا ~~وخرجت في مشاهدتنا من الالتفات إلى غيرنا من العرش إلى الثرى ؛ فوصفناك في ~~كتابنا بقولنا : ( ما زاغ البصر وما طغى ) فتجريد توحيدك حكم عربي ~~بيناه منك لأمتك ؛ ليتصفوا بصفاتك ويتخلقوا بخلقك ، ( وإنك لعلى ~~خلق عظيم ) حيث تخلقت بخلقنا. # قال بعضهم : أحكام العرب السخاء والشجاعة ، وهما من عرى الإيمان. # قال الحسين بن الفضل : في هذه الاية تصحيح حكم القيافة ؛ لأنه لا حكم ~~ينفرد به العرب إلا حكم القيافة. # ( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان ~~لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب (38) يمحوا الله ما يشاء ~~ويثبت وعنده أم الكتاب (39) وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما ~~عليك البلاغ وعلينا الحساب (40)) # قوله تعالى : ( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا ~~وذرية ) وصف سبحانه تمكين نبيه صلى الله عليه وسلم في رسالته ، كما وصف الرسل ~~بالتمكين ؛ حيث لا يغيره صفات البشرية عن أسرار ما وجد من الله من حقائق ~~القربة والمحبة ، بل الأزواج والذرية كانت له صلى الله عليه وسلم معينة في ms0793 بحر ~~سكره ، ولولا قسمته أبحر نسبوته متعلقة من تحت سفينة نبوته في بحار محبته ~~ومعرفته ، لطارت تلك السفينة بصرصر رياح الأزل في هواء الأبد ، ولبقى ~~الحدثان بلا عروس الرحمن ، ولم يظفر أحد بحقائق الإيمان. PageV02P245 # ألا ترى كيف قال عليه السلام من رأس سكره : «كلميني يا حميراء» (1)، وذلك ~~لأن الله أراد بقاءه بين الخلق ليرحمهم ، ويتجاوز عن سيئاتهم ولا يعذبهم ~~ببركته. # قال الله : ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) وأعلم الجهال ~~بهذه الاية أنه إذا شرف وليا وصديقا بولايته ومعرفته ، لم يضر به مباشرة ~~أحكام البشرية من الأهل والولد ، ولم يكن بسط الدنيا له قدحا في ولايته. # قال محمد بن الفضل : جعلنا لهم أزواجا وذرية ، فلم يشغلهم ذلك عن القيام ~~بأداء الرسالة ونصيحة الأمة وإظهار شرائع الدين. # ويقال : أن من اشتغل بالله فكثرة العيال وتراكم الاشتغال لا يؤثر في حاله ~~ولا يضره ذلك من وجه. # ثم بين سبحانه أن آيته ومعجزته وكرامته خارج عن تصرف الخلق وتعللهم ، وإن ~~كان نبيا أو صديقا أو ملكا ، بقوله : ( وما كان لرسول أن يأتي بآية ~~إلا بإذن الله ) حسم أطماع المريدين عن طلب الكرامات بالمجاهدات ، ومنهم من ~~التمسها عن المشايخ ، ثم بين سبحانه أن أوان ذلك بأجل معلوم في وقت معروف ، ~~بقوله : ( لكل أجل كتاب ) لكل مقام ومرتبة من مراتب العارفين لها ~~زمان عند الله سبحانه ، لا ينالها أحد قبل بلوغه إلى ذلك الوقت إلا بعد أن ~~يكون مصطفى في الأزل بالدرجات والكرامات. # ألا ترى إلى قوله سبحانه : ( ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما ) ~~وأيضا لكل كشف من صفاته وذاته وقت في مراد الله من أوليائه ، وذلك الكشف من ~~العيون الصفات والذات لا يكون للعارف إلا ويكون في قلبه شأن محو صفة من ~~البشرية ، وإثبات صفة من العبودية وزيادة نور في إيمانه وعرفانه بالربوبية ~~، أيضا لكل مقدر في الأزل في قضية مراد الله من الربوبية والعبودية والنعمة ~~البلية وقت معلوم في علم الله لا يأتي إلا في وقته. # قال جعفر الصادق في قوله : ( لكل أجل ms0794 كتاب ) للرؤية وقت. # وقال ابن عطاء : لكل بيان ولكل لسان عبارة ، ولكل عبارة طريقة ، ولكل ~~طريقة أهل ، فمن لم يميز بين هذه الأحوال فليس له أن يتكلم بالعرف والحقائق ~~، وعلم هذه الطائفة ومفهوم الإشارة إخبار الحق عن الصفتين الأزليين ، وهما ~~الإرادة والعلم ، أي : إرادة في إنفاذ القضاء علم في ذاته في كيفية وقوع ما ~~أراد وقوعه من أمور الربوبية ؛ فالكتاب علم ذاته يثبت إرادته في علمه ما ~~يشاء ، يمحو ما يشاء من القضاء والقدر ، فبقي الكتاب كما كان في الأزل ، PageV02P246 # وبقيت الإرادة كما كانت في الأزل ويتغير أحكام المقضيات والمقدورات ~~للعباد بالعلم والإرادات ، # بقوله : ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت ) يمحو بإرادته القديمة من ~~نفوس المريدين صفات البشرية ويثبت في قلوبهم صفات الروحانية ، ويمحو من ~~قلوب المحبين معارضة الامتحان ، ويثبت في أرواحهم حقيقة نور الإيقان ، ~~ويمحو عن أسرار العارفين أوصاف العبودية ، ويثبت فيها أوصاف الربوبية ، ~~وأيضا يمحو عن ألواح العقول صورة الأفكار ، ويثبت فيها نور الأذكار ، ويمحو ~~عن أوراق القلوب علوم الحدثان ، ويثبت فيها لدنيات علم العرفان ، وأيضا ~~ويمحو عن أرواح الصديقين أعلام المرسومات المكتبات ، ويثبت فيها نوادر ~~الإلهيات في حقائق المراقبات ، وأيضا يمحو عن عيون العقول شواهد الايات ، ~~ويريها أنوار الصفات ، وأيضا يخفي في القلوب أثار الصفات ، ويبدئ لعيونها ~~أنوار الذات ، وأيضا يمحو بفضله خاطر الوسواسية والهواجسية عن قلوبهم ~~الخاصة ، ويثبت فيها خواطر حقائق المعرفة ، وإذا كان أسرار أهل التوحيد في ~~بحر التجريد بنعت التفريد سائحة فيغرقها الحق في بحار نكرات القدم تارة ، ~~تبحيرها وفنائها ويغرقها في بحار معرفة الأزلية ببقائها مع الحق ومشاهداته ~~، فالفناء حق القدم يغلب على البقاء ، والبقاء حق الأبد فيغلب على الفناء ، ~~وذلك من بدء نور الذات في الصفات ، وبدء نور الصفات في الذات ، لتلك ~~الأسرار والصفات والذات أصل تلك الغرائب والعجائب بقوله : ( وعنده ~~أم الكتاب ) أم الكتاب المقدورات في الأفعال والصفات ، وأم الكتاب الصفات ~~والذات ؛ لأن الكل منه بدأ وإليه يعود ، فما كان في كتاب الأفعال من ~~القدريات يمحوه ويثبته ، وما كان في الذات والصفات ms0795 منزه عن المحو والإثبات ~~، فكل متبدل ؛ فمن أم الكتاب يتبدل من المقدورات ، وكل محو ينهي ، فمن أم ~~الكتاب ينهي. # قال الواسطي : منهم من جذبهم الحق ومحاهم عن نفوسهم بنفسه ، فقال : ( ~~ يمحوا الله ما يشاء ويثبت )، فمن فني عن الحق بالحق قيام الحق ~~بالحق فني عن الربوبية فضلا عن العبودية. # وقيل : يمحو الله ما يشاء من شواهده حتى لا يكون على سره غير ربه ، ويثبت ~~من يشاء في ظلمات شاهده حتى يكون غائبا أبدا عن ربه. # وقال ابن عطاء : يمحوا الله ما يشاء عن رسوم الشواهد والأعراض ، وكل ما ~~يورد على سره من عظمته وحرمته وهبته ولذعات أنواره ، فمن أثبته فقد أحضره ، ~~ومن محاه فقد غيبه والحاضر مرجوعه لا يعدوه ، والغائب لا مرجوع له ، يعدوه ~~أو لا يعدوه. # قال الواسطي : يمحوهم عن شاهد الحق ويثبتهم في شواهدهم ، ويمحوهم عن PageV02P247 # شواهدهم ويثبتهم في شواهد الحق ، يمحوا اسم نفوسهم عن نفوسهم ، ويثبتهم برسمه. # قال ذو النون : العامة في قبض العبودية إلى أبد الابد ، ومنهم من هو أرفع ~~منهم درجة غلبت عليهم مشاهدة الربوبية ، ومنهم من هو أرفع منهم درجة جذبهم ~~الحق ، ومحاهم عن نفوسهم ، وأثبتهم عنده ، لذلك قال : ( يمحوا الله ~~ما يشاء ويثبت ). # وقال سهل : يمحو الله ما يشاء ويثبت الأسباب ، وعنده أم الكتاب القضاء ~~المبرم الذي لا زيادة فيه ولا نقصان. # وقال ابن عطاء : يمحو الله أوصافهم ويثبت بأسرارهم ؛ لأنها موضع ~~المشاهدة. # وقال الشبلي : يمحوا ما يشاء من شهود العبودية وأوصافها ، ويثبت ما يشاء ~~من شهود الربوبية ودلائلها. # وقال بعضهم : يمحو الله ما يشاء يكشف عن قلوب أهل محبته أحزان الشوق إليه ~~، ويثبت بتجليه لها السرور والفرح. # قال جعفر : الكتاب الذي قدر فيه الشقاوة والسعادة لا يزاد فيه ولا ينقص ، ~~( ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد (29)) [ق : 29]. # ويقال : يمحو العارفين بكشف جلالهم ، ويثبتهم في وقت آخر بلطف جماله. # وقال الأستاذ : المشية لا يتعلق إلا بالحدوث والمحو ، والإثبات لا يكون ~~إلا من أوصاف الحدوث ، وصفات الحق سبحانه من كلامه وعلمه لا ms0796 تدخل تحت المحو ~~والإثبات ، وإنما يكون المحو والإثبات من صفات فعله ، وقيل يمحوا الله عن ~~قلوب مريديه همم الإرادات ، ويرتقي بهم إلى أعلى الدرجات. # قال الواسطي : يمحو ما يشاء عن رسمه ما أثبته في وسمه ، ويمحو ما يشاء عن ~~وسمه ، وهم الأولياء وخاصة. # ( أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا ~~معقب لحكمه وهو سريع الحساب (41)) # قوله تعالى : ( أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها )، ~~وظاهر الاية معروف بفتح الأمصار لأهل الإسلام ، ولكن فيه إشارة عجيبة أنه ~~تعالى إذا أراد بجلاله أن يزور عارفا من عرفائه ومحبا من أحبائه تجلى من ~~ذاته وصفاته له ؛ فيقع أثار تجليه بنعت العظمة والكبرياء على الأرض فتروي ~~الأرض من هيبة جلاله حتى تصير كخردله ، وذلك من غيبة من الخلق ، قال الله ~~تعالى : ( وأشرقت الأرض بنور ربها ) يا ليت للعاشقين لو يرون ذلك PageV02P248 # لطاروا من الفرح به. # كما قيل : لو علمنا أن الزيادة حق لغرسنا الطريق بالياسمين ، وأيضا ~~ينقصها من أطرافها ؛ لأن أوليائه وأوتاده في أطراف الأرض ، فإذا قبضهم نقص ~~أطراف الأرض بقبضهم عنها. # ألا ترى إلى قوله عليه السلام : «في آخر الزمان لا يبقى صاحب موافق إلا في ~~أطراف الأرض ، وكل واحد منهم في كل يوم أجر مائتي شهيد ، وإذا أراد خراب ~~الأرض أوى أولياؤه إليه ، منها ليهلك أهلها بعدهم ؛ لأن دعاءهم وبركتهم ~~أثبت أهل الأرض في عوافي ذلك من غيرة الله ، ولا مدفع لغيرته» (1) بقوله : ~~( والله يحكم لا معقب لحكمه ). # قال محمد بن علي : تخرب الأرضين بذهاب أهل الولاية من بينهم ؛ فلا يكون ~~لهم مرجع على ولي في نوائبهم ومحنهم ويتواتر عليهم المحن والنائبات ، فلا ~~يكون فيهم من يكشف الله عنهم بدعائه فتخرب. # وقال أبو عثمان : هم الذين ينصحون عباد الله ، ويحملونهم على طاعة الله ، ~~فإذا ماتوا مات بموتهم من يصحبهم. # وقال أبو بكر الشاشي : شيء يسبغ عليهم الرزق ، ويرفع عنهم البركة. # وقال ابن عطاء في قوله : ( لا معقب لحكمه ) أحكام الحق ماضية على ~~عباده فيما ساء وسر ونفع ms0797 وضر ، فلا ناقض لما أبرم ولا مضل لمن هدى. # وقال الأستاذ في قوله : ( أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها ) في كلام أهل المعرفة بموت الأولياء. # ويقال : هو ذهاب أهل المعرفة حتى إذا جاء مسترشد في طريق الله لم يجد من ~~يهديه إلى الله. # ( وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس ~~وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار (42)) . # قوله تعالى : ( فلله المكر جميعا ) كل قصاراه منتهى ؛ لأنه سقط ~~في عكره ومكره قائم على كل مسكر وله فعل لا بكل قوم مكر ؛ فمكره بالمريدين ~~أن يزين لهم أعمال الطاعات ويجعلهم مسرورين بها ، ومكره بالمحبين سكونهم ~~إلى راحات مواجيدهم ؛ فيجعلهم مستلذين بها فيصيروا محجوبين عما راؤها من ~~مكاشفات جمال الحق ، ومكره بالعارفين أن يوقفهم على PageV02P249 # ما وجدوا ، حتى ظنوا أنهم واصلون إلى الكل ، ومكره بالموحدين أن يغرقهم ~~في بحر البقاء ، ومشاهدة الأبدية ولا يطوق عليهم سطوات عزه القدم التي توجب ~~الفناء في النكرة ، والفناء في نكرة النكرة ، ومن ثم في بحر النكرة ؛ فمكره ~~أياسه من الرجوع إلى البقاء المذكور ، والكل في مكره ، ومكرهم من مكره ، ~~ومكره وراء مكرهم يحتالون أن يخرجوا من مكره بمكرهم ، ولا يخرجون من مكره ~~إلا بمكره. # قال الحسين : لا مكر بين من مكر الحق بعباده حيث أو همهم أن لهم سبيلا ~~إليه بحال ، وللحدث اقتران مع القديم في وقت ، والحق بائن وصفاته بائنة إن ~~ذكروا فبأنفسهم ، وإن شكروا فلأنفسهم ، وإن أطاعوا فلنجاة أنفسهم ، ليس ~~للحق منهم شيء بحال ؛ لأنه الغني القهار. # قال ابن عطاء : المكر حقيقة ما مكر بهم الحق حتى توهموا أنه يمكرون ولم ~~يعرفوا أنهم مكر بهم ، حيث سهل عليهم سبيل المكر. # ( ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ~~ومن عنده علم الكتاب (43)) # قوله تعالى : ( قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم ~~الكتاب ) في الاية إشارة عجيبة ، أي : لو يطالبون شهيد بيني وبينكم بصدق ~~رسالتي ؛ فانظروا فإني موضع شهود جمال الحق ، فإن ترونني بعين الحقيقة ms0798 ترون ~~جلاله وجماله وبهاءه في مرآة وجهي ؛ فشهود تجليه شاهدي ، وأيضا شاهدي من ~~هذا حاله من الأولياء والصديقين ، ومن عنده ينكشف علم ذاته وصفاته وتصديق ~~ذلك إشارته صلى الله عليه وسلم بقوله : # «من رآني فقد رأى الحق ، ومن عرفني فقد عرف الحق» (1). # وأيضا ( ومن عنده علم الكتاب ) يعني : علم إشارات الله من أزله ~~في كتابه ، يعني لطائف الحروف المتشابهة المشيرة إلى دقائق أسراره وملكوته ~~وحقائق جبروته ، أي من علم الكتاب ولهم سر الخطاب بلا واسطة من حيث الكشف ~~والإلهام والمشاهدة والكلام ، متحققا في هذه مشاهدته وشاهدته وشاهد آيات ~~رسله نائب أنبيائه وسفير الحق إلى خلقه ، له لسان العجائب من علوم الإلهية ~~وغرائب حقائق الربوبية ، وله لسان الخصوص من المعرفة والتوحيد ، وله لسان ~~خصوصية الخصوصية من بيان النعوت والأسماء والأوصاف والصفات وأبناء الغيب ، ~~وغيب الغيب والفراسات الصادقة ، والايات الواضحة. PageV02P250 # قال عليه السلام في وصفهم : «إن في أمتي محدثين مكلمين ، وإن عمر منهم» (1). # وله لسان العموم في علم المقامات من الصدق والإخلاء ، والفرق بين الإلهام ~~والوسواس والرياضات والمجاهدات وبيان عيوب النفس ومداواتها ، وهو لسان الحق ~~في العالم إذا نطق نطق الحق ؛ لأن الحق نطق به. # قال سهل : الكتاب عزيز ، وعلم الكتاب أعز ، والعمل بعلمه عزيز ، والإخلاص ~~في العمل أعز ، والإخلاص عزيز ، والمشاهدة في الإخلاص أعز ، والمشاهدة ~~عزيزة ، والموافقة في المشاهدة أعز ، والموافقة عزيزة ، والأنس في الموافقة ~~أعز ، والأنس عزيز ، وأدب محل الأنس أعز. # *** ### | سورة إبراهيم # بسم الله الرحمن الرحيم # ( الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ~~ربهم إلى صراط العزيز الحميد (1) الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ~~وويل للكافرين من عذاب شديد (2) الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ~~ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد (3) وما أرسلنا من ~~رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز ~~الحكيم (4)) # ( الر ) في الألف ثلاثة أحرف ألف ولام وفاء ، والإشارة فيها إلى ~~ألفته لقلوب أوليائه ، واللام لام الولاية ، كأنه ms0799 أليف أوليائه ، والراء ~~إشارة إلى رحمة السابقة في اصطفائيته ، كأنه قال بالألف إنا ، وباللام ~~الأزل ، أي أنا في الأزل رحمة أوليائي واصطفيتهم لرؤية جمالي وراحة وصالي ~~لهذه الصفات التي سبقت في اصطفائيته واصطفائيته أمرك وأخبرتك ومحبة أمتك ، ~~وما أخبرت بإشارة ( الر ). # ( كتاب ) إن هذا كتاب مجتبي ، ( أنزلناه إليك ) لتعلم ~~فضيلتك وفضيلة أمتك ، ( لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ) إذا ~~عرفناهم سبق عنايتي لهم تخرجهم بنور PageV02P251 # كلامي وأخباري عن كرمي ورحمتي عليهم عن ظلمات طبيعتهم ، وغواشي غفلتهم ~~إلى سعة فضاء كرمي ونور بسطي وانبساطي ، وأيضا تخرجهم من ظلمات الظنون إلى ~~نور اليقين ، وأيضا من ظلمات العدم إلى أنوار القدم ، ومن ظلمات النفس ~~الأمارة إلى نور المشاهدة ، ومن ظلمات المجاهدة إلى نور المكاشفة ، ومن ~~ظلمات رؤية غيري إلى نور رؤية قربي. # قال جعفر في قوله : ( كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس ) (1): عهد ~~خصصت به فيه بيان سالف الأمم ونجاة أمتك ، أنزلناه إليك لنخرجهم من ظلمات ~~الكفر إلى نور الإيمان ، ومن ظلمات البدعة إلى أنوار السنة ، ومن ظلمات ~~النفوس إلى أنوار القلوب. # قال أبو بكر بن طاهر : من ظلمات الظن إلى أنوار الحقيقة. # قال أبو حفص : الظلمة رؤية الفعل والنور رؤية الفضل. # قال الأستاذ : من ظلمات الجهل إلى نور العلم ، ومن ظلمات التدبير إلى ~~فضاء شهود التقدير ، ومن ظلمات التفرقة إلى أنوار الجمع ، ثم إخراج الهداية ~~من علة الكسب بقوله تعالى : ( بإذن ربهم ) ثم بين ذلك النور بأن ~~هذا ( إلى صراط العزيز الحميد ) وهو طريق العبودية الذي اصطفاه ~~الحق لعرفان الربوبية على قدرهم لا على قدره ؛ فإنه عزيز ممتنع عن مطالعة ~~الحدث حقائق قدمه ، وهو محمود في أفعاله وذاته وصفاته بألسنة أحبائه بما ~~أنالهم عبوديته وهداهم إلى ربوبيته. # ثم وصف نفسه بالألوهية التي بدأ منه الكل وإليه يرجع الكل ، وما كان وما ~~سيكون ، وما هو حاضر من الملك والملكوت في تصرفه وتدبيره ، يهدي فيه ويهدي ~~به ، وبما فيه من دلائل صنعه وربوبيته عافيه إلى مشاهدة جلاله وعظيم ~~كبريائه بقوله : ( الله الذي له ما في ms0800 السماوات وما في الأرض ) فيه ~~إشارة إلى أحبائه أي أن الكون وما فيه لي من أراد ذلك ؛ فليسأل مني لا من ~~غيري ، ومن أرادني فلا يلتفت إلى مالي. # قال الواسطي : الكون كله له ، فمن طلب الكون فإنه المكون ، ومن طلب الحق ~~وحده سخر له الكون بما فيه. # قوله تعالى : ( الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ) وصف ~~الله المرائين الذين PageV02P252 # يؤثرون جاه الدنيا ورياستها على طلب الولاية وشرفها ، ويصدون المريدين عن ~~طريق القاصدين إلى الله ويصرفون وجوههم إليهم ( أولئك في ضلال بعيد ~~) في ظلمات القهر ولا مخرج لهم منها أبدا. # قال أبو علي الجوزجاني : من أحب الدنيا حرم عليه طريق الاخرة ، ومن طلب ~~الاخرة حرم عليه طلب طريق نجاته ، ومن طلب طريق النجاة حرم عليه الوصول إلى ~~التفضل. # قوله تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ) ~~لكل نبي وصديق اصطلاح في كلام المعرفة ، وطريق المحبة مع قومهم فيعرفهم ~~طريق الحق باصطلاحهم الذي يعرفه قومه وأصحابه تسهيلا لسلوكهم وتيسيرا ~~لإدراكهم ولو تكلموا بلسان الحق والحقيقة لم يعرفوا ذلك فهلكوا ؛ فيفتح تلك ~~الحقائق لمن يشاء من المريدين ، ويحجب من يشاء منهم عنها غيره عليها بقوله ~~تعالى : ( فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ). # ( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور ~~وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (5) وإذ قال موسى لقومه ~~اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون ~~أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (6)) # قوله تعالى : ( وذكرهم بأيام الله ) فيه إشارة أن أيام القدم ~~وأيام البقاء ، أيام القدم أولية الأولية المنزه عن دهر الدهار ، والزمن ~~الأثار ، كان في كان قبل كان وكما كان فيما كان الان ؛ فعشق بنفسه على نفسه ~~، وكان عروس نفسه ولم يكن في كان إلا كان ؛ فمضى على كان أيام قدم كان بلا ~~عشق ملهوف ، ولا محب معروف ، ولا حيران سكران ، ولا عارف مكاشف ، ولا مؤنس ~~مستأنس يتمتعون بجمال القدم في ms0801 القدم فيا ويلتا من وصال فائت منا ، وجمال ~~غائب عنا تذكرت أياما ودهرا صالحا ؛ فبكيت حزنا فهاجت حزني. # وأما أيام البقاء آخرية الاخرية بلا مرور الحدثان ولا علة الأكوان ~~والأزمان بقاء سرمدي وجمال أحدي ووصال أبدي ويبقى لشهود عشاقه ومطالعة جمال ~~أهل أشواقه كأنه قال ذكرهم أيام القدم ليفنوا حسرة على ما فات عنهم. # على ما فات أبكي من حياتي %~% وأيام مضت في النزهات وذكرهم أيام البقاء ليبقوا %~% من فرح وجد إنها أبدا دنا وصال الحبيب واقتربا %~% وأطربا للوصال وأطربا PageV02P253 # وأيضا أي : ذكرهم أيام وصال الأرواح في عالم الأفراح ، حيث كاشفت قناع ~~الربوبية عن جلال وجد الصمدية لها حتى عشقت بجمالي وبقيت في وصالي وذاقت ~~طعم محبتي من بحر قربتي ما أطيبها ، وما ألذها حين كلمتها بعزيز خطابي ، ~~وعرفتهم حقائق جمالي ، فقلت : ( ألست بربكم ) [الأعراف : 172] من ~~غاية محبتي وشوقي لها ، قالوا : بلى من شوقي ومحبتي أين تلك الأرواح حيث ~~باعدت من مزار الوصال ، وأيام الكشف والجمال ؛ ليذكروا زمان الصفاء ولطائف ~~الوفاء ؛ ليزيدوا شوقا على شوق ، وعشقا على عشق. # وكانت بالعراق لنا ليالي %~% سلبناهن من ريب الزمان جعلنا من تاريخ الليالي %~% وعنوان المسرة والأماني # وأيضا ذكرهم سرور مشاهدتي وخوفيهم عن مقاطعتي ؛ فإن شأنهما عظيم وخطرهما جسيم. # نهايات راحات النفوس وصالها %~% وغايات لذات العيون لقاؤها واشوقاه إلى تلك الأيام الصافية عن كدورة البشرية %~% واشواقاه إلى أيام ~~كشف النقاب بلا علة العتاب كان لي مشرب يصفو برؤيتكم %~% فكدرته يد الأيام حين صفا # ثم بين سبحانه أن فوت أيام القدم رزية عظيمة لكل صبار في الفراق ، وإن ~~رجاء وصول أيام البقاء سرور عظيم لكل شكور أنعام المشاهدة والمعرفة بقوله : ~~( إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ). # قال بعض المشايخ : ذكرهم بأيام الله وهي ما سبق لأرواحهم من الصفوة ~~وتعريفه التوحيد قبل حلولها في الأشباح. # سقيا لها ولطيبها ولحسنها وبهائها %~% أيام لم يلح النوى بين العصا ولحافها # ويقال : ذكرهم الله بأيام الله هي أيام التي كان العبد فيها في كتم العدم ~~، والحق يقول بفعله الأزلي ms0802 عبادي ولم يكن للعبد عين ولا أثر ولا للمخلوق ~~منه خبر ، حين لا وفاق بعد ولا شقاق ولا وفاء ولا جفاء ولا جهد للسابقين ~~ولا عناء ولا ورد للمقتصدين ولا بكاء ولا ذنب للظالمين ولا التواء ، كان ~~متعلق العلم ، متناول القدرة ، مقصورا الحكم على الإرادة ، ولا علم له ولا ~~اختيار ولا زلة ولا أوزار ، إن في ذلك لايات لكل صبار شكور. PageV02P254 # قال الأستاذ : الصابر غريق المحن لكنه راضي بحكمه ، لذيذ العيش بسره ، ~~وإن كان مستوجبا لرحمته عن خلقيه ، والشكور غريق المنن ، لكنه محجوب بشهود ~~النعم عن استغراقه في ظهور حقه ، بل هذا واقف مع صبره ، وهذا واقف مع شكره ~~، وكل ملازم بحده وقدره ، والله غالب على أمره مقدس في نفسه متعزز بجلال قدسه. # قال أبو الحسن الوراق : في هذا الاية فتح عليهم سبيل الشكر لئلا تغيروا ~~بالنعم. # وقال : عرفهم أن الوقوف مع النعمة يقطع عن المنعم. # ( وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ~~(7) وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد (8) ~~ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا ~~يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا ~~كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب (9)) # قوله تعالى : ( لئن شكرتم لأزيدنكم ) علق زيادة نعمه عليهم ~~بزيادة شكرهم ، ولا علة لفضله وكرمه ، ولا تعلق لفيضه بكسب عباده وشكرهم ~~وصبرهم ، بل شكرهم وصبرهم من توفيقه لهم ، أن من عرف عجزه عن شكري لأزيدن ~~معرفته بي ، ولعجزه عن إدراك حقيقة معرفتي ، وحقيقة شكري يكون عبدا شاكرا. # وهذا القول الحسين حين قال : إني عجزت عن موضع شكرك فأشكرك فأشكر عني ؛ ~~فإنه الشكر لا غير. # وهذا اعتراف داود عليه السلام فقال : إلهي لكل شكر شكر ، لأنه يكون ~~بتوفيقك ؛ فعجزت عن شكرك فقال سبحانه : «الان شكرتني يا داود» (1) أيضا لئن ~~شكرتم اصطفائيتي لكم بمعرفتي في الأزل ، وتعرفون حقيقتها لأزيدنكم بكشف ~~مشاهدتي لكم حتى تعاينونني وتبصرونني ms0803 بعيون المعرفة ، والقلوب الخالصة ، ~~والأرواح العاشقة ، والعقول المتميزة في جلالي. # قال حمدون : شكر النعمة أن ترى نفسك فيه طفيلا. # قال بعضهم : من شكر النعمة زاده من أنعمه ، ومن شكر المنعم زاده معرفة به ~~ومحبة له. # وقال ابن عطاء : لئن شكرتم هدايتي لأزيدنكم خدمتي ، ولئن شكرتم خدمتي ~~لأزيدنكم مشاهدتي ، ولئن شكرتم مشاهدتي لأزيدنكم ولايتي ، ولئن شكرتم ولايتي PageV02P255 # لأزيدنكم رؤيتي. # وسئل ابن عطاء عن قوله : ( لئن شكرتم لأزيدنكم ) قال : إذا وردت ~~الأشياء إلى مصادرها من غير حضور منك لها فقدتم الشكر. # وقال الجوزجاني : لئن شكرتم الإسلام لأزيدنكم الإيمان ، ولئن شكرتم ~~الإيمان لأزيدنكم الإحسان ، ولئن شكرتم الإحسان لأزيدنكم المعرفة ، ولئن ~~شكرتم المعرفة لأزيدنكم الوصلة ، ولئن شكرتم الوصلة لأزيدنكم القرب ، ولئن ~~شكرتم القرب لأزيدنكم الأنس. # وقيل : إني خلقتكم لأزيدنكم الأنس بعد الوحشة ، والقرب بعد البعد ، ~~والحضور بعد الغيبة. # قال الواسطي : ذكر الزيادة حجبهم عن الحقيقة ، ثم كشفت الحقيقة لأقوام ~~متواجدين ، فقال : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون ) [الكهف : 28] (بالغداة والعشي يريدون وجهه)، لا الزيادة ، ~~وفضله ولا حنته وبره ، بل الحصول مع الملك في مقعد صدق عند مليك مقتدر. # ويقال : لئن شكرتم وجود الطافي لأزيدنكم شهود أوصافي. # ثم بين سبحانه استغناءه عن شكر الشاكرين ، وصبر الصابرين ، وإيمان ~~المؤمنين ، وكفران الكافرين ، بقوله تعالى : ( إن تكفروا أنتم ومن ~~في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ) وصف تنزيهه وغناه وحمده وفيه إشارة ، ~~أي مادام أنا مستغن عن الأكوان والحدثان ، فلا أبالي بغفرانهم وإن أدخلهم ~~جميعا في بحار رحمتي ، فإني حميد حمدت نفسي قبل وجود خلقي ؛ لأني علمت عجز ~~خلقي عن حمدي. # قال أبو صالح الغني على الحقيقة : من لم يزل غنيا ولا يزال غنيا ، ما ~~زاده إيجاد الخلق غنى ، بل خلقهم على حد الافتقار ، وهو الغني الحميد. # وقال الواسطي : ليس الإيمان بمقرب إلى الحق ، ولا الكفر بمبعد عنه ، ولكن ~~جرى ما جرى به الأمر في الأزل بالسعادة والشقاء ، فظاهر الكفر والإيمان ~~أعلام لا حقائق ، والحقائق القضاء الذي سبق الدهور والأزمان. # ( قالت رسلهم أفي الله شك ms0804 فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر ~~لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن ~~تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين (10)) PageV02P256 # قوله تعالى : ( فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ~~) علم الحق سبحانه أن الأعين للحدث يرى بها القدم صدقا ؛ فنصب أعلام قدرته ~~لتراه عين الحدث بواسطة القدرة ، فقال : ( فاطر السماوات والأرض ) ~~فطرها بقدرته وإبداعها بعزته ، وألبسها أنوار جلاله وهيبته ، يدعوكم من ~~نفوسكم إلى رؤية جماله في آياته ، فتنظروا إليها بأبصار فأذن وقلوب حاضرة. # ثم رقاهم إلى أعلى الدرجات من رؤية أنواره وقدرته في خلقه إلى مشاهدة ~~عيان ذاته ؛ وذلك قوله : ( يدعوكم ليغفر لكم ) وقع الغفران على ~~النظر منهم إليه بواسطته آياته. # وأي ذنب أعظم من طلبه بواسطة من الكون ، حار الوجود في وجوده ، وغاب ~~وجوده في وجوده ، فضلا عما أوجده في الوجود ، وأيضا يدعوكم إلى معرفته ؛ ~~لتعرفوا بمعرفته نفوسكم وذنوبكم ، وإذا وقعت المعرفة عنكم ارتفعت ذنوب ~~تقصيركم في طاعته ، وإدراك عزته. # قال النوري في هذه الاية قال : دعا الخلق بنفسه إلى نفسه ، وذكر من ~~أسمائه فاطرا ؛ لئلا يتعلقوا بشيء من الأكوان. # وقال : ( فاطر السماوات والأرض ) إن أردتم ما فيها فهو عندي ، ~~وإن أردتموني فلا تلتفتون إليهما وارجعوا منهما إلي. # وقال بعضهم : ما دعا الله أحدا إليه ولا الأنبياء ، وإنما دعا من دعا ~~لحظوظهم. # قوله تعالى : ( قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله ~~يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون (11)) # قوله تعالى : ( قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله ~~يمن على من يشاء من عباده ) ووقعت التسوية على السواد والخيال ، ولكن يختار ~~برسالته ونبوته وولايته من يشاء من عباده الذين سبقت لهم حسن العناية في ~~الأزل بما وهب لهم من خلع استعداد معرفته ، وقبول عبوديته ، ورقية مشاهدته ~~، الأول تعريف التواضع ، والاخر تشريف الحقائق. # قال أبو عثمان : من الله على خواص عباده ما فات الإحصاء ms0805 والعد ، فأول منة ~~له عليهم التوحيد ، ثم المعرفة ، ثم أن بعث فيهم الرسل ، ثم أن سماهم عباده ~~، ثم له عليهم في كل نفس نعمة عرفوها أو لم يعرفوها. PageV02P257 # وقال سهل : يمن على من يشاء بتلاوة كلامه والفهم فيه. # وقال الأستاذ : ما نحن إلا أمثالكم ، والفرق بيننا أنه من علينا بتعريفه ~~واستخلصنا أفردنا به من تشريفه. # ( وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما ~~آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون (12) وقال الذين كفروا لرسلهم ~~لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين (13)) # قوله تعالى : ( وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ) ~~أخبر الله سبحانه عن الرسل اعترافهم في آخر الاية الماضية بالعجز عن التصرف ~~في مملكته إلا بإذنه ، وعن براءتهم عن حولهم وقوتهم في ظهور المعجزة وبين ~~اعترافهم ، أيضا بعجزهم في تحمل إيذاء قومهم ورجوعهم إليه. # وقال : ( وما لنا ألا نتوكل على الله ) بعد أن عرفنا نفسه وأنوار ~~ذاته وصفاته بأنه معين أوليائه وناصر أصفيائه ، توكلنا عليه لمعرفتنا به ~~وما خصنا من لطائف وجوده ومشاهدته ، وقد هدانا سبلنا ، أضاف السبل إليهم ~~ولبس السبل لهم ولكن السبل له. # قالوا : ذلك انبساطا أي مهد لأرواحنا سبلا إلى نفسه ، ومعرفة شأنه ؛ فإذا ~~سلكنا تلك السبل ورأيناه وراء السبل ، وعرفنا ذاته وصفاته نتوكل عليه به لا بنا. # قيل للحسين ما التوكل عندك قال : الخمود تحت الموارد ، وقال : سماعهم ~~الأصم في قوله : ( وما لنا ألا نتوكل على الله ) وقد هدينا سبلنا ، ~~قال : ما لنا لا نثق بالله وقد أعطانا الإسلام والهدى. # وقال أبو العباس وابن عطاء : التوكل على التجارب خدعة ، والتصديق على ~~مطاهرة الوجود لبسته. # قال الأستاذ : ما لنا ألا نتوكل على الله وقد وقانا من تكليف البرهان إلى ~~وجود روح البيان بكثرة ما أفاض علينا من جميل الإحسان وكفانا من مهمات الشأن. # ( ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد (14) ~~واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (15) من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد (16) ~~يتجرعه ولا ms0806 يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب ~~غليظ (17) مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ~~لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد (18) ألم تر PageV02P258 # أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق ~~جديد (19) وما ذلك على الله بعزيز (20) وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء ~~للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء ~~قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص (21)) # قوله تعالى : ( ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ) (1) إذا أخرج ~~الأمر جل جلاله على وفق مراد العارف ، جعل ذلك منه عليهم ، ثم طلب منهم شكر ~~المنة بوصف الطالعة والمتابعة ، وزجرهم عن عصيانه ، وخوفهم عن وعيد قرآنه ، ~~وعظيم مقامه عليهم بوصف الإحاطة على وجودهم وأسرارهم وضمائرهم لئلا يزول ~~منهم بالغفلة عنه ، ومقامه بالتفاوت ؛ فمقامه على المريدين بالزجر والتهديد ~~، ومقامه على المحبين بالهيبة والتعظيم ، ومقامه على العارفين بالإجلال ~~والحياء ، ومقامه على الموحدين بغلبات سطوات الكبرياء على قلوبهم ، ومقامه ~~على أهل الأنس والشوق والعشق على نعت كشف مشاهدة جماله وجلاله. # وها هنا الخوف من مقامه ووعيد مفارقته ، ووداعه منظر قلوب المستأنسين حتى ~~تكون خاليه عن كشف مشاهدته ، وأدق الإشارة فيه أن مقامه القدم في القدم ، ~~والبقاء في البقاء ، وذلك المقام معدن الألوهية ، ومنبع السرمدية ، والخوف ~~من ذلك الهيبة والإجلال ، وهذا المقام مقام الربوبية في الربوبية ؛ لأن ~~الحدث يتلاشى في بوادي سطوة عزته تعالى الله عن كل علة حدثانية. # قوله تعالى : ( ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق ) خلق ~~الكون بحق إرادته القديمة ، والمشيئة السابقة التي سبقت بكون الكون في ~~الأزل ، وأيضا علم الكون حقا في الأزل ؛ فأظهر الكون بحق العلم والإرادة ~~والمشيئة إظهار الحق حقيقة ، ولحقوق ربوبيته وعرفانه من أهل عبوديته كأنه ~~خاطب لرؤية تلك الحقائق ثم ارتقى من رؤية الحقيقة إلى رؤية عين الحقيقة ~~بقوله : ( ألم تر أن الله ) ثم نزل من ms0807 الذات إلى الصفات ، ومن ~~الصفات إلى الأفعال ، وقال : ( خلق السماوات والأرض بالحق ) فرؤية ~~أنوار فعله للعقول ، ورؤية أنوار صفاته للقلوب ، ورؤية أنوار ذاته للأرواح ~~، ورؤية أنوار عين الحقيقة للأسرار. PageV02P259 # وقال سهل : خلق الأشياء كلها بقدرته وزينها بعمله وأحكمها بحكمه ؛ ~~فالناظر من الخلق إلى الخالق يتبين له من الخلق عجائب الخليقة ، والناظر من ~~الخالق إلى الخلق يكشف له عن أثار قدرته وأنوار حكمته وبدائع صنعه. # وقال بعضهم : خلق السموات عالية على الأرضين مرتفعة عليها ، وجعل عمارة ~~الأرضين من بركات السماء وما يصل إليه منه ، كذلك خلق النفوس وجعل القلوب ~~أميرا عليها ، وجعل نجاة النفوس وراحتها فيما يصل إليها من بركات القلوب ؛ ~~فمن طهر قلبه لاستطلاع المشاهدة أتته الفوائد ، والزوائد من الحق في جميع ~~الأوقات. # ( وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ~~ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من ~~قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم (22) وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام (23)) # قوله تعالى : ( فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ) أخبر الحق عن كمال ~~شرك إبليس حيث نسي الله نبعت إسقاط قدرة كل قادر غيرة في مقام المؤاخذة ~~بقوله : ( فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ) فسقوط النظر عن نفسه مع ~~رؤية الغير في البين شرك ، ولو كان في مقام على حد تحقيق التوحيد ما لام ~~أحد ولا نفسه وما رأي في البين غير الله. # ألا ترى إلى قول الواسطي : من لام نفسه فقد أشرك ، ومقام الملامة مقام ~~المريدين لاموا أنفسهم بميلها إلى هواها ، وتكاسلها عن عبادة خالقها ، وذلك ~~الملامة من طريق المعرفة والتوحيد ، وإفراد القدم عن الحدوث ؛ لأن هناك ~~تسقط الوسائط وتندرس الرسوم ، وتنطمس طرق الأسباب. # قال محمد بن حامد : النفس محل كل لائمة فمن لم يلم نفسه على الدوام ورضي ~~عنها في حال من الأحوال فقد أهلكها. # قوله تعالى : ( تحيتهم فيها ms0808 سلام ) السلام اسم من ألطف أسمائه ، ~~كأنه محل التثنية ؛ فأهل الجنة من العارفين يدعونه بهذا الاسم لوجدانهم ~~مشاهدته بنعت العوافي من المجاب ، فإذا أرادوا تحية بعضهم على بعض فيشيرون ~~بعضهم بعضا سلام ، أي هذا هو مشاهدة السلام ، كأنهم في مشاهدته ليشير بعضهم ~~على بعض إلى جماله وجلاله ، وإذا حيوا بهذه التحية PageV02P260 # فحيا الله بأحسن من تحيتهم بأنه حياهم بخطابه وسلمهم بكلامه ؛ فكل من رآه ~~فإن الحق سبحانه يسلم عليه بالبديهة قبل ثنائه عليه بقوله سلام قولا من رب ~~رحيم تجديد العهد الأول حين رأوه بالأرواح وسمعوا كلامه وسلامه بإذن ~~الأسرار في ميثاق الأنوار ، وما أطيب هذا السلام من السلام لأهل السلام. # أشاروا بتسليم فمجدنا بأنفس %~% تسيل من الأفاق والسم أدمع # وقال بعضهم : تحيات الجنة وسلامها على ضروبا ، فأهل الصفوة والقربة ~~تحيتهم من ربهم وسلامتهم منه على قوله سلام قولا من رب رحيم ، ولأهل ~~الطاعات والدرجات تحية الملائكة وسلامهم قال الله والملائكة يدخلون عليهم ~~من كل باب سلام عليكم. # ( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت ~~وفرعها في السماء (24) تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال ~~للناس لعلهم يتذكرون (25)) # قوله تعالى : ( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ~~أصلها ثابت وفرعها في السماء ) أشار سبحانه إلى كلمة القديمة التي تكلم بها ~~في اصطفائيته أهل معرفته طلبت كلمته ، وهي أطيب الطيبات باصطفائيته أهل ~~الولاية ، وتلك الكلمة القديمة شجرة الصفات أصلها ثابت في القدم وفروعها في ~~سماء البقاء ، وتلك الشجرة منزهة عن ثغائر الحدثان وعن التبديل بطوارق ~~القهريات ، قال تعالى : ( لا تبديل لكلمات الله ) مياه تلك الشجرة ~~من بحار حسن العناية الأزلية والإرادة القديم ، تؤتي أكلها ثمرات تجليها ~~بالأرواح المحبين والعارفين والموحدين كل حين تفيض فيض أنوارها على أفئدة ~~الصديقين وعقول المقربين ؛ فأكل تلك الشجرة ثمرات تجلي جميع الصفات والذات ~~تربي بها قلوب الأولياء والصديقين ، فثمرة مشاهدة الذات يورث لقلوب ~~الموحدين التوحيد والتغريد والغناء والبقاء والصحو والمحو والحياة والوله ، ~~وثمرات الصفات يورث لفكر ms0809 العارفين على قدر تجليها ؛ فكل صفة يورث لها حقيقة ~~من تلك الصفة ؛ فميراث صفة العظمة الهيبة والخواف والإجلال ، وميراث ~~الكبرياء والبهتة والخجل والحياء ، وميراث الجلال الخشية والخضوع ، وميراث ~~الجمال المحبة والشوق والعش ، وميراث العلم المعرفة بالعلوم اللدنية ، ~~وميراث القدرة الكرامات ، وميراث نور السمع استماع أصوات هواتف الغيب ، ~~وميراث نور البصر الفراسات الصادقة ورؤية الغيب وغيب الغيب ، وميراث نور ~~الخطاب والكلام والاطلاع على الأسرار والوله والهيمان في الأنس والمناجاة ، ~~وميراث الحياة وحياة القلب بالرب وحياة العقل بنور القلب وحياة الروح بروح ~~الوصال ، وميراث رؤية القدم والبقاء الزفرات والعبرات والمواجيد PageV02P261 # والصعقات ، وميراث رؤية أنوار الحكمة ببطون الأفعاليات ودقائق المقامات ~~وحقائق المقامات وإدراك نور شواهد الايات في كل ذرة في مرائي الأفاق ، ~~وميراث ثمرة الإرادة صدق العبودية وإخلاص المحبة ويسهل له جميع المرادات ~~مادام متصفا بالإرادة ، ومن أكل ثمرا من ثمار تلك الشجرة يحي بحياة الأبدية ~~، ويبقى في أنوار الأزلية لا يطرأ عليه بعد ذلك طوارق الفناء ، وأيضا ~~الكلمة الطيبة كلمة ألهمت في قلوب أحبائه ، تلك الكلمة شجرة المعرفة أصلها ~~ثابت في أرض القلوب وفرعها في سماء الأرواح ومياه تلك الشجرة من بحر كشف ~~المشاهدة ، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها من أنواع المقامات والحالات ~~والكشوفات والكرامات والفراسات وحركتها في بستان الوصلة من جائحات الوسواس ~~والهواجس ، وأيضا تلك الشجرة الطيبة كلمة التوحيد التي غرسها الحق في أرض ~~بساتين الأرواح وأصلها هناك ثابت بالتوفيق ، وفرعها في سماء القرب ، وسقاها ~~من سواقي العناية يرويها المعرفة وأغصانها المحبة ، وأوراقها الشوق ، ~~وثمرها العشق ، وحارسها الرعاية ، ومزرعها الكفاية ، ونهارها الأنس تؤتي ~~أكلها كل حين في جميع الإفقاس من لطائف العبودية ، وعرفان أنوار الربوبية ~~ساكن ظلها العقول ، وظلها من ظلال الجمال ، وهذه الثمرات في أواني كمالها ~~مرفوعة على خوان المشاهدة والقربة ، قال تعالى : ( إليه يصعد الكلم ~~الطيب ). # قال ابن عطاء : الكلمة الطيبة قوله : «لا إله إلا الله» على التحقيق ، ~~والشجرة الطيبة هي التي تظهر أسرار الموحدين عن دنس الأطماع بالثقة بالله ، ~~والانقطاع إليه عما سواه. # قال محمد بن علي ms0810 : الشجرة الطيبة الإيمان أثبتها الله في قلوب أوليائه ، ~~وجعل أرضها التوفيق ، وسماءها العناية ، وماءها الرعاية ، وأغصانها الكفاية ~~، وأوراقها الولاية ، وثمارها الوصلة ، وظلها الأنس ؛ فأصلها ثابت في قلب ~~الولي ، وفرعها في السماء ثابتة بالمريد من عند الجبار ؛ فالأصل يربي الفرع ~~بدوام الإشفاق والمراقبة ، والفرع يهدي إلى الأصل ما يجتنبه من محل ~~المشاهدة والقرب ، هكذا أبدا قلب المؤمن وفؤاده. # قال أبو سعيد الخراز : خزائن الله في السماء الغيوم ، وخزائنه في الأرض ~~القلوب ؛ لأن الله خلق قلب المؤمن بيت خزائنه ، ثم أرسل ريحا فهبت فيه ~~فكنسته من الكفر والشرك والنفاق ، ثم أنشأ سحابة فأمطرت فيه ، ثم أنبتت ~~شجرا ، فأثمرت الرضا والمحبة والشكر والصفوة والإخلاص والطاعة وهو قوله : ( ~~ كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ). # ( ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من ~~قرار (26) يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة ويضل الله PageV02P262 # الظالمين ويفعل الله ما يشاء (27) ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت ~~الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار (28) جهنم يصلونها وبئس القرار (29) ~~وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار (30) قل ~~لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل ~~أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال (31)) # قوله تعالى : ( ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ~~ما لها من قرار ) إذا نطق القهر القديم على لسان النفس الأمارة التي هي ~~الشجرة الخبيثة نطق لسانها بالهواجسات التي تورث كلمات الوسواسية الشيطانية ~~، وتلك الكلمات أصل جميع الأهواء المختلفة التي ما لها ظلمة البعد ، وغي ~~الشهوات ، وخيال النزهات ، وتلك الشجرة الخبيثة غرسها في قهر الطبيعة أبدي ~~القهريات ، وتسقيها مياه الضلالات ، وعروقها أصل النفاق ، وساقها أصل الكفر ~~، وأغصانها الأهواء المختلفة ، وأوراقها الأوهام والظنون الفاسد ، وثمارها ~~الشك والشرك والكسل والبخل والبطر والنشاط والخيال والمحال والكذب والزور ~~والبهتان والغيبة والنميمة والحرص والحسد والشهوة والشحناء والبغضاء والغضب ~~، وجميع المساوئ النفسانية والشيطانية ، وفي كل أوان وأوقات وأنفاس تعطي ~~ثمارها ، والصادق المحب الموافق ms0811 يقصدان بقلعها وبقطعها من أصلها بفأس ~~التوحيد والمعرفة والمحبة ، وإذا كان مؤيد أسهل الله عليه قطعها من أصلها ؛ ~~لأنها عارضة عارية لامتحان القلب الذي هو منظر نور تجلي الحق وتيسر قطعها ، ~~لأنها ليست ثابتة بالحقيقة كشجر الإيمان والتوحيد قال تعالى : ( ~~اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ) (1). # قال محمد بن علي الترمذي : الشجر الخبيثة اللسان ، ما لم يقطعها المؤمن ~~بسيوف الخوف فإنها تثمر أبدا الكلمات الخبيثة. # وقال بعضهم : الشجرة الخبيثة النفاق ، وهي التي لا تقر قرارا حتى تهوي ~~بصاحبها في النار. # قال ابن عطاء : الشجرة الخبيثة الغيبة والبهتان ، وهما يفتحان على ~~الإنسان باب الكذب PageV02P263 # والفجور. # وقال جعفر : الشجرة الخبيثة الشهوات ، وأرضها النفوس ، وماؤها الأمل ، ~~وأوراقها الكسل ، وثمارها المعاصي ، وغاياتها النار ، ثم وصف امتنانه على ~~أهل التوحيد بتسديد إيمانهم وتثبيت توحيدهم وتحقيق معرفتهم واستقامة ~~أحوالهم بتوليته ورعايته لهم في الدنيا والاخرة بقوله : ( يثبت ~~الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) القول ~~الثابت قول الحق جل جلاله في الأزل حيث حكم في نفسه بتوحيد الموحدين ، ~~ومعرفة العارفين ، ومحبة المحبين ، وإيقان الموقنين ، وإيمان المؤمنين ، ~~وسلام المسلمين ، وقوله منزه عن التبدل والتغير والاضطراب ؛ فقوله الحق ~~الباقي بوصف الأزل إلى الأبد ، وإذا اصطفاهم بذلك القول لا يزيله عوارض ~~البشريات ، وغلبات الشهوات ، وفنون الامتحانات ، لأنه قائم بالذات والصفات ~~وهؤلاء في ظل العنايات محروسون بلطفه عن قهره في الدنيا والاخرة المعرفة لا ~~يتغير بتغير الزمان ، ولا بتبديل المكان ، ولا بنزول الامتحان ، ولا بثغائر ~~الملوان ، ولا بشيء من الحدثان ، وثباته للمؤمن العارف منه استقامته به له ~~في طريق مراده وذلك من فريد كشوف جماله وجلاله لهم بنعت الموارد والمواجيد ~~من بحار قربه حين هجم أنوار سبحات وجهه في أسرار قلوبهم ، وفيه إشارة لطيفة ~~أن المعشوق يقلب القصة الربوبية في كل لحظة للعارف الصادق آلاف المرات في ~~الدنيا ، فإذا قال أدركته أوقعه في بحر نكرته ، فإذا تحير كاد لظلمات بحر ~~النكرة إن تغرقه تحت أسافل القهريات يدركه فيض الشفقة ويريه جماله في ظلمات ~~النكرة وكدوره ms0812 الطبيعة البشرية بالبديهة ، ويخلصه من غبار الامتحان ، وكذلك ~~دابة في مواقف القيامة حتى يريه بالنكرة في المعرفة ، وبالمعرفة في النكرة ~~حتى يلبسه أنوار ربوبيته ويخلصه من مقام امتحان ، فإذا صار متصفا بصفاته ~~فاز من ضرر الامتحان ، وهذا حاصل في الدنيا والاخرة لأهل المعرفة. # قال الواسطي في قوله : ( يثبت الله الذين ) على مقدار التوحيد ~~يكون المخاوف والأمن ولم يفزع من أحد الخوف ، ولا انفلت منه أحد لخطة ، وما ~~من أحد يسعى إلا عقبى سعيه وهو الذي لا يخاف عقباها ، فمن ثبته بالقول ~~الثابت أسقط عنه ذلك المخاوف. # وقال أيضا : الإيمان إيمانان ، إيمان حقيقة بضياء الروح ، وإيمان محبة ~~بظل الروح ، لذلك استثني من استثنى في إيمانه كيف لا يأمنه بعد وهو لا يخلف ~~الوعد ، ثم وصف كيف قهر في القدم الظالمين بإضلاله إياهم بنفس المشيئة ~~والإرادة الأزلية بقوله : ( ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ~~) اختار أهل صفوته بمحبته ومعرفته ومشاهدته ، وألبسهم حلل عنايته وقربهم ~~منه به ، وبعد المبعدين وطردهم بقهره عن باب لطفه ، فعل ما PageV02P264 # شاء بأهل العناية والسعادة ، ويفعل ما يشاء بأهل البعد ببعادهم عن قربه ~~ليس عليه في إبرام حكمه نقص في ردهم وقبولهم. # قال بعضهم : الخلق كلهم مجبورون تحت القدرة ، مقهورون على بساط الجبروت ، ~~ليس إليهم من أمورهم شيء ، ممنوعون عما يريدون ، يقضى عليهم ما يكرهون ، ~~وهذا من أثار العبودية ، والله تبارك وتعالى مدبر الأمر ومنشأها أنشاها على ~~إرادته ، وأبدعها على مشيئته ، لا ناقص لما أبرم ، فلا هناك على الحقيقة ~~فعله ، والكون صنعه لا علة لفعله ولا بضعه. # قال الشبلي في قوله : ( يثبت الله الذين آمنوا ) إذا أكرمه ~~بالتثبيت كشف وأعطى كمال المعرفة ، ومقال الصدق والتوكل ، ومحض الإخلاص ، ~~وحقائق اليقين ، وكوشف عن مقامات الولاية التي لا نهاية لها ، وذلك وصف من ثبته. # وقال : الصادق ثبتهم في الحياة الدنيا على الإيمان ، وثبتهم في الاخرة ~~على صدق جواب الرحمن ، ثم شكي عن المغيرين نعمته عليهم بقلة الشكر في نعمته ~~وقلة الصبر في محنته بقوله : ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت ms0813 الله ~~كفرا ) نعمة الله ها هنا العقل والعلم والاستعداد ، وجمال الصورة والهيئة ، ~~بدلوا العقل بالعبادة ، وبدلوا العلم بالجهل ، وبدلوا استعداد قبول الإيمان ~~بقبول الشرك والشك من النفس والشيطان ، وبدلوا جمال الصورة بقبح المعاصي ~~ومباشرة الشهرة ، ويا ليت تلك النعمة لو ساعدها العناية الأزلية ، وكيف ~~يتبدل محل العناية ولو غاص المنعم عليه في بحر الكفر والمعاصي ألف مرة. # قال أبو عثمان : أجهل الخلق بنعمة الله من استعملها في أنواع المعاصي ولم ~~يقم بشكرها في أن يعمل بها في طاعة الله. # ( الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به ~~من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار ~~(32) وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار (33) وآتاكم من ~~كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار (34)) # قوله تعالى : ( الله الذي خلق السماوات والأرض ) خلق السموات ~~الأرواح وعرض القلوب ، زين السموات بأنوار الجبروت ، وزين الأرضين بأنوار ~~الملكوت ، رفع هذه السموات بأنوار الذات ، وبسطه هذه الأرضين بأنوار ~~الصفات. # قال تعالى : ( وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا ~~لكم ) أنزل PageV02P265 # من سماء القيومية على سماء الأرواح أمطار أنوار التجلي ، وأنزل من سماء ~~الأرواح على أرض القلوب أمطار المعرفة والتوحيد ؛ فأخرج بتلك المياه من ~~جنات القلوب ثمار المحبة والألفة والشوق والعشق رزقا للعقول والأسرار ~~والنفوس. # قال تعالى : ( وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ) سخر ~~الأرواح أن تسير في فلك قاربها في بحر الأولية والأخروية ، وتسقيها بشمال ~~همها لوجدان عجائب بحار الذات والصفات من جواهر الأسرار والأنوار ؛ فيؤيدها ~~الحق بأن يجري رياح الكرم ولطائف القدم ليوصلها به منه إليه. # قال تعالى : ( وسخر لكم الأنهار ) سخر للعقول إجراء أنهار ~~الأفكار والأذكار والإدراك والأنوار والأسرار ، أجرى الحق في أرض القلوب ~~أنهار معرفته ومجده ، يسقيها معادن نور حكمته وعروق ورد شوقه وأصول شقائق ~~الصدق والإخلاص. # قال تعالى : ( وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ) الشمس والقمر ها ~~هنا نور الإيمان ، ونور اليقين ، ونور المعرفة ، ونور ms0814 التوحيد ، ونور ~~المحبة والشوق ، ونور الهداية والتوفيق ، وأصل ذلك شروق شمس مشاهدة الذات ، ~~وبروز قمر نور الصفات من مطالع الأرواح والقلوب ؛ ليريان نبات المعارف ~~وأشجار الكواشف ، ونرجس الإيمان وورد الإيقان. # قال تعالى : ( وسخر لكم الليل والنهار ) جاء بظلمة النفس ~~للامتحان ، وجاء بنهار القلب للعرفان ، جاء بليل القهر للنكرة ، وجاء بنهار ~~اللطف للمعرفة ، جاء بليل الحجاب للعتاب ، وجاء بنهار كشف النقاب للسرور ~~بالماب ربي سواكن الأرواح والقلوب والعقول ، وبالنفوس والأشباح من الأسرار ~~والأفهام والعلوم والحكم والفطن والحقيقة والمعرفة والمحبة والصدق والإخلاص ~~والتوكل والرضا بليل كشف ظلال الصفات ، وظهور نهار سبحان الذات ليتم نعمته ~~من الولاية والكرامات لها التي لا نهاية ولا غاية. # قال تعالى : ( وآتاكم من كل ما سألتموه ) أتاكم ما سألتم منه في ~~معاهد الأول وعقود ألست بربكم من كشف الجمال والوصول إلى وصال الذي جلاله ~~غير محصور وكماله غير مقصور بقوله : ( وإن تعدوا نعمت الله لا ~~تحصوها ) عمة الله كشف صفاته وذاته لهم ، وتعريفها إياهم على نعت السرمدية ~~لا يبلغ إلى وصفها حساب الحدثان وعدد الزمان والمكان ، ثم شكي سبحانه من ~~المنعم عليه حيث ظلم بعد هذه النعم والكرم بسكونه بما وجد وعصيانه لمن أوجد ~~، بقوله : ( إن الإنسان لظلوم كفار ) وصف شكره في التوحيد حيث ~~استغرق في بحر الديمومية واتصف بتلك الصفة ، وخرج منها بدعوى الأنائية ظلم PageV02P266 # بجهله بعين القدم ، ولو أدركها الغنى عن الأنائية في عين القدم ، وأي ظلم ~~أعظم من دعوى الربوبية ومحل العبودية ، ثم وصف العطش والشوق في سراب الحيرة ~~إلى إدراك كنه الكنه ، ونسي ما وجد وجهل بتنزيهه الأزلية عن مطالعة الخليقة ~~بوصف الإحاطة ؛ فتارة ظالما من كمال استغراقه في الأزل بدعوى الأنائية ، ~~وتارة كافرا حيث نسي ما وجد وجهل بما لم يكن مدركا إلا الحق سبحانه ، ~~وكفرانه غاية عطشه في الشوق إلى إدارتك الربوبية ، وعلو همته في خوضه في ~~ظلمة أصل كل أصل وعلة كل علل. # ألا ترى موسى عليه السلام إذا استغرق في بحر الأولية كيف طلب الكل بالكل ، ~~والاخر بالأول ، والأول بالاخر ms0815 ، الصفة بالذات ، والذات بالصفات ، فقال ~~موسى عليه السلام : من متى أنت يا رب هذا الإنسان ، كيف يكون إنسانا حيث حمل ~~ما لم يحمل الحدثان ، اقرأ آية : ( إنا عرضنا الأمانة )، وأدى ~~أمانة حمل معرفة الأولية والاخرية وكنه الكنه ، وإدراك عين العين لا بنفسه ~~ظلما ، حيث اجتري ما اجتري ، وجهل لما رأى على ما لم ير. # قال تعالى في حقه : ( إنه كان ظلوما جهولا ) قال الصادق : وسخر ~~لك السماوات بالأمطار ، والأرض بالنبات ، والبحر بأن تتخذ سبيلا ومتجرا ، ~~وسخر لك الشمس والقمر يدوران عليك ويوصلان إليك منافع الثمار والزروع ، ~~وسخر قلب المؤمن بمحبته ومعرفته ، وحظ الله من العباد القلوب لا غير ؛ ~~لأنها موضع نظره ومستودع أمانته ومعرفة أسراره. # قال يحي بن معاذ في قوله : ( وآتاكم من كل ما سألتموه ) إن الله ~~تعالى أعطاك أكبر ما في خزانته وأجله وأعظمه من غير سؤال وهو التوحيد ؛ ~~فكيف يمنعك ما هو دونها من الثواب والعافية بسؤال ؛ فاجتهد أيها العبد أن ~~لا يكون سؤالك إلا منه ، ولا رغبتك إلا به ، ولا رجوعك إلا إليه ؛ فإن ~~الأشياء كلها له فمن شغله بغيره عنه فقد قطع عليه طريق الحقيقة ، ومن شغله ~~به جعل الأشياء كلها طلوع يديه ؛ فتنقلب له الأعيان ويقرب له البعد ؛ فيمشي ~~حيث أحب ، ويخبر عما أراد ، وهذا من مقامات العارفين. # وقال بعضهم : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها عد نعمة من نعمه يعجز عن ~~الإحصاء ؛ فكيف إذا تتابعه النعم. # قيل : أجل النعمة استواء الخلقة ، وإلهام المعرفة ، والذكر من بين سائر ~~الحيوان ، ولا يطيق القيام بشكرها أحد. # وقيل : إن الإنسان لظلوم لنفسه ، حيث ظن أن شكره يقابل نعمة كفار محجوب ~~عن رؤية الفضل عليه في البدء والعافية. # وقال سهل : وإن تعدوا نعمة الله عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم لا تحصوه ، ~~بأن جعل السفير فيما PageV02P267 # بينكم وبينه السفير الأعلى والواسطة الأدنى. # وقال ابن عطاء : أجل النعمة رؤية معرفة النعم ، ورؤية التقصير في القيام ~~بشكر المنعم. # قال : أيضا النعمة أزلية كذلك يجب أن يكون شكره أزليا ، واعلم أن ms0816 لك نفسا ~~وروحا وقلبا ؛ فنعمة النفس الطاعة ، ونعمة الروح الخوف ، ونعمة القلب ~~اليقين ، ونعمة الروح الحكمة ، ونعمة المحبة الذكر ، ونعمة المعرفة الألفة ~~، والنفس في أبحر الطاعات تتنعم ، والقلب في بحر النعيم ينقلب ، والمعرفة ~~في أبحر القربة وانتظار العيان بتنعم. # قال : أيضا سخر لكم الليل والنهار جعلهما ظرفا لعبادتك ووعاء لطاعتك ، ~~وسخر لك الشمس والقمر لتستدل بهما على أوقات العبادات ، وسخر قلبك لمعرفته ~~ومحبته ؛ لأن حظ الحق من العبيد قلوبهم. # قال الحسين في قوله : ( وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها ) ما لا ~~يحصى لا يتناهى لا يصح لها شكر متناه في وقت متناه ، وإنما طلبهم بالشكر ~~ليقطعهم عن الشكر. # وقال الأستاذ : سماء القلوب زينها بمصابيح العقول ، وأطلع فيها شمس ~~التوحيد هو العرفان ، ومرج في القلوب يجري الخوف والرجاء ، جعل بينهما ~~برزخا لا يبغيان لا يغلب الخوف ولا الرجاء ، وسخر فلك التوفيق والعصمة ~~وسفينة الإيواء والحفظ ، وكذلك ليالي الطلب للمريدين ، وليالي الطرب لأهل ~~الأنس من المحبين ، وليالي الهرب للتائبين ، وكذلك نهار العارفين ~~باستغنائهم عن سراج العلم عند سطوع نهار اليقين. # ( وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن ~~نعبد الأصنام (35) رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن ~~عصاني فإنك غفور رحيم (36) ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند ~~بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم ~~من الثمرات لعلهم يشكرون (37) ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على ~~الله من شيء في الأرض ولا في السماء (38) الحمد لله الذي وهب لي على الكبر ~~إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء (39) رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ~~ربنا وتقبل دعاء (40) ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41)) # قوله تعالى : ( وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا ) مظنة ~~الاية في حقيقة معناها البلد القلب ، والقلب بلد البلدان ، والعقل بلد ~~القلب ، والروح بلد العقل ، السر بلد الروح والمعرفة ، والمحبة بلد السر ~~ومشاهدة المعروف ، هناك بلد المعرفة والمحبة وسواكن ms0817 هذه PageV02P268 # البلاد عساكر أنوار أفعاله ، وفرسان تجلي صفاته ، وجنود عظائم أزاله ، ~~وإبادة والنفس بلد الشهوات ، وسوء النهى جنود القهريات ؛ فاستعاذ به في هذا ~~البلاد عن جنود القهر الذي معادنها النفس الأمارة ، أي : اجعل هذا البلد ~~آمنا بلطفك عن قهرك ، وبالروح والقلب عن النفس ، وجند شياطينها وهو أجسرها ~~وسراق طبيعتها ، واجعلها آمنا بك عنك. # كما قال : أعوذ بك منك ، ثم سأل وقايته عن عبادته ، وبنيه أصنام الطبيعة ~~، والالتفات إلى الغير في طوارق البلاء ، بقوله : ( واجنبني وبني ~~أن نعبد الأصنام ) كل ما وقف العارف عليه مما وجد من الحق فهو صنمه. # ثم قال : ( رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ) أي : رؤية غيرك ~~ومتابعة هذه الشهوات والهوى أضلت لما فيها من معجون قهرك كثيرا من المريدين ~~والطالبين ، حيث ارتبط بهم في مهوات الهلاك ووطأت الغفلات. # قال عليه السلام : «النفس هي الصنم الأكبر» (1). # ثم وصف نفسه بالإمامة في الخلة والمعرفة والشريعة والطريقة بقوله : ( ~~ فمن تبعني فإنه مني ) أي في طريق المجاهدة والمحبة والخلة ~~بالموافقة في بذل الروح بين يديك ؛ ( فإنه مني ) أي : طينته من ~~طينتي ، وقلبه من قلبي ، وروحه من روحي ، وسره من سري ، ومشربه في المحبة ~~والمعرفة والخلة من مشاربي ، ومن عصاني فيما يكون عصيانك ويقتضي حجابك ليس ~~مني ولكن إنك غفور ذنوب قاصديك رحيم بمريديك ، بقوله : ( ومن عصاني ~~فإنك غفور رحيم ) فيه إشارة إلى أن كفر الكافرين ، وعصيان العاصين ، يستغرق ~~في بحار رحمته وغفرانه ، وإن يدخلهم في جناته لا يبالي. # والحكمة في قوله : ( ومن عصاني ) وإنه لم يقل ومن عصاك أنه كان ~~عليه عليه السلام في محل الخلة ، والخلة توجب المحبة ، والمحبة توجب المودة ~~، والمودة توجب الشوق ، والشوق يوجب العشق ، والعشق محل الاتصاف والإتحاد ، ~~وعين الجمع ، وجمع الجمع ، فالإشارة بقوله : ( ومن عصاني ) إشارة ~~عين الجمع بعد انسلاخه من رسوم الحدوثية ، كأنه قال : فمن تبعني تبعك ، ومن ~~عصاني عصاك ؛ لأن في حقيقة العشق العاشق والمعشوق واحد. # ألا ترى إلى قول الحلاج قدس الله روحه : # ها أنت أم أنا هذا إلهين في إلهين %~% حاشاي ms0818 حاشاي من إثبات اثنين PageV02P269 # وأيضا لما قال : فمن تبعني فإنه مني ، قال أيضا : ومن عصاني موافقا للقول ~~الأول كأنه أشار أن طاعة الخليقة ومعصيتها تليق بالخليقة ، وأنت منزه من ~~طاعتهم وعصيانهم ، أي أنا من جنسهم وهم من جنسي وأنه منزه عن المجانسة ~~بالحدثان ، وأيضا أضاف عصيانهم إلى نفسه ؛ لأن عصيان الخلق للخالق غير ممكن ~~؛ لأن ما يبدو منهم من جميع الحركات إجابة وجودهم وسر السر ، وما نعلن من ~~حيز الإلهام والوسواس والهواجس ، وأيضا ما تخفى في أنفسنا من منازعة القدر ~~بوصف خاطر النكرة في أمر المعيشة في صورة ما نكرة من أنفسنا من الشكوى ~~والتغير في الغضب ، وما نعلن بجلادتنا من صبر الصبر بوصف التصبر والتشكر. # قال الخواص : إنك تعلم ما نخفي من حبك ، وما نعلن من شكرك. # وقال ابن عطاء : ما نخفي من الأحوال وما نعلن من الأدب. # قال الحسين : ما نخفي من المحبة ، وما نعلن من الوجد. # ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم ~~تشخص فيه الأبصار (42) مهطعين مقنعي رؤسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم ~~هواء (43) وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى ~~أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال (44)) # قوله تعالى : ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ) هذا من ~~الله سبحانه محل تعظيم المراقبة والهيبة في الرعاية ، والحياء في المحاضرة ~~وللظالم من مشرب بحر جماله وجلاله وحسنه وأفضاله شربات من محبته وشوقه ~~ومعرفته ، ويخرج على بساطه بنعت العربدة والسكر ودعوى الأنائية ؛ لأنه ~~يجاوز طوره. # والإشارة بقوله : ( إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ) لا يعني ~~في الحقيقة أبصار سكارى المعرفة والتوحيد يوم الكشف الأكبر ، حيث تبدوا ~~أنوار سطوات العزة فتقضيهم عنهم بالحق وعظمته وكبريائه حتى يستغرقوا في ~~عظمته بحيث لا يقدرون الالتفات إلى غيره بقوله : ( مهطعين مقنعي ~~رؤسهم لا يرتد إليهم طرفهم ). # ثم زاد في وصف قلوبهم واضمحلالها في عزة العظمة بقوله : ( ~~وأفئدتهم هواء ) خالية عن العقول المدركة والأرواح الفائقة أو لأن ms0819 من عزة ~~القدم شيئا ، ولا من جلا الأبدية مدركا. # ونعم ما قال سبحانه : ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ~~) حيث يشاهدهم ويشاهد ما يجري عليهم بوصف الجبارية والعظمة ؛ فإنه موضع ~~شهوده وشهوده PageV02P270 # للعباد أعظم من شهود العباد عنده ؛ لأن العباد في محل الحضور وشهوده ~~تعالى محل الكشف. # قال أحمد بن خضرويه : لو أذن لي بالشفاعة ما بدأت إلا بظالمي ، قيل له : ~~وكيف؟ قال : لأني نلت بظالمي عالم الله من والدي ، قيل له : وما ذاك؟ قال : ~~تعزية الله في قوله : ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ). # قال ميمون بن مهران : كفى بهذه الاية وعيدا للظالم وتعزية للمظلوم. # وقال ابن عطاء في قوله : ( وأفئدتهم هواء ) هذه صفة قلوب أهل ~~الحق ، ألا ترى الهواء قائم بالمشيئة ، والإرادة غير قائمة بعلائق فوقها ~~كذلك قلوب أهل الحق في هذه الاية الله ليس في قلوبهم محل لغير الله إلا ~~بساكن سوى الله ، ومثل قلوبهم كما قال الله تعالى : ( وهي تمر مر ~~السحاب ) لا تلتفت إلى سواء ولا له قرار مع غير الله. # ( وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم ~~وضربنا لكم الأمثال (45) وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم ~~لتزول منه الجبال (46) فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو ~~انتقام (47)) # قوله تعالى : ( وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ) السكون في ~~أوطان الظلم من أهلية فطرة النفس الأمارة إليها ، وسجيات الشهوات تميل إلى ~~محلها من الافات لتزيد حظوظ هواها ، ومن لم يخرج نفسه في زمان الإرادة من ~~أجوار المدعين تعودت نفسه عادة الظلم في الدعاوي الباطلة ، ويقع عليه ما ~~وقع على المدعين الكاذبين. # قال أبو عثمان : مجاورة الفساق وأهل المعاصي من غير ضرورة من فسق كامن ، ~~ومعصية مستترة في القلب ؛ لأن الله ذم قوما من عباده ، فقال : وسكنتم في ~~مساكن الذين ظلموا أنفسهم ولم يعذر من مقام فيها ، فقال : لم يكن أرض الله ~~واسعة فتهاجروا فيها. # ويقال : إن معاشرة أهل الهوى والفسق ومجاورتهم مشاركة لهم في ms0820 فعلهم ، ~~ويستقبل فاعله ما استقبلهم. # ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار ~~(48) وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (49) سرابيلهم من قطران وتغشى ~~وجوههم النار (50) ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب (51) هذا ~~بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب (52)) PageV02P271 # قوله تعالى : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله ~~الواحد القهار ) الإشارة في الحقيقة إلى تبدل أرض قلوب العارفين من صفات ~~البشرية ، وأوصاف النفسانية والخواطر الرديئة إلى الروحانية المقدسة لنور ~~شهود جمال الحق وتبدل سموات الأرواح من عجز الحدوثية ، وصفاتها وضعفها عن ~~رؤية أنوار العظمة صرفا وكفاحا له. # قال : تعديته فالأرواح والقلوب يخرج من ضيق القبض إلى محل البسط من خفقان ~~أخوف إلى روح الرجاء ، ومن رسوم العبودية إلى مشاهدة الربوبية ، وبروز أهل ~~هذه القلوب والأرواح من أماكن غيبه سكارى حيارى من شدة ولههم من جماله ~~ديموميته في ميادين وحدانيته الأزلية خرجوا بنعت المبارزة والمفاخرة ~~بولايته وقربته يا أخي لو رأيتهم لرأيت عليهم أطراف أردية الكبرياء ، ~~متعلقون بحقوق أزار عظمة الجبار ، يستغيثون بنعت الوله من فراقه في وصاله ~~حتى لو رأيتهم ما رأيت عليهم رسوم المبشرات ، بل رأيت عليهم سمات الألوهيات ~~فما الناس بالناس الذين عهدتهم. # ولا الدار بالدار التي كنت أعرف %~% ولو تريد أن ذلك أرض الظاهر # وسماء الظاهر إنها تبدل من هذه الصفات وظلمة الخليقة إلى أنها منورة ~~ببروز أنوار جلال الحق عليها ، وإنها صارت مشرق عيان الحق للخلق ، وحين بدأ ~~سطوات عزته بوصف الجبارية والقهارية بقوله : ( وأشرقت الأرض بنور ~~ربها ) وهنا يا أخي الوجود تحت أخيال القدم من استيلاء قهر أنوار القدم. # قال : ( كل شيء هالك إلا وجهه ) قيل : فأين الأشياء آنذاك؟ قال : ~~عادت إلى مصابها ، وقال : متى كانوا شيئا حتى صاروا لا شيء ؛ لأنهم أقل من ~~الهباء في الهواء في جنب الحق. # وقال الواسطي : في هذه الاية ذلك لما يظهر من كشف حقائقه في بني آدم من ~~أنبيائه وأوليائه ؛ لأن الأرض والسماوات لا يثبت لما ms0821 يظهر على الأبدان من ~~أنوار الحق. # قوله تعالى : ( هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو ~~إله واحد وليذكر أولوا الألباب ) (1) هذا محل اعتبار العارفين لأنهم الناس ~~بالحقيقة ليزيد شوقهم إلى جمال # قلت : إن البلاغ إنما هو بالنسبة إلى الأحكام العملية الداخلة تحت ~~الأوامر الإلهية ، والإنذار بالنظر إلى المنكرات الداخلة تحت النواهي ؛ لأن ~~الإنذار إعلام وتخويف ، ولا تخويف إلا حيث العصيان ، وفعل المنهي ، والمخوف ~~به ؛ هو العذاب الجسماني والروحاني ، وأما الجسماني بإحراق النار الصورية ، ~~وأما الروحاني فهو بإحراق النار المعنوية ؛ وهي تجلي الجلال ، ومن آثاره ؛ ~~البعد والقطيعة ، فكما أن أهل الجمال PageV02P272 # معروفهم ، وخوفهم من فراقه ، وإجلالهم من عظمة وجهه ، منه ما لم يعلموا ~~منه لأنهم من معرفته بالحقيقة في ظنونهم وقت أم رسومهم فإذا عاينوه عرفوه ~~وعرفوا سماهم به وما كان من تقصيرهم في معرفته وعبوديته ، وذلك حين وقعوا ~~في بحر توحيده ورؤية وحدانيته بقوله : ( هو إله واحد ) وما وصفنا ~~من فنائهم في بقائه ، وبقائهم ببقائه ، لا يتذكر فيه إلا البناء الحقيقة ، ~~وعلماء المعرفة ، وعشاق المشاهدة ، وأمناء خزائن المملكة. # قال جعفر في قوله : ( هذا بلاغ للناس ) ولينذروا به موعظة للخلق ~~وإنذار لهم ليجتنبوا قرناء السوء ومجالسة المخالفين ؛ فإن القلوب إذا تعودت ~~مجالسة الأضداد تنكس وتنتكس. # قال بعضهم : كشف للخلق ما ندبوا له ، وأمروا به وجعل ذلك أعذارا إليهم ~~وإنذارا لهم. # *** ### | سورة الحجر # بسم الله الرحمن الرحيم # ( الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين (1) ربما يود الذين كفروا لو ~~كانوا مسلمين (2) ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون (3) وما ~~أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم (4) ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ~~(5) وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6) لو ما تأتينا ~~بالملائكة إن كنت من الصادقين (7) ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا ~~إذا منظرين (8)) # ( الر ) فهم النقد بما يرى من فلق الإلهام إخبارا كسر بصورة ~~الألف واللام والراء ، PageV02P273 # إن الله سبحانه بين كالألف بحر الإثبات ؛ لأنه خير عن الأولية ، ألا ترى ~~كيف قدمها على أول اسمه الله ms0822 ، وبين باللام بحر النفي ؛ لأنها شقيقة لام لا ~~، وبين بالراء بحر كشف الربوبية ، وظهور أنوار الرؤية ، وهذه من شرائط ~~المعرفة ، فمن لم يسبح في بحر النفي بنعت الفناء لوجدان عين الحقيقة ، وحق ~~البقاء لا يبلغ إلى بحر الربوبية ، ولا يدرك لطائفها ، ولا يصل إلى عيان ~~كشف الرؤية بحقائقها ، وقد انقلبت هذه الحروف من أماكنها إبهاما ، وإشارة ~~لفهوم الفهماء ، وإدراك العلوم والعلماء ، ألا تراها في نص صورة الإيمان ، ~~كيف كانت أولها لا إله ، ثم ذكر محل الإثبات بالألف إلا الله ، ولم يذكر ~~الزاي ؛ لأن الأكثرين استغرقوا في البحرين ولم يصلوا إلى البحر الثالث ، ~~لأجل ذلك لم يذكر الراء في هذه الكلمة ، وهذا سر عجيب لا يعرفه إلا أهل ~~السر من أهل التوحيد ، وهي أصل الكتاب ؛ لأن الكتاب جاء مخبرا بمجموعة عن ~~أسرار ما بلسان صاحب الواقعة عليه السلام ألا ترى إلى قوله : ( تلك ~~آيات الكتاب وقرآن مبين ) أي : هذه الحروف المتشابهة أصل هذا الكتاب ، ~~والكتاب تفسيرها يترجمها بما فيها في السورة بلسان القرآن ، والقرآن مجمع ~~أوصاف الربوبية ، وخبر ما كان في الحروف المعجمة يخبر بلسان مبين يبين عند ~~كل عارف عالم القرآن ، مبين في ذاته ليس فيه إبهام ، لكن لم يخرج جلاله ~~وجماله من الحجاب بالحروف بنعت التبيين إلا لمن كان له قلب ، أو ألقى السمع ~~وهو شهيد ، فيبين عن أسراره على قدر إفهام السامعين ، فالموحد يسمع من حيث ~~التوحيد فيوله ، والعارف يسمع من حيث المعرفة فيبهت ، والعاشق يسمع من حيث ~~العشق فيتيه ، والمشتاق يسمع من حيث الشوق فيهيم ، والمحب يسمع من حيث منه ~~؛ لأنهم من معرفته بالحقيقة في ظنونهم وقت ألم القرآن بوصفه لأهل الستر ، ~~فالأنيس يستأنس بجماله ، والسكران يطير بفهم خطابه ولذة سماعه. # قال الأستاذ : بين للمؤمنين ما يسكن قلوبهم ، وللمريدين ما يقوي رجاءهم ، ~~وللمحبين ما يهيج اشتياقهم ، وللمشتاقين ما ينور أسرارهم ، ولما عظم شأن ~~القرآن في خبر الملكوت والجبروت لانقياد الأكوان والحدثان عند جناب الرحمن ~~، وخضوع العارفين بنعت الفناء على جناب عز البقاء ، وبلغوا بأياديه القدمية ~~، ومننه الأزلية ms0823 عليهم إلى مقام النظر إلى جماله وجلاله ومعينة ذاته وصفاته ~~، وبروز أنوار جلالهم بين أطباق الأكوان ، ويراها مع غرتها أهل الطغيان ، ~~ويتمنون أنهم كانوا منقادين مستسلمين كما كان أهل المعرفة والحقيقة فيه ~~للحق منقادين بقوله : ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) ~~الساقطين عن طريق الحق يودون أنهم من المريدين ، ولم يكونوا من المنكرين ، ~~ولم يكونوا من المجتهدين ، ولم يكونوا من الكسالى البطالين ، وأن يكونوا من ~~الراضين ، ولم يكونوا من الساخطين ، وأن يكونوا من المتوكلين ، ولم يكونوا ~~بتدابيرهم لأجل الرزق من المقيمين ، وأن يكونوا من العالمين ، ولم PageV02P274 # يكونوا من الجاهلين ، ومن الموقنين لا من الشاكين ، ومن العارفين لا من ~~المقلدين ، ومن الموحدين لا من المدعين ، ومن المخلصين لا من المرائين. # قال بعضهم : ربما يود الذين فسقوا لو كانوا مطيعين (1). # قيل : ربما يود الذين كسلوا لو كانوا مجتهدين ، وربما يود الذين غفلوا لو ~~كانوا ذاكرين. # قال ابن الفرح : الكفر ها هنا كفران النعمة ، معناه ربما يود الذين جهلوا ~~نعم الله عندهم وعليهم أن لو كانوا شاكرين عارفين برؤية الفضل والمنة. # قيل : إذا صارت المعارف ضرورية احترقت نفوس أقوام عقوبة ، وتقطعت قلوب ~~آخرين حسرة. # ثم سلى قلب حبيبه عن إنكارهم ، وطيب بخطابه فؤاده ؛ فقال الله تعالى : # ( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ) وصف المنكرين ~~بشره بطونهم وشهوات فروجهم وأمل نفوسهم شبههم بالبهائم ، وجعلهم أجهل منها ~~بأملهم ومنازعتهم المقادير ؛ لأن البهائم لا يكون لها أمل. # قال تعالى : ( أولئك كالأنعام بل هم أضل ) فهم لا يعلمون حقائق ~~فسادهم وجهلهم بالله ، وبأوليائه بترهاتهم وطاعاتهم ، وما أفدوا من أيام ~~الطاعات بالمخالفات عند معاينة العقوبة ووقوع الحسرة. # قال أبو عثمان : أسوأ الناس حالا من كان شغله ببطنه وفرجه وتنفيذ شهوته ، ~~حينئذ لا يلحقه أنوار العصمة ، ولا يصل أبدا إلى مقام التوبة. # قال أبو سعيد القرشي : في هذه الاية من شغله تربية نفسه ، وطلب مرادها ، ~~والتمتع بهذه الفانية عن الإقبال علينا ، فأعرض عنهم ولا تقبل عليهم ، ~~وذرهم وما هم فيه ، فلم يصل إلينا إلا من كان لنا ms0824 ، ولم يكن لسوانا عنده ~~قدر ولا خطر. # قال سهل : أخبر الله عز وجل عن أخلاق الجهال أن همتهم الأكل والتمتع ، ~~فأنساهم ذكر قرب الأجل ، ويعز عليهم ما يأملون من عيشهم على هذه الجملة ، ~~فسوف يعلمون أن الذي لهم فيه هلاكهم ، وذلك الذي يبعدهم عن مدائح أهل ~~السعادة ، فإن من أراد الله به الخير جعل همته فيما يقربه إليه من مقام على ~~الطاعات ، واجتناب المخالفات ومحاسبة النفس ، ومن كان بهذه الحالة يلهيه ~~ذلك عن الأكل والشرب والتمتع. PageV02P275 # ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9) ولقد أرسلنا من قبلك ~~في شيع الأولين (10) وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن (11)) # قوله تعالى : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) الذكر ~~صفته ، وصفته قائمة بذاته ، وهو منزه عن تغيير كل مغيرات ، نزلنا القرآن في ~~قلوب العارفين وصدور الموقنين وأسرار الموحدين وإنا له لحافظون ، من ~~مخالفتهم القرآن يحفظ قلوب الصديقين والصادقين بما حفظ قرآنه عن شكوك النفس ~~، ومغالطة الشياطين ، وحركات الضمائر بالخطرات المذمومة ، وأيضا كاشفنا عن ~~أسراره في قلوب أوليائي ، وبما كشفنا منه لهم حافظون بحفظها في صميم ~~أسرارهم ، ويحفظ أسرارهم عن غير فهم حقيقي. # قال ابن عطاء : نحن أنزلنا هذا الذكر شفاء وبيانا وقرآنا وفرقانا ؛ ليهدي ~~به من كان موسوما بالسعادة ، منور بتقديس السر عن المخالفة ، وإنا له ~~لحافظون ، وإنا نحفظه في قلوب أوليائه ، ونستعمل به جوارح الخواص من ~~عبادنا. # يقال : أخبر أنه حافظ القرآن ، وإنما يحفظه بقراءته ، فقلوب القراء خزائن ~~كتابه ، وهو لا يضيع حفظة كتابه ، فإن في تضييعهم تضييع كتابه. # ( كذلك نسلكه في قلوب المجرمين (12) لا يؤمنون به وقد خلت سنة ~~الأولين (13) ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون (14) لقالوا ~~إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون (15)) # قوله تعالى : ( كذلك نسلكه في قلوب المجرمين ) أي : كما أدخلنا ~~الضلال والكفر في قلوب منكري أنبيائنا وأوليائنا الأولين ، حتى كفروا بهم ~~ولم يؤمنوا بما جاءوا به ، يدخل في قلوب هؤلاء المنكرين الكفر والضلال ، ~~ونسدد أبصار قلوبهم عن رؤية حقيقة مشاهدة آياتنا ، ونحجب ms0825 بصائرهم عن إدراك ~~لطائف كتابنا ، وما يبدو من أنوارنا عن وجوه أوليائنا ، حتى لا يذوقوا طعم ~~لطيف الخطاب ، ولا يروا إلينا طريق الماب. # قال الأستاذ : أزاغ قلوبهم عن شهود الحقيقة ، وسد بالحرمان عليها سلوك ~~الطريقة. # ( ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين (16) وحفظناها ~~من كل شيطان رجيم (17) إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (18) والأرض ~~مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون (19) وجعلنا لكم ~~فيها معايش ومن لستم له برازقين (20) وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ~~ننزله إلا بقدر معلوم (21) وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء ~~فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين (22) وإنا PageV02P276 # لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون (23)) # قوله تعالى : ( ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين ) ~~أخبر بجلاله وعز كبريائه عن سموات الذات ، وأبراج الصفات ، وأنه كشف ~~أنوارها وأسرارها لنظار الأرواح والعقول والقلوب ؛ لتسير في أبراجها بقدر ~~قوتها من قوى السعادة والتوفيق ، فكواكب الأرواح تسري في أبراج الأزليات ~~والأبديات ، ونجوم العقول تسير في أبراج أنوار العظمة والكبرياء ، وسيارات ~~القلوب تسير في برج سنا الجلال والجمال ، وأقمار الأسرار وشموسها تسير في ~~بروج سبحات الذات ، فتحصيل الأرواح من أماكنها وسيرها التوحيد والتجريد ~~والتغريد ، وتحصل العقول من سيرها المعارف والكواشف ، وتحصل القلوب من ~~سيرها العشق والمحبة والشوق والخوف والرجاء والقبض والبسط والعلم والخشية ~~والأنس والانبساط ، وتحصل الأسرار من سيرها الفناء والبقاء والسكر والصحو ، ~~ولكل عارف وموحد ومحب وشائق وصادق ومخلص ومريد من كل برج من أبراج الصفات ~~له نظر وفهم وعلم ومعرفة وكشف ومقام وعمل ونطق وإشارة وعبادة وجد وحال وأدب ~~وأفعال وما لا يتناهى من دنيات ثمارها المشاهدات ولطائفها المكاشفات ؛ لأن ~~منابعها الصفات التي منزهة عن الحدود والعلات ، ومن سار في أبراج الصفات ~~يرى منابع الصفات ، وهي عيون ألوهية الذات ، سبحان من عظم شأنه وتقدست ~~أسماؤه وصفاته وذاته عن أوهام الخليقة ، ومن إدراك قلوب البرية ، وذلك قوله ~~بوصف تنزيهه : ( وحفظناها من كل شيطان رجيم ) منع كشف جمال صفاتها ~~وجلال ذاتها عن أبصار البطالين والمدعين والمبطلين الزائغين عن ms0826 الحق ~~المقبلين على الخلق ، هذا من أعالي دقائق الإشارات ، وإشارة الأدنى أنه ~~تعالى جعل في سماء الأرواح أبراج أنوار تجلي صفاته وذاته ، فسيارات أنوار ~~الصفات والذات تسير في أبراج همها ، وجعل تلك الأبراج منورة مزينة بزينة ~~نور الصفات والذات لسكان أرض القلوب من أنظار العقول ؛ لترى العقول في ~~ترائيها أقمار الصفات وشموس الذات من حيث التجلي لا من حيث كينونة الحلول ، ~~فتستشرف على أسرار معارف جوده ووجوده ، فلكل نظر منها فائدة في القلوب من ~~المواجيد والحالات والمعاملات والمقامات ، مثل الوجل والخشية والندم ~~والرهبة والرغبة والمراقبة والمحاضرة والخطاب والشهود والوقوف بأسرار ~~العبودية والربوبية ، فنعت تلك القلوب بما رأت تلك العقول من أبراج سماء ~~الأرواح الوجد والهيجان والهيمان والوله والزفرات والعبرات ، صواحبها أوتاد ~~الأرض ونقباء الأولياء وأصفياء الحضرة شمائلهم أنوار جود الله ، يظهر من ~~وجوههم سنا وجود الله ، سبحان الله ، من هم وأين مأواهم؟ طوبى لهم ، ثم ~~طوبى لهم ثم بفضله وجوده وحفظ تلك البروج من هواجسات النفوس ووساوسات PageV02P277 # الشياطين. # كما قال : ( وحفظناها من كل شيطان رجيم ) ثم بين سبحانه أن تلك ~~النفوس الأمارة والشياطين الوسواسية تسترق من عالم سماء العقول والأرواح ~~والأسرار والقلوب أسماع هواتف الغيب من صرف الخطاب والإلهام ؛ لتدع بكلمة ~~الغيب الدعاوي الباطلة ؛ فأتبعها شهب طوارق القهريات ، وأحرق بنيران المحبة ~~والأشواق ، ليصفي هواء المعرفة من غبار الطبيعة بقوله : ( إلا من ~~استرق السمع فأتبعه شهاب مبين ). # وأيضا فيه إشارة أخرى أنه تعالى يعز جوده وجده وجلاله ، جعل في سماء ~~القلوب أبراج المقامات والحالات ، ويجري فيها سيارات الهمم لطلب وجدان أهله ~~أنوار الصفة ، فترى كل همة من برج كل مقام نورا من أنور الغيب ، وسر من ~~أسرار الغيب ، حتى يستشرف على مطالع الربوبية والإلوهية في كل دورة أفلاك ~~القلوب في هواء الهوية حين تبرز شموس أسرار الذات وأقمار الصفات وسيارات ~~حقائق الأزل والأبد. # ألا ترى تقلب تلك الأفلاك في ممالك ملكوت الأزل ، كيف وصفها حبيب الحبيب ~~صلوات الله وسلامه عليه وعلى خلائه من الأنبياء والرسل والأصفياء بقوله : ~~«القلوب بين إصبعين من ms0827 أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء» (1). # ونظار تلك السماوات العقول القدسية والأسرار الملكوتية ، ترى من كل برج ~~نور صفته ، فيورث تجليها لكل عقل مقام ، وشرفا وحالا ووجدا وعلما ومعرفة ، ~~وبجلال قدمه يحفظ تلك السموات مع أبراجها من طوارق النفوس والوسواس ، فإذا ~~قصدت النفس الأمارة إلى حاشية من حواشي القلب يحترق بزفرة من زفرات القلب ، ~~وكذلك الوسواس. # قال تعالى : ( فأتبعه شهاب مبين ) وما ذكرنا من تلك الحقائق من ~~أنوار تلك البروج يظهر من وجوه الصديقين ، وتلك الوجوه مطالع أنوار صفات ~~الحق يبرز نورها من وجوههم وجباههم للناظرين من المريدين الصادقين ~~والشائقين من المحبين ، وتلك سمات الحق لاعتبار الخلق وهدايتهم ، قال الله ~~تعالى : ( تعرفهم بسيماهم ). # قال بعضهم : زين السماوات بالكواكب والبروج ، وجعل فيها علامات لمن يهتدي ~~بها في ظلمات البر والبحر ، وزين القلوب بإطلاعه عليها ، وأنواع الأنوار ~~لتهتدي بتلك الأنوار إلى مقام المعرفة ، وهذه المعاملات إنما يهتدي بها من ~~كان بصيرا مفتوحا عين فؤاده ينظر إليه نظر عيان. PageV02P278 # قال أبو بكر بن طاهر : كما جل الله في السماء بروجا يهتدوا به في ظلمات ~~البر والبحر وزيناها للناظرين ، كذلك جعل في القلوب بروجا يهتدي بها العارف ~~إلى ربه ، فمن ذلك برج الخوف ، وبرج الرجاء ، وبرج التوكل ، وبرج التفويض ، ~~وبرج التسليم ، وبرج اليقين ، وبرج المعرفة ، وبرج المحبة ، وكل برج من هذه ~~الأبراج والبروج منها طريق إلى الله تبارك وتعالى ولا يعرفها إلا السالكون ~~فيها والعالمون بها ، وكما زين تلك البروج للناظرين ، كذلك زين بروج القلب ~~للناظرين لأنفسهم القائمين بأوامر الرب عليهم والعارفين حالهم ومحلهم في كل ~~وقت وحين. # قال الأستاذ : في السماء بروج وهي لها زينة ، ثم تلك النجوم للشياطين ~~رجوم ، إذا راموا إن يسترقوا السمع ، وفي القلب للمعارف والعقول نجوم ، ثم ~~هي للشياطين رجوم ، فلو دنا إبليس وجنوده من قلب ولي من أوليائه أحرقته بل ~~محقته نجوم عقله وأقمار علمه وشموس توحيده وكما أن نجوم السماء زينة ~~للناظرين إذا لا حظوها ؛ فقلوب العارفين إذا نظر إليها ملائكة السماء لهم ~~زينة ، ثم أن الله سبحانه ms0828 وصف قدرته في مد الأرض وإلقائه فيها الرواسي ~~بقوله : ( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل ~~شيء موزون ) الإشارة فيه أنه تعالى بجلاله وقدره بسط قلوب الأولياء ببسط ~~سعته وقدرته وعلمه ومدها بأنوار تجلي جماله وجلاله ، فصارت مبسوطة بوقوع ~~نور مشاهدته عليها ؛ لأنها بلد الله ومقام زيارته ، هناك أشرقت الأرض بنور ~~ربها ، فكلما يتجلى لها بسطها فانبسطت وزاد في امتدادها بقدر زيادة وقوع ~~نور التجلي عليها ، فكلما ازداد نورها من الحق ازداد بسطها وامتدادها وهي ~~مضطرة إلى زيادة بسطها وسعتها إلا أنها يوازي مشاهدة جلالة القدم الذي بلا ~~نهاية ولا غاية ، فإذا يزيد بسطها وامتدادها إلى أبد الاباد ، وذلك لأن ~~هناك عرش الرحمن وكرسيه ، وهنا لك ولاية الله ينزل عساكر تجليه عليها في ~~جميع الأنفاس والأوقات ولم يكن موضع من العرش إلى الثرى بهذه الخاصية غير ~~قلوب الأنبياء والأولياء. # لما روي سيد الأنبياء عليه وعليهم سلام الله عن الله سبحانه قال : «لم ~~يسعني السماوات والأرض ، ويسعني قلب عبدي المؤمن» (1). # ولا يظن أن ذلك البسط أبسط صورة القلب ؛ لأن بسط القلوب بسط علومها ~~وفهومها وعقولها ، وبسط نورها وقبولها أنوار قرب الله سبحانه التي اطلعت ~~على فطرتها وأماكن غيبها ، وغيبها معادن علم الله ، وفي علم الله استغرقت ~~الأكوان والحدثان ؛ فكل شيء من العرش إلى الثرى في تلك الأماكن من قلوب ~~الصديقين أقل من خردله ، وكيف لا يكون PageV02P279 # ذلك وهو يسع حمل الملك والملكوت ، ولما تجلى لها تزلزلت من هيبته وإجلاله ~~؛ فألقى فيها رواسي العظمة وشدها بحبال أنور الكبرياء ، وربطها بأوتاد ~~العقول وأنبت فيها بمياه بحار زلال نور غيبه من جميع نبات المعارف والكواشف ~~والمواجيد والحالات والمقامات والاداب ، وتلك الحقائق والهبات موزونة بقدر ~~تجليه وميزان علمه ، وأيضا فيه إشارة أخرى أن رواسب الأرض أولياء الله ، ~~وكما أن الجبال والرواسي بالتفاوت في صغرها وكبرها ، فكذلك الأولياء ~~بالتفاوت في مقاماتها وأحوالهم عند الله ، فالرواسي أعظم الجبال ، فأعظم ~~الأولياء الغوث والثلاثة المختارون والسبعة ثم العشرة ثم الأربعون ثم ~~السبعون ثم الثلاثمائة وهم الأبدال والأوتاد ms0829 ، والسبعون النقباء ، ~~والأربعون الخلفاء ، والعشرة العلماء ، والسبعة العرفاء ، والثلاثة أهل ~~المكاشفة وهم الرواسي والغوث ، أعني القطب مثله مثل جبل قاف والأوتاد مفزع ~~، العامة والنقباء مفزع الأوتاد ، والخلفاء مفزع النقباء ، والعلماء مفزع ~~الخلفاء ، والعرفاء مفزع العلماء ، وأهل المكاشفة مفزع العلماء ، والقطب ~~مفزع الكل. # قال بعضهم : مد الأرض بقدرته وأمسكها ظاهرا بالجبال والرواسي ، وأما ~~الرواسي على الحقيقة ؛ فهو مقام أوليائه في خلقه بهم يدفع البلاء عنهم ~~وبمكانهم بصرف المكاره ، فهم الرواسي على الحقيقة لا الجبال. # قال محمد بن علي الترمذي : أن في العباد عباد هم المفزع ومن فوقهم ~~الأوتاد ومن فوقهم الرواسي. # قال : المفزع مرجع عامة العباد ، ومرجع المفزع إذا هال الأمر إلى الأوتاد ~~(1)، ومرجع الأوتاد ، إذ يستعجل الأمر إلى الأوتاد وهم خواص الأولياء ، ~~قال الله تعالى : ( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ). # وقال سهل : مد الأرض ووسع رقعتها ليسير فيها الناظر بالغيرة والاعتبار ؛ ~~فيطلب فيها أماكن الأولياء وهم الرواسي الذين بهم قوام الأرض. # قال الأستاذ : نفوس العابدين أرض العبادة ، وقلوب العارفين أرض المعرفة ، ~~وأرواح المشتاقين أرض المحبة والخوف والرجاء لها رواسي وكذلك الرغبة ~~والرهبة. # وقال : كما أنبت في الأرض فنون النبات أنبت في القلوب صنوفا من الأزهار ~~والأقمار ، فمن نور اليقين ، ونور العرفان ، ونور الحضور ، ونور الشهود ، ~~ونور التوحيد إلى غير ذلك من PageV02P280 # الأنوار ، ثم وصف سبحانه معايش الجمهور مما ينبت أرض القلوب من زهر ~~المعارف والكواشف بقوله : ( وجعلنا لكم فيها معايش ) معايش ~~الصديقين في أرض أنوار الشهود ، ومعايش المحبين ظهور نور تجلي ، ومعايش ~~العارفين كشوف التدلي ، ومعارف الموحدين استماع الخطاب بعد الكشف ، ومعايش ~~سكان أرض القلب من العقل والفهم والنفس نور الإيمان والبرهان والإيقان وذلك ~~قوله : ( ومن لستم له برازقين ) هو بجوده سبحانه رازق الأرواح ~~ورازق العقول والنفوس. # قال الأستاذ : سبب عيش كل أحد مختلف ، فعيش المريدين بيمن إقباله ، وعيش ~~العارفين بلطف جماله ، وعيش الموحدين بكشف جلاله ، كل مربوط بحاله ، ولكل ~~نصيب من أفضاله ، والحق منزه عن التحمل بأفعاله ، ثم وصف سبحانه سعة قدرته ~~وعلمه وملكه وملكوته وخزائن جوده بقوله : ( وإن ms0830 من شيء إلا عندنا ~~خزائنه ) أي : ما من شيء في قلوب العارفين من أنوار المكاشفة والمعرفة ~~والتوحيد والإيمان واليقين والمقامات والحالات والإلهام والخطاب إلا عندنا ~~خزائنه ، وخزائن هذه الحقائق ذاته القدمية وصفاته الأبدية ، فإن كل وجد ~~وكشف وعلم وحال ومعرفة وتوحيد مقام ومقال يتعلق بكشف الذات والصفات وكشوف ~~أنوارها تظهر بقدر قوة القلوب مقرونة بالإرادة الأزلية بقوله : ( ~~وما ننزله إلا بقدر معلوم ) وعلم الإشارة في الاية دعوة العباد إلى حقائق ~~التوكل بوصف قطع الأسباب والأعراض عن الأغيار. # قيل : كان الجنيد إذا قرأ هذه الاية : ( وإن من شيء إلا عندنا ~~خزائنه ) قال : فأين تذهبون؟ # قال بعضهم : القلوب خزائن الحق عند الخلق أودع فيها أجل شيء وهو التوحيد ~~وزينها بالمعرفة ونورها باليقين ومجدها بالتفاني في أوصافه. # قال النبي صلى الله عليه وسلم : «قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن ~~يقلبها كيف يشاء» (1). # وجعل آثار أنوار القلوب على الجوارح من التسارع إلى الطاعات ، والتثاقل ~~عن المعاصي والمخالفات ، وهذا دليل لما قلت من الكرامات لذلك ، قال الله : ~~( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ). # وقال حمدون : قطع أطماع عبيده عن سواه بقوله : ( وإن من شيء إلا عندنا PageV02P281 # خزائنه ) فمن رفع بعد هذا حاجته إلى غيره فهو لجهله ولومه. # قال ابن عطاء : في هذه الاية النظر إلى شواهد القسم أسكنت بالنفوس عن الحكم. # وقال سهل : أخص خزائن الله في الأرض قلوب أوليائه التي هي محل معرفته ~~وغيبه ومحل نظره ، فمن حفظ تلك الخزانة بالذكر الدائم والمراقبة عمر الله ~~قلبه بالرجوع إليه على دوام الأوقات والأعراض عما سواه. # وقال : خزائنه في الحقيقة مقدوراته وهو سبحانه قادر على كل ما هو موهوم ~~الحدوث. # ويقال : خزائنه في الأرض قلوب العارفين بالله في الخزانة جواهر من كل صنف ~~، فحقائق العقل جواهر ومنعها في قلوب أقوام ، ولطائف العلم جواهر ، وبدائع ~~المعرفة جواهر ، وأسرار العارفين مواضع سره ، فالنفوس خزائن توفيقه ، ~~والقلوب خزائن تحقيقه ، واللسان خزائن ذكره. # ويقال : أرواح قلوب الفقراء عن تحمل المنة من الأغنياء فيما يعطوهم ، ~~وأرواح الأغنياء عن مطالبة ms0831 الفقراء منهم شيئا ، فليس للفقير صرف القلب من ~~الله إلى مخلوق ، ولا افتقار منه لأحد ، ولا للغني بقليل منه لأخذ ذلك ~~الملك كله لله ، والأمر بيد الله فلا قادر على الإبلاغ إلا الله. # ثم وصف الرياح اللواقح التي تحمل الأشجار ثمارها بقوله : ( ~~وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له ~~بخازنين ) غرس في قلوب أوليائه أشجار المعرفة التي هي من بساتين غيب ملكوته ~~وجبروته ، ثم أرسل عليها رياح لطفه بكشف جماله لها ؛ فتلقح بشمال جماله ~~أشجار معرفتهم ثمار محبته وشوقه وعشقه ، ثم سقاها بمطر عنايته من بحر كرمه ~~حتى أثمرت كل غصن منها حكمة من حكمه وعلما من علومه ، وخبرا من غيبه ، وسرا ~~من أسراره ، وحقيقة من حقائقه بها نسائم الأنس ، ونورها لطائف القدس ، ~~وزهرها من لوائح إنصاف ، ووردها من لوامع الذات ، وفواكهها حياة مرضي ~~المريدين تشفيهم من داء الفراق ، وتربيهم بترياق الوفاق ، فكل سالك عارف ~~عاشق محب واله سقاه الحق من مطر لطفه من بحار كبريائه شربات مفرحات الأفراح ~~بأقداح الأرواح ؛ فيصير سكران جماله من حب جلاله هائما من شوقه إلى وصاله ، ~~فلا العاشق الشائق يسكن من سكره ، ولا من سقي شرابه ، ولا ينقص بحر وصاله ~~من شرب عاشق جماله وكمال جلاله. # شربت الحب كأسا بعد كأس %~% فما نفذ الشراب ولا رويت # قال بعضهم : رياح الكرم إذا هبت على أسرار العارفين أعتقتهم من هواجس ~~أنفسهم ، ورعونات طباعهم ، وفساد هواهم ومراداتهم ، ويظهر في القلوب نتائج ~~الكرم ، وهي PageV02P282 # الاعتصام بالله ، والاعتماد عليه ، والانقطاع عما سواه ، قال الله : ( ~~ وأرسلنا الرياح لواقح ) فقلوب تلقح بالبر ، وقلوب تلقح بالفجور ، ~~وما روي في الأخبار قلوب الأبرار تغلي بالبر ، وقلوب الفجار تغلي بالفجور. # قال أبو عثمان : كما أن الرياح الربيع إذا هبت فتحت عروق الأشجار لحمل ~~الماء ، فكذلك رياح العناية إذا فتح أسماعها لقبول الموعظة ودلها على طريق ~~التوبة وباب الإنابة. # وقال ابن عطاء : رياح العناية تلقح الثبات على الطاعات ، ورياح الكرم ~~تلقح في القلوب معرفتها لنعم ، ورياح التوكل تلقح في النفوس الثقة ms0832 بلله ~~والاعتماد عليه ، وكل ريح تظهر في الأبدان زيادة وفي القلوب زيادة ، ~~والشفاء من حومها. # وقال الأستاذ : كما أن الريح في الأفاق مقدمات المطر كذلك الامال في ~~القلوب مما يتفرسه العبد مما يتأدى إلى قلبه من مبشرات الخواطر وتنسم ~~النجاح في طلبه يحصل ، فيستروح القلب إليه قبل حصول المأمول من الكفاية ~~واللطف. # ويقال : إن رياح البسط إذا هبت على قلوب العارفين ما تركت فيها للوحشة أثر. # ويقال : إذا هبت رياح القرب على قلوب العارفين عطرت بنفحات الأنس ؛ ~~فيبقون في نسيمها على الدوام ، ومما يؤيد تحقيق التوحيد آخر الاية قوله : ( ~~ وما أنتم له بخازنين (22)) بين أن لطائف أنوار المشاهدة لا يتعلق ~~بكسب العباد ، ويكلفهم في المجاهدات ، وإذا انكشفت أنوارها في القلوب لم ~~يكونوا بحابسيها ؛ لأنها شعاع شمس الوحدانية وهي منزهة عن تناول الحدوثية ، ~~وهذا معنى قوله تعالى : ( وما أنتم له بخازنين (22)) وبتلك المياه ~~والرياح يحي أرواح الصديقين وقلوب الموحدين بقوله : ( وإنا لنحن ~~نحيي ونميت ونحن الوارثون ) نحي بمشاهدتنا قلوب المنقطعين من موت الفراق ، ~~ونميت نفوس المريدين بالخوف عنا وقهر عظمتنا عن حياة الشهوات ، وأيضا نحي ~~الأرواح بتجلي بقائنا عن موت فنائها في مشاهدة قدمنا ، ونفنيها عن حياتها ~~بمشاهدة البقاء برؤية قدمنا وأزلنا ، نحي أسرار العارفين بجمالنا ونميتها ~~باحتجاب مشاهدة جلالنا عنها ، ونحن الوارثون ما عليها من أحكام الربوبية ~~وما لها من أحكام العبودية. # قال الواسطي : نحي من نشاء بنا ، ونميت من نشاء عنه. # قال بعضهم : نحي أقواما بالطاعة ونميت أقواما بالمعصية. # وقال البراق : نحي القلوب بنور الإيمان ونميت الأنفس باتباع الشهوات. # وقال أبو سعيد الخراز : الحي من العباد من الحق حياته ، والميت منهم من ~~جر كأنه بقاؤه. PageV02P283 # وقيل : نحي القلوب بالمشاهدة ، ونميت النفوس بالاستتار. # وقال الجريري : كم من حي حياته موته ، وميت موته حياته. # وقال سهل : نحي أهل الصفوة بمعرفتنا والإقبال علينا ، ونميت المخالفين ~~بإنكارنا والإعراض عنا. # وقال : أيضا نحي النفوس السعيدة متابعة القلوب الرضية ، ونميت النفوس ~~الشقية بمتابعة الهوى والشهوات. # وقال الأستاذ : نحي القلوب بالمشاهدة ، ونميت نفوسهم بالمجاهدة. # ويقال : نحي ms0833 المريدين بذكره ، ونميت الغافلين بهجره. # ويقال : نحي قوما بأن يلاطفهم بلطف جماله ، ويميت قوما بأن يحجبهم عن نيل ~~أفضاله. # ( ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين (24) وإن ~~ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم (25) ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ ~~مسنون (26) والجان خلقناه من قبل من نار السموم (27) وإذ قال ربك للملائكة ~~إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون (28) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ~~فقعوا له ساجدين (29) فسجد الملائكة كلهم أجمعون (30) إلا إبليس أبى أن ~~يكون مع الساجدين (31) قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين (32) قال ~~لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون (33) قال فاخرج منها فإنك ~~رجيم (34) وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين (35) قال رب فأنظرني إلى يوم ~~يبعثون (36) قال فإنك من المنظرين (37) إلى يوم الوقت المعلوم (38) قال رب ~~بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) إلا عبادك منهم ~~المخلصين (40) قال هذا صراط علي مستقيم (41) إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ~~إلا من اتبعك من الغاوين (42) وإن جهنم لموعدهم أجمعين (43) لها سبعة أبواب ~~لكل باب منهم جزء مقسوم (44) إن المتقين في جنات وعيون (45) ادخلوها بسلام ~~آمنين (46) ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين (47) لا ~~يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين (48) نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم ~~(49) وأن عذابي هو العذاب الأليم (50) ونبئهم عن ضيف إبراهيم (51) إذ دخلوا ~~عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون (52) قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام ~~عليم (53)) PageV02P284 # قوله تعالى : ( ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا ~~المستأخرين ) أنوار وقائع الغيب تقع في قلوب الأولياء في أوان شتى ، فمن ~~صاحب واقعته في زمان صباه كإبراهيم ، ويوسف ، ويحيي عليهم السلام ، ومن صاحب ~~واقعة تقع واقعته في كمال شبابه كموسى ، وداود ، ومحمد صلى الله عليه وسلم ~~وعليهم أجمعين ، فمنهم المستقدمون بالوقائع ، ومنهم المستأخرون بها ، وأيضا ~~إن المستقدم في عهد الأزل بالمعرفة والخطاب والشاهدة ، وكشف الحجاب للأرواح ~~الملكوتية ، والمستأخر بالإيمان والإيقان بعد كون الأشباح والقلوب ، وأيضا ~~المستقدمين المجذوبين ms0834 من العارفين بسلاسل جذبات المكاشفات ، وهم أصحاب ~~الوجود والحالات ، والمستأخرين من أهل السلوك المقتدين بأهل الطاعات من أهل ~~الكرامات ، وأيضا المستقدمين في الأزل بالولايات والمستأخرين من أهل ~~الطاعات ، وأيضا المستقدمين بنعت المحبة والشوق إلى المشاهدة ، والمستأخرين ~~من أهل الطاعات بنعت الطلب ساكن الجنات ، وأيضا المستقدمين إليه بالقلوب ~~الوالهة والأرواح العاشقة والعقول الفانية بنعت التسارع إلى طلب الجمال ~~والجلال ، والمستأخرين من أهل الرسوم بنفوسها الأمارة إلى أبواب المعصية ~~والطاعة طلبا للحظوظ والأعراض ، وأيضا المستقدمين بهم إلى عالم المشاهدات ، ~~والمستأخرين بقدهم إلى الطاعات ، وأيضا المستقدمين بنعت هيجان قلوبهم ووله ~~أرواحهم إلى طلب لقائه ، والمستأخرين بالطاعة إلى طلب ثوابه ، ومن علم ~~المجهول إشارته أن المستقدمين هم أهل الإرادات الذين إذا دعوا إلى الطاعة ~~يتسارعون لخفة قلوبهم لطلب صفاء العبادات وراحة المراقبات في صفاء الأوقات ~~، والمستأخرين هم سكارى التوحيد والمعرفة والمحبة متثاقلين من أثقال برجاء ~~كشف العظمة والكبرياء عليهم إلى رسوم الطاعة ، وذلك من غلبته البسط والبساط ~~الحق إليهم مثل بهلول ، وسعدون ، ومجنون (1)، والنوري ، والشبلي ، والحصري ~~، وهشام بن عبدان الشيرازي ، وعلي ابن سهل البيضاوي ، ونظرائهم من أهل ~~السكر والغلبات قدست أسرارهم. # قال ابن عطاء : من القلوب همتها مرتفعة عن الأدناس ، والنظر إلى الأكوان ~~، ومنها ما هي مربوطة بها مقترفة بنجاستها لا تنفك عنها طرفة عين ، قال ~~الله تعالى : ( ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ). # وقال بعضهم : عرفنا الراغبين فينا والمعرضين عنا. # وقال النهرجوري : علمنا الراغبين فينا بسرعة الإجابة إلى طاعتنا ، وعلمنا ~~الزاهدين PageV02P285 # فينا بالتثاقل بالقيام إلى أوامرنا. # قال الأستاذ : العارفون مستقدمون بهممهم ، والعابدون مستقدمون بقدمهم ، ~~والتائبون مستقدمون بندمهم ، وأقوام مستأخرون بقدمهم وهم العصاة ، والاخرون ~~مستأخرون بهممهم وهم الراضون بخسائس الحالات. # ويقال : المستقدمون الذين يستجيبون خاطر الحق من غير تعرج عن تفكر ، ~~والمستأخرون الذي يبصرون إلى الرفض والتأويل. # قوله : ( ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون ) إن الله ~~سبحانه كان موصوفا في الأزل بالقهر واللطف وللصديقين منه لها تأثير في ~~تجليها عن القدم إلى العدم ، ويتجلى بلطفه من أنوار لطفه إلى العدم ، فأظهر ms0835 ~~بنور لطفه التراب والماء وجعلها أصلا في مواليد الإنسان ، وتجلى بقهره ~~للعدم ؛ فأوجد من تجليه النار ، وجعلها أصل مواليد الجن والجان ، فخلق من ~~الماء والطين آدم عليه السلام وذريته وجميع معاشهم من الماء والطين اللذين ~~أصلهما من تجلي نور لطفه ، وخلق الجن وإبليس من النار التي هي من تأثير ~~قهره ؛ فوقع المخالفة بين الجان والإنسان ، كما وقعت المخالفة بين الماء ~~والطين والنار ، فخلق الأول الماء والطين من لطفه ، ثم خلق النار من قهره ، ~~فسبق الماء والطين على النار ؛ لأن الماء والطين سبب الرحمة على العباد ، ~~والنار سبب عذاب العباد ، لذلك قال تعالى : «سبقت رحمتي غضبي» (1). # فتبين فضل الماء والطين وتقدمهما على النار ، فإذا كان الماء والطين بهذه ~~المثابة خلق سبحانه بلطفه آدم عليه السلام وذريته من الماء والطين ، وخلق ~~إبليس وذريته من النار ، وإذا أراد سبحانه في الأول خلق الإنسان خلق ذريته ~~بيضاء ؛ فتجلى لها جميع صفاته وذاته ، فذابت تلك الذرة من صولة تجلي ذاته ~~وصفاته ، وسارت زلالا نورانيا جلاليا جماليا ، فأثر فيها بركة تجلي ذاته ~~وصفاته ، فتلاطم بعضه بعضا ، وألقى فوق الماء زبدة من نفسه فصارت تلك ~~الزبدة طينا ، فخلق سبحانه من تلك الزبدة الأرض ، ودار ذلك الماء حول الأرض ~~ودخل في بطنها ، ثم خلق منها آدم عليه السلام وكان ما خلق آدم عليه السلام ~~منها طينا لزجا بما فيها من ذلك ، فيبس الماء في نفسه بتأثير شعاع تجلي ~~العظمة ، فخلق آدم عليه السلام منه لذلك قال : ( ولقد خلقنا الإنسان ~~من صلصال من حمإ مسنون ) فإذا أراد خلق آدم عليه السلام سلط على ترابه ومائه ~~سطوات تجلي قدمه وبقائه ؛ فخمرها بتجلي القدم والبقاء الذين كني عنهما ~~باليدين بقوله : ( خلقت بيدي ) يد القدم ويد البقاء أربعين صباحا ~~كل صبح منها أصبح كشف ألف صفة ؛ فخمرها أربعين صباحا PageV02P286 # يتجلى كشف أربعين ألف صفة من صفاته ، وجعل صورة آدم عليه السلام وطينته ~~مساقط أنوار تجلي صفاته ؛ فلما كملت صورته طرحها بين العرش والكرسي ثمانين ~~ألف سنة من سني الاخرة ، ورباها بأفانين كرامات ms0836 تجليه ، وهو سبحانه خلق ~~روحه قبل صورته ، وصورة الكون بألفي ألف عام من أعوام الاخرة. # قال عليه السلام : «خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام» (1). # وكان خلق روحه من تأثير تجلي ذاته ، فأصلها أيضا يتجلى جميع صفاته ، ~~فحبسها في حجال غيب الغيب وغيب غيب الغيب ، وسترها بقباب غيبه من أعين ~~الملائكة ، ثم ألبس طينتها وصورتها لباس الغيرة ؛ فنظرت الملائكة إلى صورة ~~المعرفة من قلة معرفتهم بجلال قدرها ، وأعمى الله إبليس عن رؤية ما في صورة ~~آدم عليه السلام حتى تفاخر عليها ، فلما أراد سبحانه إظهار صنيعه في ملكه ~~وملكوته وجلال صنيعه الموجود جاء بروحه التي انقدحت من زنود تجلي الذات ~~والصفات بقوله : ( ونفخت فيه من روحي )، وأدخلها بنفخة المنزه عن ~~همهمة الأنفاس الحدثانية في صورته ؛ فقام بإذن الله ملتبسا نور الصفات ~~والذات ، وجلس على بساط سلك بقائه فصار محتار من بين الفريقين الجن ~~والملائكة ، أيضا لأن الملائكة ، خلقت بأمر واحد وكان آدم عليه السلام خلق ~~بتجلي الذات والصفات فشتان بين آدم عليه السلام وذريته ، وبين الملائكة ~~وبنيه ، وبين إبليس وجنوده. # قال بعضهم : الأشباح مزدولة قيمتها ؛ لأنها خرجت من تحت ذل كن ، وأظهرت ~~من الصلصال والحمأ المسنون. # قال الأستاذ : ذكرهم نسبتهم ؛ لئلا يعجبوا بحالتهم. # ويقال : القيمة لهم بالتربية لا بالتربية النسب تربة ولكن التعب قربه. # ثم أخبر سبحانه الملائكة بخلق آدم عليه السلام بقوله : ( وإذ قال ~~ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون ) إخباره لهم من خلق آدم ~~عليه السلام افتتاحه لهم أبواب خزائن ملكوت الأصغر ليريهم ما في عالم الكبير ~~وما فيه إياهم في عالم الصغير ، وهو الإنسان ليشاهدوا عجائب صنعه وقدرته ~~ويروا فيها جمال جلاله ؛ لأن آدم عليه السلام كان مرآة الحق في العالم من ~~يراه يرى آثار الله فيه. # قال جعفر : امتحنهم ليحثهم على طلب الاستفهام ؛ فيزدادوا علما بعجائب ~~قدرته ويتلاشى عنهم نفوسهم ، ثم أعلم الملائكة محل جوده ولطائف جوده في آدم ~~عليه السلام ليروا آيات PageV02P287 # بهائه وتخضعوا لجلاله بقوله : ( فإذا سويته ونفخت فيه ms0837 من روحي ~~فقعوا له ساجدين ) أعلمنا أن مزية آدم عليه السلام على الكل بتشريف تسويته ~~ونفخه روحه فيه وإن كان شريف في الأصل فطرة طينه شرفه كان لله ، ومباشرة ~~أنوار ذاته المنزه عن الحلول والاجتماع والافتراق ؛ فيصير قبلة الله في ~~بلاده وعباده فإذا ظهر لكم فاسجدوا له عند معاينتكم أنوار قدرتي وعجائب لطفي. # قال أبو عثمان : إذا خصصته بإظهار النعت عليه من خصائص الروح وبيان ~~التسوية فدعوا مجادلتكم وارجعوا إلى حد القهر والتعبد له. # قال الواسطي : لما نفخ الروح في آدم عليه السلام جعل معرفتها معرفة الحق ~~إياها ، وعلمها علم الحق بها قصودها مرادات بابها على محابها ، فلما احتجب ~~الملائكة بالصورة الصلصالية والرسوم الشجية عن جمال روحه وما صنع الله ~~بعزته وصمديته وجلال جميع صفاته وذاته في تسويته وصفرته حين لم يشاهدوا عين ~~الجبروت والملكوت فيه ، ولم يروا صور حقائق اللاهوتية في مرآة الناسوتية ، ~~واحتجوا وجادلوا بقوله تعالى : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) ترحم ~~عليهم الحق سبحانه بأن رفع حجاب الغيرة عن وجه آدم عليه السلام دلالة منه ~~لهم به إليه ليعرفوا ذلهم وغره فرأوا أنوار الأسماء والصفات وسنا سبحات ~~الذات في وجهه ، ورأوه ملتبسا بنوره ونور نوره ، وما عليه من كسورة ربوبيته ~~؛ فتاهت قلوبهم ، وفنيت عقولهم من صولة جلاله ، وخروا له ساجدين من شدة ~~حبهم له وشوقهم إليه ، وتصاغرت نفوسهم بين يديه وذلك قوله سبحانه : ( ~~ فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) سجودهم لما بدا من آدم عليه السلام من ~~نور الحق ؛ فسجدوا له لا له بالحقيقة بل سجدوا للأزلي الأبدي المنزه عن ~~إشارة الزائغين ، وتهمة المبطلين ، وأوهام الغالطين ، ولم ير إبليس ما رأت ~~الملائكة ؛ لأنه كان من عالم القهر محجوبا بالقهر عن رؤية جمال الحق في آدم ~~عليه السلام بقوله : ( إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين )، ولو ~~أدركه بتلك الصفة سجد له في كل لمحة ألف مرة. # لو يسمعون كما سمعت كلامها %~% خروا لعزة ركعا وسجودا # قال بعضهم : أبصر الملائكة من آدم عليه السلام هيكله وشخصه ، ولم يشاهدوا ~~إضافة الروح ms0838 إليه واختصاص الخلقة به واستقامة التسوية وتعليم الأسماء ~~والإشراف على الغيب فنكلوا على السجود ؛ فلما أظهر الحق تعالى هذه الخصائص ~~سجدوا له وقالوا : سبحانك أنت تخص من تشاء من عبادك بخصائص الولاية ، ~~وتنعيه بنعوت الربانية ، وتجريه إلى بساط القربة ، وأنت الفعال لما تريد. # قال الواسطي : الفرق بين روح آدم عليه السلام وبين الأشياء كلها تسوية ~~الخلقة وتخصيص PageV02P288 # الإضافة ، فقربت من الله وعرفته ومكنها من حكمها فغنت وغنمت ، ورجعت إليه ~~بالإشارة وقطعت عنه العبارة ، وذلك كله من عجز الفخر إذ لم يلبسها ذل القهر ~~؛ فزينها بخلقه فتخلقت بخلقه ، وتأدبت بصفته فكانت به تنطق وبإشارته تعقل ، ~~وهذا تفسير قوله : ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ). # قال أبو عثمان : فتح الله أمين الملائكة بخصائص آدم عليه السلام ، وأعمى ~~عين إبليس عن ذلك فرجعت الملائكة إلى الاعتذار ، وقام إبليس على منهج ~~الاحتجاج بقوله : ( أنا خير منه ). # قال أبو الحسين : نظر الملائكة إلى الروح ، وإلى ما خص الله به آدم ~~عليه السلام من القربة والكرامة ؛ فانقادوا لأمره سبحانه ، وسجدوا له وأبى ~~إبليس واستكبر ؛ لأنه كان في عبادته أسوأ حالا منه في آياته ؛ فإنه ما عبد ~~الله قط ، وإنما كان يعبد نفسه وهواه ، ثم غير الحق سبحانه إبليس حيث لم ~~يسجد له مع الملائكة بقوله تعالى : ( قال يا إبليس ما لك ألا تكون ~~مع الساجدين ) أي : ما لك ألا تكون من المشاهدين شهودي بوصف كشف جماله ~~وجلاله مع دعواك معرفتي وعبوديتي ، فإن من لوازم المعرفة والعبودية والعلم ~~بالربوبية عليك أن تراني بوصف الربوبية في العبودية ، وأن تعرفني بأمري ~~ماوراء أمري من أسرار علمي ، وظهوري في لباس قدرتي. # ثم أخبر عن جوابه وجرأته بالكلام في حضرة القديم ، ومؤازرة كبريائه ~~الأزلي بكبرياء نفسه بقوله : ( قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من ~~صلصال من حمإ مسنون ) غلظ الملعون في دعواه بخالص العبودية والمعرفة ~~بالوحدانية ، وإفراد القدم عن الحدوث ؛ لأنه ظن أن محض العبودية صورة ~~السجود والركوع ، ولم يعلم أن متابعة أمره بأوجه ، هي خالص العبودية ، ~~وينبغي أن يتابع أمر ms0839 معبوده ، ولم يأمر بشد الزنار مثلا ، ولا يبالي بأن ~~يشد على وسطه الزنار ؛ لأن العاشق الصادق يأخذ أمر معشوقه ، ولا يخالفه في ~~جميع مراده ، ولو كان مشفقا على محبوبه بأن يخلص عبادته له ، فإذا رد قوله ~~ونازع إرادته كيف له شفقة على محبوبه يا ليت لو رأى في مكان الأمر جلال ~~الأمر ؛ فإن آدم عليه السلام كان قبلة الظاهر كالكعبة ، ولا يقع السجود إلا ~~في مشاهدة الربوبية ؛ لأنه قال : هو أهله لا غير ومقام إلا من مقام ~~الامتحان ، وظن الملعون أنه مستحكم في توحيده حيث لم يسجد لغيره ، وهناك لا ~~غير لأن في حقيقة عين الجمال ما هو إلا هو ، ولو كان نظره صحيحا لم يلتفت ~~إلى الوسائط ؛ لأنه في عين الجمع الدليل والمدلول واحد من حيث الحقيقة لا ~~من حيث الرسوم ، فيبقى الملعون جاهلا عن معرفته عين الجمع ، وقد غلط أيضا ~~إفراده عن الحدوث ؛ لأنه كان محجوبا بنظرين ، نظر إلى آدم عليه السلام ، ~~ونظر إلى PageV02P289 # نفسه ؛ فأما نظره إلى آدم عليه السلام قوله : ( لم أكن لأسجد لبشر ~~خلقته من صلصال )، وأما نظره إلى نفسه قوله : ( أنا خير منه )، ~~ولو كان صحيح القول في نظره إلى عين الوحدانية يسقط عنه رؤية الغير في ~~البين ، ظن أنه عالم بالله ، وقد وصل إلى عين الحقيقة ، ولم يعرف أنه ما ~~وصل إلى أدني المقامات ، ولو كان في محل التحقيق ما أحاله الحق إلى خدمة ~~حادث من الحدثان ، عرفه أنه لم يكن أيضا مبتدأ من أهل الإرادة في أول درجات ~~العبودية ، ولو كان صادقا في إرادته لأكل تراب قدم آدم عليه السلام ؛ لأن ~~المريد ملهوف واله بإرادته ومحبته لمقتداه ، ولكن إيش ينفعه ، وهو كان ~~مريدا لا مريدا ؛ لأنه كان معجبا برأيه ، ناظر إلى نفسه في إرادته وعبادته ~~، فقد حصل له الإنكار على مشايخه في زمانه ، وسقط من عين الحق وعيون ~~أصفيائه إلى صهوات الرياسة والضلالة ، نعوذ بالله من الحور بعد الكور ، ومن ~~الضلال بعد الهدى ، ومن الرياء بعد الإخلاص. # ألا ترى كيف كان حاله ms0840 إلى الأبد إذا لم يعرف مكان القرب من مكان البعد ، ~~وكيف يهيم ويعمه في وادي الطرد واللعن بقوله : ( قال فاخرج منها ~~فإنك رجيم (34) وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين ) رجمت بأحجار القهر من مكان ~~اللطف إلى معدنه ؛ لأنه كان فيه عارية قد قصد باللعنة إلى يوم الدين ، وكان ~~في الأزل ملعونا. # أراد بقوله : ( إلى يوم الدين ) أن اللعن لعنان ، لعن قديم ، ~~ولعن جديد ؛ فإبليس كان موصوفا بهما ، اللعن القديم سبق إرادة الحق لإبعاده ~~عن رحمته وذلك لا يتغير أبدا ؛ لأن القديم هو الباقي ، وتلك الإرادة قائمة ~~به ، واللعن الجديد زيادة القهر حيث أعطى زمام العصاة إلى يده حتى يفعل بهم ~~ما يشاء بإذن الله ، واستكباره عن طاعته ، وارتكاب معصيته ، وإغواء عباده ~~هو اللعن الجديد الذي هو زيادة البعد ، فذلك منقطعة يوم الدين حيث ارتفعت ~~العبادة والمعصية ؛ فيكون موصوفا بما كان موصوفا في علم القديم إلى الأبد ، ~~ليت لو كان رجلا من الرجال ، ويطلب الحق في أودية قهره ليرى أشياء من عجائب ~~الربوبية ما يرى الرجال في معادن اللطف ، ولكن كيف أقول وإنه ليس من دواب ~~الإصطبل عجبت من تحنثه وجهده كيف يمشي خلف بنيات وصيات وجهيلات ، ويفعل كما ~~يفعلون من خساسة طبعه وكثرة جهلة ويستأنس بكل مستوحش ، ويستوحش من كل ~~مستأنس ، وليس هذا من أوصاف الرجال. # قال الواسطي : اللعنة التي لم تزل تستحقه مني ، وإن كانت الأوقات جرت ~~عليك بزينة السعادة. # ولما سقط من أصله بحسده وعداوة أولياء الله زاد حسده واستنظر بقوله : ( ~~ قال رب PageV02P290 # فأنظرني إلى يوم يبعثون ) أراد بذلك إيذاءهم ، وإلقاء نيران ~~ضلاله إلى عباد الله ، وظن من جهله بالله أنه يسبق القدر المعلوم حتى لا ~~يموت كما يموت الخلق ، فرد عليه الحق بقوله : ( قال فإنك من ~~المنظرين (37) إلى يوم الوقت المعلوم ) أي : تموت كما يموت الخلق بالنفخة ~~الأولى ، وأراد الملعون أن يتشفى على آدم عليه السلام وذريته بعد موتهم ، ~~ويسخر منهم بما فيه من الحسد عليهم ؛ فألقى الله سبحانه رغام الحسرة على أنفه. # قال : فإنك من المنظرين ms0841 إلى يوم الوقت المعلوم ، ثم ذهب الملعون إلى طلب ~~الحيلة في إغواء بني آدم ، وخرج بالجرأة في المخاطبة في الحضرة بما أخبر ~~الحق عند قوله : ( قال رب بما أغويتني ) ادعى الملعون اتصافه بصفة ~~قهر المقدم ؛ حيث قال : ( لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ) ~~وذلك دعوى الاتصاف بالقدرة في عالم القهر ، أي بما ألبستني من لباس قهرك ~~وإغوائك إياي ، لأغوينهم لا بقدرة نفسي تكلم من التوحيد بغير اختياره ، ~~وعلم أن اللطف من الحق سبحانه ورحمته سابقتان على قهره وغضبه ، فاستدرك ~~واستثنى أهل اللطف والرضوان الذي اصطفاهم الله بولايته ، وطهر أسرارهم عن ~~دنس الرياء والشرك بماء بحر إخلاصه وتوحيده. # فقال : ( إلا عبادك منهم المخلصين ) وبأنه رآهم خارجين من تحت ~~أديان قهر القدم إلى ساحة كبرياء لطف الأبد ، وذلك ما قال عقيب الاية : ( ~~ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ) أي : أنهم ~~ملتبسون بأنوار قدسي ، المجالسون معي في مجالس أنسي ، اخترتهم لنفسي ، وهم ~~مواطن سري ، وهم سكان أماكن غيبي ، ألبستهم أنوار صفاتي ، وسنا بهاء ذاتي ~~في بحار عبوديتي مستغرقة ، وقلوبهم في بحار شوقي ومحبتي مستغرقة ، وأرواحهم ~~في هواء هويتي هائمة ، وأسرارهم في أودية أسراري تائهة ، أوتيهم بي إلي من ~~قهري ، تقدر أن تسلط عليهم ، وإن كان معك راية قهري ، وإنهم في ساحة لطفي ~~معصومون من قهري ؛ فإن سلطنتك يكون على تبعك من الغاوين بإغوائي إياهم ، ~~وقهري عليهم ، وافهم يا غافل أن الله وصف المخلصين من عبادي بأنهم معصومون ~~من شر إبليس بنور إخلاصهم ، وذلك النور نور التوحيد ، ونور التوحيد من كشف ~~نور الموحد ينكشف حين زند الملعون مقدحة الوسواس في صدورهم لوقوع نيران ~~الرياء والشرك فيغلب نوره على ناره فيذهب النار ، وبقي فيهم النور ، وانقطع ~~سلطنة الملعون عنهم ؛ لأنهم بعين رعاية الأزل محفوظون عن الخطرات. # قال رجل ليحيى بن معاذ : بماذا كرم الله عباده المخلصين؟ قال : بالإيمان بالغيب PageV02P291 # والمشاهدة. # قال ذو النون : الناس كلهم موتى إلا العلماء ، والعلماء كلهم نيام إلا ~~العاملون ، والعاملون كلهم مغترين إلا المخلصون ، والمخلصون على ms0842 خطر عظيم. # وقال النصر آبادي : المخلص على خطر من إخلاصه ؛ لأنه بإياه ، والمخلص ~~جاوز حد الخطر ؛ لأنه لا به (1). # وقال بعضهم في قوله : ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) أي : الذي ~~أوصلتهم إلى قربي من غير كلفة ولا سابقة ، وأفنيتهم عن أوصافهم ، وزينتهم ~~بأقلها وصفاتي عليهم ، فهم مع الخلق بالهياكل ، ومعي بالأرواح والسرائر ، ~~لا عليهم من الخلق أثر ، ولا لهم مما هم فيه خبر ، أولئك هم عبادي حقا ، ~~ليس لهم مطلب سواي ، ولا مرجع إلا إلي هم هم ، بل أنا هم ، بل أنا أنا ، ~~ولا هم هم ، ولا صفة لهم ، ولا أخبار عنهم ، لفنائهم عنهم وبقائهم لي. # وعن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر الصادق عليهم السلام في قوله : ( ~~ وعباد الرحمن ) [الفرقان : 63] قال : جملة الخلق من جهة الخلقة ، ~~لا من جهة المعرفة ، وعبادي تخصيص في العبودية والمعرفة. # قال ابن عطاء : المخلص من أخلص من رؤية نفسه ومشاهدة أفعاله واستقام مع ~~الله تعالى في كل أحواله ، فلا يتقدم إلا بأمره ، ولا يتأخر إلا بحكمه. # وقال جعفر : من الله بهذه الاية أن ليس للشيطان على عباده المخلصين سبيل ~~، والمخلصين درجات من قبل المجاهدات والمشاهدات ، فمن أخلص في عمله فهو ~~مخلص ، ومن أخلص بقلبه فهو مخلص ، ومن أخلص سريرته وعلانيته لله فهو مخلص ، ~~ومن أخلص روحه نال الاستقامة بالله ، والوصول إلى قربته. # ولقد غلب عاصم على غيره من القراء في قراءة الفتح ، ولله دره معرفة ، فإن ~~المستثنى من العباد ؛ إنما هو هم لا غير هم ، وإن كان غيرهم أيضا ممن يتذكر ~~ويبصر ؛ لكن أين المخلط من غيره ، فإنه ما دامت بقية من النفس ؛ فصاحبها ~~غير محفوظ بالكلية ، وقد عرف بين الأولياء إن الكمل محفوظون ؛ بل معصومون ~~إلا أن العصمة تقال في الأنبياء ، والحفظ في الأولياء فرقا بين المقامين. PageV02P292 # وقال الأستاذ : من أشهده الحق حقائق التوحيد ، ورأى العالم مصرفا في قبضة ~~التقدير ، لم يكن يهبأ للأغيار ، ومتى يكون للغير عليه تسلط. # في معناه أنشد الحسين بن منصور قدس الله سره : # جحودي لك ms0843 تقديس %~% وعقلي فيك تهويس وما آدم إلاك %~% ومن في البين إبليس # ثم إن الله سبحانه وصف تلك العباد الذين هم معصومون من شر إبليس بالتقوى ~~، وذكر منازلهم في جنات العلا وعيون الأسني ، وسلامته من البلوى ، بقوله : ~~( إن المتقين في جنات وعيون ادخلوها (45) بسلام آمنين ) أي أن ~~الذين يغضون أبصارهم عن الأكوان والحدثان في جمال الرحمن هم في جنات ~~مشاهدات الذات وعيون الصفات يشربون من سواقيها شرابات المحبة ، ورواق ~~المعرفة ، يقول حبيبهم : «ادخلوا بساتين القدم والبقاء بسلامة من الانقطاع ~~، والأمن من الفراق» (1). # قال بعضهم : من اتقى الشرك فهو في بساتين وأنهار ، ومن اتقى الله فهو في ~~حظيرة القدس عند مليك مقتدر. # وقال الواسطي : من اتقى العوض جعل ثوابه عليه ما يرجو ويأمله ، ومن اتقى ~~العوض فالحق عوض له من كل ثواب. # وقال الأستاذ : المتقي من وقاه الله بتفضل الأمن ، اتقى بتكلفة لا بل ~~يبقى بتكلفة ، لا بعد أن وقاه الحق بتفضله ، فهم اليوم في جنات ولها درجات ~~، بعضها أرفع من بعض ، كما أنهم غدا في جنات ، ولها درجات بعضها فوق بعض ، ~~فدرجة قوم حلاوة الخدمة واللذة الطاعة ولقوم البسط والراحة ، والاخرين ~~الرجاء والرغبة ، ولاخرين الأنس والقربة ، ( قد علم كل أناس مشربهم ~~) [البقرة : 60] ، ولزم كل فريق منهم اليوم مذهبهم. # قال الأستاذ في قوله : ( ادخلوها بسلام آمنين ): معناه يقال لهم ~~: ادخلوها ، وأجمل ذلك ، ولم يقل من الذي يقول لهم : ادخلوها؟ فقوم يقول ~~لهم الملك : ادخلوها. # ويقال : يحتمل أنهم لا يدخلونها بقول الملك حتى يقول الحق لهم : ادخلوها ~~كما قالوا : # فلا ألبس النعمى وغيرك ملبس %~% ولا أقبل الدنيا وغيرك واهب # ثم إن الله سبحانه زاد وصف المتقين ، أنهم مقدسون من غل النفساني وغش ~~الشيطاني PageV02P293 # بقوله تعالى : ( ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر ~~متقابلين ) بين في هذه الاية أن قلوب الصديقين والمتقين مقدسة من علل ~~الإنسانية والشيطانية ؛ لأنها مقدسة بقدس جمال الرحمن ؛ ولأنها متقلبة بين ~~إصبعين من أصابع الرحمن ، ولا يدخل فيها علة الحدثان. # الأرواح كانت مستغرقة في لجج بحار الوحدانية والأسرار ms0844 ، هائمة في قدم ~~الأزلية ما جرت عليها أوصاف الترابية ، وما أشرف عليها غبار وساوس ~~الشيطانية ، وما طوى عليها في قدم الأزلية ما جرت عليها أوصاف الترابية ، ~~وما أشرف عليها وساوس الشيطانية ، وما طرأ عليها قتام هواجس النفانية ، لكن ~~لما أراد الحق سبحانه امتحانها خلق الأشباح ، وجعل منها أوديتها الشهوات ، ~~وأنبت فيها نبات الأخلاق الذميمة ، والفطرة السليمة ، وجعل القلوب أماكن ~~الأرواح ، وجعل الأرواح أماكن العقول ، وجعل العقول أماكن الأسرار ، وجعل ~~الأسرار أماكن لطائف معرفته وحكمته ، وجعلها أصداف جواهر تجلي جماله وجلاله ~~، ثم وضع الجميع في مواضع الفطرة من الأشباح ، فلما سكنت هذه الجنود في ~~الأشباح ، وتواترت عليها أنوار تجلي الحق ، تطهرت الصدور بمساكنها من علل ~~الإنسانية ، وانسدت عليها أبواب الشيطانية ، فلم يبق فيها علل الأخلاق ، ~~ولا يدخل فيها بعد ذلك غبار الوسواس فإذا بعد ذلك صاروا متقين ، الذين ~~وصفهم الله بنزع الغل عن صدورهم ، قيل : دخولها في الجنان نزع علة الغل ~~والغش بنفسه عن صدورهم ، ثم بكرمه أدخلهم في جنان مشاهدته ، وأجلسهم على ~~كراسي قربته ينظرون بعضهم إلى وجوه بعض بالمودة والمحبة والشوق إلى لقائه ، ~~يرى سيماء نور الألوهية بعضهم من وجوه بعض ، ولو بقى الغل في صدورهم على ~~باب الجنة ما أسوأ حالهم إذا بقى قلوبهم في غواشي الغل ، الله الله لا نظن ~~، فإنه لك بجلال قدره دفع عن صدورهم هذه العلة قبل دخول أرواحهم في أجسادهم ~~، وكيف يكون موضع المضافات والمودة والألفة الإلهية مغشوشة بغل الطبيعة ، ~~والغل والغش من أوصاف أهل النفوس ، لا صفة المتحابين في الله ، لا ترى كيف ~~وصفهم بالاخرة ، ولا يبعد من قدرة الله وحكمته أن يدخل الغل في صدور ولي من ~~أوليائه ، ابتلاء وامتحانا ؛ ليشتغل بدفعه وتطهير سره عن ذلك ، واستعاذته ~~بالحق من وسواسه ، ويصل إلى معالي الدرجات باستنكاره على نفسه ، ومحاربته ~~مع شيطانه ، ولا يكون ذلك من منقصة في ولايته. # ألا ترى إلى قول أسد الله علي بن أبي طالب كرم الله وجهه كيف قال في هذه ~~: أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير ms0845 منهم. # قال أبو حفص : كيف يبقى الغل في قلوب ائتلفت بالله ، واتفقت على محبته ، ~~واجتمعت على مودته ، وأنست بذكره ، إن تلك القلوب صافية من هواجس النفس ، ~~وظلمات الطبائع ، PageV02P294 # بل كحلت بنور التوفيق ، فصارت إخوانا. # قال الأستاذ : أمر الخليل عليه السلام ببناء الكعبة وتطهيرها ، فقال تعالى ~~: ( وطهر بيتي ) [الحج : 26] ، وأمر جبريل عليه السلام حتى غسل قلب ~~المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وطهره وتولى نفسه تطهير قلوب العاصين ، فقال : ( ~~ ونزعنا ما في صدورهم من غل ) لا تقديما لهم على الأنبياء ~~عليهم السلام ، ولكن رفقا بهم ، وقد يصنع الله للضعيف ما يتعجب منه القوي ، ~~ولو وكل تطهير قلوبهم إلى الملائكة لا شتهر عيوبهم ، فتولى ذلك بنفسه رفقا. # ويقال قال الله تعالى : ( ونزعنا ما في صدورهم من غل )، ولم يقل ~~: ما في قلوبهم من غل ؛ لأن القلوب في القبضة يقلبها ، وفي الخبر : «قلب ~~المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء» (1). # ثم إن الله تعالى نفى عنهم النصب والمشقة في جواره بقوله : ( لا ~~يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين ) آواهم إلى أنوار بقائه ، ومشاهدة ~~جماله ، وحرسهم بها عن قهر سلطان الكبرياء القدم الذي لو هجم عليهم سطوة من ~~سطواته يفنيهم عن اللذة ، وما هم فيه من الجنان كلها ؛ لأن الحادث إذا قرن ~~بالقديم يزول من عظمته فيه بأقل من لمحة ، ولولا استتارهم بأستار نور ~~البقاء لهلكوا في جلال الأزل ، كأنه تعالى حفظهم به عنه ، وأيضا لولا تفضله ~~ورفقه بهم ؛ حيث أراهم جماله بوصف اللذة ؛ ليفنون في بوادي عزته وهيبة ~~عظمته ، ومعنى قوله : ( وما هم منها بمخرجين ) لأن هناك ليس مكان ~~الامتحان والتربية ، وقد صار في زمان الغضب بوصف الرضا ، ويصير الغيرة ~~مرتفعة من بين العاشق والمعشوق. # قال النصر آبادي : أي نصيب يلحق في المجاورة لمن غفل عن الله تعالى ، ~~وأما من انتبه فأي راحة للحدث في جنب القدم ، هل هو إلا تعذيب واستهلاك؟ ثم ~~رجع إلى المقامات ، ومحل الامتحانات ، ورعب المريدين بنيل الدرجات ، وهدد ~~السالكين بنصب الحجاب ، وتعذيبهم بالعتاب ، بقوله : ( نبئ عبادي ms0846 ~~أني أنا الغفور الرحيم ) يغفر جناية خطرات قلوب العارفين بعد إدراكهم مواضع ~~خطرها ، وتداركهم بالندم على تضييع الأوقات ، وعمارتهم أسرارهم بأنواع ~~الذكر وصفاء المناجاة يرحمهم بأن يوصلهم إلى أعلى مراتبهم من المكاشفات ، ~~والمشاهدات ، وعذاب فراقه ، واحتجابه أليم لمن عرفه ، ثم يستأنس بغيره ، ~~وإن كان واسطة مليحة ، ويمكن أنه تعالى أخبر عن تلك الأسرار التي ذكرناها ~~في قوله : ( لا PageV02P295 # يمسهم فيها نصب ) غفر لهم علل الحدوثية ، ورحمهم بأنه ألبسهم ~~لباس الربوبية حتى بقوا به معه من غير زوال ، وأن عذابه هناك لو أطلق عنانه ~~يحرق الجمهور بنيران سر كبريائه وحقيقة أوليته ، أخبر عن تلك الصفتين ما ~~أخبر عن مباشرة صفة القهر ، بل أخبر عن استغراقهم في بحر رحمة مشاهدته ~~وغيبوبتهم في حجال وصلته ؛ فإنه الغفران الحقيقي. # قال سبحانه : ( لا يمسهم فيها نصب ) وانحسم باب القهر بقوله : ( ~~ وما هم منها بمخرجين )، وأيضا أخبر عن الوصفين من أوصاف المغفرة ~~والرحمة ، وهما في الحقيقة صفتان قديمتان باقيتان ، وأن عذابه صفة فعله ، ~~وإذا قورن الفعل بالصفة لزال الفعل في الصفة ، فإذا مقام الرجاء أقوى من ~~مقام الخوف ؛ لأن الرجاء من شقائق الإنس ، والبسط وهو باق أبدا مع العبد ؛ ~~لأنه من تأثير تلك الصفة ، وزال الخوف ؛ لأن في جواره لا يبقى الخوف ، ألا ~~ترى إلى قوله : ( فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) بزوال العذاب ، ~~وغيبة الفعل في الصفة. # قال ابن عطاء : أقم عبادي بين الخوف والرجاء ليصح لهم سبيل الاستقامة في ~~الإيمان ؛ فإن من غلب عليه رجاؤه عطله ، ومن غلب عليه خوفه أقنطه. # قال الجنيد في هذه الاية : النبأ سابق إليهم في الدنيا باجتماعهم في ~~الاخرة ، فلذلك لا يشكون ولا يضعفون ، ويطيقون حمل البلاء فهم في سعة من ~~العيش في كل حال ، كل ذلك لسعة علمهم بالله ، وسكونهم إلى مواعيده فحملوا ~~الحقوق ، وما خفي عليهم شيء مما خفي على غيرهم ، وهم مشرفون بالله على ما ~~له منهم ، وما لهم عنده. # وقال ابن عطاء : إن الله تعالى وصف نفسه بالفضل والعدل ، ولا يوصل فضله ~~إلى عبد إلا ms0847 أنجاه من كل بلية وهم ، ولا وضع عدله على أحد إلا أهلكه ، ~~وأوصل عدله إلى إبليس مع طول عبادته التي توهم أنها تنجيه ، وتقربه إلى ربه ~~، فأبعده بعدله ، وأخزاه إلى أبد الأبد ، وأوصل فضله إلى السحرة ، وهم ~~يقولون لفرعون : بعزتك ، فردهم مما هم فيه بفضله إلى محل السعداء ، فتلاشى ~~كفرهم ومعصيتهم. # ( قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون (54) قالوا ~~بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين (55) قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا ~~الضالون (56) قال فما خطبكم أيها المرسلون (57) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم ~~مجرمين (58) إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين (59) إلا امرأته قدرنا إنها لمن ~~الغابرين (60) فلما جاء آل لوط المرسلون (61) قال إنكم قوم منكرون (62) ~~قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون (63) وأتيناك بالحق وإنا لصادقون (64) ~~فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع PageV02P296 # أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون (65) وقضينا إليه ~~ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين (66) وجاء أهل المدينة يستبشرون (67) ~~قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون (68) واتقوا الله ولا تخزون (69) قالوا أولم ~~ننهك عن العالمين (70) قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين (71)) # قوله تعالى : ( قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون ) ثم ~~إن الله سبحانه إذا أغلق باب الفراسة على الأنبياء والصديقين لا يرون ~~مرقومات المقدرات ، ولا يعلمون بحقائق المغيبات. # ألا ترى كيف غاب حديث رؤية روح إسحاق عليه السلام ويعقوب عليه السلام عن ~~الخليل عليه السلام حتى قنط من نفسه أن يكون ذلك في كبره ، ولو رأى ذلك في ~~سر القدر لم يقل : ( أبشرتموني على أن مسني الكبر )، ولم يكن شاكا ~~في قدرة الله ، ولكن لم ير هناك في ذلك الوقت ما عند الله من مكنون سره ، ~~وأيضا كان في كبر سنه هائما في أودية الخلة ، مستغرقا بوصف الشوق في بحار ~~المحبة ، مستأنسا بجمال المشاهدة ، مستوحشا من أحكام الحدوثية ، فقال : أي ~~وقت لتربية الولد ، وإني كنت على جناح سفر الوصلة ، وتصديق ذلك قوله : ( ~~ فبم تبشرون ) أي : بأي شيء تبشرون ، وإني غائب في الحق. # وأصل النكتة ms0848 في هذا : إن الخليل رأى في سطور مقدرات الغيب بنور النبوة ~~اسم إسحاق عليه السلام ويعقوب عليه السلام ، ورأى بروحه روحهما ، فقال : ~~أبشرتموني على أن وصل إلي الكبر ، وبلغني الحق إلى درجة الشيخوخة ، ولا ~~يخفى مثل ذلك علي ، ( فبم تبشرون )، وإني أرى بنور نبوتي ما لا ~~ترون بنور الملكية. # قال الجوزجاني : أيام الكبر أيام القنوط من الدنيا وما فيها ، والإقبال ~~على الاخرة ، وما عند الله. # ألا ترى أن إبراهيم عليه السلام لم يقبل بشرى الولد من الملائكة عند الكبر ~~، فقال : ( أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون ) إلى أن ذكروا ~~أن البشرى له من الله فزال عنه القنوط لعلمه بقدرة الله على ما يشاء (1). PageV02P297 # ( لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72) فأخذتهم الصيحة مشرقين ~~(73) فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل (74) إن في ذلك ~~لآيات للمتوسمين (75) وإنها لبسبيل مقيم (76) إن في ذلك لآية للمؤمنين (77) ~~وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين (78) فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين (79) ~~ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين (80) وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين ~~(81) وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين (82) فأخذتهم الصيحة مصبحين (83) ~~فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (84)) # قوله تعالى : ( لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ) أي : بحياة روحك ~~التي أوجدتها من العدم بتجلي القدم ، وعمرها في مشاهدتي بعد كون وجودها ، ~~وأيضا أي بأعمار أنوارك المصطفوية في علم غيبي ، حيث لم يكن الدهر الدهار ، ~~ولا الفلك الدوار ، وهي كانت تزورني في سرادق كبريائي ، ولا تحصى زمانها ؛ ~~لأن زمانها بلا زمان ومكان ، أوجدتها بقدرتي وكمنتها بقدرتي في أماكن قدرتي ~~، أي : لعمر أنوارك التي تعرف مني نور صفاتي ، وتدرك مشاهدة ذاتي ، فنعم ~~تلك الأعمار أي : بعمرك في ديوان ربوبيتي ، ومنازل قربتي ، وحسن مشاهدتي من ~~زمان معراجك ووصالك معي ، وأيضا أي : بعمرك الذي يبقى في جمال مشاهدتي أبدا ~~، وأيضا أي بعمرك الذي ما هجم عليه طوارق الغضب ولا قوارع العطب ، وأيضا أي ~~: بحياتك التي كونتها لك من تجلي حياتي فيك ، وتلك الحياة من روح روحي التي ~~نفختها في أبيك آدم عليه السلام كانت روح ms0849 آدم الذي نفخها الحق في آدم بحياتك ~~التي عاش آدم ، ومن دونه بها ، إنهم من حياتك ، ورؤيتها في حجاب الضلال ، ~~وسكر العمى. # قال بعضهم : ( لعمرك ) أي : بعمارة سرك بمشاهدتنا ، وقطعك عن ~~جميع المكونات. # وقال النوري : أي : بحياتك التي خصصت بها من بين الخلق ، فحيوا بالأرواح ~~، وحييت بي ، فبقاؤك متصل ببقائي ؛ لأنك باق بي. # وقال جعفر : أي : بحياتك يا محمد ، إن الكل في سكرة الغفلة وحجاب البعد ~~إلا من كنت وسيلته ودليله إلينا. # وفيه أن الأهل : وهي المخدرات ينبغي أن يكون خروجهن من البيت لحاجة ~~ضرورية في وقت الظلمة ؛ لأنه أستر لهن ، وأهل الحرمين الشريفين يعملون بهذا ~~إلى الان ، فإن نساءهم المستورات لا يخرجن بالنهار ألبتة ؛ بل بعد المغرب ، ~~أو في وقت الشافعي حتى أن العروس تزف إلى بيت زوجها بعد المغرب حين ينقطع ~~الأقدام من السكك ، والأسواق. PageV02P298 # وقال القرشي : أقسم الله بحياة محمد صلى الله عليه وسلم فقال : ( ~~لعمرك )؛ لأن حياته كانت به ، وهو في قبضة الحق ، وبساط القرب ، وشرف ~~الانبساط ، ومقام الإنفاق ، فأقسم بحياته ، فقال : ( لعمرك ) أي : ~~بحياة مثلك يكون القسم ؛ لأن الكل زاغوا وما زغت ، وطغوا وما طغيت ، وسألوا ~~وما سألت ، حتى بدأناك بالإجابة قبل السؤال ، فحياتك هي التي بها حياة ~~الخلق قبلك ، وبها حياة الخلق بعدك ، فإنك حي بحياتنا غير مباين عنا بحال. # وقال الخراز : وصفه لخلقه ، ثم ستره ببره عن خلقه. # قوله تعالى : ( إن في ذلك لآيات للمتوسمين ) رهن الحق سبحانه ~~الفراسة برؤية الايات والشواهد ، كما قال في موضع آخر : ( ~~ولتعرفنهم في لحن القول ) [محمد : 30] ، و ( تعرفهم بسيماهم ) ~~[البقرة : 273] ، وهذه أوصاف البدايات في الفراسة ، حيث يحتاج إلى النظر ~~إلى العلامات ، وأصل الفراسة إصابة نظر الروح إلى مقدرات الغيبية بلا علامة ~~ولا علة ولا سبب ، بل يتعلق هذه الفراسة بانكشاف ما يبدو من الغيب بنور ~~الغيب ، وسر المقدور ، وخفيات الضمائر ، ومكنونات السرائر لأبصار الأرواح ~~الناطقة بالحق ، المسامعة أصوات أنباء الغيبية ، الشاهدة مشاهدة الحق ، ~~فترى بالحق بعد أن تكون موصوفة بصفة الحق ما للحق ، فكيف يخفى شيء عمن ms0850 ينظر ~~بالحق ويبصره ؛ لأنه تعالى سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ~~ولسانه الذي ينطق به من جهة الاتصاف ، والاتحاد بالنعوت الأزلية. # وافهم أن الفراسة على عشرة مراتب : فبعض الفراسة يحصل بعين الظاهر ~~ورؤيتها إلى منقلبات الايات والأفعال في عالم الصورة ، وهي تصرف الحق مكان ~~الايات إعلاما من مكنون ما سترها من أعين الخلق ، وهذا تفرس بصرية ظاهرية ~~مقرونة بعلم العقل والقلب والروح والنفس والسر وسر السر. # والثاني : ما يسمع آذان العارفين حركات المعالم ، وما ينطق الحق وملائكته ~~بألسنة الخلق والخليقة ، وذلك يسمع الظاهر ، وتلك الفراسة تتعلق بالأسماع ~~الظاهرة ، وما يسمع أيضا بأسماع البواطن وقواها. # والثالث من الفراسة : ما يبدو في صورة المتفرس من أشكال تصرف الحق ~~وإنطاقه ، وجوده له حتى ينطق جميع شعيرات بدنه من حيث التصرف والتغير ~~بألسنة مختلفة ، فيرى ويسمع من ظاهر نفسه ما يدل على وقوع الأمور الغيبية ، ~~وذلك أيضا يتعلق بالرؤية والسمع وحركة الفطرة في الباطن ، وإيصالها بأجزاء ~~الظاهر. # والرابع : ما يحصل بحواس الباطن حيث وجدت بلطفها علامات أوائل المغيبات ~~باللائحة الواضحة. PageV02P299 # والخامس : ما يحصل من النفس الأمارة بما يبدو فيها من التمني والاهتزاز ، ~~وذلك سر عجيب ؛ لأن الله إذا أراد فتح باب الغيب ألقى في النفس الأمارة ~~آثار بواديه ، إما محبوبا فتتمنى ، وإما مكروها فتفزع ، ولا يعرف ذلك إلا ~~رباني الصفة. # والسادس : ما يحصل للقلب سمعيا بالإلهام ، وإما فعليا كوجدانه برد ~~الواقعة ، وإما كشفيا يبصر ويعلم. # والسابع : ما يحصل للعقل ، وذلك ما يقع من أثقال برجاء الوحي الغيبي عليه ~~، فيعلم من وجود الوحي إلهامه ما سيقع من تصرف الحق ، وذلك أيضا يحصل له ~~سمعيا وبصريا. # والثامن : ما يحصل للروح ؛ لأنها تراه من تصرف الحق فيها ، وما يبدو في ~~غيبه يبصر الخاص ، وما يسمع من الحق بالواسطة وغير الواسطة. # والتاسع : ما يحصل لعين السر وسمع السر ، ترى تصرف الصفة ، ويبصر علامة ~~كون الحالة في نور الصفة. # والعاشر : ما يحصل في سر السر ، وهو ظهور عرائس أقدار الغيبية ملتبسات ~~بأشكال إلهية ربانية روحانية ، فيبصر تصرف ms0851 الذات في صفات ، ويسمع الصفات ~~بوصف الحدث والخطاب من الذات بلا واسطة ، وهناك منتهى الكشف والفراسة ~~الحقيقية التي حذرها الخلق النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : «اتقوا فراسة ~~المؤمن ؛ فإنه ينظر بنور الله» (1). # فإذا وجب الخوف من فراسة من يرى بنور الحق ؛ فكيف لا يجب الخوف من فراسة ~~من يرى بالحق لا بالغير؟! # قال الواسطي : السرائر متألهة بحظوظها ، مصروفة عن أوقاتها ، صدقها في ~~تحركها ، أظهر عليها من صدقها في تعبدها ، تظهر من السرائر أبدا قهرا ، ما ~~يوقفك عليها عفوا ، فيشرف المتفرس عليها في أوقاتها ؛ فيعرفها ، قال الله : ~~( إن في ذلك لآيات للمتوسمين )، قال : هم المتصفحون المتفرسون. # وقال بعضهم في قوله : ( للمتوسمين )، قال : هم المتفرسون ، وهم ~~على ثلاثة أوجه بالنظر والسمع والعقل ، وأجل من هذا حال الكشف والمشاهدة ~~لمن أوتيهما ، فيكون فراسته غائبا وحاضرا صحيحة. # وقال بعضهم : المتوسمون هم المتفرسون على السرائر ، فإذا أردت أن تعرف ~~بواطنهم في الحقيقة ، فانظر إلى تصاريف أخلاقهم ، ومواقيت إشجابهم. PageV02P300 # وقال محمد بن الخفيف : الفراسة مقسومة على ثلاثة أوجه : # الأول : إصابة المكنون من الأوقات المستكن في النفوس من الأحوال ~~المستخفية من حمل عوام الخلق ، وذلك مخصوص به الرسل لما كان للنبي ~~صلى الله عليه وسلم في عبد بن زمعة حين قال : «إن أمرها لبين ، لو لا حكم الله». # والثاني : تجلي ما استودع الحق في النفوس من الأحكام المخفية على الخلق ~~المتفرد به الحق ، وكشف ذلك لأهل التخصيص من الصديقين والأولياء بعد ~~الأنبياء ، كما قال أبو بكر الصديق لعائشة رضي الله عنهما : «إنما هما أخوك ~~وأختاك» (1). # والثالث : ذكر اطلاع القلوب عندما انكشف له من الغيب البعيد ، وهذا مقرون ~~بالإلهام ، كما قال عمر بن الخطاب : «يا سارية ، الجبل الجبل» (2). # سئل الجنيد عن الفراسة ؛ فقال : آيات الربانية تظهر في سماء العارفين ، ~~فتنطق ألسنتهم بذلك ، فتصادف الحق. # وقال الحسين حين سئل عن الفراسة ؛ فقال : حق نظر عن أحد نظرا إياه ، فخبر ~~عن حقيقة ما هو إياه بإياه. # ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة ~~لآتية فاصفح الصفح ms0852 الجميل (85) إن ربك هو الخلاق العليم (86) ولقد آتيناك ~~سبعا من المثاني والقرآن العظيم (87) لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين (88) وقل إني أنا النذير المبين ~~(89) كما أنزلنا على المقتسمين (90) الذين جعلوا القرآن عضين (91)) # قوله تعالى : ( فاصفح الصفح الجميل ) الصفح الجميل ما يكون برؤية ~~تقدير الأزل بنعت شهوده مقدور الغيب بوصف السرور في مباشرة الأمر ، والنشاط ~~بالرجوع إلى الحق ، وسابق أمره ومشيئته فيما جرى عليه بالواسطة من الغير ، ~~فإذا كان كذلك سقط الملامة بسقوط الوسائط ، وحصل الرحمة على المجرم المجبور ~~بأمر التقدير. # ألا ترى كيف أشار بتمام الاية إلى سر ما سبق من التقدير الأزلي بقوله : ( ~~ إن ربك هو الخلاق العليم ) أي : ما هجم عليك من إيذاء قومك هو ~~مخلوق الخلائق ، وتقديره في تربيتك ، وإبلاغك إلى مقام أولى العزم ، وهو ~~عليم بما قدر ، وبما يكون من اتصافك بخلقه العظيم ، وإن PageV02P301 # كان لفظه الخلاق متعلقا بمعنى الإيجاد والتقدير ، وأيضا فيه إيماء من ~~معنى الخلق والتخلق كأنه داعي حبيبه إلى التخلق بخلقه في العفو والكرم ، ثم ~~واساه بأنه عليم بما قلبه من الشفقة على دينه ، وأيضا الصفح الجميل مواساة ~~المذنب يرفع الخجل عنه ، ومداواة موضع آلام الندم في قلبه. # روى عمرو بن دينار عن محمد بن الحنفية عن علي رضوان الله عليهم في قوله : ~~( فاصفح الصفح الجميل )، قال : هو الرضا بلا عتاب. # وقال بعضهم : صفح لا توبيخ فيه ، ولا حقد بعده ، والرجوع من الأمر إلى ما ~~كان قبل ملابسة المخالفة. # ثم إن الله سبحانه وصف امتنانه عليه بما أعطاه من علوم الألوهية وأسرار ~~الربوبية ليزيد رغبته في الصفح والعفو والكرم ، ومواساة عباده ، وتحمل ~~إيذائهم بقوله : ( ولقد آتيناك سبعا من المثاني ) فيه بيان التخلق ~~والاتصاف بصفاته القديمة ، وأخلاقه الكريمة. # أي : ألبسناك أنوار سبع الصفات من صفاتنا ؛ لتتصف بها ، وتتخلق بخلقها ، ~~فتكون ربانيا ، ألوهيا ، جبروتيا ، ملكوتيا ، جلاليا ، جماليا ، نوريا ، ~~قدسيا ، أوليا ، آخريا ، رحمانيا ، رحيميا ، ذاتيا ، صفاتيا ، والسبع ~~المثاني سبع بحار الصفات القديمة ، فغسله فيها ، وألبسه من أنوارها ms0853 كسوة ~~الربوبية حتى تكون مرآة الله في بلاد الله وعباده ، فسقاه من بحر علمه ~~شرابات ، ومن بحر قدرته ، ومن بحر سمعه ، ومن بحر بصره ، ومن بحر كلامه ، ~~ومن بحر إرادته ، ومن بحر حياته ، فصار عالما بعلمه ، قادرا بقدرته ، سميعا ~~بسمعه ، بصيرا ببصره ، متكلما بكلامه ، مريدا بإرادته ، حيا بحياته ، فعلم ~~بعلمه علم ما كان وما سيكون ، ويقلب الأعيان في السموات والأرض بقدرته ، ~~ويسمع حركات الخواطر بسمعه ، ويرى ما في الضمائر ويبصره ، ويتكلم بحقائق ~~الربوبية والعبودية بكلامه ، ويكون ما أراد بإرادته ويحي القلوب الميتة ~~والأبدان الفانية بحياته ، ولكل صفة منها ثانيها من جمهور الصفات الخاصة ~~على إزاء كل صفة منها صفة ، حتى يكون مثاني ، ومنها القدم ، والبقاء ، ~~والجلال ، والجمال ، والرؤية ، والصمدية ، والربوبية ، فالصفات الأولى مع ~~هذه الصفات السبع المثاني ، فكان من مشاهدة القدم والاتصاف به صار بنعت ~~التجريد عن الحدثان ، ومن مشاهدة البقاء والاتصاف به ، صار متمكنا في محل ~~الصحو ، ومن مشاهدة الجلال والاتصاف به صار في محل الهيبة مهيبا في ~~السماوات والأرض ، ومن مشاهدة الجمال والاتصاف به صار عاشقا بوجه القدم ، ~~وصار مرآة جمال الحق في العالم ، ومن مشاهدة رؤيته ، والاتصاف بها ، صار ~~شائقا محبا مستغرقا في بحر الأزل ، وصار معشوقا لقلوب الخليقة ، ومن مشاهدة ~~الصمدية واتصافه بها ، صار صمدانيا PageV02P302 # مشربه من الصمدية ، وطعامه من المشاهدة ، بقوله : «أبيت عند ربي يطعمني ~~ويسقيني» (1)، وكان لا يراه أحد إلا سكن جوعه من تأثير صمدانيته ، ومن ~~مشاهدة الربوبية والاتصاف بها ، صار متصرفا في مماليك الحق وعباده وبلاده. # ألا تري كيف أجابته الشجرة حتى أتت عنده من البعد ، وسترته لقضاء حاجته ، ~~وكيف انشق القمر بإشارته ، وصار بذلك مسجودا للحجر والشجر ، فقد أعطاه الله ~~أنوار هذه السبع المثاني من الصفات القدمية ، وزاد بأنه أعطاه القرآن ~~العظيم الذي أخبره خير جميع أسمائه ، ونعوته ، وصفاته ، وما لم يصل إليه ~~جميع الصفات ؛ لأن صفاته تعالى غير متناهية ، فعرفه القرآن أوصاف الذات ~~والصفات جميعا ، وعظم القرآن من عظم متكلمه ، وهو بذاته تعالى تكلم بقرآن ~~عظمته من حيث عظمة الذات وعظمته ms0854 ، إن تحت كل حرف من حروفه بحرا من علوم ~~الأزلية الأبدية ، وأيضا لكل صفة من صفاته ثاني من عينية الذات ، فالصفة ~~ثاني الذات ، والذات ثاني الصفات ، ليس من جهة الافتراق والاجتماع هو واحد ~~من جميع الوجوه ، وهو منزه عن كل تفرقة وجمع ، كأنه قال : أتيناك معاني ~~الذات والصفات ، وجئت عرفتها بعد أن عرفك تعالى بجلاله وعزته ، أي : كسيناك ~~نور ذاتنا وصفاتنا ، لذلك قال عليه السلام : «من رآني فقد رأى الحق ، ومن ~~عرفني ؛ فقد عرف الحق» (2). # والقرآن العظيم علمك أنباء الربوبية ، وعرفك حقائق الإلوهية ، وأعلمك ~~علوم الغيبية وأحكام العبودية ، وأدق الإشارة أن السبع المثاني هي تلك ~~الصفات القائمة ، وتأثيرها من جهة الاتصاف بها في قلب النبي ~~صلى الله عليه وسلم كأنه توانى بالسبع الصفات القائمة بالذات ؛ لأنه العالم ~~والقادر والسميع والبصير والمتكلم والمريد والحي ، وهذه الصفات من النبي ~~صلى الله عليه وسلم مواليد تلك الصفات القائمة الأزلية المنزهة من العلة ~~وتأثيرها. # ألا ترى إلى ما حكي عن الله عز وجل في حق المحبين ، قال الله : «إذا ~~أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا» (3)، ولذلك قال عليه السلام : «خلق ~~الله آدم على صورته» (4) (5). # ويمكن أنه تعالى قد أشار أيضا إلى صفته العامة وصفته الخاصة مثل ~~المتشابهات ، أي : عرفناك صفتي الخاصة والعامة ، وعرفناك بالقرآن العظيم ~~معاني الصفات العامة والخاصة فصرت عاشقا محبا مشتاقا من رؤية الصفات الخاصة ~~المتشابهة ؛ لأنها معدن الجمال والجلال ، PageV02P303 # وصرت متفردا من رؤية صرف الألوهية بواسطة الصفات العامة عن الأكوان ~~والحدثان ، وظاهر الاية أتيناك سبعا من المعاني أربعة عشر خلقا من أخلاقه ، ~~مثل : الرحمة والشفقة والعفو والصفح والكرم والظرافة واللطافة والحسن ~~والجمال والهيبة والحياء والسخاء والوفاء والولاية والنبوة والرسالة ، هذا ~~كما روى علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر عليهم الصلاة والسلام في هذه ~~الاية ، قال : أكرمناك ، وأنزلنا إليك ، وأرسلناك ، وألهمناك ، وهديناك ، ~~وسلطناك ، ثم أكرمناك بسبع كرامات ؛ أولها : الهدى ، والثاني : النبوة ، ~~والثالث : الرحمة ، والرابع : الشفقة ، والخامس : المودة والألفة ، والسادس ~~: النعيم ، والسابع : السكينة والقرآن العظيم ، وفيهما اسم الله الأعظم. # ولما ms0855 بين امتنانه عليه ، وعرفه مكان النعمة السرمدية له ، صغر الكون وما ~~فيه في عينيه بقوله : ( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم ) أي : لا تنظر يا صاحب هذه المعاني العظيمة الربانية إلى زينة أصناف ~~أهل الدنيا من الغافلين عنا ، فإنها فانية لا يليق بنعمتك ، وهذا إشارة إلى ~~سر الفطرة النفسانية المجبورة بالشهوة الخفية ، أي : ينبغي ألا يميل نفسك ~~إلى شيء غيرنا ، فإنه موضع خطر المخلصين ؛ لأنه محل امتحاننا لا تمدن عينيك ~~إلى طلب جمالنا في غيرنا من أوصاف الروحانيات ، فإن حقيقة المشاهدة ما تكون ~~خالية من الوسائط ، أي : لا تكن كالخليل ، حيث قال : ( هذا ربي هذا ~~أكبر ) لكن اقتد باخر مقامه ؛ حيث قال : ( إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض ) فبدايته في قوله : ( هذا ربي ) مقام العشق ، ~~وآخر مقامه إفراد القدم عن الحدوث ، فأول مقامك آخر مقام الخليل فغض ~~عليه السلام بصره عن الوجود ، لذلك وصفه بقوله : ( ما زاغ البصر وما ~~طغى ). # وفي الحديث المروي أنه عليه السلام كان إذا رأى أموال أهل الدنيا من الإبل ~~، والغنم ، وغيرهما ، يغطي عينيه بكمه ، ويقول : بهذا أمر ربي. # ثم زاد التأكيد برفع الهمة عن الغير بقوله : ( ولا تحزن عليهم ) ~~ثم أمر باستعمال خلقه للمقبلين إلى الله ، المتابعين حبيبه بنعت المحبة ~~والإيمان واليقين ، بقوله : ( واخفض جناحك للمؤمنين ) جناح همتك ~~ارتفعت من الكونين ، ووصلت إلى قاب قوسين ؛ لأنها أجنحة ألوهية ربانية ~~قيومية ، أي : اخفض جناح الربوبية التي اتصفت بها لأهل العبودية حتى يطيروا ~~بجناح نبوتك إلى معادن رسالتك ، ويجدون بمتابعتك وهمتك المقامات الشريفة ، ~~والولايات الرفيعة ، ومع ذلك لا تتكلم من حيث أنت ، فأنت من حيث أنا ، ولكن ~~تكلم معهم من حيث أنت في مقام العبودية ، بقوله : ( وقل إني أنا ~~النذير المبين ) لست من قبل الربوبية PageV02P304 # بشيء لكن أنا بشر مثلكم يوحى إلي ، فمن جهة الوحي أنذركم من عظيم جلاله ، ~~وقهر كبريائه ، وأحذركم من ألم فراقه ، أنا النذير منه مبين ، حيث ألبسني ~~شاهد ملكه ، وعز جلاله وأنوار بهائه مبين من حيث ظهر معجزتي لكم ms0856 وأنتم ~~معاينوها. # قال بعضهم : في قوله : ( ولا تمدن عينيك ) غار الحق على حبيبه أن ~~يستحسن من الكون شيئا أو ينظره طرفة ؛ فإن ذلك متعة لا حاصل له عند الحق ، ~~وأراد منه أن يكون أوقاته مصروفة إليه ، وأيامه موقوفة عليه ، وأنفاسه له ~~حسيبة عنده ؛ فقال : ( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا ) (1) لذلك وقع ~~في المحل الأعلى ، فما زاغ ولا طغى. # قال يوسف بن الحسين أذن الله في قوله : ( وقل إني أنا النذير ~~المبين ) لنبيه عليه السلام أن يخبر عن نفسه بأنه السفير الأجل ، والعلم ~~الظاهر ، والبيان الشافي ، قال الله تعالى : ( وقل إني أنا النذير ~~المبين ). # ( فو ربك لنسئلنهم أجمعين (92) عما كانوا يعملون (93) فاصدع بما ~~تؤمر وأعرض عن المشركين (94) إنا كفيناك المستهزئين (95) الذين يجعلون مع ~~الله إلها آخر فسوف يعلمون (96)) # قوله تعالى : ( فو ربك لنسئلنهم أجمعين (92) عما كانوا يعملون ) ~~لا يحتاج الحق إلى السؤال عما عمل أهل معرفته ، لكن يعرفهم مكان الخطوات ، ~~واعوجاج الهمم ، وميلان الطبيعة ، ودقائق النفس والشيطان ، حتى يكونوا ~~مذابين من حيائه في بحر الخجل من صولة العظمة ، وأيضا أراد أن يواسيهم بما ~~قاسوا من آلام المشقة والمجاهدة ، كيف يخلصون من مكان الامتحان ، فيقول : ~~كيف أنتم عبادي في معاملتي ، ومن أجرتي ، ومشقة امتحاني ، حتى يقولوا بلسان ~~الاضطرار والشوق إلى لقائه ومقاساتهم داء الفراق هذا البيت : # عندك لا تسأل عن حاله %~% جل بأعدائك ما حل به # قال الواسطي : يطالب الأنبياء والأولياء بمثاقيل الذر لسمو رتبتهم ولا ~~بطالب العامة بذلك ، لبعدهم عن مصادر السر. # قال الواسطي : غفلة العامة من المسئول عنها أهل الحقائق من حركات الأطراف ~~، وخطرات القلب ، وهواجس السر. PageV02P305 # قال الجنيد : لتسألن أهل الحقائق عن تصحيح ما أظهروا للناس من الدعاوي ~~وتحقيقها ، وبلغني أن بعض المشايخ قال لبعض المريدين : إياك وهذه الدعاوي ~~فإن الله سائلك عنها. # فقال المريد : لو علمت أن الله يكلمني في القيامة ويسألني عن هذا ، لما ~~كان مني في طول عمري إلا هذا ، وأنا ممن يصلح لمخاطبة الحق ، وللوقوف بين ~~يديه ، وسقط فمات. # ( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك ms0857 بما يقولون (97) فسبح بحمد ربك وكن ~~من الساجدين (98) واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (99)) # قوله تعالى ( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (97) فسبح ~~بحمد ربك وكن من الساجدين ) واسى الحق حبيبه بما سمع من أعدائه ، وقال : ~~أنت بمرأى منا يضيق صدرك من لطافتك بما يقول الجاهلون بنا في حقنا بما لا ~~يليق بتنزيهنا فترة ، أنت صفتنا مكان مقالتهم فينا ، فإن مثلك ينزهنا لا ~~غير ، وكن من الساجدين حتى ترانا بوصف ما علمت منا ، وتخرج من ضيق الصدر في ~~مشاهدة جمالنا ، فإذا كنت تعايننا يسقط عنك ضيق صدرك من جهة مقالتهم. # وقال الواسطي : تعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فينا من الضد والند ~~والشريك ، فسبح بحمد ربك لا تضيق به صدرا ، فأنا في الأزل نزهنا صفاتنا عما ~~أحدثوه من هذه الألفاظ. # قال بعضهم : يضيق صدرك بما يقولون إذا رجعت إليهم ، وسمعت منهم ، أرجع ~~إلى مشاهدتنا ، فإنه وطن الحق ، ولا يضيق صدرك. # قال الواسطي : هذا تعزية للمحسودين من العلماء ، فقال : ولقد نعلم أنك ~~يضيق صدرك بما يقولون بجهلهم وحسدهم فيكم ، ثم أمرهم بلزوم طاعته بقوله : ( ~~ فسبح بحمد ربك ). # قال الأستاذ : ولقد نعلم أنك يضيق صدرك ولم يقل قلبك ؛ لأنه كان في محل ~~المشهود ولا راحة للمؤمن دون لقاء الله ، ولا يكون مع اللقاء وحشة ، ثم أمر ~~حبيبه بخالص العبودية عن كدر الخليقة بقوله : ( واعبد ربك حتى ~~يأتيك اليقين ) اليقين ها هنا مشاهدة الصرف ، أي : إذا بلغت مقام التوحيد ~~به ، وحقيقة الرؤية ، ومشاهدة مشاهدة الأزل ، وغبت في بحر الأبدية ، سقط ~~عنك في تلك الحال ، تظاهر الرسوم حتى تفيق عن تلك الحالة. # قال في مقام المشاهدة : الاشتغال بالعبادة ترك الأدب ، وما أردنا بهذا ~~التفسير خلع ربق العبودية عن أعناق أهل المعرفة ، لكن أردنا أن العارف إذا ~~عاين الحق يكون مجذوبا بشوق PageV02P306 # الحق إليه إلى جماله ، وهناك هو عروس الحق ومحبوبه ، لا يجوز أن يشتغل ~~برسم من الرسوم ، بل الاشتغال بحكم الوقت عين العبودية ، أي عبودية أعظم من ~~متابعة أمر المحبوب ، لكن ما دام قادرا ms0858 أن يكون مصححا لظاهر رسوم العبادة ، ~~ولم يكن سكرانا غائبا يلزم عليه حفظ الأوقات في العبودية إلى الممات ، وهذا ~~من شعار أهل التمكين. # قال الواسطي : لا يلاحظ غيره في الأوقات حتى يأتيك اليقين ، فيتحقق عندك ~~أنك لا تحس بغير الحق ، ولا ترى إلا الحق ، ولا يجاذبك إلا الحق. # وقال فارس : حتى تتيقن أنك لست تعبده حق عبادته. # وقال أيضا : من نظر إلى معبوده سقط عن عبادته ، ومن نظر إلى عبادته سقط ~~عن معبوده. # وقال الحسين : ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين )، أي : إنك تستيقن ~~بأنك لا تعبده ولا يعبد أحد حق العبودية ابتداء وانتهاء ، فتستوجب بما لا ~~بد من مكافأته. # قال ابن عطاء أن الله حكم على أصفيائه وأحبائه وأخلائه أن لا يخرجهم من ~~الدنيا إلا وطوق العبودية في أعناقهم ، لباس الخدمة عليهم ، ولذا قال ~~لحبيبه صلى الله عليه وسلم من بين بريته : # ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ). # قال الحسين بن عبد الله : بصدق التوحيد خرج عن رسوم التقليد ، وأبان عن ~~شرف التفريد ، فصار علمه جهلا وعرفانه نكرة. # وقال الحسين : العبودية كلها شريعة ، والربوبية كلها حقيقة. # قال الأستاذ : قف على بساط العبودية معتنقا للخدمة إلى أن تجلس إلى بساط ~~القربة ، وتطالب باداب الوصلة ، ويقلل النوم شرائط العبودية إلى أن ترقى ، ~~بل تلقى بصفات الحرية. ### | سورة النحل # بسم الله الرحمن الرحيم # ( أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون (1) ينزل ~~الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا ~~أنا فاتقون (2) خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون (3) خلق ~~الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين (4) والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ~~ومنها تأكلون (5)) # ( أتى أمر الله فلا تستعجلوه ) الإشارة في إتيان الأمر الإلهي ~~أنه تعالى كان قديما PageV02P307 # موصوفا بالإرادة القديمة ، والعلم القديم وفي الإرادة ، والعلم كان كون ~~العالم والعالمين فتقاضى سر الإرادة كون الوجود ، فكون الحق الكون بأمره ~~القديم الذي كان في نفسه ، فوقع الأمر منه بغير زمان ومكان ، فصدر الكون من ~~الأمر بما ms0859 كان في إرادته وعلمه ، فكون ذلك أبد الابدين بغير سؤال من الغير ~~، ولا انتظار ، ولا تعجيل ، فإن الأمر قائم به ، وللأمور معلق به وجف القلم ~~بما هو كائن ، فإذا سقط السؤال والعجلة إذ هما صفتا جاهل بالله وبأمره ، ~~ولو كان الأمر يأتي بمراد الحدثان لكان نقصا في الوحدانية ، لذلك نزه نفسه ~~عن ذلك النقص بقوله : ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) يا أيها الفاهم ~~الأمر منه ، صفته قديمة أبديته ، وهو تعالى قائم قديم بجميع ذاته وصفاته ، ~~ظهر حيث ما غاب ، ظهر لنفسه بنفسه من الأزل إلى الأبد ، فما معنى الإتيان ~~الأمر والأمر قد أتى في القدم من القدم ، ولكن ظهر بالإرادة للقدم ولكون ~~وجود الحدث فالاستعجال لمعنى غير قائم ، فأمره قائم قبل وجود العالم ، ~~وإشارة المعرفة أن العارف الصادق العاشق الشائق أبدا يستعجل إتيان المقامات ~~والواردات ، وكشوف المشاهدات ، من كمال شوقهم إلى لقائه كأنه قال سبحانه أن ~~هذه تتعلق باختصاصه ، وقد أتى هذه الخاصية بغير سبب ولا علة ، كان في الأزل ~~مشتاقا إليكم قد خصكم بولاية قبل وجودكم فما معنى الاستعجال. # قال بعضهم : هل رأيتم أمرا من الأمور إلا بأمره ، وهل رأيتم وحدا وفقدا ~~إلا به ، لا تتعجلوا بطلب الفرج ، فإن النصر مع الصبر. # قال النصر آبادي : أوامر الحق شتى بالعبادات أمر على الظاهر من الترسم ، ~~وأمر على الباطن من دوام المراعاة ، وأمر على القلب بدوام الراتب ، وأمر ~~على السر بملازمة المشاهدة وأمر على الروح بلزوم الحضرة ، فهذا معنى قوله ~~تعالى : ( أتى أمر الله فلا تستعجلوه ). # قال الأستاذ : أصحاب التوحيد لا يستقبلون شيئا باختيارهم ؛ لأنه سقط منهم ~~الإرادات والمطالبات ، فهم خامدون تحت جريان تصاريف الأقدار ، فليس لهم ~~إيثار ولا اختيار ، ومن خاصيته لأوليائه إلقاء الهام في قلوبهم بواسطة ~~الملائكة بقوله : ( ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من ~~عباده ) مقامات الوحي فنون ، فبعضها وحي الذات ، وبعضها وحي الصفات ، ~~وبعضها وحي الفعل ، ومنه لمات الملك ، وما يأتي به من الوحي يكون على مراتب ~~أرباب القلوب ، فوحي في مقام العبودية ، ووحي في قرآن ms0860 الحق من الباطل ، ~~وتخويف من الفراق ، أو بشارة لنيل الوصال وتعريف لأسرار عيوب النفس ، ~~ومداولتها ، ودفع مكائد الشيطان ، ورد وسواسه ، وتربية العقل بالتفكر ، ~~وتربية القلب بالذكر ، ولتصفية السر بنور الفراسة ، أو خبر من الغيب الكائن ~~من وقوع المقدرات ما يختفي في الضمائر PageV02P308 # والسرائر ، أو خبر عن وقوع كشف عالم الملكوت ، أو خبر عن اختصاص الربانية ~~من لمعان أنوار الذات والصفات ، فالملائكة يخبرون أرباب القلوب من أسرار ما ~~وصفنا ومخاطبتهم مع القلوب ، ألا ترى كيف قال تعالى : ( نزل به ~~الروح الأمين (193) على قلبك ) وأما وحي الصفات يكون بأنواع على مراتب ~~الصفات تخاطب الأرواح على قدر سيرها في عالمها ، وأما وحي الذات يكون مع ~~الأسرار ، وهناك يتزلزل الصفات ، ويتغير الأفعال ، تضمحل الرسوم ، وتسقط ~~الوسائط يحدث في السر بالسر للسر ويظهر للسر ما في السر. # قال عليه السلام : «إن في أمتي محدثين مكلمين ، وإن عمر منهم» (1). # فالمحدثون الذين يتحدث معهم الملائكة والمكلمون الذين يكلمهم الله ، يجوز ~~أن يحدثهم الله ، وبيان قوله سبحانه : ( ينزل الملائكة بالروح من ~~أمره ) الروح الوحي الإلهي سماه بالروح ؛ لأنه كلامه صدر من ذاته ، وهو ~~حياة قلوب الصديقين من المكلمين والمحدثين ، وهو سبب حياة قلوب المؤمنين ، ~~يحييهم بعلمه من موت الجهالة ، بخبر الأولياء من وحيه ما يهذب قلوب ~~السامعين ، وهو توحيده ، ووصف عظمته ، وكبريائه ، ليسقط عنهم الخيال ، ~~وليزل عن قلوبهم المحال بقوله : ( أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا ~~فاتقون ) خوفوا الخلق من الخواطر الرديئة الممزوجة بالنظر إلى غيري ، ~~وخوفوهم من عظم جلالي ، ونعوتي الشاملة على كل أسرار وأخطار. # قال بعضهم : من أنذر وحذر فقد قام بمقام الأنبياء ، ربما يأتي أمره ~~بالبلاء ، وربما يأتي أمره بالرحمة ، فالصبر في الأوقات والرضا بأمر الله ، ~~وذلك لكل أواب حفيظ ، يحفظ أوقاته ، ولا يضيع أيامه. # قال ابن عطاء : المحدث من العباد من يكلمه الملك في سره ، ويطلعه على ~~خصائص الوجود ، ويفتح لروحه طريقا إلى الأشراف على الموت. # قال الله : ( ينزل الملائكة بالروح من أمره ). # قال الأستاذ : في قوله : ينزل الملائكة بالروح على الأنبياء بالوحي ms0861 ~~والرسالة ، وعلى أسرار باب التوحيد ، وهم المحدثون ، فالتعريف للأولياء من ~~حيث الإلهام والخواطر ، وإنزال الملائكة على قلوبهم ، غير مسدود ، ولكنهم ~~لا يؤمرون أن يتكلموا بذلك ، ولا يحملون رسالة إلى الخلق. # ( ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (6) وتحمل أثقالكم إلى بلد PageV02P309 # لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤف رحيم (7) والخيل ~~والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (8)) # قوله تعالى : ( ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ) أي : هي ~~زينتكم بالظاهر ، وللعارفين في سرجها وإراحتها جمال ، وهو جمال الصفة ~~الإلهية يظهر في محل بنعت عين الجمع لأبصارهم ، فيزيد من رؤية ذلك الجمال ~~محبتهم في شوقهم إلى الله سبحانه ، والأرواح ، والقلوب ، والأسرار ، رغبة ~~في عالم الملكوت ورياض الجبروت ، ولأربابها رؤية جمال الحق في تقلبها إلى ~~معارج الغيب ودرجات القرب حين صعدت بأجنحة المحبة إلى سرادق المملكة ، وحين ~~نزلت بأوقار المعرفة ، وهي مطايا الملكوت تحمل أثقال أشواق المحبين إلى ~~حضرة الجبروت ، وتأتي برواحل أسرار الصفات إلى ميادين العبودية ، بقوله : ( ~~ وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ) إذا ~~أراد سبحانه أن يفتح أبواب الغيوب لأهل القلوب يرسل على قلوبهم حوامل أنوار ~~العناية ، فتحمل القلوب بقوة فيض المشاهدة إلى عالم الغيب ، وتراها أسرار ~~عجائب الملك والملكوت ، وهم أصحاب الجذب والواردات بلغوا بالجلالات إلى ~~بلاد المشاهدات ، ولو كانوا أهل السلوك لا يبلغون إليها إلا بلزوم ~~المراقبات والمقامات. # قال الله تعالى : ( وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا ~~بشق الأنفس ) لا بالسير في المقامات ، ولزوم الطاعات ، ودليل الجدية والعطف ~~، بغير العلة (1). # قوله تعالى : ( إن ربكم لرؤف رحيم ) فالمجذوب محمول الله بمطية ~~فضله إلى بلد مشاهدته ، فمن محمول بنور فعله ، ومن محمول بنور صفته ، ومن ~~محمول بنور ذاته ، فمن حمله بنور فعله يكون بلده مقام الخوف والرجاء ، ~~ومحلته صدق اليقين ، وداره مربع الشهود ، ومن حمله بنور صفته ، فبلده مقام ~~المعرفة ، ومحلته صفو الخلة ، وداره المودة ، ومن حمله بنور ذاته ، فبلده ~~التوحيد ، ومحلته الفناء ، وداره البقاء. # قال بعضهم : يدوم المحمول على بساط ms0862 الرفاهية ، والحامل في مفاوز المشقة ، ~~فمن حمل فقد كفى ، ومن أهمل فقد ضيق عليه ، لذلك قال : لم يكونوا بالغيه ~~بأنفسكم وتدبيركم إلا بشق الأنفس ، وربما يهون على من يشاء من عبيده حتى لا ~~يصليه في سيره تعب ، ولا نصب كذلك سير العارفين من سير الزاهدين. # قال ابن عطاء : تضعف الأنفس عن حمل تلك المشاق ، وتقوي القلوب على ذلك حتى PageV02P310 # لا يلحقه كراهية بعد ، إلى أن علم إلى أين مقصده ، وبأمر من قام وقصد. # وقال الجنيد : في هذه الاية دليل على أن مراد البلوغ إلى مقصده يجب أن ~~يكون أقل أمره ، وقصده الجهد والاجتهاد ؛ ليصل بركة ذلك إلى مقصوده. # قوله تعالى : ( ويخلق ما لا تعلمون ) إن الله سبحانه خير الإفهام ~~والعقول عن حصر أفعال وبدائع صنعه ؛ لأنها قاصرة بفتورها عن إدراك لطائف ~~فعل وعجائب قدرته ما يصدر من غيبه من الالاء والنعماء ، أي : إذا عجزتم عن ~~إدراك الخلق فكيف لا تعجزون عن إدراك الخالق وهو قادر أن يخلق على أدابر ~~نملة ألف ألف عرش ، وألف ألف كرسي ، وألف ألف عالم ، يخلق بساتين الروحانية ~~في قلوب الأطيار والوحوش والبهائم ، وهم بها يعيشون ، ويحيون ، ويسرحون ، ~~ويخلق في قلوب الجن جنان الرحمة ، ونيران العذاب ، ويخلق في قلوب الملائكة ~~بحار التسبيح والتهليل ، ويخلق في قلوب عقلاء المجانين عيون الحكم والمحبة ~~والشوق والمناجاة ، ويخلق لعشاق حضرته من العارفين من صور الروحانية عالما ~~في عالم ، ويتجلى بجوده وجلاله منها لهم ، ولا يعرفها إلا شائق عاشق واقف ~~بأسرار الربوبية. # روى الضحاك عن ابن عباس في قوله : ( ويخلق ما لا تعلمون ) قال : ~~يريدان عن يمين العرش نهرا من نور ، مثل السماوات السبع ، والأرضين السبع ، ~~والبحار السبع ، يدخله جبريل عليه السلام كل سحر فيغتسل ، فيزداد نورا إلى ~~نوره ، وجمالا إلى جماله ، وعظما إلى عظمه ، ثم ينتفض فيخرج الله من كل ~~قطرة تقع من ريشه كذا وكذا ألف ألف ملك ، يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك ~~البيت المعمور ، وفي الكعبة سبعون ألفا لا يعودون إليه ، إلى أن تقوم ~~الساعة. # قال ms0863 بعضهم : علمك الحق الوقوف عندما لا يدركه عقلك من آثار الصنع ، وفنون ~~العلوم لا تقابله بالإنكار ، فإنه خلق ما لا يعلمه أنت ولا يعلمه أحد من ~~خلقه إلا من علمه الحق ، ألا ترى يقول : ( ويخلق ما لا تعلمون ). # قال : القسم مقدر عليكم من أفعالكم ما لا تعلمون إلا في وقت مباشرته ، ~~وهو عالم به ؛ لأنه الذر قدر وقضى. # وقال الواسطي : يخلق فيكم من الأفعال ما لا تعلمون إنها لكم أم عليكم. # ( وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين (9) ~~هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (10) ينبت ~~لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم PageV02P311 # يتفكرون (11) وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (12) وما ذرأ لكم في الأرض ~~مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون (13) وهو الذي سخر البحر لتأكلوا ~~منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا ~~من فضله ولعلكم تشكرون (14)) # قوله تعالى : ( وعلى الله قصد السبيل ) أي : على الله الطريق ~~المستقيم أن يعرفه من اصطفاه في الأزل بمحبته ، والإيمان به ، والإيقان في ~~معرفته بربوبيته ، أي : على الله الهداية ، لا على غيره من العرش إلى الثري ~~، أي : أنه لا شريك له في ألوهيته بأن يجد أحد سبيلا إليه بغير إرادته ~~ومشيئته ، أو يأخذ طريقا من طرق معرفته بسبب من الأسباب أو علة من العلل. # ( ومنها جائر ) أي : من السبيل مائل عن طريق الصواب ، وهو طريق ~~قهره ، أجلس شيخ الضلالة على رأس وادي الطغيان ، فمن طرده عن طريق المستقيم ~~سلط عليه الملعون حتى يغويه في أودية الشهوات ، وقفر الظلمات ، وأن الضلالة ~~والهدى يتعلقان بقهره ولطفه ، ولو أراد أن يجيز الكل في حيز الرحمة لكان ~~كما أراد ، ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ، تصديق ذلك قوله : ( ~~ولو شاء لهداكم أجمعين ). # قال الواسطي : على الله أن يهدي إلى قصد السبيل ، ومن السبيل ما هو ms0864 جائر ~~، والله سبب الجائر ، والسبيل القصد ، والسلوك على أنوار اليقين ، والجائر ~~في السبيل على سبيل التوهم والدعاوى. # ( وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون ~~(15) وعلامات وبالنجم هم يهتدون (16) أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ~~(17) وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم (18) والله يعلم ما ~~تسرون وما تعلنون (19) والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون (20)) # قوله تعالى ( وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا ~~لعلكم تهتدون ) لما أشرقت أرض القلوب بأنوار عظمة الازال والاباد ، وسنا ~~سبحات الذات والصفات ، وتزلزلت واهتزت وكادت أن ترتفع في هواء الهوية ، ~~فألقى الحق سبحانه رواسي علومه الغيبية ، ومعارفه السرمدية ، حتى لا تطير ~~بأشباحها وأرواحها ، وأرباب هذه القلوب رواسي الأكوان والحدثان ، ولو لا هم ~~لطار الأكوان في الغيب ، وغيب الغيب ، ثم وصف أرض PageV02P312 # القلوب كيف أجرى فيها أنهار المعرفة والمكاشفة والمحبة والشوق والعشق ~~والحكمة والفطنة ، وأوضح فيها سبلا للأرواح ، والعقول والأسرار ، منها إلى ~~الحق ، وتلك السبل بلا نهاية ؛ لأن الطرق إلى الله غير متناهية ؛ لأنه ~~تعالى غير متناه ، فبعض سبلها للعقول إلى أنوار الايات ، وبعض سبلها ~~للأرواح إلى أنوار الصفات ، وبعض سبلها للأسرار إلى أنوار الذات ، وأن الله ~~سبحانه يظهر بجلاله وجماله في تلك السبل ؛ لإسراره القلوب كشفا عيانا ، ولو ~~لا ذلك الكشوف والظهور لم يهتد الأرواح والعقول والأسرار إليه. # قال تعالى : ( لعلكم تهتدون ) أي : تهتدون به إليه ، ثم زاد تسبب ~~العرفان بأن يريهم علامات مشاهدته من لوائح كشف الملكوت وأنجم الجبروت. # قال تعالى : ( وعلامات وبالنجم هم يهتدون ) العلامات في الظاهر ~~أنوار الأفعال للعموم ، وأخص العلامات في عالم الأولياء والنجوم وأهل ~~المعارف الذين يسبحون في أفلاك الديمومية أرواحهم وقلوبهم وأسرارهم ، من ~~اقتدى بهم يهتدي إلى مقصوده. # ألا ترى إلى قوله عليه السلام : «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (1). # ما أنور علامات سمات القدوسية في وجوه الصديقين ، وما أزهر نجوم أرواحهم ~~متقلبات في أشباحهم ، لطلب معادن القدس رياض الأنس ، من نظر إلى وجوههم ~~بالحقيقة يرى أنوار ms0865 الحق من وجوههم وقلوبهم. # قال المالكي : طريق الهداية أعلام ، فمن استدل بالأعلام بلغ إلى محل ~~الهدى ، وكوشف عن معدن النجوم ، ومن استدل بنجوم المعرفة ، مر في طريق ~~الهداية ، كان عالما بمسراها وصل إلى غاية المنتهى من الطريق ، ولا دليل ~~على الحق سواه ، ولا علامة يخبر عنه ، فهو الدليل على نفسه ، ليس لأحد إليه ~~سبيل ، ولا لخلق عليه دليل ، فمن وصل إليه فيه وصل ، ومن انقطع عنه فبسوابق ~~لقائه عليه انقطع. # ثم إنه سبحانه جعل ما وصف من نعمة بلا نهاية ، بقوله : ( وإن ~~تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) نعمة سوابق نعم عنايته ، وهي أزلية أبدية ~~والحوادث عن حصرها قاصرة ونعمة المعرفة في قلوب العارفين ، وله نعمة ~~التوحيد في قلوب الموحدين ، وله نعمة المحبة في قلوب المحبين ، وله نعمة ~~الشوق في قلوب المشتاقين ، وله نعمة الأنس في قلوب المستأنسين ، وله نعمة ~~الإرادة في قلوب المريدين ، وله نعمة الإيمان في قلوب المؤمنين ، وله نعمة ~~الإسلام في قلوب PageV02P313 # المسلمين ، وكل نعمة من هذه النعم معدن أصل الذات والصفات ، يزيد بزيادة ~~كشفها ، فبأي لسان يعد نعمته ، والخليقة عاجزة عن شكر قطرة ماء زلاله ، ~~فكيف لا يعجز عن شكر نعمة مشاهدته القديمة ، لكن رحمته وغفرانه شكر نفسه ~~لعلمه بضعف عباده عن حمل شكره ، لذلك قال في آخر الاية ( إن الله ~~لغفور رحيم ). # قال ابن عطاء : إن لك نفسا وقلبا وروحا وعقلا ومحبة ومعرفة ودينا ودنيا ~~وطاعة ومعصية وابتداء وانتهاء وحينا واصلا وفصلا ووصلا ، فنعمة النفس ~~الطاعات والإحسان ، والنفس فيهما تتنعم ، ونعمة الروح الخوف والرجاء ، وهو ~~فيهما يتنعم ، ونعمة القلب اليقين والإيمان ، وهو فيها يتقلب ، ونعمة العقل ~~الحكمة والبيان ، وهو فيهما يتقلب ، ونعمة المعرفة الذكر والقرآن ، وهو ~~فيهما يتقلب ، ونعمة المحبة الألفة والمواصلة والأمر من الهجران وهو فيهما ~~يتقلب ، وهذا تفسير قوله : ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ). # ( أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون (21) إلهكم إله واحد ~~فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون (22) لا جرم أن الله ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا ms0866 يحب المستكبرين (23) وإذا قيل لهم ما ذا ~~أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين (24) ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ~~ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون (25) قد مكر الذين من ~~قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم ~~العذاب من حيث لا يشعرون (26) ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي ~~الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على ~~الكافرين (27) الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا ~~نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون (28) فادخلوا أبواب جهنم ~~خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين (29)) # قوله تعالى : ( أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون ) من ~~أمانة الحق بموت الحرمان عن حياة العرفان ، كيف يحي بحياة لا موت فيها ، ~~فالجاهلون في غمرات هوة الجهالة ، والعارفين في حياة المشاهدة ، أماتهم حيث ~~طردهم عن أبواب لطفه ، فهم يعمهون في ظلمات القهر وما يشعرون سبل الحياة ~~وطريق النجاة ، فمثالهم مثل الأصنام التي لا أرواح فيها ، ولا استعداد لها ~~لقبول الحياة ، فكذلك أهل الجهل به ليس لهم استعداد قبول حياة المعرفة PageV02P314 # وروح المحبة ، لذلك أكد في حق الأصنام بعد قوله : ( أموت ) بقوله ~~: ( غير أحياء ) قطع الحياة الأصلية عنها ، وقطع عنها أيضا استعداد ~~قبول الحياة ؛ لأنها جمادات ؛ فالمنكرون كذلك أموات القلوب عن معرفة ~~العارفين ، وغير مستعدين لعرفانهم ، والعلم بأحوالهم ، فسلاطين المعرفة ~~أحياء بأرواح معرفته ، والمحبون أحياء بأرواح محبته ، والموقنون أحياء ~~بأنوار مشاهدته ، والصديقون أحياء بأنوار لقائه ، والمقربون أحياء بأنوار ~~صفاته ، والموحدون أحياء بأنوار ذاته ، وأهل ستر الغيب أحياء بحياته ~~القديمة ، والجمهور من وصل القدم في بحر نكرة ، مستغرقون لا يموتون فيها ~~بالحقيقة من سكون أرواح معرفته في أسرارهم ، وأحاطت أرواح بقائه على ~~أرواحهم ، ولا يحبون فيها بالحقيقة لصولة سطوات عظمته الأزليات عليهم ، ~~وإذا أبصرتهم بالحقيقة فعن إدراك كنه القدم أموات غير أحياء ، إذ لا سبيل ~~للحدث في القدم بنعت إدراكه ، لكن هم في حسبان من حلاوة أوقاتهم في إدراكه ~~، وما يشعرون أنهم لا يدركون أبدا ms0867 ، لكن إذا طلع صبح الوحدانية عليهم ، ~~وباشرهم أنوار شموس الذات ، وأقمار الصفات ، يقومون به معه بوصف الحياة ~~الباقية ، والعلم بفروع الربوبية ، ولكن لا يعرفون أيان يبعثون في هذه ~~المنازل ، كأن الأوقات هناك وقت واحد بنعت تسرمد السرمدية والأزلية سبحانه ~~وتعالى. # قال الجنيد : من كان بين مفرقي فناء فهو فان ، ومن كان بين طرفي عدم ، ~~فهو معدوم ، وإلهي هو الذي لم يزل ولا زال. # قال بعضهم : أموات عن وصول الحق غير أحياء وما يشعرون ، وإنما يشعر بذلك ~~من كشف له عن محل الحياة بالحق. # وقال الحسين : الحياة هي أقسام ، فحياة بكلماته ، وحياة بأمره ، وحياة ~~بقربه ، وحياة بنظره ، وحياة بقدرته ، وحياة هي الموت ، وهي الحركات ~~المذمومة ، وهو قوله جل وعز : ( أموات غير أحياء وما يشعرون ). # وقال سهل : خلق الله الخلق ثم أحياهم باسم الحياة ، ثم أماتهم بجهلهم ~~بأنفسهم ، فمن حي العلو فهو الحي وإلا فهم موتى بجهلهم. # وقال الواسطي : الميت من غفل عن مشاهدة المنان ، والحي من كان حي بالحي ~~الذي لا يموت. # وقال أبو عمرو الزجاجي : كيف تحيون وأنتم لم ترو أحياء. # وقال النصر آبادي : أهل الجنة أموات ولا يشعرون ؛ لا شتغالهم بغير الحق ، ~~وأهل الحضرة أحياء ؛ لأنهم في مشاهدة الحق. # قال الله : ( أموات غير أحياء وما يشعرون ). PageV02P315 # ( وقيل للذين اتقوا ما ذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا ~~في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين (30) جنات عدن ~~يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاؤن كذلك يجزي الله المتقين ~~(31) الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما ~~كنتم تعملون (32) هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك ~~فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (33) فأصابهم ~~سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (34) وقال الذين أشركوا لو ~~شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء ~~كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين (35) ولقد ms0868 بعثنا ~~في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم ~~من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (36)) # وقوله تعالى : ( للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ) أي : للذين ~~رفعوا أرواحهم وقلوبهم وعرضوها في الحضرة لبذلها وفدائها لعروس المشاهدة ، ~~وأحسنوا عبودية خالقهم ، وشاهدوه مشاهدة إيقان وعرفان في دار الامتحان حسنة ~~مشاهدة الرحمن في وقت كشوف أنوار جماله في أوقات المواجيد والواردات ، ولهم ~~في دار الاخرة عيان في عيان ، وبيان في بيان ، بلا فترة ولا فتور ، ولا ~~حجاب ولا عتاب ، ولنعم دار هؤلاء المتفردين عن الأكوان والحدثان دار مشاهدة ~~الرحمن. # ثم وصف مقاماتهم السنية ودرجاتهم الرفيعة في مقاعد صدق المشاهدة بقوله ~~تعالى : ( جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما ~~يشاؤن كذلك يجزي الله المتقين ) بساتين مقام الجلال والجمال ، ويجري فيها ~~أنهار زوائد المنن ولهم من مشاهدة جلاله وجماله ما يشاءون عن حلاوة الخطاب ~~والوصال ، وهذا جزاء قوم انفردوا بالحق عما دون الحق. # قال أبو عثمان : في قوله ( للذين أحسنوا ) أي : أحسنوا في ابتداء ~~أحوالهم الرجوع إلى محل المحسنين. # قال يوسف بن الحسين : ( للذين أحسنوا ) آداب الخدمة واستعملوها ~~للرفعة إلى محل الأولياء ، وهو غاية الحسنى. PageV02P316 # قال الأستاذ : إن في الدنيا مشاهدة ، وفي الاخرة معاينة ، ثم وصف لهؤلاء ~~المحسنين المتقين بطيب قلوبهم وأرواحهم عند خروجهم من الدنيا ، بقوله تعالى ~~: ( الذين تتوفاهم الملائكة طيبين ) في الدنيا بطيب نفحات مسك ~~تجليه وتدليه وفي الاخرة بطيب مشاهدته ووصاله ، أيضا طيبين بطيب محبته ، ~~طيبين بطيب معرفته ، طابت نفوسهم في خدمة مولاها ، وطابت قلوبهم في محبة ~~سيدها ، وطابت أرواحهم بطيب مشاهدة ربها ، وطابت أسرارهم بطيب الأنوار ، ~~هؤلاء مقدسون من شوب الحدثان ، وإشراك الأصنام ، تقدست نفوسهم من لوث ~~الطبيعات ، وتقدست قلوبهم من لطخ الشهوات ، وتقدست أرواحهم من الوقوف في ~~الايات ، وتقدست أسرارهم من علائق الكرامات ، طابوا بطيب المناجاة ، ~~واستأنسوا بأنس المداناة ، وسكروا بوجوه المشاهدات ، وصلحوا في مجالس أنوار ~~الصفات ، وطاروا بأجنحة الشوق والمحبة في أنوار الذات ، طيب الله ms0869 قلوبهم ؛ ~~حيث جعلها متصفة بأنوار شهوده عليها ، فطابت الوجود بوجودهم ، وفاحت فارات ~~مسك محبتهم في الافاق ، فما أطيب ذلك الطيب إذا تنفسوا من غلبات الشوق إلى ~~جماله ، واستنشاقهم طيب وصاله ، هبت عليها ريح الشمال وحملت أنفاسهم ، ~~ودارت حول الكونين ، فطابت الأكوان والحدثان من طيب أنفاسهم ، لأنها رياض ~~جمال الحق ، وموضع أنفاس الرحمن. # ألا ترى كيف قال سيد أهل الأنفاس عليه السلام : «إني أجد نفس الرحمن من ~~قبل اليمن» (1). # وقال : «إن لربكم في أيام دهركم لنفحات ، ألا فتعرضوا لنفحات الرحمن» (2). # عرائس جود المشاهدة هناك تتبختر ، فتطيب بطيبها تلك الأنفاس الربانية ، ~~فطابت السماوات والأرض وأهلها بطيبها ، كما قيل : # تضوع مسكا بطن نعمان إن مشت %~% به زينب في نسوة عطرات # قيل : أي طيبة أبدانهم وأرواحهم بملازمة الخدمة وترك الشهوات. # وقال أيضا : أي : لم يتدنسوا من الدنيا وخبثها بشيء. # قال أبو حفص : ضياء الأبدان بمواصلة الخدمة ، وضياء الأرواح بالاستقامة. # قال الأستاذ : طيبين تفيض أرواحهم طيبة ببذلها نفوسهم. # ( إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين ~~(37) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ~~ولكن أكثر PageV02P317 # الناس لا يعلمون (38) ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين ~~كفروا أنهم كانوا كاذبين (39) إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون (40) والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ~~ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (41) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ~~(42) وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون (43) # قوله تعالى : ( إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ) ~~بين سبحانه جلال كرم حبيبه ، وشفقته على خلقه ، محبة لدينه ، ونظاما ~~لعبوديته ، ثم فإن لا يضيق صدرك لأجل من أغويته في الأزل عن طريقك ، فإنك ~~لا تهديه ، فإن من طرده سابقة إرادته الأزلية ، يقدر الحدثان حسم باب الطرد ~~عليه ، فإن العبودية من خلقه يتعلق بتخصيص من خصه بمعرفته ، وألبسه لباس ~~عبوديته ، ومن ألبسه لباس ms0870 قهره فأنت لا تقدر أن تنزع ذلك عنه ، فإن جريان ~~أمر القدم لا يدفعه إلا القدم ، وإنما بعثت الرسل لبيان الشريعة ، ووضوح ~~الطريقة لأشركتهم في الهداية. # قال الواسطي : السعادة والشقاوة والهدى والضلالة جرت في الأزل بما لا ~~تبديل فيها ، ولا تحويل وإنما يظهر في الأوقات رسما على الأجسام ، والهياكل ~~لا صنع فيها لأحد ، وليس يقدر عليها خلق ، بل هي إرادة جرت في الأزل بعلم ~~سابق قصرت عنه أيدي الأنبياء وإلى الأولياء بقوله : ( فإن الله لا ~~يهدي من يضل ) وتصديق ما ذكرنا ، وما أشار إليه. # قوله تعالى : ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ~~) أي : لا يكون كون الأشياء إلا بتكويننا إياها ، إما في الإيجاد ، وإما في ~~الهداية ، وبيان هذه الاية إن لذاته تعالى صفات قديمة أزلية ، منها الإرادة ~~والمشيئة ، وهما سابقتان قبل كل سابق ؛ لأنهما قديمتان جرتا لكون الكون وما ~~فيه ، لا أن تكونا تحدثان في الحق ؛ لأنه منزه عن البدء الذي خلا عنه ~~الإرادة والمشيئة في سابق العلم. # إنما أراد الله الأشياء في القدم وعلمه كان مقرونا بإرادته ، وكان الوجود ~~موجودا في علمه مريدا لإرادته ، وكان قادرا بقدرته القديمة بإيجاد الكون ~~بمحض الإرادة ومعلوم العلم ، ولكن لو أوجد لكان معا معا ، ولوجدان الحدثان ~~رتبة القدم أخرها بغير علة ، ولا لوقت من الأوقات ، أراد حدوث الحدث ~~وإحداثه فعلم وجوده ، وبعد أن كان معدوما فأوجد بتمام الصفة حتى يكون على ~~حد الكمال ؛ لأنه تعالى خلق الأشياء بمباشرة نور ذاته وجميع صفاته ، فالقول ~~منه صفة من صفاته ، فقال للمعدوم : كن بتكويننا إياك حتى يكون ذلك المعدوم PageV02P318 # موجودا بكمال جميع الصفات ، إذ لو كان خاليا عن الأمر والكلام كان ناقصا ~~، مع أنه تعالى قادر يخلق الأشياء على حد الكمال. سئل بعضهم ما كان يكفي ~~الإرادة والمشيئة حتى أظهر قول كن. # قال : خفية الإرادة والمشيئة ، فأظهر الأكوان في المعلوم ، وأظهر لفظة : ~~كن ؛ فأخرج الأكوان إلى الوجود. # قال الواسطي : ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه ) إنه على قدر ~~المعارف إشارة إلى القدرة ، وأما ms0871 الحقيقة فليس للحق مكون ، كما أنه ليس له ~~موجود ، إذ لم يكن له معدوم ، فإذا كانت الأشياء بذاته ظهرت ، وبه وجدت لا ~~بصفاته فلم يزل ، كما لا يزال إلى أنه لم يكن ، أظهر بعضهم لبعض ظهور ~~الأشياء بذاته لا بصفاته. # ( بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ~~ولعلهم يتفكرون (44) أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو ~~يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون (45) أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين ~~(46) أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤف رحيم (47)) # قوله تعالى : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) ~~أخفى الله سبحانه مكنون أسرار كتابه كما كانت بالحقيقة إلا على نبيه ؛ لأنه ~~كان بتلك الحقائق مخاطبا ، وكان بها مأمونا ؛ ليبينها لأمناء المعرفة ~~وأصفياء الحقيقة ، الذين لهم استعداد قبول الحقائق ، ولهم أسماع الأهلية ~~الحاضرة لشهود الغيب ، وسماع الأنباء العجيبة ليتفكروا فيها بعقول كاملة ، ~~ويستخرجوا جواهر علومها بأسرار ظاهرة ، وهمم عالية ، وخواطر مشرقة ، ~~وإدراكات منيرة ، وهم لا يضيعونها بأن يقولوا عند غير أهلها فيسقطوا عن ~~درجة الأمانة ، وأنشد ما ذكرنا : # من سارروه فأبدى السر مشتهرا %~% لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا وجاء بنوه فلم يسعد بقربهم %~% وأبدلوه مكان الأنس إيحاشا لا يصطفون مذيعا بعض سرهم %~% حاشا ودادهم من ذاكم حاشا # قال ابن عطاء : قطع عقول الخلق عن فهم كتابه ، والإشراف عليه والنبيين ~~منه إلا عقل النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه قال له : ( وأنزلنا إليك ~~الذكر لتبين للناس )، وإن فيه أحكام الخلق والخطاب معك ، وأنت صاحب البيان ~~لهم بما أنزل عليك ، فإنهم في مقامات الوحشة ، وأنت في محل الحضور ومحل ~~الائتمان ، فبيان الكتاب ما تبينه ، وآداب الشريعة ما ترسمه ؛ لأنك الأمين ~~في جميع الأحوال ؛ ولا يؤتمن على أسرار الحق إلا الأمناء من العبيد. PageV02P319 # ( أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله عن اليمين ~~والشمائل سجدا لله وهم داخرون (48) ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض ~~من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون (49) يخافون ربهم من فوقهم ms0872 ويفعلون ما ~~يؤمرون (50)) # قوله تعالى : ( أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله ~~عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ) بين الله سبحانه جهالة المتكبرين ~~والمستكبرين عن خدمته بأنهم لا يرون ظلالهم بالغدو والاصال ، كيف يسجد ~~لخالقهم ولو كانوا على محل العقل والإيمان والمعرفة لتنبهوا وتعرفوا مكان ~~جهلهم بالله وبعبوديته ، فإن جميع الموجودات حتى الجمادات تسجد لصانعها من ~~جهة وقوع نور العظمة عليها ، فهي داخرة صاغرة في أنوار تجلي عظمته لها ، ~~كما قال عليه السلام : «إذا تجلى الحق لشيء خشع له» (1). # وفيه بيان أن كل موضع في نفس الأمارة الشيطانية ، هناك استكبارا وتكبرا ~~من عرف الحق بالحق بعد ما رأى الحق بالحق. # قال بعضهم : ما خلق الله شيئا من الجماد والحيوان ينازع صانعه وخالقه إلا ~~الإنسان ، فإنه أبدا يدعي لنفسه ما ليس من قدرة وعلم ، ويثبت على الوحدانية ~~والفردانية بادعاء الأهل والولد جل وعز ، وتكبر في الإذعان والخضوع ، لذلك ~~قال الله : ( أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء ). # ( وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي ~~فارهبون (51) وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون ~~(52) وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون (53) ثم إذا ~~كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون (54) ليكفروا بما آتيناهم ~~فتمتعوا فسوف تعلمون (55) ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله ~~لتسئلن عما كنتم تفترون (56) ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون ~~(57) وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (58) يتوارى من القوم ~~من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون (59) ~~للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ~~(60) ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم PageV02P320 # إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ~~(61) ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن ~~لهم النار وأنهم ms0873 مفرطون (62) تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم ~~الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم (63) وما أنزلنا عليك ~~الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (64) والله ~~أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون (65)) # قوله تعالى : ( وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله ~~واحد فإياي فارهبون ) بين أن من أقبل على شيء دونه بوصف المحبة والاختيار ~~على الله ، فهو في حيز الثنوية ، حيث اتخذ إلهه هواه ومن ذاق من برح ~~الوحدانية ذوقا سقط عنه علائق الكونين ، ويكون متفردا بفردانيته ، موحدا ~~بوحدانيته. # قال أبو عثمان : نهاك ربك أن تتخذ إلهين أو تتخذ معه شريك ، فاتخذت آلهة ~~وادعيت شركا ، كيف يصبح لك مع ذلك التوحيد وأنت تعبد نفسك وهواك وطبعك ~~ومرادك ، وتعبد الخلق فأنى تصل إلى محل العبودية. # ( وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم ~~لبنا خالصا سائغا للشاربين (66) ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ~~ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون (67) وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي ~~من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون (68) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي ~~سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك ~~لآية لقوم يتفكرون (69) والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل ~~العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير (70)) # قوله تعالى : ( وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه ~~من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ) الخطاب للعارفين الذين يشربون ~~ألبان المحبة من بين بطون الأفعاليات ما يحصل بين فرث ودم من الايات ، من ~~لطائف الصفات ، تشرب منها القلوب والأرواح والأسرار على قدر مزاجها من ~~القرب ، وأيضا تشرب الأرواح ما يحصل في العقول الصافية من بين النفس والقلب ~~من زلال بحر المشاهدة ، فهنالك منازل اعتبار المعتبرين. # قال أبو بكر الوراق : العبرة في الأنعام وتسخيرها لأربابها ، وطاعتها ms0874 لهم ~~، وتمردك على PageV02P321 # ربك وخلافك له في كل شيء ، وما يتعلق بما ذكرنا من حقائق الإشارات قوله : ~~( ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) أي : ~~مما يتخذ الأرواح والأسرار من ثمرات نخيل القلوب ، وأعناب العقول شراب ~~المحبة المسكرة صميمها ، وشراب الأنس المتخذ من صفاء أنوار الذكر الذي هو ~~رزق حسن لتربية وجودها ، وذلك الشراب والسكر من تاثير مياه تجلي الجمال ~~والجلال ، وصفاؤهما من صفو الوصال ، فإذا شربتهما صارت سكرانة من شوق الحق ~~مستأنسة بوجه الحق سبحانه ، وفي هذه الإشارات اعتبار ومعرفة ألباء الحقيقة ~~بقوله : ( إن في ذلك لآية لقوم يعقلون ). # قال الأستاذ : الرزق الحسن ما كان حلالا. # ويقال : هو ما أتاك من حيث لا تحتسب ، بين سبحانه مواضع الحقيقة لأهل ~~المعرفة في منازل وحيه واختصاصه مما خلق به وأكرمه بذلك بقوله : ( ~~وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ) صرح ~~بيان الحق موضع خاصية وحيه عن النحل وأمثالها مما فيه الحياة ، فإنه تعالى ~~أعطى من فيض فعله ، ونور صفته ، ورحمة ذاته كل ذي روح روحا يعيش بها ، ~~ويكون مستعدا لقبول وحيه بها ، ومنها يعرف صانعه وخالقه ، ويعرف مكان رزقه ~~، ويعبد الخالق بما يفعل من عبوديته وربوبيته بقدرة قوته في تلقف الإلهام ~~منه بلا واسطة ، فهو تعالى ألهم الجمهور بنفسه ؛ لأنهم موضع أسراره لا يطلع ~~عليها جميع العقلاء ، وبقدر نور الإلهام يتولد منهم حقائق الأشياء الغيبية ~~المقدرة في علمه ، وذلك الوحي إلهام ، والإلهام على مراتب الفعل والصفات ، ~~فمن كان مشربه من إلهام الأفعال فصنوف مواليده على قدر الأفعال ، ومن كان ~~مشربه من إلهام الصفات ، فمواليده أصفى وأنور. # ألا ترى إلى النحل كيف يكون ثمرتها عسل لطيف شفاء كل عليل ؛ لأن إلهامه ~~تختص بالصفة دون الفعل ، فأمرها بأكل الطيبات من كل ثمرات خوالص الأشجار ~~والأنوار ، واتخاذها طيبات المساكن من الجبال والأشجار ، فعلى قدر صفاء ~~ثمرة الأشجار ولطفها وزينتها يكون العسل ، فكل ثمرة أصفى مما تأكل منها ~~عسله أصفى ، فأوحي الحق نحل الأرواح أن تتخذ أماكنها ms0875 من جبال أنوار الذات ، ~~وأشجار أنوار الصفات ، وأنوار عرش الأفعال ، ولا تسكن غيرها من مواضع ~~الحدثان حتى لا تتعود علاتها ، ولا يلتصق عليها غبارها. # ألا ترى إلى قوله عليه السلام : «الأرواح في يمين الرحمن ، والقلوب بين ~~إصبعين من أصابع PageV02P322 # الرحمن ، يقلبها كيف يشاء» (1) يقلب بحر القلوب والأرواح والأسرار ~~والعقول في جبال أنوار الذات ، وأشجار أنوار الصفات ، وعروش أنوار الأفعال ~~، ويكملها بغرائب خطابه بأكل ثمار أنوار الصفات والذات والأفعال ، بقوله : ~~( ثم كلي من كل الثمرات ) أي : من ثمرات تلك الأشجار الصفاتية ، ~~ونور بهار أنوار الذاتية ، وأزهار أنوار الأفعالية ، ثم أمره لسلوك سبيل ~~الازال والاباد والقدم والبقاء بنعوت الفناء بقوله : ( فاسلكي سبل ~~ربك ذللا ) لتعرف في طيرانها وسيرانها ثمار أشجار غيبه ، وتأكل رياحين أنسه ~~، وتطير في صحاري قدسه ، وتعرف جلال وجوده تعالى الله عن كل علة ، فإذا تم ~~دورها في بساتين العيوب ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه ) شراب ~~معرفته بقدم جلال وعز بقائه ، وأنوار ذاته ، فاختلاف ألوانه باختلاف رؤيتها ~~أنوار كل صفة ، فعلى قدر رؤية الصفات يكون ألوانها ، فمن لون المحبة ، ومن ~~لون العشق ، ومن لون الأنس ، ومن لون الفكر ، ومن لون القبض والبسط ، ومن ~~لون الخوف والرجاء ، ومن لون البسط والانبساط في هذه المقامات شفاء لكل ~~مريض المحبة ، وسقيم الألفة ، وملدوغ الشوق ، وسليم المعرفة ، ومن شأن ذلك ~~العسل لون نوري من بهاء الله وطعم حلاوة من حلاوة وصلة الله ، فإذا حصل ذلك ~~العسل من مشاهدة الله في حواصل تلك النحل ، يحصل من ذلك العسل الذي صدر من ~~تجلي الربوبية لها شمع العبودية ، فإذا قهر عليه نيران المحبة تتميز بين ~~الربوبية والعبودية ، فيصير عسل الربوبية موضع ذوق مقام الأنس ، كقوله ~~عليه السلام : «أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» (2)؛ فمن شرب قطرة منه بنعت ~~الجذب ، ومتابعته بنعت المحبة ، يشفيه من كل سقم من علل الشهوات النفسانية ~~، ولسقم الشيطانية ويصير مربي صحيحا بأنوار الربوبية ، فحالاته شراب الوصال ~~يليق بالمخمورين بخمار الإرادة ، ويكون شمعه أوصاف العبودية الخالصة بسرجه ~~من نور كواشفه ومعارفه ، فيضيء لكل سالك ms0876 طريقه ، وكل سائل رشده ، قال تعالى ~~: ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ). # قال ابن عطاء : ألهمها ودلها على الموضع ، وعلمها كيف يضع ما في بطنها ، ~~لا يضعها إلا على حجر صان أو خشب نظيف ، لا يخلطه طين ولا تراب ، ثم قال ~~تعالى : ( كلي من كل الثمرات ) أي : من الذي جعلته رزقك ، ثم أمره ~~بالتواضع ، فقال تعالى : ( فاسلكي سبل ربك ذللا )، ثم قال : ( ~~ يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه ) للنفوس لا للقلوب ، فمن PageV02P323 # أراد صلاح قلبه فليعرف موارد ما يرد على قلبه في الأوقات ، ويحل قلبه في ~~جميع الأحوال ، وما يبدو في قلبه في كل زمان ، ثم ليلزم مع ذلك التواضع ~~والخلوة ، فهذا غذاء القلب ، وذلك غذاء النفس ، وغذاء الروح أعز وهو مشاهدة ~~الحق والسماع منه ، وترك الالتفات إلى المكونات بحال. # وقال ابن عطاء : جعل ما يخرج من النحل شيئين ممزوجين لا يصفيهما إلا ~~النار ، فإذا أصفاهما النار ، صار عسلا وشمعا ، فالعسل هو غذاء الخلق ~~وشفاؤهم ، والشمع للحق لا غير ، كذلك إذا خاص العقد عما خلص له عمله ، وما ~~خالطه برياء وشرك فلا يصبح إلا للنار. # وقال أبو بكر الوراق : النحلة لما اتبعت الأمر وسلكت سبيلها على ما أمره ~~به ، جعل لعابها شفاء للناس ، كذلك المؤمن إذا اتبع الأمر وحفظ السر وأقبل ~~على ربه ، جعل رؤيته وكلامه ومجالسته شفاء للخلق ، ومن نظر إليه اعتبر ، ~~ومن سمع كلامه اتعظ ، ومن جالسه سعد. # ويقال : إن الله سبحانه أجرى سنته أن يخفي كل شيء عزيز في شيء حقير ، جعل ~~الإبريسم في الدود ، وهو أصغر الحيوانات وأضعفها ، والعسل في النحل وهي ~~أضعف الطيور ، وجعل الدر في الصدف ، وهو أوحش حيوان من حيوانات البحر ، ~~كذلك أودع الذهب والفضة والفيروز في الحجر ، وكذلك أودع المعرفة والمحبة في ~~قلوب المؤمنين ، وفيهم من يعصى ، وفيهم من يخطئ (1). # ( والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي ~~رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون (71) والله ~~جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم ms0877 من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من ~~الطيبات أفبالباطل PageV02P324 # يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون (72) ويعبدون من دون الله ما لا ~~يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون (73) فلا تضربوا لله ~~الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون (74) ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا ~~يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون ~~الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (75) وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا ~~يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن ~~يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم (76)) # قوله تعالى : ( والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ) الأرزاق ~~منقسمة على أهل سلوك المعارف ، الأرزاق لبعضهم طاعات ، ولبعضهم إرادات ، ~~ولبعضهم مقامات ، ولبعضهم حالات ، ولبعضهم مكاشفات ، ولبعضهم مشاهدات ، ~~ولبعضهم معرفة ، ولبعضهم محبة ، ولبعضهم توحيد ، ولبعضهم تفريد ، فرزق ~~الأشباح بالحقيقة العبودية ، ورزق الأرواح بالحقيقة رؤية أنوار الربوبية ، ~~ورزق العقول الأفكار ، ورزق القلوب الأذكار ، وكلهم مشفقون على أرزاقهم ، ~~غوثان إلى قوتهم من الحقائق ، عطشان إلى مشاربهم بعد سقيهم بحار القربة ~~والمشاهدة ، لا يطيقون رؤية غيرهم من المريدين أن يكونوا معهم في الشراب ~~والطعم غيرة على أحوالهم. # قال تعالى : ( فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم ). # قال إبراهيم الخواص : منهم من جعل رزقه في الطلب ، ومنهم من جعل رزقه في ~~القناعة ، ومنهم من جعل رزقه في التوكل ، ومنهم من جعل رزقه في الكفاية ، ~~ومنهم من جعل رزقه في المشاهدة ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إني ~~أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» (1). # وقال الفضيل : أجل ما رزق الإنسان معرفة تدله على ربه ، وعقله يدله على ~~رشده ، ثم بين سبحانه حلاوة ذلك الرزق ، وطيبه ، وطهارته ، بقوله : ( ~~ ورزقكم من الطيبات ) أجل طيبات الرزق مشاهدته ولقاءه ؛ لأنها هي ~~الرزق بالحقيقة الذي يعيش به الأرواح في المعرفة ، والأشباح في العبودية ، ~~والعقول بالتفكر ، والقلوب بالتذكر ، والأسرار بإدراك علم الربوبية ، وذلك ~~الرزق أطيب الطيبات ، وهو بالحقيقة طيب ؛ لأنه قديم أزلي منزه عن علل ms0878 ~~الحدثان ، وما دونه غير طيب بالحقيقة ؛ لأنه معلول ، والمعلول كيف يكون ~~طيبا وصورة الرزق الطيب ما PageV02P325 # يوافق حال العارف ، لا يحجبه عن صفاء الوقت حين صدر من الغيب. # قال المحاسبي : هو الفيء والغنيمة. # وقال أحمد بن علي الحواري : الطيبات المباحات في البوادي. # وقال ابن الجلاء : ما يفتح لك من غير طلب ولا استشراف ، ثم نزه نفسه بما ~~أولاه من رزق مشاهدة ، ومعرفة قدس وجلال وافر ذو جود ، وجوده من مشابهة ~~الحدثان ، وأمر العبادات ينزهوه عن التشبيه والتصوير والأضداد ، بقوله : ( ~~ فلا تضربوا لله الأمثال ) بين قدس القدم ، وأفرده عن شواهد ~~الالتباس في مقام المحبة والعشق والشوق ؛ حيث دارت الهمة في طلب الحق في ~~رؤية الكون ، وظهوره في لباس أفعاله ليعرف العارفون مقام إفراد القدم عن ~~الحدوث ، ويدركوا بفهم الفهم تنزيه الصفة عن الفعل ، وقدس الذات عن الأوهام ~~والإشارات والعبادات ، وضرب الأمثال بحقيقة ذاته ، فإنه قائم بنفسه ممتنع ~~بذاته بالحقيقة عن درك الخليقة ، فكل مثل حقيقي يقع بالحقيقة ، فإذا تراه ~~يقع على غير ذاته وصفاته ، فإنه منزه عن أن يدخل جلاله تحت العبارات ~~والإشارات ، أو يباشر أنوار ذاته وصفاته لباس الحدوثية ، فالشاهدون يشهدون ~~على أنفسهم بالحقيقة ، وهو تعالى يعرف حقيقة ذاته ، والخلق منعزلون عن ~~إدراك أنوار صفاته وحقائق ذاته ، بقوله : ( إن الله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون )؛ لكن يجوز ضرب المثل في طريق معرفته ومحبته والسير في عالم ~~ربوبيته ، وتسهلا للسلوك ، وتيسيرا للعلم والإدراك ، ومن لطيف الإشارات أنه ~~تعالى أعلم المحبين والعارفين الذين هم في مقام مشاهدته بنعت الالتباس أنهم ~~إذا افترقت أوقات حالاتهم ، وانصرم أنوار وارداتهم ، وغابت أنوار شهود الحق ~~عنهم ، وبقوا في محل الاشتياق إليه ألا ينشئوا من أنفسهم ميخاييل الصورية ~~والأمثال الحدثية لما وجدوا منه ليتذكروا بها زمان الوصلة لئلا يقعوا في ~~محض التشبيه ، ويغلطوا ويعلموا مثل الحق من أمثالهم ، كأن قال : لا تضربوا ~~لما تجدون الأمثال ، فإنكم لا تقدرون ذلك ؛ ولكن أنا أضرب الأمثال لما ترون ~~مني بالحقيقة ، مثلا تدركونني بلباسه وأنا قادر بذلك ، ولستم بذلك قادرين ، ~~قال : ( الله ms0879 يعلم وأنتم لا تعلمون ). # ألا ترى إلى قوله في ضرب مثله : ( الله نور السماوات والأرض مثل ~~نوره ) وقوله تعالى : ( ويضرب الله الأمثال للناس )، وقوله : ( ~~ وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ) أي : إذا كان المثل الأعلى ~~يجوز أن يضرب به كأنه قال : فلا تضربوا الله الأمثال للتشبيه ؛ ولكن اضربوا ~~الأمثال للدلالة عليه ، والأمثال تصوير ما في الغائب معنويا ، لا صوريا. # قال ابن عطاء : لا تضربوا لله الأمثال في ذاته وماهيته ؛ لأن الذات لا ~~يمكن تعقله PageV02P326 # بحال. # قال الواسطي : الأشياء كلها أقل من الهباء في الهواء ، كيف تظهر في الذات. # قال تعالى : ( فلا تضربوا لله الأمثال ) في ذاته وكيفيته ؛ لأنه ~~ليس كمثله شيء ، وأما صفاته التي أظهرها للخلق كسوة لهم إبقاء وعزا ، وقال ~~: لا تضربوا لله الأمثال في صفاته وذاته ؛ لأن الصمدية ممتنع عن الوقوف على ~~ماهية ذاته وكيفية صفاته. # وقال : إنما ضرب الأمثال وأكثر فيها من المقال جذبا للسرائر ، وأن تفنى ~~عن حضورها فيما أسند إليها ، ثم إن الله سبحانه ضرب مثل عبدين الممسك ~~والمنفق بقوله : ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن ~~رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون ) إن العبد المملوك ~~لنفسه أسير في يدها عاجز لا يقدر أن يميتها ويرضى بموتها صانعه ، ولا يقدر ~~على أن يملك قلبه ، ويرى ما فيه من عجائب الذكر ولطائف الفكر ، وكيف ينفق ~~وخزانته قلبه ، وهو لا يقدر على خزانته ؛ لأن قلبه مسلوب النفس ، والشيطان ~~، والعبد الموفق الذي هو مرزوق رزق معرفة الله وحكمته وإلهامه ورشده ~~وتوفيقه وأرزاقا حسنة من مشاهدته وجماله ، فهو ينفق نفسه ووجوده وماله لله ~~، ولأوليائه ، وينفق لطائف حكمته على طلاب الله ، كيف هذان العبدان يستويان ~~في العبودية ومعرفة الربوبية ، فعند الجهال يستويان ؛ بل إنهم يقبلون من ~~يليق بمذهبهم من أهل الجهل والبخل والغباوة. # لذلك قال سبحانه : ( الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) لا يعرفون ~~العارف من الجاهل ، والصادق من المرائي ، حمد نفسه تعالى بأن الجهال لا ~~يعرفون مقادير أهل قربه ، ولو عرفوهم ms0880 لشغلوهم عنه ، فإذا بقوا أهل الحق مع ~~الحق بلا شغل ولا شاغل. # ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم : «يأتي على الناس زمان يكون المنكر ~~معروفا والمعروف منكرا» (1). # ومن إشارة اعتبار المثلين ينبغي أن العبد يكون مملوك لله طوعا ، ولا ينظر ~~إلى شيء من وجوده وأعماله ، فإنه مفلس عاجز عن القدرة بين يدي الله ، وهذا ~~صفة أهل المعرفة. # قال بعضهم : أخبر الله عن العبد وصفته فقال : ( لا يقدر على شيء ~~) فمن رجع إلى شيء من علمه وحاله وعمله ؛ فإنه المتبرئ من العبودية ، وهو ~~في منازعة الربوبية ، والعبودية هي التجلي مما سوى معبوده ، يرى الأشياء به ~~ويرى نفسه له. # ( ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو ~~هو أقرب إن الله على كل شيء قدير (77) والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون PageV02P327 # شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون (78) ألم ~~يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات ~~لقوم يؤمنون (79) والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام ~~بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها ~~أثاثا ومتاعا إلى حين (80) والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال ~~أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته ~~عليكم لعلكم تسلمون (81) فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين (82) يعرفون ~~نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون (83) ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم ~~لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون (84) وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا ~~يخفف عنهم ولا هم ينظرون (85) وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا ~~هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون ~~(86) وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون (87) الذين ~~كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون (88)) # قوله تعالى : ( ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا ~~كلمح البصر أو هو أقرب ) وصف نفسه سبحانه ها ms0881 هنا بالعلم الأزلي والقدرة ~~الأزلية ، فما العلم الأزلي علم علم كون الكون ، وما فيه وما يبدو من قدرته ~~وحكمته فيه ، فإقلاعه من أصله غير ثقيل عليه ؛ لأنه قام به قائم بقدرته ، ~~يفعل به ما يشاء إيجادا وإعداما قبل أن يتصل الكاف بالنون ، وإذا كان غيب ~~السموات والأرض له لا لغيره ، لا يكشفه إلا لمن أحبه من أوليائه ، ولا ~~يستره إلا على أعدائه ، فمن أشرفه على غيبه ، فهو أيضا غيب كأنه يرى غيب ~~الغيب ، وأي غيب أشرف من خزانة الله في قلوب أصفيائه من لآلئ حكمه ، وعجائب ~~علومه ، وغرائب عرفانه. # قال النهرجوري : الحق ستر غيبه في خلقه ، وستر أوليائه في عباده ، فلا ~~يشرف على عباده إلا خواص أوليائه ، ولا يشرف على أوليائه إلا الصديقين من ~~عباده ، والإشراف على الغيب عزيز ، والإشراف على الأولياء أعز ، فلما ~~استأثر نفسه بعلم الغيب عزل الجمهور عن رؤيته وعلمه والموقوف به ، فقال : ( ~~ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة ) أخبر تعالى أنه أخرج الكل من بطون الأقدار ، وأرحام ~~العدم ، وأصلاب المشيئة ، على نعت الجهل به والإشراف على ذاته وصفاته بنعت PageV02P328 # المعرفة ، لا يعلمون شيئا من أحكام الربوبية ، وأمور العبودية ، والعلم ~~بأوصاف الأزل ، فألبسكم أسماعا من نور سمعه ، وكساكم أبصارا من نور بصره ، ~~وأودع في قلوبكم علوم غيبه ، بأن حلاها بحلية فطرة الإسلام والإيمان ~~والإيقان ، فتسمعون بسمعه كلامه ، وتبصرون ببصره جماله ، وتعقلون بنوره ~~ذاته وصفاته ونعوته وأسمائه ، وتشرب أرواحكم من سواقي قلوبكم شراب محبته ~~وشوقه وعشقه ، حين ترد أنوار المواجيد عليها من بحار كشف وحدانيته وسرمديته ~~( لعلكم تشكرون ) تعرفون بأنه لا يشكره غيره. # قال الواسطي : لا تفهمون شيئا مما أخذت عليكم من الميثاق في وقت بلى. # قال بعضهم : لا تعلمون شيئا مما قضيت لكم وعليكم من الشقاوة والسعادة ، ~~ثم جعل للسعداء من عباده السمع ليسمع بها لطائف ذكره ، والأبصار ليبصر بها ~~عجائب صنعه ، والأفئدة ليكون عارفا بصانعه ومخترعه ، وهذه الأعضاء والحواس ~~هي الموجبة للشكر ، فالشاكر من رأى منة الله عليه في ms0882 سلامة هذه الحواس ، ~~والكافر من يرى أنه يؤدي به شكر شيء من نعم الله عليه بشيء من أحواله. # قال أبو عثمان المغربي : جعل لكم السمع لتسمعوا به خطاب الأمر والنهي ، ~~والأبصار لتبصروا بها عجائب القدرة ، والأفئدة لتعرفوا بها آثار موارد الحق ~~عليكم ( لعلكم تشكرون ) أي : لعلكم تبصرون دوام نعمي عليكم ، ~~فترجعوا إلى بابي ، ثم بين قدرته سبحانه في إمساك أطيار الأرواح في هواء ~~الملكوت وأنوار سماء الجبروت حين ترفرفت بأجنحة العرفان ، والإيقان على ~~سرادق مجده ، وبساط كبريائه ، مسخرات بأنوار جذبه ، ما يمسكهن إلا الله ~~بكشف جماله لها ، أمسكها به عن قهر سلطان سبحات جلاله حتى لا تفنى في بهائه ~~بقوله : ( ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا ~~الله ) طير الهموم في سماء الأزل ممسكة رياش طلبها بحبال أنوار الأبدية عن ~~الوقوع على غير مواقع مشاهدة الوصلة ( إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ~~) أي : لعلامات لألباء الحقيقة وإدلاء الطريقة وأهل الإرادة في المعرفة ، ~~قوله تعالى : ( والله جعل لكم مما خلق ظلالا ) يعني ظلال أوليائه ~~ليستظل بها المريدون من شدة حر الهجران ، ويأوون إليها من قهر الطغيان ، ~~وشياطين الإنس والجان ؛ لأنهم ظلال الله في أرضه لقوله صلى الله عليه وسلم : ~~«السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم» (1). PageV02P329 # ( وجعل لكم من الجبال أكنانا ) أكنان الجبال قلوب أكابر المعرفة ~~، وظلال أهل السعادة من أهل المحبة يسكنون فيها المنقطعون إلى الله ( ~~ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ) جعل للعارفين سرابيل روح الإنس لئلا ~~يحترقوا بنيران القدس ( وسرابيل تقيكم بأسكم ) سرابيل المعرفة ~~وأسلحة المحبة ؛ لتدفعوا بها محاربة النفوس والشياطين ، ثم زاد نعمته ومنته ~~عليهم بقوله : ( كذلك يتم نعمته عليكم ) نعمته ووقايته ورعايته ، ~~وقاهم من هجرانه ، ورعاهم بلطفه عن قهره ( لعلكم تسلمون ) تنقادون ~~لأمره في العبودية ، وتتواضعون لربوبيته. # قال الأستاذ : جعل إيواء لأوليائه في ظل عنايته مثوى وقرارا ، وألبسهم في ~~سرائرهم لباسا يكفيهم به الشر والضر ، فمن لباس العصمة يحميهم به عن ~~مخالفته ، ومن صدر التوفيق يحملهم به على ملازمة عبادته ، ومن ms0883 خلة الوصلة ~~يؤهلهم بها القربة ، وصحبته و ( كذلك يتم نعمته عليكم ) إتمام ~~النعمة أن يكون عاقبتهم مختومة بالحسنى ، ويكفيهم أمور الدين والدنيا ، ~~ويصونهم عن اتباع الهوى ، ويسددهم حتى يؤثروا ما يوجب لهم من الله الرضا. # قال بعضهم : تمام النعمة أن يرزق العبد الرضا بمجاري القضاء. # قال ابن عطاء : إتمام النعمة هو الانقطاع عن النعمة بالسكون إلى المنعم. # قال حمدون : تمام النعمة في الدنيا المعرفة ، وفي الآخرة الرؤيا. # قال أبو محمد الجريري : تمام النعمة حفظ القلب من الشرك الخفي ، وسلامة ~~النفس من الرياء والسمعة. # ثم وصف المخالفين بالطريقة المثلى بقوله : ( يعرفون نعمت الله ثم ~~ينكرونها وأكثرهم الكافرون ) يعرفون أولياء الله بالبراهين الساطعة والآيات ~~الواضحة والفراسات الصادقة ؛ ولكن لم يعرفهم بحقيقة المعرفة من حيث التوفيق ~~والسعادة ، وينكرونهم حسدا وبغيا وعدوانا وظلما وطلبا للرياسة والجاه : ( ~~ وأكثرهم الكافرون ) يسترون ولاية أوليائه ، وآيات أصفيائه ، وفي ~~الآية توبيخ علماء السوء وقراء المداهنين ، الذين وضعوا شبكة الرياء ~~والسمعة ليصطادوا بها الجهال ، ويوبخوا عندهم أحباء الله ؛ لينصرفوا وجوه ~~الناس إليهم ، يخونون الله ، والله لا يهدي كيد الخائنين ، يعلمون الحق ~~وينكرونه ، وأي شقي أشقى ممن رأى منهم ألف كرامة صادقة ، ثم يسترون بها ~~وبإنكارها رئاسة الدنيا من العامة. # قال بعضهم : يتقلبون في نعمة ولا يوفقون لشكرها. PageV02P330 # قال النصر آبادي : معرفة النعمة حسن ، ومعرفة المنعم أحسن ، ومعرفة ~~النعمة ربما يتولد منه الأذكار ، ومعرفة المنعم لا يتولد منه إلا صحة ~~الاستقامة. # ( ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا ~~على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ~~(89) إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء ~~والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (90) وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا ~~تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما ~~تفعلون (91) ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم ~~دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم ~~يوم القيامة ما كنتم ms0884 فيه تختلفون (92) ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ~~يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسئلن عما كنتم تعملون (93) ولا تتخذوا ~~أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل ~~الله ولكم عذاب عظيم (94) ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله ~~هو خير لكم إن كنتم تعلمون (95)) # قوله تعالى : ( ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم ~~وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ) إن الله سبحانه خلق الأمم وجعل فيهم الأولياء ~~والأكابر والأنبياء ، فجعل الرسل شهداء على الأنبياء ، وجعل الأنبياء شهداء ~~على الأولياء يشهدون عند الخلق بولايتهم وصدق محبتهم ، وإخلاص توحيدهم ، ~~وجعل نبينا صلى الله عليه وسلم شاهدا صادقا يشهد بولاية أولياء أمته ، ~~وأصفيائه خواص أهل نحلته ، فزال بذلك الإبهام والعلل ؛ لأنه كان ~~صلى الله عليه وسلم بين شواهدهم وحقائق أعمالهم في ما أنزل الله عليه بلسان ~~كتابه وواضح آياته قال الله سبحانه : ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ~~لكل شيء ) مبينا لكل حق وباطل ، يفرق بين الصديقين الغالطين ، وهو كتابه ~~المكنون وخطابه المصون ، بخير عما كان وما يكون من كل حد وكل علم ، وأنار ~~سبيل الحقيقة ، وأوضح طريق المعرفة ، وهو سراج الله في العالم ، يخرج بنوره ~~كل طالب صادق من ظلمات الأوهام ، وشكوك القتام ، وهو خطاب الحبيب إلى ~~الحبيب ، وذوقه مع الحبيب ، وسره معجون في الحبيب ، وغرائبه مكشوفة له ، ~~وعجائبه مصونة في قلبه ، لا يعرفها غيره بالحقيقة ، فمن تابعه وصل إليه بحظ ~~وافر ، وأصل حاضر. # قال أبو علي الجوزجاني : الخلق شهداء بعضهم على بعض ، وأمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم هم شهود PageV02P331 # الأنبياء على جميع الأمم ، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو المزكي المقبول ، ~~فمن قدمه فهو المقدم ، ومن أخره فهو المؤخر ومن تعلق به نجا ، ومن تخلف عنه ~~هلك ، قال الله : ( وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ). # وقال الواسطي : ( أنزل عليك الكتاب ) وإنما خوطبت به دون غيرك ، ~~لأنك أهل المخاطبة ، وخوطبوا جميعا تبعا لك فبين لهم مرادنا فيما خوطبوا به ~~، فإن إليك البيان. # وقال أبو ms0885 عثمان المغربي : في الكتاب تبيان كل شيء ، ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم هو المبين لتبيان الكتاب ، ثم وصف كتابه بعد وصفه بأنه ~~مبين علوم جميع صفاته وأسمائه ونعوته وذاته بأنه مع أنه تبيان طريق معارفه ~~وكواشفه هاد للمسترشدين طريق معرفة وجدانيته وفردانيته ، ورحمة على أحبائه ~~بأن يخاطبهم به من حيث داء محبته في قلوبه يسمعهم خطابه وأناجيله الذي فيه ~~أنباء غرائب لطفه بأوليائه ، وعجائب صنعه بأحبائه وأصفيائه ؛ ليستأنسوا ~~بخطابه وسماعه ، ويتواجدوا بلذة كلامه ، وذلك نعمة تامة ورحمة كافة عليهم ~~وعلى جمهور سلاك الطريقة وقصاد الإرادة ، وبشرى لكل مقبل إليه ، واقف عليه ~~، ومنقاد بين يديه ، بنعت الخضوع والتسليم ، يبشرهم برضوانه الأكبر ووصاله ~~الأوفر لهؤلاء المخاطبون بهذه الحقائق ، يؤكدهم الله الأمر عليهم بأن ~~يعدلوا بين خلقه ويواسيهم بإحسانه ، ورفقهم لهم برحمة ، وينهاهم عن مباشرة ~~حظوظهم ، والحسد على إخوانهم بقوله : ( إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم ~~تذكرون ) إن الله سبحانه دعا العباد إلى الاتصاف بصفته ، منها العدل ~~والإحسان والشفقة والرحمة والقدس والطهارة عما لا يليق به ، فهو العادل ~~والمحسن والرحمن والرحيم غير ظالم جائز ، وهو منزه عن جميع العلل ، فمن كسي ~~أنوار هذه الصفات بنعت الذوق والمباشرة ، وحلاه بزينتها يخرج عادلا محسنا ، ~~رءوفا رحيما ، طاهرا مطهرا ، صادقا مصدقا ، وليا ، حبيبا محبوبا ، مريدا ~~مرادا ، مراعى محفوظا ، يعدل بنفسه فيدفعها عن الشرك والشك ورؤية الغير ~~وطلب العوض في العبودية ، ويأخذ منها الاتصاف بينها وبين عباد الله بألا ~~يرى عيب غيرها ، بل يرى عيبها في جميع الأوقات ، وينصف بين عباد الله ، ~~ويحسن إلى من أساء إليه ، ويعبد الله بوصف الرؤية وشهود غيبه ، ويراعي ذوي ~~القرابة في المعرفة والمحبة من المريدين الصادقين ، ويرحم الجهال من ~~المسلمين وينهى نفسه عن مباشرة فواحش دعاوى الأنائية ، ومباشرة الهوى ~~والشهوة ، ويدفعها عن الظلم باستكباره عن العبودية ، ويأمرها بإذعانها عند ~~تراب أقدام أولياء الله ؛ ليكون مطمئنا في عبودية الحق ذاكرة لسلطان ~~ربوبيته ، وقهر جبروته وملكوته ، وإحاطته بكل ذرة وفناء الخليفة. # قال الساري : ليس ms0886 من العدل المقابلات بالمجاهدات ، والعدل رؤية المنة منه قديما PageV02P332 # وحديثا ، والإحسان أن الاستقامة بشرط الوفاء إلى الأبد ، لذلك قال : ~~استقيموا ولن تحصوا. # وقال بعضهم : العدل والإحسان ما استطاعها آدمي قط ؛ لأن الله عز وجل يقول ~~: ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا ) وكيف تستطيع أن تعدل بينك وبين الله ~~في استيفاء نعمه وتضييع وعظه وحكمه ، وليس من العدل أن تفتر عن طاعة من لا ~~يفتر عن برك والإحسان هو الاستقامة إلى الموت ، وهو «أن تعبد الله كأنك ~~تراه» (1) كالمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال صلى الله عليه وسلم : ~~«استقيموا ولن تحصوا» (2). # أخبر أنه لا يقدر أحد أن يعدل بين خلقه ، فكيف يعدل بينه وبين ربه ~~والفحشاء الاستهانة بالشريعة ، والمنكر الإصرار على الذنوب ، والبغي ظلم ~~العباد ، وظلمه على نفسه أفظع. # قال الواسطي : العدل ألا يوافق العبد غير ربه ، ولا يطالع غير حده ، ~~والإحسان ألا يرى حسنا إلا من الله ، وإيتاء ذي القربى ، فلا قريب أقرب ~~إليك ممن أنت له وبه وإليه ، وأفحش الفحشاء إضافة الأشياء إلى غيره ملكا ~~وإيجادا ، وأنكر المنكر رؤية الأشياء من غير الله ولغير الله ، وأقبح البغي ~~تلوين النعوت ورؤيتها بالعلل لعلكم تذكرون ، تعرفون فضله عليكم بالموعظة ( ~~ لعلكم تذكرون ) أي : عسى أن تذكروا نعمه عليكم. # ومن جملة ما يتعلق بالعدل والإحسان ، الوفاء بعهد الله في عبوديته بقوله ~~: ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ) هذا العهد عهد الأرواح مع الله ~~حين خرجت من العدم بمحبة القدم والعبودية لربوبيته ، خالصا من إيثار الشيء ~~عليه من العرش إلى الثرى ، عهد الله معها أنه تعالى آواها على نعت ~~الديمومية إلى مشاهدة الأبدية ، وعهدها مع الله خروجها مما لا يليق ~~بالعبودية ، فحقيقة الوفاء بالعهد من الطرفين يتعلق بعناية الله ورعايته ~~وكل الاجتهاد من العباد يبدو منها ، فإن وقع النقض على عهدنا من غيره ~~السابقة في الأزل ، وتغير عهدنا بحيث تتغير صفاتنا من حال الاستقامة إلى ~~حال الفترة ، فلم يقع النقض ، والنقض في عهد الله ؛ لأنه منزه عن التغايير ~~الحدثانية ، وهو ذو رحمة واسعة يفي بعهده ms0887 ولا علة عليه. # قال الله تعالى : ( ومن أوفى بعهده من الله ). # قال النصر آبادي : أنت متردد بين صفتين ، صفة الحق وصفتك ، قال تعالى : ( ~~ وأوفوا بعهد الله ). PageV02P333 # وقال : ( ومن أوفى بعهده من الله ) إلى أيهما نظرت فإنك الأحرى ، ~~ثم العهود مختلفة ، وفي الأقوال عهود ، وفي الأفعال عهود ، وفي الأحوال ~~عهود ، والصدق مطلوب منك في جميع ذلك ، وعلى العوام عهود ، وعلى الخواص ~~عهود ، وعلى خواص الخواص عهود ، فالعهد على العوام لزوم الظواهر ، والعهد ~~على الخواص حفظ السرائر ، والعهد على خواص الخواص التجلي من الكل لمن له الكل. # وقال : من حمل الحمد بنفسه وحوله نقضه في أول قدم ومن حمله بالحق حفظ ~~عليه عهده ومواثيقه. # وقال الواسطي : تقدمت العهود في الميثاق الأول ، فمن أقام على وفاء ~~الميثاق فتح له طريق الحقائق وقتا بعد وقت ، ومن خان في الميثاق بقي مع ~~وقته وأغلق دونه مسالك رشده. # وقد وقع لي نكتة ها هنا من قوله سبحانه : ( ولا تنقضوا الأيمان ~~بعد توكيدها ) إن كان العهد واليمين وقعا من جانب العباد في الأزل تحقق لهم ~~الاختيار في الوفاء بالعهود والأيمان ، وإن وقعا من الحق صرفا ، وعهد ~~العباد وأيمانهم من نتائجهما وفرعهما ، فقد سقط عنه الاختيار المنزه عن ~~عوارضات التلوين ، وتغير الزمان والمكان. # ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم ~~بأحسن ما كانوا يعملون (96)) # قوله تعالى : ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين ~~صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) أخبر سبحانه أن كل وارد يرد على ~~قلوبهم من موارد القرب الإلوهية يجري ولا يثبت ، ويبقى لهم أصل الأصل ، وهو ~~مشاهدة جلاله وعزته ، وأيضا ما عندكم من المعارف ينفذ في سبحات جماله ~~المعارف ، وما في عنديته من أنوار الذات والصفات التي يبدو منها جميع ~~المعارف باقية للعارفين المحبين ، فإن بنقص المعارف لا ينقص الكواشف ، وإنه ~~بنقص الأعمال لا ينقص الأحوال. # ثم أخبر أنه يجازي المحبوسين في قيود إسراء بلاء محبته ، وامتحان شوقه ، ~~وبلاء عشقه بمشاهدته ، وكشف جماله لهم بأحسن ما يرجون منه ، فإن ms0888 رجاءهم على ~~قدر هممهم ، وهممهم على قدر نياتهم ، ونياتهم على قدر قصودهم ، وهي كلها ~~معلولة مقصورة وأجر جماله ووصاله غير محسوب من حيث وجود الخلق والخليقة. # قال تعالى : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ). # قال بعضهم : ما منكم من الطاعات فإنها فانية ، وما مني إليكم من جزاء ~~أعمالكم فهو PageV02P334 # باق على الدوام ، وأنى يقابل ما يفنى بما يبقى. # وقال ابن عطاء : أوصافكم فانية وأحوالكم بائية ، فلا تدعو منها شيئا وما ~~من الحق إليكم باق ، فالعبد من كان فانيا من أوصافه باقيا بما لله عنده ، ~~وهو تفسير قوله : ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ). # وقال جعفر عليه السلام : ما عندكم ينفد يعني الأفعال من الفرائض والنوافل ~~، وما عند الله باق من أوصافه ونعوته ؛ لأن الحديث يفنى والقديم يبقى. # قال أبو عثمان : جزاء الصبر هو أن يعطي الله العبد الرضا ، فمن تحقق ~~بالصبر ولزم طريقة الصابرين فإن الله يثيبه على أحسن ثواب عاجلا وآجلا. # قال الله تعالى : ( ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون ). # ويقال : ما عنكم من معارفكم ومحابكم آثار متعاقبة وصفات متناوبة أعيانها ~~غير ثابتة ، وإن كانت أحكامها غير باطلة ، والذي يتصف بالحق به من رحمته ~~بكم ومحبته لكم وثنائه عليكم ، فصفات أزلية ، ونعوت سرمدية. # ويقال : ما عندكم من اشتياقكم إلى لقائنا ، فيعرض الزوال وقبول الانقضاء ~~، وما وصفنا به نفسنا بما ورد به الاثار إلا طال ، شوق الأبرار إلى لقائي ، ~~وإنا إلى لقائهم لأشد شوقا وذلك إقبال لا يتناهى وإفضال لا يفنى. # ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ~~ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (97) فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ~~من الشيطان الرجيم (98)) # قوله تعالى : ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه ~~حياة طيبة ) معنى الاية أن العمل الصالح ثلاثة أشياء : التبرؤ من الكون وما ~~فيه بنعت تصاغره في عين من يرى القدم ، وبذل الوجود لتصاريف الربوبية بنعت ~~الرضا واللذة في البلاء ، ورفع النظر عن الجزاء ، والأعواض بكل حال ، وهو ms0889 ~~مؤمن أي موقن مشاهد في حاله وعلمه قبول الحق وإقباله إليه بوصف الرضا عنه ، ~~وأيضا هو مشاهد ما وعده الله له من أحكام الغيب بنور البصيرة ، وأيضا وهو ~~مخلص عن النظر إلى غير الله ، وهو مؤمن بما يقول هاتف الغيب في قلبه ، ~~وأيضا هو مؤمن بأن وجوده وطاعته لا يليق بحضرة القدم ، من كان هكذا يلبس ~~الحق سره وروحه وقلبه وعقله بركة حياته الأزلية ، فيحييه بحياته ، ويريه ~~بهاء جماله ، ويصيره مستأنسا PageV02P335 # بوصله ، معافا من فضله ، فيكون ملبسا في ظاهره وباطنه بلباس لطفه ، ~~محروسا من قهره برعايته ، فمقامه مقام العافية خارجا من امتحان البلاء ، ~~وهذا جزاء من أقبل عليه له لا لنفسه ولا لغيره ، فيبقى عيشه مع الحق بلا ~~كدورة ولا فترة ، وفي جميع أنفاسه مشاهدة مكاشف خارج من نعوت التغاير ~~النفسانية بحوادث الشهوات وخطوات الشيطان ، ما أطيب حاله وما أحلى شأنه وما ~~ألذ حاله ، طوبى له ثم طوبى له. # روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «الحياة الطيبة هي القناعة» (1). # وقال السوسي : الحياة الطيبة عيش الفقراء الصبر ، وقيل : عيش الفقراء الرضا. # وقال الجريرى : هو العيش مع الله ، والفهم عن الله. # وقال ابن عطاء : إسقاط الكونين عن سره حتى يبقى مع ربه. # وقال أيضا : روح اليقين ، وصدق نية القلب. # قال سهل : ذلك قلب بقى مع الله بلا رؤية الكون. # وقال جعفر : يعيش مع الخلق بالنفس ، وقلبه معلق بمشاهدة الله. # وقال أيضا : قلب مع الصفاء ، وروح مع اللقاء ، وبدن مع الوفاء. # وقيل : حياة القلب مع الله بحسن المعرفة وتجريد الهمة. # قال الصادق : القناعة والرضا. # وقال أيضا : إذا كان قلبه في محبة الله ، ولسانه في ذكر الله ، وجوارحه ~~في خدمته ، فذلك حياة طيبة. # وقال أيضا : إذا اجتمع له خمس مقام وهو عيش السرمدية ، وحياة الأبدية ، ~~وصدق العبودية ، وقرب الصمدية ، وملك الأزلية فذلك حياة طيبة. # وقال الواسطي : هو الرضا بالميسور ، والصبر على كربة المقدور ، فما طابت ~~حياة أحد إلا بالرضا بما قدر الله وقضى. # وقال الأستاذ في قوله : ( وهو مؤمن ): العمل الصالح ms0890 لا يكون من ~~غير المؤمن. # فمعناه عمل صالحا في الحال وهو مؤمن في المال ؛ لأن صفاء الحال لا ينفع ~~إلا مع وفاء المال ، فإن الأمور بخواتيمها. # ويقال : ( وهو مؤمن ) أي : مصدق بأن نجاته بفضل الله ، لا بعمله ~~الصالح. # ويقال : الحياة الطيبة هو نسيم القرب. # ويقال : الحياة الطيبة ما يكون مع المحبوب ، وفى معناه قالوا : PageV02P336 نحن في أكمل بالسرور ولكن %~% ليس إلا بكم يتم السرور غبت ما نحن فيه يا أهل ودي %~% إنكم غيب ونحن حضور # ويقال : الحياة الطيبة الأولياء ألا يتركه لهم سؤالا إلا حققه ، ولا ~~مأمولا إلا صدقه ، وأما الخواص فالحياة الطيبة لهم ألا يكون لهم حاجة ولا ~~سؤال ولا أرب ولا مطالبة ، وكم بين من له مراد فيرتفع ، وبين من لا إرادة ~~له فلا يريد شيئا ، الأولون قائمون بشرط العبودية ، والاخرون معتقون بشرط ~~الحرية. # ( إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) ~~إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون (100) وإذا بدلنا آية ~~مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون ~~(101)) # قوله تعالى : ( إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون ) بين سبحانه أن الشيطان لا يغلب بالكفر والضلال على من اختارهم ~~الله في الأزل بالإيمان والمعرفة ، وبصفاته ، وبأسمائه ، وبنعوته بنعت نفي ~~الأنداد والأضداد عن عبوديته ، والإيقان في وجوده ، والإذعان عند تصرفه ، ~~والتوكل عليه في امتحانه وبلائه ، ولا تسلط له عليهم ؛ لأنهم في رعاية الحق ~~وعنايته لا يقدر أن يوسوسهم للتردد في الإيمان ؛ ولكن يوسوسهم من جهة ~~الشهوات الدنيوية ، فإذا صبح أنوار شمس جلاله على وجوههم وقلوبهم وأرواحهم ~~، يحترق الشيطان عند إلقائه إليهم حتى أفاقوا ، فإذا أفاقوا يقصد إليهم ~~أيضا بالوسواس ، فإذا استعانوا بالله من شره ، وأووا إليه بالتوكل ، احتبس ~~الملعون في مكانه ، يذوب كما يذوب الملح في الماء. # قال أبو حفص : من أراد ألا يكون للشيطان عليه سبيل ، فليصحح إيمانه ، ~~وليصحح بالإيمان بالتوكل عليه ، والإيمان هو ألا يرجع في السراء والضراء ~~إلا إليه ، ولا يرضى بسواه ms0891 عوضا عنه ، والتوكل هو الثقة بمضمون الرزق كثقتك ~~بمعلومك ، وهذا تفسير قوله : ( إنه ليس له سلطان ). # قال النصر آبادي : من صحح نسبته مع الحق لا تؤثر بعد ذلك عليه منازعة طبع ~~، ولا وسوسة شيطان ، ثم بين أن سلطانه على من : ( إنما سلطانه على ~~الذين يتولونه ) معنى سلطان الشيطان الحيل والمكر والخديعة والوسواس ، لا ~~أن يطيق أن يضل أحدا من خلق الله بغير إذن الله ؛ لأنه تعالى يضل بنفسه ~~ويهدي بنفسه ، وليس له شريك فيها ، إذ هو منفرد بالوحدانية الأزلية وتسلطه ~~إنما على من أضله الله في الأزل ، وتسلطه أغراه ، وزيادة الوسوسة لمن تابعه ~~وتابع هواه ، وأما للمسلمين والمؤمنين فمن جهته مراد النفس ؛ لا للكفر ~~والضلالة ؛ PageV02P337 # لأنه يغويهم إلى زيادة المعصية. # قال بعضهم : من اتبع هواه فقد تولى الشيطان ، ومن ركن إلى الدنيا فقد ~~اتبعه ، ومن أحب الرئاسة فقد اتبعه ، ومن خالف ظاهر العلم فقد تولاه ، ومن ~~خان المسلمين فقد جعل للشيطان عليه سبيلا ، ومن ركب شيئا من المخالفات ~~ظاهرا وباطنا فقد أهلك نفسه ، ومن تولى الشيطان فقد تبرأ من الحق. # ( قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى ~~وبشرى للمسلمين (102) ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي ~~يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين (103) إن الذين لا يؤمنون بآيات ~~الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم (104) إنما يفتري الكذب الذين لا ~~يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون (105) من كفر بالله من بعد إيمانه ~~إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من ~~الله ولهم عذاب عظيم (106) ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن ~~الله لا يهدي القوم الكافرين (107) أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم ~~وأبصارهم وأولئك هم الغافلون (108) لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ~~(109)) # قوله تعالى : ( قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين ~~آمنوا ) إذا لم يكن الأعداء من قبيل أهل المعرفة بخطاب الله صار بحجتهم ~~الإنكار عليه ، لبعد مكانها من معرفة الله وشهوده ، ووجوده ms0892 ، وما صدر منه ، ~~من كلامه العزيز ردهم الله بقوله : ( قل نزله روح القدس ) يعني أن ~~الله سبحانه كلم في الأزل ، فأوحى جبرائيل عليه السلام وأمره أن يوحي حبيبه ~~أمر حبيبه أن يبلغه إلى المؤمنين الذين عرفوا الله بالأرواح حين أخذها الحق ~~بميثاقه وكلمها بكلامه حين قالوا : بلى ، ليثبتوا في معرفة الله بخطاب الله ~~، ويستقيموا في طاعتهم ، ثم وصف كتابه بأنه معرف جميع صفاته وذاته لأهله ، ~~ومبشر لهم بوصال حبيبهم بقوله : ( وهدى وبشرى للمسلمين ) وأن الله ~~سبحانه إذا أراد أن يتكلم ، يتكلم بنفسه مع نفسه ، كما يليق بجلاله ، بلا ~~همهمة ، ولا صوت ، ولا شيء من صفة الحدثان ، ثم يلبس كلامه قوة من قوته ، ~~وجلالة من جلاله ، وعظمة من عظمته ، فيسمع جبرائيل على ما يليق بقوته ، ~~يسمع كلامه بقوة قدسية مستعارة من قدس الله ، ولو لا ذلك لذاب بسماعه أهل ~~الملكوت ، ثم إن جبرائيل احتمل ذلك ، ونزل به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فألبس الحق ذلك القوة والجلال قلب نبيه فسمعه بتلك القوة ، ثم يفيض تلك ~~القوة في جميع وجوده ، فثقل عليه فحفظه الله بحفظه حتى بقي PageV02P338 # تحت أثقال برجاء وحيه ، ألا ترى إلى قوله تعالى : ( إنا سنلقي ~~عليك قولا ثقيلا ) [المزمل : 5] وهو الملقي ، وهو الحامل ، ولو لا قوته ~~الأزلية بإعانته ، لطاش في أول سماع يسمع من كلامه وروح القدس مع جميع ~~الأرواح المقدسة من فيض تجلي قدس جلاله ، فكلها تكون قدسية ، فأي روح قدسه ~~عليها أكثر ، فهو أظهر في قدسها لا يلتصق بها الملل والحوادث. # قال الواسطي : الأرواح ليس لها نوم ولا لذة ولا موت ولا حياة ، بل هي ~~جوهرة لطيفة للطفه ، فسمي روحا ، أو للطف جبرائيل ، سمي روح القدس. # ( ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ~~ربك من بعدها لغفور رحيم (110)) # قوله تعالى : ( ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم ~~جاهدوا وصبروا ) إن الله وصف المريدين الصادقين حين هاجروا من حظوظ أنفسهم ~~بعد ذوقهم طعم معصية الله ، وبعد وقوعهم في ms0893 محل امتحانه ، فلما خرجوا من ~~تحت مراد النفس والهوى ، وجعلوهما منكوسين ، وباشروا عبودية الله ، وجاهدوا ~~في محاربة الشيطان حين دعاهم إلى منازل الفترة ، وصبروا على ترك الهوى في ~~متابعة الله ( إن ربك من بعدها لغفور ) لما جرى عليهم في سالف ~~الأيام من الذنوب ( رحيم ) بهم أي بأن يحفظهم من المراجعة إلى حظوظ ~~النفس ، ومرادها وأنه تعالى يذيقهم طعم الأنس بحيث لا يطيقون أن يفتروا من ~~طاعته لمحة. # قال سهل : هاجروا قرناء السوء بعد أن ظهر لهم منهم الفتنة في صحبتهم ، ثم ~~جاهدوا أنفسهم على ملازمة أهل الخير ، ثم صبروا معهم على ذلك ، ولم يرجعوا ~~إلى ما كانوا عليه من بدء الأحوال. # ( يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا ~~يظلمون (111)) # قوله تعالى : ( يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ) الأنفس ~~بالتفاوت ، فنفس تجادل عن معصيتها ، ونفس تجادل عن طاعتها ، ونفس تجادل عن ~~خوفها من النار ، ونفس تجادل عن طمعها في الجنة ، وهؤلاء الأنفس مشغولة ~~بمجادلتها عن مشاهدة خالقها والشوق إلى لقائه ، والنفس المنبسطة العاشقة ~~الهائمة ينبسط إلى ربها ، وتدل عليه دلال عاشق على معشوقه ، وشائق على ~~مشوقه ، وتقول في مجادلتها وانبساطها : إلهي فعلت بي ما فعلت في الدنيا ، ~~ابتليتني ببلايا محبتك ، وعظائم الشوق إليك ، وحبستني في دار الامتحان مع ~~أعدائي ، PageV02P339 # فأين عدلك وإنصافك؟! أما آن وقت حصول المراد ، فتكشف لي جلال سرمديتك حتى ~~أنظر إليك بك أبدا ، فكل نفس ليس هذا دأبها فهي محجوجة بمجادلتها ، محجوبة ~~بعملها في الدنيا والاخرة ، وهو تعالى يعطي كل ذي فضل فضله ، ويعطي مأمول ~~كل نفس بقدر طاعتها ، وهو منزه عن النسيان والظلم والضلال ، فيجازي الكل ~~بإحسانه ، فإنه لا ينقص من ملكه مثقال ذرة ، وأن يدخل الكل في جواره ، ~~ويريهم جماله. # قال بعض الخراسانيين : ذهب وقت الخلق في الدنيا اشتغالا بنفوسهم في ~~الدنيا تجادل عنها ، وفي الاخرة تجادل عنها ، فمتى يتفرغ إلى معرفة الحق (1). # وقال الأستاذ : المؤمن لا نفس له ، قال تعالى : ( إن الله اشترى ~~من المؤمنين أنفسهم ) [التوبة ms0894 : 111] ؛ فأنفسهم اشتراها الحق منهم ، ثم ~~أودعها عندهم ، فليس لهم فيها حق ، وإنما يراعون فيها أمر الحق سبحانه. # ( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من ~~كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ~~(112) ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون (113) فكلوا ~~مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون (114) ~~إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم (115) ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم ~~الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله ~~الكذب لا يفلحون (116) متاع قليل ولهم عذاب أليم (117) وعلى الذين هادوا ~~حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (118)) # قوله تعالى : ( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها ~~رزقها رغدا من كل مكان ) القرية المطمئنة : قلب العارف الصادق المطمئن بذكر ~~الله ، بل الله طمأنينته حين شاهده ، بكشف جماله وجلاله له ، أمر بلطف الله ~~عن قهر الله ، وبرعايته عن طوارق الوسواس PageV02P340 # وشوارق الهواجس ، يأتي عليه رزق المعرفة والمحبة ، وبرد الأنس والمشاهدة ~~من كشف الذات وجميع الصفات رزق أرغد ؛ بحيث لا كدر فيه ولا كدورة عليه من ~~قتام الهجران ، وظلمة الحرمان ، فإذا أراد الحق سبحانه إتمام النعمة عليه ، ~~رفع عنه الخطأ والنسيان ، والظن والحسبان ، حتى لا يشتغل إلا بمراعاة ~~أسراره ، وبمداركة لطائف أنواره ، وإذا أراد به الامتحان وضعوا عليه ~~النسيان ، وأغلق عليه أبواب فتوح المشاهدة حتى يذوق طعم وبال الهجران ، ~~ويسقط في ورطة الحرمان ، ويكون خائفا بعد أن يكون آمنا ، وفائزا بعد أن ~~يكون ساكنا ، بقوله : ( فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع ~~والخوف بما كانوا يصنعون ). # قال الأستاذ : فراغ القلب عن الشهوات نعمة عظيمة ، إذا كفر عبد هذه ~~النعمة بأن فتح على نفسه باب الهوى ، وأنجز في قياد الشهوات شوش الله عليه ~~نعمة قلبه ، وسلبه ما كان يجده من صفاء وقته ، فإن ms0895 طوارق النفس أوجب غروب ~~شوارق القلب. # ( ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (119) إن إبراهيم كان أمة قانتا لله ~~حنيفا ولم يك من المشركين (120) شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم ~~(121) وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين (122) ثم أوحينا ~~إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (123) إنما جعل السبت ~~على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون (124)) # قوله تعالى : ( ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من ~~بعد ذلك وأصلحوا ) أي : باشروا مراد الهوى بجهلهم على صفات ربهم الأعلى من ~~قهر ولطف ، ثم تابوا من بعد ما رأوا مكائد الشيطان ، وعيوب النفس ، وعرفوا ~~موضع خطأهم ، وندموا على ما فات عنهم من أوقات سنية ، وحالات شريفة ، ~~وأصلحوا ما أفسدوا بالورع التام ، والزهد على الدوام ، والندم على فوت ~~الأيام ، وغفلتهم في المنام ، يوفقهم بالاستقامة في طاعته ، وبقائهم ~~بنعمتها في رعايتها ، لذلك قال : ( إن ربك من بعدها لغفور رحيم ). # قال سهل : ما عصى الله أحد إلا بجهل ، ورب جهل أورث علما ، والعلم مفتاح ~~التوبة ، وفي الصلاح صحة التوبة ، من لم يصلح في توبته عن قريب يفسد عليه ~~توبته ؛ لأن الله يقول : ( ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ). # قوله تعالى : ( إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ) إن إبراهيم ~~كان آدم الثاني ، PageV02P341 # خلقه الله على رؤية جمال جميع صفاته ، واستيلاء أنوار ذاته في إيجاده على ~~كونه ، فتجلى بقدمه من حيث الذات ، وبالبقاء من حيث الصفات ، ومن الأسماء ~~والنعوت برسم الأفعال لروحه وقلبه وعقله وسره ، فصار موجودا بوجوده ، مشكاة ~~لأنواره ، نورا من تجليه متخلقا بخلقه ، موجودا بلطفه ، مقدسا بقدسه ، ~~خليلا بخلته ، حبيبا بمحبته ، صفيا باصطفائيته ، ملكا بملكه ، بصيرا ببصره ~~، سميعا بسمعه ، متكلما بكلامه ، عينا من عيون الحق في العالم ، وشقائقا من ~~منابت لطف آدم ما اجتمع في كل ، اجتمع في وجوده ، مطيعا في عبوديته ، حرا ~~في حنيفيته ، غير مائل ms0896 من جمال الحق إلى غيره ، قال تعالى : ( ولم ~~يك من المشركين ). # وليس الله بمستنكر %~% أن يجمع العالم في واحد # ثم زاد وصفه بمعرفة منعمه ونعمه لاجتبائيبته بخلته ، وتعريفه إياه طريق ~~محبتهن بقوله : ( شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم ) ~~شاكرا لأنعمه حيث بذل نفسه لأمره ولمراده ، وأسلم نفسه في ذبح ابنه ، ~~والصبر في بلائه ، والرضا بقضائه ، اجتباه في الأزل بالخلة ، وهذا إلى ~~المعرفة ، وكمله بكمال الاستقامة ، والقانت الذي سكن قلبه مع الله في مقام ~~الأنس الحنيف الذي قلبه مربوط بنعت القدس. # قال بعضهم : أمة أي : معلما للخير ، عاملا به. # وقيل : القانت الذي لا يفتر عن الذكر ، والحنيف الذي لا يشوب شيئا من ~~أعماله بشرك. # وقيل في قوله : ( ولم يك من المشركين ): لم يك يرى المنع ~~والعطاء والضر والنفع إلا من موضع واحد. # قال الواسطي في قوله : ( شاكرا لأنعمه ): قابلا لقضائه وقسمته ~~قبول رضا لا قبول كراهية. # قال أبو عثمان : الشاكر لنعمه ألا يرى شكره إلا ابتداء نعمة من الله عليه ~~؛ حيث أهله لشكره ، واجتباه من بين خلقه ، وكتب عليه الهداية إلى صراط ~~مستقيم ، عالما أن الهداية سبقت له من الله ابتداء فضل لا باكتساب وجهد وكد. # قيل : القنوت القيام بالحق على الدوام والحنيف المستقيم في الدين ، ثم ~~وصف كرامته عليه وشرفه بقوله : ( وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين ) آتيناه في الدنيا حسنة النبوة ، والرسالة ، والخلة ، ~~والمحبة ، والمعرفة ، وإنه في الاخرة لمن الشاهدين لقائه أبدا بلا حجاب ، ~~فإنه بوصف ما ذكرنا يصلح لقربه وجواز وصاله أبدا. # قال بعضهم : آتيناه في الدنيا المعرفة حتى صلح في الاخرة لبساط المجاورة. PageV02P342 # قال بعضهم : أصلح الله قلوب المؤمنين للمعاملة ، وأصلح قلوب الأنبياء ~~والأولياء للمجاورة والمطالعة. # وقال الواسطي : هي الخلة لا غيرها تولي الأنبياء بخلقه خلقهم على ذلك ~~جذبا منهم إليه. # قال الأستاذ : آتيناه في الدنيا حسنة حتى كان لنا بالكلية ، ولم يكن ~~لغيرنا ، ثم جعله إماما لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأمته بقوله : ( ~~ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ms0897 ) ملة إبراهيم الخلة ~~والمحبة والرضا والتسليم والسخاء والوفاء والكرم ، أوحى إلى رسوله بمتابعته ~~، إذ اختاره بما اختار خليله وأجل وأفضل بدايته متابعة الخليل ، ونهايته ~~انفراده في تجريد التوحيد عن غير الحق بالحق ، ويقتضي هذا التأدب باداب ~~المشايخ ، والتواضع للأكابر ، كما قال الدينوري : أمر الله نبيه ~~صلى الله عليه وسلم باتباع الخليل لئلا يأنف أحد من الاتباع ، وملة إبراهيم ~~كانت سخاء ، والخلق الحسن ، فزاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاد ~~بالكونين عوضا عن الخلق ؛ فقيل له : ( وإنك لعلى خلق عظيم ). # ومن جملة ما أمره الله باستعمال الخلق. # ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي ~~أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125) وإن عاقبتم ~~فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (126) واصبر وما ~~صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون (127) إن الله مع ~~الذين اتقوا والذين هم محسنون (128)) # قوله تعالى : ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ) أي : ~~خاطب الجمهور بلسان الشريعة لا بلسان الحقيقة ، فإن تكلمت معهم بالحقيقة ~~طاشت العقول فيها ، وبقيت الخلق بلا فهم ، ولا علم ، والموعظة الحسنة التي ~~لا حظ للنفس فيها ، ويكون على قدر عقول الخلق وطاقتهم. # قال بعضهم : خاطب كلا على قدره ، والموعظة الحسنة فيها ترغيب وترهيب. # سئل بعضهم : لم قدم الله الحكمة؟ فقال : لأن الحكمة إصابة القول باللسان ~~وإصابة الفكرة بالجنان ، وإصابة الحركة بالأركان ، إن تكلم ، تكلم بحكمة ، ~~وإن تفكر ، تفكر بحكمة ، وإن تحرك ، تحرك بحكمة. # وقال جعفر : الدعاء بالحكمة أن تدعو من الله إلى الله ، بالله ، والموعظة ~~الحسنة أن ترى PageV02P343 # الخلق في أمر القدرة ، فتشكر من أجاب ، وتعذر من أبى وفي قوله : ( ~~ وجادلهم بالتي هي أحسن ) الجدال الحسن أن تدلهم إلى الله بالله ، ~~تعرف ذاته وصفاته ، بما وجدت من كرمه ولطفه ، شفقة ورحمة على خلقه. # قال بعضهم : هي التي فيها من حظوظ النفس شيء ، ولا يرى أنه الممتنع من ~~قبول الموعظة ، فيغضب عليه ( إن ربك هو أعلم ms0898 بمن ضل عن سبيله ) فلا ~~ينجح فيه قولك ( وهو أعلم بالمهتدين ) الموفقين الذين شرحت صدورهم ~~لقبول ما أتيت به. # قال سهل : السبيل الذي أمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يدعو إليه ، هو ~~الإيمان بالله ، فإنه طريق ممدود من الدنيا إلى الاخرة. # وزاد تعالى تأكيدا باستعمال الكرم والخلق ، والعفو والصبر ، بقوله : ( ~~ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير ~~للصابرين ) دفع الانتقام لحظ النفوس ، وأجاز الانتقام له لا لغيره ، والصبر ~~في المكاره ، والامتحان منتهى مقام المجتهدين ، الأول يتعلق بمقام ~~المبتدئين ، والصبر يتعلق بمقام الراضين ، والمريد منغمس في أنوار الشريعة ~~، والعارف مستغرق في بحر الربوبية ، الأدب شعار المريدين ، والرضا مقام ~~المختارين. # قال الجنيد في قوله : ( ولئن صبرتم ): ولم تعاقبوا لها خير ~~للصابرين التاركين العقوبة ، التي أباح العلم فعلها بالأدب الذي يتبعه ~~بالأمر ، ويلزمه بالترغيب ، أنه خير للصابرين ، ثم بين سبحانه أن ذلك الصبر ~~الذي هو خير للصابرين لا يكون إلا بالله بقوله : ( واصبر وما صبرك ~~إلا بالله ) أي : صبرك في بلائه لا يكون إلا بكشف جماله لك ، وأيضا أي : ما ~~صبرك إلا بعد تخلقك بصبره ، وأيضا ( وما صبرك إلا بالله ) أي : ~~الله عوض صبرك ، وأيضا صبرك بالله ، لا بنفسك ، فإن بلاءه لا يحتمله إلا هو. # وقال الواسطي في هذه الاية : أخبر بأنه هو الذي تولاهم بحجبهم عند ~~المعاينة في الحضرة عن الحضرة ، وهم ثلاث طوائف عند اللقاء ، طائفة تسر مدت ~~بقيومية دوامه وأزليته ، فلم تجر عند اللقاء عليها آفة باتصال أنوار ~~السرمدية بأنوار الأبدية ، وطائفة لقيته في زينته ، وحسن نظره واختياره ، ~~فغمزهم في نعمته وحجبهم بكرامته ، فهي متلذذة بنعمة محجوبة عن حقيقته ، ~~وطائفة يثبت شواهد طاعاتها وزهدها ؛ فقال لهم مرحبا بمقدمكم فحجبهم في نفس ~~ما خاطبهم. # وقال ابن عطاء : يأمره ويبرئه. # وقال جعفر : أمر الله أنبياءه بالصبر ، وجعل الحظ الأعلى منه للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ، حيث جعل أمر PageV02P344 # صبره بالله لا بنفسه ؛ فقال : ( وما صبرك إلا بالله ). # قال النوري : في هذه الاية هو الصبر على الله بالله. ms0899 # قال الأستاذ : ( واصبر ) تكليف ، و ( وما صبرك إلا بالله ~~) تعريف. # ويقال : ( واصبر ) تعنيف ، و ( وما صبرك إلا بالله ) ~~تخفيف ، ( واصبر ) أمر بالعبودية ، ( وما صبرك إلا بالله ) ~~إخبار عن حق الربوبية ، ثم أخبر سبحانه بألا تنظره إلا إلى سوابق التقدير ، ~~حتى لا تحزن على موارد التدبير ، بقوله : ( ولا تحزن عليهم ولا تك ~~في ضيق مما يمكرون ) أي : انظر إلى مرادنا منهم ، ولا تنظر إلى مرادك منهم ~~، فإن أمر الربوبية سابق على أمر العبودية. # قال ابن عطاء : كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يضيق بهم صدرا ، ولكن ~~الله تعالى حذره ما هو موهوم في البشرية ، وإن كان هو منزها عنه. # قال الأستاذ : طالع التقدير فيما لا تجعله حظرا عندنا ، لا ينبغي أن يوجب ~~أثرا فيك ، ومن أسقطنا قدره فاستصغر قدره وأمره ، ثم تسلى قلب نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بأنه تعالى مع متق صادق شاهد محسن بقوله : ( إن ~~الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) أي : مع الذين عظموا الله برؤية ~~عظمته ، وأجلوه بإجلاله ، وتبرؤا به عن غيره ، وهم في حال الإحسان في جمال ~~مشاهدته ، هائمون في بهاء وجهه ، وأنوار قدسه ، فهو معهم من حيث لا هم ، ~~أفناهم به عن وجودهم ، ثم أبقى نفسه لهم بعد فنائهم عنه فيه له. # قال ممشاد الدينوري : رأيت ملكا من الملائكة يقول لي : كل من كان مع الله ~~فهو هالك ، إلا رجل قلت : ومن هو ، قال : من كان الله معه ، وهو قوله : ( ~~ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ). # قال بعضهم : من اتقى الله في أفعاله أحسن الله إليه في أحواله. # وعن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر قال : التقوى مع الله ، والإحسان ~~إلى خلق الله. # قال الواسطي : التقوى : كيف اتقى؟ وماذا يتقي؟ ولماذا يتقى؟ # وقال الأستاذ : ( الذين اتقوا ) رؤية البصيرة من غيره والذين هم ~~أصحاب التبرؤ من الحول والقوة ، والمحسن الذي يعبد الله كأنه يراه ، وهو ~~حال المشاهدة. # *** PageV02P345 ### | سورة بني إسرائيل # بسم الله الرحمن الرحيم # ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ms0900 من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير (1) وآتينا ~~موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا (2)) # ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ): في هذه الآية أربع إشارات : ~~إشارة التقديس ، وإشارة الغيرة ، وإشارة الغيب ، وإشارة السر ، فأما إشارة ~~التقديس فقوله : ( سبحان ) أي : منزه عن إشارة الجهات والأماكن في ~~الفوقية ، وما يتوهم إليه الخلق أنه إذا وصل عبده إلى وراء الوراء إنه كان ~~في مكان ، أي : لا تتوهموا برفع عبده إلى ملكوت السماوات إنه رفع إلى مكان ~~، أو هو في مكان ، فإن الأكوان والمكان أقل من خردلة في وادي قدرته. # ألا ترى إلى قوله عليه السلام : «الكون في يمين الرحمن أقل من خردلة» (1) ~~، فالعندية والفوقية منزهة عن أوهام المشبهة ؛ حيث توهموا أنه أسري به إلى ~~المكان ، أي : سبحان من تقدس هذه التهمة. # وأما إشارة الغيرة فقوله : ( الذي )، ولم يذكر من اسم الظاهر ~~مثل الله والرحمن ؛ لأنه غار بنفسه أن يراه أحد سوى عبده ، وما سمى النبي ~~باسمه الظاهر أيضا غيرة عليه ، فرفع الاسمين من البين ؛ لئلا يطلع عليهما ~~من العرش إلى الثرى. # وأما إشارة الغيب قوله : ( أسرى ): سرا على ما بين العبد والرب ~~، وقوله : ( ليلا ) محل السر والنجوى ، فبان من التقديس إفراد ~~القدم عن الحدوث ، وسقوط الاكتساب عن محل التفضل ، وكون الاختصاص له من ~~البرية ، وطهارة القدم عن إحاطة الحدث به ، وبقاء العزة بوصفه عن محمدة ~~العارفين وعرفان الموحدين ، وبان عن اسم المبهم حقائق المحبة ، وامتناع ~~الصمدية عن إدراك الخليقة ، وبان من إشارة الغيب ظهور أنوار الربوبية وسطوع ~~أنوار علم المجهول ، وبان من إشارة السر خطاب المتشابهات ، وغوامض علوم ~~المشكلات ، والإشارة إلى وقائع أشراط الساعة أسرى بعبده من محل الإرادة إلى ~~محل المحبة ، ومن محل المحبة إلى محل المعرفة ، ومن محل المعرفة إلى محل ~~التوحيد ، ومن محل التوحيد إلى محل التفريد ، ومن محل التفريد إلى محل ~~الفناء ، ومن محل الفناء إلى محل البقاء ، ومن محل البقاء إلى محل PageV02P346 # الاتصاف ، ومن محل ms0901 الاتصاف إلى محل الاتحاد ، فلم يبق منه شيء من رسوم ~~الحدوثية من استيلاء القدم على الحدث ، فدنا منه ثم تدلى عنه ، ثم فني فيه ~~، فكان بين فنائه قاب قوسين ، قوس الأزل وقوس الأبد ، فبين القوسين غاب في ~~الغيبة ، فبقي غيبه ، فاستوى أو أدنى فأزال بالغيرة غيب غيبه ، كأنه كان في ~~فناء الفناء ، والفناء عن فناء الفناء ، فبقي اسمه مع اسم الإشارة بقوله : ~~( سبحان الذي أسرى بعبده ) أي : هو مع مكانته في مقام الاتحاد على ~~وصف العبودية ، وسبحان الذي سبحان عن أن يكون محلا للحوادث ، أو امتزجت ~~اللاهوتية بالناسوتية ، قوله سبحانه كان أزليا سرمديا ، كان سبحانه قبل ~~إيجاد العبد والتعبد عن القريب والبعيد هو هو بذاته وصفاته له ، لغيره ~~امتنع عن القرب والبعد من جهة الخليقة بحال من الأحوال أبد الابدين ، أسرى ~~من رؤية فعله وآياته إلى رؤية صفاته ، ومن رؤية صفاته إلى رؤية ذاته ، ~~وأشهده مشاهدة جماله فرأى الحق بالحق ، وصار هناك موصوفا بوصف الحق ، فكان ~~صورته روحه ، وروحه عقله ، وعقله قلبه ، وقلبه سره ، فرأى الحق بجميع وجوده ~~؛ لأن وجوده صار بجميعه عينا من عيون الحق ، فرأى الحق بجميع العيون ، وسمع ~~خطابه بجميع الأسماع ، وعرف الحق بجميع القلوب ؛ حتى فنيت عيونه وأسماعه ~~وقلوبه وأرواحه وعقوله في الحق ، فنظر الحق إلى الحق لأجله نيابة عنه ؛ لأن ~~عيون الحدوثية فنيت في عيون الحق ، وعيون الحق رجعت إلى الحق ، فرأى الحق ~~الحق ، وعرف الحق الحق ، وسمع الحق من الحق رحمة منه إليه ، وتلطفا به ؛ ~~لأنه يسمع ويرى. # ألا ترى إلى آخر الاية قوله : ( إنه هو السميع البصير ): سمع ~~كلامه من نفسه ، وأبصر نفسه بنفسه ، كان في الأزل سميعا بصيرا ، لكن ها هنا ~~يسمع ويبصر بسمع عبده وبصر عبده. # قال الواسطي : نزه نفسه أن يكون لأحد في تسيير نبيه صلى الله عليه وسلم حركة ~~أو خطوة ، فيكون شريكا في الإسراء والتسرية. # وقال أبو يزيد : نزهه عما أبدى ، ولا تعرفه بما أخفى. # وقال ابن عطاء : طهر مكان القربة وموقف الدنو عن أن يكون فيه تأثير ms0902 ~~لمخلوق بحال ، فسرى بنفسه ، وسرى بروحه ، وسرى بسره ، فلا السر علم ما فيه ~~الروح ، ولا الروح علم ما يشاهده السر ، ولا النفس عندها شيء من خبرهما وما ~~هما فيه ، وكل واقف مع حده ، مشاهدا للحق ، متلقفا عنه بلا واسطة ولا بقاء ~~بشرية ، بل تحقق بعبده فحققه وأقامه ؛ حيث لا مقام ، وخاطبه وأوحى إليه ما ~~أوحى جل ربنا وتعالى. # وقال : جاء رجل إلى جعفر بن محمد ، وقال : صف لي المعراج. فقال : كيف أصف لك PageV02P347 # مقاما لم يسمع فيه جبرائيل مع عظيم محله. # وسبب بداية المعراج الذهاب إلى المسجد الأقصى ؛ لأن هناك الايات الكبرى ~~من بركة أنوار تجليه لأرواح الأنبياء وأشباحهم ، وهناك بقربه طور سيناء ، ~~وطور زيتا ، والمصيصة ، ومقام إبراهيم عليه السلام وموسى عليه السلام وعيسى ~~عليه السلام في تلك الجبال مواضع كشوف الحق لذلك قال : ( الذي ~~باركنا حوله لنريه من آياتنا ): علامات شواهد مشاهدتنا ؛ حتى يتعود برؤية ~~شهودنا في الايات ، وليقوى برؤيتها ؛ حتى يطيق أن يرى آيات عظام الملكوت ، ~~وسبب عروجه إلى الملكوت ؛ ليرى جمال الجبروت في أنوارها ؛ لأنه سأل عن الحق ~~رؤية ظهور صفاته في مرآة آياته بقوله : أرنا الأشياء كما هي ، فأراه الحق ~~ما سأل بقوله : ( لنريه من آياتنا ): هو يريه وهو قادر بذلك ، وهو ~~منزه عن الحلول في الايات. # ألا ترى إلى أول الاية كيف قال : ( سبحان الذي )، والحكمة في ~~ذلك أنه إذا قوي في رؤية الصفات في الملكوت الأعلى والملكوت السفلي يطيق أن ~~يرى صرف ذاته بلا حجاب ، ولا حسبان ، ولا قتام ، ولا ضباب ، ولا علة ، ولا ~~آيات ، ولا شواهد ، بل يراه به لا بشيء ولا بإياه. # قال بعضهم : قال الله : ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات ~~والأرض ) [الأنعام : 75] ، وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم : ( لنريه ~~من آياتنا )، فغمض عينه عن الايات شغلا منه بالحق ، ولم يلتفت إلى شيء من ~~الايات والكرامات فقيل له : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) [القلم : 4] ، ~~حيث لم يشغلك ما لنا عنا. # ويقال : أرسله الحق سبحانه ليتعلم منه أهل الأرض العبادة ، ثم رقاه إلى ~~السماء ms0903 ؛ ليتعلم الملائكة منه أدب العبادة ، قال الله : ( ما زاغ ~~البصر وما طغى ) [النجم : 17] ما التفت يمينا ، ولا شمالا ما طمع في مقام ، ~~ولا في إكرام ، وتحرز عن كل طلب وإرب. # قال الأستاذ في قوله : ( لنريه من آياتنا ): كان تعريفا بالايات ~~، ثم تعريفا بالصفات ، ثم كشفا بالذات. # ( ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا (3) وقضينا إلى بني ~~إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا (4) فإذا جاء ~~وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان ~~وعدا مفعولا (5) ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم ~~أكثر نفيرا (6)) PageV02P348 # قوله تعالى : ( إنه كان عبدا شكورا ): عبدا من حيث العبودية ، ~~ومحبا من حيث المعرفة ، وعاشقا من حيث الحرية ، ومنفردا بالأنس من حيث ~~الغيرة. # ألا ترى كيف قال : ( لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ) [نوح ~~: 26] : شكورا من حيث أن يرى المنعم بالمنعم لا بالنعمة بنعت العجز عن أداء ~~حق نعمة جلاله وكشف جماله ، كأنه تعالى علم نبيه عليه السلام مقام معرفة ~~أبيه نوح عليه السلام كيف كان معرفته بالله ؛ حيث احتمل بلاءه به ، وشكر في ~~موضع الصبر ، كأنه علمه الشكر في مقام البلاء ؛ لأن العارف لا يتم ؛ حتى ~~يعرف الحق في رؤية البلاء ورؤية النعمة ، فيأخذ من مقام البلاء الصبر ~~المقرون بالرضا ، ومن مقام النعمة الشكر المقرون بالصفاء والوفاء والسخاء ~~والتقى ، وإن كان متحليا بهاتين الحلتين صار مزينا بجميع زينة العبودية ؛ ~~لذلك قال : ( عبدا شكورا ) (1). # قال الجنيد في قوله : ( إنه كان عبدا شكورا ): العبودية هي : ~~ترك هذين الشيئين : السكون إلى اللذة ، والاعتماد على الحركة ، فإذا فقد ~~عنك هذان فقد أديت حق العبودية ، يستعظم قليل فضلنا عنده ، ويستصغر كثير ~~خدمته لنا ، ليس له إلى غيرنا التفات ، ولا يشغله تواتر النعم عليه عن ~~المنعم بحال. # وقال أيضا : قائلا بالحق ، ناطقا به ، قابلا له ، مقبلا عليه. # ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ~~ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما ms0904 علوا تتبيرا ~~(7) عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا (8) إن ~~هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم ~~أجرا كبيرا (9) وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما (10)) # قوله تعالى : ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ): حكى الله سبحانه عن ~~العباد بأنهم يعملون بالأعواض لحظ نفوسهم ، لا لحقيقة العبودية التي وجبت ~~عليهم في الأزل ، لحق الربوبية التي هي مستحقة لها ، فمن عمل للنجاة عمل ~~لنفسه ، ومن عمل للثواب فقد عمل لنفسه ، ومن عمل لحظ المحبة وكذا الأنس فقد ~~عمل لنفسه ، ومن عمل لغير هذه العلل وقام على شرط العبودية بنعت إسقاط رؤية ~~الأعواض وكل علة على وصف الخجل والحياء والفناء فقد عمل لله ، ولكن أعماله ~~راجعة إليه بسببين : أحدهما أن عبودية الخليقة لا تليق PageV02P349 # بالأزلية ، والاخر أنه منزه عن عبودية الخلق وعصيانهم ؛ لأنه قائم بنفسه ~~، ليس له أنس بطاعة المطيعين ، ولا وحشة بمعصية العاصين. # قال تعالى : ( إن الله لغني عن العالمين ) [العنكبوت : 6] ، وفيه ~~نكتة عجيبة ، أي : إن شاهدتم مشاهدتي شاهدتم لحظوظ أنفسكم لا لحق شهودي ، ~~وإن شاهدتم مشاهدتي كما ينبغي وفنيت مشاهدتكم فنيتم في مشاهدتكم في مشاهدتي ~~؛ لأن سطوات العظمة مهلك كل شاهد من شهوده. # قال أبو سليمان الداراني : العمال في الدنيا يعملون على وجوه ، كل فيه ~~يطلب حظه ، فجاهل عمل على الغفلة ، وعامل عمل على العادة ، ومتوكل عمل على ~~الفراغة ، وزاهد عمل على الحلاوة ، وخائف عمل على الرهبة ، وصديق عمل على ~~المحبة ، وعمال الله أقل من القليل. # قوله تعالى : ( عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا ): ذكر الرجاء ~~، وقدم الرحمة ، وتكلم من نفس التربية ، كأنه تعالى دعاهم إلى مقام الرجاء ~~من مقام الخوف ، ومن رؤية الوحشة إلى رؤية تربية الرب ، ومن رؤية العذاب ~~إلى رؤية الرحمة ، أي : أنا أستعمل كرمي القديم على كل حال إن تطيعون وإن ~~تعصون على عواقب الأمور ، لأن وصفي غالب على كل وصف ، وأنا غالب على أمري ، ~~ثم أنبت الأكساب القائمة بالمشيئة بقوله : ( وإن عدتم عدنا ): إن ms0905 ~~عدتم إلى عالم القهريات عدنا معكم ، فننجيكم منها ، فإن سوابق الكرم ~~والرحمة غالبة على الغضب ، كما قال : «سبقت رحمتي غضبي» (1)، وإن عدتم إلى ~~عالم اللطف عدنا معكم إلى عالم اللطف ، فأريكم جلالي في لباس لطفي ، وإن ~~عدتم إلى المعصية عدتم إلى معادلكم التي خليقتها الجهل والعصيان عدنا إلى ~~ما كنا في الأزل من اللطف والكرم ؛ لأن اللطف والكرم من نهارير القدم ، وإن ~~عدتم إلى الهجران عدنا إلى الوصال ، وإن عدتم إلى المجاهدة عدنا إلى كشف ~~المشاهدة ، وإن عدتم إلى النكرة عدنا إلى المعرفة. # قال ابن عطاء : يتعطف عليكم ، فيخرجكم من ظلمات المعاصي إلى أنوار ~~الطاعات ، فمن طلب الرحمة من غير الله فهو في طلبه مخطئ. # وقال سهل : إن عدتم إلى المعصية عدنا إلى المغفرة ، وإن عدتم إلى الإعراض ~~عنا عدنا إلى الإقبال عليكم ، وإن عدتم إلى الفرار منا عدنا إلى أخذ الطرق ~~عليكم ، لترجعوا إلينا. # وقال الوراق : إن عدتم إلى الطاعة عدنا إلى التيسير والقبول. # قال الأستاذ : إن استقمتم في التوبة عدنا في إدامة الفضل والمثوبة. PageV02P350 # وقيل : إن عدتم إلى الخطأ عدنا إلى الوفاء ، ثم بين سبحانه أن الفراق ~~يعرف العارفين أصوب الطرق وأقومها في مسالكهم إلى الله بقوله سبحانه وتعالى : # ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) أي : أن القرآن يعرف أهله ~~بنوره أصوب الطريق إلى الله ، وتلك الطريقة طريق طاعته التي في سلوكها ~~لسالكيها مقام كشف وصاله وظهور جماله ، وأنه يهدي للطريقة الصائبة في نفسه ~~من حقائقه بأن يرشدهم بظاهره إلى معاني باطنه ، ومن معاني باطنه إلى نور ~~حقيقته ، ومن نور حقيقته إلى أصل الصفة ، ومن الصفة إلى الذات ، فالقرآن ~~أسماء ونعوت وأوصاف وصفات ، يعرف للعارف الصادق عيون الذات والصفات ~~والأسماء والنعوت والأوصاف وهي أقوم الطريقة ؛ لأن العوام يسلكون إليه ~~بأوصافهم ، وأهل القرآن يسلكون إليه بصفاته. # إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا %~% كفى لمطايانا برياك هاديا # ويبشر أهله من الذين يتبعونه بمراد الحق أن لهم أجر المشاهدة وكشفها بلا ~~حجاب أبدا. # قال ابن عطاء : القرآن دليل ، ولا يدال إلا ms0906 على الحق ، فمن اتبعه قاده ~~إلى الحق ، ومن أعرض عنه قاده الجهل إلى الهلاك. # وقال أبو عثمان في كتابه إلى محمد بن الفضل : من تمسك بالقرآن وفق للزوم ~~الاستقامة ؛ لأن الله يقول : ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ). # ( ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا (11) ~~وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ~~لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا (12)) # قوله تعالى : ( ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان ~~عجولا ): من لم يبلغ أعالي درجات القوم لم يعرف مقامات الدعاء ، ومن لم ~~يعرف مقام الدعاء ففي كل وقت يستعمل سوء الأدب ؛ لأنه في رسوم الصورة يسأل ~~شيئا بجهله ، وهو سبب خطره قرب مراد لا ينجح له المقصود ؛ لأنه عجول لا ~~يصبر حتى يبلغ ، ويعرف ما يليق بحاله فيسأل. # قال سهل : أسلم الدعوات الذكر وترك الاختيار في السؤال والدعاء ؛ لأن في ~~الذكر الكفاية ، وربما يدعو الإنسان ، ويسأل ما فيه هلاكه ، وهو لا يشعر. # ألا ترى الله يقول : ( ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير ) ~~والذاكر على الدوام التارك للاختيار في الدعاء والسؤال ، مبذول له أفضل ~~الرغائب ، وساقط عنه آيات السؤال PageV02P351 # والاختيار. # قال النبي صلى الله عليه وسلم : «يقول الله عز وجل : من شغله ذكري عن مسألتي ~~أعطيه أفضل ما أعطي السائلين» (1). # قوله تعالى : ( وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل ~~وجعلنا آية النهار مبصرة ): الليل والنهار ها هنا مقام المجاهدة والمشاهدة ~~، فالمجاهدة ليل العارفين ، والمشاهدة نهار الصديقين ، ففي مقام المشاهدة ~~كشف شمس الذات آية نهار المشاهدة ، وكشف قمر الصفات آية ليل المجاهدة ، ~~فأهل المشاهدة في رؤية شموس الذات ، وأهل المجاهدة من الصادقين في رؤية ~~أقمار الصفات ؛ لأنهم في ضعف الأحوال من حمل وارد العظمة ، ولولا غيبة ~~أنوار الذات عنهم لهلكوا في أول سطوتها ، ولو كان إتيان أحدهما كالاخر لهلك ~~العارفون لبقائهم في مشاهدة الذات صرفا على السرمدية ، ولم يصلوا إلى معادن ~~الصفات. # كما قال سبحانه : ( لتبتغوا فضلا من ربكم )، وفضل الحق ها هنا ms0907 ~~معرفة الصفات ، والعيش في مشاهدة الذات ، والوقوف على مقامات الدنو ، ~~وأوقات الحالات ، بقوله سبحانه : ( ولتعلموا عدد السنين والحساب ) ~~أي : لتعلموا في محاق أقمار الكواشف ، وزيادة كمالها بفيض نور الأولية ~~والأخروية أعداد زمان الوصال والفراق ، وحساب المقامات والحالات ، وتقعوا ~~في دور أدهار الأزال والاباد ، وتعرفوا منازل سيارات الأرواح وحركاتها في ~~أبراج أفلاك الوحدانية والفردانية بقوله : ( وكل شيء فصلناه تفصيلا ~~)، وها هنا منازل انقطعت الأوهام في مداركها ، وذهب الحسبان عند شوارق ~~أنوارها ، وانصرمت العقول عن تقلب أسرارها ، وفنيت القلوب في حقائق أنوارها ~~، كان لسان القدر ينطق بنطق الأبد على لسان عندليب سكران موردات ورد العشق ~~شطاح فارس روزبهان البقلي ، هذه الأسرار المباركة الممتنعة عرائسها بحجب ~~الغيرة عن غيره أو غير مثله. # واستشهد ببيت النوري في هذا المعنى : # لا زلت أنزل من ودادك منزلا %~% يتحير الألباب عند نزوله # قال بعضهم : جعلنا الليل والنهار ظرفين لإقامة العبودية ، جعل أحدهم خلفا ~~عن الاخر وخليفة عنه ، فمن أنفق أوقاته في أناء ليله بما هو مستعبد به فهو ~~زمرة الموفقين ، ومن أمهل ساعاته ولم يطالب نفسه ، ولم يراع أوقاته مع كل ~~خاطر أو نفس فإنه من المخذولين. # قال الله : ( لتبتغوا فضلا من ربكم ) في تصحيح العبودية وإخلاص ~~العمل والمعونة PageV02P352 # على ذلك من الله عز وجل . # ثم إن الله سبحانه أخبر عن سوابق أحوال الواردين إلى مناهل العبودية ~~والربوبية بقوله : ( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه )، اختار ~~بعضا في الأزل بالإرادات ، واختار بعضا بالمعاملات ، وبعضا بالحالات ، ~~وبعضا بالمشاهدات ، وبعضا بالمكاشفات ، وبعضا بالمعرفة ، وبعضا بالمحبة ، ~~وبعضا بالشوق ، وبعضا بالرغائب ، وبعضا بالعزائم ، وفي كل مقام طائر أحد من ~~السالكين وسمته ألزمته نعوت الربوبية على عنق العبودية ، يخرج من مربع عهد ~~الأزل بهذه السمات ، ويخرج إلى معاهد الأبد لا يتغير بتلون الملون ، ولا ~~بظهور الايات والبرهان ، ولا بطوارق الطاعات والعصيان. # ( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا ~~يلقاه منشورا (13) اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا (14) من اهتدى ~~فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا ms0908 تزر وازرة وزر أخرى وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا (15) وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا ~~فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا (16) وكم أهلكنا من القرون من بعد ~~نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا (17)) # قال تعالى : ( ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا )، فما ~~بدت للأرواح من معالم الرد والقبول بيد ، ولصاحبه غدا في الحضرة ، فيرى ~~أوله موافقا للاخر والاخر للأول لا ينقص السوابق من الأواخر ، ولا ترتد ~~الأواخر على السوابق. # قال تعالى : ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) هذا مقام ~~الستر والغيرة على أحبائه ؛ حتى لا يطلع عليهم الأغيار من الملائكة والجن ~~والإنس ، بل هو من مقامات النجوى وسرائرات تخفى ، وحقائقات البلوى ، ~~وعجائبات الشكوى. # قال النصر آبادي : ألزمت نفسك أحوالا ، وألزمت أحوالا ، وما ألزمته أشد ~~مما ألزمت نفسك. # قال الله تعالى : ( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ) من سعادة ~~وشقاوة ، ومنهم من ألزم الصبر على مقام المشاهدة ، ومنهم من ألزم التمسك ~~بالأدب على بساط القرب ، وهذا أشد وأشد. # قال بعضهم : كتابا تكتبه على نفسك في أيامك وساعاتك ، وكتاب يكتب عليك في ~~الأزل ، ولا يخالف هذا ذاك ولا ذاك هذا. PageV02P353 # قال بعضهم : الكتاب الذي يخرج إليك هو كتاب لسانك قلمه ، وريقك مداده ~~وأعضاؤك ومفاصلك قرطاسه ، أنت كنت المملي على حفظتك ما زيد فيه ولا نقص منه ~~، ومتى أنكرت من ذلك شيئا يكون الشاهد فيه منك عليك ، قال الله : ( ~~يوم تشهد عليهم ألسنتهم ). # وقال يحيى بن معاذ : اقرأ كتابك ؛ فإنك كنت المملي له. # وقال بعض السلف : محاسبة الأبرار في الدنيا ، ومحاسبة الفجار في الاخرة. # قوله تعالى : ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا ~~فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ): إذا أراد الله سبحانه خراب ~~الدنيا يأخذ أولياءه منها ، ويبقي أعداءه فيها ، فإذا ذهب منها الصديقون ~~الذي يندفع العذاب بدعائهم وتدفع البلايا ببركاتهم يسقط عليهم بعد ذلك قوله ~~الحق بالغضب وهلاكهم ، وأيضا إذا أراد الله أن يخرب قلب المريد سلط عليه ~~عساكر هوى نفسه ، وجنود شياطينه ؛ حتى ms0909 يدوروا في أرض القلب ، ويخربوها ~~بسنابك خيول الشهوات ، وآفات الطبيعيات والخطرات ، نعوذ بالله منها. # قال بعضهم : أهلكنا خيارها ، وأبقينا شرارها. # وقال أبو عثمان : إذا أخرج الله أمر المعاصي من القلوب فإنه يخاف على ~~الخلق إذ ذاك الهلاك (1). # ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا ~~له جهنم يصلاها مذموما مدحورا (18) ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو ~~مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا (19) كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما ~~كان عطاء PageV02P354 # ربك محظورا (20)) # قوله تعالى : ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن ~~نريد ): من مال إلى الدنيا أراد حظ الأدنى ؛ كأنه استعجل لطلب العاجلة عن ~~الاجلة من خسة طبعه ودناءة همته ؛ وذلك من قلة معرفته بزوالها وبلائها ~~والعذاب والحساب من أجلها ، فعجل الله بعض مراده له في الدنيا لحرمانه عن ~~الاخرة والدرجات العلى ، ولم يكن مظفرا بمراده أيضا من مأموله ؛ لأن الله ~~سبحانه قال : ( عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ). # قال الواسطي : في ترك الدنيا مشاهدة الاخرة ، وفي مشاهدة الاخرة رفض ~~الدنيا ، كما أن في مشاهدة التأييد زوال عزة النفس ، وفي مطالعة صفات الحق ~~سقوط صفات العبد. # ثم وصف مريد الاخرة بعد تركه للدنيا ولذاتها بأن سعيه مشكور وعمله مبرور ~~بقوله سبحانه وتعالى : ( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ~~فأولئك كان سعيهم مشكورا )، فجعل ها هنا شرطين في إرادة الاخرة : شرط ~~السعي ، وشرط الإيمان أي : ينبغي له أن يكون سعيه على نعت مشاهدة الاخرة ، ~~ورؤية الغيب واليقين الصادق ؛ حتى يكون سعيه مقرونا برؤية ما وعد الله له ~~من الدرجات الرفيعة والمقامات الشريفة ؛ حتى يكون عمله وسعيه على وصف حظ ~~القلب والروح. # وأيضا معنى قوله : ( وهو مؤمن ) عارف بالله وبصفاته ، عالم بعمله ~~لله ، لا يعمل إلا بالعلم ، ولا يسعى إلا بالشوق إلى الله وإلى جواره ~~والبقاء في المشاهدة ، والسعي المشكور أن ينكشف لصاحبه مشاهدة الحق في سعيه ~~نقدا في الدنيا ، فإن تأثير القبول ظهور أوائل الكرامات ، وبروز لطائف ~~أنوار ms0910 المشاهدات. # قال القاسم : شرط الإرادة بحسن السعاية ؛ لأن لكل طائفة إرادة الاخرة ~~وسعيها ، وهو الذي يسعى على الاستقامة وما توجبه عليه الشريعة ، وشرط السعي ~~بالاستقامة ، وشرط الاستقامة بالإيمان ؛ لأن كل من أراد الاخرة وقصد قصدها ~~فليستقم عليها ، رب قاصد مستقيم في الظاهر خلعة الإيمان عارية عنده ، وكم ~~من ساع حسن السعي غير مقبول فيه سعيه. # وقال بعضهم : السعي في الدنيا بالأبدان ، والسعي إلى الاخرة بالقلوب ، ~~والسعي إلى الله بالهمم. # وقال أبو حفص : السعي المشكور ما لم يكن مشوبا برياء ولا سمعة ولا رؤية ~~نفس ولا طلب ثواب ، بل يكون خالصا لوجهه لا يشاركه في ذلك شيء سواه ، فذلك ~~السعي المشكور ، PageV02P355 # ثم بين أن ساعي الدنيا وساعي الاخرة كل واحد على جزاء سعيه بقدر همته ~~بقوله : ( كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك ~~محظورا ): وصف عدله سبحانه وتعالى ألا يخيب رجاء كل مؤمن ؛ لأن عطاءه غير ~~ممنوع ، فجازى الكل بقدر الهمم ، فعطاء الدنيا حظ النفوس ، وعطاء الاخرة حظ ~~القلوب. # قال علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد عليهم السلام : عطايا ~~الدنيا غفلة من الله ، وعطايا الاخرة القربة من الله. # ثم بين سبحانه تفاضل الفريقين بقوله : ( انظر كيف فضلنا بعضهم ~~على بعض ): فضل العابدين بعضهم على بعض في الدنيا بالطاعات ، وفضل ~~العارفين بعضهم على بعض في الدنيا بالمعارف والمشاهدات ، فالعباد في الاخرة ~~في درجات الجنان متفاوتون ، والعارفون في درجات وصال الرحمن متفاوتون. # ( انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر ~~تفضيلا (21) لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا (22) وقضى ربك ~~ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو ~~كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (23) واخفض لهما ~~جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا (24) ربكم أعلم بما ~~في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا (25) وآت ذا القربى ~~حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا (26) إن المبذرين كانوا إخوان ms0911 ~~الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا (27) وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ~~ترجوها فقل لهم قولا ميسورا (28)) # قال تعالى : ( وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ): صفو الوصال ~~التفات بلا عتاب حصول المراد بلا حساب. # قال ابن عطاء : من تولاه الله بضرب من العناية وتوالت أعماله كلها لله ~~فله فضل الولاية على من دونه. # قال الله : ( انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ): فالفضيلة تقع ~~فيما بين الخلق والخلق ، لا تكبر عنده الطاعات ، ولا تغضبه المخالفات. # قال الواسطي : ( فضلنا بعضهم على بعض ) بالمعرفة والإخلاص ~~والتوكل. # وقال في قوله : ( وللآخرة أكبر درجات ): بدرجات السوابق يصل ~~العبد إلى PageV02P356 # الدرجات العلى ، وأعظم درجة في الاخرة التخطي إلى بساط القرب ومشاهدة ~~أعلى وأجل. # قوله تعالى : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ~~): وجب في الأزل للربوبية القديمة العبودية على نعت تجريدها عن رؤية غير ~~الله ؛ لأنه كان تعالى في الأزل موصوفا بالربوبية والأحدية ، وحق العبودية ~~لغيره مستحيل بالحقيقة ؛ لأن عبودية الحدث للحدث على نعت المجاز ، ولا تقع ~~العبودية الخالصة إلا للأزلي الأبدي ، والعبودية إفراد القدم عن الحدوث ~~بنعت الإذعان لتصرفه والخضوع بنعت الفناء لعزته ، وحديث الوالدين بالإحسان ~~؛ لأنها فعله الخاص ، وحرمة فعله في إيجاد خلقه من حرمة صفته ، وحرمة صفته ~~كحرمة ذاته ، والإحسان للوالدين احترامهما وإجلالهما باحترام الله وإجلاله ~~، وأشياخ الطريقة وآباء أهل الإرادة والإحسان لهم متابعة أمرهم لمحبة الله. # قال بعضهم : العبودية قطع الأرباب وخلع الأسباب ، والرجوع إلى الحق ~~بالحقيقة. # قال أبو عثمان المغربي : من تحقق في العبودية ظهر سره لمشاهدة الغيوب ، ~~وأجابته القدرة إلى كل ما يريد. # قوله تعالى : ( ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين ): ~~بما في نفوسكم من إجلال الله وتعظيم كبريائه ، وشهود النعمة على بساط قربه ~~، ورؤية العقل مشاهدا أنوار آياته ، ومشاهدة الروح ضياء صبح صفاته ، وسكون ~~السر بنعت الأنس إلى عظيم سبحات ذاته ، ونية بذل الوجود لرضاه والصبر ~~والتمكين في قضائه أن يكونوا صالحين مصلحين للخطرات النفسانية بالأنفاس ~~الروحانية ، وتقديس الخليقة بقدس المعرفة ، والفرار منه إليه بنعت الفناء ~~فيه ms0912 ، وذلك قوله : ( فإنه كان للأوابين ): راجعين منه إليه بنعت ~~الخجل بين يديه وطلب مزيد القربة منه ؛ فإنه غفور لمن أتى إليه بنعت التضرع ~~والبكاء والخشوع والتواضع في جلال قدره وعظيم كبريائه. # وفيه نكتة : أن سبحانه ذكر النفوس لا القلوب ولا الأرواح ولا الأسرار ولا ~~العقول ، أي : هو أعلم بما في نفوسكم من شرها وسجيتها المائلة إلى ~~الاستكبار والإنكار ، والفرار من الطاعة ، وهواها إلى المعصية ، لذلك قال : ~~إن تكونوا صالحين مائلين عن متابعتها راجعين منها إلى الله. # ( غفورا ) أي : غفورا لمن أتى إليه بتلك الصفة بنعت الندم على ما ~~سلف من الذنوب طلبا لمشاهدة الغيوب. # قال ابن عطاء : فيها إيمان لها أو ليس فيها إيمان ، إيمان جحود أو إيمان ~~قبول ، إيمان تقليد أو إيمان حقيقة ومشاهدة. PageV02P357 # قال سهل : أي الذنوب من رجع إليه من عبيده غافرا ولهم راحما. # قال أبو عثمان : الأوب الدعاء. # قال بعضهم : الأواب المتبرئ من حوله وقوته ، المعتمد على الله في كل نازلة. # ثم ذكر سبحانه بعد بر الوالدين بر أقرباء المعرفة بالحقيقة بعد ما في ~~الاية من رسوم الظواهر ، ومساكين المريدين ، وأبناء السبيل بقوله : ( ~~ وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل )، حقوق هؤلاء تربيتهم في ~~الطريقة بذكر الحقائق من المعاملات والأحوال والمعارف والكواشف والعلوم ~~الغيبة لهم ، فذوو القربى إخوان المعرفة الذين وصلوا معالي المقامات ، ~~والمسكين المريد الصادق الذي سكنه لطف الله عن طلب غير الله ، وابن السبيل ~~المحب الصادق ، فحق العارف نشر الأسرار ، وحق المسكين ذكر الأنوار ، وحق ~~المحب ذكر شمائل المحبوب ، زيادة لتمكين العارفين ، وشوق المحبين ، ورغبة ~~المريدين. # وأيضا : ذو القربى الروح ، والمسكين العقل ، وابن السبيل القلب ، فحق ~~الروح السماع الطيب ، والجمال الحسن والطيب والريحان ، وحق العقل الفكر ~~والتفكر ، وحق القلب الذكر والتذكر. # وأيضا : حق الروح الفراغة ، وحق العقل الطاعة ، وحق القلب الاستئناس ~~بالخلوة لطلب المشاهدة ، والروح ذو القربى ؛ لأنه كان في بدء الأول في ~~القربة والمشاهدة قبل خلق الخلق ، والمسكين العقل ؛ لأنه فقير من إدراك ~~حقيقة الوحدانية ، والقلب ابن السبيل ؛ لأنه ينقلب في سبيل الصفات ms0913 لطلب ~~عرفان الذات. # ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ~~ملوما محسورا (29) إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا ~~بصيرا (30) ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان ~~خطأ كبيرا (31) ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا (32) ولا تقتلوا ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا ~~يسرف في القتل إنه كان منصورا (33)) # قوله تعالى : ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل ~~البسط ) الإشارة في الحقيقة أنه تعالى أدب حبيبه في القبض والبسط والمنع ~~والعطاء ، أن القبض والبسط أن يكونا على وفاق الأمر في الخاطرة لا على صورة ~~الرسوم من حيث الظاهر ، فربما يقبض من رسم وهو غير مأمور به ، وربما يبسط ~~وهو غير مأمور به ، فالعارف الصادق خازن الله في أرضه ، يقبض ويبسط لأمره ~~فيه ، إشارة أن العارف الصادق أحق ما حضر من غيره إذا كان محتاجا PageV02P358 # كأنه في سفر الأزل والأبد ، ولو أعيي مركبه للبث بلجة عن سير ألف عام ، ~~وغيره ليس يساويه في مقام العبودية والمجاهدة ، فهو أولى ، وهذا كلام ليس ~~من قبيل السخاء والبخل ، وليس من سجية الأنبياء والصديقين ؛ فإن مذهبهم ~~الإيثار والبذل ، وما أشرنا إليه حقيقة حكمة المعرفة. # ألا ترى إلى قوله سبحانه كيف أدب حبيبه : ( ولا تجعل يدك مغلولة ~~إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما ) نفسك بالندم محسورا منقطعا عن ~~السير في عالمك. # وفيه إشارة أخرى ، أي : لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك بألا تنشر عند ~~السالكين فضائل المعرفة وحقائق القربة ، ولا تبسطها بأن تذكر شيئا لا ~~يحتملون فيهلكون. # قال أبو سعيد القرشي : أراد الله عز وجل من نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه ~~الأمة ألا يكون قائما بشرف البسط والسخاء ، ولا قائما بنقض المنع والإمساك ~~، وأن يكون قائما به في جميع الأحوال. # قال بعضهم : لا تبخل بما ليس لك ، ولا تمن بالعطاء ، فإن الملك لنا على ~~الحقيقة ، وأنت القاسم تقسم فيهم ms0914 حقوقهم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ~~«الله يعطي وأنا قاسم» (1). # ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ~~وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا (34) وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا ~~بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا (35) ولا تقف ما ليس لك به علم إن ~~السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا (36) ولا تمش في الأرض مرحا ~~إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا (37) كل ذلك كان سيئه عند ربك ~~مكروها (38) ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر ~~فتلقى في جهنم ملوما مدحورا (39) أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة ~~إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما (40) ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما ~~يزيدهم إلا نفورا (41) قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي ~~العرش سبيلا (42) سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا (43) تسبح له ~~السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (44)) # قوله تعالى : ( وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا ): العهد عهد ~~الأزل وقع بين كينونة الأرواح في عالم الأفراح ، قبل كون الأشباح بينهما ، ~~وبين الحق العهد صدر من الحق PageV02P359 # معها بألا يشتغل بغير الله أبدا. # قال : أوفوا بمعاهد الأول ؛ فإن ذلك مسئول عند كل نفس ، ومطالب عند كل ~~حركة ، فعهد المحب المحبة ، وعهد العارف المعرفة ، وعهد الموحد التوحيد ، ~~وعهد المريد الإرادة ، ولكل عهد رعاية ، فعهد المريد بذل الوجود ، وعهد ~~المحب الصبر في المفقود ، وعهد العارف تبرؤ الهمة عن الدارين ، وعهد الموحد ~~إفراد القدم عن الحدوث والفناء في بقاء الحق. # قال حمدون القصار : من ضيع عهود الله عنده فهو لاداب شريعته أضيع ؛ لأن ~~الله يقول : ( وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا ). # وقال يحيى بن معاذ : لربك عليك عهود ظاهرا وباطنا ، فعهد على الأسرار ألا ~~يشاهد سواه ، وعهد على الروح ألا يفارق مقام القربة ، وعهد على القلب ألا ~~يفارق الخوف ، وعهد على النفس في أداء الفرائض ، وعهد على الجوارح ms0915 في ~~ملازمة الأدب ، وترك ركوب المخالفات ، والله يقول : ( إن العهد كان ~~مسؤلا ). # ثم ذكر سبحانه بعد العهد الوفاء في صدق الأعمال والأقوال بقوله : ( ~~ وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ) الإشارة فيه إلى ~~أشباح المعرفة ألا ينقصوا ما عندهم من ذخائر العلوم على المريدين بما يوافق ~~حالهم ، وألا يملوا من نصيحتهم وتأديبهم ، ثم يحذر أوساطهم أن يزنوا دعواهم ~~بالقسطاس المستقيم من المعاملات ؛ حتى لا تكون دعواهم خالية عن الأعمال ~~والكيل الوافي ، الإخلاص والقسطاس المستقيم الصدق من كان في وزن الأعمال ~~وكيل الأحوال مخلصا صادقا يعطيه الله لطائف كرمه وجوده ما لا يحصى عددها ، ~~ويصف له جميع الخلائق ؛ لأنه منصف ينصف مع الله. # قال بعضهم : أوف الكيل ؛ فإن وزنك موزون وكيلك مكيل ، إن وفيت وفى لك ، ~~وإن نقصت نقص عنك (1). # ثم أدب نبيه صلى الله عليه وسلم بألا يحكم بما لم ينكشف له بالحقيقة بقوله : ~~( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسؤلا ) العارف معاتب مأخوذ من حيث الظاهر والباطن ، فالظاهر المعاملات ~~، والباطن الحالات ، مطالب بالصدق فيها ، لم PageV02P360 # يذكر اللسان مع الحواس الأخرى ظاهرا ، ولكن في قوله : ( ولا تقف ~~ما ليس لك به علم ) أي : لا تخبر من شيء ، لا تعلم بقلبك ، ولا ترى بعينيك ~~، ولا تسمع بأذنك ، فإنهن مسئولات جميعا ، اللسان مسئول بالدعوى ، والعين ~~مسئولة بالنظر بغير الاعتبار ، والسمع مسئولة عما تسمع من غير ما ينفع به ، ~~والفؤاد مسئول عما يجري عليه من غير ذكر الله. # قال الواسطي : لا تخبر عنا إلا على طريق الحرمة ، ولا تجاوز فيه محل الإذن. # وقال أبو سعيد الخراز : من استقرت المعرفة في قلبه فإنه لا يبصر في ~~الدارين سواها ، ولا يسمع إلا منه ، ولا يشغل إلا به. # وقال الفارسي : قال بعض الحكماء : اطلبوا من العلم حالكم ، ومن حالكم ~~يومكم ، ومن يومكم ساعتكم ، ومن ساعتكم قلوبكم ، ومن ذكركم مرادكم ، ومن ~~مرادكم بغيتكم ، حتى تكونوا من الصديقين ، واطلبوا في كل هذه الأشياء ~~خطراتكم ، فإن الله تعالى يقول : ( إن ms0916 السمع والبصر والفؤاد كل ~~أولئك كان عنه مسؤلا ). # قوله تعالى : ( تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من ~~شيء إلا يسبح بحمده ): إن الله سبحانه أوجد الخلق بقدرته القديمة الأزلية ~~، والمشيئة السابقة ، والإرادة القائمة بذاته وعلمه وحكمته ، فخرج الكون من ~~العدم بما ظهر عليها من صفات القدم ، فباشر أنوار قدرته الوجود ، فأثرت ~~قدرته ومباشرتها في الأشياء الأرواح الحضرتية ، والعقول الربانية ، ~~والألسنة الجبارية ، والمعرفة الأبدية ، ورفع الحجاب من بينها وبين معدن ~~القدرة ومصادر الفعل ، فشاهدت الأشياء مصادرها ، فاهتزت أرواحها بنعت عشقها ~~إلى معدنها ، وبكلمة ألسنتها ، وتقدس خالقها ، وتقديس بارئها وتسبيح صانعها ~~، وذلك من حياة فائضة شائعة من تواثير الحياة الأزلية ، فالكل في حياتها ~~قائمة بتلك الحياة مسبحة لصانعها بتلك الألسنة ، وذلك من استيلاء غواشي ~~أنوار القدرة ، وسبحات العظمة عليها ؛ فالسماوات تسبح له بلسان العظمة ، ~~والأرض تسبح له بلسان القدرة ، ومن فيهن يسبح له من ذوات الأرواح ، والحياة ~~بألسنة الصفات ، والأفعال على قدر مراتبهم ، وجميع الأشياء تسبح له ~~الناميات والجمادات بالظاهر من قول أهل الرسوم لا من قول أهل المعرفة ، ~~يسبح له بلسان الأوصاف والأسماء والنعوت ، والعارفون من بينهم يسبحون له ~~بالألسنة الذاتية ؛ لأنهم في شروق شموس الازال ، وأنوار طلوع أقمار الاباد ~~، ولكن لا يعرف تسبيح الجميع إلا من تجلى الحق لسره وروحه وعقله وقلبه ~~وصورته بجميع الذات والصفات ، وللأشياء ألسنة روحانية ملكوتية يسبح الحق ~~بها بلغات غيبية ، وإشارات أزلية ، لا يسمعها إلا أهل شهور الغيب الذين ~~ينطقون بالحق ، ويعقلون بالحق ، ويعرفون الحق بالحق ، وينظرون بالحق إلى ~~الحق ، وتصديق ما ذكرنا في تسبيح PageV02P361 # الجمادات ما روى أنس بن مالك قال : «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخذ كفا من حصى يسبحن في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا التسبيح ~~، ثم جعلهن في يد أبي بكر حتى سمعنا التسبيح ، ثم جعلهن في يد عمر فسبحن ~~حتى سمعنا التسبيح ، ثم جعلهن في أيدينا فما سبحن في أيدينا» (1). # والدليل على صدق هذا الحديث قوله تعالى : ( يا جبال أوبي معه ms0917 ) ~~[سبأ : 10] أي : سبحي معه ، ومعروف أن الجبال سبحن بتسبيح داود عليه السلام . # وعن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام قال : «مرض رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، فأتاه جبريل عليه السلام بطبق فيه رمان وعنب ، فأكل النبي ~~صلى الله عليه وسلم فسبح ، ثم دخل الحسن والحسين فتناولا منه فسبح العنب ~~والرمان ، ثم دخل علي فتناول منه فسبح أيضا ، ثم دخل رجل من أصحابه فتناول ~~فلم يسبح ، فقال جبريل : إنما يأكل هذا نبي أو وصي أو ولد نبي» (2). # وأصدق التصديق قوله سبحانه في آخر الاية : ( إنه كان حليما غفورا ~~) من حلمه وغفرانه عرف المخلوقات كلها نفسه بالصفات القديمة الأزلية ~~الأبدية ، ولو لا حلمه وغفرانه ما كان الكون ، ولم يكن له لسان يذكره ، ~~ولكن بكرمه ورحمته وهب الكل من سلطانه وبرهانه لسانا يسبح بحمده ، وحمده ~~شامل على كل ذرة ، وثناؤه في لسان كل ذرة ، سبحان الغني المحسن وهب عطاءه ~~العميم والكريم القديم بغير استحقاق من الكون ولا يبالي. # قال أبو عثمان المغربي : المكونات كلها يسبحن الله باختلاف اللغات ، ولكن ~~لا يسمع تسبيحها ، ولا يفقه عنها ذلك إلا العلماء الربانيون ، الذين فتحت ~~أسماع قلوبهم. # ( ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) لقلة النظر والفكر في ملكوت الأشياء ~~، وعدم الإصغاء إليهم ، وإنما يفقه ( لمن كان له قلب أو ألقى السمع ~~وهو شهيد ) [ق : 37]. # ( إنه كان حليما ): لا يعاجلكم بترك التسبيح في طلب ، كما لا ~~تكبر وإظهار خواصكم ، فإن من خواصكم تفقه تسبيحهم وتوحيده كما وحدوه. # غفورا : يغفر لكم غفلتكم وإهمالكم. # ( وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا (45) وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ~~ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا (46) نحن أعلم بما يستمعون ~~به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا ~~مسحورا (47) انظر كيف ضربوا لك PageV02P362 # الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (48) وقالوا أإذا كنا عظاما ~~ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (49) قل كونوا حجارة أو حديدا (50) أو ~~خلقا مما ms0918 يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة ~~فسينغضون إليك رؤسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا (51)) # قوله تعالى : ( وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ) معنى الاية : إذا قرأت القرآن جعلنا بين فهم ~~الكتاب وشرفك المذكور في القرآن مع معاني حقائقه ، وبين قلوبهم وعقولهم ~~وأرواحهم حجابا من غيرتنا ، حتى لا يرون بأبصار أسرارهم عرائس الصفات ، ولا ~~يسمعون باذان قلوبهم لطائف حكم الخطاب ، وإذا كان عليه السلام قرأ القرآن ~~صار منورا بنور الصفات ، موشحا بتجليها ، مزينا بحقائقها من حيث كان شربه ~~من سواقي الصفات ، وحظه من مشاهدات الذات ، وإذا بلغ إلى ذلك المقامات في ~~قراءته وتلاوته وحسن صورته غار الحق عليه أن ينظر إلى وجهه أحد غيره ، ولو ~~رآه أحد بهذا الوصف طاش عقله وطار روحه من هيبة الله ، يدل عليه قوله تعالى ~~: ( وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ) وإذا ~~استترت بأستار كلامنا صرت مستورا عن أعين المبطلين ، ومحصنا عن تناول ~~المغضبين والمنكرين ، ورب صادق فر من العدو إلى ستر القرآن ، فكان مستورا ~~من جميع الضرر مثل أنه يقول : بسم الله ، فيكون مستورا عن أعين الخلق ، ~~وهذا وصف الأخفياء الأتقياء. # قال بعضهم : من تحصن بالحصن فهو في أحسن حصن ، ومن تحصن بكتابه فهو في ~~أحسن حصن ، والمضيع لوقته من تحصن بعلمه أو بنفسه أو بجنسه ؛ فيكون هلاكه ~~من موضع أمنه. # وكان أبو يزيد إذا قرأ هذه الاية قال لأصحابه : تدرون ما ذلك الحجاب؟ هو ~~حجاب الغيرة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لا أحد أغير من الله» (1). # وتصديق ما ذكرنا في حقيقة الايتين قوله سبحانه : ( وإذا ذكرت ~~ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ): إذا ذكر الحق بصفات الحق ~~بنعت الوحدة وإفراد قدمه عن الكون بحيث انفرد الحبيب بفردانية الحبيب ، ~~وتوحد بوحدانيته ، واتصف بصفته ، وشاهد إفراد ذاته ، صار وجوده وحدانيا ~~ربانيا ألوهيا جبروتيا ملكوتيا ، يزول كل ما قورن به من PageV02P363 # الحدثان ، ويفارق منه كل شيطان وسلطان. ms0919 # ( وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا ): لقصور نظرهم عن إدراك الروحانيات ، وقصر همتهم على ~~الجسمانيات ، ( حجابا مستورا ) من الجهل وعمى القلب ، فلا يرون ~~حقيقة القارئ وإلا آمنوا ، وإنما لا يبصرونك ؛ لأنهم لا يحسبونك إلا هذه ~~الصورة البشرية ، لكونهم بدنيين منغمسين في بحر الهيولي ، محجوبين بالغواشي ~~الطبيعية ، وملابس الصفات النفسانية عن الحق وصفاته وأفعاله ؛ إذ لو عرفوا ~~الحق لعرفوك ، ولو عرفوا صفاته لعرفوا كلامه ، ولم تكن على قلوبهم أكنة من ~~الغشاوات الطبيعية ، والهيئات البدنية ( أن يفقهوه )، ولو عرفوا ~~أفعاله لعلموا القراءة ، ولم يكن في آذانهم وقر ؛ لرسوخ أو ساخ التعليقات ، ~~( ولوا على أدبارهم نفورا ) لتشتت أهواؤهم ، وتفرقت هممهم في عبادة ~~متعبداتهم من أصنام الجسمانيات ، والشهوات ، فلا يناسب بواطنهم معنى الوحدة ~~لتألفها بالكثرة ، واحتجابها بها. # ( يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا (52) ~~وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان ~~للإنسان عدوا مبينا (53) ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما ~~أرسلناك عليهم وكيلا (54) وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض ~~النبيين على بعض وآتينا داود زبورا (55) قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا (56) أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا (57) ~~وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ~~ذلك في الكتاب مسطورا (58) وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ~~(59) وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا ~~فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا ~~كبيرا (60) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن ~~خلقت طينا (61) قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة ~~لأحتنكن ذريته إلا قليلا (62) قال اذهب فمن تبعك ms0920 منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء ~~موفورا (63)) PageV02P364 # قوله تعالى : ( يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده ) إذا وصل العارفون ~~إلى مشاهدة الحق حين فارقوا من الدنيا وغابوا في جماله وجلاله واستغرقوا في ~~بحار أوليته يناديهم الحق يوم العرض الأكبر : «يا أحبائي وعرفائي وأصفيائي ~~وأوليائي احضروا ساعة مواقف رؤية صنائعي وأفعالي في يوم الحشر ، وانظروا ~~آثار ربوبيتي في خلقي» (1)، فيستجيبوا بلسان الثناء والحمد له وعليه بما ~~وجدوا منه من لطائف قربه ولذائذ جماله وجلاله شبه السكارى ، ويقولون : ~~بعزتك وجلال مجدك وكبريائك ما رأيناك لمحة ، اتركنا من مشاهدتك حتى نراك ~~لحظة ، وربما عاشوا في جماله ألف سنة ، واستقلوا ذلك لعظيم حلاوة وصله ، ~~ولذائذ عيشهم في قوله : لم يعرفوا مرور الزمان ، وانقلاب الملوان ، لذلك ~~قال سبحانه : ( وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ) الحق ما أطيب ذلك ~~العيش حيث نسوا مرور أعمال الوصال. # ألا ترى إلى قول القائل : # شهور ينقضين وما شعرنا %~% بأنصاف لهن ولا سرار # وفيه نكتة أخرى : أن العارفين محبوسون في الدنيا ، فإذا دعاهم فيستجيبون ~~داعي الحق بحمده ، ويقولون : الحمد لله الذي خلصنا من حبس الهجران ، ومكان ~~الحرمان ، وجوار الشيطان ، وورطات الطغيان ، وعلة الزمان والمكان ، ومصاحبة ~~الحدثان ، كأنهم يجيبون داعي الحق مكان الجواب بلبيك بقولهم : ( ~~الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ) [فاطر : 34]. # وفيه إشارة : أن الجمهور في ظنون وحسبان من أمر المشيئة وجريان الأقدار ، ~~ووقوع الرضا والسخط ، فإذا دعاهم الحق إليه ورأوه بوصف الرضا وزوال الخطر ~~هيجتهم رؤيته إلى الحمد والثناء عليه ؛ حيث يقع الأمر بخلاف ظنونهم فيه ؛ ~~لأن أمر العاشق عند المعشوق أسهل مما يظن العاشق ، وسبب جوابهم بالحمد أيضا ~~لا بالتنزيه والتقديس ، أو كل ذكر من وصف صفاته ؛ لأن جميع ذلك يتعلق ~~بالمعرفة ، وهم كانوا في ذلك مقصرين ؛ حيث لم يذكروه بالحقيقة ، ولم يعرفوه ~~بالحقيقة ، ولم يعبدوه بالحقيقة ، فلما رأوا جميع الحقائق فانية عند كشف ~~مجد جلاله يقولون في جواب ماداة الحق : الحمد لله بما حمد نفسه في الأزل ، ~~حيث امتنع بجلاله عن معرفة كل عارف ، وذكر كل ذاكر ، وبأنه ليس للحدثان إلى ~~معرفته طريق ms0921 ، كان حمدهم ذهابهم عن رؤية أعمالهم وحالاتهم ومعارفهم وعلومهم ~~بالله ، فشكروه به ؛ لأنهم ما نالوا من مواهبه السنية بغير علة الحدثية. # ( يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده ) أي : تتعلق إرادته ببعثكم ، ~~فتبعثون في PageV02P365 # أقرب من طرفة عين ، حامدين له بحياتكم وعلمكم وقدرتكم وإرادتكم حمدا ، ~~واصفين له بالكمال بإظهار هذه الكمالات ، ( وتظنون إن لبثتم إلا ~~قليلا ) أي : في القبور والمضاجع لذهولكم عن ذلك الزمان ، كما يجيء في قصة ~~أصحاب الكهف ، أو في الحياة الأولى ، لاستقصاركم إياها بالنسبة إلى الحياة ~~الاخرة ، فيتناول اللفظ القيامات الثلاث ، إلا أن الاية السابقة ترجح ~~الصغرى. # قال بعضهم : من أسمعه الحق الدعوة وفقه للجواب ، ومن لم يسمعه الدعوة كيف ~~يجيب من لم يسمع! # وقال الجنيد في قوله : ( فتستجيبون بحمده ): يقولون : الحمد لله ~~الذي جعلنا من أهل دعوته. # قوله تعالى : ( ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم ) ~~علمه سبحانه كان أزليا قبل وجود المعلومات ، خارجا عن جميع العلات ، اختار ~~في علمه بعلمه وإرادته جواهر أرواح المقربين والعارفين من بين البرية بشرف ~~قبول معرفته واستعداد حمل أمانته ، وجعلها في أماكن غيب طائرة في مزار قدمه ~~، وأراها منازل العبودية والامتحان من فيض قهره ولطفه ، فحبسها بعضا في ~~مقام المشاهدة ، وحبسها بعضا في مواقف الوصلة ، وحبسها بعضا في منازل الدنو ~~والقربة ، وهو كان عالما بشوق الشائقين إليه ، وداء المحبين لديه ، ~~واستئناس المستأنسين به ، واستغراق العارفين في بحار عظمته ، وحيرة ~~الموحدين في ميادين أزليته ، فيرحم بعضهم برؤية حسن الجمال ، حتى بقوا معه ~~بنعت عيش السرمدية ، ويعذب بعضهم بأن يفنيهم فيه من تسلط سطوات العظمة ~~عليهم حتى لا يدركوا في محل الفناء فيض البقاء ، وذلك من غيرته على نفسه ، ~~فرحمته على العارفين كشف ووصال بلا حجاب ، وعذابه عليهم غلبة النكرة على ~~قلوبهم ، وهذا دأبه مع أهل ولايته أبدا ، وحديث سبق العناية ؛ حيث اختار ~~أهل وداده بمعرفته ، خلصهم من عذاب فرقته ، وإذا أراد طرد الغافلين شغلهم ~~بغيره عن الإقبال عليه ورؤيته ورحمته. # قال القاسم : سبق علمه في الخلق بالرحمة والعذاب ، ولا مبدل لما ms0922 أراد ، ~~وقد وسم الخلق بسمة الرحمة والعذاب ، ويرجع إلى منتهاه بما قد جرى له في ~~مبتداه. # وقال الأستاذ : سد على كل أحد طريق معرفته بنفسه ليعلق كل قلبه بربه ، ~~فجعل العواقب على أربابها مشتبهة ، فقال : ( ربكم أعلم بكم ) قدم ~~حديث الرحمة على حديث العذاب ، فقال : ( إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ ~~يعذبكم )، وفي ذلك ترجيح للأمل أن يقوى. # تصديق ما ذكرنا في حقيقة الاية وتفضيل مقاماتهم بعضا على بعض قوله سبحانه : PageV02P366 # ( وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على ~~بعض وآتينا داود زبورا ) بين سبحانه أنه أعلم بما أعطى ملائكته في السماوات ~~من مقام الخوف والعبودية ، واختار لهم شرف القربة ، وفضل بعضهم على بعض في ~~الذكر والتسبيح والعبادة والخوف والخشية ، وهو أعلم بما هو أعطى من في ~~الأرض من الشريعة والطريقة والحقيقة ، وفضل بعضهم على بعض في مراسم السلوك ~~، وأعطى الشريعة للعموم ، والطريقة للخصوص ، والحقيقة لخصوص الخصوص ، فلما ~~تم نظم الولاية رقى الأمر إلى درجات النبوة ، فأعطى المرسلين خبر غيب الغيب ~~، وأعطى النبيين خبر الغيب ، وكشف جميع مراتب القربة ، وأدارهم في ملكوته ~~بالهمم ، وسيرهم في ميادين جبروته بالأرواح والأسرار ، وفضل بعضهم على بعض ~~في الدنو ودنو الدنو ، والتجلي والتدلي والكلام والخطاب والمعارف والكواشف ~~، فبعضهم أهل رؤية القدم وخبره ، وبعضهم أهل رؤية البقاء وخبره ، وبعضهم ~~أهل رؤية الصفات وعلمها ، وبعضهم أهل رؤية الذات ومعرفته ، فهؤلاء أهل ~~الأول والاخر والظاهر والباطن ، قال تعالى : ( هو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن ) [الحديد : 3] ، فأهل القدم أهل الأول ، وأهل البقاء أهل ~~الاخر ، وأهل الصفات أهل الظاهر ، وأهل الذات أهل الباطن ، فاصطفى آدم ~~عليه السلام بعلم الأسماء والنعوت ، ومباشرة الصفة ، وتجلي الذات ، فصار في ~~محل عين الجمع ، لقوله عليه السلام : «خلق الله آدم عليه السلام على صورته» ~~(1)، واصطفى نوحا عليه السلام بالسلطنة والمعجزة وإجابة الدعوة ، واصطفى ~~الخليل عليه السلام بالخلة والسماع ومقام الالتباس ؛ حيث قال : ( ~~هذا ربي ) [الأنعام : 76] ، وإفراد القدم عن الحدوث بقوله : ( إني ~~بريء مما تشركون ) [الأنعام : 78] ، واصطفى موسى عليه السلام بالخطاب الأصلي ~~وسماع ms0923 الكلام الأزلي والتجلي ، واصطفى عيسى عليه السلام بدرجة القدس ، وجعله ~~روح القدس من كلمته العلية الأزلية ، واصطفى داود عليه السلام بالزبور ، ~~والذي فيه بناء الذات والصفات ، وأعطاه مقام العشق وحسن الصوت الذي من ~~مزامير الصفات وألحان بلابل القدم ، واصطفى سليمان عليه السلام بالملك ~~والتمكين ، واصطفى يوسف عليه السلام بكسوة حسن جماله الذي أشرق في وجهه من ~~طلوع صبح الصفة في عالم الفعل ، واصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم بجميع ما ~~أعطاه إياهم ، وخصه بالمعراج ، والدين ، والتجلي ، والتدلي ، والمحبة ~~الكبرى ، والمجلس الأعلى ، والمقام الأدنى ؛ فكان قاب قوسين أو أدنى ، فرمى ~~بقوس الأزل ما وهبه الله إلى الجمهور ، ورمى من قوس الأبد ما وهبه الله له ~~، فبقي بين القوسين بعد ذهاب الكونين ، فصار هدنا بقوس قاب قوسين ؛ لأن ~~هناك لا يليق إلا PageV02P367 # صاحب الرفيق الأعلى ، والمخبر عن مقام الأدنى ، المذكور اسمه بعلة محمد ~~سيد الورى صلى الله عليه وسلم بعدد ذرات ما بين العرش إلى الثرى. # قال محمد بن الفضل : تفضيل الأنبياء بالخصائص كالخلة والكلام والمعراج ~~وغير ذلك ، فضل البعض منهم على بعض ، وفضل محمدا صلى الله عليه وسلم على ~~الجميع ، ألا تراه يقول : «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (1)، كيف أفتخر بهذا ~~وأنا بائن منهم بحالي ، وأقف مع الله بحسن الأدب؟ لو كنت مفتخرا لافتخرت ~~بالحق والقرب والدنو منه ، فلما لم أفتخر بمحل الدنو والقرب كيف أفتخر ~~بسادة الأجناس. # قوله تعالى : ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم ~~أقرب ) رد الله بهذه الاية رغام التغيير على أنوف المبطلين ، الذين يشيرون ~~إلى غيره بالعبودية من الملائكة والأنبياء ، مثل عيسى عليه السلام وعزير ~~وبعض من مؤمني الجن ، وهؤلاء الذين يشير إليهم الظلمة بأنهم معبودون ، ~~فإنهم على باب كبرياء الأول يعجزون تحت أنوار عظمته ، حتى يصيروا في حد ~~الفناء من عظمة الله وجلاله ، يطلبون وسيلة قربة من الله تشفعهم عنده ؛ ~~لأنهم يخافون من سلطان قهره ، ويطمعون في كشف جماله بقوله : ( ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه )، وأخص الوسيلة كرمه القديم وإحسانه العميم ، ~~ثم بعد ذلك ms0924 أقرب الوسيلة إليه من كان معرفته به أكثر ، وخوفه منه أوفر ، ~~ومقام الوسيلة مقام الشفاعة ، وتلك خاصة لمحمد صلى الله عليه وسلم وهي المقام ~~المحمود ، وكل شفاعة منه تتشعب إلى غيره ، وهو أقرب الوسائل إلى الله ، كان ~~الكل يجعلونه وسيلة إلى الله الأنبياء والملائكة وغيرهم. # ووصف الله طلاب هذه الوسيلة بالخوف والرجاء ، والخوف صدر من أنوار عظمته ~~، والرجاء صدر من أنوار جماله ، فالصادق يطير إلى الحق بجناح نور الجمال ~~والجلال ، وهما وسيلتاه منه له إليه يقربانه من الله ، فينظر إلى الجلال ~~فيفنى ، وينظر إلى الجمال فيبقى ، وبهما نظام العبودية ، وعرفان الربوبية. # قال سهل : الرجاء والخوف زمامان على الإنسان ، فإذا استويا دامت له ~~أحواله ، وإذا رجح أحدهما بطل الاخر. # ألا ترى إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول : «لو وزن رجاء المؤمن وخوفه ~~لاعتدلا» (2). # قال بعضهم : رجاء الرحمة هو طلب الوصول إلى الرحيم ، وخوف العذاب هو ~~الاستعاذة من قطعه ، فلا عذاب أشد من ذلك ، ما سهل رجاء الرحمة في الظاهر ~~الجنة ، وفي PageV02P368 # الحقيقة حسن المعرفة بالله. # قوله تعالى : ( وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ) الكرامات للنفوس ~~على مرتبتين : الأولى : لها لطمأنينتها في إيمانها بالله ، والأخرى : لها ~~لامتناعها عن معصية الله ، رؤية آيات العظمة للنفس تخويف ، وللعقل تحذير ، ~~وللقلب خشية ، وللروح ترويح واستئناس ، وللسر إجلال وتعظيم ، ولسر السر ~~معرفة وتوحيد ويقين ، وشاهده الذات بعد الصفة. # قال الحارث المحاسبي : الايات التي يظهرها الله في عباده رحمة على ~~السابقين ، وتنبيه للمقتصدين ، وتخويف للعاصين. # سئل أحمد بن حنبل عن هذه الايات : ( وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ~~)؟ قال : موعظة وتحذيرا ، والايات هي الشباب والكهولة والشيبة ، وتقلب ~~الأحوال بك لعلك تتغير بحال أو تتعظ في وقت. # ( واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ~~وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (64) إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا (65) ربكم الذي يزجي لكم الفلك ~~في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما (66) وإذا مسكم الضر في البحر ~~ضل من تدعون إلا إياه ms0925 فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا (67) ~~أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا ~~(68) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم ~~بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا (69) ولقد كرمنا بني آدم ~~وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا ~~تفضيلا (70)) # ( واستفزز ) إلى آخره تمكن الشيطان من إغواء العباد على أقسام ؛ ~~لأن الاستعدادات متفاوتة ، فمن كان ضعيف الاستعداد استفزه أي : استخفه ~~بصوته يكفيه ، وسوسه وهمس بل هاجسه ، ولمه. # قوله تعالى : ( وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه ) ~~إشارة الحقيقة مع العارف إذا وقع في بحر الديمومية والأزلية ، واستغرق في ~~طوفان الأولية ، وفني في سطوات الألوهية ، تبرأ مما له من الكرامات ، ~~والولايات ، والفراسات ، والمقامات ، والحالات ، والمكاشفات ، والمعارف ، ~~ودعاوي الاتحاد والاتصاف ، ويلتجئ منه إليه ، فلما خرج من تلك الأحوال ~~الرفيعة إلى مقاماته الشريفة رجع إلى رؤية الأحوال والمقامات ، فيدعي ما ~~كان مدعيا PageV02P369 # من معرفة الإلوهية ، وهكذا حال من خرج من عنده الأسد إذا كان في أجمة ، ~~لكن تفحص حاله عند الأسد. # قوله تعالى : ( فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا ) ~~وإذا رجعنا إلى حال العبودية فإن صدق المعرفة هناك الاستقامة فيها ، ~~والتساوي في رؤية النعماء والبلوى. # قال ابن عطاء : ليس بخالص لله من لا يكون في حاله الرجاء مع الله كحال ~~الشدة ، ومن يلتجئ إلى غيره في أحوال الشدائد ، وهو من العبيد السوء الذي ~~لا يقومه إلا الأدب. # قوله تعالى : ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ~~ورزقناهم من الطيبات ) كرامته سابقة على كون الخلق جميعا ؛ لأنها من صفاته ~~واختياره ومشيئته الأولية ؛ أوجد الخلق برحمته ، وخلق آدم وذريته بكرامته ~~الخلق كلهم في حيز الكرامة الرحمة للعموم والكرامة للخصوص ، خلق الكل آدم ~~وذريته وخلق آدم وذريته لنفسه ؛ لذلك قال : ( واصطنعتك لنفسي ) [طه ~~: 41] جعل آدم عليه السلام خليفته ، وجعل ذريته خلفاء أبيهم ، الملائكة ~~والجن في خدمتهم ، والأمر والنهي ms0926 والخطاب معهم ، والكتاب الذي أنزل إليهم ، ~~والجنة والنار والسماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم وجميع الايات خلق ~~لهم ، والخلق كلهم طفيل لهم. # ألا ترى يقول لحبيبه صلى الله عليه وسلم : «لولاك لما خلقت الكون» (1). # ومن ( بني آدم ) بالنطق والتمييز ، والعقل والمعرفة. # ( وحملناهم في البر والبحر ) أي : يسرنا لهم أسباب المعاش ، ~~والمعاد بالسير في طلبها فيهما ، وتحصيلها. # ( ورزقناهم من الطيبات ) أي : المركبات التي لم ترزق غيرهم من ~~المخلوقات. # ( وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) أي : ماعدا الذوات ~~المقدسة من الملأ الأعلى. # وأما أفضلية بعض الناس كالأنبياء على الملائكة المقربين فليست من جهة ~~كونهم بني آدم ، فإنهم من تلك الحيثية لا يتجاوزن مقام العقل ؛ بل من جهة ~~السر المودعة فيهم المشار إليه بقوله : ( قال إني أعلم ما لا ~~تعلمون (30)) [البقرة : 30] ، وهو ما أعد لذلك البعض من المعرفة الإلهية ~~التامة بواسطة الجمعية التي فيه أي : مقام الوحدة ، وحينئذ ليس هو بهذا PageV02P370 # الاعتبار من بني آدم. # كما قيل : # فقال من أنت قلت أنت %~% فلي فيه معنى شاهد يأبوني # بل هو عين المكرم المعروف كما قيل : # رأيت ربي بعين ربي %~% فقال من أنت قلت أنت # وقد فني ابن آدم في هذا المقام ، وما بقي منه شيء ، وإلا فما للتراب ورب ~~الأرباب. # أو : ولقد كرمنا بني آدم بالتقريب ومعرفة التوحيد ، وحملناهم في بر عالم ~~الأجساد ، وبحر عالم الأرواح بتيسيره فيهما لتركيبه منهما ، وإرقائه عنهما ~~في طلب الكمال ، ورزقناهم من طيبات العلوم والمعارف ، وفضلناهم على الجم ~~الغفير ممن خلقنا أي : جميع المخلوقات على أن تكون من البيان ، والمبالغة ~~في تعظيمه بوصف المفضل عليهم بالكثرة ، وتنكير الوصف وتقديمه على الموصوف ~~أي : كثير وأي كثير وهو جميع مخلوقاتنا ؛ لدلالة من على العموم. # ( تفضيلا ) تاما بينا. # ولهم كرامة الظاهر ، وهي تسوية خلقهم ، وظرافة صورتهم ، وحسن فطرتهم ، ~~وجمال وجوههم ؛ حيث خلق فيها السمع والأبصار والألسنة واستواء القامة ، ~~وحسن المشي والبطش ، واستماع الكلام والتكلم باللسان ، والرؤية بالبصر ، ~~وجميع ذلك ميراث فطرة آدم التي صدرت من حسن اصطناع صفته الذي قال : «خلقت ~~بيدي» (1). # فنور ms0927 وجوههم من معدن نور صفته ، فأنوار الصفات نورت آدم عليه السلام ~~وذريته ، فيكونون من حيث الصفات والهيئات والحسن والجمال متصفين متخلقين ~~بالصفات ؛ لذلك قال عليه السلام : «خلق الله آدم على صورته» (2) من حيث ~~التخلق لا من حيث التشبه. # ولهم كرامة الباطن ، وهي العقل والقلب والروح والنفس والسر ، وفي هذه ~~الجنود خزائن ربوبيته ، فالنفس مع جنود قهره ، والعقل مع جنود لطفه ، ~~والقلب مع جنود تجلي صفاته ، والروح مع جنود تجلي ذاته ، والسر مستغرق في ~~علوم أسراره ، فالكل مكرمة بكشوف الصفات ممن له استعداد رؤية الصفات ، ومن ~~له استعداد رؤية الذات فهو في مشاهدة الذات ؛ فبكرامته عرف العقول آياته ، ~~وعرف النفوس عبوديته ، وعرف القلوب صفائه ، وعرف الأرواح جلال ذاته ، وعرف ~~الأسرار وعلوم أسراره ، فأعطى العارفين من سمعه أسماعا ، ومن بصره أبصارا ، ~~ومن كلامه خطابا ، ومن علمه قلوبا ، ومن سره أسرارا ، ومن أنوار صفاته PageV02P371 # أرواحا ، ومن أنوار أفعاله عقولا ، فخلقهم بخلقه ، ووصفهم بوصفه ، فمن ~~حيث الاتصاف متصفون ، ومن حيث الاتحاد متحدون ، ومن حيث العبودية هم في ~~الربوبية يطيرون بأجنحة الأزلية في ظلال حيزوم القدم مع الحق إلى أبد الأبد ~~، فأي كرامة أشرف مما ذكرت يا كريم بن الكريم ، يا آدم بن آدم ، يا عارف ~~القلب تعرف من أنت يفنى الناسوت في اللاهوت ، ويبقى اللاهوت للناسوت وخاطب ~~اللاهوت مع اللاهوت ، العارفون ينظرون إليك من مجالس سرادق مجد الكبرياء ، ~~ويفرحون بك في عالم البقاء ، طيب الله وقتك من أين أنت وأين مأواك ، من حيث ~~لا يعرفونك الكل ، ثم إن الله سبحانه أسقط العلل والأسباب من مواضع تفضيلهم ~~من حيث كرمهم قبله بكرامته ومحبته السابقة لهم ، ثم بين عقب كرامته بأنه ~~بعزه وجلاله جعلهم في بر الصفات بمراكب عناياته ، وفي بحر اللذات بسفن ~~محبته وكفاياته. # قال : ( وحملناهم في البر والبحر ) أدارهم في براري النعوت ~~والصفات بأنوارها ، وأجراهم في بحار الذات بسفن أنوارها ، فاستفادوا من ~~براري الصفات معادن المعارف ، واستفادوا من بحار الذات أصداف جواهر الكواشف ~~، حملهم في بر العبودية بمراكب المعرفة ، وحملهم في بحر الربوبية بمراكب ms0928 ~~المحبة ، وحملهم في بر المجاهدات بمراكب الشريعة ، وحملهم في بحر المشاهدات ~~بمراكب الحقيقة ، ثم رزق أسرارهم موائد العلوم الغيبية ، ورزق أرواحهم فيض ~~الوصلة ، ورزق قلوبهم لطائف القربة ، ورزق عقولهم حقائق الحكمة ، ورزق ~~أشباحهم فيض عناصر فعله عن متابعة عنصر الخليقة بتواثير مياه قدرته ، وظلال ~~ليالي رحمته ، وأنوار شموس كفايته ، وصفاء أقمار كلاءته ، فهم على خوان ~~الرحمانية وموائد الكرامة. # قال : ( ورزقناهم من الطيبات ) ثم قربهم منه من البرية ، وكساهم ~~حلل المغفرة ، وجمعهم في دار الوصلة ، وأدار الكون له بالخدمة قال : ( ~~ وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ). # قال ابن عطاء في قوله : ( ولقد كرمنا بني آدم ) ابتدأهم بالبر ~~قبل الطاعات ، بالإجابة قبل الدعاء ، وبالعطاء قبل السؤال ، كفاهم الكل من ~~حوائجهم ؛ ليكونوا لمن له الكل وبيده كفاية الكل. # سئل ذو النون في قوله : ( كرمنا بني آدم )؟ قال : بحسن الصوت. # وقال الجنيد : بالفهم عن الله. # وقيل : بالخلق ، وقيل : بتقويم الخلقة واستواء القامة. # وقال الواسطي : بأن سخرنا لهم الكون وما فيه ؛ لئلا يكونوا في تسخير شيء ~~، ويتفرغوا إلى عبادة ربهم. PageV02P372 # وقال جعفر : بالمعرفة. # وقال بعضهم : معنى البر النفس ، ومعنى البحر القلب ، فمن حمله في النفس ~~فقد أكرمه بنور التدبير ، ومن حمله في القلب فقد أكرمه بنور التأييد ، فمن ~~لم يكن له نور التأييد وكان له نور التدبير يكون هلاكه عن قريب. # وقال الواسطي : البر ما أظهر من النعوت ، والبحر ما استتر من الحقائق. # وقال : في مشاهدة أبده قسمت الوقتين الفصل والوصل ، وهو البر والبحر. # وقال أبو عثمان : الرزق الطيب هو الحلال. # وقال : فضلناهم بالمعرفة على جميع الخلائق. # وقال أبو حفص : بأن بصرناهم عيوب أنفسهم. # وقال الجنيد : بإصابة الفراسة. # قال السياري : فضلنا العلماء على الجهال بالعلم بالله وأحكامه. # ( يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك ~~يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلا (71) ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة ~~أعمى وأضل سبيلا (72) وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا ~~غيره وإذا لاتخذوك خليلا (73)) # قوله تعالى : ( يوم ندعوا كل أناس بإمامهم ) إمام كل ms0929 عارف ، ~~مقامه مع الله من حيث الأحوال والخطاب والقربة والوصال والمعارف والكواشف ~~والعلوم والحكم ، فيدعو المحبين إلى منازل المحبة ، ويدعو المشتاقين إلى ~~منازل الشوق ، ويدعو العاشقين إلى منازل العشق ، ويدعو العارفين إلى منازل ~~المعرفة ، ويدعو الموحدين إلى منازل التوحيد ، وأيضا يدعو المريدين بأسماء ~~مشايخهم ، ويدعوهم إلى منازلهم. # قال ابن عطاء : يوصل كل مريد إلى مراده وكل محب إلى محبوبه ، وكل مدع إلى ~~دعواه ، وكل متمن إلى ما كان يتمنى ، ثم هو سبحانه بين أن من لم يعرفه في ~~الدنيا لا يعرفه في الاخرة ، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم ~~الله وجهه . # قال الله تعالى : ( ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ~~وأضل سبيلا ): من سمع في الدنيا ذكره ولم يره بنعت ظهور الصفات في الايات ~~لن يراه بوصف كشف الذات ، ومن عمي عن معرفة العبودية في الدنيا ، فهو في ~~الاخرة أعمى عن معرفة الربوبية ، ومن عمي في الدنيا عن معرفة الأولياء فهو ~~في الاخرة أعمى عن رؤية منازلهم عند PageV02P373 # الله ، وهناك هم أضل سبيلا ؛ لأن أولياءه في أكناف غيبه ولا يراهم غيرهم. # قال الجنيد : ( ومن كان في هذه أعمى ) عن مشاهدة الفضل ( ~~فهو في الآخرة أعمى ) عن مشاهدة الذات. # وقال أيضا : ( ومن كان في هذه أعمى ) عن مشاهدة بره ( ~~فهو في الآخرة أعمى ) عن رؤية وصال قربه. # ( يوم ندعوا ) إلى آخره أي : نحضر كل طائفة من الأمم مع شاهدهم ~~الذي يحضرهم ، ويتوجهون إليه من المال ، ويعرفونه سواء كان في صورة نبي ~~آمنوا به ، كما ذكر في تفسير قوله تعالى : ( فكيف إذا جئنا من كل ~~أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (41)) [النساء : 41] ، أو إمام اقتدوا ~~به ، أو دين أو كتاب ، أو شئت على أن تكون الباء بمعنى مع أو ننسبهم إلى ~~إمامهم ، وندعوهم باسمه لكونه هو الغالب عليهم ، وعلى أمرهم المستعلي ~~محبتهم إياه على سائر محباتهم. # ( فمن أوتي كتابه بيمينه ) أي : من جهة العقل الذي هو أقوى ~~جانبيه ، وبعث في صورة السعداء. # ( فأولئك يقرؤن كتابهم ms0930 ) (1) دون غيرهم ؛ لاستعدادهم للقراءة ~~والفهم ؛ لأن الذي أوتي كتابه بشماله أي : من جهة النفس التي هي أضعف ~~جانبيه لا يقدر على قراءة كتابه ، وإن كان مقرا بذهاب عقله وفرط حيرته. # ( ولا يظلمون ) أي : لا ينقصون من صور أعمالهم ، وكمالاتهم ~~وأخلاقهم شيئا قليلا. # ( ومن كان في هذه أعمى ) عن الاهتداء إلى الحق. # ( فهو في الآخرة ) كذلك. # ( وأضل سبيلا ) مما هنا ؛ لأن له في هذه الحياة آلات وأدوات ~~وأسبابا يمكنه الاهتداء بها ، وهو في مقام الكسب باقي الاستعداد إن كان ولم ~~يبق هناك شيء من ذلك. # ( وإن كادوا ليفتنونك ) إلخ هو من باب التلوينات التي تحدث ~~لأرباب القلوب ؛ إذ النقصان الموجب للعذاب يقابل الكمال الموجب للذة ، ~~فكلما كان الاستعداد أتم والإدراك أقوى كانت المرتبة في الكمال والسعادة ~~اللذة أقوى ، فكذا ما يقابله من النقص والشقاوة أبعد PageV02P374 # وأسفل ، والألم أشد. # ( ولو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (74) إذا ~~لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا (75) وإن كادوا ~~ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا (76) سنة ~~من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا (77)) # قوله تعالى : ( ولو لا أن ثبتناك ) إن الله سبحانه خلق روح نبيه ~~لما خلقها قبل كون الكون ، فأدارها في بسط ملك الأزل والأبد ، فعلم من رؤية ~~الصفات علوم غيب الغيب ، وعرف علم المجهول الذي صدر من لطفيات الأزل ~~وقهريات الأزل ، وعلم في علم العلم أن طريق القهر واللطف منتها هما وصول ~~عين الذات ، ولم ير الفراق في أصل القدم بينهما ، فلما عرف الطريقين ~~الواضحين من القدم إلى القدم إلى أبد الأبد بنعت غير تغاير الصفة ، وعلم ~~بعد أن كان في محل الرسالة حقيقة طريق الوصول إلى الحق بهما ، ولم ير ~~الكفار مستعدين لطريق اللطف ، ووصولهم إلى الحق به كاد بسر سره من علمه ~~بعلم المجهول أن يدعوهم بتلك الطريقة إلى الحق ؛ لأن المسالك غير معتبرة ، ~~إنما الاعتبار بالوصول فلما علم الحق سبحانه أنه يكاد أن يفشي سر ms0931 سره ~~المكنون في غيب غيبه نهاه عن ذلك ؛ لئلا ينتهك ستر الربوبية ، ولا تضمحل ~~أحكام العبودية بقوله سبحانه : ( لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ) ~~أن كدت تميل إلى دعوتهم بطريق المجهول إلى الحق ، وذلك حركة سر سر نفس ~~النفس التي غواص قاموس بحر القهريات ، ولا تخف ، وقل : يا عارف ، فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان في علم ما كان مع تلك النفس التي هي لباس قهر الربوبية ~~، ولا يجوز للعارف الصادق أن يكون خاليا عنها ؛ لأنه يسلك إلى الحق بسر ~~القهر وسر اللطف ، ومن لم يسلك إليه بهذين الطريقين لم يكن كاملا في معرفته ~~، فالعتاب من جهة تحرك سلسلة تلك الأسرار ، وهو بجلاله محركها تعريفا ~~وامتحانا ، التعريف حق العارف ، والمعرفة حق المعروف ، يعصمهم الله من هتك ~~تلك الأسرار للأغيار. # قال الحسين : خلق الله الخلق على علم منه بهم ، وهو علم العلم ، وجعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق خلقا ، وأقربهم زلفى ، فجعله الداعي إليه ~~والمبين عنه به يصلون إلى الله ظاهرا وباطنا وعاجلا وآجلا ، فثبت الملك ~~بالعلم ، وثبت العلم بالنبي ، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم به ، فقال : ( ~~ ولو لا أن ثبتناك ) بنا. # وقال عمرو بن عثمان المكي : قال ( لقد كدت ) وهو الشيء بين ~~الشيئين ، وهو الخروج من ذا إلى ذا ، ولم يخرج من ذا ، ولم يدخل في ذا ، ~~وكان واقفا بأمر عظيم ، وشأن PageV02P375 # عجيب ، وعلم غريب ، وهو نزاهة نفسه ، وعظيم علمه بربه ، فبلغ هذا الخطاب ~~به من الخوف والوجل من ربه ؛ حتى كاد أن يساوي خوف الواقعين للمخالفة ، ~~وهذا الفرق بين الخواص والعوام أنهم يخافون في الهمة ما لا يخافه العوام في ~~المواقعة. # وقال ابن عطاء : عاتب الأنبياء بعد مباشرة الزلات ، وعاتب نبينا ~~صلى الله عليه وسلم قبل وقوعه ، ليكون بذلك أشد انتباها وتحفظا لشرائط المحبة ~~، فقال : ( ولو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ). # ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن ~~الفجر كان مشهودا (78) ومن الليل فتهجد به نافلة لك ms0932 عسى أن يبعثك ربك مقاما ~~محمودا (79) وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك ~~سلطانا نصيرا (80) وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (81) ~~وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا (82)) # قوله تعالى : ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ) إذ أدلكت ~~الشمس من قهر الجبارية ، فسجد في دلوكها لأنوار عظمة الجبار في تلك الساعة ~~، فأمره بسجوده والقيام بين يديه موافقة للشمس في سجودها لخالقها عند كشف ~~عظمته ، فإن ذلك الوقت وقت خاصة لكشف العظمة ، وهكذا في وقت العصر ، فكأنها ~~في وقت دلوكها في الركوع ، وفي وقت العصر في السجود إلى وقت غروبها ، فإذا ~~غربت وجاءت غسق الليل ، ثم هناك غلبة سطوات العظمة ، فيسجد له الليل ، ~~وتدور النجوم في سجودها إلى وقت الفجر ، فإذا طلع الفجر سجد له عمود الصبح ~~الذي لم يكن من الليل والنهار ، وفي ذلك الوقت طلوع صبح الجمال والجلال ، ~~وهناك يسجدون له الأرواح والأجسام لغلبة روح قدسه وأنسه عليها ، وهناك شهود ~~الحق بوصف صفاته. # ألا ترى كيف قال : ( وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ) ~~الشاهد ذاته ، والمشهود صفاته ، وهذه الأوقات تدل على الإخبار بحفظ الأوقات ~~على السرمدية ، وحضور القلب في مشاهد الغيوب. # قال بعضهم : القيام في بعض الأسحار مشهودة من صاحبه ، وشاهدة عليه. # وقال الأستاذ : الصلاة بالبدن مؤقتة ، والمواصلات بالسر والقلب مسرمدة ، ~~فإذا فرغ من حفظ أوقات الليل والنهار على حبيبه بيديه المكاشفات الصفاتية ~~حفظ أيضا وقت كشوف جلال ذاته له بقوله : ( ومن الليل فتهجد به ~~نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما PageV02P376 # محمودا ) المقصود من تهجد الليل : كشف جمال ذاته للمصلين في جوف ~~الليل ، وذلك المقام المحمود. # و ( عسى ) ها هنا مقام الرجاء ينكشف أنوار جلال ذاته لقلوب ~~العارفين العاشقين في أجواف الليل التي هناك تسكب عبراتهم ، وتصعق زفراتهم ~~، يرونه به لا بتهجدهم ، هيجهم إلى مقامات الأنس لكشف القدس ، فإذا بعثوا ~~هنالك ينسون أنفسهم ويتضرعون بين يديه فيبكون عليه ، ويسألون عنه رحمته ~~الكافية ms0933 الكافة. # قال عليه السلام : «إن الله سبحانه يضحك في وجوه المصلين في جوف الليل» (1). # قال الأستاذ : المقام المحمود هو المجالسة في حال الشهود. # ويقال : هو الشفاعة لأهل الكبائر. # ثم علمه دعاء الوسيلة منه إليه بقوله : ( وقل رب أدخلني مدخل صدق ~~وأخرجني مخرج صدق ) أي : أدخلني في بحر قدمك بنعت الفناء والتجريد عن غيرك ~~وصدق المحبة ؛ لأن هناك مدخل الصدق ؛ حيث لا يبقى مني شيء غيرك ، وأخرجني ~~بحر الفناء بنعت البقاء حتى أكون باقيا معك في مشاهداتك ، فإن هناك مخرج ~~صدق ؛ حيث لا يبقى معي غيرك ، وألبسني من أنوار سلطان عزتك قميص الاستقامة ~~؛ حتى لا أكون فانيا فيك ، وهذا معنى قوله : ( واجعل لي من لدنك ~~سلطانا نصيرا ). # وأيضا : أدخلني مدخل صدق العبودية ، وأخرجني مخرج صدق الربوبية ، واجعل ~~لي من لدنك قوة الاتصاف والاتحاد من سلطان كبريائك. # قال سهل : أدخلني في تبليغ الرسالة مدخل صدق ألا يكون لي ميل إلى أحد ، ~~ولا أقصر في حدود التبليغ ، وشروط وأخرجني من ذلك على السلامة وطلب رضاك ~~منه والموافقة ، ( واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ) زينتني بزينة ~~جبروتك ليكون الغالب على سلطان الحق لا سلطان الهوى. # قال جعفر بن محمد عليهما السلام : أدخلني فيها على حد الرضا ، وأخرجني ~~عنها وأنت عني راض. # وقال أيضا : طلب التولية أن يكون هو المتولي ، أي : أدخلني ميدان معرفتك ~~، وأخرجني من مشاهدة المعرفة إلى مشاهدة الذات. # وقال الواسطي : قال المعلى في شرفه يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم ( ~~ أدخلني مدخل صدق PageV02P377 # وأخرجني مخرج صدق )، فأظهر محمد صلى الله عليه وسلم من نفسه صدق ~~اللجوء بصدق الفاقة بين يديه ، وبصدق اللجوء تزينت الأسرار. # وقال فارس : السلطان ها هنا سلطان على نفسه بقمع هواه ، فيلزم جميعها ~~بشاهد الهيبة ، فيهلك نفسه بسلطان الوحدانية ، وينصر على عدوه بحسن نظر ~~الله له في معاونته ، وحمله عن رؤية هواه. # وقال سهل : لسانا ينطلق عنك ، ولا ينطلق عن غيرك ، فأجاب الله دعوته ، ~~وقال : ( وما ينطق عن الهوى ) [النجم : 3]. # وقال جعفر عليه السلام : حقيقة الفاقة صدق استقامة المدخل ms0934 فاقة العبودية ، ~~والمخرج سعة الربوبية. # وقال الأستاذ : إدخال الصدق أن يكون دخوله في الأشياء بالله لله لا لغيره ~~، وإخراج الصدق أن يكون خروجه عن الأشياء بالله لله لا لغيره. # ( واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ) حتى لا ألحظ دخولي ولا خروجي ~~، فلما استقام النبي صلى الله عليه وسلم في جميع المعاني أمره الحق أن يخبر ~~الخلق بأن الحق قد ظهر ظهورا لا شكوك فيه ، وارتفع الإبهام والظلام. # ( وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) الحق هو الحق ~~جل وعز ، والباطل الكون ، والحق العلم ، والباطل الجهل ، والحق المعرفة ، ~~والباطل النفس والهوى ، والحق ما بدا من نور تجلي الحق وإلهامه ، والباطل ~~هواجس النفس ووساوس الشيطان ، فإذا بدت أنوار سلطان بداهة المكاشفة تنمحي ~~آثار النفس وإلقاء العدو. # وقال فارس : الحق ما يحملك على سبيل الحقيقة ، والباطل ما يشق عليك أمرك ~~، ويفرق عليك وقتك. # ويقال : الحق من الخواطر ما دعي إلى الله ، والباطل ما دعي إلى غير الله ~~، ومن الحق ما جاء. # ( أقم الصلاة لدلوك الشمس ) اعلم أن الصلاة على خمسة أقسام : ~~صلاة المواصلة والمناغاة في مقام الخفاء ، وصلاة الشهود في مقام الروح ، ~~وصلاة المناجات في مقام السر ، وصلاة الحضور في مقام القلب ، وصلاة ~~المطاوعة والانقياد في مقام النفس ، فدلوك الشمس هو علامة زوال شمس الوحدة ~~عن الاستواء على وجود العبد بالفناء والمحض ، فإنه لا صلاة في حالة ~~الاستواء ؛ إذ الصلاة عمل يستدعى وجودا ، وفي هذه الحالة لا وجود للعبد حتى ~~يصلى كما ذكر في تأويل قوله : ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (99)) ~~[الحجر : 99]. PageV02P378 # ألا ترى الشارع صلى الله عليه وسلم كيف نهى عن الصلاة وقت الاستواء ، فإما ~~عند الزوال إذا حدث ظل وجود العبد سواء عند الاحتجاب بالخلق حالة الفرق قبل ~~الجمع ، وعند البقاء حالة الفرق بعد الجمع ، فالصلاة واجبة. # ( إلى غسق ) ليل النفس ، ( وقرآن ) فجر القلب ، فأول ~~الصلاة وألطفها صلاة المواصلة والمناغاة ، وأفضلها وأشرفها صلاة الشهود ~~للروح المشار إليها بصلاة العصر ، كما فسرت الصلاة الوسطى أي : الفضلى في ~~قوله تعالى : ( حافظوا ms0935 على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله ~~قانتين (238)) [البقرة : 238] بها ، وأرجاها وأخفاها صلاة السر بالمناجاة ~~أول وقت الاحتجاب بظهور القلب ؛ لسرعة انقضاء وقتها ؛ ولهذا استحب التخفيف ~~في صلاة المغرب في القراءة وغيرها ؛ لكونها علامة لها ، وأزجر الصلاة ~~للشيطان وأوفرها تنوير الباطن الإنسان صلاة الحضور للقلب المومأ إليها ~~بقرآن الفجر ، فإنها في وقت تجليات أنوار الصفات ، ونزول المكاشفات ، ولهذا ~~استحب التكثر في جماعة صلاة الصبح ، وأكد استحباب الجماعة فيها خاصة وتطويل ~~القراءة. # وقال تعالى : ( إن قرآن الفجر كان مشهودا ) أي : محضورا بحضور ~~ملائكة الليل والنهار ، إشارة إلى نزول صفات القلب وأنوارها ، وذهاب صفات ~~النفس وزوالها ، وأشدها تثبيتا للنفس وتطويعا لها صلاة النفس للطمأنينة ~~والثبات ؛ ولهذا سن فيما جعل آية لها من صلاة العشاء السكوت بعدها حتى ~~النوم إلا بذكر الله ، وحيث أمكن للشيطان سبيل إلى الوسوسة استحب فيما جعل ~~علامة لها الجهر كصلاة النفس والقلب والسر للزجر ، ولا مدخل في مقام الروح ~~والخفاء فأمر بالإخفات. # ( ومن الليل فتهجد به ) أي : خصص بعض الليل بالتهجد. # ( نافلة لك ): زيادة على ما فرض خاصة بك ؛ لكونه علامة مقام ~~النفس ، فيجب تخصيص بزياد الطاعة لزيادة احتياج هذا المقام إلى الصلاة ~~بالنسبة إلى سائر المقامات ، فيقتدي بك السالكون من أمتك في تطويع نفوسهم ، ~~ويقوي تمكنك في مقام الاستقامة ، كما قال : «أفلا أكون عبدا شكورا» (1). # ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) أي : في مقام يجب على الكل ~~حمده ، وهو مقام ختم الولاية بظهور المهدي ، فإن خاتم النبوة في مقام محمود ~~أي : الوجود الممكن. # كان فانيا في الأصل لا شيئا ثابتا ، طرأ عليه الفناء ففني ، بل الفاني فان في PageV02P379 # الأزل ، والباقي باق لم يزل ، وإنما احتجبنا بتوهم فاسد باطل فكشف. # ( وننزل من القرآن ) العقل القرآني الجامع بالتدريج نجوم تفاصيل ~~العقل الفرقاني نجما ، فنجما على الوجود الحقاني على حسب ظهور الصفات أي : ~~نفصل ما في ذاتك مجملا مكنونا تفصيلا بارزا ظاهرا عليك ؛ ليكون شفاء لأمراض ~~قلوب المستعدين المؤمنين بالغيب من أمتك ، كالجهل والشك والنفاق وعمى القلب ~~والغل والحقد والحسد وأمثالها ms0936 ، فنزكيهم. # ورحمة تفيدهم الكمالات ، والفضائل ، وتحليهم المعارف. # ( ولا يزيد الظالمين ) الناقصين استعدادهم بالرذائل والحجب ~~الظلمانية ، الباخسين حظوظهم من الكمال بالهيئات البدنية والصافت ~~النفسانية. # ( إلا خسارا ) بزيادة ظهور أنفسهم بصفاتها كالإنكار والعناد ~~والمكابرة واللجاج والرياء والنفاق ، منضمة إلى ما لهم من الشك والجهل ~~والعمى والغمة. # قوله سبحانه : ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) ~~(1) القرآن خطابه مع أحبابه المرضى من سقم محبته ، ومن داء شوقه ، ومن رجاء ~~عشقه ، ومن أثقال معرفته ، وعظم توحيده ، فالقرآن شفاء كل مريض منه ، ولكل ~~واحد منهم شفاؤه من حيث داءه ، فخطاب التشوق شفاء شوق الشائقين ، وخطاب ~~المحبة شفاء محبة المحبين ، وخطاب المعرفة شفاء جرح قلوب العارفين ، وخطاب ~~التوحيد شفاء آلام جراحة أرواح الموحدين ، فيسقيهم مفرح الصفات من تسنيم ~~عيون تجلي الذات ، فيصححهم من لوعة الفراق بفنون الترياق ، وهو رحمة ~~للمؤمنين من حيث الظواهر ؛ لأجل المعاملات ، ورحمة خاصة للعارفين من حيث ~~الحالات. # قال الأستاذ : القرآن شفاء من داء الجهل للعلماء ، وشفاء من داء الشك ~~للمؤمنين ، وشفاء من داء النكرة للعارفين ، وشفاء من لواعج الاشتياق ~~للمحبين ، وشفاء من داء القنوط للمريدين والقاصدين. PageV02P380 # وأنشدوا : # وكتابك حولي لا يفارق مضجعي %~% وفيها شفاء للذي أنا كاتم # ( وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان ~~يؤسا (83) قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا (84)) # قوله تعالى : ( وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ) ~~استنشق منه رائحة الاتحاد ، فإنه لما أنعم على العارف بأن جعله متصفا ~~بصفاته استبشر بروح الأنس ، ومباشرة نور القدس ، ورأى الحق بالحق في نفس ~~فعله ، وهو فعله ، ادعى من سكر الحال الأنائية ، وأعرض عن مقام العبودية في ~~حال الوجد بغير تكلف البشرية ، ورعونات النفس ، فإذا رآه الله بتلك الصفة ~~أمسك تلك اللطيفة عنه بالتدريج ؛ حتى صيره محجوبا عن تلك الحالة ، فيصير ~~آيسا من رجعته إلى مقامه خجلا عن دعواه. # قال الواسطي : أعرض بالنعمة عن المنعم ، والنعمة العظمى الهداية والإيمان ~~والمعرفة والولاية ، والعبد لا ينفك من رؤية ذلك من نفسه ، وهذا هو الإعراض ms0937 ~~عن المنعم بأن يستحلي بطاعته ، ويتلذذ بها أو يسكن إليها أو يختص بها من النار. # وقال الأستاذ : إذا أزلنا عنه موجبات الخوف ، وأرخينا له حبل الإمهال ، ~~وهيأ له أسباب الرفاهية اعتراه مغاليط النسيان ، واستهوته دواعي العصيان ، ~~فأعرض عن الشكر ، وتباعد عن بساط الوفاق. # قوله تعالى : ( قل كل يعمل على شاكلته ) الفطرة مختلفة على ~~اختلاف المقامات ، ففطرة العارفين خلقت لمقامات المعرفة ، وفطرة الموحدين ~~فطرت لمقامات التوحيد ، وفطرة المحبين فطرت لمقامات المحبة ، وفطرة ~~المتوسطين من أهل الإيمان والإيقان فطرت لفطرة المعاملات والشرائع والدين ، ~~وفطرة أهل المشاهدة فطرت على شهود الصفات وتجلي الذات ، فكل من هؤلاء يعمل ~~على العبودية لزيادة عرفان الربوبية على شاكلة فطرته ، فيبدو منه مزيد ~~قرباته ومداناته ومكاشفاته ومشاهداته ، وكل من أسرع شوقه إلى الله وفناء في ~~الله فهو أقرب منه ، قال تعالى : ( فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ). # قال ابن عطاء : يعمل على ما في سره ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~«اعملوا ؛ فكل ميسر لما خلق له» (1). # قال جعفر : كل يظهر مكنون ما أودع فيه من الخير والشر. PageV02P381 # قال الأستاذ : ما تحب الضمائر يلوح على السرائر ، فمن صفا عن الكدورة ~~جوهره لا يفوح منها إلا نشر مناقبه ، ومن طبع على الكدورة طينته فلا يعبق ~~بمن يحوم حوله إلا ريح مسالبه. # يقال : حب الغبيراء لا ينبت غصن العود. # ( وإذا أنعمنا على الإنسان ) بنعمة ظاهرة ( أعرض )؛ ~~لوقوفه مع النفس والبدن ، وكون القوى البدنية متناهية ، لا تتدبر الأمور ~~الغير المتناهية الممكنة الوقوع من سبب النعمة ، وردها عند عدمها وسائر ~~الغير ، ولا يرى إلا العاجل وتكبره لاستعلاء نفسه على القلب وظهوره ~~بأنانيته وتفر عنه. # ( ونأى ) أي : بعد عن الحق في جانب النفس ، وطوى جنبه معرضا ، ~~وكذا في جانب الشر إذا يئس ؛ لا حتجابه عن القادر قدرته ، ولو نظر بعين ~~البصيرة شاهد قدرة الله تعالى في كلتا الحالتين ، ويتيقن في الحالة الأولى ~~أن الشكر رباط النعم ، وفي الثانية أن الصبر دفاع النقم فشكر وصبر ، وعلم ~~أن المنعم قدر فلم يعرض عند النعمة ms0938 بطرا وشرا خائفا زوالها غير غافل عن ~~المنعم ، ولم ييأس عند النقمة جزعا وضجرا راجيا كشفها مراعيا لجانب المبلى. # ( قل كل يعمل على شاكلته ) أي : خليقته وملكته الغالبة عليه من ~~مقامه ، فمن كان مقامه النفس ، وشاكلته مقتضى طباعها عمل ما ذكرنا من ~~الأعراض واليأس ، ومن كان مقامه القلب ، وشاكلته السجية الفاضلة عمل ~~بمقتضاها الشكر والصبر. # ( فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ): من العاملين ، عامل الخير ~~مقتضى سخية القلب ، وعامل الشر بمقتضى طبيعة النفس فيجازهما بحسب أعمالهما. # ( ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم ~~إلا قليلا (85) ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا ~~وكيلا (86) إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا (87) قل لئن اجتمعت ~~الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم ~~لبعض ظهيرا (88) ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس ~~إلا كفورا (89) وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) أو ~~تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا (91) أو تسقط السماء ~~كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا (92) أو يكون لك بيت من ~~زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل ~~سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا (93) وما PageV02P382 # منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله ~~بشرا رسولا (94) قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من ~~السماء ملكا رسولا (95) قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده ~~خبيرا بصيرا (96) ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من ~~دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت ~~زدناهم سعيرا (97) ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أإذا كنا عظاما ~~ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (98) أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات ~~والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم ms0939 أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا ~~كفورا (99)) # قوله تعالى : ( ويسئلونك عن الروح ) إن الله سبحانه أبهم علم ~~الروح في ظاهر رسوم العلم ، وبينها لأهل المكاشفة من الأنبياء والأولياء ، ~~بأنه أراهم الروح بأوصافها في المكاشفة ، وذلك سره عندهم ، وهم يكتمونه ~~لقلة إدراك أفهام الخلق ، ولا يعلمون ماهية وجودها وكيفية خلقها قط ، لأن ~~الله قال : ( قل الروح من أمر ربي )، ولا يطلع على ماهيتها إلا ~~صانعها ، وكيف يعلم الخلق ماهيتها وهي كانت معدومة ، كونها الحق سبحانه بعد ~~أن ظهر صفاته وذاته بنعت التجلي والكشف عيانا بلا حجاب العدم ، فأوجد الروح ~~بقدرته القائمة ، وإرادته الأزلية حين شاهد الصفات الذات ، وشاهد الذات ~~الصفات ، وشاهد كل صفة كل صفة ، وشاهد الصفات الفعل ، وشاهد الفعل العدم ، ~~فباشر الموجود المعدوم ، فظهر الروح من تحت مباشرة القدم العدم ، موجودة ~~بوجود الذات والصفات ، وشهودها بنعت الظهور ، كاملة جامعة متخلقة بخلق الحق ~~، متصفة بصفاته ، فبلغت إلى محل يحيي بفيض مباشرة فعله جميع الكون ، ففي كل ~~موضع يقع عكسه يحيى بحياة تامة كاملة لا موت فيها ، ومن خاصتها أنها تميل ~~إلى كل حسن ومستحسن وكل صوت طيب ، وكل رائحة طيبة لحسن جوهرها وروح وجودها ~~، ظاهرها غيب الله ، وباطنها سر الله ، مصورة بصورة آدم ، وخلق الله آدم ~~على صورتها ، فإذا أراد الله خلق آدم أحضر روحه فصور صورته بصورة الروح ؛ ~~لذلك قال عليه السلام إشارة وإبهاما : «خلق الله آدم على صورته» (1)؛ لذلك ~~قال : على صورته ؛ لأن الروح مؤنثة سماعية. PageV02P383 # ( يسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ) (1) أي : ليس من عالم ~~الخلق ؛ حتى يمكن تعريفه للظاهرين البدينين الذين لا يتجاوزون إدراكهم عن ~~الحس والمحسوس بالتشبيه ببعض ما شعروا به والتوصيف ، بل من عالم الأمر أي : ~~الإبداع الذي هو عالم الذوات المجردة عن الهيولي والجواهر المقدسة عن الشكل ~~واللون والجهة والأين ، فلا يمكنكم إدراكه أيها المحجوبون بالكون ؛ لقصور ~~إدراككم ، وعملكم عنه. # ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) هو علم المحسوسات ، وذلك شيء ~~نزر حقير بالنسبة إلى علوم الله تعالى المناسبة لاستعدادهم وإدراكهم ms0940 كتفجير ~~العيون من الأرض ، وجنة النخيل والأعناب وإسقاط السماء عليهم كسفا والرقي ~~فيها والإتيان بالملائكة ، وسائر الممتنعات المتخيلة ، وأجيبوا بقوله : ( ~~ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ) أي : ما أمكن نزول ~~الملائكة مع كونهم نفوسا مجردة على الهيئة الملكية في الأرض ، بل لو نزلت ~~لم ينزلوا إلا متجسدين كما قال : ( ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ~~وللبسنا عليهم ما يلبسون (9)) [الأنعام : 9] ، وإلا لم يمكنكم إدراكهم ، ~~فبقيتم على إنكاركم ، وإذا كانوا مجسدين ما صدقتم كونهم ملائكة ، فشأنكم ~~الإنكار على الحالين ، بل على أي حال كان كإنكار الخفاش ضوء الشمس. PageV02P384 # ( ومن يهد الله ) بمقتضى العناية الأزلية في الفطرة الأولى بنوره. # ( فهو المهتد ) خاصة دون غيره. # ( ومن يضلل ) بمنع ذلك النور عنه. # ( فلن تجد لهم ) أنصارا يهدونه. # ( من دونه ) ويحفظونه من قهره. # ( ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم ) أي : ناكسي الرؤوس ؛ ~~لانجذابهم إلى الجهة السفلية ، أو على وجوداتهم وذاتهم التي كانوا عليها في ~~الدنيا كقوله : كما تعيشون تموتون ، أو كما تموتون تبعثون ؛ إذ الوجه يعبر ~~به عن الذات الموجودة مع جميع عوارضها ولوازمها أي : على الحالة الأولى من ~~غير زيادة ونقصان. # ( عميا ) عن الهدى كما كانوا في الحياة الأولى. # ( وبكما ) عن قول الحق لعدم إدراكهم المعنى المراد بالنطق ؛ إذ ~~ليسوا ذوي قلوب يفهم بها ويفقهه فكيف التعبير عما لم يفهم؟ # ( وصما ) عن سماع المعقول ؛ لعدم الفهم. # أيضا : فلا يؤثر فيهم موجب الهداية لا من جهة الفهم من الله تعالى ~~بالإلهام ، ولا من طريق السمع من كلام الناس ، ولا من طريق البصر ~~بالاعتبار. # ( كلما خبت زدناهم سعيرا ) كقوله : ( إن الذين كفروا ~~بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا ~~العذاب إن الله كان عزيزا حكيما (56)) [النساء : 56] ، بل أبلغ منه ذلك ~~بسبب احتجابهم عن صفاتنا خصوصا قدرتنا على البعث وإنكارهم له أنكروا ، وما ~~استدلوا بخلق السماوات والأرض على القدرة. # قال ابن عباس : الروح خلق من خلق الله ، صورها على صورة بني آدم ، وما ~~نزل من السماء تلك إلا ومعه واحد من الروح. # وقال ms0941 أبو صالح : الروح كهيئة الإنسان ، وليست بإنسان. # قال مجاهد : الأرواح على صورة بني آدم ، لهم أيد وأرجل ورؤوس ، يأكلون ~~الطعام وليسوا بملائكة. # وما ذكرنا فهو أقل من قليل القليل ، الذي قال سبحانه : ( وما ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا ). PageV02P385 # قال بعضهم : الروح شعاع الحقيقة ، تختلف آثارها في الأجساد. # وقال بعضهم : الروح لطيفة تسري من الله عز وجل إلى أماكن معروفة ، لا يعبر ~~عنه بأكثر من موجودها بإيجاد غيره. # وقال الواسطي : لما خلق الله أرواح الأكابر ردها بمعرفته بها ، فأسقط ~~عنها معرفتها به ، وأسدى إليها علمه بها ، فأسقط عنها ما علمت منه ، ~~فمعرفتها معرفة الحق إياها ، وعلمها علم الحق بها ، فصورها بوده إياها على ~~محابها. # قيل : الروح لم تخرج من الكون ؛ لأنها لو أخرجت من الكون لكان عليها الذل ~~، فقيل : من أي شيء أخرجت؟ من بين جماله وقدس جلاله بملاحظة الإشارة ، ~~وغشاها بجماله ورداها بحسنه ، واستمالها بسلامه ، وحياها بكلامه ، فهي ~~معتقة من ذل ( كن ) [الأنعام : # 73]. # وسئل أبو سعيد الخراز : عن الروح مخلوقة هي؟ قال : نعم ، ولولا ذاك لما ~~أقرت بالربوبية حين قالت : بلى ، والروح هي التي أوقعت على البدن اسم ~~الحياة ، وبالروح ثبت العقل ، وبالروح قامت الحجة ، ولو لم يكن الروح كان ~~العقل متعطلا لا حجة عليه ولا له. # سئل الواسطي عن الأرواح : أين كان مكانها حين أظهرها؟ فقال : إن الأرواح ~~خلقها وقبضها قبل الأجساد ، أين كانت صار ما عاين عيانا ؛ لأن الدنيا ~~والاخرة عند الأرواح سواء. # ( قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق ~~وكان الإنسان قتورا (100) ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فسئل بني إسرائيل ~~إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا (101) قال لقد علمت ما ~~أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا (102) ~~فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا (103) وقلنا من بعده ~~لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا (104)) # قوله تعالى : ( قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم ~~خشية الإنفاق ms0942 وكان الإنسان قتورا ) أخبر سبحانه عن سجية النفس الأمارة ~~الإنسانية أنها خلقت بخيلة حريصة على الدنيا ، وجمعها ومنعها لعميها عن ~~رؤية الاخرة وبقائها ، وعن معرفة الدنيا وفنائها ، وهذه النفس إذا قورنت ~~بالروح الصادقة العاشقة ، والعقل القدسي ، والقلب الملكوتي ، والسر ~~الجبروتي تذوب عن خلقها وتزول عن بخلها ، وصارت ساكنة عن الحرص ، سخية ~~بالبذل ، وهذه نفس الأولياء ، ونفس الأنبياء خلقت سخية غير حريصة ، ونفس العامة PageV02P386 # بقيت على حال الفطرة إلا نادرا ، فإن الله سبحانه يخلق في الأحانين كافرا ~~سخيا ومؤمنا بخيلا. # ( قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم ) لوقوفكم مع ~~صفات نفوسكم التي من لوازمها الشح الجبلي ؛ لكون إدراكها مقصورا على ما ~~يدرك بالحس من الأمور المادية المحصورة ، واحتجابها عن البركات الغير ~~المتناهية والرحمة الواسعة الغير المنقطعة التي لا تدرك إلا عند اكتحال ~~البصيرة بنور الهداية ، فتخشى نفادها وانقطاعها. # قال حمدون : أخبر الله عن حقيقة طباع الخلق ، فقال : لو ملكتم ما أملكه ~~من فنون الرحمة وخزائن الخير لغلب عليكم سوء طباعكم في الشح والبخل. # قوله تعالى : ( ولقد آتينا موسى تسع ) الايات التسع : ملاحة عينه ~~، وحسن وجهه ، وحل لسانه ، وشرح صدره ، وهيبته من الله قد علاه ، وانبساطه ~~، وغر بدنه ، واستجابة الدعوة بقوله : ( ربنا اطمس على أموالهم ) ~~[يونس : 88] ، والشريعة المجموعة. # وأيضا : فلق البحر ، وانقلاب عصاه ، ويده البيضاء ، ومقام التجلي ، وسماع ~~كلام الصرف ، وغلبة الشوق عليه ، والمن والسلوى ، وانفجار الحجر بالماء ، ~~وإحراق الذهب بالكيمياء. # قال جعفر رضي الله عنه : من الايات التي خصه الله بها الاصطناع ، وإلقاء ~~المحبة عليه ، والكلام والثبات في محل الخطاب ، والحفظ في اليم ، واليد ~~البيضاء ، وعطاء الألواح. # وقال ابن عطاء : من الايات حمل قوة الخطاب في المشاهدة ، والمراجعة في ~~طلب الرؤية ، وهذه من أعظم الايات. # ( وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ~~(105) وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا (106)) # قوله تعالى : ( وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ) أي : بحق الربوبية ~~على العبودية أنزلنا القرآن على قلوب الصديقين والمقربين ؛ ليعرفهم ذاتنا ~~وصفاتنا الأزلية الأبدية ، ويدور أسرارهم في عالم ms0943 الغيوب لترى أسرارنا ، ~~وخزائن ملكنا ، وعجائب قدرتنا في جميع الذرات ؛ لأن القرآن مفاتيح الذات ~~والصفات ، وخزائن الملك والملكوت ، وبحق العبودية نزل القرآن ليعرفهم ~~منازلنا ومقاماتها من الصدق والإخلاص وجميع المعاملات ؛ لتسري على بحارها ~~الأرواح القدسية ، والقلوب الروحانية ، والعقول الصافية ، والأبدان المقدسة ~~، لعرفان مكان الخضوع والفناء في الحق. # ( وما أرسلناك إلا مبشرا ) لأهله ، وحامله بحسن القبول واليقين ~~والمعرفة PageV02P387 # والتمكين. # ( ونذيرا ) لمن تقاعد عن أمره ، ولم يعرف مكانه. # ( وبالحق أنزلناه ) أي : ما أنزلنا القرآن إلا بعد زوال بشرية ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالكلية في مقام الفناء ، وانتفاء الحدثان عن وجه ~~القدم ، وانقشاع ظلمة الإمكان عن سبحات الوجه الواجب الباقي بالفرق الثاني ~~؛ ليكون له محل وجودي ، فما كان إنزاله إلا ظهور أحكام التفاصيل من عين ~~الجمع وجدوه مطابقا لما اعتقدوه ، فإن الاعتقاد والحق لا يكون إلا واحدا. # قال جعفر رضي الله عنه : الحق أنزل على قلوب خواصه من مكنون فوائده ، ~~وعجائب بره ، ولطائف صنعه ، ما نور بهم أسرارهم ، وطهر بها قلوبهم ، وزين ~~بها جوارحهم ، وبالحق نزل عليهم هذه اللطائف. # وقال ابن عطاء : مبشرا لمن أقبل عليك ، ونذيرا لمن أعرض عنك. # ( قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا ~~يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا (107) ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا ~~لمفعولا (108) ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا (109)) # قوله تعالى : ( إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم ~~يخرون للأذقان سجدا ) أراد ب ( أوتوا العلم ) أوتوا المعرفة ، ~~وأوتوا الأرواح الناطقة بالحق العارفة بالحق ، العالمة على الحق ، في بدء ~~أمرها قبل الكون ، ومن قبل ظهور الشرائع والعبودية ، سامعة للحق من الحق ~~بلا واسطة ولا حجاب ، ( إذا يتلى عليهم ) بعد كونهم في الأشباح ~~تكون معرجة من محبة الله ، متحركة بشوق الله ، مستروحة بلذة خطاب الله ، ~~عارفة بمراده ، خاضعة لأمره ، إذا سمعوا كلام الحق استلذوا محبته في قلوبهم ~~، فيهيجهم إلى بذل الوجود والخضوع بين يدي جبروته ، فلا حيلة لهم إلا وضع ~~وجوههم على التراب خنوعا لجبروته ، ومعرفة بعظم ملكوته ، ويذكرون الله ms0944 ~~وينزهونه ويقدسونه عن الأضداد والأنداد ، وعن الشرك والشريك في ملك ربوبيته ~~، وذلك قوله : ( ويقولون سبحان ربنا ). # ثم زاد في وصفهم بالخوف عنه وإجلال جلاله بنعت البكاء والخشية بقوله : ( ~~ ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ) بكاؤهم من شوقه إلى جماله ، ~~وحبا للقائه ، وتعظيما لعظمته ، ما أطيب هذا البكاء ، وما ألذ هذا الخشوع ، ~~بكاؤهم منه عليه ، يبكون من الفقدان في الوجدان ، ومن الوجدان في الفقدان ، ~~ومن الحضور في الغيبة ، ومن الغيبة إلى الحضور ، والسرور بالشهود ، وحسن ~~الإقبال عليه ، وخوف إعراضه عنهم. PageV02P388 # وأنشدوا في هذا المعنى : # يا هلال السماء كطرف كليل %~% فإذا ما بدا أضاء طرفيه كنت أبكي علي منه فلما %~% أن تولى بكيت منه عليه # ( ويزيدهم خشوعا ): باللين والانقياد لحكمه لتأثرهم به ، وحسن ~~تلقيهم لقبوله. # قال سهل : لا يؤثر عليه سماع القرآن ، فإن العبد إذا سمع القرآن خشع سره ~~لسماعه ، وأنار قلبه بالبراهين الصادقة ، وزين جوارحه بالتذلل والانقياد. # وقال أبو يعقوب السوسي : البكاء على أنواع ، بكاء من الله ، وهو أن يبكي ~~شفقة لما جرى عليه من الحق في الأزل من السعادة والشقاوة ، وبكاء على الله ~~، وهو أن يبكي حسرة وتحسرا على ما يفوته من الحق ومن حظه منه ، وبكاء الله ~~، وهو البكاء عند ذكره وقربه ووعده ووعيده ، وبكاء بالله ، وهو يبكي بلا حظ ~~منه في بكائه. # وقال القاسم : البكاء على وجوه ، بكاء الجهال على ما جهلوا ، وبكاء ~~العلماء على ما قصروا ، وبكاء الصالحين مخافة الفوت ، وبكاء الأئمة مخافة ~~السبق ، وبكاء الفرسان من أرباب القلوب للهيبة والخشية وتواتر الأنوار ، ~~ولا بكاء للموحدين. # وقال الأستاذ : السماع مؤثر في قلوب قوم ، محير لأسرار آخرين ، فتأثير ~~السماع في قلوب العلماء بالتبصير ، وتأثير السماع في أسماع الموحدين ~~بالتحيير ، فيبصر العلماء بصحة الاستدلال ، ويحير الموحدين في شهود الجمال ~~والجلال. # ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء ~~الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا (110) وقل الحمد ~~لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من ms0945 الذل ~~وكبره تكبيرا (111)) # قوله تعالى : ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله ~~الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا ) إن ~~الله سبحانه دعا عباده إلى معرفة الاسمين الخاصين ، اللذين فيهما أسرار ~~جميع الأسماء والصفات والذات والنعوت والأفعال ، فالله اسمه ، وهو اسم عين ~~جمع الجمع ، والرحمن اسم عين الجمع ، فالرحمن مندرج تحت اسم الله ؛ لأنه ~~عين الكل ، وإذا قلت الله ذكرت عين الكل ، فالقول خبر ، والخبر أثر ، ~~والأثر ذكر ، والذكر فكر ، والفكر وقوع نور العقل ، ونور العقل مقرون بنور ~~الصفة ، ونور الصفة مقرون بنور الذات ، فإذا سميته ذكرته ، وإذا ذكرته فنيت ~~الصورة في فعله بنعت الخشوع ، وإذا فنيت الصورة ذكره العقل ، ففني العقل في ~~الاسم والنعت ، وإذا فني العقل ذكره القلب بالصفة PageV02P389 # والوصف ، وفني القلب في الصفة ، وإذا فني القلب ذكره الروح بالذات ، ~~ففنيت الروح في القدم ، وإذا فنيت الروح ذكره السر بباطن العلم ، ففي السر ~~في الغيب ، وذكره سر السر في غيب غيبه ، فلم يبق في البين رسم ولا اسم ولا ~~وصف من حيث العبودية ، وبقي الاسم ، والمسمى واحد في واحد. # ( قل ادعوا الله ) بالفناء في الذات الجامعة لجميع الصفات. # ( أو ادعوا الرحمن ) بالفناء في الصفة التي هي أم الصفات. # ( أيا ما ) طلبت من هذين المقامين لست هناك بموجود ، ولا لك بقية ~~ولا اسم ولا عين ولا أثر ؛ إذ الرحمن لا يصلح اسما لغير تلك الذات ، ولا ~~يمكن ثبوت تلك الصفة أي : الرحمة الرحمانية لغيرها ، فلا يلزم وجود البقية ~~بخلاف سائر الأسماء والصفات. # ( فله الأسماء الحسنى ) كلها في هذين المقامين لا لك. # ( ولا تجهر ) في صلاة الشهود بإظهار صفة الصلاة عن نفسك ، فيؤذن ~~بالطغيان ظهور الأنائية. # ( ولا تخافت بها ) غاية الإخفات ، فيؤذن بالانطماس في محل الفناء ~~دون الرجوع إلى مقام البقاء ، فلا يمكن لأحد الاقتداء بك. # ( وابتغ بين ذلك سبيلا ) يدل على الاستقامة ولزوم سيرة العدالة ~~في عالم الكثرة ، وملازمة الصراط المستقيم بالحق (1). # قال تعالى : ( كل شيء هالك إلا وجهه ) [القصص : 88] ، فإذا ms0946 كان ~~العبد في قوله : «الله» هكذا أو في قوله : «الرحمن» هكذا فهو مصدر صفة ~~القدم والبقاء ، وهو مصدر القدرة والحياة ، فإذا قال : «الله» يفنى الكل ، ~~وإذا قال : «الرحمن» يبقى الكل ، من حيث الاتصاف والاتحاد ، فالاتصاف ~~بالرحمانية يكون ، والاتحاد بالألوهية يكون. # قال الحسين : ما دعا الله أحد قط إلا إيمانا ، فأما دعوة حقيقة فلا. # قال الواسطي : أسماؤه لا تدخل تحت الحصر ، وذاته ليس بمشار إليه ، ولا ~~بموصوف بصفة حقيقية ، إلا بصفة المدح والحق ، وهو الخارج عن الأوهام ~~والأفهام ، فأنى له النعوت والصفات! PageV02P390 # وقال الأستاذ : من عظيم نعمته سبحانه على أوليائه تنزيههم بأساريرهم في ~~رياض ذكره بتعداد أسماء الحسنى ، فينقلبون من روضة إلى روضة ، ومن مأنس إلى مأنس. # ويقال : الأغنياء ترددهم في بساتينهم وتنزهم في منابت رياحينهم ، ~~والفقراء تنزههم في مشاهدة تسبحيهم ، يسترحون إلى ما يلوح لأسرارهم من ~~كشوفات جماله وجلاله. # ( وقل الحمد لله ) أي : أظهر الكمالات الإلهية والصفات الرحمانية ~~التي لا تكون إلا للذات الأحدية. # ( الذي لم يتخذ ولدا ) أي : لم تكن علة الموجود من جنسه ؛ لضرورة ~~كون المعلول محتاجا إليه ، ممكنا بالذات ، معدوما بالحقيقة ، فكيف يكون من ~~جنس الموجود حقا الواجب بذاته من جميع الوجوه؟ # ( ولم يكن له ) من يساويه في قوة القهر والمملكة من الشريك في ~~الملك ؛ وإلا لكانا مشتركين في الوجود والحقيقة ، فامتياز كل واحد منهما عن ~~الاخر لا بد وأن يكون بأمر غير الحقيقة الواجبية ، فلزم تركبهما فكانا ~~كلاهما ممكنين لا واجبين. # وأيضا : فإن لم يستقلا بالتأثير لم يكن أحدهما إلها ، وإن استقل أحدهما ~~دون الاخر فذلك هو الإله دونه ، فلا شريك له. # وإن استقلا جميعا لزم اجتماع المؤثرين المستقلين على معلول واحد إن فعلا ~~معا وإلا لزم إلهية أحد هما دون الاخر رضي بفعله أو لم يرض. # ( ولم يكن له ولي من الذل ) أي : لم يكن له ناصر علة كان أو جزء ~~علة تقويه وتنصره من ذلة الانفعال والعدم ، وإلا لم يكن إلها واجبا بل ~~ممكنا ؛ لتكون حبيبا قائما به لا بنفسك. # ( وكبره ) من أن يتقيد ms0947 بصفة دون أخرى ، وصورة غير أخرى ، أو ~~يلحقه شيء من هذه النقائض ، فينحصر في وجود خاص ، تبارك وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. # ( تكبيرا ) لا يقدر قدره ، ولا يعرف كنهه ، لامتناع وجود شيء ~~غيره يفضل عليه وينسب إليه ، بل كل ما يتصور ويعقل ، ولا تكبر غيره بهذا ~~التكبير. # ثم إن الله سبحانه أمر حبيبه وصفيه صلى الله عليه وسلم بأن يحمده ؛ لأنه كان ~~أهل المدح والحمد بالحقيقة لا غير ، أمره بحمده بأن أخبره عن تنزيه قدمه عن ~~إشارة كل مبتدئ إلى ابتدائه ؛ لأن ابتداءه منزه عن كل ابتداء ، فإن ابتداء ~~قدمه هو القدم ، وقدم القدم منزه عن حصر الزمن ، وقدم قدمه مع تنزيهه عن ~~العدد ، وعلة الابتداء لم يكن محلا للحوادث بقوله : ( لم يتخذ PageV02P391 # ولدا )، بدأ الكل من حواشي حرفية النون وكافه ، فكافه ونونه ~~منزه عن أن يكون محلا لحمل الحدثان ، وأخذه من حيث المباشرة بدء حين القدر ~~جاء بأمر القدم ، فظهر الكون من نيران الكاف والنون ، حيث أظهرها من العدم ~~للقدم ، فإذا قطع الخيال والأوهام عن درك الأولية ، روح الأسرار بأحديته عن ~~كل ضد وند ، بأن يزول عزته عن تعالي الأضداد عليه ، ففزع أسرار الموحدين عن ~~نقائص الفناء ، ودخولها في بقائه لقوله : ( ولم يكن له شريك في ~~الملك ولم يكن له ولي من الذل ) فإذا أفرد نفسه عن النقائص والنكائد وعلل ~~الحوادث فردانية حقيقية منزهة عن أوهام المشيرين إليه بعلل الخيال والوهم ~~والعدد والمدد ، أمره بأن يكبره ويعظمه من كل خاطر ممزوج بالتشبيه والتعطيل ~~بقوة ظهور كبريائه في قلبه لا من حيث العلم والصورة بقوله : ( ~~وكبره تكبيرا ) تعالى الله ، وتعالى كبريائه عن أن يكون في ملكه متكبرا ، ~~وفي ساحة جلاله متعظم. # قال ابن عطاء : عظم منته وإحسانه في قلبك بعلمك بتقصيرك في شكره. # وقال بعضهم : اعلم أنك لا تطيق أن تكبره الاية ، فاستغث به ليدل قلبك على ~~مواقف التعظيم. ### | سورة الكهف # بسم الله الرحمن الرحيم # ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (1) ~~قيما لينذر بأسا شديدا ms0948 من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن ~~لهم أجرا حسنا (2) ماكثين فيه أبدا (3) وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ~~(4) ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ~~كذبا (5)) # ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ) حمد ~~نفسه سبحانه في الأزل ، وكان موصوفا بحمده الأزلي قبل حمد الحامدين له حمدا ~~يكافئ كتابه الذي أنزل على عبده ، ولو وكل حمده إلى عبده لإنزال كتابه عليه ~~؛ لذهب بحمده عن وجود الكون ، ولم يطق أن يحمل وارد حمده بحكمة واستحقاق حمده. # فشكر نفسه لما من على عبده ؛ ليسهل على عبده طريق عبوديته ؛ لأن حمد ~~القديم لا يحتمل إلا القديم ، شرف على الأنام لما من عليه من العرفان ، ~~وسماه عبده ، وأي : تكرمة أكرم من هذا ، ولا يليق الحدثان بعبودية الذي ~~يفنى أول سطوات عظمته الكون كان مسألة تعليم PageV02P392 # لعبادة أي : احمدوا الله الذي عرف عبده الكلام الأزلي بعد أن وهبه ~~استعداد سماع كلامه ، وقبول وحيه قوة رؤيته من يعبر عنه بلسان غير معوج ، ~~وغير مفهوم ولو أنزل عليهم باللسان الأزلي من يفهم ذلك من العرش إلى الثرى ~~إلا متصف بصفاته ، فالحمد وجب على الجمهور ؛ حيث شاهدوا بصفاته وكلامه على ~~عبده ، وأنطقه بمراده من كتابه. # قال ابن عطاء : أضاف الكل بالكلية إلى نفسه ، وقال على عبده أي : على ~~عبده المخلص ، وحقيقة العبد الذي لا ملك له. # وقال أيضا : الكتاب منشور ظاهر فيه أسرار باطنه. # ( عوجا ) أي : زيغا وميلا إلى الغير ، كما قال : ( ما ~~زاغ البصر وما طغى ) [النجم : 17] أي : لم ير الغير في شهوده. # ( قيما ) اجعله قيما يعني : مستقيما كما أمر بقوله : ( ~~فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ) [هود : 112] # والمعنى : جعله موحدا فانيا فيه غير محتجب في شهوده بالغير ولا بنفسه ، ~~لكونها غير أيضا ممكنا مستقيما حال البقاء. # كما قال : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم ~~الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم ms0949 توعدون ) [فصلت : 30]. # أو جعله قيما بأمر العباد وهدايتهم إذ التكميل يترتب على الكمال ؛ لأنه ~~صلى الله عليه وسلم لما فرغ من تقويم نفسه وتزكيتها أقيمت نفوس أمته مقام نفسه ~~، فأمر بتقويمها وتزكيتها ، ولهذا المعنى سمي إبراهيم صلوات الله عليه أمة. # وهذه القيمة أي : القيمة بهداية الناس داخلة في الاستقامة المأمور هو بها ~~في الحقيقة ؛ ( لينذر ) متعلق بعامل قيما أي : له قيما بأمر العباد ~~؛ لينذر ( بأسا شديدا ) وحذف المفعول الأول للتعميم ؛ لأن أحدا لا ~~يخلو من بأس مؤمن كان أو كافر. # كما قال تعالى : «أنذر الصديقين بأني غيور ، وبشر المذنبين بأني غفور» ~~(1)، إذ البأس عبارة عن قهره ، ولذلك عظمه بالتنكير أي : بأسا يليق بعظمته ~~وعزته ووصفه بالشدة ، وخصصه بقوله : ( من لدنه ) والقهر قسمان : ~~قهر محض ظاهره وباطنه قهر كالمختص بالمحجوبين بالشرك ، وقسم ظاهره قهر ~~وباطنه لطف وكذا اللطف. # كما قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه : سبحان من اشتدت نقمته على ~~أعدائه في سعة نعمته ، PageV02P393 # واتسعت رحمته لأوليائه في شدة نقمته ، ومن القسم الثاني : القهر المخصوص ~~بالموحدين من أهل الفناء أطلق الإنذار لكل تنبيها ثم فصل اللطف والقهر ~~مقيدين بحسب الصفات والاستحقاقات. # فقال : ( ويبشر المؤمنين ) أي : الموحدين لكونهم في مقابلة ~~المشركين الذين قالوا : # اتخذا الله ولدا ، ( الذين يعملون الصالحات ) أي : الباقيات من ~~الخيرات والفضائل ؛ لأن الأجر الحسن : هو من جنة الاثار والأفعال التي ~~تستحق بالأعمال. # واعلم أن الإنذار والتبشير اللذين هما من باب التكميل اللازم ؛ لكونه ~~قيما عليهم كلاهما أثر ونتيجة عن صفتي القهر واللطف الإلهيين اللذين محل ~~استعداد قبولهما من نفس العبد الغضب والشهوة ، فإن العبد ما استعد لقبولهما ~~إلا بصفتي : الغضب والشهوة وفنائهما ، كما لم يستعد لفضيلتي الشجاعة والعفة ~~إلا بوجودهما ، فلما انتفتا قامتا مقامهما ؛ لأن كلا منهما ظل لواحدة من ~~بينك يزول بحصولها ، فعند ارتواء القلب منهما ، وكمال التخلق بهما حدث عن ~~القهر الإنذار عند استحقاقية المحل بالكفر والشرك ، وعن اللطف التبشير ~~باستحقاقية الإيمان والعمل الصالح ؛ إذ الإفاضة لا تكون إلا عند استحقاق المحل. # قوله تعالى : ( الذين يعملون ms0950 الصالحات أن لهم أجرا حسنا ) العمل ~~الصالح : التبري من الوجود بوجود الحق ، والأجر الحسن مشاهدة الحق بلا حجاب أبدا. # قال بعضهم : العمل الصالح ما أريد به وجه الله لا غير ، والأجر الحسن لا ~~يحجب عن لقاء سيده تعالى : ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم ) ومن لم ~~يجد مقام مشاهدته ، ولم يعرف ذاته وصفاته بنعت رؤيته وخطابه ، ويشير إليه ~~بكلمة المعرفة فقد عظم ذلك عند الله ؛ لأنه افترى على الله كذبا يا ليت لو ~~خلص من عاينه ، وأخبر عنه من هذه الورطة ؛ لأن من عاينه وأخبر عنه ، فقد ~~أخبر عن غيره ، وخبره وقع موقع تلك الكلمة التي كبرت ، تخرج من أفواههم ؛ ~~ألا ترى إلى تمام الاية : كيف شكا عن الكل فقال : ( إن يقولون إلا ~~كذبا )، ولذلك قال الواسطي : من ذكر افترى. # وقال ابن عطاء : أكبر الدعاوى من ادعى في الله ، وأشار إلى الله ، أو ~~يكلم عن الله أو دخل في ميادين الانبساط ، فإن ذلك كله من صفات الكذابين. # قال الله : ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم ) ولتحقق به لا يظهر ~~شيئا من أحوال بحال. # وقال الأستاذ : من تكلم بهذا اللسان قبل أوانه فقد دخل في غمار هؤلاء. PageV02P394 # ( ما لهم به من علم ) أي : ما لهم بهذا القول من علم بل إنما ~~يصدر عن جهل مفرط وتقليد للاباء لا عن علم ويقين ويؤيده قوله : ( ~~كبرت كلمة ) أي : ما أكبرها كلمة ( تخرج من أفواههم ) ليس في ~~قلوبهم من معناه شيء ؛ لأنه مستحيل بالقرآن ، استشعر ببقية من نفسه وتوجس ~~بنقصان حالة فعلاه الوجد ، وعزم على قهر النفس بالكلية طلبا للغاية ، وكان ~~ذلك من فرط شفقته عليهم ، وكمال أدبه مع الله حيث أحال عدم إيمانهم على ضعف ~~حاله على عدم استعدادهم ؛ ولذلك سلاه بقوله : ( إنا جعلنا ) أي : ~~لا تحزن عليهم فإنه لا عليك أن يهلكوا جميعا إنا نخرج جميع الأسباب من ~~العدم إلى الوجود للابتلاء ، ثم نفنيها ولا حيف ولا نقص ، أو إنا جعلنا من ~~على أرض البدن من النفس ولذاتها وشهواتها وقوى صفاتها وإدراكاتها ودواعيها ~~( زينة ms0951 لها )؛ ليظهر أيهم أقهر لها وأعصى لهواها في رضاي ، وأقدر ~~على مخالفتها لموافقتي. # ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ~~(6) إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (7) وإنا ~~لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا (8) أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من ~~آياتنا عجبا (9) إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة ~~وهيئ لنا من أمرنا رشدا (10) فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا (11) ثم ~~بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا (12)) # قوله تعالى : ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم ) أخبر سبحانه عن ~~محبة حبيبه نظام طريق محبته وعبودية عباده له ، وشدة حرصه واهتمامه على ~~الخلق ، ومن غلبه ذلك غاص في بحر الأولية ، وسابق العناية لطلب فسخ إبرام ~~القدر المقدر لا بنفسه ، وذلك من علمه بتنزيه جلاله ؛ حتى لو أراد أن يبدل ~~جميع أقداره لقدر ، ولو يغفر لجميع الكفار لقدر ، ولا نقص على برهانه ~~وسلطانه ، فأعلمه الحق أن هذا رسم أسرار الربوبية ، ولا تقدر أن تهتك تلك ~~الأسرار ؛ لأنه غيور على سره وغيبه. # قال بعضهم : لا تشغل سرك بمخالفتهم فما عليك إلا البلاغ ، والهدى منا لمن نشاء. # قوله تعالى : ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ) إن الله ~~سبحانه جعل في الأرض آيات السفلية من كل ما أظهر فيها من : الأنهار ~~والأشجار والجبال والبحار والمعادن والنبات والرياحين ، وألبسها قميص أنوار ~~صفاته ، وجعلها مرآة للعارفين ؛ لينظروا فيها ، ويرون فيها أنوار جلاله ~~وجماله ، وأي زينة لها أعظم من نور بهائه وضياء صنائعه ، ويمتحن بذلك PageV02P395 # المحتجب بمحل الزينة ، والمنفرد برؤية الصفات. # وذلك قوله : ( لنبلوهم أيهم أحسن عملا ). العمل ها هنا ترك صورة ~~الزينة والمزين والاشتغال بالمزين ؛ بأن آثار جماله مبين من كل ذرة فمن نظر ~~إلى ذلك رأى الأشياء بالحقيقة. # لذلك قال صلى الله عليه وسلم : «اللهم أرنا الأشياء كما هي» (1) وأيضا : ~~زينة الأرض أولياء الله والخلق ممتحنون بهم ؛ حتى من يعرف حقوقهم فحسن ~~العمل النظر إليهم بالحرمة. # قال ابن عطاء : أحسن إعراضا ms0952 عنها وتركا لها. # وقال سهل : أحسن توكلا علينا فيها. # وقال أيضا : حسن العمل الاستقامة عليها بالسنة. # وقال القاسم : زينة الأرض : الأنبياء والأولياء والعلماء الربانيون ~~والأوتاد. # وقيل : أهل المعرفة بالله والمحبة له المشتاقون إليه هم : زينة الأرض ~~ونجومها وأقمارها وشموسها. # وقال الجنيد : أهل الفهم عن الله هم الذين جعلوا ما على الأرض من زينتها ~~عبرة لهم ؛ لئلا يتشاغلوا بشيء من الزينة ، ولا يعملوا بشيء من الزينة ، ~~ويعملون لمن زين هذه الزينة. # قوله : ( لنبلوهم أيهم ) أعلى همة وأطرب نفسا في الإعراض عما لا ~~يبقى بالاشتغال بالباقي. # وقال الواسطي : أيهم أفزع قلبا وأصفى قصدا. # يقال : العباد بهم زينة الدنيا ، وأهل المعرفة بهم زينة الجنة. # ويقال : زينة الأرض تكون الأولياء ، وهم أمان في الأرض. # ويقال : إذا تلألأ أنوار التوحيد في أسرار الموحدين أشرق حمى الافاق ~~بحيائهم. # وقال الأستاذ في قوله : ( أحسن عملا ) أصدقهم نية ، وأخلصهم طوية. # ثم إن الله سبحانه لما آوى أولياؤه إلى حضرته القديمة ، بقي ما على الأرض ~~من زينة # ( صعيدا جرزا ) يابسا وأرضا فقرا لا نبات فيها ؛ ليتعطل الحدثان ~~، ويبقى الرحمن بقوله : ( وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا ) أي : ~~تغرب شموس أنوار الصفات في مغارب الأفعال ، فلا يبقي في مرآة الفعل أثر من ~~نور الصفة ؛ لأن نور الصفة رجع إلى معدنه من الذات وظهوره ؛ لأجل سلب قلوب ~~الصديقين من الأولياء إلى تلك المعاهد ، فإذا بلغوا إلى مأواهم ذهب معهم ~~أنوار الصفات. PageV02P396 # قال الواسطي : في هذه الاية الكون في قبضة الحق ، وهو هباء في جنب ~~القدرة. # قال الله : ( وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا ). # ( وإنا لجاعلون ) بتجلينا وتجلي صفاتنا ( ما عليها ) من ~~صفاتها هامدة كأرض ملساء لا نبات فيها أي : نفنيها وصفاتها بالموت الحقيقي ~~وبالموت الطبيعي ولا نبالي. # قوله تعالى : ( أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا ~~عجبا ) ذكر سبحانه من بسط قدرته ، وعظيم آياته ، وعجائب شأنه أي : إيش معجب ~~من أصحاب الكهف والرقيم من لبثهم في الكهف ثلاثمائة سنين وزيادة فإنهم في ~~مراقد أنسنا ، وبساتين قدسنا ، غائبون فينا عن ms0953 غيرنا ، فإن في سعة قدرتنا ، ~~إنا نحن لو نشق وردة من بساتين غيبنا لمشام العالمين ، يهيمون في البوادي ~~والقفار أبدا ، وما أظهرنا فيك من الايات الكبرى أعجب من حالهم ألف مرة ، ~~وليس في عالم القدرة القديمة عجز عن إيجاد كل موهوم ومعدوم. # قال الحسين : أصحاب الكهف في ظل المعرفة الأصلية لا يزايلهم بحال ؛ لذلك ~~خفي على الخلق آثارهم. # وقال ابن عطاء : سلبهم عنهم وأخذهم منهم ، وحال بينهم وبين الأغيار ، ~~وألجأهم إلى غار الأنس ، وآواهم ، وآمنهم ثم أفناهم عنهم ، وغيبهم من ~~إرادتهم ومعاينتهم ، فتاهوا في الحضرة والهين ؛ لذلك قال الله سبحانه : ( ~~ أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم )، بل : ( أم حسبت أن ~~أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ). # أي : إذا شاهدت هذا الإنشاء والإفناء ، فليس حال أصحاب الكهف آية عجيبة ~~من آياتنا ، بل هذه أعجب. # وقال الجنيد : لا تتعجب منهم فشأنك أعجب من شأنهم ، حيث أسري بك في ليلة ~~من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، وبلغ بك سدرة المنتهى ، وكنت للقربى ~~كقاب قوسين أو أدنى ، ثم رددت عند انقضاء الليلة إلى مضجعك. # وقال بعضهم : أصحاب الكهف كالنومى لا علم لهم بوقت ، ولا زمان ولا معرفة ~~بمحل ، ولا مكان ، أحياء موتى صرعى مفيقون ، نومى منتبهون ، لا إليهم سبيل ~~، ولا لهم إلى غيرهم طريق ، ورددت عليهم خلع الهيبة ، وأظلهم بنور التعظيم ~~، وأحدقت بهم حجب العظمة ، واستناروا بنور العرش الكريم ؛ لذلك قال الله ~~تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ~~ولملئت منهم رعبا ). # وقال الأستاذ : مكثوا في الكهف مدة ، فأضافهم إلى مستقرهم ، فقال أصحاب ~~الكهف : PageV02P397 # وللنفوس محال ، وللقلوب مقار ، وللهمم مجال ، وحيثما يعتكف القلب ، فهناك ~~يطلب أبدا صاحبه. # واعلم أن أصحاب الكهف هم السبعة الكمل القائمون بأمر الحق دائما الذين ~~يقوم بهم العالم ، ولا يخلو عنهم الزمان على عد الكواكب السبعة السيارة ~~وطبقها ، فكما سخرها الله تعالى في تدبير نظام علم الصورة ، كما أشار إليه ~~بقوله : ( فالسابقات سبقا (4) فالمدبرات أمرا (5)) [النازعات : 4 ~~، 5] على بعض التفاسير. # وكل نظام عالم المعنى ms0954 ، وتكميل نظام الصورة إلى سبعة أنفس من السابقين كل ~~ينتسب بحسب الوجود الصوري إلى واحد منهم ، والقطب هو المنتسب إلى الشمس ، ~~والكهف هو باطن البدن ، والرقيم ظاهره الذي انتقص بصور الحواس والأعضاء ، ~~إن فسر باللوح الذي رقمت فيه أسماؤهم والعالم الجسماني ، إن جعل اسم الوادي ~~الذي فيه الجبل والكهف والنفس الحيوانية ، إن جعل اسم الكلب والعالم العلوي ~~، إن جعل اسم قريتهم ، على اختلاف الأقوال في التفاسير. # ومنهم الأنبياء السبعة المشهورون المبعوثون بحسب القرون والأدوار ، وإن ~~كان كل نبي منهم على ذكر وهم : آدم وإدريس ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه السابع المخصوص بمعجزة انشقاق القمر أي : انفلاقه ~~عنه لظهوره في دورة ختم النبوة ، وكمل به الدين الإلهي. كما أشار إليه ~~بقوله : «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» (1) إذ ~~المتأخر بالزمان والظهور أي الوجود الحسي هو الحائز لصفات الكل ، وكمالاتهم ~~كالإنسان بالنسبة إلى سائر الحيوانات. # ولهذا قال : «كان بنيان النبوة قد تم ، وبقي منه موضع لبنة واحدة ، فكنت ~~أنا تلك اللبنة» (2). # وقد اتفق الحكماء المتألهة من قدماء الفرس أن مراتب العقول والأرواح على ~~مذاهبهم في التنازل تتضاعف إشراقاتها ، فكل ما تأخر في الرتبة كان حظه من ~~إشراقات الحق وأنواره ، وسبحات أشعة وجهه وإشراقات أنوار الوسائط بكل منها ~~من مبادئها في الأزل. كما قال صلى الله عليه وسلم : «الناس معادن كمعادن الذهب ~~والفضة» (3) حتى انتهت الدرجات في العلو إلى الفناء والتوحيد الذاتي فبهذا ~~الاعتبار يكون محمد صلى الله عليه وسلم عين آدم ، بل عين السبعة وكذا باعتبار كونه PageV02P398 # جامعا لصفاتهم. # كما قيل : إنه سئل أبو يزيد رحمة الله عليه أنت من السبعة؟ فقال : أنا ~~السبعة. # وباعتبار علو مرتبته ومكانته وسبقه في القدم ، وارتفاع درجة كماله ~~وفضيلته كان أقدمهم ، وأولهم وأفضلهم. كما قال : «أول ما خلق الله نوري ، ~~وكنت نبيا وآدم بين الماء والطين» (1) فهو متقدم عليهم بالرتبة والعلية ~~والشرف والفضيلة ، متأخر عنهم بالزمان ، وهو عينهم باعتبار السر ، والوحدة ~~الذاتية فالحاصل أن اختلافهم وتباينهم روحا ms0955 وقلبا ونفسا لا ينافى اتحادهم ~~في الحقيقة ، وكذا افتراقهم بالأزمنة لا ينافي معيتهم في الأزل والأبد وعين الجمع. # كما قال : ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ) [البقرة : 253] مع ~~قوله : ( لا نفرق بين أحد منهم ) [آل عمران : 84] ويجوز أن يكون ~~المراد بأصحاب الكهف : روحانيات الإنسان التي تبقى بعد خراب البدن. # وقول من قال : ثلاثة إشارة إلى الروح والعقل والقلب ، والكلب هي النفس ~~الملازمة لباب الكهف ، ومن قال خمسة إشارة إلى : الروح ، والقلب ، والعقل ~~النظري والعقل العملي ، والقوة القدسية للأنبياء التي هي الفكر لغيرهم ، ~~ومن قال : سبعة فتلك الخمسة مع السر والخفاء ، والله أعلم. # ( إذ أوى الفتية إلى الكهف ) أي : كهف البدن بالتعلق به ( ~~ فقالوا ) بلسان الحال ( آتنا من لدنك ) أي : من خزائن ~~رحمتك التي هي أسماؤك الحسنى ( رحمة ) كما لا يناسب استعدادنا ~~ويقتضيه ، ( وهيئ لنا من أمرنا ) الذي نحن فيه من مفارقة العالم ~~العلوي ، والهبوط إلى العالم السفلي لاستكمال ( رشدا ) استقامة ~~إليك في سلوك طريقك والتوجه إلى جنابك أي : طلبوا بالاتصال البدني والتعلق ~~بالايات الكمال وأسبابه الكمال العلمي والعملي. # قوله تعالى : ( إذ أوى الفتية ) وصف الله سبحانه أول زمرة السبعة ~~المختارة من أصحاب الكهف ، والثلاثة المختارة من أصحاب الرقيم ، وهم فتيان ~~المعرفة الذين خلقوا بسجية الفتوة ، وفتوتهم إعراضهم عن غير الله ، وعن ~~الكون جميعا ، وإقبالهم على الله بنعت PageV02P399 # إيوائهم إلى كهوف وصاله ، وضلال جماله ، وحصون أنسه ، وقصور قدسه بذلوا ~~مهجتهم لله بلا نصب لأنفسهم ، وطلبوه منه ، ودخلوا في مزار قربه ، ومساقط ~~أنوار شهوده ، فلما استقاموا في منازل الأنس ، ومشاهدة القدس ورأوا محبوبهم ~~بنعت الرعاية والكلاءة ، هيجهم نور البسط ، وسر الافتقار إلى سؤال زيادة ~~القربات والمدانات. # ( فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة ) معرفة كاملة وتوحيدا عزيزا ( ~~ وهيئ لنا من أمرنا رشدا ) من أمر محبتك ( رشدا ) صبابتك ~~والوصول إلى وصال قدمك الذي بلا زوال ولا امتحان ، فهناك مقيل السعادة ~~الكبرى ، ومراقد المشاهدة الكبرى. # قال الأستاذ : آواهم إلى كهف بظاهرهم ، وفي الباطن مهد مقيلهم في ظل ~~إقباله وعنايته ، ثم أخذهم عنهم وقام عنهم فأجرى ms0956 عليهم الأحوال ، وهم ~~مصطلمون عن شواهدهم ، فلما عاينوا من الكشف الأكبر ، والرضوان الأعظم ، ~~استطابوا الوقت ، وخافوا الفوت ، والتجئوا منه إليه ، فألطف عليهم الحق ~~سبحانه ، فغيبهم عن الوجود ، وأخذهم بنفسه عن وجودهم بقوله : ( ~~فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ) ذكر واحدا من الإحساس وجميعها ~~مستغرقة في أنوار وطأة هيبة الجلال عليهم ، لما سترهم وضرب عليهم سرادق ~~غيرته ، بقي عليهم حس الاذان ، فضرب على آذانهم ستر الغيرة ؛ حتى لا يحسوا ~~أصوات الأغيار أدخلهم في قباب عصمته ، وأنسهم بحسن مشاهدته ، وغيبهم عنهم ~~فيه وزال عنهم رسوم البشرية ، فبقوا مع الحق بالحق ناظرا إلى الحق بلا فترة. # ( فضربنا على آذانهم ) أي : أنمناهم نومه الغفلة عن عالمهم ~~وكمالهم نومة ثقيلة لا ينبههم صفير الخفير ، ولا دعوى الداعي الخبير في كهف ~~البدن ( سنين ) ذوات عدد أي : كثيرة أو معدودة أي : قليلة هي مدة ~~انغماسهم في تدبير البدن وانغمارهم في بحر الطبيعة مشتغلين بها غافلين عما ~~وراءها من عالمهم إلى أوان بلوغ الأشد الحقيقي ، والموت الإرادي والطبيعي ، ~~كما قال : «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» (1). # وفيه نكتة لطيفة : لما رأوا الحق بهتوا في أنوار قدمه ، وفنوا في سطوت ~~عظمته ، وذهبوا عن مقام سماع الخطاب لو بقي عليهم سماع الخطاب ، لم ~~يستحكموا في مقام الخطاب على حد الرضا مقام الاستلذاذ والأنس والبسط ~~والبقاء ، فأفناهم عنها لاستيفاء حظ التوحيد والفناء عنهم. # وأيضا : صارت أسماع الظاهر إلى سماع بواطنهم ، فسمعوا بأسماع القلوب ~~والأرواح PageV02P400 # والأسرار ، وما سمعوا من الحق شغل أسماع خواطرهم عن أسماع الأصوات ~~المختلفة. # قيل : أخذنا عنهم أسماعهم ؛ حتى لا يسمعوا إلا منا ، وأخذنا عنهم أبصارهم ~~، فلا ينظروا إلا إلينا ؛ حتى لا يكون لهم إلى الغير التفات ، ولا للغير ~~فيهم نصيب بحال. # وقال ابن عطاء : أخرجنا منهم صفة البشرية ، وأفنيناهم بصفات القدسية ، ~~قدسنا ظواهرهم وبواطنهم وجعلناهم أسراء في القبضة ، ثم رددناهم إلى هياكلهم ~~وصفاتهم بقوله : ( ثم بعثناهم ). # قال أيضا : إن الفائدة في الضرب على الاذان ، وليس للاذان في النوم شيء ~~إنه ضرب على آذانهم ، حتى لا يسمعوا الأصوات ، فينتبهوا ms0957 ويكونوا من الخلق ~~كلهم في راحة. # قال الأستاذ : أخذناهم عن إحساسهم بأنفسهم ، واختطفناهم عن شواهدهم بما ~~استغرقناهم فيه ، وحقائق ما كنا سقيناهم به من شهود الأحدية ، وأطلعناهم ~~عليه من دوام نعت الصمدية ، فلما استوفوا حظ شهود الغيب ، ولطائف مقام ~~السكر ، وأراد أن يجعلهم من مقام الصحو لهم حظا ، رفع عنهم برجاء الهيبة ، ~~وسجوف ليالي الحشمة ، وآفاقهم عن خمار السكرة بقوله : ( ثم بعثناهم ~~لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا ) أقامهم مقام الاستقامة ؛ ليعرفوا ~~منازل القرب بنعت الصحو ؛ لأن السكارى صيروا في قفار الديمومية بالحظ ، ~~والوجد لا بالمعرفة ، وليعرفوا مسالك الحقيقة أهل الإرادة. # قال الأستاذ : أي رددناهم إلى حال صحوهم أوصاف تمييزهم ، أقمنا شواهد ~~التفرقة بعد ما محوناهم عن شواهدهم بما أقمناهم بوصف الجمع. # ( ثم بعثناهم ) أي : نبهناهم عن نوم الغفلة بقيامهم عن مرقد ~~البدن ، ومعرفتهم بالله وبنفوسهم المجردة ( لنعلم ) أي : ليظهر ~~علمنا في مظاهرهم أو مظاهر غيرهم من سائر الناس ( أي الحزبين ) ~~المختلفين في مدة لبثهم ، وضبط غايته الذين يعينون المدة أم يكلون علمه إلى ~~الله ، فإن الناس مختلفون في زمان الغيبة. # يقول بعضهم : يخرج أحدهم على رأس كل ألف سنة ، وهو يوم عند الله ؛ لقوله ~~: ( وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ) [الحج : 47] إلى الحق ~~عند كل جبار هو دقيانوس وقته ، كنمرود وفرعون وأبي جهل وأضرابهم ممن دان ~~بدينهم ، واستولى عليه النفس الأمارة فعبد الهوى أو ادعى لطغيانه ، وتمرد ~~أنائيته وعدوانه الربوبية من غير مبالاة عند معاتبته إياهم على ترك عبادة ~~الصنم المجعول ، كما هو عادة بعضهم أو صنم نفسه. كما قال فرعون اللعين : ( ~~ ما علمت لكم من إله غيري )، ( فقال أنا ربكم PageV02P401 # الأعلى ) [النازعات : 24]. # ( نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ~~(13) وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا ~~من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا (14) هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لو ~~لا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا (15)) # قوله تعالى : ( نحن نقص ms0958 عليك نبأهم بالحق ) وليس شيء أطيب عند ~~الحبيب من ذكر أحبائه لأحبائه ، ذكر الحبيب الأول ، ما الحبيب عند الحبيب ~~استطاب الحق ذكر قصة فتيان محبته ومعرفته لحبيبه الأكبر ؛ ليعرف منازل ~~المحبين والعارفين الذين هاموا بوجوههم في بيداء شوقه وعشقه ؛ ليزيد رغبته ~~في شوقه ومعرفته أي : أنا أحقق خبر أسرارهم لك ؛ لتعرفهم أين تاهوا في ~~مفاوز القيومية ، وأين استغرقوا في بحار الديمومية؟ # يا حبيبي اعلم أن تلك فتيان محبتي انفردوا بي عن غيري ، وهم شبان حسان ~~الوجوه قلوبهم مسفرة بأنوار شمس جلالي فيها ، وأسرارهم مقدسة بسر أسرار ~~قدسي ، أبدانهم غائبة في مجالس أنسي آمنوا بربهم عرفوني بي ، واستأنسوا بي ~~واستوحشوا من غيري ، ما أطيب حالهم معي ، ما أحسن شأنهم في محبتي زدناهم ~~نورا من جمالي ، فاهتدوا به طرق معان ذاتي وصفاتي ، وذاك النور لهم على ~~مزيد الوضوح إلى الأبد ؛ لأن نوري لا نهاية له. # وأيضا : زدناهم مشاهدة وقربا وصالا ومعرفة وكمالا ومحبة وشفاء. # قال الله تعالى : ( إنهم فتية ) الاية. # ( إنهم فتية ) أصحاب الفتوة حيث بذلوا أنفسهم لي ، ولوجدانهم حسن ~~وصالي أبدا. # يا حبيبي الفتوة : من الفتيان بالحقيقة طلب معادن المحبة ، والانصراف إلى ~~مصرف المعرفة ، وإلقاء الوجود بنعت الوجد للموجود القديم جل وعز. # قال ابن عطاء : زدناهم نورا ، ومن يعرف قدر زيادة الله ؛ لذلك كانت الشمس # ( تزاور عن كهفهم ) خوفا من نورهم على نورها أن يطمسه. # وقال أيضا في قوله : ( نحن نقص عليك نبأهم بالحق ) لتنظر إليهم ~~بعين المشاهدة. # وقال سهل : سماهم الله فتية ؛ لأنهم آمنوا بالله بلا واسطة ، وقاموا إلى ~~الله بإسقاط العلائق. # وقال فضيل : الفتوة الصفح عن عثرات الإخوان. # قال أبو عثمان : الفتوة اتباع الشرع والاهتداء بالسنن ، وسعة الصدر ، ~~وحسن الخلق. PageV02P402 # قال الجنيد في قوله : ( وزدناهم هدى ) جعلناهم أئمة المهتدين. # وقال بعضهم : سهلنا لهم طريق القرية والوصلة. # ويقال : لا يسمع قصة الأحباب أعلى وأجل مما يسمع من الأحباب. # قال عز من قائل : ( نحن نقص عليك نبأهم بالحق ). # وأنشد في معناه : # وحدثني يا سعد عنها فزدتني %~% جنونا فزدني من حديثك يا ms0959 سعد # ويقال : فتية ؛ لأنهم قاموا بالله ، وما استقروا ؛ حتى وصلوا إلى الله. # وقال الأستاذ : ( وزدناهم هدى ) لاطفهم بإحضارهم ، ثم كاشفهم بما ~~زاد من أنوارهم فلقاهم أولا بالنبيين ، ثم رقاهم عن ذلك إلى ما كان كاليقين ~~، ثم زاد في وصف إيقانهم وإيمانهم ، وعرفانهم ثبات قلوبهم ؛ حين قاموا مقام ~~المحبة ؛ بشرط وفاء العبودية ، ونفاذ أبصارهم وأسرارهم في المشاهدة ~~والبراهين العقلية ، وبلوغها إلى رؤية رب العزة بقوله : ( وربطنا ~~على قلوبهم ) أضاف ارتباط قلوبهم إلى نفسه ؛ حيث عرفهم نفسه بنفسه بلا ~~واسطة ، فلما أدخلهم في عالم الملكوت ، وأراهم سبحات عظمة الجبروت ، كادت ~~قلوبهم تفنى في أول بوادي أنوار العزة ، بديهة كشف سناء الأولية فألقى ~~عليها رواسي نوار الهيبة ، وربطها على مشاهد القربة بمسامير المحبة ؛ حتى ~~استقاموا في المعرفة حين قاموا بالشوق إلى مشاهدة الوصلة ، فلما عظم عليهم ~~قهر لطمات بحر القدم ألجأهم الحق إلى سواحل الكرم ، وأشهد ما أخرج من العدم ~~؛ حتى ( فقالوا ربنا رب السماوات والأرض ) ولولا خوف الزوال لهم ما ~~غابوا عن القدم إلى مراسم العدم ، ولكن قلوبهم في مواقف العدم مرتبة ، وإن ~~كانوا في مشاهدة الرسوم لهم إشارة إلى براهين. # بقوله تعالى : ( لن ندعوا من دونه إلها ) أي : لن نرى من دونه ~~شيئا في البين ، ولو نرى الوسائط في رؤية الوسائط ( لقد قلنا إذا ~~شططا ) أي : ميلا عن طريق إفراد القدم عن الحدوث. # قال ابن عطاء : رسمنا أسرارهم بسمة الحق فقاموا بالحق للحق ( ~~فقالوا ربنا ) إظهار إرادة ، ودعوة. # ثم قالوا : ( رب السماوات والأرض ) رجوعا من صفاتهم بالكلية إلى ~~صفاته ، وحقيقة علمه ( لن ندعوا من دونه إلها ) لن نعتمد سواه في ~~شيء لو قلنا غير ذلك كان شططا يعني بعيدا من طريق الحق. PageV02P403 # وقال جعفر : قاموا إلى الحق بالحق قيام أدب ، ونادوه نداء صدق ، وأظهروا ~~له صحة الفقر ولجئوا إليه أحسن اللجاء ( فقالوا ربنا رب السماوات ~~والأرض ) افتخارا به وتعظيما له فكافأهم الحق على قيامهم الإجابة عن ندائهم ~~بأحسن جواب ، وألطف خطاب ، أظهر عليهم من الايات ما يعجب منه الرسل حين قال ms0960 ~~: ( لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ) وقد استدل بعض المشايخ بهذه ~~الاية في حركة الواجدين في وقت السماع ؛ لأن القلوب إذا كانت مربوطة ~~بالملكوت ومحل القدس حركها أنواع الأذكار ، وما يرد عليها من فنون السماع. # والأصل قوله : ( وربطنا على قلوبهم إذ قاموا ) نعم هذا المعنى ~~إذا كان القيام قياما بالصورة ، وإذا كان القيام من جهة الحفظ والرعاية ~~والربط من جهة النقل من محل التلوين إلى محل التمكين والاستدلال بها في ~~السكون في الوجد أحسن إذا كان الربط بمعنى التسكين ، والقيام بمعنى ~~الاستقامة. # ويقال : ( وربطنا على قلوبهم ) بما أسكنا فيها من اليقين فلم ~~تسبح فيها هواجس التخمين ولا وساوس الشياطين. # ( هؤلاء قومنا ) إشارة إلى النفس الأمارة وقواها ، لأن لكل قوم ~~إلها تعبده ، وهو مطلوبها ومرادها والنفس تعبد الهوى كقوله : ( ~~أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ) [الفرقان : 43] # وإلى أهل زمان كل من خرج منهم داعيا إلى الله إذ كل من عكف على شيء يهواه ~~، فقد عبده. # ( لو لا يأتون عليهم ) أي : على عبادتهم وإلهيتهم وتأثيرهم ~~ووجودهم. # ( بسلطان بين ) أي : حجة بينة دليل على فساد التقليد ، وتبكيت ~~بأن إقامة الحجة على إلهية غير الله ، وتأثيره ووجوده محال. # كما قال : ( أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل ~~الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) [الأعراف : 71] أي : ~~أسماء بلا مسميات لكونها ليست بشيء. # ( وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ~~ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا (16) وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن ~~كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله PageV02P404 # من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا (17) ~~وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ~~ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا (18) ~~وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو ~~بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا ms0961 أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة ~~فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا (19) ~~إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا (20)) # قوله تعالى : ( وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى ~~الكهف ) أخبر سبحانه عن صدقهم وإخلاصهم وفرحهم بالإيمان بالله ، والنجاة عن ~~الكفر والضلال ، واجتماعهم في مقام الخلوة أي : إذا أخرجتم من أماكن النفوس ~~والهوى ، صرتم منفردين باليقين الصادق ، فأووا إلى جوار كرمه وبساط قدمه ( ~~ ينشر لكم ربكم ) ذخائر لطائف علومه الغيبية ، ويبسط لكم بساط عطايا ~~مشاهدته ، وأنوار قربه ومحبته ( ويهيئ لكم من أمركم مرفقا ) أي : ~~احتياجكم إلى وصاله ورؤية جماله ( مرفقا ) مسند الأنس ، ويسقيكم ~~شراب الزلفى من بحر القدس. # قال الأستاذ : العزلة عن غير الله يوجب الوصل بالله ؛ بل لا يحصل الوصلة ~~بالله ؛ إلا بعد العزلة عن غير الله. # ثم أخبر عن زيادة تلطفه بهم ؛ بأن دفع عنهم تواثير العناصر التي أصلها من ~~طبع الشمس والقمر والسيادة ، ودفع عنهم حرارة الشمس وشعاعها ؛ لئلا تتغير ~~أشباحهم عن أحكام الروحانية ، كأنه تعالى أدخلهم في حجلة الأنس في عالم ~~القدس ، وجعل ذلك العالم في الكهف ، وهو قادر على أن يخلق ألف جنة في عين ~~نملة ، فلما سكنهم في حجر وصلته دفع عنهم تغاير الحدثية ، وإطلاع الخليقة ~~عليهم من غيرته ، فمن غيرته حجبهم عن الشمس الطالعة التي هي في الفلك ~~الرابعة ، فإذا حجبهم عن الشمس مع جلالتها التي هي سبب نماء العالم ، فانظر ~~كيف يطلع عليهم غيرها من الخلق. # ( وإذ اعتزلتموهم ) أي : فارقتم نفوسكم وقواها بالتجرد ( ~~وما يعبدون إلا الله ) من مراداتها وأهوائها ( فأووا إلى الكهف ) ~~إلى البدن ؛ لاستعمال الالات البدنية في الاستكمال بالعلوم والأعمال ، ~~وانخذلوا فيه منكسرين متراضين ، كأنهم ميتون بترك الحركات النفسانية ~~والنزوات البهيمية ، والسطوات السبعية أي : موتوا موتا إراديا. PageV02P405 # ( ينشر لكم ربكم من رحمته ) حياة حقيقية بالعلم والمعرفة ( ~~ ويهيئ لكم من أمركم مرفقا ) كما لا ينتفع به بظهور الفضائل ، وطلوع ~~أنوار التجليات ، فتتلذذون بالمشاهدات ، وتتمتعون بالكمالات. # كما قال تعالى : ( أومن كان ms0962 ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي ~~به في الناس ) [الأنعام : 122]. # وقال صلى الله عليه وسلم في أبي بكر رضي الله عنه : «من أراد أن ينظر ميتا ~~يمشي على وجه الأرض ، فلينظر أبا بكر» (1) أي : ميتا عن نفسه يمشي بالله ، ~~( وإذ اعتزلتموهم ) قومكم ومعبوداتهم غير الله من مطالبهم المختلفة ~~ومقاصدهم المتشتتة ، وأهوائهم المتفننة ، وأصنامهم المتخذة ( فأووا ~~) إلى كهوف أبدانكم ، وامتنعوا عن فضول الحركات والخروج في أثر الشهوات ، ~~واعكفوا على الرياضات ( ينشر لكم ربكم من رحمته ) زيادة كمال ~~وتقوية ، ونصرة بالإمداد الملكوتية والتأييدات القدسية ، فيغلبكم عليهم ( ~~ ويهيئ لكم ) دينا وطريقا ينتفع به ، وقبولا يهتدي بكم الخلائق ~~ناجين ، وفي الاوي إلى الكهف عند مفارقتهم سر آخر يفهم من دخول المهدي في ~~الغار إذا خرج ونزل عيسى عليه السلام ، والله أعلم. # وفي نشر الرحمة وتهيئة المرفق من أمرهم عند الاوى إلى الكهف إشارة إلى أن ~~رحمته الكاملة في استعدادهم ، إنما تنشر بالتعلق البدني والكمال بتهيئته. # قال سبحانه : ( وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين ~~وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال ) الإشارة في الحقائق أنه أخفاهم في كهف ~~الأسرار ، وأجلسهم في متسع الأنوار ، وأشهدهم مشاهدة الجمال ، وآواهم سناء ~~الجمال ، ووقاهم من سطوات أنوار شمس العزة والعظمة والكبرياء التي تطلع من ~~مشرق القدم ، وتغرب في مغرب الأبد ؛ لئلا يحترقوا في أنوار عين الألوهية ، ~~ويفنوا في سلطان إشراق سبحات الكبرياء ، ولا يطلعوا على ذخائر غيوب البقاء ~~؛ كأنه تعالى رباهم في مشاهدته بنور جماله ، وحفظهم عن قهر كنه قدمه ؛ لئلا ~~يتلاشوا في عزة جلاله ، ويبقى معه بنعت الصحو والبقاء ، ولولا ذلك الفضل ~~العميم لو لم يبقوا في استعلان أنوار وحدانيته بأقل من لمحة رعاهم بنفسه عن ~~نفسه ؛ لإدراك العلم بنفسه هم في فجوة الوصال ، وشمس الكبرياء ، تزاور عن ~~كهف قربهم ذات اليمين الأزل ، وذات الشمال الأبد. PageV02P406 # وهم في فجوة وصال مشاهدة الجمال والجلال ، محروسون محفوظون عن قهر سلطان ~~صرف ذات الأزلية التي يتلاشى الأكوان في أول بوادي إشراقها ، وأي آية أعظم ~~من هذه الاية أنهم في وسط ms0963 نيران الكبرياء ، ولا يحترقون بها فبقوا بالحق مع ~~الحق مستأنسين بالحق للحق بنعت فقد الإحساس في مقام الاستئناس غائبين عنهم ~~شاهدين بالله على الله. # انظر كيف كان كمال غيرة الله بهم ، حيث حجبهم عنهم ، ورفع الإحساس عنهم ، ~~ورفع حوادث الكون عنهم ؛ ليكون الكشف أصفى ، والقرب أجلى ، والسر أخفى ، ~~والمشاهدة أشهى والروح أدنى ، والوقت أحلى ، ولا يعرف هذه الإشارة إلا ~~العارف بالله بنعت الذوق ، ويرى الله بوصف الشوق المستقيم بالله لله. # قال الله تعالى : ( من يهد الله فهو المهتد ) من عرف نفسه ، ~~وأقدار أوليائه فهو عارف بالله وبأوليائه ، ومن لم يكن من أهل سلوكه ، كان ~~في الأزل محروما عن قربه ، وإن خنق نفسه في المجاهدة. # قال الله : ( ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ). # من لم يكن للوصال أهلا %~% فكل إحسانه ذنوب # سبحان الله! أين غابوا تلك السبعة الغارقة في أماكن الغيب ، ومشاهدة الرب ~~هام طلابهم في بوادي المعارف والكواشف ، ولم يظفروا برؤيتهم ، وانحسرت ~~الأزمان ، والأكوان والحدثان عن تفقدهم ، ولا تطلع عليهم من غيره الحق ~~عليهم هم ملوك معارف القدم؟ غابوا في مهمة الكرم. # بأي نواحي الأرض أبغي وصالكم %~% وأنتم ملوك ما لمقصدكم نحو # ( وترى الشمس ) أي : شمس الروح ( إذا طلعت ) أي : ترقت ~~بالتجرد عن غواشي الجسم ، وظهرت من أفقه تميل بهم من جهة البدن ، وميله ~~ومحبته إلى الإلهام ، والشيطان للوسواس ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم ~~خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم ) ~~[التوبة : 12]. # وفي الاية لطيفة ، وهي أنه استعمل في الميل إلى الخير الازورار عن الكهف ~~، وفي الميل إلى الشر قرضهم أي : قطعهم ، وذلك أن الروح يوافق القلب في ~~طريق الخير ، ويأمره به ويوافقه معرضا عن جانب البدن وموافقاته ، ولا ~~يوافقه في طريق الشر ، بل يقطعه ويفارقه وهو منغمس في ظلمات النفس وصفاتها ~~الحاجبة إياه عن النور ، وهو إشارة إلى تلوينهم في السلوك ، فإن السالك ما ~~لم يصل إلى مقام التمكين ، وبقي في التلوين قد تظهر عليه النفس PageV02P407 # وصفاته ، فيحتجب عن نور الروح ، ثم يرجع ms0964 ذلك أي : طلوع نور الروح ~~واختفاؤه من آيات الله التي يستدل بها ، ويتوصل منها إليه وإلى هدايته. # ( من يهد الله ) بإيصاله إلى مقام المشاهدة والتمكين فيها ( ~~ فهو المهتد ) بالحقيقة لا غير ( ومن يضلل ) يحجبه عن نور ~~وجهه ، فلا هادى له ولا مرشدا ، ومن يهد الله إليهم وإلى حالهم بالحقيقة ، ~~ومن يضلله يحجبه عن حالهم. # قال ابن عطاء في قوله : ( وترى الشمس إذا طلعت ) ذلك لمعنى النور ~~الذي كان عليهم بقوله : ( وزدناهم هدى ) نور على نور ، وبرهان على ~~برهان ، والشمس نور ، ولكن إذا غلب نور أقوى منها انكسفت الشمس فكانت تزيغ ~~عن كهفهم ؛ لغلبة نورهم خوفا أن ينكسف نورها من غلبة نورهم. # وقال جعفر : يمين المرء قلبه ، وشماله نفسه ، والرعاية تدور عليهما ، ~~ولولا ذلك لهلك. # وقال ابن عطاء في قوله : ( من يهد الله فهو المهتد ) ما حجب عن ~~الله أحد إلا من أراد أن يصل إليه بحركاته وسعيه ، وما وصل إليه أحد إلا من ~~أراد أن يصل إليه بصفته تعالى. # وقال الواسطي في قوله : ( ومن يضلل ) من جاء بأوائل الإيمان بلا ~~علة ، وبأواخره بلا علة ، وهذا صفة الحق لا صفة الخلق ، وظهر أن المهتدي هو ~~البائن من جميع أوصافه ، المتصف بصفات الحق ثم زاد في وصفهم لحبيبه ~~عليه السلام بأنهم غائبون بأرواحهم في أنوار القدم ، وبأسرارهم في بحار ~~الكرم ، وبعقولهم في أودية الهوية ، وبقلوبهم في قفار الديمومية ، وبأنفسهم ~~في أشراف سلطنة الربوبية وبأشباحهم في أماكن المؤانسة ، بقوله : # ( وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ) أي : من كمال حسنهم في الغيبة أنه ~~نشر أنوار القربة على ظاهرهم ، وأزال عنهم وحشة النومى ، وأظهر عن صورتهم ~~لطائف النعمى كانت أرواحهم كأجسادهم ، وأجسادهم كأرواحهم ؛ لذلك قال ~~صلى الله عليه وسلم : «نحن معاشر الأنبياء أجسادنا روح» (1) كأنهم من كمال حسن ~~وجدهم وغيبتهم فيه ، والتمكين لهم غير غائبين. # وانظر كيف كانوا في لطف غيبتهم ؛ حتى لا يعرف سيد المرسلين ~~صلى الله عليه وسلم أنهم رقود وهذا من شواهد التمكين ، ولطافة الحال لما حضروا ~~مشاهد القرب ، غابوا عن القرب بالقرب ، وغابوا ms0965 في القرب بالقرب ، وغابوا عن ~~قرب القرب في قرب القرب ، وقعوا في أسفار الأزل ففي كل نفس لهم الترقي ~~والنقل من مقام إلى مقام (2)؛ لقوله سبحانه : PageV02P408 # ( ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ) أغرقهم الحق سبحانه في بحار ~~أوليته وأخرويته ، وقلبهم بنفسه ذات يمين الأزل ، وذات شمال الأبد ، قلبهم ~~من رؤية الأفعال إلى أنوار الأسماء ، ومن أنوار الأسماء إلى أنوار النعوت ~~والأوصاف ، ومنها إلى رؤية أنوار الذات قلبهم في كل نفس من عالم صفة إلى ~~عالم صفة ، وهم معهم في سيرهم بين الصفتين ، فأدار بأرواحهم إلى صحارى ~~الأزل ، وآزال الأزل ، وأدار بقلوبهم في بوادي الاباد ، وآباد الاباد. # وأدار بأنجم عقولهم في أفلاك حقائقه ، وأدار بأسرارهم في بساتين علوم ~~غيبه المجهولة ، فقصر عليها بعد مزار أسفارهم بلطفه ، ولولا ذلك لبقوا في ~~تقلب المقامات وسير الحالات ، ولكنه بلطفه وبرحمته خلصهم من التقلب في عالم ~~الصفات ، ولو تركهم مع أنفسهم لم يبلغوا أمر الأزل إلى الأبد إلى رؤية صفة ~~بعد رؤية صفة حملهم بنفسه ، وأدارهم في عالم صفاته ، ثم ألقاهم في بحر ~~وحدانيته ، فصاروا مستغرقين في بحار ذات متخلصين من التقلب ، ذهب بهم سيول ~~طوفان الكبرياء إلى قاموس البقاء ، فهناك قلبهم سر الأسرار تارة إلى نكرة ~~القدم ، وتارة إلى معرفة البقاء. # قال ابن عطاء : نقلبهم في حالتي القبض والبسط والجمع والتفرقة جمعناهم ~~عما تفرقوا فيه فحصلوا معنا في عين الجمع. # وقال بعضهم : نقلبهم بين حالتي الفناء ، والبقاء ، والكشف ، والاحتجاب ، ~~والتجلي ، والاستتار. # قال ابن عطاء في قوله : ( وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ) مقيمون في ~~حضرة كالنومى لا PageV02P409 # علم لهم بوقت ، ولا زمان ، ولا معرفة محل ، ولا مكان إحياء موتى صرعى ~~يفيقون نومى منتبهون لا لهم إلى غيرهم طريق ولا لغيرهم إليهم سبيل ، ومحل ~~الحضور والمشاهدة ، إنما هو الخمود تحت الصفات لا غير. # وقال أبو سعيد الخراز : هذا محل الفناء والبقاء ، أن يكونوا فانين بالحق ~~باقين به ، لا هم كالنيام ولا كاليقظى ، أوصافهم فانية عنهم ، وأوصاف الحق ~~بادية عليهم ، وهو حياة تحت كشف دولة مقابلة ويقين. # وقال أيضا ms0966 : لهؤلاء أئمة الواجدين ( إذ قاموا فقالوا ربنا رب ~~السماوات والأرض ) كشف لهم حتى تبينوا جلال القدرة ، وعظم الملكوت فغيبوا ~~عن التمتع بشيء من الكون بحقيقة أحوالهم ، فصاروا داهشين لا أيقاظا ولا رقودا. # وقال الأستاذ : هم مسلوبون عنهم مختطفون منهم ، مستهلكون فيما كوشفوا به ~~من وجود الحق. # وقال في قوله : ( ونقلبهم ) إخبار عن حسن إيوائه لهم. # ويقال : أهل التوحيد صفتهم ما قال الحق في وصف أصحاب الكهف : # ( وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ) لشواهد الفرق في ظواهرهم لكنهم بعين ~~الجمع بما كوشفوا به في سرائرهم تجري عليهم أحوالهم ، وهم غير مكلفين بل هم ~~يبيتون ، وهم خمود عما هم به. # وفي قوله : ( ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ) وقع لي من طريان ~~الأحوال رمز في وصف الصفات المتشابهة أضاف نقلبهم إلى نفسه أي : أقلبهم ~~بنفسه في حجر وصلتي ، وهذه فيهم تلك الخاصية التي خص بها آدم بقوله : (خلقت ~~بيدي)، فباشرهم أنوار يدي البقاء والقدم ، وتقلبهم من ذات يمين الربوبية ~~بمحض الصفة بغير التشبيه والحلول في ذات الشمال العبودية. # وذلك حين ألقاهم في قفار الازال والاباد ، ولومهم على رؤوس أودية الصفات ~~بنعت الغيبة عن الذات ، ولولا ذلك التقلب الذي أرجعهم من معدن الربوبية إلى ~~معدن العبودية ؛ لتستفتهم صرصر الكبرياء في هواء عزة البقاء ؛ لما أطلع ~~عليهم الحق شموس جلاله ، كادوا أن يذوبوا في رؤيتها ، فقلبهم من ذات يمين ~~الأحدية إلى ذات شمال الحدوثية ؛ لبقائهم بالحق مع الحق ، وإلا كيف يكون ~~بقاء الحدث في القدم ، وإذا كانوا متنغصين في مرارة التفرقة ، ومباشرة ~~الحدوثية تقلبهم من الحدثان إلى بحار العرفان فهم بين الثقلين في مقامي : ~~الفناء والبقاء والقبض والبسط والجمع والتفرقة ، وهذه من لطائف سر العارفين ~~وتقلب أسرار الموحدين PageV02P410 # في عالم الملكوت والجبروت ، ثم أخبر سبحانه من سعة قدرته وكمال رحمته ~~وجلال منته بأنه اختار من بين سباع البرية كلبا عارفا ، وجعله مستعدا لقبول ~~المعرفة ممهدا لجريان أنوار محبته ، ومقبلا عليه مع أوليائه لديه بقوله : ( ~~ وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ) وضع قلب الروحاني الملكوتي في كلب ، ~~وجعل قلبه خزائنه ms0967 من خزائن معارفه ، وصندوقا من صناديق جواهر سر أسراره ، ~~وحركه بسلاسل جذباته ، وحبس عنايته إلى مشاهدته قربة ، وعرفه طرق الربوبية ~~وسلوك العبودية ، فروحه كان روحانيا ، وسره ربانيا ، وشهوده رحمانيا ، ~~وألبسه ما ألبس القوم ؛ لذلك فر إلى الحق مع أوليائه من أماكن الحدثان ، ~~ويا عاقل لا تنظر إلى صورة الكلب ، وغيره فإن محتمل الصفات حقائق فعله ، ~~والكلب الغير من أفعاله ، والصفات والأفعال في معادنها منزه عن التفاضل ، ~~بل إذا أضيف إلى الكون يفضل البعض على البعض من حيث العلم والحكمة ، وإذا ~~كان سبحانه اختار أحدا من خلقه بمعرفته ومحبته بحسن عنايته الأزلية لا ينظر ~~إلى سببه ، ولا إلى نسبه ، ولا إلى صورته ، ولا إلى رتبته بل يجري عليه ~~بإرداته القديمة أحكام حسن عنايته فيصيره جواهر الافاق ، ويجعله لطائف ~~الترياق ، ويرفعه إلى تمام الملكوت ، ويوصله إلى ميادين الجبروت. # قال الله : ( يختص برحمته من يشاء ) [البقرة : 15] ، فجعل الكلب ~~معظم آياته لهم ؛ حيث أنطقه بمعرفته ، وكسا قلبه أسرار نوره ، وأبرز له ~~أنوار هيبته ، فأضجع مقام الحرمة للرعاية بحسن الأدب بالوصيد ، وبين سبحانه ~~رتبة الإنسانية ، وفضلها على الحيوانية بحيث أقامه بالوصيد ، وعلى سرادق ~~الكبرياء ، ووصيد مجد الجلال ، وأدخلهم في فجوة الوصال سبحان المتفضل ~~بالكمال. # قال أبو بكر الوراق : مجالسة الصالحين ومجاورتهم يؤثر على الخلق ، وإن لم ~~يكونوا أجناسا ؛ ألا ترى الله كيف ذكر أصحاب الكهف فذكر كلبهم معهم ~~لمجاورته إياهم! # ويقال : لما لزم الكلب محله ولم يجاوز حده فوضع يده على الوصيد بقي مع ~~الأولياء كذا أدب الخدمة يوجب بقاء الوصلة ، ثم زاد سبحانه في وصفهم مما ~~كساهم من أنوار الجلال ، وعظمته التي ترتعد من رؤيتها قلوب الصديقين ، ~~وتقشعر من صولتها جلود المقربين ، وتفزع من حقائقها أرواح المرسلين بقوله : ~~( لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا ). إن الله ~~سبحانه نبهنا ها هنا عن جلال قدر نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه تعالى ربى روحه ~~وعقله وقلبه وسره ونفسه في بدو الأول بنور حسن مشاهدته ، وأنوار مال وجهة ~~خاصة بلا مطالعة العظمة والكبرياء ؛ لأنه ms0968 كان مصطفى لمحبته مجتبى لحسن ~~وصاله ودنو دنوه ، ولطائف قرب قربه ، وألبسه حلل حسن صفاته ، وطيبه بطيب ~~أنسه ونشقه ورد قدسه ، وسقاه من بحر وداده PageV02P411 # من مروق زلفته بكأس روحه ، فكان عيشه مع الحق من حيث الأنس والانبساط ~~والبسط والجمال ، وكان خطابه خطاب تكرمة ومكرمة عاش في مشاهدة جماله ونيل ~~وصاله ، كان عندليب رياض الأنس ، وبلبل بساتين القدس رأى الحق بعين الجمال ~~في مرآة الجلال ، ورآه بعين الجلال في مرآة الجمال ، محفوظا عن طوارق ~~قهريات القدم ، وسطوات عظمة الأزل ، حاله أصفى من كدورة عيش الخائفين ، ~~وغبار أيام المجاهدين ، ما وقع على سره قهر الغيرة ، وما جرى على روحه سيول ~~الفرقة ، كان مرادا معشوقا حبيبا محبوبا موصولا بالوصال معروفا بالجمال كان ~~من لطافته ألطف من نور العرش والكرسي ، وطيبه كان أطيب من طيب الفردوس شمال ~~جماله يهب على رياض وصال الأزل وحياة جنانه منزه عن قهر أيدي الأجل لو رأى ~~بالمثل نملة ملتبسة بنور هيبة فعل الحق لفزع منها من حسنه ولطافته ؛ لذلك ~~قال تعالى : ( لو اطلعت ) يا حبيبي من حيث أنت على ما ألبستهم لباس ~~قهر ربوبيتي وسطوات عظمتي ، لوليت منهم من رؤية ما عليهم من هيبتي وعظمتي ، ~~( ولملئت منهم رعبا )؛ لأنهم مرآة عظمتي تجلى منهم بنعت عظمتي ~~للعالمين ؛ لئلا يقربوا منهم ، ويطلعوا عليهم ؛ لأنهم في عين غيرتي ، ولا ~~أريد أن يطلع عليهم أحد غيري أنت يا حبيبي موضع سرى ، وموضع سر سري ، ومكان ~~لطفي لو رأيتهم بذلك اللباس السلطاني الجباري ؛ لفررت منهم ، وتملأ من ~~رؤيتهم رعبا ، كما فر موسى كليمي من رؤية عصاه حين قلبتها حية تسعى ، وذلك ~~من إلباسي إياها كسوة عظمتي وجلال هيبتي ، ففر موسى من عظمتنا ، ولم يعلم ~~من أي شيء فر ولا نقص عليك ، فإنك وإن كنت مربى برؤية الحسن والجمال منا ، ~~فجميع صفات العظمة ونعوت الكبرياء ، انكشفت لك في لباس الحسن والجمال ، ~~وأنت جامع الجمع. # قال جعفر : ( لو اطلعت عليهم ) من حيث أنت لوليت منهم فرارا ، ~~ولو اطلعت عليهم من حيث الحق لشاهدت فيهم ms0969 معاني الوحدانية والربانية. # قال ابن عطاء : لأنه وردت عليهم أنوار الحق من فنون الخلع ، وأظلتهم ~~سرادق التعظيم ، وأحرقت جلابيب الهيبة ؛ لذلك قال الله لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم : ( لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ). # وقال الحسين : لوليت منهم فرار أنفه مما هم فيه من إظهار الأحوال عليهم ، ~~وقهر الأحوال لهم مع ما شاهدته من أعظم المحل في القربات في المشاهدة ، فلم ~~يؤثر عليك بجلالة محلك. # وقال جعفر : لو اطلعت على ما بهم من آيات قدرتنا ورعايتنا لهم وتولية ~~حفظتهم ، لوليت منهم فرارا أي : ما قدرت على مشاهدة ما بهم من هيبتنا ، ~~فيكون حقيقة الفرار منا لا PageV02P412 # منهم ؛ لأن ما بدا عليهم منا. # ( وتحسبهم أيقاظا ) يا مخاطب الانفتاح أعينهم وإحساساتهم ~~وحركاتهم الإرادية الحيوانية ( وهم رقود ) بالحقيقة في سنة الغفل ، ~~تراهم ينظرون إليك ، وهم لا يبصرون ( ونقلبهم ذات اليمين وذات ~~الشمال ) أي : نصرفهم إلى جهة الخير ، وطلب الفضيلة تارة وإلى جهة الشر ~~ومقتضى الطبيعة أخرى ( وكلبهم ) أي : نفسهم ( باسط ذراعيه ~~) أي : ناشرة قوتيها الغضبية والشهوانية ( بالوصيد ) أي : بفناء ~~البدن ، ولم يقل وكلبهم هاجع ؛ لأنها لم ترقد ، بل بسطت القوتين في فناء ~~البدن ملازمة له لا تبرح عنه والزراع الأيمن هو الغضب ؛ لأنه أقوى وأشرف ~~وأقبل لدواعي القلب في تأديبه ، والأيسر هو الشهوة لضعفها وخستها. # ( لو اطلعت عليهم ) أي : على حقائقهم المجردة وأحوالهم السنية ، ~~وما أودع الله فيهم من النورية والسنا ، وما ألبسهم من العز والبهاء ( ~~ لوليت منهم ) فارا لعدم اعتقادك بالنفوس المجردة وأحوالها وعدم ~~استعدادك لقبول كمالهم ، أو لوليت منهم للفرار عنهم ، وعن معاملاتهم لميلك ~~إلى اللذات الحسية والأمور الطبيعية. # ( ولملئت منهم رعبا ) من أحوالهم ورياضاتهم ؛ أو لو اطلعت عليهم ~~بعد الوصل وإلى الكمال وعلى أسرارهم ومقاماتهم في الوحدة لأعرضت عنهم ، ~~وفررت من أحوالهم وملئت منهم رعبا ؛ لما ألبسهم الله من عظمته وكبريائه ، ~~وأين الحدث من القدم وأنى يسع الوجود العدم. # ثم أخبر سبحانه عن ارتفاع أثقال العظمة عنهم ، وإفاقتهم عن سكر المشاهدة ~~، وحضورهم بعد الغيبة ، بقوله : ( وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم ) ~~فيه ms0970 إشارة أنهم في بديهة وقائع الغيب ، وهم أهل البدايات في المعرفة ، ~~وهجوم غلبات الوجدان ؛ لذلك هاموا في الغيب وطاشوا في القرب ، ولو كانوا في ~~محل التمكين والصحو ما غابوا عن الإحساس ورسوم المعاملات ، ويكون حالهم ~~كمال نبينا صلى الله عليه وسلم حين دنا وثبت في التدلي ، واستقام في منازل ~~الأعلى ، واستقر بين أنوار القدم والبقاء بنعت الصحو والصفا. # وقال : «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (1)، ولو أن ما ورد ~~عليه من أحكام الربوبية في المشاهدة ، ورد منه على جميع الأولين والاخرين ~~لطاشت عقولهم ، وطارت PageV02P413 # أرواحهم ، وفنيت قلوبهم واستهلكت نفوسهم ، ولكن ما أطيب زمان السكر ~~للمريدين ، والمحبين ، والشائقين ، والعاشقين أخذهم سكر الوصال عن المقيل ~~والقال ، وعن الاشتغال والمحال ، وغيبهم في أنوار الجمال والجلال ؛ حتى لم ~~يحسوا شيئا من الحدثان من ذوق وصال الرحمن ، ما أطيب تلك الأوقات السرمدية ~~، والأحوال المقدسة بحيث ما لهم خبر عن مرور الزمان ، وحوادث الملوان. # شهور ينقضين وما شعرنا %~% بإنصاف لهم ولا شرار # ما أقل زمان الوصال لعشاق الجمال والدهر عندهم في المشاهدة ساعة ، وإعمار ~~العاملين في منازل أنسهم لمحة. # وأنشد : # صباحك سكر والمساء خمار %~% نعمت وأيام السرور قصار # زمان القربة قليل وزمان الفرقة طويل ، وذلك من غيرة العشق المجران في ~~كمين الغيرة مقيم وملدوغ الفراق من سم أفاعي الغيرة سليم ، لا يصير الدهر ؛ ~~حتى يفرق بين العاشقين والمعشوقين ، وأنشد : # عجبت بسعي الدهر بيني وبينها %~% فلما انقضى ما بيننا سكر الدهر # كانوا لا يعرفون اليوم من الأمس ، ولا يعلمون من حدة الحال القمر من ~~الشمس : ( قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ). # استقاموا مقام الوصال واستلذوا لطائف الجمال وتخبطوا في المقال ، وما كان ~~ذلك إلا من خمار سكر الأحوال ذكروا أيام الوصلة في مقام الفرقة ، وتعاظموا ~~لطائف المؤانسة في منازل الوحشة ، واشتاقوا إلى معاهد المشاهدة ، وأيام ~~المدانة. # وأنشدوا : # سلام على تلك المعاهد إنها %~% شريعة ورد أو مهب بشمال ليالي لم تحصر حرون قطيعة %~% ولم يمش إلا في سهول وصال فقد ms0971 مرت أرضى من سواكن أرضها %~% تجلب ببرق وبطيف خيال # قال ابن عطاء : مقام المحب مع الحبيب ، وإن طال فإنه قصير عنده إذ لا ~~يقضي من حبيبه وطرا ، ولو مكث معه دوام الدهر ، فإن انتهاء شوقه إليه ؛ ~~كالابتداء ، فانتهاؤه فيه ابتداء ، فلما رجعوا من مقام الجذب إلى مقام ~~السلوك ، ومن مقام الروحانية إلى مقام البشرية ، واحتاجوا إلى ما يعيش به ~~الإنسان ، استعملوا حقائق الطريقة بقوله سبحانه : # ( فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما ) لما PageV02P414 # استطابوا الخلوة فلم يخرجوا ، وأمر المبعوث في طلب الرزق فتركوا السؤال ، ~~واستعملوا الكسب بقوله : ( فابعثوا أحدكم بورقكم )، ثم أمروه ~~باستعمال الورع ؛ لأن الورع من موجبات الطريقة وحقوق الحقيقة ، وهذا دأب ~~الأئمة. # لذلك قال ذو النون : لا يطفأ نور المعرفة نور الورع ، وأمروه بالمراقبة ؛ ~~حتى لا يطلع عليهم أحد ، وفيه بيان أن الكسب أيضا من التوكل ؛ لأن القوم ~~بحمد الله لم يخلوا من مقام التوكل ، وفيه بيان أن أهل الوجد والحال ~~والمكاشفة والمقال ، هم أهل الغذاء المحمود الملطف من لطف الطعام ؛ لأن ~~أرواحهم من عالم القدس ، ولا يليق بهم إلا ما يليق بأهل الأنس من أكل ~~الطيبات ، وأشهى المأكولات ، ولبس الناعمات. # قال جعفر بن أحمد الرازي : أوصى يوسف بن الحسين بعض أصحابه فقال : إذا ~~حملت إلى الفقراء وأهل المعرفة شيئا ، واشتريت لهم طعاما فليكن لطيفا ، فإن ~~الله تعالى وصف أصحاب الكهف حين بعثوا من يشترى لهم طعاما قالوا : ( ~~ وليتلطف ) وإذا اشتريت للزهاد والعباد فاشتر كل ما تجده فإنهم بعد ~~في تذليل أنفسهم ، ومنعها من الشهوات. # قال الشيخ أبو عبد الرحمن (1): سمعت أبا عثمان المغربي يقول : إرفاق ~~المريدين بالعنف ، وإرفاق العارفين باللطف. # وقال الأستاذ : تواصوا فيما بينهم بحسن الخلق وجميل الرفق أي : ليتلطفن ~~مع من يشتري منه شيئا. # ويقال : من كان من أهل المعرفة لا يوافقه الخشن الملبوس ، ولا النازل في ~~الطعم من المأكول. # ويقال : أهل المجاهدات وأصحاب الرياضات ، فطعامهم الخشن ولباسهم كمثله ~~والذي بلغ المعرفة لا يوافقه أكل لطيف ، ولا يستأنس إلا بكل مليح. # ( وكذلك ms0972 بعثناهم ) أي : مثل ذلك البعث الحقيقي والإحياء المعنوي ~~، بعثناهم ( ليتساءلوا بينهم ) أي : ليتباحثوا بينهم عن المعاني ~~المودعة في استعدادهم الحقائق المكنونة في ذواتهم ، فيكمل بإبرازها ~~وإخراجها إلى الفعل ، وهو أول الانتباه الذي تسميه المتصوفة اليقظة. # ( قال قائل منهم كم لبثتم ) مر تأويله النفس الرشيد السمة الفاضل ~~السيرة النقي السريرة الكامل المكمل دون الفضولي الظاهري الخبيث النفس ~~المتعالم المتصدر لإفادة ما ليس PageV02P415 # عنده ليستفيد بصحبته ويظهر كماله بمجالسته ويستبصر بعلمه فيفيدنا أو ~~ليتلطف في أمره حتى لا يشعر بحالكم ودينكم جاهل من غير قصد. # ( ولا يشعرن بكم أحدا ) من أهل الظاهر المحجوبين ، وسكان عالم ~~الطبيعة المفكرين ، وإن أولنا أصحاب الكهف بالقوى الروحانية فالبعوث هو ~~الفكر والمدينة محل اجتماع القوى الروحانية والنفسانية والطبيعية ، والذي ~~هو أزكى طعاما العقل دون الوهم والخيال والحواس ؛ لأن كل مدرك له طعام ~~والرزق هو العلم النظري على كلا التقديرين : # ( ولا يشعرن بكم أحدا ) من القوى النفسانية. # ( إنهم إن يظهروا ) أي : يغلبوا ( عليكم يرجموكم ) ~~بحجارة الأهواء والداعي من الغضب والشهوة ، وطلب اللذة فيقتلوكم بمنعكم عن ~~كمالكم. # ( أو يعيدوكم في ملتهم ) باستيلاء الوهم وغلبة الشيطان والإمالة ~~إلى الهوى ، وعبادة الأوثان على التأويل الأول ظهور العوام ، واستيلاء ~~المقلدة والحشوية المحجوبين ، وأهل الباطل المطبوعين ، ورحمهم أهل الحق ~~ودعوتهم إياهم إلى ملتهم ظاهر كما كان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم . # ( وكذلك أعثرنا عليهم ) أي : مثل ذلك البعث والإماتة ، اطلعنا ~~على حالهم المستعدين القابلين لهديهم ومعرفة حقائقهم ( ليعلموا ) ~~بصحبتهم وهدايتهم. # ( أن وعد الله ) بالبعث والجزاء ( حق وأن الساعة لا ريب ~~فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم ) أي : حين يتنازع المستعدون الطالبون بينهم ~~أمرهم في المعاد ، فمنهم من يقول : إن البعث مخصوص بالأرواح المجردة دون ~~الأجساد. # ومنهم من يقول : إنه بالأرواح والأجساد معا ، فعلموا بالاطلاع عليهم ~~ومعرفتهم أنه بالأرواح والأجساد ، وأن المعاد الجسماني حق. # فقالوا ( ابنوا عليهم بنيانا ) أي : فلما توفوا قالوا ذلك ~~كالخانقاهات والمشاهد والمزارات المبنية على الكمل المقربين من الأنبياء ~~والأولياء كإبراهيم ومحمد ، وعلي وسائر الأنبياء والأولياء عليهم الصلاة ~~والسلام ms0973 ( ربهم أعلم بهم ) من كلام أتباعهم من أممهم المقتدين بهم ~~أي : هم أجل وأعظم شانا من أن يعرفهم غيرهم الموحدون الهالكون في الله ~~المتحققون به ، فهو أعلم بهم ، كما قال الله تعالى : «أوليائي تحت قبائي لا ~~يعرفونهم غيري» (1). PageV02P416 # ( قال الذين غلبوا على أمرهم ) من أصحابهم والذين يلون أمرهم ~~تبركا بهم وبمكانهم ( لنتخذن عليهم مسجدا ) يصلي فيه. # ( وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب ~~فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال ~~الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا (21) سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ~~ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي ~~أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت ~~فيهم منهم أحدا (22) ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشاء ~~الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا (24)) # قوله تعالى : ( ربهم أعلم بهم ) بين أن القوم بلغوا إلى مشاهدة ~~جلال أزله ، وأغرقهم في بحار أبده ، ووجدوا منها جواهر أسرار محبته ، وقرب ~~وصاله ما لا يطلع عليها أحد غير الله ، فنفى إحاطة علم الغير بهم فكأنه ~~أخبر عما عمرهم من سطوات العزة ، واستيلاء قهر الربوبية ما أفناهم أي : أنا ~~أعلم بما هم فيه من فنائه في الوجد والموجود ، أخبر عن عظيم ما ورد عليهم ~~من سلطان قهر مشاهدة قدمه. # قال ابن عطاء : ( ربهم أعلم بهم ) حيث أظهر عليهم عجائب صنعه ، ~~وجعلهم أحد شواهد عزته ، وجعلهم بالمحل الذي خاطب به النبي صلى الله عليه وسلم ~~فهم فقال : ( لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ) [الكهف : 18] # ( سيقولون ) أي : الظاهريون من أهل الكتاب والمسلمين الذين لا ~~علم لهم بالحقائق وقوله : ( رجما بالغيب ) أي : رميا بالذي غاب ~~عنهم يعني ظنا خاليا عن اليقين بعد قولهم : ( ثلاثة رابعهم كلبهم ~~ويقولون خمسة ) ببنائه والامرون هم الغالبون الذين قالوا : ( ~~لنتخذن عليهم مسجدا ) يسجد أي : ينقاد فيه جميع القوى الحيوانية والطبيعية ~~والنفسانية ، والمأمورون ms0974 هم المغلوبون الفاعلون في البدن ، المبعوث فيه ، ~~والله أعلم. # قوله تعالى : ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا ) إن الله ~~سبحانه أعلم نبيه وأدب حبيبه في منازل العبودية ومشاهدة الربوبية بمحو ~~الوجود عند وجود القديم الأزلي ، وأن يرى الكل قائما بالله في مقام التوحيد ~~مع الكل في غير الجمع بائنا عن الكل في أفراد القدم عن الحدوث ، ومحض ~~التجريد والتفريد ، وقطع حدود علوم الخليقة عما في المشيئة الأزلية PageV02P417 # فأعلم معنيين : إثبات الكسب وسبق التقدير ، وأبهم أسرار المسببة على الكل ~~في بيان الاستثناء بقوله : ( إلا أن يشاء الله ). # قال بعضهم : لم يطلق لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر عن الحق إلا بما ~~أخبره الحق ، ولم يأذن له في الإخبار عن نفسه إلا عن مشيئة ربه فقال : ( ~~ ولا تقولن لشيء )... إلخ. # ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك ) أدبه بالتأديب الإلهي بعد ما ~~نهاه عن المماراة والسؤال فقال : لا تقولن إلا وقت أن يشاء الله بأن يأذن ~~لك في القول فتكون قائلا به ، وبمشيئته أولا بمشيئته على أنه حال أي : ~~ملتبسا بمشيئته ، يعني لا تقولن لما عزمت عليه من فعل أني فاعل ذلك في ~~الزمان المستقبل إلا ملتبسا بمشيئة الله ، قائلا : إن شاء الله أي : لا ~~تسند الفعل إلى إرادتك بل لإرادة الله فتكون فاعلا به وبمشيئته. # ثم بين سبحانه أن من شاهد نفسه في مشاهدة الحق حيث طوى عليه أحكام رسوم ~~الاكتساب من جهة الأمر ، ولم يسقط شهود نفسه وكسبه ، فقد نسى الحق بقوله ~~سبحانه : ( واذكر ربك إذا نسيت ) فإن قوله : ( واذكر ربك ) ~~عقيب قوله : ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ) يدل على ذلك أي : إذا ~~شاهدت نفسك فقد غبت مشاهدة ربك فاذكره أي : شاهده مشاهدة تغيبه في مشاهدة ~~عن مشاهدتك نفسك. # وأيضا : ( واذكر ربك ) إذا كنت متصفا متحدا بربك حين يغلب عليك ~~سر الأنانية ، فإذا ذكرت ربك في مقام الأنانية خرجت من حد الخداع والتلبيس ~~الصادرين من مكر القدم ، وإذا ذكر قدمه بان عدمه وإذا بان عدمه تلاشى الحدث ~~في القدم ms0975 ، ولم يبق إلا القدم ، ويتبين أمر العبودية عند الربوبية. # وأيضا : ( واذكر ربك ) ذا غبت في مشاهدة المذكور ؛ حتى يتخلص من ~~غمار الفناء في الوحدانية ، ويبقي ببقاء الحق ورؤية الأبدية ، فإنك إن لم ~~تذكر ربك ، ولم ترجع من رؤية مذكورك إلى ذكره تفنى فيه ، ولا تدرك حقائق ~~وجوده فإن السكران الفاني لا يظفر بما يظفر الصاحي المتمكن. # وأيضا : ( واذكر ربك إذا نسيت ) من مشاهدته ، وغيب عن شهود عليك ~~حتى فصل بالذكر إلى رؤية المذكور. # وأيضا : ( واذكر ربك إذا نسيت ) ذكرك له فإن رؤية الذكر في رؤية ~~المذكور نسيان المذكور بالحقيقة. # وأيضا : ( واذكر ربك إذا نسيت ) الكون والحدوثية ، فإن ذكره لا ~~يكون ذكرا PageV02P418 # حقيقيا إلا بنعت فناء ما دونه ، فإذا فني الحدث في القدم صار الذكر صافيا. # وأيضا : ( واذكر ربك إذا نسيت ) ما جدت منه ، فإن الوقوف في ~~المقامات حجاب ذكر الحقيقة. # وأيضا : ( واذكر ربك إذا نسيت ) فسك فإن في رؤيتك وجودك ، وبقاء ~~وجودك لا يكون الذكر بحقيقة الانفراد ، و # رسم أفراد القدم على حدوث ، ثم أمره سبحانه أن يخاطب أهل السر من المعرفة ~~بترجيه وصول أدنى الدنو وأعلى العلو بقوله : ( وقل عسى أن يهدين ~~ربي لأقرب من هذا رشدا ). كان صلى الله عليه وسلم أقرب الخلق من الله بنفس ~~المعرفة والاصطفائية الأزلية ، لكن كان مع محله وشرفه في حيز حقائق المعرفة ~~، قطرة في بحر الأزلية ، فأمره الحق أن يسأل منه مزيد ما فيه من طرائق ~~حقائق عرفان الأزلية ، وأقرب ما يكون فيه من وصول الوصول ، فإن الحق غير ~~متناه من جميع الوجوه. # قال ابن عطاء : إذا نسيت نفسك والخلق فاذكرني فإن الأذكار لا تمازج ذكرى. # قال الجنيد : حقيقة الذكر فناء الذاكر فيه ، والذكر في مشاهدة المذكور. # قال الشبلي : ما هذا خطاب أهل الحقيقة وأنى ينسى المحق الحق فيذكره ، بل ~~يذكر حياته وكونه. # وأنشد : # لا لأني أنساك أكثر ذكراك %~% ولكن بذاك يجرى لساني # وقال الجنيد : حقيقة الذكر الفناء بالمذكور عن الذكر ؛ لذلك قال الله ~~تعالى : # ( واذكر ربك إذا نسيت ) أي : إذا نسيت ms0976 الذكر يكون المذكور صفتك ، ~~وقد وقع لي نكتة ها هنا. # قال تعالى : ( واذكر ربك إذا نسيت ) الذكر حق جميع الذات والصفات ~~ولا نهاية لهما ، وذكر جميعه ما واجب الحقوق على الخلق والصفات القديمة ، ~~والذات الأولى غير مذكور بذكر الحدثان ، كأنه تعالى أعلم نبيه ~~صلى الله عليه وسلم جميع فكره ما بلغ إلى وصف ذرة من صفته ، فكل وقت مع جميع ~~ذكره في حد النسيان ، حيث لا يبلغ ذكره حقائق القدم. # قال : ( واذكر ) بعد ذكرك ولا تفتر عن ذكرك ، فإن ذكرك على ~~السرمدية واجب أبدا ؛ لأن بعد كل ذكر نسيان عن الباقي ، فإذا لا ينقطع ~~الذكر أبدا يدل على ما ذكرنا. # قوله تعالى : ( وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا ). # أي : بمعرفتي معرفة المذكور بنعت مشاهدته ، ورؤية ذاته وصفاته ، بوصف فنائي PageV02P419 # وفناء ذكر فيه. # قال الجنيد : إن فوق الذكر منزلة هي أقرب رشدا من ذكره له ، وهو تجديد ~~للنعوت بذكره لك قبل أن يسبق إلى الله بذكره. # وأيضا لي نكتة في الذكر أي : ( واذكر ربك إذا نسيت ) فإنك إذا ~~ذكرته بلسان الحديثة نسيته ، وإن أردت أن تذكرني بالحقيقة التي لا نسيان ~~فيها ، ولا فترة فاتصف بصفتي ثم اذكرني بصفتي حتى يصل ذكرك إلي بالحقيقة. # ( واذكر ربك ) بالرجوع إليه والحضور ( إذا نسيت ) ~~بالغفلة عند ظهور النفس بظهور صفاتها ( وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب ~~من هذا رشدا ). # أي : من الذكر عند التلوين ، وإسناد الفعل إلى صفاته بالتمكين ، والشهود ~~الذاتي المخلص عن حجب الصفات ( رشدا ) استقامة وهو التمكين في ~~الشهود الذاتي. # ( ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين ) من التي تبتنى على دور القمر ~~فتكون كل سنة شهرا ومجموعها خمسة وعشرون سنة ، وذلك وقت انتباههم وتيقظهم. # ( وازدادوا تسعا ) هي مدة الحمل ، وروعيت في الاية نكتة هي أنه ~~لم يقل ثلاثمائة سنة وتسعا أو ثلاثمائة وتسع سنين ؛ لاستعمال السنة في ~~العرف وقت نزول الوحي في دورة شمسية لا قمرية ، فأجمل العدد ، ثم بينه ~~بقوله سنين فاحتمل أن يكون المميز غيرها كالشهر مثلا ، ثم ms0977 بين أن المدة ~~سنين مبهمة غير معينة ، إذ لو قيل ثلاثمائة شهر ، فأبدل سنين من مجموع ~~العدد كانت العبارة صحيحة ، والمراد سنين كذا عددا أي : خمسة وعشرين ويؤيده ~~قوله بعده. # ( قل الله أعلم بما لبثوا ) وقال قتادة : هو حكاية كلام أهل كتاب ~~من تتمة ، سيقولون. # وقوله : ( قل الله أعلم ) رد عليهم ، وفي مصحف عبد الله وقالوا : ~~( لبثوا ) وذلك أن اليقين غير محقق ولا مطرد. # ( واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك ) يجوز أن تكون من لابتداء ~~الغاية ، والكتاب هو اللوح الأول المشتمل على كل العلوم الذي منه أوحى إلى ~~من أوحي إليه ، وأن تكون بيانا لما أوحي والكتاب هو العقل الفرقاني وعلى ~~التقديرين ( لا مبدل لكلماته ) التي هي أصول الدين من التوحيد ~~والعدل وأنواعهما. # ( ولن تجد من دونه ملتحدا ) تميل إليه لامتناع وجود ذلك. # ( ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا (25) قل الله ~~أعلم بما لبثوا PageV02P420 # له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ~~ولا يشرك في حكمه أحدا (26) واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ~~ولن تجد من دونه ملتحدا (27) واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من ~~أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا (28)) # قوله تعالى : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ~~يريدون وجهه ) هذا تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم فإنه كان عليه السلام بقلبه ~~في الملكوت ، وبروحه في الجبروت ، وبسره في مشاهدة القدم ، وبعقله في أنوار ~~غيبه مشتاقا إلى الحق ، لا يصبر في الدنيا بأن يكون مع الخلق بالصورة ، ~~وكان يريد أن يطير إلى منازل قاب قوسين كل وقت ؛ لما رأى بين القوسين بغير ~~الكونين مشاهدة الجلال والجمال. # فقال سبحانه احبس نفسك مع هؤلاء الفقراء العاشقين بجمالي المشتاقين إلى ~~جلالي ، الذين في جميع الأوقات يسألون عني لقاء وجهي الكريم ، ويريدون أن ~~يطيروا بجناح المحبة إلى عالم وصلتي حتى يكونوا متسلين ms0978 بصحبتك عن مقام ~~الوصال ، فإن في رؤيتك لهم رؤية ذلك الجمال فتكون معهم موافقا وسرك وعقلك ~~وروحك وقلبك عندي فإنها مواضع تجلي كبريائي وأسرار عزتي ، ولا يطيق الكون ~~أن يكون في جوار قلبك ، فإن قلبك معادن أسرار العليين ، ومزار الكروبيين ~~وهو عرش تجلي القدم ، ومعادن عيون الكرم ، ولا يليق به مصاحبة أهل العدم. # ( ولا تعد عيناك عنهم ) (1) فإنهم ينظرون بعينك إلي إذا كانت ~~عينك في طلب مشاهدتي في مرآة أفعالي من الخلق والخليقة. # ( ولا تطع من أغفلنا قلبه ) بأن يواسيك برؤية الأكوان والحدثان ؛ ~~لزيادة العرفان ، فإن الوسائط في الحقيقة تورث الغفلة عنا ، وهو سبحانه شغل ~~قلوب الخلق بخلقه عن خلقه ، وحجبهم برؤية الخليقة عن مشاهدة الحقيقة ، فمن ~~غافل سبب غفلته الجنة ، ومن غافل سبب غفلته خوف النار ، ومن غافل سبب غفلته ~~استكبار العبودية ، ومن غافل غفلته رؤية الأعواض ، ومن غافل غفلته رؤية ~~الكرامات ، ومن غافل سبب غفلته المجاهدات ، ومن PageV02P421 # غافل غفلته العيش الهنيء في الدنيا. # وأدق الغفلة السكون بما وجد من الحق والوقوف مع مقام الحظ ، فالكل ~~محجوبون عن مشاهدة الأزل صرفا أي : لا تكن مثل هؤلاء الواقفين على مقاماتهم ~~المحجوبين بحظوظهم من أحوالهم. # قال ذو النون : أمر الله تعالى الأغنياء بمخالطة الفقراء والصبر معهم ~~والاستنان بسنتهم. # قال الله : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ) (1). # وقال عمرو المكي : صحبة الصالحين والفقراء الصادقين عيش أهل الجنة ، ~~يتقلب من الرضا إلى اليقين ومن اليقين إلى الرضا. # وقال ابن عطاء : خاطب الله نبينا صلى الله عليه وسلم وعاتبه ونبهه ، وقال ~~واصبر على من صبر علينا بنفسه وقلبه وروحه ، وهم الذين لا يفارقون محال ~~الاختصاص من الحضرة بكرة وعشيا ، فحق لمن يفارق حضرتنا أن تصبر عليه فلا تفارق. # وسئل أبو عثمان عن الغفلة فقال : إمهال ما أمرت به ونسيان تواتر نعم الله عندك. # وقال بعضهم : الغفلة عقوبة القلب ، وهو حجاب عن المنعم. # وقال سهل : الغفلة إبطال الوقت بالبطالة. # وقال الأستاذ قال : ( واصبر نفسك ) لم يقل قلبك لأن قلبه كان مع ~~الحق فأمره بصحبة الفقراء ms0979 جهرا بجهر ، واستخلص قلبه لنفسه سر السر. # ( واصبر نفسك ) أمر بالصبر مع الله وأهله وعدم الالتفات إلى غيره ~~، وهذا الصبر هو من باب الاستقامة والتمكين لا يكون إلا بالله ( مع ~~الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ) أي : دائما هم الموحدون من الفقراء. # ( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا ~~للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي ~~الوجوه بئس PageV02P422 # الشراب وساءت مرتفقا (29) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا ~~لا نضيع أجر من أحسن عملا (30) أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار ~~يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين ~~فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا (31) واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا ~~لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا (32) كلتا ~~الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا (33) وكان له ثمر ~~فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا (34) ودخل جنته وهو ~~ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (35) وما أظن الساعة قائمة ولئن ~~رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا (36) قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت ~~بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا (37) لكنا هو الله ربي ولا ~~أشرك بربي أحدا (38) ولو لا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ~~إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا (39) فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل ~~عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا (40) أو يصبح ماؤها غورا فلن ~~تستطيع له طلبا (41) وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي ~~خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا (42) ولم تكن له فئة ~~ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا (43)) # قوله تعالى : ( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ~~) إن الله سبحانه علم من كتمان نبيه صلى الله عليه وسلم سر أسرار الأزل وماله ~~من عند الله من ms0980 علومه الغريبة وأنبائه العجيبة من العلوم المجهولة ولطائف ~~الحقيقة ، وأحكام صفاته المتشابهة من شفقته على أمته ، وعلم بضعف جلهم ~~أثقال تلك الحقائق ، فأمره الحق ألا يكتم تلك الأسرار التي إعلام فضائله ~~وفضائل خواص أهل الولاية وأسرار الربوبية في قلوبهم ويفشيها ، ولا يخاف من ~~إيمان الخلق بها وإنكارهم عليها ، فإن العاشق الصادق لا يبالي بهتك الأسرار ~~عند الأغيار ولا يخاف لومة لائم ولا يكون في قيد إيمان الخلق وإنكارهم ، ~~فإن لذة عشقه في هتك الأسرار أصفى ، والحلاوة عيشه في ذلك أشفى ؛ ألا ترى ~~إلى قول القائل : # ألا اسقني خمرا وقل لي هي الخمر %~% ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر وبح باسم الهوى ودعني من الكنى %~% فلا جبر في اللذات من دونها PageV02P423 # كأنه تعالى حث نبيه صلى الله عليه وسلم على التحديث بنعمه بقوله تعالى : ( ~~ وأما بنعمة ربك فحدث ) [الضحى : 11]. # وإشارة الظاهر أي : بين طريق الرشد عن الغي لمن تابع الرشد فلا يتبعه إلا ~~بتوفيق الأزل في الغي ( ومن ضل ) [يونس : 108] ، ( فلا يضل ~~) [طه : 123] إلا بسابق قدر الحق. # قال ابن عطاء : أظهر الحق للخلق سبيل الحق وطرق الحقيقة ، فمن سالك فيه ~~بالتوفيق ومعرض عنه بالخذلان. # وهذا قوله : ( وقل الحق من ربكم ) فمن شاء الحق له الهداية هداه ~~بطريق الإيمان ، ومن شاء الله له الإضلال سلك به مسلك الكفر وهو الضلال ~~البعيد. # ( يحلون فيها من أساور من ذهب ) أي : يزينون فيها بأنواع الحلي ~~من حقائق التوحيد الذاتي ومعاني التجليات العينية الأحدية ، إذ الذهبيات من ~~الحلي هي العينيات والفضيات هي الصفاتيات النورانيات كقوله تعالى ( ~~وحلوا أساور من فضة ) [الإنسان : 21]. # ( ويلبسون ثيابا خضرا ) يتصفون بصفات مهيجة حسنة نضرة موجبة ~~للسرور ( من سندس ) الأحوال والمواهب ؛ لكونها ألطف ، ( ~~إستبرق ) الأخلاق والمكاسب ؛ لكونها أكثف ( متكئين فيها على ) ~~أرائك الأسماء الإلهية التي هي مبادئ أفعاله لاتصافهم بأوصافه ، وكون الصفة ~~مع الذات هي الاسم المستند هو عليه في جنة الصفات والأفعال. # ( نعم الثواب وحسنت مرتفقا ) في مقابلة (بئس الشراب وساءت ~~مرتفقا). ( هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا ms0981 (44) ~~واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ~~فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا (45) المال والبنون ~~زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا (46) ~~ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا (47) ~~وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم ~~موعدا (48) ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما ~~لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ~~ولا يظلم ربك أحدا (49)) # قوله تعالى : ( متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا ~~) إن الله PageV02P424 # سبحانه وصف الذين عملهم الصالح ، ترك ما دونه وهو بكرمه ورحمته يجازيهم ~~به قربته ومشاهدته ، ويدخلهم قباب أنسه رياض قدسه ، وإلباسه إياهم أنوار ~~جمال وجلاله فيكونون مزينين بحلي كرامته ، ولباس رأفته مستندين به إليه ~~بنعت رؤية الرضوان الأكبر ، والحظ الأوفر نعم الثواب صلته ، ونعم حسن ~~المرتفق مرتفقهم مجالس الوصال ورؤية الكمال والجلال والجمال. # قال ابن عطاء : على آرائك الأنس في رياض القدس في حجاب القرب وميادين ~~الرحمة مستشرفون على بساتين الوصلة مشاهدون مليكهم في كل حال. # قال الأستاذ : يلبسون حلل الوصلة ، ويتوجون بتاج القربة ، ويحلون بحلي ~~المباسطة يتكئون على أرائك الروح يشمون رياحين الأنس ، ويقيمون في حجال ~~الزلفة ، يسقون شراب المحبة. # قوله تعالى : ( هنالك الولاية لله الحق ) أخبر عن كمال حفظه ~~أوليائه يوم القيامة عن التحير فيه ، فإذا يحفظهم عن قهر سلطان ربوبيته ، ~~ويدخلهم في منازل وصلته فتلك الولاية الحقة له التي خص بها في الأزل أهل ~~وداده وهى أرفع المنازل ، وأشرف المناهل ، وأحسن العواقب ، وأكرم المناقب ، ~~والولاية الحق في الدنيا والاخرة هي ما صدرت من اختياره الأزلي وإرادته ~~القديمة ، وحقيقتها ألا يخذل من اصطفاه بها. # قال الواسطي : من تولاه الله بالحقيقة فهو الولي ، ومن تولاه الله فيه ~~فهو الوالي. # قال ابن عطاء : الحق أسبق من حقيقة المحق ، وهو يدعوك إلى حقه فإذا طلبته ~~لنفسك يأتي عليك. ms0982 # ألا ترى إلى قوله : ( هنالك الولاية لله الحق ) هو خير ثوابا ~~وخير عقبا ثواب للطالبين له لا لطالب الجنة ، وخير أمد للمريدين. # قوله تعالى : ( والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا ~~) معناه : المحبة الدائمة غير مشوب بشوب الحدثان ، ولا بغبار الحرمان. # وأيضا : المعرفة الكاملة التي صدرت من رؤية ذاته وصفاته في قلوب ~~العارفين. # وأيضا : الأنس بالله والإخلاص في توحيد الله ، والانفراد بالله عن غير ~~الله ، وهذه المنازل باقية للعارفين ، وهي صالحة لا اعوجاج لها على حد ~~الزائد ، وهى خير المنازل ؛ لأنها وصف بقاء العارف مع بقاء الحق. # قال جعفر الصادق : ( والباقيات الصالحات ) هو تفريد التوحيد فإنه ~~باق ببقاء الموحد. PageV02P425 # وقال ابن عطاء : هي الأعمال الخالصة والنيات الصادقة ، وكل ما أريد به ~~وجه الله. # وقال يحيى بن معاذ : هي نصيحة الخلق. # ويقال : ما يلوح في السرائر من تجليه للعبد بالنعوت ، ويفرح نشره في سماع ~~الملكوت ، ثم أخبر سبحانه عن عظيم قدره ، وجلال وعظم كبريائه ، وسلطانه ~~تخويفا لعبادة ، وتبنيها لهم عن عظيم آياته بقوله : ( ويوم نسير ~~الجبال وترى الأرض بارزة ) إن الله سبحانه يتجلى بعظمته يوم القيامة للجبال ~~فتقلع الجبال من أصلها ، وترقص في الهواء ، وتصدم بعضها بعضا ؛ حتى تمهل ~~وتصير غبارا من خشية الله وهيبته ، وبقيت الأرض باردة ؛ حتى لا يكون حجاب ~~بين أحد من الواقفين عليها. # ( ويوم نسير الجبال ) أي : نذهب جبال الأعضاء بالتفتيت فتجعلها ~~هباء منثورا. # قال ابن عطاء : دل بهذا على إظهار جبروته ، وتمام قدرته ، وعظم عزته ~~ليتأهب العبد ؛ لذلك الموقف ويصلح سريرته وعلانيته لخطاب ذلك المشهد ~~وجوابه. # قال الأستاذ : موت الأبدال الذين هم الأوتاد ، ومنهم القطب فجبال الأرض ~~التي هي أوتادها لتقلع في القيامة ، وتسير جبال الأرض اليوم بموت السادة إذ ~~هم الأوتاد للعالم بالحقيقة. # ( وترى ) أرض البدن ( بارزة ) لا ظاهرة مستوية مسطحة ~~بسيطة ، كما كانت لا صورة عليها ، ولا تركيب فيها ترابا خالصا وحشرنهم ~~الضمير إما للقوى المذكورة وإما لأفراد الناس ( فلم نغادر منهم ~~أحدا ) غير محشور. # قوله تعالى : ( وعرضوا على ربك صفا ) عرف كل ms0983 صنف من أهل المقامات ~~والولايات ، وكل من لله دعوى من بساط عزته بما هم فيه في أيام البلاء في ~~دار العناء ، فيشهد كل مشاهد مشهده فمن شاهد يشهد مشاهد المنة ، ومن شاهد ~~يشهد مشاهد الوصلة ، ومن شاهد يشهد مشاهد الصفات ومن شاهد يشهد مشاهد الذات ~~، فمن كان مشربه المحبة فيكون في بحر الجمال ، ومن كان مشربة الهيبة فهو في ~~بحر الجلال ، ومن كان مشربه المعرفة فهو في بحر الصفات ، ومن كان مشربه ~~التوحيد فهو في بحر الذات ، ومن كان مشربة الجولان في الأفعال فموضعه مقام ~~الجوار في الجنان ، ومن كان محجوبا في الدنيا عن هذه الأحوال فموضعه ~~النيران. # قال الأستاذ : يقيم كل واحد يوم العرض في شاهد مخصوص ، ويلبس كلا بما هو ~~أهله ، فمن لباس تقوى ، ومن قميص هدى ، ومن صدار وجد من صدره محبة ، ومن ~~لبسه شوق ، ومن حله وصلة. PageV02P426 # ويقال : يجردهم عن كل صفة إلا ما عليه فطرهم يوم القيامة فينادي المنادي ~~على أحدهم هذا الذي أطاع واتقى ، وهذا الذي عصى وطغى ، وهذا الذي أتى ووجد ~~، وهذا الذي أبى وجحد ، وهذا الذي عرف فأقر ، وهذا الذي خالف فأصر ، وهذا ~~الذي أنعمنا عليه فشكروا ، وهذا الذي أحسنا إليه فكفر ، وهذا الذي سقيناه ~~شرابنا ورزقناه محابنا ، وشوقناه إلى لقائنا ، ولقيناه خصائص مراعتنا ، ~~وهذا الذي وسمناه بحجتنا وحرمناه وجوه قربتنا ، وألبسناه نطاق فراقنا ، ~~ومنعناه توفيق وفاقنا ، وهذا وأخجلتنا من وقوفي وسط دراهم إذ قال لي معرضا ~~: من أنت يا رجل. # ( وعرضوا على ربك ) عند البعث ( صفا ) أي : مصطفين ~~مترتبين في الموافق لا يحجب بعضهم بعضا كل في رتبة ( لقد جئتمونا ) ~~أي : قلنا لهم ذلك اليوم لقد جئتمونا حفاة عراة عزلا فرادى أي : ( ~~كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ) بإنكاركم البعث ( ألن نجعل لكم ~~موعدا ) وقتا لإنجاز ما وعدتم على ألسنة الأنبياء من البعث والنشور. # ومعنى قوله سبحانه : ( لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ) شاهدوا ~~الحق على وصف فطرة الأولية حيث لا أعمال ، ولا أحوال ، ولا نطق ، ولا أقوال ~~محتاجين إلى عين ms0984 منه ينظرون بها إليه ، وإلى سمع منه يسمعون بها منه ، وإلى ~~قلب يعقلون به عنه ، وإلى روح يعيشون به ، وهم هناك على حد الفناء عن أوصاف ~~الخليقة مغلوبين بأسرار قهر الأزل دهشين بين يدي جبروته ؛ كأنهم يخرجون من ~~العدم عاجزين في أنوار القدم يسألون عنهم على أي شيء كنتم ، وعلى أي موقف ~~وقفته من معرفة الجلال ومحبة الجمال فيهيجهم فضله العميم وكرمه القديم إلى ~~نطق بالجواب فيقولون : نحن ما كنا في مهاد الولاية شاربين ألبان الزلفة من ~~ثدي القربة ، ساكنين عن غبار الوحشة ، والان جئناك على لباس العبودية ~~ملامين في دار المحبة. # قالت سكينة من هذا؟ قلت لها %~% أنا الذي أنت عن أعزائه زعموا # قوله تعالى : ( ووجدوا ما عملوا حاضرا ) كتاب الأعمال يوضع ~~الزهاد والعباد ، ويوضع كتاب الطاعة والمعصية للعموم ، ويوضع كتاب المحبة ~~والشوق والعشق ؛ لأهل الخصوص فكم من زفرة مكتوبة ، وكم من أوه مكتوب ، وكم ~~من غيرة منقوشة ، وكم من حرقة معرفة ، وكم من لوعة الاشتياق مشهودة ، وتلك ~~الكتب بنظائر حقائق أنوار أسرارهم مشحونة ، وهي لفضائل هؤلاء المشتاقين ~~منشورة ، وأودعت الفؤاد كتاب شوق سينشر طيه يوم القرار بعرض كتبهم على ~~الأولين والاخرين ؛ حتى يعترفوا بجهلهم عن معرفتهم في الدنيا بأستار ، فكم ~~من عارف ليس كتاب ، وهو من أهل السر في سر السر ما عرف ملكه ما PageV02P427 # جرى عليه ، كيف يكتبان الذي لا يعرفان ولا يرانه ، فأعماله قلبية وقلبه ~~غيبي ، وغيبه أزلي لا يطلع عليه إلا الحق سبحانه. # وهذا كقوله عليه السلام : «إن لله عبادا لا يطلع عليهم ملك مقرب ، ولا نبي ~~مرسل» (1) وهو من أهل خصوص الخصوص ظاهر الاية تخويف لمن له خاطر من الخواطر ~~المذمومة ، ونفس من أنفاسه المعدودة المعلومة المشوبة بالتفات سره إلى غير الحق. # قال أبو حفص : أشد آية في القرآن على قلبي قوله : ( ووجدوا ما ~~عملوا حاضرا ) انظروا إلى المخالفات كان فيها الهلاك ، ونظروا إلى ~~الموافقات وجدوها مشوبة بالرياء والسمعة والشهوات فخوف أهل اليقظة من ~~الموافقات أكبر من خوفهم من المخالفات ؛ لأن المخالفات في مقابلة ms0985 العفو ~~والشفاعة وسوء الأدب في الموافقة أصعب وأكثر خطرا ، ولو لم يكن فيه إلا ~~المطالبة بصدق ذلك. ( ووضع الكتاب ) أي : كتاب القالب المطابق لما ~~في نفوسهم من هيئات الأعمال الراسخة فيهم ، ( فترى المجرمين مشفقين ~~مما فيه ) لعثورهم به على ما نسوا ( ويقولون يا ويلتنا ) يدعون ~~التهلكة التي هلكوا بها من أثر العقيدة الفاسدة ، والأعمال السيئة. # ( ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ) لكون ~~آثار حركاتهم وأعمالهم كلها باقية في نفوسهم صغيرة كانت أو كبيرة ثابتة في ~~ألواح النفوس الفلكية ، وأيضا مضبوطة فيها ، تظهر عليهم على التفصيل في ~~نشأتهم الثانية لا محيص لهم عنها وهذا معنى قوله : ( ووجدوا ما ~~عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا ) سر معنى سجود الملائكة وإباء إبليس. # وقوله : ( كان من الجن ) كلام مستأنف ، كأن قائلا قال : ما بال ~~إبليس لم يسجد قال : كان من الجن أي : من القوى البدنية المختفية المواد ؛ ~~فلذلك فسق ( عن أمر ربه ) أي : لاحتجابه بالمادة ولواحقها. # قال الله سبحانه : ( ليسئل الصادقين عن صدقهم ) [الأحزاب : 8]. # ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ~~ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين ~~بدلا (50) ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ ~~المضلين عضدا PageV02P428 # (51) ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا ~~لهم وجعلنا بينهم موبقا (52) ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم ~~يجدوا عنها مصرفا (53) ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان ~~الإنسان أكثر شيء جدلا (54) وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ~~ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا (55) وما ~~نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به ~~الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا (56) ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض ~~عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم ~~وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا (57) وربك الغفور ذو ms0986 الرحمة ~~لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا (58)) # قوله تعالى : ( أفتتخذونه وذريته أولياء ) إن الله سبحانه عاتب ~~من التفت إلى شيء سواه من العرش إلى الثرى ، وعرف مكان ألطاف ربوبيته ، ~~وفردانية ذاته وصفاته ، وأعلمنا مقام تنزيه قدمه عن الأضداد والأنداد التي ~~هي فانية تحت جبروته ، وخاضعة في ميادين ملكوته القدم عن الحدوث ومن النور ~~، وأي شيء النور والظلمة من إبليس وذريته ، وإيش الأصنام والأوثان في ساحة ~~كبريائه الأزلي الذي يفنى بسطوة من سطواته كل ما بدأ من العدم إلى الوجود ، ~~أي شناعة أشنع على من يعتمد على أحد دون عزته. # قال يحيي بن معاذ : لا يكون وليا لله ، ولا يبلغ مقام الولاية من نظر إلى ~~شيء دون الله ، أو اعتمد سواه ، ولم يميز بين من يواليه ومن يعاديه ، وحال ~~إقباله من حال إدباره. # قال الله : ( أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو ). # قال الحسين : خاطبك الحق تعالى أحسن خطاب ، ودعاك إلى نفسه ألطف دعاء ~~بقوله : ( أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم ). # قوله تعالى : ( ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ) إن الله سبحانه ~~أخبر عن أولية ذاته ، وتقدم صفاته حيث لا حيث ، ولا أين ولا بين إلا رسم ~~للحدث ، ولا وسم كان بحر وجود جلاله مسرمدا دائما منزها عن نقائص الحدوثية ~~، ولا عقل ، ولا فهم ، ولا علم كان في قدم عزته لا وجود لها ، ولا عدم ولا ~~رسم فلم يزل قائما بذاته ، فإذا أراد كون الخلق مشاهد صفته بنعت التجلي ~~أخرج الكون من العدم ، ولم يحتج إلى إعانة حادث في إيجاده إذا لو شاهد PageV02P429 # الخلق عند كونه ، وإيجاد الحق وجوده تكون منقصة في نظر العدم ، وكيف تكون ~~ذلك القدم منزه عن المعية مع الخلق. # فإذا كان كذلك فإيش يدرك من الحدثان وأسرار صفاته مندرجة تحت أسرار ذاته ~~، وأسرار ذاته مخفية في أسرار صفاته للعقول بها إحاطة ، وليس للقلوب ~~بعرفانها منزلة ، وليست الأرواح ؛ لإدراكها خطرة ، ولا للأسرار همة هي ~~ممتنعة عنها ، يشاهدها أهل البرية ms0987 التي استحقاقها من سطوة عزته وفناء. # قال أبو سعيد الخراز : لقد عجزت الخليقة عن أن تدرك بعض صفات ذاتها ، ~~وتدري كيف كنهما في أنفسها. # قال الله : ( ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ) ~~فلم يملك الله الخلقية أن تحرى علم أنفسها في أنفسها فكيف يدرك شيئا من ~~صفات شاهدها. # ( وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا (59) وإذ ~~قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا (60) فلما بلغا ~~مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا (61) فلما جاوزا قال ~~لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا (62) قال أرأيت إذ أوينا ~~إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله ~~في البحر عجبا (63) قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا (64)) ~~قوله تعالى : ( وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا ). # قرى الحقائق لبعضهم نفوس ، ولبعضهم قلوب ولبعض عقول ، ولبعضهم أرواح ، ~~ولبعضهم أسرار ، وللعموم صدور ، ولعموم العموم أشباح فأهل الأشباح لما لم ~~يستعملوا الحواس ؛ بما خلق الله لها من طاعته وخدمته مسخها كقوله : ( ~~ كونوا قردة خاسئين ) وأهل الصدور لما لم يراعوا أنوار الإسلام ~~بتقديسها عن شوب النفاق خربها الله بجند الوسواس وأهل النفوس لما لم يزكوها ~~بصفاء المجاهدة تركها في شهواتها ، وحجبها عن صفاء الذكر وأهل القلوب لما ~~لم يراقبوا أنوار الغيوب ، ولم يدفعوا عنها الخواطر المذمومة حجبها عن رؤية ~~ملك الاخرة وأهل العقول لما لم يستعملوها بالجولان في الأفكار ، ولطائف ~~الأذكار حجبها عن غرائب الأنوار. # وأهل الأرواح لما لم يجيلوها في ميادين الملكوت ؛ لطلب مشاهدة الجبروت ~~حجبها الحق بشواغل الرسوم وأهل الأسرار ، ولما لم يعرفوا حقائقها وماهيتها ~~؛ بأنها طروق لطائف PageV02P430 # علومه الغيبية تركها خالية عن كشوف أحكام الربوبية ، وأهل الظاهر لما لم ~~يعرفوا المنعم باشتغالهم بالنعمة أهلكهم الله بأن شغلهم بالنعمة عن طلب ~~المنعم. # قال أبو بكر بن طاهر : لما لم يشكروا نعم الله عندهم ، ولما يقابلوا ~~البلاء بالصبر والرضا. # قال الواسطي : وكلنا هم إلى سوء تدبيرهم حين سخطوا حسن ms0988 اختبارنا. # ( وإذ قال موسى ) ظاهرة على ما ذكر في القصص ، ولا سبيل إلى ~~إنكار المعجزات وإما باطنه. # قوله تعالى : ( فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا 3 ~~من سفرنا هذا نصبا ) لما أخطئوا والطريق لم يسرا بالقلب فاثر عليهما النصب ~~، وذلك بتعليم الله إياهما ؛ بأن جاوزا عن الحد وسر القلب ربما عرف حكم ~~الغيب لم يعرف ذلك القلب والعقل فيتأذى النفس من جهة الجهل به ، ولو عرف ~~القلب والنفس كما عرف السر لم يطرأ عليها أحكام التعب ، ولحوق النصب لهما ~~بأنهما في مقام المادة والامتحان ، ولو كان موسى هناك محمولا بحظ المشاهدة ~~؛ لكان كما كان في طور لم يأكل الطعام أربعين يوما ، ولم يلحق به تعب وهذا ~~حال أهل الأنس ، والأول حال أهل الإرادة ؛ ألا ترى كيف قال صلى الله عليه وسلم : # «أبيت عند ربى يطعمني ويسقيني» (1). ولما كان في طلب الواسطة احتجب عن ~~مقام المشاهدة ، وابتلى بالمجاهدة أدبه الحق بذلك ؛ حتى لا يخطر بباله أنه ~~في شيء من علوم الحقائق فإنه تعالى غيور على من يدع بالبلوغ إلى سر الأسرار ~~؛ لأجل ذلك أخرجه إلى تعلم علم الغيب. # وقال الأستاذ : كان موسى في هذا السفر محتملا ، وكان سفر تأديب واحتمال ~~مشقة ؛ لأنه ذهب لاستكبار العلم ، وجال طلب العلم ، وحال التأدب وقت تحمل ~~المشقة ، ولهذا لحقه الجوع فقال : ( لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ) ~~وحين قام في بدء انتظار سماع الكلام عن الله صبر ثلاثين يوما ، ولم يلحقه ~~جوع ولا مشقة ؛ لأن ذهابه في هذا السفر إلى الله ، وكان محمولا. # فإن يقال وإذ قال : ( هذا نصبا ) هو نصب الولادة ومشقتها ( ~~ قال أرأيت ) ما عراني ( إذ أوينا إلى الصخرة ) أي : النحر ~~للارتضاع ( فإني نسيت الحوت ) لاستغنائنا عنه ( وما ~~أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ) أي : وما أنساني أن أذكره إلا الشيطان ، ~~على إبدال أن أذكره من الضمير ؛ وذلك لأن موسى كان راقدا حين اتخذ الحوت ~~سبيله في البحر على ما PageV02P431 # قيل ، وفتى النفس يقظان ، فأنسى شيطان الوهم الذي زين الشجرة لادم ، ذكر ms0989 ~~النفس الحوت لموسى ؛ لكون الحال حال ذهول والسبيل المتعجب منه هو السراب ~~المذكور. # ( قال ذلك ) أي : تملص الحوت واتخاذه سبيله الذي كان عليه في ~~جبلته ( ما كنا ) نطلبه ؛ لأن هناك مجمع البحرين الذي وعد موسى ~~عنده بوجود من هو أعلم منه ، إذ الترقي إلى الكمال بمتابعة العقل القدسي لا ~~يكون إلا في هذا المقام ( فارتدا على آثارهما ) في الترقي إلى مقام ~~الفطرة الأولى ، كما كانا أو لا يقصان ( قصصا ) أي : يتبعان ~~آثارهما عند الهبوط في الترقي إلى الكمال. # ( فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا ~~علما (65)) # قوله تعالى : ( فوجدا عبدا من عبادنا ) فيه إشارة خفية إن لله ~~سبحانه خواصا من عبادة ، وهم الذين اصطفاهم لمعرفة ما استأثر لنفسه من علوم ~~الربوبية ، وأسرار الوحدانية ، وحقائق الحكمة ولطائف ملكوته وجبروته ، وهم ~~أهل الغيب وغيب الغيب والسر ، وسر السر الذين غيبهم الله في غيبه ، وسترهم ~~عن خلقه شفقة عليهم فيما يظهرون من سر الله ، وهم العباد بالحقيقة الذين ~~بلغوا حقيقة العبودية بحيث جعل الله عبوديتهم محاذيا لربوبيته ، وإلا فالكل ~~عباده من حيث الخليقة لكن هم العباد بالحقيقة من حيث المعرفة ، ولو لا تلك ~~الخاصية المحضة لما قال صلى الله عليه وسلم : «أنا العبد ، لا إله إلا الله ، ~~أنا العبد بالحقيقة لا غير» (1). # وأي تشريف أشرف لخضر عليه السلام من هذه الخاصية له سماه عبدا ، ومن ~~بالحقيقة عبده لو لا رحمته الكافية التي سبقت في الأزل لعباده لما يجترئ ~~أحد من خلقه أن يقول : أنا عبدك ؛ لأنه منزه عن أن يعبده الحدثان بالحقيقة. # ووجد العقل القدسي وهو عبد من عباد الله مخصوص بمزية عناية ورحمة ( ~~ آتيناه رحمة من عندنا ) أي كمالا معنويا بالتجرد عن المواد والتقدس ~~عن الجهات النورية المحضة التي هي آثار القرب والعندية ( وعلمناه ~~من لدنا علما ) من المعارف القدسية والحقائق الكلية اللدنية بلا واسطة ~~تعليم بشري. # وقوله : ( هل أتبعك ) هو ظهور أداة السلوك والترقي إلى الكمال ( ~~ إنك لن تستطيع معي صبرا ) لكونك غير مطلع على الأمور الغيبية ms0990 ~~والحقائق المعنوية لعدم تجرد أو احتجابك بالبدن وغواشية فلا تطبق مرافقتي. PageV02P432 # وهذا معنى قوله : ( وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا )، ( ~~ قال ستجدني إن شاء الله صابرا ) القوة استعدادي وثباتي على الطلب ( ~~ ولا أعصي لك أمرا ) لتوجهي نحوك وقبولي أمرك ؛ لصفائي وصدق إرادتي ~~والمقاولات كلها بلسان الحال # ( فإن اتبعتني ) في سلوك طريق الكمال ( فلا تسئلني عن ~~شيء حتى ) أي : عليك بالاقتداء والمتابعة في السير بالأعمال والرياضات ~~والأخلاق والمجاهدات ، ولا تطلب الحقائق والمعاني ( حتى ) يأتي ~~وقته ( أحدث لك منه ذكرا ) أي : من ذلك العلم ( ذكرا ) في ~~الغيبية عند تجردك بالمعاملات القلبية والقلبية ( فانطلقا حتى إذا ~~ركبا في السفينة خرقها ) في سفينة البدن البالغ إلى حد الرياضة الصالح ~~للعبودية إلى العالم القدسي في بحر الهيولي للسر إلى الله ( خرقها ~~) أي : نقضها بالرياضة ، وتقليل الطعام ، وأضعف أحكامها ، وأوقع الخلل في ~~نظامها وأوهنها ( قال أخرقتها لتغرق أهلها ) أي : أكسرتها ؛ لتغرق ~~القوى الحيوانية والنباتية التي هم القوى البدنية واستطعامهما منهم هو طلب ~~الغذاء الروحاني منهم أي : بواسطتهم كانتزاع المعاني الكلية من مدركاتها ~~الجزئية ، وإنما أبوا أن يضيفوهما ، وأن أطعموهما قبل ذلك ؛ لأن غذاءهما ~~حينئذ كان من فوقهم من الأنوار القدسية والتجليات الجمالية والجلالية ~~والمعارف الإلهية والمعاني الغيبية ، لا من تحت أرجلهم كما كان قبل خرق ~~السفينة ، وقتل الغلام بالرياضة والقوى والحواس ، مانعة من ذلك لا ممدة بل ~~لا تتهيأ إلا بعد نعاسهم وهدوئهم. # كما قال موسى لأهله : ( امكثوا ) [طه : 10] ، والجدار الذي ( ~~ يريد أن ينقض ) هو النفس المطمئنة ، وإنما عبر عنها بالجدار ؛ ~~لأنها حدثت بعد قتل النفس الأمارة ، وموتها بالرياضة ، فصارت كالجماد غير ~~متحركة بنفسها وإرادتها ؛ ولشدة ضعفها كادت تهلك فعبر عن حالها بإرادة ~~الانقضاض ، وإقامته إياها تعديلها بالكمالات الخلقية والفضائل الجميلة بنور ~~القوة النطقية ، حتى قامت الفضائل مقام صفاتها من الرذائل. # وقول موسى عليه السلام ( لو شئت لاتخذت عليه أجرا ) تلوين قلبي لا ~~نفسي ، وهو طلب الأجر والثواب باكتساب الفضائل واستعمال الرياضة ؛ ولهذا ~~أجابه بقوله : ( هذا فراق بيني وبينك ) أي : هذا هو مفارقة مقامي ms0991 ~~ومقامك ومباينتهما ، والفرق بين حالي وحالك ، فإن عمارة النفس بالرياضة ~~والتخلق بالأخلاق الحميدة ليست لتوقع الثواب والأجر ، وإلا فليست فضائل ولا ~~كمالات ؛ لأن الفضيلة هي التخلق بالأخلاق الإلهية بحيث تصدر عن صاحبها ~~الأفعال المقصودة لذاتها لا لغرض ، وما كان لغرض فهو حجاب ورذيلة لا فضيلة ~~، والمقصود هو طرح الحجاب ، وانكشاف غطاء صفات النفس والبروز إلى عالم ~~النور ؛ لتلقي PageV02P433 # المعاني الغيبية ، بل الاتصاف بالصفات الإلهية ، بل التحقق بالله بعد ~~الفناء فيه لا الثواب كما زعمت. # ( سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) أي : لما اطمأنت النفس ~~واستقرت القوى أمكنك قبول المعاني وتلقي الغيب ، الذي نهيتك عن السؤال عنه ~~حتى أحدث لك منه ذكرا فسأذكر لك ، وأنبئك بتأويل هذه الأمور إذا استعددت ~~لقبول المعاني والمعارف. # ( أما السفينة فكانت لمساكين ) (1) في بحر الهيولي أي : القوى ~~البدنية من الحواس الظاهرة والقوى الطبيعية النباتية ، وإنما سماها مساكين ~~؛ لدوام سكونها وملازمتها لتراب البدن ، وضعفها عن ممانعة القلب في السلوك ~~والاستيلاء عليه كسائر القوى الحيوانية. # وحكي أنهم كانوا عشرة إخوة خمسة منهم زمنى ، وخمسة يعملون في البحر ، ~~وذلك إشارة إلى الحواس الظاهرة والباطنة. # ( فأردت أن أعيبها ) بالرياضة ؛ لئلا يأخذها ملك النفس الأمارة ~~غصبا ، وهو الملك الذي كان وراءهم أي : قدامهم ( يأخذ كل سفينة ~~غصبا ) بالغواشي البدنية أو القلب الذي مات ، أو قتل قبل الكمال باستيلاء ~~النفس في المدنية البدن. # ( وكان تحته كنز لهما ) أي : كنز المعرفة التي لا تحصل إلا بهما ~~في مقام القلب ، لا مكان اجتماع جميع الكليات والجزئيات فيه بالفعل وقت ~~الكمال ، وهو حال بلوغ الأشد واستخراج ذلك الكنز. # وقال بعض أهل الظاهر من المفسرين : كان الكنز صحفا فيها علم. # ( وكان أبوهما ) على كلا التأويلين ( صالحا ). # وقيل : كان أبا أعلى لهما ، حفظهما الله له فعلى هذا لا يكون إلا روح القدس. # وقوله تعالى : ( آتيناه رحمة من عندنا ) ولاية وقرا ومشاهدة ( ~~ وعلمناه من لدنا علما ) معرفة كاملة ، وعلما من علومه المجهولة ~~الغيبية التي مكتومة عن كثير من الأخيار ، وهو علم اللدني الخاص الذي ~~استأثره الله لنفسه ms0992 ، والخواص خواصه ، وذلك العلم حكم الغيب على صورة ~~مجهولة حقائقها مقرونة بمنافع الخلق ، وهذا يتعلق بعلم عالم الأفعال التي ~~براهينها لاستحكام العبودية. PageV02P434 # وأخص من ذلك الوقوف على بعض سر القدر قبل وقوع واقعته ، وأخص من ذلك علم ~~الأسماء والنعوت الخاصة ، وأخص من ذلك علم الصفات ، وأخص من ذلك علم الذات ~~، وعلم المتشابه خاص في العلم المجهول فكل ما يتعلق هذه العلوم يكون ~~بالمكاشفات ، وظهور المغيبات وعلم القدم الذي هو وصف الحق تعالى من علم ~~الربوبية يتعلق بالإلهام الخاص ، وسماع كلام القديم بغير الواسطة ، وفوق ~~ذلك ما استأثر الحق لنفسه خاصة ، وليس للخلق إليه سبيل بحال. # قال ذو النون : العلم اللدني هو الذي محكم على الخلق بمواقع التوفيق ~~والخذلان. # قال ابن عطاء : علم بلا واسطة للكشوف ، ولا بتلقين الحروف لكنه الملقى ~~إليه بمشاهدة الأرواح. # قال الحسين : العلم اللدني إلهام أخلد الحق الأسرار فلم يملكها انصراف. # وقال القاسم : علم الاستنباط بكلفة ووسائط ، وعلم اللدني بلا كلفة ولا وسائط. # وقال الجنيد : العلم اللدني ما كان محكما على الأسرار من غير ظرفية ولا ~~خلاف واقع ؛ لكنه مكاشفات الأنوار عن مكنون المغيبات ، وذلك يقع للعبد إذا ~~زم جوارحه عن جميع المخالفات ، وأفنى حركاته عن كل الإرادات ، وكان شجا بين ~~يدي الحق ؛ بلا تمن ولا مراد. # قال سهل : الإلهام ينوب عن الوحي كما قال الله : ( وأوحى ربك إلى ~~النحل ) [النحل : 68] ( وأوحينا إلى أم موسى ) [القصص : 7] وكلاهما إلهام. # وقال الأستاذ : إذا سمى الله إنسانا بأنه عبده جعله من جملة الخواص ، ~~فإذا قال : عبدي جعله من خواص الخواص. # وقال العلم اللدني : ما يحصل من طريق الإلهام دون التكلف بالطلب ، ويقال ~~: ما يعرف به الحق أولياءه مما فيه صلاح عباده. # ( قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا (66) قال ~~إنك لن تستطيع معي صبرا (67) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا (68) قال ~~ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا (69) قال فإن اتبعتني فلا ~~تسئلني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا (70) فانطلقا حتى ms0993 إذا ركبا في السفينة ~~خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا (71) قال ألم أقل إنك لن ~~تستطيع معي صبرا (72) قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا ~~(73) فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد ~~جئت شيئا نكرا (74) قال ألم أقل لك إنك لن PageV02P435 # تستطيع معي صبرا (75) قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد ~~بلغت من لدني عذرا (76)) # قوله تعالى : ( هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا ) (1) أحسن ~~الأدب موسى عليه السلام حيث استأذن في المتابعة عرف موسى أن علم الحق لا ~~نهاية له ، فاشتاق إلى ما فوق علمه ، فاستعلم مكنونه من مواضع تجليه وخاصية ~~خطابه ، وذلك الرشد الأعلى بحيث إذا علم عرف في جنبه الحق بنعت خاص دون ما ~~علمه السيار والسباح في بحر وحدانيته ، وميادين قدرة غرثانه إلى علم ~~ألوهيته ، ولا بأس ، فإن ذلك العلم الذي عند الخضر لم يكن عند موسى ، فأراد ~~سبحانه أن يعرف موسى ذلك العلم السري النور الغيبي فامتن بصحبة الخضر ؛ ~~لاستقامة الطريق ولتقويم السنة في متابعة المشايخ ، وليكون أسوة للمريدين ~~والقاصدين في خدمتهم أشياخ الطريقة ، وكان موسى أعلم من الخضر بما عنده من ~~الحق ، ولكن ليس عنده ما كان عند الخضر في ذلك الوقت فساعده التوفيق ، فعرف ~~منه أبواب تلك الأسرار المكتومة ، فدخل في باب علم الخضر إلى عالم العلم ~~المجهول ، وبلغ إلى مقام فيه غاب علم الخضر ، وعلم جميع الخلق هناك ، وهذا ~~زيادة فضل الله على موسى. # قال فارس : إن موسى كان أعلم من الخضر فيما أخذ عن الله ، والخضر كان ~~أعلم من موسى فيما وقع إلى موسى. # وقال أيضا : إن موسى كان مبقى عليه صفته ؛ ليأخذ الغير أدبه ، فمن انقطع ~~عن الرياضة كان على حسب العصمة والتمكين فيه ، والخضر كان فانيا مستهلكا ، ~~والمستهلك لا حكم له ، وموسى كان باقيا بالحق ، ولا فرق بينهما ؛ لأنهما ~~تكلما من معدن واحد ، ثم إن الخضر تعلل ، ودفع صحبة موسى عليه السلام ونسب ~~موسى ms0994 إلى قلة الصبر معه ، وبقلة العلم بما عنده وهو يعلم أن موسى أكرم ~~الخلق على الله في زمانه ، وهو رجل منبسط معربد ، ففزع من صحبته فدفع صحبته ~~بقوله : ( إنك لن تستطيع معي صبرا ) فقرن الصبر بالعلم ، وبين أن ~~قلة الصبر من الجهل ، وكان موسى صابرا عالما ، ولكن من حمية في دينه ~~وشريعته ، لم يقبل ما لا يوافق الشرع ، وذلك ليس قلة الصبر ، ولا قلة العلم ~~؛ إنما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحفظ لحدود الله ، كان موسى ~~مستغرقا في بحر جمال الحق وسماع كلامه المسفر منه بلا وساطة ، وذلك الكلام ~~أخبره عن سر الأسرار ، وغرائب علوم الربوبية ، وكان فارغا عن PageV02P436 # صورة رسوم علم المقادير التي يتعلق بالمنافع والمضار فعلم الشيخ شأنه ؛ ~~إنه مع حاله وسكره بوصال الحق لا يحتمل ما لا يتعلق بتلك الكشوفات ، ولا ~~بأس به وإن لم يعلم ذلك العلم فإن السلطان لا يضر به إن لم يعلم علم ~~التجارة. # قال جعفر : لن تصبر مع من هو دونك فكيف تصبر مع من هو فوقك؟ # وقال بعضهم قال الخضر لموسى : ( إنك لن تستطيع معي صبرا ) ثم لم ~~يصبر مع الخضر بقوله : ( هذا فراق بيني وبينك ) ليعلم أنه ليس لولي ~~أن يتفرس في نبي. # قال بعضهم : آيسه من نفسه ؛ لئلا يشغل صحبته عن صحبة الحق ، ولما عزم أمر ~~طلب الزيادة في موسى ( قال ستجدني إن شاء الله صابرا ) تأدب موسى ~~واستثنى ؛ لأنه كان عالما بأن الصبر لا يكون إلا بالله. # قال فارس : موسى عليه السلام استثنى على نفسه بقوله : ( قال ~~ستجدني إن شاء الله صابرا ) أو لم يستثن الخضر على موسى بقوله : ( ~~إنك لن تستطيع معي صبرا ) قال : لأن علم موسى في ذلك الوقت علم تكليف ~~واستدلال ، وعلم الخضر علم لدني من غيب إلى غيب ، وقال : موسى كان على مقام ~~التأديب ، والخضر قائم مقام الكشف والمشاهدة لما جعل مؤدبا له ، ثم علم ~~الخضر أن موسى صغر في عينه علم من كان على وجه الأرض ، ولا يلتفت من مقامه ~~الذي هو الشهود ms0995 مشهد رؤية الذات والصفات إلى ما يظهر من المقدرات في عالم ~~الصورة التي يتعلق بمنافع الخلق من جلال شأنه عند الله ، وعظيم علمه بنعت ~~الله وصفاته فأكد الأمر : ( فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيء حتى ~~أحدث لك منه ذكرا ) دفع سؤاله فإن الصادق يعلم الواقعة إذا كان متحققا ، ~~وتبين له ما يريد بصدقه وإخلاصه ، ولا يحتاج إلى السؤال وحق المتابعة ~~السكون عند تصرف الأستاذ. # قال الحصري : علم الخضر قصور علمه عن محل سؤال موسى ، وإنه لجأ إليه ~~للتأديب لا للتعليم فقال له : ( فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيء ) ~~لأن علمك أعلى وأتم ، وإنما ألجئت إلى التأديب لا للتعليم في خاص حال من ~~الأحوال. # ( فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن ~~يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه ~~أجرا (77) قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ~~(78) أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان ~~وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا (79)) # قوله تعالى : ( استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما ) سلكا طريق ~~السؤال يتعلق PageV02P437 # بتذلل النفس في الطريقة ، فلما أبوا أن يضيفوهما نزلا من مقام السؤال إلى ~~الكسب والكسب من أوصاف السالكين ، والسؤال من أوصاف المجذوبين الذين لا ~~يطيقون أن يشتغلوا بالمكاسب ، ويضيعوا أنفسهم بالاشتغال بالكسب بل يسألون ~~ما يحتاجون بلحظة ، ويفرغون من ذلك بلحظة ، وطريق السؤال بالحقيقة للتمكين ~~أن يكون المسئول في البين هو الله عز وجل ، والسؤال سبب ضعيف ، فإذا كمل ~~الحال يسقط السؤال والكسب ، وفيه بيان أن الكسب والسؤال لم يمنعا العارف من ~~مقام الرضا والتوكل ؛ لأن مع جلالة قدرهما سألا واكتسبا وكانا في محل ~~التوكل والرضا على أحسن الأحوال. # قال الواسطي في قوله : ( فأبوا أن يضيفوهما ) الخضر شاهد أنوار ~~الملك ، وشاهد موسى الوسائط ، وكان الخضر أخبر موسى أن السؤال من الناس هو ~~سؤال من الله فلا تغضب عن المنع فإن المانع ، والمعطى واحد ، فلا تشهد ~~الأسباب ، وأشهد المسبب تشريح من هواجس النفس ، ولما ms0996 أقام الخضر الجدار ، ~~وترك أجر العمل. # قال موسى : ( قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا ) لم يكن موسى يطمع في ~~أجرة العمل لكن وجد أهل القرية لئاما بخلاء أراد أن يأخذ أجرة العمل ويتصدق ~~بها لأمرين شحنه لعيون البخلاء داء. # هكذا قال عليه السلام في وصف تلك القرية قال : كانت قرية اللئام ، وقال : ~~طعام البخيل داء ، ويمكن أنه أراد أن يأخذ الأجرة ، ويأكل منها الأنبياء ~~فيغفر الله لأهل القرية ذنوبهم ويجعلهم أسخياء ببركتهم ، وكان موسى في مقام ~~الرفاهية والأنس ، وتضر به المجاهدة ، وكان الخضر بعد قد بقي في منازل ، ~~وكان موسى في بحر نيران الاشتياق ، ولا يصبر عن الطعام ، وهكذا حال أهل ~~النهايات ، وكان عليه السلام في بدء الأمر في مقام السماع والمشاهدة صبر عن ~~الطعام والشراب أربعين يوما ، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم من المعراج روي ~~أنه جاع في الساعة ، وذلك من صولة الحال ، وكان ميل الخضر إلى ترك أجره ~~العمل ، وهذا من دأب الفتيان. # قال ابن عطاء : رؤية العمل وطلب الثواب به يبطل العمل. # ألا ترى الكليم لما قال للخضر : ( قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا ) ~~كيف فارقه. # وقال الجنيد : إذا وردت ظلم الأطماع على القلوب حجبت النفوس عن حظوظها من ~~بواطن الحكم ، ولما انتهى علم الخضر إلى كمالها وعرف موسى شأنه ، وحد علمه ~~، وكاد أن يغلب على الخضر بأن يطلب منه أسرار العلوم الربانية الصفاتية ~~الذاتية علم الخضر أنه بنفسه لا يطيق أن يجيبه ، مما يدفعه فيفرغ منه فعلل ~~بقوله : ( هذا فراق بيني وبينك ) عرف الخضر سر موسى وآنسه بجمال ~~الحق ، وأنه ممتحن في صحبته فأراد أن يريحه من صورة العلم PageV02P438 # والعمل ، وأيضا عرف حدته ، وخاف من جواب سؤاله الذي من عالم سر سر ~~الربوبية العلية فخاف منه بأن يتطاول على شيخ من شيوخ القصة ، وكيف لا يفرغ ~~منه وعلم وكزته التي ذهبت بإحدى عيني عزرائيل عليه السلام . # قال النصر آبادي : لما علم الخضر انتهاء علمه وبلوغ موسى إلى منتهى ~~التأدب ، قال : ( هذا فراق بيني وبينك ) (1) لئلا ms0997 يسأله موسى بعده ~~عن علم أو حال فيفضح. # وقال أبو بكر بن طاهر : كان موسى ينهى الخضر عن مناكير في الظاهر ، وإن ~~كان للخضر فيه علم لكن ظاهر العلم ما كان يأمر به موسى فلما نهاه عن ~~المعروف بقوله : ( قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا ) ورده الطمع. # قال : ( هذا فراق بيني وبينك ). # ( وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا ~~وكفرا (80) فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما (81) وأما ~~الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما ~~صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن ~~أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا (82) ويسئلونك عن ذي القرنين قل ~~سأتلوا عليكم منه ذكرا (83)) # قوله تعالى : ( وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن ~~يرهقهما طغيانا وكفرا ) قد عجبت من هذا الأمر ، وأن الله سبحانه كان في ~~الأزل عالما بذلك قادرا على أن يخلقه مؤمنا ، ولم يطبع على قلبه الكفر حتى ~~لا يكون أبواه بسببه كافرين ، لكن حكمته الأزلية جارية بغير إدراك إفهام ~~الفهماء ، وهو لا يحتاج إلى قتل الغلام بغير جرم ، بل هو قادر على أن يهديه ~~إلى طريق الحق ؛ حتى لا يغشى عليه ، وعلى أبويه ظلمة الكفر ( يفعل ~~ما يشاء ) [الحج : 18] و ( يحكم ما يريد ) [المائدة : 1] ظاهر ~~الاية كأنها تنبئ أن اكتساب البشر مانع القدر ، كقتل الخضر الغلام يمنح ~~صيرورة كفر أبويه ، والأمر على مما يتوهم المتوهمون فيه ؛ لأن ذلك بيان وصف ~~عين الجمع في العالم أن الخضر كان فعل الله ، والغلام فعل الله ، والقتل ~~فعل الله ، PageV02P439 # والأمر أمر الله ، والقدر قدر الله ، فمن حيث القدر يثبت ، ومن حيث الفعل ~~يمحو ما قدر يمحو الله ما يشاء مما قدر في الأزل ، بقدر أسبق من ذلك القدر ~~، وهو علم العلم ، وغيب الغيب ، وسر السر ، وأمر الأمر ويثبت مما يشاء مما ~~قدر الذي لم يسبق عليه قدر القدر ، فهو في جميع ذلك واحد من كل الوجوه ، ~~السبب صدر من المسبب ms0998 والمسبب والسبب في عين الجميع واحد. # كان نظر الخضر إلى القدر الظاهر ، ونظر موسى إلى قدر القدر ، كان موسى ~~احتج على الخضر ؛ بأن القدر سبق على بقاء إيمان أبويه ، وإيمان المقتول معا ~~، وإن لم يكن القتل في البين ، واحتج الخضر على موسى بأن قتل الغلام كان ~~أيضا مقدرا في أزل الازال ، وهو بذاته فعل الله المباشر في أمر الله ، فلما ~~علا علمه بالقدر على علم موسى. # قال : ( هذا فراق بيني وبينك ) وأظن في ذلك أن الغلام كان حسن ~~الوجه ، وكان فيه نور من كسوة حسن الحق ، فخاف الخضر على أهل الحق ومعرفته ~~أن ينظروا إليه ويستأنسوا بما يجدون من نور الله فيه ، فيقفون بالوسائط عن ~~مشاهدة الله ، فقتله بغير الله ورفع الوسائط من بينه وبين أحبائه وأنبيائه ~~وأوليائه. # قال بعضهم : تفرس الخضر في الغلام ما تئول إليه عاقبته من الكفر ، كذلك ~~من تفرس بنور الله لا يحظى فراسته ، قوله تعالى : ( فأردت أن ~~أعيبها ) وقوله : ( فأردنا أن يبدلهما ) وقوله : ( فأراد ~~ربك ) هذه الإرادات على صورتها مختلفة ، وفي الحقيقة واحدة ؛ لأن الإرادة ~~بالحقيقة إرادة الله إذ الإرادات صدرت بصنوفهم عن إرادة الله فقوله : ( ~~ فأردت ) خبر عن عين الجمع والاتحاد ، وقوله : ( فأردنا ) ~~خبر عن الاتصاف والانبساط وقوله : ( فأراد ربك ) خبر عن إفراد ~~القدم عن الحدوث ، وتلاشي الحدث وفناء الموحد في الموحد ، وهذه الإرادة ~~بوصفها باطن المشيئة ، وباطن المشيئة غيب الصفة ، وغيب الصفة سر الذات ، ~~والذات غيب جميع الغيوب ، ولما تحرك من وصف الاتحاد قطعته الغيرة من محض ~~الاتحاد إلى عين الجمع وقطعته الجمع إلى الاتصاف ، ومن الاتصاف إلى ~~الانبساط ، ثم أغرقته بحر الألوهية ، وأفنته في لججها عن كل رؤية ، وعلم ~~وإرادة فعل ، وإشارة كان الحق بفصله نطق في الأول والثاني والثالث ، ولم ~~يبق في البين إلا الله. # قال ابن عطاء لما قال الخضر عليه السلام : ( فأردت ) أوحي إليه في ~~السر من أنت ؛ حتى تكون لك إرادة فقال في الثانية : ( فأردنا ) ~~فأوحي إليه في السر من أنت وموسى ؛ حتى تكون لكمال إرادة فرجع وقال ms0999 : ( ~~ فأراد ربك ). PageV02P440 # وأيضا قال أما قوله : ( فأردت ) كان شفقة على الخلق ، وقوله : ( ~~ فأردنا ) رحمة ، وقوله : ( فأراد ربك ) رجوعا إلى الحقيقة. # وقال الحسين في قوله : ( فأردت ) وأردنا ربك المقام الأول ~~استيلاء الحق ، والمقام والثاني مكالمة مع العبد ، والمقام الثالث رجوع إلى ~~باطن الغلبة في الظاهر ، فصار به باطن الباطن ظاهر الظاهر ، وغيب الغيب ~~عيان العيان وعيان العيان غيب الغيب ، كما أن القرب من الشيء بالنفوس هو ~~البعد فالقرب منها بما هو القرب. # قصة ذي القرنين مشهورة ، وكان روميا قريب العهد والطبيعي أن ذا القرنين ~~في هذا الوجود هو القلب الذي ملك قرينه أي : خافقيه شرقها وغربها ( ~~إنا مكنا له ) في الأرض البدن بالأقدار والتمكين على جميع الأموال من ~~المعاني الكلية والجزئية ، والسير إلى أي قطر شاء من الشرق والمغرب ( ~~ وآتيناه من كل شيء سببا ) إرادة من الكمالات. # ( سببا ) أي : طريقا بتوصل به إليه ( فأتبع ) طريقا ~~بالتعلق البدني وتوجه إلى العالم السفلي. # ( حتى إذا بلغ مغرب الشمس ) أي : مكان غروب شمس الروح ( ~~وجدها تغرب في عين حمئة ) أي : مختلطة بالحمئة وهي المادة البدنية الممتزجة ~~من الأجسام الفاسقة ، كقوله : ( من نطفة أمشاج ) [الإنسان : 2] # ( ووجد عندها قوما ) هم القوى النفسانية البدنية والروحانية ( ~~ قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ) بالرياضة والقهر والإماتة ( ~~ وإما أن تتخذ فيهم حسنا ) بالتعديل وإيفاء أحظ ( قال أما ~~من ظلم ) بالإفراد وعدم الاستسلام والانقياد كالشهوة والغضب والوهم والتخيل ~~( فسوف نعذبه ) بالرياضة # ( ثم يرد إلى ربه ) في القيامة الصغرى ( فيعذبه ) ~~بالإلقاء في نار الطبيعة ( عذابا نكرا ) أي : منكرا أشد من عذابي ، ~~وفي القيامة الكبرى فيعذبه عذاب القهر والإفناء ( وأما من آمن ) ~~بالعلم والمعرفة كالعاقلتين ، والفكر والحواس الظاهرة ( وعمل صالحا ~~) بالسعي في اكتساب الفضائل والانقياد والطاعة ( فله جزاء الحسنى ) ~~المثوبة ( الحسنى ) من جنة الصفات ، وتجليات أنوارها وأنهار علومها ~~( وسنقول له من أمرنا يسرا ) أي : قولا ذا يسر بحصول الملكات ~~الفاضلة ( ثم أتبع ) طريقا هي طريق الترقي والسلوك إلى الله ~~بالتجرد والتزكي. PageV02P441 # ( حتى إذا بلغ مطلع الشمس ) أي : مطلع شمس الروح ( وجدها ~~تطلع ms1000 على قوم ) هم العاقلتان والفكر والحدث والقوة القدسية ( لم ~~نجعل لهم من دونها سترا ) أي : حجاب بالتنور بنورها ؛ لإدراكهم المعاني ~~الكلية ( كذلك ) أي : أمره كما وصفنا ( وقد أحطنا بما لديه ~~) من العلوم والمعارف ( على أن تجعل بيننا وبينهم سدا ) لا يتجاوزن ~~حاجزا لا يعلونه ، وذلك هو الحد الشرعي والحجاب القلبي من الحكمة العملية ( ~~ قال ما مكني فيه ربي ) من المعاني الكلية والجزئية الحاصلة ~~بالتجربة ، والسير في المشرق والمغرب ( خير فأعينوني بقوة ) أي : ~~عمل وطاعة. # ( أجعل بينكم وبينهم ردما ) هو الحكمة العملية والقانون الشرعي ( ~~ آتوني زبر الحديد ) من الصور العلمية وأوضاع الأعمال ( حتى ~~إذا ساوى بين الصدفين ) بالتعديل والتقدير قال للقوى الحيوانية ( ~~انفخوا ) في هذه الصور نفخ المعاني الجزئية ، والهيئات النفسانية من فضائل ~~الأخلاق. # ( حتى إذا جعله نارا ) أي : علا برأسه من جملة العلوم يحتوي على ~~بيان كيفية الأعمال ( قال آتوني أفرغ عليه قطرا ) والنية والقصد ~~الذي يتوسط بين العلم والعمل ، فيتحد به روح العلم وجسد العمل ، كالروح ~~الحيواني المتوسط بين الروح الإنساني والبدن ، فحصل سدا أي : قاعدة وبنيان ~~من زبر الأعمال ونفح العلم والأخلاق ، وقطر العزائم والنيات ، واطمأنت به ~~النفس وتدبرت فامنت. # ( فما اسطاعوا أن يظهروه ) (1) ويعلوه ؛ لارتفاع شأنه وكونه ~~مشتملا على علوم وحجج لم يمكنهم دفعها والاستيلاء عليها ( وما ~~استطاعوا له نقبا ) لاستحكامه بالملكات والأعمال والأذكار ( قال ~~هذا ) السد أي : القانون ( رحمة من ربي ) على عباده يوجب أمنهم ~~وبقاءهم ( فإذا جاء وعد ربي ) بالقيامة الصغرى ( جعله دكاء ~~) باطلا منهدما ؛ لامتناع العمل به عند الموت وخراب الالات البدنية. # ( إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا (84) فأتبع سببا ~~(85) حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا PageV02P442 # القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا (86) قال أما من ~~ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا (87) وأما من آمن وعمل ~~صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا (88) ثم أتبع سببا (89) حتى ~~إذا بلغ مطلع الشمس وجدها ms1001 تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا (90) ~~كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا (91) ثم أتبع سببا (92) حتى إذا بلغ بين ~~السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا (93) قالوا يا ذا القرنين ~~إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا ~~وبينهم سدا (94) قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ~~ردما (95) آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا ~~جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا (96) فما اسطاعوا أن يظهروه وما ~~استطاعوا له نقبا (97) قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء ~~وكان وعد ربي حقا (98) وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور ~~فجمعناهم جمعا (99) وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا (100)) # قوله تعالى : ( إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا ) ~~أخبر سبحانه عن ذي القرنين عليه السلام أن أعطاه خلقه قدرته ، وألبسه تمكين ~~فعل حتى سهل له قلب الأشياء ، وكان يفعل ما يشاء بالله ، ويحكم بحكمه ما ~~يريد ، وكان مجمع عين الجمع من حيث نور تجلي الذات والصفات والفعل فيه معنى ~~( وآتيناه من كل شيء سببا ) من كل ما في الملكوت السفلي له برهانا ~~، وحكمة ، وعلما ، ومعرفة بالله ، وسببا إلى قرب الله من أن ذلك الشيء له ، ~~كان مرآة الحق يرى فيها علوم الغيبية ، وحكم القدرية ، ويبلغ بها إلى ~~معادنها من أسرار الأزلية فكان مقام تدريج الترقي من عالم الفعل إلى عالم ~~الصفة ، ومن عالم الصفة إلى عالم الذات ، ولو كان على محل تحقيق الكلي ؛ ~~لما أحاله الحق إلى الأسباب من الأشياء ، الحدثاني التي هي وسائط الحكمة ، ~~وأخرجه من الأشياء إلى معدن الأصل ، وهو دنو الدنو كما فعل بحبيبه ~~عليه السلام حيث أخرجه من الحدثان وأفرده من جميع الأسباب ، وبلغه إلى حقيقة ~~الحقيقة ؛ حيث شاهد الحق بالحق وفني الكل فيه ، ولم يصرف طرفه إلى الغير ؛ ~~حيث لا حيث ولا غير. # وهذا وصف قول الله سبحانه وتعالى : ( ثم ms1002 دنا فتدلى ) [النجم : 8]. # وقال : ( ما زاغ البصر وما طغى ) [النجم : 17]. # قال ابن عطاء في قوله : ( إنا مكنا له ) جعلنا الدنيا طوع يده ~~فإذا أراد طويت له PageV02P443 # الأرض ، وإذا أحب انقلبت له الأعيان ، وإذا شاء مشى على الماء ، وإذا هوى ~~طار في الهواء ، وكذا من أخلص سريرته مكناه من مملكتنا ينقلب فيها كيف يشاء ~~، فمن كان الملك كان الملك له. # وقال جعفر : إن الله تعالى جعل لكل شيء سببا ، وجعل الأسباب معاني الوجود ~~، فمن شهد السبب انقطع عن المسبب ، ومن شهد صنع المسبب امتلأ قلبه من زينة ~~الأسباب ، وإذا امتلأ قلبه من الزينة حال بينه وبين الملاحظة ، وحجبه عن ~~المشاهدة قوله تعالى : ( وأما من آمن وعمل صالحا ) أي : من عرف ~~الله وشاهده وبرئ مما دونه. # ( فله جزاء الحسنى ) يعنى له وصل الحق أبدا جزاء لهذه المعاملات ~~الحسنة. # وأيضا زيادة المعرفة بجلال الله وعظمته ، وتلك المعرفة الحسنى من الله. # قال ابن عطاء : من صدق الموعود ، وأحسن اتباع أوامر ربه فله جزاء الحسنى ~~، وهو أن يرزقه الله الرضا بالقضاء ، والصبر على البلاء ، والشكر على ~~النعمة ، ونزع من قلبه حب الشهوات والدنيا ووساوس النفس والشيطان. # ( وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ) بالاضطراب والاختلاط أي : ~~تركناهم يختلطون لاجتماعهم الروح مع عدم الحيلولة. # ( ونفخ في الصور ) للبعث في النشأة الثانية ( فجمعناهم ~~جمعا ) أو بالقيامة الكبرى حال الفناء ، وظهور الحق جعله دكا ؛ لارتفاع ~~العلم والحكمة هناك ، وظهور معنى الحل والإباحة ، بتجلي الأفعال الإلهية ~~وانتفاء الغير وفعله ( وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ) حيارى ~~مختلطين شيئا واحدا لا حراك بهم ، ( ونفخ في الصور ) بالإيجاد ~~بالوجود الحقاني حال البقاء ، فجمعناهم جمعا في التوحيد والاستقامة ~~والتمكين ، وكونهم بالله لا بأنفسهم. # ( وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا ) أي : يوم القيامة الصغرى ~~يتعذب المحجوبون عن الحق بأنواع العذاب والنيران ، كما ذكر في سورة ~~«الأنعام» أو في ذلك الشهود أي : ظهر لصاحب القيامة الكبرى تعذبهم في نار جنهم. # ( الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا ~~(101) أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا ms1003 عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم ~~للكافرين نزلا (102)) # قوله تعالى : ( الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري ) كانت أعينهم ~~في غطاء PageV02P444 # غيرته ، وشقاء مشقته عن النظر إلى مرآة الكون بالحقيقة ؛ حتى يروا حقيقة ~~ماهية الأشياء التي لطائفها تذكر القلوب عجائب أنوار الذات والصفات. # ( الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري ) أي : محجوبة عن آياتي ~~وتجليات صفاتي الموجبة لذكري ( لا يبغون ). # وأيضا أعينهم في غطاء الشقاء ، ولا يرون جمال القرآن الذي هو مذكر جميع ~~الذات والصفات القدمية. # وأيضا كانت أعينهم في علم الأزل مسدودة عن رؤيتنا. # وأيضا وصفتنا التي مذكرة ذكرها ذكر ، وصف القدم لأهل العدم بعد كونهم ، ~~وبعد غيبتهم عنا ولا يسمعون كلامنا بالحقيقة ، ولا يسمع آذان قلوبهم ~~وأرواحهم وعقولهم أصوات هواتف غيبنا. # قال ابن عطاء : أعين نفوسهم في غطاء عن نظر الاعتبار ، وأعين قلوبهم في ~~غطاء عن مشاهدة العيان في الملكوت ، فإذا فتح عين قلبه بالمشاهدة فتح رأسه ~~نظر الاعتبار وقال : لا يستطيعون سمعا ؛ لأن آذانهم مسدودة عن سماع الحق ، ~~ولم يفتح له سمع السماع كيف يسمع بظاهر سمعه ، وهو تبع لسمع قلبه. # ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (103) الذين ضل سعيهم في ~~الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (104) أولئك الذين كفروا بآيات ~~ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا (105) ذلك جزاؤهم ~~جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا (106) إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا (107) خالدين فيها لا يبغون عنها حولا ~~(108)) (1) # قوله تعالى : ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (103) الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) وصف الله أهل الرياء ~~والسالوس والناموس الذين يجلسون في الصوامع ؛ لأجل نظر الخلق ، وصرف وجوه ~~الناس ، وطلب الرياسة PageV02P445 # والسلطنة ضل سعيهم في الدنيا والاخرة حين يفتضحون في أعين الخلق ؛ لأن ~~الله سبحانه عن صفته أن يفتضح المرائين في الدنيا ، ومع ريائهم يجهلون سوء ~~عواقبهم ، ولا يعرفون أن ما هم فيه عين الشرك والضلالة ، ويحسبون أن ~~أعمالهم حسنة ، وكيف يقع الحسن على أعمالهم ms1004 ، وهم فيها يشركون بنظرهم فيها ~~إلى غير الله. # قال عليه السلام : «أدنى الرياء شرك» (1). # سئل أبو بكر الوراق عن هذه الاية قال : هو الذي يبطل معروفه في الدنيا مع ~~أهلها بالمنة ، وطلب الشكر على ذلك ، ويبطل طاعته بالرياء والسمعة. # ثم إن الله سبحانه وصف عقب ذكر هؤلاء المبطلين أهل الإخلاص من الصالحين ~~بقوله : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس ~~نزلا ) أي : إن الذين عاينوا الحق وصبروا في الحق ، وتمكنوا في إخفاء ~~الأسرار ، واستقاموا في إدارة قلبهم بوصف الهدف عند أصالة سهام الربوبية ~~فيه كانت في الأزل لهم باختيار الحق واصطفائيته لهم بساتين فردوس جلاله ~~وجماله ولطائف وصاله وأسرار كماله إلى أبد الابدين لا يحتجبون عنها أبدا ؛ ~~لأن من وصل إليه صار مستقيما بالحق مقدسا بقدسه عن علل الحجاب ، والاعوجاج ~~والتحويل. # قال أبو بكر الوراق : من أنزل نفسه في الدنيا منزل الصادقين ، أنزله الله ~~تعالى في الاخرة منزل المقربين ، قال تعالى : ( إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ) [مريم : 96]. # قال ابن عطاء في قوله : ( خالدين فيها لا يبغون عنها حولا ) ~~متنعمين فيها نعيم الأبد ينقلبون في مجاورته ، ويفرحون بمحرضاته قد أمنوا ~~كل مخوف ، ووصلوا إلى كل محبوب ، ولا يشتهون شيئا إلا وجدوه كيف يطلبون عنه ~~تحويلا؟ # ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد ~~كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا (109)) # قوله تعالى : ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر ~~قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ) إن الله سبحانه أخبر بهذه ~~الاية أن أوهام الخليقة تقاصرت عن إدراك علومه وحكمته بالحقيقة ، وأن ~~أبصارها كليلة عن الإحاطة بذاته ، وأن قلوبنا عاجزة عن فهم معاني صفاته في ~~ذاته وذاته في صفاته ، وأن الكون لو كان كمل بحره PageV02P446 # منه بحر الأساعي لها مداد ، وإن من العرش إلى ثرى كل ذرة منها ميدانا ~~وصحارى من أقلام ، وجميع الأولين والاخرين من الأزل إلى الأبد يكتبون كلمات ~~القدمية لفنيت الكل عن حصرها ، وبقيت الكلمات ms1005 غير محصورة الحدثان ، وكيف ~~ذلك والحوادث منتهية ، وصفات الأزلية منزهة عن نقائض الحدوثية والعدد ~~والمدد من قبل الخليقة ، فلو كان بالمثل هذه البحور والأقلام والأيدي ، ~~تكتب ما في قلب عارف في ساعة من كلام الحق وخطابه وحديثه ووحيه لنفد البحر ~~، وينقطع الأقلام والأيدي ، ولا تنتهي تلك الكلمات ؛ لأنها قائمة بالصفات ~~والذات والصفات منزهة عن تقدير المقدرين ، وحسبان المتوهمين ، وحساب ~~المحاسبين. # قال الله : ( ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من ~~بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ) [لقمان : 27]. # وإشارة الحقيقة أي : لو كان بحار القلوب مملوءة من مداد الخواطر وأسرارها ~~التي تدور في سرادق الكبرياء أقلاما ، وتستمد مدادها من بحر الأفعال ؛ ~~لنفدت عند نشر معاني علم الله في كلمة من كلمات الله ؛ لأن ملك البحار ~~فعالية والكلمات صفاتية ، والأفعال متلاشية تحت أنوار الصفات ، ولا تعجب أن ~~جميع الأكوان من العرض إلى الثرى ؛ لو كانت كل ذرة منها ألف بحر لا ساحل ~~لها يكون قطرة من بحر خواطر القلوب وأسرارها سبحان المنزه عن إحاطة ~~المخلوقات بشيء من علمه. # قال سبحانه : ( ولا يحيطون به علما ) [طه : 110]. # قال الحسين : مقياس العدم في الوجود في معنى جوده فإما خاص الخاص من ~~كلامه فلو كانت أبد الأبد أقلاما ومدادا وبياضا ما نفد معاني كلمة من ~~كلماته ، ولا يوصف أكثر مما قد أشير إليه ، وإنما يذكر الناس ما يفيدهم ~~معاني العبودية من علم وثواب عقاب ، ووعد وعيد على حسب ما يحتمل عقولهم ، ~~فأما الكمال من فائدة الكلام فللأنبياء والأصفياء والأولياء. # ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان ~~يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (110)) # قوله تعالى : ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ) إن الله سبحانه ~~زين حبيبه بأنوار الربوبية ، وجعله متصف بصفاته متخلقا بخلقه ، وكان مرآة ~~الحق في العالم يتجلى منه للعالمين فمن كان له عين من عيون الله مكحولة ~~بسنا ذاته ينظر بها إليه ، ويرى بالحق فيه جمال الحق فكاد من عليه ms1006 شوقه إلى ~~جمال ألا يبرح لحظة من عنده ، ولا يتفرغ إلى صورة العبادة فأخبر الله PageV02P447 # سبحانه بلسانه بأنه مخلوق ، وإن كان متخلقا بخلقه بقوله : ( قل ~~إنما أنا بشر مثلكم ) أمره بأن يعرفهم إفراد القدم عن الحدوث بعد كونهم في ~~رؤية عين الجمع فلا يرضى عنهم برؤية عين الجمع ؛ بل يرضى عنهم برؤية جمع ~~الجمع لذلك : ( أنما إلهكم إله واحد ) أي : من نظر إلى غيره ، وإن ~~كان متلبسا بنوره ملبسا بسنائه فقد أشرك في التوحيد. # لذلك قال عليه السلام : «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح» (1). # وزاد التأكيد في تقديس الأسرار عن ملاحظة الأغيار في مشاهدة الملك الغفار ~~قوله تعالى : ( فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا ) أي : من كان ~~من أهل مشاهدة الله ، ورجاء وصوله واليقين في لحوقه إلى قربه فلتكن أعماله ~~في السر والعلانية مقدسة عن نظر نفسه ورؤية أعواضها في قلبه ، والتفات عقله ~~إلى غير الله فالفرد لا ينبغي إلا للفرد ، والفرد يكون بالفرد فردا فمن ~~أفرده الحق يكون منفردا عن غيره لا بغير شيء من الحدثان. # قال الأنطاكي : من خاف المقام بين يدي الله عز وجل ؛ فليعمل عملا يصلح ~~للعرض عليه ، والله عجبت من أقوال مشايخي رحمة الله عليهم في العمل الصالح ~~، وأين العمل الصالح ، والعمل الصالح ما يصلح للقدم ، وأين الحدث من القدم ~~؛ حتى يصلح له؟ # قال يحيي بن معاذ : العمل الصالح ما يصلح بأن تلقى الله به ، ولا تستحي ~~منه في ذلك. # قال سهل : العمل الصالح المقيد بالسنة ، ثم إن الله سبحانه بين أن ما ~~يكون من الأعمال الصالحة خاصة لوجهة يصير خالصا عن إشارة الأغيار ، وأن ~~يخطر بقلب العامل ذكر الأشياء الحدثانية في مباشرة العمل ، وأي : شرك أعظم ~~من أن يرى لنفسه قيمة عند مباشرة العمل ، فينبغي أن يتفرد بقلبه وسره ~~وخاطره عن أن يكون له نظر إلى وجود ؛ بل يكون فانيا بحقيقة الفناء في بقاء الحق. # قال الأنطاكي : لا يرائي بطاعته أحدا. # قال جعفر : لا يرى في وقت وقوفه بين يدي ربه غيره ، ولا ms1007 يكون في همة ~~وهمته غيره ، وعجبت من سر التوحيد ؛ لأن الله سبحانه خاطب الخلق من حيث ~~الخليقة لا من حيث الحقيقة ، وأين الحدث؟ وشركه في وجود القدم حتى قال : ( ~~ ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) الأحدية صفة الموحد القديم ، وعبادة ~~اسم الأحد عرف الأسماء ، والصفات خارجة عن العرف ، فإذا كان اسم العدد في ~~الوحدانية معزولا ، فأين اسم وحدة الحدثان في وحدة الحق؟ # قال الله سبحانه : ( قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ) [الأنعام : 91]. PageV02P448 ### | سورة مريم # بسم الله الرحمن الرحيم # ( كهيعص (1) ذكر رحمت ربك عبده زكريا (2) إذ نادى ربه نداء خفيا ~~(3) قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا ~~(4) وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا (5)) # ( كهيعص (1)) أخبر الله سبحانه عن «كاف» كان وجوده الأزلي ~~القدمي الأبدي كقوله تعالى «كان الله» ، والإشارة فيها إلى كون وجوده قبل ~~كون الكون ، وإشارة الحقيقة بالكاف خبر عن سر القدم قد صابها العارفين إلى ~~غيبوبيتهم في قفار الأولية والاستغراق في بحار القدمية ليعرفوا بالأولية ~~الأولية ، وأيضا تجلى من كينونية الأحدية التي قيل كل علة على قلوب ~~الموحدين لتغرقهم في بحار كبريائه ، ويفنيهم في أنوار كنه ذاته فأشهدهم ~~كائنة الذات والصفات وبصرهم بنور كبريائه ، فأبصروا بعيون سره نورية مكحولة ~~بنور كبريائه فأبصروا بها مشاهدة كنه ذاته ، فذابوا فيه فأغرقتهم أنوار ~~مشاهدة الكنه في بحر كمال الذات والصفات حتى لم يبقوا فيها ، وأبقاهم نور ~~كاف الكفاية ، وبرز لهم سنا كاف حكمته الأزلية فعرفوا بها فناءهم في بقائه ~~وبقاءهم ببقائه فطلبوا بقاء البقاء بلا فناء ليستوفوا في البقاء حظ مشاهدة ~~البقاء ، فانكشف لهم «كاف» بحار الكرم من صفات الكريم ، فأوصلهم إلى بساط ~~قربه فظهر من عين عيون الغيب نورها الهوية وغيبهم في غيب الغيب ، وهداهم ~~إلى قرب القرب ، ثم هداهم إلى دنور الدنو ، وهداهم إلى وصل الوصل ثم هداهم ~~بنعت التعريف والمعرفة إلى مشاهدات الصفات ، ثم إلى مشاهدات الذات فلما ~~بهتوا في الغيب وتاهوا فيه وادي غيب ms1008 الغيب ، ولم يعرفوا من علم الربوبية ~~ذرة ولم يروا من حقيقة الحقيقة شيئا فأخذهم «يا» نداء القدم مع أصوات أجراس ~~الوصلة فلما وصلوا وقفوا بنعت الجهل بالحقيقة على الحقيقة ، فخرج أنوار عين ~~علم القدم فعرفهم النعوت والأسامي. # ثم أعلمهم الصفات والمعاني ، ومكنهم بالحق في الحق مع الحق فطلبوا من ~~الحق ما وجد الحق لهم من عظيم عطايا فيض جلاله وجماله فبان نور «صاد» صبح ~~صدق ظهور أسرار الحق لهم فاكتسبوا بها ، وصاروا عارفين بها صادقين في صدق ~~رويتها في دعوى معرفتها ومحبتها ، فما أشرنا بهذه المقالة فهو من رموز الحق ~~في مفاتيح كنوز الذات والصفات وهي PageV02P449 # «الكاف والهاء والياء والعين والصاد» ، ففي هذه الحروف الخمسة بيان أسرار ~~القدم والبقاء والأزل والأبد وسر الصفات والذات ولا يعرفها إلا حبيب من ~~حبيب الحبيب مع حبيب غائب في الحبيب حاضر مع الحبيب ، سكران في مشاهدته ، ~~صاح في شهوده ، فيستفيد معنى المعاني من هذه المباني. # قال إبراهيم بن شيبان : أما «الكاف» فالله الكافي لخلقه ، و «الهاء» فالله ~~الهادي لخلقه ، و «الياء» يد الله على خلقه بالعطف والرزق والعين ، فالله ~~عالم بما يصلحهم ، و «الصاد» فالله صادق وعده ، قيل : «الكاف» معناه الكافي ~~للمسائلين حوائجهم ، و «الهاء» هادي الضالين ، و «العين» علم معاني إشارات ~~المتعرضين في حوائجهم ، و «الياء» النداء بهذه الدعوات ، و «الصاد» صادق فيما ~~وعد للمؤمنين. # قال بعضهم : كريم بعفوه ، هاد بجوده ، عالم بمصالح عباده ، صادق فيما أخبره. # قال الأستاذ : تعريف الأحباب بأسرار ومعالي ، وقد وقع لي من قبيل لطائف ~~الخطاب كافي هم العارفين في طلبهم وصله ، وهادي العارفين بنفسه إلى نفسه ، ~~ثم إلى ذخائر ما في كنوز قدمه من علومه المجهولة الغيبية ينادي بلا بل ~~بساتين ورد وصاله العارفين حتى يزيد رغبتهم في المسارعة بنعت الشوق والمحبة ~~إلى جلال بقائه عليهم بألم فؤاد العارفين في داء فقدان قدمه ، ووجدان وجود ~~بقائه صادق بصدق مواعيد قرباته ، ومداناته للعارفين ، ورفع حجب الاحتشام عن ~~قلوبهم حتى ينظروا إليه بنظر البسط والانبساط لا بنظر القبض والهيبة ؛ لأن ms1009 ~~هناك مقام تمتعهم بجماله وجلاله وصحبته ووصاله ، وهذه الحروف عيون رحمة ~~ذاته ، وكرم صفاته بأنبيائه وأوليائه ؛ لذلك قال سبحانه : ( ذكر ~~رحمت ربك عبده زكريا (2)) ، وتخصيص زكريا برحمته وذكره أنه كان عليه السلام ~~تعرض بنعت الفناء والعجز بجلال جبروته وعظائم ملكوته ليهب له من يرث منه ~~علوم الحقيقة ، ولطائف حكم الإلهية ، فأخبر سبحانه عن تعطفه به ورحمته ~~الكافية عليه بأنه أجاب دعوته وأعطى مأموله ، وجعله إماما للخاضعين ، ~~ومقتدى للسائلين. # قال الحريري : في هذه الحروف سبب رحمة ربك عبده زكريا. # قال ابن عطاء : ذكر اختصاص زكريا بالرحمة ، وإن كانت رحمته قد وصلت إلى ~~الأنبياء فخص زكريا من بينهم باللطف رحمة ، وهو أن وهب له يحيى الذي لم يعص ~~ولم يهم بمعصية ؛ فهذا هو محل اختصاصه. # ثم وصف الله سبحانه نبيه زكريا بلطائف المناجاة ، وخفي الذكر في ~~المراتبات بقوله : PageV02P450 # ( إذ نادى ربه نداء خفيا ) إذ حاج سره إلى طلب الخنوع إلى ~~الربوبية ، والفناء تحت العظمة ، والذهاب عن الذهاب في برجاء الهيبة في ~~مقام المشاهدة ونجوى سره فناجى سر سره خفيا عن سره ، ونادى سره خفيا عن ~~روحه ، ونادى روحه خفيا عن عقله ، ونادى عقله خفيا عن قلبه ، ونادى قلبه ~~خفيا عن نفسه ، ونادى نفسه خفيا عن صورته ، ونادى لسانه بل جميع وجوده ~~لسانا خفيا عن غير ربه ؛ فمناجاته ونجواه أخفى عن كل خفي ؛ لأنه نادى ربه ~~بريه ، وتلك المناداة ما وصف عليه السلام بالخيرية والخاصية عن جميع ~~العبادات والأذكار والأفكار بقوله : «خير الذكر الخفي» (1). # قال : عن عطاء : ( نداء خفيا ) أخفى نداءه من الخلق ، ومن نفسه ، ~~وأظهر النداء لمن يجبيبه ، ويقدر على إجابته ، وفائدة إخفاء النداء من ~~الخلق ، ومن النفس لئلا يدخله تلوين. # وقال بعضهم : خفي في الذكر عن الذكر ، ومن ذا قيل : إذا أذهلتك العظمة ~~خرس قلبك ولسانك عن الذكر. # قال بعضهم : أخفى سؤاله عن نفسه ، وروحه فنداؤه لمن يقدر على إجابته ~~وقضاء حاجته فسمع الحق نداءه ، ووهب له يحيى كما طلبه. # ثم وصف الله سبحانه عبده زكريا بأنه جعل نفسه في مقام ms1010 العجز والتواضع في ~~سؤاله عن ربه ، وهكذا حال السؤال على باب جبروت ذي الجلال ، وكان في دعائه ~~موقنا ؛ لأن قلبه شاهد مقام استنشاق نفحة الإجابة لذلك قال : ( ولم ~~أكن بدعائك رب شقيا ). # قال ابن عطاء : قام مقام معتذر لما وجد في نفسه من فترة العبادة لكبر ~~السن ، فسأل الله من يعينه على عبادة ربه ، وينوب عنه فيما عجز عنه من ~~أنواع العبادة منابة ؛ فقال : ( واجعله رب رضيا )، ورضاه لخدمتك ~~ومستصلحة لعبادتك ثم إنه كان عليه السلام رأى بعين سره روح ابنه في الملكوت ~~طائرة في رياض الجبروت ؛ فسأل ما رأى فقال : ( فهب لي من لدنك وليا ~~) ناصرا صديقا نبيا مرسلا ، يعرف حالي ، ويرث مقامي ، ويتخلق بخلق آبائي ، ~~( واجعله رب رضيا (6)) مرضيا عندك بعد اتصافه بصفتك راضيا عنك ~~بعدما شاهد الرضوان الأكبر بنعت المتبري عن غيرك. # قال ابن عطاء : ( فهب لي من لدنك وليا (5)) أي : ولدا نتخذه ~~وليا يرث مني النبوة ، ويرث من آل يعقوب الأخلاق ، وقيل : يرثني النبوة ، ~~ويرث من آل يعقوب السخاوة PageV02P451 # والكرم والصبر على النوائب ، والرضا بالمقدور. # ( يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (6) يا زكريا إنا ~~نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا (7) قال رب أنى يكون لي غلام ~~وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (8) قال كذلك قال ربك هو علي ~~هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (9) قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا ~~تكلم الناس ثلاث ليال سويا (10)) # قال ابن عطاء في قوله : ( واجعله رب رضيا (6)) : يرضى منه أخلاق ~~الظاهر ، ويرضيه عنك في الباطن. # وقال جعفر : «ورضيا» أي : راضيا بما يبدو له عليه. # قال أبو حفص : اعتذر إلى ربه في ضعفه عن القيام بالعبادة على حسب ما يريد ~~ثم هو سبحانه بشره بما سره ، فقال : ( إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى ) ~~يحيى بحياته ، ومشاهدة جماله ، ومعرفة كماله ، نفخ نفس صبح القدم في يحيى ، ~~فيحيى من موت العدم بأنوار القدم ، وإذا بحياته لم يمت بموت الفرقة ، وما ~~طرأ عليه ms1011 طوارئ فبهر الغيرة ، وقد تخصص من بين الأنبياء والرسل وجميع الخلق ~~من طريان الامتحان الذي يكون سبب حجاب القلوب عن الغيوب ، ولذلك خص اسمه ~~وخصه بهذا الاسم المبارك بقوله : ( لم نجعل له من قبل سميا ) فكان ~~في اسمه «ياءان وحاء» ؛ فالياء الأولى ياء نداء الحق في الأزل نادى الحق ~~بنفسه إلى العدم ، ودعا من نفسه بنفسه وجود عبده يحيى ، فتكون بياء نداء ~~الأزل ، وأجاب الفطرة الفعلية نداء الحق فصار قائما بقدرته بعد أن تجلى ~~الحق من «حاء» حياته لتلك الفطرة ، فصيرورته بروح الحق وروح حياة الحق ~~فنادت تلك الفطرة بعد كونها ، ودعت صانعها وأقرت بربوبيته ، فالياء الأول ~~نداء الربوبية من العدم. # والياء الثاني من اسمه نداء بنعت الجواب بالعبودية من العدم فألبسه الحق ~~بين ياءين روحا من حاء حياة الأزلية فصار حيا بحياته ، مقدسا من غمرات ~~الموت ، ولا اعتبار بذهاب الصورة عن البين فإنه نقل مع نقل الروح لذلك قال ~~عليه السلام : «نحن معاشر الأنبياء أجسادنا أرواحنا» (1). # قال الصبيحي : سماه يحيى ، وقال : ( لم نجعل له من قبل سميا (7) ~~) افتتح اسمه PageV02P452 # بالياء ، وختمه بالياء ، وتوسط بين ياءين حاء الحنانية ، فاسمه في الخط ~~مرسوم موجه يقرأ من أوله إلى آخره ومن آخره إلى أوله. # فياء الأول توفيق ، وياء الاخر تحقيق ؛ فلذلك لم يعص ، ولم يهم بمعصية ؛ ~~فقال الجنيد : سمي يحيى ، ولم يكن له من قبل سميا ؛ لأن يحيى من يحيا ~~بالطاعة والموافقة ، ولا يموت بالذنب والمخالفة ، وكان هذا صفته ونعته لم ~~يجر عليه وسم الخلاف ، ولا لسان الذنب بحال ، كان محمود السيرة من مبتدأ ~~أمره إلى منتهاه ؛ لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : «ما أحد من الخلق إلا ~~أخطأ أو هم بخطيئة إلا يحيى بن زكريا ؛ فإنه ما أخطأ ولا هم» (1). # قوله تعالى : ( وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (9)) هذا جواب ~~قوله تعالى : ( أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من ~~الكبر عتيا (8)) ما شك في قدرة القادر ، لكن تفحص من شأن الحال حتى يقع ~~نظر سره على ms1012 تجلي القدرة وسرها لعل ينكشف له عين ذات الأزلي. # فأجابه الحق : أين أنت مما طهر في نفسك مما تطلب في خلق ابنك؟ انظر إلى ~~وجودك بعين الحقيقة ؛ حتى تراني في كونك ، وتستغني عن النظر إلى غيرك ، ~~ألبست نور قدمي فعلي ، وألبست نور فعلي العدم وصيرتك موجودا بظهور وجودي ~~بنعت قدمي بعدمك. # قال الواسطي في قوله تعالى : ( ولم تك شيئا (9)) : المقادير ~~صرحت بمعانيها ، وكشفت عن أوقاتها. # وقال أيضا : أنت في حال وجودك كأنك في حال عدمك عندنا لا تحدث لنا في ~~عدمك ووجودك حالة لم تكن لا الأشياء ثابتة في حال وجودها ، ولا هي بائنة في ~~حالة عدمها إذ وجودها وعدمها عند الحق سواء لا ثبات لشيء. # قال جعفر في قوله : ( رب أنى يكون لي غلام ): استقبل النعمة ~~بالشكر قبل حلولها. # وقال الروذباري : غاية الرجاء في غاية اليأس ، وهو في قصة زكريا حين قال ~~: ( أنى يكون لي غلام ) قوله له مثل يحيى. # ( فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ~~(11) يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (12) وحنانا من لدنا وزكاة PageV02P453 # وكان تقيا (13) وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا (14) وسلام ~~عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا (15)) # قوله تعالى : ( يا يحيى خذ الكتاب بقوة ) الكتاب كلام الحق ~~الأزلي ، كلف الله سبحانه يحيى عليه السلام حمل كتابه الأزلي ، وأمره أن ~~يأخذ بقوة قال : ( خذ الكتاب بقوة ) معا ذكرناه في قسمة أي : خذ ~~الكتاب الأزلي بالقوة الأزلية التي ألبستها روحك وصورتك حين خلقتك بمباشرة ~~قوتي الجبارية الأزلية ، ولو لا تلك القوة في نفسه كيف كان يأخذ الكلام ~~القديم ، والقديم لا يحتمل إلا بقوة من القدم. # أي : خذ كتابنا بنا لا بك ، خذ بقوتنا لا بقوة الحدثية ، وأيضا خذ كتابنا ~~بمعرفة كتابنا ، وبمعرفتنا تعرف معاني حقائق كتابنا ، وأيضا خذ باستعانتك ~~بنا بأخذ كتابنا. # ثم وصف امتنانه عليه حيث ما بالى أنه لم يكن بالغا بقوله تعالى : ( ~~ وآتيناه الحكم صبيا ) عرفناه مكان الحقيقة في معرفة صفاتنا وذاتنا ~~في زمان صباه ms1013 ؛ لأن روحه خرجت من عالم الملكوت كاملة بأنوار الجبروت ، ~~وأيضا آتيناه الحكمة البالغة والمعرفة الشاملة والفراسة الصادقة والمحبة ~~الشافية. # قال ابن عطاء : «الحكم» المعرفة. # وقال جعفر : التوفيق لاستعمال آداب الخدمة. # قال الحسين : كان روح يحيى معجونا بأنوار المشاهدة ، ونفسه معجونة باداب ~~العبودية والمجاهدة ؛ لذلك قال له : ( وآتيناه الحكم صبيا (12)) . # وقال يوسف بن الحسين : أوتي يحيى حكما على الغيب ، وفراسة صادقة لا ~~يخالطها ريب ولا شك. # ثم وصف الله سبحانه صفيه يحيى بالطهارة والرحمة والتقوى بقوله : ( ~~ وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا (13)) أي : آتيناه رحمة من عندنا ~~تلك الرحمة العندية أنه تعالى ألبسه كسوة من صفات رحمته ، حتى جعله رحمة ~~للمنقطعين ، وشفاء لمرضى المحبين ، وجعله مطهرا بأن قدسه في بحر جلاله ~~بزلال وصاله عن غبار الامتحان وعماء العصيان ، وجعله تقيا معرضا عن غيره ، ~~مقبلا عليه بنعت الشوق والمحبة. # قال الواسطي : ذلك الذي أوجب له الانبساط والدلال. # وقال سهل : رحمة من عندنا ، وطهرة طهرناه بها من ظنون الخلق فيه ، وكان ~~تقيا معرضا عما سوانا ، مقبلا علينا. PageV02P454 # ثم إن الله سبحانه من شرف يحيى زكى روحه وقلبه وصورته بروح روح سلامه ~~وخطابه بقوله : ( وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا ~~(15)) سلام الأزلي على روحه حين خرجت من نور كافه ونونه الذين هما روحان ~~من تجلي صفات الحق ، وذلك السلام سلامه تجلى جماله لروح يحيى في بدء أمرها ~~، فلما وصل بركة سلام الله مع نور جود وجوده إلى روحه ؛ أحاطت بها بنعت ~~العصمة إلى يوم خروجها من صورة ؛ فلما كملت العصمة فيه جازاه الله بزيادة ~~كشف جماله وخطابه معه وسلامه عليه حين انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء ~~لئلا يكون له وحشة من خوف العاقبة ، فيبقى بين سلامين ، وبين مشاهدتين حتى ~~يكون وقت العرض الأكبر ، فلما حان وقت وقوفه بين يديه يؤمنه بسلامه من ~~العتاب ، ويفرحه بكشف النقاب ، ويؤويه إلى خير الماب ؛ فالسلام الأول تربية ~~، والسلام الثاني عصمة ، والسلام الثالث وصلة ومشاهدة. # قال أبو بكر بن طاهر : ( وسلام عليه يوم ولد ms1014 ) تحية ربه له ، ~~وأمان له من كل محذور ، واتصال العصمة به إلى الممات ، وقوله : ( ~~والسلام علي يوم ولدت ) من ثنائه على نفسه أنطقه بلسانه ، وهو أغرب في ~~العلم ، وأدق في اللطف. # وقال الواسطي : سلام في طرفي حياته مماته من جريان مخالفة عليه بقوله : ( ~~ وسلام عليه ). # ( واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (16) ~~فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17) قالت ~~إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا (18) قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك ~~غلاما زكيا (19) قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (20)) # قوله تعالى : ( واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا ~~شرقيا (16)) الإشارة الحقيقية ها هنا أن جوهر مريم جوهر فطرة القدس ، ~~قرباه الحق بنور الأنس ففي جميع أنفاسها مجذوبة بنعت القرب والأنس إلى معدن ~~الأنوار الإلهية ، فصارت كل وقت مراقبة لظهور شمس الجبروت من مشرق الملكوت ~~، فاعتزلت عن الأكوان بالهمة العالية المنعوتة بنور الغيب ، فأقبلت إلى ~~مشارق شموس الذات والصفات ، واستنشقت نفحات الوصال من عالم الأزل ، فوصل ~~إليها نفحة وصال الأزلية ، وأشرقت عليها شمس مشاهدة القدسية ، فلما شهدت ~~مشاهدة مشرق تجلي الأزل برقت أنواره ، ووصلت أسراره إلى روحها فحملت PageV02P455 # روحها بروح الغيب فصارت حاملة الكلمة الكبرى ونور الروح الأعلى فلما أعظم ~~شانها بعكس جمال تجلي الأزل عليها استترت من الخليقة ، واستأنست بعروس ~~الحقيقة ، وذلك قوله : ( فاتخذت من دونهم حجابا ) فلما خلت بذلك ~~النور والبرهان ، فبان لها نور صدر من تجلي الجلال والجمال ، ووصل بنور ~~روحها بعد أن تمثل لها بصورة عيسى ، وذلك قوله سبحانه : ( فأرسلنا ~~إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا ). # إذا فرغنا من وصف القدس اللاهوت عن الناسوت ، وعجز الناسوت عن إدراك ~~اللاهوت ، وتنزيه جلال الحق عن ممازجة الخلق ، وإفراد القدم عن الحدوث ، ~~وعزة جماله وكبرياء أزليته عن المماثلة والمشابهة بقول : إن إرسال الحق ~~روحه إليها أن ذلك الروح ظهور تجلى قدس الذات في نور الصفات ونور الصفات في ~~لباس الأفعال على صورة حسنة ms1015 مرغوبة ، إليها ميل كل روح بنعت الشوق إليها ، ~~وذلك روح الفعل ، وروح الصفة ، وروح الذات في لباس نوره على قدر عقلها ؛ ~~لذلك قال : ( فتمثل لها بشرا سويا (17)) وهذا عادة ظهور الحق في ~~بداية عشق العاشقين ليجذب بها أرواحهم ، وقلوبهم إلى معدن تعريف الصفات ~~والذات صرفا بعد انفراد الحقيقة عن الخليقة ، ومن ذلك قال عليه السلام : ~~«رأيت ربي في أحسن صورة» (1). # قال ابن عطاء في قوله : ( فأرسلنا إليها روحنا ): نورا منا ~~ألقيناه عليها ، وخصصناها به ؛ فأين الكون الذي فيه أثره ، فأخرج من ضياء ~~نتائج ذلك النور عيسى روح الله صلوات الله عليه. # روي عن أبي بن كعب رضي الله عنه : «إن ذلك البشر الممثل هو روح عيسى» (2). # ( قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا ~~وكان أمرا مقضيا (21) فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22) فأجاءها المخاض ~~إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا (23) فناداها من ~~تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (24) وهزي إليك بجذع النخلة تساقط ~~عليك رطبا جنيا (25)) # قوله تعالى : ( ولنجعله آية للناس ورحمة منا ) جعل الله عيسى ~~مرآة نور مشاهدته ، ومشكاة نور صفاته لطلاب قربه ووصاله ، فتجلى منه لأبصار ~~عرفائه ، وأهل خصائص محبته ، PageV02P456 # وهذا رحمته على كل مريد من صعقه لا يبلغ سر روحه إلى القدم ؛ فيبصر جمال ~~القدم في مرات الحدث ، وأي آية أحسن من هذه الاية ظهر الحق بعزته ، وقدسه ~~عن التشبيه والتعطيل من وجه موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم ؛ لذلك ~~أشار عليه السلام بقوله : «جاء الله من سيناء ، ويستعلن بساعير ، وأشرق من ~~جبال فاران» (1). # قال أبو بكر بن طاهر : في هذه الاية علامة دالة على تصحيح الربوبية ، ~~ورحمة لمن آمن به ، ولم يدع فيه ما لم يدعيه لنفسه. # قوله تعالى حكاية عنها : ( يا ليتني مت قبل هذا ) تحيرت بين ~~أمرين بين غيبتها عن رؤية سوابق التقدير في الأزل يكون عيسى آية الله في ~~بلاد الله وعباده ، وبين حياتها في رؤية جلال الحق مما زعم ms1016 الكفر حيث قالوا ~~بألوهيتها وألوهية ابنها ، فأرادت أنها ما كانت ولم تكن ، وتكون فانية ~~مضمحلة من حياء خالقها وعلمها بتنزيه جلاله ، وقدس جماله عن علة المخلوقات ~~جميعا ، وممكن أنها قالت ذلك لمعارضتها جبريل بقوله : ( أنى يكون ~~لي غلام ). # قال ابن عطاء : لما رأت قومها قد أثموا في أمرها رجعت باللائمة على نفسها ~~؛ فقالت : ( يا ليتني مت قبل هذا ). # وقال بعضهم : يا ليتني مت قبل أن يظهر فيهم آفة أكون أنا سببها. # وقال جعفر : يا ليتني مت قبل أن أرى لقلبي متعلقا دون الله. # قال بعضهم : ( يا ليتني مت قبل هذا ) قبل أن يقال في ما قيل من ~~قولهم : ثالث ثلاثة. # وقال أبو بكر بن طاهر : أي : ليتني مت في أيام كفاية التوكل قبل أن رددت ~~إلى عناء الطلب بقوله : ( وهزي إليك ). # قوله تعالى : ( وهزي إليك بجذع النخلة ) خاطبها الحق سبحانه بعد ~~غلبة الحزن على قلبها عند سماع أقوال المبطلين ليسلي قلبها بأنه منزه عن ~~خطرات الأكوان ، وعلة الحدثان ، وأقوال الحرمان ، وألبسها لباس أنوار قدرته ~~، وجعلها عينا من عيون جمعه حتى عرفت مكانتها من جوهر القدس ، ومعدن روح ~~القدس ، والكلمة القائمة بعزته ، فقالت الأعيان لها بأنها هزت نخلة يابسة ؛ ~~فأسقطت عنها رطبا جنيا. # وقال الواسطي : كانت يابسة لما حركت اهتزت واخضرت وأطلعت وسقطت. # فقال : كما أن الله تولى النخلة بما عاينت تولى عيسى في إظهاره من غير فحل. # قال ابن عطاء : لما كانت مجردة رزقت بغير حركة وكسب فلما تعلق قلبها ~~بعيسى قال PageV02P457 # لها : ( وهزي إليك بجذع النخلة ). # قال أبو سعيد الخراز : لما رأت من نفسها شفقة على ولدها ، خافت أن يكون ~~ذلك يقطعها عن الله ( يا ليتني مت قبل هذا ). # ( فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني ~~نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (26) فأتت به قومها تحمله قالوا يا ~~مريم لقد جئت شيئا فريا (27) يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت ~~أمك بغيا (28) فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد ms1017 صبيا (29) قال ~~إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) وجعلني مباركا أين ما كنت ~~وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31)) # قوله تعالى : ( فكلي واشربي وقري عينا ) أي : كلي من خوان عنايتي ~~فواكه مشاهدتي ، واشربي من بحار محبتي ، وقري عينا برؤيتي ، وبأني قرة عينك ~~قري عينك بي ، وأيضا قري عينك بما ترين من أنوار جمالي في وجه ابنك عيسى ، ~~وظهور آياتي من نفسه. # قال ابن عطاء : إنك غير مطالبة بالثياب فيما أعطيت. # قوله تعالى : ( فأشارت إليه ) بين الله سبحانه أن مريم علمت بنور ~~الحق نطق عيسى قبل نطقه ، وعرفت بإلهام الله أنه نبي مرسل ؛ لأن عيسى تكلم ~~في بطنها بتوحيد الله سبحانه ، وعلمت أن براءتها من مقالة القوم في نطق ~~ابنها ، وهذا غاية حسن اليقين وسماع إلهام الحق بلا واسطة ، ولما علمت شأن ~~عيسى آمنت برسالته وعظمته عين أشارت إليه بأنه أهل مكان علم الله موضع ~~معجزته ، ولا يجوز عند الكبراء جواب السؤال ؛ فهذا من كمال أدبها في حضرة ~~عيسى ، ومن ها هنا إشارة العارفين إلى كبرائهم عند حاجاتهم بفهم الحقائق. # قال ابن عطاء : فأشارت إليه في الظاهر لتعليم القوم صدقها فيما تقول ~~فأنطق الله عيسى ببراءتها. # قيل : إن أحسن إشارات العارفين في أوقات الاضطرار حين لا تشتت الهمة على ~~الرجوع إلى الحق. # وقال ابن عطاء : أشارت إلى الله ، ولم يفهم القوم إشارتها ، فأنطق الله ~~عيسى بالبيان : # ( قال إني عبد الله ) أي : أنطقني بهذا النطق الذي أشارت مريم ، ~~وأظهر ربوبيته في تكلمه. # وقال بعضهم : أشارت إلى الله بسرها ، وإلى عيسى بنفسها ؛ فأنطق الله عيسى ~~ببراءتها PageV02P458 # فيما رميت به ، وبراءة نفسه فيما يدعى فيه ، ولي رمز ها هنا لما أراد ~~سبحانه أن ينطق عيسى بكلمة التوحيد ، وإقراره بالعبودية أمر أمه بالصمت ؛ ~~لأن لسان مريم لسان الظاهر لها ، ولسان عيسى لسان باطنها ؛ فإذا سكت ظاهرها ~~نطق لسان باطنها بقدرة الله ، وتأييده الأزلي ، وهكذا شأن العارفين إذا ~~سكتوا بالظاهر تنطق ألسنة أرواحهم بنطق الغيب الإلهي ؛ لذلك قال سبحانه : ( ~~ فإما ترين من البشر أحدا فقولي ms1018 إني نذرت للرحمن صوما ) أي : صمتا ~~أي : إذا كنت في رؤية الخلق ، وترين في البين أحدا لا تتكلمي بالحجة ؛ فإنك ~~لا تبلغين إلى دفع الخصماء بنطقك ، وإذا سكت عن الحجة ، وفوضت أمرك إلي ؛ ~~فإني أنطق ابنك بالحجة البالغة بالألوهية. # قال ابن عطاء : صمتا يدل ذلك على ترك الانتصار للنفس ، فقيل لها : اسكتي ~~، ولا تنتصري ؛ فإنك إن أردت أن تبرئي نفسك بحجتك لم تزدادي بذلك إلا شغلا ~~؛ فإن كلامك وانتصارك لنفسك مشقة عليك ، وفي سكوتك إظهار ما لنا فيك من ~~القدرة ، فلزمت الصمت ، فلما علم الله صدق انقطاعها إليه أنطق الله عيسى ~~ببراءتها ؛ فقال الله تعالى : ( إني عبد الله ) أبان عن أكرم ~~الأسباب ، وأسقط دعاوى من يدعي فيه ما لا يجب ، وأقر بالعبودية لله فلما ~~سكتت مريم عن الكلام بالحجة ، أنطق الله ابنها بلطيف المعجزة ، وأقر في ~~المهد بالعبودية بقوله : ( إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا ~~(30) وجعلني مباركا ). # هذا محض معجزته ؛ لأنه نطق بالحق ، وتفرس بنور النبوة أن قومه جاءوا ~~بالإشارة إليه بالألوهية ؛ فنفى العلة من البين حتى لا يكون لهم شبهة بأنه ~~عبد من عبيده ، وأمين من أمنائه ، وإن كان عليه كسوة أنوار الربوبية ؛ انظر ~~كيف حركته في المعرفة حتى اجترأ لي بعبودية القديم الأزلي الذي لا يقوم ~~بعبوديته الأكوان والمحدثان بأسرها في مقام واحد ، ولو تلقى ذرة من حقوق ~~العبودية على جميعهم لذابوا في تحت أثقالها؟ # وقوله : ( آتاني الكتاب ) أي : أنا من أهل سماع كلامه القديم ، ~~ولقائه الكريم أخبر الخلق والخليقة من الحقيقة ( وجعلني نبيا (30) ~~) صديقا مخبرا عن وصاله ( مباركا أين ما كنت ) على لباس بركة جماله ~~أي : حيث كنت ، وأكون في الأرض والسماء مباركا ، وبركتي تصل إلى المؤمنين ~~بأني قرة عيونهم ، ومن تلك البركة أذهب عنهم البلاء وبها أحيي الموتى. # ( وأوصاني بالصلاة والزكاة ) بظاهر العبودية ، والخدمة التي فيها ~~لطائف المناجاة ، وفتح أبواب المشاهدات ، وزكاتي بذل وجودي له ، وهذه ~~العبودية المباركة واجبة علي ، وعلى من اتبعني ، وإن بلغنا إلى منازل ~~الاتصاف والإنصاف والاتحاد. PageV02P459 # وفيه إشارة : إنه وإن كان ms1019 في الحضرة يخدم صانعه ، ويتواضع لخالقه ؛ لأن ~~عبوديته أفخر المفاخر له. # قال الله تعالى : ( لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا ~~الملائكة المقربون ) [النساء : 172]. # وقال الجنيد في قوله : ( إني عبد الله ): ليس بعبد هوى ولا عبد ~~طمع ولا عبد شهوة. # ( آتاني الكتاب ) خصني بخصائص الأسرار ، وجعلني نبيا مخبرا عنه ~~خبر صدق. # وقال ابن عطاء : لما علم الله في عيسى ما علم من أن يتكلم فيه من أنواع ~~الكفر أنطقه أول ما أنطقه بقوله : ( إني عبد الله ) ليكون ذلك حجة ~~على من يدعي فيه ما يدعي إذ قد شهد هو الله بالعبودية. # وقال أيضا في قوله : ( مباركا أين ما كنت ) إنفاعا للناس كافي الأذى. # قال الواسطي : ( وجعلني مباركا ) عارفا بالله داعيا إليه. # وقال الجنيد : مباركا على من صحبني ، وتبعني أن أدله على الإعراض عن ~~الدنيا والإقبال على الاخرة. # وقال ابن عطاء في قوله : ( وأوصاني بالصلاة والزكاة ): أمرني ~~بمواصلته ، وطهارة السر عما دونه ( ما دمت حيا (31)) بحياته. # ( وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا (32) والسلام علي يوم ~~ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33) ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه ~~يمترون (34) ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له ~~كن فيكون (35) وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) فاختلف ~~الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (37) أسمع بهم وأبصر ~~يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين (38) وأنذرهم يوم الحسرة إذ ~~قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (39) إنا نحن نرث الأرض ومن عليها ~~وإلينا يرجعون (40)) # قوله تعالى : ( ولم يجعلني جبارا شقيا ) مادام أقر بالعبودية ، ~~وأخبر عن خاصية النبوة ؛ كيف يكون جبارا مستنكفا من عبادته شقيا عن رجاء وصاله؟ # قال سهل : أي : جاهلا بأحكامه ، ولا متكبرا عن عبادته. PageV02P460 # وقال ابن عطاء : الجبار الذي لا ينصح والشقي الذي لا يقبل النصيحة. # وقوله تعالى : ( والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ~~(33)) أي : علي السلامة يوم دخلت في الدنيا ، حيث بلغت ms1020 مقام الامتحان في ~~العبودية بعد أن كنت في مقام المشاهدة ، وهذا السلام دوام محل انبساط الحق ~~علي بشرط العصمة والرعاية ( ويوم أموت ) سلام الأمن والرضا ( ~~ ويوم أبعث حيا (33)) سلام الشرف واللقاء والفرق بين سلام الحق على ~~يحيى وسلامه على عيسى أن سلام يحيى بلا واسطة ، وسلام عيسى بواسطة وأصل ~~الإشارة أن سلام يحيى سلام تخصيص الربوبية على العبودية ، وبيان الشرف ~~والكرم عليه من الحق ، وسلام عيسى محل الانبساط ثم محل الاتصاف ، ثم محل ~~الاتحاد فإذا كان متصفا متحدا من حيث المعرفة والتوحيد والمحبة والشوق صار ~~لسانه لسان الحق من حيث عين الجمع فسلامه على نفسه سلام الحق عليه على مزية ~~ظهور الربوبية في معدن العبودية ، وأرفع المقامين سلام الحق على سيد ~~المرسلين كفاحا في وصاله وكشف جماله ، فهو سلم عليه بلسانه كان السلام ~~مقصودا ؛ إذ جرى بلسان الحدث عليه ، ولا يبلغ ذلك السلام إلى كمال رتبته ~~لكن سلم عليه بأوصاف قدمه حتى شمل على شرفه كله. # ( واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) إذ قال ~~لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (42) يا أبت ~~إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا (43) يا أبت لا ~~تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (44) يا أبت إني أخاف أن يمسك ~~عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (45) قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ~~لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا (46) قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه ~~كان بي حفيا (47) وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا أكون ~~بدعاء ربي شقيا (48) فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ~~ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (49) ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق ~~عليا (50)) # قوله تعالى : ( واذكر في الكتاب إبراهيم ) إن الله سبحانه حث ~~حبيبه على ذكر خليله عليهما السلام وما جرى عليه من أحكام الخلة من الوجد ~~والحال والزفرة والغيرة وكسر أصنام الطبيعة ، والخروج مما دون الحقيقة ms1021 ، ~~وعن الصديقية في خلته ، والصديق من تواتر أنوار المشاهدة ، واليقين ، ~~وإحاطة نور العصمة عليه بالسرمدية. # قال ابن عطاء : الصديق القائم مع ربه على حد الصدق في جميع الأوقات لا يعارضه PageV02P461 # في صدقه معارض بحال. # قال أبو سعيد الخراز : الصديق الأخذ بأتم الحظوظ من كل مقام سني حتى ~~يقارب من درجات الأنبياء. # وقال الجنيد : الصديق القائم مع الحق بلا واسطة. # قوله تعالى : ( قال سلام عليك سأستغفر لك ربي ) هذا سلام الإعراض ~~عن الأغيار ، وتلطف الأبرار بالجهال ، قال تعالى : ( واهجرهم هجرا ~~جميلا ) [المزمل : 10]. # قال أبو بكر بن طاهر : لما بد منه كلام الجهال من الدعوة إلى آلهته ~~والوعيد على ذلك أن خالقه جعل جوابه جواب الجهال بالسلام ؛ لأن الله قال : ~~( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما (63)) [الفرقان : 63]. # ثم إن الله سبحانه أخبر عن صديقية إبراهيم من تبرئه عما دون الله بقوله : ~~( وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ) العيش الهني صحبة الأبرار مع ~~ترك مصاحبة الأشرار. # قال أبو تراب النخشبي : صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار. # قوله تعالى : ( وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا (48)) ~~تكلم من حقائق يقينه أنه عند الله على شرف كامل ، وأنه مجاب الدعوة ؛ فطمع ~~في الحق ما طمع من نظره إلى علومه المجهولة الغيبية. # قال عبد العزيز المكي : كان الخليل عليه السلام يهاب به أن يدعوه ويذكره ~~ويعظمه ألا يكون يدعوه بلسان لا يصلح لدعائه على استحياء وحشمة وخيفة وهيبة ~~بعد معرفته بجلاله ، فلما ترك صحبة المنكرين رزق الله من نفسه أنبياء بقوله ~~: ( فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب ) ~~من ترك الخليقة فالله خليقته في كل مراد جعل سبحانه إسحاق ويعقوب وإسماعيل ~~ومحمد صلى الله عليه وعليهم وسلم أجمعين وموسى ويحيى وجميع الأنبياء والرسل ~~بعده عوضا له من أبيه آزر ، كان عليه السلام ضيق الصدر من هجران أبيه عنه ، ~~وعن دينه فجعل أخلافه من الأنبياء والمرسلين والأولياء والصديقين عوضا ~~لأبيه ؛ حتى لا يضيق صدره. # قال الواسطي : عوض الأكابر على مقدار الحدث جعل فهم ms1022 التلاوة للأحكام ، ~~وجعل لهم الحقيقة للأسقام قال الله : ( فلما اعتزلهم )، وقال ~~لموسى : ( ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا (53)) ، ولما ~~اعتزل محمد صلى الله عليه وسلم الأكوان أجمع ، ولم يزغ البصر في وقت النظر وما ~~طغى قيل ( وإنك لعلى خلق عظيم (4)) [القلم : 4] ، حيث لم يزاغ ~~غيره حلاه بصفته ؛ فقال : PageV02P462 # ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) [الفتح : 10]. # قوله تعالى : ( ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا ~~(50)) رحمته : نبوته ورسالته وقربته ومشاهدته ، ولسان الصدق العلي ثناؤه ~~عليهم ، وأي لسان أعلى من لسان مدح الحق عليهم ، وأنطق لسان جميع الصديقين ~~بثنائهم إلى الأبد ، وأيضا أعطاهم لسان صدق بيان جلال ذاته وصفاته للخلق. # قال ابن عطاء : أصدق الألسنة هي المعبرة عن الحق بالصواب ، والذاكرة على ~~الدوام لنعمائه والناشرة لالائه. # ( واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (51) ~~وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52) ووهبنا له من رحمتنا أخاه ~~هارون نبيا (53)) # قوله تعالى : ( واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا ) أي : اذكر ~~ما بيني وبين كليمي من سماع الكلام ومشاهدة التجلي وشوقه ومحبته وإخلاصه في ~~عبوديته ، وإخلاصه كان في البحر عند وقوع الامتحان ، قوله : ( كلا ~~إن معي ربي ) [الشعراء : 62]. # قال الترمذي : المخلص على الحقيقة مثل موسى ذهب إلى الخضر ليتأدب به ، ~~ولم يسامحه في شيء ، فظهر له منه ، وما كان يفعله حتى أوقفه على العذر فيه ~~، وهذا من تمام إخلاصه. # ثم أخبر سبحانه عما بينه وبين كليمه من الأسرار والمناجاة بقوله : ( ~~ وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52)) ناداه بوسائط ~~الطور والشجرة في البداية ، وقربه نجيا من رؤية جلاله ، وأسمعه كلام الصرف ~~بلا واسطة ، وكان التجلي أيضا في الابتداء بواسطة الشجرة والطور ، فلما ~~قربه من بساط المجد والكبرياء أرى وجهه جل جلاله وروحه وقلبه وسره وجميع ~~وجوده بنعت الشهود والمكاشفة ، النداء بداية والنجوى نهاية ، النداء مقام ~~الشوق والنجوى مقام كشف السر. # وقال الجنيد في قوله : ( وقربناه نجيا (52)) : جعلناه من ~~العالمين بنا والمخبرين عنا بالصدق والحقيقة. # وقال رويم : كشفنا عن سره ms1023 ما كان مغطى عليه من أنواع القرب والزلف وأذنا ~~له في الإخبار عنا. # وقال بعضهم : ناديناه للمحادثة والمكالمة والمناجاة. # وقال الأستاذ : للنجوى مزية على النداء ؛ فجمع له الوصفين النداء في ~~بدايته وقت السماع ، والنجوى في نهايته فوقفه الحق ، وناداه ثم قربه ، ~~وناجاه في جميع الحالتين تولاه. PageV02P463 # ثم من كمال كرمه وهب لموسى أخاه هارون بقوله : ( ووهبنا له من ~~رحمتنا أخاه هارون نبيا (53)) علم الحق سبحانه أن جميع الخلق لم يحتملوا ~~ما في صدر موسى من عظيم أسرار صفاته وذاته وملكه وملكوته ، فجعل هارون موضع ~~سر موسى حتى لا يكون ذائبا تحت أثقال تلك الأسرار ، وهذا رحمة من الله عليه. # ( واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا ~~(54) وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا (55)) # قوله تعالى : ( واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد ) أي ~~: اذكر ظرافة إسماعيل وشمائله وموقع شرفه عندنا ؛ فمن خلقه الرضا بالقضاء ، ~~والصبر في البلاء والكمال في السخاء ، وصدق الوعد بنعت الوفاء. # قال الحسين : الصادق هو المتكلف في حاله يجري بين استقامة وزلة ، والصديق ~~هو المستقيم في جميع أحواله. # وقال ابن عطاء : وعد لأبيه من نفسه الصبر فوفى به في قوله : ( ~~ستجدني إن شاء الله من الصابرين (102)) [الصافات : 102]. # ( واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا (56) ورفعناه مكانا ~~عليا (57) أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا ~~مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات ~~الرحمن خروا سجدا وبكيا (58) فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات فسوف يلقون غيا (59) إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون ~~الجنة ولا يظلمون شيئا (60) جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان ~~وعده مأتيا (61)) # قوله تعالى : ( واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا (56)) ~~أي : اذكر ما كشفت لإدريس من أسرار الملكوت ، وأنوار الجبروت وطيرانه في ~~الجنان ، وشهوده مشاهدة الرحمن. # قال أبو بكر الطمستاني : الصديق الذي لا يطلب طريق من غيره ، ويكون له ms1024 أن ~~يطالب غيره بحقيقة الصدق. # ثم وصفهم جميعا بأنهم منعم عليهم بالمعجزات الرفيعة ، والكرامات الشريفة ، PageV02P464 # والقربات المداناة بقوله : ( أولئك الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين ). # ثم وصفهم مع ما أنعم عليهم بالخشوع والخضوع والبكاء والوجد في السجود بعد ~~ما أعطاهم الاصطفائية والاجتبائية والمعرفة والإصابة والحكمة والمشاهدة ~~والشوق والمحبة ، انظر إلى ذكر هيجانهم وشوقهم إلى لقائه ، ووجدهم بقربه ، ~~وحركاتهم في إجلاله عند نزول الايات عليهم بقوله تعالى : ( إذا ~~تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا (58)) ما أطيب ذلك البكاء ، وما ~~أحلى ذلك السجود ، بكاؤهم من رؤية عظمته ، وسجودهم من كشف عزته ، وحركاتهم ~~من شدة شوقهم إلى معادن المشاهدات وأسرار المداناة. # ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد %~% فقد زادني مسراك وجدا على وجدي بكل تداوينا فلم يشف ما بنا %~% على أن قرب الدار خير من البعد # ثم إن الله سبحانه ذكر المخالفين عقب ذكر الأنبياء والمرسلين ، وذمهم ~~بزوغانهم عن سبل أهل السعادة ، واقتحامهم غيابات أهل الضلاله بقوله : ( ~~ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ) لما استكبروا ~~عن متابعة أهل الحق ، وادعوا بالدعاوى الباطلة ، سقطوا عن أعين القوم ، ~~واحتجبوا بما رأوا من أنفسهم من الترهات والطامات والمزخرفات والأباطيل من ~~الخيالات والمحالات عن لطائف الطاعات ، ومقام المناجاة ، وحسن المراقبات ، ~~ووقعوا في ورطات الشهوات ، وصاروا أئمة الضلالات. # قال محمد بن حامد : أولئك قوم حرموا تعظيم الأنبياء والأولياء والصديقين ~~، فحجبهم الله من معرفته ، وأصابتهم شقاوة تلك الحال ؛ فأضاعوا الصلاة التي ~~هي محل وصلة العبد مع سيده ترسموا بها ، ولم يتحققوا فيها ، واتبعوا آراءهم ~~وأهواءهم فأصابهم الخذلان حرموا بذلك السعادة ، وأثر الشقاوة على العبيد هو ~~حرمان الخدمة ، وتصغير من عظم الله حرمته. # ( لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ~~(62) تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا (63) وما نتنزل إلا بأمر ~~ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا (64) رب ~~السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا (65) ~~ويقول الإنسان ms1025 أإذا ما مت لسوف أخرج حيا (66)) # قوله تعالى : ( ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ) الرزق هناك حقيقة ~~كشف مشاهدة الحق ورؤية جماله ووجدان وصاله ، فكل وقت ينكشف جماله لهم ، ~~فذلك الوقت بكرتهم ، PageV02P465 # وإذا حان وقت إرخاء الحجب يرونه قبل ذلك ، وهذا لعموم المريدين ~~والمؤمنين. # فأما العارفون والمحبون والمشتاقون والموحدون فهم في منازل وصاله وكشف ~~جماله بالسرمدية ، ولا ينقطعون عنه لمحة ، ولو احتجبوا لحظة لماتوا في ~~الجنة من فوت ذلك الحال ، ولو بقي أهل الجنة في مشاهدة الحق على الدوام ~~لذابوا من صولة سطوات جلاله وجماله. # قال أبو يزيد قدس الله روحه : «لو احتجبت في الجنة عن لقائه لمحة أنغص ~~العيش على أهل الجنة». # قال محمد بن عيسى الهاشمي : رد الأشباح إلى قيمتها عن المطعم والمشرب ~~بكرة وعشيا ، وتزاد الأرواح والأسرار عن ذلك بقوله : ( إن المتقين ~~في مقام أمين ) [الدخان : 51] ، وهو مقام لا ينزله إلا من كان ظاهر الأمانة ~~سرا وعلنا. # ثم بين سبحانه أن تلك الجنة ، والمشاهدة الكريمة الأزلية لمن كان متبرئا ~~بهمته عن الكونين ، وبسره عن الدارين ، وبعقله عن العالمين ، وبحقيقته عن ~~نفسه ، وعن جميع الخلائق بقوله : ( تلك الجنة التي نورث من عبادنا ~~من كان تقيا ) الجنات هي منازل شتى جنة المحبة ، وجنة المعرفة ، وجنة ~~التوحيد ، وجنة رؤية أنوار الفعل ، وحكم الغيب فيها ، وأسرار المقادير ، ~~وجنة منها رؤية أنوار الصفات ، ومشاهدة كل صفة للعارفين جنة وعيان الذات ~~جنان ، وهو أصل كل جنة ، فأهل الحق في كل لحظة في جنة من هذه الجنان ، ~~وأوصافهم التبري من غير الله ، فإذا خرج عن الأكوان والحدثان فأورثه الحق ~~تلك الجنان ، وحاشا أنها مقرونة باكتساب الحدث ، بل اصطفاهم في الأزل بتلك ~~الخاصية ، ووقاهم من محن الامتحان والحرمان ، وأعطاهم حسن وصاله ، وكشف لهم ~~من جلاله وجماله. # قال بعضهم في هذه الاية : نجعلها لم يطلبها بفضلنا لا بعمله ؛ فإن الجنة ~~ميراث سعادات الأزل لا ميراث الأعمال والعمل سمة ربما يتحقق ، وربما لا ~~يتحقق والتقوى نتيجة تلك السعادة. # قال الواسطي : إذا بلغت العقول الغاية ، وبلغ بها النهاية ؛ فحاصلها ms1026 يرجع ~~إلى حدث يليق بحدث ، وحسبك من ذلك قوله : ( تلك الجنة التي نورث من ~~عبادنا من كان تقيا ) لما كان التقوى وصفك قابلك بما يليق بك ، وأعلمك أنه ~~غاية ما يليق بتقواك ، ونهايتك في نجواك. # ثم إن الله سبحانه ذكر وصفه وربوبيته وسلطته وكبريائه وإحاطته بجميع ~~الأشياء علما وقدرة وحكما وإثباتا لحقوق الربوبية على أهل العبودية بقوله : ~~( رب السماوات والأرض وما بينهما ) وصف ارتسام السماوات والأرض ، ~~وانتظام ما بينهما باصطناع قدرته ، وإحاطة PageV02P466 # علمه ثم ألزم حقه على عبده وحبيبه ، وعلى جميع الخلائق من العرش إلى ~~الثرى بعد بيانه أنه هو القادر بذلك لا غير وأمره بالصبر في عبادته ، وأوضح ~~الحجة بأن لا شريك له في ملكه ولا ضد له في سلطانه ولا ندب له في كبريائه ~~بقوله : ( هل تعلم له سميا ) أي : ما تعلم إلها غيري ووجود ألوهية ~~الغير مستحيل من كل الوجوه أي : اصبر معي في عبادتي ومعرفتي ، واستغن بي في ~~خدمتي ومعرفتك بي ، وسل مني ما تريد ، ولا تظهر حوائجك لغيري ، فإن ما تريد ~~لا يقدر بذلك أحد سواي. # قال محمد بن الفضل : هل تعلم أحدا يجيبك في أي وقت دعوته ، ويقبلك في أي ~~أوان قصدته؟ # وقال الحسين بن الفضل : هل يستحق أحد أن يسمى باسم من أسمائه على الحقيقة ~~، وقال أهل التفسير : هل تعلم أحدا يسمي الله إلا الله؟ # ومن أوضح النكت في أسرار الحقيقة من الاية نفي الحق الربوبية عن كل متصف ~~مستمد ، وإن كانوا مستغرقين في جمال ألوهيته ، وردهم إلى قيمتهم من ~~العبودية أي : مادامت تلك الكسوة النورية الأزلية عليكم عارية تذهب بذهاب ~~الكشوف وغيبة للمواجيد والصحو بعد السكر ، ينبغي ألا تبرجوا من أصل قيمتكم ~~؛ فإن القدم قائم بالقدم ، وبقي الحدث على نعته. # كنت أنت إذ غبت فينا بل أنا كنت %~% إذا غبت عنا أنا أنا وأنت أنت # هل تعلم له سميا بحقيقة اسم الألوهية التي أنوارها تزيل الحدثان ، وتهلك ~~جميع الأكوان بقهر سلطانها ، وتصديق هذه الإشارات. # ( أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم ms1027 يك شيئا (67) فو ~~ربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا (68) ثم لننزعن من كل ~~شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا (69) ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا ~~(70) وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (71) ثم ننجي الذين اتقوا ~~ونذر الظالمين فيها جثيا (72) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين ~~كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا (73) وكم أهلكنا قبلهم ~~من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا (74) قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن ~~مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر ~~مكانا وأضعف جندا (75)) PageV02P467 # قوله تعالى : ( أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ) أي : من ~~أنتم ، ومن أين أنتم ، والعدم في العدم معدوم والقد في القدم معروف ، لو ~~يعرف العارف أوائل كونه فني في لحظته في حياء الحق من دعوى معرفته إذ كونه ~~في علم الأزل كعدمه بالحقيقة إذ قوامه بالحق لا بنفسه. # قال الواسطي : المقادير صرحت بمعاينتها ، وكشفت عن أوقاتها ، فالأول : ~~أخبر أنه مأخوذ عن شاهده ، واكتسابه نفسه حين لم يكن شيئا ، والثاني : ~~أخذوا من النطفة ، والثالث : أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ذكر ~~الطين للعبادات ، وذكر النطفة للإشارات ، والباقي لفقد النعوت والصفات. # قوله تعالى : ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ~~(71)) هذا القسم من وجوب حق صفة القدم ، إذ نعته قهر الجبروت ، فأورد الكل ~~عليها لمباشرة ذلك فيهم ليعرفوه بجميع معاني صفاته ، وذلك رحمة كافية إذ لم ~~يعزلهم من رؤية جلال أزليته في لباس قهره ، فكم كشف من الجبروت هناك ، وكم ~~مشاهدة من عين الملكوت هناك ، وكم ظهور سر في دروبهم هناك أين أنت من قول ~~سباح قاموس الكبرياء وعنقاء مغرب ؛ فإن البقاء حيث قال : وضع الجبار قدمه ~~في جهنم ، هل ترى هذا القدم إلا كشف جلال القدم ، وإذا كان جمال قدمه ~~مصحوبهم ، فلا بأس بالوقوف في النيران ؛ فإن هناك أصل الجنان. # إذا نزلت سلمى بواد فماؤها %~% زلال وسلسال وشيخانها ورد # ( كان على ms1028 ربك حتما مقضيا (71)) إذ كان وصفه في الأزل أنه عرف ~~نفسه بجميع الصفات لكونهم عارفين ، فإذا تم ذلك الكشف وصلوا بالحق مع الحق ~~إلى جواره ووصاله الأزلي ولطفه الأبدي ولقائه السرمدي الذي بغير امتحان ، ~~وهذا معنى قوله : ( ثم ننجي الذين اتقوا ) اتقوا من أليم القطيعة ، ~~وعذاب الفرقة ، ومرارة المخالفة. # قال الواسطي : ما أحد إلا ويورده النار ملاحظات أفعاله ثم ينجي الله منها ~~من أسقط عنه ذلك أو أزالها عنه بملازمة التوفيق. # وقال في قوله : ( كان على ربك حتما ): بالرجاء يطلب المحتوم ، ~~وبالخوف يدفع المقضي. # وقال الجنيد في قوله : ( ثم ننجي الذين اتقوا ): ما نجا من نجا ~~إلا بصدق اللجا. # قال الجريري : ما نجا من نجا إلا بصدق التقى. # وقال ابن عطاء : ما نجا من نجا إلا بتصحيح العهد بالوفاء. PageV02P468 # وقال هذا العارف الفارسي العباد الرباني الشطاح الملكوتي : ما نجا من نجا ~~إلا بالاصطفائية الأزلية ، والعناية الأبدية ، والرسم والوسم ، والاسم ~~عوارضات زائلة وامتحانات عاطلة. # قال جعفر الصادق : لو لا مقارنة النفوس ما دخل أحد النار فلما قارنهم ~~نفوسهم أوردهم النار بأجمعهم فمن كان أشد إعراضا عن خبث النفس كان أسرع ~~نجاة من النار ألا ترى الله يقول : ( ثم ننجي الذين اتقوا ). # ( ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ~~ثوابا وخير مردا (76) أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا (77) ~~أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا (78) كلا سنكتب ما يقول ونمد له من ~~العذاب مدا (79) ونرثه ما يقول ويأتينا فردا (80) واتخذوا من دون الله آلهة ~~ليكونوا لهم عزا (81) كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا (82) ألم تر ~~أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا (83) فلا تعجل عليهم إنما نعد ~~لهم عدا (84)) # قوله تعالى : ( ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ) إذا أراد الله ~~هداية العبد إلى محل الإيمان شرح صدره بنور الإسلام ، فلما ثبت في إيمانه ~~بنعت السنة والمتابعة عرفه منازل قربه ووصاله وحقائق العبودية فيقع في بحر ~~الألوهية ؛ فلا يجري عليه بعد ذلك طوارق الزيادة والنقصان. # قال سهل : يزيد الله ms1029 الذين اهتدوا بصبرهم في إيمانهم بالله والاقتداء ~~لسنة محمد صلى الله عليه وسلم وهو زيادة الهدى النور المبين. # قوله تعالى : ( واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (81)) ~~كل ما دون الله إذا أقبلت إليه بنعت الحاجة والافتقار فهو إلهك ، وطلب العز ~~في غير الله غير ممكن لأن الأكوان تحت قهرة ذليلة ، وإذا أردت العز قبل إلى ~~الله ( فلله العزة جميعا ). # قال بعضهم : كيف تظفر بالعز ، وأنت تطلبه من محل الذل. # ( يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (85) ونسوق المجرمين إلى ~~جهنم وردا (86) لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا (87) وقالوا ~~اتخذ الرحمن ولدا (88) لقد جئتم شيئا إدا (89)) PageV02P469 # قوله تعالى : ( يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (85)) افهم أن ~~المتقي من يتقى مما دون الحق ولا يتقي إلا بأن وقاه الله من طريان النفس ~~والهوى على قلبه وآنسه بأنسه فالمتقون الخارجون بنور مشاهدة الله عن ظلمات ~~الأكوان إذا كان وقت حشرهم أركبهم الله على مراكب أنوار تقواه ودعاهم إلى ~~مشاهدته ووصاله وأنزلهم عيون الرحمانية وأعطاهم من بحار رحمته جميع مأمو ~~لهم لذلك ذكر اسم الرحمانية أي : لم يكن هناك وحشة قطع الامال إذا نزلوا ~~موارد الجلال والجمال ، وهذا وصف المتقين الذين هم أهل بنايات المقامات ~~فأما العارفون فهو بنفسه يحملهم في ميادين الازال والاباد ويبقيهم في معارج ~~أنوار الذات والصفات ، ولو لا حمله إياهم كيف يقطعون براري الديمومية وقفار ~~الأزلية والحدثان ساقطة في أودية قهر الربوبية. # قال ابن عطاء : بلغني عن الصادق أنه قال أي : ركبانا على متون المعرفة. # وقال جعفر : المتقي الذي اتقى كل شيء سوى الله والمتقي الذي اتقى متابعة ~~هواه فمن كان بهذا الوصف ؛ فإن الله يحمله إلى حضرة المشاهدة على نجائب ~~النور ليعرف أهل المشهد محله فيهم. # وقال الواسطي : أي : ركبانا وذلك حجابهم ؛ لأنه من جذبته زينته عن الحق ~~حتى ينسيه ولا يجذبه ذكر الحق عن الأعراض جذب الزينة فهو الكاذب في دعواه. # وقال أيضا : لما لم يوافقه صفة ولا نعتا في الدنيا حشرهم في الاخرة ms1030 إلى ~~الله باسم الرحمانية يسوقهم سوقا أرفق ما كان بهم وأكثر شفقة لا يعرجون إلى ~~غيره ولا يلتفتون سواه. # وقال الأستاذ : قيل : ركبانا على نجائب طاعاتهم وهم مختلفون فمن راكب على ~~صور طاعاتهم ومن راكبي على مراكب هممهم ومن راكب على نجائب أنوارهم ومن ~~محمول يحمله الحق في عقباه لكما يحمله اليوم في دنياه وليس محمول الحق ~~كمحمول الخلق. # ( تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90) ~~أن دعوا للرحمن ولدا (91) وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا (92)) # قوله تعالى : ( تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر ~~الجبال هدا ) إن الله سبحانه أخبر عن عظيم افتراء الكفرة عليه لما في ~~قلوبهم من مخائيل الشيطانية وهواجسهم النفسانية ، قالوا في حق الحق سبحانه ~~ما يليق بالحدث لا ما يليق بالقدم فلم يقع وصف الحدث على القدم ، ولم ير ~~مقالتهم في الحق موضعا في البرية لمكانها فقصدت السماوات والأرض والجبال ؛ ~~لأنها منصرفة عن جناب الربوبية قهرا وغيرة ، فنزلت على السماوات والأرض ~~والجبال ، فلم يحتمل بها السماوات والأرض والجبال من عظمها فتكاد السماوات PageV02P470 # يتفطرن والأرض تنشق والجبال تخر ؛ لأن الكلمة خرجت من مصدر القهر ممزوجا ~~بالغيرة ، وذلك بأنهن عقلن بروج إشراق نور صفة الأزل عليهن ، فكادت أن تفنى ~~من عظم ثقل روح لطفه بروح قهره. # ( إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (93) لقد ~~أحصاهم وعدهم عدا (94) وكلهم آتيه يوم القيامة فردا (95)) # قوله تعالى : ( إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا (93)) كل مزين بأنوار الربوبية فهو تحته بنعت العبودية فمن شاهد ~~أنوار الربوبية عرف محل الربوبية والعبودية فإذا فنى العبودية في الربوبية ~~بقى الربوبية وصف المتصف بها فيرى نفسه بزينة نور الحق فيدعى من مباشرة شكر ~~التوحيد ونور الأزلية بدعوى الأنائية ، فإذا كان يوم القيامة رجعت أنوار ~~الربوبية إلى معدنها ، وبقي الكل عريانا منها ملبسين بذل العبودية حتى يجري ~~عليهم طوارق غيرة الحق هذا إذا يمضي حكم الغيرة ، ويدل عليه قوله : ( ~~ وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ) أي : فردا عن ms1031 دعوى الأنائية ~~والمعرفة وبقي فردا في حقيقة القهر عند فردانية الحق فانفرد بالحق حتى اتصف ~~بالفردانية واتحد بالوحدانية فيرجع إلى ما كان فيه من إظهار الربوبية ~~والألوهية فيشهد العارف مشاهد الوصلة فيحويه أنوار الدنو فيسكر بجمال الحق ~~فيدعى هناك بلسان الأزل والأبد دعوى الأزل والأبد ، ويا صادق كلهم في حجاب ~~ها هنا عنه ماداموا في الحجاب يميلون إلى مأمول سوى الله من الثواب والنجاة ~~من العقاب ، فإذا شهدوا مشاهدة جماله سقط عنهم مراداتهم ، ويخلصوا عن علة ~~رق النفوسية ، وصاروا عبيدا له محققين مخلصين في محبته ومشاهدته حيث لا ~~يبقى إلا وجهه قال تعالى : ( كل شيء هالك إلا وجهه ) [القصص : 88]. # قال جعفر في قوله : ( آتي الرحمن عبدا ) فقيرا ذليلا بأوصافه ~~دالا بأوصاف الحق. # قال أبو بكر الوراق : ما تقرب أحد إلى ربه بشيء أزين عليه من ملازمة ~~العبودية وإظهار الافتقار ؛ لأن ملازمة العبودية تورث دوام الخدمة ، وإظهار ~~الافتقار إليه يوجب دوام الالتجاء والتضرع. # قال رجل لإبراهيم بن أدهم : أنت عبد؟ قال : نعم ، فقال له : عبد من؟ ~~فأراد أن يقول عبد من فغشي عليه فلما أفاق قال : ( إن كل من في ~~السماوات والأرض ). # ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (96) ~~فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا (97) وكم أهلكنا قبلهم PageV02P471 # من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا (98)) # قوله سبحانه وتعالى : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل ~~لهم الرحمن ودا ) في هذه الاية عجيب من أن الله سبحانه قرن الود بالعمل ~~الصالح ، وذكر العمل الصالح قبل الود كان الود جزاء العمل الصالح ، ~~والإشارة فيه أن وده لهم قديم في الأزل ، وبذلك الود عملوا العمل الصالح ~~فإذا اصطفى بذلك الود وقفهم للأعمال الصالحة والأعمال الصالحة من ميراث ذلك ~~الاصطفائية والود فإذا وقع العمل الصالح يزيد كشف ذلك الود في قلوبهم ، ~~والحق سبحانه منزه عن الزيادة والبدء ، فإذا ألبسهم نوره وكسا أسرارهم سنا ~~وده فيكونون مزينين ظاهرا وباطنا ، ويصيرون مرآة جمال الحق ، وكل من يراهم ~~يحبهم ms1032 فالله أحبهم وهم يحبونه بمحبته ، والخلق يحبونهم بمحبة الله إياهم ، ~~وما يرون من أنوار جمال الحق منهم. # قال ابن عطاء : الذين أخلصوا بسريرتهم لي ، واتعبوا ظاهرهم في خدمتي ~~سأجعل لهم وجها في عبادي لا يراهم أحد إلا أحبهم وأكرمهم وفي محبتهم ~~وكرامتهم كرامتي ومحبتي. # وسئل بعضهم عن قوله : ( سيجعل لهم الرحمن ودا ) قال : يعني لذة ~~وحلاوة في الطاعة. ### | سورة طه # بسم الله الرحمن الرحيم # ( طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) إلا تذكرة لمن يخشى ~~(3) تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى (4)) # ( طه (1)) ذكرنا أن حروف المعجم صناديق أسرار الحق مع حبيبه ولا ~~يطلع عليها بالحقيقة أحد غيره وكل لسان عبر عنها بقدر ما فتح في قلبه من ~~قلبه من علوم السرية الإلهية وما قال فيه أهل الرسوم والحقائق يكفي ~~لمسترشدي طرق الحقائق ، وما وقع بغير تكلف بالبديهة لهذا العارف أن الله ~~سبحانه أخبر عن مقدم حبيبه من العدم إلى القدم بروحه فالطاء طواف روحه وطوف ~~سره في صحاري هويته قبل القبل حين خرج روحه من نور الغيب وطار في هواء ~~الهوية لطلب الذات السرمدي ومشاهدة الصفات الأزلية حتى وصل بالحق إلى الحق ~~، وطار في دائرة هوية الغيب فوجد الحق بالحق وعلم من الحق بالحق ما في الحق ~~فصار مقدسا بقدس الحق مطهرا بطهارة الصفة ، وهو بذاته تعالى جعله معرفا ~~لخلقه صفاته وذاته هاديا يهدي به عباده إليه بنعت المحبة والأسوة ، كأنه ~~قال يا طواف قفار الهوية في غيب الأزل PageV02P472 # ويا مطهرا من الأكوان والمحدثان ، يا هاديا بنوري خلقي إلى ما وطئ أحد ~~على بساط هويتي أفضل منك ، طويت لك تحت أقدام همتك صحارى الأزليات ~~والأبديات حتى بلغ سرك سر هويتي بهوائي تهوى وتلطفت بلطفي هوى نجم همتك بعد ~~ارتفاعها بي في هواء وحدانيتي على بساط ملكي وملكوتي فطاب بطيب وصالي يا طه ~~، لأجل ذلك قسمت به بقولي : ( والنجم إذا هوى (1)) [النجم : 1] ~~طوبى لمن اهتدى بهديك وطاب عيش من هوى طريقتك يا بدار أفق سماوات القدم ويا ~~غواص قاموس الكرم طاشت العقول ms1033 في إدراك مقاماتك ، وهامت القلوب في أودية ~~محبتك ، وطارت الأرواح من حقائق إشاراتك. # قال ابن عطاء في قوله ( طه (1)) : «طا» هديت لبساط القربة ~~والأنس. # وقال الواسطي : هو مستخرج من الطاهر الهادي أي : أنت طاهر بنا هادي إلينا. # وقال محمد بن عيسى الهاشمي : طوى عن سر محمد صلى الله عليه وسلم الأكوان بما ~~فيها وهدى إلى الاشتغال بمكونها. # وقال محمد بن علي الترمذي : طوبى لمن اهتدى بك وجعلك السبيل إلينا. # وقال الأستاذ : «الطاء» إشارة إلى طهارة قلبه عن غيره ، و «الهاء» إشارة ~~إلى اهتداء قلبه إلى الله. # ثم إن الله سبحانه تلطف على نبيه وخفف عليه أثقال العبودية ؛ لأنه كان ~~تحت أثقال سطوات الربوبية التي لا تحملها الأكوان بقوله : ( ما ~~أنزلنا عليك القرآن لتشقى ) قام جميع الليل بالتهجد كأنه قال سبحانه : يا ~~أول طا القدم على بساط حضرتنا لطلب المقام المحمود لا تشق على نفسك لأجل ~~زيادة الهداية ؛ فإنك هديت في الأزل واصطفيناك لمشاهدتنا وقربتنا والرسالة ~~والمحبة لا تحتاج إلى كثرة المجاهدة ، فإنك في المشاهدة أنزلنا عليك القرآن ~~ليعرفك أسرار ذاتنا وصفاتنا وتعرف عبادنا أسرار العبودية وأحكام المعرفة ~~وعزة الربوبية ، أنزلنا عليك القرآن ليقرن عنانه بعنان همتك ويبلغك إلى ~~منازلنا فتدلى فإذا وصلت إلينا فأؤنسك بنفسي بعد أن جعلت القرآن مستأنسك ؛ ~~فإذا رأيتني رأيت ذاتي وصفاتي وسمعت القرآن مني بلا واسطة فتعرف أن صفاتنا ~~تضيئ الأكوان ولا تفارق الرحمن. # قال الواسطي : سمي القرآن قرآنا لأنه يقارن لمتكلمه لا يباينه تعظيما ~~لشأن القرآن كما وصل إلينا شعاع الشمس وحرارتها ولم يباين القرص. # قال بعضهم : أنزلناه إليك لتستروح إلى كلام خالقك ؛ فإن المحب يستروح إلى ~~كلام حبيبه ولا يلحقه فيه التعب. # وقال الأستاذ : ليس المقصود من إيحائنا إليك تعبك إنما هو استفتاح باب الوصلة PageV02P473 # والتمهيد لبساطا القربة. # ثم بين سبحانه لم أنزل القرآن عليه قال : ( إلا تذكرة لمن يخشى ~~(3)) معناه بالحقيقة أن أرواح أهل الخشية قد استغرقت في بحر القدم حين ~~خرجت من العدم فعرفت منازل شهودها من مشاهدة الذات والصفات ، وعلمت ~~اصطفائيتها ms1034 وخاصيتها على بساط القرب وتلطف الحق بها وانبساطه معها بمحبته ~~إياها ، فلما دخلت الأشباح بقيت معها خشية العظمة وصولة الهيبة فزاد خشيتها ~~بعلمها بالله بالوصلة والفرقة ، وطرأت عليها وحشة الفراق عن معادلها ، ~~فأنزل الله تعالى القرآن على حبيبه ليذكرهم أيام الوصال في مقام الفراق ~~ليذهب عنهم الظنون والحسبان ، ومعارضة النفوس وتخويف الشياطين بأنهم لا ~~يصلون إلى تلك المناهل والموارد. # سقى الله أياما لنا وليالي مضت %~% فجرت من ذكرهن دموع فيا هل لنا يوما من الدهر أوبة %~% وهل لي إلى أرض الحبيب رجوع # وأيضا أهل الخشية هم العلماء بالله وبصفاته ، قال الله تعالى : ( ~~إنما يخشى الله من عباده العلماء ) [فاطر : 28] ، والخشية صدرت من رؤية ~~عظمة الحق إلى قلوبهم فإذا دخلوا في منازل الامتحان بالحجاب ، فأنزل الحق ~~القرآن ليذكرهم عظائم عظمة جبروته وسلطان قهر كبرياء ملكوته لئلا يتداخل ~~أسرارهم غبار الأغيار ولا وحشة الاستكبار ولئلا يفتروا عن ملاحظة عزته وقهر ~~كبريائه. # قال ابن عطاء : قيل له محمد أنت إمام أهل الخشية وسيدهم أنزلناه تذكرة لك ~~لتسكن عليه وتزول به الخشية عن قلبك ، فإن المحب : يأنس بكتاب حبيبه ~~وكلامه. # وقال جعفر : أنزل الله القرآن موعظة للخائفين ورحمة للمذنبين. # وقال الأستاذ : القرآن تبصرة لذوي العقول تذكرة لأولي الوصول ، فهؤلاء به ~~يستبصرون ، فسألوا راحة اليقين في أجلهم وهؤلاء به يذكرون فيجدون روح أنس ~~في عاجلهم. # ( الرحمن على العرش استوى (5) له ما في السماوات وما في الأرض ~~وما بينهما وما تحت الثرى (6) وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى (7) ~~الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى (8) وهل أتاك حديث موسى (9) إذ رأى ~~نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على ~~النار هدى (10) فلما أتاها نودي يا موسى (11) إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك ~~بالواد المقدس PageV02P474 # طوى (12) وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى (13) إنني أنا الله لا ~~إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري (14) إن الساعة آتية أكاد أخفيها ~~لتجزى كل نفس بما تسعى (15) فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها ms1035 واتبع هواه ~~فتردى (16)) # قوله تعالى : ( الرحمن على العرش استوى (5)) ذكر سبحانه قبل هذه ~~الاية خلق السماوات والأرض ، ولم يقل أنه خلق العرش ، وفيه إشارة إلى أن ~~قوله سبحانه عن إحاطة الحدثان به ( الرحمن على العرش استوى (5)) ~~(1) يشير إلى أن عرشه جلال قدمه وأزلية ذاته وصفاته استوى بنفسه في علم ~~العلم وغيب الغيب وهذا الاستواء قديم وهذا خبر عن تجبره وتكبره بنفسه في ~~نفسه حين لا حين ولا حيث ولا أين ولا غير ، وهكذا جميع الإحايين قبل ~~الأكوان وبعد الأكوان وفي الأكوان إذا لأكوان والحدثان قاصرة عن حمل ذرة من ~~كبرياء عظمته والأزمان مضمحلة عن حصر صفاته وأزليته وديموميته ، وأيضا إن ~~الله سبحانه لما أراد إيجاد الكون خلق بظهور نور قدرته عالما وسماه العرش ~~من نور شعشعاني وجعله موضع نور العقل البسيط وجعل العقل البسيط موضع فعله ~~الذي يصدر من القدرة ومن ذلك الفعل عالم طلوع أنوار القدم عليه فإذا تجلى ~~بذاته لصفاته ومن صفاته لفعله ، ومن فعله للعقل البسيط ومن عقل البسيط ~~لعالم العرش فصار كل ذرة من العرش مرآة يتجلى الحق منها للعالم والعالمين ~~فتدر قطرات ديم الفعل من فيض أنوار الصفة والذات من عالم العرش إلى العالم ~~والعالمين على النظام والتسرمد واتسام صبح الأزلية من إشراق شمس الألوهية ~~على عالم العرش بهذه المثابة ، وانتشر بركنها في الأكوان والحدثان وهذا ~~تحصيل علوم سر الاستواء ، ويا عاقل أين العرش ، وإن كان ألف ألف عرش من ~~سطوات كبريائه التي لو برزت ذرة منها بنعت القهر في العالم لفنيت كلها قبل ~~أن يرتد إليك طرفك فهو مستو بغير علة اعوجاج الحدثية بوصف قهر القدم على كل ~~مخلوق والكل تحت قهر جبروته وإن كان عالم العرش أعظم ميادين تجلي استوائه ~~هو خاص بتجلي الاستواء ، والاستواء صفة خاصة لله منزه عن إدراك الأوهام ~~ومقاييس العقول تعالى الله عن مماسة الحدثان وملاصقة الأكوان. # وسئل مالك بن أنس : كيف الاستواء؟ قال : الاستواء غير مجهول والكيف غير ~~معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. # وقال فارس : ليس ms1036 على الكون من الله أثر ولا من الكون على الله أثر. PageV02P475 # وقال ابن عطاء : الاستواء إظهار المقدرة لا مكان الذات فإذا جاوزنا من ~~هذه المقالة فجرم العرش أعظم من كل جرم ولكن إذا استولى عليه قهر الربوبية ~~كاد أن يذوب من صولته فأمسكه يد اللطف لتكون رفارف أرواح القدسية وبساتين ~~عقول الملكوتية فسكن بلطف الله من الاضطراب من قهر الله ، ثم صرف الحق عنه ~~تلك الصولة لما علم ضعفه عن وارد الألوهية فطلب في ملكه وسلطانه عرشا ~~معنويا روحانيا ملكوتيا رحمانيا جبروتيا ، وذلك قلب العارف الصادق الذي ~~خلقه الله من نور بهي صدر من تجلي صفة بهائه ، وذلك عرش المعنى الذي من ~~وسعه ببسط نور الأزلية فيه على مثابة من قدرة الحق أن لو كان العرش ما تحته ~~يقع فيه يكون أقل من خردلة في فلاة ، وذلك مشرق طلوع شمس الذات وقمر الصفات ~~، فإذا غلب سلطانها عليه ظهر ضعفه تحت أثقال الألوهية فيبرز نور اللطف في ~~قضائه فيبسطه بسطا لا نهاية له ويصير مبسوطا يبسط التجلي حتى يكون مستقيما ~~متمكنا في رؤية تجلي الحق فإذا صارت أنوار التجلي عليه بنعت الاستدامة ظهر ~~علم سر الاستواء منه ، وحاشا أن القلب حامل الذات والصفات هو بجلاله متنزه ~~عن الورود على الحدثان لكن هو طور التجلي يحمل أثقال تجلي الحق بالحق لا بنفسه. # انظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم كيف قال حكاية عن الله عز وجل : «لم ~~يسعني السماوات والأرض ويسعني قلب عبدي المؤمن» (1). # ويا عاقل كيف يحمله الحدث ، وهو منزه عن الحلول الله ، الله هو منزه أيضا ~~أن يكون هو محل الحوادث للقلب يحمله به ؛ لأنه هو بذاته حامل القلب بالوصف ~~والصفة. # ألا ترى إلى قوله عليه السلام : «القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن ~~يقلبها كيف يشاء» (2) هو مع الكل بالعلم والكل معه بالعلم والقدرة وهو منزه ~~قائم بذاته تعالى الله عن كل وهم وخاطر. # وقال ابن عطاء : استوى لكل شيء ؛ فليس شيء أقرب إليه من شيء. # وقال بعضهم : استوى ms1037 له السماوات والأرض وما فيهن بشرط العبودية. # قال الأستاذ : عرشه في السماء معلوم وعرشه في الأرض قلوب أهل التوحيد ~~فعرش السماء مطاف الملائكة ، وعرش الأرض مطاف اللطائف ، فأما عرش السماء ، ~~فالرحمن عليه استوى ، وعرش القلوب ؛ فالرحمن عليه استولى ، وعرش السماء ~~قبلة دعاء الخلق وعرش PageV02P476 # الأرض محل نظر الحق فشتان بين عرش وبين عرش ، ثم مع هذه الاية وعقيبها ~~جمع الله سبحانه علومه القديمة المحيطة بالحدثان من فوق العرش إلى ما في ~~تحت الثرى ، وذلك قوله : ( له ما في السماوات وما في الأرض وما ~~بينهما وما تحت الثرى (6)) أخبر عن علمه وملكته معا بما فوق العرش ، وما ~~تحت الثرى وما بين العرش والثرى من أطباق السماوات ، وما بينهن وأطباق ~~الأرضيين ، وما بينهن فذكره تعالى استوى على العرش إخبار عن قهر سلطانه ~~وبنعت الاستيلاء على أعظم خلقه وعن علمه بما فوق العرش من علم الغيب غيب ~~الغيب وما تحت العرش إلى الثرى من علومه الغيبية في بطون أفعاله ، وما تحت ~~تحت الثرى من أسرار ربوبيته أي : أن الكون استغرق في بحار علمه وقدرته ~~وإرادته بالمثل كخردلة في البوادي ، أو كحلقة في البحار والسلطان ، كبرياؤه ~~محيط بجميع ذراته فالكون كالكرة في ميادين عظمته عند صولجان قدرته ، يضرب ~~بها تلك الكرة في كل لمحة ألف مرة ويذهب بها من الازال إلى الاباد ، ومن ~~الاباد إلى الازال ، والله إن من وقت ما خلق الله الكون يتحرك الكون في طلب ~~ما يتعلق به من نور فعلمه ، وما أدركه فكيف يدرك أنوار الصفة وإذا لم يكن ~~مدرك أنوار الصفة كيف يدرك عزة الذات وأين الكون من إدراك وحدانية القديمة ~~ولحوقه بجلال مجد ذاته ، بل هو صاغر حقير في قبض جبروته لا مصرف له ينصرف ~~إليه منه ، ولا مخرج له منه فيخرج من تحت قهره بل كذرة تبن على جناح الرياح ~~العواصف والصرصر القهار تذهب بها ، ولا تعرف أين تذهب. # ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم : «الكون في يمين الرحمن أقل من خردلة» (1). # ثم اعلم الخلق ms1038 أن الكل له ؛ فلا ينبغي العالم به أن يطمع في غيره حتى لا ~~يشوب قلبه بالشرك الخفي ، قيل له : الملك كله فمن طلب البعض من الكلى من ~~غيره فقد أخطأ الطلب. # ثم أخبر عن عظيم جلال علمه بمكنون الأسرار وخفي الإضمار بقوله : ( ~~ وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى ) افهم أن للطبيعة سرا ~~والملك السر سر وللنفس سرا ، ولذلك السر سر ، وللقلب سرا ، ولذلك السر سر ، ~~وللعقل سرا ، ولذلك السر سرا ، وللروح سرا ، ولذلك السر سر ، وللسر سرا ، ~~وذلك السر سر ، ولسر السر سرا ، ولذلك السر سرا ، أما سر الطبيعة إضمار ~~الميل إلى طلب ما تقوم به من فيض العناصر ، وسر ذلك السر نداء فعل الحق إلى ~~الطبيعة بنعت جذبها إلى طلب حظها ، وهو أخفى من ذلك السر. # وأما سر النفس ؛ فهو حديثها الخفي الذي يصدر منها في غيب الخواطر بقلب هواها PageV02P477 # وسر ذلك السر نداء القهر إياها بنعت جذبهما إلى طلب الهوى ، وهو أخفى من سرها. # وأما سر القلب فهو حديثه الخفي الذي يصدر منه لطلب مزيد الصفاء من فيض ~~الذكر ، وسر ذلك السر فرع الملك باب سره بنعت تحريكه إلى طلب مزيد الذكر ~~وذلك إلهام خفي وأخفى من سر الأول. # وأما سر العقل فهو حديثه مع القلب والروح بما يبدو له من حقائق أحكام ~~الربوبية في الشواهد ، وسر ذلك السر بحجة نور فعل الخاص التي هي داعية ~~العقل إلى مشاهدة حقائق الأشياء ، وذلك السر أخفى من سر الأول. # وأما سر الروح ؛ فهو حديثها مع العقل بما يسمع من إلهام الخاص الإلهي ~~لزيادة شوقها إلى معادنها ، وسر ذلك السر ما يبدو لسر الأول من برق سنا ~~الصفة بنعت الكشف مع تعريف أمر العبودية والربوبية ، وذلك أخفى من سر الأول. # وأما سر السر ؛ فهو حديثه الخفي في بطنان غيب الخاطر في مشهد الملكوت مع ~~الحق حيث يكون محتجبا عنه بنعت المتضرع لطلب مشاهدته ، وسر ذلك السر وقوع ~~كلام الحق على مجاري الصفة له في الغيب وهو يسمع ولا يبصر ، وذلك ms1039 أخفى من ~~سر الأول. # وأما سر سر السر ما يكون وراء الحجاب فوق الملك والملكوت مشاهد الجبروت ~~ومعاين الذات يرى عجائب أنواره وحقائق أسرار صفاته وذاته فيعرف منه به ~~ويسمع منه بلا واسطة ، ويقول معه يطلب منه بلسان الافتقار مزيد قرب القرب ~~ودنو الدنو حتى يقع في بحار الألوهية فلا يرى ولا يعرف فهو أسر الأسرار ، ~~وأخفى الخفيات فالطبيعة لا تطلع على سر النفس ، والنفس لا تطلع على سر ~~القلب ، والقلب لا يطلع على بعض سر العقل ، والعقل لا يطلع على بعض سر ~~الروح ، والروح لا يطلع على سر السر والسر ، لا يطلع على سر سر السر ؛ لأنه ~~مقام ما أخفي من السر ، ولا يطلع على جميعها إلا الله سبحانه من الخلق ~~والخليقة لا الملائكة لا المقربون ولا الأنبياء المرسلون إلا ما يكشف الحق ~~لهم من ظاهر الأسرار قال تعالى : ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه ~~أحدا (26)) [الجن : 26] إلا من ارتضى من رسول ، وباطن هذه الأسرار لا ~~ينكشف لأحد غير الله ؛ لأنه مما استأثره لنفسه ولا يطلع عليه غيره وحاصل ~~الحقيقة من معنى الاية أن السر ما في صفاته ، وما أخفى ما في ذاته. # قال الصبيحي : السر ما طالعه الحق ولا يطالعه الملك ولا الشيطان ولا يحس ~~به النفس ولا يشاهده العقل ، وهو في الإضمار لم تحوه الهمم ، ولم تدبره ~~الفطن ، وهي في لباب لب القالب من حقائق المحض من خطرات الإلهام كشرر النار ~~الكامن في الشجر الرطب حتى تمثله الإرادة والمشيئة والأحكام ؛ فيتنقل في ~~الأحوال ، فهذا هو السر ، وما هو أخفى فما لم تحس PageV02P478 # ولم لطالع لا يعلمه إلا الله ؛ فهو أخفى من الحقائق ، فإذا ظهر معلومه ~~أبدى علمه. # قال الواسطي : السر ما خفي على العباد ، والذي هو أخفى ما لم يقل له كن. # قال الجنيد : يعلم سره فيك ، وأخفى سره عنك. # وقال جعفر الصادق : السر موضع الإرادة ، وأخفى موضع الخطرة والمشاهدة. # وقال الأستاذ : فالنفس ما تقف على ما في القلب ، والقلب لا يقف على أسرار ~~الروح ، والروح لا ms1040 سبيل له إلى حقائق السر ، والذي هو أخفى من السر فما لا ~~يطلع عليه إلا الحق ، ويقال : الذي هو أخفى من السر لا يفسده الشيطان ، ولا ~~يكتبه الملكان ، ويستأثر بعلمه الجبار ، ولا يقف عليه الأغيار ، ولما تفرد ~~بنفسه بالإطلاع على السر والخفيات نفى عن ساحة كبريائه من لم يستحق ~~للفردانية الأزلية ، والعلم الشامل بأسرار الحوادث وخفيات الضمائر ، ووصف ~~نفسه بذلك. # وقال : ( الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى (8)) فمعاني ~~الأسماء بالحقيقة سر من حيث يعبر حقائق الصفات ، وما في الذات من علوم ~~القدمية وأسرار الأزلية وهو أخفى من سر الأسماء أخبر سبحانه حبيبه من ~~أسراره التي بينه وبين كليمه موسى وتلك الأسرار أعجب العجائب. # أما غرب الغرائب من علوم أسراره وحقائق أنواره بقوله : ( وهل ~~أتاك حديث موسى (9)) ما أطيب ذكر قصة الكليم للحبيب خص أن الحبيب الأكبر ~~ذكر حال الكليم للحبيب ؛ لأن الحبيب يستأنس بسميه من الأحياء ، لذلك قص ~~الله قصة الأنبياء لحبيبه ثم بين يد وحال كليمه بقوله : ( إذ رأى ~~نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا ). # لما كمل كليم الله كمل في الإرادة ودخل في الإرادة ودخل من الإرادة إلى ~~مقام المحبة ترك الوسيلة الصغرى وهي خدمة شعيب ، ووقع في الوسيلة الكبرى ، ~~هي رؤية النار في الشجرة وتلك بداية مكاشفته وسماع خطاب الحق سبحانه ، ~~فوقعت مكاشفته قبل الخطاب وهو مقام الكبراء في المعرفة ، ثم وقع بعد ذلك في ~~بحر الخطاب ، وذلك قوله : ( فلما أتاها نودي يا موسى )؛ فإذا أراد ~~الله أن يعرفه مقام رؤية الصفات في الأفعال تجلى بجلاله لكسوة النار ، ثم ~~تجلى من كسوة النار لكسوة الشجرة ثم تجلى من الشجرة لموسى ، وذلك مقام ~~أسرار الالتباس الذي يجذب بالحق عشاقه إلى معادن الألوهية ليصيروا بعد ذلك ~~موحدين ؛ فرباهم في البداية في مقام العشق برؤية أنوار الصفات في الأفعال ~~حتى لا يفنوا بالبديهة في سطوات عظمته ، ولو يريهم صرف عيان الذات يصيرون ~~مضمحلين في أنوار قدسه جعل الشجرة مرآة للنار ، وجعل النار مرآة للنور ، ~~وتجلى منهما لموسى ms1041 فرأى موسى نيران الكبرياء ، وأنوار البقاء PageV02P479 # من شجرة القدم فانجذب إلى قرب مغناطيس الصفات ورأى لطائف مشاهدات الذات ، ~~كأنه هو في رؤية المعاني ، وظن أنه في صورة الأماني فأتاها بنعت الشوق ~~وتحير في شأن الأمر وطلب نفسه أين هو وما علم أنه في كنف الوصلة وبساط ~~القربة فدار حول الشجرة برسوم العلم ، وهكذا حال من كوشف له حقائق الحقيقة ~~بالبديهة ؛ فلما غاب في الغيب في طلب الرب ناداه الحق وقال : أيش تطلب؟ أنا ~~ربك ، أي : ما ترى يسرك وروحك وعقلك فهو جمال ربك وإن كنت في تلبيس الفعل ~~والصفة لو تريد أن تراني صرفا ، فاخلع نعليك أي : نعلي الكونين فإنك بالواد ~~المقدس وادي الأزل المقدس عن غيار الظنون والحسبان وأنفاس النفس والشيطان ، ~~ولا ينبغي أن تأتي قدس القدم باثار أهل العدم حتى يطوى لك وادي الازال ~~والاباد ، وينكشف سرها لهمتك وقلبك وروحك وسرك ، وأيضا أي : اخرج أنت منك ~~حتى تصل بي فأنا لمن لم يكن لنفسه. # قال الواسطى في قوله : ( إذ رأى نارا ) موسى خطرات به حسه الحظوظ ~~في أخذ نار فنال النور ، فلا ينبغي لأحد أن ييأس من نفسه ، وقد حوله من ~~شاهد الحط إلى شاهد الحق. # قال جعفر : قيل لموسى : كيف عرفت أن النداء هو نداء الحق؟ فقال : لأنه ~~أفنتني وشملتني ، فكان كل شعرة مني كان مخاطبا بنداء من جميع الجهات ، ~~وكأنها تعبر من نفسها بجواب ، قلما أشملتني أنوار الهيبة ، وأحاطت بي أنوار ~~العزة والجبروت علمت أنه تخاطب من جهة الحق ولما كان أول الخطاب ( ~~إني ) ثم بعده ( أنا ) علمت أنه ليس لأحد أن يخبر عن نفسه ~~باللفظتين جميعا متتابعا إلا الحق فأدهشت ، وهو كان محل الفناء ، فقلت : ~~أنت أنت الذي لم يزل ولا تزال ليس لموسى معك مقام ولا له جرأة الكلام إلا ~~بأن تبقيه ببقائك وتنعته بنعوتك ، فتكون أنت المخاطب والمخاطب جميعا ؛ فقال ~~: لا يحمل خطابي غيري ، ولا يحييني سواي أنا المتكلم ، وأنا المكلم وأنت في ~~الوسط شبح تبع بك محل الخطاب. # وقال الشبلي في قوله ms1042 : ( فاخلع نعليك ): اخلع الكل منك تصل ~~إلينا بالكلية فنكون ، ولا تكون فيتحقق في عين الجمع يكون إخبارك عنا وفعلك فعلنا. # قال ابن عطاء : ( فاخلع نعليك ) (1) أعرض بقلبك عن الكون ؛ فلا ~~تنظر إليه بعد هذا الخطاب قيل : ( فاخلع نعليك )؛ فإنك بعين موجدك. # وقال جعفر : اقطع عنك العلائق ( فإنك بأعيننا ). PageV02P480 # وقال ابن عطاء : أي : أسقط عنك محل الفصل والوصل ؛ فقد حصلت في وادي ~~القدس ، وهو الذي يظهرك من الأحوال أجمع ، ويردك إلى محولهما عليك. # وقال الأستاذ : فارغ قلبك عن ذكر الدارين وتجرد للحق بنعت الانفراد ، أما ~~الفرق بين قوله : ( إني )، وبين قوله : ( أنا )، وبين ~~قوله : ( أنا )، وبين قوله : ( ربك )، فانى إشارة إلى ~~أصل الذات ، وأنا اشارة إلى كشف الصفات ، وربك إلى أعيان الذات والصفات في ~~الأفعال. # وقال بعضهم : إنى إخبار ، وأنا إظهار ، وربك تذكار. # وقيل : إنى معرفة ، وأنا توحيد ، وربك إيمان. # وقيل : بقوله : إنى إفناؤه ، وبقوله : أنا إبقاؤه ، وبقوله : ربك إيواؤه. # وقيل : إنى لقلبه ، وأنا لروحه ، وربك لنفسه ، وقد وقع إخواني إشارة إلى ~~امتناع ذاته عن إدراك الخليقة ، وأنا إبراز علوم حقيقة صفاته ، وربك ظهور ~~مشاهدة تجليه الذي هو سبب تربية موسى ، رباه بتجلى ربوبيته في لباس فعله. # ثم أخبر سبحانه أنه اختاره لمكان وحيه وخاصية رسالته واصطفائيته بسماع ~~كلامه القديم حتى يكون خالصا من جميع البريات ، ويكون منفردا في العبادات ~~بقوله : ( وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى (13)) اختاره في الأزل ~~لمحبته والشوق إلى لقائه ومعرفته بفردانيته ، ويكون الحق سبحانه سميره في ~~مناجاته ، وظاهرا بوصف الربوبية ، وتجلي العظمة لمشاهدته ، ومراده سبحانه ~~بقوله : ( فاستمع لما يوحى (13)) جمع همته وحضور قلبه وسكون سره ~~وهدوء روحه عند جريان الخطاب حتى لا ينفك منه خاطر يشتغل بغيره من العرش ~~إلى الثرى ليكون علمه أشمل ، ومعرفته أكمل وحاله أصفى ووقته أشفى ووجده ~~أوفى ؛ لأنه كان في مشاهدة عرض جلال القدم ، وفي لجج بحار الكرم حيث قال ~~سبحانه : ( إنني أنا الله )، قوله : ( إنني ) خبر عن ~~بطنان أولية القدم ، وأنا خبر عن شهور ذاته وصفاته على الأسرار والأرواح ~~والقلوب بنعت ms1043 غيبتها عنه. # وقوله : الله ظهور ظهور الذات والصفات لشهود الأرواح والأسرار والقلوب ~~والعقول كشفا وعيانا وبيانا ؛ فإذا أعلمه حقيقة ربوبيته استدعي منه ~~العبودية الخالصة عن كل كدورة بشرية وخاطر شيطاني بقوله : ( ~~فاعبدني ) ألزم عليه حتى حق الربوبية للغير للعبودية وأي تشريف مما ألزم ~~عليه من حقوق ألوهيته وجعله موضعها ليكون فردا بعبوديته كما كان سبحانه ~~فردا له بإظهار جماله له وإسماع كلامه إياه وأراد سبحانه أن يلبسه أنوار PageV02P481 # الربوبية في مكان عبوديته حتى يصيره متصفا بصفاته متحدا بمحبته مستغرقا ~~في جمال أوليته وآخريته ليخرج منها بوصف الأزل والأبد لا بوصف الحدث. # ثم بين أن الصلاة إعلام عبوديته ومواقع شهود مشاهدته ولطائف حقائق ذكره ~~ومناجاته بقوله : ( وأقم الصلاة لذكري (14)) البيان هو الذكر ~~ومزيد الذكر وحقيقة المراد استغراقه في بحار مشاهدة المذكور ؛ لأن الصلاة ~~موضع شهود الأسرار على الأنوار وكشف الجمال للأرواح لترقيها بنعت شكرها في ~~عالم الأفراح. # قال الواسطي : في قوله : ( وأنا اخترتك ) المختار من جهة من هو ~~مصطنعة ومصطنعة ومربيه على يد أعدائه والملقي محبته في قلوب عباده فلم ~~يستطيعوا له إلا محبة ، والمطلق لسانه بحر العقد والميسر له أمره فلا يعسر ~~عليه مطلوب بحال كل هذا يقدم إليه ويمن به عليه ؛ ليكون ثابتا عند مكافحة ~~الخطاب ومواجهة الوحي والكلام. # وقال في قوله : ( إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ) لا ~~تشغل قلبك بغيري قولا وفعلا ، ولا تكن من أبناء الأفعال والإحصاء والأعمار ~~والدهور ، وكن من أبناء الأزل والأبد مطالعا لما سبق من الأولية ، وجرى لك ~~في الأثرية ، وإن كان كلاهما واحدا. # قال ابن عطاء : إشارة إلى حقيقة الحق إذ الأزل والأبد علة في ذكر الأوقات ~~والدهور علة. # قال الواسطي : أظهر هذا الخلق في شموخ وعلو في أنفسهم ؛ فأمرهم لعلة ~~الفاقة لا لعلة الاستغناء تبسما لرؤية الاضطرار. # قال : يا موسى ( إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ) أحب أن ~~يريه عجزه. # وقال أيضا : بالعبرانية خاطب موسى ثم وصف لمحمد صلى الله عليه وسلم بقوله : ~~( إنني أنا الله لا ms1044 إله إلا أنا ) هل تلونت الصفة بذلك. # قال : لو لونتها اختلاف اللغات لتلونت في اختلاف الأوامر والنواهي. # وقال ابن عطاء : في قوله : ( فاعبدني ) وجدني على الشهود كما ~~عرفتني بالوجود ، ودع عنك الرسوم والحدود فلا حد إلا حده ولا عبد إلا عبده. # وقال الأستاذ في قوله : ( وأقم الصلاة لذكري (14)) إقامتها من ~~غير ملاحظة مجريها ومنشيها تورث الإعجاب ، وإذا قام العبد صلاته على نعت ~~الشهود ، والتحقق بأن مجريها غيره كانت الصلاة لهذا فتح باب المواصلة ~~والوقوف في محل النجوى والتحقق بخصائص القرب والزلفى. PageV02P482 # ( وما تلك بيمينك يا موسى (17) قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش ~~بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى (18) قال ألقها يا موسى (19) فألقاها فإذا ~~هي حية تسعى (20) قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى (21) واضمم يدك ~~إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى (22) لنريك من آياتنا الكبرى ~~(23) اذهب إلى فرعون إنه طغى (24) قال رب اشرح لي صدري (25) ويسر لي أمري ~~(26) واحلل عقدة من لساني (27) يفقهوا قولي (28) واجعل لي وزيرا من أهلي ~~(29) هارون أخي (30) اشدد به أزري (31) وأشركه في أمري (32) كي نسبحك كثيرا ~~(33) ونذكرك كثيرا (34) إنك كنت بنا بصيرا (35) قال قد أوتيت سؤلك يا موسى ~~(36) ولقد مننا عليك مرة أخرى (37)) # قوله تعالى : ( وما تلك بيمينك يا موسى (17)) إن الله سبحانه ~~كلم كليمه فطاب وقته من لذة كلامه ، واختلج في سره إرادة لقاء المتكلم ، ~~وكاد يقول في بداية حاله ( أرني أنظر إليك ) [الأعراف : 143] فعلم ~~الحق سبحانه سر ما في قلبه ، وعلم أنه لا يطيق أن ينظر إليه كفاحا ، وأراد ~~ألا يحرمه من سؤله ومأموله ؛ فقال : ( وما تلك بيمينك يا موسى (17) ~~)، قال : ( قال هي عصاي )، قال : ( ألقها )؛ فلما ~~ألقاها صارت حية ففر منها موسى ، قال سبحانه : أين تفر من رؤية مأمولك؟ ~~انظر إليها بنظر الحقيقة حتى ترى مشاهدة الذات في الصفات ، ومشاهدة الصفات ~~في الايات ؛ فحصل لموسى مشاهدة رؤية العظمة مع الخطاب الخاص ، وأيضا أراد ~~سبحانه أن يريه الاية الكبرى حتى يتعود برؤيتها ، ولا يفزع منها عند تقلبها ~~في ابتلاعها ms1045 سحر السحرة ، وأيضا كان في مواجهة كلامه القديم في رؤية الجلال ~~العظمة فكاد يذوب من صولة العظمة ورؤية الكبرياء فشغله الحق في ذلك بذكر ~~شيء من الحدثان حتى يسكن لحظة من سكن رؤية الجلال ، وألا يفني في سطوات ~~الكمال ، وأيضا ظن موسى أنه تعالى لا يتكلم معه في شيء محقر إنما يتكلم في ~~العظائم فأعلمه الحق موضع انبساطه إليه حتى ينبسط إليه. # ألا ترى لما وجد لذة حسن انبساط الحق كيف خرج من مقام الهيبة ، وانبسط ~~إليه بقوله : ( قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي )، ~~قوله : ( عصاي ) جواب بالانبساط من لذة وجدان مكانته في شهود عين ~~الحق ، ولولا ذلك ما أضاف إلى نفسه في رؤية فردانية الحق ، وأيضا أراد الحق ~~سبحانه أن يعلمه أن في عصاه كثيرا من معجزته فنبهه PageV02P483 # عن ذلك ، فلم يعرف موسى في ذلك الوقت إشارة الحق ، فقال : معي عصاي ، ولو ~~لقال : هي موضع آياتك ومسقط قدرتك ، وأيضا أظهر عجزه عند سرادق كبريائه ~~بأنه أضاف الحدث إلى الحدث ، وعلم أن الحدث لا يليق إلا بالحدث ويمكن أنه ~~رأى منها بعض الايات ؛ فذكر إنعام الله عليه في حضرته وزاد ذكر النعمة ، ~~فقال : ( أتوكؤا ) عليها أي : أعتمد عليها بأنها آية من آياتك ( ~~ وأهش بها على غنمي ) أستمتع بما أريد منها ( ولي فيها مآرب ~~أخرى (18)) ، وتلك المعجزة من ماربه فلما ارتهن من الحق بالوسائط. # قال سبحانه في غيرة الوحدانية : ألقاها جوابا لقوله : ( أتوكؤا ~~عليها ) لئلا يسكن إلى غيره ، فلما ألقاها ( فألقاها فإذا هي حية ~~تسعى ) أي : موسى عصاه متقلبة بحية عظيمة مقبلة إلى موسى بالهيبة والصولة ~~ففر منها موسى خيفة ، وذلك من غيرة الله عليه سبحانه لئلا ينظر إليها ، ولا ~~يستأنس بها ؛ فإنها وسيلة منة إليه ، ومن بقي في رؤية الوسيلة احتجب عن ~~رؤية الحقيقة ، ويا عاقل إن فرار موسى لا من الخوف من غير الحق إنما هو خاف ~~من عظمته التي ظهرت من الحية ؛ لأنه تعالى تجلى بعظمته من الحية لموسى ، ~~ومن يستقيم بإزاء مشاهدة عظمته القديمة ms1046 فلما علم الحق أنه تبرأ من غيره ( ~~ قال خذها ولا تخف ) أي : خذ عصاك ، ولا تخف من غيري. # قال : ما خفت منه ؛ فهو أنا لا غير. # قال فارس في قوله : ( وما تلك بيمينك ) (1) سمع موسى كلاما لا ~~يشبه كلام الخلق ، فلما سمع ذلك الكلام كاد يهيم ، فمرة أضاف العصا إلى ~~نفسه ، ومرة أجاب عما لا يسأل كذلك الهيمان. # وقال : لما غلبت عليه لذعات الصفات وأراد الحق إلى المخلوق ليسكن ما به ؛ ~~فقال : ( وما تلك بيمينك ) أشغله بالإجابة عما يملكه ، ولولا ذلك ~~لتفسخ عنه ورود الخطاب عليه بغتة. # وقال أبو بكر بن طاهر في قوله : ( وما تلك بيمينك )، وانبسط ~~إليه في السؤال # ويقال جميع ما عدد من المنافع في العصا كان من قبل الله ، فكيف له أن ~~ينسبها ويضيفها إلى نفسه. تفسير القشيري (4 / 493). PageV02P484 # ليربط على قلبه لعلمه بما يبديه في شهود الكبرياء. # وقال أيضا : أحب الله أن ينبسط موسى في الكلام كيلا يحتشم في السؤال. # وقال الجنيد في قوله : ( عصاي أتوكؤا ) عليها ، فقال له : ألق كل ~~ما يعتمد عليه قلبك أو تسكن إليه نفسك ؛ فإن الكل محل العلل ، فإن كل ما ~~تسكن إليه ستهرب منه عن قليل ، ألا تراه ( فأوجس في نفسه خيفة ). # وقال الحسين : عد موسى منافع العصا على ربه وسكونه إليها وانتفاعه بها ؛ ~~فقال تعالى : ( ألقها يا موسى (19)) أي : ألق من نفسك السكون إلى ~~منافعها وقلبها حية ليزول عنه الأنس بها ( فأوجس منهم خيفة )؛ ~~فقال حين قطعه عنها بالفرار منها : ( خذها ولا تخف )، وراجع إلينا. # قيل : الحكمة في انقلاب العصا بحية في وقت الكلام أنه جعل آيته معجزته ، ~~ولو ألقاها بين يدي فرعون ، ولم يشاهد منها قبل ذلك ما شاهد لهرب منها كما ~~هرب فرعون حين بدهته رؤيتها. # قال فارس في قوله : ( هي عصاي ): ذكر كل ما فيها من وجوه ~~المنافع لئلا يكون له معاودة إلى ذلك ؛ فيستلذ بخطاب سيده وعتابه. # وقال أبو بكر الوراق في قوله : ( عصاي ): جواب الذي بعده ذكر ما ~~أنعم الله عليه بالعصا من ms1047 المنافع ، فكان بعد قوله «عصاي» لسان الشكر. # وقال ابن عطاء في قوله : ( عصاي ): أضافها بالملك إلى نفسه ، ~~ولم يكن يجب له في الحقيقة أن يرى لنفسه ملكا بين يدي الحق ، فلما أضافها ~~على نفسه ، قال : ( ألقها ) فألقها ( فإذا هي حية تسعى ) ~~قال : خذها أي : خذ عصاك ، ولا تهرب مما ادعيت فيه الملك لنفسك ؛ فخاف ~~وتبرأ من إضافتها ملكا إلى نفسه فتعطف الحق عليه ، فقال : خذها ولا تخف ~~فإنها لن تضرك. # قال ابن عطاء في قوله : ( ولي فيها مآرب أخرى ): سرائر مغيبة ~~عني في العصا غطيته على ذلك أو أن يكشف لي من الايات والكرامات. # وقال جعفر : منافع شتى ، وأكثر منفعة لي فيه خطابك إياي بقولك : ( ~~ وما تلك بيمينك يا موسى (17)) . # قال سهل : ذكره موسى من العصا مارب ومنافع ؛ فأراه الله في عصاه مارب ~~ومنافع كانت خافية على موسى من انقلاب العصا ثعبانا ، وضربها بالحجر في ~~انبجاس الماء وضربها PageV02P485 # بالبحر فانفلق ، وغير ذلك أراد بذلك أن علم الخلق وإن كانوا مؤيدين ~~بالنبوة قاصر عن علم الحق في الأكوان. # قال الواسطي : في قوله : ( ألقها يا موسى ): اطرح عن نفسك ~~السكون إلى العصا والاعتماد عليها ، وعد المنافع فيها فلما ألقاها ، وخلا ~~منها سره ، ( قال خذها ) الان منا على الشرط أن ترانا النافع ~~والضار لا الأسباب. # وقال ابن عطاء : ألقها من يدك ؛ فإنك أخذتها من غيرنا ، فعددت فيها أسباب ~~المنافع ، وخذها منا لنكون ولي نعمتك دون غيرنا. # وقال الجنيد : كان خوف موسى خوف التسليط لا خوف الطبع. # وقال الواسطي : خوف موسى من العصا أنه شاهدها فيه أثر سخطه. # وقال أيضا : رأى موسى على عصاه كسوة من سخط الحق ، ولم يأمن من مكره. # وقال ابن أنبار في قوله : ( وما تلك بيمينك يا موسى ) قال : كلام ~~بسط ليزول عنه روعة الهيبة. # وقال الأستاذ في قوله : ( ألقها يا موسى ): فإنك بنعت التوحيد ~~واقف على بساط التفريد ؛ فكيف يصح لك ، ومتى يسلم لك أن يكون لك معتمد ~~تتوكأ عليه أو مستند إليه تستعين بهن وتنتفع ، ولما وجد الحق ms1048 كليمه مستقيما ~~في محبته وشوقه وتبرئه من جميع الأسباب بعد إلقائه عصاه أراه أنوار ملكه ~~وملكوته في نفسه ، وما كان في عصاه من شهود جاد أن أظهر له من يده حتى رأى ~~من يده ما رأى من عصاه ، فإن فيها العجائب أكثر والغرائب فيها أوفر ؛ لأن ~~النقل من رؤية الأشياء إلى رؤية مشهد النفس زيادة القربة ؛ لأن ما يتجلى من ~~الإنسان للإنسان أشرب مما يتجلى من الكون له. # ألا ترى سبحانه كيف ميز بين الأمرين العظيمين بقوله : ( سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ) [فصلت : 53] ، وذلك معنى قوله سبحانه لكليمه ~~: ( واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء ) اضمم يد همتك عن ~~غير شهود كبريائنا ، ومشاهدة جمالنا تخرج بيضاء متصفة بنور أحديتنا مقدسة ~~بقدسنا عن الأكوان والحدثان ، فيكون بعد ذلك آيات تجلينا بظهور نور تجلي ~~كبريائي من وجهك للعالمين ، وأيضا واضمم يدك الظاهرة إلى جيبك الذي فيه ~~قلبك حتى تخرج بيضاء بما فيه من نور نظرنا ومشاهدتنا ، وأيضا فيه مقام ~~الأدب أي : واضمم يدك التي تكسر بها الأرواح ، وتأخذ بها رأس هارون ، ووكزت ~~بها القبطي من تلك الحركات حتى تكون موضع معجزتنا ، ولي فيه واقعة كنت يوما حضرت PageV02P486 # الحضرة في الخلوة ، فأخرجت يدي بين يدي الله سبحانه مجردة للدعاء ، فنادى ~~في هواتف الأسرار : اضمم يدك ، ولا تجرها فإنها سوء الأدب في الحضرة الخاصة ~~؛ فأخذت يدي إلى جنبي ، فأريت بعد ذلك أشياء في قلبي وفي صورتي ، ولا أطيق وصفه. # قال الجنيد : اجمع عليك همتك ، ولا تشتت سرك. # وقال بعضهم : اقطع مرادك عن الكونين ، وكن مريدا لنا لنكون مرادك ، ثم ~~بين سبحانه أن يده البيضاء أكبر آية وأعظم معجزة له ولغيره وذلك قوله : ( ~~ لنريك من آياتنا الكبرى (23)) أرى الله موسى من يد موسى له أكبر ~~آية ، وذلك أنه ألبس أنوار يد قدرته يد من موسى ؛ فكان يد موسى يد قدرة ~~الله من حيث التخلق والاتصاف ، وهذا إشارة صفي ممالك الملكوت غواص بحر ~~الجبروت ، حيث حكى غن الحق سبحانه في حديث المحبة والاتصاف ms1049 بقوله : «لا ~~يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ؛ فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ~~ولسانا ويدا» (1). # فلما زينه الحق بأنوار ربوبيته أشهره على العالمين ليكون حجة عليهم ، قال ~~سبحانه : ( اذهب إلى فرعون إنه طغى (24)) الحكمة فيه أن موسى كان ~~في مشاهدة قرب جلال الأزل شاهد الربوبية ، وكاد يفنى في العزة فشغله الحق ~~بالشريعة عن الفناء في الحقيقة فلما علم موسى مراد الحق منه بمكابدة ~~الأعداء والرجوع من المشاهدة إلى المجاهدة سأل من الحق سبحانه شرح الصدر ، ~~وإطلاق اللسان ، وتيسير الأمر ليطيق احتمال صحبة الاضداد ومكابدتهم ، وذلك ~~أنه كان في مشاهدة الحق ألطف من الهواء ، وفي خطابه أرق من ماء السماء ، ~~فطلب قوة ألوهية وتمكينا قادريا بقوله : ( قال رب اشرح لي صدري ~~(25) ويسر لي أمري ) عرف مكان مباشرة الشريعة أنها حق الله وحق الله في ~~العبودية مقام الامتحان ، وفي الامتحان حجاب عن مشاهدة الأصل ، فخاف من ذلك ~~، وسأل شرح الصدر أي : إذا كنت في عين الشريعة عن مشاهدة غيب الحقيقة اشرح ~~صدري بنور وقائع المكاشفة حتى لا يكون محجوبا بها عنك. # ألا ترى إلى سيد الأنبياء والأولياء صلوات الله عليه كيف أخبر عن ذلك ~~الغين ، وشكا من صحبة الأضداد في أداء الرسالة ؛ بقوله : «إنه ليغان على ~~قلبي ، وإني لأستغفر الله في كل يوم سبعين مرة» (2). PageV02P487 # اشرح لي صدري بنور القدس حتى أكون معك في مقام الأنس وادي عجائب الغيوب ، ~~وغرائب الكشوف : ( ويسر لي أمري ) هيئ لي قوة من قوتك حتى أقوم ~~بنعت الاستقامة معك في أداء رسالتك ونشر شريعتك ( واحلل عقدة من ~~لساني (27)) عجمة الإنسانية حتى أطيق أن أشرح ما كاشفت لي لعبادك بلسان ~~شرع نبوي ( يفقهوا قولي )؛ فإن لساني لسان الحقائق ، ولو أتكلم ~~معهم بلسان الحقيقة لا يفهمون إشاراتي وعباراتي منك ، وأنا أريد الوقوف ~~بسري معك في شهود الغيب ، وإذا كنت غائبا لا أطيق أن أؤدي رسالتك بهيئتها ( ~~ واجعل لي وزيرا ) يعبر قولي لهم ، فإنه يحس مقالتي ، وإشارتي التي ~~هي من مجمع بحار الكلام الأزلي والشهود الأبدي ، ولا أكون ms1050 مشغولا عنك بغيرك ~~هذا من عموم التفسير وإشارات الحقائق أصفى من كل صفاء ، وهي أن موسى كليم ~~الله عرف مكانه من مواجهة خطاب الأزل ومشاهدة جلال القدم وبقائه ببقاء الحق ~~مع الحق وأنه يكون بضعف حدوثيته موازيا لشهود القدم إلى البقاء بوصف كشف ~~الذات والصفات ، وأنه يفنى بأول برقة تتبرق من بروق أنوار جلال الذات ~~والصفات ، ولو كان موسى ألف ألف موسى وكل موسى في موسى أعظم من العرش ~~والكرسي والكون والكائنات ، وما فيها يضمحل في صدمة واحدة من سطوات ألوهية ~~الحق ، فسأل أن يشرح صدره بنور تجلي الجود الأزلي ، وبسطه ببسط الأبدي حتى ~~يكون صدره حاملا لتجلي جميع الذات والصفات ؛ فمن هذه الإشارة وقع سؤاله في ~~حيز الاستحالة ؛ لأن الحق أجل من أن يكون ذاته وصفاته في حيز علوم الحدثان ~~وإدراك أهل الزمان والمكان. # وقوله : ( ويسر لي ) أمر طلب الربوبية أي : يسر لي الربوبية من ~~حيث الاتصاف والاتحاد ، وهذا جرأة العشاق ووقع أيضا هذا السؤال في محل ~~الاستحالة ؛ لأن الربوبية لا تفارق عن مصدر الأزل. # وقوله : ( واحلل عقدة من لساني ) أي : لساني لسان الحدث ، ويدله ~~بلسان «قدوسي سبوحي صمداني رباني» حتى أطيق أن أتكلم به معك كما تتكلم معي ~~، وإذا كان لساني لسانك أكون قادرا بأن أخبر عنك وصفك كما هو ، ولو أخبرهم ~~عنك بلساني كيف أخبرهم ، والعبارة عنك بغير لساني القدم مستحيلة. # وقال الحسين : لما أزال الحق عنه التوقف وجاء إلى الله بالله ولم تبق ~~عليه باقية بما يمتنع أقيم مقام المواجهة ، وأطلق مصطنيعه لسانه نظر إلى ~~أليق الأحوال به فسأل مليكه شرح صدره ليتسع مقام المواجهة والمخاطبة. # ثم نظر إلى أليق الأحوال به فإذا هو تيسر أمره فنال ذلك على التمام ~~ليترقى به حاله إلى PageV02P488 # أرفع المقام وهو المجيء إلى الله بالله بأن من وصل إليه لا يعترض عليه ~~عارضة بحال ، ثم نظر إلى أليق الأحوال به فسأل حل العقدة من لسانه ليكون إذ ~~ذاك مالكا لنطقه وبيانه ؛ فلما تمت له هذه الأحوال صلح للمجيء إلى الله ms1051 ~~وكان ممن وفى المواقيت حقها غابت عنه الأحوال ولم يرها وذهب عن غيبه وظهوره ~~وما عداهما إلا كان للحق منه ومعه حتى يحقق بقوله : ( قد أوتيت ~~سؤلك يا موسى (31)) . # وقال بعضهم : سأله هل عقد الحياء عنه ؛ فإنه استحى أن يخاطب عدو الله ~~فرعون بلسان به خاطب الحق. # وقال ابن عطاء : ( اشرح لي صدري ) لاستماع كلامك ، ( ~~ويسر لي أمري ) بالوقوف معك ، ( واحلل عقدة ) النفسانية ، ( ~~ من لساني ). # وقال الجنيد : ما سأل الله موسى في هذه الاية إلا الأخلاق. # وقال جعفر : لما كلم الله موسى عقد لسان موسى عن مكالمة غيره ؛ فلما أمره ~~بالذهاب إلى فرعون ناجاه بسره ، وقال : ( احلل عقدة من لساني ) ~~لأكون قائما بالأوامر على أتم مقام. # وقال ابن عطاء : اكشف لي عن صدري حتى لا أشاهد غيرك ( ويسر لي ~~أمري ) حتى لا أنطق إلا بمعرفتك ، ( واحلل عقدة ) الإنسانية من ~~لساني حتى لا أتكلم إلا بما يتلقنه منك. # وقال جعفر : ( واحلل عقدة من لساني ) عقدة الهيبة والإجلال ، ~~ولما سأل وزارة أخيه بين مراده منه بما أخبر الله عنه بقوله : ( كي ~~نسبحك كثيرا (33) ونذكرك كثيرا (34)) أراد بالذكر والتسبيح الكثير نشر ~~فضائل ما من الله عليهما بنعت الحمد والشكر ، والحمد إذا كان بلسان الحدث ~~يكون قليلا ولكن إذا كان المعارف يذكر الله بالله ويسبح الله بالله يكون ~~بالله لله كثيرا حيث من عين الجمع في محل الاتصاف والاتحاد ثناء موسى ~~وهارون ثناء الله على نفسه ، إذ لم يبق في البين غير الله فإن الكل هو الله ~~وذكره موازي وصف قدمه ، وذلك الذكر الكثير ، وما دونه فهو في محل القليل. # قال ابن عطاء : لا يخطرن بسرك ما خطر بموسى حيث قال : ( كي نسبحك ~~كثيرا ) استكثر ما منه من العبادة ، والتسبيح ؛ فلا يخطرن بك ما خطر به. # قال جعفر : قيل لموسى : استكثرت تسبيحك وتكبيرك ونسيت بدايات فضلنا عليك ~~في حفظك في اليم وردك إلى أمك وتربيتك في حجر عدوك ، وأكثر من هذا كله ~~خاطبنا معك PageV02P489 # وكلمنا إياك وأكثر منه إخبارنا باصطناعنا لك ، ولما كان قصد ms1052 موسى بسؤاله ~~إنفاذ مراد الحق لا مراد نفسه وقع الإجابة على موافقة الاصطفائية الأزلية ~~بقوله : ( قال قد أوتيت سؤلك يا موسى (36)) أي : وقع سؤلك محل ~~خاصيتك التي صدر منا في الأزل فبتلك الخاصية سألت عنا مأمولك ، وقد أعطيناك ~~سؤلك : ( ولقد مننا عليك مرة أخرى (37)) بأن ألبستك نور اصطناعي ~~واصطفائي حين خرجت من العدم وذلك النور. # ( إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (38) أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه ~~في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ~~ولتصنع على عيني (39) إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك ~~إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا ~~فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى (40) واصطنعتك لنفسي (41)) (1). # قوله : ( وألقيت عليك محبة مني ) هذه خاصية عجيبة اصطفاه في ~~الأزل لقبول وحيه ورسالته وسماع كلامه ورؤية مشاهدته ؛ فلما أراد أن يجعله ~~مسقط نور جلاله وجماله ألبسه نور محبته الأزلية السابقة للأنبياء والمرسلين ~~والصديقين حتى يكون بقوتها متحملا لحمل أنوار صفاته وذاته فمن كل صفة عليه ~~نور ، ونور المحبة علا على كل صفة ليكون مع هيبته وجلاله محبوب كل محب ~~ومألوف كل أليف ، وبذلك النور يكون حسنا مستحسنا مليحا شريفا ظريفا # وفيه إشارة إلى أن الإقبار المفهوم من قوله تعالى : فأقبره رمز إلى دخول ~~الفرع في الأصل ، وحصول الجمع بعد الفرق ، وأي لذة أعظم منها ، فلا تخف من ~~التراب ، وسره الذي هو الفناء ، فإن انضمامك إليه قرير عين لك ، وقوله ~~عز وجل : ( ولا تحزن ) تأسيس في صورة التأكيد ، فإن قرار العين إشارة إلى ~~سكون القالب ، وعدم الحزن إشارة إلى راحة الروح ، فالحزن من صفات الروح ؛ ~~وهو من المقامات العالية في الحقيقة ، وعليه جرى الأنبياء والأولياء ، فإن ~~قلت : فإذا كان الحزن من المقامات العالية ، فما معنى نفيه؟ قلت : إن ~~الإنسان الكامل محزون وغير محزون ، أما عدم حزنه : فلأنه لم يفت عنه شيء من ~~المقامات ؛ بل قد وصل إلى ذروة الحالات والكمالات ms1053 ، وأما الحزن : فلأنه من ~~أحكام البشرية ، والروح في ذلك تابع للقالب ، فإن القالب له حجابية في ~~الجمل ، وإن تلطف فوق الغاية ؛ ولذا ترى أكمل الناس في كل عصر محترقا أشد ~~الاحتراق مع أنه في عين الوصل لا يزال يشرب من كأس الجمع العذاب البارد. ~~مرآة الحقائق للشيخ حقي (1 / 275) بتحقيقنا. PageV02P490 # في أعين الخلائق جميعا وهكذا حال كل محب للرحمن. # قال الواسطي : في قوله : ( قد أوتيت سؤلك ) سأل وبه ابتدأ شرح ~~صدره فجاز الاقتداء به للعوام دون الخواص ؛ لأن الله أعلم بما فيه إبلاغ ~~رسالته وأداء أمانته. # ألا ترى إلى قوله : ( قد أوتيت ) إلى قوله : ( مرة أخرى ~~) فذكر أيام حداثته ثم رده إلى أصله ثم رده من أصله إلى أصل الأصل ؛ فقال : ~~( واصطنعتك لنفسي (41)) فأضافه إلى نفسه ثم أكد ذلك بقوله : ( ~~ إني اصطفيتك على الناس ) [الأعراف : 144] ، ( وألقيت عليك ~~محبة مني ). # قال السري السقطي قدس الله روحه : ألقى عليه لطفا من لطفه استجلب به قلوب عباده. # وقال ابن عطاء : ( وألقيت عليك محبة مني ) لك ، فمن رأى فيك ~~محبتي لك أحبك يحيى لك. # قال فارس : زينتك بملاحة من عندي حتى لا تصلح لغيري ، ويحبك كل من يرى ~~تلك الملاحة فيك ؛ فقيل : أليس يوسف أعطي شطر الحسن ، ولم يسكن يستوجب ~~المحبة. # فقال : الحسن لا يوجب المحبة والملاحة توجب المحبة ، ألا ترى النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان عليه ملاحة ممزوجة بهيبته. # قال بعضهم : بعينك لا يراك لا أحد إلا رق لك ومال إليك ولما خصه بكسوة ~~نور محبته جعله محفوظا في مقام الامتحان والبلاء لا ينقطع عنه أنوار تلك ~~الخاصية ، وكان في مجمع حجر وصلة الحق يربيه بأيدي الأعداء ليبين منته ~~واصطفائيته ، كأنه خاطب لطفه قهره ( ولتصنع على عيني (39)) أي : ~~لتكون مربى في مقام القهر بعين اللطف ، وهذا خاصية عجيبة. # قال الواسطي : ما نجا نبي ولا ولي من محنته ولا سلم أحد من مشقته ، وهذا ~~معنى قوله : ( ولتصنع على عيني (39)) . # قال ابن عطاء : ( ولتصنع على عيني (39)) أنا مشاهد لك حافظ ~~أرعاك بعيني ولا أسلم ms1054 سياستك إلى غيري ليعلمه حسن العناية. # ثم إن الله سبحانه ذكر لموسى منته عليه بأن أنجاه من كيد العدو ، وإرجاعه ~~إلى أمه ، وبأن لم يأخذه بجرم القتل بقوله : ( وقتلت نفسا ) إن ~~الله سبحانه أعلم الحقائق أن من اصطفاه الله في الأزل بشرائف المعرفة ~~ولطائف الولاية لا يضر به المعصية ولا يزيله من مقام PageV02P491 # الاصطفائية مباشرة الكبيرة فألقى موسى في البداية في محنة المعصية كأبيه ~~آدم عليهما السلام ليكون التواضع مصحوبا له إلى النهاية ويربيه بحقائق القهر ~~كما يزينه بحقائق اللطف ( فنجيناك من الغم ) أي : نجيناك من طريان ~~العتاب منا على قلبك ( وفتناك فتونا ) أخلصناك من النظر إلى غيرنا ~~في جميع أنفاسك ، وألبسناك أنوار لباس ربوبيتنا حتى عرفتنا بمعرفتنا ، وصرت ~~فنون عجائب لطفنا في العالم. # قال الواسطي : ألقاه في أعظم كبيرة حتى يوجده طعم الاصطفاء بقوله : ( ~~ وقتلت نفسا ). # وقال أبو الحارث : فتناك بنا عما سوانا. # وقال ابن عطاء : فنجيناك بالبلاء طبخا حتى صلحت لبساط الأنس. # وقال سهل : أفنينا نفسك الطبيعي ودبغاها حتى لا تأمن من مكر الله. # ثم زاد ذكر المنة عليه بأن جعل شيخه ومقدمه في طريقته شعيبا عليه السلام ~~بقوله : ( فلبثت سنين في أهل مدين ) لبثه عند شعيب بأن رباه الله ~~بصحبة المرسلين ليكون متخلقا بخلقه مهذبا في آداب الحضرة ، وهذا سنة الله ~~للمريدين ( ثم جئت على قدر ) أي : على قدر زمان الإرادة ؛ فإذا كنت ~~كاملا جئت على قدر مقام المحبة ، ووطئت بقدم المحبة على بساط القربة بعد ~~قدم الإرادة في مقام الخدمة جئت بما اصطفيناك في القدم من العدم ، لا يتغير ~~قدرك بتقليل بدور العناصر عن قدر اصطفائيتنا. # قال بعضهم : قدرنا لك سبيل المعرفة وقتها فجئت على ذلك القدر أقدر. # ثم ذكر سبحانه أعظم منته عليه بقوله : ( واصطنعتك لنفسي (41)) ~~أي : ضمرت سرك بنور سري وقلبك بنور نوري وعقلك بسنا قدسي وروحك بجمال وجهي ~~وألبستك نور محبتي وكسوتك كسوة ربوبيتي لتكون مشكاة أنوار صفاتي وذاتي ، ~~أتجلى من وجهك بالهيبة للعالمين وخصصتك بمخاطبتي وسماع كلامي ؛ فإن في ~~زمانك ليس في ms1055 العالم سواك محل وقوع نور تجلياتي وكشوف أسرار سري ولتكون ~~لنفسي خاصا بالمحبة والشوق والعشق لا لغيري وأنا غيور عليك لا يراك أحد ~~بعين المحبة إلا أبتليه ، ولا ترى أحدا بعين المحبة إلا أبتليك حتى لا يكون ~~فيك نصيب أحد غيري. # قال الخراز : في قوله : ( واصطنعتك لنفسي (41)) ؛ فمن أين وإلى ~~أين ومنه وإليه وله وبه وفني فناؤه لبقاء بقائه بحقيقة فنائه. # وقال فارس : أخلصتك لي حتى لا تصلح لغيري. PageV02P492 # وقال أبو سعيد الخراز في بعض كتبه : غير أن أولياء الله رهائن الله في ~~أشياخهم قد خبأهم وأخفاهم في أنفسهم من أنفسهم لنفسه ، وهذا مقام الاصطناع ~~الذي قال الله لموسى : ( واصطنعتك لنفسي ). # قال سهل : مفردا إلي بالتجريد لا يشغلك عني شيء (1). # ( اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري (42) اذهبا إلى فرعون ~~إنه طغى (43) فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (44) قالا ربنا إننا ~~نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى (45)) # قوله تعالى : ( ولا تنيا في ذكري (42)) أي : إذا أمر دعا أن ~~تذكراني فاذكراني حتى لا تضعف تحت أثقال ذكري ؛ فإن ذكر القديم لا يحتمل ~~إلا بقوة من القديم ، وأيضا لا تغيبا عن مشاهدتي باشتغالكم بأمري حتى لا ~~تكونا فاترين بي عني. # قال سهل : لا تكثرا الذكر باللسان ، وتغفلا عن مراقبة القلب. # ثم إن الله سبحانه أمر موسى وهارون بالذهاب إلى فرعون لقطع حجته وإظهار ~~كذبه في دعواه بقوله : ( اذهبا إلى فرعون إنه طغى (43)) هذا تهديد ~~لكل مدع لا يكون معه بينة من الله في هواه ، والحكمة في إرسال الأنبياء إلى ~~الأعداء ليعرفوا عجزهم عن هداية الخلق إلى الله ، ومن يعجز عن هداية غيره ~~فأيضا يعجز عن هداية نفسه ، ويعلموا أن الاختصاص لا يكون بالأسباب ويشكروا ~~الله بما أنعم عليهم بلطفه ، وربما يصطادون من بين الكفرة من يكون له ~~استعداد نظر الغيب مثل حبيب النجار ورجل من آل فرعون وامرأة فرعون والسحرة. # قال ابن عطاء : الإشارة إلى فرعون وهو المبعوث بالحقيقة إلى السحرة ؛ فإن ~~الله يرسل أنبياءه على أعدائه ، ولم ms1056 يكن لأعدائه عنده من الخطر ما يرسل ~~إليهم أنبياءه ولكن يبعث الأنبياء إليهم ليخرج أولياء المؤمنين من أعدائه ~~الكفرة. # ثم بين سبحانه لطفه وكرمه للمؤمنين بما أظهر لطفه بأعدائه بقوله : ( ~~ فقولا له قولا لينا ) انظر كيف تلطفه بأعدائه ؛ فهذا لطفه بأعدائه ~~فكيف لطفه بأوليائه علم عجزه وضعفه وكذبه وعلمه بنفسه بأنه أعجز العاجزين ، ~~ولكن ضرب قهر الجبارية ، ولطمه الميل على قفاه وبعده من باب العبودية مع ~~استعداده بقبول المعرفة ، ولو لا ذلك لما قال : ( لعله يتذكر أو PageV02P493 # يخشى (44)) ، ومن ذلك الاستعداد وقع في بحر دعواه ولو لا كان في ~~نفسه شيء من ذلك لم يجترئ أن يخرج بتلك الدعوى ألا ترى أن دعواه لم يقع إلا ~~لقليل من الخلق من الكفرة ، وفي كل موضع يظهر به قهر القدم بنعت المباشرة ~~يفيض سكرا كما يفيض لطف الأزل سكرا في ألطف وصف الروح الناطقة ولدعواه في ~~الحقيقة وجه من الحقيقة ، وسكر القهر وصف النفس الأمارة ، ولو لا اختلاف ~~المكانين واللباسين يقع لفرعون ما يقع لأهل الحقائق من دعوى الأنائية ، ومن ~~ها هنا أمر الصفيين المكرمين بأن يقولا له قولا لينا ؛ لأنه يكفي ما عليه ~~من قهر قدمه فأثقال البعد والسقوط من درجات المؤمنين العارفين وفيه إشارة ~~لطف الله بموسى وهارون ليكونا متخلقين بخلق الله في تأديب عباد الله. # وعلم الله سبحانه حدة موسى ، وقلة احتماله رؤية المخالفين من أعداء الله ~~؛ فأكد العزم عليها لئلا يغضبا عليه في دعواه الذي قال : ( لئن ~~اتخذت إلها غيري ) [الشعراء : 29] لئلا يسقط سبيل الحجة عليه. # قال يحيى بن معاذ : هذا رفقك بمن آذاك فكيف رفقك بمن يؤذى فيك؟ # قال النهرجوري : قال الله لموسى : ( فقولا له قولا لينا )؛ لأنه ~~أحسن إليك في ابتداء أمرك فلم تكافئه فأحببت أن أكافئه عنك. # ( قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى (46) فأتياه فقولا إنا ~~رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام ~~على من اتبع الهدى (47) إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى ms1057 (48) ~~قال فمن ربكما يا موسى (49)) # قوله تعالى : ( لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى (46)) انظر إلى ~~هذا اللطف من اللطيف الكريم أن معيته يكفيهما حيث إنه معهما ولا يحتاج إلى ~~قوله أسمع وأرى ، فزاد التلطف ، فقال أسمع وأرى وهذا كمال رعايته وحفظه ~~لهما أي : أسمع قولكم وفعلكم جميعا وأنا بالسمع والبصر معكما ومع فرعون ، ~~ولكن أنا بذاتي المنزه بنعت الكشف معكما خاصة. # قال سهل : أخبر الله أنه معهما بالنصرة مشاهدا لهما في كل حال بالقوة ~~والمعونة والتأييد لئلا يخافا إبلاغ الرسالة بحال قوله تعالى : ( ~~والسلام على من اتبع الهدى (47)) أي : السلام الأزلي والسلامة الأبدية ~~بنعت الاصطفائية على من اتبع الأنبياء والأولياء ، ولا يتبع الهدى إلا من ~~سبق في الأزل له منا الهدى. # قال الواسطي : اتباع الهدى لسابقة الهدى ، ومن سبقت له من الله الهداية ~~اتبع الهدى في PageV02P494 # جميع أحواله. # ( قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (50) قال فما بال ~~القرون الأولى (51) قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى (52) ~~الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا ~~به أزواجا من نبات شتى (53) كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي ~~النهى (54)) # قوله تعالى : ( أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (50)) لم تبق ذرة من ~~العرش إلى الثرى إلا وخرجت من العدم بنور القدم ووقع وجودها في حيز الرحمة ~~وكساها الحق أنوار قدرته ثم أعطاها عقلا سريا تعرف بها صانعها وهو تعالى ~~بذاته يعرفها نفسه ، وكيف لا يعرف الوجود وجود صانعه ، وهو بمجموعه مستغرق ~~في بحر الألوهية ؛ لذلك قال تعالى : ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ) ~~[الإسراء : 17] ؛ فما كان فيه روح فعله فزاد حياته بروح فعلى مثل الحشرات ~~والوحوش والطيور ومعرفتها بقدر أرواحها وعقولها ، ومن كان فيه روح ~~الروحانية مثل الملائكة والجن ؛ فمعرفتهم أيضا بقدر أرواحهم وعقولهم ، ومن ~~كان روحه من نفخ الحق عند كشف الذات والصفات في أوائلها بمعرفتهم وهدايتهم ~~من حيث الكشف والمشاهدة وهم القدسيون الربانيون الألوهيون. # ( منها خلقناكم وفيها ms1058 نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (55) ولقد ~~أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى (56) قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا ~~موسى (57) فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا ~~أنت مكانا سوى (58) قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (59) فتولى ~~فرعون فجمع كيده ثم أتى (60) قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا ~~فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى (61) فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى ~~(62) قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا ~~بطريقتكم المثلى (63) فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى ~~(64) قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى (65) قال بل ~~ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (66)) # قوله تعالى : ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة ~~أخرى (55)) الإشارة PageV02P495 # فيه إلى الأجسام والهياكل ؛ لأن الأرواح من عالم الملكوت ، ولو لا أنها ~~سترها الحق بقوالب ترابية لملأت الأكوان والحدثان من روح واحدة ولاحترق ~~الجميع في أنوارها ، وإن الله سبحانه صوع (1) من إكسير الأشباح لمعادن ~~الأفراح ، ورباها بنظام تجلي جماله وجلاله بقوله : ( وأشرقت الأرض ~~بنور ربها ) [الزمر : 39] فلما حملت الأرواح في ميادين العبودية حتى طارت ~~منها الأرواح إلى عالم الربوبية بقيت السبائك في معادنها الزوائد تربية ~~ربها ، فلما تمت التربية لها من نور فعل الحق صارت الهياكل والأرواح على ~~نعوت الروحانية ، ولا تقوم الأرض بحملها بعد ذلك ، ويكون موضعها عالم الغيب ~~التراب يا عاقل هو معادن نور الفعل ، ومصدر خاصية القبضة الجبروتية ، ما ~~أشرف هذه الطينة حيث تخمرت بقبضة الأزل والأبد كان معدنها معدن ملك الصفات ~~ورجوعنا من الصفات إلى عالم الذات ، ألا ترى كيف قال سبحانه في أصل خلقتنا ~~( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ) [الحجر : 29] ؛ فصددنا من الصفة ~~لرؤية الذات ، وصد من الذات للعلم بالصفات. # انظر كيف قال لحبيبه عليه السلام : ( إن الذي فرض عليك القرآن ~~لرادك إلى معاد ) [القصص : 85] ، الله الله لا تظن حديث النسطورية ~~والأفروقية التي تقول بالثالث والثلاث ؛ فإنهم في غلط ms1059 الخيالات وقعوا في ~~انقسام الجزئيات من الكليات فنحن وقعنا من زنود تجلي القدم في العدم فكنا ~~معدومين ونكون معدومين ونحن في وجودنا معدومون من حيث الحقيقة ؛ لأن من ليس ~~وجوده منه وبقاؤه به معدوم من حيث الحقيقة والمعدوم يكون معدوما كما لم يكن ~~في العدم والقديم لا يزال ، كما لم يزل في القدم ( منها خلقناكم ) ~~وقع على تراب العدم الذي في قبضة القدم. # قيل ليحيى بن معاذ : ما بال الإنسان يحب الدنيا؟ قال : حق له أن يحبها ~~منها خلق وهي أمه ، وفيها نشأ فهي عيشه ، ومنها قد قدر رزقه فهي حياته ، ~~وفيها يعاد فهي كفاية ، وفيها كسب الجنة فهي مبدأ سعادته ، وهي ممر ~~الصالحين إلى الله ؛ فكيف لا يحب طريقا يأخذ بسالكه إلى جوار ربه؟! # ( فأوجس في نفسه خيفة موسى (67) قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى ~~(68) وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر ~~حيث أتى (69) فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى (70) قال PageV02P496 # آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن ~~أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا ~~وأبقى (71)) # قوله تعالى : ( فأوجس في نفسه خيفة موسى (67)) لا تعجب ؛ فإن ~~النفس الأمارة بقيت في الأنبياء ؛ ألا ترى إلى قول الصديق المرسل يوسف ~~عليه السلام : ( وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ) [يوسف : ~~53] ، وتلك النفوس جبانة خلقت عاجزة عن حمل وارد القهريات ، وإن رأت كثيرا ~~من آيات الله لا يخرج من جبلتها قال تعالى : ( لا تبديل لخلق الله ~~) [الروم : 30] خاصة أن الله سبحانه ألبس سحر السحرة لباس قهره فتحركت بقوة ~~قهر الله ؛ فلما رأى موسى انقلاب لباس قهر الله خاف من قهر الله لا من غيره ~~؛ لأنه ( فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (99)) [الأعراف : 7]. # سئل ابن عطاء عن قوله : ( فأوجس في نفسه خيفة ) ما كانت هذه ~~الخيفة ، والله يقول : ( قال لا تخافا إنني معكما )، قال : خاف ~~على قومه أن يفوتهم حظهم من الله ، وما ms1060 خاف على نفسه فلما وجد الحق حركة ~~نفس موسى في رؤية قهر الجبروت ، قال الله : ( لا تخف إنك أنت ~~الأعلى (68)) أي : إنك محفوظ بعيون رعاية جبروتنا ، ومعك الايات الكبرى ~~وهو لباس حفظنا ، أنت في لطفنا تسبق على القهر وأصله «سبقت رحمتي غضبي» (1). # قال ابن عطاء : لا تخف فإنك بمرأى منا ، ومسمع منا ونحن معك في جميع ~~أحوالك ؛ فإنك القائم بالمسبب ، وهم معتمدون على الأسباب. # ( قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما ~~أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (72) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا ~~خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى (73) إنه من يأت ربه ~~مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى (74) ومن يأته مؤمنا قد عمل ~~الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى (75) جنات عدن تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى (76) ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي ~~فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى (77) فأتبعهم فرعون ~~بجنوده فغشيهم من اليم ما PageV02P497 # غشيهم (78) وأضل فرعون قومه وما هدى (79) يا بني إسرائيل قد ~~أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى ~~(80) كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل ~~عليه غضبي فقد هوى (81)) # قوله تعالى : ( قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ) إن ~~القوم شاهدوا في رؤية الايات مشاهدة الذات والصفات ، فهان عليهم عظائم ~~البليات. # قال ذو النون : من آثر الله على الأشياء هان عليه ما يلقى في ذات الله ؛ ~~لأنه آثر الأثير ، وحصل في حمله اللطيف الخبير. # قال الله حاكيا عن السحرة : ( لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ~~والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض ) افعل بنا ما كنت فاعلا ؛ فإن الذي كشف لنا ~~عنه يسهل في مشاهدته حمل المؤن ملاقاة المكاره والضرر. # ( وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (82) وما أعجلك ~~عن قومك يا موسى (83) قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب ms1061 لترضى (84) قال ~~فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (85)) # وقوله تعالى : ( وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ~~(82)) من كان له استعداد النظر إلى عالم الغيب وباشر حظوظ النفس احتجب عنه ~~، فلما انقطع إلى الله ينظر الله إلى قلبه بنعت الإخلاص واليقين يكشف الله ~~له أنوار حضرته ويجذبه إلى قربه ، فلما رجع إليه بالكلية لا يبالي الله ~~سبحانه بما جرى عليه في أيام الحجاب من أحكام مقاديره ؛ لأنه كان معذورا من ~~جهة جهله بالطريق ، فالتائب المنقطع إلى الله والمؤمن العارف بالله العامل ~~بالصالحات ترك ما دون الله ، فإذا كان كذلك فاهتدى بالله إلى ما لله ، وما ~~في الله ويكون مغفورا برحمة الله ومعصوما بعصمة الله. # قال ابن عطاء في قوله : ( وإني لغفار لمن تاب ) لمن رجع من طريق ~~المخالفة إلى طريق الموافقة ، وصدق موعود الله فيه وله واتبع السنة ( ~~ ثم اهتدى (82)) أقام على ذلك لا يطلب سواه مسلكا وطريقا. # قوله تعالى : ( وعجلت إليك رب لترضى (84)) (1) ضاق صدر موسى من معاشرة PageV02P498 # الخلق وتذكر أيام وصال الحق فعلت العجلة الشوق إلى لقاء الحق. # قال الواسطي : عجلت إليك شوقا مني إليك واستهانة بمن هو مبعوث إليهم فقال ~~: ( هم أولاء على أثري ). # قوله تعالى : ( قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك ) إن الله سبحانه ~~أحب كليمه حبا بالغا وأحب انبساطه وصولته وغضبه عليه ففتن قومه بحب العجل ~~ليهيجه بذلك إلى غضبه ويشغله عن صحبة الأضداد بصحبته ومناجاته. # قال ابن عطاء : قال الله لموسى : تدري من أين أتيت؟ قال : لا يا رب. # قال : حين قلت لهارون اخلفني في قومي أين كنت أنا حينئذ حين اعتمدت على هارون. # ( فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم ~~وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم ~~موعدي (86) قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم ~~فقذفناها فكذلك ألقى السامري (87) فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا ~~إلهكم وإله موسى فنسي (88) أفلا ms1062 يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ~~ولا نفعا (89) ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم ~~الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري (90) قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع ~~إلينا موسى (91) قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن ~~أفعصيت أمري (93) قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول ~~فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي (94) قال فما خطبك يا سامري (95)) # قوله تعالى : ( فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا ) غضبه انبساطه ~~وجرأته في حضرة ربه من العلم بمكانه عند الله كأنه عربد في إضلال قومه ~~وأسفه من فقدان وصاله واشتغاله بشريعته قيل «غضبان» على نفسه إذ ترك قومه ~~حتى ضلوا «وأسفا» على ما فاته من مناجاة ربه. # قال الشبلي : «أسفا» على ما فاته من مخاطبة الحق إلى مخاطبة من لا أوزان ~~لهم فرده من شوقه إلى مشاهدة ولم يظفر ببغيته وشفي من وجد فغضبه كان من ذلك. # ( قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها PageV02P499 # وكذلك سولت لي نفسي (96) قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا ~~مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم ~~لننسفنه في اليم نسفا (97) إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء ~~علما (98)) # قوله تعالى : ( بصرت بما لم يبصروا به ) أن الله سبحانه أراد ~~بقوم من بني إسرائيل فتنة المحبة فأوقعهم في بحر المخائيل حتى عبدوا العجل ~~؛ لأنه تعالى ربما أجرى طوفان عزة جلال ربوبيته فأغرق فيه قوما ، وذلك من ~~كمال فرط محبته إظهار جماله وجلاله ومن كمال ذلك المعنى لا يبالي أن يري ~~جلال ربوبيته للعوام فخلق طباع عبدة العجل رقيقة مائلة إلى حسن فعله من ~~حركات سره في صميم إرادتهم إلى طلب ما ألقي من نور وجهه إلى الغيب ومن ~~الغيب إلى الأفعال ، وذلك جذب عجيب علته محبة الله شوق المشتاقين وحب ~~المحبين فتجلى من ms1063 قدسه وجلاله وجماله لفعل الخاص ، ومن فعله الخاص لفعله ~~العام ، وتجلى من فعله العالم فبرز منه روح القدس فاثر به الحياة القدسية ~~في كل من عكس عليه نوره فورد على تراب فقبض السامري من أثر فرسه قبضة ؛ ~~لأنه سمع من موسى تأثير القدسيين في أشباح الأكوان فنثر على العجل الذهبي ~~فجعل الحق سبحانه لها إكسيرا من نور فعله فأنور العجل بنور فعله ، وجعله ~~حياله خوار فتحركت سر تلك الفطرة المختبئة في قلوبهم فطلبوا المعدن ولم ~~يعرفوا طريقه فوجدوا سكون محبتهم في رؤية العجل الذي ملبوس بنور الفعل ~~فغلطوا وعبدوه من غاية حبه ، قال سبحانه : ( وأشربوا في قلوبهم ~~العجل ) [البقرة : 93] أي : حب العجل وهذا من نوادر تجلي الالتباس ، ألا ~~ترى كيف كانوا إذا علموا مواضع الغلط قتلوا أنفسهم لله ومقصود الحق من ذلك ~~أن يرى أحباءه على بابه قتلى صرعى. # ( كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا ~~(99) من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا (100) خالدين فيه وساء لهم ~~يوم القيامة حملا (101) يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا (102) ~~يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا (103) نحن أعلم بما يقولون إذ يقول ~~أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما (104) ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي ~~نسفا (105)) # قوله تعالى : ( كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق ) لما قص غلط ~~عبدة العجل وغيرة موسى عليهم وذبحه العجل وحرقه وإفراده القدم عن الحدوث ~~بقوله تعالى : ( إنما PageV02P500 # إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ) قال في عقبه : مثل ما قصصت من ~~أحكام الأولين وما فعلت بهم نقص أيضا زيادة الباء هل الابتلاء اعتبارا ~~وامتحانا وإصابة الرشد والعلم باثار أهل الحقائق. # قال ابن عطاء : موعظة بعد موعظة وبيانا بعد بيان ، ثم خصه بما أفرده من ~~العلم اللدني الإلهي والأنباء الغيبي بقوله : ( وقد آتيناك من لدنا ~~ذكرا (99)) الذكر اللدني كشف ما ستر الحق على الخلائق من أسرار ربوبيته ~~يعرف حبيبه بها معلومات الحق في القلوب والغيوب. # قال ابن عطاء : أي : موعظة ms1064 تتعظ بها وتتأدب بملازمتها ؛ فلا يخفى عليك ~~شيء من أسرارنا وما أودعنا أسرار الذين قالوا قبلك ، فيكون الأنبياء ~~مكشوفين لك وأنت في سر الحق. # ( فيذرها قاعا صفصفا (106) لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107) ~~يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا ~~(108) يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا (109) يعلم ~~ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما (110) وعنت الوجوه للحي القيوم ~~وقد خاب من حمل ظلما (111) ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ~~ولا هضما (112) وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم ~~يتقون أو يحدث لهم ذكرا (113)) # قوله تعالى : ( فيذرها قاعا صفصفا (106)) إذا أراد الله سبحانه ~~أن يطلع شموس ذاته وأقمار صفاته من مشارق قلوب العارفين يقلع عن قلوبهم ~~شواغلات الإنسانية ورسومات النفسانية وعوارضات البشرية ورسومات العلومية ، ~~ومرسومات العقولية ، حتى بقيت الأرواح المقدسة على صحاري القلوب مطالعة ~~لطلوع أنوار مشاهدات الأزلية ومكاشفات الأبدية بغير رسوم الفهوم ، والعلوم ~~فإذا اضمحلت المخائيل من جبال الشهوات وموهومات النفوسية شاهدوا الله بصرف ~~المعرفة وحقيقة الفناء. # قال الحسين : هو الذي يطمس الرسوم ويعمى الفهوم ويميت الذهن ويترك الجسم ~~قاعا صفصفا حتى يعجز الكل عن معرفته وبلوغ نفاذ قدرته ، ثم يظهر من طوالع ~~ربوبيته على أسرار أهل معرفته فيعرفونه به. PageV02P501 # قوله تعالى : ( وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا (108)) ~~(1) أخبر الله سبحانه عن كشف العظمة والكبرياء والسلطنة للقدم ، فهناك مقام ~~فناء الأرواح والأشباح بنعت الخمود والخشوع فلا حيلة لهم هناك للخروج من ~~تحت غواشي ضباب العزة ؛ لأن الحوادث مضمحلة عند بروز أنوار سطوات الألوهية ~~، فإذا ذهب طوفان بحار العظمة ويطلع عليهم زبرقان (2) الجمال من مشرق ~~الجلال فيبقوا ببقائه ويفيقوا من صعقاتهم ويجيبوا الله ويسمعوا منه فالأول ~~مقام الفناء والاخر مقام البقاء. # قال الواسطي : وهل كانت إلا خاشعة في الأول وهل يكون إلا خاشعة في الأبد ~~فالاقتحام في حال الوجود بالتوثب والمنازعة ووقاحة الوجه ورعونة الطبع ؛ ~~لأنها لم تكن وهي إذا كانت ms1065 كأنها لم تكن. # وقال الجنيد : كيف لا تخشع وقد كشف الغطاء وأبدي الخفاء فلهيبة الموقف ~~وحياء الجنايات خشعت أصواتهم وذلت رقابهم ثم أخبر عن ذهاب صولات العظمة ~~وإقبال كشف الحال بقوله : ( يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له ~~الرحمن ) من رضي الله عنه في الأزل واختاره باصطفائيته وحسن عنايته ، ورضي ~~عن قوله في دعواه في الدنيا بمحبته ، ومعرفته مقرون بالصدق والإخلاص ، وله ~~لسان الولاية بإذن الله ، يهب الله له بشفاعته ، ولو شفع لجميع الكفرة ، ~~فإنه لا يرد مكان خاصية إرادته القديمة ، وهناك تبيين صدق الصادقين ودعوى ~~المدعين. # قال الواسطي : لا تنفع الشفاعة إلا لمن لا ينسب إلى نفسه شيئا ، ولا يرى ~~نعته فإذا عاين نعته نسى الأول ، وإذا ظهر عليه رضوانه ذهب ما دونه ، ثم ~~أخبر عن كمال جلاله وعز قدمه وبقاء ديموميته التي تقاصرت الأوهام عن ~~إدراكها وفنيت العقول عن الإشارة إليها بقوله : ( ولا يحيطون به ~~علما (110)) كيف يحيط الحدث بالقدم والحدث فاني الوجود في كشف وجود الحق ~~والفاني لا يدرك الباقي إلا بالباقي ، وإذا أدرك الباقي بالباقي لا يبلغ ~~إلى ذرة من كمال الأزلية ؛ لأن الإحاطة بوجوده مستحيلة من كل الوجوه صفات ~~وذاتا وسرا وحقيقة يا عارف كيف تدعي معرفة من لا تدركه معرفة كل عارف ، فإن ~~معرفة كل عارف PageV02P502 # مستفاد من كرمه والحادث بمعرفته لا يعرف ماهية حديثه فكيف يعرف سر السر ~~وعين العين وعلة العلل ، أفهم أن ما تدرك منه يرجع إليك بكل معروف ومفهوم ~~ومعلوم فكلها متقى إدراك حقيقة ذاته وصفاته. # قال ابن عطاء : لا يحيطون بشيء من ربوبيته علما ؛ لأنه لم يظهر شيئا إلا ~~تحت تلبيس ؛ لكيلا يستوي علمان في شيء واحد ومن لا يرى الكل تلبيسا كان ~~المكر به قريبا ، والعبيد لا يقفون على تلبيساته. # وقال الواسطي : كيف يطلب أحد طريق الإحاطة وهو لا يحيط بنفسه علما ولا ~~بالسماء ، وهو يرى جوهرها ثم زاد ذكر غلبة عزته وجلاله واشتمال أنوار هيبة ~~ذاته وصفاته على كل ذرة من العرش إلى الثرى بقوله : ( وعنت ms1066 الوجوه ~~للحي القيوم ) افهم يا صاحب العلم أنه سبحانه ذكر الوجوه ، وفي العرف : ~~«صاحب الوجه من كان وجيها عند كل ذي وجاهة» ؛ فالأنبياء والمرسلون ~~والأولياء والمقربون في الحقيقة هم أصحاب الوجوه ، وكيف أنت بوجوه حور ~~العين ووجه كل ذي حسن وحسن فوجوه الجمهور مع حسنها وجلالها ، المستفاد من ~~حسن الله ، وإن كانوا جميعا مثل يوسف تلاشت وخرت وخضعت عند كشف نقاب وجهه ~~الكريم وظهور جلاله وجماله القديم. # وقال سهل : خضعت له بقدر معرفتها به وتمكين التوفيق منه. # ( فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك ~~وحيه وقل رب زدني علما (114) ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له ~~عزما (115) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) ~~فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117)) # قوله تعالى : ( وقل رب زدني علما (114)) عن الله سبحانه وتعالى ~~إبصار سر نبيه وحبيبه ، وكشف لها بحار علومه الأزلية وعرفه مكان قصور علمه ~~فيها فأمره باستزاده ، وقال : ( وقل رب زدني علما (114)) . # قال محمد بن الفضل : «رب زدني علما» نفسي وما تضمره من الشرور والمكر ~~والغدر لأقوم بمعونة في مداواة كل شيء منها تداويها ، ثم أخبر سبحانه عن ~~لسان آدم صورة الأمر من غلبة سطوة إرادته بقوله : ( ولقد عهدنا إلى ~~آدم من قبل فنسي ) إن الله سبحانه قدر قبل الكون وقبل آدم أن آدم مصطفى ~~مجتبى بالرسالة والنبوة وعلم الأسماء والجلال والكمال وأنه يعرف الله بطريق ~~كل اسم من أسمائه ونعت من نعوته ، ونعت قهر جبروته ، فجر آدم PageV02P503 # باسمه إلى نعته ومن نعته إلى صفته ، ومن صفته إلى رؤية ذاته فألبس نور ~~بهائه الشجرة المنهية وأراه ذلك النور والبهاء الرباني ، ثم أمره بالاجتناب ~~عنها وألقي في قلبه محبة قربها ؛ لأنها مرآة جلاله يتجلى لادم منها فغلبت ~~المحبة على الأمر وسلبته لطائف هذا الجمال فوقع في هيجان شوقها وغمار لذة ~~بهاء مشاهدتها فترك صورة الأمر لشوق جمال الأمر ووقع في بحر القهر بغير ~~مبالاته على ms1067 العهد ؛ لأن عهد الأزل باصطفائيته سابق عهد الأمر فمن رؤيته ~~عهد الأزل ترك عهد الأمر فاجترأ لعلمه بمكانته بوصف الاصطفائية عند الحق ~~وقبوله ؛ لأن بعد القبول الأزلي لا يؤثر فيه مباشرة المعصية ، وقوله : ( ~~ ولم نجد له عزما (115)) لم يجد الحق في قلب آدم عزم متابعة أمر ~~الظاهر عند العهد ؛ لأن في قلبه رؤية ما يتولد من أكل الشجرة من خروج عرائس ~~المقدرات الغيبية من مكمن القدم ، يا عاقل فديت لنقض عهده الذي بسببه بدا ~~إعلام دولة المرسلين والنبيين والصديقين وحقيقة عهد الله مع آدم ألا يسكن ~~بشيء دونه ، وإن كان وسيلة إلى قربه ومشاهدته فلما ارتهن في طريق الوصول ~~بوسيلة وقع العصيان عليه لما لم يسلك في طلب الحقيقة بنعت التجريد وإسقاط ~~الوسائط قال ابن عطاء : عهدنا إلى آدم ألا لا تطالع معي سواي فنسى عهدي ~~وطالع الجنان. # ( ولم نجد له عزما (115)) أي : لم يطالع سره ، ولكن طالعه بعينه ~~فنادى عليه ( وعصى آدم ربه فغوى ). # وقال الواسطي : ونسي ولم نجد له عزما أي : قوة على ضبط نفسه ، وإن كان ~~الواجب أن ارتكاب المباشرة أوجب زوال النسيان فإن غيبته عن شاهده ليريه ~~شواهد عبوديته تنبيها وتزيينا وقال أيضا : ( فنسي ) وجهان أي : جهل ~~قدر عهده وفرق بين من نسي بالحضرة وبين من نسى في الغيبة ، لذلك قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» (1). # ( إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنك لا تظمؤا فيها ولا ~~تضحى (119) فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا ~~يبلى (120) فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ~~وعصى آدم ربه فغوى (121) ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى (122)) # قوله تعالى : ( إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى ) خاف آدم في سره ~~قبل دخول الجنة أن ينقطع عن لذائذ مشاهدته ووصاله في الجنة وأن يحتجب عن ~~روح الأنس والنظر إلى جمال PageV02P504 # القدس ، وأن يعرى عن ثوب عافية الرعاية والكفاية باشتغاله عنه بالجنة ، ~~وهذا قرع سر القدم ms1068 باب سر سره بأن ما يخاف عنه يقع فيه في ظاهر العلم ، ~~فأخبره سبحانه ( لك ألا تجوع ) في شوقك إلى مشاهدتنا ؛ لأن هناك ~~تستغرق في بحر وصالنا ولا تعرى عن لباس أنوار الاصطفائية ؛ فإنك ملبس أبدا ~~بكسوة الاجتبائية ، وأنت في ظل عنايتنا لا تعطش إلى مياه الزلفة ؛ فإنك ~~تكون في الوصلة ، ولا تضحى لا تحترق في حر شمس الفراق ، فلما وقع عليه ~~واقعة الامتحان من القدر السابق صار عريانا في الجنة عما دون الله ، وذلك ~~أنه سبحانه جرب صفيه بالجنة ، وأجرى عليه شهوة الحنطة ، فلما رآه في حجاب ~~الامتحان جرده عن الجنان وأفرده عن الأكوان والحدثان غيرة على سر ما في ~~قلبه ، وفيه إشارة أخرى كأنه أشار بالسر أي : لا تأكل الشجرة المنهية كيلا ~~تجوع ولا تعرى ؛ فإن من خالقنا وقع في بحر الحجاب وعرى عن ستر الماب. # قال ابن عطاء : آخر أحوال الخلق الرجوع إلى ما يليق بهم من المطعم ~~والمشرب ، ألا ترى إلى آدم بعد خصوصية الخلقة باليد ، ونفخ روحه الخاص ، ~~وسجود الملائكة كيف رد لي نقص الطبائع بقوله : ( إن لك ألا تجوع ~~فيها ولا تعرى (118)) . # قال الواسطي : خلق الله آدم بيده ، ونفخ فيه من روحه ، واصطفاه على ~~الخلائق ، ثم رده إلى قدره لئلا يعدو طوره قال : ( إن لك ألا تجوع ~~فيها ولا تعرى (118)) وما تعرض لي في حكم الظاهر أن الله سبحانه قال لادم ~~: ( فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117)) أي : لو تخرجا من الجنة ~~بسبب المعصية تتعبا في الدنيا لأجل المطعم والمشرب والملبس في الحراثة ، ~~وغيرها في الدنيا وتعرى وتظمأ وتضحى ، ولا يكون مثل هذه العقوبات في جنبي ~~وجواري ، كأنه خاطب معه من حيث الطبيعة خوف نفسه بالجوع والعرى والظمأ في ~~الهواجر ؛ لأن النفس لا تفزع إلا من مثل هذه العقوبات لئلا تقع في جوار ~~الحق في المعصية ، وإن من لطفه وكرمه عاقب آدم في الدنيا بالمجاهدات ~~الكبيرة بما جرى عليه من المعصية في الحضرة ويعاقب المجهود في الاخرة بما ~~جرى عليهم من المعصية في الدنيا وهذا ms1069 خاصية له ؛ لأن عقوبة الدنيا أهون ، ~~ولو لا امتحان الله آدم بأكل الشجرة ، ومثل هذا الخطاب لم يخرج آدم من ~~الجنة ، ولم يظهر أسرار علوم حقائق قهرمانه لأهل المعارف من الصديقين ، ولم ~~يقع عنده عذر المذنبين فخاطبه من حيث العبودية والحدوثية ولو خاطبه من حيث ~~الربوبية لطار في الجنة في هواء الهوية ، ولم ير أثره في الزمان والمكان ، ~~ولا في الجنان والحدثان. # سئل ابن عطاء عن قصة آدم : إن الله عز وجل نادى عليه بمعصية واحدة وستر ~~على كثيرين من ذريته ؛ فقال : إن معصية آدم كانت في بساط القربة في جواره ، ~~ومعصية ذريته في دار المحنة ، PageV02P505 # فزلته أكبر وأعظم من زلتهم ، ولما أراد الله أن يخرج من ذريته الأنبياء ~~والمرسلين والأولياء والصديقين ابتلاه بأكل الشجرة فقفاه الشيطان حتى يوسوس ~~، وهذا سر القدر الغيبي كأنه يوسوسه القدر ، قال : ( فوسوس إليه ~~الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى (120)) أجرى الله ~~هذه الكلمة الغيبية على لسان الشيطان ، وهو بذلك مغرور ظن أنه أوقع آدم في ~~تيه الفرقة الأبدية ، ولم يعلم أن ذلك سبب الوصلة الأبدية ، وأنها شجرة ~~الخلد بالحقيقة ؛ لأن الشجرة ملبسة بأنوار السلطانية حاملة بأسرار الربانية ~~( فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما ) أسرارهما التي انكشفت لهما من ~~الغيب بعد أكل الشجرة ، ولم يبد تعبيرها ؛ فلما حازا الأسرار الألوهية خرجا ~~من تحت موت الجهل ، وبلغا إلى ملك لا يبلى ، وذلك الملك الوقوف بالعلم ~~الإلهي على أسرار قدر الازال والاباد دلهما الشيطان إلى هذه المعالم ~~والمعادن الغيبية ، وهو معزول عنها مثله مثل حية تمشي على وجه الأرض إلى ~~رأس كنز ، وخلفه إنسان ليقتلها فلما ضربها ظهر تحت ضربه كنز فصار الكنز له ~~، وصارت الحية مقتولة ، وبلغ إلى الأمرين العظيمين البلوغ إلى المأمول ~~والفلاح من العدو ، فهكذا شأن آدم عليه السلام مع الملعون دله إلى كنز من ~~كنوز الربوبية غرضه العداوة والضلالة فوصل آدم إلى الاجتبائية الأبدية بعد ~~الاصطفائية الأزلية وبلغ الملعون إلى اللعنة الأزلية الأبدية. # قال الحضرمي : بدت لهما ، ولم ms1070 تبد بغيرهما لئلا يعلم الأغيار من مكافأة ~~الجناية ما علما ولو بد للأغيار ، لقال : بدت منهما ثم ذكر سبحانه تغيير ~~آدم بالظاهر ، وأخفى تلك الأسرار في الباطن قال : ( وعصى آدم ربه ~~فغوى (121)) عصيان آدم الرجوع من الأصل إلى الفرع ومن مكاشفة إلى الجنة ، ~~والميل من طريق الأمر إلى طريق النهي ، ولو سلك طريق الأمر ليكشف الحق ~~سبحانه ما كان في الشجرة بغير عصيان ؛ لأن في بساتين غيبه مائة ألف ألف ~~شجرة غيبية مملوءة حاملة من علوم الأسرار ، ولكن سلبته صولة المحبة ، ~~وتعجيل الاشتياق أكل من شجر القدم ، وصار سكران في وادي الأزل يكشف علم ~~الأزل له فطلع على الجنان ، وكاد يفشي سر السر وغيب الغيب ، ويشوش أحوال ~~الجنانين ؛ فأخرجه الحق إلى حبس الدنيا ، وحبس لسانه عن إفشاء سر القدم ~~والبقاء ؛ فكان اصطفائيته الأزلية مصحوبة زلته ، فاستهلكت الزلة في ~~الاصطفائية ، وزاد عليها اجتبائيته الأبدية التي لا تغيرها حوادث الدهور. # قال ابن عطاء : اسم العصيان مذمة إلا أن الاجتباء والاصطفاء منعا أن يلحق ~~آدم اسم المذمة بحال. # قال جعفر : طالع الجنان ونعيمها بعينه فنودي عليه إلى القيامة ، وعصى آدم ، ولو PageV02P506 # طالعها بقلبها لنودي عليه بالهجران أبد الأبد ، ثم عطف عليه فرحمه بقوله ~~: ( ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) فلما غرق في بحر الامتحان ~~والحجاب عن الجنان فاطلع على قلبه الرحمن ، ولم ير إلا الشوق إلى لقاء ~~الرحمن أظهر نفسه له في منازل الفرقة بوصف الوصلة ، بقوله : ( ثم ~~اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) زاد الاجتبائية على الاصطفائية وتاب الحق على ~~صفيه ؛ لأن القديم لا يلحقه الحدث ، وإن اجتهد فأين يطلبه ، ولا أين فأقبل ~~عليه الحق بنعت كشف جلاله هو لم يزل مقبلا عليه بنعت العناية والاصطفائية ، ~~ويرجع إليه بحسن الإقبال ، وكشف الجمال ، وهدي إلى طريق الوصال الذي لا ~~تفرق فيه بعد ذلك أبدا بقوله : ( فتاب عليه وهدى ) هدي منه إليه. # قال الواسطي : العصيان لا يؤثر في الاجتبائية ، وقوله : ( وعصى ~~آدم ) أي : أظهر خلافا ثم أدركته الاجتبائية ؛ فأزالت عنه مذمة العصيان ألا ~~ترى كيف ms1071 أظهر عذره بقوله : ( فنسي ولم نجد له عزما )، وكيف يعزم ~~على المخالفة من هو في سر العصمة وخصوصية الاجتباء والاصطفاء. # ( قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى ~~فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123) ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى (124) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) ~~قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (126) وكذلك نجزي من أسرف ~~ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى (127) أفلم يهد لهم كم أهلكنا ~~قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (128) ولو ~~لا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى (129)) # قوله تعالى : ( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123)) أي : من ~~تبع خطابي وإلهامي فلا يضل عن طريق السنة ولا يشقى عن المتابعة. # قال سهل : هو الاقتداء وملازمة الكتاب والسنة لا يضل عن طريق الهدى ، ولا ~~يشقى في الاخرة والأولى ثم بين أن من أعرض عن طريق الإلهام والذكر ومتابعة ~~السنة وقع في ضنك عيش الفرقة بقوله : ( ومن أعرض عن ذكري فإن له ~~معيشة ضنكا ) أي : من اشتغل بذكر غيري احتجب عن أنوار ذكري ، ومن كان ~~محجوبا عن أنوار الذكر كان محجوبا عن أنوار مشاهدة المذكور ، وله حياة غير ~~طيبة ويرزق غير هني ، وأي عيش أضيق من عيش من كان PageV02P507 # محجوبا عن وصال الحق؟! ومن أقبل إلى الله أقبل الله إليه ، ومن أقبل الله ~~إليه أقبل إليه كل شيء بالخدمة والمتابعة ، قيل : لا يعرض أحد عن ذكر ربه ~~إلا أظلم عليه وقته وتشوش عليه حاله. # وقال جعفر : لو عرفوني ما أعرضوا عني ومن أعرض عني رددته إلى الإقبال على ~~ما يليق به من الأجناس والأكوان ، وقيل : قلة الصبر مع الذاكرين. # وقيل : ضيق الصدر على مداومة الطاعات ، ثم زاد عليه ضنك معيشة الاخرة ~~بقوله : ( ونحشره يوم القيامة أعمى (124)) يعني : جاهلا بوجود ~~الحق كما كان جاهلا في الدنيا كما قال على بن أبي طالب : «من لم يعرف ms1072 الله ~~في الدنيا لا يعرفه في الاخرة ، وقيل : عن رؤية أوليائه وأصفيائه». # ( فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى (130) ولا تمدن عينيك ~~إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير ~~وأبقى (131) وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقا نحن نرزقك ~~والعاقبة للتقوى (132) وقالوا لو لا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما ~~في الصحف الأولى (133) ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لو لا ~~أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى (134) قل كل متربص ~~فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى (135)) # قوله تعالى : ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ) أي : ~~إذا كنت متعرضا لمشاهدة جلالنا ؛ فاذكر آلاءنا ونعماءنا عليك مما عرفك ~~خزائن جود الألوهية وعلوم الربوبية ، ونزه بذكرك صفاتنا حتى تكون مقدسا ~~بذكرنا عن رؤية غيرنا ، فإذا تقدست بنا عن أوصافك تطلع عليك شمس جمالنا ، ~~وينكشف لك أنوار وصالنا ، فإذا حان أن تغيب عنك حالك ففر بنعت القدس ~~والطهارة عن لذة حالك إلينا حتى تبقى عليك آثار أنوار شمس عزتنا ، وإذا كنت ~~غائبا بشريعتنا في آناء ليل الامتحان قف على باب ربوبيتنا بنعت التنزيه ~~والتفريد ، واذكر شمائل منتنا عليك نزيد عليك كشف الصمدانية وبروز أنوار ~~الوحدانية ، لعلك تصل إلى مقام المحمود من حيث دنو الدنو الذي لا يبقى بيني ~~وبينك بين ولا بون ولا غير ولا حجاب ، ترضى برؤيتي عن رؤية كل خلق ثم حذره ~~عن النظر إلى زينة الكون بنظر الاستحسان ؛ لئلا يشتغل بشيء دونه لحظة بقوله ~~: ( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة ~~الدنيا لنفتنهم فيه ) أن الله سبحانه ألبس الكون أنوار بهائه PageV02P508 # فصرف نظر نبيه عن ذلك حتى ينظر إليه صرفا بلا واسطة. # ألا ترى إلى قوله : ( ألم تر إلى ربك ) [الفرقان : 45] ، ولا أن ~~روحه كان عاشقا بالله مستأنسا بكل شيء مليح ، وبأن نظره أعظم ms1073 من أن ينظر به ~~إلى شيء دون الله. # قال الواسطي : هذه تسلية للفقراء وتعزية لهم حيث منع خير الخلق عن النظر ~~إلى الدنيا على وجه الاستحسان ثم بين أن ما له من المكاشفة والمشاهدة ~~والقربة والرسالة بلا واسطة خير مما كان له في رؤية الكون بقوله : ( ~~ ورزق ربك خير وأبقى (136)) رزقه وصاله وكشف جماله ثم أمره ~~بالعبودية وملازمة الطاعة بقوله : ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر ~~عليها ) [طه : 132] ، الاصطبار مقام المجاهدة ، والصبر مقام المشاهدة (1). # قال ابن عطاء : أشد أنواع الصبر الاصطبار ، وهو السكون تحت موارد البلاء ~~بالسر والقلب والنفس والصبر بالنفس لا غير. # وقال الجنيد : أي : وأمر أهلك بالاتصال بنا ، والاصطبار على تلك المواصلة ~~معناه : # ومن يطيق ذلك إلا المؤيدون من جهتنا بأنواع التأييد. # قال يحيى بن معاذ : للعابدين أردية يكسونها من عند الله سداها الصلاة ~~ولحمتها الصوم ثم بين أن عواقب السعادة مقرونة بالتقوى بقوله : ( ~~والعاقبة للتقوى (132)) التقوى الخروج مما دون الله والحياء في إجلال الله. # قال أبو عثمان : هو ذم النفس والجوارح عن جميع ما يقبحه العلم. ### | سورة الأنبياء # بسم الله الرحمن الرحيم # ( اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون (1) ما يأتيهم من ذكر ~~من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2) لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ~~ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون (3) قال ربي يعلم ~~القول في السماء والأرض وهو السميع العليم (4) بل قالوا أضغاث أحلام PageV02P509 # بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون (5)) # ( اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون (1)) إن الله سبحانه ~~حذر الجمهور من مناقشته في الحساب ، وزجرهم حتى ينتبهوا عن رقاد الغفلات ~~وترك الحساب أقرب من كل شيء منهم لو يعلمون ، فإنه تعالى يحاسب العباد في ~~كل لمحة ونفس ، وحسابه أدق من الشعر وأخفى من دبيب النمل على الصفا ، ولا ~~يعرف ذلك إلا المراقبون الذين يحاسبون أنفسهم في كل نفس وخطرة وهم في غفلة ~~في حجاب عن مشاهدة الله معرضون عن طاعته إذ لا حظ لهم في الطاعات ، ولا شرب ms1074 ~~لهم في المشاهدات ويا غافلا لو تدري حلاوة حساب الله ودقائق تعريفه مكان ~~السهو والغلط تحاسب نفسك في كل نفس ، ما أحلى خطابه وإلهامه في تعبير ~~العارفين ، ما أطيب مسامرته مع الصديقين في مؤاخذته دقائق الخطرات كأن بطون ~~علم المجهول قد أشارت إلى أن هذا حركة جرسات الوصلة ولمعات أنوار القربة ، ~~كما قيل : # ويبقى الود ما بقي العتاب # وقال بعضهم : دنا أوان الانتباه ، وهم في غفلتهم معرضون عن طريق التوبة ~~والعظة والانتباه. # قال بعضهم : قرب أوان اللقاء وهم في غفلة عن استصلاح أنفسهم لتلك الحضرة ، # ثم وصف سبحانه القلوب الغافلة بقوله : ( لاهية قلوبهم ) ساهية عن ~~الذكر وحقائقه ولذته ، شاغلة بحظوظ نفسها محجوبة عن لقاء خالقها. # قال ابن عطاء : معرضة عن طريق رشدهم. # وقال بعضهم : غافلة عن مسالك اليقين وطريق المتقين. # قال الواسطي : لاهية عن المصادر والموارد والمبدأ والمنتهى. # ( ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون (6) وما أرسلنا ~~قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (7) وما ~~جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين (8) ثم صدقناهم الوعد ~~فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين (9)) # قوله تعالى : ( فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (7)) أي : ~~فاسألوا أهل شهود جمال المذكور القديم بنعت صفاء الذكر في قلوبهم من مشرق ~~نور مشاهدته ، وهم الذين مخاطبون من الله بكل سر وكل حقيقة من علوم الغيبية ~~الأزلية. # قال سهل : فاسألوا أهل الفهوم عن الله والعلماء به وبأوامره ونواهيه. PageV02P510 # قال الجنيد : أهل الذكر العالمون بحقائق العلوم ومجاري الأمور ، ~~والناظرون إلى الأحكام بأعين الغيب. # ( لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10) وكم قصمنا ~~من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين (11) فلما أحسوا بأسنا إذا هم ~~منها يركضون (12) لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم ~~تسئلون (13) قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14)) # ( فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين (15) وما خلقنا ~~السماء والأرض وما بينهما لاعبين (16) لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من ~~لدنا إن كنا فاعلين (17)) # قوله تعالى : ( لقد ms1075 أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم ) (1) أي : ذكر ~~مناقبكم من حيث الأرواح القدسية والأشباح الإنسية والعقول الملكوتية ~~والأسرار الجبروتية والنفوس الهوائية ، وهذه المراتب الجامعة لا تحصل إلا ~~لادم وذريته ، وفيه بيان خبر الأزل بكرامتكم وخيريتكم على البرية ، أين ~~أنتم من معرفة نفوسكم لا تعقلون شرف نسبتكم في معرفتي ووصولكم إلى بعنايتي ~~الأزلية. # قال سهل : العمل بما فيه حياتكم. # قال الأستاذ : أي : شرفكم وفخركم ؛ فمن استبصر بما فيه من النور سعد في ~~الدنيا والاخرة. # قوله تعالى : ( وكم قصمنا من قرية ) كم قلب خرب عمران بنور ذكر ~~الله بظلم الطبيعة ومباشرة الشهوة والدعاوي الباطلة ، والنظر إلى الأغيار ، ~~وصار محجوبا بها عن مشاهدة الأنوار وحقائق الأسرار. # وقال أبو بكر الوراق : في ظلم خراب العمران كما قال عليه السلام : «الظلم ~~ظلمات يوم القيامة» (2). # إذا أظلم القلب عن المعرفة والإخلاص خرب ، وعلامة خراب القلب عصيان ~~الجوارح وتعديها وميلها إلى ما فيه هلاكها ، ولذلك قال الله تعالى : ( ~~ وكم قصمنا من قرية PageV02P511 # كانت ظالمة ). # ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما ~~تصفون (18) وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا ~~يستحسرون (19) يسبحون الليل والنهار لا يفترون (20) أم اتخذوا آلهة من ~~الأرض هم ينشرون (21)) # قوله تعالى : ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه ) أخبر سبحانه ~~عن الطبيعة الإنسانية التي هي منابت مخائيل الشيطانية ، وحنظلات الهواجس ~~النفسانية ، فإذا صارت مجموعة بأباطيل شهواتها ، وظلمات هواها أشرقت شموس ~~مشاهدة الجلال والجمال من روازن الملكوت للقلب المستعد لشهود مشاهد القربة ~~، فتدلت منه ، وتجلت له حتى لا يبقى من ظلمات الطبيعة أثر ، فإذا صار بدر ~~الجمال مستقيما في سقف سماء القلوب ، وأضاء بأنوار الغيوب اضمحلت سجود ~~ليالي النفوس ، وانهدمت قيام أباطيل الشياطين. # وقال الواسطي : الوعظ للأكابر ، ومنهم من له مشار مقذوف كقوله : ( ~~ بل نقذف بالحق على الباطل ). # قال الأستاذ : يدخل نهار التحقيق على ليالي الأوهام ، فينقشع سحاب الغيبة ~~، ويتجلى ضباب الأوهام ، ويبرز شمس اليقين عن خفاء الظنون ، ويصحو سماء ~~الحقائق عن كل غبار الشبه ساطعا. # ( لو ms1076 كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما ~~يصفون (22) لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون (23) أم اتخذوا من دونه آلهة قل ~~هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم ~~معرضون (24) وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون (25) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26)) # قوله تعالى : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) فيه إشارة ~~إلى إفراد القدم عن الحدوث وتنزيه الأزلية والأبدية عن العلة ، كأنه دعا ~~العارفين إلى رؤية الفردانية بنعت الانفراد عن الحدثان. # قال الساري : حثك في هذه الاية على الرجوع إليه والاعتماد عليه ، وقطع ~~العلائق والأسباب عن قلبك. PageV02P512 # قوله تعالى : ( لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون (23)) قطع لسان ~~الحدثان بمقراض هيبة الرحمن عن الانبساط في وقت كشوف عظمة الجبروت وشهود ~~جلال الملكوت يفعل الخبير ما يشاء ، وليس لهم هناك لهجة سؤال ، ولا لهم حجة ~~مقال إذ لا وسمة على فعاله وعزة كماله ، وهم معاتبون عما فعلوا ؛ لأن ~~أفعالهم وقعت ناقصة عن سنن نظام سنة الأزلية بمشيئة القدمية. # سئل ابن حماد المصري عن قوله : ( لا يسئل عما يفعل ) لم لا يسأل؟ ~~قال : لأن أفعاله من غير علة. # ( لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27) يعلم ما بين أيديهم ~~وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28) ومن يقل منهم ~~إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (29) أولم ير الذين ~~كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي ~~أفلا يؤمنون (30) وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا ~~سبلا لعلهم يهتدون (31) وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون ~~(32) وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون (33) وما ~~جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34)) # قوله تعالى : ( لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27)) عزة ~~سرمديته قطع لسان المسبحين من الكروبيين عن حقيقة الثناء ms1077 ووقعت الاستحالة ~~أن يحيط بجلال قدمه قول كل قائل ، ووصف كل واصف ولا يطيقون أن يقولوا شيئا ~~من تلقاء نفوسهم أو يفعلوا شيئا بإرادتهم ، بل هم في قبضة عزته أذلاء تحت ~~جلال جبروته يتبعون أمره كما أراد منهم. # قال القاسم : لا يسبقونه قصدا ولا فعلا ؛ لأنهم مربوطون بما ذكرهم ~~مقموعون بما عرفهم لئلا يفتري عليه أحد ثم وصف لهؤلاء الكرام بالخشية منه ~~والشفقة عنه بقوله تعالى : ( وهم من خشيته مشفقون (28)) أي : هم ~~من معرفة جلال قهره خائفون من فرقته يعلمهم بأنه منزه عن وجودهم وعدمهم ، ~~وهذه الخشية حقيقة العلم بالله يتولد منها الخوف والحياء والتعظيم ~~والإجلال. # قال الواسطي : الخوف للجهال ، والخشية للعلماء ، والرهبة للأنبياء ، وقد ~~ذكر الله الملائكة وقال : ( وهم من خشيته مشفقون (28)) . PageV02P513 # ( كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ~~(35) وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم ~~بذكر الرحمن هم كافرون (36)) # قوله تعالى : ( كل نفس ذائقة الموت ) ذكر النفوس لا القلوب ولا ~~الأرواح ؛ لأنها باقية يتجلى حياة الحق لها فإذا انسلخت الأرواح من الأشباح ~~انهدمت جنابذ (1) الهياكل ، ورجعت الأرواح على معادن الغيب لشهودها مشاهدة الرب. # قال الجنيد : من كان بين طرفي فناء فهو فان. # وقال أيضا : من كان حياته بنفسه يكون مماته بذهاب روحه ، ومن كان حياته ~~بربه فإنه ينقل من حياة الطبع إلى حياة الأصل ، وهي الحياة على حقيقة ، ~~وافهم أن الموت بالحقيقة موت الفراق وفوت الوصال ، كما قيل : «الفوت أشد من ~~الموت ، والموت الجهل ، والحياة حياة العلم» ، والموت عبارة عن الفناء ~~والحدثان ، وإن كان موجودا ؛ فهو بالحقيقة فإن ؛ لأن حقيقة البقاء لا تقع ~~عليه ؛ لأنه محدث والمحدث لا يستحق له حقيقة البقاء إذ بقاؤه بالحق لا ~~بنفسه ، والموت قهر غيرة الأزلي يطري بالحدثان يدمر وجودها حتى لا يبقى اسم ~~المرسومات ونعت الموجودات في ظهور الذات والصفات ، ثم ذكر ابتلاء الخلق ~~بالخير والشر بقوله : ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) بالقهر واللطف ~~والفراق والوصال والإقبال والإدباد والمحنة والعافية والجهل والعلم والنكرة ~~والمعرفة. ms1078 # قال سهل : نبلوكم بالشر ، وهو متابعة النفس في الهوى بغير هدى ، والخير ~~العصمة من المعصية والمعونة على الطاعة. # ( خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون (37) ويقولون ~~متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (38) لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن ~~وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون (39)) # قوله تعالى : ( خلق الإنسان من عجل ) هذا والله أمر عجيب خلقهم ~~من العجلة وزجرهم عن التعجيل إظهارا لقاهريته على كل مخلوق وعجزهم عن ~~الخروج من ملكه وسلطانه وحقيقة العجلة يتولد من الجهل برؤية المقاصد ~~السابقة. PageV02P514 # قال الواسطي في قوله : ( خلق الإنسان من عجل ) قال : لا يستعجلون ~~إظهارا لعجزهم وتعريفا لقدره. # ( بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون (40) ~~ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن (41)) # قوله تعالى : ( بل تأتيهم بغتة فتبهتهم ) أظهر الحق سبحانه جلال ~~عظمته يوم القيامة ؛ فلما رأوا سطوات عظمته تلاشوا في جلال هيبته ، وكيف ~~يقوم الحدثان عند ظهور جلال الرحمن حيث يتجلى لها بوصف العزة والعظمة ~~والكبرياء ، وأهل شهود القدم على نعت السرمدية لا يفزعون من طريان أفعاله ~~وجريان قهره ولطفه ؛ لأنها امتحانات عارية لا يفزع عنها إلا كل مشغول عنه. # قال بعضهم : من يبهته شيء من الكون ؛ فهو لمحله عنده وغفلته عن مكنونه ، ~~ومن كان في قبضة الحق وحضرته لا يبهته شيء ؛ لأنه قد حصل في محل الهيبة من ~~منازل القدس. # ( قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم ~~معرضون (42) أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم ~~منا يصحبون (43) بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا ~~نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون (44) قل إنما أنذركم بالوحي ~~ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون (45) ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ~~ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين (46) ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا ~~تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ms1079 (47) ~~ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين (48) الذين يخشون ربهم ~~بالغيب وهم من الساعة مشفقون (49)) # قوله تعالى : ( قل من يكلؤكم بالليل والنهار ) أخبر عن كمال ~~إحاطته بكل مخلوق وتنزيهه عن العجلة بمؤاخذتهم أي : أنا بذاتي تعاليت أدفع ~~بلطفي القديم عنكم قهر القديم ، ولولا فضلي السابق ، وعنايتي القديمة ~~بالرحمة عليكم من يدفعه بالعلة الحدثانية ، وهذا من كمال لطفي عليكم ، ~~وأنتم بعد معرضون عني يا أهل الجفاء ، وذلك ( بل هم عن ذكر PageV02P515 # ربهم معرضون (42)) . # قال الواسطي : أي : من يحفظكم بالليل والنهار من الرحمن ، أي : يظهر ~~عليكم ما سبق فيكم ( بل هم عن ذكر ربهم معرضون )، أي : ذكرهم إياه ~~في الأزلية بالنجاة والهلاك. # قال ابن عطاء : من يكلؤكم من أمر الرحمن سوى الرحمن ، وهل يقدر أحد على ~~الكلاءة سواه. # قوله : ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ) إن الله موازين ~~عدله القديم لا تتغير بتغير الحدثان ولا برسوم الزمان والمكان ، وكل ميزان ~~له موضع ومقام فمنها للعاشقين ، ومنها للعارفين ومنهما للمحبين ، ومنها ~~للمشتاقين ، ومنها للمستأنسين ، ومنها للخاضعين ، ومنها للأواهين من غلبة ~~قهر المواجيد ، ومنها للواجدين ، ومنها للعالمين ، ومنها للباكين عليه منه ~~فيزن بها معالي هممهم ومقادير محنهم في زمان هجرانه وأوان امتحانه فيبقيهم ~~بجلال قدره ما لا يحصى عدده من قرب مشاهدته وحسن وصاله فيفتح لهم خزائن ~~وجود الأزل ، وله ميزان للعارفين يزن أنفاسهم به يضع نفسا من أنفاسهم ~~المعجونة بنفس صبح روح الأزل في كفه ، ويضع جميع الجنان في أخرى ، فيرجح ما ~~فيه نفس العارف بحيث لا يبقى في جنبه الحدثان ؛ لأنه خرج من غيب الرحمن ~~منورا بنوره. # قال القاسم : الأعمال والموازين شتى ، والعدل ميزان الله في الأرض ؛ فمن ~~وزن أعماله بميزان العدل ؛ فهو من العابدين ، ومن وزن حركاته بميزان العدل ~~؛ فهو من المحبين ، ومن وزن خطراته وأنفاسه بميزان العدل ؛ فهو من ~~العارفين. # وميزان العدل في الدنيا ثلاثة : ميزان للنفس والروح ، وميزان للقلب ~~والعقل ، وميزان للمعرفة والسر ؛ فميزان النفس والروح الأمر والنهي ، ~~وكفتاه الوعد والوعيد ، وميزان القلب والعقل الإيمان والتوحيد وكفتاه ~~الثواب والعقاب ms1080 وميزان المعرفة والسر الرضا والسخط ، وكفتاه الهرب والطلب ؛ ~~فمن وزن أفعال النفس والروح بميزان الأمر والنهي بكفة الكتاب والسنة ، ينال ~~الدرجات في الجنان ، ومن وزن حركات القلب والعقل بميزان الثواب والعقاب ~~بكفة الوعد والوعيد أصاب الدرجات ونجا من جميع المشقات ومن وزن خطرات ~~المعرفة والسر بميزان الرضا والسخط بكفة الهرب والطلب نجا من الذي هرب ، ~~ووصل إلى ما طلب فيصير عيشه في الدنيا على الهرب ، وخروجه منها على الطلب ~~وعاقبته إلى غاية الطرب ؛ فمن أراد الوصول إلى المسبب فعليه بالهرب من ~~السبب ؛ فإن السبب حجاب كل طالب. # ( وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون (50)) # قوله تعالى : ( وهذا ذكر مبارك أنزلناه ) كلام الله سبحانه في ~~نفسه مبارك وإن لم يسمعه الجاهل ، ولكن مبارك على من يسمعه بأسماع المحبة ~~والشوق إلى لقاء المتكلم القديم PageV02P516 # ويعمل بمضمونه ، ويعرف إشارته ويجد حلاوته في قلبه ، فإذا كان كذلك يبلغه ~~بركته إلى مشاهدة معدنه ، وهو رؤية الذات القديم ، قال تعالى : ( ~~إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ) [القصص : 85]. # قال ابن عطاء : مبارك على من يسمعه ، مبارك على من يتعظ به ، مبارك على ~~من ينزل بهمته وقلبه عليه ، مبارك على من آمن به وصدق بما فيه ومن لم ير ~~على سره وقلبه ونفسه آثار بركات القرآن ؛ فليعلم ببعده عن مصدر الخواص ~~ودخوله في ميادين العوام من الأشقياء. # ( ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (51) إذ قال ~~لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (52) قالوا وجدنا آباءنا ~~لها عابدين (53) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (54) قالوا أجئتنا ~~بالحق أم أنت من اللاعبين (55) قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن ~~وأنا على ذلكم من الشاهدين (56) وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ~~(57) فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (58) قالوا من فعل هذا ~~بآلهتنا إنه لمن الظالمين (59) قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ~~(60) قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون (61) قالوا أأنت فعلت هذا ~~بآلهتنا يا إبراهيم (62) قال ms1081 بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون ~~(63) فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون (64) ثم نكسوا على رؤسهم ~~لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (65)) # قوله تعالى : ( ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل ) هذا خبر ~~اصطفائية الخليل في الأزل بخلته ورسالته قبل إيجاده وإيجاد الكون وما فيه ~~فإذا أوجد وجه من العدم كاشف لها جمال العدم وعرفها نفسه بنعت إعلامه ~~أسماءه ونعوته وأسرار صفاته فعرفت الله بالله وعرفت سبل شهود الصفات ~~ومشاهدة الذات ، فلما التبست بصورته جاءت بعقل القدسي من الملكوت والعلم ~~الإشاراتي من عالم الجبروت ؛ فتعرف القلب طرق المحبة والخلة وتعرف النفس ~~طرق الطاعة والخدمة ، فلما أخرجه الحق من مجال أنسه ألبسه أنوار قدسه فنظر ~~بالعين المكحولة بنور المعرفة إلى عالم الكون ، ورأى عجائب الملك وغرائب ~~المملكة فأرادت نفسه أن يسكن إلى الدليل عن المدلول من حيث لها منه لذة ~~مشاهدة اصطناع المالك القديم فغلبت عليها روحه الملكوتية وأغارت ما دون ~~الحق عن ساحة كبريائه بقوله : ( أني بريء مما PageV02P517 # تشركون (54)) [هود : 54]. # سئل الجنيد : متى أتاه رشده؟ فقال : حين أتاه. # وقال أيضا : آثار سوابق الأزل وإظهاره كما أظهر على الخليل في السخاء ~~والبذل والأخلاق في بذل النفس والولد والمال في رضا الحق ؛ فلا يشتغل إلا ~~به ولا يفرح إلا عليه ولا يلتفت إلا إليه ، فقال الله : ( ولقد ~~آتينا إبراهيم رشده من قبل )، ويقال : ذلك ما أضاء عليه من أنوار التوحيد ~~قبل ما حصل منه من النظر في المخلوق ، ويقال : هو مكاشفة روحه قبل إيداعها ~~قالبه من تجلي الحقيقة (1). # ( قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم (66) ~~أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون (67) قالوا حرقوه وانصروا ~~آلهتكم إن كنتم فاعلين (68)) # قوله تعالى : ( قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم ) طلب ~~الحاجة من المحتاج وهن في المعرفة وشين في الحقيقة والمحقق في المعرفة يعرف ~~الأشياء بالله بأنها مجاري أقدار الأزل ، ولا تقوم بذاتها بل تصاغرت في ~~قبضة تصرف جلاله ، ومن كان همته بهذه الصفة كيف يعتمد ms1082 من الخالق إلى ~~المخلوق. # قال حمدون القصار : استعانة الخلق بالخلق كاستعانة المسجون باستعانة ~~المسجون. # ( قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (69) وأرادوا به ~~كيدا فجعلناهم الأخسرين (70) ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها ~~للعالمين (71) ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (72) ~~وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة وكانوا لنا عابدين (73) ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية ~~التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين (74) وأدخلناه في رحمتنا ~~إنه من الصالحين (75) ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من ~~الكرب العظيم (76) ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم PageV02P518 # سوء فأغرقناهم أجمعين (77) وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ ~~نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين (78)) # قوله تعالى : ( قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (69)) ~~كان الخليل منورا بنور الله وكان النار من فعل الله ؛ فغلب نور الصفة على ~~نار الفعل ، ولو بقيت النار حتى وصل الخليل صارت مضمحلة ، فعلم الحق ذلك ~~فقال : ( كوني بردا وسلاما ) حتى تبقى لظهور معجزته وبيان كراماته ~~، وفي الإشارة لنا إشارة ، وفي إشارتنا سر أن الخليل طالب خليله في مرآة ~~مشاهدة الشمس والقمر والنجوم وأراه الله مطلوبه من وسط النار كما أرى موسى ~~من وسط النار ، والشجرة كأن نيران الكبرياء تكاد بصولة القدم أن تفنى وتحرق ~~إبراهيم ، فقال سبحانه بنفسه مع نفسه لنفسه : ( وسلاما على إبراهيم ~~(69)) فأسلمه من قهر نفسه بلطف نفسه. # قال ابن عطاء : سلم إبراهيم من النار بسلامة صدره ، ولما حكى الله عنه ~~بقوله : ( إذ جاء ربه بقلب سليم (84)) [الصفات : 84] خال من جميع ~~الأسباب والعوارض وبرد عليه النار لصحة توكله ويقينه وثقته حيث ناداه جبريل ~~ألك بي حاجة؟ فقال : أما إليك فلا. # ( ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال ~~يسبحن والطير وكنا فاعلين (79) وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل ~~أنتم شاكرون (80) ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا ~~فيها وكنا بكل شيء عالمين ms1083 (81) ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ~~ذلك وكنا لهم حافظين (82)) # بفضله ، لا يتعلق بالصغر والكبر والشيخوخية والاكتساب والتعلم ، إنما ~~الفهم تعريف الله تسيل أحكام ربوبيته بنور هدايته ، وإبراز لطائف علومه ~~الغيبية ؛ فحيث يظهر ذلك فهناك مواضع الفهوم والعلوم ، فهو سبحانه من على ~~سليمان بعلمه ، ولم يمن عليه بشيء خارج من نفسه من الملك والحدثان ، فإن ~~العلم صفة من صفاته ، فلما جعله متصفا بصفاته من عليه بجلال كبريائه. # قال الجنيد : أفهم الله سليمان مسألة من العلم فمن عليه بذلك ، وأعطاه ~~الملك فلم يمن عليه ، وقال : ( هذا عطاؤنا فامنن ). # قال الواسطي : في قوله : ففهمناها بسلامته عن شواهد اللذات في الطاعات. # قال أبو بكر : لبره بأبيه ثم بين فضل أبيه داود بما أعطاه من الحكمة ~~والعلم والشرف PageV02P519 # والفضل ، وإن شذ عنه فهم تلك المسألة فأراه الله ما من على سليمان ليكون ~~قرة عينه بقوله تعالى : ( وكلا آتينا حكما وعلما ) معرفة بالربوبية ~~وعلما بالعبودية. # ( وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83) ~~فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا ~~وذكرى للعابدين (84) وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين (85) ~~وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين (86)) # قوله تعالى : ( وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر ). # لما أخبر الله سبحانه أيوب عليه السلام أنه حان وقت خروجه من البلاء علم ~~أيوب أن ما رأى من رؤية المبلى في بلائه يكون منقطعا عنه إذا انقطع البلاء ~~قال : ( مسني الضر ) إذ فات عني مشاهدتك في بلائي ، وأيضا إذا كان ~~مبتلى كان في محل رؤية قهر القدم الذي شاهده الحق بوصف جلاله وجماله تربية ~~بقهره لعرفانه ، وجميع صفاته بطريق القهر واللطف ؛ فلما انهزم عساكر قهر ~~سلطانه من جنود ألطاف ألوهية خاف أن يفوت ما حصل له من رؤية القهر ومباشرته ~~، قال : ( مسني الضر )، ولأنه ادعى الصبر فجربه الحق بالبلاء فإذا ~~خرج من مكائده طوفان قهر القدم وجد نفسه خارجا من مقابلة بلائه الذي هو دأب ~~فتيان الخضرة ؛ فقال : ( مسني ms1084 الضر )، وأيضا مقام العافية حظ ~~العاشق من المعشوق ، والبلاء حظ المعشوق من العاشق ، فلما انعزل من حظ ~~معشوقه عنه وبقي مع حظه منه قال : ( مسني الضر )، وأيضا البلاء ~~مقام الفناء في القدم والعافية مقام البقاء والعارف الصادق يؤثر فناء نفسه ~~على بقائه ؛ لأن تنزيه القدم يقتضي فناء الغير فمن حجة كونه في مشاهدة الحق ~~قال : ( أني مسني الضر ) كون وجودي في وجودك ؛ لأن حق الغيرة في ~~الوحدانية لا يقتضي كون الوجود في وجود الحق ، وأيضا كان روحه من مقام ~~الأنس صدرت فطار صورته شبيه روحه باللطافة ، وهو كان في هواء الأنس طيارا ، ~~وفي ميادين الحسن والجمال سيارا ، فلما لحقه البلاء صار في البلاء وثقله ~~ومرارته محجوبا عن لذة الأنس به ؛ فقال الله : # ( مسني الضر )، ويا فهم العارف الصادق إذا كان متحققا في معرفته ~~فشكواه حقيقة الانبساط ، ومناداته تحقيق المناجاة وأنينه في بلاء حبيبه ~~حقيقة المباهاة ، وفيما ذكرنا أنشدت يوما في حق بلاء عشي في أيام امتحاني ~~وشوقي إلى أيام وصالي ورؤية منابي فقلت : # هوائي يا منابي في لقاك %~% وعيشي يا رجائي في هواك نزلت حظوظ نفسي من حياتي %~% وآثرت الممات بأن أراكا PageV02P520 وجدت صفاء قلبي في همومي %~% إذا كانت همومي في رضاكا لقد طالت بلايا في بلائي %~% بلائي يا بلائي من بلاكا # وفي الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جاء إليه رجل ؛ فسأله عن ~~قول أيوب : ( أني مسني الضر ) فبكى النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : ~~«والذي بعثني بالحق نبيا ما شكا فقرا نزل من ربه ، ولكن كان في بلائه سبع ~~سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات ؛ فلما كان في بعض الساعات ، وثب ~~ليصلي قائما ، فلم يطق للنهوض ، فجلس ثم قال : ( مسني الضر وأنت ~~أرحم الراحمين )، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : «أكل الدود سائر جسده ~~حتى بقي عظاما نخرة ، فكادت الشمس تطلع من قبله وتخرج من دبره» ، ثم قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : «ما بقي إلا قلبه ولسانه ، وكان قلبه لا يخلق ms1085 من ~~ذكر الله ولسانه لا يخلق من ثنائه على ربه ؛ فلما أحب الله له الفرج بعث ~~إليه الدودتين ، إحداهما إلى لسانه ، والأخرى إلى قلبه ، فقال : يا رب ما ~~بقي إلا هاتان الجارحتان قلبي ولساني أذكرك بهما ، وقد أقبلت هاتان ~~الدودتان أحدهما إلى قلبي والأخرى إلى لساني ، وتشغلاني عنك ، وتطلعان على ~~سري ( مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ) (1). # وقال الحسين بن علي رضي الله عنه : ذكر الله على الصفاء ينسي العبد مرارة ~~البلاء. # وقال جعفر : خرج منه هذا القول على المناجاة مستدعيا للجواب من الحق ~~ليسكن إليه لا على حد الشكوى. # قال بعضهم : كان أيوب قائما مع الحق في حال الوجد ؛ فلما أن كشف عنه ~~البلاء وأظهره ، وكشف ما به قال : ( مسني الضر ). # وقال الجنيد : عمل الدود في جسده فصبر ، فلما قصدوا قلبه غار عليه ؛ لأنه ~~موضع المعرفة ومعدن التوحيد ومأوى النبوة والولاية ، وقال : ( مسني ~~الضر ) افتقار إلى الله مع ملازمة آداب النبوة. # وقال ابن خفيف : كان أيوب مستترا بحال الصبر عن البلاء ، فلما أراد ~~إظهاره للخلق ضج ، فقال : ( مسني الضر ). # قال أبو علي المغازلي : أوحى الله إلى أيوب في حال بلائه : يا أيوب إن ~~هذا البلاء قد اختاره سبعون نبيا قبلك ، فما اخترته إلا لك ، فلما أراد ~~الله كشفه عنه ، قال : ( أني مسني الضر ). PageV02P521 # قال الحسين : تجلى الحق لسره وكشف له أنوار كرامته ، فلم يجد للبلاء ألما ~~، قال : ( مسني الضر ) لفقدان ثواب البلاء والضر إذا صار البلاء لي ~~وطنا وعلي نعمة. # وقال بعضهم : نال كل عضو منه البلاء إلا موضع النداء ، فنادى الضر من ~~الباقي منه على العافية لا عن مواضع البلاء ؛ فقال : ( مسني الضر ). # أدرك بقية نفس فيك قد تلفت %~% قبل الممات فهذا آخر الرمق ولو مضى الكل منها لم يكن عجبا %~% وإنما عجبي للبعض كيف بقي # سئل الجنيد عن قوله : ( مسني الضر )، قال : عرفه فاقة السؤال ~~ليمن عليه بكرم النوال. # ثم أخبر الله سبحانه عن رفعه البلاء عن نبيه ، وإجابة دعوته ، وإخراجه من ~~الضر بقوله : ( فاستجبنا له فكشفنا ما ms1086 به من ضر ) حقيقة هذه الاية ~~أن الله عرف خوف أيوب من فوت مشاهدته ووصاله ووقوفه بأسراره في بلائه ؛ ~~فاستجاب دعوته ، ورفع عنه مكائد قهره في ابتلائه ، وغيرة ربوبيته على ~~عبوديته ، فكاشفه جماله وجلاله بعد أن ألبسه لباس العافية ، فارتفع الضر من ~~جميع الوجوه ، وبقي في شهود جماله ؛ فصار إليه البلاء والعافية واحدا. # قال بعضهم : استجاب دعاءه ، وفتح عليه أبواب الرضا لئلا يعارض بعد ذلك في ~~حال لا مستكشفا للبلاء ولا متلذذا به ؛ لأن كليهما موضع العلل ، والرجوع ~~إلى النفس وتربيتها. # قال الأستاذ : لم يقل : ارحمني بل حفظ آداب الخطاب ؛ فقال : ( ~~وأنت أرحم الراحمين (83)) . # قوله تعالى : ( رحمة من عندنا وذكرى للعابدين (84)) تسلية ~~للمحبين الصابرين وتذكرة للمتعبدين. # قال الواسطي : موعظة للمطيعين عند نزول المحن بهم ، وتعريضا على الرضا ، ~~وحسن الدعاء من غير تصريح به بل إظهارا للحال. # ( وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في ~~الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87) فاستجبنا له ~~ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (88)) # قوله تعالى : ( وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه ) ~~كان يونس عليه السلام في منزل الانبساط والعربدة ؛ فغضب عليه إذا شغله ~~بشريعته عنه ، وعن مشاهدته وقربه PageV02P522 # ووصاله ، وظن أنه في غضبه وعربدته لم يكن مأخوذا به ، ولم يكن محتجبا به ~~، وكان محجوبا بسر واحد ، وهو أن الانبساط حظ العارف والهيبة حظ الله ~~فاختار حظه على حظه ، وصار محجوبا عن محل الفناء فيه ، ويمكن أنه كان ~~مغاضبا على وجوده إذا كان موجودا عند مشاهدة وجود الأزل كأنه غار على ~~وحدانيته ، ولم يطق أن يرى وجوده في وحدة القدم ، فلما ابتلعه الحوت ، صار ~~تحت قهر القدم فانيا عن رؤية غيرة الحق في رؤية الحق تقاضى سر سره مقام ~~بقائه وانبساطه فظن بسره أنه لا يخرج من درك الفناء ، ولا يدرك في منازل ~~الفناء درجة البقاء فكاشفه الحق نقاب السلطانية عن جمال القدم ، وصار في ~~معارج جمال أنس المشاهدة ، فلما وجد البقاء في ms1087 الفناء اعترف بعجزه ، وقلة ~~علمه بأسرار القدمية ؛ فقال : ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين (87)) حين نازعت الربوبية بالربوبية علم أن الاتصال والاتحاد ~~موضع المكر والخداع ؛ فأسقط العلل ، واعترف بالوحدانية الصرفة لأزلية الله تعالى. # قال الجنيد : مغاضبا على نفسه في ذهابه ، فظن أن لن يأخذه بغضبه وذهابه. # قال ذو النون : أخفى أيخدع به العبد الألطاف والمكرمات ورؤية الايات؟ (1) # قال الجنيد في قوله : ( إني كنت من الظالمين (87)) أي : من ~~الجاهلين إنك لا تقرب بطاعة ، ولا تبعد بمعصية ، وقد ظننت في زمان الصبا أن ~~الله سبحانه أراد أن يهيئ ليونس عليه السلام معراجا ، ومشاهدة في بطن الحوت ~~فتعلل بالأمر والنهي ، والمقصود منه القربة والمشاهدة فأراه الحق في أطباق ~~الثرى في ظلمات بطن الحوت ما أرى محمدا صلى الله عليه وسلم فوق العرش ، فلما ~~رأى الحق تحير في جلاله ، وقال : ( لا إله إلا أنت سبحانك )، نزهت ~~نفسك عما ظننا فيك ، فأنت بخلاف الظنون ، وأوهام الحدثان ، ( كنت ~~من الظالمين )، في # فظهر من هذا التقرير : إن كل من الخطاب ، والغيبة ، والتكلم ؛ نسبة من ~~نسب الكلام معتبرة بحسب المقام. PageV02P523 # وصف جلالك إذ وصف لا يليق بعزة وحدانيتك فوقع لهذا القول منه موقع قول ~~سيد المرسلين حيث قال : «لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك» (1). # ولذلك قال عليه السلام : «لا تفضلوني على أخي يونس» (2)؛ فلما رأى ما رأى ~~استطاب الموضع ، وظن أن لن يدرك ما أدرك في الدنيا بعد فغاب الحق عنه فاهتم ~~ودعا بالنجاة فنجاه الله من وحشة بطن الحوت بقوله : ( فاستجبنا له ~~ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (88)) يعني : من كان هذا حاله مع ~~الله سبحانه ننجيه به منه. # قال الجنيد : من همومهم وكروبهم بالإخلاص والصدق والافتقار والالتجاء ، ~~وحقيقة حسن الاعتراف وإظهار الاستسلام. # قال الواسطي في قوله : ( إني كنت من الظالمين ) حيث اختلج سري أن ~~أريد غير ما أردت. # ( وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (89)) # قوله تعالى : ( وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا ) ما ms1088 اختلج ~~في سر الإرادة من صميم سر سري أن شيخ الأنبياء عليه السلام رأى ما ورد عليه ~~من أنوار كبرياء الله وجلال عظمته وعز سلطانه في مشاهدة ذاته فخاف من محل ~~الاتحاد والاتصاف الذي يقتضي حلاوة شربة التفريد في دعوى الأنانية ~~والربوبية فاستعاذ بالله أن يكون محتجبا به عنه ، فقال : ( لا ~~تذرني فردا ) حين أفردتني بفردانيتك ، فإن ذلك على عارية تنصرف إلى القدم ، ~~والحدث ينصرف إلى الحدث. # ألا ترى كيف قال : ( وأنت خير الوارثين (89)) ترث صفة بقائك بعد ~~فنائي بغيرتك ، وأيضا ( لا تذرني ) في ( فردا ) عنك بك حتى ~~لا أحتجب بك عن حقيقتك ، وأيضا كان سره يتحرك من جذب أسرار مقادير القدم ~~التي تجذب سره إلى رؤية روح يحيى في مكمن الغيب فافتقر إلى الله بالسؤال ~~إدخال روحه في هيكله ليكون سحرا في إفشاء أسرار ربوبيته. # قال جعفر : لا تجعلني ممن لا سبيل له إلى مناجاتك ، والتزين بزينة خدمتك. # وقال أيضا : فردا عنك لا سبيل لي إليك. # وقال ابن عطاء : خاليا عن عصمتك ، وقال الجنيد : خاليا عنك مشتغلا بشيء سواك. PageV02P524 # وقال الواسطي : الفرد المعرض عن ذكر الله الغافل عنه. # ( فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا ~~يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (90) والتي ~~أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين (91) إن ~~هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (92) وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا ~~راجعون (93) فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون ~~(94) وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون (95) حتى إذا فتحت يأجوج ~~ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون (96) واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار ~~الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين (97) إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (98) لو كان هؤلاء آلهة ما ~~وردوها وكل فيها خالدون (99) لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون (100)) # قوله تعالى : ( ويدعوننا رغبا ورهبا ) موضع النداء والدعاء في ~~منازل العبودية ms1089 مكان الخوف والرجاء والرهبة من جلال عظته ، والرغبة في وصول ~~جماله وقربه ، وبهاتين الصفتين صار العارف خاشعا لله في طاعته ( ~~وكانوا لنا خاشعين (90)) فانين تحت أذيال عظمتي ورداء كبريائي. # قال الواسطي : أمر الله الأنبياء بالخشوع ، وهو الوقوف بين الرغبة ~~والرهبة ، وحقيقته سكون يشير إلى الرضا ، قال الله تعالى : ( ~~يدعوننا رغبا ورهبا ). # وقال بعضهم : رغبة فينا ورهبة عما سوانا ، وقيل : رغبة في لقائنا ، ورهبة ~~في الاحتجاب عنا. # قال أبو يزيد : الخشوع زمام الهيبة وخمود القلب عن الدعاوى. # ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101) لا ~~يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون (102) لا يحزنهم الفزع الأكبر ~~وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (103) يوم نطوي السماء كطي ~~السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين (104)) PageV02P525 # قوله تعالى : ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ) وصف الله أهل ~~الولاية والنبوة والرسالة الذين اصطفاهم في الأزل بحسن عنايته ومعرفة جلاله ~~وجماله مشاهدة كماله ووصاله ووقاهم من عذاب الفرقة والحرمان عن المشاهدة ~~بقوله : ( أولئك عنها مبعدون (101) لا يسمعون حسيسها ) هي في جنان ~~الوصلة لا يحسون شواهد أهل العلة من البرية فظاهر حسن العناية السابقة منهم ~~أربعة أشياء الانفراد من الكونين والرضا بلقاء الله عن الدارين وإمضاء ~~العيش مع الله بالحرمة والأدب فظهور أنوار قدرة الله منهم بالفراسات ~~الصادقة والكرامات الظاهرة وباطن حسن العناية السابقة من الله في الأزل لهم ~~أربعة أشياء : المواجيد الساطعة ، وانفتاح العلوم الغيبية ، والمكاشفات ~~القائمة ، والمعارف الكاملة ، وفي كل موضع ظهرت هذه الأشياء بالظاهر ~~والباطن صار صاحبها مشهورا في الافاق بسمات الصديقين وعلامات المقربين ~~وخلافه المرسلين. # قال الحسن بن الفضل : سبقت العناية ، وظهرت الولاية. # وقال الجنيد : من سبق من الله إليه إحسان ؛ فإنه لا يزال ينتقل في ميادين ~~المحسنين إلى أن يبلغ إلى أعلى مراتب أهل الإحسان بقوله : ( للذين ~~أحسنوا الحسنى وزيادة ) [يونس : 26]. # وقال الواسطي : أولئك قوم هداهم الله فهداهم بذاته وقدسهم بصفاته فسقط ~~عنهم الشواهد والأعراض ، ومطالعات الأعواض ؛ فلا لهم إشارة في سرائرهم ، ~~ولا ms1090 عبارة عن أماكنهم وحجبهم عن الاستقرار في المواطن ؛ فلا لهم هم بأنفسهم ~~، ولا هم حاضرون في حضورهم بحضورهم. # وقيل : الحسنى العناية السابقة ، وهي خمسة أشياء : العناية ، والاختيار ، ~~والهداية ، والعطاء ، والتوفيق ، فبالعناية وقعت الكفاية وبالاختيار وقعت ~~الرعاية ، وبالهداية وقعت الولاية ، وبالعطاء وقعت الخلة ، وبالتوفيق وقعت ~~الاستقامة والحسنى هذه السوابق. # وقال الواسطي في قوله : ( لا يسمعون حسيسها ): هم أهل الحقائق ~~لا يحسون بضجيج أهل الدنيا ؛ لأنهم مصدودون عنها بما ورد على سرائرهم من ~~وهج الحقائق فهم مترددون في منازلهم لا يقطعهم عن ذلك قاطع لانغماسهم في ~~بحور الحقيقة ، ثم وصفهم الله بالأمن الدائم والحسن القائم بقوله : ( ~~ لا يحزنهم الفزع الأكبر ) كيف يلحقهم الفزع ، وهم في مشاهدة جلال ~~الحق مدهوشين والهين واصلين إلى مناهم غير محجوبين عنه بشيء من الحدثان ، ~~والحق سبحانه يكون مرادهم يفعل كما يريدون. PageV02P526 # قال تعالى : ( وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون ) اشتهاؤهم في جمال ~~الحق دوام المشاهدة بنعت الوصلة على السرمدية ، وهذا اشتهاء قلوبهم واشتهاء ~~عقولهم كشف العلوم من معدن الصفات ، واشتهاء أرواحهم الاستغراق في بحار ~~الذات ، واشتهاء أسرارهم الفناء بنعت البقاء ، والبقاء بنعت الفناء واشتهاء ~~نفوسهم اللذة والحلاوة والخطاب والحسن والجمال والإدراك بنعت التحصيل من ~~القدم في لباس الحسن. # قال ابن عطاء : للقلب شهوة ، وللأرواح شهوة ، وللنفوس شهوة ، وقد يجمع ~~الله لهم في الجنة جميع ذلك ، فشهوة الأرواح القرب ، وشهوة القلوب المشاهدة ~~، والرؤية وشهوة النفوس الالتذاذ بالراحة. # قال الجنيد في قوله : ( أولئك عنها مبعدون ): اجتازوا عليها ، ~~ولم يحسوا بها وما عرفوها لصحة قصدهم إلى اللقاء ، وللنزول في دار البقاء. # وقال الصادق : كيف يسمعون حسيسها ، والنار تخمد لمطالعتهم وتتلاشى ~~برؤيتهم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «تقول النار للمؤمن يوم القيامة : ~~جز يا مؤمن ؛ فقد أطفأ نورك لهبي» (1). # قيل في قوله : ( وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون ): النفوس ثلاثة ~~أشياء : أرواح وأشباح وقلوب ، فشهوة الروح الوصلة وشهوة القلوب اللقاء ، ~~وشهوة النفوس الأكل والشرب والزينة ، وكل مبذول له بقدر همته وحظه يوصل إلى ~~مناه ، وشهوته فيها خالدا مخلدا أبدا. # ثم ms1091 وصف الله سبحانه جلال أهل قربه بحيث يحنيهم الملائكة السفرة الكرام ~~البررة يدخلونهم حجال الوصال ، وشهودهم مشاهدة الجمال بقوله : ( ~~وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (103)) أي : هذا يوم الوصلة ~~بلا فرقة ، وهذا يوم المؤانسة بلا وحشة ، وهذا يوم الراحة بلا محنة ، وهذا ~~يوم العافية بلا بلية ، وهذا يوم كشف النقاب بلا حجاب ، وهذا يوم الخطاب ~~بلا عتاب ، قيل : ميعاد أهل الجنة فيها الوصلة ، وميعاد أهل النار فيها ~~القطيعة. # ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي ~~الصالحون (105) إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (106) وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين (107) قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم PageV02P527 # مسلمون (108) فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم ~~بعيد ما توعدون (109)) # قوله تعالى : ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض ~~يرثها عبادي الصالحون (105)) كان في علم الأزلية أن أرض الجنان ميراث ~~عباده الصالحين من الزهاد والعباد والأبرار والأخيار ؛ لأنهم أهل الأعراض ~~والثواب والدرجات ، وأن مشاهدة جلال أزليته ميراث أهل معرفته ومحبته وشوقه ~~وعشقه ؛ لأنهم في مشاهد الربوبية ، وأهل الجنة في مشاهد العبودية. # قال سهل : أضافهم إلى نفسه وحلاهم بحلية الصلاح معناه : لا يصلح لي إلا ~~ما كان لي خالصا لا يكون لغيري فيه أثر وهم الذين أصلحوا سريرتهم مع الله ، ~~وانقطعوا بالكلية عن جميع ما دونه ، ثم بين سبحانه أن كلامه الأزلي يبلغ ~~الصديقين إلى معادنه من رؤية الصفات والذات الأزلي بقوله : ( إن في ~~هذا لبلاغا لقوم عابدين (106)) مشاهدين جلالنا وجمالنا بهممهم العلية ، ~~وقلوبهم الحاضرة وعقولهم الصافية وأرواحهم العاشقة ، وأسرارهم الطاهرة. # قال سهل : لم يجمع البلاغ لجميع عباده بل خص القوم العابدين ، وهم الذين ~~عبدوا الله ، وبذلوا له مهجتهم ، لا من أجل عوض ، ولا لأجل نار ولا جنة بل ~~حبا له وافتخارا بما أهلهم من عبادتهم إياه. # ثم وصف الله سبحانه حبيبه محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه أرسله رحمة إلى ~~جميع خلقه بقوله : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107)) إنما ~~الفهم أن الله ms1092 سبحانه أخبرنا أن نور محمد صلى الله عليه وسلم أول ما خلقه في ~~الأول من جميع خلقه ، ثم خلق جميع الخلائق من العرش إلى الثرى من بعض نوره ~~، فإرساله من العدم إلى مشاهدة القدم رحمة لجميع الخلائق إذ الجميع صدر منه ~~فكونه كون الخلق ذكر أنه سبب وجود الخلق ، وسبب رحمة الله على جميع الخلائق ~~إذ هو سبب وجود الجميع ، فهو رحمة كافية ؛ وافهم أن جميع الخلائق صورة ~~مخلوقة مطروحة في فضاء القدرة بلا روح حقيقية منتظمة لقدوم محمد ~~صلى الله عليه وسلم ؛ فإذا قدم في العالم صار العالم حيا بوجوده ؛ لأنه روح ~~جميع الخلائق. # قال الله تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107)) (1)، ~~ويا عاقل إن من PageV02P528 # العرش إلى الثرى لم يخرج من العدم إلا ناقصا من حيث الوقوف على أسرار ~~قدمه بنعت كمال المعرفة والعلم فصاروا عاجزين عن البلوغ إلى شط بحار ~~الألوهية وسواحل قاموس الكبريائية فجاء محمد صلى الله عليه وسلم إكسير أجساد ~~العالم وروح أشباح العالمين بحقائق علوم الأزلية ، وأوضح سبل الحق لهم بحيث ~~يجعل سفر الازال والاباد للجميع خطوة واحدة ؛ فإذا قدم من الحضرة إلى سفر ~~الغربة بلغهم جميعا بخطوة من خطوات صحارى ( سبحان الذي أسرى ) حتى ~~وصل إلى مقام «دنا» فغفر الحق لجميع الخلائق لمقدمه المبارك فالكافر ~~والمؤمن والذئب والظبي والبازي والحمام والجنة والنار والدنيا والاخرة في ~~حيز رحمته ؛ لأنه كان رحمة أزلية أبدية قطرة من بحر رحمة الرحمن وغرفة غرفت ~~من نهر الغفران. # قال أبو بكر بن طاهر : زين الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بزينة ~~الرحمة فكان كونه رحمة ونظره إلى من نظر إليه رحمة ، وسخطه ورضاه وتقريبه ~~وتبعيده وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق ، فمن أصابه من رحمته ؛ فهو ~~الناجي في الدارين عن كل مكروه ، والواصل فيهما إلى كل محبوب ، ألا ترى ~~الله يقول : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107)) فكانت حياته ~~رحمة ومماته رحمة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «حياتي خير لكم ، ومماتي ~~خير لكم» (1). # وقال ابن عطاء : رحمة ms1093 الدارين لمن تبعك ، وآمن بك ، والرحمة العاجلة لمن ~~لم يؤمن بك بتأخير العذاب عنه إلى العاقبة. # ( إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (110) وإن أدري لعله ~~فتنة لكم ومتاع إلى حين (111) قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ~~ما تصفون (112)) # قوله تعالى : ( إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (110)) ~~يعلم شكاية العارفين منه إليه بألفاظ مجهولة من مقام الأنس ، ويعلم ما في ~~ضمائرهم من حقائق إشارات الحقيقة من أوصاف القدس ، يسليهم بهذا الخطاب أي : ~~لا تجزعوا ، فحان وقت الوصال ، وكشف الجمال ؛ فكيف يخفى عليه ، وهو بمحبته ~~أزعجهم إلى الحرية والانبساط. # قال الحسين : كيف يخفى على الحق من الخلق خافية ، وهو الذي أودع الهياكل ~~أوصافها من الخير والشر والنفع والضر؟! فما يكتمونه أظهر عنده مما يبدونه ~~وما يبدونه مثل ما PageV02P529 # يكتمونه جل الحق أن يخفي عليه خافية من عباده محال ، والله أعلم. ### | سورة الحج # بسم الله الرحمن الرحيم # ( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (1) يوم ~~ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى ~~وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (2)) # ( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (1)) إن ~~الله سبحانه نادى نداء الوعيد للناسين عهود الأزل ، ومشاهدة الأبد أي : أين ~~أنتم أيها الغافلون عن بروز جلال عظمتي من حجاب الغيب في صحاري القيمة ~~اتقوا عن عذاب فرقتي لكي تصلوا إلى جلال وصلتي ؛ فإن الأكوان والحدثان ~~تزلزل عند ظهور أنوار كبريائي وسلطان بهائي فحقيقة التقوى الخروج مما دون ~~الله بالله. # قال بعضهم : التقوى ألا يستغرقك شيء دون مولاك ، وهو الحرية ، وكل من طلب ~~الجزاء لم يكن متقيا ، وإن كان وعد له عليه. # ثم وصف أهل شهود سطوات العظمة والكبرياء بالوله والهيمان والسكر والهيجان ~~بقوله : ( وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ) يولهون في رؤية العظمة ~~وجلال الهيبة ، ويهيمون في أودية أنوار الكبرياء والسلطنة. # قال جعفر : أسكرهم ما شاهدوا من بساط العز وبساط الجبروت وسرادق الكبرياء ~~حتى ألجأ ms1094 النبيين إلى أن قالوا : نفسي نفسي. # وقال الأستاذ : فمنهم من سكره سكر الشراب ، ومنهم من سكره سكر المحاب ، ~~وشتان بين سكر وسكر ، سكرهم سكر أهل الغفلة ، وسكرهم سكر أهل الوصلة ، وإن ~~سألتني من سكر أصحاب الوقائع في كواشف القدوسية ، وبروز أنوار السبوحية في ~~مشاهد القيمة فسكر الأعداء من رؤية القهريات ، وسكر الموافقين من رؤية ~~بدائع الأفعال ، وسكر المريدين من لمعات الأنوار ، وسكر المحبين من كشوف ~~الأسرار ، وسكر المشتاقين من ظهور سنا الصفات ، وسكر العاشقين من مكاشفة ~~الذات ، وسكر المقربين من الهيبة والجلال ، وسكر العارفين من الدخول في ~~حجال الوصال ، وسكر الموحدين من استغراقهم في بحار الأولية ، وسكر الأنبياء ~~والمرسلين من اطلاعهم على أسرار سر الأزلية ، فبعض السكارى واله PageV02P530 # في العظمة ، وبعض السكارى تائه في العزة ، وبعض السكارى غائب في الجمال ، ~~وبعض السكارى فان في الجمال ، وبعض السكارى صاح في البقاء ، وبعض السكارى ~~مضمحل في الكبرياء ، وبعض السكارى سكره من حلاوة الخطاب ، وبعض السكارى ~~سكره من الانبساط ، وبعض السكارى سكره من العتاب ، وبعض السكارى سكره من ~~كشف النقاب ، وبعض السكارى سكره من رؤية القدم في مرآة الالتباس ، وبعض ~~السكارى سكره من وقوعه في صرف شهود الأزل ، فهؤلاء السكارى في منازلهم ، ~~سكرهم مقادير مواردهم في شهود القرب ، وقرب القرب ؛ فمن كان سكره بغيره فهو ~~غير سكران إنما هو مخبط حاله من رؤية الأحوال ، ومن كان سكره به فسكره من ~~شراب الوصال ، فسكري هناك من سكري ها هنا به لا بما منه شرابي من رؤية صرف ~~كنه القدم وغيري من العباد والزهاد سكرهم من مشارب الكرم. # ألم بنا طيف يجل عن الوصف %~% وفي طرفه خمر وخمر على الكف فأسكر أصحابي بخمرة كفه %~% وأسكرني والله من خمرة الطرف # وقال الحسين : أسكرهم رؤية الجلال ، ومشاهدة الجمال. # قال الحريري : ما أسكرهم إلا الهيبة والإجلال (1). # ( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد (3) ~~كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير (4)) # قوله تعالى : ( ومن الناس من يجادل في الله بغير ms1095 علم ) هؤلاء ~~الناس أهل الخيال من المشبهة والمعتزلة وأمثالهم من الذين جادلوا في الله ~~بالقياس والخيال المحال. # قال سهل : يخاصم في الدين بالهوى والقياس من دون الاقتداء ، فعند ذلك يضل ~~ويبتدع. # ( يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ~~ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في ~~الأرحام ما # ولذلك قالوا : أكثر الشطح يكون من سكر الحال وغلبة سلطان الحقيقة ، فمن ~~ثم من تم صحوه وخلص عن بقية السكر ونزلت في قلبه السكينة ستر الحقيقة ~~بالعلم ، ووقف على حد العبودية ، فاعلم ذلك فإنه عزيز علمه ، إذ تنكشف به ~~الالتباسات التي لم تزل خفية على أكثر أرباب القلوب. PageV02P531 # نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من ~~يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض ~~هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5) ذلك ~~بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير (6) وأن الساعة ~~آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (7) ومن الناس من يجادل في ~~الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (8) ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له ~~في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق (9) ذلك بما قدمت يداك وأن ~~الله ليس بظلام للعبيد (10)) # قوله تعالى : ( ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد ~~علم شيئا ) أرذل العمر أيام المجاهدة بعد المشاهدة ، وأيام الفترة بعد ~~المواصلة لكيلا يعلم بعد علم بما جرى عليه من الأحوال الشريفة والمقامات ~~الرفيعة ، وهذا غيرة الحق على دعوى المتحققين حين أفشوا أسراره بالدعاوى ~~الكثيرة ، أستعيذ بالله من ذلك ، وأستزيد منه فضله وكرمه ليخلصنا به من ~~فتنة النفس وعثرتها ، ويمكن أن ذلك يتعلق بالسير في عالم النكرات حين ~~اختلطت بحار حقائق الربوبية في قلب العارف الصادق ، فيستغرق في لجج نكرات ~~امتناع الأحدية عن إدراك الخليقة ، فيضمحل ما ms1096 علم فيما لم يعلم من معرفة ~~الذات والصفات فتحت نكراته معارف الألوهية ، وتحت المعارف نكرات غيرة الأزل ~~فإذا خرج من الفناء في النكرة عن النكرة إلى مقام الصحو في المعرفة فيطلع ~~على أسرار النكرة بأسرار المعرفة ، كما قال سبحانه : ( ذلك بأن ~~الله هو الحق وأنه يحي الموتى ) يحييهم بالمعرفة بعد موتهم في النكرة ، ~~وبحياة المشاهدة بعد موت الفرقة ، ولذلك ضرب الله مثلا في هاتين الحالتين ~~كما قال سبحانه : ( وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء ~~اهتزت وربت ). # وهذا ما وافق قول الواسطي في ذلك ، قال : اندرج ما علم منه بما بسط له ~~وفتح عليه وضرب له مثلا ( وترى الأرض هامدة ) أي : ساكنة عن النبات ~~حافية عن الخضر ( فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ) أي : ظهرت ~~عليه وردت ورويت ونمت ، ( إن الذي أحياها ) [فصلت : 39] بالنعوت ( ~~ لمحي الموتى ) بالعلوم في الدنيا وبالأرواح في الاخرة. # وقال الأستاذ : أرذل العمر زمان الفترة بعد المجاهدة ، وحال الحجبة عقب ~~المشاهدة ، PageV02P532 # ويقال : السعي للحظوظ بعد القيام بالحقوق ، ويقال : العشرة مع الأضداد. # ويقال : يحيى النفوس بتوفيق العبادة ، ويحيى القلوب بأنوار المشاهدة. # ( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن ~~أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (11) ~~يدعوا من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد (12) ~~يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير (13) إن الله يدخل ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما ~~يريد (14) من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى ~~السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15) وكذلك أنزلناه آيات ~~بينات وأن الله يهدي من يريد (16) إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله ~~على كل شيء شهيد (17)) # قوله تعالى : ( ومن الناس من يعبد الله على حرف ) على طمع وهوى ~~ورؤية عرض وطمع كرامات ومحمدة الخلق ms1097 ، وقيل : الدنيا وإذا أصابته أمانيه ~~سكر في العبادة وإذا لم يجد شيئا منها ترك التحلي بحلية الأولياء ، قال ~~تعالى في وصفه : ( فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب ~~على وجهه ). # ثم بين حاله في الدنيا والاخرة بقوله : ( خسر الدنيا والآخرة ) ~~خسرانه في الدنيا فقدان القبول والجاه عند الخلق ، وافتضاحه عندهم وسقوطه ~~من طريق السنة والعبادة إلى الضلالة والبدعة ، وخسرانه في الاخرة بقاؤه في ~~الحجاب عن مشاهدة الحق واحتراقه بنيران البعد. # قال الواسطي : ( يعبد الله على حرف ) على رهن التجنب واطمأن إليه. # قال بعضهم : على طمع أن يرى ثواب عمله أو يجازي على قدر أعماله. # وقال بعضهم : الخسران في الدنيا ترك الطاعات ، ولزوم المخالفات ، ~~والخسران في الاخرة كثرة الخصوم والتبعات. # وقالت رابعة في قوله : ( ومن الناس من يعبد الله على حرف ): كيف ~~يكون ما منك إليه عوضا لما منه إليك ، وما عنك إليه لا يكون إلا بما منه إليك؟! PageV02P533 # ( ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس ~~والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه ~~العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (18) هذان خصمان ~~اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤسهم ~~الحميم (19) يصهر به ما في بطونهم والجلود (20) ولهم مقامع من حديد (21) ~~كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق (22)) # وقوله تعالى : ( ومن يهن الله فما له من مكرم ) من أهانه الله في ~~الأزل بقهره لا يكون عزيزا لعمله ولا بعزة غيره عزيز إذ العز كله لله تعالى ~~، قال الله تعالى : ( فإن العزة لله جميعا ) [النساء : 139]. # وقال : من قدر الله عليه الإهانة في السبق لا يقدر أحد على كرامته ؛ لأن ~~لباس الحق لا يزول ولا يحول ، وهو على الدوام. # ( إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23)) # قوله تعالى : ( إن ms1098 الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات ) ~~يدخل العارفين الذين لهم صلاحية مشاهدته واستعداد قبول معرفته إلى جنان ~~قربه ووصاله ، قيل : هم الذين صدقوا الله في السر ، واتبعوا سنة محمد ~~صلى الله عليه وسلم فلم يبتدعوا بحال. # ( وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد (24)) # قوله تعالى : ( وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد ~~) وصف من دخل جنات المشاهدة ، ورتعوا رياض المكاشفة عرفوا طيب الخطاب في ~~مقام المداناة والمناجاة ، وكوشف لهم أنوار سبل الذات والصفات طيب الله ~~ألسنتهم وقلوبهم بطيب ذكره وهداهم إلى سبل معرفته. # قال ابن عطاء : الطيب من القول هو ذكر الله. # وقال جعفر : هو الأمر بالمعروف. # وقيل : هو نصيحة المسلمين ، وقيل : هو قراءة القرآن. # قال الأستاذ : الطيب من القول ما صدر عن قلب خالص وسر صاف مما رضي به PageV02P534 # علوم التوحيد الذي لا اعتراض عليه للأصول ، ويقال : الصراط الحميد : ما ~~كان طريق الاتباع دون الابتداع. # ( إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي ~~جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب ~~أليم (25)) # قوله تعالى : ( سواء العاكف فيه والباد ) داره دار كرامته ومنزل ~~أضياف المعرفة إذا كشف من بيته ما فيه من آياته الكبرى يصل بركتها إلى ~~المقيم والمسافر وحضرته القديمة منازل المقيمين فيها بالأرواح من العارفين ~~والمشاهدين والطيارين من حمائم أسرار الواصلين ، فالمقيم بقلبه هناك من أول ~~عمره إلى آخر عمره والطارئ عليها لحظة من المكاشفين والمشاهدين ينكشف له ما ~~ينكشف للمقيمين ؛ لأنه وهاب كريم يعطي للتائب من المعاصي ما يعطي المطيع ~~المقيم في طاعته طول عمره. # قال محمد بن علي الترمذي : الفتوة أن يستوي عندك الطارئ والمقيم ، وكذا ~~يكون بيوت الفتيان من ترك فيها ؛ فقد تحرم بأعظم حرمة وأجل ذريعة ، ألا ترى ~~الله تعالى ذكره كيف وصف بيته ( سواء العاكف فيه والباد ). # قال الأستاذ : بمشهد الكرام يستوي فيه الأقدام ؛ فمن وصل إلى تلك العقوة ~~(1) فلا ترتيب ولا رد ، وبعد الوصول فلا زجر ولا صد (2). # ( وإذ ms1099 بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي ~~للطائفين والقائمين والركع السجود (26) وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا ~~وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (27)) # قوله تعالى : ( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي ~~شيئا ) هذا لخليله وجميع أحبائه بينه ودله إلى ما فيه من الايات والكرامات ~~، وما ألبسه من أنوار حضرته ليكون وسيلة لعبادته ومرآة لأنوار آياته ، ~~وأمره ألا يطلب في طلبه شيئا من غيره في طاعته من الجنة وما فيها وجعل بيته ~~مثالا لبيته الخاص الذي هو قلب العارف في هذا الظاهر الايات وفي بيت الباطن ~~أنوار الصفات ومشاهدة الذات ؛ فأمره أن يطهر بيت الظاهر والباطن من خطرات PageV02P535 # النفسانية وخطرات الشيطانية بقوله : ( وطهر بيتي للطائفين ~~والقائمين والركع السجود (26)) الطائفون : عساكر أنوار تجلي الحق وزوار ~~وارد الغيب ، والقائمون : أنوار المعرفة والتوحيد ، والركع السجود : أنوار ~~الإيمان والإسلام ، وأيضا الطائفون : ملائكة الإلهام ، والقائمون : الأرواح ~~، والركع السجود : العقول أي : طهر قلبك عن ذكر ما سواي حتى لا يشوش هؤلاء ~~في قرار أنوار صفاتي وذاتي. # قال ابن عطاء في قوله : ( وإذ بوأنا لإبراهيم ): وفقناه لبناء ~~البيت ، وأعناه عليه ، وجعلناه منسكا له ، ولمن بعده من الأولياء والصديقين ~~إلى يوم القيامة ، وببناء فيه آثاره ، وأمرنا الخليل عند بنائه ألا يرى ~~فعله وبناءه ، ولا يشرك بنا في ذلك شيئا. # قال بعضهم : في قوله : ( طهر بيتي ): وهو قلبك ، ( ~~للطائفين ): وهي زوائد التوفيق ، ( القائمين ): وهي أنوار ~~الإيمان ، ( والركع السجود ): الخوف والرجاء. # قال جعفر بن محمد : ( طهر بيتي للطائفين ): طهر نفسك عن مخالفة ~~المخالفين والاختلاط بغير الحق ، ( القائمين ): هم فؤاد العارفين ~~المقيمون معه على بساط الأنس والخدمة ، ( والركع السجود ): الأئمة ~~السادة الذين رجعوا إلى البدايات عن تناهي النهاية. # قال سهل : كما طهر البيت من الأصنام والأوثان وطهر القلب من الشرك والريب ~~والغل والغش والقسوة والحسد ، ولما استقام الخليل في تجريد التوحيد أمره ~~الحق بأن يدعو بلسان الخلد زوار الحضرة من أماكن الغيبية ومكامن العدمية ~~بقوله : ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا ) دعاهم بلسان ms1100 الحق ~~لذلك أجابوه بالتلبية بقولهم : «لبيك اللهم لبيك» ، وتلك الإجابة من ~~الأرواح القدسية من معادنها من الغيب عشقا ومحبة ، وهذه المعاني تدل على ~~كون الأرواح قبل الأشباح يأتون مقام خلتك المحبين المفردين من غيرنا ~~المتجردين من أنفسهم في زيارتنا ( وعلى كل ضامر ) نفوس مهزولة ~~بالمجاهدات ، ( يأتين من كل فج عميق (27)) من كل طريق بعيد من ~~الأوهام ؛ لأنهم في طرف الأسرار ونوادر الأنوار يأتونك من مقام المشاهدة ~~إلى مقام المتابعة إظهارا للعبودية بعد كونهم في مشاهدة الربوبية. # قال ابن عطاء : رجالا استصلحناهم للوفود إلينا ، وليس كل أحد يصلح أن ~~يكون وفدا على سيده ، والذي يصلح للوفادة هو اللبيب في أفعاله ، والكيس في ~~أخلاقه ، والعارف بما يفديه ، وبما يرد ويصدر. # ثم ذكر سبحانه علة الدعوة ، وبناء الكعبة بقوله : ( ليشهدوا ~~منافع لهم ) أي : PageV02P536 # ليشهدوا بأرواحهم مشاهد قربنا ومشاهدتنا ، وما أعددنا لهم من علو ~~المقامات وسني الدرجات. # قال ابن عطاء : ما وعدوا من أنفسهم لربهم ، وما وعده الله لهم من القربة. # قال جعفر : ليشهدوا الذي بيني وبينهم. # [سورة الحج (22): الآيات 28 الى 29] # ( ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير (28) ثم ليقضوا ~~تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق (29)) # قوله تعالى : ( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) أمرهم ~~بالتواضع في مؤاكلة الفقراء والمساكين أهل بؤس المجاهدات ، والافتقار إلى ~~المشاهدات أي : أطعموهم من أطيب ما تأكلون ، ولا تؤثروا أنفسكم عليهم ؛ ~~فإنهم لا يأكلون طعام البخلاء والمؤثرين هواهم على مرادنا ، وفيه إشارة إلى ~~أهل روح وصال المشاهدة والمكاشفة أن يخبروا طلاب المعرفة والمحبة مما كوشف ~~لهم من أحكام الملكوت ، وغيب الجبروت. # قال أبو عثمان : أدب أدب الله به عباده ألا يطعموا الفقراء إلا بما كانوا ~~يأكلون ، ولا يجعلوا لله ما يكرهون هو أن تشاركوهم في مأكلهم وملابسهم ~~ومشاربهم لقوله : ( فكلوا منها وأطعموا ). # وقال ابن عطاء : البائس الذي تأنف من مجالسته ومؤاكلته ، والفقير من تعلم ~~حاجته إلى طعامعك ، وإن لم يسأل. # ( ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو ms1101 خير له عند ربه وأحلت لكم ~~الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور ~~(30) حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه ~~الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق (31) ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها ~~من تقوى القلوب (32) لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت ~~العتيق (33) ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ~~(35) والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها PageV02P537 # صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك ~~سخرناها لكم لعلكم تشكرون (36)) # قوله تعالى : ( ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه ) ~~حرماته مقام الاتصاف والاتحاد ؛ فمن اتصف بصفاته ، وتوحد بتوحيد ذاته يقع ~~في بحر الربوبية ، ويستغرق في لجج الديمومية ، وينكشف له أسرار السرمدية ~~والأزلية ، ويسكر بشربات وشراب المشاهدة ، ويقتضي هذه أحوال له دعوى ~~الأنائية من حلاوة مباشرة أنوار الأزلية بنعت التجلي والوصلة ؛ فمن كان ~~هناك محفوظا بقي على نعت العبودية ، ولا يخفى على حرمات الحقيقة ؛ فهو خير ~~له بأن يزيد حاله من الله سبحانه ، ويكون إماما في الصحو والتمكين مثل ~~الخلفاء والنجباء يقتدي به سلاك الطريقة وملوك الحقيقة ، ومن خرج برسوم أهل ~~السكر ، ويدع الأنائية يكون محترقا بنيران الغيرة ، مصلوبا على باب الهيبة ~~والكبرياء والسلطنة ، وأيضا من شاهد مشاهدة الحق بنعت الانفراد عن الحدثان ~~خالصا عن الجنان متبرئا من حظوظه التي يطمع فيها عند مشاهدة الرحمن ، فهو ~~من أهل الحرمة في القربة ، ومن كان حبه لحظه ؛ فهو غير محترم في مقام ~~الحرمة ، يا غافل الحرمة في العبودية تقتضي قرب الربوبية والحرمة في ~~الربوبية يسقط علل الحدوثية. # قال الواسطي : من تعظيم حرمة الله ألا تلاحظ شيئا من كونه ، ولا من طوارق ~~محنته ، ولا تلاحظ خليلا ولا كليما ولا حبيبا ms1102 ، مادام تجد إلى ملاحظة الحق سبيلا. # وقال فارس : حرمات الله صفاته ، ومن تهاون بحرمات الأمر والنهي ؛ فقد ~~تهاون بالذات ، وهو نفس النفاق. # قال ابن عطاء : الحرمة ثلاثة أوجه ؛ أولها : القطع من الموافقة ، ثم ~~القطع من لذة المشاهدة ، وقال بعضهم : رؤية الأفعال وطالب الأعواض. # ثم ذكر سبحانه بعد ذلك مقام حرماته ، وبين أن من عظم أمره ؛ فقد عظم ~~جلاله وعظمته بقوله : ( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ~~(32)) بين أن تعظيم الله تعظيم شعائره يصدر من قلوب المتقين الذين هم في ~~مشاهدة عظمة الله وجلاله وكبريائه في احتشامه وهيبته ، وتقوى القلوب هو ~~الاجتناب عن سوء الأدب في العبودية والخجل والحياة في مشاهدة الربوبية. # قال سهل : تقوى القلوب هو ترك الذنوب ، وكل شيء يقع عليه اسم الذم. # قال الجنيد : من تعظيم شعائر الله التوكل والتفويض والتسليم ؛ فإنها من ~~شعائر الحق في أسرار أوليائه ، فإذا عظمته وعظمت حرمته زين الله ظاهره ~~بفنون الاداب. PageV02P538 # ثم وصفهم بالإخبات والتواضع والخنوع والخشوع في عظمته وجلاله وكبريائه ~~وبشرهم بدوام وصاله بقوله : ( وبشر المخبتين (34)) ، ومن أوصاف ~~المخبتين الفناء في العظمة والحياء في رؤية الكبرياء والخجل في مشاهدة ~~الربوبية ، والتواضع في العبودية ، وكتمان الأسرار والبكاء في الخفية ~~والسكون في الخلوة ، ومراقبة الله بنعت الهيبة. # قال ابن عطاء المخبت هو الذي امتلأ قلبه من المحبة ، وقصر طرفه عما دونه ~~كما أن الفريق شغله نفسه عن كل شيء سوى نفسه كذلك المخبت لشغله مولاه عن كل ~~شيء سواه. # وقال جعفر : ( وبشر المخبتين (34)) : من أطاعني ثم خافني في ~~طاعته ، وتواضع لأجلي ، وبشر من اضطرب قلبه شوقا إلى لقائي ، وبشر من ذكرني ~~بالنزول في جواري ، وبشر من دمعت عيناه خوفا فيحظوا بشراهم «إن رحمتي سبقت ~~غضبي» (1). # ثم زاد سبحانه في وصفهم بوجل القلوب من معاينة أنوار الغيوب ، والصبر في ~~المجاهدات ، وتطهير أنفسهم من الذنوب بقوله : ( الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم ) إذا سمعوا خطاب الله من الله ، ولله من غير الله ، وجلت ~~قلوبهم من رؤية عظمة الله ، والشوق إلى لقاء الله ، وغلبان ms1103 محبة مشاهدة ~~الله وقع السماع لهم على آذان أرواحهم المطربة من روح أنس الله العاشقة ~~جمال قدس الله ؛ فتضطرب بين الأنس والقدس بنعت المحبة والشوق وتطير بجناح ~~المعرفة إلى سرادق كبرياء المعروف ؛ فيسكن هناك وجلها ، واضطرابها فتسمع من ~~الله خطابه ، وتطمئن بجماله ، قال تعالى : ( ألا بذكر الله تطمئن ~~القلوب ) [الرعد : 28] ؛ فإذا سمع الذكر من غيره اقتضى الوجل ، وإذا سمع من ~~الله اقتضى السكون والطمأنينة ( والصابرين على ما أصابهم ) الذين ~~وصفهم الوجل والإخبات صبروا تحت موارد أنوار مشاهدته إذا أتت عليهم طوارقها ~~بأثقال الربوبية لا يجزعون ولا يتحركون حتى يفنوا في كبريائه ويبقوا في بقائه. # قال ابن عطاء : هل رأيت ذلك الوجل عند سماع الذكر أو عند سماع كتابه أو ~~خطابه أو هل أخرسك الذكر حتى لا تنطق إلا به ، وأصمك حتى لم تسمع إلا منه ~~هيهات هيهات. # قال الواسطي : الوجل على مقدار المطالعة ربما يريه مواضع السطوة وربما ~~يريه مواضع المودة والمحبة. # وقال أبو علي الجوزجاني : في قوله : ( والصابرين على ما أصابهم ) ~~: التاركي الجزع عند حلول النوائب والمصائب. PageV02P539 # قوله تعالى : ( والبدن جعلناها لكم من شعائر الله ) فيه إشارة ~~إلى ذبح النفس بالمجاهدات وزمها بالرياضات عن المخالفات وفداء الوجود ~~للمشاهدات حتى لا يبقى للعارف في طريقه حظ من حظوظه ، وبقي الله مفردا من ~~جميع الخلائق. # قال الوراق : الحكمة في «البدن» ، وما ذكر الله من شعائره فيه وحصول ~~الخيرية هو تطهير بدنك من جميع البدع والمخالفات وقتلها بسيوف الخوف ~~والخشية ، وأن تجعل التقوى شعارها ، والرضا دثارها ؛ فإذا فعلت ذلك كان لك ~~فيه أوائل الخيرات ، وهو أن يفتح لك السبيل إلى الله ، وينور قلبك بنور ~~اليقين ، ويطهر سرك عن طلب شيء سوى الله. # ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك ~~سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين (37) إن الله يدافع عن ~~الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور (38) أذن للذين يقاتلون بأنهم ~~ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا ms1104 ~~أن يقولوا ربنا الله ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع ~~وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله ~~لقوي عزيز (40) الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور (41) وإن يكذبوك فقد ~~كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود (42) وقوم إبراهيم وقوم لوط (43) وأصحاب ~~مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير (44) فكأين من ~~قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد (45)) # قوله تعالى : ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم ) الإشارة فيه أن جميع الأعمال الصالحة من العرش إلى الثرى لا ~~يلحق الحق نحو المراد منه ، ولكن يصل إليه قلب ، جريح من محبته ذبيح بسيف ~~شوقه ، مطروح على باب عشقه. # قال سهل في قوله : ( ولكن يناله التقوى ): هو التبري والإخلاص. # ( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان ~~يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46) ~~ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون PageV02P540 # (47) وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير ~~(48) قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين (49) فالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم (50) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك ~~أصحاب الجحيم (51)) # قوله سبحانه وتعالى : ( فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور (46)) الجهال يرون الأشياء بأبصار الظاهر وقلوبهم محجوبة ~~عن رؤية حقائق الأشياء التي هي تلمع منها أنوار الذات والصفات ، أعماهم ~~الله بغشاوة الغفلة وغطاء الشهوة. # قال سهل : اليسير من نور بصر القلوب يغلب الهوى والشهوة ؛ فإذا عمى بصر ~~القلب عما فيه غلبت الشهوة ، وتواترت الغفلة ، فعند ذلك يصير البدن متخبطا ~~في المعاصي غير منقاد للحق بحال. # ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله ms1105 آياته والله ~~عليم حكيم (52) ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية ~~قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد (53)) # قوله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا ~~تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) إن الشيطان خلق لابتلاء الأنبياء والأولياء ~~فيلقي كل وقت بين ذكرهم وتلاوتهم وساوسه مخايلة ، فيحترق في نور أذكارهم ، ~~ويتخسأ من صولة أنوارهم وأسرارهم ، وذلك من الحق إظهار كرامتهم ومعجزتهم ، ~~وحقيقة الحكمة فيه إلقاء الخجل عليهم في مقام المناجاة (1)؛ PageV02P541 # ألا ترى كيف شكا عنه موسى حين عارضه الملعون بقوله ما سمعت ؛ فهو كلامي ~~فكاد موسى أن يذوب من هيبة الله وحيائه حتى أوصله الحق إلى أماكن ألطاف ~~حفظه ، ورعايته وخلصه من كيد عدوه. # قال سهل : من قرأه ، وهو يلاحظ الحق ؛ فإنه يكون بريئا مصونا من إلقاء ~~الشيطان ، ومن قراه ، وهو يلاحظ نفسه أو يشاهد الخلق ؛ فإن ذلك محل إلقاء ~~الشيطان. # ( وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت ~~له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (54) ولا يزال الذين ~~كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم (55)) # قوله تعالى : ( أنه الحق من ربك ) أي : القرآن كلامه الحق ( ~~ فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم ) المعرفة بالله تورث الفناء في الله ؛ ~~فصارت قلوب العارفين بالله مخبتين لأمر الله. # قال الواسطي : إن الربوبية إذا تجلت على السرائر محت آثارها ، ومحت ~~رسومها وتركتها خرابا. # ( الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في ~~جنات النعيم (56) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين (57) ~~والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن ~~الله لهو خير الرازقين (58) ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم ~~(59) ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو ~~غفور (60) ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن ~~الله سميع بصير (61)) # قوله تعالى : ( الملك يومئذ لله يحكم بينهم ) ملك الجمال ms1106 والجلال ~~وكشف اللقاء للعارفين والعاشقين لله يومئذ يواسي قلوبهم بإعطائه إياهم ~~مأمولهم ؛ فإذا برز أنوار سلطنة كبريائه اضمحل فيها الظنون والخواطر ~~والرسوم والأعلام. # قال ابن عطاء : الملك على دوام الأوقات ، وجميع الأحوال له ، ولكن يكشف ~~للعوام الملك يومئذ لإبداء القهارية والجبارية ؛ فلا يقدر أن يجحد ما عاين. PageV02P542 # قوله تعالى : ( والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ~~ليرزقنهم الله ) الذين هاجروا مما دون الله ، وقتلوا بسيوف محبة الله ، ~~وماتوا من غلبة شوق الله تحت أثقال رؤية عظمة الله ليرزقنهم الله رزق ~~مشاهدته ، ودوام وصلته على السرمدية ، ويحييهم بروحه إلى أبد الابدين ، ~~وملك الحياة والأرزاق غير مقطوعة ولا ممنوعة. # قال الجريري : هو تصحيح التوجه بالفردانية ، ومعانقة التجريد بالسمع ~~والطاعة. # ( ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن ~~الله هو العلي الكبير (62)) # قوله تعالى : ( ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو ~~الباطل ) إذا ظهر الحق بنعت الحقيقة للعارفين اضمحلت في قلوبهم الحوادث ، ~~وسقط عنهم علل الأكوان. # قال ابن عطاء : هو الحق فحقق حقيقته في سرك ولا ترجع منه إلى غيره ؛ فإن ~~ما سواه باطل. # ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله ~~لطيف خبير (63) له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد ~~(64) ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك ~~السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤف رحيم (65)) # قوله تعالى : ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض ~~مخضرة ) أنزل مياه تجلي الصفات من بحار الذات على صحارى قلوب الصديقين ~~فتصبح أرضها بصبح صفات مشاهدته مخضرة بأنوار ورد المكاشفات ونور المحبة ~~والشوق والعشق ، ورياحين الزلفات وشقائق المودة ، ونرجس المداناة ، وتنبت ~~فيها رياحين المعارف بزلال الكواشف. # قال بعضهم : أنزل مياه الرحمة من سحائب القربة وفتح إلى قلوب عباده عيونا ~~من ماء الرحمة ، فأنبت المعرفة فاخضرت القلوب بزينة المعرفة ؛ فأثمرت ~~الإيمان وأينعت ms1107 التوحيد ، وأضاءت بالمحبة فهامت إلى سيدها ، واشتاقت إلى ~~ربها ، وطارت بهمتها فأناخت بين يديه وعكفت عليه ، وأقبلت عليه وانقطعت عن ~~الأكوان أجمع إذ ذاك أواها الحق إليه ، وفتح لها خزائن أنواره ، وأطلق لها ~~التنزه في بساتين الأنس ورياض الشوق والقدس. PageV02P543 # ( وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور (66) ~~لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى ~~هدى مستقيم (67) وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون (68) الله يحكم بينكم ~~يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون (69) ألم تعلم أن الله يعلم ما في ~~السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير (70) ويعبدون من دون ~~الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير (71)) # قوله تعالى : ( وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم )، ( ~~ أحياكم ) بمشاهدته ، ( يميتكم ) يفنيكم في سطوات عظمته ، ~~ثم ( يحييكم ) بروح بقائه حتى تبقوا ببقاء مع بقائه أبدا. # قال الجنيد : أحياكم بمعرفته ، ثم يميتكم بأوقات الغفلة والفترة ، ثم ~~يحييكم بالجذب بعد الفترة ، ثم يقطعكم عن الجملة فيوصلكم إليه ، حقيقة إن ~~الإنسان لكفور يعد ما له ، وينسى ما عليه. # ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا ~~المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم ~~النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير (72)) # قوله تعالى : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه ~~الذين كفروا المنكر ) إن الله سبحانه بين أن شواهد الملك والملكوت كلها ~~منتظر خطاب الأزل لتسمع بأسماع شائقة إلى معاني الصفات ، وأهل الأرواح ~~القدسية منتظرون بسماع الغيب ليستمعوه بأسماع غيبية ويعقلوه بعقول ملكوتية ~~؛ فإذا خاطبهم الحق بلسان السفيرة ؛ تنجذب أسرارهم وأسرار جميع الخليقة إلى ~~منازل وقوع الخطاب فيقع نوره الرحماني عليها ، فصارت موقع الخطاب منورة ~~بنور الصفة ، وذلك النور يظهر بنعت الاستبشار في وجوه العارفين لنظار ~~الملكوت ، وينتشر نور الأكوان بجميع ذراتها من نور الخطاب. # وأهل الغباوة والجهل المبعدون من ساحة كبرياء الأزل بقوا في ظلمات ms1108 ~~الجهالة ، وغبار القهريات تحت غشاء الضلالة فأسماعهم محجوبة بعوارض ~~الامتحان عن سماع القرآن ، PageV02P544 # وشواهد أسرارهم من ظلمة الإنكار تظهر عن سواد وجوههم عند سماع الخطاب ، ~~يعرفها كل بصير بالله ، ومن كمال شقاوتهم لا يعرفون أصلا من أصل ، ونورا من ~~نور ، وجلالا من جلال ، وقدما من قدم ، وأزلا من أزل الذي مصادره أوجدتهم ~~يا ليتهم يعرفون مصادر القهريات التي نقضتهم إلى ميادين الغفلة ؛ فإنهم لو ~~يبصرون معادن فطرتهم لا يخالفون ما يصدر من معادن اللطفيات ، فإن جميع ~~المصادر الأزلية واحدة من جميع الوجوه. # قال أبو بكر بن طاهر : يتبين في شواهد المعرضين عنا آثار الوحشة وظلمة ~~المخالفة ؛ لأن الظواهر إنما أشرقت بالسرائر ، والسرائر أشرقت بأنوار الحق ~~؛ فمن كان سره في ظلمة وإنكار كيف يلوح آثار الأنوار على شاهده ، وكل شاهد ~~، شاهد الأعراض والأكوان هو في ظلمة حتى شاهد الحق ، ولا يشاهد معه غيره إذ ~~ذاك يلوح عليه أنوار مشاهدة الحق ، قال الله تعالى : ( تعرف في ~~وجوه الذين كفروا المنكر ). # ( يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون ~~الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه ~~منه ضعف الطالب والمطلوب (73) ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز ~~(74) الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير (75) يعلم ~~ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور (76)) # قوله تعالى : ( وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف ~~الطالب والمطلوب ) بين الله سبحانه ذل الخليقة تحت قهر سلطانه وعظمة كبرياء ~~قدمه لئلا يقبل على معدن الضعف ، وذل من يطلب العز السرمدي ؛ فإن الخليقة ~~ممنوعة عن قوة قادرية أحدية ، وكيف يكون لها مشيئة وقدرة وجميعها في قبضة ~~الجبروت عاجزة أسيرة لعزته ، وجلاله ، دعا الخلق بنعت الإقبال إليه بلسان ~~الغيرة عن الإقبال على معادن الحدثية ليكونوا عارفين بعز الربوبية وذل ~~الخليقة. # قال ابن عطاء : دلهم بهذا على مقاديرهم ؛ فمن كان أشد هيبة ، وأعظم ملكا ~~لا يمكنه الاحتراز من أهون الخلق وأضعفه ؛ ليعلم بذلك ms1109 عجزه وضعفه وعبوديته ~~وذلته ، ولا يفتخر على أبناء جنسه من بني آدم بما يملكه من الدنيا. # قال أبو بكر بن طاهر : «ضعف الطالب» أن يدركه ، والمطلوب أن يفوته. # ثم بين سبحانه بعد ذكره عجز الخلق والخليقة جلال قدرة الذي لا يعرفه غيره ~~بقوله : PageV02P545 # ( ما قدروا الله حق قدره ) أزال المخائيل والأوهام والعقول عن ~~إدراك جلاله وقدره ، وهذا شكاية الله عن إشارة الخلق إليه بما هو غير موصوف ~~به ذكر غيرته إذا أقبلوا إلى غير من هو موصوف بالقوة الأزلية والعزة ~~السرمدية ، ألا ترى كيف قال الله : ( إن الله لقوي عزيز (40)) . # قال الواسطي : لا يعرف قدر الحق إلا الحق ، وكيف يقدر قدره أحد وقد عجز ~~عن معرفة قدر الوسائط والرسل والأولياء والصديقين ، ومعرفة قدرة ألا تلتفت ~~عنه إلى غيره ، ولا تغفل عن ذكره ، ولا تفتر عن طاعته إذ ذاك عرفت ظاهر ~~قدره ، وأما حقيقة قدره فلا يقدر قدرها إلا هو. # ثم بين سبحانه أنه اصطفى من الملائكة ، ومن الناس رسلا يخبرون عنه ما ~~يتعلق بعجز الخلق عن إدراكه من وصف ذاته وصفاته بقوله : ( الله ~~يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس )، الملائكة وسائط الأنبياء والأنبياء ~~وسائط العموم والأولياء للأولياء خالصة. # ( يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا ~~الخير لعلكم تفلحون (77)) # قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم ~~) هذا خبر عن مقام المكاشفة في المراقبة أي : إذا شاهدتم مشاهدة الكبرياء ~~اركعوا ، وإذا شاهدتم مشاهدة العظمة اسجدوا ، وإذا شاهدتم جمال ربوبيته ~~افنوا في العبودية : ( وافعلوا الخير ) تخيرون عن هذه المقامات ~~طلاب معرفتي ( لعلكم تفلحون ) بي عني ، وتظفرون بعد فنائكم في ~~ببقائكم مع بقائي. # قال ابن عطاء : اركعوا واسجدوا واخضعوا وانقادوا لأوامره وسلموا لقضائه ~~وقدره تكونوا من خالص عباده ، وافعلوا الخير ابتغاء الوسيلة لعلكم تفلحون ~~أي : لعلكم تجدون الطريق إليه ، ثم أمرهم بحق الجهاد لوجدان حقيقة المعاد ، ~~والرجوع إلى المراد ؛ لأن ما أمرهم بالركوع والسجود على مقادير العبودية ، ~~وطلب حق الربوبية في العبودية منهم بقوله : ( وجاهدوا في الله حق ~~جهاده ms1110 ) لا تظن أن هذا الأمر أمر مستحيل من حيث عجز الخلق عن درك إدراك ~~حقيقته ، إنما أراد بهذا الأمر فناء الخليقة في الحقيقة ، وهذا ممكن خاصة أنه PageV02P546 # أخبر تعالى أنهم بذلك مصطفون بقوله : ( هو اجتباكم ) أي : هو ~~اجتباكم بالفناء في بقائه حين ينكشف أنوار شموس القدم لأهل العدم ، ( ~~ وجاهدوا في الله ) أي : أفنوا في الله حق الفناء بحيث لا ترون ~~فناءكم في بقائه بل ترون وجوده بوجوده لا بوجودكم ؛ لأن هذه الاجتبائية ~~الأزلية يقتضي لكم مشاهدته ، ومشاهدته يقتضي لكم فناءكم فيه ، ثم بين أن في ~~هذا الطريق المبارك ، والدين الشريف لم يكن حرج ، وتكليف ما لا يطاق بقوله ~~: ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) أي : إذا شاهدتم مشاهدة جمال ~~سهل عليكم فناءكم في جلالي ؛ لأن من عاينني عشقني ، وطاب عيشه معي ، وسهل ~~عليه بذل مهجته إلي لأن هذا مقام العاشقين الرامقين المحبين مثل الخليل ~~والحبيب والكليم (1). # ألا ترى كيف قال : ( ملة أبيكم إبراهيم ) ملة أبيكم العشق ~~والمحبة والخلة والاستسلام والانقياد ، وبذل الوجود بنعت السخاء والكرم يا ~~أسباط خليلي رأى أبوكم استعداد هذه المراتب الشريفة فيكم قبل وجودكم بنور ~~النبوة بقوله : ( هو سماكم المسلمين من قبل ) سماكم منقادين ، وبين ~~يدي عارفين بوحدانيتي ، وفيما ذكرنا من أوصافكم حبيبي شاهد عليكم عندي ، ~~يعرف هذه الفضائل منكم ، وهو بلغكم ونشر فضائلي عليكم. # ( وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين ~~من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول ~~شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا ~~بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير (78)) # قوله تعالى : ( وتكونوا شهداء على الناس ) بأنكم تعرفونهم فيما ~~هم فيه وأن رسلهم قد بلغهم رسالاتي التي سبب نجاتهم ، ثم أمرهم بإقامة ~~الصلاة وإيتاء الزكاة شكرا لنعمته وحمدا لأفضاله أي : اطلبوني في مقام ~~مناجاتكم في الصلاة ، وادخلوا بهمتكم فيها ؛ فإنها PageV02P547 # حصتي ، وكونوا بنعت التجريد عن الدنيا ، وما فيها في بذل أنفسكم إلي ، ~~وفي هذه المعاملات الشريفة اطلبوا ms1111 الاعتصام مني ، استعينوا بي لأقويكم في ~~طاعتي ( واعتصموا بالله هو مولاكم ) حبيبكم وناصركم في الأزل ( ~~ فنعم المولى ) حيث لا مولى غيره ( ونعم النصير (78)) حيث ~~لا يخذل من نصره بأن نصره عزيز ممتنع من نقائص النقص. # قال جعفر : حق المجاهدة على القلب فإن النفس لا يقوم بحق المجاهدة ، وحق ~~المجاهدة ألا يختار عليه شيئا كما لم يخير عليكم بقوله : ( هو ~~اجتباكم ). # قال بعضهم : المجاهدة على ضروب مجاهدة مع أعداء الله ، ومجاهدة مع ~~الشياطين ، وأشدها المجاهدة مع النفس ، وهو الجهاد في الله ، وهو الذي روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم : «رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» ~~(1)، وهو مجاهدة النفس ، وحملها على اتباع ما أمر به ، واجتناب ما نهى عنه. # وقال ابن عطاء : الاجتبائية أورثت المجاهدة لا المجاهدة أورثت ~~الاجتبائية. # وقال أيضا : «ملة إبراهيم» : هو السخاء والبذل والأخلاق ، والخروج من ~~النفس والأهل والمال والولد. # وقال أيضا : في قوله : ( هو سماكم المسلمين ): زينكم بزينة ~~الخواص قبل أن أوجدكم ؛ لأنكم في القدرة عند الإيجاد كما كنتم قبل الإيجاد ~~سبق لكم من الله الخصوصية في أزله. # وقال النوري : الاعتصام بالله للخواص ، والاعتصام بحبل الله للعوام ، ~~والاعتصام بحبل الله هو التمسك بالأوامر على السنن ، والاعتصام بالله هو ~~حفظ القلب ، والسر عما يشغل عنه ، والاشتغال بمراقبته ، والإقبال عليه ، ~~قال الله تعالى : ( واعتصموا بالله هو مولاكم ) أي : هو الذي ~~يغنيكم به إن أقبلتم على الاعتصام. # وقال جعفر : نعم المعين لمن استعان به ، ونعم النصير لمن استنصره. # *** PageV02P548 ### | سورة المؤمنون # بسم الله الرحمن الرحيم # ( قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) والذين ~~هم عن اللغو معرضون (3) والذين هم للزكاة فاعلون (4) والذين هم لفروجهم ~~حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (6) فمن ~~ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7) والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ~~(8) والذين هم على صلواتهم يحافظون (9) أولئك هم الوارثون (10) الذين يرثون ~~الفردوس هم فيها خالدون (11)) # ( قد أفلح المؤمنون (1)) فاز بالله العارفون بمشاهدته عن حجبة ~~الذين أجابوا الله من العدم بخطاب القدم ، وشاهدوا القدم ms1112 بالقدم ( ~~الذين هم في صلاتهم خاشعون (2)) هم الذين قاموا لله بالله بنعت الهيبة في ~~مشاهدة عظمة الله في مقام المناجاة مع الله ( والذين هم عن اللغو ~~معرضون (3)) عن لغو شياطين الإنس والجن وهو وهواجس النفوس ، وكل ما سرى ~~ذكر حبيبهم ، ( معرضون ) كان من طباع العارفين ألا يلتفتوا من حيث ~~طبيعتهم إلى شيء يقتضي اللهو واللغو ( والذين هم للزكاة فاعلون (4) ~~) باذلون الأرواح والأشباح لله وفي الله ( والذين هم لفروجهم ~~حافظون (5)) ساترون عورات أسرارهم عن الأغيار ( إلا على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم ) إلا على أهل القصة والنحلة ( فمن ابتغى وراء ~~ذلك فأولئك هم العادون (7)) من أفشى سر الحق عنه غير أهله ؛ فقد تجاوز حد ~~الله ؛ فيكون محجوبا عن الله بالله ، ومن لم يحافظ نفسه في حركات شهواتها ، ~~فيسقط في هاوية الغفلة بغلبة الشهوة في قوله : ( والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم راعون (8)) الروح والقلب والعقل والسر ، وما معهن من ~~كشوف أحكام الغيب من الإيمان والبرهان والإيقان والعرفان أمانة الله الغيبة ~~، ومراعاتي بدفع الخطرات عنها ، ورياضة النفس عندها ؛ فهو من شعار أهل الله ~~الذين عاهدوا الله في سماع خطابه حين قال : ( ألست بربكم )، وهم ~~به يستقيمون في PageV02P549 # طاعته ومرافقته وخدمته بقوله : ( والذين هم على صلواتهم يحافظون ~~(9)) محافظتهم عليها حفظ قلوبهم عن الوساوس عند جريان صفاء المواصلة ~~وحلاوة المداناة والاستقامة في المناجاة. # ثم وصف هؤلاء الموصوفين بهذه الأحوال الشريفة ، والدرجة الرفيعة ، ~~والمعاملات الزكية بأنهم ورثوا علم مشاهدة الله في بساتين غيبه ، وحجال ~~ملكوته ، ورثوا قربة وصاله ، ثم ورثوا منها مواليد حقائقها من هذه الأعمال ~~والأحوال ، وأمثالها من خواص العبودية في مشاهدة الربوبية بقوله : ( ~~ أولئك هم الوارثون (10) الذين يرثون الفردوس ) ورثوا من فيض الله ~~معرفة الله حين عاينوا الله في عهد الأزل ، ويرثون بها مشاهدة الله إلى الأبد. # قال ابن عطاء في قوله : ( قد أفلح المؤمنون (1)) : وصلوا إلى ~~المحل الأعلى والقربة والسعادة ، وأفلح من كان مصدقا لله بوعده. # قال أحمد بن عاصم : قال الأنطاكي : المؤمن من يكون بضاعته مولاه ، بغيضته ~~دنياه ، وحبيبه عقباه ، وزاده تقواه ، ومجلسة ms1113 ذكراه. # وقال القاسم في قوله : ( الذين هم في صلاتهم خاشعون ): هم ~~المقيمون على شروط آداب الأمر مخافة أن يفوتهم بركة المناجاة. # وقال بعضهم : لما طالعوا موارد الحق عليهم ، ومطالعة الحق إياهم خشعت له ~~ظواهرهم. # وقال بعضهم : خشعت جوارحهم وهممهم عن التدنس بشيء من الأكوان لعلو هممهم ~~لكبائرها وهمته الصغرى أجل من الدهر. # قيل : المؤمن من يأمن قلبه من نفسه. # قال يوسف بن الحسين : كلك عورات وعلل ، وليس يسترها إلا التقوى ، وحفظ ~~الحرمات ، والتزام الشرائع كلها. # قال جعفر في قوله : ( والذين هم عن اللغو معرضون ): عن الكون ~~وما فيه متجردون ، ولربهم منفردون. # وقال بعضهم : اللغو ما يشغلك عن الحق. # وقال أبو عثمان : كل شيء للنفس فيه حظ ؛ فهو لغو. # وقال أبو بكر بن طاهر : كل ما سوى ذكر الله ؛ فهو لغو. PageV02P550 # قال ابن عطاء : كل ما سوى الله ؛ فهو لغو. # قال محمد بن الفضل في قوله : ( والذين هم لأماناتهم ): جوارحك ~~كلها أمانات عندك ، أمرت في كل واحدة منها بأمر ؛ فأمانة العين الغض عن ~~المحارم ، والنظر بالاعتبار ، وأمانة السمع صيانتها عن اللغو والرفث ، ~~وإحضارها مجالس الذكر ، وأمانة اللسان اجتناب الغيبة والبهتان ، ومداومة ~~الذكر ، وأمانة الرجل المشي إلى الطاعات ، والتباعد عن المعاصي ، وأمانة ~~الفم ألا يتناول به إلا حلالا ، وأمانة اليدين ألا تمدها إلى حرام ، ولا ~~تمسكها عن الأمر بالمعروف ، وأمانة القلب مراعاة الحق على دوام الأوقات حتى ~~لا يطالع سواه ، ولا يشهد غيره ، ولا يسكن إلا إليه. # قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن حليف : الأمانة حفظ حدود الله ، والوقوف ~~على ما أجاب من لفظ «بلى». # وقال ابن عطاء : ( والذين هم على صلاتهم يحافظون (9)) : ~~المحافظة عليها هو حفظ السر فيها مع الله ، وهو ألا يختلج فيها شيء سوى الله. # وقال بعضهم : في قوله : ( أولئك هم الوارثون ): الذين يصلون إلى ~~مواريث أعمالهم من رياضاتهم. # قال بعضهم : الفردوس ميراث الأعمال ، ومجالسة الحق ميراث رؤية الفضل ~~والنعماء. # قال الأستاذ في وصف الإيمان : ابتساط الحق في السريرة ، ومخامرة التصديق ~~خلاصة القلب ، واستمكان التحقيق من تأمير الفؤاد. ms1114 # وقال : الخشوع في الصلاة إطراق السر على بساط النجوى باستكمال نعت الهيبة ~~، والذوبان تحت سلطان الكشف ، والامتحان عند غلبات التجلي (1). # وقال في قوله : ( عن اللغو معرضون ): ما يشغل عن الله ؛ فهو سهو ~~، وما ليس لله ؛ فهو حشو ، وما ليس بمسموع من الله أو مقول مع الله ؛ فهو ~~لغو ، وما فيه حظا للعبد ؛ فهو لهو. # ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12) ثم جعلناه نطفة في ~~قرار مكين PageV02P551 # (13) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة ~~عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ~~(14) ثم إنكم بعد ذلك لميتون (15) ثم إنكم يوم القيامة تبعثون (16) ولقد ~~خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين (17) وأنزلنا من السماء ماء ~~بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون (18) فأنشأنا لكم به جنات ~~من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون (19) وشجرة تخرج من طور ~~سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين (20) وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما ~~في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون (21) وعليها وعلى الفلك ~~تحملون (22) ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره أفلا تتقون (23) فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر ~~مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في ~~آبائنا الأولين (24) إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين (25) قال رب ~~انصرني بما كذبون (26)) # قوله تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12)) لما ~~خلق الله سبحانه الكون والكائنات من العرش إلى الثرى ، طبق العرش فوق ~~الكرسي ، وطبق الكرسي فوق السماوات السبع ، وقد أحاط الكرسي بالسماوات ، ~~وركب بعضها بعضا ، ثم تجلى من قهر سلطان عظمته ، وجلال قدمه بنعت الاستواء ~~على العرش فزلزل العرش ، ثم تزلزل الكرسي ، ثم تزلزلت السماوات ، فعرقت ~~السماوات من ثقل الكرسي ، وعرق الكرسي من ثقل العرش ، وعرق العرش من ثقل ~~سطوة الاستواء ؛ فجرى عرقها ، وصار بحورا ؛ فدخلت البحور بين السماوات ، ~~وتلاطمت ms1115 بعضها بعضا من هيبة عزة القدم ، وصولة الجلال التي نفذت أنوارها في ~~جميع ذرات الكون ؛ فكثرت تلاطمها حتى ألقت خوالص زبدها وروحها فوقها ، ~~فيبست تلك الزبدة التي هي حقائق عرق الوجود الذي صدر من نور الاستواء ، وهو ~~حامل بسر التجلي قد خلت البحور تحتها ، وصارت كالزبدة اليابسة من كثرة حركة ~~ممحاض الكون. # ثم انسطحت وأظهرت حقائقها ؛ فمضت عليها أيام الله التي معاهدها مرور ~~أنوار تجلي الصفات والذات عليها ؛ فلما رباها الحق بأفانين تجلي صفاته ~~وذاته ، قبض منها قبضة بقبضة جبروته ، وطرحها فوق ملكوته ، وتلك القبضة من ~~خالص تلك الزبدة المعجونة لعقاقير أنوار PageV02P552 # الصفات ؛ فمطر عليها وبل بحر الألوهية ، وخمرها بأيدي العزة ، وصورها ~~بنقوش خاتم الملك ، وألقاها في وادي القدرة بين فضاء الازال والاباد حتى ~~مضى أصباح مشارق شموس الذات ، وأقمار الصفات ، ثم كشف ستر الغيرة من وجه ~~الروح التي خلقها قبل صورتها بألفي ألف عام ، وكانت في حجال الأنس وبحار ~~القدس أصدرها من مكامن غيوب العلوم ، وهي أسرار الأولية مصورة بنقش صورتها ~~فأدخلها فيها فصار الروح والصورة كاملة بكمال الذات والصفات. # فلما صار آدم موضع ودائع أسرار الذات والصفات والقدم والبقاء وصفه حبيب ~~الله صلوات الله عليهما بقوله : «خلق الله آدم على صورته» (1)، وكان ~~عليه السلام معادن الأرواح القدسية والأشباح الأنسية ؛ فإذا أراد سبحانه خلق ~~ذريته حركه بقدرته ، وألقى عليه سباتا من عظمته ، وأخرج حواء من ضلعه ثم ~~حركهما بسر سره ، وذلك السر شهوتهما التي أورث فيهما تجلي نعوت الجمال ~~والجلال فوصل الشهوة بالشهوة ، وانشقت بالنطفة الخالصة التي مصادرها ما ~~ذكرنا من أسرار تجلي الاستواء ، وأبقاها في مصدر الفعل ، وقلبها في دهور ~~التجلي وأيام التدلي وساعات كشف الملكوت والجبروت والملك والقدرة. # ثم تجلى لها في قرار رحم الفعل بالهيبة والعزة ؛ فصارت ملونة بلون حسن ~~الفعل الذي هو مرآة تجلي الجمال ، وذلك قوله سبحانه : ( ثم جعلناه ~~نطفة في قرار مكين (13) ثم خلقنا النطفة علقة )؛ فلما أذابها في كبر العشق ~~بنفخ المحبة ، وصبغها بصبغ المودة صوغها في بوتقة الفطرة ذهبا لنقش نقوش ms1116 ~~خاتم الملك ، وألقاها في مشرق كشف شموس الربوبية حتى نضجت بنيران المحبة ، ~~وصارت سبيكة من لطف التجلي ، وهذا معنى قوله : ( فخلقنا العلقة ~~مضغة ) ثم صيرها سواقي بحار دماء الطبيعة ، وجعل سواقيها عروق مشارب الفطرة ~~، فتحركت من غلبتها ؛ فغرس فيها الحق أشجار فعله حتى سكن بناؤها باستوائه ~~قدرته بقوله : ( فخلقنا المضغة عظاما ). # ثم خلعها خلعة مزيد فيض النظر في زمان التربية بقوله : ( فكسونا ~~العظام لحما ) ثم تركها في ضياء فعله ونور تجلي قدرته ليكمل استعدادها قبول ~~نقش الملك فنقشها بنقش سر العلم بصورة آدم ، ثم زين وجهها بزينة نور جماله ~~، وصورها بصورة روح فعله وكلها برحمته ، PageV02P553 # وجعل قلبها مجامع الأخلاق ، وكيد وكبدها مجامع الطبائع ودماغها منورا ~~بنور عقل ؛ فلما كساها نور خلقه وكملها بقدرته ، وأدخلها روحه فصار آدم ~~ثانيا مواضع كنوز ربوبيته وحقائق قدرته وعلمه ، وهذا معنى قوله : ( ~~ثم أنشأناه خلقا آخر ). # ثم نزه نفسه عن المشابهة بالحدثان والتغاير بتغاير الزمان والمكان بقوله ~~: ( فتبارك الله أحسن الخالقين (14)) قدس جلاله عن الإبعاض ~~والتجزؤ والتمثيل والتصوير ما أحسن صنعه وقدرته عين جاء أبناء آدم عالما ، ~~وجعل في آدم ما في جميع العالم. # وقال الحسين : الخلق متفاوتون في منازلهم ، ومقامات خلقهم وصفاتهم ، وقد ~~كرم الله بني آدم بصورة الملك والملكوت وروح النور ونور المعرفة والعلم ، ~~وفضلهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا. # وقال أيضا : خلق بني آدم بين الأمر والثواب وبين الظلمة والنور فعدل ~~خلقهم وزاد المؤمنين بإيمانهم نورا مبينا وهدى وعلما ، وفضلهم على سائر ~~العالمين ، كما نقلهم في بدء خلقهم من حال إلى حال ؛ فأظهر فيهم الفطرة ~~والإياب وتكامل فيهم الصنع والحكمة والبينات ، وتظاهر عليهم الروح والنور ~~والسبحات من كانوا ترابا ونطفة وعلقة ومضغة ثم جعله خلقا سويا إلى أن كملت ~~فيهم المعرفة الأصلية ، قال الله تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان ... ~~) إلى قوله : ( أحسن الخالقين ). # وقال الحسين : خلق الخلق فاعتد بها على أربعة أصول الربع الأعلى الهيبة ~~والربع الاخر آثار الربوبية والربع الاخر النورية بين فيها التدبير ~~والمشيئة والعلم والمعرفة والفهم والفطنة والفراسة والإدراك والتمييز ms1117 ولغات ~~الكلام والربع الاخر الحركة والسكون كذلك خلقه فسواه. # وقال أيضا في قوله : ( ثم أنشأناه خلقا آخر ): فطر الأشياء ~~بقدرته ودبرها بلطيف صنعه ، فأبدى آدم كما شاء بما شاء ، وأخرج منه ذرية ~~على النعت الذي وصف من مضغة وعلقة ، وبديع خلقه ، وأوجب لنفسه عند خلقته ~~اسم الخالق ، وعند صنعته الصانع لم يحدثوا له اسما كان موصوفا بالقدرة على ~~إبداء الخلق ؛ فلما أبداها أظهر اسمه الخالق للمخلوق ، وأبرزه لهم ، وكان ~~هذا الاسم مكنونا لديه مدعوا به في أزله سمى بذلك نفسه ، ودعا نفسه به ، ~~فالخلق جميعا عن إدراك وصف قدرته عاجزون ، وكل ما وصف الله به نفسه فهو له ~~، وهو أعز وأجل أظهر للخلق من نعوته ما يطيقونه ، ويليق بهم ( ~~فتبارك الله أحسن الخالقين ). PageV02P554 # ثم إن الله سبحانه بعد وصف الخلق والخليقة وآدم والذرية أعلمنا محل ~~فنائنا عن هذه الأوصاف الكاملة والصنائع الشريفة لتربية أخرى في التراب ، ~~وإظهار زيادة قدرة فينا بإدخال حياة ثانية في أشباحنا وتربية ثانية في ~~أرواحنا بقوله تعالى : ( ثم إنكم بعد ذلك لميتون (15)) الموت ~~يتعلق بصعقة سطوات العزة ، وظهور أنوار العظمة ، وحياتنا تتعلق بكشف جمال ~~الأزلي ، هنالك تعيش الأرواح والأشباح بحياة وصالية لا يجري بعدها موت ~~الفراق. # قال الحسين : ملك الموت هو موكل بأرواح بني آدم ، وملك الفناء موكل ~~بأرواح البهائم ، وموت العلماء هو بقاؤهم إلا أنه استتار عن الأبصار ، وموت ~~المطيعين المعصية إذا عرف من عصاه. # وقال بعضهم : من مات من الدنيا خرج إلى حياة الاخرة ، ومن مات من الاخرة ~~خرج منها إلى الحياة الأصلية ، وهو البقاء مع الله. # ثم بين سبحانه وصف أعلام قدرته ، وعجائب صنوف صنعه في خلقه من سماواته ~~وما فيها من طرقها إلى عالم ملكوته بقوله : ( ولقد خلقنا فوقكم ~~سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين (17)) وضح سبع طرائق لنا إلى أنوار ~~صفاته السبعة ، وتلك الطرائق : طريق الروح إلى معادن الربوبية وعرفانها ~~بالحقيقة ، فمنها طريق العقل ، ومنها طريق العلم ، ومنها طريق الحكمة ، ~~ومنها طريق المعاملة ، ومنها طريق النفس ، ومنها طريق القلب ، ومنها ms1118 طريق ~~السر ، وطريق العقل التفكر في الالاء والنعماء ، وطريق العلم معرفة الخطاب ~~بطريق الحكمة المعرفة بحقيقة الأشياء ، وطريق المعاملة تحصيل ذوقها وصفاتها ~~باستعمال الاداب ، وطريق النفس قطعها عن حظوظها والمعرفة بمكائدها وأخلاقها ~~، وطريق القلب المعرفة بنازلات لطائف الغيب فيه ، وطريق السر معرفة اتصالها ~~بنور الحضرة. # فمن قطع هذه الطرق يصل إلى سبع الصفات ، ورؤيتها والعلم بها حتى يصل إلى ~~بحار الذات ، واستغرق فيها بنعت الحيرة ، فإذا استغاث من حيرته به أدركه ~~بفيض المعرفة والوصلة ، وذلك معنى قوله : ( وما كنا عن الخلق ~~غافلين (17)) ظاهر الاية تنبيه يوجب الإجلال والتعظيم في منازل المراقبات ~~؛ فمن بقي في هذه الحجب السماوية والأرضية وارتهن بشيء منها ، فقد انقطع عن ~~مواصلة المشاهدة. # قال أبو يزيد في هذه الاية : إن لم تعرف ؛ فقد عرفك ، وإن لم تصل إليه ؛ ~~فقد وصل إليك ، وإن غبت أو غفلت عنه ؛ فليس عنك بغائب ولا غافل ، قال الله ~~تعالى : ( وما كنا عن PageV02P555 # الخلق غافلين (17)) . # وقال بعضهم : سبع حجب متصلة تحجبه عن ربه ، فالحجاب الأول : عقله ، ~~والحجاب الثاني : علمه ، والحجاب الثالث : قلبه ، والحجاب الرابع : حسه ، ~~والحجاب الخامس : نفسه ، والحجاب السادس : إرادته ، والحجاب السابع : ~~مشيئته ؛ فالعقل باشتغاله بتدبير الدنيا ، والعلم لمباهاته مع الأقران ، ~~والقلب الغفلة والحواس لإغفالها عن موارد الأمور عليها والنفس ؛ لأنها مأوى ~~كل بلية ، والإرادة وهي إرادة الدنيا ، والإعراض عن الاخرة ، والمشيئة وهي ~~ملازمة الذنوب. # وقال الأستاذ : فوقنا حجب ظاهرة وباطنة ؛ ففي ظاهر السماوات حجب تحول ~~بيننا وبين المنازل العالية ، وعلى القلوب أغشية وغطاء كالمنية والشهوة ~~والإرادة الشاغلة والغفلات المتراكمة ، أما المريدون إذا أظلتهم سحائب ~~الفترة سكن هيجان إرادتهم ، فذلك من الطرائق التي علتهم ، وأما الزاهدون ~~فإذا تحرك بهم عروق الرغبة نفد قوة زهدهم وضعف دعائم صبرهم فيترخصون ~~بالجنوح إلى بعض التأويلات فيعود رغباتهم قليلا قليلا ، ويحيل رتبة عروقهم ~~، وتنهد دعائم زهدهم ، فبداية ذلك من الطرائق التي خلق فوقهم. # وأما العارفون فربما تظلهم في بعض أحايينهم وقفة في تصاعد سرهم إلى ساحات ~~الحقائق ؛ فيصيرون موقوفين ريثما ما يتفضل الحق سبحانه بكفاية ذلك ms1119 ، فيجدون ~~نفاذا ويرفع عنهم ما عاقهم من الطرائق في جميع هذا الحق سبحانه غير تارك ~~للعبد ، ولا عن الحق غافل قوله تعالى : ( وأنزلنا من السماء ماء ~~بقدر فأسكناه في الأرض ) أنزل من سماوات القيومية مياه أنوار المعرفة بقدر ~~قوى الأرواح القدسية ، وأسكنها في أماكن قلوب العارفين فتجرى على عرضاتها ، ~~وتنبت أشجار الحقائق وأزهار الدقائق وياسمين المودة وورد المحبة ونرجس ~~السعادة ، وبنفسج الكفاية بقوله : ( فأنشأنا لكم به جنات من نخيل ~~وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون (19)) وتنبت على سيناء العقل ~~شجرة الإيمان التي تنبت ثمرة الإيقان التي دهنها وصبغها حقيقة التوحيد ~~والعرفان ، قال الله تعالى : ( وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت ~~بالدهن وصبغ للآكلين (20)) . # قال الأستاذ (1): ماء هو صوب الرحمة يزيل به درن العصاة وآثار زلتهم ، وغبار PageV02P556 # عشرتهم ، وماء هو يسقي قلوبهم يزيل به عطش كيدهم ، ويحيي به أموات ~~أحوالهم ، فينبت في رياض قلوبهم فنون أزهار البسط وصنوف أنوار الروح وماء ~~هو شراب المحبة فيخضر به قلوب بساحات القرب ، فيزيل عنها به حشمة الوصف ، ~~ويسكر به قلوبا فيعطلها عن التمييز ، ويحملها على التجاسر والخطر بذل الروح ~~، فإذا شربوا طربوا ، وإذا طربوا لم يبالوا بما وهبوا (1). # ( فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا ~~وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ~~منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (27) فإذا استويت أنت ومن معك ~~على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين (28)) # قوله تعالى : ( فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ) أمر الله ~~سبحانه نبيه نوحا عليه السلام أن يصنع أعماله جميعا على وصف المراقبة ~~والمشاهدة حتى يكون محفوظا بعصمته عن طريان القهر. # قال الجنيد : من عامل على المشاهدة أورثه الله عليه الرضا. # قال الله : ( اصنع الفلك بأعيننا ). # ( وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين (29) إن في ~~ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين (30) ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (31) ~~فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ms1120 أفلا تتقون ~~(32) وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في ~~الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ~~(33) ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون (34) أيعدكم أنكم إذا متم ~~وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون (35) هيهات هيهات لما توعدون (36) إن هي ~~إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين (37) إن هو إلا رجل افترى ~~على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين (38)) PageV02P557 # قال رب انصرني بما كذبون (39) قال عما قليل ليصبحن نادمين (40) ~~فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين (41) ثم أنشأنا ~~من بعدهم قرونا آخرين (42) ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (43) ثم ~~أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم ~~أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون (44) ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا ~~وسلطان مبين (45) إلى فرعون وملائه فاستكبروا وكانوا قوما عالين (46) ~~فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون (47) فكذبوهما فكانوا من ~~المهلكين (48) ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون (49)) # قوله تعالى : ( وقل رب أنزلني منزلا مباركا ) أي : أنزلني منزل ~~مشاهدتك حتى أصل بركة وصالك ، وأفوز برؤية جمالك وجلالك (1). # قال ابن عطاء : أكثر المنازل بركة منزل تسلم فيه من هواجس النفس ووساوس ~~الشيطان وموبقات الهوى ، وتصل فيه إلى محل القربة منازل القدس ، وسلامة ~~القلب من الأهواء والبدع. # وقال الأستاذ : الإنزال المبارك أن يكون بالله ، والله على شهود الله من ~~غير غفلة عن الله ، ولا مخالفة لأمر الله (2). PageV02P558 # ( وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ~~(50) يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم (51)) # قوله تعالى : ( وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ~~ذات قرار ومعين (50)) جعل الله عيسى وأمه مشكاتي أنوار قدسه ، ومرآتي تجلي ~~جلاله وجماله لبصراء الصديقين ونظار المقربين وآواهما إلى ربوة تلال مشاهد ~~القدم ذات قرار لأسرار العارفين ومعين سواقي بحار الكرم التي شرباتها تحيى ~~الأسرار من موت الفناء ، وتبلغها إلى حياة البقاء. # ثم خاطب روحه وكلمته باسم الجمع ms1121 ؛ لأنه كان مجامع أخلاق جميع الأنبياء ~~والرسل ، ويمكن أن هذا خطاب مع سيد الرسل محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ~~وهو أليق بذلك ؛ لأنه بحر الله ينشق منها أنهار الأنبياء والرسل. # ثم أمره بأكل الحلال بقوله : ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ) ~~الإشارة إلى خوان دنا فتدلى ومشاهدة الأعلى بين كان قاب قوسين أو أدنى جلال ~~مشاهدته ووصال جماله جلال للعارفين ، حيث لا يدخل فيه علة الحرمان ، ولا ~~فيه مخائيل الشيطان ؛ فطلب منه بعد أكل موائد المشاهدة العمل الصالح ، وهو ~~التبري من الحدثان ، وتلاشي النفس بنعت المعرفة في جمال الألوهية بقوله : ( ~~ واعملوا صالحا ) فلما دنا من قرب القرب ، ووصل إلى سر السر فرد ~~القدم عن علة الحدث بقوله صلى الله عليه وسلم : # «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (1) أكل عيسى من ربوة ~~المشاهدة مائدة القربة ، فلما رأى سطوات الديمومية شملت وجوده أفنى نفسه ~~لثبوت العمل الصالح PageV02P559 # عن إدراك عزته بشرط الحقيقة بقوله : ( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ~~ما في نفسك ) [المائدة : 116]. # قال سهل : الطيبات الجلال ، والصالحات من الأعمال آداب الأمر بالفرض ~~والسنة ، واجتناب النهي باطنا وظاهرا. # ( وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (52)) # قوله تعالى : ( وإن هذه أمتكم أمة واحدة ) أي : ملة المحبة ~~والمعرفة المفردة عن شوائب الطبيعة مقرونة بنور الإسلام والإيمان لمن تابع ~~المصطفى بنعت الأسوة والقدوة في جميع المعاملات والأحوال. # قال القاسم : أي : تفردت بشرف محمد صلى الله عليه وسلم ( وأنا ربكم ~~) مني شرف محمد صلى الله عليه وسلم . # ثم قال : ( فاتقون (52)) أي : لا تقطعوا عني بشيء سواي ، ( ~~ وأنا ربكم فاتقون ) أي : شاهدني وبوصف إجلال جلالي وخوف عظمتي ؛ ~~فأنا ربكم أربيكم بحسن وصالي ، ومعاشرة صحبتي. # ( فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون (53) فذرهم ~~في غمرتهم حتى حين (54)) # قوله تعالى : ( كل حزب بما لديهم فرحون (53)) هذا إشارة تغيير ~~لأهل المعاملات فشكا عنهم سبحانه أنهم يفرحون بمعاملاتهم ، ورؤية أعواضها ، ~~وأضاف العلة إليهم ؛ لأن أعمالهم التي لديهم صفات الحدثانية ، ولا ينبغي ~~للعارفين أن يفرحوا ms1122 بما دون الله من العرش إلى الثرى ، فالفرح الحقيقي ما ~~صدر من شهود مشاهدة جلاله للأرواح القدسية الملكوتية فتفرح بوصاله ، وروح ~~جماله أبدا في محل الأفراح. # ويا لبيب افهم كلامي ؛ فإن العارف الصادق إذا استغرق في بحار المعرفة ~~فهمومه أكثر من فرحه ؛ لأن الفرح بما وجد من الله من قربة على قدر حاله ، ~~وما بقي عنه ؛ فهو غير محدود ، فإذا كان بما وجد محجوبا عن الكل ، فما معنى ~~الفرح بمقام واحد ، والوقوف علة يحجب بها الأكثرون ، فبقي العارف من بحر ~~الهموم أبدا ؛ لأن إدراكه قاصر عن البلوغ إلى عزة جلاله إذ جلاله منزه عن ~~درك المدركين ، وإحاطة عرفان العارفين تعالى الله عن كل وهم وفهم. # قال بعضهم : ربط كل أحد بحظه في سعاياته وحركاته ، والسعيد من جذب عن حظه ، PageV02P560 # ورد إلى حظ الحق فيه. # وقال الواسطي : الواقفون مع العارف على مقدار تأثير أنوار الحق فيهم لا ~~على قدر حركتهم وسعيهم ؛ لأنه ليس أحد يصل إلى معروفه بجهد ولا اجتهاد ، ~~ومن ظن أن شيئا من أفعاله يوصله إلى مولاه ؛ فقد ظن باطلا فسبق العناية ~~بصون الأشباح والأرواح وبوصل أهل معرفته إليه ، فمن اعتمد غير ذلك ؛ فقد ~~سكن إلى غرور وفرح بالأماني وهو قوله : ( كل حزب بما لديهم فرحون ~~(53)) كيف يفرح بما لديه ، وليس يعلم ما سبق له في محتوم العلم (1). # ( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين (55) نسارع لهم في ~~الخيرات بل لا يشعرون (56) إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) والذين هم ~~بآيات ربهم يؤمنون (58) والذين هم بربهم لا يشركون (59) والذين يؤتون ما ~~آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (60) أولئك يسارعون في الخيرات وهم ~~لها سابقون (61) ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا ~~يظلمون (62) بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون ~~(63) حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون (64) لا تجأروا اليوم ~~إنكم منا لا تنصرون (65) قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم ~~تنكصون (66) مستكبرين به سامرا ms1123 تهجرون (67) أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما ~~لم يأت آباءهم الأولين (68) أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون (69) أم ~~يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون (70)) # قوله تعالى : ( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين (55) نسارع ~~لهم في الخيرات ) PageV02P561 # إن الله سبحانه امتحن الممتحنين بزينة الدنيا ولذاتها وجاهها ومالها ~~وخيراتها ليقطعوا طرق الامتحان ، وحرموا إلى مشاهدة الرحمن فاستلذوها ، ~~واحتجبوا بها ظنوا أنها مال جميع الراحات ، وأنهم مقبولون حين أعطوا هذه ~~المقامات ، ولم يعلموا أنها استدراج لا منهاج ، قال الله تعالى : ( ~~بل لا يشعرون (56)) . # قال عبد العزيز المكي : من تزين بزينة فانية ؛ فتلك الزينة تكون وبالا ~~عليه إلا من تزين بما يبقى من الطاعات والموافقات والمجاهدات ، فإن الأنفس ~~فانية والأموال عوار ، والأولاد فتنة ، فمن يسارع في جمعها وحظها ، وتعلق ~~القلب بها قطعه عن الخيرات أجمع ، وما عند الله بطاعة أفضل من مخالفة النفس ~~، والتقلل من الدنيا ، وقطع القلب عنها ؛ لأن المسارعة في الخيرات هو ~~اجتناب الشرور ، وأول الشرور حب الدنيا ؛ لأنها مزرعة الشيطان فمن طلبها ~~وعمرها ؛ فهو حراثه وعبده وشر من الشيطان من يقين الشيطان على عمارة دار ، ~~وقال الله : ( أيحسبون ). # ثم إن الله سبحانه وصف الصادقين بالخشية والخوف والإيمان والتوحيد ~~واليقين بقوله : ( إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57)) الذين ~~هم متعظمون عظمته وجلاله بعد كونهم معاينين رؤيته ومشاهدته خائفين من ~~الهجران والاحتجاب بشيء من الحدثان ، ثم قال تعالى في وصفهم : ( ~~والذين هم بآيات ربهم يؤمنون (58)) يوقنون أنها مشاهد مشاهدة قدسية وظهور ~~صفاته وذاته. # ثم وصفهم بأنهم لا يؤثرون عليه شيئا من الحوادث بقوله : ( والذين ~~هم بربهم لا يشركون (59)) لا يلتفتون في طاعته إلى غيره ، ولا ينظرون منه ~~إلى أنفسهم ، وحظها من الكونين. # ثم زاد في وصفهم بقوله : ( والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ~~أنهم إلى ربهم راجعون (60)) أي : الذين سافروا سفر العبودية بحقائقها ، ~~وشاهدوا جمال الربوبية وأنوارها بنعت الخجل والوجل لعلمهم بأن ما أتوا من ~~الطاعات وبذل المهج والموجودات في رؤية كبريائه وجلاله مع طاعات جميع ~~المخلوقات ms1124 أقل من ذرة ، ووجل قلوبهم من صوله تجلى العظمة لها قلوبهم في ~~الغيوب جوالة وأرواحهم في الملكوت والجبروت طيارة ، وأسرارهم في ميادين ~~تجلي الصفات والذات فانية. PageV02P562 # ثم وصفهم بالتسارع إلى الخيرات بقوله : ( أولئك يسارعون في ~~الخيرات وهم لها سابقون (61)) لطلب مرضاته ووصولهم إلى مشاهداته ، وهم في ~~ذلك سابقون في الأزل من الله بالسعادات الأولية والاخرية. # قال بعضهم : في قوله : ( وهم لها سابقون (61)) : الإشفاق ~~والخشية اسمان باطنان وهما عملان من أعمال القلب والخشية سر في القلب خفي ~~والإشفاق من الخشية أخفى. # قيل : الخشية انكسار القلب من دوام الانتصاب بين يديه ، ومن بعد هذه ~~المرتبة الإشفاق ، والإشفاق أرق من الخشية وألطف ، والخشية أرق من الخوف ، ~~والخوف أرق من الرهبة ، ولكل منها صفة ومكان وأدب. # قال ابن عطاء في قوله : ( والذين هم بآيات ربهم يؤمنون (58)) : ~~مطالعة الكون بأبصار القلوب ، فتعلم أنها في حد الفناء ، وما كان بين طرفي ~~فناء ؛ فهو فان فيؤمنون بالحق يفتح أبصار قلوبهم بالنظر إلى المغيبات. # وقال الجنيد في قوله : ( والذين هم بربهم لا يشركون (59)) : من ~~فتش سره فرأى فيه شيئا أعظم من ربه أو أجل منه ؛ فقد أشرك به ، إذ جعل له مثلا. # قال الواسطي : الخائف الرجل من لا يشهد حظه بحال. # قال بعضهم : وجل العارف من طاعته أكثر من وجله من مخالفته ؛ لأن المخالفة ~~تمحوها التوبة ، والطاعة تطلب تصحيحها ، والإخلاص والصدق فيها ؛ لذلك قال ~~الله : ( والذين يؤتون ما آتوا ... ) الاية. # وقال أبو الحسن الوراق في قوله تعالى : ( أولئك يسارعون في ~~الخيرات وهم لها سابقون (61)) : ذلك بما تقدم من الايات بالمسارعة إلى ~~الخيرات يبتغي درجة السابقين ، ويطلب مكارم الواصلين لا بالدعاوى والإمهال ~~، وتضييع الأوقات ، من أراد الوصول على المقامات من غير آداب ورياضات ~~ومجاهدات ؛ فقد خاب وخسر وحرم الوصول إليها بحال. # وقال يحيى بن معاذ في قوله : ( أولئك يسارعون في الخيرات ): ~~الراغبون في رضا المولى. # حكي عن الشبلي أنه قال : وصفهم بالإشفاق والخشية ، وذلك حين رفعهم مولاهم ~~إلى منازل اليقين حتى وصلوا من علم اليقين إلى عين اليقين ، وشربوا ms1125 من عين ~~اليقين بكأس PageV02P563 # اليقين ؛ فشاهدوا في مقام عين اليقين ، وارتفع عن قلوبهم كل شك ، وريب ثم ~~نقلهم من تلك المقامات كلها إلى منازل الخوف ، فنازلوا الإشفاق والحذر ~~والخشية ، فوجلت قلوبهم من تلوين الأحوال عليهم ، وهم من خشية ربهم مشفقون. # وقال النهر جوري : هم القائمون مع الله من حيث قام لهم ، ومن حيث يرون ~~قيام الله لهم ؛ فهم في أحوالهم مشفقون. # وفي قوله تعالى : ( ولا نكلف نفسا إلا وسعها ) أن الله سبحانه ~~خلق النفوس الروحانية من عالم الملكوت ، وهي صدرت من فيض لطف صفاته ؛ فهي ~~تحمل أمانات معرفة ربوبيته ، وهي تطيق حمل ما رد تجلي الذات والصفات إذ هي ~~محمولة بمطايا أنوار العناية والكفاية ، وخلق النفوس الإنسانية من عالم ~~أنوار الفعل ، وهي صدرت من تواثير سلطان قهر القدم ، وهي مجبولة لحمل أثقال ~~العبودية إذ هي محمولة بمطية ذلك القهر ؛ فكانت النفوس مطايا حمل الربوبية ~~والعبودية ، وهي تسعها به لا بها. # لذلك قال عليه السلام حاكيا عن الله تعالى : «لم يسعني السماوات والأرض ~~ويسعني قلب عبدي المؤمن» (1)؛ فإذا جاءت بنعت الإشفاق إلى مشاهدة الذات ~~والصفات ، وبنعت العجز عن مقابلة الجبروت ، وعجزها عن حمل عزة الملكوت ، ~~خرست عن الأعذار يعتذر صانعها بنطق أزلي بأنها صادرة من الحدثان غير مخلوقة ~~لحمل أصل القدم ، قال تعالى : ( ولدينا كتاب ينطق بالحق ) يشهد لها ~~لا عليها ( وهم لا يظلمون (62)) بأن القدم بوصف القدم يكون حملها ~~بل يكون حملها على قدر وسعها. # قال الجريري : لم يكلف الله العباد بمعرفته على قدره ، وإنما كلفهم على ~~أقدارهم ، فقال : ( ولا نكلف نفسا إلا وسعها )، ولو كلفهم على ~~قدره ومقداره لجهلوه وما عرفوه ؛ لأنه لا يعرف قدره أحد سواه ، ولا يعرفه ~~على الحقيقة سواه ، وإنما ألقي إلى الخلق منها اسما ورسما إكراما منه لهم ~~بذلك ، وأما المعرفة ؛ فإنها التحير والتيهوية. # ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل ~~أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون (71) أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو ~~خير الرازقين (72) وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم (73) وإن ms1126 PageV02P564 # الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون (74) ولو رحمناهم ~~وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون (75) ولقد أخذناهم بالعذاب ~~فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (76) حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب ~~شديد إذا هم فيه مبلسون (77) وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~قليلا ما تشكرون (78) وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (79) وهو الذي ~~يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون (80) بل قالوا مثل ما قال ~~الأولون (81) قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (82) لقد ~~وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (83) قل لمن الأرض ~~ومن فيها إن كنتم تعلمون (84) سيقولون لله قل أفلا تذكرون (85) قل من رب ~~السماوات السبع ورب العرش العظيم (86) سيقولون لله قل أفلا تتقون (87) قل ~~من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون (88) سيقولون ~~لله قل فأنى تسحرون (89) بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون (90)) # قوله تعالى : ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن ~~فيهن ) افهم أن الله سبحانه ألبس وصف قهره النفوس الأبية فاستكبرت عند ~~مباشرتها القهر الجبروتي ، وخرجت بنعت الكبرياء إلى ميادين الربوبية فألقى ~~الحق سلطان عزمة قدمه عليها وكسر قرونها بطاعته ، ولو لا أنه تعالى حبسها ~~في ملازمة قهره لخربت الأرض بفسادها وتكبرها ، ولم يرتفع طاعة المطيعين إلى ~~السماء ، وكيف يكون الصانع القديم بمراد النفوس الحديثة إذ جلاله كان منزها ~~عن محل إرادة كل مريد وحلول كل حادث ، أعطاها شرف مباشرة ربوبيته فأبت ~~بحظوظها عن رؤيتها ، لذلك قال سبحانه : ( بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ~~ذكرهم معرضون (71)) بذكره الأزلي ذكرهم بالعبودية وشرفهم بالطاعة ، فهم عن ~~شرف الطاعة معرضون ، وأيضا تجلى الحق في لباس القرآن لأهل العرفان ، ولم ~~تبصره أبصار أهل الطغيان. # قال الواسطي : أول ما كاشف الله خلقه كاشفهم بالمعارف ثم بالوسائل ثم ~~بالسكينة ثم بالبصائر ؛ فلما عاينوا الحق بالحق فنوا عن كل همة وإرادة. PageV02P565 # قال بعضهم : لو لا أن الله تعالى أمر بمخالفة النفوس ومباينتها لا تبع ~~الخلق هواهم في ms1127 شهوات النفوس ، ولو فعلوا ذلك لضلوا عن طريق العبودية ، ~~وتركوا أوامر الله ، وأعرضوا عن طاعته ، ولزموا مخالفتها ، ألا ترى الله ~~يقول : ( ولو اتبع الحق أهواءهم ). # ثم بين سبحانه أن حبيبه صلوات الله عليه يدعوهم إلى تلك المشاهدة بقوله ~~تعالى : ( وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم (73)) الصراط المستقيم ما ~~أوضحه أنوار جماله ومشاهدته ، وهو طريق معرفته في قلوب الصديقين لأرواح ~~القدسية ، وتلك الطريقة منتهاها المحبة ، وبدايتها الأسوة والمتابعة لقوله ~~: ( إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) [آل عمران : 31]. # قال ابن عطاء : إنك لتحملهم على مسالك الوصول ، وليس كل أحد يصلح لذلك ~~السلوك ، ولا يوفق له إلا أهل الاستقامة ، وهم الذين استقاموا لله مع الله ~~، ولم يطلبوا منه سواه ، ولم يروا لأنفسهم درجة ولا مقاما. # قال بعضهم : لي الإقبال على الله ، والإعراض عمن سواه ، ثم بين سبحانه ~~حال المحرومين عن هذه الطريقة المباركة والإيمان بالغيب والاخرة ، ووصفهم ~~بالضلالة عن طريق الصواب بقوله : ( وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن ~~الصراط لناكبون (74)) أي : الذين لا يشاهدون بقلوبهم أنوار الغيب لناكبون ~~عن متابعتك يا محمد. # قال أبو بكر الوراق : من لم يهتم لأمر معاده ومنقلبه ، وما يظهر عليه في ~~الملأ الأعلى والمشهد الأعظم ؛ فهو ضال عن طريقته غير متبع لرشده ، وآخر ~~منه حالا من يهتم لما جرى له في السبق من ربه ؛ لأن هذا المصدر فرع لتلك ~~السابقة ، قال الله : ( إن الذين ... ) الاية. # ثم بين أن لو كشف لهم حجاب الهجران ، ورأوا جمال الرحمن لادعوا من سكرهم ~~في جمال الأنانية بقوله تعالى : # ( ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون ~~(75)) لو خلصهم عن درك الامتحان ، وكشف عنهم ضر الحرمان للجوا في دعاويهم ~~العظيمة التي تفسد الرسوم ، وبقوا في طغيان دعاويهم. # قال ابن عطاء : الرحمة من الله على الأرواح المشاهدة ، ورحمته على ~~الأسرار المراقبة ، ورحمته على القلوب المعرفة ، ورحمته على الأبدان آثار ~~الخدمة عليها على سبيل السنة. # وقال أبو بكر بن طاهر : كشف الضر هو الخلاص من أماني النفس ، وطول الأمل ، PageV02P566 # وطلب الرياسة والعلو ms1128 ، وحب الدنيا ؛ فإن هذا كله مما يضر بالمؤمن. # قال الواسطي : للعلم طغيان ، وهو تفاخر به ، وللمال طغيان ، وهو البخل ، ~~وللعمل والعادة طغيان ، وهو الرياء والسمعة ، وللنفس طغيان ، وهو اتباع ~~شهواتها. # ثم بين أنه تعالى ابتلاهم بعذاب الفرقة ، ولم يتحسروا بذلك ، وما أرادوا ~~الرجوع إليه بنعت التصريح بقوله : ( ولقد أخذناهم بالعذاب فما ~~استكانوا لربهم وما يتضرعون (76)) أفرد أرواحهم في مبادئ العهد بشهود نور ~~جماله لها وخطابه معها ، فلما وصلت الأشباح ابتلاها بحجاب النفوس والشياطين ~~، ولم ترجع إلى طلب معادنها ؛ فشكا الله سبحانه عنها ، ومن حق معرفتها أنها ~~تفنى براءة الحجاب والخطاب بالعتاب ، وهذا وصف بعض العارفين الذين هاموا في ~~أودية الكبرياء والعظمة ، ولا يجدون لذة الوصال والجمال من صولة التوحيد ؛ ~~فوقعوا في بحار الأولية ، وباشروا بالجرأة ما يوجب العتاب ، فلم يلتفتوا ~~إلى مراعاة الرجوع لاستكبارهم بمقاماتهم العظيمة ، ولا يهتمون على فوائت ~~حظوظ المشاهدة يا ليت لو علموا خفايا مكره لتضرعوا واستكانوا حتى يكشف ما ~~وراء أحوالهم من عظائم غيوبات الصفات ، وعجائب كشوف الذات ، التي لو ~~شاهدوها لذابوا ساعة بنعت الفناء في القدم ، ولتاهوا ساعة بنعت البقاء مع ~~السكر والصحو في الأبد. # وافهم أن الله سبحانه وقع المريدين في موت الفوت ؛ فجاهدوا أنفسهم بأنواع ~~العبادات والرياضات ، ولو استعاذوا به ، واستعانوا لسهل عليهم طريق الرجوع ~~إليه ، فأين هم من التضرع والبكاء ، وتعفير الوجوه بالتراب على فناء ~~وحدانيته وجناب ديموميته؟ وبهذا وصل الواصلون إلى الله. # قال سهل : ما أخلصوا لربهم في العبودية ، ولا ذلوا له بالوحدانية. # ( ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما ~~خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون (91) عالم الغيب والشهادة ~~فتعالى عما يشركون (92) قل رب إما تريني ما يوعدون (93) رب فلا تجعلني في ~~القوم الظالمين (94) وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون (95)) # قوله تعالى : ( ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ) نزه ~~نفسه سبحانه عن مخايل الزنادقة ، وكان منزها عن أباطيل إشارة المشبهة ، ~~وذاته ممتنع بكمال أحديته عن ms1129 زعم الثنوية ، كيف يجوز أن يكون القدم محل ~~الحوادث إذ القدم المنزه إذا تجلى بنعت القدم PageV02P567 # للحدثان صار معدوما كالعدم تعالى الله عن كل وهم وإشارة. # قال الحسين : الصمدية ممتنعة من قبول ما لا يليق بها ؛ لأن الصمدية تنافي ~~أضدادها على الأبد ، وهي ممتنعة عن درك معانيها ؛ فكيف تبقى مع أضدادها ، ~~وما لا يليق بها (1). # ( ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون (96) وقل رب ~~أعوذ بك من همزات الشياطين (97) وأعوذ بك رب أن يحضرون (98)) # قوله تعالى : ( ادفع بالتي هي أحسن السيئة ) دعا حبيبه إلى ~~استعمال خلقه العظيم وظرفه الكريم الذي مستفاد من خلقه حين ألبسه إياه حين ~~اصطفاه على العالمين أي : احتمل بحلمك جفاء الجافين ، وراعهم بطيب الكلام ، ~~وحسن السلام ، وإعراض الجميل. # قال القاسم : استعمل معهم ما جبلناك عليه من الأخلاق الكريمة والشفقة ~~والرحمة ؛ فإنك أعظم خطرا من أن يؤثر فيك ما يظهرونه من أنواع المخالفات. # قال بعضهم : ادفع عنك بأخلاقك جهلهم. # ( حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون (99) لعلي أعمل صالحا ~~فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (100)) # قوله تعالى : ( حتى إذا جاء أحدهم الموت ) بين سبحانه أن من كان ~~ساقطا عن مركب الطاعات لم يصل إلى الدرجات ، ومن كان محروما عن المراقبات ~~في البدايات كان محجوبا عن المشاهدات والمعاينات في النهايات ، وإن أهل ~~المزخرفات والدعاوى والترهات تمنوا في وقت النزع إن لم يمض عليهم أوقاتهم ~~بالغفلة عن الطاعات ، ولم يتكلفوا بالدعاوى والمحالات. # قال أبو عثمان في كتاب له إلى أهل «جرجان» : لو عمل أهل النار عملا أنجى ~~لهم من طاعة الله وصلاح لما فرغوا في وقت العيان إلا إليه بقولهم : ( ~~ رب ارجعون (99) لعلي أعمل صالحا )؛ فأقبل على طاعة مولاك ، واجتنب ~~الدعاوي ، وإطلاق القول في الأحوال فإن ذلك فتنة عظيمة ، هلك في ذلك طائفة ~~من المريدين ، وما فرغ أحد إلى تصحيح المعاملات إلا أداه بركة ذلك إلى سني ~~الرتب ، ولا ترك أحد هذه الطريقة إلا تعطل. PageV02P568 # ( فإذا نفخ في الصور ms1130 فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (101) ~~فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (102) ومن خفت موازينه فأولئك الذين ~~خسروا أنفسهم في جهنم خالدون (103) تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون ~~(104) ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون (105)) # قوله تعالى : ( فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم ) أخبر عن ~~أوائل كشف جلاله وجماله ؛ فإذا قاموا على بساط الهيبة ، وسرادق الكبرياء ~~والعزة ، وعاينوا الذات القديم ، ولهوا في مشاهدته مستغرقين في بحار أنوار ~~جماله وجلاله ، واشتغلوا بذوقهم في وصاله من وصاله عن مرافقة كل رفيق ، ~~ومصادقة كل صديق ، وانتسابهم إلى الأخوة والمصاحبة ، ولا يتساءلون عند ~~سطوات عظمته حالهم بعضهم بعضا لشغلهم بمعاينة وجوده ونثر جوده ؛ فإنهم ~~غائبون في شهودهم مشاهدة قربه ومعاينة قدمه وبقائه فنسبهم هناك نسب المعرفة ~~والمحبة الأزلية واصطفائية القدمية ، لا يفتخرون بشيء دونه من العرش إلى الثرى. # قال فارس : الأنساب رؤية الأعمال ، ورجاء الخلاص بها ، ( ولا ~~يتساءلون ) لا يتذاكرون مما جرى عليهم في الدنيا من نعيمها وبؤسها شغلا بما ~~هم فيه. # قال محمد بن علي الترمذي : الأنساب كلها منقطعة إلا من كانت نسبته صحيحة ~~في عبودية ربه ؛ فإن تلك نسبة لا تنقطع أبدا ، وتلك النسبة المفتخر بها لا ~~نسبة الأجناس من الاباء والأمهات والأولاد (1). # ( قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين (106) ربنا ~~أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون (107) قال اخسؤا فيها ولا تكلمون (108) ~~إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الراحمين (109) فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون (110)) # قوله تعالى : ( ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين (106)) ~~أي : غلبت علينا الدعاوى الباطلة ، والخوض في الطامات والترهات. # قال أبو تراب : الشقوة : حسن الظن بالنفس ، وسوء الظن بالخلق. PageV02P569 # ( إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون (111) قال كم ~~لبثتم في الأرض عدد سنين (112) قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العادين ~~(113) قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون (114)) # قوله تعالى : ( إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون ~~(111)) جزيتهم بمشاهدتي بما صبروا في ms1131 طاعتي ، واحتمالهم جفاء أعدائي ؛ ~~فإنهم فائزون من فراقي أبدا ، خارجون من عناء الفرقة ، وطعن الطاعنين في ~~زمان المحبة. # قال أبو عثمان : ما صبروا حتى أكرموا بالصبر ، والصبر حبس النفس عن ~~الشهوات. # قال ابن عطاء : صبروا عن الخلق ، وصبروا مع الله. # وقال أبو بكر بن طاهر : الفائزون : الامنون من أهوال القيامة. # ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (115) ~~فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم (116) ومن يدع مع ~~الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون ~~(117) وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين (118)) # قوله : ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (115) ~~) غيرهم بما سكنوا إليه مما وجدوا منه حيث ظنوا أن ما وجدوا منه على حد ~~الكمال فوقفوا ؛ فقال : ( أفحسبتم أنما خلقناكم ) للوقفة عني بشيء ~~مما وجدتم مني ( وأنكم إلينا لا ترجعون ) بنعت الفناء عما وجدتم ، ~~وعما سكنتم به عني ، ثم عظم جلاله وكبرياءه عن إدراكهم ، وإن رجعوا إليه به ~~بقوله : ( فتعالى الله الملك الحق ) تعالى جلاله عن أن يدركه ~~المدركون ، ويلحق بعزته اللاحقون ، هو الحق بحقيقته ، وحقيقته لا يطلع ~~عليها إلا هو ، تلاشت الحدثان في سطوات جلاله حتى أن العرش الكريم مع عظمه ~~صغر في عين نملة من قهر عزته ، ومن نظر إلى شيء سواه ، وإن كان منه رتبة ~~عظيمة في المعرفة ؛ فهو محجوب به عنه بقوله : ( ومن يدع مع الله ~~إلها آخر ). # ثم أمر صفي المملكة بعذر عجزه ، وتحيره عن درك نعوته الأزلية ، وصفاته ~~الأبدية بقوله : ( وقل رب اغفر وارحم ) اغفر تقصيري في معرفتك ، ~~وارحمني بكشف زيادة المقام PageV02P570 # في مشاهدتك ( وأنت خير الراحمين (118)) إذ كل رحمة في الكونين ~~قطرة مستفادة من بحار رحمتك القديمة. # حكى يوسف بن الحسين عن أحمد بن أبي الحواري في قوله : ( أفحسبتم ~~أنما خلقناكم ): لا يصل إلى قلبك روح التوحيد ، وله عندك حق لم تؤده. # وقال الواسطي : أظهر الأكوان ليظهر آثار الولاية على الأولياء ، وآثار ~~الشقاء على الأعداء. # وقال في قوله : ( فتعالى ms1132 الله الملك الحق ): لا يحتمله إلا الحق ~~حجب الكون بالصفات والنعوت ، ثم حجب النعوت بالحقيقة. # وقال : الحق عجز الخلق أن يدركوه بإدراكهم ، وإنما يدرك بإدراكه. # قال ابن عطاء : تعالى أن يغيره الدهور أو يجري عليه قوادح الأمور ، نفى ~~الأشكال عن نفسه بتعاليه ، ونفى الأضداد والنظراء عن نفسه بتمام ملكه عز وعلا. # وقال الأستاذ : الحق بنعوت جلاله متوحد ، وفي عز أزاله ، وعلو أوصافه ~~متفرد فذاته حق ، وصفاته حق ، وقوله صدق ، ولا يتوجب لمخلوق عليه حق. ### |PARATEXT| # تم الجزء الثاني # ويليه الجزء الثالث ، وأوله : # سورة النور PageV02P571 ### |EDITOR| ### | فهرس المحتويات # سورة التوبة.......................... 3 # سورة يونس........................ 61 # سورة هود........................ 104 # سورة يوسف عليه السلام ................ 145 # سورة الرعد....................... 215 # سورة إبراهيم..................... 251 # سورة الحجر...................... 273 # سورة النحل...................... 307 # سورة بني إسرائيل.................. 346 # سورة الكهف..................... 392 # سورة مريم........................ 449 # سورة طه......................... 472 # سورة الأنبياء..................... 509 PageV02P573 # سورة الحج....................... 530 # سورة المؤمنون..................... 549 # فهرس المحتويات................... 573 PageV02P574 ![](https://books.rafed.net/Books/3977_tafsir-araes-albayan-03/images/image001.gif) PageV03P001 ### | سورة النور # بسم الله الرحمن الرحيم # ( سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون (1)) # ( سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون ~~(1)) أنزل الله القرآن من سماء القدم على سيد أهل الكرم ، وجعله سرجا ~~أسرجها من نوار الذات في مشكاة الآيات لألباء الحقيقة ، وأدلاء الطريقة ~~لينوروا بأنوارها طرق المعارف ، وسبل الكواشف ، وأوجب ما فيها من أحكام ~~العبودية على العباد ، وأنزل في هذه السورة آيات دالة على أسرار القدوسية ، ~~وأنوار السبوحية بينات واضحات لأولي النهي من العارفين ، وأهل الفطنة من ~~الموقنين ليتعظ بمواعظها المريدون ، ويقتبس أنوارها العارفون ، ويدرك ~~حقائقها الموحدون. # قال سهل : جمعناها وبيناها حلالها وحرامها. # وقال بعضهم : لو لم يكن من آيات هذه السورة إلا براءة الصديقة بنت الصديق ~~حبيبة حبيب الله لكان كثيرا ؛ فكيف وقد جمعت من الأحكام والبراهين ما لم ~~يجمعه غيرها؟ # ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم ~~بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما ~~طائفة من المؤمنين (2) الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ~~ينكحها ms1133 إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين (3) والذين يرمون المحصنات ~~ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ~~وأولئك هم الفاسقون (4) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور ~~رحيم (5) والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين (6) والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان ~~من الكاذبين (7) ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن ~~الكاذبين (8) والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين (9)) # قوله تعالى : ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم ) أي : ~~إن كنتم تشاهدون عظمتي وجلالي ؛ فلا تداهنوا في ديني ، وكونوا موافقين ~~لأمري حيث أؤاخذ أحدا بقهري فلا تلاطفوهم في حد من حدودي. PageV03P003 # قال بعضهم : إن كنتم من أهل مودتي ، ومحبتي فخالفوا من خالف أمري ، أو ~~يتركب نهيي ؛ فلا يكون محبا من يصير على مخالفة حبيبه. # وقال الجنيد : الشفقة على المخالفين كالإعراض عن الموافقين. # وقال الواسطي : للمؤمن في كل خطوة فائدة ؛ فمن يتعظ استفاد ، ومن غفل حجب ~~وخاب (1). # وقوله تعالى : ( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) (2) زجرا ~~لنفوسهم الأمارة لتتعظ برؤية عذاب الله وتنزجر عن معصية الله ، وتعرف الله ~~قطع أنساب الخليقة من جلال الحقيقة ، فإن العبودية حقوق الربوبية. # قال أبو بكر بن طاهر : لا يشهد مواضع التأديب إلا من لا يستحق التأديب ، ~~وهم طائفة من المؤمنين لا المؤمنون أجمع. # ( ولو لا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم (10) إن ~~الذين جاؤ بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ~~ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم (11) لو لا إذ ~~سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين (12) لو ~~لا جاؤ عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون (13) ولو لا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما ~~أفضتم فيه عذاب عظيم (14)) # قوله تعالى : ( ولو لا فضل ms1134 الله عليكم ورحمته وأن الله تواب ~~حكيم ) (10) أي : لولا فضل الله لصرح بأسراركم ، ولم يستر على أحوالكم ، ~~ولكن سبقت رحمته وتفضله لكم بأن ستر عوراتكم بحكمته البالغة ، وشريعته ~~الجامعة ، وجعل رحمته موضع توبتكم بعد مباشرتكم مخالفته. # قال ابن عطاء : لولا فضل الله عليكم في قبول طاعتكم لخسرتم بما ضمن لكم ~~في آخرتكم ، ولكن برحمته نجاكم من خسرانكم ، وتفضل عليكم. # ( إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ~~وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم (15) ولو لا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا ~~أن نتكلم بهذا PageV03P004 # سبحانك هذا بهتان عظيم (16) يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن ~~كنتم مؤمنين (17) ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (18) إن الذين ~~يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ~~والله يعلم وأنتم لا تعلمون (19)) # قوله تعالى : ( إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم ~~به علم ) زجر المدعين الذين يتكلمون بلسان الصديقين ، ويخبرون بالتقليد عن ~~أحوال المقربين ، ويعتقدون أن ما يقولون حالهم ، ويكذبون على الله ، ويظنون ~~أن ذلك ليس بعظيم ، حاشا أن يقع الزور والبهتان موقع الحقائق والعرفان ، ~~وأن يكون محالهم وبهتانهم ليس بعظيم عند الله إذ عظمة الله بقوله : ( ~~ سبحانك هذا بهتان عظيم ) (16) (1) ثم أخبر أنه عظمه ، فهم يصغرونه ~~من جهلهم بغيرة الله بقوله : ( وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ) ~~يا ليت لو يعلم المدعي الجاهل أن الكل مع شرائف أحوالهم ، وفصاحة لسانهم في ~~التوحيد ، واطلاع قلوبهم على مراتب الحقيقة مندرجون تحت هذه الآية التي ~~أخبرت عن غيرته بوصف جلاله وعزة عظمته بأنه ممتنع بذاته عن مقالة كل واصف ~~صفته ، وكل عارف بقلبه نعته ؛ إذ نعته ووصفه لا يدخلان تحت عبارة أهل ~~الحدثان. # قال الحسين في بعض مناجاته : إلهي أنزهك عما يقول فيك أولياؤك وأعداؤك جميعا. # وقال عبد الله بن المبارك : ما أرى هذه الآية نزلت إلا فيمن اعتاد ~~الدعاوى العظيمة ، ويجترئ على ربه في الإخبار عن أحوال الأنبياء والأكابر ، ~~ولا يمنعه من ذلك هيبة ربه ولا ms1135 حياؤه. # وقال الترمذي : من تهاون بما يجري عليه من الدعاوي ؛ فقد صغر ما عظم الله ~~إن الله سبحانه وتعالى يقول : ( وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ) (15). # ( ولو لا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف رحيم (20) يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر ~~بالفحشاء والمنكر ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ~~ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم (21)) PageV03P005 # قوله تعالى : ( ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من ~~أحد أبدا ) بين أن تطهير العباد من الذنوب لا يكون إلا بفضله السابق ، ~~وعنايته الأزلية ، كيف يزكي العلل ما يكون عللا ، فالمعلول لا يظهر المعلول ~~، والمعلول أفعال الحدثان على كل صنف ، ولطف القديم غير معلول له استحقاق ~~ذهاب العلل بوصوله. # قال السياري : قال الله : ( ولو لا فضل الله عليكم )، ولم يقل : ~~لولا عبادتكم وصلاتكم وجهادكم ، وحسن قيامكم بأمر الله ما نجا منكم من أحد ~~؛ ليعلم أن العبادات ، وإن كثرت ؛ فإنها من نتائج الفضل. # ( ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى ~~والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر ~~الله لكم والله غفور رحيم (22) إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات ~~لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم (23) يوم تشهد عليهم ألسنتهم ~~وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون (24) يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ~~ويعلمون أن الله هو الحق المبين (25)) # قوله تعالى : ( وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ) ~~فيه بيان تأديب الله للشيوخ والأكابر ألا يهجروا صاحب العثرات ، وأهل ~~الزلات من المريدين ، ويتخلقوا بخلق الله حيث يغفر الذنوب العظام ، ولا ~~يبالي ، وأعلمهم ألا يكفوا أعطافهم عنهم ، ويخبرونهم ما وقع لهم من أحكام ~~الغيب ؛ فإن من له استعداد لا يحتجب بعوارض البشرية عن أحكام الطريقة أبدا ~~، والعفو والصفح حالان شريفان ، فأما العفو الإعراض عما جرى من الزلة ، ~~والصفح : الستر على ما يقع بعد الزلة في وقت الامتحان من المحنة ، فلا يذكر ~~حال الماضي ms1136 ، ولا يأخذ بما يأتي. # قال بعضهم : العفو هو الستر على ما مضى ، وترك التأديب فيما بقي. # وقال الجرجاني : الصفح هو الإغماض عن المكروه. # ( الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين ~~والطيبون للطيبات أولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم (26) يا أيها ~~الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ~~ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون (27) فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى ~~يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم (28) PageV03P006 # ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله ~~يعلم ما تبدون وما تكتمون (29)) # قوله تعالى : ( الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات ~~للطيبين والطيبون للطيبات ) خبائث هواجس النفوس ، ووساوس الشياطين ، ~~ومزخرفاتها للبطالين من المرائين والمغالطين ، وهم لها وطيبات إلهام الله ~~بوسائط الملائكة لأصحاب القلوب والأرواح ، والقول من العارفين ، وهم لها ~~وأيضا الترهات والطامات للسالوسين ، والحقائق والدقائق من المعارف ، وشرح ~~الكواشف للعارفين والمحبين ، وأيضا الأوصاف المذمومة للنفوس ، والأخلاق ~~المحمودة للأرواح والقلوب. # وقال عبد العزيز المكي : الدنيا وخبائثها للخبيثين من الرجال المحبين لها ~~ولهم تصلح الدنيا. # والمحبون للدنيا للخبيثات أي : للدنيا ولها يصلحون. # وقال : ( الطيبات ) هي الآخرة وكرامتها ، ( للطيبين ) ~~المحبين لها ولهم تصلح الآخرة ، ( الطيبون للطيبات ) المحبون ~~للآخرة ، وإكرامتها ولها يصلحون. # وقال الأستاذ : ( الطيبات ) من الأعمال هي الطاعات والقرب ، ( ~~ الطيبات ) وهم المؤثرون لها المسارعون في تحصيلها ، و ( ~~الطيبات ) من الأحوال هي تحقيق الموصلات بما هو حق الحق مجردا عنه الحظوظ ، ~~( للطيبين ) من الرجال وهم الذين سمت هممهم عن كل مبتذل خسيس ، ~~ولهم نفوس تسمو إلى المعاني ، وهي التحمل بالتذلل لمن له العزة. # ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن ~~الله خبير بما يصنعون (30) وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ~~ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين ~~زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء ~~بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن ms1137 أو ما ملكت ~~أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا ~~على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى ~~الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون (31)) # قوله تعالى : ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ) أي : يغضوا أبصار ~~أسرارهم PageV03P007 # عن الحدثان أجمع ، وعن نفوسهم ومعاملاتهم وأحوالهم وأشخاصهم بنعت التلاشي ~~في وجود الحق وظهور ذاته وصفاته ليكونوا بوصف ما وصف الله حبيبه عند قربه ~~ومداناته بقوله : ( ما زاغ البصر وما طغى ) (17) [النجم : 17]. # قال ابن عطاء : أبصار الرءوس عن المحارم ، وأبصار القلوب عما سواه ، ~~وقوله تعالى : ( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) فيه استشهاد ~~على أن لا يجوز للعارفين أن يبدوا زينة حقائق معرفتهم ، وما يكشف الله لهم ~~من عالم الملكوت ، وأنوار الذات والصفات ، ولا المواجيد إلا ما ظهر منهم ~~بالغلبات من الشهقات والزعقات والاصفرار والاحمرار ، وما يجري على ألسنتهم ~~بغير اختيارهم من كلمات الشطح والإشارات المشكلة ، وهذه الأحوال أشرف زينة ~~للعارفين. # قال بعضهم : أزين ما تزين به العبد الطاعة ، فإذا أظهرها فقد ذهبت ~~زينتها. # وقال بعضهم : الحكمة في هذه الآية لأهل المعرفة أنه من أظهر شيئا من ~~أفعاله إلا ما ظهر عليه من غير قصد له فيه ، فقد سقط به عن رؤية الحق ؛ لأن ~~ما وقع عليه رؤية الخلق ساقط عن رؤية الحق ، قوله تعالى : # ( وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) (31) قرن ~~التوبة بالإيمان ثم قرنهما بالفلاح ، معناه من رجع إلى الله من نفسه ~~والأكوان وشاهد مشاهد الربوبية فاز من عذاب الفرقة ، وظهر بالمشاهدة ~~والوصلة. # قال الواسطي : التوبة عدم المألوفات أجمع. # قال يوسف : من طلب الفلاح والسلامة والنجاة والاستقامة ؛ فليطلبه في ~~تصحيح توبته ودوام تضرعه وإنابته ؛ فإن تصحيح التوبة تحقيق الإيمان والوصول ~~إلى حقيقة المعرفة قال الله : ( وتوبوا إلى الله جميعا )، وقد وقع ~~لي هنا إشارة لطيفة أن الله سبحانه طالب المؤمنين جميعا بالتوبة ، ومن آمن ~~بالله ، وترك الشرك ؛ فقد تاب وصح توبته ورجوعه إلى الله ، وإن خطر عليه ~~خاطر أو ms1138 جرى عليه معصية ؛ فهو في حيز التوبة ، فإن المؤمن إذا جرى عليه ~~معصية ضاق صدره واهتم قلبه ، وقدم روحه ورجع سره ، هذا لعموم والإشارة في ~~الخصوص أن الجميع محجوبون أصل النكرة ، وما وجدوا به من القربة ، وسكنوا ~~بمقاماتهم ومشاهداتهم ومعرفتهم وتوحيدهم أي : أنتم بعد في حجاب هذه ~~المقامات توبوا منها إلي فإن رؤيتها أعظم الشرك في المعرفة ؛ لأن من ظن أنه ~~واصل ، وليس له حاصل من معرفة وجوده وكنه جلال عزته ؛ فمن هذا وجب التوبة ~~عليهم في جميع الأنفاس ؛ لذلك هجم حبيب الله في PageV03P008 # بحر الفناء ، وقال : «إنه ليغان على قلبي ، وإني لأستغفر الله في كل يوم ~~مائة مرة» (1). # وسمعت أن الخضروية قال لأبي يزيد : أريد أن أتوب ولا أقدر ، فقال : ويحك ~~العزة لله وأنت تطلب العزة ويا فهم أن عقيب كل توبة توبة ، حتى تتوب من ~~التوبة ، وتقع في بحر الفناء من غلبة رؤية القدم والبقاء. # ( وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا ~~فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم (32)) # قوله تعالى : ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) فضله هاهنا ~~معرفته ، ومعرفته الخروج من نعت الفقر والغنى ؛ لأنهما علتان موجبتان الشغل ~~عن الله ، والعزيز في المعرفة من غنى بالله ، وبالاتصاف بصفته ، والاتحاد ~~بنعت المعرفة بذاته تعالى عن كل علة ؛ فإن موارد شرائع جود مشاهدته مصاهر ~~كل وارد بنعت الفناء في لقائه. # قال بعضهم : من صح افتقاره إلى الله صح استغناؤه بالله. # ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ~~والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم ~~من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ~~لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ~~(33) ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة ~~للمتقين (34)) # قوله تعالى : ( فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ) الخير هاهنا : ~~التوحيد والمعرفة والتوكل والرضا والقناعة ، وصدق العمل والوفاء بالعهد ~~والإشارة فيه أن الشيوخ إذا ms1139 رأوا مريدا بهذه المثابة جاز لهم أن يجوزه له ~~الخلوة والانفراد والإسفار والاستقلال بنفسه. # وقال الجنيد في قوله : ( إن علمتم فيهم خيرا ): علما بالحق ~~وعملا به. # وقال بعضهم : محبة لأهل الصلاح وميل إليهم. # ( الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح ~~في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا ~~غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء PageV03P009 # ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم (35) في بيوت أذن ~~الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال (36) رجال لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما ~~تتقلب فيه القلوب والأبصار (37) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من ~~فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب (38) والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة ~~يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه ~~والله سريع الحساب (39) أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من ~~فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله ~~له نورا فما له من نور (40) ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض ~~والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون (41) ولله ملك ~~السماوات والأرض وإلى الله المصير (42)) # قوله تعالى : ( الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها ~~مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة ) إن الله سبحانه أوجد الكون من العرش إلى ~~الثرى بالكاف والنون وكان بين الكاف والنون مظلما بظلمة العدم محجوبا عن ~~نور القدم ؛ لأنه معلولة بعلة الحدث ، ولم ينكشف الكون هناك نور الكاف ، ~~والنون فبقي كمشكاة بلا سراج ، فجعل الكاف قنديلا ، والنون فتيلة ، وجعل في ~~القنديل دهن زيت فعله الخاص ، وأبقاه بهيئته ما شاء ثم أسرج القنديل عند ~~ظهور أنوار صفاته بنور الصفة ، فأضاء الكون بنور الصفة ، ثم وضع القنديل في ~~زجاجة فعله العلم ، ووضع ms1140 زجاجة الفعل في الكون ، ثم نور الكون بعد تنويره ~~بنور الصفات بأنوار الذات حتى يكون الكون كمشكاة منورة بمصباح الصفة التي ~~معدنها الذات ؛ فأضاء نور الذات في الصفة ، وأضاء نور الصفة في نور فعله ~~الخاص ، وأضاء نور فعله الخاص في قنديل الكاف والنون ، وأضاء نور الكاف ~~والنون زجاجة فعله العام ، وأضاء نور فعله العام في مشكاة الكون ؛ فإذا ~~رأيت المشكاة رأيت نور الكاف والنون ، وإذا رأيت نور الكاف والنون رأيت نور ~~فعله الخاص الذي هو غني بقوله : ( يوقد من شجرة مباركة ) مباركة إذ ~~هي أصلها مصدر الصفة التي أصلها الذات المنزه عن البداية والنهاية : ( ~~ لا شرقية ولا غربية ) لا من شرق ظهور الكون من العدم ، ولا من غرب ~~عدم الكون عند القدم : ( يكاد زيتها يضيء ) قبل أن يصل إليه نور ~~الصفات ؛ لأنها صدرت من الصفات ، فوصل نور الصفات إلى نور الفعل الخاص ، ~~وصار نورا كقوله : ( ولو لم تمسسه نار نور على PageV03P010 # نور )، وإذا رأيت نور هذه الشجرة رأيت نور الصفة ، وإذا رأيت ~~نور الصفة رأيت نور الذات ، وإذا رأيت نور الذات رأيت عين العين ، وإذا ~~رأيت الصفات رأيت العين ، وإذا رأيت الفعل رأيت عين الجمع ، وإذا رأيت عين ~~الجمع رأيت الكون مرآة الفعل يظهر منها أنوار الذات والصفات لمن له استعداد ~~النظر إلى مشاهدة القدم بنعت الاصطفائية الأزلية (1)، وذلك قوله سبحانه ~~وتعالى : # ( يهدي الله لنوره من يشاء ) حتى تعرف بهذا المثال ظهور نعوت ~~القدم في مرآة الكون لأهل الكرم من العارفين ، قال الله : ( ويضرب ~~الله الأمثال للناس ) وهو باختصاصهم عليهم بقوله : ( والله بكل شيء ~~عليم ) (35) عليم بكل مثل وعبر وبرهان وسلطان. # وأيضا فيه إشارة أخرى في قوله : ( الله نور السماوات والأرض ) ~~أراد بالسماوات والأرض صورة المؤمن رأسه السماوات وبدنه الأرض ، وهو بجلاله ~~وقدره نور هذه السماوات والأرض ، إذ زين الرأس بنور السمع والبصر والشم ~~والذوق والبيان في اللسان ؛ فنور العين كنور الشمس والقمر ، ونور الأذنين ~~كنور الزهرة والمشتري ، ونور الفم والأنف كنور المريخ وزحل ونور اللسان ~~كنور العطارد ، وهذه السيارات ms1141 النيرات تسري في بروج الرأس ، ونور أرض البدن ~~الجوارح والأعضاء والعضلات واللحم والدم والشعرات وعظامها الجبال ، وترى ~~أنور الله لهذه السماوات والأرضين منورة بنور فعله ، وفعله منور بنور ~~أسمائه ، وأسماؤه منورة بنور صفاته ، ونور صفاته منور بنور ذاته ، وذاته ~~نور الكل إذا الكل قائم بذاته ، فنور ذاته ونور صفاته لا يضاهى الأنوار ؛ ~~لأن نوره منزه عن المشابهة بالأنوار ؛ فمن نوره الشجر والثمر ، ومن نوره ~~الصدف والجوهر ، ومن نوره الذهب والفضة ، ومن نوره الدر والياقوت ، ومن ~~نوره العرش والكرسي والجنة وما فيها ، ومن نوره السماوات PageV03P011 # والأرض ، ومن نوره الأرواح والأشباح ، ومن نوره العقل والقلوب ، ومن نوره ~~تنورت هذه النيرات ، وأضاءت هذه الآيات نور قدرته زينها بالتركيب ، ونور ~~علمه نورها بالانتظام ، ونور سمعه نورها بالقيام ، ونور بصره زينها بأنوار ~~العجائب ، ونور إرادته زينها بالارتسام والبقاء ، ونور كلامه زينها بالنماء ~~والبركات ، ونور حياته زينها بالحياة ، ونور قدمه زينها بغرائب الألطاف ، ~~ونور بقائه زينها بالأرواح الفعلية والقدسية الفطرية ، ونور ذاته زينها ~~بالوجود سبحانه المنزه بجلاله أوجد الكون بنور القدم وأنوره عن ظلمة العدم. # ( مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ) صدر العارف كوة فعله ومشكاة أمره ~~، وروح العارف قنديل قدرته ، وفتيلة قنديله عقله الغريزي ، وفطرته الفعلي ، ~~واستعداده الروحاني ، ودهنه المعرفة ، وقلبه زجاجة المشيئة ، ومصباحه أنوار ~~الصفة القديمة المنزهة عن مباشرة الأكوان والحدثان والحلول في الزمان ~~والمكان ، أسرج بمصباح صفاته قنديل الروح وفتيلة العقل ، وزاد نور المصباح ~~من نور الذات ؛ إذ الذات والصفات مكشوفان لها في جميع الأوقات بنعت ~~السرمدية ، ولو امتنع أنوارها عنها انطفأ مصباحها ، ولم يكن ناظرة إلى ~~الغيب ، وأمد المصباح بدهن معرفته ذلك ، وتلك الشجرة المباركة منابتها ~~العقل الملكوتي ، وصباغها الحكمة الجبروتية ، وهي في جميع الأنفاس على ~~مقابلة شمس الألوهية لا يقع عليها ظلال غدوة شرق القدم ، ولا ظلال عشية غرب ~~الفناء في أرض مشرق المشاهدة منورة بجمال شمس القدم والبقاء ؛ لذلك نفى علة ~~الحجاب بالحدثان بقوله : ( لا شرقية ولا غربية )، وتلك المعرفة ~~التي هي الشجرة المباركة يكاد دهن نورها يضيء بنور الفعل. # قيل ms1142 : إن يصل إليها نور الصفة ، قال تعالى : ( يكاد زيتها يضيء ~~ولو لم تمسسه نار )، فلما وصل نور الصفة إلى نور المعرفة والعقل الملكوتي ~~، ونور الفعل يضيء بنور الله ، وببصر الله بالله لا بغير الله ؛ قال الله ~~تعالى : ( نور على نور ) مثل نور صفاته بالمصباح ، وشبه الروح ~~بالقنديل ، وشبه القلب بالمشكاة ؛ لأن الروح في القلب والنور في الروح ، ~~والمعرفة دهن قنديل الروح ، وتلك الكوة هي القلب ، والقلب في الصدر لا منفذ ~~إليها لرياح القهر والشقاوة ، إذ القلب في أصبع الصفة يقلبها كيف يشاء ، ~~والروح في يمين القدرة. # قال عليه السلام : «القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن ، يقلبهما كيف ~~يشاء» (1). # وقال : «الأرواح في يمين الرحمن» (2)؛ فكيف ينطفئ هذا المصباح الذي نوره من نور PageV03P012 # الأزل ، وضياؤه من ضياء الأبد؟ # ثم وصف الروح ، وشبه الزجاجة قنديلها في مشكاة القلب بالكوكب الدري الذي ~~قال تعالى : ( كأنها كوكب دري ) إذ هي انقدحت من درر الجلال ~~والجمال ، وأعلمنا أن ذلك المصباح في تلك الزجاجة لا ينطفئ أبدا ؛ لأن ~~المصباح إذا كان في تحت زجاجة لا تؤثر فيه الرياح لعواصف إذ لا سبيل إلى ~~نور المشاهدة في نور المعرفة والعقل ، ولا يزول بتغاير الحدثان ، ولا ~~بالزلة والعصيان ، فهذان النوران ينفدان في روازن أبراج الدماغ فينوران تلك ~~السيارات المذكورة ، ويتلألأن من مرآة سماء وجه العارف. # ألا ترى كيف قال أبو يزيد قدس الله روحه : يظهر نور الصمدية من بشرة وجه ~~العارف ، ومن هاهنا قال الحكماء : الأول صياحة الوجود من عكس الروح الناطقة ~~هذا يفهم مما سنح لقلبي في إشارة الآية ما يوافق أقوال أئمتي وشيوخي. # قال ابن عطاء : زين الله السماوات باثني عشر برجا ، وهي : الحمل والثور ~~والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو ~~والحوت ، وزين قلوب المؤمنين باثني عشرة خصلة الذهن والانتباه والشرح ~~والعقل والمعرفة واليقين والفهم والبصيرة وحياة القلب والرجاء والخوف ~~والحياء ، فما دامت هذه البروج قائمة يكون العالم على النظام والسعة ، ~~وكذلك ما دامت هذه الخصال في قلب العارف يكون فيه نور العارف ، وحلاوة ms1143 ~~العبادة. # وقال ابن مسعود : مثل نور المؤمن كمشكاة في كوة ، وهي التي لا منفذ لها ~~أشار إلى صدر المؤمن ( فيها مصباح )، وهو نور قلب المؤمن ، و ( ~~ المصباح في زجاجة )، والزجاجة سر المؤمن. # قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إن لله أوان فأحبها إليه ما صفا ورق» (1)، ~~( كأنها كوكب دري ). # قال ابن عطاء : ( لا شرقية ولا غربية ): لا قرب فيها ولا بعد ~~فيها ؛ فالله من البعد قريب ومن القرب بعيد. # قال الواسطي : لا دنيائية ولا آخرة جذبها الله إلى قربه ، وأكرمها ~~بضيائها ، ( يكاد زيتها يضيء ) يكاد ضياء روحها يتوقد ، ( ~~ولو لم تمسسه نار ) أي : ولو لم يدعه نبي ، ولا يسمع كتابا ( نور ~~على نور ) نور الهداية وافق نور الروح ، ( الله لنوره من يشاء ) اجتهاد PageV03P013 # المجتهدين ، وطلب الطالبين ، وهرب الهاربين. # وقال الجنيد : لا هي مائلة إلى الدنيا ، ولا راغبة في الآخرة ، ولكنها ~~فانية الحظ من الأكوان. # قال أبو علي الجوزجاني : في قوله : ( الله نور السماوات والأرض ) ~~بدأ بالنور والنور البيان ، فالله نور السماوات ، ومن نور اليقين سراج يضيئ ~~في قلب المؤمن كما قال الله : ( مثل نوره ) يضيئ في قلب المؤمن ؛ ~~لأن قلب المؤمن منور بالإيمان ، فنور قلبه من نور الله بيانا مبينا ؛ فهو ~~ينظر بنور ربه إلى جميع ملكه ، فيرى فيها بدائع صنعه ، ويرى بنور المعرفة ~~قدرة الله وسلطانه وأمره وملكه فيفتح له ذلك النور علم ما في السماوات ~~السبع وما في الأرضين علما يقينا ، فيخضع له الملك ، ومن نبه فيجب به كل ~~شيء على ما يحب ويهوى مثل ذلك النور ( كمشكاة فيها مصباح المصباح ~~في زجاجة الزجاجة )، فنفس المؤمن بيت ، وقلبه مثل قنديل ، ومعرفته مثل ~~السراج ، وفوه مثل الكوة ، ولسانه مثل باب الكوة والقنديل معلق بباب الكوة ~~إذا افتتح اللسان بما في القلب من الذكر استضاء المصباح من كونه إلى العرش ~~، فالزجاجة هي التوفيق ، وفتيلتها من الزهد ، ودهنها من الرضا ، وعلائقها ~~من العقل ، وهو قوله : ( نور على نور ). # وقال جعفر بن محمد : الأنوار تختلف أولها نور حفظ القلب ، ثم نور الخوف ms1144 ، ~~ثم نور الرجاء ، ثم نور الحب ، ثم نور التفكر ، ثم نور اليقين ، ثم نور ~~التذكر ، ثم النظر بنور العلم ، ثم نور الحياء ، ثم نور حلاوة الإيمان ، ثم ~~نور الإسلام ، ثم نور الإحسان ، ثم نور النعماء ، ثم نور الفضل ، ثم نور ~~الآلاء ، ثم نور الكرم ، ثم نور العطف ، ثم نور القلب ، ثم نور الإحاطة ، ~~ثم نور الهيبة ثم نور الحيرة ، ثم نور الحياة ثم نور الأنس ، ثم نور ~~الاستقامة ، ثم نور الاستكانة ، ثم نور الطمأنينة ثم نور العظمة ، ثم نور ~~الجلال ، ثم نور القدوة ، ثم نور الحول ، ثم نور القوة ، ثم نور الألوهية ، ~~ثم نور الوحدانية ، ثم نور الفردانية ، ثم نور الأبدية ، ثم نور السرمدية ، ~~ثم نور الديمومية ، ثم نور الأزلية ، ثم نور البقائية ، ثم نور الكلية ، ثم ~~نور الهوية ، ولكل واحد من هذه الأنوار أهل وله حال ومحل كلها من أنوار ~~الحق التي ذكر الله في قوله : ( الله نور السماوات والأرض )، ولكل ~~عبد من عبيده مشرب من نور هذه الأنوار ، وربما كان حظه من نورين ومن ثلاث ، ~~ولا يتم هذه الأنوار لأحد إلا للمصطفى صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه القائم مع ~~الله بشروط تصحيح العبودية والمحبة فهو نور ، وهو من ربه على نور. # قال بعضهم : ( نور السماوات ) الملائكة ونور الأرض الأولياء. PageV03P014 # وقيل في قوله : ( نور على نور ): نور المشاهدة يغلب نور ~~المتابعة ، وقيل : نور الجمع يعلو أنوار التفرقة ، وقيل : نور الروح يهدي ~~إلى السر شعاع الفردانية ، ونور السر يهدي إلى القلب ضياء الوحدانية ، ونور ~~القلب يهدي إلى الصدر حقيقة الإيمان ، ونور السر يهدي إلى الصدر آداب ~~الإسلام ؛ فإذا جاء نور الحقيقة غلب هذه الأنوار ، وأفرد العارف عنها ~~وأفناه فيها ، وحصله في محل البقاء مع الحق متسما بسمته مترسما برسمه لا ~~يكون للحدث عليها أثر بحال ؛ لأن محل أنوار الأحوال هو القيام معها ورؤيتها ~~، والسكون إليها ، فإذا جاء نور الحقيقة أفناه عن الحظوظ والمشاهدات ، وإذا ~~غلب نور الحق خمدت الأنوار لها ، وصارت الأحوال دهشا في فناء ، وفناء في ~~دهش ؛ فهو بحصول ms1145 اسم ورسم ، وذهاب الحقيقة في عين الحق ( يهدي الله ~~لنوره من يشاء ) يخص الله بهذه الأنوار من سبقت له المشيئة فيه بالخصوصية ، ~~( ويضرب الله الأمثال للناس ). # قال : العقلاء الألباء الذين خصوا بالفهم عنه ، والرجوع إليه ، ( ~~لعلكم تتفكرون ) في أن الذي خصهم بهذه الأنوار والمراتب من غير سابقة لا ~~يتقرب إليه إلا بفضله وكرمه دون عد التسبيح والصلاة عليه (1). # وقال الحسين في قوله : ( الله نور السماوات والأرض ): منور ~~قلوبكم حتى عرفتم ووجدتم ، وختم بقوله : ( يهدي الله لنوره من يشاء ~~) فكان أول ابتدائه ( الله نور السماوات والأرض ) أي : مبتدأ النعم ~~ومنبعها والآخر خاتمته ، فالأول فضل ، والآخر مشيئة ؛ فهو المجتبي لأوليائه ~~الهادي لأصفيائه. PageV03P015 # قال الحسين : ( الله نور السماوات والأرض ): هو نور النور ، ~~يهدي من يشاء بنوره إلى قدرته وبقدرته إلى غيبه ، وبغيبه إلى قدمه وبقدمه ~~إلى أزله وأبده ، وبأزله وأبده إلى وحدانيته لا إله إلا هو المشهود شأنه ~~بقدرته ، تقدس وتعالى يزيد من يشاء علما بتوحيده ووحدانيته وتنزيهه وإجلال ~~مقامه وتعظيم ربوبيته. # وقال الواسطي : إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد نورها بصفاته وخاطبها ~~بذاته فاستضاءت واستنارت بنور قدسه ؛ فأخبر عنها بقوله تعالى : ( ~~الله نور السماوات والأرض )؛ لأنه منور الأرواح بكمال نوره. # قال الخراز : من خلقه من نوره ثم أخرجه بنوره ثم أعاده في أكبر كبريائه ~~من نور إذا تجلى له لم يحترق ؛ لأنه يكون هو نورا من نوره على نوره في نوره. # قال الله تعالى : ( نور على نور ). # قال الحسين : في الرأس نور الوحي ، وفي العينين نور المناجاة ، وفي السمع ~~نور اليقين ، وفي اللسان نور البيان ، وفي الصدر نور الإيمان ، وفي الطبائع ~~نور التسبيح فإذا التهب شيء من هذه الأنوار غلب على النور الآخر فأدخله في ~~سلطانه ، فإذا سكن عاد سلطان ذلك النور أوفر وأتم مما كان ، فإذا التهبوا ~~جميعا صار نورا على نور ( يهدي الله لنوره من يشاء ). # قال الأستاذ : في قوله : ( لا شرقية ولا غربية ): كذلك هممهم لا ~~تسكن شرقيا ، ولا غربيا ، ولا علويا ، ولا سفليا ، ولا جنيا ، ولا إنسيا ، ~~ولا ms1146 عرشيا ، ولا كرسيا ، شطحت عن الأكوان ، ولم تجد له سبيلا إلى الحقيقة ؛ ~~لأن الحق منزه عن اللحوق والدرك ، فبقيت عن الخلق منفصلة ، وبالحق غير ~~متصلة ، ويقال : نور المطالبة يحصل في القلب بدءا فيحمل صاحبه على المحاسبة ~~؛ فإذا نظر في ديوانه ، وما أسلفه من عصيانه يحصل نور المعاينة فيعود على ~~نفسه باللائمة ، ويتجرع كاسات ندمه فيرتقي عن هذا باستدامة قصده ، والتنقي ~~عما كان عليه في أوقات فترته ، فإذا استقام فيه كوشف بنور المراقبة فيعلم ~~دائما أنه سبحانه مطلع عليه ، وبعد هذا نور المحاصرة ، وهو لوائح تبدو في ~~السرائر ، ثم بعد ذلك نور المكاشفة ، وذلك بتجلي الصفات ، ثم بعده أنوار ~~المشاهدة ؛ فيصير ليله نهارا ، ونجومه أقمارا ، وأقماره بدورا ، وبدوره ~~شموسا ، ليس في سماء أسرارهم سحاب ، ولا في هوائها ضباب ، ثم بعد هذا أنوار ~~التوحيد ، وعند ذلك يتحقق التجريد بخصائص التفريد ثم ما لا يتناوله عبارة ~~ولا يدركه إشارة في البيان عند ذلك خرس ، والشواهد طمس ، وشهود الغير عند ~~ذلك محال ؛ فعند ذلك ( إذا الشمس كورت (1) وإذا النجوم انكدرت ) ~~(2) [التكوير : 1 ، 2] ، ( وإذا العشار عطلت ) (4) [التكوير : 4] ( ~~ إذا PageV03P016 # السماء انشقت (1)) [الانشقاق : 1] ( إذا السماء انفطرت ~~(1)) [الانفطار : 1] ، هذه كلها أقسام الكون ، وما من العدم لهم صار إلى ~~العدم القائم عنهم غيرهم ، والكائن عنهم سواهم جلت الأحدية ، وعزت الصمدية ~~، وتقدست الديمومية ، وتنزهت الألوهية. # ثم بين سبحانه أن ذلك المصباح والمشكاة في بيت صورة العبد العارف ، وذلك ~~البيت صدره يتنور بنور الله ، ونور قربه ليبصر سواكنه بنوره ما ينفتح فيه ~~من أنوار ملكوته وجبروته بقوله : ( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر ~~فيها اسمه ) أن يرفع همها إلى مشاهدة الذات ، وصرف الصفات ، ولا ينزل على ~~غيره من الآيات والكرامات والعقل ، يذكر اسم الله هناك ، والقلب يذكر وصفه ~~، والروح يذكر ذاته وصفاته تعالى ، وأيضا ترفع الأسرار بنعت الاشتياق حوائج ~~الوصال إليه بنعت المداناة والمناجاة. # وقال بعضهم : ترفع الحوائج من القلوب ، وتشغل القلوب بالذكر ؛ فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول حاكيا عن ربه : «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ms1147 ~~ما أعطى السائلين» (1). # ويقال : «القلوب بيوت المعرفة ، والأرواح مشاهد المحبة ، والأسرار محال ~~المشاهدة». # ثم وصف سبحانه أهل خالصة تلك البيوت بشهود الحضرة والمراقبة في القربة ~~بنعت التجريد عن غير المشاهدة بقوله : ( يسبح له فيها بالغدو ~~والآصال (36) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ) وصف الله ~~العارفين بالرجولية حين أقبلوا عليه بأسرار طاهرة عن الحدثان ، وبسرهم في ~~صحاري الآزال والآباد بالأرواح القدسية والعقول الملكوتية بين سباع القهر ~~وحيات الامتحان ، وآساد الغيرة لا تشغلهم المستحسنات والمستقبحات عن بلوغهم ~~إلى معالي الدرجات في رؤية الذات والصفات ، ومثالهم كالبحار لا تتغير ~~بالجيف كذلك أحوالهم تجري عليهم أحكام الكونين بنعت المباشرة والمعاملة ، ~~ولا تتغير أسرارهم عن شهود الوصال والنظر إلى الجمال. # قال ابن عطاء : هم خزائن الودائع ومواضع الأسرار. # قال النصرآبادي : أسقط عنهم المكون ذكر المكونات ، فلا تشغلهم الأسباب عن ~~المسبب بحال. # قال جعفر : هم الرجال من بين الرجال على الحقيقة ؛ لأن الله حفظ سرائرهم ~~عن الرجوع إلى ما سواه ، وملاحظة غيره فلا تشغلهم تجارات الدنيا ونعمتها ~~وزهراتها والآخرة ، PageV03P017 # وثوابها عن الله ؛ لأنهم في بساتين الأنس ، ورياض الذكر ، قال الله : ( ~~ لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ) [النور : 37]. # قال بعضهم : أسقط الله اسم الرجولية عن الغافل إلا من عامل الله على ~~المشاهدة ، ولم يؤثر عليه الأكوان ؛ فقال : ( رجال لا تلهيهم تجارة ~~ولا بيع عن ذكر الله. ) # قال بعضهم : من أسقط عن سره ذكر ما لم يكن لكان سمي رجلا حقيقة ، ومن ~~شغله عن ربه من ذلك شيء ، فليس هو من الرجال المتحققين. # ثم زاد سبحانه في وصفهم بالخوف الدائم ، والوجل القائم من صرف القلوب ~~والأبصار من مشاهدة الجبار بقوله : ( يخافون يوما تتقلب فيه القلوب ~~والأبصار ) (37) يفزعون من يوم الشهود حيث تتقلب القلوب عن مشاهدة صرف ~~القدم في الجنان والأبصار في النظر إلى الحور والغلمان والروح والريحان ، ~~وأيضا يخافون من مقلب القلوب في أنوار الصفات ، والأبصار في أنوار الذات ~~لئلا يقف في منازل الشهود ومشاهد الحقيقة ، وينقطع عن السير في ألوهية ~~الأولية ، والسرمدية ms1148 الأبدية ، بل يطمعون أن يبقوا بحسن المعرفة ، وكمال ~~الأدب في زمان العبودية مع مشاهدة الأبد بنعت الدنو ، ودنو الدنو ، وكشف ما ~~كان مكتوما عنهم بقوله : ( ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من ~~فضله والله يرزق من يشاء ) ذلك الرزق كشف جمال القدم بغير حجاب. # قال النصرآبادي : النفوس في التنقيل ، والقلوب في التقليب. # وقال الحسين : خلق الله القلوب والأبصار على التقليب ، وجعل عليها أغطية ~~وستورا وأكنة وأقفالا ، فتهتك الستور بالأنوار ، وترفع الحجب بالذكر ، ~~وتفتح الأقفال بالقرب. # وقال الحسين : إذا علمت أنه مقلب القلوب والأبصار ؛ فليكن شغلك في النظر ~~إلى أفعاله فيك ، وتوقى الخلاف والغفلة. # ثم وصف سبحانه أهل الغرة به الذين معولهم على الرسوم ، وما عملوا من ~~المعاملات على رؤية النفس والخلق بقوله : ( والذين كفروا أعمالهم ~~كسراب بقيعة ) أي : إن الذين نسوا عهد الله الأزلي الذي أوجب عليه فيه ~~الإقبال عليه بالكلية من الكون ، وباشروا صورة العمل رياء وسمعة ، شبه ~~أعمالهم بسراب القيعان ؛ لأنهم في الرياء والشرك من أهل الخسران والحرمان ، ~~فإذا احتاجوا إلى جزاء الأعمال ، وهم في حسبانه لم يجدوا في الحضرة شيئا من ~~وصول المراد حيث جازى الله أصفياءه بأعمالهم التي وقعت على حسن القبول إذ ~~كانت قيمتها من حسن اليقين والصدق والإخلاص ، ( وجد الله عنده ) ~~بنعت الإعراض عنه يجازيهم PageV03P018 # بالفرقة ، والانقطاع عن المأمول ، وهكذا شأن من رجع إلى الخلق ، وسكن إلى ~~الأسباب من المسبب. # قال ابن عطاء في قوله : ( يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده ~~شيئا ) قلب ليس فيه شيء من أنوار الله ، فقير بما فيه رجوعه إلى الأسباب ، ~~والفقير من يكون رجوعه إلى غير الحق ، يحسب أن الرجوع إلى غيره يغني ، وهو ~~كسراب ( يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ) إذا تبين له ~~أن الرجوع إلى الأسباب شرك يظهر إذ ذاك له أن الرجوع إلى الحق هو الإيمان. # قال الله : ( وجد الله عنده ) أي : وجد الطريق إليه ، وقال أيضا ~~: كل منا دون الله فهو فقير ، وكل قلب فيه محبة ما سوى الله ؛ فهو ms1149 فقير ، ~~وفقير عن الحق ، وعن معرفته ، ويعلم أنه تاه قوم في ميدان الجهد فتخلفوا عن ~~واجبات الحق ، وظنوا أنهم يصلون بجهدهم إلى الله ، وما وصل أحد إليه إلا من ~~سبق له من الله العناية ، والمجتهد في مجاهدته ، كما قال الله عز وجل : ( ~~ يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه ~~حسابه والله سريع الحساب ) (39). # ثم بين سبحانه أن هؤلاء المحجوبين عن الله مترددون في ظلمات طبائعهم لم ~~يصحبهم نور العناية ، فيبقون في ظلمة عقولهم على ما عملوا لغير وجه الله ~~بقوله : ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) (40) أي : من ~~لم يصحبه نور معرفة الله الذي صدر من كشف مشاهدة الله في بدور روحه إلى ~~منتهى سيره ، فما له هناك من نور المعرفة ، ونور المشاهدة ، ونور الوصال ، ~~والعارف الصادق في مشاهدة الحق يحتاج إلى ألف ألف نور في كل لمحة من نور ~~الأزل والأبد ينظر بها إلى جمال القدم ، ويعرف بها طرق الصفات ، ويرى بها ~~عجائب الذات. # قال القاسم : ( ومن لم يجعل الله له نورا ) في وقت القسمة فما له ~~من نور في وقت الخلقة. # ( ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى ~~الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ~~ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار (43) يقلب الله الليل ~~والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (44) والله خلق كل دابة من ماء ~~فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع ~~يخلق الله ما يشاء إن PageV03P019 # الله على كل شيء قدير (45) لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي ~~من يشاء إلى صراط مستقيم (46) ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى ~~فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين (47)) # قوله تعالى : ( ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ) خاطب ~~الحق سبحانه أهل التوحيد والمعرفة بأنه سبحانه ينشئ في سماء ms1150 صحو القلب ~~سحائب أنوار فعله على مقادير مشيئته ، وقوة حملها واردات الغيوب ، ويسريها ~~برياح الكرم ، ويجمعها بقوة القدم ثم يجعلها متكاثفات بأثقال أنوار الصفات ~~، وذلك قوله : ( ثم يجعله ركاما ) ثم ينزل منها قطرات زلال بحر ~~الصفة إلى صحاري القلوب بقوله : ( فترى الودق يخرج من خلاله ) فإذا ~~كمل الحال ينكشف جبال أنوار الذات ، وينزل منها برد جواهر حقائق علوم القدم ~~، فيقع على بحار عقول العارفين ، ويتلقاها أصدف الأرواح فيربيها في حواصل ~~الأفئدة والأسرار (1). # ثم بين خاصية من سبق له الحسنى في الأزل في وصول تلك الجواهر القدوسية ~~بقوله : ( فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء. ) # ثم بين أن سنا بروق تجلى الصفات ليغلب على أبصار الأرواح والقلوب حين ~~عاينت الحق ، بقوله : ( يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار. ) # ثم بين مقام المحو والصحو ، والقبض والبسط ، وأوقات الاستناد والتجلي ~~بقوله : ( يقلب الله الليل والنهار ) يقلب ليالي الهجران ، ونهار ~~كشف العيان لأهل البيان والامتحان. # ثم بين أن هذه الإشارات لذوي البصائر من العارفين بقوله : ( إن ~~في ذلك ) أي : بصيرة ومعرفة ، وما بان من فحوى الخطاب من قوله : ( ~~يقلب الله الليل والنهار )، وحقائق غلبة مشيئة الأزل على كل مشيئة إذ كل ~~مشيئة قائمة بمشيئته ، وكل إرادة صدرت من إرادته ، فإذا انسلخ الكون وأهله ~~من محل التصرف والإرادة في نفاذ مشيئة تعالى الله من كل كائن يقع بخلاف ~~إرادته. # قال الواسطي : ما خالفه أحد ولا وافقه ، وكلهم مستعملون بمشيئته وقدرته ~~أنى يكون PageV03P020 # الوفاق والخلاف ، وهو يقلب الليل والنهار بما فيهما ، وهو قائم على ~~الأشياء بالأشياء في بقائها وفنائها لا يؤنسه وجد ولا يوحشه فقد ، بل لا ~~فقد ولا وجد ، إنما هي رسوم تحت رسوم. # ( وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون ~~(48) وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين (49) أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا ~~أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون (50) إنما كان ~~قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ~~وأولئك هم المفلحون ms1151 (51)) # قوله تعالى : ( وإذا دعوا إلى الله ورسوله ) دعوا إلى مشاهدة ~~الله بنعت المحبة والمعرفة ، وعبوديته بنعت الإخلاص ، ودعوا إلى رسوله ~~بالمتابعة والموافقة في الشريعة والطريقة ، وهنا أثقال من سارت مطيعة روحه ~~بها في بيداء الأزل والأبد بقوة العناية والكفاية ، وكيف لا يعرض عنها ~~المعرضون ، وليست هذه أحمال مطايا وجودهم المحروم في الأزل عن مشاهدة الأبد. # قال ابن عطاء : الدعوة إلى الله بالحقيقة ، والدعوة إلى الرسول بالنصيحة ~~، ومن لم يحب داعي الله كفر ، ومن لم يجب داعي الرسول ضل. # ( ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون (52) ~~وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن ~~الله خبير بما تعملون (53)) # قوله سبحانه وتعالى : ( ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ~~فأولئك هم الفائزون ) (52) من يطع الله في بذل وجودهم له ، ورسوله بالقبول ~~منه ما أتى به بلغت الحرمة ، ( ويخش الله ) عرفه وعلم منه ما له من ~~لطف صحبته وعزيز وصلته بنعت إجلاله وتعظيمه ، ( ويتقه ) يتق من ~~فرقته ، ومن هجرانه ووصل إلى غفرانه ، وعظم في عرفانه ، وظفر بإحسانه ، عين ~~عاينه بلا كيف ، ولا حيث ، ولا حجاب ، ولا حساب. # وقال الواسطي : ( ومن يطع الله ورسوله ): في آداب الفرائض ، ~~واجتناب المحارم ، ويخشى الله على ما مضى من ذنوبه من أن يكون مأخوذا بها ، ~~وما مضى من حسناته ألا يقبل منه ، ويتقه أي : ويتق الله فيما بقي من عمره ~~من ردة محبطة وعقوبة محجبة ( فأولئك هم الفائزون ) (52) أي : سبقت ~~لهم السعادة. PageV03P021 # ( قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل ~~وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين (54) ~~وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف ~~الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم ~~أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (55) ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون (56) لا تحسبن ~~الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ms1152 ولبئس المصير (57) يا أيها ~~الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ~~ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة ~~العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم ~~على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (58) وإذا بلغ الأطفال ~~منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته ~~والله عليم حكيم (59) والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن ~~جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع ~~عليم (60)) # قوله تعالى : ( وإن تطيعوه تهتدوا ) إن تطيعوه بالعبودية تهتدوا ~~به إلى أنوار الربوبية ، وإن تطيعوه بالمحبة تهتدوا به إلى المشاهدة ، وإن ~~تطيعوه بالمعرفة تهتدوا إلى الوصلة ، وإن تطيعوا الرسول تهتدوا إلى ما فيه ~~من عجائب المكاشفات والمشاهدات والمعارف والمجاب ، وإن تطيعوه بالحرمة ~~والأدب تهتدوا به إلى سني الدرجات ومعالي الكرامات. # قال أبو عثمان : من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ، ومن أمر ~~الهوى على نفسه نطق بالبدعة ؛ لأن الله يقول : ( وإن تطيعوه ~~تهتدوا. ) # قال محمد بن الفضل : إن تطيعوه في سنته يوصلكم بركتها إلى حقائق القيام ~~بآداب الفرائض ، فتكونوا من المهتدين ، من المرافقين بشرط الأدب مع الله ، ~~قوله تعالى : ( ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على ~~المريض حرج ) (1) الإشارة فيه أن من PageV03P022 # طمسته أنوار سطوات العظمة ، فهو من رؤية الكل معذور ، ومن كسرت رجل همته ~~أحجار منجنيق الأزل في فقر الديمومية ، فهو معذور إذا انقطع عن السير في ~~بيداء الآزال والآباد ؛ لأن القدم والبقاء غير محصورين ، من أمرضته أسقام ~~المحبة والشوق والعشق والمعرفة ؛ فهو معذور عن الاشتغال بكثرة العبادة. # قال جعفر في هذه الآية : كل هذا في القعود عن الجهاد وتركه. # وقال بعضهم : إذا دعي إلى دعوة أن يدخل معه قائده. # ( ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ~~ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو ms1153 بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو ~~بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت ~~أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن ~~تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند ~~الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون (61)) # قوله تعالى : ( أو صديقكم ليس عليكم جناح ) الإشارة فيه إلى ~~الانبساط إلى الإخوان والأصدقاء الصادقين الذين مصادقتهم لله ، وفي الله ~~على استواء السر والعلانية في الإخلاص لله. # قال أبو عثمان : الصديق من لا يخالف باطنه باطنك ، كما لا يخالف ظاهره ~~ظاهرك إذ ذاك يكون محل الانبساط إليه مباحا في كل شيء من أمور الدين ~~والدنيا ، وقوله : ( فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من ~~عند الله مباركة طيبة ) إذا دخلتم بيوت أولياء الله بالحرمة والاعتقاد ~~الصحيح ، فأنتم من أهل كرامة ؛ الله فسلموا على أنفسكم بتحية الله ؛ فإنها ~~محل كرامة الله في تلك السلعة. # قال جعفر : تحية الله أي : سلامة من المحن والفتن ، ومن الشر كله. PageV03P023 # وقال ابن عطاء : التحية الأمان. # ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على ~~أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون ~~بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله ~~إن الله غفور رحيم (62) لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد ~~يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن ~~تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (63)) # قوله تعالى : ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا ~~كانوا معه على أمر جامع ) إشارة الآية إلى المريدين وموافقتهم مشايخهم في ~~جميع الأحوال ألا يستبدوا بآرائهم في أمور الشريعة والطريقة ، وألا ~~يخالفوهم بالاستبداد بالخروج من عندهم إلى السفر والحضر والمجاهدة ~~والرياضة. # قال عبد الله الرازي : قال قوم من أصحاب أبي عثمان لأبي عثمان : أوصنا ، ~~قال : عليكم بالاجتماع على الدين ، وإياكم ومخالفة الأكابر والدخول في شيء ~~من الطاعات إلا ms1154 بإذنهم ومشورتهم وواسوا المحتاجين بما أمكنكم ، فأرجوا ألا ~~يضيع لكم سعي ، قوله تعالى : ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء ~~بعضكم بعضا ) احترام الرسول من احترام الله ، ومعرفته من معرفة الله ، ~~والأدب في متابعته من الأدب مع الله. # قال ابن عطاء : لا تخاطبوه مخاطبة ، ولا تدعوه بكنيته واسمه واتبعوا آداب ~~الله فيه بدعائه ( يا أيها النبي )، و ( يا أيها الرسول. ) # وقوله تعالى : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة ) ~~الفتنة هاهنا والله أعلم فتنة صحبة الأضداد والمخالفين والمنكرين ، وذلك أن ~~من صاحبهم بسوء ظنه بأولياء الله ؛ لأنهم أعداء الله ، وأعداء أوليائه ~~يقعون كل وقت في الحق ، ويقبحون أحوالهم عند العامة لصرف وجوه الناس إليهم ~~، وهذه الفتنة أعظم الفتن. # قال أبو سعيد الخراز : الفتنة هي إسباغ النعم مع الاستدراج من حيث لا ~~يعلم العبد. # وقال رويم : الفتنة للعوام ، والبلاء للخواص. # وقال أبو بكر بن طاهر : الفتنة مأخوذ بها ، والبلاء معفو عنه ومثاب عليه. # ( ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم ~~يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم (64)) PageV03P024 # قوله تعالى : ( ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما ~~أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم ) (64) ~~ما في السماوات من خزائن قلوب الملائكة ، وما في الأرض من خزائن معرفته ~~وجوده في قلوب أهل المحبة يعلم السرائر والضمائر ، وما يجري من داء شوقه ~~ومحبته على قلوب المقبلين إليه فيجازيهم يوم كشف المشاهدة ، ويخبرهم مما ~~مضى من أيام الفراق ، ويعتذر إليهم بحسن الانبساط ، ورفع الحجاب أبد ~~الآبدين. ### | سورة الفرقان # بسم الله الرحمن الرحيم # ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا (1) ~~الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق ~~كل شيء فقدره تقديرا (2) واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ~~ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا (3) ~~وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك ms1155 افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤ ~~ظلما وزورا (4) وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ~~(5) قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما (6)) # ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ) وصف نفسه بالتنزيه والتقديس ~~وبركة جمال تجليه الذي آثاره في كل ذرة من العرش إلى الثرى فباركها ببركة ~~جماله فتنمو من أصل مصادرها بقوة قيام الحق عليها بقيوميته ، وبقيوميته ~~قامت ، ومن صولة عزت تفنى فيه ، فلم تزل قائما بنفسه ، ولا تزال باقيا ~~بوجوده ، وخص حبيبه بإنزال الفرقان عليه ليفرق به بين كل دان وعال ، وبين ~~مقام ومقال ، وبين حال وإعمال ، وبين كشف وخيال فيكون بجمهور السالكين ~~معلما عن الحق مخوفا عن عظمته واستغنائه عن الخلق ، وعن قدسه عن إشارات ~~الخلق إليه. # قال بعضهم : أصل البركات كلها ممن يقدر إنزال مثل هذا القرآن الذي يفرق ~~بين الحق والباطل على أجل عبيده وأولاهم بالبركة وهو محمد صلى الله عليه وسلم . # وقال سهل : يريد بالفرقان الفرقان الذي فيه المخرج من كل شبهة. # وقيل : ( على عبده ) أي : على عبده الأخلص ، ونبيه الأخص ، ~~وحبيبه الأدنى ، PageV03P025 # وصفيه الأولى ليكون للخلق سراجا منيرا. # قال الجنيد : ( تبارك الذي ) كالكناية والكناية كالإشارة ~~والإشارة لا يدركها إلا الأكابر. # وقال بعضهم : ( تبارك ) أي : تعالى عن إدراك الخلق. # قوله تعالى : ( وخلق كل شيء فقدره تقديرا ) (2) أوجد الكون ، ~~وقدر كل شيء قبل وجوده بما في علمه ومشيئته على قدر مقادير قوة الأشياء حمل ~~أمانات معرفته لا يزيد عن ذلك ، ولا ينقص إلى الأبد. # قال الحسين : أول ما خلق الله تعالى ذكره ستة أشياء في ستة وجوه ، قدر ~~بذلك تقديرا الوجه الأول : المشيئة خلقها على النور ، ثم خلق النفس ثم ~~الروح ثم الصورة ثم الأحرف ثم الأسماء ثم الكون ثم الطعام ثم الرائحة ، ثم ~~خلق الدهر ، ثم خلق المقدار ، ثم خلق العماء ثم النور ، ثم الحركة ، ثم ~~السكون ، ثم الوجود ، ثم العدم ، ثم على هذا خلقا بعد خلق في كل وجه من ~~الستة خلقهم في غامض علمه لا ms1156 يعلمه إلا هو قدرهم تقديرا ، وأحصى كل شيء علما. # ( وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لو لا ~~أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا (7) أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل ~~منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (8) انظر كيف ضربوا لك ~~الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (9) تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ~~ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا (10) بل كذبوا بالساعة ~~وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا (11) إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها ~~تغيظا وزفيرا (12) وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا ~~(13) لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا (14) قل أذلك خير أم ~~جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا (15) لهم فيها ما يشاؤن ~~خالدين كان على ربك وعدا مسؤلا (16) ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله ~~فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل (17) قالوا سبحانك ما ~~كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا ~~الذكر وكانوا قوما بورا (18) فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا ~~نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا (19) وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم PageV03P026 # ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ~~أتصبرون وكان ربك بصيرا (20) وقال الذين لا يرجون لقاءنا لو لا أنزل علينا ~~الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا (21) يوم ~~يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا (22)) # قوله : ( وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ) ~~تقاصرت أبصارهم عن معاني جوهره الذي هو حامل أثقال أنوار كشف الأزل والأبد ~~، وهو روحه الذي سابق الأشياء بالقدس والأنس ، فعاين الحق قبل الخلق ، فدخل ~~صورته كمصباح في جوهر زجاجة صافية يضيء ، ولو لم تمسسه نار تضيء صورته ~~بضياء الفعل ، ويتنور روحه بنور الصفة ، ثم صار صورته وروحه قنديل أنوار ~~ذات الحق يتجلى منه للعالمين ، فمن خصه الله بالأهلية منه فيراه بنور ms1157 الحق ~~، ويرى الحق منه ؛ فلا يقع نظره إلا على قدس وطهارة. # قال جعفر : عيروا الرسول بالتواضع والانبساط ، ولم يعلموا أن ذلك أتم ~~لهيبتهم ، وأشد في باب الاحترام لهم ، وذلك أنهم لم يشاهدوا منه خصائص ~~الاختصاص ألهاهم ذلك عن قولهم : ( ما لهذا الرسول ... ) الآية. # ثم بين سبحانه أن الأكل والشرب والمشي والسعي في الحوائج لا ينافي النبوة ~~والولاية والاصطفائية الأزلية ، وأن جمهور الأنبياء ما خلوا من صفة البشرية ~~إذ البشرية مركب الصورة والصورة مركب القلب ، والقلب مركب العقل ، والعقل ~~مركب الروح ، والروح مركب المعرفة ، والمعرفة قوة القدوسية صدرت من كشف عين ~~الحق ، وقال تعالى : ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ) هذا سنة الله في الخلق والأنبياء ~~والأولياء شاركوهم في البشرية ، وفارقوهم في المعرفة والمحبة. # قال جعفر : ذلك أن الله لم يبعث رسولا إلا أباح ظاهره للخلق بالكون معهم ~~على شرط البشرية ، ومنع سره عن ملاحظتهم والاشتغال بهم ؛ لأن أسرار ~~الأنبياء في القبضة لا تفارق المشاهدة بحال. # ثم بين سبحانه أن العارف الصادق فتنة للجاهل الغبي ، والمحب القريب فتنة ~~للمنكر البغيض بقوله : ( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ) الأغنياء فتنة ~~الفقراء فالكل ممتحنون بنكاية قهره ومكره. # ثم استفهم منهم بقوله : ( أتصبرون وكان ربك بصيرا ) (20) أي : ~~أتصبرون يا أهل الحقائق في بلائي وامتحاني وأنتم بمرأى مني أجازيكم ~~بمشاهدتي وكشف جمالي؟ PageV03P027 # قال القاسم : أتصبرون عن نظر بعضكم إلى بعض كأنه أمر بالإعراض عما جعل في ~~نظره فتنة ، ويدل عليه قوله : ( لا تمدن عينيك ) (1) [الحجر : 88]. # وقال الحسين : كسا كل شيء كسوة فانية لا ينفك عنها إلا من عصمة الله ، ~~وهو اضطرار في الأحوال لا اختبار في التلذذ بالشواهد والأعراض. # وقال الواسطي : ما أوجد موجودا إلا لفتنة ، وما أفقد مفقود إلا لفتنة ، ~~قال الله : ( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة. ) # ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (23) أصحاب ~~الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا (24) ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل ~~الملائكة تنزيلا (25) الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين ~~عسيرا (26) ويوم يعض ms1158 الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا (27)) # قوله تعالى : ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ~~) (23) أخبر سبحانه عن العمال ، وأعمالهم التي عملوها بالرياء والسمعة ، ~~واستحسانهم ذلك من قصور نظرهم عن إدراك تنزيه ساحة كبرياء الحق الذي بوجوده ~~مستغنى عن الكون وأهله ؛ فلما استكثروها صارت هباء منثورا برياح الشرك ~~والرياء أين هم من خوالص عبودية العارفين حتى تفنى عند ظهور عظمته وجلاله ؛ ~~فرفعها الحق عن أعينهم ، وبقي في عيونهم أنوار عزته وجلال عظمته. # قال ابن عطاء : أطلعناهم على أعمالهم ؛ فطالعوها بعين الرضا فسقطوا عن ~~أعيننا بذلك ، وجعلنا أعمالهم هباء منثورا. # ثم أخبر سبحانه عن مقامات المخلصين في طاعته في جوار جلاله بقول الله ~~تعالى : ( أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ) يعني أصحاب ~~جنان المشاهدة في مستقر الوصلة ، ومقيل المداناة في ظلال الجمال والجلال ~~أبدا بلا تحويل ولا تبديل. # قال بعضهم : في دار القرار على ميعاد لقاء الجبار من غير خوف ولا زوال ، ~~وأحسن مقيلا استرواحا. PageV03P028 # ( يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (28) لقد أضلني عن الذكر ~~بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا (29) وقال الرسول يا رب إن قومي ~~اتخذوا هذا القرآن مهجورا (30)) # قوله تعالى : ( يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ) (28) الخلة ~~والمصادقة إذا كان الله يزيد الشرف والراحة والبسط والقربة في الدنيا ~~والآخرة. # قال أبو حفص : الخلة إذا صحت أورثت صاحبها شفقة على خلانه وطاعة لربه ، ~~وإذا لم تصح أورثت صاحبها تحيرا وتكبرا على إخوانه ، وانهماكا في معصية ربه. # ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ~~ونصيرا (31) وقال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت ~~به فؤادك ورتلناه ترتيلا (32) ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن ~~تفسيرا (33) الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا ~~(34) ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا (35) فقلنا اذهبا ~~إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا (36) وقوم نوح لما كذبوا ~~الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية ms1159 وأعتدنا للظالمين عذابا أليما (37) ~~وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (38) وكلا ضربنا له الأمثال ~~وكلا تبرنا تتبيرا (39) ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم ~~يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا (40) وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا ~~أهذا الذي بعث الله رسولا (41) إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لو لا أن صبرنا ~~عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا (42)) # وقوله تعالى : ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين ) يمتحن ~~أولياءه وأنبياءه بأهل السالوس والناموس والمرائين ، وحثهم على إيذاء أهله ~~ليظهر شرف اصطفائيتهم ، وفضائل عواقبهم ، وينصرهم على عدوهم. # ألا ترى كيف قال : ( وكفى بربك هاديا ونصيرا ) (31) هداهم إلى ~~نفسه بنفسه ، ونصرهم بنفسه على أنفسهم وأعدائهم من شياطين الإنس والجن ~~شاهدهم مشاهدته ، وأيدهم بقوة جبروتية لئلا يتلاشوا في سطوات عظمته. # قال أبو بكر بن طاهر : رفعت درجات الأنبياء والأولياء بامتحانهم PageV03P029 # بالمخالفين والأعداء. # قال ابن عطاء : هاديا إلى معرفته ، ونصيرا عند رؤيته لئلا يتلاشى العبد ~~عند المشاهدة. # ( أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا (43) أم تحسب ~~أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا (44)) # (1). # قوله تعالى : ( أرأيت من اتخذ إلهه هواه ) غير الله سبحانه ~~المتابعين هواهم ؛ لأنهم بمعزل من رؤية الألوهية ، ومشاهدة الأزلية ، ~~استفهم على وجه التعجب من حبيبه بقوله : ( أرأيت من اتخذ إلهه هواه ~~) أي : اطلعت شموس أنوار الصفات من مشارق الآيات ، وأن هؤلاء البطالين بقوا ~~في ظلمات الطبائع. # قال أبو سليمان : من أتبع نفسه هواها ؛ فقد شرك في قتلها ؛ لأن حياتها ~~بالذكر وموتها وقتلها بالغفلة ، وإذا غفل اتبع الشهوات ، وإذا ابتع الشهوات ~~صار في حكم الأموات. # ثم خاطب نبيه عليه السلام وأعلمه أن أهل الغباوة والجهالة لا يسمعون ~~مقالته بآذان قلوبهم ، ولا يعقلون إشاراته بالحقيقة حيث إن أسماعهم وقلوبهم ~~وأبصارهم وعقولهم محجوبة عن مناداة الحق من الغيوب في القلوب ، قال الله : ~~( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون. ) # قال ابن عطاء : لا تظن أنك تسمع نداءك إنما يسمعهم نداء الأزل ؛ فمن ms1160 لم ~~يسمع نداء الأزل ، فإن نداءك له ودعوتك لا تغني عنه شيئا ، وإجابتهم دعوتك ~~هو بركة جواب نداء الأزل ودعوته ، فمن غفل أو أعرض ، فإنما هو لبعده عن محل ~~الجواب في القدم. # وإما إنساني : وهو بعكس من ذكر ، وإنما قيل له : إنسان حيواني ؛ لأنه ~~إنسان من حيث حيوان من حيث السيرة ؛ ولذا شبه بالأنعام ؛ لأن الأنعام لا ~~تتجاوز الحس ، والملك إلى عالم المعنى والملكوت ، فالإنسان الحيواني : ليس ~~له روح إنساني ، وقلب ، وسمع ، وبصر بحكم غلبة الحيوانية ، فمن قال : إن ~~الروح الإنساني مشترك فيه دون القلب ونحوه ، كما قال تعالى : ( إن في ذلك ~~لذكرى لمن كان له قلب ) [ق : 37] فهو ذهل عن الآية المذكورة ، وفرق بين ~~القلب والروح ؛ بل القلب ، والعقل ، والروح جوهر واحد في الحقيقة ، وإنما ~~الاختلاف بحسب الاعتبارات ، فالقلب محل الشهود ، والعقل محل الإدراك ، ~~والروح محل المعرفة ، فإذا كان الإنسان خاليا عن الشهود ، والإدراك الحقيقي ~~، والمعرفة الإلهية كان حيوانا حكما ، وإن كان إنسانا صورة بحكم المرتبة ، ~~فالاعتبار ليس بالمرتبة ؛ بل بحقائقها ، وأحكامها الظاهرة بالفعل ، فاعرف جدا. PageV03P030 # ( ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا ~~الشمس عليه دليلا (45) ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (46) وهو الذي جعل لكم ~~الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا (47) وهو الذي أرسل الرياح ~~بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا (48) لنحيي به بلدة ميتا ~~ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا (49) ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى ~~أكثر الناس إلا كفورا (50) ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا (51) فلا تطع ~~الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا (52) وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات ~~وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا (53) وهو الذي خلق من الماء ~~بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا (54) ويعبدون من دون الله ما لا ~~ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا (55) وما أرسلناك إلا مبشرا ~~ونذيرا (56) قل ما أسئلكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا (57)) # قوله تعالى : ( ألم تر إلى ms1161 ربك كيف مد الظل ) (1) الإشارة في ~~الآية أن للعارفين في مقام المراقبة والمحاضرة ثلاث مقامات : مقام كشف ~~أنوار الفعل ، وكشف أنوار الصفة وكشف أنوار الذات ، فإذا ذهب ظلام ليالي ~~الطبيعة من عالم الغيب ، وتلاشى دخان النفس الأمارة ، وصار سماء الروح ، ~~وهواء العقل ، وأرض القلب صافية عن عللها ، وظلمات هواها ، ولم يكن هناك ~~شمس الذات ، وأنوار الصفات يمد الحق سبحانه ظلال بهاء فعله في ولاية القلب ~~على مقادير تربية أسراره ، فلما قويت الأسرار بظلال فعله يطلع عليها أنوار ~~الصفات ؛ فلما قويت بأنوار الصفة يطلع عليها شمس الذات فرباه أولا في ظل ~~الفعل ثم قواه بنور الصفة. # ثم كشف له جلال الذات حتى صار مكاشفا مشاهدا عين الحقيقة ، وأصل الأصول ، ~~وهناك محل الفناء والبقاء ، ومقام الخطاب الصرف ، وظهور أسرار الربوبية ، ~~فالأول : ظل العناية ، والثاني : مقام الولاية ، والثالث : مقام المشاهدة ~~التي هي قبلة الكلية لجميع الأنبياء والصديقين والمقربين ، ومنتهى مأمول ~~الراغبين ، هذه مسالك جميع السالكين ، ولسيد العالمين PageV03P031 # صلى الله عليه وسلم في ذلك خاصية لم يكن لأحد فيها نصيب ، وذلك أنهم يسلكون ~~من مقام مشاهدة نور الفعل إلى مشاهدة نور الصفة ، ثم إلى مشاهدة نور الذات ~~، وهو عليه السلام في أول حاله شاهد العين ، ثم شاهد الصفة ، ثم شاهد الفعل ~~رحمة للعالمين ، ولو بقي في مقام الأول لما استمتع به الخلق في متابعته. # ألا ترى إلى قوله سبحانه لحبيبه عليه السلام : ( ألم تر إلى ربك ) ~~أشهده ذاته ، وأبرز له صفاته ، ثم أحاله إلى رؤية الفعل بقوله : ( ~~كيف مد الظل ) لئلا يفنى في سطوات عظمة ذاته وصفاته ، فلما ضاق مكانه في ~~رؤية الفعل ، وطالب الأصل ، وشق عليه الاحتجاب به عنه كاشف الحق عنه ضرار ~~الفعل ، وأبرز له مشاهدة ذاته بقوله : ( ثم قبضناه إلينا قبضا ~~يسيرا ) أي : خفيا سريعا ، ولولا فضله ورحمته في قبضه خفيا يسيرا لاحترق ~~الكل في أول بداية طلوع الجمال والجلال على قلوبهم ، وهو تعالى خاطب ~~الجمهور برؤية فيه ، وخاطب حبيبه برؤية ذاته وصفاته ، وهنا كما قال الواسطي ~~: أثبت للعامة المخلوق فأثبتوا ms1162 به الخالق ، وأثبت للخاصة الخالق ، فأثبتوا ~~به المخلوق ، ومخاطبة العام ( ألم تر أن الله يزجي سحابا ) [النور ~~: 43] ، و ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ) (17) [الغاشية : 17] ~~، ومخاطبة الخاص ( ألم تر إلى ربك. ) # قال بعضهم : قال لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم : ( ألم تر إلى ربك ~~كيف مد الظل ) العصمة قبل أن أرسلك إلى المخلوق ، ولو شاء لجعله ساكنا أي : ~~جعله مهملا ، ولم يفعل ، بل جعل الشمس التي طلعت من صدرك دليلا ، ( ~~ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا )، هذا خطاب من أسقط منه الرسوم والوسائط. # قال ابن عطاء : كيف حجب الخلق عنه ، ومد عليهم ستور الغفلة وحجبها. # وقال في قوله : ( ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ): شموس المعرفة هي ~~دلائل القلب إلى الله ، وعن جعفر قال : حجب الخلق عنه. # وقال بعضهم : الظل حجاب بينك وبين الله ، ( ولو شاء لجعله ساكنا ~~ثم جعلنا الشمس عليه دليلا )، وهو نور الهداية بالإشارة ( ثم ~~قبضناه إلينا قبضا يسيرا ) وهو جذب القدرة التي يجذبك من الأشياء إليه. # وقال الأستاذ : ظل العناية على أحوال أوليائه ، فقوم هم في ظل الحماية ، ~~وآخرون في ظل الرعاية ، وآخرون في ظل العناية فالفقراء في ظل الكفاية ~~والأغنياء الراحة والحماية ، ويقال : أحيا قلبه بقوله : ( ألم تر ~~إلى ربك )، ثم أفناه بقوله : ( كيف مد الظل ) فكذا سنته PageV03P032 # مع عباده يردهم بين إفناء وإبقاء. # ثم من الله علينا براحة الليل وستره بقوله : ( وهو الذي جعل لكم ~~الليل لباسا والنوم سباتا ) إذا هجم ظلال الليل على أهل شوقه هاج أسرارهم ~~بنعت الشوق والأنس إلى قربه ووصاله ؛ فينكشف لهم أسرار الملك والملكوت ، ~~وأنوار العزة والجبروت ، وهم يتقلبون فيها بأشكال غريبة ، وحركات عجيبة ، ~~ومناجاة لطيفة ، ومواجيد عظيمة ، وعبرات عزيزة ، ولولا ستر الليل عليهم ~~لفشا أحوالهم ، وانكشف أسرارهم عند الخلق ، فإذا كانوا في حالة اليقظة ~~فحالهم الغلبات ، فإذا أنسوا بنور الجمال يأخذهم النوم ، ويقطعهم عن التهجد ~~، وبرجاء الوجد ، فيسكنون في روح الأنس وراحة القدس ، وربما يرون المقصود ~~في نومهم كما حكي عن شاه بن شجاع أنه لم ينم ثلاثين سنة ، فاتفق ms1163 أنه نام ~~ليلة فرأى الحق سبحانه في منامه ، ثم بعد ذلك يأخذ الوسادة معه ، ويضطجع ~~حيث كان ، فسئل عن ذلك فأنشأ يقول : # فأحببت التنعس والمناما %~% رأيت سرور قلبي في منامي # يا فهم لهم في زمان الامتحان ليل الحجاب ، وسبات الغفلات ، فإذا ذابوا في ~~مقام الفرقة أخذ الله أيديهم بكشف الوصال بقوله : ( وجعل النهار ~~نشورا ) (47) أطلع عليهم بعد ذلك شمس العناية من مشرق الكفاية ، نومهم سبب ~~الزلفات ، وسباتهم راحة المداناة ، وهذا حال أهل النهايات. # لعل خيالا منك يلقى خياليا %~% وإني لأستغشي ومابي نعسة # قال الأستاذ : الليل وقت لسكون قوم ، ووقت لانزعاج آخرين ؛ فأرباب الغفلة ~~يسكنون في ليلهم ، والمحبون يسهرون في ليلهم ، وإن كانوا في روح الوصال ؛ ~~فلا يأخذهم النوم بكمال أنفسهم ، وإن كانوا في ألم الفراق ، فلا يأخذهم ~~النوم لكمال قلقهم فالسهر للأحباب صفة أو ما لكمال السرور أو لهجوم الهموم. # ويقال : جعل النوم لقوم من الأحباب وقت التجلي ، يريهم ما لا سبيل إليه ~~في اليقظة ، فإذا رأوا ربهم في المنام يؤثرون النوم على السهر ، وهذا كما أنشد : # ولو لا مكان الطيف لم أتهجع %~% فلولا رجاء الوصل ما عشت ساعة # ثم زاد منته بأن نشق نسائم روح وصاله أهل شوق جماله بقوله : ( ~~وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ) إذا أراد سبحانه كشف لقائه ~~لأرواح العاشقين يرسل رياح الواردات قبل حصول كشف المشاهدات ، فيستنشقون ~~منها نسيم الأنس ، وهم يعلمون أن ذلك مبشر كشف القدس ، والحكمة في ذلك أنه ~~تعالى يكتسر بها قلوب المحبين غبار الحدثان ، وهواجس النفس ، والشيطان حتى ~~لا يبقى فيها غير جمال الرحمن ؛ فإذا رأوا آثار PageV03P033 # ملك المبشرات علموا أن ذلك وقت ظهور المقصود وحصول المأمول. # إذا أقبلت من نحوكم بهبوب %~% وإني لأستهدي الرياح نسيمكم # قال ابن عطاء : يرسل رياح الندم بين يدي التوبة. # قال أبو بكر بن طاهر : إن الله يرسل إلى القلب ريحا ، فيكفه من المخالفات ~~، وأنواع الكدورات ، ويصفيه لقبول الموارد عليه ؛ فإذا صادف القلب ذلك ~~الريح فتنسم نسيمها ثم اشتاق إلى الزوائد من فنون الموارد ms1164 فيكرمه الله ~~بالمعرفة ، ويزينه بالإيمان ، ألا تراه يقول : ( وهو الذي أرسل ~~الرياح ) الاشتياق على قلوب الأحباب فتزعجها عن المساكنات ، ويطهرها ما عن ~~كل شيء إلا عن اللوائح ؛ فلا تستقر إلا بالكشف والتجلي. # ويقال : إذا انتسمت القلوب نسيم القرب هام في ملكوت الجلال ، وأمحى من كل ~~رسوم ومعهود ، ثم زاد المنة سبحانه بذكره وصف مياه الكرم الذي يطهر به قلوب ~~أحباب وجه القدم من لوث غبار العدم بقوله : ( وأنزلنا من السماء ~~ماء طهورا ) (48) انشأ في الأول سحائب الرحمة ، وبشر رياح الزلفة ، ثم مطر ~~مطر الخطاب والكلام من بحر الذات والصفات على أرض قلوب أهل المشاهدات ، ~~فطهرها عن صفات البشريات وأحياها من موت الغفلات ، وأنبت فيها أشجار ~~المعرفة ، ورياحين المحبة ، وذلك قوله تعالى : ( لنحيي به بلدة ~~ميتا )، ثم جعل قلوبهم سواقي المعارف والكواشف ، فيفيض سقيها إلى الأرواح ~~والأشباح ، قال تعالى : ( ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ) (49). # قال بعضهم : طهر قلوبهم ببركاته عن المخالفات ، وطهر أبدانهم بظاهر رحمته ~~من جميع الأنجاس. # قال النصرآبادي : هو الرش الذي يرش من مياه المحبة على قلوب العارفين ، ~~فيحيى به نفوسهم بإماتة الطبع فيها ، ثم يجعل قلبه إماما للخلق بفيض بركاته ~~عليهم ، فيصيب بركات نور قلبه من كل ذوات الأرواح ، قال الله تعالى : ( ~~ ونسقيه ... ) الآية. # قال الأستاذ : أنزل من السماء ماء المطر فأحيا به الرياض والغياض ، وأنبت ~~به الأزهار والأنوار ، وأنزل من السماء ماء الرحمة ، فغسل للعصاة ما تلطخوا ~~به من الأوضار ، وتدنسوا به من الأوزار ، وماء الحياء يطهر قلوب العارفين ~~عن الجنوح إلى المساكنات ، وما في بعض الأحوال يتداخلها من الغفلات ، وماء ~~الرعاية فيحيي به قلوب المشتاقين مما يتداركها من أنوار التجلي حتى يزول ~~عنها عطش الاشتياق ، ويحصل فيها من سكنة الاستقلال ، ويحيي به نفوسا ميتة ~~اتباع الشهوات ، فيردها إلى القيام بالعبادات ، ثم مرج سبحانه بحر المعرفة ، وبحر PageV03P034 # النكرة في قلوب العارفين بقوله : ( وهو الذي مرج البحرين ) فبحر ~~المعرفة بحر الصفات ، وبحر النكرة بحر الذات (1). # ثم وصف البحرين فقال : ( هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج ) فبحر ~~الصفات ms1165 عذب للعارفين إذ هي فياضة لطائفها إلى الأرواح والقلوب والعقول ، ~~وهي أدركت نعوتها وأسماءها بنورها ففهمت وعرفت معارفها وكواشفها على قدر ~~الطاقة لا على الحقيقة ، وبحر الذات ملح أجاج إذ امتنع بحار حقائقه عن ~~تناول العقول والقلوب والأرواح والأسرار ، فإذا انحسرت هذه السائرات رأت في ~~بيداء الأزل ، وانقطعت ساحتها في بحار القدم فصارت نكراتها مهلكها ، وبين ~~بحر الصفات والذات برزخ المشيئة والإرادة لا يدخل أهل بحر الصفات بحر الذات ~~، ولا يرجع أهل بحر الذات إلى بحر الصفات. # قال تعالى : ( بينهما برزخ لا يبغيان ) [الرحمن : 20] ، ولا ~~يختلطان فمياه بحر الروح من بحار مشاهدة الألطاف ، ومياه بحر النفس ملح ~~أجاج ، وهي من بحار القهريات. # قال ابن عطاء : تلاطمت صفتان فتلاقيتا في قلوب الخلق ، فقلوب أهل المعرفة ~~منورة بأنوار الهداية مضيئة بضياء الإقبال ، وقلوب أهل النكرة مظلمة بظلمات ~~المخالفات معرضة عن سنن التوفيق ، وبينهما قلوب العامة ليس لها علم بما يرد ~~عليها وما يصدر منها ، ليس معها خطاب ولا لها جواب. # قال الأستاذ : القلوب بعضها معدن اليقين والعرفان ، وبعضها محل الشرك ~~والكفران. # ( وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده ~~خبيرا (58) الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش الرحمن فسئل به خبيرا (59) وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما ~~الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا (60)) # قوله تعالى : ( وتوكل على الحي الذي لا يموت ) أخبر سبحانه عن ~~حقيقة التوكل بهذه الآية ، والإشارة فيها أن من له ذخيرة عظيمة غير منقطعة ~~؛ فإنه ساكن القلب بها ، PageV03P035 # والحدثان بأسرها ليست بذخيرة غير منقطعة ؛ فإنها ليست بقائمة بنفسها إنما ~~قيامها بالله ، وهو تعالى بذاته وصفاته مستند العارفين إذ عزته وجلاله قديم ~~باق لا يزول فإذا التوكل عليه حقيقة لمن عرفه بهذه الصفة ؛ فقطع سر حبيبه ~~عن الخلق جميعا في أمر العبودية والربوبية والبلاء والعافية ، والعيش في ~~الدنيا والآخرة. # ثم أمره بتنزيهه وتقديسه حمدا لكفايته ورعايته بقوله : ( وسبح ~~بحمده ) أولا ينقطع وجود أبد الآبدين ، وبين أن أكثر خلقه محجوبون ms1166 عن هذه ~~الحقيقة ، والمحجوبون عنها وقعوا في الأسباب ، وهو في حقيقة التوكل ذنب ~~الطريقة فخوفهم بها ، وقال الله تعالى : ( وكفى به بذنوب عباده ~~خبيرا. ) # قال بعضهم : التوكل استيلاء الوجد على الإشارة ، وجذب التشرف إلى الإرفاق ~~حتى يبتدئ. # قال الواسطي : من توكل على الله لعلة غير الله ، فلم يتوكل على الله ، ~~ولما أمر سبحانه حبيبه بالتوكل على نعت الحقيقة ، وأخبر فيه عن صفته الخاصة ~~في نفسه من الحياة الأزلية الأبدية ، وعن ذاته السرمدي زاد الخبر في ~~إعلامنا قدرته وبقاءه واشتمال قوته على جميع الحوادث وإنشائها بقوله : ( ~~ الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش الرحمن ) بين أن الكون قائم به ، وذكر رحمانيته من حيث إنه رحم الخلق ~~بإيجادهم ثم أمر حبيبه أن يسأل في حقيقة هذا الأمر عن جلال عزته ، وبقاء ~~ديموميته والمعرفة بذاته ، وصفاته عن خبراء عرفانه ، وبصراء العلم بجبروته ~~وملكوته بقوله : ( فسئل به خبيرا ) وهم الذين عرف الله نفسه ~~لأرواحهم في الأول بالأولية والآخرية والقدرة والمشيئة وكمال الرحمة ، وهم ~~باقون في الأشباح بنعت الأرواح في عبوديته وعرفان ربوبيته وفي كل لمحة يزيد ~~معرفته بجلاله وقدره. # وقال الحسين : هم الذين أقامهم الله في البلاد أذلة للعباد منهم من يدل ~~على سبيل الحق ، ومنهم من يدل على آداب سبيل الحق ، ومنهم من يدل على شرائع ~~الإيمان ، ومنهم من يدل على الحق ، فهو الدليل على الحق ؛ لأن الكل محتاجون ~~إليه وهو مستغن عنهم ، يرجعون إليه في السؤال ، ولا يسأل هو أحدا كالخضر ~~ونظرائه ؛ لأنهم أوتوا العلم اللدني. # ( تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ~~(61) وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا (62) ~~وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا PageV03P036 # سلاما (63) والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما (64) والذين ~~يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما (65) إنها ساءت مستقرا ~~ومقاما (66) والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ~~(67) والذين لا يدعون ms1167 مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضاعف له العذاب يوم القيامة ~~ويخلد فيه مهانا (69) إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما (70) ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب ~~إلى الله متابا (71) والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما ~~(72) والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا (73) والذين ~~يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ~~(74) أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما (75) خالدين ~~فيها حسنت مستقرا ومقاما (76) قل ما يعبؤا بكم ربي لو لا دعاؤكم فقد كذبتم ~~فسوف يكون لزاما (77)) # قوله تعالى : ( تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا ~~وقمرا منيرا ) (61) تقدس بذاته وجلاله عن أن يكون محلا للأرواح والعقول ~~والأسرار جعل في سماء ذات القدم لأرواح العارفين وأسرار الموحدين ، وعقول ~~المقربين ، وقلوب الصديقين أبراجا من أنور صفاته لتسري فيها بنعت المعرفة ، ~~وطلب زوائد علوم الربوبية بنجوم الأسرار ، وسيارات العقول ، وشموس الأرواح ~~، وأقمار القلوب إلى أبد الآباد ، لا ينقطع سيرها في سناء الصفات وأنوار ~~الذات ؛ لأنها غير متناهية ، وأيضا جعل في سماء القلوب في سائر القلوب بروج ~~المقامات والحالات لشمس الروح وقمر العقل ونجوم الهمم والعزائم. # قال جعفر بن محمد : سمي السماء سماء لرفعته وللقلب سماء ؛ لأنه يسمو ~~بالإيمان والمعرفة بلا حد ولا نهاية ، كما أن المعروف لا حد له ، كذلك ~~المعرفة لا حد لها وبروج السماء مجاري الشمس والقمر وهي : الحمل والثور ~~والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو ~~والحوت وفي القلب بروج ، وهي : برج الإيمان والمعرفة والعقل واليقين ~~والإسلام والإحسان والتوكل والخوف والرجاء والمحبة والشوق والوله ؛ فهذه ~~اثنا عشر برجا بها دوام صلاح القلب كما أن الاثنى عشر برجا من الحمل والثور ~~إلى آخر PageV03P037 # العدد وصلاح الدار الفانية وأهلها. # وقال في قوله : ( وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ) في السماء سراج ~~الشمس ونور القمر ms1168 وفي القلب سراج الإيمان والإقرار بالوحدانية والفردانية ~~والصمدية ، وقمر المعرفة يشرق بأنوار الأزلية والأبدية فيتلألأ نور معرفته ~~وإيمانه على لسانه بالذكر ، وعلى عينيه بالعبر ، وعلى جوارحه بالطاعة ~~والخدمة ، وتلك الأنوار من تمام أولية الله للعبد في الأحوال كلها. # ثم بين سبحانه تخالف الليل والنهار لاعتبار العارفين وموعظة المريدين ~~بقوله تعالى : ( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة ) جعل تعاقب ~~ليالي الفترة ، وكشوف نهار المشاهدة لزوائد ذكر العارفين وشكر المستأنسين. # قال بعضهم : خليفة يخلف أحدهما صاحبه لمن أراد خدمة ربه أو عبادته. # ثم وصف سبحانه على الوقار من العارفين والمطمئنين من المتمكنين بقوله ~~سبحانه : ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ) وصفهم ~~بالعبودية خاصة ، ومن العرش إلى الثري ملكه وعبيده أراد بأنهم بلغوا ميادين ~~العبودية بأنوار الربوبية فانسلخوا من كل مراد دون وجه حبيبهم فتصح ~~عبوديتهم ؛ لانقطاعهم عن غيره ، يمشون على الأرض على حد الوقار والهدوء ~~والسكينة إذ على مطايا قلوبهم أثقال أوقار أنوار عظمة الذات وسطوات الصفات. # ثم زاد في وصفهم بقوله : ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) ~~(63) إذا سمعوا غير ذكر الله الصافي بنعت الإخلاص والمحبة والشوق ، يقولون ~~للمتكلفين : ( سلاما ) أي : سلامة من الله علينا من مصاحبتكم ~~ومباشرة تكلفكم. # قال الجنيد : عباد صفة مهملة ، وعبادي صفة بالحقيقة ، وعباد الرحمن صفة ~~حقيقية بالحقيقة. # قال جعفر : ( يمشون على الأرض هونا ) بغير فخر ولا رياء ولا ~~خيلاء ولا تبختر بل بتواضع وسكينة ووقار وطمأنينة وحسن خلق وبشر وجه. # كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين ؛ فقال : «هينون لينون كالجمل ~~الأنف إن قيد انقاد ، وإن أنخته على صخرة استناخ» (1). # وذلك لما طالعوا من تعظيم الحق وهيبته ، وشاهدوا من كبريائه وجلاله خشعت ~~لذلك أرواحهم وخضعت نفوسهم وألزمهم ذلك التواضع والتخشع. PageV03P038 # قال سهل في قوله : ( سلاما )، قال : صوابا من القول وسدادا. # ثم زاد في وصفهم بقوله : ( والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ) ~~(64) أخبر عن أحوالهم في شهود عظمته ، وجلال سلطان كبريائه حين كاشفهم جمال ~~وجهه ، فساعة يتمرغون في التراب ، ويعفرون وجوههم به ؛ لحب عظمته وهيبة ~~بهائه ، وساعة ms1169 يصرعون من صولة أنوار صفاته وبروز جلال ذاته ، وساعة في ~~القيام بنعت البهت والحيرة ، وساعة في الركوع في رؤية العظمة ، وساعة في ~~السجود في مشاهدة دنو الدنو ، فهكذا يبيتون عشاقه في حضرته فيولهون من ~~الذوق ، ويتحيرون من الشوق ، ويتيهون في تيه الكبرياء ، ويستأنسون بعروس ~~البقاء : # لى الليل هزتنى إليك المضاجع %~% نهارى نهار الناس حتى إذا بدا ويجمعني والهم بالليل جامع (1) %~% أقضي نهاري بالحديث وبالمنى # قال أبو عثمان : أفنوا أوقاتهم في الخدمة تلذذا بالمناجاة ، وتقربا إليه ~~، وتحننا إليه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حاكيا عن ربه : «لا ما تقرب ~~إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ، ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل ~~حتى أحبه ...» (2) الحديث. # ثم وصفهم بالإنفاق بالقصد بغير الإسراف والتقتير بقوله تعالى : ( ~~والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ) الإسراف في النفقة إنفاق في غير ~~مرضاة الله ، الإنفاق بالرياء والسمعة والإقتار النجل والإمساك. # قال بعضهم : الإسراف في النفقة تعظيم المنفق نفقته ، والإقتار فيه ~~الامتنان به على من ينفق عليه. # وقال ابن عطاء : الإسراف في النفقة إنفاق في غير مرضاة الله ، والإقتار ~~الإمساك عن واجب حق الله. # قوله تعالى : ( إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل ~~الله سيئاتهم حسنات ) أي : إلا من انسلخ مما دون الله ، ورجع بالله إلى ~~الله ، وعرف الله بالله وشرع في خدمة الله بنعت الإخلاص ، والصدق في طاعة ~~الله فيبدل الله تقصيرا توفيرا أو تحقيره توقيرا ، وغيبه حضورا ، ومعصيته ~~طاعة هذا وصف من قام في حضرة جلاله عند PageV03P039 # شهود جماله بنعت الخجل والحيرة والحياء والفناء ؛ فيكون أوزاره أنواره ~~وأنواره أسراره ، فإذا كان كذلك ؛ فإنه تعالى يتوب عليه بكشف المشاهدة ~~ومداناة الوصلة ، وفتح خزائن جود القدم وحقائق ألطاف الكرم بقوله : ( ~~ فأولئك يتوب الله ) [النساء : 17]. # وقال عليه السلام : «من تاب تاب الله عليه» (1). # ثم بين أن التائب الصالح العارف الصادق تقع توبته عند مشاهدة الله بقوله ~~: ( ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا ) (71). # قال ابن عطاء : التوبة الرجوع من كل خلق مذموم ms1170 والدخول في كل خلق محمود. # وقال طاهر : التوبة أن يتوب من كل شيء سوى الله. # ثم وصفهم بالقدس والطهارة عن شهود قلوبهم مشاهد الرياء والسمعة بقوله : ( ~~ والذين لا يشهدون الزور ) لا يشهدون بقلوبهم وأسرارهم ما دون رؤية ~~القدم ؛ فإن ما دون القدم يكون بالمحل كالعدم في العدم بالحقيقة ، وكل شيء ~~يكون بنعت العدم فوجوده زور ؛ إذ لا حقيقة لوجوده مع وجود الحق الذي لم يزل ~~ولا يزال موجودا حقيقيا. # ثم زاد في وصفهم أنهم لم يلتفتوا في مرورهم على أهل الدنيا ومزخرفاتهم ~~إلى دنياهم كرما وظرافة بقوله : ( وإذا مروا باللغو مروا كراما ) (72). # قال ابن عطاء : ( يشهدون الزور ) هو شهادة اللسان من غير مشاهدة القلب. # وقال جعفر : الزور أماني النفس ومتابعة هواها. # قال سهل : الزور مجالس المبتدعين. # قال أبو عثمان فيما سأله عنه أحمد بن حمدان من قوله : ( يشهدون ~~الزور ) قال : لا يخالطون المدعين. # ثم زاد في وصفهم بالتنبه والتيقظ والاعتبار والفهم والإدراك في خطاب الله ~~بقوله : ( والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما ~~وعميانا ) (73) إذا سمعوا كلام الله وقفوا عليه بنعت التدبر والتفكر فيه ~~والاستكشاف والتبين ، فإذا وجدوا حقائق الخطاب أخذوا منه لطائف كنوز علوم ~~الربوبية اللدنية ، وشاهدوا جمال الحق في كلام الحق. # قال ابن عطاء : لم ينكروها ولم يعرضوا عنها بل أقبلوا على أوامرها بالسمع ~~والطاعة ونعمة عين. PageV03P040 # ثم أخبر عن مقالتهم عند شهودهم مشاهدته بقوله : ( والذين يقولون ~~ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ) أي : اجعل أزواجنا وذرياتنا من ~~أهل معرفتك ومشاهدتك ليكونوا زيادة نور أبصارنا ، واجعلهم مطيعين لك ~~ومعاونين لنا في خدمتك. # قال جعفر : ( ربنا هب لنا من أزواجنا ) معاونة على طاعتك ، ومن ~~أولادنا حتى تقر عيننا بهم. # ثم وصفهم بزيادة الدعاء على أنفسهم بأن يجعلهم أئمة الهدى ، وأن يجعلهم ~~أئمة للمتقين أي : اجعلنا عرفاءك لنكون أئمة للزهاد والعباد. # يا فهم ، إن العارف واصل مراد يعرف من الله مكان الحقائق ، ومثله كمثل ~~عنقاء مغرب ، ومثل الزهاد وأهل التقوى كمثل الطيور الصغار المختلفة. # قال أبو ms1171 عثمان : لا يكون إماما في التقوى من لم يصحح تقواه مع ربه ، وبقي ~~عليه شيء من ذلك إنما الإمام المقدم في الشيء ، وإمام المتقين من يتقي كل ~~شيء سوى الله. # ثم أخبر سبحانه عما يجازيهم بمأمولهم : ( أولئك يجزون الغرفة بما ~~صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما ) (75) يجزون بغرف الوصال كشف أنوار الجمال ~~بما صبروا في شوقه عنه به لا بغيره يسمعون سلام الله وتحيته واعتذاره إليهم ~~، والفرق بين السلام والتحية أن السلام سلامة العارفين في الوصال عن الفرقة ~~، والتحية روح تجلي حياة الحق الأزلي في أرواحهم وأشباحهم ، فيحيون بحياته ~~أبد الآبدين ( خالدين فيها ) دائمين في مشاهدة الله ( حسنت ~~مستقرا ومقاما ) (76) حسنت مستقرا بهم ومقاما بهم بحسن جمال الحق. # قال الترمذي : أهل الغرف كائن في أوائل الآية لا في آخرها ، وإنما وصف ~~أهل الغرف بما يعقل من ظواهر أمورهم ، وإنما نالوها بما في باطنهم ، ألا ~~تراه تعالى يقول : ( بما صبروا )، والصبر في الأخلاق والآداب. # قال الواسطي : التحية غير السلام ، السلام من عند الله ، والتحية صفرة ~~الحياة مع الحق. # وقال أيضا : التحية من الله إلى الروح كسوة يحيا الروح بحياته ؛ فلا ~~يلاحظ غير من حياه وأكرمه وأدناه تحية من عند الله مباركة طيبة. # وقال أيضا : التحية في الأصل ما يحيا به ، فيفرح الروح بذلك ، ويأنس به ، ~~وقال : التحية في الدنيا على العقول بركات ما يقع عليها من طيب ما أجرى عليها. # وقال بعضهم : التحية أنس الأسرار بالحي ، والسلام سلامة القلوب من ~~القطيعة. # وقال بعضهم في قوله : ( مستقرا ومقاما ): طاب فيها المقام ، ~~وحسن فيها القرار. PageV03P041 # وقال بعضهم : أحسن المقام ، المقام في مشهد الحق ، وأطيب القرار ، القرار ~~في جواره على فرش مرضاته. # * * * ### | سورة الشعراء # بسم الله الرحمن الرحيم # ( طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) لعلك باخع نفسك ألا ~~يكونوا مؤمنين (3) إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها ~~خاضعين (4) وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين (5) فقد ~~كذبوا فسيأتيهم أنبؤا ما كانوا به يستهزؤن (6)) # ( طسم (1)) «الطاء» طهارة القدم من الحدثان ms1172 ، و «السين» سنا ~~صفاته الذي ينكشف في مرائي البرهان ، و «الميم» مجده الذي ظهر بوصف البهاء ~~في قلوب أهل العرفان ، طاحت أرواح السابقين في مشاهدة طهارة ذاته ، وسكرت ~~قلوب أهل الأسرار في رؤية سنا صفاته ، وانمحت عقول المحبين في شهود مجد ~~كبريائه ، طابت قلوب الوالهين بطيب وصاله ، وسارت عقول الهامين في ميادين ~~أسراره ، وطارت أرواح المحبين بأجنحة محبته في جنان مشاهدته ف «الطاء» طرب ~~المستأنسين في طلبه ، و «السين» سرور المحبين بها ، وجدوا من أسراره ، ~~و «الميم» مهابة العارفين في بسيط ملكه. # قال الجنيد : «الطاء» طرب التائبين في ميدان الرحمة ، و «السين» سرور ~~العارفين في ميدان الوصلة ، و «الميم» مقام المحبين في ميدان القربة. # وقال بعضهم : «الطاء» شجرة طوبى ، و «السين» سدرة المنتهى ، و «الميم» محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، وقيل : «الطاء» طرب المشتاقين ، و «السين» سرور المحبين ~~بمحبوبهم ، والعارفين بمعروفهم ، و «الميم» مقام الموافقة. # قال الأستاذ : «الطاء» إشارة إلى طهارة عزة وتقدس علوه ، و «السين» دلالة ~~على سنا جبروته ، و «الميم» دلالة على مجد جلاله في أزله ، ويقال : «الطاء» ~~طرب أرباب الوصلة على بساط القربة بوجدان كمال الروح ، و «السين» سرور ~~العارفين بما كوشفوا به من بقاء الأحدية باستظلالهم لوجوده ، و «الميم» ~~إشارة إلى موافقتهم لله بترك تخيير على الله ، وحسن الرضا باختيار الحق لهم. # ويقال : «الطاء» إشارة إلى طهارة أسرار أهل التوحيد ، و «السين» إشارة إلى سلامة PageV03P042 # قلبهم عن مساكنة كل مخلوق ، و «الميم» إشارة إلى منة الخالق عليهم بذلك (1). # قوله تعالى : ( لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ) (3) أخبر عن ~~كمال شفقة حبيبه على أمته أنه كان يحب ألا يبقى في الأرض أحدا إلا يكون ~~لمحبوبة محبا خاضعا ووليا صادقا ، وهو تعالى أخبره أن حرصك بإيمانهم لا ~~يمنع سوابق حكمي فيهم ، وفيه بيان أن الإيمان والمعرفة موهبة خاصة خارجة عن ~~اكتساب الخلق. # قال سهل : تهلك نفسك باتباع المراد في هدايتهم وإيمانهم ، وقد سبق مني ~~الحكم في إيمان المؤمنين وكفر الكافرين فلا تغيير ولا تبديل. # ( أولم يروا إلى الأرض ms1173 كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم (7) إن في ~~ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (8) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (9)) # قوله تعالى : ( أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج ~~كريم ) (7) كما أنبت سبحانه من أرض الظاهر كل صنف ونوع من النبات الحسن ~~الكريم أنبت في أرض قلوب العارفين كل لون من نبات المعارف وأنوار الكشف ~~وأشجار المحبة ورياحين المودة والحكمة. # قال أبو بكر بن طاهر : أكرم زوج من نبات الأرض آدم وحواء ؛ فإنهما كانا ~~سببا في إظهار الرسل والأنبياء والأولياء والعارفين. # ( وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين (10) قوم فرعون ألا ~~يتقون (11) قال رب إني أخاف أن يكذبون (12) ويضيق صدري ولا ينطلق لساني ~~فأرسل إلى هارون (13) ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون (14) قال كلا فاذهبا ~~بآياتنا إنا معكم مستمعون (15) فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين ~~(16) أن أرسل معنا بني إسرائيل (17)) # قوله تعالى : ( وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين ) (10) ~~ناداه بلسان الوصال وكشف الجمال. # ثم امتحنه بأعظم البلاء ، وهو صحبة الأضداد إظهارا للربوبية ، وإيجادا ~~للعبودية فأشفق موسى على خلقه بأنهم إن كذبوه هلكوا ؛ لأنه أخبر عن عظائم ~~المقامات وحقائق PageV03P043 # الحالات بقوله : ( إني أخاف أن يكذبون (12)) وخوفه كان شفقة عليهم. # قال ابن عطاء : أمره بدعائهم إلى توحيده ، وقد أشهده عظمته في القراءة ~~وإحاطة علمه وقدرته بعباده ؛ فقال ( إني أخاف أن يكذبون ) فنطق ~~بخوفه بلسان إعظام الحق وإجلاله ؛ خوفا من أن يرى تكذيبهم بمقال ، ورد ~~عليهم من الحق خاف من استماعه إنكارا وأشفق من مشاهدتهم على ذلك إكبارا ، ~~ولما استطاب موسى مقام المداناة والمناجاة مع الحق سبحانه تعلل بقوله : ( ~~ ويضيق صدري ) أي : ضاق صدري من حمل وارد كشف الألوهية ، ومن غاية ~~سكري بشراب المحبة والوصلة ، ونظر روحي إلى جمال الديمومية ( لا ~~ينطلق لساني فأرسل ) بإبلاغ الرسالة ، ولا يحتمل صدري رحمة رؤيتهم ( ~~ ولا ينطلق لساني ) بالعبارة عن مقامي بين يديك لهم. # قال الشبلي : كذلك صفة من يحقق في المحبة أن يضيق صدره عن حمل ما فيه من ms1174 ~~أنواع المحن ، ويكل لسانه من الإخبار عن شيء منه لنفرح به ؛ فيموت فيها ~~كمدا أو يعيش فيها فندا. # ولما طاب وقت موسى في استماعه كلام الحق من الحق بلا واسطة ، وحصل له لذة ~~الحضور والمشاهدة ثقل عليه إحكام الرسالة مع الخلق ، وإبلاغها إليهم فتعلل ~~بقوله تعالى : ( فأرسل إلى هارون (13) ولهم علي ذنب فأخاف أن ~~يقتلون (14)) ، وليس بعجب طريان خوف الطبيعة وصفات البشرية على الأنبياء ~~في الأصل ؛ فالمعرفة ثابت ، وهذا شرط الانبساط ، والسؤال عن سر القدر هل ~~يكون مقتولا بيدهم بالحكم السابق ، فأخبره الحق سبحانه أن فرعون وقومه من ~~الهالكين لأجل عصيانهم له بقوله : ( كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم ~~مستمعون (15)) ) أي : من كنت معه بالنصر والظفر لا يخذله أحد. # قال أبو بكر بن طاهر : السؤال سؤال الحق تعالى عن علمه فأجابه : ( ~~ كلا )، ثم بدأ قال : ( فاذهبا ... ) الآية ، وهو تقدير ~~بسؤاله أي : هل في سبق علمك وواجب حكمك أن يقتلون ، يستدل على ذلك بجواب ~~الحق له ( كلا )، ثم خاطبه وبعثه بالرسالة ، وأمرهما بإظهار ~~الدلالة. # ( قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين (18) وفعلت ~~فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين (19) قال فعلتها إذا وأنا من الضالين (20)) # قوله تعالى : ( قال ألم نربك فينا وليدا ) ظن الملعون أنه ربي ~~موسى ، وكان موسى مربى في حجر وصلة الله سبحانه بألبان شفقته ، ورعاية حسن ~~عنايته حقيقة ، فرجع إلى منة PageV03P044 # المجاز ، وكان ذلك من غاية جهله ، وليته من على كليم الله الذي كان ~~مستغرقا في بحار امتنان الحق وتربيته بألطافه بقوله سبحانه : ( ~~وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني ) (39) [طه : 39] ؛ فيكتفي. # قال محمد بن علي : ليس من الفتوة تذكار الصنائع ، وتزداد على من اصطنعت ~~إليه ، ألا ترى إلى فرعون لما لم يكن له فتوة كيف ذكر صنيعه ، وامتن به على موسى. # ( ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين ~~(21) وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل (22)) # قوله تعالى : ( ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما ) إن الله ~~سبحانه إذا أراد أن ms1175 يبلغ أحدا من خلقه إلى مقام من النبوة والولاية ، وهو ~~في موضع شائن يلقي عليه رعبا حتى يفر إليه من خلقه ؛ فيكشف له خصائص أسراره ~~كما فعل لموسى ، وكان في الأزل مجتبى بالرسالة والنبوة ؛ فالإخبار عنه ~~بقوله : ( ففررت منكم ) أي : من قبح أعمالكم لما خفتكم من نزول ~~عقوبة الله عليكم ، ( فوهب لي ربي حكما ) معرفة بجلاله وعزه ، ~~وفهما بحقائق ملكه وملكوته ، وعلما بذاته وصفاته وربوبيته وعبوديته أي : ~~كانت هذه المنزلة لي بحق الاصطفائية في الأزل ، ولكن ظهر على لطائفها لما ~~فررت منكم إليه. # قال بعضهم : الفرار مما لا يطاق من سنن المرسلين. # قال الله : ( ففررت منكم لما خفتكم. ) # قال ابن عطاء : فررت من مجاورتكم ، وخفت من جرأتكم على ربكم لما لم ~~تحفظوا حقوق الرسل ، ولم أر عليكم علامات التوفيق. # وقال بعضهم : فارقتكم لما خفت نزول العذاب عليكم. # ( قال فرعون وما رب العالمين (23) قال رب السماوات والأرض وما ~~بينهما إن كنتم موقنين (24) قال لمن حوله ألا تستمعون (25) قال ربكم ورب ~~آبائكم الأولين (26) قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون (27) قال رب ~~المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون (28) قال لئن اتخذت إلها غيري ~~لأجعلنك من المسجونين (29) قال أولو جئتك بشيء مبين (30) قال فأت به إن كنت ~~من الصادقين (31) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (32) ونزع يده فإذا هي ~~بيضاء للناظرين (33) قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم (34) يريد أن يخرجكم ~~من أرضكم بسحره PageV03P045 # فما ذا تأمرون (35) قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين ~~(36) يأتوك بكل سحار عليم (37) فجمع السحرة لميقات يوم معلوم (38) وقيل ~~للناس هل أنتم مجتمعون (39) لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين (40) ~~فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أإن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (41) قال ~~نعم وإنكم إذا لمن المقربين (42) قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (43) ~~فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون (44) فألقى موسى ~~عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون (45) فألقي السحرة ساجدين (46) قالوا آمنا برب ~~العالمين (47) رب موسى وهارون (48) قال آمنتم له قبل أن ms1176 آذن لكم إنه ~~لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ولأصلبنكم أجمعين (49)) # قوله تعالى : ( قال فرعون وما رب العالمين ) (23) كان الملعون ~~مشبها لذلك قال : ( وما رب العالمين ) أي : شيء هو؟ فوقع في الخيال ~~، فأجابه موسى : ( قال رب السماوات والأرض وما بينهما ) أي : موجد ~~الأشياء بلا كيف ، وهو منزه عن التكييف والتصوير ، وزاد الحجة عليه من حيث ~~قطع نسبة التشبيه عنه بقوله : ( قال ربكم ورب آبائكم الأولين ) ~~(26) أي : ليس الخالق كالمخلوق أوجدكم وأوجد آباءكم من العدم بقوة القدم ، ~~ومن كان قديما انقطع عنه إشارات الأوهام والخيال ، فلما سمع الملعون حجة ~~كاملة ، وعلم أن حجته القطع نسب موسى إلى الجنون لما لم يكن له جواب لموسى ~~، وخاف أن يسقط من أعين قومه. # قال عمرو المكي : علم فرعون أن الحجة قد وجبت فخاف الافتضاح عند قومه ، ~~فأعرض عن مساءلة موسى ، ورجع إلى قومه ، وقال : ( إن رسولكم الذي ~~أرسل إليكم لمجنون ). # قال موسى : ( رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون ) ~~تبين بذلك حجته ، وظهر افتضاحه في انقطاعه ، فثبت الحجة عليه إذ لم يدفع ~~الحجة بحجة ، والإشارة في قوله : ( رب المشرق والمغرب ) مشرق قلوب ~~العارفين يشرق بطلوع شمس تجلي الصفات والذات ، ومغرب نفوسهم التي هي معدن ~~ظلمات قهره حين ابتلاهم بالاستتار بعد التجلي. # قال ابن عطاء : منور قلب أوليائه بالإيمان ، ومشرق ظواهرهم به ، ومظلم ~~قلوب أعدائه بالكفر والعصيان ، ومظهر آثار تلك الظلم على هياكلهم. PageV03P046 # ( قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون (50) إنا نطمع أن يغفر لنا ~~ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين (51) وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي ~~إنكم متبعون (52) فأرسل فرعون في المدائن حاشرين (53) إن هؤلاء لشرذمة ~~قليلون (54) وإنهم لنا لغائظون (55) وإنا لجميع حاذرون (56) فأخرجناهم من ~~جنات وعيون (57) وكنوز ومقام كريم (58) كذلك وأورثناها بني إسرائيل (59) ~~فأتبعوهم مشرقين (60) فلما تراءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون (61)) # قوله تعالى : ( قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون ) (50) لما ~~عاينوا مشاهدة الحق سهل عليهم البلاء لا سيما أنهم يطمعون أن يصلوا إليه ~~بنعت ms1177 الرضا والغفران بقوله : ( إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا ~~) خطاياهم : احتجابهم بالسحر عن رؤية لطائفه التي هي مرآة سر القدم ، ولو ~~وجدوا السحر بالحقيقة لم يكن ذلك خطأ ، وإنما الخطأ وقع على الاحتجاب به عن الحق. # قال ابن عطاء : من اتصلت مشاهدته بالحقيقة احتمل معها كل وارد يرد عليه ~~من محبوب ومكروه ألا ترى السحرة لما صحت مشاهدتهم كيف قالوا : «لا خير». # ( قال كلا إن معي ربي سيهدين (62) فأوحينا إلى موسى أن اضرب ~~بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم (63) وأزلفنا ثم الآخرين ~~(64) وأنجينا موسى ومن معه أجمعين (65) ثم أغرقنا الآخرين (66) إن في ذلك ~~لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (67) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (68) واتل ~~عليهم نبأ إبراهيم (69) إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون (70) قالوا نعبد ~~أصناما فنظل لها عاكفين (71) قال هل يسمعونكم إذ تدعون (72) أو ينفعونكم أو ~~يضرون (73) قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (74) قال أفرأيتم ما كنتم ~~تعبدون (75) أنتم وآباؤكم الأقدمون (76)) # قوله تعالى : ( قال كلا إن معي ربي سيهدين ) (62) احتجب القوم ~~بالبلاء عن رؤية المبلي ، وشاهد الكليم مشاهدة الحق في مقام الامتحان ؛ ~~لذلك أفرد نفسه من بينهم بقوله : ( إن معي ربي سيهدين ) أي : إن ~~معي ربي بالرعاية والحفظ والعناية والمشاهدة سيهديني إلى وصاله الأبدي ، ~~وذخائر علمه الأزلي ، وسر المعية في الحقيقة لا يتجاوز عن رؤية الذات ~~والصفات والعلم والقدرة ؛ لأن المعية إشارة المحب إلى المحبوب ، ولو كان في ~~محل الوحدة يكون حاله مرتفعا من محل المعية إلى محل الاتحاد إلا أن في ~~المعية مباشرة التجلي بنعت دنو PageV03P047 # الدنو ، حيث لا يبقى رسوم البعد والقرب. # قال الجنيد : حين سئل العناية أولا أم الرعاية؟ قال : العناية قبل الماء ~~والطين. # قال ابن عطاء : في قوله : ( إن معي ربي سيهدين ) أي : معي ربي ~~بعلمه وقدرته سيهديني إلى قربه حتى أكون معه بالمراقبة والرعاية والمحافظة ~~والمشاهدة. # ( فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (77)) # قوله تعالى : ( فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ) (77) رأي الخليل ~~عليه السلام نفسه على مثابة في الخلة بألا يكون ms1178 في زمانه له نظير يسمع كلامه ~~من حيث حاله ، فوقع العداوة بينه وبين الخلق جميعا ، وأيضا هذا إخبار عن ~~كمال محبته إذ لا يليق بصحبته ومحبته أحد غير الحق. # قال سمنون (1): لا تصح المحبة لمن لم ينظر إلى الأكوان ، وما فيها بعين ~~العداوة حتى يصح له بذلك محبة محبوبه ، والرجوع إليه بالانقطاع عما سواه. # ألا ترى الله تعالى حاكيا عن الخليل قوله : ( فإنهم عدو لي إلا ~~رب العالمين ) (77) هجرت الكل فيك حتى صح لي الاتصال بك. # ( الذي خلقني فهو يهدين (78) والذي هو يطعمني ويسقين (79) وإذا ~~مرضت فهو يشفين (80)) # قوله تعالى : ( الذي خلقني فهو يهدين ) (78) الذي خلقني بخلقه ~~فهو يهديني بنفسه إلى نفسه ، وعرفني بصفاته ذاته وبذاته صفاته ( ~~والذي هو يطعمني ويسقين ) (79) يطعمني من موائد كشف جماله ، ويسقيني شراب ~~المحبة من بحر جلاله ( وإذا مرضت فهو يشفين ) (80) إذا مرضت بداء ~~محبته ، وسقمت بسقم شوقي إلى لقائه ؛ فهو يشفيني بحسن وصاله وكشف جماله. # وفي لقياك عجل لي شفائي %~% بمقدمك المبارك زال دائي # ( والذي يميتني ثم يحيين (81)) # قوله تعالى : ( والذي يميتني ثم يحيين ) (81) الذي يفنيني بسطوات ~~عظمته ، ويحييني بروح كشف بقائه. # تميت بها وتحيي من تريد %~% لها في طرفها لحظات سحر PageV03P048 # ( والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (82) رب هب لي حكما ~~وألحقني بالصالحين (83) واجعل لي لسان صدق في الآخرين (84) واجعلني من ورثة ~~جنة النعيم (85) واغفر لأبي إنه كان من الضالين (86) ولا تخزني يوم يبعثون ~~(87) يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب سليم (89) وأزلفت ~~الجنة للمتقين (90) وبرزت الجحيم للغاوين (91) وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون ~~(92) من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون (93) فكبكبوا فيها هم والغاوون ~~(94) وجنود إبليس أجمعون (95) قالوا وهم فيها يختصمون (96) تالله إن كنا ~~لفي ضلال مبين (97) إذ نسويكم برب العالمين (98) وما أضلنا إلا المجرمون ~~(99) فما لنا من شافعين (100) ولا صديق حميم (101) فلو أن لنا كرة فنكون من ~~المؤمنين (102) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (103) وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم (104) كذبت قوم نوح المرسلين ms1179 (105) إذ قال لهم أخوهم نوح ألا ~~تتقون (106) إني لكم رسول أمين (107) فاتقوا الله وأطيعون (108) وما أسئلكم ~~عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (109) فاتقوا الله وأطيعون (110) ~~قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون (111) قال وما علمي بما كانوا يعملون (112) ~~إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون (113)) # قوله تعالى : ( والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ) (82) ~~أطمع أن يغفر لي خطيئتي في طلبي جمال القدم في مرآة الكون بقولي : ( ~~ رب أرني كيف تحي الموتى ) [القرة : 260] ، وتقصيري في حقائق التوكل ~~بقولي : ( إني سقيم )، بأن يكشف لي الكشف الأكبر في اليوم الأعظم ~~( رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين ) (83) أي : هب لي معرفة كاملة ~~بجلال عزتك ، وألهمني غرائب حكمك ، وألحقني بمن وحدك وأفردك عن غيرك في ~~تجريد توحيدك من المرسلين والنبيين والعارفين. # ( واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) (84) أي : اجعلني ممدوح ~~العارفين إلى الأبد ، ( واجعلني من ورثة جنة النعيم ) (85) أي : من ~~ورثة جنة مشاهدتك ووصالك ، ( ولا تخزني يوم يبعثون ) (87) أي : لا ~~تحجبني من جمالك وكشف ووصالك ، ولا ترد علي شفاعتي في المذنبين ، ولا ~~تمنعني من الانبساط بين يديك ، ( يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) ~~إلا من أتى الله بقلب سليم ) (89) يوم لا ينفع الاشتغال بغيرك ، بل ينفع من ~~أتاك بقلب PageV03P049 # سقيم بمحبتك مملوء من شوقك ، محترق بنيران عشقك ، خال عن غيرك من العرش ~~إلى الثرى ، رفيق بلزوم أنوار كشف جمالك ، له لطيف في تقلب ذاتك وصفاتك ~~بنعت المحبة والمعرفة ، وأيضا بقلب طاهر عن الأدناس ، وعن الهواجس والوسواس ~~، بين سبحانه في هذه الآيات مقام خليله بين يديه من المراتب الشريفة ~~والحالات الرفيعة ، الإشارة الأولى بقوله : ( الذي خلقني ) إلى محض ~~وحدانية الحق وكمال قدرته الأزلية بنعت نفي الأنداد والأضداد. # وأشار في قوله : ( فهو يهدين ) إلى قطع الأسباب والاكتساب في ~~النبوة والولاية والخلة بالإشارة إلى الاصطفائية السابقة ، وأشار في قوله : ~~( هو يطعمني ويسقين ) إلى مقام التوكل والرضا والتسليم والتفويض ، ~~وقطع الأسباب ، والأعمال إليه بالكلية ، والإعراض عما سواه ، وهكذا الإشارة ~~في قوله : ( وإذا مرضت فهو يشفين ) رفع ms1180 الرجوع إلى غيره والسكون ~~إلى التداوي والمعالجة بشيء ؛ فهو كمال التسليم ، وأشار بقوله : ( ~~والذي يميتني ثم يحيين ) أنه مشاهد سوابق القدر بنعت الرضا بالحكم والقضاء. # وأشار بقوله : ( والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي ) إلى مقام حسن ~~اليقين ، وحسن الرجاء ، وخالص العبودية ، وأشار بقوله : ( ولا ~~تخزني ) إلى مقام الإجلال والتعظيم والخوف والخشية والهيبة ، وأشار بقوله : ~~( إلا من أتى الله بقلب سليم ) إلى التخلق بخلق الله والاتصاف ~~بصفته إذ لم يكن القلب سليما بلا عيب إلا إذا كان متصفا بطهارة قدس الحق عن ~~النظر إلى الخلق ، واستعمل حسن الأدب في كمال خلقه ومعرفته في وصف الحق ~~سبحانه بمكنيات ألفاظ حيث قال : ( الذي )، وهذا من غلبه حرمة الحق ~~عليه ، وتمكينه في الصحو بعد سكره في البداية ، وجرأته حين غلب عليه سكر ~~المحبة حيث خاطب الحق بتصريح القول في المواجهة بقوله : ( كيف تحي ~~الموتى ) [البقرة : 260] ، و ( رب اجعلني ) [إبراهيم : 40] ، و ( ~~ هذا ربي ) [الأنعام : 77] ، والدليل على ذلك قول الواسطي قال : لما ~~استغرق إبراهيم في الخلة احتشم من ذكر خليله بالتصريح ، فرجع إلى الصفات ~~جعل يقول : «الذي» ، ولم يصرح بل كنى ، والكناية فيها تصريح ، ولما كان في ~~ابتداء مقاماته وأوائل جذبه لم يستغرق في الخلة جعل يصرح ، ويقول : «ربي» «ربي». # قال بعضهم : الذي خلقني لعبوديته يهديني إلى قربه. # وقال بعضهم : الذي خلقني لدعوة خلقه سيهديني إلى آداب خلته. # قال الأستاذ : أي : يهديني إلي فإلي محو في وجودي ، فليس لي خير عني. # وقال النهرجوري : الذي يطعمني حلاوة ذكره ، ويسقيني كأس محبته. PageV03P050 # وقال الجريري : الذي يطعمني في حضرته ، ويسقيني هو الذي يظهر علي بركات ~~ذلك المطعم والمشرب ، وفي ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إني أبيت عند ~~ربي يطعمني ويسقيني» (1). # وقال ابن عطاء : إذا أمرضني رؤية الأغيار ؛ فإن شفائي الرجوع إلى مشاهدة ~~الملك الجبار. # وقال جعفر : إذا مرضت برؤية أفعالي وأحوالي شفاني تذكار الفضل والكرم. # وقال ذو النون : إذا أمرضني مقاساة الخلق شفاني مشاهدة الحق. # وقال ابن عطاء : الذي يميتني عنه ثم يحييني به. # وقال أبو عثمان ms1181 : يميتني بخوفه ، ويحييني برجائه. # وقال الواسطي : الذي يميتني بالاستتار ، ويحييني بالتجلي. # وقال الجنيد : الذي يميتني بالافتقار إليه ، ثم يحييني بالاستغناء به. # وقال أبو عثمان : أخرج سؤاله على حد الأدب ، ولم يحكم على ربه بالمغفرة ، ~~ولكنه قال : # ( والذي أطمع ) طمع العبيد في مواليهم ، وإن لم يكونوا يستحقون ~~عليهم شيئا ، إذ العبد لا يستحق على مولاه شيئا ، وما يأتيه من فضل مولاه. # وقال ابن عطاء في قوله : ( رب هب لي حكما ) أي : شكر ما خصصتني ~~به من مقام الخلد ، قال : الراضين عنك في جميع الأحوال ، قال : ( ~~واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) أي : أطلق لسان أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~بالثناء علي والشهادة لي فإنك قد جعلتهم شهداء مقبولين. # قال سهل : ارزقني الثناء في جميع الأمم والملل. # وقال في قوله : ( ولا تخزني ) لا تقطع حجتي عنه المسألة ، ولا ~~تفضحني بالمناقشة ، ولا تحشمني بالحياء عنه مواقعة الجزاء. # قال ابن عطاء : لا تشغلني بالخلة عنك ، وأفض علي أنوار رحمتك لئلا أغيب ~~عن مشاهدتك برؤية شيء سواك. # وقال في قوله : ( إلا من أتى الله بقلب سليم ) قال : قلب خال من ~~الاشتغال بشيء سوى مولاه ، سلم له الطريق إليه ، ولم يعرج على شيء سواه. # قال الواسطي : سلم من سوء القضاء ، وسئل من القلب السليم. # قال : سلم عن الإعراض عن الله. PageV03P051 # وقال الجنيد : السليم الذي لا يكون فيه إلا حبه. # وقال ابن عطاء : السليم لا يشوبه شيء من آفات الكون. # وسئل بعضهم : بم ينال سلامة الصدر؟ قال : بالوقوف على حد اليقين. # ( وما أنا بطارد المؤمنين (114) إن أنا إلا نذير مبين (115) ~~قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين (116) قال رب إن قومي كذبون ~~(117) فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين (118) فأنجيناه ~~ومن معه في الفلك المشحون (119) ثم أغرقنا بعد الباقين (120) إن في ذلك ~~لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (121) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (122) كذبت ~~عاد المرسلين (123) إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون (124) إني لكم رسول ~~أمين (125) فاتقوا الله وأطيعون (126) وما أسئلكم عليه ms1182 من أجر إن أجري إلا ~~على رب العالمين (127) أتبنون بكل ريع آية تعبثون (128) وتتخذون مصانع ~~لعلكم تخلدون (129) وإذا بطشتم بطشتم جبارين (130) فاتقوا الله وأطيعون ~~(131) واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون (132) أمدكم بأنعام وبنين (133) وجنات ~~وعيون (134) إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (135) قالوا سواء علينا أوعظت أم ~~لم تكن من الواعظين (136) إن هذا إلا خلق الأولين (137) وما نحن بمعذبين ~~(138) فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (139) وإن ~~ربك لهو العزيز الرحيم (140) كذبت ثمود المرسلين (141) إذ قال لهم أخوهم ~~صالح ألا تتقون (142) إني لكم رسول أمين (143) فاتقوا الله وأطيعون (144) ~~وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (145) أتتركون في ما ~~هاهنا آمنين (146) في جنات وعيون (147) وزروع ونخل طلعها هضيم (148) ~~وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين (149) فاتقوا الله وأطيعون (150) ولا ~~تطيعوا أمر المسرفين (151) الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون (152) قالوا ~~إنما أنت من المسحرين (153) ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من ~~الصادقين (154) قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم (155) ولا تمسوها ~~بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم (156) فعقروها فأصبحوا نادمين (157) فأخذهم ~~العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (158) وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم (159) كذبت قوم لوط المرسلين (160) إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون ~~(161) إني لكم رسول أمين (162) فاتقوا الله PageV03P052 # وأطيعون (163) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب ~~العالمين (164) أتأتون الذكران من العالمين (165) وتذرون ما خلق لكم ربكم ~~من أزواجكم بل أنتم قوم عادون (166) قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من ~~المخرجين (167) قال إني لعملكم من القالين (168) رب نجني وأهلي مما يعملون ~~(169) فنجيناه وأهله أجمعين (170) إلا عجوزا في الغابرين (171) ثم دمرنا ~~الآخرين (172) وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (173) إن في ذلك لآية ~~وما كان أكثرهم مؤمنين (174) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (175) كذب أصحاب ~~الأيكة المرسلين (176) إذ قال لهم شعيب ألا تتقون (177) إني لكم رسول أمين ~~(178) فاتقوا الله وأطيعون (179) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على ~~رب العالمين ms1183 (180) أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين (181) وزنوا ~~بالقسطاس المستقيم (182) ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين (183) واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين (184) قالوا إنما أنت من ~~المسحرين (185) وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين (186) فأسقط ~~علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين (187) قال ربي أعلم بما تعملون ~~(188) فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم (189) إن في ذلك ~~لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (190) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (191) وإنه ~~لتنزيل رب العالمين (192) نزل به الروح الأمين (193) على قلبك لتكون من ~~المنذرين (194) بلسان عربي مبين (195) وإنه لفي زبر الأولين (196) أولم يكن ~~لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل (197) ولو نزلناه على بعض الأعجمين ~~(198) فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين (199) كذلك سلكناه في قلوب المجرمين ~~(200) لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم (201) فيأتيهم بغتة وهم لا ~~يشعرون (202) فيقولوا هل نحن منظرون (203) أفبعذابنا يستعجلون (204)) # قوله تعالى : ( وما أنا بطارد المؤمنين ) (114) أراد بالمؤمنين ~~المؤثر من الله على من سواه بشرط المحبة والموافقة. # قال ابن عطاء : ما أنا بمعرض عمن أقبل على ربه ، قوله تعالى : ( ~~نزل به الروح الأمين (193) على قلبك. ) # وأخبر الله سبحانه أن قلب محمد صلى الله عليه وآلهوسلم محل نزول الكلام ~~الأزلي ؛ لأنه مصفى من جميع PageV03P053 # الحدثان بتجلي مشاهدة الرحمن ، فكان قلبه عليه السلام صدف لآلئ خطاب الحق ~~يسبح في بحار الكرم ، فيتلقف كلام الحق من الحق بلا واسطة ؛ وذلك سر عجيب ، ~~وعلم غريب بأنه سمع كلام الحق ، وما اتصل به ؛ لأن كلامه لم ينفصل منه ، ~~وكيف يفارق الصفات عن الذات لكن بقي في قلبه ظاهره وعلمه وسره ؛ فجبريل في ~~البين واسطة لجهة الحرمة ، وذكر ذلك بقوله : ( نزل به الروح الأمين ~~)؛ لأن القلب معدن الإلهام والوحي والكلام والرعاية والعرفان به يحفظ ~~الكلام ، وفائدة ذلك إعلام أن من وجود الإنسان ليس شيء يليق بالخطاب ، ~~ونزول الأنبياء إلا قلبه ، فكل قلب مسدود بعوارض البشرية لا يسمع خطاب الحق ~~، ولا يرى جمال الحق. # قال أبو بكر بن طاهر : ما ms1184 أنزل على قلبه جبريل جعله محلا للإنذار لا ~~للتحقيق ، والحقيقة هو ما يلقفه من الحق ؛ فلم يخبر عنه ، ولم يشرف عليه ~~خلق من الجن والإنس والملائكة ؛ لأنه ما أطاق ذلك أحد سواه ، وما أنزله ~~جبريل جعله للخلق ؛ فقال : ( لتكون من المنذرين ) بما نزل به جبريل ~~على قلبك لا من المتحققين به ؛ فإنك متحقق بما كافحناك به وخاطبناك على ~~مقام لو شاهدك فيه جبريل لاحترق. # ( أفرأيت إن متعناهم سنين (205) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون (206) ~~ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون (207) وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ~~(208) ذكرى وما كنا ظالمين (209) وما تنزلت به الشياطين (210) وما ينبغي ~~لهم وما يستطيعون (211)) # قوله تعالى : ( أفرأيت إن متعناهم سنين ) (205) بين سبحانه أن ~~الغفلة والجهلة لا يرون بأبصار قلوبهم أنوار الغيب ، وإن تمادوا في حياة ~~طويلة ؛ لأنها في غشاوة الضلالة. # قال يحيى بن معاذ : أشد الناس غفلة من اغتر بحياته الفانية ، والتذ ~~بمراداته الواهية ، وسكن إلى مألوفاته ، والله يقول : ( أفرأيت إن ~~متعناهم سنين. ) # ( إنهم عن السمع لمعزولون (212) فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون ~~من المعذبين (213)) # قوله تعالى : ( إنهم عن السمع لمعزولون ) (212) وصف أهل الحرمان ~~أن أسماعهم وأبصارهم وعقولهم وقلوبهم في غشاوة الغفلة عن سماع القرآن ، ~~والسامع بالحقيقة الذي له سمع خاصة قلبي عقلي غيبي روحي يسمع في كل لمحة من ~~جميع الأصوات والحركات في الأكوان خطاب الحق سبحانه بحيث يصيح سره بنعت ~~الشوق إليه ، وهذا وصف أهل السماع PageV03P054 # من الواجدين والمتحققين بسماع الخطاب من العارفين ، ومن هذا السماع ~~انعزلت أسماع العموم ، قال الله سبحانه : ( إنهم عن السمع ~~لمعزولون. ) # قال ابن عطاء : لا يسمعون ولا يفهمون كما أخبر الله عن قوم أنهم ينظرون ~~ولا يرون ، كذلك هؤلاء يسمعون ولا يفهمون ؛ لأنهم ( إنهم عن السمع ~~لمعزولون ) حرموا فهم معاني السماع. # ( وأنذر عشيرتك الأقربين (214) واخفض جناحك لمن اتبعك من ~~المؤمنين (215) فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون (216) وتوكل على العزيز ~~الرحيم (217) الذي يراك حين تقوم (218) وتقلبك في الساجدين (219) إنه هو ~~السميع العليم (220) هل أنبئكم على من تنزل ms1185 الشياطين (221) تنزل على كل ~~أفاك أثيم (222) يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (223) والشعراء يتبعهم الغاوون ~~(224) ألم تر أنهم في كل واد يهيمون (225) وأنهم يقولون ما لا يفعلون (226)) # قوله : ( وأنذر عشيرتك الأقربين (214) واخفض جناحك لمن اتبعك من ~~المؤمنين ) (215) بين أن حقيقة العامل ما يكون علي الأقرب والمواساة للأبعد ~~؛ لأن الأقرب يكون في منازل المهابة والأمر عليه أشد أي : أخبر الأقربين من ~~عظيم جلالي وعزتي وسطوات كبريائي وعظمتي ، فإني أشدد على الأقرب ما أشدد ~~على الأبعد وواس الضعفاء ؛ فإنهم لا يحتملون أثقال حقائق الأمور ليحتملوا ~~بك ما يكلفهم ، وأيضا أي : خوف أهل العناد وراع أهل المراد ، أمر بالتسليط ~~على المنكرين والعاندين ، وأمر بالتواضع وخفض الجناح للمتواضعين والعارفين. # قال سهل : خوف الأقرب منك ، واخفض جناحك للأبعدين ، دلهم علينا بألطف ~~الدلالة ، وأخبرهم إلى جواد كريم. # قال ابن عطاء في قوله : ( واخفض جناحك ): لين جانبك ؛ فإنهم على ~~حد الترسم بالعبادة لا التحقق بها ، والمتوثب على الله أشد من قارئ ألبس ~~قميص النسك. # ثم أعلمه وأمره بالإعراض عن المعاندين بقوله : ( فإن عصوك فقل ~~إني بريء مما تعملون ) (216) أي : لا تراع قربتهم منك ، وراع ما أمرناك ، ~~ولا تخف من خذلانهم ، وارجع إلي بنعت تفويض أمرك إلي فذلك قوله : ( ~~وتوكل على العزيز الرحيم ) (217) أي : أقبل على العزيز ليعزك على الكل ~~ويرحمك بمواصلتك وكشف اللقاء لك. PageV03P055 # قال الحسين بن الفضل : برأ كل نبي عمن عصاه من أمته إلا النبي محمد ~~صلى الله عليه وسلم لشرف محله ؛ فقال : ( فإن عصوك ) أي : إن خالفوك ~~بعد الإقرار بارتكاب محرم ؛ فقل : إني بريء من أعمالكم لا بريء منكم ؛ فإن ~~لك محل الشفاعة ، والشفاعة تزيل عنهم ظلمات المعاصي. # وقال الجنيد : التوكل أن تقبل بالكلية على ربك ، وتعرض بالكلية عما دونه ~~؛ فإن إليه حاجتك في الدارين. # ثم بين سبحانه مقام شهود نبيه صلى الله عليه وسلم في عين الحق بنعت الرعاية ~~والحفظ ، أمره بالتوكل عليه. # ثم اعلم إنك إذا توكلت علي ، وفوضت أمرك إلي ؛ فأنا أربيك بنظر عنايتي ثم ~~أعلمه مقام الإحسان والمراقبة بقوله : ( الذي يراك حين ms1186 تقوم ) ~~(218) أي : توكل على من يراك حين تقوم بنعت الإقبال أي : مشاهدته والإعراض ~~عما دونه. # قال رويم : تقوم إليه بالقعود عن الكل ، ثم زاد ذكر إحاطة علمه به فقال ~~الله تعالى : ( وتقلبك في الساجدين ) (219) أي : الذي يراك في ~~القيام بنعت الاستقامة في المشاهدة ، وفي السجود بنعت الفناء في العظمة ~~والكبرياء بين أهل شهود عظمتي وأزليتي وأبديتي ، وأيضا الذي يرى روحك في ~~مشاهد عالم الملكوت بين الساجدين من المقربين. # قال الواسطي : إثبات رؤية الكون على الأزل ، قال الله تعالى : ( ~~الذي يراك حين تقوم ) (218) أثبت للرؤية في الفقد والوجود ، وتقلبه في ~~الساجدين في أصلاب الأنبياء والمرسلين (1). # وقال بعضهم : تقلب وصفك على ألسنة الأنبياء والأولياء. # ثم أكمل حقيقة الرعاية بقوله : ( إنه هو السميع العليم ) (220) ~~يسمع خفيات نداء المشتاقين من قلوبهم عليهم بآلام أرواحهم من داء المحبة ~~فيجازيهم بكشف جماله ولطائف خطابه. PageV03P056 # قال ابن عطاء : سميع لدعوات عباده عليم بوجود مصالحهم. # وقال جعفر : السميع من يسمع مناجاة الأسرار ، والعليم من يعلم إرادات ~~الضمائر. # ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا ~~من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (227)) # قوله تعالى : ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله ~~كثيرا ) أي : الذين شاهدوا الله بنعت الإيقان والعرفان ، وأصلحوا سرائرهم ~~بتقديسها عما دون الله في قربة الله ، وذكروا الله كثيرا أي : سافروا ~~بقلوبهم وأرواحهم وعقولهم في ميادين الآزال والآباد على مراكب الأسرار ~~والأنوار بغير طريان الغفلة وهجوم الفترة ، وبفهم الذكر الكثير فناء الذاكر ~~في المذكور بعد أن ينكشف له لوائح أنوار الأزلية والأبدية ؛ فهذا غاية ~~المجهود من الذاكرين ، وفيه نكتة عجيبة أن الله سبحانه وصفهم بالذكر الكثير ~~، وما أخبر أنهم ذاكرون بالحقيقة ؛ لأن حقائق الذكر لا يقع للحدثان في قدم ~~الرحمن ؛ لأن الذكر الحقيقي إحاطة ذكر الذاكر بالمذكور ، وهو مستحيل في حق ~~الأزل ؛ لذلك قال الواسطي : من ذكره افترى ، وانتصارهم بعد أن ظلموا ~~انتصارهم من نفوسهم الأمارة حين جهلوا حقوق الله بالمجاهدات الكثيرة ~~والرياضات. # قال الجنيد : الذكر الكثير هو دوام المراقبة في جميع ms1187 الأحوال ، وطرد ~~الغفلة عن القلب. # وقال أبو يزيد : الذكر الكثير ليس بالعدد ، ولكنه بالحضور دون العاهة ~~والغفلة. # قال النصرآبادي : حقيقة الذاكر أن يغيب الذاكر عن ذكره بمشاهدة المذكور ~~ثم تغيب مشاهدته في مشاهدته حتى شاهد حقا. # ثم وصف الله سبحانه أهل الدعاوي الباطلة بأنهم يعلمون يوم القيامة منقلب ~~دعواهم في مهوات البعد ، بقوله : ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ~~ينقلبون ) (227) حين عاينوا مقامات أهل الولاية ، وانقلبوا إلى معادنهم من ~~الشقاوة. # قال ابن عطاء : سيعلم المعرض عنا ما الذي فاته منا. # قال الواسطي : ظلم نفسه من لا يراها في أسر القدرة ، وفي قبضة العزة ، ~~فظن أنه مهمل في مصرفاته. # * * * ### | سورة النمل # بسم الله الرحمن الرحيم # ( طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين (1) هدى وبشرى للمؤمنين (2) PageV03P057 # الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (3) ~~إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون (4) أولئك الذين ~~لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون (5)) # ( طس ) أي : بحرارة وجود الأنبياء والمرسلين والأولياء والمقربين ~~التي ضياؤها من سنا قدسي ، ونضارتها من لطائف أنسي. # وقال بعضهم : بوجود نظري يطيب قلوب أوليائي ، وبشهود وجهي يغيب أسرار ~~أصفيائي. # وقال الأستاذ : أي : بطهارة قدسي وسنا عزتي لا أخيب أمل من أمل لطفي. # ( وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم (6)) # قوله تعالى : ( وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم ) (6) كان ~~روحه صلى الله عليه وسلم حاضرا مشاهدا الكبر في قرب القرب في جميع أنفاسه يسمع ~~من الحق كلام الأزلي على وفاق موارد الشرع والحقيقة بلا واسطة. # ألا ترى كيف قال : ( وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم ) (6) ~~يعني : تلقف من الحق كفاحا. # قال أبو بكر بن طاهر : إنك تتلقف القرآن من الحق حقيقة ، وإن كنت تأخذه ~~في الظاهر عن واسطة جبريل ، قال الله : ( علم القرآن )، ( ~~وإنك لتلقى القرآن. ) # ( إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم ~~بشهاب قبس لعلكم تصطلون (7) فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها ~~وسبحان الله رب العالمين (8) يا موسى ms1188 إنه أنا الله العزيز الحكيم (9)) # قوله تعالى : ( إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا ) كان موسى في ~~بداية حاله في مقام العشق والمحبة ، وكان أكثر أحوال مكاشفا في مقام التباس ~~؛ فلما حان بدو كشفه جعل سبحانه الشجرة والنار مرآة فعلية ، فتجلى بجلاله ~~وجماله من ذاته سبحانه لموسى ، وأوقع موسى في رسوم الإنسانية حتى لا يفزع ، ~~ويدنى من النار والشجرة. # ثم ناداه منها بعد أن كاشف له مشاهدة جلاله ، ولولا ذلك لفني موسى في أول ~~سطوات عظمته وعزته ، ومعنى ( بورك من في النار ) أنه تعالى وتقدس ~~عن المثال والخيال أراد به نفسه المقدس الذي يزيد بركة مشاهدته لموسى ؛ ~~فالنداء منه ، وهو كلامه السرمدي PageV03P058 # المبارك ذاته وصفاته ، ( بورك ) قدس عن إشارة كل مشبهي ، أشار ~~إليه بالأماكن والجهات هو تعالى تجلى بوصف النار والنور من الشجرة ، والطور ~~ذاته وصفاته منزه عن الجملة ، وهو قادر أن يري نفسه لعاشقه بكل ما يليق ~~بحاله ، ولم يتجل له صرفا من عزة ذاته وجلال صفاته لا يحتمل الكون ~~والكائنات بأسرها بل هذا تربية العاشق ، ربما يرى نفسه من شجرة ، وربما يرى ~~نفسه من الشمس والقمر والكواكب وغيرها من آيات ملكوت السماوات والأرض ، ~~لذلك قال إبراهيم : ( هذا ربي ) # وقال عليه السلام : «إن الله تعالى يرى هيئة ذاته كيف شاء» (1). # ويجوز أن تلك البركة تعود إلى موسى من مشاهدة من النار ، وفي كل موضع ~~تظهر بركة كشف مشاهدة الحق يكون مباركا ذا بركة ؛ ألا ترى إلى قول القائل : # إذا نزلت سلمى بواد فماؤها %~% زلال وسلسال وشيخانها ورد # قال ابن عطاء : أصابتك بركة النار بموارد الأنوار عليك ، ومخاطبة الحق ~~إياك ؛ فإنك أنست في الظاهر نارا ، وأنست به ، وكان في الحقيقة أنوارا ؛ ~~فأزال عنك أنسك بها ، وخصك بالأنس بنورها فكلمك وثبتك عند الكلام خصصت بها ~~من بين جميع الرسل. # ( وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا ~~موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون (10) إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء ~~فإني غفور رحيم (11) وأدخل ms1189 يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات ~~إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين (12) فلما جاءتهم آياتنا مبصرة ~~قالوا هذا سحر مبين (13) وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر ~~كيف كان عاقبة المفسدين (14)) # قوله تعالى : ( لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون ) (10) أي : لا ~~تخف من الثعبان ؛ فإن ما ترى فهو ظهور تجلي عظمتي ، ولا يخاف من مشاهدة ~~عظمتي وجلالي في مقام الالتباس المرسلون ؛ فإنهم يعلمون أسرار ربوبيتي ( ~~ إلا من ظلم ) إلا من وقف منهم في حظ العشق والمحبة ؛ فلما احتجب ~~بهما يفزع عند ظهور عظمتي وجلالي ، فإنه غير مستأنس بهما ، فلما ارتفع ذلك ~~الحجاب عنه ، وعلم ما فات عنه ورجع إلي من حظه بقوله تعالى : ( ثم ~~بدل حسنا بعد سوء ) بسوء الحجاب ، والوقوف بالحظ : ( فإني غفور ~~رحيم ) (11) ( غفور ) بلا حرم ، PageV03P059 # ( رحيم ) بأن أوصله إلى أعلى المقامات من المشاهدة ، وتصديق ما ~~ذكرنا ما قال الواسطي : ( إلا من ظلم ) برؤية النفس والالتفات إليها. # وقال القاسم : إلا من خاف غيرنا. # ( ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على ~~كثير من عباده المؤمنين (15) وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا ~~منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين (16) وحشر لسليمان ~~جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون (17) حتى إذا أتوا على واد النمل ~~قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا ~~يشعرون (18) فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت ~~علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (19)) # قوله تعالى : ( ولقد آتينا داود وسليمان علما ) افهم أن العلم ~~علمان علم البيان وعلم العيان ، علم البيان ما يكون بالوسائط الشرعية ، ~~وعلم العيان مستفاد من الكشوفات الغيبية ؛ فما ذكر الله سبحانه فيما ~~أعطاهما ، فهو من العلمين البياني والعياني ، فالعلم البياني معروف بين ~~العموم ، والعلم العياني مشهور بين الخصوص لم يطلع عليه إلا ولي أو نبي ؛ ~~لأنه صدر من الحق لأهله ، شهوده ms1190 من المحبين والعارفين والموحدين والصديقين ~~والأنبياء والمرسلين ، ومن ذلك العلم علم اللدني ، والعلم اللدني حقائقه ~~علم المجهول ، وعلم المجهول ما يكون صورته بخلاف علم الظاهر مثل صنيع الخضر ~~عند موسى عليهما السلام من قتل الغلام وغيره ، وهو حلم الأفعال وبطون حقائق ~~المقدرات والأمور الغيبية ، وما يتعلق بالملك والملكوت الذي هو المرتبة ~~الأولى من علوم المعارف ، والحكم المرتبة الثانية علوم الأسماء والنعوت ~~والصفات مثل ما علمه الله آدم بقوله : ( وعلم آدم الأسماء كلها )، ~~والمرتبة الثالثة العلم بالذات : وهو علم الأسرار وهذه العلوم يجمعها قسمان ~~قسم مستفاد من الخطاب والإلهام والكلام ، وقسم يتعلق بكشف الذات والصفات ~~والأفعال ، وما أشرنا إلى هذه ، وهو صورتها وحقائقها ذوقي كشفي لا يطلع ~~عليها إلا من شاهد الحق بالحق ، ويستغرق في بحارها ، وعرف أنها غير محصورة ~~للعقول ؛ لأنها صفات قديمة لا نهاية لها ؛ فلما عظم شأنها حمدا الله بما ~~نالا منه من الله ، بقوله : ( وقالا الحمد لله الذي فضلنا على ~~كثير من عباده المؤمنين ) (15) أي : خصنا في الأزل بهذه الخاصية من بين ~~عباده تفضلا ، وامتنانا واصطفائية مقدسة في سوابقات حكمه الديمومية عن علل ~~الاكتساب. PageV03P060 # قال ابن عطاء : علما بربه ، وعلما بنفسه ، وأثبت لهم علمهم بالله علم ~~أنفسهم ، أثبت لهم علمهم بأنفسهم حقيقة العلم بالله ، لذلك قال أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : «من عرف نفسه فقد عرف ربه» (1). # ثم بين سبحانه أنهما مخصوصان بما ذكرنا من علوم الحقائق ، وكل واحد منهما ~~مخصوص بعلم من الله فورث سليمان علم أبيه الذي علمه الله من علوم الإلهية ~~بقوله تعالى : ( وورث سليمان داود ) ورث ما عند أبيه من علم العشق ~~والمحبة والشوق وخصائص سره زيادة على ما علمه الله ، والولي الصادق العارف ~~يرث من شيوخه علوم الحقائق بعد كونه مستعدا لذلك ، فيصير تلك الحقائق ~~مقاماته إذا كان صادقا مستقيما في الإرادة ، لذلك قال عليه السلام : ~~«العلماء ورثة الأنبياء» (2). # قال ابن عطاء : ورث منه صدق اللجوء إلى ربه ، وتهمة نفسه في جميع ~~الأحوال. # ثم بين سبحانه أن سليمان ms1191 أخبر الخلق عما وهبه الله من علمه بمناطق الطيور ~~بقوله : ( يا أيها الناس علمنا منطق الطير )؛ لأن المتمكن إذا بلغ ~~درجة التمكين يجوز له أن يخبر الخلق بما عنده من موهبة الله لزيادة إيمان ~~المؤمنين ، والحجة على المنكرين ، قال تعالى : ( وأما بنعمة ربك ~~فحدث ) [الضحى : 11] ، وافهم أن أصوات الطيور والوحوش وحركات الأكوان جميعا ~~هي خطابات من الله سبحانه للأنبياء والمرسلين والعارفين والصديقين والمحبين ~~يفهمونها من حيث أحوالهم ، ومن حيث مقاماتهم ؛ فللأنبياء والمرسلين علم ~~بمناطقها صرفا قطعيا ، ويمكن أن ذلك يقع لولي ، ولكن أكثر فهوم الأولياء ~~بها أنهم يفهمون من أصواتها ما يتعلق بحالهم بما يقع في قلوبهم من إلهام ~~الله لا بأنهم يعرفون لغاتها بعينها ، وفي إشارة الحقيقة الطيور الأرواح ~~الناطقة في الأشباح ينطق بالحق من الحق ، ونطقها تلفظ رموز الأسرار بلغة ~~الأنوار ، ولا يسمعها إلا ذو فراسة صادقة قلبه وعقله شاهدان مشاهدة الحق ~~ولطف الإشارة ، علمنا مناطق أطيار الصفات التي تعبر علوم الذات ، وأيضا ~~علمنا منطق أطيار أفعاله التي تخبر عن بطون حكم الأزليات ، لذلك قال : ( ~~ وأوتينا من كل شيء ) أي : أوتينا كل شيء علما بالله ، وطريقا إلى ~~الله ( إن هذا لهو الفضل المبين ) (16) إخبار عن رؤية المتفضل في ~~فضله غير محجوب بالفضل عن المتفضل. PageV03P061 # قال أبو عثمان المغربي : من صدق مع الله في جميع أحواله فهم عنه كل شيء ، ~~وفهم عن كل شيء فيكون له في أصوات الطيور ، وصرير الأبواب علما بعلمه ~~وبيانا بتبيينه. # قال الأستاذ : من كان صاحب بصيرة ، وحضور قلب بالله يشهد الأشياء كلها ~~بالله ، ومن الله ليكون مكاشفا بها من حيث الفهم ؛ فكأنه يسمع من كل شيء ، ~~وتعريفات الحق سبحانه للعبد بكل شيء من كل شيء لا نهاية له ، وذلك موجود ~~فيهم محكي عنهم ، وكما أن صوت الطبل مثلا دليل يعرفون لسماعه وقت الرحيل ~~والنزول ، فالحق سبحانه يخص أهل الحضور بفنون التعريفات من سماء الأصوات ، ~~وشهود أحوال المرئيات في اختلافها كما قيل : # إذ المرء كانت له فكرة %~% ففي كل شيء له عبرة # وما قاله الأستاذ ms1192 رحمة الله عليه دليل على قول خادمه : نشقني الله ما نشق ~~أولياء وأنبياءه ، فقد أشرط أن أصوات الطيور والوحوش وغيرها لا يعرف نعتها ~~ومعينها إلا الأنبياء والأولياء ، يعرفون معناها بغير نعتها ، وهذا كما قال ~~أهل التفسير في قوله : ( علمنا منطق الطير ) جعل ذلك من الطير ~~كمنطق بني آدم إذ فهمه عنها. # وقال مقاتل : كان سليمان عليه السلام جالسا إذ مر به طير يصوت ، فقال ~~لجلسائه : هل تدرون ما يقول هذا الطائر الذي مر بنا؟ قالوا : أنت أعلم ، ~~فقال سليمان : فإنه قال لي : السلام عليك أيها الملك المسلط على بني ~~إسرائيل أعطاك الله سبحانه الكرامة ، وأظهرك على عدوك ، إني منطلق إلى ~~فروخي ، ثم أمر بك الثانية ، وأنه سيرجع إلينا الثانية ، فانظروا إلى رجوعه ~~، قال : فنظر القوم طويلا إذ مر بهم ؛ فقال : السلام عليك أيها الملك ، إن ~~شئت أن تأذن لي كي ما أكسب على فروخي حتى يشبعوا ثم آتيك فافعل ما شئت ~~فأخبرهم سليمان بما قال فأذن له. # وقال فرقد السبخي (1): مر سليمان على بلبل فوق شجرة يحرك رأسه ، ويميل ~~ذنبه ؛ فقال لأصحابه : أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ فقالوا : الله ونبيه ~~أعلم ، فقال : يقول : أكلت نصف تمرة فعلى الدنياء العفاء ، فهذا وأمثالها ~~معروف من سليمان ومن نبينا صلى الله عليه وسلم ، وذلك معجزة فوق الكرامة ، ~~ومما خص الله سليمان به العلم بنطق النملة والحشرات ؛ ليكون أدق في الفهم ~~وأرق للسمع لكن صورة النملة وحركاتها بغير صوتها من حقائق الأفعاليات ، ~~خطاب من الحق للأولياء والصديقين ، فلما لطف الأمر بعد قوله ( حتى ~~إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها )، وعرف قولها هاج سره إلى مزيد ~~الشكر ، وقال : ( رب أوزعني أن أشكر نعمتك ) سأل لسان الشكر من ~~الحق ؛ فإنه كان عالما بأن شكره لا يمكن إلا به ، وقوله : ( وأن أعمل PageV03P062 # صالحا ترضاه ) أي : أسرع إليك بنعت الشوق إلى لقائك ، واترك ما ~~دونك لك ( وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ) (19) أي : اجعلني ~~مستأنسا للعارفين ، ومحبوبا للمحبين ، وفهم قوله : ( فتبسم ضاحكا ~~من قولها ) إن ضحك ms1193 سليمان كان ظاهره تعجبا من قول النملة ، وباطنه فرحا بما ~~أعطاه الله من فهم كلام النملة. # قال الجنيد : قال سليمان لعظيم النمل : لم قلت للنمل : ادخلوا مساكنكم ~~أخفت عليهن مني ظلما ، قال : لا ، ولكن خشيت أن يفتنوا بما يرون من ملكك ؛ ~~فيشغلهم ذلك عن طاعة ربهم. # وقال ابن عطاء : في قوله : ( وأدخلني ): حببني إلى عبادك ~~الصالحين. # قال سهل : ارزقني خدمة أوليائك لأكون في جملتهم ، وإن لم أصل إلى مقامهم. # ( وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ~~(20) لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (21) فمكث غير ~~بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين (22) إني وجدت امرأة ~~تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم (23) وجدتها وقومها يسجدون للشمس من ~~دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون (24) ألا ~~يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون ~~(25) الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم (26) قال سننظر أصدقت أم كنت من ~~الكاذبين (27) اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ما ذا يرجعون (28)) # قوله تعالى : ( وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من ~~الغائبين ) (20) دقيقة الإشارة أن طير الحقيقة لسليمان طير قلبه ، فتفقده ~~ساعة ، وكان قلبه غائبا في غيب الحق ، مشغولا بالمذكور عن الذكر فتفقده وما ~~وجده ، فتعجب من شأنه أين قلبه إن لم يكن معه؟! وما كان في الكونين ، فظن ~~أنه غائب عن الحق ، وكان في الحق غائبا ، وهذا شأن غيبة أهل الحضور من ~~العارفين ساعات لا يعرفون أين هم ، وهذا من كمال استغراقهم في الله فقال : ~~( لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ) (21) ~~لأعذبنه بالصبر على دوام المراقبة والرعاية والغيبة في بحر النكرة في ~~المعرفة ليفنى ، ثم يفنى عن الفناء أو أذبحته بسيف المحبة أو بسيف العشق ، ~~أو ليأتيني من الغيب بسواطع أنور أسرار PageV03P063 # الأزل ، وعلى صورة الظاهر نكتتها أن سليمان أحب الهدهد ms1194 ؛ لأنه رأى ذلك ~~الهدهد في مكان العشق ، ورأى عليه آثار العشق ؛ فاستأنس به ، وكان للهدهد ~~خاصية أنه عرف مواقيت صلاته ، ورأى الماء بين الطين والحجر ، وكان يدل الجن ~~على الماء لوضوئه وطهارته حيث نزل ، وكان بين هدهد سليمان ، وهدهد بلقيس ~~عشق ، فغاب عن سليمان عند نزوله ، وتلاقيا الهدهدان ؛ فلما تفقده علم أنه ~~عند معشوقه ، فغار عليه إذ اشتغل بغيره من خدمته فطلبه ، وأمر العقاب أن ~~يأتي به فطار العقاب ، ورأى هدهد سليمان عند هدهد بلد سبأ ، فأتى به على ~~سليمان عليه السلام ؛ فقال : لأعذبنه عذابا شديدا ، أي : لأحبسنه في موقع ~~فراقه عن معشوقه ، فلما جاء إليه الهدهد تحير في شأنه إيش يقول : فعلم أن ~~سليمان في مقام أنس الله وعشقه ، ويحب أن يستأنس بمستحسن فاحتال بأن يذكر ~~عند سليمان ما رأى من حسن بلقيس وعظيم شأنها ليكون ذلك طريقا له إلى قرب ~~محبوبه ، فلما مهد ذلك مع نفسه تعظم في شأنه ، واجترأ من حيث جرأة العشيق ( ~~ فقال أحطت بما لم تحط به ) فلما قال : ( أحطت بما لم تحط ~~به ) تعجب سليمان ثم أسرع في قوله : ( وجئتك من سبإ بنبإ يقين ) ~~(22) فلما سمع سليمان قوله وجرأته عنده ، علم أنه تكلم من رأس العشق ، ~~ويجلب قوله عجائب ، فلما أخبر تمام الحكاية سكن سليمان عنه ، واشتغل بإتيان ~~بلقيس ، وجعله رسولا بينه وبين بلقيس ، وما أطيب رسول العاشق والمعشوق ، إذ ~~كان عاشقا ، انظر إلى ظرافة الهدهد ، ولطافة كلامه عند سليمان كيف ذكر ( ~~ إني وجدت امرأة ) مرتين ساير ما رأى من الملك والبلاد والعساكر. # ثم ذكر محاسنها بألطف الإشارة بقوله : ( وأوتيت من كل شيء )، ~~وما ذكر وصف جمالها بالتصريح ؛ لأنه علم أن ذلك من سوء الأدب ، ولا تعجب ~~ذلك ؛ فإن الأنبياء والأولياء إذا استأنسوا بعالم الملكوت ، لم يصيروا من ~~رؤية المستحسنات ، ألا ترى كيف كان سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه ~~يحب الوجه الحسن ، ومن فرط حب الله ، قال : «حبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب ~~والنساء» (1). # وحاشا أنهم يلتفتون إلى شيء لا يكون وسيلة إلى ms1195 الله ، وأحسن وسيلة إلى ~~الله عند العارف الفعلي الوجه الحسن ، والصوت الحسن ، والطيب ، ورؤية كل ~~مستحسن في العالم من الأرواح والأشباح والجواهر والأعراض ؛ لأن حسنها صدر ~~من معدن حسن الأزل ، ولذلك قال عليه السلام برؤية الحسن : «إن أحسن الحسن ~~الوجه الحسن ، والصوت الحسن ، PageV03P064 # والخلق الحسن» (1). # وقال ذو النون : من استأنس بالله استأنس بكل شيء مليح ، ووجه صبيح ، وبكل ~~صوت طيب ، وبكل رائحة طيبة. # قال الجنيد في قوله : ( لأعذبنه ): لأفرقن بينه وبين إلفه. # وقال جعفر : لأبتليه بشتات السر. # وقال جعفر الخلدي : لألزمته صحبة الأضداد ، فإن ذلك من أشد العذاب. # قال بعضهم : لأبعدنه من مجالس الذاكرين. # جئنا إلى قصة العشق في إشارة قوله سبحانه حاكيا عن قول الهدهد : ( ~~ وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله ) الإشارة فيه أن القوم ~~وقعوا في بحر عشقها فخدموها بالعشق ، وهي كانت تحب وجهها ، فهم بالحقيقة ~~يسجدون لشمس الحسن ، ثم هاج سر الهدهد بنعت غيرة التوحيد إلى إفراد القدم ~~عن الحدوث ؛ فقال : ( ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات ~~والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون (25) الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم ~~) هذا التوحيد ذكر الهدهد ؛ لأنه علم أن حال سليمان بداية العشق ، ونهاية ~~التوحيد ، فذكر ما وافق حاله أنه عليه السلام إذا شغله الصافنات الجياد ، ~~قال : ( فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ~~(32) ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق ) (33) [ص : 32 ، 33]. # ( قالت يأيها الملؤا إني القي إلى كتب كريم (29) إنه من سليمن ~~وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (30) ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين (31) قالت ~~يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون (32) قالوا نحن ~~أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ما ذا تأمرين (33)) # قوله تعالى : ( إني ألقي إلي كتاب كريم (29) إنه من سليمان وإنه ~~بسم الله الرحمن الرحيم ) (30) حكى الله سبحانه عن قول بلقيس حين ألقي ~~إليها الكتاب أن ذلك الكتاب كتاب كريم ، وذلك أنها استنشقت منه رائحة ~~المحبة ، لذلك قالت : إنه كتاب كريم ، وكان ms1196 الكتاب مختوما بخاتم الملك ~~فألهمها الله منقوش الخاتم الذي هو اسم الله الأعظم. PageV03P065 # قالت : إنه كتاب كريم ، وأيضا لما قرأت : ( بسم الله الرحمن ~~الرحيم ) عرفت أنه كلام الله ، ولا يشبه كلام الخلق ، وقالت : كتاب كريم ؛ ~~فانبسطت من باء ( بسم الله ) إشارة بدء القدم والبقاء اللذين هما ~~أصل جميع الصفات القديمة القائمة بذات الحق سبحانه من عرفه بالقدم والبقاء ~~فقد عرفه بجميع الذات والصفات ، وتلك المعرفة لا تكون إلا لمن شاهد مشاهدة ~~الأزل والأبد ، وعرفت من السين إشارة سنا الحق وأسراره ، ومن الميم ملكه ~~ومحبته ، وإشارة الهيمنة المشاهدة المحيطة بكل ذرة من العرش إلى الثرى من ~~حروف الله إشارة عين الذات الواحد الفرد من الألف ، ومن اللامين الجلال ~~والجمال ، ومن إلهام الهوية ، وغيوبات الغيب ، ووجدت في الكلمة وجوب ~~العبودية للربوبية ليصل برحمة الرحمانية العامة في الدنيا والآخرة ورحمة ~~الرحيمية الخاصة في الآخرة لأهل الخصوص ، وعلمت أنها بجميعها مقام الاتصاف ~~من اتصف بها سهل عنده بتلفظها مراد أراده من معنى الإجابة القدرة بالأشياء ~~بالآيات والكرامات. # قال الواسطي في قوله : ( كتاب كريم ): مختوم مزين بزينته ، وقيل ~~: كرامة الكتاب ابتداؤه ( بسم الله الرحمن الرحيم )، وقيل : ~~كرامته عنوانه. # وقال الحسين في ( بسم الله ): قولك منك بمنزلة «كن» منه ، وإذا ~~أحسنت أن تقول : ( بسم الله ) تحققت الأشياء بقولك : ( بسم ~~الله ) كما تحقق بقوله : «كن» ، وقيل في قوله : ( كتاب كريم ): ~~لأن الرسول كان طيرا ، فعلمت أن من يكون الطير مسخرة له [فهو] عظيم الشأن. # ( قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها ~~أذلة وكذلك يفعلون (34) وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون ~~(35) فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل ~~أنتم بهديتكم تفرحون (36) ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ~~ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون (37) قال يا أيها الملؤا أيكم يأتيني ~~بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين (38) قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن ~~تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين (39)) # قوله تعالى : ( إن الملوك إذا دخلوا ms1197 قرية أفسدوها ) لما وجدت في ~~الكتاب تلك الكرامات ، عرفت عظم شأن سليمان وجلاله ، وما عليه من أنوار ~~الحسن والجمال ، فمال قلبها PageV03P066 # إلى العشق والمحبة ؛ فأرادت ألا تكون مخذولة حين دخل في بلدها سليمان ، ~~ولا تتأذى بنفسه في محبته ، فإن العاشق لا يريد إيذاء معشوقه ، ومن إشارة ~~المعرفة إذا دخل سلطان الوجد والمحبة والمعرفة ، والمشاهدة في قلوب ~~العارفين ، أغار ما دون الله من العرش إلى الثرى ، ولا يبقى فيها إلا نور ~~بلا ظلمة وصفاء بلا كدورة ، وجمع بلا تفرقة ، وذكر بلا فترة ، وعشق بلا ~~شهوة ، وصدق بلا غفلة ، ويقين بلا شك ، وإخلاص بلا رياء ، ويصير أوصاف ~~النفس الأمارة محمودة ، وصارت أبواب القلوب على الشياطين مسدودة ، ويكون ~~الروح مشاهد الحق بلا حجاب. # قال جعفر الصادق : أشار إلى قلوب المؤمنين أن المعرفة إذا دخلت القلوب ~~زال عنها الأماني والمرادات أجمع ؛ فلا يكون للقلب محل لغير الله. # قال ابن عطاء : إذا ظهر سلطان الحق ، وتعظيمه في القلب تلاشى الغفلات ، ~~واستولى عليها الهيبة والإجلال ، ولا يبقى فيه تعظيم شيء سوى الحق ، فلا ~~يشتغل جوارحه إلا بطاعته ، ولسانه إلا بذكره ، وقلبه إلا بالإقبال عليه. # وسئل أبو يزيد البسطامي عن نعت العارف (1)! فقال : ( إن الملوك ~~إذا دخلوا قرية أفسدوها. ) # قال الواسطي في قوله : ( أفسدوها ) أي : عطلوها عما سواه ، ( ~~ وجعلوا أعزة أهلها أذلة ) كل ما كان أعز في عينه وقلبه صار ذليلا ~~طريدا عن قلبه ، وحق لهم ذلك ، وقد غيبهم الحال عن كل وارد في الحال ؛ ~~فأسرارهم عن سرهم نافذة ، وأماكنهم عن مكانهم غائبة ؛ لأن الحق لاحظهم ~~بعناية القدرة ، واشتمال التولي والنصرة ؛ فحمل عنهم ما حملهم من أثقال ~~هداية وولاية. # ( قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك ~~طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن ~~شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم (40) قال نكروا لها عرشها ~~ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون (41) فلما جاءت قيل أهكذا عرشك ~~قالت كأنه هو ms1198 وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين (42) وصدها ما كانت تعبد ~~من دون الله إنها كانت من قوم كافرين (43) قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته ~~حسبته لجة وكشفت PageV03P067 # عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي ~~وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين (44) ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا ~~أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون (45) قال يا قوم لم تستعجلون ~~بالسيئة قبل الحسنة لو لا تستغفرون الله لعلكم ترحمون (46) قالوا اطيرنا بك ~~وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون (47) وكان في المدينة ~~تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون (48) قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه ~~وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون (49)) # قوله تعالى : ( قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به ) ~~الإشارة في قوله : ( أنا آتيك به ) الهاء راجع إلى العرش لا إلى ~~الله ، وكأن القائل به في درجة الاتحاد والأنائية والاتصاف وعين الجمع وجمع ~~الجمع ؛ لأن المتصف بالقدرة يجري عليه تصاريف الملك بغير رجوعه إلى الله ~~بنعت العبودية والخضوع والدعاء كصنيع من كان في محل العبودية ؛ لأن من شاهد ~~الربوبية يجري عليه أوصاف الربوبية بغير اختياره وتكليفه ( إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) [يس : 82] ، فإذا سأل فأجيبه ، ويحصل ~~مراده بالدعاء ، فهو في درجة الكرامات لا في درجة الاتحاد والاتصاف ، ووصف ~~الله «آصف» بأنه كان عالما بالكتاب ، والإشارة فيه أنه كان عالما بعلوم ~~الظاهر ، وعالما بعلوم الباطن ، وعرف معاني الاسم الأعظم في الكتاب الذي ~~أنزل الله على موسى وهارون وإبراهيم وداود وسليمان ، وأدق الإشارة فيه أن ~~ما كان عنده من علم الكتاب ما كان يطلع عليه من علم أسرار الله المكتوم في ~~ألواح النور ، وذلك العلم كان مكاشفا لقلبه بنعت السرمدية ، لذلك قال : ( ~~ عنده علم الكتاب )، قوله : ( عنده علم من الكتاب ) أيضا ~~فيه إشارة عين الجمع ؛ لأن ما كان عنده ؛ فهو عند الله ، فإذا قال الله : ( ~~ عنده علم من الكتاب ) والانبساط منه إليه ، وهو أشرف في الفضل ، ~~وفيه ms1199 جواز الكرامات للأولياء في زمان الأنبياء ، والعلم بالاسم الأعظم. # قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إن الاسم الأعظم الذي دعا آصف يا حي يا ~~قيوم» (1). # قال بعضهم : هو آصف ، نظر إلى عين الجمع ، وتكلم عن عين حقيقة جمع الجمع ~~؛ فقال : ( أنا آتيك به )، والهاء راجع إلى الحق أي : بالله وعونه ~~ونصرته ، وقيل : على لسان PageV03P068 # الجمع أيضا ( أنا آتيك به ) أي : الله يأتيك به كأنه يقول : إن ~~الله قادر على أن يأتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك. # قال بعضهم في قوله : ( الذي عنده علم من الكتاب ) أي : له نظر في ~~الغيب ، وعلم بمجاري الغيوب ؛ فعلم أن الله يريد أن يأتي سليمان بذلك ؛ ~~فأخبر عن حقيقة الغيب. # ثم أخبر سبحانه عن رؤية سليمان فضله ، والثناء عليه ، والشكر له خاصة ~~مفردا عن النظر إلى الأغيار ( فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ~~ربي ) في قوله هذا من فضل ربي غيرة سليمان على آصف ، ودفع النظر عن الوسائط ~~، وهذا أيضا من غيرة التوحيد ، فأشار بهذا اللفظ أن آصف وصنيعه عامل من عمل ~~حضرته خلقه الله لنصرته ونفاذ مراده. # قال أبو حفص : من رأى فضل الله عليه أرجو ألا يهلك ، قوله : ( ~~ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ) فيه بيان أن شكر الشاكرين منصرف عن المشكور ~~الأزلي إليهم لا إلى الحق ؛ فإنه تعالى منزه عن شكر الشاكرين ، وصبر ~~الصابرين ، ومعرفة العارفين ، وطاعة المطيعين ، إسلام المسلمين ، وكفر ~~الكافرين بقوله : ( ومن كفر فإن ربي غني كريم ) (40)، واستعمال ~~لفظ الكرم ، والغنى هاهنا من إشارة علم المجهول إذ استغنى الحق بجلال عزته ~~عن كفر الكافر ، وإسلام المسلم ؛ فقد أسقط الكل عن شرائع الربوبية ومشاهد ~~القدسية وبقي الحق للحق منفردا بنفسه ، مستغنيا عن غيره ، وإذا كان الأمر ~~كذلك ؛ فهو كريم يتفضل على الجميع ، ويؤديهم إلى ساعة غنى بقائه وقدمه ، إذ ~~لا يضر به كفر الكافر ، ولا ينفع به إيمان المؤمن ؛ فإذا اشتمل بغناه ، ~~وكرمه من العرش إلى الثرى ، ولا يعاقب أحدا من حيث استغنائه وكرمه. # قال الجنيد : الشكر فيه علة ms1200 ؛ لأنه يطلب لنفسه المزيد ، وهو واقف مع ربه ~~على حظ نفسه ، قال الله : ( ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ) أي : طالبا ~~للمزيد. # وقال الواسطي : في الشكر إبطال رؤية الفضل ، كيف يوازي شكر الشاكرين فضله ~~، وفضله قديم ، وشكرهم محدث ، ( ومن شكر فإنما يشكر لنفسه )؛ لأنه ~~غني عنه ، وعن شكره. # وقال الشبلي : الشكر هو الخمود تحت رؤية المنة. # ( ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50) فانظر كيف كان ~~عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين (51)) # قوله تعالى : ( ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون ) (50). # امتناع سر الأزلية عن مطالعة الخليقة ؛ فإذا كان كذلك من ينجو من مكره ، ~~والحدث لا PageV03P069 # يطلع على سوابق علمه في القدم ، فمكره وقهره صفتان من صفاته لا يفارقان ~~من ذاته أبدا ، قد أمر العارف قبل وجود العارف ، ولا يعرفه منه إلا ما أراد ~~منه ، فكلما بقي عنه مستورا ، وهو لا يعرف شأنه حتى وقع عليه ؛ فهو مكر ، ~~ومن يخلو عن مكره نفسا ، وأن قهره مباشر وجوده بنعت الإحاطة ، وحقائقه ~~مندرجة تحت غيوب خواطر القلوب ، وهي أخفى من دبيب النمل ، ولا يعرفها إلا ~~المرادون الواصلون المحفوظون برعاية الأزل والأبد. # قال جعفر الصادق : مكر الله أخفى من دبيب النمل على صخرة سوداء في ظلمة ظلماء. # قال النوري : المعصية لا تخلو من الخذلان ، والطاعة لا تخلو من المكر. # وقال الشبلي : اخترنا طريقة التصوف ؛ سلامة من مكر الله ، فإذا كله مكر. # وقال النوري : المكر لا يعرفه إلا الواصلون ، فأما المريد فإنه لا يعلم ~~ذلك ؛ لأنه في حرقة. # قال ابن عطاء : ما كان منه في القرب ؛ فهو مكر ، وما كان منه في البعد ؛ ~~فهو حجاب. # وقال الشبلي : المكر نعم الظاهر ، والاستدراج نعم الباطن. # وقال الجنيد : المكر هم المشي على الماء ، والمشي في الهواء ، وصدق الوهم ~~، وصحة الإشارة ، وإجابة الدعاء في كل هذا مكر لمن علم. # وقال النوري : لولا المكر لما طاب عيش الأولياء. # وقال بعضهم : في طريق الله ألف قاطع من قطاع الطريق ، وألف خادع وماكر ~~موكل بالمريد السالك ، ولكل موكل غدر ، ومكر وخداع خلاف ms1201 الآخر ؛ فإذا حاك ~~السالك غدر الموكل معه بشيء يعطيه يمنعه عن قصده وإرادته ، ويحجبه عن مولاه. # ( فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون (52) ~~وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (53) ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ~~وأنتم تبصرون (54) أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم ~~تجهلون (55) فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم ~~أناس يتطهرون (56) فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين (57) ~~وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (58)) # قوله تعالى : ( فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ) بيوت أسرارهم خربت ~~بمباشرة شهوات الطبيعة ، ومتابعة النفس الأمارة. PageV03P070 # قال أبو عثمان : قلوبهم قاسية بما عصوا. # وقال سهل : الإشارة في البيوت إلى القلوب ؛ فمنها عامرة بالذكر ، ومنها ~~خراب بالغفلة ، ومن ألهمه الذكر ؛ فقد خلصه من الظلم (1). # ( قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما ~~يشركون (59)) # قوله تعالى : ( قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ) أعظم ~~الحمد علم الحامد بعجزه عن حمد الحق. # قال : فإن حمد الحامدين عند حمده مصروف عليهم ؛ لأنه سابق بحمده في الأزل ~~إظهارا لاستغنائه عن حمد الحامدين ، وقد وجب الحمد عند كل نعمة ، وأعظم ~~النعمة ذهاب النفس الأمارة من قلب العارف ؛ لأنها أعظم الحجاب بينه ، وبين ~~الحق وأهل هذا الحمد الذين اصطفاهم الله لمشاهدته في الأزل ، ووصاله إلى ~~الأبد ؛ فسلامه عليهم من سوابق نعمة الأزلية المقرونة باصطفائيتهم فالسلام ~~والاصطفائية أزليتان وأبديتان. # قال الحسين : ما من نعمة إلا الحمد أفضل منها ، والحميد النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، والمحمود الله ، والحامد العبد ، والحمد حاله الذي يوصل ~~بالمزيد. # قال ابن عطاء : من سلم الله عليه في أزله سلم من المكاره في أيده. # قال جعفر بن محمد : سبحان من اصطفاهم لمعرفته ، وسلم عليهم قبل المعرفة. # وقال الواسطي : لم يجعل الحق وسيلة إلى نفسه غير نفسه ، ولا اختصاصا غير ~~ذاته ؛ إذ يقول : ( وسلام على عباده الذين اصطفى ) فلم يجعل هاهنا ~~اسم نعت ، وجعل اسم حقيقة ؛ لأن الهاء تخبر عن حقيقة الذات لا ms1202 غير. # ( أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به ~~حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم PageV03P071 # يعدلون (60)) # قوله سبحانه وتعالى : ( أمن خلق السماوات والأرض ) خلق سماوات ~~الأرواح ، وأرض القلوب ( وأنزل لكم من السماء ماء ) أي : مياه ~~المعرفة من بحر الاصطفائية ، ( فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ) أنبتنا ~~به بساتين المحبة المنورة بنور المشاهدة. # قال ابن عطاء : إذا بهج السر بما ظهر على قلب العبد من الرب ، والبهجة ~~نور يظهر ، فلا يبقى معها شيء من الظلمة لا ظلمة الجهل ، ولا ظلمة الريب ~~والشك ، ولا اشتغال بشيء آخر ، وعلامته السكون بالله ، والانقطاع إلى الله ~~، والاعتماد عليه. # ( أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل ~~بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (61)) # قوله سبحانه وتعالى : ( أمن جعل الأرض قرارا ) جعل قرار أرض ~~القلوب بأنوار الغيوب لنوازل واردات المشاهدات ، وكشف القربات ، ولسكون ~~الأرواح الملكوتية فيها ( وجعل خلالها أنهارا ) أجرى في خلال ~~عقولها أنهار أنوار معرفته لإنبات زواهرات المحبة والمودة والزلفة ( ~~ وجعل لها رواسي ) رواسي تلك القلوب غلبات استيلاء استواء أنوار ~~شهود جلاله على دوام الأنفاس ، وقوله : ( وجعل بين البحرين حاجزا ) ~~جعل بين بحر مشاهدته القديمة بحر الأرواح المقدسة حواجز الإرادة ، وبرزخ ~~امتناع ذات القديم الأزلي عن النماذج بالحدوثية. # وقال جعفر : من جعل قلوب أوليائه مستقر معرفته ، وجعل فيها أنهار الزوائد ~~من بره في كل نفس ، وأثبتها بحبال التوكل ، وزينها بأنوار الإخلاص واليقين ~~والمحبة ، وجعل بينهما حاجزا ، أي : بين القلب والنفس لئلا يغلب عليه النفس ~~ظلمانها فيظلمها ، فجعل بينهما التوفيق والعقل. # قال الأستاذ : نفوس العابدين قرار طاعتهم ، وقلوب العارفين قرار معرفتهم ~~، وأرواح الواجدين قرار محبتهم ، وأسرار الموحدين قرار مشاهدتهم ، وفي ~~أسرارهم أنوار الوصلة ، وعيون القربة بها يسكن ظمأ اشتياقهم ، وهيجان قلقهم ~~، واحتراقهم ، ( وجعل لها رواسي ) من الخوف والرجاء والرغبة ~~والرهبة. # ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض ~~أإله مع الله قليلا ما تذكرون (62)) PageV03P072 # قوله تعالى : ( أمن ms1203 يجيب المضطر إذا دعاه ) المضطر مستغرق في ~~بحار شوقه ، متحير في أودية النكرة ، دهش في ميادين المعرفة ، واله في سراب ~~الحيرة ، يريد أن يفنى في الحق ، ويغلب عليه محبة الوصال ، وعشق الجمال ، ~~والأنس بالجلال ، غائب عن الخليقة ، واله بكشف الحقيقة ، مجاب الدعوة بكشف ~~الوصلة ، يريد عشقه بعد معرفة جماله وجلاله ، وعشقه بوصاله بنعت الافتقار ~~إلى نوال دنوه ، يرى بحار مشاهدته ، وهو عطشان إلى قطرة منها ، ويقول بوصف ~~الاضطرار : # لإن كان يهدى برد أنيابها العلا %~% لأفقر مني إنني لفقير # وهذا الفقير بكرمه لمخلص من نفسه وجود الحدثان وجميع الحجاب والفراق ~~وآلام البعد ، ألا ترى كيف قال سبحانه : ( ويكشف السوء. ) # قال سهل : المضطر هو المتبرئ من الحول والقوة والأسباب المذمومة. # قال ابن عطاء : أحوال المضطر أن يكون كالغريق أو كالمتعطل في مفازة قد ~~أشرف على الهلاك. # قال عمرو المكي : أوجب الله على الداعين له بصفة خصوص الإجابة ، وهو ~~المضطر. # قال الله : ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه. ) # وقال الحسين : من شاهد اضطراره ؛ فليس بمضطر حتى يضطر في اضطراره عن ~~مشاهدة اضطراره بمشاهدة من إليه اضطراره. # وقال الأستاذ : فصل بين الإجابة ، وكشف السوء ؛ فالإجابة بالقبول والكشف ~~بالطول ، الإجابة بالكلام ، والكشف بالإنعام ، ودعاء المضطر لا حجاب له ، ~~ودعاء المظلوم لا رد له ، ( لكل أجل كتاب )، ومعنى قوله : ( ~~ ويجعلكم خلفاء الأرض ) هذا وصف التمكين بعد التلوين ، والتجلي بعد ~~الاستتار ، والحضور بعد الغيبة ، والغنى بعد الفقر ، والكشف بعد الحجاب ، ~~والوصال بعد الفراق ، والوصلة بعد الحيرة ، يجعل العارفين ملوكا بعد كونهم ~~مكدين على باب جلاله ، مفتقرين إلى وصاله بكشف جماله ، فإذا كانوا مستقرين ~~على مساند الوصال في مجالس الجمال سكارى من شراب المؤانسة بين ياسمين ~~القربة لا يذكرون أيام الفراق بعد الوصال كما قال القائل : # كأن الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى %~% ولم يك صعلوكا إذا ما تمولا # قال الأستاذ : كما وعد للمضطر الإجابة ، وكشف السوء ، وعده أن يجعله من ~~خلفاء الأرض ( إن مع العسر يسرا ) [الشرح : 6]. PageV03P073 # ( أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين ms1204 ~~يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون (63) أمن يبدؤا الخلق ثم ~~يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم ~~صادقين (64) قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون ~~أيان يبعثون (65) بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها ~~عمون (66) وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أإنا لمخرجون (67) لقد ~~وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (68) قل سيروا في ~~الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين (69) ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق ~~مما يمكرون (70) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (71) قل عسى أن يكون ~~ردف لكم بعض الذي تستعجلون (72) وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا ~~يشكرون (73)) # قوله تعالى : ( أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ) يهدي العارفين ~~بنور نوره إلى نور نوره حين غلب عليهم ظلمات النكرة بوسائل بحر الأفعال ~~وبرها : ( ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ) يرسل رياح الكشف ~~بين يدي نزول مطر بحال قربه ووصاله. # قال بعضهم : من يدلكم على عدو نفوسكم ، وفساد طباعكم ، ويزيل عنكم وساوس ~~قلوبكم ، ويعينكم على استقامتها إلا الله ، ومن يرسل رياح فضله بين يدي ~~أنوار معرفته إلا الله ، وهل يقدر عليه أحد سواه. # قال بعضهم : من يرسل رياح كرمه على قلوب أهل صفوته ، فيطهرها من أنواع ~~المخالفات ، ثم زينها بأنوار الإيمان ، ويرديها برحمة التوفيق إلا الله. # ( وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (74) وما من غائبة في ~~السماء والأرض إلا في كتاب مبين (75) إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل ~~أكثر الذي هم فيه يختلفون (76) وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين (77) إن ربك يقضي ~~بينهم بحكمه وهو العزيز العليم (78)) # قوله تعالى : ( وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون ) (74) ~~لا يخفى عليه ما تكن صدور أوليائه من شكاياتهم عنه ، ( وما يعلنون ~~) من خفي المناجاة وقت اضطرارهم بنعت الشوق إلى وصاله. PageV03P074 # قال الجنيد : ما تكن صدورهم من محبته ، وما يعلنون ms1205 من خدمته. # ( فتوكل على الله إنك على الحق المبين (79)) # قوله تعالى : ( فتوكل على الله إنك على الحق المبين ) التوكل عند ~~العارف البقلي السكون على اصطفائيته السابقة بعد اطلاعه عليها حين عرف نعت ~~الرضا عن الله في مشاهدة الله. # قال بعضهم : التوكل سكون القلب إلى الله ، واطمئنان الجوارح عند مصادمة ~~المهولات حينئذ يظهر للمتوكل الثقة بالله. # ( إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ~~(80) وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم ~~مسلمون (81) وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن ~~الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون (82) ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب ~~بآياتنا فهم يوزعون (83) حتى إذا جاؤ قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها ~~علما أما ذا كنتم تعملون (84) ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون ~~(85) ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات ~~لقوم يؤمنون (86)) # قوله تعالى : ( إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء ) الميت ~~من ليس له استعداد قبول معرفة الحقيقة بغير الدلائل ، والأصم من كان أذن ~~قلبه مسدودة بغواشي القهر ، ومن كان بهذه الصفة لا يقبل إلا ما يليق بطبعه ~~وشهواته. # قال بعضهم : الميت على الحقيقة من خلى عن المعصية ورد إلى الحول. # وقال يحيى بن معاذ : العارفون بالله لله أحياء ، وما سواهم موتى (1). # ( ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من ~~شاء الله وكل أتوه داخرين (87)) # قوله تعالى : ( ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في ~~الأرض ) إذا PageV03P075 # نفخ نفخ القهر في ناقور الهيبة حين تلاطمت بحار العظمة اضمحلت الأكوان ~~والحدثان في سطوات عظمة الرحمن ، فهناك أهل معرفته ، ومحبته وشوقه لا ~~يفزعون من رؤية ملك العظائم ؛ لأنهم في أكناف الوصلة مستأنسون بجمال ~~المشاهدة ، وهم المستثنون بقوله : ( إلا من شاء )، وهم الذين ( ~~ ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون )، وقال : ( لا يحزنهم الفزع ~~الأكبر ) [الأنبياء : 13]. # ثم بين سبحانه أن الكل في ميادين ms1206 عظمته ، وجلال كبريائه ، يفنون في أنوار ~~سطوات قدمه بقوله : ( وكل أتوه داخرين ) (87). # قال بعضهم : صاغرين خاضعين لعظمته وكبريائه. # ( وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي ~~أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون (88) من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من ~~فزع يومئذ آمنون (89) ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ~~ما كنتم تعملون (90)) # قوله تعالى : ( وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ) ~~أعلمنا الحق سبحانه من غلبة سلطان عظمته وكبريائه على قلوب الخليقة يوم ~~القيامة بحيث لا يعلمون انقلاب الكون من صولة شهود عظمته على وجوههم ، ~~وأيضا هذا وصف العارفين في طيران أرواحهم إلى الملكوت بأجنحة أنوار الجبروت ~~حين أشباحهم مستقيمة في نعوت الخليقة في مقام العبودية. # قال ابن عطاء : الإيمان ثابت في قلب العبد كالجبال الرواسي ، وأنواره ~~تخرق الحجب الأعلى. # قال جعفر : ترى الأنفس جامدة عند خروج الروح ، والروح تسري في القدس ~~لتأوي إلى مكانها من تحت العرش. # وقال جعفر الصادق : نور قلوب الموحدين ، وانزعاج أنين المشتاقين ( ~~ تمر مر السحاب ) حتى يشاهدوا الحق ؛ فيسكنوا. # قال جعفر الخلدي : حضر الجنيد مجلس السماع مع أصحابه وإخوانه ، فانبسطوا ~~وتحركوا ، وبقي الجنيد على حاله لم يؤثر فيه ، فقال له بعض أصحابه : ألا ~~تنبسط كما انبسط إخوانك؟ فقال الجنيد : ( وترى الجبال تحسبها جامدة ~~وهي تمر مر السحاب. ) # قال الأستاذ : كثير من الناس اليوم من أصحاب التمكين الساكنين بنفوسهم ~~السائحين PageV03P076 # في الملكوت أسرارهم. # ( إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت ~~أن أكون من المسلمين (91) وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ~~ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين (92)) # قوله تعالى : ( إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة ) مقام العبودية ~~لكل عارف شعبها على قدر مواجيده ومعرفته ومشاهدته ، فالكامل منهم أن يكون ~~عبوديته حفظ الأسرار من النظر إلى الأغيار ، وبذل وجوده بنعت الشوق إلى ~~الله لله ؛ لأن هذا حد الانقياد في جنات المراد ، ألا ترى إلى قوله : ( ~~ وأمرت أن أكون من ms1207 المسلمين ) (91) من الباذلين أنفسهم بنعت الفناء ~~لله في الله. # قال بعضهم : العبودية لباس الأنبياء والأولياء. # ( وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما ~~تعملون (93)) # قوله تعالى : ( وقل الحمد لله سيريكم آياته ) أوجب على حبيبه ~~الحمد بظفره بمشاهدة الحق ، ونور كبريائه عند سقوط حجة أعدائه ، آياته ظهور ~~أنوار سطوات عزته لانهزام النفوس الأمارة في هياكل البشرية عن جنود الأرواح ~~القدسية. # قال الأستاذ : عن قربة آياته فطوبى لمن رجع قبل وفاته ، والويل على من ~~رجع بعد ذهاب الوقت وفواته. # * * * ### | سورة القصص # بسم الله الرحمن الرحيم # ( طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) نتلوا عليك من نبإ موسى ~~وفرعون بالحق لقوم يؤمنون (3) إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا ~~يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين (4)) # ( طسم ) (1) اطلاع الحق على أسرار المحبين ، وتجلي قدسه بنعت سنا ~~الأزل لفؤاد المقربين ، فما أطيب هيجان سر الموحدين إلى طيب وصال بساتين ~~ملكوت الغيب وجبروت النور ، طوبى لهم وحسن مآب. PageV03P077 # وقال الأستاذ : الطاء يشير إلى طهارة نفس العارفين عن عبادة غير الله ، ~~وطهارة قلوب العارفين عن تعظيم غير الله ، وطهارة أرواح المواجدين عن محبة ~~غير الله ، وطهارة أسرار الموحدين عن شهود غير الله. # قوله تعالى : ( إن فرعون علا في الأرض ) إن فرعون النفس الأمارة ~~تكبر في الأرض القلوب من قوة ما عليها ، من قوة لباس القهر ، وغلبت على ~~الهواء ، واستولت على العقل القدسي بإنفاذ شهوات الإنسانية الشيطانية ، ثم ~~هيجت صاحبها بعد تطاولها بالدعاوى الباطلة كدأب فرعون أخبر عن نفسه ما ليس ~~فيه بعد أن احتجب بجهله عن الحق. # قال الجنيد في تفسير هذه الآية : ادعى ما ليس له. # ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ~~ونجعلهم الوارثين (5) ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ~~ما كانوا يحذرون (6)) # قوله تعالى : ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ) ~~حقيقة الإشارة إلى تخليص الأرواح الملكوتية عن حبس شهوات الناسوتية ، ~~لنجعلها في سبيل معارف الآزال والآباد قادة للعقول الهائمة بنعت ms1208 الذكر ~~والفكر في طلب الوصول في ميادين الآيات ، وتكون وارثة لمواريث المشاهدات ، ~~أراد الحق سبحانه أن يكون القوم أئمة المعارف وسادات الكواشف يقتدي بهم في ~~الطريقة بطلب الحقيقة. # قال الجنيد في قوله : ( ونجعلهم أئمة ) هداة نصحاء خيار أبرار ~~أتقياء سادة نجباء حكماء كراماء أولئك الذين جعلهم الله أعلاما للخلق ~~منشورة ، ومنارا للهدى منصوبة ، هم علماء المسلمين ، وأئمة المتقين ، بهم ~~في شرائع الدين يقتدى ، وبنورهم من ظلمات الجهل يهتدى ، وبضياء علومهم في ~~المسلمات يستضاء ، جعلهم الله رحمة لعباده ، وبركة في أقطار بلاده ؛ يعلم ~~بهم الجاهل ، ويذكر بهم الغافل ، من اتبع آثارهم اهتدى ، ومن اقتدى بسيرتهم ~~سعد ، أحياهم الله حياة طيبة ، وأخرجهم من الدنيا على السلامة منها ، ~~خواتيم أمورهم أفضلها ، وآخر أعمالهم أكملها. # ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ~~ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين (7) فالتقطه آل ~~فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين (8)) PageV03P078 # قوله تعالى : ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه ~~فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني ) رأى الحق سبحانه أم موسى في أول ~~الخطاب فزعة ضعيفة الحال في رؤية أنوار إحاطة الحق بجميع الوجود ؛ فأمرها ~~أن ترضعه ، وبعد ذلك أمرها بأن تلقيه في البحر بغير الإرضاع تسليما محضا ، ~~لكن سبقت حكمته الأزلية في نظام تدابير الخليقة أي : إذا خفت عليه ، فألقيه ~~في بحار الرضا والتسليم ، وانظري بعيون الأنوار إلى مشاهد الأقدار ؛ فإني ~~أربيه بكشف مشاهدتي ، ولذة خطابي ، وأجعله من المخبرين عني ، وأجعله إماما ~~لطلاب وصالي ، قال الله تعالى : ( إنا رادوه إليك وجاعلوه من ~~المرسلين. ) # قال الجنيد : إذا خفت حفظه بواسطة ؛ فسلميه إلينا ، وأقطع عنه شفقتك ، ~~وتدبيرك ليكون مسلمة إلى تدبيرنا فيه ، وحفظنا له. # قال أبو بكر بن طاهر : أي : لا تخافي خلف الوعد ، ولا تحزني على غيبوبة الولد. # ( وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو ~~نتخذه ولدا وهم لا يشعرون (9)) # قوله تعالى : ( وقالت امرأت فرعون قرت ms1209 عين لي ولك ) إن الله ~~سبحانه ألبس وجه موسى نور قدسه ، ولطائف ملاحة نور محبته ؛ فرأت امرأة ~~فرعون ذلك النور والبرهان على وجه موسى ، فقالت : ( قرت عين لي )؛ ~~لأني أرى في وجهه أنوار صفات الحق ، ولك أن تراها بعين اليقين والإيمان ، ~~وحقيقة ذلك أن وجوه الأنبياء والأولياء مرائي أنوار الذات والصفات ، ينتفع ~~بتلك الأنوار الكافر والمؤمن ؛ لأن معها لذة حالية نقدية ، وإن لم يعرفوا ~~حقائقها. # قال ابن عطاء : ( قرت عين لي ) أشارت إلى الحق ، ( ولك ~~لا )؛ لأنك كفرت وأشركت. # ( وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لو لا أن ربطنا ~~على قلبها لتكون من المؤمنين (10) وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا ~~يشعرون (11)) # قوله تعالى : ( وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ) وقع على أم موسى ما ~~وقع على آسية بأنها رأت أنوار الحق من وجه موسى ، فعشقت عليه ، ولم يبق في ~~فؤادها صبر من الشوق إلى وجه موسى ، وذلك الشوق من شوق لقاء الله ، فغلب ~~عليها شوقه ، وكادت تبدي سرها ( إن PageV03P079 # كادت لتبدي به )، وقوله : ( فارغا ) من هلاك موسى لكن ~~لم يكن فارغا من الشوق إلى لقاء موسى ؛ لأن شوق موسى وسيلة إلى شوق الله ، ~~وكشف لقائه ، فلما قل صبرها في فراق موسى ثبت الله قلبها بكشف جماله صرفا ، ~~وذلك قوله سبحانه : ( لو لا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ~~) (10) من المشاهدين جمالنا وجلالنا. # قال ابن عطاء : أصبح فؤاد أم موسى فارغا عن الاهتمام بموسى لما أيقنت من ~~ضمان الله لها فيه بقوله : ( إنا رادوه إليك )، ( إن كادت ~~لتبدي به ) أي : تظهر ما أوحي إليها في السر من حفظ موسى ورده إليها ، ~~ومنعه أيدي الظلمة عنه. # قال فياض : الصدر معدن الآفة ، والقلب معدن الصحة ، والفؤاد برزخ بين ~~الصدر والقلب ، والقلب معدن الأنوار. # وقال جعفر الصادق : الصدر معدن التسليم ، والقلب معدن اليقين ، والفؤاد ~~معدن النظر ، والصدر معدن السر ، والنفس مأوى كل حسنة سيئة. # قال بعضهم : في قوله : ( لو لا أن ربطنا على قلبها ) لولا أن ~~أيدناها بالتوفيق ms1210 والصبر لأبدت ما في ضميرها من الوجد بولدها ، وافهم أن ~~الصدر معدن نور الإسلام ، والقلب معدن نور الإيقان ، والفؤاد معدن نور ~~العرفان ، والعقل معدن نور البرهان ، والنفس معدن القهر والامتحان ، والروح ~~معدن الكشف والعيان ، والسر معدن لطائف البيان ، ذكرت ذلك بمفهوم خطاب ~~الغيب موافقة لأئمتي وسادتي. # ( وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت ~~يكفلونه لكم وهم له ناصحون (12) فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ~~ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (13)) # قوله تعالى : ( وحرمنا عليه المراضع من قبل ) سقى الله روح موسى ~~ألبان المعرفة من ثدي الوصلة ، حين أخرجنا من العدم بنور القدم ، وحرم ~~عليها مراضع الأكوان والحدثان ، ومنعها من الاستئناس بغيره من العرش إلى ~~الثرى ؛ لذلك أشار في القصة ( أن أرضعيه ) ولولا رضاعه الأول ~~لاشتغل بإتيان غير مرضعته ، فسقيه لبن المعرفة فطامه عن كل شيء سواه. # قال بعضهم : إشارة إلى العارف ؛ فإنه لا يصلح لبساط القربة من لم يكن ~~مرضعا برضاعة الأنس ، فمن كان رضيع مخالفة ، أو رضيع وحشة ، فإنه لا يصلح ~~لبساط القربة ، ألا ترى الكليم لما كان فيه تدبير الخصوصية بالكلام كيف حرم ~~عليه المراضع. PageV03P080 # ( ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ~~(14) ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من ~~شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى ~~فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين (15) قال رب إني ظلمت ~~نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (16)) # قوله تعالى : ( ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما ) لما ~~تمكنت فطرته السليمة القابلة نور الغيب بسنا العقل ، وكمل عقله بتأييد الحق ~~ونصرته على النفس والهوى ، وقوى قلبه بصفات الإيمان والإيقان ، وتجرد روحه ~~مما دون الله ، واستوى سره بنعت التمكين في العبودية عند جريان أحكام ~~الربوبية عليه آتيناه حكمة الأزلية ، وعلوم الأبدية ؛ ليعرف بأنوارها حقائق ~~الصفات ، ويرى بسنائها جلال الذات. # قال الجنيد : لما ms1211 تكامل عقله ، وصحت بصيرته ، وخلصت نحيزته ، وآن أوان ~~خطابه آتيناه حكما بيانا في نفسه ، وعلما مما يتجدد عنده من موارد الزوائد ~~عليه من ربه. # قال أبو بكر الوراق : حكما على عبادنا ، وعلما بنا. # ( قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين (17) فأصبح في ~~المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك ~~لغوي مبين (18) فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد ~~أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما ~~تريد أن تكون من المصلحين (19) وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى ~~إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين (20)) # قوله تعالى : ( قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين ) ~~أي : بما أنعمت علي من كشف جمالك ، وما أسمعتني من لطائف خطابك لا أساعد ~~المخالفين ، ولا أجالس البطالين ، ولا أعين المدعين ، ولا أكون موافقا ~~لمراد النفس والهوى ، ولا أكون في قيد الشهوة والمنى. # قال ابن عطاء : العارف بنعم الله من لا يوافق من خالف ولي نعمته ، ~~والعارف بالمنعم لا يخالفه في حال من الأحوال. # ( فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين (21)) PageV03P081 # قوله تعالى : ( فخرج منها خائفا يترقب ) أن الله سبحانه لما أراد ~~بعبد عبادنا أن يكون له فردا أوقع عليه واقعة شنيعة ليفزع من تبعاتها ، ~~فيفر مما دون الله إلى الله ، فلما فر إليه خائفا من الامتحان بجد جمال ~~الرحمن ، ويعلم أن جميع ما جرى عليه واسطة لوصول المراد هذا حال موسى أفقره ~~الحق إلى الافتقار إليه بسبب من الأسباب ، والغرض منها كشف النقاب ، وإسماع ~~الخطاب ، ( فخرج منها خائفا ) كان واجدا في نفسه شغلات نيران ~~المحبة ، واستأنس بها ، واستوحش من الخلق ؛ فإذا أقبل إلى الحق بالكلية خاف ~~وترقب أن يلحقه أحد من الضلال ، فيمنعه من الوصول إليه ، وأيضا خرج مما دون ~~الله خائفا عظمة الله ، يترقب طلوع شمس الوصال من مشرق الجمال. # وقال أبو بكر بن ms1212 طاهر : ( خائفا ) على قومه العذاب يترقب لهم ~~هداية من الله. # قال ابن عطاء : خرج منها خائفا من قومه يترقب مناجاة ربه. # وقال بعضهم : مستوحشا من الوحدة يطلب من يأنس به. # وقال محمد بن حامد : خائفا من الشيطان راجيا للعصمة. # ( ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل (22) ~~ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين ~~تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير (23) ~~فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير (24)) # قوله تعالى : ( ولما توجه تلقاء مدين ) لما تخلص من مقام تربية ~~الإرادة ، وغار من صحبة الأضداد ، ومقام الامتحان هاج سره بحق الحق ، ~~واستنشق روحه رائحة ورد الوصال ، ورأى بردا من سحائب القربة ، قال في نفسه ~~: ( عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ) (22) أي : يهديني ربي إلى ~~مشاهدته ، ويسمعني كلامه ، وذلك سواء سبيل المعرفة ؛ لأن المعرفة بحقيقتها ~~مستفادة من المشاهدة ، ومن هناك تبدو سبل قدم الذات ومعرفة أزلية الصفات ، ~~فمدين إشارة إلى مشاهدة عالم الأزل والأبد ، وتوجهه كان إليها بالحقيقة ، ~~فوجد نسائم ذلك من جانب مدين ؛ لأن هناك مواضع الكشف والخطاب وصعود أنوار ~~نبوة شعيب عليه السلام ، وذلك كما قال عليه السلام في إخباره عن وجدانه نسيم ~~نفحه كشف جمال الحق في مزار قلب أويس PageV03P082 # القرني رحمة الله عليه : «إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن» (1)، قال ~~تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام : ( إني لأجد ريح يوسف ) [يوسف : 94]. # قال جعفر : توجه بوجهه إلى ناحية مدين ، وتوجه بقلبه إلى ربه طالبا فيه ~~سبيل الهداية ، وأكرمه الله بالكلام ، وكل من أقبل على الله بالكلية ؛ فإن ~~الله يبلغه مأموله. # قال أبو سعيد الخراز : حملته الفراسة ، وتدابير المكالمة فيه إلى أن توجه ~~أرض الأولياء ، وهي أرض مدين ، فصادف بها شعيبا ، وكان له في لقائه أوائل ~~البركات ، فلما كمل هيجانه إلى لقاء ربه قصد مدين بصورته ، وقصد بروحه ~~موارد المشاهدة والمكاشفة بقوله : ( ولما ورد ماء ms1213 مدين ) ورد سره ~~موارد المكاشفة ، وسواقي المشاهدة وأنهار القربة ، وبحار القدس والأنس فشرب ~~منها بأقدح الأقداح شربات المحبة والعشق والشوق فصار هائما في الملكوت ~~حيران في الجبروت. # قال الواسطي : الوارد بطلب المقالة لثقل الحرمة ، والقاصد يطلب اللقاء ~~والظفر قال أبو بكر بن طاهر : ورد في الظاهر ماء مدين وورد في الحقيقة على ~~مالك مياه الأنس وبساتين المعرفة ( وجد عليه أمة ) أي : خواص من ~~العباد يرتعون في تلك الميادين ، فأنس بهم ، وشرب معهم من تلك المياه شربة ~~أورثته ورود ذلك المورد المورود على مخاطبة الحق ، وأورثه شرب ذلك الماء ~~الثبات في حال المخاطبة ، ثم بين سبحانه مقام فراسة موسى بقوله : ( ~~ووجد من دونهم امرأتين تذودان )، رأى موسى بنور النبوة أهله ، وخاطبهما من ~~حيث رؤية القلب ووجدان الأهلية وأعانهما نصحا الطريقة وأداء شرائط الإرادة ~~بقوله : ( فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي ~~من خير فقير )، استظل ظل العناية وطلب من هناك حقائق الكفاية بنعت الرضا ~~والتسليم وأظهر افتقاره إلى وصول المشاهدة حين عاين كنوز القدم مفتوحة ~~وجلابيب الصفات مكشوفة فانبسط إليه بالسؤال حين انفرد من الخلق والخليقة. # قال ابن عطاء : نظر من العبودية إلى الربوبية فخشع وخضع وتكلم بلسان ~~الافتقار بما ورد على سره من أنوار الربوبية ، فافتقاره افتقار العبد إلى ~~مولاه في جميع أحواله لا افتقار سؤال ولا طلب. # قال بعضهم : تولى إلى كهف الرعاية فإن فيه الراحة والاسترواح. PageV03P083 # قال رويم في قوله ( ولما ورد ماء مدين ): مياه الرحمة والعناية ~~لا تخلو من الواردين والطالبين والعاكفين عليها ، فمن أيد بالعناية سقي ماء ~~الرحمة ، ومن أيد بالشفقة سقي ماء العناية ، ومن أيد بالكلاءة سقي من ماء ~~المعرفة ، ومن أيد بالأنس سقي من ماء المحبة ، ومن أيد بالصدق سقي من ماء ~~الصفاء ، وكل وارد مياه الحضرة يسقى على مقدار عطشه ، فمنهم من يروي من ~~عطشه ، ومنهم من يزيد عطشا وهيمانا ، وكلما ازداد من الشرب ازداد من الظمأ ~~، كما حكي عن أيوب عليه السلام أنه قال : [من يشبع من ms1214 رحمتك] كذلك قيل : ~~والمشرب كثير الزحام. # شربت الحب كاسا بعد كاس %~% فما نفد الشراب ولا رويت # قال الأستاذ : ورد بقلبه موارد الأنس ، والموارد المختلفة مورد القلوب ~~رياض البسط لكشوفات المحاضرة ، فيطرفون لأنواع الملاطفات ومورد الأرواح ~~مشاهدة الأرواح ، فيكاشفون بأنوار المشاهدة ، ويسقطون عن الإحساس والنفس ، ~~وموارد الأسرار ساحات التوحيد ، فعند ذلك الولاية لله فلا نفس ولا حس ولا ~~قلب ، ولا أنس ، استهلاك في الصمدية وفناء بالكلية ، ويقال في قوله : ( ~~ تولى إلى الظل ) أي : إلى ظل الأنس وروح البسط واستقلال السر ~~بحقيقة الوجود. # ( فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك ~~أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم ~~الظالمين (25) قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ~~(26) قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن ~~أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين ~~(27) قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما ~~نقول وكيل (28)) # قوله تعالى : ( فجاءته إحداهما تمشي على استحياء ) الحياء صفة ~~الكرام لكن ، هاهنا زيادة على حكم الحياء ؛ ولأن تلك السلالة المقدسة لما ~~رأت الكليم عليه السلام استغرقت في أنوار ما كسا وجهه من صولة الموسوية ، ~~وما ألبسه من نور العظمة فتحاشت واستحيت مما رأت منه بنور الفراسة ، ذلك ~~النور من أهلية المحبة بين روحها وروح الكليم ، قال تعالى ( وألقيت ~~عليك محبة مني ) معناه كل من رآه أحبه واستأنس. # قال أبو بكر بن طاهر : لتمام إيمانها وشرف عنصرها وكريم نسبها أتته على ~~استحياء ، PageV03P084 # فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «الحياء من الإيمان» (1) ثم بين سبحانه ~~ما رمزنا من وصف فراستها بقوله : ( قالت إحداهما يا أبت استأجره ) ~~رأت بنور الولاية قوة النبوة وأمانة الصديقية ، وأيضا قوة المعرفة ~~والربوبية وأمانة المحبة والعبودية ، وتكلمت مما رأت في المستقبل من أمانة ~~موسى بالوفاء في شرطه شعيب في عهده بقوله ، ( فإن أتممت عشرا فمن ms1215 ~~عندك ) وقوة إرادته في خدمته عشر حجج ، وهذه الكلمة أيضا صدرت منها من رأس ~~شقيقة روحها من روح موسى ؛ لذلك صارت له أهلا ، فأبصر شعيب ما أبصرت من ~~سوابق الحكم في المشيئة والمقادير في الأزل لذلك ( قال إني أريد ~~أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج )؛ لأنه رأى بنور ~~النبوة أنه يبلغ إلى درجة الكمال في ثماني حجج ولا يحتاج إلى التربية بعد ~~ذلك ، ورأى أن كمال الكمال في عشر حجج ؛ لأنه رأى أن بعد العشر لا يبقى ~~مقام الإرادة ، ويكون بعد ذلك مقام الاستقلال والاستقامة ، ولا يحتمل مؤنة ~~الإرادة بعد ذلك ؛ لذلك قال : ( وما أريد أن أشق عليك. ) # ( فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال ~~لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم ~~تصطلون (29) فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من ~~الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين (30) وأن ألق عصاك فلما رآها ~~تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين ~~(31) اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب ~~فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين (32) قال رب ~~إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون (33)) # قوله تعالى : ( فلما قضى موسى الأجل ): افهم أن مواقيت الأنبياء ~~والأولياء وقت سير الأسرار من بدء الإرادة إلى عالم الأنوار وأنفاسهم من ~~بدو الإرادة بل من وقت الولادة ، بل من كون الروح من العدم في مشاهدة القدم ~~منقسمة على شرائف الأحوال ، في كل نفس لهم سر وحال ووجد وخطاب ومقام وكشف ~~ومشاهدة ، فأجل الإرادة أجل المعاملات وأجل الحالات ، فإذا تم أوائل ~~المعارف وأمارات الكواشف لموسى ولم يبق عليه حق PageV03P085 # الإرادات والمقامات والمعاملات وظهر له عين القدم في عين الجمع وبان نور ~~الأزل في النار بعد انقضاء الأجل قال : ( إني آنست نارا )، ~~والحكمة في ذلك أن طبع الإنسانية ms1216 يميل إلى الأشياء المعهودة ؛ لذلك تجلى ~~النور في النار لاستئناسه بلباس الالتباس ، فأخبر عن حال الاستئناس ، وقال ~~( إني آنست نارا ) أي : أبصرتها وأنستها ، ولا تخاط النار من ~~الاستئناس خاصة في الشتاء ، وكان شتاء فتجلى الحق بالنور في لباس النار ؛ ~~لأنه كان في طلب النار ، فأخذ الحق مراده وتجلى من حيث إرادته وهذا سنته ~~تعالى ، ألا ترى إلى جبريل أنه إذا علم أن النبي صلى الله عليه وسلم أحب دحية ~~فأكثر إتيانه إليه كان على صورة دحية ، فلما وصل موسى إلى المقصود ذهب ~~النار وبقي النور وذهب الأنس وبقى القدس ، ثم ذهب النور وظهر عين الصفة ، ~~ثم عين الذات ، فلما وله تحير في صولة الأزل ، وبان العيان لم يبق له ~~العرفان ، وظن ظنونا منها أنه كان في سره أين أنا وإيش ما أرى ، هل يكون ~~لموسى ما يرى موسى أو أن موسى نام عن موسى ، وما يرى لا يرى أو يرى ولا ~~يعرف ، فكاد أن يضمحل في الحيرة إذ بان الكشف بالبداهة خارجا عن العادة ~~فناداه الحق : أين أنت يا موسى ( إني أنا الله )، فأوقعه بطيب ~~الخطاب من الفناء إلى البقاء ومن التفرقة إلى الجمع حتى أنس بالأنس ثم ~~بالقدس ، وبقي مع الحق بنعت الفرقان في محل العيان ، فأوائل الأحوال كان ~~رسما ثم وسما ثم واسطة ثم حقيقة ، فارتفع الوسائط وبقي الحقائق ، وذلك ~~بقوله ( فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة ~~من الشجرة أن يا موسى )، أتى من الأكوان والحدثان إلى بساط الرحمن ، ونودي ~~له من شاطئ وادي الأزل في ساحة القدم من شجرة الذات بأصوات الصفات أن يا ~~موسى ( إني أنا ) إشارة البعد في القرب والقرب في البعد والغيبة في ~~الحضور والحضور في الغيبة ، أشار إلى الهوية ، ثم إلى كشف العيان بقوله : ( ~~ إني أنا الله ) أي : اخرج أنت من أنت من حيث أنت ؛ فإني أنا الله ~~أبقى لك ؛ فانظر إلي بعين منا ؛ حتى ترى الألوهية وتعلم الحقيقة. # قال بن عطاء : في قوله ( فلما قضى موسى الأجل ): لما ms1217 تم أجل ~~المحبة ودنا أيام القربة والزلفة وإظهار أنوار النبرة عليه سار بأهله ~~ليشترك معه في لطائف الصنع. # وقال جعفر في قوله ( آنس من جانب الطور نارا ): أبصر نارا دالة ~~على الأنوار ؛ لأنه رأى النور على هيئة النار ، فلما دنا منها شملته أنوار ~~القدس ، وأحاطت به جلابيب الأنس ، فخوطب بألطف خطابا ، واستدعى منه أحسن ~~جواب ؛ فصار بذلك مكلما شريفا مقربا أعطى ما سأل وأمن مما خاف ، وذلك قوله ~~( آنس من جانب الطور نارا. ) PageV03P086 # قال أبو بكر بن طاهر : أنس سره برؤية النار لما كان فيه من عظيم الشأن ~~وعلو المتبة ، فأخرج الرؤية بلفظ آنست أي : أرى هذه النار رؤية مستأنس بها ~~لا مستوحش منها ، فدنا منها فأنسه طهارة الموضع وما سمع فيه من مناجاة ربه ~~وكلامه ، فتحقق بالأنس. # وقال الواسطي : الوسائط في الحقيقة لا أوزان لها ولا أخطار ، وإنما هي ~~علل لضعف الطاقات ، كما جعل الواسطة به موسى بيته الشجرة نادى في البقعة ~~المباركة من الشجرة أن يا موسى ، ثم دفع الواسطة ثانيا ، فقال ( ~~قال يا موسى إني اصطفيتك. ) # قال أبو سعيد القرشي : تلك الشجرة في مخاطبة الكلام تعلل التطبيق ، بذلك ~~التعلل حمل موارد الخطاب عليه كما تعلل النبي صلى الله عليه وسلم بقوله «حبب ~~إلي من دنياكم ثلاث» (1) أي : أنست منها ولا هي مني في شيء ، إنما لي منها ~~تعلل أتحمل به موارد الوحي علي. # قال أبو علي الروذباري : الجبل الذي كلم الله موسى عليه كان من عقيق. # قال القاسم : لما سمع موسى الكلام خر صاعقا ، فجاء جبريل وميكائيل فروحاه ~~بمروحة الأنس حتى أفاق من الهيبة ، واستأنس بالأنس مع الله ، فزال بالرعب ~~والفزع من قلبه ، فقال له : يا موسى أنا الذي أكلمك من علوي ، وأسمعك من ~~دنوي ، فلدنوي لا أخلو من علوي ، ومن علوي لا أخلو من دنوي ، يا موسى إني ~~أنا الذي أدبتك قربتك وناجيتك ، عند ذلك قال له موسى : أقريب أنت فأناجيك ~~أم بعيد فأناديك؟ قال له : أنا أقرب إليك منك. # قال الأستاذ في قوله ( إني آنست ms1218 نارا ): لاح له نار ثم لاح نور ~~ثم بدا ما بدا فلا كان المقصود النار ولا النور ، وظهر النداء ( ~~إني أنا الله ) قيل شتان بين شجرة وشجرة ؛ فشجرة آدم عندها ظهرت محنة وفتنة ~~، وشجرة موسى عندها افتتحت نبوته ورسالته ، يا صاحبي لو يعلم قائل هذا ~~القول حقيقة شجرة آدم لم يقل مثل هذا في حق آدم ؛ فإن شجرة آدم إشارة إلى ~~شجرة الربوبية ، لذلك قال ( ولا تقربا هذه الشجرة ) [البقرة : 35] ~~؛ فإن آدم إذا كان متصفا بصفات الحق ، أراد العينة بحقيقتها فنهى الحق عنها ~~، فقال : هذا شيء لم يكن لك ؛ فإن حقيقة الأزلية ممتنعة من الاتحاد ~~بالحدثية ، هكذا قال ، ولكن أظهر أزليته من الشجرة ، وسكر آدم ولم يصبر عن ~~تناولها ، فأكل منها حبة الربوبية ، فكبر حاله في الحضرة ، ولم يطق الجنة ~~حملها ، فأهبط منها إلى معدن العشاق ، فشجرة آدم الأسرار ، وشجرة موسى شجرة ~~الأنوار ، وكم بين الأسرار والأنوار ، الأنوار للأبرار والأسرار للأخيار ، ~~فلما صال آدم بصولة السكر انهزم من PageV03P087 # سطوات العظمة ، ولم يحق له الجنة بعد ذلك ، لذلك قيل (اهبط) وقيل في ~~القصة أن موسى لما سمع كلام الحق سبحانه غشى عليه ، فأرسل الله إليه ~~الملائكة حتى روحوه بمراوح الأنس ، كان هذا في ابتداء الأمر والمبتدئ مرفوق ~~به ، وفي المرة الأخرى خر موسى صعقا وكان يفيق والملائكة تقول له : يا ابن ~~الحيض مثلك من يسأل الرؤية يا ليت لو يعلم الملائكة أين موسى هناك لم ~~يعيروه ؛ فإن موسى كان في أول الأحوال مريدا ، وفي الآخر مرادا مطلوبا طلبه ~~الحق واصطفاه لنفسه ، وقال ( واصطنعتك لنفسي )، وهيجه إلى سؤال ~~رؤية بعد أن ناجاه ، وناداه بأصوات اللطف ، وقال ( إني أنا الله ) ~~، فشاهد موسى بين الجلال والجمال حقيقة الذات ، فظن أنه خارج الحجاب من ~~غلبة العيان قال : ( رب أرني )، فأجابه الحق وقال ( لن ~~تراني ) أي : أنت في مشاهد وتراني ، فمن أين تطلبني وها أنا في عينك تراني ~~بعيني؟! وفيه ألف الاستفهام غائبة مضمرة ، لا يدركها بالفهم إلا أهل ~~الحقائق ، فيا ليت لو يعلم الملائكة أن ms1219 موسى في ذلك مراد الحق أراد أن يريه ~~نفسه ، وهيجه إلى سؤال رؤيته ، ولو لا ذلك فمن أين يجد الحدث ظهور وجود ~~القدم؟! وتلك الصعقة لموسى أنه كان في بداية الخطاب طمع الرؤية ، فلما تجلى ~~الحق سبحانه للجبل له واسطة طمع وصول حقيقة القدم ، فماج بحر الربوبية موجا ~~، فألقت موسى إلى سراب الحيرة حتى صعق ، كما كان آدم يراه من الشجرة ، ~~فتعربد كما تعربد الكليم ، فأهبطه من دار الوصلة إلى دار المحبة ، وكذا ~~يكون من أقبل الأزل بنعت الأجل وصارع مع أسد القدم بوصف العدم : # نديمي غير منسوب إلى شيء من الحيف %~% سقاني مثل ما يشرب كفعل الضيف بالضيف فلما دارت الكأس دعا بالنطع والسيف %~% كذا من يشرب الراح مع التنين في الصيف # قيل : في البداية لطف ، وفي النهاية عنف ، ويقال : في الأول ختل ، وفي ~~الآخر قتل. # وقال الأستاذ في وصف الشجرة : الشجرة هي شجرة الوصلة ، ثمرتها القربة ، ~~أصلها في أرض المحبة ، وفرعها باسق في سماء الصفوة ، أوراقها الزلفى ، ~~أزهارها وأنوارها تنفتق عن نسيم الروح والبهجة. # ( وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني ~~أخاف أن يكذبون (34)) # قوله تعالى ( وأخي هارون هو أفصح مني لسانا ): افهم أن مقام ~~الفصاحة هو PageV03P088 # مقام الصحو والتمكين الذي يقدر صاحبه أن يخبر من الحق وأسراره بعباده لا ~~يكون شفيعه في موازين العلم ، وهذا حال تبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال ~~: «أنا أفصح العرب (1)» ، «وبعثت بجوامع الكلم» (2)، وهذا قدرة قادرية ~~اتصف بها العارف المتمكن الذي بلغ مقام مشاهدة الخاص ومخاطبة الخاص ، وكان ~~موسى في محل السكر في ذلك الوقت ، ولم يطق أن يعبر عن حاله كما كان ؛ لأن ~~كلامه لو خرج على وزان حاله يكون على نعوت الشطح عظيما في آذان الخلق ، ~~وكلام السكران ربما يفتتن به الخلق ؛ لذلك سأل مقام الصحو والتمكين بقوله ( ~~ واحلل عقدة من لساني )؛ لأن كلامه كان من بحر المكافحة والمواجهة ~~الخاصة التي كان مخصوصا بها دونه. # قال أبو بكر بن طاهر : هو أفصح مني لسانا ms1220 ؛ لأنه لم يسمع خطابك ولم ~~يخاطبك ؛ فهو أفصح مني لسانا مع الخلق ، كيف أكون معهم فصيحا وسمعت لذة ~~كلامك؟ وكيف أخاطبهم مع مخاطبتك؟ وكيف أجعل لهم وزنا مع ما أدبتني وخصصتني ~~به؟ ( هو أفصح مني لسانا ) معهم وأحسن بيانا لهم ، إني لم أستلذ ~~مخاطبة بعدك ، ولم ألتذ بكلام غيرك وأنشد : # هل كنت تعرف سرا يورث الصمما %~% أصمني سرهم أيام فرقتهم # ( قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما ~~بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون (35) فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات ~~قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (36) وقال ~~موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح ~~الظالمون (37) وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي ~~يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من ~~الكاذبين (38) واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا ~~يرجعون (39) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ~~(40) وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون (41) وأتبعناهم ~~في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين (42) ولقد آتينا موسى PageV03P089 # الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة ~~لعلهم يتذكرون (43) وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت ~~من الشاهدين (44) ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في ~~أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين (45)) # قوله تعالى : ( ونجعل لكما سلطانا ) سلطان الحق لهما ما كساهما ~~من أنوار قدسه وأنسه ومحبته وهيبته. # قال جعفر : هيبته في قلوب الأعداء ومحبته في قلوب الأولياء. # قال ابن عطاء : سياسة الخلافة مع النبوة. # ( وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ~~ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون (46) ولو لا أن تصيبهم مصيبة بما ~~قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لو لا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من ~~المؤمنين ms1221 (47) فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لو لا أوتي مثل ما أوتي موسى ~~أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل ~~كافرون (48) قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم ~~صادقين (49) فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن ~~اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين (50) ولقد ~~وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون (51) الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به ~~يؤمنون (52) وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من ~~قبله مسلمين (53) أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ~~ومما رزقناهم ينفقون (54)) # قوله تعالى : ( وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك ~~) كان روحه عليه السلام في مشاهد قرب القدم ، وجسمه في بطن العدم ، علمه كان ~~قائما بمجازاة روحه عند الله ، وأخبر عن بعض مقاماته كليمه ، فاشتاق إليه ، ~~فزفر وبكى من محبته وشوقه ، فناداه الحق بوصفه ودنوه بين يديه ، فسأل من ~~الحق رؤيته ، فناداه الحق ، وخاطبه بلسان حبيبه محمد ، فاستلذ بكلامه وسكن ~~، كما أخبر عليه السلام عن كمال حب علي بن أبي طالب في قلبه وفضله عند الله PageV03P090 # بقوله : «إن الله سبحانه خاطبني ليلة المعراج بلغة علي (1)» ، فهو ~~سبحانه وتعالى خاطب الكليم بلغة محمد صلى الله عليه وسلم ، وكان عليه السلام في ~~حضرة القدس ، وموسى كان في مقام الأنس هو في مقام القدس سأل أمته ، وموسى ~~في مقام الأنس ذكر أمته ، فبين ذكر الحبيب والكليم أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم مغفورة لذلك ، قال تعالى : ( ولكن رحمة من ربك. ) # قال الحسين : في هذه الآية خاطب منصوب القدرة في عين العدم. # وعن أبي يزيد أنه قرئت هذه الآية بين يديه فقال : الحمد لله الذي لم أكن ~~، ثم سأل بعضهم عن معنى قوله هذا ، فقال : معناه كيف كنت أستحق سماع النداء ~~من الحق وجوابه فأجابه الحق عناء اللطف ونيابته عناء ، ثم قال سهل في قوله ~~( وما كنت بجانب ms1222 الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر ): عرضنا عليه ~~لأمته ما أبى علينا فخصصنا به أمتك من قراءة الكتاب حفظا والصلاة في غير ~~المحاريب ، كنا ننوب عنك وعن أمتك قبل الإيجاد. # ( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ~~سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين (55)) # قوله تعالى ( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ): كل كلام بغير خطاب ~~الحال والواقعة فهو لغو. # قال يوسف بن الحسين : اللغو ما يشغلك عن العبادة. # وقال حمدون : اللغو ذكر الخلق. # ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم ~~بالمهتدين (56)) # قوله تعالى ( إنك لا تهدي من أحببت ): الهداية مقرونة بإرادة ~~الأزل ، ولو كان إرادة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في حق أبي طالب مقرونة ~~بإرادة الأزل لكان مهتديا ، ولكن كان محبته وإرادته في حقه من جهة القرابة ~~، ألا ترى أنه إذا قال : «اللهم أعز الإسلام بعمر» (2) كيف أجابه؟! # قال ابن عطاء : إنك لا تسأل الهداية لمن تحبه طبعا ، وإنما تسأل الهداية ~~لمن تحبه فتكون محبتك له حقيقة ؛ لأنك لا تحب على الحقيقة إلا من تحبه ، ~~حاشا لنبينا المخالفة. PageV03P091 # ( وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما ~~آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون (57) وكم ~~أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا ~~نحن الوارثين (58) وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا ~~عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون (59) وما أوتيتم من ~~شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون (60) ~~أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم ~~القيامة من المحضرين (61) ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ~~(62) قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا ~~تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون (63) وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم ~~يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون (64) ويوم ms1223 يناديهم فيقول ~~ما ذا أجبتم المرسلين (65) فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون (66) ~~فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين (67)) (1). # قوله تعالى ( أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء ~~رزقا ) حرمهم بالحقيقة قلب محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو كعبة القدس ، وحرم ~~الأنس ، وسرادق مجد تجلي جلاله ، وجماله يجبى إليه ثمرات جميع أشجار الذات ~~والصفات ، من دخل ذلك الحرم بشرط المحبة والموافقة كان آمنا من آفات ~~الكونين والعالمين ، وكان منظور الحق في العالم ، وهكذا كل من دخل في قلب ~~ولي من أوليائه ، وقلب العارف حرم المراقبات والمشاهدات ، من دفع عنه خاطر ~~الوسواس والهواجس يجبى إليه من أشجار الأنوار ثمرات الأسرار. PageV03P092 # قال بعضهم : من مكن من رعاية سره وافتقاد أوقاته لن يعدم الزوائد من الله ~~ودوام الفوائد ، ومن ضيع أوقاته وأهمل ساعاته فهو متردد في ميادين الغفلة ~~وساع في مسالك الهلكة. # ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله ~~وتعالى عما يشركون (68) وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (69) وهو الله ~~لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون (70)) # قوله تعالى : ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ): يخلق ما يشاء في ~~قلوب العارفين والمحبين والموحدين من أطيار الإفهام والمعارف بخواطر الحق ~~والإنعام ، ويختار بها بمشيئة الأزل أهل محبته ومعرفته ومشاهدته وقربه ~~ووصاله ، ونفى عن هذه المواهب السنية علة الاكتساب بقوله : ( ما ~~كان لهم الخيرة. ) # قال الجنيد : كيف يكون للعبد اختيار والله المختار له بقوله : ( ~~ويختار ما كان لهم الخيرة. ) # إذا نظروا إلى الأحكام الجارية بجميل نظر الله لهم فيها وحسن اختياره ~~فيما أجراه عليهم لم يكن عندهم شيء أفضل من الرضا والسكون. # ( قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (71)) # قوله تعالى : ( قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى ~~يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء ): إذا أدام ليالي الهجران ~~بظلمة النفس والشيطان ms1224 والفترة والعصيان من يأتي بنهار الوصال وضياء الجمال ~~إلا الله سبحانه ، وإذا أدام نهار الوصلة واستقام شمس المشاهدة في وسط فلك ~~العناية على قلب العارف الصادق من يأتي بليل الفقدان وظلمة الغفلة ~~والنسيان. # ( قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون (72) ومن رحمته جعل لكم ~~الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (73) ويوم ~~يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (74)) # قال تعالى : ( قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى ~~يوم القيامة من PageV03P093 # إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه )، ثم بين سبحانه أن ليل ~~الفترة ونهار المشاهدة من كمال لطفه بأوليائه ؛ ليترفهوا في زمان الفترة ، ~~ويستريحوا لحظة من ثقل واردات المشاهدة ، ويستبشروا في نهار الكشف والعيان ~~برؤية الرحمن ، ويتلذذوا بالروح والريحان ، وذلك قوله : ( ومن ~~رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه. ) # قال الحسين بن منصور : من علم من أين جاء علم أين يذهب ، ومن علم ما يصنع ~~علم ما يصنع به ، ومن علم ما يصنع به علم ما يراد به ، ومن علم ما يراد به ~~علم ما له ، ومن علم ما له علم ما عليه ، ومن علم ما عليه علم ما معه ، ومن ~~لم يعلم من أين جاء وأين هو وكيف هو ولمن هو ومما هو وما هو وإلى أين هو ~~فذلك ممن أهمل أوقاته ، وترك ما ندبه الله إليه ، بقوله : ( ومن ~~رحمته جعل لكم الليل والنهار. ) # ( ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق ~~لله وضل عنهم ما كانوا يفترون (75) إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم ~~وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه ~~لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين (76)) # قوله تعالى : ( ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم ): ~~شهداء الخلق أصحاب الفراسات والمشاهدات الذين يخاطبهم الله بفعله وصفاته ~~وذاته بوسائط الكون أحيانا ، ويخاطبهم صرفا بكلامه القديم بغير واسطة ms1225 ، فهم ~~مشرفون على أسرار الحق والخليقة ، فهم ينطقون من بطون خواطرهم ، ولكل طائفة ~~من المريدين شاهد من أهل القصة ، يشهدون لهم وعليهم في الدنيا والآخرة ، ~~وهو مخصص مستخرج من القوم بنعت الاصطفائية والولاية. # قال بعضهم : أخرجنا من كل قوم وليا وأطلعناه على أسرار قربنا ، ثم أذنا ~~في البرهان ، فأظهر البرهان بنا لا به ، فعلم الخلق أن لا قيام لأحد بنفسه ~~، ولا يخبر عن الحق سواه ، ولا يجيب عن سؤاله غيره ، ولا يقوى على مخاطبته ~~إلا من أيد بتأييد خاص. # ( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ~~وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين (77)) # قوله تعالى : ( ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله ~~إليك ): نصيب العارف من الدنيا الوجه الحسن ، الصوت الحسن ، ورائحة الطيب ~~، والدار الحسنة ، ومجالسة الفقراء الصبر الصادقين في العشق القائمين بالله ~~، بشرط المحبة والشوق PageV03P094 # والبذل والإيثار في خدمتهم وصحبتهم ، والنظر إلى كل مستحسن والانفراد عن ~~كل مستقبح وإجراء الحياة في السماع والوقت والوجد والحال والمراقبة ~~والمحاضرة ، وجميع ذلك مجموع في قوله عليه السلام : «حبب إلي من دنياكم ثلاث ~~: الطيب ، والنساء ، وقرة عيني في الصلاة» (1)، وإحسان الله على العارف ~~كشف مشاهدته وتعريف نفسه له ، وإحسان العارف الإقبال على الله بنعت التجريد ~~عما دونه وشهوده مشاهدة جلاله وربوبيته في عبوديته. # سئل سفيان الثوري عن قوله ( ولا تنس نصيبك من الدنيا ) قال : لا ~~تغفل عن عمرك في الدنيا أن تعمل بالطاعة. # قال بعضهم : لا تغتر بها ولا تسكن إليها. # وقال الجنيد : لا تترك إخلاص العمل لله في الدنيا ؛ فهو الذي يقربك منه ~~ويقطعك عما سواه. # قال القاسم في قوله : ( وأحسن كما أحسن الله ): اصرف وجهك عن ~~الكل بالإقبال عليه كما أحسن إليك ؛ حيث جعلك من أهل معرفته ، وأحسن مجاورة ~~معرفته ؛ فإنه أحسن إليك ؛ حيث أنعم عليك بالإيمان وهو من أعظم النعم ، ~~فأحسن جوار نعمه ؛ فإنه أحسن إليك في أن وفقك لخدمته ، فأحسن القيام بواجب ~~عبوديته وإخلاص خدمته. ms1226 # ( قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من ~~قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون (78)) # قوله تعالى : ( قال إنما أوتيته على علم عندي ): كل مريد نظر ~~إلى طاعته وعلمه وعمله وكراماته وحكمته ونطقه وفصاحته وما يسهل له من ~~مراداته فهو مفتون بدعواه ساقط عن نظر الشيوخ بترك آدابه وسقوط احتشامهم عن ~~قلبه ، نعوذ بالله من هذه الفتنة ، والله رأيت أكثر أهل زماننا يسقطون من ~~درجة الإرادة والصدق ومن قلوب أهل الحقيقة بإعجابهم بما هم فيه ، فيصير ~~حالهم أقبح من أحوال العصاة المفلسين ؛ لأن مآل هؤلاء في أواخر أعمارهم ~~الإنكار على أولياء الله وخروجهم بدعوى الشيخوخية عليهم ، أعمى الله أبصار ~~قلوبهم وهم لا يشعرون. # قال سهل : ما نظر أحد إلى نفسه فأفلح ، ولا ادعى لنفسه حالا فتم له ، ~~والسعيد من الخلق من صرف بصره عن أفعاله وأقواله وفتح له سبيل الفضل ~~والإفضال ورؤية من الله PageV03P095 # عليه في جميع الأفعال ، والشقي من زين في عينه أقواله وأفعاله ، وافتخر ~~بها وادعاها لنفسه ، فشؤمه ومهلكه يوما فيوما ، وإن لم يهلكه في الوقت ، ~~ألا ترى الله تعالى كيف حكى عن قارون بقوله ( إنما أوتيته على علم ~~عندي ) نسي الفضل ، وادعى لنفسه فضلا ، فخسف الله به الأرض ظاهرا ، فكم قد ~~خسف بالأسرار وصاحبها لا يشعر بذلك ، وخسف الأسرار هو منع العصمة ، والرد ~~إلى الحول والقوة وإطلاق اللسان بالدعاوى العريضة ، والعمى عن رؤية الفضل ، ~~والقعود عن القيام بالشكر على ما أولى وأعطى حينئذ يكون وقت الزوال. # ( فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ~~ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم (79)) # قوله تعالى : ( فخرج على قومه في زينته ): بين سبحانه في هذه ~~الآية شأن قارون وخروجه بالزينة على أهله ، وهلاك من يخرج على أولياء الله ~~بالدعاوى الباطلة والكبر والرياسة ، لا محالة يسقط من عيون الخلق وقلوبهم ~~بعد سقوطه من عين الحق ، ويخسف أنوار إيمانه في قلبه لا يرى ms1227 أثرها بعد ذلك ~~، وأصل الزينة عند العارفين وجوه معفرة بالتراب عليها آثار دموع الشوق ~~والمحبة ، ساجدة على باب الربوبية. # قال ابن عطاء : أزين ما تزين به طاعة ربه ، ومن تزين بالدنيا فهو مغرور ~~في زينته. # ( وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل ~~صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون (80) فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من ~~فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين (81) وأصبح الذين تمنوا ~~مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لو لا ~~أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون (82) تلك الدار الآخرة ~~نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين (83) من ~~جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات ~~إلا ما كانوا يعملون (84)) # قوله تعالى : ( وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير ): ~~وصف الله سبحانه أهل الفقر من الصادقين والعلم من العارفين بمشاهدتهم جمال ~~الغيب وشهودهم مشاهدة الحق مع تصاغر زينة الدنيا في عيونهم ، وإن ذلك ~~المقام لا يناله إلا صابر في بلائه راض في قضائه مشتاق إلى جماله واله في ~~رؤية جلاله. # قال بعضهم : العالم بربه من رؤي دوام نعمته عليه ، وتتابع آلائه لديه ، ~~وقصور شكره PageV03P096 # عن نعمه ، وإفلاسه عما يظهر منه ، هذه صفة العلماء بالله. # قوله تعالى : ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا ~~في الأرض ولا فسادا ): نبهنا الله سبحانه أن الوصول إلى قربه ووصاله ~~ومراتب دنوه في جنان مشاهدته لمن لا يكون له حب الرياسة والجاه في قلبه ، ~~ولا يباشر حظوظ نفسه وهواه ، ومن خص بهذه الدرجات الشريفة لا يأتي منه ~~أفعال المخنثين من أهل الرياء والسمعة ، الذين تركوا الدين بالدنيا وجاهها ~~، وأفسدوا وجه الأرض بسالوسهم وناموسهم ، ضرب الله أعناقهم ؛ فإنهم قرناء ~~الشياطين في جهنم ، نعوذ بالله من شؤم معصيتهم. # قال يحيي بن معاذ : الدنيا خمر إبليس ، من شرب منها شربة لا يفيق إلا في ~~عسكر القيامة. # وقال ابن عطاء ms1228 : العلو النظر إلى النفس ، والفساد النظر إلى الدنيا. # ( إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء ~~بالهدى ومن هو في ضلال مبين (85) وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا ~~رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين (86) ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ ~~أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين (87)) # قوله تعالى : ( إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ): إن ~~الله سبحانه خلق روح المصطفى صلى الله عليه وسلم بين نورين : نور الجمال ، ~~ونور الجلال ، حين أظهر ذاته سبحانه ، فوصل نور الذات إلى نور الجمال ~~والجلال ، ثم تجلى من جميع الصفات والذات بين الجلال والجمال المكمن غيب ~~الغيب ، فظهر روحه عليه السلام ، وصار أهلا للقرآن ؛ لأنه كان مخصوصا بأهلية ~~رؤية الذات والصفات جميعا ، فنزل القرآن على معدن أهلية ، ليأخذه ويرجع به ~~إلى معدنه الذي بدأ منه ، وهذا معنى قوله تعالى : ( إن الذي فرض ~~عليك القرآن لرادك إلى معاد ) أي : إن الذي خاطبك بكلامه القديم لرادك إليه ~~بمراكب القرآن ، وذلك المعدن معدن التنزيه المنزه عن التشاكل والتباعض ~~والاجتماع والافتراق ، نظر إلى شوقك في قلبك إلى معدنك من عالم الملكوت ~~والجبروت يردك بأنوار صفاته إلى مشاهدات ذاته ، تعالى الله عن إشارة ~~الزنادقة والثنويين ؛ لذلك قال عليه السلام : «حب الوطن من الإيمان» (1). # قال الواسطي في ( لرادك إلى معاد ) قال : مجالسة ليلة المسرى ~~وإلى مخاطبات الروح بالقرآن. PageV03P097 # قال ابن عطاء : الذي يسر عليك القرآن قادر أن يردك إلى وطنك الذي منه ~~ظهرت ، حتى تشاهده بسرك على دوام أوقاتك. # قال الحسين : إن الذي فرقك برسم الإبلاغ إلى الخلق سيردك إلى معنى الجمع ~~بالفناء عن ملاحظاتهم والترسم معهم على حد الإبلاغ رسومهم ، ويخصصك بالمقام ~~الأخص والبيان الأخلص. # وقال ابن عطاء : الذي حفظك في أوقات المخاطبة لرادك إلى وطنك من ~~المشاهدة. # قال الواسطي : إلى حيث شاهد روحك وإلى الكرم الذي أظهرك منه. # قال الأستاذ : إن الذي أقامك شواهد العبودية فيما أثبتك لرادك إلى الفناء ~~عنك بمحوك في وجود ms1229 الحقيقة. # ( ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه ~~له الحكم وإليه ترجعون (88)) # قوله تعالى : ( ولا تدع مع الله ): اطلع الحق على قلب حبيبه ~~عليه السلام ورأى بحار عشقه ومحبته وشوقه ومعرفته وأنسه وتوحيده وتفريده ~~تكاد تموج بأمواج الاتحاد والفردانية في الأنانية ، فأشهده على نفسه لا ~~يتحرك من مقام الاتحاد ، فإن ذلك مكمن عين الجمع ، ولا ينبغي أن يكون ~~محجوبا عنه به بقوله : ( ولا تدع مع الله إلها آخر )؛ فإن اتحادك ~~وأنانيتك صدرت من كشوف جلالي وجمالي ، ولا يبقى أثرها عند بروز سطوات عظمة ~~قدمي ، ألا ترى كيف قال : ( لا إله إلا هو ) نفى عن ساحة كبريائه ~~أنانية كل عارف سكران ، وأفنى مدارج التوحيد والمعارف في سبحات ذاته بذاته ~~بقوله ( كل شيء هالك إلا وجهه )، فإذا تبين الحقيقة للخليقة تفنى ~~الخليقة في الحقيقة ، ولا تبقى أنانية العارف في ألوهية المعروف ، وتعالى ~~الله عن الأضداد والأنداد. # قال الواسطي : إذا تحقق ذلك عنده أخذ العبد من العبد لقيام الحق به. # قال ابن عطاء : في كشف الذات هلكة ومحرقة ، قال الله تعالى : ( ~~كل شيء هالك إلا وجهه. ) # * * * ### | سورة العنكبوت # بسم الله الرحمن الرحيم # ( الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ~~(2) ولقد PageV03P098 # فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ~~(3) أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون (4) من كان ~~يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم (5)) # ( الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) ~~(2): أقسم الحق سبحانه بإشارة الألف إلى استواء فردانية أزليته على قلوب ~~المفردين من أهل التفريد ، وبإشارة اللام إلى كشف جماله للأرواح العاشقين ~~الذين استقاموا مع الله بنعت التجريد ، وبإشارة الميم إلى محبة القدمية ~~السابقة لسباق المحبين الذين استغرقوا في بحار التوحيد أنه تعالى لا يدفع ~~من ادعى محبته ومعرفته في مقام وصاله ، وكشف جماله في الدنيا بوصف السرمدية ~~إلا ويبتليهم بعد التجلي بالاستتار وبعد كشف الأنوار بتعذيب الأسرار ms1230 ؛ ~~لاستيفاء حق الربوبية من العبودية وغيرة الأزلية على كون الحدث بالأسامي ~~والنعوت في نعوته الأبدية. # قال ابن عطاء : ظن الحق أنهم يتركون مع دعاوى المحبة ، ولا يطالبون ~~بحقائقها ، وحقائق المحبة هي صب البلاء على المحب وتلذذه بالبلاء ، فبلاء ~~يلحق جسده ، وبلاء يلحق قلبه ، وبلاء يلحق سره ، وبلاء يلحق روحه ، وبلاء ~~النفس في الظاهر الأمراض والمحن ، وفي الحقيقة منعها عن القيام بخدمة القوي ~~العزيز بعد مخاطبته إياه بقوله : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون )، وبلاء القلب تراكم الشوق ومراعاة ما يرد عليه في الوقت بعد ~~الوقت من ربه والمحافظة على أحواله مع الحرمة والهيبة ، وبلاء السر هو ~~المقام مع من لا مقام للخلق معه والرجوع إلى من لا وصول للخلق إليه ، وبلاء ~~الروح الحصول في القبضة والابتلاء بالمشاهدة ، وهذا ما لا طاقة لأحد فيه ، ~~ثم بين سبحانه أنه لا ينجو أحد من الأولين والآخرين من دركات الامتحان ~~بقوله : ( ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا ~~وليعلمن الكاذبين ) (3)، ميز بالتبوء بين الصادق والكاذب ؛ فتبين شكر ~~الشاكرين في النعمة وصبر الصابرين في المحنة ودعوى الكاذبين بفرارهم عن ~~البلاء والطاعة. # قال ابن عطاء : يتبين صدق العبد من كذبه في أوقات الرخاء والبلاء ، من ~~شكر في أيام الرخاء وصبر في أيام البلاء فهو من الصادقين ، ومن بطر في أيام ~~الرخاء وجزع في أيام البلاء فهو من الكاذبين ، ثم بين سبحانه أن الذين ~~عاشوا في البطالة لم يبلغوا منازل الصديقين بالتمني والتجلي وأبواب مقادير ~~سعادة الآزال مسدودة عليهم ، أيحسبون أن ينقضوا قضيات الحق السالفة فيهم ~~بوصف الشقاوة والطرد والقطيعة ، ويبدلوها بقضياته السابقة بنعت الاصطفائية ~~في حق المحبين المطيعين؟! كلا ليس كما يحسبون ؛ فإن أحكام الأزلية مقدسة من PageV03P099 # النقوض والنقائض بهوسات المفلسين البطالين. # قال الله تعالى : ( أم حسب الذين يعملون السيئات )، قال القاسم ~~: أن يسبقوا ما كتبنا عليهم من محتوم القضاء وما قدر عليهم مما مضى الحكم ~~فيهم ، ( ساء ما يحكمون ) (4) أي : باطل ما يعملون. # قال الواسطي : إنما ذكر الله تنبيها للخلق ووصفا لهم بصفاتهم ms1231 ونعوتهم قبل ~~أن خلقهم ؛ كي يوقنوا أنهم لا يسبقونه بالقول والفعل ، وأنهم مرتبطون بما ~~سبق لهم من الصفات ، وفيهم قال الله ( أم حسب الذين )، ثم سلى ~~قلوب المشتاقين إليه بقوله : ( من كان يرجوا لقاء الله ): من كان ~~مستغرقا في بحر أشواقه فإن أوان كشف جماله وجلاله قريب من مشتاقيه الناجين ~~من حبس النفس وحجابها ، فيرون الحق بلا حجاب وهو سميع لأهل الصفوة أسرارهم ~~، عليم بالتهاب قلوبهم بنيران محبته وشوقه ، قيل فليسأل ربه سؤال الملح ~~المحتاج ، وليطلب منه طلب الراغب المشتاق. # وقال أبو عثمان في قوله : ( فإن أجل الله لآت ): تعزية ~~للمشتاقين أي : أعلم اشتياقكم إلي ، وأنا أجلت لكم أجلا ، فعن قريب يكون ~~وصولكم إلى من تشتاقون ، فتطيبوا نفسا ، وتنبهوا. # ( ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين (6) ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي ~~كانوا يعملون (7) ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس ~~لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (8) والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين (9)) # قوله : ( ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين ~~) (6) (1): نبه الخلق أن ربوبيته منزهة عن عبودية الخلق ، وأن صفات الحدث ~~يرجع بنعوتها إلى الحدث ؛ لأنه مقدس عن النفع والضر ، وهو غني عن وجود ~~الخلق وعدمه ، فبين قيمة المجاهدة أنهم إذا جاهدوا ولم يظفروا بمأمولهم ~~يعلمون أنهم يدورون حواليهم ، وأن الفضل من الله خاص لأهل الخصوص ممن عرفهم ~~الله نفسه بلاكد ولا عناء. PageV03P100 # قال الواسطي : بالنعم ابتدأ الحق الخلق تفضيلا من غير استحقاق ، جلت نعمه ~~وعطاياه أن تستجليها الحوادث بحال الكنه المبتدئ بالنعم والمتفضل بها ، قال ~~الله : ( ومن جاهد. ) # قال أبو بكر بن طاهر : من يظهر على نفسه آثار العبودية وزينتها لا يطالب ~~بها قربة إلى ربه ؛ فإن الحق لا يتقرب إليه إلا به وبما منه. # ( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة ~~الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم ms1232 أوليس الله ~~بأعلم بما في صدور العالمين (10) وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن ~~المنافقين (11) وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ~~وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون (12) وليحملن أثقالهم ~~وأثقالا مع أثقالهم وليسئلن يوم القيامة عما كانوا يفترون (13) ولقد أرسلنا ~~نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون ~~(14) فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين (15) وإبراهيم إذ قال ~~لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (16)) # قوله تعالى : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله ~~): وصف المتكلفين بدعاوى المعرفة والمحبة ، فإذا لحق بهم ملامة الخلق ~~تركوا الطريق ، والعارف الصادق المحب المشاهد لا يبالي بأقوال الخلق ~~وأفعالهم في حقه ؛ فإن الأكوان والحدثان ومن فيها من الخلق أقل من خردلة في ~~عين العاشقين ؛ لأنهم يعرفون غباوة الخلق وجهلهم بحالهم ؛ وبلاؤهم لا وزن ~~له كما لا وزن لهم عندهم. # قال الواسطي : لا يؤذى في الله إلا الأنبياء وخواص الأولياء والأكابر من ~~العباد ، ومن تعززت نفسه نازع الله في ربوبيته. # ( إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون ~~من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له ~~إليه ترجعون (17) وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا ~~البلاغ المبين (18) أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على ~~الله يسير (19) قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة PageV03P101 # الآخرة إن الله على كل شيء قدير (20)) # قوله تعالى : ( فابتغوا عند الله الرزق ): اطلبوا رزق المشاهدة ~~والوصلة من مقام المحاضرة مع الله ، ( واعبدوه ) بشرط المعرفة ~~والإحسان ، ولا تظنوا أن الكشف العيان والمعرفة والبيان يتعلق بالاكتساب ، ~~( واشكروا له ) أي : اشكروا ما أنعم عليكم بتعريفه إياكم نفسه له ~~لا بغيره من العرش إلى الثرى. # قال ابن عطاء : اطلبوا الرزق بالطاعة والإقبال على العبادة. # وقال سهل : اطلبوا الرزق في التوكل لا في الكسب ؛ فإن طلب الرزق في الكسب ms1233 ~~سبيل العوام. # ( يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون (21) وما أنتم ~~بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (22) ~~والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم ~~(23) فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار ~~إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (24) وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا ~~مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم ~~بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (25)) # قوله تعالى : ( يعذب من يشاء ويرحم من يشاء ): يعذب من يشاء ~~بالاستتار ، ويرحم من يشاء بالتجلي ، يعذب من يشاء بالقبض ، ويرحم من يشاء ~~بالبسط ، يعذب من يشاء بالمجاهدة ، ويرحم من يشاء بكشف المشاهدة. # قال بعضهم : يعذب من يشاء بالحرص ، ويرحم من يشاء بالقناعة. # وقال بعضهم : يعذب من يشاء بالإعراض عن الله ، ويرحم من يشاء بالإقبال عليه. # ( فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم (26)) # قوله تعالى : ( فآمن له لوط ): عاين الحق ، ( وقال إني ~~مهاجر ) من نفسي ومن الكون إليه بالانفصال عما دونه ، ولا يصح لأحد الرجوع ~~إليه ، وهو متعلق بشيء من الكون حتى ينفصل عن الأكوان أجمع ولا يتصل بها. # وقال ابن عطاء : أي : راجع إلى ربي من جميع مالي وعلي الرجوع إليه. # ( ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب ~~وآتيناه أجره PageV03P102 # في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (27) ولوطا إذ قال لقومه ~~إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين (28)) # قوله تعالى : ( وآتيناه أجره في الدنيا ): أجر الخلة كشف ~~المشاهدة والقربة في الدنيا بالقلب والروح وفي الآخرة عيانا بالعين ، وذلك ~~لصلاح الكل. # قال ابن عطاء : أعطيناه في الدنيا المعرفة والتوكل ، وإنه في الآخرة لمن ~~الراجعين إلى مقام العارفين. # قال بعضهم : آتيناه ثناء وحسنا في دنياه ، وآتيناه ذكرا حسنا في عقباه ، ~~وهو ما خص به من أنه خليل الله. # ( أإنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون ms1234 في ناديكم المنكر ~~فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين (29) ~~قال رب انصرني على القوم المفسدين (30) ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ~~قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين (31) قال إن فيها ~~لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ~~(32) ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا ~~تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين (33) إنا منزلون على أهل ~~هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون (34) ولقد تركنا منها آية بينة ~~لقوم يعقلون (35) وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا ~~اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين (36) فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا ~~في دارهم جاثمين (37) وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم ~~الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين (38) وقارون وفرعون ~~وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين (39) ~~فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم ~~من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون (40)) PageV03P103 # قوله تعالى : ( وتأتون في ناديكم المنكر ): كل مجلس ليس بمجلس ~~العارفين بالله وبأحكامه فهو مجلس منكر ؛ لأن مجالسهم مجالس السماع والوجد ~~والحضور والمراقبة والذكر والفكر والنصيحة ، وأهل الغفلة مجالسهم مجالس سهو ~~ولهو ، سئل الجنيد عن هذه الآية قال : كل شيء يجتمع الناس عليه إلا الذكر ~~فهو منكر. # ( مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت ~~بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (41) إن الله يعلم ما ~~يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم (42)) # قوله تعالى : ( مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل ~~العنكبوت ): بين الله سبحانه أن من اعتمد على غير الله في أسباب الدنيا ~~والآخرة فهو ينقطع عن مراده غير واصل بربه. # قال ابن عطاء : من اعتمد شيئا سوى الله فهو هباء لا حاصل له ، وهلاكه ms1235 في ~~نفس ما اعتمد ، ومن اتخذ سواه ظهيرا قطع من نفسه سبيل العصمة ، ورد إلى ~~حوله وقوته. # ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (43) خلق ~~الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين (44)) # قوله تعالى : ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا ~~العالمون ): دقائق المعارف لا يعرفها إلا صاحب حال مخاطب من الله بنعت ~~الكشف والعيان والبيان. # قال سهل : شواهد القدرة يدل على القادر ولا يعقلها أي : لا يتنبه بها إلا ~~العالمون به وبأسمائه وصفاته ؛ لأنهم علماء النسبة والباقون علماء المنهج ، ~~والعالم على الحقيقة من يحجره علمه عن كل ما لا يبيحه العلم الظاهر. # ( اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون (45) ولا تجادلوا ~~أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل ~~إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (46) وكذلك أنزلنا ~~إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما ~~يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47)) # قوله تعالى : ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ): حقيقة الصلاة PageV03P104 # حضور القلب بنعت الذكر والمراقبة بنعت الفكر ، فالذكر في الصلاة يطرد ~~الغفلة التي هي الفحشاء ، والفكر يطرد الخواطر المذمومة وهي المنكر هذا في ~~الصلاة ، وبعد الصلاة تنهى الصلاة الحقيقة التي تنهى صاحبها عن رؤية ~~الأعمال والأعراض ، فإذا كان كذلك الصلاة يتكون قرة عيون العارفين ، بقوله ~~عليه السلام : «قرة عيني في الصلاة» (1). # وقال ابن عطاء : بركات الصلاة تذهب بعقاب الفحشاء ونيات المنكر. # قال جعفر : الصلاة إذا كانت مقبولة فإنها تنهى عن مطالعات الأعمال وطلب ~~الأعراض ، وقوله تعالى : ( ولذكر الله أكبر ) للعارف بذكر خالص في ~~السر غير مشوب بحركات الصورة ، وذلك نور صدر من أنوار كشوف صفات الحق حين ~~أظهر جلاله وجماله لروحه ، وله ذكر مشوب بالأعمال الظاهرة مثل الصلاة وجميع ~~الأعمال ، والذكر الأول أصفى وأجل ؛ لذلك قال : ( ولذكر الله أكبر ~~)؛ لأنه غير مكتسب مقدس عن العلل ، وأيضا ذكر الله الأزلي ms1236 للعارف حين ~~اصطفاه بمعرفته أكبر وأعظم من أن يدركه أحد بالكسب والأعمال ، وأن يلحقه ~~نقض أو نقص من جهة الحدث ، وإذا قلت ذكر الله للعباد أكبر من ذكر العباد له ~~قابلت الحادث بالقديم ، وكيف تقول الله أحسن من الخلق ، ولا يوازي قدمه إلا ~~قدمه ولا يقابل ذكره إلا ذكره ، وأنى يكون الأكوان والحدثان في سرادق ~~الرحمن؟! وكيف يبقى الكون في سطوات المكون؟! # قال الواسطي : من شاهد نفسه في ذكره فقد شاهد نفسه في مقابلة من لا ~~يقابله شيء ، والله يقول : ( ولذكر الله أكبر ) من أن يكون أحد فيه ~~بحق العبودية ، فكيف بحقوق الربوبية؟! # قال أيضا : ذكر الله لكم في الأزل أكبر وأحكم وأقدم وأتم. # وقال ابن عطاء : ذكر الله أكبر من ذكركم ؛ لأن ذكره بلا علة وذكركم مشوب ~~بالعلل والأماني والسؤال. # قال القاسم : ذكر الله أكبر من أن يحويه أفهامكم وعقولكم ، وحقيقة الذكر ~~طرد الغفلة ، وإذا لم تكن الغفلة فما وجه الذكر ؛ لأنه أكبر من أن يلحقه ~~ذكر أو يدنيه إشارة ؛ لأن الإشارة تطلب الأين ، والأين يلحقه الحين. # وقال الأستاذ : لذكر الله أكبر من أن يعرف قدره أحد وأكبر من أن يعارضه ~~ذكر ، ويقال ذكر الله أكبر من أن يبقى معه وحشة. PageV03P105 # ( وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب ~~المبطلون (48)) # قوله تعالى : ( وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ~~): إن الله سبحانه أزال عن ساحة الاصطفائية الأزلية وشرف النبوة والرسالة ~~المصطفوية لنبيه صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع الأنبياء والرسل علل ~~التكلف والأسباب بما أخبرنا بهذه الآية ما علمناه من إنبائه تقديس الولاية ~~، والفضل العميم القديم السابق في حق العارفين والمحبين. # قال أبو سعيد الخراز في هذه الآية : أبيدت عنه الرسوم وأشكال الطبائع ؛ ~~لما فيه من تدبير المحبة والاختصاص بخصائص القربة ، فلم يتدنس بمرسوم ، ولم ~~يرجع إلى معلوم ؛ لذلك لما بدهه الحق أثر فيه حيث وجده خاليا عما فيه ~~الأغيار ، ألا ترى أنه لما قيل له : ( اقرأ ) قال : ما أنا بقارئ ، ~~فقيل ms1237 له : ( اقرأ باسم ربك ) [العلق : 1] فلما قيل له : ( ~~باسم ربك ) سكن إليه وألفه ؛ لخلوه عن التدنس بالمرسومات. # ( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد ~~بآياتنا إلا الظالمون (49) وقالوا لو لا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما ~~الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين (50) أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك ~~الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51) قل كفى بالله ~~بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا ~~بالله أولئك هم الخاسرون (52) ويستعجلونك بالعذاب ولو لا أجل مسمى لجاءهم ~~العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون (53) يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم ~~لمحيطة بالكافرين (54) يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ~~ذوقوا ما كنتم تعملون (55)) # قوله تعالى : ( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ): ~~عرائس حقائق القرآن لا تنكشف إلا لأرواح المقربين من العارفين والعلماء ~~الربانيين ؛ لأنها أماكن أسرار الصفات وأوعية لطائف كشوف الذات ، وما سواها ~~من الوعاء أليق بظواهر الخطاب وصورتها مع أهل الشرائع. # قال أبو بكر بن طاهر : علوم الدراية جعل وعاءها صدور العلماء ربانيين ، ~~وآيات ذلك ظاهرة عليهم ، وأنوارها مشرقة فيهم ، فلا ترى عالما مستعملا ~~بعلمه راعيا لأحكام الحق عليه ، PageV03P106 # وموارد الحق إياه إلا وأنوار هيبته تشتمل على قلوب حاضريه فلا يكون مجلسه ~~إلا مجلس أدب. # ( يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون (56)) # قوله تعالى : ( يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة ): بسط الحق ~~بساط عطايا الكرم ونورها بشروق شموس القدم لطلاب مشاهدته وقربه ووصاله من ~~العارفين والمحبين. # قال سهل : إذا عمل بالمعاصي والبدع في أرض فاخرجوا منها إلى أرض ~~المطيعين. # ( كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون (57) والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم ~~أجر العاملين (58) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (59)) # قوله تعالى : ( كل نفس ذائقة الموت ): قهر سلطان كبريائه أعدم ~~كل موجود سواه وإن بقي ؛ لأن بقاء الخلق ببقاء الحق يكون ليس لهم بقاء ms1238 ~~بالحقيقة ، إنما البقاء لمن له أزل وقدم. # قال الجنيد : النفوس وإن عظمت خطرتها فإنها مردودة إلى قيمتها لا يثبت ~~لها حال ما دامت قائمة بأنفسها ، إلا أن يفني الحق شاهدها عنها ويحييها ~~بشواهد إشهاد منه إياها إذ ذاك تحيا ويزول عنها العلل ، قال الله : ( ~~ كل نفس ذائقة الموت ): ما دامت ما فيه قائمة بذواتها ، ( ~~ثم إلينا ترجعون ) بما لنا ، فتسقط عنها العوارض والعلل ، ويقيمها مقام الصدق. # ( وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع ~~العليم (60) ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن ~~الله فأنى يؤفكون (61) الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله ~~بكل شيء عليم (62) ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد ~~موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون (63) وما هذه الحياة ~~الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون (64) ~~فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم ~~يشركون (65) ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون (66) أولم يروا أنا ~~جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله ~~يكفرون (67) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس ~~في جهنم مثوى للكافرين (68)) # قوله تعالى : ( وكأين من دابة لا تحمل رزقها ): حث سبحانه ~~العباد بالتوكل عليه PageV03P107 # والتيقن بلطيف صنعه والكرم العميم منه على جميع البرية ، وبأن يرضى ~~العباد بما يجري عليهم من الأقدار السابقة في الأزل ، ولا يكونوا مهتمين ~~بما يستقبلون من الأيام الباقية والأعمار الماضية بجهة الرزق ؛ لأنه تعالى ~~قدر مقادير الخلق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، وما قدر في ~~الخلق والرزق والأجل لا يتبدل بقصد القاصدين وجهد الجاهدين ، ألا ترى إلى ~~الوحوش والطيور لا تدخر شيئا إلى الغد «تغدو خماصا وتروح بطانا» (1)؛ لا ~~تكالهما على الله بما وصل إلى قلوبها من نور معرفة خالقها ، كيف يكون ~~الإنسان يهتم لأجل رزقه ويدخر شيئا لغده ms1239 ولا يعرف حقيقة رزقه وأجله ، فربما ~~يأكل ذخيرته غيره ولا يصل إلى غده ؛ لذلك كان صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا ~~لغد ؛ إذ الأرزاق مجددة كالأنفاس المجددة في كل لمحة ، ولذلك وصف الله ~~سبحانه في أوائل الآية أهل التوكل والرضا بقوله : ( الذين صبروا ~~وعلى ربهم يتوكلون ) [النحل : 42] ، ثم بين أنه تعالى رازق جميع ذوات ~~الأرواح بقوله : ( الله يرزقها وإياكم )؛ ليسقط عن القلوب اهتمام ~~الرزق من قلوب الخصوص والعموم ؛ لأجل نفوسهم ولغيرهم ؛ لأنه سميع مقالة ~~السائلين في طلب حوائجهم منه ، عليم بما ادخره من أرزاقهم في خزائن جوده ، ~~ودقيقة إشارة التوحيد أن الأرزاق في أماكن العدم معدومة ولا يوجدها ~~بالحدثان ؛ لأن إيجادها من نعوت قوة الرحمانية الأزلية ، ولو يحصرها ~~بجميعها كيف تحملها الدابة ، وأصل حقيقة الرزق مشاهدة العدم والأرواح لا ~~تحمل سطواتها في وقت التجلي ، بل الله يكسبها قوة أزلية تحمل بها منه ما ~~عليه من كنه كشفه. # قال بعضهم في تفسير قوله : ( لا تحمل رزقها ) قال : لا تدخر شيئا لغد. # قال النهرجوري : لا تجزعوا من التوكل ؛ فإنه عيش لأهله ، قال الله : ( ~~ وكأين من دابة. ) # وقال ابن عطاء : يرزقها بالتوكل ، ويرزقكم بالطلب. # ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين (69)) # قوله تعالى : ( والذين جاهدوا فينا ): افهم يا غافل أن الله ~~سبحانه اختار أهل صفوته بالاصطفائية القدمية ، وخصهم بعرفان نفسه والإيقان ~~فيما بان منه لهم من أنوار الربوبية في مقام العبودية ، فطارت أرواحهم من ~~عالم الملكوت بأجنحة أنوار الجبروت في أوائل إيجادها إلى الأكوان ؛ لحصول ~~عبودية الرحمن ، فصحبها سنا قربه وضياء دنوه وحلاوة أنسها بما رأت من جلاله ~~وجماله ، فتحركت من الأزل إلى الأبد بنعت شوقها إلى صانعها ، وما PageV03P108 # طرأ عليها السكون ، بل غلب عليها شوق معادنها ، فحركاتها جذبا منه تعالى ~~إليه ومحبة وشوقا ، فلما هامت في ميادين الشوق من غلبة السكر والذوق ولا ~~تعرف مسالك الربوبية بالحقيقة فيكشف الله لها سنا القدس فتصل به إلى حجال ~~الأنس ، وتعرف هناك سبيل الصفات ، وتتطرق من مدارجها إلى معارج طرق معارف ~~الذات ms1240 ، وهذا معنى قوله تعالى : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا ): جاهدوا بالله في الله لله ، فيعرفون الله بالله ، وهو معهم ~~بإعطائه إياهم كشف جماله ؛ لأنهم يشاهدونه بنعت المراقبة ، وبذل وجوههم لحب ~~المشاهدة (1)، وذلك معنى قوله : ( وإن الله لمع المحسنين ) (69)، ~~وأصل المجاهدة فطام النفس عما دون الله من العرش إلى الثرى ، سبل المجاهدة ~~من العبد إلى الله أو من الله إلى العبد. # فقال : ما من شيء إلا الله موجده قال الله : ( والله خلقكم وما ~~تعملون ) أي : أوجدكم وأوجد أعمالكم بلا شريك ولا عون فالخلق فأتم بالخلق ~~قائم بالخلق. # قال ابن عطاء : ( والذين جاهدوا فينا ) أي : في رضانا ( ~~لنهدينهم ): الوصول إلى محل الرضوان. # قال الجنيد : لنهدينهم سبيل الإخلاص. # قال ابن عطاء : المجاهدة صدق الافتقار إلى الله بالانقطاع عن كل ما سواه. # قال النهرجوري : والذين جاهدوا في خدمتنا لنفتحن عليهم سبل المناجاة معنا ~~والأنس بنا والمشاهدة لنا ، ومن لم يكن أوائل أحواله المجاهدة كانت أيامه ~~وأوقاته موصولة بالتواني والأماني ، ويكون حظه البعد من حيث يأمن القرب. # قال عبد الله بن منازل : المجاهدة علم أدب الخدمة لا المداومة عليها ، ~~وأدب الخدمة أعز من الخدمة. # قال الشيخ أبو عبد الله بن خفيف : وكل محتمل لثقل العبودية في اختلاف ما ~~وضع الله من عوض وفضل فهو داخل في أحوال المجاهدين. # قال الأستاذ : شغلوا ظواهرهم بالوظائف ، فأوصل إلى سرائرهم اللطائف. PageV03P109 ### | سورة الروم # بسم الله الرحمن الرحيم # ( الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون (3) في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون ~~(4) بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (5) وعد الله لا يخلف الله ~~وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (6)) # ( الم ): إشارة الألف هاهنا إلى اشتياق قلوب المشتاقين إلى ~~لقائه ، وإشارة اللام والميم إشارة كيف جماله لأرواح المحبين العاشقين ~~لوجهه بقوله تعالى : ( غلبت الروم ): إشارة إلى أن الأرواح وإن ~~كانت مغلوبة من النفوس الأمارة والشياطين الكافرة امتحانا من الله وتربية ~~لها بمباشرة القهريات ، فإنها تغلب على النفوس حين يخرج من ms1241 مقام الاختيار. # قال تعالى : ( وهم من بعد غلبهم سيغلبون ) (3): نفى كل نفس قاتل ~~الأرواح النفوس ، فالمؤيد من أعانه الله على نفسه بأن قواه في العبودية ~~بشراب المحبة والقربة ، ثم بين أن القهر واللطف يتعلقان به ، والنصر ~~والخذلان يصدران منها بقوله : ( لله الأمر من قبل ومن بعد ) أي : ~~له أمر الاصطفائية في الأزل ورعايتها له إلى الأبد ، فإذا انكشفت أنوار ~~العناية انهزمت ظلمات الطبيعة تفرح الأرواح بتأييد الله حين عاينت ملكوت ~~الله بقوله تعالى : ( ويومئذ يفرح المؤمنون (4) بنصر الله. ) # قال سهل في قوله : ( لله الأمر من قبل ومن بعد ): من قبل كل شيء ~~ومن بعد كل شيء ؛ لأنه المبدئ والمعيد. # ( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (7) ~~أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ~~وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون (8) أولم يسيروا في الأرض ~~فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض ~~وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون (9) ثم كان عاقبة الذين أساؤا السواى أن كذبوا بآيات ~~الله وكانوا بها يستهزؤن (10) الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون ~~(11) ويوم تقوم PageV03P110 # الساعة يبلس المجرمون (12) ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا ~~بشركائهم كافرين (13)) # قوله تعالى : ( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم ~~غافلون ) (7): وصف المدققين من أهل السالوس والطرارير من أهل الناموس ~~بأنهم عرفوا الأحكام الدنيوية ، وهم محجوبون عن معاملات الله ، غافلون عما ~~فتح الله على قلوب أوليائه الذين غلب عليهم شوق الله ، وأذهلهم حب الله عن ~~تدابير عيش الدنيا ونظام أمورها ؛ لذلك قال صلى الله عليه وسلم : «أنتم أعلم ~~بأمور دنياكم ، وأنا أعلم بأمور آخرتكم» (1). # قال القاسم : من كان عن الآخرة غافلا كان عن الله أغفل ، ومن كان غافلا ~~عن الله فقد سقط عن درجات المتعبدين. # ( ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون (14) فأما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون (15) وأما الذين ms1242 كفروا وكذبوا بآياتنا ~~ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون (16) فسبحان الله حين تمسون وحين ~~تصبحون (17) وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون (18) يخرج ~~الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون (19) ~~ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (20) ومن آياته أن خلق ~~لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات ~~لقوم يتفكرون (21) ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ~~إن في ذلك لآيات للعالمين (22) ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم ~~من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (23) ومن آياته يريكم البرق خوفا ~~وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم ~~يعقلون (24) ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من ~~الأرض إذا أنتم تخرجون (25) وله من في السماوات والأرض كل له قانتون (26) ~~وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم (27) PageV03P111 # ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمنتكم من شركاء في ~~ما رزقنكم فانتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الأيت لقوم ~~يعقلون (28) بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدى من أضل الله ~~وما لهم من نصرين ) # قوله تعالى : ( ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون ): من كان في ~~الدنيا على حد التفرق فيوم القيامة يرجع إليها ، ومن كان في الدنيا على حد ~~الجمع فيكون في الآخرة جمعا ، ومن كان مع الله فهو جمع ومن كان مع غير الله ~~فهم متفرقون إلى أماكنهم من السعادات والشقاوات والبعاد والقربات ، فأهل ~~القرب في مشاهدة الأنس والقدس ، وأهل البعاد في الوحشة والتفرقة. # قال أبو بكر بن طاهر : يتفرق كل إلى ما قدر له من محل السعادة ومنزل ~~الشقاوة ، ومن كان تفرقه إلى الجمع كان مجموع السر ، ينقلب إلى محل السعداء ~~، ومن كان تفرقه إلى فرقة كان متفرق السر ، ثم لا يألف ms1243 الحق أبدا فيرجع إلى ~~محل أهل الشقاوة ، ثم فسر الله سبحانه حال الفريقين بالنعتين المتضادين ~~بقوله : ( فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ): وصف أهل الحبور ~~بالإيمان والعمل الصالح ، فأما إيمانهم فشهود أرواحهم مشاهد الأزل في أوائل ~~ظهورها من العدم ، وأما أعمالهم الصالحة فالعشق والمحبة والشوق ، فآخر ~~درجاتهم في منازل الوصال الفرح بمشاهدة الله والسرور بقربه ، وطيب العيش ~~بسماع كلامه وخطابه ، يطربهم الحق بنفسه أبد الآبدين في روح وصاله وكشف ~~جماله ، فابتداء أحوالهم في صباح الأزل تنزيه القدم ، وفي مساء الأبد قدس ~~البقاء بقوله سبحانه وتعالى : ( فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ~~) أي : إذ طلع في قلوبكم صبح مشرق الأزل فكونوا بنعت التنزيه في طلب عيشكم ~~بالمشاهدة ، وإن تروا جلال ذاته وأنوار صفاته في سربال الأفعال فإن هناك ~~مكر الفعل غالب ، لئلا تقعوا في التشبيه من غلبة ذوق العشق ، وكذا كونوا ~~إذا تخفى عليكم الكشوف ويأتي عليكم مساء الصحو هذا نعمة عظيمة لا يقوم ~~الحدثان بشكرها ، فحمد سبحانه نفسه بألسنة كل ذرة من العرش إلى الثرى فعلا ~~وصفة بقوله : ( وله الحمد في السماوات والأرض )، فهذا وصف تنزيه ~~العارفين في يدي سماعهم ومنتهى حالهم في السماع ، وهم في روضة شهود الأنس ~~سمعوا بأرواحهم القدسية وعقولهم الملكوتية سماع الحق من نفسه حيث قال لهم : ~~( ألست بربكم ) كيلا يقعوا في بحار الأنانية من حدة سكرهم في ~~المحبة والمشاهدة ، فيخرجوا عليه بدعوى الربوبية ، ليس هاهنا مقام هذا ~~المقال ، إنما أردنا PageV03P112 # شرح مقام السماع فإن الله بجوده وجلاله يطيب أوقات عشاقه بكل لسان في ~~الدنيا وكل صوت حسن في الآخرة. # قال الأوزاعي في تفسير قوله : ( في روضة يحبرون ): إذا أخذ في ~~السماع لم يبق في الجنة شجرة إلا وردت. # وقال : ليس أحد من خلق الله عز وجل أحسن صوتا من إسرافيل ، فإذا أخذ في ~~السماع قطع على سبع سماوات صلواتها وتسبيحها. # وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الجنة مائة درجة ~~ما بين كل درجتين منها كما بين السماء والأرض ، والفردوس أعلاها سموا ms1244 ~~وأوسطها محلة ، ومنها يتفجر أنهار الجنة وعليها يوضع العرش يوم القيامة. ~~فقام إليه رجل فقال : يا رسول الله إني رجل حبب إلي الصوت الحسن فهل في ~~الجنة صوت حسن؟ فقال : أي والذي نفسي بيده إن الله ليوحي إلى شجرة في الجنة ~~أن أسمعي عبادي الذين اشتغلوا بعبادتي وذكري عن البرابط والمزامير ، فترفع ~~صوتا لم يسمع الخلائق مثله قط في تسبيح الرب وتقديسه» (1). # وعن أبي الدرداء قال : «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الناس فذكر ~~الجنة وما فيها من الأزواج والنعيم ، وفي آخر القوم أعرابي فجثا لركبتيه ، ~~فقال : يا رسول الله هل في الجنة من سماع؟ قال : نعم يا أعرابي ، إن في ~~الجنة لنهرا حافتاه الأبكار من كل بيضاء خوصانية يتغنين بأصوات لم يسمع ~~الخلائق بمثلها قط ، وذلك أفضل من نعيم الجنة ، قال : فسأل أبو الدرداء : ~~بما يتغنين؟ قال : بالتسبيح إن شاء الله. قيل الخوصانية المرهفة الأعلى ~~الخمصة الأسفل» (2). # وعن مغيرة عن إبراهيم قال : «إن في الجنة لأشجارا عليها أجراس من فضة ، ~~فإذا أراد أهل جنة السماع بعث الله ريحا من تحت العرش فتقع في تلك الأشجار ~~، فتحركت تلك الأجراس بأصوات ، لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طربا» (3). # وسئل أبو هريرة : «هل لأهل الجنة من سماع؟ قال : شجرة أصلها من ذهب ~~وأغصانها من فضة وثمرها اللؤلؤ والزبرجد والياقوت ، يبعث الله ريحا فيحك ~~بعضها بعضا ، فما سمع أحد شيئا أحسن منه» (4). PageV03P113 # فافهم ، مثل هذه الأحاديث كثيرة وههنا غاية مقاصدنا تفسير قوله سبحانه : ~~( في روضة يحبرون )، ورب روضة في الدنيا للعارف الصادق العاشق ~~بالله يرى الحق فيها ويسمع من الحق السماع بغير واسطة ، وربما يكون بواسطة ~~، فيسمعه الحق من ألسنة كل ذرة من العرش إلى الثرى أصواتا قدوسية وخطابات ~~سبوحية. # قال جعفر : بالله فابدأ في صباحك ، وبه فاختم في مساءك ، فمن كان به ~~ابتداؤه وإليه انتهاؤه فلا يشقى فيما بينهما. # ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ms1245 (30)) # قوله تعالى : ( فأقم وجهك للدين حنيفا ): الدين طريق القدم ، ~~والحنيفية التبرؤ من الكون ، وإقامة الوجه الإعراض عن الكل والإقبال بعد ~~فناء النفس والكل على الأزل ، فهذه بمجموعها فطرة الحق التي فطر الخلق بتلك ~~الفطرة ، ولا يبتدأ هذه الفطرة من حالها ؛ فإنها طرق القدم في مكمن العدم ، ~~وإذا استقام في السير من العدم إلى القدم وكمل من الحقائق بحيث لا يعوج عن ~~الإقبال على الحق بشيء من الحدوثية ، فمحض ذلك الانفراد مع الوصول أصل ~~الدين ؛ لذلك قال : ( ذلك الدين القيم )، خاطب الحق حبيبه في ~~بداية تخلصه من نفسه ، ومن الكون بعد إقبال الحق عليه أن يستقيم بنعت ~~التجريد في توحيده ، ومسيره إلى جلاله في طريق محبته وعبوديته. # قال أبو علي الجوزجاني : دعا الله عباده إلى الإخلاص من كل وجه ، وأخبر ~~أن من كان في ظاهره وباطنه شيء سوى الحق لم يكن مخلصا في قوله ( ~~فأقم وجهك للدين حنيفا ) أي : معرضا عن الكل ، مقبلا عليه أي : مطهرا عن ~~الأكوان وما فيها. # قال ابن عطاء : الفطرة ما فطرهم عليه وثبتها في اللوح المحفوظ. # وقال : الدين القيم الطريق الواضح لأهل الحقائق. # ( منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين ~~(31) من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (32) وإذا ~~مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم ~~بربهم يشركون (33) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (34) أم أنزلنا ~~عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون (35) وإذا أذقنا الناس رحمة ~~فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون (36) أولم يروا أن ~~الله يبسط الرزق PageV03P114 # لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (37) فآت ذا القربى ~~حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم ~~المفلحون (38)) # قوله تعالى : ( منيبين إليه واتقوه ): راجعين إليه من الحدوثية ~~بعد الاتصاف بالربوبية والقوة أي : لا تدعوا الأنائية ؛ فإنكم في منازل ~~التوحيد وحقيقة التوحيد ألا تنسى صولة القدم على الحدث ، وإن كان مستغرقا ~~في ms1246 بحر القدم. # قال ابن عطاء : راجعين إليه من الكل خصوصا من ظلمات النفوس ، مقيمين معه ~~على حد آداب العبودية لا يفارقون عرصته بحال ، ولا يخافون سواه ، هذا حد ~~المنيبين. # ( وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله ~~وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (39)) # قوله تعالى : ( وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله ): الزكاة ~~بذل الوجود ، فإذا بذلت بحد إرادة طلب جماله جل جلاله فيقع التضعيف في أجر ~~الوصول ، وهو دنو الدنو بعد الدنو. # قال سهل : وقع التضعيف لإرادة الله وجه الله به لا إلى إيتاء الزكاة ، ~~والزكاة زكاة البدن في تطهيرها من المعاصي وزكاة المال في تطهيره من ~~الشبهات. # ( الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم ~~من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون (40)) # قوله تعالى : ( الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم ) ~~: خلقكم بحكمته ، ورزقكم بمحبته ومعرفته ، ثم يميتكم عنكم وعن الكون ، ثم ~~يحييكم بحياته ، وأيضا يميتكم بسطوة عظمته ، ثم يحييكم بجمال وصلته ، ثم ~~بقي في مواهبه السنية على الاكتساب والخليقة بقوله : ( هل من ~~شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء )، ثم نزه نفسه عن تناول أحد بسبب ما أو ~~أن يكون عطاؤه بعلة ، وقوله : ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) (40). # قال الحسين : خلقكم بقدرته ورزقكم معرفته ، وأماتكم عن الأغيار وأحياكم به. # قال ابن عطاء : رزقكم العلم به والرجوع إليه. # قال شقيق : كما لا تستطيع أن تزيد في خلقك ولا في حياتك كذلك لا تستطيع ~~أن تزيد في رزقك ، فلا تتعب نفسك في طلب الرزق. # ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي PageV03P115 # عملوا لعلهم يرجعون (41) قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين (42) فأقم وجهك للدين القيم من قبل ~~أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون (43) من كفر فعليه كفره ومن ~~عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون (44) ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ms1247 من فضله ~~إنه لا يحب الكافرين (45)) # قوله تعالى : ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ) ~~: إن الله سبحانه غلب الإنسانية على الكون طاعة ومعصية ، فإذا رزق الإنسان ~~الطاعة صلح الأكوان ببركتها ، وإذا رزقه العصيان فسد الحدثان بشؤم معصيته ؛ ~~لأن طاعته ومعصيته من تأثير لطفه وقهره ، ولطفه وقهره هذا بنعت الاستيلاء ~~على الوجود ، فإذا فسادها يؤثر في بر النفوس وبحار القلوب ، ففساد بر ~~النفوس فترتها عن العبودية ، وفساد بحر القلب احتجابه عن مشاهدة أنوار ~~الربوبية. # قال الواسطي : البر النفس ، والبحر القلب ، وفساد النفس متعلق بفساد ~~القلب ، فمن لم يعمل في إصلاح قلبه بالتفكر والمراقبة وفي إصلاح نفسه بأكل ~~الحلال ولزوم الأدب ظهر الفساد في ظاهره وباطنه. # وقيل : في البر والبحر أنه السرائر والظواهر. # قال جعفر : شاهد البر من عرف نفسه ، وشاهد البحر من عرف قلبه ، وصلاح ~~هذين بالهيبة والحياء ، فهيبة الرب تزيل فساد الظاهر ، والحياء منه يميت ~~فساد الباطن. # ( ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري ~~الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (46) ولقد أرسلنا من قبلك رسلا ~~إلى قومهم فجاؤهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر ~~المؤمنين (47) الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف ~~يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده ~~إذا هم يستبشرون (48) وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين (49)) # قوله تعالى : ( ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات ): رياح اللطف ~~تهب في قلوب العارفين ، وتبشر بأنوار المشاهدة والكشف ( وليذيقكم ~~من رحمته ): من وصلته بعد الكشف والعيان ، ( ولتجري الفلك بأمره ) ~~: يجري القلب في بحر مشاهدته ، ويسري في PageV03P116 # أنوار الصفات والذات بإرادته ومحبته ، ( ولتبتغوا من فضله ): ~~تبتغوا من وجوده ، ( ولعلكم تشكرون ) (46): ظهور الربوبية في ~~العبودية ، قيل رياح القدس تبشر بمنازل الأنس. # وقال النصرآبادي : هو أن يظهر عليك أوائل الاسترواح إلى ذكره ، فيكون ذلك ~~إشارة بالوصول إلى المذكور. # ( فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك ms1248 ~~لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير (50) ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا ~~من بعده يكفرون (51) فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا ~~مدبرين (52) وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ~~فهم مسلمون (53)) # قوله تعالى : ( فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد ~~موتها ) (1) إن الله سبحانه يزين الأرض بأنوار فعله ، فينبت الحضر بورد ~~الورد ، ويضيء الزهر والنبات ، ويتجلى من أنوار صفته فيها لا عين العارفين ~~الذين شاهدوا الله بنعت الحسن ، ووصفهم الأنس بالورد والريحان والسماع ~~ووجوه الحسان ، ألا ترى إلى النبي صلى الله عليه وسلم كيف أشار بقوله «النظر ~~إلى الوجه الحسن يزيد في البصر» (2)، وقال صلى الله عليه وسلم : «النظر إلى ~~الخضرة والماء الجاري يزيد في البصر» (3). # قيل : أي يحيي الأنفس الميتة بالشهوات ، والقلوب الميتة بالغفلات بأنوار ~~معرفته وآثار هدايته. # قال الأستاذ : يحيي الأرواح بعد حجبتها بأنوار المشاهدات ، فتطلع شموسها من برج PageV03P117 # السعادات ، ويتصل بمشام الكافة ، فيتم ما نقص عليهم من الزيادات ، فلا ~~يبقى صاحب يقين إلا حظي منه بنصيب. # ( الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد ~~قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير (54) ويوم تقوم الساعة يقسم ~~المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون (55) وقال الذين أوتوا العلم ~~والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم ~~لا تعلمون (56) فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون (57) ~~ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين ~~كفروا إن أنتم إلا مبطلون (58) كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون (59)) # قوله تعالى : ( الله الذي خلقكم من ضعف ): فطرة آدم عليه السلام ~~خلقت بنعت الضعف عن حمل وارد أنوار الربوبية وعرفان حقائق الألوهية ؛ لأنها ~~كانت حادثة وقعت في موازاة القدم ، ففنيت بسطوة بقاء الأزل. # قال الواسطي : خلقه خلقة لا يمكنه أن يجر نفعا ولا يدفع ضرا ، هل هو ms1249 إلا ~~الضعف التام. # [سورة الروم (30): آية 60] # ( فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون (60)) # قوله تعالى : ( فاصبر إن وعد الله حق ): سلى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم في احتمال جفوة المعاندين والمخالفين ، وحثه على الصبر في ~~أداء الرسالة ومباشرة الشريعة التي شغلته عن مشاهدة القدم ، قال سبحانه : ( ~~ فاصبر ) في العبودية ، فإن بعد أداء العبودية كشف الربوبية لك ، ( ~~ إن وعد الله ): بكشف الحجاب لك ، ويا عاقل إن أشد الصبر ، الصبر ~~في الحجاب ، ثم الصبر في العتاب ، ثم الصبر في كشف النقاب ، ثم الصبر في ~~الخطاب ، ثم الصبر في القربات ، ثم الصبر في المداناة ، ثم الصبر في ~~الوصلات ، ثم الصبر في لطف الأنس ، ثم الصبر في سطوة القدس ، ثم الصبر في ~~الانبساط ، ثم الصبر في العربدة ، ثم الصبر في الاتصاف ، ثم الصبر في ~~الاتحاد ، ثم الصبر في السكر ، ثم الصبر في الغيبة عن الحق ، ثم الصبر في ~~رؤية نفسه بعد غيبة الحق ، ثم الصبر في غلبة الأنائية ، هذا أشد جميع الصبر ~~والاصطبارات ، ولا يعرف هذه المقامات في الصبر إلا ذو الكمال من العارفين. # وقال رويم : الصبر ترك الشكوى. وقال المحاسبي : الصبر التهدف بسهام ~~البلاء. PageV03P118 ### | سورة لقمان # بسم الله الرحمن الرحيم # ( الم (1) تلك آيات الكتاب الحكيم (2) هدى ورحمة للمحسنين (3) ~~الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (4) أولئك على ~~هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5)) # ( الم ) (1): الألف إشارة إلى ألفة العارفين ، واللام إشارة إلى ~~لطيف صنعه في المستحسنين ، والميم إشارة إلى معالم أنوار محبته في قلوب ~~المحبين ، ثم لين زمام الخطاب إلى الإشارة في معنى الحروف بقوله : ( ~~ تلك آيات الكتاب الحكيم ) (2) أي : هذه الرموز آيات الكتاب المحكم ~~المبين لطائف الحكم التي لا يدركها إلا أهل الفهم الذين هداهم نوره إلى ما ~~كان فيه من الشرف والفضل والإرشاد إلى معدن الصفة ، هم الذين وصفهم الله ~~بالإحسان والهداية والمغفرة والعرفان بقوله : ( هدى ورحمة للمحسنين ~~) (3) عرفهم حقائق مراد الله ، وأوقعهم في بحار مشاهدة الله. # قال ابن عطاء في قوله : ( تلك آيات الكتاب الحكيم ms1250 ) (2): أنوار ~~الخطاب المحكم لك وعليك. # قال شاه الكرماني : ثلاثة من علامات الهدى : الاسترجاع عند المصيبة ، ~~والاستكانة عند النعمة ، ونفي الامتنان عند العطية. # ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ~~ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (6) وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا ~~كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم (7) إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم (8) خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز ~~الحكيم (9) خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ~~وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم ~~(10) هذا خلق الله فأروني ما ذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال ~~مبين (11)) # قوله تعالى : ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ): الإشارة فيه ~~إلى طلب علوم الفلسفة من علم الإكسير والسحر والنيرزجات وأباطيل الزنادقة ~~وترهاتهم ؛ لأن هذه كلها PageV03P119 # سبب ضلالة الخلق بقوله : ( ليضل عن سبيل الله بغير علم. ) # قال سهل : الجدال في الدين والخوض في الباطل. # قال أبو عثمان : كل كلام سوى كلام الله وسنة رسوله أو سير الصالحين فهو ~~من لهو الحديث. # ( ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر ~~لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد (12)) # قوله تعالى : ( ولقد آتينا لقمان الحكمة ) الحكمة ثلاثة : حكمة ~~القرآن ، وهي حقائقها ، وحكمة الإيمان ، وهي المعرفة ، وحكمة البرهان ، وهي ~~إدراك لطائف صنع الحق في الأفعال ، وأصل الحكمة إدراك خطاب الحق بوصف ~~الإلهام. # قال شاه : ثلاثة من علامات الحكمة : إنزال النفس من الناس منزلتها ، ~~وإنزال الناس من الناس لظنهم ، ووعظهم على قدر عقولهم ، فيقوموا بنفع حاضر. # ( وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك ~~لظلم عظيم (13)) # قوله تعالى : ( وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك ~~بالله ): رؤية ما دون الله شرك في التوحيد من العرش إلى الثرى ، والشرك ~~على ثلاثة أقسام : شرك النفس ، وهو حظها من الدنيا ، وشرك العقل ، وهو حظها ms1251 ~~من الآخرة ، وشرك القلب ، وهو حظها من صفاء العبودية ، وأخفى من الشرك ما ~~تستلذ الروح من تروح أنس الله ، وهو أعظم الحجاب ؛ لأن من بقي من حظه ~~الأكبر فقد احتجب عن الغوص في بحار الألوهية والسير في ميادين الأزلية ، ~~والوصل زجر النفس عن الاشتغال بما دون الله. # قال بعضهم : وعظ لقمان ابنه في ابتداء وعظه على مجانبة الشرك وهو التفرد ~~للحق بالكل نفسا وقلبا وروحا ، فلا تشتغل بالنفس إلا بخدمته ، ولا تلاحظ ~~بالقلب سواه ، ولا تشاهد بالروح غيره ، وهو مقام التفريد في التوحيد. # ( ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في ~~عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير (14)) # قوله تعالى : ( أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ) (14): بين ~~سبحانه طريق الجمع والتفرقة في هذه الآية فالجمع ما قال : ( أن ~~اشكر لي )، فإذا أضاف الشكر إلى الغير فقد شغله بالتفرقة ؛ لأن السبب غير ~~المسبب ، والعارف إذا كمل في معرفته فقد سقط عنه رؤية PageV03P120 # السبب والاشتغال بالوسيلة ، ألا ترى كيف دعا العارف من التفرقة إلى الجمع ~~بقوله : ( إلي المصير )؛ لأن من بلغ إلى الحق فالرجوع إلى غيره ، ~~وإن كان وسيلة الحسنة فهو شرك ، وشكر المفرد معرفة المشكور بنعت الاعتراف ~~بالعجز عن شكره ؛ لأنه تعالى أجل وأعظم من أن يشكره أحد سواه ، وشكر ~~الوالدين ؛ لأنهما مدارج أفعال الربوبية ، وإذا شكرت الفعل شكرت الصفة ، ~~وإذا شكرت الصفة شكرت الذات ، وإذا كنت كذلك فقد وصلت إلى عين الجمع ، ~~فالأول جمع الجمع ، وهو قوله ( أن اشكر لي )، والثاني عين الجمع ، ~~وهو قوله : ( ولوالديك )، فإذا كنت مشاهد الكل في عين الجمع فصار ~~عين الجمع جمع الجمع ، كذلك أدق الإشارة بقوله : ( إلي المصير )؛ ~~لأن عين الجمع وجمع الجمع واحد في صورة التوحيد لا في حقيقة التوحيد ؛ لأن ~~حقيقة التوحيد إفراد القدم عن الحدوث. # وقال ابن عطاء : اشكره حيث أوجدك ، وكثيرا ما سمعت سيدي الجنيد يقول في ~~خلال كلماته : (اشكر من كنت منه على بال حين خلقك ، واشكر والديك إذ ههنا ~~سبب كونك ، فمن استغرقه شكر المسبب قطعه ms1252 عن شكر السبب ، ومن لم يتحقق في ~~شكر المسبب رد إلى شكر السبب). # قال الأستاذ : شكر الحق بالتعظيم والتكبير ، وشكر الوالدين بالإشفاق ~~والتوقير. # [سورة لقمان (31): آية 15] # ( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ~~وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم ~~بما كنتم تعملون (15)) # قوله تعالى : ( وصاحبهما في الدنيا معروفا ): والمعروف ههنا أن ~~تعرفهما مكان الخطأ والغلط في الدين عند جهالتهما بالله. # قال بعضهم : عاملهما معاملة جميلة ، وقوله تعالى : ( واتبع سبيل ~~من أناب إلي ): إذ قال فلا تطعهما نفى عنه متابعة المغالطين وحثه على ~~متابعة المنيبين إليه من الصادقين. # قال ابن عطاء : صاحب من ترى غلبة آثار أنوار خدمتي عليه. # ( يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في ~~السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير (16)) # قوله تعالى : ( يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في ~~صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله ): كيف يخفى على موجد ~~الأشياء شيء وهو منشئه ؛ PageV03P121 # فهذا تنبيه منه لإحاطة علمه القديم بكل ذرة من العرش إلى الثرى ظاهرها ~~وباطنها ؛ حتى يفرغ المراقب الصادق من اطلاع الحق بوصف العظمة والكبرياء ~~على نوادر الخطرات وبطون الحركات ، فإن كان خاطره بادرا من قهره سبحانه ~~تستتر في جريانه في صخرة النفوس أو في سماء الأرواح أو في أرض القلوب ، ~~يظهره الحق إلى عرصة العقل لعين السر ، فيحاسبه بذلك ، ويعرفه مكان نفعه ~~وضره ؛ ليعرف صاحبه وصف جلال علمه كيف يحيط بأسرار الضمائر وبطون الخواطر ، ~~ألا ترى إلى قوله : ( إن الله لطيف خبير ) (16)! # قال عبد العزيز المكي : مثال ( حبة من خردل فتكن في صخرة ) ~~مجتمعة أو في سبع سماوات وأرضين متفرقة يأتي بها الله مجتمعة على صاحبها ؛ ~~لأن الله لطيف خبير لطف أفعاله عن أن يدركه أحد بعقل. # ( يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما ~~أصابك إن ذلك من ms1253 عزم الأمور (17) ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا ~~إن الله لا يحب كل مختال فخور (18)) # قوله تعالى : ( وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ): الأمر بالمعروف ~~أن ترشد الخليقة إلى الحقيقة بعد ما ذقت طعم القربة ، والنهى عن المنكر ~~زجرك نفسك عن النظر إلى ما دون خالقها. # وقوله تعالى : ( واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ) أي : ~~اصبر على طوارق القهر وامتحان الريب ، واسكن تحت جريان القضاء والقدر ؛ فإن ~~ذلك من عزائم الحقيقة والمعرفة ، وأيضا : واصبر على ما أصابك من لطائف كشف ~~جماله وحقائق أنوار ذاته وصفاته ، ولا تفش تلك الأسرار بالغلبة والسكر حين ~~يظهر الشطاح السكران دعوى الأنائية ، فإن كتمانها من عزائم أهل الصحو في ~~المعرفة. # قيل : الأمر بالمعروف الدلالة على الرشد ، والنهي عن المنكر المنع عن الغي. # ( واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير (19)) # قوله تعالى : ( واقصد في مشيك واغضض من صوتك ): إن العارف إذا ~~شرب من بحر الوحدانية شربة فرح بوجه الحق وكاد أن يتبختر بالعز والكبرياء ~~من صولة الحال ، فيؤدبه الله بأن يلقي عليه عزة الوحدة ، فيفنيه تحت ~~أنوارها حتى يخرجه من حد السكر إلى حد الصحو ؛ فتكون خطواته خطوات أهل ~~التمكين لا خطوات أهل التلوين ، وكل مريد يشرب PageV03P122 # من سواقي صفاء العبودية شربة تفرحه بفرحة الوقت وصفاء الذوق ، فيهيجه إلى ~~الزفرات والشهقات ، ولا يجوز ذلك له ؛ فإن أصواته ممزوجة بخطوات الطبيعة ، ~~مخلوطة بهواجس النفسانية ، فإذا صاح صارت صيحته صيحة الطبيعة لا صيحة ~~الحقيقة ؛ لذلك نهاه الله بقوله : ( إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) (19). # قال سفيان الثوري : صوت كل شيء تسبيح إلا صوت الحمير ؛ فإنها تصيح لرؤية ~~الشيطان ؛ لذلك سماه الله منكرا. # وقال الأستاذ في قوله : ( واقصد في مشيك واغضض من صوتك ): كن ~~فانيا عن شواهدك ، مصطلما عن حولك ، مأخوذا عن قوتك وحولك ، منتسقا بما ~~استولى عليك من كشوفات سرك ، وانظر من الذي يسمع صوتك حتى تستفيق من حمار ~~غفلتك : ( إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) في الإشارة أنه يتكلم في ms1254 ~~لسان المعرفة من غير إذن من الحق. # وقالوا : هو الصوفي يتكلم قبل أوانه. # ( ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ ~~عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا ~~كتاب منير (20) وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا ~~عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير (21)) # قوله تعالى : ( وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ): النعمة ~~الظاهرة : الخلق الحسن ، والخلق الحسن ، والأدب الحسن ، والظرف ، والهيئة ~~اللطيفة ، ومتابعة السنة ، والاجتناب عن المعصية ، والتواضع في أولياء الله ~~، والعبادة الصافية ، والعافية والصحة والسلامة ، وأن تكون مكسوا بشمل نور ~~الروحانية والربانية ، والنعمة الباطنة : الفطرة السليمة ، والاستعداد ~~لقبول الغيب والعقل الكامل والفطنة والذكاء والحكمة والفهم وطمانينة النفس ~~وصفاء الروح ، واتصال الذكر على الدوام والإيمان والإيقان والعرفان ~~والإخلاص والتوحيد ، وثمرات هذه الأشياء الوجد والحال والمراقبة والأنس ~~والحياء والمحبة والشوق والعشق ، فإذا بلغ الرجل إلى هذه المراتب يهيئ الله ~~له بالظاهر مجالسة الأولياء مع السماع بصوت طيب وموضع طيب فيه وجه حسن ، ~~والطيب والريحان بلا كدورة ولا فترة ولا صحبة الأضداد ، ويلقي في قلبه بروق ~~نيران الأشواق المهيجة لسره إلى مواصلة الحق بنعت المحبة والأنس ، فهو ممن ~~أسبغ الله عليه نعمه الظاهرة والباطنة. # قال بعضهم : النعم الظاهرة العافية والأمن ، والنعم الباطنة الرضا ~~والغفران. PageV03P123 # قال الجنيد : النعم الظاهرة الأخلاق ، والنعم الباطنة المعرفة. # قال أبو بكر الوراق : النعم الظاهرة استواء الخلق ، والنعم الباطنة حسن ~~الخلق ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام : «اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي» (1). # قال بعضهم : النعمة الظاهرة اتباع ظاهر العلم ، والنعمة الباطنة طلب ~~الحقيقة في الاتباع. # وقال الأستاذ : النعمة الظاهرة نفس بلا ذلة ، والباطنة قلب بلا غفلة. # ( ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى ~~وإلى الله عاقبة الأمور (22) ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم ~~بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور (23) نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب ~~غليظ (24) ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ms1255 ليقولن الله قل الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعلمون (25) لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد (26)) # قوله تعالى : ( ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى ) أي : من بذل وجوده لوجدان وجود الحق سبحانه وهو يعرفه ~~وتكون معرفته مستفادة من مشاهدته لا بتقليد العلم والأدلة العقلية فقد ~~استمسك بعروة المحبة الأزلية لا يتكدر بعلل الحدثان ، والإحسان مشاهدة ~~الربوبية في العبودية ، والعروة الوثقى المحبة المتصلة بالألوهية. # قال سهل : من يخلص دينه لله ويحسن آداب الإخلاص ، وقال العروة الوثقى هي السنة. # وقال أبو عثمان : العروة محمد صلى الله عليه وسلم . # وقال أيضا : هي كتاب الله وسنة رسوله. # ( ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة ~~أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم (27)) # قوله تعالى : ( ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده ~~من بعده سبعة أبحر ): افهم كيف تنفد كلمات الحق وكلماته الأزلية السرمدية ~~وللعارف بكل نفس منه من الحق سبحانه بالمثل ألف خطاب ، ولا ينقطع عنه خطابه ~~أبدا ، ولكل خطاب له وجد وله PageV03P124 # كشف وعيان وبيان وبرهان ولسان وعلم وحكمة وعمل وإخلاص وعجز وإدراك. # قال ابن عطاء : كلماته علم كتابه وعجائب حكمته. # وقال أبو سعيد الخراز : كلام الحكماء لا ينقطع عن عيون الحكمة كما أن ماء ~~العين لا ينقطع عن عينه ؛ لأن حكم الحكيم تلقين من رب العالمين من خزائنه ، ~~وخزائنه لا تنفد ، ألا تراه يقول : ( ولو أن ما في الأرض من شجرة ~~أقلام )! # ( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير (28) ~~ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس ~~والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير (29) ذلك بأن الله ~~هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير (30)) # قوله تعالى : ( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ): بين ~~سبحانه أن وجوده الأزلي لا يتغير بوجود الخلق وعدمهم ، وقدرته ms1256 شاملة ~~للإيجاد والإعدام. # قال أبو سعيد الخراز : ليس على الحق أثر من الكون من إيجادهم وعدمهم. # ( ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته إن ~~في ذلك لآيات لكل صبار شكور (31) وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين ~~له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار ~~كفور (32) يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا ~~مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا ~~يغرنكم بالله الغرور (33)) # قوله تعالى : ( إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) الصبار : من ~~اتصف بصفة صبره ، والشكور : من اتصف بصفة شكره ؛ لأنه بصفات صبره وشكره ~~يحتمل بلاءه ويشكر نعمه ، والصبار : من كان الصبر له مقاما ، وكذلك الشكور ~~لا أن يكون هما له خطرات ، بل يكونان له وطنات. # قال أبو حفص : الصبار الذي لا يغيره تواتر المحن والبلايا عليه ، ولا ~~يورثه ذلك جزعا ولا شكوى. # وقال أبو عثمان : الصبار الذي عود نفسه للهجوم على المكاره. # وقال ابن عطاء : الشكور الذي يكون شكره على البلاء كشكره على النعماء. PageV03P125 # ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما ~~تدري نفس ما ذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير (34)) # قوله تعالى : ( إن الله عنده علم الساعة ): لله علوم ، منها عام ~~، ومنها خاص ، ومنها خاص الخاص ، فالعلم العام : علم الشريعة ، وعلم الخاص ~~علم الحقيقة ، وعلم خاص الخاص علم السر ، وهو علم الغيب ، ومن علم الغيب ما ~~يطلع عليه الأنبياء والأولياء والملائكة بقوله : ( عالم الغيب فلا ~~يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول )، ومنه ما استأثر لنفسه لا ~~يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل بقوله : ( وعنده مفاتح الغيب لا ~~يعلمها إلا هو )، ومنه أيضا علم الساعة ، وهذه الآية برمتها ، أما الساعة ~~خاصة سرها عن جميع الخلق حتى أكد الأمر بقوله : ( أكاد أخفيها ) ~~[طه : 15] ، إلا أن أماراتها بانت من ms1257 لسان صاحب الشرع صلوات الله وسلامه ~~عليه ، ولا تخفى هذه الأمارات إلى وقوع الساعة على بعض أولياء أمته ، حتى ~~قال يوسف بن الحسين رحمة الله عليه : علمت متى ينزل عيسى عليه السلام ، ومن ~~أي قبيلة يتزوج. # وأما قوله سبحانه : ( وينزل الغيث ): لا يعلم أحد في أي لحظة ~~ينزل ، ولكن كثيرا ما سمعت من الأولياء يقول : يمطر السماء غدا أو ليلا ~~فيمطر ، كما قال : كما سمعنا أن يحيى بن معاذ كان على رأس قبر ولي وقت دفنه ~~، وقال لعامة من حضروا إن هذا الرجل من أولياء الله إلهى إن كنت صادقا ~~فأنزل علينا المطر ، قال الراوي : فنظرت إلى السماء وما رأيت فيها راحة ~~سحاب فأنشأ الله سبحانه سحابة مثل ترس فمطرت فرجعنا مبتلين. # قوله تعالى : ( ويعلم ما في الأرحام ): وسمعت أيضا من بعض ~~أولياء الله أنه أخبر ما في الرحم من ذكر أو أنثى ، ورأيت بعيني ما أخبر ، ~~ولكن الله سبحانه يطلع على ما في الرحم ، بل ماء الرجل والمرأة أي : شيء ~~يخلق منه حين نزل ولا يعلمه غيره ، وربما سمعت حديث واقعة الغد منهم قبل ~~المجيء ، وبما قالوا أني أموت بموضع كذا ، ومنهم أبو الغريب الأصفهاني قدس ~~الله روحه مرض في شيراز في زمان الشيخ أبي عبد الله بن حنيف قدس الله روحه ~~وقال : إذا مت في شيراز فلا تدفنوني إلا في مقابر اليهود ؛ فإني سألت الله ~~أن أموت في طرطوس ، فبرئ ومضى إلى طرطوس ومات بها رحمة الله عليه. # وقال القاسم في قوله : ( ويعلم ما في الأرحام ): من كافر ومؤمن ~~ومطيع وعاص ، وهذا دليل على أن الله يعرف الأشياء بالوسم والرسم ، الرسم ~~يتغير ، والوسم لا يتغير. PageV03P126 # وقال سهل في قوله : ( وما تدري نفس ما ذا تكسب غدا ): ما له في ~~الغيب من المقدور له وعليه. # وقال في قوله : ( وما تدري نفس بأي أرض تموت ) أي : على أي حكمة ~~تموت من السعادة أو الشقاوة (1)، والله أعلم. # * * * ### | سورة السجدة # بسم الله الرحمن الرحيم # ( تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ms1258 (2) أم يقولون افتراه ~~بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون (3)) # ( الم ) (1): الألف إشارة إلى الإعلام ، واللام إشارة إلى ~~اللزوم ، والميم إشارة إلى الملكة ، أعلم من نفسه أهل الكون ، وألزم ~~العبودية عليهم ، وملكهم قهرا وجبرا حتى عبدوه طوعا وكرها ، فمن علم وقع في ~~الاسم ، ومن عبد وقع في الصفة ، ومن تسخر لمراده كما أراد وقع في نور الذات ~~، وعلى هذا من الله سبحانه تنزيل كتابه أنزل على عبده إشارة للخصوص وعبارة ~~للعموم بقوله : ( تنزيل الكتاب لا ريب فيه )، لا يتعلل بعلل الكون. # ( الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون (4) يدبر ~~الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما ~~تعدون (5) ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم (6)) # قوله تعالى : ( ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون ) ~~(4): أفرد نفسه لعباده بأنه لهم ولي ولا شفيع ، لا غير حتى لا يلتفتوا إلى ~~الأسباب ، ثم ينبههم بحقيقة ذلك فقال : ( أفلا تتذكرون. ) # قال القاسم : أو لا تنبهون أن من أسقطته الملك لا يصلح لخدمة الملك ، ثم ~~بين سبحانه PageV03P127 # أن أمر العباد في العبودية يكون بمشيئته وإرادته لا لغيره مدخل في تدبير ~~العباد بقوله : ( يدبر الأمر من السماء إلى الأرض )، ينزل الوحي ~~إلى حبيبه صلى الله عليه وسلم بواسطة أخيه جبريل عليه السلام لنظام الشريعة ~~وانتظام الحقيقة والطريقة لا لطبع البشر ومقالة أهل البدع ، فيه أثر ~~والإشارة فيه أن تدبير العباد عند تدبيره لا أثر له إذا أراه العباد في ~~قضائه وقدره منفسخة ؛ إذ تدبيره إرادته وإرادته مشيئته المقرونتان بالعلم ~~الأزلي الذي لا يشوبه علل الحدثان. # قال سهل : طوبى لمن رزق الرضا بتدبير الله له ، وأسقط عنه سوء تدبيره ، ~~ورده إلى حال الرضا بالقضاء والاستقامة في جريان المقدور عليه أولئك من ~~المقربين. # ( الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين (7) ثم ms1259 جعل ~~نسله من سلالة من ماء مهين (8) ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (9) وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا ~~لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون (10) قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل ~~بكم ثم إلى ربكم ترجعون (11) ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ~~ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون (12)) # قوله تعالى : ( الذي أحسن كل شيء خلقه ): أوجد الأشياء بأمره ، ~~وألبسها نور أمره ، وأحسن خلقها بحسن فعله ، لا يدخل نقص القبح في أفعاله ؛ ~~لأنه أحكمها وركبها ودبرها بعلمه الأزلي وجلاله الأبدي ، ولا يرجع إليه علة ~~فالقبيح قبيح من جهة الامتحان ، وحسن من حيث صدر من أمر الرحمن ، ذكر الحسن ~~في جميع الأشياء ، ولم يذكر ههنا في الإنسان ، ثم قال : ( وبدأ خلق ~~الإنسان من طين ) (7)، وهو معدن الخصوصية المستعدة لمباشرة صفته بقوله : ( ~~ خلقت بيدي ) [ص : 75] ، ثم ذكر تسويته بكمال الصفة بقوله : ( ~~ ثم سواه ): سواه بتجلي أنوار جميع صفاته حتى صدرت صورة آدم من ~~الغيب منعوتا بأنوار الصفات ومتصفا بسناها ، ثم ذكر أخص الخصائص ، وهو ما ~~سقط من حسن تجلي ذاته في صورته بقوله : ( ونفخ فيه من روحه )، حتى ~~يكون مجموعها مشكاة أنوار الذات والصفات ، ويفيض الحسن من آدم إلى العالم ؛ ~~لأنه المعدن الثاني من الحسن ، والمعدن الأول من الحسن حسن الأزل ، فأي حسن ~~يبقى في حسن آدم وذريته ، ذكر حسن الأشياء ، ولم يذكر ههنا حسن غيره ؛ لأنه ~~موضع محبته واختياره الأزلية ، كقول القائل : # وكم أبصرت من حسن ولكن %~% عليك من الورى وقع اختياري # قال الواسطي في قوله : ( ونفخت فيه من روحي ) أي : روح اخترته ~~على الأرواح ، PageV03P128 # وهو روح مكنه من صحبته وآثر قربه. # وقال أيضا : الجسم يستحسن المستحسنات ، والروح واحدية فردانية ، لا ~~يستحسن شيئا لسقطه أبدا. # وقال ابن عطاء في قوله : ( ثم سواه ونفخ فيه من روحه ): قومه ~~بفنون الآداب ، ونفخ فيه الروح الخاص الذي فضله على سائر الأرواح لما كان ~~له عنده من محل التمكين ، وما كان فيه ms1260 من تدبير الخلافة ومشافهة الخطاب (1). # قال الأستاذ : أحسن صورة كل أحد ، فالعرش ياقوتة حمراء ، والملائكة أولو ~~أجنحة مثنى وثلاث ورباع ، وجبريل طاوس الملائكة ، والحور العين كما في ~~الخبر من جمالها وشكلها ، والجنان كما في الأخبار ونص القرآن ، فإذا انتهى ~~إلى الإنسان قال : ( خلق الإنسان من طين )، ولكن ( رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه ) [التوبة : 119] ، و ( خلق الإنسان من طين ) ~~، ولكن قال : ( فاذكروني أذكركم. ) # ( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم ~~من الجنة والناس أجمعين (13) فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم ~~وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون (14)) # قوله تعالى : ( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ): قطع مشيئة ~~الخلائق عن مشيئة الأزل ، ولو أراد أن يكون كلهم عارفين به يكون ؛ ولكن وقع ~~خاصية الأنبياء والأولياء بنعت الاصطفائية من إرادته ، ووقع الأضداد من ~~إرادته سابق لطفه لأهل لطفه ، وسابق قهره لأهل قهره. # قال ابن عطاء : لو شئنا لوفقنا كل عبد لطلب من مرضاتنا ، ولكن حق القول ~~بالوعد والوعيد ليتم الاختيار. # وقوله تعالى : ( لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) (13): إن ~~جهنم فم قهره انفتح ليأخذ نصيبه ممن له استعداد مباشرة القهر ، كما أن ~~الجنة فم لطفه ، انفتح ليأخذ من له استعداد مباشرة لطفه ، فاللطيف يرجع إلى ~~اللطيف ، والكثيف يرجع إلى الكثيف ، لذلك مضى القسم في الأزل في الوعيد ؛ ~~لأن الحدث لا ينفك عن حظ القدم فالعارف الصادق إذا PageV03P129 # كان في جهنم فإن جهنم له مأوى قهره ، وقهره مأوى لطفه ، ولطفه مأوى أنوار ~~جوده وجوده ، مأوى أنوار وجوده فيرى مقصوده في العذاب كما كان أيوب ~~عليه السلام يرى رؤية المبلي في بلائه. # سئل الشبلي عن هذه الآية ، فقال : يا رب أملأها من الشبلي ، واعف عن ~~عبيدك ليتروح الشبلي بتعذيبك كما يتروح جميع العباد بالعوافي. # ( إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ~~ربهم وهم لا يستكبرون (15)) # قوله تعالى : ( إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا ~~): وصف الله سبحانه أهل معرفته الذين إذا سمعوا خطابه ms1261 سقطوا على وجوههم في ~~جناب كبريائه وعظمته حبا له وشوقا إليه ، ولا يكون هذا إلا وصف الوالهين من ~~عشقه ، الصادقين في توحيده ومعرفته. # قال القاسم : إذا وعظوا بها خروا سجدا عند أوقاته ، وذلك صفة المؤمنين ، ~~ومن أبى ذلك في أوقاته لا يلحقه اسم الإيمان ولا وسمه. # ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ~~ينفقون (16) فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (17)) # قوله تعالى : ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع ): وصف سبحانه أهل وده ~~ومحبته وعشقه وشوقه الذين إذا ناموا ناموا بالحق من كمال سكرهم ، وإذا ~~انتبهوا من ركضة آلام حزن فوت وصاله ولذيذ مناجاته ، فانصرفت جنوبهم عن ~~مضاجعهم بغير اختيارهم كأن الأرض ألقتهم من نفسها ، وذلك مما ينكشف لهم من ~~أستار الملك والملكوت ، ويظهر لهم أنوار مشاهدة الحق ويفتح لهم أبواب قربه ~~ووصاله ، ثم زاد في وصفهم بقوله : ( يدعون ربهم خوفا وطمعا )؛ ~~خوفا من هجرانه وإجلالا لجلاله وطمعا في وصاله ، ( ومما رزقناهم ~~ينفقون ): يعني يبذلون أرواحهم وأشباحهم لله ، ثم ذكر ما يجازيهم من جمال ~~قربه وكشف لقائه بقوله : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ) ~~: قرة أعينهم أنوار جماله وجلاله ، وذلك جزاء احتراقهم في حبه بقوله : ( ~~ جزاء بما كانوا يعملون. ) # قال سهل في قوله : ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع ): إن الله وهب ~~لقوم هبة ، وهو أن أذن لهم في مناجاته ، وجعلهم من أهل وسيلته وصفوته ~~وخيرته ، ثم مدحهم على ذلك إظهارا لكرامته بأن وفقهم بما وفقهم له فقال : ( ~~ تتجافى جنوبهم عن المضاجع. ) # وقال ابن عطاء : جفت جنوبهم وأبت أن تسكن على بساط الغفلة ، وطلبت بساط PageV03P130 # القربة والمناجاة ، وأنشد : # جفت عيني عن التغميض حتى %~% كأن جفونها عنها قصار كأن جفونه سملت بشوك %~% فليس لنومه فيها قرار أقول وليلتي تزداد طولا %~% أيا ليلي لقد بعد النهار # وقال جعفر : خوفا منه وطمعا فيه. # وقال بعضهم : خوفا من القطيعة وطمعا في الوصلة. # وقال ابن عطاء : قرت أعينهم بما سبق لهم من حسن الموافقة مع ربهم. # وقال ms1262 سهل : قرت أعينهم بما شاهدوا من ظاهر الحقائق وباطنها الذي يكشف لهم ~~من علم المكاشفة مراده ، وتمسكوا به ، فقرت بذلك أعينهم ، وسكنت إليه ~~قلوبهم. # وقال الجنيد : تجافت جنوب العارفين عن أنفسهم ، وتقطعت قلوبهم للحق ، ~~وجنبت أسرارهم بالصدق. # قال محمد بن علي الباقر : تجافت جنوب الزهاد من نعيم الدنيا لما وجدوا من ~~حلاوة نعيم العقبى وجنوب العارفين عن التدبير والاختيار ؛ فاستقروا على ~~أحكام الرضا. # وقال ابن عطاء : أخفى لهم من مبارزة ما تعجز النفوس عن التفكر فيها فلن ~~تأملها. # قال الأستاذ : أما الأحباب فالليل لهم إما طرب في التلاقي أو هرب الفراق ~~، فإن كانوا في أنس القربة فليلهم أقصر من اللحظة ، كما قالوا بوصال مجدد ~~ووداد : # زارني من هويت بعد بعاد %~% بوصال مجدد وودادي # وإن كان الوقت وقت مقاساة فرقة وانفراد بكونه فليلهم طويل كما قالوا : # كم ليلة فيك لا صباح لها %~% أفنيتها قابضا على كبدي قد عصت العين بالدموع وقد %~% وضعت خدي على بنان يدي # وقال قوم : خوفا من العذاب وطمعا في الثواب. # وآخرون : خوفا من الفراق وطمعا في التلاقي. # ( أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون (18) أما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون (19) وأما الذين ~~فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ~~ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون (20)) # قوله تعالى : ( أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ) (18): ~~أفمن كان PageV03P131 # عارفا بذاته وصفاته كمن كان جاهلا بجلاله وقدرته ، لا يستويان أبدا كما ~~لا يستوي البصير والأعمى. # قال ابن عطاء : من كان في بصيرة الطاعة والإيمان لا يستوي مع من هو في ~~ظلمات الفسق والطغيان. # ( ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون ~~(21) ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون ~~(22) ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني ~~إسرائيل (23)) # قوله تعالى : ( ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر ) ~~: العذاب الأدنى حرمان المعرفة ، والعذاب الأكبر الاحتجاب عن ms1263 مشاهدة ~~المعروف ، وأيضا العذاب الأدنى المعرفة ، والعذاب الأكبر النكرة. # وقال بعضهم : العذاب الأدنى الهوان ، والعذاب الكبر الخذلان. # قال أبو الحسن الوراق : العذاب الأدنى الحرص في الدنيا ، والعذاب الأكبر ~~هو أن يعذبه الله عليه. # وقال بعضهم : العذاب الأدنى التعب في طلب الدنيا ، والعذاب الأكبر شتات السر. # قال الأستاذ : العذاب الأدنى وقفة في سلوكهم ، والأكبر حجبه عن مشاهدة ~~مقصودهم ، قال قائلهم : # أدبتني بانصراف الطرف يا ثقتي %~% فانظر إلي فقد أحسنت تأديبي # ويقال : العذاب الأدنى الخذلان في الزلة ، والأكبر الهجران في الوصلة. # ويقال : العذاب الأدنى تكدر مشاربهم بعد صفوها ، كما قالوا : # لقد كان ما بيني زمانا وبينه %~% كما بين ريح المسك والعنبر الورد # والعذاب الأكبر لهم تطاول أيام العذاب من غير تبين آخرها وبقاء ضرهم ~~ونفاد صبرهم وقيام قيامتهم ، كما قالوا : # تطاول عهدنا بالأمر حتى %~% لقد نسجت عليه العنكبوت # ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا ~~يوقنون (24) إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (25) ~~أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك ~~لآيات أفلا PageV03P132 # يسمعون (26)) # قوله تعالى : ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا ) أي : لما شاهدوا ~~جلالنا وجمالنا عيانا بنعت المعرفة والمحبة ، وصبروا فيما وجدوا من كشف ~~الذات والصفات وما أفشوها عند الأغيار ، جعلناهم أئمة المعارف والكواشف ، ~~يمدون طلابي إلي بنوري. # قال أبو عثمان : لما صبروا على حقوق العبادة. # وقال أيضا : لما صبروا مع الله في جميع الأحوال. # ( أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل ~~منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون (27) ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم ~~صادقين (28) قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون (29)) # قوله تعالى : ( أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز ): ~~سوق مياه معرفته من بحار تجلي جلاله إلى أرض القلوب الميتة الجرزة (1)؛ ~~فينبت به فيها نرجس الوصلة وياسمين المودة ورياحين المؤانسة وبنفسج الحكمة ~~وزهرة الفطنة ، وورد المكاشفة وشقائق الحقيقة. # قال ابن عطاء : تصل بركات المواعظ إلى القلوب القاسية ms1264 المعرضة عن الحق ~~فتتعظ بتلك المواعظ. # قال الأستاذ : الإشارة منه تسقى حقائق وصلتهم بعد جفاف عودها وزوال ~~المأنوس من معهودها ، فيعود عودها مورقا بعد ذبوله حاكيا بحاله حال حصوله. # ( فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون (30)) # قوله تعالى : ( فأعرض عنهم وانتظر ): فأعرض عنهم حين لا يكونون ~~في عينيك من أهل المعرفة ، وأقبل علينا لتستأنس بمشاهدتنا عن مشاهدة ~~الأغيار ، ( وانتظر ) كشوف جلالنا لك وتخليصك من شرهم ، ( ~~إنهم منتظرون ) (30): الحجاب والعتاب والهجران والعذاب. # قال بعضهم : لا تشغل سرك بهم ، وانتظر بركات الموارد عليك من أنواع ~~الكرامات إنهم منتظرون منا المقت والبعد. # قال الأستاذ : أعرض عنهم باشتغالك بنا وإقبالك علينا وانقطاعك إلينا ، ~~وانتظر زوائد PageV03P133 # وصلنا وعوائد لطفنا ؛ إنهم منتظرون هواجم مقتنا ، وخفايا مكرنا ، وعن ~~قريب يجد كل منتظر محتضر. ### | سورة الأحزاب # بسم الله الرحمن الرحيم # ( يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله ~~كان عليما حكيما (1) واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون ~~خبيرا (2) وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (3)) # ( يا أيها النبي اتق الله ): كان عليه الصلاة والسلام ألطف خلق ~~الله من الأنبياء والمرسلين والملائكة والمقربين ، وأعرفهم به ومن كمال ~~معرفته طار بجناح الربوبية في الربوبية ، وشاهد مشاهد الألوهية ففي كل شهود ~~له منها لذة وحلاوة كادت توقفه عن طيرانه من جلال لذتها فخوفه الله من نفسه ~~أن يحتجب به عنه فينقطع عن سفر الآزال إلى الآباد. # وقال ابن عطاء : أي أيها المخبر عني خبر صدق والعارف في معرفة حقيقة اتق ~~الله في أن يكون لك التفات إلى شيء سواي. # قوله تعالى : ( واتبع ما يوحى إليك من ربك ): عرفه مكان الوحي ~~منه إليه معرفة حقيقة لا معرفة إبهام ، فإن من موجبات معرفة الوحي ألا يكون ~~للنفس والقياس فيه سبيل ولا يدخل فيه حظ النفس بحال بل فيه اتباع حقيقي بلا ~~اعوجاج ولا اضطراب. # وقال سهل : قطعه بذلك عن اتباع أعدائه ، وأمره بالاتباع في كل أحواله ؛ ~~ليعلم أن أصح الطريق شريعة الاتباع والاقتداء. # وقال الأستاذ : أي : أيها المشرق ms1265 حالا المفخم قدرا منا ، المعلى رتبة من ~~قبلنا ، يأيها المرقى إلى أعلى الرتب الملقى بأسنى القرب ، يأيها المخبر ~~عنا المأمون على أسرارنا المبلغ خطابنا إلى أحبابنا : اتق الله أن تلاحظ ~~غيرنا معنا ، وتستأنس شيئا من دوننا. # وقال في قوله : ( واتبع ما يوحى إليك ): اتبع ولا تبتدع ، واقتد ~~بما أمرك ، ولا تبتدئ باختيارك غير ما اختياره لك. # قوله تعالى : ( وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ) أي : توكل علي ~~فيما أجزيك بمشاهدة وصالي ، وحلاوة رؤية جمالي أن تبقى فيها ؛ فإني أبلغك ~~منك ومما تخدمني إلي أبدا إلى محل الكمال ، ولا تقرع من غشيان غمار بحار ~~البلاء فإن المبلى معك في البلاء. PageV03P134 # قال ذو النون : التوكل التفويض لأمر الله. # وقال بعضهم : اعتمد على من دعاك إليه وضمن لك الكفاية ، وكل إلى الله ~~أمرك وكفى بالله وكيلا. # ( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي ~~تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله ~~يقول الحق وهو يهدي السبيل (4) ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم ~~تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ~~ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما (5)) # قوله تعالى : ( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ): إن الله ~~سبحانه أخبر أن القلب واحد لا يحتاج إلى قلب سواه ، فإن القلب خلق على ~~استعداد قبول وقائع أنوار جميع الذات والصفات ، وفيه عقل قدسي يعرف الأشياء ~~بحقيقتها ، ونفس هي مجرى الأقدار الفعلية القهرية من الله ، وفيه روح لطيف ~~قدسي مخاطب من الله بجميع طرق المعارف ، وفيه سر هو مرآة كشوفات الغيب ، ~~فإذا هدي القلب ميادين ربوبية الأزل والأبد لا يحتاج إلى شيء سواه ؛ فإنه ~~الكون الأصغر بالصورة ، وفي المعنى الكون الأكبر ومن عرفه فقد عرف الحق ، ~~وعرف ما دونه من العرش إلى الثرى ، فالقلب الحقيقي ما لم يكن بينه وبين ~~الحق حجاب ولا يكون شغله بشيء سوى الله. # قال الصادق : قلب يرى به أمور الدنيا وقلب يعلم أمور الآخرة ms1266 وذو القلب ~~الصحيح السليم من كان قلبه حرا من الاشتغال بشيء سوى الحق. # ( والله يقول الحق ): ما صدر من الحق فهو حق حقيقي لا يشرب بشيء ~~من الحدثان من الهواجس والوسواس ، وهو يهدي بنفسه العارف إلى سبيل معرفة ~~الصفات ، ثم إلى طرق معرفة الذات. # قال جعفر : والله يقول الحق ؛ لأنه الحق ، ومنه بدت الحقائق وكلامه حق. # ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن ~~تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا (6)) # قوله تعالى : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ): نفس المؤمن ~~تطلب حظها والنبي صلى الله عليه وسلم يطلب حظ الله من أنفسهم ، وحظ الحق منهم ~~أولى من حظ أنفسهم فيهم. PageV03P135 # قال سهل : من لم ير نفسه في ملك الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولم ير ولاية ~~الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأحوال لا يذوق حلاوة سنته بحال ؛ لأن ~~النبي هو الأولى بالخلق من أنفسهم وأموالهم ، ألا ترى الله يقول : ( ~~ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم )، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ~~«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وماله والناس أجمعين» (1). # ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى ~~وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (7)) # قوله تعالى : ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ): الميثاق الغليظ الذي أخذ الله من ~~الأنبياء ميثاق المحبة ألا يشتغل أحد منهم بغيره من العرش إلى الثرى ، ~~ويوافق بعضهم بعضا فيما أخبر الحق بلسانهم من نفسه ، فأخذ الميثاق من ~~الجميع بالوسائط ومن نبينا صلى الله عليه وسلم كفاحا بلا واسطة ، بين فضله على ~~الجميع ، ثم بين فضل شيخ الأنبياء وفضل الخليل والكليم وعيسى عليهم السلام . # وقال بعضهم : أخذ ميثاق النبيين بالعموم على لسان السفر والوسائط ، وأخذ ~~ميثاق الرسول مشافهة بلا واسطة ، فأظهر الأنبياء مواثيقهم لعمومها ، وأخفى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ميثاقه ؛ لأنه في محل الخصوص ، فأخبر الله ms1267 عنها ~~كفاية بقوله : ( فأوحى إلى عبده ما أوحى )، وأخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم تعجبا وقال : «لو تعلمون ما أعلم» (2)، كذلك مواثيق خصائص ~~الأحباب يكون سرا لا يطلع عليهم سواهم. # ( ليسئل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما (8) يا ~~أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ~~ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا (9) إذ جاؤكم من فوقكم ~~ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا ~~(10) هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11) وإذ يقول المنافقون ~~والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا (12) وإذ قالت طائفة ~~منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن ~~بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا (13) ولو دخلت عليهم من ~~أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا PageV03P136 # بها إلا يسيرا (14) ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون ~~الأدبار وكان عهد الله مسؤلا (15) قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت ~~أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا (16) قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن ~~أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ~~(17) قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون ~~البأس إلا قليلا (18) أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور ~~أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة ~~على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا ~~(19) يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في ~~الأعراب يسئلون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا (20)) # قوله تعالى : ( ليسئل الصادقين عن صدقهم ): إن الله سبحانه أراد ~~بذلك السؤال أن يعرف الخلق شرف منازل الصادقين ، فرب قلب يذوب من الحسرة ~~حيث ما عرفهم وما عرف قدرهم. # قال الله تعالى : ( ذلك يوم التغابن ) [التغابن : 9] ، ولصدقهم ~~استقامت أسرارهم مع الحق ms1268 في مقام المحبة والإخلاص. # قال القاسم : لا سؤال أصعب من سؤال الصادق عن صدقه ؛ فإنه يطالب بصدق ~~الصدق ، وعجز المخلوق أجمع عن الصدق ، فكيف يبحث عن صدق الصدق؟! # قال الواسطي : الباطن منه أن يسألهم عن التوسل إلى من لا وسيلة إليه إلا ~~به ، عندها تذوب جسومهم ، وينقطع آمالهم ، وصار صدقهم كذبا ، وصفاؤهم كدرا ~~، واستوحشوا من مطالعته فضلا عن التزين به وذكره. # قال سهل : يقول الله تعالى لهم : عملتم وماذا أردتم؟ فيقولون : لك عملنا ~~، وإياك أردنا. # فيقول : صدقتم. فوعزته لقوله لهم في المشاهدة صدقتم ألذ عندهم من نعيم ~~الجنة (1). # وقيل : الغبن : الإخفاء ، ومنه غبن البيع لاستخفائه ، والتفاعل هنا من ~~واحد لا من اثنين ، ويقال : غبنت الثوب وخبنته ، أي : أخذت ما طال منه من ~~مقدارك : فهو نقص وإخفاء. انظر : اللباب لابن عادل (15 / 308). PageV03P137 # ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله ~~واليوم الآخر وذكر الله كثيرا (21) ولما رأ المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما ~~وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما (22)) # قوله تعالى : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ): أسوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم أسوة المحبة ، وقدوة الشوق ، وطريق المعرفة التي ~~يبلغ المقتدي إلى الحق بلا حجاب وإلى محبته الكبرى ، لقوله تعالى : ( ~~ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله. ) # قال محمد بن علي : الأسوة في الرسول الاقتداء به والاتباع بسنته وترك ~~مخالفته في قول وفعل. # ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى ~~نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (23)) # قوله تعالى : ( من المؤمنين رجال صدقوا ): إن الله سبحانه وصف ~~العارفين بالرجولية في حمل أمانة الأزل ، وعرض الأكبر عاهدوا الله ألا ~~يختاروا شيئا من العرش إلى الثرى ، وصدقوا عهدهم ، وبلغوا إلى منازل الأمن ~~: ( فمنهم من قضى نحبه )، فمن بقي في سيره ولم يصل إلى الوصال وهن ~~في عزم وفاء العهد فهو منتظر لتمام سعيه واستيفاء حظه من الله ، ومن معرفته ~~وخدمته ، ومراقب لكشف جمال الحبيب ، ليأخذ يده ويبلغه ms1269 إلى مراده من مشاهدته ~~، ليس المنتظر أقل درجة ممن قضى نحبه ؛ فإنهم كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره. # قال محمد بن علي : خص الله الإنس من بين الحيوان ، ثم خص المؤمنين من ~~الإنس ، ثم خص الرجال من المؤمنين ، فقال : ( رجال صدقوا )، ~~فحقيقة الرجولية الصدق ، ومن لم يدخل في ميادين الصدق فقد خرج من حد ~~الرجولية. # قال بعضهم : منهم من يبذل وسعه ومجهوده في الطاعة ( ومنهم من ~~ينتظر ) التوفيق من ربه ، ( وما بدلوا تبديلا ) (23): ما غيروا عن ~~محبة نبيه صلى الله عليه وسلم تغيرا. # أو قيل : ما استعانوا بغيره في مهماتهم بعد أن ضمن الله لهم الكفاية في ~~كل الحوائج. # ( ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب ~~عليهم إن الله كان غفورا رحيما (24) ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا ~~خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا (25) وأنزل الذين ~~ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون ~~وتأسرون PageV03P138 # فريقا (26) وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها وكان ~~الله على كل شيء قديرا (27) يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة ~~الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا (28) وإن كنتن تردن ~~الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما (29) يا ~~نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على ~~الله يسيرا (30)) # قوله تعالى : ( ليجزي الله الصادقين بصدقهم ): لما صدقوا في ~~عهدهم يجازيهم الله بأن يزيد صدقهم في محبته ، ويزيد صدقهم في شوقه ، ثم ~~يزيد صدقهم في عشقه ومعرفته هذا في الدنيا ، ويجازيهم مشاهدته وكشف جماله ~~في الآخرة. # قال الأستاذ : يجزي الله الصادقين في الدنيا بالتمكين والنصرة على ~~الأعداء ، وفي الآخرة بجميل الثواب وجزيل المآب. # ( ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين ~~وأعتدنا لها رزقا كريما (31) يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن ~~فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا (32)) # وقوله تعالى : ( ومن يقنت منكن ms1270 لله ورسوله وتعمل صالحا ) أي : ~~ومن يقنت لله لحب لقائه وللرسول لحقوق صحبته ، والإيمان به ، ومتابعته ، ~~والعمل الصالح ألا يطلبن الدنيا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~نؤتها أجرها مرتين ) الأولى : من الأجر حب الرسول لقاءهن ، وأجر الآخرة كشف ~~مشاهدة الله ، وحسن جواره ، والرزق الكريم ظهور مشاهدته لهن على الدوام بلا حجاب. # قال ابن عطاء : من يختار صحبة الرسول منهن على الدنيا فهي من القانتات ، ~~وهي التي تخضع للرسول وتذل له ولا تخالفه وتعمل صالحا وتتبع مراد الرسول ~~فيما يريده. # ( وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة ~~وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا (33) واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن ~~الله كان لطيفا خبيرا (34)) # قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم PageV03P139 # تطهيرا ) (33): الرجس ههنا حيث ما دون الله في صحبة رسول ~~صلى الله عليه وسلم ، فهن مخصوصات بالصديقية من الله سبحانه ، وهن مقدسات حيث ~~قدس الله أرواحهن وأشباحهن بنظر الاصطفائية إليهن في إنشائهن. # قال أبو بكر الوراق : الرجس الأهواء والبدع والضلالات ( ويطهركم ~~) من دنس الدنيا والميل إليها. # ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين ~~والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات ~~والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات ~~والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما (35) وما ~~كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ~~ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (36)) # قوله تعالى : ( إن المسلمين والمسلمات ): المنقادين لأمر الله ~~بحسن الإرادة ، ( والمؤمنين والمؤمنات ): المشاهدين حضرته بنعت ~~الإيقان ، ( والقانتين والقانتات ): القانتين هم المتمكنون في ~~العبودية ، ( والصادقين والصادقات ): الصادقين في محبة الله ~~المتصفين بصدقه الأزلي الذي لا يتكدر بطريق الامتحان ، ( والصابرين ~~والصابرات ): الصابرين في الغيبة تحت أثقال الشوق ، والصابرين في الحضرة ~~في مشاهدة الله تحت جريان سطوات عزته ، بألا يبتغوا من الحق سر القدم من ~~حدة السكر كما فعل موسى حيث قال ms1271 : من مني أنت يا رب ، ( والخاشعين ~~والخاشعات ): المذابين تحت سلطان عظمته وقهر سلطان كبريائه ، ( ~~والمتصدقين والمتصدقات ): المباذلين أنفسهم لقربان القدم ، ( ~~والصائمين والصائمات ): الفاطمين أنفسهم عن النظر إلى ما دون الله وحب ما ~~سوى الله ، ( والحافظين فروجهم والحافظات ): الساترين عورات ~~الحقائق عن نظر الأغيار ، ( والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ): ~~الذاكرين في البداية بنور الأفعال ، ثم الذاكرين بالأسماء ، ثم الذاكرين ~~بالنعوت ، ثم الذاكرين بالصفات بنعت رؤية أنوارها ، وإدراك أسرارها ، وفي ~~النهاية الذاكرين الذات في الحالين ذاكرين الذات قبل مشاهدة الذات صرفا ~~وعيانا ، وذلك ضمن ظهور أنواره في قلوبهم ، الذاكرين ذاته في عيانه كفاحا ؛ ~~لأن الذات لا يتناهى ، فهم في أول الكشف مرهونون بما بدا لهم من جلال ذاته ~~ويفنون ، فإذا فنوا استغاثوا PageV03P140 # منه إليه أن يعينهم بالقوة الأزلية حتى يدخلوا بهممهم في بحار الأولية ~~التي لا ساحل لها ، فيبقون في الذكر أبدا ؛ لأنهم لا يتلقون إلا ما يليق ~~بأحوالهم من الكشوفات والقربات ، وهؤلاء المذكورون من أول المقام إلى مقام ~~الذكر عشرة أقوام ، بعضهم أهل البداية في الإسلام ، وبعضهم أهل الإيقان في ~~الإيمان ، وبعضهم أهل العبودية الجامعة لجميع المعاملات ، وبعضهم أهل الصدق ~~في المحبة وترك ما دون الله والوفاء في الحقيقة ، وبعضهم أهل مقام الرضا ~~والتوكل ، وبعضهم أهل التواضع في المشاهدة ، وبعضهم أهل السخاء والكرم ، ~~وبعضهم المتصفون بالصمدانية ، وبعضهم أهل الغيبة في الغيب الذين لا يكشفون ~~أسرارهم عند الخلق والمنتهى منهم المستغرق في ذكر الذات والصفات كما وصفنا ~~، والجميع مأجورون من الحق بقدر منازلهم في مقاماتهم بأن يغفر قصورهم في ~~بذل المهج له ، ويكاشفهم أستار الغيرة عن جمال المشاهدة بقوله : ( ~~أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما. ) # قال سهل : الإيمان أفضل من الإسلام ، والتقوى في الإيمان أفضل من الإيمان ~~، واليقين في التقوى أفضل من التقوى ، والصدق في اليقين ، أفضل من اليقين ، ~~وإنما تمسكتم بأدنى الإسلام فإياكم أن يتقلب من أيديكم. # وقال : الإسلام حكم ، والإيمان أصل ، والإحسان ثواب. # وقال ابن عطاء : لم يبلغ أحد إلى مقام الصدق بالصوم والصلاة ولا بشيء من ~~الاجتهاد ، ولكن وصل إلى ms1272 مقام الصدق بأن طرح نفسه بين يديه فقال : أنت أنت ~~ولا بد لنا منك. # وقال أيضا : ليس من ادعى الذكر فهو ذاكر ، والذاكر على الحقيقة من يعلم ~~أن يشاهده فيراه بقلبه قريبا منه فيستحي منه ، ثم يؤثره على نفسه ، وعلى كل ~~شيء من جميع أحواله. # سئل سهل : ما الذكر؟ قال : الطاعة قيل : ما الطاعة؟ قال : الإخلاص. # قيل : ما الإخلاص؟ قال : المشاهدة. # قيل : ما المشاهدة؟ قال : العبودية. قيل : ما العبودية؟ قال : الرضا. # قيل : ما الرضا؟ قال : الافتقار. قيل : ما الافتقار؟ قال : التضرع ~~والالتجاء سلم سلم إلى الممات. # قال بعضهم : الخشوع استحقار الكبر ، وجميع الصفات تحت هيبة الحق. # قال بعضهم : الصابر هو الحابس نفسه عند أوامر الله ، والخاشع هو المتذلل ~~والخاضع له ، والمتصدق هو الباذل نفسه وروحه وملكه في رضا مالكه ، والصائم ~~الممسك عن كل ما لا يرضاه الله ، والحافظ فرجه المراعي لحقوق الله عليه في ~~نفسه وقلبه ، والذاكر لله الناسي بذكره PageV03P141 # كل ما سواه ، أوجب على نفسه لمن هذه صفته ستر الذنوب عليه ومغفرتها له ~~وأجرا عظيما ثوابا لا حد له وهو رضا الله ورؤيته. # ( وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك ~~واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ~~فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا (37)) # قوله تعالى : ( وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه ): ~~أنعم الله عليه بمعرفته ، وأنعمت عليه بصحبتك ونظرك إليه بالمحبة. # قال ابن عطاء : أنعم الله عليه بمحبتك ، وأنعمت عليه بالتبني. # قال بعضهم : أنعم الله عليه بالمعرفة ، وأنعمت عليه بالعتق. # وقوله تعالى : ( وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس ): إن ~~الله سبحانه ابتلى نبيه صلى الله عليه وسلم بالعشق الإنساني ، وذلك أنه انفرد ~~بالحق مما دون الحق ، وخاض في بحر الوحدانية على شريطة الفناء ، فكاد يفنى ~~عن الفناء ، ويغيب في غيب من غلبات سطوات العظمة عليه ، فأراه جمال ms1273 جلاله ~~صرفا ، فلم يحتمل أيضا حقيقة ذوق المشاهدة والجمال عيانا ، فسهله الله عليه ~~بأن تجلى له بنور المحبة ونور الجمال من مرآة وجه الإنساني ، فطاب سره بذلك ~~، واحتمل روحه لطائف تلك المحبة ، واستأنس بشقيقة شقائق ورد مشاهدة القدس ~~في محل الأنس ، لكن خاف على الخلق أن يظهر لهم أحواله لا يعرفون سر العشق ، ~~فيهلكون فرفع الله عنه وحشة ذلك ، وأمره بأن يظهر ذلك ، ولا يلتفت إلى غير ~~الله في العشق ، فإن العشق باق في العشق ، ويسقط عنه ملامة اللائمين وخوف ~~النبي صلى الله عليه وسلم من الخلق رحمة وشفقة على أمته بقوله : ( ~~وتخفي في نفسك ما الله مبديه )، كان عليه الصلاة والسلام أخفى ذلك السر في ~~نفسه من حيث التمكين ، والله مبديه بأنه يقهر على المتمكنين بصولة العشق ~~القديم ، وكيف يوازي الحدث القدم ، وقد ذكرت معنى قوله تعالى : # ( وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) أي : لا تراع الخلق في مقام ~~المحبة ، وراع الحق ؛ فإنه أحق أن تراعيه ، لأن الحدث يفنى ويبقى القدم. # قال ابن عطاء : تخفى في نفسك ما أظهر الله لك من أن يزوجها منك ، وتخشى ~~أن تظهر للناس ذلك فيفتتنوا. # قال أيضا : تخشى الناس أن يهلكوا في شأن زيد ، فذلك من تمام شفقته على ~~الأمة ، PageV03P142 # ( والله أحق أن تخشاه ): أن تبتهل إليه ليزيل عنهم ما تخشى فيهم (1). # وقوله تعالى : ( فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ): حكم الله ~~في ذلك أن غيرة الأزل سابقة على عشق النبي صلى الله عليه وسلم المتفرد عما دون ~~الله حتى تزيله بنعت الغيرة وسر الجبروت من كل ما سوى الله ، وذلك أن زيدا ~~قضى وطره منها ، ليذكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في حال معاشرته معها ، ~~فيضيق صدره بذلك ، ويضطرب حاله ، وينقبض سره ، ويرجع إلى الله بالكلية ؛ ~~لأن هناك له طيب العشق هنيئا سرمدا ، ومقصود الحق من ذلك عذر العاشقين من ~~أمته حتى لا يقدح الناس في أحوالهم ، قال الله : ( لكي لا يكون على ~~المؤمنين حرج )، فإن العشق المحمود العفيف المطهر من ms1274 غبار الوسوسة وهواجس ~~النفسانية والشيطانية مقرب العاشقين إلى عشق الألوهية ومشاهدة الأزلية. # قيل : قرئ عند ذي النون هذه الآية فتأوه تأوها ، ثم قال : ذهب بها والله ~~زيد وما على زيد لو فارق الكونين بعد أن ذكره الله من بين أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم باسمه بقوله : ( فلما قضى زيد. ) # قال يوسف بن الحسين : سئل ذو النون وأنا حاضر عن قوله : ( فلما ~~قضى زيد ): ترى كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتشم زيدا إذا رآه؟ فقال ذو ~~النون : كيف لا يقول فترى كان زيد يحتشم النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآه إذا ~~قيم لالتماس شيء كان العاقبة قد حكمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم آجلا ، ~~وإنما كانت عارية عند زيد. # وقوله تعالى : ( وكان أمر الله مفعولا ) (37): رضا الحق في ~~الأزل في حالة عشق النبي صلى الله عليه وسلم كان سنة الأنبياء. # ( ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين ~~خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا (38)) # قوله تعالى : ( سنة الله في الذين خلوا من قبل. ) # قال سهل : أي : معلوما قبل وقوعه عندكم ، وهل يقدر أحد أن يجاوز المقدور. # ( الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله ~~وكفى بالله PageV03P143 # حسيبا (39) ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم ~~النبيين وكان الله بكل شيء عليما (40)) # قوله تعالى : ( الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ): خشية ~~الأنبياء من العتاب وخشية الأولياء من الحجاب وخشية العموم من العذاب. # كما قال ابن عطاء في هذه الآية : هذه خشية السادة والأكابر ، وإنما خشية ~~عوام الخلق من جهنم. # ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) وسبحوه بكرة ~~وأصيلا (42)) # قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا ) ~~(41): الذكر الكثير انحسار القلوب في أودية الغيوب عن السير في أنوار ~~النعوت والصفات واضمحلال أسرارها في سنا الذات في جميع الأنفاس بلا فترة ~~ولا غشية. # قال النصرآبادي : وقت الله العبادات كلها بأوقات إلا الذكر ؛ فإنه أمر ms1275 أن ~~يذكر ذكرا كثيرا ، والذكر الكثير للقلب ، وهو ألا يفتر القلب عن المشاهدة ، ~~ولا يغفل عن الحضرة بحال ، ألا تراه لما رجع إلى المعلوم وقت (1) وقال : ( ~~ وسبحوه بكرة وأصيلا )، وأنشد : # الله يعلم أني لست أذكره %~% وكيف أذكر من لست أنساه # قال أبو الحسين بن هند : ناداهم ، ثم خص النداء ، ثم كناهم ، ثم أشار ~~إليهم بالتوحيد ، ثم أمرهم بإقامة العبودية ، ثم من على نبيهم بذلك ، ولم ~~يمن عليهم ؛ فإنه إنما خصهم بسببك ، والذكر إقامة العبودية. # ( هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور ~~وكان بالمؤمنين رحيما (43)) # قوله تعالى : ( هو الذي يصلي عليكم وملائكته ): صلاة الله ~~اختياره العبد في الأزل بمعرفته ومحبته ، فإذا خصه بذلك جعل زلاته مغفورة ، ~~وجعل خواص ملائكته مستغفرين له ؛ لئلا يحتاج إلى الاستغفار بنفسه من ~~اشتغاله بالله وبمحبته ، وبتلك الصلاة يخرجهم من ظلمات PageV03P144 # الطباع إلى نور المشاهدة ، وهذا متولد من اصطفائيته الأزلية ورحمته ~~الكافية القدمية ألا ترى إلى قوله : ( وكان بالمؤمنين رحيما ) (43) ~~: كان رحيما قبل وجودهم حيث أوجدهم وهداهم إلى نفسه بلا سبب ولا علة. # قال أبو بكر بن طاهر : علامة صلاة الله على عبده أن يزينه بأنوار الإيمان ~~، ويحليه بحلية التوفيق ، ويتوجه بتاج الصدق ، ويسقط عن نفسه الأهواء ~~المضلة والإرادات الباطلة ، ويبذله الرضا بالمقدور. # قال الأستاذ : الصلاة من الله بمعنى الرحمة ، ومن الملائكة بمعنى الشفاعة ~~؛ ليعصمكم من الضلال بروح الوصال. # ( تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما (44)) # قوله تعالى : ( تحيتهم يوم يلقونه سلام ): سلام الله وتحيته أن ~~يخاطب العباد بخطاب الرضا والعفو عما مضى ، وأن يجلسهم على بساط القرب ، ~~ويناجيهم بمناجاة البسط والدنو. # قال ابن عطاء : أعظم عطية للمؤمن في الجنة سلام الله عليهم من غير واسطة. # قال الأستاذ : إذا قربت التحية بالرؤية واللقاء إذا قرن بالتحية لا يكون ~~إلا بمعنى رؤية البصر ، والتحية الخطاب يفاتح بها الملكوت إخبارا على علو ~~شأنهم ، فهذا السلام يدل على عالي رتبتهم التي جعلها الله لهم ، فاللقاء ~~حاصل والخطاب مسموع لهم. # ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ms1276 ونذيرا (45) وداعيا ~~إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (46) وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا ~~كبيرا (47) ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى ~~بالله وكيلا (48) يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ~~(49) يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت ~~يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك ~~اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن ~~يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ~~ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما (50) ترجي من تشاء ~~منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن PageV03P145 # ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا ~~يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما ~~حليما (51) لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك ~~حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا (52) يا أيها الذين ~~آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن ~~إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان ~~يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا ~~فسئلوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول ~~الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما (53) ~~إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما (54) لا جناح عليهن في ~~آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا ~~نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيدا (55)) # قوله تعالى : ( إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا ~~إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ) (46): شاهدا لأحوال العارفين وعلى ms1277 أسرار ~~الصديقين كيف يكونون في الشوق إلى لقائي ، وأنت شاهدنا شهدناك وشهدت علينا ~~، فألبستك أنوار ربوبيتي ، فمن شهدك بالحقيقة فقد شهدنا ، ومن نظر إليك فقد ~~نظر إلينا ؛ لذلك قال صلى الله عليه وسلم : «من عرفني فقد عرف الحق ومن رآني ~~فقد رأى الحق» (1)، ومبشرا للمحبين بحسن وصالي ، ونذيرا للمريدين من عتابي ~~؛ لئلا يفتروا عن خدمتي وعبادتي ، وداعيا إلى الله للمقبلين إليه بأن تصف ~~لهم جمالنا وجلالنا ، وذلك بإذنه الأزلي وإجازته القديمة ، وسراجا منيرا ~~أسرجت نورك من نوري ، فتنور بنوري عيون عبادي المؤمنين ، فيأتون إلي بنورك ~~، ثم أمره بأن يبشر المؤمنين بأنهم يصلون إلى مشاهدته ، وينالون فضائل ~~قربته بقوله : ( وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ) (47) ~~: الفضل الكبير مشاهدته بلا حجاب ولا عتاب. # قال ابن عطاء في قوله : ( إنا أرسلناك شاهدا ): إنا شرفناك ~~برسالتنا ، وتخبر عنا خبر صدق ، فنهدي بك قلوبا عمياء ، أرسلناك شاهدا لنا ~~لا تشهد معنا سوانا ، جعلنا الخلق كلهم PageV03P146 # يشهدونك ، ويشهدوننا فيك ، ولا يشهدك إلا من أثر فيه بركة نظرك ، فيشهدك ~~ويشهد فيك ، ومن لم يجعلك الدليل علينا عمي وضل ؛ فإنك البشير تبشر من ~~أقبلنا عليه بالرضوان ، وتنذر من أعرضنا عنه بالخذلان ، وأنت محل مشاهدة ~~الخلق إيانا بك أخذناك عنهم ، فلا تشهد شهودهم ، وغيبناك عنهم فلا يشهدون ~~منك إلا ظاهرك ، وأنت لا تشهد سوانا بحال. # قال الواسطي : شاهدا بالحق للحق إلى الحق مع الحق ليوم لا يقبل فيه الحق ~~إلا الحق. # وقال جعفر : داعيا إلى الله لا إلى نفسه افتخر بالعبودية ، ولم يفتخر ~~بالنبوة ليصح له بذلك الدعاء إلى سيده ، فمن أجاب دعوته صارت الدعوة له ~~سراجا منيرا يدله على سبيل الرشد ، ويبصره عيوب النفس وغيها. # ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا ~~عليه وسلموا تسليما (56) إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا ~~والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا (57) والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ~~ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا (58) يا أيها النبي قل لأزواجك ~~وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من ms1278 جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا ~~يؤذين وكان الله غفورا رحيما (59) لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم ~~مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا (60) ~~ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا (61) سنة الله في الذين خلوا من ~~قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (62) يسئلك الناس عن الساعة قل إنما علمها ~~عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا (63) إن الله لعن الكافرين وأعد ~~لهم سعيرا (64) خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا (65) يوم تقلب ~~وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا (66) وقالوا ~~ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا (67) ربنا آتهم ضعفين من ~~العذاب والعنهم لعنا كبيرا (68) يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا ~~موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها (69) يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن ~~يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما (71)) # قوله تعالى : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ): صلوات الله ~~على النبي أن بلغه إلى المقام المحمود ، فالمقام المحمود صلواته عليه وهو ~~الشفاعة لأمته ، وصلوات الملائكة PageV03P147 # عليه دعاؤهم له بزيادة مرتبته بحبهم إياه واستغفارهم لأمته ، وصلوات ~~الأمة عليه متابعتهم له ومحبتهم إياه والثناء عليه بالذكر الجميل. # قال ابن عطاء : الصلاة من الله وصلة ، ومن الملائكة رفعة ، ومن الأمة ~~متابعة ومحبة. # قال الواسطي : صل عليه بالوقار ، ولا تجعل له في قلبك مقدار. # قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي : سألت عبد الواحد الساري عن هذه اللفظة ~~، وكأني أستفتحه. فقال : لا تجعل بصلواتك عليه في قلبك مقدارا تظن أنك تقضي ~~به من حقه شيئا بصلواتك عليه ، فإنك تقضي به حق نفسك ؛ إذ حقه أجل من أن ~~يقضيه أمته أجمع ؛ إذ هو في صلاة الله تبارك وتعالى بقوله : ( إن ~~الله وملائكته يصلون على النبي )، فصلواتك عليه استجلاب رحمة على نفسك به. # قوله : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ) ~~(70): التقوى ههنا سقوط احتشام الخلق عن قلوب ms1279 العارفين عند أداء أمانة ~~الله التي فتح الله على قلوبهم من أسرار الملك والملكوت ، ولا يلتفت إلى ما ~~سوى الله من أنوار الحدثان ، فإذا كان كذلك يصلح الله ما يخافون من فوقه ( ~~ يصلح لكم أعمالكم )، ويستر الهفوات في تقصير الطريقة ، ثم جمع هذه ~~المعاني بمجموعها بقوله : ( ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا ~~عظيما ) (71): أطاع الله بالحقيقة ، وأطاع الرسول بالشريعة ، فقد فاز من ~~الحجاب ، ووصل إلى اللقاء والمآب. # قال الواسطي : التقوى على أربعة أدعية : للعامة تقوى الشرك ، وللخاصة ~~تقوى المعاصي ، وللخاص من الأولياء تقوى التوسل بالأفعال ، وللأنبياء ~~تقواهم منه إليه. # وقال الوراق : القول السديد ما أريد به وجه الله لا غير. # وقال سهل : من وفقه الله لصالح الأعمال ، فذلك دليل على أنه مغفور له ~~ذنوبه ؛ لأن الله يقول : ( يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم. ) # وقال بعضهم : ( يصلح لكم أعمالكم ) بقبولها منكم فإن صلاح العمل ~~في قوله. # وقال بعضهم في قوله : ( ومن يطع الله ورسوله ): هو أن يصلح ~~باطنه وقلبه فإنهما موضع نظر الحق ، ويعمرهما بدوام التفكر ، ويصلح ظاهره ~~بالطاعات الظاهرة واتباع السنن ، فمن فعل ذلك فقد فاز من وساوس الشياطين ~~وهواجس النفس. # ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (72) ليعذب الله ~~المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين ~~والمؤمنات وكان PageV03P148 # الله غفورا رحيما (73)) # قوله تعالى : ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ) ~~: لما لم يكن للكون استعداد حمل أمانة الربوبية بنعت الانفراد والفناء ~~والسكر في العشق ، والخروج بنعت الألوهية أبى أن يحملها ؛ لأن سطوات ~~الألوهية إذا بدت اضمحلت الأكوان والحدثان فيها ، وبقى آدم ؛ لأنه كان ~~مستعدا لقبول ذلك ؛ لأنه كان مخلوقا بخلقه ، موصوفا بصفته ، مستحكما ~~بتأييده الأزلية ، ومباشرة نور صفته الخاصة بقوله : ( خلقت بيدي ) ~~[ص : 75] قويا بقوة الروح القدسية التي بدت من ظهور نور الذات حين تجلى من ~~القدم لآدم بقوله : ( ونفخت فيه من روحي ) [الحجر : 29] ، فإذا كان ~~كذلك حمل أمانة الله بالله لا بالحدثان ، فإنه تعالى قائم ms1280 بنفسه منزه عن ~~مباشرة الحدوثية ، فقد حمل أنوار جميع الصفات والذات حيث صدر وجوده عن تجلي ~~الذات والصفات ، فخرج موصوفا بالصفات منور بنور الذات ، وهذه بجميعها ~~الأمانة ، ولا يكون لتلك الأمانة موضع إلا آدم ، ومن كان بوصفه من ذريته من ~~الأولياء والأنبياء فإذا قابل القدم ، وقبل الأمانة فقد جهل بالقدم أصلا ~~حيث قبل الكل بالبعض ، كذلك قال : ( إنه كان ظلوما جهولا ) (72)؛ ~~إذ وازى الأزل والأبد مع علة الحدوثية جهولا حيث لم يعلم أن حقيقة التوحيد ~~بالحقيقة مزلة أقدام الموحدين ، وكيف يكون صفوان القدم موضع أقدام الحدث ، ~~فمجاز الأمانة بعد ذلك المحبة والعشق والمعرفة وحقيقتها الأمانية (1). # قال ابن عطاء : الأمانة هي تحقيق التوحيد على سبيل التفريد. # قال الجنيد : إن الله لما عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبوا ~~حملها وعرض على آدم فقبلها ، أبوا حين ظنوا أنهم إياهم يحملون ، وحمل آدم ~~حين علم أنه به يحمله لا بنفسه. # وقال أيضا : نظر آدم إلى عرض الحق فأنساه لذة العرض ثقل الأمانة ، ولما ~~عرض على # والجواب هذا سؤال طويل الذيل ، فإنه تعالى قد بعث الرسل مبشرين ومنذرين ~~إلى جميع الخلق ليدعوهم إلى الإيمان مع علمه السابق ، بأن يؤمن بعضهم ويكفر ~~بعضهم والخطاب عم الكل مع علمه باختلاف أحوالهم في الإيمان والكفر ، فهذا ~~من قبيله وسبيله ، فإنه مالك الأعيان والآثار على الإطلاق. وقد قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما : كان ظلوما بحق الأمانة جهولا بما يفعل من الخيانة ~~يعنى لم تكن الخيانة عن عند وقصد بل كانت عن جهل وسهو. تفسير حقي (11 / 155). PageV03P149 # الخلائق والجمادات فأشفقوا وهربوا ، ظنوا أن الأمانة تحمل بالنفوس ، فكشف ~~لآدم أن حمل الأمانة بالقلب لا بالنفس ، فقال : أنا أحملها ؛ فإن القلب ~~موضع نظر الحق واطلاعه ، فإذا أطلق ذلك يطيق حمل الأمانة ، فإن الأمانة حدث ~~وإطلاع الحق وتجليه لم تطقها الجبال وطاقتها القلوب ، وأنشدنا : # ومن على أثره حملت بالقلب ما لا يحمل %~% البدن والقلب يحمل ما لا يحمل البدن يا ليتني كنت أدنى من يلوذ بكم عينا %~% لأنظركم أم ليتني أذن ms1281 # * * * ### | سورة سبأ # بسم الله الرحمن الرحيم # ( الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في ~~الآخرة وهو الحكيم الخبير (1) يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل ~~من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور (2)) # ( الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ): حمد نفسه ~~قبل الكون ورفع حقوق الحمد عن الخليقة ، ثم حمد نفسه بعد الكون علما بعجزهم ~~عن أداء شكره ، ( وله الحمد في الآخرة ) حيث يقبل الحسنات ، ويعفو ~~عن السيئات ، ويدني العارفين من المشاهدات ، ويكشف لهم جمال الذات والصفات. # قال أبو العباس بن عطاء : المحمود من لم يربط عباده بشيء من الأكوان قطع ~~أملاكهم عن الجميع لئلا يشتغلوا بها ، ويكون اشتغالهم بمن له الأكوان وما ~~فيها وله الحمد في الآخرة حيث لم يناقش بالمحاسبة مع عباده ، وهو الحكيم ~~فيما دبر والخبير عما عفا وستر. # ( وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم ~~الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا ~~أكبر إلا في كتاب مبين (3) ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم ~~مغفرة ورزق كريم (4) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز ~~أليم (5) ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى ~~صراط العزيز الحميد (6) وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا ~~مزقتم كل PageV03P150 # ممزق إنكم لفي خلق جديد (7) أفترى على الله كذبا أم به جنة بل ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد (8) أفلم يروا إلى ما ~~بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط ~~عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب (9)) # قوله تعالى : ( لا يعزب عنه مثقال ذرة ): وصف نفسه بالإحاطة على ~~كل ذرة من العرش إلى الثرى كيف يعزب عن علمه شيء من علمه وإرادته وقدرته ، ~~بدأ ذلك الشيء وبه قيامه ووجوده. # قال الواسطي في هذه ms1282 الآية : كيف يخفى عليه ما هو أنشأها ، أو كيف يستعظم ~~شيئا هو أبداها. # ( ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له ~~الحديد (10) أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون ~~بصير (11) ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن ~~الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير ~~(12) يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات ~~اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13)) # قوله تعالى : ( ولقد آتينا داود منا فضلا ): علما بجلاله وجماله ~~ومحبته للقائه ، وشوقا إلى وصاله وحكمه بأمور العبودية ، وعلما بأنوار ~~الربوبية ، وكشفا من أسراره له ، وإلباسه إياه وصف جلاله حتى يطيب قلبه ~~بالعشق ، وروحه بالمحبة ، وعقله بالبصيرة وسره بالأنس ، وصدره باليقين ، ~~وحلقه بالصوت الحسن ، فهذه بركة أوصاف الأزل التي ألبسها الله إياه بنعت ~~التجلي والتدلي ، ألا ترى إلى قوله : ( منا فضلا )، وذلك الفضل ~~اتصافه بأنوار الذات والصفات ؛ لذلك أجابته الجبال بالتسبيح والتهليل بقوله ~~: ( يا جبال أوبي معه ) (1)، وكذلك الطير بقوله : ( ~~والطير )، إذا زمزم من طيب عشقه قام العالم معه. # وقرأ ابن عباس والحسن وقتادة وابن أبي إسحاق : أوبي بضم الهمزة أمرا من ~~آب يؤوب أي ارجع معه بالتسبيح. PageV03P151 # قال جعفر في قوله : ( فضلا ): ثقة بالله وتوكلا عليه. # وقال النهرجوري : حلاوة صوته في المناجاة. # وقال ابن خلا : أفضل الفضل من الله على عباده أن يعرفهم أقدارهم وأن يمكن ~~لهم سبيل الرجوع إليه. # قال عبد العزيز المكي : حبا للمساكين ورحمة على الضعفاء. # وقال الأستاذ : حسن خلقه مع أمته وفيما أوحى الله إليه : ( يا ~~داود ) أنين المذنبين أحب إلي من صراخ العابدين. # ( يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور ~~راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13) فلما قضينا عليه ~~الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن ~~لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين (14) لقد ms1283 كان لسبإ في ~~مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب ~~غفور (15) فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي ~~أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل (16) ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا ~~الكفور (17) وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا ~~فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين (18) فقالوا ربنا باعد بين ~~أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات ~~لكل صبار شكور (19) ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من ~~المؤمنين (20) وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو ~~منها في شك وربك على كل شيء حفيظ (21) قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ~~يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير (22)) # قوله تعالى : ( اعملوا آل داود شكرا ): لما بلغ الله داود ~~وسليمان إلى محل التمكين من المعرفة والتصرف في المملكة الذي هو آخر درجة ~~من درجات الصديقين طالبهم بشكر تلك النعمة ( اعملوا آل داود )، ~~الشكر الحقيقي أي : ابذلوا أنفسكم في خدمتي ، واعرفوا معطيكم بسقوط نظركم ~~عن العطاء ؛ فإن الشكر الحقيقي معرفة المشكور على ما هو به. # قال ابن عطاء : اعملوا من الأعمال ما تستوجبون به الشكر. PageV03P152 # وقال الأنطاكي : أصل الشكر الطاعة والتوبة والندم بالقلب ، قال الله : ( ~~ اعملوا آل داود شكرا )، ثم شكا عن الأكثر من قلة شكرهم بقوله : ( ~~ وقليل من عبادي الشكور ) (13) أي : قليل من واقف بوقف الفناء في ~~مقام الحياء ، حين عاين قدم الألوهية ورؤية مواهب السنية بغير علة قيل : ( ~~ وقليل من عبادي ) من يرى الطاعة منة مني عليه. # قال بعضهم : الشاكرون من العباد قليل ، والشكور من الشاكرين قليل ، ~~والشكار من الشكور قليل. # ( ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم ~~قالوا ما ذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير (23) قل من يرزقكم من ~~السماوات والأرض قل الله ms1284 وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين (24) قل ~~لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون (25) قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح ~~بيننا بالحق وهو الفتاح العليم (26) قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا بل ~~هو الله العزيز الحكيم (27) وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون (28) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (29) قل ~~لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون (30) وقال الذين كفروا لن ~~نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ~~يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لو لا أنتم ~~لكنا مؤمنين (31) قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى ~~بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين (32) وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل ~~مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا ~~الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ~~ما كانوا يعملون (33) وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما ~~أرسلتم به كافرون (34) وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين ~~(35) قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون (36)) # قوله تعالى : ( حتى إذا فزع عن قلوبهم ): وصف الله سبحانه أهل ~~الوجد من الملائكة المقربين ، وذلك من صولة الخطاب ، فإذا سمعوا كلام الحق ~~من نفس العظمة وقعوا PageV03P153 # في بحار هيبته وإجلاله ، حتى فنوا تحت سلطان كبريائه ، ولم يعرفوا معنى ~~الخطاب في أول وارد السلطنة ، فإذا أفاقوا سألوا معنى الخطاب من جبريل ~~عليه السلام ، وهو من أهل الصحو والتمكين في المعرفة بقوله : ( ~~قالوا ما ذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ) (23). # ( وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن ~~وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون (37) ~~والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون (38)) # قوله تعالى : ( وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ms1285 ~~): لا تنال زلفته إلا بزلفته ، وأين الحدثان من أن يقرب المعارف من الله ، ~~فإنه بنفسه جل جلاله قربهم منه إليه. # قال سهل : الزلفى هي التقرب إلى الله. # وقال بعضهم : الزلفى هي قطع الأسباب والتعلق بالنجاة. # ( قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم ~~من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين (39) ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول ~~للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (40) قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم ~~بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون (41) فاليوم لا يملك بعضكم لبعض ~~نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون ~~(42) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما ~~كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما ~~جاءهم إن هذا إلا سحر مبين (43) وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا ~~إليهم قبلك من نذير (44) وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم ~~فكذبوا رسلي فكيف كان نكير (45)) # قوله تعالى : ( وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه ): كل عارف ينفق في ~~عشقه ومحبته قلبه وروحه ، فهو بذاته جل جلاله يخلف نفسه مكان قلبه وروحه ، ~~فيفنى القلب عنه ، ويبقى الرب معه ، فإذا فنيت صفات العارف في صفات المعروف ~~صارت صفات المعروف صفته ، ألا ترى إلى قوله كيف قال : «لا يزال العبد يتقرب ~~إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي ~~يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، وقلبه الذي يعقل به ، PageV03P154 # ولسانه الذي ينطق به» (1). # قال سهل : الخلف على الإنفاق الأنس والعيش مع الله والسرور به. # ( قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ~~ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46) قل ما سألتكم ~~من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد (47) قل إن ربي ~~يقذف بالحق علام الغيوب (48) قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما ms1286 يعيد (49) قل ~~إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب ~~(50) ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب (51) وقالوا آمنا به ~~وأنى لهم التناوش من مكان بعيد (52) وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من ~~مكان بعيد (53) وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم ~~كانوا في شك مريب (54)) # قوله تعالى : ( قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ~~) أي : أوصيكم خصلة واحدة هي أن تقوموا لله لأجل الله ( مثنى ) ~~الشيخ والمريد ، ( وفرادى ) العارف المتمكن القيام لله لا يكون إلا ~~بالله ، ومن يقوم من الحدثان لله ، وقهارية الأزلية أفنت الحدوث في القدم ~~حقيقة فإذا لا يقوم لله إلا الله. # قال سهل : يرجع الحساب يوم القيامة إلى أربعة : وهي الصدق في الأقوال ، ~~والإخلاص في الأعمال ، والاستقامة مع الله في جميع الأحوال ، ومراقبة الله ~~على كل حال. ### | سورة فاطر # بسم الله الرحمن الرحيم # ( الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي ~~أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (1) ~~ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو ~~العزيز الحكيم (2) يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير ~~الله يرزقكم من السماء PageV03P155 # والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (3) وإن يكذبوك فقد كذبت رسل ~~من قبلك وإلى الله ترجع الأمور (4) يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا ~~تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (5)) # ( الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي ~~أجنحة مثنى وثلاث ورباع ): حمد قدمه بما أوجد من العدم بعين صورة ولا مثال ~~، وجعل حمده إعلاما للحامدين له بأن الحمد منه له حقيقة ، ويفنى حمد ~~الحامدين في حمده نفسه ، جعل للملائكة أجنحة المعرفة على مراتب المقامات ، ~~فضل بعضهم على بعض في ذلك بقوله : ( مثنى وثلاث ورباع )، وللأرواح ~~القدسية أجنحة ، منها جناح المعرفة ، ومنها جناح التوحيد ms1287 ، ومنها جناح ~~المحبة ، ومنها جناح الشوق ، فبجناح المعرفة تطير إلى عالم الصفات ، وبجناح ~~التوحيد تطير إلى عالم الذات ، وبجناح المحبة تطير إلى المشاهدة ، وبجناح ~~الشوق تطير إلى الوصال. # قال جعفر : أجنحة المؤمنين أربعة : أجنحة التوحيد ، وأجنحة الإيمان ، ~~وأجنحة المعرفة ، وأجنحة الإسلام ، والموحد يطير بأجنحة التوحيد إلى ~~الجبروت ، والمؤمن يطير بأجنحة الإيمان إلى المشاهدة ، والعارف يطير بأجنحة ~~المعرفة إلى الملكوت ، والمسلم يطير بأجنحة الإسلام إلى الجنان. # قيل : الأجنحة أربعة : أجنحة التعظيم ، وأجنحة التفريد ، وأجنحة الحياة ، ~~وأجنحة الحياء ، فأجنحة التعظيم للمقربين ، وأجنحة التفريد للروحانيين ، ~~وأجنحة الحياة للوالهين ، وأجنحة الحياء للواصلين. # قال الجنيد : الحمد لله الذي جعل ما أنعم على عباده من أنواع نعمه دليلا ~~هاديا إلى معرفته ، ثم بين سبحانه أنه بفضله يزيد في حالات العارفين ، ~~ومعاملات المحبين ، وحسن العاشقين والمعشوقين بقوله : ( يزيد في ~~الخلق ما يشاء )، يزيد في قلوب العارفين المعرفة ، وفي قلوب المحبين ~~المحبة ، وفي قلوب المشتاقين الشوق ، وفي قلوب العاشقين العشق ، وفي قلوب ~~المريدين الإرادة ، وفي أبدان الصديقين قوة العبادة وصفاء المعاملة ، وفي ~~وجوه المستحسنين الحسن ، وفي حلوق الروحانيين حسن الصوت. # وقال ابن عطاء : حسن المعرفة بالله ، وحسن الإقبال عليه ، وحسن المراقبة ~~له والمشاهدة إياه. # وقال بعضهم : يزيد في الخلق ما يشاء محبة في قلوب المؤمنين. # وقيل : التواضع في الإشراف ، والسخاء في الأغنياء ، والتعفف في الفقراء ، ~~والصدق في PageV03P156 # المؤمنين ، والشوق في المحبين ، والوله في المشتاقين ، والمعرفة في ~~الوالهين ، والفناء في العارفين. # قيل : الخلق الحسن ، وقيل : الصوت الحسن. # قال الأستاذ : الفصاحة في النطق ، ثم بين سبحانه أن هذه النعم غير مكتسبة ~~ولا لها مانع بدفع عمن اختاره الله بها ، ولا هي مستجلبة بتمنى المتمنين ~~بقوله : ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ): الرحمة ~~هاهنا المعرفة بالله والاصطفائية الأزلية ، فإذا فتح على ولي من أوليائه ~~أبواب كنوز لطائف أنوار صفاته وذاته وجعله بصيرا لأمر الكونين وعالما بمراد ~~الله منه لا يدفع عنه ذرة من ذلك جميع الخلق ؛ فإنه يختص برحمته من يشاء. # قال أبو عثمان : ما يفتح الله لقلوب ms1288 أوليائه من القربة والإنابة والأنس ~~لو اجتمع الخلق كلهم على أن يمسكوه عن ذلك لعجزوا عنه وما أمسكوا ما أرسل ~~الله ، ومن أغلق الله قلوبهم عن الإنابة إليه والقرب منه ، فلو اجتمع الناس ~~على أن يفتحوه ما قدروا على ذلك وعجزوا عنه ، ثم إنه تعالى لما بين موضع ~~الخاصية في افتتاح نعمه على الصادقين حثهم على تذكر نعمه وشكر ما أنعم ~~عليهم من لطائف جوده بنعت إفراد قدمه عن الحدوث بوصف نفي الأنداد عن جلال ~~كبريائه بقوله : ( يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم )، ذكره ~~معرفته ونعمته ومشاهدته ، فوجبت حقوق المعرفة والمشاهدة على من عرفه وشاهده ~~بأنه أسقط الأسباب بينه وبين خالقه فيما أولاه من أرزاق وصلته ولطائف قربته. # قال ابن عطاء : من علم أنه لا رازق للعباد غيره ثم يتعلق قلبه بالأسباب ~~فهو من المبعدين عن طريق الحقائق. # قال القاسم : يرزقكم من السماء الهداية ومن الأرض أسباب الغذاء والحفظ ~~والبقاء وما سنح لي من معنى السماء والأرض هاهنا السماء عالم الربوبية ~~يرزقهم منها لطائف علوم المعارف وأنوار جلاله الكواشف ، والرزق هناك التجلي ~~والجذب والكشف بالبديهة وواردات المواجيد وسني المخاطبات ، والأرض عالم ~~العبودية يرزقهم منها صفاء المقامات ولطيف المعاملات وسنا الحكم والفراسات ~~، وأيضا السماء إشارة إلى الروح ، والأرض إشارة إلى القلب ، والرزق الذي ~~يبدو من عالم الروح علوم المعرفة ، وما ينبت من أرض القلب فهي علوم الحكمة. # ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من ~~أصحاب السعير (6) الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لهم مغفرة وأجر كبير (7) أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من ~~يشاء ويهدي PageV03P157 # من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون (8) ~~والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض ~~بعد موتها كذلك النشور (9)) # قوله تعالى : ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ): إنه عدونا ؛ ~~لأنه من عالم القهر خلق ، ونحن من عالم اللطف خلقنا ، والطبعان مخالفان ~~أبدا ؛ لأن القهر ms1289 واللطف تسابقا في الأزل فسبق اللطف القهر ؛ فعداوته من ~~جهة الطبع الأول والجهل بالعصمة وأنوار التأييد والنصرة ، ومن لا يعرفه بما ~~وصفنا كيف يتخذه عدوا وهو لا يعرف مكائده ولا يعرف مكائده إلا ولي أو صديق. # قال الواسطي : ( فاتخذوه عدوا ) بما نصركم عليه ، واحذروا ألا ~~يغلبنكم ؛ فإنه إنما يدعو حزبه ، وحزبه هم الراكنون إلى الدنيا والمحبون ~~لها والمفتخرون بها. # وقال جعفر الصادق : من سمع هذا النداء من الله تعالى وجب عليه بهذا ~~النداء نصب آلة العداوة بينه وبين عدوه ، ولا ينفك من محاربته طرفة عين ~~كلما عارضه بشيء قابله بغيره إن عارضه بزينة الدنيا قابله بسرعة الفناء ، ~~وإن عارضه بطول الأمل قابله بقرب الأجل ، فهو دائم منتبه مستعد لمحاربته ؛ ~~لما يعلم أن الشيطان لا يغفل عنه ، وأنه يراهم من حيث لا يرونه. # قال سهل في قوله : ( إنما يدعوا حزبه ): أهل البدع والضلالات ~~والأهواء الفاسدة والسامعين ذلك من قائلها. # قال الواسطي : حذر حزبه ومتابعته ، وأمر بطرده بضياء المبادرة في العهود ~~وحفظ الحدود ورعاية الود بطرد الوساوس ، كما أن بضياء النهار طرد الكلاب من ~~المحابس ، وأنشد : # ومن رعى غنما في الأرض مسبعة %~% ونام عنها تولى رعيها الأسد # وما فهمت من هذه الآية أن الله سبحانه أراد أن يعرف عباده من محاربة ~~الشيطان معالم قهرياته وحفظ الأوقات والأنفاس من خطراته ؛ لأن الشيطان يغوي ~~المصطفين بالولاية ، ( إنما يدعوا حزبه ) من أصحاب الضلالات الذين ~~طردهم الله عن بابه وهو يعرفهم ، وإنما هو يدعوه لا أن الضلالة بيده كما لا ~~تعلق الهداية بالأنبياء. # ( من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب ~~والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو ~~يبور (10) والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من ~~أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ~~ذلك على الله PageV03P158 # يسير (11) وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح ~~أجاج ومن كل تأكلون لحما ms1290 طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه ~~مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (12) يولج الليل في النهار ويولج ~~النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له ~~الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير (13) إن تدعوهم لا يسمعوا ~~دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك ~~مثل خبير (14)) # قوله تعالى : ( من كان يريد العزة فلله العزة جميعا ): سهل الله ~~سبحانه طريق الوصول إلى العزة القديمة لطلاب العزة ، وهو الاتصاف بصفاته ~~والتخلق بخلقه ، فإذا عرفه بالعزة صار منورا بنور عزته ، عزيزا بما كساه ~~الحق من سناء عزته ، فإذا كان مزينا بنور العزة صار سلطانا من الحق يذل ~~عنده جبابرة العالم ، ولا يكون ذلك إلا بعد فنائه في بقاء الله. # قال سهل : العزة النصرة ؛ فليطلب ذلك من عند الله وموالاة أوليائه ~~ومعاداة أعدائه ، ثم بين سبحانه ألا يصل إليه إلا ما بدا منه بقوله : ( ~~ إليه يصعد الكلم الطيب )، الكلم الطيب ما تلقفه الأرواح القدسية ~~في بدو الأزل من الحق سبحانه حين قال : ( ألست بربكم قالوا بلى )، ~~ولا يصل ذلك إلا إليه ؛ لأن الحدثان لا يكونا محل الإفراد الفردانية بل ~~الأزلية مصادر التوحيد ، ألا ترى كيف قال : ( إليه يصعد ) يعني لا ~~إلى غيره ، والعمل الصالح عمل القلب ، وهو محبة الله والشوق إلى لقائه ، ~~والمحبة والشوق أيضا مصدرهما صفة الحق فيصحبان الكلمة ؛ لأن الكلمة والمحبة ~~خرجتا من معدن الألوهية ، فمنه بدأتا ، وإليه تعودان. # قال سهل : ظاهره الدعاء والصدقة ، وباطنه عمل بالعلم والاقتداء بالسنة ~~يرفعه ، أو يوصله الإخلاص (1). PageV03P159 # ( يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ~~(15) إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (16) وما ذلك على الله بعزيز (17) ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا ~~قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما ~~يتزكى لنفسه وإلى الله المصير (18) وما يستوي الأعمى والبصير (19) ولا ~~الظلمات ولا النور (20) ولا الظل ms1291 ولا الحرور (21) وما يستوي الأحياء ولا ~~الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور (22) إن أنت إلا ~~نذير (23) إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ~~(24) وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر ~~وبالكتاب المنير (25) ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير (26) ألم تر أن ~~الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد ~~بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود (27)) # قوله تعالى : ( يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله ): فطرة ~~الإنسانية وقعت من الغيب مضطربة متحركة إلى الأزل بنعت الافتقار إليه ~~كانجذاب الحديد إلى المغناطيس ؛ لأنها بنعت وقعت ، العشق والعاشق مفتقر إلى ~~معشوقه انفعالا ، فمن عرفه بالأزلية والأبدية يفتقر إليه افتقارا قطعيا ؛ ~~لأن بقاءه لا يكون إلا به ، وإذا كان كذلك صار غنيا بالله متصفا بغناه غنيا ~~به عن غيره مفتقرا إليه ، فإذا كان في محل الصحو يكون مفتقرا إليه ، وإذا ~~كان في محل السكر بقي في رؤية غناه عنه ، فصار محجوبا عنه ولا يدري. # قوله تعالى : ( إلا في كتاب ) أي اللوح ، أو علم الله ، أو صحيفة كل ~~إنسان ؛ لأن الملك يكتب والمولود في بطن أمه سعادته وشقاوته ، وأجله ورزقه ~~، فلا يتغير ذلك ؛ لأن بطن الأم لوح العلم ، ( إن ذلك على الله يسير ) ~~لاستغنائه عن الأسباب ؛ فكذا البعث ، فمن آمن به على هذا الوجه ؛ سلم من ~~الاعتراض ، والإنكار ، واتبع الهدى والحكمة في كل الأفعال والآثار. PageV03P160 # قال الحسين : على مقدار افتقار العبد إلى الله يكون غناه بالله ، وكلما ~~ازداد افتقارا ازداد غنى. # قال الواسطي : من استغنى بالله لا يفتقر ، ومن يتعزز بالله لا يذل. # وقال جعفر الصادق : أنتم الفقراء بذل العبودية والله الغني بعز الربوبية ~~؛ لأن الربوبية القهر والغلبة والعبودية الخضوع والاستكانة. # ( ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله ~~من عباده العلماء إن الله عزيز غفور (28) إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا ~~الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ms1292 (29) ليوفيهم ~~أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور (30) والذي أوحينا إليك من الكتاب هو ~~الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير (31)) # قوله تعالى : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ): الخوف عموم ~~والخشية خصوص ، وقد قرن سبحانه الخشية بالعلم بالله وجلاله وقدره وربوبيته ~~والعبودية له ، وحقيقة الخشية وقوع نور جلال الحق في العارفين ممزوجا بسنا ~~التعظيم ورؤية الكبرياء والعظمة ، ولا يحصل ذلك إلا لمن شاهد القدم والأزل ~~والبقاء والأبد ، فمن زاد علمه بالله زادت خشيته ؛ لقوله عليه الصلاة ~~والسلام والتحية والإكرام : «أنا أعرفكم بالله وأخشاكم منه» (1). # قال ابن عطاء : الخشية أتم من الخوف ؛ لأنها صفة العلماء. # وقال النصرآبادي : خشية العلماء من الانبساط في الدعاء والسؤال. # قال حارث : العلم يورث الخشية ، والزهد يورث الراحة ، والمعرفة تورث ~~الإنابة. # وقال الواسطي : أوائل العلم الخشية ثم الإجلال ثم التعظيم ثم الهيبة ثم ~~الفناء ، فإذا فنيت هربت ثم نست حتى نسيت أفعالها. # وقال الأستاذ : الفرق بين الخشية والرهبة أن الرهبة خوف يوجب هرب صاحبه ~~فيجري في تفرقته ، والخشية إذا حصلت كبحت صاحبها ، فيبقى مع الله ، فقدمت ~~الخشية الرهبة في الجملة. # ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم PageV03P161 # مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) ~~جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (33)) # قوله تعالى : ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ~~ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ): من الله على عباده ~~المصطفين في الأزل بمعرفته ومحبته بأن أعطاهم كتابه وعلمهم عجائبه وغرائبه ~~، فالاصطفائية تقدمت الوراثة اصطفاء بمحبته ومشاهدته ، ثم خاطبهم بما له ~~عندهم وما لهم عنده ، وهذا الميراث الذي أورثهم من جهة نسب معرفتهم به ~~واصطفائيته إياهم ، وهو محل القرب والانبساط ؛ لذلك قال : ( ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا )، ذكر ( ثم ) للتأخير ، ثم قسمهم ~~على ثلاثة أقسام : ظالم ، ومقتصد ، وسابق ، والحمد لله الذي جعل الظالم من ~~أهل الاصطفائية ، ألا ترى أنه ذكر الاصطفائية ، ثم ذكر الظالم وقرنه ~~بالمقتصد والسابق ، فالظالم ms1293 عندي والله أعلم وأحكم الذي وازى القدم بشرط ~~إرادة حمل وارد جميع الذات والصفات وطلب كنه الألوهية بنعت إدراكه ، فأي ~~ظالم أعظم منه إذ طلب شيئا مستحيلا ، ألا ترى الله سبحانه كيف وصفه بهذا ~~الظلم بقوله : ( وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا )، وهذا من ~~كمال شوقه إلى حقيقة الحق وكمال عشقه ومحبته وجلاله وجماله ، وأيضا الظالم ~~من أظهر سر الأسرار من غلبة المواجيد عن الخلق ، وأيضا الظالم من أخرج قدم ~~المعرفة من جادة الرسوم من كمال سكره ؛ لأنه خرج من حد التمكين ، وأيضا ~~الظالم الذي غلب عليه عشق الأزل ، ويريد أن يكون الأزل بعينه ، وهذا نعت ~~متحد ، وأي ظالم أعظم من الحادث الذي يدعي الأنانية على نعوت الحدوثية ، ~~وإن كان معذورا من جهة السكر والوله ، وأيضا الظالم الذي وقف في مقام لذة ~~المشاهدة عن السير في الألوهية ، وأيضا الظالم الذي احتجب منه به ولا يعرف ~~أن ذلك مكر الأزل ، وأيضا الظالم الذي يحب الحق لراحة مشاهدته ، وأيضا ~~الظالم الذي يطلب منه الكرامات والآلاء والدرجات ، وأيضا الظالم الذي آثر ~~البقاء على الفناء ، والمقتصد والله أعلم الذي عرف الحق بالحق وجعل الخلق ~~للحق ، ولا يتجاوز عن حدود العبودية إلى عالم الربوبية ، والمقتصد أيضا ~~الذي استوت أعماله وأفعاله وأقواله وسكره وصحوه وفناؤه ، والسابق الخيرات ~~هو المستقيم في جميع الأحوال وصحوه أكثر من سكره وبقاؤه أقوى من فنائه ، ~~وهو السابق في الأزل بالتقدم على أهل الاصطفائية من أهل الولاية ، وأيضا ~~الظالم المريد والمقتصد المحب والسابق العارف. # وقال الحسن البصري : السابق من رجحت حسناته ، والمقتصد من استوت حسناته PageV03P162 # وسيئاته ، والظالم الذي ترجح سيئاته على حسناته. # قال جعفر الصادق : فرق المؤمنين ثلاث فرق ، سماهم مؤمنين أولا عبادنا ، ~~أضافهم إلى نفسه تفضلا منه وكرما ، ثم قال : ( اصطفينا )، جعلهم ~~كلهم أصفياء مع علمه بتفاوت معاملاتهم ، ثم جمعهم في آخر الآية يدخلون ~~الجنة فقال : ( جنات عدن يدخلونها )، ثم بدأ بالظالمين إخبارا أنه ~~لا يتقرب إليه إلا بصرف كرمه ، وأن الظلم لا يؤثر في الاصطفائية ، ثم ثنى ~~بالمقتصدين ؛ لأنهم بين ms1294 الخوف والرجاء ، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد ~~مكره ، كلهم في الجنة بحرمة كلمة الإخلاص. # قال الجنيد : لما ذكر الميراث دل على أن الخلق فيه خاص وعام ، وأن ~~الميراث لمن هو أقرب وأصح نسبا ، فتصحيح النسبة هو الأصل. # قال : الظالم الذي يحبه لنفسه ، والمقتصد الذي يحبه له ، والسابق هو الذي ~~أسقط عنه مراده لمراد الحق فيه ، فلا يرى لنفسه طلبا ولا مرادا لغلبة سلطان ~~الحق عليه. # سئل النوري عن قوله : ( ثم أورثنا ) على ماذا عطف بقوله [ثم]؟ ~~قال : عطف على إرادة الأزل والأمر المقضي ، قال : ( ثم أورثنا ) من ~~الخلق الذين سبقت لهم منا الاصطفائية في الأزل. # وقال عبد العزيز المكي : المغفرة للظالمين ، والرحمة للمقتصدين ، والقربة ~~للسابقين. # وقال الحسين : الظالم الباقي مع حاله ، والمقتصد الفاني في حال ، والسابق ~~المستغرق في فناء حاله. # وقال النصرآبادي : لا ميراث إلا عن نسبة صحح النسبة ، ثم ادعى الميراث. # وقال أيضا : ميراث الكتاب للذين فهموا عن الله خطابه ، فكل فهم على قدره ~~، فالظالم فهم منه محل المغفرة والثواب والعقاب ، والمقتصد فهم منه محل ~~الجزاء والأعواض والجنان ، والسابق استغرقه التلذذ بالخطاب عن أن يرجع منه ~~إلى شيء سواه. # وقال أبو يزيد : الظالم مضروب بسوط الأمل ، مقبول بسيف الحرص ، مضطجع على ~~باب الرجاء ، والمقتصد مضروب بسوط الحسرة ، مقتول بسيف الندامة ، مضطجع على ~~باب الكرم ، والسابق مضروب بسوط المحبة ، مقتول بسيف الشوق ، مضطجع على باب ~~الهيبة. # قال أبو يزيد : الظالم في ميدان العلم ، والمقتصد في ميدان المعرفة ، ~~والسابق في ميدان الوجد. # قال محمد بن علي : الإيمان للظالمين ، والمعرفة للمقتصدين ، والحقيقة ~~للسابقين. # قال ابن عطاء : الظالم معذب ، والمقتصد معاتب ، والسابق ناج مقرب. PageV03P163 # قال بعضهم : الظالم لنفسه آدم ، والمقتصد إبراهيم ، والسباق محمد صلوات ~~الله عليهم. # وقال الأستاذ : الظالم من نجم كواكب عقله ، والمقتصد من طلع بدر علمه ، ~~والسابق من درت شمس معرفته. # ( وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور ~~(34) الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها ~~لغوب (35) والذين كفروا لهم نار ms1295 جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم ~~من عذابها كذلك نجزي كل كفور (36) وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا ~~غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا ~~فما للظالمين من نصير (37) إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات ~~الصدور (38) هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد ~~الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا (39) ~~قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ما ذا خلقوا من الأرض أم ~~لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون ~~بعضهم بعضا إلا غرورا (40) إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا (41) وأقسموا بالله ~~جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما ~~زادهم إلا نفورا (42) استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ ~~إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد ~~لسنت الله تحويلا (43) أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين ~~من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا ~~في الأرض إنه كان عليما قديرا (44) ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك ~~على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان ~~بعباده بصيرا (45)) # قوله تعالى : ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ): أهل المعرفة ~~إذا دخلوا جنان المشاهدة ، وأدركوا أنوار المكاشفة ، وجلسوا على بساط ~~القربة ، وشربوا شراب الزلفة ، وفازوا من آلام الفرقة في حجال الوصلة هيجهم ~~حالهم إلى حمد خالقهم ، والثناء عليه بما أولاهم من لطيف كراماته وسنا ~~مشاهداته حين فازوا من هجوم الأحزان في قلوبهم من خوف أليم PageV03P164 # الفراق وطريان النفاق بعد حقيقة الاشتياق ، وأقروا بأن ذلك من لطفه الخاص ~~بلا امتحان بقوله : ( الذي أحلنا دار المقامة ms1296 من فضله )، ثم بينوا ~~ألا يلحقهم فيما وجدوا من نعم الله نصب المعاملات ولا لغوب الطبعيات. # قال النصرآبادي : ما كان حزنهم إلا تدبير أحوالهم وسياسة أنفسهم ، فلما ~~نجوا منها حمدوا وقالوا : ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن. ) # وقال أبو سعيد الخراز : أهل المعرفة في الدنيا كأهل الجنة في الآخرة ، ~~قال الله حاكيا عن أهل الجنة : ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ) ~~، وإنما أحزانهم للاشتغال بالأعراض ، فتركوا الدنيا في الدنيا ، فتنعموا ، ~~وعاشوا في الدنيا بعيش الجنانين. # قال الواسطي في قوله : ( إن ربنا لغفور شكور ): شكر الله العبد ~~رضاه بما أجرى عليه ، وشكر العبد ربه أن يرى النعمة من الله ابتداء ~~وانتهاء. # قال أبو بكر التيمي : إن كانت أعمالك مكتسبة فبفضل الله عملت ، والفضل ~~غير مكتسب ، وإن كان مكتسبا لم يسم فضلا ؛ ألا ترى الله يقول : ( ~~الذي أحلنا دار المقامة من فضله )، وافهم أن ذلك الحزن الذي نجا القوم منه ~~وحمدوا الله بإخراجهم عنه هو الحزن الذي صدر من رؤية قهر الأزل ، فلما فروا ~~من الله إلى الله فازوا من قهره بلطفه ، ولا يبقى لهم استتار ، بل يبقون في ~~المشاهدة بلا حجاب وامتحان واضطراب. # قال ابن عطاء : حزن إبهام العاقبة. ### | سورة يس # بسم الله الرحمن الرحيم # ( يس (1) والقرآن الحكيم (2) إنك لمن المرسلين (3) على صراط ~~مستقيم (4) تنزيل العزيز الرحيم (5) لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون (6)) # ( يس ) (1): افهم أن حروف يس كحروف الطواسين وحروف الحواميم ~~وغيرها من حروف التهجي ، الياء إشارة إلى يد القدرة الأزلية ، والسين إلى ~~سنا الربوبية ، أقسم سبحانه بثلاث صفات : بالقدرة ، وسنا الربوبية ، ~~والكلام الأزلي بقوله : ( والقرآن الحكيم (2) إنك لمن المرسلين ) ~~(3)، مخاطبة المواجهة بعد شرف القسم بنفسه وصفاته ؛ لأن المقسم به قديم ، ~~فأقسم بالقدم لا بشيء خرج من العدم لشرائفه وفضائله. # قيل : الياء يشير إلى يوم الميثاق ، والسين يشير إلى سره مع الأحباب ، ~~فقال : وبحق يوم PageV03P165 # الميثاق وسري مع الأحباب والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين يا محمد. # قال جعفر الصادق : يا سيدا مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وسلم بذلك ؛ لذلك ms1297 قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : «أنا سيد» (1)، ولم يمدح بذلك نفسه ، ولكن أخبر ~~عن معنى مخاطبة الحق إياه بقوله : ( يس. ) # ( لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (7) إنا جعلنا في ~~أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون (8)) # قوله تعالى : ( لقد حق القول على أكثرهم ): حق القول الأزلي في ~~الأزل إن أكثر الخلق لا يعرفونه ؛ لأنه غريب الأزل ، والأزلي لا يعرفه إلا ~~الأزلي ، والحمد لله الذي حكم على الأكثر بالشقاوة ، وما حكم على الأقل ~~الذين عرفوه به لا بغيره ، وهم أوراق بساتين قدسه ونسائم نرجس أنسه. # قال ابن عطاء : حق القول على أهل الشقاوة في الأزل ، إنهم لا يؤمنون ولو ~~جاءتهم كل آية ، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع خطابه من أسمعه الحق في الأزل ~~نداء السعادة ، فإذا سمع نداء النبي صلى الله عليه وسلم أجاب لما سبق له من ~~إجابة لنداء الحق. # ( وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا ~~يبصرون (9) وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (10)) # قوله تعالى : ( وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ): سد ~~ما خلفهم سد قهر الأزل ، وسد ما بين أيديهم شقاوة الأبد ، فينفسه منهم من ~~نفسه لا جرم أنهم في غشاوات الغيرة ولا يبصرونه أبدا. # قال ابن عطاء في ( من بين أيديهم سدا ): وهو طول الأمد ، وطمع ~~البقاء ، ( ومن خلفهم سدا ): وهو الغفلة عما سبق منه من الجنايات ~~، وقلة الندم والاستغفار عليه أعماه تردده في الغفلات عن الاعتذار لما سبق ~~منه من الجنايات. # وقال الأستاذ : أغرقناهم اليوم في بحار الضلالة ، وأحطنا بهم سرادقات ~~الجهالة ، وفي الآخرة نغرقهم في النار والأنكال ، ويضيق عليهم الحال ~~بالسلاسل والأغلال. # ( إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة ~~وأجر كريم (11) إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه ~~في إمام مبين (12) واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون (13) إذ أرسلنا PageV03P166 # إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون ~~(14) قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا ms1298 وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا ~~تكذبون (15) قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون (16) وما علينا إلا البلاغ ~~المبين (17) قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا ~~عذاب أليم (18) قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون (19) وجاء ~~من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين (20) اتبعوا من لا ~~يسئلكم أجرا وهم مهتدون (21)) # قوله تعالى : ( إنما تنذر من اتبع الذكر ): الإنذار لا يؤثر إلا ~~في أصحاب الذكر ؛ لأنهم في مشاهدة عظمة المذكور يفزعون منه بأقدار ما ~~شاهدوه من العظمة والكبرياء ، فبركة موعظة الصادق تزيد لهم تعظيم الله ~~وإجلاله ، وتابع الذكر تابع السنة ، ثم تابع الحال والوقت والوجد حتى فني ~~هو في ذكره ، وفني ذكره في رؤية مذكوره ؛ لأنه شاهد العظمة بنعت الفناء في ~~الحضرة حين غاب عن الخلق بقوله : ( وخشي الرحمن بالغيب ) علم ~~الرحمن في غيب الرحمن ، ( فبشره بمغفرة وأجر كريم ) (11) لما جرى ~~عليه من وقفة الحال وكشف المشاهدة الكريمة الأزلية الأبدية. # قال الحسين : أشرف منازل الذاكرين من نسى ذكره في مشاهدة المذكور ، وحفظ ~~أوقاته من الرجوع إلى الرؤية والذكر. # ( وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون (22) أأتخذ من دونه ~~آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون (23) إني إذا ~~لفي ضلال مبين (24) إني آمنت بربكم فاسمعون (25)) # قوله تعالى : ( وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ): العبودية ~~ممزوجة بالفطرة ، والمعرفة فوق الخليقة والفطرة ، وهذا المعنى مستفاد من ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : «كل مولود يولد على الفطرة» (1)، ولو ~~كانت المعرفة ممزوجة بالفطرة لما قال : «فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ~~ينصرانه» (2)، بل المعرفة تعلق بكشف جماله وجلاله صرفا بالبديهة بغير علة ~~ولا اكتساب بقوله : ( ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل. ) PageV03P167 # قال ابن عطاء : الفطرة جعل الأشخاص في قبضة القدرة والأرواح في قبضة العزة. # قال بعضهم : العبد الخالص من عمل على رؤية الفطرة لا غير ، وأجل منه من ~~يعمل على رؤية الفاطر. # ( قيل ادخل الجنة قال يا ليت ms1299 قومي يعلمون (26) بما غفر لي ربي ~~وجعلني من المكرمين (27) وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما ~~كنا منزلين (28) إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون (29) يا حسرة على ~~العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن (30) ألم يروا كم أهلكنا ~~قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون (31) وإن كل لما جميع لدينا محضرون ~~(32) وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون (33) ~~وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون (34) ليأكلوا من ~~ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون (35)) # قوله تعالى : ( قيل ادخل الجنة ): ضاق صدر حبيب النجار قدس الله ~~روحه لأجل قومه الذين شاهدوا قتله ، وضاقت صدورهم لأجله حتى تبرأ لأمر ~~فراقهم ، إنه في رؤية الخلق بعد خلاصه من الخلق. # قال حمدون القصار : لا يسقطه عن النفس رؤية الخلق بحال ، ولو سقط عنها في ~~وقت لسقط في المشهد الأعلى في الحضرة ، ألا تراه في وقت دخول الجنة يقول : ~~( يا ليت قومي يعلمون )، تحدثه نفسه إذ ذاك برؤية الخلق. # ( سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما ~~لا يعلمون (36)) # قوله تعالى : ( سبحان الذي خلق الأزواج كلها ): خلق الأصناف من ~~العرش إلى الثرى بغير رؤية ولا تفكر ، بل على ما سبق في علمه في الأزل لا ~~على مثال ، ولا على أشخاص ، وهو منزه أن يكون له شبيه أو نظير. # قال عبد العزيز المكي : خلق الأزواج كلها ثم قال : ( ليس كمثله ~~شيء )؛ ليستدل بذلك أن خالق الأشياء منزه عن الروح مستغن عنه. # ( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون (37) والشمس ~~تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (38) والقمر قدرناه منازل حتى عاد PageV03P168 # كالعرجون القديم (39) لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا ~~الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون (40) وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في ~~الفلك المشحون (41) وخلقنا لهم من مثله ما يركبون (42) وإن نشأ نغرقهم فلا ~~صريخ لهم ولا هم ينقذون (43) إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين (44) وإذا ms1300 قيل ~~لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون (45) وما تأتيهم من آية من ~~آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (46) وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله ~~قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ~~ضلال مبين (47) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) ما ينظرون إلا ~~صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون (49) فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم ~~يرجعون (50) ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون (51) قالوا ~~يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون (52) إن كانت ~~إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون (53) فاليوم لا تظلم نفس شيئا ~~ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون (54)) # قوله تعالى : ( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون ) ~~(37): عرف الله سبحانه أهل معرفته نفسه بآيات المكاشفات وطلوع شموس ~~المشاهدات والغيبة والاستتار بعده ، حين هم في ضياء المشاهدة ونور المكاشفة ~~، فيقبض منهم أنوار المواجيد والحالات قبضا يسيرا بحيث لا يعرفون ذهابه حتى ~~بقوا في الحجاب ، فإذا دحا ليل الفقدان عليهم وهاموا في أودية الحيرة من ~~طلب شمس المشاهدة فتلك الشمس تجري لمستقر لها تنكشف شمس الجلال من مشارق ~~الآزال على أوقاتهم بمقادير الإرادة الأزلية ، فيكون الوقت سرمدا بغير فترة ~~ولا انتقال بقوله : ( ذلك تقدير العزيز العليم ) (38)، فإذا غابت ~~عنهم شمس الذات طلع عليهم قمر الصفات في أبراج قلوبهم على منازل المقامات ~~بقوله : ( والقمر قدرناه منازل حتى عاد ) (1)، يبدو لهم في أوائل ~~الأحوال أنوار الصفات ، فيزيد لهم وضوحا PageV03P169 # وكشفا ، فيربيهم على سنن الواردات حتى صاروا في مشاهدة بدر كمال الصفات ، ~~فإذا كادوا يفنوا في تلك الحالة يغيب عنهم أنوار الصفات حتى يبقى لهم ~~اللمعان والبروق ، ويصير البدر لهم هلالا ، فيتراءون هلال جمال الصفات ~~بأبصار قلوبهم في سماء اليقين ، وهذا من لطف الله لهم الذي يربيهم على قدر ~~الأحوال في مقامات مشاهدة الذات والصفات قبضا وبسطا حتى لا يفنوا. # قال الأستاذ : نهار الوجود يدخله على ليالي التوقف ، ويقود بيد ms1301 كرمه عصا ~~من عمى عن سلوك رشده ، فيهديه إلى سواء طريقه. # وقال في قوله : ( والقمر قدرناه ) الإشارة منه أن العبد في أوان ~~الطلب رقيق الحال ضعيف اليقين مختصر الفهم ، فيتفكر حتى تزداد بصيرته ويكمل ~~حاله ، ثم يصير كاملا ، ثم يتناقص ، ويدنو من الشمس قليلا قليلا ، وكلما ~~ازداد من الشمس دنوا ازداد في نفسه نقصانا إلى أن يتلاشى ويخفى ولا يرى ، ~~ثم يبعد عن الشمس ، لا يزال يتباعد حتى يعود بدرا من الذي يصرفه على ذلك ~~إلا أنه تقدير العزيز العليم ، فشبه الشمس عارف أبدا في ضياء معرفته صاحب ~~تمكين غير متلون يشرق بروج من سعادته دائما ، لا يأخذه كسوف ، ولا يستره ~~سحاب ، وشبه القمر عبد يكون أحواله في التنقل ، صاحب تلوين له من البسط ما ~~يرقيه إلى حد الوصال ، ثم يرد إلى الفترة ، ويقع في النقص بما كان به من ~~صفاء الحال ، فيتناقص ويرجع إلى نقصان أمره إلى أن يرفع قلبه عن وقته ، ثم ~~يجود عليه الحق سبحانه ، فيوفقه لرجوعه عن فرقه وإفاقته عن سكرته ، فلا ~~تزال تصفو حاله إلى أن يقرب من الوصال ، ويرزق صفة الكمال ، ثم بعد ذلك ~~يأخذ في النقص والزوال ، كذلك حاله إلى أن يحق له بالمقسوم ارتحاله ، فكما ~~قالوا : [إن كنت أدري فعلى بدنه من كثرة التلوين إلي من أنه] ، وفي معناه ~~أنشدوا : # كل يوم تتلون غير هذا بك أجمل # ( إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون (55) هم وأزواجهم في ظلال ~~على الأرائك متكؤن (56) لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون (57)) # قوله تعالى : ( إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون ) (55): إذا ~~دخل أهل الجنة في الجنة وتنعموا بها يكشف الله جماله لهم بالبديهة ، ~~فيكونون في شغل من المشاهدة عن نعيم الجنة ناظرين إلى الحق بالحق ، ويفرحون ~~بما نالوا من جماله وجلاله. # قال ابن عطاء : شغلهم في الجنة استصلاح أنفسهم لميقات المشاهدة ، وهذا من أعظم PageV03P170 # الاشتغال. # وقال الجنيد : أحيا أقواما بالراحة ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر ~~) [القمر : 55] ، فهم متقلبون في الراحة واللقاء والرضوان والمشاهدة ، ثم ~~من ms1302 عليهم زيادة منه ، فقال : ( إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ): ~~شغلهم حظوظ الأنفس عن هذا المعدن وهذا المشهد. # وسئل بعض المشايخ عن قول النبي صلى الله عليه وسلم : «أكثر أهل الجنة البله» ~~(1) قال : لأنهم في شغل فاكهون ، شغلهم النعيم عن المنعم. # وقال الحسين : إن الحق قطع أهل الجنة بتجليه عن الالتذاذ بالجنة ؛ لأنه ~~أفناهم بتجليه عنها ؛ لئلا تدوم بهم اللذة ، فيقع بهم الملك فرجوعهم إلى ~~إياهم بعد تجلي الحق لهم يوفر اللذة عليهم ، والحق لا يلتذ به. # ( سلام قولا من رب رحيم (58) وامتازوا اليوم أيها المجرمون (59) ~~ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين (60)) # قوله تعالى : ( سلام قولا من رب رحيم ) (58): سلام الله أزلي ~~الأبد غير منقطع من عباده الصادقين في الدنيا والآخرة ، لكن في الجنة يرفع ~~عن آذانهم جميع الحجب ، فسمعوا سلامه ، ونظروا إلى وجهه كفاحا. # قال ابن عطاء : السلام جليل الخطر ، عظيم المحل ، وأجله خطر ما كان في ~~المشاهدة والمكافحة من الحق حين يقول : ( سلام قولا من رب رحيم ): ~~من استقام عليه فقد ظهر عليه سر الربوبية ، وشغله ذلك السر به عن الطاعة ~~والمعصية ، قد حضر لي نكتة أن السلام يكون بالقول والكلام من رب رحيم ~~يربيهم بمشاهدته ويرحمهم ؛ لئلا يحجبهم عن جماله أبدا. # قال الأستاذ : الرحمة في تلك الحالة أن يرزقهم الرؤية في حالة ما سلم ~~عليهم ليكمل لهم النعمة. # ( وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (61) ولقد أضل منكم جبلا كثيرا ~~أفلم تكونوا تعقلون (62) هذه جهنم التي كنتم توعدون (63) اصلوها اليوم بما ~~كنتم تكفرون (64) اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما ~~كانوا يكسبون (65) ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون ~~(66) ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون (67)) PageV03P171 # قوله تعالى : ( وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ) (61): طلب الحق ~~منهم ما خلق في فطرتهم من استعداد قبول طاعته أي : اعبدوني بي لا بكم ، ~~فهذا صراط مستقيم حيث لا تنقطع العبودية عن العباد أبدا ، ولا يدخل في هذا ~~الصراط ms1303 اعوجاج ولا اضطراب. # قال النوري : الأنفاس ثلاث : نفس في العبودية ، ونفس بالربوبية ، ونفس بالرب. # قال الواسطي : من عبد الله لنفسه فإنما يعبد نفسه ، ومن عبده من أجله ~~فإنه لم يعرف ربه ، ومن عبده بمعنى أن العبودية جوهرة تظهرها الربوبية فقد أصاب. # ( ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون (68) وما علمناه الشعر ~~وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين (69)) # قوله تعالى : ( ومن نعمره ننكسه في الخلق ): من عمره الله وذهب ~~أوقاته بالغفلات ، ولا يظهر بالمشاهدات نقص وضعف في ميادين العبودية ~~والربوبية. # قال أبو بكر الوراق : من عمره الله بالغفلة فإن الأيام والأحوال تؤثر فيه ~~حالا فحالا من طفولية ، وشباب ، وكهولية ، وشيبة إلى أن يبلغ ما حكى الله ~~عنه من قوله : ( ومن نعمره ننكسه في الخلق )، ومن أحياه الله ~~بذكره فإن تلوين الأحوال لا يؤثر فيه ، فإنه متصل الحياة لحياة الحق ، حي ~~به ، ويقر بهن ، قال الله : ( فلنحيينه حياة طيبة. ) # ( لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين (70) أولم يروا أنا ~~خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون (71) وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون (72) ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون (73) واتخذوا ~~من دون الله آلهة لعلهم ينصرون (74) لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون ~~(75) فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون (76) أولم ير الإنسان ~~أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين (77)) # قوله تعالى : ( لينذر من كان حيا ) أي : من كان عارفا بالله ~~وبصفاته ، عاشقا بوجهه ، مشتاقا إلى لقائه ، والها في جماله ، ذاهلا في ~~عظمته وكبريائه ، متصفا بحياته. # قال ابن عطاء : أي من كان في علم الله حيا أحياه الله بالنظر إليه والفهم ~~عنه والسماع منه والسلام عليه. # قال الجنيد : الحي من يكون حياته بحياة خالقه ، لا من يكون حياته ببقاء ~~هيكله ، ومن يكون بقاؤه ببقاء نفسه فإنه ميت في وقت حياته ، ومن كان حياته ~~بربه كان حقيقة حياته PageV03P172 # وفاته ؛ لأنه يصل بذلك إلى رتبة الحياة الأصلية ، قال الله : ( ~~لينذر من كان حيا. ) # ( وضرب لنا مثلا ms1304 ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم (78) قل ~~يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) الذي جعل لكم من الشجر ~~الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (80) أوليس الذي خلق السماوات والأرض ~~بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم (81)) # قوله تعالى : ( وضرب لنا مثلا ونسي خلقه ): إن في خلق الإنسان ~~ووجوه الحسان من علامات قدرته أكثر مما يكون في الكون ؛ لأن الكونين ~~والعالمين في الإنسان معجون وفيه عمله معلوم ، ولو عرف نفسه فقد عرف ربه ؛ ~~لأن الخليقة مرآة الخليقة تجلت في الخليقة لأهل المعرفة ، ورب قلب ميت يحيا ~~بجماله بعد موت جهالته ، وإحياؤه بمعرفته. # قال الواسطي : ضرب الأمثال في القرآن إعلاما لصحة الطرق للموحدين على حدة ~~، وللعالمين على حدة ؛ ليعلموا أن قليلا من روائح نفحاته خير من كثير ~~توحيدهم ومعاملاتهم. # وقال في قوله : ( من يحي العظام وهي رميم ) أي : من يحيى القلوب ~~الميتة بالقسوة والإعراض عنه ، فيردها إلى التفويض والتسليم والتوكل ~~والإقبال عليه. # ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82)) # قوله تعالى : ( إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ): الفهم فيه ~~أن الأمر بالقول ، والقول القديم سبب إيجاد الكون ، ولا يكون الكون إلا ~~بإرادة المكون ، وإرادته قبل الأمر ، فلو كان القول وافق الإرادة لصار ~~الكون قديما ، لكن بقوته الأزلية وجلاله الأبدي أراد وجود الأشياء إلا في ~~وقت معين ، فالأشياء مطيعة له بإجباره الأزلي عليها وغلبة سلطانه على متون ~~العدم بعزة القدم ، لا إرادة لها ؛ إذ الأمر كله يتعلق بجبروته. # ( فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون (83)) # قوله تعالى : ( فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ): ~~منزه عن النقائص الحدثية ، لا شريك له في ملكه ، من قدرته بدء الأشياء ، ~~وإلى قدرته رجوع الأشياء (1). # والرهبوت بمعنى : الرهبة الشديدة ، والرحموت بمعنى : الرحمة الغالبة ، ~~وعلى هذا المراد بالملك العظيم هنا هو : ملك الروح ؛ لأنه أعظم من ملك ~~الجسد ؛ لأن الجسد من عالم الصورة ، والروح من عالم المعنى ، والمعنى أوسع ~~من الصورة ، وإن كان كل ms1305 من الروح والجسد مخلوقين على ما دلت عليه النصوص. PageV03P173 # قال الحسين : أبدى الأكوان بقوله ( كن ) إهانة لها وتصغيرا ؛ ~~ليعرف الخلق إهانتها ، فلا يركنوا إليها ، ويرجعوا إلى مبدئها ومنشئها ، ~~فشغل الحق زينة الكون ، فتركهم معه ، فاختار من خواصه خصوصا أعتقهم من رق ~~الكون ، وأحياهم به ، فلم يجعل للعلل عليهم سبيلا ولا للآثار منهم طريقا. ### | سورة الصافات # بسم الله الرحمن الرحيم # ( والصافات صفا (1) فالزاجرات زجرا (2) فالتاليات ذكرا (3) إن ~~إلهكم لواحد (4) رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق (5) إنا زينا ~~السماء الدنيا بزينة الكواكب (6) وحفظا من كل شيطان مارد (7) لا يسمعون إلى ~~الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب (8) دحورا ولهم عذاب واصب (9)) # ( والصافات صفا ) (1): والقلوب المتآلفة في مقام المحبة صفت ~~بنعت الإقبال إلى جمال الأزل ، وهي قلوب المحبين ، وأيضا صفوف العقول ~~المقدسة صفت في مقام العبودية لمشاهدة الربوبية ، وهي عقول العارفين ، ~~وأيضا الأرواح العاشقة صفت في حظائر القدس في مقام الأنس ، وهي طيور الله ~~في بساتين الله ، وهي أرواح الموحدين ، ( فالزاجرات زجرا ): ~~إلهامات الحق التي تأتي على خواطر أهل الحق (1)، ( فالتاليات ذكرا ~~): الملائكة التي تلم على قلوب الحاضرين في الحضرة بوحي الله ، فأقسم الحق ~~بهذه النيرات أنه تعالى واحد لا انقسام في ذاته ولا افتراق في صفاته ، لا ~~تكون وحدانيته من حيث العدد ولا ألوهيته من حيث المدد ، فأظهر وحدانيته ~~بنعت التجلي والظهور للوحدانيين بقوله : ( إن إلهكم لواحد )، ثم ~~أوضح طرق الدليل إليه بقوله : ( رب السماوات والأرض وما بينهما ورب ~~المشارق ): المشارق مطالع قلوب العارفين التي تطلع منها أنوار الحق ~~للأرواح والعقول ، ثم بين أنه تعالى زين سماء الظاهر بالكواكب ، وزين سماء ~~الأرواح بأنجم المعارف ونور الكواشف بقوله : ( إنا زينا السماء ~~الدنيا بزينة الكواكب ): من نور معرفة العارفين ينزجر الشياطين المتمردة ولا PageV03P174 # يطيقون إلقاء الخواطر الرديئة. # قال ابن عطاء : زين قلوب أوليائه بكواكب المعرفة ، وهي الأنوار الظاهرة. # قال الحسين في قوله ( إن إلهكم لواحد ): دلهم على الوحدانية ؛ ~~ليكونوا وجدانيي الذات ؛ ليصلحوا لمعرفة الواحد ، فمن لم يتحد بإسقاط كل ~~العلائق عنه لا يصلح لمعرفة ms1306 الواحد. # وقال أيضا : الواحد لا يعرفه إلا الآحاد من العباد. # ( إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب (10) فاستفتهم أهم أشد ~~خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب (11) بل عجبت ويسخرون (12) وإذا ~~ذكروا لا يذكرون (13) وإذا رأوا آية يستسخرون (14) وقالوا إن هذا إلا سحر ~~مبين (15) أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (16) أوآباؤنا ~~الأولون (17) قل نعم وأنتم داخرون (18) فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون ~~(19) وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين (20) هذا يوم الفصل الذي كنتم به ~~تكذبون (21) احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون (22) من دون ~~الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم (23) وقفوهم إنهم مسؤلون (24) ما لكم لا ~~تناصرون (25) بل هم اليوم مستسلمون (26) وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (27) ~~قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين (28) قالوا بل لم تكونوا مؤمنين (29) ~~وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين (30) فحق علينا قول ربنا ~~إنا لذائقون (31) فأغويناكم إنا كنا غاوين (32) فإنهم يومئذ في العذاب ~~مشتركون (33) إنا كذلك نفعل بالمجرمين (34) إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله ~~إلا الله يستكبرون (35) ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون (36) بل ~~جاء بالحق وصدق المرسلين (37) إنكم لذائقوا العذاب الأليم (38)) # قوله تعالى : ( إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ): جاء ~~الشيطان إلى قلب العارف فألقى من بعيد إليه وسوسة كاد أن يختطف حظا من حظوظ ~~مواجيد العارف ، وأن يشوش وقته ، فلحقه نور غيرته فأحرقه ، وهذا معنى قوله ~~تعالى : ( فأتبعه شهاب ثاقب. ) # ( وما تجزون إلا ما كنتم تعملون (39) إلا عباد الله المخلصين ~~(40) أولئك لهم رزق معلوم (41) فواكه وهم مكرمون (42) في جنات النعيم (43) ~~على سرر متقابلين (44) يطاف عليهم بكأس من معين (45) بيضاء لذة للشاربين ~~(46) لا فيها غول ولا هم عنها PageV03P175 # ينزفون (47) وعندهم قاصرات الطرف عين (48) كأنهن بيض مكنون (49) ~~فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (50) قال قائل منهم إني كان لي قرين (51) ~~يقول أإنك لمن المصدقين (52) أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون ~~(53) قال هل أنتم مطلعون (54)) # قوله تعالى : ( وما تجزون إلا ما كنتم تعملون ) (39): الجميع في ~~حيز الجزاء الكفار ms1307 يجزون بالعذاب ، والمؤمنون يجزون بالثواب ، والمخلصون ~~خارجون من علل الفريقين ، هم مختارون بالولاية ، مختصون بالمشاهدة ، لهم ~~مقام معلوم في القربة والوصلة بقوله : ( أولئك لهم رزق معلوم ) ~~(41)، رزقهم جمال الحق أبد الآبدين بلا حجاب ولا حساب ، والمخلص في ~~المعرفة الخارج بنور الربوبية عن علل الحدوثية. # وقال أبو بكر بن طاهر : صحة البقاء مع الله إخلاص العبودية لله ، وفناء ~~رؤية العبد مع الله ببقاء حظه من الله. # وقال الأستاذ : الإخلاص أن تلاحظ محل الاختصاص. # ( فاطلع فرآه في سواء الجحيم (55) قال تالله إن كدت لتردين ~~(56) ولو لا نعمة ربي لكنت من المحضرين (57) أفما نحن بميتين (58) إلا ~~موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين (59) إن هذا لهو الفوز العظيم (60) لمثل هذا ~~فليعمل العاملون (61) أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم (62) إنا جعلناها فتنة ~~للظالمين (63) إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم (64) طلعها كأنه رؤس الشياطين ~~(65) فإنهم لآكلون منها فمالؤن منها البطون (66) ثم إن لهم عليها لشوبا من ~~حميم (67) ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم (68) إنهم ألفوا آباءهم ضالين (69) فهم ~~على آثارهم يهرعون (70) ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين (71) ولقد أرسلنا فيهم ~~منذرين (72) فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) إلا عباد الله المخلصين ~~(74) ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون (75) ونجيناه وأهله من الكرب العظيم ~~(76) وجعلنا ذريته هم الباقين (77) وتركنا عليه في الآخرين (78) سلام على ~~نوح في العالمين (79) إنا كذلك نجزي المحسنين (80) إنه من عبادنا المؤمنين ~~(81) ثم أغرقنا الآخرين (82) وإن من شيعته لإبراهيم (83)) # قوله تعالى : ( فاطلع فرآه في سواء الجحيم ) (55): من شاهد الحق ~~يكون مطلعا على ما دون الحق ، واطلاع أهل المعرفة على الغيب من قوة نور ~~جمال الحق في أبصارهم ، فيبصرون PageV03P176 # مغيبات الغيب بنظر الغيب. # قال القاسم : الاطلاع اطلاعان : اطلاع التخصيص فيه الحياة والبقاء ، ~~واطلاع التخصيص فيه الفناء والهلاك. # ( إذ جاء ربه بقلب سليم (84) إذ قال لأبيه وقومه ما ذا تعبدون ~~(85) أإفكا آلهة دون الله تريدون (86) فما ظنكم برب العالمين (87)) # قوله تعالى : ( إذ جاء ربه بقلب سليم ) (84): جاء ربه بقلب محب ~~مملوء من شوق الله منقاد لأمر الله ، ومراد الله فار منه إليه ms1308 ، سالم مما ~~دون الله من العرش إلى الثرى ، مقدس من شوائب الطبيعة ، قيل أي : مستسلم ~~مفوض في كل حال إلى ربه ، راجع إليه بسره لا تتخاله الأكوان بما فيها. # سئل الجنيد بم ينال سلامة الصدر؟ قال : بالوقوف على حق اليقين. # ( فنظر نظرة في النجوم (88) فقال إني سقيم (89) فتولوا عنه ~~مدبرين (90) فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون (91) ما لكم لا تنطقون (92) ~~فراغ عليهم ضربا باليمين (93) فأقبلوا إليه يزفون (94) قال أتعبدون ما ~~تنحتون (95) والله خلقكم وما تعملون (96) قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في ~~الجحيم (97) فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين (98)) # قوله تعالى : ( فنظر نظرة في النجوم ) (88): لما طلب القوم من ~~الخليل عليه السلام المطايبة والعيش النفساني من قلة معرفتهم بحاله فأخرج ~~غرائب معاني العشق والمحبة في صورة العلم التي يكون حجة عليهم وامتناعه من ~~صحبتهم لأنسه بالله ، فحكى الحق سبحانه عنه : ( فنظر نظرة في ~~النجوم )، وهذا إشارة يعني طالع أنجم الصفات التي تطلع من مشارق الذات ، ~~أي : شاهد جمال القدم ، واستغرق في بحر المحبة ، فأخبر عن آلام لدغات حيات ~~المحبة والمودة التي أسقمته بدائه ، ( فقال إني سقيم ) (89): سقيم ~~مشاهدة الأزل ، ومريض جمال الأبد ، ولا أقدر أن أشتغل بسواه ، وإني أطلب ~~مداواة سقمي ممن أسقمني. # قد لسعت حية الهوى كبدي %~% بلا طبيب لها ولا راقي إلا الجيب الذي شغفت به %~% فعنده رقيتي وترياقي # قال ابن عطاء : ( إني سقيم ) مما أرى من مخالفتكم وعبادتكم ~~الأصنام. # قال بعضهم : إني سقيم القلب ؛ لفوت مرادي من خليلي ؛ فإن الحبيب أبدا ~~سقيم القلب PageV03P177 # في القرب والبعد. # وأنشد : # وما في الدهر أشقى من محب %~% وإن وجد الهوى حلو المذاق تراه باكيا في كل حين %~% مخافة فرقة أو اشتياق فيبكي إن نأوا شوقا إليهم %~% ويبكي إن دنوا خوف الفراق فتسخن عينه عند التباني %~% وتسخن عينه عند التلاقي # وقيل : ( إني سقيم ) شائق إلى لقاء الحبيب (1). # ( وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين (99) رب هب لي من الصالحين ~~(100) فبشرناه بغلام حليم (101)) # قوله تعالى : ( وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين ) (99): لما حصر ~~صدره من معاشرة ms1309 الحدثان ، وضاق قلبه في محل الامتحان ، واشتاق سره إلى ~~مشاهدة الرحمن ، قال إني ذاهب مني إلى ربي ، أي : إني أخرج من الحدثان إلى ~~عالم العرفان ، أسير في بيداء الأزل إلى الأبد ، سيهديني ربي طرق الذات ~~والصفات ؛ فأكون فانيا فيه باقيا به معه. # قال الخراز : لما فني الموجود وانقطع القدرة ثبت المشهود بلا شاهد قال : ~~( إني ذاهب إلى ربي )، بالرجوع عما سواه ، فلا ذاهب في الحقيقة ~~إليه إلا من أعرض عن الأكوان وما فيها ، فمن بقي فيه ذرة من الكونين يكون ~~ذهابه لعلة. # ( فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك ~~فانظر ما ذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ~~(102)) # قوله تعالى : ( فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في ~~المنام أني أذبحك ): لما استوى الولد خلة أبيه وكل حقائقه صار أهلا لقربان ~~الحق ، وفداء كشف جماله ، وذلك أيضا محل امتحان الخليل به ؛ فإنه لما وجده ~~أهل الحق استأنس به ، فغار به الحق ، وأراد أن يتجرد سره من الغير حتى لا ~~يبقى بين الخليلين شيء من الحدثان. # قال ابن عطاء : لما سعى في الطاعة سعيه وقام بحقوق الله حسب ما رضي به ~~الخليل وقرت عينه بقيامه بحقوق مولاه أنس الخليل به ، وفرح بمكانه ، فقيل ~~له اذبحه فإنه لا يصلح PageV03P178 # للخليل أن يفرح إلى شيء دون خليله ، ولا يفرح بسواه ، فابتلي بذبحه ، ثم ~~لما سلم وقام مقام الاستقامة واتبع الأمر فداه بذبح عظيم. # قال الواسطي : نقل الله إبراهيم من حال البشرية إلى غيرها ، وهو أنه لما ~~امتحنه بذبح ابنه أراد أن يزيل عن سره محبة غيره ، ويثبت في قلبه محبته ؛ ~~لأن وجود محبة الله في قلب إبراهيم مع رحمة الولد محال ، فنظر إلى أقرب ~~الأشياء إلى قلبه ، ووجد ابنه أقرب ، فأمر بذبحه ، وليس المبتغى منه تحصيل ~~الذبح ، إنما هو إخلاء السر منه ، وترك عادة الطبيعة ، وحينئذ نودي : ( ~~ وفديناه بذبح عظيم ) أي : قد حصلت ما طالبناك به وافيا ، وحصل ms1310 لنا ~~منك ما أردناه ، ولما وجد الذبيح رؤية المبلى في البلاء ومشاهدته ولذة ~~وصاله وجد نفسه في موقع البلاء على محل حلاوة شهود جمال الحق إياه مستلذة ~~ببلائه حين شاهدته بوصف الاستئناس به بنعت سقوط الآلام عنها ، فسلمها إلى ~~مولاها بوصف الرضا والتسليم ، وأخبر عن كمال استقامة حاله في الصبر والرضا ~~، وذلك قوله : ( يا أبت افعل ما تؤمر )، صفا حاله في سكر وصال ~~الحق ، فاجترأ على استقبال البلاء ، وأسقط التجلد عن صفة وجوده ، استعان ~~بالله في الصبر في بلائه حيث استثنى بقوله : ( إن شاء الله من ~~الصابرين ) # قال أبو سعيد الخراز : أسرع الإجابة بقوله : ( افعل ما تؤمر )؛ ~~لأنه قد أخلاهما من علم ما يراد بهما ؛ كيلا يعرجا على رؤية السلامة ، ~~فيزول معنى البلاء ، ومن يقع موضع الخصوص لا يتقرب بالصبر على حقيقة ~~موجودة. # قال رويم : ( افعل ما تؤمر )، يقبح الخليل مخالفة خليله أو ~~التقصير في أمره ، وهلاك الولد وذهابه أهون من مخالفة من اتخذك خليلا. # وقال بعضهم : ( افعل ما تؤمر )، فإني قد شاهدت من قلبي رشدي ~~وجوارحي كلها راضية بما أمرت به. # ( فلما أسلما وتله للجبين (103) وناديناه أن يا إبراهيم (104) ~~قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين (105)) # قوله تعالى : ( فلما أسلما وتله للجبين ): لما استوى سرهما في ~~كمال التسليم صرعه في مذبح العشاق الذين قتلوا بسيوف المحبة حتى استوفيا ~~حظوظ العبودية في دعواهما من شهود أنوار الربوبية. # قال جعفر : أخرج إبراهيم من قلبه محبة ابنه إسماعيل ، وأخرج إسماعيل من ~~قلبه محبة الحياة. PageV03P179 # ( إن هذا لهو البلاء المبين (106)) # قوله تعالى : ( إن هذا لهو البلاء المبين ): أخبر سبحانه أن هذا ~~بلاء ظاهر أي : هذا بلاء في الظاهر ، ولكن لا يكون في الباطن بلاء ؛ لأنه ~~في الحقيقة بلوغ منازل المشاهدات ، وشهود لأسرار حقائق المكاشفات ، وهذه من ~~عظائم القربات ، وأصل البلاء ما يحجبك عن مشاهدة الحق لحظة ، ولم يقع هذا ~~البلاء بين الله وبين قلوب المصطادين بشبكات محبة القدم قط ؛ فإن قلوبهم ~~تحت غواشي أنوار سبحات وجهه فانية ، وكيف يقع عليها البلاء وهي تفنى ms1311 في ~~جمال الحق؟! إن كنت تريد بلاءهم فإنه تعالى بلاؤهم ، وذلك البلاء لا ينقطع ~~عنهم أبدا ، ويمنع هذا البلاء جميع البلاء عنهم. # قال الجريري : البلاء على ثلاثة أوجه : على المخالفين نقم وعقوبات ، وعلى ~~السابقين تمحيص وكفارات ، وعلى الأولياء والصديقين نوع من الإخبات. # قال الحسين : البلاء من الله ، والعافية من الله ، والأمر عز الله ، ~~والنهي إذلاله. # ( وفديناه بذبح عظيم (107) وتركنا عليه في الآخرين (108) سلام ~~على إبراهيم (109)) # قوله تعالى : ( وفديناه بذبح عظيم ): سمى الحق الذبح عظيما ، ~~وفي ذلك إشارة لطيفة ، وهو أن العاشق الصادق أراد كل وقت أن يذبح نفسه ~~لمعشوقه ، وإذا كان المعشوق صادقا في عشق عاشقه يمنعه عن ذبح نفسه عنده ، ~~بل يذبح نفسه لعاشقه ، فلما قدس ساحة جلال الكبرياء عن علة الحدثان فداه له ~~مكان نفسه الذبح ؛ إعلاما لكمال محبته له ، ولذلك سماه عظيما ؛ لأنه صدر من ~~العظيم لعظيم محبته وعشقه لعشاقه وأخلائه وأحبائه. # قال بعضهم : عظيم محلها عند الله ؛ لأنه قتل عليها نبي ابن نبي ، وأحيا ~~عليها نبي ابن نبي ، كذلك ذكر في التفسير أنها كانت الشاة التي تقبل من أحد ~~ابني آدم فرتع في الجنة إلى زمان إبراهيم ، ففدى به ابنه إسماعيل. # ( كذلك نجزي المحسنين (110) إنه من عبادنا المؤمنين (111) ~~وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين (112) وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ~~ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين (113) ولقد مننا على موسى وهارون (114) ~~ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم (115) ونصرناهم فكانوا هم الغالبين ~~(116) وآتيناهما الكتاب المستبين (117) وهديناهما الصراط المستقيم (118) ~~وتركنا عليهما في الآخرين (119) سلام على موسى وهارون (120) إنا كذلك نجزي ~~المحسنين (121) إنهما من عبادنا PageV03P180 # المؤمنين (122) وإن إلياس لمن المرسلين (123) إذ قال لقومه ألا ~~تتقون (124) أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين (125) الله ربكم ورب آبائكم ~~الأولين (126) فكذبوه فإنهم لمحضرون (127) إلا عباد الله المخلصين (128) ~~وتركنا عليه في الآخرين (129) سلام على إل ياسين (130) إنا كذلك نجزي ~~المحسنين (131) إنه من عبادنا المؤمنين (132) وإن لوطا لمن المرسلين (133) ~~إذ نجيناه وأهله أجمعين (134) إلا عجوزا في الغابرين (135) ثم دمرنا ~~الآخرين (136) وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (137) وبالليل أفلا تعقلون (138) ~~وإن يونس لمن ms1312 المرسلين (139) إذ أبق إلى الفلك المشحون (140) فساهم فكان من ~~المدحضين (141)) # قوله تعالى : ( كذلك نجزي المحسنين ): أخبر سبحانه عن سر ما ~~ذكرت أي : كما جزينا إحسانك ببذل وجودك وقتل ابنك وذبحه لكشف مشاهدتنا لكما ~~، ( كذلك نجزي ): نفدي مشاهدتنا لكل قتيل محبتي بسيوف شوقي إلى جمالي. # قال الكتابي : بين العبد وبين الله ألف مقام من نور وظلمة ، وإنما كان ~~اجتهادهم في قطع الظلمة حتى وصلوا إلى النور ، فلم يكن لهم رجوع ، وذلك ~~جزاء المحسنين. # ( فالتقمه الحوت وهو مليم (142) فلو لا أنه كان من المسبحين ~~(143) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (144) فنبذناه بالعراء وهو سقيم (145) ~~وأنبتنا عليه شجرة من يقطين (146) وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون (147) ~~فآمنوا فمتعناهم إلى حين (148) فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون (149) أم ~~خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون (150) ألا إنهم من إفكهم ليقولون (151) ~~ولد الله وإنهم لكاذبون (152) أصطفى البنات على البنين (153) ما لكم كيف ~~تحكمون (154) أفلا تذكرون (155) أم لكم سلطان مبين (156) فأتوا بكتابكم إن ~~كنتم صادقين (157) وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم ~~لمحضرون (158) سبحان الله عما يصفون (159) إلا عباد الله المخلصين (160) ~~فإنكم وما تعبدون (161) ما أنتم عليه بفاتنين (162) إلا من هو صال الجحيم ~~(163)) PageV03P181 # قوله تعالى : ( فالتقمه الحوت وهو مليم ) (1): كان يونس ~~عليه السلام من أهل التوحيد والمعرفة والعشق ، وكان يسبح في بحار الألوهية ~~والربوبية ، ويجد منها جواهر الأزليات والأبديات ولآلئ أسرار المعارف ~~والكواشف ، فبلغ قعر عين الأولية والآخرية ، وصار متلاشيا في لجج بحار ~~الذات ، وخارجا بنعوت الاتحاد من لجج الصفات ، وكاد يدعي ما يدعي أهل السكر ~~في الأنائية ، فالتقمه حوت قهر غيرة الإلهية ، وهو ملام حيث ما انسلخ من ~~أوصاف الحدوثية ، وكاد يبقى في بطن حوت القهر ، فأغاثه عرفان بقاء الحق بعد ~~عرفانه بفنائه فيه ، ونجاه من طوفان قهر الأزل ، ولم يبق في الحيرة والغيرة ~~بقوله : ( فلو لا أنه كان من المسبحين (143) للبث في بطنه إلى يوم ~~يبعثون ) (144) أي : فلولا كان من العارفين بقدم الأزل وتنزيه الأبد للبث ~~في حجاب الغيرة ، وفيه حقيقة شطح العارفين أنه كان ms1313 عليه السلام في حجال ~~الخلوة في بطن الحوت ، وهي كانت له معاريج مشاهدة القدم أي : لولا أنه كان ~~من الأنبياء والمتمكنين من أهل القدوة والأسوة لبقي في مشاهدة القدم إلى ~~يوم البعث ، إلى محشر مساقط تجلي الجلال والجمال التي قال سبحانه : ( ~~ وأشرقت الأرض بنور ربها )، ولكن كان رحمة البلاد والعباد ؛ ~~ليعرفهم منازل الأبرار والأتقياء ومقام العبودية والربوبية. # وقال سهل : من المسبحين من القائمين بحقوق الله قبل البلاء. # قال ابن عطاء : من العارفين بنا المتعرفين إلينا قبل وقوع ما وقع. # ( وما منا إلا له مقام معلوم (164)) # قوله تعالى : ( وما منا إلا له مقام معلوم ): أهل البدايات في ~~مقام الطاعات والأوساط في المقامات ، مثل التوكل والرضا والتسليم ، ~~والمحبون في مقام الحالات والمواجيد ، وأهل المعرفة في مقام المعارف ينقلون ~~في المشاهدة من مقام إلى مقام ، ولا يبقى المقام للموحدين ؛ فإنهم مستغرقون ~~في بحار الذات والصفات ، وليس لهم مقام معلوم ؛ لأن هناك لم يكن لهم وقوف ؛ ~~حيث أفناهم قهر الجلال والجمال والعظمة والكبرياء عن كل ما وجدوا من الحق ، ~~فبقوا في الفناء إلى الأبد. # قال ابن عطاء : لك مقام المشاهدة ، ولهم مقام الخدمة. PageV03P182 # وقال جعفر : الخلق مع الله على مقامات شتى ، من تجاوز حده هلك ، ~~فللأنبياء مقام المشاهدة ، وللرسل مقام العيان ، وللملائكة مقام الهيبة ، ~~وللمؤمنين مقام الدنو والخدمة ، وللعصاة مقام التوبة ، وللكفار مقام الطرد ~~والغفلة واللعنة. # قال الحسين : المريدون في المقامات يجولون من مقام ، والمرادون جازوا ~~المقامات إلى رب المقامات. # وقال الجنيد : المقامات معلومة كما ذكره الله تعالى ، وأرباب الحقائق ~~يأنفون من المعلومات والمرسومات ؛ لأنهم في قبضة الحق وأمره. # ( وإنا لنحن الصافون (165) وإنا لنحن المسبحون (166) وإن كانوا ~~ليقولون (167) لو أن عندنا ذكرا من الأولين (168) لكنا عباد الله المخلصين ~~(169) فكفروا به فسوف يعلمون (170)) # قوله تعالى : ( وإنا لنحن الصافون (165) وإنا لنحن المسبحون ) ~~(166): لما كانوا من أهل المقامات المعلومات افتخروا بمقاماتهم في ~~العبودية من الصلاة والتسبيح ، ولو كانوا من أهل الحقائق في المعرفة لفنوا ~~عن ملاحظة طاعاتهم من استيلاء أنوار مشاهدة الحق والاستغراق في بحار منن ~~الألوهية. ms1314 # قال بعضهم : لذلك قطعت بهم مقاماتهم عن ملاحظة المنة حتى قالوا بالتفخيم ~~: إنا لنحن وإنا لنحن ، فلما أظهروا وسرائرهم عارضوا إظهار أفعال الربوبية ~~بالمعارضة حتى قالوا : ( أتجعل فيها من يفسد فيها. ) # ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) إنهم لهم المنصورون ~~(172) وإن جندنا لهم الغالبون (173) فتول عنهم حتى حين (174) وأبصرهم فسوف ~~يبصرون (175) أفبعذابنا يستعجلون (176) فإذا نزل بساحتهم فساء صباح ~~المنذرين (177) وتول عنهم حتى حين (178) وأبصر فسوف يبصرون (179) سبحان ربك ~~رب العزة عما يصفون (180) وسلام على المرسلين (181) والحمد لله رب العالمين ~~(182)) # قوله تعالى : ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ): سبقت لهم ~~كلمة الحسنى باصطفائية الله في الأزل بالولاية والنبوة والرسالة بغير علة ~~الاكتساب ونقائص الحدوثية ، أخبر عن محض مننه الأزلية عليهم ، ونفى عنهم ~~الانقطاع عنه من جهة تغاير الامتحان أنهم مؤيدون بوصف الظفر بالبقية على ~~مرادهم بكل ما أرادوا له ، أنزل عليهم جنود أنوار تجلي ظهور جلاله في ~~قلوبهم ، تقدست سرائرهم عن كل غالب من الشهوات وعلل النفسيات. PageV03P183 # قال سهل : جنوده ترد على الأسرار ، وترد على الظواهر ، وجنده في السرائر ~~صحة عقد الإيمان في القلب وشرحه به ، وما يتولد فيه من صحة إيمانه والتوكل ~~وما يريد فيه بتوكله ومحبة الله تعالى ، فإذا نزلت المحبة في القلب وسكنت ~~فيه طهرها من كل ما سواه ؛ فإن المحبة لا يسكن معها ما يضادها ، وجنوده في ~~الظواهر هو أن يوفقه بالقيام إلى العبادات والأوامر على حدود السنن والتبرؤ ~~من الحول والقوة لما يتقن من حسن قيام الله لعبده بالكفاية في كل أسبابه ، ~~ثم أنه سبحانه لما وصف صنائع لطفه بأنبيائه وأوليائه نزه نفسه أن يلحق به ~~وبتنزيه جلاله علل كل حادث ووصف كل واصف وحمد كل حامد ؛ حيث قام حمده ~~وتنزيهه مقام أداء حقوق ربوبيته على أهل العبودية بقوله تعالى : ( ~~سبحان ربك رب العزة عما يصفون ) (180)، ضاق صدر سيد المرسلين عن مقالة أهل ~~الزور والبهتان من الكفرة في حق جلاله ، فواسى الله قلبه بقوله : ( ~~سبحان ربك ) شرفه مخاطبة المواجهة وإضافة تربيته إليه ، ثم وصف نفسه بالعزة ~~المنيعة من ms1315 كل إشارة إليه ، ثم أظهر مننه على أهل عرفانه من الأنبياء ~~والمرسلين والأولياء والصديقين بسلامه عليهم بقوله : ( وسلام على ~~المرسلين ) (181)، وحمد نفسه بما وهب لهم من سنيات القربة وحقائق المشاهدة ~~والمكاشفة بقوله : ( والحمد لله رب العالمين ) (182)؛ حيث لا يقوم ~~حمد الحامدين مقام حمده له. ### | سورة ص # بسم الله الرحمن الرحيم # ( ص والقرآن ذي الذكر (1) بل الذين كفروا في عزة وشقاق (2) كم ~~أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص (3) وعجبوا أن جاءهم منذر ~~منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب (4) أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء ~~عجاب (5) وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ~~(6) ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق (7)) # ( ص ): هذا الحرف من كنوز إشارات الحق إلى حبيبه عليه الصلاة ~~والسلام ؛ حيث صادف بنعت الوصال الذي يفنى عنه بصولة صدمات الأزلية عند ~~كشوف قهر القدم صفات الحدثية ، حتى صار صدق جواهر أسرار الربوبية في بحار ~~الذات والصفات ، واصطاده الحق بزمام محبته من صحاري البريات ، وصفاه بصفاء ~~عن كدورات الكون ، فكان صفوا من بحر النبوة ، صاحبا في مشاهدة البقاء بنعت ~~صدق العشق في رؤية أنوار الكبرياء ، ما صدق عن PageV03P184 # مشاهدة جمال الحق إلى الأكوان حين عارضه صواعق الامتحان ، فخرج منها بوصف ~~الصدق في المحبة ، وصفو الصحو في المعرفة ، حين أسكر الحق صفوة أرواح ~~الصادقين بشربات بحر وصله ووصفه ، أخبر بحرف صاد من صفاوة قلوب العارفين ، ~~وصدق حقائق محبة المحبين ، وتلهب نيران صدور العاشقين ، وصبابة أسرار ~~الوالهين ، وصفوف أهل الاستقامة في مقام مشاهدة القدم ، حين وازنوا بنعت ~~الفناء جلال البقاء ، وإشارة التوحيد فيه أنه كان بجلاله وعظمته في قدم ~~القدم ، وأزل الأزل بحار الصمدية صافية عن غبار الحدثان ، فأشار به عنه ، ~~وبان كل مصدر كل الكل ، صدر منه الوجود ؛ إذ كان وجوده منزها عن الاجتماع ~~والاقتران والعلل والانقسام أي : أظهرت لك يا صادق ما كان وما سيكون ، ~~وجعلتك بصيرا ببصري ؛ حتى تطلع على غيبوبة جلال وصالي ، فكنت مصورا بصورة ~~روح الأول ms1316 التي صدرت مني بيعتي. # ثم قال : شطح من مقام السكر رمز حقيقة الاتحاد سيد أهل الصحو ~~صلى الله عليه وسلم بقوله : # «من رآني فقد رأى الحق» (1)، (2) ثم أراد أن يبين للعالمين بحرف الصاد ~~وصف الربوبية ، وحقيقة محبة حبيبه ومنازله الرفيعة في مقام وصاله ، فأقسم ~~بصفاته التي هي مفاتيح كنوز ذاته التي أخبر عنها بحرف الصاد ، فقال : ( ~~ والقرآن ) أي : أنت بالوصف الذي وصفتك بحق صفاتي ( والقرآن ~~)، ثم وصف القرآن بأنه تجلى به من نفسه فيه لقلوب العارفين ، فيورث منه ~~أسرارهم أنوار ذكره ؛ إذ هو ذكر القدم بذكر جميع الصفات ، والذات فؤاد ~~المقربين وأرواح الشائقين ، وهذا قوله : ( ذي الذكر ) (1) يتذكر به ~~العقول الراسخة معتبرات لطائف حقائق الربوبية التي برقت أنوارها في صنائع ~~ملكه ، وملكوته ومقدورات قدرته ، ويدرك بنور قلوب الصادقين أنوار مشاهدته ~~حين خاطبهم به أي : بك وبالقرآن إن المحجوبين عن هذه الشواهد في عزة وظلمة ~~عن معرفتك ، وفي خلاف عن إدراك شرفك وفضلك وفضل أمتك بقوله : ( بل ~~الذين كفروا في عزة وشقاق )، لا يخرجون من مضيق غفلتهم إلى فضاء المعرفة ؛ ~~لأنهم طردوا بسوط قهر الأزل عن جناب القدم ، ما وهب لهم استعداد قبول نور ~~المعرفة ، فبقوا إلى الأبد في شر النفاق وظلمة الشقاق. # قال ابن عطاء : في معنى الصاد قسم صفاء قلوب العارفين ، وما أودعت فيها من PageV03P185 # لطائف الحكمة ، وشريف الذكر ونور المعرفة. # قال الأستاذ : صاد مفتاح اسمه الصادق ، والصبور ، والصمد ، والصانع أقسم ~~بهذه الأسماء ( والقرآن. ) # وقال ابن عباس : صاد كان بحرا بمكة ، وكان عليه عرش الرحمن ؛ إذ لا ليل ~~ولا نهار. # وقيل في صاد : أن معناه صاد محمل قلوب الخلق وأسمائها حتى آمنوا به. # وقال بعض المشايخ في قوله : ( والقرآن ذي الذكر ) أي : ذي البيان ~~الشافي والاعتبار ، والموعظة البليغة وقال الجنيد : ذي الموعظة البليغة ، ~~والنور الشافي وقيل : ( في عزة وشقاق ) أي : في غفلة وإعراض عما ~~يراد بهم ، وذلك منهم قريب قوله : ( أن امشوا واصبروا على آلهتكم ) ~~، وصف الله سبحانه ضعف قلوب الكافرين عن حمل وارد أنوار ربوبيته حين هجمها ~~صولات ms1317 العظمة ، فانهزموا عن سطوات عزته ، ورجوعهم إلى المحدثات أي : اصبروا ~~على مشاهدة أمثالكم ؛ حتى لا تجذب قلوبكم أنوار سلطانه المحيطة لوجودكم ~~جميعا ؛ كيلا تحترقوا فيها ، وأيضا اصبروا على آلهتكم حين دفعكم عن شهودها ~~قهر جبروت الأزل التي تصدر من كل ذرة من العرش إلى الثرى ، فإن الصبر مع ~~الحدث ممكن ومع القدم لا يمكن ، وهذا دأب ضعفاء المريدين في مشاهدة جلال ~~الحق يفرون منه من عظم سطوات قدوسيته إلى مقامات العبودية ، وهذا من غلبة ~~شفقتهم على نفوسهم ؛ حتى لا يفنوا في أنوار الكبرياء ، ويشتغلون منه ~~بالوسائط مثل رؤية المستحسنات من الكونين ، وهذا علة طارئة على الجمهور من ~~السالكين. # قال بعضهم : هذا توبيخ لمن ترك الصبر من المؤمنين على دينهم. # ( أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا ~~عذاب (8) أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب (9) أم لهم ملك السماوات ~~والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب (10) جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب ~~(11) كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد (12) وثمود وقوم لوط ~~وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب (13) إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب (14) وما ~~ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق (15) وقالوا ربنا عجل لنا قطنا ~~قبل يوم الحساب (16)) # قوله تعالى : ( أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري ~~): كانوا منطمسة العيون عما ألبسه الحق من أنوار ربوبيته وسنا جلاله ~~وجماله ، لم يروه إلا بالصورة الإنسانية التي هي ميراث آدم من ظاهر الخلقة ~~، فهذا كقوله : ( ينظرون إليك )، وهم لا ينظرون ، PageV03P186 # استبعدوا اصطفائية حبيبه بالوحي ، ولم يعرفوه بأنه أثر الله في العالم ، ~~ومشكاة تجليه حتى قالوا مثل ما قالوا : ( عجبوا أن جاءهم منذر منهم ~~)، رأوه ونفوسهم خالية عن مشاهدة الغيوب ، وإدراك نور صفات الحق ، فقاسوا ~~نفس محمد صلى الله عليه وسلم بأنفسهم ، ولم يعلموا أنه كان نفس النفوس ، وروح ~~الأرواح وأصل الخليقة ، وباكورة من بساتين الربوبية ، يا ليت لهم لو رأوه ~~في مشاهد الملكوت ، ومناصب الجبروت أن خاطبه الحق ب ms1318 (لولاك لما خلقت ~~الأفلاك). # قال بعضهم : في قوله : ( عجبوا أن جاءهم منذر منهم ): لما ~~أكرمناهم به من أشرف الرسل ، فلم يعرفوا حقه ، ولم يشاهدوا ما خصوا به من ~~فنون المباركات والكرامات. # ( اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب (17)) # قوله تعالى : ( اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ): كان ~~خاطر النبي صلى الله عليه وسلم أرق من ماء السماء بل ألطف من نور العرش ~~والكرسي من كثرة ما ورد عليه نور الحق ، فكان ملطفا بنور نوره ، س مرفقا ~~بلذائذ محبته وشوقه ، لا يحتمل زحمة مقالة المنكرين ، وهذا من كمال جلاله ~~في المعرفة ، لا أنه لم يكن صابرا في مقام العبودية ، بل كان جليس الحق ~~وأهل ملكوته ، وسرادق مجده كيف يسمع سخرية المستهزئين على دينه وشريعته! ~~فمع ذلك أمره الحق بالصبر على ما قالوا ، وأعلمه بأن ذلك امتحان من ولاية ~~القهر ، والواجب على العاشق الصادق أن يستقيم في مشاهدة القهر كما يستقيم ~~في مشاهدة اللطف ، وأصل الصبر التلبس بنعت صبر الأزل حتى يمكن احتمال أثقال ~~امتحانه به ، وإلا كيف يحمل الحدث وارد القدم وأمره له بالاتصاف به! ومع ~~ذلك ذكره شأن داود عليه الصلاة والسلام في صبره على ما قالوا فيه حين عشق ~~بعروس من عرائسه حين تجلى الحق منها له ، فإنه كان عاشق الحق ، وكان في ~~مبادئ عشقه ، فسلاه بواسطة من وسائطه حتى لا يفنى فيه به ، ثم زاد في وصفه ~~حين قوى في المحبة بالقوة الملكوتية بقوله : ( ذا الأيد ): واهب ~~نفسه له حامل أثقال قهره به راجع من الوسيلة إلى الأصل بقوله : ( ~~إنه أواب ): رجع إلى الحق بنعت الندم على ما سلف من أيامه في الفترة من ~~عين القدم بغيره من أهل العدم ، وإن كان طريقا منه إليه ، أي : كن يا محمد ~~كداود في بلائي ، فأنا بلاء الأنبياء والمرسلين والعرفاء والصديقين. # وقال شاه الكرماني : الصبر ثلاثة أشياء : ترك الشكوى ، وصدق الرضا ، ~~وقبول القضاء بحلاوة القلب. # وقال بعضهم : هو الفناء في البلاء بلا ظهور اشتكاء. PageV03P187 # قال بعضهم ms1319 : ( ذا الأيد ) ذا الصبر في أمر دينه (1). # ( إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق (18) والطير ~~محشورة كل له أواب (19)) # قوله تعالى : ( إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق ): ~~هذا التسخير وقوع نور الفعل معها ، ومباشرة أنوار الصفات فيها بواسطة الفعل ~~، فيظهر روح الفعل فيها ، فتقبل فيض الصفة من الصفة ، فصارت خاضعة متخشعة ~~في نور عظمته تعالى ، فلما وصل إليها ألحان داود من حيث روحه العاشقة ترنمت ~~بألحان العشق من أغصان ورد الجمال والجلال ، فتحركت من لذة سماع صوت داود ~~وتسبيحه وتنزيهه ، فوافقت داود في الذكر والتسبيح ، وكذلك الطيور إذا سمعت ~~أصوات الوصلة منه صفرت بصفير التنزيه وتقديس من وجدان حلاوة وجد داود ~~وإدراك روح الملكوت ؛ لأنهن مقدسات خلقن مستعدات لقبول أنوار فعل الخاص ~~وأشكال الروحانيات ، وفيهن خويصات لهن عشق ومعرفة كالهدهد والبلبل ~~والعندليب والقمري والحمامة ومالك الحزين ، وكان صلى الله عليه وسلم يعرف ~~أصواتهن وتسبيحهن من حيث المحبة والعشق ، ألا ترى كيف أنشد : # رب ورقاء هتوف بالضحى %~% ذات شجو صرخت في فتن فبكائي ربما أرقها %~% وبكاءها ربما أرقني هي أن تشكو فما تشكو فما أفهم %~% وإذا أشكو فما تفهمني غير أني بالجوى أعرفها %~% وهي أيضا بالجوى تعرفني # وخاصية العشي والإشراق أن فيهما زيادة ظهور أنوار قدرته القديمة وآثار ~~بركة عظمته العظيمة ، وأن وقت الضحى وقت صحو أهل السكر من خمار شهود ~~المقامات المحمودة ، وأن العشي وقت إقبال المقبلين إلى مشاهد المناجاة ~~وإدراك أنوار المشاهدات واستماع طيب الخطابات. # قال محمد بن علي الترمذي : لما أخلص هو في تسبيحه لربه جعل الله الجماد ~~يوافقه في تسبيحه ويعينه على عبادته. # قال ابن عباس : كان يفهم تسبيح الحجر والشجر بالعشي والإشراق. # وقال الأستاذ : كان يفهم تسبيح الجبال على وجه تخصيصه به ؛ كرامة له ~~ومعجزة ، PageV03P188 # وكذلك الطير كانت تجتمع إليه ، فتسبح لله ، وداود كان يعرف تسبيح الطير ، ~~وكل من تحقق بحاله ساعده كل شيء. # ( وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب (20) وهل أتاك نبأ ~~الخصم إذ تسوروا المحراب (21) إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا ms1320 تخف ~~خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء ~~الصراط (22) إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها ~~وعزني في الخطاب (23)) # قوله تعالى : ( وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة ) ملكه : معرفته ~~بالله وما وصل إليه من الله من النبوة والولاية والمحبة أي : قويناه ~~بتأييدنا في مقام المشاهدة حتى احتمل بنا حمل واردات سطوات عظمتنا ، ~~والحكمة ههنا الفهم على مواقع معاني إلهام الخاص ولطائف الوحي والمعرفة على ~~بطون حقائق فعل الحق والعلم بأحكام العبودية وآثار الربوبية ، ( ~~وفصل الخطاب ) (20) فصاحة اللسان وشرح هذه المقامات به بأحسن البيان حيث لا ~~اعوجاج فيه ولا لكنة فيه ، أدى به مراد الخطاب على وفق مراد الله وأيضا : ~~شددنا ملكه أي : # ملكته على نفسه بالعدل والإنصاف ومعرفته بها وشرح دقائق أفعالها. # قال بعضهم : شددنا ملكه بالعدل. # وقال سهل : آتيناه الحكمة أي : أعطيناه علما بنفسه ، وألهمناه مواعظ أمته ~~ونصيحتهم. # قال ابن عطاء : العلم والفهم. # قال أيضا : العلم بنا والفهم عنا. # قال جعفر : صدق القول ، وصحة العقل ، والثبات في الأمور. # وقال ابن طاهر : مخالطة الأبرار ومجانبة الأشرار. # وقال بعضهم : شددنا ملكه بالعصمة فيه وقلة الاعتماد عليه. # وقيل : آتيناه الحكمة النطق بالصدق وقول الحق. # ( قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ~~ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود ~~أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب (24) فغفرنا له ذلك وإن له عندنا ~~لزلفى وحسن مآب (25)) # قوله تعالى : ( وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب ~~): هذه القصة PageV03P189 # تسلية لقلب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ حيث أوقع الله في قلبه محبة ~~زينب ، فضاق صدره ، فقال سبحانه : ( سنة من قد أرسلنا قبلك من ~~رسلنا ) [الإسراء : 77] ، ففرح بذلك ، وزاد له محبة الله والشوق إلى لقائه ~~، فافهم أيها الممتحن بالمحبة ؛ إن الله سبحانه خلق قلوب عشاق الأنبياء ~~والأولياء من آثار تجلي جماله وجلاله ومحبته وشوقه وعشقه وبهائه ولطفه ، ~~وأوقعها في بحار نور نوره ، وغسلها بمياه ms1321 التنزيه والتقديس ، ثم كاشف بها ~~عين الألوهية حتى غرقت فيها وانهزمت من سطوات أنوار كبرياء قدمه إلى أكناف ~~أنوار فعله ، فعلم الحق ضعفها عن حمل وارد شهود جلال كبريائه ، فتلطف عليها ~~، وأراها في أنوار أفعاله وآياته جمال ذاته وصفاته حتى سكنت بها وبقيت بعد ~~فنائها فيه ، فمنها واقعة آدم بحواء والحنطة ، وإبراهيم بالشمس والقمر ~~والكواكب وحسن سارة ، وموسى بالجبل والشجرة ، ويوسف بزليخا ، ويعقوب بيوسف ~~، وداود بامرأة أوريا ، وسليمان ببلقيس ، ومحمد صلى الله عليه وسلم بزينب ، ~~والمراد من ذلك أن جذبهم بنور حسن فعله إلى مشاهدة جمال قدمه ، فرباهم ~~بمقام التباس في العشق في أول المعرفة حتى وصلوا إليه بوسائط حسن فعله بعد ~~أن تجلى بنفسه منه لهم ، فيا محب انظر إلى مقام الاتحاد ؛ فإن الكل هو لا ~~غير في البين ، ألا ترى كيف خاطب موسى من الشجرة وتجلى له منها مرة ، ثم ~~تجلى له من الجبل مرة ، ثم تجلى له من العصا مرة بنعت العظمة حيث صارت ~~حية؟! وتلك بروز أنوار قهر عظمته ، رأى داود ذلك بصورة الطير في الخلوة ، ~~ومن في البين إبليس كان تلبيسا من حيث الالتباس ، ثم رأى ذلك في صورة امرأة ~~حسناء ، وأين الصور والعلل ، بل هناك حيل ومكر وقع نظره على جمال الأزل ، ~~فظن أن ذلك حاصل له ، فلما وصل إليها غاب ذلك عنه ، فعلم أنه ممتحن ، فرجع ~~من الفعل إلى الفاعل بنعت الخجل والحياء ، ومن مقام التفرقة إلى مقام الجمع ~~، ومن مقام الالتباس إلى مقام التوحيد ، قال سبحانه في وصف حاله في قصة ~~دخول ملكين إليه بقوله : ( وظن داود أنما فتناه فاستغفر ): استغفر ~~من مقام الالتباس ، كما استغفر موسى حيث قال : ( تبت إليك ) ~~[الأعراف : 143] ، وكما استغفر آدم بقوله : ( ربنا ظلمنا ) ~~[الأعراف : 230] ، وكقول إبراهيم : ( إني بريء مما تشركون ) ~~[الأنعام : 78] ، وكما من على صفي المملكة وعندليب ورد بساتين المشاهدة ~~محمد صلى الله عليه وسلم بقوله : ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر ) [الفتح : 2] ، ثم تضرع بنعت الفناء في البكاء في مقام الإنابة ، وفر ~~منه ms1322 إليه بعد أن احتجب منه به (1). PageV03P190 # قال أبو عثمان : أيقن داود بأوائل البلاء فالتجأ إلى التضرع. # قال أبو سعيد الخراز : زلات الأنبياء في الظاهر زلات وفي الحقيقة كرامات ~~وزلفى ، ألا ترى إلى قصة داود حين أحس بأوائل أمره كيف استغفر وتضرع؟! ~~فأخبر الله عنه بما ناله في حال ظنه من الزلفى. # وقال : ظن داود أنما فتناه فتضرع ورجع ، فكان له بذلك عندنا لزلفى وحسن مآب. # صدق الشيخ أبو سعيد الخراز فيما قال أن بلاء الأنبياء والأولياء لا ينقص ~~اصطفائيتهم بل يزيد شرفهم على شرفهم بقوله سبحانه : ( فغفرنا له ~~ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب )، زلته كانت التفاته من الذات إلى الصفة ~~ومن الصفة إلى الفعل ، فإذا رجع إلى أوائل الحقائق في التوحيد وإفراد القدم ~~عن الحدوث ستر مقام البلاء عنه بعد ذلك ، حتى لم يطق الرجوع من النهاية إلى ~~البداية ، ومعنى قوله : ( وإن له عندنا لزلفى )، زاد زلفته حيث ~~أوقعه في بحار الديمومية والأزلية والأبدية ، وفي كل لمحة كان له استغراق ، ~~وحسن المآب له بأن آواه الحق إليه منه ، ووقاه من قهره ، حتى كان لا يجري ~~عليه بعد ذلك أحكام الامتحان. # ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا ~~تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد ~~بما نسوا يوم الحساب (26) وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن ~~الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار (27)) # قوله تعالى : ( يا داود إنا جعلناك خليفة ): لما خرج من امتحان ~~الحق وبلاياه كساه خلعة الربوبية وألبسه لباس العزة والسلطنة ، كآدم خرج من ~~البلاء وحبس في الأرض على بساط ملك الخلافة ، وذلك بعد كونهما متخلقين بخلق ~~الرحمن مصورين ، بصورة الروح الأعظم ، فإذا تمكن داود في العشق والمحبة ~~والنبوة والرسالة والتخلق صار أمره أمر الحق ونهيه نهي الحق ، بل هو الحق ، ~~ظهر من لباس الملك والملكوت ، كقول سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه حيث ~~قال : «جاء الله من سيناء وأشرف من ساعير ms1323 واستعلى من جبال فاران» (1)، ثم ~~لما وضع الحق معجون سر قهر الأزل في الطبع الإنساني وهو محل الاستدراج الذي ~~يجري عليه أحكام مكر القدم دقق عليه الأمر ، وحذره أن يرى نفسه في البين في ~~إجراء الحكم بين الخليقة ، PageV03P191 # فقال : ( فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ) أي : فاحكم ~~بحكمي حين عاينتني فيك ، واخرج منك ، ولا تتبع الهوى بأن تنظر إليك ، فيضلك ~~ذلك عن رؤيتي وحكم الاتحاد فينطمس عليك سبيل الصواب في ظهور لطائف حكمتي ~~وحقائق أمور ربوبيتي ، فمن احتجب به مني فهو محجوب به عني ، لا يسلك بعد ~~ذلك طرق الحقائق ، فيقع في أليم عذاب الحجاب ، وهذا معنى قوله سبحانه : ( ~~ إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد ) # قال ابن عطاء : جعلتك خليفة في الأرض لتحكم في عبادي بحكمي ، ولا تتبع ~~هواك فيهم ورائك ، وتحكم لهم كحكمك لنفسك ، بل تضيق على نفسك وتوسع عليهم. # ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم ~~نجعل المتقين كالفجار (28) كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر ~~أولوا الألباب (29) ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب (30) إذ عرض ~~عليه بالعشي الصافنات الجياد (31) فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى ~~توارت بالحجاب (32)) # قوله تعالى : ( أم نجعل المتقين كالفجار ): المتقين الذين وقعوا ~~في رؤية أنوار عظمته وكبريائه التي تبرز من مرائي الأكوان ومقدوراته ، ~~فتنزهوا عن كل ما سواه في رؤية جلاله وإجلاله أي : ليس هؤلاء كالذين بقوا ~~في حجاب النفوس ، لا يخرجون من غشاوات الهوى ، ولا يرون أنوار الهدى. # قال ابن عطاء : أم نجعل المقبلين علينا كالمعرضين عنا. # وقوله تعالى : ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ): ذكر النزول في ~~الكتاب شرط رسوم الأمر ، وفي البرهان ظهور نور الصفة له بحكم التجلي ، وفي ~~الحقيقة لا افتراق في صفاته عن عينية الذات ، هو منزه عن التغاير ، ألا ترى ~~إلى قوله : ( مبارك ) أي : منزه عن التفرق بل هو ثابت في أصل ~~الأصول ، ( مبارك ) عليك وعلى أمتك الذين يفهمون حقائقه حيث وقعوا ~~في بحار التدبر والتفكر فيه ، هو ms1324 مرآة الصفة أعطاها عباده ؛ لينظروا فيها ~~بعيون الأهلية له ؛ حتى يبصروا فيها حقائق الأنوار ، ويدركوا منها دقائق ~~الأسرار ، فعم التدبر لعموم العلماء والفهماء ، وخص التذكر لخصوص العقلاء ؛ ~~لأن التدبر للفهم ، والتذكر لوقوع الإجلال وخشية الخاص في قلوب أكابر أهل ~~العلم الذين يرون بعيون الأرواح عرائس الصفات فيه ، وينكشف لهم فيه غوامض ~~علوم الألوهية. PageV03P192 # قال ابن عطاء : ( مبارك ) على من سمعه منك ، فيفهم المراد منه ~~وفيه ، ويحفظ آدابه وشرائعه ، وفيه موعظة لأولي العقول السليمة الراجعة إلى ~~الله في المشكلات. # قال بعضهم : من أصابته بركة القرآن رزق التدبر في آياته ، ومن رزق التدبر ~~في آياته لم يحرم التذكر والاتعاظ به. # قال الله تعالى : ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته. ) # قال بعضهم : ( مبارك ) عليك بإنزاله عليك ، فإنك المخاطب به ، ~~وأنت المبين له ، ( مبارك ) على من يسمعه ، ويتبع أوامره ، و ( ~~ مبارك ) على من يتذكر فيه الأوامر والنواهي والمواعظ ، فيتعظ بما ~~يعظ به الكتاب ، علما بأنه من عند سيده فيفتخر بأنه خاطبه بما خاطبه. # قوله تعالى : ( ووهبنا لداود سليمان ): ذكر منته على عشقه داود ~~بعد جريان حكم القدر في أمر الامتحان الذي أخرج من نفس العشق والمحبة العبد ~~المحمود بثناء الحق عليه بقوله : ( نعم العبد إنه أواب ) (30)، ~~وذلك أنه لما خلعه الحق كسوة الربوبية نظر إلى تلك الكسوة ولم ير منها ~~لنفسه شيئا علم أنها هي الحق ظهر منه للعالمين ، فأحالها إليه بنعت رجوعه ~~إليه فزعا خاشعا صابرا شاكرا مقرا بالعبودية ، هذا وصف من ألبسه الحق لباس ~~القدم ، فرجع منه إليه بنعت التضرع والفزع ؛ حيث قال : «أعوذ برضاك من سخطك ~~، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك» (1)، فر منه إليه بعد ذوق ~~مباشرة الصفة قال : «أنا العبد لا إله إلا الله» (2)؛ لأنه كان عالما ~~بخفيات مكر الأزل ، ليس كمن سكر واغتر بسكره فقال أنا الحق ؛ فإنه من أوائل ~~قطرات جرعة أقداح أفراحه التي امتلأت من أشربة بحار الآزال والآباد ، فوصف ~~الله سليمان بهذا الوصف ؛ لعلمه بمكره القديم. # قال بعضهم : العبودية هي الذبول عند موارد الربوبية ms1325 ، والخمود تحت صفات ~~الألوهية. # وقال الأستاذ : كان أوابا إلى الله ، رجاعا في جميع الأحوال في النعمة ~~بالشكر ، وفي المحنة بالصبر. # ( ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق (33)) # قوله تعالى : ( ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق ): هذا من ~~جملة امتحان PageV03P193 # الله سبحانه عبده سليمان في مقام المعرفة والمحبة ، هو بجلاله وعزته ذوقه ~~طعم عشقه ومحبته ، ثم عرض نفسه بنعت ظهور حسن جمال تجليه ؛ ليزيد عليه شوق ~~جماله ، فرأى ذلك الحسن والجمال قد ظهر من الصافنات الجياد ، فشغلته تلك ~~الرؤية عن حقائق الفردانية وتجرد الوحدانية من الوسائط ، وغاب عنه شمس جمال ~~القدم صرفا ، فأدرك نفسه خاليا عن شهود عين العين ؛ فغار على أحواله فقال : ~~«ردوها علي» ، فلما قدس طرق الوحدانية بمكنسة الغيرة رجعت إليه أنوار ~~الألوهية والفردانية بنعت الكشف وذهاب الحجاب ، فلما مسح الصوافن شكرا ~~لإنعامه وغيرة على سلطانه سخر الله له الريح التي جناحاها بالمشرق والمغرب. # قال أبو سعيد القرشي : من غار لله وتحرك له فإن الله يشكر له ذلك ، ألا ~~ترى سليمان لما شغله الأفراس عن الصلاة حتى توارت الشمس بالحجاب قال : ~~«ردوها علي» ، فطفق مسحا بالسوق والأعناق ، قيل : إنه كان عشرون ألف فرس ~~منقش ذوات أجنحة أخرجته الشياطين من البحر فشكر الله له صنيعه ، فسخرنا له ~~الريح ، وأبدله مركبا أهنأ منها وأنعم. # وقال ابن عطاء : شكر الله صنيعه وأبدله فرسا لا يحتاج إلى رائض ولا إلى ~~علف ولا يبول ولا يروث. # ( ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب (34) قال رب ~~اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب (35)) # قوله تعالى : ( ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب ~~) (34): هذه الفتنة أيضا فتنة العشق ، التي ظهرت له من محبته بنت الملك ، ~~وهكذا كل فتنة لو تراها بالحقيقة ما ولدت إلا من العشق ، شغف في محبتها ~~بحسنها وجمالها ، فغار عليه الحق ، وأسقطه من منازل الملك حتى غربه في ~~القفار والبوادي ، وأنساه ذكرها غيرة عليه حتى لا يبقى في قلبه غيره ، ~~وأجلس مكانه في الملك ms1326 صخرا حتى أفسد في الأرض ، فتلطف عليه الحق ، وأرجعه ~~إلى مكانه ومكانته ، فسأل الحق تمكينه في الملك والمملكة ، ( قال ~~رب اغفر لي وهب لي ملكا )، سأل المغفرة فيما قصر في واجب المعرفة وحقيقتها ~~التي يوجب انفراد القلب عن غير جمال الحق من العرش إلى الثرى ، ثم سأل ملك ~~تمكينه في ذلك المقام ، وسأل ألا يحتجب بالملك عن المالك ، ولا يجري عليه ~~بعد ذلك الامتحان ، ولا يسلط عليه جنود المكر والقهر ؛ حتى لا يحتجب بنفسه ~~عن نفسه ، وقوله : ( لا ينبغي لأحد من بعدي ) ليس هذا من البخل هذا ~~شفقة على المقصرين لو كانوا مبتلين بذلك الملك ؛ ليكونوا محتجبين به عنه ، ~~وأيضا يبلغ السالك في المعرفة والمحبة إلى ألا يطيق أن يرى غير نفسه مقام ~~المشاهدة. # قال ابن عطاء : مكني من مخالفة نفسي حتى لا أوافقها بحال. PageV03P194 # وقال بعضهم : ( وهب لي ملكا ): أي المعرفة بك حتى لا أرى معك ~~غيرك ولا تشغلني كثرة عروض الدنيا عنك. # قال الجنيد : هب لي ملكا ثم رجع ونظر فيما سأل فقال : ( لا ينبغي ~~لأحد من بعدي ) أن يسأل الملك ؛ فإنه يشغل عن المالك (1). # وقال ابن عطاء : سأله ملك الدنيا ؛ لينظر كيف صبره من الدنيا مع القدرة عليها. # وقال ابن دانيار : استغفر ثم سأل الملك أعلم بذلك أن الملك لا يخلو من ~~الفتن ظاهرا وباطنا ، فجعل أول سؤاله الاستغفار. # ( فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب (36) والشياطين كل ~~بناء وغواص (37) وآخرين مقرنين في الأصفاد (38)) # قوله تعالى : ( فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب ) (36) ~~: كان عليه السلام من فرط حبه جمال الحق يحب أن ينظر إلى صنائعه وممالكه ~~ساعة فساعة من المشرق إلى المغرب ؛ حتى يدرك عجائب ملكه وملكوته ، فسخر ~~الله له الريح الرخاء ، وأجراها بمراده حيث أصاب ، وهذا جزاء صبره في ترك ~~حظوظ نفسه ، وفي إشارة الحقيقة سهل له هبوب رياح الشوق والمحبة ، فتسرى ~~بروحه إلى قرب مولاه إذا قصد بسره إليه. # قال محمد بن الفضل : انظر إلى ما أوتي سليمان من الملك الريح التي ms1327 لا ~~حاصل لها ، والشياطين الذين هم أعداؤه ليعلم أن الركون إلى الدنيا ركون إلى ~~ما لا حاصل له ومجاورة الأعداء. # ( هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (39)) # قوله تعالى : ( هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ): فيه ~~إشارة الحقائق أي : ما أعطيتك فهو مقام الاتحاد ، وهو عطاء عظيم جعلتك ~~خليفة لي ، فامنن بمنتي على عبادي ، أو أمسك عنهم بإمساكي ، وهذا كما قال ~~في إشارة عين الجمع إلى سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه بقوله : ( ~~ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) [الأنفال : 17] ، وكما قال ~~سبحانه في بعض الحديث : «فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا» (2)، ~~بين لسليمان PageV03P195 # محل تمكينه في نيابة الحق في ملكه ، وأعلمنا أن من لا يكون بوصف سليمان ~~لم يجز له أن يدخل في سعة الدنيا وذكر المنة ، وجوزه أن يمن على عباده ~~بنعمة الدنيا ؛ إذ كان منته منة الحق صافيا عن حظ نفسه ، لكن ما أمره بمنة ~~المعرفة على عباده ، فليس في معرفة الله لأحد على أحد ؛ فإنها فضل منه على ~~عباده بغير واسطة. # قال ابن عطاء : امنن على من أردت بعطائنا ، وإنا لا نمن عليك بذلك ، ولا ~~نمن عليك إلا بالمعرفة والهداية ، قال الله تعالى : ( بل الله يمن ~~عليكم أن هداكم للإيمان ). # ( وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (40) واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ~~ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب (41) اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ~~(42) ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب (43)) # قوله تعالى ( وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ): ذكر الله سبحانه ~~رتبته ومحله في تمكينه ، أعطاه ملك الدنيا مع ملك الآخرة من المعرفة ~~والمحبة والنبوة بألا مضرة فيه عليه ولا في مقاماته وأحواله الشريفة ، بل ~~كان له مزيدا في حاله ورفعة ، وشرفا في معرفته ، وأخبر من حسن مآبه بأنه ~~تعالى ستره بأنوار قربه حين آواه من قهره بلطفه ورجوعه إلى الحق بحسن ~~التضرع والبكاء والخشوع والحياء في كل لحظة ولمحة. # ( وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه ms1328 صابرا نعم العبد ~~إنه أواب (44) واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار (45)) # قوله تعالى : ( إنا وجدناه صابرا ): افهم يا حبيبي أنه تعالى ~~بوجود جلال قدمه أبلى أهل محبته ، ولا يوازي بلاؤه صبر أهل الحدثان ، بل ~~كان خارجا عن صبر المخلوق والتصبر المكتسب ، ورجع إلى الحق بلا صبر نفسه ، ~~وانخلع من حوله وقوته ، وسأل أن يعطيه الله صبرا يحتمل به بلاء القديم ، ~~فلما رآه الحق خارجا من صبره ألبسه من صبره القديم كسوة ، فاحتمل به بلاءه ~~، فأثنى عليه الحق بعد اتصافه به وانخلاعه من دعوى الأنائية بعد الاتحاد به ~~الذي لو ألقى ذرة على جميع قلوب العارفين يدعون دعوى الأنانية ، فلما لم ~~يؤثر فيه سكر الاتحاد والاتصاف وبقي متمكنا في العبودية واستلذ بحلاوة ~~مشاهدته من قهره كما استلذ بمشاهدته من لطفه ، فقال : ( نعم العبد ~~إنه أواب ) (44) أي : راجع من دعوى الأنانية إلي بنعت العبودية ، ومن لم ~~يحمل بلاءه إلا به كيف يحتمل بلاءه بنفسه. # قال ابن عطاء : واقفا معنا بحسن الأدب لا يؤثر عليه دوام النعم ، ولا ~~يزعجه تواتر البلاء والمحن ؛ لمشاهدته المنعم والمبلي ، ونعم العبد عبد لا ~~يشغله ما لنا عنا. PageV03P196 # وقال أبو الحسين بن زرعان في هذه الآية : إنه يستلذ وجود البلاء مع الله ~~، فاستزاد ابن البلاء ، وذلك قوله : ( مسني الضر )، ظهر على آثار ~~العافية ، فإن العيش في البلاء مع الله عيش الخواص ، وعيش العافية مع الله ~~عيش العوام ، ( مسني الضر )؛ لفقدان عيش الخواص والرجوع إلى عيش ~~العوام. قال الحسين : سهل عليه البلاء. # قوله : ( إنا وجدناه ): فمن كان في وجدانه كان فانيا عن رؤية ~~الأغيار. # قال جعفر بن محمد : لما أظهر الله البلاء بأيوب وكثر عليه الدود عقد ~~لسانه عن الدعاء ؛ لإنفاذ الحكم والمشيئة فيه ، وتحكم له بالصبر ، فلما ~~دامت أحكام الصبر أورثه الرضا ؛ لما وجد من حلاوة القرب مع الله ، فأثنى ~~عليه في الأولين والآخرين بقوله : ( إنا وجدناه صابرا نعم العبد ). # ( إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار (46) وإنهم عندنا لمن ~~المصطفين الأخيار (47) واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل ms1329 من الأخيار (48) ~~هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب (49) جنات عدن مفتحة لهم الأبواب (50) متكئين ~~فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب (51) وعندهم قاصرات الطرف أتراب (52) ~~هذا ما توعدون ليوم الحساب (53) إن هذا لرزقنا ما له من نفاد (54) هذا وإن ~~للطاغين لشر مآب (55) جهنم يصلونها فبئس المهاد (56) هذا فليذوقوه حميم ~~وغساق (57) وآخر من شكله أزواج (58) هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم ~~صالوا النار (59) قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار ~~(60) قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار (61) وقالوا ما ~~لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار (62) أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم ~~الأبصار (63) إن ذلك لحق تخاصم أهل النار (64) قل إنما أنا منذر وما من إله ~~إلا الله الواحد القهار (65) رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار ~~(66) قل هو نبأ عظيم (67) أنتم عنه معرضون (68) ما كان لي من علم بالملإ ~~الأعلى إذ يختصمون (69) إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين (70)) # قوله تعالى : ( إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ) أي : أخلصناهم ~~مما سوانا حتى خلصوا في محل التمكين في دار التفريد وعين التجريد وحق ~~التوحيد ومشاهدة الجبروت والملكوت ، دعوا المريدين إلى مقامات القربات ~~والمداناة والمشاهدات والمكاشفات ، وما PageV03P197 # اعوجوا من حد الاستقامة إلى حد التلوين ، وما احتجبوا بشيء عنه تعالى ؛ ~~فإنهم أولو القوة الألوهية والبصائر الربانية. # قال ابن عطاء : ( أخلصناهم ) لنا ، وخصصناهم بنا ومعنا. # وقال : ( بخالصة ) تلك الخالصة خلو سره عن ذكر الدارين وما فيهما ~~حتى كان لنا خالصا مخلصا. # قال سهل : أخلصهم له دون ذكرهم له ، وليس من ذكر الله بالله كمن ذكر الله ~~بذكر الله. # قال أبو يعقوب السوسي : لما قال ( أخلصناهم بخالصة ) صفت قلوبهم ~~لذكره عند ذلك ، ورقت أرواحهم له بإرادته ، فهم في مكشوف ما تقدم لهم في ~~الغيب سبقت لهم منه الحسنى ، فصاروا بدرجة المخلصين ، ثم زاد في وصفهم ~~بقوله : ( وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار ) (47) ذكر العندية ، ~~وقرن بها الاصطفائية ، وبين أن اصطفائيتهم في العبودية أزلية قبل وجود ~~الكون ، فإذا ms1330 كانت الاصطفائية أزلية يسقط عنها أسباب الحدثان ، فصار شرفهم ~~خاصا وموهبة خالصة بلا علل ؛ لذلك قال : ( وإنهم عندنا لمن ~~المصطفين الأخيار ). # ( إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين (71) فإذا سويته ~~ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (72) فسجد الملائكة كلهم أجمعون (73) ~~إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين (74) قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما ~~خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين (75) قال أنا خير منه خلقتني من نار ~~وخلقته من طين (76) قال فاخرج منها فإنك رجيم (77) وإن عليك لعنتي إلى يوم ~~الدين (78) قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (79) قال فإنك من المنظرين (80) ~~إلى يوم الوقت المعلوم (81) قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك ~~منهم المخلصين (83) قال فالحق والحق أقول (84) لأملأن جهنم منك وممن تبعك ~~منهم أجمعين (85) قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين (86)) # قوله تعالى : ( إني خالق بشرا من طين (71) فإذا سويته ): بين ~~الله سبحانه ههنا تفضيل آدم على الملائكة المقربين ؛ فالخطاب لأكابرهم ؛ إذ ~~كان روحه خلقت قبل أرواحهم ؛ إذ روحه تكونت من ظهور تجلي الحق بجميع الذات ~~والصفات كاملة بخلعة كسوة الربوبية التي ألبسها الحق حتى صارت مرآة يتجلى ~~منها للعالمين ، وبقيت في أول الأول في مشادة أنوار PageV03P198 # الأزليات والأبديات ، ولو كانت الملائكة بهذه المثابة لكانت معها في ~~الكينونية من سنا برق تجلي الحق ، وعرفتها بالأهلية ، فإذا كانت الملائكة ~~نازلة من درجاتها وصارت محجوبة عن رؤية ظهورها في العالم احتاجت إلى إعلام ~~الحق بذلك ، فلما علم الحق أنهم جهلوا حقائق وجود آدم لم يذكر ههنا ذكر ~~روحه معهم ، وقدم ذكر الصورة من قلة عرفانهم شرف روحه ، وقال : ( ~~إني خالق بشرا من طين ) (1)، مكر بهم حتى وقعوا في التشويش والنظر إلى ~~أنفسهم بالخيرية حتى يظهر بعد ذلك كمال آدم ، فإذا كانوا مخالفين في صورته ~~بأول الخطاب كيف كانوا في قوله : ( ونفخت فيه من روحي )؟! وذلك من ~~أعظم عجائب الربوبية ، وفيه تفهيم تحقيق عبوديته ؛ حتى لا يجري في قلوب ~~الملائكة أنه بمعنى من الربوبية في وقت ms1331 سجوده أي : إني خالق بشرا من طين أي ~~: من عجز وضعف أكسية أنوار جلالي وعظمتي ، فإذا كملته اتصف بصفاتي منورا ~~بنور ذاتي ، ( ونفخت فيه من روحي ) أي : أحييه بحياتي وبروحي التي ~~ظهرت من تجلي الجلال والجمال ، ( فقعوا له ساجدين ) (72)؛ إذ يكون ~~قبلة أنوار عزتي وكبريائي ومواقع تجلي ذاتي وصفاتي ، فلما رأته الملائكة ~~بتلك الصفات سجدت له كلهم من حيث أراهم الحق آدم منورا بنوره مصورا بصورته ~~إلا إبليس ؛ لأنه كان من الكافرين المحجوبين ؛ لطمس الحق إياه ، وبأنه لم ~~يكن مكتحلا بكحل نور جمال الأزل ، فلما لم يكن له أهلية لرؤية وقع في رؤية ~~نفسه ورؤية خيريته حتى ( قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين ) (2)، وقع في قياس النار والطين ، ولم ير أنوار جمال الحق التي ظهرت ~~من وجه آدم ، وهكذا حال المدعين والسالوسيين والمرائين المداهنين في حق ~~أوليائه ، لا جرم كان مخاطبا بالطرد والإبعاد إلى يوم الميعاد ، حتى لا ~~يذوق حلاوة برد الوصال ، ولا يرى أنوار الجمال والجلال ، ولا يدرك فضائل ~~الأنبياء والأولياء إلى أبد الآباد ، بل إذا يرى أثر سلطنة ولايتهم وعزة ~~أحوالهم ، يذوب كما يذوب الملح في الماء ، ولا يبقى له حيل ، ولا يطيق أن ~~يمكر بهم ، بل ينسى في رؤيتهم جميع مكرياته ، ولا يطيق أن يرمي إليهم من ~~أسهم وسوسته ، سبل وسوسته تلحق بأهله لا بأهل الحق ، وذلك قوله : ( ~~فبعزتك لأغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك منهم المخلصين ) (83): المتجردين ~~في قصودهم نحو قدم الحق وبقائه الأبدي وجماله الأزلي عن الأكوان والحدثان ، ~~واحذر ألا PageV03P199 # يجري على خاطرك أن لإبليس قدرة بأهله ، بل يغويهم بإغواء الحق إياهم ، ~~ألا ترى إلى قوله : ( فبعزتك لأغوينهم أجمعين )، ظاهره القسم ، ~~وباطنه الآلة والاستعانة بقهره ، يا ليت الملعون أدرك الخطاب الثالث بعد ~~الخطاب الأول والثاني ؛ حيث قال : ( إني خالق بشرا من طين )، وحيث ~~قال : ( ونفخت فيه من روحي )، ثم قال : ( خلقت بيدي ) لم ~~يعرف مفهوم الخطاب ، وهو أن من كان له مباشرة أنوار يد الأزل ويد الأبد في ~~ظاهره وروح تجلي جلال الذات ms1332 في باطنه يكون مستحقا في جميع الأحوال لكرامات ~~سنية وأحوال رفيعة وخدمة أهل الملكوت له وسجود الملائكة له ؛ إذ كان مشرق ~~أنوار جلال الأزلي وجمال الأبدي. # جئنا إلى مقالة المشايخ رحمة الله عليهم فيما قالوا في هذه الآية : # قال بعضهم في قوله : ( إني خالق بشرا من طين ): امتحنهم ~~بالإعلام ، وحثهم بذلك على طلب الاستفهام ، فيزدادوا علما بعجائب قدرته ، ~~ويتلاشى عندهم نفوسهم. # قال بعضهم في قوله : ( فإذا سويته ): أي كاملا ، يستحق التعظيم ~~بخصائص الاختصاص التي خص بها من خصوص الخلقة ، ( فقعوا له ساجدين ). # قال ابن عطاء في قوله : ( ونفخت فيه من روحي ): أبديت عليه آثار ~~شواهد عزتي ، وروحت ستره بما يكون به العبيد روحانيين. # قال بعضهم : هو روح ملك ، وهو الذي خصصه به ، فأوجبت تلك الخصوصية سجود ~~الملائكة له. # وقال بعضهم : وهو قول الفناء ، جذبهم بشهود التعظيم ، فلم يستجيزوا ~~المخالفة ، وحجب إبليس برؤية الفخر بنفسه عن التعظيم ، ولو رأى تعظيم الحق ~~لما استجاز الفخر عليه ؛ لأن من استولى عليه الحق قهره. # قال جعفر في قوله : ( وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين ): سخطي ~~الذي لم يزل جاريا عليك ، وواصلا إليك في أوقاتك المقدرة وأيامك الماضية. # قال بعضهم في قوله : ( إلا عبادك منهم المخلصين ): الذي يكون ~~سره بينه وبين ربه ، بحيث لا يعلم ملك فيكتبه ، ولا هوى فيميله ، ولا عدو ~~فيفسده. # ( إن هو إلا ذكر للعالمين (87) ولتعلمن نبأه بعد حين (88)) # قوله تعالى : ( إن هو إلا ذكر للعالمين ) أي : القرآن صفته ~~الأزلية ، يذكر للعالمين شمائل جماله وجلاله ، ويظهر كنوز أسراره وأنوار ~~ذاته وصفاته لمن له فهم عقل ومعرفة. # قال ابن عطاء : يطرد به عند الغفلة ليعتبر به المعتبرون. PageV03P200 # وقال عبد العزيز المكي في قوله : ( فأنظرني إلى يوم يبعثون ): ~~لم يعلم المسكين بأي سهم رمى ، وبأي سيف قتل ، وبأي رمح طعن ، وبأي نار ~~أحرق ، وفي أي جب ألقى ، ولو علم ذلك لما قال : ( رب فأنظرني إلى ~~يوم يبعثون )، بل مات ترحا وحزنا ، وتفتت كآبة وغما ، ولكنه ستر عليه ما ~~عومل به حتى لم يجد من ms1333 ذلك ألما وما أحس منه وجعا ، فلم يبال بما قيل له ~~حتى قال لقلة مبالاته : ( رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (79) قال ~~فإنك من المنظرين (80) إلى يوم الوقت المعلوم ) (81)، فاغتر المسكين ~~بالمدة الطويلة ، ولم يعلم أن ما هو آت قريب ، ولا يزداد بطول المهلة إلا ~~الذلة والتخيب ، وما وقع ههنا نكتة ؛ إنه كان في الأزل ذائقا طعم بعض ~~الوصال في عالم اللطفيات ، ولم يكن مع الخبر من عالم القهريات شيئا ، فلما ~~وصل إليه بطش قهر الجبروت استنظر حتى يخوض في بحار قهره ، كما غاص في بحار ~~لطفه ؛ لكي لا يدركه في سعة رحمته ؛ ليستوفى سريات القهريات كاستيفائه ~~شربات اللطفيات ، حتى يكون من كلا الجانبين على حظ وافر من علومه وربوبيته ~~، وغلط المعلون ؛ لو وافق الأمر لوجد معاني الصفات والذات والقهريات ~~واللطفيات على صورة الأنس والراحة كالأنبياء والأولياء والملائكة المقربين. ### | سورة الزمر # بسم الله الرحمن الرحيم # ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (1) إنا أنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين (2) ألا لله الدين الخالص والذين ~~اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم ~~بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار (3) لو أراد ~~الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار ~~(4) خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على ~~الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار (5) خلقكم ~~من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم ~~في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا ~~إله إلا هو فأنى تصرفون (6)) PageV03P201 # ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) أي : هذا تنزيل الكتاب ، ~~وهو القرآن ، وهو وصفه القديم ، بدا منه بنعت التجلي ، وأنزل من عنده للأمر ~~ولأحكام ظهوره بنعت الصفة للخصوص وبنعت النزول للعموم ، هو العزيز من حيث ~~لا تفارق صفته عن ذاته ، وهو الحكيم ms1334 من حيث منع عباده التمتع بكشفه وإنزاله ~~رحمة للعموم والخصوص. # قال الأستاذ : كتاب عزيز نزل من رب عزيز على عبد عزيز بلسان ملك عزيز في ~~شأن أمة ، عزيز بأمر عزيز ورد الرسول عن الحبيب الأول بعد التلاقي بعد طول ~~يزيل نزهة قلوب الأحباب بعد ذبول غصن سرورها في كتب الأحباب عند قراءة ~~فصولها والعجب منها ، كيف لا ترهق سرورا بوصلها وارتياحا بحصولها! # قوله تعالى : ( فاعبد الله مخلصا له الدين (2) ألا لله الدين ~~الخالص ): أمر حبيبه صلى الله عليه وسلم أن يعبده بنعت ألا يرى نفسه في ~~عبوديته ولا الكون وأهله ، ولا يتجاوز عن حد العبودية في مشاهدة الربوبية ، ~~فإذا سقط من العبد حظوظه من العرش إلى الثرى فقد سلك مسلك الدين ، وهو طريق ~~العبودية الخالصة عن رؤية الحدثان بنعت شهود الروح مشاهدة الرحمن ، وذلك هو ~~الدين الذي اختاره الحق لنفسه ؛ حيث خلص عن غيره بقوله : ( ألا لله ~~الدين الخالص )، والدين الخالص وجدان نور القدم بعد تلاشي الحدث في بوادي ~~سنا العظمة والوحدانية ، كأنه تعالى دعا عباده بنعت التنبيه إلى خلوص ~~الأسرار عن الأغيار في إقبالهم إليه. # قال الواسطي : ذكر وعيده على اللطافات ، فقال : ( ألا لله الدين ~~الخالص )، وهو الذي يخلص فيه صاحبه من الشرك والبدعة والرياء والعجب ورؤية النفس. # وقال سهل : أخبر الله تعالى أن الذي له من الدين هو الذي يخلص من الرياء ~~والشك والشبهات (1). # ( إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن ~~تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما ~~كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور (7)) # قوله تعالى : ( إن تكفروا فإن الله غني عنكم ): نكتة الآية في ~~الحقيقة بعد رسوم PageV03P202 # العلم أن العبد العارف إذا تحقق في العبودية ووصل إلى رؤية أنوار ~~الربوبية يصل إلى نور الانبساط وذوق الوجد والسكر في رؤية الجمال ، فيطيب ~~وقته ، ويصير مملوءا من نور الحق ، فلا يرى إلا الحق بالحق ، وينسى الحق ~~دون الحق ، فيدعي هناك الأنائية ، فهدده الحق من ذلك ، وقال : إن تخرجوا ms1335 من ~~عندي بدعوى الأنانية تكونوا محجوبين بالحال عن المحول ، وهو منزه عن أن ~~يحول عليه حال مقدس عن المواصلة والمفارقة ، ولا يرضى ، ولا يستحسن لعبده ~~الاحتجاب به عنه ، لكن مكر به بمشيئته القديمة وإرادته السابقة ؛ لأنهما ~~سبقتا على الأمر ، والأمر يتغير ، والرضا لا يتبدل ، وفي قوله : ( ~~ولا يرضى لعباده الكفر ) بيان أن الكفر أن نسيان وجوده في غلبة الوجد وذكر ~~الواجد نفسه ، ولا يرضى بذلك ، بل يرضى أن يفنى نفس الواجد فيه تعالى ، وهو ~~باق له لا هو ، فإذا فني عنه شكر الله بفنائه في بقائه ، وذلك قوله : ( ~~ وإن تشكروا يرضه لكم )، وفي الآية من الشطح أن الله سبحانه أعدم ~~الكفر ، وبين أن ليس الكفر لأحد من العرش إلى الثرى ، وكيف يكون الكفر! ولا ~~يرضى الله الكفر لأحد ، فخرج الكفر من البين بذلك ؛ لأن الرضا نعته الأزلية ~~، فإذا بقي الكفر في القدم لا يكون الكفر إلى الأبد ومنبع الرضا والسخط ~~والإرادة والمشيئة ذاته القديم ، وهذه الصفات والذات واحدة من جميع الوجوه ~~، وبيان ذلك أن حقيقة الكفر في كونه أن يكون العبد محيطا بجميع ذاته وصفاته ~~، ثم ينكره بحيث إنكاره يقارن إحاطته وكذلك الإيمان ، وذلك مستحيل ، فإذا ~~لا يكون الكفر الحقيقي ولا الإسلام الحقيقي. # قال القاسم : لا يرضى لهم الكفر ، ولكن يقدر عليهم ، وليس الرضا من ~~المشيئة والإرادة والقضاء في شيء. # وقال سهل : أول الشكر الطاعة ، وآخره رؤية المنة. # قال عبد العزيز المكي : الكفران للنعمة هو أن يظن العبد أنه عرف وأدى ~~شيئا من شكر النعمة. # وقال ابن عطاء : ( ولا يرضى لعباده الكفر ) أي : لا حاجة به ~~إليكم ، ولكن من كفر وأعرض عنه ممن خلقه لنفسه ولجواره لا يرضى له ذلك حتى ~~يجذبه إليه بتوفيقه ، ويربيه بفضله ويرضاه. # وقال بعضهم في قوله : ( وإن تشكروا يرضه لكم ): إن وفقتم لشكر ~~نعمتي أوجبت لكم به رضاي. # ( وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه ~~نسي ما كان يدعوا إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل ms1336 تمتع بكفرك قليلا PageV03P203 # إنك من أصحاب النار (8)) # قوله تعالى : ( وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ): وصف ~~الله أهل الضعف من اليقين إذا مسه ألم امتحانه دعاه بغير معروفه ، وإذا وصل ~~إليه نعمته احتجب بالنعمة من المنعم ، فبقي جاهلا من كلا الطرفين ، لا يكون ~~صابرا في البلاء ولا شاكرا في النعماء ، وذلك من جهله بربه ، ولو أدركه ~~بنعت المعرفة وحلاوة المحبة لبذل نفسه له حتى يفعل به ما يشاء. # قال الواسطي : الخلق مجبور تحت قسمته ، مقهور في تحت خلقته وتقديره ، ألا ~~ترى إذا ضاقت القلوب واشتدت الأمور كيف تفرغ بالإخلاص إلى الملك الغفور! # وقال الحسين : من نسى الحق عند العوافي لم يجب الله دعاءه عند المحن ~~والاضطرار ، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس : «تعرف إلى ~~الله في الرخاء يعرفك في الشدة» (1). # قال النهرجوري : لا يكون نعمة من تحمل صاحبها على نسيان المنعم نعمة ، بل ~~هو إلى النقم أقرب. # ( أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ~~ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب (9)) # قوله تعالى : ( أمن هو قانت آناء الليل ): وصف الله سبحانه ~~أحوال أهل الوجود والكشوف والمستأنسين به الذين قنتوا في أجواف الليالي ~~قائمين على أبواب الربوبية بنعت الفناء والخضوع حين عاينوا مشاهدة جلاله ~~وجماله من وراء ستور الغيب وحجب الملكوت ، فساعة دهشوا ، وساعة ولهوا ، ~~وساعة بكوا عليه وبه ، وساعة ضحكوا بما أولاهم الحق من نيل أنوار مشاهدته ~~وفيض حلاوة وصلته ولذائذ خطابه ومناجاته وكشفه أسراره عندهم ، فصرعوا ، ~~وبكوا ، وزفروا ، وصاحوا ، إذا قاموا ، قاموا بشرط رؤية جمال بقاء الحق ، ~~وإذا سجدوا سجدوا على شرط رؤية جلال قدمه ، وعلموا من لطائف خطابه مكنون ~~أسرار غيبه من العلوم الغريبة والأنباء العجيبة ؛ لذلك وصفهم بالعلم الإلهي ~~الذي استفادوا من قربه ووصاله وكشف جماله ، بقوله : ( هل يستوي ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون )، كيف يستوي الشاهد والغائب ، والشاهد يرى ~~ما لا يرى الغائب؟! # قال ابن عطاء : الغائب الذي يجتهد ms1337 في العبادة ، ولا يرى ذلك من نفسه ، ~~ويرى فضل الله عليه في ذلك ، فإذا رجع إلى نفسه في شيء من أفعاله فليس بغائب. PageV03P204 # وقال سهل : العلم الاقتداء واتباع الكتاب والسنة. # وقال الجنيد : العلم أن تعرف قدر ربك ولا تعدو قدرك. # وقال ابن عطاء : العلم أربعة : علم المعرفة ، وعلم العبادة ، وعلم ~~العبودية ، وعلم الخدمة. # وقال ذو النون : العلم علمان : مطلوب ، وموجود. # وقال أبو يزيد : العلم علمان : علم بيان ، وعلم برهان. # وقال رويم : العلم مطبوع ومصنوع. # وقال : المقامات كلها علم ، والعلم حجاب. # وقال الشبلي : العلم خبر ، والخبر جحود ، وحقيقة العلم عندي بعد قول ~~المشايخ رحمة الله عليهم الاتصاف بصفة الرحمن من حيث علمه حتى يعرف بالحق ~~ما في الحق. # ( قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه ~~الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (10)) # قوله تعالى : ( قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا ~~في هذه الدنيا حسنة ): وصف الله القوم بأربع خلال : بالإيمان ، والتقوى ، ~~والإحسان ، والصبر ، فأما إيمانهم فهو المعرفة بذاته وصفاته من غير استدلال ~~بالحدثان ، بل عرفوا الله بالله ، وتقواهم تجريدهم عن الكون وأنفسهم ؛ خوفا ~~من الاحتجاب بها عنه ، وإحسانهم إدراكهم رؤيته بقلوبهم وأرواحهم بنعت كشف ~~جماله ، وهذا الإحسان بمعنى العلم ، ويكون بعد أن خلعوا شوائب الحدوثية عن ~~طريق الربوبية ، وصبرهم استقامتهم بمواظبة الأحوال وكتمان كشف الكلي ، ~~وحقيقة الصبر ألا يدعي الربوبية بعد الاتصاف بها ، ومعنى قوله تعالى : ( ~~ وأرض الله واسعة ): أرض القلوب ووسعها بوسع الحق ، فإذا كان ~~العارف بهذه الأوصاف فله أجران : أجر في الدنيا ، وأجر في الآخرة ، أجر ~~الدنيا المواجيد البديهية والواردات الغريبة والفهوم بغرائب الخطاب والوقوف ~~على مشاهدة الحق بعد كشفها ، وأجر الآخرة غوصه في بحار الآزال والآباد ~~والفناء في الذات والبقاء في الصفات. # قال حارث المحاسبي : الصبر التهدف بسهام البلاء. # وقال طاهر المقدسي : الصبر على وجوه : صبر منه ، وصبر له ، وصبر عليه ، ~~وصبر فيه ، وأهونه الصبر على أوامره ، وهو الذي بين الله ثوابه : ( ~~إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير ms1338 حساب. ) PageV03P205 # وقال يوسف بن الحسين : ليس بصابر من يتجرع المصيبة ويبدي فيها الكراهية ، ~~بل الصابر من يتلذذ بصبره حتى يبلغ به إلى مقام الرضا. # ( قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين (11) وأمرت لأن أكون ~~أول المسلمين (12) قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (13) قل الله ~~أعبد مخلصا له ديني (14) فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين ~~خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين (15) لهم من ~~فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون (16)) # قوله تعالى : ( قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين ): بين ~~الله سبحانه مراتب حبيبه صلى الله عليه وسلم في منازل التوحيد والعبودية هاهنا ~~، فإذا لم يكن غيره في محل موازاة الأزل توجه إليه خطاب الحقيقة في أمر ~~العبودية وعرفان الربوبية ، فإخلاصه في العبودية خروجه من رسم الحدثان في ~~مشاهدة الرحمن ، وبين سبحانه في أمره إياه بقوله : ( وأمرت لأن ~~أكون أول المسلمين ) أي : حين تظهر طوارق أنوار أزليته وسنا جلال أحديته هو ~~أول من يقبل إليها بنعت قبول حقائقها ومعرفة إجلالها وجلالها بنعت الانقياد ~~في معارك عساكر سلطانها ، والفناء عن أوصاف الحدوثية في ملكوتها وجبروتها ~~هذا شوق الإخلاص والإسلام من يشتري حلاوة وجه المحبوب ببذل وجوده من العرش ~~إلى الثرى ، فالكل مخاطبون بخطابه ، فمن يرغب أن يفنى في هذه المقامات ~~السنية حتى يبقى ببقاء الحق. # قال الجنيد : الإخلاص أصل كل عمل ، وهو مربوط بأوائل الأعمال ، ومنوط ~~بأواخر الأعمال ، ومضمر في كل الأقوال ، وهو إفراد الله بالعمل. # وقال أيضا : أمر جميع الخلق بالعبادة والتعبد ، وأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالإخلاص في العبادة ، علم الحق تعالى أن أحدا لا يطيق ~~تمام مقام الإخلاص سواه ، فخاطبه به. # ( والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم ~~البشرى فبشر عباد (17) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين ~~هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب (18) أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت ~~تنقذ من في النار ms1339 (19) لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية ~~تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد (20) ألم تر أن الله ~~أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ~~ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في PageV03P206 # ذلك لذكرى لأولي الألباب (21)) # قوله تعالى : ( والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى ~~الله لهم البشرى ): أصل كل طاغوت النظر إلى النفس ، وإلى ما سوى الله من ~~العرش إلى الثرى في طريق إفراد القدم عن الحدوث على وجه الإقبال إلى شيء ~~دونه ، فالذين جانبوا الكل وأنابوا إلى أصل كل أصل بنعت الاستعانة به فلهم ~~النظر إلى جماله ، ولهم النظارة والبشارة في وجهه ، والفرح بمشاهدة جماله ، ~~فهم مربوطون في الدنيا عند كل نفس ببشارة منه ، بأنهم يرونه على وفق مرادهم ~~ومحبتهم ، ثم زاد في وصفهم بقوله : ( فبشر عباد )، أمر حبيبه ~~صلى الله عليه وسلم بأن يبشرهم بالرضوان الأكبر ، ثم بين استحقاق البشارة لهم ~~بأي وجه يلحق بهم بقوله : ( الذين يستمعون القول ) (1): يستمعون ~~الحق من الحق من حيث الحق ، ( فيتبعون أحسنه ): يتبعون كل الخطاب ~~بالإيمان وعلى ما يوافق مراد الحق منهم بالعمل ، فإذا الكل حسن مبارك ، فمن ~~حيث رسوم الأمر أحسن ما يطيقون حمله من وارد الخطاب بنعت متابعته ، وفي ~~الحقيقة الأحسن ما لم يوافق طباع الحدثان ، وذلك مثل آي المتشابه في عرفان ~~الذات والصفات ؛ فالأوامر والنواهي أحسن لهم ، والأنباء من علوم الذات ~~والصفات أحسن للحق ، ولكن من حيث إن القول صفته ؛ فالكل حسن من حيث معاني ~~الصفة ، وأيضا يتبعون أحسنه من الأعمال السنية والأخلاق الكريمة ، وبين أن ~~هذه المتابعة منهم من هدايته لهم وتعريف نفسه إياهم ، وأنه تعالى جعلهم ~~الألباء المستعدين بقبول قوله وإدراك خطابه بالفهوم النورية والعقول ~~الصافية والذكاء العجيب بقوله تعالى : ( أولئك الذين هداهم الله. ) # قال سهل في قوله : ( والذين اجتنبوا الطاغوت ): الدنيا ، وأصلها ~~الجهل ، وفرعها المآكل والمشارب ، زينتها التفاخر ، وثمرتها المعاصي ، ~~وميراثها القسوة والعقوبة. # وقال الأستاذ : طاغوت كل أحد نفسه ، وإنما ms1340 يجتنب الطاغوت من خالف هواه ~~وعانق رضا مولاه. # قال أبو بكر بن طاهر في قوله : ( فبشر عباد ): بشر الله تعالى ~~من فتح سمعه لاستماع الأحسن من سماعه لا من سمعه على العادة والطبع ؛ فإن ~~المتحقق في السماع من يعرف حاله في وقت السماع ، فيتبع الأحسن مما يسمع ، ~~ويدعي ما فيه شبهة واشتباه ، وصفهم الله تعالى PageV03P207 # بالهداية إليه والعلم به العقل فيما يسمع ، بين الشيخ أبو بكر بن طاهر ~~قدس الله روحه أن المراد به سماع القول ، وأن العارف العاشق بجمال الحق ~~يلقى سمع الخاص في مقام المراقبة على بساط القرب ، والحق سبحانه يتكلم بكل ~~لسان من العرش إلى الثرى ، فلحظة نطق على ألسنة الطيور في ألحانها ، وساعة ~~نطق في أصوات الخلائق المختلفة ، وعلى ألسنة السماوات والأرضين والجبال ~~وحركات الرياح والأشجار والمياه ، وعلى ألسنة الملائكة والأرواح والنفوس ، ~~فبعض إلهام ، وبعض إلمام ، وبعض وحي ، وبعض كلام ، فالأحسن منها أن يتكلم ~~معهم بكلامه العزيز الخاص الصفاتي الذاتي الخارج من الوسائط والوسائل ، ~~فذلك العارف العاشق يسمع الكل من روحه ونفسه وعقله وقلبه وعدوه والملك ~~والأولياء والأنبياء وحركات الأكوان وأهلها ، فيتبع جميع الخطابات من حيث ~~إدراك حقائقها ما يوافق حاله وعلمه وعمله رسما ، ويتبع الكلام الأزلي الذي ~~هو أحسن الخطاب بالفهم العجيب والعلم الغريب والإدراك الصافي وانفراد الحق ~~من المخلوق بالمحبة والشوق والعشق والمعرفة والتوحيد والإخلاص والعبودية ~~والربوبية والحرية ، فهذا فضل ورد بالبديهة من حيث ظهور الأنباء الغيبية ~~والروح القدسية والإلهامات الربانية. # قيل : هذا فضيلة لمحمد صلى الله عليه وسلم على غيره أن الأحسن ما يأتي به ، ~~وإن كان الكل حسنا ، ولما وقعت له صحبة التمكين ومقارنة الاستقرار قبل خلق ~~الكون ، ظهرت عليه الأنوار في الأحوال ، وكان معه أحسن الخطاب ، وله السبق ~~في جميع المقامات ، ألا تراه صلى الله عليه وسلم يقول : «نحن الآخرون السابقون ~~يوم القيامة» (1): يعني الآخرون وجودا السابقون في الخطاب الأول في الفضل ~~في محل القدس. # وقال الأستاذ : اللام في قوله القول للعموم يقتضي حسن القول ، الاستماع ~~يكون لكل شيء ، والاتباع يكون ms1341 للأحسن. # وقيل : للعبد دواع من باطنه هواجس النفس ووسواس الشيطان وخواطر الملك ~~والخطاب الحق يلقى في الروع ، فوسواس الشيطان يدعوه إلى المعاصي ، وهواجس ~~النفس تدعوه إلى ثبوت الأشياء منه مما له فيه نصيب ، وخواطر الملك تدعو إلى ~~الطاعات ، وخطاب الحق في حقائق التوحيد. # ( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية ~~قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين (22)) PageV03P208 # قوله تعالى : ( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ~~): بين الله سبحانه تفضيل شرائف الصديقين من أهل مشاهدته المنورين بأنوار ~~قدسه ، أوجد أرواحهم في فضاء ديموميته وميادين أزليته ، فأبدى لها نور ~~جماله وجلاله ، فهم منورون بنوره ؛ حيث ألبسهم قموص سنا عظمته وبهاء ~~كبريائه ، فهذا معنى شرح صدورهم ، وبعد نشر نور تجليه في أرواحهم وعقولهم ~~حتى وقع فيها نور العبودية وما بدا من نور اليقين والعرفان والإيمان ~~والإسلام ، فأول شرح صدورهم بدو أنوار صفاته فيها ، وآخر انفساخها ظهور ~~سناء ذاته فيها ، فهم على نور منه ، وبذلك النور يلبسون ؛ فيرون الحق بنور ~~الحق ، ويرون ما دون الحق من العرش إلى الثرى بنوره ، ثم وبخ أضدادهم ~~بقساوة القلوب وتباعد النيات ، واحتجابهم عن نور ذكره ، بعد أن قهرهم ~~بخذلانه ، وحرمهم من نور إسلامه وإيمانه ، وهددهم بعقوبته بقوله : ( ~~ فويل للقاسية قلوبهم ): قساوة قلوبهم من اتباعهم نفوسهم وإعراضهم ~~عن قبول طاعة مولاهم ، ثم بين أنهم في ضلال عن الوصال بقوله : ( ~~أولئك في ضلال مبين. ) # قال بعضهم : شرح صدره لمعرفته فهو على نور من ربه فيشهد بذلك النور ~~الغيوب ويكون حاضرا بروحه وسره مراقبا ببركات ذلك الشرح. # قال بعضهم : المعرفة تتولد من الشرح والتنوير ، قال الله تعالى : ( ~~ أفمن شرح الله صدره للإسلام. ) # وقال جعفر الصادق : شرح صدور أوليائه ؛ لأنها موضع خزانته ، ومعدن إشارته ~~، وبيت أمانته ، ومفتاح البيت عنده ، وحارسه الله ، وهو في كنفه ، لا ~~يطالعه أحد سواه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إن الله لا ينظر إلى ~~صوركم» (1). # وقال الشبلي : أنارت بالشرح قلوبهم ، وأنطقت بالحكمة ألسنتهم ، وأكملوا ~~بكمال الآداب ms1342 ورياضة النفوس ، فوصلوا بالولاية ، وسقوا بكأس الصدق. # وقال النوري : استسلم سره بنور القربة ، وذلك الشرح. # وقال بعضهم : فهو على نور من ربه ، على يقين من مشاهدة ربه بالغيبوبة عن ~~الملك والملكوت ، فلم يبق عليه مقام إلا سلكه ، ولا حال إلا استوفاه. # وقال الواسطي : منحة عظيمة ، لا يحتملها أحد إلا المؤيدون بالعناية ~~والرعاية ، فإن العناية تصون الجوارح والأشباح ، والرعاية تصون الحقائق ~~والأرواح. PageV03P209 # وقال بعضهم : عرف إليهم حتى عرفوه ، وبصرهم حتى أبصروه ، وذلك حين شرح ~~قلوبهم برؤية الصنع ، وأعمى أبصارهم عن النظر إلى سواه ، فبشرح الصدر عرفوه ~~، وبالعمى عن غيره أبصروه. # وقال يحيى بن معاذ : قساوة القلب من اتباع الهوى. # وقال : عقوبة القلب الرين والقسوة. # وقال الحسين : قساوة القلب بالنعم أشد من قسوته بالنسيان والشدة ؛ فإن ~~بالنعمة يسكر ، وبالشدة يذكر ، وأنشد في معناه : # قد كنت في نعمة الهوى بطرا %~% فأدركتني عقوبة البطر # وقال : من هم بشيء مما أباحه العلم تلذذا عوقب بتضييع العمر وقسوة القلب ~~وتعب الهم في الدنيا. # وقال الأستاذ : النوري الذي من قبله سبحانه نور اللوائح بنجوم العلم ، ثم ~~نور اللوامع ببيان الفهم ، ثم نور المحاضرة بزوائد اليقين ، ثم نور ~~المكاشفة بتجلي الصفات ، ثم نور المشاهدة بظهور الذات ، ثم أنوار الصمدية ~~بحقائق التوحيد ، وعند ذلك فلا وجد ولا قصد ولا قرب ولا بعد ، كلا بل هو ~~الله الواحد القهار. # وقال في قوله : ( فويل للقاسية قلوبهم ): الصلبة قلوبهم التي لم ~~يفتر عنها خواطر التعريف ، فبقيت على مكاره الجحد ، أولئك في الضلالة ~~الباقية والجهالة الدائمة ، نعم ما قال المشايخ في تفسير هذه الآية ، ولكن ~~حقيقة تفسيرها ما قال النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن تفسير الشرح ~~المذكور في القرآن فقال : «ذلك نور يقذف في القلب. فقيل : هل لذلك أمارة؟ ~~فقال عليه الصلاة والسلام : نعم ، التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى ~~دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل نزوله» (1)، قوله عليه السلام بين هذه ~~الأقوال في الآية كالشمس بين الكواكب ، بل نوره بين أنوار الأنبياء ~~والأولياء والملائكة المقربين كنور الشمس بين أنوار الكواكب ms1343 ، إذا برز نور ~~شمسه أدرج ضوء نورها ضوء الكواكب. # كما قيل : فلما استبان الصبح أدرج ضوءه بأنواره أنوار ملك الكواكب. # ( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود ~~الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي ~~به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد (23) أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب ~~يوم القيامة وقيل PageV03P210 # للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون (24) كذب الذين من قبلهم فأتاهم ~~العذاب من حيث لا يشعرون (25) فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب ~~الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (26) ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل ~~مثل لعلهم يتذكرون (27)) # قوله تعالى : ( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر ~~منه جلود الذين يخشون ربهم ): وصف الله سبحانه كلامه القديم حديثه الباقي ~~الذي أحسن من كل حسن ، إذ جميع الحسن منه بدا ، وحسنه بأن يكون بحسن ~~الأشياء ، وأنه صفته الأزلية التي خارجة بنعوتها عن رسوم الأصوات وعلل ~~الحروف ومصنوعات الكون ، لا يشابهها كلام الخلق من فعله صدر ، وكلامه تعالى ~~من ذاته صدر ، فكيف يكون مشابها لكلام الحدثان ، ومعنى قوله : ( ~~متشابها ) أنه خبر عن كلية الذات والصفات التي منبعها أصل القدم ، وصفاته ~~كذاته وذاته كصفاته ، وكل صفة كصفة أخرى من حيث التنزية والقدس والتقديس ، ~~والكلام بنفسه متشابه المعاني ، وكل معنى يتكرر في موضع غير موضعه بلغة ~~أخرى ، ووضعها مذكورة بحروفها ، والمتشابه في القرآن خاص ، مذكور مبين لأهل ~~الخصوص من أهل شهود وصفات الخاصة الأزلية الذين يشهدون الأرواح والأشباح في ~~المراقد العبودية ، يسمعون من الحق بأسماع القلوب ، فإذا سمعوا خطاب الحق ~~من الحق يستولى على أسرارهم أنوار التجلي ، ثم تستولي من الأسرار على ~~الأرواح ، ثم تستولي من الأرواح على العقول ، ثم من العقول على القلوب ، ثم ~~من القلوب على الصدور ، ثم من الصدور على الجلود ، فتقشعر منها جلودهم من ~~حيث وقوف أسرارهم على مشاهدة العظمة بنعت الخشية والإجلال والعلم به ، وإذا ~~وصل نور الأنس بنور العظمة ونور الجمال بنور الجلال سهل على ms1344 وجودهم سطوات ~~الكبرياء ، فتلين جلودهم وقلوبهم بنور البسط والأنس ، فزاد شوقهم إلى سماع ~~الكلام من العلام ؛ لهيمانهم إلى رؤية جماله ، ذلك قوله : ( ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله )، وخطابه سبحانه سراج يستضيء بنوره كل ~~راشد في المعرفة ، مرشد في التوحيد ، راسخ في المحبة ، قال سبحانه : ( ~~ ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ) أي : من الأولياء والأصفياء ~~والمقربين والمؤمنين الصادقين. # قيل في قوله : ( تقشعر ) و ( تلين ) أي : تقشعر بالخوف ، ~~وتلين بالرجاء. # وقيل : بالقبض والبسط. # وقيل : بالهيبة والأنس. # وقيل : بالتجلي والاستتار. PageV03P211 # وقال الأستاذ : بالوعد والوعيد. # وقال النهرجوري : وصف الله بهذه الآية سماع المريدين وسماع العارفين. # وقال : سماع المريدين بإظهار الحال عليهم ، وسماع العارفين بالطمأنينة ~~والسكون. # ( قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون (28)) # قوله تعالى : ( قرآنا عربيا غير ذي عوج ): قرآنا قديما ظهر من ~~الحق على لسان حبيبه صلى الله عليه وسلم ، لا يتغير بتغير الأزمان ، ولا ترهقه ~~عبارات أهل الحدثان ، يعوجه الحروف ، ولا يحيط به الظروف ، بل صفاته قائمة ~~بالذات ، تنتشر أنوار تجليه في ساحات الصدور ، وعرصات القلوب ، وصمائم ~~الأرواح ، وأماكن الأسرار ، وأصداف الألسنة ، وأوراق المصاحف ، يخرج بوصف ~~الحقيقة ، فيلين منه الحق لأهل الحق. # سئل مالك بن أنس عن هذه الآية قال : غير مخلوق. # ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل ~~يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (29)) # قوله تعالى : ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا ~~سلما لرجل هل يستويان مثلا ): شبه الله المتشتتين همومهم المائلين إلى غير ~~الله بالرجل الذي يملكه الشركاء المتشاكسون المتخالفون ، وشبه المتفردين ~~بنعت الإخلاص بالله ولله وفي الله بالرجل السالم لرجل الخالص له لا يملكه ~~غيره بل عبد قن له لا يدخل في صحة عبوديته خلل لأجل مدخل غيره ، فالأول ~~المحتجب بنفسه عن الحق ، والثاني الشاهد بالحق على الحق ، لا يحويه غبار ~~العلل ، ولا يدخل في قلبه قتام الخلل ؛ إذ هو محفوظ برعايته القديمة ~~وحراسته الأبدية ، مثل هذا العبد لا يعرفه إلا عبد مثله ، ولذلك حمد الله ~~نفسه حيث ms1345 يجهله أكثر الخلق بقوله : ( الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون ) (29)، وحقيقة الحمد ههنا ظهور تقديس نفسه منه بألا يعرف حقيقة ~~جلاله أحد غيره ، وهو منزه عن أن يكون ممدوحا لألسنة الحدثان ، بل حمد نفسه ~~لعلمه بعجز الحامدين عن حمده. # قال ابن عطاء : ما لهم في حمد الله من الذخر والفخر. # قال جعفر : لا يعلمون أن أحدا من عباده لم يبلغ الواجب في حمده ، وما ~~يستحق من الحمد على عباده بنعمته ، وأن أحدا لم يحمده حق حمده إلا حمده لنفسه. # ( إنك ميت وإنهم ميتون (30) ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم ~~تختصمون (31) فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى PageV03P212 # للكافرين (32)) # قوله تعالى : ( إنك ميت وإنهم ميتون ): فرق الله بين موت حبيبه ~~صلى الله عليه وسلم ، وبين موت غير في مضمون الخطاب ومظنة الإشارة أي : إنك ~~ميت عند صعقات سطوات تجلي أزلياتي ؛ حيث تفنى ضباب عصمتي عند ظهور أنوار ~~كبريائي ؛ حتى لا تحاسب عن وجودك في ظهور وجودي لك ، فإن الحادث إذا قورن ~~بالقديم زال الحادث وبقي القديم ، ( وإنهم ميتون ) بنزع الأرواح ~~منهم ، وأيضا : ( إنك ميت ) منسلخ من العلل الإنسانية حي بالأنوار ~~الربانية ، ( وإنهم ميتون ) عن رؤية شرفك وعن إدراك مقاماتك ، إنك ~~ميت عن غيرنا حي بنا ، وإنهم ميتون عن الدنيا ، فإذا كان يوم المعاد تظهر ~~مقامات كل أحد ، فيخص بعضهم بالانبساط ، وبعضهم من الكمود على ما فات عنه ~~من كرائم مواهبه السنية ولطائفه الكريمة. # قال ابن عطاء : ( إنك ميت ) أي : غافل عما هم من الاشتغال ~~بالدنيا ، ( وإنهم ميتون ) عما كوشفت به من حقائق التقريب والقرب. # وقال بعضهم : إنك ميت عن بشريتك باطلاع بركات الحق عليك. # وقيل : ( إنك ميت ) عن رؤية الأكوان بما فيها بمشاهدة المكون (1). # وقال أبو العباس بن عطاء : ( إنك ميت ) عن شواهد ما استتر ، ( ~~ وإنهم ميتون ) عن شواهد ما أظهر. # ( والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون (33) لهم ما يشاؤن ~~عند ربهم ذلك جزاء المحسنين (34) ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم ms1346 ~~أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون (35)) # قوله تعالى : ( والذي جاء بالصدق ): وصف الله كل صادق يعرف ~~مقامه وحاله بين يدي الله ، فصدق بما أعطاه الله من الولاية والكرامات ~~والمشاهدات والفراسات والخطابات والمكاشفات ، ولا يجري على قلبه شك ولا ريب ~~مما نال من الحق ، ولا يتردد في حاله ، بل متمكن مستقيم ، لا يضطرب عند ~~طوارق الامتحان ، وأيضا وصف الحبيب صلوات الله وسلامه عليه والصديق الذي هو ~~أول من قبل منه الرسالة رضي الله عنه. PageV03P213 # قال ابن عطاء : الذي جاء بالصدق محمد صلى الله عليه وسلم ، وأفاض من بركات ~~أنوار صدقة على أبي بكر رضي الله عنه ، فسمي صديقا ، وكذلك بركات الأنبياء ~~والأولياء. # قال الطمستاني : كل من استعمل الصدق بينه وبين الله شغله صدقه مع الله عن ~~الفراغ إلى خلق الله. # ( أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله ~~فما له من هاد (36) ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام ~~(37) ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون ~~من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ~~ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون (38) قل يا قوم اعملوا على ~~مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون (39) من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب ~~مقيم (40) إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل ~~فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل (41)) # قوله تعالى : ( أليس الله بكاف عبده ): فيه من العتاب نبذة من ~~الحق ، عاتب عباده بلفظ الاستفهام أي : هل يجري على قلوبهم إن تركهم عن ~~رعايتي وحفظي؟ كلا بل أنا أراعيهم وأحفظهم عن منازل الخطرة ، يضربهم جريان ~~امتحاني ؛ فإني أحببتهم في أزل أزلي ، فبقيت محبتي لهم إلى أبد الأبد ، لا ~~تسقطهم عن عيني ، ومن يجترئ أن يقوم لمخاصمة من في نظري! وهذا مذهب كل ~~متوكل راض عن ربه من حيث ما رأى من محافظته وخفايا ألطافه ما يطمئن به صدره ~~عند كل مهالك. # قال ms1347 أبو بكر بن طاهر : من لم يكف بربه بعد قوله : ( أليس الله ~~بكاف عبده ) فهو في درجة الهالكين. # قال ابن عطاء : خلع حبل العبودية من عنقه من نظر بعد هذه الآية إلى أحد ~~من الخلق ، أو رجاهم ، أو خافهم ، أو طمع فيهم. # وقال الأستاذ : ( أليس ) استفهام ، والمراد منه التقرير ، و ( ~~ الله بكاف عبده ) اليوم في عرفانه لتصحيح إيمانه ومنع الشرك عنه ، ~~وغدا في إحسانه بإدخاله جنته وتأخير العذاب عنه وما بينهما ، فكفايته تامة ~~ولأمته عامة. # ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك ~~التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم ~~يتفكرون (42) أم PageV03P214 # اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا ~~يعقلون (43)) # قوله تعالى : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في ~~منامها ): خلق الله الأرواح قبل الكون بين النور والسرور ، وتجلى لها من ~~حسنه وجماله ، فارتاحت بروح ملكوته ، واستبشرت بجمال جبروته ، فلما أدخلها ~~في الأجساد انقبضت من الاحتجاب بها عن تلك النسائم ، فتشامت ، واستنشقت ~~نفحات معادنها في الأشباح ، فيتلطف عليها الحق سبحانه ، فيخرجها كل ليلة من ~~الأشباح ، ويطيرها في بساتين ملكوته ، ويلبسها سربال نوره ، حتى تجددت ~~عليها لذائذ المحبات وحلاوات المشاهدات ، وتزيد رغبتها في قرب مولاها ~~وخدمته ، فمن حان أجلها من خروجها من الدنيا إلى الحضرة يمسكها عند توفيها ~~إما بالموت وإما بالنوم ، ومن بقي لها بعض سيرها في عالم الامتحان يرسلها ~~إلى محلها إلى وقت خروجها بالكلية إلى عند مولاها ، وفي الحديث عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إن أرواح المؤمنين تصعد كل ليلة إلى تحت العرش ~~، فمن نام على طهارة أذن لها بالسجود ، ومن لم ينم على الطهارة لم يؤذن» (1). # قال سهل : إن الله إذا توفى الأنفس أخرج الروح النوري من لطيف نفس الطبع ~~الكثيفي ، فالذي يتوفى في النوم من لطيف نفس الطبع ، لا لطيف نفس الروح ، ~~والنائم يتنفس تنفسا لطيفا ، وهو نفس الروح الذي إذا زال لم يكن للعبد حركة ms1348 ~~وكان ميتا. # وقال : حياة نفس الطبيعي بنور لطيف ، وحياة لطيف نفس الروح بذكر الله. # وقال أيضا : الروح يقوم بلطيفة في ذاتها بغير نفسي الطبع ، ألا ترى أن ~~الله خاطب الكل في الذر بنفس وروح وفهم وعقل وعلم لطيف بلا حضور طبع كثيف؟! # ( قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون (44)) # قوله تعالى : ( قل لله الشفاعة جميعا ): بين أنه مرجع الكل ~~الشافع والمشفع ؛ حتى يرجع العبد العارف إليه بالكلية ، ولا يلتفت إلى أحد سواه. # قال الواسطي : قطع أطماع العباد عن أن يصل إليه أحد إلا به بقوله : ( ~~ قل لله الشفاعة جميعا )، و ( من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~بإذنه. ) # ( وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ~~ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون (45) قل اللهم فاطر السماوات والأرض ~~عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون (46)) PageV03P215 # قوله تعالى : ( وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة ): صورة الآية وقعت على الجاحدين والمنكرين الذين ليس في سجيتهم ~~إلا متابعة الأشكال والأمثال من حيث التشبيه والخيال ؛ لأن قلوبهم خلقت على ~~مشاكلة الأضداد والأنداد وقبولها ، ولم يكن في قلوبهم سجية طباع أهل ~~المعرفة بالله ، فإذا سمعوا ذكر من لا يدخل في الخيال والمثال انقبضت ~~قلوبهم وصدورهم ، ونفرت عقولهم عن الاستقامة في الإقبال إلى الموجود الواحد ~~بالوحدانية ، القديم بالأزلية ، الباقي بالأبدية ، المنزه عن إدراك الخليقة ~~، فإذا سمعوا ذكر غير الله من الصورة والأشباح سكنت نفوسهم إليها من غاية ~~غباوتهم وكمال جهالتهم ، وهم مثل الصبيان ؛ إذ هم يفرحون بالأفراس الطينية ~~والأسود الخشبية ، ولا يطيقون أن ينظروا إلى عدو العاديات ، وأن ينظروا إلى ~~صوارم الباديات ، ومعنى الآية يقع على ضعفاء المريدين الذين طابوا برؤية ~~الالتباس في مقام المحبة ، فإذا بدا باد من أنوار سطوات عظمته جل جلاله ~~بقلوبهم فنيت قلوبهم ، وطاشت عقولهم ، واضمحلت أرواحهم ، فإذا خرجوا من تلك ~~البحار ورأوا أنوار الصفات في الآيات يستبشرون بقوة الوسائط في رؤية ~~الصفات. # قال سهل : جحدت تلك ms1349 القلوب مواهب الله عندها. # قال أبو عثمان : كل قلب لا يعرف الله فإنه لا يأنس بذكره ولا يسكن إليه ~~ولا يفرح به ، ألا ترى قوله : ( وإذا ذكر الله )؟! # ( ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به ~~من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (47) ~~وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (48)) # قوله تعالى : ( وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ): هذه ~~الآية خبر من الله للذين فرحوا بما وجدوا في أوائل البدايات مما يغتر به ~~المغترون ، وقاموا به ، وظنوا ألا مقام فوق مقامهم ، فلما رأوا ما بخلاف ~~ظنونهم لأهل معارفه وأحبائه وعشاقه من درجات المعرفة وحقائق التوحيد ولطائف ~~المكاشفات وغرائب المشاهدات ماتوا حسرة ، وأيضا سكن قوم إلى الأنوار وظهور ~~بدائع صنيع الحق ، واطمأنوا إليها ، وظنوا أنها هو ، وهم أهل الغلطات ، ~~فلما بدا لهم من الله جلال عزته وعزائم قدرته علموا أنهم ليسوا على شيء من ~~معرفة الله ، وظاهر الآية يتعلق بأهل الرياء والسمعة الذي يعجبون قبول ~~الخلق واستحسانهم ظواهرهم من الزي والعبادة ، واغتروا بمراعاتهم ، وظنوا ~~أنهم على شيء عند الله من ذلك ، فإذا بدا لهم من الله بيانا يوم القيامة ~~أنهم مشركون بالرياء والسمعة افتضحوا هنالك عند العارفين PageV03P216 # والصديقين ، وافهم أيها الناظر في هذا الكتاب أن لنا من العلوم المجهولة ~~ذوقا ، وذلك الذوق لا يليق بفهم أهل الطيلسان والطرق ، ومن ذلك أن الكفر ~~والإيمان طريقان من القهر واللطف إلى عرفان وحدانيته ، فبلغ المؤمن إليه ~~بطريق الإيمان واللطف ، ويبلغ الكافر إلى رؤية قهرياته بالحقيقة عند ~~المعاينات ، فإذا عرف أنه هالك فيها واقتحم في ظلماتها يبدو له في أحايين ~~من الله سبحانه كشوف جلاله وجماله وعلومه الأزلية وألطافه الأبدية ما يضمحل ~~فيها نيران جميع جهلهم ، وهو لا يحتسب ذلك منه ، ومن أنت من العبد ، والرب ~~قوله صدق ، ووعده حق ، وإشارته حقيقة ، فأول الآية واضحة ، وآخر الآية إشارة. # قال سهل في قوله : ( وبدا لهم ): أثبتوا لأنفسهم أعمالا ، ~~فاعتمدوها ، فلما ms1350 بلغوا إلى المشهد الأعلى رأوها هباء منثورا ، فمن اعتمد ~~الفضل نجا ، ومن اعتمد أفعاله بدا له منها الهلاك. # ( فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما ~~أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون (49) قد قالها الذين من ~~قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (50) فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ~~ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين (51) أولم يعلموا أن ~~الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (52)) # قوله تعالى : ( فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة ~~منا ) (1): شكا الله سبحانه عن المدعين الذين يقولون نحن أهله ، فإذا وصل ~~إليهم بلاؤه فزعوا إليه ؛ ليرفع عنهم البلاء ، ولا يفزعون إليه من وجدان ~~ذوق رؤية المبلي في بلائه ؛ ليستزيدوا منه الذوق ، بل يطلبوا منه راحة ~~أنفسهم ، وهم مشركون في طريق المعرفة ، وإذا وصل إليهم نعمة الظاهر تركوه ، ~~واحتجبوا بها ، فإذاهم الحجاب من كلا الطرفين احتجبوا بالبلاء من المبلي ~~وبالنعمة من المنعم. # قال الجنيد : من يرى البلاء ضرا فليس بعارف ؛ فإن العارف من يرى الضر على ~~نفسه رحمة ، والضر على الحقيقة ما يصيب القلوب من القسوة والران ، والنعمة ~~هي إقبال القلوب على الله ، ومن رأى النعمة على نفسه من حيث الاستحقاق فقد ~~جحد النعمة. PageV03P217 # ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ~~إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (53)) # قوله تعالى : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا ~~من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ): بسط الحق ~~في هذه الآية بساط عطايا ، وفجر أبحر كراماته لعطاش الرحمة ، ورفع سجوف ~~الغيرة عن أطباق الأسرار أي : إيش بكم عبادي ، مني تخافون ، ومن رحمتي ~~تقنطون ، لا تخافوا ، ولا تحزنوا ؛ فإني أحببتكم في الأزل ، وحكمت بإجراء ~~الذنوب عليكم ، وأنا عالم في الأزل بذنوبكم قبل وجودكم ، ولو كنت غضبان ~~عليكم بذنوبكم ما أحببتكم ، في الأزل أجريتها عليكم ؛ لافتقاركم إلي ؛ ~~وعجزكم ms1351 بين يدي ، كيف يقدح ذنوب الأولين والآخرين على بحار رحمتي الواسعة ، ~~وجميع الحدثان أقل من قطرة في بحار رحمتي! فأنا فتحت خزائن جودي يدخل عصيان ~~جميع خلائقي في حاشية من حواشيها ، وهذه الآية من أعظم توجيه العباد جميعا ~~، يسلي الله بها قلوب الخائفين الذين يحتشمون من دقائقه ، فيقول : لا بأس ~~بكم ؛ فإني أغفر الصغائر والكبائر والأسرار والضمائر ، أطهركم عن الجميع ، ~~وألبسكم أنوار رحمتي حتى تبقوا معي أبدا ، وتنظروا إلى وجهي الكريم بلا ~~حساب ولا عتاب ولا حجاب ولا عذاب. # قال سهل : أمهل عباده تفضلا منه على آخر نفس ، فقال لهم : لا تقنطوا من ~~رحمتي ، ولو رجعتم إلى بابي إلى آخر نفس لقبلتكم. # قال الجريري : أمر الله عباده ألا يعتمدوا أعمالهم ، ولا يقنطوا من ~~التقصير فيها ؛ فإن الرعاية والعناية سبقت بالعبادة ، ألا تراه يقول : ( ~~ قل يا عبادي. ) # وقال يحيى بن معاذ : في كتاب الله كنوز موجبة للعفو عن جميع المؤمنين ، ~~منها قوله تعالى : ( قل يا عبادي الذين. ) # ( وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا ~~تنصرون (54) واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب ~~بغتة وأنتم لا تشعرون (55)) # قوله تعالى : ( وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ) أي : ارجعوا بنعت ~~التفريد عن غيره ، إليه خاشعين ، متضرعين مشتاقين إلى جماله ، مستحيين منه ~~مما مضى في سالف الدهور عنكم بغير أنفاس مراقبة هلال جماله ، نادمين من ذلك ~~، وانقادوا له كالعاشق الواله المشغف الشائق المتضرع بين يدي معشوقه ~~احتياجا منه إليه حين تدركونه بوصف الجلال والجمال PageV03P218 # والعز والبقاء. # قال سهل : ارجعوا إليه بالدعاء والتضرع والمسألة. # وقال في قوله : ( وأسلموا له ): فوضوا الأمور إليه. # قال محمد بن علي : اعتذروا إليه مما سلف عنكم من التقصير ، وأخلصوا على ~~دوام الموافقة بعده. # وقال محمد بن حنيف : همة المنيب حنين القلب إلى أوقاته العامرة وعبادته ~~الكاملة. # قال الحسين : الإنابة جاءت من قبل المعرفة ، وأحسن الخلق إنابة إلى الله ~~ورجوعا إليه أحسنهم به معرفة. # ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في ms1352 جنب الله وإن كنت لمن ~~الساخرين (56) أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين (57) أو تقول حين ~~ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين (58) بلى قد جاءتك آياتي فكذبت ~~بها واستكبرت وكنت من الكافرين (59) ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين (60)) # قوله تعالى : ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) ~~: بين الله سبحانه أن من لم يرجع إليه بنعت الشوق والمحبة واشتغل بحظوظ ~~نفسه ووافق طبعه أيام الفترة تأسف على ذلك ، وعلى ما قصر في فناء نفسه لله ~~وفي الله في وقت كسوف الأعظم ، وأيضا أي : اطلبوا الحق بالحق ؛ حتى تعرفوا ~~أنكم لا تعرفونه بالحقيقة ، وانظروا إليه بعينه ؛ لتعلموا أن الحادث لا ~~يدرك القديم ، ولا تغتروا بصفاء أوقاتكم وطيب مواجيدكم ؛ فإنه أعز وأعظم من ~~أن يكون لأحد من أهل الحدثان ، إنما هو لنفسه لا للغير ، ولا لأحد إليه ~~سبيل لدرك حقائق نعوته الأزلية ، فإن لم تكونوا كذلك كثيرا تقولون وقت كشف ~~جماله وجلاله : ( يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) مما ترون من ~~عزة كبريائه التي تقدست من أن يلحقه أحد بنعت المعرفة الحقيقية. # قال سهل : من ترك المراعاة لحق الله وملازمة خدمته اشتغل بعاجل الدنيا ~~ولذة الهوى ومتابعة النفس ، وضيع في جنب الله أي : في ذاته من القصد إليه ~~والاعتماد عليه. # وقال فارس : يقول الله من هرب مني أحرقته أي : من هرب مني إلى نفسه ~~أحرقته بالتأسف على فوتي إذا شاهد غدا مقامات أرباب معارفي ، يدل عليه قوله ~~: ( يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله )، وهذا لا يقوله إلا محترق. PageV03P219 # وقال الجنيد في قوله : ( وأنيبوا إلى ربكم ): انقطعوا عن الكل ~~بالكلية ، فما يرجع إلينا بالحقيقة أحد ، وللغير إليه أثر ، وللأكوان على ~~سره خطر ، ومن كان لنا كان حرا مما سوانا. # ( وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم ~~يحزنون (61)) # قوله تعالى : ( وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ~~) أي : ينجي ms1353 الله الذين تقدس أسرارهم من الالتفات إلى الحدثان في محبة ~~الرحمن عن الحجاب والحرمان يوم الكشف والعيان ، ( بمفازتهم ) (1): ~~بما كان لهم في الله في أزل أزله من محبتهم وقبولهم بمعرفته وحسن وصاله ~~ودوام شهود جماله ، ( لا يمسهم السوء ) أي : لا يلحق بهم في منازل ~~الامتحان تفرقة عن مقام الوصلة وحجابا عن جمال المشاهدة ، ( ولا هم ~~يحزنون ) بفوت المراد في المعاد. # قال الواسطي : ينجيهم بما سبق لهم من الفوز ، ( لا يمسهم السوء ) ~~: زوال النعمة ، ( ولا هم يحزنون ) على الفوات. # وقال القاسم : بسعادتهم السابقة وقضيته فيهم الماضية لهم وعليهم ، لا ~~بنفوسهم المتعبة في العبادات. # وعن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد قال : بسعادتهم القديمة ~~صدق أكابر القوم في هذه الآية بأن نجاة الصديقين بالسعادة الكبرى مما يحل ~~يوم القيامة على أهل الدعوى الذين ما شموا رائحة المقامات ، وما سلكوا ~~مسالك المجاهدات ، وما أدركوا من لوائح أنوار المشاهدات ذرة ، فيفتضحون يوم ~~القيامة عند وجوه الصادقين ، بقوله سبحانه : ( ويوم القيامة ترى ~~الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة )، بل هم يفتضحون في الدنيا عند أهل ~~معرفة الله. # قال يوسف بن الحسين : أشد الناس عذابا يوم القيامة من ادعى في الله ما لم ~~يكن له بذلك ، وأظهر من أحواله ما هو خال عنها ، قال الله : ( ويوم ~~القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة. ) PageV03P220 # وقال النوري في هذه الآية : هم الذين ادعوا محبة الله ، ولم يكونوا فيها ~~صادقين. # ( الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل (62) له مقاليد ~~السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون (63)) # قوله تعالى : ( الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل ): افهم ~~يا مبارك سر هذه الآية ؛ فإن الله سبحانه أخبر فيها من سر نفسه كان في أزل ~~الأزل بحار الألوهية متلاطمة قهارة زاخرة ، ولم يكن لمكان قهره مقهور ~~ولعزته ذليل ، فغلب عزه قهره وجلال سلطانه ونور مشيئته وإرادته ، فأوجد ~~الكون ، فجاء الكون من العدم مقهورا ذليلا لقهره وعزته قهر المخلوقات ؛ إذ ~~لم يكن ms1354 في القدم مكان القهر والمقهورية ، فإذا تصاغر الأكوان في قدم الرحمن ~~وسطوات كبريائه ، وكادت تضمحل أمسكها بلطفه من قهره ، وهذا معنى قوله : ( ~~ وهو على كل شيء وكيل. ) # وقال الحسين : كل شيء أراد الله به الإهانة والتذليل ألبسه لباس ~~المخلوقية ؛ ألا ترى كيف نزه عن ذلك صفاته وكلامه؟! قال : ( الله ~~خالق كل شيء )، المخلوقات ليس لها عز إلا بالنسبة إلى خالقها ، وأنها ~~مخلوقة ، فبنسبته إليها أعزها. # قوله تعالى : ( له مقاليد السماوات والأرض ): مقاليده قدرته ~~القديمة ، وإرادته الأزلية ، أبواب الأكوان متعلقة بأفعال المشيئة ، في ~~خزائنها أنوار القدوسية ، وعرائس المشاهدة في حجال الأفعالية ، فإذا أراد ~~للعبد العارف السعادة الكبرى يفتح أبوابها بمقاليده حتى يبرز منه لأبصار ~~عشاقه أنوار جماله ، فيعيشون بلذة مشاهدته ، ويطيبون في لذة المواجيد ، ~~ويفرحون بما يجدون من نضارة وجهه الكريم ، ويطيرون في سنا قربه وهواء هويته ~~بأجنحة المحبة والمعرفة والمودة. # قال سهل : بيده مفاتيح القلوب ، يوفق من يشاء لطاعته وخدمته بالإخلاص ، ~~ويصرف من يشاء عن بابه. # ( قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون (64)) # قوله تعالى : ( قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ): إن ~~الله سبحانه حث حبيبه عليه الصلاة والسلام على تعبير الغالطين والمقبلين ~~إلى الدنيا بأنهم جاهلون حق الله وحق عبوديته ؛ إذ لا يقع للحدثان عبودية ، ~~بل لا يستحق للعبودية إلا الرحمن القديم أي : كيف أعبد غير الحق ، وأنا ~~أعرف عجز الحدثان ، وكيف أنصرف من الخالق إلى المخلوق ، وأنوار سلطان قهره ~~محيطة بكل ذرة من العرش إلى الثرى أي : أنا محفوظ مصون بصون الأزلية PageV03P221 # وعناية الأبدية عن أن يجري على قلبي الشرك في ربوبية خالقي. # قال أبو عثمان : عبادة الله على الإخلاص تنفي عن صاحبه الجهل والريب ~~والشبهة. # ( ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ~~ولتكونن من الخسرين (65) بل الله فاعبد وكن من الشاكرين (66) وما قدروا ~~الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ~~سبحانه وتعالى عما يشركون (67)) # قوله تعالى : ( لئن أشركت ليحبطن عملك ): هذا من أوائل أحوال ~~النبي صلى الله عليه ms1355 وسلم حين دخل فرسان أسراره # في ميادين الآزال والآباد ، ورأى جبروتا في جبروت وملكوتا في ملكوت وعزا ~~في عز وبحرا في بحر وسلطانا في كبرياء وكبرياء في عظمة ، فما رأى للقديم ~~الأزلي أهلا من الحدثان ، وما رأى أثرا من نفسه في جناب الربوبية ، فكاد ~~يخطر بقلبه أنه معطل ، قال الله : كلا ( ولقد أوحي إليك ): يعني ~~الرسالة والنبوة والأنباء العجيبة ، ولا شك في حالك ؛ فإنك مكرم بسابق ~~عنايتي واصطفائيتي الأزلية ، ولك إخوان حل بهم ما حل بك من الأحوال السنية ~~وغرائبات أنوار العزة ، انظر إلى ما وهبت لك من تلك الكرامات ، ولا تنظر ~~إليها مني ؛ فإن الالتفات إلى المقامات في المكاشفات والمشاهدات شرك ، وإذا ~~وقفت عني على حظك مني لتحبطن أحوالك ؛ فإن الكل قائم بي. # قال أبو العباس بن عطاء : أي : لئن طالعت بسرك إلى غيري لتحرمن من حظك من قربي. # وقال ابن عطاء : هذا شرك الملاحظة والتفات إلى غيره. # وقال جعفر : لئن نظرت إلى سواه لتحرمن في الآخرة لقاءه ، ثم أكد إلا ~~وعليه الحق سبحانه في إفراده عن غيره وإقباله إليه بنعت ترك ما سواه. # قال : ( بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ) (66) أي : كن خالصا لله ~~لا لغيره فيك نصيب ، وكن شاكرا له بنعت ألا ترى صنيعك في البين شيئا ، ~~وأظهر عجزك في معرفة المشكور ؛ فإنه الشكر لا غير ، واسكن عن الشوق إلى ~~إدراك كل القدم ؛ فإنه لا يدخل تحت إدراك الحوادث ، وهو أجل عن أن تدركه ~~بنعته بمعنى الإحاطة ، وخذ ما آتيتك ، وكن من الشاكرين ؛ فإن الخلق لا ~~يصلون إلى كنه الأزليات والأبديات ، وذلك قوله : ( وما قدروا الله ~~حق قدره ): كيف يقدرون حق قدره ونعوته الأزلية جلت من أن تحويها الحوادث ، ~~وتحيط بها الأماكن ، وتدركها الأبصار ، وتفطنها الأفهام والأفكار ، ~~والأرواح محترقة في أول بوادئ PageV03P222 # أنوار قدرته ، والعقول فانية في لمعان بديع صنائعه ، والقلوب مضمحلة في ~~لزوم واردات تقلب قضائه وقدرة؟! علم سبحانه عجز الخليقة عن وصف جلاله ~~وإدراك كماله ؛ فإنهم لا يحتملون ذرة من أنوار ذاته وصفاته عند ظهور ms1356 كشفها ~~بنعت غلبة قهره على الأكوان والحدثان ، فأجمل القول بقوله : ( وما ~~قدروا الله حق قدره )؛ حيث وصفوه بنعت الأنداد والأضداد ، ثم فصل من بطون ~~الأفعال ولوائح أنوار بعض الصفات ، فقال : ( والأرض جميعا قبضته ~~يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ): لو وصف حقيقة نفسه بغير ذكر ~~الأكوان والأفعال لغابوا في مهمة الأوهام ، وما تخلصوا أبدا من تراكم ~~الأفكار في طلب الأسرار ، بل أحالهم إلى رؤية الفعل المحيط به صفاته أي : ~~كيف تدركون من كان قهره وعظمته في مباشرة فناء العالم هكذا من حيث عقولكم ، ~~وأن السماوات والأرضين أقل من كرة في ميادين قهر صفاته؟! وعندكم أن العظيم ~~لو يكون من يقلع جبيلة من الجبال ، فذكر فعله على حد عقولهم ، فلما علم ~~ترددهم في مماثلته أفعاله ووقوع عقلهم في أودية الإشكال ومخائيل الأبعاض ~~نزه نفسه عن ذلك في آخر الآية ، كما نزه نفسه في أولها ، فقال : ( ~~سبحانه وتعالى عما يشركون ) (67) أي : تقدس عن أن يقيسه المتقايسون أو يشير ~~إليه المشيرون ، أول الآية ذكر قدم القدم لأهل الفناء في التوحيد الذاتي ، ~~وأوسط الآية ذكر ظهور جلاله وجماله بنعت الالتباس في آياته الأفعال ~~للعاشقين ، وآخر الآية ذكر حقيقة السر الصفاتي بنعت التقديس والتنزيه ، ~~ووصف إفراد قدمه عن الحدوث ، فرؤية الذات لأهل الفناء ، ورؤية الصفات لأهل ~~البقاء ، ورؤية الجمال والجلال في الأفعال لأهل العشق ، وكلهم معزولون عن ~~ساحة الكبرياء بقوله : ( سبحانه وتعالى عما يشركون. ) # قال سهل في قوله : ( وما قدروا الله حق قدره ) (1): ما عرفوه حق ~~معرفته في الأصل ولا في الفرع. # وقال الحسين : كيف يعرف قدره من لا يقدر قدره سواه. # يقول الفقير : هذا ليس في محله فإن الله تعالى وإن كان لا يعرف حق ~~المعرفة بحسب كنهه ؛ ولكن تتعلق به تلك المعرفة بحسبنا فالمعنى ههنا ما ~~عرفوا الله حق معرفته بحسبهم لا بحسب الله إذ لو عرفوه بحسبهم ما أضافوا ~~إليه الشريك ونحوه فافهم. تفسير حقي (12 / 325). PageV03P223 # قال الواسطي : لو طالعوا حق حقه في محبتهم لعلموا العجز عن ذلك بالكلية ، ~~فلم يعرف قدره من ms1357 ادعى لنفسه معه مقاما ، قال الله : ( وما قدروا ~~الله حق قدره ) # سئل الجنيد عن قوله : ( والسماوات مطويات بيمينه ): متى كانت ~~منشورة حتى صارت مطوية؟! سبحانه! نفى عن نفسه ما يقع على العقول من طيها ~~ونشرها ؛ إذ كل الكون كخردلة أو كجناح بعوضة أو أقل منها ، كذلك قال في ~~قوله : ( قائم على كل نفس بما كسبت ): كيف لا يستحيل قيامه على ~~هذا الكون الذي لا يزن ذرة عنده ، بل قيامه بنفسه لنفسه؟! # ( ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء ~~الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون (68) وأشرقت الأرض بنور ربها ~~ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون (69) ~~ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون (70)) # قوله تعالى : ( ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض ~~): أول النفخ والصعقة ترشح أنوار قهر العظمة على الأكوان والأماكن ~~والأزمان والهياكل والأمثال والصور والأشكال والأرواح القدسية الملكوتية في ~~أكناف لطافة قائمة بوجوده ، لا يقع عليها تلوين الصفات والفزع والعقوبات ، ~~وثاني النفخ والصعقة ظهور أنوار جماله في أنوار جلاله ، فمن ذلك تحيا ~~الأنفس ، وتقوم الأشباح بنور الأرواح ، ينظرون إلى سرادق الكبرياء وساحة ~~العظمة والبقاء ، ينتظرون وقوع نور الكشف بقوله : ( وأشرقت الأرض ~~بنور ربها )، يتجلى الحق سبحانه أرض أرواح العارفين والأنبياء والمرسلين ، ~~وأرض قلوب الصديقين والمقربين ، ويظهر نور جماله لأبصار الوالهين العاشقين ~~، ثم يستضيء بأنوارها أرض المحشر للعموم والخصوص ، تعالت صفاته من أن يقع ~~على الأماكن ، أو أن يكون محلا للحدثان ، يا عاقل لا يكون ذرة من العرش إلى ~~الثرى إلا وهي مستغرقة في أنوار إشراق آزاله وآباده. # قال سهل : قلوب المؤمنين يوم القيامة تشرق بتوحيد سيدهم والاقتداء بسنة ~~نبيهم صلى الله عليه وسلم . # قال القاسم : أشرقت الأرض بأولياء الله ؛ فهم فيها أنوار الله ومواضع ~~حججه وغياث عباده وملجأ خلقه. # وقال جعفر في قوله : ( إلا من شاء الله ): أهل الاستثناء محمد ~~صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وأهل المعرفة. # قال بعضهم : هم ms1358 أهل التمكين والاستقامة الذين استقاموا لله على بساط ~~العبودية ، PageV03P224 # فمكن الله أسرارهم لحمل الموارد. # ( وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها ~~وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء ~~يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين (71) قيل ادخلوا ~~أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (72) وسيق الذين اتقوا ربهم ~~إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم ~~طبتم فادخلوها خالدين (73)) # قوله تعالى : ( وقال لهم خزنتها ): في هذه الآية سر لطيف ، ذكر ~~الله سبحانه وصف غبطة الملائكة على منازل الأولياء والصديقين ، وذلك قوله : ~~( سلام عليكم طبتم ) أي : أنتم في مشاهدة جماله أبدا طيبون بلذة ~~وصاله ، سالمون عن الحجاب أبدا ، وأيضا هذا سلام الله ولكن بالواسطة ، ~~والسلام الخاص بعد دخولهم في الحضرة بقوله : ( سلام قولا من رب ~~رحيم. ) # قال ابن عطاء : السلام في الجنة من وجوه : منهم من يسلم عليهم خزنة الجنة ~~، ومنهم من يسلم عليهم الملائكة ، ومنهم من يسلم عليهم الحق لقوله : ( ~~ سلام قولا من رب رحيم. ) # ( وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من ~~الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين (74)) # قوله تعالى : ( وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ): هذا حمد ~~بعد الوصول ، وثناء عليه بعد مشاهدة وصاله من فرح وجدان مواعده الجليلة ~~ومواهبه السنية ، حمدوه بعدما وجدوه بألسنة ربانية ملتبسة بنور مدحه ، ~~استعاروا لسان المدح من الحق ، فأثنوا به على الحق ، وإلا كيف يحمدونه ~~بألسنة حدثية معلولة قاصرة عاجزة؟! # قال ابن عطاء : إن العبيد إذا شاهدوا في المشهد الأعلى آثار الفضل وما ~~أنعم عليهم من فنون النعم التي لم تكن يبلغونها بأعمالهم : ( ~~وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ) بفضله من غير استحقاق منا لذلك ، بل ~~فضلا وجودا وكرما. # وقال جعفر الصادق : هو حمد العارفين الذين استقروا في دار القرار مع الله ~~، وقوله : ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ): حمد الواصلين. # وقال أيضا : نظروا في الدنيا من الله إلى الله ، وإلى موعوده ms1359 واثقين في ~~الله ، ساكنين إلى ما أعد الله لهم. PageV03P225 # قال سهل : منهم من حمد الله على تصديق وعده ، ومنهم من حمده لأنه يستوجب ~~الحمد في كل الأحوال لما عرف من نعمه وما لا يعرفه. # ( وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي ~~بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين (75)) # قوله تعالى : ( وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ~~ربهم وقضي بينهم بالحق ): هذا خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يمر ~~على الصفائح الأعلى فوق الملكوت رأى حراس المملكة طائفين حول العرش ~~بالتحميد والتسبيح والتمجيد والتقديس ، يحمدون الله على إنجاز وعده لأهل ~~محبته وشوقه ، وبما لحق بهم من بركات العاشقين عند شروق أنوار المشاهدة ~~وعند إقرار المتحققين من المدعين ، فلما وصل الكل إليه يحمدونه بحمده إذ هم ~~يحتاجون إلى حمده ، وهو محمود بحمده القديم ، لا يختلط حمده بحمد الحامدين ~~، وذلك قوله : ( وقيل الحمد لله رب العالمين ) (75). # وقال أبو علي الجوزجاني : ما تقرب أحد إليه إلا بالافتقار والعبودية ~~والتذلل والتنزيه له من كل ما نسب إليه مما لا يليق به ؛ ألا ترى إلى مواضع ~~الملائكة يحفون بالعرش يسبحون؟! وذلك عبادتهم وتنزيههم. ### | سورة غافر # بسم الله الرحمن الرحيم # ( حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (2) غافر الذنب ~~وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير (3) ما يجادل ~~في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد (4) كذبت قبلهم ~~قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ~~ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب (5) وكذلك حقت كلمة ربك على الذين ~~كفروا أنهم أصحاب النار (6) الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ~~ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين ~~تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (7) ربنا وأدخلهم جنات عدن التي ~~وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم (8) ~~وقهم السيئات PageV03P226 # ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز ms1360 العظيم (9) إن ~~الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان ~~فتكفرون (10) قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا ~~فهل إلى خروج من سبيل (11) ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به ~~تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير (12) هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من ~~السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب (13) فادعوا الله مخلصين له الدين ولو ~~كره الكافرون (14) رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء ~~من عباده لينذر يوم التلاق (15) يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء ~~لمن الملك اليوم لله الواحد القهار (16) اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم ~~اليوم إن الله سريع الحساب (17) وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر ~~كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع (18) يعلم خائنة الأعين وما تخفي ~~الصدور (19) والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله ~~هو السميع البصير (20)) # ( حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ) (2) «الحاء» عين ~~جنات الأزل ، و «الميم» مناهل المحبة الخاصة الصفاتية الأبدية ، ومن خصه ~~الله بقربه سقاه من عين حياته حتى يكون حيا بحياته لا يجري عليه بعد ذلك ~~طوارق الفناء ؛ لأن الحق إذا تجلى من حياته التي هي صفته الأزلية لروح قدسي ~~يخرجها من ضرر الفناء والموت ؛ لأنه هو محل الاتصاف بصفته ، وصفاته ممتنعة ~~من تغاير الحدثان ، قال تعالى : ( بل أحياء عند ربهم ) [آل عمران : ~~169] ، ثم سقاه من منهل محبته فيصير سكران شوقه وعشقه والها بجمال وجهه ، ~~لا يمنعه من ذلك الأكوان بأسرها ، فمن حيث الحياة يحيي العالم بأنفاسه ~~الربانية مثل عيسى عليه السلام ، ومن حيث المحبة يطيب بجماله قلوب الخلائق ~~أجمعين حتى يشتاقوا من النظر إليه إلى جمال الحق مثل محمد صلى الله عليه وسلم ~~، ثم ينطق من جاء الحياة بعبارات الحكمة ، ومن ميم المحبة من إشارات العلوم ~~المجهولة التي لا يعرفها إلا الواردون على مناهل القدم والبقاء ، ومعنى ~~قوله : ( تنزيل الكتاب ) أي : هذان الحرفان اللذان ms1361 هما مطيتان ~~أحمالهما مظنات هذه المعاني المنزلة من عند الله الحي القيوم الملك المهيمن ~~العزيز المتكبر العليم الحكيم إلى الحبيب المحب الذي هو وسيلة الحق من الحق ~~إلى الحق ، والسفير منه إلى عباده وأحبائه ومشتاقيه أي : من الله الذي ~~ألوهيته عزيزة ممتنعة عن مطالعة الخليقة الغالبة على كل ذرة من العرش إلى ~~الثرى ، عالم ببطون PageV03P227 # الغيوب ومضمرات القلوب وحركات الأرواح وعلل الأشباح ، يعز العارفين بعزته ~~، ويشوق المحبين إلى جمال مشاهدته بمحبته الأزلية التي سبقت في الأزل لأهل ~~خالصته ، أنزل هذا التنزيل إلى سيد المرسلين ، وإمام العالمين ليبشر بنزوله ~~أهل نزل مواهبه السنية ، ومعارفه المقدسة ، وليفرح فؤاد المهتمين على ما ~~جرى عليهم خطرات الامتحان ، وهواجس النفس ، والشيطان بقوله : ( ~~غافر الذنب وقابل التوب ) يستر ذنوب المذنبين بحيث يرفع عن أبصارهم حتى ~~ينسوها ويقبل عذرهم حين افتقروا إليه بنعت الاعتذار بين يدي ربه. # ( شديد العقاب ) لمن لا يرجع إلى المآب بأن عذبه بذل الحجاب. # ( ذي الطول ) لمن أفنى نفسه لنفسه ، وطوله طول كشف جماله في ~~أوقات الواردات والمواجيد ، من خصه بالقرب والجمال ، ثم وصف نفسه بالتنزيه ~~والتقديس ، ونفى الأنداد والأضداد في ربوبيته وغفران عباده ، وتعذيب عصاته ~~بقوله : ( لا إله إلا هو إليه المصير ) (3) إليه يرجع كل مشتاق ، ~~وكل عارف محب عاشق ، يقبل منهم عذرهم في تقصيرهم في العبودية ، وقلة ~~عرفانهم حقوق الربوبية ، هو مصدر الكل ، ومصير الكل مصادر القدم ومعادنهم ، ~~لا العدم ، فإن العدم لا شيء في شيء ، وهو موجد الأشياء بلا علل ولا حيل ، ~~ثم من غيرته يعدم الكل حتى لا يبقى في ساحة الكبرياء أهل الفناء ، قال ~~تعالى : ( كل شيء هالك إلا وجهه ) [القصص : 88]. # قال سهل في قوله : ( حم ): الحي الملك ، وفي قوله : ( ~~تنزيل الكتاب ): هو الذي أنزل عليك الكتاب ، وهو الله الذي ولهت به قلوب ~~العارفين ، والعزيز من درك الخلق العليم بما أنشأ وقدر ، ( غافر ~~الذنب ): أي : ساتره على من يشاء ، ( وقابل التوب ): أي : ممن ~~تاب إليه ، وأخلص العمل بالعلم له ، ( ذي الطول ): ذي الغنى من الكل. # قال بعضهم : ( غافر ms1362 الذنب ): كرما ، ( وقابل التوب ): ~~فضلا ، ( شديد العقاب ): عدلا ، ( لا إله إلا هو ): فردا ~~، ( إليه المصير ): تصديقا للوعد. # قال بعضهم : غافرا لذنب المذنبين ، وقابلا توبة الراجعين ، شديد العقاب ~~على المخالفين ، ذي الطول على العارفين. # قال الأستاذ : غافر الذنب لمن أصر وأجرم ، وقابل التوب لمن أقر وندم ، ~~وشديد العقاب لمن جحد وعند ، وذي الطول لمن عرف ووحد. # قوله تعالى : ( ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ) أي : ما ~~يخاصم في هذه الإشارات التي رمز الحق فيها من غوامض علومه الإلهية إلا أهل ~~التقليد من المنكرين. PageV03P228 # قال سهل : هو المجادلة في الذات دون الفروع. # وقال : ( إلا الذين كفروا ): ابتدعوا غير الحق. # قال الخواص : ما كانت زندقة ، ولا كفرا ، ولا بدعة ، ولا جرأة في الدين ، ~~إلا من قبل الكلام ، والجدال ، والمراء ، والعجب ، وكيف يجترئ الرجل على ~~الجدال والمراء ، والله يقول : ( ما يجادل في آيات الله إلا الذين ~~كفروا. ) # قوله تعالى : ( الذين يحملون العرش ومن حوله ) وصف الله عراف ~~ملائكته الذين ألبسهم الله قوة جبروته ، ونور ملكوته ، وهم اللاهوتيون ~~يحملون كنز الأعظم بعظمة الله وقوته ، والسكر من شراب قربه ومحبته ، وفيض ~~مشاهدته ، يطيرون في هواء هويته بالأجنحة القدوسية ، والرفارف السبوحية ، ~~مع مرآة الوجود ، وكنوز الجود حيث يشاء الحق سبحانه من الأماكن والمشاهد ، ~~يسبحون مما يجدون منه القدس والتنزيه ، حمدا لأفضاله ، وبأنه منزه عن ~~النظير والشبيه ، يؤمنون به في كل لحظة بما يرون منه من كشوف صفات الأزليات ~~، وأنوار حقائق الذات التي تطمس في كل لمحة مسالك رسوم العقليات ، وهم ~~يقرون كل لحظة بجهلهم عن معرفة وجوده. # ثم بين أنهم أهل الرقة والرحمة والشفقة على أوليائه ؛ لأنهم إخوانهم في ~~نسب المعرفة والمحبة ، يستغفرون لهم حين أقروا كلهم بأنه تعالى لا يدركه ~~غوص الأوهام ، ولا يحويه بطون الأفهام ، سألوا غفرانهم لما جرى على قلوبهم ~~من أنهم على شيء في معرفته : ( ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ) ~~أوجدت الوجود برحمتك القديمة ، وعلمك الأزلي حتى لا يخلو ذرة من العرش إلى ~~الثرى من رحمتك وعلمك ، وجعلت الكل مرآة ms1363 لنفسك ، تجليت منها لأهل الخضوع من ~~العارفين تظهر أنوار جمالك منها لأهل رحمتك ، وهم أهل المحبة والعشق والشوق ~~، وتبرز منها بنعت الجلال والألوهية والقدم والبقاء لأهل المعرفة والتوحيد. # ( فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ) (7) أي : ~~اغفر للذين تابوا من وجودهم في وجودك ، ورجعوا من دونك إليك ، واستقاموا ~~سبيل المعرفة بعظمتك وجلالك ، وعجزهم عن إدراك عزتك بأنك تأويهم إلى أكناف ~~قربك ، وتريحهم من صولة جبروتك ، بما تكاشف لهم من جمال سرمديتك ، عجبت من ~~رحمة الملائكة المقربين كيف تركوا المصرين على الذنوب عن استغفار هذه قطعة ~~زهد وقعت في مسالكهم؟ أين هم من قول سيد البشر صلى الله عليه وسلم حين آذوه ~~قومه ، قال : «اللهم اهد قومي ؛ فإنهم لا يعلمون» (1). PageV03P229 # أعموا الأشياء بالرحمة ثم أخصوا منها التائبين ، يا ليت لو بقوا على ~~القول الأول ، وسألوا الغفران للجميع التائبين والعاصين. # قال ابن عطاء في هذه الآية : من خلقوا مطيعين قائمين لله بالتسبيح ~~والتنزيه ، يستغفرون لمذنبي المؤمنين ، وهم غافلون عن الندم على ذنوبهم ~~والاستغفار منها. # قال بعضهم : الطالب للمغفرة من يتبع الرشد ، ويخالف نفسه ومراده. # وقال سهل في قوله : ( فاغفر للذين تابوا ): من الغفلة وأنسوا ~~بالذكر واتبعوا سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم . # قوله : ( رفيع الدرجات ) يرفع درجات المريدين إلى الكرامات ، ~~ويرفع درجات المحبين إلى المشاهدات ، ويرفع درجات العارفين إلى معرفة الذات ~~والصفات ، ويرفع أهل المواجيد إلى شهود الجمال ، وأهل السلوك إلى مشهد ~~العظمة والجلال ، ويرفع الزاهدين إلى الجنان ، ويرفع المنقطعين إليه إلى ~~درجة الإيقان والعرفان ، ويرفع النفوس بعد تقديسها بالمجاهدة والرياضة إلى ~~جنته ، ويرفع العقول إلى رؤية أنوار سلطانه في برهانه ، ويرفع الأرواح إلى ~~قرب مجالس الأنس ، ويرفع الأسرار إلى مراقي القدس ، ويرفع إليه سرا خالصا ~~من جميع الدرجات حتى لا يبقى بينه وبين الحق درجة ، وصار أنوار الذات ~~والصفات منازل شهوده فيكشف كل نور له فيغيب في الأنوار ، ويفنى في الأسرار ~~، ثم يفنى في البقاء ، ويبقى الحق بالحق ولا فوق الحق إلا الحق ، وهو فوق ~~كل الدرجات بقهر الربوبية وسلطنة ms1364 الكبرياء ، وذلك قوله : ( ذو ~~العرش ) أي : ذو العرش الذي يحيط بجميع الكائنات ، وهو أقل من خردلة في ~~جلال عزة كبريائه ذكر العرش على حد العقول ؛ لأن العقل لا يصل إلا إلى مثله ~~وهناك عالم العقل فتستقر العقول هناك ، وهو متعلق بأفعاله تعالى ، والأفعال ~~قائمة بصفاته ، وصفاته قائمة بذاته ، وذلك سر استوائه على العرش فجواب ~~الاستواء قوله : ( ذو العرش ) أي : مقهور لسلطان عزته ، محتاج إلى ~~لباس نور قدرته ، مكون بإيجاده تعالى الله بذاته وصفاته عن أن يشهده ~~الأماكن والجهات ، هو منور بنور تجلي صفاته ، وهو مرآة فعله يظهر منها ~~مقدرات الآيات ، وقضيات العلم والقضاء والقدر ، وهو روح فعلي فوقه روح صفتي ~~، وفوق تلك الروح روح ذاتي ، وذلك تجلي الصفات ، وتجلي الذات يلقى تلك ~~الأرواح على من يشاء من خلقه ، فروح الأفعال للمؤمنين ، وروح الصفات ~~للمحبين ، وروح الذات للعارفين ، وذلك قوله : ( يلقي الروح من أمره ~~) فيقع الأمر على ما ذكرنا ، فأمره فعله ، وقوله وصفاته وذاته ، فظهور نور ~~الذات أمر خاص للأنبياء والمرسلين ، وظهور نور الصفات أمر خاص لأهل المعرفة ~~والتوحيد ، ونور العقل أمر بديهي لأهل محبته والموقنين في رؤية آياته ، ~~فهؤلاء مخصوصون PageV03P230 # بتلك الأرواح من حيث الوحي والرسالة والإلهام والحديث والكلام والكشف ~~والعيان ليخوفوا العباد من المشهد العظيم ، وبروز سطوات عظمة العظيم يوم ~~المشاهدة ويوم المكاشفة ويوم المخاطبة حيث يلقى المحب المحبوب ، والعاشق ~~المعشوق ، والعبد الرب ، والعارف المعروف ، والموحد الموحد ، تعالى بقوله : ~~( لينذر يوم التلاق ) (15) أي : يوم كشف اللقاء. # ثم وصف ذلك اليوم بقوله : ( يوم هم بارزون ) أي : يوم بروزهم في ~~ميادين ملكوته ، وصحارى جبروته ، بارزون على مراكب النور في ميادين السرور ~~، لو رأيت يا حبيبي هنالك زفرات الوالهين ، وعبرات الشائقين ، وشهقات ~~المشتاقين ، وغلبات المحبين ، وعربدة العاشقين ، وانبساط الصديقين ، وسكر ~~العارفين ، ووله الموحدين ، وذلك عند كشف نقابه وظهور جمال وجهه تعالى ، ~~وهو يعلم أسرار الجميع لا يخفى عليه أحوالهم وأسرارهم ، قال الله سبحانه : ~~( لا يخفى على الله منهم شيء )، محيط بضمائرهم ، ويعلم مراداتهم ، ~~فلما تمكنوا يرفع عن أبصارهم جميع الحجب ، ويريهم سبحات ms1365 جمال القيومية ، ~~فيفنى فيها الأولون والآخرون ، فلما سكنت الأرواح ، وهدأت الأصوات ، ولا ~~يبقى إلا حي قيوم قديم ، يقول بعزته : ( لمن الملك اليوم ) أي : ~~أين المدعون في المعارف والتوحيد والمبارزة بالعربدة والانبساط في مقام ~~المحبة؟ لمن البقاء السرمدي؟ ولمن الجلال الأزلي؟ ولمن الكبرياء القدمي؟ ~~أين أصحاب الأنائية؟ فأخرس الكل ، وأفنى الكل ، فيجيب نفسه إذ يستحق بجواب ~~خطابه إلا هو ؛ فيقول : ( لله الواحد القهار ) الواحد في وحدانيته ~~، القهار في فردانيته ، ثبت نسبة الوحدانية إذ الكل مبهوتون في غشاوة ~~التفرقة ، القهار من حيث قهر الجمهور ، ولا يبقى عند سطوات عظمته أحد من ~~خلقه ، فلما أوجدهم من صعقات الفناء ؛ يجازي الكل على قدر مقاماته ، يجازي ~~الزاهدين بالجنة ، ويجازي العابدين بالدرجة ، ويجازي المحبين بالمشاهدة ، ~~ويجازي المشتاقين بالمكاشفة ، ويجازي العارفين بالوصلة ، ويجازي الموحدين ~~بمطالعة سر الأولية والآخرية ، قال الله تعالى : ( اليوم تجزى كل ~~نفس بما كسبت ) أي : من هموم فراقه ، ومقاساة بلائه ، ودوام الحزن في ~~عبوديته ، والكآبة في خدمته ، وانتظار الفرج من سجنه ؛ فهذه المقاساة ~~عقوباته وبلاياه التي امتحنهم بها في الدنيا ، فيرفع الله بذلك عنهم أبد ~~الآبدين ، ويفرغ على الجميع من بحار كرمه سيول الرحمة والإنعام ، ولا يبقى ~~ذرة من بلائهم إلا وهو يجازيه بحسن صحبته ، وكشف نظارة وجهه ، تعالى الله ~~عن التشبيه ، وقال الله تعالى : ( لا ظلم اليوم إن الله سريع ~~الحساب ) سرعة حسابه تعالى أن لو كان مثل ما خلق ألف ألف مرة ، وبكل ذرة ~~منها عالم ، وفيه على قدر كل ذرة خلق ، وهم يعملون على أضعاف ما عملوا ، ~~فيريهم جميع PageV03P231 # ذلك في أقل لمحة ، بحيث هم يعرفونها ويرونها ثم يجازيهم بأقل من لمحة ، ~~وهو قادر بذلك ، وهاهنا أن يسأل عنهم أعمالهم ؛ فيغفر لهم ذنوبهم في أقل من ~~لمحة ، وهو غفور شكور رحيم ودود. # قال سهل في قوله : ( رفيع الدرجات ذو العرش ): يرفع درجات من ~~يشاء بالمعرفة به. # وقال في قوله : ( يلقي الروح من أمره ): أي : ينزل الوحي من ~~السماء بأمره. # وقال ابن عطاء : يرفع درجات من يشاء في الدارين ، فيجعله عزيزا فيها ms1366 ، ~~والعرش إظهارا لقدرته ، لا مكانا لذاته. # ( يلقي الروح من أمره ) على ضروب ، فمن ألقى إليه روح الصفا ~~أنطقه بها وأحياه حياة الأبدي ، والروح روحان ؛ روح بها حياة الخلق ، وأخرى ~~لطيفة بها ضياء الحق. # وقال فارس : زين العرش بأنوار ذاته ؛ فلا يوازيه شيء ، ولا يقابله مثل. # وقال الحسين : العرش غاية ما أشار إليه الخلق. # وقال ابن عطاء في قوله : ( يلقي الروح ): حياة الخلق على حسب ما ~~ألقى إليهم من الروح ؛ فمنهم من ألقى إليه روح الرسالة ، ومنهم من ألقى ~~إليه روح النبوة ، ومنهم من ألقى إليه روح الصديقية ، ومنهم من ألقى إليه ~~روح الشهادة ، ومنهم من ألقى إليه روح الصلاح ، ومنهم من ألقى إليه روح ~~العبادة والخدمة ، ومنهم من ألقى إليه روح الهداية ، ومنهم من ألقى إليه ~~روح الحياة فقط فهو ميت في الباطن ، وإن كان حيا في الظاهر. # وقال جعفر : يخص من يشاء من عباده بترويح سره بمعرفته ، وتزيين نفسه ~~بطاعته. # وقال الأستاذ : روح هو روح الإلهام ، وروح هو روح الإعلام ، وروح هو روح ~~الإكرام. # وقال ابن عطاء في قوله : ( لمن الملك اليوم ): لولا سوء طباع ~~الجهال ، وقلة معرفتهم لما ذكر الله قوله ( لمن الملك اليوم )؛ ~~فإن الملك لم يزل ولا يزال له ، وهو الملك على الحقيقة ، ولكن لما جهلوا ~~حقه ، وحجبوا عن معرفته في الدنيا ، وشاهدوا الملك وحقيقته ألجأهم الاضطرار ~~إلى أن قالوا : ( لله الواحد القهار. ) # وقال : الواحد الذي بطل به الإعداد ، والقهار الذي قهر الكل على العجز ~~بالإقرار له بالعبودية طوعا وكرها. # قال جعفر : أخرس المكونات ذوات الأرواح عن جواب سؤاله في قوله : ( ~~ لمن PageV03P232 # الملك اليوم )، فلم يجسر أحد على الإجابة ، وما كان بتحقيق أن ~~يجيب سؤاله سواه ، فلما سكنت الألسن عن الجواب أجاب نفسه بما كان يستحق من ~~الجواب ؛ فقال : ( لله الواحد القهار. ) # وقال ابن عطاء في قوله : ( اليوم تجزى ): من طالع من نفسه ~~أفعاله وأذكاره وطاعته جزي على ذلك ، ولا ظلم عليه فيه ، ومن طالع فضله ~~ومنه أسقط عن درجة الجزاء على مقام الأفضال والرحمة بقوله ms1367 : ( قل ~~بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ) (58) [يونس : 58]. # وقال أبو بكر بن طاهر : يريك جزاء كسبك ، وما تستحق بذلك ، لترى بعد ذلك ~~محل الفضل والكرم. # قوله تعالى : ( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ) وصف الله ~~خيانة العيون وخفايا الصدور ، وقال : لا يخفى علي منها شيء ، وذلك أن العين ~~باب من أبواب القلب ، فإذا رأت العين شيئا يكون حظ القلب منه ، يعلم ذلك ~~نفسه فيطلب الحظ منه ، ومن القلب إلى العين باب يجري عليها حركة هواجس ~~النفس تحثها على النظر إلى شيء فيه لها نصيب ، فإذا تحققت ذلك علمت أن ~~خيانة العين متعلقة بما تخفي الصدور ، وإذا كان العارف عارفا بنفسه ويروضها ~~برياضات طويلة ، ويقدسها بمجاهدات كثيرة ، ويزمها بزمام الخوف ، وآداب ~~الشريعة ، صارت صافية من حظوظها ، فبقيت في سرها جلتها على الشهوات ، ففي ~~كل لحظة يجرى في سرها طلب حظوظها ، ولكنها سترتها على العقل وأخفتها ، عن ~~الروح من خوفهما ، فإذا وجدت الفرصة خرجت إلى روزنة العين ، فتنظر إلى ~~مرادها ، وتسرق حظها من النظر إلى المحارم ، وذلك النظر خفي ، وتلك الشهوة ~~خفية ، وصفهما الله سبحانه في هذه الآية ، واستعاذ منها النبي ~~صلى الله عليه وسلم حيث قال : «أعوذ بك من الشهوة الخفية» (1). # وقال أبو حفص النيسابوري : زنا العارف نظره بالشهوة ، وافهم واسمع حقيقة ~~ذلك أن الروح العاشقة إذا احتجبت عن مشاهدة جمال الأزل تنقبض وتطلب حظها ، ~~ولا تقدر أن تنظر إلى ، الحق فتطلب ذلك من صورة الإنسانية التي فيها آثار ~~الروحانية ، فتنظر من منظره إلى منظر العقل ، ومن منظر العقل إلى منظر ~~القلب ، ومن منظر القلب إلى منظر النفس ، ومن منظر النفس إلى منظر الصورة ، ~~وتنظر من العين إلى جمال المستحسنات ، لينكشف لها ما يستر PageV03P233 # عنها من شواهد الحق ، فتذهب النفس معه وتسرق تحته حظها من النظر بالشهوة ~~، فذلك النظر منها غير مرض في الشرع والطريقة. # وفي سر الحقيقة نظر الروح إلى الحق بالوسائط أيضا خيانة ، وخيانته في ~~الصدر ألا يصبر في مقام القبض ليجري عليه أحكام الحقيقة ، ثم ms1368 ينكشف له عالم ~~البسط ، فنبهنا الله بهذه الآية أنه يعلم بعلمه القديم هذه الخفايا ولا ~~يستحسن. # قال أبو عثمان : خيانة العين هو ألا يغضها عن المحارم ، ويرسلها إلى ~~الهوى والشهوات. # وقال أبو بكر الوراق : يعلم من يمد عينه إلى الشيء معتبرا ، ومن يمدها ~~لإرادة وشهوة. # وقال الأستاذ : خيانة أعين المحبين استحسانهم شيئا ، ولهذا يقال : # بمنظر حسن مذ غبت عن عيني %~% يا قرة العين سل عيني هل اكتحلت # ( أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من ~~قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان ~~لهم من الله من واق (21) ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا ~~فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب (22) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان ~~مبين (23) إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب (24) فلما جاءهم بالحق ~~من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد ~~الكافرين إلا في ضلال (25) وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف ~~أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد (26) وقال موسى إني عذت بربي ~~وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب (27) وقال رجل مؤمن من آل فرعون ~~يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن ~~يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من ~~هو مسرف كذاب (28) يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من ~~بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل ~~الرشاد (29) وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب (30) مثل ~~دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد (31) ~~ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد (32) يوم تولون مدبرين ما لكم من الله ~~من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد (33) ولقد جاءكم يوسف من قبل PageV03P234 # بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به ms1369 حتى إذا هلك قلتم لن ~~يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب (34) الذين ~~يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا ~~كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (35) وقال فرعون يا هامان ابن لي ~~صرحا لعلي أبلغ الأسباب (36) أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه ~~كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب ~~(37) وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد (38) يا قوم إنما هذه ~~الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار (39) من عمل سيئة فلا يجزى ~~إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ~~يرزقون فيها بغير حساب (40)) # قوله تعالى : ( وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد ) ~~سبيل الرشد طريق المعرفة ، ومعرفة الله موافقة الله ، ومتابعة الأنبياء ~~والأولياء ، ولا يحصل الموافقة إلا بترك مراد النفس ، لذلك قال : ( ~~ يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار. ) # قال محمد بن علي الترمذي : لم تزل الدنيا مذمومة في الأمم السالفة عند ~~العقلاء منهم ، وطالبوها مهانون عند الحكماء الماضية ، وما قام داع في أمة ~~إلا حذر متابعة الدنيا وجمعها والحب لها. # ألا ترى إلى فرعون كيف قال : ( اتبعون أهدكم سبيل الرشاد ) كأنهم ~~قالوا : وما سبيل الرشاد؟ قال : ( إنما هذه الحياة الدنيا متاع ) ~~أي : لن تصل إلى سبيل الرشاد ، وفي قلبك محبة الدنيا ، وطالبا لها. # ( ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار (41) ~~تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز ~~الغفار (42) لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة ~~وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار (43) فستذكرون ما أقول لكم ~~وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد (44) فوقاه الله سيئات ما مكروا ~~وحاق بآل فرعون سوء PageV03P235 # العذاب (45) النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم ms1370 تقوم الساعة ~~أدخلوا آل فرعون أشد العذاب (46) وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين ~~استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار (47) قال ~~الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد (48) وقال الذين في ~~النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب (49) قالوا أولم تك ~~تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ~~ضلال (50) إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم ~~الأشهاد (51) يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ~~(52) ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب (53) هدى وذكرى ~~لأولي الألباب (54) فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك ~~بالعشي والإبكار (55) إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن ~~في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير (56) ~~لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون (57) ~~وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ~~ما تتذكرون (58) إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ~~(59) وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم ~~داخرين (60) الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله ~~لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (61) ذلكم الله ربكم خالق كل ~~شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (62) كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله ~~يجحدون (63) الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن ~~صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين (64) هو ~~الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين (65)) # قوله تعالى : ( وأن مردنا إلى الله ) مرد العارفين إلى الله ~~بالتفاوت ، ومرد المؤمنين إلى الجنة ، ومرد المحبين إلى المشاهدة ، ومرد ~~العارفين إلى الوصلة ، ومرد الكل إلى قضيات الأزلية. # وقال حمدون القصار : لا أعلم في القرآن آية أرجى من قوله : ( وأن ~~مردنا إلى ms1371 الله )؛ PageV03P236 # فقد حكي من بعض السلف أنه قال : الكريم إذا قدر عفا ، وإنما يكون مرد ~~العبد إلى ربه إذا أتاه على حد الإفلاس والفقر ، لا أن يرى لنفسه مقاما في ~~إحدى الدارين ، وهو أن يكون في الدنيا خاشعا لمن يذله ، ولا يلتفت إليه ~~هاربا ممن يكرمه ويبره ، ويكون في الآخرة طالبا للفضل ، مشفقا من حسناته ~~أكثر من إشفاق الكفار من كفرهم. # قوله تعالى : ( وأفوض أمري إلى الله ) أي : أفوض أمري في الدنيا ~~والآخرة إلى الله فهو بصير بعجزي وضعفي عن رد القضاء والقدر ، وكمال ~~التفويض ألا يرى لنفسه ، ولا للخلق جميعا قدرة على النفع والضر ، ويرى الله ~~إيجاد الوجود في جميع الأنفاس بنعت المشاهدة والحال لا بنعت العلم والعقل. # وقال بعضهم : التفويض قبل نزول القضاء ، والتسليم بعد نزول القضاء. # وقال ذو النون حين سئل عنه : متى يكون العبد مفوضا؟ قال : إذا آيس من ~~فعله ونفسه ، والتجأ إلى الله في جميع أحواله ، ولم يكن له علاقة سوى ربه. # قوله تعالى : ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ~~ويوم يقوم الأشهاد ) نصرة الرسل بالعرفان ، ونصرة المؤمنين بالإيقان ، ~~وأيضا نصرة الرسل بالوحي ، ونصرة المؤمنين بالإلهام ، وأيضا نصرة الرسل ~~برؤية الصفات ، ونصرة المؤمنين برؤية الآيات ، نصرتهم يوم الإشهاد على وفق ~~سرهم في المعرفة ؛ فنصرة الرسل الوصلة ، ونصرة المؤمنين المشاهدة ، نصرهم ~~على كل شيء يكاد يحجبهم عن المشاهدة في الدنيا والآخرة. # وقال جعفر : ينصر رسلنا بالمؤمنين ظاهرا ، وينصر المؤمنين بالرسل باطنا. # وقال سهل : أكرمهم بالمعرفة والعلم ، ( ويوم يقوم الأشهاد ) ~~بالرضا والرؤية. # وقال يحيى بن معاذ : لم يرض بما ضمن لهم من النصرة في الدنيا حتى ضمن لهم ~~النصرة في القيامة ، ومن كان الله ناصره في الدنيا والآخرة ؛ فلا سوء عليه. # قوله تعالى : ( يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ) ظلمهم وضع ~~المعذرة في غير موضعها ؛ فإن معذرتهم أن يكون في الدنيا لا في الآخرة ، ~~وظلمهم أيضا عدو لهم عن الحق إلى الحق ، يا ليت لو كان لهم عناية الأزلية ~~التي تؤثر في الإحسان جميعا ، ومن لم ms1372 يكن له سوابق القدم بنعت العناية لم ~~يؤثر فيه الأعمال والأوقات. # قال بعضهم : يؤثر في العباد السوابق على الأوقات ، ولو كان للوقت أثر ~~لنفع الظالمين معذرتهم ، فلما أخبر الله عنهم بقوله : ( يوم لا ~~ينفع الظالمين معذرتهم ) علمت أن السوابق هي المؤثرة لا الأوقات. PageV03P237 # قوله تعالى : ( فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ~~ربك بالعشي والإبكار ) أي : فاصبر في بلائنا ؛ فإن النصر مع الصبر ، وإن ~~الظفر مع تحمل البلاء ، وإن وعد كشف الجمال الأزلي من الله لك ولمحبتك حق ، ~~واستغفر لما جرى على قلبك من أحكام البشرية ، وأيضا استغفر لوجودك في وجود ~~الحق ، فإن كون الحادث في كون القدم ذنب في إفراد القدم عن الحدوث ، وأيضا ~~استغفر من وقوفك على مقامك بين يدي ، فإن الوقوف في ميادين الآزال والآباد ~~ذنب لسلاك المحبة ، ونزهني وقت إشراق أنوار شمس وجودي لك من أن تدركني ~~بالحقيقة ، وحمدني ومجدني حين تغيب عنك ، وبقيت في الصحو من السكر. # سئل بعضهم : الصبر على العافية أشد أم على البلاء؟ فقال : طلب السلامة في ~~الأمن أشد من طلب السلامة في الخوف. # قوله تعالى : ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ) أي : ادعوني في ~~زمان الدعاء الذي جعلته خاصا لإجابة الدعوة ، فادعوني في تلك الأوقات ، ( ~~ أستجب لكم )؛ فإن وقوع الإجابة فيها حقيقة بلا شك ، ومن لم يعرف ~~أوقات الدعاء فدعاؤه ترك أدب ؛ فإن الدعاء في وقت الاستغفار من قلة معرفة ~~المقامات ، فإن السلطان إذا كان غضبان لا يسأل عنه ، وإذا كان مستبشرا ~~فيكون زمانه زمان العطاء والفضل ، ومن عصى السلطان ، ويسأل منه شيئا فيضرب ~~عنقه ، ومن يطع السلطان ثم يسأل ؛ فإنه أجدر أن يعطيه مأموله ، وأيضا ( ~~ ادعوني ) في وقت غليان قلوبكم بالشوق إلى لقائي ، ( أستجب ~~لكم ) بكشف جمالي ، وأعطيكم مأمولكم لذلك قال صلى الله عليه وسلم : «ادعوا ~~الله على رقة قلوبكم. # وأيضا ادعوني بلا سؤال ( أستجب لكم ) بلا محال ، فإنك إذا شوقت ~~إلى جمالي تدعوني لنفسي ، فوجب من حيث الكرم أن أجيب لك بنعت مرادك ، فإنك ~~إذا سألت شيئا لم ms1373 تدعني بل دعوت مرادك. # قال بعضهم : ( ادعوني ) بلا غفلة ، ( أستجب لكم ) بلا مهلة. # قال الوراق : ادعوني على حد الاضطرار والالتجاء حيث لا يكون لكم مرجع إلى ~~سواي ( أستجب لكم. ) # وقال محمد بن علي : من دعا الله ، ولم يعمر قبل ذلك سبيل الدعاء بالتوبة ~~والإنابة وأكل الحلال واتباع السنن ومراعاة السر كان دعاؤه مردودا ، وأخشى ~~أن يكون جوابه الطرد واللعن. PageV03P238 # قوله تعالى : ( الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار ~~مبصرا ) أي : لتسكنوا في حضوركم بما تجدون من روح الملكوت ، وتستنشقون ~~نفحات الجبروت ، وفي النهار تشاهدون أنوار صفاتي في آياتي. # قال بعضهم : ( لتسكنوا فيه ) إلى روح المناجاة ، ( ~~والنهار مبصرا ) لتبصروا فيه بوادي القدرة. # ( الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن ~~صوركم ورزقكم من الطيبات ) أي : ( قرارا ) لمراقبتكم ، وطلب ~~مشاهدتي وخدمتي ، ( والسماء ) لنظركم إلى ديوان ملكوتي ، ( ~~وصوركم فأحسن صوركم ) بأن ألبستكم أنوار جلالي وجمالي وخلقي ، وإيجادكم ~~بنفسي ، ونفخت من روحي فيكم الذي حسن الهياكل من حسن الهياكل من حسنه ، ومن ~~عكس جماله ؛ فإنه مرآة نوري أتجلى منه للأشباح أرزاقه ذكره ، وصفاء كشوف ~~أنواره للأرواح والعقول ، فقوت النفوس من أفعاله ، وقوت القلوب من صفاته ، ~~وقوت الأرواح من ذاته ، وهو أحسن الأرزاق ، إذ قامت به حقائق المحبة ولطائف ~~المعرفة ، ودقائق التوحيد. # ألا ترى إلى رمز الحق فيه بقوله : ( ذلكم الله ربكم ) ثم نزه ~~نفسه عن الأشكال والأبعاض والحلول في الأماكن بقوله : ( فتبارك ~~الله رب العالمين ) من بركته وجود العالمين ، ومن تربيته تكونت الخلائق ~~أجمعون. # قال أبو سليمان : القرار لمن استقر على طلب الموافقة ، واجتنب التخطي إلى ~~المخالفة. # قال بعضهم : جعل الأرض قرارا لأوليائه ، والسماء بناء لملائكته. # ثم زاد في وصف عزته وجلاله ، وحياته الأزلية ، وبقائه الأبدي بقوله : ( ~~ هو الحي لا إله إلا هو ) بين أن الحياة الحقيقية القدمية له لا ~~لغيره ؛ إذ حييت بحياته الأرواح والأشباح ، وبه قامت الكائنات والحوادثات ، ~~لا بذواتها تجلى من حياته للعدم ، فأوجد الكل حيا بحياته. # ثم نفى عن الكل الألوهية ، ونفى الحياة الأزلية عن الكل في ms1374 إفراد قدمه عن ~~الكون بقوله : ( لا إله إلا هو. ) # ثم أمر العباد بالعبودية الخالصة له ، والتضرع إليه بقوله : ( ~~فادعوه مخلصين له الدين ) أي : مخلصين عن النظر إلى الأكوان في مشاهدة ~~الرحمن. # ثم حمد نفسه ألا يعرفه أحد سواه بقوله : ( الحمد لله رب العالمين ~~) (65) بألا PageV03P239 # يعرفني غيري. # قال الواسطي : هو الذي أحيا القلوب بفوائد أنواره ، وسواطع عزته عن هواجس ~~الهياكل ، وظلمات الأجسام. # وقال الحسين : هو الذي أحيا العالم بنظره ؛ فمن لم يكن به وبنظره حبا ؛ ~~فهو ميت ، وإن نطق أو تحرك. # وقال الجنيد : الحي على الحقيقة من به حياة كل حي. # ( قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني ~~البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين (66) هو الذي خلقكم من تراب ثم ~~من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ~~ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون (67) هو الذي يحيي ~~ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (68) ألم تر إلى الذين يجادلون ~~في آيات الله أنى يصرفون (69) الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا ~~فسوف يعلمون (70) إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون (71) في الحميم ثم ~~في النار يسجرون (72) ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون (73) من دون الله ~~قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين (74) ~~ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون (75) ادخلوا ~~أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (76) فاصبر إن وعد الله حق ~~فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون (77) ولقد أرسلنا رسلا ~~من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي ~~بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون (78) ~~الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون (79) ولكم فيها منافع ~~ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون (80) ويريكم آياته ~~فأي آيات الله تنكرون (81) أفلم ms1375 يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما ~~كانوا يكسبون (82) فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم ~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (83) فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين (84) فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا PageV03P240 # سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون (85)) # قوله تعالى : ( فإذا جاء أمر الله قضي بالحق ) بين أن مراد الحق ~~سابق على كل مراد لا تتغير سوابق مقاديره ، فإذا جاء ما قد يظهر حقيقة ~~القضية الأزلية. # قال الواسطي : من ذكر القسمة ، وما جرى له في السبق ينقطع عن السؤال ~~والدعاء ، ويعلم أن المقضي كان من الحق وبالحق. # قوله تعالى : ( ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون ) آياته ~~أنبياؤه وأولياؤه ، وهم أعظم الآيات ، إذ يتجلى الحق من وجوههم بنعت العزة ~~والكبرياء للعالمين ، وأي منكر أعظم ممن ينكر على هذه الآيات الساطعة ، ~~والبراهين الواضحة. # قال سهل : أظهر آياته في أوليائه ، وجعل السعيد من عباده من صدقهم في ~~كراماتهم ، وأعمى أعين الأشقياء عن ذلك ، وصرف قلوبهم عنهم ، ومن أنكر ~~كرامات الأولياء ؛ فإنه ينكر قدرة الله ، فإن القدرة تظهر على الأولياء ~~بالآيات لا هم بأنفسهم يظهرونها ، والله يقول : ( ويريكم آياته فأي ~~آيات الله تنكرون ) (81). # قوله تعالى : ( سنت الله التي قد خلت في عباده ) بين الله سبحانه ~~أنه لا ينفع إيمان المنكرين أولياءه وأنبياءه عند معاينة جزاء إنكارهم ؛ ~~فإنه بجلاله وعزته منتقم لأوليائه من أعدائه. # قال سهل : السنة مشتقة من أسماء الله : السين سناء الله ، والنون نور ~~الله ، والهاء هداية الله ، بقوله : ( سنت الله التي قد خلت في ~~عباده ) أي : فطرة الله التي جبل عليها خواص عباده هداية منه لهم ؛ فهم على ~~سنن الطريق الواضح إليه. ### | سورة فصلت # بسم الله الرحمن الرحيم # ( تنزيل من الرحمن الرحيم (2) كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم ~~يعلمون (3)) # ( حم (1) تنزيل من الرحمن الرحيم ): معنى الحاء والميم أن هذا ~~الخطاب وهذا التنزيل ms1376 من الحبيب الأعظم إلى المحبوب الأعظم ، وأيضا هو قسم ~~أي : بحياتي ومجدي هذا التنزيل نزل من عين الرحمانية الرحيمية الأزلية ~~الأبدية ، نزل برحمتي على عبادي ومحبتي لهم ، وأيضا بحياتك ومشاهدتك يا ~~حبيبي ويا محبوبي هذا تنزيل أنزلت إليك بالرحمة PageV03P241 # والكرم عليك وعلى أمتك. # قال سهل في قوله : ( حم ): قضى في اللوح المحفوظ وكتب فيه ما هو كائن. # وقال الأستاذ : أي : بحقي وحياتي ومجدي في ذاتي وصفاتي إن هذا تنزيل من ~~الرحمن الرحيم. # ( بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون (4)) # قوله تعالى : ( بشيرا ونذيرا ): بشيرا لمن أقبل إلى الله بنعت ~~الشوق ، وطلب معرفة جلاله وجماله ، وكشف لقائه أن مأمولهم حصل لهم ، ونذيرا ~~لمن أعرض عنه ، وأقبل إلى نفسه ، وينظر إلى طاعته ومعاملته ، وأيضا بشيرا ~~للأولياء بنيل المقامات ، ونذيرا لهم يحذرهم من المخالفات لئلا يسقطوا من ~~الدرجات. # قال محمد بن علي : بشيرا بمطالعة الرجاء ، ونذيرا بمطالعة الخوف. # وقال سهل : بشيرا للعاصين بالغفران والشفاعة ، ونذيرا للمطيعين ؛ ~~ليستعملوا آداب السنن في طاعتهم. # قال الأستاذ : بشيرا لمن اخترناهم واصطفيناهم ، ونذيرا لمن أغويناهم وعن ~~شهود آياتنا أعميناهم. # ( وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن ~~بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون (5)) # قوله تعالى : ( وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي ~~آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ) أي : قلوبنا في أكنان قهريات الأزليات ~~وفي بطش جبروت العظمة ألقتها في غيابات الغي وظلمات الريب ، وأبعدتها عن ~~مشاهدتك وما أخبرتنا من أحكام العبودية وأنوار الربوبية ، وفي آذاننا وقرا ~~لضلالة وغشاوة الغفلة ، لا تسمع خطاب الخاص بفهم الخاص وسمع الخاص ، وبيننا ~~وبينك حجاب الشقاوة وغطاء الغباوة والغواية. # قال سهل : أي : قلوبنا في أغطية الإمهال ، فمالت إلى الشهوة والهوى ، ولم ~~تسمع داعي الحق ، وفي آذاننا وقر أي : بها صمم من الخير ، ولا يسمع هواتف الحق. # وقال بعضهم : قلوبهم في حجاب من دعوة الحق ، وأسماعهم في صمم من نداء ~~الحق ، كلت ألسنتهم عن ذكر الحق ، وجعل بينهم وبين الحق حجاب الوحشة ، وهو ~~الحجاب الذي لا يرفع أبدا. # ( قل ms1377 إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ~~فاستقيموا إليه PageV03P242 # واستغفروه وويل للمشركين (6) الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة ~~هم كافرون (7) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (8)) # قوله تعالى : ( فاستقيموا إليه واستغفروه ) أي : استقيموا في ~~إقبالكم إليه بنعت التفريد عن الأكوان والحدثان وعن وجودكم ، واصبروا في ~~ساحة كبريائه حين شاهدتم أنوار عظمته وجلاله حتى يجري عليكم أحكام الفناء ~~في بقائه وقميص الاستقامة لم يحظ للحدثان ، لذلك قال صلى الله عليه وسلم : ~~«استقيموا ولن تحصوا» (1)، وقال «شيبتني هود وأخواتها» (2)؛ لما فيه من ~~قوله : ( فاستقم )، فإذا وقع عليكم العلم بمعرفته فاستغفروه من ~~إدراككم وعلمكم به ومعاملتكم له ووجودكم في وجوده ؛ فإنه تعالى أعظم من درك ~~الخليقة ، وتلاصق الحدثان بجناب جلاله. # قال بعضهم : الاستقامة مساواة الأحوال مع الأفعال والأقوال ، وهو ألا ~~يخالف الظاهر الباطن والباطن الظاهر ، فإذا استقمت واستقامت أحوالك فاستغفر ~~من رؤية استقامتك ، واعلم أن الله هو الذي قومك لا أنك استقمت. # ( قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له ~~أندادا ذلك رب العالمين (9) وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها ~~أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين (10) ثم استوى إلى السماء وهي دخان ~~فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (11) فقضاهن سبع ~~سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ~~ذلك تقدير العزيز العليم (12) فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد ~~وثمود (13) إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله ~~قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون (14) فأما عاد ~~فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله ~~الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون (15) فأرسلنا عليهم ريحا ~~صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة ~~أخزى وهم لا ينصرون (16)) PageV03P243 # قوله تعالى : ( قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ): ~~يوم القضاء ويوم القدر ويوم ms1378 الأمر ، والقول ويوم الظاهر والباطن أي : ~~تجحدون من أوجد سبع أرضين في يومين لكم ، وتكفرون نعمته ، وتقبلون إلى غيره. # ( ذلك رب العالمين ) (9) أي : صاحب هذه النعم ، ثم زاد ذكر نعمته ~~عليهم بقوله : ( وجعل فيها رواسي من فوقها ): رواسي أوتاد الأرض ~~من الأولياء ، مشرفون على قلوب الخلائق بسر من الله معهم ، ونور منه في ~~قلوبهم ، ( وبارك فيها ) بإظهار آياته فيها ، وخلق منافع الكل فيها ~~، ( وقدر فيها أقواتها ) (1): أرزاق الخلائق بكل خلق منهم عنده ~~رزق ، فرزق الروحانيين المشاهدة ، ورزق الربانيين المكاشفة ، ورزق الصديقين ~~المعرفة ، ورزق العارفين التوحيد ، ورزق الأرواح الروح ، ورزق الأشباح ~~الأكل والشرب ، وهذه الأقوات تظهر من الحق لهم في هذه الأرض التي خلقت ~~معبدا للمطيعين ومرقدا للمقبلين وقبرا للعارفين ، ( في أربعة أيام ~~): يوم ظهر نور الفعل العام ، ويوم ظهر نور الفعل ، ويوم ظهر نور الصفة ، ~~ويوم ظهر نور الذات ، الأول : نور الإرادة ، والثاني : نور المشيئة ، ~~والثالث : نور القدرة ، والرابع : نور القضاء والقدر ، فنور الأفعال بركة ~~على الأشباح ، ونور الفعل الخاص بركة على القلوب ، ونور الصفة بركة على ~~العقول ، ونور الذات بركة على الأرواح ؛ فأقواتها على مقادير تلك البركات ، ~~وهذان اليومان مع الأول أربعة ، ثم بين أنه تعالى قدر هذه المقادير فيها ~~على سنن مستوية بقوله : ( سواء للسائلين ) (10)، لا يزيد الرزق ~~بالسؤال ولا ينقص ، وفيه تأديب لمن لم يرض بقسمته ، وبين أن ما سبق منه في ~~الأزل من السعادة والشقاوة لا يتغير بجهد الجاهدين وسؤال السائلين ، بل جف ~~القلم بما أنت لاق ، ثم ذكر صنيعه المبارك في تسويته السماء وتزيينها بقوله ~~: ( ثم استوى إلى السماء )، بسط نور قدمه عليها ، فسواها سبع ~~سماوات ، كما بسط نور قدرته على الأرضين ، فلما أدخل في السماوات والأرضين ~~روح فعله وكساها نور قدرته وقهرهما بجبروته دعاهما إلى خدمته ، ( ~~فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) (11) أي : ائتيا ~~من العدم إلى ساحة القدم ، وائتيا بما قدرنا فيكما من أنوار فعلنا ، ( ~~ طوعا أو كرها ) طوعا : من حيث الحدوثية والعجز ، أو كرها من حيث ~~أنكما تعلمان ms1379 أنكما لا PageV03P244 # تطيقان حمل وارد أمري وطاعتي بالحقيقة ، فتشققا من قهري ، ائتيا وإن ~~أنتما خائفان من قهر سلطاني وبطش جبروتي ، وأيضا ائتيا طوعا من حيث باشركما ~~روح فعلي ، فيقسمان على العجز ، وائتيا كرها من حيث الحدوثية والعجز ، أو ~~كرها من حيث إن عليكما لباس ربوبيتي وما وجدتما من سر الألوهية ونظرتما إلى ~~ذلك وظهور جرأتكما بنعت البقاء ؛ فإن عليكما نور صفاتي ، وأنتما خارجان من ~~عز الربوبية ، فائتيا وإن عليكما كسوة جباريتي حتى تكونا في جلال كبريائي ~~أقل من خردلة ، فلما سمعا خطاب الغيرة ولم يبق فيهما كره ( قالتا ~~أتينا طائعين ) في حمل أنوار ضيائك ؛ حيث عجزنا عن حمل أمانتك وأنوار صفاتك ~~التي حملها الإنسان ، ثم بين أن خلقهن أيضا كان في يومين حتى يكون ستة أيام ~~، كما قال سبحانه : ( خلق السماوات والأرض في ستة أيام )، فأتمهن ~~جميعا في يومين : يوم أشرقت أنوار القدم عليها ، ويوم طلعت شمس البقاء ~~عليها ، ( وأوحى في كل سماء أمرها ) بما أودعها من خزائن أسراره ~~ولطائف أنواره وحقائق مقاديره التي لا يطلع عليها إلا من يكشف له منها شيئا ~~من الأنبياء والأولياء والملائكة ، ثم خص السماء الدنيا من بينهن بالزينة ~~وشرف إلباسه إياها أنوار قدرته الخاصة ، وأفعاله المقدسة من الشمس والقمر ~~والنجوم بقوله : ( وزينا السماء الدنيا بمصابيح ): زينها بأنوار ~~الكروبيين كما زين الأرض بالأنبياء والأولياء ، أيضا زين سماء قلوب ~~العارفين بشموس تجلي الذات وأقمار تدلي الصفات ونيرات سيادات أسرار الملكوت ~~والجبروت. # قال سهل بن عبد الله في قوله : ( خلق الأرض في يومين ): أي : ~~قضى خلقها في يومين ، كما قال : ( فقضاهن سبع سماوات في يومين. ) # وقال في قوله : ( ثم استوى إلى السماء ): استوى أمره على الأرض ~~والسماء وما بينهما وما تحت الثرى. # قال ابن عطاء : استوى علمه فيما قرب منه وبعد إذ لا قرب ولا بعد. # وقال القاسم في قوله : ( وجعل فيها رواسي ): الرواسي الأجل من ~~الأولياء الذين هم المشرفون على الخلق ؛ لأنهم الخواص منهم وقيل في قوله : ~~( من فوقها ) أي : من فوق عامة الأولياء وأشرافهم نظرهم ms1380 أصح ~~وبركاتهم أعم ولا يشرف عليهم أحد إلا القطب الذي هو الواحد في العدد وبه ~~قوام كل الأولياء والرواسي دونه. # وقال ابن عطاء في قوله : ( وزينا السماء الدنيا ) قال : زينا ~~قلوب العارفين بأنوار المعرفة وجعل فيها مصابيح الهداية وضياء التوحيد. PageV03P245 # وقال جعفر : زينا جوارح المؤمنين بالخدمة. # وقال الجنيد : زينا الجنة بنور مناجاة العارفين وزهرة خدمة العابدين. # قال الأستاذ في قوله : ( وجعل فيها رواسي ): الجبال أوتاد الأرض ~~في الصورة ، والأولياء أوتاد الأرض في الحقيقة ، فبارك فيها البركة ~~والزيادة ، يأتيهم المطر ببركة الأولياء ، ويندفع عنهم البلاء ببركتهم (1). # وقال في قوله : ( وزينا السماء الدنيا بمصابيح ): جعل نفوس ~~العابدين أرضا لطاعته وعبادته ، وجعل قلوبهم فلكا لنجوم علمه وشمس معرفته ، ~~فأوتاد النفوس الخوف والرجاء والرغبة والرهبة ، وفي القلوب ضياء العرفان ~~وشموس التوحيد ونجوم العلوم والعقول والنفوس والقلوب بيده ، يصرفها على ما ~~أراد من أحكامه. # ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة ~~العذاب الهون بما كانوا يكسبون (17) ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (18) ~~ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون (19) حتى إذا ما جاؤها شهد ~~عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون (20) وقالوا لجلودهم لم ~~شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ~~ترجعون (21)) # قوله تعالى : ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ): ~~هذه الهداية ظهور برهان بنوة الأنبياء بالبراهين الساطعة والدلالات الواضحة ~~بالظاهر ، لكن لم يسبق لهم الهداية الأزلية ، وبتلك الهداية تقبل هذه ~~الهداية ، فالسوابق تؤثر في العواقب ، والعواقب لا تؤثر في السوابق ، فكان ~~جبلة القوم جبلة الضلالة ، فمالوا إلى ما جبلوا عليه من قبول الضلالة. # قال الواسطي : لحاجة ما سبق فيهم من شؤم الجبلة. # قال ابن عطاء : ألبسوا لباس الهداية ظاهرا عواري ، فتحقق عليهم لباس ~~الحقيقة ، فاستحبوا العمى على الهدى ، فردوا إلى الذي سبق لهم في الأزل. # ( وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ~~ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون (22) وذلكم ظنكم الذي ظننتم ~~بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين ms1381 (23) فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن ~~يستعتبوا فما هم من PageV03P246 # المعتبين (24)) # قوله تعالى : ( وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا ~~أبصاركم ): من باشر المعصية تظهر آثارها على جوارحه ، لا يقدر أن يسترها ، ~~ولو كان عالما بنفسه يستغفر في السر عند الله حتى تضمحل آثارها ، ولا يرى ~~من وجوده تلك الآثار صاحب كل نظر. # قال أبو عثمان الحيري : من لم يذكر في وقت مباشرته الذنوب شهادة جوارحه ~~عليه يجترئ على الذنوب ، ومن ذكر ذلك جبن عن مباشرتها ، وربما تلحقه العصمة ~~والتوفيق ، فتمنعانه عنها. # قوله تعالى : ( وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم ): فزين الكل النفس والشيطان ، النفس تزين لهم الشهوات ، والشيطان ~~يزين لهم التسويف والإمهال ، وهذا ما بين أيديهم وما خلفهم. # قال الجنيد : النفس لا تألف الحق أبدا. # وقال ابن عطاء : النفس قرين الشيطان وإلفه ومتبعه فيما يشير إليها ، ~~مفارق الحق مخالف له لا تألف الحق ولا تتبعه. # قال الله تعالى : ( وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم ) ~~من طول الأمل ، ( وما خلفهم ) من نسيان الذنوب. # قوله تعالى : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ): وصف ~~الله أهل التمكين من العارفين الذين شاهدوا الله بالله ، وعاينوه به ، ~~واستقاموا في محبته ، فتعرضت لهم الأكوان PageV03P247 # والحدثان ، فرفعوا أبصارهم عنها ، ولم يستحسنوها في ديوان المعرفة من ~~النظر إلى الخلق والخليقة ، وقالوا : ( ربنا الله ) أي : يكفينا ~~الله من كل ما سواه ، استقاموا بالله لله في الله ؛ فإن عين الألوهية تحرق ~~مطالعيها من العرش إلى الثرى ، فإذا أراد الله استقامة المستقيمين من أهل ~~شهوده ألبسهم أنوار بقائه وصمديته ، فيسبحون بنور البقاء في بحار الأزليات ~~الأبديات. # قال ابن عطاء : استقاموا على إفراد القلب بالله. # وقال أيضا : استقاموا على المشاهدة ؛ لأن من عرف الله شيئا لا يهاب غيره ~~، ولا يطالع سواه ، فتركوا المنازعة والاعتراض مع الحق. # سئل الشبلي عن هذه الآية ، فقال : ( قالوا ربنا الله ) هو خالقنا ~~، فاستقاموا معه على بساط المعرفة ، وداموا بأسرارهم على سرير الجنة ، ( ~~ تتنزل عليهم الملائكة ) بانقطاع المدة ( ألا ms1382 تخافوا ) من ~~دار الهوان ، ( ولا تحزنوا ) على ما فاتكم من دار الامتحان ، ( ~~ وأبشروا ) (1) بدوام النعيم ، وهو لقاء الله تعالى الذي ليس بعده ~~بؤس ولا شدة. # صدق الشيخ في هذا التفسير ، وعجبت ممن استقام مع الله في مشاهدته وإدراك ~~جماله كيف يطيق الملائكة أن يبشروه ، أين الملك والفلك بين الحبيب والمحب ~~ليس وراء بشارة الحق بشارة ، فإن بشارة الحق سمعوها قبل بشارة الملائكة في ~~نداء الأزل بقوله : ( ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة )، ~~ليس لهم خوف القطيعة ، ولا لهم حزن الحجاب ، وهم في بشر مشاهدة الجبار ، ~~قول الملائكة معهم تشريف للملائكة ههنا ؛ لأنهم يحتاجون إلى مخاطبة القوم ، ~~وهم أحباؤنا في نسب المعرفة من حيث الحقيقة ألا ترى كيف سجدوا أبانا قال ~~الله تعالى : ( نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة )، هم ~~أحباؤنا ، ونحن أحباء الله ، والله تعالى أحبنا في الأزل ، واختارنا ~~بالمعرفة والمشاهدة. # قال جعفر : من لاحظ في أعماله الثواب والأعواض كانت الملائكة أولياؤه ، ~~ومن تحقق في أفعاله وعملها على مشاهدة أمرها فهو وليه ؛ لأنه يقول : ( ~~ الله ولي الذين آمنوا. ) # قال الأستاذ : استقاموا على دواء الشهود وعلى انفراد القلب بالله. # ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من ~~المسلمين (33)) PageV03P248 # قوله تعالى : ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال ~~إنني من المسلمين ) (33) أي : ممن عرف الله بعد أن رآه وأحبه واشتاقه ، ~~وعشق به ودعا الخلق إليه من حيث هو فيه وصدقه في حاله ، يدعو الخلق إلى ~~الله بلسان الأفعال وصدق المقال وحلاوة الأحوال ، ويذكر لهم شمائل القدم ~~وخلق الربوبية ، ويعرفهم صفات الحق وجلال ذاته ، ويحبب الله في قلوبهم ، ~~وهذا عمله الصالح ، ثم يقول بعد كماله وتمكنه إنني واحد من المسلمين من ~~تواضعه ولطف حاله خلقا وظرافة ، وإن كان إسلامه من قصارى أحوال المستقيمين. # قال سهل : أي : ممن دل على الله وعلى عبادة الله وسنة رسول الله واجتناب ~~المناهي وإدامة الاستقامة مع الله. # وقال حسن بن أبي الحسن البصري : هذا حبيب الله ، هذا ولي الله ، هذا ms1383 خيرة ~~الله ، هذا أحب الخلق إلى الله ، أجاب الله دعوته ، ودعا الناس إلى ما أجاب ~~الله فيه من دعوته ، وعمل صالحا في إجابته ، وقال إنني من المسلمين ، هذا ~~خليفة الله. # ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي ~~بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم (34)) # قوله تعالى : ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن ~~): بين الله سبحانه ههنا أن الخلق الحسن ليس كالخلق السيئ ، وأمرنا بتبديل ~~الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة ، وأحسن الأخلاق الحلم ؛ إذ يكون به ~~العدو صديقا والبعيد قريبا ، حين دفع غضبه بحلمه وظلمه بعفوه وسوء خاتمته ~~بكرمه ، وفي مظنة الخطأ أن من كان متخلقا بخلقه متصفا بصفاته مستقيما في ~~خدمته صادقا في محبته عارفا بذاته وصفاته ليس كالمدعي الذي ليس في دعواه معنى. # قال ابن عطاء : لا يسوي بين من أحسن الدخول في خدمتنا والخروج منها وبين ~~من أساء الأدب في الخدمة ؛ فإن سوء الأدب في القرب أصعب من سوء الأدب في ~~البعد فقد يصفح عن الجهال الكبائر ، ويأخذ الصديقين باللحظ والالتفات. # وقال الأستاذ : أي : ادفع بالخصلة التي هي أحسن السيئة يعني بالعفو عن ~~المكافآت بالتجاوز والصفح عن الزلة. # ( وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم (35) ~~وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم (36)) # قوله تعالى : ( وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو ~~حظ عظيم ): بين الله PageV03P249 # سبحانه ألا يبلغ أحد إلى درجة الخلق الحسن وحسنات الأعمال وسيئات الأفعال ~~إلا من يصبر في بلاء الله وامتحانه بالوسائط وغير الوسائط ، ولا يحتمل هذه ~~البليات إلا ذو حظ من مشاهدته وذو نصيب من قربه ووصاله ، صاحب معرفة كاملة ~~ومحبة شاملة ، وكمال هذا الصبر الاتصاف بصبر الله ، ثم الصبر في مشاهدة ~~الأزل ، فبالصبر الاتصافي والمشاهدة الأبدية والحظ الجمالي يوازي طوارق ~~صدمات الألوهية وغلبات القهارية. # قال بعضهم : لا يطيق أحد الهجوم على المعارف إلا من يصبر على احتمال ~~النوائب والشدائد فيها ، ولا يرى لنفسه قيمة ، ولا لروحه خطرا ؛ إذ ms1384 ذاك ~~يمكنه مجاورة المعارف والهجوم عليها. # وقال ابن عطاء : لا يوفق لجميل الأخلاق إلا الصابرون على خفض الخلاف. # وقال الجنيد في قوله : ( وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ): ما يوفق ~~لهذا المقام إلا ذو حظ من عناية الحق فيه. # قال ابن عطاء : ذو معرفة بالله وأيامه. # وقال الجريري : أي : ذو علم بالله ، وذو فهم منه ، وراجع إليه في كل ~~أحواله ، ثم داوى الحق سبحانه المتصبرين في احتمال البلاء ، وعليهم جذب ~~الصبر والتحمل بالاستعانة بعد طيران خطرات الشيطان على قلوبهم بقوله : ( ~~ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ): علم حبيبه ~~صلى الله عليه وسلم كيف يدفع شر الشيطان عن نفسه حين ألقاه سهم الغيرة عن ~~كنانة مخائيله وحيله ، وهذا تعليم لأمته ؛ إذ كان شيطانه أسلم على يده أي : ~~فروا إلى الله إذا نزغكم قهر الله يدفع عنكم شر الشيطان ، ويؤويكم من قهره ~~بلطفه ، ألا ترى كيف استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منه إليه بقوله : «أعوذ ~~بك منك» (1). # وقال بعضهم : من طرد الشيطان عن نفسه بنفسه فهو قرينه أبدا ، ومن طرده ~~بالالتجاء إلى الله والاستعاذة به منه لم يجعل الله للشيطان عليه سبيلا ؛ ~~فإن الله يقول : ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله. ) # وسئل أبو حفص : بماذا يتخلص المؤمن من الشيطان؟ قال : بتصحيح العبودية ؛ ~~ألا ترى الله يقول : ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) # وقال الأستاذ : لا يتخلص العبد من نزغات الشيطان إلا بصدق الاستعانة ~~بالله وصدق الاستغاثة فيه. PageV03P250 # ( ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا ~~للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون (37) فإن استكبروا ~~فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون (38)) # قوله تعالى : ( ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا ~~تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن ): أظهر الليل ؛ ليطلع على ~~العاشقين صبح وصال جماله ، ويؤنسهم إلى مجالس مشاهدته وحجال أنسه ورياض ~~قدسه ، وجعل النهار ؛ لظهور أنوار صفاته في لباس آياته ، وليشرفهم على رؤية ~~نيرات ملكوته وجبروته ، خلق الشمس والقمر مرآتين ms1385 ، يتجلى من مرآة الشمس ~~للناظرين إليه والعارفين به من أنوار ذاته ، ويتجلى من مرآة القمر للعاشقين ~~من سنا صفاته ، ثم حذرهم أن يلتفتوا إلى الوسائط ، وحثهم على أن يرجعوا ~~إليه بالكلية كالخليل في أوائل مقام الالتباس ، ( قال هذا ربي )، ~~فإذا عزم الأمر وبلغ صرف الرؤية قال : ( إني بريء مما تشركون. ) # قال عبد العزيز المكي في هذه الآية : سبحان الذي من عرفه لا يسأم عن ~~ذكره! سبحان الذي من أنس به استوحش من غيره! وسبحان الذي من أحبه أعرض ~~بالكلية عما سواه! ثم أكد التخويف عليهم في وقوفهم على الوسائط ، ( ~~ فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا ~~يسأمون ) (38)، وصف المتمكنين من الكروبيين والعارفين من أهل الملكوت ~~بأنهم مستغرقون في بحار ربوبيته ، يسبحون فيها بلذائذ الأذكار والأفكار ~~لمزيد الكواشف وأنوار المعارف ، يتجردون عن الأكوان والحدثان في جمال ~~الرحمن ، يستأنسون به ، لا يسأمون منه ؛ إذ الأنس والوحشة منفيان عن ساحة ~~كبريائه ، وهذا شكاية عن المحجوبين به عنه. # قال أبو عثمان : إن الله مستغن عن عبادة عبيده ومجاهدتهم ؛ فإن لله عبادا ~~من الملائكة لا يفترون عن عبادته دائما أناء الليل والنهار ، ولم يذكرهم ، ~~ولم يجعل لعبادتهم جزاء ولا قيمة. # ( ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ~~وربت إن الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء قدير (39) إن الذين يلحدون ~~في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم ~~القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير (40)) # قوله تعالى : ( ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا ~~عليها الماء اهتزت PageV03P251 # وربت ) (1): كل قلب مستعد لقبول وبل المحبة والمعرفة ، فيكون ~~بلا زرع الحكمة قبل نزول مطر لطفه ، فإذا وصل إليه بحر قرب الحق سبحانه ~~اهتز بنبات الحقائق والدقائق ، وتبهج بنور الحكمة ، والمقامات السنية ، ~~ورياض لطائف العلوم الإلهية التي نطق بها صاحبه بلسان الحق والحقيقة ، ~~فأحيا بعبارتها وتعبيرها القلوب الميتة والصدور الخامدة ؛ فهو تعالى أحيا ~~قلوب العارفين بنظره ، وبنظر العارفين يحيى قلوب ms1386 المريدين ، وهم وسائل حياة ~~القلوب من الحق للخلق ، كما أحيا الأرض الميتة بالمطر أحيا بهم قلوب ~~العالمين ، قال الله تعالى : ( إن الذي أحياها لمحي الموتى )، ~~فهذا المثل ضربه الله للمعتبرين بلطيف صنعه ونعيم لطفه. # قال عمرو بن عثمان المكي : إن لله تبارك وتعالى قلوبا في أوعية من ~~الأجسام أودع فيها ودائع ، وأخفاها عن الخلق ، فإذا أنزل عليها مياه رحمته ~~وبركات نظره استخرج ودائعه ، فعرف القلوب محل تلك الودائع ، وأظهر على ~~النفس بركاتها ، وألقى على الحق هيبة صاحبها ، فهو في هيبة عند الخلق ~~وانكسار عند نفسه وشفقة ونصيحة للخلق وخوف دائم من ذنوبه ، وذلك من آيات ~~الله الظاهرة ، وهو حقيقة قوله : ( ومن آياته أنك ترى الأرض ) إلى ~~قوله : ( إن الذي ) أحيا تلك النفوس بتلك الودائع قادر أن يحيى ~~ببركة نظره قلوبا غفلت عنه وأنفسا ماتت عن القيام بخدمته. # قوله تعالى : ( إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا ): ~~خوف الله أهل الطامات الذين يديرون رؤوسهم عند العامة ويزعقون ويخرقون ~~ثيابهم ، ويجلسون في الزوايا ، ويتزهدون ، وينظرون في تصانيف المشايخ ، ~~ويتقولون عليها ما يتخيلون ، ويتزخرفون عند العامة ، وينتظرون دخول الأمراء ~~عليهم ، ويدعون المكاشفة والأحوال والمواجيد ، لا يخفى على الله كذبهم ~~وزورهم وبهتانهم ونياتهم الفاسدة وقلوبهم الغافلة ، وعلى أوليائه من ~~الصديقين والعارفين الذين يرون خفايا قلوب الخلق بنور الله ، لو رأيتهم كيف ~~يفتضحون يوم القيامة على رؤوس الأشهاد ، وترى أهل الحق ينظرون إلى الحق ~~بأبصار نافذة نورية وأرواح شائقة وقلوب عاشقة ، ( لا يستوي أصحاب ~~النار وأصحاب الجنة )، قال الله : ( أفمن يلقى في النار خير أم ~~من يأتي آمنا يوم القيامة )، ثم حذرهم بقوله : ( اعملوا ما شئتم ~~إنه بما تعملون بصير ) (40) من الفتاوى بغير علم واستبداع الضلالة في دين ~~محمد صلى الله عليه وسلم ، قال الله : ( ولا PageV03P252 # تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء ~~السبيل )، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الملحدين وشبههم بالفراعنة ، ~~وشبه قلوبهم بقلوب الذئاب ، قال صلى الله عليه وسلم : «يخرج في أمتي أقوام ~~لسانهم لسان ms1387 الأنبياء وقلوبهم كقلوب الفراعنة» (1)، وفي موضع آخر قال : ~~«قلوبهم كقلوب الذئاب ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، أفتوا ~~بغير علم ضلوا وأضلوا» (2). # قال أبو عبد الله بن جلا : معنى هذه الآية إن الذين يخبرون عنا على غير ~~سبيل الحرمة فإنه لا يخفى علينا جرأتهم علينا ، ونعذبهم في دعائهم. # وقال ابن عطاء في هذه الآية : إن المدعي عن غير حقيقة سيرى منا ما يستحقه ~~من تكذيبه على لسانه وتفضيحه في أحواله. # ( إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز (41) لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42) ما يقال لك ~~إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم (43)) # قوله تعالى : ( وإنه لكتاب عزيز (41) لا يأتيه الباطل ): عزيز ~~من حيث امتنعت أسراره عن تفهم الأفهام وإدراك الأوهام ؛ لأنه كنوز غيب ~~الذات والصفات ، وهو صفات الأزلية ، مفاتيح كل صفة ، لا يدركه بالحقيقة عوض ~~الفطن ، ولا تحويه الخواطر والذهن ، لا يزيله أباطيل الأولين ولا ترهات ~~الآخرين ؛ لأنه لا يحل في الحدثان ، ولا يفارق عن ذات الرحمن ، فإذا كان ~~الحق موصوفا به أزلا وأبدا فكيف تغيره الحوادث؟! وكيف تخلفه الأزمنة ~~والدهور؟! # قال ابن عطاء : عزيز ؛ لأنه لا يبلغ أحد حقيقة حقه ؛ لعزه في نفسه ، وعز ~~من أنزله ، وعز من أنزل عليه ، وعز من خوطب به من أوليائه وأهل صفوته. # وقيل : البعد أوهام العباد عن حقيقته. # قال ابن عطاء : كيف يأتيه الباطل وهو الحقيقة ونزل من عند الحق؟! وهو ~~كلامه ، فكيف يلحقه باطل وبه تتحقق الحقائق ، وبه تصح أحوال المتحققين؟! ~~وهو الحق على كل الأحوال ، والباطل ضده ، فكيف يجتمع المتضادان وهما ~~متباينان من كل الوجوه؟! # قال أيضا : كيف يكون لباطل عليه سبيل وهو من حق بدأ وإلى حق يعود؟! وهو PageV03P253 # الحق ، فلا يتحقق به إلا محقق. # ( ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لو لا فصلت آياتهء أعجمي ~~وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو ~~عليهم عمى ms1388 أولئك ينادون من مكان بعيد (44) ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف ~~فيه ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب (45) من عمل ~~صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد (46) إليه يرد علم ~~الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ~~ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك ما منا من شهيد (47) وضل عنهم ما ~~كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص (48)) # قوله تعالى : ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ) (1): هدى لعقول ~~العارفين إلى معدنه ، وهو ذات القديم ، وشفاء القلوب العاشقين المشتاقين ، ~~وأرواح مرضى المحبة وسقمى الصبابة ؛ لأنه حبيبهم ، وكتاب مشوقهم ، يستلذونه ~~من حيث العبارات ، ويعرفونه من حيث الإشارات. # وقال جعفر : شفاء لمن كان في ظل العصمة ، وعمى على من كان في ظلمة ~~الخذلان ، فكما وصف الله أهل خالصته وما يقع لهم بخطابه وصف المنكرين كلامه ~~والجاحدين وجوده بأن في آذان قلوبهم وأسماع عقولهم وقر الخذلان والضلالة ، ~~ولا يرون جمال خطابه بأن ليس في عيونهم أنوار لحمل مشاهدته ، ولا سنا عز ~~هدايته بقوله : ( والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ) ~~، إذا لم يروا جمال القرآن بنور الفهم والإيمان زاد طغيانهم بالإنكار عليه ~~؛ لأنهم في مكان الضلالة ، وهو بعيد من أن يسمعوا بوصف الفهم والإدراك ~~والمتابعة. # قال ذو النون : من واقر سمعه ، وأصم عن نداء الحق في الأزل ، لا يسمع ~~نداءه عند الإيجاد ، وإن سمعه كان عليه عمى ، ويكون عن حقائقه بعيدا ، وذلك ~~أنهم نودوا عن بعد ، ولم يكونوا بالقرب. PageV03P254 # ( لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤس قنوط (49) ~~ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ~~ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ~~ولنذيقنهم من عذاب غليظ (50)) # قوله تعالى : ( لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر ~~فيؤس قنوط ): وصف الله من لم يعرفه ولم يعرف لطائف بره بأوليائه ms1389 ويكون ~~مقلدا في الدعاء ومعرضا بسره عنه وبظاهره عن طاعته ليس هو يدعوه بالحقيقة ، ~~إنما يدعو مراده ، فإذا حصل مراده قام على تكلفه وتقليده ، وإن لم يحصل ~~مراده ويمسه بلاؤه يفر منه ، ولا يدعوه ، ولو كان على محل التحقيق في دعائه ~~ومعرفته بربه فإنه لا يفر من بلائه ، ولا يقنط من رحمته ؛ فإن العارف ~~الصادق يستلذ بلاءه ، كما يستلذ نعمه في لسان الخلائق. # لنا فيه إشارة ؛ وذلك أن العارف المشتاق الذي من كمال شوقه يريد أن يشرب ~~جميع بحار الأزل والأبد والربوبية والألوهية والذات والصفات المنزهة عن ~~مباشرة الحدثان بشرية واحدة وهو لا يقدر ؛ لأنه تعالى منزه عن أن يحيط به ~~أحد من خلقه وإن كان نبيا مرسلا ، فإذا وجد نفسه أنه يسهل عليها شربها على ~~قدر مذاقها وزيادة يستقيم في طلبها ، وإذا نظر إلى امتناع الألوهية عن ~~إدراكه ييأس ويقنط عن أن يدركه بالحقيقة ، وهذا إذا كان هو مطالعا في بطون ~~الأزل وأكناف القدم وغيوب الأبد ، لو رأيته يا عاقل كيف يفر من الحق وهو ~~غضبان عليه معربدا شطاحا بتكلمه عن سر الانبساط ، ويخاصمه ، وهذا كله من ~~حيرته في الله واشتياقه إلى درك الحقائق. # قال سهل في قوله : ( لا يسأم الإنسان ): يمل العبد من ذكر ربه ~~وشكره وحمده والثناء عليه. # وقال أبو عمرو الدمشقي : لا يسأم العارف من مناجاة معروفه ، بل لا يصبر ~~عنه لحظة ولا نفسا. # ( وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو ~~دعاء عريض (51) قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في ~~شقاق بعيد (52)) # قوله تعالى : ( وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا ~~مسه الشر فذو دعاء عريض ): رسم ظاهر الآية أن المضطرب في المعرفة إذا أنعم ~~عليه من نعم الكرامات PageV03P255 # اشتغل بها عن الحق ، وفرح بما وجد منه ، واحتجب عن مشاهدته ، وإذا لم ينل ~~مأموله من الكرامات وجزاء الطاعات فيدعو ويتضرع ، ويسأل مأموله على الرغبة ~~في جميع الأنفاس ، وإشارة الحقيقة في الآية إذا ألبس ms1390 الحق أنائيته العارف ~~ويكون مستقلا بقدرته ، متصفا بصفاته ، ينظر من القدم إلى ما بدا من القدم ، ~~فيسكر ، ويخرج بدعوى الأنائية ، وذلك حين ينسى القدم في نفسه بما غلب من ~~القدم عليه ، وإذا زاد الحق عرفانه بإفراد قدمه عن الحدوث وبمعرفة فنائه في ~~بقائه وما ترى فهو هو تعالى لا غير يرجع إلى معادن العبودية ، ويكون متضرعا ~~عاجزا فانيا في سبحات جلاله ، يكدي على باب الربوبية بنعت الفقر والافتقار ~~إلى ذرة من معرفته. # ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ~~أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد (53) ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا ~~إنه بكل شيء محيط (54)) # قوله تعالى : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ): أظهر ~~الآيات ، وجعلها مرآة لصفاته وذاته سبحانه ، ويتجلى منها أنوار الذات ~~والصفات للشاهدين مشاهدة القدم ، سر يسر في حقائق التوحيد ، وظاهرا يرونه ~~من الآيات في زمان العشق في لباس الفعل ؛ استقامة للمحبة ؛ والتباسا لأمر ~~الحقيقة ، ولو ظهر بنعت الألوهية ظاهرا وباطنا لتعطلت الأشباح ، ولفنيت ~~الأرواح ، واضمحلت النفوس والعقول ؛ لأن بروز سطوات الأحدية لا تحتمله ~~الآيات ولا الأشباح ولا الأبصار ولا الأفكار ، ذكر في الأول آيات ومقصوده ~~صفاته التي تشرق أنوارها في آفاق الأسرار ، والآيات العالم الفعلي ، ~~والمقصود من الصفات ظهور الذات لنظار حقيقة الحقيقة ، وإلا فأين الآيات في ~~ظهور الصفات ، والذات الآيات للعيون ، والصفات للقلوب ، والذات للأرواح ، ~~وسر القدم للأسرار ، لا ينكشف السر ، والعارف الصادق إذا كان في عين الجمع ~~لا يرى شيئا إلا ويرى الحق بعينه ؛ لأنه في حقيقة الحقيقة ، ما بدا منه هو ~~فعله ، وفعله غرق في صفاته ، وصفاته قائمة بذاته ، فإذا شاهده في نفسه كما ~~شاهده في آياته يختلط الأمر ، ويغيب الحدث في القدم ، ويحل عليه سكر ~~الأنائية ، فيدعي الربوبية ؛ لأن مشاهدة الآيات تقتضي العشق والمحبة ، ~~ومشاهدة الحق في مرآة النفس تقتضي الاتحاد من تأثير مباشرة سر التجلي ، ~~وهذا حال الحلاج قدس الله روحه حيث قال : أنا الحق. وحال الأول حال الواسطي ~~؛ حيث قال : ضحكت الأشياء ms1391 للعارفين بأفواه القدرة بل بأفواه الرب. لو ترى ~~يا شاهد مشاهدة الحق في الآيات ترى أنوار العظمة والكبرياء من عيون الآساد ~~وأنياب الثعابين ، وترى أنوار جماله من أوراق الورد والنرجس والياسمين ~~ووجوه الحسان ، وتسمع أصوات الوصلة من ألحان الطيور والبلابل والعنادل ، ~~وأصوات الرياح والسحاب والإنسان PageV03P256 # والأوتاد ، ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام : «الورد الأحمر من ~~بهاء الله ، من أراد أن ينظر إلى بهاء الله فلينظر إلى الورد الأحمر» (1). # قال تعالى : ( حتى يتبين لهم أنه الحق ) أي : سنريهم هذه الحقائق ~~في الآيات وفي أنفسهم ؛ حتى يتبين لهم أنها هي الحق بعينه لا الآيات ولا ~~الآفاق ولا الأنفس إن لاح الحق من الحق لأهل الحق ، وتأكيد ذلك برهان ظهوره ~~من كل شيء وشهوده على كل ذرة من العرش إلى الثرى بنعت التجلي ، وتبسم صبح ~~الأزل في عيون المشاهدين جلاله. # قوله تعالى : ( أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) (53) أي : ~~ظاهر من كل شيء بسطوع نور أزليته منه لكل مستأنس شاهد به فيه ، ثم بين أن ~~المحرومين في الأزل بسبق الشقاوة لا يرونه حقيقة وبيانا وكشفا وعيانا وعزا ~~وسلطانا وبرهانا بقوله : ( ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ) أي : ~~إنهم مطموسون عن مشاهدته بلطمات قهره ، فهم في شك وريب من حيث عماهم ~~وجهالتهم ، ثم أكد أمر ظهوره على الكل بقوله : ( ألا إنه بكل شيء ~~محيط ) (54): أحاط علمه وقدرته وجلاله وجماله بكل شيء من العرش إلى الثرى ~~، لكن لا يراه بنعوتها إلا العاشقون الوالهون العارفون. # قال القحطبي (2): لا يزال العبد يرتقي من حال إلى حال حتى يبلغ إلى ~~الأحوال السنية العلية ؛ فيرى الله قائما بالأشياء ، ثم يرقى به من ذلك ~~الحال حتى يرى الأشياء فانية في رؤية الحق ، ويتيقن أن القديم إذا قورن ~~بالحدث لا يثبت له أثر ، وإن جل قدره وعظم خطره ، وهو معنى قوله : ( ~~ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق )، ~~وهو النظر إلى الكون بمشاهد الحق ، ثم النظر إلى الحق بالفناء من الكون ، ~~وهو أن ms1392 تصير النعوت نعتا ، ولا يشهد إلا حقا صرفا. # وسئل أبو عثمان عمن يقول بالشاهد؟ فقال : لا أنكر القول بالشاهد لمن يشهد ~~الأشياء كلها شيئا واحدا. # وقال الواسطي : ظهر من كل شيء بما أظهر منه ، وإظهاره الأشياء ظهوره بها ~~، فإذا فتشها لا يحد غير الله ، قال الله : ( سنريهم آياتنا في ~~الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه PageV03P257 # الحق ) دون غيره ؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : «أصدق كلمة ~~تكلمت بها العرب كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل» (1). # وقال بعضهم : يرى الأشياء عدمها وجودها ووجودها عدمها ، كما أن كل قرب ~~بعد ، وكل بعد قرب ؛ لأن إحاطة القدرة بالشيء وجود الشيء. # وقال الواسطي في قوله : ( أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ): ~~لو شهدوا شواهد الحق فيما جرى عليهم من المخالفة والموافقة لما اضطربوا ~~فرحا ولا حزنا نفيا للشرك والمقارنة. # وقال أيضا : أوائلها للطائعين والعابدين ، طالعوه ، وراقبوه ، وأواخرها ~~للواجدين ، شاهدوه على آباده وسرمده الذي فيه فناء معاينهم. # وقال ابن عطاء : آيات الحق بادية لمن كحل بنور التوفيق ، ونظر إليها بعين ~~التحقيق ، وكل ما أظهر الله تعالى من خلقه ناطق بتوحيده إما صريحا وإما ~~دليلا منه للحق إن شاهدوا ونظروا عن بصر وبصيرة ولا دليل عليه وإليه سواه ، ~~فإن الكل حدث وهو القديم ، ومتى يستدل بالحدث على القديم؟! ### | سورة الشورى # بسم الله الرحمن الرحيم # ( حم (1) عسق (2) كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله ~~العزيز الحكيم (3) له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم (4)) # ( حم (1) عسق ) (2): هذه الأحرف رمز الله مع حبيبه ~~صلى الله عليه وسلم ، يخبره بهن ومن كان أهله من سر الذات والصفات والأفعال ، ~~الحاء رمز الحياة الأزلية ، والميم رمز محبة القديم ، والعين رمز عينية ~~ذاته وعلمه القديم وعيانه لأهل العيان ، والسين رمز سره وسر سره وغيبه وغيب ~~غيبه وسنا سبحات وجهه وكشفه لأهل الكشوف ، والقاف عن قديمية وجوده ، وقوله ~~القديم الذي منه بدأ العالم ، وآدم بالحاء الحياتي ، أحيا قلوب العارفين ~~حين تجلت منها حياته ms1393 لها ، وبالميم المحيى بملك الأرواح المحبين بحلاوة ~~محبته ، التي برقت سناها في عيونها ، ثم بسر الحرفين ورمز النعتين حمى ~~أسرار الواصلين عن خطرات الريب ، وكاشف لها أسرار الغيب ، ومن العين عاين ~~ذاته وصفاته للعالمين به وبأوصافه ونعوته ، وبالسين سار سنا برق سبحاته في PageV03P258 # أسرار السابقين ، وبالقاف ظهر قاف كبرياء قدم ذاته وقيوميته صفاته ~~للقائمين به في قربه عند ظهور قيامه عليهم ، وافهم أن الحروف على أوائل ~~السور رموز الحق ، أخفى أسرارها عن غير أهلها ، ثم أخفى من تلك الخفيات هذه ~~الأحرف على أوائل هذه السورة بأن رفع عن السين نقوش الشين ، فأراد بالسين ~~الشين وبيان ( حم ) عشق أي : يحيى الأزلي ، وجمال الأبدي عشق ~~العاشقون ، وأنا عشيقهم ، وبرمز العشق أخاطبهم ، حتى لا يطلع على أحوالها ~~أهل الرسوم فيهلكوا ، لأن من بين العاشق والمعشوق ارتفع حشمة الربوبية ~~وكلفة العبودية في مقام المشاهدة ، ثم أقسم الحق بهذه النعوت أي : بحياتي ~~يا حبيبي ومجدي وجمالي وملكي ومحبتي لك والأولياء أمتك يا محب يا محمد ، ~~وبعلو شأني وعلمي المحيط وعزي وعياني ، وخلقي يا عارف يا عالم يا عالي ~~الهمة يا عزيز ، وبسنائي وقدسي وسرمديتي ، وسبق وجودي على كل شيء ، يا صاحب ~~سري ، ويا سباق كل سابق بالشرف والفضل والتقدم ، ويا سباح بحر قدسي وأنسى ~~ومقدمي وقيوميتي وقيامي على كل شيء ، وبقولي الحق ، وبقدرتي القديمة ، ~~وبقضائي وقدري ، وبعشقي يا عاشقي ، وبصدقي يا صادق ، إن هذه الإشارة قد ~~أشرتها إليك ، كذلك أشرتها إلى أنبيائي قبلك وأوليائي وأهل خالصتي ، وذلك ~~قوله : ( كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم ) ~~(3): عزيز بعزي عززتك وعززت أوليائي ، وبحكمتي اصطفيتك واصطفيت أحبائي ، ~~وأعطيتك وأعطيتهم حكمي ومعرفتي ، ومنعت عنك وعن أهل محبتي كيد الكائدين ~~وغلبة الجاهلين. # قال ابن طاهر : الحاء من الحكيم ، والميم من الملك ، والعين من العالم ، ~~والسين من السيد ، والقاف من القادر ، هو الذي ( يوحي إليك وإلى ~~الذين من قبلك ): يوحى إليك أنباء من قد سلف من الأمم ، ويوحي إلى الذين ~~من قبلك فضلك وفضل أمتك. # وقال أبو بكر ms1394 الوراق : الحاء حلمه حليم ملكه ، والعين علوه وعلمه ، ~~والسين سناؤه ، والقاف قدرته ، يقول : بحلمي وملكي وعلوي وعلمي وسنائي ~~وقدرتي أني لا أعذب من عرف ربوبيتي وأحسن ظنه في وأحب الرجوع إلي. # ( تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ~~ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم (5) والذين اتخذوا من ~~دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل (6) وكذلك أوحينا إليك ~~قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في ~~الجنة وفريق في السعير (7) ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من ~~يشاء في رحمته والظالمون ما لهم PageV03P259 # من ولي ولا نصير (8)) # قوله تعالى : ( تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون ~~بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ): ينهانا الله سبحانه عن عظيم قدره ~~وجلال عزه ، وبأنه سبحانه خلق قوما من الجهلة ، وأطلقهم في مهمة الضلالة ~~حتى وقعوا في مقالة السوء ، ويقولون على الله ما لا يعلمون من أعظم ~~افترائهم ، تكاد السماوات تنشق من فوقهن من الغضب عليهم ، وذلك بعد أن ~~ألبسها الله إقرار قدرته ، وأدخلها روح فعله حتى عقلت عبودية صانعها ، ~~وعرفت قدسه وطهارته عن قول الزائغين وإشارة الملحدين ، والملائكة يقدسون ~~الله عما يقولون فيه من الزور والبهتان والدعاوى والباطلة ، ويستغفرون ~~للمؤمنين الذين لم يبلغوا حقيقة عبوديته ، ( ألا إن الله هو الغفور ~~الرحيم ): غفر ذنوب المقبلين ورحمهم بأن يرزقهم قربه ووصاله. # ( أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحي الموتى وهو ~~على كل شيء قدير (9) وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي ~~عليه توكلت وإليه أنيب (10) فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ~~ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (11) له ~~مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم (12)) # قوله تعالى : ( أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو ~~يحي الموتى ): ولي كل ولي ، في الأزل أجادهم بتجلي القدم من موت العدم ، ~~تولى ms1395 أسرارهم بنعت حفظها من قهره ، ويحيى بجماله قلوبهم عن موت الجهل به ، ~~بعد أن عرفهم نفسه ، وألبس أرواحهم أنوار حياته ، وفيه شكاية عن المشغولين ~~بغيره ، الباقين في حجاب الوسائط ، يعرض نفسه بنعت الجلال والجمال على ~~المقصرين ؛ ليجذب بحسنه وجماله قلوبهم إلى محبته وعشقه ، ويحييها بنور أنسه ~~وسنا قدسه. # قال ابن عطاء : الحق يتولى أولياءه في كل نفس برعايته وعناية طربه ، ومن ~~كان الحق متوليا سعاياته وحركاته كان في أصون صون وأحرز حرز ، وهو الذي ~~يحيى القلوب بمشاهدته وبالتجلي بعد الاستتار. # وقال الواسطي : يحيى القلوب بالتجلي ، ويميت الأنفس بالاستتار. # وقال سهل : لا يحيى النفوس حتى تموت. # قال بعضهم : قلوب أهل الحق مصانة عن كل معنى ؛ لأنها موارد الحق ، ولما بين أن PageV03P260 # المعرضين عن ساحة قدسه وجمال وحدانيته عزيز عزته وعظيم نور كبريائه ~~المقبلين إلى وسائط الحدثان ، وطلب لذة الحال من رؤية الأكوان ، وكشف ~~الحقيقة عن مرآة الخليقة ، إنهم من حقيقة التوحيد عبدة الأصنام إذا انعزلوا ~~من ضعف قلوبهم عن طوارق سطوات عظمة القدم ، المنزه في ظهوره عن أن يحل في ~~الحوادث ، المقدس من أن تكون ذاته وصفاته في الكوائن والمشاهد ، قدس نفسه ~~عن المشابهة بغيره بقوله : ( ليس كمثله شيء ) أي : كل ما وقفتم ~~عليه من العرش إلى الثرى فأنا منزه عن ذلك ، ولو أتجلى من قدس جلالي ~~بالحقيقة لاضمحل الحدثان ، وفنيت الأكوان ، سبحاني تعاليت عن خطرات الأوهام ~~وعما يحل في الأفهام ، وعما تدركه العقول وتشاهده القلوب ويعاينه الأرواح ~~ويصادقه الأسرار! من ذكرني بحظه فقد افترى ، ومن شكرني بحظه فقد ابترى ، ~~ومن صبر في موازاة قدمي فقد اجترأ ، لولا رحمتي الواسعة على جميع خلقي ما ~~أوجدتهم وما خاطبتهم ؛ إذ خطابي معهم من وراء كل حادث ، وليس في عزة قدمي ~~وراء ولا ملأ ولا خلاء ولا مكان ولا زمان ، من أشار إلي بنعت العشق فهو ~~محجوب بحظه عني ، ومن أشار إلي بنعت المعرفة فأنا منزه عن أن كون معروفه ~~بمعرفته ، ومن أشار إلي بالتوحيد وتوحيده راجع إليه وأنا واحد في وحدانيتي ~~، ما فارقت ms1396 عن اثنين حتى توحدت ؛ فإن وحدانيتي منزهة عن الكثرة والقلة ، ~~ولم يكن للحدثان وجود بالحقيقة حتى يكون مثلا لي ؛ إذ قيامها بي ، وكيف ~~تكون الأشياء مماثلي والأشياء قائمة لقدرتي؟! ولولا قدرتي ما تكونت الأشياء ~~، ليس لصنعي مثل ، فكيف لصفاتي وذاتي؟! يا حبيبي احترق في نيران الغموم ~~والهموم واليأس والقنوط من إدراك عين حقيقته ، وإن كنت مشاهدا إياه أبدا ~~فإن الكون غائب في بحر لا إله إلا الله ، ولام ( ليس كمثله شيء )، ~~نفى الكيفية والأينية والحيثية في أول إبراز نور قدسه بقوله ليس ، وقد كفى ~~به أهل التوحيد إذا عدم التشبيه والمشابهة ، ولو فهم المخاطبون حروف أول ~~السورة لرأوا معنى : ( ليس كمثله ) في رمزها سبحانه ، سبحانه هام ~~فؤاد ، عرفه كل لسان وصفه ، سبحانه ما أعظم شأنه! # قال الواسطي : رموز التوحيد كلها خرجت من هذه الآية : ( ليس ~~كمثله شيء ) لأنه ما عبر عن الحقيقة بشيء إلا والعلة مصحوبة والعبارة ~~منقوصة ؛ لأن الحق لا ينعت على أقداره ؛ لأن كل ناعت مشرف على المنعوت ، ~~وجل أن يشرف عليه مخلوق. # وقال الشبلي : كل ما ميزتموه بأوهامكم وأدركتموه بعقولكم في أتم معانيكم ~~فهو مصروف إليكم ، ومردود عليكم ، محدث مصنوع مثلكم ؛ لأن حقيقته جل أن ~~تلحقها عبارة ، أو يدركها وهم ، أو يحيط بها علم ، كلا كيف يحيط به علم وقد ~~اتفقت فيه الأضداد بقوله : ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن ) أي ~~عبارة تخبر عن حقيقة هذه الألفاظ؟! كلا PageV03P261 # قصرت عنه العبارة ، وخرست الألسن ؛ لقوله : ( ليس كمثله شيء ) (1). # وقال الواسطي : احتجب بخلقه عن خلقه ، ثم عرفهم صنعه بصنعه ، وساقهم إلى ~~أمره بأمره ؛ فلا يمكن للأوهام أن تناله ، ولا العقول أن تحتاله ، ولا ~~الأبصار أن تتمثله ، ولا الأسماع أن تشمله ، ولا الأماني أن تمتهنه ، هو ~~الذي لا قبل له ولا بعد له ، ولا يقصد عنه ، ولا معدل ولا غاية وراءه ، ولا ~~منتهى ، ليس له أمد ولا نهاية ولا غاية ولا ميقات ولا انقضاء ، لا يستره ~~حجاب ولا يقله مكان ، ولا يحويه هواء ، ولا يحتاطه فضاء ، ويتضمنه خلاء ، ( ~~ ليس كمثله شيء ms1397 )، فلما قطع أطماع الحقيقة عن إدراك جلاله رغبهم في ~~إقبالهم إليه ؛ لطلب عرفان وجوده ، ووجوده بقوله : ( له مقاليد ~~السماوات والأرض ): مقاليده مشيئته الأزلية وإرادته القدمية ، يفتح بها ~~أبواب كنوز سنوات ذاته وصفاته ، وأعرض فعله للمصطفين في الأزل بمحبته ، ~~وينثر على أسرارهم جواهر أنوار معرفته ، ويعرفهم شمائل وجوده ومحاسن أفعاله ~~وغرائب صفاته ، ثم زاد وصف كرمه لطلاب قربه وعشاق مشاهدته بقوله : ( ~~ يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ): يبسط رزق مشاهدته لمن يشاء من أهل ~~صبابته وأهل الاشتياق إلى جماله ، وهو قادر بذلك ، لا ينقص جلاله ، وأن ~~ينظر إليه أهل شوقه أبد الآبدين ؛ إنه عالم بحرق فؤادهم ولهيب نيران ~~أسرارهم ، يميل بذلك أزمة طلاب الحوائج إلى ساحة جوده ؛ حتى لا يميل أحد ~~لكل معنى إلى غيره ، يا أخي مقاليد سماواته ما في قلوب ملائكته من أحكام ~~الغيوب ، ومقاليد أرضه ما أودع الحق صدور أوليائه من حجائب القلوب. # قال ابن عطاء : مقاليد السماوات الغيوب ، ومقاليد الأرض الآيات والبينات. # وقال : عاتب الله أولياءه بنظرهم إلى ما سواه. PageV03P262 # وقال : بيدي مقاليد السماوات والأرض ؛ فلا تشتغلوا بهما ولا بما فيهما ~~وعليهما ؛ فإن كلها قامت بي ، كونوا إلى حقا ؛ أسخر لكم الأكوان وما فيها ، ~~ألا ترى كيف قطعهم عن الاعتماد على الأنبياء بقوله : ( من ذا الذي ~~يشفع عنده إلا بإذنه. ) # وقال : مقاليد الأرزاق صحة التوكل ، ومقاليد القلوب صحة المعرفة بالله ، ~~ومقاليد العلوم الجوع. # ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا ~~به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ~~ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (13) وما ~~تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولو لا كلمة سبقت من ربك إلى ~~أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب (14)) # قوله تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ) أي : بسط لكم ~~بساط العبودية التي هي مرقاة عرفان الربوبية ، فإذا كنتم تصعدون عليها ~~تبلغون إلى ms1398 مشاهدة جلالي وكشف جمالي ، عرفتكم نفسي كما عرفت نفسي حبيبي ~~وخليلي وكليمي وروحي ، ووصيتكم بألا تختاروا علي شيئا من دوني ، فإذا ~~تجردتم عن غيري واستقمتم على بساط خدمتي وأقبلتم إلى جمال مشاهدتي بنعت ~~المحبة والشوق فقد بلغتم نهاية الدين الذي اصطفينا به نوحا وإبراهيم وموسى ~~وعيسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين ، لا تتفرقوا من مقام الجمع ؛ ~~فإن عين الجمع غاية ذوق العارفين ، والتفرقة غاية الحجاب بيني وبينكم. # قال بعضهم في قوله : ( شرع لكم من الدين ) أي : من تعظيم محمد ~~صلى الله عليه وسلم الأنبياء السابقة. # وقال سهل : الشرائع مختلفة ، وشريعة نوح هي الصبر على أذى المخالفين. # ( فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما ~~أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (15) والذين ~~يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم ~~عذاب شديد (16) الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة ~~قريب (17) يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ~~ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد (18)) PageV03P263 # قوله تعالى : ( واستقم كما أمرت ): ألبس الله حبيبه أنوار نعوته ~~الأزلية بنعت التجلي والكشوف لقلبه وعقله وروحه وسره وصورته ، فلما جعله ~~كاملا من كل الوجوه قال له : ( فاستقم كما أمرت ) أي : استقم بي ~~على مرادي منك ؛ بحيث تستقيم بصفتي عند كشف حقائق ذاتي ؛ فإن الكون وأهله ~~لا يستقيم في موازاة ذرة من عين الألوهية ، والاستقامة في الأمر عموم ، وفي ~~المعرفة والمشاهدة خصوص ، الاستقامة في العبودية للأولياء ، والاستقامة في ~~مشهد الربوبية للأنبياء. # قال بعضهم : حقيقة الاستقامة لا يطيقها إلا الأنبياء وأكابر الأولياء ؛ ~~لأنها الخروج من المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات ، والقيام بين يدي الحق ~~على حقيقة الصدق ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : «استقيموا ولن تحصوا» ~~(1) أي : لن تطيقوا الاستقامة التي أمرت بها. # ( الله لطيف بعباده يرزق من ms1399 يشاء وهو القوي العزيز (19)) # قوله تعالى : ( الله لطيف بعباده ): لطيف بأوليائه وأهل معرفته ~~ومحبته ، بأن أودع أرواحهم في الأزل ودائع العلم اللدني وأنوار محبته ~~الأزلية ، واصطفاهم بقربه ووصاله ، وأغرقهم في بحار شوقه وعشقه ومعرفته ، ~~ثم طالع أسرارهم بعلومه القديمة ، فرأى لهب نيران قلوبهم من شوقه ، لا يخفي ~~عليه هيجانهم وشوقهم إليه ، فجذبهم من مكمن العدم أولا إلى نور القدم ، ~~وأشهدهم على مشارب بحار الذات والصفات ، ثم جذبهم إلى بساط العبودية ، ~~وتلطف عليهم بأن رفع عنهم أثقالها تلطفا وكرما حتى سهل عليهم مسالك ~~الاستقامة ، ثم جذبهم إلى مشاهدة الربوبية ، وأدناهم منه ، ودنا منهم ؛ حتى ~~يبقى البين في البين ، قال تعالى في وصف حبيبه : ( ثم دنا فتدلى ~~فكان قاب قوسين أو أدنى ) (2): ثم حماهم من قهر غيرته ، وألبسهم قباء ~~أنوار بقائه ، وتوجهم بتيجان المسرة ، وشد في أوساطهم مناطق الحرمة ، ~~وأجلسهم على أرائك المملكة ، وخاطبهم بأسرار ملكه وملكوته ، وجعلهم أهل سره ~~، وأكرمهم بكشف ملكه لهم حتى حكموا فيه بشرط الانبساط ، لا يثقل عليهم حقوق ~~المعارف ، ولا يجري عليهم إلا أنوار الكواشف ، هم طيور مناهل الوصال ، ~~يطيرون في بساتين الجمال والجلال ، ويترنمون بألحان الصفات ، ويخبرون ~~أهاليهم من أسرار الذات ، طوبى لهم ، ثم طوبى له ، ( طوبى لهم وحسن ~~مآب )، فأرجو من كمال كرمه القديم وجوده العميم أن PageV03P264 # أكون طيرا من ملك البلابل ، أصفر بصفير الصفات ، وأترنم من بطنان غيب ~~الذات ، سكران من رؤية الذات ، والها بالصفات ، ووالها من شراب الصفات ، ~~مشغوفا بسنا الذات ، ثم أفنى في الذات ، وأبقى في الصفات ، ولا يجري علي ~~بعد ذلك طوارق الفناء ؛ فأبقى بقاء الأبدي ، وأتدارك ما فات مني من المعية ~~القدمية مع القدم ؛ فإن الآخر بالحقيقة أول ، والأول آخر ، والظاهر باطن ، ~~والباطن ظاهر ، فنحن الأولون حيث قام الحق بأوليته مقام أوليتنا وإن كنا ~~معدومين ، ونحن الآخرون من حيث ألبسنا الحق وصف بقائه ، ونحن الظاهرون ~~بظهوره علينا ، ونحن أهل الباطن والغيب ؛ إذ لا غيب في الكشف ، ولا باطن في ~~الظهور ، تعالى الله من أن يدركه بوصفه غيره ، رزق الله هذه ms1400 المراتب العلية ~~والمواهب السنية من آمن بنا ، وبكل ولي صدر من بساتين الغيب ، ومشارب القرب ~~الذي يتكلمون بمثل هذه الكلمات البديهية الإلهية الربانية ، كما قال سبحانه ~~: ( يرزق من يشاء وهو القوي العزيز ): قوي باصطفائيتهم مما اختار ~~لهم في أزله إلى أبده. # قال ابن عطاء في قوله : ( الله لطيف بعباده ): يعلم من أنفسهم ~~ما لا يعلمونه من نفوسهم ، فربط كلا بحده ، فمن بقي مع حده حجب ، ومن تجاوز ~~حده هلك. # قال أبو سليمان الداراني : من لطف الله بعبده أن قصر له كنه معرفته حتى ~~لا تتكدر عليه نعماؤه. # وقال الجنيد : اللطيف الذي لطف بأوليائه حتى عرفوه. # وقال ابن عطاء : اللطيف الذي يعرف الغيوب بلا دليل. # قال بعضهم : اللطيف الذي ينسى العباد في الآخرة ذنوبهم لئلا يتشردوا. # وقال بعضهم : الذي لم يدع أحدا يقف على مائة أسمائه فكيف الوقوف على مائة ~~وصفه وذاته؟! # وقال أبو سعيد الخراز في قوله : ( الله لطيف بعباده ): موجود في ~~الظاهر والباطن ، والأشياء كلها موجودة به ، لكن يوجد ذكره في قلب العبد ~~مرة ، ويفقده مرة ؛ ليجدد بذلك افتقاره إليه. # وقال القاسم في قوله : ( يرزق من يشاء ): الفطنة والحكمة ، ( ~~ وهو القوي العزيز ): القوي يقوي الفطن ، والعزيز عزز عنايته ~~ورعايته ، ولا يبذلها لكل أحد. # قال الأستاذ : اللطيف هو العالم بدقائق الرموز وغوامضها. # ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث ~~الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب (20) أم لهم شركاء شرعوا لهم من PageV03P265 # الدين ما لم يأذن به الله ولو لا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن ~~الظالمين لهم عذاب أليم (21) ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك ~~هو الفضل الكبير (22)) # قوله تعالى : ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان ~~يريد حرث الدنيا نؤته منها ): حرث الآخرة مشاهدته ووصاله وقربه ، وهذا ~~للعارفين ، وحرث الدنيا الكرامات الظاهرة ، ومن شغلته الكرامات احتجب بها ~~عن الحق ، لو يزيد من ms1401 حرث الدنيا فهو معرفة الله ومحبته وخدمته ، وإلا فلا ~~يزن الكون عند أهل المعرفة ذرة. # قال بعضهم في هذه الآية : من عمل لله محبة له لا طلبا للجزاء صغر عنده كل ~~شيء دون الله ؛ فلا يطلب حرث الدنيا ولا حرث الآخرة ، بل يطلب الله من ~~الدنيا والآخرة. # قال سهل : حرث الدنيا القناعة ، وحرث الآخرة الرضا. # وقال أيضا : حرث الآخرة القناعة في الدنيا والمغفرة في الآخرة والرضا من ~~الله في كل الأحوال ، وحرث الدنيا قضاء الوطر منها والجمع منها والافتخار ~~بها ، ومن كان بهذه الصفة فما له في الآخرة من نصيب. # قال الأستاذ : نزيده اليوم في الطاعات توفيقا ، وفي المعارف وصفاء ~~الحالات تحقيقا ، ونزيده في الآخرة ثوابا واقترابا وفنون النجاة وصنوف ~~الدرجات. # ( ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا ~~أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن ~~الله غفور شكور (23)) # قوله تعالى : ( قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ): ~~قدس الله تعالى بهذه الآية حال نبيه صلى الله عليه وسلم أن يكون قلبه مشوبا ~~بشيء من الحدثان في دعاء الخلق إليه ، وأنه يريد منهم جزاء دعوته أن ~~يتقربوا إلى الله ببذل الأرواح في محبته ، وبذل الأشباح في خدمته ، وأن ~~يستنوا بسنته ، ويتبعوا أسوته في جميع الأنفاس ؛ طلبا لزيادة محبة الله ~~إياهم ومتابعته ، قال سبحانه : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله. ) # قال سهل : أن تقربوا إلي باتباع سنتي. # قال ابن عطاء : لا أسألكم على دعوتكم أجرا لا أن تتوددوا إلي بأن تعملوا ~~من الأعمال ما يقربكم إلى ربكم. PageV03P266 # وقال الحسن : كل من تقرب إلى الله بطاعته وجبت عليك محبته. # ( أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك ~~ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور (24)) # قوله تعالى : ( فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ~~ويحق الحق بكلماته ): بين الله سبحانه قدس استغنائه عن المخلوقين حتى من ~~نبيه وصفيه وجميع ms1402 الملائكة والرسل بأنهم لو خالطوا حاشاهم في آياته وبيان ~~شريعته ليمحو وجودهم وقلوبهم وما لا يليق بدينه ، ويثبت الحق والحقيقة ~~بكلماته الأزلية التي ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد )، وفيه تقديس كلامه وطهارة نبيه صلى الله عليه وسلم عن ~~الافتراء ، وكيف يفتري وهو مصون من طريان الشك والريب والوساوس والهواجس ~~على قلبه ، وفيه من النكت الغريبة أي : لو تظهر سر السر وغيب الغيب نربط ~~على قلبك لطف الصحو ؛ حتى لا تفشي سرنا من سكرك ، فيهلك العباد فيه. # قال سهل : يختم على قلبك ختم غلبة الشوق والمحبة ، فلا تلتفت إلى الخلق ، ~~وتشتغل بإجابتهم. # وقال الواسطي : إن يشاء الله يختم على قلبك بما شاء ، ويمحو الله الباطل ~~بنفسه ونعته ، حتى يعلم أنه لا حاجة به إلى أحد من خلقه ، ثم يحقق الحق في ~~قلوب أنشأها للحقيقة. # ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما ~~تفعلون (25)) # قوله تعالى : ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ): يقبل توبتهم ~~حين خرجوا من النفس والكون ، وصاروا أهله مقدسين بقدسه ، ويعفو عن سيئاتهم ~~ما يخطر بقلوبهم من ذكر غيره ، ويعلم ما يفعلون من التضرع بين يديه في ~~الخلوات. # قال الأستاذ : إن لم يتب العبد خوفا من النار ولا طمعا في الجنة لكان من ~~حقه أن يتوب ؛ ليقبل الحق سبحانه توبته. # ( ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله ~~والكافرون لهم عذاب شديد (26)) # قوله تعالى : ( ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من ~~فضله ): يعني يعطي سؤال السائلين في مشاهد قربه ، ويزيدهم ما لا يعلمون ؛ ~~إنه مدخر لهم من غرائب لطفه وعجائب كرمه ؛ لأنهم شاهدوا مشاهد ربوبيته حين ~~غاب عنها أكثر الخلق ، PageV03P267 # وعملوا في بذل وجودهم لحب وجهي الكريم ، واقتحموا في بلياتي بصالح ~~أعمالهم وحسنات نياتهم ، فيجازيهم بما هو أهله ، قال الله : ( ومن ~~يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ) أي : علما ومعرفة بنا وبما لدينا وتوفيقا ~~للزيادة والرغبة في طاعتنا ، ونزيده لطفا وكرما من عندنا ، ونلبسه نورا من ~~نورنا ، ونجعله ms1403 حسنا بحسننا. # قال بعضهم : من تقرب إلينا بطاعتنا أكرمناه بالتوفيق ، وزدناه من الإحسان ~~إليه ، وهو أن نكرمه بالإقبال علينا والاحتراز عما سوانا. # قال الأستاذ في قوله : ( ويزيدهم من فضله ) أي : الرؤية. # ( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما ~~يشاء إنه بعباده خبير بصير (27) وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر ~~رحمته وهو الولي الحميد (28) ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما ~~من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير (29)) # قوله تعالى : ( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا ): أراد بالرزق ~~في الحقيقة والبسط كشف مشاهدته على السرمدية في هذا العالم للعارفين ، ~~يشكرون ، ويشطحون ، ويعربدون ، ويخرجون من سكرهم وغلبتهم عن الحدود ~~والأحكام ، ويدعون بالدعاوي العظام ، ويفسد بهم عقائد العباد ، ولكن يكشف ~~لهم على ما وافق قوة أسرارهم وثبوت أرواحهم حتى لا يفنوا في سبحات جلاله ، ~~وأنهم يعطشون إلى بحار جمال مشاهدته ؛ لأنه خبير عالم بضعفهم عن تحمل أثقال ~~الربوبية ، بصير بنياتهم وشكوتهم في خلواتهم ؛ حيث يسألون أن يفنوا في ~~وجوده ، وذلك حين أبطأ هجوم الواردات عليهم ، وهم وقعوا في بحر اليأس بقوله ~~: ( وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ) أي : يكشف لهم أنوار ~~جماله بعد أن آيسوا من وجدانها في مقام القبض ، وينشر عليهم لطائف بسط ~~القرب ؛ لأنه وليهم وحبيبهم ، محمود بلسان افتقارهم ومعاينة اللقاء لهم. # قال ابن عطاء : إن الله تعالى يربي عباده بين طمع ويأس ، وإذا طمعوا فيه ~~آيسهم بصفاتهم ، وإذا آيسوا أطمعهم بصفاته ، وإذا غلب على العبد القنوط ~~وعلم العبد ذلك وأشفق منه أتاه من الله الفرح ، ألا تراه يقول تعالى : ( ~~ وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ) (1): PageV03P268 # معناه ينزل غيث رحمته على قلوب أوليائه ، فينبت فيها التوبة والإنابة ~~والمراقبة والرعاية. # ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير (30) ~~وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (31)) # قوله تعالى : ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ): إن ~~الله سبحانه قدر المقادير ms1404 في الأزل ، ومن مقاديره المقدرة كسب العباد ، كما ~~قال تعالى : ( خلقكم وما تعملون )، وجزاء اكتسابهم من الثواب ~~والعقاب منها صدر ، فإذا كسب العبد شيئا من الجرائم فهي من أسباب القهر ، ~~ويكون محجوبا به ، فإذا كان أهلا لله تعالى يعاقبه الله في الدنيا ببعض ~~المصائب ، ويخرجه به من ذلك الحجاب ، وإن لم يكن من أهل الحق فمصائبه ~~إمهاله له في ضلالته ، وإن ترك العبد الصالح بما بدا منه المعصية يكون ~~محجوبا بها ، ولكن يداويه ببعض الامتحان حتى يكون صافيا عن كدر الخليقة ، ~~ولكن بكرمه وفضله لا يؤاخذه إلا بقليل من عمله ، ( ويعفوا عن كثير ~~) (30)، وبعفوه ورحمته يخرجهم من ظلماتها ، ولم يأخذهم بالقليل سخطه ، لكن ~~أراد أن يعرف العبد بالمصيبة عيوب نفسه ومواقع خطره. # قال ابن عطاء : من لم يعلم أن ما وصل إليه من الفتن والمصائب باكتسابه ، ~~وإنما عفا عنه مولاه أكثر كان قليل النظر في إحسان ربه إليه ؛ لأن الله ~~يقول : ( وما أصابكم )، ومن لم يشهد ذنبه وجنايته ويندم عليه لا ~~ترجى له النجاة من المصائب والفتن. # ( ومن ءايته الجوار في البحر كالأعلم (32) إن يشأ يسكن الريح ~~فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (33) أو يوبقهن بما ~~كسبوا ويعف عن كثير (34) ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص (35)) # قوله تعالى : ( ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام (32) إن يشأ ~~يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ): في هذه الآية إشارة إلى أن سفن قلوب ~~العارفين في بحار أنوار ذاته وصفاته ، تجري على اضطراب من غلبات صدمة عواصف ~~سطوات أحديته وأزليته وأبديته ، من حيث إنها محدثة عاجزة خائفة من قهر ~~وعظمة والفناء في معارف قاموس كبريائه ، فيتلطف الحق بإمساك قهر عظمته عنها ~~، فيمسكها بنور جماله ، ( فيظللن رواكد ): سواكن في جريانها بشمال ~~جماله ، ولولا فضله ورحمته لتفتتت في كشوف العظمة وبروز الكبرياء ، وهذه ~~الأحوال السنية لا تكون إلا لصبار بالحق في الحق ، شكور برؤية فنائه في ~~بقائه ووجوده ، قائم بجوده ، قال الله : ( إن في ذلك لآيات لكل ~~صبار ms1405 شكور ) (33). PageV03P269 # ( فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير ~~وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (36) والذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون (37) والذين استجابوا لربهم وأقاموا ~~الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون (38) والذين إذا أصابهم ~~البغي هم ينتصرون (39) وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله ~~إنه لا يحب الظالمين (40)) # قوله تعالى : ( فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا ) أي : ما ~~أوتيتم من المقامات والدرجات والكرامات والمعاملات فمتاع المتمتعين بذكر ~~الله ، وما عند الله من كشف مشاهدته وظهور أنوار وصاله وعجائب علومه ~~الغيبية وأحكامه المخفية للذين شاهدوا الله وعليه يتوكلون في امتحانه إياهم ~~واستغراقهم في بحار ألوهيته ، فهو بجلاله ورحمته يخرجهم من لججها إلى سواحل ~~وصاله ؛ حتى لا يفنوا فيه ، ويتمتعون بجماله في بقائه. # قال بعضهم : ما ظهر من أفعالك وطاعتك لا يساوي أقل نعمة من نعيم الدنيا ~~من سمع وبصر ، فكيف ترجو بها النجاة في الآخرة ؛ لتعلم أن النعم كلها بفضل ~~لا باستحقاق. # ( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (41) إنما ~~السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب ~~أليم (42) ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور (43) ومن يضلل الله فما له ~~من ولي من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل ~~(44) وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال الذين ~~آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين ~~في عذاب مقيم (45) وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل ~~الله فما له من سبيل (46)) # قوله تعالى : ( ولمن انتصر بعد ظلمه ) أي : بعد ظلم الظالم عليه ~~، هذا بيان من لطف عدله ، تعالى الله من أن يجور ، عدل كما حكم ، وصرح ~~بخطابه طرفين من العلم : بيان شرف الظالم ؛ إذ جاوز الأمر وجار في العبودية ~~، وبيان ضعف المظلوم وقلة صبره في البلاء ، وانخلاعه من شعار الأنبياء ~~والصديقين وأولي القوة ms1406 من الرسل ، وأولي العزائم من أهل الاستقامة ؛ حيث ~~صبروا في احتمال الجفاء ، وغفروا لمن لم يعرف أقدارهم ، وبذلك وصفهم الله ~~بقوله : ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) (43)، وما قال ~~لحبيبه : ( فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل )، والصبر في ~~البلاء من نعوت أهل الرضا ، والعفو من شعار أهل الكرم والرضا. PageV03P270 # قال ابن عطاء في قوله : ( ولمن انتصر بعد ظلمه ): خاطب العوام ~~بالانتصار بعد المظلمة ، وأباح لهم ذلك ، واختار للنبي صلى الله عليه وسلم ~~الأخص ، وندب إليه بقوله : ( ولئن صبرتم لهو خير للصابرين )، ثم ~~لم يتركه ومخاطبة الندب حتى أمره بالأفضل وحثه عليه بقوله : ( ~~واصبر. ) # وقال جعفر : صبر على إيذائه ، وعفا عن مؤذيه ؛ ذلك من أحكم الأمور في ~~الدين وأحمدها عند الله وأجلها عند الناس. # قال أبو سعيد القرشي : الصبر على المكاره من علامات الانتباه ، فمن صبر ~~على مكروه يصيبه ولم يجزع أورثه الله حالة الرضا ، وهو أجل الأحوال ، ومن ~~جزع من المصائب وشكا وكله الله إلى نفسه لم تنفعه شكواه. # قال الأستاذ : صبر على البلوى من غير شكوى ، وعفا بالتجاوز عن الخصم ، ~~فلا يبقى لنفسه عليه دعوى ، بل يبرئ خصمه من جهته عليه من كل دعوى في ~~الدنيا والعقبى ، ( إن ذلك لمن عزم الأمور. ) # ( استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم ~~من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير (47) فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن ~~عليك إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة ~~بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور (48) لله ملك السماوات والأرض يخلق ما ~~يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور (49) أو يزوجهم ذكرانا ~~وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير (50)) # قوله تعالى : ( استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له ) ~~: الأمر للعموم في إجابة دعوته ، ولا يسمع نداءه إلا من اصطفاه في الأزل ~~لمحل خطابه وسماع دعائه ، وكيف يجيب من لم يسمع بأسماع التنبيه والمعرفة ~~والمحبة والفهم هواتف ms1407 أطيار الإلهام والخطاب والكلام ، من خاطبه الحق بلا ~~واسطة ؛ فيسمع أيضا الخطاب بالوسائط ، من كان خاليا عن استعداد قبول الخطاب ~~لا يجيب ، ولو ناداه الحق بكل لسان ؛ قال الله : ( ختم الله على ~~قلوبهم وعلى سمعهم. ) # قال الجنيد : استجابة الحق لمن يسمع هواتفه وأوامره وخطابه ، فتتحقق له ~~الإجابة بذلك السماع ، ومن لمن يسمع الهواتف كيف يجيب ، وأنى له محل ~~الجواب؟! # وقال الأستاذ : الاستجابة الوفاء بعهده والقيام بحقه والرجوع من مخالفته ~~إلى موافقته. PageV03P271 # ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل ~~رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم (51)) # قوله تعالى : ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء ~~حجاب ): كان لي واقعة في ابتداء الأمر ، وذلك أنى شاهدت الحق بالحق ، ~~وكاشف لي مشاهدة جماله ، وخاطبني من حيث الأرواح لا الأشباح ، فغلب على سكر ~~ذلك ، وأفشيت حالي بلسان السكر ، فتعرضني واحد من أهل العلم ، وسألني : كيف ~~تقول ذلك وأن الله سبحانه أخبرنا بأنه لم يخاطب أحدا من الأنبياء والرسل ~~إلا من وراء حجاب ، وقال : ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ~~أو من وراء حجاب )؟! فقلت : صدق الله ، هذا إذا كانوا في حجاب البشرية ، ~~فإذا خرجوا بشرط الأرواح إلى علم الغيب والملكوت ألبسهم الله أنوار قربه ، ~~وكحل عيونهم بنور نوره ، وألبس أسماعهم قوة من قوى الربوبية ، وكشف لهم سر ~~الغيرة وحجاب المملكة ، وخاطبهم كفاحا وعيانا ، ولنبينا صلى الله عليه وسلم ~~أخص خاصية ؛ إذ هو مصطفى في الأزل بالمعراج والمشاهدة ، فإذا صار جسمه روحه ~~ويكون واحدا من كل الوجوه صعد إلى الملكوت ، ورأى الحق منزها عن أن يحجبه ~~المحل من الحدثان ، أو احتجب بشيء دونه فهو الممتنع بذاته القديم من أن ~~يطالعه إلا بعد أن يكشف له جلال أبديته وجمال سرمديته ، وتصديق ما ذكرنا ما ~~قال الواسطي في هذه الآية ؛ قال : أخبر أن أوصاف الخلق على سنن واحد ، وخص ~~السفير الأعلى والواسطة الأدنى بمشافهة الخطاب ومكافحته ، وقال : ( ~~وما كان لبشر أن يكلمه الله ms1408 إلا وحيا )، وهو قائم بصفة البشرية حتى ينزع ~~عنه أوصاف البشرية ، ويحلى بحلية الاختصاص ، يكلم شفاها (1)؛ لقوله تعالى ~~: ( وكذلك أوحينا إليك. ) # تفسير قوله سبحانه : ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) أي : ~~كما خصصنا الأنبياء والرسل بالأرواح الروحانية والأرواح الملكوتية والأرواح ~~الجبروتية والأرواح الجمالية والأرواح الجلالية خصصناك بروح قدسية أوجدتها ~~من جملة الأرواح ، بتجلي قدسي قدمي من العدم ، وفضلناك برؤية القدس والجوهر ~~القدسي المشروح برقوم تجلي جمالي وجلالي ، المكسو بكسوة جميع صفاتي ، ~~المنور بنور ذاتي ، خصصنا روحك المشرقة بهذه الأنوار ، PageV03P272 # بأن أحييتها بما أودعتها من روح فعلي وروح صفتي وروح ذاتي ، وذلك على ~~الغيب وغيب الغيب ، وسر الغيب الأول أمر الفعل ، والثاني أمر الصفة ، ~~والثالث أمر الذات ، فإذا صارت جامعة لهذه الخصائص وأن جميع الأرواح صدرت ~~من نورها أرسلناها إلى جسمك المبارك ، ونفختها في صورتك كما نفخت في صورة ~~أبيك ، فصار آدم العالم فأنت أنت ، وآدم والعالم من العرش إلى الثرى يظهر ~~من مرآة وجودك ، كما ظهر الكون من جوهرك القدسي الذي هو أول ما خلقت ، فمن ~~يرى نورها منك فقد رآني ، فإنك مرآتي للعالمين ؛ لذلك قال صلى الله عليه وسلم ~~: «من رآني فقد رأى الحق ، ومن عرفني فقد عرف الحق» (1)، وقال : «أول ما ~~خلق الله نوري ، ثم خلق منه ما هو كائن إلى يوم القيامة» (2)، فمن كان له ~~من بحر نوره روح صار بين العالمين مرآة جمال الحق وجلاله ، ويكون شاهد الحق ~~في العالم ؛ من نظر إليه عشق بالحق ؛ إذ الحق يظهر منه من حيث التجلي لا من ~~حيث الحلول ، تعالى عن أن يحل في شيء من الحدثان ، ثم بين الحق تفصيل ~~مواهبه التي وهبها لحبيبه صلى الله عليه وسلم من خصائص النبوة والرسالة ، ~~وشرائف المعارف والكواشف التي خفيت عنه في أوائل حاله ؛ إذ كان في غواشي ~~صورة الإنسانية من أحكام أزليته ، وما سبق له من حسن العناية والكفاية ~~بقوله : ( ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ) أي : ما كنت واقفا ~~على أسرار الخطاب وحقيقة المعرفة في زمان غيبتك ؛ إذ ms1409 زينتك بألطاف في حجب ~~الغيب ، ثم تجلى لك نور القرآن الذي ظهر منه نور العرفان ، فصار العرفان ~~إيمانك والقرآن عرفانك ، فإيمانك العرفان ، وعرفانك القرآن ، فصار الإيمان ~~والعرفان والقرآن من حيث عين الجمع واحدا ؛ إذ جميعها صدر من صفة القدم ~~بالتجلي والتدلي والظهور ؛ والصفة صدرت من الذات من حيث المعاينة ، والكشف ~~للأرواح الجلالية الجمالية القدسية ؛ لذلك تعود الكناية إلى الواحد من ~~الاثنين ، إذ هذا الاثنان واحد في الحقيقة. # ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم (52) صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله ~~تصير الأمور (53)) # قاله تعالى : ( ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ) أي ~~: هذه المعاني التي كشفتها لك نور وهداية تهدى به إلى معرفتنا وشرفك عندنا ~~، ( من عبادنا ): من العارفين والموحدين والمحبين الذين كانوا في ~~سوابق الغيب منك صدروا ، وعلى رؤية جمالنا PageV03P273 # وجلالنا ، وأنت سيدهم وإمامهم ، تعرفهم سبل وصولنا ، وذلك قوله : ( ~~ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم )، ثم أضاف ذلك السبيل بنعت الخصوصية ~~إلى نفسه ، وقال : ( صراط الله الذي له ما في السماوات وما في ~~الأرض ) أي : صراطك المستقيم هو طريق الله الذي مهد للعارفين والمشتاقين ؛ ~~ليسلكوا فيه إليه بنوره وهدايته ، ثم وصف نفسه بأنه مالك الأعيان من العرش ~~إلى الثرى حتى طابت أرواح الصديقين بوحدانيته ؛ إذ لا منصرف إلا هو ، ولا ~~مصرف من جميع الوجوه إلا ساحة كبريائه وعظمته ، وذلك قوله : ( ألا ~~إلى الله تصير الأمور ): تعود إليه أمور الخلائق من الحكم والقضاء والقدر ~~والمشيئة والفعل والقدرة كما بدأ منه. # قال الواسطي : أظهر الأرواح من بين جماله وجلاله مكسوة بهاتين الكسوتين ، ~~لولا أنه سترها لسجد لها كل ما أظهر من الكونين ، فمن رداه برداء الجمال ، ~~فلا شيء أجمل من كونه في ستره يظهر منه كل درك وحذاقة وفطنة ، ومن رداه ~~برداء الحلال وقعت الهيبة على شاهده ، وهابه كل من لقيه ، ولصحة الأرواح ms1410 ~~علامات ثلاث : صحة الثقة ، والتحقيق بالأخلاق ، والتخطي في طريق الآداب. # وقال ابن عطاء : الكتاب ما كتبت على خلقي من السعادة والشقاوة ، والإيمان ~~ما قسمت للخلق من القربة. # قال القاسم في قوله : ( ألا إلى الله تصير الأمور ): لأنه مبتدأ ~~كل شيء وإليه منتهى كل شيء ، فمن كان منه وله فهو الساعة به. # قال سهل في قوله : ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ): تدعو إلى ~~ربك بنور هداية ربك. # وقال بعضهم : دعونا أقواما في الأزل فأجابوا ، فأنت تهديم إلينا ، وتدلهم علينا. ### | سورة الزخرف # بسم الله الرحمن الرحيم # ( حم (1) والكتاب المبين (2) إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم ~~تعقلون (3) وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم (4) أفنضرب عنكم الذكر صفحا ~~أن كنتم قوما مسرفين (5) وكم أرسلنا من نبي في الأولين (6) وما يأتيهم من ~~نبي إلا كانوا به يستهزؤن (7) فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين (8) ~~ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم (9) الذي ~~جعل لكم الأرض مهدا PageV03P274 # وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون (10) والذي نزل من السماء ماء ~~بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون (11) والذي خلق الأزواج كلها وجعل ~~لكم من الفلك والأنعام ما تركبون (12)) # ( حم (1) والكتاب المبين ) (2) أي : بحياتي منك وحياتك بحياتي ، ~~ومحبتي لك ومحبتك لي ، وبهذا الكتاب المبارك الظاهر بنوره وبرهانه في صدرك ~~ولسانك ، وصدور العارفين المبرهن بيانه للمؤمنين ، المبين لطائفه لقلوب ~~الصديقين ، إن هذا القرآن أنزلته على قلبك ، وبلسانك الفصيح ؛ ليعرفه كل ~~مؤمن صادق ، ويعقل به طريق العبودية وحقوق الربوبية. # قال سهل : بين فيه الهدى من الضلالة ، والخير من الشر ، وبين فيه سعادة ~~السعداء وشقاوة الأشقياء. # قال الأستاذ : الحاء يدل على حياته ، والميم على مجده ، وهذا قسم ، ~~ومعناه : وحياتي وملكي وهذا القرآن المبين إن الذي أخبرت أن رحمتي لعبادي ~~المؤمنين حق وصدق ، ثم وصف القرآن بأنه ليس بمخلوق ، وأنه صفته الأزلية ~~التي هي قائمة بذاته أزلا وأبدا بقوله : ( وإنه في أم الكتاب لدينا ~~لعلي حكيم ) أي : إنه صفتي ، كان في ذاتي منزها عن التغاير والافتراق ؛ إذ ~~هما من صفات ms1411 الحدث ، وأم الكتاب عبارة عن ذات القدم ؛ لأنه أصل جميع الصفات ~~لدينا ، معناه ما ذكرنا أنه في أم الكتاب لعلي ، علا من أن يدركه أحد ~~بالحقيقة ، ممتنع من انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ، حكيم محكم مبين. # قال سهل : أم الكتب هو اللوح المحفوظ أي : رفيع مستول على سائر الكتب. # قال جعفر : علي عن درك العباد وما يتوهمون ، حكيم فيما دبر وأنشأ وقدر. # ( لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ~~وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (13)) (1). # قوله تعالى : ( لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم ): أجل ~~نعمة الله على PageV03P275 # العباد أن يقويهم على نفوسهم الأمارة ، وينصرهم عليها حتى يركبوا عليها ، ~~ويميتوها بالمجاهدات ، حتى استقامت في طاعة الله ، فإذا استقامت وجب عليهم ~~شكر نعمته ، وذكر كرامته ، وتذكر تلك النعمة أن يعرفوا لطيف صنعه في ~~إبداعهم ، ويروا أنوار صفته في ظهورها من صنائعه ، ثم ينظروا بنورها إلى ~~غيبه ، ويعرفوا في الغيب عين ذاته بعد أن شاهدوه به ، وهذه النعم لا تفارق ~~عن العبد لمحة ، وشكرها واجب عليه بنعت المعرفة على السرمدية. # قال بعضهم : من لم يعرف نعم الله عليه إلا في مطعمه ومشربه ومركبه فقد ~~صغر نعم الله عنده ، ثم بين الله أن تسخير النفس بعد استوائها في طاعة الله ~~يكون بتسخير الله لا بالكسب والمجاهدة ؛ ولذلك قال سبحانه : ( ~~سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ) (13): أخرج تسخيرها من كسبهم ~~أي : وما كنا مطيقين بتذليلها. # ( وإنا إلى ربنا لمنقلبون (14) وجعلوا له من عباده جزءا إن ~~الإنسان لكفور مبين (15) أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين (16) وإذا ~~بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم (17) أومن ينشؤا في ~~الحلية وهو في الخصام غير مبين (18) وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسئلون (19) وقالوا لو شاء الرحمن ما ~~عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون (20) أم آتيناهم كتابا من ~~قبله فهم به مستمسكون (21) بل قالوا إنا وجدنا ms1412 آباءنا على أمة وإنا على ~~آثارهم مهتدون (22) وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال ~~مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون (23) قال أولو ~~جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون (24) ~~فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين (25) وإذ قال إبراهيم لأبيه ~~وقومه إنني براء مما تعبدون (26) إلا الذي فطرني فإنه سيهدين (27)) # قوله تعالى : ( وإنا إلى ربنا لمنقلبون ) أي : راجعون إلى الله ~~في جميع الحوائج بنعت الشوق إلى جماله والعشق بجماله. # ( وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون (28) بل متعت هؤلاء ~~وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين (29) ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر ~~وإنا به كافرون (30)) # قوله تعالى : ( وجعلها كلمة باقية في عقبه ): لما كان الخليل ~~عليه الصلاة والسلام PageV03P276 # موقع نظر جماله وجلاله وكشف وصاله وتجرد من غيره في خلته ومحبته وخدمته ~~وأفرده بتوحيده عن غيره جعل الله توحيده كلمته العليا الشجرة الثابتة ، ~~أصلها في أرض قلبه ، وفرعها إلى سماء الأبد ، وثمرها الرسل والأنبياء ~~والأولياء ، وأشهى ثمرها محمد صلى الله عليه وسلم ، وبقي ذلك التوحيد في قلوب ~~أمته إلى يوم ورودهم على موارد المشاهدة الكبرى. # قال سهل : هي التوحيد في ذريته إلى يوم القيامة. # ( وقالوا لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم (31) ~~أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا ~~بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون (32) ~~ولو لا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من ~~فضة ومعارج عليها يظهرون (33) ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤن (34) ~~وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين (35)) # قوله تعالى : ( لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ~~): جهلوا العظمة ، وظنوا أن العظيم من هو له غنى وقوة نفسانية ، ولو ~~يعلموا أن العظيم هو من عظمه الله بعظمته ، وكساه أنوار سلطانه وبرهانه ، ~~وهو المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه عظم ms1413 قدره في الدارين بقدر الله ، وخصه بما ~~قسم له في الأزل بالرسالة والنبوة والشرف والكرامة ، ووبخهم الله بما تمنوا ~~في القسمة بقوله : ( أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم ~~في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ): جعل معيشة البعض إرادة ، ~~وجعل معيشة البعض علما وخدمة ، وجعل معيشة البعض إيمانا وصدقا ، وجعل معيشة ~~البعض توبة وإنابة ، وجعل معيشة البعض محبة وشوقا وعشقا ، وجعل معيشة البعض ~~معرفة وتوحيدا ، وجعل معيشة السالكين الفراسات ، وجعل معيشة الزاهدين ~~الكرامات ، وجعل معيشة العارفين تراكم الواردات ، وجعل معيشة الفقراء ~~القناعة والتوكل والرضا والتسليم ، هذا للمقبلين إليه ، وللمدبرين عنه الغي ~~والضلالة والجهل والغباوة والدنيا الكثيرة الشاغلة عن الله ، وهم أيضا في ~~ذلك متفاوتون ؛ فبعضهم أعلى من بعض بالمعرفة ، وبعضهم أعلى من بعض ~~بالمشاهدة ، وبعضهم أعلى من بعض في المكاشفة ، وبعضهم أعلى من بعض في ~~المحبة ، وكذلك في جميع المقامات ، كما فضل بعض أصحاب الدنيا في الرزق ~~والمعيشة. # قال الواسطي في قوله : ( نحن قسمنا ): رزق قوما حلالا ومدحهم ~~عليه ، وقوما شبهة وذمهم عليه ، وقوما حراما وعاقبهم عليه ، موسرا بالحرام ~~المحض ولم يلمه عليه ، قال PageV03P277 # النبي صلى الله عليه وسلم : «إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى ~~تستكمل رزقها ألا فاتقوا الله وأجملوا في الطلب» (1)، وقال الله لهم : ( ~~ يقسمون رحمت ربك. ) # وقال سهل : فضلنا بعضهم على بعض في المعرفة والطاعة عيشا لهم في الدنيا ~~والآخرة. # قال الجنيد : بالتمييز وحفظ السر. # وقال بعضهم : بالثقة والتوكل. # وقال بعضهم : بمعرفة كيد النفس ووسواس الشيطان ، ثم بين الله سبحانه بآخر ~~الآية أن ما عنده من الاصطفائية الأزلية وكشف مشاهد العزيزة الكريمة التي ~~هي مقدسة من شوائب الاكتساب ( خير مما يجمعون ) من جميع الفضائل ، ~~وأن عيش الآخرة للمؤمنين خير من العيش في الدنيا بقوله : ( ورحمت ~~ربك خير مما يجمعون. ) (32). # قال سهل : ذكر الله خالصا خير من كثرة الأعمال لطلب جزاء. # وقال ابن عطاء : ما يعطيهم على سبيل الفضل خير لهم مما يجازيهم. # ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له ms1414 شيطانا فهو له قرين (36) وإنهم ~~ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37) حتى إذا جاءنا قال يا ليت ~~بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين (38) ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم ~~في العذاب مشتركون (39) أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال ~~مبين (40)) # قوله تعالى : ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له ~~قرين ) أي : من نسي الله وترك مراقبته ولم يستحي منه وأقبل إلى شيء من حظوظ ~~نفسه قيض الله له شيطانا يوسوس له في جميع أنفاسه ، ويغوي نفسه إلى طلب ~~هواها حتى يسلطه على عقله وعلمه وبيانه ، وهذا كما قال أمير المؤمنين علي ~~عليه السلام : «الشهوة والغضب يغلبان العقل والعلم والبيان ، وهذا جزاء من ~~أعرض عن متابعة القرآن ومتابعة السنة». # وقال سهل : حكم الله تعالى أنه لا يرى قلب عبد يسكن إلى شيء سواه إلا ~~أعرض عنه ، وسلط عليه الشيطان ؛ ليضله عن طريق الحق ، ويغويه. # وقال ابن عطاء : من لم يداوم على الذكر فإن الشيطان قرينه ، ومن داوم ~~عليه لم يقربه الشيطان بحال. # وقال الواسطي : من صرفنا قلبه عن مواعظ القرآن وحجبناه عنه نقيض له ~~شيطانا ، PageV03P278 # فقارنه حتى يصرفه عن الحق ، وذلك بإذن الله وخذلانه ، قال تعالى : ( ~~ وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله. ) # قال جعفر : من جهل معرفة ما أنعم الله عليه بذكره ولم يشكر ذلك قرن به ~~شيطانا لا يفارقه في جميع أفعاله وأحواله وأقواله. # ( فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون (41) أو نرينك الذي وعدناهم ~~فإنا عليهم مقتدرون (42)) # قوله تعالى : ( فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون ): إن الله ~~سبحانه نظر في قلب حبيبه ورأى فيه غلبة الشوق إلى جماله واهتماما لأمته كيف ~~يعيشون بين أضدادهم من الضلال ، فقال : لا تهتم ؛ فإني أوصلك إلي ، وأدفع ~~شر الظالمين عنهم ، وأنتقم منهم ما فعلوا بك وبأمتك ؛ فإنك أمانهم الساعة. # قال ابن عطاء : أنت الأمان فيما بينهم ، فإن قبضناك انتقمنا منهم ، وقد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «حياتي خير لكم ، وموتي خير ms1415 لكم» (1). # وقال يحيى بن معاذ : لله على عباده حجتان : حجة ظاهرة ، وحجة باطنة ، ~~فأما الظاهرة الرسول ، وأما الباطنة فالعقول. # ( فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم (43) وإنه لذكر ~~لك ولقومك وسوف تسئلون (44) وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون ~~الرحمن آلهة يعبدون (45) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فقال ~~إني رسول رب العالمين (46) فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون (47) وما ~~نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون (48) ~~وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون (49) فلما ~~كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون (50) ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس ~~لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون (51) أم أنا خير من هذا ~~الذي هو مهين ولا يكاد يبين (52) فلو لا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه ~~الملائكة مقترنين (53) فاستخف قومه PageV03P279 # فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين (54)) (1). # قوله تعالى : ( فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم ) ~~أي : لا تسمع قول الزائغين الذين يؤذونك ويقولون لست بحق ؛ فأنت على الحق ~~المبين ، فاستمسك بالقرآن الذي هو شاهد على شرفك ، فأنت على الطريق ~~المستقيم ، وهذا تسلية لقلب نبيه وتأديب لأمته ، وهذا عارف يتعرضه نفسه ~~وشيطانه من الإنس والجن بالمعارضات العريضة بعد مكاشفاته ومعرفته ، ~~ويمنعونه من سلوك الحقائق التي لا يعرفها أهل الرسوم من المقلدين في ظاهر ~~العلم والعمل ، ويخاصمونه ؛ فإنه سبحانه أيده بنصره ، ويسلى قلبه بهذا ~~الخطاب المبارك. # قال ابن عطاء : أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم بالاستمساك والتمسك ~~بالدين ، وهو صلى الله عليه وسلم الإمام فيه ، ولم يخل من التمسك بما أمر به ~~لحظة ، لكنه خاطبه لرفع درجاته وعظم محله ، لتكون أنت متأدبا بآداب التمسك ~~والاقتداء والاستقامة ، وتعلم أن مثله إذا خوطب بمثل هذا الخطاب ما الذي ~~ألزمك من الاجتهاد والمجاهدة ، ثم بين سبحانه أن نزول القرآن يوجب شرف ~~نبينا وشرف أمته بقوله : ( وإنه لذكر لك ولقومك ) أي : هو وصفك ، ~~ووصف من ms1416 اتبعك من العارفين الصادقين ، يصفك القرآن ، ويصف قومك من الصادقين ~~بما أنت عليه وما هم فيه من الأخلاق الجميلة والأعمال الزكية والدرجات ~~الرفيعة والكرامات السنية والمقامات العلية ، ألا ترى إلى قول أم المؤمنين ~~رضي الله عنها وعن أبيها حين سئلت عن خلق محمد صلى الله عليه وسلم قالت : «كان ~~خلقه القرآن» (2)، وأيضا أنه شرفك وشرف أمتك بأنك أهله ، وهم أهلك. # والثانية : إن الملوك لابد لهم من الرزانة ، والوقار ، والحياء في الصورة ~~بلا تقليد ، وتلوين ، ورياء ، فإن ذلك مما يدل على ما في قلوبهم من المعاني ~~والحقائق ، وقد طلب بعض الأولياء من الله تعالى أن يلقي في قلوب الناس ~~هيبته في حقه ؛ لكون ذلك أقرب لقبول ما عنده من الحق ؛ فكأنه طلب أن يلقى ~~ذلك في قلبه ، فإنه إذا كانت حقائق الصفات والأحوال في باطن الإنسان ؛ ~~فظاهره يكون أهول وأهيب. # ولذا ترى ملوك الزمان وأمراءه يتكلفون في الأوضاع ، ويرون من أنفسهم ما ~~ليس في قلوبهم ، ومن ثم لا يعدهم الناس في جملة المراجيح الرزان ؛ بل ~~يسخرون بهم في خلواتهم ، والمتحققون المتشيخون ، فما اشترى العارفون ذلك ~~منهم بفلس ؛ لفرقهم بين الجيد والردىء ، والطيب والخبيث. PageV03P280 # قال ابن عطاء : شرف لك بانتسابك إلينا ، وشرف لقومك بالانتساب إليك. # قال جعفر : ذكر لك بنسبتك إلينا ، وذكر لقومك بحسن قدومهم بك واتباعهم لسنتك. # ( فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين (55) فجعلناهم ~~سلفا ومثلا للآخرين (56) ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون (57) ~~وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (58)) # قوله تعالى : ( فلما آسفونا انتقمنا منهم ): فلما قاموا على ~~دعاويهم الباطلة وكلماتهم المزخرفة وبدعهم الباردة فأصروا على إيذاء ~~أوليائنا وأحبائنا غضبنا وسلطنا عليهم جنود قهرياتنا ، وأمتناهم في أودية ~~الجهالة ، وأغرقناهم في بحار الغفلة ، وجردنا قلوبهم عن أنوار المعرفة ، ~~وطمسنا أعين أسرارهم حتى لا يروا لطائف برنا على أوليائنا. # قال سهل : لما أقاموا مصرين على المخالفة في الأوامر وإظهار البدع في ~~الدين وترك السنن اتباعا للآراء والأهواء والعقول نزعنا نور المعرفة من ms1417 ~~قلوبهم وسراج التوحيد من أسرارهم ، ووكلناهم إلى ما اختاروه ، فضلوا ~~وأضلوا. # ( إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل (59) ~~ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون (60) وإنه لعلم للساعة فلا ~~تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم (61) ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو ~~مبين (62) ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض ~~الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون (63) إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه ~~هذا صراط مستقيم (64) فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب ~~يوم أليم (65) هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (66)) # قوله تعالى : ( إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ) أي : بأنه كلمته ~~التي ألقاها إلى مريم وروح منه ، وأنه كان متصفا بصفاته ، ومشكاة لأنوار ~~قربه ووصاله وولايته ونبوته ومعرفته ومحبته وعصمته وتوفيقه. # قال يحيى بن معاذ : أنعمنا عليه بأن جعلنا ظاهره إماما للمريدين ، وباطنه ~~نورا لقلوب العارفين. # ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين (67) يا عباد لا ~~خوف عليكم PageV03P281 # اليوم ولا أنتم تحزنون (68)) # قوله تعالى : ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) أي : ~~كل خلة لا تكون لله تتولد منها العداوة في الدنيا والآخرة ، والمتحابون في ~~الله لا يقع بينهم العداوة ؛ إذ ارتفعت من بينهم أسباب الكونيين والعالمين ~~، وهم مقدسون بتأييد الله ورعايته عن كل خلاف يورث الوحشة. # قال ابن عطاء : كل وصلة وأخوة منقطعة إلا ما كان لله وفي الله ؛ فإنه كل ~~وقت في زيادة ، بأن الله يقول : ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو ) ~~أي : في انقطاع وبغضة إلا المتقون ؛ فإنهم في راحة أخوتهم يرون فضل ذلك ~~وثوابه ، ثم خاطب الله سبحانه هؤلاء المتقين بقوله : ( يا عباد لا ~~خوف عليكم اليوم ): ليس عليكم خوف الفراق ولا حزن الأصحاب. # قال ابن عطاء : لا خوف عليكم اليوم في الدنيا وخوف مفارقة الإيمان ، ( ~~ ولا أنتم تحزنون ) في الآخرة بوحشة البعد والمفارقة. # ( الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين (69) ادخلوا الجنة أنتم ~~وأزواجكم تحبرون (70) يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه ~~الأنفس ms1418 وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون (71)) # قوله تعالى : ( الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ) (69): ~~مشاهدون آياتنا التي هي مشكاة أنوار صفاتنا ، وكانوا مسلمين منقادين ~~بجبروتنا بنعت المحبة ، ( ادخلوا الجنة ): ادخلوا جنان مشاهدتي ، ~~( أنتم وأزواجكم تحبرون ): مسرورين بوصالنا. # قال سهل : بلذة النظر ؛ لما من عليهم من التوحيد عند تجلي المكاشفة ~~لأوليائه ، فهو البقاء مع الباقي ، ألا ترى كيف خصهم بالإيمان على شرط ~~التسليم؟! ثم زاد في وصف أحوالهم في جنة مشاهدته بقوله : ( وفيها ~~ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ): ما تشتهي الأنفس الروحانية القدسية ~~الروحية العاشقية بجمال القدم التي ترى جمال الحق بعين الصورة ، فإذا ما ~~تشتهي الأنفس وتلذ الأعين هو وصال الحق والنظر إلى جماله أبد الآبدين. # قال سهل : فيها ما تشتهي الأنفس من ثواب الأعمال ، وتلذ الأعين مما يفضل ~~الله به من التمكين في وقت اللقاء. # قال جعفر : شتان بين ما تشتهي الأنفس وبين ما تلذ الأعين ؛ لأن جميع ما ~~في الجنة من النعيم والشهوات واللذات في جنب ما تلذ الأعين كأصبع تغمس في ~~البحر ؛ لأن شهوات الجنة لها حدود نهاية ؛ لأنها مخلوقة ؛ ولا تلذ الأعين ~~في الدار الباقية إلا بالنظر إلى الباقي جل PageV03P282 # وتعالى ولا حد لذلك ولا صفة ولا نهاية. # ( وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون (72) لكم فيها ~~فاكهة كثيرة منها تأكلون (73) إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون (74) لا ~~يفتر عنهم وهم فيه مبلسون (75) وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين (76) ~~ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون (77) لقد جئناكم بالحق ولكن ~~أكثركم للحق كارهون (78) أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون (79)) # قوله تعالى : ( وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ): ~~قارن ثواب الجنة بالأعمال ، وأخرج المعرفة واللقاء والمحبة والمشاهدة من ~~العلل ؛ لأنها اصطفائية خاصة أزلية ، يورثها من يشاء من العارفين الصديقين. # وقال ابن عطاء : الجنة ميراث الأعمال ؛ لأنها مخلوقة ، فوازى المثل ~~والكتاب ميراث الاصطفائية ؛ فإنهما صفتان من صفات الحق. # ( أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون (80)) # قوله تعالى : ( أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ms1419 ): وصف الله ~~سبحانه نفسه وإحاطته ببطون المغيبات وحقائق المضمرات بالعلم القديم ، ~~وسماعه حركات صميم أسرار الخلق بسمعه القديم المنزه عن الإصغاء ، وكيف يخفى ~~عليه ما أبدع وأوجد في بطون القلوب والغيوب! بل له كرام كحل عيونهم بنور ~~نوره ، حتى يروا حقائق الأمور الغيبية كما قال صلى الله عليه وسلم : «اتقوا ~~فراسة المؤمن ؛ فإنه ينظر بنور الله» (1)، والملائكة يسمعون من الحق ~~بالإلهام بعد ما وقع الغيب لله الخاص له. # والعارف الصادق له درجتان في ذلك : درجة الملائكة التي هي الإلهام ، ولهم ~~خاصية الرؤية والفراسة بنور الله ، وهو أن يكون متصفا بعلمه وصفاته ، وهذه ~~الآية وعيد وتحذير لمن كان له قلب يخطر عليه شيء غير ذكر الله. # قال يحيى بن معاذ : من ستر من الناس ذنوبه وأبداها للذي لا يخفى عليه شيء ~~من السماوات والأرض فقد جعل ربه أهون الناظرين إليه ، وهو من علامات ~~النفاق. # قال الله : ( أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ): ما يسرون من الذنوب ~~، ( ونجواهم ): ما يخفون من المعاصي ، ( بلى ) وكرام ~~الكاتبين شهدوا على ظواهرهم وأنا شاهد على PageV03P283 # بواطنهم ، قال الله تعالى : ( بلى ورسلنا لديهم يكتبون. ) # قال أبو بكر بن طاهر : من لم يزجره عن المخالفات رؤية الحق وسماعه فإنه ~~لا يزجره شيء غير ذلك. # وقال أيضا : دل قوما من عباده إلى الحياء منه ، ودل قوما إلى الحياء من ~~الكرام الكاتبين ، فمن استغنى بعلم نظر الله إليه والحياء منه أغناه ذلك عن ~~الاشتغال بكرام الكاتبين. # ( قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين (81) سبحان رب ~~السماوات والأرض رب العرش عما يصفون (82) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا ~~يومهم الذي يوعدون (83) وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم ~~العليم (84) وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم ~~الساعة وإليه ترجعون (85) ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد ~~بالحق وهم يعلمون (86) ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون (87) ~~وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (88) فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون (89)) # قوله ms1420 تعالى : ( قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ): أمر ~~الله سبحانه حبيبه الأول صلاة الله عليه أن ألق رغام الهوان على أنوف أهل ~~الخيال من الكفرة والمشبهة والزنادقة والثنوية والنصارى واليهود والمشركين ~~بإظهار تنزيه عزة أوليته ، وتقديس جلال قدسه من علل الحدوثية ، وأوصاف ~~المخلوقية حتى يموتوا في غمار الغفلة من ضربات قدس الألوهية وقهر الجبارية ~~أي : إن كنتم تزعمون لله المنزه القديم شيئا لا يليق بجلاله فأنا أول من ~~يقدسه من طرآن علل الحدثان عليه ، وأنا أول من أفنى من حياتي فيما أسمع ~~منكم له فيه ، وهذا كما قال الله تعالى في وصف السماوات والأرض والجبال كيف ~~تخشعت من أقوال الكفرة فيه بقوله : ( تكاد السماوات يتفطرن منه ~~وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا )، ويل لمن يتقاعد بعقله ~~من الجمادات في معرفة الله ، وإشارة أوليته عليه السلام في عبودية الله ~~إشارة إلى بدو وجوده في إتيانه من القدم بنور القدم وانقياده في أول تجلي ~~جلاله ، وهذا كما قال الصادق : «أول ما خلق الله نور محمد صلى الله عليه وسلم ~~قبل كل شيء ، وأول من أوجد الله عز وجل من خلقه ذرية محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~وأول ما جرى به القلم لا إله إلا الله محمد رسول الله» (1)، قال : ( ~~ فأنا أول العابدين ): أحق بتوحيد الله ، وذكر الله تأكيد تقديسه ~~بقوله : ( سبحان رب السماوات PageV03P284 # والأرض رب العرش عما يصفون )، ذكر غلبة قهره على السماوات ~~والأرض والعرش والكرسي ، حتى عرفوا أن ما يرون من أعظم الخلق يكون عاجزا في ~~خضوعه لسلطانه كيف يليق به ما تصف الكفرة ، نزه نفسه عن ذلك بقوله : ( ~~ سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون )، منزه عما وصف به ~~الموحدون والعارفون ، فكيف عما وصف به الجاهلون. # وقوله تعالى : ( إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ): عظم أقدار ~~العارفين بهذه الآية ؛ حيث شاهدوا جلاله وجماله بأرواحهم وقلوبهم وأسرارهم ~~وعقولهم ، وهم يخبرون حقائقها بألسنة عجيبة ربانية إلهامية ، يصفون الحق ~~بها بما يليق بوحدانيته ، وهم يعرفونه بما عرفهم ms1421 نفسه تعالى ، ولولا قول ~~الله سبحانه في وصفهم بهذه الحالة وما وصفهم بالعلم به لعجبت من الحدثان ~~كيف شاهدوا حق الحقيقة وكيف عرفوا حقيقة الحق. # قال الصادق : هم يعلمون أن الحق غير موصوف بصفات الخلق ، أقروا باللسان ~~بوحدانيته ، وآمنوا بقلوبهم ، وعملوا ما أقروا به ، وعملوا لمن أقروا له ~~بالربوبية علما بأنه لا يستحق العبودية سواه. # قوله تعالى : ( فاصفح عنهم ): أمر الله سبحانه حبيبه ~~صلى الله عليه وسلم بالصفح عن الجاهلين بأن يعذرهم من حيث جهلهم بالله ، ومن ~~حيث إنه قهرهم وطردهم ، وبأنهم يعرفون خصائصه ، ومعنى قوله : ( وقل ~~سلام ) أي : لاطفهم في دعوتك إياهم إلي ، ( فسوف يعلمون ) قدرك بعد ~~أن أعرفهم منازلك بتوفيقي لهم ، لعل فيض كرمي يدركهم ، وهذا تأديب لدعاة ~~الخلق إلى الحق. # قال ابن عطاء : أعذرهم في جهلهم بحقك ، وتركهم لحرماتك ، وسلم عليهم ؛ ~~ليسلموا من توابع البلاء. ### | سورة الدخان # بسم الله الرحمن الرحيم # ( حم (1) والكتاب المبين (2) إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا ~~كنا منذرين (3)) # ( حم ): الحاء الوحي الخاص إلى محمد ، والميم محمد عليه السلام ، ~~وذلك الوحي الخاص بلا واسطة خبر من سر في سر ، لا يطلع على ذلك السر الذي ~~بين المحب والمحبوب أحد من خلق الله ، ألا ترى كيف قال سبحانه : ( ~~فأوحى إلى عبده ما أوحى )، وذلك إشارة إلى وحي السر PageV03P285 # في السر ، وجملتها قسم أي : بحق الوحي السري والمحب والمحبوب والقرآن ~~الظاهر الذي ينبئ عن الأسرار ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة )، ~~الليلة المباركة ليلة المعراج التي وصل الحبيب إلى الحبيب ، وذلك مبارك ~~عليه ؛ حيث رأى ربه ، وأنزل على قلبه القرآن من سماء الأزل إلى روحه ، ووصل ~~إليه بركات جماله وخطابه ، سمع من الحق كلامه شفاها ، ونزل إليه من الحق ~~أنوار كلامه ، وكلمه تسعين ألف كلمة ، وما نزل القرآن في أي وقت كان إلا ~~وذلك الوقت مبارك عليه وعلى أمته ، وليلة نصف شعبان ليلة يتجلى الحق بعزته ~~وجلاله للعالمين ، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى ينزل ~~من السماء في ليلة النصف من شعبان» ms1422 (1)، وما بارك تلك الليلة ؛ حيث يصل ~~بركات جماله إلى كل ذرة من العرش إلى الثرى ، وفي تلك الليلة اجتماع جميع ~~الملائكة في حظيرة القدس. # قال ابن عطاء : ليلة مباركة لمجاورة الملائكة ومقارنتهم. # وقال سهل : أنزل القرآن في هذه الليلة من اللوح المحفوظ على روح محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، وهو الروح المبارك ، فسمى الله الليلة مباركة لاتصال ~~البركات بعضها ببعض. # قال جعفر الصادق : هذا من العلوم المكتومة ، إلا أن العلماء يخبرون عنها ~~بلطائف الفهوم ، فالحاء هو وحي كتابه المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم ، ~~والميم كتابه إلى محمد صلى الله عليه وسلم . # وقال أيضا : إن نزوله كان ليلة القدر. # وقال الأستاذ في ( حم ): فالحاء تشير إلى حقه ، والميم تشير إلى ~~محبته ، ومعناه : وحقي ومحبتي لعبادي وكتابي العزيز إليهم إني لا أعذب أهل ~~محبتي بفرقتي ولا بشيء دونها. # وقال في قوله : ( ليلة مباركة ): لأنها ليلة افتتاح الوصلة لأهل ~~القربة. # ( فيها يفرق كل أمر حكيم (4) أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين (5) ~~رحمة من ربك إنه هو السميع العليم (6) رب السماوات والأرض وما بينهما إن ~~كنتم موقنين (7) لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين (8)) # قوله تعالى : ( فيها يفرق كل أمر حكيم ) (4): يفصل في تلك ~~الليلة أمور الخلق من العرش إلى الثرى ، ويجددها على العقول والأرواح ~~والقلوب على عيون الملائكة قضيات الأولية ؛ لإدراك فهومهم صورة المقدرات ، ~~ويعطى كل ذي فضل جزاءه من القربات والمداناة ، ويوصل بركات جماله إلى كل ~~ذرة في العالم ، فتحملها ببركاته حتى تلد في أوان PageV03P286 # المواليد بنيرات أفعاله وواضحات آياته ، ألا ترى كيف تحمل الأشجار من ~~نسائم اللواقح ، وتضع حملها في الربيع ، فتهتز الأرض بأنواع الرياحين ، ~~وذلك من بركة وصول شمال جماله إليها ، ألا ترى كيف قال : ( أمرا من ~~عندنا إنا كنا مرسلين )؟! # قال ابن عطاء : يعطي كل عامل بركات أعماله ؛ فيلقي على لسان الخلق مدحه ، ~~وعلى قلوبهم هيبته. # ( بل هم في شك يلعبون (9)) # قوله تعالى : ( بل هم في شك يلعبون ): بين أن الشك في الله يوجب ms1423 ~~الغفلة عن الله. # قال محمد بن حنيف رحمة الله عليه : من استولت عليه الغفلة أداه ذلك إلى ~~الشك ، ومن لزم الشك كان بعيدا عن عين الصواب ، قال الله : ( بل هم ~~في شك يلعبون. ) # ( فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين (10) يغشى الناس هذا عذاب ~~أليم (11)) # قوله تعالى : ( فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ) (10): ظاهر ~~الآية دخان الكفرة من الجوع في الظاهر ودخان بواطنهم ودخان النفس الأمارة ~~والأهواء المختلفة التي تغير سماء قلوبهم بغبار الشهوات وظلمة الغفلات. # قال سهل : الدخان في الدنيا قسوة القلب والغفلة عن ذكر الله. # ( ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون (12) أنى لهم الذكرى وقد ~~جاءهم رسول مبين (13) ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون (14) إنا كاشفوا ~~العذاب قليلا إنكم عائدون (15) يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون (16) ~~ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم (17) أن أدوا إلي عباد الله ~~إني لكم رسول أمين (18) وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين (19) ~~وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون (20)) # قوله تعالى : ( ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون ): ضعف الإيمان ~~ما يكون عند نزول البليات ، بل الإيمان الأصلي ما يكون أعظم في العافية مما ~~يكون في البلاء ، ولا ينكشف العذاب والحجاب إلا بصدق الافتقار والحياء من ~~الله في النظر إلى غيره. # وقال بعضهم : لا يستكشف العذاب إلا بتمام الإيمان وصحة الالتجاء والرغبة ~~والدعاء. # ( وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون (21) فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون ~~(22) فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون (23)) PageV03P287 # قوله تعالى : ( وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون ): أخبر الله سبحانه ~~بهذه الآية أن المفارقة من الأضداد واجبة. # قيل : إن بعض أصحاب الجنيد وقع له إنكار عليه في مسألة جرت له معه ؛ فبكر ~~إليه ليعارضه فيها ، فلما دخل على الجنيد نظر إليه وقال : يا فلان ( ~~ وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون. واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون ~~(24) كم تركوا من جنات وعيون (25) وزروع ومقام كريم (26) ونعمة كانوا فيها ~~فاكهين (27) كذلك وأورثناها قوما آخرين (28)) # قوله تعالى : ( واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون ): خاطب الله ~~موسى ms1424 بأن يرفع تقاضي سره حقائق المقادير ولا يتفحص ، ولا يغوص في بحار ~~الربوبية ، حتى لا يستغرق بنعت الفناء في قلزم العدم ، ولا يخرج منه أبدا ~~إلى سواحل النبوة ؛ فإن بحار الألوهية لو تكون متلاطمة يستغرق فيها الأولون ~~والآخرون أي : لا تشوشها حتى تغرق المدعين بالربوبية والسلطنة في أول ~~بواديات بحار القهريات. # قال سهل : أي : اجعل قلبك ساكنا في تدبيري ، ( إنهم جند مغرقون ) ~~أي : فإن المخالفين قد غرقوا في التدبير. # ( فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين (29) ولقد ~~نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين (30) من فرعون إنه كان عاليا من ~~المسرفين (31)) # قوله تعالى : ( فما بكت عليهم السماء والأرض ): كيف تبكي السماء ~~والأرض على من يدعي الأنائية في ساحة كبرياء الأزل ، والسماوات والأرضون في ~~عظمها تصير هناك أقل من خردلة من هيبة عزة جبروته وملكوته ، فغارت عليهم ~~السماوات والأرض ؛ إذ ادعوا ما ليس لهم في أمر الربوبية ، وهي تبكي على ~~العارفين الذين لا يجترئون أن يصفوا معروفهم بجميع الألسنة حياء منه ، إذا ~~فارقوا من الدنيا تبكي السماوات والأرض بمفارقتهم حين لا تصعد عليهم أنوار ~~أنفاسهم ولا يجري عليها بركات آثارهم كما روي في الحديث أن : «السماء ~~والأرض تبكي بموت العلماء» (1). # قال بعضهم : كيف تبكي السماء على من لم يصعد إليه منه طاعة؟! وكيف تبكي ~~الأرض على من يعصي الله عليها؟! معناه ما بكت عليهم مصاعد عملهم من السماء ~~، ولا مواضع عبادتهم من الأرض. PageV03P288 # ( ولقد اخترناهم على علم على العالمين (32) وآتيناهم من الآيات ~~ما فيه بلؤا مبين (33) إن هؤلاء ليقولون (34) إن هي إلا موتتنا الأولى وما ~~نحن بمنشرين (35) فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (36) أهم خير أم قوم تبع ~~والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين (37) وما خلقنا السماوات ~~والأرض وما بينهما لاعبين (38) ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون (39)) # قوله تعالى : ( ولقد اخترناهم على علم على العالمين ) (32) أي : ~~على علم بصفاتنا ، ومعرفة بذاتنا ، ومشاهدة على أسرارنا ، وبيان على معرفة ~~العبودية والربوبية ودقائق الخطرات من القهريات واللطفيات في زمان ~~المراقبات. # قال الواسطي ms1425 : اخترناهم على علم منا بجناياتهم وما يقترفون من أنواع ~~المخالفات ، فلم يؤثر ذلك في سوابق علمنا بهم ؛ ليعلم أن الجنايات لا تؤثر ~~في الرعايات. # وقال الخراز : علمنا ما أودعنا فيهم من خصائص برنا ، واخترناهم بعلمنا ~~على العالمين. # ( إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين (40) يوم لا يغني مولى عن مولى ~~شيئا ولا هم ينصرون (41)) # قوله تعالى : ( إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين ): أرجى آية ~~للعارفين هذه الآية ؛ حين فصل الله بينهم وبين الحدثان ، وأوصلهم إلى ~~مشاهدته ووصله بنعت القربان. # قال بعضهم : يوم يفصل بين كل عامل وعمله ، ويطلب بإخلاص ذلك وبصحيحه ، ~~فمن صح له مقامه وأعماله قبل منه وجزي عليه ، ومن لم يصلح له أعماله كان ~~عمله عليه حسرة. # ( إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم (42) إن شجرة الزقوم ~~(43) طعام الأثيم (44) كالمهل يغلي في البطون (45) كغلي الحميم (46) خذوه ~~فاعتلوه إلى سواء الجحيم (47) ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم (48) ذق إنك ~~أنت العزيز الكريم (49) إن هذا ما كنتم به تمترون (50)) # قوله تعالى : ( إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم ): إن يوم ~~القيامة يوم يكشف السرائر والضمائر ، من كان ميله إلى غير الله يحتجب به عن ~~الله ، ولا ينقذه ذلك عن البعد منه إلا من كان محفوظا برعايته ، محروسا ~~بعنايته ، مجتبى بسوابق الاصطفائية الأزلية. # قال سهل : من رحم الله عليه في السبق فأدركته في العاقبة بركة تلك الرحمة ، حيث PageV03P289 # جعل المؤمنين بعضهم في بعض شفعاء. # ( إن المتقين في مقام أمين (51) في جنات وعيون (52) يلبسون من ~~سندس وإستبرق متقابلين (53) كذلك وزوجناهم بحور عين (54) يدعون فيها بكل ~~فاكهة آمنين (55)) # قوله تعالى : ( إن المتقين في مقام أمين ) (1) أي : إن المفردين ~~عن الأكوان وما فيها بنعت التجريد والتوحيد والتبري من غير الله واستحسانه ~~في محبة الله بعين الرغبة فيه هم في مقام وصلة الحق ، حين لا يجري عليهم ~~اضطراب الفراق ، ولا يحجبهم غير الحق في مقام الأشواق ، آمنين منه به حين ~~ألبسهم أنوار كماله وجلاله وجماله. # قال جعفر الصادق : كانوا في الدنيا على خوف العذاب ووجل ms1426 الفراق وذلك مقام ~~المتقين في الدنيا ، فأورثهم ذلك أمانا وأمنا أن يسلب ذلك منهم. # وقال أيضا : المقام الأمين وصلة الجبار. # وقال بعضهم : المقام الأمين مجالسة الأنبياء والأولياء والصديقين ~~والشهداء. # ( لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم ~~(56) فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم (57)) # قوله تعالى : ( لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ): افهم ~~يا فهم لو تدرك حقائق أمور المعارف لا تتهمني بالجهل فيما أقول لك ؛ فإن ~~الموت الأصلي هو العدم ، وكيف يموت من أوجده الحق بنور القدم ، الموتة ~~الأولى هي عدمهم قبل وجودهم ، فبعد الوجود لا يكون القدم بالحقيقة ، إنما ~~يجري عليهم أطوار فنون امتحانات الحق كالذهب ساعة في طين ، وساعة في نار ، ~~وساعة في بوتقة ، وساعة في سواد ، وساعة في بياض حتى يعود إلى ما خرج من ~~المعدن ، فأطوار الخليقة إلى الأبد في تقلبها بقاء في بقاء ، وكيف يفنى ~~بالحقيقة من أوجده الحق من مكمن الغيب إلى قضاء ربوبيته ، فإذا أحضرهم في ~~ساحة كبريائه ويتجلى لهم بالبداهة من عين الجبارية والقهارية يكونون في محل ~~الفناء وفي فناء الفناء من عليات سطوات ألوهيته ، فإذا صاروا فانين ألبسهم ~~الله لباس بقائه ؛ فيبقون ببقائه أبد الآبدين ، فإذا الاستثناء وقع على PageV03P290 # التحقيق لا على التأويل فيأرب موت هناك ؛ ويأرب حياة هناك ؛ لأن الحدث لا ~~يستقيم عند بروز حقائق بواطن القدم ، ألا ترى إلى إشارة النبي ~~صلى الله عليه وسلم كيف قال : «حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما ~~انتهى إليه بصره من خلقه» (1). # قيل للجنيد : أهل الجنة باقون ببقاء الحق؟ فقال : لا ، ولكنهم مبقون ~~ببقاء الحق ، والباقي على الحقيقة من لم يزل ولا يزال باقيا ، ثم بين الله ~~سبحانه أن هذه الكرامات فضل منه عليهم ؛ حيث اختارهم بما في الأزل ، ~~وأخرجها من علل الاكتساب بقوله : ( فضلا من ربك ) أي : عطاء ~~واصطفائية لا جزاء للأعمال المعلولة. # قال الواسطي : هو الفضل لا استحقاق بعمل العبد وكسبه وحركته. # ( فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون (58)) # قوله تعالى : ( فإنما يسرناه بلسانك ): افهم أن الكلام ms1427 الأزلي ~~ما فارق من الأزل ، وكيف يحل القديم في الحديث؟! وهو مستحيل من كل الوجوه ، ~~لكن لما أراد أن يخبر عن نفسه ألبس نور كلامه لسان حبيبه صلى الله عليه وسلم ، ~~فيحتمل كلام الحق بنور الحق ، فإذا الحق مع الحق لا مع غيره ؛ فلسانه فعل ~~الحق ، وفعل الحق مجرى نور صفاته ، جعله فصيحا بتيسره ، وسهل عليه جريان ~~لسان الحديث به ؛ لعلهم يدركون من لسانه معاني صفات الحق ، فإن الله لو ~~أسمعهم بغير الوسائط لماتوا جميعا. # قال ابن عطاء : يسر ذكره على لسان من شاء من عباده ، فلا يفتر عن ذكره ~~بحال ، وأغلق باب الذكر على من شاء من عباده ، فلا يستطيع ذكره بحال. # قال جعفر الصادق : لولا تيسيره لما قدر أحد من خلقه أن يلفظ بحرف من ~~القرآن ، وأنى لهم ذلك؟! وهو كلام من لم يزل ولا يزال. # ( فارتقب إنهم مرتقبون (59)) # قوله تعالى : ( فارتقب إنهم مرتقبون ) (59) أي : انتظر وقوع ~~مقاديري عليهم ؛ فإن في رؤيتها عبر العارفين وموعظة المتقين. # قال جعفر : الانتظار معدن الإيمان ، وهو سبيل أهل الحق إلى الحق ، النبي ~~بنبوته ، والولي بالولاية. PageV03P291 ### | سورة الجاثية # بسم الله الرحمن الرحيم # ( حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2)) # ( حم ): الحاء يدل على أن في بحر حياته حارت الأرواح ، وفي ~~ميادين محبته هامت الأسرار. # قال الأستاذ : أي : بحياتي ومودتي لا شيء أحب على أحبائي من لقائي. # ( إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين (3)) # قوله تعالى : ( إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين ) أي : في ~~السماوات والأرض ظهور أنوار قدرته وسنا جماله لأبصار العارفين وبصائر ~~المحبين. # قال سهل : علامات لمن أيقن بقلبه ، واستدل بكونها على مكون هذه الآيات ~~الظاهرة. # ( وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون (4) واختلاف ~~الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها ~~وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون (5) تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي ~~حديث بعد الله وآياته يؤمنون (6) ويل لكل أفاك أثيم (7) يسمع آيات الله ~~تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره ms1428 بعذاب أليم (8)) # قوله تعالى : ( وفي خلقكم وما يبث من دابة ) أي : ما بان في ~~السماوات والأرض بان في خلق الإنسان والحيوان أيضا ، فما بان في السماوات ~~والأرض للمؤمنين بان في خلق الإنسان والحيوان للموقنين ؛ لأن ما بان في خلق ~~الإنسان حقيقة مباشرة الصفة في الفعل ، وذلك يوجب حقيقة اليقين ، وبين ~~اليقين والإيمان فروق كثيرة ، وحقيقة الإيمان هو اليقين ؛ حين باشر الأسرار ~~بظهور الأنوار ، ألا ترى كيف سأل النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : # «اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي ويقينا ليس بعده كفر» (1). # قال بعضهم : في شواهد القدرة وآثار الصنع دلالات وآيات على وحدانيته ، ~~فمن استشهد بها على وحدانيته فهو الموحد ، ومن كان نظره إلى القادر الصنانع ~~المبدي لها ثم يرجع إلى الصنع والقدرة فهو العارف. PageV03P292 # ( وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (9) ~~من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله ~~أولياء ولهم عذاب عظيم (10) هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من ~~رجز أليم (11) الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من ~~فضله ولعلكم تشكرون (12)) # قوله تعالى : ( وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا ): اتخذوها ~~هزوا لما لم ينكشف لهم أنوار الشاهد في الشواهد ، لم يتمتعوا بلطائفها ، ~~وصارت لهم زيادة الحجاب. # قال ابن عطاء : من لم يجد في طاعة الله ولم يصرف همه إلى الدخول فيها ~~بشرط الأمر والخروج منها بشرط الآداب نزع الله حب الطاعة من قلبه ، ورده ~~إلى حوله وقوته ، قال الله تعالى : ( وإذا علم من آياتنا شيئا ~~اتخذها هزوا )، علمها علم استدلال لا علم حقيقة. # ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون (13) قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ~~ليجزي قوما بما كانوا يكسبون (14) من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم ~~إلى ربكم ترجعون (15) ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ~~ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين (16) وآتيناهم بينات ms1429 من الأمر ~~فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (17)) # قوله تعالى : ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ~~): تسخير ما في السماوات والأرض التمتع بمشاهدة مكونها فيها ؛ لأنها منه ~~بدت منورة بنوره. # قال النهرجوري : سخر لك الكون وما فيه ؛ لئلا يسخرك منها شيء ، وتكون ~~مسخرا لمن سخر لك الكل ، فمن ملكه شيئا منها وأسرته زينتها وبهجتها فقد جحد ~~نعمة الله عنده ، وجهل فضله وآلاءه عنده ؛ إذ خلقه حرا من الكل عبدا لنفسه ~~، فاستعبده الكل ، ولم يشتغل لعبودية الحق بحال. # ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين ~~لا يعلمون (18) إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء ~~بعض والله ولي المتقين (19) هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون (20) ~~أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء ~~محياهم ومماتهم PageV03P293 # ساء ما يحكمون (21) وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل ~~نفس بما كسبت وهم لا يظلمون (22)) # قوله تعالى : ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ): شريعته ~~منهاجه إلى الحق ، وذلك المنهاج جامع ؛ إذ فيها جميع شرائع الأنبياء ~~ومقامات الأولياء أي : أنت لا تحتاج إلى من مضى من الأولين ؛ فأنت أكمل ~~الخلق اتبع ما اختار الله لك من الطرق المستقيمة ؛ لذلك قال : «بعثت ~~بالحنيفية السهلة السمحة البيضاء ، لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي» (1). # قال سهل : المنهاج سنن من كان قبلك من الأنبياء والأولياء ؛ فإنهم على ~~منهاج الهدى والشريعة هي الشارع الممتد الواضح إلى طريق النجاة وسبيل ~~الرشاد. # قال الصادق : الشريعة في الأمور محافظة الحدود فيها. # ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه ~~وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) وقالوا ~~ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من ~~علم إن هم إلا يظنون (24) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ms1430 ما كان حجتهم إلا ~~أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (25)) # قوله تعالى : ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ): من نظر إلى ما وصل ~~إليه مما ابتلي به المريدون ، فقد اتخذ هواه إلها ؛ إذ بنفسه محجوب ، ومن ~~باب المشاهدة مطرود ، وذلك بإضلال الحق إياه بما سبق في علمه بأنه يكون ~~محجوبا منه به ، قال الله تعالى : ( وأضله الله على علم. ) # قال سهل : من اتبع مراده لم يسلك مسالك الاقتداء ، وآثر شهوات الدنيا على ~~نعيم الآخرة ، ثم طمع أن له في الآخرة ما للمؤمنين من الدرجات الرفيعة ~~والمنازل السنية. # وقال في قوله : ( وأضله الله على علم ): ضل عليه علم نجاته ، ثم ~~إن الله سبحانه أكد أمر ضلاله بقوله : ( وختم على سمعه وقلبه وجعل ~~على بصره غشاوة ): ختم على سمعه وقلبه ختم الضلال والغيرة والقهر القديم ، ~~وغطى بصره بعمى الكفر. # قال سهل : ختم على سمعه ، فحوى عليه سماع خطابه ، وحرم على قلبه فهم ~~خطابه وعلى عينه مشاهدة آثار القدرة في صنعه. # ( قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب ~~فيه ولكن أكثر PageV03P294 # الناس لا يعلمون (26) ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم ~~الساعة يومئذ يخسر المبطلون (27)) # قوله تعالى : ( قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم ~~القيامة ): يحييكم بمعرفته وتجليه ، ويميتكم باستتاره ، ثم يجمعكم إلى يوم ~~القيامة لمشاهدته. # قال سهل : يحييكم في بطون أمهاتكم ، ثم يميتكم بجهدكم ، ثم يجمعكم إلى ~~يوم القيامة لمشاهدته. # قال سهل : يحييكم في بطون أمهاتكم ، ثم يميتكم بجهلكم ، ثم يجمعكم إلى ~~يوم القيامة أولكم وآخركم لا ريب فيه. # ( وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما ~~كنتم تعملون (28)) # قوله تعالى : ( وترى كل أمة جاثية ) (1): هذا إذا بدا سلطان ~~أنوار عزته تجثو على بساط القيامة من ركوب عظمته عليهم ، لا يتكلم منهم إلا ~~من له انبساط. # وقال سهل : على ركبها يجادل عن نفسها عند الموافق الصادق ، يجتهد في ~~تحقيق صدقة ، والجاحد يجحد في الدفع عن نفسه ، وكل محكوم عليه بالكتاب الذي ~~أملاه ms1431 مداده ريقه ، وقلمه لسانه ، وقرطاسه جوارحه. # ( هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ~~(29) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز ~~المبين (30) وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم ~~قوما مجرمين (31) وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ~~ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين (32) وبدا لهم سيئات ما ~~عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (33) وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء ~~يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (34) ذلكم بأنكم اتخذتم آيات ~~الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون (35)) # قوله تعالى : ( هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ): كتاب الحفظة ~~منقوش ما سبق به PageV03P295 # القدر ، يشهد بما جرى على العبد. # قال ابن عطاء : حكم الأزل ينطق عليهم بتصحيح ما في كتبهم وتحقيقها. # ( فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين (36) وله ~~الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (37)) # قوله تعالى : ( فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين ) ~~أي : حقيقة الحمد لله لا لغيره ، وهو مستحق الحمد ؛ إذ النعم بالحقيقة ، ~~وهو المنعم لا غيره ، ( وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو ~~العزيز الحكيم )، ففي الحق الكبرياء عن الحدثان ؛ لأنه هو المستحق ~~للكبرياء ، وكبرياؤه ظاهر في كل ذرة من العرش إلى الثرى ؛ إذ هي كلها ~~مستغرقة مقهورة في أنوار كبريائه ، يعز بعزة الأولياء ، ويقهره بقهر ~~الأعداء ، حكيم في إبداع الخلق وإلزامهم عبوديته التي هي شرائعه المحكمة بحكمه. # قال سهل في قوله : ( وله الكبرياء ): العلو والقدرة والعظمة ~~والحول والقوة ، له في جميع الملك ، فمن اعتصم به أيده بحوله وقوته ، ومن ~~اعتمد على نفسه وكله الله إليها. ### | سورة الأحقاف # بسم الله الرحمن الرحيم # ( حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2)) # ( حم ): إشارة الحاء والميم إلى حمايته أسرار الواصلين عن حركات ~~الضمائر ؛ لأنها حمائم أبراج الملكوت والجبروت ، حمد نفسه بما أولاهم لهم ، ~~ومن عليهم حتى ارتفع حمده عن الحدثان ؛ إذ حمده ms1432 لا يستطيعه أحد من خلقه أي ~~: بحمدي على نفسي وحمايتي قلوب العارفين هذا تنزيل مني ، وأنا العزيز ~~الغالب بقهري على سلب أرواح العاشقين بجمالي وجلالي ، وأنا الحكيم في ~~اصطفائيتك من اصطفائيته كل نبي ورسول وولي وملك مقرب ، يا حبيبي ويا محبي ~~حكمت في نفسي أن أوصلكم إلى وصالي ، وأسقيكم من بحار حياتي شرابات أنوار ~~القيومية الباقية الأزلية الأبدية. # قال الأستاذ في قوله ( حم ): حميت قلوب أهل عنايتي ، فصرفت عنها ~~خواطر التجويز ، وأثبتها في شاهد اليقين بنور التحقيق ، فلاحت فيها شواهد ~~برهانهم ، وأضفنا إليها لطائف إحساننا ، فكمل مناها من عين الوصلة ، ~~وغذيناها بنسيم الأنس في ساحات القربة. # ( ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى ~~والذين كفروا PageV03P296 # عما أنذروا معرضون (3) قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ~~ما ذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو ~~أثارة من علم إن كنتم صادقين (4) ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا ~~يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون (5) وإذا حشر الناس كانوا ~~لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين (6) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال ~~الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين (7) أم يقولون افتراه قل إن ~~افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا ~~بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم (8)) # قوله تعالى : ( ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما ): كان في ~~علم الله في أزل أزله أنه يوجد الكون من العدم ، فأوجده بحق العلم السابق ، ~~وذلك الحق حق سوابق إرادته الأزلية على وجود الأكوان والحدثان ؛ لتحقق ~~بأنوار حقائق اصطناعه حقائق أنوار قلوب العارفين ، وليتطرقوا بوسائط ~~الشواهد إلى مشاهد جلاله وجماله ؛ لئلا يحترقوا بالبديهة في بروز سطوات ~~قدسه وكبريائه. # قال ابن عطاء : خلق السماوات والأرض ، وأظهر فيهما بدائع صنعه وبوادي ~~قدرته ، فمن نظر إليهما فرأى فيهما آثار الصنع فهو لتيقظه ، ومن نظر وشاهد ~~الصنائع فهو لتحققه. # ( قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما ms1433 يفعل بي ولا بكم إن أتبع ~~إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين (9) قل أرأيتم إن كان من عند الله ~~وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا ~~يهدي القوم الظالمين (10) وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما ~~سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم (11) ومن قبله كتاب ~~موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى ~~للمحسنين (12)) # قوله تعالى : ( قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ~~ولا بكم ): بين الله سبحانه أن حال حبيبه عليه الصلاة والسلام حالة معروفة ~~في الملكوت والعالمين ، وهي ما جرت على جميع الأنبياء والمرسلين من كشوف ~~أسراره ، وبروز أنواره ، وظهور نفسه لهم ، وإخباره عن نفسه ، وملكه إياهم ~~ليدعوا العباد إلى ساحة قربه وخدمته ، أي : ما كنت بأول من الأنبياء والرسل ~~، ولست عجيبا بحالتي ونبوتي ؛ فإن النبوة سنة الله التي جرت على إخواني من ~~الأنبياء والرسل ، وهي معروفة بأنه دعا الخلق بلسان الأنبياء إلى طاعته ~~ومعرفته PageV03P297 # ومشاهدته ، وما أعلم ما حكم في الأزل على ولا عليكم ؛ فإنه شاهد القلوب ~~وعلام الغيوب ، أوجد من العدم بنور القدم ، ولا أدري أين استغرق في بحار ~~وصال جماله الأبدي ، فهناك لجج تغيب في ذرة منها جميع الأرواح العاشقة ~~والأسرار الوالهة والقلوب الحائرة ، وما أدري كيف يفعل بكم فيما جرى من ~~السعادة والشقاوة في الأزل ؛ فإن علم العواقب عنده ، لا يطلع عليه ملك مقرب ~~ولا نبي مرسل ؛ لأنه من علم ما استأثره لنفسه خاصة ، وليس لأحد منه نصيب ~~إلا لمن أظهر له شيئا منه ، كقوله تعالى : ( عالم الغيب فلا يظهر ~~على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول. ) # قال سهل : ما كنت عجيبا في المرسلين ؛ فإني لم أدعوكم إلا إلى التوحيد ، ~~ولم أدلكم إلا على مكارم الأخلاق ، وبهذا بعث الأنبياء و صلى الله عليه وسلم قبل. # قال الواسطي في قوله : ( وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ): إن ~~الله تعالى ms1434 ستر أمر الروح على جميع خلقه ، وستر ماهيته ذاته ، وستر ما ~~يعامل به الخلق عند معاينته فقال : ( وما أدري ما يفعل بي ولا بكم. ) # ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون (13) أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون (14)) # قوله تعالى : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ): ما قال ~~القوم هذا القول حتى شاهدوا بقلوبهم وعقولهم وأرواحهم وأسرارهم مشاهدة الحق ~~سبحانه ، فإذا رأوه قالوا : ( ربنا الله )، كطلاب الهلال سكتوا في ~~طلبه ، فإذا رأوه يقولون : هذا الهلال ، وصاحوا ، وصفقوا ، وضحكوا لهذا ~~القول منهم بعد كشف مشاهدة الحق لهم ، فلما رأوه أحبوه ، وعرفوه ، وشربوا ~~من بحار وصاله وجماله وجلاله شربات المحبة والشوق ، وتمكنوا شربها حتى ~~استقاموا بقوتها في موازاة رؤية أنوار الآزال والآباد ، واستقاموا في مراد ~~الله منهم ، وأداء حقائق عبوديته ، فلا يتبقى عليهم خوف الحجاب ولا حزن ~~العتاب ، قال الله تعالى : ( فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) (13). # قال ابن طاهر : استقاموا على ما سبق منهم من الإقرار بالتوحيد ، فلم يروا ~~سواه منعما ، ولا شكروا سواه في حال ، ولا رجعوا إلى غيره ، وثبتوا معه على ~~منهاج الاستقامة. # وقال جعفر : استقاموا مع الله بحركات القلوب مع مشاهدات التوحيد. # وقال بعضهم : أفردوا الله بالملك والربوبية والقدرة ، واستقاموا على هذه ~~الشروط ، فلم يخالفوه. PageV03P298 # ( ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها ~~وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني ~~أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ~~ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين (15) أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما ~~عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون (16) ~~والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما ~~يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين ~~(17) أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن ms1435 والإنس ~~إنهم كانوا خاسرين (18) ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا ~~يظلمون (19) ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم ~~الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض ~~بغير الحق وبما كنتم تفسقون (20) واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد ~~خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب ~~يوم عظيم (21) قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من ~~الصادقين (22) قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم ~~قوما تجهلون (23) فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل ~~هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم (24) تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا ~~لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين (25) ولقد مكناهم فيما إن ~~مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا ~~أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا ~~به يستهزؤن (26) ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون ~~(27) فلو لا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك ~~إفكهم وما كانوا يفترون (28)) # قوله تعالى : ( ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا ): وصى الإنسان ~~بالإحسان إلى أبويه ؛ لأنهما أسباب وجوده ومصادر أفعال الحق ، بدا منهما ~~بدائع قدرته ، وأنوار ربوبيته ؛ فحرمتهما حرمة الأصل ، ومن صبر في طاعتهما ~~رزقه الله حسن المعاشرة على بساط حرمته وقربته. PageV03P299 # قال بعضهم : أوصى الله العوام ببر الوالدين لما لهما عليه من نعمة ~~التربية والحفظ ، فمن حفظ وصية الله في الأبوين وفقته بركة ذلك لحفظ حرمات ~~الله تعالى ، وكذلك رعاية الأوامر والمحافظة عليها توصل بركاتها بصاحبها ~~إلى محل الرضا والأنس. # وقوله تعالى : ( حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ): وصف الله ~~الصديقين في طرفين من أعمارهم أنهم في عنفوان شبابهم ، وأشد أسنانهم أهل ~~الاجتهاد والرغبة في الطاعات ، وفي أربعين سنة هم أهل الكمال في العقول ~~والفهوم والاستعداد لقبول الوحي والإلهام والكلام ms1436 والكشف والعيان ، ألا ترى ~~كيف عرف شأنه الصديق رضي الله عنه حين بلغ أربعين سنة في صحبة النبي ~~صلى الله عليه وسلم في أول شبابه بما أخبر الله عنه بقوله : ( رب ~~أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي ): ألهمني رشد التوفيق ، وألبس قلبي ~~ولساني نور عرفانك وقوة فيض مشاهدتك ، أشكر بهما نعمة مشاهدتك ومعرفتك ~~وصحبة رسولك ؛ فإنه أعظم النعم منك علي وعلى والدي. # قال ابن عطاء : خاطب الله الأنبياء ، وبعثهم عند كمال الأوصاف وتمام ~~العقول ، وهو الوقت الذي أخبر الله تعالى عن تمام خلقه عباده ، ( ~~حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة. ) # وقال سهل في قوله : ( رب أوزعني ) أي : ألهمني التوبة والعمل ~~بالطاعة. # وقوله تعالى : ( وأن أعمل صالحا ترضاه ): العمل الصالح المقرون ~~بالرضا بذل النفس لله والخروج مما سوى الله للوصول إلى مشاهدة الله. # قال سهل : العمل المرضي ما كان أوائله على الإخلاص مقيدا باتباع السنن. # قوله تعالى : ( وأصلح لي في ذريتي ): اجعلهم أولياءك وأهل ~~معرفتك وطاعتك. # قال سهل : اجعلهم لي خلف صدق ، ولك عبيد حق. # وقال محمد بن علي : لا تجعل للشيطان والنفس والهوى عليهم سبيلا. # ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا ~~أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين (29)) # قوله تعالى : ( فلما حضروه قالوا أنصتوا ): وصف الله أهل معرفته ~~من الجن كيف حبست ألسنتهم هيبة الخطاب وحشمة المشاهدة ، وهكذا من ألبس ~~أنوار الهيبة والعظمة يخرس لسانه عن الانبساط والمخاطبة وإفشاء السر ، وهذا ~~بعد شهود القلوب أنوار الغيوب بنعت إصغاء الأسرار إلى وقوع الخطاب وكشف ~~النقاب. # قال محمد بن سليمان : ليس في مقام الحضرة إلا الخمول والذبول والسكون تحت PageV03P300 # موارد الهيبة. # قال الله تعالى : ( فلما حضروه قالوا أنصتوا. ) # قال النصرآبادي : هيبة المشاهدة إذا طالعت السرائر بحقائقها أخرست الألسن ~~عن النطق في ذلك المشهد ، كالجن لما حضروا النبي صلى الله عليه وسلم ، فأراد ~~أن يقرأ عليهم أوصى بعضهم بعضا بالإنصات ، فلما حضروا قالوا أنصتوا. # وقال الواسطي : شاهدوا عز الربوبية ظاهرا في أوصاف البشرية أخرسهم المشهد ~~لشدة ms1437 الهيبة. # ( قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما ~~بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم (30)) # قوله تعالى : ( يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ): يرشد إلى ~~مشاهدة الحق ، وإلى طريق معرفته بنعت الخروج عما دون الله ، القرآن صفة ~~الحق ، وصفته تدل على ذاته ، ترشد ظواهره إلى بواطنه ، وبواطنه إلى مصادره ~~الأزلية الأبدية. # ( يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ~~ويجركم من عذاب أليم (31) ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس ~~له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين (32) أولم يروا أن الله الذي خلق ~~السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل ~~شيء قدير (33) ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى ~~وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (34)) # قوله تعالى : ( يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به ) (1): ~~أخبر الله عن مقالة كبراء الجن وعلمائهم لمريديهم أي : سمعتم بآذان الأرواح ~~والأسرار مناداة الأزل قبل الكون ، # ودخل في النعيم الرؤية ؛ لأنها أعلى النعيم الإلهية ؛ ولذا ورد : «وأسألك ~~لذة النظر إلى وجهك الكريم». حيث أثبت اللذة للنظر ؛ لأن الرؤية من اللذات ~~المعنوية ، والنعم الروحانية ، فظهر من هذا أن المؤمنين من الجن ؛ ~~كالمؤمنين من الإنس في الإجارة والإثابة ؛ لأن كلا منهم داخلون تحت التكلف ~~والدعوة ، فمشاركتهم في ذلك تقتضي مشاركتهم في النعيم مطلقا. PageV03P301 # فأجيبوها بنعت الطاعة على لسان حبيبه صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه مرشد الحق ~~بهدي إلى الحق ، ثم أتبع الإجابة بالإيمان والتصديق فيما أخبر عن الحق ~~سبحانه بقوله : ( وآمنوا به ) أي : بكلامه وخطابه ورسوله ( ~~يغفر لكم من ذنوبكم )، هذا شرط بعد الإيمان والإجابة والمتابعة أي : يغفر ~~لكم جهالتكم الأولية ، ( ويجركم من عذاب ) الحجاب. # قال سهل : لا يجيب الداعي إلا من أسمع اقتداء ووفق للجواب ولقن ، وإلا ~~فمن يجسر على إجابة هذه الدعوة. # ( فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم ~~يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ms1438 ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم ~~الفاسقون (35)) # قوله تعالى : ( فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ): أدب ~~حبيبه صلى الله عليه وسلم بآداب أكابر الأنبياء الذين هم أهل عزائم بذلك ~~الموجود لله وفي الله ، بعد أن عاينوه ، وعرفوه ، وأحبوه ، وصبروا له وفيه ~~أي : أنت في بحر بلائي أمتحنك بعظائم الامتحان التي لا يثبت بإزائها الصخور ~~الصم ، وأعظم البلاء كشف جمال قدسي لك ، الذي يفنى فيه من العرش إلى الثرى ~~، ( فاصبر ) به في مشاهدتي ، ولا تفش سري بيني وبينك عند الخلق ، ~~فإن بدت منه ذرة لخلقي تضمحل الأكوان والحدثان وحقيقة الإشارة أي : أنت ~~عزمت بسرك وروحك أن تسري من عالم الحدثية إلى ميادين الوحدانية ، وتطير ~~بأجنحة المعرفة في هواء القدم والبقاء الذي لا نهاية له ؛ إذ الدهر الدهار ~~أقل من لمحة في زمانها فيه ، فاصبر فيما عزمت ؛ فإنك تفنى في كل لمحة منك ~~في سطوات ألوهيته كما صبر أولو العزم في أسفار الديمومية ، وإدراك حقائق ~~الأزلية والأبدية ، صبروا في تقلبهم في لطمات بحار القدمية حين استغرقوا في ~~مقام سر الكبرياء ، وما وجدوا نهايتها ، فكادوا يفرون ، ويخرجون منها ، ~~فأغرقتهم أمواجها ، فاستغاثوا منه إليه ، فألبسهم قوى الربانية ، فسبحوا ~~فيها بالحق ، وذهبت بهم بحار الربوبية إلى معادن الأولية ، فلما بلغوا أقصى ~~غايات همهم وظنوا أنهم وصلوا ورأوا أنفسهم أنهم في أوائل أسفار الغيب كادوا ~~أن يفنوا ، فصبروا بالله في الله ، وآيسوا من الوصول إلى كنه القدم ، ولم ~~ينقطعوا من أسفارهم ، وأيضا فاصبر ؛ فإنك في تلك الأسفار ، ولا يصح حين لم ~~تجد هنالك نفار الخروج منها ، فإن من عرفني غرق في بحر كبريائي وعظمتي أبد ~~الآبدين ، ألا ترى كيف قال : ( ولا تستعجل ) أي : ولا تستعجل ؛ فإن ~~أموري لا تدرك بحلاوة العقول ، ولا يدركني غوص الفهوم ، ولا لباب القلوب ، ~~ولا الدهر الدهار ، ولا تقلب الأفكار ، فإن جميع الأزمنة والدهور مقصرة عند ~~أوليتي وآخريتي ، ألا ترى كيف وصف الهالكين في بحار قهره بقوله : ( ~~كأنهم يوم يرون ما PageV03P302 # يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ) أي ms1439 : ما مضى من بدو الوجود ~~إلى زمان الفناء في أيام القدم المنزه عن الأدهار والأعصار كلا شيء في شيء ~~، ثم بين أن هذه الأسرار والحقائق المكشوف ذلك بلاغ أي : مني إليك ومنك إلى ~~العالمين ، ثم بين أن عند معاينة سطوات القهريات لا يهلك فيها إلا الخارجون ~~من نعوت استعداد معرفتي حين يحتجبون بظلمات ظنونهم بقوله : ( فهل ~~يهلك إلا القوم الفاسقون ) الخارجون بالدعاوي الباطلة. # قال سهل في قوله : ( أولوا العزم من الرسل ): إبراهيم ابتلي ~~بالنار ، وذبح الولد ، فرضي وأسلم ، وأيوب بالبلاء فصبر ، وإسماعيل بالذبح ~~فرضي ، ونوح بالتكذيب فصبر ، ويونس ببطن الحوت فدعا والتجأ ، ويوسف بالجب ~~والسجن فلم يتغير ، ويعقوب بذهاب البصر وفقدان الولد ، فشكا بثه إلى الله ، ~~ولم يشك إلى غيره ، وهم اثنا عشر نبيا صبروا على ما أصابهم ، وهم أولوا ~~العزم من الرسل. # وقال الواسطي في قوله ( كأنهم يوم يرون ) إلى قوله ( من ~~نهار ): لما جعل الأزل والأبد كساعة من نهار ، فأين تقع في ساعة من نهار ~~من طاعته ومعصيته من كرمه؟! ### | سورة محمد صلى الله عليه وآلهوسلم # بسم الله الرحمن الرحيم # ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم (1) والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم ~~سيئاتهم وأصلح بالهم (2)) # ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم ): ستر وأنعم ~~الله بنسيانهم عن ذكره وتجهلهم بالمنعم ، وخاصموا أولياء الله ، وأنكروا ~~عليهم ، أبطل الله ما عملوا بالرياء والسمعة والنفاق. # قال سهل : كفروا بتوحيد الله ، وصدوا عن دين الإسلام أبطل أعمالهم. # ( ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا ~~الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم (3) فإذا لقيتم الذين كفروا ~~فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى ~~تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض ~~والذين قتلوا في سبيل الله فلن PageV03P303 # يضل أعمالهم (4) سيهديهم ويصلح بالهم (5) ويدخلهم الجنة عرفها ~~لهم (6)) # قوله تعالى : ( ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين ms1440 ~~آمنوا اتبعوا الحق من ربهم ): اتبع الكفرة ما وقع في مخاييلهم من هواجس ~~النفس ووساوس الشيطان ، ولم يقبلوا طريق الرشد من حيث الوحي والإلهام ، وأن ~~الذين صدقوا في دين الله وشاهدوا الله بالله اتبعوا سنة رسوله وخطابه ، وما ~~يقع في أسرارهم من النور والبيان والإلهام والكلام بنعت الإخلاص في طاعته ، ~~والأدب في خدمته ، والإعراض عن غيره. # قال ابن عطاء في قوله : ( الذين كفروا اتبعوا الباطل ): اتباع ~~الباطل ارتكاب الشهوات وأماني النفس ، واتباع الحق اتباع الأوامر والسنن. # ( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (7) ~~والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم (8) ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ~~فأحبط أعمالهم (9) أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها (10)) # قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ): ~~نصرة العبد لله أن يجاهد نفسه وهواه وشيطانه ؛ فإنهم أعداء الله ؛ فإذا ~~خاصمها يقويه الله وينصره عليهم ، بأن يدفع شرهم عنه ، ويجعله مستقيما في ~~طاعة الله ، ويجازيه بكشف جماله حتى يثبت في مقام العبودية وانكشاف أنوار ~~الربوبية. # قال ابن عطاء : هو أن يكون عون الله على النفس ، فإن الله ينصرك عليها ~~حتى تنقاد لك ، ولا يكون عون النفس فتضرع ضرعة لا تقوم بعدها أبدا. # قال الترمذي : إن أكرمتم أوليائي أكرمتكم. # قال بعضهم : يرزقكم الله الاستقامة في كل أحوالكم. # ( ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم (11) ~~إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم (12) وكأين ~~من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم (13)) # قوله تعالى : ( ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا ): إني محبهم ~~وحبيبهم في الأزل حين اصطفيتهم بولايتي ، واجتبيتهم بمعرفتي ، وآثرتهم على ~~بريتي ، وجعلتهم مواقع نظري ، PageV03P304 # ومواضع ودائعي ، وناصرهم على عدوهم ، محبته لا تزول ، ونصرته لا تحول. # قال أبو عثمان : معين من أقبل عليه ، وناصر من استنصره. # قال سهل : ولي الذين ms1441 آمنوا بالرضا والمحبة لجملتهم. # ( أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا ~~أهواءهم (14)) # قوله تعالى : ( أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله ) ~~(1) أي : على مشاهدة ويقين ، وبراهين واضحة ، ومتابعة على وفق ما وقع في ~~قلبه من طريق الخطاب ، والإلهام الذي وافق الكتاب والسنة ؛ فمن هذا وصفه لا ~~يكون كمن يستحسن ما زين له نفسه وهواه شيطانه من حيث الجهل والغرور. # قال أبو عثمان : البينة هي النور الذي يفرق بها المرء بين الإلهام ~~والوسواس ، ولا تكون البينة إلا لأهل الحقائق في الإيمان ، والبينة نور ، ~~والمترجم عنها البرهان. # قال أبو سعيد الخراز : البينات مختلفة ، منهم من كانت بينته الإلهام ، ~~ومنهم قلوب أقفلت عن أن يدخلها شيء في المعرفة بنفسه ، ومنهم من كانت بينته ~~المعرفة ببلاء الوقت وفتنته ، ومنهم من كانت بينته في كشف ما كشف الله له ~~من صحة الرجوع إليه واضح البينات ما يشهد له شاهد الحق ويتلوه شاهد منه. # قال الأستاذ : البينة الضياء والحجة والاستبصار لواضح المحجة والعلماء في ~~ضياء برهانهم ، والعارفون في ضياء بيانهم. # ( مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار ~~من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم ~~فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما ~~فقطع أمعاءهم (15) ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين ~~أوتوا العلم ما ذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا ~~أهواءهم (16)) # قوله تعالى : ( مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء ~~غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من ~~عسل مصفى ): لأهل الحق في هذا العالم جنان في قلوبهم وعقولهم ، وأرواحهم ~~وأسرارهم ، فجنة القلوب روضة الإتقان ، PageV03P305 # وجنة العقول بستان العرفان ، وجنة الأرواح حديقة البيان ، وجنة الأسرار ~~فردوس العيان ، ولكل جنة منها نهر وشجر وثمر وزهر ، فنهر جنة القلوب ماء ~~حياة الأزل ms1442 التي تجري بنعت التجلي فيها من عيون الوحدانية ، وهو لا يتغير ~~بكدورات البشرية ، يحيى القلوب بنور اليقين حتى لا يجري عليها موت الجهالة ~~، وأشجارها أشجار الإيمان ، وثمرها أنوار الإيقان ، ونهر جنة العقول من ~~ألبان القدرة يسقيها الحق منه ؛ ليريها لصفاء أنوار قدرته التي يورث ~~معرفتها بعزته وجلال قدرته وأشجارها الحكمة وأزهارها الفطنة ، ونهر جنة ~~الأرواح نهر كشف الجمال الذي مورده بحر الجلال ، يسقيها الحق منه ليطيبها ~~بلذة الجمال ورؤية الجلال ، وأشجارها المحبة ، وأزهارها الشوق ، وأثمارها ~~العشق ، ونهر جنة الأسرار كشوف الذات المقدس عن انقطاع فيضه المسرمد ، ~~فيقويها الحق بشربة حتى استقامت في وصله ، فهناك أشجارها التوحيد ، ~~وأزهارها التفريد ، وأثمارها التحقيق ، فأصحاب القلوب هم أهل الشهود ، ~~وأصحاب العقول هم أهل الكشوف ، وأصحاب الأرواح هم أهل السكر والوجود ، ~~وأصحاب الأسرار هم أهل المحو والصحو ، فأهل الشهود أصحاب المراقبات ، وأهل ~~الكشوف أهل المقامات ، وأهل الوجود أهل الحالات ، وأهل المحو والصحو أهل ~~الاستقامة ، فطوبى لمن كان له مثل هذه الجنان في دار الامتحان. قال الأستاذ ~~: اليوم للأولياء لهم شراب الوفاء ، ثم شراب الصفة ، ثم شراب الولاء ، ثم ~~شراب في حال اللقاء ، ولكل من هذه الأشربة عمل ، ولصاحبه سكر وصحو ، فمن ~~شرب بكأس الوفاء لم ينظر في غيبته إلى غيره ، كما قيل : # وما سر صدري منذ شطت بك النوى %~% أنيس ولا كأس ولا متصرف # ومن شرب بكأس الصفاء خلص له عن كل شرب وكدورة في عهده ، فهو في كل وقت ~~صاف عن نفسه ، خال من مطالبته ، قائم به بلا شغل في الدنيا والآخرة ، ولا ~~أرب ، ومن شرب بكأس الولاء عدم فيه القرار ، ولم يغب سره لحظة لا الليل ولا ~~النهار ، ومن شرب في حال اللقاء أنس على الدوام بقائه ، فلم يطلب مع بقائه ~~شيئا آخر لا من عطائه ولا من لقائه ؛ لاستهلاكه في علائه عند سطوات ~~كبريائه. # ( والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم (17) فهل ينظرون إلا ~~الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم (18)) # قوله تعالى : ( والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم ms1443 تقواهم ) أي : ~~الذين اهتدوا بنور الله سبل الوصول إلى المشاهدة لله ، وطلبوا عرفانه بنية ~~صادقة ، وقلوب شائقة راسخة ، وعقول صافية ، وأسرار طاهرة زادهم الله هدى ، ~~بأنه يعرفهم طرق معارف صفاته ، PageV03P306 # وشهودهم مشاهد جلال ذاته ، وأتاهم وقاية منه ، بحيث جعلهم متصفين بصفاته ~~، ثم عصمهم بها عن حجب الكدورات ونكايات الخطوات. # قال ابن عطاء : الذين تحققوا في طلب الهداية أوصلناهم إلى مقام الهداية ، ~~وزدناهم هدى بالوصول الهادي. # ( فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ~~والله يعلم متقلبكم ومثواكم (19) ويقول الذين آمنوا لو لا نزلت سورة فإذا ~~أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك ~~نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم (20) طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر ~~فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم (21) فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض ~~وتقطعوا أرحامكم (22) أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم (23)) # قوله تعالى : ( فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ): ليس ~~في القرآن ذكر الذات المجرد عن ذكر الصفات والأفعال إلا ههنا ، والله أعلم ~~؛ فهاهنا خبر عن عين الألوهية التي تقتضي التوحيد المجرد الخالي عن التفرقة ~~في طلب الصفة والفعل ، فدعا حبيبه إلى رؤية عيان الذات بنعت العلم ، وأراد ~~أن يعجزه في رؤية ذاته عن إدراك الكل ، ويذوق طعم الفناء في سطوات عزة ذاته ~~، لا أنه دعاه إلى أن يعلم كنه عين القدم ، فإنه منزه عن إدراك الخليقة بل ~~عرفه نعوت الأولية المنزهة عن الإدراك عن درك المتحيرين فيه ، بأن يدركوه ~~بعجزهم ، فإن العاجز منقطع بعجزه عنه بكل حال ، وأيضا دعاه إلى علم إفراد ~~القدم عن الحدوث بقوله : ( فاعلم أنه لا إله إلا الله )، فأفاد ~~علمه طرفين من العلم : الأول نفي الأضداد ، والثاني إثبات الذات ، والمقصود ~~منه هذان الحالان من النفي والإثبات ، إلا أنه أعلم كنه الألوهية ، ألا ترى ~~كيف قال : ( فاعلم أنه لا إله )؟! وهو نفى الأضداد و ( ~~إلا الله ) إثبات الألوهية ، وكيف دعاه إلى العلم ببطون الأزل ، وهو مستحيل ~~أن يعلمها الحقيقة ms1444 بالحقيقة ، وإشارة قوله : ( واستغفر لذنبك ) (1) ~~أي : من وجودك في مطالعتي ووجود جلالي ، فإن بقاء وجود PageV03P307 # الحدث في بقاء الحق أعظم الذنوب ، وأيضا إذا دعاه إلى العلم بوحدانيته ~~وقع له عليه السلام أنه يعلم الحق بالحقيقة في سرعة شوقه إليه ، وكمال محبته ~~له ، فعرفه الحق موضع خاطره في شوقه أنه لا يمكن ذلك ، وهو مستحيل ، وهو ~~ذنب ، فأمره بالاستغفار منه بنعت عرفانه عجزه عن درك حقائق وجود القدم ، ~~وأيضا ألبس روح محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم نورا من نور علمه ، جعله ~~عالما بعلمه ، ومتصفا بصفته ، فلما باشر ذلك النور نور روحه وتجلى الحق ~~لسره من عين علمه صار عالما بعلم الحق على الحق ، فلما وجده بهذه المثابة ~~دعاه إلى العلم بحقيقة أحديته بنعت زوال الشواهد والجواهر والأعراض ، ~~والنظر إلى الأفعال وطلب الصفة إلى الذات بالحق إلى الحق ليعلمه ، فحار سره ~~في ميادين الأزل والأبد ، واستغرق في بحار أولية روحه وسره ، ولم يدركه ، ~~وكلما وجد علما فني في علم آخر ، وذهب العلم الأول في العلم الثاني ، فلما ~~وجده الحق عاجزا عن دركه أمره بالاستغفار ؛ لما فيه من بقايا وجوده في مقام ~~الاتصاف ، فإن في الاتصاف بقي العبد ، وبقاء العبد في الاتصاف حجاب الاتصاف ~~، فإذا بقي وجوده يحتجب به عن الإدراك ، فإذا لم يبق بقي الحق ، وهو عالم ~~بنفسه أزلا وأبدا ، فوجوده تكلف في البين ؛ إذ الحق عالم به لا هو ، فأمره ~~الحق بالاستغفار عن بقائه في الاتصاف ، فإنه ذنب عظيم ؛ إذ به محتجب عن ~~مقصوده ، لذلك عرف حاله صلوات الله عليه ، وقال : «إنه ليغان على قلبي ، ~~وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة» (1)، ومن وقع في هذا البحر فقد وجب ~~عليه في كل نفس ألف استغفار ؛ لأن في أول الحال فرح بوجدان المقام والسكون ~~إلى المقام ، فلما انكشف إليه مزيد القرب والمعرفة عن الأول وقد وجب عليه ~~الاستغفار من الفرح به والوقوف عليه ، ولذلك قال الجنيد : اعلم حقيقة أنك ~~بنا ولنا وبنا علمتنا ، وإياك أن ترى نفسك في علمك ، فإن ms1445 خطر بك خاطر غيره ~~فاستغفر من خاطرك ، فلا ذنب ولا خطرة أعظم ممن رجع عنا إلى سوانا ولو في ~~خطرة ونفس. PageV03P308 # قال الواسطي : من قال لا إله إلا الله على العادة فهو أحمق ، ومن قالها ~~تعجبا فهو مصروف من الحق ، ومن قالها على الإخلاص فأشرك وطعنه ؛ لأنه بإياه ~~يخلص حتى يصير مخلصا ، ومن قالها على الحقيقة فقد تبتل عن الشواهد. # وقال القاسم : العلماء أربعة : عالم متروك ، وعالم متمكن ، وعالم موصول ، ~~وعالم مجذوب ، فالعالم المتروك هم العامة ، والعالم المجذوب وهم الذين جذب ~~الله سرائرهم إلى سره ، والعالم الموصول هم الذي يطلبون المعالية ، والعالم ~~المتمكن وهو محمد صلى الله عليه وسلم وحد القرار في محل المشاهدة ؛ لذلك خوطب ~~بقوله : ( فاعلم أنه لا إله إلا الله )، ولم يقل فاعرف ؛ لأن ~~الإنسان قد يعرف الشيء ولا يحيط به علما ، ما علمه وأحاط به علما فقد عرفه. # وقال الواسطي : هما دعوتان : دعا إبراهيم إلى قوله : ( أسلم )، ~~ودعا محمد صلى الله عليه وسلم إلى قوله : ( فاعلم )، دعا أحدهما إلى ~~العلم ، والآخر إلى الإسلام ، وأعلاهما العلم ؛ فهو مرتبة الأجلة ، ~~والإسلام هو الانقياد ، والانقياد إظهار العبودية ، والعلم إظهار الربوبية ~~، لا جرم ابتلى حين قال : ( أسلمت ) بالنار وذبح الولد وغيرهما. # وقيل : قال لإبراهيم : ( أسلم قال أسلمت ): ابتلى لما قال ، ~~ونبينا صلى الله عليه وسلم لم يقل علمت فعوفي ، وما ينكث في سري من الحال ~~هواتف أطيار الغيب التي تنبه أهل الأفهام أنباء الربانية أن الله اختبر ~~الخليل بروية الفعل والعلم بالصفة ؛ حيث قطع الطيور ليرى أنوار الشاهد في ~~الشواهد بقوله بعد أن أحياها : ( واعلم أن الله عزيز حكيم )، وحبل ~~قدر المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فامتحنه الله بالعلم بالذات هاهنا بقوله : ( ~~ فاعلم أنه لا إله إلا الله )، وهناك حيث قال للخليل : ( ~~أسلم )، فهناك امتحان بالعبودية ، وما قال للحبيب : ( فاعلم ) ~~امتحان بالربوبية ، فكم فرق بين هذين المنزلين! فالخليل اجترأ من حيث شوقه ~~، وقال : ( أسلمت )، وكان في سكر الخطاب ، ولو كان في وقت الصحو ~~علم أن الحدثان لا ينقاد لعز ربوبيته ms1446 كما يجب ، فإن الحادث لا يبلغ إلى ~~حقيقة عبوديته ؛ إذ حقيقتها أن يشكر له بشيء يقابل القدم ، وهذا مستحيل ، ~~فوقع إذا في الابتلاء ، فالخطابان مصدرهما واحد من حيث الأمر ، ولكن ~~مصادرهما مختلفة. # قال الواسطي : العلم حجة ، والمعرفة والغلبة غير محكوم بها. # قال الحسين : العلم الذي دعي إليه المصطفى صلى الله عليه وسلم هو علم الحروف ~~، وعلم الحروف في لام ألف ، وعلم لام ألف في ألف ، وعلم الألف في النقطة ، ~~وعلم النقطة في المعرفة الأصلية ، وعلم المعرفة الأصلية في علم الأول ، ~~وعلم الأول في المشيئة ، وعلم المشيئة في علم الهو ، وهو PageV03P309 # الذي دعاه إليه ، فقال : ( فاعلم أنه ): فالهاء راجع إلى غيب ~~الهوية. # قال القاسم : أضاف المعرفة إلى الخلق ، فقال : ( ولتعرفنهم في ~~لحن القول. ) # وقال : ( يعرفونه كما يعرفون أبناءهم )، واختص هو بالعلم علم ~~السرائر ، ويسمى بالعلم ولم يسم بالمعرفة ، وقال لأخص أنبيائه وأصفيائه : ( ~~ فاعلم )؛ لقربه من مصدر الحقيقة وموردها ، وإشراقه على الغيب ~~والمغيبات ، ودعاه إلى العلم ، ووصفه به ، ووصف العوام بالمعرفة ؛ لأن ~~العلم أتم وأبلغ. # قال بعضهم : ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) من حيث الله بغيبتك ~~عن علمك ، ( أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ) من علمك ؛ لأن كل ~~حقيقة لا تمحو آثار العبد ورسوله فليست بحقيقة. # وقال بعضهم : أدخل النبي صلى الله عليه وسلم في عين الجمع بما دعاه إلى علم ~~ألوهيته ؛ إذ الهوية عين الجمع وفرق الخلق في سائر الأسامي والصفات ، فطالع ~~كل واحد منها قدره. # قال ابن عطاء : طلب تنزيه العبد ؛ لئلا يكون له خاطر غيره في علمه بأن لا ~~إله إلا هو علما لا قولا ، وهو حقيقة التوحيد حقائق تنبئ عن الموحد لا ~~حقائق تنبئ عن العبد. # قال علي بن طاهر : إن الله أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الخلق إليه ~~، فلما دعا الخلق إليه دعاه من نفسه إليه بقوله : ( فاعلم أنه لا ~~إله إلا الله ) أي : أنت تدعو الخلق إلي وأنا أدعوك من نفسك إلي. # وقال الأستاذ في قوله : ( واستغفر لذنبك ) أي : إذا علمته ms1447 أنك ~~علمته فاستغفر لذنبك من هذا ؛ فإن الحق علا جل قدره أن يعلمه غيره. # ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (24) إن الذين ~~ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ~~(25) ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله ~~يعلم إسرارهم (26) فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم (27) ~~ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم (28) أم حسب ~~الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم (29)) # قوله تعالى : ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ): وبخ ~~الله سبحانه الجهلة بالقرآن والغفلة عن التدبر فيه ، وبين أنهم لا يتدبرون ~~القرآن ، وأظهر سبب PageV03P310 # منع تدبرهم. # ( أم على قلوب أقفالها ) أي : بل على قلوبهم غطاء الغفلة ، من ~~حيث غطاها الحق سبحانه بغطاء قهره ومنعها عن مشاهدة صفته ، وأصم أسماع ~~أسرارهم ؛ لئلا تصغي إلى سقوط الإلهام ، أو تفهم لطائف الكلام ، فالتدبر في ~~القرآن لغواص بحار الفهوم حين غاصت أسرارهم وفهومهم وأولياؤهم في بحر عجائب ~~خطاب الحق ، فتستخرج غرائب علومها وأسرارها ، فتعبر عنها ألسنتهم الصادقة ~~عند مجامع هموم المريدين وأولي الشهود بنعت إلقاء السمع من المراقبين. # قال ابن عطاء : قلوب أقفلت عن التدبر ، وألسن منعت عن التلاوة ، وأسماع ~~صمت عن الاستماع ، ومن القلوب قلوب كشف عنها الغطاء ، ولا يكون له راحة إلا ~~في تلاوة القرآن واستماعه والتدبر فيه ، فشتان ما بين الحالتين. # ( ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول ~~والله يعلم أعمالكم (30) ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ~~ونبلوا أخباركم (31) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من ~~بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم (32) يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم (33) إن الذين ~~كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم (34) فلا ~~تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم (35) ~~إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ms1448 ولا يسئلكم ~~أموالكم (36)) # قوله تعالى : ( ولو نشاء لأريناكهم ): وصف الله نفسه بالقدرة ~~القائمة والمشيئة الأزلية بأنه لو أراد أن يكشف عن سرائر الخلق وخفايا ~~قلوبهم لحبيبه صلوات الله عليه لكان قادرا ، وذلك بعد أن ألبس قلبه أنوار ~~غيبه وغيب غيبه ؛ فإنه كان مستعدا بأن ينظر إلى بواطن الغيوب وضمائر القلوب ~~، ولكن ما كان أوائل حاله عرفان بعد ترقي أحواله إلى مصاعد الغيب ورؤية ~~أنوار الصفات ، لكن أثبت في أحوالهم بالوسائط في هذا الموضع بقوله : ( ~~ فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول )، فإذا كمل في مشاهدة ~~الحق أخبر عن وقوف سره على ممكنات الغيوب بقوله : «فعلمت ما كان وما سيكون» ~~(1)، فنبهنا الله سبحانه أن أوائل PageV03P311 # الفراسات مقرونة بعلامات الظاهر ، وأنها تتم بما بدا من سيماء الوجوه ، ~~ولحن القول والفراسة المحضة ما قال عليه الصلاة والسلام : «اتقوا فراسة ~~المؤمن ؛ فإنه ينظر بنور الله» (1)، وبين أن ما يكون من الصدق في القول ~~آثاره تبدو من السماء وصدق القول وما يكون بخلاف ذلك ؛ فلذلك قال القاسم في ~~قوله : ( ولو نشاء لأريناكهم ): أطلعناك على سرائرهم ، ( ~~فلعرفتهم بسيماهم ) فطنة ، ( ولتعرفنهم في لحن القول ) ظاهرا ، ( ~~ والله يعلم إسرارهم )، لا يقف على ما لهم من السعادة والشقاوة أحد. # وقال أيضا : إن عند الله الأكابر والسادة يعرفون صدق المريد من كذبه ~~بسؤاله وكلامه ؛ لأن الله يقول : ( ولتعرفنهم في لحن القول. ) # ( إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم (37) ها أنتم هؤلاء ~~تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ~~والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا ~~أمثالكم (38)) # قوله تعالى : ( والله الغني وأنتم الفقراء ) (2): وصف الله ~~سبحانه نفسه بغنى القدم واستغنائه عن الكون وما فيه وأن خزائن جوده لا ~~نهاية لها ، وغناه صفته الأزلية القائمة يحوي حواشي بحارها فقر أهل الأكوان ~~والحدثان ، فيغنيهم بغناه الذي لا فقر بعده ، وحقائق معنى الخطاب للمتصفين ~~بصفاته الذين وجدوا مقام الغنى من الله بعد أن كساهم الحق نور غناه وجردهم ~~عن مقام الفقر ، الذي هو مستفاد ms1449 من نعوت تنزيه القدم ؛ إذ كان ولا مكان ولا ~~وقت ولا زمان أي : أنتم وإن بلغتم إلى مقام الاتصاف بصفة غنائي فأنتم بعد ~~فقراء ، إذ الوصف للموصوف لا للمتصف ، وأنه لا نهاية له. # قال الجنيد : في موضع الغنى كسوة الحق. # وقال سهل : معرفة علم السر كله للفقر ، وهو ستر الله ، وعلم الفقر إلى ~~الله تصحيح علم الغنى بالله. PageV03P312 # قال الجنيد : والله الغني وأنتم الفقراء ، لأن الفقر يليق بالعبودية ~~والغنى بالربوبية ، ثم بين وصف غناه عن العالمين في آخر السورة بقوله : ( ~~ وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) (38) أي : ~~إذا ذقتم طعم شراب وصالي وسكرتم لمشاهدة جمالي وتفقرون إلى بحار الأنائية ~~وتستغرقون في لجج الأحوال وتخرجون منها بالعربدة فأوجد أقواما من ~~المستقيمين على بساط جبروتي وساحات ملكوتي ، ولا يزيفون عن سبل التمكين إلى ~~شعب التلوين. # قال بعضهم : لا يستقر على حقيقة بساط العبودية إلا أهل السعادة ، وقد يطأ ~~البساط المترسمون بالعبودية أوقاتا ، ثم لا يستقرون عليه ، ويبدل الله ~~مكانهم فيه من أوجب لهم السعادة ، ألا تراه يقول : ( وإن تتولوا ~~يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم. ) ### | سورة الفتح # بسم الله الرحمن الرحيم # ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما (2) وينصرك الله نصرا عزيزا (3)) # ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر ): نبهنا الله في ذلك من سر عجيب ، وهو أن أبواب كشف القدم ~~مسدودة على أهل الحدثان ، ولم يظهر لأحد عين ذات الأزل ، ففتح الله أبوابه ~~لعين محمد صلى الله عليه وسلم حتى رآه كفاحا ، فتح سمعه فأسمعه كلامه شفاها ، ~~وفتح باب قلبه وروحه وسره ، فعرف نفسه لها ، حتى وجدت أبواب خزائن علومه ~~الغيبية مفتوحة ، وفتح الله جميع أبواب وجود حبيبه صلى الله عليه وسلم حتى ~~الشعرة على بدنه وجعلها عيونا مفتوحة بمفاتيح توحيده وأنوار حقيقته حتى رآه ~~بجميع عيون وجوده ، وذلك الفتح ظاهر من وجوده حتى لا يراه أحد ms1450 إلا ويرى نور ~~الصمدية ينتشر من بشريته ، لكن كان محجوبا من عيون الأغيار بقوله : ( ~~ ينظرون إليك وهم لا يبصرون )، وذلك الفتح سبب غفران ذنبه الأول ~~وذنبه الآخر ، الذنب الأول سقوطه من زند الفعل على نور الصفة ؛ إذ أتى في ~~أول الأول بوجود الحدث إلى ساحة القدم ، ومع ما أتى به لم يأت بحقوق ~~الأزلية عليه بكمالها ، فإذا قصر في واجب حق الربوبية بكماله عليه صار ذلك ~~ذنبه الأول ، وذنبه الآخر وقوفه بنعت الخطاب على مدارج العبودية بعد أن غاص ~~في بحر الربوبية ، فإن من شرائط وجدانها الخروج من المرسومات ، فذلك الفتح ~~سبب غفران الذنبين ، وليبلغه إلى محض PageV03P313 # الاتصاف والاتحاد حتى تسير الربوبية في ركاب حيزوم القدم في ميادين الأزل ~~إلى الأبد بنعت التوحيد والتجريد والتفريد ، وذلك تمام نعمته التي عليه ~~أخبرنا الحق عنها بقوله : ( ويتم نعمته عليك )، ثم بين أنه يهديه ~~إلى طريق مشيئة الأزل المستقيمة بالإرادة والوحدانية ، وذلك الطريق ما يسلك ~~فيه عساكر جنود أنوار التجلي والتدلي بقوله : ( ويهديك صراطا ~~مستقيما ) (2)، ذلك الصراط للحق لا للخلق ؛ لأن الحادث لا يسلك في القدم ، ~~أقامه الحق على رأس ذلك الطريق ، وكان لا يعرف أين يسلك حتى بدت أنوار بريد ~~تجلي القدم الذي استقبله ، فهداه إلى مسالك الديمومية ، فأذهب به الحق إلى ~~معارج دنوه ، وذلك ما أنبأنا الله من سيره من الحدث إلى القدم بقوله : ( ~~ سبحان الذي أسرى بعبده )، فإذا وصل إلى قلب عساكر الواحدنية وغلبت ~~عليه سطوات جنود الفطنة استغاث منه إليه ؛ حيث قال : «أعوذ بك منك» (1)، ~~فلبسه الله أنوار ربوبيته ، وأيده بقوته الأزلية حتى استقام بالحق في الحق ~~، فأخرج الحق جنود رحمته الباقية ، فقواه بها ، وسكن بها قهر القدم بقوله : ~~«سبقت رحمتي غضبي» (2)، وذلك قوله : ( وينصرك الله نصرا عزيزا. ) # قال ابن عطاء : جمع الله للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية من نعم ~~مختلفة : بين الفتح المبين وهو من أعلام الإجابة ، والمغفرة وهي من أعلام ~~المحبة ، وتمام النعمة وهي من أعلام الاختصاص ، والهداية وهي من التحقق ~~بالحق ، والنصر وهو ms1451 من أعلام الولاية ، والمغفرة تبرئة من العيوب ، وتمام ~~النعمة إبلاغ الدرجة الكاملة من الحق ، والهداية هي الدعوة إلى المشاهدة ، ~~والنصرة هي رؤية الكل من الحق من غير أن يرجع إلى سواه. # وقال الواسطي : فتح عين رسوله صلى الله عليه وسلم لمشاهدته في المسرى ، وفتح ~~سمعه لفهم كلامه كفاحا بعد أن قواه لذلك وأكرمه به. # وقال ابن عطاء : كشف ذنوب الأنبياء عليهم السلام ، ونادى عليه ، وستر ذنوب ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر. ) # قال أبو يزيد في قوله : ( ويهديك صراطا مستقيما ) (2): هو ~~السبيل إلى قربه ليلة المعراج ؛ حيث تأخر جبريل عليه السلام ، ولم يكن ذلك ~~محله ، فهدى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى السبيل الحق ، وهو الصراط ~~المستقيم. PageV03P314 # وقال ابن عطاء : لما بلغ إلى سدرة المنتهى قدم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأخر جبريل عليه السلام ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل : تتركني في ~~هذا الموضع وحدي ، فعاتبه الله حين سكن إلى جبريل فقال : ( ليغفر ~~لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر. ) # وقال أيضا : يهدي بك الخلق إلى الطريق المستقيم ، وهو الطريق إلى الحق ، ~~من جعله أمامه قاده إلى الخلق ، ومن لم يقتد به في طلب الطريق إلى الحق ضل ~~في طلبه ، وأخطأ طريق رشده. # ( هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (4) ليدخل ~~المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم ~~سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما (5) ويعذب المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله ~~عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا (6)) # قوله تعالى : ( هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ): ما ~~حرم الله المؤمنين من رشاش بحار معرفته وأنوار قربه ، بل خصهم بما خص به ~~الأنبياء عليهم السلام في أوائل أحوالهم ، وتلك السكينة ، وهو وقوع نور ~~المشاهدة على أسرارهم ، فقويت به في تراكم بوادي الواردات الغيبية ~~وامتحانات ms1452 إلهية ، وبذلك النور تزيد أنوار إيمانهم. # قال الله في موضع آخر : ( فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين )، والسكينة شهود كشف الجمال في قلوب أهل الكمال ، والبصيرة تورث ~~في أسرارهم الأنس ، والبصيرة كشف الجلال في قلوب العارفين ، فيبصرون به ~~نوادر الغيوب وعجائب القلوب ، لذلك قال : ( ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم )، وذلك الإيمان هو البصيرة. # قال الواسطي : البصيرة مكشوفة ، والسكينة مستورة ، ألا ترى إلى قوله : ( ~~ هو الذي أنزل السكينة ) إلخ ، فبالسكينة ظهرت البصيرة ، والسكينة ~~هداية ، والبصيرة عناية ، وإذا أكرم العبد بالسكينة يصير المفقود عنده ~~موجودا والموجود مفقودا. # سئل بعضهم ما أول ما كاشف الله به عباده؟ قال : المعارف ، ثم الوسائل ، ~~ثم السكينة ، ثم البصائر ، فلما كاشفه الحق بالبصائر عرف الأشياء بما فيها ~~من الجواهر ، كأبي بكر رضي الله عنه ما أخطأ في نطق. # قال جعفر : سمعت الجد يقول لينظروا إلى الإيقان وإلى مشاهدته بعين القلب ~~، فكانت PageV03P315 # هذه المعرفة زيادة عن المعرفة الأولى ما غاب عن العيان بما شاهدت القلوب ~~بالإيقان. # وقال سهل : هي نور اليقين ، يسلكون به إلى عين اليقين ، وعين اليقين هي ~~التي تدل على الحقائق ، وهي حق اليقين. # وقال بعضهم : السكينة يقذفها الله في قلوب أوليائه يسكن به نفس أوليائه ~~عن المعارضات. # قال الأستاذ : السكينة ما يسكن إليه القلب من البصائر والحجج ، فيرتقي ~~القلب بوجوده عن حد الفكرة والسير إلى روح اليقين ، وتلج الفؤاد ، فتصير ~~العلوم ضرورية ، هذا للخواص ، وأما عوام المؤمنين المراد منه السكون ~~والطمأنينة واليقين. # ( ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما (7)) # وقوله تعالى : ( ولله جنود السماوات والأرض ): جنوده هم سماوات ~~أرواح العارفين وقصور أرض قلوب المحبين ، وأنفاسهم جنوده ، تنتقم بنفس منهم ~~من جميع أعدائه فيقهرهم ، وذلك أن واحدا منهم يضيق صدره من أعداء الله ، ~~فبان أنه يحترق بها أهل الضلالة ، ألا ترى كيف قال سكران الطور حين دعا على ~~الكفرة : «ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم» (1)، فصاروا حجارة ~~محماة ، وكيف قال سيد البريات في وجوه الكفرة حين قال : «شاهت وجوههم ، ~~فانهزموا» (2) بإذن الله ، وكذا حال ms1453 كل صديق مع الله ، يوقع نيران الهلاك ~~بين الضلال بنفس واحد ، فيهلكوا بأقل من لمحة ، كما دعا نوح على قومه ، ~~فقال : ( لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا )، فهلك به أهل ~~الأرض جميعا إلا من آمن ، وكل ذرة من العرش إلى الثرى جنوده ، حتى لو سلط ~~نملة على حية عظيمة لتدمر عنها ، ولو سلط بعوضة على الأكوان جميعا لخربتها ~~بقوة الله ، ألا ترى كيف قال عليه السلام : # «لله جنود منها إليك» (3)، وهذا محل الانفراد بالله والتوكل على الله ؛ ~~فإنه عون كل ضعيف وحسب كل عاجز. # قال سهل : جنوده مختلفة ؛ فجنوده في السماء الملائكة ، وجنوده في الأرض ~~الغزاة ، وأيضا جنوده في السماوات الأنبياء ، وفي الأرض الأولياء ، وأيضا ~~جنوده في السماوات القلوب ، وفي الأرض النفوس. PageV03P316 # قال بعضهم : ما سلط الله عليك فهو من جنوده ، إن سلط عليك نفسك أهلك نفسك ~~بنفسك ، وإن سلط عليك جوارحك أهلك جوارحك بجوارحك ، وإن سلط نفسك على قلبك ~~قادتك في متابعة الهوى وطاعة الشيطان ، وإن سلط قلبك على نفسك وجوارحك زمها ~~بالأدب ، فألزمها العبادة ، وزينها بالإخلاص في العبودية ، وهذا تفسير قوله ~~: ( ولله جنود السماوات والأرض ) # ( إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (8)) # قوله تعالى : ( إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ) (8) أي : ~~شاهدا على توحيدهم ومعرفتهم ومحبتهم وولايتهم ، وبنور الله على قلوبهم ~~وأسرارهم ، ومبشرا يبشرهم بالوصال ورؤية الجمال والجلال ، ونذيرا من العتاب ~~والحجاب ، وأيضا شاهدا للعارفين ، بدا من الحق لهم ؛ ليروا امن مشاهدته ~~أنوار جمال الحق ، ومبشرا للمحبين ، يبشرهم بالوصال إلى قرب حبيبهم بلا علة ~~، ونذيرا للمقبلين إليه لئلا يميلوا إلى غيره. # قال سهل : شاهدا عليهم بالتوحيد ، ومبشرا لهم بالمعرفة والتأييد ، ونذيرا ~~محذرا إياهم البدع والضلالات. # قال ابن عطاء : شاهدا علينا ، ومبشرا لنا ، نذيرا عنا ، وداعيا إلينا ، ~~وأنت المأذون في الكل ؛ لأنك أمين على الكل ، ولا يطيق هذه المراتب إلا ~~الأمناء ؛ فإنك الأمين حق أمين. # ( لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا (9)) # قوله تعالى : ( لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه ~~بكرة وأصيلا ) أي : جعلك شاهدا لهم ؛ ليؤمنوا بالله ورسوله أي ms1454 : ليشاهدوا ~~بأسرارهم مشاهدة الله ، ويدركوك في محل الجلال والجمال ، ويعرفوا قدرك في ~~قدري وقدري في قدرك ؛ حيث سرت مرآتي ، أتجلى منك لهم ؛ لذلك قال عليه ~~الصلاة والسلام : «من رآني فقد رأى الحق» (1)، ويعزروا أمري فيك ببذل ~~وجودهم ، ويوقروك بما ألبستك وقاري وهيبتي ، ويوقروا كلامي وخطابي الذي ~~أنزلت عليك بنعت المتابعة ، ويقدسوني من الأضداد والأنداد ، وعن أن يجد أحد ~~سبيلا إلى كنه معرفتي وجلال قدري ، أول الخطاب توحيد بقوله : ( ~~لتؤمنوا بالله )، وهو مقام الجمع ، ثم مقام التفرقة بقوله : ( ~~ورسوله )، ثم رؤية الصفات في الفعل وهو مقام الالتباس بقوله : ( ~~وتعزروه وتوقروه )، ثم إفراد القدم عن الحدوث بقوله : ( وتسبحوه )، PageV03P317 # فأول الخطاب والباقي واحد في معاني التنزيه والتوحيد. # قال سهل : لتؤمنوا تصديقا بما جاء به ، وتعزروه حقه في قلوبكم وطاعته على ~~أبدانكم. # ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن ~~نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ~~(10) سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا ~~يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد ~~بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا (11) بل ظننتم أن ~~لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن ~~السوء وكنتم قوما بورا (12) ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين ~~سعيرا (13) ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان ~~الله غفورا رحيما (14) سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ~~ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من ~~قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا (15) قل للمخلفين ~~من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا ~~يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما (16)) # قوله تعالى : ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ): ذكرت ~~تحقيق هذه الآية في قوله : ( لتؤمنوا بالله ورسوله )، وصرح ms1455 الله ~~ما ذكرنا في هذه الآية ؛ حيث بين أمر عين الجمع ومقام الالتباس وظهور العين ~~، وظهور جمع الجمع في عين الجمع ، حين جعل نبيه مرآة لظهور ذاته وصفاته ، ~~وهو مقام الاتصاف والاتحاد ، بدا نور الذات في نور الصفات ، وبدا نور الذات ~~والصفات في نور الفعل ، فصار هو هو ؛ إذ غاب الفعل في الصفة ، وغابت الصفة ~~في الذات ، ومن ههنا ادعى الحلاج قدس الله روحه حيث قال : «أنا الحق» ، ~~وقال سلطان العارفين أيضا من هاهنا «سبحاني سبحاني» (1). PageV03P318 # قال أبو سعيد بن أبي الخير : «ليس في الجبة غير الله» (1)، وأنشد الشبلي ~~في هذا المعنى : # تباركت خطراتي في تعالائي %~% فلا إله إذا نكرت آلالي! # قال الواسطي : أخبر الله تعالى بقوله : ( إن الذين يبايعونك إنما ~~يبايعون الله ) أن البشرية في نبيه صلى الله عليه وسلم عارية وإضافة دون ~~الحقيقة. # وقال : أظهر النعوت في محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( إن ~~الذين. ) # وقال الحسين : لم يظهر الحق تعالى مقام الجمع على أحد بالتصريح إلا على ~~أخص اسمه وأشرفه ، فقال : ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) ~~، أسقط الوسائط عند تحقيق الحقائق ، فأبقى رسومها ، وقطع حقائقها ، فمن ~~بايع النبي صلى الله عليه وسلم بايع الله على الحقيقة ؛ فإن تلك بيعة الله ؛ ~~لأن يده في تلك البيعة يد عارية. # قال القاسم النصرآبادي في وقت الاستنفار إلى الروم : ها قد ظهرت صفة ~~البيعة فهل من راغب فيها ، بيعة بلا واسطة : ( إن الذين يبايعونك ) ~~إلخ ، وقوله تعالى : ( يد الله فوق أيديهم ): زيادة التصريح في ~~مقام عين الجمع ورسمه أن سنته القديمة غالبة على علل العبودية. # قال بعضهم : منة الله عليهم في الهداية إلى هذه البيعة أعظم عليهم من ~~بيعتهم وقال الشبلي في هذه الآية : من صحت أحواله واستقامت أفعاله أخبر ~~الله عنه بعبارة الجمع كما عبر عن المصطفى صلى الله عليه وسلم حين استقام مع ~~الحق في كل أوصافه ، أخبر الله أن بيعته بيعة الحق ، وطاعته طاعة الحق ، ~~فقال : ( إن الذين يبايعونك. ) # قال الأستاذ : في هذه الآية تصريح بعين الجمع ms1456 ، كما قال : ( وما ~~رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) # ( ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ~~ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه ~~عذابا أليما (17)) # قوله تعالى : ( ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ): إن ~~الله عذر أقواما من المحبين والعارفين بالرمز في هذه الآية ، ظاهرها مع ~~العموم ، وباطنها مع الخصوص. PageV03P319 # كما قال صلى الله عليه وسلم : «للقرآن ظهر وبطن وحد ومطلع» (1)، إن الأعمى ~~ههنا من طمسته سبحات وجهه حين عاين لقلبه وروحه ظهر عماه ، إذ لا يرى غير ~~الله ، وعماه الحقيقي ألا يطيق أن ينظر بطون الأزل والغيب وغيب الغيب ، ~~وهذا سر قوله عليه الصلاة والسلام في وصف جمال الحق : «حجابه النور ، لو ~~كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (2)، فجعله معذورا ~~ألا يدرك حق الحقيقة وحقيقة الحق ؛ إذ يستحيل أن يحيط الحدث بالقدم ، وإن ~~كان واجبا معرفة الكل من حيث الحقوق لا من حيث التوحيد ، وأيضا هو معذور ~~باستعمال الرخص والدخول في الرفاهية ، والأعرج من عرج سره وروحه من السير ~~في ميادين الأزلية والأبدية ؛ إذ كان عرجا بضرب سيوف الوحدة ووصول إعجاز ~~القهريات ، أي : هو معذور حين جلس على بساط الأنس ، ولم يسر في ميادين ~~القدس ، فإن هناك طوفان الكبرياء وسطوات العظمة والبقاء ، وهذا الأعرج ~~معذور ؛ إذ لم يأت من مقام المشاهدة إلى مقام المجاهدة ، والمريض هو الذي ~~أسقمته محبة مشاهدته ورؤية جماله ، فهو معذور ؛ إذ باشر الروحانيات مثل ~~السماع واستعمال الطيب والنظر إلى المستحسنات ، فإن مداواته تكون أيضا من ~~قبيل العشق والمحبة ؛ لأن العشق أمرضه ، فأيضا يداويه بالعشق كما قيل : # تداويت من ليلى بليلي من الهوى %~% كما يتداوى شارب الخمر بالخمر # فهؤلاء أهل المشاهدات لا أهل المجاهدات والرسومات. # قال الأستاذ : من كان له عذر في المجاهدة مع النفس ؛ فإن الله يحب أن ~~تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه. # ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في ~~قلوبهم ms1457 فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا (18) ومغانم كثيرة يأخذونها ~~وكان الله عزيزا حكيما (19) وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه ~~وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما (20) وأخرى ~~لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا (21) ولو ~~قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا (22) سنة ~~الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (23) وهو الذي كف أيديهم ~~عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن PageV03P320 # أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا (24)) # قوله تعالى : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ~~) رضي الله عنهم في الأزل وسابق علم القدم ، ويبقى رضاه إلى أبد الأبد ؛ ~~لأن رضاه صفته الأزلية الباقية الأبدية ، لا يتغير بتغير الحدثان ، ولا ~~بالوقت والزمان ، ولا بالطاعة والعصيان ، فإذا هم في اصطفائيته باقون إلى ~~أبد الأبد ، لا يسقطون من درجاتهم بالزلات ولا بالبشرية والشهوات ؛ لأن أهل ~~الرضا محروسون برعايته ، لا تجري عليهم نعوت أهل البعد ، وصاروا متصفين ~~بوصف رضاه ، فرضوا عنه كما رضي عنهم ، قال الله : ( رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه )، وهذا بعد قذف أنوار الأنس في قلوبهم بقوله : ( فأنزل ~~السكينة عليهم. ) # قال ابن عطاء : رضي الله عنهم فأرضاهم ، وأوصلهم إلى مقام الرضا واليقين ~~والطمأنينة ، فأنزل الله السكينة عليهم ؛ ليسكن قلوبهم إليه. # ( هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن ~~يبلغ محله ولو لا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم ~~منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين ~~كفروا منهم عذابا أليما (25)) # قوله تعالى : ( ولو لا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ): انظر كيف ~~شفقة الله على المؤمنين الذين يراقبون الله في السراء والضراء ويرضون ~~ببلائه ، كيف حارسهم عن الخطرات ، وكيف أخفاهم بستره عن صدمات قهره ، وكيف ~~جعلهم في كنفه حتى لا يطلع عليهم أحد ، وكيف يدفع ببركتهم البلاء عن غيرهم ~~، وفي الآية رمز إعلام ورعاية الكبرياء للمريدين. # قال سهل : المؤمن ms1458 على الحقيقة من لا يغفل عن نفسه وقلبه ، يفتش أحواله ، ~~ويراقب أوقاته ، فيرى زيادته من نقصانه ، فيشكر عند رؤية الزيادة ، ويتضرع ~~ويدعو عند النقصان ، هؤلاء الذين يدفع الله بهم البلاء عن أهل الأرض ، ~~والمؤمن من لا يكون متهاونا بأدنى التقصير ؛ فإن التهاون بالقليل يستجلب ~~الكثير. # ( إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل ~~الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها ~~وأهلها وكان الله بكل شيء عليما (26)) # قوله تعالى : ( فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ~~وألزمهم PageV03P321 # كلمة التقوى ): سكينة الرسول كشف القدس ، وسكينتهم نزول قلوبهم ~~منازل الأنس ، وكلمة التقوى كلمة الله التي سبقت في الأزل أنهم أهل السعادة ~~لا أهل الشقاوة ، وتلك الكلمة بقيت بنعوتها وأنوارها في قلوبهم ، ( ~~وكانوا أحق بها )؛ لأنهم سابقون بها في الأزل من غيرهم الذين حجبهم الله ~~من رؤية نورها ، وكانوا أهل الكلمة من حيث الاصطفائية ؛ إذ نزلت عند لب ~~التوحيد من سماء التفريد على أغصان ورد قلوبهم ، فترنمت بألسنتهم الصادقة ~~من بطنان أفئدتهم بكلمة التقديس والتوحيد. # قال أبو عثمان : كلمة التقوى كلمة اليقين ، وهو شهادة أن لا إله إلا الله ~~ألزمها الله السعداء من أوليائه المؤمنين ، وكانوا أحق بها في علم الله ؛ ~~إذ خلقهم لها وخلق الجنة لأهلها. # قال الواسطي : كلمة التقوى صيانة النفس عن المطالع ظاهرا وباطنا. # قال الجنيد في قوله : ( وكانوا أحق بها وأهلها ): من أدركته ~~عناية السبق في الأزل جرت عليه عيون المواصلة ، وهو أحق بها ؛ لما سبق إليه ~~من كرامته الأول. # ( لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء ~~الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ~~ذلك فتحا قريبا (27)) # قوله تعالى : ( لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ): ~~إشارة الآية مع المشتاقين إلى مشاهدة الحق بأنهم يدخلون حرم الربوبية آمنين ~~عن جريان العبودية عليهم ، آمنين من ذل الحجاب بعد كشف النقاب ، والاستتار ~~وقع على المشيئة الأزلية السابقة بحسن العناية لهم ، وفي نفس الآية أنه ms1459 لو ~~يريد أن يلبسهم وصف الصمدية حتى لا يفنوا في الوحدانية لقدر ، وهو هكذا ~~يفعل ، لكن رمز الاستتار يورث هيبة الحق ؛ إذ صار عروس القدر غير منكشف ~~لأهل الحدث ، أدب الجمهور برؤية الله مع رؤية القدر السابق ؛ حتى لا يسقط ~~عنهم شروط الهيبة والمراقبة. # سئل بن عبد الله : ما هذا الاستتار من الله؟ قال : تأكيدا في الافتقار ~~إليه ، وتأديبا لعباده في كل حال ووقت تنبيها أن الحق إذا استثنى مع كمال ~~علمه ألا يجوز له الحكم من غير استثناء مع قصور علمه. # ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~وكفى بالله شهيدا (28) محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء ~~بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من ~~أثر السجود ذلك PageV03P322 # مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره ~~فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما (29)) # قوله تعالى : ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ): كان ~~بنفسه أبلغ الهداية للخلق ؛ فإنه مصارف آياته وبرهانه. # قال الله : ( ولتكون آية للمؤمنين )، ومعه نور الصفة ؛ لأنه كان ~~قلبه مشكاة نور القرآن ، قال الله : ( مثل نوره كمشكاة )، وقال : ~~( نزله على قلبك )، ودينه بيان معرفة الله والآداب في حضرته ، ~~وبهذه الصفة شهد الله أنه أرسله بهذه الأوصاف ، وأثبت رسالته بشهادته بقوله ~~: ( وكفى بالله شهيدا (28) محمد رسول الله ) (1): شهادته أزلية ~~شهد على اصطفائيته في الأزل ، ثم وصف أصحابه وأحبائه ومتابعيه إلى يوم ~~القيامة باختصاصات شريفة وأخلاق كريمة وعلامات صحيحة وآداب جميلة بقوله : ( ~~ والذين معه ) أي : معه في الأزل باصطفائية الولاية بنعت الأرواح ، ~~لا برسم الأشباح ، ومن خاصية صفتهم أنهم أهل الهيبة والغلبة على أعداء الله ~~والرحمة والكرم مع أولياء الله ، قال الله : ( أشداء على الكفار ~~رحماء بينهم ): ثم زاد في وصفهم بقوله : ( تراهم ركعا سجدا ): ~~راكعين على بساط العبودية من رؤية أنوار العظمة ، ساجدين على بساط الحرمة ~~من رؤية الجمال ، يطلبون مزيد ms1460 كشف الذات ، والدنو والوصال والبقاء مع بقائه ~~بغير العتاب والحجاب ، وهذا محل الرضوان الأكبر بقوله : ( يبتغون ~~فضلا من الله ورضوانا )، ثم وصف وجوههم أن يتلألأ منها أنوار مشاهدته التي ~~انكشفت لهم في السجود حين خضعوا في ملكوته من رؤية عظائم جبروته PageV03P323 # بقوله : ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود )، ثم وعدهم بنيل ~~مرادهم من وصاله ، وكشف جماله لهم أبد الآبدين بلا وحشة ولا فترة في آخر ~~السورة بقوله : ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم ~~مغفرة وأجرا عظيما ): إيمانهم رؤية نور الغيب بالغيب ، وتصديق الغيب برؤية ~~الغيب ، وعملهم الصالح الخروج من الحدثان شوقا إلى جمال الرحمن ، ومغفرة ~~الله لهم أنه غفر لهم تقصيرهم في العبودية ؛ إذ لم يطيقوا أداء حقوقها كما ~~يليق بالحق ، وقصور إدراكهم وحقيقة الربوبية بالأجر العظيم بأن يجلسهم على ~~بساط قربه ، ويلبسهم لباس نور وصله ، ويتوجهم بتاج المحبة ، ويسقيهم من ~~شراب الدنو والزلفى ، قال سبحانه : ( وسقاهم ربهم شرابا طهورا. ) # قال القاسم في قوله : ( أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ): أرسل ~~الرسول وعظم حرمته بإضافته إلى نفسه ، فمن لم يعظم من عظمه الله فهو لقلة ~~معرفته بعظمة الله ، أرسله مبينا للشريعة ، مبينا أحكامه ، داعيا إليه ، ~~وجعل طاعته طاعته ، لم ينفصل الرسول عن الحق في الإيجاب والنفي والبلاغ ~~والمشاهدة ، ولم يتصل به من حيث الحقيقة. # وسئل الحسين : متى كان محمد صلى الله عليه وسلم نبيا وكيف جاء برسالته؟ فقال ~~: نحن بعد في الرسول والرسالة ، والنبي والنبوة ، أين أنت عن ذكر من لا ~~ذاكر له في الحقيقة إلا هو؟ وعن هوية من لا هوية له إلا بهويته؟ وأين كان ~~النبي عن نبوته حيث جرى العلم بقوله : ( محمد رسول الله )، ~~والمكان عليه والزمان عليه ، فأين أنت عن الحق والحقيقة؟ ولكن إذا أظهر اسم ~~محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة عظم محله بذكره له بالرسالة ، فهو الرسول ~~المكين والسفير الأمين ، جرى ذكره في الأزل بالتمكين بين الملائكة ~~والأنبياء على أعظم محل وأشرف حال. # قال سهل في قوله : ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ): المؤمن ms1461 ~~من وجهه الله بلا فناء مقبلا عليه غير معرض عنه ، وذلك سيماء المؤمنين. # وقال عامر بن عبد قيس : كاد وجه المؤمن يخبر عن مكنون عمله ، وكذلك وجه ~~الكافر وذلك قوله : ( سيماهم في وجوههم. ) # وقال بعضهم : ترى على وجوههم هيبة ؛ لقرب عهدهم بمناجاة سيدهم. # قال ابن عطاء : ترى عليهم خلع الأنوار لائحة. # وقال عبد العزيز المكي : ليست هي النحولة ، وهي الصفوة ، لكنه نور يظهر ~~على وجوه العابدين ، يبدو من باطنهم على ظاهرهم ، يتبين ذلك للمؤمنين ، ولو ~~كان ذلك في زنجي أو حبشي ، والله أعلم. PageV03P324 ### | سورة الحجرات # بسم الله الرحمن الرحيم # ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا ~~الله إن الله سميع عليم (1)) ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا ~~بين يدي الله ورسوله ): هذا وعيد لمن حكم بخاطره بغير علم بالفرق بين ~~الإلهام والوسواس ، والكشف والخيال ، وهواجس النفس وخطاب العقل ، ولسان ~~السر والنور بخردل من خرافات خاطره ، ويحكم بها من الجهل بكلام الله وسنة ~~رسوله ، ويلزم المستمعين من أبناء جنسه أنها هي الحق ومقصوده الرياء ~~والسمعة ، فإذا قال أحد ما قال الله ورسوله لا ينفك عما انتحله من إلقاء ~~العدو وحديث النفس ، فيلزم عليه وعيد الحق وتحذيره بقوله : ( ~~واتقوا الله ) عن عذاب البعد وعما يقوله ؛ فإنه تعالى سميع لقوله ، ويجازيه ~~بأن يحرم عليه مقالة الحكمة ، عليم بنيته الكاذبة ، ويجازيه بالنار والشنار ~~، ولا يخلو الإنسان من هذه العلل النفسانية الشيطانية ، وإن كان صديقا ~~فإنها مواضع الامتحان من قهر الله الذي قهر به عباده ، وفيه من الأدب ~~للمريدين ألا يتكلموا بين يدي شيوخهم ، خاصة أنهم يتكلمون بالمعارف ؛ فإنه ~~سبب سقوطهم من أعين الأكابر. # قال سهل : لا يقولوا قبل أن يقول ، وإذا قال فأقبلوا منه منصتين له ~~مستمعين إليه ، واتقوا الله في إمهال حقه وتضييع حرمته ؛ إن الله سميع لما ~~يقولون ، عليم بما يعملون. # قال بعضهم : لا تطلبوا وراء منزلته منزلة. # ( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا ~~تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم ms1462 وأنتم لا تشعرون (2) إن ~~الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ~~لهم مغفرة وأجر عظيم (3) إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا ~~يعقلون (4)) # قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت ~~النبي ): أعلمنا الله سبحانه بهذا التأديب أن خاطر حبيبه من كمال لطافته ~~ومراقبته ، جمال ملكوته كان يتغير من الأصوات الجهرية ، وذلك من غاية شغله ~~بالله وجمع همومه بين يدي الله ، فإذا صوت أحد بالجهر عنده خاصة أن يكلم ~~كان يتأذى قلبه من صوته ، ويضيق صدره من ذلك ، كأنه يتقاعد PageV03P325 # سره لحظة عن السير في ميادين الأزل والأبد (1)، فخوفهم من ذلك ؛ فإن ~~تشويش خاطره صلى الله عليه وسلم سبب بطلان أعمالكم : ( أن تحبط ~~أعمالكم وأنتم لا تشعرون )، فإن من العرش إلى الثرى لا يزن عند خاطره ذرة ~~، واجتماع خاطر الأنبياء والأولياء لمحة أحب إلى الله من أعمال الثقلين ، ~~وفيه حفظ حرمة رسول الله ، وتأديب المريدين بين يدي أولياء الله. # قال ابن عطاء : زجر عن الأذى ؛ لئلا يتخطى أحد إلى ما فوقه من ترك ~~الحرمة. # وقال سهل : لا تخاطبوه إلا مستفهمين. # قال الأستاذ : أمرهم بحفظ حرمته ومراعاة الأدب في خدمته وصحبته ، ثم وصف ~~الله المتأدبين بآداب الله أنهم أهل التقوى الذي هو نور من الله في قلوبهم ~~، فقدس سرائرهم من العجب والخطرات المذمومة ، وأنهم ينظرون بذلك النور عظم ~~حرمات حبيبه صلى الله عليه وسلم ، وما شرفه الله به من المنازل السنية ~~والدرجات العلية ، بقوله : ( إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ~~)، ثم بين أن لهم مغفرة بأنهم مستورون عن أعين الشياطين ، محفوظون من ~~مكائدهم بما من الله عليهم من رعايته وعنايته ، وكشف مشاهدته بقوله : ( ~~ لهم مغفرة وأجر عظيم ) (3). # قال الحسين : من امتحن الله قلبه بالتقوى كان شعاره القرآن ، ودثاره ~~الإيمان ، وسراجه التفكر ، وطيبه التقوى ، وطهارته التوبة ، ونظافته الحلال ~~، وزينته الورع ، وعلمه الآخرة ، وشغله بالله ، ومقامه مع الله ، وصومه إلى ~~الممات ، وإفطاره من الجنة ، وجمعه الحسنات وكثرة الإخلاص ، وصمته المراقبة ~~ونظره المشاهدة. # ( ولو ms1463 أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم ~~(5) يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة ~~فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (6)) # قوله تعالى : ( ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم ): ~~شكا الله عن ترك آداب بعضهم في صحبة رسوله ، وبين أن الصبر في حفظ حرمته ~~سبب نيل درجاتهم في الدنيا والآخرة. PageV03P326 # قال أبو عثمان : الأدب عند الأكابر وفي مجالس السادات من الأولياء يبلغ ~~بصاحبه إلى الدرجات الأعلى والخير في الأولى والعقبى ، ألا ترى الله بقوله ~~: ( ولو أنهم صبروا ) إلخ. # ( واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ~~ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان أولئك هم الراشدون (7) فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم (8) ~~وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما ~~بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9)) # قوله تعالى : ( ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ~~وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ): جعل قلوبكم مستعدة لقبول معرفته ، ~~ثم قذف فيها أنوار قربه ، وزينها بنقوش محبته ، زين عروس التوحيد بزينة ~~المشاهدة في أعين أزواجهم ، وجذبها به إلى بساتين الغيب ، حتى رأوا لطائف ~~بره وعجائب ملكه وملكوته ، ثم من عليهم بأن بغضهم العصيان والفسوق بتكريهه ~~إليهم ، كما أنه حببهم أعمال الإيمان بتحبيبه إليهم بغير علة ولا سبب بل ~~فضلا ومنة ؛ حيث أرشدهم إلى نفسه ، وحبب إليهم قربه ووصاله بقوله : ( ~~ أولئك هم الراشدون ) (7). # قال سهل : حبب إليكم العمل بأوامر الإيمان ، وزين في قلوبكم تلك الأوامر ~~، ثم زاد في تأكيد ما ذكرنا أن ذلك الرشد وحب الإيمان فضل منه وكرم بقوله : ~~( فضلا من الله ونعمة ): فضله اصطفائيتهم في الأزل ، ونعمته قربه ~~ومعرفته. # قال سهل : بفضل الله عليهم فيما ابتدأهم به ، وهداهم إليه من أنواع القرب ~~والزلفى. # قال الواسطي : المؤمن يكره العصيان ، ولكن يغيب عن شاهده ؛ ليغلب عليه ms1464 ~~شواهد شهوته ، فيأتيها ، وذلك إنفاذ قضيته وتنبيه على ضعفه. # قوله تعالى : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ~~): إشارة الحقيقة في الآية أن وقائع الغيب عند كشوفها في صدور الأولياء ~~على خلاف مذاق الروح والقلب والعقل والسر ؛ لوجود إتيانها من الغيب ~~بالبديهة ، فبعضها للروح ، وبعضها للسر ، وبعضها للعقل ، وبعضها للقلب فما ~~وقع في السر فهو أعظم مما وقع على الروح ، وما وقع على الروح أعظم مما وقع ~~على القلب ، وما وقع على القلب أعظم مما وقع على العقل ؛ لأن واقعة السر PageV03P327 # كشف الأولية والآخرية من الأزل والأبد ، ونوادره الشطح والعلم المجهول ، ~~وما وقع على الروح من كشف الجمال والجلال وعجائبه الشوق والمحبة والسكر ~~والانبساط ، وما وقع على القلب من كشف العظمة ولطائفه الهيبة والإجلال ~~وعلوم الصفات وحكم الربوبية ، وما وقع على العقل من كشف نور الأفعال ~~ونتائجها الأذكار والأفكار والمعاملة والعبودية ، وهذه الأحكام عند أربابها ~~مختلفة باختلاف كواشفها ، ولبعضها على بعض معارضة من جهة غرائبها ؛ فإصلاح ~~بينهم لا يكون إلا بالكتاب والسنة وموازينهما ؛ لا أن يعلمها بفرق بيان ~~موارد الأسرار وعجائب الأنوار ، قال الله تعالى : ( تبيانا لكل شيء ~~وهدى ورحمة )، وقال : ( ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) (59) ~~أي : أصلحوا شأنكم في سير المقامات والأحوال بكلام الله وسنة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم ؛ لتستقيموا في شرائع المعارف. # قال سهل في هذه الآية : هو الروح والقلب والعقل والطبع والهوى والشهوة ، ~~فإن بغى الطبع والهوى والشهوة على العقل والروح والقلب فليقاتله العبد ~~بسيوف المراقبة وسهام المطالعة وأنوار الموافقة ؛ ليكون الروح والعقل غالبا ~~والهوى والشهوة مغلوبا. # ( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ~~ترحمون (10) يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا ~~منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا ~~بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (11)) # قوله تعالى : ( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ): افهم ~~أيها العاقل أن الله سبحانه خلق الأرواح ms1465 المقدسة من عالم الملكوت ، وألبسها ~~أنوار الجبروت ، فمواردها من قربه مختلفة ، لكن عينها واحدة ، وخلق هياكلها ~~وأشباحها من تربة الأرض التي أخلصها من جملتها ، وزينها بنور قدرته ، ونفخ ~~فيها تلك الأرواح ، وجعل بين الأرواح والأجسام والنفوس الأمارة التي ليست ~~من قبيل الأرواح ، ولا من قبيل الأجسام ، وجعلها مخالفة للأرواح ومساكنها ، ~~فأرسل الله عليها جند العقول ؛ ليدفع بها شرها ، فإذا امتحن الله عباده ~~المؤمنين هيج نفوسهم الأمارة ؛ ليظهر حقائق درجاتهم من الإيمان والآخرة ، ~~فأمرهم أن يعينوا العقل والروح والقلب على النفس حتى تنهزم ؛ لأن المؤمن ~~للمؤمن كالبنيان يشد بعضهم بعضا ، ثم بين أن في الإصلاح بين الإخوان الفلاح ~~والنجاة إذا كان مقرونا بالتقوى الذي يقدس البواطن من البغي والحسد بقوله : ~~( واتقوا الله لعلكم ترحمون ) (10)، فإذا فهمت ما ذكرت علمت أن ~~حقيقة الأخوة مصدر الاتحاد ؛ فإنهم كنفس واحدة ؛ لأن مصادرهم مصدر PageV03P328 # واحد ، وهو آدم عليه السلام ، ومصدر روح آدم نور الملكوت ، ومصدر روح آدم ~~نور الملكوت ، ومصدر جسمه تربة الجنة في بعض الأقوال ؛ لذلك تصعد الروح إلى ~~الملكوت ، والجسم إلى الجنة كما قال عليه الصلاة والسلام : «كل شيء يرجع ~~إلى أصله» (1). # قال أبو بكر النقاش : سألت الجنيد عن الأخ الحقيقي؟ فقال : هو أنت في ~~الحقيقة إلا أنه غيرك في الهيكل. # وقال أبو عثمان الحيري : أخوة الدين أثبت من أخوة النسب ؛ فإن أخوة النسب ~~تقطع بمخالفة الدين ، وأخوة الدين لا تقطع بمخالفة النسب. # ( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ~~ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ~~واتقوا الله إن الله تواب رحيم (12)) # قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن ~~بعض الظن إثم ): بين الله سبحانه أن أكثر الظنون يؤول إلى الفساد ، وأنها ~~بعينها مأثمة ؛ لأنها من قبل النفس الأمارة التي ليس لها النظر إلى العيوب ~~؛ فتهيم في المخاييل الشيطانية ، وذلك أن الشيطان يلقي فيها عيب المؤمنين ، ~~ويهيجها بظنون مختلفة ، وبين سبحانه أن بعض الظن حقيقة إذا ms1466 كان ليس من قبل ~~النفس ، بل يكون ذلك من رؤية القلب ما جرى في الغيب ، فيتفرس بنور اليقين ؛ ~~ولذلك وصف المؤمنين بذلك بقوله : ( الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم. ) # قال ابن شمعون : الظن ما يتردد في النفس من حيث أملها باستدلالها على ~~حظها بوصفها ، فيتردد ، ولا يقف ، فيمكن من الإيواء إليه ، فما كان هذا ~~وصفه فهو ظن. # ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13)) # قوله تعالى : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) أي : ليس الكريم من ~~يكون ذا نسب ، إن الكريم من عرف الله وهابه وخضع له ، وعرف نفسه أنه خلق من ~~التراب وما للتراب ورب الأرباب ، ولا يفتخر بنفسه على أحد بل الفخر بالله ، ~~ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام : «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (2). PageV03P329 # قال جعفر : الكريم هو المتقي على الحقيقة ، والمتقي المنقطع عن الأكوان ~~إلى الله. # ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن ~~الله غفور رحيم (14) إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15) قل أتعلمون ~~الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم (16)) # قوله تعالى : ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ): الإسلام ظاهر العبودية ، والإيمان مشاهدة الربوبية ، ومحله ~~القلب ، بقوله : ( ولما يدخل الإيمان في قلوبكم )، والإسلام ~~الحقيقي بنعت الخضوع ، واستعمال الأمر لا ينفك من الإيمان ؛ فإن أصله ~~الإيمان ، وهو متولد منه ، أما ما يكون بالتقليد والأعراض فهو أوصاف أهل ~~النفاق. # قال سهل : ليس في الإيمان أسباب ، إنما الأسباب في الإسلام ، والمسلم ~~محبوب إلى الخلق ، والمؤمن غني عن الخلق. # ( يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن ~~عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين (17) إن الله يعلم غيب السماوات ~~والأرض والله بصير بما ms1467 تعملون (18)) # قوله تعالى : ( يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم ) ~~: نفى الله سبحانه المنة عن الحدثان ؛ إذ لا يصلح أن يكون لأحد قدرة بإنشاء ~~شيء من نفسه ، فإذا بين ذلك صرف المنة إلى نفسه بأن له المنة الأزلية ، حيث ~~أوجد الخلق بلا علة ، بل فضلا ورحمة منه ، فمن أقبل إليه يرجع نفعه إليه ؛ ~~لأن ساحة الكبرياء منزهة عن علل الخليقة ، والعجب أن يكون الحدث محل منته ~~القديمة ومنته لا يحتمل غيره. # قال الواسطي : لفظة المنة في محل التلبيس ؛ لأن العباد إن لم تصحبهم رؤية ~~المنة هلكوا ؛ ولأن رؤية المنة حجاب كبير ، وفي رؤية المنة استدراج عظيم ، ~~وكيف وهو لا يمن على أحد يعرفه ، وإنما المن على من حجبه ذكر المنن جواب في ~~الحقيقة لمن من عليه ، ألا ترى إلى قوله ( يمنون عليك )، وفي كرمه ~~لا يجوز المنة على أحد من الناس ؛ إذ المنة تقع على من هو خارج من ملكه ، ~~فالمن على [شيء] يستحيل ، وما علمت أن الكريم في الحقيقة لا يمن لا سيما ~~إذا كان الممتن عليه من خدمه. PageV03P330 # قال الحسين في قوله : ( بل الله يمن عليكم ): هذا جواب لما سلف ~~من قولهم لا أن أحدا يستطيع حمل مننه ، فكيف يمن على من خطر له عنده ، ولا ~~أثر منه عليه ، وأعجب منه ألا يمن على أحد إلا بالمخلوق ، ولا وزن للكون ~~عنده ، فكيف يمن بمن لا وزن له على أحد؟! عجبت من مقالة أكابر المشايخ بأن ~~منة الله على العبد حجاب ومكر إن أرادوا بالمنة الفعل واصطناع الكريم يكون ~~ذلك مكرا ؛ لأن العبد إذا كان في رؤية النعمة فهو محجوب من رؤية المنعم ، ~~وإن أرادوا بالمنة صفته الأزلية بأنه منان على كل ذرة من العرش إلى الثرى ، ~~فإن ذلك ليس بحجاب ؛ إذ منانيته كشوف وصفه بنعت تعريف نفسه لعباده ؛ ~~ليعرفوه بالصفة لا بالغير ؛ ولذلك قال الجنيد قدس الله روحه : إن من العباد ~~تفزيع ، وليس من الله تفزيع ، وإنما هو من الله تذكير النعم ، وحث على شكر ~~المنعم ms1468 ، ثم بين سبحانه أن المتكلفين بإسلامهم على حبيبه عليه الصلاة ~~والسلام من جهلهم بالله وبأنفسهم ؛ إذ ليس لهم منة ؛ لأنهم عجزة أنفسهم ، ~~والمنة لمن هو منزه عن الخلل والنقصان ، وهو محيط بكل ذرة بعلم أزلي ، ~~ويعلم حقائق الأشياء ؛ إذ هو موجدها بقوله : ( إن الله يعلم غيب ~~السماوات والأرض والله بصير بما تعملون ) (18): ليس له غيب ؛ إذ الغيب شيء ~~مستور ، وجميع الغيوب عيان الله ، وكيف يغيب عنه؟! وهو موجده ، يبصر ببصره ~~القديم ما كان وما لم يكن ؛ إذ هناك العلم والبصر واحد. ### | سورة ق # بسم الله الرحمن الرحيم # ( ق والقرآن المجيد (1) بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال ~~الكافرون هذا شيء عجيب (2) أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد (3) قد علمنا ~~ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ (4) بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في ~~أمر مريج (5) أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من ~~فروج (6) والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج (7)) # ( ق ): قف ، أقسم الله سبحانه بذاته وصفاته ، قاف قاف كبرياء ~~قدمه ، الذي هو أصل وأصل كل أصل ، ( والقرآن المجيد ): الذي هو ~~مخبر عن جميع الذات والصفات ، المشتمل على حكميات الأفعال ، المقدس عن ~~تغاير الأزمنة والدهور ، الذي كشف بيان ما يقع لأرواح العارفين وأسرار ~~الواصلين ، وقلوب المحبين ، وعقول الصديقين ، وصدور المقربين ، ظاهره ظاهر ~~البيان من حيث العبودية ، وباطنه باطن العيان من حيث الربوبية ، وحرف القاف PageV03P331 # كناية عن كل اسم فيه القاف ، مثل القديم والقادر والباقي والقيوم والقوي ~~والقاهر والمقتدر والقريب أي : بقربي عن قلوب العارفين ، وقرب أرواحهم ~~وأسرارهم من مشاهدة بقائي وقدمي ، وبقصد كل ذي قصد بنعت الإرادة والشوق إلى ~~مشاهدتي ، وأيضا أي : بقيامي على كل ذرة من العرش إلى الثرى ، وبقيامهم ~~بقيوميتي إلى الأبد ، وأيضا أي : بالقلم القادر الذي رقم القرآن على أوراق ~~لوح الملكوت ، وأيضا أي : بحرقة قلوب العاشقين والشائقين والمشتاقين إلى ~~جمالي ، والقرآن الذي يشوقهم إلى قربي ، وأيضا أي : بقسمي الاصطفائية ~~لأنبيائي وأوليائي والمقربين في سوابق علوم قدمي ، أنا ms1469 أقرب إلى قلوب ~~الفرارين مني من عروق قلوبهم ، أكشف بكشف جمالي قساوة قلوبهم ، وأقربهم مني ~~حتى يشتاقوا إلي ، وأيضا بقربك مني يا محمد يا قرة عيون الأنبياء والأولياء ~~والمرسلين والعارفين والصديقين وما أنزلت إليك من القرآن المجيد قف عند ~~قوام كبريائي ، ولا تغص في قاموس «قلزم» قدمي ؛ حتى لا تستغرق في قعر بحر ~~بقائي ، فينقطع منك قوافل الحدثان ، ويبقوا عن محل القربان ، بل قف في ~~مقابلة قمر جمالي ؛ لتشرب قهوات ودادي وعشقي في مشاهدة برقان جلالي ، وتبقى ~~ببقائي ، وتلقى عجائب قرآني المجيد على قلوب القائمين في مقام الاستقامة ، ~~يا فهم إنما يتعلق بحرف القاف ما يكون فيه القاف من جميع كلمات الله ، وما ~~كان وما يكون في أفعاله ، فهذا القاف القاسم عليه رمز جميعا ، فإذا قال ~~سبحانه : ( ق ): أعلم بذلك حبيبه صلى الله عليه وسلم جميع معانيها من ~~خبر الذات والصفات والأفعال ، وهو عرف بالله ما قال الله فيه بأقل لمحة ، ~~فإنها تنبئ عن جميعها ، وهذا رمز بين المحب والحبيب ، ألا ترى كيف أنشد ~~العاشق لمعشوقه : # فقلت لها قفي قالت لي قاف %~% فكنت عن الوقوف بعاشقها # والمعاني التي فيه بحرف القاف ، وهو فهم بها عنها ما كان في خاطرها من ~~الوقوف على مراد عاشقها ، فإذا قال سبحانه : ( ق والقرآن المجيد ) ~~فعلم عليه الصلاة والسلام سر ما بين الخافقين ، وما يصل إليه في ليلة ~~المعراج من الحق من الدنو فيما بين قاب قوسين من القرب وكشف النقاب ، ( ~~ بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ) أي : بهذين القسمين عجب أقرباؤك أنك ~~من بين البريات تكون حاملا أمانات الذات والصفات ، وأنت منذرهم ، وأنت منهم ~~بالظاهر ، ( فقال الكافرون هذا شيء عجيب ) أي : شيء عجيب ؛ إذ ظهر ~~أنوار القدم مما خرج من العدم ، ولو يعلموا أن الله سبحانه اصطفاه من بين ~~البرية لحمل أمانة رسالته ، وكشف جماله وقربته. # قال سهل : أقسم بقوته وقدرته. # وقال ابن عطاء : أقسم بقوة قلب حبيبه صلوات الله وسلامه عليه ؛ حيث حمل الخطاب PageV03P332 # والمشاهدة ، ولم يؤثر ذلك فيه ؛ لعلو حاله. # وقال سهل ms1470 في قوله : ( والقرآن المجيد ): المشرف على سائر ~~الكلام. # وقال الحسين : المطهر لمن اتبعه عن دنس الأكوان وهواجس الأسرار. # ( تبصرة وذكرى لكل عبد منيب (8)) # قوله تعالى : ( تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ) (1): بين الله ~~سبحانه أنه بجلاله وقدره أظهر نوره مشكاة السماوات والأرض ، وبرز بنوره من ~~نيرات السماوات ومن الجبال والبحار والأشجار وجميع المستحسنات لبصائر ~~العارفين الراجعين إليه بنعت الشوق والمحبة ، ويريهم تلك الأنوار ؛ ليزيد ~~علمهم ومعرفتهم به ، ويجدد عليهم أذكار نعم مشاهدته. # قال سهل : اعتبارا واستدلالا على توحيدهم لربهم وشكرهم له وذكرا لمن كان ~~له قلب حاضر مع الله ، وعلمه يكتسب به علم الشرع ، ( لكل عبد منيب ~~) أي : مخلص القلب بالتوبة إلى ربه وإدامة الذكر له بواجباته. # وقال الحران : المنيب المجيب القريب. # قال بعضهم : التبصرة معرفة من الله عليه ، والذكرى عدها على نفسه في كل ~~حال وأوان ؛ ليشتغل بالشكر فيما عومل به عن النظر إلى شيء من معاملته. # ( ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد (9) ~~والنخل باسقات لها طلع نضيد (10) رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك ~~الخروج (11) كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود (12) وعاد وفرعون وإخوان ~~لوط (13) وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد (14) أفعيينا ~~بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد (15)) # الإشارة : يقول شيوخ التربية : بقدر ما يمزق الظاهر بالتخريب والإهمال ؛ ~~يحيى الباطن ويعمر بنور الله ، وبقدر ما يعمر الظاهر يخرب الباطن ، فيقع ~~الإنكار عليهم ، ويقول الجهلة : هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم في ~~الظاهر كل ممزق ، يجدد الإيمان والإحسان في بواطنكم ، أفترى على الله كذبا ~~أم به جنة؟ بل الذين لا يؤمنون بالنشأة الآخرة وهي حياة الروح بمعرفة الله ~~في عذاب الحجاب والضلال ، عن معرفة العيان بعيد ، ما داموا على ذلك ~~الاعتقاد ، ثم يهددون بما يهدد به منكرو البعث ، والله تعالى أعلم. البحر ~~المديد (5 / 126). PageV03P333 # قوله تعالى : ( ونزلنا من السماء ماء مباركا ): زاد تذكير نعمه ~~على عباده بأن نزل من سماء قربه مياه المعرفة ، ونور المشاهدة ، وبيان ~~المكاشفة على ms1471 قلوب المقبلين إليه ، وأنبت فيها نبات العقول والعلوم والحكم ~~والمعارف قوة للمريدين وقوتا لقلوب الطالبين ، قال الله تعالى : ( ~~رزقا للعباد. ) # قال ابن عطاء : أنزلنا من السماء الفهم والعلم والمعرفة ، فربينا بها ~~قلوب أولى الألباب وأهل المعرفة والفهم ، فهو الخطاب ، واستعملوه ، وألبسوا ~~به ، واتبعوه ، فأنبت الله بذلك الماء في قلوبهم معرفته ، وعلى لسانهم ذكره ~~، وعلى جوارحهم خدمته : ( أولئك هم المفلحون ) # ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من ~~حبل الوريد (16) إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (17) ما ~~يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (18) وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت ~~منه تحيد (19) ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد (20)) # ( وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21)) # قوله تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ): ~~أراد الله سبحانه ظهور نفسه لعشاقه ، فخلق آدم على ما كان في علمه ، ثم ~~أظهر منه ما غاب عن الوجود من نور غيبه ، وبين أنه عالم بما يجري في سره ~~وما توسوس به نفسه ، وكيف يخفى عليه ما خلقه ، وهو مبدئه بجوده ، جلت عظمته ~~من أن تخفى عليه ذرة من العرش إلى الثرى ، ألا ترى أول الخطاب كيف قال : ( ~~ ولقد خلقنا الإنسان )، ذكر الخلق ليعلم المخاطب أن ما توسوس به ~~نفسه أيضا هو مخلوقه ، وتحقيق الإشارة ودقائق الرمز بيان فيه أن نفسه هو ، ~~فيظهر ما كان في مكمن مقاديره الغيبية ، ولو يرى الإنسان نفسه ، فيرى هو ~~أنه نفسه ، ألا ترى كيف أخبر عن كمال قربه بنعت الاتحاد بقوله : ( ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد )؛ ولذلك قال سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ~~: «من عرف نفسه فقد عرف ربه» (1)؛ إذ لا نفس إلا هو إن فهمت ما قلت وإلا ~~فاعلم أن الفعل قائم بالصفة ، والصفة قائمة بالذات ، فمن حيث عين الجمع ما ~~هو إلا هو ، ولا تظن الحلول ؛ فإنه بذاته وصفاته منزه عن أن يكون له محل في ~~الحوادث ، هذا رمز العاشقين ، ألا ترى إلى قول مجنون العشق الإلهي : # أنا من ms1472 أهوى ومن أهوى أنا %~% نحن روحان حللنا بدنا PageV03P334 فإذا أبصرتني أبصرته %~% وإذا أبصرته أبصرتنا # قال أبو سعيد الخراز في قوله : ( ولقد خلقنا الإنسان ): هم قوم ~~صاروا مع الله بلا سبب ولا طلب ولا هرب ؛ لأنه مدركهم ، وهو معهم يعلم ما ~~في ضمائرهم ، ويشهد حركات ظاهرهم ، ألم تسمع إلى قوله : ( ولقد ~~خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه. ) # وقال الواسطي في قوله : ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) أي : ~~نحن أولى به وأحق ؛ إنا جمعناه بعد الافتراق ، وأنشأناه بعد العدم ، ونفخنا ~~فيه الروح ، فالأقرب إليه من هو أعلم به منه بنفسه. # وقال أيضا : بي عرفت نفسك ، وبي عرفت روحك ، كل ذلك إظهار النعوت على قدر ~~طاقة الخلق ، فأما الحقيقة فلا يحتملها العبد سماعا. # قوله تعالى : ( وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ): سائق نفس ~~العارف شوقه إلى جمال الحق ، وشاهد شوقه كشف مشاهدة شوقه بنعت الاطلاع على ~~حرقة فؤاده ، فشهد له أنه ولي مقرب يجلسه على بساط أنسه أبد الآبدين. # قال الواسطي : سائقها الحق ، وشهيدها الحق. # قوله تعالى : ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك ): يا ~~ليت لو علم الغافل هناك غاية أمره ؛ إذ كان غافلا عن مشاهدة الغيب ، فصار ~~له منكشفا ؛ فيرى ما يرى مشاهدة وعيانا ، وثبت له حقيقة العيان بلا علة ~~الاستدلال ؛ ليفرح بوجدانها حتى يطير من الفرح بكشفها ما يزيل عن قلبه هم ~~العذاب وحزن العتاب ، فإذا حصل المقصود فأنى العذاب خطر ؛ إذ الاحتراق ~~بالنار بعد اليقين والعيان سهل على من يسره الله عليه ، وبين سبحانه أنه ~~إذا رفع غواشي قهره عن أبصار الغافلين صارت أبصارهم نافذة في رؤية الغيوب ، ~~فيرون ما يفرح به قلوب العارفين في الدنيا من كشف عجائب الملكوت وأنوار ~~الجبروت ، فأين أنت من العذاب والعقاب عند كشف النقاب وسماع الخطاب ومن ليس ~~بغافل عن كشف عيان العيان وبيان البيان ، ومن يطلع على حقيقة الحقيقة هاهنا ~~حتى أتى بساط الأعظم PageV03P335 # ومجلس الأقرب ، هناك ينكشف أنوار الألوهية وسناء القدوسية ، فيكحل عيون ~~الكل ضياء مشاهدته ، فيذهب ms1473 من البين الدليل والاستدلال والمخاييل والمحال ~~والإيمان والإيقان ، بل يبقى العيان والعرفان أبدا ، وهذا كما قال السيد ~~الضرغام الأمير الهمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : «لو كشف الغطاء ما ~~ازددت يقينا» (1). # قال الواسطي : من كشف عنه خطأ الغفلة أبصر الأشياء كلها في أسر القدم. # وقال أيضا : أي : علمك نافذ في المقدورات ، وحكمك ماض على الخلائق. # ( ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد (29)) # قوله تعالى : ( ما يبدل القول لدي ) أي : لا يتغير قولي الذي سبق ~~في الأزل بحسن العناية في اصطفائية أنبيائي وأوليائي إلى الأبد ، ولا ~~أسقطهم عن درجتهم التي اخترتها لهم في الأزل ؛ إذ استحال مني كون الظلم ، ~~وأيضا أي : لا تغير الأقوال عند اطلاعي بها ، ولا يقدر أحد على أن يخفى ~~إصدار كلامه عني ما في ضميره ، قال الله : ( وما يعزب عن ربك من ~~مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء )، والكون ملكي أتصرف فيه كما أشاء ، ~~ولا يرجع إلي ظلم ولا جهل ؛ إذ هما من أوصاف الحدث ، وأنا منزه عن أوصاف ~~الحدثان. # قال سهل : ما يتغير عندي حكم قد سبق علمي فيه ، فيكون بخلاف ما سبق العلم. # وقال ابن عطاء : ما يظهر في الوقت هو الذي قضينا في الأزل لا مبدل له. # وقال الأستاذ : لا تبديل لحكمي ولا تغيير لقضائي ، وما أنا بظلام للعبيد ~~، وتصرفي فيهم تحت ملكي ، فلي كل ما أفعله ، ولا مني ظلم ؛ لأن الظلم ترك ~~الأمر ، وهو ليس بمأمور. # ( يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد (30) وأزلفت الجنة ~~للمتقين غير بعيد (31)) # قوله تعالى : ( يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ): ~~إن الله سبحانه وعد جهنم أن يملأها من الجن والإنس ، فيملأها ثم يقول : هل ~~امتلأت ، وهي تستزيد ؛ لأن ما يلقى فيها كحلقة تلقى في اليم ، وإن جهنم ~~تشتاق إلى الله كما تشتاق إليه الجنة ، فإذا رأى الله سبحانه حالها من ~~الشوق إليه يضع أثقال سطوات قهر القدم عليها بنعت تجل ، فتملأ من العظمة ، ~~وتصير عند عظمة الله كلا ms1474 شيء في شيء ، ويا رب طبب في قلوب الجهنميين في تلك ~~الساعة من رؤية ظلال عظمته ، ومن رؤية أنوار قدم القدم ، لهم فيها زفير ~~وشهيق ، فحينئذ PageV03P336 # يصير نيرانها وردا ريحانا من تأثير بركة ظهوره لها : # يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى %~% إليكم تلقي طيبكم فيطيب وما ذاك إلا حين خبرت أنها %~% تمر بواد أنت منه قريب # تصديق ما ذكرنا قول النبي صلى الله عليه وسلم : «حتى وضع الجبار قدمه على ~~النار فتقول قط قط» (1). ( هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ (32)) # قوله تعالى : ( لكل أواب حفيظ ) أي : فاز منه إليه حافظ أنفاسه ~~حتى لا يتيقن إلا الله وفي الله. # قال سهل : هو الراجع قلبه من الوسوسة إلى السكون إلى الله ، والحفيظ ~~المحافظ على الطاعات والأوامر. # قال المحاسبي : الأواب الراجع بقلبه إلى ربه ، والحافظ قلبه في رجوعه ~~إليه أن يرجع منه إلى أحد سواه. # ( من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب (33) ادخلوها بسلام ذلك ~~يوم الخلود (34) لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد (35) وكم أهلكنا قبلهم من ~~قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص (36)) # قوله تعالى : ( من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب ): هذا وصف ~~من وعده الله جنان مشاهدته ووصاله وقربه ووصفه بالخشية والإنابة ، والخشية ~~هي العلم بإحاطته بعلمه القديم بكل شيء ، ورؤية جلاله الذي ورث في قلبه ~~الخشية والإجلال ، فإذا رآه بهذه الصفات العظام رجع من وجوده إلى وجود الحق. # قال الواسطي : الخشية أرق من الخوف ؛ لأن المخاوف العامة لا تعاين إلا ~~عقوبة ، والخشية هي نيران الله في الطبع فيها نظافة الباطن للعلماء ، ومن ~~رزق الخشية لم يعدم الإنابة ، ومن رزق الإنابة لم يعدم التفويض والتسليم ، ~~ومن رزق التفويض والتسليم لم يعدم الصبر على المكارة ، ومن رزق الصبر على ~~المكاره لم يعدم الرضا. # وقال بعضهم : أوائل العلم الخشية ، ثم الإجلال ، ثم التعظيم ، ثم الهيبة ~~، ثم الفناء ، ثم وصف الله ما لهم في قربه وجواره من المشاهدة والوصال ~~بقوله : ( لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد ) أي : لهم ما يشاءون ms1475 مما ~~وصل إلى قلوبهم من الأماني والعلم بوجودي ، ولدينا مزيد مما PageV03P337 # لا يطلعون ولا يعرفون مني إلى الأبد ، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم : ~~«إن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» (1). # قال عبد العزيز المكي : لهم في الجنة ما يحقق أمانيهم من النعيم ، ثم ~~نزيدهم من عندنا ما لا تبلغه الأماني ، وهو الرؤية ، وذلك أجل وأعلا. # ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (37) ~~ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب (38) ~~فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب (39) ومن ~~الليل فسبحه وأدبار السجود (40) واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب (41) ~~يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج (42) إنا نحن نحيي ونميت وإلينا ~~المصير (43) يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير (44)) # قوله تعالى : ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع ~~وهو شهيد ): أثبت الله سبحانه رؤية أنوار حكمته الأزلية وسناء الكبرياء ~~والعظمة وظهور قهر الجبارية لمن له قلب ، وله إلقاء السمع ، وله شهود السر ~~، والقلب عبارة عن نقطة دائرة الفطرة القدسية التي خلقها الله من نور فعله ~~الخاص ، وهو يتجلى لها من نور صفته ونور ذاته ، وهناك لطيفة كبرى ، وهي سر ~~النقطة ، حولها دائرة العقل ، وراء الدائرة حواشي فعله ، ألقي تحتها ستر ~~الصفات ، ثم تحت ذلك الستر ظهور الذات لها ، فهو بذاته وصفاته حافظ فعله ~~الخاص ، أليس ستر الفعل العام على غاشيتها ، وحولها عالم الملك والشهادة ، ~~وباطنها كشف الصمدية وجلال الأزلية ، وبينها وبين الحق لم يبق حجاب امتناع ~~قدمه عن إحاطتها ، وذلك الكشف والعيان من بدو وجودها إلى أبد الأبد لا ~~ينقطع ؛ لذلك قال الشبلي : وقتي مسرمد ، وتجري بلا شاطئ ، سقط عنها أضداد ~~التجلي ؛ إذ لم يبق بين الحق وبينها جريان الحوادث ، ولتلك اللطيفة عيون ~~وأسماع ؛ إذ كل وجودها سمع وبصر ، فجميع سمعها وبصرها مشغول بخطاب الله ~~ورؤيته ، فألقت سمعها ms1476 لأصوات وصلة الأزلية ، شهدت أبصارها بمشاهدة القديم ، ~~ثم نورث الهيكل بالحضور والخدمة ، وطلب مزيد الصفاء والقرابة ، وجعلتها ~~مركب سيرانها وطيرانها إلى عالم الملكوت ، ورأت من روزنة البصر ما رأت بلا ~~واسطة ، وسمعت بسمع الظاهر ما سمعت بلا وسيلة ، فإذا رأى صاحب هذا القلب ~~شيئا من عجائب صنعه صار خاضعا لعظمته ، خاشعا PageV03P338 # لهيبته ، مطيعا لأمره ، جعلنا الله وإياكم من أصحاب القلوب ، وأقر عيوننا ~~بأنوار الغيوب. # قال الحسين : ( لمن كان له قلب ): لا يخطر فيه إلا شهود الرب. # وقال ابن عطاء : قلب لاحظ الحق بعين التعظيم ، فذاب له ، وانقطع إليه عما سواه. # وقال الواسطي : ذكرى لقوم واحد ، لا لسائر الناس ، لمن كان له القلب أي : ~~في الأزل ، وهم الذين قال الله : ( أومن كان ميتا فأحييناه. ) # وقال القاسم : هم الأنبياء ؛ فإن الله خلقهم للمشاهدة ، يشهدون له ~~بقلوبهم عند إقبالهم وإدبارهم بأنه المنشئ والمبدئ والمعيد. # قال الحسين : بصائر المبصرين ، ومعارف العارفين ، ونور العلماء الربانيين ~~، وطرق السابقين الناجين والأزل والأبد ، وما بينهما من الحدث غيره : ( ~~ لمن كان له قلب أو ألقى السمع. ) # وقال ابن عطاء : هو القلب الذي يلاحظ الحق ، فيشاهده ، ولا يغيب عنه خطرة ~~ولا فترة ، فيسمع به ، بل يسمع منه ، ويشهد به ، بل يشهده ، فإذا لاحظ ~~القلب الحق بعين التخويف رعب وارتعد وهاب ، وإذا طالعه بعين الجمال والجلال ~~هدأ واستقر. # وقال : قلب لاحظ الحق بعين التعظيم ، فذاب ، وانقطع إليه عما سواه ، وإذا ~~لاحظ القلب الحق بعين التعظيم لان وحسن. # وقال بندار بن الحسين : القلب مضغة ، وهو محل الأنوار ، ومورد الزوائد من ~~الجبار ، وبها يصح الاعتبار ، جعل الله القلب للجسد أميرا ، وقال : ( ~~ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب )، ثم جعله لربه أسيرا ، فقال : ( ~~ يحول بين المرء وقلبه. ) # وقال جعفر : إذا هم القلب عوقب على المكاره ، ولا يعرفه إلا العلماء بالله. # وقال الصبيحي : خاطب أصحاب القلوب ؛ لأن القلوب في قبضة الحق يقلبها كيف ~~يشاء ، وسعها ، وصفاها من البين ، ونقاها ، وشرحها ، وفسحها ، ثم حشاها ~~بمودته وإيمانه ويقينه ؛ ولذلك خاطب القلوب بخصائص ما أودع فيها. ms1477 # وقال بعضهم : للقلوب مراتب ، فقلوب في قبضة الحق مأسورة وبكشفه مسرورة ، ~~وقلوب المحبين إليه والهة ، فقلوب طائرة بالشوق إليه ، وقلوب هاجت بالشغف ~~هيمانا ، أو قلوب اعتقدت فيه الآمال ، وقلوب إلى ربها ناظرة ، وقلوب تبكي ~~من الفراق وشدة الاشتياق ، وقلوب ضاقت في دار الفناء وسمت إلى دار البقاء ، ~~وقلوب خاطبها في سرها ، فزال عنها مرارة الأوجاع ، وقلوب سارت إليه بهمتها ~~، وقلوب صعدت إليه بعزائم صدقها ، وقلوب تقدمت بخدمته في الخلوات ، وقلوب ~~مرت في الهدايات ، وابتغت من الله العناية ، PageV03P339 # وقلوب شربت بكأس الوداد ، فاستوحشت من جميع العباد ، وقلوب ساقت في ~~الطريق إليه ، وقلوب انقطعت بالكلية إليه ، فهذه مراتب القلوب في السلوك ~~والقصد فهو متبع قصده. # ( نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من ~~يخاف وعيد (45)) # قوله تعالى : ( فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ): أمر الله نبيه ~~صلى الله عليه وسلم أن يذكر الخاشعين من عظمته والخائفين من رؤية كبريائه ~~بالقرآن ؛ لأنهم أهله وأهل القرآن أهل الله وخاصته ، يعرفون حقائق الخطاب ، ~~وهم يدركون موعظة الله ، ويفزعون بها من الله ، ويتابعون مواضع الخطاب بنعت ~~العبودية ، وهم بالقرآن يرتقون إلى سعادته ، فيرون الحق بالحق بلا حجاب ، ~~ويصعدون به إلى الأبد. # قال أحمد بن حمدان : ألا يتعظ بمواعظ القرآن إلا الخائفون على إيمانهم ~~وإسلامهم ، وعلى كل نفس من أنفاسهم أنهم في محل البعد والهلاك ، قال الله : ~~( فذكر بالقرآن من يخاف وعيد. ) # قال الأستاذ : إنما يؤثر التخويف والإنذار في الخائفين ، فأما من لا يخاف ~~فلا ينفع فيه التخويف ، وطير السماء على وكارها تقع (1). ### | سورة الذاريات # بسم الله الرحمن الرحيم # ( والذاريات ذروا (1) فالحاملات وقرا (2) فالجاريات يسرا (3) ~~فالمقسمات أمرا (4) إنما توعدون لصادق (5) وإن الدين لواقع (6) والسماء ذات ~~الحبك (7) إنكم لفي قول مختلف (8) يؤفك عنه من أفك (9) قتل الخراصون (10) ~~الذين هم في غمرة ساهون (11) يسئلون أيان يوم الدين (12) يوم هم على النار ~~يفتنون (13) ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون (14)) # ( والذاريات ذروا ): أقسم الله سبحانه بعواصف تجلي عظمته وكواشف ~~أنوار كبريائه التي تفرق أسرار العارفين في هواء القدم ms1478 ، والبقاء حتى لا ~~يبقى من وجودها من صولة ظهور القيومية في سماء الهوية أثر ؛ لغلبة القدم ~~على الحدث وبشمال جماله الذي يأتي بنسيم الوصلة إلى PageV03P340 # قلوب المحبين ، وينشق طيب نسائم الدنو أرواح الشائقين ومحمل أنين ~~العاشقين إلى بساتين الملكوت ، ويطيبها بطيب الجبروت : # وإني لأستهدي الرياح نسيمكم %~% إذا أقبلت من أرضكم بهبوب وأسألها حمل السلام إليكم %~% فإن هي يوما بلغت فأجيب # وأقسم بسحائب ظلال عنايته القديمة التي تحمل ويل المعرفة من بحر الصفات ، ~~فتمطر على أرض قلوب العارفين ، فينبت به أزهار المحبة وورد الألفة وياسمين ~~المودة ونور الحكمة ورياحين العلوم اللدنية ، فيا لها من برد تلك الظلال ، ~~ويا لها من تسنيم ذلك الشمال ، يا لها من حسن ذلك الجمال ، وأيضا : ( ~~ والذاريات ذروا ): أقسم برياح أنفاس المشتاقين إلى جماله التي ~~تصعد إلى الملكوت ، وتنشر طيب نفحات العشق في بساتين الجبروت ، فيطيب ~~بنسيمها أهل الملأ الأعلى وصفائح الأدنى. # ( فالحاملات وقرا ): سحائب أرواح العارفين التي تحمل أوقار مياه ~~علوم الغيب من بحار الصفات ، فتمطر على صحارى الصدور ، فتنبت فيها أشجار ~~الحقائق وأنوار الدقائق. # ( فالجاريات يسرا ): للسنن أسرار الربانيين التي تجري في بحار ~~الذات القديم ، يسوقها شمال العناية ، ويحرسها من الفناء شرف الكفاية. # ( فالمقسمات أمرا ): عقول المتمكنين في مقام الصدق والاستقامة ~~التي تقسم أمور الإلهام في مواضع العبودية لنظام الطريقة والشريعة ، أقسم ~~الله بهذه العجائب بما فيها من لطائف الغرائب والدلالة على صفاته وذاته ~~ومحبة أوليائه وقمع أعدائه إن مواعيد وصاله وكشف جماله لصادقة ، وإن ساعات ~~القربات والمداناة لواقعة ، فهناك أيام المواصلة ، وهناك أزمان المكاشفة ~~والمشاهدة إلى الأبد. # قال الأستاذ في قوله : ( والذاريات ذروا ): إن من حملة الرياح ~~الصبحية تحمل أنين المشتاقين إلى ساعات العزة ، ثم تأتي بنسيم القربة إلى ~~مشام أهل المحبة ، فيجدون راحة غلبات اللوعة ، وفي السحاب ما يمطر بعتاب ~~الغيبية ، ويؤذن بهواجم النوى والفرقة ، فإذا عن لهم شيء من ذلك أبصروا ذلك ~~بنور بصائرهم ، فيأخذون في الابتهال والتضرع في السؤال استعادة منهم ، كما ~~قالوا : # أقول وقد رأيت لها سحابا %~% من الهجران مقبلة ms1479 إلينا وقد سحت عزاليها بهطل %~% حوالينا الصدود ولا علينا # وقال في قوله : ( إنما توعدون لصادق ): وعد الله المطيعين ~~بالجنة ، والتائبين بالرحمة ، PageV03P341 # والأولياء بالقربة ، والعارفين بالوصلة ، ثم أقسم بسماء قلوب الموحدين ~~التي شمسها العرفان ، وقمرها الإيقان ، ونجمها الإيمان ، وصفاؤها البيان ، ~~وسحابها البرهان ، ومطرها الغفران ، ورياحها القربان ، وحبكها لمعان العيان ~~بقوله تعالى : ( والسماء ذات الحبك ) (7). # قال الأستاذ : الإشارة إلى سماء التوحيد ذات الزينة بشمس العرفان وقمر ~~المحبة ونجوم القربة. # ( إن المتقين في جنات وعيون (15) آخذين ما آتاهم ربهم إنهم ~~كانوا قبل ذلك محسنين (16) كانوا قليلا من الليل ما يهجعون (17) وبالأسحار ~~هم يستغفرون (18) وفي أموالهم حق للسائل والمحروم (19)) # قوله تعالى : ( إن المتقين في جنات وعيون ) أي : الذين يتحرزون ~~بهمومهم الصافية عن غبار الخليقة ، يتقلبون في جنان القربة ، ويعيشون بنسيم ~~الوصلة ، ويشربون من عيون المعرفة شراب المحبة ( آخذين ما آتاهم ~~ربهم ) أي : من لطائف المقامات وغرائب الدرجات ، في الدنيا لهم الكرامات ، ~~وفي الآخرة لهم المداناة ، ثم ذكر سبب وصولهم إليها ، فقال : ( ~~إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ) أي : باذلين وجودهم لله شوقا إلى الله ، ثم ~~زاد في وصفهم بأنهم باتوا في ظلم الليالي ؛ لتفقد الواردات وطلب المكاشفات ~~بقوله : ( كانوا قليلا من الليل ما يهجعون )، يتهجدون في أجواف ~~الليالي بطيب مناجاتهم وحلاوة مراقباتهم ولذة انبساطهم وعربدتهم على بساط ~~الاحتشام ؛ حيث يسمعون لطائف الإلهام والخطاب والكلام ، فيا لها من عبراتهم ~~، ويا لها من زفراتهم ويا لها من شهقاتهم ، ويا لها من لذة تلفظهم ~~بالشطحيات ، وغرائب الكلمات الإلهيات ، وهذا من كمال عشقهم وغلبات محبتهم ~~وشوقهم ، لا يقدرون أن يناموا في مضاجعهم ؛ من لذة الأنس بالله ووجدان قرة ~~عيونهم من نور مشاهدته ، حيث قال في وصفهم : ( فلا تعلم نفس ما ~~أخفي لهم من قرة أعين )، أين أنت يا صاحبي من سقوطهم وتمرغهم في التراب؟! ~~لو رأيت عيونهم الباكية لترى فيها دمار أكبادهم ، الله يعلم أسرارهم ؛ حيث ~~هيجهم بشوقه وعشقه إلى قربه حتى لم يناموا على فرشهم مثل البطالين ~~والغافلين ، وأنشد : # نهاري نهار الناس حتى إذا بدا %~% لي الليل هزتني ms1480 إليك المضاجع أقضى نهاري بالحديث وبالمنى %~% ويجمعني والهم بالليل جامع # ثم وصفهم الله بأنهم مستغفرون بالأسحار ، وذلك أنهم إذا رجعوا من مقام ~~المشاهدة إلى مقام المراقبة يستغفرون الله من الزلات والخطرات قبل المداناة ~~وبعد المكاشفات من PageV03P342 # المعارضات بقوله : ( وبالأسحار هم يستغفرون )، ثم زاد في وصفهم ~~أنهم بذلوا ما لهم في سبيل الله لمن سأل منهم ولمن لم يسأل بقوله : ( ~~ وفي أموالهم حق للسائل والمحروم. ) # قال سهل : المتقي في الدنيا في جنات الرضا يتقلب ، وفي عيون الأنس يسبح. # وقال في قوله : ( كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ): لا يغفلون ~~عن الذكر في حال. # وقال بعضهم : ذاقوا حلاوة الأنس في الذكر ، فتهجدوا ، وهجروا النوم ، ~~وقاموا آناء الليل والنهار طالبين مرضاته ، متطلعين إلى ما يرد عليهم من ~~زوائد مناجاته وفوائده. # وقال الأستاذ : الليل إما للأحباب في أنس المناجاة ، وإما للعصاة في طلب ~~النجاة ، والسهر لهم في لياليهم دائم ، إما لفرط أسف ولشدة لهف ، وإما ~~للاشتياق والفراق ، كما قالوا : # كم ليلة فيك لا صباح لها %~% أفنيتها قابضا على كبدي وقد غضت العين بالدموع وقد %~% وضعت خدي على بنان يدي # وأما لكمال أنس وطيب روح ، كما قالوا : # شقي الله عيشا قصيرا مضى %~% زمان الصبى في الهوى والمحون لياليه يحكي انسداد اللحاظ %~% للعين عند ارتداد الجفون # وقال بعضهم : السائل المفتضح ، والمحروم المتعرض. # وقال الأستاذ : السائل المتكفف ، والمحروم المتعفف. # ( وفي الأرض آيات للموقنين (20) وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21)) # قوله تعالى : ( وفي الأرض آيات للموقنين ): إن آيات الأرض ظهور ~~تجلي ذاته وصفاته في مرآة الأكوان ، كما ظهر من الطور لموسى ، وما ظهر من ~~المصيصة لعيسى ، وما ظهر لمحمد صلى الله عليه وسلم من جبال مكة ، ألا ترى إلى ~~قوله عليه الصلاة والسلام : «جاء الله من سيناء واستعلن بساعير ، وأشرف من ~~جبال فاران» (1)، وأيضا يظهر لكل موقن ذلك النور والبركة ، وهذا المقام ~~مقام اليقين ، وإذا ظهر بذاته وصفاته للسر والروح والقلب والعقل يكون مقام ~~الاتصاف والاتحاد ، وهذا للعاشقين ، وهو مقام عين الجمع ، الأول مقام الجمع ~~، ومن شدة ظهور النفس الناطقة ms1481 استفهم الحق غرباء المعرفة ، ودلهم على عيان ~~المشاهدة ، ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ): آيات الموقن هو الموقن ، ~~وآيات العارف هو العارف سبحانه هو المقدس من مباشرة الحدثان ، والمخالطة ~~بالإنسان. PageV03P343 # قال سهل : بالعارفين بالله يستدلون على معروفهم. # وقال في قوله : ( أفلا تبصرون ): أي : أفلا ينظرون فيها إلى ~~آثار الربوبية. # وقال الواسطي : تعرف إلى قوم بصفاته وأفعاله ، وهو قوله : ( وفي ~~أنفسكم أفلا تبصرون )، وتعرف إلى الخواص بذاته ، فقال : ( ألم تر ~~إلى ربك. ) # وقال بعضهم : فمن لا يبصرها ولا يعرفها أضاع حظها منها. # وقال الحسين : إذا عرج على نفسه بان نفسه لنفسه ، ومن لم يعرج على جملته ~~كان محتشما لم يبين خلقه لخلقه ، فكان كما لم يزل خوطب بلسان الأزل وجميع ~~نعوته عدم ، بقوله : ( بلى )، فكان المخاطب لهم والمجيب عنهم ولا هم. # وقال أبو الحسين بن هند : العبد يعرف نفسه على قدر حضوره واستعماله للعلم ~~، وعلى قدر رجوعه إلى الله يعرف نعمه وفضله وكلاءته ؛ إذ ذاك ينجو من ~~الاستدراج. # ( وفي السماء رزقكم وما توعدون (22) فو رب السماء والأرض إنه ~~لحق مثل ما أنكم تنطقون (23)) # قوله تعالى : ( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) أي : في سماء ~~صفاتي رزق أرواحكم من مشاهدة النور ، وغذاء العلم الرباني ، وما توعدون من ~~مشاهدة الذات وكشف عيانه ، وفي الآية دليل التوكل على الله ، وحث على طلب ~~الحوائج منه ، وأحالهم إلى رؤية الوسائط ، ولو كانوا على محل التحقيق لما ~~أحالهم إلى السماء ولا إلى الأرض. # قال إبراهيم بن شيبان : وفي السماء بقاؤكم وما توعدون من الفناء. # وقال القاسم : ما توعدون من الفناء والبقاء والهداية والضلالة والهلاك ~~والعقوبة (1). # ( هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين (24) إذ دخلوا عليه فقالوا ~~سلاما قال سلام قوم منكرون (25)) # قوله تعالى : ( هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ) أي : ~~المكرمين في الأزل باصطفائيتهم وقربتهم من الله سبحانه ، وأنهم ملبسون لباس ~~نور الحضرة ، وأنهم سفرة الله ، أكرمهم بأنه جعلهم سفراء بينه وبين ~~الأنبياء والمرسلين ، فبكرامة الخليل والحبيب عليهما PageV03P344 # الصلاة والسلام أكرمهم الله ، ولما رآهم الخليل على هيبة الملكوت استبشر ~~برؤيتهم فيما ms1482 استنشق منهم رائحة القربة ، أكرمهم بكرامة الله إياهم ، ~~فصاروا مكرمين من جهة الحبيب والخليل عليهما الصلاة والسلام. # قال ابن عطاء : ضيف الكرام لا يكون إلا كريما ، فلما نزلوا بإبراهيم ~~الخليل وكان سيد الكرام سماهم الله مكرمين. # قال جعفر : مكرمين حيث أنزلهم أكرم الخليقة وأظهرهم فتوة وأشرفهم نفسا ، ~~وأعلاهم همة الخليل صلوات الله وسلامه عليه. # وقال يعقوب السوسي : ما تكلف لهم ، ولا اعتذر إليهم ، وهذا من أخلاق ~~الكرام. # ( فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين (26) فقربه إليهم قال ألا ~~تأكلون (27) فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم (28) فأقبلت ~~امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم (29) قالوا كذلك قال ربك إنه هو ~~الحكيم العليم (30) قال فما خطبكم أيها المرسلون (31) قالوا إنا أرسلنا إلى ~~قوم مجرمين (32) لنرسل عليهم حجارة من طين (33) مسومة عند ربك للمسرفين ~~(34) فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35) فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين (36) وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم (37) وفي موسى ~~إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين (38) فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون ~~(39) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم (40) وفي عاد إذ أرسلنا ~~عليهم الريح العقيم (41) ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم (42) ~~وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين (43) فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم ~~الصاعقة وهم ينظرون (44) فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين (45) وقوم ~~نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين (46)) # قوله تعالى : ( فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين ): كمال فتوة ~~الخليل في إكرام أضيافه التعجيل بإحضار ما حضر عنده ، وتخبيره بأن جاء ~~بأسمن ما عنده ، فإن من الفتوة وإكرام الضيف أن يختار من أحسن ما عنده ~~لضيفه ، كان إكرام الضيف سجية الخليل ، ثم لما كان الأضياف رسل حبيبه زاد ~~في إكرامهم ، بأن خدمهم بنفسه ، وقام على رؤوسهم ، وأكل معهم ، وهذا دأب ~~العاشقين إكرام رسول الحبيب. # قال أبو العباس الدينوري : تعجيل القرى من المروءة ، ألا ترى كيف حكى ~~الله عن PageV03P345 # إبراهيم بقوله : ( فما لبث أن جاء بعجل حنيذ. ) # ( والسماء ms1483 بنيناها بأيد وإنا لموسعون (47) والأرض فرشناها فنعم ~~الماهدون (48) ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون (49) ففروا إلى الله ~~إني لكم منه نذير مبين (50) ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير ~~مبين (51) كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ~~(52) أتواصوا به بل هم قوم طاغون (53) فتول عنهم فما أنت بملوم (54) وذكر ~~فإن الذكرى تنفع المؤمنين (55)) # قوله تعالى : ( والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون (47) والأرض ~~فرشناها ): وصف الله نفسه بالقدرة القائمة بذاته والقوة الأزلية في ذاته ، ~~بأن ركب السماء ، ووسعها ، وألبسها أنوار القدرة والقوة ، وجعلها مرآة ~~لصفاته لنظر نظار الحقيقة وإبصار طلاب المشاهدات في الآيات ، وبسط الأرضين ~~لأقدام أوليائه ، وجعلها مساجد أصفيائه ، وأنبت فيها صنوف الأشجار وفنون ~~الأزهار ، وأثنى على نفسه في إمهاده الأرض بقوله : ( فنعم الماهدون ~~): ذكر ثناء نفسه في ذكر الأرض لخاصيتها بأنها مواضع أقدام الصديقين ، ~~وبأنها أصل طينة آدم وذريته ، وبين وحدانيته في قوله : ( خلقنا ~~زوجين )، وقع الكل في القلة والكثرة ، وتفرد الوحدانية بالوحدة ؛ ليعرف في ~~رؤيتها العارف وحدانيته ، ويعتبر بما وجد في الكون أن مآل الكل للفناء ، ~~والحق لم يزل ولا يزال باقيا. # قال الخراز : أظهر معنى الربوبية والوحدانية بأن خلق الأرواح ؛ لتخلص له ~~الفردانية ، فلما تبين أن أشكال الأشياء مواضع علة الفناء دعا العباد إلى ~~نفسه ؛ لأنه الباقي وغيره فان بقوله : ( ففروا إلى الله )، ففروا ~~من وجودكم ومن الأشياء كلها إلى الله بنعت الشوق والمحبة والتجريد عما سواه ~~، وأيضا فروا إليه منه حتى تفنوا فيه ؛ فإن الحادث لا يثبت عند رؤية القديم ~~: ( إني لكم منه نذير ) عنه وعن قهر قدمه وفراقه ( مبين ) ~~؛ حيث تعرفون أني صادق فيما ظهر مني من سلطان هيبتي وبرهان قدرتي. # قال سهل : ففروا مما سوي الله إلى الله ، وفروا من المعصية إلى الطاعة ، ~~ومن الجهل إلى العلم ، ومن عذابه إلى رحمته ، ومن سخطه إلى رضوانه. # وقال محمد بن حامد : حقيقة الفرار إلى الله ما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : «وألجأت ظهري ms1484 إليك» (1). PageV03P346 # وما روى عنه في خبر عائشة رضي الله عنها : «أعوذ بك منك» (1)، فهذا غاية ~~الفرار منه إليه. # قال الواسطي : ( ففروا إلى الله ) معناه لما سبق لهم من الله لا ~~إلى علمهم ، وحركاتهم وأنفسهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «أعوذ بك ~~منك» (2). # سئل بعضهم عن قول النبي صلى الله عليه وسلم وسلم : «سافروا تصحوا»؟ قال : ~~إلينا تجدونا في أول قدم ، ثم قرأ : ( ففروا إلى الله ) (3). # قوله تعالى : ( فتول عنهم فما أنت بملوم ): فتول عنهم بسرك ~~إلينا ، فما أنت بملوم في إبلاغ رسالتك وإشغافك بالظاهر بهم وبإعلامهم ~~بأسباب نجاتهم ، فأنت مستقيم ، لا يحجبك إبلاغ الرسالة عن شهود العين. # قال الواسطي : ردهم إلى ما سبق عليهم في الأزل من السعادة والشقاوة ، ~~وأسقط الملامة عن نبيه صلى الله عليه وسلم لما نصح وجهد وعانى بقوله : ( ~~ فتول عنهم فما أنت بملوم )، فلما أمر أن يتولى عن الأعداء أمر أن ~~يقبل على طلاب مشاهدته من العارفين ، ويجدد بقوله سوابق ما أنعم الله عليهم ~~من التوحيد والمعرفة بقوله : ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) أي ~~: ذكرهم جمالي وجلالي وحسن اصطناعي وقربي منهم ، وما خصصتهم من سني الدرجات ~~ورفيع المقامات ؛ فإن ذكرك ينفع لهيب فؤادهم ولوعة قلوبهم وأشواق أرواحهم. # قال جعفر الصادق : يعني يا محمد ذكر عبادي جنودي وكرمي وآلائي ونعمائي ~~وما سبق لهم من رحمتي لأمتك خاصة ، والذكرى التي تنفع المؤمنين ذكر الله ~~العباد وما سبق من العناية القديمة بالإيمان والمعرفة والتوفيق للطاعة ~~والعصمة عن المعاصي. # قال الأستاذ : ذكر المطيعين جزيل ثوابي ، وذكر العارفين ما صرفت عنهم من بلائي. # ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) ما أريد منهم من رزق ~~وما أريد أن يطعمون (57)) # قوله تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ): في هذه ~~الآية إشارة عجيبة ، وهو أنه تعالى إذا أراد خلق الجن والإنس أبرز من عيون ~~الربوبية عينا ، فأوجدهم برؤية العين ، PageV03P347 # فلما عكس عليهم سناء التنزيه وباشر ذلك سناء وجودهم في إيجادهم تلطفوا ~~بلطفه ، واستلذوا تلك المباشرة ، وفرحوا بوجدانها ، وسكروا بحلاوتها ، ~~فكادوا أن ms1485 يدعون الربوبية ، وذلك سر النفس التي سترها في النفس الأمارة ، ~~وذلك ظهر الفراعنة ، فادعوا الربوبية ؛ لغلبتها على هواهم ، ومن لم يغلب ~~عليه ذلك لم يدع ، ولكن ذلك السر مخفي في نفسه ، فلما علم الحق منهم ذلك ~~حذرهم منه بقوله : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ): أعلمهم ~~أن ما هو عليهم كسوة الربوبية العارية لهم ، فلما ارتفعت الكسوة بقوا في رق ~~عبودية الخالق الفرد المنزه عن مباشرة الخليقة ، أي : لا تظنوا أنها لكم ، ~~فذلك لي حقيقة أزلية إلى أبد الأبد ، كيف لا يكونون عابديه ، وهم في قبضة ~~عزته تكونوا وما يجري عليهم بغير اختيارهم ، وهم بذلك مجبورون ، فإذا صحت ~~عبوديتهم ؛ لأن حركاتهم وسكناتهم تقع على وفق مشيئته الأزلية ، فذلك منهم ~~عين العبودية ؛ إذ لا إرادة لهم في حركاتهم وسكناتهم ودخولهم وخروجهم ~~وأنفاسهم وخواطرهم ، فما يظهر منهم فهو محض إرادته القديمة ، ما أراد منهم ~~في الأزل فيكون منهم يظهر وهذا عين العبودية ؛ إذ قامت بمشيئته الكائنات ~~والحركات والسكنات لا بذواتها ، فمن عرف نفسه بالعبودية فقد عرف ربه ~~بالربوبية ، ثم بعد ذلك لا يكون منهم نفس ولا حركة إلا ويكون ساقطا في ~~مشاهد ربوبيته ، فبقي الحق هناك ، ولم يبق العبد في البين ، قال الله ~~سبحانه : ( كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون ): يا فهم ~~إذا أمر لسان الأزل يكون لا شيء فتكون بأمره ، وإذا ناداه من بطنان الأزل ~~ودعاه من غيب العدم كيف لا يجيب المكون وهو تعالى سابق بعلمه في الأزل في ~~وجود ذلك المكون ، فإذا أجاب المكون المكون بكل مادة إما مستحسنا في الظاهر ~~وإما مستقبحا فإن استقباحه واستحسانه يكون بالإضافة إلى الخلق ، وإلا في ~~عين المشيئة كلها مستحسن تكون محض العبودية لربوبية الحق ، وإن خرج في لباس ~~المخالفة من حيث الرسوم ، ومن عرف ما ذكرنا من عين التوحيد قد سقط عن عينه ~~جهد الجاهدين وتكلف السالكين ، وتحير في قبضة الجبروت ، واستغرق في بحار ~~الملكوت ، لا يكون منه نفس إلا ويخرج بشرط الرضا ، ولا يتحرك إلا بوفق ~~الوفاء ، ولا ms1486 ينظر إلا بحقيقة الصفاء. # قال جعفر : إلا ليعرفوني ، ثم ليعبدوني على بساط المعرفة ؛ ليتبرأوا من ~~الرياء والسمعة. # وقال ابن عطاء : إلا ليعرفوني ، ولا يعرف حقيقته من وصفه بما لا يليق به. # قال الواحدي : مذهب أهل المعاني في ذلك ألا يخضعوا لي ويتذللوا ، ومعنى ~~العبادة في اللغة الذل والانقياد ، وكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء ~~الله ، مذلل بمشيئته ، خلقه على ما أراد ، ورزقه كما قضى ، لا يملك أحد ~~لنفسه خروجا عما خلق عليه. PageV03P348 # ( إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين (58) فإن للذين ظلموا ~~ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون (59) فويل للذين كفروا من يومهم الذي ~~يوعدون (60)) # قوله تعالى : ( إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ): رزقه ~~بالتفاوت ، رزق بعضهم الإيمان ، ورزق بعضهم الإيقان ، ورزق بعضهم العرفان ، ~~ورزق بعضهم البيان ، ورزق بعضهم العيان هذا لأهل الولاية ، ورزق بعضهم من ~~أهل الشقاوة الخذلان ، ورزق بعضهم الحرمان ، ورزق بعضهم الطغيان ، ورزق ~~بعضهم الكفران ، فصدر الأول صدروا من مكامن أنوار لطفه ، وهؤلاء المحرومون ~~خرجوا من ظلمات قهره ، وهو جل جلاله ذو القوة الأزلية ، وهو متين قوي عزيز ~~، ( وتعز من تشاء وتذل من تشاء ) بعزه وقوته. # قال بعضهم : اعتبروا كيفية الأرزاق باللبيب الطالب وحرمانه والطفل العاجز ~~وتواتر الأرزاق عليه ؛ لتعلموا أن الرزق طالب وليس بمطلوب ، ( إن ~~الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) (1). ### | سورة الطور # بسم الله الرحمن الرحيم # ( والطور (1) وكتاب مسطور (2) في رق منشور (3) والبيت المعمور ~~(4) والسقف المرفوع (5) والبحر المسجور (6) إن عذاب ربك لواقع (7) ما له من ~~دافع (8) يوم تمور السماء مورا (9) وتسير الجبال سيرا (10) فويل يومئذ ~~للمكذبين (11) الذين هم في خوض يلعبون (12) يوم يدعون إلى نار جهنم دعا ~~(13) هذه النار التي كنتم بها تكذبون (14) أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون ~~(15) اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون ~~(16) إن المتقين في جنات ونعيم (17) فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم ~~عذاب الجحيم (18)) # ( والطور (1) وكتاب مسطور (2) في رق منشور (3) والبيت المعمور ) ~~: أقسم الله PageV03P349 # ههنا بذاته وصفاته وفعله ، الطور ذاته القديم ، والكتاب المسطور ms1487 صفاته ~~القديمة ، والرق المنشور أفعاله اللطيفة ، وأيضا الطور قلب محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، والكتاب المسطور رموز ما أوحى ، والرق المنشور أسراره ~~المنقوشة بأنوار وحيه وإلهامه وغرائب علومه اللدنية ، ظاهر قسمه على الطور ~~الذي تجلى له الحق ، فإذا كان ذلك محل قسمه بتجل واحد فما تقول في طور لا ~~تنفك أنوار تجليه منه ، وهو قلب محمد صلى الله عليه وسلم ، سماه طور العظمة ~~واستقامته في موازاة سطوات عزته ، وسمى قلب غيره من الأنبياء والأولياء ~~بالبيت المعمور ، الذي عمره بنور القربة والمشاهدة والعلم والحكمة والمعرفة ~~والوجد والحال والمكاشفة ، ويمكن أنه تعالى أراد به صورة محمد ~~صلى الله عليه وسلم وصورة أبيه آدم ، الذي خلقه بيده ونفخ فيه من روحه ، وجعله ~~مرآة ظهوره ، وجعل روحه ورق أسرار علومه التي ذكرها بقوله : ( وعلم ~~آدم الأسماء كلها. ) # ( والسقف المرفوع ): روح محمد صلى الله عليه وسلم الذي رفعه الحق ~~إليه ، ومقام عنديته أرفع من كل رفيع من العرش إلى الثرى ، وأيضا يمكن أنه ~~أراد به العرش. # ( والبحر المسجور ): بحر سر محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأن ذلك ~~البحر ملأته أنهار قاموس علومه القدمية ، وأسرار كلماته الباقية ، وأيضا ~~الطور طور سيناء الذي هو موضع التجلي والكلام. # والكتاب المسطور ما كلم الله به موسى ، فصار منقوشا في ورق قلبه ، أقسم ~~بالطور وبقلبه وبما فيه مما سمع من كلامه. # ( وكتاب مسطور ): أيضا ما كتبه بيده على ألواح موسى. # ( والبيت المعمور ): أيضا قلبه كان معمورا بنور مشاهدته ؛ ولذلك ~~خاطب الله موسى بقوله : فرغ بيتا لي أسكن ، فلما سكن في بيت قلبه عمره بنور قربه. # ( والسقف المرفوع ): كناية عن ذاته القديم الذي امتنع بعزته عن ~~تناول الحدثان ، ألا ترى كيفما بلغ أماني موسى ، فقال : ( تبت إليك ~~) بعد قوله : ( أرني. ) # ( والبحر المسجور ): صدر موسى الذي هو مملوء من نيران شوقه ~~وحزنه ، حين لم يدرك حقائق جلال الألوهية الذي استحال وجود الحدث عن إدراكه ~~بوصف الإحاطة والحقيقة ، وأيضا عم في هذه الأقسام جميع العارفين والصديقين ~~، الطور أرواحهم ، والكتاب المسطور إلهامهم ، والرق المنشور ms1488 عقولهم ، ~~والبيت المعمور قلوبهم ، والسقف المرفوع أسرارهم ، والبحر المسجور صدورهم ، ~~أقسم بأرواحهم ؛ لأنها مواضع تجليه ، وأقسم بما خاطبهم من الوحي والإلهام ، ~~وأقسم بعقولهم ؛ إذ هي ألواح علومه الغيبية ، وأقسم بقلوبهم ؛ إذ هي مساكن ~~المعارف ومساقط أنوار الكواشف ، وأقسم بأسرارهم ؛ إذ هي تصعد إلى PageV03P350 # مصاعد الملكوت ومعارج الجبروت ، وأقسم بصدورهم ؛ إذ هي مملوءة من سناء ~~العرفان وضياء الإيمان وأنوار الإسلام ، قال الله : ( أفمن شرح ~~الله صدره للإسلام. ) # قال جعفر في قوله : ( والطور ): أي : وما يطرأ على قلب أحبائي ~~من الأنس بذكري والالتذاذ بحبي ، ( وكتاب مسطور ): وما كتب الحق ~~على نفسه لهم من الاقتراب والقربة. # وقال سهل في قوله : ( والبيت المعمور ): هو القلب ، قلوب ~~العارفين معمورة بمعرفته ومحبته والأنس به ، ( والسقف المرفوع ): ~~هو العمل المرضي الزكي الذي لا يراد به جزاء من الله في الظاهر. # ( كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (19) متكئين على سرر ~~مصفوفة وزوجناهم بحور عين (20)) # قوله تعالى : ( كلوا واشربوا هنيئا ) أي : كلوا من موائد قربه ، ~~واشربوا من شراب وصله هنيئا بلا كدورة العتاب ووحشة الحجاب. # قال سهل : جزاء الأعمال الأكل والشرب ، ولا يساوي أعمال العباد أكثر من ~~ذلك ، وأما شراب الفضل فهو قوله : ( وسقاهم ربهم شرابا طهورا ): ~~شرابا على رؤية المشاهدة. # ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ~~ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين (21) وأمددناهم بفاكهة ولحم ~~مما يشتهون (22)) # قوله تعالى : ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ~~ذريتهم ): هذا إذا وقعت فطرة الذرية من العدم سليمة طيبة طاهرة لقبول ~~معرفة الله ، ولم تغيرها تأثير صحبة الأضداد ، لقوله عليه الصلاة والسلام : ~~«كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (1)، ~~فإذا بقيت على نعت الأول ووصل إليها فيض مباشرة نور الحق ولم يتم عليها ~~الأعمال والعمار يوصلها الله إلى درجة آبائهم وأمهاتهم الكبار من المؤمنين ~~؛ إذ هناك يتم أرواحهم وعقولهم وقلوبهم ومعرفتهم وعلمهم بالله عند كشف ~~مشاهدته وبروز أنوار جلاله ووصاله ، وكذلك حال المريدين عند العارفين ، ~~يبلغون إلى درجات كبرائهم وشيوخهم ms1489 ، ما داموا آمنوا بأحوالهم ، وقبلوا ~~كلامهم ، كما قال رويم قدس الله روحه : من آمن بكلامنا هذا من وراء سبعين ~~حجابا فهو من أهله. PageV03P351 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «من أحب قوما فهو منهم» (1)، وقال سبحانه ~~: ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين )، ولا تعجب من ذلك ؛ فإنه تعالى ~~مبلغهم إلى أعلى الدرجات ، فإذا كانوا معهم في منازل الوحشة يصلون إلى ~~الدرجات العلية ، فكيف لا يصلون إليها في مقام الوصلة! # ( يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم (23) ويطوف عليهم ~~غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون (24) وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (25)) # قوله تعالى : ( يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم ): ~~وصفهم الله في شربهم كاسات شراب الوصلة بالمسارعة والشوق إلى مزيد القربة ، ~~ثم وصف شرابهم أنه يورثهم التمكين والاستقامة في السكر ، لا يئول حالهم إلى ~~الشطح والعربدة ، وما يتكلم به سكارى المعرفة في الدنيا عند الحق ، ولا ~~يشابه حال أهل الحضرة حال أهل الدنيا من جميع المعاني. # قال ابن عطاء : أي لغو يكون في مجلس محله جنة عدن ، والساقي فيه الملائكة ~~، وشربهم على ذكر الله ريحانهم ، ( تحية من عند الله )، وشكرهم ~~على المشاهدة والقوم جلساء الله عز وجل . # ( قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين (26) فمن الله علينا ~~ووقانا عذاب السموم (27) إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم (28) ~~فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون (29) أم يقولون شاعر نتربص به ريب ~~المنون (30) قل تربصوا فإني معكم من المتربصين (31) أم تأمرهم أحلامهم بهذا ~~أم هم قوم طاغون (32) أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون (33) فليأتوا بحديث ~~مثله إن كانوا صادقين (34) أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (35) أم ~~خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون (36) أم عندهم خزائن ربك أم هم ~~المصيطرون (37) أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين (38) أم ~~له البنات ولكم البنون (39) أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (40) أم ~~عندهم الغيب فهم يكتبون (41) أم يريدون كيدا ms1490 فالذين كفروا هم المكيدون (42) ~~أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون (43) وإن يروا كسفا من السماء ~~ساقطا يقولوا سحاب مركوم (44) فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون (45) ~~يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون (46) وإن للذين ظلموا عذابا دون PageV03P352 # ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون (47) واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ~~وسبح بحمد ربك حين تقوم (48) ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم (49)) # قوله تعالى : ( قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين ): هذا شكر ~~من القوم في رؤية الحق سبحانه أي : كنا مشفقين من الفراق في الدنيا والبعد ~~في يوم التلاق ، ( فمن الله علينا ووقانا ) من ذلك العذاب المحرق ، ~~المعنى هذا في أوائل الرؤية ، أما إذا استقاموا في الوصال نسوا ما كان فيهم ~~من ذكر الإشفاق وغيره ، والإشفاق وصف الأرواح والخوف صفة القلوب. # قال الجنيد : الإشفاق أرق من الخوف ، والخوف أصلب. # وقال بعضهم : الإشفاق للأولياء ، والخوف لعامة المؤمنين. # وقال الواسطي : لاحظوا دعاءهم وشفقتهم ، ولم يعلموا أن الوسائل قطعت ~~المتوسلين عن حقيقته ، وحجبت من إدراك من لا وسيلة إليه إلا به. # قال ابن طاهر : من علينا بإحسانه إلينا بأن جعلنا من أهل دار كرامته ، ~~ووقانا من دار إهانته. # قوله : ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ): بين الله سبحانه في ~~هذه الآية مرتبتين : # مرتبة التفرقة ، ومرتبة الجمع ، الخطاب الأول خطاب الغيبة ، والخطاب ~~الثاني خطاب المشاهدة ، فإذا قال : ( واصبر لحكم ربك ) وقع الصبر ؛ ~~لجريان الحكم في أمر العبودية ، وذكر قوله : ( ربك ) بالغيبة ؛ ~~لأنه في مقام تفرقة العبودية والرسالة يقتضي حاله حال المشقة ؛ لذلك أمره ~~بالصبر ، فإذا ثقل عليه أحاله من الغيبة إلى المشاهدة بقوله : ( ~~فإنك بأعيننا ) أي : بحفظك من الاعوجاج والتغير في جريان أحكامنا عليك حتى ~~تصير مستقيما بنا لنا فينا ، انظر إلى ما قال سبحانه لحبيبه ~~صلى الله عليه وسلم في قوله : ( فإنك بأعيننا ) أي : نحن نراك بجميع ~~عيون الصفات والذات بنعت المحبة والعشق ، ننظر بها إليك ؛ شوقا إليك ، ~~وحراسة لك نحرسك بها ؛ حتى لا يغيرك غيرها من الحدثان عنا ، ويدفع بها عنك ms1491 ~~طوارقات قهري ؛ فإنك في مواضع عيون محبتنا ، وأنت في أكناف لطفنا ، افهم يا ~~صاحبي كيف قال الحق ، ذكر الأعين وليس في الوجوه أشرف من العيون ، انظر كيف ~~شرفه ؛ إذ قال : أنت بعيننا أي : أنت على أعيننا محروسا عن قهرنا ، ورمز ~~الرمز في قوله : ( فإنك بأعيننا )؛ فإن الحبيب عليه الصلاة ~~والسلام في مقام المشاهدة ، وكاد يفنى في عظمته وجلاله ، فحجبه بحكمه لحظة ~~والصبر فيه حتى لا يفنى ، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يرى الحق ~~عيان في عيان ولا طاقة له ، فألبس الله بعد ذلك عينه نورا من PageV03P353 # أعينه ، فرأى الحق بجميع العيون ، فامتن الله عليه ، وتعرف إليه مواضع ~~نعمه بقوله : ( فإنك بأعيننا ) أي : بأعيننا ترانا. # قال سهل : ما نظهره عليك من فعل وقدرة تتولى جملتك بالرعاية والكلاءة ~~بالرضا والمحبة والحراسة من الأعداء. # وقال ابن عطاء : فإنك بأعيننا أي : مغمور في حفظنا ، وغريق في فضلنا ، ~~ومستور بحفظنا ، ومن اختص بالله كان في حفظه ، ومن كان في حفظه كان في ~~مشاهدته ، ومن كان في مشاهدته استقام معه ووصل إليه ، ومن وصل إليه انقطع ~~عما سواه ، ومن انقطع عما سواه عاش معه عيش الربانيين. # وقال الحسين : اصبر ؛ فإن صبرك بتوفيقنا وبشهود عيوننا ؛ فلذلك حصلت ~~العيون منك عيونا ؛ إذ أنت الناظر إلينا بنا ، ولم تنظر إلينا بما لنا وعنا ~~، فتكون بذلك محجوبا عن واجبنا. # وقال جعفر : عند هذا الخطاب سهل عليه معالجة الصبر واحتمال مؤنه ، وكذلك ~~كل حال يرد على العبد في حال المشاهدة. # قال الحسين في قوله : ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ): وقال ~~للكليم : ( ولتصنع على عيني )، ليس من هو بالعين كمن هو على العين ~~، وليس من أفنى بالشيء كمن فني عن الشيء ؛ لأن الفناء بالشيء لمعنى الجمع ، ~~والفناء عن الشيء لمعنى الاحتجاب. # وقال النوري : الصنع بالعين ليس كالصنع على العين ، ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم كان بالعين في كل وقت وحال ومكان ، ولما صبر في جريان ~~أحكام الربوبية واستقام في مقام الجمع بالحق في الحق ، وبقي بالحق للحق في ~~الحق ms1492 ، ولم يحتجب بالحق عن الحق أمره بتسبيحه وتقديسه وتحميده في جميع ~~أنفاسه ، بأنه نال هذا الفضل بالله لا بنفسه ، وأنه لم يدركه حقائق الإدراك ~~، فإنه منزه عن إحاطة الحدثان به أي : نزهني حين تقوم إلى موازاة مشاهدة ~~قدمي ، ( ومن الليل ) حين أطبق عليك تراكم ظلال العظمة والكبرياء ~~نزهه عما تجد من النسك به ؛ فإن الأنس أيضا حجاب ؛ إذ هو لذة الروح ، وسبحه ~~عند رؤيتك الأكوان والحدثان وهي ساجدات له ، فاسجد أنت لرؤيتي ، ولا تنظر ~~إلى تسبيحك وسجودك ، ولا إلى تسبيح الكون ، فإن النظر إلى التنزيه احتجاب ~~من رؤية المنزه ، وعن إدراك قدسه بالحقيقة بقوله : ( وسبح بحمد ~~ربك حين تقوم (48) ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم. ) # قال سهل : صل المكتوبة بالإخلاص لربك حين تقوم إليها. PageV03P354 # وقال بعضهم : نزه ربك عن ظلمه إياك فيما نسب إليك أي : فيما أصابك من ~~المحن ، فلا يصيبك شيء من المحن دون قضائه ومشيئته ، وقوله : ( حين ~~تقوم ) أي : حين تقوم إلى طاعة ربك نزهه بمعرفتك باستغنائه عنك عن طاعتك. # وقال سهل في قوله : ( ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم ): لا تغفل ~~صباحا ولا مساء عن ذكر من لا يغفل عن برك وحفظك في كل الأوقات. ### | سورة النجم # بسم الله الرحمن الرحيم # ( والنجم إذا هوى (1) ما ضل صاحبكم وما غوى (2)) # قوله تعالى : ( والنجم إذا هوى ): أقسم الله بالنجم ، وذلك ~~النجم إلهام قلوب الملهمين حين يسقط من صحائف الغيوب إلى معادن القلوب ، ~~وأيضا أي : بأنوار تجلي جماله وجلاله إذا وقع على أرواح العاشقين ، وأيضا ~~بألحان بلابل علومه اللدنية التي تترنم بحقائق ما كنز الحق في كنوز القدم ~~إذا جلست على أغصان ورد بساتين أسرار العارفين ، فتكلموا ، وأخبروا بها من ~~مكنون غرائب علوم الصفات والذات ، وأيضا أي : بواردات الجذبية التي تبدو ~~بأنوارها من الغيوب لفهوم المحبين ، وتسقط على أسرار الواصلين ، وتزعجها ~~إلى مشاهدة رب العالمين حقائقها المواجيد والحالات والكشف والمشاهدات وأيضا ~~أي : بالأرواح العاشقة الشائقة إذا صعدت إلى ملكوت الغيب ، وتسقط إلى بحر ~~جبروت الرب ، وتحمل مياه حياة القدم من بحر البقاء ms1493 ، وتأتي سكرى إلى معادن ~~الأشباح ، وتضوع نفحاتها في بساتين العقول ورياض القلوب ، وأيضا بما نبت في ~~بساتين قلوب الأولياء من عجائب أصناف أزهار الحكم والمعارف والعلوم والفهوم ~~، أي : بهذه المقسمات الشريفة والنيرات الواضحة ما ضل حبيبي عني لمحة وما ~~احتجب بشيء دوني لحظة ، وما اعوج عن طريق استقامته قط ، وذلك قوله : ( ~~ ما ضل صاحبكم وما غوى )، وأيضا ما ضل عني بي في ميادين عظمتي ؛ ~~حيث لا يدري الموحد أين هو ، هو كان عالما بي بحيث سلك ، وما غوى ما ستر ~~بما وجد مني فيشغل به عني. # قال ابن عطاء : أقسم بنجوم المعرفة وضيائها وتجليها ونورها والاهتداء بها ~~وسكون العارفين إلى أنوارها وسلوكهم بالاهتداء بها. # وقال جعفر : هو محل التجلي والاستتار من قلوب أهل المعرفة. PageV03P355 # وقال جعفر بن محمد الصادق : النجم محمد صلى الله عليه وسلم ، إذا هوى انشرح ~~منه الأنوار. # وقال أيضا : قلب محمد صلى الله عليه وسلم إذا هوى إذا انقطع عن جميع ما سوى ~~الله عز وجل . # وقال أيضا : ما ضل عن قربه طرفة عين. # وقال ابن عطاء : ما ضل عن الرؤية طرفة عين. # وقال سهل : ما ضل عن حقيقة التوحيد قط ، ولا اتبع الشيطان بحال. # وقال الشبلي : ما رجع عنا منذ وصل إلينا. # ( وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4) علمه شديد ~~القوى (5) ذو مرة فاستوى (6) وهو بالأفق الأعلى (7)) # قوله تعالى : ( وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى ) (4) ~~: كيف ينطق عن الهوى من ليس له علة الهوى ، كان مقدسا عن شوائب الخليقة ، ~~منورا بأنوار الحقيقة ، كان نطقه نطق الحق ، وفعله فعل الحق ، وقلبه ميدان ~~تجلي الحق ، كيف تجري عليه الخطرات الشيطانية والهواجس النفسانية ، وكان ~~محفوظا بعين الكلاءة وحسن الرعاية ، ما نطق فهو وحي الله وكلامه وإشارة ~~الله وإلهامه ، جعله الله مصباح وجوده في العالم ، وأنوار جوده في آدم. # قال الحسين : من عرف اللطائف علت أخطاره وجلت أقداره ، وصار الشح عليه ~~فتنة ، قال لصفيه : ( وما ينطق عن الهوى )، أخذته النعوت ، فنبذته ~~في شواهد شعاعها ms1494 ، فلا يهتم لآدم ومن دونه لقيامه عنده ، ومن لبس الأولية ~~بتيقنه وارتدى الآخرية بتوحيده ارتفع كل حادث عن صفاته وأحواله. # قال الواسطي : الوحي للأنبياء ضروب ، والوحي للعامة من الأنبياء بالرسل ~~من الملائكة ، والثاني آداب نفوسهم من القوة والفهم ، ( وما ينطق ~~عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى ) (4) بأن الوحي إلهام ( يومئذ ~~تحدث أخبارها ) والثالث : ما كان منه في المنامات ، وهو على شيء لهم ليس ~~لغير الله فيه معنى. # قال الأستاذ : متى ينطق عن الهوى من هو في محل النجوى في الظاهر مزموم ~~بزمام التقوى في السرائر في إيواء المولى ، مصفى عن كدورات البشرية ، مرقى ~~إلى شهود الأحدية ، مكاشف لجلال الصمدية ، مختلف عنه بالكلية ، لم يبق عليه ~~منه إلا للحق بالحق بقية ، فمن كان بهذا النعت متى ينطق عن الهوى. # ( ثم دنا فتدلى (8)) (1). PageV03P356 # قوله تعالى : ( ثم دنا فتدلى ): أخبر الله سبحانه عن دنو حبيبه ~~منه ، وذلك بعد أن ألبسه نعوت الصفات وأنوار الذات ، وأخرجه من جميع العلل ~~الحدثانية ، فدنا الحق من الحق ، دنا بالصفات من الصفات ، فلما استلذ ~~مشاهدة الصفات كاد أن يقف في سيره بلذة الصفات ، فأدناه الحق من الذات بعد ~~أن دنا من الصفات ، واستغرق في بحر الذات ، ولم يبق معه من علمه شيء ، ولا ~~من بصره شيء ، ولا من سمعه شيء ، ولا من إدراكه شيء ، فألبسه الله أيضا ~~نورا من سمعه وبصره ، فرأى الحق بنور الحق ، وسمع من الحق بسمع الحق ، فظن ~~أنه قد وصل بالكل إلى الكل ، فأراه الحق قيمته. # ( فكان قاب قوسين أو أدنى (9)) # قوله تعالى : ( فكان قاب قوسين أو أدنى ) أي : بيني وبينه قوس ~~الحدوثية وقوس الأفعالية ، فبقي بين القوسين عن إدراك العين بالحقيقة ~~بالعين والقلب ، وأيضا ظن أنه وصل ؛ إذ لا فصل هناك ولا وصل ولا قرب ولا ~~بعد ، فإن ساحة الكبرياء منزهة عن هذه العلل ، فبين له الحق أن بينه وبين ~~الحق قوسين : قوس الأزل ، وقوس الأبد ، ومن يصل إلى من بعد منه من الأزل ~~إلى الأبد أي : الحدث بعيد مني بقدر الأزل ms1495 والأبد ؛ إذ لا قدر في الأزل ~~والأبد ، وكيف يصل إلى من تنزيهه أبعده بالأزل والأبد من ذاته وصفاته ، ~~فإذا كان كذلك استحال قرب الحدث من ذاته وصفاته من حيث المسافة ، وأيضا رمى ~~الحق سهم الدنو من قوس الأزل ، ورمى سهم التدلي من قوس الأبد من كناية ~~الذات والصفات إلى قلب حبيبه صلى الله عليه وسلم ، فجرحه بسهم المحبة وسهم ~~المعرفة ، فكان في تلك الليلة مطروحا في ميدان الأزل ، مجروحا في ميدان الأبد. # قال جعفر : انقطعت الكيفية عن الدنو ، ألا ترى أن الله حجب جبريل من دنوه ~~ودنو ربه منه. # وقال القاسم : وقعت المواصلة فأشرف ، والإشراف هو المشاهدة ، وقاب قوسين ~~موضع الإشكال ، إشكال ليتبين العارف ويهلك الجاحد. # وقال الواسطي : من توهم أنه بنفسه دنا جعل ثم مسافة ، إنما التدلي أنه ~~كلما قربه من نفسه بعده من المعرفة ؛ إذ لا دنو للحق ولا بعد ، فكلما دنا ~~بنفسه من الحق تدلى بعدا ، فانقلب في الحقيقة خاسئا وهو حسير ؛ إذ لا سبيل ~~إلى مطالعة الحقيقة. # وأما الإخبار عن الفضل أنه أخذه من إياه وأشهده إياه فكان في الحقيقة ذا نفسه PageV03P357 # مشاهدا ذاته ، وفي الأخبار أن محمدا صلى الله عليه وسلم شهده. # وقال جعفر : أدناه منه حتى كان منه كقاب قوسين ، والدنو من الله لا حد له ~~، والدنو من العبد بالحدود. # ( فأوحى إلى عبده ما أوحى (10)) # قوله تعالى : ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ): أبهم الله تعالى سر ~~ذلك الوحي الخفي على جميع فهوم الخلائق من العرش إلى الثرى ، بقوله : ( ~~ ما أوحى )؛ لأنه لم يبين أي شيء أوحى إلى حبيبه صلى الله عليه وسلم ؛ ~~لأن بين المحب والمحبوب سرا لا يطلع عليه غيرهما ، وأظن أن لو بين كلمة من ~~تلك الأسرار لجميع الأولين والآخرين لماتوا جميعا من ثقل ذلك الوارد الذي ~~ورد من الحق على قلب عبده ، احتمل ذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوة ربانية ~~ملكوتية لاهوتية ، ألبسها الله إياه ، ولولا ذلك لم يحتمل ذرة منها ؛ لأنها ~~أنباء عجيبة وأسرار أزلية ، لو ظهرت كلمة منها ms1496 لتعطلت الأحكام ، ولفنيت ~~الأرواح والأجسام ، واندرست الرسوم ، واضمحلت العقول والفهوم والعلوم ، ~~هكذا رسم العلوم المجهولة التي تنبئ عن عين العشق بين العاشق والمعشوق ، ~~وذلك في سره وغيب في غيب يسقط عند ذلك حكم العبودية ؛ لأن ذلك محض الانبساط ~~وظهور كشف الكلى وغلبات سيول الرحمة الأزلية الواسعة التي تجري من بحار ~~القدس وأنهار الأنس وبما نشق الله من نفحات نرجسها ووردها مشام المستنشقين ~~نسائم الوصال وشمائل الجمال ، فيطيرون من الفرح لوجدانها ، ويضحكون ، ~~ويبكون ، ويرقصون ، ويصيحون من لذة ما وصل إليهم من عرفانها ، ويسترون تلك ~~الأسرار عن الأغيار ، كما أنشد : # لعمري ما استودعت سري وسره %~% سوانا حذار أن تشيع السرائر ولاحظته مقلتاي بلحظه %~% فتشهد نجوانا العيون النواظر ولكن جعلت الوهم بيني وبينه %~% رسولا نادى ما تغيب الضمائر # قال جعفر في قوله : ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ): بلا واسطة فيما ~~بينه وبينه سر إلى قلبه لا يعلم به أحد سواه بلا واسطة إلا في العقبى حين ~~يعطيه الشفاعة لأمته. # قال الواسطي : ألقى إلى عبده ما ألقى ، ولم يظهر ما الذي أوحى ؛ لأنه خصه ~~به وما كان مخصوصا به كان مستورا ، وما بعثه به إلى الخلق كان ظاهرا. # ( ما كذب الفؤاد ما رأى (11) أفتمارونه على ما يرى (12) ولقد ~~رآه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى (14) عندها جنة المأوى (15)) # قوله تعالى : ( ما كذب الفؤاد ما رأى ): ذكر الله رؤية فؤاده ~~عليه الصلاة والسلام PageV03P358 # ولم يذكر العين ؛ لأن رؤية العين سر بينه وبين حبيبه ، ولم يذكر ذلك غيرة ~~عليها ؛ لأن رؤية الفؤاد عام ورؤية البصر خاص ، أراه جماله عيانا ، فرآه ~~ببصره الذي كان مكحولا بنور ذاته وصفاته ، وبقي في رؤيته بالعيان ما شاء ~~الله كان ، فصار جسمه بجميعه أبصارا رحمانية ، فرأى الحق جميعا ، فوصلت ~~الرؤية إلى الفؤاد ، فرأى فؤاده جمال الحق ، ورأى ما رأى بعينه ، ولم يكن ~~بين ما رأى بعينه ، وبين ما رأى بفؤاده فرق ، فأزال الحق الإبهام ، وكشف ~~العيان بقوله : ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) حتى لا يظن الظان أن ما ~~رأى الفؤاد ليس كما ms1497 رأى بصره أي : صدق قلبه فيما رآه من لقائه الذي رأى ~~بصره بالظاهر ؛ إذ كان باطن حبيبه صلى الله عليه وسلم هناك ظاهرا ، وظاهره ~~باطنا رآه بجميع شعراته وذرات وجوده ، وليس في رؤية الحق حجاب للعاشق ~~الصادق ، بأنه يغيب عن الرؤية شيء من وجوده ، فبالغ الحق سبحانه في كمال ~~رؤية حبيبه صلى الله عليه وسلم ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : «رأيت ربي ~~بعيني وبقلبي» (1)، رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه. # قال سهل : ما كذب الفؤاد ما رأى البصر. # وقال : هو في مشاهدة ربه كفاها يبصره بقلبه. # قال ابن عطاء : ما اعتقد القلب خلاف ما رآه العين. # وقال : ليس كل من رأى مكن فؤاده من إدراكه ؛ إذ العيان قد يظهر فيضرب ~~السر عن حمل الوارد عليه. # والرسول صلى الله عليه وسلم محمول فيها من فؤاده وعقله وجسمه ونظره ، وهذا ~~يدل على صدق طويته وحمله فيما شوهد به ، ثم أكد الله تحقيق رؤية نبيه ~~صلى الله عليه وسلم ووبخ منكريها بقوله : ( أفتمارونه على ما يرى (12) ~~ولقد رآه نزلة أخرى )، ما الرؤية الثانية أقل كشفا من الرؤية الأولى ، وما ~~الرؤية الأولى بأكشف من الرؤية الثانية أين أنت؟ لو كنت أهلا لقلت لك أنه ~~عليه الصلاة والسلام رأى ربه في لحافه بعد أن رجع من الحضرة أيضا في تلك ~~الساعة ، وما غاب قلبه من تلك الرؤية لمحة ، وما ذكر سبحانه بيان أن ما رأى ~~في الأول في الإمكان ، وما رأى عند سدرة المنتهى كان واحدا لأن ظهوره هناك ~~ظهور القدم والجلال ، وليس ظهوره يتعلق بالمكان ولا بالزمان ؛ إذ القدم ~~منزه عن المكان والجهات ، كان العبد في مكان والرب فيما لا مكان ، وهذا ~~غاية كمال تنزيهه وعظيم لطفه ؛ إذ يتجلى من نفسه لقلب عبده ، وهو في لا ~~مكان والعبد في مكان ، والعقل هاهنا مضمحل ، والعلم متلاش ، والأفهام عاجزة ~~، والأوهام متحيرة ، والقلوب والهة ، والأرواح حائرة ، والأسرار فانية ، ~~وفي هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه عليه PageV03P359 # الصلاة والسلام ؛ إذ رآه نزله أخرى عند سدرة المنتهى ، ظن عليه ms1498 الصلاة ~~والسلام أن ما رآه في الأول لا يكون في الكون لكمال علمه بتنزيه الحق ، ~~فلما رآه ثانيا علم أنه لا يحجبه شيء من الحدثان ، وعادة الكبرياء إذا ~~زارهم أحد يأتون معه إلى باب الدار إذا كان كريما ، فهذا من الله سبحانه ~~إظهار كمال حبه لحبيبه صلى الله عليه وسلم ، وحقيقة الإشارة أنه سبحانه أراد ~~أن يعرف حبيبه مقام الالتباس ، فلبس الأمر ، وظهر المكر ، وبان الحق من ~~شجرة سدرة المنتهى كما بان من شجرة العتاب لموسى ؛ ليعرفه حبيبه عليه ~~الصلاة والسلام بكمال المعرفة ؛ إذ ليس بعارف من لم يعرف حبيبه في لباس ~~مختلفة ، وبيان ذلك. # ( إذ يغشى السدرة ما يغشى (16) ما زاغ البصر وما طغى (17) لقد ~~رأى من آيات ربه الكبرى (18) أفرأيتم اللات والعزى (19) ومناة الثالثة ~~الأخرى (20) ألكم الذكر وله الأنثى (21) تلك إذا قسمة ضيزى (22)) # قوله سبحانه : ( إذ يغشى السدرة ما يغشى ): وأبهم ما غشيه ؛ لأن ~~العقول لا تدرك حقائق يغشاها ، وكيف يغشاها والقدم منزه عن الحلول في ~~الأماكن ، كان ولا شجرة ، وكانت الشجرة مرآة لظهوره سبحانه سبحانه ، وألطف ~~ظهوره : ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ~~آمنا به ) بعد عرفانهم به ، ثم وصف حبيبه بأنه ما التفت إلى غيره من الجنان ~~والملكوت في رؤية جلاله بقوله : ( ما زاغ البصر وما طغى ): ذكر ~~هذه الآية إلى الرؤية الثانية ؛ لأن في الرؤية الأولى لم يكن شيء دون الله ~~؛ لذلك ما ذكر هناك غض البصر ، وهذا من كمال تمكين الحبيب في محل الاستقامة ~~وشوقه إلى مشاهدة ربه ؛ إذ لم يمل إلى شيء دونه ، وإن كان محل الشرف ~~والفضل. # قال الواسطي في قوله : ( أفتمارونه على ما يرى ): أفتشكون في ~~دنو مقامه منا وقربه ، ولا يشك في دنوه إلا من هو محجوب عن علو محله ~~ومرتبته. # وقال بعضهم : ما يرى منا بنا ، وما يرى منا بنا أفضل مما يراه منا به. # وقال الواسطي : إلى سدرة المنتهى يبلغ كشف الهموم إلا لرجل واحد ، وهو ~~الذي دنا فتدلى ، مر على سدرة المنتهى ، ( ما زاغ ms1499 البصر وما طغى. ) # وقال سهل في قوله : ( ما زاغ البصر وما طغى ): لم يرجع محمد ~~صلى الله عليه وسلم إلى شاهد نفسه ، ولا إلى مشاهدتها ، وإنما كان مشاهدا ~~بكليته لربه تعالى ، يشاهد ما يظهر عليه من الصفات التي أوجبت الثبوت في ~~ذلك المحل ، ثم بين الله سبحانه أراه من آياته العظام ما لا يقوم برؤيتها ~~أحد سوى المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وذلك بعد أن ألبسه قوة الجبارية ~~الملكوتية بقوله : ( لقد رأى من PageV03P360 # آيات ربه الكبرى )، وذلك بروز أنوار الصفات في الآيات ، وتلك ~~الآيات لو رآها أحد سواه لاستغرق في رؤيتها ، وكان من كمال استغراقه في بحر ~~الذات والصفات لم تكبر عليه رؤية الآيات والأفعال. # قال سهل : رأى من آيات ربه الكبرى ، فلم يذهب بذلك عن مشهوده ، لم يفارق ~~مجاورة معبوده. # وقال ابن عطاء : رأى الآيات فلم تكبر في عينه ؛ لكبر همته ، وعلو محله ، ~~ولاتصاله بالكبير المتعال. # قال جعفر : مشاهد من علامات المحبة ما كبر عن الاختيار عنها (1). # ( إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من ~~سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى (23)) # قوله تعالى : ( إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ): يا عاقل ~~احذر مما يغوي أهل العزة بالله من أشكال المخاييل التي تبدو في غواشي ~~أدمغتهم ، وهم يحسبون أنها مكاشفات الغيوب ونوادر القلوب ، ويدعون أنها ~~عالم الملكوت وأنوار الجبروت ، وما يتبعون إلا هوسات أنفسهم ومخاييل ~~شياطينهم التي تصور عندهم أشكالا وتمثالا ، ويزينونها لهم أنها الحق ، ~~والحق منزه عن الأشكال والتمثال ، إياك يا صاحبي وصحبة السالوسيين الجاهلين ~~بالحق ، الذين يدعون في زماننا بمشاهدة الله مشاهدة حق لأولياء ، وليس ~~بمكشوفه للأعداء. # قال الجنيد : رأيت سبعين عارفا قد هلكوا بالتوهم أي : توهموا أنهم عرفوه ~~، وهو قوله : # ( إن يتبعون إلا الظن. ) # وقال الشبلي : من تحقق في حقيقة الحق فهو نفس الحقيقة ؛ لأن الله يقول : ~~( إن يتبعون إلا الظن ): افهم يا صاحبي أن إشارة حقيقة هذه الآية ~~تؤول إلى الكل ؛ إذ الكل معزولون ms1500 عن إدراك حقيقة الحق ، وما أدركوا فهو ~~أقدارهم ، وجل قدر الحق عن أقدارهم وإدراكهم. # قال الله سبحانه : ( وما قدروا الله حق قدره )؛ ولذلك اجترأ ~~الواسطي في حق PageV03P361 # سلطان العارفين أبي يزيد البسطامي قدس الله روحه بقوله : كلهم ماتوا على ~~التوهم حتى أبي يزيد مات على التوهم. # ( أم للإنسن ما تمنى (24) فلله الآخرة والأولى (25) وكم من ملك ~~في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ~~(26) إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى (27) وما ~~لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا (28)) # قوله تعالى : ( أم للإنسان ما تمنى ) أي : هل للمدعي ما يتمنى ~~وهو غير عارف بنا ، وهذا زيادة في بيان جهل المتبعين ظنونهم وتمنيهم ، ~~التمني : وصف من لا يصل إليه فمن وصل إليه لم يبق له التمني ؛ فإنه تعالى ~~فوق التمني ، وفي حقيقة التوحيد أن قول الخليل والكليم والحبيب عليهم ~~الصلاة والسلام : ( أرني كيف تحي الموتى )، و ( أرني أنظر ~~إليك )، وأرنا الأشياء كما هي وقعت على صورة التمني ؛ فإنهم ما شربوا من ~~بحر الوحدانية إلا على قدر مذاق العبودية ، وكيف بلغوا إلى مناهم وأمانيهم ~~إدراك الحقيقة بالحقيقة ، وساحة الكبرياء منزهة عن درك الداركين ولحوق ~~اللاحقين ووصول الواصلين؟! # قال الحسين : الاختيار طلب الرؤية ، والتمني الخروج من العبودية ، وسبب ~~عقوبة الله عباده ظفرهم بمنيتهم. # ( فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا (29) ~~ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ~~(30) ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي ~~الذين أحسنوا بالحسنى (31) الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ~~إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون ~~أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (32) أفرأيت الذي تولى (33) ~~وأعطى قليلا وأكدى (34) أعنده علم الغيب فهو يرى (35) أم لم ينبأ بما في ~~صحف موسى (36)) # قوله ms1501 تعالى : ( فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ) أي : فأعرض عن ~~الجاهلين بنا ، والمعرضين عنا والمشغولين بغيرنا ؛ فإن علومهم الظنون ~~الكاذبة والأوهام الزائغة. # قال بعضهم : ضيع وقته من اشتغل بموعظة طالب الدنيا والراغبين فيها ؛ لأن ~~أحدا لا يقبل على الدنيا إلا بعد الإعراض عن الله ، قال الله : ( ~~فأعرض عن من تولى عن ذكرنا. ) PageV03P362 # ( وإبراهيم الذي وفى (37) ألا تزر وازرة وزر أخرى (38)) # قوله تعالى : ( وإبراهيم الذي وفى ) (1): وفى بما امتحنه ~~بكلماته التي قال الله سبحانه : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ~~فأتمهن )، وأول الكلمات الخروج مما سوى الله ، ثم الخروج من نفسه لله ، ثم ~~الصبر في امتحان الله بالله ، ثم إن شاهد الله بمراد الله حين أفرده عن ~~لباس الآيات بقوله : ( إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي )، بعد ~~أن قال : ( هذا ربي )، وهناك أعظم الامتحان ، ثم إنه ما وقف فيما ~~وجد من الحق ، ثم زاد طلبه في سيره في الحق. # قال الواسطي : خرج من نفسه فيما تحمل من محنة مشاهد المحن كلها نعمة في ~~جنبه ومشاهدته. # قال ابن عطاء : وفى أربعة أشياء : يبذل نفسه للنيران ، وقلبه للرحمن ، ~~وولده للقربان ، وماله للإخوان. # ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39) وأن سعيه سوف يرى (40) ثم ~~يجزاه الجزاء الأوفى (41) وأن إلى ربك المنتهى (42) وأنه هو أضحك وأبكى ~~(43) وأنه هو أمات وأحيا (44) وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى (45) من نطفة ~~إذا تمنى (46) وأن عليه النشأة الأخرى (47)) # قوله تعالى : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) أي : ليست الصورة ~~الإنسانية إلا ما سعت من الأعمال الزكية عن الرياء والسمعة يؤول ثوابها ~~إليها من درجات الجنان. # أما ما يتعلق بفضل الله وجوده من مشاهدته وقربته فهو الروح الروحاني الذي ~~في تلك الصورة ، وأنها إذا استوفت بمقام درجات الجنان التي جزاء أعمالها ~~تمتعت أيضا بما يجد روحه من فضل الله من كشف مشاهدته ودوام وصاله ، وأيضا ~~أي : ليس للإنسان إلا ما يليق بالإنسان من الأعمال. # وأما الفضل والمشاهدة والقربة لله يؤتيه من يشاء ، فإذا وصل إلى مشاهدة ~~الله وتمتع بها PageV03P363 # فليس ذلك ms1502 له ، إنما ذلك لله وإن كان هو متمتعا بها ، وأيضا : ليس كل عمل ~~للإنسان ؛ إنما بعضها لله مثل الصوم ، كما قال صلى الله عليه وسلم : «الصوم لي ~~وأنا أجزي به» (1)، فذلك لله لا للإنسان ، وثوابه فضل الله ، وذلك رؤيته ، ~~وهي قائمة بذاته ، وعند ذلك لا يبقى قدر سعايات أهل الكون ، وتصديق ذلك ~~قوله : ( وأن سعيه سوف يرى ) أي : سوف يعرف أن سعيه في جلال عزته ، ~~وما اختار له في الأزل من كشف جماله ليس بشيء ؛ لأن الحادث لا وزن له عند ~~القديم ، ثم زاد فضله بأن يؤتيه فوق ما كان في سعيه بقوله : ( ثم ~~يجزاه الجزاء الأوفى )، فلما خرج من هذه العلل وعن الأعمال والثواب ~~والدرجات يتباهى الكل عند بروز أنوار وجوده وجلاله بقوله : ( وأن ~~إلى ربك المنتهى )، ثم وصف نفسه بأنه أضحك وأبكى بطلوع صبح جماله العاشقين ~~، وأبكى بظهور شمس ذاته العارفين ، يبكون عليه منه بفقدان الكل ؛ لأنهم ~~يعرفونه بامتناعه عن إدراكهم وعن تقصيرهم أيضا في طلب معرفتهم بربهم وقلة ~~معرفتهم بوجود ربهم ، وذلك عند كشف المعاينة ، أضحك المستأنسين بنرجس مودته ~~وياسمين قربته وطيب شمال جماله ، وأبكى المشتاقين بظهور عظمته وجلاله ، ~~وأمات العارفين بنعت الفناء في سطوات ديموميته وظهور صدمات أنوار ذاته ، ~~وأحيى العاشقين بكشف صفاته ، فالأولون فنوا فيه ، والآخرون بقوا به ، وأيضا ~~أمات المريدين بالحجاب ، وأحيى المحبين بكشف النقاب. # قال ابن عطاء في قوله : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ): ليس له ~~من سعيه إلا ما نواه ، إن كان سعيه لرضا الرحمن فإن الله يرزقه الرضوان ، ~~وإن كان سعيه للثواب والعطاء والأعواض فله ذلك. # وقال النصرآبادي : سعي الإنسان في طريق السلوك لا في طريق التحقيق ، فإذا ~~تحقق يسعى به ولا يسعى هو بنفسه ، وأنشد : # الطرق شتى وطرق الحق منفرد %~% والسالكون طريق الحق أفراد # وقال الوراق : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) ذلك في بدايتهم ، ~~( وأن سعيه سوف يرى ) في توسط أمورهم ، ( ثم يجزاه الجزاء ~~الأوفى )، وذلك في نهايتهم ، ( وأن إلى ربك المنتهى )، وذلك عند ~~فناء العبد من إرادته ms1503 وصفاته ، ( وأنه هو أضحك وأبكى ) النشء ~~الثاني. # وقال الواسطي في قوله : ( وأن سعيه سوف يرى ): أنه لم يكن مما ~~يستجلب به شيء PageV03P364 # من الثواب. # وقال سهل : ( سوف يرى ) سعيه ، فيعلم أنه لا يصلح للحق ، ويعلم ~~ما الذي يستحق بسعيه ، وأنه لو لم يلحقه فضل ربه لهلك بسعيه. # وقال ابن عطاء في قوله : ( وأن إلى ربك المنتهى ): إذا وصل ~~العبد إلى معرفة الربوبية تنحرف عنه كل فتنة ، ولا تكون له مشيئة غير ~~اختيار الله له. # قيل للحسين : وما التوحيد؟ قال : أن تعتقد أنه فعل الكل بقوله : ( ~~ هو الأول ) عند ذلك بطلت المعلولات ، منه الابتداء ، وإليه ~~الانتهاء. # قال الله : ( وأن إلى ربك المنتهى ): ذهبت المعلولات ، وبقت ~~العلل لها. # وقال سهل : أضحك المطيع بالرضا ، وأبكى العاصي بالسخط. # وقيل : أضحك قلوب العارفين بالحكمة ، وأبكى عيونهم بالحزن والحرقة. # وقال ابن عطاء : أضحك قلوب أوليائه بأنوار معرفته ، وأبكى قلوب أعدائه ~~بظلمات سخطه. # وقال ابن عطاء في قوله : ( وأن إلى ربك المنتهى ): من كان منه ~~مبدؤه كان إليه منتهاه. # ويقال : أضحك الأرض بالنبات ، وأبكى السماء بالمطر. # وقال ابن عطاء في قوله : ( أمات وأحيا ): أمات بعدله ، وأحيى بفضله. # وقال النصرآبادي : يميت باستتار ، ويحيى بالتجلي. # وقال جعفر : أمات بالإعراض عنه ، وأحيى بالمعرفة. # وقال أيضا : أمات النفوس بالمخالفة ، وأحيى القلوب بأنوار الموافقة. # وقال الأستاذ : أمات نفوس الزاهدين بالمجاهدة ، وأحيى قلوب العارفين ~~بالمشاهدة. # ويقال : أمات بالهيبة ، وأحيى بالأنس. # [سورة النجم (53): الآيات 48 الى 62] # ( وأنه هو أغنى وأقنى (48) وأنه هو رب الشعرى (49) وأنه أهلك ~~عادا الأولى (50) وثمود فما أبقى (51) وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم ~~وأطغى (52) والمؤتفكة أهوى (53) فغشاها ما غشى (54) فبأي آلاء ربك تتمارى ~~(55) هذا نذير من النذر الأولى (56) أزفت الآزفة (57) ليس لها من دون الله ~~كاشفة (58) أفمن هذا الحديث تعجبون (59) وتضحكون ولا تبكون (60) وأنتم ~~سامدون (61) فاسجدوا لله واعبدوا (62)) PageV03P365 # قوله تعالى : ( وأنه هو أغنى وأقنى ): أغنى العارفين به ، وأقنى ~~الموحدين فيه ، وأيضا أغنى العارفين برؤية البقاء ، وأقنى الموحدين برؤية ~~القدم ؛ إذ زاد في كل لمحة الانتقال إلى وصول الحقيقة ms1504 ، ولا يدركونها ؛ ~~فتنزيه القدم يورث فقرهم أبدا. # وقال سفيان بن عيينة : أغنى وأقنى أقنع وأرضى. # قال الجنيد : أغنى قوما به ، وأفقر قوما عنه. # قوله تعالى : ( أزفت الآزفة ) (57) أي : حان وقت كشف جمال الحق ~~للمشتاقين المحبين والعارفين الموحدين ، ودنا وصاله للواصلين والأولياء ~~والمقربين ، وفي معناه أنشدوا : # دنا وصال الحبيب واقتربا %~% وأطربا للوصال وأطربا # هذه الآية بشارة للمقبلين إلى الله بوصف الشوق ، ونذارة للمدبرين عنه (1). # قال الواسطي في هذه الآية : هذه التي أوجبت الخرس عن الدعاء والثناء ~~والالتماس ، وأذهبت المطالعات والمشاهدات. # وقال ابن عطاء : قرب الأمر القريب. # قوله تعالى : ( فاسجدوا لله واعبدوا ) أي : إذا قرب أيام الوصال ~~فاشتاقوا ، وسارعوا في بذل الوجود ووضع الخدود على التراب ، واعبدوا رب ~~الأرباب لوجود كشف النقاب ، والله أعلم بالصواب. ### | سورة القمر # بسم الله الرحمن الرحيم # ( اقتربت الساعة وانشق القمر (1)) # قوله تعالى : ( اقتربت الساعة وانشق القمر ): علم الله سبحانه ~~انتظار أرواح الأنبياء والمرسلين وملائكته المقربين والأولياء والعارفين من ~~آدم عليه الصلاة والسلام وجميع أولاده الصالحين ، كشف رؤية الحق ، وقرب ~~وصاله والدخول في جواره ، فبشرهم الله أنها مقرونة بقدوم محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، فلما خرج بالنبوة ورسالة الله شك فيها المشركون ، فأراهم ~~الله صدق وعده ، وأنه من أعظم آياته بانشقاق القمر ؛ حتى يعرفوا أنه بريد ~~الله إلى العالمين ، يخبرهم بإتيان PageV03P366 # الساعة التي فيها كشوف العجائب وظهور الغرائب من آيات الله وصفاته وذاته. # قال عبد العزيز المكي : الاقتراب يدل على معنى الأكثر ، ويمضي الأكثر عن قريب. # ( وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر (2) وكذبوا واتبعوا ~~أهواءهم وكل أمر مستقر (3) ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر (4)) # قوله تعالى : ( وكل أمر مستقر ): كل أمر خرج من إخبار الله ~~عباده فذلك مستقر ثابت في مستقر مشيئته وإرادته الأزلية إلى وقوعه في ~~مواضعه ، لا يتغير عن مراد الله ، ولا يغيره أحد دون الله. # قال القاسم : كل أمر من أموري أمضيته على خلقي استقر قراره لا يزول أبدا ~~لا يقايضني أحد بخلاف ، ولا يدافع أمري بجهد ، وذلك استقرار أموري قرارها ~~وثبوت قسمي ms1505 لهم. # ( حكمة بالغة فما تغن النذر (5) فتول عنهم يوم يدع الداع إلى ~~شيء نكر (6) خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر (7) مهطعين ~~إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر (8) كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا ~~وقالوا مجنون وازدجر (9)) # قوله تعالى : ( حكمة بالغة ) أي : الكاملة الجامعة لكل حكمة ~~الحكماء وحقيقة علوم العلماء ؛ لأنها حكمة أزلية ، إذا انكشفت لعارف يراها ~~على كمال النهايات في وضوح بينات الحقائق ، فغرق من بحارها نوادر الحقائق ، ~~وغرائب الدقائق وهي لا تنتهي أبدا. # قال أبو يزيد : كل آية تمر بالعارف له في ذلك حكمة ، وأكبر آية له في ~~الحكمة البالغة ؛ لأنها ثابتة في حدود المعرفة بالغة منتهاها. # ( فدعا ربه أني مغلوب فانتصر (10)) # قوله تعالى : ( فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ): لو شاهد ~~عليه السلام ما وعد الله في أوائل حاله من النصر والظفر بالحقيقة لسكن في ~~ورود الامتحان عليه ، هذا لوط عليه السلام إذ احتجب بالامتحان عن شهود ~~مشاهدته الرحمن ( قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد )، ~~وأي قوة أقوى من قوة الله ، وأي ركن أشد من الله ، لكن حكمته فرار نوح من ~~الله إلى الله ، وذلك معادن الأمن والانبساط والحقيقة والافتقار ، والأول ~~منزل التوحيد ؛ إذ أفنى عن الدعاء صدق هو مغلوب الله ، ومن صبر بالله هناك ~~هو غالب على ما دون الله. # قال بعضهم : لولا ما أجرى الله على لسان الوسائط لتأديب العبد لضلوا ممن ~~ينتصر بي PageV03P367 # منك أين الغالب وأين المغلوب ، إذا كان الحق صرفا ينطق ويسكت معناه أني ~~مغلوب فانتصر الله غالبه وهازمه. # ( ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) وفجرنا الأرض عيونا ~~فالتقى الماء على أمر قد قدر (12) وحملناه على ذات ألواح ودسر (13) تجري ~~بأعيننا جزاء لمن كان كفر (14) ولقد تركناها آية فهل من مدكر (15) فكيف كان ~~عذابي ونذر (16)) # قوله تعالى : ( ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) وفجرنا ~~الأرض ): كما أنزل الله الماء من سماء الظاء الظاهرة ونبع من الأرض ~~الظاهرة فتح سماء الغيب على قلوب العارفين بمياه الكواشف والمعارف ، وفتح ~~عيون ms1506 قلوبهم بمياه الحكمة والمحبة ، فإذا وصل مياه المشاهدة إلى مياه ~~المحبة استغرق فيها جنود النفس والهوى ، ولا يبقى أثرها ، فإذا أزاد الكشف ~~والعيان وامتلأ بحر العيان يستشرف الأرواح على الفناء فيها ، فيدخلها الله ~~في سنن العصمة ، ويجريها بشمال العناية ، وذلك قوله : ( وحملناه ~~على ذات ألواح ودسر ): ألواح العناية ودسر الكفاية ، وتجري بعين الكلاءة ~~في بحار الأزلية والأبدية بقوله : ( تجري بأعيننا ) (1) أي : تجري ~~بعيون عنايتنا على عيون بحر الذات والصفات ، يحفظها بي عني ، حتى تستمع ~~بمشاهدتي بي ، ولا ينقطع عني بي ، وهذا بيان محل الفناء والبقاء ، وافهم أن ~~الأنبياء والأولياء سفن عنايته يتخلص العباد لهم عن الاستغراق في بحار ~~الضلالة وظلمات الشقاوة ؛ لأنهم محفوظون بحسن عنايته ، وزين كلاءته ، ومن ~~استن بسنتهم نجا من الطغيان والنيران ، ودخل في جوار الرحمن. # قال ابن عطاء : عيون الله في أرض إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم وسلامه عليهم أجمعين ، وهي تجري لهم وليس بينهما واسطة ؛ ~~إذ كانوا به ، وكانوا له وعنه وفيه ومنه ، وهم يشهدون فعل ذاته ، وهو يجري ~~بهم ، تجري بأعيننا التنقل في الدرجات والمقامات والكرامات وفي المواجيد ~~وفي الأسرار يلقون فيها تحية وسلاما. # ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (17) كذبت عاد فكيف كان ~~عذابي ونذر (18) إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر (19) تنزع ~~الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر (20) فكيف كان عذابي ونذر (21) ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر فهل من مدكر (22) كذبت ثمود بالنذر (23) فقالوا أبشرا منا ~~واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر PageV03P368 # (24) أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر (25) سيعلمون ~~غدا من الكذاب الأشر (26) إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر (27) ~~ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر (28) فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر ~~(29) فكيف كان عذابي ونذر (30) إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم ~~المحتظر (31) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (32) كذبت قوم لوط ~~بالنذر (33) إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر (34) نعمة من ~~عندنا كذلك نجزي من شكر (35) ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا ms1507 بالنذر (36) ولقد ~~راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر (37) ولقد صبحهم بكرة عذاب ~~مستقر (38) فذوقوا عذابي ونذر (39) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ~~(40) ولقد جاء آل فرعون النذر (41) كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز ~~مقتدر (42) أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر (43) أم يقولون ~~نحن جميع منتصر (44) سيهزم الجمع ويولون الدبر (45) بل الساعة موعدهم ~~والساعة أدهى وأمر (46) إن المجرمين في ضلال وسعر (47) يوم يسحبون في النار ~~على وجوههم ذوقوا مس سقر (48)) # قوله : ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) أي : ذاكر به ~~جلاله وجماله وقربه وصاله ودارك حقائقه ، كأنه استبعد كيف يدرك الحدثان ~~حقائق صفات الرحمن. # قال الواسطي : يسر القرآن لمن ذكره وعلم روحه قبله. # ( فهل من مدكر ) أي : هل من ذاكر لما جرى منه إليه. # ( إنا كل شيء خلقناه بقدر (49)) # قوله تعالى : ( إنا كل شيء خلقناه بقدر ): أعلم الحق سبحانه أهل ~~معرفته به أنه كان عالما بالعلم القديم ، ومريدا بالإرادة الأزلية ، قدر ~~المقادير بعلمه لا بفعله وبإرادته لا بتخلقه ، ولم يزل عالما بذلك ، مريدا ~~لذلك ، فسر القدر نعته الأزلي ووصفه الأبدي ، فأوجد الموجودات بما سبق ~~القدر منه في الأزل ، ولا يتغير أبدا مما قدر وقضى ولو خرج المقدر بلباس ~~المحو والإثبات لا تبديل له من سبق تقدير الأول. # قال الله تعالى : ( لا تبديل لخلق الله )، و ( لا مبدل ~~لكلماته )، فمقتضى الخطاب الرضا والتفويض والتوكل والتسليم ؛ حتى تنكشف ~~أنوار السوابق له ، فيصير مشاهدا لما سبق ، مكاشفا لما طرق. PageV03P369 # قال القاسم : دخل في هذا المعنى نفوس الخلق وآثارهم وأعمالهم وخطرات ~~قلوبهم وأنفاسهم في أوقاتهم وأخلاقهم المحمودة والمذمومة وآجالهم ومعايشهم ~~؛ إظهارا لما سبق فهم من العلم وإيجاد القدرة أنه ضبط كل شيء بتقديره ، لا ~~انفكاك لأحد من ذلك تقديرا من العزيز العليم ، وقهر جميع الأشياء بإجراء ~~إرادته عليهم وتيسيرهم على ما قدر عليهم ولهم. # ( وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر (50) ولقد أهلكنا أشياعكم ~~فهل من مدكر (51)) # قوله تعالى : ( وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ): في هذه ~~الآية بيان ms1508 ثلاث مراتب : مرتبة سر علم القدر القديم الذي كان موصوفا به ، ~~وذلك العلم ، وسر القدر مشيئته ؛ إذ عينهما واحد ، ومن بطنان أزال الآزال ، ~~سار سر القدر إلى المرتبة الثانية ، وهي الأمر وحقيقة الأمر قبل ظهوره في ~~الفعل ، فبلغنا إلى المرتبة الثالثة ، وهي الفعل ، فلما وصل القدر والأمر ~~إلى الفعل ظهرت المقدرات من العدم بها بأقل لمحة أي : سيران علم سر القدر ~~من بطون أزل الأزل إلى عالم الأمر والفعل أقل من لمحة على تقديركم إذا ~~استحال الزمان في مشيئة الرحمن لا يكون إلا الإرادة والعلم والأمر ، وأنها ~~خارجة من علل الزمان ، هو ظهور القدم للعدم ، فإذا ظهر القدم للعدم صار ~~المقدر مكونا كينونيته بالله ، فخرج على نعت صورة العلم والتقدير ، كأنه مع ~~التقدير من حيث العلم لا من حيث الوجود ، فأمره علمه إرادته ، فإذا أراد ما ~~علم من نفسه تجلى من الإرادة للعلم ، ومن العلم للإرادة ، ومن الإرادة ~~والعلم للتقدير والحكمة ، فصار ذلك عين التوحيد ، فإذا تجلها بجميعها للأمر ~~يكون الأمر عين الجمع ، وعين الجمع محل الالتباس وأهل الرسوم ، سموا ذلك ~~الخلق والفعل ، وتسمى ذلك الأول ظهور القدم للقدم ، وهو عين العين ، ويسمى ~~الثاني ظهور الصفة في الفعل والأمر ، وهو عين الجمع. # وقال الحسين : الأمر عين الجمع ، والإرادة عين العلم ، ثم بين أن أفعال ~~العباد جرت على سابق تقدير لا ومشيئته مسطورة في ألواح علمه ، وزبر تقديره ~~وحذرهم بها حتى يرقبوا انفتاح مصادر أسراره ، ويروا لطائف أنواره ، ويعرفوه ~~بآياته وصفاته ، ويخافوا من قهره وجبروته. # ( وكل شيء فعلوه في الزبر (52) وكل صغير وكبير مستطر (53)) # وقال الله تعالى : ( وكل شيء فعلوه في الزبر. ) # قال يحيى بن معاذ : من علم أن أفعاله تعرض عليه في مشهد الصدق فإنه محاسب ~~عليها لاجتهد في إصلاح أفعاله وإخلاص أعماله ، ولزم الاستغفار على ما سلف ~~من إفراط. # ( إن المتقين في جنات ونهر (54) في مقعد صدق عند مليك مقتدر (55)) PageV03P370 # قوله : ( إن المتقين في جنات ونهر (54) في مقعد صدق عند مليك ~~مقتدر ) (55): وصف الله سبحانه منازل المتقين الذين أقبلوا ms1509 على الله بنعت ~~المعرفة والمحبة ، وخرجوا مما دونه من البرية ، وتلك المنازل عالم ~~بالمشاهدة ومقامات العندية جنانها رفارف الإنسان ، وأنهارها أنوار القدس ، ~~أجلسهم الله في بساط الزلفى المداناة التي لا يتغير صاحبها بعلة القهر ، ~~ولا يزول عنها السر والحجاب ؛ لذلك سماه مقعد صدق أي : محل كرامة دائمة ~~وقربة قائمة ومواصلة سرمدية. # قال جعفر : مدح المكان بالصدق ، فلا تقعد فيه إلا أهل الصدق ، وهو المقعد ~~الذي يصدق الله فيه مواعيد أوليائه بأن يبيح لهم النظر إلى وجهه الكريم. # وقال الواسطي : أهل الصفوة والمتحققون في أنوار المعارف الذين لا يحجبهم ~~الجنة لا النعيم ولأثنى عنه أولئك ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) ~~، يا أخي هؤلاء غرباء الله في الدنيا والآخرة ، أدخلهم الله في أغرب منازل ~~، وهو مقام مجالسة الحق معهم ؛ حيث لا يطلع عليهم إلا أهل الصدق في عشقه ~~وأهل الشوق في طلبه وأهل المعرفة به ، والله بذلك مقتدر قادر ؛ لذلك قال ~~عند مليك مقتدر وأظن أنهم فقراء المعرفة الذين وصفهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حيث قال : «الفقراء جلساء الله» (1). # سئل أبو يزيد عن الغريب؟ قال : الغريب من إذا طالبه الحق في الدنيا لم ~~يجده ، ولو طالبه مالك في النار لم يجده ، ولو طلبه رضوان في الجنة لم ~~يجده. فقيل : فأين يكون يا أبا زيد؟ فقال : ( إن المتقين في جنات ~~ونهر (54) في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) (55). ### | سورة الرحمن # بسم الله الرحمن الرحيم # ( الرحمن (1) علم القرآن (2) خلق الإنسان (3) علمه البيان (4) ~~الشمس والقمر بحسبان (5) والنجم والشجر يسجدان (6)) # ( الرحمن (1) علم القرآن ): بين هاهنا فضل محمد صلى الله عليه وسلم ~~على آدم عليه الصلاة والسلام ؛ حيث علم آدم أسماءه ، وعلم محمدا ~~صلى الله عليه وسلم صفاته ، إذ الصفات لا تخلو من الأسماء ، والأسماء تنبئ عن ~~الصفات والذات ، وفيه بيان أنه بذاته سبحانه خاطبه بالقرآن شفاها عند PageV03P371 # كشف لقائه له كفاحا ، وليس من يعلم منه بلا واسطة كمن تعلم بواسطة ، فإذا ~~أراد تعليم أرواح الأنبياء والأولياء حين أوجدها ألبسها نورا من نوره ، ~~وبصرا من ms1510 أبصاره ، وسمعا من أسماعه ، وعقلا من علمه ، ثم علمها صفاته بما ~~خاطبها من كلامه الأزلي ؛ حيث لا وسائل ولا وسائط ، وليس من علمه الحق برسم ~~الأرواح كمن علمه المعلمون برسم الأشباح ، لا هناك علمهم بلا آلة الحدثية ~~ولا علة المخلوقية ، بل كان خطابا بنعت ظهور الصفة ، وسماعا بلا واسطة ، ~~فهموا من كلامه ما استتر من حقائقه على فهوم أهل الرسوم من العلماء. # قال بعضهم : علم آدم الأسماء ، ثم عرضهم على الملائكة ، وعلم محمدا ~~صلى الله عليه وسلم القرآن ، وعرضه على نفسه ، فقال : فيم يختصم الملأ الأعلى؟ # وقال بعضهم : علم الروح القرآن قبل الجسد ، فالأجساد أخذت القرآن ، ~~وتعلمته تبعا للأرواح. # قال الواسطي : أورثهم تعليم الحق إياهم الاصطفائية ، وهو أنه لما كان ~~الحق يعلمهم أخبر عنهم ، فقال : ( أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من ~~عبادنا )، أي : وأورثنا القرآن من خصصناهم بتعليمنا ، ومن ذلك قوله : ( ~~ ولقد كرمنا بني آدم )، بأن تولى الحق تعليمهم. # وقال أيضا : ذكر بلفظ الماضي عناية ورعاية. # قال ابن عطاء : لما قال الله تعالى : ( وعلم آدم الأسماء كلها : ~~) أراد أن يخص أمة محمد صلى الله عليه وسلم بخاصية مثله ، فقال : ( ~~الرحمن (1) علم القرآن ) أي : الذي علم آدم الأسماء ، وفضله بها على ~~الملائكة هو الذي علمكم القرآن ، وفضلكم به على سائر الأمم ، فقيل له : متى ~~علمهم حقيقة في الأزل ، وأظهر لهم تعلمه وقت الإيجاد ، فالتعليم حيث كان في ~~جملة العلم فلما كشف العلم عن الإيجاد أظهر عليهم آثار التعليم. # قال الحسين : ( الرحمن ) من علم الأرواح القرآن شفاها ومخاطبة ، ~~فأخذتها الأنفس ، وتعلمتها بتلقين الوسائط. # قوله تعالى : ( خلق الإنسان (3) علمه البيان ) (4) أي : خلق آدم ~~بظهور الصفة والذات له ، وإلباسه إياه علم الربوبية ، ومعرفة أسرار ~~الإفعالية ، وعلمه أسماءه الحسنى التي هي مفاتيح جميع صفاته ، وذلك قوله : ~~( خلقت بيدي ، ونفخت فيه من روحي ، ) وقوله : ( خلق ~~الإنسان (3) علمه البيان : ) علمه بيان خطابه ، وكاشف له لطائف أسراره ، ~~وعرفه بطون علم أفعاله ، وأعطاه العقل القدسي الذي يرى الأشياء كما هي ~~بنوره وبرهانه ، و «علم البيان» أي : فصل الخطاب ، وانتظام الكلام ms1511 ، وفصاحة ~~اللسان في تأويل القرآن وسنة PageV03P372 # رسول الرحمن. # قال الجنيد : خص آدم بأن خلقه بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له ~~ملائكته هو تخصيص الخلافة. # وقال سهل في قوله : ( علمه البيان ) (4) أي : الكلام الذي هو ذهن ~~الخلق ، ونفس الروح ، وفهم العقل ، وفطنة القلب ، وعلم نفس الطبع. # وقال الجنيد : خلق الإنسان جاهلا به ، فعلمه السبيل إليه (1). # ( والسماء رفعها ووضع الميزان (7) ألا تطغوا في الميزان (8) ~~وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان (9)) # قوله تعالى : ( والسماء رفعها ووضع الميزان ) (7): رفع سماء ~~المعرفة والتوحيد بحيث لا يلحقها إلا أهل الاصطفائية بالولاية في الأزل ، ~~ولا ينالها كل مدع كذاب ، ووضع ميزان الصدق والإخلاص ؛ ليزن به العبودية في ~~بساط الربوبية. # قال سبحانه : ( وأقيموا الوزن بالقسط ): أقيموا العبودية بميزان ~~العبودية ، ولا تزنوا بميزان الربوبية ؛ فإن الحادث لا يلحق إلى القديم ، ~~فإذا لا تخرجوا من رق العبودية إلى دعوى الأنانية ، وزنوا أنفاسكم ، ~~وخواطركم ، ومقاماتكم ، وأحوالكم بموازين الشريعة والإخلاص في الطريقة. # قال ابن عطاء : أظهر الوحدانية بصدق الظاهر ، وصفاء الباطن ، وحقيقة السر ~~، واستقامة العزيمة. # وقال : كن لي صرفا أكن لك حقا. # ( والأرض وضعها للأنام (10) فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام (11) ~~والحب ذو العصف والريحان (12) فبأي آلاء ربكما تكذبان (13) خلق الإنسان من ~~صلصال كالفخار (14) وخلق الجان من مارج من نار (15) فبأي آلاء ربكما تكذبان (16)) # قوله تعالى : ( والأرض وضعها للأنام (10) فيها فاكهة والنخل ): ~~مهد قلوب أوليائه ، وأحبائه ، وعرفانه ؛ ليصل منها بركته وآثار جماله إلى ~~جميع الخلائق ، وهي بساتين أنسه ، ورياض قدسه ، وفواكه معرفته ، وأشجار ~~محبته ، وأزهار حكمته التي هي قوت أرواح PageV03P373 # المريدين ، وأسرار المتعبدين ، سقاها الله من بحار جماله ، وأنهار جلاله ~~، وحرسها بعيون كلاءته ، وأعوان عنايته. # قال جعفر : جعل الخلق قلوب أوليائه رياض أنسه ؛ فغرس فيها أشجار المعرفة ~~، فأصولها ثابتة في أسرارهم ، وفروعها قائمة بالحضرة في المشهد ، فهم يجنون ~~منها ثمار الأنس في كل أوان ، وهو قوله : ( فيها فاكهة والنخل ذات ~~الأكمام ) أي : ذات الألوان ، كل يجتبي منها لونا على قدر سعيه ، وما كوشف ~~له من بوادر المعرفة ، وآثار الولاية. # ( رب المشرقين ورب ms1512 المغربين (17)) # قوله تعالى : ( رب المشرقين ورب المغربين ): مشرقه أزله ، ~~ومغربه أبده ، ومشرقه ذاته ، ومغربه صفاته ، وأيضا مشرقه فعله ، ومغربه ~~أمره ، وأيضا المشرقان السر والروح ، والمغربان القلب والعقل ، تطلع منها ~~شموس الذات ، وأقمار الصفات إلى عالم العقول والقلوب ، فإذا ذهب أوان ~~التجلي استترت تلك الشموس والأقمار من العقول والقلوب ، فصارت القلوب ~~والعقول مغاربها ، والأسرار والأرواح مشارقها ، وأيضا المشرقان هما الذات ~~والصفات ، والمغربان الأمر والأفعال ، وأيضا المشرقان النعوت والأسامي ، ~~والمغربان الذات والصفات ، له سبحانه في كل ذرة آثار هذه المشارق والمغارب. # قال سهل : مشرق القلب ومغربه ، ومشرق اللسان ومغربه. # وقال بعضهم : مشرقه توحيده ، ومغربه مشاهدته. # ( فبأي آلاء ربكما تكذبان (18) مرج البحرين يلتقيان (19) بينهما ~~برزخ لا يبغيان (20) فبأي آلاء ربكما تكذبان (21)) # قوله تعالى : ( مرج البحرين يلتقيان ) (1): إشارة الحقيقة ~~بالبحرين : بحر مشاهدة تجلي القدم ، وبحر الروح يكشف له بحر جماله وجلاله ، ~~ويقرب منه بحيث لا تدري الروح PageV03P374 # العاشق العارف أين هو؟ فترى الحق ، ويفنى هو في الحق ، ومن ذلك القرب ~~والدنو عبر الحق بقوله : ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد )، ولكن ~~بين البحرين حاجز امتناع عزة وحدانيته بحيث لا يختلط القدم بالحدث ؛ لأنه ~~منزه عن الحلول في الأماكن ، والاستقرار في المواطن ، وذلك قوله : ( ~~ بينهما برزخ لا يبغيان ) أي : برزخ أعظم من تنزيه قدمه من تناول ~~الحدث ، ومع الحدث برزخ الحدوثية ، يحتجب به عن الوصول إلى حقيقة ذاته ، ~~وعيون صفاته ، بل يستمتع بالنظر إلى جماله ، وكشف تجلي جلاله ، بحر القدم ~~عذب من حيث القدس ، وبحر الحدث ملح من حيث علل الحدوثية ، فلما تمرح بها ~~جلاله بنعت التجلي صارت عذبا فراتا ، من حسن مجاورتها : # تكون أجاجا دونكم ، فإذا انتهى %~% إليكم تلقى طيبكم ، فيطيب وما ذاك إلا حين خبرت أنه %~% يمر بواد أنت منه قريب # وتصديق هذه المعاني تجليه لجبل الطور ، ومن الشجرة لموسى ، وهناك مقام ~~عين الجمع ، انظر إلى البحرين : بحر الحدث ، وبحر القدم كيف لا يخلتطان! ~~والحدثان بأسرهما من العرش إلى الثرى كقطرة فانية في قلزم بحار أزليته ، ~~وديمومته يخرج من بحر جلاله جواهر العلوم ms1513 اللدنية ، وأسرار الحكمية للعقل ~~والقلب ، وتخرج من بحر الروح جواهر المعرفة ولآلئ المحبة ، وإن كان الكل من ~~بحره خرج ؛ لأن بحره موجد البحار ، وما يخرج من بحر وجوده يكون قديما مثل ~~القرآن ، والأسماء ، والنعوت ، وما يخرج من بحر الروح المالحة بعلة الحدوث ~~، وما يتعلق بالحدوثية من العلم والمعرفة والفطنة. # ( يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (22) فبأي آلاء ربكما تكذبان (23) ~~وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام (24) فبأي آلاء ربكما تكذبان (25)) # قال الله : ( يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ) (22): وأيضا إذا ~~نزلنا من هذا المقام بحر أذيان المعاني إلى عالم الأماني ، فنقول بالبحرين ~~: بحر القلب والنفس في القلب بحر الأخلاق المحمودة ، والمقامات العلية ~~الشريفة ، ولطائفات المعرفة ، والمحبة ، والنفس بحر الأخلاق المذمومة من ~~الظلم ، والضلالة منبع بحر القلب من عالم لطفه ، ومنبع بحر النفس من عالم ~~قهره ، وهما لا يختلطان أحدهما بالآخر ؛ إذ لا تصير النفس قلبا ، ولا يصير ~~القلب نفسا ؛ لأن بينهم برزخ العقل والعلم والشريعة والطريقة ، ولؤلؤهما ~~ومرجانهما هاهنا الإيمان والإتقان والصفاء والنور والطمأنينة ، فهذه ~~الجواهر تخرج من بحر القلب ، فإذا صارت النفس مطمئنة فأيضا جواهر بحرها من ~~أضعاف بحر العلوم المجهول ، وهي مواضع الأسرار. # قال سهل بن عبد الله : أحد البحرين القلب ، فيه أنواع الجواهر ، فيه جوهر ~~الإيمان ، PageV03P375 # وجوهر المعرفة ، وجوهر التوحيد ، والبحر الآخر النفس ، فيها صفوف الرذائل ~~، فيها الحقد الحسد ، والكبر ، والبخل ، والغضب ، ( بينهما برزخ لا ~~يبغيان ) (1) التوفيق ، والعصمة والخذلان ، والنقمة. # وقال ابن عطاء : بين العبد وبين الرب بحران عميقان أحدهما : «بحر النجاة» ~~، وهو القرآن من تعلق به نجا ؛ لأن الله تعالى يقول : ( واعتصموا ~~بحبل الله جميعا )، و «بحر الهلاك» : وهو الدنيا من ركن إليها هلك. # وقال الأستاذ : خلق في القلوب بحرين : «بحر الخوف» ، و «بحر الرجاء». # ويقال : القبض والبسط. # ويقال : الهيبة والأنس. # فتخرج منها الجواهر من الأحوال الصافية ، واللطائف المواتية. # ويقال في الإشارة : البحران النفس والقلب ، فالبحر العذب القلب ، والمالح ~~النفس ، ومن بحر القلب كل جوهر ثمين ، وكل حالة لطيفة ، ومن النفس كل خلق ~~ذميم ؛ فالدر من أحد البحرين يخرج ، ومن الثاني ms1514 لا يكون إلا التمساح ، وما ~~لا قدر له من سواكن النفس ، بينهما برزخ لا يبغيان يصون الحق هذا من هذا ، ~~ولا يبغي هذا على هذا. # ( كل من عليها فان (26) ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام (27) ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان (28)) # قوله تعالى : ( كل من عليها فان ) (26): لو نظرت بنظر التحقيق ~~في الكون وأهله ، لرأيت حقيقة فنائه وفناء أهله ، وإن كان في الظاهر على ~~رسم الوجود ؛ لأن من يكون قيامه بغيره فهو فان في الحقيقة ؛ إذ لا يقوم ~~بنفسه ، وكيف الحدث يقوم بنفس ولا نفس له في الحقيقة؟! فإن الوجود الحقيقي ~~وجود القدم ، لذلك أثنى على نفسه بقوله تعالى : # ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) (27): وحقيقة البقاء لمن ~~لا يزال باقيا قديما ، ومن كان أوله عدما وآخره عدما وجوده بخلاف من كان ~~أوله قدما وآخره بقاء ، فإذا شاهدت مشاهدة الحق ترى الحق قائما بنفسه ، ~~وترى الأشياء قائمة به ، فقد علمت هناك حقيقة الفناء والبقاء ، وحقيقة ~~الوجود والعدم. PageV03P376 # عرف الله سبحانه قدمه وبقائه خلقه بفناء الدنيا وأهلها ؛ ليتحققوا في ~~معرفته ؛ لأن من دخل في البقاء بغير دخوله في الفناء لم يعرف حقيقة البقاء. # سئل الجنيد عن قوله : ( كل من عليها فان ) قال : من كان بين طرفي ~~فناء فهو فان ، وذكره جلاله ووجهه الباقي تسلية لقلوب المشتاقين ، وترويحا ~~لفؤاد الموحدين والعارفين ، أي : أنا أبقى لكم أبدا لا تغتموا ، فإن لكم ما ~~وجدتم في الدنيا من كشف جمالي ، ويتسرمد ذلك لكم بلا حجاب أبدا ، أيها ~~العاشقون استبشروا ببقائي ، وافرحوا بلقائي ، وفيه دقيقة وإشارة إلى حبيبه ~~أي : كلهم استمتعوا بتجلياتي ، وكشف الوجه باق لك أبدا ، رأيت وجهي خاصة لك ~~، ثم العشاق أتباعك في النظر إلى وجهي ، فأول الكشف لك ثم للعموم ، فذكر ~~الوجه خاصة وهو صفة خاصة لأهل الخصوص ، وإن كان وجود القدم جميعه وجها ألا ~~ترى كيف قال عليه الصلاة والسلام : «إن الله تعالى يتجلى لأبي بكر خاصة ، ~~ويتجلى للمؤمنين عامة» (1)، وذكر الجلال تهيج لأهل المحبة والهيمة. # قال الواسطي : الذي أخفى من شاهده للخاصة لا ms1515 يظهره للعوام ، فسئل : أفرق ~~بين الدارين؟ قال : نعم ، أعطاهم في الدنيا على السرائر ، وأعطاهم في ~~الآخرة على الظواهر ، استتر في الدنيا بما أظهر من عجائبه ، واستتر في ~~الآخرة بما أظهر على أقدارهم ، وهو الذي لا يطيقه الخلق إلا على من تولاه ~~بإسبال تغييبه عن شاهده ، نظرت يا فهم في مقام التوحيد إلى تلاشي الكون في ~~ظهور جلال وجهه تعالى ، ورأيت فناءه في بقائه حين ظهر ؛ وذلك لغلبة سلطان ~~إشراق نور القدم على وجود الحدث ، وذلك حين غاب العارف في المعروف ، ولا ~~يدري أين هو؟ إذ لا أين ، ولا هو إلا هو. # ( يسئله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن (29) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (30) سنفرغ لكم أيه الثقلان (31) فبأي آلاء ربكما تكذبان (32) ~~يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض ~~فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان (33) فبأي آلاء ربكما تكذبان (34) يرسل ~~عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران (35) فبأي آلاء ربكما تكذبان (36) ~~فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان (37) فبأي آلاء ربكما تكذبان (38) ~~فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان (39) فبأي آلاء ربكما تكذبان (40) يعرف ~~المجرمون بسيماهم PageV03P377 # فيؤخذ بالنواصي والأقدام (41) فبأي آلاء ربكما تكذبان (42) هذه ~~جهنم التي يكذب بها المجرمون (43) يطوفون بينها وبين حميم آن (44) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (45)) # قوله تعالى : ( يسئله من في السماوات والأرض ): يسأله من في ~~السماوات من الملائكة كلهم على قدر مقاماتهم ، يسأله الخائف النجاة من ~~البعد والحجاب ، ويسأله الراجي الوصول إلى محل الفرج ، ويسأل المطيع قوة ~~عبادته ، ويسأل المحب أن يصل إليه ، ويسأل المشتاق أن يراه ، ويسأل العاشق ~~أن يقرب منه ، ويسأل العارف أن يعرفه ، ويسأل الموحد أن يفنى فيه ، وهكذا ~~أهل الأرض ، يسأل الجاهل ما يحتجب به عنه ، ويسأل العالم ما يعرف به ربه ، ~~وكذلك الأنبياء والأولياء والأصفياء والأبدال ، يسألون منه على قدر مراتبهم ~~ودرجاتهم معرفته ، ووصاله ، والتخلص بوقاية عظمته من قهره ، يسأل العارف ~~الرعاية ، ويسأل المحب الكفاية ، ويسأل العاشق المشاهدة ، ويسأل الموحد ~~النهاية ، وهو تعالى يكون من حيث مراد ms1516 الجميع ، يعطي الكل مأمولهم ، ويزيد ~~من فضله ، ( كل يوم هو في شأن ) (29): مزيد قرب المقربين ، ووصل ~~الواصلين ، وكشف اللقاء للمشتاقين ، وظهوره في كل ذرة للشائقين ، يظهر في ~~كل لحظة من أنوار عجائب ربوبيته للمستأنسين ، وتلك العجائب بما لم ترها ~~العيون ، ولم تدركه العقول ، ولم تعلمه القلوب ، ولم يلحقه الأرواح ، ولم ~~تناولها الأشباح ، ولم تشاهده الأسرار ، وليس لها نهاية ، يبرز كل يوم ~~وساعة أنوار عجائب ملكه وملكوته على قدر قوة إدراك المدركين ، وأفهام ~~العلماء والعارفين ، وما كان في سوابق علمه في أزل أزله ، بشوق أسرارها ~~ومقاديرها ، بسوط القدر إلى مجاريها ومواردها ، ولا تظن أن أحدا يصل إلى ~~شأنه ، فإن شأنه أعظم من أن يدركه أحد من خلقه. قال الواسطي : من سأل الله ~~أعطاه سؤله على قدره ، ومن ابتدأه بالعطاء ابتدأ بما يليق بفضله وجوده ~~وكرمه ، قال الله : ( حبب إليكم الإيمان )، وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : «يقول الله تعالى : أعطيتكم قبل أن تسألوني ، واستجبت ~~لكم قبل أن تدعوني» (1). # قال أبو سليمان الداراني : كل يوم له إلى عبيده بر جديد. # وقال أيضا : هو إيصال نعمه إليك ، ودفع الضر عنك ، فلا تغفل عن طاعة من ~~لا يغفل عن برك. # قال الواسطي : يغيب ظاهر ، وإظهار غائب. # وقال بعضهم : سوق المقادير إلى أوقاتها. PageV03P378 # ( ولمن خاف مقام ربه جنتان (46) فبأي آلاء ربكما تكذبان (47) ~~ذواتا أفنان (48) فبأي آلاء ربكما تكذبان (49) فيهما عينان تجريان (50) ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان (51) فيهما من كل فاكهة زوجان (52) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (53) متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان (54) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (55) فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ~~(56) فبأي آلاء ربكما تكذبان (57) كأنهن الياقوت والمرجان (58) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (59)) # قوله تعالى : ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) أي : من خاف وهاب ~~مقامه في مقام العتاب ، وتغيير رب الأرباب له ، وإسبال النقاب ، وصرفه عن ~~المآب ، وحيائه بنعت الإجلال عند الخطاب ، فترك حظوظه ، وأقبل عليه بنعت ~~الخجل والتشويش ، والندم عن تضييع أوقاته جنتان : جنة المشاهدة ، وجنة ~~المواصلة ، جنة المحبة ، وجنة ms1517 المكاشفة ، جنة المعرفة ، وجنة التوحيد ، جنة ~~المقامات ، وجنة الحالات ، جنة القلب ، وجنة الروح ، جنة الكرامات ، وجنة ~~المداناة. # قال بعضهم : هو المقام الذي يقوم بين يدي ربه يوم القيامة عند كشف الستور ~~، وظهور حقائق الأمور ، وسكوت الكل من الأنبياء والأولياء بظهور القدرة ~~والجبروت. # ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان (60) فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~(61) ومن دونهما جنتان (62) فبأي آلاء ربكما تكذبان (63) مدهامتان (64) ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان (65) فيهما عينان نضاختان (66) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (67) فيهما فاكهة ونخل ورمان (68) فبأي آلاء ربكما تكذبان (69) فيهن ~~خيرات حسان (70) فبأي آلاء ربكما تكذبان (71)) # قوله : ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) (60) أي : هل جزاء شوق ~~الشائقين إلا لقاء رب العالمين ، وهل جزاء الخوف منه إلا الأمن به ، وهل ~~جزاء الحزن إلا الفرح ، وهل جزاء الفناء فيه إلا البقاء معه. # قال بعضهم : هل جزاء من انقطع عن الإنس المخلوقين إلا أن يوصل إلى محل ~~الأنس بربه. # قيل : هل جزاء من صبر على الله إلا الوصول إليه؟! # قال الجنيد : هل جزاء من ترك الكل لنا وفينا ، إلا أن يكون عوضه عن الكل. # قال جعفر : هل جزاء من أحسنت إليه في الأزل إلا حفظ الإحسان عليه إلى الأبد. PageV03P379 # ( حور مقصورات في الخيام (72) فبأي آلاء ربكما تكذبان (73)) # قوله تعالى : ( حور مقصورات في الخيام ) (72): وصف الله سبحانه ~~حواري جنانه التي خلقهن لخدمة أوليائه ، وألبسهن لباس نوره ، وأجلسهن على ~~سرير أنسه في جمال قدسه ، وضرب عليهن خيام الدر والياقوت ، ينتظرن أزواجهن ~~من العارفين والمؤمنين المتقين ، لا يطرفن أبصارهن في انتظارهن من مسلك ~~الأولياء من أزواجهن إلى غيرهم ، ثم وصفهن الله بأنهن قاصرات الطرف لم يصل ~~إليهن مس الأغيار بقوله : [سورة الرحمن (55): الآيات 74 الى 77] # ( لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (74) فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~(75) متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان (76) فبأي آلاء ربكما تكذبان (77)) # ( لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ) (74)، ثم وصفهن بأنهن خيرات ، ~~حسان ، نور حسن تجلي الحق يتلألأ من وجوههن من نظر إلى واحدة منهن بحار ~~عقله فيها ، ويغيب قلبه في جمالها ، هي ريحانة ms1518 الحق ، يستأنس بها العاشقون ~~؛ لأنها باكورة الجمال ، لها طلعة لو رأتها الشمس ما طلعت ، ولو رآها قضيب ~~البان لم يمس ، يا لها من طيب وصالها ، ويا لها من حسنها وجمالها ، لو تفوح ~~ذرة من نفحة مسك ذؤابتها في الدنيا لتعطر العالم بأسره من عطر نسيمها. # تضوع مسكا بطن نعمان إن مشت %~% به زينب في نسوة عطرات # قال الحسين : حارت في رؤيتها الأبصار ، وقاصرات : قصرت عن إدراك وصفها ~~الأفكار لا يترجم عنها لفظ اللسان. # قال يحيى بن معاذ : هي التي لا يقدر أحد على حكايتها ، وتعمى عيون ~~المبصرين عن بلوغ حسنها ، كأن ألسنة العشق تنطق بمغيبات العقول عن وجنتها ، ~~وأنامل الأفراح تضرب بدفوف الفتن في صورتها معشوقة ، لو رآها الخلق لتحيروا ~~فيها ، هي التي قال الله فيها : ( حور مقصورات في الخيام ) (1). # ( تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام (78)) PageV03P380 # قوله تعالى : ( تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام. ) # ما نقول في من اسمه تقدس عن إدراك الأوهام ، وإشارة العقول ، إذ اسمه نعت ~~والنعوت صفات ، والصفات قائمة بالذات ، فمن عجز عن إدراك حقيقة اسم الموصوف ~~القديم كيف يصل إلى العلم بوجود المسمى! وهو أجل من أن تحيط بقدس جلاله ~~الأفكار ، أو تحوى ذرة من نعوته الأذكار ، جلاله حير عقول العارفين في ~~ميادين عزته ، وأغرق أرواح الموحدين في بحار عظمته ، وأفنى أسرار الواصلين ~~في شامخات كبريائه ، اسمع معاني قدسه كيف فعلت بشاهد الحق في مشاهدته عليه ~~الصلاة والسلام ، حيرته في أدوية الجلال ، وأغرقته في «قلزم» الجمال ، ~~وكشفت له عين العين ، وسلسلة من الأين ، فبان له ما بان من عيون الألوهية ، ~~وبهاء القديم ، والبقاء ما أسكنه عن وصف قدسه ؛ حيث قال أفصح العالمين ~~صلوات الله وسلامه عليه من حقيقة الحيرة وساحات العزة بقوله ~~صلى الله عليه وسلم : # «لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (1)، ذكره سبحانه بذكر ~~الجلال لطيب قلوب الوالهين ، بأن يكشفه لعيونهم ، وأبصارهم ، وأرواحهم ، ~~وأسرارهم ، وقلوبهم ، وعقولهم ؛ ليريحهم من تراكم الأحزان ، وظلمة هذه ~~الأشجان ، ويبلغهم إلى مجالس الإحسان ، وكشف العيان. # قال بعضهم : ( تبارك ms1519 اسم ربك ) أي : جل ربك ، وعظم قدره عما يقول ~~فيه الموحدون والمبطلون جميعا ؛ لأن كل شيء يثنى عليه بقدره ، وكل ذاكر ~~يذكر على مقدار طاقته ، وطبعه ، وعلمه ، وفهمه ، والحق تعالى ذكره خارج عن ~~أوهام الآدمين ؛ لأن الثناء والمعارف دون الغايات ، فسبحانه وتعالى ما أثنى ~~عليه حق ثنائه غيره ، ولا وصفه بما يليق به سواه ، عجز الأنبياء بأجمعهم عن ~~ذلك ، حتى قال أجلهم قدرا وأرفعهم محلا صلى الله عليه وعليهم أجمعين : «لا ~~أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (2). ### | سورة الواقعة # بسم الله الرحمن الرحيم # ( إذا وقعت الواقعة (1) ليس لوقعتها كاذبة (2)) # ( إذا وقعت الواقعة ) (1): واقعة كل صاحب قلب حين وقعت عليه ~~أنوار المعارف ، PageV03P381 # والكواشف من مكامن الغيب ، حين أراد الحق جذب قلبه بمباشرة وارد مشاهدته ~~، فتلك الساعة للعارف واقعة القيامة ، يستشرف بنوره قبل مجيئها على أمورها ~~الغيبية ، فإذا وقعت عليهم الواقعة سلبتهم من حظوظ الدنيا ، وطلبها ، ولذة ~~هواها ، وزينتها ، وذهبت بهم إلى مراد الحقيقة ، هنا تبين مسالك كل صادق ، ~~ومهالك كل مدع. # قال سهل : إذا ظهر لكل سالك بيان سلوكه ، فمن كان سلوكه على منهاج السنة ~~والاقتداء قاده ذلك إلى مناهج الباطل. # وقال ابن عطاء : إذا تبين مراد المريد من مراده. # ( خافضة رافعة (3) إذا رجت الأرض رجا (4) وبست الجبال بسا (5) ~~فكانت هباء منبثا (6) وكنتم أزواجا ثلاثة (7)) # قوله تعالى : ( خافضة رافعة ): «خافضة» : لظنون النفوس الأمارة ~~، «رافعة» : لهموم القلوب المطمئنة إلى مدارج القربة ، وأيضا «خافضة» : ~~للنفس الأمارة عن جوار الروح الناطقة ، ومطهرة من دنسها ، و «رافعة» : للروح ~~إلى معادن الأفراح من رؤية الملك الغفار ، وأيضا مسقطة للمجاهدات ، ~~و «رافعة» : للأرواح إلى المداناة ، وأيضا «خافضة» : للتكاليف ، و «رافعة» : ~~للعارفين إلى الرفاهية الكبرى في الصفائح الأعلى ، وأيضا «خافضة» : للمدعين ~~، و «رافعة» : للصادقين. # قال ابن عطاء : تخفض أقواما بالعدل ، وترفع أقواما بالفضل. # وقال سهل : تخفض أقواما بالدعاوي ، وترفع أقواما بالحقائق. # قال الأستاذ : «خافضة» : لأصحاب الدعاوي ، «رافعة» : لأرباب المعاني. # ( فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة (8)) # قوله تعالى : ( فأصحاب الميمنة ): «أصحاب الميمنة» : أصحاب يمن ~~العناية الأزلية الذين سبقت ms1520 لهم في الأزل الاصطفائية بالولاية. # ( وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة (9)) # ( وأصحاب المشئمة ): الذين أسقطهم قهر الأزل عن رؤية العناية ، ~~فصاروا مشئومين من مشأمة الدعاوي الباطلة (1). PageV03P382 # ( والسابقون السابقون (10) أولئك المقربون (11) في جنات النعيم ~~(12) ثلة من الأولين (13) وقليل من الآخرين (14) على سرر موضونة (15) ~~متكئين عليها متقابلين (16) يطوف عليهم ولدان مخلدون (17) بأكواب وأباريق ~~وكأس من معين (18)) # ( والسابقون ): الذين سبقوا بسبق اجتباء الله إياهم في علمه ~~الأزلي ، وهم المقربون بأن قربهم منه ، وكشف لهم أنوار قرب قربه ، وجمال ~~مشاهدته أيضا ، وأصحاب الميمنة أهل الإيمان ، وأصحاب المشئمة أهل الكفر ~~والطغيان ، والسابقون المقربون أهل العرفان ، وأيضا أصحاب الميمنة أهل ~~المجاهدات ، وأصحاب المشئمة أهل الشهوات ، والسابقون أهل المشاهدات. # قال ابن عطاء : هم أرواح ثلاثة ، «فأصحاب الميمنة» : هم أصحاب الجنة ، ~~و «أصحاب المشئمة» : هم أصحاب النار ، و «السابقون» : هم العبيد المخلصون ، ~~ثم يصير أصحاب الميمنة على ثلاث طبقات. # وقال سهل : «السابقون» : هم الذين سبق لهم من الله الولاية. # قيل : كونهم هم المقربون في منازل القربة ، وروح الأنس. # قال القاسم : أضاف الله الأفعال إلى عباده بقوله : ( والسابقون ~~السابقون ) (10)، ثم قال : ( أولئك المقربون ) (11)، ولم يكونوا ~~مقربين لما كانوا سابقين ، ولو كانت الأفعال إليهم حقيقة لكانوا متقربين ، ~~ولم يكونوا مقربين. # صدق الشيخ فيما حالهم وجدوا السبق بأن اصطفاهم الله في الأزل بقربه ، ~~فإذا السبق والقربة من فضل الله ، واختياره لهم. # وقال الأستاذ : الذين سبقت لهم من الله الحسنى ، فسبقوا إلى ما سبق لهم ، ~~أولئك المقربون ، ولم يقل المتقربون ، بل قال أولئك المقربون ، وهذا عين الجمع. # ( لا يصدعون عنها ولا ينزفون (19)) # قوله تعالى : ( لا يصدعون عنها ولا ينزفون ): لا يتغيرون عن ~~حدود الاستقامة بمشارب الوصلة ، ولا يحتجبون عن المشاهدة أبدا. # قال جعفر : لا تذهل عقولهم عن موارد الحقائق عليه ، ولا يغيبون عن مجلس ~~المشاهدة بحال. # ( وفاكهة مما يتخيرون (20) ولحم طير مما يشتهون (21) وحور عين ~~(22) كأمثال اللؤلؤ المكنون (23)) PageV03P383 # ( وفاكهة مما يتخيرون (20) ولحم طير مما يشتهون )، وما يشبهها ، ~~ولما كان فضله وإحسانه إلى عباده بالمشاهدة بالبصائر في الدنيا قديما غير ~~مخلوق جعل ثوابها إلى ms1521 ثواب تلك المشاهدة غير مخلوق ، جعل ثوابها وجزاءها ما ~~يليق بها بالأبصار ، فقال هل جزاء الإحسان إلا الإحسان. # ( جزاء بما كانوا يعملون (24) لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما ~~(25) إلا قيلا سلاما سلاما (26) وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين (27) في سدر ~~مخضود (28) وطلح منضود (29)) # قوله تعالى : ( جزاء بما كانوا يعملون ): وقع جزاء المحدث ، وما ~~ليس بمحدث لا يقابله أعمال الثقلين ، وهو مشاهدة الله. # قال الحسين : رد الشيخ إلى الشيخ ، والمخلوق إلى المخلوق ، لما كانت ~~أفعالهم مخلوقة ، وأذكارهم مخلوقة معلولة جعل جزاءها. # ( وظل ممدود (30) وماء مسكوب (31) وفاكهة كثيرة (32)) # قوله تعالى : ( وظل ممدود ) (30): الظل الممدود الذي لا نهاية ~~له إلى الأبد ، هو كيف وصله الله ، وظل جلاله الأزلي الأبدي. # قال جعفر : «الظل» : رحمة الله التي سبقت لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~و «الممدود» : فضله على الموحدين ، وعدله على الملحدين. # ( لا مقطوعة ولا ممنوعة (33) وفرش مرفوعة (34) إنا أنشأناهن ~~إنشاء (35) فجعلناهن أبكارا (36) عربا أترابا (37) لأصحاب اليمين (38) ثلة ~~من الأولين (39) وثلة من الآخرين (40) وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال (41) ~~في سموم وحميم (42) وظل من يحموم (43) لا بارد ولا كريم (44) إنهم كانوا ~~قبل ذلك مترفين (45) وكانوا يصرون على الحنث العظيم (46) وكانوا يقولون ~~أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (47) أوآباؤنا الأولون (48) قل ~~إن الأولين والآخرين (49) لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم (50) ثم إنكم أيها ~~الضالون المكذبون (51) لآكلون من شجر من زقوم (52) فمالؤن منها البطون (53) ~~فشاربون عليه من الحميم (54) فشاربون شرب الهيم (55) هذا نزلهم يوم الدين ~~(56) نحن خلقناكم فلو لا تصدقون (57) أفرأيتم ما تمنون (58) أأنتم تخلقونه ~~أم نحن الخالقون (59) نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين (60)) PageV03P384 # قوله تعالى : ( لا مقطوعة ولا ممنوعة ) (33) أي : غير مقطوعة ~~عنهم أثمار أشجار المشاهدة ، وهي ثمرات أنوار الذات ، والصفات التي تثمر في ~~قلوبهم ثمار علم العلم ، وغيب الغيب ، وسر السر إلى الأبد ، وهي غير ممنوعة ~~من رؤوسهم ، وعلمهم ، وإدراكهم أدركوها بالله من الله. # قال جعفر : لم يقطع عنهم المعونة والتأييد ، ولو قطع عنهم ذلك لهلكوا ، ~~ولا يمنعون من التلذذ بمجاورة ، ولو منعوا من ذلك لاستوحشوا. ms1522 # ( على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون (61)) # قوله تعالى : ( وننشئكم في ما لا تعلمون ) (61) (1): بين الله ~~سبحانه أن حقائق الغيوب غير متناهية ، وحقائقها غير مكشوفة للأعداء ، ومن ~~اختاره بالولاية وكحل عينه بنور العناية ، يطلعه على نوادر الملكوت ، ~~وعجائب الجبروت ، فهذا من كنوز الغيب التي اختار الله بها سفرة الأنبياء ، ~~والرسل ، والأولياء ، وأهل الصفوة بقوله : ( عالم الغيب فلا يظهر ~~على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول )، وبقهر القديم منع الأعداء من ~~النظر إلى مكنون السرائر ، فخاطبهم بهذه الآية أنه يخرجهم بمراده الأزلي ~~على لباس مقاديره الأولية ، إما بصورة السعادة ، وإما بصورة الشقاوة. # قال الواسطي في قوله : ( وننشئكم في ما لا تعلمون ) (61): من ~~أسباب السعادة والشقاوة. # ( ولقد علمتم النشأة الأولى فلو لا تذكرون (62) أفرأيتم ما ~~تحرثون (63) أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (64) لو نشاء لجعلناه حطاما ~~فظلتم تفكهون (65) إنا لمغرمون (66) بل نحن محرومون (67) أفرأيتم الماء ~~الذي تشربون (68) أأنتم أنزلتموه PageV03P385 # من المزن أم نحن المنزلون (69) لو نشاء جعلناه أجاجا فلو لا ~~تشكرون (70) أفرأيتم النار التي تورون (71) أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن ~~المنشؤن (72)) # قوله تعالى : ( ولقد علمتم النشأة الأولى فلو لا تذكرون ) أي : ~~لقد ظهرت أنوار صفاتي في مباشرة أمري في أطوار فطرتكم الأولية ، ما رأيتم ~~تلك المشاهدات بإسبالي ستور الغبرة على أعينكم ، وكيف ينفع العلم بصورة ~~الأفعال ، إذا لم يدرك لطائف اصطناعه ، ولم ير حقائق أنواره. # هذا آدم بديع فطرته ، وخليفة ملكه ، ظهر الحق منه ببديع الآيات ، وحقائق ~~أنوار الصفات ، خلقه من تراب ، ثم خلق ذريته من نطفة ، فباشر سر الحقيقة ~~النطفة ، كما باشر التراب ، يا ليت لذريته لو عرفوا منشأه ومبدأه ، كما عرف ~~آدم نفسه ، لكانوا عارفين بربهم بحقيقة العرفان ، لا برسم الأدلة والبرهان. # قال القاسم : ألم تعلموا إنا خلقناكم من تراب ، ثم من مضغة ، ثم من علقة ~~، ثم من ماء مهين ، أفلا تتعظون بهذه المواعظ ، وتبصرون إلى عجائب الصنع ~~فيكم ، وتستحيون من هذه الدعاوي ، والأماني ، والإضافات ، وتلزمون الأدب ، ~~فإن من تعدى طوره هتك ستره. # ( نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين ms1523 (73)) # قوله تعالى : ( نحن جعلناها تذكرة ): جعل الله تعالى آياته ~~بصنوفها مرأى أنوار صفاته ، يتجلى منها لأبصار العارفين ، ويقوي برؤيتها ~~أرواح الموحدين ، وتستقيم بها عقول الصادقين ، وتفزغ من مواعظها قلوب ~~الخاشعين ، فصاروا في معابد العبودية متذللين ، وفي مراقد أنوار عظمته ~~متواضعين. # قال جعفر : موعظة للتائبين ، وآلة للأقوياء من العارفين في حمله. # قوله تعالى : ( فسبح باسم ربك العظيم ) (74). # ( فسبح باسم ربك العظيم ): أمر الله حبيبه عليه الصلاة والسلام ~~أن ينزه نفسه عند رؤية الآية ونعمائه وظهوره ، بكشف الصفات والذات من مشكاة ~~آياته ، بأنه منزه عن أن تكون الحوادث محله ، أو أن يلحق إليه بنعت مباشرة ~~شيئا من الحدثين ، فأمره أن ينزهه ، ويسبحه به لا بنفسه ، ألا يرى كيف قال ~~: ( فسبح باسم ربك العظيم ) (74)، والمسمى والاسم واحد في واحد أي ~~: قدسي بي ، فإني أعظم من أن تقدسني بنفسك ، أو بشيء من دوني ، ألا ترى ~~إشارة قوله : ( العظيم ) عظم جلاله ، أن يبلغ إلى مدحه الخليقة ، ~~أو أن تصفه البرية. # قال الواسطي : سبحه باسمه ، فإن الاسم والمسمى هو الشيء بعينه ، وهو ~~العظيم. PageV03P386 # قال ابن عطاء : «سبحان الله» : أعظم من أن يلحقه تسبيحك ، أو يحتاج إلى ~~شيء منك ، لكنه شرف عبيده أن أمرهم أن يسبحوه ؛ ليظهروا أنفسهم مما ينزهونه به. # ( فلا أقسم بمواقع النجوم (75) وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (76) ~~إنه لقرآن كريم (77) في كتاب مكنون (78)) # قوله تعالى : ( فلا أقسم بمواقع النجوم ): أقسم الله سبحانه ~~بمواقع أنوار نجوم صفاته إذا ظهرت منه ، فتعود إلى معادنها من ذاته سبحات ، ~~منه بدأت وإليه تعود ، فالنجوم صفاته ، ومواقعها ذاته ، لذلك قال : ( ~~ وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ): عظم لعظمة جلاله ، وعظم جلاله ، ~~وأيضا أقسم بمواضع نجوم صفاته من أرواح الأنبياء والمرسلين ، والأولياء ، ~~والصديقين إذا تجلت لها ، وأيضا أقسم بقلوب العارفين أنها مواقع نجوم خطابه ~~، وأيضا أقسم بمواقع نجوم القرآن من أسرار حبيبه عليه الصلاة والسلام ؛ لأن ~~قلبه مسقط الوحي ، وبيت الخطاب ، وموضع كشف الأسرار ، ومرآة حقائق الأنوار ~~، أقسم به لعظمة عند الله. # وفي هذا المعنى قال ابن عطاء : «مواقع النجوم» : هي ms1524 مواقع ما يظهر على سر ~~النبي صلى الله عليه وسلم من أنوار الحق ، وزوائد التحقيق مما خص به من الدنو ~~، أو وقربه والزلف التي لم يؤمر بإظهارها والإخبار عنها ؛ ولذلك قال تعالى ~~: ( إنه لقرآن كريم ): كلامه القديم إذا بدا في قلبه لا يختلط به ~~هوى الإنسانية ، ولا هواجس النفسانية ، ولا إلقاء الشيطاني ؛ لأن قلبه كان ~~محفوظا بحفظ الله ، ورعايته عن الخطرات المذمومة ، والأوهام ، والظنون ، ~~وكلامه محفوظا ؛ لأنه صفته القديمة المنزهة عن التغيير والتبديل ، وصفه ~~بأنه كريم ؛ لأنه وصف الكريم القديم المنبئ عن صفاته الكريمة ، وذاته ~~الأزلي أنزله إلى أكرم خلقه من تخلق بخلقه يكون كريما في الدارين ، ومن فهم ~~حقائقه يكون إماما في الثقلين. # قال بعضهم : «كريم» : لأنه يدل على مكارم الأخلاق ، ومعاني الأمور ، ~~وشرائف الأفعال. # وقيل : «كريم» ؛ لنزوله من عند كريم ، بوساطة كريم ، إلى أكرم الخلق طرا ~~أجمعين. # ( لا يمسه إلا المطهرون (79) تنزيل من رب العالمين (80) أفبهذا ~~الحديث أنتم مدهنون (81) وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون (82) فلو لا إذا بلغت ~~الحلقوم (83) وأنتم حينئذ تنظرون (84)) # قوله تعالى : ( لا يمسه إلا المطهرون ) أي : لا تنكشف أسراره ~~وأنواره إلا للمقدسين بقدس الله عما دون الله ، وهم أهل القرآن ، وأهل الله ~~وخاصته. PageV03P387 # قال بعضهم : لا ينال خيره وبركته إلا من طهره يوم قسمته عن الشقاوة ، ~~وخلقه يوم خلقه مطهرا من المخالفات. # وقال ابن عطاء : لا يفهم إشارات القرآن إلا من طهر سره عن الأكوان بما فيها. # وقال الجنيد : إلا العارفون بالله ، المطهرون أسرارهم عمن سواه. # وقال جعفر : إلا القائمون بحقوقه ، المتبعون أوامره ، الحافظون حرماته. # ( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون (85) فلو لا إن كنتم غير ~~مدينين (86) ترجعونها إن كنتم صادقين (87)) # قوله تعالى : ( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ): افهم أن ~~قرب الله بالتفاوت ، قرب بالعلم ، وقرب بالإحاطة ، وقرب بالفعل ، وقرب ~~بالصفة ، وقرب بالفهم ، وقرب باللطف والمسافة والمكان منفي عن ذاته وصفاته ~~، لكن تجلى من عين العظمة لقلوب بعض ؛ لإذابتها برؤية القهر ، ولقلوب بعض ~~تجلي من عين الجمال ؛ ليعرفها لطف الاصطفائية ، وذلك القرب لا ms1525 يبصره إلا ~~أهل القرب ، وشواهده ظاهرة لأهل المعرفة. # قال ابن عطاء : إنما ذكر هذا ليعرفوا قربه منهم ، لا أن بينه وبينهم ~~مسافة ، ولكن خطاب التحذير والترهيب. # ( فأما إن كان من المقربين (88) فروح وريحان وجنة نعيم (89)) # قوله تعالى : ( فأما إن كان من المقربين (88) فروح وريحان وجنة ~~نعيم ) أي : فأما إن كان من العارفين بالله المقربين بقرب الله إياه قلبه ~~روح الوصال ، وريحان الجمال ، وجنة الجلال لروحه روح الأنس ، ولقلبه ريحان ~~القدس ، ولنفسه جنة الفردوس. # قال السلمي : «الروح» لقلوبهم ، و «الريحان» لنفوسهم ، و «الجنة» لأبدانهم. # قال ابن عطاء : «الروح» النظر إلى وجه الجبار ، و «الريحان» الاستماع ~~لكلامه ، «وجنة نعيم» هو ألا يحتجب العبد فيها عن مولاه إذا قصد زيارته ، ~~وللمقربين ذلك في دار الدنيا روحهم المشاهدة ، وريحانهم سرور الخدمة ، وجنة ~~نعيمهم السرور بالذكر. # وقال الأستاذ : «روح» للعابدين ، و «ريحان» للعارفين ، و «جنة نعيم» لعوام ~~المؤمنين. # ( وأما إن كان من أصحاب اليمين (90) فسلام لك من أصحاب اليمين ~~(91) وأما إن كان من المكذبين الضالين (92) فنزل من حميم (93) وتصلية جحيم (94)) # قوله تعالى : ( وأما إن كان من أصحاب اليمين (90) فسلام لك من ~~أصحاب اليمين ) أي : وأما إن كان من أهل السعادة هذا المتوفى ويمن العناية ~~وصل إلى دار السلام ، ولقاء جلال PageV03P388 # العلام ، وهو في سلامة مشاهدته أمن من الفرقة والوحشة ، فبشارة سلامته لك ~~أيها الحبيب المشفق ، وعليك منه سلام الاشتياق إلى قدومك ، وإلى جمالك ، ~~وإلى خطابك وخدمتك وصحبتك. # قال سهل : ( أصحاب اليمين ): هم الموحدون إلى العاقبة لهم ~~بالسلامة ؛ لأنهم أمناء الله قد أدوا الأمانة ، يعني : أمره ونهيه ، ~~والتابعون بإحسان لم يحدثوا شيئا من المعاصي والزلات ، قد أمنوا الخوف ~~والهول الذي ينال غيرهم. # ( إن هذا لهو حق اليقين (95) فسبح باسم ربك العظيم (96)) # قوله تعالى : ( إن هذا لهو حق اليقين (95) فسبح باسم ربك العظيم ~~) (1) أي : خبر ما كان ، وما سيكون في القرآن من الحق حق وبيان صحيح ، لا ~~يقبله إلا من شاهد قلبه بنعت حق اليقين مشاهدة الحق بالحق ، وحق اليقين كشف ~~الذات والصفات ، أي : إذا أنت من ms1526 أهل حق اليقين فيما وجدت من قرب الله ~~ووصاله نزه ذاته وصفاته عما لا يليق بعزته سبحه به لا بك ، حتى يكون تنزيهك ~~تنزيها ، وتقديسك تقديسا. # قال ابن عطاء : إن هذا القرآن لحق ثابت في صدور الموقنين وأهل اليقين ، ~~وهو الحق من عند الحق ؛ فلذلك تحقق في قلوب أوليائه. # قال بعضهم : «حق اليقين» : النظر إلى الحق بعين الحقيقة وتلك البصيرة ~~التي يكرم الله بها خواص عباده المقربين ، وهو مشاهدة الغيب بما تريد أن ~~تجري ، وإنما يرزق ذاك من فتح بصره لمشاهدة الغيوب. # قال أبو عثمان في قوله : ( فسبح ): شكرا لما وفقنا أمنك من ~~التمسك بسنتك. ### | سورة الحديد # بسم الله الرحمن الرحيم # ( سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (1)) # ( سبح لله ما في السماوات والأرض ): نزه الله الأكوان ، ومن ~~فيها بلسان العجز عن البلوغ إلى ثنائه وبلسان الافتقار إليه ، وفي الحقيقة ~~هو سبح لنفسه بألسنتهم ؛ لأنها أفعاله PageV03P389 # وبأفعاله وصف نفسه إذ هو قبل وجود الكون نزه نفسه بصفته القديمة ثم وصف ~~نفسه بفعله تشريفا للخليقة وتعظيما للحقيقة ، فتنزيهه غالب على تنزيه الخلق ~~وحكم بعجزهم عن تسبيحه بقوله : ( وهو العزيز الحكيم. ) # ( له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير (2)) # قوله تعالى : ( له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت ): ذكر الله ~~سبحانه ملكه على قدر إفهام الخليقة ، وإلا فأين السماوات والأرض من ملكه؟! ~~والسماوات والأرض في ميادين مملكته أقل من خردلة لما علم عجز خلقه عن إدراك ~~ما فوق رؤيتهم ، ذكر ملك السماوات والأرض ملكه قدرته الواسعة التي إذا أراد ~~الله إيجاد شيء ، يقول : كن فيكون بقدرته ، وليس بقدرته نهاية ، ولا ~~لإرادته منتهى ، يحيى من يشاء برؤيته ، وكشف جماله له ، ويميت من يشاء ~~برؤية الملك ، والاشتغال به عن المالك ، وأين الملك والملكوت في عين العارف ~~الحي بحياته ، البصير بنوره التي هي فانية في الملكوت والكائنات سقطت منها ~~بأن ليس فيها موضع إلا وفيه بحار عظمة القدم وجلال الأبد. # قال ابن عطاء : هو مالك الكل وله الملك أجمع ، يميت من ms1527 يشاء بالاشتغال عن ~~الملك ، ويحيى من يشاء بالإقبال على الملك. # وقال الأستاذ : يحيى النفوس ويميتها ، ويحيى القلوب بإقباله عليها ، ~~ويميت بإعراضه عنها. # ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم (3)) # قوله تعالى : ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن ): افهم سر ~~تفسير هذه الآية ، فإن الله سبحانه أشار بها إلى سر ذاته وصفاته ونعوته ~~وأسمائه ، وأظهر باطن غيبه ، وغيب غيبه وسره ، وسر سره ؛ لتحير أرواح ~~العارفين في بحار قدمه وبقائه ، وفناء أسرار الموحدين في صفاته وذاته ، وما ~~أفادت هذه الأسرار إلا التحير عن إدراكه وذكر سره ، ولم يعرف أحد ذلك السر ~~، ولا يعرف أحد ذلك السر ، ولا يعرفه أحد إلى الأبد ، هو ذاكره ، وهو عالم ~~به لا غير ، كيف يعرف الأولية من لا أولية له؟ وكيف يعرف الآخرية من لا ~~آخرية له؟ وكيف يعرف بطن سر السر وأصل الأصل ، من لا حقيقة له في إدراك كنة ~~كنهه اعبر من هذا البحر العميق ، ولا تقف ، فإنه أغرق الأولين والآخرين في ~~قطرة من قطراته ، وهم عطاشى من بعد أفواههم عن نداوتها أين أنا من الإقبال ~~بنعت الإدراك على قدم القدم وأبد الأبد وبطن العلم وإشراق شمس الألوهية ، ~~وسبحاتها تحرق الأبصار ، وأسرارها تحير الأفكار أنا والفرار من ضرغام الأزل ~~، وتبين الأبد ما للتراب ، ورب الأرباب سقط الزمان والمكان والأوائل ~~والأواخر PageV03P390 # والظروف والأماكن والفهوم والعلوم عن بوادي أنوار أوليته وآخريته ، وظهور ~~سبحات ظاهريته ، ولمعات أسرار باطنيته ، فلم تبق لي اللسان حيث لا يبقى ~~البيان والبرهان ولا العرفان ولا الإيقان الإيمان بمن والعرفان لمن ~~والإيقان في من ، وهو ممتنع بغير جباريته عن درك الخواطر ، وجريان الضمائر ~~سبحانه سبحانه سبحانه. # قوله : ( هو الأول ): إظهار الأزل في الآزال. # وقوله : ( والآخر ): إظهار الآباد في الآباد. # وقوله : ( والظاهر ): عيانه بذاته في صفاته وصفاته في أفعاله ؛ ~~إذ الأفعال في الصفات والذات فانية ، فبقي ظهوره في نفسه ؛ إذ لا شيء دونه. # وقوله : ( والباطن ): استتار كنهه بكنهه وسره بسره ، لا يدرك ~~باطنه بعد الأوهام ، ولا غوص الأفهام ، سبحانه عما أومأ إليه الخليقة ~~بكمالها! ms1528 سبحانه عما أشار إليه البرية بنهايتها! من يعرف عقود علل الأشياء ~~حتى يعرف أوليته ، ومن يعرف عروق الأعصار حتى يعرف آخريته ، ومن يعرف ~~كينونية الأفعال حتى يعرف ظاهريته ، ومن يعرف أسرار بطون الأرواح والنفوس ~~حتى يعرف باطنيته ، لو يعرف المخلوق حقيقة مائية وجوده بنعت إحاطة علمه ~~عليها يعرف أصل كل أصل ، وعلة كل علة ، إذ لا يعرفها إلا من يوجدها إلا هو ~~الذي نعته الأول والآخر والظاهر والباطن ، لا تظن في أوليته عد الأدهار ، ~~ولا تظن في آخريته حصر الأعصار ، ولا تظن في ظاهريته بوادي الآيات ، ولا ~~تظن في باطنيته أسرار الخفيات ، فإن هذه الصفات منفية عن كمال ألوهية ~~الأولية في الأذهان تأخرها إلى قدم الزمان ولا زمان في الأزل والآخرية في ~~الإفهام استباقها إلى دوام الأعصار ولا أعصار في الأبد ، والظاهرية في ~~العقول الظهور في الأماكن ، ولا مكان عند ظهوره ، والباطنية في الخيال طوية ~~الخفيات ، وهو منزه عن أن يكون محل جريان العلل ؛ إذ لا علة في وجوده عبر ~~من هذه الظلمات ، فإنه تعالى منزه عن القياس والوسواس ، أوله آخره ، وآخره ~~أوله ، وظاهره باطنه ، وباطنه ظاهره ، فإذا خرجت يا نفس من رقومات المكونات ~~، وصور الآيات ، ورسم الأفعاليات ، ونسيت العدم والوجود ، وسقط عنك الرسم ~~والاسم والوسم فنيت عنك ، وبقيت بالحق يرى الله بالله ، ولا تبقى عندك هذه ~~الرسومات ، ويثبت لك الخفيات الأولى للأرواح بسبق العنايات ، والآخر للقلوب ~~بحسن الرعايات ، والظاهر بنعت الكشف للأسرار ، والباطن ببيان علم المجهول ، ~~وانكشاف حقيقة حكم الربانية للعقول القدسية ، أي : تفضل أعظم من هذا التفضل ~~من الحق سبحانه للعارفين ؛ إذ تجردت نعوته وأسماؤه وصفاته وذاته لهم ، وهذا ~~من كمال حبه لحبهم ، وإرادته لمعرفتهم ؛ لذلك أظهر كنز الربوبية والألوهية ~~لهم بقوله : «كنت كنزا مخفيا ، فأحببت PageV03P391 # أن أعرف» (1)، يا صاحبي كدت أن أنقل أحجار ، فإن الكبرياء بنياني أو ~~أغرف مياه قاموس الأزل والبقاء فما وصلتها رأيتها ممنوعة من إدراك الفهوم ~~ووصول العلوم ، ورجعت وما قلت إلا قول حبيبه عليه الصلاة والسلام في هذه ~~الآية : «لا أحصى ثناء عليك ms1529 أنت كما أثنيت على نفسك» (2). # قال الجنيد : نفى العدم عن كل أول بأوليته ، ونفى البقاء عن كل آخر ~~بآخريته ، واضطر الخلق إلى الإقرار بربوبيته بظاهريته ، وحجب الأفهام عن ~~إدراك كنهه وكيفيته بباطنيته. # قال الواسطي : لم يدع للخلق نفسا ، بعدما أخبر عن نفسه الأول والآخر ~~والظاهر والباطن. # وقال أيضا : من كان حظه من اسمه الأول كان شغله بما سبق ، ومن لاحظ اسمه ~~الآخر كان مرتبطا بما يستقبله ، ومن كان حظه من اسمه الظاهر لاحظ عجائب ~~قدرته ، ومن كان حظه من اسمه الباطن لاحظ ما جرى في السرائر من أنواره. # وقال أيضا : حظوظ الأنبياء مع تباينها من أربعة أسام ، وقيام كل فريق ~~منهم باسم منها ، فمن جمعها كلها فهو أوسطهم ، ومن فني عنها بعد ملابستها ~~فهو الكامل التام ، وهي قوله : ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن. ) # وقال أيضا : من ألبسه الأولية فالتجلي له في الآخرية محال ؛ لأنه لا ~~يتجلى إلا لمن فقده أو كان بعيدا عنه فقربه. # وقال الحسين : هداهم باسمه الأول إلى الغيب المحيط ، وعرفهم باسمه الآخر ~~الشأن القائم الدائم ، وبصرهم باسمه الظاهر النور العزيز المبين ، وأوزعهم ~~باسمه الباطن الحق والشهادة. # وقال أيضا : هو الأول الذي لا تخرجه الأولية ولا الآخرية ولا الظاهرية ~~ولا الباطنية إلى نعوت الحلول والافتراق ، وكيف يسعه أو يدركه شيء من خلقه ~~وهو المحيط بالأزل والآزال ، والأبد والآباد من جميع الوجوه وإليه الغاية ~~والمنتهى. # أزلي العلم ، أزلي القدرة ، أزلي الشأن ، أزلي المشيئة ، أزلي النور ، ~~أزلي الرحمة ، البادئ لكل علم ومعلوم ، وشاهد ومشهود جل وتعالى. # وقال الجنيد : نفى القدم عن كل أول بأوليته ، ونفى الفناء على الكل الآخر ~~بآخريته ، PageV03P392 # واضطر الخلق إلى الإقرار بربوبيته بظاهريته ، وحجب الأفهام عن إدراك كنهه ~~وكيفيته بباطنيته. # قال النوري : الأولية هي الآخرية ، والآخرية هي الأولية ، والظاهرية هي ~~الباطنية ، والباطنية هي الظاهرية ، كما أن الأزلية هي الأبدية ، والأبدية ~~هي الأزلية ، ليس بينهما حاجز إلا أنه يفقدك ويشهدك ، وفناء التجديد الملذة ~~، ورؤية العبودية. # وقال الأستاذ : الأول لا بزمان ، والآخر لا بأوان ، والظاهر لا باقتران ، ~~والباطن لا ms1530 باحتجاب. # وقيل : الأول بالتعريف ، والآخر بالتكليف ، والظاهر بالتشريف ، والباطن ~~بالتخفيف. # ( هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو ~~معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير (4) له ملك السماوات والأرض وإلى ~~الله ترجع الأمور (5)) # قوله تعالى : ( يعلم ما يلج في الأرض ): يعلم ما يلج في أرض ~~القلوب من أنوار الغيوب ، ( وما يخرج منها ) من نبات المعرفة ~~وأشجار المحبة وأنهار الحكمة ، يعلم ما يلج فيها من سنا تجليه ، وما يخرج ~~منها من صفاء التوحيد والتجريد والتفريد. # قال سهل : ليسلم ما يدخل أرض قلبه من الفساد والصلاح ، وما يخرج منها من ~~فنون الطاعات ، فيتبين آثارها وأنوارها على الجوارح. # قال الأستاذ في قوله تعالى : ( ما يلج في الأرض ): الذي في قلبه ~~من إخلاصه وتوحيده حزنه ، وما في قلب الجاحدة من # شكه وشركه والأوصاف المذمومة ، وما ينزل من السماء على قلوب أوليائه من ~~الألطاف والكشوفات ، وفنون الأحوال العزيزة ، وما يعرج فيها من أنفاس ~~الأولياء إذا تصاعدت ، وحسراتهم إذا علت. # وقوله تعالى : ( وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ): ما ينزل ~~من سماء الغيب من قطرات الإلهام ، وما يعرج فيها من أنوار أنفاس المشتاقين ~~والعاشقين وللمحبين ومعاليهم العارفين. # وقوله تعالى : ( وهو معكم أين ما كنتم ): إن للعارفين في هذه ~~الآية مقامين : مقام عين الجمع ، ومقام إفراد القدم عن الحدوث ، فمن حيث ~~الوحدة والقدم تصاعر الأكوان في عزة الرحمن وسطوات عظمته حتى لا يبقى أثرها ~~، فتسلط عظمته معها حتى أزالها بحيث لا PageV03P393 # افتراق بين فعله وقهر قدرته ، ومن حيث الجمع باشر نور الصفة نور الفعل ، ~~ونور الصفة قائم بالذات ، يتجلى بنوره لفعله من ذاته وصفته ، ثم يتجلى من ~~الفعل ، فترى جميع الوجود مرآة وجوده ، وهو ظاهر بكل شيء للعموم بالفعل ~~وللخصوص ، بالاسم والنعت ، ولخصوص الخصوص بالصفة ، وللقائمين بمشاهدة ذاته ~~بالذات ، وهو تعالى منزه عن البينونة والحلول والافتراق والاجتماع ، إنما ~~هو ذوق العشق ، ولا يعلم تأويله إلا ms1531 العاشقون. # قال الحسين : ما فارق الأكوان الحق ، ولا قارنها ، كيف يفارقها وهو ~~موجدها وحافظها! وكيف يقارن الحدث القدم به قوام الكل ، وهو بائن عن الكل! ~~، ولا تراه يقول : ( وهو معكم أين ما كنتم )، يا أخي هذه الآية ~~مقتضية البشارة للعاشقين ؛ حيث معهم أينما كانوا ، وتوثيق للمتوكلين ، ~~وسكينة للعارفين ، وبهجة للمحبين ، ويقين للمراقبين ، ورعاية للمقبلين ، ~~وإشارة الاتحاد للموحدين. # ( يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات ~~الصدور (6) آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين ~~آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير (7) وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول ~~يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين (8) هو الذي ينزل على ~~عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرؤف رحيم (9)) # قوله تعالى : ( يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ): ~~يولج ليل الاستتار في نهار التجلي ، ويولج نهار كشف النقاب في ليل الحجاب ، ~~وأيضا يولج ليل النفوس الأمارة في نهار الأرواح والعقول ، ويولج نهار ~~الأرواح والعقول في ظلمات النفوس. # قال سهل : الليل نفس الطبع ، والنهار نفس الروح ، فإذا أراد الله بعبد ~~خيرا ألف بين طبعه ونفسه وروحه على إدامة الذكر له ، فأظهر بذلك على صفاته ~~أنوار الخشوع. # ( وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض ~~لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا ~~من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير (10)) # قوله تعالى : ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ): ~~فيه بيان شرف المتقدمين في الطريقة ، والباذلين أنفسهم وأموالهم لرعاية ~~الوفاء بالعبودية لحبيبهم ؛ إذ بيان صدق الصادقين إجابة دعوة الحق في ~~البداية لا يتقاعد عن طلبه بمانع نفسه وماله. # قال جعفر : الإرادة القوية والإيمان والتسليم للمهاجرين وأهل الصفة ~~وإمامهم PageV03P394 # وسيدهم الصديق الأكبر ، وهم الذين لم يرثوا الدنيا على الآخرة ، بل ~~بذلوها ولم يعرجوا عليها ، واعتمدوا في ذلك ربهم ، وطلبوا رضاه وموافقة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ، فخصهم الله من ms1532 بين الأمة بقوله : ( لا ~~يستوي منكم. ) # ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم (11)) # قوله تعالى : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ): شكا الله ~~بهذه الآية من طباع الخليقة المجهولة بالبخل ، حيث سأل منهم القرض ، ولو ~~كانوا على محل التقديس لخرجوا من وجودهم له قبل سؤاله ، ومع ذلك القرض ~~الحسن ما أعطاه بنعت الخجل مما بذل فأين حسن الإيمان؟ يعرف إن العبد وما ~~ملك لسيده ، فكيف يقرضه وهو وماله له ، فمن عرف نفسه بالعبودية ، وعرف أن ~~الكل له فما يعطي بعد ذلك ، فهو القرض الحسن. # قال سهل : أعطى الله فضلا ، ثم سألهم قرضا وقال : ( من ذا الذي ~~يقرض الله قرضا حسنا. ) # قال الواسطي : القرض الحسن للعوام ، وللخاص الخروج عن جميع الأملاك عن ~~طيبة النفس والرضا كأبي بكر الصديق رضي الله عنه. # ( يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ~~بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم ~~(12) يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم ~~قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة ~~وظاهره من قبله العذاب (13) ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم ~~أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله ~~الغرور (14) فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي ~~مولاكم وبئس المصير (15)) # قوله تعالى : ( يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم ) (1): ~~إن الله سبحانه ألبس العارفين نور عظمته وكبريائه ، وأسبل على وجوههم سنا ~~هيبته وضياء بهائه ، وجعلهم مشكاة أنوار تجليه ، تتناثر منهم أنوار هيبة ~~الحق يمينا وشمالا وخلفا وقداما وفوقا وتحتا ، وهم PageV03P395 # يمشون إلى الله بنور الله ، فعند ذلك النور تخضع له الأكوان ، ومن فيها ~~من الموافق والمخالف ، فالموافق يستبشر برؤيته فيعظمه ، والمخالف يفزع منه ~~فيها ، وهذه الأنوار معه في الدنيا والآخرة. # قال سهل : نور المؤمن يسير بين يديه وهيبته له في قلوب الموافق والمخالف ~~، فالموافق يعظمه ويعظم شأنه ، والمخالف يهابه ويخافه ، وهو ms1533 من نوره الذي ~~جعل الله لأوليائه لا يظهر ذلك النور لأحد إلا اتقى له وخضع ، وذلك من نور ~~الإيمان. # وقال الأستاذ : كما أن لهم في العرصة هذا النور ، فاليوم لهم في قلوبهم ~~وبواطنهم نور يمشون في نورهم يهتدون به في جميع أحوالهم. # ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من ~~الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم ~~وكثير منهم فاسقون (16) اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها قد بينا لكم ~~الآيات لعلكم تعقلون (17) إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا ~~يضاعف لهم ولهم أجر كريم (18)) # قوله تعالى : ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ): # هذا لقوم من ضعفاء المريدين الذين في نفوسهم بغايا الميل إلى الحظوظ حتى ~~يحتاجوا إلى الخشوع عند ذكر الله ، وأهل الصفوة احترقوا في الله بنيران ~~محبة الله ، لو كان هذا الخطاب للأكابر لقال : «أن تخشع قلوبهم لله» ؛ لأن ~~الخشوع لله موضع فناء العارف في المعروف ، وإرادة الحق بنعت الشوق إليهم ، ~~فناؤهم في بقائه بنعت الوله والهيجان والخشوع للذكر موضع الرقة من القلب ، ~~فإذا رق القلب خشع بنور ذكر الله لله ، كأنه تعالى دعاهم بلطفه إلى سماع ~~ذكره بنعت الخشوع والخضوع والمتابعة بقوله والاستلذاذ بذكره حتى لا يبقى في ~~قلوبهم لذة فوق لذة ذكره. # قال سهل : لم يحن لهم أو أن الخشوع عند سماع الذكر ، فشاهدوا الوعد ~~والوعيد مشاهدة الغيب. # ( والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ~~ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ~~(19) اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في ~~الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون ~~حطاما وفي الآخرة PageV03P396 # عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع ~~الغرور (20)) # قوله تعالى : ( والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ~~والشهداء ) أي : الذين شاهدوا الله بالله بنعت المعرفة والمحبة ، وتابعوا ~~رسوله بالصحبة ، والمعرفة بشرفه وفضله ، والانقياد بين ms1534 يدي أمره ونهيه ، ~~أولئك هم الصديقون ؛ لأنهم معادن الإخلاص واليقين ، وتصديق الله في قوله ~~بعد أن شاهدوه مشاهدة الصديقية التي لا اضطراب فيها من جهة معارضة النفس ~~والشيطان ، وهم شهداء الله تعالى ، مقتولون بسيوف محبته ، مطروحون في حجر ~~وصلته يحيون بجماله ، يشهدون على وجودهم بفنائه في الله وبفناء الكون في ~~عظمة الله ، وهم قوم يستشرفون على هموم الخلائق بنور الله ، يشهدون لهم ~~وعليهم بصدق الفراسة ؛ لأنهم أمناء الله ، خصهم الله بالصديقية والشهادة ~~والولاية والخلافة. # وقال أبو علي الجوزجاني : الصديقون حزب الله ، خواصهم أهل المعرفة ، ~~وأوساطهم العقلاء. # وقال : قلوب الأبرار معلقة بالملكوت مقبلين ومدبرين ، وقلوب الصديقين ~~معلقة بالرب مقبلين بالله ولله. # ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت ~~للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (21)) # قوله تعالى : ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم ): دعا المريدين إلى ~~مغفرته بنعت الإسراع ودعا المشتاقين إلى جماله بنعت الاشتياق والأشواق ، ~~وقد دخل الكل في مظنة الخطاب ؛ لأن الكل قد وقعوا في بحار الذنوب حين لم ~~يعرفوه حق معرفته ، ولم يعبدوه حق عبادته ، دعاهم جميعا إلى التطهير في بحر ~~رحمته حتى صاروا متطهرين من غرورهم بأنهم عرفوه ، فإذا وصلوا عرفوا أنهم لم ~~يعرفوه ، فيأخذ الله بأيديهم بعد ذلك ، ويكرمهم بكشف جنان قربه وفراديس ~~مشاهدته ، ولولا رحمته وغفرانه لهلكوا جميعا في أول بوادي سطوة غرته ، لكن ~~أغفلهم عنه فيه حتى يبقوا ، ولو رفع عنهم غطاء الغفلة والجهل به في مشاهدته ~~لهلكوا جمعيا حسرة من فقدان الحق والحقيقة. # قال الحسين في هذه الآية : لما باشرت هذه المخاطبة العقول نهضت مستحضة ~~للجوارح بحسن التوجه ؛ لإقامة مائة يحطون عند من استجابوا لدعوته ، فظنوا ~~لإشارته ، وأقاموا تحت العلم بقربه ، وقرت عيونهم بما أورد على قلوبهم ~~بالسرور بالخلوة ، جلاسا إناسا أكياسا لا يرهبون في الطريق إليه غيره ، ولا ~~يتوسلون إليه الأبد ، ولا يسألونه شيئا غير التمتع بخدمته ، PageV03P397 # وحسن المعرفة على موافقته. # ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في ms1535 كتاب من قبل ~~أن نبرأها إن ذلك على الله يسير (22) لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا ~~بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور (23) الذين يبخلون ويأمرون الناس ~~بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد (24) لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ~~وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس ~~شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز ~~(25) ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم ~~مهتد وكثير منهم فاسقون (26)) # قوله تعالى : ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم ): يا ~~عجبا من كان قادرا أن يوصل العباد إليه بلا مصيبة ولا تعب فكيف يصيبهم ~~المصيبة؟ أراد أن يعرفهم بامتحان القهر حقائق الربوبية ، وأن يعرفهم غرائب ~~الطريق إليه حتى عرفوه بجميع الصفات ، وشاهدوا جميع النعوت ، ولولا ذلك لما ~~عرفوه بالحقيقة في معرفة غيره ، فمن سمع هذا الخطاب ينصرف نظره من المصيبة ~~إلى سوابق الامتحان حتى يكون برؤية السبق شاهد الحق راضيا بقضائه ، صابرا ~~في بلائه ؛ لأنه هناك يحتمل البلاء برؤية المبلي. # قال الجنيد : من عرف الله بالربوبية ، وافتقر إليه في إقامة العبودية ، ~~وشهد بسره ما كشف الله له من آثار القدرة بقوله : ( ما أصاب من ~~مصيبة ) إلا به فسمع هذا من ربه وشهد بقلبه وقع في الروح والراحة وانشرح ~~صدره وهان عليه ما يصيبه ، ثم زاد سبحانه في تأكيد طلب الرضا من عباده ~~ويقينهم باختياره لهم والصبر في بلائه بقوله : ( لكيلا تأسوا على ~~ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ): طالب الله بهذه الآية أهل معرفته ~~بالاستقامة والإنصاف بصفاته ، أي : كونوا في المعرفة بألا يؤثر فيكم ~~الفقدان والوجدان والقهر واللطف والاتصال والانفصال والفراق والوصال والكفر ~~والإيمان والطاعة والعصيان ؛ لأن من شرط الاتصاف ألا تجري عليه أحكام ~~التلوين ، والاضطراب في اليقين والاعوجاج في التمكين ، لا تأسوا على ما ~~فاتكم من معرفة الأزل ؛ فإن الأزل للأزل لا لأنفسكم ، فإذا سقط الأسف لا ~~تفرحوا بما تجدون من الأبد ؛ فإن الأبد للأبد ، وأنتم معزولون من ms1536 كلا ~~الطرفين ؛ فإن الحقيقة ترجع إلى العلة. # قال سهل : في هذه الآية دلالة على حال الرضا في الشدة والرخاء. # وقال القاسم : ما فاتكم من أوقاتكم ، ولا تفرحوا بما آتاكم من توبتكم ~~وطاعتكم ، PageV03P398 # فإنك لا تدري ما قدر الله فيك وقضى. # وقال الواسطي : الفرح من الكرامات من الاغترارات ، والتلذذ بالأفعال نوع ~~من الإغفال والخمود تحت جريان الأمور زين لكل مأمور ، قال الله : ( ~~لكيلا تأسوا ) إلخ. # وقال : العارف مستهلك في كنه المعروف ، فإذا حصل مقام المعرفة لا يبقى ~~عليه فضل فرح ولا أساء ، قال الله تعالى : ( لكيلا تأسوا على ما ~~فاتكم ) إلخ. # ( ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه ~~الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما ~~كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين ~~آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون (27)) # قوله تعالى : ( وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ~~ابتدعوها ) (1): وصف الله هاهنا أهل السنة وأهل البدعة ، أهل السنة أهل ~~الرأفة والرحمة ، وأهل البدعة أهل الرهبانية المبتدعة من أنفسهم ، ووصف ~~الله قلوب المتمسكين بسنة الأنبياء بالمودة والشفقة في دينه ومتابعة رسوله ~~، تلك المودة من مودة الله إياهم ، وذلك بالرحمة من رحمة الله عليهم ؛ حيث ~~اختارهم في الأزل ؛ لأنهم خلفاء الأنبياء وقادة الأمة ، ووصف الله ~~المتكلفين الذين ابتدعوا رهبانية من أنفسهم مثل ترك أكل اللحم والجلوس في ~~الزوايا للأربعين عن الإتيان إلى الجمعة والجماعات ؛ لأجل قبول العامة ~~بأنهم ليسوا على الطريق المستقيم ، بل هم متابعون شياطينهم الذين غرتهم في ~~دنياهم بأن زينوا في قلوبهم المحالات والمزخرفات ، وما كتب الله عليهم ~~الابتغاء رضوان الله ، ورضوان الله هو الشريعة والطريقة الأحمدية المحمدية ~~صلى الله عليه وسلم ، ثم وصف لهؤلاء بأن ما ابتدعوها من الرهبانية والمجاهدة ~~والرياضة إذا كانت بغير متابعة السنة صارت متروكة. # قال الله تعالى : ( فما رعوها حق رعايتها ) حيث خرجوا من طريق ~~السنة ، وهكذا حال جهلة زماننا الذين طلبوا الرياسة بالزهد والتعلم والتذكر ~~على رؤوس المنابر ، وقولهم الزور والبهتان ، وطعنهم في ms1537 الأولياء ، فلما ~~فضحهم الله عند الخلق بما في صدورهم من حب الجاه والمال تركوا رهبانيتهم ، ~~ورجعوا إلى ما هم فيه ، والرعاية عند العارفين محافظة الحال عن PageV03P399 # المحال ، ومراقبة الأنوار بعيون الأسرار. # قال سهل : الرهبانية مشتقة من الرهبة وهو الخوف. # قال : معناه ملازمة الخوف ما تعبدناهم به. # قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن خفيف في قوله : ( فما رعوها حق ~~رعايتها ): المريد الحذر من مطالعة علمه يقعده عن إقامة الأحوال الموظفة ، ~~ويجره إلى دواعي المرخص بورود الفترة ، ويحذر أن يورده الإغماض في مناولة ~~الدنيا والمسامحة في أخذها ، فإن الله عليك رقيب ، وقد وصف الله القوم في ~~كتابه بقوله : ( ورهبانية ابتدعوها. ) # ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من ~~رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم (28) لئلا يعلم ~~أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل العظيم (29)) # قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله ) ~~: حقيقة الإشارة مع الشاهدين لله بنعت المحبة وحلاوة الوصلة ، أيها ~~المشاهدون اتقوني فيما وجدتم مني من لذة الوصال ، والشغف بالجمال حتى لا ~~يحجبكم عن السير في أنوار أزالي وآبادي ، والسباحة في بحار ذاتي بسفن العجز ~~، فمن احتجب لي عني فهو منقطع عني ، واقتدوا بسنة الأنبياء والمرسلين ~~والمشاهدين والعارفين فيها وجد مني ، واستقام في طلب المزيد ، وما احتجب به ~~عني حيث استغفر في كل يوم سبعين مرة من الخطاب الوقوف والسكون في المعروف ، ~~حين سلك مسالك الآزال والآباد بمراكب الاصطفائية الأزلية. # ( يؤتكم كفلين من رحمته ) نصيبين أي : عينين من عيون ذاتي وصفاتي ~~، فتروني بالعين الصفاتية مشاهدة صفاتي ، وبالعين الذاتية مشاهدة ذاتي ، ~~كما أتى حبيبه هذين الكفين ، وهاتين العينين وبهما رآني ، وبهما عرفني. # ( ويجعل لكم نورا تمشون به ): يعطيكم نورا من نوره يمشون بمركبه ~~في ميادين الأزل والأبد بنعت المعرفة والمحبة. # ( ويغفر لكم ): قصور إدراككم حقيقة وجوده. # ( والله غفور رحيم ): «غفور» بحيث هداكم إلى نفسه ، «رحيم» بأنه ~~يغيثكم من ms1538 الاستهلاك والاستغراق في بحار عظمته ، ويبقيكم به بعد الفناء فيه ~~حتى تعيشوا في مشاهدة جماله أبدا. PageV03P400 # قال الجنيد : أي : يا أيها الموحدون اتقوا الله ألا يسلبكم حلاوة معرفته ~~وسرور محبته ، وآمنوا برسوله أي : اقتدوا به في محبته لمولاه واستسلام نفسه ~~إليه يؤتكم كفلين من رحمته نورا من نوره تقوون به في ذكره ، ونور تقوون به ~~على مشاهدته ، ويؤيدكم بنوره الساطع في أرواح أهل محبته الذي به يقومون على ~~استماع كلامه ، والتمتع بمخاطبته ، ويغفر لكم ذنوبكم ملاحظتكم أنفسكم. # قال سهل في قوله : ( يؤتكم كفلين من رحمته ): هو السر والعين ، ~~فالسر سر المعرفة ، والعين عين الطاعة. # وقال الأستاذ : نصيبين من فضله عصمة ونعمة ، فالعصمة من البقاء عنه ، ~~والنعمة في البقاء به ، ثم أن الله سبحانه بين أن الوصول إلى هذه المقامات ~~من النبوة والولاية لا يكون إلا بفضله وهدايته وإرادته وقدرته بقوله : ( ~~ لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل ~~بيد الله يؤتيه من يشاء ): أخرج فضله من الاكتساب وعلل الجهد والطلب ، ~~يؤتي هذه الكرامات من يشاء من عباده المصطفين في أزله بالعناية والكفاية ، ~~( والله ذو الفضل العظيم ): ذو العطاء في الأزل إلى الأبد عظم ~~فضله بعظمته ، والفضل العظيم ما لا ينقطع عن المنعم عليه أبدا. ### | سورة المجادلة # بسم الله الرحمن الرحيم # ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله ~~يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير (1) الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن ~~أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ~~وإن الله لعفو غفور (2) والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا ~~فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير (3) ~~فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ~~ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم ~~(4) إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا ~~آيات بينات وللكافرين عذاب ms1539 مهين (5)) PageV03P401 # ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ): بين الله سبحانه في ~~أول هذه السورة مقام الانبساط حيث انبسطت المجادلة مع الحبيب ، ثم استحسن ~~الله انبساطها ومجادلتها حين خلصت من الالتفات على غيره بقوله : ( ~~وتشتكي إلى الله ) أي : لا إلى غير الله ومنزل الشكوى مقام النجوى وبين ~~النجوى والشكوى انبسطت إلى المولى ، ثم زاد الكرم في إظهار فضله عليها حين ~~سمع كلامها وأجابها بخطابه ، فأين أنت من مقام الشكوى عنه عنده به له عليه ~~، والنجوى في السر وسر السر وبث الحزن والعربدة في الانبساط حتى يسمع منك ~~سبحانه نجواك وانبساطك ، وأعطاك سؤلك ومأمولك أنه سبحانه إذا اصطفى عبدا من ~~عبيده لا ينظر إلى ضعفه وكسبه ونسبه وسببه وحسنه وقبحه وعمله وعلمه ، وأنه ~~رجل أو امرأة ، بل ينظر إلى أسراره المنبسطة على بساط الربوبية بنعت الذل ~~والخضوع ، وينظر إلى طلبات سره وهيجان قلبه وحركات روحه ، وتوجهه إليه بنعت ~~الإقبال عليه ، فيقبله بحسن إقباله ، ويراعيه بكشف مشاهدته ، ويصرف عنه ~~هجوم عساكر قهر امتحانه ويومئ قلبه إلى قرب قربه ومعادن جوده ، فيملأ من ~~نور العرفان ، وسنا الإيقان وضياء الإيمان ، ويطيبه بطيب محبته حتى يطير ~~بجناح لطفه في هواء هويته وبساتين مشاهدته ، فيجتني من أشجار حقائقها ثمرات ~~الزلفات والمداناة ، فيقوى بها في حمل واردات التجلي والتدلي. # قال الأستاذ : لما صدقت في شكواها إلى الله ، وأيست من استكشاف ضرها من ~~غير الله أنزل الله في شأنها هذه الآية. # ( يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه ~~والله على كل شيء شهيد (6)) # قوله تعالى : ( أحصاه الله ونسوه ): أخبر الله سبحانه عن عظيم ~~إحاطته بالضمائر والخاطر وذرات الوجود من الأزل إلى الأبد بحيث لا يعزب عن ~~عمله وإحاطته مثقال ذرة في السماوات والأرض. # قال الله : ( والله على كل شيء شهيد ): شاهد الأشياء بعلمه الذي ~~شاهده كينونتها في الأزل ، فأوعد العباد ، وحذرهم في مراقبته من اطلاعه بما ~~كان وما يكون ، وبين غفلة العباد عن ذلك ؛ حيث نسوا ما فعلوا ، وما حاسبوا ~~أنفسهم قبل أن يحاسبوا. ms1540 # قال بعضهم : من نسى جرائمه ، ولم يكثر عليها بكاؤه ، ولم يتأسف عليها ~~بالندم ، وطلب التوبة فقد ضيع عمره ؛ لأن الله أحصى عليه أعماله وسيرتها ~~إياه في المشهد الأعظم حين لا ينفع توبة تائب ، ولا يسمع دعاء داع ، ولا ~~يقبل معذرة معتذر ، قال الله : ( أحصاه الله PageV03P402 # ونسوه ) # ( ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من ~~نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر ~~إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء ~~عليم (7) ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون ~~بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون ~~في أنفسهم لو لا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير (8)) # قوله تعالى : ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ): المعية ~~بالعلم عموم ، وبالقرب خصوص ، والقرب بالعلم عموم ، وبظهور التجلي خصوص ، ~~وذلك دنو دنا فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ، فإذا ارتفع الأين والبين ~~والمكان والجهات ، واتصلت أنوار كشوف الذات والصفات بالعارف ، فذلك حقيقة ~~المعية ؛ إذ هو سبحانه منزه عن الانفصال والاتصال بالحدث ، لو ترى أهل ~~النجوى الذين مجالستهم لله وفي الله لترى من وجوههم أنوار المعية أين أنت ~~من العلم الظاهر الذي يدل على الرسوم! ألم يعلم أن علمه أزل وبالعلم يتجلى ~~للمعلومات ، فالصفات شاملة على الأفعال ، ظاهرة من مشاهد المعلومات ، فإذا ~~كانت الذات لا تخلو من قرب الصفات كيف تخلو عن قرب الذات الأرواح العالية ~~المقدسة العاشقة المستغرقة في بحر وجوده؟! لا تظن في حقي أني جاهل بأن ~~القديم لا يكون محل الحوادث ، فإنه حديث المحدثين ، اعبر من هذا البحر حتى ~~لا تجد الحدثان ، ولا الإنسان في مشاهدة الرحمن. # قال الحسين : اصحب أقواما بأرواح طاهرة ، وملاحظات دائمة ، وأنوار قائمة. # قال : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم علما وحكما ، لا نفسا وذاتا. # قال النصرآبادي : من ms1541 شهد معية الحق معه زجره عن كل مخالفة وارتكاب كل ما ~~لا يجب ، ومن لا يشاهده معية ، فإنه مخطئ إلى الشبهات والمحارم. # ( يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ~~ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون (9)) # قوله تعالى : ( وتناجوا بالبر والتقوى ) أي : تناجوا ببذل ~~الأرواح لله ، وتزكية الأشباح في طاعة الله. # قال سهل : بذكر الله ، وقراءة القرآن ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن ~~المنكر. PageV03P403 # ( إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا ~~إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (10)) # قوله تعالى : ( إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين ): هذا ~~شيطان يناجي النفس الأمارة ، ويزين لها المعارضات والشك ؛ ليحزن القلب ~~والروح من نجواهما وإلقاء العدو وهواجس النفس ، ويتقاعدان من شؤم معارضتهما ~~والحزن وضيق الصدر من الطيران والسيران في عالم الملكوت ، ونجواهما لا تضر ~~بالروح والقلب ؛ فإنهما محروسان برعاية الحق وتأييده (1). # قال سهل : هو إلقاء من العدو إلى نفس الطبع ، كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : «للملك لمة وللشيطان لمة» (2). # ( يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا ~~يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين ~~أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير (11)) # قوله تعالى : ( فافسحوا يفسح الله لكم ) أي : وسعوا بساط قلوبكم ~~ومجالس صدوركم من ضيق الحدوثية ، وتضائق النفوسية لموارد تجلي القدم بنعت ~~ألا يبقى لغير نظر الحق شيء دون الحق ، يفسح الله لكم بساط قربه ، ومجالس ~~أنسه وحجال قدسه. # قال فارس : وسعوا لقبول الحق ، يمن الله عليكم بالحقيقة. # قوله تعالى : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم ): الإيمان محل ~~المشاهدة ، والمشاهدة محل العين ، والعلم عين المعرفة ، فصاحب عين العلم ~~وصاحب عين المشاهدة في درجات ، فإذا كان مع العلم عين فالعلم مع العين أقوى ~~من العين بلا علم ، وذلك العلم يكون بعد العين ، فإذا كان قبل العين ليس ~~بعلم حقيقي ، إنما حقيقة العلم ما يستفاد من المشاهدة والعين لذلك. # قال : ( والذين أوتوا العلم درجات ): وفيه إشارة أخرى أن لأهل ms1542 ~~العلم درجات ، وليس لأهل العين درجات ؛ إذ لا يبقى لهم مسلك في القدم ~~لتلاشيهم فيه. PageV03P404 # ( يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي ~~نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم (12) ~~أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم ~~فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون ~~(13) ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ~~ويحلفون على الكذب وهم يعلمون (14) أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما ~~كانوا يعملون (15) اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين ~~(16) لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون (17) يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون ~~أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون (18)) # قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا ~~بين يدي نجواكم صدقة ) إن الله سبحانه أدب أهل الإرادة بهذه الآية ألا ~~يتناجوا شيوخهم في تفسير إلهام واستفهام علم المكاشفة والأسرار ، إلا بعد ~~بذل وجودهم لهم والإيمان بهم بشرط المحبة والإرادة ، فإن الصحبة بهذه الصفة ~~أزكى وأطهر خيرا لقلوبهم ، وأطهر لنفوسهم ، فإن ضعفوا عن بعض القيام ~~لحقوقهم ومعهم الإيمان والإرادة ، وعلموا قصورهم عن أداء الحقوق بالحقيقة ، ~~فإن الله يتجاوز عن ذلك التقصير ، وهو رحيم بهم بأنه يبلغهم إلى درجات ~~الأكابر قال الله : ( فإن لم تجدوا. ) # ( استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا ~~إن حزب الشيطان هم الخاسرون (19) إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في ~~الأذلين (20)) # قوله تعالى : ( استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ): إذ ~~رأى الشيطان أن ينبت في سبحة أرض النفس الأمارة حنظل الشهوة يثبت إليها ، ~~ويغريها إلى إنقاذ مرادها ، فتكون النفس مركبة ، فيهجم على بلد القلب ~~ويخربه ، بأن يدخل فيه ظلمات الطبيعة وظلمات الشيطان ، ولا يرى عن القلب ~~مسلك الذكر وصفاته ، فلما احتجب عن الذكر صار وطن إبليس وجنوده ، غلب ~~الملعون ms1543 عليه ، وهذا يكون بإرادة الله سبحانه ، وسببه اشتراء غرور الملعون ~~وتزيينه ، بأن يلابس أمر الدين بأمر الدنيا ، ويغويه من طريق العلم ، فإذا ~~لم يعرف دقائقه صار فريسة الشيطان. # قال شاه الكرماني : علامة استحواذ الشيطان على العبد أن يشغله بعمارة ~~ظاهره من PageV03P405 # المأكل والملابس ، ويشغل قلبه عن التفكر في آلاء الله ونعمه عليه ، ~~والقيام بشكره ، ويشغل لسانه عن ذكر ربه بالكذب والغيبة والبهتان ، ويشغل ~~قلبه عن التفكر والمراقبة بتدبير الدنيا وجمعها ، ويمنعه أكل الحلال ويرزقه ~~الحرام. # ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز (21)) # قوله تعالى : ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ) أي : كتب على نفسه ~~في الأزل أن ينصر أولياءه على أعدائه من شياطين الظاهر والباطن ، ويعطيهم ~~رايات نصرة الولاية ، فحيث تبدو راياتهم التي هي سطوع نور هيبة الحق من ~~وجوههم صار العدو مغلوبا بتأييد الله ونصرته. # قال أبو بكر بن طاهر : أهل الحق لهم الغلبة أبدا ، ورايات الحق تسبق ~~الرايات أجمع ؛ لأن الله جعلهم أعلاما في خلقه ، وأوتادا في أرضه ، ومفزعا ~~لعباده ، وعمارة لبلاده ، فمن قصدهم بسوء أكبه الله لوجهه ، وأذله في ظاهر ~~عزه ؛ لذلك قال جل من قائل : ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي. ) # ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في ~~قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون (22)) # قوله تعالى : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون ~~من حاد الله ورسوله ): وصف الله المؤمنين المخلصين في إيمانهم الصادقين في ~~محبتهم وإرادتهم قرب الله وقرب أوليائه أنهم لا يحبون غير من يقبل بكليته ~~على الله ، ولا يطيقون أن ينظروا إلى وجوه المخالفين لأمر الله ، وإن كانوا ~~آباءهم أو أبناءهم ؛ لأنهم آثروا الله على من دونه ، وذلك بأن الله غرس ~~أشجار التوحيد والمعرفة في قلوبهم ، وتجلى لأرواحهم من نفسه ، فصار معنى ~~حقيقة التجلي ms1544 منفق شافي نفس أرواحهم وعقولهم بقوله : ( أولئك كتب ~~في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ) (1): كتب بصفاته في قلوبهم بنعت ~~ظهورها في قلوبهم ، فعرفتها القلوب PageV03P406 # برؤيتها ، فسكنوا إليها ، واستلذوا رؤيتها ، فأيدهم الله بتجلي ذاته ~~لأرواحهم ، وما أبقاهم في رؤية الصفات ، بل أغرقهم في قاموس الذات ، فوجدوا ~~فيها جواهر أسرار الربوبية وحقائق أنوار الألوهية ، وذلك الوجدان ، بأنه ~~نفخ من روح الأزل في أرواحهم روح المعارف ، فصارت أرواحهم مؤيدة بروح منه. # قال الحسين : أقبل عليهم بنظره ، وملكهم بقدرته ، وأحصاهم بعلمه ، ~~وأحاطهم بنوره ، ودعاهم إلى معرفته. # قال الواسطي : هو الذي كتب الإيمان في قلوب المؤمنين ؛ ليكون أثبت وأبقى ~~لوقوع المناسبات. # وقال : الإيمان سواطع الأنوار ، وله لمعة في القلوب ، ومكين معرفته حملت ~~السرائر في الغيوب. # وقال النصرآبادي : كتابه من الحق ، ونقش منه كتبها ونقشها في قلوب ~~أوليائه ، ثم أطلعه عليها ، فقرأه كل قارئ وغير قارئ لعناية الحق فيه ~~مستترة. # قال سهل : الكتاب في القلب موهبة الإيمان التي وهبها لهم قبل خلقهم في ~~الأصلاب والأرحام ، ثم أبدأ سطوا من النور في القلب ، ثم كشف الغطاء عنه ~~حتى أبصر ببركة الكتابة به ، ونور الإيمان المغيبات. # وقال : حياة الروح بالتأييد ، وحياة النفس بالروح ، وحياة الروح بالذكر ، ~~وحياة الذكر بالذاكر ، وحياة الذاكر بالمذكور ، ثم وصفهم الله بأنهم أنصار ~~الله في دينه الذي فازوا بالظفر في الله على نفوسهم وعلى كل عدو بقوله : ( ~~ أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ) (22): حزب الله أهل ~~معرفته ومحبته وأهل توحيده الفائزون بنصرة الله من مهالك القربان ومصارع ~~الامتحانات ، وجدوا الله بالله ، إذا ظهر واحد منهم ينهزم المبطلون وينكسر ~~المغالطون ؛ لأن الله ألبس على وجوههم نور هيبته ، وأعلى لهم أعلام عظمته ، ~~يفر منهم الآساد ، وتخضع عندهم الشامخات ، كلأهم بحسن رعايتهم ، ونورهم ~~بسنا قربه ، ورفع لهم أذكارهم في العالمين ، وعظم أقدارهم ، وكتم أسرارهم. # قال سهل : الحزب الشيعة ، وهم الأبدال ، وأرفع منهم الصديقون ، إلا أن ~~حزب الله هم الغالبون ، وارثون لأسرار علومه ، المستشرفون على معادن ~~ابتدائهم إلى انتهائهم PageV03P407 # هم المفلحون. # قال الحسين : حزب الله ms1545 الذين إذا نطقوا بهروا ، وإن سكنوا ظهروا ، وإن ~~غابوا حضروا ، وإن ناموا سهروا ، وإن كملوا فكملوا ، وإن نجت عنهم علل ~~التخليط فطهروا ، أولئك حزب الله إلى آخره. # قال أبو سعيد الخراز : حزب الله قوم علاهم البهاء والبهجة ، فنعموا ، ولم ~~يحتملوا الأذى ، وصاروا في حرزه وحماه ، فغلب نورهم الأنوار أجمع ، وغلب ~~مقامهم المقامات أجمع وهمومهم الهمم أجمع ، فكانوا في عين الجمع مع الحق أبدا. # وقال ابن عطاء : إن لله عبادا اتصالهم به دائم ، وأعينهم به قريرة أبدا ~~لا حياة لهم إلا به ؛ لاتصال قلوبهم به والنظر إليهم بصفاء اليقين ، ~~فحياتهم بحياته موصولة لا موت لهم أبدا ، ولا صبر لهم عنه لا تقدس أرواحهم ~~، فعلقها عنده ، فثم مأواها قد غشى قلوبهم من النور ما أضاءت به ، فأشرقت ~~ونما زيادتها على الجوارح ، وصاروا في حرزه وحماه أولئك حزب الله إلخ. # قال رويم : صفتهم أنهم اطمأنوا إلى الله ، وهم أولياء الله وخاصته ، ~~وأمان بلاده فأعين قلوبهم ناظرة إلى ربهم ، وآذان قلوبهم سامعة منه ، وهم ~~الذين اصطفاهم الله واختارهم وهداهم إلى نفسه ، وسترهم عن خلقه أولئك حزب ~~الله إلخ. ### | سورة الحشر # بسم الله الرحمن الرحيم # ( سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1)) # ( سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ): قدس الله كل ذوات ~~الأرض والأشباح والأجسام والحياة ، بلسان العقول ، ووجدان نور الإيجاد ، ~~ومباشرة أفعاله ؛ لأنه تعالى خص ذوي العقول برؤية نور الصفات في الأفعال ، ~~وهيجهم ذلك إلى تقديسه وتنزيهه من علل الحدثان ، ذلك تعريف نفسه إياهم ~~بظهور الصفة في الفعل ، فعرفوه ، ثم قدسوه ، وخص ما دونهم من ذوي الحياة ~~بمباشرة نور الله ، فوهبها منها أرواحا مسبحة ، وكذلك الجمادات لها لسان ~~الفعل يصف بها الحق ، وتنزهه الجمادات ، وسر عجيب لا يعرفه إلا من يفقه قول ~~الله سبحانه : ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده )، ومن عظم قدر ذلك ~~السر واللسان والوصف والتقديس شدد الأمر في إدراكها بقوله : ( ولكن ~~لا تفقهون تسبيحهم. ) PageV03P408 # ( هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول ms1546 الحشر ~~ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث ~~لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ~~فاعتبروا يا أولي الأبصار (2) ولو لا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار (3) ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن ~~يشاق الله فإن الله شديد العقاب (4) ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة ~~على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين (5)) # قوله تعالى : ( فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ): لما تمكن ~~الأعداء في شر نفوسهم لم يحتسبوا أن الله سبحانه يقلعهم عن ذلك ، ويخذلهم ~~بنفسه ، وذلك أضراب جسام قهريات في ظهور عظمته على وجودهم ، فاستأصلهم من ~~حيث لا يعرفون ، كقوله : ( سنستدرجهم من حيث لا يعلمون )، أتاهم ~~بكشف نعت قهر عظمته عن طريق الأزل الذي أنسه سبيله عن إدراك عقول الغفلة ، ~~ولو رأوه بلسان العظمة هان عليهم المصائب ، لكن ليسوا من أهل معرفته ، ~~فقهرهم بقهر عزته ، فأتاهم ، ولم يروه ، ولم يعرفوه ، ولم يجدوا منه إلا مس ~~قهره في قلوبهم ، بقوله : ( وقذف في قلوبهم الرعب )، فحجبهم الرعب ~~عن مشاهدته ، وذلك الرعب أورث لهم تخريب قلوبهم بمعول الضلالة والغباوة ، ~~فلما وجدوا طعم الرعب هربوا من سلطنته ، كشف العظمة ، وسقطوا في أودية ~~الأهواء وظلماتها ، وهذه سنة الله على من أدبر عنه بعد الإقبال عليه ، ~~يعذبهم بنفسه كما هداهم إليه بنفسه ، وهذه أعظم العقوبة ، ألا ترى إلى قوله ~~: ( فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من ~~العالمين )، وفيه إشارة عين الجمع ؛ لأن إتيان حبيبه إليهم هو إتيانه ، ~~فبذلك خوف العباد المعتبرين بمثل هذه المكريات القهريات ، بقوله : ( ~~ فاعتبروا يا أولي الأبصار ): يا أولي المعرفة بي والأبصار ~~والبصيرة التي هي منورة بكحل نور مشاهدتي ، وخافوني إن كنتم عارفون بي ، ~~وهذا كما قال : ( ويحذركم الله نفسه ) # قال سهل في قوله : ( يخربون بيوتهم بأيديهم ) أي : قلوبهم بالبدع ~~يا أولي الفهم والعقل عن الله. # قال يحيى بن معاذ : من يعتبر بالمعاينة لم ينتفع بالموعظة ، ومن اعتبر ~~بالمعاينة استغنى ms1547 عن الموعظة ، قال الله : ( فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار. ) PageV03P409 # ( وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ~~ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير (6)) # قوله تعالى : ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله ~~وللرسول ): تفسيره بلسان الإشارة أن ما ينكشف بالبداهة من عالم الملكوت ~~والجبروت ، وأسرار الغيوب ، وكشوف الصفات ؛ لظهور الذات ، ونزول الكلام ~~والخطاب بالبداهة التي ليس فيها مراقبة العارفين ، ولا ترصد قلوب المحبين ، ~~إلا مطالبة الشاهدين ، ولا قصور المريدين ، بل سد بحار أنوار الألوهية ، ~~وأسرار الملكوتية ، وغلبات سيول عيون الجبروتية ، فلله منها نصيب بأن ~~يكتمونه ، ولا يخبرون بذلك أحدا سترا على الأسرار ، وخوفا من غيرة الجبار ، ~~ألا ترى كيف وصف النبي صلى الله عليه وسلم بعض الملائكة التي رآهم ليلة ~~المعراج ، فأمسك لسانه من الوصف ، وقال : # «إلى هاهنا أمرت» (1)، وما لرسول منها أن يكون بعضا من مقاماته لا يجوز ~~أن يخبر عنه ؛ فإنه محل ستر الله وغيرته على حبيبه صلى الله عليه وسلم ، وما ~~للمكاشف الذي هو نائب الأنبياء ، هو يتصرف بنفسه كما يشاء ، فيؤثر لنفسه ~~الخوالص والأسرار فيكتمها ، وما يوافق قلوب أهل الصحبة يخبرهم منه وهم على طبقات. # ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ~~وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد ~~العقاب (7) للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا ~~من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون (8) والذين تبوؤا ~~الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما ~~أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون (9) والذين جاؤ من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم ~~(10) ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من ms1548 أهل الكتاب ~~لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله ~~يشهد إنهم PageV03P410 # لكاذبون (11) لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ~~ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون (12)) # ( ولذي القربى ): الذين شاركوا بعض مقاماته ، وهم أهل القربة ~~الأعزة في الصحبة. # ( واليتامى ): هم الذين تقطعوا مما دون الحق إلى الحق ، فبقوا ~~بين الفقدان والوجدان طلاب الوصول. # ( والمساكين ): هم الذين لهم بلغة المقامات ، وليسوا متمكنين في ~~الحالات. # ( وابن السبيل ): وهم الذين سافروا من الحدث إلى القدم ، فيلاطف ~~قلوبهم بما وجدوا من الله حتى تكون لهم عونا في طيرانهم إلى الله ، ~~وسيرانهم في أنوار الله ، ثم وصف من بينهم المساكين تأكيدا وتشريفا لهم ~~ومحبته إياهم ، بقوله : ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ~~ديارهم ): وصف المهاجرين بأنهم تركوا ما دون الله لله ، وخرجوا من نفوسهم ~~وحظوظهم بالله لله ، ويقبلون عليه بالكلية ، يبتغون المعرفة بالله من الله ~~، والوصول إليه بنعت الرضا ، وذلك قوله : ( يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا )، ثم وصفهم بالصدق في آخر الآية بقوله : ( أولئك هم ~~الصادقون ) أي : صادقون في محبة الله ، وخدمة حبيبه صلى الله عليه وسلم ، ~~ونصرة أوليائه ، ما أطيب عيشهم في فقرهم ؛ حيث افتقروا إلى الله ؛ لطلب ~~قربه ووصاله ، والله سبحانه يراعيهم ، ويجعلهم ملوكا ، ويخدمهم الأغنياء ~~تشريفا لهم وتقريبا. # قال ابن عطاء : هم الذين تركوا كل علاقة وسبب ، ولم يلتفتوا من الكون إلى ~~شيء ، وفرغوا أنفسهم لعبادة ربهم ، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم . # قال الخراز : من عطف بقلبه على شيء سوى ربه فليس بفقير ؛ لأن الله يقول : ~~( للفقراء المهاجرين. ) # وسئل الحسين : من الفقراء؟ قال : الذين وقفوا مع الحق راضين على جريان ~~إرادته فهم. # قوله تعالى : ( والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم ): أثنى ~~الله سبحانه على الفقراء ، ووصفهم بأحسن الوصف ؛ إذ كانوا صادقين في فقرهم ~~، ثم أثنى على الأغنياء به لصدقهم في غنائهم ، ووصفهم بالإيمان والمعرفة ~~بالله من قلوبهم ، ولزومهم مواضع قربته ، وخفض جناحهم لإخوانهم من الفقراء ~~، ومحبتهم مهاجرتهم إليهم وضيافتهم بقوله : ( يحبون من هاجر إليهم ms1549 ~~)، ثم وصف أن صدورهم مقدسة من الشح والبخل والبغض والغش PageV03P411 # والحسد وحب الدنيا بقوله : ( ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ~~)، ووصفهم بالسخاوة بقوله : ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم ~~خصاصة ): بين في الآيتين شرف المقامين من الفقر والغنى ، الذين هم مقام ~~أمناء الله الذين لم يبق في قلوبهم من حب الدنيا ومالها وجاهها ذرة ، وهم ~~الموصوفون في آخر الآية بقوله سبحانه وتعالى : ( ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون ) أي : من صار حبيبه مقدسا من حرص نفسه ظفر برؤية ربه. # قال سهل : حرص نفسه على شيء ، هو غير الله والذكر له ، فأولئك هم الباقون ~~مع من أحيى بحياته. # سئل أبو الحسن البوشنجي عن الفتوة؟ قال : الفتوة عندي ما وصف الله به ~~الأنصار من قوله : ( والذين تبوؤا الدار. ) # قال ابن عطاء : يؤثرون به جودا وكرما. # ( ولو كان بهم خصاصة ): يعني جوعا وفقرا (1). # وقال الحسين : من رأى لنفسه ملكا لا يصح له الإيثار ؛ لأنه يرى نفسه أحق ~~بالشيء برؤية ملكه ، إنما الإيثار لمن يرى الأشياء للحق ، فمن وصل إليه فهو ~~أحق به ، فإذا وصل شيء من ذلك إليه يرى نفسه ويده فيه يد غصب ، أو يد أمانة ~~يوصلها إلى صاحبها ، ويؤديها إليه. سئل سهل عن شرائع الإسلام؟ فقال : ( ~~ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن ~~الله شديد العقاب. ) # نعم ما قال الشيخ : ما أتاكم الرسول من خبر الغيب ومكاشفة الرب ، فخذوه ~~باليقين ، وما نهاكم عنه من النظر إلى غير الله ، فانتهوا. # ( لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون (13)) # قوله تعالى : ( لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ): وصف الله ~~المؤمنين بإسالة PageV03P412 # إياهم رداء عظمته ، وتعظيمهم في عيون الكفرة والأضداد ، حتى فزعوا من ~~رؤوسهم ، ولو أنهم تحققوا في معرفة الله لخافوه ولم يخافوا غيره ، فلما لم ~~يصلوا إلى معرفة الله صارت أقدار الخلق أعظم من قدر الله في قلوبهم ، وذلك ~~قوله : ( ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ) أي : لا يعرفون عظمة الله ~~وقدرته ، فزعهم ms1550 ، وخوفهم بالواسطة من الله ، وهم لا يفقهون أن ذلك الخوف من ~~لباس عظمة الله عليهم ، فما داموا لم يكونوا من أهل رؤية عظمته صرفا ألجأهم ~~الفزع منه بالواسطة. # قال الواسطي : لا يفقهون أن في ترك الدنيا مشاهدة الآخرة ، وفي مشاهدة ~~الآخرة رفض الدنيا ، كما أن في مشاهدة الثانية وحضوره زوال عزة النفس ، وفي ~~مطالعة صفات الله سقوط صفات العبد ، وملاحظة الحق لا يقاربها حب الدنيا ، ~~ولا عزة النفس ، ولا رؤية الأفعال ، ولا رؤية الصفات ، فما دامت الشواهد ~~والأعراض على سره أثر لم يفقهه ، ألا ترى الله يقول : ( لأنتم أشد ~~رهبة في صدورهم من الله )، والحق إذا تجلى لقلب عبد أذهب عنه أخطار ~~الأكوان وأهلها. # ( لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم ~~بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (14) كمثل ~~الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (15) كمثل الشيطان ~~إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين ~~(16) فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين (17) يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله ~~خبير بما تعملون (18)) # قوله تعالى : ( تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ): وصف الله قلوب ~~المخالفين بالتشتت والتفرق في نياتهم وقصودهم وأرائهم ، بأنهم لا يرشدون ~~طرق المآب إلى الله ، ولا يتوافقون بقلوبهم ، وإن توافقوا بأبدانهم ، وتلك ~~التفرقة من عينهم عن رؤية محل الصواب. # قال سهل : أهل الحق مجتمعين أبدا موافقين ، وإن تفرقوا بالأبدان ، ~~وتباينوا بالظواهر ، وأهل الباطل متفرقين أبدا ، وإن اجتمعوا بالأبدان ، ~~ووافقوا في الظواهر ؛ لأن الله يقول : ( تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى. ) # ( ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم ~~الفاسقون (19)) # قوله تعالى : ( ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ): ~~حذر الله المؤمنين مما قبل هذه الآية بقوله : ( يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد )، PageV03P413 # من تضييع العبودية والتفريط في مباشرة الشهوات التي حجبتهم عن الله ، ثم ~~زاد ms1551 التخويف في الآية الثانية ، وأمرهم بألا يكونوا كالذين نسوا الله ؛ حيث ~~اشتغلوا بنفاذ شهواتهم ، وطلبهم حظوظ أنفسهم من رؤية الملكوت ، ونسوا طيب ~~العيش مع الله وروح الأنس في مشاهدة الله ، وسكنوا منه بحظوظ النفس ، فلما ~~وجدهم الله ساكنين عنه مشتغلين بغيره ، فأنساهم أنفسهم ؛ حيث لا يعرفونها ، ~~ولا يعرفون طريق رشدها ووصولها إلى معادن الأول ، ولا يرشدهم طريق المآب ~~إليه ، وأي شيء أعظم شقاوة ممن احتجب بنفسه عن الله. # قال سهل : نسوا الله عند الذنوب ، فأنساهم الله الاعتذار وطلب التوبة ، ~~وقد وقعت لي نكتة : بأن الإشارة في الحقيقة إلى المتحدين والمتصفين الذين ~~غلب عليهم سكر الأنائية ، ورأوا وجودهم في عين الجمع ، فمن حدة السكر خرجوا ~~بدعوى الأنائية ، وذلك بأن رؤية الصفة فيهم غلبت على رؤية الذات ، فبقوا في ~~رؤية الصفات عن رؤية الذات ، ثم وقعوا في نور الفعل ، وبقوا عن رؤية الصفة ~~، فطابت قلوبهم بالشطارة ودعوة الأنائية ، وهذا مقام المكر ، فلما سكنوا في ~~هذا المقام ولم يرتقوا إلى مدارج الفردانية أنساهم الله أنفسهم الحديثة حتى ~~لم يروها في البين ، فبقوا بأنائيتهم عن رؤية الحق ، ولولا إنساء الله ~~إياهم أنفسهم لوجدوا مقام العبودية أعلى مما هم فيه ؛ إذ فيه إفراد القدم ~~عن الحدوث وحقيقة صرف التوحيد ، وهو مقام النبي صلى الله عليه وسلم ، حين عبر ~~عن هذا المقام ولم يتعلق ذيل همته بحظ الالتباس والمحبة ، ووصل إلى رؤية ~~الأحدية ، واختيار العبودية بقوله : «أنا العبد لا إله إلا الله» (1). # ( لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون (20)) # قوله تعالى : ( لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة ) أصحاب النار ~~في الحقيقة أصحاب المجاهدات الذين احترقوا بنيرانها ، وأصحاب الجنة أصحاب ~~المواصلات الذين وقعوا في روح المشاهدات ، وفي الظاهر أصحاب النار أصحاب ~~النفوس والأهواء الذين أقبلوا على الدنيا ، وأصحاب الجنة أصحاب القلوب ~~والمراقبات. # قال الحسين : «أصحاب النار» : أصحاب الرسوم بالعادات ، و «أصحاب الجنة» : ~~أصحاب الحقائق والمشاهدات. # ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية ~~الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون (21)) # قوله ms1552 تعالى : ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا ~~متصدعا من خشية PageV03P414 # الله ): في هذه الآية بعض العتاب مع أهل المآب ، بأنهم لا ~~يذوبون تحت موارد الخطاب الأزلي ، ولا يفنون في مشاهدة الصفات ، ولا يرونها ~~عين الذات ، فإن من حقه أن يكون المخاطب بعد متابعة فانيا عن نفسه وعن ~~الكون فيه ، ولو كانت الجبال مقامة في الخطاب لتدكدكت الجبال ، وتدررت ، ~~وانفلقت الصخور الصم ، وانهدمت الشامخات العاديات في سطوات أنواره ، وهجوم ~~سنا أقداره ؛ إذ كل حرف من خطابه أعظم من العرش والكرسي والجنة والنار ~~والأكوان والحدثان ، وذلك بأنها عرفت حقيقته ، وأقرت بالعجز عن حمل هذا ~~الخطاب العظيم ، حيث قال سبحانه : ( فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ) (72)، «ظلمه» قيامه بإزاء القدم ، ~~و «جهله» : قلة معرفته بحقائق العبودية والربوبية ، ولا تخض يا أخي في بحر ~~كلام المتكلمين أن الجبال ليس لها عقل ، فإن هناك أرواحا وعقولا لا يعلمها ~~إلا الله ، قال الله : ( يا جبال أوبي )، لولا هناك ما تقبل ~~الخطاب لما خاطبها ، فإن ببعض الخطاب ومباشرة الأمر تهبط من خشية الله ، ~~قال الله : ( وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما ~~يهبط من خشية الله )، والخشية مكان العلم بالله وبخطابه ، وفيه إشارة أخرى ~~في بيان شرف النبي صلى الله عليه وسلم وأمته ، بأنهم حملوا ما لم تحمله الجبال ~~بقوتها ، هم يحملونه بذوق الخطاب ، وكشف النقاب ، والسرور بالمآب ، فإنهم ~~حملوا بهذا الوجه عظائم كلمات ، لو حملتها الجبال الشامخات لذابت في رياحها ~~، كما قيل : # ولو أن ما بي بالحصا فلق الحصا %~% وبالريح لم يسمع لهن هبوب # قال ابن عطاء : أشار إلى فضله بأوليائه ، وأهل معرفته أن شيئا من الأشياء ~~لا يقوم بصفاته ، ولا يبقى مع تجليه إلا من قواه الله على ذلك ، وهو قلوب ~~العارفين ، فقاموا له به لا بغيره ، وهو القائم بهم لا هم وهكذا. # قال الأستاذ : ليس هذا الخطاب على وجه العتاب معهم ، بل هو على سبيل ~~المدح وبيان تخصيصه إياه بالقوة ، فقال : ( لو أنزلنا هذا ms1553 القرآن ~~على جبل )، لم يطق ، ولنخشع ، وهؤلاء خصصتهم بهذه القوة حتى أطاقوا سماع خطابي. # ( هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن ~~الرحيم (22) هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن ~~المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون (23) هو الله الخالق ~~البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز ~~الحكيم (24)) PageV03P415 # قوله تعالى : ( هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة ~~): هو إشارة غيب الغيب ، والله ظهور الغيب الذي رجوع الوصف إلى الغيب ، ~~ولا نفى معارف وإله تلبيس ومكر تشغل المخاطب عنه بالاسم والرسم ، وإلا هو ~~بيان حق الحقيقة ، وكشفها بنعت الهوية في الغيب ، فأول الخطاب نكرة ، وآخر ~~الخطاب نكرة غيب في غيب ؛ إذ لا يعرف الأزل والأبد ، ثم وصف نفسه بأن غيبه ~~مكشوف لعينه يرى الغيب كما يرى الظاهر ؛ إذ الغيب ظاهر والظاهر غيب ، وهو ~~قوله : ( عالم الغيب والشهادة ): «الغيب» : ما في صميم السر ~~ومكامن روح الروح ونفس النفس ، و «الشهادة» : ما خرج من العدم عالم ~~بالمعلومات الغيبية قبل وجودها ، وبعد وجودها لا يزيد علمه بالغيب علمه ~~بالعلانية ، ولا علمه بالعلانية علمه بالغيب. # قال سهل : «الغيب» : السر ، و «الشهادة» : العلانية ، ثم رجع إلى بيان ~~الهوية التي هي مستورة عن الكل بقوله : ( هو الرحمن الرحيم ): ~~أبرز الصفة بعد غيبوبتها ، ونعت نفسه بالرحمة الواسعة بالمبالغة وتواثيرها ~~الإيجاد وظهورها في الأفعال ، ثم رجع بعد الإظهار إلى ذكر الغيوب في الغيوب ~~، والنكرات في النكرات بقوله : ( هو الله الذي لا إله إلا هو )، ~~ثم أبان الصفة بالفعل بقوله : ( الملك )، ثم أفرد الصفة عن الفعل ~~، فقال : ( القدوس ): مقدس عن مباشرة الحدوثية ، ثم زاد وصف قدسه ~~عن إدراك الحدث وعلل الكون بقوله : ( السلام )، ووصف نفسه بأنه ما ~~من الخائفين بقوله : ( المؤمن )، ثم وصف نفسه أيضا بأنه الصادق في ~~وعده المصدق أولياءه بقوله : ( المهيمن )، ثم زاد في وصفه بأنه ~~العالي عن همم الخلائق الممتنع بذاته عن إدراكهم لا يقوم في كبريائه ~~الحدثان بقوله ms1554 : ( العزيز الجبار المتكبر )، ثم زاد في ذكر قدسه ~~بقوله : ( سبحان الله عما يشركون ): عما يشيرون إليه بالنواظر ~~والخواطر ، ثم زاد وصف غيبه وكنه الكنه ، وعين العين الظاهر بلباس الغيب ، ~~ثم ذكر تأثير ظهوره بإظهار الخلق بقوله : ( هو الله الخالق البارئ ~~المصور )، ثم بين لذاته النعوت والأسامي القديمة المقدسة عن الإشراك ~~والإدراك بقوله : ( له الأسماء الحسنى )، فلما ظهر بهذه الأوصاف ~~ظهرت أنوار صفاته في الآيات ، وألبس أرواح نوره الأرواح والأشباح والأعصار ~~والأدهار والشواهد والحوادث ، فسبحه الكل بألسنة نورية غيبية صفاتية بقوله ~~: ( يسبح له ما في السماوات والأرض )، ثم بين أنه منزه بتنزيهه عن ~~تنزيههم وإدراكهم وعلمهم به بقوله : ( وهو العزيز الحكيم ): ~~«العزيز» : عن الإدراك ، «الحكيم» في إنشاء الأقدار تعالى الله عما أشار ~~إليه الواصف الحدثاني ، واللسان الإنساني. PageV03P416 # قال ابن عطاء : ( القدوس ): المنزه عما لا يليق به من الأضداد ~~والأنداد. # قال بعضهم : ( المؤمن ): الذي لا يخاف ظلمه ، و ( ~~المهيمن ): الحافظ لعباده وإن لم يحفظوا أوامره ، و ( العزيز ): ~~الذي عجز طلابه عن إدراكه ولو أدركوه ذلوا ، و ( الجبار ): الذي ~~خير العباد على ما أراد ، ويصرفهم على يريد. # قال ابن عطاء : المؤمن المصدق لمن أطاعه. # وأيضا قال : لأنه أمن المؤمنين عن خوف ما سواه حتى لم يخافوا سواه. # وقال القسيم : ( البارئ ): الذي لا يتلون بتلون العباد ، ولا ~~ينتقل من صفة الرضا إلى صفة الغضب بتقبيل الكسوة. # وقال ابن عطاء : ( البارئ ): مبتدع الأشياء من غير شيء ، و ( ~~ المصور ): المتمم تصويره على غاية الكمال ، وقال : ( ~~المهيمن ) على سرائر العباد ، فلا تخفى عليه خافية ، و ( السلام ) ~~: هو الذي سلم من النقص والآفات (1). ### | سورة الممتحنة # بسم الله الرحمن الرحيم # ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون ~~إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا ~~بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم ~~بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء ~~السبيل (1) إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم ~~بالسوء ms1555 وودوا لو تكفرون (2) لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة ~~يفصل بينكم والله بما تعملون بصير (3)) # ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) أي : لا ~~تحبوا أنفسكم الأمارة ، فإنها عدوي وعدوكم مبغض عبادتي ومبغضكم ، إذا لم ~~تكونوا مطيقين لها في أنفاد PageV03P417 # شهواتها ، وأنها تعارضكم في مكاشفاتكم وأحوالكم ، ألا ترى كيف قال الله : ~~( وقد كفروا بما جاءكم من الحق )، وأصل عداوة النفس أن تفطمها من ~~مألوفاتها ، وتلزمها في حبس المراقبة والرعاية ، وعلامة حب الله بغض عدو الله. # قال عليه الصلاة والسلام : «أفضل الإيمان الحب في الله والبغض في الله» (1). # قال أبو حفص : من أحب نفسه فقد اتخذ عدو الله عدوه وليا ؛ فإن النفس ~~تخالف ما أمرت به وتعرض عن سبيل الرشد ، ويهلك بحبها ومتبعها في أول قدم. # قوله تعالى : ( وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ) أي : ما ~~أضمرتم في صميم قلوبكم من الميل إلى الهوى ، وما أعلنتم من الميل إلى الحق ~~، وفي الحقيقة ما أخفيتم من دعوى الأنائية ، وما أعلنتم من العبودية ، وهذا ~~الخطاب لصاحب نفس ، وصاحب قلب. # قال أبو الحسين الوراق : بما أخفيتم في باطنكم من المعصية ، وما أعلنتم ~~في ظاهركم للخلق من طاعة. # ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم ~~إنا برآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه ~~لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا ~~وإليك المصير (4) ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت ~~العزيز الحكيم (5)) # قوله تعالى : ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ): أسوة ~~إبراهيم خلة الله والتبرؤ مما دون الله ، والتخلق بخلق الله ، والتأوه ~~والبكاء من شوق الله. # قال ابن عطاء : الأسوة القدوة بالخليل في الظاهر من الأخلاق الشريفة ، ~~وهى السخاوة ، وحسن الخلق ، واتباع ما أمر به على الطرب ، وفي الباطن ~~الإخلاص لله في جميع الأفعال ، والإقبال عليه في كل الأوقات ، وطرح ms1556 الكل في ~~ذات الله. # ( لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ~~ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد (6)) # قوله تعالى : ( لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة ): أسوة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم محبة الله ، ومراقبة الله وترك ما دون الله ، واحتمال ~~واردات الغيب بالله ، والصبر في الله وبالله ولله ومع PageV03P418 # الله ، والتمكين في رؤية الله ، ولزوم العبودية بعد الاتصاف بصفة الله ، ~~فإنه محل التمكين. # قال ابن عطاء : «أسوة» في الظاهر والعبادات دون البواطن والأسرار ؛ لأن ~~أسراره لا تطيق أحدا من الخلق ؛ لأنه بائن الأمة بالمكان وقع الصفة عليه ؛ ~~لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لأنس بن مالك : «احفظ سري» (1). # ( عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله ~~قدير والله غفور رحيم (7) لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ~~ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8) ~~إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا ~~على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون (9)) # قوله تعالى : ( عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين ): هذه إشارة ~~إلى الرفق في مجاهدة النفس ، ربما تطمئن وتعين الروح والعقل والقلب في ~~معرفة الله وطاعته. # قال ابن عطاء : لا تبغضوا عبادي كل البغض ، فإني قادر على أن أنقلكم من ~~البغض إلى المحبة ، كنقلي من الحياة إلى الممات ، ومن الموت إلى النشور. # قال صلى الله عليه وسلم : «أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما ، ~~وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما» (2). # ( يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ~~الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل ~~لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا ~~آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر وسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما ~~أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم (10) وإن فاتكم شيء من ms1557 ~~أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا ~~الله الذي أنتم به مؤمنون (11)) # قوله تعالى : ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر )، أي : لا تأخذوا ~~هواجس النفس PageV03P419 # والشيطان من جهة موافقتهما ومتابعتهما. # قال سهل : لا توافقوا أهل البدع على شيء من آرائهم. # ( يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن ~~بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان ~~يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله ~~إن الله غفور رحيم (12) يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم ~~قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور (13)) # قوله تعالى : ( ولا يعصينك في معروف ): «المعروف» : كل طاعة ~~ونول إلى المعارف والكواشف. # قال ابن عطاء : لا يخالفنك في شيء من الطاعات. ### | سورة الصف # بسم الله الرحمن الرحيم # ( سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1)) # ( سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ): لما عاينوا آيات الله ~~طلبوا فيها مشاهدة الله ، مما وجدوا في أنفسهم تأثير مباشرة نور قدرة الله ~~، فلما وجدوا أنوار تنزيهه ، فقدسوه بما وجدوه أنه بائن بوجوده من الحدثين. # ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) كبر مقتا عند ~~الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3) إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ~~كأنهم بنيان مرصوص (4)) # قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ): حذر ~~الله المريدين أن يظهروا بالدعوى مقامات لم يبلغوا إليها ، لئلا يقعوا في ~~مقت الله ، وينقطعوا عن طريق الحق بالدعوى الباطلة ، وأيضا زجر الأكابر في ~~ترك بعض الحقوق ، ومن لم يؤت الحقوق لم يصل إلى الحق والحقيقة. # قال أبو العباس بن عطاء : من شهد من نفسه نفسا في الطاعات كان إلى ~~العصيان أقرب ؛ لأن النسيان من العمى عن بر المنان ، وأما زجره لأهل الحق ~~والمشاهدة من طريق PageV03P420 # الإشارات بقوله : ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ~~(2) كبر مقتا عند الله أن ms1558 تقولوا ما لا تفعلون ): هذا زجر وتهديد لأهل ~~التحقيق والمشاهدة ؛ إذ ليس للعبد فعل ولا تدبير ؛ لأنه أسير في قبضة العزة ~~يجري عليه أحكام القدرة وتصاريف المشيئة ، فمن قال : فصلت أو أنبت أو شهدت ~~فقد نسى مولاه وأعرض عن بره ، وادعى ما ليس له. # ( وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول ~~الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين (5)) # قوله تعالى : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ): وصف قوما لهم ~~استعداد الطاعة والمعرفة ، وأراهم سبيل الرشد ، وخلق في نفوسهم حظوظ الهوى ~~، فتركوا الحق ، واتبعوا هواهم ، فطمس الله أعين قلوبهم عن مشاهدة الغيب ، ~~وهذه فتنة أهلكت أكثر القاصدين في أوائل قصدهم. # قال جعفر : لما تركوا أوامر الخدمة نزع من قلوبهم نور الإيمان ، وجعل ~~الشيطان إليهم طريقا ، فأزاغهم عن طريق الحق ، وأدخلهم في مسالك الباطل. # وقال الواسطي : لما زاغوا عن القربة في العلم أزاغ الله قلوبهم في ~~الخلقة. # قال الأستاذ : لما زاغوا عن العبادة أزاغ الله قلوبهم عن الإرادة. # ( وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ~~مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما ~~جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين (6) ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب ~~وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين (7) يريدون ليطفؤا نور ~~الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون (8) هو الذي أرسل رسوله ~~بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (9) يا أيها الذين ~~آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (10) تؤمنون بالله ورسوله ~~وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (11)) # قوله تعالى : ( ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ): بشرهم ~~برؤية أحمد صلى الله عليه وسلم وقدومه ؛ لأن في وجهه شروق أنوار الأزل ، ~~وبقدومه ظهرت سواطع نور الأبد ، كان أحمد في علم ما كان بحمد الله سماء ~~أحمد ، بعد أن جعله محمودا بحمده ، ومصباحا منورا ms1559 بنوره ، حمده محمودا ~~بلسان الحق وثنائه ، وذلك اصطفائية خاصة أزلية ، منتهاها المقام المحمود ، ~~وذلك المقام PageV03P421 # دنو الدنو ، والاتصاف بالحق ، والنظر إلى وجهه بحد الاستقامة بلا تغيير ~~ولا تبديل ، وهناك مقام الشفاعة الخاصة الشاملة تشمل الكل بلا سبب ولا علة ~~، وهو خاص له دون غيره من العرش إلى الثرى ؛ لذلك بشر عيسى عليه السلام قومه ~~بقدومه المبارك. # قال ابن عطاء في قوله : ( اسمه أحمد ): قال أحمد الحامدين له ~~حمد ، وأحمد المطيعين له طاعة ، وأحمد العارفين به معرفة ، وأحمد المشتاقين ~~إليه شوقا على نسق قوله : ( أحمد ) (1). # قوله تعالى : ( يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ~~): كيف يطيق الحدث أن يطفئ نور الأزل والقدم ، وهو منزه عن أن يغيره أهل ~~الحدثان إذا شهر نوره على أحد من أهل نوره ، يزيد نوره على نوره عليه ، حتى ~~لا يبقي ذرة من العرش إلى الثرى إلا وهي مملوءة من نوره ، فلذلك النور يقهر ~~الجبارين والقهارين ، ويقربه عيون العارفين والموحدين. # قال بعضهم : جحدوا ما ظهر لهم من صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~فأنكروه بألسنتهم ، وأعرضوا عنه بنفوسهم ، فقيض الله لقبوله أنفسا أوجدها ~~على حكم السعادة قلوبا زينها بأنوار المعرفة ، وأسرارا نورها بالتصديق ، ~~فبذلوا له المهج والأموال ، كالصديق ، والفاروق ، وأجلة الصحابة رضي الله عنه. # ( يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن ~~طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم (12)) # قوله تعالى : ( ومساكن طيبة ): المساكن الطيبة مواضع كشف مشاهدة ~~الجمال ، وقلوب العارفين مساكن الأرواح العاشقة ، طابت وتطيبت بتجلي الحق ~~سبحانه. # قال سهل : «أطيب المساكن» : ما أزال عنهم جميع الأحزان ، وأقر أعينهم ~~بمجاورة رب العالمين. # وقال بعضهم : «طيبة» : بلقاء الله عز وجل . # قال الأستاذ : تطيب تلك المساكن برؤية الحق سبحانه. # ( وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين (13)) PageV03P422 # قوله تعالى : ( وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب ): «نصر ~~الله» : تأييده الأزلي الذي سبق منه للعارفين والموحدين ، و «الفتح القريب» ~~: كشف لقائه ، وانفتاح أبواب وصاله ، بنصره ظفروا على نفوسهم ، فقهروها ~~بخدمته ، وبفتحه أبواب الغيب شاهدوا ms1560 كل مغيب مستورا من أحكام الربوبية ، ~~وأنوار الألوهية. # قال جعفر : بشارة إلى رؤيته في مقعد عند مليك مقتدر. # وقال ابن عطاء : النصر ، والتوحيد ، والإيمان ، والمعرفة ، والفتح القريب ~~، والنظر إلى السبل. # ( يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم ~~للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من ~~بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين (14)) # قوله تعالى : ( فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ): ~~أهل الإيمان القلب ، والعدو هو النفس ، ظفر القلب عليها بتأييد كشوف أنوار ~~سلطان مشاهدة الحق ، فصار غالبا عليها في صباح كشفه ، وطلوع أنوار قربه ، ~~فزالت ظلمها وبقي نوره ؛ لأنه تعالى متمم نوره ومؤيده. ### | سورة الجمعة # بسم الله الرحمن الرحيم # ( يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز ~~الحكيم (1) هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (2) وآخرين منهم ~~لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم (3) ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو ~~الفضل العظيم (4) مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين (5)) # ( يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض ): تسبيحها عجزها عن ~~حمل وارد قهره ؛ حيث تسخرت لأمر القدم بوجودها ، وهي كلها ألسنة أفعاله ~~بقدسه عن محل التهمة ؛ لذلك وصف نفسه بقوله : ( الملك القدوس. ) PageV03P423 # قال الأستاذ : تسبح في بحار توحيد الحق أسرار أهل التحقيق بحرهم بلا شاطئ ~~، فبعدما حصلوا فيها فلا خروج ولا براح ، فحازت أيديهم جواهر التفريد ، ~~فوضعوها في تاج العرفان ، ولبسوه يوم اللقاء. # قوله تعالى : ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ): فضله معرفته ~~ومحبته والاستقامة فيهما بنعت العبودية في مشاهدة الربوبية ، يؤت هذا الفضل ~~من يشاء من عباده المصطفين في الأزل. # قال الجوزجاني : ذلك «الفضل» : هو الأنس بالله ، إذا وجدوا نعمة الإنس ~~نسوا كل نعمة دونه ، إذا وجدوا نعمة فوق كل ms1561 نعمة ، بأن ربهم نعمهم في ~~معرفته ، وهو قوله : ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ) # وقال الحسين : جاد الجواد بجوده لغير علة ، وتفضل بالفضل ، وأتمها بالمنن ~~، وغشاها بالنعم ؛ إذ يقول : ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء )، ~~فقطع بالمشيئة ولحق الأسباب ، فكان الكرم منه صرفا لا يمازجه العلل ولا ~~يكتسبها الحبل ، جاد به في الدهور قبل إظهار الأمور. # ( قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون ~~الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (6) ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم ~~والله عليم بالظالمين (7) قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم ~~تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (8) يا أيها الذين ~~آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم ~~خير لكم إن كنتم تعلمون (9) فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من ~~فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (10) وإذا رأوا تجارة أو لهوا ~~انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله ~~خير الرازقين (11)) # قوله تعالى : ( قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء ~~لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ) حزب الله المدعين في محبته ~~بالموت ، وأفرز الصادقين من بينهم لما غلب عليهم من شوق الله وحب الموت ، ~~فتبين صدق الصادقين هاهنا من كذب الكاذبين ؛ إذ الصادق يختار اللحوق إليه ، ~~والكاذب يفر منه. PageV03P424 # قال صلى الله عليه وسلم : «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن أبغض لقاء ~~الله أبغض الله لقاءه» (1). # وقال الجنيد : المحب يكون مشتاقا إلى مولاه ، ووفاته أحب إليه من البقاء ~~؛ إذ علم أن فيه الرجوع إلى مولاه ، فهو متمني الموت أبدا ، وذلك قوله : ( ~~ إن زعمتم أنكم أولياء لله ) إلخ. # قوله تعالى : ( فاسعوا إلى ذكر الله ): لما جرى حديث البيع ~~والتجارة دعاهم إلى ذكره بنعت السرعة والاستباق ، وإلا دعا الكل في الأزل ~~إلى نفسه ، فإن الذكر عند المذكور حجاب ، والسعي إلى الذكر مقام المريدين ، ~~والمحقق في المعرفة غلب ms1562 عليه ذكر الله إياه بنعت تجلي نفسه لقلبه. # قال النصرآبادي : العوام في قضاء الحوائج في الجمعات ، والخواص في السعي ~~إلى ذكره لاستغنائهم بالغنى لم يبق لهم حاجة لعلمهم بالمقادير قد جرت ، فلا ~~زيادة فيها ولا نقصان ، لكنهم يسعون إلى ذكره سعي مشتاق إلى مذكوره ، يطلب ~~منه محل قربة إليه والدنو منه. # قوله تعالى : ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من ~~فضل الله ): إذا فرغتم من مشقة العبودية فانتشروا في الأرض إلى طلب ~~أوليائي ، وجالسوهم ؛ لتستفيدوا من لقائهم وكلامهم ، الفوائد الغيبية ، ~~والأنباء الملكوتية ، واجلسوا في مجلس السماع والقول ، فهناك فضل الله من ~~الخطاب ، وكشف النقاب. # ( واذكروا الله كثيرا )، أي : إذا فرغتم من جميع ذلك غيبوا ~~بأرواحكم وقلوبكم وعقولكم في بحار الأولية والآخرية ، واذكروه به لا بكم ، ~~واتركوا الذكر هناك بعد رؤية المذكور. # قوله تعالى : ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك ~~قائما ): أخبر الله سبحانه أنهم في أوائل إرادتهم إذا لم يبلغوا إلى حد ~~الاستقامة في الصحبة ، شغلتهم حوائج النفوس عن صحبة النبي صلى الله عليه وسلم ~~، فعاتبهم الله بذلك ، وأمره بأن يخبرهم أن ما عند الله من مشاهدته ولقائه ~~ولذة خطابه ومناجاته خير من جميع الحظوظ بقوله : ( قل ما عند الله ~~خير من اللهو ومن التجارة )، وفيه تأديب المريدين حين اشتغلوا عن صحبة ~~المشايخ بخلواتهم وعباداتهم لطلب الكرامات ، ولم يعلموا أن ما يجدون في ~~خلواتهم بالإضافة إلى ما يجدون في صحبة مشايخهم. # قال سهل : من شغله عن ربه شيء من الدنيا والآخرة فقد أخبر عن خسة طبعه ورذالة PageV03P425 # همته ؛ لأن الله فتح له الطريق إليه ، وأذن له في مناجاته ، فاشتغل بما ~~يفنى عمن لم يزل ولا يزال. وقال أيضا : ما ادخر لكم في الآخرة خير مما ~~أعطاكم في الدنيا. # قال الأستاذ : ما عند الله للعباد والزهاد خير مما نالوه من الدنيا نقدا ~~، وما عند الله للعارفين نقدا من واردات القلوب وبواده الحقيقة خير مما ~~يؤمل في المستأنف في الدنيا والعقبى. ### | سورة المنافقون # بسم الله الرحمن الرحيم # ( إذا جاءك ms1563 المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم ~~إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (1) اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا ~~عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون (2) ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع ~~على قلوبهم فهم لا يفقهون (3) وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع ~~لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله ~~أنى يؤفكون (4) وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤسهم ~~ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون (5) سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ~~لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين (6)) # ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ): من كان ~~صادقا تشهد بصدقه كل ذرة من العرش إلى الثرى ، ومن كان مدعيا كاذبا تشهد ~~بكذبه كل ذرة من العرش إلى الثرى ، وذلك شهادة الله بلسان آياته ، يكذبه ~~الزمان والمكان ، ويفتضح عند كل صادق بما يبدو من وجهه من آثار نفاقه. # قال سهل : أقروا بلسانهم ، ولم يعرفوا بقلوبهم ؛ فلذلك سماهم الله ~~منافقين ، ومن عرف بقلبه وأقر بلسانه ولم يعمل بأركانه ما فرض الله من غير ~~عذر ولا جهل كان كإبليس. # ( هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ~~ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون (7) يقولون لئن رجعنا ~~إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن ~~المنافقين لا يعلمون (8) يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم ~~عن ذكر الله ومن PageV03P426 # يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون (9) وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل ~~أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لو لا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من ~~الصالحين (10) ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون (11)) # قوله تعالى : ( لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ): ~~وصف الله المنافقين بالبخل والحرص والحسد على أمر الدين من قلة معرفتهم ~~بجاههم عند الله ، وحسن عواقبهم عنده ، وسبق عناية الله فيهم ، وخذلان أهل ~~النفاق ، وفي كل موضع فيه نفاق ms1564 ، فالبخل والحسد لازمته. # قال الواسطي : من طالع الأسباب في الدنيا والأعواض في الآخرة لم يفقه ~~قلبه وبقي في حجاب نفسه ومراده ، ألا ترى المنافقين كيف احتالوا بالبخل ~~عليهم بالدنيا ، ولم يعلموا أن ذلك لا يحجبهم عن التوفيق ، وكيف حكى الحق ~~بقوله : ( ولكن المنافقين لا يفقهون ) (7)، ثم بين الله أن له ~~خزائن السماوات والأرض يفتحها لأوليائه ، فيعطيهم من فضله ، ولا يحتاجون ~~إلى من سواه بقوله : ( ولله خزائن السماوات والأرض ): «خزائن ~~السماوات» : قدرته وجبروته ، و «خزائن الأرض» : ملكه وسلطانه ، له في ~~السماوات خزائن قلوب المقربين ، وفي الأرض خزائن قلوب العارفين. # قال الجنيد : «خزائنه في السماوات» : الغيوب ، و «خزائنه في الأرض» : ~~القلوب ، فما انفصل من الغيوب وقع على القلوب ، وما انفصل من القلوب صار ~~إلى الغيوب ، والعبد مرتهن بشيئين : تقصير الخدمة ، وارتكاب الزلة. # قال رجل لحاتم الأصم : من أين تأكل؟ فقال : ( ولله خزائن ~~السماوات والأرض ) (1). # قوله تعالى : ( ولله العزة ولرسوله ): بين الله سبحانه مقام عين ~~الجمع ، وهو ظهور أنوار عزته للأنبياء والمرسلين والعارفين والصادقين ، ~~وباشر نور عزته قلوبهم ، فصاروا متصفين به ، متعززين بعزته ، فعزة الله ~~معدن عزتهم ، وهم مكتسون بكسوة عزه ، فإذا ظهر ذلك النور منهم يتدلل لهم ~~الحدثان والزمان والمكان والإنس والجان والأسد والثعبان والمياه والنيران ~~والأمير والسلطان ، «فعزة الله» : جبروته ، و «عزة الرسول» : برهان نبوته ، و «عزة PageV03P427 # المؤمنين» : نور معرفتهم وولايتهم. # قال الواسطي : «عزة الله» : ألا تكون سبيلا إلا بمشيته وإرادته ، و «عزة ~~المرسلين» : أنهم آمنون من زوال الإيمان ، و «عزة المؤمنين» : أنهم آمنون عن ~~دوام العقوبة. # وقابل ابن عطاء : «عزة الله» : العظمة والقدرة ، و «عزة الرسول» : النبوة ~~والشفاعة ، و «عزة المؤمنين» : التواضع والسخاء. # قوله تعالى : ( لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ): ~~بيان أن من لم يبلغ درجة التمكين في المعرفة ، لا يجوز له الدخول في الدنيا ~~من الأهل والمال ، فإنها شواغل قلوب الذاكرين عن ذكر الله ، ومن كان ~~مستقيما في المعرفة وقرب المذكور فذكره قائم بذكر الله إياه ، وذلك حظه بأن ~~جعله محفوظا من الخطرات المذمومة ، والشاغلات المحجبة ms1565 ، والضعفاء لا يخرجون ~~من بحر هموم الدنيا ، فإذا باشرت قلوبهم الحظوظ والشهوات لا يكون ذكرهم ~~صافيا عن كدوريات الخطرات. # قال سهل : لا تشغلكم أموالكم وأولادكم عن أداء الفرائض في أول مواقيتها ؛ ~~فإن من شغله عن ذكر الله وخدمته عرض من عروض الدنيا فهو من الخاسرين. ### | سورة التغابن # بسم الله الرحمن الرحيم # ( يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد ~~وهو على كل شيء قدير (1) هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما ~~تعملون بصير (2) خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه ~~المصير (3) يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله ~~عليم بذات الصدور (4) ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ~~ولهم عذاب أليم (5) ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر ~~يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد (6) زعم الذين كفروا أن ~~لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير (7) ~~فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير (8) يوم ~~يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه ~~سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها PageV03P428 # أبدا ذلك الفوز العظيم (9)) # ( يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض ): انظر كم قال سبحانه ~~هذه الآية على مبادئ السور ، وهذا عتاب مع المقصرين عن خدمته ، أي : يسبحني ~~وجودك بغير اختيارك ، وأنت غافل من تسبيح وجودك له ، وذلك أن وجودك قائم في ~~كل لمحة بوجوده ، يحتاج إلى الكينونية بتكوينه إياه أين قلبك ولسانك إذا ~~اشتغلا بذكر غيرنا ، وفي الحقيقة لم يتحرك الوجود إلا بأمره ومشيئته ، وتلك ~~الحركة أجابت داعي القدم في جميع مراده ، وذلك محض التقديس ، ولكن لا يعرفه ~~إلا العارف بالوحدانية ، ومن كان محجوبا عن رؤية الحق فهو جاهل به ؛ لذلك ~~قال سبحانه : ( هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن )، فمن وقع ~~نور التجلي في الأزل له وتكون روحه بذلك النور ورأى الحق بنور الحق فهو ms1566 ~~صادق مصدق في قبول ما صدر من الغيب ؛ لأنه أهله ، ومن كان روحه محجوبا عن ~~مشاهدة الوصلة يكون منكرا على ما يبدو له من آيات الله وكراماته وبرهانه ~~وسلطانه. # قال القاسم : خاطبهم مخاطبة قبل كونهم ، فسماهم كافرين ومؤمنين في أزله ، ~~فأظهرهم حين أظهرهم على ما سماهم وقدر عليهم ، وأخبرته علم ما يعملون من ~~خير وشر. # قوله تعالى : ( وصوركم فأحسن صوركم ): بين الله سبحانه في هذا ~~الآية سر مقام التوحيد ، وإفراد القدم عن الحدوث ، وسر مقام عين الجمع ، ~~إذا قال : ( صوركم ) أفرد الوحدة ونعتها بالقدم وأفرد آنيتها عن ~~العلل ؛ إذ العلل بتعليله تكونت ، وإذا قال : ( فأحسن صوركم ) لا ~~يكون حسن الصورة إلا بتجلي حسن فعله ونعته واسمه ونوره وغيبه وصفته وذاته ، ~~فألبسها نعوت الصفاتية وأنوار الذاتية ، فتصورت على رؤية القدم بنعت ما في ~~القدم من علم الغيب وغيب الغيب ؛ لذلك قال عليه الصلاة والسلام : «خلق الله ~~آدم على صورته» (1). # قال الحسين : أحسن الصورة صورة أعتقت من ذل كن وتولى الحق تصويرها بيده ~~ونفخ فيه من روحه ، وألبسه شواهد النعت وجلاه بالتعليم شفاها ، وأسجد له ~~الملائكة المقربين ، وأسكن في المجاورة وزين باطنه بالمعرفة ، وظاهره بفنون ~~الخدمة. # قوله تعالى : ( يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ): الغبن ~~كل الغبن ألا يعرف مكان خطابه والطاقة التي ظهرت له في الدنيا والآخرة ~~بلباس القهريات ومكان PageV03P429 # الامتحان ، وربما زاده الحق في أوحش مقام وهو مشغول الرسم ، ولم يعرف شرف ~~حاله ، فكان مشغولا عنه برسم الاعتذار والعبودية ، فيا رب صفاء في الكدورة ~~، ويا رب مكاشفة في المعصية ، اكتم يا أخي غيب الحق بستر غيره حتى لا يكون ~~السر ظاهرا لأهل الرسوم ، فيسقطون من إيمانهم ، يقع الغبن يوم التغابن لمن ~~كان مشغولا بالجزاء والعطاء ورؤية الأعواض ورؤية المعصية والطاعة ، ومن كان ~~شاهد الحق خرج من وصف الغبن ؛ إذ الغبن من أوصاف من كان غائبا عن مشاهدته ، ~~فإذا استغرق في بحار جماله وجلاله لا يبقى عليه فرح الغبن ، ولا حزن الفوت ~~، إذ الكل غابن له ، وسقط عند ذكر ما ms1567 مضى وما يستقبل ، ولي لسان آخر في ~~التوحيد أن الكل يقع في الغبن ، إذا عاينوا الحق بوصفه وهم وجدوه أعظم وأجل ~~مما وجدوا منه في مكاشفتهم في الدنيا ، فيكونون مبهوتين متحيرين مغبونين ؛ ~~حيث لم يعرفوه حق معرفته ، ولم يعبدوه حق عبادته ، ولا يعرفون أبدا حقيقة ~~المعرفة ، وأي غبن أعظم من هذا ؛ إذ يرونه ولا يصلون إلى وجوده بالحقيقة. # قال ابن عطاء : «تغابن» أهل الحق على مقادير الضياء عند الرؤية والتجلي ، ~~و «التغابن» في رؤية القلب الأعظم وأجل من رؤية الغبن ؛ لأن رؤية الغبن تذهل ~~عن التأمل وهو مقصر عما أطلق لغيره عندها يظهر لكل أحد ، ومن ظهر له الحق ~~بحقه أخرسه من جميع نطقه من منازلته أو منازعته. # ( والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها ~~وبئس المصير (10) ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ~~والله بكل شيء عليم (11) وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على ~~رسولنا البلاغ المبين (12) الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون ~~(13) يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن ~~تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم (14) إنما أموالكم وأولادكم فتنة ~~والله عنده أجر عظيم (15) فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا ~~خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (16) إن تقرضوا الله قرضا ~~حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم (17) عالم الغيب والشهادة ~~العزيز الحكيم (18)) # قوله تعالى : ( ومن يؤمن بالله يهد قلبه ): بين الله سبحانه وصف ~~الفطرة السليمة التي فطرها على قبول ما جاء من الغيب من الأمور العالية ~~المبغلة قلوب العارفين إلى معادنها ، أي : من كان له قلب سليم يقبل قول ~~الحق ويتبع الحق بالحق ، يعرفه الحق طريق الحقيقة ، PageV03P430 # ويرشده إلى نفسه حتى يراه به بلا واسطة. # قال أبو عثمان : من صحح إيمانه بالله يهد قلبه لاتباع سنة نبيه ~~صلى الله عليه وسلم ، وعلامة صحة الإيمان المداومة على السنن ، وملازمة ~~الاتباع ، وترك الآراء ، والأهواء المضلة. # قوله تعالى : ( فاتقوا الله ms1568 ما استطعتم ): خفف الله أثقال ~~التقوى على قلوب المتقين ، وسهل برجاء أنوارها على قلوب العارفين حين ~~استغرقوا في بحار جلاله ولم يدركوا حقيقة كماله ، وكيف يصل الحدث إلى حقيقة ~~القدم ، والكون نزول في أول سطوة من سطوات ظهور عظمته ، خاطب الكل في أوائل ~~أحوالهم بحقيقة التقوى منه ؛ لظهور تذللهم وفنائهم في عزته ، وتعليمه إياهم ~~إنها حق الحق ، وحقوق الحق في المعرفة لا تسقط بضعف الضعفاء ؛ فإن حقه باق ~~، ثم بين عجزهم عن البلوغ إلى منتهاه ، وسهل الأمر عليهم ، ورحمهم بضعفهم ~~عن حمل وارد الحقية. # قال ابن عطاء : هذا لمن رضي عن الله بالثواب ، فأما من لم يرض منه الآية ~~فإن خطابه ( اتقوا الله حق تقاته. ) # قال السري : المتقي من لا يكون رزقه من كسبه. # قوله تعالى : ( إن تقرضوا الله قرضا حسنا ): «القرض الحسن» : ~~يكون لمن يرى الملك ، والملك إلا لله ، ويشاهد الحق بالحق في قصده ، ~~وإقباله على الحق. # قال سهل : «القرض الحسن» : المشاهدة بقلوبكم لله في أعمالكم كما قال ~~صلى الله عليه وسلم : «أن تعبد الله كأنك تراه» (1). # قوله تعالى : ( عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم ) (18): عالم ~~غيب هموم صميم قلوب العارفين من أجله ، وما يجري عليهم من آثارها ، ببذل ~~المهج على علانيتهم ، وهو العزيز بأنه أعزهم في الأزل بعزته ، الحكيم حيث ~~حكم بالعبودية ، وإظهار أنوار الربوبية. ### | سورة الطلاق # بسم الله الرحمن الرحيم # ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة ~~واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة وتلك PageV03P431 # حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا (1) فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ~~وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن ~~يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا (3) ~~واللائي يئسن من المحيض من ms1569 نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم ~~يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره ~~يسرا (4) ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له ~~أجرا (5)) # ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ): خص حبيبه بالخطاب ، وجمع ~~الكل في مضمونه ؛ لأن السيد إذا خاطب خاطب الكل ، فبان شرفه على الجمهور ؛ ~~إذ جمع الجمع في اسمه ، وفيه إشارة الاتحاد ، ومراد الحق سبحانه في تأديب ~~العباد بتطليق نسائهم في زمان الطهر أداء وفاء الصحبة ، ومراعاة ما مضى من ~~زماني الوصلة والاهتمام بالفرقة. # قوله تعالى : ( ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ): إن الله حد ~~الحدود بأوامره ونواهيه ؛ لنجاة سلاكها ، فإذا تجاوز عن حدوده يسقطون عن ~~طريق الحق ، ويضلون في ظلمات البعد ، وهذا أعظم الظلم على النفوس ؛ إذ ~~منعوها من وصولها إلى الدرجات والقربات. # قال إسماعيل بن نجيد : التهاون بالأمر من قلة المعرفة بالأمر. # قوله تعالى : ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث ~~لا يحتسب ) تفسيره بلسان الإشارة أن العارف الصادق الشاهد جلال الحق تبقى ~~منه بألا يصل إليه ؛ لأن نعوته الأزلية ممتنعة من مطالعة الخليقة ، فيتقيه ~~من فقدانه ، فهو تعالى إذا رآه في يأس من الوصول إلى القدم ألبسه نعوته ، ~~وأوصله إليه به ، وذلك ما جعل له مخرجا مما فيه من خوف الفقدان ، ويرزقه ~~ذوق الدنو من حيث لا يحتسب إنه يستحق ؛ لذلك فهو تعالى محمود الكرم لا يخيب ~~رجاء القاصدين إليه ، ثم بين أن من ألقى زمام الإرادة لإرادته في طلبه ~~ويطرح من بين يديه ويعتمد بقوله عليه فهو تعالى يكفي له مأموله منه ، ~~ويرضيه بنفسه من نفسه بحيث يستكمل العبد مراده منه ، وذلك قوله : ( ~~ومن يتوكل على الله فهو حسبه )، ومن أدق الإشارة أن الله سبحانه يقول : ( ~~ ومن يتق الله )، ولم يقل «ومن يتق من عذابه» ، أو «يتق من شيء دون ~~نفسه» ، فخص التقوى أن يكون من نفسه خاصة ، وذلك إذا كان يتجلى بجلاله PageV03P432 # وهيبته وعظمته وكبريائه من ms1570 الألوهية القدسية ، والأبدية الباقية لقلب ~~عارف من عرفانه ، ويستولى على قلبه سطوات عظمته ، يتقي العارف من صدمات ~~القدوسية ، وطوارقات العزة ضعفا وخوفا من ألا يحترق فيها فيقر منه ؛ لأنه ~~علم أن الحادث يتلاشى في القدم ، ولا يطيق أن يستقيم بإزاء الوحدانية ، ~~وتطلب الفرار منه مع ما في قلبه من محبة جماله ، والشوق إلى لقائه ، فإذا ~~رأى الحق سبحانه ذلك منه يتجلى لقلبه من عين الجمال جمالا ، فيجر قلبه ~~بحسنه وجماله إليه ، ويعصمه من نفسه بنفسه ، وذلك هو المخرج الذي قال : ( ~~ يجعل له مخرجا )، يخرج من رؤية العظمة إلى رؤية الجمال ، ويستقيم ~~لرؤية الجلال ، فيحتمل الحق بالحق ، ثم همته همة العجز عن البلوغ إلى دنوه ~~، يتبين في نفسه من نفسه أنوار النعوت الأزلية ، فتتصف صفاته بصفاته ، فلا ~~يرى هناك إلا عينا واحدة ، وذلك قوله : ( ويرزقه من حيث لا يحتسب ) ~~، هو أن يكون منعوتا بنعت الحق في رؤية الحق ، لكن يرزقه من حيث لا يحتسب ~~أنه يصل إليه بنعت البقاء يبقى ببقاء ، ويخرج من فنائه ، فبان بعد ذلك في ~~سر سره نور وعرفان خاص يبينه بأنه مخدوع بما وجد ، محجوب منه به ، فيسقط ~~عنه قيمته ، وأيس أيضا من الوصول إلى الكل ، فيعرفه الحق نعتا من نعوته ، ~~ويعلمه أنه لا يصل إلى الكنه ، فيرضيه بنعت من جميع النعوت ، وباسم من جميع ~~الأسماء ، وبصفة من جميع صفاته ، ويكشف من ذاته من جميع صفاته حتى لا يبقى ~~له طلب ولا قصد ، بل يسكن بالحق من الحق في الحق ، وذلك قوله تعالى : ( ~~ ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) (1)، أي : من يتوكل عليه حين يبقى ~~من الفناء فيه فهو حسبه ، بأن يبقيه ببقائه ، فيبقى الحق له ، وإن هو فني ~~فيه فبقاء الحق له من بقائه ، وعلى لسان المعاملة يبقى الله بأن يشغله شيء ~~من دونه عنه من الأسباب ، والنظر إلى غيره من الرسومات ، يجعل الله له ~~مخرجا مما يخاف منه ، ويرزقه الرضا من نفسه ، ويرزقه رزق المقدر في الأزل ~~من حيث لا مشقة عليه في وصوله إليه ms1571 ، ويأكل ويلبس بغير انتظار ولا استشراف ~~نفس ولا تعب ، فيخرج له من الغيب بالبديهة ما يكفيه من السؤال والكسب ، من ~~عرف الله عرفه بكمال قدرته وإحاطة علمه بكل ذرة ، فيلقي زمام الاختيار إليه ~~، فهو تعالى يكفي له كل مؤنة في الدنيا والآخرة وهو ساكن راض ، وهذا معنى ~~قوله : ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ) إلخ. # قال سهل في قوله : ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا )، أي : يتبرأ ~~من الحول والقوة PageV03P433 # والأسباب كلها دونه والرجوع إليه ، «يجعل له مخرجا» مما كلفه بالمعونة ~~عليه ، والعصمة من الطوارق فيها. # وقال سهل : لا يصح التوكل إلا للمتقين ، ولا تتم التقوى إلا بالتوكل ؛ ~~لذلك قرن الله بينهما ، فقال : ( ومن يتق الله. ) # وقال بعضهم : من يحقق في التقوى هون الله على قلبه الإعراض عن الدنيا ، ~~ويسر له أمره في الإقبال عليه ، والتزين بخدمته ، وجعله إماما لخلقه ، ~~يقتدي به أهل الإرادة ، فيحملهم على أوضح السنن وأصح المناهج ، وهو الإعراض ~~عن الدنيا ، والإقبال على الله تعالى ، وذلك منزلة المتقين ، قال الله ~~تعالى : ( ومن يتق الله. ) # وقال : ومن يكل أموره إلى ربه فإن الله يكفيه همم الدارين أجمع. # قال شاه الكرماني : «التوكل» : سكون القلب في الموجود والمفقود. # ( أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن وإن ~~كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ~~وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى (6) لينفق ذو سعة من سعته ~~ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ~~سيجعل الله بعد عسر يسرا (7) وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله ~~فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا (8) فذاقت وبال أمرها وكان ~~عاقبة أمرها خسرا (9)) # قوله تعالى : ( سيجعل الله بعد عسر يسرا ) (7)، أي : بعد ضيق ~~الصدر من الاهتمام بالرزق وإنفاقه ، سعة الصدر ، ويسر الرخاء ، والطمأنينة ~~والرضاء بالله ، وأيضا سيجعل الله بعد عسر الحجاب للمشتاقين يسر كشف ~~النقاب. # ( أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين ~~آمنوا ms1572 قد أنزل الله إليكم ذكرا (10) رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات ~~ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ~~ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن ~~الله له رزقا (11) الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر ~~بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما (12)) # قوله تعالى : ( قد أحسن الله له رزقا ) (11): «الرزق الحسن» : ~~من الله المعرفة والمحبة ، PageV03P434 # والقربة ، والمشاهدة ، والمجالسة ، والمخاطبة مع الحق بلا ذل الحجاب ، ~~ولا وحشة العتاب. # قال الأستاذ : «الرزق الحسن» : ما كان قدر الكفاية ، لا نقصان فيه يتعطل ~~عن أموره بسببه ، ولا زيادة تشغله عن الاستمتاع بما رزق لحرصه. # قوله تعالى : ( لتعلموا أن الله على كل شيء قدير ): لو كانت ~~للأشباح قيمة في المعرفة كالأرواح في الخطاب بلا علة في تعريف نفسه إياها ~~بقوله : ( ألست بربكم ) هناك خطاب وشهود وتعريف بغير علة ، فلما ~~علم عجزها عن حمل وارد الخطاب الصرف أحالها إلى الشواهد بقوله : ( ~~خلق سبع سماوات ومن الأرض )، وليس بعارف في الحقيقة من عرفه بشيء من ~~الأشياء ، أو باسم من الأسماء ، فمن نظر إلى خلق الكون يعرف أنه ذو قدرة ~~واسعة ، وذو إحاطة شاملة ، فيخاف من قهره بعلمه في رؤية اطلاع الحق عليه. ### | سورة التحريم # بسم الله الرحمن الرحيم # ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك ~~والله غفور رحيم (1) قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم ~~الحكيم (2) وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله ~~عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني ~~العليم الخبير (3) إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن ~~الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير (4) عسى ربه ~~إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات ~~سائحات ثيبات وأبكارا (5)) # ( يا أيها النبي لم ms1573 تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك ): ~~أدب نبيه صلى الله عليه وسلم ألا يستبد برأيه ، ويتبع ما يوحى إليه ، وفيه ~~بيان أن من شغله شيء من دون الله وصل إليه منه ضرب لا تبرأ جراحه إلا بالله ~~؛ لذلك قال عقيب الآية : ( والله غفور رحيم ) (1). # قال ابن عطاء : لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ~~دائما ويقول : «اللهم إني أعوذ بك من كل قاطع يقطعني عنك» (1). PageV03P435 # وقال القاسم : لا يدعو الحق أحد يسكن إليه حتى يشغله بغيره ؛ لأنه عزيز. # قوله تعالى : ( عرف بعضه وأعرض عن بعض ): فيه جواز إظهار الشيوخ ~~للفراسة والكرامات لمريديهم ؛ ليزيد رغبتهم في الطريقة ، وفيه حث على ترك ~~الاستقصاء فيما جرى من ترك الأدب ، فإنه صفة الكرام. # قال الحسن البصري : ما استقصى كريما قط ، ألا يرى الله تعالى يحكي عن ~~نبيه صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : ( عرف بعضه وأعرض عن بعض. ) # ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس ~~والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ~~(6) يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون (7)) # قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا )، ~~أي : قدسوا أنفسكم وأهاليكم من محبة الدنيا والاشتغال بها ، وأقبلوا على ~~الله ببذل المهج ، وانصحوا أهاليكم ؛ كي يكونوا صالحين بمتابعتكم ، فإذا ~~رغبتم في الدنيا فهم يشتغلون بها ، فإن زلة الإمام زلة المأمومين. # قال سهل : أي : بطاعة الله ، واتباع السنن. # وقال ابن عطاء : بقبول نصح الناصحين. # قال الوراق : علموهم الفرائض والسنن ؛ لتنقذوهم بها من النار. # قال أبو عثمان : في طلب الحلال لأنفسكم ولأهاليكم. # ( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن ~~يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله ~~النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم ~~لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير (8) يا أيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين ms1574 واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير (9) ضرب الله مثلا للذين ~~كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما ~~فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين (10)) # قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا ) ~~: دعاهم الله بالرجوع إليه رجوعا لا انقطاع فيه ، بحيث أقبلوا على الله ~~نادمين على تضييع الأوقات غير PageV03P436 # مدبرين عنه إلى شيء من دونه ، حتى وصلوا إلى حقيقة الاستقامة في القلوب ~~مع الله ، ولا يقدر أن يلتفت إلى شيء سوى الله. # قال الشيخ أبو عبد الله بن خفيف : طالب عباده بالتوبة ، وهو الرجوع إليه ~~من حيث ذهبوا عنه ، والنصوح في التوبة : الصدق فيها وترك ما منه ، تاب سرا ~~وعلنا قولا وفكرة. # وقال الواسطي : التوبة النصوح لا تبقي على صاحبها أثرا من المعصية سرا وجهرا. # وقال : من كانت توبته نصوحا لم يبال كيف أمسى وأصبح. # قوله تعالى : ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ): لا ~~يخزي النبي أمته بذل الحجاب ، وسوء الحساب ، والتغيير ، والعتاب ، بل يكون ~~برضاهم ، ويعطيهم مأمولهم ، ويقبل شفاعتهم لأهل الكبائر وللهالكين ، ولا ~~يرد عليهم ما يسألون منه من نجاة الخلق ، ويلبسهم أنوار قربه ووصاله ، ~~ويدخلهم في حجال أنسه ، ورياض قدسه. # قوله تعالى : ( نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ): يستزيدون ~~منه نور القرب بقوله : ( يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا )، ~~أي : من نورك حتى نفنى بك ، ونبقى معك أبد الآبدين. # قال بعضهم في قوله : ( لا يخزي الله النبي )، لا يرد شفاعته في ~~أمته ، والذين آمنوا لا ترد شفاعتهم في إخوانهم وأقربائهم. # وقال ابن عطاء في قوله تعالى : ( يسعى نورهم ) إنما هي أنوار نور ~~التوحيد ، ونور المعرفة ، ونور الحقيقة ، يسعى بهذه الأنوار إلى محل ~~القرار. # وقال بعضهم في قوله : ( ربنا أتمم لنا نورنا ): لا تقطعنا بك ~~عنك ، وكن دليلنا منك عليك حتى تتم لنا الأنوار ، فإن تمام النور بإتمام ~~المنور له. # وقال سهل : لا يقسط الافتقار إلى الله عن المؤمنين في الدنيا والآخرة ، ~~وهم في العقبى ms1575 أشد افتقار إليه ، وإن كانوا في دار العز والغنى ؛ لشوقهم ~~إلى لقائه يقولون ربنا أتمم لنا نورنا. # ( وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي ~~عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين (11) ~~ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها ~~وكتبه وكانت من القانتين (12)) # قوله تعالى : ( فنفخنا فيه من روحنا ): ظهر فيه نور الفعل ، ثم ~~ظهر في نور الفعل نور الصفة ، وظهر في نور الصفة نور الذات ، وكان بنور ~~الذات والصفات حيا موصوفا PageV03P437 # بصفاته ، ناظرا إلى مشاهدة ذاته ، لم تنقطع عنه أنوار الذات والصفات ~~والفعل أبدا ، وهذه خاصية لمن له أثر من روحه. # قال بعضهم : نفخ من نوره في روح عبده ؛ ليحيى بتلك الروح ، ويطلب النور ، ~~ولا يغفل عن طلب المنور ، فيعيش في الدنيا حميدا ، ويبعث في الآخرة شهيدا ، ~~فلما وجدت روح روح الله صدقت بظهوره في العالم ، وشبه قلوب العالمين بأنها ~~تكون مرآة الحق للخلق ، وذلك قوله : ( وصدقت بكلمات ربها )، ولما ~~باشر أنوار القدس وروح الأنس كادت نفسها أن تميل إلى السكر في العنائية ، ~~فسبق لها العناية ، وأنفاها في درجة العبودية حتى لا يسقط بالسكر عن مقام ~~الصحو ، ألا ترى كيف قال : ( وكتبه وكانت من القانتين )، أي : من ~~المستقيمين في معرفتها بربها ، ومعرفتها بقيمة نفسها أنها مسخرة عاجزة لربها. ### | سورة الملك # بسم الله الرحمن الرحيم # ( تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير (1) الذي خلق ~~الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور (2) الذي خلق سبع ~~سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ~~(3) ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير (4)) # ( تبارك الذي ): في هذه الآية تقديس الذات والصفات عن الإدراك ، ~~وفيها إشارة غيب الهوية بقوله الذي رفع الأوهام عن ساحة جلاله ، وفيها وصف ~~العظمة والإحاطة بكل شيء ، وعجز الحدثان في قبضة قدرته ، وفيها سر الالتباس ~~، وظهور الصفة عن الفعل ، بقوله : # ( بيده الملك ms1576 )، تعالى الله عن الأشباه ؛ إذ لا شبيه له في ~~الأزل ، وتقدس عن الأضداد ؛ إذ لم يكن له ضد إلى أبد الأبد ، فرؤية قدسه ~~للموحدين ؛ إذ مبارك عليهم أنوار قدسه ، وهم في زيادة القدس أبدا ، ~~والإشارة للعارفين ؛ إذ هم غابوا في غيبه ، وهم منه لا يخرجون ، وإشارة ~~ظهور الصفة في الفعل للمحبين ؛ إذ يؤتيهم ملك مشاهدته ، وهم في ملك قربه ، ~~لا ينقطع عنهم وصاله أبدا. # قال بعضهم : ( تبارك ) كالكناية ، والكناية كالإشارة ، والإشارة ~~لا يدركها إلا الأكابر. # وقال سهل : تعالى من يعظم عن الأشباه ، والأولاد ، والأضداد ، والأنداد. PageV03P438 # ( بيده الملك ): يقلبه بحوله وقوته ، يؤتيه من يشاء ، وينتزعه ~~ممن يشاء ، وهو القادر عليه جل وتعالى. # وقال جعفر : أي : هو المبارك على من انقطع إليه ، أو كان له. # قوله تعالى : ( الذي خلق الموت والحياة )، الموت والحياة عرضان ~~، والأعراض والجواهر مخلوقة له ، وأصل الحياة : حياة تجليه ، وأصل الموت : ~~موت استتاره ، وهما يتعاقبان للعارفين في الدنيا ، فإذا ارتفع العجب يرتفع ~~الموت عنهم ، بأنهم يشاهدونه عيانا بلا استتار أبدا ، ولا تجري عليهم طوارق ~~الحجاب ، بعد ذلك قال الله : ( بل أحياء عند ربهم يرزقون )، خلق ~~الموت والحياة ، يميت قوما بالمجاهدات ، ويحيى قوما بالمشاهدات ، يميت قوما ~~بنعت الفناء في ظهور سطوات القدم ، ويحيى قوما بنعت البقاء في ظهور أنوار ~~البقاء ، ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا )، لولا التجلي والاستتار لا ~~يظهر شوق المشتاقين في تفاوت درجات الشوق ، ولا يتبين وله العاشقين وتفاوت ~~درجاتهم في العشق ، هو «العزيز» يمنعه الجمهور عن الوصول إلى حقيقة ذاته ~~وصفاته ، وهو «الغفور» بأن ينعمهم بكشف مشاهدته ، ويتجاوز عن قصور قصودهم ~~في الشوق إليه. # قال سهل : «الموت» في الدنيا بالمعصية ، و «الحياة» في الآخرة بالطاعة في ~~الدنيا ، بقوله : ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا )، أي : الذي يدركه ~~التوفيق ، فيحييه بالطاعة ، ويبعده عن المعصية. # وقال : «العزيز» : المسيع في ملكه ، «الغفور» : يستره بجوده. # قال الجنيد : حياة الأجسام مخلوقة ، وهي التي قال الله : ( خلق ~~الموت والحياة )، وحياة الله دائمة لا انقطاع لها ، أوصلها إلى أوليائه في ~~قديم الدهر الذي ليس له ابتداء بمراده. ms1577 # قيل : إن خلقهم فكانوا في علمه أحياء ما هم قبل إيجادهم ، ثم أظهرهم ~~فأعادهم الحياة المخلوقة التي أحيى بها الخلق ، وأماتهم بسره فكانوا في سره ~~بعد الوفاة كما كانوا ، ثم أورد عليهم حياة الأبد ، فكانوا أحياء ، فاتصل ~~الأبد بالأبد ، فصار أبدا في أبد في أبد الأبد. # وقيل : «حسن العمل» : نسيان العمل ، ورؤية الفضل. # قال الواسطي : من أحياه الله عند ذكره في أزله لا يموت أبدا ، ومن أماته ~~في ذلك لا يحيى أبدا ، وكم حي غافل عن حياته وميت غافل عن مماته. # قوله تعالى : ( فارجع البصر هل ترى من فطور (3) ثم ارجع البصر ~~كرتين ينقلب ): حارت الأبصار والبصائر عن إدراك مائية استواء أفعاله ؛ ~~لأنها عاجزة عن اللحاق PageV03P439 # بجريان قدرته الواسعة فيها ، فإذا كانت كذلك في إدراك خلقه ، فكيف تشاهد ~~جلال القدم ، والأبصار ، والبصائر ، والقلوب ، والأرواح ، والعقول فانية ~~حسيرة في أول سطوة من سطوات عظمته ، راجعة عنها خاسئة ، ولا يبقى عليها من ~~العلم والعرفان. # قال الواسطي : ( كرتين )، أي : القلب والبصر ؛ لأن الأول كان ~~بالعين خاصة ، ( هل ترى من فطور ) (1): إذا لم يكن في خلقي فطور ، ~~فأنا أشد امتناعا من الاستغراق والاستحراق. # ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين ~~وأعتدنا لهم عذاب السعير (5) وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير (6) ~~إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور (7) تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي ~~فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا ~~وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير (9) وقالوا لو كنا نسمع ~~أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير (10) فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير (11)) # قوله تعالى : ( وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب ~~السعير )، أي : لو سمعنا خطاب الأزل شفاها في مشاهدته وعلمنا حقيقته ما ~~كنا من أصحاب البعد والحجاب. # قال بعضهم : لو سمعنا موعظة الواعظين أو عقلنا نصيحة الناصحين لاتبعناهم ~~فيما أمروا به ، ولما كنا إذا في أصحاب السعير. # ( إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر ms1578 كبير (12) وأسروا ~~قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور (13) ألا يعلم من خلق وهو اللطيف ~~الخبير (14) هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ~~وإليه النشور (15)) # قوله تعالى : ( إن الذين يخشون ربهم بالغيب ): وصف الله معرفة ~~العارفين به قبل رؤيتهم مشاهدته ، فإذا عاينوه استفادوا من رؤية علم ~~المعاينة ، وهى المعرفة الحقيقة ، وخشوا منه في غيبة منه ، وهى خشية القلب ~~، فلما رأوه زاد على الخشية الإجلال ، وهو علم الروح والسر. PageV03P440 # قال بعضهم : «الخشية» تصيب القلب ، و «السر» و «الخوف» تصيب البدن. # قوله تعالى : ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) (14): فيه ~~وعيد لمن يضمر في خاطره ما لا يليق بالحق ، وكيف يخفى ما في القلب والعيوب ~~من المعيبات المكنونة ، وهو موجدها ابتداء ، وعالم بها انتهاء ؛ لأنه من ~~لطفه محيط بما في القلوب ، خبير بما يجري في الصدور. # قال الواسطي : حجب الأشياء عن الوقوف على حقائقها ، واستبعد بمعرفة ~~الحقائق ، فقال : ( ألا يعلم من خلق. ) # قال ابن عطاء : ألا يعلم من خلق الصدور ، وما يحدث فيها من حوادث ~~العوارض. # قوله تعالى : ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها ) ~~: ذلل للأرواح أرض القلوب يمشي في مناكب أسرارها ، وأقطار عقولها ، وسبيل ~~أنوارها إلى عالم الغيوب ، فتأكل منها موائد المعارف ، وأثمار الكواشف. # قال سهل : خلق الله الأنفس ذلولا ، فمن أذلها مخالفتها فقد نجاها من ~~الفتن والبلاء والمحن ، ومن لم يذللها واتبعها أذلته نفسه وأهلكته. # ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور (16) أم ~~أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير (17) ولقد كذب ~~الذين من قبلهم فكيف كان نكير (18) أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ~~ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير (19) أمن هذا الذي هو جند لكم ~~ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور (20)) # قوله تعالى : ( أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ): ~~إشارة إلى طيور الأرواح القدسية التي تطير في هواء الأزل والأبد بأجنحة ~~الشوق والمحبة باسطات ms1579 أجنحتهن ببسط الأنس ، قابضة لها برؤية عظمة القدس ، ~~فهناك محل القبض والبسط ، ولولا فضله وكرمه لتفنى في بروز سبحات ذاته ، ~~وتسقط من هواء هويته إلى أرض قهره. # قال الله : ( ما يمسكهن إلا الرحمن. ) # قال الجريري : أشار الحق إلى أن يتوكل عليه الأولياء ، ويسكن إليه ~~الأصفياء ؛ لأن الطيور لما صفا توكلهن على الحق طيرهن في الهواء ، وقبض ~~أجنحتهن ، وأمسكها صافات على ذكر الله ، فإذا توكل عليه الولي شوقا إلى ~~الملك الأعلى طيره بجناح الأنس في هواء المحبة ، وأجلسه على بساط المعرفة ، ~~ويقبضه الحق بقدرته ، ويمسكه بعواطف رحمته. PageV03P441 # ( أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور (21) ~~أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم (22) قل هو ~~الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (23) قل هو ~~الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (24)) # قوله تعالى : ( أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى ): شبه الله صاحب ~~النفس الذي يمشي قلبه في ظلماتها لا تدري أين تمشي كالأعمى الذي يتخبط تخبط ~~العشواء في الظلمات. # وقال : هو أهدى أمن تمشي روحه في طرق الملكوت ، بنعت المعرفة والنيران في ~~أنوار المشاهدة. # قال سهل : ( مكبا على وجهه )، أي : مطرق إلى هوى نفسه بحبلة ~~خلقه بعد هدى من ربه. # ( أهدى أمن يمشي سويا )، يعني : المؤمن المهتدي على صراط مستقيم ~~، أي : على شريعة طرق التوحيد. # ( ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (25) قل إنما العلم عند ~~الله وإنما أنا نذير مبين (26) فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل ~~هذا الذي كنتم به تدعون (27) قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا ~~فمن يجير الكافرين من عذاب أليم (28) قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا ~~فستعلمون من هو في ضلال مبين (29) قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بماء معين (30)) # قوله تعالى : ( قل إنما العلم عند الله ): بقي مكنون علمه فيما ~~جرى في الأزل عن الخليقة ، وإن كان صديقا ، أو نبيا مرسلا ، أو ملكا مقربا ~~، فيكون عنهم مستورا ، كما ms1580 كان في سر الأزل قبل الخلق ، ولو أمعنت النظر يا ~~صاحبي في العلم ، فإن حقيقة العلم منفية عن الخلق ؛ إذ الخلق لا يعلم ~~حقيقته ، فإن حقيقة علم الأشياء لمنشئها لا غير ، وذلك قوله تعالى : ( ~~ ألا يعلم من خلق )، أثبت العلم بالحقيقة لنفسه. # قال يحيى بن معاذ : أخفى الله علمه في عباده عن عباده ، فكل يتبع أمره ~~على جهة الإشفاق ، لا يعلم ما سبق ، وبماذا يختم له ، وذلك قوله : ( ~~ إنما العلم عند الله. ) PageV03P442 ### | سورة القلم # بسم الله الرحمن الرحيم # ( ن والقلم وما يسطرون (1) ما أنت بنعمة ربك بمجنون (2) وإن لك ~~لأجرا غير ممنون (3) وإنك لعلى خلق عظيم (4) فستبصر ويبصرون (5) بأيكم ~~المفتون (6) إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (7) فلا ~~تطع المكذبين (8) ودوا لو تدهن فيدهنون (9) ولا تطع كل حلاف مهين (10) هماز ~~مشاء بنميم (11) مناع للخير معتد أثيم (12) عتل بعد ذلك زنيم (13) أن كان ~~ذا مال وبنين (14) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (15) سنسمه على ~~الخرطوم (16) إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ~~(17) ولا يستثنون (18) فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون (19) فأصبحت ~~كالصريم (20) فتنادوا مصبحين (21) أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين (22) ~~فانطلقوا وهم يتخافتون (23) أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين (24) وغدوا ~~على حرد قادرين (25) فلما رأوها قالوا إنا لضالون (26) بل نحن محرومون (27) ~~قال أوسطهم ألم أقل لكم لو لا تسبحون (28) قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين (29)) # ( ن والقلم وما يسطرون ) (1)، أي : «بنون» صفتي وقلم فعلي ، ~~«وما يسطرون» من أحرف مقاديري على ألواح أمري ، وأيضا «النون» : هو الذات ، ~~و «القلم» : الصفات ، و «ما يسطرون» : من الأفعال على ألواح التقدير ، وهي ~~تستطرها بين الكاف والنون من العدم على ألواح الإرادة ، وأيضا «النون» : ~~نور وجهه الذي يظهر يوم الشهود ، وبه يسعى جميع العارفين والعاشقين إلى ~~الأبد ، وأيضا : نور عنايته السابقة في الأزل في اصطفائية الأنبياء ~~والأولياء ، وأيضا أي : بنيران قلوب المحبين ، ونور فؤاد المشتاقين ونصرتي ~~للأنبياء والمرسلين والأولياء والصديقين ، وأيضا أي : بنظري على قلوب ~~أحبائي ms1581 ، ونظر أسرارهم إلى لقائي ، وأيضا أي : بنوادر أنوار صفاتي ، وبقلم ~~أفعالي الذي يجري على ألواح أسرار العارفين ، و «ما يسطرون» : الأرواح ~~القدسية من مخاطباتي في أوراق أسرارها ، وأيضا أي : بالنون الذي جعلت في ~~بطنها حجال معراج يونس ، وأيضا أي : نيرات ملكوتي ونادرات عجائب جبروتي ، ~~وأيضا أي : بنور القرآن والعلم الذي كتبته في اللوح المحفوظ في أول الأول ، ~~وما ينتسخون منه سفرتي وكرام بررتي ، وأيضا أي : ابتدائي في أول وليتي من ~~القدم إلى العدم ؛ لإسماع أسر الأرواح القدسية PageV03P443 # الملكوتية التي خرجت من العدم بكشف نور القدم ، ونداء الأزل ، وندائي ~~للقلم حين قلت بعدما أوجدته اكتب ما هو كائن إلى الأبد ، وبهذا القلم ~~النوري ، وما يسطرون أهل قربي من خطابي أي : بهذه الأقسام المباركة يا ~~حبيبي يا قرة عيون العارفين ، وبنون حاجبيك ، وقلم لسانك ، ولوح وجهك ، وما ~~يسطرون كتبته أنوار تجلاتي من عجائب سنا كشف جمالي في جمالك لنظر هلال ~~جلالك وجمالك. # ( ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) (3)، أي : لست باصطفائيتك ، ونعمة ~~ربك من النبوة والولاية ، مثلما يزعمون هؤلاء الظلمة ، بل أنت سيد حبيب صفي ~~نبي مرسل ، رغم أنف الكفرة. # قال سهل : «النون» : اسم من أسماء الله ، وذاك أنه إذا جمعت أوائل هذه ~~السور الثلاث «الر» ، و «حم» ، و «ن» يكون الرحمن. # وقال جعفر : نور الأزلية الذي اخترع منه الأنوار كلها ، فجعل ذلك لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم ، فلذلك قيل له : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) (4) أي : ~~على النور الذي خصصت به في الأزل. # وقال بعضهم : «النون» : نور القدرة ، و «القلم» القضاء ، و «ما يسطرون» : ~~الملائكة كرام الكاتبين. # قوله تعالى : ( وإن لك لأجرا غير ممنون ) (3): بين له الأجر ، ~~وليس أجره في مقابلة فعله ، وليس هو بناظر إلى فعله وإلى شيء من الأعراض ، ~~ارتفع قدره عن ذلك لما وصفه الله في شهوده جمال الحق ، بألا يميل إلى غيره ~~بقوله : ( ما زاغ البصر وما طغى )، فأجره : قرب الله ووصاله ، ~~وكشف جماله له أبدا ، وذلك غير محتجب عنه ، وأيضا أجره : قبول شفاعته غير ~~منقطع شفاعته لأهل الكبائر ms1582 من أمته ، لا يخيب رجاءه في غفرانهم جميعا بلا ~~عتاب ولا عذاب. # قال سهل : غير محدود لما لم يطالع الأعواض ، ولم يعتمد على شيء سوانا ، ~~كأن ذلك أجر غير ممنون ، وهو ما شهدت من المشاهد والمواقف. # قوله تعالى : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) (4)، أي : ألبستك خلقي ، ~~فأنت على خلقي ، وخلقي عظيم ، ومن عظم خلقي أنه نعتي ووصفي ألبسته إياك ، ~~وخصصتك بحمله ، فإن حمله لا يأتي من غيرك من العرش إلى الثرى ، فإن بخلقك ~~ذقت طعم شهود مشاهدتي ، فيسهل عليك جريان القضاء والقدر ، فأنت تشاهدني ~~بنعت تحملك أثقال أمري فيك ، فطابت خلقك من خلقي في خلقي. # قال الواسطي : هو لباس النعوت ، والتخلق بأخلاقه ؛ إذ لم يبق للأعراض ~~عنده خطر. # قال الحسين : معناه : أنه لم يؤثر فيك جفاء الخلق بعد مطالعة الحق. PageV03P444 # وقال : صغرت الأكوان في عينك بعد مشاهدة مكونها. # وقال : لأنك تنظر إلى الأشياء لتشاهد الحق ، ولا ينظر إلى الأشياء ~~ليشاهده ملك. # قال سهل : تأدبت بآداب القرآن ، فلما تجاوزوا حدوده. # وقال الواسطي : أظهر الله قدرته في عيسى ونفاده في أصف ، وسخطه في عصا ~~موسى ، وأظهر أخلاقه ونعوته في محمد صلى الله عليه وسلم بقوله : ( ~~وإنك لعلى خلق عظيم ) (4)، فإذا فتشت هؤلاء في الحقيقة لا تجد إلا نعوتا ~~قائمة بنعوت للمنعوت لا لغيره. # وقال : الخلق لا تحمله العوام ، والخلق لمن تخلق بأخلاق الرب ؛ لأن الله ~~أوحى إلى داود «تخلق بأخلاقي ، فأني أنا الصبور» (1)، فمن أوتي الخلق فقد ~~أوتي أعظم المقامات ؛ لأن المقامات ارتباط بالعامة ، والخلق ارتباط بالصفات ~~والنعوت. # قال الحسين : عظم خلقك حيث لم ترض بالأخلاق وسرت ، ولم تسكن إلى النعوت ~~حتى وصلت إلى الذات ، ثم فنيت عن الذات بالذات ، حتى وصلت إلى حقيقة الذات ~~، ومن فني بالفناء كان القائم عنه غيره بالفناء. # وقال : كيف لا يكون خلقه عظيما وقد تجلى الله سره بأنوار أخلاقه ، وحق ~~لمن وقعت له المباشرة الثالثة أن يكون مفضلا في خلقه؟! # ( فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون (30) قالوا يا ويلنا إنا كنا ~~طاغين (31) عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها ms1583 إنا إلى ربنا راغبون (32) كذلك ~~العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (33) إن للمتقين عند ربهم جنات ~~النعيم (34) أفنجعل المسلمين كالمجرمين (35) ما لكم كيف تحكمون (36) أم لكم ~~كتاب فيه تدرسون (37) إن لكم فيه لما تخيرون (38) أم لكم أيمان علينا بالغة ~~إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون (39) سلهم أيهم بذلك زعيم (40) أم لهم ~~شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين (41) يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى ~~السجود فلا يستطيعون (42) خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى ~~السجود وهم سالمون (43)) # قوله تعالى : ( يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود ): أخبر الله ~~سبحانه أنه ينكشف يوم الشهود لعشاقه ، وأحبائه ، ومشتاقيه ، وعرفانه عن بعض ~~صفاته الخاصة ، ويتجلى منها لهم ، وهو كشف ستر الغيرة عن عورات أسرار القدم ~~، فيشاهدونها بعيون عاشقة حائرة PageV03P445 # ناظرة إلى ربها ، فيدعون إلى السجود من حيث غشيتهم أنوار العظمة حتى لا ~~يحترقون في كشف ستر الصفة ، فإنها موضع العظمة والكبرياء ، وبدو لطائف ~~أنوار أسرار الذات ، يظهر في لباس الالتباس حتى لا يفينهم فناء لا بقاء ~~بعده ، والمقصود منه زوائد المحبة ، والنظر إلى وجود العظمة. # قال جعفر : إذا التقى الولي مع الولي انكشفت عنه الشدائد. # ( فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (44) ~~وأملي لهم إن كيدي متين (45) أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (46) أم ~~عندهم الغيب فهم يكتبون (47)) # قوله تعالى : ( سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ) (44): وصف الله ~~سبحانه في حقيقة الإشارة أهل السكر في المشاهدة ، إذا وصلوا محض الاتصاف ~~والاتحاد غابوا في غيبتة ، واستغرقوا في بحار ألوهيته ، وفنوا من أوصاف ~~الحدوثية بعد انتعاتهم بنعوت الألوهية ، وصاروا باقين بنعته لا يرون وصفهم ~~، ويرون وصف الحق ، فكادوا أن يخرجوا بدعوى الأنائية ، فإن الله سبحانه ~~سيأخذ أنوار شموس الذات ، وأقمار الصفات عن عيون أرواحهم قليلا ، قليلا ، ~~وهم لا يعلمون من غلبة سكرهم وحلاوة أحوالهم حتى يغيب أنوار الغيب عن أبصار ~~أسرارهم ، ويبقيهم في عرصات الصحو حتى يروا أنفسهم في مقام الغيبة ~~والاستتار. # قال الواسطي : لو كشف للخلق لصاروا حيارى ، ولكن ms1584 يبدأهم بالتلبيس والسر ، ~~ثم يكشف ؛ ليعرفوا قدر ما هم عليه ، وأما الغاية فهو الاستدراج. # قال أبو الحسين بن هند : «المستدرج» السكران ، والسكران لا يصل إليه ألم ~~فجع المصيبة إلا بعد إفاقته ، فإذا أفاقوا من سكرتهم خلص إلى قلوبهم ذلك ، ~~فانزعجوا ولم يطمئنوا ، و «الاستدراج» : هو السكون إلى الذات ، والتنعم ~~بالنعمة ، ونسيان ما تحت النعم من المحن ، والاغترار بحلم الله عز وجل . # قال أبو سعيد الخراز : «الاستدراج» : فقدان اليقين ؛ لأن باليقين تستبين ~~فوائد باطنه ، فإذا فقد اليقين فقد فوائد باطنه ، واشتغل بظاهره ، واستكثر ~~عن نفسه حركاته وسعيه لغيبوبته عن المنة. # قال بعضهم : لولا الاستدراج لا يخلو العبد منه في وقت من الأوقات ، ولولا ~~الاستدراج لما عرف العبد طعم الكرامة ، ولما انزجر عن العقوبة ، ~~فبالاستدراج يعرف العقوبة ويخلق المقت ، وبالانتباه يعرف النعمة ويرجو ~~القربة. # ( فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم (48) ~~لو لا أن PageV03P446 # تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم (49) فاجتباه ربه ~~فجعله من الصالحين (50) وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا ~~الذكر ويقولون إنه لمجنون (51) وما هو إلا ذكر للعالمين (52)) # قوله تعالى : ( فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت ): أدب ~~حبيبه حين غلب عليه شوق لقائه ، وثقل عليه رؤية غيره ، وأراد أن يصل إلى ~~جواره ، فأمره بالصبر في ميادين بلائه بامتحانه ؛ ليعرفه شرائف مقاماته في ~~معرفة الذات والصفات ، ويسرج من سراجه سراج العارفين والموحدين ، فيرشدون ~~برشده ، ويرون الحق بنوره ، فقال الله تعالى : ( ولا تكن كصاحب ~~الحوت )، في قلة صبره عن مشاهدته ، وبلاء استتاره والفناء تحت جريان ~~امتحانه ، وذلك حين نادى في ظلمات بطن الحوت ، وهو مغتم تحت ذل الحجاب ، ~~فتلطف عليه الحق كاشف عنه غمة الفرقة ، وأراه جماله ، وذلك قوله : ( ~~ لو لا أن تداركه نعمة من ربه ): سوابق نعم الاصطفائية الأزلية ، ~~لكان في أرض الحجاب ذليلا ، ولكن أغاثته الاجتبائية والاصطفائية من ذلك ~~الحجاب ، وشرفه بكشف النقاب ، وجعله من المتمكنين في النظر إلى وجهه لم يقع ~~بعد ذلك إلى بحر الامتحان ، ولا في حجاب الحرمان. ms1585 # قال الله تعالى : ( فاجتباه ربه فجعله من الصالحين ) (50). # قال الجنيد في كتاب «صبر الأنبياء» : قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~المصطفى وحبيبه المرتضى : ( فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت ~~إذ نادى وهو مكظوم ): يستكشف لندائه ما مسه من ألم بلائه ، ويستغيث مع ~~وجود العزم على القيام بواجب الصبر ، خوف دخول العجز ، وإشفاقا من ملامة ~~العلم عند الإصغاء إلى الإبقاء على النفس التي لولا تدارك المنعم بالحفظ ~~عند أول باد من البلاء لدخل العجز بسلطان قهره عليها ، لكن لوح له تعريض ~~الخطاب : ( لو لا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم ) ~~، لما سبق عنده من حكم الاختيار في قديم العلم. # قال الواسطي : الاجتبائية أورثت الصلاح ، لا الصلاح أورث الاجتبائية. ### | سورة الحاقة # بسم الله الرحمن الرحيم # ( الحاقة (1) ما الحاقة (2) وما أدراك ما الحاقة (3) كذبت ثمود ~~وعاد بالقارعة (4) PageV03P447 # فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية (5) وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر ~~عاتية (6) سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى ~~كأنهم أعجاز نخل خاوية (7) فهل ترى لهم من باقية (8)) # ( الحاقة (1) ما الحاقة ) (2): يوم تحقق حقائق الأمور عيانا ، ~~لا يبقى فيها ريب أهل الظنون ، وينكشف الحق لأهل الحق ، ولا معارضة للنفس ~~فيها ، ونبين للجاهلين أعلام ولاية العارفين. # قال سهل : اليوم الذي يلحق كل أحد بعلمه. # ( وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة (9) فعصوا رسول ربهم ~~فأخذهم أخذة رابية (10) إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية (11) لنجعلها ~~لكم تذكرة وتعيها أذن واعية (12) فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة (13) وحملت ~~الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة (14) فيومئذ وقعت الواقعة (15)) # قوله تعالى : ( إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية ): ~~الإشارة فيه أنه لما أوجد الله الأرواح قبل الكون أتى بها شط قاموس كشف ~~ذاته وصفاته ، فشربت الأرواح زلال أنهار القربة ، وشراب الوصلة ، وسمعت ~~خطاب الألوهية ، وسكرت من حلاوة الجمال والجلال ، وهاجت إلى لحجها ، وكادت ~~تستغرق وتفنى فيها حين علا عليها أمواج سطوات العزة ، ولطمات العظمة حملها ~~الله هناك بعض العناية لتجري بها من الآزال إلى الآباد ms1586 ، ومن الآباد إلى ~~الآزال ، فلما دار دور الدهر الدهار وجرى جري الفلك الدوار وخلق الكون جعل ~~لها سفينة صورة آدم ، وحمل بها الأرواح الغيبية الملكوتية ، فتجري بها إلى ~~معادنها الأولية. # قال القاسم : الأجسام لم تكن ، والأرواح لا تحمل الجاري ، وإنما هو جريان ~~الحق بشرط الاتسام إذا عاينت الروح هذه المقامات عرفت سره. # قال الواسطي : أحد شقي آدم ، وأخرج منه الذرية. # قال : حملناكم بشواهدنا ، وأجرينا لكم الأوقات على مقاديرنا. # وقال الأستاذ : ذلك منته على خواص أوليائه أن يسلمهم في سفينة العافية ، ~~والكون يتلاطم أمواج بحار أشغالها على اختلاف أوصافها ، وهم بوصف السلامة ~~لا منازعة مع كل واحد ، ولا محاسبة مع أحد ، ولا توقع من أحد ، سالمون من ~~الناس ، والناس منهم سالمون. # قوله تعالى : ( وتعيها أذن واعية ) (12): حقائق أسرار الخطاب لا ~~يعلمها إلا القلوب الذاكرة ، والأرواح الشائقة ، ولا يسمع أصوات هواتفها ~~بالحقيقة إلا سماع الأسرار من PageV03P448 # الأنوار للأرواح والعقول ، تسمعها من الحق ، وتفهمها بالحق. # قال الوسطي : آذان وعت عن الله أسرارها. # وقال : «واعية» في معادنها ليس فيها من شاهدها شيئا ، هي الخالية عمن ~~سواه ، فما اضطراب الطبائع إلا ضربا من الجهل. # قال جعفر : تلك آذان فتحها الله للمواعظ ، وشرح قلوبا ؛ لقبول تلك ~~المواعظ ، وسهل على نفوسها استعمال تلك المواعظ ، والقيام بمواجبها. # وقال : تلك آذان أسمعها الله في الأزل خطابه ، فهي «واعية» : يعني من ~~الحق كل خطاب (1). # ( وانشقت السماء فهي يومئذ واهية (16) والملك على أرجائها ويحمل ~~عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية (17) يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية (18) ~~فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه (19) إني ظننت أني ملاق ~~حسابيه (20) فهو في عيشة راضية (21) في جنة عالية (22) قطوفها دانية (23) ~~كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية (24)) # قوله تعالى : ( كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية ~~) (24): يعتد الحق لأوليائه العاشقين الذين يحملون مؤن أثقال الحجاب يوم ~~كشف النقاب ، ويقول لهم : اشربوا شراب وصالي هنيئا لكم ، بأنه وصال بلا ~~فراق ، وعيش بلا كدورة ، وأنس بلا وحشة ، بما أسلفتم من إلقاء أزمة همومكم ms1587 ~~على أعناق مراكب أفكاركم التي صعدت عند كل نفس إلى مصاعد ملكوتي ، وسادات ~~جبروتي ، كم شوق تشتاقون به إلي ، وكم غم تغتمون به لأجلي ، وكم بذل ~~تبتذلون به لأجلي حين بذلتم أرواحكم لضرب سيوف شوقي ، وكم تمرغ من أنفسكم ~~في تراب جناب حضرتي ، لأجل مشاهدتي ، هنيئا لكم لقائي أبدا ، عيشوا في رياض ~~قربي ، واستأنسوا بجمالي ، فأنتم لي ، وأنا لكم ، والإشارة في الأيام ~~الخالية أيام الله الذي هو منزه عن دور الأفلاك ، ومطهر من الكون والأملاك ~~، أيام قدم القدم وأزل الأزل أسلف الله لهم العناية ، فتلك الأيام خالية من ~~الأعمال والعلات والأسباب ، كأن تلك العناية أسفلها المحبوبون ؛ إذ الحبيب ~~الأكبر قائم مقامهم قبل وجودهم ، فمن حيث الاتحاد الحبيب PageV03P449 # والمحبوب واحد ، ألا ترى كيف قال لحبيبه : ( وما رميت إذ رميت ~~ولكن الله رمى )، كأنهم كانوا في الأزل وأيام القدم مع حبيبهم ، إذ الحبيب ~~كان قائما مقامهم ، وإن كانوا معدومين ، أي : اشربوا شراب وصالي من أزل ~~الآزال إلى أبد الآباد ، فأيام القدم خالية عن وجود الحدثان ، وأيام البقاء ~~لا تكون خالية عن شوق المشتاقين ، وزفرة الوالهين ، ودوران العارفين في ~~ساحة كبريائه ، وسرادق بقائه. # قال الواسطي : أي : الأيام الخالية عن ذكر الله ؛ لتعلموا أنكم في فضله ~~دون جزاء الآمال. # ( وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ~~(25) ولم أدر ما حسابيه (26) يا ليتها كانت القاضية (27) ما أغنى عني ماليه ~~(28) هلك عني سلطانيه (29) خذوه فغلوه (30) ثم الجحيم صلوه (31) ثم في ~~سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه (32) إنه كان لا يؤمن بالله العظيم (33) ~~ولا يحض على طعام المسكين (34) فليس له اليوم هاهنا حميم (35) ولا طعام إلا ~~من غسلين (36) لا يأكله إلا الخاطؤن (37) فلا أقسم بما تبصرون (38) وما لا ~~تبصرون (39) إنه لقول رسول كريم (40) وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ~~(41) ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون (42) تنزيل من رب العالمين (43) ولو ~~تقول علينا بعض الأقاويل (44)) # قوله تعالى : ( فلا أقسم بما تبصرون ): أقسم الله سبحانه بما ~~ظهر من أنوار صفاته في آياته لذوي الأبصار من ms1588 العارفين. # ( وما لا تبصرون ): من كشف ذاته التي لو بدا نور من أنواره ~~لذابت من سبحات الكون وما فيه ، وأيضا «ما تبصرون» من معجزات أنبيائي ، ~~وكرامات أوليائي ، وما لا تبصرون عما في قلوبهم من العلوم اللدنية ، ~~والأحكام الغيبية. # قال جعفر : بما تبصرون من صنع في ملكي ، وما لا تبصرون من برى إلى ~~أوليائي. # وقال الجنيد : بما تبصرون من آثار الرسالة على حبيبي وصفي ، وما لا ~~تبصرون من سري معه الذي أخفيته عن الخلق. # قال ابن عطاء : بما تبصرون من آثار القدرة ، وما لا تبصرون مما اخترن من ~~خلقه الذي لم يجر القلم به ، ولم يشعر الملائكة بذلك ، وما أظهر الله للخلق ~~من صفاته ، وأراهم من صنعه ، وأبدا لهم من علمه في جنب ما اخترن عنهم إلا ~~كدرة في جنب الدنيا والآخرة ، ولو أظهر الله من حقائق ما اخترن لذابت ~~الخلائق عن آخرهم فضلا عن حملها. PageV03P450 # قوله تعالى : ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل ) (44): كيف التقول ~~منه ، وهو مقدس بحفظ الله وعنايته عن الشرك ، والشك ، والنفاق ، وسوء ~~الأخلاق ، هو عالم تعالى بأن قلبه ولسانه لم يكونا موضع الاختلاف والقول ~~لكنه هذه ، بأنه لا يكشف بأسرار الحق التي انكشفت له من غيب الغيب ، وتلك ~~الأسرار لو ظهرت بعضها للخلق لتعطلت الأحكام ، وطاشت الأرواح ، واضمحلت ~~الأجسام. # قال الواسطي : ما كشفنا له من الحقيقة لو نطق بها لاقينا أوصافا ، مع أن ~~كل ذكر ليس بذكر ، وليس لله وقت ماض ، ولا حين مستأنف. # وقال أيضا : علامة مجذوب الحق إذا رغب حجب ، وإذا صرف جذب. # قال : لعمرك أنه حجب ، ولو تقول علينا بعض الأقاويل جذب ، وإذا أظهر نفسه ~~حجبه ، وإذا أظهره لغيره جذبه مع أن كل مثبت محجوب. # وقال أيضا : لم يلطف له بلطيفه ، فقال : ( لعمرك إنهم لفي سكرتهم ~~يعمهون ) (72)، وهذا الخطاب تلبيس ، ولو تقول تنبيه ، وهو أتم له في ذلك الحال. # ( لأخذنا منه باليمين (45) ثم لقطعنا منه الوتين (46) فما منكم ~~من أحد عنه حاجزين (47) وإنه لتذكرة للمتقين (48) وإنا لنعلم أن منكم ~~مكذبين (49) وإنه لحسرة على الكافرين ms1589 (50) وإنه لحق اليقين (51) فسبح باسم ~~ربك العظيم (52)) # قوله تعالى : ( وإنه لحق اليقين ) (51): «حق اليقين» : ما بان ~~باطنه من ظاهره ، وظاهره من باطنه ، وباشر نور القلب ، ويحرق ما دون الحق ~~من ذكر الخلق ، وهو الحق من حيث الحقيقة التي ظهرت في لباس الآيات ، إما ~~ذاتا ، وإما صفة ، وكلامه حق عيان بأنه فيه الاسم والمسمى ، وذلك من حيث ~~الحقيقة واحد ، فلم يبق لعارفه شك ولا مكاشفة حجاب ، ثم خاطب المكاشف ~~المحقق بأنه منزهه عن الظنون ، والأوهام ، والممازجة بالحدثان بقوله : ( ~~ فسبح باسم ربك العظيم ) (52). # قال الجنيد قدس سره : «حق اليقين» : ما يتحقق للعبد من معرفة بالحق ، وهو ~~أن يشاهد الغيوب ، كمشاهدة المرئيات مشاهدة وعيان يحكم على الغيبات ، ويخبر ~~عنها بالصدق كما أخبر الصديق الأكبر في مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~وبين يديه حين سأله : «ما أبقيت لنفسك؟ قال : الله ورسوله» (1)، فأخبر عن ~~تحققه بالحقيقة ، وقطعه عن كل ما سواه ، ووقوفه معه على PageV03P451 # الصدق ، ولم يسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن كيفية ما أشار إليه ؛ لما ~~عرف من صدقه وبلوغه المنتهى فيه ، ولما قصر حال حارثة عن حاله لما قال : ~~«أصبحت مؤمنا حقا» (1)، فأخبر عن حقيقة إيمانه ، سأله النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك لما كان يجد في نفسه من عظم دعواه ، ثم لما أخبر لم ~~يحكم له بذلك ، وقال : «عرفت فالزم» (2): أي : عرفت الطريق إلى حقيقة ~~الإيمان حتى تبلغ إليه ، وترى حال أبي بكر الصديق رضي الله عنه مستورا من ~~غير استخبار عنه ، ولا استكشاف ؛ لما علم من صدقه فيما ادعى ، وهذا مقام حق ~~اليقين. ### | سورة المعارج # بسم الله الرحمن الرحيم # ( سأل سائل بعذاب واقع (1) للكافرين ليس له دافع (2) من الله ذي ~~المعارج (3) تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ~~(4) فاصبر صبرا جميلا (5) إنهم يرونه بعيدا (6) ونراه قريبا (7)) # ( سأل سائل بعذاب واقع (1) للكافرين ): هذا وصف أهل الأمل ، ~~والظن الكاذب الذين يظنون أنهم يتركون في قبائح أعمالهم ، وهم لا يعذبون. # قوله تعالى : ( تعرج الملائكة والروح إليه في ms1590 يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة ) (4): افهم أن للملائكة والروح مقامات معلومة في عالم ~~الملكوت ، فإذا عرجت الملائكة من مسقط الأمر إلى مصعد المعلوم يكون بيوم ~~كان مقداره عندنا خمسين ألف سنة ، وهم يعرجون بأقل ساعة ، وليس للحق مكان ~~ومنتهى ، إن الخلق يعرجون بل إن ظهور عزته وجلاله في كل ذرة عيان ، فإذا ~~رفعت القرب والبعد من حيث المسافة وأدرجت الأوهام لم يكن بين الحق وبين ~~الروح وصول الحق بأقل طرفة ، فإن الوصول منه وهى قريب غير بعيد. # قال سهل : تعرج الملائكة بأعمال بني آدم إلى الله ، والروح إليها ناظر في ~~ذلك المشهد. # قوله تعالى : ( فاصبر صبرا جميلا ) (5): واسى قلب نبيه ~~صلى الله عليه وسلم ، وأمره بالصبر الجميل ، وهو الصبر بالله لله في الله ، ~~فإن نازله العذاب لمن مؤذيك يقع عليه نعته بحيث لا يقدر دفعها من جميع ~~الوجوه ، فانظر إلينا ولا تنظر إليه ، فإنه مأخوذ. PageV03P452 # قال سهل : الصبر الجميل رضا بغير شكوى ، ثم بين أن الكافرين والمنكرين ~~يرونهم عذابا بعيدا ، بقوله : ( إنهم يرونه بعيدا (6) ونراه قريبا ~~) (7): إن المنكر لا يظن أنه مأخوذ قط ، ولا يعلم أنه وقع في العذاب ، ولا يدري. # قال سهل : إنهم يرون المقضي عليهم من الموت والبعث والحساب بعيد البعد ، ~~أما قوله : ( ونراه قريبا ): فإن كل كائن قريب ، والبعيد ما لا يكون. # ( يوم تكون السماء كالمهل (8) وتكون الجبال كالعهن (9) ولا يسئل ~~حميم حميما (10) يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه (11) ~~وصاحبته وأخيه (12) وفصيلته التي تؤويه (13) ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه ~~(14) كلا إنها لظى (15) نزاعة للشوى (16) تدعوا من أدبر وتولى (17) وجمع ~~فأوعى (18) إن الإنسان خلق هلوعا (19)) # قوله تعالى : ( إن الإنسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر جزوعا ~~(20) وإذا مسه الخير منوعا ) (21): طبع الإنسانية خلق ضعيفا لا يطيق تحمل ~~البلاء ، قال سبحانه : ( وخلق الإنسان ضعيفا ) (28): وذلك الطبع ~~طبع ممتزج بطبع الشيطاني ، والنفساني والهوائي ، والشهواني ، فإذا أتاه ~~مراده سكن به ، ويمنع ذلك من طلاب الخير ، وإذا لم يؤت إليه مراده يشتكي ، ~~ويجزع ، ويضجر ، ولا يصبر ، فإذا أراد ms1591 الله بالعبد خيرا جعل ذلك الطبع ~~مسخرا له حتى يطمئن. # ( إذا مسه الشر جزوعا (20) وإذا مسه الخير منوعا (21) إلا ~~المصلين (22)) # قال الله تعالى : ( إلا المصلين ): يعني العارفين بالله ، ~~الساكنين تحت جريان مقاديره ، المستقيمين به عند امتحانه. # قال سهل : هلوعا منقلبا في حركات الشهوات ، واتباع الهوى. # قال ابن عطاء : «الهلوع» الذي عند الموجود يرضى ، وعند المقصود يسخط. # وقال في قوله : ( إلا المصلين ) (1): العارفين بمقادير الأشياء ~~، فلا يكون لهم لغير الله PageV03P453 # فرح ، ولا إلى غيره سكون. # وقال سهل : إذا افتقر جزع ، وإذا آثر منع إلا المصلين الموفقين من عباده. # قال الواسطي : «جزوعا» لما يجهل من القسمة ، وأما «المنع» فهو من صفة ~~المنافقين. # ( الذين هم على صلاتهم دائمون (23) والذين في أموالهم حق معلوم ~~(24) للسائل والمحروم (25) والذين يصدقون بيوم الدين (26) والذين هم من ~~عذاب ربهم مشفقون (27) إن عذاب ربهم غير مأمون (28) والذين هم لفروجهم ~~حافظون (29) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (30) فمن ~~ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (31) والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ~~(32) والذين هم بشهاداتهم قائمون (33) والذين هم على صلاتهم يحافظون (34) ~~أولئك في جنات مكرمون (35)) # قوله تعالى : ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ): «أماناتهم» ~~: أمانة الاصطفائية الأزلية التي أودع أنوارها قلوب العارفين حين عاينته ~~أرواحهم في مشاهد الأولية ، و «عهدهم» : ما عهد الله بأنه لهم ، وهم له لا ~~لغيره ، فهم مدخل بالمحبة فمن راعى عهده ، وأمانته بشرط المحبة ، والشوق ، ~~والعشق ، وبذل الوجود ، والطرب بلقائه ، وحسن الإقبال عليه على السرمدية ، ~~ولا يتقاعد عنه بشيء من دونه ، فهو من الذين ( هم لأماناتهم وعهدهم ~~راعون. ) # قال بعضهم : «الأمانة» : سر الله عند عباده تسلوهم بها في خواطرهم ، ~~ويسروا به باللجوء ، والافتقار إليه أبدا ، فإذا سكن القلب إلى ما خطر من ~~وسوسة النفس بإذنه الأمانة بحقها بمفارقتها ، والأمانة عهد الله ، ورسوله ~~بقوله : ( ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان. ) # قال الجنيد : إنما هي حفظ القلب مع الله على التوحيد ، و «الأمانة» : ~~المحافظة على الجوارح. # قوله تعالى : ( والذين هم بشهاداتهم قائمون ) (33)، أي : الذين ~~شاهدوا مشاهدة الله قائمين ms1592 في مقام مشاهدته ، مستقيمين في النظر إليه ، لا ~~يزولون عن مقامهم ، وهم بشرط محبته إلى الأبد قائمون ، وببذل وجودهم ~~واقفون. # قال سهل : قائمون بحفظ ما شهدوا به من شهادة أن لا إله إلا الله ، فلا ~~يشركون به في شيء من الأفعال ، والأقوال ، والأحوال. # ( فما ل الذين كفروا قبلك مهطعين (36) عن اليمين وعن الشمال ~~عزين (37) PageV03P454 # أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم (38) كلا إنا خلقناهم مما ~~يعلمون (39) فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون (40) على أن نبدل ~~خيرا منهم وما نحن بمسبوقين (41) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم ~~الذي يوعدون (42) يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون (43) ~~خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون (44)) # قوله تعالى : ( كلا إنا خلقناهم مما يعلمون ) (39): أمين الله ~~على أوليائه الصادقين أنه يبلغهم إلى جواره ؛ لأنهم خلقوا من تربة الجنة ، ~~وخلقت أرواحهم من نور الملكوت ، وإلى مواضعها ترجع ، وللقائه خلقهم ، ومن ~~نوره أوجدهم ، وإن أهل الخذلان خلقوا من عالم الشهواني ، والشيطاني ، ~~ومنبعها النار ، فيدخلون مواضعهم ؛ لأنهم ليسوا من أهل جواره ، ونحن لا ~~ننظر إلى ما خلقنا منه من النطفة والطين ، ولا نعتبر بها ، فنحن نعتبر ~~بالاصطفائية والخاصية في المعرفة ، فإن بهما يصلون إلى جوار الله. # قال الواسطي : ما يؤيسهم من دخول الجنة ، أي : خلقناهم للكفر ، والإيمان ~~، والثواب ، والعقاب. ### | سورة نوح # بسم الله الرحمن الرحيم # ( إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب ~~أليم (1) قال يا قوم إني لكم نذير مبين (2) أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون ~~(3) يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ~~لو كنتم تعلمون (4) قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا (5) فلم يزدهم دعائي ~~إلا فرارا (6)) # ( إنا أرسلنا نوحا ) (1): كان نوح عليه السلام مشكاة نور عظمة ~~الله ؛ لذلك أرسله إلى قومه PageV03P455 # بالإنذار ، فلما عصوه أثر منه قومه من قهر الجبروت ، والأنبياء ، ~~والأولياء في درجات القرب على تفاوت ، فبعضهم يخرجون من نور الجلال ، ~~وبعضهم يخرجون من نور الجمال ms1593 أورث قومه البسط ، والأنس ، والسهولة ، ومن ~~خرج من نور العظمة أورث قومه الهيبة ، والإجلال. # ( وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ~~ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا (7) ثم إني دعوتهم جهارا (8) ثم إني ~~أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا (9)) # قوله تعالى : ( وأصروا واستكبروا استكبارا ) (7): من أصر على ~~المعصية أورثه التمادي في الضلالة حتى يرى قبيح أعماله مستحسنا ، فإذا رآه ~~مستحسنا يستكبر ويعلو به على أولياء الله ، ولا يقبل بعد ذلك نصيحتهم. # قال سهل : الإصرار على الذنب يورث الاستكبار ، والاستكبار يورث الجهل ، ~~والجهل يورث التخطي في الباطل ، والتخطي في الباطل يورث قساوة القلب ، ~~وقساوة القلب يورث النفاق ، والنفاق يورث الكفر. # ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10)) # قوله تعالى : ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ) (10): كان ~~الله في الأزل غفارا لذنوب عباده ، فدعاهم إلى رؤية غفرانه الأزلي بنعت ~~الافتقار إليه ، ورؤية التقصير في العبودية ، والندم على ما ضاع من أيامهم ~~بالغفلة عن الله. # قال بعضهم : الاستغفار أوائل طلب التوبة. # ( يرسل السماء عليكم مدرارا (11) ويمددكم بأموال وبنين ويجعل ~~لكم جنات ويجعل لكم أنهارا (12) ما لكم لا ترجون لله وقارا (13)) # قوله تعالى : ( يرسل السماء عليكم مدرارا ) (11)، أي : إذا كنتم ~~مستسقين من عطش الشوق إلى لقائه ينزل من سماء قربه مطر رحمته ، وهي كشف ~~مشاهدته ، ثم ذلك المطر الغزير بأنه ينبت في بساتين قلوبهم أشجار المعرفة ، ~~ورياحين المحبة ، ويجري في أرض عقولهم أنهار الحكمة ، بقوله : ( ~~ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ) (12). # قال جعفر : يزين ظاهركم بزينة الخدمة ، وباطنكم بأنوار الإيمان. PageV03P456 # ( وقد خلقكم أطوارا (14) ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات ~~طباقا (15) وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا (16) والله أنبتكم من ~~الأرض نباتا (17) ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا (18)) # قوله تعالى : ( وقد خلقكم أطوارا ) (14): طور من أهل المعرفة ، ~~وطور من أهل الحكمة ، وطور من أهل التوحيد ، وطور من أهل الشوق ، وطور من ~~أهل العشق ، وطور من أهل الفناء ، وطور من أهل البقاء ، وطور من أهل الخدمة ~~، وطور من أهل المشاهدة ، خلق طور الأرواح القدسية من نور ms1594 الجبروت ، وخلق ~~طور العقول الهادين العارفة من نور الملكوت ، وخلق طور القلوب الشائقة من ~~معادن القربة ، وخلق طور أجسام الصديقين من تراب الجنة ، فكل طور يرجع إلى ~~معدنه من الغيب. # ( والله جعل لكم الأرض بساطا (19) لتسلكوا منها سبلا فجاجا ~~(20) قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا (21) ~~ومكروا مكرا كبارا (22) وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا ~~يغوث ويعوق ونسرا (23) وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا (24) ~~مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا (25) ~~وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا (26) إنك إن تذرهم يضلوا ~~عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (27) رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي ~~مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا (28)) # قوله تعالى : ( والله جعل لكم الأرض بساطا ) (19): جعل أرض ~~الغيوب بساطا للقلوب ؛ ليسلك في طريق أنوارها الأرواح والعقول ؛ لطلب ~~مشاهدة جلاله وجماله. ### | سورة الجن # بسم الله الرحمن الرحيم # ( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا ~~عجبا (1) يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا (2)) # ( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ): خلق الله بعض أوليائه ~~من الجن ولهم أرواح ملكوتية وأجسام روحانية ، وهم إخواننا في المعرفة ~~يطيعون الله ورسوله ، ويحبون PageV03P457 # أولياءه ، يستنون بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم ، ويسمعون القرآن ، ويفهمون ~~معناه ، وبعضهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وسمعوا كلام الحق منه شفاها ، ~~وخضعوا له إذعانا ، واستبشروا بروح الله وروح خطابه استبشارا. # قال ابن عطاء : تعجبت الجن من بركات القرآن ، لما سمعوه وجدوا في قلوبهم ~~روحا ، وفي أسرارهم نورا ، وعلى أرواحهم راحة ، وفي أبدانهم نشاطا للائتمار ~~بأوامره ، فقالوا : ( إنا سمعنا قرآنا عجبا ) أي : كتابا عجيب ~~البركة ، ثم وصف بركته بقوله : ( يهدي إلى الرشد ): يهدي إلى ~~معدنه ، وهو الذات القديم. # قال الجنيد : إلى الوصول إلى الله ، وهو الرشد. # ( وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا (3) وأنه كان ~~يقول ms1595 سفيهنا على الله شططا (4) وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله ~~كذبا (5) وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا (6) ~~وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا (7) وأنا لمسنا السماء فوجدناها ~~ملئت حرسا شديدا وشهبا (8) وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن ~~يجد له شهابا رصدا (9) وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ~~ربهم رشدا (10) وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا (11) وأنا ~~ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا (12)) # قوله تعالى : ( وأنه تعالى جد ربنا ) علت عظمة جلاله عن أن يكون ~~لها ضد من الأضداد ، وند من الأنداد ، وأن يدركه أحد بنفسه. # قال الجنيد : ارتفع بشأنه عن أن يتخذ صاحبة أو ولدا. # وقال : الذي تعالى عظمته عن أن يكون إليه سبيلا إلا به ، أو يلوثه ما ~~أحدثه بل لا دليل على الله سواه ، ولا أثر لشيء عليه ؛ لأنه الذي أبدى ~~الآثار. # ( وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ~~ولا رهقا (13) وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ~~(14) وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا (15)) # قوله تعالى : ( فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا ) أي : من ~~يعرف ربه فلا يخش على نفسه السقوط من الدرجات ، ولا يبقى في حجب المجاهدات ~~، بل يبلغ إلى أنوار PageV03P458 # المشاهدات. # قال الواسطي : حقيقة الإيمان ما أوجب الإيمان ، فمن بقي في مخاوف ~~المرتابين لم يبلغ إلى حقيقة الإيمان. # ( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا (16) لنفتنهم ~~فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا (17)) # قوله تعالى : ( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ) (1) أي ~~: لما عاينوا في أهل معارفي استقاموا في طوارقات أنوار مشاهدتي ، وصبروا في ~~واردات بحار حقائق وجودي ؛ لأسقينا أرواحهم وعقولهم وقلوبهم مياه بحار ~~أسراري وأنهار أنواري. # قال بعضهم : هو القيام على سبيل السنة ، والميل إلى أهل الصلاح ؛ لكشفنا ~~على قلوبهم ماء الوداد. # ( وأن المساجد لله فلا تدعوا ms1596 مع الله أحدا (18) وأنه لما قام ~~عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (19) قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به ~~أحدا (20) قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا (21)) # قوله تعالى : ( وأن المساجد لله ): مساجد القلوب لزوار تجليه ، ~~فلا ينبغي أن يكون فيها ذكر غير الله. # قال ابن عطاء : مساجدك أعضاؤك التي قررت أن تسجد عليها لا تخضعها ولا ~~تذللها لغير خالقها. # ( قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا (22) ~~إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين ~~فيها أبدا (23) حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا ~~(24) قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا (25)) PageV03P459 # قوله تعالى : ( قل إني لن يجيرني من الله أحد ): أمره بإظهار ~~تلاشي الكون في عظمته ، وغلبة قهر سلطانه على الكائنات جميعا ، وهذا رؤية ~~فردانية الحق بنعت الاستغراق في بحار كبريائه. # قال القاسم : هذه لفظة تدل على إخلاص التوحيد ؛ إذ التوحيد هو صرف النظر ~~إلى الحق لا غير ، وهذا لا يصح إلا بالإقبال على الله ، والإعراض عما سواه ~~، والاعتماد عليه دون ما عداه. # ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول ~~فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا (27)) # قوله تعالى : ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ~~ارتضى من رسول ): ستر الله أنوار غيبه من جميع الخلق إلا من أرواح النبيين ~~والمرسلين ، وعقول الصديقين وقلوب العارفين ، وأسرار الموحدين هم مستشرقون ~~بالله على غيب الله ، وهم أهل مكاشفات صحيحة ، وفراسات صادقة ، ومشاهدات واضحة. # قال بعضهم : أخفى الحق الغيب عن الخلق ، فلم يطلع عليه أحدا من عباده إلا ~~الأولياء على طرف منه بأخبار صدق أو تلقف من الحق والأولياء ، والأمناء ~~أصحاب الفراسات الصادقة ، فإنهم ينظرون بنور الغيب ، فيحكمون على الغيب. # ( ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء ~~عددا ). # قوله تعالى : ( وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا ): أظهر قهر ms1597 ~~سلطان جبروته على كل ذرة من العرش إلى الثرى ، فإنه موجد الأشياء ، والعالم ~~بها قبل إيجادها ، ظاهرا وباطنا ، صغارا وكبارا. # قال القاسم : هو أوجدها ، فأحصاها عددا. ### | سورة المزمل # بسم الله الرحمن الرحيم # ( يا أيها المزمل (1) قم الليل إلا قليلا (2) نصفه أو انقص منه ~~قليلا (3)) # ( يا أيها المزمل (1) قم الليل ): إن الله سبحانه اشتاق إلى ~~مناجاة حبيبه صلى الله عليه وسلم ، فناداه أن يقوم في أجواف الليالي بحسن ~~الإقبال ، ونعت الاستقامة في مشاهدته ، فإنه المقام المحمود PageV03P460 # الذي خصه الله به دون غيره ، وهذا كقوله : ( فتهجد به نافلة لك ~~عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا )، وتسميته بالمزمل ؛ لأنه مخفي عن عيون ~~أهل الحدثان لا يطلع على ما خصه الله به من لطفيات قربه ، وغرائبات دنوه ~~أحد من العرش إلى الثرى ، أي : قم عن مكمن الغيب ، وأظهر شرائفات اصطفائيتك ~~برفعك أعلام نبوتك ، ورايات رسالتك ، فإنك مؤيد منصور ، كان متزملا بكساء ~~لاطلاعه بامتناع أحدية الأزل ، بألا يدركها أهل الحدثان ، فمن هموم فقدانها ~~دخل تحت كساء الحياء والإجلال من ظهور عظمة الحق له ، وهو في منزل بين رجاء ~~الوجدان وخوف الفقدان. # قال ابن عطاء : أيها المخفي ما يظهره عليك من آثار الخصوصية آن آوان كشفه ~~، فأظهره ، فقد أيدناك ممن يتبعك ولا يخذلك ولا يخالفك ، وهو أبو بكر ~~الصديق ، وعلي بن أبي طالب. # وقال القاسم : يا أيها المزمل بالنبوة ، ويا أيها المدثر بالرسالة. # ( أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا (4)) # قوله تعالى : ( ورتل القرآن ترتيلا ) أي : غص في بحار القرآن ، ~~فإن فيها جواهر أسرار الرحمن ، واسكن عند كشوف معنى أسرار خطابي من القرآن ~~، حتى تستوفي حقائقها ، فإن تحت كل حرف بحر من رموز لطائف القدم ، فإن مثلك ~~يسبح في بحر صفاتي ؛ لذلك أفردتك بهذا الخطاب. # قال أبو بكر بن طاهر : دثر في لطائف خطابه ، وطالب نفسك بالقيام بأحكامه ~~، وقلبك بفهم معانيه ، وسرك بالإقبال عليه. # ( إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا (5)) # قوله تعالى : ( إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) (5): كيف لا يثقل ~~قوله سبحانه ، قوله قديم ، وأجدر أن تذهب تحت ms1598 سطوات عزته الأرواح ، ~~والأشباح ، والأكوان ، والحدثان هو بذاته يحمل صفاته لا غير ، وكان ~~صلى الله عليه وسلم مؤيدا بالاتصاف بالحق ، فكان يحمل الحق بالحق لطائفه لطيفة ~~على قلبه ، ثقيلة على من لا يفهمها ؛ إذ القرآن بجماله حيث انكشف ، صار ~~لطيفا على أهله ، وحيث لا ينكشف ثقيل على غير أهله. # قال أبو بكر بن طاهر : لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق ، ونفس مزينة ~~بالتوحيد ، وهو قلبك ونفسك يا محمد ، ومن يطيق حمل ما أطقته من تلقف الخطاب ~~عن المشاهدة ، لأنك مؤيد بالعصم. PageV03P461 # ( إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا (6)) # قوله تعالى : ( إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا ) (6): ~~تهجد الليل وساعاته موافقة لقلوب أهل مناجاته ، وأسهل من طاعة النهار من ~~أهل مراقباته ؛ لما فيها من كشوف مشاهداته لهم ، وحلاوة مخاطباته ، أشد ~~ناشئة لأهل المجاهدات ، وأسهل لأهل المشاهدات ، وأقوم قيلا قول الناجي ربه ~~عند شكواه في ظهور عظمته من فقدان كليته. # قال سهل : ما ينشئه العبد من عبادة الليل ، هي أشد مواطأة على السمع ~~والقلب ، من الإصغاء والفهم ، وأقوم قيلا ، وأثبت رتبة. # وقيل : أصوب قولا ؛ لأنه أبعد من الرياء. # وقيل : عبادة الليل ، أتم إخلاصا ، وأكثر بركة. # ( إن لك في النهار سبحا طويلا (7)) # قوله تعالى : ( إن لك في النهار سبحا طويلا ) (1) أي : في نهار ~~المشاهدة ، وكشفها لك في بحر الأزل والأبد ، سباحة طويلة سباحة النهار غوص ~~الروح في بحر الآيات ؛ لطلب جواهر الصفات. # قال ابن طاهر : اشتغالا بالخدمة ، وإقبالا على الله ، وانتظارا لموارد الوحي. # ( واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (8)) # قوله تعالى : ( واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا ) أي : إذا أردت ~~أن تسبح في بحر جلالنا وقربنا وتريد أن تلقي نفسك فيها انقطع عن حدثان ، ~~واطرح نفسك فيها بتأييد الرحمن ، واعتصم باسمه ، فإذا اعتصمت باسم الله لا ~~تفنى في الله ، هذا إذا ذكر قوله : ( واذكر اسم ربك )، فكيف يكون ~~إذا قال : ( واذكر اسم ربك )، فإن في الاسم يبقى ، وفي المسمى ~~يفنى ، دعاه أولا إلى ذكره ، ثم دعاه إلى مذكوره ، أي : اذكرني ms1599 بذكري ، ثم ~~انقطع من الذكر إلي ومني إلى ، فالأول في الذكر حظ العبودية ، وفي الثاني ~~حظ الربوبية ، فإذا ظهر حظ الربوبية يفنى حظ العبودية. # قال ذو النون : سبحان من دلى من الذكر أغصانا إلى الدنيا ، أشجارها في ~~الملكوت ، وأطعم القلوب من ثمارها ، فأشفقهم في الدنيا والآخرة ، هذا فعل ~~الذكر به ، فكيف إذ بهجهم PageV03P462 # الحب عليه ، وأنشد لنفسه مفردا في هواه قد ذاب شوقا مستطارا لفؤاد يعشق فردا. # قال القاسم : اتصل به اتصالا ما رجع من رجع إلا من الطريق ، وما وصل إليه ~~أحد فرجع عنه. # وقال بعضهم : فتح الله على النبي صلى الله عليه وسلم أولا أسباب التأديب ، ~~ثم أسباب التهذيب ، ثم أسباب التذويب ، ثم أسباب التغييب ، «فالتأديب» : ~~الأمر والنهي ، و «التهذيب» : القسمة والقدرة ، و «التذويب» : ( ليس ~~لك من الأمر شيء )، و «التغييب» : ( وتبتل إليه تبتيلا. ) # ( رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا (9) واصبر على ~~ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (10) وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم ~~قليلا (11) إن لدينا أنكالا وجحيما (12) وطعاما ذا غصة وعذابا أليما (13) ~~يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا (14) إنا أرسلنا إليكم ~~رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا (15) فعصى فرعون الرسول ~~فأخذناه أخذا وبيلا (16) فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا (17) ~~السماء منفطر به كان وعده مفعولا (18) إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه ~~سبيلا (19)) # قوله تعالى : ( لا إله إلا هو ): أفرد نفسه بالفردانية عن ~~الأضداد والأنداد ، وعرف نفسه بالوحدة لحبيبه صلى الله عليه وسلم ، فلما نفى ~~الغير أقبله على رؤية الوحدانية بقوله : ( فاتخذه وكيلا ) أي : ~~انقطع عليه ، فإنه حسبك على كل شيء دونه ، ويعطيك ما وعدك من الدرجات ~~الرفيعة ، والمداناة الشريفة ، وإدخال أمتك الجنة. # قال سهل : أي : كفيلا بما وعدك من المعونة على الأمر والعصمة على النهي ~~والتوفيق ؛ للشكر والصبر في البلوى ، والخاتمة المحمودة. # قوله تعالى : ( إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ) (19) ~~: القرآن تذكرة العارفين ؛ لأنه الأنباء الصفاتية تنبئ كل كلمة عن صفة الله ~~الأزلي ، ويرشده ms1600 بنوره إلى معدنه من الذات ، كأنه سراج قلب كل صادق محب ~~موافق يسيرون إليه ، فلكل منه إلى الحق سبيلا يسلك فيه إلى الله وسيلة أكثر ~~من نجوم السماء ، أمرهم أن يتخذ كل واحد منهم سبيله الذي اختصه الله به ، ~~فهو سبيل الهدى يبلغه إلى معادن القدم ، وأماكن البقاء ؛ لذلك قال لحبيبه : ~~( إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد )، قبل القرآن موعظة ~~للمتقين ، وطريق للسالكين ، ونجاة للهالكين ، وبيان للمستبصرين ، وشفاء ~~للمتحيرين ، PageV03P463 # وأمان للخائفين ، وأنس للمريدين ، ونور لقلوب العارفين ، وهدى لمن أراد ~~الطريق إلى ربه ؛ لأن الله يقول : ( إن هذه تذكرة. ) # ( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة ~~من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ~~ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون ~~من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير ~~تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (20)) # قوله تعالى : ( علم أن لن تحصوه فتاب عليكم ): إن الله سبحانه ~~وتعالى أخبرهم في الأوائل بالمجاهدات ، فلما صاروا أهل الذوق والمشاهدات لم ~~يأت منهم المجاهدات ؛ لأن أهل الأنس والبسط غائبون بأنوار المشاهدات عن ~~المجاهدات ، فتلطف عليهم الحق ، بأن رفع عنهم أثقال العبودية ، وكاشف لهم ~~أنوار الربوبية ، ثم أمرهم بأن يترنموا بآيات من كتابه ما يوافق حالهم من ~~خير وصول الوصال ، وصفاء الأحوال والبسط ، والانبساط ، والروح ، والراحات ~~بقوله : ( فاقرؤا ما تيسر من القرآن ) أي : ما يهيج قلوبكم بنعت ~~المحبة إلى مشاهدة الرحمن. # قال الواسطي في قوله : ( علم أن لن تحصوه ) أي : لن تطيق القيام ~~بأمره ، لن تضبطوا أعمالكم بالصحة والبراءة من العيوب ، فتاب عليكم ، فعاد ~~عليكم بفضله ، وقبل منكم أعمالكم مع أن من لقيه بنعمه كان منقطعا عن المنعم ~~بالنعم ، ومحجوبا بالصفات عن الذات. # وقال جعفر في قوله : ( ما تيسر من القرآن ): قال ms1601 : ما يتيسر لكم ~~في خشوع القلب ، وصفاء السر. # قوله تعالى : ( وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ): ~~هذا العموم والخصوص خبر أنفاسهم التي صعدت منهم بنعت المحبة والشوق إلى ~~الله ، فهم يجدونها بكشوف أنوار الذات والصفات ، ولكل نفس من أنفاسهم لهم ~~هناك قرب ، ووصال ، وحسن ، وجمال. # قال الله : ( هو خيرا وأعظم أجرا ) أي : نفس المحبة والشوق خير ~~من جميع الأعمال الصالحة ، وأجرها كشف اللقاء ، ثم أمر الجميع بالاستغفار ~~عن رؤية الأعراض والأعمال عند رؤية جماله وجلاله ، بقوله : ( ~~واستغفروا الله ) أي : من السكون إلى الأحوال ، فإنه غفور PageV03P464 # لخطرات العارفين ، رحيم بهم ، بأن يوصلهم إليه بلا كلفة المجاهدات ، ولا ~~عسر المعاملات ، قال الله : ( إن الله غفور رحيم ) (20). # وقال بعضهم في هذه الآية : ما تنفقوه في مرضاة الله خير لكم من الإمساك والشح. # وقال بعضهم في قوله : ( واستغفروا الله ): على الوجوه كلها ، ~~فما كان ذلك خالصا لوجه الله لا رياء ولا هواء ولا سمعة فيه ، فهو عزيز لا ~~يصل إليه إلا الأبرار المقربون. ### | سورة المدثر # بسم الله الرحمن الرحيم # ( يا أيها المدثر (1) قم فأنذر (2) وربك فكبر (3) وثيابك فطهر ~~(4) والرجز فاهجر (5) ولا تمنن تستكثر (6) ولربك فاصبر (7) فإذا نقر في ~~الناقور (8) فذلك يومئذ يوم عسير (9) على الكافرين غير يسير (10) ذرني ومن ~~خلقت وحيدا (11) وجعلت له مالا ممدودا (12) وبنين شهودا (13) ومهدت له ~~تمهيدا (14) ثم يطمع أن أزيد (15) كلا إنه كان لآياتنا عنيدا (16) سأرهقه ~~صعودا (17) إنه فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر (20) ثم ~~نظر (21) ثم عبس وبسر (22) ثم أدبر واستكبر (23) فقال إن هذا إلا سحر يؤثر ~~(24) إن هذا إلا قول البشر (25) سأصليه سقر (26) وما أدراك ما سقر (27) لا ~~تبقي ولا تذر (28) لواحة للبشر (29) عليها تسعة عشر (30)) # ( يا أيها المدثر (1) قم فأنذر ) (2) أي : أيها الغريق في قلزم ~~القدم قم بدعوى محبتي ، وأنذر أحبائي عن الاشتغال بغيري ، وأظهر جوهر حقائق ~~بحر عيني للمقبلين إلينا. # قال سهل : يا أيها المستغيث من إغاثة نفسك على صدرك وقلبك قم بنا وأسقط ~~عنك ما سوانا ، وأنذر عبادنا ، فإنا قد ms1602 هيأناك لأشرف المواقف ، وأعظم ~~المقامات. # وقال بعضهم : أزعج سره بالتجريد عن سكونه عن القيام في الطلب ، وعن ~~طمأنينته حتى ورمت قدماه ، ثم قال : ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) ~~، فدل ذلك على دعوته إياه على التفريد. # وقال بعضهم : قم إلينا بالقعود عمن سوانا. PageV03P465 # قوله تعالى : ( وربك فكبر (3) وثيابك فطهر ) (4) (1) أي : كبره ~~برؤية كبريائه بحيث لا يبقى في قلبك النظر إلى غير كبريائه ، وطهر قلبك عن ~~وقوفه على ما يجد من المداناة والقربات ، فان وراء الوراء. # قال الجريري : كبر الكبير ، واعلم أنك لا تنال كنه كبريائه. # قال الحسين : عظم قدره عن احتياجه إليك في الدعوة إليه ، فإن إجابة دعوتك ~~ممن سبقت له الهداية. # قوله تعالى : ( ولا تمنن تستكثر ) (6) أي : لا تعط وجودك إلينا ~~على رؤية الأعواض من غيرنا ؛ لتستكثر الدرجات والأعواض ، فإن هذه من سجية ~~من لا يعرفنا. # ( ولربك فاصبر ) (7) في بذل وجودك في جريان تقديره ، وأيضا أي : ~~مع ربك وفي ربك حين انكشف لك أنوار أسراره ، وخاصيتك في النظر إلى جلاله ~~وجماله ، ولا تنزعج ، فتسقط عن درجة التمكين. # قال القاسم : لا ترى ما أنت فيه لله كثيرا وتستكثره ؛ فإنه لا حد لأحد ~~يقوم بمواجبه ولوازمه ، ( ولربك فاصبر ): تحت القضاء والقدر. # قال ابن عطاء : لا تمنن بعلمك ، فتستكثر طاعتك ، ولا تكون رؤية الاستكثار ~~إلا برؤية النفس ، فمن أسقط عنه رؤية نفسه فقد أزال عنه رؤية الأعمال ~~والطاعات والاستكثار بها. # ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة ~~للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا ~~يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ~~ما ذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم ~~جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر (31) كلا والقمر (32) والليل إذ ~~أدبر (33) والصبح إذا أسفر (34) إنها لإحدى الكبر (35) نذيرا للبشر (36) ~~لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر (37) كل نفس بما كسبت رهينة (38) إلا أصحاب ~~اليمين (39) في جنات يتساءلون (40) عن المجرمين (41) ما ms1603 سلككم في سقر (42) ~~قالوا لم نك من المصلين (43) ولم نك نطعم المسكين (44) وكنا نخوض مع PageV03P466 # الخائضين (45) وكنا نكذب بيوم الدين (46) حتى أتانا اليقين (47) ~~فما تنفعهم شفاعة الشافعين (48) فما لهم عن التذكرة معرضين (49) كأنهم حمر ~~مستنفرة (50) فرت من قسورة (51) بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة ~~(52) كلا بل لا يخافون الآخرة (53) كلا إنه تذكرة (54) فمن شاء ذكره (55) ~~وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة (56)) # قوله تعالى : ( وما يعلم جنود ربك إلا هو ): جنوده وعظمته ~~وكبرياؤه وسلطنته وقهره الذي صدرت منه جنود السماوات والأرض ، وله جنود ~~قلوب العارفين ، وأرواح الموحدين ، وأنفاس المحبين التي يستهلك بها كل جبار ~~عنيد ، وكل قهار عتيد. # قيل : قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم : إنكم لا تقفون على المخلوقات ، ~~فكيف تقفون على الأسامي والصفات؟! # قوله تعالى : ( كلا والقمر (32) والليل ): أقسم الله بأقمار ~~أرواح الصديقين حين تصير بدورا في رؤية شمس جلاله وجماله ، وأقسم بذهاب ~~ليالي هجران أهل الشوق حين أقبلت إلى قلوبهم أنوار قربه ومشاهدته ، وأقسم ~~بطلوع صبح أنوار صفاته وذاته عن مطالع أسرار الواصلين ، ويزيل بنوره ظلمات ~~الطبائع والهياكل ، وصارت عرصات قلوبهم صافية عن كدورات الكون ، ولا يرى ~~عيون أسرارهم فيها إلا فردانية الله التي تقدست من كل علة من علل ~~الحدثانية. # قال القاسم : كلا ورب القمر جذب عباده إليه بالإشارة. # ( والليل إذ أدبر ) (33): ظلم السرائر إذا انكشف ، وضياء ~~الأنوار إذا ظهر على القلوب. # وقال الأستاذ : ( والصبح إذا أسفر ) (34): ضياء أنوار الحقائق ~~إذا تجلت في السرائر. # قوله تعالى : ( كل نفس بما كسبت رهينة ) (38): أنفس المحبين ~~رهينة بالمحبة ، وأنفس المشتاقين رهينة بالشوق ، وأنفس العاشقين رهينة ~~بالعشق ، وأنفس العارفين رهينة بالمعرفة ، وأنفس الغافلين رهينة بالغفلة ، ~~ولكل نفس عنه حجاب ، فمن شاء أن يخرج عن الحجب فليخرج من الأنفس ، وليقبل ~~على مشاهدة رب الأنفس ، فإن الكل مرتهن مما عنده إلا من تجرد مما دون الله ~~بالله ، وهم أصحاب يمين مشاهدة الحق ، قال الله : ( إلا أصحاب ~~اليمين ) (39): فإنهم في جنات قربه ووصاله. # قال القاسم ms1604 : رهينة بما باشرت من الأعمال. PageV03P467 # وقال بعضهم : أين الفرار من القدر ، وكيف القرار على الخطر؟! # قوله تعالى : ( كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة ) (52): وصف ~~الله حسدة القرائين والمنافقين والسالوسين والمفسدين ، بأنهم يتمنون مقام ~~الولاية ، وأن يكشف لهم الكرامات والآيات ، ويعطيهم علوم المعارف والحقائق ~~؛ ليعظم أقدارهم عند الناس ، ولا يعلمون أن هذا قسمة الأزلية سبقت من الله ~~في اصطفائية أنبيائه وأصفيائه وأحبائه ، هذا كتاب منشور من الله سبحانه ~~معرضة على الكل ، وهم لا يعلمون حقيقته ؛ لأنهم أهل الشك والنفاق ، وكيف ~~يفهمون حقائقه وهم ليسوا بأهل الله وأهل خطابه. # قال الحسين : كيف لهم بهذه الإرادة ، ولهم نفوس خالية عن الحق ، معرضة عن ~~أمور الحق ، غافلة عن الوقوف بين يدي الحق ، كيف تفهم الصحف المنشورة أسرار ~~خافية أبكار ما قبضتها خاطر حق قط ، وأصلها أن البشرية لا تضام الربوبية. # قوله تعالى : ( هو أهل التقوى وأهل المغفرة ) (56): حقيقة ~~التقوى لله ، فإنه تقدس بذاته القديم ، وصفاته الأزلية من أوهام الخليقة ، ~~وبأن ليس له في العالمين شريك في أزليته ، أو نظير في أبديته ، توحد بذاته ~~، وتفرد بصفاته ، كان فيما كان قدوسا ، لم يكن مع قدسه علل المحدثات ، ولم ~~يزل كما كان في الأزل ، لا يماسه الحدثان بحقيقة التقوى ، انفرد بفردانيته ~~، ذكر قدسه ، ولا عن مباشرة الحدوث ، ووصول الحدوث إليه بحال ، ثم ذكر ~~رحمته ، وله الرحمة بالحقيقة بأن لو يغفر جميع الكفار ، لا ينقص من بحار ~~رحمته قطرة ، ورحمة كل راحم منشعبة من رحمته. # قال : التقوى : هي التبرؤ من كل شيء سوى الله عز وجل ، فمن لزم الآداب في ~~التقوى فهو أهل المغفرة. # * * * ### | سورة القيامة # بسم الله الرحمن الرحيم # ( لا أقسم بيوم القيامة (1) ولا أقسم بالنفس اللوامة (2) أيحسب ~~الإنسان ألن نجمع عظامه (3) بلى قادرين على أن نسوي بنانه (4) بل يريد ~~الإنسان ليفجر أمامه (5) يسئل أيان يوم القيامة (6)) # ( لا أقسم بيوم القيامة ) (1): انظر كيف قرن الله قسمه بالنفس ~~اللوامة ، بقسمه بيوم القيامة ؛ لأن ما يكون في القيامة من جميع أحوالها ~~يمكنها الله في النفس اللوامة ، القيامة عالم ms1605 ، PageV03P468 # والنفس اللوامة عالم ، يظهر من النفس اللوامة لحار فيها ما يظهر يوم ~~القيامة ؛ لأن الملكوت والجبروت تظهر بنورها وسناها وعجائبها وغرائبها بتجل ~~من النفس اللوامة ، وغرض الكل من العرش إلى الثرى هي النفس اللوامة ، ~~والنفس اللوامة الروح الناطقة العالمة بربها ، العارفة بصانعها ، المحبة ~~لمدبرها ، المشتاقة إلى الله ، العاشقة بالله ، تلوم نفسها عند كل خطرة ~~تطأها بنعت الوقفة على ما يجد من الله من سنا الدرجات ، ورفيع المقامات ، ~~وتلوم على قصور معرفتها بالله على الحقيقة ، ولا تأتي حضرة الله إلا بنعت ~~الخجل والحياء ، وهي لا تنظر إلا الأعمال وأعواضها ، فإن جميع الأعمال لا ~~تزن عندها جناح بعوضة ، بل تلوم النفس الإنسانية الحيوانية والجسمانية بما ~~يقترف من الذنوب والسيئات ، حين لم توافق العقل القدسي الذي هو وزيره ، ~~وتلك الملامة منها إذا كانت في السير ، فإذا وصلت مشاهدة الحق والغاية في ~~شهود الغيب سقطت عنه الملامة ؛ لأن هناك تفنى ، لا رسوم ، ولا يبقى للحدثان ~~أثر ، فيخرج من بحر الربوبية على نعت الطمأنينة ، فإذا كادت أن تشتغل برسوم ~~العبودية ناداها الحق ، ودعاها إلى نفسه بقوله : ( يا أيتها النفس ~~المطمئنة (27) ارجعي إلى ربك. ) # قال سهل : «النفس اللوامة» : هي النفس الأمارة بالسوء ، وهي قرينة الحرص ~~والأمل. # ( فإذا برق البصر (7) وخسف القمر (8) وجمع الشمس والقمر (9) ~~يقول الإنسان يومئذ أين المفر (10) كلا لا وزر (11) إلى ربك يومئذ المستقر ~~(12) ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخر (13) بل الإنسان على نفسه بصيرة ~~(14) ولو ألقى معاذيره (15) لا تحرك به لسانك لتعجل به (16) إن علينا جمعه ~~وقرآنه (17) فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (18) ثم إن علينا بيانه (19) كلا بل ~~تحبون العاجلة (20) وتذرون الآخرة (21)) # قوله تعالى : ( فإذا برق البصر (7) وخسف القمر (8) وجمع الشمس ~~والقمر ) (9): هذا على الظاهر جواب المنكر البعث ، ولأهل الحقائق هناك ~~وصال لا انفصال فيه ، وذلك حين عاين قدس ذات القديم ، فبرقت أبصار العارفين ~~في سطوات عظمته ، وخسفت أقمار قلوبهم في معاينة عزته ، فهناك محل الفناء في ~~الحق حين بانت شموس الذات ، وأقمار الصفات ، وجمعت أنوارها في قلوب ~~العارفين ، وهم يذوبون تحت أثقال صدماتها ms1606 ، فيفرون منه لضعفهم عن حمل ~~واردات القدسية ، وبديهات كشوفات الألوهية ، ويطلبون مقر الأنس من رؤية ~~القدس ، فأكد الله أمر بقائهم فيه بنعت الفناء حيث قال : ( كلا لا ~~وزر (11) إلى ربك يومئذ المستقر ) (12) أي : مستقركم بين أنوار جلالي ~~وجمالي ، لا يطلع عليكم غيري ، وهم فيها أبد الآبدين. PageV03P469 # قوله تعالى : ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ) (14): بصيرة ~~الإنسان هناك عارفة بمعرفته ، حيث عرف إياه منازلها ومراتبها وجناياتها ~~ومعاملاتها ، ولا تعريف الحق إياها ما اطلعت عليها ، كما لم يطلع عليها في ~~الحجبة والغربة ، فإذا وقعت المعرفة وقعت البصيرة ، وإذا وقعت البصيرة وقعت ~~الخاصية ، والمختص بهذه المراتب شريف في الدارين. # قال الواسطي : تخلص النحائز أورث مطالعات المعارف ، وسلامة البصائر أوجبت ~~الضياء في الضمائر ، وملاحظة الكريم أوجبت النعيم. # قوله تعالى : ( إن علينا جمعه وقرآنه ) (17) أي : إن القرآن ~~كلامنا ، وهو قائم بنا ، لا تعجل عند الوحي تحفظه ، فإنه محفوظ عندنا بتجلي ~~أنواره لقلبك ، حتى يتصف بها ، فتصير أهلا للقرآن ، لا تنساه أبدا ، بعد أن ~~باشر نوره قلبك ، وسرك بجميع معناه ، وأسرار لطائفه في قلبك وفهمك ، وتبين ~~ظاهره وقراءته وبيانه على لسانك. # قال الواسطي : جمعه في السر ، وقرأته في العلانية. # وقال : أودع القرآن سرائرهم ، وأودع البيان بواطنهم ، فقال الله تعالى : # ( إن علينا جمعه وقرآنه ) (17). # ( وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23) ووجوه يومئذ باسرة ~~(24) تظن أن يفعل بها فاقرة (25) كلا إذا بلغت التراقي (26) وقيل من راق ~~(27) وظن أنه الفراق (28) والتفت الساق بالساق (29) إلى ربك يومئذ المساق ~~(30) فلا صدق ولا صلى (31) ولكن كذب وتولى (32) ثم ذهب إلى أهله يتمطى (33) ~~أولى لك فأولى (34) ثم أولى لك فأولى (35) أيحسب الإنسان أن يترك سدى (36) ~~ألم يك نطفة من مني يمنى (37) ثم كان علقة فخلق فسوى (38) فجعل منه الزوجين ~~الذكر والأنثى (39) أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى (40)) # قوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة ) (23): ~~وصف الله وجوه مشاهديه بالنضارة والبشارة والبهجة والسرور ، وذلك أنهم ~~يرونه راضيا عنهم ، فإذا وجدوه بوصف الرضا زال عن قلوبهم الهيبة ، وعن ~~وجوههم الصولة ، نظروا إلى جماله ، فصارت ms1607 وجوههم ناظرة بهيئة مبتهجة مسرورة ~~مستبشرة ، وذلك من حسن تجلي جماله ، والآية تدل على أن القوم ينظرون إلى ~~الله وهم في حال الصحو والبسط ، ولو عاينوه بوصف الجلال والعظمة والكبرياء ~~صرفا لهلكوا في أول سطوة من سطواته ، وصارت وجوههم دهشة ، يرونه بنوره ، بل ~~به يرونه ، وهنالك وجود العارف كله عين يرى حبيبه بجميع وجوده ، وتلك العيون PageV03P470 # مستفادة من تجلي الحق سبحانه ، فإذا فهمت هذا فإنه تعالى يقوم لهم بالنظر ~~من نفسه إلى نفسه ، فهناك نظر الحبيب ، ونظر المحبوب واحد في معنى الاتحاد. # قال النصرآبادي : من الناس ناس طلبوا الرؤية واشتاقوا إليه ، ومنهم ~~العارفون الذين اكتفوا برؤية الله لهم ، فقالوا : رؤيتنا ونظرنا فيه علل ، ~~ورؤيته ونظره بلا علة ، فهو أتم به بركة وأشمل نفعا. # قال الواسطي : ( ناضرة ): نضرت بالتوحيد ، وابتهجت بالتفريد ، ~~وذهبت بالتجريد ؛ لأن الله فعال لما يريد. # قال الأستاذ : دليل على أنه بصفة الصحو ، ولا يداخلهم حياء ، ولا دهشا ؛ ~~لأن النضرة من أمارات البسط ، والبقاء في حال اللقاء أتم من اللقاء ، ~~والرؤية عند أهل التحقيق يقتضي بقاء الرائي عنه ، وعندهم استهلاك العبد في ~~وجود الحق أتم (1). ### | سورة الإنسان # بسم الله الرحمن الرحيم # ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1) إنا ~~خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2)) # ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر ): أخبر الله سبحانه عن سر ~~فطرة آدم عليه السلام التي أتى عليها أحيان لم تكن شيئا يطلع عليها المقربون ~~والكروبين من علمهم ومعرفتهم ، وكيف ذكروه وهو على علمهم في غيب الغيب ~~مستورا في حجاب الأنس ، ورياض القدس بنوره عن أعين أهل الملكوت ، فهناك ليس ~~بمكان ولا زمان يتجلى له من جميع الذات والصفات ، وبقى بين أنوار الصفات ~~وأنوار الذات حتى صارت فطرته الروحية القدسية الملكوتية كاملة بكمال الله ، ~~عالمة ، قادرة ، سميعة ، بصيرة ، متصفة بجميع صفاته ، ولم يكن هناك صباح ، ~~ولا مساء ، ولا زمان ، ولا مكان ، عرفها الله نعوته القديمة ، وأسماءه ~~الحسنى ، وصفاته العلا ، وسقاها من بحر الذات شربات المحبة والشوق ms1608 والمعرفة ~~، ففي كل صفة لها طور ، وفي كل مشاهدة لها حال ووجد وكشف لا يطلع عليها أهل ~~البرية ، فكيف ذكروه ، وهو مذكور الله أزلا وأبدا لم يكشف ذكره لأحد غيره ~~على ذكره ، فإذا قالت الملائكة : ( ونحن نسبح PageV03P471 # بحمدك ونقدس لك ) أظهره الله لهم بصورة ترابية ، وفطرة جسمانية ، ~~ولولا أنه ستره بالماء والطين لماتوا جميعا في النظر إليه ؛ لأنه كان خارجا ~~من الحضرة ، منعوتا بنعت الله ، موصوفا بصفة على لباس أنوار الربوبية ، ~~فقبل دخوله في صورته لم تكن الصورة شيئا مذكورا حين لم تنعكس عليها أنوار ~~روحه ، فإذا أراد أن ينفخ فيها روحه خلقها بيده ، وخمر طينه لطفه ، وصور ~~لها بصورة علمه ، وجعل فيها أطوارا من معجونات قدرته وعلمه ، ثم تركها في ~~فضاء غيبه ، حتى مضى عليها دهرها ، ودار عليها فلك دوار ، ففي كل لحظة ~~وساعة أبدع فيها بدائع فطرته ، ولم يكشف تلك الحقائق للملائكة ، ولم يروها ~~إلا صورة صلصالية ، طورا من حمإ مسنون ، وطورا من تراب وغبار ، وطورا من ~~صلصال كالفخار ، حتى تنقشت بنقوش القدرة ، ودخل فيها روح الأولية ، فلما ~~قام آدم في الحضرة سجد له كل شيء ؛ لما عليه من آثار جلال الحق ، وكيف ~~تذكره أحد وذكره غاب في ذاكره ومذكوره تعالى الله عن كل نقص وعلة ، فكما ~~خلق آدم بهذه المثابة خلق ذريته في معادن غيبه أطوارا ، وطورا روحانيا ، ~~وطورا عليا ، وطورا عقليا ، وطورا نفسانيا ، وطورا حيوانيا ، وطورا شهوانيا ~~، وطورا شيطانيا ، وطورا سريا ، وطورا ملكوتيا ، وطورا ربانيا ، فهذه ~~الأطوار يغلبها الله في زمان علمه وقدرته ، ويجعلها في كل أوان عجبته من ~~علمه غريبا من قدرته مصبوغة بصبغ أفانين تجليه ، وذلك قوله : ( ~~إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا )؛ لأن كل ~~إنسان عنده آدم ثان (1). # قال جعفر : هل أتى عليك يا إنسان وقت لم يكن الله ذكرا لك فيه. # وقال أبو عثمان المغربي : ابتلى الله الحق بتسعة أمشاج : ثلاث مفتنات ، ~~وثلاث كافرات ، وثلاث مؤمنات ، فأما الثلاثة المفتنات : فسمعه وبصره ولسانه ~~، وأما الثلاث الكافرات : فنفسه وهواه وعدوه ms1609 ، وأما الثلاث المؤمنات : ~~فعقله وروحه وقلبه ، فإذا أيد الله العبد بالمعونة قهر العقل على القلب ، ~~فملكه ، واستأسرت النفس والهوى ، فلم تجد إلى الحركة سبيلا ، فجانست النفس ~~الروح ، وجانس الهوى العقل ، وصارت كلمة الله هي العليا ، قال الله تعالى : ~~( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) # ( إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3) إنا أعتدنا ~~للكافرين سلاسلا PageV03P472 # وأغلالا وسعيرا (4)) # قوله تعالى : ( إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ): ~~حقيقة إشارته أنه تعالى عرف لهم الطريق ، فمن بقى في الطريق ولم يصل إليه ~~فمنعه لم يبلغ ، ومن وصل إليه فيجد به بلغ إليه ، فمن بلغ يكون بمعرفته ~~شاكرا له ، ومن لم يبلغ إليه فيجد ؛ لأنه يكون كافرا به ، إذ لم يذق طعم ~~الوصال ، ولم ير نور مشاهدة الجمال ، مهد الطريق ، ونصب الأعلام ، وأوضح ~~المنار والأدلة ، ودعاهم به إلى نفسه ، فمن واصل يسكن بما وجد به وهو شاكر ~~، ومن واصل لم يسكن بما وجد ، ويكون معربدا بطلب مزيد الدنو ، وفي كل ما ~~وجد لم يكن راضيا حتى وصل إلى غيبوبة الغيب ، ويشرب من أنهار صرف الصفات ~~والذات ، فيخرج متحدا يدعي الربوبية ، ويكون كافرا الحقيقة. # قال سهل : بينا له طريق الخير من طريق الشر ، إما أن يكون شاكرا طائعا ، ~~فمستقره الجنة ، وإما أن يكون كفورا جاحدا ، فمأواه النار. # ( إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا (5) عينا يشرب ~~بها عباد الله يفجرونها تفجيرا (6) يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره ~~مستطيرا (7) ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (8) إنما نطعمكم ~~لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9) إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا ~~قمطريرا (10) فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا (11) وجزاهم بما ~~صبروا جنة وحريرا (12) متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا ~~زمهريرا (13) ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا (14) ويطاف عليهم ~~بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا (15) قواريرا من فضة قدروها تقديرا (16) ~~ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا (17) عينا فيها تسمى سلسبيلا (18) ~~ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا (19) وإذا ms1610 رأيت ~~ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا (20)) # قوله تعالى : ( إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا ) ~~(5): وصف الله سبحانه أوساط أهل المعرفة من أهل السلوك أنهم يشربون شرابا ~~من كاسات قربه ، يكون مزاجها كافور المعرفة مع شراب المشاهدة ، لم يكن لهم ~~شرابا صرفا من المعرفة ؛ لأنهم يبقون في سكر المشاهدة ، يغيبون عن مطالعة ~~الحقيقة بعيون المعرفة ، فأول شربهم صحو ، وآخر شربهم سكر ، ولم يكن كذلك ~~العارفون ، فإنهم يشربون صرف شراب المشاهدة المنعوت بالمعرفة مع الصحو من ~~أول شربهم إلى آخر شربهم ؛ حتى لا يحتجبوا عن رؤية غرائب تجلي PageV03P473 # الذات والصفات ، ولذلك قال الله : ( عينا يشرب بها عباد الله )، ~~وعباده ههنا : أهل التمكين في المعرفة ، وكذلك حالهم في الدنيا يشربون شراب ~~المحبة ممزوجة ببعض الكشوفات ، والعارفون يشربون جميعا بالرؤية والمكاشفات ~~، فلكل شربة لهم كشف وعيان ، فالصافي من له شراب صاف من غير مزج ، فإن ~~الممزوج لا يخلو من امتحان ، انظر كيف قال القائل : # مالي جفيت وكنت لا أجفي %~% ودلائل الهجران لا تخفى وآرائى تسقيني وتمزج لي %~% ولقد عهد إليك شاربي صرفا # قال سهل : الأبرار الذين هم فيهم خلق من خلق العشيرة ، الذين وعدهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالجنة. # قال الواسطي : لما اختلفت أحوالهم في الدنيا ، كذلك اختلفت أشربتهم في ~~الآخرة ، بل سقت الأشربة الأحوال من قدر له شرابا طهورا في الآخرة ، طهره ~~الحق في الدنيا عن رؤية السعايات بالموافقة والمخالفة ، وهو من تحت قوله : ~~( إن الأبرار يشربون من كأس )، بردت الدنيا في صدورهم ، وانقطعت ~~عن قلوبهم. # قيل : «الأبرار» : هم الذين سمت همتهم عن المستحقرات ، فظهرت في قلوبهم ~~ينابيع الحكمة ، وأنفوا من مساكنهم الدنيا يشربون كأسا كان مزاجها كافورا. # قال الأستاذ : اختلفت مشاربهم في الآخرة ، فكل يسقى ما يليق بحاله. # وقال يحيى بن معاذ في قوله : ( عينا يشرب بها عباد الله ): إنها ~~عيون يشربون منها في الدنيا ، فيورثهم ذلك شراب الحضرة ، وذلك من عيون ~~الحياء ، وعيون الصبر وعيون الوفاء. # قوله تعالى : ( يوفون بالنذر ويخافون يوما ): يوفون بنذورهم ~~التي هي غرائم قلوبهم ms1611 في أوائل قصود أرواحهم بحق الحق ألا يختاروا على الله ~~شيئا من العرش إلى الثرى ، ويخافون من قهره ومكره بمعرفتهم بأنه منزه من وصولهم # وفضولهم. # قال بعضهم : يوفون بما يطيقون ، يخافون أن يطالبوا بما لا يطيقون من تمام ~~الوفاء. # قال سهل في هذه الآية : البلايا والشدائد في الآخرة عام ، والملامة خاص للخاص. # ( عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم ~~شرابا طهورا (21) إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا (22) إنا نحن ~~نزلنا عليك القرآن تنزيلا (23) فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا ~~(24) واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا (25) ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا ~~(26) إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا (27) نحن خلقناهم وشددنا PageV03P474 # أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا (28) إن هذه تذكرة فمن ~~شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (29) وما تشاؤن إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما ~~حكيما (30) يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما (31)) # قوله تعالى : ( وسقاهم ربهم شرابا طهورا ) (21): أخبر الله ~~سبحانه عن سقيه أرواح أوليائه في الأزل شراب بحار رؤية أنوار القدم ؛ حيث ~~ظهر جلال ذاته وصفاته لها ، وذلك الشراب لظهور طهوريته تجلي قدس ذاته الذي ~~ظهر تلك الأرواح من شرب الامتحان والقهر والحرمان ، لا تتدنس أوقاتها بشيء ~~من الحدثان بعد شربها أشربة أفانين أنوار الصفات ، فتلك الكائنات المروقات ~~عن علل الحجاب والعتاب ، دارت عليها في الدنيا حتى يرجع إلى معادنها من ~~الغيب ، ففي كل لمحة لهم شراب الوصال والكشف والجمال لا مقطوعة ولا ممنوعة ~~، ولتلك الأشربة آثار السكر في وجودهم من هجوم المواجيد عليهم حين سلبتهم ~~جذبات واردات الغيب عن رؤية الأكوان الحدثان ، سكرت أرواحهم بشراب رؤية ~~القدم ، وسكرت أسرارهم بشراب رؤية البقاء ، وسكرت عقولهم برؤية نور الصفات ~~، وسكرت قلوبهم بشراب رؤية الذات ، وسكرت نفوسهم بشراب المداناة في الخلوات ~~والمناجاة ، ففي كل حال لهم من ذلك الشراب وقت ، ووجد ، وشوق ، وعشق ، ~~وهيمان ، ووله ، وهيجان ، ليس لهم في الكون سؤل غير هذا الشراب ، ولا لهم ms1612 ~~منى غير هذا الوصال ، به داوى جروح قلوبهم من آلام المحبة لا بشيء دونه. # تداويت من ليلى بليلى من الهوى %~% كما يتداوى شارب الخمر بالخمر # قال بعضهم : إن لله شرابا صافيا طاهرا شهيا نقيا ، ذخرها في كنوز ربوبيته ~~لأوليائه وأصفيائه ، يفجر لهم من ينبوع المعرفة في أنهار المعرفة ، فسقاهم ~~ربهم بكأس المحبة شرابا طهورا ، فإذا شربوا بقلوبهم تلين جلودهم وقلوبهم ~~إلى ذكر الله ، سقاهم ذلك في الدنيا في ميدان ذكره بكأس محبته على منابر ~~السنة بمخاطبة الإيمان ، وسقاهم في الآخرة في ميدان قربه بكأس رؤيته على ~~منابر النور ، بمخاطبته العيان. # قال سهل : فرق الله بهذه اللفظة بين الطهور والطاهر ، وبين خمور الجنة ~~وخمور الدنيا ؛ فإن خمور الدنيا نجسة تنجس ساحبها وشاربها بالآثام ، وخمور ~~الجنة طهور يطهر شاربها من كل دنس ، ويصلحه لمجالس القدس ، ومشهد العزة. # قال جعفر : سقاهم التوحيد في السر ، فتاهوا عن جميع ما سواه ، فلم يفيقوا ~~إلا عند المعاينة ، ورفع الحجاب فيما بينهم وبينه ، وأخذ الشراب ، ففي أخذه ~~عنه لم يبق عليه منة باقية ، وحصله في ميدان الحصول والقبضة. PageV03P475 # وقال فارس : منهم من سقاه شراب الهداية فهداه ، ومنهم من سقاه شراب ~~الولاية فولاه ، ومنهم من سقاه شراب المعرفة فقربه وأدناه ، ومنهم من سقاه ~~شراب التوحيد فستره وأواه. # قال أبو سليمان الداراني : سقاهم ربهم على حاشية بساط الود ، فأراهم من ~~صحة الخلق ، وأراهم رؤية الحق ، ثم أقعدهم على منابر القدس ، وحياهم بتحف ~~المريد ، وأمطر عليهم مطر التأييد ، فسالت عليهم أودية الشوق والقرب ، ~~فكفاهم هموم الفرقة ، وحياهم بسرائر القربة. # وقيل : سقوا شراب المودة في كأس المحبة في دار الكرامة ، فسكروا بها ، ~~فمشوا في ميدان الشوق ، ولم يقنعوا بشيء غير الرؤية. # وقال جعفر : شرابا طاهرا مطهرا صافيا ، ادخره في كنوز ربوبيته ، سقاه ~~أولياءه في ميدان كرامته بكأس هيبته على منابر عزه ، فإذا شربوا سكروا ، ~~وإذا سكروا طاشوا ، وإذا طاشوا اشتاقوا ، وإذا اشتاقوا طاروا ، وإذا طاروا ~~بلغوا ، وإذا بلغوا وصلوا ، وإذا وصلوا اتصلوا ، وإذا اتصلوا أفنوا ، وإذا ~~أفنوا أبقوا ، وإذا أبقوا صاروا ms1613 ملوكا وسادة وأحرارا وقادة. # قوله تعالى : ( يدخل من يشاء في رحمته ) أي : في ولايته ونبوته ~~ومعرفته ومحبته ، وفي كشف مشاهداته التي لا ينالها إلا بالاصطفائية الأزلية ~~التي تزول عندها جميع الأسباب والسعايات وعلل الأعمال. # قال الواسطي : إن الله تعالى حكم بصفته على صفتك ، ولم يحكم بصفتك على ~~صفته ، فقال : ( يدخل من يشاء في رحمته ) (1)، كما أن جميع الكون ~~به ، كذلك جميع الصفات بصفاته ، وكما أنه بنفسه يصرف النفوس ، لا النفوس ~~تصرفه على ما يريدون ، كذلك بصفته يصرف الصفات ، والنعوت أجمع. ### | سورة المرسلات # بسم الله الرحمن الرحيم # ( والمرسلات عرفا (1) فالعاصفات عصفا (2) والناشرات نشرا (3) ~~فالفارقات PageV03P476 # فرقا (4) فالملقيات ذكرا (5) عذرا أو نذرا (6) إنما توعدون ~~لواقع (7) فإذا النجوم طمست (8) وإذا السماء فرجت (9) وإذا الجبال نسفت ~~(10) وإذا الرسل أقتت (11) لأي يوم أجلت (12) ليوم الفصل (13) وما أدراك ما ~~يوم الفصل (14)) # ( والمرسلات عرفا (1) فالعاصفات عصفا ) (2): أقسم الله سبحانه ~~بالمرسلات من رياح العناية المتتابعة من شمال قربه وبساتين غيب مشاهدته ، ~~والعاصفات من رياح تجلي العظمة والكبرياء التي تفنى قلوب الموحدين في ~~سطواتها. # ( والناشرات نشرا ) (3): صبا وصاله التي تنشر طيب الجمال على ~~أرواحهم ، فتبقيها بعد فنائها. # ( فالفارقات ): خطابات متتابعة تفرق بين الحق والباطل في ساحة ~~القلوب. # ( فالملقيات ذكرا ) (5): كشوفات الصفات مع الخطاب والوحي ~~والإلهام. # ( عذرا أو نذرا ) (6): عذرا للأرواح والعقول ، نذرا للقلوب ~~والنفوس ، عذرا للعارفين ، ونذرا للمريدين. # قوله تعالى : ( فإذا النجوم طمست ) (8): إذا تجلى الحق بجلال ~~كبريائه من عيون القدم تنطمس نجوم عقول العارفين مع نجوم معارفهم ، فتنخسف ~~أقمار أرواحهم عند شعاع عزة السرمدية ، بحيث لم يكن لها عين إلا حارث ، ولا ~~معرفة إلا زالت. # ( وإذا السماء فرجت ) (9): سماء قلوبهم تنفرج عند بروز أنوار ~~ألوهيته. # ( وإذا الجبال نسفت ) (10): جبال أسرارهم تنتسف في عواصف قهر ~~سلطان ظهور جلال عزته ، لا تبقى لها آثار في الأنوار. # قال ابن عطاء : إذا انطمست نجوم ظهور المعارف ، وكشفت عن سرائر المعاملات ~~، وهو اليوم الذي يفصل بين المرء وقرنائه وأخدانه وخلانه إلا ما كان منها ~~في الله ولله. # ( ويل يومئذ للمكذبين (15) ألم نهلك الأولين (16) ثم ms1614 نتبعهم ~~الآخرين (17) كذلك نفعل بالمجرمين (18) ويل يومئذ للمكذبين (19) ألم نخلقكم ~~من ماء مهين (20) فجعلناه في قرار مكين (21) إلى قدر معلوم (22) فقدرنا ~~فنعم القادرون (23) ويل يومئذ للمكذبين (24) ألم نجعل الأرض كفاتا (25) ~~أحياء وأمواتا (26) وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا (27) ويل ~~يومئذ للمكذبين (28) انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون (29) انطلقوا إلى ظل ذي ~~ثلاث شعب (30) لا ظليل ولا يغني PageV03P477 # من اللهب (31) إنها ترمي بشرر كالقصر (32) كأنه جمالت صفر (33) ~~ويل يومئذ للمكذبين (34) هذا يوم لا ينطقون (35) ولا يؤذن لهم فيعتذرون ~~(36) ويل يومئذ للمكذبين (37) هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين (38) فإن كان ~~لكم كيد فكيدون (39) ويل يومئذ للمكذبين (40) إن المتقين في ظلال وعيون ~~(41) وفواكه مما يشتهون (42) كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (43) إنا ~~كذلك نجزي المحسنين (44) ويل يومئذ للمكذبين (45) كلوا وتمتعوا قليلا إنكم ~~مجرمون (46) ويل يومئذ للمكذبين (47) وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون (48) ~~ويل يومئذ للمكذبين (49) فبأي حديث بعده يؤمنون (50)) # قوله تعالى : ( ويل يومئذ للمكذبين ) (15) أي : ويل الحسرة يوم ~~الإشهاد للمنكرين أنبيائي وأوليائي ودرجاتهم ، والويل يومئذ لكل مدع كذاب ، ~~ليس في دعواه معنى. # قال الجنيد : الويل يومئذ لمن كان يدعي في الدنيا الدعاوي الباطلة. # قوله تعالى : ( هذا يوم لا ينطقون ) (35): من لم يكن له في ~~الدنيا نطق وحديث وكلام ، كيف ينطق عنده يوم يأتي عنده الكل يهيب ، ويسكت ~~عنده كل فصيح. # قال أبو عثمان : أسكتتهم رؤية الهيبة ، وحياء الذنوب. # قوله تعالى : ( هذا يوم الفصل ) أي : هذا يوم مفارقة النفس ~~والشيطان عن جوار قلب العارف ، وينفصل عن كل محب غير محبوبه حيث استغرق في وجوده. # قال جعفر : فصل كل فصل مدخول ، وفصل كل وعد مأمول. ### | سورة النبأ # بسم الله الرحمن الرحيم # ( عم يتساءلون (1) عن النبإ العظيم (2) الذي هم فيه مختلفون (3) ~~كلا سيعلمون (4) ثم كلا سيعلمون (5) ألم نجعل الأرض مهادا (6) والجبال ~~أوتادا (7) وخلقناكم أزواجا (8) وجعلنا نومكم سباتا (9) وجعلنا الليل لباسا ~~(10) وجعلنا النهار معاشا (11) وبنينا فوقكم سبعا شدادا (12) وجعلنا سراجا ~~وهاجا (13) وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا (14) لنخرج به حبا ونباتا (15) ~~وجنات ألفافا (16) إن يوم الفصل كان ميقاتا ms1615 (17) يوم ينفخ في الصور فتأتون ~~أفواجا (18) وفتحت السماء فكانت أبوابا (19) وسيرت PageV03P478 # الجبال فكانت سرابا (20) إن جهنم كانت مرصادا (21) للطاغين مآبا ~~(22) لابثين فيها أحقابا (23) لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا (24) إلا ~~حميما وغساقا (25) جزاء وفاقا (26) إنهم كانوا لا يرجون حسابا (27) وكذبوا ~~بآياتنا كذابا (28) وكل شيء أحصيناه كتابا (29) فذوقوا فلن نزيدكم إلا ~~عذابا (30)) # ( عم يتساءلون (1) عن النبإ العظيم ) (2): النبأ العظيم كلامه ~~القديم ، عظم بعظم الله القديم ، مرتفع عن خاطر كل مخالف ، لا ينال بركتها ~~إلا أهل الله وخاصته. # قوله تعالى : ( ألم نجعل الأرض مهادا (6) والجبال أوتادا ) (7): ~~مهد أرض قلوب الأولياء ، وربطها بجبال المعارف وأوتاد العقول لعساكر تجليه ~~، «الأوتاد» (1): عصبة من المتمكنين من الأولياء بهم يستقيم العالم ~~والعالمون. # قال بعضهم : الأوتاد على الحقيقة سادات الأولياء ، وخواص الأصفياء. # سئل أبو سعيد الخراز عن الأوتاد والأبدال أيهم أفضل؟ فقال : الأوتاد. قيل ~~: كيف؟ فقال : لأن الأبدال ينقلبون من حال إلى حال ، ويبدل لهم من مقام إلى ~~مقام ، والأوتاد بلغ بهم النهاية وثبتت أركانهم ، فهم الذين بهم قوام الحق. # قال ابن عطاء : الأوتاد هم أهل الاستقامة والصدق ، لا تغيرهم الأحوال ، ~~وهم في مقام التمكين. # ( إن للمتقين مفازا (31) حدائق وأعنابا (32) وكواعب أترابا (33) ~~وكأسا دهاقا (34) لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا (35) جزاء من ربك عطاء ~~حسابا (36) رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا (37) ~~يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ~~(38) ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا (39) إنا أنذرناكم عذابا ~~قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا (40)) # قوله تعالى : ( إن للمتقين مفازا ) (31): لهم فوز المشاهدة ، ~~وبغيبته المكاشفة ولذة الوصلة ؛ لأنهم اتقوا مما سواه ، فيعطيهم ما يكفيهم ~~رؤية غيره في بساتين القدس ، ورياض PageV03P479 # الأنس ، لا يسمعون إلا كلام حبيبهم ، ما يهيجهم إلا قربه ووصاله ، والشوق ~~إلى جماله ؛ ليغنيهم بنفسه عن كل مأمول ، قال سبحانه : ( لا ~~يسمعون فيها لغوا ولا كذابا (35) جزاء من ربك عطاء حسابا. ) # قال بعضهم : فوزهم على قدر قصودهم ونياتهم. ms1616 # قال الشبلي : ( لا يسمعون فيها لغوا ) أي : كلاما إلا من الحق ، ~~فإنه إذا ظهرت الحقيقة خنست المقادير ، وصار الكل هباء في جنب الحقائق ، ~~ومن تحقق بالحق في الدنيا لا يسمعه الحق إلا منه ، ولا يشهده سواه ؛ لأنه ~~مستغرق في معادن التحقيق ، قال الله : ( لا يسمعون فيها لغوا. ) # قال بندار بن الحسين : الجزاء إذا كان من الله لا يكون له نهاية ؛ لأنه ~~لا يكون على حد الأعواض ، بل يكون فوق الحدود ؛ لأنه ممن لا حد له ولا ~~نهاية ، فعطاؤه لا حد له ولا نهاية. # قال بعضهم : العطاء من الله موضع الفضل لا موضع الجزاء ، والجزاء على ~~الأعمال والفضل موهبة من الله ، يخص به الخواص من أهل وداده. # قوله تعالى : ( لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ) ~~(38): من كان كلامه في الدنيا من حيث الأحوال ، والأحوال من حيث الوجد ، ~~والوجد من حيث الكشف ، والكشف من حيث المشاهدة ، والمشاهدة من حيث المعاينة ~~، فهو مأذون في الدنيا والآخرة ، يتكلم مع الحق على بساط الحرمة والهيبة ، ~~ينقل الله به الخلائق من ورطة الهلاك. # قال ابن عطاء : «الخالص» : ما كان لله ، و «الصواب» : ما كان على السنة. # قال الواسطي لأهل الحق : ( وقال صوابا )، لما كان إليهم من بره ~~، فمن كان مأذونا في الكلام ، كان موفقا على قدر علمه. # قال الأستاذ : إنما يظهر الهيبة على العموم لأهل الجمع في ذلك اليوم ، ~~وأما الخواص وأصحاب الحضور فهم أبدا بمشهد العز بنعت الهيبة لا نفس لهم ، ~~ولا فرحة أحاط بهم سرادقها ، واستولت عليهم حقائقها. ### | سورة النازعات # بسم الله الرحمن الرحيم # ( والنازعات غرقا (1) والناشطات نشطا (2) والسابحات سبحا (3) ~~فالسابقات سبقا (4) فالمدبرات أمرا (5) يوم ترجف الراجفة (6) تتبعها ~~الرادفة (7) قلوب يومئذ PageV03P480 # واجفة (8) أبصارها خاشعة (9) يقولون أإنا لمردودون في الحافرة ~~(10) أإذا كنا عظاما نخرة (11) قالوا تلك إذا كرة خاسرة (12) فإنما هي زجرة ~~واحدة (13) فإذا هم بالساهرة (14) هل أتاك حديث موسى (15)) # ( والنازعات غرقا (1) والناشطات نشطا ) (2): ظاهره وعيد ، ~~وإشارة النازعات في الحقيقة إلى صولات صدمات تجلي العظمة على قلوب العارفين ~~، بنزع الأرواح العاشقة عن ms1617 المعادن الحدوثية إلى معادن ، وطوارقات تجلي ~~الكبرياء ، فتذروها في هواء الآزال والآباد ، حتى لا يبقى إلا وجهه ، ولا ~~يدوم إلا ملكه. # ( والناشطات نشطا ) (2): هي الأرواح الشائقة. # ( والسابحات سبحا ) (3): هي الأرواح العارفة ، تسبح في بحار ~~ملكوته ، وقاموس كبرياء جبروته ، تطلب منها جواهر أسرار الأولية والآخرية ~~والظاهرية والباطنية. # ( فالسابقات سبقا ) (4): هي أنفاس الشائقين ، وهموم العارفين ~~العاشقين يصاعدها لعالم الملكوت ، وجناب الجبروت ، تسابق كل هبة. # ( فالمدبرات أمرا ) (5): هي العقول القدسية ، تدبر أمور ~~العبودية بشرائط إلهام الحقيقة (1). # ( إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى (16) اذهب إلى فرعون إنه طغى (17)) # قوله تعالى : ( إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى ) (16): طير روح ~~كليمه في وادي قدس آزاله وآباده ، وطوى لها بعد إصفار القديم والبقاء ، ~~فدنا منه ، وأغرقه في بحر جماله وجلاله ، وأسكره شهود العين ، بوصف كاد أن ~~يكون هو هو من حيث الاتحاد والاتصاف ، فاستوفى جميع وجوده حظ الربوبية ، ~~وبقي سمعه من الاتصاف بصفته ، فناداه حتى يكون جامعا في الاتصاف والاتحاد ، ~~فلما كاد أن يدعي الأنائية من حدة السكر ، فناداه حتى يفيق من سكر سكره ، ~~ولا يتجاوز عن حده ، فناداه أين أنت يا موسى؟ أنا ، أنا وأنت ، أنت ، ~~وأحاله إلى PageV03P481 # فرعون حتى يكون مشغولا عن حدة الاتحاد ، ولولا الرسالة والإبلاغ لفني في ~~شهود الكبرياء ؛ لذلك قال : ( اذهب إلى فرعون إنه طغى ) (17)، حيث ~~يدعي ما ليس له ، إذ هو رأى على نفسه عكس قهر القدم ، فظن أنه هو في ~~الربوبية ، ولم يعرف أن القهر يمنعه عن الوصول إلى الأزل بالاتصاف ، فإغراء ~~موسى عليه ؛ ليدمر عليه بعزته ، ويكذبه بالعلامة الصحيحة الإلهية الربانية ~~مثل العصا واليد البيضاء ، وإرسال موسى إلى فرعون موضع الامتحان والتعريف ~~بالامتنان والفرقان بين العرفان والخذلان ، ونجاة أهل الإيمان من بين أهل ~~الطغيان. # قال سهل في قوله : ( إذ ناداه ربه ): جوع نفسه طائعا تعبدا ، ثم ~~نادى ؛ ليكون النداء أبلغ. # وقال أبو عثمان : طوى أياما قبل القصد ، ثم قصد طاويا مقدسا ، فطوى ~~الوادي المقدس ، فناداه ربه على التقديس. # قال الصبيحي في قوله : ( اذهب إلى فرعون ): الإشارة إلى فرعون ، ~~وهو ms1618 المبعوث إلى السحرة ، فإن الله لم يرسل أنبياءه إلى أعدائه ، ولم يكن ~~لأعدائه من الخطر ما يرسل إليهم أنبياءه ، ولكن يبعث إليهم الأنبياء ؛ ~~ليخرج أولياءه المؤمنين من بين أعدائه الكفرة. # ( فقل هل لك إلى أن تزكى (18) وأهديك إلى ربك فتخشى (19) فأراه ~~الآية الكبرى (20) فكذب وعصى (21) ثم أدبر يسعى (22) فحشر فنادى (23) فقال ~~أنا ربكم الأعلى (24) فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (25) إن في ذلك لعبرة ~~لمن يخشى (26) أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها (27) رفع سمكها فسواها (28) ~~وأغطش ليلها وأخرج ضحاها (29) والأرض بعد ذلك دحاها (30) أخرج منها ماءها ~~ومرعاها (31) والجبال أرساها (32) متاعا لكم ولأنعامكم (33) فإذا جاءت ~~الطامة الكبرى (34) يوم يتذكر الإنسان ما سعى (35) وبرزت الجحيم لمن يرى ~~(36) فأما من طغى (37) وآثر الحياة الدنيا (38) فإن الجحيم هي المأوى (39)) # قوله تعالى : ( فقل هل لك إلى أن تزكى (18) وأهديك إلى ربك ~~فتخشى ) (19): فيه بيان أن : المزكى المطهر هو المهدي يخشى الله لوجود ~~علمه بالله ، ومن كان جاهلا بالله لم يخش من الله ، وهذا امتحان من الله ؛ ~~لقطع حجته ، ولم تخف على الله سوء عاقبته. # قال ابن عطاء : هل لك أن أطهرك من الجنايات التي تلطخت بها ، وأردك إلى ~~حد العبودية التي بها الفخر والنجاة. PageV03P482 # وقال الترمذي : الخشية ميراث صحة الهداية ، ألا ترى الله يقول : ( ~~ وأهديك إلى ربك فتخشى. ) # قوله تعالى : ( فأراه الآية الكبرى ) (20): انظر كيف أشار ~~سبحانه رمزا عجيبا في هذه الآية أنه أراه آية صرفا ، ولو أراه أنوار الصفات ~~في الآيات لم يكفر ، ولم يدع الربوبية ؛ إذ هناك موضع المحبة والعشق ~~والإذعان ؛ لأن رؤية الصفات تقتضي التواضع ، ورؤية الذات تقتضي العربدة ، ~~فكان هو محجوبا برؤية الآيات عن رؤية الصفات ، فلما لم يكن معها حظ شهود ~~نور الصفة لم ينل على رؤيتها حظ المحبة ، ولم يأت منها الانقياد والإذعان ؛ ~~لذلك قال سبحانه : ( فكذب وعصى ) (21). # قوله تعالى : ( فقال أنا ربكم الأعلى ) (24): ألبس الله نعوت ~~قهره نفس فرعون ، وظهرت تلك النعوت لها بوصف الشهوة والحلاوة من تأثير ~~مباشرتها ، فسكرت نفسه بشرب القهر ، فصارت متمردة عاصية كافرة ، تدعي ~~الربوبية ms1619 ، ولم يعلم الكافر أنها لباسات عارية. # سئل الواسطي : لماذا خلق الله المعاصي وأظهرها وأظهر هذه الألفاظ التي لا ~~تليق بالربوبية؟ قال : لأنه لم يؤثر على الذات ما أظهر في الحدث من الصفات ~~؛ لأن الصمدية ممتنعة عن الإشارات فضلا عن العبارات. # قوله تعالى : ( فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ) (25): لما لم ~~يكن صادقا افتضح في الدنيا والآخرة ، وهكذا كل من يدعي ما ليس من المقامات. # قال بشر : أنطق الله لسانه بالعريض من الدعاوي ، وأخلاه من حقائقها. # وقال السري : العبد إذا تزين بزي السيد صار نكالا ، ألا ترى كيف ذكر الله ~~في قصة فرعون لما ادعى الربوبية ، ( فأخذه الله نكال الآخرة ~~والأولى )، كذبه كل شيء حتى نفسه. # ( وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) فإن الجنة هي ~~المأوى (41) يسئلونك عن الساعة أيان مرساها (42) فيم أنت من ذكراها (43) ~~إلى ربك منتهاها (44) إنما أنت منذر من يخشاها (45) كأنهم يوم يرونها لم ~~يلبثوا إلا عشية أو ضحاها (46)) # قوله تعالى : ( وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) ~~فإن الجنة هي المأوى ) (41): خاطب العباد بهذه الآية في أوائل مقاماتهم ~~حين وجب عليه تزكية النفوس عن شره هواها والميل إلى حظوظها ؛ لأنهم في وقت ~~قصودهم إلى الله لا يجوز لهم الرخص والرفاهية ، فقد وجب عليهم الإعراض عن ~~حظوظ أنفسهم خوفا من الاحتجاب بها عن الوصول إلى الله ، ولعلمهم بأنه تعالى ~~يحيط بحركات شهوات نفوسهم الخفية حين تميل PageV03P483 # بخفاياها إلى مرادها مما دون الله ، فإذا جاهدوها وقهروها بتأييد الله ~~أوصلهم الله مقام مشاهدته ، وهي جنة العارفين ، فإذا بلغوا إلى درجات ~~المعرفة لم يحتاجوا إلى نهي النفس عن الهوى ، فإن نفوسهم وأجسامهم ~~وشياطينهم صارت روحانية ، فجانست الأرواح الملكوتية ، فشهوات نفوسهم هناك ~~من تآثير حلاوة أرواحهم في مشاهدة الحق ، فتشتهي الأنفس ما تشتهي الأرواح ، ~~الأرواح في الغيوب ، والنفوس في القلوب ، فنظرهم هناك إلى كل شيء يكون ~~للنفوس ، والأرواح جنات ، تظهر فيها أنوار شهود الحق ، وأين الكافر والمعطل ~~والمدعي من هذا المقام؟! وهم خلقوا من الجهالة ، فيموتون في الضلالة ms1620 ، ~~وأصحاب القلوب والمعارف عيش أرواحهم عيش الربانيين ، وعيش نفوسهم عيش ~~الجنانيين ، والله قادر بذلك ، يختص برحمته من يشاء ، قال الله تعالى : ( ~~ أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء )؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : ~~«أسلم شيطاني» (1)، وقال : «نحن معاشر الأنبياء أجسادنا روح» (2). # قال بعضهم : من تحقق في الخوف ألهاه خوفه عن كل مفروح به ، وألزمه الكمد ~~إلى أن يظهر له إلا من خوفه. # وقال سهل : لا يسلم من الهوى إلا الأنبياء ، وبعض الصديقين ليس كلهم ، ~~وإنما سلم من الهوى من ألزم نفسه الأدب. ### | سورة عبس # بسم الله الرحمن الرحيم # ( عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى (2) وما يدريك لعله يزكى (3) أو ~~يذكر فتنفعه الذكرى (4) أما من استغنى (5) فأنت له تصدى (6) وما عليك ألا ~~يزكى (7) وأما من جاءك يسعى (8) وهو يخشى (9) فأنت عنه تلهى (10) كلا إنها ~~تذكرة (11) فمن شاء ذكره (12) في صحف مكرمة (13) مرفوعة مطهرة (14) بأيدي ~~سفرة (15) كرام بررة (16)) # ( عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى ) (2): بين الله سبحانه هاهنا ~~درجة الفقر وتعظيم أهله وخسة الدنيا وتحقير أهلها ، وأن الفقر إذا كان نعت ~~الصادق في المعرفة والمحبة كان شرفا له ، وهو من أهل الصحبة ، ولا يجوز ~~الاشتغال بصحبة الأغنياء ودعوتهم إلى طريق PageV03P484 # الفقر إذا كانت سجيتهم لم تكن سجية أهل المعرفة ، فإذا كان حالهم كذلك لا ~~يأتون إلى طريق الحق بنعت التجريد ، فالصحبة معهم ضائعة ، ألا ترى كيف عاتب ~~الله نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الآية. # وقوله : ( أما من استغنى (5) فأنت له تصدى (6) وما عليك ألا ~~يزكى ) (7): كيف يتزكى من خلق على جبلة حب الدنيا والعمى عن الآخرة ~~والعقبى. # قال أبو عثمان : أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بمجالسة الفقراء ، ~~وحثه على تعظيمهم ، ونهاه عن صحبة الأغنياء ، بقوله : ( أما من ~~استغنى (5) فأنت له تصدى ) (6). # قال الواسطي في قوله : ( وما عليك ألا يزكى ): استهانة بمن أعرض ~~عنه (1). # ( قتل الإنسان ما أكفره (17) من أي شيء خلقه (18) من نطفة خلقه ~~فقدره (19) ثم السبيل يسره (20) ثم أماته فأقبره (21) ثم إذا شاء أنشره ~~(22) كلا لما يقض ما ms1621 أمره (23) فلينظر الإنسان إلى طعامه (24) أنا صببنا ~~الماء صبا (25) ثم شققنا الأرض شقا (26) فأنبتنا فيها حبا (27) وعنبا وقضبا ~~(28) وزيتونا ونخلا (29) وحدائق غلبا (30) وفاكهة وأبا (31) متاعا لكم ~~ولأنعامكم (32) فإذا جاءت الصاخة (33)) # قوله تعالى : ( قتل الإنسان ما أكفره ): لعن الله الكافر ، وعظم ~~كفره حين لم يعرف صانعه ، ولم يعرف نفسه التي لو عرفها عرف صانعها ، وكذلك ~~عرفه ماهية نفسه بقوله : ( من أي شيء خلقه (18) من نطفة خلقه فقدره ~~) أي : قدره أصنافا وأطوارا ، وفي كل صنف وطور له خلقة. # ( ثم السبيل يسره ): يسر له طريق الهداية والضلالة. # قال الوسطي : ما أجهله بالمعرفة ، وذلك لجهله بالموارد والمصادر. # قال ابن عطاء : يسر على من قدر له التوفيق طلب رشده واتباع نجاته. # وقال أبو بكر بن طاهر : يسر على كل أحد ما خلقه له وقدر عليه. # قال جعفر : ما أجهله ، وأعماه عن الحق. # قوله تعالى : ( كلا لما يقض ما أمره ) أي : لم يف بالعهد الأول ~~حين خاطبه الحق بقوله : ( ألست بربكم قالوا بلى )، ولم يأت بمراد ~~الله منه ، وهو العبودية الخالصة. # قال القاسم : ذكر أوائله وأواخره وإرادته ، وإن كان ذلك من عنده ، ثم ~~أمره بالتبتل إليه PageV03P485 # ورؤية منته. # قوله تعالى : ( أنا صببنا الماء صبا (25) ثم شققنا الأرض شقا ) ~~(26): صب ماء المعرفة على قلوب العارفين ، وشققها نبات الحكمة ، وأزهار ~~المحبة. # قال ابن عطاء : صب من ماء معانيه على قلوب أهل معاملته صبا ، فانشق منها ~~معرفة ووجدا ، ثم أنبت فيها محبة وحكما وفهما. # ( يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه وأبيه (35) وصاحبته وبنيه ~~(36) لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (37) وجوه يومئذ مسفرة (38) ضاحكة ~~مستبشرة (39) ووجوه يومئذ عليها غبرة (40) ترهقها قترة (41) أولئك هم ~~الكفرة الفجرة (42)) # قوله تعالى : ( يوم يفر المرء من أخيه ) (34): أكد الله أمر ~~نصيحته لعباده ألا يعتمدوا إلى من سواه في الدنيا والآخرة ، فإن ما سواه لا ~~يفقده من قبض الله ، حتى يفر مما دون الله إلى الله. # قال الأبهري : يفر منهم إذا ظهر لهم عجزهم ، وقلة حيلتهم إلى من يملك كشف ~~تلك الكروب والهموم عنهم ، ولو ظهر ms1622 له ذلك في الدنيا لما اعتمد سوى ربه ~~الذي لا يعجزه شيء ، ولكن من فسحة التوكل ، واستراح في ظل النفوس. # قوله تعالى : ( لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) (37): لكل واحد ~~منهم شأن يشغله ، وللعارف شأن مع الله في مشاهدته يغنيه عما سوى الله. # قال يحيى بن معاذ : إذا شغلتك نفسك في دنياك وعقباك عن ربك ، أما في ~~الدنيا ففي طلب مرادها ، واتباع شهواتها ، وأما في الآخرة فقد أخبر الله ~~عنها بقوله : ( لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) (37)، فمتى تفزع ~~إلى معرفة ربك وطاعته؟ # قال الأستاذ : العارف مع الخلق ، ولكنه مفارقهم بقلبه ، وأنشد : # ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي %~% وأبحت جسمي من أراد جلوسي # قوله تعالى : ( وجوه يومئذ مسفرة (38) ضاحكة مستبشرة ) (39): ~~وجوه العارفين مسفرة بطلوع أسفار صبح تجلى جمال الحق فيها ، ضاحكة من الفرح ~~بوصولها إلى مشاهدة حبيبها ، مستبشرة بخطابه ، ووجدان حسن رضاه ، والعلم ~~ببقائها مع بقاء الله. # قال ابن طاهر : كشف عنها ستور الغفلة ، فضحكت بالدنو من الحق ، واستبشرت ~~بمشاهدته. # قال ابن عطاء : أسفرت تلك الوجوه بنظرها إلى مولاها ، وأضحكها رضا الله عنها. PageV03P486 # قال سهل : منورة بنور التوحيد ، واتباع السنة ، ثم وصف وجوه الأعداء ~~والمدعين وقال : ( ووجوه يومئذ عليها غبرة ) (40): عليها غبرة ~~الفراق يوم التلاقي ، وعليها قترة ذل الحجاب ، وظلمة العذاب ، نعوذ بالله ~~من العتاب. # قال السري : ظاهر عليها حزن البعاد ؛ لأنها صارت محجوبة عن الباب مطرودة. # قال سهل : غلب عليها إعراض الله عنها ، ومقته إياها ، فهي تزداد في كل ~~وقت ظلمة وقترة. # وقال الأستاذ : عليها غبرة الفراق ، وترهقها قترة ذل الحجاب. ### | سورة التكوير # بسم الله الرحمن الرحيم # ( إذا الشمس كورت (1) وإذا النجوم انكدرت (2) وإذا الجبال سيرت ~~(3) وإذا العشار عطلت (4) وإذا الوحوش حشرت (5) وإذا البحار سجرت (6) وإذا ~~النفوس زوجت (7) وإذا الموؤدة سئلت (8) بأي ذنب قتلت (9) وإذا الصحف نشرت ~~(10) وإذا السماء كشطت (11) وإذا الجحيم سعرت (12) وإذا الجنة أزلفت (13)) # ( إذا الشمس كورت ) (1): الإشارة في هذه الآيات إلى ظهور تجلي ~~الذات والصفات في قلوب العارفين ، فهناك تكورت شموس أرواحهم من غلبة نور ~~عظمة الذات ms1623 ، وانكدرت نجوم عقولهم من صولة أنوار الصفات ، وسيرت جبال ~~قلوبهم من أثقال واردات محبتها ، وتعطلت نفوسهم في سطوات جلالها ، فهناك ~~سجرت بحار التوحيد ، وحشرت طيور التفريد ، ولا يبقى إلا وجه ذي الجلال ~~والإكرام ، ولكل عارف في كل حالة من هذه الأحوال له قيامة. # قال الحسين : تطمس الشمس بعد تنويرها ، وتغور البحار بعد تفجيرها ، وتنسف ~~الجبال بتسييرها ، وتدرس العشار بعد تعطيلها ، وتخمد الجحيم بعد تسعيرها ، ~~وتطوى الصحف بعد النشر ، وتحشر الوحوش من القبر ، وتزلزل الأرض ، وتخرج ~~أثقالها للعرض على الجبار ، وذلك أصعب مقام المخالفين ، وأهون مقام ~~الموافقين ، فطوبى لمن أثبت في ذلك المقام. # قوله تعالى : ( وإذا النفوس زوجت ) (7): زوجت الروح الناطقة ~~بالنفس المطمئنة ، فتكونان في جنان القرب أبدا ، كما تكونان في الدنيا في ~~مقامات المراقبات ، وصفاء المعاملات. # قال سهل : تآلفت نفس الطبع مع نفس الروح ، فمرحت في نعيم الجنة ، كما كانتا PageV03P487 # متآلفتين في الدنيا على أدائه الذكر. # قوله تعالى : ( وإذا الجنة أزلفت ) (13): قربت جنان المشاهدات ~~لأهل المداناة ، ووصلت حجال الوصلات بأهل الحالات. # قال القاسم : زخرفت بسرور البقاء واللقاء ، وحسن الجزاء ، ورضا المولى ، ~~ومواصلة العطاء. # ( علمت نفس ما أحضرت (14) فلا أقسم بالخنس (15) الجوار الكنس ~~(16) والليل إذا عسعس (17) والصبح إذا تنفس (18) إنه لقول رسول كريم (19) ~~ذي قوة عند ذي العرش مكين (20) مطاع ثم أمين (21) وما صاحبكم بمجنون (22) ~~ولقد رآه بالأفق المبين (23) وما هو على الغيب بضنين (24) وما هو بقول ~~شيطان رجيم (25) فأين تذهبون (26) إن هو إلا ذكر للعالمين (27) لمن شاء ~~منكم أن يستقيم (28) وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين (29)) # قوله تعالى : ( علمت نفس ما أحضرت ) (14): علمت نفوس العارفين ~~بتعريف الله إياها حقيقة أنفاسها التي صدرت منها بنعت الأشواق إلى جمال ~~القدم أي شيء صنعت في الملكوت ، وكيف حرقت حجاب الجبروت ، وكيف وصلت إلى ~~قرب القرب ودنو الدنو ، وكيف فعل بها الحق من إرادتها في ميادين الذات ~~والصفات ، وتعريفها عين العين ، وحقيقة الحقيقة ، وعلمت أن ما صدر من ~~الحدثان يرجع إلى الحدثان ، فإن الحدوثية لا تليق بجناب الربوبية ، وهكذا. # قال الواسطي : أيقنت ms1624 تلك الأنفس أن كل ما عانت واجتهدت وعلمت لا تصلح ~~لذلك المشهد ، وأنه من أكرم بخلع الفصل نجا ، ومن قرن بجزاء أعماله هلك وخاب. # قوله تعالى : ( فلا أقسم بالخنس (15) الجوار الكنس ) (16): أقسم ~~الله بنيرات عالم الملكوت إذا شاهدت عرائس الصفات في روازنها ، ونظرت إلى ~~قلوب المشتاقين ، وجذبتها بنورها إلى أعلى عليين ، فلما بلغت الأرواح إلى ~~سرادق الدنو تخنس باستتارها بعد تجليها ، وتكنس باحتجابها بعد انكشافها ؛ ~~لذوبان الأرواح في نيران الأشواق ، وهيجان الأشباح إلى عالم الأفراح ، ~~وأقسم بظلمة ليالي الهجران في وقت الاستتار في قلوب العارفين ، وبطلوع صبح ~~أنوار مشاهدته بنعت الوصال في فؤاد المحبين ، وأيضا أقسم بطيران الأرواح ~~القدسية بجناح المحبة والمعرفة في هواء الهوية ، وهذا كنوسها إذا هامت ~~بوجوهها في غيب الغيب ، فإذا وصلت إلى قاف القدم ، وتذورت بسطوات الأزلية ~~تخنس ، وتفر من صدمات القيومية إلى PageV03P488 # عالم الأمر والحكم ؛ لأن الحدوثية تزول عن موازاة القدم ، وأيضا أقسم ~~بسير هذه الأرواح العاشقة في طرقات العلوم المجهولة ، فتستفيد منها ما يكون ~~بخلاف العلوم الرسومية. # قوله تعالى : ( فأين تذهبون ) (26) أي : أين تمضون مما بينت لكم ~~في كتابي من طرق السعادة والمواصلة والمداناة وكشف المشاهدات ، تذهبون من ~~هذا الطريق المبارك ، وتهلكون في أودية الظنون والحسبان ، هذا رشد ، ~~فاسلكوا مسلك الرضا بالطاعة ، وسيروا في ميادين الموافقة. # وقال الواسطي : الخلق كلهم مقبوضون تحت رق الملك ، محجوبون لعزة الملك ~~على قوله : ( فأين تذهبون ) (26)، وهو الذي يطمس الرسوم ، ويعمى ~~الفهوم ، ويترك الأجسام قاعا صفصفا ؛ لأنه لا يلحق الإشارة ، فإن الكون أقل ~~خطرا وأضعف أثرا من أن يكون لها سبيل إلى تحقيق الإشارة ، فأين تذهبون من ~~ضعف إلى ضعف ، ارجعوا إلى فسحة الربوبية ؛ ليستقر بكم القرار. # قوله تعالى : ( وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ): أغرق الحق مشيئة ~~الحدثان في بحار مشيئة الأزلية ؛ إذ مشيئة الخلق صادرة من مشيئة الأزل ، هو ~~منزه عن أن يكون في مشيئته مشيئة غير مشيئة الأزلية ، فإذا سقطت مشيئتة ~~الحدث ارتفعت الاختيارات والتدابير ، واستنارت طرق الرضا والتوكل والتفويض ~~، وبانت حقائق الفردانية ؛ إذ الحدثان اضمحلت ms1625 في جناب عزة الرحمن. # قال الواسطي : أعجزك في جميع أوصافك وصفاتك ، فلا تشاء إلا بمشيئته ، ولا ~~تعمل إلا بقوته ، ولا تطيع إلا بفضله ، ولا تعصي إلا بخذلانه ، فماذا يبقى ~~لك ، وبماذا تفتخر من أفعالك ، وليس من فعلك شيء. ### | سورة الانفطار # بسم الله الرحمن الرحيم # ( إذا السماء انفطرت (1) وإذا الكواكب انتثرت (2) وإذا البحار ~~فجرت (3) وإذا القبور بعثرت (4) علمت نفس ما قدمت وأخرت (5) يا أيها ~~الإنسان ما غرك بربك الكريم (6) الذي خلقك فسواك فعدلك (7) في أي صورة ما ~~شاء ركبك (8) كلا بل تكذبون بالدين (9) وإن عليكم لحافظين (10) كراما ~~كاتبين (11) يعلمون ما تفعلون (12)) # ( إذا السماء انفطرت ) (1): إذا ظهر سلطان كبريائه تنشق سماوات ~~القلوب ، وتتناثر PageV03P489 # نجوم العلوم ، وتتفجر بحار الأرواح والعقول ، ويخرج ما في القبور والصدور ~~من معاني الحقائق ، ولطائف الدقائق ، علمت النفوس الروحانية ما قدمت من بذل ~~وجودها بنعت السوق ، وما أخرت من بقايا رمقاتها لاصطياد طيور التجلي ~~والواردات. # قال أبو عثمان : ما قدمت من خير ، وأخرت من شر. # وقال بعضهم : ما قدمت من حق ، وأخرت من باطل. # قوله تعالى : ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ) (6): عجبت ~~من هذا الخطاب الذي فيه تهديد المخالف ، ومواساة الموافق كيف يخاطب بخطاب ~~مع المخالف الذي فيه مواساة الموافق ، فيه ما فيه من إشارات علومه المجهولة ~~، ورموزات كنوزه الغيبية التي لا يعرفها إلا دهش في الوحدانية ، هائم في ~~رؤية الفردانية ، مشرف بالحق على ما للحق من مكنون سره ، ولطائف بره التي ~~بحلاوتها يغر كل مغرور ، وينشط كل مجترئ في اقتحامه في شاقات البليات ، ~~وبيان ذلك ظاهر في قوله : ( ما غرك بربك الكريم )، يلقيهم جواب ~~سؤاله ؛ ليقولوا : كرمك يا ربنا غرنا. # قال ابن عطاء : ما قطعك عن صحبة مولاك. # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لو قيل لي ما غرك بي؟ قلت : جهلي بك ~~غرني لا غير. # قال منصور بن عمار : لو قيل لي ما غرك بي؟ قلت : يا رب ما غرني إلا ما ~~علمته من فضلك على عبادك ، وصفحك عنهم. # وقال يحيى بن معاذ : لو ms1626 قيل لي ما غرك بي؟ قلت : برك بي. # قوله تعالى : ( الذي خلقك فسواك فعدلك (7) في أي صورة ما شاء ~~ركبك ) (8): خلقك فسواك بعلمه عليك في القدم ، فخرجت على وفق ما علمت ، ~~فصرت مستويا بما يعلم الأزل متصفا بصفاتي ؛ إذ كل صفة مني أورثت صفة فيك ، ~~وبصورة الروح الناطقة الأولية ركبك ، وهي تنورها منك لا يتفاوت بين صورتك ~~وروحك في الخليقة والصورة ، فإن صورتك الظاهرة منقوشة بنقش صورة الروح ، ~~وأيضا : ركبك في صورة المحبة والولاية والخلافة والمعرفة والجهل بحقائق ~~وجودي ووجودك ، الذي لو عرفته عرفتني ، وأطعتني بمعرفتك لي. # قال الجنيد : تسوية الخلق بالمعرفة ، وتعديلها بالإيمان. # وقال ذو النون : ( خلقك فسواك )، فأوجدك ، فسخر لك المكنونات ~~أجمع ، ولم يسخرك لشيء. # قال الواسطي في قوله : ( في أي صورة ما شاء ركبك ) (8): صورة ~~المطيعين PageV03P490 # والعاصين ، ومن ركبه على صورة الولاية ليس كمن صوره على صورة العداوة. # قال الحسين : من قصده بنفسه صرف عنه حظه ، ومن قصده به فهو المحجوب عن ~~نفسه ؛ لأنه يقول : ( في أي صورة ما شاء ركبك ) (8): في أي حالة ~~ما شاء أنشأك ؛ لأنه خلق آدم بألطاف بره ، وباشره بإعلاء قدره ، وأظهر ~~الأرواح بين جلاله وجماله ، وخصه بنفخ الروح فيه ، وكساه كسوة ، لولا أنه ~~سترها لسجد لها كل ما أظهر من الكون ، فمن راداه برداء الجمال فلا شيء أجمل ~~من كونه ، ومن راداه برداء الجلال أوقعه الهيبة على شاهد. # ( إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم (14) يصلونها ~~يوم الدين (15) وما هم عنها بغائبين (16) وما أدراك ما يوم الدين (17) ثم ~~ما أدراك ما يوم الدين (18) يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله (19)) # قوله تعالى : ( إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم ) ~~(14): الأبرار في نعيم الوصال ، والفجار في جحيم الفراق. # قال جعفر : «النعيم» : المعرفة ، و «المشاهدة» ، و «الجحيم» : النفوس ، فإن ~~لها نيرانا تفقد. # قال ابن الورد : «النعيم» : الذكر والمعرفة ، و «الجحيم» : المعصية ~~والسكون إلى النفس. # وقال الخواص : طاب النعيم إذا كان منه ، وطاب الجحيم إذا كان به. # قوله تعالى : ( يوم لا ms1627 تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ) ~~(19): دعا الله بهذه الآية العباد إلى الإقبال عليه بالكلية بنعت ترك ما ~~سواه ، فإن الملك كله لله في الدنيا والآخرة ، ( يضل من يشاء ويهدي ~~من يشاء. ) # قال الواسطي : ذهبت الرسالات والكلمات والسعايات ، فمن كانت صفته في ~~الدنيا كذلك فقد أفرد التوحيد. # وقال أيضا : الأمر اليوم ويومئذ ولم يزل ولا يزال لله ؛ ولكن الغيب ~~بحقيقته لا يشاهده إلا الأكابر من الأولياء ، وهذا خطاب العام إذا شاهدوا ~~الغيب تيقنوا أن الأمر كله لله ، فأما أهل المعرفة فمشاهدتهم للأمر اليوم ~~كمشاهدتهم يومئذ ، لا تزيدهم مشاهدة الغيب عيانا على مشاهدتهم له تصديقا ، ~~كقول عامر بن عبد العيس : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ، وكحارثة أخبر ~~لحضرة النبي صلى الله عليه وسلم قوله : «كأني أنظر وكأني وكأني» (1). PageV03P491 ### | سورة المطففين # بسم الله الرحمن الرحيم # ( ويل للمطففين (1) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (2) ~~وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون (3) ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون (4) ليوم ~~عظيم (5) يوم يقوم الناس لرب العالمين (6) كلا إن كتاب الفجار لفي سجين (7) ~~وما أدراك ما سجين (8) كتاب مرقوم (9) ويل يومئذ للمكذبين (10) الذين ~~يكذبون بيوم الدين (11) وما يكذب به إلا كل معتد أثيم (12) إذا تتلى عليه ~~آياتنا قال أساطير الأولين (13) كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ~~(14) كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (15) ثم إنهم لصالوا الجحيم (16) ثم ~~يقال هذا الذي كنتم به تكذبون (17) كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين (18) وما ~~أدراك ما عليون (19) كتاب مرقوم (20) يشهده المقربون (21)) # ( ويل للمطففين ): هذا وعيد للمطففين كلام الأولياء في مجالستهم ~~يسرقونه ويتبعونه في سوق سالوسهم ، فويل الحرمان له من البلوغ إلى درجاتهم ~~، وتفتضح عنده الخلق ، وأيضا هذا خطاب مع النفس الأمارة تسترق من ديوان ~~حقائق القلوب حظوظ الأرواح المشاهدة غيب الحق ، وتبدلها بهواجسها ~~الشيطانية. # قال أبو عثمان : حقيقة هذه الآية والله أعلم عندي : هو من أحسن العبادة ~~على رؤية الناس ، ويمشي إذا خلا. # قال الله : ( ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ) (4) أي : أنهم لا بد ~~لهم من المحاسبة ، والرجوع إلي ms1628 بأعمالهم. # قوله تعالى : ( كلا بل ران على قلوبهم ): وصف الله قلوب ~~المخالفين بالقسوة والرين ، وذلك ميراث متابعتهم شهوات أنفسهم ، والشهوة ~~إذا غلبت على القلب أطبقت القلب بغاشية الغفلة ، فصار القلب محجوبا من ~~أنوار الذكر ، مملوءا من الخطرات المذمومة التي تحجبه عن مشاهدة الغيب ، ~~فمن كان هاهنا من الغيب ورؤية الحق محجوبا فزاد حجابه عند يوم القيامة ؛ ~~لذلك وصفهم الله بقوله سبحانه وتعالى : # ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) (1)، حجبهم عن الله ظنونهم ~~وحسبانهم PageV03P492 # وتشبيههم وخيالهم وشهواتهم وغفلاتهم. # قال ابن عطاء في قوله : ( كلا بل ران ): الطاعة على الطاعة حتى ~~يحجب قلبه عن مشاهدة المنة ؛ لأن العجب والرياء بالطاعة يورثان نسيان المنة ~~وترك الحرمة. # قال الواسطي : الكافر في حجاب لا يرونه ، والمؤمن في حجاب يرونه في وقت ~~دون وقت ، ولا حجاب له غيره ، وليس يسعه سواه ما اتصلت بشرية بربوبية قط ، ~~ولا فارقت عنه. # قال سهل : حجبتهم عن ربهم قسوة قلوبهم في العاجل ، وما سبق لهم من ~~الشقاوة في الأزل ، فلم يصلحوا لبساط القرب والمشاهدة ، فأبعدوا وحجبوا ، ~~والحجاب هو الغاية في البعد والطرد. # قال ابن عطاء : الحجاب حجابان : حجاب بعد ، وحجاب أبعاد ، فحجاب البعد : ~~لا تقريب فيه أبدا ، وحجاب الأبعاد : يؤدب ، ثم يقرب كآدم عليه السلام . # قوله تعالى : ( كتاب مرقوم (20) يشهده المقربون ) (21): كتاب ~~الأبرار كتاب مرقوم برقم الله ، رقمه بسعادتهم الأزلية ، وولايتهم الأبدية ~~، وذلك الكتاب عنده لا يطلع عليه إلا المقربون المخاطبون بحديثه وكلامه ، ~~المكاشفون لهم حقائق الغيبة. # قال أبو عثمان المغربي : «الكتاب المرقوم» : هو ما يجري الله على جوارحك ~~من الخير والشر ، رقمها بذلك الرقم ، وهو لا يخالف ما رقم به ، وذلك الرقم ~~معلق بالقضاء والقدر والقدرة بمشيئته عليه ، ولا رجوع له عن ذلك ، ولا حيلة ~~له فيه ، فهو في ذلك معذور في الظاهر غير معذور في الحقيقة ، هذا لعوام ~~الخلق ، وأما للخواص والأولياء وأهل الحقائق فإنه رقم الله على كل شيء ~~أوجده ، لم يشرف على ذلك الرقم إلا المقربون ؛ فهم أهل الإشراف ، فمن شاهد ~~ذلك الرقم من المقربين عرف ms1629 صاحبه بما رقم به من الولاية والعداوة ، فيخبر ~~عنه وهو الإشراف والفراسة ، كما كان لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أخبر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «كان في الأمم متكلمون فإن يك في أمتي ~~فعمر» (1) أي : ممن أشرف على حقائق الرقم ، وعلى معاني PageV03P493 # الكتاب المرقوم ، فمن كان بذلك الحال فهو تكلم من جهة الحق بلا واسطة. # قال الحريري : رقم الله به قلوب عباده بما قضى عليهم في الأزل من الشقاوة ~~والسعادة ، فذلك رقم خفي في أسرار العباد ، وظاهر على هياكلهم ، كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : «كل ميسر لما خلق له» (1). # قال ابن عطاء في قوله : ( يشهده المقربون ): يشهد على أسرار ~~الأولياء والأبرار من المقربين. # ( إن الأبرار لفي نعيم (22) على الأرائك ينظرون (23) تعرف في ~~وجوههم نضرة النعيم (24) يسقون من رحيق مختوم (25) ختامه مسك وفي ذلك ~~فليتنافس المتنافسون (26) ومزاجه من تسنيم (27) عينا يشرب بها المقربون ~~(28) إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون (29) وإذا مروا بهم ~~يتغامزون (30) وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين (31) وإذا رأوهم قالوا ~~إن هؤلاء لضالون (32) وما أرسلوا عليهم حافظين (33) فاليوم الذين آمنوا من ~~الكفار يضحكون (34) على الأرائك ينظرون (35) هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون (36)) # قوله تعالى : ( إن الأبرار لفي نعيم (22) على الأرائك ينظرون ) ~~(23): هم في نعيم الوصلة ينظرون إلى المشاهدة ، وذلك النظر أورث وجوههم ~~نضرة ونورا وبشارة يعرف صاحبها بها ؛ لذلك قال الله : ( تعرف في ~~وجوههم نضرة النعيم ) (24). # قال ابن عطاء : على أرائك المعرفة ينظرون إلى المعروف ، وعلى أرائك ~~القربة ينظرون إلى الرؤوف. # وقال جعفر في قوله : ( تعرف في وجوههم ): تبقى لذة النظر تتلألأ ~~مثل الشمس ، في وجوههم رضا محبوبهم عنهم. # قوله تعالى : ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) (26) أي : ليبادر ~~في طلبها المبادرون إلى القربات والمشاهدات بسني المعاملات ، وتطهير ~~الأسرار من الخطرات. # قال ذو النون : علامة المتنافسين تعلق القلب به ، وطيران الضمير إليه ، ~~والحركة عند ذكره ، والهرب من الناس ، والأنس بالوحدة ، والبكاء على ما سلف ~~، وحلاوة سماء الذكر ، والتدبر في كلام الرحمن ، وتلقي ms1630 النعيم بالفرح ، ~~والشكر والتعريض للمناجاة. PageV03P494 # قوله تعالى : ( ومزاجه من تسنيم (27) عينا يشرب بها المقربون ) ~~(28): بين الله سبحانه أحوال المقربين والأبرار ، وفرق بينهم فرقا عجيبا ، ~~إن الأبرار يشربون من أنهار أنوار الصفات ، والمقربون من بحار الذات ، ومزج ~~شراب الأبرار من سواقي أنهار المقربين ، ولو شرب الأبرار صرف ما يشرب ~~المقربون لذابوا جميعا ، فالأبرار في مقام الأنس ، والمقربون في مقام القدس. # قال بعضهم : قال بها المقربون صرفا ، ونمزج لأصحاب اليمين ، فليس كل من ~~احتمل حمل الصفات قوي على مشاهدة الذات والصفات ، وشراب المقربين لحملهم ~~الذات والصفات جميعا. # قال الجريري : يشرب بها المقربون على بساط القرب في مجلس الأنس ، ورياض ~~القدس بكأس الرضا على مشاهدة الحق تعالى. ### | سورة الانشقاق # بسم الله الرحمن الرحيم # ( إذا السماء انشقت (1) وأذنت لربها وحقت (2) وإذا الأرض مدت ~~(3) وألقت ما فيها وتخلت (4) وأذنت لربها وحقت (5) يا أيها الإنسان إنك ~~كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (6) فأما من أوتي كتابه بيمينه (7) فسوف يحاسب ~~حسابا يسيرا (8) وينقلب إلى أهله مسرورا (9) وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ~~(10) فسوف يدعوا ثبورا (11) ويصلى سعيرا (12) إنه كان في أهله مسرورا (13) ~~إنه ظن أن لن يحور (14)) # ( إذا السماء انشقت ) (1): إذا أراد الله قلع الكون يلقي على ~~السماوات والأرض أثقال هيبة عظمته وكبريائه ، فتنشق السماء ، وتمد الأرض من ~~عكس تجلي عظمته وكبريائه ، وحق منهما أن يقصد عالما عليها من أثقال قهريات ~~جبروته ؛ حيث شققهما وهما طائعتان لربهما ، وكيف لا يكون منهما طاعته ، ~~وهما في قبضة قهر جلاله أقل من خردلة ، ألا ترى كيف قال صلى الله عليه وسلم : ~~«الكون في عين الرحمن أقل من خردلة» (1)، وكذلك تتجلى السماء بأرواح ~~العارفين ، وأرض قلوب المحبين بنعت العظمة والكبرياء ، فتنشق الأرواح ، ~~وتزلزل القلوب من وقوع نور هيبته عليها ، وبهذا الوصف وصف قلوب المقربين ~~عند نزول خطاب الهيبة ، قال الله : PageV03P495 # ( حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ما ذا قال ربكم قالوا الحق. ) # قال بعضهم : خطاب الأمر إذا وقع على الهياكل فمن بين مطيع وعاص ، وخطاب ~~الهيبة إذا وردت تفنى وتعجز والإقرار معه ms1631 ، كقوله : ( إذا السماء ~~انشقت (1) وأذنت لربها وحقت ) (2): ورد عليها صفة إلهيته ، فانشقت وأذنت ~~لربها ، وأطاعت ، وانقادت ، وحق لها ذلك ، وهو الذي أوجده. # قوله تعالى : ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ) ~~(6): هذا خطاب فيه حث على ائتمار الأمر ، والقصد إلى بذل الروح ، فإذا بلغ ~~إلى نهايته فملاقيه أنها وأعمال الثقلين لا تليق بعزته وجلاله. # قال أبو بكر بن طاهر : إنك معامل ربك معاملة ستعرض عليك في المشهد الأعلى ~~، فاجتهد ألا تخجل من معاملتك مع خالقك. # قوله تعالى : ( وينقلب إلى أهله مسرورا ) (9): مسرورا بلقاء ربه ~~، وما نال من قربه ووصاله ، وهذا للمتوسطين ، ومن بلغ إلى حقيقة الوصال ~~وصار أهلا له لا ينقلب عنه إلى غيره. # قال ابن عطاء : مسرورا بما نال من رضا الحق. # قال عبد الواحد بن زيد : مسرورا بتحقيق ميعاد اللقاء. # وقال إبراهيم بن أدهم : مسرورا بدخول الجنة ، والنجاة من النار. # وقال أبو عثمان : مسرورا بإنزاله في منازل الأولياء والصديقين. # ويقال : بأن يلقى ربه ، ويكلمه قبل أن يدخل الجنة. # ( بلى إن ربه كان به بصيرا (15) فلا أقسم بالشفق (16) والليل ~~وما وسق (17) والقمر إذا اتسق (18) لتركبن طبقا عن طبق (19) فما لهم لا ~~يؤمنون (20) وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون (21) بل الذين كفروا يكذبون ~~(22) والله أعلم بما يوعون (23) فبشرهم بعذاب أليم (24) إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (25)) # قوله تعالى : ( بلى إن ربه كان به بصيرا ) (15): كان في الأزل ~~بصيرا فيما قدره ، وقضى عليه قبل إيجاده ، فعدمه عنده كوجوده ، ووجوده ~~كعدمه ، لا يخفى عن بصره فيه شيء من أوله وآخره وظاهره وباطنه وشقاوته ~~وسعادته وحياته ومماته ، حتى لا يختفي نفس من أنفاسه منه إلا هو سبحانه ~~بصير به قبل الإيجاد ، وكيف لا يبصره وهو موجده. # قال الواسطي : كان بصيرا حين خلقه ، لماذا خلقه؟ ولأي شيء أوجده؟ وما قدر عليه PageV03P496 # من السعادة والشقاوة ، وما كتب له وعليه من أجله ورزقه. # قوله تعالى : ( فلا أقسم بالشفق ) (16): أقسم الله سبحانه بما ~~بقي من عكس أنوار شمس جماله على قلوب المحبين ms1632 والعارفين دليل الاستتار بعد ~~غيبوبة شمس تجليه ، وما يضمه من هموم متفرقة في مقام القبض ، وقبر مشاهدته ~~إذا استوى في سماء القلوب حين طلع من الغيوب ، فلا يبقى فيها آثار ظلمة ~~الطبيعة ، والنفس الأمارة إن حبيبه وجميع أحبائه يركبون على مطيات أنوار ~~قربه ، ويسيرون فيها إلى ميادين أزلياته وأبدياته ، ففي كل نفس لهم منزل ~~وحال وكشف ومشاهدة ووجد ووصال إلى الأبد ، وذلك قوله : ( لتركبن ~~طبقا عن طبق ) (19) (1). ### | سورة البروج # بسم الله الرحمن الرحيم # ( والسماء ذات البروج (1) واليوم الموعود (2) وشاهد ومشهود (3) ~~قتل أصحاب الأخدود (4) النار ذات الوقود (5) إذ هم عليها قعود (6) وهم على ~~ما يفعلون بالمؤمنين شهود (7) وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز ~~الحميد (8) الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد (9) إن ~~الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب ~~الحريق (10) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ذلك الفوز الكبير (11) إن بطش ربك لشديد (12)) # ( والسماء ذات البروج ) (1): السماء ذات البروج سماء قلوب ~~العارفين ذات الأبراج من العلوم والحكم والحقائق ، تسري فيها الأرواح ~~والعقول ؛ لوجدان أنوار وجود الحق ؛ ولتربية عجائب الخلق والخلق. # ( واليوم الموعود ) (2): يوم اللقاء والكشف. # ( وشاهد ومشهود ) (3): الشاهد هو ، والمشهود هو ، يرى نفسه ؛ إذ ~~لا يراه أحد PageV03P497 # بالحقيقة ، وأيضا الشاهد هو ، إذا تجلى بتجلي الجمال والحسن ، والمشهود ~~كله مستحسن جميل بجماله ، وأيضا الشاهد هو ، والمشهود قلوب العارفين شاهدها ~~بنعت الكشف ، وأيضا الشاهد قلوب المحبين ، ومشهود لقائه هو شاهدهم ، وهو ~~مشهودهم هو شاهد العارف والعارف شاهده. # قال الواسطي : الشاهد هو ، والمشهود الكون لا يقال متى شهدهم ، ولا يحدث ~~لله شهادة ، فحيث كانت الربوبية كانت العبودية ؛ لأنه شهدهم قبل خلقهم علما ~~وقدرة ورؤية ، وتصريفا في الإيجاد والإبقاء والإفناء ، لم يحدث له في إحداث ~~الخلق أحداث ؛ لأنه لا فصل ، ولا وصل ، والوجود معدوم ، والمعدوم موجود لم ~~يحضر آباد وقته ، وأحضرهم أحداث أوقاته ، ولما ثبت الشهود بالمشاهدة وجب ~~أنه لم يكن عنده مفقودا أبدا ، أو يستحيل أن يكون البارئ مفقودا. ms1633 # قال الفارس : كلاهما عائد عليه هو الناظر ، والمنظور إليه ، وهو الشاهد ~~لخلقه ، والمشاهد لهم بوجود الإيمان وحقائقه. # قال الحسين : في هذه الآية علامة أنه ما انفصل الكون عن المكون ولا قاربه. # قال سهل : الشاهد نفس الروح ، والمشهود نفس الطبع ، وقد وقعت لى نكتة في ~~التوحيد : أنه تعالى لم يزل شاهدا ، فلو ثبت مشهودا غير نفسه من الحدثان ، ~~فإذا تقول بقدم الحادث والعلم بوجود المحدثات على الحقيقة كان مشهود الحق ~~إذا كان في علمه علم كينونية المكونات ، وكيفية وجودها ، فإذا وجودها ~~وعدمها سواء في شهود الحق. # ( إنه هو يبدئ ويعيد (13) وهو الغفور الودود (14) ذو العرش ~~المجيد (15) فعال لما يريد (16) هل أتاك حديث الجنود (17) فرعون وثمود (18) ~~بل الذين كفروا في تكذيب (19) والله من ورائهم محيط (20) بل هو قرآن مجيد ~~(21) في لوح محفوظ (22)) # قوله تعالى : ( إنه هو يبدئ ويعيد ) (13): يبدئ المفقود من ~~العدم بنور القدم ، ويعيد الموجود بقهر استيلاء الوحدانية حتى يصير الموجود ~~معدوما ، ثم يعيده يوم الميثاق للحكم والقضاء ، يبدئ بالتجلي قلوب العارفين ~~، فيفنيها ثم يعيد بالتدلي فيحييها. # وقال ابن عطاء : يبدئ بإظهار القدرة ، فيوجد المعدوم ، ثم يعيد بإظهار ~~الهيبة ، فيفقد الموجود. # قال جعفر : يبدئ فيفنى عمن سواه ، ثم يعيد فيبقى بإبقائه. # قوله تعالى : ( وهو الغفور الودود ) (14): «غفور» للجنايات ، ~~و «الودود» بكشف المشاهدات. # قال الواسطي : «الغفور» : بما يرتكبونه من أنواع المخالفات ، و «الودود» : ~~بما أبدئ PageV03P498 # عليهم من آثار فضله. # وقال سهل : «الودود» المجيب إلى عباده بإسباغ النعم عليهم ، ودوام ~~العافية. # قوله تعالى : ( ذو العرش المجيد ): وصف نفسه بإيجاد أعظم خلقه ~~وهو العرش ، ثم وصف نفسه بالشرف والتنزيه والقدس إعلاما بأنه كان ولا مكان ~~، والآن ليس في المكان ؛ إذ جلاله وجماله منزه عن مماسة المكان والحاجة إلى ~~الحدثان. # قال الواسطي : هو أعلى من أن يكون له فيه ، وإليه حاجة ، بل أظهر العرش ~~إظهارا للقدرة ، ولا مكان للذات. # قال سهل : «العرش» : جماع جلال الشرف. # قوله تعالى : ( فعال لما يريد ) (16) (1): كان مريدا في الأزل ~~بإرادته ، منزها عن أن يحدث فيه إرادة ثانية ، والإرادة مقدمة على ms1634 الفعل ؛ ~~إذ الإرادة قديمة ، والفعل منه إيجاد الخلق لا شريك له في إرادته ، ولا في ~~إيجاد خلقه ، فإذا الإرادة زائلة ، والخواطر عليلة ، والتدابير مضمحلة عند ~~ظهور إرادته ، يختص برحمته من يشاء بمعرفته ، وإن كان فارا من بابه ، ويخذل ~~من يشاء من قربه ، وإن كان متزهدا بزهده. # قال بعضهم : ( فعال لما يريد ) (16): في إظهار ربوبيته ~~وألوهيته. ### | سورة الطارق # بسم الله الرحمن الرحيم # ( والسماء والطارق (1) وما أدراك ما الطارق (2) النجم الثاقب ~~(3) إن كل نفس لما عليها حافظ (4) فلينظر الإنسان مم خلق (5) خلق من ماء ~~دافق (6) يخرج من بين الصلب والترائب (7) إنه على رجعه لقادر (8) يوم تبلى ~~السرائر (9) فما له من قوة ولا PageV03P499 # ناصر (10) والسماء ذات الرجع (11) والأرض ذات الصدع (12) إنه ~~لقول فصل (13) وما هو بالهزل (14)) # ( والسماء والطارق ) (1): أقسم بسماء قلوب الصديقين وما يطرق ~~فيها من نجوم تجلي الذات والصفات. # قال سهل : وما طرق على قلب محمد صلى الله عليه وسلم من زوائد البيان ~~والأنعام. # قوله تعالى : ( والسماء ذات الرجع (11) والأرض ذات الصدع ) (12) ~~: أقسم بسماء ذات القدم إذا أمطرت أمطار أنوار تجلي الكبرياء والجلال ~~والجمال ، وأرض قلوب العارفين التي تتصدع بنبات المعرفة ، ورياحين المودة ، ~~وأزهار الحكمة. # ( إنهم يكيدون كيدا (15) وأكيد كيدا (16) فمهل الكافرين أمهلهم ~~رويدا (17)) # قوله تعالى : ( إنهم يكيدون كيدا (15) وأكيد كيدا ) (16): ~~أعلمهم الكيد ، ولم يعرفهم حقائقه ، ولم يعلمهم أن الكيد المحدث عند كيد ~~القدم ، وكيده مكره ، ومكره منزه عن الخلل ؛ إذ هو منزه عن العجز ، كيده ~~سبق شقاوة الأشقياء منه ، هذا كيده مع الأعداء ، وكيده مع الأولياء ظهور ~~الصفات في نعوت الأفعال ؛ لتعزيزهم بالأوقات الصافية ، وجذبهم إلى رؤية صرف ~~القدم ، وتقديسهم عن رؤية العلة بكشف الوحدة. # قال ابن عطاء : «الكيد» : استدراجك من حيث لا تعلم. ### | سورة الأعلى # بسم الله الرحمن الرحيم # ( سبح اسم ربك الأعلى (1) الذي خلق فسوى (2) والذي قدر فهدى (3) ~~والذي أخرج المرعى (4) فجعله غثاء أحوى (5) سنقرئك فلا تنسى (6)) # ( سبح اسم ربك الأعلى ) (1) أي : نزه اسمه باسمه عن أن يكون له ~~سمي من العرش إلى الثرى حتى يكون بقدس اسمه مقدسا ms1635 عن رؤية الأغيار ، ويصل ~~بقدس اسمه إلى رؤية قدس الصفات ، ثم إلى رؤية قدس الذات ، بدءا بتنزيه ~~الاسم رفقا به بألا يضمحل لله في سبحات الصفات وتجلي الذات. # قال بعضهم : نزه لسانك بعد ذكرك ربك عن لغو وكذب. # قال الحريري : أي : فرق أوهام الخلق عن كل ما يتوهمون ؛ إذ العرش حجاب. # قوله تعالى : ( الذي خلق فسوى ) (2): خلق آدم ونفخ فيه من روحه ~~، فسوى بين تجلي PageV03P500 # صفته وتجلي ذاته هناك بقوله : ( خلقت بيدي )، ( ونفخت ~~فيه من روحي. ) # قوله تعالى : ( والذي قدر فهدى ) (3): مهد سبيل الأرواح ، ~~والقلوب إلى مشاهدته ، فهدى من يختص منها بالهداية إلى جماله ووصاله. # قال بعضهم : خلق الخلق ، فسوى بينهم في الخليقة ، وميز بينهم في اختصاص ~~الهداية. # قال الواسطي : قدر السعادة والشقاوة عليهم ، ثم يسر لكل واحد من الطريقين ~~سلوك ما قدر عليه. # وقال الأستاذ : هدى قلوب العارفين إلى قدس نعته ، فراقبوه ، ثم شاهدوه ، ~~وهدى الموحدين إلى علاء سلطانه في توحيد كبريائه ، فتركوا ما سواه. # قوله تعالى : ( سنقرئك فلا تنسى ) (6) أي : فلا تنساني بقراءتك ، ~~فإن العبودية والاشتغال بها حجاب عن شهود العين. # قيل : كان يغشى الجنيد في مجلس أهل النسك من أهل العلوم ، وكان أحد من ~~يغشى ابن كيسان النحوي ، وكان في وقته رجل جليل ، فقال يوما : يا أبا ~~القاسم ما تقول في قوله عز وجل : ( سنقرئك فلا تنسى ) (6)، فأجابه ~~مسرعا كأنه تقدم السؤال قبل ذلك بأوقات. # قال الجنيد : لا ينسى العمل به ، فأعجب ابن كيسان إعجابا شديدا فقال : ~~«لا تفضض الله فاك منك من تصدر». # ( إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى (7) ونيسرك لليسرى ~~(8) فذكر إن نفعت الذكرى (9) سيذكر من يخشى (10) ويتجنبها الأشقى (11) الذي ~~يصلى النار الكبرى (12) ثم لا يموت فيها ولا يحيى (13) قد أفلح من تزكى ~~(14) وذكر اسم ربه فصلى (15) بل تؤثرون الحياة الدنيا (16) والآخرة خير ~~وأبقى (17) إن هذا لفي الصحف الأولى (18) صحف إبراهيم وموسى (19)) # قوله تعالى : ( إنه يعلم الجهر وما يخفى ) (7): السر والعلانية ~~عنده سواء ؛ إذ هو يبصرهما بالبصر القديم ، ويعلمهما بالعلم القديم ، وليس ms1636 ~~في القدم نقص بحيث يتفاوت عنده الظاهر والباطن ؛ إذ هناك الباطن هو الظاهر ~~، والظاهر هو الباطن ؛ لأن الظاهر ظهر من ظاهريته ، والباطن بطن من باطنيته ~~، يعلم ما جهر من بكاء العارفين وزفراتهم ، ويعلم خفيات ضمائرهم من تلهب ~~نيران فؤادهم شوقا إلى جلاله وجماله. # قال محمد بن حامد : يعلم إعلان الصدقة ، وإخفائها. # قوله تعالى : ( فذكر إن نفعت الذكرى ) (9): تذكيره وصف جماله ~~وجلاله ، كان PageV03P501 # يجذب به قلوب العارفين إلى جمال مولاهم ، وهم الذين وصفهم الله بالخشية ~~بقوله : ( سيذكر من يخشى ) (10) أي : من يخشى فراقي ، فيسلك مسالك ~~وصالي بنعت الإقبال علي. # قال أبو بكر بن طاهر : عظهم ، فلا يتعظ بموعظتك إلا أهل الخشية ، ألا ~~تراه يقول : ( سيذكر من يخشى ) (10). # قوله تعالى : ( ثم لا يموت فيها ولا يحيى ) (13): هذا وصف أهل ~~الدهشة تحت طوارق قهر ظهور الأزليات. # قال ابن عطاء : لا يموت ، فيستريح من غم القطيعة ، ولا يحيى فيصل إلى روح ~~الوصلة. # قوله تعالى : ( قد أفلح من تزكى ) (14): أفلح برؤية الله من ~~زكاه الله في الأزل من خذلانه. # قال الجريري : أفلح من ظهر من شهوات نفسه ، ومتابعة هواه ورعونات طبعه. # قوله تعالى : ( بل تؤثرون الحياة الدنيا ) (16): أقبل الخسيس ~~على الخسيس ، والشريف على الشريف ، والرفيع من أقبل على الله ، وترك ما ~~سواه ، فهذه وصية الله في كتبه لأنبيائه بقوله : ( إن هذا لفي ~~الصحف الأولى ) (18) (1): في صحف إبراهيم الخروج مما سوى الله بنعت ~~التجريد ، كما قال : ( وإنني بريء مما تشركون ) (19) أي : الإقبال ~~على الله بقوله : ( إني وجهت وجهي )، وفي صحف موسى سرعة الشوق إلى ~~جماله ، والندم على الوقوف في المقامات عند تعريف الصفات ، بقوله : ( ~~ تبت إليك وأنا أول المؤمنين. ) ### | سورة الغاشية # بسم الله الرحمن الرحيم # ( هل أتاك حديث الغاشية (1) وجوه يومئذ خاشعة (2) عاملة ناصبة ~~(3) تصلى نارا حامية (4) تسقى من عين آنية (5) ليس لهم طعام إلا من ضريع ~~(6) لا يسمن ولا يغني من جوع (7) وجوه يومئذ ناعمة (8) لسعيها راضية (9) في ~~جنة عالية (10) لا تسمع PageV03P502 # فيها لاغية (11) فيها عين جارية (12)) # ( هل أتاك حديث الغاشية ) (1): وصف الله ظهور أفعاله ms1637 العظام يوم ~~يبرز أنوار عظمته ويبدي سطوات عزته ، فتغشى القلوب والأبصار ، وذللها تحت ~~أنوار كبريائه ، وقهر جباريته ، قال تعالى : ( وعنت الوجوه للحي ~~القيوم )، ثم وصف وجوه المتكبرين الذين اتقوا من عبادة الله بالإخلاص ، ~~ومن محبة أوليائه ، وتقشفوا على ظاهر العبادة بالرياء ، والسمعة بالذلة ~~والخسارة ، بقوله : ( وجوه يومئذ خاشعة (2) عاملة ناصبة ) (3). # قال بعضهم : خشوع الظاهر نصب الأبدان لا يقربان إلى الله ، بل يقطعان عنه ~~، ألا تراه يقول : ( وجوه يومئذ خاشعة )! وإنما يقرب منه سعادة ~~الأزل ، وخشوع السر من هيبة الله ، وهو الذي يمنع صاحبه من جميع المخالفات ~~، ثم وصف وجوه أوليائه بالنعومة والنضارة بما نالت من مشاهدة ربها ، بقوله ~~: ( وجوه يومئذ ناعمة (8) لسعيها راضية ): نعومتها بما نورها الحق ~~من ظهور أنوار جماله لها ، راضية لما سعت من بذل وجودها لربها حيث صارت ~~مقبولة برضا الأزل ، مقرونة بسعادة الأزل والأبد. # قال الحسين : شاهدت بمشاهدته حقيقة عين الحق. # قال الجنيد : جعل الله الطاعة الخدمة على الأشباح ، وخص المعرفة ~~بالأرواح. # قوله تعالى : ( في جنة عالية ) (10): في جنان قربه التي علت ~~أوهام المخلوقين. # قيل : في كوامن القدس مقربة. # قوله تعالى : ( لا تسمع فيها لاغية ) (11): آذان المقربين ~~والعارفين مشغولة بسماع كلام الحق ، لا يقع فيها كلام غيره بالحقيقة. # قال بعضهم : لاستغراقه في سماع الحق. # قوله تعالى : ( فيها عين جارية ) (12): عيون أنوار الصفات جارية ~~في جنان قلوبهم. # قال الحريري : تجري بأربابها إلى معادن الأنوار. # قال الحسين : جريان الأحوال عليه يجري به عين إلى عين ، حتى يحصله في عين العين. # ( فيها سرر مرفوعة (13) وأكواب موضوعة (14) ونمارق مصفوفة (15) ~~وزرابي مبثوثة (16) أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (17) وإلى السماء كيف ~~رفعت (18) وإلى الجبال كيف نصبت (19) وإلى الأرض كيف سطحت (20) فذكر إنما ~~أنت مذكر (21) لست عليهم بمصيطر (22) إلا من تولى وكفر (23) فيعذبه الله ~~العذاب الأكبر (24) إن إلينا PageV03P503 # إيابهم (25) ثم إن علينا حسابهم (26)) # قوله تعالى : ( فيها سرر مرفوعة ) (13): سرر أرواحهم مرتفعة من ~~الأزل إلى الأبد ، لا تنحط في المقاومات ، ولا في المداناة ، بل سيارة من ~~الذات إلى الصفات ، ومن الصفات إلى الذات. ms1638 # قال الخراز : هي سرائر رفعت عن النظر إلى الأعواض والأكوان. # قوله تعالى : ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ) (17) أي : أفلا ~~ينظرون إلى أحوال الأرواح وهي حاملة الأبدان ، وإلى سماء القلوب التي تبرز ~~فيها أنجم الغيوب كيف رفعت عن استراق أسماع الخواطر والهواجس ، وإلى جبال ~~العقول التي تستقيم بها أرض النفوس ، وإلى أرض النفوس التي بسطت مهاد ~~العبودية مراكب الأنوار الربوبية ، انظر كيف حالهم إلى رؤية الأفعال ، ولو ~~كانوا على محل تحقيق المعارف والكواشف لكانوا مخاطبين بما خاطب حبيبه ~~صلى الله عليه وسلم بقوله : ( ألم تر إلى ربك. ) # قال بعضهم : تعرف إلى العوام بأفعاله ، بقوله : ( أفلا ينظرون ~~إلى الإبل كيف خلقت ) (17)، وتعرف إلى الخواص بصفاته ، بقوله : ( ~~أفلا يتدبرون القرآن )، وتعرف إلى الأنبياء بنفسه ، بقوله : ( ~~وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا )، وتعرف إلى نبينا صلى الله عليه وسلم بأخص ~~التعريف ، بقوله : ( ألم تر إلى ربك ) # قال بعضهم في قوله : ( وإلى الجبال كيف نصبت ) (19): إشارة إلى ~~قلوب العارفين كيف طاقت حمل المعرفة. # قال بعضهم في قوله : ( وإلى السماء كيف رفعت ) (18): أى إلى ~~الأرواح كيف تسمو بأربابها إلى محل القدس. # وقيل : إلى الأرواح كيف حالت في الغيوب. # قال الحسين : إلى الأسرار كيف أشرقت بالمكاشفات. # قال بعضهم في قوله : ( وإلى الأرض كيف سطحت ) (20): إلى العقلاء ~~كيف احتملوا مؤنة الجهال. # قوله تعالى : ( إن إلينا إيابهم (25) ثم إن علينا حسابهم ) (26) ~~: انظر كيف نفضل بعد الوعيد بأن جعل إلى نفسه مأواهم ومماتهم ، وتكفل بنفسه ~~حسابهم ، فينبغي أن يعينوا بهذين الفضلين أطيب العيش في الدارين ، ويطيروا ~~من الفرح بهذين الخطابين. PageV03P504 # قال أبو بكر بن طاهر : ( إن إلينا إيابهم ): في الفضل ، ثم ( ~~ ثم إن علينا حسابهم ): في العدل. ### | سورة الفجر # بسم الله الرحمن الرحيم # ( والفجر (1) وليال عشر (2) والشفع والوتر (3) والليل إذا يسر ~~(4) هل في ذلك قسم لذي حجر (5) ألم تر كيف فعل ربك بعاد (6) إرم ذات العماد ~~(7) التي لم يخلق مثلها في البلاد (8) وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (9) ~~وفرعون ذي الأوتاد (10) الذين طغوا في البلاد (11) فأكثروا فيها الفساد ~~(12) فصب عليهم ms1639 ربك سوط عذاب (13) إن ربك لبالمرصاد (14) فأما الإنسان إذا ~~ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن (15) وأما إذا ما ابتلاه فقدر ~~عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16) كلا بل لا تكرمون اليتيم (17) ولا تحاضون ~~على طعام المسكين (18) وتأكلون التراث أكلا لما (19) وتحبون المال حبا جما ~~(20) كلا إذا دكت الأرض دكا دكا (21) وجاء ربك والملك صفا صفا (22) وجيء ~~يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى (23) يقول يا ليتني قدمت ~~لحياتي (24) فيومئذ لا يعذب عذابه أحد (25) ولا يوثق وثاقه أحد (26)) # ( والفجر (1) وليال عشر (2) والشفع والوتر (3) والليل إذا يسر ) ~~(4): أقسم الله بأشياء عجيبة ، وآيات غريبة ، أقسم بفجر أنوار كشوف صفاته ~~في قلوب العارفين التي منابعها مشارق الذات الأزلي الأبدي ، فتفجرت في ~~أسرارهم أنهار المعارف والكواشف ، ( وليال عشر ) (2): منها ست ~~ليال في أيامها خلق السماوات والأرض بقوله : ( خلق السماوات والأرض ~~في ستة أيام )، وفي ليلة خلق في يومها آدم ، والليلة التي يومها يوم ~~القيامة ، والليلة التي كلم الله موسى ، والليلة التي أسرى بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم فيها ، و «الشفع» : القلب والعقل ، و «الوتر» هو الروح ، ~~وأيضا «الشفع» : العقل والروح ، و «الوتر» : هو السر المنفرد عما دون الله ، ~~( والليل إذا يسر ): أي ليلة قبض الأرواح إذا سارت عنهم بسطوع نور ~~بسط اليقين. # قال ابن عطاء : ( والفجر ): هو محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأن به ~~فجرت أنوار الإيمان ، وغابت الظلم ، PageV03P505 # ( وليال عشر ): وليالي موسى التي أكمل بها ميعاده في قوله : ( ~~ وأتممناها بعشر )، ( والشفع ): الفرائض ، ( ~~والوتر ): السنن. # وقال : «الشفع» : الخلق ، و «الوتر» : الحق. # وقال سهل : «الفجر» : محمد صلى الله عليه وسلم منه تفجرت الأنوار ، ( ~~ وليال عشر ): هم العشرة من أصحابه الذين حكم لهم بالجنة ، ~~و «الشفع» : الفرض ، و «الوتر» : الإخلاص لله في الطاعات ، ( والليل ~~إذا يسر ) قال : أهل التوحيد في أمته ، هم السواد الأعظم. # قال الأستاذ : و «الفجر» : قلوب العارفين إذا ارتقوا من حد العلم ، وأسفر ~~صبح معارفهم ، فاستغنوا عن ظلمة طلب البرهان مما تجلى في قلوبهم من البيان. # ( يا أيتها النفس المطمئنة (27) ارجعي إلى ms1640 ربك راضية مرضية (28) ~~فادخلي في عبادي (29) وادخلي جنتي (30)) # قوله تعالى : ( يا أيتها النفس المطمئنة (27) ارجعي إلى ربك ): ~~هي الروح التي صدرت من نور خطاب الأول الذي أوجدها من العدم بنور القدم ، ~~واطمأنت بالحق وبخطابه ووصله ، فدعاها إلى معدنها الأول ، وهي التي ما مالت ~~من الأول إلى الآخر إلى غير مشاهدة الله ، راضية من الله بالله ، مرضية عند ~~الله بنعت الاصطفائية الأزلية. # قال القاسم : أي : يا أيتها الروح المتصلة بالحق اطمأنت ورضيت بما قضى ~~لها وإليها ارجعي إلى الذي زينك بهذه الزينة العظيمة ، حتى أصلحك للرجوع ~~منه إليه. # قال الحسين : ( النفس المطمئنة ): هي النفس الواحدة ، و «النفس ~~الشاكرة» : هي النفس المرحومة ، و «النفس الخاصة» : هي النفس العارفة ، ~~و «النفس العاقلة» : هي النفس الراضية ، و «النفس الأمارة» : هي النفس ~~الجاهلة. # قال أبو عبد الله بن خفيف : النفس المطمئنة ألبسها الحق أوصاف الهداية ، ~~وصارت نفسا لوامة. # وقال ابن عطاء : النفس المطمئنة العارفة بالله التي لا تصبر عن الله طرفة عين. ### | سورة البلد # بسم الله الرحمن الرحيم # ( لا أقسم بهذا البلد (1) وأنت حل بهذا البلد (2) ووالد وما ولد ~~(3) لقد خلقنا الإنسان في كبد (4) أيحسب أن لن يقدر عليه أحد (5) يقول أهلكت ~~مالا لبدا (6) PageV03P506 # أيحسب أن لم يره أحد (7) ألم نجعل له عينين (8) ولسانا وشفتين ~~(9) وهديناه النجدين (10)) # ( لا أقسم بهذا البلد ) (1): أقسم الله سبحانه بمكة التي فيها ~~بيته الذي فيه آيات شروق أنوار صفاته فيها ، لمشاهدي الحضرة ، وطلاب القدرة ~~، أقسم مما يبدو منها من أنوار تلك الأسرار. # قال الواسطي : أي : يجلونك بهذا ، أقسم فيك أعظم البلد ، كما سماها طابة ~~طابت به وبمكانه. # قوله تعالى : ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) (4) أي : في استواء ~~العقل ، واعتدال الحسن. # قال ابن عطاء : في ظلمة وجهل. # قوله تعالى : ( ألم نجعل له عينين (8) ولسانا وشفتين ) (9): عين ~~الروح ، وعين القلب ، وعين السر التي تبصر بها عجائب المشاهدات والمكاشفات. # قال ابن عطاء : عين في رأسه يبصر بها آثار الصنع ، وعين في قلبه يرى بها ~~مواقع الغيب. # قوله تعالى : ( وهديناه النجدين ) (10): طريق الشريعة ، وطريق ms1641 ~~المعرفة ، والطريق إلى الصفات ، والطريق إلى الذات. # ( فلا اقتحم العقبة (11) وما أدراك ما العقبة (12) فك رقبة (13) ~~أو إطعام في يوم ذي مسغبة (14) يتيما ذا مقربة (15) أو مسكينا ذا متربة ~~(16) ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة (17) أولئك ~~أصحاب الميمنة (18) والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة (19) عليهم نار ~~مؤصدة (20)) # قوله تعالى : ( فلا اقتحم العقبة ) (11): العقبة مقام المجاهدة ~~، ومحاربة النفس الأمارة التي تحارب صاحبها بآلة قهر الحق ، واقتحامها لا ~~يكون إلا بفك الرقبة ، وفك الرقبة عن المنة والأذية ، وإطعام الطعام في ~~تجوع النفس ، والحاجة إلى إيثار الله. # قال القاسم : العقبة نفسك ، ألا ترى إلى قوله : ( وما أدراك ما ~~العقبة (12) فك رقبة )، وهو أن تعتق نفسك من رق الخلق ، وتشغلها بعبودية ربك. # قال بعضهم : تلك العقبة هي مجانبة الاختيار ، والرضا بتصاريف الأقدار. # قال الواسطي : فك الرقاب من أربعة أشياء : من نفوسهم ، وأفعالهم ، ورؤية ~~الفضل ، وطلب القربة. PageV03P507 # قوله تعالى : ( يتيما ذا مقربة (15) أو مسكينا ذا متربة ) (16) ~~(1): «اليتيم» : المنقطع عن مقام المواصلة ، و «المسكين» : العاشق المتحير ~~الذي يتمرغ في تراب بابه. # قال جعفر : هو ما يتقرب به إلى ربك في تعهد الأيتام ، وتفقدهم. ### | سورة الشمس # بسم الله الرحمن الرحيم # ( والشمس وضحاها (1) والقمر إذا تلاها (2) والنهار إذا جلاها ~~(3) والليل إذا يغشاها (4) والسماء وما بناها (5) والأرض وما طحاها (6) ~~ونفس وما سواها (7) فألهمها فجورها وتقواها (8) قد أفلح من زكاها (9) وقد ~~خاب من دساها (10) كذبت ثمود بطغواها (11) إذ انبعث أشقاها (12) فقال لهم ~~رسول الله ناقة الله وسقياها (13) فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم ~~فسواها (14) ولا يخاف عقباها (15)) # ( والشمس وضحاها ) (1): أقسم الله بشمس جلال قدمه إذا ارتفعت من ~~مشارق قلوب العارفين ، فنور بسنانها أسرارهم ، وأيضا أي : وشمس عرفانهم حين ~~أشرقت بنور الإيقان ، وأورث لهم لطائف العيان والبيان ، وقمر صفاته إذا ~~تتابعت أنوارها عقيب كشوف أنوار ذاته في فؤاد المقربين ، وأيضا أي : بقمر ~~الإيمان إذا تلا شمس العرفان ، ونهار صباح الأزل إذا تجلى لأرواح الموحدين ~~والصديقين ، وليل تحير أهل الفناء في ميادين وحدانيته ؛ حيث لا يدركون ~~منافذ درك الحقائق ms1642 ، وأيضا أي : بليل قهريات عظمته إذا تغشى بعين الامتحان ~~أفئدة الطالبين والمطلوبين ؛ لأن الكل في ضرب هذا البلاء ، حتى قال سيد ~~الورى صلى الله عليه وسلم : «إنه ليغان على قلبي» (2)، وسماء قلوب المحبين ~~فيها أبراج الغيوب تسري فيها نيرات كشوفات الملكوت والجبروت وما بينهما ، ~~أقسم بالفعل ، ثم بالصفة ، ثم بالذات ، وجميعها خبر عن عين الجمع في ~~الحقيقة ، وفي عين التفرقة من حيث رسم الحقيقة ، وأرض عقول العارفين التي ~~هي مساقط شروق أنوار المشاهدة ، بقوله : ( وأشرقت الأرض بنور ربها ~~)، والذي بسطها لنزول مهاد PageV03P508 # الربوبية عليها ، وبالذي باشرها بنور الفعل والصفة والذات ؛ ليجري فيها ~~أنهار الكواشف والمعارف ، وينبت فيها أزهار المحبة ، وأثمار الحكمة ، ~~ورياحين الشوق ، والعشق وياسمين المودة ، والزلفة ، والنفس الناطقة العارفة ~~التي صورها بصورته ، وألبسها نعته ، ووصفه في مدارج الغيوب ، وأسكنها في ~~بطون القلوب ، ومن سواها بتسوية الصفة ، ورقمها بنور الأزلية ، سبحان ~~المقدس عن كل شوب من العرش إلى الثرى! ثم بين أنه تعالى عرفها طرق لطفيات ~~الذات ، وقهريات الصفات بنفسه بلا واسطة ، بقوله : ( فألهمها ~~فجورها وتقواها ) (8)، عرفها أولا طريق القهر حتى عرفت المهلكات ، ثم ~~عرفها طريق اللطف حتى عرفت معالجتها من المنجيات ، والمقصود منها : عرفانها ~~عين الحق بطريق القهر واللطف حتى تكل في معرفة صانعها. # قال القاسم : ألهم أهل السعادة التقوى ، وأهل الشقاوة الفجور. # وقال الواسطي : ألهمها فجورها وتقواها من غير تعلم من المخلوقين من غيب ~~إلى غيب. # قوله تعالى : ( قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من دساها ) (10) أي ~~: فر عن العذاب والحجاب من زكاه الله في الأزل من خذلانه بفوز مشاهدته ، ~~وخاب من أحمله في الأزل بالشقاوة والحرمان عن مشاهدة الرحمن. # قال ابن عطاء : أفلح من وفق لمراعاة أوقاته. # قال أبو بكر بن طاهر : أفلح من طهر سره عن التدنس بالدنيا ، وخاب من أشغل ~~سره بها. # وقال بعضهم : أفلح من أقبل على ربه ، وخاب من أعرض عنه. # وقال الواسطي : أفلح من زكاه الله بالإلهام ، وخاب من دساها بالإبعاد. # قوله تعالى : ( ولا يخاف عقباها ) (15): الخوف لمن لا يعرف ~~عواقب الأمور ms1643 ، وهو منزه عن أن يكون في حكمته خلل ، أو لذاته وصفاته ضرر ، ~~فإنه تعالى من خصه بالاتصاف بصفاته ، والتجلي بأنوار ذاته ، قد أسقط عنه ~~خوف الدارين ، فلا يخاف من الله بالله ؛ لاستغراقه في الله. # قال الواسطي : من ألبسه نعوته لا يخاف عقباها ، كما لا يخاف الحق عقبى ما ~~أجرى على خلقه ، فإذا اعترض عليه معرض يخاف الخوف من خوفه. PageV03P509 ### | سورة الليل # بسم الله الرحمن الرحيم # ( والليل إذا يغشى (1) والنهار إذا تجلى (2) وما خلق الذكر ~~والأنثى (3) إن سعيكم لشتى (4) فأما من أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) ~~فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل واستغنى (8) وكذب بالحسنى (9) فسنيسره ~~للعسرى (10) وما يغني عنه ماله إذا تردى (11) إن علينا للهدى (12) وإن لنا ~~للآخرة والأولى (13) فأنذرتكم نارا تلظى (14) لا يصلاها إلا الأشقى (15) ~~الذي كذب وتولى (16) وسيجنبها الأتقى (17) الذي يؤتي ماله يتزكى (18) وما ~~لأحد عنده من نعمة تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20) ولسوف يرضى (21)) # ( والليل إذا يغشى ) (1) أي : وليل قهره إذا يغشى قلوب المحرومين ~~عن مشاهدة الحق ، ونهار أنوار مشاهدته إذا تجلى لأرواح العارفين ، نورها ~~بضياء قدسه ، ولطائف أنسه. # قال الأستاذ : وليل أصحاب التحير يستغرق جميع أقطار أفكارهم ، فلا يقتدون ~~إلى الرشد ، ونهار أهل العرفان إذا تجلى بضيائه لقلوبهم. # قال سهل : أقسم الله بنفس الطبع ، ونفس الروح ، وهو الضوء مثل في إشراقه. # قوله تعالى : ( إن سعيكم لشتى ) (4): سعي البعض بالنفوس ؛ لطلب ~~الدرجات ، وسعي البعض بالعقول ؛ لطلب الكرامات ، وسعي البعض بالقلوب ؛ لطلب ~~المشاهدات ، وسعي البعض بالأرواح ؛ لطلب المداناة ، وسعي البعض بالأسرار ؛ ~~لفنائها في أنوار الذات وبقائها في أنوار الصفات ، فسعي البعض بالإرادة ، ~~وسعي البعض بالمحبة ، وسعي البعض بالشوق ، وسعي البعض بالعشق ، وسعي البعض ~~بالمعرفة. # قال ابن عطاء : باطن هذه الآية أن يرى سعيه قسمته من الحق له من قبل ~~التكوين والتخليق ، بقوله : ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة ~~الدنيا )، وأن السعي له مراتب كمراتب المتصلين بالسلطان والواصلين إليه ~~والندماء والجلساء وأصحاب الأسرار ، كذلك سعي المريدين والمرادين والعارفين ~~والمحبين والمشتاقين والواصلين والفانين عن أوصافهم والمتصفين بأوصاف الحق ~~هذا إلى ما ms1644 لا عبادة له ولا غاية. # قوله تعالى : ( فأما من أعطى واتقى ) (5) أي : بدل وجوده ، ~~والكونين ، وتبرأ من الدارين ؛ لمشاهدة الله ، ووصاله ( واتقى ): ~~من رؤية الأعواض ، ومعارضة النفس ، والنظر إلى PageV03P510 # غير الله. # ( وصدق بالحسنى ) (6): بكشف جماله وجلاله للعارفين ، وقربه من ~~الموحدين ، وترى ما وعد الله له في الأزل بوصوله إليه ، ولا يجري على قلبه ~~خاطر الشك. # ( فسنيسره لليسرى ) (7): يسهل له طريق الوصول إليه ، ويرفع عنه ~~الكلفة والتعب في العبودية. # قال بعضهم : أعطى الدارين ، ولم ير سيئا في طلب رضا الله ، واتقى اللغو ~~والشبهات ، و «صدق بالحسنى» : قام على طلب الزلفى. # قيل في قوله : ( فسنيسره لليسرى ) (7): يعني وعدا صادقا من الله ~~أن يسير عليه ما خلقه. # قوله تعالى : ( إن علينا للهدى ) (12): جرد التوفيق عن الاكتساب ~~، وأسقط عن المعرفة الكلفة. # قال سهل : المعرفة. # قوله تعالى : ( ولسوف يرضى ) (21): هذا الرضا لا يكون من العارف ~~حتى يفنى في المعروف ، ويتصف بصفاته ، ويتحد به حتى يكون نعته في الرضا نعت الحق. # قال الجنيد : يصل إليه أنوار الرضا ، ويتحقق له مقامه برضانا عنه ، فإنه ~~لا يصل إلى مقام الرضا عن الله أحد إلا برضا الله عنه. # قال الواسطي : ( ولسوف يرضى ) بنا عما أنفق ، فما خسرت تجارة من ~~كنت له عوضا عن تجارته. ### | سورة الضحى # بسم الله الرحمن الرحيم # ( والضحى (1) والليل إذا سجى (2) ما ودعك ربك وما قلى (3) ~~وللآخرة خير لك من الأولى (4) ولسوف يعطيك ربك فترضى (5) ألم يجدك يتيما ~~فآوى (6) ووجدك ضالا فهدى (7) ووجدك عائلا فأغنى (8) فأما اليتيم فلا تقهر ~~(9) وأما السائل فلا تنهر (10) وأما بنعمة ربك فحدث (11)) # ( والضحى (1) والليل إذا سجى ) (2) أي : وطلوع شمس جلالي عليك ~~بنعت عرفانك يا محمد في أيام الوصلة وليل النكرة ، حيث كنت في ليل الحيرة ~~من غلبة ليل امتناعي PageV03P511 # عن إدراكك كنه القدم ؛ حيث قلت : «لا أحصى ثناء عليك» (1). # قال ابن عطاء : بمكاشفات سرك بنا ، واشتغالك بالدعوة نظر إلى الخلق. # وقال الجنيد : ( والضحى ): هو مقام الأشهاد ( والليل ~~إذا سجى ): مقام العين الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إنه ليغان على ms1645 ~~قلبي» (2). # قيل : ويوم أسرار العارفين ، وظلمة أفعال المخالفين. # قوله تعالى : ( ما ودعك ربك وما قلى ) (3): أقسم الله بهذا ~~القسم أنه تعالى ما ترك محمدا صلى الله عليه وسلم في محل الإنسانية من مشاهدة ~~الأزلية في الأزل ، ( وما قلى ): حين اصطفاه بالقدم ، وكيف يدخل ~~في اصطفائيته وسوابق محبته الأزلية خلل من جهة الأفعال ؛ إذ هو منزه عن ~~الصغائر. # قال ابن عطاء : ما حجبك عن قربه حين بعثك إلى خلقه. # وقال الواسطي : ما أهملك بعد أن اصطفاك. # قوله تعالى : ( وللآخرة خير لك من الأولى ) (4): ما وجد العارف ~~في الدنيا من كشف الجمال بالإضافة إلى يوم الوصال كقطرة في البحار أي : لك ~~من الدنو عندي من المعاملات السنية ، والدرجات العلية ، لو انكشف لك ما ~~نظرت إلى ما وجدت منا في الدنيا ، فإن أمر القرب والمشاهدة على مزيد في كل ~~نفس شوق حبيبه إلى نفسه ، ورفع قدره عن الأكوان وأهلها ، وأخبره عما له من ~~ذخائر المكاشفات ، وعجائب المشاهدات. # قال سهل : ما ادخرت لك في الآخرة من المقام المحمود ومحل الشفاعة خير مما ~~أعطيتك في الدنيا من النبوة والرسالة. # وقال بعضهم : ما لك عندي من مخزون الكرامات أجل مما يشاهده الخلق ؛ لأنك ~~الشفيع المطاع ، والناطق بالإذن حين يؤذن لأحد بالكلام. # قوله تعالى : ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) (5): هذه بشارة لأمته ~~المرحومة ، فإنه لا يرضى حتى يدخل الله جميع أمته الجنة بلا حساب ولا عتاب ~~ولا حجاب ، وكيف يرضى العاشق من معشوقه حتى يكون هو المعشوق يصير هو هو ، ~~ولا يكون ذلك إلا بعد فناء نعوت الحدث في نعوت القدم. # قال ابن عطاء : كأنه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم : أفترضى بالعطاء عوضا ~~عن المعطي؟ فيقول : لا PageV03P512 # فقيل له : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) (4) أي : على همة جليلة ؛ إذ ~~لم يؤثر فيك شيء من الأكوان ، ولا يرضيك شيء منها. # قوله تعالى : ( ألم يجدك يتيما فآوى (6) ووجدك ضالا فهدى ) (7) ~~أي : كنت يتيما منقطعا عنا فينا ، فآواك عنك بنا إلينا ، ووجدك متحيرا عن ~~إدراك حقيقتنا ، فكحلناك بكحل أنوار ربوبيتنا حتى ms1646 أدركتنا بنا ، ووجدك ~~عائلا من كنوز علوم القدم ، ووصال الأبد ، فأغناك بهما ، فإذا كان كذلك ~~فلاطف كل منقطع عنا وهو يتم الفراق بقوله : ( فأما اليتيم فلا تقهر ~~) (9)، ولا نكتم شرفك ورفعتك عن كل سائل طالب ، وقل له حقائق لطفنا باللطف ~~، ولا تمنعه بقوله : ( وأما السائل فلا تنهر ) (10)، وظهر بعض ما ~~كوشفت من أسرارنا وأنوارنا ولطفنا ورحمتنا لكل مشتاق إلى لقائنا ، وحببهم ~~إلينا بحديثك عنا بقوله : ( وأما بنعمة ربك فحدث ) (11). # قال ابن عطاء في قوله : ( ألم يجدك يتيما فآوى ): معناه : وجدك ~~اليتيم فآوى بك ، ووجدك الضال فهدي بك ، ووجدك العائل فأغنى بك ، ولا يكون ~~الوجدان إلا بعد الطلب ، وكان طالبا له في الأزل ، فوجده ، ثم أوجده سفيرا ~~بين خلقه. # وقال جعفر في قوله : ( ووجدك ضالا فهدى ): كنت ضالا عن محبتي لك ~~في الأزل ، فمننت عليك بمعرفتي. # قال الحريري : وجدك مترددا عن غوامض معاني المحبة ، فهداك بلطفه إلى ما ~~رمته في ولهك ، وهذا مقام الوله عندنا. # قال بندار بن الحسين في قوله : ( ووجدك عائلا فأغنى ) (8): كنت ~~قائما مقام الاستدلال ، فتعرفت إليك ، وأغنيتك بالمعرفة عن الشواهد ~~والأدلة. # وقال بعضهم في قوله : ( ألم يجدك يتيما فآوى ) أي : وحيد الأمثل ~~لك ، ولا نظير في شرفك وهمتك ، فآواك إليه. # وقال بعضهم في قوله : ( ووجدك ضالا فهدى ): لا تعلم قدر نفسك ، ~~فأعلمتك قدرك. # قال جعفر في قوله : ( فأما اليتيم فلا تقهر ) أي : العارين عن ~~خلعة الإسلام ، ولا تقنط من رحمتي ، فإني قادر ألبسه لباس الهداية ، ~~والسائل إذا سألك عني فدله علي بألطف دلالة ، فإني قريب مجيب. # وقال ابن عطاء : المؤمنون كلهم أيتام الله في حجره ، فلا تقهرهم أي : لا ~~تبعدهم عنك ، PageV03P513 # وسؤالهم أسرار الله ، فلا تنهرهم ولن لهم وألطف بهم. # وقال ابن عطاء في قوله : ( وأما بنعمة ربك فحدث ): حدث به نفسك ~~؛ كي لا تنسى فضلي عليك قديما وحديثا. # قال بعضهم : حدث بنعمة ربك عليك ، فإنك لا تبلغ أقصاه ؛ لتعلم بذلك عجزك ~~عن تعداد نعمه عليك ؛ لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لا أحصي ثناء ~~عليك» ms1647 (1). ### | سورة الانشراح # بسم الله الرحمن الرحيم # ( ألم نشرح لك صدرك (1) ووضعنا عنك وزرك (2) الذي أنقض ظهرك (3) ~~ورفعنا لك ذكرك (4) فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6) فإذا فرغت ~~فانصب (7) وإلى ربك فارغب (8)) # ( ألم نشرح لك صدرك ) (1): شرح صدره صلوات الله وسلامه عليه ~~طلوع شمس جلال الحق فيه ، فأضاء منه روحه وقلبه وعقله ، وطار روحه في الأزل ~~، وطار عقله في الأبد ، وطار قلبه في الجبروت ، ونفسه في الملكوت ، فتولى ~~الحق شرح صدره بنفسه لا بغيره ، وذلك حين ظهر لسره ذاته القديم ، وصفاته ~~الأزلية ، فصار موسعا مبسوطا بوسع الذات والصفات ، فشرحه يزيد إلى الأبد ؛ ~~لأن جلال الحق لا نهاية له ، وكان صدره محل تجلي الحق ، فبقي مع الحق في ~~ساحة الكبرياء حيث لا حيث ولا زمان ولا مكان ، بل نور الذات في نور الصفات ~~، ونور الصفات في نور الذات ، فهو بين النورين محتجبا بأنوار الحقيقة عن ~~أوهام الخليقة ؛ لذلك قال سبحانه : ( ورفعنا لك ذكرك ) (4): رفع ~~قدره عن إدراك كل إدراك ، وأعلى ذكره بذكره عن ألسنة كل وصاف ، لا يصفه ~~الأولون والآخرون بكمال وصفه ؛ لأنه كان منسلخا بأنوار الربوبية من أوصاف ~~الحدوثية ؛ لذلك قال : ( ووضعنا عنك وزرك ) (2)، وتلك الحدوثية ~~أثقلت جناح همته العلية الربانية ؛ حيث منعته عن الوصول بالكلية ، بقوله : ~~( أنقض ظهرك ) (3)، فلما خفته عن ذلك جعله رفيع القدر بقدره ؛ ~~لذلك قال : ( ورفعنا لك ذكرك )، وسع صدره أولا بكشف المشاهدة ، ~~فلما وصل إليه أثقال سطوات الربوبية وثقل PageV03P514 # عليه صدمات القدوسية كاد أن يفنى تحتها ، فبدلها الله له ، وأنوار ~~الكبرياء بأنوار البقاء ، وأنوار الجلال وأنوار القدس بأنوار الأنس ، وجعله ~~متصفا بصفاته ، فقوى بالحق ، وحمل الحق بالحق ، وقال سبحانه : ( ~~ألم نشرح لك صدرك )، إلى قوله : ( ذكرك. ) # قال سهل : ألم نوسع صدرك بنور الرسالة ، فجعلناه معدنا للحقائق. # وقال ابن عطاء : ألم نوسع سرك لقبول ما يرد عليك. # وقال في قوله : ( ووضعنا عنك وزرك ): أعباء النبوة والرسالة ، ~~فكنت فيها محمودا لا حامدا. # وقال جعفر : ألم نشرح صدرك لمشاهدتي ومطالعتي. # وقال القاسم : ( ووضعنا عنك وزرك ): ألم أزل ms1648 ملاحظة المخلوقين ~~عن سرك. # قال ابن عطاء في قوله : ( ورفعنا لك ذكرك ): جعلت تمام الإيمان ~~بي بذكرك معي. # وقال أيضا : جعلتك ذكرا من ذكرى ، فكان من ذكرك ذكري. # وقال ذو النون : همم الأنبياء تحول حول العرش ، وهمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم فوق العرش ؛ لذلك قال : ( ورفعنا لك ذكرك. ) # قال سهل : أزلنا عنك الهمة إلا لنا ، والفكرة في سوانا ، والحركة والسكون ~~إلا بأمرنا. # قيل في قوله : ( أنقض ظهرك ): هو الرجوع من حال المشاهدة إلى ~~حال بلاغ الرسالة. # قوله تعالى : ( فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا ): مع ~~عسر المجاهدة يسر المشاهدة ، ومع عسر الانفصال يسر الاتصال ، ومع عسر القبض ~~يسر البسط ، وزاد يسرا على يسر على يسير ، وجعلها يسرين بعد عسر ، «العسر» ~~: هو الحجاب ، و «اليسر» : كشف النقاب ، ويسر آخر رفع العتاب. # قال الجوزجاني : مع الصبر عن الحرام ، وشبهات الاسترواح إلى عز التوكل. # قوله تعالى : ( فإذا فرغت فانصب (7) وإلى ربك فارغب ): فإذا ~~فرغت ما دون الله فابذل نفسك لله ، ثم ارغب مما لله إليه ، فإنه درجة لا ~~تليق بغيرك. # قال جعفر : اذكر ربك على فراغ منك عن كل ما دونه. # وقال ابن عطاء : إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب بطلب الشفاعة. # وقال القاسم في قوله : ( وإلى ربك فارغب ): يكون رغبتك فيه وإليه. PageV03P515 ### | سورة التين # بسم الله الرحمن الرحيم # ( والتين والزيتون (1) وطور سينين (2) وهذا البلد الأمين (3) ~~لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) ثم رددناه أسفل سافلين (5) إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون (6) فما يكذبك بعد بالدين (7) ~~أليس الله بأحكم الحاكمين (8)) # ( والتين والزيتون (1) وطور سينين ): أقسم الله بمواضع تجلي ~~جماله وجلاله ، أما «التين» : فشجرة آدم التي نهاه عن قربها وهو متجل عنها ~~له ، و «شجرة الزيتون» : التي تجلى منها لموسى ، حيث قال : ( إني ~~آنست نارا )، وقال : ( نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة ~~المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله )، وطور سيناء الذي تجلى عنده ~~أيضا لموسى ، ( البلد الأمين ): هو الذي بيته فيه ، وهو محل آياته ms1649 ~~، وكشوف صفاته ، بقوله : ( فيه آيات بينات )؛ لذلك قال ~~صلى الله عليه وسلم : «جاء الله من سيناء ، واستعلن بساعير ، وأشرف من جبال ~~فاران» (1)، وأيضا ( والتين ): أي : شجرة الروح القدسية ، ( ~~ والزيتون ): شجرة العقل القدسي ، ( وطور سينين ): هو ~~القلب العارف بالله ، ( البلد الأمين ): صدر المحب المتمكن. # قال الجنيد : «التين» : بمسجد إيليا ، «والزيتون» : مسجد بيت المقدس ، ~~«وطور سنين» : مسجد طور ، و «هذا البلد الأمين» : المسجد الحرام ، وإنما هذه ~~مساجد عظمها الله ؛ لأنها بقاع الله ؛ لأن الله جل ذكره يذكر فيها ، فأقسم بها. # قوله تعالى : ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ): أقسم الله ~~بهذه المكرمات أنه خلق آدم في أحسن منظر ، وأكرم خلقه ؛ إذ سواه بنور كشف ~~صفاته ، وإلباسه إياه سنا ذاته. # قيل : في أحسن صورة. وقيل : في أتم معرفة. # وقال بعضهم : «حسن التقويم» : وصف قائم بالحق لا عبارة عنه ، وكل عبارة ~~عن تمام تقويمه من تفسيره ، وليس لنهاية العبارة عند لفظ. PageV03P516 ### | سورة العلق # بسم الله الرحمن الرحيم # ( اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك ~~الأكرم (3) الذي علم بالقلم (4) علم الإنسان ما لم يعلم (5) كلا إن الإنسان ~~ليطغى (6) أن رآه استغنى (7) إن إلى ربك الرجعى (8) أرأيت الذي ينهى (9) ~~عبدا إذا صلى (10) أرأيت إن كان على الهدى (11) أو أمر بالتقوى (12) أرأيت ~~إن كذب وتولى (13) ألم يعلم بأن الله يرى (14) كلا لئن لم ينته لنسفعا ~~بالناصية (15) ناصية كاذبة خاطئة (16) فليدع ناديه (17) سندع الزبانية (18) ~~كلا لا تطعه واسجد واقترب (19)) # ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ): كان صلى الله عليه وسلم شاهدا في ~~الحضور ، غائبا عن الرسوم ، تحول حول الحقائق ، وتكتم أسرار المعرفة ، لا ~~يتحدث بحديث العشق ، ولا يرمز بلطائف الحب ، كان مستغرقا في القرب ، كأنه ~~جعل نفسه في جانب عن الأجانب ، في حواس عن تلك القصة ، معرضا مراقبا عاشقا ~~، كأنما كان لم يكن له خبر ، وهو كان في محل العيان ؛ لكن لم يكن في البيان ~~، أقبل بالسر نحو المراد ، وإن لم يكن هناك في المراد قرع الحق باب قلبه ؛ ~~لأنه هو المريد ، والحبيب هو المراد ms1650 ، الأحد طالب ، وأحمد المطلوب ، لا جرم ~~الطلب منه نداء ؛ إذ أوحى إليه قبل طلبه ، فقال : ( اقرأ )، كأنه ~~كان قارئا ؛ إذ شاهد الأدنى الحق بالحق في الأزل ؛ ولكن كان غائبا عن ~~المحضر الأعلى لشهوده الأدنى ، فقال : «ما أنا بقارئ» (1): يعني : أنا لا ~~أقرأ غير الثناء عليه ، قال : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق )، أخذه ~~بالاسم ، وكشف على ظاهر المعرفة ، ثم بان المسمى له ، بقوله : ( ~~ربك )، ثم غيبه في الغيب ، وحيره في الهوية بتحقيق الإشارة ، بقوله : # ( الذي )، فلما غاب في الغيب أخذ يده من استغراقه في بحر الأزل ~~، وأحضره ساحة أنوار الصفات في مشاهد الأفعال ، بقوله : ( الذي خلق ~~)، هكذا فعل بالمرادين ، وجعل الطالبين حيارى في طلبهم ، ألا ترى شأن موسى ~~عليه السلام كيف أقبل عليه في طلبه ، فناجاه بعد أربعين يوما ؛ لأنه كان ~~مريدا ، والمصطفى صلى الله عليه وسلم كان مرادا ؛ لذلك ناجاه بالبديهة ، ~~إظهارا لحبه البالغ ، واصطفائيته الكاملة. # قال الخليل : ( إني ذاهب إلى ربي )، والكليم قال : ( ~~وعجلت إليك رب لترضى ) PageV03P517 # وحيث ظهر كمال المحبة قال : ( سبحان الذي أسرى. ) # قال بعضهم : أهل الإرادة في الطلب ، والمرادون مطلوبون ، ألا ترى أن ~~إبراهيم كان طالبا بقوله : ( هذا ربي )، ( لئن لم يهدني ~~ربي )، ( وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين )، والمراد مطلوب ، وذلك ~~صفة الحبيب صلوات الله وسلامه عليه ، ألا ترى أنه لما قيل له : ( ~~اقرأ باسم ربك )، استقبله الأمر من غير طلب. # قوله تعالى : ( الذي علم بالقلم (4) علم الإنسان ما لم يعلم ): ~~علم بعضا بالأفعال ، وعلم بعضا بكشف الصفات ، وعلم بعضا بظهور الذات ، علم ~~أهل الملكوت بالعلم ما بان عن علم القدم ، وعلم آدم الأسماء بغير العلل ، ~~علم الإنسان ما لم يعلم من نعوت القدمية ، وأسمائه الأزلية حين عاين الحق ~~له بالصفة ، حيث قال : ( خلقت بيدي )، ثم عاين له بالذات ، حيث ~~قال : ( ونفخت فيه من روحي )، علم العارف ما لم يعلم من أسراره ~~المكتومة ، وأنبائه العجيبة ، وكلماته السرمدية التي كل حرف منها دليل إلى ~~عيان عيانه ، وبيان بيانه. # قال سهل في قوله : ( علم بالقلم ): أثبت في ms1651 اللوح ما جرى العلم ~~والقلم. # قوله تعالى : ( كلا إن الإنسان ليطغى ): الإنسان الخسيس يطغى ~~برؤية الدنيا الدنية ، وأي الإنسان هذا من الإنسان الذي استغنى بالله ، ~~واستغرق في جمال الله ، واتصف بصفات الله ، وصار متحدا بالوحدة ، وسكرا من ~~شراب العزة ، وغلبت عليه الأنائية ، فيطغى برؤية أنوار الاتصاف ، ولا يعلم ~~أنه في حواشي بحار عظمته ، ولم يذق منها قطرة بالحقيقة ، فلما أعلمه الحق ~~بأنه لا شيء وفي لا شيء من الربوبية أحوجه إلى مقام الإرادة برجوعه إليه ~~بنعت الافتقار بعدما رجع بالصفة إلى معدن الذات ، وهذان المعنيان في قوله : ~~( إن إلى ربك الرجعى. ) # قال ابن عطاء : رؤية الغنى تورث الطغيان والبطر ؛ لأن الغنى يورث الفخر ، ~~والفخر يورث الطغيان : # قوله تعالى : ( واسجد واقترب ): لما انكشفت صفات القدم لتحبيب ~~كان أن يسكر وشطح ، وغلب بما رأى في نفسه من إحاطة أنوار الربوبية ، جره ~~الحق من مقام الربوبية إلى معدن العبودية ، بأن نصب له في سجوده حجال الأنس ~~، ومهد له فيه بساط القدس ؛ ليدنو به منه ، ويقطع مفاوز الآزال والآباد في ~~سجدة واحدة ، ليس الاقتراب بالاكتساب ، إنما أراد خلو سره عن الدارين ~~وتربيته في مقام العبودية ؛ حتى يكون إماما للصديقين والمتمكنين من PageV03P518 # العارفين ، وأهل الإرادة من المؤمنين إظهارا للتواضع والتذلل لجبروته ~~وملكوته. # قال ابن عطاء : اقترب إلى بساط الربوبية فقد أعتقناك من بساط العبودية. # وقال الواسطي : العوام منقلبون في صفات العبودية ، والخواص مكرمون بأوصاف ~~الربوبية ، ولا يشهدون غير صفات الحق ؛ لأن العوام بمحتمل الصفات لضعف ~~أسرارهم ، وبعدهم عن مصادر الحق. # قال جعفر : اقترب من حيث العبودية فقد قربتك من حيث الربوبية. ### | سورة القدر # بسم الله الرحمن الرحيم # ( إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) وما أدراك ما ليلة القدر (2) ~~ليلة القدر خير من ألف شهر (3) تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل ~~أمر (4) سلام هي حتى مطلع الفجر (5)) # ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ): تلك الليلة من كشف جماله ~~للعارفين ، وأهل شهوده من المقربين ، قدر منازلهم في مقام المعارف والكواشف ~~، وقدر مقادير الغيوب ، وأبرز أنوار ملكوته وجبروته ms1652 لأهل القلوب ؛ لذلك ~~تتنزل الملائكة والروح في تلك الليلة ، يبشرونهم بالوصال ، وكشف الجمال أبدا. # قال سهل : ليلة قدرت فيها الرحمة على عبادي. # وقيل : نزول الملائكة في تلك الليلة ؛ لاسترواح قلوب العارفين. # قال الأستاذ : ليلة يجد العابدون فيها قدر نفوسهم ، ويشهد العارفون فيها ~~قدر معبودهم ، فشتان بين وجود قدر ، وبين شهود قدر! # قوله تعالى : ( من كل أمر (4) سلام ): لما بشرهم بأعالي الدرجات ~~وسني الكرامات وسلامتهم من جميع البنيات ، يسلم عليهم ويصافحهم ؛ لتصل ~~بركات بعضهم إلى بعض. # قال سهل : سلم من انقطعت أوقات العارفين القائمين معه على حدود الأحكام ~~من الأوامر والنواهي. PageV03P519 ### | سورة البينة # بسم الله الرحمن الرحيم # ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى ~~تأتيهم البينة (1) رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة (2) فيها كتب قيمة (3) ~~وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة (4) وما أمروا ~~إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك ~~دين القيمة (5) إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين ~~فيها أولئك هم شر البرية (6) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير ~~البرية (7) جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه (8)) # ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى ~~تأتيهم البينة ): وصف الله النفس الأمارة وأعوانها من الشياطين أنها عارضت ~~بينات كواشف الملكوت للأرواح والقلوب والعقول ، وأشد إنكارا إنكار من عين ~~البينة. # قوله تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ~~حنفاء ): الإخلاص في العبودية : تجريد السر عما سوى الله ، و «الحنيف» : من ~~حنف عن غير الله من النفس والدنيا. # قال بعضهم : «الإخلاص» : ألا يطلع على عملك إلا الله ، ولا ترى نفسك فيه ~~، وتعلم أن المنة لله عليك في ذلك حيث أهلك لعبادته ، ووفقك لها ، ولا تطلب ~~من الله ثوابا. # وقال رويم : «الإخلاص» : إفراد الله بالعمل. # قوله تعالى : ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ): «رضي الله عنهم» : ~~في الأزل ms1653 حين اصطفاهم قبل إيجادهم ، «ورضوا عنه» : لما عاينوه وآثروه على ~~من دونه عشقا وشوقا ومعرفة ، وهذه الدرجات لمن عرف الله ، ودأب في إجلاله ، ~~ورؤية عظمته ، بقوله : ( ذلك لمن خشي ربه )، وأصل الرضا الاتصاف ~~بصفة الرضا من الحق. # قال الواسطي : الرضا والسخط نعتان قديمان يجريان على العبد بما جريا في ~~الأزل ، يظهر أن الرسم على المقبولين والمطرودين ، فقد بانت شواهد ~~المقبولين بضيائها عليهم كما بانت شواهد المطرودين بظلمها ، فأنى ينفع مع ~~تلك الألوان المصفرة ، والأقدام المنتفخة ، والأكمام المقصرة؟! PageV03P520 # وقال : استعمل الرضا جهدك ، ولا تدع الرضا يستعملك ، فتكون محجوبا بلذته ~~عن حقيقة ما يطالع بعد درجته. # قال سهل : الخشية سر ، والخشوع ظاهر. # وقال عمرو المكي : اشترط الراضين بالخشية في رضاهم عنه ؛ لذلك أوجب لهم ~~رضاه عنهم بأن يرضوا عنه ويخشوه في رضاه عنهم ، ولا يكون ذلك إلا باجتناب ~~المحارم ، وعقد موافقتهم لموافقته ، أن يكرهوا ما كره ، ويرضوا ما رضي. ### | سورة الزلزلة # بسم الله الرحمن الرحيم # ( إذا زلزلت الأرض زلزالها (1) وأخرجت الأرض أثقالها (2) وقال ~~الإنسان ما لها (3) يومئذ تحدث أخبارها (4) بأن ربك أوحى لها (5) يومئذ ~~يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم (6) فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن ~~يعمل مثقال ذرة شرا يره (8)) # ( إذا زلزلت الأرض زلزالها ): إذا انكشف جمال القدم عيانا ~~تزلزلت أرض قلوب العارفين بوصول سطوات العزة إليها ، تحركت بنعوت المواجيد ~~؛ حيث باشرتها أنوار العظمة والكبرياء ، وعاينت ما في صميمها ، وأخرجت ~~أثقال أسرار معارفها وعلومها المجهولة الربانية إلى بساط الحضرة ، وصاحبها ~~يتعجب من تلك الأشكال الحقيقية ، بقوله : ( وقال الإنسان ما لها ) ~~(3)، فتشهد الأرواح عليها ، وعرفت مكنون سرائرها إياه ، فعند ذلك عرف ~~الإنسان نفسه حين ألهمه الحق بما ألهم روحه ، بقوله : ( تحدث ~~أخبارها (4) بأن ربك أوحى لها. ) # قال الحسين : تزلزل الأرض ، وتخرج أثقالها للعرض ، فتقول ما لها ، وتحدث ~~أخبارها ، وتظهر أسرارها ، فيسألها ما قدمت من [فطها كيميا غيب نبذهت] ، من ~~عظم ما عاينت ، وشاهدت مذعنة قد خضعت ، ونكست رؤوسها. # قوله تعالى : ( يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم ): ~~يجيبون بنيات مختلفة ، ومأمولات متفاوتة ، فالناس ms1654 الحقيقيون يصدرون من مقام ~~المكاشفة إلى مقام المشاهدة ، ومن مقام المشاهدة إلى مقام الوصلة. # قال أبو بكر بن طاهر : معتمدا على فعله وطاعته ، ومستحييا من مخالفته ~~ومعصيته ، وراجيا شفاعته صلى الله عليه وسلم ، ومعتمدا فضل الله عليه ، وأهل ~~الصفوة واقفون بلا علة من هذه العلائق PageV03P521 # إلى أن يصلوا إلى مأمولهم ومرادهم (1). # قوله تعالى : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ): العارف يرى جزاء ~~عمله من الخيرات ، ولا يكون مقيدا بها ؛ إذ هو مشغول بالحق عن غيره ، ويرى ~~ما فعله من الحركات المذمومة ؛ ليعرف فضل الله عليه بأنه تعالى لا يجازيه بها. # قال جعفر : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ): في الدنيا إذا كان ~~مؤمنا ، ( ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ): في الدنيا إذا كان مشركا. # قال الواسطي : إذا كان من أهل الإسلام ، إن الأعراض لا ترى ، ولا تبقى ~~وتبين ، وكيف يجوز أن يرى؟ # قيل : القرآن صفة الله ، وأن الصفة لا تبين من الموصوف ، وهو يرى في ~~الأرض مكتوبا ، كذلك الأعمال. ### | سورة العاديات # بسم الله الرحمن الرحيم # ( والعاديات ضبحا (1) فالموريات قدحا (2) فالمغيرات صبحا (3) ~~فأثرن به نقعا (4) فوسطن به جمعا (5) إن الإنسان لربه لكنود (6) وإنه على ~~ذلك لشهيد (7) وإنه لحب الخير لشديد (8) أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور ~~(9) وحصل ما في الصدور (10) إن ربهم بهم يومئذ لخبير (11)) # ( والعاديات ضبحا ): أقسم الحق سبحانه بأفراس قلوب المحبين إذا ~~صحبت بأصوات الوصلة من تراكم مواجيد المشاهدة في ميادين الوحدة ، حين عاينت ~~مشاهدة السرمدية ، وهي الموريات أنوار المعارف من قداح الكواشف ، ثم أقسم ~~لواردات كشوف صفاته حين أغارت أرواح العاشقين عند طلوع صباح مشاهدته. PageV03P522 # قوله تعالى : ( إن الإنسان لربه لكنود (6) وإنه على ذلك لشهيد ) ~~: شهد الحق على أسرار الخلق في الأزل قبل إيجادها ، لا يعزب عن علمه ذرة من ~~العرش إلى الثرى ، والإنسان لا يعرف ما أعطاه الله من نعمة بالحقيقة ، وإنه ~~لكفور ؛ إذ لا يعرف منحه. # قال القاسم : هو الذي يشهد بأحواله وعلى أحواله ؛ لأن الحق تولاها في ~~أزليته قبل أن يخلقها ، وسيرها بتقديره ، وأخرجها ms1655 إلى الكون بتدبيره ، وفي ~~عرصة القيامة يسوقها إلى المحشر كما ساقها في الأزل والأبد دون غيره ، ~~فانطلق ما شاء بما شاء في يسيره في الدارين ، وأخرس ما شاء عما شاء ~~بتدبيره. # قال الواسطي في قوله : ( إن الإنسان لربه لكنود ): بعد منه من ~~الطاعات ، وينسى ما من الله به عليه من الكرامات. ### | سورة القارعة # بسم الله الرحمن الرحيم # ( القارعة (1) ما القارعة (2) وما أدراك ما القارعة (3) يوم ~~يكون الناس كالفراش المبثوث (4) وتكون الجبال كالعهن المنفوش (5) فأما من ~~ثقلت موازينه (6) فهو في عيشة راضية (7) وأما من خفت موازينه (8) فأمه ~~هاوية (9) وما أدراك ما هيه (10) نار حامية (11)) # ( القارعة (1) ما القارعة ): «القارعة» : ساعة كشف جمال العظمة ~~الذي يفنى الحدثان في سطواتها ؛ لذلك قال : ( يوم يكون الناس ~~كالفراش المبثوث (4) وتكون الجبال كالعهن المنفوش )، ذلك من وصول قوارعات ~~قهر جبروته. # قوله : ( فأما من ثقلت موازينه ) (1): فمن ثقلت موازين قلبه ~~بمعرفة الله وتوفيقه PageV03P523 # الأزلي فهو في عيش مشاهدته الأبدية. # قيل : قال الواسطي : هل يجوز أن تثقل الموازين بأعمالنا؟ قال : لو جاز ~~ذلك لا من كل من كثرت أعماله وصفت ، بل الله يثقل موازين من شاء ، ويخفف من ~~شاء ، ألا ترى النبي صلى الله عليه وسلم يقول : «الميزان بيد الله يخفض أقواما ~~ويرفع آخرين» (1)، رفعهم في أزليته ، ووضع آخرين في أزليته قبل كون كل كون. # قال سهل : فمن ثقلت موازينه بالإخلاص فهو في عيشة راضية ، في رضا الله ~~ينقلب في جواره ، ومن خفت موازينه بالرياء والسمعة فأمه هاوية ، فإنه ينقلب ~~في سخط الله ومأواه النار. ### | سورة التكاثر # بسم الله الرحمن الرحيم # ( ألهاكم التكاثر (1) حتى زرتم المقابر (2) كلا سوف تعلمون (3) ~~ثم كلا سوف تعلمون (4) كلا لو تعلمون علم اليقين (5) لترون الجحيم (6) ثم ~~لترونها عين اليقين (7) ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم (8)) # ( ألهاكم التكاثر (1) حتى زرتم المقابر ): شغلكم النظر إلى ~~أحوالكم وأعمالكم ، والاقتداء بالتقليد على السلف عن مشاهدتنا وقربنا. PageV03P524 # قال بعضهم : شغلكم التكاثر بموتاكم عن الحياة بذكري. # قوله تعالى : ( كلا سوف تعلمون ): تعرفون أنكم لا تعرفونني حق ~~معرفتي ، حين وقفتم بما وجدتم ms1656 مني عني. # قال : سيعلم من أعرض عني أنه لا يجد مثلي. # قوله تعالى : ( كلا لو تعلمون علم اليقين ): بين الله سبحانه أن ~~علم اليقين قبل الرؤية والمشاهدة يكون ، فإذا حصلت الرؤية والمشاهدة صار ~~علم اليقين عين اليقين ، بقوله : ( ثم لترونها عين اليقين )، ~~و «حقيقة اليقين» و «حق اليقين» : أن يعرف العبد أنه يرى جحيم قهر القدم الذي ~~كان الحق موصوفا في الأزل ، ولم يصل إلى بطنان كنهه ؛ لأنه الحدث والحق ~~قديم ، وأنى يصل الحدث إلى القدم أبدا؟! # قال يحيى : «اليقين» : كشف الغطاء عن القلب. # وقال فارس : «علم اليقين» : لا اضطراب فيه ، و «عين اليقين» : هو العلم ~~يودعه الله الأسرار. # قال الخراز : «عين اليقين» : هو أن يرفع الحجب عن قلوبهم بتجل لأرواحهم ~~وأسرارهم ، ويكشف عن أوهامهم حتى يروه عين اليقين ، فيرجعوا عنه سكارى ، ~~وينتهوا عنه حيارى. # قال بعضهم : «عين اليقين» : عين البقاء. ### | سورة العصر # بسم الله الرحمن الرحيم # ( والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3)) # ( والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر ): أقسم الله بآزاله وآباده ~~التي هي أعصار الأولية والآخرية التي قصر منها الدهر الدهار عن تعدادها ، ~~وأيضا : أقسم بزمان العارفين حين تابوا بجماله ، وفرحوا بلقائه ( ~~إن الإنسان لفي خسر )، إذا احتجب بنفسه عن نفسه ، وأنه لا يبلغ إلى وصله ، ~~ثم استثنى أهل شهود القدم الذين تركوا أوصاف الحدوثية على باب الأزلية ، PageV03P525 # واتصفوا بأوصاف الربوبية ، بقوله : ( إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ): «تواصوا بالصبر» : بالله في ~~الله ، «وتواصوا بالحق» : بالإقبال على الحق. # قال بعضهم : «التواصي بالصبر» : هو ألا يشهد البلاء بحال. # قال بعضهم : «التواصي بالحق» : هو مقام مع الحق ، والقيام بأوامره على ~~حدود الاستقامة. ### | سورة الهمزة # بسم الله الرحمن الرحيم # ( ويل لكل همزة لمزة (1) الذي جمع مالا وعدده (2) يحسب أن ماله ~~أخلده (3) كلا لينبذن في الحطمة (4) وما أدراك ما الحطمة (5) نار الله ~~الموقدة (6) التي تطلع على الأفئدة (7) إنها عليهم مؤصدة (8) في عمد ممددة (9)) # ( ويل لكل همزة لمزة ): ويل الحجاب لمن لا يرى ms1657 الأشياء بعين ~~المقادير السباقة حتى يكون وقيعه في الخلق بالحسد ، وهو مقبل إلى الدنيا ~~بالجمع والمنع. # قال تعالى : ( الذي جمع مالا وعدده. ) # قال بعضهم : جمع المال : من علامة الجهل ، وحب المال : من علامة النفاق ، ~~والبخل بالمال : من علامة الكفر. # قوله تعالى : ( يحسب أن ماله أخلده ): وصف الجاهل بالله بأن ~~ماله يوصله إلى الحق ، لا والله لا يصل إلى الحق إلا بالحق. # قال أبو بكر بن طاهر : يظن أن ماله يوصله إلى مقام الخلد. # قوله تعالى : ( نار الله الموقدة (6) التي تطلع على الأفئدة )، ~~«ناران» : نار القهر ، ونور اللطف ، «نار قهره» : إبعاده قلوب المنكرين عن ~~ساحة جلاله ، و «نار لطفه» : نيران محبته في قلوب أوليائه من المحبين ~~والعارفين. # قال جعفر : النيران شيء مختلف ، فمنها : نار المحبة ، ونار المعرفة تتقد ~~في أفئدة الموحدين ، ونيران جهنم تتقد في أفئدة الكافرين ، ونيران المحبة ~~إذا اتقدت في قلب المؤمن تحرق كل همة غير الله ، وكل ذكر سوى ذكره. # * * * PageV03P526 ### | سورة الفيل # بسم الله الرحمن الرحيم # ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1) ألم يجعل كيدهم في تضليل ~~(2) وأرسل عليهم طيرا أبابيل (3) ترميهم بحجارة من سجيل (4) فجعلهم كعصف ~~مأكول (5)) # ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ): إن الله واسى قلب نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بذكر هلاك أصحاب الفيل الذين اتكلوا على الفيل بأنه يدمر ~~على أعدائه كما دمر على أصحاب الفيل ، الذي هو أعظم الحيوان بأضعف الطيور ، ~~وذلك تعريفه صفته بواسطة رؤية فعله. # قال يوسف بن حسين : من كان اعتماده على غير الله أهلكه بما اعتمد عليه ، ~~كأصحاب الفيل اعتمدوا على أقوى خلق من خلق الله ، فأهلكه الله بأضعف خلق من ~~خلقه ( وأرسل عليهم طيرا أبابيل ) (1). ### | سورة قريش # بسم الله الرحمن الرحيم # ( لإيلاف قريش (1) إيلافهم رحلة الشتاء والصيف (2) فليعبدوا رب ~~هذا البيت (3) الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف (4)) # ( لإيلاف قريش ): هذا تعداد نعمه لحبيبه صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه وعشيرته والمؤمنين ، أهلك أعداءهم ببركته وصفوته ؛ لئلا يشق عليهم ~~الوقوف في مقام واحد ، فيرتحلوا في الشتاء والصيف ms1658 ؛ ليروا آيات الله في ~~بلاد الله ، ثم أمرهم بعبوديته حتى أمنهم من فزع الحجاب والعتاب والعذاب ، ~~وأطعمهم من موائد كشف النقاب. PageV03P527 # قال بعضهم : من لزم طريقة التوكل على الله أغناه الله عن الحركة بالرزق ، ~~وأغناه عن السعي والطلب كما قال في : ( لإيلاف قريش ) (1): من ~~اشتغل بالعبادة أمنه الله مما يخاف وأطعمه من جوعه ، بقوله : ( ~~فليعبدوا رب هذا البيت (3) الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. ) ### | سورة الماعون # بسم الله الرحمن الرحيم # ( أرأيت الذي يكذب بالدين (1) فذلك الذي يدع اليتيم (2) ولا يحض ~~على طعام المسكين (3) فويل للمصلين (4) الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) الذين ~~هم يراؤن (6) ويمنعون الماعون (7)) # ( أرأيت الذي يكذب بالدين ): من لم يكن من أهل الشهود في الدين ~~فهو منكر يوم كشف اللقاء. # قوله تعالى : ( فويل للمصلين ): وصف الله أهل الرياء والسمعة ~~الذين لم يجدوا في صلواتهم لذة المناجاة وأنوار المشاهدات. # قال بعضهم : الذين لا يحصرونها بشهود قلب رعاية حقوق المناجاة ، وخشوع ~~الأرواح فيها ؛ ألا يعلمون أن الصلاة مواصلة بين العبد وبين ربه ، فإذا لم ~~يراع حقوقها كانت مفاصلة. # قوله تعالى : ( ويمنعون الماعون ): وصفهم بالبخل عن بذل وجودهم ~~في الله. # قيل : له يبخلون ببذل المال ، والمهج في رضا الحق. PageV03P528 ### | سورة الكوثر # بسم الله الرحمن الرحيم # ( إنا أعطيناك الكوثر (1) فصل لربك وانحر (2) إن شانئك هو ~~الأبتر (3)) # ( إنا أعطيناك الكوثر ): «الكوثر» : حقيقة استغراقه في بحر ~~جماله ، ودنوه في منازل قربه ، وله كوثر القلب يجري فيه أنهار أنوار مشاهدة ~~الحق من بحار الأزل ، والأبد يزيد في كل نفس سواقيها إلى الأبد. # قال جعفر : نور في قلبك دلك على ، وقطعك عما سواي. # وقال : الشفاعة لأمتك. # وقال ابن عطاء : الرسالة والنبوة. # وقال : معرفة بربوبيتي ، وانفراد بوحدانيتي وقدري ومشيئتي. # وقال الجنيد : أعطيناك نور المعرفة ، وانفراد الوحدانية. # قوله تعالى : ( فصل لربك وانحر ) أي : اتصل بنور الربوبية بخالص ~~العبودية ، وانحر نفسك قربا لكشف مشاهدتي. # ( إن شانئك هو الأبتر ) أي : منقطع عن الوصول إلينا. # قال القاسم : المنقطع عن خيرات الدارين أجمع. ### | سورة الكافرون # بسم الله الرحمن الرحيم # ( قل يا ms1659 أيها الكافرون (1) لا أعبد ما تعبدون (2) ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد (3) ولا أنا عابد ما عبدتم (4) ولا أنتم عابدون ما أعبد (5) ~~لكم دينكم ولي دين (6)) # ( قل يا أيها الكافرون (1) لا أعبد ما تعبدون ) أي : قل إني وقعت ~~في بحار القدم والديمومية ، ولا أشتغل بغيره أبدا. PageV03P529 # قال بعضهم : عبادتكم له عبادة طمع ، وعبادتي له عبادة حقيقة ، وعبادتكم ~~له عبادة منوة بشرك ، وعبادتي له عبادة حقيقة وحق (1). ### | سورة النصر # بسم الله الرحمن الرحيم # ( إذا جاء نصر الله والفتح (1) ورأيت الناس يدخلون في دين الله ~~أفواجا (2) فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (3)) # ( إذا جاء نصر الله والفتح ): نصر الله لحبيبه صلى الله عليه وسلم ~~وجميع أحبائه إفرادهم بفردانيته عما دونه ، وأنجاهم عن جنس النفوس ، ~~وإبلاغهم مقام الأنس نظفرهم على كل بغية لهم ، وأداء ما عليهم من حقوق ~~العبودية ، و «الفتح» : انفتاح أبواب الوصال ، وانكشاف أنوار الجمال والجلال ~~، وبلوغهم عين الكمال ، وأيضا «نصر الله» : كشف غطاء النفس ، و «الفتح» : ~~وقوع نور القدس في القلب إذا ذهب قتام الحدثان ، فجاء النصر ، وإذا انكشف ~~جمال الرحمن قام الفتح ، وذلك بشارة الله لحبيبه صلى الله عليه وسلم بوصوله ~~إليه ، وتخلصه من أعباء النبوة ، ومشقة الرسالة ، ورؤية الأغيار ، فأمره ~~بتقديسه لنفسه ، والاستغفار منه لأمته بقوله : ( فسبح بحمد ربك ~~واستغفره إنه كان توابا )، إذا كمل في المعرفة ، واستقام في التوحيد ، ~~وأقبل بكماله بحق الحق عند رجوعه من نفسه إليه كان معه بحار الثناء ، ~~والعرفان والإيقان والإيمان ، فأبرز الحق نورا من قدس قدمه له ، فسقط عنه ~~ما معه من جميع الثناء ، فأمره باستئناف ثنائه به لا بنفسه ، وأعلمه طريق ~~الثناء عليه في أيام الوصول إليه ، وقال : ( فسبح بحمد ربك ) أي : ~~نزهه عما جرى على قلبك في طول عمرك ، فإنه أعز من أن يلحقه وصف الواصفين ~~وحمد الحامدين ، فالله سبحانه بحمده لا بك ، ألا ترى كيف قال : ( ~~فسبح بحمد ربك ) أي : بحمد ربك ، فسبحه الحمد الذي حمد نفسه في الأزل ، ~~وأيضا أي : سبح بحمد ربك الذي بحمده ما وصل مدحه ms1660 مدح المادحين ، ولا حمد ~~الحامدين ، ( واستغفره ) من حمدك وثنائك وجميع أعمالك له ، وعرفانك ~~به ، فإن لكل معلول إذ وصف الحدثان لا يليق بجمال الرحمن ، فإنه كان موصوفا PageV03P530 # بوصفه لا بوصف الغير ، وكان ( وقابل التوب ): في الأزل ، ( ~~ ذي الطول ): والمنة على عباده ؛ حيث قبل ثناءهم وتسبيحهم وتوبتهم ~~، إذا كانت بنعت العلم بالعجز عن إدراك كنه قدمه ، والاعتراف بالجهل عن ~~المعرفة بحقيقة وجوده. # قال ابن عطاء : إذا اشتغلت به عما دونه فقد جاءك الفتح من النصر ، والفتح ~~هو النجاة من السجن ، والبشرى بلقاء الله. # وقال الواسطي : أي : فتح عليك العلوم ، ( فسبح بحمد ربك واستغفره ~~) على ما كان منك من قلة العلم بما أريد منك ؛ ( إنه كان توابا. ) # وقيل : إذا فتح الله قلبك برؤية منه عليك أقبل الله قلوب عباده إليك حتى ~~يأتوك فوجا فوجا. # قال بعضهم : احمد الله بحيث جعلك سبب وصل عباده إليه ، واستغفر الله من ~~ملاحظة دعائك ، إن من أجابك هو الذي أجابنا وقت الميثاق ، وكتب له السعادة ~~في الأزل ( فريق في الجنة وفريق في السعير ) ### | سورة المسد # بسم الله الرحمن الرحيم # ( تبت يدا أبي لهب وتب (1) ما أغنى عنه ماله وما كسب (2) سيصلى ~~نارا ذات لهب (3) وامرأته حمالة الحطب (4) في جيدها حبل من مسد (5)) # ( تبت يدا أبي لهب وتب ): وبخ الله من لا تصل يد همته إلى وثقى ~~عروة نبوته والإيمان برسالته والمعرفة بكمال شرفه خسرت في الأزل يده ؛ إذ ~~قطعها الحق عن مصافحة حبيبه صلاة الله وسلامه عليه ، والأخذ بعروة متابعته ~~، ذلك الخسران من خذلان الحق إياه ، فإذا كان محجوبا عن طريق الرشد لا ~~ينفعه أعماله ولا أمواله. # قال الله : ( ما أغنى عنه ماله وما كسب. ) # قال أبو بكر بن طاهر : ظهر خسران من لم ينزلك المنزلة التي أنزلناك من ~~القرب والدنو والنبوة والمحبة خسرانا ظاهرا ، وضل ضلالا بعيدا. # قال ابن عطاء في قوله : ( ما أغنى عنه ماله وما كسب ): علمك ألا ~~يصل إليه إلا به وبعنايته السابقة ، فما أغنى أبا لهب ماله ، ولا ما رآه من ~~قوته ms1661 ؛ حيث حرم سوابق الأول من الخير. PageV03P531 ### | سورة الإخلاص # بسم الله الرحمن الرحيم # ( قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد (3) ولم ~~يكن له كفوا أحد (4)) # قوله تعالى : ( قل هو الله أحد ): كان الله جل جلاله مستترا ~~بنفسه في أزل أزله ، قال : «كنت كنزا مخفيا ، فأحببت أن أعرف» (1)، فإذا ~~أوجد أعلام ظهور أفعاله تعرف نعوته بفعله ، فلم يعرف أحد بالحقيقة ؛ إذ ~~الوسائط حجاب ، فأراد إظهار كنوز ذاته وصفاته ، فاختار من خلاصة الوجود ~~خاصا خالصا ، فألبس لسانه فصاحة الربوبية ، ونور قلبه بنور المعرفة ، وظهر ~~لعينه عين الحقيقة ، فأمره بتعريفه لعباده العارفين ، بقوله : ( قل ~~): ظاهره سر ، وباطنه سر ، حرف تحته بحر من غوامض علوم الربوبية ، فالقاف ~~: إشارة إلى قهر عظمته على الحدثان حتى لا يصل إلى ذرة من حقيقة العرفان ~~بألوهية الرحمن ؛ لأن على وجه القدم وقاية الغيرة ، وهناك في الأزل قلزم ~~الحيرة ، واللام : إشارة إلى لا النفي أي : لا يصل إلى كنه الألوهية أهل ~~الحدوثية أمره بالإشارة إلى الإشارة ، وغوامض سر الذات ؛ إذ قال : هو أوقع ~~قلوب الراسخين في أودية الهوية الغيبية في تيه غيب الغيب بنعت الوله ~~والحيرة ، فلم يصلوا إلى هاء الهوية ، فانصرفوا إلى واو الوصف ، فعجزوا عن ~~الوصف ؛ إذ لم يصلوا إلى الموصوف ، فاحتجبوا بالغيب وبعد بطون الهوية ، ~~وانصرفوا حيارى سكارى عطاشى والهين غير مدركين أوائل الحقائق ، فاعترفوا ~~بالعجز عن الإدراك ، وإدراك الإدراك ، فلما علم الحق عجزهم عن إدراك سر ~~الهوية أظهر لهم أنوار الذات والصفات ، رحمة ولطفا بهم لكيلا يحرموا من ~~نصيب عرفانه وإيمانه ، وقال الله أي : الذي لو تركوه ، ولم تدركوه بعد ~~طلبكم هذا ، هو الله الذي بان بنعت الوحدانية والجمال والجلال من قرار ~~الهوية ، وأيضا لما غاصوا في بحار الهوية بانت لهم أنوار الألوهية ، ~~فانصرفوا من صدمات الصمدية ، وسطوات الأحدية ، ووقعوا في تيه الحيرة ، ~~ونسوا ما بان لهم ، وفروا ، ثم طلبوا ، فلم يجدوا ، فأظهر الله ما ظهر لهم ~~في الغيب ، فقال : أين أنتم مما رأيتم هذا هو الله ، فظهر لهم في الظاهر ~~كما ظهر ms1662 لهم في الباطن ، فلما رأوه عيانا فنوا في أول ألف الفردانية ، ثم ~~بقوا في لام جماله ، وهابوا من عظم لام جلاله ، ثم سقطوا في بحر هويته ، ~~أيضا منه بدأ وإليه يعود ، الأول : إشارة وغيب ، والآخر : إشارة وغيب. PageV03P532 # قال : ( هو الأول والآخر )، وفي البين بدا وخفا بقوله : ( ~~ والظاهر والباطن )، فلما عاينوه سكروا بجماله ، واتصفوا بجلاله ، ~~واتحدوا بفردانيته ، وصاروا وحدانيين ، كادوا أن يدعوا الوحدانية ، فقطعهم ~~الحق عن سر الأحدية (1). # وقال : ( الله الصمد )، فانحسمت أطماعهم عن الوحدانية حين بانت ~~لهم أنوار وحدته ، فسبحوا في بحار ذاته وصفاته ، وطلبوا الخروج إلى سواحل ~~العرفان ، فناداهم أين أنتم لو تسبحون أبدا في بحر الذات وبحر الصفات ، لم ~~ينتهوا من بحر حقائق الألوهية ، فإن بحر الذات والصفات واجد الكل في حيز ~~سرادق وحدانية الأفعال ، غائبة في الصفات PageV03P533 # والصفات في الذات ، فمن عين الجمع هو هو ، ومن حيث الحقيقة هو الله ، ومن ~~حيث الفردانية أحيد وحيد لا غير ؛ إذ الغير يفنى في بقائه ، ثم زاد في ~~نبوية فردانيته ، بقوله : ( الله الصمد ): «الله» : ظاهر بنعوت ~~الجلال والجمال والفردانية والوحدانية ، باطن بالهوية ، «والصمد» : انقطع ~~عن إدراك الخواطر والضمائر ، وغابت في مهمة صفاته الأسرار والأرواح ، وتاهت ~~في تيه هويته القلوب والأشباح ، وهو تنزيه جلاله وصمديته حجبهم من نفسه ، ~~ثم أبرز من نعت صمديته نور تنزيهه ، ونشقهم روائح قدسه وأنسه ، وجعلهم ~~مشتاقين إلى لقائه عاشقين جماله ، فيصمدون إليه بنعت الفناء والبقاء ، فلما ~~علم عجزهم عن رؤية حقيقة هويته وصمديته ووحدانيته وفردانيته تجلى لهم بنعوت ~~الجمال من لباس الأفعال ، فهاموا بعشقه في بيداء أنوار جماله وجلاله ، ~~سكارى متبسطين ، وطابوا بكل مستحسن من عالم الأفعال ، فلما سكنوا ~~بالمستحسنات ورؤية الجمال في الأفعال أمال أزمن قصودهم إلى فضاء الوحدانية ~~، وأعلمهم أنه منزه عن مباشرة الحوادث ، بقوله : ( لم يلد ولم يولد ~~) أي : لم يكن هو محل الحوادث ، ولم تكن الحوادث محله ، التجلي ظهور الصفات ~~، والالتباس ظهورها في الأفعال ، وهو منزه عن التمثال والجبال ، ألا ترى ~~كيف حقق التوحيد لمن شاهد مشاهدته في أهله ، بقوله : ( ولم يكن ms1663 له ~~كفوا أحد ): غلط النصارى واليهود والكفرة والمجوس حين رأوا من الأشخاص ~~أنوار الأرواح ، ومن الأرواح سنا روح فعله ، ثم نور صفته ، ووقعوا في ظلمات ~~الحلول حين لم يعرفوا أصل الأصل ، وحقيقة الحقيقة ، وعين العين وفردانية ~~الذات والصفات عن مباشرة الأمثال والتمثال ، سبحان المنزه بذاته عن رؤية كل ~~راء ، ومعرفة كل عارف ، وتوحيد كل موحد ، وعبادة كل عابد ، وجحود كل جاحد ، ~~وجهل كل جاهل ، ووصف كل واصف ، كلهم في نكرة النكرة ، معزولون من حقيقة ~~المعرفة. # قال ابن عطاء : «الهاء» : تنبيه عن معنى ثابت ، و «الواو» : إشارة إلى ما ~~لا يدرك حقائق نعوته وصفاته بالحواس ، و «الأحد» : المتفرد الذي لا نظير له ~~، و «التوحيد» : هو الإقرار بالوحدانية ، و «الأحدية» : هى الانفراد. # وقال الواسطي : «هو» : حرف ليس باسم ولا وصف ، ولكنه كناية ، وإشارة ~~كناية عن الذات ، وإشارة إلى الذات ، علم الحق من يلحد في الأسماء والصفات ~~، ويفرق بين الصفة والموصوف ، فقال : لا يكون فرقا بين هويته ، وهو ذاك لم ~~يكن فرقا بين هويته ، ولم يكن فرقا بين أسمائه وصفاته. # قال ابن عطاء : ( هو الله أحد ): هو المنفرد باتحاد المفقودات ، ~~والمتوحد بإظهار الخفيات. PageV03P534 # وقال الحسين : «الأحد» : الكائن عنه كل منعوت ، وإليه يصير كل مربوب ، ~~فيطمس من مساكنه ، ويطرح من نازله أن أشهدك إياه ، فإنك وإن غيبك عنه راعك. # قال بعضهم : توحد ثم وجد لا سبيل إلى ذلك إلا أن يوجدك الحق له. # وقال جعفر : «الصمد» : الذي لم يعط الخليقة من معرفته إلا الاسم والصفة. # وقال الواسطي : امتنع الحق بصمديته من وقوف العقول عليه ، وإشارتها إليه ~~، ولا يعرف إلا بألطاف أسدائها إلى الجوارح. # وقال ابن عطاء : «الصمد» : المتعالي عن الكون والفساد. # وقال جعفر : «الصمد» : خمسة حروف : «الألف» : دليل على أحديته ، و «اللام» ~~: دليل على ألوهيته ، وهما مدغمان لا يظهران على اللسان ، ويظهران في ~~الكتابة ، فدل ذلك على أن أحديته وألوهية خفية لا تدرك بالحواس ، وأنه لا ~~يقاس بالناس ، فخفاؤه في اللفظ دليل على أن العقول لا تدرك ، ولا تحيط به ~~علما ، وإظهاره في الكتابة ms1664 دليل على أنه يظهر على قلوب العارفين ، ويبدو ~~لأعين المحبين في دار السلام ، و «الصاد» : أنه صادق فيما وعد فعله صدق ، ~~وكلامه صدق ، ودعا عباده إلى الصدق ، و «الميم» : دليل على ملكه ، وهو الملك ~~على الحقيقة ، و «الدال» : علامة دوامه في أبديته وأزليته ، وإن كان الأزل ~~والأبد ؛ لأنهما ألفاظ تجرى على العواري في عباده. # وقال ابن عطاء : ( قل هو الله أحد ): ظهر لك منه التوحيد ، ( ~~ الله الصمد ): ظهر لك منه المعرفة ، ( لم يلد ): ظهر لك ~~منه الإيمان ، ( ولم يولد ): ظهر لك منه الإسلام ، ( ولم ~~يكن له كفوا أحد ): ظهر لك منه اليقين. # قال الأستاذ : كاشف الوالهين بقوله : ( هو )، وكاشف الموحدين ~~بقوله : ( الله )، وكاشف العارفين بقوله : ( أحد )، ~~والعلماء بقوله : ( الصمد ): والعقلاء بقوله : ( لم يلد ~~ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا أحد ) (1). PageV03P535 ### | سورة الفلق # بسم الله الرحمن الرحيم # ( قل أعوذ برب الفلق (1) من شر ما خلق (2) ومن شر غاسق إذا وقب ~~(3) ومن شر النفاثات في العقد (4) ومن شر حاسد إذا حسد (5)) # ( قل أعوذ برب الفلق ): في هذه الكلمة سرائر حبيبه بالاستعاذة ~~به ، ثم ذكر وصف تربيته بقوله : ( برب )، ثم ذكر وصفه وصفته وفعله ~~بقوله : ( الفلق )، و «الفلق» : انفلاق صحور العارفين بمياه المحبة ~~والمعرفة من تأثير انكشافات سبحات الغيرة عن جمال المشاهدة ، وطلوع صباح ~~الوصلة من مشارق الأحدية ، أمره بالاستعاذة به منه حتى لا يكون بين الوصل ~~والفصل محجوبا عن عين العين ، وإدراك حقيقة الحقيقة بعوارض البشرية ، وهو ~~قوله : ( من شر ما خلق (2) ومن شر غاسق إذا وقب ) أي : شر ظلمات ~~قهره إذا غطى قلوب أهل الحرمان ، وطار على أسرار أهل العرفان في زمان ~~الامتحان. # ( ومن شر حاسد إذا حسد ): «الحاسد» : النفس الأمارة ، والشيطان ~~الملعون حسدا على روح جزالة في الملكوت ، سيارة في أنوار الجبروت ، فحسدهما ~~مرام سهام غيرة قهر القدم ، ألا ترى كيف قال صلى الله عليه وسلم : «العين حق» ~~(1)؛ لأنها سهم من سهام قهره. # قال بعضهم : «الفلق» : فلق الكمون من القلوب ، فأدارها على الألسنة. # وقال محمد بن علي التهذي : عطف الله ms1665 على قلوب خواص عباده ، فقذف فيها ، ~~فانفلق الحجاب ، وانكشف الغطاء ، وهو قوله : ( قل أعوذ برب الفلق. ) # قال الحسين : إشارة الحق أن جميع خلقه في معنى القطيعة عنه بكلمة واحدة ، ~~وهي من لطائف القرآن. # ( قل أعوذ برب الفلق ) (1): فالق الإصباح ، وفالق الحب والنوى ، ~~وفلق البحر لموسى ، وفلق الأسماع والأبصار ، وفلق القلوب حتى انكشف له ~~الغيوب. # قال صلى الله عليه وسلم : «سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره» (2)، وفلق ~~الصدور وفتقها وشرحها ؛ لتدارك ما جرى فيها من المباشرة ؛ إذ في ذلك صحة ~~التحير ، وصفاها من شر ما PageV03P536 # خلق أن يكون مربوطا ، وإن علت أحواله وعظمت أخطاره ، فإن الانقطاع علامة ~~الارتباط بما دونه من خلقه وفلقه. # قال محمد بن حامد في قوله : ( من شر ما خلق ) (2): أعلمك أن ~~الخلق كلهم موصوفون بالبشرية ، وأن الخير الذي لا شر فيه هو الذي خلق الخلق ~~على هذه الصفة. ### | سورة الناس # بسم الله الرحمن الرحيم # ( قل أعوذ برب الناس (1) ملك الناس (2) إله الناس (3) من شر ~~الوسواس الخناس (4) الذي يوسوس في صدور الناس (5) من الجنة والناس (6)) # ( قل أعوذ برب الناس ) (1): أمر حبيبه صلوات الله وسلامه عليه ~~بالاستعاذة به ، وبين أن مربى الناس مزين آدم وذريته بزينة أنوار صفاته. # ( ملك الناس ) (2): بأنه أعطاهم ملكا أوله معرفته ، وملك قلوبهم ~~بجمال مشاهدته. # ( إله الناس ) (3): حيث أرواحهم بسنا قدسه في رياض أنسه. # ( من شر الوسواس ): للوسوسة مراتب : الأولى : هواجس النفس ~~الأمارة ، والثانية : وسوسة الشيطان ، والثالثة : وسوسة جنود القهريات ، ~~وموضع هذه الوساوس الصدر ؛ لأن القلب موضع العقل ، والروح اللطيفة والتجلي ~~والخطاب والمشاهدة ، وهو مصون برعاية الحق ، فأما «وسوسة النفس» : فتكون في ~~طلب الشهوات والحظوظ ، وأما «وسوسة الشيطان» : فتكون في الكفر والطغيان ~~والبدع ، وأما «وسوسة القهر» : فتذر وسوسة النفس والشيطان ألقاها الحق في ~~أرض الصدور ؛ لامتحان عباده وغيرة الأزل ، منعهم بهذه الوساوس عن مشاهدة ~~الكل ، فإذا أراد بلطفه وصولهم إليه ينكشف لأسرارهم سبحات جمال عظمته ، ~~فيهب في صحاري قلوبهم مثال جماله ، فيكشف عن قلوبهم وصدورهم الوساوس ، ~~وظلمة الهواجس ، وذلك قوله : ( الخناس (4) الذي يوسوس في ms1666 صدور ~~الناس (5) من الجنة والناس ) (6). # ثم بين أن الوسوسة تأتي من الشيطان تارة بلا واسطة ، وتارة بالواسطة ؛ إذ ~~لم يقدر الملعون أن يوسوس في صدره من غلبة نور التوفيق والمشاهدة ، وظهارة ~~الكفر وصفاء الذكر ، وعار عليه في مقام غراة بعض شياطين الإنس ، ويدعوه ~~بلسانه إلى بعض الشهوات أو البدع والأهواء ، فيوقعه إلى الحجاب ، فأمر الله ~~حبيبه أن يستعيذ به من وسوسة شياطين الإنس PageV03P537 # والجن الذين وصفهم الله بقوله : ( شياطين الإنس والجن يوحي ~~بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا )، واحذر يا صاحبي من هذه الوساوس ، واعرف ~~شأنها وأصلها وفرعها ، فإن الوساوس تأتيك في جميع المقامات ، وفي بعض ~~المواجيد والأحوال ، فينبغي أن تعرف مكائده وأسلحته ومواقعه ووساوسه ، ~~واستعن بالله في جوابه وعلاجه ؛ حتى تبلغ إلى مقام مشاهدة الحق بالحق ، ~~ويغني عنك بشريتك وأوصافها ، ويكون نورا بنوره ، مقدسا بقدسه عن كل خاطر ~~وعارض ، فإن عرفت حقيقة ما ذكرتك فصرت إماما للمتقدين ، وسراجا للمقتبسين. # قال عمرو المكي : الوسواس من وجهين : من النفس ، والعدو ، «فوسواس النفس» ~~: بالمعاصي التي يوسوس فيها العدو كلها غير طبعي ، فإن النفس لا توسوس بهما ~~، أحدهما : التشكيك ، والآخر : القول على الله بغير علم ، قال الله في وصف ~~الشيطان : ( إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون ) (169). # وقال يحيى بن معاذ : «الوسوسة» : بذر الشيطان ، فإن لم تعطه أرضا وماء ~~ضاع بذره ، وإن أعطيته الأرض والماء بذر فيها ، فسئل ما الأرض والماء؟ فقال ~~: الشبع أرضه ، والنوم ماؤه. # وقال يحيي : إنما هو جسم وروح وقلب وصدر وشغاف وفؤاد ، «فالجسم» : بحر ~~الشهوات ، قال الله : ( إن النفس لأمارة بالسوء )، و «الروح» بحر ~~المناجاة ، و «الصدر» : بحر الوسواس ، قال الله تعالى : يوسوس ( ~~الذي يوسوس في صدور الناس )، و «الشغاف» : بحر المحبة. # قال الله تعالى : ( قد شغفها حبا )، و «الفؤاد» : بحر الرؤية ، ~~قال الله تعالى : ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) (11)، و «التقلب» : بحر العمل. # وقال سهل : «الوسوسة» : ذكر الطبع. # وقال : إذا كان القلب مشغولا بالله لم يصل إليه الوسواس بحال. # وقال عبد العزيز المكي : يوسوس ms1667 في فؤاد العامة ، وقلوب الخواص لو دنا ~~منها إبليس لاحترق. # صدق الشيخ فيما قال ، ولكن في سر السر ، وغيب الغيب ، ونور النور ، وسنا ~~السنا ، ولطف اللطف ، وشهود الشهود ، ودنو الدنو ، ووصال الوصال ، وبقاء ~~البقاء وعيان العيان تكون قلوب العارفين والموحدين والمحبين والمريدين ~~والمؤمنين في قبض العزة منقلبة بين PageV03P538 # أصابع الصفة التي هي أنوار آزال الآزال ، وآباد الآباد ، طالبه يوصل ~~الوصل ، وعرفان العرفان ، وحقيقة الحقيقة ، كالفراش حول الشمع كمال شوقها ~~الاحتراق بنيرانه ، كذلك قلوبهم محترقة هناك بنيران الكبرياء ، فانية في ~~سطوات الجلال ، باقية بسبحات الجمال ، مصونة عن ذل الحجاب ، محروسة عن ~~طيران العذاب ، كيف يخللها قتام الوسواس ، فهواجس بالنفس ، وحديث الناس ، ~~سبحان من صفاهم بصفاته عن كل كدور ، وبراهم بقدسه عن كل علة ، الوسواس في ~~الصدور ، والقلوب في الحضور والنور والسرور ، كيف يصل حركات الإنسانية إلى ~~من استغرق في بحار الوحدانية ، لا بأس بأن طوى على الصدور وسواس وهواجس من ~~محل الامتحان ، فإن الأرواح في يمين الرحمن ، والقلوب بين أصبعين من أصابع ~~الرحمن ، والحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة ، ألا ترى كيف شكا عنه خواص ~~الصحابة إلى حبيب الله وصفيه صلوات الله وسلامه عليه ، فقالوا : «إنا نجد ~~في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به» ، فقال : أو قد وجدتموه؟ قالوا : ~~نعم. قال : «ذلك صريح الإيمان» (1). # وقال أبو عمرو البخاري : أصل الوسوسة ينتجها من عشرة أشياء : # أولها : «الحرص» : فقاتله بالتوكل والقناعة ، والثانية : «الأمل» : ~~فاكسره بمناجاة الأجل ، والثالثة : «التمتع بشهوات الدنيا» : فقاتله بزوال ~~النعمة وطول الحساب ، والرابعة : «الحسد» : فاكسره برؤية العدل ، والخامسة ~~: «البلاء» : فاكسره برؤية المنة والعوافي ، والسادسة : «الكبر» : فاكسره ~~بالتواضع ، والسابعة : «الاستخفاف بحرمة المؤمنين» : فاكسره بتعظيم حرمتهم ~~، والثامنة : «حب الدنيا والمحمدة من الناس» : فاكسره بالإخلاص ، والتاسعة ~~: «طلب العلو والرفعة» : فاكسره بالخشوع ، والعاشرة : «المنع والبخل» : ~~فاكسره بالجود والسخاء ، والحمد لله حمدا لا انقطاع له ولا انتهاء ، ~~والصلاة والسلام على سيد الرسل وخاتم الأنبياء ، وعلى آله وصبحه وسائر ~~الأولياء ، ما دامت الأرض والسماء. ms1668