######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0022712 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو طالب وأبو المجد عقيل بن عطية بن أبي أحمد جعفر بن محمد بن عطية القضاعي الأندلسي الطرطوشي، ثم المراكشي (المتوفى: 608هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 608 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تحرير المقال في موازنة الأعمال وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: بحوث ومسائل #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0022712 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-22712 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/22712 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: مصطفى باحو #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1427 هـ - 2006 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الإمام مالك، أبو ظبي - الإمارات العربية المتحدة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | [مقدمة المصنف] # (ق.2.أ) بسم الله الرحمان الرحيم، صلى الله على النبي محمد وآله وسلم. # قال القاضي أبو طالب عقيل بن عط (ية القضاعي) (1): # الحمد لله ( ... ) (2) (كما يح) ب (3) ربنا ويرضى. # أما بعد، فإن أحد الطلبة رعاهم الله عرض علي كتابا، صنعه أبو عبد الله ~~محمد بن أبي نصر الحميدي رحمه الله في الموازنة يوم القيامة وتقسيم أهلها ~~وترتيب الجزاء من الثواب والعقاب عليها، وكان هذا الطالب المشار إليه معجبا ~~بذلك الكتاب ومستحسنا لأغراضه، ومولعا بتقسيمه، وزاده كلفا به كون أبي محمد ~~علي بن أحمد بن حزم رحمه الله قد رواه عن مؤلفه. # كذلك ذكر أبو محمد في برنامجه، وذلك أنه قال: كتاب جمعه صاحبنا أبو عبد ~~الله محمد بن أبي نصر الحميدي في مراتب الجزاء يوم القيامة على ما جاءت به ~~نصوص القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه دقق فيه وقرطس ما ~~شاء، أخذته عنه لإحسانه فيه وجو (دة) (4) نظره في تقسيمه، يكون بضع عشرة ~~ورقة صغارا. # هذا مع أن الح (ميدي) (5) تلميذ لأبي محمد بن حزم، ومشهور بالاختصاص به ~~والأخذ عنه. PageV01P021 # # ولم يمنع ذلك أبا محمد من رواية هذا الكتاب عنه، جريا على سنن أهل العلم ~~في الإنصاف. # وقد ذكره الحميدي في كتاب جذوة المقتبس (1)، وأطنب في ذكره، حتى قال: وما ~~رأينا مثله (2). # وأكثر ما يحكي فيه، عنه أخذه وإليه أسنده. # وروى الحميدي أيضا بالأندلس عن أبي عمر بن عبد البر النمري (3) وأبي ~~العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري (4) وغيرهما، وكان من (أهل) (5) جزيرة ~~ميورقة، وأصله من قرطبة، ثم إن الحميدي رحمه الله رحل عن الأندلس إلى بلاد ~~المشرق في حياة شيوخه المتقدم ذكرهم، وكانت رحلته قبل الخمسين PageV01P022 # # والأربعمائة (1)، فسمع بمصر من أبي عبد الله القضاعي (2) وأبي إسحاق ~~الحبال (3) وغيرهما. # وحج فلقي بمكة كريمة المروزية (4) وغيرها. # وسمع بالشام والعراق، ثم استوطن بغداد إلى أن توفي بها سنة ثمان وثمانين ~~(ق.2.ب) وأربعمائة. # ومن شيوخه بها: أبو بكر بن ثابت الخطيب (5)، والأمير أبو نصر بن ماكولا ~~(6). # وممن ms001 روى عنه هنالك: أبو نصر بن أبي مسلم النهاوندي، وأبو بكر محمد بن ~~طرخان البغدادي (7) وغيرهما. PageV01P023 # # وذكره الأمير أبو نصر بن ماكولا في كتابه (1) فقال: أخبرنا صديقنا أبو ~~عبد الله الحميدي، وهو من أهل العلم والفضل والتيقظ، وقال: لم أر مثله في ~~عفته ونزاهته وورعه وتشاغله بالعلم. # وروى عنه من أهل الأندلس أبو علي حسين بن محمد الصدفي (2)، وأبو الحسن ~~عباد بن سرحان المعافري (3). # ووصفه أبو علي بالإتقان والدين. # وهذه الجملة في أخبار الحميدي نقلنا أكثرها من كتاب الصلة (4) الذي ~~أخذناه مشافهة (5) عن مؤلفه أبي القاسم بن بشكوال رحمه الله. # ومنها ما أخذناه عن غيره من الشيوخ. # وأبو عبد الله الحميدي هذا هو صاحب الجمع بين الصحيحين (6) ألفه ببغداد، ~~وأخذ عنه هنالك، وكذلك ألف بها تاريخه المسمى بجذوة المقتبس (7). ~~PageV01P024 # # ويذكر أن السبب في ذلك هو أن الأمير أبا نصر بن ماكولا كلفه أن يؤلف له ~~مجموعا في ذكر علماء أهل الأندلس ليستعين به على غرضه، وكان الأمير إذ ذاك ~~يؤلف كتاب الإكمال في المؤتلف والمختلف (1)، فصنعه الحميدي حينئذ. # ونظن أن هذا الذي ذكر صحيح، فإن الحميدي ذكر في أول كتابه أنه كلف تأليفه ~~(2)، وعظم قدر من كلفه ذلك من غير أن يسميه، فجاء الكتاب نبيلا في معناه، ~~غير أنه ذكر فيه حكايات ليس من شأن أهل العلم تخليد أمثالها في الأوراق، ~~كقصة أحمد بن كليب (النحوي) (3) وغيرها. # وما ذكرنا هذا كله عن الحميدي إلا ليعلم قدره من لم يقف على خبره، ويعرف ~~أيضا من هو عالم به أنه لا يخفى علينا مكانه من العلم ولا مكانته عند ~~العلماء. # لكن ليس ذلك بمانع أن يرد عليه بعض قوله، إذ لا ينبغي أن يؤخذ من قوله ~~ومن قول غيره إلا ما وافق الحق، ونطرح ما عداه، ونحن لما نظرنا PageV01P025 # # الكتاب المبدأ بذكره، وتأملنا غرض مؤلفه فيه وجدناه غير مخلص ( ... ) (1) ~~الأقسام التي عمد فيها إلى تنظير (2) بعضها ببعض، تضمحل عند التحصيل، ~~فتحققنا أن الحميدي أصابته غفلة فيه، وكذلك أصابت الغفلة أبا محمد بن ms002 حزم ~~في استحسانه له وتصويبه لتقاسيمه. # وما ذاك منه إلا لأن كثيرا من مضمنه هو مذهبه، فغاب عنه ما وراء ذلك مما ~~لو أمعن النظر فيه لم يخف عليه، وقد قال الحميدي في أول كتابه هذا: إن ~~الأصل (في ذلك تلقاه الحميدي) (3) من أبي محمد المذكور مشافهة حسبما يأتي ~~ذكره، وهكذا وجدنا نحن في كتاب الفصل، من تأليف أبي محمد، (ق.3.أ) أشياء ~~موافقة لما ذكره الحميدي في هذا الكتاب، مما نرى أن الحق في خلافه. # فكان هذا كله داعية لنا إلى تتبع ما في كتاب الحميدي وانتقاده وإبراز (4) ~~ما يصح من أمر الموازنة في الآخرة، وتقسيم أهلها بحسب مفهوم الشريعة، ووضع ~~ذلك كله في هذا الكتاب الذي تحرينا الحق جهدنا في مضمنه، ونقحنا الكلام ~~المودع فيه (5). PageV01P026 # # هذا مع أنه قد تضمن أشياء زائدة على ذكر الموازنة، لأنا لما بنيناه على ~~كتاب الحميدي، وكان المقصود به عند مؤلفه مسألة الموازنة وما كان من غير ~~ذلك فإنما هو عنده في حكم التبع تبعناه في ذلك، إذ شرطنا ذكر كلامه أولا ثم ~~التكلم عليه ثانيا. # وقد رأينا أن نفصل بين كلامنا وكلامه، بحيث يمتاز أحدهما من الآخر، وذلك ~~بأن ننقل كلامه بلفظه، فإذا كمل أردفنا عليه فصلا أو فصولا متتابعة من ~~كلامنا لتحسين ما قاله أو لانتقاده وتبيين (1) وهمه، أو لتتميم معناه إن ~~أخل به، أو لتقسيم حاصر لما يقصد به، أو لإيراد ما يليق بذلك الموضع مما لم ~~يلم هو به، أو ألم به على وجه آخر (2). # فإذا كمل ذلك رجعنا إلى نقل لفظه أيضا، ثم عدنا إلى تلك الفصول كذلك، حتى ~~يفرغ مقصودنا بحول الله في هذا الكتاب، ولم نترك من كلام الحميدي في كتابه ~~المذكور شيئا، بل سقناه على ما هو عليه، بحيث لو شاء ناقل أن ينقل كتابه من ~~المواضع التي ذكرناه فيها، فيها حتى يختزل برأسه عن مجموع هذا الكتاب أمكنه ~~ذلك. # والذي بنى الحميدي عليه مسألة الموازنة بعد صدر من كتابه هو حديث أنس بن ~~مالك في ms003 الشفاعة (3)، غير أنه لم يقف عند نصه، بل أقحم فيه PageV01P027 # # عند الكلام عليه ما ليس منه (1)، واعتقد أنه في نص الحديث على ما سيأتي ~~ذكره في موضعه، ويأتي في الكتاب بحول الله تبيين (2) ما عسى أن يرد عليه أو ~~على أبي محمد بن حزم، إذا دعت إلى ذلك داعية، فإن كلامنا في هذا الكتاب ~~إنما هو مع هذين الرجلين، أحدهما بالاختراع والتأليف، والثاني بالاستحسان ~~والتصويب. # فعلى الحقيقة إذا رددنا على الحميدي في شيء ما تطرق ذلك إلى الرد على أبي ~~محمد بن حزم، هذا إذا لم يوجد لأبي محمد فيه كلام. # وأما ما نص عليه فسيكون الرد على الحميدي فيه بحكم التبع، لأن ابن حزم من ~~أهل النظر في الجملة، وأما الحميدي فإنما هو من أصحاب الحديث، وإن كان من ~~أهل التحذق فيهم. # ثم إنا لما فرغنا من التكلم مع الحميدي فيما تضمنه كتابه، أردفنا عليه ~~قسمين، لم يلم بذكرهما ويحسن التنبيه (3) عليهما والكلام فيهما: # القسم الأول: حكم المجانين وأهل الفترة ومن لم تبلغه الدعوة، وهؤلاء وإن ~~لم تكن لهم موازنة في الجملة فلابد من حشرهم يوم القيامة، (ق.3.ب) ولابد ~~لهم من حكم فيه، ومن هذا القسم (هم) (4) الأطفال بجملتهم، أعني أولاد ~~المسلمين وأولاد المشركين. PageV01P028 # # ويلزم الحميدي دخول هؤلاء الأصناف الأربعة بالعموم في قوله أول الكتاب: ~~(قد صح النص على أن جميع ولد آدم يوم القيامة على ثلاث طبقات)، إذ المجانين ~~ومن ذكرنا معهم هم من بني آدم وليسوا من الطبقات الثلاث، لأن النص الذي ذكر ~~إنما هو ما جاء في سورة الواقعة من قوله تعالى: {وكنتم أزواجا ثلاثة} ~~[الواقعة: 7]. # ولا ريب في أن الله سبحانه إنما خاطب بذلك المكلفين من بني آدم، إذ هم ~~المستحقون للثواب والعقاب المترتبين على السعادة والشقاوة، وذلك بحسب ~~إيمانهم وتصديقهم أو كفرهم وتكذيبهم. # وبالكلام على الأصناف الأربعة المتقدم ذكرهم، وعلى ما تضمنه كتاب الحميدي ~~من حكم المكلفين، وانقسامهم إلى ما انقسموا إليه يتم الكلام على جميع ولد ~~(1) آدم في المعنى المقصود بهذا الكتاب، ويتبين ms004 من مجموع ذلك حكم الموازنة ~~فيمن تلزمه منهم أو تسقط عنه، ثم من تسقط عنه ممن لا يلزمه التكليف يتقرر ~~في جميعهم بالنظر إلى قانون الشرع ما يكون مآلهم إليه في الآخرة. # والقسم الثاني: حكم الجن في القيامة، إذ هم أمة يلزمهم التكليف، وإذا ~~لزمهم التكليف ترتب عليه الجزاء، فلم يكن لهم بد من الموازنة لانقسامهم إلى ~~من يستحق الثواب والعقاب، وتفضيل بعضهم على بعض فيهما كما كان ذلك لبني ~~آدم. PageV01P029 # # إذ لا فرق بين الصنفين في كون الشرائع لازمة لهما، ولذلك خاطبهما الله ~~تعالى في تقرير التكليف لهما وإقامة الحجة عليهما خطابا واحدا فقال: {يا ~~معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء ~~يومكم هذا} الآية. [الأنعام: 130]. # ونحن بحول (1) الله نورد من الكلام على هذين القسمين ما يتمم المقصود ~~ويكمل المطلوب، مما حررنا القول فيه، وتحرينا الصواب فيما يحويه، على النحو ~~الذي سلكناه في جملة الكتاب، وسميناه لذلك كتاب " تحرير المقال في موازنة ~~الأعمال، وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل". # لتكون هذه الترجمة تحتوي على مقصود الكتاب في الجملة، إذ لا يخرج عنها ~~إلا ما يندرج في تضاعيف الكلام مما يستدعيه القول ويوجبه النظر، وأكثر ذلك ~~إنما هو في (التكلم على) (2) كتاب الحميدي، مثل تعيين المقربين، وما احتوى ~~الكلام فيهم من أشياء مخترعة هنالك، وما شاكل ذلك مما نبهنا على جملته قبل، ~~إذ قلنا: إن كلام الحميدي اقتضى التبعية له فيما ألم به. # وقد يطرأ في أثناء ذلك ما عسى أن تدعو الضرورة إلى التكلم (ق.4.أ) عليه ~~مثل كلامنا مع أبي محمد بن حزم في قوله تعالى: {وأما من أوتي كتابه وراء ~~ظهره} الآية [الانشقاق: 10]، هل المقصود بها الكافر أو المذنب من ~~PageV01P030 # # المؤمنين، وغير هذا مما يقف الناظر عليه عند المطالعة، ولعله لا يجد في ~~المعنى الذي نصمد إليه في الشرح والتبيين أجلى منه، ولا أبعد من الاعتراض ~~فيه. # وهانحن نبتدئ كتابنا هذا على ما بنيناه عليه، واشترطناه فيه، والله ~~الموفق للصواب. # PageV01P031 # # نقل اللفظ: # قال ms005 أبو عبد الله الحميدي: الحمد لله على ما وهب من فضله وخص من جميل ~~صنعه وطوله، وصلى الله على محمد عبده ورسوله وسلم تسليما، أما بعد. # قسم الله لك من الخير أكمله قسما، وأوفره نصيبا، وزادك من آلائه، وأوتر ~~عليك من نعمائه، فإنك أشرت إلي فيما جرى في مجلس شيخنا أبي محمد (1)، يعني ~~ابن حزم، أدام الله توفيقه من مسألة الموازنة، وتقسيم طباق أهلها، ورغبت أن ~~أقيدها لك بدقتها، وأثبتها بحقائقها وكثرة أقسامها لنبوء أكثر الأفهام عنها ~~دون تقييد ولا إثبات. # وأنا إن شاء الله تعالى واقف عند ما أشرت به وآخذ فيما رغبت فيه، مستوعبا ~~لكل ما توجبه القسمة وتقتضيه الرتبة، مما تنتج لي وظهر إلي بعد، حسبما ~~أفهمنيه الله تعالى، وأقدرنيه عليه، وإن كان أصله ما نبه عليه شيخنا أبو ~~محمد أعزه الله في ذلك المجلس (2). PageV01P032 # # فلا غرو، فالكلمة الواحدة تقتضي معاني كثيرة، والجنس المفرد يعم أنواعا ~~عظيمة، والأصل الواحد ينتج فروعا جمة، وستقف في كل ذلك على البرهان فيه على ~~نحو ما التزمناه عقدا وقولا، ولله تعالى الحمد بدءا وعودا، وبه عز وجل ~~نستعين لا إله إلا هو. # وهذا حين نأخذ في سبيل ذلك ونبين حقيقة مذهبنا فيه، وظهور برهاننا له (1) ~~إن شاء الله، فنقول وبالله التوفيق: # قد صح النص على ما نبين بعد هذا أن ### | جميع ولد آدم - عليه السلام - عند الله تعالى على ثلاث طبقات # : الأولى هم المقربون، وهم النبيون عليهم السلام والشهداء فقط. # وهؤلاء ناهضة (2) أرواحهم إلى الجنة إثر خروجها من أجسامهم عن هذا العالم ~~الذي نحن فيه، وبرهان ذلك أنه لم يختلف مسلمان في أن الأنبياء عليهم السلام ~~الآن في الجنة، وكذلك الشهداء. # وقد صح هذا بالنص، وأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3) أنه رأى ~~الأنبياء PageV01P033 # # عليهم السلام في ليلة الإسراء به (1): آدم في سماء الدنيا، ويحيى وعيسى ~~عليهما السلام في الثانية، ويوسف - عليه السلام - في الثالثة، وإدريس - ~~عليه السلام - في الرابعة، وهارون - عليه السلام - في الخامسة، وموسى ~~وإبراهيم عليهما السلام في ms006 السادسة والسابعة (2). # وبهذا قطعنا على أن السماوات هي الجنات ضرورة لصحة الإجماع على أن ~~أرواحهم في الجنة من الآن، ومن المحال أن يكونوا في مكانين مختلفين في وقت ~~واحد، وكذلك جاء النص أيضا في الشهداء من طريق ابن مسعود وغيره، قال الله ~~تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم} [آل ~~عمران: 169]. # وإذا صح أن الشهداء في الجنة فمن المحال أن يكون أحد في أفضل مرتبة وأعلى ~~محلة من الأنبياء عليهم السلام فصح أنهم متقدمون في هذه المنزلة ومستأهلون ~~لها لا يجوز غير ذلك، انتهى كلامه. PageV01P034 # # فصل # هذا الحديث الذي أشار إليه الحميدي هو حديث الإسراء، رواه بطوله أنس بن ~~مالك. # فمن رواته من جعله عنه عن النبي - عليه السلام - من غير واسطة (1)، ومنهم ~~من رواه عن أنس عن أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (2)، ومنهم من ~~رواه عن أنس عن مالك بن صعصعة عن النبي - عليه السلام - (3). # وهذه الطرق كلها في الصحيح. # وترتيب الأنبياء في الحديث هو كما ذكره الحميدي، إلا أن قوله: (وموسى ~~وإبراهيم عليهما السلام في السادسة والسابعة)، إنما تحفظ بذلك من الخلاف ~~الذي روي في طرق الحديث، فإن في بعضها: إن موسى في السادسة وإبراهيم في ~~السابعة (4). PageV01P035 # # وفي بعضها: إن إبراهيم في السادسة وموسى في السابعة (1). # والأول أكثر، وذلك -والله أعلم- هو الصواب (2). # وأما قول الحميدي في ابتداء كلامه: (قد صح النص على أن جميع ولد آدم على ~~ثلاث طبقات) فإنما يعني به المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، وهم ~~المذكورون في سورة الواقعة، وسيأتي له ذكر ذلك، وقد تقدم أن قوله هذا معترض ~~بالمجانين وغيرهم من حيث عم جميع ولد آدم وجعلهم من الثلاث الطبقات (3)، ~~فلو قال: قد صح النص على أن المكلفين من بني آدم على ثلاث طبقات لكان قولا ~~صحيحا. # وأما قوله عن المقربين إنهم النبيؤون والشهداء فقط، واقتصاره في تفسير ~~المقربين على الصنفين لاغير فنحن ننازعه في ذلك، إذ لم يستند فيه إلى ~~توقيف، ولا نعلم أن ms007 أحدا سبقه إلى هذا القول إلا شيخه أبا محمد بن حزم. ~~PageV01P036 # ### | تفسير معنى السابقين # ) (1) # فلنذكر أقوال أهل التفسير في الآية أولا، ثم نعترض على ذلك القول ثانيا، ~~ثم نذكر ما ارتضيناه في تعيين المقربين مما ظهر لنا فيه ثالثا، ثم نكر على ~~ما احتج به الحميدي فيما بقي من قوله فنتكلم عليه رابعا بحول الله. # فنقول: أما أقوال أهل التفسير في قوله تعالى: {والسابقون السابقون أولئك ~~المقربون} [الواقعة: 10] فمختلفة. # قال الحسن البصري: هم أصحاب نبينا - عليه السلام -، وأصحاب الأنبياء ~~صلوات الله عليهم قبله. # وقال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين (2). # وقال الفراء: هم المهاجرون وكل من سبق إلى نبي من الأنبياء فهو من هؤلاء. # وقال قتادة: هم من كل أمة (3). # وقال مجاهد: هم السابقون إلى الجهاد، وأول الناس رواحا إلى الصلاة. (4) ~~PageV01P037 # # وفي التفسير المنسوب إلى ابن عباس قوله: {والسابقون السابقون} [الواقعة: ~~10] يريد الذين سبقوا إلى توحيد الله والإيمان به وبرسوله (ق.5.أ) كما قال ~~في سورة براءة: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان} [التوبة: 100] أولئك هم المقربون يريد مثل النبيين والمرسلين، ~~انتهى ما ذكره فيه. # وقال الزجاج: هم السابقون إلى طاعة الله والتصديق بأنبيائه (1). # وقال ابن سلام في تفسيره: هم السابقون من أصحاب الميمنة، وأصحاب الميمنة ~~هم جميع أهل الجنة، وهم أصحاب اليمين، فأهل الجنة صنفان: السابقون، وأصحاب ~~اليمين الذين ليسوا من السابقين، وهم الذين يحاسبون حسابا يسيرا. (2) # وكل ما تقدم نقلنا جملته من تفسير ابن سلام، وتفسير ابن عباس، ومعاني ~~القرآن للفراء، والزجاج، والنحاس، ومن الهداية لمكي (3)، والتحصيل للمهدوي ~~(4)، وعند بعضهم في ذلك ما ليس عند الآخرين. (5) PageV01P038 # # وفي الهداية والتحصيل: إنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«السابقون الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه، وحكموا للناس ~~حكمهم لأنفسهم» (1). # وهذا الحديث لا نعلم متنه ولا إسناده، ومع ذلك فليس فيه إلا صفة السابقين ~~لا تعيينهم. # فهذا هو الاختلاف الموجود لهم في تفسير الآية، وخرج من ذلك أن السابقين ~~الذين هم المقربون، من المفسرين من ms008 يقول: إنهم أصحاب الأنبياء عليهم ~~السلام، أخذ ذلك من لفظ السبق، بأن كان أولئك هم المبادرون إلى الإيمان بهم ~~والتصديق لهم. # ومنهم من قصر ذلك على أصحاب النبي - عليه السلام - فجعل الآية فيهم خاصة. # ومنهم من خصص بعض أصحاب النبي - عليه السلام - فجعلهم المهاجرين أو من ~~صلى القبلتين من الصحابة. # ومنهم من جعل السابقين من كل أمة دون أن يقتصر بهم على أصحاب الأنبياء. # واعتبر مجاهد السبق إلى الجهاد والسبق إلى الصلاة. # وأما ابن سلام ففسر السابقين باعتبار أهل الجنة، وذلك يقتضي استغراق كل ~~من هو سابق من أول الدنيا إلى قيام الساعة. PageV01P039 # # وهو قول سديد غير أنه ليس فيه تعيين السابقين. # فإن قيل: فإذا كان الاختلاف موجودا بين المفسرين في الآية، ولم يصح عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - (1) في ذلك شيء يوقف عنده، بل من قال من ~~المفسرين في ذلك قولا: إنما قاله بما أداه إليه اجتهاده، فما الذي يمنع ~~غيرهم من العلماء أن يقولوا ما ظهر لهم فيه. # وإذا كان الأمر كذلك فلا درك على الحميدي ولا على ابن حزم قبله فيما قالا ~~في ذلك. (ق.5.ب) # قلنا: نحن لا ننكر على من يقول قولا، أداه إليه اجتهاده، بدليل قام عنده ~~عليه، سواء كان ذلك الدليل صحيحا أو معترضا لا يشعر هو بالاعتراض فيه، لكن ~~(يجب أن) (2) ينظر الدليل في نفسه، فإن كان صحيحا (3) صحح قوله، واستحسن ~~مذهبه، وإن كان معترضا اعترض عليه بما يكون قدحا فيه حتى يترك ذلك القول عن ~~ثلج صدر بتركه. # وإنما قصدنا بنقل (أقوال) (4) المفسرين هاهنا أن يعلم اختلافهم في الآية، ~~وكونهم لم يقتصروا على تأويل واحد فيها. PageV01P040 # # فكما ساغ لابن حزم والحميدي أن يتأولا في الآية (1) تأويلا يخالفان فيه ~~سائر المفسرين، فكذلك يسوغ لنا أن نتأول فيها تأويلا يقع اختيارنا عليه ~~بدلائل صحيحة، وإن كان في ذلك خلاف لهما ولغيرهما. # وسنذكر تأويلنا فيما بعد إن شاء الله بعد أن نعترض على ذلك القول كما ~~قدمنا. PageV01P041 # # فصل ### | مقام الصديقين فوق مقام الشهداء # ) (1) # قصر ms009 الحميدي رحمه الله في كلامه المتقدم تعيين المقربين على الأنبياء ~~والشهداء، وهو معترض، إذ ينتقض قوله بالصديقين. # فإن ظاهر الشرع يقتضي أن يكون مقام الصديقين فوق مقام الشهداء، ولا يلزم ~~أحدا من المفسرين فيما نقلناه عنهم هذا الاعتراض، فإنه ما من قول من تلك ~~الأقوال إلا وهو صالح لأن يدخل الصديقون وغيرهم فيه. # فإن قيل: ما الدليل على كون مقام الصديقين فوق مقام الشهداء؟. # قلنا: ظواهر الشريعة من الكتاب والسنة، قال الله تعالى: {ومن يطع الله ~~والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين} [النساء: 69]. # فقدم الصديقين على الشهداء، وذلك يدل على فضلهم عليهم، فقد قدم النبي - ~~عليه السلام - الصفا في الطواف على المروة بتقديم الله له، وذلك يدل ~~PageV01P042 # # منه - صلى الله عليه وسلم - (1) على ملاحظة التفضيل بالبداءة حيث فعل ~~ذلك، وقال: «نبدأ بما بدأ الله به» (2)، وفي رواية، «ابدؤوا بما بدأ الله ~~به»، على الأمر. # وقد احتج أبو محمد بن حزم في كتابه بهذه الرواية. # وإذا أمرنا أن نبدأ بما بدأ الله به فنحن نفعل ذلك، فكما نجعل الأنبياء ~~فوق الصديقين، والشهداء فوق الصالحين، فكذلك نجعل الصديقين فوق الشهداء ~~للترتيب الذي رتبهم الله عليه. # وكذلك قال الله تعالى في آية أخرى: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم ~~الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} [الحديد: 19]. # هذا إن كان الشهداء في هذه الآية هم الذين قتلوا في سبيل الله، إذ ذلك ~~(3) محتمل فيهم. PageV01P043 # # والاحتمال الثاني أن يكون الشهداء هاهنا بمنزلة قوله: {لتكونوا شهداء على ~~الناس} [البقرة 143]. # والأول أظهر. # وهكذا فعل النبي - عليه السلام - إذ صعد الجبل هو وأبو بكر وعمر وعثمان ~~فرجف بهم فإنه قال: «اثبت أحد، فما عليك إلا نبي وصديق وشهيد» (1)، فقدم ~~الصديق على الشهيد في اللفظ، كما هو مقدم عليه في المعنى، إذ مقام أبي بكر ~~فوق مقام عمر وعثمان بلا إشكال. # ومما يدل على شرف مقام الصديقين وعظم قدر من اتصف بالصديقية أن لفظ ~~الصديق ورد في مدح الأنبياء عليهم السلام، ووصفوا ms010 به على جهة الثناء عليهم، ~~قال الله تعالى: {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا} [مريم: 41]، ~~وقال: {واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا} [مريم: 56]، وقال ~~سبحانه: {يوسف أيها الصديق} [يوسف: 46]. وقال: في مريم عليها السلام: {ما ~~المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة} [المائدة: 75]. # ولا يخفي على من عنده (أدنى) (2) شيء من العلم أن مقام إبراهيم صلوات ~~الله عليه -وقد وصفه الله تعالى بالصديقية والنبوة- فوق مقام زكريا وابنه ~~يحيى عليهما السلام، وقد جمع الله لهما النبوة والشهادة. PageV01P044 # # ولهذا قال بعض الأولياء: ليس بعد النبوة منزلة أقرب إليها من الصديقية. # ولما تكلم مكي بن أبي طالب في الهداية (1) على قوله تعالى: {ثلة من ~~الأولين وقليل من الآخرين} [الواقعة: 13 - 14]، وذكر عن الحسن أن قوله ~~تعالى: {ثلة من الأولين} [الواقعة: 13]، يعني الأمم الماضية، وقوله تعالى: ~~{وقليل من الآخرين} يعني أمة محمد - عليه السلام - (2). # قال (3): وقيل عنى بذلك النبيين والمرسلين ومن يشبههم من الصديقين، فقال: ~~{وقليل من الآخرين} [الواقعة: 14]، لأن الأنبياء والمرسلين كانوا في ~~الأولين دون الآخرين. # هكذا قال: (ومن يشبههم من الصديقين)، حاكيا عن من قال ذلك، إذ شعر بعلو ~~مقامهم وقربهم من النبيين. # ولا شك أن الشهداء يلونهم في المرتبة كما رتبهم الله تعالى. # وقد قال سهل بن عبد الله (4): سبق الأنبياء إلى الإيمان بالله، والصديقون ~~والشهداء إلى الإيمان بالأنبياء. PageV01P045 # ### | معنى الصديق # ) (1) # فإن قيل: أما الشهيد فمعلوم، فما معنى لفظ الصديق؟ وعلى من يطلق (ق.6.ب) ~~هذا الاسم من أهل الإيمان؟. # قلنا: الصديق وزنه فعيل، وهو من أبنية المبالغة، وأكثر ما يستعمل في ~~المدح والذم: # - فمن المدح: رجل صديق. # - ومن الذم: رجل فسيق. # وفي الحديث: «إن أبا سفيان رجل مسيك» (2). # وله أمثلة في اللغة من غير ذلك، منها قولهم: رجل سكيت، إذا كثر سكوته. # وكذلك الصديق معناه: من كثر منه الصدق، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكون صديقا» (3). PageV01P046 # # وإنما كان الصدق كذلك لأنه أصل لسائر أعمال البر، ms011 وأعني بذلك: الصدق على ~~الإطلاق، وليس هو مقصورا على صدق اللسان في باب الأخبار، بل ينقسم إلى صدق ~~في الأقوال، وصدق في الأفعال، وصدق في الأحوال. # فأما الصدق في الأقوال فيقدر عليه أكثر المسلمين في مخاطبتهم ومحاورتهم ~~فيما بينهم، وذلك سهل على من لم يتعود الكذب، وإنما الشأن في صدق الأقوال ~~مع الله عز وجل، فإن ذلك لا يقدر عليه إلا أفراد (1) من المؤمنين ممن امتحن ~~الله قلوبهم للتقوى، فيجعلون أعمالهم موافقة لأقوالهم. # ومثال ذلك ما قاله بعض العلماء في من كان عبدا حقا لله تعالى، بأن ترك ~~ماعداه وأقبل بكليته عليه أنه إذا قال: {إياك نعبد} [الفاتحة: 5] صدق هذا ~~القول منه يوم القيامة، ومن كان عبدا لهواه أو لدنياه لم يصدق في حقه قوله: ~~{إياك نعبد} [الفاتحة: 5]. # ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم» (2) ~~فجعله عبدا لهما، إذ (3) كان مشغوفا بهما وحريصا على جمعهما. # وأما الصدق في الأفعال فمثاله الوفاء بالعهد والوقوف عند الوعد، فقد أثنى ~~الله تعالى على إسماعيل نبيه - عليه السلام - بأنه كان صادق الوعد. ~~PageV01P047 # # ولما فسر الله تعالى البر بالإيمان، وذكر أفعالا مقترنة معه وهي إنفاق ~~المال وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهد والصبر في البأساء ~~والضراء وحين البأس، قال في المتصفين بذلك كله آخر الآية: {أولئك الذين ~~صدقوا} [البقرة: 177]. # وقال في قوم آخرين: {فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم} ~~[محمد: 21]، أي: فلو صدقوا الله في أفعالهم لكان خيرا لهم. # ووصف سبحانه المؤمنين الذين لم يرتابوا في إيمانهم وجاهدوا في سبيل الله ~~بأنهم الصادقون. (ق.7.أ) # وقال تعالى في من جعل على نفسه من المؤمنين عهدا لله في المبالغة في ~~الجهاد فوفوا بعهدهم يوم أحد بأن قاتلوا قتالا شديدا حتى استشهد بعضهم: {من ~~المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه } [الأحزاب: 23]. # وذم تعالى من كان بعكس ذلك ممن عاهد الله فلم يف بعهده، فقال: {ومنهم من ~~عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن، ولنكونن من الصالحين} [التوبة: 75] ~~إلى قوله: {فأعقبهم ms012 نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما ~~وعدوه} [التوبة: 77]. # وأما الصدق في الأحوال فيكون ذلك في مقامات الدين كالخوف والتوكل والصبر ~~وغيرها، وما من مقام منها إلا وهو محتاج إلى الصدق فيه. # ولنضرب المثال بالخوف، فنقول: كل مؤمن يخاف الله تعالى في # PageV01P048 # # الجملة، وبذلك يتأتى منه ما يتأتى من الطاعات وغيرها سواء كان ذلك قليلا ~~أو كثيرا، لكن الخوف يتفاضل فيه الناس، فمنهم من يكون معه خوف ضعيف، لا ~~يكون فيه من القوة بحيث يترك صاحبه الآثام. # ومنهم من يكون عنده خوف أقوى من ذلك فيحجزه عن المعاصي والذنوب، وذلك أقل ~~فائدة الخوف. # ومنهم من يكون عنده خوف شديد يغلب عليه ويستولي على خاطره حتى يكون ~~كالمدهوش، أو كالذي جلس للقتل، كما يحكى عن بعضهم أنه لم يضحك أربعين سنة ~~(1)، وعن آخر أنه كان أبدا كأنه جالس على شفير جهنم، فمن كان بهذه الحال ~~كان مقامه الخوف، وعبر عنه بأنه صادق في حاله، ويقال عن مثل هذا الخوف: هذا ~~هو الخوف الصادق، أي الذي بلغ الغاية كما يقال: هذه شهوة صادقة، أي قوية، ~~وهذا خل صادق الحموضة، إذا كانت شديدة. # وكذلك الصدق في الإخلاص هو أعلى مراتب الإخلاص، والإخلاص هو الذي لا ~~يتطرق إليه تغيير ولا يشوبه تكرير، فمعنى الصدق فيه أن تكون سريرة المخلص ~~خيرا من علانيته. PageV01P049 # # وبالجملة فالصدق من أعلى مقامات المقربين، لأن فيه الانقطاع عن الخلق ~~والانفراد بالخالق. # ولذلك قال بشر بن الحارث: من عامل الله تعالى بالصدق استوحش (1) من الناس ~~(2). # وقال يوسف بن أسباط: لأن أبيت ليلة واحدة أعامل الله تعالى بالصدق أحب ~~إلي من أن أضرب بسيفي في سبيل الله. (3) # وهذا ينظر (ق.7.ب) إلى قول أبي الدرداء: ألا أخبركم بخير أعمالكم لكم. ~~الحديث. # وفيه: وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم، ~~قالوا: بلى، قال: ذكر الله. # وروى ذلك مرفوعا عن النبي - عليه السلام - (4). PageV01P050 # # وقد قال الله تعالى في ثمرة الصدق وفضله: {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ~~لهم جنات تجري ms013 من تحتها الأنهار} الآية [المائدة: 119]، وهذا يدخل فيه جميع ~~أنواع الصدق، فمن كان معه الصدق قولا وفعلا وحالا فذلك هو الصديق. # وبهذا أيضا يتبين (1) أن الصديق فوق الشهيد، لأن الصديق ينال المرتبة ~~التي تكون للصديقين وهو حي بعد، يتقلب في أحواله ويترقى في أطواره، ويتلذذ ~~بمناجاته ويتنعم بعباداته، فلا يأتيه الموت إلا وهو قد استكمل أقصى ما قدر ~~له من مرتبته ومكانته، والشهيد قد يكون من سائر المؤمنين فلا يدرك شيئا من ~~الأحوال الشريفة إلا حين (2) معاينة القتال إن أدركه، وشتان بين من يدرك ما ~~يدرك من تلك الأحوال في مدة حياته، وبين (3) من لا يدرك ذلك إلى في حين ~~المعاينة للموت. PageV01P051 # # فصل ### | لماذا استحق أبو بكر اسم الصديق # ) (1) # لا يخفى على ذي بصيرة أن الصديق الأكبر من هذه الأمة هو أبو بكر بن أبي ~~قحافة خليفة رسول الله بعد وفاته، وأول من آمن به (وصدقه) (2) في حياته، ~~وذلك أن النبي - عليه السلام - لما بعث كان أبو بكر أول من اتبعه وصدقه من ~~الرجال (3)، وإنما تحرزنا بهذا من خديجة رضي الله عنها ومن علي بن أبي طالب ~~أيضا، فإنه كان صغير السن دون البلوغ، فمن قال: كان أول من آمن، فإنما قاله ~~لكونه كان عند النبي - عليه السلام -، وكان بحكم التبع له. # ذكر ابن إسحاق (4) أن عليا كان في حجر النبي - عليه السلام - قبل ~~الإسلام، وأنه آمن به بعد خديجة، وهو ابن عشر سنين. # وذكر أن زيد بن حارثة أول من أسلم بعد علي، وجعل إسلام أبي بكر بعده. # وهذا فيه نظر، اللهم إلا أن يكون زيد دون البلوغ فيكون في إسلامه مثل ~~علي. PageV01P052 # # فقد ذكر ابن إسحاق (1) أن حكيم بن حزام قدم من الشام برقيق، فيهم زيد بن ~~حارثة وصيف، وأنه قال لعمته خديجة: اختاري أي هؤلاء الغلمان شئت فهو لك، ~~فاختارت زيدا، فاستوهبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها فوهبته ~~(ق.8.أ) له، فأعتقه - عليه السلام - وتبناه، وذلك قبل أن يوحى إليه. # فوصف ابن إسحاق زيدا بأنه وصيف. ms014 # وقول حكيم: " اختاري أي هؤلاء الغلمان شئت" يؤذن ذلك بأن زيدا كان صغيرا، ~~ولذلك تبناه رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) (2)، فإن يكن زيد أسلم قبل ~~أبي بكر وهو صغير فيشبه ذلك، وأما أن يكون كبيرا فلا، لأن الصحيح عند أهل ~~العلم أن أبا بكر هو أول من آمن من الرجال وصدق النبي - عليه السلام - بعد ~~خديجة كما قلناه. # ومن الدليل على ذلك حديث عمرو بن عبسة، إذ دخل على النبي - عليه السلام - ~~في أول الإسلام بمكة، وهو حديث طويل مذكور في كتاب الصلاة من صحيح مسلم، ~~وفيه قلت: «فمن معك على هذا؟ قال - عليه السلام -: حر وعبد، قال: ومعه ~~يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به» (3)، وهذا أولى ما يتمسك به في الباب ~~لإخبار النبي - عليه السلام - بلفظه في هذا الحديث الصحيح أنه ليس معه على ~~دينه إلا حر وعبد. PageV01P053 # # وإعلام الصحابي فيه أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يعن بذلك إلا أبا بكر ~~وبلالا، ولم يذكر - عليه السلام - علي بن أبي طالب لصغره، وكونه ملازما له ~~كما لم يذكر خديجة لكونها زوجته على أن إسلام علي بعد خديجة مشهور، لكنه ~~كان صغيرا، ولم يظهر إسلامه أولا بسبب أبيه، وأبو بكر حين (1) أسلم أظهر ~~إسلامه. # وأما زيد بن حارثة فإسلامه حينئذ على ما قال ابن إسحاق غير مشهور. # وقد روي عن الشعبي (2) # أنه قال: سألت أو سئل ابن عباس أي الناس كان أول إسلاما، فقال: أما سمعت ~~قول حسان بن ثابت: # إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا # خير البرية أتقاها وأعدلها ... بعد النبي وأوفاها بما حملا # والثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسلا # وروي أن النبي - عليه السلام - قال لحسان: «هل قلت في أبي بكر شيئا؟ قال: ~~نعم، وأنشده هذه الأبيات، فسر النبي - عليه السلام - بذلك، وقال له: ~~أحسنت». ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر في كتاب الصحابة (3)، وفيه نظر. ~~PageV01P054 # # والذي يصح عندنا ويظهر لنا أن حسان إنما قال هذه ms015 الأبيات بعد النبي - ~~عليه السلام - لما تدل عليه معانيها، ويكفينا منها قول حسان: إن أبا بكر ~~(ق.8.ب) هو أول من صدق الرسول، ومتابعة ابن عباس له على ذلك. # وتقدم أبي بكر - رضي الله عنه - للناس في المبادرة إلى الإيمان بالنبي - ~~عليه السلام - والتصديق له معلوم. # ولذلك جاء في التفسير في قوله تعالى: {والذي جاء بالصدق وصدق به} [الزمر: ~~33] أن الذين جاء بالصدق هو نبينا - عليه السلام -، والذي صدق به هو أبو ~~بكر - رضي الله عنه -، وهذا أحد التأويلات في الآية، وهو قول علي بن أبي ~~طالب - رضي الله عنه - (1) فيها (2). # وقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (3) ما يؤيد ذلك، وهو أنه قال ~~عن أبي بكر - رضي الله عنه - (4) لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - (5) في ~~حديث: «إن الله بعثني إليكم PageV01P055 # # فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركون ~~لي صاحبي؟ فهل أنتم تاركون لي صاحبي»؟ (1). # وهكذا فعل أبو بكر - رضي الله عنه - (2) مع قريش، إذ أنكرت حديث الإسراء، ~~وقالت له: يا أبا بكر، هل لك في صاحبك يزعم (3) أنه ذهب إلى بيت المقدس ~~وصلى فيه ثم رجع إلى مكانه (4) في (5) ليلته، فإنه (6) قال لهم أولا: إنكم ~~تكذبون عليه، فلما قالوا له: هاهو ذاك في المسجد يحدث به الناس، قال أبو ~~بكر: والله لئن كان قاله لقد صدق (7). PageV01P056 # # فانظر إلى أبي بكر - رضي الله عنه - (1) كيف أشرب الإيمان قلبه حتى صار ~~يصدق النبي - عليه السلام - في الشيء الذي ينقله أهل الشرك عنه من غير أن ~~يسمعه هو منه. # ولصدقه وتصديقه للنبي - عليه السلام - سمي بالصديق، ويدل على صدق إيمانه ~~وقوة عزمه في الدين أمور: # أحدها: إسلامه أول المبعث من غير (توقف منه لجودة قريحته، واستحكام ~~بصيرته، ذكر ابن إسحاق (2) أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: ~~«ما) (3) دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده (4) كبوة (5) ونظر ~~وتردد، إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة، ما عكم عنه حين ذكرته له ms016 وما ~~(6) تردد فيه». # وقوله: «ما عكم عنه» أي ما تلبث فيه (7). # ثم إن أبا بكر لما أسلم أظهر إسلامه فيما قال ابن إسحاق (8) وجعل يدعو ~~إلى الإسلام من وثق به من قومه، فأسلم بدعائه عثمان بن عفان والزبير ~~PageV01P057 # # ابن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله، ~~يعني أن هؤلاء أسلموا أول من أسلم. # والثاني: كونه كان لا يهاب المشركين في أول الإسلام (فإنه رد على ابن ~~الدغنة جواره) (1)، أحوج ما كان إليه بمكة ورضي بجوار الله. # ووجد عقبة بن أبي (معيط قد) (2) وضع رداء النبي - عليه السلام - في عنقه ~~وهو يصلي فخنقنه به خنقا شديدا فأخذ أبو بكر - رضي الله عنه - (3) بمنكبه ~~ودفعه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال: {أتقتلون رجلا أن يقول ربي ~~الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم} [غافر: 28]. (4) # وروي من طريق آخر أن أبا بكر قال ذلك لجماعة من المشركين تشبثوا بالنبي - ~~عليه السلام - واجتمعوا عليه وهم يقولون له: ألست القائل كذا وكذا، لما كان ~~يعيبه من ءالهتهم، فيقول لهم: بلى، فلما سمعوا قول أبي بكر لهوا عن النبي - ~~عليه السلام - وأقبلوا (ق.9.أ) بأجمعهم على أبي بكر يضربونه حتى تصدع رأسه ~~مما جبذوه بلحيته وجعل لايمس شيئا من غدائره إلا جاء معه. (5) PageV01P058 # # الثالث: ما كان منه يوم بدر من اليقين إذ التزم النبي - عليه السلام - من ~~ورائه وهو يكثر الدعاء فقال: يا نبي الله كفاك (1) مناشدتك ربك فإن الله ~~منجز (2) لك ما وعدك. (3) # الرابع: انقياده لما كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - (4) في صلح ~~الحديبية وتسليمه ذلك لأول وهلة وأخذه على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~(5) فيما حاك في نفسه من ذلك، إذ قال له: أيها الرجل إنه رسول الله وليس ~~يعصي ربه، وهو ناصره فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الحق (6). # الخامس: ثباته يوم توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (7) وخطبته في ~~ذلك المقام الذي ذهل فيه أعلام الصحابة، إذ قال: من كان منكم يعبد محمدا ~~فإن ms017 محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال الله عز ~~وجل: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} [آل عمران: 144]. الآية. ~~PageV01P059 # # قال ابن عباس: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى ~~قرأها (1) أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرا إلا يتلوها (2). # السادس: قتاله أهل الردة ومخالفته في ذلك للصحابة (3) حتى استقامت الكلمة ~~وانتشرت الشريعة (ورجع إلى الإسلام من خرج عنه) (4) ولله الحمد على خلافته ~~وقيامه بالحق الواجب في ذلك، إذ كان في قتاله لأهل الردة تجديد للإسلام ~~وتثبيت لأهل الإيمان، ولذلك قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - (5) آخرا: ~~فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرف (6) أنه ~~الحق (7). # فانظر إلى هذه المقامات التي يحار فيها أولو الألباب من الصحابة فتطيش ~~(لديها) (8) أحلامهم كيف تجد فيها أبا بكر رابط الجأش ثابت اليقين ماضي ~~العزم، وما ذاك إلا للسر الذي وقر في صدره مما سبقهم جميعا به، فيحق أن ~~يسمى بالصديق على الإطلاق، ولقد شهر بذلك حتى صار لا يعرف إلا به عند ~~الخاصة والعامة. PageV01P060 # # وأما اسمه ونسبه فما يعرفه إلا الخواص من الناس (1). # وقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الكناية عن أبي بكر بالصديق ~~فيستفاد من ذلك أن النبي - عليه السلام - سماه بالصديق أو أقر على تسميته ~~به في حياته. # وذلك أن عائشة (رضي الله عنها) (2) سألته عن قول الله تعالى: {والذين ~~يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} [المؤمنون: 60] «فقالت له: يا رسول الله أهم ~~الذين يسرقون ويشربون الخمر؟ فقال: لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ~~ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في ~~الخيرات»، ذكره الترمذي (3). # وقد نقل ابن إسحاق (4) في قصة الإسراء أن أبا بكر انتهى إلى النبي - عليه ~~السلام - فقال: «يا نبي الله أحدثت هؤلاء يعني قريشا (أنك جئت بيت المقدس) ~~(5) (ق.9.ب) هذه الليلة قال: نعم». # قال: «يا نبي الله فصفه لي ms018 فإني قد جئته، فجعل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يصفه لأبي بكر ويقول أبو بكر: صدقت، أشهد أنك رسول الله، كلما وصف ~~له PageV01P061 # # منه شيئا، قال: صدقت، أشهد أنك رسول الله، حتى إذا انتهى، قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر: «وأنت يا أبا بكر الصديق»، قال: فيومئذ ~~سماه الصديق» (1). PageV01P062 # # فصل # إذا ثبت بما تقدم أن أبا بكر هو الصديق فمن المحال بحسب (مفهوم) (1) ~~الشريعة أن يفضل عليه ثابت بن قيس بن شماس. # وإنما مثلنا بثابت لوجهين: # أحدهما: كونه - عليه السلام - شهد له بالشهادة، إذ قال له: «تعيش حميدا ~~وتموت شهيدا» (2). # والثاني: إنه مات شهيدا في الجهاد فإنه قتل باليمامة في قتال مسيلمة. ~~PageV01P063 # # وإذا كان ثابت المشهود له من الشرع بأنه يموت شهيدا لا يصح أن يفضل على ~~أبي بكر الذي مات على فراشه، فغيره من الشهداء أحرى بذلك. # ولئن كان ثابت من المقربين فليكونن أبو بكر من أعلى المقربين. # فإن قيل: قد جاء في الحديث أن النبي - عليه السلام - قال لشهداء أحد: ~~«هؤلاء أشهد عليهم، فقال له أبو بكر: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~(1)، ألسنا بإخوانهم، أسلمنا كما أسلموا، وجاهدنا كما جاهدوا فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - (2): بلى، ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي» (3). # وظاهر هذا تفضيل شهداء أحد على أبي بكر وغيره. # فالجواب عن ذلك (4) من وجهين: # أحدهما: إن هذا الحديث إنما جاء مرسلا عن أبي النضر شيخ مالك بن أنس، ~~وبينه وبين عصر النبي - عليه السلام - قرنان (5)، ولم يرو مسندا عنه ولا عن ~~غيره. PageV01P064 # # والثاني: إن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا أدري ما تحدثون بعدي» إذا ~~صح إنما خرج مخرج العموم، ولم يقصد به - عليه السلام - (أبا بكر) (1)، لأنه ~~شهد له بالجنة في غير ما حديث، ومحال أن يشهد له بالجنة ويأ (مر أبا موسى ~~بأن) (2) يبشره بها وهو لا يدري ما يحدث بعده. # وإنما يحمل هذا القول على من كان في عصر النبي - عليه السلام - في ~~الجملة، بدليل ms019 قوله في الحديث الآخر: «وليردن علي (أقوام) (3) أعرفهم ~~ويعرفوني (4)، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ~~ما عملوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن بدل بعدي» (5)، رواه أبو (سعيد ~~الخدري. # وفي) (6) حديث ابن مسعود من لفظ آخر: «فأقول: يا رب أصحابي (أصحابي، ~~فيقال: إنك) (7) لا تدري ما أحدثوا بعدك». (8) PageV01P065 # # وفي حديث أنس بن مالك عنه - عليه السلام -: «ليردن علي الحوض رجال ممن ~~صاحبني، حتى إذا رأيتهم ورفعوا إلي، اختلجوا دوني، فلأقولن (ق.10.أ): أي رب ~~أصيحابي أصيحابي، فليقالن: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (1). # وفي حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وليصدن عني طائفة ~~منكم فلا يصلون، فأقول: يا رب هؤلاء من أصحابي فيجيبني ملك فيقول: وهل تدري ~~ما أحدثوا بعدك» (2). # وفي لفظ آخر عنه: «يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض ~~فأقول: يا رب أصحابي فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا ~~على أدبارهم القهقرى» (3). # وتدل هذه الألفاظ كلها على أن المقصود بها من ارتد ممن كان يعتقد فيه أنه ~~من جملة الصحابة. # وفي كتاب البخاري (4) عن قبيصة أنه قال: "هم المرتدون الذين ارتدوا على ~~عهد أبي بكر فقاتلهم أبو بكر". PageV01P066 # # ويشبه أن يكون في قوله - عليه السلام -: «أصيحابي» بالتصغير إشارة إلى ~~تقليل الصحبة، إذ هذا الصنف هو الذي وجد فيهم الارتداد بعد النبي - عليه ~~السلام -، ولم يرتد أحد من صميم الصحابة، فضلا عن المهاجرين والأنصار الذين ~~نزل القرآن بتقريظهم والثناء عليهم. # ثم نقول: إن الحميدي لم يقصد في كلامه شهداء أحد ولا غيرهم ممن استشهد ~~على عهد النبي - عليه السلام -، (وإنما قصد) (1) الشهداء على الإطلاق إلى ~~قيام الساعة. # وبعيد أن يفضل من كان اليوم من الشهداء على أصحاب النبي - عليه السلام - ~~الذين ماتوا على فرشهم، مثل سعد بن أبي وقاص، (وسعيد) (2) بن زيد بن عمرو ~~بن نفيل، وعبد الرحمن بن عوف، والعباس بن عبد المطلب، وعبد الله بن مسعود، ~~وأبي بن كعب، وأبي ذر، وأبي الدرداء، وابن ms020 عباس، (وابن عمر) (3) وغيرهم من ~~الصحابة لقول النبي - عليه السلام -: «خير الناس قرني» (4)، # وغير ذلك من (الثناء) (5) الوارد في حقهم خصوصا وعموما. PageV01P067 # # باب # نذكر ما ظهر لنا في تعيين المقربين على ما وعدنا به، وذلك (بعد) (1) أن ~~نتكلم على ### | معنى السابقين والمقربين # فنقول (ق.10.ب) السابق هو (2) من سبق إلى أمر ما (3) وأحرزه قبل غيره. # (ومنه السابق في الخيل، وهو) (4) الذي يتقدم أمام الحلبة ويحرز الغاية ~~قبل وصولها، فيكون له السبق بفتح الباء، وهو ما يجعل له من الرهان لأجل ~~سبقه. # والسبق هذا هو بتسكين الباء، لأنه مصدر سبق فهو يسبق سبقا (5). # ولو فرضنا أن يكون جواد (6) من الخيل يصل إلى الغاية وهو يجري وحده لم ~~يسم سابقا، إذ لا يعلم سبقه، وإنما يسمى سابقا إذا كان مع غيره PageV01P068 # # فيسبقه، فإن اتفق أن يطلق على ذلك الجواد بأنه سابق، فمعنى كلام القائل ~~(1) إنه سابق بكونه قد سبق غيره (قبل) (2)، أو بتقدير أنه يسبق غيره بعد. # فإذا فهم ما قررناه علم (منه) (3) أن السابقين إنما سموا بهذا الاسم ~~لأنهم تقدموا غيرهم وأحرزوا قصب السبق دونهم، وذلك إما بالإيمان بالله أولا ~~عند بعثة الرسل، ثم بالأعمال الصالحة ثانيا عند استقرار الشرائع، وإما بهما ~~معا لمن دخل في الملل بعد ذلك أو لمن ولد فيها. # ويدل على ما قلناه من أن السابق إنما يفهم معناه بالإضافة إلى غيره قول ~~الله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} [فاطر: 32]. # فقال: {ومنهم سابق بالخيرات} [فاطر: 32]، لأجل سبقه للمقتصد وللظالم. # وكذلك قال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} [التوبة: ~~100]، لأجل سبقهم الناس إلى الإيمان بالله ورسوله، ولذلك قال فيهم: ~~{الأولون}. # وقال في موضع آخر: {أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} [المؤمنون: ~~61]. PageV01P069 # # وإنما كانوا سابقين لاتصافهم أولا بما وصفهم الله به في قوله: {إن الذين ~~هم من خشية ربهم مشفقون} [المؤمنون: 57]. الآيات. # إلى أن وصفهم آخرا بالمسارعة في الخيرات. # وقد أمرنا الله تعالى بالمسابقة والمسارعة، ومعناهما واحد، فقال: ms021 ~~{وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض} [آل عمران: 133]. # وفي موضع آخر: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} ~~[الحديد: 21]. # وحقيقة المفاعلة إنما تكون بين اثنين فصاعدا (هذا) (1) هو الأصل فيها، ~~تقول العرب: سابقتهم فسبقتهم، كما جاء عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - (2) (قال) (3) لها: «سابقيني»، (قالت) (4): (ق.11.أ) فسابقته فسبقته ~~فلما كان بعد قال: «سابقيني، فسابقته فسبقني، فقال: هذه بتلك» (5). ~~PageV01P070 # # وكذلك الاستباق يكون أيضا بين اثنين (فصاعدا، قال الله تعالى حكاية عن ~~إخوة يوسف) (1): إنا ذهبنا نستبق، وقد أمرنا الله سبحانه بالاستباق في ~~(الخير، فقال في غير موضع من كتابه) (2) العزيز: {فاستبقوا الخيرات} ~~[البقرة: 148]. # فمن امتثل هذه الأوامر المتقدمة وعمل (بمقتضاها، فهو من السابقين) (3) ~~الذين قال الله فيهم: {والسابقون السابقون أولئك المقربون} [الواقعة: 10 - ~~11]. # (وأما قوله) (4) - صلى الله عليه وسلم -: «نحن الآخرون السابقون يوم ~~القيامة» (5) (فإنما أراد بذلك أمته جملة، ومعنى) (6) السابقين في هذا ~~الموضع معنى الأولين، أي الذين يسبقون جميع الأمم إلى الفصل بينهم يوم ~~القيامة بين يدي الله تعالى، ثم يسبقون إلى دخول الجنة، لأنهم أول من ~~يدخلها. PageV01P071 # # وقد جاء هذا نصا في الحديث، فإن في بعض ألفاظه: «نحن الآخرون من أهل ~~الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم بين الخلائق». (1) # وفي لفظ آخر: «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة». ~~(2) # ويحتمل أن يكون للسابقين في هذا الموضع تأويل آخر، وهو أن تجعل الأمة ~~كلها أيضا سابقين باعتبار سبقهم لليهود والنصارى، لأنهم مذكورون في هذا ~~الحديث، ونصه بكماله: «نحن الآخرون ونحن السابقون يوم القيامة، بيد أن كل ~~أمة أوتيت الكتاب من قبلنا وأوتيناه (3) من بعدهم، ثم هذا اليوم الذي كتبه ~~الله علينا هدانا الله له والناس (4) لنا (فيه تبع) (5): اليهود غدا ~~والنصارى بعد غد». # وهذه الطرق كلها في صحيح مسلم (6). PageV01P072 # # ومعنى سبق هذه الأمة لليهود وللنصارى أن ثوابهم أعظم من ثواب اليهود ~~بانفرادهم والنصارى بانفرادهم، إذ أعطى الله (تعالى) (1) لهذه الأمة من ~~الأجر قيراطين، وأعطى لليهود وللنصارى (2) من الأجر ms022 قيراطا (قيراطا) (3)، ~~على ما رواه ابن عمر وأبو موسى الأشعري عن النبي - عليه السلام - (4). # وكيف ما كان ذلك، فالسابقون في هذا الحديث إما (5) هم جميع الأمة، فهم ~~سابقون باعتبار آخر. # وإما ما كنا فيه من تأويل السابقين الذين هم المقربون، فإنما هو خاص في ~~بعض (هذه) (6) الأمة وفي بعض الأمم قبلها، (وهم الطبقة) (7) العليا (8) من ~~المؤمنين في كل زمان، والله أعلم. PageV01P073 # # (معنى المقربين) (1) # وأما المقربون فمعناه: المدنون، تقول: قربت زيدا، (إذا) (2) أدنيته منك ~~وجعلته (بإزائك، والجار القريب هو ال) ملاصق (3) لك، كما أن الجار الجنب هو ~~البعيد عنك. # ولكن (معنى المقربين عند الله تعالى إنما هو من) (4) قولك: قرب الأمير ~~زيدا، إذا كان ذا مكانة (عنده منه، وصاحب منزلة عنده، فهو تقريب) (5) ~~بالمعنى. # وذلك هو الذي يعقل في حق الله تعالى، إذ (يتنزه عن الأجسام) (6) ~~ومجاورتها (7)، فمعنى المقربين (ق.11.ب) عنده أي الذين أدناهم سبحانه من ~~PageV01P074 # # كرامته (وأحلهم من الحظوة عنده) (1) المحل الذي ليس فوقه (محل لصنف من) ~~(2) بني آدم غيرهم لكونهم (أكرم الخلق عنده) (3) وأعظمهم قدرا لديه. # فإذا تقرر هذا، فنقول ظهر لنا في تعيين المقربين، والعلم عند الله ~~سبحانه، وجهان: الوجه الأول: أن يكون المقربون هم جميع الأصناف المذكورين ~~في قوله تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} [النساء: 69]. # وإنما قلنا ذلك لأن الله تعالى أخبر في هذه الآية أن هؤلاء الأربعة ~~الأصناف هم الذين أنعم الله (4) عليهم، وقد فرض سبحانه على هذه الأمة في كل ~~صلاة من صلواتهم (5) أن يسألوا الهداية إلى صراطهم بوجوب قراءة أم القرآن ~~في (الصلاة) (6)، وفيها: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6]، ثم فسره ~~تعالى بإثبات ونفي. # فالإثبات قوله: {صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] والذين أنعم ~~سبحانه عليهم هم الذين ذكرهم في الآية الأولى على ما تقدم. PageV01P075 # # والنفي قوله تعالى (1): {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: 7]، ~~والمغضوب عليهم هم اليهود، والضالون هم النصارى، جاء ذلك في حديث عدي بن ~~حاتم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (2). # وسؤال ms023 هذه الأمة الهداية إلى صراط الذين أنعم عليهم، مع كونهم أفضل الأمم ~~يدل على أن المنعم عليهم هم النهاية في الهداية والاستقامة على الطريق ~~المثلى، وإن كانوا في ذلك طبقات بحسب درجاتهم. PageV01P076 # # فإن قيل: كيف يكون المقربون هم الأربعة الأصناف ومراتبهم مختلفة، إذ ~~بعضها فوق بعض. # فالجواب أن نقول: إن مراتب الأنبياء عليهم مختلفة، فالرسل منهم أفضل من ~~غير الرسل، والرسل أنفسهم يتفاضلون. قال الله تعالى: {تلك الرسل فضلنا ~~بعضهم على بعض} [البقرة: 253]. # وكذلك الأنبياء من غير الرسل يتفاضلون أيضا، قال الله تعالى: {ولقد فضلنا ~~بعض النبيين على بعض} [الإسراء: 55] ولم يكن ذلك ( ... ) (1) الجميع لفظ ~~واحدة فيدخلون تحته، كما قال تعالى في ( ... ) (2) جميع الرسل وسائر ~~الأنبياء في النبيين مع ( ... ) (3) النبيون والصديقون والشهداء والصالحون ~~تحت ( ... ) (4) فيكون النبيون الصنف الأعلى من المقربين على اختلاف ~~مقاماتهم من (ق.12.أ) ( ... ) (5) الصنف الأخير من المقربين ( ... ) (6) ~~درجاتهم ويسمى ( ... ) (7) لا يرون في الآخرة إلا ( ... ) (8) المجرد في ~~الجملة. ومما ( ... ) (9) إن الله PageV01P077 # # تعالى قال في عيسى بن مريم - عليه السلام -: {وجيها في الدنيا والآخرة ~~ومن المقربين ... ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين} [آل عمران:45 ~~(46]. # فأخبر عنه أنه من المقربين وأخبر عنه أنه من الصالحين، فإذن دخول ~~الصالحين في المقربين لا نكرة فيه علينا. # وقد كنا قلنا ذلك أولا من تلقاء أنفسنا ثم وجدنا هذه الآية بحمد الله حجة ~~لنا. # ومقام كل صنف من النبيين والصديقين والشهداء كأنه مسلم، إذ لا يشكل أمره. # ومقام الصالحين قد يظن من لا تحصيل عنده أنه مقام من ظهر عليه بعض صلاح ~~من المريدين، وليس كذلك، بل الصالح في لسان الشرع إنما يطلق على المتقي ~~الخاشع الذي لا يذنب بالقصد، وإن كانت له ذنوب من صغائر فتكون قليلة ~~متبددة، وتكون معفوا عنها لإذهاب الحسنات لها. # ولولا فضيلة لفظ الصالح في الشرع لم تطلق على الأنبياء عليهم السلام، فقد ~~تقدم قوله تعالى في عيسى: {وكهلا ومن الصالحين} [آل عمران: 46]. # وقال في إبراهيم - عليه السلام -: {وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين} [العنكبوت: 27]. # وقال ms024 في لوط: { ... وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين} [الأنبياء: 75]. # وقال في يونس: {فاجتباه ربه فجعله من الصالحين } [القلم: 50]. # PageV01P078 # # وقال حكاية عن يوسف - عليه السلام -: {توفني مسلما وألحقني بالصالحين} ~~[يوسف: 101]. # وقال في إسحاق: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} [الصافات: 112]. # وقال حكاية عن سليمان: {وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين} [النمل: 19]. # وقال (في) (1) إبراهيم ولوط: {ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها ~~للعالمين ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين} [الأنبياء: 71 - ~~72] (2). وقال سبحانه: {ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط ~~كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين} [التحريم: 10]. # وقال في جماعة من الأنبياء: {وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين} ~~[الأنعام: 85]. # وقال في موضع آخر: {وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين وأدخلناه ~~في رحمتنا إنه من الصالحين} [الأنبياء: 85 86]. PageV01P079 # # وأخبر نبينا - عليه السلام - أن (الأنبياء عليهم السلام) (1) في السماوات ~~ليلة الإسراء كانوا يقولون له: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح (إلا آدم) ~~(2) وإبراهيم عليهما السلام، فإنهما قالا له مرحبا بالنبي الصالح والابن ~~الصالح. # (وقال النبي) (3) - صلى الله عليه وسلم - في حديث: «فأقول كما قال العبد ~~الصالح يعني (عيسى بن مريم». # و) (4) قال الله تعالى فيما حكاه نبينا - عليه السلام -: «أعددت (ق.12.ب) ~~لعبادي (الصالحين) (5) ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر». ~~(6) لكن لفظ الصالح ( ... ) (7) من أن يطلق في حق غير ( ... ) (8) ~~PageV01P080 # # الأوصاف الموجبة للنبي - عليه السلام - ( ... ) (1) من الأوصاف الموجبة ~~للمؤمن الصلاح في طاعته. # وهذا كما يطلق على النبي أنه مصل وصائم وعلى المؤمن أنه مصل وصائم، فكما ~~أن صلاة النبي وصيامه فوق صلاة المؤمن وصيامه، وإن اشتركا في عموم الاتصاف ~~بهما. # فكذلك لفظ الصلاح والتقوى إذا أطلق على النبي فهو فوق صلاح المؤمن ~~وتقواه، وإن اشتركا في الاتصاف بذلك. # فإن قيل: فلم فسرتم قوله تعالى: {صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] ~~بالآية التي في النساء، وتركتم الآية التي في سورة مريم، وهي قوله تعالى: ~~{أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح} ms025 ~~[مريم: 58] الآية. وقد بين الله تعالى فيها أن الذين أنعم عليهم هم ~~النبيون، إذ هم الذين ذكر الله في هذه السورة. # فالجواب عن ذلك من أوجه: # - أحدها: إنا لا نسلم أن هذه الآية في النبيين فقط فإن الله تعالى قال ~~فيها: {وممن حملنا مع نوح} [مريم: 58]، وقال: {وممن هدينا واجتبينا} [مريم: ~~58] فدل ذلك على أن الآية تناولت الأنبياء وغيرهم. # ولو لم يكن هنالك إلا مريم عليها السلام، فإن الله تعالى جعلها صديقة حيث ~~قال: {وأمه صديقة} [المائدة: 75] في الموضع الذي أخبر عن PageV01P081 # # ابنها عيسى بأنه: {رسول قد خلت من قبله الرسل} [المائدة: 75]. # - الثاني: إنا لو فرضنا أن الآية إنما تناولت الأنبياء فقط للزم أن تكون ~~خاصة بهم، وهم بعض من أنعم الله عليهم وذكرهم في آية النساء، فإنه تعالى ~~جعلهم فيها صنفا ممن أنعم عليهم، فكانت آية النساء من حيث هي عامة أولى ~~بتفسير قوله: {صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7]. # فإن هذه الآية يدل مساقها على أنه لم يقصد بها الأنبياء فقط، لأنه تعالى ~~لو قصد بها الأنبياء لاستثنى غيرهم من الناس جملة وهو سبحانه لم يستثن إلا ~~المغضوب عليهم والضالين وهم الذين غير ( ... ) (1) أهل الكتابين، ~~فاستثناؤهم يدل على أن من عداهم من أهل الكتابين من ( ... ) (2) وعيسى ~~عليهما السلام في حياته أو من كان على دينهما بعد ذلك ممن لم يغير، داخل ~~فيمن أنعم عليهم. # ومما يدل على ذلك قول الله تعالى: {من أهل الكتاب أمة قآئمة يتلون آيات ~~الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين} [آل عمران: 113 ~~114]. # فقد أخبر الله تعالى أن من أهل الكتاب أمة هي بهذه الأوصاف الجميلة، ثم ~~ذكر آخر ذلك أنهم من الصالحين. والصالحون من جملة من أنعم عليهم. ~~PageV01P082 # # وإذا كان هذا في أهل الكتاب فكذلك غيرهم ممن آمنوا بالأنبياء (1) ~~المتقدمين إذا كانوا من أحد الأصناف المذكورين في آية النساء يلزم أن ~~يكونوا داخلين تحت قوله: {صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: ms026 7]. # الثالث: إن قوله: {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم} ~~[مريم: 58] إذا كان راجعا على الأنبياء المذكورين في السورة فليس فيه إلا ~~الإخبار بأن الله تعالى أنعم عليهم فقط. # وأما آية النساء فإن الإخبار فيها إنما هو عن حكم من أطاع الله ورسوله ~~فإنه تعالى قال: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} [النساء: 69]. # فأخبر تعالى أن من أطاع الله والرسول الذي هو محمد - عليه السلام - فهو ~~مع الذين أنعم عليهم من هؤلاء الأصناف، وذلك هو معنى قوله: {اهدنا الصراط ~~المستقيم} [الفاتحة: 6] لأن سؤال الهداية إلى الصراط المستقيم والرغبة إلى ~~الله (تعالى) (2) في الثبات عليها هو نفس الطاعة لله تعالى ولرسوله. # فإن العبد إذا هدي إلى الصراط المستقيم فقد هدي إلى الطاعة (3) التي ~~يستوجب بها أن يكون مع الذين أنعم الله عليهم فظهر بما قلناه أن آية النساء ~~أمس بتفسير ما في سورة الحمد من الآية التي في سورة مريم. PageV01P083 # # الرابع: إنا إذا نظرنا إلى الآية التي في سورة مريم على معنى الاسترواح ~~والاعتبار وجدناها متضمنة لما في سورة النساء، وذلك أن الأنبياء منصوص ~~عليهم في سورة مريم، ثم إن الصديقين مذكورون معهم بسبب ذكر مريم (وهي ~~صديقة) (1) وقد وصف بذلك أيضا إبراهيم وإدريس عليها السلام. # والشهداء (مضمن) (2) ذكرهم في ذكر زكرياء ويحيى عليهما السلام من حيث ~~ماتا شهيدين. # وذكر الصالحين مضمن في ذكر (3) هؤلاء الأنبياء، وهم زكرياء ويحيى وعيسى ~~وإبراهيم وإسماعيل وإدريس، إذ جعل سبحانه جميعهم من الصالحين كما تقدم. # والأربعة (4) الأصناف الذين أنعم الله عليهم مضمن ذكرهم في سورة مريم على ~~معنى الاعتبار، ومصرح بذكرهم في سورة النساء. # والمصرح به أولى بتفسير ما في (ق.13.ب) سورة الحمد كما فعلناه. # الوجه الثاني في تعيين المقربين أن يكونوا من لا حساب عليه (5) من ~~المؤمنين فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا ~~بغير حساب». PageV01P084 # # فقال له عكاشة: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: «اللهم اجعله ms027 منهم». (1) # وفي بعض الطرق عن أبي هريرة عن النبي - عليه السلام - في حديث الشفاعة من ~~صحيح مسلم: «ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع. فأرفع رأسي، ~~فأقول: يا رب أمتي أمتي. فيقال: يا محمد ادخل الجنة من أمتك من لا حساب ~~عليه من باب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من ~~الأبواب». (2) # فهذا الوجه في تعيين المقربين وجه حسن أيضا، وقد جاء في تفسير قوله ~~تعالى: {ومنهم سابق بالخيرات} [فاطر: 32] أنه الذي يدخل الجنة بغير حساب. ~~(3) PageV01P085 # # والسابق والمقرب واحد بدليل قوله: {والسابقون السابقون أولئك المقربون} ~~[الواقعة: 10 11]. ### | في الأمم المتقدمة من يدخل الجنة بغير حساب # ) (1) # ولسنا نلتزم ولا بد أن تكون هذه الأمة تختص بأن يدخل من يدخل منها الجنة ~~بغير حساب دون سائر الأمم، إذ لا يبعد أن يكون في الأمم المتقدمة من يدخل ~~الجنة أيضا (2) بغير حساب، ولو لم يكن ذلك إلا للأنبياء عليهم السلام لأنهم ~~لا محالة أفضل ممن عداهم، ونحن نبرز ما سيكون دليلا على أن في الأمم ~~المتقدمة من يدخل الجنة بغير حساب، والله أعلم. # قال الله تعالى: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم ~~في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين} [آل عمران: 146]، ~~فوصفهم سبحانه بأنهم قتلوا مع أنبيائهم وقاتلوا عنهم. # لأن اللفظة قرئت بالقراءتين جميعا (3)، والمعنى أيضا يعضد ذلك، لأنهم إذا ~~قتلوا معهم فقد قاتلوا عنهم، إذ لا يتصور القتل في الحرب إلا مع القتال. ~~PageV01P086 # # ووصفهم عز وجل (1) بأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا، أي: لم يهن الذين بقوا ~~أحياء ولا استكانوا، لصبرهم على القتال. # وأخبر تعالى أنه يحب الصابرين الذين هم بهذا الوصف وقد قال تعالى: {إنما ~~يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر:10]، وذلك محتمل لأن يكون بغير ~~تقدير أو يكون بغير محاسبة. (ق.14.أ) # ثم قال تعالى: {وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ~~وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين} [آل عمران: ~~147]. # فسألوا ms028 من الله أمرين، وهما: المغفرة، والنصرة. # فأجيبوا فيهما فترتب على المغفرة حسن ثواب الآخرة، وكانت النصرة هي ثواب ~~الدنيا، المترتب (2) على الصبر وعدم الاستكانة والضعف، قال الله تعالى: ~~{فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة} [آل عمران: 148]. # وانظر كيف وصف سبحانه ثواب الآخرة بالحسن فقال: {وحسن ثواب الآخرة} [آل ~~عمران: 148]. # ولم يقل ذلك في ثواب الدنيا، وذلك لحكمة وهو أن ثواب الآخرة حسن كله، ~~لأنه ملائم للنفوس وموافق لها من حيث جعلت الجنة ثواب الآخرة، وفيها ما ~~تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين مما لا يخطر على قلب بشر في الدنيا. PageV01P087 # # ثم حسن ذلك الثواب يرجع بعد حصوله إلى أمرين: # أحدهما: دوام السرور به وكونه لاانقطاع له. # والثاني: كونه لا نصب فيه ولا حزن ولا شيء يشوش الأنس به والفرح بوجوده. # وقد نبه الله تعالى على هذين المعنيين بقوله: {لا يمسهم فيها نصب وما هم ~~منها بمخرجين} [احجر: 48]، بعدما أخبر عن أهل ذلك بأنهم في جنات وعيون ~~وأنهم آمنون من غير (1) غل يكون من بعضهم لبعض. # وأما ثواب الدنيا وهو النصر لهم والفتح عليهم في أعدائهم فهو مترتب (2) ~~على القتال. # والقتال لا بد فيه من قتل النفوس وذهاب الأموال ولو لم يكن في ذلك إلا ~~نفس الصبر على الجلاد في المعركة لكان كافيا، فإن الصبر فيه كلفة ومشقة في ~~الجملة من حيث هو قسر للنفوس وحبس لها عن هواها، وأما في الحرب فهو أصعب لا ~~محالة، وإنما يسهله نور الإيمان الذي يستضيء به القلب حتى يعلم المجاهد ~~يقينا أن الآخرة خير وأبقى، فيقدم في ذلك على بصيرة من الرجاء لما عند الله ~~سبحانه. # فلأجل ما يتقدم ثواب الدنيا، وهو النصر من المشقة التي تلحق المؤمنين من ~~القتال والصبر عليه، لم يصفه الله تعالى بالحسن، وذكر الحسن في ثواب الآخرة ~~حيث هو الحسن على الإطلاق. PageV01P088 # # وكما كان لهؤلاء المذكورين (في الآية) (1) ثوابان، فكذلك يكون لأهل ~~الإيمان المناضلين عن الإسلام إلى يوم القيامة ثوابان أيضا، وهما الظفر في ~~الدنيا والنعيم في الآخرة (ق.14.ب) بزيادة ms029 تحليل الغنائم وتطييبها لهم. # ويكون بإزاء هذين الثوابين للمؤمنين عذابان للكفار في الدنيا وفي الآخرة، ~~قال الله تعالى: {بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله ~~فما له من هاد لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق} [الرعد: 33 - ~~34]. # فعذاب الدنيا هو ما يكون من القتل لهم والسبي فيهم والانتهاب لأموالهم ~~وشن الغارات عليهم والخوف المحيط بهم. # وعذاب الآخرة هو النار. # بين ذلك سبحانه في الآية المتصلة بهذه، وهو قوله: {وعقبى الكافرين النار} ~~[الرعد: 35]. # وكذلك قال الله تعالى (2) في موضع آخر: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ~~ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون} [الأنفال: ~~36]. # فالحسرة عذاب لهم، ثم الغلبة أعظم عذاب لهم، من حيث يكون القتل لمن مات ~~والخزي لمن عاش منهم، ثم قال: {والذين كفروا إلى جهنم يحشرون} [الأنفال: ~~36]، فأخبر أن مآلهم إلى جهنم في الآخرة. PageV01P089 # # وهذا المعنى قد ذكره سبحانه أيضا في قوله (تعالى) (1): {قل للذين كفروا ~~ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد} [آل عمران: 12]. # ولنرجع إلى الآية التي كنا فيها، فنقول: ثم قال تعالى في آخرها: {والله ~~يحب المحسنين} [آل عمران: 134]. # أي: المحسنين الذين هم مثل هؤلاء فإنهم أحسنوا بإيمانهم ونصرهم ~~لأنبيائهم، وإنما يكون ذلك مع (2) المراقبة لله تعالى في العبادة، وهي التي ~~فسر - عليه السلام - الإحسان بها، حيث قال: «أن تعبد الله كأنك تراه». (3) # ومن أحسن فقد أعد الله له الجنة (4) والنظر إلى وجهه سبحانه، يبين ذلك ~~قول الله (5) تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26]. # فإذن قد خرج من هذا كله أن هؤلاء الذين وصفهم الله (6) سبحانه في قوله: ~~{وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير} [آل عمران: 146]. إلى آخر الآيات بهذه ~~PageV01P090 # # الأوصاف العظيمة يبعد (1) أن يحاسبوا في الآخرة، بل الظاهر فيهم أنهم ~~يدخلون الجنة بغير حساب، وكما جاز ذلك في هؤلاء فقد (2) يجوز في غيرهم، مثل ~~ما جاء (في) (3) (الرجل المذكور) (4) في سورة يس، إذ أخبر الله عنه بعد ~~موته بدخول الجنة والمغفرة والكرامة بقوله سبحانه: {قيل ms030 ادخل الجنة قال يا ~~ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} [يس: 26 27]. # ولم يذكر تعالى في الآية حسابا في حقه. (ق.15.أ). PageV01P091 # # باب ### | هل الأنبياء الآن في الجنة؟ وهل السماوات هي الجنة؟ # ) (1) # نرجع إلى ما ذكره الحميدي على وجه الاحتجاج لباقي كلامه الذي حكيناه عنه، ~~فنتكلم عليه ونجيب عنه (2) بحول الله. # فنقول: تقدم له (3) هنالك أن أرواح الأنبياء والشهداء تكون في الجنة بإثر ~~الموت. # والشهداء يأتي ذكرهم في فصل بعد هذا. # وأما الأنبياء فلا يشك مسلم أنهم الآن عند الله تعالى (4) مكرمون، كما هم ~~الملائكة يلتذون بذكره ويسبحون بحمده. # لكن احتجاج الحميدي على أن جميع الأنبياء في الجنة بأن النبي - عليه ~~السلام - رأى الأنبياء ليلة الإسراء في السماوات مدخول من وجهين: # أحدهما: أن الأنبياء الذين رآهم النبي - عليه السلام - تلك الليلة عدد ~~محصور منهم، فمن (أين) (5) له بأن الذين لم يرهم النبي - عليه السلام - من ~~سائر الأنبياء مثل PageV01P092 # # نوح وهود وصالح وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وغيرهم إنما هم في السماوات؟ # وهو رجل ظاهري، فينبغي أن يقف حيث يجد النص، فيجعل في السماوات من جعله ~~النبي - عليه السلام - فيها، ويقف في من لم يأت عنه - عليه السلام - نص فيه ~~فلا يجعله في السماء ولا في غيرها، إذ لا علم له بذلك. # الثاني: إنه جعل السماوات هي الجنات بهذا الحديث، فإنه قال: وبهذا قطعنا ~~على (1) أن السماوات هي الجنات ضرورة، لصحة الإجماع على أن أرواحهم في ~~الجنة من الآن، فقطع على أن السماوات هي الجنات، بدليل الحديث وبصحة ~~الإجماع. # والحديث إنما هو من أخبار الآحاد، وليس يصح القطع به (2). PageV01P093 # # أعني ما تضمنه الحديث من ذكر الأنبياء وترتيبهم لا نفس الإسراء، الذي نطق ~~القرآن به من غير تفصيل، والإجماع إن فرضنا أن (1) يصح له به أن أرواح ~~الأنبياء في الجنة فليس يصح له به أن السماوات هي الجنات، بل من قال: (إن ~~السماوات هي الجنات) فقوله يضاهي قول الأوائل. # وظاهر الشرع خلاف ذلك، فقد نص الله تعالى على أن السماوات تبدل ms031 يوم ~~القيامة فقال: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} [إبراهيم: 48]. وقال: ~~{يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب} [الأنبياء: 104]. وقال: {إذا السماء ~~انفطرت} [الإنفطار: 1]، وقال: {إذا السماء انشقت (} [الانشقاق: 1]. وذكر ~~تعالى أن السماء تكون كالمهل، وتكون بعد الانشقاق وردة كالدهان. # وهذا تغير كثير يعتريها يوم القيامة، والجنة لم يأت فيها (2) مثل ذلك قط، ~~بل يوم القيامة هو يوم زهرتها ونضرتها ويوم تفتح لمن يدخل فيها ويلتذ ~~بنعيمها. # ومن الدليل البين على أن الجنة غير السماء ما جاء في بعض (ق.15.ب) أحاديث ~~الإسراء فإنه ذكر فيه عروج النبي - عليه السلام - مع جبريل صلوات الله عليه ~~إلى السماوات وفرض الصلاة عليه ثم قال في آخر ذلك: «قال: PageV01P094 # # ثم انطلق بي جبريل حتى نأتي سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي، ~~قال: ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك». (1) # هذا نص الحديث وهو مخرج في الصحيحين، ألا ترى أنه قال في آخر هذا الحديث: ~~«ثم أدخلت الجنة». فلو كانت الجنة هي السماء لاكتفى بذكر السماوات عن ذكر ~~الجنة، لاسيما وهو قد ذكر أنه ترقى من سماء، إلى سماء وذكر مراجعة الملك ~~وفتح الباب (2) وكلامه مع الأنبياء، ولم يذكر عن سماء منها أنها الجنة، ~~وكذلك لم يذكر أن (تراب) (3) السماوات المسك، كما ذكر عن الجنة إذ دخلها ~~آخرا. PageV01P095 # # فصل ### | هل الشهداء الآن في الجنة # ) (1) # وقوله: (وكذلك الشهداء) معطوف على قوله: (لم يختلف مسلمان في أن الأنبياء ~~عليهم السلام الآن في الجنة). # فيكون معناه أن الشهداء لم يختلف مسلمان في أنهم الآن في الجنة، فجعل ~~الإجماع حجة في أن الصنفين في الجنة. # وأين الإجماع في ذلك؟، وهذا مجاهد يقول: "إن الشهداء ليسوا الآن في الجنة ~~لكنهم يجدون ريحها". (2) ذكره ابن عبد البر عنه في باب ابن شهاب من التمهيد ~~(3). وذكره أيضا في كتاب الجنائز من الاستذكار (4). # نعم ولو نوزع الحميدي في هذا الإجماع الذي قال في حق الأنبياء عليهم ~~السلام، وقيل له: من هم القائلون به (5) والناقلون له؟ لكان لذلك وجه، فإن ms032 ~~نقل الإجماع في مثل هذا (6) عويص، من حيث هو خارج عن مجاري PageV01P096 # # الأحكام، وإن كنا نعلم قطعا من عقيدة أهل الإسلام أن الأنبياء الآن عند ~~الله تعالى في مقام رفيع ومحل شريف، كما قال - عليه السلام - عند وفاته: ~~«اللهم الرفيق الأعلى». (1) # ففي الممكن أن يكون ذلك في الجنة أو يكون في غيرها، فإن مقدورات الله ~~تعالى (2) لا نهاية لها. # وظاهر الجنة أنه موضع استقرار آخر الأمر بعد الحساب والعقاب، ولذلك جاء ~~في الحديث أنه - عليه السلام - أول من يقرع باب الجنة يوم القيامة فيقول له ~~خازن الجنة: أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك. # وإذا ثبت أن السماء غير الجنة (ق.16.أ) بما قدمناه من ظاهر الشرع فسيلزم ~~الحميدي أن يكون الأنبياء ليسوا الآن في الجنة، بقوله: (ومن المحال أن ~~يكونوا في مكانين مختلفين في وقت واحد)، وهو قد جعل أصله حديث الإسراء، حيث ~~رآهم النبي - عليه السلام - في السماوات. # وأما احتجاجه بقول الله (3) تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ~~أمواتا} [آل عمران: 169]، فليس فيه من الجلاء ما يريده الحميدي. ~~PageV01P097 # # إذ لم ينص تعالى على أنهم في الجنة، وإنما قال: إنهم {أحياء عند ربهم ~~يرزقون} [آل عمران: 169]، فكما يحتمل أن يكونوا أحياء عند ربهم في الجنة ~~يحتمل أن يكونوا في غير الجنة، بدليل قوله: {يرزقون}، فإنه إنما يصرف إلى ~~رزق معنوي دون الرزق المحسوس الذي هو الطعام والشراب، فإن ذلك يحتاج إلى ~~تركيب جسم، ولا يصح إعادة الروح إلى الجسم على وجه البقاء إلا بعد النشور. # وهذا الذي نقوله ينبغي لمن وقف عليه أن يعذرنا فيه، فإن كلامنا إنما هو ~~مع من هو ظاهري، يطلب النصوص بزعمه، ويقف عندها، فنحن نطالبه بذلك ولا ~~نتركه يقحم في النصوص ما ليس منها، وإلا فنحن نسلم أن للشهداء مزية على ~~غيرهم. # وقوله: (وكذلك جاء النص في الشهداء من طريق ابن مسعود وغيره) يحتاج إلى ~~تأمل وهو لم يذكر الحديث. وحديث ابن مسعود ذكره مسلم عن مسروق قال: سألنا ~~عبد الله عن هذه الآية: ms033 {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169] فقال: "أما إنا قد سألنا عن ذلك ~~فقال: إن أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح في الجنة ~~حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل". (1) PageV01P098 # # وهو حديث موقوف ليس فيه أن المسؤول عن ذلك رسول الله (1). وهكذا ذكره أهل ~~التفسير وغيرهم عن ابن مسعود من قوله، ولو فرضنا أنه مرفوع فليس فيه أنهم ~~في الجنة على الدوام، وإنما قال: إن الطير التي أرواح الشهداء في جوفها ~~تسرح في الجنة تارة وتأوي إلى تلك القناديل أخرى. # وإن قلنا إنها في الجنة على الدوام إذ العرش فوق الفردوس، كما ورد في ~~(الخبر، ففيه) (2) اعتراض آخر، وهو أن الذي يسرح في الجنة ليست هي أرواح ~~الشهداء على ما يقتضيه الحديث، وإنما الطير التي جعلت أرواح الشهداء (3) في ~~جوفها هي التي تسرح هنالك، وهي خلاف تلك الأرواح على الظاهر في ذلك، ~~والحديث الذي نذكره بعد وهو: «إنما نسمة المؤمن طائر PageV01P099 # # يعلق في ثمر الجنة» (يقتضي أن) (1) نسمة المؤمن هي الطائر، ومعرفة ذلك ~~على التحقيق مما يعسر إدراكه. # وقد جاء في الكتاب العزيز التسوية بين الشهداء وبين من يموت على فراشه من ~~صنف مخصوص، قال الله تعالى: {والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ~~ليرزقنهم الله رزقا حسنا} [الحج: 58]، ثم قال: {ليدخلنهم مدخلا يرضونه} ~~[الحج: 59]، ولم يذكر في هذه الآية (ق.16.ب) تفرقة في الثواب بين من قتل أو ~~مات. # وجاء في الحديث في حق المؤمن نحو مما جاء عن ابن مسعود في الشهيد وهو ~~الحديث الذي ألممنا بذكره آنفا، رواه كعب بن مالك عن النبي - عليه السلام - ~~فقال: «إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في ثمر الجنة». (2) # فمن الناس من حمله على كل مؤمن سواء كان شهيدا أم لا (3). # ومنهم من قال: إن المؤمن هنا هو الشهيد، وجعل هذا الحديث وحديث ابن مسعود ~~واحدا. PageV01P100 # # والأول أولى وأظهر لوجهين: # أحدهما: إنه ليس في الحديث ذكر الشهيد وإنما ms034 فيه ذكر المؤمن، وذلك ينطبق ~~على كل مؤمن يموت على إيمانه. # والثاني: إن النبي - عليه السلام - قال في الحديث الصحيح: «إذا مات أحدكم ~~عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان ~~من أهل النار فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم ~~القيامة». (1) # ألا ترى أنه قال إذا مات أحدكم، فأخرجه مخرج العموم للمؤمن والكافر، ثم ~~جعل المؤمن الذي هو من أهل الجنة يعرض عليه مقعده منها بالغداة والعشي، ~~وذلك تنعيم لروحه بما يصل إليه من نعيم الجنة، وظاهر ذلك أنه يتناول جميع ~~المؤمنين من شهيد وغيره، ويحتمل أن يجعل هذا في من هو غير شهيد، ويكون ~~للشهيد ما تقدم. # وكيف ما كان، فغير الشهيد من المؤمنين له قريب مما للشهيد من نعيم الجنة ~~بالممكن منها قبل يوم النشور، كما أن للكافر في عرض مقعده عليه التعذيب ~~بالنار بالقدر الممكن منها قبل يوم النشور (2). PageV01P101 # # ولذلك جاء في الحديث: «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار». ~~(1) # ومما يدل على هذا المعنى الذي ذكرناه ما خرجه البخاري من حديث سمرة بن ~~جندب في رؤيا النبي - عليه السلام -، إذ قال: «رأيت الليلة رجلين أتياني ~~فأخذا بيدي». الحديث بطوله، وفيه: «فصعدا بي الشجرة وأدخلاني دارا لم أر قط ~~أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب ونساء وصبيان، ثم أخرجاني منها، فصعدا في ~~الشجرة فأدخلاني دارا هي أفضل وأحسن، فيها شيوخ وشباب. قلت: طوفتماني ~~الليلة فأخبراني (2) عما رأيت. قالا: نعم». الحديث. # وفيه: «والدار الأولى التي دخلت (ق.17.أ) دار عامة المؤمنين، وأما هذه ~~الدار: فدار الشهداء، وأنا جبريل وهذا ميكائيل». الحديث. (3) PageV01P102 # # ألا ترى كيف شارك سائر المؤمنين للشهداء في الثواب، إذ جعلت لهم دار حسنة ~~كما جعلت للشهداء دار حسنة (1)، وكون هذه أفضل من الأولى مسلم للمزية التي ~~للشهداء على غيرهم. # وهاتان الداران إن كانتا للصنفين بإثر الموت فيؤيد ذلك ما تقدم من أن ~~لغير الشهيد (بعد الموت) (2) قريبا مما للشهيد، إذ ليس ms035 في الحديث دخول ~~الشهداء في دارهم بإثر الموت دون سائر المؤمنين. # وإذا لم يكن ذلك فيه فيحمل بظاهره على التسوية بين الشهداء وغيرهم (3) في ~~هذا المعنى قبل يوم القيامة، وإن كان هذا المثال في الدارين (4) كناية عن ~~منازل الصنفين معا في الجنة بعد دخولهما فيها يوم القيامة، فليس في ذلك ~~أكثر من تفضيل الشهداء، وذلك مقرر في الشرع من غير ما وجه، على أنه قد صح ~~عن النبي - عليه السلام - من حديث سهل بن حنيف أنه قال: «من سأل الله ~~الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه». (5) # فأخبر أن في المؤمنين من يبلغون منازل الشهداء بمجرد سؤال الشهادة عن صدق ~~من غير أن يكونوا شهداء حقيقة. PageV01P103 # # فقد ساوى الشهيد إذن في المنزلة بعض من ليس بشهيد. # وانظر إلى الحديث المتقدم كيف وصف النبي - عليه السلام - فيه الدار ~~الأولى بأن فيها النساء والصبيان، وأسقطهم من دار الشهداء، من حيث إن ~~الصبيان لا يتصور منهم القتال في سبيل الله حتى يكون فيهم شهداء، وكذلك ~~النساء قل ما يتأتى منهم ذلك لعجزهن وضعفهن. والله أعلم. # PageV01P104 # # فصل # ثم يقال بعد هذا للحميدي: ما تقول في سائر الشهداء مثل الغريق والحرق ~~والمبطون والمرأة تموت بجمع وغيرهم ممن نص - عليه السلام - على كونهم ~~شهداء؟ فإن جعلت أرواحهم في الجنة من حين الموت كنت قد خالفت الآية. # فإن قوله: {بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169]. إنما نزل في ~~الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، وكذلك حديث ابن مسعود أيضا. # وإن جعلت أرواح من لم يقتل في سبيل الله من الشهداء مع سائر أرواح ~~المؤمنين كنت قد فرقت بين (1) (ق.18.ب) الشهداء مع كون الاسمية شاملة ~~لجميعهم، إذ قال - عليه السلام -: «وما تعدون الشهادة فيكم، قالوا: القتل ~~في سبيل الله، قال: الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله»، وذكر الحديث ~~(2). PageV01P105 # # وفي أحاديث أخر زيادة على السبعة حيث قال - عليه السلام - (1): «من قتل ~~دون ماله فهو شهيد» (2) ونحو ذلك. PageV01P106 # # فصل # وقول الحميدي: "ومن المحال أن يكونوا ms036 في مكانين مختلفين في وقت واحد" قول ~~صحيح في نفسه معلوم ببديهة العقل، لكن احتجاجه بذلك على أن الجنة هي ~~السماوات غير مستقيم، فمن قال له: إن الأنبياء يكونون في الجنة وفي ~~السماوات في زمان واحد، حتى يبني هو على ذلك أن الجنة هي السماء لاستحالة ~~كون الجسم في مكانين في الزمن الواحد. # ومن قال له إنهم لا يبرحون من السماوات حيث رآهم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حتى يلزم على ذلك أيضا أن السماء هي الجنة. # وكأن الحميدي لم يقف في الحديث على أن النبي - عليه السلام - مر ليلة ~~الإسراء بقبر موسى وهو قائم يصلي فيه (1)، ثم رآه تلك الليلة بعينها في ~~السماء السادسة بعد عروجه (2) إليها. PageV01P107 # # أو ما رأى أيضا في الحديث أن النبي - عليه السلام - ذكر موسى وعيسى ~~وإبراهيم عليهم السلام في أحاديث الإسراء، ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~«فحانت الصلاة فأممتهم»، هكذا في صحيح مسلم (1)، وظاهره أن ذلك كان في بيت ~~المقدس. # وقد جاء في غير كتاب مسلم نصا في الحديث. (2) # وإذا صح هذا، فما الذي ينكر الحميدي من قول من يقول مثلا: إن كونهم تلك ~~الليلة في السماوات إنما كان بسبب عروج النبي - عليه السلام - إلى ~~السماوات، فيكون كونهم هنالك ككونهم ببيت المقدس، وككون موسى في قبره يصلي، ~~ثم ينتقلون من ذلك الموضع إلى حيث شاء الله من الجنة أو من غيرها. # ويجوز أن يكون ذلك موضعهم في الغالب، ولا نقول إنه موضعهم على الدوام ~~بسبب كونهم ببيت المقدس تلك الليلة، وكما جاز ذلك في تلك الليلة يجوز في ~~غيرها. # وعلى الجملة فالدخول في مثل هذه المضايق لا ينبغي لعاقل، فإنها أمور ~~مغيبة عنا. # وإنما نتكلم فيها بحسب ما فهمناه من الشريعة، ولولا أن كلامنا مع الحميدي ~~في هذا (ق.19.أ) الكتاب يقتضي ذلك لما (3) فعلناه. PageV01P108 # # نقل اللفظ # قال الحميدي: "والطبقة الثانية أصحاب الشمال وهم الكفار يقينا بالنص، ~~لقوله تعالى في سورة الواقعة: {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم ~~وحميم وظل من يحموم ms037 لا بارد ولا كريم إنهم كانوا قبل ذلك مترفين وكانوا ~~يصرون على الحنث العظيم وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا ~~لمبعوثون أو آباؤنا الأولون قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم ~~معلوم ثم إنكم أيها الضالون المكذبون} [الواقعة: 41 - 51]. # فنص تعالى على (1) أنهم لا يؤمنون بالبعث وأنهم مكذبون، والمكذب كافر بلا ~~تأويل. # وكذلك قال الله عز وجل في آخر السورة إذ ذكر التقسيم: {وأما إن كان من ~~المكذبين الضالين} [الواقعة:92]. # وأيضا فإن الله تعالى خاطب الجميع فقال: {إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال ~~بسا فكانت هباء منبثا وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ~~وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون ~~PageV01P109 # # في جنات النعيم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين} [الواقعة:4 - 14]. # وليس الكفار بيقين من السابقين المقربين، ولا هم بلا شك من أصحاب اليمين، ~~وهم أصحاب الميمنة، فلم يبق إلا ما قلنا ضرورة. # وقال عز وجل أيضا: {ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا ~~بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة عليهم ~~نار مؤصدة} [البلد: 17 - 20]. # وهذا نص جلي بما قلنا من أن الكفار هم أصحاب المشأمة، وهم أصحاب الشمال ~~بنص القرآن. # PageV01P110 # # فصل # جعل الحميدي الطبقة الثانية هم أصحاب الشمال، والثالثة أصحاب اليمين وهو ~~خلاف (1) ما في القرآن، وذلك أن الله تعالى قال: {وكنتم أزواجا ثلاثة ~~فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة ~~والسابقون السابقون أولئك المقربون} [الواقعة: 7 - 11]. # ثم أخذ في تقرير حال المقربين ومآلهم، وذلك هي (2) الدرجة العليا، ثم في ~~حال أصحاب اليمين، وهي الدرجة الثانية، ثم في حال أصحاب الشمال. # وهكذا ذكر في آخر السورة (ق.17.ب) الثلاثة الأصناف على هذا الترتيب ~~المذكور. # وإنما حمل الحميدي على أن جعل أصحاب الشمال ثانية وأصحاب اليمين ثالثة ما ~~نذكره، وهو أن أصحاب الشمال مخلدون في النار، إذ ليس فيهم من يستحق ثوابا ~~لكفرهم، كما أن المقربين في الجنة، إذ ليس فيهم من يستحق عذابا لشرف مقامهم ~~واستقامتهم ms038 في عبادة ربهم. PageV01P111 # # والقسمان وإن كانت فيهما الموازنة فليس في كل (1) واحد منهما تفصيل ~~لأنواعهم ولا لأشخاصهم في الجملة، لأن التنعيم بالثواب مستول على أحدهما، ~~والتعذيب بالعقاب مستول على (2) الآخر. # وأما أصحاب اليمين ففيهم تفصيل، إذ منهم (3) من ترجح حسناته على سيئاته، ~~ومن تتساوى سيئاته وحسناته، ومن ترجح سيئاته على حسناته فيقتص (4) منه. # وهذه الأنواع تحتاج من الكلام إلى تفصيل آخر، وهناك تقع الموازنة التي ~~بنى عليها الحميدي كتابه، وإنما تكون ظاهرة في أهل هذا القسم الذي هو أصحاب ~~اليمين، على ما سيأتي ذكره، فلذلك جعل هذا القسم ثالثا إذ طول الكلام فيه. # ولقد كان يقدر أن يبقي الترتيب على ما هو عليه، وهو كان الأولى به لاتباع ~~القرآن، فيجعل الطبقة الثانية أصحاب اليمين ويذكرهم ذكرا خفيفا، ويعد بتمام ~~القول فيهم بعد فراغه من ذكر الطبقة الثالثة الذين هم أصحاب الشمال، ويذكر ~~أصحاب الشمال ثم يعود إلى ذكر أصحاب اليمين ويمشي القول فيهم إلى آخر ~~الكلام عليهم، وكل ما ذكره في هذه الطبقة الذين هم أصحاب الشمال فهو مستقيم ~~إلى آخره. PageV01P112 # # نقل اللفظ # قال: والطبقة الثالثة هم أصحاب اليمين وهم أصحاب الميمنة، وهم جميع ~~المؤمنين محسنهم ومسيئهم، حاشى من ذكرنا من الأنبياء والشهداء لما قدمنا ~~قبل. # وأيضا فإنه قد صح عنه - عليه السلام - أنه رأى عن يمين آدم وشماله ~~(ذريته) (1)، وأن أهل السعادة عن يمين آدم - عليه السلام -، والإجماع قد صح ~~بما جاء به (2) النص من أن من (3) سوى الأنبياء والشهداء فليسوا الآن في ~~الجنة، فلم يجز أن يخرج عن هذا الموضع الذي هو (ق.18.أ) عن يمين آدم - عليه ~~السلام - أحد، فيقال: إنه في الجنة من الآن إلا من جاء النص باستثنائه، وهم ~~الأنبياء والشهداء فقط، وسائرهم هناك عن يمين آدم - عليه السلام - حيث رآهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذه قسمة ضرورية. # وإذ قد صح أن السابقين المقربين هم الشهداء بعد الأنبياء عليهم السلام ~~وأن أصحاب المشأمة هم الكفار، فلم تبق إلا الطبقة الثالثة فهي لهم بيقين. ~~PageV01P113 # # فصل ms039 # قوله: (والطبقة الثالثة هم أصحاب اليمين وهم أصحاب الميمنة وهم جميع ~~المؤمنين محسنهم ومسيئهم حاشى من ذكرنا من الأنبياء والشهداء) مبني على ~~قوله: (إن المقربين هم الأنبياء والشهداء فقط)، وقد تقدم الكلام عليه، لكن ~~يظهر من كلامه أن المقربين ليسوا من أصحاب الميمنة، ونحن نقول: إن القرآن ~~يدل من غير ما آية على أنهم داخلون فيهم حسبما نذكره. # وقد نص على ذلك ابن سلام، إذ قال في المقربين: هم السابقون من أصحاب ~~الميمنة، وأصحاب الميمنة هم جميع أهل الجنة، وهم أصحاب اليمين. # فأهل الجنة صنفان: السابقون وأصحاب اليمين الذين ليسوا من السابقين، ~~حسبما نقلناه قبل. # وهكذا قال أبو جعفر النحاس في معانيه، فإنه ذكر قوله تعالى: {والسابقون ~~السابقون} [الواقعة: 10]. ثم قال: وهؤلاء من أصحاب اليمين أيضا. # وهذا هو الحق، فإن الناس إذا اعتبرت أحوالهم في إيمانهم وكفرهم وطاعتهم ~~ومعصيتهم ثم في مآلهم في الآخرة، إذ ينقسمون في الجملة إلى فريقين: - فريق ~~في الجنة. # - وفريق في السعير. # فهم طبقتان فقط، وهم: # - أصحاب الميمنة. # - وأصحاب المشأمة. # PageV01P114 # # فمن كان من أصحاب الميمنة أخذ كتابه بيمينه، ومن كان من أصحاب المشأمة ~~أخذ كتابه بشماله. وليس ثم قسم آخر، فإن أصحاب الأعراف في قسم من يأخذ ~~كتابه بيمينه، إذ صح أنهم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم، وهم بعد التوقيف ~~من أهل الجنة. # وكذلك أهل الكبائر إذا لم يعف عنهم في قسم من يأخذ كتابه بيمينه أيضا، إذ ~~لا تخليد في العقاب عليهم ومآلهم إلى الجنة، وإنما يأخذ كتابه بشماله من ~~يخلد في النار، وهو كل من لا يؤمن بالله. # والدليل (ق.19.ب) على انحصار ما قلناه في القسمين قول الله تعالى (1) في ~~سورة الحاقة: {فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه} ~~[الحاقة: 19]، {وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه} ~~[الحاقة: 25]، إلى آخر القصتين، بعد أن قال: {فإذا نفخ في الصور نفخة ~~واحدة} [الحاقة: 13]، وذكر دك الأرض وانشقاق السماء وحمل العرش ثم قال: ~~{يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية} [الحاقة: 18]. ثم قسم ms040 المعروضين على ~~قسمين لا غير. # وقوله في سورة الانشقاق: {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره} [الانشقاق: 10] ~~هو من قسم أهل الشمال لأن الكفر يشملهم. # ولأبي محمد بن حزم في هذه الآية مذهب سيأتي ذكره، والرد عليه بعدما نفرغ ~~من الكلام مع الحميدي فيما تقدم (2) من قوله. PageV01P115 # # ويدل على ما قلناه أيضا أن الناس في القيامة منقسمون إلى من تثقل ~~موازينه، وإلى من تخف موازينه، كما قال تعالى: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم ~~المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا ~~يظلمون} [الأعراف: 8 و9]. # وفي موضع آخر: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه ~~فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون} [المؤمنون:102 و103]. # وقال في سورة أخرى: {فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت ~~موازينه فأمه هاوية وما أدراك ما هيه نار حامية} [القارعة: 6 - 11]. # فقال في هذه السورة فيمن ثقلت موازينه: إنه في عيشة راضية، كما قال فيمن ~~أوتي كتابه بيمينه: {فهو في عيشة راضية } [الحاقة: 21]، ثم فسر حيث تكون ~~العيشة الراضية فقال: {في جنة عالية قطوفها دانية} [الحاقة: 22 و23]. # وقال في الغاشية: {وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية } ~~[الغاشية: 2 - 4]. # ثم قال: {وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية في جنة عالية} [الغاشية: 8 - ~~10]. # وقال: {وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها ~~قترة أولئك هم الكفرة الفجرة} [عبس: 38 - 42]. # وقال: {إن المجرمين في ضلال وسعر} [القمر: 47]، وبعد ذلك: {إن # PageV01P116 # # المتقين في جنات ونهر} [القمر: 54]. # وقال: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا} ~~[مريم: 85 و86]. # وقال: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} [آل عمران: 106]. # وقال في يوم القيامة: {يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد} ~~[هود: 105]، ثم ذكر أن السعداء في الجنة وأن الأشقياء في النار من غير ~~اعتبار بتقسيم السعداء، وكذلك في الآيات المتقدمة ليس فيها إلا قسمان فقط. # وكذلك قال الله تعالى في سورة (لم يكن): {إن ms041 الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} [البينة: 6 - 7]. # ولا بد من أن يكون الأنبياء والصديقون والشهداء وجميع أصناف المؤمنين ~~داخلين في الذين ءامنوا وعملوا الصالحات لقوله: {أولئك هم خير البرية} ~~[البينة: 7]، وكذلك قد دخلوا في القسم الواحد الذي هو من أخذ كتابه بيمينه، ~~ومن ثقلت موازينه، والذين هم السعداء، والوجوه الناعمة، والوجوه المبيضة. # ولا يعترض على هذا بأهل الكبائر الذين يدخلون النار، فإن مآلهم إلى ~~الجنة، وكتاب كل واحد منهم إنما يأخذه بيمينه لا محالة، ولا يعترض # PageV01P117 # # أيضا بالدرجات والمنازل التي هي للسعداء لأجل المفاضلة التي بين أنواعهم ~~وأشخاصهم، فإن الأنبياء عليهم السلام متفاضلون، وقد جعلهم الله تعالى جملة ~~واحدة في قوله: {فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين} [النساء: 69] ~~كما قدمناه قبل. # (الناس يوم القيامة صنفان لا ثالث لهما) (1) # فإذا تقرر هذا فنقول: ينقسم أهل التكليف أولا في القيامة إلى قسمين فقط: # فالقسم الأول يأخذ كتابه بيمينه، وهم المؤمنون على اختلاف درجاتهم. # والقسم الثاني يأخذ كتابه بشماله وهم الكفار على اختلاف طبقاتهم. # فالمؤمنون الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم ينقسمون حينئذ إلى قسمين: أبرار، ~~ومقربين، فقد يعبر عن القسمين معا بأصحاب اليمين، وأصحاب الميمنة، نظرا إلى ~~القسمة الأولى التي هي بين المؤمنين والكفار. # ويعبر عن القسمين معا أيضا بالأبرار (2)، فإن المقربين يكونون في مقام ~~الأبرار أولا، ثم يترقون بعد إلى المقام الذي هو أعلى منه. PageV01P118 # # والدليل على ذلك قول الله تعالى (1): {إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار ~~لفي جحيم} [الإنفطار: 13 - 14]. # فلا محالة أن المقربين داخلون في جملة الأبرار في هذه الآية، إذ المقصود ~~بها الحصر فيمن هو في النعيم وفيمن هو في الجحيم. # فإذا قصد إلى التفسير قيل في صنف المؤمنين إنهم أبرار ومقربون. # يدل على ذلك أن الله تعالى قال: {كلا إن كتاب الفجار لفي سجين} ~~[المطففين: 7]، (ق.20.ب) وهؤلاء هم الكفار بدليل قوله: {ويل يومئذ للمكذبين ~~الذين يكذبون بيوم الدين} ms042 [المطففين:. 1 - 11]. # ثم قال بعد: {كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب ~~مرقوم يشهده المقربون} [المطففين:18 - 21]. # فرفع مقام المقربين على مقام الأبرار. # ويدل على علو مقام المقربين أنه وصف شراب الأبرار بأنه يمزج من العين ~~التي يشرب منها (2) المقربون من غير مزاج، فقال: {ومزاجه من تسنيم عينا ~~يشرب بها المقربون} [المطففين: 27و28]. PageV01P119 # # كما قال في سورة أخرى: {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا ~~يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا} [الإنسان: 5 - 6]. # وعباد الله هاهنا هم المقربون، أضافهم الله تعالى إليه إضافة تشريف ~~وتخصيص. # وكذلك قسمهم في سورة الواقعة إلى قسمين: # مقربين، وأصحاب اليمين، وكأنه أخرج الصنف الأعلى من أصحاب اليمين فسماهم ~~بالمقربين، وأبقى أصحاب اليمين اسما على من بقي من سائر الصنف بعد إخراج ~~الصنف الأعلى منهم. # ويدل على القسمين من الحديث قول النبي - عليه السلام -: «إن أهل الجنة ~~ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من ~~المشرق إلى المغرب لتفاضل ما بينهم»، فقالوا: يا رسول الله تلك منازل ~~الأنبياء لا يبلغها غيرهم فقال: «بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله ~~وصدقوا المرسلين». (1) # ألا ترى أن أهل الجنة ينظرون إلى من فوقهم كما ينظر إلى الكوكب، والمنظور ~~إليهم هم رجال من المؤمنين دون الأنبياء عليهم السلام على ما يقتضيه ~~الحديث، ومقام الأنبياء أعلى من ذلك لا محالة. PageV01P120 # # فأهل الجنة الناظرون فيها هم أصحاب اليمين، والذين فوقهم هم المقربون من ~~كل أمة. # يدل على ذلك قوله: «رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» وهذا يؤيد قول من ~~قال في السابقين إنهم من كل أمة. # وقد مضى الكلام في ذلك، وذكرنا هنالك في تعيين المقربين وجهين، وإن كان ~~ميلنا إلى الواحد منهما، وذلك هو الذي نختاره، وهو أن يكون المقربون جميع ~~الأصناف الأربعة المذكورين في قوله: {فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } [النساء: 69]. # PageV01P121 # # (صنف أصحاب اليمين) (1) # فإن قيل: فمن هم إذا أصحاب اليمين المذكورون في سورة الواقعة؟ ms043 # قلنا: يكون أصحاب اليمين (ق.21.أ) من يبقى من سائر أصناف المؤمنين، وهم ~~من دون الصالحين في الرتبة، لأن في المؤمنين صالحين وغيرهم، قال الله ~~تعالى: {وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك } [الأعراف: ~~168]. # (ومن دون الصالحين) (2) إنما هم مؤمنون بدليل قوله: {وبلوناهم بالحسنات ~~والسيئات} [الأعراف: 168]. # وهذه الآية (3) وإن كانت في غير هذه الأمة فإنما ذكرناها تصحيحا لقولنا ~~إن المؤمنين يكون فيهم صالحون ومن دونهم في الرتبة. # وإذا كان الأمر كذلك، فنقول: يدخل في أصحاب اليمين من المؤمنين: من ~~يستكثر من الصغائر من غير إصرار عليها، ومن يستكثر منها عن إصرار، ومن فعل ~~كبيرة أو كبائر ثم فجأته (4) المنية قبل التوبة، ومن فعل كبيرة PageV01P122 # # أو كبائر ومات مصرا عليها ممن رجحت حسناته على سيئاته وممن رجحت سيئاته ~~على حسناته فعفي عنه أو لم يعف عنه واقتص منه بدخول النار من لحظة إلى آخر ~~من يخرج منها بالشفاعة أو بفضل الله سبحانه، ويدخل فيهم من لا عقاب عليه، ~~مثل أصحاب الأعراف الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم. # فيكون هؤلاء كلهم يعبر عنهم بأصحاب اليمين، إذ لا يبقى بعد هؤلاء إلا ~~المخلدون في النار كما قال النبي - عليه السلام -: «ولم يبق في النار إلا ~~من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود» (1) يعني الكفار الذين أخبر الله تعالى ~~في القرآن أنه لا يغفر لهم أصلا. # وأما على التأويل الآخر وهو أن يكون المقربون من لا حساب عليه من ~~المؤمنين، مثل السبعين ألفا فسيكون أصحاب اليمين من يناقش الحساب، وإن كانت ~~مناقشة الحساب عذابا كما جاء في الخبر (2). # ويبقى النظر فيمن يحاسب حسابا يسيرا، فإن كان هو العرض كما قال - عليه ~~السلام - في تفسير الآية، فسيكون المقربون وغيرهم يشتركون فيه، إذ لا بد ~~لكل أحد من العرض على الله تعالى، وإن كانت المحاسبة على الذنوب مما تقتضيه ~~الآية، فسيكون الذين يحاسبون حسابا يسيرا هم الطبقة العليا من أصحاب ~~اليمين، والله أعلم. PageV01P123 # # فصل # وقوله: (وأيضا فإنه قد صح عنه - عليه السلام - أنه رأى عن يمين آدم ~~وشماله ms044 ذريته، وإن أهل السعادة عن يمين آدم - عليه السلام -)، إلى آخر ~~كلامه، إنما قصد به أن يثبت أن أصحاب (ق.21.ب) اليمين ليسوا من المقربين ~~ولا من الكفار وأنهم طبقة ثالثة، وهذا صحيح (1) لا ينازع فيه، فإن المقربين ~~إذا أخرجوا عن أصحاب اليمين، فمعلوم أن من بقي من أصحاب اليمين ليسوا من ~~المقربين (2). # وأما كون المقربين في القسمة الأولى داخلين في أصحاب اليمين فذلك ما لا ~~شك (3) فيه بدليل ما قدمناه من الآيات. # ومما يزيد ذلك بيانا قوله تعالى: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} ~~[التغابن: 2] فحصر الخلق في صنفين، وقدم الكفار لأنهم أكثر. # يبين كثرتهم وقلة المؤمنين بالإضافة إليهم أن الله تعالى يقول لآدم يوم ~~القيامة: «ابعث بعث النار، فيقول: PageV01P124 # # يا رب وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعون للنار ~~وواحد للجنة»، كما قاله نبينا - عليه السلام -. (1) # وإذا ثبت بنص هذه الآية أن الناس كلهم ينقسمون إلى قسمين: مؤمنين وكفار، ~~صح انقسامهم في الآخرة أيضا إلى قسمين: سعداء وأشقياء، فالسعداء هم ~~المؤمنون، وهم أصحاب اليمين. # والأشقياء هم الكفار، وهم أصحاب الشمال. # ولما كان المؤمنون ينقسمون في الدنيا إلى من أخذ نفسه بمجرد الطاعات ~~والبعد عن الذنوب، وقليل ما هم، وإلى من خلط منهم عملا صالحا وآخر سيئا، ~~انقسم أصحاب اليمين في الآخرة إلى قسمين، فيكون الصنف الأعلى منهم هم ~~المقربون فيصيرون قسما ثالثا، وتبقى (2) بقية أصحاب اليمين على أسميتهم. # ولا نحتاج أن نقسم أصحاب الشمال، لأنهم يستوون في أصل العذاب بالنار ~~ويستوون في التخليد فيها، وإنما يختلفون في تخفيف العذاب عن من هو أقل شرا، ~~وتضعيفه أو شدته على من هو أكثر شرا على ما سيأتي في موضعه. PageV01P125 # # وأما قول الحميدي: والإجماع قد صح بما جاء به النص من أن من سوى الأنبياء ~~والشهداء فليسوا الآن في الجنة. # فمعترض من وجهين: # أحدهما: إنه قال: (جاء النص بأن من عدا الأنبياء والشهداء ليسوا في ~~الجنة). # ولم يأت قط نص بذلك، وغاية ما ذكر هو أولا أن ms045 النص جاء في الشهداء من ~~حديث ابن مسعود، فترقى من ذلك إلى أن يقول: إن النص جاء في أن من عدا ~~الأنبياء والشهداء ليسوا في الجنة. # والوجه الثاني: إنه احتج أولا على كون الأنبياء في الجنة بأنه لم يختلف ~~في ذلك اثنان ثم أخذ الآن يقول: إن الإجماع صح بأن من (ق.22.أ) سوى ~~الأنبياء والشهداء ليسوا في الجنة، ولا يلزم من كون الإجماع إذا صح على أن ~~الأنبياء في الجنة أن من عداهم ليسوا في الجنة، ولا من كون النص قد ورد في ~~الشهداء أن من عداهم ليسوا في الجنة، وذلك إقحام منه في النص وفي الإجماع ~~معا. # وأما كونه يقول: إن أهل السعادة على يمين آدم - عليه السلام - حيث رآهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1)، ولا يجوز أن يخرج عن ذلك الموضع أحد ~~فيقال: إنه في الجنة من الآن إلا الأنبياء والشهداء، فنحن نسأله (2) من ذلك ~~عن أمرين: # أحدهما: إن أهل السعادة عن يمين آدم، وآدم في السماء، والسماء عند ~~الحميدي هي الجنة، فسيلزمه (3) أن يكون جميع أهل السعادة الآن في الجنة، ~~فلا PageV01P126 # # يتجه له أن يخص بذلك الأنبياء والشهداء، لاسيما وفي حديث الإسراء عند ذكر ~~الأسورة من قول جبريل - عليه السلام -، فأهل اليمين أهل الجنة (1). # والثاني: إن أهل الشقاء على يسار آدم (- عليه السلام -، وإذا ثبت أن آدم) ~~(2) في السماء، والسماء على مذهبه هي الجنة، فسيلزمه (3) أن يكون أهل ~~الشقاء في الجنة، (وفي الحديث المذكور والأسورة التي عن شماله أهل النار) ~~(4). # ثم كيف يكون أهل الشقاء في السماء؟ والله سبحانه يقول فيهم (5): {لا تفتح ~~لهم أبواب السماء} [الأعراف: 40]. # ونحن نبقي هذا الإشكال على الحميدي، لا في كون هؤلاء في السماء، ولا في ~~إلزامه أن الصنفين معا في الجنة بكون السماء عنده هي الجنة. PageV01P127 # # نقل اللفظ. # قال الحميدي: ومن البرهان أيضا على ما قلناه أن الله تعالى رتبهم على ~~ثلاث طبقات: السابقون المقربون في جنات النعيم، وأصحاب اليمين، وأصحاب ~~المشأمة، فلو كان أصحاب اليمين في الجنة بدءا من ms046 الآن لكانوا طبقتين فقط، ~~وكذلك لو كان الأنبياء والشهداء مع سائر المؤمنين في محلهم حيث هم الآن ~~لكانوا طبقتين أيضا ولكانت الثالثة ساقطة، وهذا باطل. # فصح ما قلناه من الفرق بين المقربين وبين أصحاب اليمين، وتناظرت النصوص ~~كلها وتبين أن أصحاب اليمين وإن كانوا قد ذكر الله أنهم: {في سدر مخضود ~~وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وفرش ~~مرفوعة إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا لأصحاب اليمين ثلة ~~من الأولين وثلة من الآخرين} [الواقعة:28 - 40] فإنما هذا بنص الآية على ما ~~يصيرون إليه بعد الحساب يوم القيامة بلا شك لما ذكرنا. # يؤيد هذا (ق.22.ب) قول الله عز وجل في آخر السورة نفسها: {فلولا إذا بلغت ~~الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن ~~كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين فأما إن كان من المقربين فروح ~~وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين # PageV01P128 # # وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم إن هذا لهو حق ~~اليقين فسبح باسم ربك العظيم} [الواقعة:83 - 96]. # فنص تعالى على أن هذه حالهم وقسمهم فجعلهم أيضا ثلاث طبقات: # أولها: المقربون المعجل لهم الجنة والنعيم. # وثانيها: أصحاب اليمين الذين لهم السلام معجلا فقط. # وثالثها: المكذبون الضالون، وهذا بين. # PageV01P129 # # فصل # أما قوله: (فلو كان أصحاب اليمين في الجنة بدءا من الآن لكانوا طبقتين ~~فقط، وكذلك لو كان الأنبياء والشهداء مع سائر المؤمنين في محلهم حيث هم ~~الآن لكانوا طبقتين أيضا، ولكانت الثالثة ساقطة) فهو غير لازم، لأن هذه ~~الأقسام المذكورة إنما قسمها الله تعالى بالنظر إلى يوم القيامة لا إلى ما ~~قبله. # يبين ذلك أن الله تعالى قال: {إذا وقعت الواقعة} [الواقعة: 1] يعني يوم ~~القيامة، ثم قال: {ليس لوقعتها كاذبة} [الواقعة: 2] أي: ليس لوقعتها مثنوية ~~ولا رجوع، أي أنها تقع ولا بد، ثم قال: {خافضة رافعة} [الواقعة: 3] أي: ~~ترفع أقواما وتخفض آخرين، وذلك {إذا رجت الأرض رجا ms047 وبست الجبال بسا فكانت ~~هباء منبثا وكنتم أزواجا ثلاثة} [الواقعة:4 - 7]. # فهذا نص بأن هذه الحال إنما تكون في يوم القيامة، أعني جميع ما تضمنته ~~هذه الآيات من الخفض والرفع ورج الأرض وبس الجبال وكون الناس أزواجا ثلاثة، ~~ثم ذكر الله تعالى الأزواج الثلاثة وقسم أحوالهم بما يؤول إليه أمرهم، فجعل ~~المقربين في الطبقة العليا من الثواب، وجعل أصحاب اليمين في الدرجة الثانية ~~منه، وجعل أصحاب الشمال في النار معذبين. # PageV01P130 # # فكيف يقول الحميدي: إن الطبقة الثانية كانت تسقط وهي موجودة في الآخرة ~~بنص هذه الآيات، ونعلم ضرورة من دين الأمة وبالإجماع على ما نقوله أن الناس ~~ينقسمون (ق.23.أ) في الآخرة باعتبار آخر إلى ثلاثة أقسام: # - قسم لا يدخلون النار أصلا، بل هم في الجنة ابتداء. # - وقسم لا يدخلون الجنة أصلا بل هم في النار ابتداء، ويبقون فيها مخلدين ~~أبدا. # - وقسم يعذبون بالنار ثم يدخلون الجنة ويبقون فيها أبد الآباد. # ولا بد أن يكون هذا القسم الثالث داخلا في أصحاب اليمين، إذ لا يصح ~~دخولهم في أصحاب الشمال أصلا، لأنهم غير مكذبين، وأصحاب الشمال مكذبون وهم ~~الكفار، وإذا كان أولئك غير مكذبين فهم مؤمنون، وإذا كانوا مؤمنين دخلوا ~~بعد القصاص منهم في أصحاب اليمين ضرورة. # وإذا صح من كل وجه أن الناس في القيامة ثلاثة أقسام فكيف يقصد الحميدي ~~إلى إبطال أحد القسمين الواردين في المؤمنين، أو يلزم على ذلك أن يكون ~~المقربون في الجنة من الآن، ثم يفرق في ذلك بين المقربين وأصحاب اليمين ~~فيجعل أصحاب اليمين في الجنة يوم القيامة لا قبل ذلك، وسورة الواقعة بما ~~تضمنته في القسمين لم تفرق بينهما في هذا المعنى على ما نذكره. # وأعجب ما عنده قوله: (وتناظرت النصوص كلها وتبين أن أصحاب اليمين وإن ~~كانوا قد ذكر الله أنهم في سدر مخضود)، وذكر الآيات، فإنما هذا بنص الآية ~~على ما يصيرون إليه بعد الحساب يوم القيامة بلا شك، فإن قوله (وتناظرت ~~النصوص) غير معلوم، إذ لا نص إلا ما في هذه السورة. # PageV01P131 # # وقوله: (فإنما ms048 هذا بنص الآية على ما يصيرون إليه بعد الحساب يوم القيامة ~~بلا شك)، غريب جدا، أعني قوله: إن ذلك منصوص في الآية، وليس في الآية نص ~~بما زعم أصلا. # ولئن كان الحميدي يأخذ من الآية في الجملة أن أصحاب اليمين إنما يكونون ~~في سدر مخضود وما تضمنته الآية يوم القيامة كما هو الحق، فسيلزمه أن يأخذ ~~من الآيات الواردة في المقربين أنهم إنما يكونون في الجنة يوم القيامة ولا ~~فرق. # ومن الدليل على ذلك أن الله تعالى لما أخبر عن المقربين بأنهم في جنات ~~النعيم لم يقتصر على ذلك بل ذكر أنهم على سرر متقابلين، وقال فيهم: {يطوف ~~عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق} [الواقعة:17 - 18] إلى آخر الآيات، ~~وفيها ذكر الشراب والفاكهة ولحم الطير وذكر الحور العين. # والتنعم بهذا كله (ق.23.ب) لا يكون إلا للأجسام يوم القيامة بعد ~~الاستقرار في الجنة لا للأرواح بمجردها قبل يوم القيامة كما هو لازم ~~للحميدي، وكذلك ما جاء في أصحاب اليمين من السدر والطلح والظل والفاكهة ~~والحور أيضا إنما يكون ذلك بعد النشور والاستقرار في الجنة، لكن النعيم ~~للصنفين متفاضل، فإن الآيات الواردة في أول (1) هذه السورة وفي آخرها تدل ~~على أن حالة المقربين هنالك أعلى من حالة أصحاب اليمين. PageV01P132 # # ويدل على ذلك أيضا ما في (1) سورة المطففين مما قدمناه قبل، ولذلك كان ~~المقربون أقل من أصحاب اليمين، قال الله تعالى في المقربين: {ثلة من ~~الأولين وقليل من الآخرين} [الواقعة 13 و14]، وقال في أصحاب اليمين: {ثلة ~~من الأولين وثلة من الآخرين} [الواقعة 39 و40]. # وإنما كان أصحاب اليمين أكثر لأن الغالب على بني آدم الاتصاف بالذنوب، ~~ولذلك قال النبي - عليه السلام -: «لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون ~~فيغفر لهم». (2) # فقد ثبت بما ذكرناه أن حالة المقربين وحالة أصحاب اليمين يلزم أن يكونا ~~على حد سواء (3) في إحراز أصل الثواب، لأن الله تعالى أخبر بما يؤول إليه ~~الصنفان وساق ذلك مساقا واحدا ليس فيه اختلاف، فحيث يثبت كون الثواب ~~لأحدهما يلزم أن يكون هنالك ms049 الثواب للصنف الآخر. # وذلك يدل على أن التفضيل إنما يقع بأحوال هؤلاء وهؤلاء في الآخرة من حيث ~~إن أحدهما أعلى مقاما وأنعم بالأمن الآخر، لا على أن أحد الصنفين تعجل له ~~الجنة إثر الموت، كما زعم الحميدي. PageV01P133 # # وإنما غلطه في ذلك أمران: # أحدهما: إنه جعل المقربين هم الأنبياء والشهداء فقط، فلما وجد في الشهداء ~~أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، اعتقد أنهم في الجنة بعد الموت وقبل القيامة، ~~ووجد الأنبياء أعلى مقاما من الشهداء فرأى أنهم كذلك من باب الأحرى ~~والأولى. # وقد مر الكلام على هذا المعنى وتبين بما ناقضناه به من الصديقين أنه لا ~~يصح أن يقتصر بالمقربين على الأنبياء والشهداء. # والأمر الثاني: ما في آخر هذه السورة، وهو قوله تعالى: {فأما إن كان من ~~المقربين فروح وريحان وجنة نعيم} [الواقعة 88 و89]، فلما رأى الحميدي هذه ~~الآية وهي مقترنة بحالة الموت، إذ قبلها: {فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم ~~حينئذ تنظرون} ... [الواقعة 83 و84] (ق.24.أ) اعتقد أن كون المقربين في ~~الجنة إنما هو بإثر الموت. # ولذلك قال: (أولها المقربون المعجل لهم الجنة والنعيم، وثانيها أصحاب ~~اليمين الذين لهم السلام معجلا فقط). # ولم يقل في المكذبين شيئا، ويلزمه أن يكون لهم بإثر الموت نزل من حميم ~~وتصلية جحيم. # وإذا كان هذا كله في حين الموت فما الذي يبقى للآخرة، ولو أمعن النظر ~~لرأى أن الآيات المتأخرة في التقسيم إنما عادت على الآيات المتقدمة في ~~التقسيم، وهو من باب رد الأعجاز على الصدور عند أهل # PageV01P134 # # البلاغة، فكما ذكر الله في أول السورة أهل الجنة وأهل النار، وجعل أهل ~~الجنة قسمين كذلك، ذكر آخر السورة أهل الجنة وأهل النار، وجعل أهل الجنة ~~قسمين. # وليس في هذا كله ما يدل على أن بعض ذلك يكون قبل يوم القيامة، بل صرح ~~الله تعالى في الصنف الثالث، وهم أهل الشمال بأن الذي أعد لهم إنما يكون ~~يوم القيامة بقوله: {هذا نزلهم يوم الدين} ... [الواقعة 56] ويؤخذ منه أن ~~الذي أعد للصنفين من أهل الجنة إنما يكون (يوم ms050 الدين) (1). PageV01P135 # ### | (تفسير قوله تعالى: {فروح وريحان}) # (1) # ونحن نذكر ما قاله أهل التفسير في آخر السورة ليكون معلوما عند من يقف ~~على هذا الموضع، فقد ذكر ابن سلام في تفسيره عن الحسن البصري أنه قرأ هذه ~~الآية {فروح وريحان وجنة نعيم} [الواقعة 89] فقال: ذلك في الآخرة. # وذكر النحاس عن الربيع بن خثيم أنه قال في قوله جل وعز: {فروح وريحان} ~~[الواقعة 89] قال: هذا عند الموت، والجنة مخبأة (2) له إلى أن يبعث. # قال (3): وقال أبو الجوزاء: إذا قبض روح المؤمن تلقى بضبائر الريحان فجعل ~~روحه فيه. # وذكر عن الحسن أنه قال: الروح الرحمة، يعني بالرفع. # ومن قرأ فروح ففيه قولان: قال مجاهد: الروح الفرح. (4) # وقال الضحاك: الروح الاستراحة. (5) PageV01P136 # # قال (1): وقال مجاهد والضحاك: الريحان الرزق. (2) # وقال الفراء (3) في قوله فروح وريحان: من قرأ فروح بالفتح فمعناه روح في ~~القبر، (4) ومن قرأ (5) فروح (6) بالرفع يقول: حياة لا موت فيها. # وقال الزجاج (7): فروح معناه فاستراحة وبرد، ومعنى فروح بالرفع حياة ~~دائمة لا موت فيها وريحان ورزق (8)، ويجوز أن يكون ريحان هاهنا تحية لأهل ~~الجنة. # وفي الهداية لمكي (9): قال أبو العالية: لم يفارق أحد من المقربين -وهم ~~السابقون - الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض (10) (ق.24) # وقال الحسن: يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة. (11) # وذكر مكي في الروح والريحان نحوا مما تقدم (12). # ورأيت لغيره أن بعضهم قال فروح في الدنيا وريحان راحة في القبر وجنة نعيم ~~في الآخرة. PageV01P137 # ### | (تفسير {فسلام لك من أصحاب اليمين}) # (1) # وأما قوله: {فسلام لك من أصحاب اليمين} ... [الواقعة 91]، فنقتصر فيه على ~~ما نقله مكي في الهداية، لأنه محتو على جميع ما في التفاسير المتقدمة ~~الذكر. # قال مكي (2) في قوله تعالى (3) {فسلام لك من أصحاب اليمين} [الواقعة 91]: ~~أي فسلام لك من عذاب الله، أي سلم من ذلك. # وقيل المعنى: فيقال سلام لك، إنك من أصحاب اليمين. # وقال قتادة: معناه: سلموا من عذاب الله، وسلمت عليهم الملائكة. (4) # وقيل: المعنى: لك يا محمد منهم سلام أي يسلمون عليك. # وقيل: المعنى: فمسلم لك ms051 أنك من أصحاب اليمين. # وقيل: معناه: فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة. # وهذا القول الأخير قاله الزجاج (5) والنحاس، والذي قبله قاله الفراء (6). ~~PageV01P138 # # ورأيت لغيرهم أن بعضهم قال: أخبر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن ~~أصحاب اليمين سلموا من درك الشقاء وسوء القضاء، وأنهم ينالون الكرامة ~~لحفظهم الأمانة. # فهذه أقاويل أهل التفسير، وليس فيهم من قال: إن الجنة تعجل للمقربين على ~~ما قاله الحميدي، بل فيهم من نص على أن ذلك إنما يكون في الآخرة وهو قول ~~الحسن البصري والربيع بن خثيم كما قدمناه. # فينبغي أن تجعل الآيات على حد واحد في التعريف بمآل تلك الأقسام في ~~القيامة، ويكون ما ورد في الحديث من أحوال الشهيد أو المؤمن في الجملة أو ~~المؤمن والكافر في عرض مقعد كل واحد منهما عليه بالغداة والعشي على ما تقدم ~~زائدا على ما في هذه السورة، من حيث إن السورة إنما (1) تعرضت إلى أحوال ~~الثلاثة الأقسام في الآخرة، وتعرض الحديث إلى أحوال هؤلاء المذكورين بعد ~~الموت، فلا ينبغي أن يقحم في أحدهما ما (2) استفيد من الآخر، والله أعلم ~~بالصواب. PageV01P139 # # باب ### | كلام ابن حزم في أصناف من يأخذون كتبهم # ) (1) # لما وعدنا بأن نذكر ما قاله أبو محمد بن حزم في قوله تعالى: {وأما من ~~أوتي كتابه وراء ظهره} ... [الانشقاق: 10] إذ اعترض ذكر ذلك عنه فيما تقدم ~~قبل تعين الكلام عليه هاهنا (ق.25.أ) فلننقل لفظه أولا، ثم نرد عليه بحسب ~~ما يلهم الله تعالى إليه. # وذلك أنه قال في كتاب الفصل (2) من تأليفه ما هذا نصه: ذكر الله عز وجل ~~(3) أن (4) الناس يأخذون كتبهم يوم القيامة على ثلاثة أضرب: باليمين، أو ~~بالشمال، أو من وراء الظهر، قال الله عز وجل (5): {وكل إنسان ألزمناه طآئره ~~في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك} [الإسراء: 13 ~~- 14]. الآية. PageV01P140 # # ووجدنا الناس يوم القيامة ثلاثة أضرب لا رابع لهم: إما مؤمنين فائزين لا ~~يعذبون، وإما مؤمنين معذبين بكبائرهم الراجحة بحسناتهم، ثم لهم الجنة، وإما ~~كفار ms052 مخلدين في النار. # ثم وجدنا القرآن قد جاء بأن الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم هم المؤمنون ~~الفائزون الذين لا يعذبون، برهان ذلك قول الله عز وجل (1): {فأما من أوتي ~~كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا} [الانشقاق: 7 ~~- 9]. # وقوله تعالى (2): {فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه ~~إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية} [الحاقة: 19 - ~~22]. # فهذه طبقة. # ووجدنا القرآن قد جاء بأن الذين (3) يأخذون كتبهم بأشمالهم هم الكفار ~~المخلدون في النار. # برهان ذلك: قول الله عز وجل: {وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني ~~لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ?ليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه ~~... هلك عني سلطانيه خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ~~ذراعا فاسلكوه إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين} ~~[الحاقة: 25 - 34]. # فهذه طبقة ثانية. PageV01P141 # # فلم (1) تبق إلا الحالة الثالثة، وهي أخذ الكتاب وراء الظهر، ولم تبق إلا ~~طبقة ثالثة وهم المؤمنون الذين يخرجون من النار بالشفاعة، فتلك الحال لهذه ~~الطبقة ضرورة بلا شك، لا يمكن غير ذلك البتة. # إذ لو قال صادق متيقن صدقه: ليس في الدار إلا زيد وعمرو وخالد، وهذه ~~ثلاثة أثواب لهم، ليس لهم غيرها: خز، ووشي، وصوف، فالخز لزيد، والوشي ~~لعمرو، ثم سكت. # لما شك أحد في أن الصوف لخالد، وهذا برهان ضروري لا شك فيه. # والنص الوارد أيضا يشهد بصحة هذا، قال الله عز وجل: {وأما من أوتي كتابه ~~وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا إنه كان في أهله مسرورا إنه ظن أن ~~لن يحور بلى إن ربه كان به بصيرا} ... [الانشقاق: من10 - ,15]. # فلم يخبر تعالى عمن يؤتى كتابه وراء ظهره بكفر. # ومعنى قوله تعالى (2): {إنه ظن أن لن يحور} [الانشقاق: 14] إنما هو ظن أن ~~لن يحور إلى النار طمعا في المغفرة لمعاصيه، ولم يقل تعالى أن لن يحور ~~إلينا. # والحور: الهلاك. # فإنما ظن أن لن يهلك ms053 وأن لا يرجع إلى النار، وهذه صفة المؤمن العاصي ~~المسوف نفسه بالتوبة. PageV01P142 # # ولو كان غير ما قلنا لبقي الآخذ للكتب من وراء الظهر فارغا، وهذا لا ~~يجوز، ولبقي المؤمنون المعذبون لا بيان من أين يأخذون كتبهم، وهذا لا يجوز ~~البتة، لأن الله تعالى قال: {تبيانا لكل شيء} [النحل: 89]، و {ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء} [الأنعام: 38]. هذا آخر كلامه. # وقد أخطأ في تأويل هذه الآية خطأ بينا حيث جعلها في أهل الكبائر، ولم ~~يسبقه إلى هذا القول المخترع أحد علمناه (1)، وكنا قد رددنا عليه في ذلك ~~قبل، ثم وجدنا بعض ما قلناه مسطورا للمفسرين، فلنذكر أقوالهم قبل الرد عليه ~~على وجه التأنيس لمن يقف على هذا الموضع، لأن الناس عنوا بأقوال من تقدم، ~~وصار قول أهل هذا الزمان ومن تأخر عصره عندهم مزدرا به، وإن كان قولا سديدا ~~في نفسه. PageV01P143 # ### | الخلاف في ابن حزم الظاهري # ) (1) # لاسيما وهذا الرجل قد غلت فيه طائفتان (2): PageV01P144 # # إحداهما: تعظمه تعظيما مفرطا، بحيث تقلده في جميع أقواله ولا ترى مخالفته ~~في شيء من مذهبه، وإذا أظهر لها في كلامه الخطأ البين والوهم الصراح لم ~~تقبله، وأحالت بالوهم والخطأ على من يتعاطى الرد عليه أو على أنفسها بالعجز ~~عن الانتصار لذلك القول المردود. # والطائفة الثانية: تزري عليه وتحط من قدره حتى تعتقد ألا حسنة عنده، فإذا ~~أظهر لها ما في قوله من الجودة وبين لها صحة ما ذهب إليه في أمر ما مما ~~يتكلم عليه أو يتمذهب به لم تقبله أيضا، واعتقدت فيمن يبين ذلك ويتكلم فيه ~~أنه على مذهبه الذي ينتحله، وقد يكون في هذه (1) الطائفة من لا يفهم قوله ~~ولا يدري معناه، لكن يكرهه تقليدا، ويستصوب قول من يرد عليه في الجملة. # وكلتا الطائفتين مخطئة فيما توهمته (ق.26.أ) عليه من الإحسان المجرد أو ~~من الإساءة المجردة، بل هو واحد من العلماء، وممن يقصد الحق عند نفسه فيما ~~يراه، ويؤثر العدل فيما يظنه ويتحراه، فتارة يخطئ وتارة يصيب. # فإذا أصاب فقوله سابق جدا، وإذا أخطأ فقوله ms054 نازل جدا، إلا أن أكثر أقواله ~~إنما تأخذ بالطرفين، وغيره من العلماء قد يكون صوابه قريبا من خطئه، أعني ~~أنه إذا أصاب يكون صوابه قريب المرام ليس فيه ذلك الغموض، وإذا أخطأ لم يكن ~~في ذلك الخطأ شذوذ ولا كبير (2) تعسف. PageV01P145 # # وهذا الذي قلناه هو الإنصاف في جانب أبي محمد بن حزم رحمه الله والاعتدال ~~الذي ينبغي أن يعتقد فيه، فإنا إنما ذكرنا الواجب في حقه كان له أو عليه ~~(1). PageV01P146 # ### | (تفسير {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره}) # (1) # وإذ (2) نبهنا على ذلك فلنرجع إلى ذكر أقوال المفسرين في هذه الآية. # فنقول: # قال الفراء (3) عندما ذكر قوله: {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره} ~~[الانشقاق: 10]، يقال: إن أيمانهم تغل إلى أعناقهم وتكون شمائلهم وراء ~~ظهورهم. # قال: وقوله: {فسوف يدعو ثبورا} [الانشقاق: 11] يقول: واثبوراه واويلاه، ~~والعرب تقول: فلان يدعو لهفه، إذا قال: والهفاه. # وقوله: {إنه ظن أن لن يحور} [الانشقاق: 14]: أن لن يعود إلينا إلى ~~الآخرة، بلى ليحورن، ثم استأنف فقال: إن ربه كان به بصيرا. # وقال أبو إسحاق الزجاج (4): فسوف يدعو ثبورا أي يقول: يا ويلاه ~~وياثبوراه، وهذا يقوله من وقع في هلكة، أي من أوتي كتابه وراء ظهره، وذلك ~~دليل على أنه من المعذبين. # وقوله: {ويصلى سعيرا} [الانشقاق: 12] أي يكثر عذابه. PageV01P147 # # وقوله: {إنه ظن أن لن يحور} [الانشقاق: 14] هذه صفة الكافر، ظن أن لن ~~يبعث، ومعنى يحور في اللغة: أن لن يرجع إلى الله عز وجل، بلى إن ربه كان به ~~بصيرا قبل أن يخلقه عالما بأن مرجعه إلى الله عز وجل. # وقال أبو جعفر النحاس عندما ذكر الآية: يروى أن أيمانهم تغل إلى أعناقهم، ~~وحكى عن مجاهد أنه قال: تجعل يده وراء ظهره. # قال: وقال مجاهد: {إنه ظن أن لن يحور}: أن لن يرجع إلينا. (1) # قال: وقال قتادة: {أن لن يحور}: أن لن (2) يبعث. (3) # وقال ابن سلام في قوله: {يدعو ثبورا} ... [الانشقاق: 11] أي بالويل ~~والهلاك في النار. (4) # قال: {ويصلى سعيرا} [الانشقاق: 12] هي النار. {إنه كان في أهله مسرورا} ~~(5) [الانشقاق: 13]: لا يؤمن ms055 بالبعث. # وذكر (ق.26.ب) عن السدي في قوله: {إنه ظن أن لن يحور} [الانشقاق: 14]. أي ~~حسب أن لن يرجع إلى ربه، بلى إن ربه كان به بصيرا أنه سيبعثه. PageV01P148 # # وفي الهداية (1) والتحصيل (2): إن هذه الآيات نزلت في أبي سلمة بن عبد ~~الأسد وفي أخيه الأسود بن عبد الأسد فأبو سلمة هو الذي يعطى كتابه بيمينه ~~وهو أول من هاجر من مكة إلى المدينة، وأخوه الأسود كان كافرا، وهو الذي ~~يأخذ كتابه وراء ظهره، ثم هي عامة في أمثالهما من المؤمنين والكفار. # وهكذا في تفسير ابن عباس أن الآيات نزلت في أبي سلمة والأسود. # وعندهم جميعا (3) في قوله: {إنه ظن أن لن يحور} [الانشقاق: 14] أن معناه ~~أن لن يرجع إلى الله. # ولفظ بعضهم: إنه لا يرجع بعد الموت ولا يبعث. # وقوله {بلى} أي: إنه يبعث ويرجع إلى ربه، ويجازى على عمله. # وقال صاحب الغريبين {أن لن يحور}: أن لن يرجع إلى الله، والحور الرجوع. # وهكذا قال ابن قتيبة (4) وابن عزيز (5) في غريبي القرآن لهما. (6) ~~PageV01P149 # # وكذلك قال (1) منذر بن سعيد في أحكام القرآن له، وهو رجل ظاهري مثل ابن ~~حزم، إلا أنه دونه في الشذوذ. # وهكذا قال غيرهم من أهل اللغة (2) ممن تكلم على الحور وعلى حار ويحور، ~~وكلهم أصفقوا على أن قول الله تعالى: {أن لن يحور} [الانشقاق: 14] إنما ~~معناه أن لن يرجع إلى الله (3)، فيجيء على قولهم أن الآية إنما نزلت فيمن ~~هو كافر ولابد، كما نقله المفسرون. # وهذا هو الحق الذي لا غبار عليه ولا يصح غيره. # فلنرجع بعد نقل هذا كله عن أهل التفسير وأهل اللغة إلى تتبع كلام ابن حزم ~~والرد عليه فنقول والله المستعان: # أما قوله: (ذكر الله عز وجل أن الناس كلهم يأخذون كتبهم يوم القيامة على ~~ثلاثة أضرب باليمين أو بالشمال أو من وراء الظهر)، ففيه تجوز، لأن الله ~~تعالى لم يخبرنا بذلك، أعني بما قال ابن حزم من التقسيم على النحو الذي ~~ذكره. # وإنما أخبرنا سبحانه في سورة بأن هناك من يأخذ كتابه بيمينه، ms056 ومن يأخذ ~~كتابه بشماله. # وأخبرنا في سورة أخرى بأن هناك من يأخذ كتابه بيمينه ومن يأخذ كتابه وراء ~~ظهره، ولم يقل إنه قسم ثالث، كما قال ابن حزم. PageV01P150 # # والفرق بين فهمنا وفهمه للآية أنه جعلهم ثلاثة (ق.27.أ) أقسام ثم طلب أن ~~ينزل كل قسم على طائفة فتصير الأقسام ثلاث طوائف، ونحن لم نفهم من الآيتين ~~أن الله قسم من ذكر فيهما ثلاثة أقسام، وإنما ذكر قسمين في السورة الأولى، ~~ثم ذكر القسمين بعينهما (1) في سورة ثانية، غير أنه ذكر القسم الثاني منهما ~~بعبارة أخرى لا تتنافى مع العبارة الأولى، بل تجتمع معها على مورد واحد، ~~لأنا ندل (2) على أن من يأخذ كتابه بشماله -وهو الكافر- هو الذي يأخذه من ~~وراء ظهره، وأن المؤمن بربه، وإن كان من أهل الكبائر، إنما يأخذ كتابه ~~بيمينه على ما سيأتي ذكره. # وأما احتجاجه في هذا الباب بقوله تعالى: {وكل إنسان ألزمناه طآئره في ~~عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا} [الإسراء: 13]، ففيه نظر، ~~لأن الكتاب الذي تضمنته هذه الآية هو كتاب العمل الذي عمله المكلف في ~~الدنيا من خير أو شر، وهو الذي قال الله تعالى فيه: {هذا كتابنا ينطق عليكم ~~بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} [الجاثية: 29]. # ومعنى قوله: {نستنسخ} أي نجعل الملائكة تنسخ أعمالكم وتكتبها فيه، وهم ~~الحفظة الموكلون بالمكلفين في الدنيا، وإنما فعل الله ذلك لتقوم الحجة في ~~الآخرة على كل مكلف بعمله المحصي عليه خيرا كان أو شرا. PageV01P151 # # ولذلك قال الله تعالى في الآية الأولى: {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ~~ضل فإنما يضل عليها} [الإسراء: 15]، فجاءت الآية فيمن اهتدى وفيمن ضل مجيئا ~~واحدا. # وقسم سبحانه في الآية الثانية أهل العمل المستنسخ إلى مؤمنين وكفار، وذكر ~~مآل الفريقين في الآخرة. # والكتاب المذكور في الآيتين ليس هو عندنا الكتاب الذي يؤخذ باليمين أو ~~بالشمال حسبما ذكره عز وجل في قوله: {فأما من أوتي كتابه بيمينه} [الحاقة: ~~19]، {وأما من أوتي كتابه بشماله} [الحاقة: 25]، كما يظهر من كلام ابن حزم، ~~بل هما ms057 كتابان: # فالأول منهما: هو كتاب العمل المستنسخ. # والثاني: هو الكتاب المفرق بين أهل السعادة من المؤمنين المطيعين ~~والعصاة، وبين أهل الشقاوة من الكفار والمنافقين، وهو الذي يعطى للفريقين ~~أمارة على السعادة المطلقة والشقاوة المطلقة، وذلك بعد الوقوف على كتاب ~~العمل والمحاسبة به للصنفين جميعا. # وهذا المعنى لم نر لغيرنا فيه شيئا والذي قلناه في ذلك هو الذي ظهر لنا ~~فيه، والله (ق.27.ب) أعلم بالصواب. # وأما قوله: (ووجدنا الناس يوم القيامة ثلاثة أضرب لا رابع لهم، إما ~~مؤمنين فائزين لا يعذبون وإما مؤمنين معذبين بكبائرهم الراجحة بحسناتهم، ثم ~~لهم الجنة، وإما كفارا مخلدين في النار) فهو قول صحيح في نفسه، ومقصوده # PageV01P152 # # به أن يبني عليه ما يظن أنه الصواب فيما ذهب إليه (1). # وذلك أنه جعل الفائزين هم الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم لقوله تعالى: ~~{فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله ~~مسرورا} [الانشقاق: 7 - 9]، وقوله أيضا فيمن أخذ كتابه بيمينه: {فهو في ~~عيشة راضية في جنة عالية} [الحاقة: 21 - 22]، وجعل الذين يأخذون كتبهم ~~بأشمالهم هم الكفار لقوله فيمن كانت هذه صفته: {إنه كان لا يؤمن بالله ~~العظيم} [الحاقة: 33]. # وهذان القسمان لا نزاع فيما ذكره فيهما لصحته ووجود النصوص الواردة فيه، ~~حسبما ساقه من الآيات المذكورة. # وأما جعله الطبقة الثالثة وهم المؤمنون الذين يخرجون من النار بالشفاعة، ~~هم الذين يأخذون كتبهم وراء ظهورهم فهو محل النزاع بيننا وبينه، فإنا لا ~~نسلم له ذلك ولا نقول به، إذ ليس في الآية ما يدل عليه، وإنما نقول إن أهل ~~الكبائر لاحقون بالفائزين في أخذ الكتاب باليمين لعدم تخليدهم في النار على ~~ما نذكره وندل عليه. # وأما قوله: (لا يمكن غير ذلك البتة، إذ لو قال صادق متيقن صدقه ليس في ~~الدار إلا زيد وعمرو وخالد، وهذه ثلاثة أثواب لهم (2) ليس لهم غيرها: خز، ~~ووشي، وصوف، فالخز لزيد، والوشي لعمرو، ثم سكت، لما PageV01P153 # # شك أحد في أن الصوف لخالد)، فليس بصحيح، لأن هذا المثال لا يتنزل على ~~الطوائف الثلاث بوجه، لأن ms058 زيدا وعمروا وخالدا أشخاص بأعيانهم، فمتى سكت عن ~~أحدهم بعد ذكر الاثنين منهم (1) علم المسكوت عنه بعينه ضرورة. # وأما الأصناف الذين كنا فيهم فهم مذكورون بصفات، فقد يقع اللبس في أحدهم ~~من أجل ذلك. # والذي يقرب من مثلهم في ذلك المثال أن لو قال قائل: دخل الدار أهل الخز ~~بخيلهم، وأهل الوشي بإبلهم ثم يقول بعد ذلك: دخل الدار أهل الخز بخيلهم ~~وأهل الصوف بإبلهم، فيظن الظان أنهم ثلاثة أصناف من حيث ذكر القائل أهل ~~الخز وأهل الوشي وأهل الصوف، ويعلم من فهم عن ذلك القائل مقصده أنه لم يعن ~~إلا صنفين فقط: أهل الخز وأهل الوشي الذين هم أهل الصوف. # ويستدل (ق.28.أ) على ذلك بأنهم جميعا أرباب الإبل. # فكذلك وصف الله تعالى من يأخذ كتابه بشماله بأنه لا يؤمن بالله العظيم، ~~ووصفه من يأخذ كتابه وراء ظهره بأنه ظن أن لن يحور واحد، إذ الكفر شامل ~~للموصوفين بذلك على ما نقرره. PageV01P154 # # فصل ### | صنف من يأخذ كتابه وراء ظهره # ) (1) # تقدم في كلام ابن حزم ادعاؤه أن الآية تشهد بصحة قوله، إذ غلط في فهمها ~~وتأولها على خلاف ما هي عليه، وذلك أنه قال: والنص الوارد أيضا يشهد بصحة ~~هذا، قال الله عز وجل: {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ~~ويصلى سعيرا} ... [الانشقاق: 10 - 12]، وذكر الآية إلى آخرها، ثم قال: فلم ~~يخبر تعالى عن من يؤتى كتابه وراء ظهره بكفر، إلى آخر كلامه الذي قدمناه. # وهذه الآية ليس فيها ما يشهد بصحة قول ابن حزم، كما زعم، فلنتكلم على ذلك ~~بكلام يكر على جميع قوله فنقول: # إن مذهبه الذي ذهب إليه في حمل هذه الآية على المذنبين المعذبين من ~~المؤمنين يبطل من خمسة أوجه: # أحدها: إن أهل التفسير نقلوا أن الآية نزلت في كافر معين، وهو الأسود بن ~~عبد الأسد (2)، كما تقدم، وإذا صح ذلك اندرأ قول ابن حزم أنها PageV01P155 # # في المذنبين الذين يخرجون من النار بالشفاعة، لأن الآية إذا تعدت إنما ~~تتعدى إلى جنس من نزلت فيه، ms059 وهم الكفار لا إلى غيرهم. # الثاني: إنه لا ينجي ابن حزم كونه جعل من يأخذ كتابه وراء ظهره قسما ~~ثالثا، من كون هذا المذكور يلزم أن يأخذ كتابه بيمينه أو بشماله، وإن كان ~~من وراء ظهره فلا يكون قسما ثالثا، وإنما يكون صفة حال لمن يأخذ كتابه، وما ~~قلناه لازم لابن حزم من وجهين: # أحدهما: إن الله تعالى لما ذكر عرض الخلائق عليه في سورة الحاقة بقوله: ~~{يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية} ... [الحاقة: 18] قسمهم حينئذ إلى من ~~يأخذ كتابه بيمينه، ومن يأخذه بشماله لا غير، وهكذا (1) فعل في سورة ~~الواقعة، فإنه ذكر أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، ولم يذكر أصحاب الظهر، مع ~~أنه تعرض في السورة إلى تقسيم الناس بأجمعهم بقوله: {وكنتم أزواجا ثلاثة} ~~... [الواقعة: 7]، وذكر مآلهم وما أعد لهم من النعيم والجحيم، وذلك يدل على ~~أن أخذ الكتاب من وراء الظهر ليس قسما برأسه أصلا، إذ لو كان كذلك لذكره ~~الله في هاتين السورتين ولابد، بسبب ذكر القيامة فيهما وتعرضه للحصر في من ~~ذكر. # وإذا لم يكن قسما برأسه (2) فهو إذا راجع إلى أحد القسمين المذكورين في ~~اليمين أو في الشمال. PageV01P156 # # الوجه الثاني: إن الظهر ليس فيه جارحة لأخذ ولا لعطاء، وإنما اليد هي ~~المحل لذلك. # فإن قال ابن حزم لا يبعد أن يكون الظهر (1) محلا لذلك في الآخرة. # قلنا: لو كان الأمر كذلك لكانت التلاوة: وأما من أوتي كتابه بظهره، كما ~~قال بيمينه وبشماله، وإنما قول الله في الآية: {وأما من أوتي كتابه وراء ~~ظهره} [الانشقاق: 10]، وذلك يقتضي أن تكون الجارحة التي تباشر أخذ الكتاب ~~خلاف الظهر، وإذا كانت خلاف الظهر فهي اليد لامحالة. # وإذا ثبت أنها اليد فيقال لابن حزم: لابد أن تقول إنها اليمين أو الشمال، ~~ولا يسعه في حق صاحب الكبائر أن يقول: إنها الشمال، إذ ذلك إنما يكون لمن ~~هو من المكذبين الضالين، وهو من (2) لا يؤمن بالله العظيم، فلم يبق إلا أن ~~تكون هي اليمين، فصح بذلك أن المؤمن الذي هو صاحب كبائر ms060 إنما يأخذ كتابه ~~بيمينه ولابد، وسندل على أنه لا يصح أن يأخذه من وراء ظهره، وإنما الذي ~~يأخذه من وراء ظهره هو الكافر يأخذه بشماله كذلك، على ما سيأتي بحول الله. # الثالث من الوجوه الخمسة: إن أخذ الكتاب من وراء الظهر لا يخلو أن يكون ~~القصد به الكرامة أو الإهانة، ومحال أن يقصد به الكرامة، إذ ليس ذلك من دأب ~~الكرامة، فلم يبق إلا أن يقصد به الإهانة. # وهو الذي تدل عليه الإهانة. PageV01P157 # # وإذا كان القصد به الإهانة فسيكون على مذهب (ابن حزم) (1) حال صاحب ~~الكبائر من المؤمنين أسوأ من حال الكافر، لأن الكافر عنده يأخذ كتابه ~~بشماله لا من وراء ظهره، ومن يأخذ كتابه بشماله من قبل وجهه أحسن حالا ممن ~~يأخذ كتابه وراء ظهره، لأن أخذ هذا لكتابه (2) يكون من قبل قفاه، وإن صرف ~~وجهه إلى خلفه، كما ورد في التفسير، إذ حمل بعضهم قوله تعالى: {من قبل أن ~~نطمس وجوها فنردها على أدبارها} [النساء: 47] على ذلك (3). (ق.29.أ) # كان هذا الفعل أشد في الإهانة، فينبغي أن يجعل ذلك في حق الكافر المهان ~~في كل حالة، فقد قال الله تعالى: {ومن يهن الله فما له من مكرم} [الحج: 18] ~~متصلا بقوله: {وكثير حق عليه العذاب} [الحج: 18]، ولا يحق العذاب إلا على ~~من هو كافر، كما قال: {أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار} ~~[الزمر: 19]. # وهكذا هي الإهانة إنما تطلق في القرآن في حق الكافر كما قال: {ويخلد فيه ~~مهانا} [الفرقان:69]، وقال: {وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} [النساء: 37]. # والشرع كله يأبى أن يكون الكافر أحسن حالا من المؤمن كان كيفما كان، فلا ~~يصح أن يكون المؤمن دون الكافر في حال من الأحوال، بل الكافر PageV01P158 # # غايته أن يتشبه بالمؤمن، وذلك بأن يتظاهر بالإيمان فينفعه ذلك في الدنيا، ~~لأنه يحرز نفسه وماله بنفاقه. # وكذلك (1) ينفعه أيضا في بعض أحوال الآخرة لاختلاط المؤمنين والمنافقين ~~في أول الحال يوم القيامة، فإنه إذا قيل: «لتتبع كل أمة ما كانت تعبد تبقى ~~هذه الأمة فيها ms061 منافقوها» (2)، فلا ينكشف أمرهم إلا عندما يسجد المؤمنون ~~لله يومئذ إذ لا يستطيع المنافقون عليه، لأن كل واحد منهم إذا هم بالسجود ~~(3) يرجع ظهره طبقا واحدا، كما ورد في الخبر. # فإن قيل: إن هذا الوجه الذي قلتم إنه إهانة وجعلتموه من الوجوه التي ~~منعتم بها أخذ الكتاب من وراء الظهر، يرد عليكم فيه دخول المذنبين النار، ~~فإنه إهانة. # قلنا: الفرق بين أخذ الكتاب في الجملة وبين (4) دخول المذنبين النار، أن ~~أخذ الكتاب إنما هو أمارة على السعادة المؤبدة أو الشقاوة المؤبدة، ودخول ~~المذنبين النار ليس فيه شقاوة مؤبدة، فلذلك لا نسلم أنه إهانة مطلقة فإن ~~المقصود به تخليصهم وتنقيتهم من الذنوب، ليستعدوا للقاء الله تعالى في جنة ~~الخلد فقال (5) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: «يخلص ~~المؤمنون من النار PageV01P159 # # فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت ~~بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس ~~محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في دار الدنيا» (1). # ألا ترى أن قوله: «حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة»، فإنه يدل ~~على أن الجنة لا يدخلها أحد من المؤمنين (2) المذنبين إلا بعد التنقية ~~والتهذيب بالقصاص، وإذا كان الأمر كذلك تبين ما قلناه من أن دخول من يدخل ~~منهم النار ليس بإهانة مجردة. ولذلك يكرمهم الله تعالى بأن لا يحترق فيها ~~(3) بعض أجسادهم (4). # فقد روى أبو هريرة عن النبي - عليه السلام - في حديث الشفاعة قال (5): ~~«فيعرفونهم في النار بأثر السجود» (6)، يعني الملائكة، تأكل النار من ابن ~~آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود. PageV01P160 # # وفي حديث أبي سعيد عن النبي - عليه السلام -: «فيقال لهم يعني للمؤمنين ~~(1) أخرجوا من عرفتم فتحرم (ق.29.ب) صورهم على النار، فيخرجون خلقا كثيرا ~~قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه». (2) # وروى جابر عن النبي - عليه السلام - أنه قال: «إن قوما يخرجون من النار ~~يحترقون فيها إلا دارات ms062 وجوههم حتى يدخلون الجنة» (3). # فإذا (4) كان من يدخل النار من المذنبين تحفظ عليهم فيها دارات وجوههم ~~ومواضع السجود منهم، ومع هذا فيميتهم الله فيها إماتة، كما ورد في الخبر، ~~فإنما ذلك على وجه التكرمة لهم لحرمة الإيمان، وإن كان دخولهم النار في ~~صورة الإهانة. # وهذا مثل تأديب الإنسان عبده بالسجن والضرب، فإنه وإن كان إهانة في ~~الظاهر، فهو كرامة في الباطن من حيث يكون قصده بذلك أن يستعد العبد لخدمته ~~ويتشرف بالقرب منه لاسيما إذا كان العبد فدما محتاجا إلى الأدب فذلك إحسان ~~من مولاه إليه، فإذا تأدب بذلك (5) وقرب من سيده PageV01P161 # # كانت له الحظوة عنده والمنزلة لديه، ولذلك جاء في حديث الشفاعة: «إن الله ~~تعالى يقول لأهل الجنة وفيهم من دخل النار قبل ذلك: أحل عليكم رضواني فلا ~~أسخط عليكم بعده أبدا» (1). # الرابع من تلك الوجوه: إن الله تعالى لم يخبرنا في القرآن بأن (2) أهل ~~الكبائر يدخلون النار ثم يخرجون منها إلى الجنة حتى يجعلهم قسما برأسه ~~فيذكر من أين يأخذون كتبهم، وإنما تولى الله تعالى في القرآن تبيان من يدخل ~~الجنة مخلدا ومن يدخل النار مخلدا، فقال تعالى: {ومن يطع الله ورسوله يدخله ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ~~ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} ... [النساء: 13 ~~- 14]. # وكذلك الآيات التي تقدم ذكرها مثل قوله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم وإن ~~الفجار لفي جحيم} [الإنفطار: 13 - 14]، وقوله: {فمنهم شقي وسعيد} [هود: ~~105]، وقوله: {وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة} [الغاشية: من 2 - 3]، {وجوه ~~يومئذ ناعمة لسعيها راضية} [الغاشية: 8 - 9]. إلى آخر الآيات. وقوله: {يوم ~~تبيض وجوه وتسود وجوه} [آل عمران: 106] وقوله: {فريق في الجنة وفريق في ~~السعير} [الشورى: 7]. PageV01P162 # # وغير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى، كقوله: {والذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر} [الفرقان: 68] إلى قوله: {ويخلد فيه مهانا} ... [الفرقان: ~~69] (ق.30.أ)، ثم قال: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات} [الفرقان: 70]. # وكقوله: {إن الذين ms063 كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين ~~فيها أولئك هم شر البرية إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير ~~البرية جزاؤهم عندربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا} ~~[البينة: من6 - 7] الآية. # ومثل قوله: {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا ~~أعتدنا جهنم للكافرين نزلا} [الكهف: 102]، وذكر آيات في وصفهم، ثم قال: {إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا خالدين فيها لا ~~يبغون عنها حولا} [الكهف: 107 - 108]. # ومثل قوله بعد تقدم ذكر المؤمنين والكفار: {الملك يومئذ لله يحكم بينهم ~~فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~فأولئك لهم عذاب مهين} [الحج: 56 - 57]. # ومثل قوله: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا # PageV01P163 # # أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل ~~يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا ~~لا نضيع أجر من أحسن عملا أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار} ~~[الكهف: 29 - 30]. الآية. # والظالمون المعد لهم النار هم القسم الذي كفر ولم يؤمن، قال الله تعالى ~~في آية أخرى: {والكافرون هم الظالمون} [البقرة: 254]. # وهكذا إذا استقريت القرآن كله وجدته على هذه الوتيرة. # ومن الدليل البين (1) على ما قلناه أن الله تعالى لما ذكر في سورة ~~الواقعة جميع الناس في الآخرة وصيرهم ثلاثة أصناف، جعل أهل الجنة صنفين ~~(2): # - مقربين. # - وأصحاب اليمين. # ولم يذكر فيهما المعذبين من أهل الكبائر، ولا بد أن يكونوا داخلين في ~~أصحاب اليمين، لأنه لم يبق بعدهم إلا الصنف الثالث الذين هم الكفار ~~المكذبون. # وبيقين نعلم أن أهل الكبائر من المؤمنين ليسوا من الكفار المكذبين، فلا ~~بد أن يكونوا من أصحاب اليمين ضرورة، ولم يذكر الله تعالى في السورة ~~PageV01P164 # # كما قلنا أن في أصحاب اليمين معذبين، ولا ذكر (1) ذلك في الآيات التي ~~تقدمت، لأنه تعالى إنما ذكرهم بالمآل الذي يكون مرجعهم (ق.30.ب) إليه. # لأن العذاب بالنار إذا كان لأجل محدود وهو ms064 مبلغ القصاص أو (2) حلول ~~الشفاعة، فلا بد أن ينصرم ضرورة، وذلك وإن كانت فيه مهلة كبيرة، قليل ~~بالإضافة إلى التخليد في الجنة بعد ذلك أبد الآباد. # ومن الدليل البين (3) أيضا على ذلك قول الله تعالى: {الذين كفروا وصدوا ~~عن سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على ~~محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ذلك بأن الذين كفروا ~~اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم} [محمد: 1 - 3]. # ثم قال بعد آيات: {ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى ~~لهم إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم} [محمد: ~~من11 - 12]. # فإنه سبحانه ذكر أولا قسمين، وهما: الذين كفروا (4)، والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات، وأخبر أن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا ~~الحق. PageV01P165 # # وذكر أنه مولى الذين آمنوا دون الذين كفروا، ثم أخبر بمآل الفريقين في ~~الآخرة، فأحدهما في الجنة والآخر في النار، ولم يذكر في هذه الآيات أهل ~~الكبائر، ولابد أن يكونوا في أحد القسمين، ومحال أن يكونوا من أهل الكفر، ~~فلم يبق إلا أن يكونوا من أهل الإيمان، لأنهم آمنوا بالله وآمنوا بما نزل ~~على محمد واتبعوا الحق من ربهم في الإيمان وكثير من الطاعات، فلا محالة أن ~~الله تعالى يكفر عنهم سيئاتهم ويدخلهم الجنة وإن عذب بعضهم بالنار، فلا ~~اعتبار بذلك لعدم خلودهم فيها كما تقدم. # ومن الدليل البين أيضا على ذلك (1) قول الله تعالى: {إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك ~~صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا هو الذي أنزل السكينة في قلوب ~~المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله ~~عليما حكيما ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما ويعذب المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات ms065 الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء ~~وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا} [الفتح: 1 - 6]. # فأخبر جل وعز في هذه السورة بما يفعل بنبيه - عليه السلام -، وهو أنه ~~يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأنه يتم نعمته عليه ويهديه صراطا ~~مستقيما وينصره نصرا عزيزا. PageV01P166 # # وأخبر بما يفعل بالمؤمنين والمؤمنات من إدخاله إياهم الجنات على وجه ~~الخلود فيها وتكفير سيآتهم، وأن ذلك هو الفوز العظيم. # وأخبر بأنه يعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، وأنه غضب ~~عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم جزاء لأعمالهم. # وأخبر أنها ساءت مصيرا، لأجل تخليدهم فيها على وجه الهوان الدائم والعذاب ~~اللازم. # فانتظمت هذه الآيات ذكر الخاتمة للجميع، وهو ما يفعل بنبيه محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - وما يفعل بالمؤمنين به وبنبيه من الرجال والنساء، وما ~~يفعل بالكافرين به وبنبيه من الرجال والنساء، سواء كان الكفر باطنا أو ~~ظاهرا، فالكفر الباطن هو النفاق، والكفر الظاهر هو الإشراك. # وليس للمذنبين من أهل الكبائر ههنا ذكر أصلا، ولابد أن يدخلوا في أحد هذه ~~الأقسام، إذ المقصود بها الحصر في أهل التنعيم بالثواب والتعذيب بالعقاب. # ومحال أن يكون أهل الكبائر من المسلمين منافقين أو مشركين، لأنهم مؤمنون ~~بالله تعالى وبنبيه ظاهرا وباطنا، أعني بألسنتهم وبقلوبهم، وإنما معاصيهم ~~في فروع الدين، فلابد أن يدخلوا في المؤمنين والمؤمنات الذين يدخلهم الله ~~الجنة، وإن عذب بعضهم في النار على وجه القصاص، لأن مآلهم إلى الجنة ~~ومستقرهم فيها على ما قدمناه. # PageV01P167 # # فإذ وتقرر ما أردناه من ذلك تقريرا تاما فنقول، والله الموفق للصواب فيما ~~نقوله: # إني لا أعلم في القرآن آية تدل على ذكر أهل الكبائر، أعني الذين لا ~~يجتنبونها ولا يتوبون منها بعد ارتكابها إلا قوله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات} [فاطر: 32]، على أصح القولين. # PageV01P168 # ### | (تفسير: {فمنهم ظالم لنفسه}) # (1) # فإن المفسرين اختلفوا في قوله: فمنهم ظالم لنفسه: # فقال بعضهم: هو الكافر (2). # وقال بعضهم: هو صاحب الكبائر الذي لم يتب ms066 منها. (3) # فأما من قال إنه الكافر فاحتج أو احتج من احتج له بكون الله تعالى سماه ~~ظالما لنفسه، وقال: إن هذا اللفظ إنما يطلق على الكفار بدليل قوله تعالى: ~~{الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} [النحل: 28]. # وهذا الاحتجاج ليس بصحيح، لأن هذا اللفظ كما يطلق على الكافر يطلق أيضا ~~(4) على المؤمن المذنب، قال الله تعالى حكاية عن آدم وحواء: {ربنا ظلمنا ~~أنفسنا} ... [الأعراف: 23]. PageV01P169 # # وقال فيمن أمسك امرأته ضرارا: {ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} [البقرة: ~~231]. # وقال في نحو ذلك: {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1]. # وقال: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا ~~لذنوبهم} [آل عمران: 135]. # وقال: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} ~~[النساء: 110]. # وقال حكاية عن موسى - عليه السلام -: {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي} ~~[القصص: 16]. وذلك عندما وكز الرجل الذي قضى عليه. # وقال أيضا حكاية عن يونس - عليه السلام -: {سبحانك إني كنت من الظالمين} ~~[الأنبياء: 87]، فأطلق يونس الظلم على نفسه لأجل ذنبه. # وفي الدعاء الذي علمه النبي - عليه السلام - أبا (1) بكر الصديق: «اللهم ~~إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». (2) PageV01P170 # # فقد ثبت بما ذكرناه أن الظلم لا يطلق على الكافر فقط، بل يطلق على الكافر ~~وعلى المذنب من المؤمنين، وإنما يدرك الفرق بينهما بما يذكر من أوصافهما ~~وقرائن أحوالهما. # واندرأ بذلك قول من قال إنه الكافر بكون الله تعالى أطلق الظلم عليه. # ومن قال من المفسرين إنه المنافق لا فرق بينه وبين من قال إنه الكافر، ~~لأن المنافق كافر. # وإذا اندرأ ذلك لم يبق إلا قول من قال إن الظالم لنفسه هو صاحب الكبائر ~~الذي مات ولم يتب منها. # والدليل على صحة هذا القول ثلاثة أمور: # أحدها: إن الله تعالى جعل الظالم لنفسه ممن اصطفاه وأورثه الكتاب بقوله: ~~{ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} [فاطر: 32]، ثم قال على وجه ~~التقسيم لهم: فمنهم، ومنهم، ومنهم. ms067 # فكما تناول الاصطفاء المقتصد والسابق كذلك تناول الظالم لنفسه، ولا فرق، ~~وكيف لا يتناوله ذلك، وهو مؤمن بربه، وقد عمل الصالحات لكونه (1) يفعل ~~الطاعات أو بعضها، (ولو كان كافرا لم يتناوله الاصطفاء أصلا) (2). # الثاني: قوله تعالى: {جنات عدن يدخلونها} [الرعد: 23] فأعاد الضمير على ~~الثلاثة المذكورين، ولا يصح إعادته على البعض دون البعض، ومن فعل ذلك كان ~~متحكما. PageV01P171 # # الثالث: إن الله تعالى لما أكمل قصة هؤلاء الذين يدخلون الجنة وذكر ~~قولهم: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} [فاطر: 34] إلى آخر كلامهم، قال: ~~{والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من ~~عذابها} [فاطر: 36] فأخبر عن أهل الكفر بأنهم في النار، فدل ذلك على أن من ~~ذكر قبلهم مؤمنون وأنهم أهل الجنة، وغير هذا من التأويل في الآية تعسف محض. # وإنما قيل في الظالم لنفسه أنه الذي لم يتب من الكبائر لأجل أن التقسيم ~~يقتضيه، إذ لو تاب منها لالتحق بالمقتصد، لأن المقتصد إنما يكون من مات على ~~صغائر لم يتب منها فيتولى ذلك الغفران، لاجتنابه الكبائر، أو يكون صاحب ~~كبائر، لكن يموت تائبا منها، ويكون مقتصدا في فعل الخيرات. # وأما السابق بالخيرات فهو الفاضل المجتنب للكبائر والصغائر الباذل نفسه ~~في اكتساب الطاعات والمجتهد في فعل القربات ونيل الدرجات. # وإذا فرغنا من هذا فنقول: إن هؤلاء الثلاثة الذين ذكر الله في هذه الآية ~~أنهم يدخلون الجنة إنما ذلك ابتداءا في حق بعضهم، وبالمآل في حق بعضهم، لأن ~~المقتصد والسابق بالخيرات يدخلان الجنة من غير عقاب، والظالم لنفسه ينقسم ~~جنسه إلى قسمين: من هو مغفور له، ومن هو مقتص منه. # فمن هو مغفور له يدخل الجنة من غير عقاب أيضا، ومن هو مقتص منه يدخل ~~الجنة بعد القصاص، فإذا دخلها آخرا فيعد من أهلها أولا لأجل تخليده فيها، ~~فلذلك حسن أن يرجع الضمير في قوله يدخلونها إلى الجميع. # ولنرجع إلى ما كنا فيه، فنقول: إن (ق.32.ب) أهل الكبائر المعذبين في ~~النار بسبب معاصيهم ثم يخرجون منها إلى الجنة إنما ms068 بين أمرهم نبينا محمد - ~~صلى الله عليه وسلم -، # PageV01P172 # # وذكرهم في غير ما حديث من أحاديث الشفاعة، ورويت تلك الأحاديث من غير ما ~~وجه بأسانيد مختلفة وطرق كثيرة، وقد قبل ذلك أهل الإسلام قبولا تاما حتى لا ~~يتطرق إليهم الشك فيه (1). # ومما يدل على ما قلناه في هذا: # الوجه الرابع: ما خرجه مسلم في صحيحه (2) عن يزيد الفقير قال: كنت قد ~~شغفني رأي من رأي الخوارج فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج ثم نخرج على ~~الناس، قال: فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم -جالسا ~~إلى سارية- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: وإذا هو قد ذكر ~~الجهنميين، قال: فقلت له: يا صاحب رسول الله ما هذا الذي تحدثون؟ والله ~~يقول: {إنك من تدخل النار فقد أخزيته} [آل عمران: 192]، و {كلما أرادوا أن ~~يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها} [الحج: 22] فما هذا الذي تقولون؟ قال: ~~فقال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: فهل سمعت بمقام محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، يعني الذي يبعثه الله فيه قال: قلت: نعم، قال: فإنه مقام محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - المحمود، الذي يخرج الله به من يخرج. # قال: ثم نعت وضع الصراط ومر الناس عليه، قال: وأخاف ألا أكون أحفظ ذلك، ~~قال: غير أنه قد زعم أن قوما يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها، قال: ~~يعني فيخرجون منها (3) كأنهم عيدان السماسم فيدخلون نهرا من PageV01P173 # # أنهار الجنة فيغتسلون فيه فيخرجون كأنهم القراطيس، فرجعنا قلنا: ويحكم ~~أترون الشيخ يكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فرجعنا، فلا والله ~~ما خرج منا غير رجل واحد. # ألا ترى إلى هذه العصابة من التابعين كيف كانوا يرون رأي الخوارج في ~~تكفير الناس بالذنوب حتى هموا بالخروج عليهم ليقاتلوهم ويقتلوهم، ولذلك ~~احتجوا على جابر بالآيات التي نزلت في أهل النار، إذ اعتقدوا أن كل من يدخل ~~النار لا يخرج منها أبدا، فقادهم ذلك إلى أن العاصي يخلد في (ق.33.أ) ~~النار، لأنهم لم يجدوا في ms069 القرآن النص (1) على من يدخل الجنة بعد خروجه من ~~النار. # وانظر إلى الصاحب كيف لجأ في ذلك إلى ما سمعه من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ولم يقل لهم: كيف تنكرون هذا وهو (2) في القرآن؟. # وغاية ما استدل جابر في ذلك بذكر المقام المحمود في الجملة، وتأوله على ~~شفاعة النبي - عليه السلام - في إخراجه من يخرج من النار. # وهذه الشفاعة يتضمنها المقام المحمود، لأنه يحتوي على الشفاعة الكبرى ~~والشفاعة الصغرى (3)، فالشفاعة الكبرى هي إراحة الناس من هول الوقوف ~~PageV01P174 # # يوم القيامة (ليتعجل لهم الحساب) (1)، وهي التي يتدافعها الأنبياء صلوات ~~الله عليهم حتى تصل إلى نبينا - عليه السلام -، وهي المقام المحمود على ~~الحقيقة. # والشفاعة الصغرى هي التي ذكرها جابر: من خروج المؤمنين من النار ودخولهم ~~الجنة. # وانظر إلى أولئك التابعين كيف عصمهم الله تعالى وصرفهم عن ذلك الرأي ~~المذموم بما ذكر لهم جابر عن النبي - عليه السلام - من خروج من يخرج من ~~النار ودخولهم الجنة، فلم يخرج منهم على الناس غير رجل واحد. # فقد تقرر بما ذكرناه أن النبي - عليه السلام - (هو الذي) (2) بين وأوضح ~~أن من أهل الكبائر من يدخل النار ثم يخرجون منها بالشفاعة ولكن لم ينقل عنه ~~- صلى الله عليه وسلم - من أين يأخذ هذا الصنف كتابه هل بيمينه أم لا، ~~فلنطلب الدليل على ذلك حتى يثلج صدرنا به. # وإذا أبطلنا على ابن حزم قوله في الآية التي كنا بصددها تعين أن أهل ~~الكبائر إنما يأخذون كتبهم بأيمانهم ضرورة، إذ لا يأخذ كتابه بشماله إلا من ~~هو كافر لقوله تعالى إخبارا عن من يأخذه (كذلك) (3): {إنه كان لا يؤمن ~~بالله العظيم} [الحاقة: 33]. PageV01P175 # # فلنشرع في ما بقي علينا من ذلك فنقول (1): # الوجه الخامس من الوجوه المتقدمة: # تتبع الآية وتفهمها على جهة الإنصاف وعدم الغلو من غير اعتبار بقولة (2) ~~قائل، وإذا نحن فعلنا ذلك تبين به أن قول ابن حزم (3) لا يصح. # فإن سياق الآية يبطل أن تكون في حق المذنبين، لأن النار ليست لهم بمستقر ~~ودخولهم إياها دخول استيفاز ms070 في (ق.33.ب) الجملة، وإن جاز أن يكونوا فيها ~~مدة. # ولهذا فرق النبي - عليه السلام - بينهم وبين أصحاب النار المستوطنين فيها ~~بقوله: «أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ~~ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم أو قال: بخطاياهم فأماتهم الله فيها ~~إماتة». الحديث. (4) # ألا ترى قوله الذين هم أهلها (كيف ساقه - عليه السلام -) (5) على وجه ~~التعريف بأن أهل النار الذين بدأ بذكرهم هم المستوجبون لها المخلدون فيها، ~~ليفرق PageV01P176 # # بذلك بينهم وبين الناس الذين أصابتهم النار بذنوبهم (ثم يخرجون منها ~~ويستقرون في الجنة) (1). # فإذا تقرر هذا فنقول: إن الآية فيها: {فسوف يدعو ثبورا} [الانشقاق: 11]، ~~ومثل هذا اللفظ لم يرد في الشرع أنه يطلق على المؤمن البتة ولو كان صاحب ~~كبائر، وذلك لحرمة الإيمان وحرمة المتصف به، فلا يدعو بالويل والثبور في ~~القيامة إلا الهالك المنسد عليه طريق الرحمة، قال الله تعالى في أهل ~~التكذيب المستوجبين للنار: {بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة ~~سعيرا إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وإذا ألقوا منها ~~مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا} [الفرقان: 11 - 12]. # ثم أخبر سبحانه بأنه يقال لهم: {لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا ~~كثيرا} [الفرقان: 14]. # وكذلك قوله: {ويصلى سعيرا} [الانشقاق: 12] لا يطلق على المؤمن، وإن كان ~~مذنبا، فإن السعير إنما أعد للكفار، قال الله تعالى في الآية المتقدمة: ~~{وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا} [الفرقان: 11]، وقال في الشياطين: ~~{وأعتدنا لهم عذاب السعير} [الملك: 5]، ثم قال: {وللذين كفروا بربهم عذاب ~~جهنم وبئس المصير} [الملك: 6]، إلى قوله تعالى (2): {وقالوا لو كنا نسمع أو ~~نعقل ما كنا في PageV01P177 # # أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير} [الملك من 10 - 11]. ~~وقال: {ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا} [الفتح: 13]. # فدلت هذه (1) الآيات على أن أصحاب السعير هم الكفار والشياطين. # ويدل على ذلك دلالة قوية قوله تعالى: {فريق في الجنة وفريق في السعير} ~~[الشورى: 7]، إذ قصد به الحصر فيمن هو في الجنة وفيمن هو (2) في النار، كما ~~قال سبحانه: ms071 {فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة} ... [الأعراف: 30]. # ففريق الهدى هو الفريق الذي في الجنة، وفريق الضلالة هو الفريق الذي في ~~السعير. # فلا يصح إذن أن يحمل قوله: {ويصلى سعيرا} [الانشقاق: 12] على المؤمن ~~المذنب بوجه، وإنما هو بمنزلة قوله: {لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى} ~~[الليل: 15 - 16]، وقوله: {ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى} ~~[الأعلى: 11]، فمن صلي النار والسعير فهو الأشقى. # ولا يسمى الأشقى في لسان الشرع إلا الشقي المطرود عن رحمة الله المستوجب ~~عذابه. # والتصلية أيضا مختصة بأهل النار المخلدين فيها. PageV01P178 # # قال الله تعالى: {وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية ~~جحيم} [الواقعة: 92]. # ويقرأ: {ويصلى سعيرا} [الانشقاق: 12] بالتخفيف والتشديد. # فمن قرأه بالتخفيف وضم الياء فهو من أصلي فهو يصلى، وهو مبني لما لم يسم ~~فاعله. # ومن قرأه بالتخفيف وفتح الياء (1)، فهو من قولك: صلي الرجل النار فهو ~~يصلاها، كما قال: {لا يصلاها إلا الأشقى} [الليل:15]، ومنه قوله تعالى: ~~{إلا من هو صال الجحيم} [الصافات: 163]. # ومن قرأ: "ويصلى سعيرا" بالتشديد (2) فهو للمبالغة، ومعناه أنه يصلى ~~تصلية بعد تصلية، ومرة على إثر أخرى، كما قال: {كلما نضجت جلودهم بدلناهم ~~جلودا غيرها ليذوقوا العذاب} [النساء: 56]، وهذا إنما هو في الكفار، فإن ~~أول الآية: {إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا} [النساء: 56] وقبلها: ~~{وكفى بجهنم سعيرا} [النساء: 55]. # وإنما جعل (3) سبحانه ذلك لمن صد عن الإيمان، فإنه قال: {فمنهم من آمن به ~~ومنهم من صد عنه} [النساء: 55]، ثم ذكر السعير والنار والعذاب لهؤلاء ~~PageV01P179 # # الكفار الذين صدوا عن الإيمان، ثم ذكر الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وأنه ~~يدخلهم الجنة على وجه الخلود. # وهذا من الذي كنا فيه قبل، من ذكر الله للمؤمنين الذين يدخلون الجنة ~~وللكفار من غير اعتبار بقسم (1) ثالث. # ومما يؤيد ما قلناه: الآية التي تقدم ذكرها، وهو قوله سبحانه: {ثم أورثنا ~~الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات} [فاطر: 32]، وقد مضى هنالك أن الظالم لنفسه وهو المذنب الذي لم ~~يتب من كبائره (داخل في ms072 الاصطفاء) (2)، وأن الله تعالى جعله ممن يدخل الجنة ~~بما يؤول إليه أمره. # فإذا كان في الدنيا من المصطفين وفي الآخرة من أهل الجنة فكيف يدعو ثبورا ~~يوم تبلى السرائر، وقد انكشفت (3) له الحال (ق.34.ب) وعلم حينئذ أنه لا ~~يخلد في النار (إن دخلها) (4)، وإنما يتصور منه الاستسلام والصبر لقضاء ~~الله تعالى حتى ينجيه مما حصل فيه، لاسيما مع كونه لم يجعل له من الإحساس ~~في النار ما جعل لأهل الكفر (5)، فإن النبي - عليه السلام - أخبر بأن الله ~~تعالى يميت أهل PageV01P180 # # الذنوب فيها إماتة، وما ذاك إلا ليهون العذاب عليهم تفضلا من الله تعالى ~~على عباده المذنبين. # وهذا أيضا يدل على بطلان قول ابن حزم، فإن الله تعالى إذا عامل المذنبين ~~في النار بهذه المعاملة ليفرق بينهم وبين أهل النار الذين هم أهلها حتى ~~يمتازوا عنهم، فكيف لا يعاملهم في حين الموازنة والحساب بتلك المعاملة ~~فيكرمهم بأخذ الكتاب باليمين، حتى يفرق بينهم وبين أصحاب الشمال، ولا ~~يهينهم بأخذ الكتاب من وراء الظهر الذي يلزم منه أن تكون (1) حالهم أسوأ من ~~حال الكفار على ما قدمناه. PageV01P181 # ### | (معنى {إنه كان في أهله مسرورا}) # (1) # ونرجع إلى تفهم الآية، فنقول: وفيها: {إنه كان في أهله مسرورا} ... ~~[الانشقاق: 13]، وهذا على وجه الذم له، لأنه لا يكون مسرورا في الدنيا إلا ~~بأن يعتقد أن ليس بعد الموت حساب ولا عقاب، فبذلك يتم سروره. # وأما من اعتقد أن الله تعالى (2) يحييه بعد الموت ويحاسبه على أعماله، ثم ~~يجازيه عليها بالثواب أو بالعقاب فلا يكون في الدنيا مسرورا إلا في أوقات ~~الغفلة، فمتى تذكر رجع إلى حالة الإشفاق والخوف، وهذا هو سبيل المؤمنين ~~بأجمعهم، ولهذا أخبر الله تعالى عن أهل الجنة بأنهم قالوا فيها: {إنا كنا ~~قبل في أهلنا مشفقين} ... [الطور: 26]. # وقال عز اسمه: {فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى ~~وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} [النازعات: ~~37 - 41]. # فأخبر أن في الخلق من يطغى ومن يخاف مقام ربه، ms073 فمن خاف مقام ربه منعه ذلك ~~من السرور في الدنيا، ومن طغى وآثر الحياة الدنيا فلا محالة أنه يكون ~~مسرورا بحاله. PageV01P182 # # ومن هاهنا وقع الذم على ذلك السرور. # لأن السرور يلزم فيه أن لا يعتري صاحبه خوف ولا حزن، ولا يكون ذلك في ~~الدنيا إلا لمن ينكر البعث، وأما في الآخرة فيكون فيها السرور المطلق الذي ~~لا يشوبه هم ولا حزن أصلا، ولذلك قال الله تعالى فيمن يأخذ كتابه بيمينه ~~وينقلب إلى أهله مسرورا معناه ينقلب إلى أهله في الجنة مسرورا بعمله وبأهله ~~وبثوابه (ق.35.أ) فكان ذلك السرور محمودا من وجهين: # - أحدهما: إنه ترتب على حالة الإشفاق الذي (1) كان يلزم صاحبه في الدنيا. # - والثاني: فرحه بمعاينة ثوابه ودخوله جنة ربه. # كما أن ذلك السرور الثاني مذموم من وجهين: # - أحدهما: كون صاحبه لاهيا به عن ربه في الدنيا لعدم إيمانه بالبعث. # - والثاني: إن ذلك السرور قاده إلى العذاب بالنار في الآخرة، ولذلك جاء ~~عن النبي - عليه السلام - أن الله تعالى قال: «وعزتي وجلالي لا أجمع على ~~عبدي خوفين ولا أمنين، فإذا أمنني في الدنيا أخفته في الآخرة، وإذا خافني ~~في الدنيا أمنته في الآخرة»، أو كما قال (2): PageV01P183 # ### | (معنى: {إنه ظن أن لن يحور}) # (1) # وأما قول الله تعالى في الآية: {إنه ظن أن لن يحور} [الانشقاق: 14]، فهو ~~إخبار بكفر هذا الذي يؤتى كتابه وراء ظهره، لأن الظن من باب الشك، والشك ضد ~~اليقين الذي تعبدنا به في باب الإيمان، فمن شك في الله أو في البعث فهو ~~كافر. # وما أغرب قول ابن حزم: (فلم يخبر الله تعالى عن من يؤتي كتابه وراء ظهره ~~بكفر)، وإخباره سبحانه بأنه ظن أن لن يحور هو عين الكفر لا محالة، فإن ~~معناه: إنه حسب أن لن يرجع إلى الله تعالى، أي ليس يحييه وينشره للبعث. # ولذلك لم يختلف أحد من المفسرين في أن هذا هو معنى الآية، ويدل على كفره ~~قول الله تعالى: {بلى} [الانشقاق: 15]، ردا عليه في ظنه، ومعناه: بلى ~~ليحورن وليبعثن ليذوق وبال أمره، ms074 ويتبين له عاقبة خسره، ولذلك قال: {إن ربه ~~كان به بصيرا} [الانشقاق: 15]، أي بصيرا به في حالة كفره وحالة بعثه وحالة ~~عذابه. PageV01P184 # ### | (رد قول ابن جزم في معنى {لن يحور}) # (1) # وقول ابن حزم: ومعنى قوله تعالى: {إنه ظن أن لن يحور} [الانشقاق: 14] ~~إنما هو ظن أن لن يحور إلى النار طمعا في المغفرة لمعاصيه، ولم يقل تعالى ~~أن لن يحور إلينا، والحور الهلاك، فإنما ظن أن لن يهلك وألا يرجع إلى ~~النار، غير محصل من وجوه: # أحدها: أنه قال في معنى قوله: {إنه ظن أن لن يحور} [الانشقاق: 14] إنما ~~هو ظن أن لن يحور إلى النار، فلزمه بهذا التقدير أن يكون معنى يحور يرجع، ~~وهو قد فسر الحور بالهلاك، ولا يستقيم له ذلك في قوله، إنما هو ظن أن لن ~~يحور إلى النار، إذ يكون تقديره: ظن أن لن يهلك إلى النار طمعا في المغفرة، ~~وذلك لا معنى له. # الثاني: أنه أوقع الحور آخرا على الهلاك والرجوع معا في قوله: فإنما ظن ~~أن لن يهلك وأن لا يرجع إلى النار، فجمع بين اللفظين (ق.35.ب) في معنى ~~يحور، ولا يصح أن يكون الحور يجمع المعنيين، وإنما هو واقع على معنى واحد، ~~PageV01P185 # # وذلك المعنى في اللغة هو: الرجوع، ومنه قوله - عليه السلام -: «نعوذ ~~بالله من الحور بعد الكور» (1). # وأما تفسيره الحور بالهلاك فهو غير معروف، وكفى بما قدمناه في ذلك عن أهل ~~التفسير وغيرهم، إذ اتفقوا على أن معنى يحور: يرجع، فإنهم قالوا: معناه إنه ~~ظن أن لن يرجع إلى الله، على ما أصلوه من أن الآية نزلت في الكفار. # ثم إطلاق ابن حزم الهلاك على من يكون مآله الجنة من المذنبين خطأ، وإنما ~~الهالك من يقع اليأس من فلاحه، كما قال النبي - عليه السلام -: «ولا يهلك ~~على الله إلا هالك» (2). # الثالث: كونه يقدر أن المعنى إنما هو ظن أن لن يرجع إلى النار، والمؤمن ~~المذنب كيف يظن أنه لا يرجع إلى النار وهو لم يدخل النار قبل ذلك ولا ~~رءاها، والرجوع ms075 إنما معناه: العودة إلى أمر قد وقع الانفصال منه والمفارقة ~~له. PageV01P186 # # ولا يخلو على تأويل ابن حزم أن يكون قوله تعالى: {إنه ظن أن لن يحور} ~~[الانشقاق: 14] إخبارا من الله تعالى عن ظن المذنب في الدنيا، أو عن ظنه ~~عند أخذ الكتاب، فإن كان عند أخذ الكتاب فهو لم يحصل بعد في النار، وإن كان ~~إخبارا عن ظنه في الدنيا فهو أبعد من النار وأبعد. # فإذن: لا يصح أن يطلق على المذنب ما أطلقه ابن حزم من كونه يظن أنه لا ~~يرجع إلى النار وهو لم يدخلها بعد: # الرابع: قوله: (إنما هو ظن أن لن يحور إلى النار، ولم يقل تعالى: أن لن ~~يحور إلينا)، وهذا منتقض، إذ يعكس عليه ويقال له: ولم يقل تعالى: إنه ظن أن ~~لن يحور إلى النار، ثم يطالب بالدليل على قوله: إنما هو ظن أن لن يحور إلى ~~النار، ولن يجد إلى ذلك سبيلا. # وأما الدليل على أن معنى الآية: إنه ظن أن لن يرجع إلى الله فظاهر من ~~الآيات، إذ كل ما قلناه في الوجوه المتقدمة وفي بقية الكلام على المعنى ~~الذي تضمنته حجة على ذلك، من حيث أثبتنا أن الآية إنما هي في الكفار لا ~~غير. # ثم يلزم من قول ابن حزم أن معنى الآية: إنه ظن أن لا (1) يرجع إلى النار، ~~أن يكون هذا الظن الذي قدره مذموما، وما من المؤمنين أحد إلا وهو يظن أن لا ~~يدخل النار، وإن كان فيهم من يقع في المعاصي اتكالا على عفو الله تعالى ~~وطمعا في رحمته. PageV01P187 # # وليس هذا الظن بمذموم منهم (ق.36.أ) بالكلية، بل ربما كان محمودا، فإن ~~الله تعالى يقول: «أنا عند ظن عبدي بي» (1) كما قاله - عليه السلام -، فحسن ~~الظن بالله تعالى مرغوب فيه من الشرع في الجملة، فكيف يرد الله تعالى ذلك ~~الظن على صاحبه بقوله: {بلى}. # وهذا الذي قلناه إنما هو على تأويل ابن حزم، وأما على تأويلنا في الآية ~~فالظن المذكور فيها مذموم لا محالة، لأنه كفر كما ms076 قررناه. # ثم يلزم عن قول ابن حزم هذا شيء آخر لا يقول به وهو: إنفاذ الوعيد، وذلك ~~أن بلى حرف إضراب وإيجاب، فالإضراب عما قبلها من الكلام من حيث يكون منفيا ~~إما بهمزة الاستفهام على وجه التقدير، وإما بنفي مجرد. # والإيجاب هو للكلام الذي يأتي بعدها (2) أبدا، والنفي ثابت في هذه الآية، ~~إذ فيها حرف "لن" المذكور في قوله: {لن يحور} [الانشقاق: 14]، والجواب الذي ~~بعد بلى محذوف، وهو موجب، وتقديره على تأويلنا: بلى ليحورن، أي: ليرجعن إلى ~~الله بعد موته على ما قدمناه (3). PageV01P188 # # وعلى قول ابن حزم إن معنى الآية: إنه ظن أن لا يرجع إلى النار، يكون ~~التقدير: بلى ليرجعن إلى النار، فيلزم على مذهبه- إذ جعل الآية في العاصي ~~المسوف نفسه بالتوبة- أن ينفذ عليه الوعيد، فإنه إذا ظن أن لا يدخل النار، ~~ويقال له: "بلى" كان معناه: بلى ليدخلن النار ولابد، فيكون ذلك ردا للنصوص ~~في العفو عن المذنبين ابتداءا مثل قوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48]. # وهنا انتهى بنا القول في الرد على أبي محمد بن حزم فيما قال في هذه ~~الآية، ونرجو أنا قد ذكرنا في هذه الوجوه الخمسة ما فيه الشفاء في ذلك، وإن ~~كان بعض تلك الوجوه في الرد عليه أقوى من بعض. # PageV01P189 # # فصل ### | رد قول ابن حزم في من يأخذ كتابه وراء ظهره # ) (1) # فإن قيل: بقي قوله: ولو كان غير ما قلنا لبقي الأخذ للكتب من وراء الظهر ~~فارغا وهذا لا يجوز، ولبقي المؤمنون المعذبون لا بيان من أين يأخذون كتبهم، ~~وهذا لا يجوز البتة، لأن الله تعالى قال: {تبيانا لكل شيء} [النحل: 89]، و ~~{ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 36]. # فما عندكم فيه؟ # قلنا: أما قوله: " ولو كان غير ما قلنا لبقي الأخذ للكتب من وراء الظهر ~~فارغا" فهو غير لازم، بل له فائدة كبيرة على ما نذكره، وحاشى لكلام الله ~~تعالى أن يكون فارغا، بل الحكمة كلها فيه، علم ذلك من علمه، أو ms077 (2) جهله من ~~جهله. # وقد تقدم أن المقصود بالآية والمعني بها إنما هم الكفار، ثم لا يخلو أن ~~يراد بذلك جميعهم، أو يراد به صنف منهم، فإن أريد به صنف منهم فلا يبعد ذلك ~~من مفهوم الآية، وإن كنت لم أر قائلا به. PageV01P190 # # وذلك أن الله تعالى قال في صفة من يأخذ كتابه وراء ظهره: {إنه ظن أن لن ~~يحور} [الانشقاق: 14]. # وقد تقرر أن الظن من باب الشك، فمن ظن أن لا يرجع (ق.36.ب) إلى الله فهو ~~منه شك في المعاد، فيكون أخذ الكتاب من وراء الظهر لهذا الصنف الذين عندهم ~~الشك في الإيمان بالمعاد أو بالله تعالى، ويكون الأخذ للكتاب بالشمال ~~للمكذبين كما قال في سورة الواقعة، وهو معنى قوله في سورة الحاقة: {إنه كان ~~لا يؤمن بالله العظيم} [الحاقة: 33] أي: لمن جزم على التكذيب وعدم الإيمان. # ولا يتصور أن يكون الظن في الآية المتقدمة بمعنى: اليقين أصلا، لأنه محال ~~أن يتيقن أحد أنه لا يبعث، لأن ذلك من جائزات العقول، وأيضا فقد رد الله ~~تعالى ذلك الظن بقوله: {بلى} [الانشقاق: 15]، ولو (1) كان يقينا لم يمكن ~~رده. # وإن كان المراد بالآية جميع الكفار على اختلاف طبقاتهم من شاك وجاهل ~~ومكذب ومنافق حتى يكون الأخذ للكتاب من وراء الظهر عاما لكل من يأخذ كتابه ~~بشماله على ما يظهر من جميع أقوال المفسرين، فذلك متجه جدا، وله فائدة ~~كبيرة. PageV01P191 # # وذلك أن الله تعالى لما ذكر في غير هذه (1) السورة من يأخذ كتابه بيمينه ~~ومن يأخذه بشماله من غير مزيد، أمكن أن يعتقد المؤمنون أنه لا فرق بينهم ~~وبين الكفار في ذلك إلا الأخذ باليمين والأخذ بالشمال فقط. # فلما أخبر الله تعالى في هذه السورة أن هناك من يأخذ كتابه من وراء ظهره، ~~وتبين أنه الكافر، أفادنا ذلك شيئا آخر، وهو أن الكافر يأخذ كتابه بشماله ~~من خلفه الذي هو وراء ظهره على وجه الزيادة في الإهانة له، وكأنه تعالى ~~قال: وأما من أوتي كتابه بشماله وراء ظهره (2)، فيكون قوله وراء ظهره ~~تبيينا ms078 لكيفية أخذ الكتاب بالشمال (3). # وهذا كما جاء في التفسير أن أهل الشمال تغل أيمانهم إلى أعناقهم وترد (4) ~~شمائلهم من وراء ظهورهم. PageV01P192 # # ويكون المؤمن يأخذ كتابه بيمينه من تلقاء وجهه على جهة المكرمة (1) له، ~~فيفترق حال المؤمن من حال الكافر في ذلك اليوم المشهود بهذين الوجهين على ~~الصفتين الظاهرتين للعيان، وهما: # - الأخذ باليمين من تلقاء الوجه. # - والأخذ بالشمال من وراء الظهر. # وقد اندرأ بذلك، والحمد لله، ما توهمه ابن حزم من الفراغ في الآية إذا لم ~~تحمل على مذهبه. # وقوله: (ولبقي المؤمنون المعذبون لا بيان من أين يأخذون كتبهم، وهذا لا ~~يجوز البتة) لا يلزم أيضا. # فإن الله تعالى وإن لم ينص لنا على هذا القسم من أين يأخذون كتبهم، فقد ~~أعطانا قاعدة نتعرف بها ذلك، وهي أن من يأخذ كتابه (ق.37.أ) بشماله هو ~~المكذب الذي لا يؤمن بالله. # وتبين بما قررناه أن قوله: {إنه ظن أن لن يحور} [الانشقاق: 14] إنما ~~المقصود به الكافر، فخرج من ذلك أن الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم هم أهل ~~الإيمان ضرورة، وذلك ينطلق على كل مؤمن مطيعا كان أو عاصيا. # وهذا كما بين لنا أن من ثقلت موازينه فهو المفلح الذي هو في عيشة راضية، ~~ومن خفت موازينه فهو مخلد في جهنم، ولم يبين لنا المعذبين من المؤمنين هل ~~تخف موازينهم أو تثقل. PageV01P193 # # وقد دلت قواطع الشرع على أن التخليد في النار لا يكون لمؤمن أصلا، ~~فأفادنا ذلك أنه لم يقصد بقوله: {ومن خفت موازينه} [المؤمنون: 103] أهل ~~الإيمان، وإن جاز أن تخف موازين بعضهم بكثرة المعاصي لا بأصل الإيمان، فإنا ~~سنذكر بعد أن الإيمان لا يوزن، إذ لا توازيه في الموازنة معصية أصلا (1). ~~PageV01P194 # ### | تعذيب بعض من يأخذ كتابه بيمينه # ) (1) # فإن قيل: فيلزم على قولكم أن يعذب بعض من يأخذ كتابه بيمينه. # قلنا: نعم، قد يكون فيمن يأخذ كتابه بيمينه من يعذب، فإنه إذا ثبت أن ~~الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم هم أهل الإيمان فقد دخل في جملتهم المطيع ~~والعاصي ضرورة، والعاصي قد يكون مغفورا له، فيلحق بالمطيع ms079 في كونه لا عقاب ~~عليه، وقد يكون معذبا بقدر معاصيه، وذلك لا ينافي أخذ الكتاب باليمين، إذ ~~لذلك فائدة نذكرها الآن. # فإن قيل: فإذا ثبت أن العاصي يأخذ كتابه بيمينه، فمتى يكون أخذه له هل ~~قبل دخول النار أو بعد الخروج منها. # قلنا: يظهر من الملاحظة للشرع أنه إنما يأخذ كتابه بيمينه بعد الحساب ~~وقبل جواز الصراط، إذ ذلك هو وقت الموازنة التي تكون بإثر الفراغ منها لأخذ ~~الكتاب باليمين فائدة للمطيع وللعاصي. # أما المطيع فيأمن العقاب ويهون عليه جواز الصراط، وأما العاصي فيأمن ~~الخلود في النار، لعلمه بأنه من أهل الإيمان، فيكون وإن دخل النار متأنسا ~~بعدم خلوده فيها. # وأما تأخير أخذ الكتاب باليمين للعاصي المعذب في النار حتى يخرج ~~PageV01P195 # # منها فلا فائدة فيه حينئذ لعلمه بأنه يدخل الجنة، إذ ورد في الشرع النص ~~بأن من يخرج من النار من المؤمنين المذنبين فإنهم (1) يدخلون الجنة أو ~~يجعلون في ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يدخلون ~~الجنة (2). # ولم يرد نص من الشرع أن من يخرج من النار منهم يستأنف لهم النظر (ق.37.ب) ~~فيما فرغ منه قبل دخول النار من أخذ كتاب ونحوه. # فإن قيل: ولم يرد أيضا نص بأن من يدخل النار من المؤمنين يأخذون كتبهم ~~بأيمانهم حين الموازنة. # قلنا: هذا وإن لم يرد نص فيه فيكفي في ذلك أن الناس ينقسمون إلى من يأخذ ~~كتابه بيمينه، وإلى من يأخذه بشماله ضرورة، وأن المعذبين داخلون في أحد ~~القسمين. # ومحال أن يكونوا من أهل القسم الثاني، إذ لا يكون منهم إلا من هو كافر، ~~فلم يبق إلا أن يكونوا من أهل القسم الأول كما تقدم. # وإذا ثبت أنهم من أهل القسم الأول دخلوا في جملتهم، فأخذوا كتبهم في ~~الوقت الذي يأخذه فيه من لا يعذب من أهل القسم المذكور، إذ ليس عندنا من ~~الشريعة أخذ الكتاب إلا في حين الموازنة، فوجب أن يجعل ذلك لجميع الأقسام ~~المذكورة من كافر ومؤمن مغفور له أو معذب، إذا كان مآله ms080 إلى الجنة. # ومن الدليل على ذلك أن النبي - عليه السلام - قال: «يأتي أحدكم يوم ~~القيامة بصلاة وصيام فيكون قد ضرب هذا وشتم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، ~~PageV01P196 # # وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته أخذ من سيآتهم فطرحت عليه ثم ألقي في ~~النار» (1). # ألا ترى أن هذه الموازنة إنما تكون في أول الحساب وأنه لا يدخل النار إلا ~~بعد ما يرى أنه ممن لا يخلد فيها، فهذه هي الفائدة في أخذ الكتاب باليمين ~~في أول الأمر لمن يعذب في النار على ما قدمناه، والله أعلم. PageV01P197 # ### | (رد زعم ابن حزم حول قوله تعالى: {تبيانا لكل شيء} ونحوها) # (1) # وأما احتجاجه على ما قال بقول الله تعالى (2): {تبيانا لكل شيء} [النحل: ~~89]، و {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 36] فليس له في ذلك حجة. # أما قوله: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} فليس قول من قال: إن المراد به ~~القرآن، بأولى من قول من قال: إن المراد به اللوح المحفوظ الذي كتب فيه ما ~~كان وما هو كائن. # بل القول بأنه اللوح المحفوظ، وهو المروي عن ابن عباس (3)، هو الصواب ~~(4)، لما يدل عليه سياق الآية، والآية ليس فيها أصلا ما يستدل به على أن ~~الكتاب المذكور هو القرآن، فصرفه إلى اللوح المحفوظ أشبه بمفهوم الآية، ~~لاسيما وقد عبر عنه بأم الكتاب. PageV01P198 # # قال (ق.38.أ) الله تعالى: {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} [الزخرف: ~~4] والضمير في "إنه" للقرآن (1) المتقدم الذكر في الآية التي قبلها، وذلك ~~كقوله في آية أخرى: {إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون} ... [الواقعة: 77 - ~~78]. # وأما قوله تعالى: {تبيانا لكل شيء} [النحل: 89] فمسلم (2) كون القرآن هو ~~المقصود به، فإن الله تعالى قال: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ~~ورحمة وبشرى للمسلمين} [النحل: 89]. # ومعنى قوله: {تبيانا لكل شيء} [النحل: 89] أي تبيانا لكل شيء تعبدنا به، ~~والمقصود بذلك أن الأصول التي تعبدنا بها من الأحكام مذكورة في القرآن، ~~وليس المراد أن في القرآن تفسير كل شيء حتى لا يحتاج إلى بيان فيه، فإن ~~النبي ms081 - عليه السلام - هو المأمور بتفسير ذلك للأمة وتبيينه لها. # قال الله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: ~~44]. # وقد فعل ذلك - صلى الله عليه وسلم -، فإنه بين لأمته من الشرع ما لم يتول ~~الله تعالى تبيانه في القرآن العزيز، مثل أفعال الصلاة ومقادير الزكاة ~~وأركان الحج، وغير ذلك مما تلقته الأمة منه - عليه السلام - في الشريعة ~~قولا وفعلا. # وبهذا بعينه نرد على من يقول: إن الكتاب المذكور في قوله تعالى: {ما ~~فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 36] هو القرآن، إذ لو كان كذلك لكان ~~PageV01P199 # # جميع ما تعبدنا به في الشريعة منصوصا عليه في القرآن ومبينا فيه حتى لا ~~يكون في ذلك تنازع بين العلماء. # ومعلوم اختلافهم في تأويل الآيات وفيما يندرج تحتها من الأحكام، لكونهم ~~يتباينون في فهم القرآن ويمتازون في إدراك حقائقه، فيتفطن بعضهم فيه لما لا ~~يتفطن له غيره. # وفي الكتاب العزيز إشارة إلى هذا المعنى بقوله تعالى: {ولو ردوه إلى ~~الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83]. # ولذلك قال علي - رضي الله عنه - في حديث له: «ما عندنا إلا ما في هذه ~~الصحيفة، أو فهم أعطيه رجل مسلم في القرآن». (1) # فقد تبين بهذا كله أن الآيتين المذكورتين ليس لأبي محمد بن حزم فيهما حجة ~~على العموم، إذ أراد أن يجعلهما بعموم شيء فيهما حجة فيما ذهب إليه، كما ~~أنه ليس له في ذلك حجة على الخصوص، حاشى الآية التي هي محل النزاع، وهي ~~قوله: وأما من أوتي (ق.38.ب) كتابه وراء ظهره، وقد أبطلنا قوله فيها بما ~~ذكرناه من الوجوه المتقدمة وذيلنا ذلك بتتبع باقي (2) كلامه والانتقاد له ~~حتى انتهينا إلى هذا الموضع الذي اختتمنا به كلامنا في الرد عليه. ~~PageV01P200 # # والذي حملنا على ذلك من بين سائر أوهامه نكارة قوله فيها وانفراده ~~بتأويلها على ما ذهب إليه، مع كون الكلام فيها مناسبا لغرض هذا الكتاب، ~~فاحتسبنا الأجر في تبيين ذلك حتى لا يغتر من يقف على قوله في الآية، ويعتقد ~~إصابته فيها، ms082 أو أن له سلفا من المفسرين يقولون بقوله. # لاسيما وهو قد كرر هذا المعنى في كتبه فإنه ذكر ذلك في صدر كتاب المحلى ~~(1)، وصدر كتاب المجلى، وإن كان ما قاله في كتاب الفصل هو أبسط، فلذلك ~~آثرنا نقله في هذا الموضع ليكون الرد عليه بعد ذكر قوله واستيفاء حجته. # وما أرى أبا عبد الله الحميدي إلا قد شعر (2) ببطلان قول ابن حزم في هذه ~~الآية، فلذلك لم يذكره في كتابه هذا، وذكر ما لم يتفطن لبطلانه، وهو جميع ~~ما تقدم له: # 1. من كون المقربين مقصورين على الأنبياء والشهداء. # 2. وأن السماوات هي الجنات. # 3. وأن الأنبياء والشهداء تعجل لهم الجنة إثر الموت. # فإن هذا كله منصوص لابن حزم في كتبه فاستصوب ذلك الحميدي من مذهبه فنقله ~~وتمذهب به، ولم يستصوب ابن حزم كتاب الحميدي هذا الذي نحن فيه، ولا استحسنه ~~لأجل ما تقدم له مما قد نقلناه عنه قبل، لأنه هو الذي قاله للحميدي. ~~PageV01P201 # # وإنما استحسن كتاب الحميدي لأجل ما يأتي له بعد هذا من الموازنة وذكر ~~أقسام أهلها وتنظير بعضهم ببعض فأعجبه ذلك، حتى روى الكتاب ولم يشعر بفساد ~~أكثر تلك الأقسام. وسيأتي الكلام عليها في مواضعها بما يجب. # ومن هاهنا هو ابتداء ذكر (1) الموازنة عند الحميدي، وما تقدم له إنما ~~جعله كالتوطئة لها، فلنرجع إلى نقل لفظه والكلام عليه حسبما ابتدأنا كتابنا ~~هذا به، والله الموفق للصواب. PageV01P202 # # نقل اللفظ: # قال الحميدي: ثم قد صح بالنص والإجماع أن الكفار مخلدون في النار غير ~~خارجين منها أبدا بعد دخولهم فيها يوم القيامة، وصحت أيضا بنص القرآن ~~الموازنة وأنه لا يجزى أحد إلا بما كسب، وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه ذكر من يخرج من النار على مراتب، وأنه يقدم من في قلبه مثقال شعيرة ~~ثم مثقال برة، ثم مثقال كذا، على حسب ما ذكر من المقادير مع قول لا إله إلا ~~الله، فلم يبق إلا أنهم المؤمنون المسيئون بيقين لاشك فيه. # ونحن ذاكرون نص الحديث، إذ الغرض تبين ما فيه ms083 من المقادير، وليكون أقرب ~~لفهم ما تعلق من هذه المسألة به، لكونه حاضرا معها متصلا بها إن شاء الله ~~فنقول، وبالله تعالى التوفيق: # إنه قد روى الثقتان: سعيد بن أبى عروبة وهشام صاحب الدستوائي كلاهما عن ~~قتادة عن أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يخرج من النار ~~من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من ~~النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج ~~من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة». (1) ~~PageV01P203 # # هذا نص الحديث رويناه من طريق مسلم بن الحجاج في الصحيح، ورويناه من طريق ~~حماد بن زيد عن معبد بن هلال العنزي (1) قال: انطلقنا إلى أنس بن مالك ~~وتشفعنا بثابت فانتهينا إليه، وهو يصلي الضحى فاستأذن لنا ثابت فدخلنا عليه ~~فأجلس (2) ثابتا معه على سريره فقال له: يا أبا حمزة إن إخوانك من أهل ~~البصرة يسألونك أن تحدثهم حديث الشفاعة فقال: حدثنا محمد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض ~~فيأتون آدم فيقولون له اشفع لنا إلى ربك فيقول: لست لها، ولكن عليكم ~~بإبراهيم، فإنه خليل الله». # وذكر الحديث إلى قوله - عليه السلام -: «فأقول: (رب) أمتي أمتي، فيقال: ~~انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها ~~فأنطلق فأفعل، ثم أرجع (3) إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا ~~فيقال لي (4): يا محمد (ق.39.ب) ارفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع ~~تشفع. فأقول: أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من ~~خردل من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أعود إلى ربي فأحمده بتلك ~~المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل ~~تعطه، PageV01P204 # # واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال ms084 لي: انطلق فمن كان في قلبه ~~أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار، فأنطلق ~~فأفعل». # ثم قال: «إنهم خرجوا من عند أنس فأتوا الحسن بن أبي الحسن البصري فزادهم ~~في هذا الحديث: إن أنسا حدثهم به عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفيه: ~~ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال لي: ~~يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول: يا رب إيذن لي ~~فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: ليس ذلك لك، أو قال ليس ذلك إليك، ولكن ~~وعزتي وكبريائي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله، وذكر باقي الخبر» ~~(1). # وقد جاء من طريق (2) ثابتة مجيء التواتر. PageV01P205 # # فصل ### | حديث الشفاعة # ) (1) # قوله: (قد صح بالنص والإجماع أن الكفار مخلدون في النار) صحيح. # وقوله: (وصحت أيضا بنص القرآن الموازنة وأنه لا يجزى أحد إلا بما كسب) ~~سيأتي الكلام على التحقيق فيه (2) بحول الله. # وقوله: (وصح عن النبي - عليه السلام - (3) أنه ذكر من يخرج من النار على ~~مراتب، وذكر هو أنهم المؤمنون المسيئون) مستقيم. # وأما الحديث الذي ساقه من طريق معبد بن هلال عن أنس بن مالك فهو وإن ذكر ~~أكثره لم يسقه بتمامه لأنه اختصر منه مالا يمس غرضه. # ونحن لنا مقصد فيما ترك منه، فلنذكره بتمامه فنقول: إن مسلم بن الحجاج ~~خرج هذا الحديث في كتاب الإيمان (4)، وخرجه البخاري في كتاب التوحيد (5) ~~بلفظه ومعناه حاشى ألفاظ يسيرة، فلنسق الحديث بلفظ مسلم إذ هو الذي ذكر ~~الحميدي. PageV01P206 # # وذلك أن مسلما خرجه بطوله عن حماد بن زيد عن معبد بن هلال العنزي قال: ~~انطلقنا إلى أنس (ق.40.أ) بن مالك وتشفعنا بثابت فانتهينا إليه وهو يصلي ~~الضحى فاستأذن لنا ثابت فدخلنا عليه وأجلس ثابتا معه على سريره، فقال له: ~~يا أبا حمزة إن إخوانك من أهل البصرة يسألونك أن تحدثهم حديث الشفاعة، قال: ~~حدثنا محمد - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا كان يوم القيامة ms085 ماج الناس ~~بعضهم إلى بعض فيأتون آدم (- صلى الله عليه وسلم -) (1) فيقولون له: اشفع ~~لذريتك. فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم (2)، فإنه خليل الله. # فيأتون إبراهيم فيقول: لست لها، ولكن عليكم بموسى (3) , فإنه كليم الله. # فيؤتى موسى فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى (4) فإنه روح الله وكلمته. # فيؤتى عيسى فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. # فأوتى فأقول: أنا لها، أنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي، فأقوم بين يديه ~~فأحمده بمحامد لا أقدر عليها إلا أن (5) يلهمنيه الله (عز وجل) (6)، ثم ~~PageV01P207 # # أخر له ساجدا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع ~~تشفع. # فأقول: رب (1) أمتي أمتي. فيقال: انطلق، فمن كان في قلبه مثقال حبة من ~~برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل. # ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا. فيقال لي: يا محمد ~~ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع. # فأقول: رب أمتي أمتي. فيقال لي: انطلق، فمن كان في قلبه مثقال حبة من ~~خردل من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل. # ثم أعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا. فيقال لي: يا محمد ~~ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع. فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال ~~لي: انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان ~~فأخرجه من النار. # فأنطلق فأفعل». # هذا حديث أنس الذي أنبأنا به. # فخرجنا من عنده، فلما كنا بظهر الجبان (2) قلنا: لو ملنا إلى الحسن ~~فسلمنا عليه وهو مستخف في دار أبي خليفة (3)، قال: فدخلنا عليه فسلمنا ~~PageV01P208 # # عليه، فقلنا: يا أبا سعيد جئنا من عند أخيك أبي حمزة فلم نسمع بمثل (1) ~~حديث حدثناه في الشفاعة. قال: هيه. فحدثناه الحديث. فقال: هيه. قلنا: ما ~~زادنا. قال: قد حدثنا به منذ عشرين سنة وهو يومئذ جميع. ولقد ترك شيئا ما ~~أدري أنسي الشيخ أم (2) كره أن يحدثكم فتتكلوا. # قلنا له: حدثنا، ms086 فضحك. وقال: خلق (ق.40.ب) الإنسان من عجل، ما ذكرت لكم ~~هذا إلا وأنا أريد أن أحدثكموه: «ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك ~~المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط ~~واشفع تشفع. فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله. # قال: ليس ذلك لك، أو قال ليس ذلك إليك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي ~~وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله». # قال: فأشهد على الحسن أنه حدثنا به أنه سمع أنس بن مالك أراه قال قبل ~~عشرين سنة، وهو يومئذ جميع. PageV01P209 # # فصل # حديث أنس هذا سقط منه ذكر نوح - عليه السلام -، وهو ثابت في أحاديث ~~الشفاعة، وإنما سقط من رواية معبد بن هلال عن أنس. # وأما رواية قتادة عن أنس ففيها ذكر نوح قال فيه: فيقول -يعني آدم-: لست ~~هناكم فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها، ولكن إيتوا نوحا أول رسول ~~بعثه الله عز وجل، قال: فيأتون نوحا صلى الله عليه فيقول: لست هناكم، فيذكر ~~خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها، ولكن ايتوا إبراهيم - عليه السلام -، ~~وذكر فيه: ويذكر خطيئته، وكذلك في موسى - عليه السلام -. # وفي حديث غير أنس (1) أن آدم - عليه السلام - يقول للناس حينئذ: «اذهبوا ~~إلى غيري (2)، اذهبوا إلى نوح، فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ~~فيأتون نوحا فيقولون له: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، وقد سماك ~~الله عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، فيقول لهم: إنه قد ~~كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا ~~إلى إبراهيم خليل الله»، وهكذا إبراهيم يدفعهم عن نفسه، PageV01P210 # # ويذكر كذباته الثلاث ويحيلهم على موسى، وكذلك يفعل موسى، ويذكر قتله نفسا ~~لم يؤمر بقتلها، ويحيلهم على عيسى، وكذلك يفعل عيسى ويحيلهم على محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -. # ولم يأت في أحاديث الشفاعة على كثرتها أن الناس في القيامة يذهبون إلى ~~غير هؤلاء ms087 الرسل الأربعة المسمين في هذا الحديث، وذلك لأنهم أولو العزم من ~~الرسل (1) # الذين أمر نبينا - عليه السلام - أن يصبر كصبرهم على أحد التأويلين. # ولأجل علو درجتهم (ق.41.أ) وكونهم أفضل الرسل ذكرهم الله تعالى في كتابه ~~على التعيين في غير موضع، فقال سبحانه: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه} ... [الشورى: 13]. # وقال تعالى لنبينا - عليه السلام -: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ~~ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} ... ~~[الأحزاب: 7]. # وأما آدم - عليه السلام - فلم يذكره الله تعالى مع هؤلاء الرسل في هاتين ~~الآيتين وجاء ذكره معهم في أحاديث الشفاعة، والذي يظهر لنا في ذهاب الخلق ~~أولا PageV01P211 # # إليه يومئذ إنما هو لكونه أبا البشر على ما نذكره بعد، ولذلك يقولون له: ~~«أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده» (1)، وفي رواية أخرى: «أنت آدم أبو ~~الخلق خلقك الله بيده» (2)، وفي طريق آخر: «فيأتون آدم فيقولون له يا ~~أبانا» (3). # وغرض جميع الخلق كلهم حينئذ إنما هو إراحتهم من هول ذلك الموقف الذي ~~يلجمهم فيه العرق، وتدنو الشمس من رؤوسهم، فطلب من يريحهم من ذلك ويعجل لهم ~~الحساب هو معنى الشفاعة، وهي الشفاعة الكبرى التي هي مختصة بنبينا - عليه ~~السلام -، كما قال في حديث أبي بن كعب في القراءة: «وأخرت الثالثة ليوم ~~يرغب فيه إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -» (4). # ولم يذكر في حديث أنس المتقدم إلا الشفاعة الأخرى التي هي إخراج المذنبين ~~من هذه الأمة من النار، وليست هي المقصودة في أول الحديث الذي ذكر فيه من ~~قول كل واحد من الأنبياء: لست لها، والدليل على ذلك من وجهين: PageV01P212 # # أحدهما: إن الناس الذين هم جميع الأمم ليس لهم غرض في الشفاعة الثانية، ~~لأنهم بمعزل عنها، وإنما الشفاعة التي تعم الجميع هو زوالهم من هول ذلك ~~المقام فقط، فهي التي يطلبون وعليها يحرصون. # ولذلك تضمن الحديث أن مدافعة الأنبياء للشفاعة إنما ms088 (1) تكون حين يموج ~~بعض الناس في بعض، وليس ذلك إلا في أول الحال قبل الحساب والعقاب. # والوجه الثاني: ما ذكر في الحديث من كونه - عليه السلام - إذا وصل الأمر ~~إليه سجد فقيل له: ارفع رأسك وسل تعطه فيقول: أمتي أمتي. فيقال له ~~(ق.41.ب): اذهب فأخرج من النار من في قلبه مثقال كذا. # فكيف يخرج من النار من أمته من هو بهذا الوصف، وأمته لم يذكر في الحديث ~~أنهم دخلوا النار بعد. # وذلك كله يدل على أنه سقط من الحديث ذكر الشفاعة التي يحتاج إليها الخلق ~~كلهم، وهي المشار إليها في حديث حذيفة وأبي هريرة معا عند مسلم، فإن فيه - ~~وهو حديث الشفاعة -: «فيأتون محمدا - صلى الله عليه وسلم - فيقوم ويؤذن له ~~وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا». الحديث. (2) ~~PageV01P213 # # فقوله (1): «فيقوم ويؤذن له» إشارة إلى الشفاعة الكبرى. # وأحاديث الشفاعة إذا استقريت كلها يخرج منها هذا المعنى، فإن فيها: لتتبع ~~كل أمة ما كانت تعبد ولا يكون ذلك إلا عند إزالتهم من ذلك الموقف، وكذلك ~~فيها ذكر الصراط وجواز الناس عليه، وفيها أن دعاء الرسل حينئذ: «اللهم سلم ~~سلم» (2)، وغير ذلك مما تضمنته أحاديث الشفاعة بجملتها، إذ في بعض الطرق ~~منها ما ليس في بعض، كما أن في حديث أنس هذا ما ليس في غيره أيضا. ~~PageV01P214 # # فصل # وقول كل واحد من الأنبياء في حديث أنس: (لست لها) أي الشفاعة الكبرى إنما ~~معناه لست لها لأجل الخطايا التي يذكرونها لأنفسهم حسبما ثبتت في حديث غير ~~أنس، وعلى الحقيقة فهم يهابون ذلك المقام، ويعلمون أن الشفاعة فيه تحتاج ~~إلى إذن: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] فهم أعرف بالله ~~من أن يقدموا عليه بغير إذن، لاسيما في ذلك اليوم الذي يقولون فيه: «إن ربي ~~غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب مثله بعده» (1). # ولا يبعد أن يقذف في نفوسهم أن المانع لهم تلك الخطايا التي ألموا بها في ~~الدنيا فيذكرونها حينئذ، والمانع لهم على الحقيقة أن ذلك لم ms089 يجعل لهم، ~~وإنما خص به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك يقول: أنا لها، معناه: أنا ~~المستحق لها من بني آدم المأذون له في أمرها، إذ أعلمه الله تعالى بذلك في ~~الدنيا، وفي الآخرة يتبين صدق قوله عند من لا يؤمن به. (ق.42.أ) # فإن شفاعة نبينا محمد - عليه السلام - لابد من وقوعها يوم القيامة على ~~نحو ما جاءت به الأحاديث من التفسير لها. PageV01P215 # ### | فائدة عرض الشفاعة على الأنبياء # ) (1) # فإن قيل: فإذا كانت الشفاعة الكبرى واقعة من النبي - عليه السلام - في ~~القيامة دون سائر الأنبياء، وهو المختص بها دونهم، فما فائدة عرضها قبله ~~على من عرضت عليه منهم. # فالجواب عن ذلك من وجهين: # أحدهما: إن الأمم لا علم لهم بأن الشفاعة عند محمد - عليه السلام -، إذ ~~كانوا في الدنيا قبل وجوده وبعثه فلجؤوا من ذات أنفسهم إلى آدم الذي هو ~~أبوهم ظنا منهم أنه ينجيهم من ذلك الهول، لاعتقادهم أن الأب حريص على نجاة ~~ولده على ما عهدوا حالهم عليه في الدنيا، فهم لم يذهبوا إلى سواه حتى يكون ~~هو الذي يدفعهم عن نفسه، ويقول لهم: اذهبوا إلى نوح فيطيعونه في التوجه إلى ~~نوح مع اعتقادهم أنه لا يحيلهم إلا على ما ينجيهم. # وهكذا القول في أمر نوح لهم بالتوجه إلى إبراهيم حتى يصل الأمر إلى نبينا ~~محمد - عليه السلام -. # وهذه الأمة عندهم العلم في الدنيا بأنه - صلى الله عليه وسلم - هو صاحب ~~ذلك المقام، ولم يذكر عنهم في الحديث أنهم يتكلمون في هذا المعنى مع آدم ~~وغيره من الأنبياء، ولابد أن يكونوا حينئذ في جملة الناس، ويحتمل حالهم ~~أمرين: PageV01P216 # # أحدهما: أن يكونوا قد ذهلوا عن هذا العلم في ذلك اليوم كما تذهل الرسل ~~عندما يقول الله تعالى لهم: {ماذا أجبتم} [القصص: 65]، فيقولون: لا علم ~~لنا، على أحد التأويلين (1)، وكما تذهل كل مرضعة عما أرضعت. # فإذا ذهلوا دخلوا مع الناس في توجههم إلى آدم وغيره من الأنبياء. # الثاني: أن لا يذهلوا عن هذا المقام ويعلمون أن محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم ms090 - هو صاحبه لكنهم يكونون مغمورين في الخلق لقلتهم بالإضافة إلى كثرة ~~الخلق، «إذ هم منهم كالرقمة في ذراع الحمار، أو كالشعرة البيضاء في جلد ~~الثور الأسود» كما جاء في الحديث (2). # فلا يسعهم إلا الكون في جملتهم حتى يمتازوا عنهم حين يقال: «لتتبع كل أمة ~~ما كانت تعبد، فتبقى حينئذ هذه الأمة فيها منافقوها حتى يقع الفصل فيهم» ~~(3). PageV01P217 # # الوجه الثاني من الجواب: (ق.42.ب) # إن عرض الشفاعة على الأنبياء تشريف لنبينا - عليه السلام -، إذ لو قذف في ~~قلوب البشر يومئذ أن الرسول محمدا - عليه السلام - هو صاحب ذلك المقام ~~ووصلوا إليه فشفع لهم، لم يقع ذلك من نفوسهم الموقع الذي يقع منهم إذا ~~تدافعها الأنبياء وأحال بعضهم بها (1) على بعض، حتى ينتهي الحال فيها آخرا ~~إلى محمد - عليه السلام -. # والأنبياء صلوات الله عليهم لا يخلو حالهم في إحالة بعضهم على بعض من أن ~~يكون عندهم علم بالشفاعة أو لا يكون: # فإن كان عندهم علم بها في الدنيا فينزل حالهم على أن يكون لهم ذهول هنالك ~~كما يكون لغيرهم. # وإن لم يكن لهم علم بذلك فيكون كل واحد منهم يحيل على من كان بعده من ~~أولي العزم من الرسل معتقدا أن له فضيلة عند الله تعالى من غير خطيئة، إذ ~~يعتقد في نفسه قصوره عنها لأجل الخطيئة التي كانت له في الدنيا وبراءة ساحة ~~الرسول الذي يحيل عليه بها عنده. # ويحصل بمجموع ذلك ما ذخره الله تعالى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~في الشفاعة بعد تدافع الأنبياء لها على معرفة من بني آدم كلهم مؤمنهم ~~وكافرهم، شقيهم وسعيدهم، صغيرهم وكبيرهم، ولله على ذلك الحمد والمنة. ~~PageV01P218 # # نقل اللفظ # قال الحميدي بإثر الحديث المتقدم: ففي هذا بيان المقادير التي جعلها الله ~~تعالى سببا لخروجهم من النار بالشفاعة على حسب مآلهم منها تفضلا من الله عز ~~وجل، إذ جعل ما اكتسبوا من الخير وعملوه مما قد كان الله تعالى هو الموفق ~~له والمعين عليه والمهيئ لآلات الاكتساب له سبيلا إلى الفوز والنجاة، تغمدا ~~منه برحمته ms091 لهم، كما شاء لا إله إلا هو. # وفيه أن تلك المقادير المذكورة من مثقال برة وذرة إنما هي مما سوى ~~الإيمان الذي هو قول لا إله إلا الله، لكن من سائر الأعمال التي تسمى ~~إيمانا أيضا، لقوله تعالى فيمن قال لا إله إلا الله وليس له غيرها: «ليس ~~ذلك لك». # وأبانهم عن أهل تلك المقادير لتوحده عز وجل بإخراجهم من النار. # وهذا بين والحمد لله، وهذا أيضا يبين أن الذي توحد الله عز وجل بإخراجهم ~~من النار فيمن (ق.43.أ) قال لا إله إلا الله ولم يعمل خيرا قط إنما هو من ~~قالها مرة واحدة فقط مصدقا ومات على ذلك. # لأن قول لا إله إلا الله حسنة، فإذا كررها حصلت له حسنة أخرى، فهو أزيد ~~خيرا ممن لم يقلها إلا مرة واحدة فقط. # PageV01P219 # # ونص الخبر يدل على أن الذين توحد الله تعالى بإخراجهم برحمته لا بالشفاعة ~~إنما هم من ليس في المؤمنين أحد أقل خيرا منهم، (1) # هذا نص الخبر المذكور وغيره من الآثار الثابتة عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - (2) الواردة في هذا الباب. PageV01P220 # # فصل # أما قوله: (وفيه أن تلك المقادير المذكورة من مثقال برة وذرة إنما هي مما ~~سوى الإيمان الذي هو قول لا إله إلا الله، لكن من سائر الأعمال التي تسمى ~~إيمانا أيضا) فهو ظاهر من الحديث الأول الذي رواه قتادة عن أنس، إذ فيه ~~يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ~~وهكذا قال في البرة والذرة. # فجمع بين قول لا إله إلا الله وهو عبارة عن الإيمان وبين ما في القلب من ~~الخير وهو الزائد على الإيمان (1)، على أن البخاري ذكر حديث قتادة هذا بهذا ~~النص (2)، ثم ذكره من طريق آخر (3) وقال فيه: "من الإيمان" مكان قوله: "من ~~الخير"، فيحتمل أيضا أن يكون قوله لا إله إلا الله دليلا على الإيمان، ~~ويكون المعتبر ما في القلب من الخير الذي هو الإيمان. PageV01P221 # # وإذا كان هذا فيبقى لنا ms092 الإشكال في الحديث الثاني، وهو قوله تعالى: ~~«وعزتي وكبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله» (1). # إذ لم يعتبر فيه ما في القلب، أعني أنه لم يرد ذلك في نص الحديث، ومحال ~~أن يقصد بها من قالها على معنى النفاق والتكذيب في الباطن لها، فإن المنافق ~~كافر وهو مخلد في النار بإجماع، فلا يصح أن يخرج منها. # فلم يبق إلا أن يكون المقصود بها هو المصدق لها بقلبه والمصدق بقلبه ممن ~~يخرج من النار قد جاء الحديث بأنهم ينقسمون إلى من يكون في قلبه مثقال حبة ~~من برة أو شعيرة من إيمان. # وهي الطبقة الأولى. # والثانية: من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان (2). # والثالثة: من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان. # فهذه الموازنات الثلاث (3) وردت في هذه الطوائف الثلاث. # وفيها دلالات على أن للإيمان (4) كمالات، وأن ذلك (ق.43.ب) معتبر بما في ~~القلب لا غير (5). PageV01P222 # # ثم ورد في الطائفة الرابعة أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله فقط ~~ولم يذكر فيها اعتبار ما في القلب. # ويحتمل ذلك عندنا أمرين: # أحدهما: أن يحمل ما في الثلاثة الأحوال من ذكر الإيمان في القلب على ~~الطاعات التي هي فروع الإيمان (1)، وربما كانت الطاعات المختصة بعمل القلب ~~كخشية الله، أو شفقة على مسلم، أو نية في عمل خير، أو هم بحسنة أو ترك سيئة ~~لله، ونحو ذلك، ويكون قول لا إله إلا الله في الحالة الرابعة على هذا ~~التأويل محمولا على الإيمان المجرد الذي ليس فيه إلا التصديق فقط من غير ~~زيادة عليه (2). # والثاني: أن يحمل الإيمان في تلك الأحوال الثلاث على بابه ويعتبر ما في ~~القلب منه في القوة والضعف، ويكون من قال لا إله إلا الله في الحالة ~~الرابعة معتبرا بمن قالها مرة من عمره عن تصديق، ولم يكن في قلبه تكذيب بها ~~ولا استمر تصديقه لها، بل صحبته في ذلك غفلة حتى مات على هذه الحالة. # فتفضل الله على ms093 من هذه صفته من الناس بعدم الخلود في النار، التفاتا إلى ~~النطق بتلك الكلمة في الوقت الذي نطق بها فنفعته، إذ لم يكن في باطنه بعد ~~ذلك تكذيب بمعناها. PageV01P223 # # ويبقى الإشكال في قول الله تعالى لنبيه - عليه السلام - في حق هذه ~~الطائفة الرابعة عندما سأله الشفاعة فيهم: «ليس ذلك لك» من حيث إن ظواهر ~~الأحاديث تقتضي عموم شفاعته - عليه السلام - لجميع المذنبين من أمته، وهذا ~~القول يعارض تلك الظواهر. # *- (معنى قوله تعالى: ### | ليس ذلك إليك # ) (1) # ونحن نجيب عن هذا الإشكال بحول الله، فنقول: سؤال النبي - عليه السلام - ~~الشفاعة لمن قال لا إله إلا الله فقط يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون ذلك في أمته. # والثاني: أن يكون في غير هذه الأمة من الأمم السالفة. # فإن قلنا: إنه قصد بذلك أمته فالكلام عليه بحسب التأويلين المتقدمين، فإن ~~أحدهما هو أن يحمل الإيمان في الثلاثة الأحوال على الفروع، وشهادة أن لا ~~إله إلا الله على مجرد الإيمان. # فعلى هذا يكون معنى «ليس ذلك إليك» أي: ليس إليك علم ما في القلب، وإنما ~~إليك علم الظواهر (2)، # ويكون أولئك الأولون (ق.44.أ) عندهم من PageV01P224 # # فعل الطاعات - وإن قلت - ما يستدل به النبي - عليه السلام - على التفاوت ~~على ما في القلب، حتى يعلم من عنده مثقال حبة من برة ممن عنده مثقال حبة من ~~خردل من الإيمان، ويكون من ليس عنده من الطاعات شيء سوى مجرد الإيمان في ~~القلب يستأثر الله تعالى بعلمه. # والثاني: هو أن تحمل المثاقيل هنالك على الإيمان المجرد، ويكون الله ~~تعالى قد أطلع نبيه - عليه السلام - على ما في قلوبهم بأمارات يتعرف بها ~~تلك الموازنات، فكل من كان في قلبه شيء من الإيمان يدركه النبي - عليه ~~السلام - فيخرجه من النار. # ويكون من قال لا إله إلا الله من غير تكذيب بها ولا استمرار تصديق لها لم ~~يجعل الله سبحانه للنبي - عليه السلام - طريقا في تعرف ذلك، فيصدق قوله ~~تعالى له: «ليس ذلك إليك»، إذ لا أمارة عنده على تمييزهم (1) في النار من ~~غيرهم ms094 PageV01P225 # # من الكفار، فيكون الله تعالى هو المتولي لأمرهم لشهادتهم بوحدانيته في ~~الوقت الذي نطقوا به، إذ هو المستأثر بذلك في عالم الغيب. # وعلى هذين التأويلين يصدق أن تكون هذه الحالة الرابعة في أهل هذه الملة ~~كما تقدم، وهو الذي يظهر من الحسن بقوله عن أنس: ولقد ترك شيئا ما أدري ~~أنسي الشيخ أو كره أن يحدثكم فتتكلوا. # وأما الوجه الثاني: وهو أن يكون سؤال الشفاعة في من قال لا إله إلا الله ~~من غير هذه الملة فهو قوي في معناه. # وذلك أن الحديث يتضمن أربعة أحوال: ففي الأحوال الثلاث منها إذا خر النبي ~~- عليه السلام - فيها ساجدا يقال له يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل ~~تعطه واشفع تشفع، فيقول: «رب أمتي أمتي»، فيقال له: انطلق، فيخرج من النار ~~من يخرجه على حسب التدريج المذكور في الحديث، وفيها كلها: «أمتي أمتي». # فالمخرجون من النار هم من الأمة بلا إشكال، فزاد الحسن ذكر الحالة ~~الرابعة، بأن قال: «ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد، ثم ~~أخر له ساجدا فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع ~~تشفع» فيقول (1): يا رب إيذن لي فيمن قال لا إله إلا الله. قال: ليس ذلك ~~لك، أو قال: ليس ذلك إليك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي PageV01P226 # # وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله. # هذا نص (ق.44.ب) الحديث، ولم يقل فيه: إيذن لي فيمن قال لا إله إلا الله ~~من أمتي. # فيمكن أن يكون النبي - عليه السلام - لما فرغ من أمته ولم يبق في النار ~~منهم أحد لقوله في وصف من يخرج في الثالثة: من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى ~~من مثقال حبة من خردل من إيمان، إذ أقل من هذا المقدار يعسر إدراكه، سأل - ~~صلى الله عليه وسلم - أن يشفع فيمن قال لا إله إلا الله على الإطلاق من ~~سائر الأمم، فقيل له ليس ذلك إليك. # معناه إنك أخذت حظك من الشفاعة واستوفيت نصيبك بأن أخرجت كل ms095 من هو مؤمن ~~من أمتك فغيرهم لم يجعل إليك النظر في أمرهم. # ولعل هذا المعنى هو الذي حمل أنس بن مالك آخرا على أن لم يحدث بآخر ~~الحديث الذي هو هذه الحالة الرابعة، وحدثهم بالأحوال الثلاث التي هي في حق ~~هذه الأمة. # ويؤيد هذا التأويل قول النبي - عليه السلام - في حديث أنس من رواية قتادة ~~عنه: «يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن»، أي: وجب عليه الخلود، ~~هكذا في صحيح مسلم (1). PageV01P227 # # وعند البخاري (1) من بعض الطرق: «ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ~~ووجب عليه الخلود»، بواو العطف، على أنه من قول النبي - عليه السلام -. # فهذا النص يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يبق من أمته في النار ~~أحد أو أن من أخبر عنه القرآن بأنه في النار من أهل الكفر هو الذي خلد ~~فيها. # وإذا كان الأمر هكذا فكيف يرجع فيقول: إيذن لي فيمن قال لا إله إلا الله ~~من أمتي، فيكون الجواب أن يقال له: ليس ذلك إليك. # فإن قيل: فقد تقدم لكم أن الأنبياء أعرف بالله من أن يقدموا عليه في ~~الشفاعة بغير إذن، فكيف يستقيم لكم ذلك؟ مع قولكم: إن محمدا - عليه السلام ~~- سأل الشفاعة لمن لم يجعل له النظر فيهم من سائر الأمم على هذا التأويل ~~الثاني. # فالجواب عن ذلك: أن الأنبياء الذين يسأل الناس منهم الشفاعة يوم القيامة ~~إنما أقيموا مقام القبض فأدركتهم الهيبة (2)، ولذلك يقولون: نفسي نفسي ~~نفسي، ويذكرون سبب قبضهم، وذلك قولهم: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله ~~مثله ولا يغضب مثله بعده، ونبينا محمد - عليه السلام - أقيم مقام البسط ~~والإدلال في ذلك اليوم، ولهذا يقول: أمتي أمتي، ولا يذكر نفسه. # ولا بسط أعظم من أن يقال له: سل تعطه واشفع تشفع، ولما أجيب بهذا القول ~~في كل (3) مرة شفع فيها، ترقى من ذلك إلى أن سأل الشفاعة فيمن ليس عنده إلا ~~مجرد الكلمة إشفاقا (ق.45.أ) على هذا الصنف من الخلود في PageV01P228 # # النار، معتقدا ms096 أنه مأذون له في ذلك، إذ أذن له في أصل الشفاعة، فرأى ~~انسحاب الإذن له في جميع ما يشفع فيه إذ لم يستثن عليه شيء حيث قيل له: سل ~~تعطه واشفع تشفع، فلما شفع آخرا فيمن كان عنده مجرد الكلمة فقط أعلمه الله ~~تعالى بأنه سبحانه هو المتولي لخروج ذلك الصنف خصوصا من غير شفاعة شافع. # وهذا الجواب إنما قلناه على أن نفرض صحة السؤال فنفرق به بين مقام النبي ~~- عليه السلام - وبين مقامات غيره من الأنبياء فيما ذكرناه، وإلا فالسؤال ~~مندفع باعتبار آخر، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل في الحديث ~~شفعني (1) فيمن قال لا إله إلا الله، وإنما قال فيه: إيذن لي فيمن قال لا ~~إله إلا الله، أي إيذن لي أن أشفع فيمن قال لا إله إلا الله تأدبا مع الله ~~تعالى في حق هؤلاء مع كونه - عليه السلام - قد شفع في غيرهم المرة بعد ~~المرة. # وإذا طلب - صلى الله عليه وسلم - الإذن في شفاعة من كان بهذا الوصف فقد ~~اندرأ السؤال، إذ ليس فيه إقدام على الشفاعة بغير إذن سواء كان هذا الصنف ~~من هذه الأمة أومن غيرها. # فإن قيل: فإذا فرضنا أن يكون ما ذكرتموه من التأويل منزلا على الأمم ~~السالفة، فما معنى كون الله تعالى يخرجهم بمجرد قول لا إله إلا الله دون ~~شفاعة أنبيائهم لهم؟ PageV01P229 # # قلنا: أما الشفاعة للأنبياء فلابد منها كما قال - عليه السلام - في حديث ~~أبي سعيد الخدري عن الله تعالى: «شفعت الملائكة وشفع (1) النبيون وشفع ~~المؤمنون» (2). # إلا أن شفاعتهم لأممهم قد تكون بخلاف شفاعة النبي (3) - عليه السلام - ~~لأمته، لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «لكل نبي دعوة يدعو بها، وإني ~~اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة». (4) # فلو كانت شفاعة الأنبياء لأممهم مثل شفاعة نبينا - عليه السلام - لأمته ~~لم يكن لهذه الخاصية التي يختص بها النبي - عليه السلام - من جعله تلك ~~الدعوة شفاعة لأمته معنى. # لأنهم كانوا يزيدون عليه بتعجيل الدعوة المستجابة لهم في الدنيا ويستوون ~~معه في ms097 الشفاعة في الآخرة، وذلك مناقض لمفهوم الحديث، إذ نص - صلى الله ~~عليه وسلم - على أنه نظر لأمته وجعل لهم الدعوة المضمونة استجابتها شفاعة ~~لهم PageV01P230 # # في الآخرة، والمفهوم من هذا أنه - عليه السلام - اختص بها دون سائر ~~الأنبياء وألهم من ذلك إلى مالم يلهموا إليه. # وهذا يدل على أن شفاعته لها مزية على شفاعتهم، وشفاعته - عليه السلام - ~~قد علمناها منه وتلقيناها عنه، وهي قوله: «شفاعتي (ق.45.ب) لأهل الكبائر من ~~أمتي» (1)، وقوله: «فهي نائلة إن شاء الله من أمتي من مات لا يشرك بالله ~~شيئا» (2). # وشفاعة الأنبياء غير معروف (3) لنا كيفيتها، ففي الممكن أن تكون فيمن فعل ~~بعض الطاعات دون بعض، أو ارتكب بعض المحظورات دون بعض. # أو تكون شفاعتهم في من تلبس بالطاعات في الجملة دون من اقتصر على الشهادة ~~فقط، فيكون أمره إلى الله تعالى، وشفاعة نبينا مطلقة في من فعل الطاعات أو ~~تركها، وعنده أصل الإيمان أو ارتكب أي نوع من المحظورات، ما لم يكن شركا ~~يموت عليه صاحبه. # ويحتمل أن يكون الفرق بين شفاعة محمد - عليه السلام - وغيره من النبيين ~~أن شفاعته لأمته مضمونة بكونها دعوته المستجابة لا محالة، وتكون شفاعة سائر ~~PageV01P231 # # النبيين غير مضمونة، أعني عمومها لجميع أممهم، إذ استعجلوا في الدنيا ~~دعوتهم المستجابة، فإذا شفعوا في الآخرة فقد يشفعون في بعض الأحوال دون بعض ~~وفي بعض الأشخاص دون بعض، وإن جاز أن تكون ذنوبهم واحدة. # وعلى الجملة فلا بد أن يكون لنبينا - عليه السلام - في نوع الشفاعة لأمته ~~زيادة فضيلة على غيره من الأنبياء حتى يصدق قوله: اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي ~~في الآخرة (1). # وإذا تقرر هذا ولم نعلم كيفية شفاعة الأنبياء لأممهم اندرأ السؤال، وكان ~~الله تعالى هو الذي يخرج من النار بغير شفيع من قال لا إله إلا الله من غير ~~هذه الأمة، لأنه سبحانه إذا منع نبينا - عليه السلام - من خروج هذا الصنف ~~بشفاعته فأحرى أن يمنع من ذلك غيره (2) من سائر الأنبياء صلوات الله عليهم. ~~PageV01P232 # # فصل ### | لماذا لم يعط النبي الشفاعة في هذا ms098 الصنف # ) (1) # قد تبين بما ذكرناه أن التأويلين الذين سقناهما في قوله - عليه السلام -: ~~«إيذن لي فيمن قال لا إله إلا الله» - إذ ذكرنا الاحتمال في حمله على أمته ~~خاصة، أو على سائر الأمم عامة- سائغان في الحديث حسبما قررناه. # وأما الحميدي فما جعل ذلك القول منه - عليه السلام - محمولا إلا على هذه ~~الأمة، وعلى ذلك بنى كلامه في كتابه عند تقسيم أهل الموازنة وذكر طبقات ~~أهلها. # ونحن لا ننازعه في ذلك، بل نبقي تقسيمه على ما هو عليه ونتكلم فيه بحسب ~~ما فهم الحميدي من كون ذلك إنما ورد في حق هذه الأمة. # وقد بقي علينا في الحديث سؤال سواء كان المقصود به هذه الأمة أو غيرها من ~~الأمم، وهو أن نقول: كيف يقال لنبينا - عليه السلام - في المرة الآخرة: سل ~~تعطه واشفع تشفع؟، فيطلق له - صلى الله عليه وسلم - السؤال ويخبر بأنه يعطى ~~ما (ق.46.أ) يسأل فيه، ثم إنه لما سأل ما سأل لم يسعف فيه ولم يجب إليه، ~~وقيل له: «ليس PageV01P233 # # ذلك إليك». # والجواب: أن السؤال من الله تعالى إنما يبيحه فيما تمكن الإجابة فيه ~~والإسعاف في طلبه. # ونبينا - عليه السلام - عندما كان يسأل الشفاعة في المرات المتقدمة يجاب ~~إلى ما سأل ويعطى ما طلب، إذ جعل سؤاله في مظانه. # فلما سأل هذه المرة الأخيرة وهو - عليه السلام - معتقد أن ذلك من جنس ما ~~سأل فيه قبل لم يجب إليه، إذ لم يصادف موضعا للسؤال ولا محلا للشفاعة، من ~~حيث إن الله تعالى استأثر بخروج قوم مخصوصين من النار، ومن يستأثر الله ~~بخروجهم لا يجعل لأحد من خلقه سبيلا إليهم. # فلما سأل النبي - عليه السلام - فيهم قيل له ليس ذلك لك، وكان في حين ~~سؤاله - صلى الله عليه وسلم - غير عالم بأن المسؤول فيهم يستأثر الله ~~بإخراجهم، حتى أعلمه تعالى بذلك بعد سؤاله، ولو أجيب النبي - عليه السلام - ~~إلى ما أراد وشفع في من طلب لم يبق لله تعالى صنف يخرجهم من غير شفاعة، إذ ~~لا يبقى بعد هذا ms099 الصنف الأخير في النار إلا الكفار المخلدون فيها. # وقد ذكر النبي - عليه السلام - في حديث أبي سعيد عن الله تعالى أنه قال: ~~«شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين ~~فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط». (1) PageV01P234 # # فقوله: «ولم يبق إلا أرحم الراحمين» دليل على أنه لابد له تعالى من أن ~~يخرج قوما من غير شفاعة شافع، واللفظ المتقدم هو لفظ مسلم. # وعند البخاري (1) في هذا الحديث: «فيقول الجبار جل وعز: بقيت شفاعتي ~~فيقبض قبضة من النار فيخرج قوما قد امتحشوا فيلقون في نهر بأفواه الجنة ~~يقال له ماء الحياة». الحديث. # وعندهما (2) جميعا فيه: «فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الله أدخلهم الله ~~الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه». # وهذه القبضة من الخلق لابد أن يكون عندهم ما يستحقون به أن يقبضوا ~~فيخرجوا من بين سائر أهل النار، وذلك هو قول لا إله إلا الله. # ومعنى قوله فيهم: «لم يعملوا خيرا قط» أي بعد التلفظ بالشهادة، وعلى ذلك ~~يتنزل قوله: أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه. PageV01P235 # # فتكون هذه القبضة المذكورة في هذا الحديث، يفسرها قوله تعالى في حديث ~~أنس: «وعزتي وكبريائي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله» (1)، إذ لا ~~يصح أن تكون القبضة المذكورة في هذا الحديث من الكفار أصلا، فإن قاعدة ~~الشرع تقتضي أن الكفار مخلدون في النار غير خارجين منها أبدا. # ومما يدل على ما قلناه من أن من سأل (ق.46.ب) شيئا لا يقتضي الحال إسعافه ~~فيه أنه لا يسعف فيما طلبه قول الله تعالى: {ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني ~~من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين} [هود: 45]، فإنه سبحانه أخبر عن ~~نوح بهذا القول ثم رد عليه بقوله: {قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير ~~صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين} ... [هود: ~~46]. # وهكذا قول إبراهيم صلى الله عليه فيما حكى ms100 الله عنه إذ قال: {رب هب لي ~~حكما وألحقني بالصالحين} [الشعراء: 83] إلى آخر الآيات، التي تقتضي الدعاء، ~~وهي قد تضمنت قوله: {واغفر لأبي إنه كان من الضالين} [الشعراء: 86] ولم يجب ~~فيه، إذ كان أبوه ليس محلا للمغفرة، ولذلك تبرأ منه بعد هذا الاستغفار له. # وما عدا ذلك مما ذكر في الآية فقد أجيب إبراهيم - عليه السلام - فيه، إذ ~~كان هو في نفسه أهلا للمغفرة والكرامة وعدم الخزي له - صلى الله عليه وسلم ~~- يوم القيامة. PageV01P236 # # ومثل ذلك سؤال موسى الرؤية لله إذ قال: {رب أرني أنظر إليك قال لن تراني} ~~الآية. [الأعراف: 143]، ثم قال له في آخرها: {فخذ ما آتيتك وكن من ~~الشاكرين} [الأعراف: 144] أي: ليس لك إلا ما أعطيتك، فخذه وكن من الشاكرين ~~عليه. # ومن هذا الباب كونه - عليه السلام - استأذن ربه في أن يستغفر لأمه فلم ~~يؤذن له، واستغفر لعمه أبي طالب فلم يغفر له، وأنزل عليه في قصته {إ نك لا ~~تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} [القصص: 56]. # وقد سأل - عليه السلام - لأمته ثلاثا فأعطاه الله اثنتين ومنعه واحدة، ~~على ما هو مذكور في الأحاديث الصحيحة. (1) # فيكون سؤاله - صلى الله عليه وسلم - الشفاعة فيمن قال لا إله إلا الله ~~وكونه لم يسعف فيه من هذا القبيل الذي قررناه في حقه وفي حق غيره من ~~الأنبياء عليهم (2) السلام. PageV01P237 # # فإن قيل: فقد علم الله سبحانه أن النبي - عليه السلام - يسأل في آخر ~~الشفاعة عما سأل فلا يجاب في سؤاله ولا يسعف في مطلبه، فكيف يقال له قبل ~~سؤاله: سل تعطه واشفع تشفع. # فالجواب: أن الله تعالى إنما يمتحن عباده ويكلفهم التكاليف بأمره ونهيه، ~~وبذلك أقام الحجة عليهم من غير أن يكتفي بسابق علمه فيهم. # يدل على ذلك أن الله تعالى قال للملائكة ومعهم إبليس: {اسجدوا لآدم} ~~[البقرة: 34] فسجدوا كلهم إلا إبليس فقال تعالى له (1): {ما منعك ألا تسجد ~~إذ أمرتك} [الأعراف: 12]، ثم جعله من المطرودين عن رحمته، لكونه لم يمتثل ~~الأمر مع (2) أنه تعالى علم أنه لا يسجد ms101 عند أمره له بالسجود ولم يعذره ~~بسابق علمه فيه. # وهكذا قال لآدم - عليه السلام - إذ نهاه عن أكل الشجرة فلما ارتكب النهي ~~أخرجه من الجنة ولم يعذره بسابق علمه أنه يأكل من (3) الشجرة بعد نهيه ~~عنها. # وكذلك قال لموسى وهارون عليهما السلام: {اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا ~~له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} [طه: 43 - 44]، فأقام الحجة على فرعون ~~بتوجه موسى وهارون إليه وهو تعالى قد علم أنه لا يتذكر ولا يؤمن، ولم ~~PageV01P238 # # يعذره سبحانه بذلك العلم السابق منه فيه، وقد ذكر الله تعالى أمما ممن ~~أرسل إليهم رسله فكذبوهم، ثم قال في آخر ذلك: # {كل كذب الرسل فحق وعيد} [ق: 14]، وفي موضع آخر: {إن كل إلا كذب الرسل ~~فحق عقاب} [ص: 14]، فأوجب عليهم العقاب بتكذيبهم، مع أنه علم ذلك منهم قبل ~~بعث الرسل إليهم، فهكذا هو سبيل ما سأل النبي - عليه السلام - ربه في ~~الحديث، لم يعتبر الله سابق علمه فيه، وإنما جرى في المخاطبة لنبيه على حسب ~~سنته المطردة مع أنبيائه وعباده. # وقد تبين في الجواب عن السؤال الأول السبب في كونه - عليه السلام - لم ~~يسعف فيما سأل فيه، والله أعلم بحقيقة ذلك. # PageV01P239 # # نقل اللفظ # قال الحميدي: ثم إنا وجدنا أصحاب اليمين من جميع المؤمنين، وهم الطبقة ~~الثانية من الطبقات التي ذكرنا أيضا ينقسمون في الموازنة أقساما ثلاثة: إما ~~متساو خيره وشره. # وإما من رجحت حسناته على سيئاته، فهذا فائز بنص القرآن. # وإما من رجحت سيئاته مع ما معه من الكبائر على حسناته. # فهذا يقتص منه بما فضل من معاصيه على حسناته من لفحة إلى آخر من يخرج من ~~النار، على ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمقدار قلة شره وكثرته، ~~وقال تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود: 114]. # وقد صح أن أهل الأعراف من أحد هذه الأقسام، إذ ليس لها رابع، وليسوا بلا ~~شك من الطبقتين اللتين ذكرنا آخرا فوجب أنهم الطبقة التي ذكرنا أولا، فإنه ~~لم يبق غيرهم، وهذه قسمة ضرورية. # PageV01P240 # # فصل # جعل ms102 الحميدي في كلامه هذا أصحاب اليمين، وهم الطبقة الثانية ينقسمون إلى ~~من يتساوى خيره وشره، وإلى من ترجح حسناته على سيئاته، وإلى من ترجح سيئاته ~~على حسناته، ونحن نقول: إن هذا الانقسام لا يكون لأصحاب اليمين فقط، وإنما ~~يكون للمؤمنين على الإطلاق فيدخل المقربون والأبرار فيه. # ولو جعل ذلك لأصحاب اليمين ولم يقل: وهم الطبقة الثانية، لكان صحيحا، ~~وكنا نحمله على المؤمنين بأجمعهم، لأنا قد قدمنا أن أصحاب اليمين هم جميع ~~المؤمنين، فالمقربون والأبرار وكثير من بقية أصحاب اليمين ترجح حسناتهم على ~~سيئاتهم، وإن كانوا في ذلك طبقات بحسب درجاتهم. (ق.47.ب) # وكذلك قول الحميدي في من ترجح حسناته إنه فائز بنص القرآن معترض بكونه ~~جعل ذلك في الطبقة الثانية، ولم يرد نص في القرآن بذلك، فإن قوله تعالى: ~~{من ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون} [الأعراف: 8]، وقوله: {فأما من ثقلت ~~موازينه فهو في عيشة راضية} [القارعة:6 - 7] يدخل في ذلك جميع المؤمنين على ~~أصنافهم وجميع الأنبياء على اختلاف درجاتهم. # هذا إن كانت الموازنة للأنبياء، وقد نص الحميدي بعد هذا على أنه لا # PageV01P241 # # بد لهم من الموازنة، وسيأتي ذكر ذلك عنه (1) في موضعه، وظاهر كلامه هنا ~~خلاف ذلك، إذ جعل الموازنة في أصحاب اليمين ولم يذكرها للأنبياء والشهداء، ~~وهم المقربون عنده (2). # وقوله فيمن رجحت سيئاته: (فهذا يقتص منه بما فضل من معاصيه على حسناته) ~~معترض أيضا. # فليس مذهب أهل السنة ذلك، وإنما مذهبهم أن من رجحت سيئاته من المؤمنين ~~فهو في المشيئة، فإن عفا الله عنه فهو أهل للعفو ابتداءا، وإن لم يعف عنه ~~وأنفذ عليه الوعيد فحينئذ يدخل النار على وجه القصاص من لفحة إلى آخر من ~~يخرج من النار، وذلك بحسب كبر المعاصي وصغرها وقلتها وكثرتها، على ما سيأتي ~~بحول الله. # وأما قوله: «إن من استوت حسناته وسيئاته هم أهل الأعراف» فهو القول ~~السديد الذي عليه الاعتماد في تعيين أهل الأعراف، وهو قول ابن مسعود وابن ~~عباس (3). # وسيأتي الكلام على أهل الأعراف بأبسط من هذا، وكذلك يأتي بسط ما تضمنه ~~هذا ms103 الفصل بحول الله. PageV01P242 # # نقل اللفظ # قال الحميدي: ثم رجعنا إلى المؤمنين الذين وجب الاقتصاص منهم بالنار ~~بزيادة شرهم على خيرهم فوجدناهم ينقسون فيما لهم من الخير والشر على أقسام ~~أربعة، ثم تتشعب هذه الأربعة الأقسام على اثني عشر قسما: # فالأربعة الأول: كثير الخير كثير الشر، كثير الخير قليل الشر، قليل الخير ~~قليل الشر، قليل الخير كثير الشر. # إلا أن أهل هذه التقسيمات كلهم قد فاض شرهم وما معهم من الكبائر على ~~خيرهم، وهؤلاء يحتسب لهم بكلية ما مع كل امرئ منهم من الخير وبكلية ما معه ~~من الشر، إذ لكل ذلك حظ من المراعاة والحساب، فإذا اقتص منه فيما فضل له من ~~الشر حتى يفضل له من الخير شيء مالا أقل منه، وهو التصديق بالإسلام والنطق ~~بذلك مرة واحدة، وقع الخروج حينئذ من النار بالشفاعة التي رحم الله تعالى ~~بها عباده المؤمنين المسرفين على أنفسهم. # وقد علمنا (ق.48.أ) أن من عمل من كل أعمال الخير فرضها وتطوعها ثم قتل ~~النفس وعمل من كل الكبائر فإنه بالإضافة إلى من لم يعمل شيئا من الخير ~~وشارك في الكبائر مشاركة المذكور قبله سواء سواء أخف عذابا وأقل في النار ~~مكثا، على ما أوجبته النصوص المذكورة. # وهكذا (1) الحكم في قلة الشر وكثرته مع قلة الخير أو كثرته. PageV01P243 # # فصل ### | أصناف العصاة في القيامة # قد تقدم أن القصاص بالنار لأهل المعاصي غير لازم، فقول الحميدي: (ثم ~~رجعنا إلى المؤمنين الذين وجب الاقتصاص منهم بالنار) غير مخلص، فإنه لا ~~يخلو أن يجب ذلك بالعقل أو بالشرع، فالعقل لا مدخل له في ذلك، والشرع لم ~~يرد بأن العصاة من المؤمنين لابد لهم من النار، وإنما ورد بأن الله تعالى ~~يفعل فيهم ما شاء، قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء} ... [النساء: 48]. # فنحن نعلم أن المؤمنين والعصاة في القيامة، وأعني بذلك من رجحت سيئاته ~~منهم، ينقسمون إلى قسمين في الجملة: # - فقسم يعفو الله عنهم ابتداءا من غير تعذيب. # - وقسم يعذبهم ms104 الله بالنار. # فأما هذا القسم الذين يعذبون بالنار فهم المذكورون في أحاديث الشفاعة ~~المخرجون بها منها. # وأما القسم المعفو عنهم ابتداءا فيوجد ذلك في الأحاديث: # - فمنها ما أخبر الشارع بالعفو والغفران عن صاحب الذنب في # PageV01P244 # # الدنيا. # - ومنها ما جاء عنه - عليه السلام - أن الله يغفر للمذنب يوم القيامة. # فأما الأول فمثاله الحديث الذي جاء في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين وأكمل ~~المائة بقتل الراهب، وفيه: «إنه لما مات في الطريق وهو متوجه إلى قرية فيها ~~قوم يعبدون الله ليعبد الله معهم اختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ~~فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا (1) بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة ~~العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، وذكر في آخر الحديث أن ملائكة الرحمة قبضته ~~لما كان أقرب إلى تلك القرية بشبر». (2) # ومثاله أيضا الحديث الذي جاء في الرجل الذي لم يبتئر عند الله خيرا، وفي ~~لفظ آخر: «إنه لم يعمل خيرا قط، فلما مات أوصى بنيه أن يحرقوه بعد موته ~~ويذروا نصف رماده في البر ونصفه في البحر، ففعلوا ما أمرهم به، فقال الله ~~له: لم فعلت ذلك؟، فقال: (ق.48.ب) من خشيتك، فغفر له». (3) PageV01P245 # # وحديث البغي التي كانت من بني إسرائيل فملأت خفها وسقت الكلب فغفر الله ~~لها. (1) # فهذه الأحاديث وإن كانت قد جاءت في الأمم السابقة فنحن لم نسقها إلا ~~لكونها قد أنبأت بغفران الله تعالى لأصحاب الخطايا الذين لو أخذت أعمالهم ~~الموازنة لرجحت سيئاتهم لكبائر ذنوبهم، لاسيما القاتل للمائة، والآمر ~~بإحراق جثته، فإنه لم يغفر لهما إلا بعد الموت بحيث لا يقدران على أن يزيدا ~~في ميزانهما حسنة واحدة. # وإذا كان الله تعالى يفعل ذلك مع الأمم المتقدمة فكيف لا يفعله (2) مع ~~هذه الأمة، وهي أفضل الأمم، بل جاء عن النبي - عليه السلام - (3) في معنى ~~الغفران ما هو محمول على هذه الأمة، ويجوز أن ينسحب ذلك على غيرها من ~~الأمم، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن لله ملائكة سياحين يبتغون ~~مجالس الذكر». الحديث. # وفيه أن الله تعالى يسألهم فيقولون: ms105 «جئنا من عند عباد لك في الأرض ~~يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويستغفرونك، قال: فيقول: قد PageV01P246 # # غفرت لهم، فيقولون: يا رب فيهم فلان عبد (1) خطاء، إنما مر فجلس معهم ~~فيقول: وله قد غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم». (2) # وهذا الحديث لم نسقه (3) لأجل أهل الذكر الذي غفر لهم، فإنهم صالحون ~~فضلاء، وإنما سقناه لقوله - عليه السلام - فيه عن الرجل الجالس إليهم: «إنه ~~عبد خطاء، ومع ذلك غفر له». # وكذلك أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن من يذنب المرة بعد المرة، ~~وهو في كل مرة يقول رب اغفر لي ذنبي، فيقول الله تعالى: «أذنب عبدي ذنبا ~~فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، اعمل ماشئت فقد غفرت لك». (4) # وأما إخبار الشارع بأن الله تعالى يغفر لصاحب الذنوب يوم القيامة فمثاله ~~حديث أبي موسى الأشعري عن النبي - عليه السلام - قال: «يجيء يوم القيامة ~~ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود ~~PageV01P247 # # والنصارى»، ذكره مسلم (1)، وقال في آخره: فيما أحسب (2)، وهذا الشك منه ~~أو من غيره من الرواة لا يقدح فيما أردناه من الحديث، لأن الشك إنما هو ~~راجع إلى قوله: ويضعها على اليهود والنصارى. # وهذا لو سقط من الحديث لم نبال به، لأن مقصودنا إنما هو التعريف بأن ~~(ق.49.أ) في المسلمين من يأتي بذنوب تغفر لهم يوم القيامة من غير أن يكون ~~هنالك عذاب، إذ لو كان هنالك عذاب لدخلوا النار حتى يخرجوا بالشفاعة، وذلك ~~غير مفهوم الحديث. # فإن مسلما إنما أخرج هذا الحديث بإثر الحديث الآخر عن أبي موسى قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل ~~مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول: هذا فكاكك من النار» (3). # ومثال هذا القسم أيضا حديث ابن عمر (4)، أن رجلا سأله فقال له: كيف سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في النجوى؟ قال: سمعته يقول: «يدنى ~~PageV01P248 # # المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقرره (1) بذنوبه فيقول: ~~هل تعرف؟ فيقول: ms106 رب أعرف. قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها ~~لك اليوم». # وفي رواية: «حتى قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك: قال: سترتها عليك في ~~الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته». # وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم. # ومثاله أيضا الحديث الذي يقول الله تعالى فيه لأحد المتخاصمين في ~~القيامة: «ارفع رأسك، فيرى منازل في الجنة فيقول: لمن هذا يا رب؟ فيقول: ~~لمن يملك الثمن، فيقول: ومن يملكه؟ فيقول له: أنت بعفوك عن أخيك، فيقول: يا ~~رب قد عفوت عنه، فيقول الله تعالى: خذ بيد أخيك وادخلا جميعا الجنة»، (2) ~~أو كما قال - صلى الله عليه وسلم -. # فإذا كان الله تعالى يعفو عن الظالم الذي عليه الحق للمظلوم (3) بأن يرضي ~~المظلوم (4) حتى يترك حقه، فما ظنك بالذنوب التي بين المؤمن وبين ربه؟ ~~فإنها أقرب إلى العفو من مظالم العباد. PageV01P249 # # يقول الله سبحانه على لسان نبيه - عليه السلام - كما تقدم فيمن يذنب ~~ويقول يا رب اغفر لي: «أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، اعمل ما ~~شئت فقد غفرت لك»، (أو كما قال) (1). # وليس كل الظالمين من المؤمنين يفعل الله لهم ما تقدم في حديث المتخاصمين، ~~بل منهم من يمكن عز وجل منه المظلوم من القصاص كما قال - عليه السلام -: ~~«من كانت لأخيه عنده مظلمة فليتحلله قبل أن يأتي يوم القيامة، وليس ثم ~~دينار ولا درهم، فيأخذ من حسناته فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه ~~فطرحت عليه، ثم طرح في النار». (2) (ق.49.ب) PageV01P250 # # فصل ### | أصناف من رجحت سيئاتهم على حسناتهم # ) (1) # ثم تقسيم الحميدي من يقتص منهم بالنار وهم من رجحت سيئاتهم إلى (2) ~~الأربعة الأقسام التي ذكر خطأ عند التأمل، فإن واحدا من تلك الأقسام يصدق ~~على ما قال، وهو من هو قليل الخير كثير الشر، لأن من هذه صفته ترجح سيئاته ~~على حسناته لا محالة. # وأما الثلاثة الأقسام الباقية فلا تدخل تحت هذه الترجمة ولا تصدق على ما ~~قال. # أما القسم ms107 الواحد منها وهو من هو كثير الخير قليل الشر فلا يشكل أمره، ~~لأن من هذه صفته ترجح حسناته على سيئاته ولابد، فلا يصح إدخاله تحت ترجمة ~~من رجحت سيئاتهم. # وأما القسمان الباقيان وهما من هو كثير الخير كثير الشر، ومن هو قليل ~~الخير قليل الشر فهما من جملة من استوت حسناتهم وسيئاتهم، لأن كثرة الخير ~~بإزاء كثرة الشر، وقلة الخير بإزاء قلة الشر، وإذا كان الأمر هكذا فلا يصح ~~أن يدخل هذان القسمان أيضا في قسم من رجحت سيئاتهم. PageV01P251 # # والعجب من الحميدي رحمه الله كيف يقسم الناس ثلاثة أقسام: قسم من رجحت ~~حسناته، وقسم من رجحت سيئاته، وقسم من استوت حسناته وسيئاته، وهو تقسيم ~~صحيح. # ثم يرجع فيقسم القسم الذي هو من رجحت سيئاتهم إلى هذه الثلاثة الأقسام ~~بعينها، فكأنه قال: ثم رجعنا إلى المؤمنين الذين رجحت سيئاتهم فوجدناهم ~~ينقسمون ثلاثة أقسام: # قسم من رجحت حسناته، وهو من هو كثير الخير قليل الشر. # وقسم من رجحت سيئاته، وهو من هو كثير الشر، قليل الخير. # وقسم من استوت حسناته وسيئاته، وهو من هو كثير الخير كثير الشر، أو قليل ~~الخير قليل الشر. # وفي هذا من التناقض ما لا خفاء به. # فإن قال قائل: فلعل الحميدي إنما جعل في هذا الباب من هو كثير الخير كثير ~~الشر، ومن هو قليل الخير قليل الشر باعتبار أنه غلب جانب الشر، فإنه قد ~~يكون هنالك كبائر تربي على ما في جانب الخير من أعمال البر، مثل قتل النفوس ~~وغصب الأموال وشرب الخمر والزنا والسرقة وغير ذلك من أنواع الفسوق، فلا ~~يبعد أن يوصف المكلف بكونه كثير الخير كثير الشر، لكن يكون جانب الشر مغلظا ~~لشناعة تلك الكبائر. # قلنا: لنا عن هذا جوابان (ق.50.أ)، ولكن بعد أن نقول لقائل هذا: هبك أنا ~~نسلم لك هذا التأويل فما تقول في القسم الذي هو كثير الخير قليل الشر؟ هل ~~يصح أن يدخل في هذا الباب؟ # PageV01P252 # # فلا يسعه إذا كان منصفا، إلا أن يعترف بأنه (1) لا يدخل في هذا ms108 الباب، إذ ~~لا حجة له على دخوله فيه، كما أنه لا عذر للحميدي في ذلك البتة. # ثم نرجع إلى ذكر الجوابين فنقول: # أحدهما: أن نقول للحميدي، أو لمن احتج عنه: نعكس عليكم ما قلتم، وذلك بأن ~~نقدر نحن أيضا أن جانب الخير يربي على جانب الشر، بأن تكون في جانب الخير ~~أفعال عظيمة من أعمال البر مثل الصلاة المقبولة التي يناجي المصلي فيها ~~ربه، ومثل الصدقة التي تعظم حتى تكون مثل الجبل، ومثل الصيام الذي هو لله ~~تعالى من بين سائر العبادات، ومثل الحج المبرور الذي ليس له جزاء إلا ~~الجنة، ومثل الجهاد والرباط والعتق وطلب العلم وإحياء نفس مؤمنة أو هدايتها ~~للإسلام وغير ذلك مما جاء الشرع بتعظيم الثواب فيه. # فلا يبعد أيضا أن يتصف المكلف بكونه كثير الخير كثير الشر، لكن يكون جانب ~~الخير أرجح عند الحساب وأثقل في الميزان، لاسيما وللحسنة عشر أمثالها، فهي ~~توزن مضاعفة، وللسيئة مثلها، فهي وإن كانت عظيمة لا توزن إلا وحدها من غير ~~تضعيف، ولا محالة أن المضاعف عشر مرات أكثر من شيء لا يضاعف. # وإذا كانت أكثر كانت أوزن بشرط أن نقدر كون الطاعات والمعاصي في الصغر ~~والكبر على حد سواء. PageV01P253 # # وقد تبين بهذا العكس أن ذلك التأويل الذي يغلب (1) فيه جانب الشر لا يصح ~~إفراده، إذ ليس أحد التأويلين أولى من الآخر. # وإذا لم يصح واحد منهما (على الانفراد وتساقطا معا لتساويهما) (2) رجعنا ~~إلى التأويل الذي لا يصح سواه، وهو أن من هو كثير الخير كثير الشر وقليل ~~الخير قليل الشر هما من استوت حسناتهما وسيئاتهما ولابد، وإذا كان الأمر ~~كذلك صح ما قلناه من كون القسمين لا يدخلان في ترجمة من رجحت سيئاتهم على ~~ما قدمناه. # الجواب الثاني: إن الحميدي إذا تكلم في التنظير بين هذه الأقسام إنما ~~يجعل كثرة الخير وكثرة الشر على السواء، وقلة الخير وقلة الشر على السواء ~~من غير مفاضلة فيهما أصلا، وذلك جلي في كلامه على ما يأتي بعد هذا، حيث ~~قال: (ق.50.ب) فلنتكلم ms109 الآن في كثير الخير كثير الشر مع قليل الشر كثير ~~الخير (3) فوجدناهما قد استويا في كثرة الخير، واختلفا في كمية الشر، يعني ~~(4) في قلته وكثرته، وكذلك قوله: ثم نظرنا في قليل الخير قليل الشر مع قليل ~~الخير كثير الشر فوجدناهما قد استويا في قلة الخير واختلفا في كمية الشر، ~~نعني في قلته وكثرته. # وهكذا قوله في سائر الأقسام إنما هو على هذه الوتيرة، فإن عادته إذا وصف ~~بكثرة الخير أو بقلته شخصين إنما يسوي بين خيريهما في ذلك. PageV01P254 # # وإذا وصف بكثرة الشر أو بقلته شخصين إنما يسوي بين شريهما، فإذا كان أصله ~~في تلك الأقسام التسوية في كثرة الخير وكثرة الشر أو قلتهما معا حيث ما ~~ذكرهما لزمه لا محالة (أن يكون) (1) القسمان اللذان تقدم الكلام عليهما، ~~وهما: # - من هو كثير الخير كثير الشر. # - وقليل الخير قليل الشر على التساوي، كما قررناه. # ويبطل بذلك تأويل من يتأول على الحميدي ما فرضناه. PageV01P255 # # فصل # وقوله: (فإذا اقتص منه فيما فضل له من الشر حتى يفضل له من الخير شيء ما ~~لا أقل منه، وهو التصديق بالإسلام والنطق بذلك مرة واحدة وقع الخروج حينئذ ~~بالشفاعة التي رحم الله تعالى بها عباده المؤمنين المسرفين على أنفسهم) ~~معترض على أصله، فإنه جعل هاهنا من صدق بالإسلام ونطق به مرة واحدة يخرج من ~~النار بالشفاعة، وقد تقدم له في فصل قبل هذا أن الله تعالى ينفرد بخروج من ~~هذه صفته دون شفاعة. # فإنه قال: (وهذا يبين أن الذي توحد الله تعالى بإخراجهم من النار فيمن ~~قال لا إله إلا الله ولم يعمل خيرا قط إنما هو من قالها مرة واحدة فقط ~~مصدقا ومات على ذلك، إلى قوله: ونص الخبر يدل على أن الذين توحد الله تعالى ~~بإخراجهم برحمته لا بالشفاعة إنما هم من ليس في المؤمنين أحد أقل خيرا ~~منهم). # والذي ذكر في هذا الفصل الذي نحن فيه في التصديق بالإسلام والنطق به مرة ~~واحدة، وهو الذي يخرج صاحبه بالشفاعة (1)، ليس في المسلمين أقل خيرا منه. ms110 # وهذا تناقض، إلا أنه يمكن أن يكون الحميدي لاحظ فيمن يتوحد الله ~~PageV01P256 # # تعالى بإخراجه كونه لم يعمل خيرا قط إلا الشهادة بمجردها كما (ق.51.أ) في ~~الحديث، ولاحظ فيمن يخرج بالشفاعة كونه كان عنده خير مع الإيمان، وهذا ~~الفرق لا فائدة فيه، فإنه (1) إذا قال في الثاني إنه اقتص منه فيما فضل له ~~من الشر حتى لم يبق له إلا التصديق والشهادة، فقد استوى مع الأول في كونه ~~ليس عنده إلا ذلك، وسيأتي الكلام على هذا المعنى (مع الحميدي) (2) فيما بعد ~~إن شاء الله. # وأما جعله من فعل الطاعات وعمل الكبائر أخف عذابا ممن عمل الكبائر (3) ~~دون الطاعات فصحيح، إذا فرضنا أن الله تعالى يقتص منهما جميعا بحسب ~~أعمالهما، ونحن لا نعلم ذلك، فإنا نجوز أن يعفو (الله) (4) عنهما جميعا ~~ابتداءا ما لم يكن معهما أو مع أحدهما حقوق الآدميين، ويجوز أن يعفو عن من ~~تلبس بالطاعات دون من لم يتلبس بها، ويجوز أن يعفو عن المرتكب للكبائر الذي ~~لم يتلبس بالطاعات، ويعاقب المتلبس بالطاعات على ما اقترف من الكبائر. # فإن القدرة صالحة لهذا كله، وإرادة الله تعالى في عباده مطوية عنا، وعلمه ~~سبحانه هو المحيط بذلك كله. PageV01P257 # # نقل اللفظ # قال الحميدي بعد قوله: وهكذا الحكم في قلة الشر وكثرته مع قلة الخير أو ~~كثرته: # فلنتكلم الآن بعون الله تعالى وعصمته في كثير الخير كثير الشر مع قليل ~~الشر كثير الخير بالإضافة إليه فوجدناهما قد استويا في كثرة الخير، واختلفا ~~في كمية الشر، نعني في قلته وكثرته. # وقد علمنا بتقسيم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خبره الصادق (1) ~~من خروج من له مقدار الشعيرة من الخير معا، ثم خروج من له مقدار البرة من ~~الخير معا، ثم كذلك سائر المقادير في القلة، أن الخروج من النار لأهل كل ~~مقدار منها، يكون معا بلا شك في ذلك. # وعلمنا بالنص أنهم معاقبون ومقتص منهم فيما كسبوا من الشر فلم يبق إلا أن ~~الكثير الشر مقدم في الدخول في النار على القليل الشر ms111 بمقدار ما زاد شره ~~على شر الآخر، ليكون خروجهما معا بعد أن يقتص من كل واحد منهما بمقدار ما ~~فضل له من الشر على ما معه من الخير. # وليس في الممكن أن يكون دخولهما في النار معا بلا شك، إذ لا شك في أنه ~~كان يتم الاقتصاص من الأقل شرا قبل تمامه من الأكثر شرا PageV01P258 # # فيخرج من النار قبل خروج من له من الخير كالذي له سواء سواء، وهذا خلاف ~~نص الحديث. # اللهم إلا أن يكون (ق.51.ب) وجه آخر وهو أن يزاد في كيفية عذاب من هو ~~أكثر شرا، ويفتر من عذاب من هو أقل شرا، فيكونا قد اتفقا في مدة العذاب ~~واختلفا في شدته وتهوينه، فهذا أيضا ممكن، والله أعلم بأيهما يكون إلا أنه ~~لابد من أحد الوجهين، إذ ما عداهما مخالف لوحي الله تعالى إلى رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وما خالف الوحي فهو باطل بلا شك. # PageV01P259 # # فصل # قد قدمنا أن من هو قليل الشر كثير الخير لا مدخل له في هذا الباب إذ هو ~~من باب من رجحت حسناته، وأن من هو كثير الشر كثير الخير (1) لا مدخل له ~~أيضا فيه، وإنما هو من باب من تتساوى حسناته وسيئاته، فلا معنى لفرض ~~التنظير بين القسمين، لاكنا نتكلم عليهما بحسب ذلك الفرض فنقول: إن الحميدي ~~مع أنه أدخلهما تحت الباب الذي هو رجحان السيئات لم يتخلص فيما قال في ذلك، ~~فإن أكثر كلامه في هذا الفصل معترض. # فمن ذلك قوله: (فلم يبق إلا أن الكثير الشر مقدم في الدخول في النار على ~~القليل الشر ليكون خروجهما معا بعد القصاص)، وهذا غير صحيح. # فإن بقاء من هو قليل الشر كثير الخير في النار حتى يخرج مع من هو كثير ~~الخير كثير الشر ظلم في حقه، فإنه أكثر خيرا منه. # والذي يبين المفاضلة بين خيريهما وإن كان ظاهرهما التساوي ما نذكره، وهو ~~أن من هو كثير الخير كثير الشر يسقط كثرة خيره بكثرة شره لتساويهما عنده، ~~وأن من هو قليل ms112 الشر كثير الخير لا يسقط كثرة خيره جملة، وإنما يسقط منه ما ~~يوازي قلة شره، وتبقى له بعد ذلك فضلة خير ليست عند الآخر، فيمتنع بها من ~~دخول النار، فإن فرضنا دخوله فيها على مذهب الحميدي فسيكون خروجه منها قبل ~~خروج صاحبه لكثرة خيره عليه. PageV01P260 # # وقد ساق الحميدي الحجة على نفسه من الحديث بقوله: (إن أهل مقدار الشعيرة ~~من الخير يخرجون من النار معا وإن أهل مقدار البرة يخرجون معا بلا شك). # وهذا القول صحيح لأن إخراجهم من النار إنما هو بتدريج زمرة بعد زمرة، ~~وبينهما سجود ودعاء واستشفاع، فإذا أذن بخروج زمرة منهم خرجت بجملتها دفعة ~~واحدة. # ويجب أن ننبه هاهنا على شيء، وهو أن الحميدي جعل (ق.52.أ) هذا الحديث ~~المتقدم عن أنس أصله في كثرة الخير وقلته حتى بنى على ذلك الأقسام التي ~~ذكرها في تنظير صاحب الخير مع صاحب الشر في كثرتهما وقلتهما. # وفي ذلك نظر من حيث إن الموازنة إنما تكون بالخير والشر الزائدين على ~~الإيمان، والحميدي وإن كان قد نص عند ذكره حديث أنس على أن تلك المقادير ~~إنما هي مما سوى الإيمان الذي هو عنده قول لا إله إلا الله، وقال: إنما ذلك ~~من الأعمال التي تسمى أيضا إيمانا كما تقدم له (1)، فهو لم يقف عند ذلك، بل ~~جعل الإيمان من الخير الذي يوزن. # وقد قدمنا نحن ذكر الاحتمال في حديث أنس. # فإن كان المقصود بذكر الإيمان والخير فيه ما زاد على نفس الإيمان من ~~الأعمال فذلك يوزن، وإن كان هو الإيمان الذي محله القلب فلا يصح وزنه أصلا، ~~(2) وسندل على ذلك في الموضع الذي نص الحميدي على أنه يوزن ونبين وهمه فيه ~~(3) بحول الله. PageV01P261 # # فصل # وقول الحميدي: (وليس في الممكن أن يكون دخولهما في النار معا بلا شك) غير ~~صحيح على ما نقرره. # وقوله في آخر ذلك: (وهذا خلاف نص الحديث)، ليس كما قال. # فإن الحديث لم يتعرض إلى دخول المذنبين النار هل هو بمقدار معلوم حتى ~~يكون دخول الأكثر شرا قبل الأقل ms113 شرا، وإنما تعرض إلى خروج أهل المقادير على ~~تدريج بشفاعة (1) بعد شفاعة ولا مزيد. # وقوله: (إنه ممكن أن يكون وجه آخر وهو أنه يزاد في عذاب الأكثر شرا على ~~عذاب الأقل شرا) يعني إذا فرض أن يكون دخولهما النار واحدا لا يبعد ذلك. # وأما قوله: (إنه لابد من أحد الوجهين يعني زيادة العذاب أو دخول الأكثر ~~شرا قبل صاحبه) فغير صحيح. # وقوله: (إذ ما عداهما مخالف لوحي الله إلى رسوله، وما خالف الوحي فهو ~~باطل)، ليس كذلك، فأين الوحي المنزل بأنه لا يكون إلا أحد هذين القسمين، ~~وهذا لا يوجد لا في القرآن ولا في الحديث. # ونحن نبين جميع ما رددناه على الحميدي في هذا الفصل بكلام يكر على جميع ~~ما تقدم بحول الله. PageV01P262 # # فنقول: إن لله تعالى أن يعفو عن المذنبين ابتداءا من غير عقوبة أصلا ~~(ق.52.ب)، هذه القاعدة معلومة من الشرع على ما قدمناه. # فأن يعفو عن بعض المذنبين بالشفاعة قبل أن يستوفي منهم القصاص أحرى ~~وأولى. # وإذا كان الأمر هكذا فلا نشترط أن يكون دخول الأكثر شرا النار قبل دخول ~~الأقل شرا ولابد، بل يجوز أن يكون الأمر في دخولهما النار كذلك إذا أراد ~~الله تعالى تحقيق القصاص على كل واحد منهما بحسب ما معه من الشر. # ويجوز أن يكون دخولهما بالعكس ودخولهما معا، فإذا شفع في أهل المقدار ~~الذين هما منه أخرجا معا، وإن لم يستوف القصاص من أحدهما فيكون ذلك من الله ~~تعالى من باب العفو والتجاوز عنه، هذا ما لا محيص لمن فهم الشرع من الإقرار ~~به. # وقول الحميدي إنه يمكن زيادة العذاب على من هو أكثر شرا صحيح، إلا أنه ~~يمكن أن يظن أن العذاب يكون جنسا واحدا، غير أنه يزاد منه في حق الأكثر ~~شرا، ونحن لا نسلم ذلك، فإن عذاب النار في الآخرة أجناس متعددة، فإن مانع ~~الزكاة يمثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه في عنقه، ~~ويقول له أنا كنزك (1)، ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه ms114 في النار، ومن ~~قتل نفسه بحديدة فهو يتوجأ بها في بطنه في النار، ومن تردى من جبل ~~PageV01P263 # # فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم، (1) إلى غير هذا من الأنواع التي وردت ~~في الأحاديث. # وكل نوع منها عذاب برأسه، وفي الممكن أن يكون بعضها أشد من بعض. # وفي حديث سمرة، الحديث الطويل في الرؤيا عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: إن عذاب الزناة فيه، وعذاب الكذابين، وعذاب أكلة الربا، وعذاب من ينام ~~عن الصلاة المكتوبة (2) أنواع متباينة كلها. # وإذا تقرر هذا فيمكن أن يكون نوع عذاب الأكثر شرا فوق نوع عذاب الأقل ~~شرا، وتكون مدتهما في المقام واحدة، ويمكن أن يكون نوع عذابهما واحدا، ~~ويضاعف للأكثر شرا عذابه، ويمكن أن يكون دخول الأكثر شرا قبل دخول الأقل ~~شرا، ويجوز أن يكون العفو عنهما معا أو عن أحدهما قبل استيفاء القصاص. # ونحن لا ننكر على الحميدي أن يقول واحدا من هذه الخيارات، وإنما ننكر ~~عليه القطع على ما يقول من ذلك، وهو قوله: وهذا لابد منه، أو لابد من أحد ~~هذين الوجهين، أو هذا لاشك فيه، ونحو ذلك من الألفاظ. PageV01P264 # # والذي يقطع بالحميدي (ق.53.أ) في هذا الفصل ويرد عليه الرد المتمكن أن ~~يقال له: ومن أين لك أن أهل مقدار الشعيرة إذا أخرجوا معا، وأن أهل مقدار ~~الذرة إذا أخرجوا معا قد استوفي منهم القصاص حتى ترتب عليه دخول البعض قبل ~~البعض، ونحن نعلم أنهم إنما خرجوا بالشفاعة. # ولو قدرنا ارتفاع الشفاعة في الوقت الذي خرجوا فيه، لكان بقاؤهم في النار ~~وخروجهم منها في الإمكان على حد سواء، وإذا أمكن بقاؤهم في النار فهم إذا ~~لم يستوف منهم القصاص. # إذ لو استوفي منهم القصاص لأخرجوا ولابد، بعد أن نقدر انتفاء الشفاعة. # فإذا كان عدم استيفاء القصاص منهم ممكنا فلا فرق بين أن يقع ذلك في ~~جميعهم أو يقع في بعضهم ممن هو أكثر شرا. # ونحن مع ذلك نقول: إن الشفاعة إنما تتحقق في من لم يستوف منه القصاص، إذ ~~القول بأنها إنما ms115 تكون في من استوفي منه القصاص إبطال لحقيقتها كما هو لازم ~~للحميدي، وسيأتي ذكر ذلك في موضعه. # PageV01P265 # # نقل اللفظ # قال الحميدي: ثم نظرنا في قليل الخير قليل الشر مع قليل الخير كثير الشر ~~فوجدناهما قد استويا في قلة الخير واختلفا في كمية الشر، نعني في قلته ~~وكثرته (1) فصح خروجهما من النار معا ولابد، إذ مقدار خيريهما واحد. # فإذ (2) ذلك كذلك فلا بد من تقديم كثير الشر في دخول النار، إذ مقدار ~~الاقتصاص منه أكثر من مقدار الاقتصاص من الذي هو أقل شرا منه فيقدم عليه ~~بمقدار ما يقتص منه من الزيادة التي تزيد على شر الآخر ضرورة، ثم يدخل ~~الآخر (3) ليكون خروجهما (من النار) (4) معا. # والوجه الآخر كما قدمناه وهو أن يدخلا النار معا فيزاد في عذاب الأكثر ~~شرا، ويفتر عذاب الأقل شرا، فيتفقان (5) في المدة ويختلفان في شدة العذاب ~~وتهوينه، والله أعلم. PageV01P266 # # فصل # قد قدمنا أن من هو قليل الخير قليل الشر لا يدخل في هذا الباب، لأنه ممن ~~تتساوى (1) حسناته وسيئاته فلا يصح التنظير بينه وبين من هو قليل الخير ~~كثير الشر، لأن هذا يسقط قلة خيره بما يقابله من الشر ويبقى (2) له بعد ~~الموازنة من الشر فضلة يستوجب بها العقاب. # والأول إذا (3) (ق.53.ب) سقط خيره بشره لا يبقى له من الشر ما يستوجب به ~~العقاب، وإن فرضنا دخوله النار على مذهب الحميدي فسيخرج (4) قبل صاحبه، لأن ~~خيره وإن كان قليلا (يشبه أن) (5) يكون أكثر من خير الآخر، بسبب ما عند هذا ~~من كثرة الشر الذي يسقط خيره به في الموازنة وتفضل (6) له فضلة من الشر كما ~~تقدم. PageV01P267 # # نقل اللفظ # قال: ثم نظرنا في كثير الخير كثير الشر مع قليل الشر قليل الخير ~~فوجدناهما قد اختلفا في كمية الشر وكمية الخير، وقد علمنا أن الأكثر خيرا ~~أسرع خروجا من النار، وأن الأكثر شرا أكثر عقوبة. # فصح أن الأكثر شرا يقدم بيقين في الدخول في النار قبل الأقل منه شرا، ~~وأنه أيضا وإن تقدم في دخول النار، فإنه المقدم ms116 في الخروج منها قبل الآخر، ~~لأنه أكثر منه خيرا. # وأن القليل الشر وإن تأخر في دخول النار بعد الذي هو أكثر منه شرا، فإنه ~~أيضا يتأخر في الخروج منها بعده، لأنه أقل منه خيرا. # أو وجه آخر: وهو أن يدخلا النار معا، ويزاد في عذاب الأكثر شرا ليستوفى ~~القصاص منه في قليل المدة فيخرج قبل الذي هو أقل خيرا منه ولابد، ويفتر في ~~عذاب الأقل شرا وتطول مدته، فيكون خروجه منها ولابد مع طبقته وبعد خروج من ~~هو أكثر خيرا منه. # هذا ما لا يمكن سواه أصلا. # PageV01P268 # # فصل # هذان القسمان اللذان فرض الحميدي التكلم فيهما قد تقدم الكلام عليهما ~~ومضى هنالك أنه لا يصح فيهما إلا أن يكونا ممن استوت حسناتهما وسيئاتهما، ~~وإذا كانا كذلك فيصيران من أصحاب الأعراف الذين لا يدخلون النار، بل هما ~~جملة أصحاب الأعراف بلا مزيد، فلا يصح التنظير بينهما في دخول النار ولا في ~~الخروج منها. # ولو قدرنا دخولهما النار وفرضنا ذلك واقعا لم نعلم من يخرج منهما قبل ~~صاحبه لسقوط خيرهما معا، لأن كثرة الخير بإزاء كثرة الشر، وقلة الخير بإزاء ~~قلة الشر، وذلك مبني على التساوي الذي هو أصل الحميدي في هذه الأقسام كما ~~تقدم التنبيه عليه. # وإنما قلنا لم نعلم من يخرج منهما قبل صاحبه، لأجل أن الخير المذكور هو ~~عندنا ما زاد على الإيمان من العمل، وأما نفس الإيمان فلا يسقط ولا يوزن ~~على ما أشرنا إليه قبل، وسيأتي تحقيق الكلام عليه. # وإذا لم يسقط فهو معتبر لأهل الذنوب الخارجين من النار، فإن من كان ~~إيمانه منهم أتم يخرج قبل من هو دونه في ذلك لحديث أنس في اعتبار المقادير. # PageV01P269 # # نقل اللفظ # قال: ثم نظرنا في كثير الخير قليل الشر مع قليل الخير كثير الشر ~~فوجدناهما قد اختلفا في قلة (ق.54.أ) الخير وكثرته، وفي قلة الشر وكثرته، ~~فعلمنا يقينا أن الأكثر شرا يدخل النار قبل الأقل شرا وأنه أيضا يخرج منها ~~بعده لقلة خيره عن خير الآخر. # والوجه الآخر وهو أن ms117 يدخلا معا في النار فيتم القصاص من القليل الشر قبل ~~تمام القصاص من الأكثر منه شرا فيخرج الأكثر خيرا قبل خروج الأقل خيرا ~~ولابد. # فصل # قد قدمنا أن من هو كثير الخير قليل الشر لا مدخل له في هذا الباب، ~~فتنظيره مع من هو قليل الخير كثير الشر باطل. # ثم لو سامحنا الحميدي في صحة ذلك وأخذناه من باب المفاضلة لكان الأكثر ~~خيرا يخرج من النار قبل الأكثر شرا لأجل ما يبقى له من الخير بعد سقوط ما ~~يسقط منه في مقابلة شره، ولا يلزم أن يكون الأكثر شرا يدخل النار قبل ~~الأكثر خيرا، ولا أن يضاعف عذابه لبقائه بعده في النار بسبب ما يبقى عليه ~~من الشر بعد إسقاط ما يسقط منه في مقابلة خيره. # PageV01P270 # # نقل اللفظ # قال: ثم نظرنا في كثير الخير كثير الشر مع قليل الخير كثير الشر ~~فوجدناهما متفقين في كثرة الشر مختلفين في قلة الخير وكثرته، فالأكثر خيرا ~~مقدم في دخول النار على القليل الخير، ليتم القصاص منه قبل تمام القصاص من ~~الآخر، ويخرج من النار لكثرة خيره قبل خروج الأقل خيرا ولابد. # والوجه الآخر وهو أن يدخلا النار معا ويزاد في عذاب الأكثر خيرا ويهون ~~على الآخر، ليتم القصاص من الأكثر خيرا قبل تمام القصاص من الآخر، ليخرج ~~قبله ولابد لكثرة خيره عليه. # فصل # ما قاله الحميدي في هذا الفصل صحيح على مذهبه، ونحن قد قدمنا أن من هو ~~كثير الخير كثير الشر هو ممن استوت حسناته وسيئاته فلا يصح تنظيره مع من هو ~~قليل الخير كثير الشر. # ولو فرضنا أن القسمين يعذبان في النار لم نقل إن عذابهما واحد، لأن ~~القليل الخير إذا سقط خيره بما يوازيه من الشر يبقى له من الشر فضلة يستوجب ~~بها العقاب، وليس كذلك من هو كثير (ق.54.ب) الخير كثير الشر، لأنه في ~~الموازنة لا يبقى له من الشر فضلة لكثرة خيره (1). PageV01P271 # # نقل اللفظ # قال: ثم نظرنا في قليل الخير قليل الشر مع كثير الخير قليل الشر ~~فوجدناهما ms118 قد اتفقا في قلة الشر، واختلفا في قلة الخير وكثرته، فالأكثر ~~خيرا يقدم في الدخول في النار وفي الخروج منها. # والوجه الآخر وهو دخولهما معا ويزاد ولابد في عذاب الأكثر خيرا ليتم ~~القصاص منه، ويخرج ولابد قبل خروج الذي هو أقل خيرا منه. # فصل # ما قاله الحميدي في هذا الفصل مبني على أصله، ونحن أيضا على أصلنا في أن ~~من هو كثير الخير قليل الشر لا يدخل النار لكثرة خيره، وأن من هو قليل ~~الخير قليل الشر لا يدخل النار أيضا لتساوي خيره وشره. # فإن أخذناه من باب المفاضلة بينهما وفرضنا دخولهما النار على مذهبه ~~فالأكثر خيرا يخرج من النار قبل الأقل خيرا دون الدخول فيها، ولا يصح أن ~~يكون قلة شرهما على التساوي أصلا، لأن الكثير الخير تبقى له فضلة خير بعد ~~إسقاط ما يسقط منه في مقابلة ما عنده من الشر، والذي هو أقل خيرا لا يبقى ~~له من الخير شيء لسقوطه بالشر فيلزم مع تقدير دخوله النار أن يبقى فيها بعد ~~خروج الأكثر خيرا إذا حقق القصاص عليهما، والله أعلم. # PageV01P272 # # فصل ### | إبطال تقسيمات الحميدي # ) (1) # قد قدمنا أن تقسيمات الحميدي في قوله: (كثير الخير قليل الشر وكثير الخير ~~كثير الشر وقليل الخير قليل الشر) لا معنى لها على ما ذكرناه، ونحن نزيد ~~ذلك بيانا، فنقول: # إن تلك الأقسام منتقضة عليه بأجمعها من حيث أدخلها تحت القسم الذي هو من ~~رجحت سيئاته على حسناته، وقسمها إلى اثني عشر قسما، وكل قسم منها لا يدخل ~~تحت تلك (2) الترجمة أصلا حاشى قسم واحد، وهو قليل الخير كثير الشر. # وحتى إنه لو قال قائل: هبك أنها لا تدخل تحت من رجحت سيئاته فتكلم فيها ~~على ما فرضه الحميدي من تنظير قسم بقسم، لقلنا: إن ذلك لا يصح فيها بوجه، ~~مع أنا قد فعلنا ما أمكن من ذلك عند ذكر تلك الأقسام، ولكن بضرب ما من ~~المسامحة حملنا عليها أن نبين أن أقوال الحميدي في PageV01P273 # # الجواب عن (1) الأقسام التي نظر بينها، إذا فرضنا ms119 تلك الأقسام صحيحة، هي ~~معترضة كلها لكونه بناها على إنفاذ الوعيد. # والحق عندنا أن فرض الكلام في الأقسام المذكورة لا يصح، لأنا إذا ~~(ق.55.أ) أخرجناها عن قسم من رجحت سيئاته فذلك يبطل التنظير بينها، لأن ~~التنظير إنما يقع فيها على أن نقول إنها في النار، فننظر من هو أكثر شرا ~~فنقدمه على مذهب الحميدي في دخول النار أو في تضعيف العذاب، ومن خرج عن هذا ~~القسم كيف يتصور أن نقول إنه في النار، وهو دائر بين أمرين: # - إما أن يكون كثير الخير قليل الشر، فهذا ممن رجحت حسناته. # - أو يكون كثير الخير كثير الشر، أو قليل الخير قليل الشر، فهذان ممن ~~استوت حسناتهما وسيئاتهما على ما تقدم. # وإذا لم يبق من التقسيم إلا واحد، وهو من هو كثير الشر قليل الخير لم يكن ~~عنده قسم يجعل بإزائه ليقع التنظير بينهما، فقد بطلت إذا تلك الأقسام كلها ~~بما احتوت عليه. PageV01P274 # # فصل # ثم إن الحميدي أجاب عن تلك الأقسام كلها بجواب واحد، وهو أن الأكثر شرا ~~يدخل النار قبل الأقل شرا ليكون خروجهما معا إذا كانا في الخير متساويين، ~~وإن دخلا معا فيزاد في عذاب الأكثر شرا ولابد، وإن كانا في الخير متفاضلين، ~~فيسبق الأكثر خيرا في الخروج من النار. # ويلزم أن يسبق الأكثر شرا في الدخول فيها على هذه القاعدة هو (1) مدار ~~كلامه، وهو يضاهي كلام من يقول بإنفاذ الوعيد (2). # وقد مضى الكلام على هذا المعنى، وقلنا: إن الذي قاله يجوز أن يكون، ويجوز ~~عكسه، ويجوز العفو ابتداءا، ويجوز أن يخرج المذنبون من النار أو بعضهم قبل ~~استيفاء القصاص منهم، وهذا هو معنى الشفاعة، إذ لا يعقل منها إلا إخراج ~~المذنب من الذنب الذي عليه ومن تباعته، ومن عقوبة السلطان له قبل أن يوقعها ~~به. # ثم يلزم الحميدي في هذه الأقسام كلها إلزام واحد، وهو أن يقدر الزمن الذي ~~يدخل فيه الأكثر شرا قبل الأقل شرا، ويقدر الشرين حتى يعلم هل يزيد أحدهما ~~على الآخر النصف أو السدس أو الربع فيجعل ms120 نسبة ذلك PageV01P275 # # للزمن الذي بين دخول الأكثر شرا ودخول الأقل شرا، والتزام هذا تحكم محض ~~إذ لا دليل عليه. # ويلزمه شيء آخر وهو أن الأكثر شرا يقدم في الحساب قبل الأقل شرا لدخوله ~~النار قبله، وهذا ينبغي أن يتأمل، فإنه محل نظر. # وذلك أن الشرع قد ورد بأن قوما يدخلون الجنة من غير حساب مثل السبعين ~~ألفا، ومثل قول الله تعالى للنبي - عليه السلام - في حديث الشفاعة (1): # «أدخل من لا حساب عليه من أمتك (ق.55.ب) من الباب الأيمن من أبواب ~~الجنة». (2) # وورد أيضا أن فيهم من يحاسب حسابا يسيرا، وفيهم من يناقش في الحساب، فهم ~~درجات، والمفهوم من الشرع تقديم الأعلى فالأعلى من تلك الدرجات، فينبغي أن ~~يدخل الجنة من لا حساب عليه قبل من يحاسب حسابا يسيرا، ويحاسب من يحاسب ~~يسيرا قبل من يناقش الحساب، ويحاسب من يناقش عليه قبل من يبالغ في حسابه، ~~ويستقصى عليه دقيق أمره وجليله. # وإذا كان الأمر هكذا فكل ما ذكره الحميدي في تقديم الأكثر شرا غير صحيح ~~إذن، لأنه يؤدي إلى أنه يحاسب الأكثر شرا قبل الأقل شرا، وما تقدم من مفهوم ~~الشرع يبطل ذلك، فإن الأكثر شرا ينبغي أن يكون حسابه أشد، فيتأخر عن حساب ~~من هو أقل شرا منه، وإذا تأخر عن ذلك فسيكون PageV01P276 # # دخول الأقل شرا في النار قبل دخول الأكثر شرا على الظاهر في ذلك، كما هو ~~جواز الصراط. # فإن الأحاديث تدل على أن الأعلى فالأعلى يجوز أولا فأولا، فإن منهم من ~~يكون كالبرق وكالريح وكمر الطير وكأجاويد (1) الخيل وكشد الرجال، ومنهم من ~~لا يستطيع السير إلا زحفا ثم يمر آخرهم يسحب سحبا كما جاء في الحديث (2). # وهكذا هو الخروج من النار، فإن فيه تقديم الأعلى فالأعلى، كما جاء في أهل ~~المقادير، فينبغي أن يكون دخولهم النار كذلك، والله أعلم. PageV01P277 # # فصل ### | أصناف الناس في الخير والشر # ) (1) # ينبغي لنا أن نذكر في قلة الخير وكثرته وقلة الشر وكثرته عبارة نقرب بها ~~ما أراده الحميدي من المفاضلة بين من يدخل النار ms121 من المذنبين ممن عنده خير ~~وشر. # فنقول: أما الموازنة بذكر تقاسيم أهلها فسيأتي ذكرها، والكلام الآن إنما ~~هو في القسم الذي رجحت سيئاته على حسناته فدخل النار، وذلك بحسب ما فرضه ~~الحميدي. # وهذا القسم ليس هو طبقة واحدة على الإطلاق، ولكن يستوون في الجملة في أن ~~شرهم أكثر من خيرهم، إذ لو كان منهم من خيره أكثر من شره لخرج عنهم بأن ~~ترجح حسناته، وكأن يكون من القسم الذي لا يدخل النار وهكذا، لأن فيهم من ~~(2) يتساوى خيره وشره أيضا، فإنه لا يدخل النار. # فإذا تقرر في القسم المذكور أن شرهم أكثر من خيرهم قلنا: ومع استوائهم في ~~هذا فقد يتفاضلون في الخير، إذ عند جميعهم خير في الجملة، فيكون بعض ~~الأشخاص أكثر (ق.56.أ) خيرا من بعض، ويتفاضلون أيضا في PageV01P278 # # الشر إما في كثرته، وإما في نوعه، فيكون بعض الأشخاص أكثر شرا من بعض. # فيجوز لنا أن نقول في هذا القسم: زيد أكثر خيرا من عمرو وأقل شرا من بكر. # ولا يجوز أن نقول: زيد كثير الخير قليل الشر، لأنه ينهدم لنا به الأصل، ~~إذ لا يدخل هذا القول تحت قسم من رجحت سيئاته. # وليس كذلك باب المفاضلة بين اثنين، لأن زيدا يكون قليل الخير كثير الشر ~~حتى يدخل بذلك تحت القسم الذي هو من رجحت سيئاته، ومع ذلك يفاضل بينه وبين ~~من هو أقل خيرا منه وأكثر شرا منه ممن يدخل أيضا تحت من رجحت سيئاته. # فإذا فضلنا بين أشخاص هذا القسم وقدرنا تحقيق القصاص بينهم قلنا: زيد ~~أكثر خيرا من عمرو، وكلاهما شره أغلب عليه، فسيكون خروج زيد من النار قبل ~~خروج عمرو منها، لزيادة خير زيد على خير عمرو، كما ورد في أهل المقادير في ~~الحديث المتقدم، إذ تعرض فيه إلى خروجهم من النار بتدريج، وذلك بحسب ما ~~عندهم من التفاضل في الخير. # ونقول: بكر أكثر شرا من بشر، وكلاهما شره أغلب عليه، فسيكون مع تقدير ~~تحقيق القصاص عليهما في النار خروج بشر منها قبل خروج بكر، ms122 لكون بشر أقل ~~شرا (1) منه، إن كان دخولهما فيها معا. PageV01P279 # # ويجوز أن يكون خروجهما سواء بعد أن نقدر دخول بكر النار قبل دخول بشر، ~~ويجوز أن يضاعف عذاب بكر على عذاب بشر. # كل ذلك سائغ مع إرادة تحقيق القصاص كما قدمناه. # وأما مع تجويز العفو فيجوز أن يعفو الله عنهما ابتداءا وأن يعفو عن ~~أحدهما كائنا من كان منهما، وأن يستوفي القصاص منهما أو من أحدهما في النار ~~إن دخلاها، وأن لا يستوفى منهما أو من أحدهما أيضا القصاص في النار كما ~~قررناه قبل. # PageV01P280 # # نقل اللفظ # قال أبو عبد الله الحميدي بإثر كلامه على الأقسام المتقدمة: فحصل من كل ~~هذا أنه جائز أن يدخل الأكثر شرا في النار قبل دخول الأقل شرا، إن استوى ~~عذابهما، فإن أدخلا معا فلا بد من مضاعفة العذاب للأكثر شرا ليخرج مع من ~~معه من الخير كالذي معه أو ليخرج قبل الذي هو أقل خيرا منه أو بعد الذي هو ~~أكثر خيرا منه ولا بد، إنما يراعى في الخروج من النار كثرة الخير وقلته ~~فقط، كما جاء النص. # ويراعى في الشر القصاص فقط إما بطول المدة وإما (ق.56.ب) بمضاعفة العذاب ~~ولا بد، كما جاء النص أيضا بقوله تعالى: {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ~~ظلم اليوم} [غافر: 17]. # إلا أنا (1) تأملنا قول الله تعالى: {ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من ~~الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا ~~قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ~~ضعف ولكن لا تعلمون وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكسبون} [الأعراف 37 3839]. # فوجدنا فيه دليلا على صحة الوجه الأول فقط، وأن الأكثر معاصي يتقدم في ~~النار على طبقة أقل معاصي منه. PageV01P281 # # فصل # قد تقدم الجواب عن أول كلام الحميدي في دخول الأكثر شرا في النار قبل ~~دخول الأقل شرا فلا معنى لإعادته. # وقوله: (إنما يراعى في الخروج من ms123 النار كثرة الخير وقلته فقط كما جاء ~~النص) صحيح. # وقوله: (ويراعى في الشر القصاص إما بطول المدة وإما بمضاعفة العذاب) يمكن ~~أن يكون كما قال. # وقوله: (ولابد) خطأ على ما قدمناه لكون المذنبين في المشيئة لا في النار ~~ولا فيما قبلها. # وأما قوله: (كما جاء النص أيضا بقوله تعالى: {اليوم تجزى كل نفس بما ~~كسبت} [غافر:17]) فخطأ، لأنه ليس في هذا النص ذكر القصاص لا بطول المدة ولا ~~بمضاعفة العذاب وإنما فيها أن كل نفس تجزى بما كسبت من غير ظلم في ذلك ~~اليوم، يدخل في ذلك الثواب والعقاب من غير تقدير ولا تعيين زمن فيهما ~~جميعا. # فإن قيل: إنما (1) أخذ الحميدي قوله ذلك من لفظ (تجزى)، فإن الجزاء بإزاء ~~العقاب، كما أن جزاء القاذف ثمانون سوطا، فلو حد دون ذلك فليس PageV01P282 # # بجزاء. # قلنا: هذا الجزاء في الدنيا مقدر من الشرع، والجزاء في الآخرة غير مقدر ~~لنا فكل من أخرج من النار بالشفاعة فمكثه فيها قبل ذلك هو جزاؤه على معاصيه ~~سواء قدر استيفاء القصاص منه في مدة مكثه أو لم يقدر، وذلك يختلف بالأشخاص ~~بحسب إرادة الله تعالى فيهم. # وأما قول الحميدي: (إلا أنا تأملنا قول الله تعالى: {ادخلوا في أمم قد ~~خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها}، إلى ~~قوله: {فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون} ... [الأعراف 37 3839]، فوجدنا فيه ~~دليلا على صحة الوجه الأول فقط، وهو أن الأكثر معاصي يتقدم في النار على ~~طبقة أقل معاصي منه) فهو (ق.57.أ) غريب جدا، لأن هذه الآيات إنما نزلت في ~~الكفار. # وكلامه في تلك الأقسام المتقدمة إنما هو فيها مع المؤمنين. # والدليل على أن هذه الآيات إنما هي في الكفار أن في أولها: {والذين كذبوا ~~بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون فمن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا ~~جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا ms124 ~~وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} ... [الأعراف: 3637]. # فهذا نص بأن من تضمنته هذه الآيات كفار، ثم قال تعالى: {قال ادخلوا في ~~أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار} [الأعراف 37]، # PageV01P283 # # الآيات بجملتها. # وهؤلاء الأمم المأمورون بالدخول لا يخلو حالهم من أمرين: # أحدهما: أن يكونوا مرتبين في دخولهم النار على حسب ترتيب وجودهم في ~~الدنيا فإن الأمم المكذبة بالرسل المستكبرة عن آيات الله إنما هي في الغالب ~~أمة بعد أمة ويكون على هذا المعنى قول أخراهم لأولاهم: {ربنا هؤلاء أضلونا ~~} [الأعراف: 38]، أي أضلونا بتكذيبهم لرسلهم فسلكنا سبيلهم واقتدينا بهم ~~فسموا ذلك إضلالا لما كانوا (1) أولئك سببه في الجملة. # والثاني: أن يكون الداخلون في النار أمة أوأمما كانوا في زمن واحد فدخلوا ~~زمرا زمرا بحسب ترتيبهم في الحساب وفراغهم من الموازنة. # ويكون قولهم: {ربنا هؤلاء أضلونا } [الأعراف: 38] يقوله (2) ضعفاؤهم ~~للذين استكبروا منهم، كما قال في آية أخرى: {يقول الذين استضعفوا للذين ~~استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين} [سبأ: 31]. # وإذا كان ذلك منزلا على الكفار على أي تأويل كان فكيف يحتج به الحميدي ~~على تقديم دخول الكثير الشر من المؤمنين النار على القليل الشر منهم، وهما ~~جميعا يخرجان منها ولا يخلدان فيها، والكفار لا يخرجون من النار بل هم ~~مخلدون فيها على الدوام والاستمرار أبد الآباد. PageV01P284 # # فدخول من دخل منهم النار أولا أو من ضوعف عذابه منهم فيها لا يمس غرضنا ~~الذي كنا فيه مع الحميدي. # وإذ أبطلنا عليه هذه الحجة فليس له دليل على ما ذكر كما أنه لم يجد دليلا ~~على الوجه الآخر، وهو تضعيف العذاب لمن هو أكثر شرا من المؤمنين على النحو ~~الذي قرره من التنظير بين شخصين في تلك الأقسام المذكورة، فقد استوى ~~الوجهان في كونهما لا دليل عنده فيهما، وزال بذلك حتمه على أنه لابد من ~~أحدهما بقوله: (وهذا لا بد منه) ونحوه، وصح ما قلناه من أن القدرة صالحة ~~لهذين الوجهين (ق.57.ب) ولغيرهما حسبما (1) قررناه قبل. PageV01P285 # # نقل اللفظ ### | أصناف أهل الموازنة # ) (1) # قال أبو عبد الله: ms125 ثم نقول: إن أهل الموازين على أربعة أقسام: فقسم رجحت ~~حسناتهم، وهؤلاء صنفان في كمية الرجحان ومائيته: # إما صنف فضل لهم التصديق والنطق به مرة واحدة فقط، وهم طبقة واحدة. # وإما صنف فضل لهم التصديق والنطق به مرة واحدة وزيادة خير، وهؤلاء ~~مختلفون باختلاف الفاضل لهم، وكلا هذين الصنفين في الجنة إثر الموازنة بلا ~~فصل إلا جواز الصراط. # والقسم الثاني: من استوت حسناته وسيئاته مع ما معه من الكبائر فلم يفضل ~~لهم خير ولا شر، وهؤلاء أصحاب الأعراف، ولا بد من مجازاتهم كما رتب الباري ~~عز وجل على شيء من سيئاتهم حتى يفضل لهم بعد سقوط ذلك بالجزاء عليه التصديق ~~والنطق به مرة واحدة فقط، وهي الوقوف بين الجنة والنار، إذ لا يدخل الجنة ~~أحد إلا بإيمان، كما جاءت (2) النصوص، وهؤلاء طبقة واحدة. PageV01P286 # # والقسم الثالث: من رجحت سيئاته وما معه من الكبائر على حسناته، وفي ~~جملتها التصديق، فهؤلاء معاقبون على الفاضل لهم من الشر على ما قابل ~~حسناتهم وإيمانهم من شرهم، حتى يفضل لهم التصديق والنطق به مرة واحدة الذي ~~لا يدخل أحد الجنة إلا به. # وهؤلاء مختلفون في التقدم في دخول النار وفي الخروج منها، وفي شدة العذاب ~~وخفته اختلافا شديدا على ما بيناه قبل. # ومن جملة هؤلاء: هو (1) من لم يعمل خيرا قط غير الإسلام اعتقاده والقول ~~به مرة واحدة فقط، فهؤلاء يعاقبون على كل ما سلف لهم حتى يفضل لهم عقد ~~الإيمان والنطق به مرة واحدة، وهؤلاء أيضا مختلفون في التقدم في دخول النار ~~وفي التأخر في ذلك، وفي شدة العذاب وتهوينه على مقدار ما لكل واحد من ~~المعاصي. # إلا أنهم كلهم مستوون في درجاتهم في الجنة مع أصحاب الأعراف، ومع الصنف ~~الذين فضل لهم التصديق والنطق به مرة واحدة فقط، سواء في كل ذلك من تقدم ~~دخوله الجنة من كل من ذكرنا ومن تأخر دخوله فيها، كلهم ليس لهم عمل خير ~~فاضل على شر (2) (ق.58.أ) أصلا إلا العقد والنطق بذلك مرة واحدة. ~~PageV01P287 # # قال رسول الله - صلى ms126 الله عليه وسلم -: «لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة» ~~(1). # قال: ولا جزاء إلا على عمل برحمة الله تعالى، قال الله عز وجل: {هل تجزون ~~إلا ما كنتم تعملون} [النمل: 90]، وقال تعالى: {جزاء بما كانوا يعملون} ~~[الواقعة: 24]، وإنما يتفاضلون بالمسابقة إلى الجنة أو بالخلاص من النار، ~~أو بقلة المكث فيها، أو بتهوين العذاب على بعض دون بعض، ثم يتفاضل من فضل ~~له على سيئاته عمل قل أو كثر من الخير على حسب ما عمل من الخير في الجنة ~~بعلو الدرجات وكثرة النعيم. PageV01P288 # # فصل # تقسيم الحميدي من رجحت حسناته إلى قسمين: أحدهما صنف فضل لهم التصديق ~~والنطق به (1) مرة واحدة، والثاني صنف فضل لهم التصديق والنطق به مرة واحدة ~~وزيادة خير، معترض بإدخال الصنف الأول تحت من رجحت حسناته، إذ لا يصح ذلك ~~لكون الإيمان لا يوزن على ما نذكره. # وأما الصنف الثاني الذين فضل لهم زيادة خير فصحيح كونهم الذين رجحت ~~حسناتهم وهم صنف واحد، إذ يجمعهم التخلص من النار والفوز بالجنة بسبب تلك ~~الزيادة من الخير، وإن كانوا في ذلك الخير الزائد متفاضلين، ثم إن الحميدي ~~جعل صفة الصنف الأول الذي أدخله تحت من رجحت حسناته، وهم من لم يفضل له (2) ~~إلا التصديق والنطق به مرة واحدة لأهل الأعراف الذين استوت حسناتهم ~~وسيئاتهم، إذ قال فيهم حتى يفضل لهم (3) التصديق والنطق به مرة واحدة. # وهذا هو الصنف الأول بعينه فيلزمه أن يكون القسمان قسما واحدا، إذ لم ~~يفضل لكل واحد منهما عنده شيء، حاشى التصديق والنطق به مرة واحدة. ~~PageV01P289 # # وينبغي أن يكون هذا القسم موقوفا على أهل الأعراف فقط، لأنه لم يفضل لهم ~~شيء حاشى الإيمان المجرد، الذي لا يدخل تحت الوزن، وما عدا ذلك فقد تكافأت ~~الحسنات والسيئات عندهم فيه، ولذلك كانوا موقوفين أولا، حتى صاروا إلى ~~الجنة بالإيمان الذي عندهم. # وليس توقيفهم على جهة المجازاة على شيء من السيئات كما قال الحميدي، إذ ~~لا مجازاة في الآخرة على جهة العقوبة إلا بالنار، ولم يخبر الشرع (1) بأنهم ~~يدخلون النار ms127 أصلا، فعلمنا بذلك أنه لا عقوبة عليهم، لأن العقوبة إنما هي ~~بإزاء الذنوب، وذنوب هؤلاء قد سقطت بمقابلة ما عندهم من الحسنات. # والذي (ق.58.ب) حمل الحميدي على ما قال كونه يعتقد أن الإيمان يوزن مع ~~الحسنات (2) فيكون له (3) حكمها، فتارة يرجح (4) مع الحسنات بالسيئات، ~~وتارة ترجح السيئات به وبالحسنات، وذلك غاية الخطأ على ما نبينه. ~~PageV01P290 # # وقد نص الحميدي على ما قلناه (1) عنه في كلامه المتقدم، فإنه قال: (القسم ~~الثالث من رجحت سيئاته وما معه من الكبائر على حسناته، وفي جملتها التصديق) ~~فجعل التصديق الذي هو الإيمان (2) من جملة الحسنات التي رجحت بها السيئات. # وهكذا قوله أيضا فيهم: (فهؤلاء معاقبون على الفاضل لهم من الشر على ما ~~قابل حسناتهم وإيمانهم من شرهم، حتى يفضل لهم التصديق والنطق به مرة ~~واحدة)، فجعل الحسنات والإيمان مما يقابل به الشر في الموازنة. # وتناقض في قوله: (حتى يفضل لهم التصديق والنطق به) مع قوله: (رجحت سيئاته ~~على حسناته وفي جملتها التصديق). # فإن التصديق إذا كان مغمورا بالسيئات حتى رجحت عليه، فكيف يفضل لصاحبه ~~بعد ذلك؟، فإن الذي تغمره السيئات من الحسنات يسقط بها في الموازنة لا ~~محالة، فإذا أقر بأن التصديق يفضل آخرا، قلنا له: صدقت، وما ذلك إلا لكونه ~~لم يدخل في الموازنة، إذ لو دخل فيها لم يخرج عنها. PageV01P291 # ### | هل الإيمان يوزن # ) (1) # ولنستدل على ما نقوله من كون الإيمان لا يصح وزنه. (2) # والذي يدل على ذلك أمور: # أحدها: أن الإيمان لا تقابله معصية، ولا توازيه كبيرة إلا الإشراك والكفر ~~الذي هو ضده (3)، فهما (4) لا يجتمعان في المحل الواحد في الزمن الواحد ~~(5)، فإن ذلك محال. PageV01P292 # # فلابد (1) أن يكون المكلف إذا مات على حالة الإيمان أو على حالة الكفر ~~فعلى أي حالة كان لا يوزن أحدهما بالآخر، إذ لا يكون عنده في صحيفته إلا ~~الواحد منهما. # والدليل على تضاد الإيمان والكفر أن كل واحد منهما مؤثر في صاحبه، ~~فالإيمان يهدم الكفر ولواحقه عن (2) المكلف، ويستوجب به الثواب من غير ~~اعتبار باتصافه بكفر متقدم، قال الله ms128 تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا ~~يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38]، معناه إن ينتهوا عن الكفر باتصاف ~~الإيمان يغفر لهم. # وقال تعالى عن الشرك وتوابعه: {ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب ~~يوم القيامة ويخلد فيه مهانا}، ثم قال: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا} ~~... [الفرقان: 68 - 69]. # وقال - عليه السلام - لعمرو بن العاص عند إسلامه واشتراطه أن يغفر له: ~~«أما علمت أن الإسلام يجب ما قبله». (3) # والكفر أيضا يحبط به الإيمان، مهما مات المكلف عليه ولا ينفعه أن يكون ~~مؤمنا قبل ذلك. PageV01P293 # # قال الله تعالى مخاطبا للمؤمنين: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ~~فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ~~[البقرة: 217]. # وقال سبحانه: {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن ~~يغفر الله لهم} [محمد: 34]. # وقال: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ~~ولو افتدى به} [آل عمران: 91]. # فإذا ثبت أن الإيمان والكفر يتضادان، ويعتوران على المحل الواحد بحيث لا ~~يثبت أحدهما فيه إلا مع انتفاء الآخر، صح أن أحدهما لا يوزن بالآخر، إذ لا ~~يتصف المكلف إلا بالواحد منهما. # وإذا لم يتصور وزن أحدهما بالآخر صح أن كل واحد منهما لا يوزن، فإن ~~المعروف من الموازنة إنما هو أن يجعل شيء في الكفة وزان شيء آخر في الكفة ~~الأخرى، فإذا جعل أحدهما في الكفة فليس عند المكلف ما يجعل مقابله في الجهة ~~الأخرى. # لأن الكفر لا يكون معه حسنة، فإن الإيمان إذا حبط بالكفر فأحرى بذلك أن ~~يحبط ما عداه من الحسنات. # والإيمان لا يوازنه كل ما دون الشرك من الكبائر فلا يتصور أن يوزن بها، ~~لأنه فوقها، وثوابه أعظم من الآثام التي تترتب على تلك الكبائر، # PageV01P294 # # ونعني بما ذكرناه نفس الإيمان (1) ونفس الكفر لا الأعمال الصادرة عنهما ~~من الخير والشر، فإن ذلك سيأتي ذكره. # الأمر الثاني: أهل الأعراف، وقد صح أنهم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم. ~~(2) # فلو كان الإيمان ms129 يوزن (3) لم يصح (4) وجود هذا القسم، لأن الإيمان عندهم ~~فكانت ترجح به حسناتهم (ق.59.أ) ضرورة، إذ لو وزن الإيمان بما عسى أن يكون ~~من السيئات لرجح بها ولا بد، (5) لأن تلك السيئات وإن عظمت لا توازي حسنة ~~الإيمان أصلا. # الأمر الثالث: وهو قوي جدا: وجود القسم الذي رجحت سيئاتهم فدخلوا النار ~~حتى يقتص منهم، فإن الإيمان لو كان يوزن لم يوجد في المؤمنين PageV01P295 # # من يدخل النار أصلا لكون الإيمان لا توازيه معصية، كما قدمناه، فكان يرجح ~~لهم في الموازنة جانب الحسنات على السيئات ولا بد. # وبالجملة فلو وزن الإيمان مع الحسنات لبطلت هذه الأقسام، ولرجعت قسما ~~واحدا في رجحان الحسنات، فلما أخبر الشرع بوجود هذه الأقسام علمنا أن ~~الإيمان لم يوزن لهم أولا، كما قررناه. # الأمر الرابع: إن الإيمان لو كان يوزن لكان من جنس الحسنات التي ترجح ~~بالسيئات وترجح السيئات بها (1)، ولو كان الأمر كذلك لم يكن للمذنبين الذين ~~دخلوا النار طريق إلى الخروج منها، لأنهم إنما يعاقبون على ما فضل من ~~سيئاتهم على حسناتهم، وإذا وقعت الموازنة بحيث يسقط الإيمان مع الحسنات ~~وتفضل السيئات المعاقب عليها فبأي شيء يخرجون من النار على هذا التقدير؟. # ولما أخبر الشرع بخروج المذنبين من النار على مقدار ما عند كل صنف منهم ~~من الإيمان والخير علمنا بذلك أن الإيمان لم يدخل لهم في الموازنة، (2) بل ~~بقي لهم ثابتا حتى يخرجوا به من النار فذلك هو ثوابه، إذ يمنع من الخلود في ~~النار ثم يورث الخلود في الجنة، والله أعلم. PageV01P296 # # فإن قيل: فإنه قد جاء في الحديث ما يدل على أن الإيمان يوزن، وهو أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس ~~الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مثل مد البصر ~~فيقول: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: ~~أفلك عذر؟ قال: لا يا رب. فيقول: بلى (1) إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم ~~عليك اليوم ms130 فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ~~ورسوله، فيقول احضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟، ~~فيقول: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت ~~السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء» (2). # قلنا: لنا عن هذا الحديث أجوبة: # أحدهما: إنا لا نعلم في هذا الوقت صحته (3)، والحديث خرجه الترمذي ~~(ق.59.ب) عن ليث بن سعد وابن لهيعة كلاها عن عامر بن يحيى عن PageV01P297 # # أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي - عليه ~~السلام -، وقال فيه: حديث حسن غريب. # ولم يقض بصحته، وابن لهيعة ضعيف، وليث بن سعد إمام، وعامر بن يحيى لا ~~نعرف (1) كيف حاله (2)، وتعذر علينا الآن طلبه والبحث عنه لغيبة الكتب عنا، ~~فإن لم يكن الحديث صحيحا فلا علينا منه. # الثاني: إنا إذا فرضنا الحديث صحيحا فليس فيه ما يدل على أن الإيمان ~~يوزن، بل فيه ما يدل على أنه لا يوزن، وذلك أن الذي جعل في الوزن إنما هي ~~البطاقة التي فيها اللفظ الدال على الإيمان، وهو من الأعمال الظاهرة، وأما ~~نفس الإيمان فمحله القلب وهو من الأعمال الباطنة (3). # الثالث: إن هذا الشخص لو فرضنا أن الإيمان هو الذي وزن له للزم أن يوزن ~~لجميع المذنبين لعدم الظلم في ذلك اليوم، ولو وزن لهم لرجحت حسناتهم كما في ~~هذا الخبر، ولو رجحت حسناتهم لم يدخل النار أحد منهم (4)، # وعندنا الإجماع المتيقن حاصل بأن في المؤمنين من يدخل النار لأجل الذنوب، ~~ثم يخرجون منها إلى الجنة. PageV01P298 # # وفي ذلك أعظم دليل على وهن هذا الخبر إن تؤول على ظاهره، ولم يتأول ~~تأويلا يبقى به الأصل محفوظا كما قلناه. # وإذا تقرر (1) هذا فنقول: إنما أراد الله تعالى أن يعفو عن هذا الشخص ~~المذكور في الحديث ويغفر ذنوبه فأمر أن توزن له كلمة التوحيد التي جعلها ~~سبحانه أن ترجح بكل شيء يجعل معها، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري عن ~~النبي ms131 - عليه السلام - قال: «قال موسى - عليه السلام - يا رب علمني شيئا ~~أذكرك به وأدعوك (2). قال: يا موسى قل لا إله إلا الله. قال موسى: يا رب كل ~~عبادك يقول هذا. (قال: قل لا إله إلا الله. قال) (3): لا إله إلا أنت، إنما ~~أريد شيئا تخصني به. قال يا موسى: لو أن السماوات السبع وعمارهن غيري ~~والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله»، ~~خرجه النسائي. (4) PageV01P299 # # وذكر البزار (1) عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«ألا أخبركم بوصية نوح ابنه. قالوا: بلى. قال: أوصى نوح ابنه فقال لابنه: ~~يا بني إني أوصيك باثنتين: أوصيك بقول لا إله إلا الله، فإنها لو وضعت في ~~كفة ووضعت السماوات والأرض (في كفة) (2) لرجحت بهن، ولو كانت حلقة لقصمتهن ~~حتى تخلص إلى الله وتقول سبحان الله وبحمده، فإنها عبادة الخلق، ~~PageV01P300 # # وبها تقسم أرزاقهم، وأنهاك عن اثنتين: عن (ق.60.أ) الشرك والكبر فإنهما ~~يحجبان عن الله». # فإذا كانت كلمة التوحيد ترجح بالسماوات والأرض فكيف لا ترجح بذنوب شخص ~~واحد وسيئات. # وقد جاء في غير هذه الكلمة من ألفاظ الذكر أيضا ثواب عظيم: قال - عليه ~~السلام - في حديث: «وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء ~~والأرض» (1). # وقال: «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى ~~الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» (2). # فإن قيل: فيبقى السؤال، وذلك أن الشهادتين اللتين هما العلامة على ~~الإيمان بالله ورسوله إذا وزنت للشخص المذكور في الحديث، وكان ثوابه ما ذكر ~~فيه من رجحان جانب الحسنات يلزم أن يستوي المسلمون كلهم في ذلك الوزن وفي ~~الثواب عليه، إذ لا ظلم. PageV01P301 # # قلنا: إنما يلزم الاستواء فيما هو في (1) حكم العدل، وأما ما هو في صورة ~~الفضل والجود فلا. # والمبذول لكل شخص من المسلمين بحكم الوعد الصادق إنما هو للحسنة عشر ~~أمثالها، فلا بعد في أن يكون لجمهورهم (2) على النطق بكلمتي الشهادة أو ~~غيرها من ألفاظ الذكر عشر حسنات، ms132 وفي أن يكون لمن لله تعالى به لطف وعناية ~~من الثواب على النطق بكلمتي الشهادة أو غيرها من ألفاظ الذكر أضعاف ذلك ~~وأضعاف أضعافه، حتى يكون من العظم بحيث تمتحي به أوزار المكلف وترجح ~~حسناته. # والله أعلم. PageV01P302 # # فصل # وقول الحميدي في القسم الثالث: (ومن جملة هؤلاء من لم يعمل خيرا قط غير ~~الإسلام اعتقاده، والقول به مرة واحدة فقط، فهؤلاء يعاقبون على كل ما سلف ~~لهم حتى يفضل لهم عقد الإيمان والنطق به مرة واحدة)، قول متناقض. # فإن من كان بالوصف الذي ذكر فلا معنى لأن يقال فيه: حتى يفضل له عقد ~~الإيمان والنطق به، لأن هذا ليس عنده أولا خير سوى ذلك الذي يفضل له بزعمه، ~~وقوله فيهم: إنهم مختلفون في التقدم في دخول النار وفي التأخر في ذلك وفي ~~شدة العذاب وتهوينه قول لا دليل عليه، (فإن هؤلاء) (1) ليس عندهم خير أصلا ~~حاشى العقيدة والشهادة استووا في ذلك، ففي الممكن أيضا استواؤهم في الشر، ~~بأن تكون سيئاتهم واحدة، وفي الممكن أن يتفاضلوا فيها. # وأما جانب الخير فقد جاء أنهم متساوون (2) فيه، فلذلك جاء (ق60.ب) أن ~~خروجهم من النار يكونون فيه جملة واحدة في زمن واحد. PageV01P303 # # فصل # وقوله: (إلا أنهم كلهم مستوون في درجاتهم في الجنة مع أصحاب الأعراف ومع ~~الصنف الذي فضل لهم التصديق والنطق به مرة (1) واحدة، سواء في كل ذلك من ~~تقدم دخوله الجنة (2) ومن تأخر دخوله فيها)، تحكم ورجم بالظن. # وكذلك قوله: (إنما يتفاضلون بالمسابقة إلى الجنة أو بالخلاص من النار أو ~~بقلة المكث فيها أو بتهوين العذاب على بعض دون بعض)، تحكم أيضا، فإنه جعل ~~أحد الصنفين ممن رجحت حسناته، وهم: من فضل لهم التصديق والنطق به مرة ~~واحدة، وأهل الأعراف الذين فضل لهم التصديق والنطق به مرة واحدة، ومن رجحت ~~سيئاته على حسناته، وفي جملتها التصديق حتى لم يفضل لهم بعد القصاص إلا ~~التصديق والنطق به مرة واحدة، ومن لم يعمل خيرا قط غير اعتقاد الإسلام ~~والقول به مرة واحدة. # وهي أقسام أربعة ms133 جعلها قسما واحدا في ثواب الجنة حتى لا يفضل بعضهم بعضا، ~~وهذا غير مفهوم الشريعة. PageV01P304 # # فإن مقتضى كلامه أن من رجحت حسناته على سيئاته، ومن استوت حسناته ~~وسيئاته، ومن رجحت سيئاته على حسناته، ومن لم يعمل خيرا قط غير اعتقاد ~~الإسلام، فهم سواء في الجملة، وإن فرضنا القصاص في بعضهم. # وكيف يصح هذا القول والله تعالى يقول: {وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا ~~بها} [الأنبياء: 47] ويقول سبحانه: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} [النساء: ~~40]، ولا ظلم أشد من أن يجعل الحميدي من تلبس بالطاعات مع من لم يتلبس بها ~~سواء، ومن كانت طاعاته أكثر من طاعات غيره سواء أيضا في الثواب. # ثم نقول: إن هذا الفرض الذي فرض في هذه الأربعة الأقسام بعيد الوقوع جدا، ~~فإنه فرض أن لا يبقى لجميعهم حاشى التصديق والنطق به مرة واحدة، ولو ~~سامحناه في ذلك لم يتجه أن يكون تصديق من تلبس بالطاعات حتى لم يفضل له شر ~~عليها، مع من تلبس بالطاعات وفضل له شر عليها سواء، وكذلك من تلبس بالطاعات ~~وفضل له شر عليها مع من لم يتلبس بها أصلا وليس عنده إلا كلمة التوحيد، لا ~~يكون تصديقهما سواء. # فإن التصديق والإيمان يتأكد بفعل الطاعات ويزداد تثبيتا وعقدا (1). # إذ ليس من عنده خير وتصديق كمن ليس عنده إلا التصديق (ق.61.أ)، لأن من ~~ليس عنده إلا التصديق فهو مؤمن بحكم الشرع لاستصحاب إيمانه واستمرار ~~تصديقه، وإن غفل عن ذلك (2). PageV01P305 # # وأما من يفعل الطاعات على وجه القربة فلا بد أن يتجدد له الإيمان في كل ~~طاعة منها، لأن الطاعة مشروطة بالنية، ومن ضرورة إحضار النية للطاعة إحضار ~~المتقرب إليه بتلك الطاعة في القلب، وذلك هو معنى تجدد الإيمان. # وإذا كان الأمر كذلك فسيكون لا محالة هذا التصديق أتم من الأول وأعلى ~~مقاما، وإن فرضنا أن يكون (1) صاحبه مرتكبا (2) لكبائر، فإن تصديقه يتعدد ~~بتعدد الطاعات وتعدد الأزمان التي أوقع تلك الطاعات فيها، فلا بد أن يكون ~~لكل تصديق منها أجر يخصه من الثواب. # إذ ms134 ليس من يتجدد إيمانه مع الساعات كمن لم يتجدد إيمانه، بل بقي على حكم ~~الإيمان وإن كان غافلا عن استصحاب ذلك الإيمان. # فقد صح بما قلناه أن من تلبس بالطاعات يكون تصديقه أكثر ممن لم يتلبس ~~بها. # ويدل على ذلك أيضا تفاوت المؤمنين في الإيمان، فلولا تفاوتهم لم يجئ في ~~الحديث تقسيم المذنبين المخرجين من النار إلى أربعة أقسام، وهي: # 1. من في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان. # 2. ومن في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. # 3. ومن في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان. # 4. ومن قال لا إله إلا الله فقط. PageV01P306 # # وإذا كانت هذه الموازنات معتبرة بما في القلب ومختلفة المقادير كما تراه، ~~فكيف يجعل الحميدي تصديق الأربعة الأقسام التي ذكر واحدا على التساوي، ~~وقسمان منها لا يدخلان النار، وإذا ثبت بهذا الحديث أن الذين دخلوا النار ~~لا يكون تصديقهم على التساوي فكيف يسوى بينهم وبين من لم يدخل النار، وذلك ~~لا يصح أصلا. # وقد أعاد (1) الحميدي هذا المعنى في فصل آخر يأتي بعد هذا، فإنه ذكر ~~هنالك الأربعة الأقسام التي قسمها بنحو الكلام الذي تقدم له هنا من كونهم ~~على التساوي في درجات الجنة، ويلزمه في ذلك إبطال الأقسام المذكورة في ~~الحديث. # ولا ينجيه منه كونه يجعل المفاضلة بينهم بالمسابقة إلى الجنة أو بقلة ~~المكث في النار، فإن المفهوم من الحديث أن تقديم أهل تلك المقادير في ~~الخروج من النار إنما هو بحسب الفاضل لكل صنف منهم مما في القلب من ~~الإيمان. # (فإذا روعي في الخروج من هو أكثر إيمانا في القلب) (2) ممن دونه، فلم لا ~~يراعى ذلك في الجنة حتى يكون ترتيبهم في المنازل وثوابهم فيها على حسب ~~ترتيبهم في الخروج (ق.61.ب) من النار، بل هذا هو الذي ينبغي أن يعتقد فيما ~~تضمنه الحديث، فإن ذلك هو المفهوم منه. # ومن قال إنهم يستوون في درجات الجنة بعد حصولهم فيها على ذلك التدريج كما ~~قال الحميدي فعليه الدليل من الشرع، ms135 ولن يجد إلى ذلك سبيلا. PageV01P307 # # ولا ينبغي أن يفهم الواقف على هذا الموضع من قولنا: إن الحميدي يلزمه ~~إبطال الحديث أن الأربعة الأصناف التي جعلها الحميدي في الثواب سواء، هي ~~الأربعة الأقسام المذكورة في الحديث، فإن الصنفين الأولين من الأربعة ~~الأصناف المتقدمة لا يدخلان النار. # فإن أحدهما ممن رجحت حسناته عند الحميدي. # والثاني: هو من تساوت حسناته وسيئاته، وهم أهل الأعراف. # وإذا كان هذان الصنفان لا يدخلان النار فهما خارجان عن الحديث، ويكون ~~الصنفان الباقيان داخلين فيه، وهما: ### | 1 - # من رجحت سيئاته على حسناته. ### | 2 - # ومن ليس عنده إلا اعتقاد الإسلام والنطق به مرة. # وهذا الصنف الأخير هو الذي يخرج برحمة الله تعالى لا بالشفاعة (1). # فيبقى لنا صنف واحد، وهو من رجحت سيئاته على حسناته، حتى لم يفضل له (2) ~~بعد القصاص إلا التصديق والنطق به (3). # وهذا الصنف (4) جعله الحميدي متساويا في التصديق، ولا يصح ذلك. # فإن هذا الصنف هو الذي تناوله الحديث، وجعله ثلاثة أقسام. PageV01P308 # # فإنا إذا فرضنا أن الأقسام التي تخرج بالشفاعة لم يبق لها شيء إلا مجرد ~~التصديق، فقد جعلها الشارع أنواعا، وجعل تصديقهم متفاضلا لاختلاف المقادير ~~التي علق خروجهم من النار بها حتى خرجوا متتابعين، ولم يخرجوا دفعة واحدة. # فلهذا قلنا: إن القول بما قاله الحميدي إبطال للحديث، إذ كان يلزم على ~~قوله (1) أن يخرجوا دفعة واحدة لتساويهم عنده في التصديق. PageV01P309 # # فصل # وأما قول الحميدي: (ولا جزاء إلا على عمل برحمة الله تعالى) واحتجاجه على ~~ذلك بقوله: {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} [النمل: 90] وقوله: {جزاء بما ~~كانوا يعملون} [الواقعة: 24] فإنما قصد بذلك أن يعضد ما قاله من أن تلك ~~الأربعة الأقسام سواء في الثواب، إذ ليس عندهم إلا التصديق والنطق به مرة ~~واحدة على ما أصله، وإذا لم يكن عندهم إلا ذلك فليس عندهم على رأيه عمل ~~يقتسمونه في الجنة حتى تكون درجاتهم متفاضلة. # وليس له في الآيات حجة أصلا، فإن الإيمان عمل من الأعمال، بل هو أكمل ~~الأعمال وأفضلها، فقد سئل رسول الله - صلى الله ms136 عليه وسلم - أي الأعمال ~~أفضل؟ فقال: «إيمان بالله» (1). # فجعله من الأعمال وقدمه عليها في الفضل. # وقد احتج البخاري (2) بهذا الحديث على أن الإيمان هو العمل، واحتج بقوله: ~~{وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} [الزخرف: 72]. PageV01P310 # # ثم قال: "وقال عدة من أهل العلم في قوله تعالى: {فوربك لنسألنهم أجمعين ~~عما كانوا يعملون} ... [الحجر: 92 93]: أي عن قول لا إله إلا الله (1). # والاعتبار يعطي صحة ما ذكره (2) البخاري، فإن العمل الذي يورث به (3) ~~الجنة لا يخلو أن يكون عملا مقرونا بالإيمان (4) بالله ورسوله كعمل ~~المؤمنين، أو يكون عملا غير مقرون بالإيمان بالله ورسوله كعمل الرهبان ~~مثلا، وباطل أن يكون العمل الذي يورث به الجنة أي عمل كان من غير اشتراط ~~الإيمان. # فلم يبق إلا العمل الذي هو مشروط بالإيمان مع أن الإيمان هو العمل الأول ~~الذي يكون سبب أصل الجزاء في الجنة، إذ لا يدخلها إلا نفس مؤمنة، كما ورد ~~في الخبر. (ق.62.أ) # والإيمان قد شهد الشرع بتفاوت الناس فيه، وهم أهل المقادير المذكورة في ~~الحديث، وهكذا هو تفاوت من لم يدخل النار أيضا من (5) المؤمنين، فإنه يكون ~~بحسب طبقاتهم في الإيمان والعمل، كما يظهر من غير ما حديث، ولذلك يختلفون ~~في إجازة الصراط، وفي درجات الجنة. PageV01P311 # # نقل اللفظ: # قال الحميدي: والقسم الرابع: الكفار ولا بد لهم من الموازنة وقد نص الله ~~تعالى على ذلك في سورة قد أفلح المؤمنين في قوله تعالى (1): {ومن خفت ~~موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار وهم ~~فيها كالحون ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون} [المؤمنون: 104 - ~~103]. # فصح بهذه الآية أن الكفار أيضا يوازنون، وأن موازينهم تخف لا يجوز غير ~~هذا، لأن من خالف هذا كان ذلك منه صرفا للآية عن ظاهرها وعن مقتضى لفظها ~~بالدعوى، وتحريفا للكلم عن مواضعه بلا برهان، وهذا لا يجوز. # وأما قوله عز وجل: {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} [الكهف: 105] فليس ~~نفيا للموازنة، لأن كلام الله لا يتعارض، وإنما هو أنه لا تثقل موازينهم، ms137 ~~بل تخف، إذ ليس فيها التصديق الذي هو العقد والقول الذي لا يصح عمل صالح ~~إلا به. PageV01P312 # # إلا أنهم يختلفون في مقدار المعاصي وفي (1) كيفية العذاب في شدته (2) ~~ونقصانه على حسب معاصيهم، وهم مخلدون في النار أبدا، ولا يجازون بما لم ~~يعملوا ولا كانوا سببا لعمله، ففي هذا يتفاضلون في العذاب. # وقد بين الله عز وجل بقوله: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} ~~[النساء: 145]. # والأسفل بلا شك من باب الإضافة، ويقتضي ولا بد أعلى منه في نوعه. # وأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما خفف عن أبي طالب (3) بأنه لم ~~يؤذ قط رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأما أعمالهم الصالحة فمحبطة بنص ~~القرآن لا يجازون عليها في الآخرة أصلا قال الله تعالى: {وقدمنا إلى ما ~~عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} [الفرقان: 23]. PageV01P313 # # فصل # قول الحميدي في موازنة الكفار واستدلاله بالآية وتأويله {فلا نقيم لهم ~~يوم القيامة وزنا} ... [الكهف: 105] كل ذلك حسن، وقد قاله أبو محمد بن حزم ~~في كتاب الفصل (1)، فإما أن يكون أخذه من قول الحميدي في هذا الكتاب لكونه ~~رواه واستحسنه، وإما أن يكون الحميدي أخذه (ق.62.ب) من كتاب الفصل ونقله ~~إلى كتابه. # وكذلك قوله: إن الكفار مختلفون في كيفية العذاب في شدته ونقصانه صحيح ~~أيضا، فليس عذاب من سفك الدماء وغصب الأموال وقطع الطريق منهم كمن ترهب ~~ولبس المسوح واعتزل الناس (2) وإن شملهم اسم الكفر جميعا. # ومن الدليل على أن الكفار يتفاضلون في العذاب ويختلفون فيه بالتخفيف ~~والتضعيف والشدة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن أدنى أهل النار ~~عذابا ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه» (3). PageV01P314 # # وهذا من باب التخفيف، وأما التضعيف فقد نطق به القرآن، قال الله تعالى: ~~{ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة} [الفرقان: 68]. # وأما شدة العذاب ففي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (1): «أشد ~~الناس عذابا رجل قتل نبيا أو قتله نبي» (2)، ومن قتل نبيا أو قتله نبي لا ~~يكون إلا كافرا ولا ms138 بد، لأن القتل في القصاص أو في (3) الحدود خارج عن هذا. # وقول الحميدي: (وأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما خفف عن أبي ~~طالب بأنه لم يؤذ قط رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) ليس كذلك، إذ ليس ~~تخفيف العذاب (4) عن أبي PageV01P315 # # طالب لعدم الإذاية (فقط) (1) لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن أبا ~~طالب لم يقف عند مسالمته وترك الإذاية له، بل قام دونه ومنعه من قريش جهده، ~~ولم يسلمه لهم أصلا كما قال: # كذبتم وبيت الله نبزى (2) محمدا ... ولما نطاعن دونه ونناضل # ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل # وينهض قوم في الحديد إليكم ... نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل # وفي آخر القصيدة يقول: # فأصبح فينا أحمد في أرومة ... تقصر عنها سورة المتطاول # حدبت بنفسي دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذرا (3) والكلاكل (4) # وتكرر هذا المعنى من أبي طالب فقال (5): # جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... وتيما ومخزوما عقوقا ومأثما # بتفريقهم من بعد ود وألفة ... جماعتنا كيما ينالوا المحارما # كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ... ولما تروا يوما لدى الشعب قاتما ~~PageV01P316 # # وقال أيضا (1): # فلسنا ورب (2) البيت نسلم أحمدا ... لعزاء من عض الزمان ولا كرب # ولما تبن منا ومنكم سوالف ... وأيد أترت بالقساسية الشهب # بمعترك ضيق ترى كسر القنا ... به والنسور الطخم يعكفن كالشرب # وهذا المعنى عن أبي طالب موجود في الحديث فقد قال العباس للنبي - عليه ~~السلام -: "هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ " قال: «نعم، ~~هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» (3). # وفي رواية عن العباس (4): " قلت: يا رسول الله، إن أبا طالب كان يحوطك ~~وينصرك ويغضب لك فهل نفعه ذلك؟ "، قال: «نعم، وجدته في غمرات من نار ~~فأخرجته إلى ضحضاح» (5) وهذا الحديث بهاتين الروايتين في كتاب مسلم. ~~PageV01P317 # # نقل اللفظ: # قال الحميدي: ولا بد من الموازنة لكل أحد من الأنبياء والرسل والمؤمنين ~~التائبين والمصرين والكفار، وليس الغفران للأنبياء عليهم السلام والتائبين ~~من المؤمنين بمانع من الموازنة لهم. # لأنهم بلا شك ms139 متفاضلون في الأعمال الصالحة وفي الفضائل، والموازنة إنما ~~هي توقيف لهم على ما جعله الله تعالى جزاء لهم على تلك الأعمال الفاضلة، ~~فيعلم كل امرئ منهم ما يستحق في الجنة من الجزاء على أعماله الصالحة، ويعلم ~~أهل النار أيضا مقدار ما يستحقه كل امرئ منهم في النار من الجزاء على ~~أعماله الخبيثة مع كفره فقط. # PageV01P318 # # فصل # قوله: (ولابد من الموازنة لكل واحد من الأنبياء والرسل) لم يدل عليه، ~~ولكنه هو الظاهر من الشريعة، إذ لابد، والله أعلم، من أن يكونوا في (1) ~~القسم الذي يأخذ كتابه بيمينه وأن يدخلوا في قوله: {فمن ثقلت موازينه ~~فأولئك هم المفلحون} [الأعراف: 8]. # ويدل على ذلك دلالة قوية قوله في سورة الأعراف: {فلنسألن الذين أرسل ~~إليهم ولنسألن المرسلين فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين} ... [الأعراف: 6 ~~- 7]. # معناه: فلنقصن على الجميع من الصنفين بعلم وما كنا غائبين عنهم في وقت ~~الرسالة، لا في حين تبليغ المرسلين لها ولا في حين إجابة الذين أرسل إليهم ~~عنها من قبول أو رد. # ثم قال: {والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت ~~موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون} [الأعراف: ~~8]، فظاهر الآية أنها انعطفت على ما قبلها من المرسلين، والذين أرسل إليهم. # وهذه الآية أمس في الاستدلال (ق.63.ب) من غيرها بكون الصنفين مذكورين ~~فيها. PageV01P319 # # وأما قوله: {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} ~~[المؤمنون: 101] إلى آخر الآية، وقوله: {يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ~~وتكون الجبال كالعهن المنفوش فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية} ... ~~[القارعة: 4 - 7]، فإنما يدخل في ذلك الأنبياء والرسل من جهة العموم ~~المستغرق لجميع الناس الذين هم منهم، والله أعلم. # وقوله: (والموازنة إنما هي توقيف لهم على ما جعله الله تعالى جزاء لهم ~~على تلك الأعمال الفاضلة)، كلام حسن إلى آخره، غير أن لفظ التوقيف لا ~~نستحسنه (1) في حق الأنبياء عليهم الصلاة (2) والسلام، فإن ذلك نوع إخجال ~~لهم، والله سبحانه يستحي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه أو ms140 يحاسبه، فكيف ~~بالأنبياء عليهم السلام (3). # ولعل الحميدي إنما قصد بذلك عرض الأعمال عليهم وعرض الجزاء عليها، وسنذكر ~~هذا المعنى فيما بعد إن شاء الله. PageV01P320 # # باب ### | أقسام أهل الموازنة # ) (1) # قسم الحميدي أهل الموازنة بحسب ما ظهر له كما نقلناه عنه، ونحن نريد أن ~~نقسمهم تقسيما آخر بحسب ما يظهر لنا، ونحرر في ذلك عبارة ينحصر بها ما ~~نقصده بحول الله. # فنقول: أهل الموازنة على الإطلاق ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: # 1. من عنده خير محض. # 2. ومن عنده شر محض. # 3. ومن ليس عنده لا خير محض ولا شر محض. # وهذه قسمة منحصرة. # ثم من ليس عنده لا خير محض ولا شر محض هو من عنده خير وشر معا. # وينقسم هذا القسم إلى من خيره أكثر من شره، وإلى من شره أكثر من خيره، ~~وإلى من لا خيره أكثر من شره، ولا شره أكثر من خيره، وهو من يتساوى خيره ~~وشره. # وهذه قسمة منحصرة أيضا. PageV01P321 # # فجملتها خمسة أقسام لا سادس لها. # وهي: # 1. من عنده خير محض. # 2. ومن عنده شر محض. # 3. ومن عنده خير وشر، لكن خيره أغلب عليه. # 4. ومن عنده خير وشر، لكن شره أغلب عليه. # 5. ومن عنده خير وشر على التساوي، حتى لا يرجح جانب منهما على الآخر. # PageV01P322 # ### | القسم الأول: وهو من عنده خير محض # ) (1) # فأما القسم الأول، وهو من عنده خير محض، فذلك مثل الرسل والأنبياء عليهم ~~السلام، إذ ليس عندهم إلا الحسنات المجردة الخالصة من كل شوب يمكن أن يتطرق ~~إليها. # فإن قيل: فقد ورد في حديث الشفاعة أن الأنبياء عليهم السلام يذكرون هنالك ~~ذنوبا تصرفهم عن الشفاعة (ق.64.أ)، وقد نطق القرآن بإضافة الذنوب إليهم. # قلنا: الجواب عن ذنوب الأنبياء مقرر في كتب الأصول، لكنا نشير إلى طرف ~~منها، فنقول: أما الكبائر فالإجماع على أنها لا تتصور منهم (2). ~~PageV01P323 # # وأما الصغائر فمختلف فيها: فمن زعم أنها واقعة منهم، احتج بما جاء في ~~الأخبار والتفسير في حقهم، مما لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه، لكونه لا يقوم ~~على ساق، وذلك كقصة داود - عليه السلام ms141 - (1)، فإن المنقول فيها مع عدم ~~إسناده وتعذر صحته لا يليق بفضلاء المؤمنين، فكيف بالنبي المعصوم. # وظاهر القرآن لا يخرج منه ذلك الذي نقل. # ولولا خروجنا عما نحن بسبيله لتكلمنا على الآيات الواردة في حقه وفي حق ~~غيره من الأنبياء، وبينا ما تحتمله من التأويل، ودفعنا تلك الأخبار ~~المنقولة بما يجب، ولكنا نقول على ما يقتضيه الوقت: إن الذي ينبغي أن يقال: # إن الصغائر لا تتصور من الأنبياء عليهم السلام، أعني على قصد المخالفة ~~لله، وإنما قد يفعلون شيئا باجتهادهم فيما لا يوحى إليهم فيه أمر فلا ~~يوافقون في ذلك ما عند الله تعالى، فيكون الأخذ عليهم من هذه الجهة لعلو ~~مقامهم، كما قال الله تعالى لنبيه - عليه السلام -: {عفا الله عنك لم أذنت ~~لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين } [التوبة: 43]. # إذ كان مراد الله تعالى ألا يأذن لهم حتى يعلم الصادق منهم والكاذب. # وكما قال لنوح - عليه السلام - عندما نادى ربه في قصة ابنه: {فلا تسألن ~~ما ليس لك به علم} [هود: 46]، والسؤال كله والدعاء إلى الله تعالى إنما هو ~~فيما ليس للمكلف به علم. # لكن لما كان مقام نوح المقام الذي يكون للرسل نهي عن سؤاله PageV01P324 # # ذلك، فعده نوح على نفسه ذنبا، حتى قيل عنه في بعض الروايات في حديث ~~الشفاعة: ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم (1). # فإن قيل: إنما أخذ على نوح في هذا لكونه قد أوحي إليه: {أنه لن يؤمن من ~~قومك إلا من قد آمن} [هود: 36] ولكونه قد قيل له: {احمل فيها من كل زوجين ~~اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول} ... [هود: 40]. # قلنا: أما الآية الأولى فيمكن أن يكون نوح - عليه السلام - يحملها حينئذ ~~على قومه الذين هم قبله لا على أهله الأدنين إليه. # وأما الثانية: وهو قوله: {وأهلك إلا من سبق عليه القول} [هود: 40] فيحتمل ~~أن يكون نوح يصرف (2) الاستثناء في الآية إلى امرأته، فيعرف أنها هي التي ~~سبق عليها القول، لكونها كافرة به مكذبة له مشلية (3) غيرها على إذايته، ms142 ~~ويعلم نوح أنه لا يدخل معه في السفينة إلا من هو مؤمن لقوله: {قلنا احمل ~~فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول} [هود: 40]. # فقوله: {ومن آمن} معطوف على {وأهلك}. PageV01P325 # # وتقدير الكلام: احمل فيها اثنين من كل زوجين وأهلك ومن آمن إلا من سبق ~~عليه القول، أي: من أهلك، كما قال في آية أخرى: {وأهلك إلا من سبق عليه ~~القول منهم} [المؤمنون: 27]. # وهذا الوجه (في الآية) (1) متجه جدا. # ويحتمل على بعد أن يكون نوح يعلم أن الاستثناء راجع إلى أهله أي إلى أهل ~~بيته في الجملة، وليس يعرف من سبق عليه القول منهم بعينه، وهو مرتقب أن ~~يعين له فيما بعد، وهذا على تقدير أن يكون نوح لا يعرف كفر ولده. # وعلى ما ذكرناه من التأويل في الوجهين لا يكون على نوح - عليه السلام - ~~في سؤاله ما ليس له به علم درك، إلا بحسب مقامه كما قدمناه. # وحتى لو فرضنا أن نوحا يعرف كفر ولده لم يكن في سؤاله أيضا بأس، لأن ولده ~~كان في قيد الحياة، ونوح - عليه السلام - يرجو إيمانه، وكان عنده أن أهله ~~يحملهم معه في السفينة، وهو يظن أن ابنه من جملة أهله، ولذلك قال: {رب إن ~~ابني من أهلي وإن وعدك الحق} [هود: 45]، يعني وعدك في ركوب أهلي معي. # وكأن نوحا - عليه السلام - إذا قدرنا هذا الذي فرضناه صحيحا إنما يريد ~~هداية ابنه للإيمان، إذ استعصى أن يركب معه عندما قال: {سآوي إلى جبل ~~يعصمني من الماء} [هود: 43]، فسأل الله تعالى أن ينجيه ويهديه، إذ كان من ~~أهله، PageV01P326 # # وقد وعد أن ينجى أهله بركوبهم معه، فقال الله تعالى له (1): {إنه ليس من ~~أهلك} [هود: 46]، أي: ليس من أهلك إلا من هو عمل صالح، وولدك عمل غير صالح، ~~فغاب عن نوح ذلك، أي: غابت عنه الخاتمة على ولده. # ولما تحقق نوح أن ولده قد سبق عليه القول بأنه لا ينجى من جملة أهله، ~~استعاذ (2) حينئذ من سؤاله ما ليس له به علم، وسأل ms143 المغفرة من ذلك بقوله: ~~{قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم} ... [هود: 47] الآية. # وهذه الآية وإن كانت متأخرة فهي متقدمة مع ما قبلها في المعنى، إذ موضعها ~~أن تكون بإزاء ندائه لابنه، فإنه لا يصح أن يكون نوح يسأل الله تعالى في ~~ابنه إلا وابنه حي قبل أن يحصل في جملة المغرقين. # وقد خرجنا بهذا الكلام عن مقصودنا الذي كنا فيه، ومحصوله أن الأنبياء ~~عليهم السلام ليس عندهم مخالفة لله تعالى من حيث هي مخالفة. # ويدل على ذلك ما في الحديث من أن الثلاث الكذبات (3) التي كذبها إبراهيم ~~- عليه السلام - إنما كانت في ذات الله تعالى، وهي (ق.65.أ) كلها صدق ~~بالمعنى الذي قصده إبراهيم لكن سماها إبراهيم صلى الله عليه كذبات، لأجل أن ~~السامعين فهموا منها خلاف ما قصده هو، فكان ذلك (4) شبه الكذب. PageV01P327 # # وموسى - عليه السلام - وإن كان يقول في حديث الشفاعة: إني قتلت نفسا لم ~~أومر بقتلتها (1) فهو لم يقصد قتلها، وإنما وكز الرجل بيده، وفي الغالب أن ~~مثل هذا لا يكون سببا في موت من فعل به ذلك، فقضى موسى - عليه السلام - (2) ~~عليه بتلك الفعلة من غير أن يقصد موته فيها. # وهكذا في شرعنا أن من فعل هذا ولم يقصد به القتل فلا قصاص فيه ولا إثم ~~قتل على فاعله. # ثم نقول بعد هذا: لنا مسلكان فيما قدمناه من كون الأنبياء (عليهم السلام) ~~(3) ليس عندهم إلا الحسنات الخالصة والخير المحض: # أحدهما: إن ذلك صادق على محمد - عليه السلام - على الإطلاق، لأن الله ~~تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو في قيد الحياة بعد، وهي ~~درجة لم تجعل إلا للنبي - عليه السلام -. # ولهذا يقول عيسى - عليه السلام - في حديث الشفاعة: اذهبوا إلى محمد، فإنه ~~عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. # فإذا صح هذا في واحد من الجنس وهو محمد - عليه السلام - فقد صح لنا بذلك ~~التقسيم. PageV01P328 # # والمسلك الثاني: إن الأنبياء صلوات الله عليهم بأجمعهم (1) لا ms144 يؤاخذون ~~بما كان منهم مما هو في صورة الذنب، لأن الاصطفاء والاجتباء يدل على ذلك، ~~قال الله تعالى في آدم: {ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى} [طه: 122]. # وقال سبحانه بعد أن ذكر جماعة من الأنبياء عليهم السلام: {واجتبيناهم ~~وهديناهم إلى صراط مستقيم } [الأنعام: 87]. # والعصمة من الذنوب بعد النبوة معلومة لهم قطعا، فقد ظهر أنهم في القيامة ~~أولو الخير المحض، ويلتحق بهم بقية المقربين، وهم الصديقون والشهداء ~~والصالحون، إذ هم أهل الاستقامة في العبادة والسلوك على الصراط المستقيم ~~كما تقدم. # وقد يجري مجراهم بأن يكون من أهل الخير المطلق من يموت على الإسلام من ~~الكفار أو عن توبة صادقة من المذنبين ثم تعجل منياتهم قبل التدنس بالذنوب، ~~فإن صحائف من يكون من هذين الصنفين إنما تكون فيها الحسنات المجردة. ~~PageV01P329 # ### | القسم الثاني: من عنده شر محض # ) (1) # وأما القسم الثاني: وهو من عنده شر محض فهم الكفار والمشركون الذين ~~تمردوا على الله تعالى واستكبروا عن طاعته وكذبوا الأنبياء المرسلين إليهم، ~~فليس عندهم في الموازنة إلا الشر المحض، وهو المعاصي التي أعظمها الكفر ~~بالله. # وأما (ق.65.ب) الطاعات فليست عندهم، وإن فرضنا أن تكون عندهم حسنة فإنهم ~~لا يثابون عليها أصلا، لعدم رأس الحسنات الذي هو شرط في قبولها، وذلك هو ~~الإيمان بالله. # وقد جاء في الحديث أن الكافر يطعم بحسنات ما عمل لله بها في الدنيا حتى ~~إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها (2)، وذلك لأن أعمالهم محبطة، ~~وتخليدهم في النار لا إشكال فيه، قال الله تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه ~~فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون} [البقرة: 217]. PageV01P330 # # وقال: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم ~~فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا ~~فيها وباطل ما كانوا يعملون} [هود: 15 - 16]. # وقال: {إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به ~~من عذاب يوم القيامة ما ms145 تقبل منهم ولهم عذاب أليم يريدون أن يخرجوا من ~~النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم} [المائدة: 36 - 37] إلى غير ذلك ~~من الآيات. # ويجوز أن يجازوا أو يجازى بعضهم على ما يفعلون من خير في الجملة، لكن ~~يكون ذلك الجزاء تخفيفا للعذاب لا غير كما فعل بأبي طالب، لأجل نصرته لرسول ~~الله وحمايته له، وكما فعل بأبي لهب، إذ روي أنه خفف عنه العذاب ليلة ~~الاثنين الذي أعتق فيه ثويبة التي أرضعت رسول الله. (1) PageV01P331 # # وأهل هذا القسم مختلفون في العذاب اختلافا كثيرا بحسب شدة المعاصي ~~وكثرتها فيكون عذاب الراهب منهم دون عذاب القاتل للنفوس الغاصب للأموال، ~~لأن الراهب إنما يعذب على كفره فقط لا على إذايته للناس لأنه بمعزل عن ذلك. # والقاتل يعذب على قتله وغصبه زائدا على عذاب كفره، قال الله تعالى: ~~{الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا ~~يفسدون} [النحل: 88] فأخبر أنه زاد هؤلاء الكفار عذابا بإفسادهم وصدهم عن ~~سبيل الله على العذاب الأصلي الذي يكون للكافر بمجرد الكفر، ولذلك ساق ~~العذاب الثاني بالألف واللام التي للعهد. # والمجازاة هكذا لابد منها، فإن التخليد في النار إذا (1) كان شاملا لجميع ~~الكفار على تباين أعمالهم فلا يبقى للفرق بين طبقاتهم إلا تضعيف العذاب أو ~~شدته لمن هو أشد ذنبا وأعظم جرما، وتخفيفه على من هو في الجرائم دون ذلك. ~~PageV01P332 # # وبهذا السبب جعل الله الدركات في النار متباينة حتى يأخذ (ق.66.أ) كل ~~مخلد فيها قسطه من العدل في الجزاء والمكان، فإن الله بالمرصاد، وهو سبحانه ~~لا يظلم مثقال ذرة. # ولابد أن ننبه هاهنا على شيء يجب التنبيه عليه، وهو أن الموازنة إنما ~~يفهم منها إلقاء شيء في الكفة الواحدة بإزاء شيء آخر في الكفة الأخرى حتى ~~يرى (1) أي الكفتين ترجح. # هذه هي الموازنة في الدنيا، وهكذا ينبغي أن تفهم موازنة الآخرة. # فمن كان عنده خير وشر وطاعة ومعصية جعل ذلك في الكفتين، فأي الكفتين رجحت ~~منهما كان صاحب الموازنة من أهل ذلك العمل المرجح. # فإذا ms146 تقرر هذا فنرجع إلى حال الأنبياء والكفار فنقول: # كيف تمكن الموازنة للصنفين، وكل واحد منهما ليس عنده (2) إلا أحد ~~الجانبين فقط. # أما الأنبياء فالخير المحض، وأما الكفار فالشر المحض، فما الذي يوزن مع ~~الخير؟، وما الذي يوزن مع الشر؟. # ويشبه أن يقال: إن الموازنة في حق الأنبياء إنما هي إبراز أعمالهم وكشفها ~~لهم حتى يتبين لجميعهم قدر الثواب الذي أعده الله لهم ويروا منازلهم التي ~~يستحقونها بأعمالهم على حسب تفاضلهم ودرجاتهم. PageV01P333 # # وهكذا القول فيمن هو لاحق بهم من أهل الخير المطلق، وتكون الموازنة ~~للكفار على نحو ذلك، وهي أن تكشف (1) لهم أيضا أعمالهم فيتبين لجميعهم قدر ~~ما أعد لهم (2) من العذاب في النار، حتى يظهر لأشخاصهم الفرق ما (3) بين ~~دركاتهم، ويعرف كل واحد منهم مقدار نصيبه من ذلك العذاب المقدر بحسب ~~معاصيه، فيتحقق حينئذ العدل في ذلك كله، ويتبين هو أن الله ليس بظلام ~~للعبيد. # وإذا خرج (4) هذان القسمان عن الموازنة المحققة بقيت الثلاثة الأقسام ~~الباقية للموازنة المتعارفة. PageV01P334 # ### | القسم الثالث: من عنده خير وشر وغلب خيره على شره # ) (1) # أما القسم الأول منها: وهو القسم الثالث من التقسيم الأول فهو من عنده ~~خير وشر وغلب خيره على شره، بأن ظهر ذلك في الميزان حال الموازنة، فهؤلاء ~~في الجنة من غير عقوبة ولا توقيف بعد الميزان، إلا أن يكون جواز الصراط ~~فقط. # وفي هذا القسم يكون علية أصحاب اليمين، فأعلاهم منزلة من تكون صحائفه ~~مشحونة بالأعمال الصالحة والحسنات المقبولة، وليس عندهم من السيئات إلا ~~الصغائر التي لا تتعلق بالمخلوقين، فإن تعلقت بهم فتلك درجة أخرى. # وأدناهم منزلة من عنده في صحيفته حسنات وسيئات كبائر وصغائر، إلا أنه رجح ~~جانب الحسنات بحسنة واحدة فضلت له بعد الموازنة، (ق.66.ب) فزحزح عن النار ~~بها وفاز بدخول الجنة من أجلها. # وبين هاتين الطائفتين أصناف متعددة بحسب أعمالهم وصدق نياتهم فيمتازون ~~كلهم في درجات الجنان وفي النعيم المعد لكل صنف منهم، وسواء في هذا القسم ~~من رجحت حسناته على سيئاته في الأصل بأعماله الصالحة PageV01P335 # # أو رجحت حسناته ms147 على سيئاته بأن نقلت حسنات من ظلمه إلى صحيفته فرجحت ~~بذلك، أو أخذ من سيئاته فطرحت على ظالمه فرجح له جانب الحسنات لذهاب تلك ~~السيئات التي لو بقيت رجح جانبها على الحسنات. # فإذن لا نراعي في هذا القسم إلا أن يرجح جانب الحسنات بحسنة واحدة فما ~~فوقها كان ذلك كيفما كان، فإذا حصل المقصود بذلك كان صاحبه من أهل الجنة من ~~غير عقوبة أصلا. # وقد سمعنا بعض أهل العلم بالكلام في عصرنا يقول: إن من رجحت حسناته على ~~سيئاته وفيها كبيرة أو كبائر فهو في المشيئة، إذ لله أن يعذبه على سيئة ~~واحدة، إن أنفذ عليه الوعيد بها ويكون رجحان حسناته لرفع درجاته في الجنة ~~بعد خروجه من النار، فناظرناه على ما قال، فأبى أن يرجع عن مذهبه فيه. # ونحن لا نرى ذلك، بل نقول على ما أصلناه قبل: إن من رجحت حسناته فهو غير ~~معذب، وإذا لم يكن معذبا فهو في الجنة، ولا نقول إن ذلك على معنى الوجوب، ~~فإن الله سبحانه لا يجب عليه شيء، وإنما هو لإخبار الله تعالى -وخبره صدق- ~~بأن من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، وإنه من المفلحين. # وقول القائل: إذ لله أن يعذب من ثقلت موازينه على سيئة واحدة إن أنفذ ~~عليه الوعيد بها صحيح من جهة العقل، لكن لم يخبر الله تعالى عن من هذه صفته ~~أنه يعذب، بل جعله في عيشة راضية، ولم يشترط في حقه ألا تكون عنده سيئات ~~ولا كبائر، وإنما اشترط أن يثقل له الميزان فقط، فلا # PageV01P336 # # يبعد أن يكون في الجانب الآخر سيئات وكبائر، ومع ذلك يثقل الميزان ويرجح ~~الوزن لكثرة الطاعات. # وهذا هو الغالب على البشر فقد قال النبي - عليه السلام -: لو لم تذنبوا ~~لجاء الله بقوم يذنبون فيغفر لهم (1). # وعلى رأي ذلك القائل يلزم أن يكون قوله تعالى: {فأما من ثقلت موازينه فهو ~~في عيشة راضية} [القارعة: 6 - 7] منزلا على فضلاء الأمة الذين لا تكون في ~~صحائفهم كبيرة أصلا إما لاجتنابهم لها، وإما لتوبتهم منها، ms148 وذلك تضييق ~~لرحمة الله الواسعة. # بل نكتفي بوعد الله الصادق ونبقي الآية على ظاهرها في فلاح من ثقلت ~~موازينه وكونه في عيشة راضية، ولا نبالي ما كان في الميزان بعد أن يرجح ~~جانب الحسنات، (ولا نشترط إلا القبول لها فقط، فإذا رجحت دل ذلك على ~~قبولها، إذ رجحان الحسنات) (2) لا يتصور إلا بعد أن تكون هي مقبولة لا ~~محالة: هذا هو المفهوم من قواعد الشرع. # ومن الدليل على ذلك أن أهل الأعراف الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم لا ~~يعذبون، ولاشك أن في سيئاتهم الكبائر، إذ لو لم تكن لرحجت الحسنات، لكون ~~الصغائر لا تأثير لها معها فعلمنا بذلك أن الله تعالى لا يجازي بالنار على ~~الكبائر إلا إذا فضلت في الموازنة على الحسنات فيعذب (ق.67.أ) على الفاضل ~~منها فقط، ولو أنه سبحانه يعذب كل مؤمن على كل PageV01P337 # # سيئة وكبيرة عملها ولم يتب منها لعذب أهل الأعراف على كبائرهم، إذ لم ~~يتوبوا منها، فإنهم لو تابوا منها لسقطت عنهم ولم يحتاجوا إلى توقيف لرجحان ~~حسناتهم حينئذ. # فإن قال ذلك القائل: إنما قلنا إن له سبحانه أن يعذب على سيئة واحدة إذا ~~شاء ولم نلتزم (1) حتم العذاب على السيئات ولابد، وأهل الأعراف إذا لم ~~يعذبهم فقد شاء ألا يعذبهم. # قلنا: هذا لا ينجيك مما ألزمناك، فإن الله تعالى إذا لم يعذب أهل الأعراف ~~على كبائرهم وسوى بين جميعهم في ترك العذاب على كثرتهم (2) فنعلم أنه ~~سبحانه إنما لم يعذبهم لكونهم لم ترجح لهم سيئة واحدة يؤاخذون بها، وإن ذلك ~~هو عدله الذي سبقت مشيئته به، وقد أخبر عز اسمه عن نفسه بأنه لا يظلم مثقال ~~ذرة. # وإذا لم يعذب من تساوت حسناته وسيئاته فأحرى ألا يعذب من رجحت حسناته على ~~سيئاته لما عند هؤلاء من رجحان الحسنات، فهم أعلى من الصنف الذي تساوت ~~حسناتهم وسيئاتهم، لأنهم أكثر طاعات منهم، ومن المحال أن يضيع لهم ذلك عند ~~الله تعالى، حتى يكونوا أسوأ حالا ممن هم أعلى منهم في جانب الطاعات. # وقد قال تعالى: {أني ms149 لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى} ... [آل ~~عمران: 195]. PageV01P338 # # بل نعلم أن الحسنات يضاعفها الله تعالى كما سبق به فضله ونفذت به مشيئته، ~~فقد قال جل جلاله عن نفسه: {وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} ~~[النساء: 40]. # ومن نظر إلى قانون الشرع رأى أن ميله إلى جانب الرحمة أكثر، وأن تغليبه ~~جانب الرجاء في الجملة أظهر، ولذلك لما قال سبحانه: {غافر الذنب وقابل ~~التوب} [غافر: 3]، وقال: {شديد العقاب} [غافر: 3] على جهة التخويف ~~للمذنبين، لم يكتف بذلك حتى قال {ذي الطول} [غافر: 3] ليغلب رجاء المذنب ~~خوفه كي لا يقع في القنوط. # فحصل قوله: {شديد العقاب} بين صفات: # إحداها: أنه تعالى غافر الذنب. # والثانية: أنه قابل التوب. # وما ذاك إلا للطفه سبحانه بعباده وحنانه عليهم. # والثالثة: أنه ذو الطول، وهي صفة الفضل والإحسان الزائدة على صفة ~~الغفران. # وكذلك قال عز اسمه: {وفي الآخرة عذاب شديد} ... [الحديد: 20] فوصفه ~~بالشدة، ثم قال بإثره: {ومغفرة من الله ورضوان} ... [الحديد: 20]، فلم يقنع ~~بذكر المغفرة حتى أردف عليها الرضوان، الذي هو أعلى منها. # ولهذا وغيره قال نبينا - عليه السلام -: «إن الله تعالى كتب كتابا فهو ~~عنده # PageV01P339 # # فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي» (1). # وإذا وصلنا إلى غرضنا في الرد على ذلك المتكلم فيما قاله، وكنا قد عثرنا ~~بعد فراغنا من ذلك (2) على آثار مروية عن الصحابة بمثل ما قلناه. # فلنذكر تلك الآثار في هذا الموضع (ليقع الأنس بها عند من يقف عليها ويعلم ~~أن) (3) (ق.67.ب) لنا في مذهبنا هذا الذي ذهبنا إليه سلفا من الصحابة، ~~والحمد لله الذي وفقنا لموافقتهم قبل أن نقف على أقوالهم. # فمن ذلك ما ذكره وثيمة بن موسى (4) # في كتابه عن أبي هريرة من حديث طويل قال فيه: إن الله تعالى إذا قضى بين ~~خلقه فمن زادت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن استوت حسناته وسيئاته حبسه ~~الله على الصراط أربعين سنة ثم أدخل الجنة، ومن زادت سيئاته على حسناته ~~أدخل النار في باب أهل التوحيد فيعذبون فيه على قدر ms150 ذنوبهم، فمنهم من يعذب ~~إلى كعبيه، PageV01P340 # # ومنهم من يعذب إلى ركبتيه، ومنهم من يعذب إلى وسطه، ومنهم من يعذب إلى ~~صدره، ومنهم من يعذب إلى ترقوته ولا تجاوز النار تراقيهم لقول رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا تحرق النار وجوه أمتي» (1). # ومن ذلك ما ذكره مكي بن أبي طالب في الهداية عند ذكر الأعراف، فإنه نقل ~~هنالك عن ابن مسعود (2) أنه قال: من كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل ~~الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ومن استوت حسناته ~~وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط. # ومن ذلك ما نقله (أبو حامد في آخر كتاب الإحياء (3)) (4) عن جابر ابن عبد ~~الله أنه قال: من زادت حسناته على سيئاته فذلك الذي يدخل الجنة بغير حساب، ~~ومن استوت حسناته وسيئاته فذلك الذي يحاسب حسابا يسيرا ثم يدخل الجنة، ~~وإنما شفاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن أوبق نفسه وأثقل ظهره. ~~PageV01P341 # # فهؤلاء ثلاثة من الصحابة رضوان الله عليهم قد اتفقوا على (أن) (1) من ~~رجحت حسناته على سيئاته فهو في الجنة من غير عقوبة ولا مشيئة كما قررناه، ~~وعلى هذا هم العلماء، والله أعلم. # وقد نص على ذلك الحميدي في هذا الكتاب الذي نحن بصدده، حيث ذكر الطبقة ~~الخامسة من أهل الجنة حسبما يأتي بعد، إذ قال فيها: هي من أدى الفرائض وقصر ~~في بعضها وتطوع وعمل كبائر وسيئات ومات مصرا، إلا أن خيره رجح في الميزان ~~على معاصيه ولو بتكبيرة أو بحسنة هم بها ولم يعملها، أو شوكة أزالها من ~~الطريق أو غير ذلك من مثقال الذرة فصاعدا. # هذا نص كلامه، وقد فرض في هذه الطائفة عمل الكبائر والموت على الإصرار ~~والتقصير في بعض الفرائض، وفرض مع ذلك (ق.68.أ) أن يرجح ميزانها على ~~المعاصي بحسنة واحدة وجعلها من أهل الجنة بسبب تلك الحسنة الراجحة. # ونحن نقول بقوله في الطبقة التي فرضها، إن اتفق أن يرجح لها الميزان ~~بحسنة واحدة مع هذه المعاصي الكثيرة، إذ ذلك هو ms151 الذي يقتضيه النظر من غير ~~أن تكون هنالك مشيئة أصلا، وإنما تكون المشيئة فيمن ترجح سيئاتهم على ~~حسناتهم، حسبما نذكره في القسم المتصل بهذا إن شاء الله. PageV01P342 # ### | القسم الرابع: من عنده خير وشر وغلب شره على خيره # ) (1) # وأما القسم الرابع: وهو من عنده خير وشر وغلب شره على خيره في حين ~~الموازنة، فهؤلاء في المشيئة لأجل ما رجح لهم من السيئات في الموازنة. # لأن الفاضل منها على الحسنات يكون أهلها مطلوبين بها ومحبوسين فيها حتى ~~يتولى ذلك العفو عنهم أو القصاص منهم، وذلك بحسب إرادة الله فيهم. # ولا يصح أن يقال إنهم معذبون ولابد بسبب الفاضل لهم من السيئات على ما ~~يقوله أهل البدعة في أهل الكبائر، فإن قاعدة الشرع تعطي أنهم في المشيئة، ~~وهو مذهب أهل السنة (2). PageV01P343 # # قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ~~... [النساء: 48]. # وإذا صح كونهم في المشيئة فينقسمون حينئذ: إلى من يعفو الله عنهم، وإلى ~~من يقتص منهم، بحسب شرهم كما قلناه. # فأما من عفا الله عنه إثر الموازنة فيلتحق بالقسم الذي قبله في دخول ~~الجنة من غير تعذيب ولا عقوبة أصلا. # وقد مضت قبل هذا أمثلة في العفو عن المذنبين من غير عقوبة حيث ذكرنا حديث ~~القاتل للمائة، وحديث الذي أمر بإحراق جثته، وغيرهما من الأحاديث التي ~~سقناها هنالك. # وأما من يقتص منه فيدخل النار وتكون عقوبته فيها بحسب معاصيه فيختلف أهل ~~هذا القسم في شدة العذاب وكثرته، وفي قلة المكث فيه وطوله بسبب ذلك. # وأهل هذا القسم من جملة أصحاب اليمين كما ذكرناه في أول الكتاب بعد ذكر ~~المقربين، وأعلى هذا القسم من فضلت له سيئة واحدة على حسناته التي ليس فيها ~~الإيمان، وأدناهم من ليست له حسنة حاشى الإيمان الذي استحق به ترك (1) ~~الخلود في النار. # فإن من دخل النار من أهل هذا القسم فلابد لهم بعد القصاص من الخروج منها ~~والحلول في الجنة، لكن يكون بينهم وبين القسم الذي قبلهم بون بعيد يمتازون ms152 ~~به في درجات الجنة. PageV01P344 # # وقد نبه النبي - عليه السلام - في حديث أنس على خروج ثلاث طبقات من ~~المذنبين من النار، وهي: الخارجة بالشفاعة، وجعل الطبقة الرابعة فيهم: من ~~لم يعمل خيرا قط حاشى النطق بالكلمة لا غير، وهم الذين يخرجهم الله برحمة ~~منه بعد إخراج (ق.68.ب) طبقات الشفاعة. # ويبقى النظر ها هنا في شيء، وهو أن كل من حصل في النار من المذنبين على ~~وجه القصاص هل يخرج بعضهم منها قبل الشفاعة أو لابد لهم جميعا من الشفاعة؟، ~~وذلك أن فيهم من يستحق القصاص بلفحة من النار أو بمقدار مخصوص في الجملة، ~~فقد يكمل القصاص منهم فيما ترتب عليهم من حق الله أو للآدميين قبل حلول ~~الشفاعة. # فإن كان الأمر كذلك فترك مثل هؤلاء في النار حتى يخرجوا مع أهل الشفاعة ~~المذكورين في الحديث هو زيادة على ما يستحقونه من العذاب، لاسيما والحديث ~~إنما تعرض إلى إخراج أهل المقادير القليلة من مثقال شعيرة ومثقال برة ~~ومثقال خردلة من إيمان. # فمن عنده وزن أوقية مثلا أو وزن قيراط من إيمان لم يتعرض له الحديث، ففي ~~الجائز أن تكون ذنوبهم قليلة، فعندما اقتص منهم أخرجوا أولا فأولا، ثم حلت ~~الشفاعة بعد. # وفي الجائز أن يبقى جميعهم حتى يخرجوا بالشفاعة، وتكون عقوبتهم أخف من ~~غيرهم. # ففي الحديث أنه يخرج من النار بالشفاعة للمذنبين من تأخذ النار منهم إلى ~~أنصاف ساقيه أو ركبتيه، وما ذلك إلا بحسب الذنوب. # PageV01P345 # # ونحن نعلم في الجملة أن الشفاعة إنما تكون لأهل الكبائر ومن ذنوبه عظيمة، ~~فيحتاجون إلى البقاء في النار لأجلها، فمن كان في الذنوب بدون هذا الوصف ~~فيشبه أن يخرج قبل ذلك، كما أن من لم يكن من أهل الكبائر فقد استغنى عن ~~الشفاعة لكونه لا يدخل النار. # قال جابر بن عبد الله في الحديث عندما روى قوله - عليه السلام -: «شفاعتي ~~لأهل الكبائر من أمتي» (1) للراوي عنه محمد بن علي بن الحسين: يا محمد فمن ~~لم يكن من أهل الكبائر فماله وللشفاعة (2). # وإنما قلنا إن الوجهين جائزان ms153 لأجل أن ذلك يحتاج إلى توقيف ولم يرد من ~~الشرع فيه جلاء على أن من نظر إلى أحاديث الشفاعة بجملتها ربما كان ميله ~~(3) إلى أن من دخل النار لا يخرج إلا بالشفاعة أكثر، والله أعلم بحقيقة ~~ذلك. PageV01P346 # ### | القسم الخامس: من يتساوى خيره وشره # ) (1) # وأما القسم الخامس: وهو من يتساوى خيره وشره حتى لا يرجح جانب منهما على ~~الآخر فهم أهل الأعراف على أصح ما جاء في التفسير، فقد تقدم آنفا عن ابن ~~مسعود أن من استوت حسناته وسيئاته فهو من أصحاب الأعراف (2). # وذكر ابن سلام في كتابه عن قتادة أن ابن عباس قال في أصحاب الأعراف: هم ~~قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فلم تفضل حسناتهم على سيئاتهم ولا سيئاتهم على ~~حسناتهم فحبسوا (3) هنالك (4). # قال (5) قتادة: وقد أنبأكم الله بمكانهم من الطمع (ق.69.أ). # وذكر عن حذيفة (6) أنه قال: أصحاب الأعراف قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار، ~~وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة {وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ~~ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} [الأعراف: 47] فبينما هم PageV01P347 # # هنالك (1) إذ اطلع عليهم ربهم فقال لهم: قوموا فادخلوا الجنة فإني قد ~~غفرت لكم. # وذكر عن الحسن في قوله: {وهم يطمعون} ... [الأعراف: 46] قال: هذا طمع ~~اليقين، كقول إبراهيم: {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} [الشعراء: ~~82]. # وذكر عنه أن أصحاب الأعراف من أهل الجنة. # وإذا تقرر هذا فنقول: إن أهل هذا القسم لابد من توقيفهم مدة من الزمان، ~~ولا يكون توقيفهم على وجه العقوبة لهم، إذ لا عقوبة لهم (2) إلا بإزاء ذنب، ~~ولا ذنب عندهم لتساوي ميزانهم في حين الموازنة، وإنما هم قوم لم تفضل لهم ~~حسنة فيدخلوا الجنة دون توقيف، ولا فضلت لهم سيئة يستوجبون بها النار، ~~فيبقى أمرهم كذلك موقوفا حتى يستقر، والله أعلم، أهل الجنة في الجنة، وأهل ~~النار في النار، ثم يصرفون (3) هم إلى الجنة لأجل الإيمان الذي عندهم. # إذ لولا الإيمان لم يكن لهم طريق إلى الجنة، فإن الجنة لا يدخلها من ~~المكلفين إلا نفس مؤمنة كما جاء في الحديث ms154 (4). PageV01P348 # # وهذا القسم هم أيضا من أصحاب اليمين، وإذا كان القسم الذي قبله من جملة ~~أصحاب اليمين، فأحرى أن يكون هذا القسم منهم، وقد ذكرنا ذلك في أول الكتاب. # وقولنا حتى يستقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ثم يصرفون هم ~~إلى الجنة، إنما عنينا بذلك الفراغ من الحساب وجواز الصراط والشرب من الحوض ~~فيستقر حينئذ أهل الجنة الذين فضلت حسناتهم في الجنة، وأهل النار بجملتهم ~~في النار، أعني المذنبين والكفار فيدخل حينئذ أهل الأعراف الجنة قبل حلول ~~الشفاعة لمن في النار من المذنبين، ولم نعن بذلك أن يستقر جميع من يدخل ~~الجنة على الإطلاق في الجنة وجميع من يبقى في النار على وجه التخليد في ~~النار، وحينئذ يستقر أهل الأعراف في الجنة. # وإنما قلنا بذلك لوجهين: # أحدهما: إن أهل الأعراف لا عقاب عليهم كما قدمناه، والمذنبون الذين دخلوا ~~النار إنما دخلوها على جهة العقوبة والمجازاة لهم على سيئاتهم، ولا محالة ~~أن من لا عقاب عليه أفضل ممن عليه العقاب، فيقتضي العدل الإلاهي والجود ~~الرباني دخول أهل الأعراف (ق.69.ب) الجنة قبل دخول من يدخلها ممن خرج من ~~النار بالشفاعة. # والثاني: إن الشرع قد أخبر بخروج المذنبين من النار على التدريج المذكور ~~في الأحاديث، وأخبر أن الله تعالى برحمته يخرج خلقا من النار من غير شفاعة ~~بعد إخراج جميع طبقات الشفاعة، ثم أخبر أن آخر من يدخل الجنة هو آخر من ~~يخرج من النار، وأنه يمشي حبوا إلى باب الجنة على # PageV01P349 # # تدريج، هو مذكور في ذلك الحديث. # ولم يجئ في أهل الأعراف إعلام بوقت دخولهم الجنة، لأن الشرع إنما قصد إلى ~~إخراج من في النار بالشفاعة، ثم دخولهم الجنة، ولم يتعرض إلى دخول من لم ~~يدخل النار متى يكون في الجنة، إلا بإخبار جملي كقوله - عليه السلام -: ~~«يدخل فقراء المهاجرين الجنة قبل أغنيائهم». (1) # وقوله: «يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب» (2). PageV01P350 # # ولم يجئ فيهم التدريج (الذي جاء في من يخرج من النار من المذنبين، فلما ~~رأينا ذلك التدريج) (1) في من يخرج ms155 من النار، ووجدنا إخبار الشرع بآخر من ~~يدخل الجنة، علمنا أن أهل الأعراف خارجون عن ذلك. # لأنهم لو دخلوا الجنة آخر الأمر لدخلوا بعد الرجل الذي هو آخر من يدخل ~~الجنة، (وذلك لا يصح، لأن النبي الصادق صلوات الله عليه أخبر بآخر من يدخل ~~الجنة) (2). # فلم يبق إلا أن يكون دخول أهل الأعراف الجنة قبل حلول الشفاعة وخروج من ~~يخرج بها من النار ويدخل الجنة، والله أعلم. PageV01P351 # # فصل # (حاصل ما تقدم) (1) # نلخص هاهنا عبارة ينضبط بها مذهبنا الذي استقريناه من الشريعة في الباب ~~المتقدم، فنقول: # من لقي الله تعالى من المؤمنين وقد رجحت حسناته فله الجنة سواء في ذلك من ~~لم يكن في ميزانه كبيرة واحدة، ومن كانت له كبائر إلا أن جانب الحسنات أرجح ~~من جانب السيئات في الموازنة، ولكن يمتازون بأعمالهم وعلو مقاماتهم في ~~درجات الجنة. # ومن لقي الله منهم وقد استوت حسناته وسيآته فهو موقوف مدة من الزمان ثم ~~له الجنة. # وهذان الصنفان لا يدخلان النار أصلا. # ومن لقي الله وقد رجحت سيئاته فهو في المشيئة، فإن عفا الله عنه التحق ~~بالصنفين المذكورين في دخول الجنة والتخلص من النار. # وإن لم يعف عنه اقتص منه في النار ثم له الجنة، وهذا هو سبيل كل من دخل ~~النار من المؤمنين يقتص من جميعهم، ثم لهم الجنة، حتى لا يبقى في النار ~~مؤمن (ق.70.أ) أصلا، وإنما يبقى فيها كل من هو كافر على وجه الخلود في ~~العذاب أبد الآباد. # هذا هو ضبط الباب. PageV01P352 # # وقد ذكر ابن سلام في تفسيره قال: بلغنا أن المؤمن توزن حسناته وسيئاته ~~فمنهم من تفضل حسناته على سيئاته، وإن لم تفضل إلا حسنة واحدة ضاعفها الله ~~له فيدخله الجنة وهو قوله: {وإن تك حسنة يضاعفها} [النساء: 40]، ومنهم من ~~تستوي حسناته وسيئاته، وهم أهل الأعراف، ومنهم من تفضل سيئاته على حسناته ~~ثم يجاء بقول لا إله إلا الله فتوضع مع حسناته فترجح بكل شيء، ثم يصير إلى ~~الجنة وليس تخف إلا موازنين المشركين. # وفي هذا الذي ms156 نقلناه عن ابن سلام ما يمش غرضنا الذي نحن بصدده في الجملة ~~(1) إلا أن قوله: (وإن لم تفضل إلا حسنة واحدة ضاعفها الله له فيدخله ~~الجنة) يحتاج إلى توقيف. # وقوله (2): (ثم يجاء بقول لا إله إلا الله فتوضع مع حسناته فترجح بكل شيء ~~ثم يصير إلى الجنة) ليس هو عاما في كل من تفضل سيئاته على حسناته (3) بدليل ~~أن فيهم من يدخل النار، وقد تكلمنا على هذا المعنى وعلى الحديث الوارد في ~~ذلك فيما قبل. # وقوله: (وليس تخف إلا موازين المشركين) يعني بذلك الخفوف المطلق الذي ~~ليست معه حسنة، وهو المراد بقوله تعالى: {ومن خفت موازينه فأولئك الذين ~~خسروا أنفسهم في جهنم خالدون} [المؤمنون: 103] إذ عنى بهم الكفار، وينبغي ~~أن يقتصر بخفوف الموازين عليهم اتباعا للفظ الكتاب، وتكون العبارة عن ~~موازنة أهل الكبائر المعذبين عليها بلفظ الرجحان لا غير. PageV01P353 # # فصل # كل ما ذكرناه من الموازنة في الفصل المتقدم، وفي الباب قبله إنما قصدنا ~~به موازنة الحسنات بالسيئات ولم نتعرض فيه إلى الإيمان إذ أخرجناه عن ~~الموازنة وجعلناه فوق الحسنات. # لأنا قد قدمنا أن الإيمان لا يوزن إذ لا توازيه معصية إلا الكفر، ولا يصح ~~أن يوزن أحدهما بالآخر لعدم اجتماعهما في المحل الواحد في الزمن الواحد. # وأيضا فلو كان الإيمان يوزن للزم أن لا يدخل أحد من المذنبين النار بوجه، ~~إذ لا يتصور أن يكون فيهم من ترجح سيئاته، لأن الإيمان كان يكون في جانب ~~الحسنات فترجح به لا محالة، إذ ليس في الجهة الأخرى من المعاصي ما يقابله ~~أصلا (1). # وقد تقدم الكلام على أن الإيمان لا يوزن فيما مضى بأتم مما ذكرناه هاهنا. # وإذا تقرر خروج الإيمان عن الموازنة بقيت الطاعات (2) والمعاصي، (ق.70.ب) ~~فكانت الموازنة بينهما بأن تكون أركان الطاعات بإزاء كبائر PageV01P354 # # المعاصي، ويكون ما هو أقل مرتبة من أركان الطاعات مقابلا لما دون الكبائر ~~من المعاصي ويكون الإيمان فوق ذلك كله، وهو ثابت للمؤمنين كلهم من غير ~~موازنة، وثوابه أن يتلخص به من النار ويدخل به الجنة على ms157 وجه الخلود فيها. # والموازنة إنما تكون بالصحف المكتوبة فيها الحسنات والسيئات، لا بالحسنات ~~والسيئات أنفسها، إذ هي أعراض لا يصح وزنها. (1) # ونزيد هاهنا في بيان ما أشرنا إليه قبل من أن معنى الموازنة هو إلقاء شيء ~~في الكفة الواحدة بإزاء شيء في الكفة الأخرى، فنقول: إن الموازنة في هذه ~~الدار التي نحن فيها الآن على ضربين: # أحدهما: أن يلقى في إحدى الكفتين عدد من دنانير أو دراهم ويجعل مثلها في ~~العدد من الجهة الأخرى فينظر هل يكون العددان متماثلين في الوزن، أو يكونان ~~متفاضلين فيحتاج أحدهما إلى الزيادة فيه وإن كانت يسيرة. PageV01P355 # # والثاني: أن يجعل في إحدى الكفتين قطعة واحدة من حديد أو نحاس يعبر عنها ~~بالصنجة، ويجعل في الجهة الأخرى جملة دراهم أودنانير، ولا يزال الذي يتولى ~~الوزن يزيد فيها حتى (1) تعتدل الكفتان. # فإذا تقرر هذا فينبغي أن تفهم الموازنة في الآخرة كذلك، فعلى موازنة ~~العدد توزن عدة حسنات بعدة سيئات، لكن تكون الحسنات مضاعفة عشر (2) مرات، ~~والسيئات غير مضاعفة (3)، فإن في الكتاب العزيز: {من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها} [الأنعام: 160]، وفي الحديث عن الله تعالى: «إذا هم عبدي بحسنة ~~فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها له عشرا، وإذا هم بسيئة فلا تكتبوها، ~~فإن عملها فاكتبوها له بمثلها» (4). # ولا معنى لكتبها هكذا إلا أن توزن على ما كتبت عليه، فإذا وزنت الحسنات ~~بالسيئات على هذا النوع فينبغي أن تكون من جنس واحد في الكبر والصغر، لكن ~~تكون على هذا الوجه عشر سيئات بإزاء حسنة واحدة لأجل التضعيف الذي يكون ~~للحسنات في الموازنة. PageV01P356 # # وأما على الموازنة الأخرى التي هي الموازنة بالصنجة فيتبين الفرق بينها ~~وبين الموازنة الأولى بما نقوله: # وذلك أن من جنس الحسنات حسنة واحدة تربي على حسنات كثيرة في القبول كما ~~قال - عليه السلام -: «سبق درهم مائة ألف» (1). # وإذا كانت مثل هذه الحسنة تربي على حسنات كثيرة، فكذلك قد تكون حسنة تربي ~~على سيئات كثيرة، بأن تكون أرجح من تلك السيئات في الميزان، ففي الحديث: ~~(ق.71.أ) «إن الصدقة ms158 تقع في كف الرحمن فلا يزال يربيها كما يربي أحدكم فلوه ~~أو فصيله حتى تكون مثل الجبل» (2). # ألا ترى إلى هذه الصدقة كيف تصير قدر الجبل في العظم، وإذا كانت كذلك فكم ~~ينحط لأجلها من عدة سيئات عند الموازنة. PageV01P357 # # وهكذا نقول في السيئات أيضا فإن منها ما يستحقره العبد ويكون عظيما عند ~~الله تعالى كما قال: {وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} [النور: 15]. # وإذا كان الذنب عظيما عند الله فيوشك أن يرجح على حسنات دونه (1) في ~~العظم، فقد جاء في الحديث: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله فيكتب ~~الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ~~فيكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه» (2). # وفي لفظ آخر: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة يهوي بها في نار جهنم سبعين ~~خريفا» (3). PageV01P358 # # فانظر إلى هذه الكلمة الخبيثة أين بلغت بصاحبها، فيتقى إذا وزنت بحسنات ~~أن ترجح عليها، فينبغي للمؤمن الحذر أن يتوقى ما يكون في الموازنة فيعمل ~~بحسب ذلك من الإشفاق على نفسه وطلب الخلاص لها فعساه أن يكون من جملة من ~~ترجح حسناته فتلحقه الرحمة بدخول الجنة. # ولنرجع إلى ما كنا فيه من نقل كلام الحميدي والتكلم عليه. # PageV01P359 # # نقل اللفظ # قال الحميدي: فهم كما أوردنا ست طبقات: أهل النار المخلدون فيها، وهم ~~الكفار وهم المشركون طبقة يتفاضلون في العذاب بمقدار ما عمل كل امرئ منهم ~~من الشر. # ثم أهل الجنة خمس طبقات: الأولى من ثقلت موازينه فرجحت حسناته على معاصيه ~~بما قل أو كثر، فهؤلاء يتفاضلون في درجات الجنة والعلو فيها، وفي (1) كثرة ~~النعيم بمقدار ما فضل لكل واحد منهم من الأعمال الصالحة. # وهؤلاء خمس طبقات على ما نبين بعد هذا، ثم أربع طبقات كلهم في الجنة سواء ~~في الدرجات وفي النعيم، لا فضل لأحد منهم على سائرهم في شيء من ذلك، ولكل ~~امرئ منهم مثل الدنيا وما فيها عشر مرات، كما صح عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من طريق أبي سعيد الخدري - رضي الله ms159 عنه -. (2) # وهم من فضل لهم التصديق بالإسلام والنطق به مرة واحدة على ما معه من ~~المعاصي، ومن لم يفضل له شيء بأن استوت حسناته وسيئاته PageV01P360 # # (ق.71.ب) فوقفوا بين الجنة والنار حتى فضل لهم التصديق والنطق به مرة ~~واحدة، وهم أهل الأعراف. # وهاتان الطبقتان لا تعذبان بالنار أصلا، ومن فضلت له معصية على كل (1) ما ~~معه من الخير، ومن لم يعمل خيرا قط غير التصديق بالإسلام والنطق به مرة ~~واحدة فقط. # وهاتان الطبقتان هما المجازاتان بالنار: # إحداهما على ما فضل لها من المعاصي على ما كان لها (2) من خير، وهي ~~الخارجة من النار بالشفاعة المتقدمة في الخروج على مقدار تفاضلها فيما عملت ~~من الخير الذي قد (3) سقط تفضيله بمقابلة معاصيهم له. # والثانية: على ما عملت من الشر، وهي الخارجة من النار برحمة الله تعالى ~~لا بالشفاعة، وهي آخر من يخرج من النار. # وكل هذه الطباق الأربع لم يفضل لها شيء غير التصديق بدين الإسلام والنطق ~~به مرة واحدة فقط. # فتبارك الله الذي كل أحكامه عدل وقسط لا إله إلا هو المتفضل مع ذلك بما ~~لا يبلغه فهم ولا وصف ولا شكر. # نسأل الله أن يجيرنا من النار ومن روعات يوم القيامة بمنه، آمين، وأن ~~ييسرنا لأعمال الطاعة المنجية من كل ذلك، آمين. PageV01P361 # # فصل ### | مناقشة الحميدي في تقسيمه لأهل الموازنة # ) (1) # مضى للحميدي في أحد الفصول المتقدمة أن أهل الموازين أربعة أقسام: قسم من ~~رجحت حسناته، وقسم من رجحت سيئاته، وقسم من استوت حسناته وسيئاته، وقسم ~~الكفار. # ثم إنه قسم من رجحت حسناته إلى قسمين، ولم يذكر فيمن رجحت سيئاته إلا ~~قسما واحدا، غير أنه قال: (ومن جملة هؤلاء من لم يعمل خيرا غير الإسلام ~~اعتقاده والقول به مرة واحدة)، ولم يجعل هذا قسما برأسه، ولو جعله قسما ~~برأسه لكانت ست طبقات كما قال، ويلزمه ذلك وإلا رجعت له الأقسام خمس طبقات. # وإنما ألزمناه ذلك لقوله هاهنا: فهم كما أوردنا. # فلو قال: فهم ست طبقات، ولم يقل: "كما أوردنا" لكان كلامه مخلصا، فإنه ms160 ~~إنما جعلهم ست طبقات بما يأتي له في هذا الفصل على ما يظهر من كلامه، وذلك ~~أنه جعل هاهنا أهل النار الذين هم الكفار طبقة واحدة، وإن تفاضلوا في ~~العذاب، وجعل أهل الجنة خمس طبقات: # الأولى منها هي من ثقلت موازينه فرجحت حسناته على سيئاته PageV01P362 # # بما قل أو كثر، وهم متفاضلون في درجات الجنة. # والأربع الطبقات من أهل الجنة هم الذين جعلهم سواء في ثواب الجنة بزعمه، ~~فهذه ست طبقات. # ثم إنه جعل الطبقة الأولى من أهل الجنة تنقسم إلى خمس طبقات، وهي مذكورة ~~بعد فيتحصل من قوله: إنهم عشر طبقات: # طبقة الكفار -مع تفاضلهم في العذاب- واحدة. # وتسع طبقات من أهل الجنة: خمس منها يجمعها من رجحت حسناته على سيئاته بما ~~قل أو كثر، ودرجاتهم في الجنة متفاضلة، وأربع منها ثوابهم (1) في الجنة ~~عنده واحد، ودرجاتهم فيها متساوية، مع أن اثنتين منها دخلتا النار قبل ~~دخولها الجنة، كما ذكر في هذا الفصل. # وأما الخمس الطبقات فسيأتي ذكرها في الفصل الذي يتصل بهذا، وعندما عددها ~~وتكلم عليها لم يذكر فيها أحد الصنفين اللذين ذكرهما في قسم من رجحت ~~حسناته، عندما ذكر (ق.72.أ) أهل الموازين وجعلهم أربعة أقسام، إذ قال: فقسم ~~رجحت حسناتهم على سيئاتهم، وهؤلاء صنفان: إما صنف فضل لهم التصديق والنطق ~~به مرة واحدة (فقط، وهم طبقة واحدة، وإما صنف فضل لهم التصديق والنطق به ~~مرة واحدة) (2) وزيادة خير، وهم مختلفون باختلاف الفاضل لهم. هذا نص كلامه. ~~PageV01P363 # # فالصنف الأول من هذين الصنفين اللذين جعلهما ممن رجحت حسناتهما لم يذكره ~~في الخمس الطبقات، ويلزم على مذهبه أن يدخل الصنف المذكور في قوله في هذا ~~الفصل الذي نحن فيه: الأول (1) من ثقلت موازينه فرجحت حسناته على سيئاته ~~بما قل أو كثر. # فإنه قد رجحت حسنات هذا الصنف على قوله بالتصديق والنطق بالشهادة، إذ كان ~~عنده أن التصديق يوزن، والذي ألزمه ذلك كونه لم يتحرز في اللفظ، وإنما ~~مراده أن يجعل الخمس الطبقات هم الذين يتفاضلون في الدرجات بحسب ما فضل لكل ~~واحد ms161 منهم من الأعمال الصالحة. # فتكون هذه الخمس الطبقات داخلة تحت الصنف الثاني الذي قال فيه: وإما صنف ~~فضل لهم التصديق والنطق به مرة واحدة وزيادة خير فأراد أن يجعل هذا الصنف ~~الثاني متفاضلين في الدرجات بسبب زيادة الخير الذي عندهم، فقسمهم خمس ~~طبقات، وأسقط الصنف الأول منها فلم يحسن في العبارة، إذ لم يتحرز من دخول ~~الصنف الذي تركه بقوله: فرجحت حسناته على سيئاته بما قل أو كثر. # ثم إنه جعل هنالك الصنف المذكور وهو الذي رجحت حسناته بالتصديق والنطق به ~~مرة سواء مع الصنف الذي فضل له التصديق والنطق به مرة وزيادة خير في دخول ~~الجنة، إذ قال: وكلا هذين الصنفين في الجنة إثر الموازنة بلا فصل إلا جواز ~~الصراط، وبعد ذلك جعل الصنف الأول في الفصل المتقدم، وفي هذا الفصل من ~~الأربع الطبقات المتساوية بزعمه في ثواب PageV01P364 # # الجنة، فإنه قال هنا: ثم أربع طبقات كلهم في الجنة سواء في الدرجات ~~والنعيم، لا فضل لأحدهم على سائرهم في شيء من ذلك، فذكر منهم: من فضل له ~~التصديق بالإسلام والنطق به مرة، وهم الصنف الأول المذكور في قسم من رجحت ~~حسناته، وجعل منهم أهل الأعراف (بأنهم لم يفضل لهم إلا التصديق والنطق به ~~مرة. # وقد تقدم من كلامنا أن هاتين الطائفتين يلزم أن تكونا طائفة واحدة، وهي ~~أهل الأعراف) (1) بما لا نحتاج إلى إعادته. # وجعل الطائفتين الأخريتين (2) هما اللتان جوزيتا بالنار: # إحداهما: من فضلت معاصيه على حسناته فخرجت بالشفاعة. # والثانية (3): من لم يعمل خيرا قط غير التصديق والنطق به مرة، فخرجت ~~برحمة الله تعالى لا بالشفاعة (ق.72.ب). # قال: وكل هذه الطباق الأربع لم يفضل لها شيء غير التصديق والنطق به مرة ~~واحدة. # فمن هاهنا سوى الحميدي بين أهل تلك الطباق، إذ اعتقد أن تصديقهم واحد، ~~وكيف يكون تصديقهم واحدا أو ثوابهم واحدا (4)؟ PageV01P365 # # و (1) طائفتان منهم لن تدخلا النار أصلا، والطائفتان الباقيتان تخرجان من ~~النار بتدريج: # إحداهما: تحتوي على ثلاثة أقسام، وهم المشفوع فيهم. # والثانية: هي قسم واحد. # ولو كان تصديق ms162 الطوائف الخارجة من النار بالشفاعة واحدا لكانوا يخرجون ~~منها دفعة واحدة ولا يخرجون متتابعين على حسب مقادير تصديقهم وإيمانهم، كما ~~ثبت في الخبر. # ثم الطائفة التي تخرج برحمة الله إنما تخرج آخر الأمر بعد خروج طبقات ~~الشفاعة، فلا (2) يصح أن تكون هذه الطوائف الأربع الخارجة من النار سواء في ~~التصديق وفي الثواب. # فكيف يصح أن يسوي بينهم وبين الطائفتين اللتين لم تدخلا النار؟، والجميع ~~منهم مختلفون في درجات التصديق، وقد تقدم الكلام على هذا المعنى قبل بأتم ~~من هذا. # ثم إن الحميدي جعل من لم يعمل خيرا غير التصديق بمنزلة من عمل خيرا مع ~~التصديق إذا فضلت له معصية واحدة على ما معه من الخير، ولا شك أن من عمل ~~خيرا مع الإيمان أفضل ممن لم يعمل خيرا إلا الإيمان، ولا معنى لكونه أفضل ~~منه إلا لأنه أقل عذابا إن عذبا معا وأكثر ثوابا إذا جوزيا جميعا، هذا هو ~~الذي يفهم من قواعد الشرع، وما قاله الحميدي مردود عليه. PageV01P366 # # وأما قوله في الطائفة الرابعة هي آخر من يخرج من النار، فإنه إن أراد به ~~أنها آخر طائفة تخرج فصحيح، وإن أراد أنها آخر من يخرج (من النار) (1) على ~~الإطلاق فليس كذلك، فإنه قد جاء في الحديث أن آخر من يخرج من النار رجل ~~يخرج حبوا، وهو آخر من يدخل الجنة، وهو الذي يعطى مثل الدنيا عشر مرات (2). # وقوله عن الأربع الطبقات التي جعلهم متساويين (3) في الدرجات والنعيم، ~~ولكل امرئ منهم مثل الدنيا وما فيها عشر مرات، كما صح عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من طريق أبي سعيد الخدري (4) قول غير صحيح، فإنه لم يجئ عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - (5) من حديث أبي سعيد الخدري أنه يعطى لطائفة ~~من الناس، فكيف لطوائف منهم مثل الدنيا عشر مرات لكل شخص شخص منهم، وإنما ~~ورد في حديثه أن أدنى أهل الجنة منزلة يعطى عشر مرات مما يسأل حتى تنقطع به ~~الأماني. # وروى هذا المعنى ابن مسعود والمغيرة عن النبي - عليه السلام ms163 -. (ق.73.أ) ~~PageV01P367 # # ففي حديث ابن مسعود: «إن آخر من يدخل الجنة وآخر من يخرج من النار رجل ~~يخرج حبوا، وإنه يعطى عشرة أمثال الدنيا»، وفي حديثه: «وكان يقال ذلك الرجل ~~أدنى أهل الجنة منزلة» (1). # وفي حديث المغيرة: «إن أدنى أهل الجنة منزلة يعطى مثل ملك ملك من ملوك ~~الدنيا عشر مرات، ويقال له: ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك» (2). # فإذا كان الذي يعطى عشرة أمثال الدنيا رجلا واحدا، وهو أدنى أهل الجنة ~~منزلة، وهو آخر من يخرج من النار وآخر من يدخل الجنة، فكيف يجعل الحميدي ~~هذا القدر من الثواب لأربعة أصناف؟، ولم يجئ في الحديث إلا لشخص واحد. # نعم، ورد في حديث جابر (3) شيء يجب التعريف به، وذلك أنه قال: «ثم تحل ~~الشفاعة ويشفعون حتى يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه ~~من الخير ما يزن شعيرة فيجعلون بفناء الجنة، ويجعل أهل PageV01P368 # # الجنة يرشون عليهم الماء حتى ينبتوا نبات الشيء في السيل ويذهب حراقه، ثم ~~يسأل حتى يجعل (1) له الدنيا وعشرة أمثالها معها». # وهذا النص لم يذكره الحميدي، ولو ذكره لم يكن له فيه حجة من وجهين: # أحدهما: إن حديث جابر هذا موقوف، وهو في صحيح مسلم، وليس في أحاديثه ~~المرفوعة هذا المعنى الذي ذكرناه هاهنا (2). # والوجه الثاني: إن قوله: «ثم يسأل حتى يجعل (3) له الدنيا وعشرة أمثالها ~~معها»، إنما يرجع إلى لفظ "من" في قوله: «حتى يخرج من النار من قال لا إله ~~إلا الله». # فإن كان المقصود به واحدا فهو مثل ما في حديث أبي سعيد سواء سواء. # وإن كان يرجع على المعنى فيعود على الجماعة كما قال: «فينبتوا»، فهو يعود ~~على طائفة واحدة، وهي من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما ~~يزن شعيرة. # والحميدي إنما قال ذلك عن أربع طوائف: اثنتان منها لم تدخلا النار بوجه، ~~وإعطاء عشرة أمثال الدنيا إنما جاء في الحديث لمن خرج من النار سواء كان ~~واحدا أو أكثر، فمن يقول إن من ms164 لم يدخل النار يكون ثوابه كثواب من دخل ~~النار فهو متحكم. PageV01P369 # # نقل اللفظ # قال الحميدي: والطبقة التي فضلت لها أعمال خير تتفاضل بها درجاتهم في ~~الجنة هم أيضا طبقات خمس: # فأولها -بعد النبيين عليهم السلام-: من أدى جميع الفرائض، (ق.73.ب) وتطوع ~~بخير كثير مع ذلك، واجتنب جميع الكبائر، وقلل من جميع السيئات، إذ لا سبيل ~~إلى أن ينجو أحد من السيئات أو من الهم بها، كما صح عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، إذ قال: ولا يحيى بن زكريا. # ثم الثانية: من أدى جميع الفرائض، ولم يتطوع بزيادة خير، واجتنب جميع ~~الكبائر، واستكثر مما دون ذلك من السيئات أو استقل. # ثم الثالثة: من أدى الفرائض، واجتنب الكبائر، وعمل تطوعا وسيئات. # ثم الرابعة: من أدى الفرائض وتطوع أو لم يتطوع، وعمل كبائر وسيئات، ثم ~~تاب من بعد ذلك قبل الموت، أو أقيم عليه (1) الحدود فيما عمل من ذلك. # ثم الخامسة: من أدى الفرائض وقصر في بعضها، وتطوع، وعمل كبائر وسيئات ~~ومات مصرا، إلا أن خيره رجح في الميزان على معاصيه، ولو بتكبيرة أو بحسنة ~~هم بها ولم يعملها أو شوكة أزالها من الطريق أو غير ذلك من مقدار الذرة ~~فصاعدا. # كل هذا مسطور في نصوص القرآن والمسند الثابت عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، ومعلوم انقسام الناس بضرورة المشاهدة. PageV01P370 # # فصل # جعل الحميدي في هذا الكلام الذي حكيناه عنه الطبقة التي رجحت حسناتهم ~~وفضلت لها أعمال تتفاضل بها درجاتهم في الجنة خمس طبقات، وقال: إن أولها ~~بعد النبيين عليهم السلام: من أدى جميع الفرائض وتطوع بخير كثير مع ذلك، ~~واجتنب جميع الكبائر وقلل من جميع السيئات. # ولم يذكر في هذه الطبقة الشهداء، وهو في أول هذا الكتاب قد جعلهم مع ~~الأنبياء حيث قال: إن أرواحهم جميعا في الجنة بإثر خروجهم من هذا العالم. # والشهداء عندي يحتمل أن يكونوا في هذه الطبقة، أعني بأعمالهم. # ويحتمل أن يكونوا بأعمالهم من جملة كل طبقة من الطبقات الأربع الباقية، ~~لكن يكفر الله عنهم بالشهادة جميع ms165 الخطايا ما عدا الدين. # فإذا كفر الله عنهم خطاياهم التحقوا بأعلى الدرجات، وإن لم يكونوا من ~~أهلها بأعمالهم. # PageV01P371 # # وقد جاء في الحديث أن رجلا قال: «يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل ~~الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر، أيكفر الله عني من خطاياي؟ فقال: نعم، ~~(ق.74.أ) ثم ناداه فقال له: إلا الدين، كذلك قال لي جبريل» (1). # وليس الدين عندنا مقصورا على الدينار والدرهم (2)، بل هو واقع على مظالم ~~العباد بجملتها، فهي لا يكفرها إلا الخروج عنها في الدنيا باستحلال (3) ~~أهلها منها أو تقع المقاصة بها في الآخرة، إلا أن يرضي الله المظلوم من ~~ظلامته عن من يشاء من عباده، (كما مضى في حديث المتخاصمين قبل) (4). # وهذه الطبقة المتقدمة هي الطبقة العالية، فإن في صفة أهلها: من أدى جميع ~~الفرائض، ومن أدى جميع الفرائض فقد أطاع بتأدية ما عليه من الواجبات، ثم ~~إنه تطوع بخير كثير. # وهذا التطوع يجبر له منه ما قصر فيه من الواجبات بأن يؤديها على صفة ~~الغفلة والسهو والذهول، هذا فيمن يتجه ذلك منه، ومن ترقى عن هذا المقام كان ~~التطوع له زيادة درجات في الجنة، ثم إنه اجتنب جميع الكبائر وقلل من جميع ~~السيئات، والسيئات هاهنا هي الصغائر بدليل ذكر الكبائر قبلها، PageV01P372 # # ومن اجتنب الكبائر كفرت عنه السيئات التي هي الصغائر بالإضافة إليها بنص ~~القرآن. # وكذلك الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما ~~بينهن إذا اجتنبت الكبائر كما جاء في الحديث (1)، والكبائر مختلف فيها. # وإذا كان من هو بهذا الوصف من اجتناب الكبائر وتقليل السيئات حتى لا يكون ~~منه (2) إلا صغائر متفرقة من غير إكباب عليها ولا إصرار على فعلها، فقد ~~اندرأت عنه الكبائر لا محالة. # وإنما قلنا إنه لا يكون لمن هو في هذه الدرجة إصرار على الصغائر لكون ~~الإصرار عندنا وإن كان على صغائر في محل النظر، فيمكن أن يقال: إن الإصرار ~~لما كان على صغيرة كان (3) حكمه حكم ما أصر به عليه، فيكون صغيرة، وهو ~~الأظهر، ويمكن أن يقال ms166 إنه كبيرة، فإن الإصرار على معصية الله، وإن كان على ~~صغيرة ليس من أخلاق المؤمنين، إذ فيه تهاون باطلاع الله تعالى على المتصف ~~به، ودليل على قلة حيائه منه سبحانه (4)، والحياء من الإيمان، وعدمه من ضعف ~~الإيمان. # وقد جرى على ألسنة الزهاد والمتصوفة قولهم: لا صغيرة مع إصرار (5). ~~PageV01P373 # # وقد روي مرفوعا إلى النبي - عليه السلام -، ولم يصح عندنا ذلك (1). # لكن ينبغي اجتناب الإصرار ولو كان على الصغائر، لأنه قد يؤدي إلى الوقوع ~~في الكبائر، فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وقد وصف الله المحسنين ~~من عباده بقوله: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم} [النجم: ~~32]. (ق.74.ب) # ومعنى اللمم: ما يلم به الإنسان في بعض الأوقات على وجه الفلتة وعدم ~~التتبع (2)، تقول العرب (3): ما تأتينا إلا إلماما، أي في الحين بعد الحين ~~من غير ملازمة (4)، وإذا لم يلازم الإنسان الذنوب دل ذلك على انتفاء ~~الإصرار عن قلبه، وقد قيل في الآية: هو الرجل الذي يأتي الذنب ثم يتوب منه ~~ولا يعود إليه. ومن تاب من الذنب فقد انتفى عنه الإصرار بالكلية. ~~PageV01P374 # # وقد احتاط السلف في التوقي من المعاصي جملة، حتى قال بعضهم: لا تنظر إلى ~~قدر المعصية وانظر إلى من عصيت. # فبهذا الاعتبار يصدق أن يقال: لا صغيرة، إذ المعصي بها وبالكبيرة واحد، ~~وهو الله سبحانه. # وصورة المعصية هي المخالفة له من حيث هي مخالفة على الإطلاق فيشترك في ~~ذلك جميع الذنوب جملة واحدة فحق المحتاط لدينه أن يهرب عن أسبابها ويشفق ~~على نفسه منها. # PageV01P375 # # فصل # قال: ثم الطبقة الثانية: من أدى جميع الفرائض ولم يتطوع بزيادة خير، ~~واجتنب جميع الكبائر، واستكثر مما دون ذلك من السيئات أو استقل. # ثم الثالثة: من أدى الفرائض واجتنب الكبائر وعمل تطوعا وسيئات. # وهاتان الطائفتان إن كان ذكر الحميدي لهما على ترتيب فضلهما وهو الظاهر ~~منه، فهو معترض، فإن الطائفة الثالثة أفضل من الثانية، لأنهما استويا في ~~أداء الفرائض واجتناب الكبائر وفعل السيئات وزادت الثالثة بعمل التطوع، ~~والتطوع به يجبر ما أخل ms167 المكلف به من الفرائض، فإذا لم يكن عنده تطوع بقي ~~ما نقصه من الفرائض عليه فكان محبوسا فيه. # فمن تطوع فهو (1) أتم حالا ممن لم يتطوع، قال تعالى: {فمن تطوع خيرا فهو ~~خير له} ... [البقرة: 184]، وكيف لا يكون خيرا له، والمتطوع لا يخلو فيما ~~تطوع به من أحد (2) أمرين: إما أن يجبر له به الفرائض، وإما أن يكون زيادة ~~له في الدرجات. PageV01P376 # # ثم قل ما يوجد مسلم يعتني بأداء جميع الفرائض ويقتصر عليها دون تطوع، لأن ~~الحامل له على الاعتناء بالفرائض يحمله على التطوع، وإن كان قليلا. # وقوله: (واستكثر مما دون ذلك من السيئات أو استقل) إنما قال ذلك لأجل أن ~~اجتناب الكبائر يكفر السيئات التي دونها، وأن فعل الفرائض يكفرها أيضا، فقد ~~اجتمع العملان على تكفير الصغائر، فلا مبالاة بكثرتها وقلتها ما لم يكن ~~إصرار عليها، والإصرار على الصغائر تقدم ذكره. # PageV01P377 # # فصل # قال: ثم الرابعة: من أدى الفرائض وتطوع أو لم يتطوع وعمل كبائر وسيئات ثم ~~تاب من بعد ذلك قبل الموت أو أقيم عليه الحدود فيما عمل من ذلك. # ثم الخامسة (ق.75.أ) من (1) أدى الفرائض، وقصر في بعضها وتطوع وعمل كبائر ~~وسيئات ومات مصرا، إلا أن خيره رجح في الميزان على معاصيه ولو بتكبيرة أو ~~بحسنة هم بها ولم يعملها أو شوكة أزالها من الطريق أو غير ذلك من مقدار ~~الذرة فصاعدا. # فقوله في الرابعة: (وتطوع أو لم يتطوع)، قد تقدم الكلام عليه وأن التطوع ~~أفضل، لكن إنما سوى بينه وبين تركه لأجل أن التطوع لا تأثير له في تكفير ~~الكبائر، وهذا على الحقيقة لا اعتبار به، فإنه إذا لم يكن له تأثير في ~~الكبائر فله تأثير في جبران (2) الفرائض، كما تقدم. # وأما الذي له تأثير في إسقاط الكبائر على الإطلاق فهي التوبة (3) منها ~~والعزم على أن لا يعود صاحب الكبائر إليها. PageV01P378 # # وأما الحدود فقد جاء (1) عن النبي - عليه السلام - أنها كفارة لأهلها، ~~وجاء عنه - عليه السلام - من حديث عبادة: «ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به ~~فهو ms168 كفارة له» (2). # لكنا نقول: إن هذا التكفير إنما يكون لنفس الفعل الذي هو مباشرة الزنا ~~والسرقة وشرب الخمر ونحو ذلك لا للإصرار الذي في القلب، فإن ذلك لم يتناوله ~~الحد، وإنما تناول الحد البشرة، لأنها هي المباشرة للكبيرة، وما في القلب ~~من محبة لها وإصرار عليها لا يزيله إلا التوبة فقط. # والدليل عليه أن النبي - عليه السلام - لما رجم ماعزا وأمر الصحابة ~~بالاستغفار له لم يقل إنه غفر له بالحد الذي هو الرجم، بل قال: «لقد تاب ~~توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم» (3). PageV01P379 # # وكذلك قال في الغامدية لما سبها خالد، إذ طار الدم من رجمها على وجهه: ~~مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس غفر له. # وأما الخامسة فقد اجتمع لها تأدية بعض الفرائض وترك بعضها مع عمل الكبائر ~~والصغائر لكن عندها تطوع وإصرار، ولا أدري من مات على هذا كيف ترجح حسناته، ~~إلا بلطف الله تعالى لعبده بأن يسمح له ويتجاوز عنه، كما جاء في الحديث في ~~حق صاحب السجلات، الذي يظن أنه يهلك بها فتخرج له بطاقة فيها لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله فتجعل في الكفة فترجح، كما أثبتناه قبل (1). # وليس يفعل (2) هذا لكل من هو في هذه الطبقة، فلذلك استبعدنا لمن هو بهذا ~~الوصف رجحان حسناته مع تحقيق الموازنة، لأنه مطلوب بثلاثة أشياء: # أحدها: بما بقي عليه من الفرائض، فقد يكون في تطوعه وفاء بذلك أو لا ~~يكون. # والثاني: (ق.75.ب) بعمل (3) الكبائر والصغائر معا، فإن الكبائر لم يتب ~~منها، والمكلف إذا كان مطلوبا بالكبائر كان أيضا مطلوبا بالصغائر، وإنما ~~تغفر له الصغائر باجتناب الكبائر، أو بالتوبة منها. PageV01P380 # # وقد يكون عند هذا في الفرائض التي عملها ما يوازى به (1) جانب الذنوب ~~بجملتها لكونها مقبولة، وقد لا يكون بأن يرجح جانب الذنوب عليها لعظم قدرها ~~وتهاون العبد في دنياه بها. # والثالث: إنه مطلوب بالإصرار الذي في قلبه، والإصرار على معاصي الله ~~تعالى، أعني الكبائر منها، ليس في الذنوب بعد الإشراك أعظم ms169 منه. # ومعنى الإصرار أن يكون العبد محبا في المعصية فاعلا لها غير مقلع عنها ~~ولا نادم عليها، بل يعتقد في نفسه أن يسارع إليها متى تأتت له ويعود إلى ~~فعلها، فيكون جميع عمره في معصية، وإن كان لاهيا عن الفعل من أجل ميل القلب ~~إليها وكلفه بها. # نعوذ بالله سبحانه من الإصرار والتسويف بالتوبة، فإن ذلك هو الذي يقود ~~إلى المعاصي في الدنيا وإلى العقوبة عليها في الآخرة. PageV01P381 # # باب ### | أصناف المؤمنين # ) (1) # هذه الطبقات الخمس التي ذكر الحميدي إنما جعلها في من فضل له عمل خير في ~~الجملة، ونحن نريد أن نجعل (2) في هذا المعنى قاعدة نعم بها أصناف المؤمنين ~~من محسن ومسيء ممن يفضل له خير أو شر، فلنضبط ذلك بعبارة نحصر بها ما نريده ~~بحول الله. # فنقول: قد ثبت في أصول الفقه أن الأحكام خمسة لا سادس لها، وهي: الوجوب ~~والندب والحظر والكراهة والإباحة. # فإذا نسبت هذه الأحكام إلى أفعال المكلفين قيل هذا فعل واجب ومندوب ~~ومحظور ومكروه ومباح. # وتقرر هنالك بالتقريب أن الواجب هو ما في فعله ثواب، وفي تركه عقاب، ~~والمندوب ما في فعله ثواب وليس في تركه عقاب، وأن المحظور ما في تركه ثواب ~~وفي فعله عقاب، والمكروه ما في تركه ثواب وليس في فعله عقاب، وأن المباح ما ~~تساوى تركه وفعله (3). PageV01P382 # # فلنترك المباح من هذه الأقسام لخلوه من الثواب والعقاب، على أنه قد يلتحق ~~بالنية بما فيه ثواب وعقاب، فإن من نام على قصد الاستعانة به على قيام ~~الليل فهو مأجور، ولذلك قال معاذ لأبي موسى: أما أنا فأنام وأقوم (ق.76.أ) ~~واحتسب في نومتي ما أحتسب في قومتي (1). # ومن تطيب طيبا غير مشروع بأن لا يكون للجمعة ونحوها، بل للذة النفس وطيب ~~الرائحة المجردة فذلك مباح، فإن اقترن بذلك أن يكون قصد المتطيب أن يشم ~~عليه الطيب النسوان الأجانب وأهل الفساد فهو مأثوم. # لكن إنما يكون هذا بحسب النيات، وهو خارج بالحقيقة عن نفس الفعل الذي هو ~~مباح. # فلنبق المباح على الحد الذي حده الفقهاء ms170 ولنتخطه فيما نريد أن نتكلم عليه ~~من هذه الأقسام. # فنقول: ينقسم أهل التكليف بعد الإيمان أربعة أقسام: # - القسم الأول: من فعل الواجبات والمندوبات وترك المحظورات والمكروهات. # وهذا القسم هو الطبقة العالية، لأنها فعلت ما عليها من الواجبات وتركت ما ~~عليها أن تترك من المحظورات، ثم أضافت إلى ذلك فعل المندوبات التي هي ثواب ~~كلها وترك المكروهات الذي هو ثواب كله. PageV01P383 # # ويلتحق بهذا القسم من فعل الواجبات وترك المحظورات فقط، لأنه عمل ما عليه ~~في الجانبين من أخذ وترك. # وهاهنا يدخل قول الأعرابي: «والله لا أزيد (1) على هذا ولا أنقص منه» ~~(2). # وهذا يستوي مع الأول في أن كفة الحسنات ترجح لهما على كفة السيئات، لكن ~~يزيد الأول على الثاني بزيادة الثواب فقط، لفعله المندوبات وتركه ~~المكروهات. # - القسم الثاني: عكس الأول وهو من ترك الواجبات والمندوبات وفعل ~~المحظورات والمكروهات، وهذه هي الدرجة السفلى وهي درجة من لم يعمل خيرا قط ~~غير التصديق المجرد، وأهل هذه الدرجة هم الذين يتولى الله إخراجهم من النار ~~دون الشفاعة، ويلتحق بهم من ترك الواجبات وفعل المحظورات، من حيث إن ترك ~~المندوبات وفعل المكروهات لا يتعلق بهما عقاب. PageV01P384 # # - القسم الثالث: من فعل الواجبات والمندوبات والمحظورات والمكروهات. # وأهل هذا القسم ممن خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، فمن حيث فعلوا الواجبات ~~والمندوبات فهو فعل محمود وعمل صالح، و (1) من حيث فعلوا المحظورات ~~والمكروهات فهو فعل مذموم وعمل سيء فقد يظهر أن هؤلاء إن ماتوا قبل التوبة ~~فهم ممن ترجح حسناتهم، إذا فرضنا استواء تلك الأفعال. # لأن كل ما عملوه من الحسنات مضاعف لهم بعشر أمثالها، وما عملوه من ~~السيئات إنما كتبت بمثلها، فوزنها غير مضاعف (ق.76.ب)، وإن كانت تلك ~~الأفعال مختلفة المقادير (2)، بحيث يرجح جانب السيئات ويدخلون النار من أجل ~~ذلك فيكونون من أصحاب الشفاعة، ويلتحق بهذا القسم من فعل الواجبات ~~والمحظورات لا غير، لأن المكروهات لا عقاب على فعلها، والمندوبات إذا تركها ~~ينقص أجره عن أجر الأول فقط. # - القسم الرابع: من ترك الواجبات والمندوبات والمحظورات والمكروهات، ~~وهؤلاء معاقبون ms171 إن لم يعف عنهم على ترك الواجبات فقط، إذ هم ممن ترجح ~~سيئاتهم على حسناتهم فإذا دخلوا النار خرجوا منها بالشفاعة أو برحمة الله ~~تعالى، فإن حالهم يحتمل الوجهين جميعا. # ويلتحق بهذا القسم من ترك الواجبات والمحظورات وفعل المندوبات ~~والمكروهات. PageV01P385 # # فإنا نجد في الناس من يترك الزكاة الواجبة عليه ويتصدق بخبزة أو بدرهم، ~~وكذلك نجد من يجتنب المحظورات تظرفا ومروءة لا دينا، ويفعل المكروهات ~~لخفتها في العادة، وهؤلاء يخرجون من النار بالشفاعة. # فهذه الأقسام أربعة وهي: # - من فعل الأحكام الأربعة بجملتها. # - ومن تركها بجملتها. # - ومن فعل ما يجب فعله وترك ما يجب تركه. # - ومن فعل ما يجب تركه وترك ما يجب فعله. # ويندرج تحتها أربعة أقسام أخر، كما أدرجناه. # PageV01P386 # # نقل اللفظ # قال الحميدي: فإن قال قائل: فإذ (1) الأمر هكذا فما فائدة الشفاعة إذا؟ ~~والجزاء واقع على كل دقيق وجليل من خير وشر لم يتب عنه فاعله. # قلنا وبالله تعالى التوفيق: وقوع الجزاء على ما ذكرنا من مراتبه هو فائدة ~~الشفاعة بنص بيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك في الخبر الذي ~~أوردنا قبل، ولولا تفضل الله تعالى بالشفاعة وقبولها لكان له عز وجل أن ~~يخلدنا على سيئة واحدة في النار، ولولا رحمته بأن جعل الجنة جزاء لنا على ~~قليل طاعتنا وعملنا، كما قال تعالى: {ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما ~~كنتم تعملون} [الأعراف: 43] لكان له عز وجل أن لا يدخلنا الجنة، إذ ليس ~~لأحد عليه تعالى حجة ولا حق، بل له المن على الجميع لا إله إلا هو. # وصح بهذا معنى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنه لا ينجي أحدا ~~عمله»، فقيل له: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله ~~برحمته»، أو كما (ق.77.أ) قال - عليه السلام - (2). PageV01P387 # # فصل # هذا السؤال الذي فرض الحميدي إنما يلزم من يقول بإنفاذ الوعيد، وهو ~~الظاهر من مذهبه بقوله في هذا الكتاب: ولا بد من ذلك، وهذا لا بد منه، وهذا ~~ما لا يجوز غيره، ولا يمكن ms172 سواه، ونحو ذلك من الألفاظ التي مضت له فيما ~~تقدم. # والسؤال لازم للحميدي، ولم ينفصل عنه، فإن قوله: (وقوع الجزاء على ما ~~ذكرنا من مراتبه هو فائدة الشفاعة) لا (1) معنى له، فإن لفظ الجزاء إن كان ~~أراد به العقاب فالشفاعة لا تقتضي وقوع العقاب ولا دوامه إن وقع قبل ~~الشفاعة، وإنما تقتضي التخليص من العقاب، إما من أصله، وإما من الزيادة ~~فيه. # وإن كان أراد بالجزاء الخروج من النار على ذلك الترتيب، فالخروج من النار ~~ليس بجزاء، وإنما الجزاء للمذنبين هو المكث في النار. # وإذا لم يكن عند الحميدي ما ينفصل به عن هذا السؤال الذي شعر به وفرض ~~الكلام فيه، فقد لزمه إبطال الشفاعة لا محالة، لأن الجزاء للمذنبين إذا ~~PageV01P388 # # كان واقعا على كل دقيق وجليل من خير وشر، وهو معنى استيفاء القصاص منهم ~~فقد بطلت الشفاعة، ولم يبق (1) لها فائدة أصلا. # ولنضرب لذلك مثالا محسوسا يتبين منه. # فنقول: إن السلطان إذا أوقع (2) بأهل الجرائم في الدنيا ثم (3) أودعهم ~~السجن، فإن شفع فيهم بعض من يقرب من السلطان قبل أن يظهر من السلطان في ~~أمرهم ما يوجب إطلاقهم فشفعه فيهم، فقد قبل الشفاعة وكان لها موقع في ~~استنقاذهم من محبسهم، وإن بقي أمرهم كذلك عند السلطان حتى يعتقد أن الأدب ~~قد أخذ مأخذه منهم فيأمر بإطلاقهم أو يكلمه بعض خدمته حينئذ فيهم ثم توجه ~~عن أمره لإطلاقهم فيطلقهم فليس هاهنا شفاعة أصلا، إذ من المحال أن يقال عن ~~من يتوجه لإطلاقهم إنه شافع فيهم، لكونهم قد استوفي الحق منهم. # فيلزم الحميدي أن يكون نبينا - عليه السلام - وله المثل الأعلى بمنزلة من ~~يرسله السلطان لإخراج من بلغ الأدب منه مبلغه، لأنه - عليه السلام - إذا ~~شفع فلم (4) يشفع إلا فيمن أخذ الحق واستوفي القصاص منه، فإنه لم يشفع على ~~الحقيقة في من شفع، لأن من هو بهذا الوصف يلزم إخراجه لا محالة دون شفاعة. ~~(ق.77.ب) PageV01P389 # # فإن بقاءه في النار بعد استيفاء القصاص ظلم في حقه {وما ربك بظلام ~~للعبيد} [فصلت: 46]. # وقول ms173 الحميدي: (هو فائدة الشفاعة بنص بيان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بذلك في الخبر الذي أوردنا قبل) باطل، فمتى ذكر النبي - عليه السلام ~~- في ذلك الخبر لفظ الجزاء، أوقال: إن الشفاعة إنما هي أن يوقع الجزاء على ~~ذلك الترتيب. # والرجل ظاهري، فكيف يقول رسول الله ما لم يقل بقوله: بنص بيان رسول الله ~~بذلك في الخبر. # ومتى كان ذلك في كلام رسول الله؟، وإنما في كلامه - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه يخرج المذنبين على حسب ترتيب ما في قلوبهم من الإيمان والخير، بلا مزيد ~~عليه، وليس يلزم من كون من يظن أن ذلك الترتيب إنما هو لأجل تدريجهم في ~~الذنوب، فيكون ذلك جزاء على قدر شرورهم أن ينسب ذلك إلى رسول الله نطق به ~~نصا، وفي ذلك من جزاف من يقوله ما لا خفاء به. # PageV01P390 # # فصل # قد تقدم من كلامنا أن السؤال الذي فرضه الحميدي لازم له، وأما (1) نحن ~~فلا يلزمنا، لأنا لا نقول: إن الجزاء واقع على كل دقيق وجليل من خير وشر، ~~بل نصرف ذلك إلى إرادة الله تعالى ومشيئته، كما قال في كتابه العزيز: {إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] إن شاء ~~سبحانه أن يجازي بعض المذنبين بكل دقيق وجليل فعل، وإن شاء أن يعفو عن ~~بعضهم ابتداءا فعل، وإن شاء أن يعفو بعد دخول العبد النار دون أن يستوفي ~~منه القصاص فعل. # وإذا كان الأمر هكذا فقد اندرأ السؤال، وكان فائدة الشفاعة إخراج ~~المذنبين من النار (دفعة واحدة) (2) استوفي منهم القصاص أو لم يستوف، بل ~~إنما تتحقق الشفاعة فيمن لم يستوف منه القصاص. # فإن قيل: فكان يلزم على هذا أن يخرج جميع المذنبين من النار دفعة واحدة. # قلنا: لو جاء ذلك في الحديث لكان له وجه، وإذا لم يرد ذلك وورد خروجهم ~~على ذلك الترتيب فسيكون لأمرين: PageV01P391 # # أحدهما: أن يكون خروجهم بحسب شفاعة النبي - عليه السلام - لأنه يسجد بين ~~يدي الله تعالى ثم يشفع فيحد له حدا ms174 بحسب إيمانهم وخيرهم فيخرجهم، ثم يعود ~~فيشفع فيحد له حدا دون أولئك في الإيمان والخير فيخرجهم، ثم يعود فيشفع ~~فيحد له حدا دون الطائفة الثانية فيخرجهم حتى يقول (ق.78.أ): «ما بقي في ~~النار إلا من حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود»، فيكون خروجهم بحسب درجاتهم ~~في الإيمان والخير، وكل واحدة من هذه الشفاعات شفاعة برأسها يعلم بها في ~~القيامة المؤمن والكافر. # وفي ذلك تشريف لنبينا - عليه السلام - وإظهار لعلو درجته وارتفاع منزلته ~~المرة بعد المرة. # والثاني: أن يتحقق بخروج الأصناف الثلاثة من النار من يستأثر الله تعالى ~~بإخراجه منها آخرا ممن ليس عنده إلا قول لا إله إلا الله فقط، إذ لا يمتاز ~~هذا الصنف إلا بتقدم الأصناف المذكورين، وهم الخارجون بالشفاعة على ذلك ~~التدريج، لكون الناس درجات في الخير والشر، ولأجل تباينهم في الخير وفي ~~الشر جعل الله الدرجات في الجنة والدركات في النار. # PageV01P392 # # فصل # وقول الحميدي: (ولولا تفضل (1) الله تعالى بالشفاعة وقبولها لكان له عز ~~وجل أن يخلدنا في النار على سيئة واحدة) قول صحيح، لكن لا مدخل له في ~~الجواب عن ذلك السؤال. # وكذلك قوله: (ولولا رحمته بأن جعل الجنة جزاء لنا على قليل طاعتنا وعملنا ~~لكان له عز وجل ألا يدخلنا الجنة، إذ ليس لأحد عليه حق) صحيح أيضا. # وأصل هذا كله أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إن الله تعالى كتب كتابا وجعله عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت ~~غضبي». (2) # وجاء في تفسير ذلك «أن آدم - عليه السلام - لما أتم الله خلقه عطس فقال ~~له: قل الحمد لله، فقالها. فقال الله له: يرحمك ربك يا آدم». (3) ~~PageV01P393 # # وأما الغضب فظهر لإبليس عندما استكبر وعصى ربه تعالى بترك ما أمره به من ~~السجود لآدم فغضب سبحانه عليه ولعنه وجعله من المطرودين عن رحمته المبعدين ~~من كرامته. # وقد قال النبي - عليه السلام -: «إن لله مائة رحمة جعل منها واحدة في ~~الدنيا فبها يتواد الناس ويتراحمون فيما بينهم، وخبأ تسعة وتسعين عنده ليوم ms175 ~~القيامة». (1) أو كما قال. # وقد جاء في الأثر (2): إن الجنة تدخل برحمة الله وتقتسم الدرجات فيها ~~بالأعمال. # ولو لم يكن فيها خلود لأمكن أن يستوفى للمكلف ثواب ما عمل في مثل زمن ~~عمله ثم يخرج من الجنة، ولكن رحم الله عبده المؤمن بسبب نيته، إذ لم يكن ~~عنده فيها إلا الإيمان والطاعة، ولو عمر أضعاف ما عمر وأضعاف PageV01P394 # # أضعافه فأثابه الله بأن جازاه بقدر نيته فخلده في الجنة، إذ لو خلد في ~~الدنيا لم ينتقل عن الإيمان. # والكافر (ق.78.ب) بخلاف ذلك، فإن قلبه مشحون بالكفر والمعاصي لله (1) ~~تعالى، ولو فرضناه مخلدا في الدنيا لم ينتقل عن ذلك لقوله سبحانه: {ولو ~~ردوا لعادوا لما نهوا عنه} ... [الأنعام: 28]، فعاقبه الله تعالى بالخلود ~~في النار جزاء وفاقا. PageV01P395 # # فصل ### | معنى قول النبي - عليه السلام -: لن ينجي أحد منكم عمله # وأما قول النبي - عليه السلام -: «لن ينجي أحدا منكم عمله» (1) فله عندنا ~~معنيان (2): PageV01P396 # # أحدهما: إنه إعلام لجملة الصحابة رضوان الله عليهم بأن يعتقدوا أن الله ~~تعالى لا يجب عليه شيء، وأن الإيمان به والعمل الصالح لا يلزم منه الثواب ~~عقلا كما تدعيه المعتزلة، إذ يجب عندها على الله تعالى المجازاة على الطاعة ~~والمعصية بتحسين العقول وتقبيحها. # والرد عليها مقرر في كتب الأصول (1). # ونحن نقول: لولا ورود (2) الشرع بأن المؤمن يجازى على إيمانه وطاعته ~~بالثواب في الجنة، وأن الكافر يجازى على كفره وعصيانه بالعقاب في النار لم ~~نعلم ذلك، إذ لا مدخل له في المعقولات أصلا. # والثاني: إنه إعلام لجملة الصحابة بأن يكونوا على وصف العبودية لله تعالى ~~بإظهار التبري من الأعمال وعدم الرؤية لها حتى لا يعتقدوا أن تلك الأعمال ~~تنجيهم من أهوال يوم القيامة، فيحصلوا في الإدلال بها والأمن من مكر الله ~~فيتقى عليهم أن تحبط أعمالهم بذلك. # فإذا علموا (3) أن الله تعالى خالق الأعمال لهم والباعث عليها والموفق ~~لها والمهيئ لأسبابها، ثم المتفضل بالقبول لها والتضعيف لآحادها بعشر (4) ~~أمثالها PageV01P397 # # إلى ما فوق ذلك، شغلوا أنفسهم بمقام الشكر ودوام الذكر وصلة الدعاء، ~~واندرأ عنهم ms176 العجب بالعمل والإدلال بالصلاح. # وكيف يصح أن يعتقد المسكين منا أن عمله القليل ينجيه وهو وعمله ليس إليه ~~منه شيء، بل ذلك كله بيد الله تعالى. # وهذا هو معنى قول القائل لا حول ولا قوة إلا بالله. # PageV01P398 # ### | معنى قوله - عليه السلام -: إلا أن يتغمدني الله برحمته # وأما قوله - عليه السلام -: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» فله ~~عندنا أيضا معنيان: # أحدهما: إن الأنبياء صلوات الله عليهم ينزلون في تعليم من بعثوا إلى ~~تعليمهم وإرشادهم إلى المقام الذي يليق بهم، فيدخلون أنفسهم معهم في ~~أوصافهم، كما قال النبي - عليه السلام - لمن قال: يحل الله لرسوله ما شاء: ~~«أما والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده» (1). # وكان بعض شيوخ (ق.79.أ) الصوفية إذا أمر بعض تلامذته بنوع من الرياضة ~~(أخذ يعمل مثل عمله حتى يظن المريد أن الشيخ محتاج إلى تلك PageV01P399 # # الرياضة) (1)، فيجتهد في العمل بسببه، وإنما يبعث الشيخ على العمل كونه ~~يرى أنه (2) إذا لم يدخل نفسه معه في الرياضة لاستغنائه عنها (3)، فقد ~~يعتقد المريد في نفسه أنه أيضا (4) قد استغنى عنها فيترك العمل، ويكون ذلك ~~سبب حرمانه عن المقام الذي يرقيه الشيخ له (5). # والمعنى (6) الثاني: إن النبي - عليه السلام - يعلم أن الله تعالى قد ~~تغمده برحمته وأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لكنه مطلوب ~~بالاستكانة والخضوع وإبقاء رسم العبودية، ولذلك يقول: «وإذا أردت بالناس ~~فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» (7). PageV01P400 # # وهو - عليه السلام - يعلم أنه لا يفتن. # ولهذا كان يكثر من الدعاء حتى قال - صلى الله عليه وسلم - عند وفاته: ~~«اللهم الرفيق الأعلى» (1)، وهو يعلم أن ذلك هو مكانه، فإنه - عليه السلام ~~- يقول: «ثم سلوا لي PageV01P401 # # الوسيلة فإنها درجة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن ~~أكون أنا هو» (1). # ولذلك لما (2) سئل - صلى الله عليه وسلم - عن كثرة عمله مع كونه مغفورا ~~له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال: «أفلا أكون عبدا شكورا» (3)، إعلاما منه ~~بالتواضع في مقام الخدمة ومواظبة الطاعة، وذلك هو ms177 معنى الشكر الذي يليق ~~بالعبودية، وقد سمى الله تعالى في كتابه العمل شكرا، فقال: اعملوا آل داود ~~شكرا. PageV01P402 # # وقد كان النبي صلى الله عليه (1) في أول مبعثه بمكة لما خير بين أن يكون ~~نبيا ملكا أو نبيا عبدا، وأشار إليه جبريل - عليه السلام - بأن تواضع، قال: ~~«بل نبيا عبدا» (2). # فأعطاه الله تعالى بتواضعه الملك والسيف حتى أورث ذلك أمته. # فزاد تواضعه صلوات الله عليه (3) بعد فتح مكة عليه وعلمه (4) بالمغفرة ~~المطلقة له بالعمل الدائم على جهة الشكر لله تعالى كما تقدم، وبقي على ذلك ~~مدة حياته - صلى الله عليه وسلم -. PageV01P403 # # نقل اللفظ # قال الحميدي: فإن قيل: فقد يجازون بما فضل لهم من الشر على ما مع كل امرئ ~~منهم من الخير، ويسقط لكل واحد منهم مما عمل من المعاصي ما قابل ما معه من ~~الخير، فلا شك في أنه قد سقط كل خير عمل من تصديق ومن سائر الأعمال كما سقط ~~ما قابل ذلك الخير من معاصيه فكيف تراعى له المقادير المذكورة من مثقال برة ~~وشعيرة وخردلة وغير ذلك؟. # قلنا وبالله تعالى التوفيق: إنه بقي له أنه قد عمل خيرا فتفضل الله عز ~~وجل عليهم (ق.79.ب) بأن جعلهم عملوا خيرا، وبأنهم تفاضلوا فيما عملوا من ~~الخير سببا إلى قبول الشفاعة فيهم، وإلى تقدمهم في إخراجهم من النار على ~~مراتب ما كان لكل واحد منهم من عمل الخير جملة فقط. # وأخر (1) تعالى من لم يعمل خيرا قط غير التصديق بدين الإسلام والنطق به ~~مرة فقط، فلم يجعل له حظا في الشفاعة ولا في التقدم (2) في الخروج من ~~النار. PageV01P404 # # وتوحد هو عز وجل بإخراجه من النار بعد كل من يخرج منها. # قال أبو عبد الله: كل ما ذكرنا فهو منطو بجملته في الحديث الذي صدرنا به ~~وخارج منه (1) نصا، وهذه جوامع الكلم (2) التي أوتيها - عليه السلام -، وهي ~~اقتضاء الكلام القليل للمعاني الكثيرة. # والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى جميع أنبيائه وسلم ~~تسليما. PageV01P405 # # فصل # هذا السؤال والاعتراض إنما يلزم الحميدي ms178 الذي يقول إن التصديق الذي هو ~~الإيمان يوزن ويسقط بالمعاصي كما يسقط سائر الأعمال. # ونحن لا يلزمنا ذلك فإنا نقول: إن الإيمان لا يصح أن يوزن كما قررناه ~~قبل، وإذا لم يوزن كان مراعاة المقادير بحسب قوته وضعفه. # والاعتراض صحيح على الحميدي ولم ينفصل عنه، فإن قوله في الجواب: (إنه بقي ~~له أنه قد عمل خيرا) كلام غير صحيح، فأي خير بقي له وهو قد سقط بالشر على ~~زعمه. # وإذا سقط فكيف تراعى له المقادير ولا ينجيه من ذلك قوله: (فتفضل الله ~~عليهم بأن جعلهم عملوا خيرا وبأنهم تفاضلوا في ما عملوا من الخير سببا إلى ~~قبول الشفاعة فيهم) لأن الذي تفضل الله عليهم به على مذهبه قد ذهب فلم يبق ~~منه شيء إلا بالتوهم المحض، فلا معنى لتقدير مازال واضمحل. # ولو لم يكن على أن الإيمان لا يوزن دليل سوى هذا الاعتراض الذي اعترض به ~~الحميدي على نفسه لكان كافيا، فكيف وقد قدمنا في ذلك بحمد الله ما فيه مقنع ~~وشفاء. # وقول الحميدي: (كل ما ذكرنا فهو منطو بجملته في الحديث الذي صدرنا به ~~وخارج منه نصا) ليس كذلك، فمتى كان في ذلك الحديث أن الأنبياء والكفار لا ~~بد لهم من الموازنة، وأن الإيمان يوزن مع الأعمال، وأن # PageV01P406 # # الأكثر شرا (1) يقدم في دخول النار على الأقل شرا أو يضاعف عذابه، وأن ~~الطبقات التي جعلها أربعا متساوية في درجات الجنة، وأن لكل امرئ منهم مثل ~~الدنيا وما فيها عشر مرات، إلى غير ذلك مما نبهنا عليه في موضعه. # وهذا هو آخر الكتاب الذي صنفه أبو عبد الله الحميدي رحمه الله فيما قصده ~~من الموازنة وتقسيم (ق.80.أ) أهلها، وقد أتينا في كلامنا الذي وصلناه ~~بكلامه فيه من التتميم والانتقاد وإبراز الصواب بما في (2) وسعنا مما ~~فهمناه من الشرع، مع أن الكلام في ذلك عسير، لأنه في الجملة مغيب عنا، ~~وإنما تنكشف حقيقته يوم تبلى السرائر، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعا في ~~ذلك اليوم من الفائزين، ويحشرنا معا في زمرة عباده ms179 الصالحين بمنه. ~~PageV01P407 # # بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى (1) الله على (2) محمد وآله وصحبه (3) وسلم ~~تسليما. # قال القاضي أبو طالب عقيل بن عطية القضاعي (4) وفقه الله: # وإذ (5) فرغنا من الكلام على كتاب الحميدي رحمه الله (6) فلنشرع في ذكر ~~(7) ### | القسمين اللذين استدركناهما عليه # وذكرناهما في صدر كتابنا هذا، وهما: # - حكم المجانين ومن سمينا معهم. # - وحكم الجن في موازنتهم. # ونحن إن شاء الله نتكلم فيها على (وجه الاختراع للقول ودليله، بحسب نظرنا ~~فيما تلقيناه من الشريعة، ونورد) (8) ذلك بمبلغ الوسع على غاية التنقيح ~~والتحقيق حتى يكون الكلام الذي أودعناه فيه مستقلا بنفسه. PageV01P408 # # على أن الخوض في المعاني المتعلقة بذلك لإبراز الحق فيه عويص المأخذ، ~~عسير المدرك، لكونه غير مسلوك، إذ لا نعلم أحدا (1) سبقنا إلى الكلام فيما ~~تضمنه القسمان المذكوران على نحو الغرض الذي سلكناه فيهما، حاشى الأطفال، ~~فإن الكلام فيهم موجود للعلماء، حسبما يأتي ذلك في موضعه. # وقد رأينا أن نقدم هذا القسم لتتميم الكلام في بني آدم، ثم نعقبه بذكر ~~الجن إن شاء الله، فنقول والله الموفق للصواب: PageV01P409 # ### | القسم الأول: فيمن لم يلزمه التكليف # هذا القسم يشتمل على أربعة أبواب: # - باب في المجانين. # - وباب في أهل الفترة. # - وباب في من لم تبلغه الدعوة. # - وباب في الصبيان والأطفال. # PageV01P410 # ### | الباب الأول: في حكم المجانين # المجانين هم الذين عدموا العقل والتمييز، وهم على ضربين: # أحدهما: من به جنون مطبق لا يصحو منه ساعة، فهذا غير مخاطب، لأنه لا ~~يتأتى (1) له فهم الخطاب بحال، ومن لا يتأتى له فهم الخطاب ولا العلم ~~بمواقع الكلام لعدم العقل فتكليفه العمل بالشرائع محال. (ق.80.ب) # الضرب الثاني: المجانين الذين يصحون في بعض الأوقات، فهؤلاء مخاطبون (2) ~~في حين صحوهم وفهمهم للخطاب، ثم يسقط عنهم في حين جنونهم، لوجود شرط ~~التكليف الذي هو العقل في وقت صحوهم، وعدمه في وقت جنونهم. # قال رسول الله صلى الله (عليه وسلم: «رفع القلم عن) (3) ثلاثة: عن النائم ~~حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق» (4). PageV01P411 # # ونزيد ما قلناه بيانا فنقول: الضرب الذي به ms180 الجنون المطبق لا يخلو ~~مجانينه من أمرين: إما أن يجن أحدهم قبل البلوغ، وإما أن يجن بعد البلوغ. # فأما من جن قبل البلوغ وبقي كذلك بعد البلوغ إلى أن مات فلا يخلو أن يكون ~~ولد بين أبوين مؤمنين أو أبوين كافرين. # فإن كان ولد بين أبوين مسلمين فحكمه حكمهما في الدنيا والآخرة، غير أنه ~~لا يحاسب لكونه غير مكلف، ولا يعذب لكونه غير مذنب، وإذا لم يعذب فلا يكون ~~في النار أصلا، لأن النار إنما تدخل على وجه العقاب، وهذا لا عقوبة عليه. # وإذا لم يدخل النار فهو في الجنة، إذ ليس في الآخرة موضع استقرار حاشى ~~هاتين الدارين، فمن لم يكن في إحداهما لزم أن يكون في الأخرى. # وإن كان الذي جن قبل البلوغ ولد بين أبوين كافرين فحكمه حكم صبيان أهل ~~الشرك، لأنه جن قبل بلوغه وهو صبي، وبقي كذلك بعد البلوغ إلى أن مات، ~~وسيأتي الكلام على حكم صبيان المشركين في الآخرة في الباب الرابع بحول ~~الله. # وأما من جن بعد أن لزمه التكليف بالبلوغ وبقي كذلك إلى أن مات فلا يخلو ~~أن يكون قبل جنونه مؤمنا أو كافرا: # PageV01P412 # # - فإن كان مؤمنا حشر مع المؤمنين، وكان مطلوبا في حين إيمانه ولزوم ~~التكليف له قبل الجنون بما يطلب به سائر المؤمنين من امتثال الأوامر ~~واجتناب النواهي، ويتبع ذلك الطلب في الآخرة بما يطلب به سائر المؤمنين ~~أيضا من الحساب والقصاص والموازنة ثم يكون مآله في (1) الجنة. # - وإن كان كافرا حشر مع الكفار، وكان مطلوبا في حال كفره ولزوم التكليف ~~له قبل الجنون بما يطلب به سائر الكفار ويتبع ذلك العقوبة والتخليد في ~~النار، لأن الجنون إنما نزل به بعد أن كان بالغا كافرا، فإذا سقط عنه الإثم ~~في حال الجنون بارتفاع القلم عنه بقي عليه الإثم الذي لزمه من الكفر قبل ~~الجنون، فكان مطلوبا به، وكان حكمه حكم الكفار. # إذ لا فرق بعد لزوم التكليف له بين أن يخترم بالمنية، أو يطرأ عليه ~~الجنون المطبق الذي لا يفيق ms181 منه مدة حياته. # وهكذا (ق.81.أ) القول في المجانين الذين يصحون في بعض الأوقات من ~~البالغين، فإنهم إن كانوا في حال صحوهم مؤمنين فهم مؤمنون، وإن كانوا كفارا ~~فهم كفار، ودخولهم الجنة أو النار تابع لحكم الإيمان والكفر. PageV01P413 # ### | الباب الثاني: في حكم أهل الفترة # وأهل (1) الفترة هم الناس الذين يكونون بين أزمنة الرسل، كما بين زمن ~~عيسى ومحمد صلى الله عليهما (وسلم) (2)، إذ لم يكن بينهما رسول إلى الخلق، ~~قال الله تعالى: {ياأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من ~~الرسل} [المائدة: 19]. # وقال نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -: «أنا أولى الناس بعيسى بن مريم، ~~الأنبياء أولاد علات، وليس بيني وبين عيسى نبي» (3). # وإذا ثبت هذا، فكل من كان بينهما من الأمم الذين لم يبعث إليهم عيسى - ~~عليه السلام - لا يلزمهم التكليف، إذ لا خطاب، وإذا لم يخاطبوا بالشريعة ~~ولا لزمهم التكليف فهم غير معاقبين ولا معذبين. PageV01P414 # # قال الله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15]. وقال ~~سبحانه: {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا ~~وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} [القصص: 59]. # فأخبر أن العذاب وإهلاك الخلق لا يكون إلا بعد بعث الرسل وإقامة الحجة ~~على المرسل إليهم بتبليغ (1) الرسالة لهم (2)، وهو معنى قوله: {يتلو عليهم ~~آياتنا} ... [القصص: 59]، فمن لم يؤمن بها حينئذ فقد استحق أن يسمى ظالما، ~~وإذا كان ظالما استحق الإهلاك والعذاب. # كما أن من لم يبعث إليه رسول في الدنيا لم يلزمه تكليف كما تقدم. # وإذا لم يلزمه تكليف لم يستحق العذاب، على أنه قد جاء عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - (3) في هذا الباب أحاديث يجب التنبيه عليها. # ذكر البزار من حديث الأسود بن سريع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (4) ~~قال: «يعرض على الله تعالى الأصم الذي لا يسمع شيئا والأحمق والهرم ورجل ~~مات في الفترة، فيقول الأصم: رب جاء الإسلام وما أسمع شيئا، ويقول الأحمق: ~~رب جاء الإسلام وما أعقل شيئا، ويقول الذي مات في ms182 الفترة: PageV01P415 # # رب ما أتاني لك من رسول، قال: فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه (1)، فيرسل الله ~~تعالى إليهم: ادخلوا النار، فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا ~~وسلاما» (2). PageV01P416 # # وذكر نحوه من حديث أبي هريرة وزاد في آخره: ومن لم يدخلها دخل النار. # وذكر ابن سنجر (1) من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في الهالك في الفترة والمعتوه والمولود، قال: «يقول ~~الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب (ق.81.ب) ولا رسول ثم تلا: {ولو أنا ~~أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا} [طه: 134] إلى ~~آخر الآية، ويقول المعتوه: رب لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا. ويقول ~~المولود: رب لم أدرك العقل. قال: فترفع لهم نار، فيقال ردوها وادخلوها. ~~قال: فيردها أو يدخلها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل، ويمسك عنها ~~من كان في علم الله شقيا لو أدرك العمل قال: فيقول الله عز وجل: إياي عصيتم ~~فكيف رسلي لو أتتكم». PageV01P417 # # وهذا الحديث ذكره أبو عمر بن عبد البر في التمهيد (1)، وقال: من الناس من ~~يوقفه على أبي سعيد ولا يرفعه، وذكر من طريق فيه لين عن أنس ابن مالك قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يؤتى يوم القيامة بأربعة: بالمولود ~~وبالمعتوه وبمن مات في الفترة وبالشيخ الفاني الهرم (2) كلهم يتكلم بحجته، ~~فيقول الرب تبارك وتعالى لعين من جهنم: ابرزي، ويقول لهم: إني كنت أبعث إلى ~~عبادي رسلا من أنفسهم وإني رسول نفسي إليكم، قال فيقول لهم: ادخلوا هذه. ~~فيقول من كتب عليه الشقاء: يا رب أنى ندخلها ومنها كنا نفر. قال: وأما من ~~كتب له السعادة فيمضي فيقتحم فيها. فيقول الرب تبارك وتعالى: قد عاينتموني ~~فعصيتموني، وأنتم لرسلي أشد تكذيبا ومعصية، فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء ~~النار». # وذكر أبو عمر نحو ذلك من حديث معاذ بن جبل، ولم يذكر حديث الأسود بن ~~سريع، لكنه قال (3): قد روي هذا المعنى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~حديث الأسود ms183 بن سريع (4) وأبي هريرة وثوبان بأسانيد صالحة من أسانيد ~~الشيوخ، وليس في شيء منها ذكر المولود، وإنما فيها ذكر أربعة كلهم يوم ~~القيامة يدلي بحجته (5): رجل أصم أبكم ورجل أحمق ورجل مات في الفترة ورجل ~~هرم. PageV01P418 # # ثم قال أبو عمر (1): جملة القول في أحاديث هذا الباب أنها من أحاديث ~~الشيوخ، وفيها علل، وليست من أحاديث الأئمة، والقطع في هذا الباب بمثل هذه ~~الأحاديث ضعيف في النظر، مع أنه قد عارضها ما هو أقوى مجيئا منها. # ذكر ابن عبد البر هذا في باب أبي الزناد من التمهيد عندما تكلم على ~~الصبيان في قوله - عليه السلام -: «كل مولود يولد على الفطرة». # ونحن لم نذكر هذه الأحاديث إلا ليقف عليها الناظر ويعلم أنا لم نغفل ~~ذكرها فيكون كلامنا على حكم من سمي فيها من أهل الفترة وغيرهم بعد إيرادها ~~لئلا يعترض معترض بها، ويعتقد أنا لم نقف عليها. # وإذ تقدم ذكرها والتنبيه على ما لم نذكر منها، فنقول: إن قاعدة الشرع ~~(ق82.أ) ترد هذه الأحاديث من وجهين: # أحدهما: نص القرآن في قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ~~[الإسراء: 15]، وما كان مثله. # فإن الله تعالى أخبر فيه بأن العذاب إنما يقع على من قامت عليه الحجة في ~~الدنيا ببعث الرسل إليهم. # والذين ذكروا في الأحاديث المتقدمة فيهم من لم تقم عليه الحجة لعدم ~~الشرع، وفيهم من لا تقوم عليه الحجة أصلا وإن كانت الشريعة قائمة وهو ~~المولود والأحمق. # فإن العقل الذي يتأتى به فهم الخطاب شرط في التكليف، كما تقرر ~~PageV01P419 # # في الأصول، وذلك منتف في المولود والأحمق، نعم وفي الأصم الأبكم، لاسيما ~~إذا اتفق أن يكون مع ذلك أعمى، إذ لا طريق له إلى فهم شيء لا بإشارة ولا ~~بغيرها. # الثاني: إن الآخرة ليست دار تكليف، وإنما هي دار جزاء على ما ترتب على ~~التكليف من العمل في الدنيا. # وإنما لم تكن الآخرة دار تكليف لكونها محل المعاينة وموضع الكشف للأمور ~~التي كانت مطلوبة بالإيمان في الدنيا، من حيث كان الإيمان بالغيب ms184 مقصودا من ~~الشرع، ولذلك أثنى الله تعالى على المؤمنين به. # وإذا كان آخر الزمان وظهر بعض الآيات المؤذنة بقرب الساعة مثل طلوع الشمس ~~من مغربها لا ينفع نفسا إيمانها حينئذ، فكيف ينفع ذلك في نفس الآخرة وقد حق ~~الثواب والعقاب على المؤمن والكافر معاينة، نعم وفي الدنيا نفسها لم ينفع ~~الأمم السالفة إيمانهم عند معاينة العذاب. # قال الله تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزئون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا ~~به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في ~~عباده وخسر هنالك الكافرون} [غافر: 83]. # فأخبر سبحانه أن الأمم الذين لم يؤمنوا برسلهم قبل معاينة العذاب لم ~~ينفعهم الإيمان بما جاؤوهم به عند معاينة العذاب، وأن ذلك هو سنته # PageV01P420 # # المطردة في عباده، ولم يستثن من ذلك أمة إلا قوم يونس، فإنه لما ذكر ~~فرعون وأخبر عنه أنه لم ينفعه إيمانه عند المعاينة بقوله تعالى: {فلما ~~أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من ~~المسلمين} [يونس: 90]. # فرد عليه (1) قوله وقيل له: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} [يونس: ~~91] # مضى سبحانه في الكلام إلى قوله: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ~~ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم}. ثم قال: {فلولا كانت قرية آمنت ~~فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة ~~الدنيا ومتعناهم إلى حين} [يونس: 96]. # فاستثنى قوم يونس ممن لم ينفعه إيمانه، وأخبر أن قوم يونس لما آمنوا أزال ~~عنهم العذاب الذي كان ينزل بهم لولا الإيمان. # ويشبه أن يكون إيمان قوم يونس كان عندما شعروا بالعذاب ورأوا مخائله، ~~فبادروا حينئذ إلى الإيمان (2) قبل المعاينة التي تكون معها مباشرة العذاب. ms185 # وإنما قلنا هذا التأويل لتبقى لنا الآيات المتقدمة محفوظة على ظاهرها من ~~عدم الانتفاع بالإيمان عند معاينة البأس والعذاب، إذ أعلمنا تعالى بأن ذلك ~~سنته في عباده. PageV01P421 # # وهكذا جاء في شرعنا أيضا، فإن الإيمان والتوبة لا ينتفع المكلف منا بهما ~~عند المعاينة للموت في حين الغرغرة والحشرجة، وذلك كله باب مطرد، لأن ~~معاينة الموت في هذه الشريعة يتنزل منزلة معاينة العذاب للأمم الخالية. # فإذا تقرر بما تقدم أن الإيمان لا ينفع في الدنيا عند المعاينة فكيف ينفع ~~ذلك في الآخرة عند المعاينة التامة المحيطة بكل كشف وبيان حتى يستوي في ~~إدراك ما هنالك جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم. # وقد أخبر الله تعالى أن الكفار لا يقبل منهم شيء في الآخرة فقال: {إن ~~الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم ~~القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم} [المائدة: 36]. # وقال سبحانه: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء ~~الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين} [آل ~~عمران: 91]. # وكذلك أخبر الله تعالى في المنافقين أنه لا يقبل منهم شيء، إذ ذكر ~~مخاطبتهم للمؤمنين بقوله: {ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم ~~أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله ~~الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي ~~مولاكم وبئس المصير} [الحديد: 14]. # ولعلم الكفار أنه لا ينفعهم الإيمان في الآخرة تمنوا الرجوع إلى الدنيا ~~ليؤمنوا فيها قال الله تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا ~~نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} [الأنعام: 27]. # PageV01P422 # # وإذا ثبت أن الكفار والمنافقين لا ينفعهم هنالك إيمان، ولا يقبل منهم ما ~~عسى أن يفتدوا به، وأن المذنبين من المؤمنين لا تتأتى لهم هنالك توبة تسقط ~~بها الذنوب عنهم. # فكيف تصح تلك الأحاديث الموجبة على من لم يلزمه التكليف في الدنيا ~~التكليف في الآخرة، حتى يلزم قوما عن ذلك ms186 التكليف الثواب بدخول الجنة ~~لامتثال الأمر، ويلزم آخرين العقاب بدخول النار المخلد فيها أهل الكفر، ~~لتوقفهم عن امتثال الأمر، إذ جميعهم مأمور باقتحام النار التي تجعل لهم على ~~وجه الامتحان، وذلك هو معنى التكليف، وقد صح أن لا تكليف في الآخرة. # وإذا اندرأت تلك الأحاديث بمجموع ما ذكرناه مع كونها ليست بالصحيحة في ~~أسانيدها، فنرجع إلى قاعدة الشرع. # فنقول: إن التكليف غير لازم لأهل الفترة، إذ لا خطاب عندهم، لعدم الرسل ~~إليهم، والتكليف قد ثبت أنه لا يلزم إلا من قامت الحجة عليه والإنذار له. # وإذا لم يكونوا مكلفين لم يلزمهم عذاب في الآخرة، وإذا لم يكونوا معذبين ~~فلا يدخلون النار يوم القيامة أصلا، لأن دخول النار إنما هو جزاء بالعذاب ~~على الكفر والمعاصي، وأهل الفترة لا كفر عندهم لعدم إقامة الحجة عليهم، ~~وإذا لم يدخلوا النار دخلوا الجنة، لأنهم باقون على أصل الفطرة وداخلون في ~~آية عهد الذر، حيث قال الله لبني آدم: {ألست بربكم قالوا بلى} [الأعراف: ~~172]. # وأيضا فقد قلنا إنه ليس في القيامة موضع استقرار حاشى هاتين # PageV01P423 # # الدارين، فمن لم يكن في إحداهما لزم أن يكون في الأخرى. # هذا قولنا في أهل الفترة على الجملة، وبقي لنا فيهم تفصيل أوجبه علينا ~~ورود أحاديث صحيحة بتعذيب بعض من كان في الفترة كقوله - عليه السلام -: ~~«رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار» (1). # وكقوله: «رأيت صاحب المحجن في النار وهو الذي كان يسرق الحاج بمحجنه، ~~فإذا فطن له قال إنما تعلق بمحجني» (2). # وكقوله - عليه السلام - للسائل: «إن أبي وأباك في النار» (3). # ومن هذا الباب كون النبي - صلى الله عليه وسلم - (4) سأل ربه في زيارة ~~قبر أمه والاستغفار لها فأذن له في زيارتها ولم يأذن له في الاستغفار لها ~~(5). PageV01P424 # # ولنا في الجواب عن هذه الأحاديث وما كان مثلها طرق: # أحدها: إن المسألة التي نحن بصددها قطعية، إذ دلت قواطع الشرع على أن ~~العذاب لا يكون لمن لم تقم عليه الحجة وأهل الفترة لم تقم عليهم الحجة ~~أصلا. (ق.83.ب) # فأخبار الآحاد ms187 الواردة بتعذيبهم وإن صحت غير مفيدة في ذلك (1). # الثاني: أن نقصر العذاب على من ورد (عليه فنقول: كل من كان من أهل الفترة ~~فلاعذاب عليه، إلا من جاء) (2) النص في حقه بأنه يعذب (من أهل الفترة) (3)، ~~(فنقصر ذلك عليه) (4) كعمرو بن لحي، فإنا نقول: إنه من أهل النار لإخبار ~~الشرع عنه بذلك من غير أن نلتزم (5) معرفة السبب فيه، ولا نقول ذلك في غيره ~~من أهل الفترة إلا من جاء النص أيضا فيه بعينه فنقف عنده. # الثالث: أن نقسم أهل الفترة تقسيما نثبت به (6) فيهم قسما تحمل تلك ~~الأحاديث عليه، على وجه يليق به ويتمكن فيه، فنقول: PageV01P425 # ### | أقسام أهل الفترة # ) (1) # إنهم ينقسمون إلى أربعة أقسام: ### | القسم الأول: قوم أدركوا الحق ببصيرتهم ووحدوا الله تعالى في جاهليتهم # ، وأقروا بالبعث من غير أن يكونوا متبعين لشريعة من تقدمهم كقس (2) بن ~~ساعدة، فحديثه في ذلك مشهور وخطبته بسوق عكاظ مشهورة (3) محفوظة. (4) ~~PageV01P426 # # وقد روي أن النبي - عليه السلام - سمعها منه حينئذ، وذلك قبل المبعث (1)، ~~وجاء عنه - عليه السلام - من بعض الطرق: «إنه يبعث أمة وحده» (2). # وصح عن النبي - عليه السلام - أنه قال ذلك في زيد بن عمرو بن نفيل (3)، # ولم يدخل زيد في اليهودية ولا في النصرانية، وإنما كان موحدا يطلب دين ~~إبراهيم - عليه السلام -. PageV01P427 # # ذكر ابن إسحاق في السير (1) أن قريشا اجتمعت يوما في عيد لهم عند صنم من ~~أصنامهم كانوا يعظمونه وينحرون له ويعكفون عنده ويديرون به، وكان ذلك عيدا ~~لهم في كل سنة يوما، فخلص منهم أربعة نفر نجيا، ثم قال بعضهم لبعض: تصادقوا ~~وليكتم بعضكم على بعض، قالوا: أجل، وهم ورقة PageV01P428 # # ابن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد ~~العزى بن قصي، وعبيد الله بن جحش بن رياب حليف بني أمية بن عبد شمس، وكانت ~~أمه أميمة بنت عبد المطلب، وزيد بن عمرو بن نفيل. # فقال بعضهم لبعض: تعلموا والله ما قومكم على شيء، لقد أخطأوا دين أبيهم ~~إبراهيم، ما حجر نطيف ms188 به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع، يا قوم ~~التمسوا لأنفسكم، فإنكم والله ما أنتم على شيء، فتفرقوا في البلدان يلتمسون ~~الحنيفية دين إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -. # فأما ورقة بن نوفل (1) فاستحكم في النصرانية واتبع الكتب من أهلها حتى ~~علم علما من أهل الكتاب. # وأما عبيد الله بن جحش (2) فأقام على ما هو عليه من الالتباس (ق84.أ) حتى ~~أسلم ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان ~~مسلمة، فلما قدمها تنصر وفارق الإسلام حتى هلك هنالك نصرانيا. # وأما عثمان بن الحويرث (3) فقدم على قيصر ملك الروم فتنصر وحسنت منزلته ~~عنده. # وأما زيد بن عمرو بن نفيل (4) فوقف فلم يدخل في يهودية ولا نصرانية، ~~وفارق دين قومه فاعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تذبح ~~PageV01P429 # # على الأوثان ونهى عن قتل الموءودة، وقال: أعبد رب إبراهيم، وبادأ قومه ~~بعيب ما هم عليه. # وقال زيد في ذلك (1): # أربا واحدا أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور # عزلت اللات والعزى جميعا ... كذلك يفعل الجلد الصبور # فلا عزى أدين ولا ابنتيها ... ولا صنمي بني عمرو أزور # ولا غنما (2) أدين وكان ربا ... لنا في الدهر إذ حلمي يسير # ولكن أعبد الرحمن ربي ... ليغفر ذنبي الرب الغفور # فتقوى الله ربكم احفظوها ... متى ما تحفظوها لا تبور # ترى الأبرار دارهم جنان ... وللكفار حامية سعير # وخزي في الحياة وإن يموتوا ... يلاقوا ما تضيق به الصدور # وقال أيضا من أبيات أخر (3): # إلى الله أهدي مدحتي وثنائيا ... وقولا رصينا لا يني الدهر باقيا # إلى الملك الأعلى الذي ليس فوقه ... إله ولا رب يكون مدانيا # ألا أيها الإنسان إياك والردى ... فإنك لا تخفي من الله خافيا # وإياك لا تجعل مع الله غيره ... فإن سبيل الرشد أصبح باديا PageV01P430 # # حنانيك إن الجن كانت رجاءهم ... وأنت إلهي ربنا ورجائيا # رضيت بك اللهم ربا فلن أرى ... أدين إلها غيرك الله ثانيا # فرب العباد ألق سيبا ورحمة ... علي وبارك في بني وماليا # وقد اختصرنا شعر زيد هذا والذي قبله، وإنما ms189 سقناهما لكون كل واحد منهما ~~يدل على توحيده. (ق.84.ب) # قال ابن إسحاق (1): وكان الخطاب بن نفيل عم زيد وأخاه لأمه فعاتبه على ~~فراق دين قومه، وآذاه حتى أخرجه إلى أعلى مكة، فنزل حراء مقابل الكعبة ووكل ~~به الخطاب شبابا من شباب قريش وسفهاء من سفهائهم، فقال لهم: لا تتركوه يدخل ~~مكة، فكان لا يدخلها إلا سرا منهم فإذا علموا بذلك آذنوا به الخطاب فأخرجوه ~~وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم وأن يتابعه أحد منهم على فراقه. # قال: ثم خرج زيد يطلب دين إبراهيم ويسأل الرهبان والأحبار حتى بلغ الموصل ~~والجزيرة كلها، ثم أقبل فجال الشام كلها حتى انتهى إلى راهب بميفعة من أرض ~~البلقاء كان ينتهي إليه علم النصرانية فيما يزعمون، فسأله عن الحنيفية دين ~~إبراهيم فقال: إنك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، ولكن قد ~~أظلك زمان نبي يخرج من بلادك التي خرجت منها، يبعث بدين إبراهيم الحنيفية، ~~فالحق بها، فإنه مبعوث الآن هذا زمانه، وقد كان شام اليهودية والنصرانية ~~فلم يرض شيئا منهما، فخرج سريعا حين قال له ذلك الراهب ما قال يريد مكة، ~~حتى إذا توسط بلاد لخم عدوا عليه فقتلوه. PageV01P431 # # قال ابن إسحاق: وحدثت أن ابنه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعمر بن ~~الخطاب وهو ابن عمه قالا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنستغفر لزيد ~~بن عمرو؟ قال: «نعم، فإنه يبعث أمة وحده» (1). # فانظر إلى هؤلاء الأربعة كيف أدركوا بعقولهم في الجاهلية أن قومهم ليسوا ~~على شيء وأن الأوثان لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع ففارقوا ملة قومهم ~~حينئذ، ولا يبعد أن يكون في العرب من فعل ذلك ووحد الله تعالى من غير اتباع ~~شريعة، ولم ينقل إلينا حديثه. # وإذا صح لنا ذلك في واحد منهم ممن نقل إلينا أمره وهو قس بن ساعدة، فقد ~~صح لنا به وجود هذا القسم الأول، وأما الأربعة المذكورون ما عدا زيد بن ~~عمرو (فهم من أهل القسم الثاني الذي يأتي بعد ms190 هذا، وفيه نتكلم عن الثلاثة ~~منهم. # وأما زيد بن عمرو) (2) فقد زاد على قس بطلب دين إبراهيم واتباعه على قدر ~~وسعه، واستفراغ جهده، وإن لم تكن هنالك ملة قائمة، ومن أجل هذا جعلنا زيد ~~بن عمرو في هذا القسم. PageV01P432 # # وحديثه في اتباع دين إبراهيم صحيح، ذكر البخاري (1) عن ابن عمر أن زيد بن ~~عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه فلقي عالما من اليهود ~~فسأله عن دينهم (ق.85.أ) فقال: إني لعلي أن أدين دينكم فأخبرني، فقال: لا ~~تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. # قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا وأنى ~~أستطيعه، فهل تدلني على غيره؟، قال: ما أعلمه إلا أن تكون حنيفا، قال زيد: ~~وما الحنيف: قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا ~~الله. # فخرج زيد فلقي عالما من النصارى فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى ~~تأخذ بنصيبك من لعنة الله، قال: ما أفر إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة ~~الله ولا من غضبه شيئا أبدا، وأنى أستطيع، فهل تدلني على غيره؟ قال: ما ~~أعلمه إلا أن تكون حنيفا. قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن ~~يهوديا ولا نصرانيا، ولا يعبد إلا الله. # فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم خرج، فلما برز رفع يديه فقال: اللهم إني ~~أشهد أني على دين إبراهيم. # وذكر عن أسماء بنت أبي بكر قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما مسندا ~~ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش والله ما منكم على دين إبراهيم غيري، ~~وكان يحيي الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا PageV01P433 # # تقتلها أنا أكفيك مؤنتها فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها ~~إليك، وإن شئت كفيتك مؤنتها (1). # وذكر ابن إسحاق عن أسماء بنت أبي بكر نحوا من أول هذا الحديث، ولفظه: ~~قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل شيخا كبيرا مسندا ظهره إلى ms191 الكعبة وهو ~~يقول: يا معشر قريش، والذي نفس زيد بن عمرو بيده ما أصبح أحد منكم على دين ~~إبراهيم غيري، ثم يقول: اللهم لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك به، ~~ولكن لا أعلمه ثم يسجد على راحته (2). # قال ابن إسحاق (3): وحدثت عن بعض أهل زيد بن عمرو بن نفيل أن زيدا كان ~~إذا استقبل الكعبة داخل المسجد قال: لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا، عذت بما عاذ ~~به إبراهيم مستقبل الكعبة وهو قائم، إذ قال: أنفي لك عان راغم (4)، مهما ~~تجشمني فإني جاشم. PageV01P434 # # وذكر البخاري (1) عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقي زيد بن ~~عمرو بن نفيل بأسفل بلدح (2) قبل أن ينزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الوحي فقدمت إلى (3) النبي - صلى الله عليه وسلم - سفرة فأبى أن يأكل منها، ~~ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم ~~الله عليه. # وإن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله ~~وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الأرض ثم تذبحونها على غير اسم ~~الله، إنكارا (ق.85.ب) لذلك وإعظاما له (4). # فانظر إلى توفيق زيد بن عمرو رحمه الله في كل ما نسب إليه من الأفعال في ~~زمن الفترة كيف وافق في ذلك الشريعة التي جاء بها محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - فيحق أن يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - (5) بالاستغفار له، ~~ويقول: إنه يبعث أمة وحده، من حيث كان مؤمنا على دين إبراهيم وحده من بين ~~قومه قريش. # وذكر المسعودي زيد بن عمرو في كتاب (6)، وقال: إنه لما سار إلى الشام ~~فبحث (7) عن الدين سمته النصارى فمات بالشام، وقد تقدم لابن إسحاق خلاف ~~هذا، وهو أن لخما قتلوه ببلادهم. PageV01P435 # # وقد وجدنا من كان في الجاهلية على نحو مما كان عليه زيد بن عمرو، وهو أبو ~~قيس صرمة بن أبي أنس أخو بني عدي بن النجار، ذكره ابن إسحاق (1) وقال: كان ~~رجلا ترهب في الجاهلية ms192 ولبس المسوح وفارق الأوثان واغتسل من الجنابة وتطهر ~~من الحائض، وهم بالنصرانية ثم أمسك عنها، ودخل بيتا له فاتخذه (2) مسجدا، ~~لا يدخله عليه طامث ولا جنب، وقال: أعبد رب إبراهيم. # فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة أسلم فحسن إسلامه وهو ~~شيخ كبير، قال: وكان قوالا بالحق معظما لله في جاهليته، يقول في ذلك أشعارا ~~حسانا. # وذكر ابن إسحاق (3) بعضها. # فأبو قيس لو مات في الجاهلية لكان حكمه حكم زيد بن عمرو، وأما وقد عاش ~~حتى أسلم فهو من أهل هذه الملة. PageV01P436 # ### | القسم الثاني من أهل الفترة # قوم تدينوا بشريعة قائمة الرسوم مقررة الأحكام من الشرائع المتقدمة كمن ~~تهود أو تنصر في الجاهلية (1). # فأما من تهود فمثل تبع أبي كرب وقومه من حمير، فقد ذكر ابن إسحاق (2) أن ~~أبا كرب لما قدم المدينة في سفرة سافرها فقتل ابنه بها غيلة قاتل أهلها ~~وقصد لإخرابها وقطع نخلها، فمنعه حبران عالمان من أحبار اليهود من بني ~~قريظة، وقالا له: لا تفعل أيها الملك فإنه يحال بينك وبينها، ولم نأمن عليك ~~عاجل العقوبة فقال: ولم ذاك؟ قالا له: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحرم من ~~قريش تكون داره وقراره، فانتهى عن ذلك واتبعهما على دينهما. # وكان تبع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها، فحمل الحبرين معه إلى اليمن بعد أن ~~اجتاز بمكة فعظم البيت وطاف به ونحر عنده وحلق رأسه، وكان (ق86.أ) ذلك ~~بإشارة الحبرين له به، ثم كساه وأوصى بذلك ولاته من جرهم وأمرهم بتطهيره ~~وأن لا يقربوه دما ولا ميتة ولا مئلاة (3)، وهن المحايض، وجعل له بابا ~~ومفتاحا. PageV02P437 # # وكان تبع هذا أول من كسا البيت فيما يزعمون، فلما وصل إلى اليمن دعا قومه ~~إلى الدخول فيما دخل فيه فأبوا عليه حتى يحاكموه إلى النار التي كانت ~~باليمن، فلما فعلوا ذلك وأكلت النار الأوثان ومن حملها ولم تضر الحبرين ~~شيئا، أصفقت عند ذلك حمير على دينه، فمن هنالك كان أصل اليهودية باليمن، ~~وهذه القصة عن أبي كرب في السير أطول من ms193 هذا. # وذكر المسعودي (1) أن أسعد أبا كرب هذا آمن بالنبي - عليه السلام - قبل ~~مبعثه بسبع مائة عام وقال: # شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله بارئ النسم # فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عم # وأما من تنصر من أهل الفترة فمثل أهل نجران وغيرهم، قال ابن إسحاق (2) ~~عند ذكر ذي نواس: كان بنجران بقايا من أهل دين عيسى بن مريم على الإنجيل ~~أهل فضل واستقامة في دينهم لهم رأس يقال له عبد الله بن الثامر، وكان موقع ~~أصل ذلك الدين بنجران، وهي بأوسط أرض العرب في ذلك الزمان، وأهلها وسائر ~~العرب كلها أهل أوثان يعبدونها، أن رجلا من بقايا أهل ذلك الدين يقال له ~~فيميون وقع بين أظهرهم فحملهم عليه فدانوا به. PageV02P438 # # وذكر (1) عن وهب بن منبه أن فيميون كان من بقايا أهل دين عيسى ابن مريم - ~~عليه السلام -، وكان رجلا صالحا مجتهدا زاهدا في الدنيا مجاب الدعوة وكان ~~سائحا ينزل القرى، لا يعرف بقرية إلا خرج منها إلى قرية لا يعرف بها، وكان ~~لا يأكل إلا من كسب يده وكان بناءا يعمل الطين، وكان يعظم الآحاد، إذا كان ~~يوم الأحد لم يعمل فيه شيئا، وخرج إلى فلاة من الأرض فصلى فيها حتى يمسي. # وذكر قصة طويلة في حصوله بنجران، وأنه وجدهم على دين العرب يعبدون نخلة ~~طويلة بين أظهرهم وقال لهم فيميون: إنما أنتم في باطل، هذه النخلة لا تضر ~~ولا تنفع، ولو دعوت عليها إلاهي الذي أعبد لأهلكها، وهو الله وحده (2) لا ~~شريك له، وذكر أنه لما دعا عليها أرسل الله عليها ريحا فجعفتها من أصلها ~~فألقتها، فاتبعه عند ذلك أهل نجران على دينه فحملهم على الشريعة من دين ~~عيسى بن مريم (ق.86.ب) - عليه السلام -، ثم دخلت عليهم الأحداث التي دخلت ~~على أهل دينهم بكل أرض، فمن هنالك كانت النصرانية بنجران في أرض العرب. # وذكر ابن إسحاق طريقا آخر في قصة أهل نجران، وقال في آخر ذلك (3): # واستجمع أهل نجران على دين عبد الله بن ms194 الثامر، وكان على ما جاء به عيسى ~~من الإنجيل وحكمه. PageV02P439 # # ثم قال: فسار إليهم ذو نواس بجنوده فدعاهم إلى اليهودية وخيرهم بين ذلك ~~وبين القتل فاختاروا القتل، فخد لهم الأخدود، فحرق بالنار وقتل بالسيف ومثل ~~بهم، حتى قتل منهم قريبا من عشرين ألفا. # ففي ذي نواس وجنده ذلك أنزل الله تبارك وتعالى على رسوله محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -: {قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود} ~~[البروج: 5] إلى آخر الآيات. # فهؤلاء الذين ذكر ابن إسحاق من حمير الداخلين في دين اليهود ومن أهل ~~نجران الداخلين في دين النصارى كلهم من العرب، وليسوا من بني إسرائيل الذين ~~أرسل إليهم موسى وعيسى عليهما السلام. # إلا أن قول ابن إسحاق عن ذي نواس أنه خير أهل نجران بين اليهودية أو ~~القتل، فيه نظر، فإن اليهودية شريعة موسى، وهي قائمة لم تكن منسوخة، فلا ~~فرق بينها حينئذ وبين شريعة عيسى. # فكيف يصح ذلك القول والله تعالى يقول: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا ~~بالله العزيز الحميد} [البروج: 8]، واليهود ومن كان على دينهم حينئذ (1) ~~مؤمنون بالله. # وقد جاء في التفسير أن الذي حرق أصحاب الأخدود كان مشركا على اختلاف في ~~ذلك (2). PageV02P440 # # وفي قصة ذي نواس ذكر مكي في الهداية (1) عن الربيع بن أنس (2) قال: كان ~~أصحاب الأخدود قوما مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة وإن جبارا من عبدة ~~الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، ~~فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم فألقوا في النار، فنجى (3) ~~الله المؤمنين الذين ألقوا في النار عن (4) الحريق بأن قبض أرواحهم قبل أن ~~تمسهم النار. # قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم فذلك قوله: ~~{ولهم عذاب الحريق} [البروج: 10] أي في الدنيا، لأجل النار التي أحرقتهم ~~(5). # وقد روى صهيب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (6) حديثا طويلا في قصة ~~أصحاب الأخدود، خرجه مسلم (7)، إلا أنه ليس فيه تعيين دين الراهب، ولا دين ~~الغلام الذي دل على الراهب وكان ms195 على دينه، ولا دين الملك القاتل لهما ~~والمحرق بالنار لأصحاب الأخدود. PageV02P441 # # وقد يشبه أن يكون لقول ابن إسحاق في أن ذا نواس (ق.87.أ) دعاهم إلى ~~اليهودية وجه، وهو أن يكون ذو نواس على مذهب المجسمة من اليهود الذين ~~يقولون عزير ابن الله، ويد الله مغلولة، ويكون أهل نجران على مذهب فيميون ~~الذي نقل إليهم دين المسيح من غير تبديل ولا تغيير، فيصدق حينئذ على ~~الفريقين قوله تعالى: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله} [البروج: 8]. # ودين النصرانية كان الغالب على من تنبه من أهل الفترة إلى الإيمان بالله، ~~كأهل نجران الذين نزل فيمن وفد منهم (1) على النبي صلى الله عليه (2) قوله: ~~{الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون} [القصص: 52]. # وقوله: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون} [المائدة: 82]. # ومثل النجاشي وأصحابه الذين كانوا على دين النصرانية قبل الإسلام، وقد ~~قيل إن في وفدهم نزلت الآيات المتقدمة. # ومثل ورقة بن نوفل الأسدي أسد قريش، ورئاب الشني من عبد القيس، وبحيرا ~~الراهب، وكان من عبد القيس على ما ذكر المسعودي (3)، وهو الذي رأى النبي ~~صلى الله عليه وهو صغير عندما خرج به عمه أبو طالب إلى PageV02P442 # # الشام فأمره بالرجوع به إلى مكة سريعا وقال له: احذر عليه اليهود، فإنه ~~كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم (1). # وإنما احتجنا إلى نسبة هؤلاء إلى قبائلهم (2) مع ذكر قصة أبي كرب وقصة ~~أهل نجران لكونهم من العرب، وذكر النجاشي وأصحابه لكونهم من الحبشة، وكلا ~~الصنفين من أهل الفترة إذ ليسوا من بني إسرائيل المتوجه إليهم خطاب موسى ~~وعيسى عليهما السلام. # وإذا تقرر هذا فنقول: كل من دخل من أهل الفترة في شريعة من الشرائع من ~~قبل نفسه فقد لزمته وصار من أهلها، وإن لم يكن مخاطبا بها قبل ذلك، وإذا ~~لزمته فيحشر مع أهل تلك الشريعة ويسعه ما يسعهم من الثواب والعقاب. # والدليل على ذلك قصة أصحاب الأخدود من أهل نجران إذ كانوا من العرب، ~~وأخبر الله عنهم بأنهم مؤمنون، وأخبر عن وفدهم أو ms196 وفد الحبشة من أصحاب ~~النجاشي بأنهم {إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ~~PageV02P443 # # مما عرفوا من الحق} [المائدة: 83] ولا نبالي في أي الوفدين نزلت، إذ ~~كانوا جميعا على دين واحد. # ومن الدليل على ذلك أيضا قصة ورقة بن نوفل فإنه استحكم في النصرانية كما ~~قال ابن إسحاق (1). # وجاء في الحديث من قول عائشة: وكان ورقة امرءا تنصر في الجاهلية (2). # وجاء في حديث آخر عنها أنه - عليه السلام - رآه بعد موته في النوم وعليه ~~لباس بياض فاستدل بذلك على أنه في خير، إذ قال (ق.87.ب) صلى الله عليه (3): ~~«لو كان من أهل النار لكان عليه لباس غير ذلك» (4). PageV02P444 # # وورقة على النصرانية مات، فإنه لم يدرك بعث النبي - عليه السلام - فيؤمن ~~به، وإنما مات أول ما رأى النبي - عليه السلام - الملك وكلمه، وقال لخديجة: ~~«زملوني زملوني، فقال له ورقة إذ ذاك: هذا الناموس الأكبر الذي نزل الله ~~على موسى وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا» (1). # وفي هذا الحديث: «ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي». # وقولنا فيمن لزمته شريعة التزمها: إنه يحشر مع أهل تلك الشريعة ويكون له ~~حكمهم في الثواب والعقاب، إنما عنينا بذلك من مات في الفترة مثل ورقة ومن ~~جرى مجراه. # وأما من لحق الإسلام منهم فأسلم ومات على الإسلام فهو من أهل ملة محمد - ~~عليه السلام - مثل النجاشي رحمه الله، كما أن من أسلم منهم ثم ارتد عن ~~الإسلام إلى النصرانية ومات عليها، كعبيد الله بن جحش بن رياب، فهو مخلد في ~~النار، لتركه الدين الحنيفي الناسخ لجميع الأديان ورجوعه إلى دين منسوخ ~~بهذه الملة. # فلو مات عبيد الله بن جحش على النصرانية قبل ظهور الشريعة، لكان حكمه حكم ~~ورقة في إيمانه بشريعة غير منسوخة، وموته عليها، قبل ظهور الناسخ لها. ~~PageV02P445 # # وهكذا (1) حكم من قامت عليه الحجة بتقرير هذه الشريعة إذا لم يؤمن بها ~~فهو من أهل النار، كهرقل، إذ أرسل النبي - عليه السلام - إليه كتابه يدعوه ~~إلى الإسلام فظهر منه إنابة إليه ms197 على ما اقتضاه الحديث المروي عن أبي سفيان ~~في الصحيحين (2)، وليس فيه تصريح بإسلامه، فإن كان لم يؤمن بهذه الشريعة في ~~الباطن فهو من أهل النار وكذلك غيره من الكفار. # هذا حكمه بعد ظهور الشريعة إلى يوم القيامة بشرط بلوغ الدعوة له، قال صلى ~~الله عليه (3): «والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم ~~يؤمن بما أرسلت به إلا كان من أهل النار». (4) # وقد ظهر بما قلناه الحكم في ورقة وعبيد الله بن جحش، وتقدم ذكر زيد بن ~~عمرو بن نفيل في القسم الأول، وبقي من الأربعة المذكورين قبل هذا (5) عثمان ~~بن الحويرث، وليس عندنا من حديثه إلا ما قال ابن إسحاق (6) PageV02P446 # # من أنه قدم على قيصر فتنصر وحسنت منزلته عنده، فإن كان عثمان هذا قد توفي ~~قبل ظهور الإسلام فهو من أهل ذلك الدين في الثواب والعقاب، وإن كان بقي حتى ~~ظهر الإسلام وقامت الحجة على قيصر وأهل دينه وهو معهم على دينهم فهو مثلهم ~~في العناد والتكذيب (ق.88.أ) بالحق، والله أعلم. # PageV02P447 # ### | القسم الثالث من أهل الفترة # هذا القسم هو من تعرض منهم إلى تغيير الشرائع ومخالفة الأنبياء في ~~التوحيد أو اتبع غيره على ذلك كعمرو بن لحي (فقد جاء في الحديث الصحيح عن ~~أبي هريرة أن النبي - عليه السلام - قال: «رأيت عمرو بن لحي) (1) يجر قصبه ~~في النار»، وفيه أنه أول من سيب السوائب. # وذكر ابن إسحاق في السير (2) قال حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ~~أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول لأكثم بن الجون الخزاعي: «يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن ~~قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به، ولا بك ~~منه»، فقال أكثم: عسى أن يضرني شبهه بي يا رسول الله. قال: «لا، إنك مؤمن ~~وهو كافر، إنه كان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان (3)، وبحر ~~البحيرة، وسيب السائبة (4)، ووصل الوصيلة، وحمى ms198 الحامي» (5). PageV02P448 # # وهذا الحديث صحيح السند (1)، وفيه من لفظ النبي - عليه السلام - أن عمرو ~~بن لحي كافر وأنه أول من غير دين إسماعيل، وقد تبين بذلك علة كونه من أهل ~~النار. # وذكر وثيمة بن موسى (2) نحو هذا الحديث عن عكرمة مرسلا، وفيه عن النبي ~~صلى الله عليه أن عمرو بن لحي أول من غير الحنيفية دين إبراهيم، وأنه قال ~~لأكثم بن الجون: «أنت مسلم وهو كافر»، وسيأتي نص الحديث فيما بعد بحول الله ~~(3). # وروي عن عائشة أنها ذكرت حديث خسوف الشمس بطوله وقالت في آخره عن النبي - ~~عليه السلام - أن الجنة والنار عرضت عليه، قال: «فلم أر كاليوم في الخير ~~والشر. قالوا: يا رسول الله من رأيت فيها؟ قال: رأيت فيها عمرو بن لحي يجر ~~قصبه في النار، وهو أول من نقض عهد إبراهيم - عليه السلام - ونصب النصب ~~وسيب السوائب». # وهذا الحديث رويناه من طريق أبي العباس العذري، ومن خطه نقلناه، فإنه ذكر ~~بسنده عن عبد الله بن وهب قال حدثنا عبد الجبار عن يحيى بن سعيد عن عمرة ~~بنت عبد الرحمن عن عائشة، وساق الحديث. PageV02P449 # # وقد خرج مسلم حديث عائشة عن النبي - عليه السلام - في كسوف الشمس من طريق ~~آخر، وفيه: «ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا حين رأيتموني تأخرت، ورأيت ~~فيها عمرو بن لحي وهو الذي سيب السوائب» (1). # وتقدم في حديث ابن إسحاق أن النبي - عليه السلام - قال: «رأيت عمرو بن ~~لحي بن قمعة بن خندف». # وهكذا نسبه (ق.88.ب) النبي - عليه السلام - فيما خرجه البخاري (2) ومسلم ~~(3). # وزاد البخاري (4) عنه - عليه السلام - أنه أبو خزاعة. # وخندف هي امرأة من قضاعة وهي أم قمعة ومدركة وطابخة بني إلياس بن مضر، ~~ذكر ذلك ابن إسحاق (5) وقال: إن نساب مضر تزعم (6) أن خزاعة من ولد عمرو بن ~~لحي بن قمعة بن إلياس، وخزاعة تقول: نحن بنو عمرو بن عامر من اليمن. ~~PageV02P450 # # فمن قال بهذا القول الثاني الذي ذكر ابن إسحاق يقول خزاعة هم بنو عمرو بن ~~لحي، ولحي اسمه ربيعة بن حارثة بن ms199 عمرو بن عامر مزيقياء (1). # وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب الإنباه (2): اختلفوا في خزاعة بعد ~~إجماعهم على أنهم ولد عمرو بن لحي، وذكر عن ابن الكلبي قال عمرو بن لحي هو ~~أبو خزاعة كلها ومنه تفرقت. # قال: وولد عمرو كعبا بطن، ومليحا بطن، وعديا بطن، وعوفا بطن، وسعدا بطن. # ونسب ابن الكلبي عمرو بن لحي فقال: هو عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن ~~عامر. # قال: وإنما قيل لهم خزاعة، لأنهم تخزعوا من بني عمرو بن عامر، أي تخلفوا ~~عنهم وفارقوهم. وذكر أبو عمر عن أبي عبيدة نحوا من هذا، قال: خزاعة هم كعب ~~ومليح وسعد وعوف وعدي بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، وذكر عن ~~ابن إسحاق ومصعب الزبيري أن نسب خزاعة في مضر على ما تقدم من كونهم ولد ~~عمرو بن لحي بن قمعة بن إلياس بن مضر. # وذكر (3) أن من قال بهذا القول احتج بحديث ابن إسحاق المتقدم عن أبي ~~هريرة. PageV02P451 # # قال: وذكر مصعب الزبيري حديث أبي هريرة هذا دون إسناد، ثم قال (1): وما ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الحق، إن كان قاله. # وهذا الذي حكاه عن مصعب هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه في نسب خزاعة، فقد ~~صح عن النبي - عليه السلام - ذلك على ما تقدم. # ونرجع إلى ما كنا بسبيله، فنقول: # لما ذكر ابن إسحاق حديث أبي هريرة الذي تقدم أولا، أردف عليه ابن هشام ما ~~يؤكد معناه فقال (2): حدثني بعض أهل العلم أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى ~~الشام في بعض أموره، فلما قدم مئاب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق وهم ~~ولد عملاق، ويقال عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، رآهم يعبدون الأصنام فقال ~~لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ فقالوا له: هذه أصنام نعبدها ~~فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: أفلا تعطونني منها صنما ~~فأسير (3) به إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطوه صنما يقال له هبل، فقدم به ~~مكة، ms200 فنصبه وأمر الناس بعبادته (ق.89.أ) وتعظيمه. # وذكر المسعودي نحوا من هذا فإنه قال عند ذكر البيت في كتابه (4): ثم نشأ ~~عمرو بن لحي فساد قومه بمكة واستولى على أمر البيت، ثم سار إلى مدينة ~~البلقاء من أعمال دمشق من أرض الشام، فرأى قوما يعبدون الأصنام فسألهم ~~PageV02P452 # # عنها، فقالوا: هذه أرباب نتخذها نستنصرها فننصر ونستسقي فنسقى، وكل ما ~~نسأل نعطى. # فطلب منهم صنما فدفعوا إليه هبل فسار به إلى مكة ونصبه على الكعبة ومعه ~~إساف ونائلة فدعا إلى عبادتها وتعظيمها ففعلوا ذلك إلى أن أظهر الله ~~الإسلام. # وذكر في موضع آخر (1) من كتابه عمر بن لحي وولايته للبيت وقال: إنه غير ~~دين إبراهيم وبدله وبعث العرب على عبادة التماثيل، وذلك أنه حين خرج إلى ~~الشام رأى قوما يعبدون الأصنام فأعطوه منها صنما فنصبه على الكعبة، قال: ~~وقويت خزاعة وعم الناس ظلم عمرو بن لحي، وفي ذلك يقول رجل من جرهم كان على ~~دين الحنيفية: # يا عمرو لا تظلم بمكة ... إنها بلد حرام # سائل بعاد أين هم ... فكذاك يخترم الأنام # وبني العماليق الذين ... لهم بها كان السوام # وذكر أن عمرو بن لحي عمر ثلاثمائة سنة وخمسا وأربعين سنة، وأنه إذ مات ~~كان له من الولد وولد الولد ألف. # قال المسعودي (2): ولما أكثر عمرو بن لحي من نصب الأصنام حول الكعبة وغلب ~~على العرب عبادتها وامحت الحنيفية منهم إلا لمعا. PageV02P453 # # قال شجنة بن خلف: # يا عمرو إنك قد أحدثت آلهة ... شتى بمكة حول البيت أنصابا # وكان للبيت رب واحد أبدا ... فقد جعلت له في الناس أربابا # لتعرفن فإن الله في مهل ... سيصطفي دونكم للبيت حجابا # وذكر وثيمة عن عثمان بن الساج عن محمد بن إسحاق ومحمد بن السائب الكلبي ~~قالا: إن البئر التي كانت في جوف الكعبة يجتمع فيها ما كان يهدى للكعبة، ~~وكان فيها صنم يقال له هبل من أعظم أصنام قريش، وهبل هو الذي يقول له أبو ~~سفيان يوم أحد: اعل هبل (1)، أي اظهر (2) دينك، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه ms201 وسلم -: «الله أعلى وأجل»، وكان قدم بهبل عمرو بن لحي من أرض الشام ~~فنصبه على الخشب وأمر الناس بعبادته وتعظيمه. (ق.89.ب) # قال: وقال محمد بن إسحاق (3): بلغني أن إسافا ونائلة كانا في الكعبة ~~ممسوخين من جرهم، وكانا فجرا في الكعبة فمسخا حجرين، وهما إساف بن بغي، ~~ونايلة بنت ديك، وهما صنما قريش اللذان كانوا يعبدونهما، فأخرجهما عمرو بن ~~لحي فنصب أحدهما مقابل الركن الأسود بينه وبين زمزم، ونصب الآخر إلى جانب ~~البيت تجاه المقام لاصقا بالبيت. PageV02P454 # # قال ابن إسحاق: وبلغني أن الطائف كان إذا طاف بالبيت يبدأ بإساف فيستلمه ~~ويختم به. # قال: ونصب الخلصة بأسفل مكة فكانوا يلبسونها القلائد ويهدون إليها الشعير ~~والحنطة ويصبون عليها اللبن ويذبحون لها ويعلقون عليها بيض النعام، ونصب ~~على الصفا صنما يقال له نهيد مجاود الريح، ونصب على المروة صنما يقال له ~~مطعم الطير. # قال: وقال ابن إسحاق: ونصب عمرو بن لحي بمنى سبعة أصنام: صنما على الغدير ~~الذي بين مسجد منى والجمرة الأولى على بعض الطريق، ونصب على الجمرة الأولى ~~صنما وعلى الجمرة الوسطى صنما، ونصب على شفير الوادي فوق الجمرة العظمى ~~صنما، وعلى الجمرة العظمى صنما، وقسم عليهم حصى الجمرات إحدى وعشرين حصاة، ~~يرمى كل وثن منها بثلاث حصيات ويقول للوثن حين يرمي: أنت أكبر من فلان، ~~للصنم الذي رمى قبله. # قال ابن إسحاق: وبلغني أن عمرو بن لحي نصب مناة على ساحل البحر مما يلي ~~قديرا التي كانت للأزد وغسان، يحجونها ويعظمونها إذا طافوا بالبيت وأفاضوا ~~من عرفات، وفرغوا من منى لم يحلوا إلا عند مناة، وكانوا يهلون بها فمن أهل ~~بمنى لم يطف بين الصفا والمروة لمكان الصنمين اللذين عليهما نهيد مجاود ~~الريح ومطعم الطير، فكان هذا الحي من الأنصار يهلون بمناة، وكانوا إذا ~~أهلوا بحج وعمرة لم يظل من أهل منهم سقف بيت حتى يفرغ من حجته أو عمرته. # PageV02P455 # # وكان الرجل إذا أحرم منهم لم يدخل بيته، وإن كانت له فيه حاجة يتسور من ~~ظهر بيته ولا يدخل على الباب، ms202 فلما جاء الله بالإسلام وهدم أمر الجاهلية ~~نزل في ذلك القرآن: {ليس البر أن تولوا وجوهكم} [البقرة: 177] إلى آخر ~~الآية. # وإنما احتجنا إلى نقل هذا كله ليعلم اشتهار قصة عمرو بن لحي في تغييره ~~للشرائع وأخذه العرب بعبادة الأوثان عند من عني بأخبار الناس وأيام العرب. ~~(ق.90.أ) # PageV02P456 # # فصل ### | الأصنام التي كان العرب يعبدونها # ) (1) # كانت العرب قد اتبعت عمرو بن لحي في عبادة الأوثان كما تقدم التنبيه ~~عليه، ثم إنها لم تكتف بما نصبه لها عمرو بمكة حتى اتخذ كل قبيل منهم في ~~مواضع استيطانهم صنما لأنفسهم، يعظمونه ويعبدونه ويقربون له القرابين. # عدد ابن إسحاق في السير تلك الأصنام المنتشرة في قبائل العرب، وذلك أنه ~~قال (2): وقد كانت لقوم نوح أصنام قد عكفوا عليها قص الله خبرها على نبيه ~~محمد - صلى الله عليه وسلم -: فقال {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ~~ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} [نوح: 23] فكان الذين اتخذوا تلك الأصنام ~~من ولد إسماعيل وغيرهم، وسموا بأسمائها حين فارقوا دين إسماعيل: # هذيل بن مدركة، اتخذوا سواعا، فكان لهم برهاط. # وكلب بن وبرة من قضاعة، اتخذوا ودا بدومة الجندل. # وأنعم من طيء وأهل جرش من مذحج، اتخذوا يغوث بجرش. # وخيوان (3) بطن من همدان (4) اتخذوا يعوق بأرض همدان من اليمن. ~~PageV02P457 # # وذو الكلاع من حمير اتخذوا نسرا بأرض حمير. # وكان في دوس صنم لعمرو بن حممة الدوسي. # وكان لخولان صنم يقال له عم أنس (1) بأرضهم. # وكان لبني ملكان بن كنانة صنم يقال له سعد صخرة بفلاة من أرضهم طويلة. # وكانت قريش قد اتخذت صنما على بئر في جوف الكعبة يقال له هبل، واتخذوا ~~إسافا ونائلة على موضع زمزم ينحرون له (2) عندهما. # قال (3): واتخذ أهل كل دار في دارهم صنما يعبدونه، فإذا أراد الرجل منهم ~~سفرا تمسح به حين يركب فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره، وإذا قدم ~~من سفره تمسح به، فكان أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله، فلما بعث الله ~~رسوله محمدا - صلى الله ms203 عليه وسلم - بالتوحيد قالت قريش: {أجعل الآلهة إلها ~~واحدا إن هذا لشيء عجاب} [ص: 5]. انتهى كلام ابن إسحاق. # ويشبه أن يكون السبب في اتخاذ العرب الأصنام في غير مكة هو ما ذكره وثيمة ~~(4) عن عثمان بن الساج (5) قال أخبرني يحيى بن أبي أنيسة (6) قال: أول ~~PageV02P458 # # حديث غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر فيما بلغنا، والله أعلم، أنهم ~~كانوا مع غيرهم من ولد إسماعيل، وكان أوثان العرب إذ ذاك مسندة إلى الكعبة ~~ثلاثمائة وستين وثنا، لكل حي من العرب وثن، فكان يكون في الحي البطون ~~الكثيرة من العرب، فكان لكل بطن منها وثن، فلم يزالوا كذلك حينا من الدهر ~~(ق.90.ب) طويلا حتى انتشروا بعد. # فلما نبت ظالم بن سعد بن ربيعة بن مالك بن مرة بن عوف بن سعد ابن ذبيان ~~بن بغيض بن ريث بن غطفان في العز من قومه وفي بيتهم الأعظم، قال: إن هذا ~~البيت المحرم لا يسعكم، قد نبت لكم عدد وأن تنتشروا في الأرض أمثل لأموالكم ~~وأكثر لعددكم، فقالوا: ما نستطيع فراق بلدنا ومولدنا وحيث مسقط رؤوس ~~آبائنا، وإن نتغرب من قومنا نهن على من نحن بين أظهرهم. # فقال: إنما يمنعكم من ترك هذا البلد الذي كان عليه من سلف من آبائكم ما ~~تكرهون أن تدعوا من حرمته، فإني مستن لكم هدة من دينكم الذي أنتم عليه ~~تسيرون بحرمتها وذمتها حيث وقع الطير وساقكم إليه المحل. # فانطلق (1) ظالم إلى عزى غطفان فانتقلها، وكانت مسندة إلى الكعبة حتى ~~انتهى بها ذات موضع بين نخلة اليمانية وبين نخلة الشامية. # ونقل وثنين آخرين من أوثان غطفان فجعل أحدهما بصدر حنين، وجعل الآخر جنب ~~عطارا، ثم قاس قدرما بين الصفا والمروة وقدر ما بين الكعبة والصفا بذراع ~~معلوم، وقدر ما بين المروة إلى الكعبة، ثم نقل حجرا من PageV02P459 # # الصفا وحجرا من المروة، فجعل حجر المروة على ثلاث أثافي، ثم أسنده إلى ~~حجارة وجعل حجر الصفا إلى رضم من حجارة رضمها. # ثم كان ينصب تلك الأوثان يوم النحر فقال: ms204 هذا من دينكم الذي كنتم عليه ثم ~~سماها الهدة، ثم قال: أيكم أدركه هذا اليوم فلينصب حجارة ليسعى بينها كما ~~يسعى بين الصفا والمروة، وذلك على خطة معلومة سنها لهم، ثم ليقرب كل لصنمه ~~ما أحب من لبن أو دم، ثم حرم هذه الأوثان كحرمة الكعبة وجعلها حرما من بلده ~~الذي كان به حرما معلوما. # ثم يشترط بعد ذلك الدور لكل حي ينزل عليه من ولد إسماعيل، وجعل نصبها (1) ~~على اسم أبيه وأسرته من ربيعة بن عامر، وكانت غطفان تنقل إله ربيعة حيث ما ~~سلكوا من الأرض فصار آخر موضع غطفان بني لبنان من وراء مراك. PageV02P460 # # فصل # تقدم في كلام المسعودي أن عمرو بن لحي أكثر من نصب الأصنام حول الكعبة، ~~ومضى في حديث وثيمة الذي ذكرناه آنفا أن أوثان العرب كانت مسندة إلى الكعبة ~~(ق.91.أ)، وأنها ثلاث مائة وستون وثنا، لكل حي من العرب وثن. # وظاهر ذلك أن هذه الأوثان بقيت عند الكعبة حتى جاء الإسلام، إذ لا نعلم ~~قبيلا من قبائل العرب أخذ منها وثنا وحمله إلى بلاده إلا ما في خبر وثيمة ~~مما ذكره عن ظالم بن سعد. # فالغالب من الأمر أن العرب تركت تلك الأصنام حول الكعبة وأحدثت أصناما ~~أخر في مواضعها. # ومن الدليل على ذلك أن النبي - عليه السلام - دخل يوم الفتح مكة وحول ~~البيت هذا العدد المسمى، خرج البخاري (1) عن ابن مسعود أن النبي - عليه ~~السلام - دخل يوم الفتح مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها ~~PageV02P461 # # بعود في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما ~~يعيد. # وذكر وثيمة عن محمد بن إسحاق قال: أخبرني عبد الله بن أبي بكر عن علي بن ~~عبد الله بن عباس قال: لقد دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة يوم ~~الفتح وإن بها ثلاث مائة وستين صنما قد شدها إبليس بالرصاص، وكان بيد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قضيب فيقوم عليها ويقول: {جاء الحق وزهق ~~الباطل إن الباطل كان زهوقا} ms205 [الإسراء: 81]، ثم يشير إليها بقضيب فتتساقط ~~على ظهورها. # وذكر ابن هشام في السير (1) عن ابن عباس قال: دخل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - مكة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها وحول البيت أصنام مشددة ~~بالرصاص فجعل النبي - عليه السلام - يشير بقضيب بيده إلى الأصنام ويقول: ~~{جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} [الإسراء: 81]، فما أشار إلى ~~صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما ~~بقي منها صنم إلا وقع. # فقال تميم بن أسد الخزاعي: # وفي الأصنام معتبر وعلم ... لمن يرجو الثواب أو العقابا PageV02P462 # # وقال فضالة بن عمير بن الملوح، وكان إسلامه حينئذ على ما ذكر ابن إسحاق ~~(1): # قالت هلم إلى الحديث فقلت ... لا يأبى عليك الله والإسلام # لو ما رأيت محمدا وقبيله ... بالفتح يوم تكسر الأصنام # لرأيت دين الله أضحى بينا ... والشرك يغشى وجهه الإظلام PageV02P463 # # فصل ### | عبادة العرب للأصنام # ) (1) # (ق.91.ب) ثم إن العرب لم تقنع بعبادة الأصنام حتى عبدت الحجارة في ~~الجاهلية. # جاء في السير (2) أن جعفر بن أبي طالب لما كلم النجاشي بحضرة أساقفته، ~~وبمحضر المسلمين الذين كانوا بأرض الحبشة عندما سألهم عن دينهم، قال له: ~~أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي ~~الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي الضعيف، فكنا على ذلك ~~حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى ~~الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة ~~والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، ~~والكف عن المحارم والدماء". إلى غير ذلك من تمام القصة. # قال ابن إسحاق (3): "ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني ~~إسماعيل، أنه كان لا يظعن بمكة ظاعن منهم حين ضاقت عليهم والتمسوا ~~PageV02P464 # # الفسح في البلاد إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم، فحيث ما ~~نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة، إلى أن رجعوا يعبدون ما استحسنوا ~~من الحجارة وأعجبهم. # حتى خلفت ms206 الخلوف ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل ~~غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من الضلالات، وفيهم ~~على ذلك بقايا من عهد إبراهيم يتمسكون بها، من تعظيم البيت والطواف به ~~والحج والعمرة، والوقوف على عرفة والمزدلفة وهدي البدن والإهلال بالحج ~~والعمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس منه. # فكانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا: "لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك ~~إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك". # فيوحدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده. # يقول الله تعالى لمحمد - صلى الله عليه وسلم -: {وما يؤمن أكثرهم بالله ~~إلا وهم مشركون} [يوسف: 106]. أي: ما يوحدونني (1) بمعرفة حقي إلا جعلوا ~~معي شريكا من خلقي. PageV02P465 # # فصل ### | جعل العرب الجن شركاء لله وأن الملائكة بنات الله # ) (1) # ثم إن العرب لم يكتفوا بجعلهم مع الله آلهة أخرى وعبادتهم الأوثان ~~والحجارة حتى جعلوا الجن شركاء لله وصيروا له بنين وبنات كما أخبر الله ~~تعالى عنهم في قوله: {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات ~~بغير علم} [الأنعام: 100]. # ثم نزه تعالى نفسه (ق.92.أ) عن ذلك بقوله: {سبحانه وتعالى عما يصفون} ~~[الأنعام: 100]. # وذكر في الآية الثانية تعذر الولد مع عدم الصاحبة، فأفادنا ذلك أن الولد ~~لا يكون إلا لمن له صاحبة، والله سبحانه يستحيل عليه أن تكون له صاحبة ~~فيستحيل عليه أن يكون له ولد، ثم إنه سبحانه مضى في تنزيه نفسه إلى آخر ~~الآيات، وكذلك جعلوا بين الله وبين الجن نسبا، كما قال تعالى: {وجعلوا بينه ~~وبين الجنة نسبا} [الصافات: 158]. # قال مجاهد في تفسير هذه الآية: "قال كفار قريش: الملائكة بنات الله، ~~PageV02P466 # # وأمهاتهم بنات سروات الجن". قال الله عز وجل: {ولقد علمت الجنة إنهم ~~لمحضرون} [الصافات: 158]، أي ستحضر للحساب. ذكر ذلك البخاري (1). # وكان المشركون يعبدون الجن في الجاهلية، صرح بذلك القرآن، قال الله ~~تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ~~قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} ~~[سبأ: 40]. # وذكر مسلم ms207 (2) عن عبد الله بن مسعود في قوله عز وجل {أولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57]، قال: نزلت في نفر من العرب كانوا ~~يعبدون نفرا من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا ~~يشعرون، فنزلت: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: ~~57]. # وفي لفظ آخر: "فبقي الذين كانوا يعبدون على عبادتهم، وقد أسلم النفر من ~~الجن". PageV02P467 # # فصل ### | عبادة العرب للملائكة # ) (1) # وهكذا عبدوا الملائكة أيضا، وزعموا أنها بنات الله. # جاء في السير لابن إسحاق (2) أن ابن الزبعري قال للوليد بن المغيرة وغيره ~~من قريش عندما نزلت: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها ~~واردون} [الأنبياء: 98]: أما والله لو وجدت محمدا هاهنا لخصمته، فسلوه (3): ~~أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده؟، فنحن نعبد الملائكة، واليهود ~~تعبد عزيرا والنصارى تعبد عيسى بن مريم، فنزلت: {إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون} [الأنبياء: 101]. إلى آخر الآيات. # وهكذا قال بعض قريش بحضور جماعتهم للنبي - عليه السلام -: نحن نعبد ~~الملائكة وهي بنات الله، حين قال له بعضهم: "لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله ~~وبالملائكة قبيلا"، في قصة طويلة مذكورة في السير (4). PageV02P468 # # وفي ذلك أنزل الله تعالى في سورة الكهف: {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ~~ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون ~~إلا كذبا} [الكهف: 4]. # يعني بالكلمة قولهم: "إن الملائكة بنات الله". # وفي هذا المعنى نزل أيضا قوله: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد ~~مكرمون} إلى قوله: {ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك ~~نجزي الظالمين} [الأنبياء: 26]. # وقد نطق الكتاب العزيز بعبادة المشركين للملائكة (1)، قال الله تعالى: ~~{وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ~~ويسألون وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا ~~يخرصون} [الزخرف: 19]. وقرئ في السبع: {الذين هم عباد الرحمن}. (2) # وقوله: {ما لهم بذلك من علم} مردود على الآية المتقدمة، ms208 أي مالهم بجعلهم ~~الملائكة إناثا، وقولهم الملائكة بنات الله من علم، وقد وبخهم الله تعالى ~~على ذلك بقوله: {أشهدوا خلقهم}، وأكثر القراء يقرؤونه أشهدوا خلقهم (بفتح ~~الشين) وهمزة واحدة مفتوحة (3). PageV02P469 # # وقال تعالى في هذا المعنى لنبيه - عليه السلام -: {فاستفتهم ألربك البنات ~~ولهم البنون أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون ألا إنهم من إفكهم ليقولون ~~ولد الله وإنهم لكاذبون أصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون أفلا ~~تذكرون أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين} ... [الصافات: ~~149]. # فقوله {فاستفتهم} أي: سل المشركين سؤال توبيخ (1) عن كونهم جعلوا ~~الملائكة إناثا وقالوا: هي بنات الله، تعالى الله عن ذلك، وكأنه يقول ~~لرسوله - صلى الله عليه وسلم - قل لهم: من أين علمتم أن الملائكة إناثا ~~أشهدتم خلقتهم حتى تعلموا ذلك؟ # ثم كذبهم في قولهم ولد الله، وجعله من إفكهم. # ثم طالبهم بالحجة على قولهم إن كانوا قد صدقوا على وجه التبكيت لهم إذ لا ~~يجدون على ذلك حجة أصلا، فإن انتفاء الولد عن الله تعالى معلوم عقلا لوجوب ~~تقديسه سبحانه عن سمات الحدوث. PageV02P470 # # فصل ### | اتخاذ العرب بيوتا للعبادة # ) (1) # ثم إن العرب لما أشركوا بالله تعالى وجعلوا معه آلهة أخرى من الأصنام ~~والملائكة والجن رأوا أن يتمموا الإشراك له تعالى في كل شيء، فجعلوا مع بيت ~~الله تعالى وهو الكعبة التي أمر الله تعالى بتعظيمها والحج إليها بيوتا أخر ~~يعبدونها ويعكفون عليها ويطوفون بها. # وقد عددها ابن إسحاق في السير (2) فقال: "وكانت العرب قد اتخذت مع الكعبة ~~طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجبة، وتهدي لها كما تهدي ~~للكعبة، وتطوف بها كطوافها بالكعبة وتنحر عندها، وهي تعرف فضل الكعبة ~~عليها، لأنها قد عرفت أنها بيت إبراهيم ومسجده، فكانت لقريش وبني كنانة ~~العزى بنخلة، وكان سدنتها وحجابها بني شيبان من سليم حلفاء بني هاشم. # وكانت اللات لثقيف بالطائف، وكان سدنتها وحجابها بني معتب من ثقيف. ~~PageV02P471 # # وكانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل البحر من ~~ناحية المشلل بقديد، ms209 فبعث إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا ~~سفيان بن حرب فهدمها، ويقال علي بن أبي طالب. # وكان ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان من بلادهم من العرب بتبالة، ~~فبعث إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جرير بن عبد الله البجلي ~~فهدمه، وكانت فلس لطيء ومن يليها بجبلي طيء بين سلمى وأجأ. # قال ابن هشام (1): "فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بعث إليها علي بن أبي طالب فهدمها، فوجد فيها سيفين يقال لأحدهما ~~الرسوب وللآخر المخذم، فأتى بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فوهبهما له فهما سيفا علي". # قال ابن إسحاق (2): "وكان لحمير وأهل اليمن بيت بصنعاء يقال له رئام، ~~وكانوا يعظمونه وينحرون عنده (ق.93.أ) ويكلمون منه، فهدمه الحبران اللذان ~~جاء بهما تبع أبو كرب إلى اليمن حين تهود. # وكانت رضاء بيتا لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة بن تميم، ولها ~~يقول المستوغر بن ربيعة حين هدمها في الإسلام، وكان المستوغر أطول مضر كلها ~~عمرا، يقال إنه عاش ثلاثمائة وثلاثين سنة: # ولقد شددت على رضاء شدة ... فتركتها قفرا بقاع أسحما PageV02P472 # # وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب ابني وائل وإياد بسنداد، وله يقول الأعشى، ~~أعشى بني قيس بن ثعلبة (1): # بين الخورنق والسدير وبارق ... والبيت ذي الكعبات من سنداد # انتهى ما ذكره ابن إسحاق. # وقوله عن العرب: إنها تعرف فضل الكعبة على تلك البيوت المعظمة، لأنها قد ~~عرفت أنها بيت إبراهيم ومسجده غير مفيد في شرف الكعبة عندهم، إذ عملوا في ~~حقها بإحداث تلك البيوت وتعظيمها كما فعلوا في حق الله تعالى، إذ أشركوا ~~معه الأصنام، لا سيما بكونهم لا يحلون بطوافهم بها حتى يأتوا العزى ويطوفوا ~~بها. # ذكر وثيمة عن عثمان بن الساج عن محمد بن السائب ومحمد بن إسحاق قالا: ~~بلغنا أن عمرو بن لحي اتخذ العزى بنخلة بيتا كالكعبة يطوفون به كطوافهم ~~بالكعبة، وهم يعرفون فضل الكعبة عليه وكانوا إذا فرغوا من حجهم وطافوا ~~بالكعبة لم يحلوا ms210 حتى يأتوا العزى فيطوفوا بها ويحلون عندها، وكانت قريش ~~وكنانة تعظم العزى مع خزاعة وجميع مضر. # وذكر وثيمة أيضا عن عثمان قال: حدثني محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن ~~عباس أن رجلا فيمن مضى كان يقعد على صخرة لثقيف فيبيع السمن للحاج إذا مروا ~~فيلت سويقهم، وكان ذا غنم وسمن فسميت الصخرة اللات فمات، فلما فقده الناس ~~قال عمرو بن لحي: "إن ربكم كان اللات"، PageV02P473 # # فدخل في جوف الصخرة شيطان يكلمهم (1). # وكانت العزى وهي سمرات ثلاث، وهي على خمس فراسخ من مكة، وكان أول من دعا ~~إلى عبادتها عمرو بن ربيعة والحارث بن كعب فقال لهم عمرو بن ربيعة: إن ربكم ~~اللات يتصيف بالطائف لبرد الطائف، ويشتو بالعزى التي بتهامة لحر تهامة، ~~وكان في كل واحد منهما شيطانه. # قال عثمان: أخبرني محمد بن السائب أن اللات والعزى (ق.93.ب) ومناة كان في ~~كل واحد منهم (2) شيطانة تتراءى للسدنة، وهم الحجبة، تكلمهم، قال: وكانت ~~بنو نصر وجشم وسعد بن بكر وهم عجز هوازن يعبدون العزى. # فانظر إلى أحوال العرب في إشراكهم وكفرهم وما كانوا عليه، وكيف كان أصل ~~ذلك كله عمرو بن لحي، فنصب لهم الأصنام ودعا إلى عبادتها، ثم جعل لهم العزى ~~يطوفون بها ويحلون عندها ولا يحلون عند الكعبة، وهكذا فعل بمناة، إذ نصبها ~~على ساحل البحر، فكانت الأزد وغسان إذا أكملوا حجهم لا يحلون إلا بمناة، ~~كما تقدم قبل هذا لابن إسحاق فيما حكاه عنه وثيمة. # وانظر إلى ضلال العرب كيف يقولون في عبادة الأصنام: {ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: 3]. # فمن أخبرهم بأن ذلك يقربهم إلى الله ولا يبعدهم منه؟، ومن أنبأهم بأنه ~~أولى من عكسه؟، وهل هذا كله إلا رجم بظنونهم وتحكم بآرائهم كما فعلوا في ~~سائر دياناتهم؟. PageV02P474 # # باب ### | تفسير ما غيره عمرو بن لحي من الدين # ) (1) # تقدم في الحديث أول الكلام على هذا القسم أن عمرو بن لحي أول من غير دين ~~إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ms211 ~~ووصل الوصيلة وحمى الحامي، وقد ذكرنا نصبه الأوثان واتباع العرب له في ذلك. # فلنذكر شرح هذه الألفاظ ونبين اختراعه بها للأحكام واتباع العرب له على ~~ذلك أيضا. # فنقول: جاء في كتاب مسلم (2) عن ابن شهاب قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ~~إن البحيرة هي التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، وأما ~~السائبة فهي التي كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء. # وجاء عن المفسرين في ذلك ما نذكره، وهو أن العرب في الجاهلية كانوا إذا ~~أنتجوا الناقة خمسة أبطن، نظروا الخامس، فإن كان ذكرا أكله الرجال منهم دون ~~النساء، وإن كان ميتة اشترك فيها الرجال والنساء، وإن PageV02P475 # # كان أنثى بحروا أذنها، أي: شقوه وتركت لا يشرب لها لبن ولا يركب لها ظهر ~~ولا يجز عنها وبر، وسميت بحيرة لشقهم أذنها. # بحرت إذا شقت شقا واحدا، والناقة بحيرة ومبحورة. # فأما السائبة (1) فهو ما كان أحدهم (ق.94.أ) يفعله إذا مرض فنذر إن شفي ~~أن يسيب ناقته، فإن فعل ذلك لم تمنع من ماء ولا كلإ، وقد يسيبون غير الناقة ~~وكانوا إذا سيبوا العبد لم يكن عليه ولاء. # وقيل: كانت الناقة إذا تابعت بين اثنتي عشرة أنثى ليس فيها ذكر سيبت، فلم ~~تركب ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شقت أذنها ~~وخليت مع أمها، أي كان حكمها حكم أمها، فهي البحيرة بنت السائبة. # والوصيلة (2): من الغنم إذا ولدت الشاة سبعة أبطن، فإن كان السابع ذكرا ~~ذبحوه وكان لحمه للرجال دون النساء، وإن كان أنثى لم يذبحوها، وإن كان ميتة ~~اشترك فيها الرجال والنساء، وإن جاءت بذكر وأنثى قالوا: وصلت أخاها فمنعته ~~الذبح فلم يذبح واحد منهما، قال ابن عباس: ولم يشرب من لبنها إلا الذكور ~~خاصة. PageV02P476 # # وقيل الوصيلة: الشاة تنتج عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس فيها ذكر، ~~فيقولون: وصلت، فما ولدت بعد ذلك كان للذكور دون الإناث، إلا أن يموت منها ~~شيء فيشترك في أكله الذكور والإناث. # وأما الحامي (1): فهو البعير ينتج ms212 من ظهره عشرة أبطن ذكورا أو إناثا ~~فيقولون: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يجز ولا ينتفع به لغير الضراب، وأي إبل ~~ضرب فيها لم يمنع منها. # وفي بعض ما ذكرناه من شرح هذه الألفاظ اختلاف لا تنبغي مراعاته، إذ قد ~~اتفق في الجملة أن الذي فسرت به الآية هو التفسير فيها أو نحو ذلك، مما لا ~~حاجة بنا إلى التكثير به، لأن الشرع قد نهى عن ذلك كله، إذ كان من أحكام ~~الجاهلية. PageV02P477 # # فصل # هذه الأحكام نصبها عمرو بن لحي في الجاهلية واخترعها لنفسه ولغيره، إذ ~~صير نفسه بمنزلة الشارع يحلل ويحرم، فمن الأشياء ما يحله للذكور ويحرمه على ~~الإناث، ومنها ما يحله للذكور والإناث معا، ومنها ما يحرمه على الصنفين ~~جميعا فيترك السائبة لا يستبيح أحد منها شيئا، وذلك كله بهواه، إذ ابتدع ~~فيه (1) شريعة من عند نفسه. # والمخلوق محجور عليه ذلك، فقد نهى الله سبحانه بني آدم عن اختراع الأحكام ~~فقال: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله ~~أذن لكم أم على الله تفترون} [يونس: 59]. إذ (ق.94.ب) فيه توبيخ من الله ~~تعالى لمن يتحكم في الشرائع برأيه ويفتي في أحكامها (2) بالتحليل والتحريم ~~من قبل نفسه دون أن يأذن الله له فيه. # وقد نبه الله تعالى على ذلك في آية أخرى فقال: {أم لهم شركاء شرعوا لهم ~~من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21]. PageV02P478 # # ثم قال تعالى في الآية الأولى: {وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم ~~القيامة} [يونس: 60]، على وجه التهديد لمن فعل ذلك. # فإذن كل من جعل من نفسه شرعا لم يأذن الله فيه (1) فهو مطلوب به. # ثم إن العرب فعلت مع عمرو بن لحي في الأحكام كما فعلت معه في الإشراك ~~سواء سواء، فإنه لما اخترع الأحكام وطرق لها الطريق إليها، تبعته في ذلك ~~فتمذهبت بما حكم لها، وحكمت هي أيضا على طريقته بما رأته لأنفسها. # ونحن لا نعلم ما حكم بنفسه من أحكام الجاهلية دون ms213 ما (2) لم يحكم به إلا ~~بما تلقيناه من الشرع، وهو (ابتداع الأحكام المذكورة) (3) في الآية التي ~~مضى شرحها، وما عدا ذلك (من الأحكام التي يأتي ذكرها) (4) ففي الجائز أن ~~يكون من حكمه، وفي الجائز أن يكون من حكم غيره. # ولسنا (5) نستجيز أن ننسب إليه منها (6) إلا ما نسب إليه الشرع فقط، لكنا ~~نعرف في الجملة أن تلك الأحكام إما أن تكون من حكمه، أو تكون من ~~PageV02P479 # # حكم من اقتدى به وسلك سبيله من المشركين، (أو يكون بعضها من حكمه وبعضها ~~من حكم غيره) (1). # فلنذكر من أحكام الجاهلية ما نص الله تعالى عليه في كتابه العزيز، ونلحق ~~بذلك ما هو مشهور من تلك الأحكام بحول الله. PageV02P480 # # فصل # (من أحكام العرب في الجاهلية) (1) # فمن أحكام العرب في الجاهلية كونهم لما أشركوا بالله غيره من الأوثان في ~~العبادة ### | جعلوا لله ولآلهتهم شركا في أموالهم # ، وقد ذم الله تعالى فعلهم في أن جعلوا لأوثانهم نصيبا من ذلك في الجملة ~~فقال: {ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم} [النحل: 56]. أي لما لا ~~يعلمون أنه يضرهم ولا ينفعهم من الأوثان، ثم توعدهم على ذلك بقوله: {تالله ~~لتسألن عما كنتم تفترون} [النحل: 56]. # فكيف لا يذمهم بما فعلوه من الشرك في ذلك، يقول الله جل وعز (2): {وجعلوا ~~لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركآئنا ~~فما كان لشركآئهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركآئهم ساء ما ~~يحكمون} [الأنعام: 136]. PageV02P481 # # وذكر ابن إسحاق (1) أن هذه الآية نزلت في قوم من خولان، فإنه (ق.95.أ) ~~لما عدد أصنام العرب قال: وكان لخولان صنم يقال له عم أنس (2) بأرض خولان ~~يقسمون له من أنعامهم وحروثهم قسما بينهم وبين الله تعالى (3) بزعمهم، فما ~~دخل في سهم عم أنس من حق الله الذي سموه له تركوه له، وما دخل في حق الله ~~من قسم عم أنس ردوه عليه. # قال: وهم بطن من خولان، يقال لهم: الأديم، وفيهم أنزل الله تعالى فيما ~~يذكرون: {وجعلوا لله مما ms214 ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا} [الأنعام: 136]، ~~الآية. # ولم يسند ابن إسحاق هذا القول عن أحد، ولا سمى من أخذه عنه. # ونحن نرى أن الله تعالى حكى عن المشركين ما حكى عنهم في هذه السورة ~~وغيرها بلفظ الجمع كقوله: {وجعلوا لله شركاء الجن} [الأنعام: 100]، {وجعلوا ~~لله مما ذرأ} [الأنعام: 136]، وكقوله: {ويجعلون لما لا يعلمون} ... [النحل: ~~56]، {ويجعلون لله البنات} [النحل: 57]، {ويجعلون لله ما يكرهون} [النحل: ~~62]، وكقوله: {وجعلوا له من عباده جزءا} [الزخرف: 15]، {وجعلوا الملائكة ~~الذين هم عباد الرحمن إناثا} [الزخرف: 19]. PageV02P482 # # كل ذلك بلفظ الجمع كما قلنا، ولا يخلو الأمر فيه من وجهين: # أحدهما: أن يكون جميع المشركين من العرب يفعلون كلهم ما نسب الله تعالى ~~إليهم من الأفعال، فإن كان كذلك فقد حصل المقصود، إذ الفعل يكون منهم ~~حقيقة. # والثاني: أن يكون بعض المشركين يفعل ذلك دون جميعهم، كما ذكر ابن إسحاق ~~في الآية المتقدمة، فإن كان الأمر كذلك فيجوز أن ينسب ذلك الفعل إلى جملتهم ~~بما نذكره. # وذلك أن المشركين بأجمعهم كانوا قد استووا في الإشراك، واستووا في اختراع ~~الأحكام، فكل قبيل فعل منهم فعلا لم ينكر عليه غيره من سائر القبائل، بل ~~يسوغون له ذلك، لكون تلك القبائل عندهم أيضا أفعال من جنس ما فعله ذلك ~~القبيل، فلاستحسان جميعهم ما يفعله بعضهم وتصويبهم ذلك وعدم النكير منهم له ~~انسحب عليهم إطلاق اللفظ بالفعل وإن كان لم يفعله جميعهم حقيقة. # واللغة تعضد هذا المعنى تقول العرب: قتل الأمير زيدا، إذا أمر بقتله، وإن ~~لم يباشره بنفسه. # وجاء في الحديث: قطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يد المخزومية، ~~ورجم ماعزا والغامدية، وإنما كان - عليه السلام - آمرا بذلك. # وفي الكتاب العزيز في قصة البقرة: {فذبحوها وما كادوا يفعلون} [البقرة: ~~71]. # والذبح لا يتأتي أن يكون من جميع بني إسرائيل الذين قال لهم # PageV02P483 # # موسى: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67]، وإنما يقع الذبح من ~~أحدهم ضرورة، ولكن (ق.95.ب) لما كان ذلك عن ملأ منهم نسب الذبح إليهم. # وكذلك قوله تعالى: {فعقروا الناقة وعتوا ms215 عن أمر ربهم} [الأعراف: 77]، ~~فقوله: { عتوا} هو فعلهم حقيقة، فإنهم استكبروا ولم يؤمنوا بما جاءهم به ~~(1) صالح - عليه السلام -. # وقوله: {فعقروا الناقة} ليس على حقيقته لأن العاقر لها واحد وهو قدار ~~(2)، وإنما نسب العقر إليهم لكونه كان عن تواطؤ منهم قبله أو عن رضى من ~~جميعهم بعده. # ولنرجع إلى الآية التي كنا فيها قبل (3) فنقول جاء في التفسير عن السدي ~~أنه قال (4): كان المشركون يزرعون زرعا يجعلونه لله يتصدقون به ويزرعون آخر ~~يجعلونه لآلهتهم وينفقونه عليها، فإذا أجدب ما كان لآلهتهم أخذوا ما كان ~~لله فأنفقوه على آلهتهم. # وإذا أجدب ما كان لله لم يأخذوا مما لآلهتهم شيئا، ويقولون لو شاء الله ~~لزكا الذي له. PageV02P484 # # وقال ابن زيد (1): كل شيء جعلوه لله من ذبح لا يأكلونه حتى يذكروا عليه ~~اسم الآلهة، وما كان من ذبح الآلهة لا يذكرون عليه اسم الله. # وقال مجاهد (2): كانوا يجعلون لله جزءا ولشركائهم جزءا، فإذا ذهب ما ~~لشركائهم عوضوا منه ما لله، وإذا ذهب ما لله لم يعوضوا منه شيئا، وقالوا: ~~الله مستغن عنه. # وهذه الأقوال متقاربة في معنى الآية. # والمشركون الذي فعلوا ما نص فيها لم يكفهم الإشراك الذي أشركوا بالله حيث ~~جعلوا له شركاء حتى جعلوا الشرك في الأنصباء التي جعلوها بزعمهم لله ~~وللشركاء، ثم لم يقنعهم ذلك حتى حادوا عن العدل فيما فعلوه، فجعلوا النقص ~~في السهم الذي جعلوه لله بزعمهم، ولم يجعلوه في سهم الشركاء، ولذلك قال ~~تعالى: {ساء ما يحكمون} [الأنعام: 136]، لسوء صنيعهم وحكمهم بأهوائهم. # وأما قولهم فيما لم يعوضوه لله: الله مستغن عنه، فهو منتقض مع كونهم ~~يخرجون نصيبا لله أولا، فإن الله مستغن عنه، فهلا أسقطوا ذلك النصيب ~~ابتداءا، فإن (3) الله تعالى أغنى الأغنياء عن الشرك. PageV02P485 # # وكذلك هو سبحانه مستغن عن الجن والإنس وعن عملهم أيضا، إذ لا يعود عليه ~~من ذلك نفع ولا يندفع به عنه (1) ضر، لأنه تعالى منزه عن ذلك، وإنما نحن ~~معشر المكلفين لا نستغني عن توفيق الله لنا ولا عن رحمته لجميعنا، فعملنا ms216 ~~إنعام منه، ومجازاتنا عليه إحسان من لدنه، فسبحانه ما أعظم شأنه، وأكثر ~~امتنانه. (ق.96.أ) PageV02P486 # # فصل ### | من أحكام العرب في الجاهلية: وأد البنات # ) (1) # ومن أحكام العرب في الجاهلية وأد البنات، وهو دفنهن أحياء وقتلهن بذلك. # قال الله تعالى: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركآؤهم ~~ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون} ~~[الأنعام: 137]. # والمعنى في الآية (2): إن شركاءهم الذين منهم الشياطين زينوا للمشركين ~~قتل البنات خيفة العيلة والفقر، أو خيفة السباء، ليهلكوهم وليلبسوا عليهم ~~(3) ما كانوا عليه من الدين قبل ذلك (4). # وقوله: {فذرهم وما يفترون} [الأنعام: 137] تهديد وتوعد من الله لهم على ~~ذلك. PageV02P487 # # وقال ابن سلام: كانوا يدفنون بناتهم وهن أحياء خشية الفاقة ويقولون: إن ~~الملائكة بنات الله، والله صاحب بنات، فألحقوا البنات به. # وقال الله تعالى: {ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون} [النحل: ~~57]، أي: ويجعلون لأنفسهم ما يحبونه، وهم البنون، ثم قال: {وإذا بشر أحدهم ~~بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم} [النحل: 58]، أي: محزون، ولذلك يسود وجهه. # وقوله: {يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في ~~التراب} [النحل: 59] معناه: يختفي من القوم من سوء تلك البشرى التي بشر بها ~~في البنت التي ولدت له، ويتراءى مع نفسه فيما يفعل بها هل يتركها حية على ~~ما في ذلك من احتمال الهوان في نفسه أو يدفنها في التراب ويقتلها. # ثم قال: {ألا ساء ما يحكمون} [النحل: 59] أي: ما يحكمون في ذلك فهو حكم ~~سيء، وكيف لا يكون حكما سيئا وهم يخالفون الله تعالى في مراده، فإن الله ~~تعالى خلق الذكر والأنثى لبقاء النسل، فإذا قتل أحد الصنفين وقصد استئصاله ~~انقطع النسل، فكان في ذلك فساد العالم. # ولهذا قال الله تعالى في فرعون: {إنه كان من المفسدين} [القصص: 4] عندما ~~كان يذبح أبناء بني إسرائيل ويستحيي نساءهم. # وقال تعالى: {ويجعلون لله ما يكرهون} [النحل: 62]، أي: يجعلون له (1) ~~PageV02P488 # # البنات وهم يكرهونها. # {وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى} [النحل: 62]، قال مجاهد (1) وقتادة ~~(2): الحسنى ms217 هاهنا هم البنون. # وقال سبحانه: { وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين} [الزخرف: ~~15]، أي جعلوا لله جزءا من خلقه، وهو البنات، وجعلوا لأنفسهم البنين، قال ~~الله لهم: {أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين} [الزخرف: 16]، أي ~~اختصكم بالبنين، وأفرد نفسه بالبنات من جملة ما خلق، وهذا كما قال في ءاية ~~أخرى: { أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملآئكة إناثا} [الإسراء: 40]، ثم ~~عظم قولهم فقال: {إنكم لتقولون قولا عظيما} [الإسراء: 40]. # وقوله: {وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا} ... [الزخرف: 17]، هو كقوله ~~في الآية المتقدمة: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى} [النحل: 58]، بالأنثى ضرب ~~المشركون (3) للرحمن مثلا. # وقوله: {أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين} ... [الزخرف: 18]. ~~معناه: أتخذ من نشأ في الحلي من النساء بنات، وهن لا يبن عن أنفسهن في ~~الخصومة كما يبين الرجال عن أنفسهم، فكيف أصفاكم بالأفضل واصطفى ~~PageV02P489 # # لنفسه الأدون، وهذا على وجه التوبيخ لهم، أي لو كان يفعل ما ذكرتم لاصطفى ~~الأفضل ولم يخصكم به، بل لم يفعل ذلك لنفسه، لأنه منزه عن الولد كما مضى، ~~ولم يفعله بكم على معنى الاختصاص لكم بالبنين، وإنما كل ما يفعله لكم راجع ~~إلى مشيئته فيمن يرزقه البنين أو البنات، كما قال سبحانه: {يهب لمن يشاء ~~إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما ~~إنه عليم قدير} [الشورى: 49] أي عليم بما يريد من ذلك قدير عليه (1). # وقال تعالى: {وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت} [التكوير: 9]. # قال المهدوي في التحصيل: يعني بالموءودة البنت التي تدفن حية، وسميت ~~موءودة لأنها تثقل بالتراب (2). # وسؤال الموءودة على وجه التوبيخ لقاتلها، فسئلت وهي لا تعقل، كما يقال ~~للطفل الذي لا يعقل إذا ضرب: لم ضربت وما ذنبك (3). # وقيل: إنها تكون يومئذ كاملة في العقل. # وقيل: معنى سئلت: سئل عنها، كما قال: إن العهد كان مسؤولا، أي: مسؤولا ~~عنه. # وروي عن علي وابن عباس أنهما قرءا: وإذا الموءودة سألت بأي ذنب قتلت، وهي ~~قراءة حسنة متمكنة المعنى. PageV02P490 # # فصل ### | من أحكام العرب ms218 التحليل والتحريم في المطعومات # ) (1) # ومن أحكام العرب التحليل والتحريم في المطعومات، قال الله تعالى فيما ~~حكاه عنهم: # {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ~~ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه} [الأنعام: 138]. # فقوله: (حجر) أي حرام، ومنه قوله تعالى: {حجرا محجورا} [الفرقان: 22] أي: ~~حراما محرما. # ومعنى ذلك أنهم حرموا ما أشاروا إليه من تلك الأنعام والحرث على سائر ~~الناس حاشى خدمة الأوثان. # وهو معنى قولهم: {لا يطعمها إلا من نشاء} [الأنعام: 138]، فإنهم أحلوا ~~الحرث لخدمة أصنامهم دون من سواهم، وذبحوا لهم ذبائح لا يأكلها غيرهم، هكذا ~~جاء في التفسير (2). PageV02P491 # # وقوله تعالى: {وأنعام حرمت ظهورها} [الأنعام: 138]، يعني البحيرة ~~والسائبة (ق.97.أ) والحامي، وهي التي حرموا ركوبها كما تقدم. # وقوله: {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} [الأنعام: 138]، قيل في ~~التفسير: هي ما يذبحون لآلهتهم لا يذكرون اسم الله عليه (1). # وقيل: كانت البحيرة لا تركب، ولا يحمل عليها شيء ذكر عليه اسم الله (2). # وقيل: هو ما يستحلونه من أكل الميتة. # ونبه الله على أن هذا كله إنما يفعلونه افتراء على الله، وأنه يجزيهم ~~بافترائهم، وذلك يدل على تعذيبهم على ما نذكره. # ثم قال تعالى: {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على ~~أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء} [الأنعام: 139]. # جاء في تفسير هذه الآية: إن الذي تلد تلك الأنعام من ذكر بعد بطون معلومة ~~عندهم يأكله الرجال دون النساء، فإن مات اشتركوا جميعا في أكله. # وعلى قول ابن عباس هو اللبن جعلوه حلالا للذكور وحراما للإناث (3). ~~PageV02P492 # # وقد روي عنه مثل القول الأول. # وقال قتادة (1): هو ألبان البحائر حللوه للذكور وحرموه على الإناث. # والأزواج هم نساؤهم، وقد قيل: هم هاهنا بناتهم. # ثم قال تعالى: {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما ~~رزقهم الله افتراء على الله} [الأنعام: 140]، فأخبر سبحانه بخسران من قتل ~~الأولاد وحرم ما رزقه الله. # وفرق تعالى ما (2) بين هذين الفعلين، فجعل قتل الأولاد سفها ممن فعلوه، ~~أي جهلا ms219 منهم بغير علم عندهم، وجعل تحريم الرزق ممن حرموه افتراء على الله، ~~أي فعلوه افتراء منهم على الله بأن ينسبوا (3) ذلك التحريم إليه سبحانه، ~~ولم يذكر تعالى عنهم هذا المعنى في قتل الأولاد. # وفي الممكن أن يكونوا صنفين: # - فيقتل أحدهما الأولاد. # - ويحرم الصنف الآخر ما رزقهم الله. # ويجوز أن يكون الذين يقتلون أولادهم هم بعينهم يحرمون ما رزقهم الله، لكن ~~يفعلون ذلك باعتبارين مختلفين، فينسبون أحد الحكمين إلى الله دون الثاني. ~~PageV02P493 # # وخرج البخاري (1) من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا سرك أن تعلم ~~جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام: {قد خسر الذين ~~قتلوا أولادهم} [الأنعام: 140]، إلى قوله: {وما كانوا مهتدين} [الأنعام: ~~140]. # ثم قال سبحانه بعد هذا: {ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ~~ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين} [الأنعام: 142]. # وهذا خطاب للمؤمنين بأن يأكلوا مما رزقهم الله ولا يتبعوا خطوات الشيطان ~~في التحريم والتحليل بآرائهم، كما فعله أهل الجاهلية (ق.97.ب) في اتباع ~~شياطينهم بمجرد أهوائهم. # وقوله: {ومن الأنعام حمولة وفرشا} [الأنعام: 142] تقديره: وأنشأ حمولة ~~وفرشا، ولذلك انتصب، إذ هو محمول على قوله: {وهو الذي أنشأ جنات معروشات} ~~[الأنعام: 141]. # والحمولة: ما حمل عليه من الإبل والبقر. # والفرش: ما لم يحمل عليه من الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم (2). # وقال ابن زيد: الحمولة: ما يركب، والفرش: ما يؤكل ويحلب (3). PageV02P494 # # وقوله: الحمولة ما يركب، إشارة إلى ما قال غيره من أن الحمولة كل ما يحمل ~~عليه من الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير، وذلك غير مفهوم الآية، فإن ~~المقصود بها إنما هو الإبل والبقر والضأن والمعز. # دل على ذلك قوله: {ثمانية أزواج} [الأنعام: 143]، إذ جعله بدلا من ~~الحمولة والفرش، ثم فسرها بما ذكرناه، فقال: {من الضأن اثنين ومن المعز ~~اثنين} [الأنعام: 143]، ثم قال: {ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين} ~~[الأنعام: 144]. # ومعنى {ثمانية أزواج} أي: ثمانية أفراد، وهي ذكر وأنثى من هذه الأنواع ~~الأربعة، فتصير ثمانية، وسميت أزواجا لأن كل فرد منها يحتاج إلى غيره، ~~فالذكر ms220 يحتاج إلى أنثى، والأنثى تحتاج إلى ذكر، فكل واحد منهما زوج، أي زوج ~~لصاحبه. # قال الهروي: الزوج في اللغة الواحد الذي يكون معه آخر، والاثنان زوجان، ~~يقال: زوجا خف، وزوجا نعل، والزوجان من الضأن ذكر وأنثى، والرجل زوج ~~المرأة، (والمرأة زوج الرجل) (1). # ثم قال تعالى: {قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام ~~الأنثيين} [الأنعام: 144]، وهذا احتجاج على المشركين في أمر البحيرة وما ~~ذكر في الآيات المتقدمة. PageV02P495 # # ومعنى ذلك: ما الذي حرم (1) عليكم في ما زعمتم ءالذكرين من الضأن والمعز، ~~أم الأنثيين من الضأن والمعز؟ # والنبي - عليه السلام - هو المأمور أن يبلغ ذلك للمشركين بقوله تعالى له: ~~{قل} [الأنعام: 144]. # فإن ادعوا تحريم الذكرين أوجبوا تحريم كل ذكر من ولد الضأن والمعز، وهم ~~لا يفعلون ذلك، بل يستمتعون بلحوم بعض الذكران وظهورها. # وإن ادعوا تحريم الأنثيين أوجبوا تحريم كل أنثى من ولد الضأن والمعز على ~~أنفسهم، وهم لا يفعلون ذلك. # وإن ادعوا تحريم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين من الضأن والمعز أوجبوا ~~على أنفسهم تحريم كل ما يولد من ذكر وأنثى، فبطل عليهم ما ادعوا أن الله ~~حرمه عليهم. # ولذلك قال: {نبؤوني بعلم إن كنتم صادقين} [الأنعام: 143]، وهم لا علم ~~عندهم ولا حجة لهم. # والقول في قوله تعالى: {ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين} [الأنعام: 144] ~~كالقول فيما قبله من ذكر الضأن والمعز. # ثم قال تعالى (2): {أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا} [الأنعام: 144]. ~~PageV02P496 # # معناه: أجاءكم نبيء بما تقولون أم حضرتم (ق.98.أ) ربكم فسمعتم ذلك منه؟. # وهذا على وجه التبكيت لهم والقطع لحجتهم فيما اخترعوه من الأحكام ~~واختلقوه من الكذب. وقد نهى الله تعالى عن ذلك بقوله: {ولا تقولوا لما تصف ~~ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب} [النحل: 116]، ~~ثم أخبر في آخر الآية بعقوبة من يفعل ذلك في المآل على ما (1) سيأتي ذكره. ~~PageV02P497 # # فصل ### | النسي عند العرب # ) (1) # ومن أحكام العرب في التحليل والتحريم ما ذكره الله تعالى في كتابه ~~العزيز، إذ قال: {إنما النسيء زيادة في الكفر ms221 يضل به الذين كفروا يحلونه ~~عاما ويحرمونه عاما ليواطؤوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله} [التوبة: ~~37]. # وكانت النسأة، الذين ينسؤون الشهور على العرب في الجاهلية فيحلون الشهر ~~من أشهر الحرم، ويحرمون مكانه الشهر من أشهر الحل ويؤخرون ذلك الشهر، هم ~~(2) من بني فقيم بن عدي، فخد من كنانة على ما ذكر ابن إسحاق. # قال (3): وكان أول من نسأ الشهور على العرب فأحلت ما أحل وحرمت منها ما ~~حرم القلمس، وهو حذيفة بن عبد بن فقيم، ثم قام بعده على ذلك ابنه عباد بن ~~حذيفة ثم قام بعد عباد: قلع بن عباد، ثم قام بعده أمية ابن قلع، ثم قام ~~بعده عوف بن أمية، ثم قام بعده أبو ثمامة جنادة بن عوف، وكان آخرهم، وعليه ~~قام الإسلام. PageV02P498 # # وكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه فحرم الأشهر الحرم الأربعة: ~~رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، فإذا أراد أن يحل منها شيئا أحل المحرم ~~فأحلوه وحرم مكانه صفر فحرموه ليواطئوا عدة الأربعة الأشهر الحرم. # فإذا أرادوا الصدر قام فيهم فقال: اللهم إني قد (1) أحللت لهم أحد ~~الصفرين: الصفر الأول ونسأت الآخر للعام المقبل، فقال في ذلك شاعرهم (2)، ~~يفخر بالنسأة على العرب من أبيات له. # ألسنا الناسئين على معد ... شهور الحل نجعلها حراما # وقول ابن إسحاق: (قد أحللت لكم أحد الصفرين، ونسأت الآخر) إنما يعني بهما ~~المحرم وصفر، وكانوا يسمونهما الصفرين، فإذا احتاجوا إلى القتال في المحرم ~~أحلوه في ذلك العام، وحرموا صفر، فإذا كان في العام المقبل حرموا المحرم ~~وأحلوا صفر، هكذا جاء عن قتادة (3) وغيره من أهل التفسير. # وذكر مكي في الهداية هذا المعنى ونسبه إلى أبي عبيد، ثم قال: # وقد تأول قوم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا صفر» (4) أنه إنما ~~يعني هذا المعنى. (ق.98.ب) PageV02P499 # # قال مكي: ثم كانوا يحتاجون إلى صفر لقتال فيؤخرون تحريمه إلى ربيع، ثم ~~يتمادون على تحريمه، ثم كذلك يؤخرون من شهر إلى شهر حتى استدار المحرم إلى ~~موضعه الذي وضعه الله به ms222 بعد دهر طويل. # لأنهم كانوا ينتقلون إلى تحريم شهر ويقيمون عليه مدة ثم يحتاجون إلى ~~القتال فيه فأتى الإسلام، وقد رجع الشيء إلى حقه، فذلك قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات ~~والأرض» (1). # فقوله: {يحلونه عاما ويحرمونه عاما} [التوبة: 37] هو أنهم يحلون صفر ثم ~~يحتاجون إلى تحريمه فيحرمونه ويحللون ما قبله، ثم يحتاجون إلى تحليل صفر ~~فيحلونه ويحرمون ما بعده، هكذا كانوا يصنعون. # قال: وقال مجاهد: كانت العرب تحج عامين في ذي القعدة، وعامين في ذي ~~الحجة، فلما حج النبي - عليه السلام - كان الحج تلك السنة في ذي الحجة، فهو ~~معنى قوله تعالى: {ولا جدال في الحج} [البقرة: 197]. # أي: قد استقر في ذي الحجة فلا جدال فيه، انتهى ما ذكره مكي. # وقد ظهر بما تقدم أن الذين ينسؤون الشهور كانوا في الجاهلية، وأن النسي ~~كان من أفعالهم فيها. # فقول الله تعالى: {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة: 37] من أدل دليل ~~على أن الذين كانوا يفعلونه كفار. # وهذا الفعل منهم زيادة في كفرهم، وذلك ينسحب على أهل الجاهلية من ~~الفاعلين وغيرهم حسبما يأتي ذكره. PageV02P500 # # فصل ### | الاستقسام بالأزلام عند العرب # ) (1) # ومن أحكام العرب في الجاهلية الاستقسام بالأزلام، وقد سماه الله تعالى ~~فسقا، وجعله رجسا من عمل الشيطان. # والعجب من قريش كيف صورت إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام، وهما ~~بريئان من ذلك، خرج البخاري (2) عن ابن عباس - رضي الله عنه - (3) أن رسول ~~الله (4) - صلى الله عليه وسلم - لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت، وفيه ~~الآلهة فأمر بها فأخرجت وأخرجت صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما من ~~الأزلام، فقال: «قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط»، ثم دخل البيت ~~فكبر في نواحيه. # فقريش في ذلك مكابرة إذ فعلت في نسبة الأفعال التي هي رجس من عمل الشيطان ~~إلى من هو مصطفى عند الله تعالى بخلاف علمها، فإنها تعلم أن النبيين ~~المختارين لم يفعلا ذلك قط بإعلام النبي - عليه السلام - لنا بذلك، وما ~~عملت PageV02P501 # # قريش في ذلك ms223 ما عملت إلا لتحسن فعلها في الاستقسام بالأزلام (ق.99.أ) عند ~~من يقف على صورة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ويرى بأيديهما الأزلام من ~~العرب وغيرهم. # وقد نهى الله عز وجل عن الاستقسام بالأزلام فقال: {وأن تستقسموا بالأزلام ~~ذلكم فسق} [المائدة: 3]، معناه: وحرم عليكم أن تستقسموا بالأزلام، إذ عطفه ~~على المحرمات، وقال في موضع آخر: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} [المائدة: 90]. # والاستقسام (1) مشتق من القسم الذي هو مصدر قسم الرجل يقسم: إذا أفرز ~~قسما من قسم (بكسر القاف) أي نصيبا من نصيب، فكأنهم يطلبون بالاستقسام ما ~~تخرجه لهم القداح (2) من القسم والحظ الذي يقفون عنده ويرضون به. # ومثاله: الاستسقاء، لأنه استدعاء السقي وطلبه. # وجاء في التفسير أن (3) الأزلام (4) هي (5) القداح، واحدها زلم وزلم ~~(بفتح الزاي وضمها) كانت العرب تستقسم بها عند الأمور إذا همت بها من ~~PageV02P502 # # سفر أو غير ذلك، وكان مكتوبا على واحد منها: "افعل"، وعلى الآخر: "لا ~~تفعل"، والثالث: غفل، لا كتاب عليه. # فإذا أداروا القداح وخرج الذي عليه: "افعل" مضى لحاجته، وإذا خرج الذي ~~عليه: "لا تفعل" توقف عنها، وإن خرج الغفل أعاد الضرب. # وقال ابن إسحاق (1): "كان هبل أعظم صنم لقريش بمكة، وكان على بئر في جوف ~~الكعبة، وكانت تلك البئر التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة، وكان عند هبل قداح ~~سبعة، كل قدح منها (2) فيه كتاب: قدح فيه العقل، إذا اختلفوا في العقل من ~~يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة، فإن خرج العقل فعلى من خرج حمله. # وقدح فيه: "نعم" للأمر، إذا أرادوه يضرب به في القداح. فإن خرج قدح "نعم" ~~عملوا به. # وقدح فيه: "لا" إذا أرادوا أمرا ضربوا به في القداح، فإذا خرج ذلك القدح ~~لم يفعلوا ذلك الأمر. # وقدح فيه: منكم، وقدح فيه: ملصق، وقدح فيه: من غيركم، وقدح فيه: المياه، ~~إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح، وفيها ذلك القدح فحيث ما خرج ~~عملوا به. # وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما، أو ينكحوا منكحا، أو ms224 يدفنوا ميتا، أو ~~شكوا في نسب أحدهم ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم وجزور فأعطوه PageV02P503 # # صاحب القداح الذي يضرب بها، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون ثم ~~قالوا: يا إلاهنا هذا فلان بن فلان قد أردنا به كذا وكذا، فأخرج الحق فيه. # ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب، فإن خرج عليه "منكم"، (ق.99.ب) كان منهم ~~وسيطا، وإن خرج عليه: "من غيركم" كان حليفا، وإن خرج عليه: "ملصق" كان على ~~منزلته فيهم لا نسب له ولا حلف، وإن خرج فيه شيء مما سوى هذا مما يعملون به ~~من "نعم" عملوا به، وإن خرج: "لا"، أخروه (1) عامه ذلك حتى يأتوه به مرة ~~أخرى، ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت له القداح. # وذكر (2) أن عبد المطلب فعل هكذا ببنيه إذ أراد أن يذبح أحدهم لنذر كان ~~قد نذره، فإنه أمرهم أن يأخذ كل رجل منهم قدحا، ويكتب عليه اسمه، ثم يأتوه ~~جميعا بها، فلما فعلوا ذلك دخل بهم على هبل في جوف الكعبة، وقال لصاحب ~~القداح: اضرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه فخرج القدح على عبد الله والد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم افتداه بالإبل في حديث طويل. # وكان القدح يخرج على عبد الله والإبل تزاد عشرا فعشرا حتى بلغت الإبل ~~مائة، وعبد المطلب في كل ذلك يدعو الله عند هبل، فلما انتهى الأمر إلى مائة ~~من الإبل خرج القدح عليها فنحرت وتركت لا يصد عنها أحد. PageV02P504 # # وهكذا ذكر (1) عن عبد المطلب أيضا أنه فعل حين حفره لزمزم، إذ وجد فيها ~~ما دفنته هنالك جرهم من الأسياف والأدراع والغزالين من الذهب، فإنه ضرب ~~عليها بالقداح عند هبل هو وقريش إذ نازعوه في ذلك، فخرج الغزالان للكعبة ~~والأسياف والأدراع لعبد المطلب دون قريش، فضرب عبد المطلب الأسياف بابا ~~للكعبة وضرب في الباب الغزالين من الذهب. # فانظر كيف جعل أهل الجاهلية من قريش وغيرهم أحكامهم في الدماء والأموال ~~إلى الاستقسام بالأزلام من غير شريعة متبعة. # وفي ذلك من الجزاف في الأحكام ومن ms225 الخطر في الأمور ما لا خفاء به (2). ~~PageV02P505 # # فصل ### | اختراع قريش أحكاما في الجاهلية وحمل العرب عليها # ) (1) # اخترعت قريش لأنفسها أحكاما في الجاهلية بحسب تحسين عقولها لها، وحملت ~~العرب على ما شاءت من الأحكام فدانوا بها. # ذكر ذلك ابن إسحاق فقال (2): وقد كانت قريش لا أدري أقبل الفيل أو بعده ~~ابتدعت أمر الحمس رأيا رأوه وأداروه، فقالوا: نحن بنو إبراهيم، وأهل الحرمة ~~وولاة البيت وقاطنو مكة وساكنوها، فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل ~~(ق.100.أ) منزلتنا، ولا تعرف له (3) العرب مثل ما تعرف لنا، فلا تعظموا ~~شيئا من الحل كما تعظمون (4) الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب ~~بحرمتكم. # وقالوا: قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم فتركوا الوقوف على عرفة ~~والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم - ~~صلى الله عليه وسلم -، ويرون لسائر العرب أن يقفوا عليها وأن يفيضوا منها. ~~PageV02P506 # # إلا أنهم قالوا نحن أهل الحرم فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة ولا نعظم ~~غيرها، كما نعظمها نحن الحمس، والحمس أهل الحرم، ثم جعلوا لمن ولدوا من ~~العرب من ساكني الحل والحرم مثل الذي لهم بولادتهم إياهم يحل لهم ما يحل ~~لهم، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم، وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك. # قال ابن إسحاق (1): ثم ابتدعوا في ذلك أمورا لم تكن لهم حتى قالوا: لا ~~ينبغي للحمس أن يأتقطوا الأقط ولا يسألوا السمن وهم حرم، ولا يدخلوا بيتا ~~من شعر، ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرما. # ثم رفعوا في ذلك فقالوا لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به ~~معهم من الحل إلى الحرم إذا جاؤوا حجاجا أو عمارا، ولا يطوفوا بالبيت إذا ~~قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس. # فإن لم يجدوا منها شيئا طافوا بالبيت عراة، فإن تكرم منهم متكرم من رجل ~~أو امرأة، ولم يجد ثياب الحمس (2) فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل ~~ألقاها إذا فرغ ms226 من طوافه، ثم لم ينتفع بها ولم يمسها هو ولا أحد غيره أبدا. # فكانت العرب تسمي تلك الثياب: اللقى، فحملوا على ذلك العرب فدانوا به ~~ووقفوا على عرفات وأفاضوا منها وطافوا بالبيت عراة، أما الرجال فيطوفون ~~عراة، وأما النساء فتضع إحداهن ثيابها كلها إلا درعا مفرجا عليها ثم تطوف ~~فيه، فقالت امرأة من العرب وهي كذلك تطوف بالبيت: PageV02P507 # # اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله (1) # ومن طاف منهم في ثيابه التي جاء فيها من الحل ألقاها فلم ينتفع بها هو ~~ولا غيره. # فقال قائل من العرب يذكر شيئا تركه من ثيابه فلم يقربه وهو يحبه: # كفى حزنا كربي عليه كأنه ... لقى بين أيدي الطائفين حريم # يقول: لا يمس. # فكانوا كذلك حتى بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله عليه ~~حين أحكم له دينه وشرع له سنن حجه: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا ~~الله إن الله غفور رحيم} ... [البقرة: 199]، يعني قريشا، والناس العرب، ~~فرفعهم في سنة الحج إلى عرفات والوقوف عليها والإفاضة منها. # وذكر عن جبير بن مطعم قال (2): لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قبل أن ينزل عليه الوحي وإنه لواقف على بعير له بعرفات مع الناس من بين ~~قومه حتى يدفع معهم منها توفيقا من الله له - صلى الله عليه وسلم -، قال: ~~وأنزل الله عليه فيما كانوا حرموا على الناس من طعامهم ولبوسهم عند البيت ~~حين طافوا به عراة وحرموا ما جاؤوا به من الحل من الطعام: {يا بني آدم خذوا ~~زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين قل من ~~حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات PageV02P508 # # من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك ~~نفصل الآيات لقوم يعلمون} [الأعراف: 3132]. # فوضع الله أمر الحمس وما كانت قريش ابتدعت منه عن الناس بالإسلام حين بعث ~~الله به رسوله - صلى الله عليه وسلم -. # PageV02P509 # # فصل # ولأهل الجاهلية أحكام مخترعة في غير ما شيء ms227 بحسب اختياراتهم، وقد مضى ~~منها في تحريم المأكل وغير ذلك ما مضى. # ومن جملة ذلك ما حللوه لأنفسهم مما حرمه الله في كتابه أو على لسان ~~رسوله: كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وما ذبح على ~~النصب، وهي حجارة كانوا يعبدونها، وكالخمر، والميسر، وأنواع أخر، مثل: نكاح ~~الشغار في بابه (1)، ومثل ما يكون من الغرر في أبواب البيوع كبيع الملامسة، ~~والمنابذة، والمناجشة، وبيع الحصاة، وكبيع المضامين، والملاقيح، وحبل ~~الحبلة، وغير ذلك، مما لا نطول بذكره (2). # إذ لم نقصد فيما ذكرناه عنهم النظر في الجزئيات من أحكامهم، وإنما قصدنا ~~إلى ذكر الكليات من أفعالهم التي ذهبوا بها إلى إحداث الشرائع وابتداع ~~الأحكام. # وربما كان الشيء عندهم حلالا ثم يحرمونه لعارض يعرض لهم، كما كانوا ~~يفعلونه بالخمر، فإن من كان له عند قوم ترة يطلبهم بها حرم الخمر على نفسه ~~حتى يدرك ثأره، وحينئذ تحل له، وذلك موجود في أشعارهم. PageV02P510 # # قال امرؤ القيس: # حلت لي الخمر وكنت امرءا ... عن شربها في شغل شاغل # (ق.101.أ) وقال الشنفرى: # حلت الخمر وكانت حراما ... وبلاي ما ألمت تحل # وقد كان عندهم في الجاهلية الوقوف في مشكلات أمورهم عندما يقوله الكاهن ~~أو العراف من الرجال والنساء مما تلقيه الشياطين على ألسنتهم ويقذفونه ~~إليهم، {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم} [الأنعام: 121]. # والحكايات في ذلك مشهورة قد ذكرت في السير وغيرها. # وقد قطع الله سبحانه تلك الأحكام وأبطل جميعها بالإسلام، ولله الحمد ~~والمنة. # PageV02P511 # ### | باب في حكم (1) هذا القسم: # قد قررنا في الفصول المتقدمة أفعال أهل الجاهلية في عبادة الأوثان ~~واختراع الأحكام , وأبرزنا فيها تلك الأفعال فعلا فعلا، ونسبنا ما ذكره ~~الأخباريون في ذلك إليهم, وأتينا بما ذكره الله سبحانه من ذلك في كتابه ~~العزيز، ليعلم شدة جرأتهم على الله تعالى في الإشراك به على أنواع من الشرك ~~وضروب من التحكم في دياناتهم. # ونحن الآن نتكلم في الحكم اللاحق بهم على ما فعلوه من ذلك في الجاهلية ~~بحسب ما يظهر من الشريعة. # فنقول والله الموفق للصواب: وجدنا الشرع ms228 قد سماهم بالمشركين, ونسب الشرك ~~إليهم في جاهليتهم , وأطلق لفظ (2) الكفر في حقهم. وقبل أن نذكر الآيات ~~المتضمنة لذلك من الكتاب العزيز والأحاديث الواردة عن النبي - عليه السلام ~~- في هذا المعنى فلنجعل قاعدة تكون أصلا في الباب، ليعرف بها وجه استدلالنا ~~على ما نستدل عليه. # وذلك أن الحجة إذ كان النبي - عليه السلام - بمكة إنما قامت على قريش ~~الساكنين بها ومن جاورهم فقط , وأما سائر العرب الذين نأوا عنهم فلم ~~PageV02P512 # # تقم الحجة عليهم إلا بالمدينة، إذ كان النبي - عليه السلام - فيها بحال ~~أمن وطمأنينة في الدعوة إلى الله. # وإذا تبين هذا بنينا عليه ما نحتاج فيما نحن بسبيله إليه فلنبسط ما ~~ذكرناه , فنقول: # إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت له بعد المبعث حالتان: حالة بمكة ~~قبل الهجرة، وحالة بالمدينة بعد الهجرة. # فأما الحالة الأولى إذ كان بمكة فهي على ما نصفه: كانت بينه وبين قومه ~~قريش مباعدة كثيرة ومنافرة شديدة , لكنه احتمى منهم بعمه أبي طالب, ~~(ق.101.ب) ثم بعمه حمزة وبعمر بن الخطاب عندما أسلما, فلما لم تقدر قريش ~~على أن تصل إليه بمكروه جعلت تكذبه وتنفر الناس عنه. # ذكر ابن إسحاق (1) أن الوليد بن المغيرة أخذ مع قريش عندما حضر الموسم ~~فيما يقولون لسائر العرب عن النبي - عليه السلام - حتى لا يختلف قولهم ~~فيؤخذ عليهم الكذب في أمره، فذكروا أنهم يقولون إنه كاهن وإنه شاعر وإنه ~~ساحر، فقال لهم: ما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب ~~القول فيه لأن تقولوا: ساحر جاء بقول هو سحر, يفرق به بين المرء وأبيه وبين ~~المرء وزوجه وبين المرء (2) وعشيرته فتفرقوا عنه بذلك, فجعلوا يجلسون بسبل ~~الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا له أمره، ~~وكان هذا الفعل منهم في أوائل المبعث. PageV02P513 # # ثم قال ابن إسحاق (1): بعد نقض الصحيفة وذلك بعد المبعث بسنين فكان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - على ما يرى من قومه يبذل لهم النصيحة ويدعوهم ~~إلى النجاة مما ms229 هم فيه، وجعلت قريش حين منعه الله منهم يحذرونه الناس ومن ~~قدم عليه من العرب. # وذكر (2) قصة الطفيل بن عمرو الدوسي وتحذير رجال من قريش له أمر النبي - ~~عليه السلام - , وقولهم إن قوله كالسحر يفرق بين المرء وزوجه، وأمرهم إياه ~~بأن لا يكلمه ولا يسمع منه حتى جعل الكرسف في أذنه, لئلا يسمع قوله, وأبى ~~الله إلا أن يسمعه بعض قراءة النبي - عليه السلام - , وهو يصلي عند الكعبة, ~~فلما سمعها كان ذلك سببا إلى أن اجتمع مع النبي - عليه السلام - في بيته ~~فعرض عليه الإسلام فأسلم. # ثم ذكر ابن إسحاق أن النبي - عليه السلام - بعد موت عمه أبي طالب ورجوعه ~~من الطائف ودخوله مكة في جوار المطعم بن عدي, وذلك على مقربة من الهجرة كان ~~يعرض نفسه في المواسم إذا كانت على قبائل العرب يدعوهم إلى الله ويخبرهم ~~أنه نبي مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به (3). ~~PageV02P514 # # وذكر (1) عن ربيعة بن عباد قال: إني لغلام شاب مع أبي بمنى ورسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقف على منازل القبائل من العرب فيقول: «يا بني فلان ~~إني رسول الله إليكم يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا, وأن تخلعوا ~~ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد , وأن تؤمنوا بي وتصدقوني وتمنعوني حتى ~~أبين عن الله عز وجل ما بعثني به». # قال: وخلفه رجل أحول وضيء له غديرتان , عليه حلة عدنية, فإذا فرغ ~~(ق.102.أ) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله وما دعا إليه قال ذلك ~~الرجل: يا بني فلان إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من ~~أعناقكم، وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة ~~والضلالة فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه. # قال: فقلت لأبي: ياأبة من هذا الرجل الذي يتبعه يرد عليه ما يقول؟ قال: ~~هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب أبو لهب. # وذ كر ابن إسحاق (2) أن اجتماع النبي - عليه السلام - مع الأوس ms230 والخزرج ~~بالليل إذ بايعوه بالعقبة على نصرتهم له وحمايتهم إياه إنما كان سرا من ~~قريش وعن غير علم منهم، ثم إنهم سألوهم عن ذلك بعدما أصبح فأنكروه لهم، ~~فلما تبين لقريش صحة ذلك بعد رحيلهم تبعوهم فأدركوا منهم سعد بن عبادة ~~PageV02P515 # # فصرفوه إلى مكة وضربوه وأهانوه حتى استنقذه بعضهم لمعرفة تقدمت بينه ~~وبينهم. # فإذا كانت قريش تعامل النبي - صلى الله عليه وسلم - من أول مبعثه إلى ~~هجرته هذه المعاملة من التكذيب له وتنفير الناس عنه وتخويف من آمن به فيلزم ~~عن ذلك أن يكون من يحضر الموسم من العرب قد يلتبس عليهم أمر النبي - عليه ~~السلام - فلا تقوم الحجة عليهم كما ينبغي، وإن كان فيهم من قامت عليه الحجة ~~بسماع القرآن منه ومعرفة السامعين له بإعجازه فيتجه ذلك في بعض من حضر ~~الموسم لا في كلهم. # لكون الناس متباينين في الذكاء والفطنة، فقد أرسل أبو ذر الغفاري أخاه ~~إلى مكة عندما بلغه مبعث النبي - عليه السلام - وقال له: اعلم لي علم هذا ~~الرجل الذي يزعم أنه نبي، فتوجه أخوه إلى مكة، ثم رجع فقال: رأيته يأمر ~~بمكارم الأخلاق وكلاما ما هو بالشعر فقال له أبو ذر: ما شفيتني مما أردت ~~(1). # وقد صدق أبو ذر في هذا القول، إذ ليس فيه ما يؤذن بالنبوة، ثم توجه أبو ~~ذر بنفسه حتى لقي النبي - عليه السلام - وسمع قوله فأسلم حينئذ. # وذلك يدل على ما كان بينه وبين أخيه في الفهم من المباينة. # ثم إن من يحضر الموسم من العرب هم الأقل بالإضافة إلى من بقي منهم في ~~قبائلهم، فإذا انصرفوا إليهم بعد حضور الموسم وأخبروهم بذكر النبي - عليه ~~السلام -، فلا بد أن يخبروهم بحاله مع قريش، وذلك مما يشوش على السامعين ~~أمر النبي - عليه السلام - ويعتقدون أنه لو كان محقا لاتبعه قومه. ~~PageV02P516 # # ومقصودنا من هذا كله تبيين ما ذكرناه من كون الحجة لم تقم على كافة ~~العرب، إذ كان النبي - عليه السلام - (ق.102.ب) بمكة. # فإن قيل: إنما استندتم (1) في هذا المعنى إلى ما ms231 ذكر ابن إسحاق، وتلك ~~الأخبار إنما هي من أقاصيص السير، فليس ينبغي أن تجعل قاعدة يبنى عليها ~~الأصل الذي ذكرتم. # قلنا: نحن نعلم قطعا أن حالة النبي - عليه السلام - كانت بمكة على نحو ~~مما قال ابن إسحاق، وإن لم نعلم ما ذكره من تلك الأخبار على التعيين، فإن ~~القرآن قد نطق بتكذيب قريش له، قال الله تعالى: {فإن كذبوك فقل لي عملي ~~ولكم عملكم} [يونس: 41]، وقال: {و إن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك} [فاطر: ~~4] وقال: {ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه} [النحل: 113]، وقال: {قل إني على ~~بينة من ربي وكذبتم به} [الأنعام: 57]، وقال: {بل كذبوا بما لم يحيطوا ~~بعلمه} [يونس: 39] (2) وقال: {وكذب به قومك وهو الحق} [الأنعام: 66]. # ونطق القرآن بنسبتهم إليه الكهانة والجنون والشعر، قال الله تعالى (3): ~~{فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون أم يقولون شاعر نتربص به ريب ~~المنون} [الطور: 29 - 30]. PageV02P517 # # وقال تعالى: {إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا ~~بقول كاهن قليلا ما تذكرون} [الحاقة: 40 - 41 - 42] (1) وقال: {وما صاحبكم ~~بمجنون} [التكوير: 22] وقال: {ما بصاحبكم من جنة} [سبأ: 46]. # وذكر تعالى عنهم أنهم قالوا عن القرآن إنه أساطير الأولين، وقالوا فيه ~~إذا تلي عليهم: {إن هذا إلا سحر مبين} [الصافات: 15]. # وقال زعيم منهم (2): {إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر} ... ~~[المدثر: 2425]. # وقال تعالى فيما أرادوا أن يفعلوه بالنبي - عليه السلام -: {وإذ يمكر بك ~~الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} [الأنفال: 30]، ومعنى ليثبتوك ~~ليسجنوك. # ولا يأتمرون بينهم في هذه الثلاثة الأشياء إلا وهم الظاهرون بمكة، ~~والغالبون على أمرها. # ولأجل ذلك اتفقوا على معاداة بني هاشم حتى دخلوا هم وبنو المطلب في الشعب ~~وكتبوا بينهم الصحيفة وعلقوها في الكعبة , ولم يلق النبي - عليه السلام - ~~وعشيرته أشد من ذلك لأجل الجهد الذي أصابهم، إذ كانوا لا يبايعونهم، وبسبب ~~ظهور صناديد المشركين بمكة واستيلائهم على من دونهم من قبائلهم كانوا ~~يعذبون من يؤمن منهم بالنبي - عليه السلام - ليفتنوهم عن دينهم. ~~PageV02P518 # # وذلك هو ms232 السبب في هجرة من هاجر من المؤمنين إلى أرض الحبشة ليعبدوا الله ~~تعالى بها آمنين من غير أن يجدوا من يفتنهم عن دينهم، وكان ذلك بأمر النبي ~~- عليه السلام -، إذ قال لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإنها أرض صدق، حتى ~~يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه»، ففعل الله ذلك بهم، وأقدمهم على رسوله ~~بالمدينة آمنين مطمئنين حين فتح الله عليه خيبر. # وكذلك أمر النبي - عليه السلام - أصحابه الذين بقوا معه بمكة أن يهاجروا ~~إلى المدينة قبل هجرته. # وقد نقل إلينا بالتواتر أنه - عليه السلام - هاجر إلى المدينة (ق.103.أ) ~~هو وأصحابه واتخذوها دار قرار وموضع استيطان، ولو كان بمكة آمن السرب قرير ~~العين لم يخرج منها , كما قال - عليه السلام - لمكة في حديث: «أما والله ~~إني لأعلم أنك أحب البلاد إلى الله، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجت» ~~(1). # وكان خروجه - صلى الله عليه وسلم - مع صاحبه أبي بكر من مكة على حال خفية ~~من قريش، ولذلك لجأ إلى الغار فأقاما فيه ثلاثا. PageV02P519 # # وقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز كونهما في الغار حيث قال: {إلا ~~تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ ~~يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} [التوبة: 40]. # فأخبر سبحانه بأنهم أخرجوه من مكة، وأخبر بأنه - عليه السلام - كان يشجع ~~صاحبه في الغار وينهاه عن الحزن ويخبره (1) بأن الله معهما، يعني بذلك أن ~~الله يأخذ بأعين قريش عنهما عند اتباعهم لهما حتى (2) لا يعثروا على ~~موضعهما. # يدل على هذا التأويل أن أنس بن مالك روى عن أبي بكر قال: قلت للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ونحن في الغار: لو أن أحدهم ينظر إلى قدميه لأبصرنا تحت ~~قدميه, قال: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (3). # وليس معنى قوله: {إذ أخرجه الذين كفروا} [التوبة: 40] أنهم أخرجوه حقيقة ~~بأن أزعجوه عن مكة حتى خرج منها جهارا، وإنما معناه أنهم اضطروه إلى الخروج ~~بالتكذيب له والاستهزاء به والتتبع لأمره، وذلك ms233 هو معنى قوله - عليه السلام ~~- في الحديث المتقدم: «ولولا أن قومي أخرجوني منك ماخرجت». PageV02P520 # # فقد ثبت بما ذكرناه من هذه الطرق الصحيحة والمقطوع بها صحة معنى (1) ما ~~ذكره ابن إسحاق، وبان بذلك ما ذهبنا إليه من أن تلك الحالة تمنع من قيام ~~الحجة بمكة على سائر العرب بأجمعهم. # الحالة الثانية: هي حالة النبي - عليه السلام - بالمدينة بعد الهجرة ~~وكانت على ضد حالته بمكة, قد أبدل الله له فيها حالة الخوف بالأمن، وحالة ~~التكذيب بالتصديق، وحالة الخذلان له بالنصرة التامة. # إذ قيض الله له أصحابا وأنصارا وأعوانا على الحق، يقفون عند أمره، ~~وينقادون لطاعته، ويستسلمون لحكمه، ويقاتلون عنه من عاداه (2)، وينصرونه ~~على كل من ناوأه، وهم المهاجرون الذين آمنوا به من قومه قريش (وغيرهم) (3)، ~~والأنصار من (أهل المدينة) (4) الذين هم الأوس والخزرج. # قال الله تعالى: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون} ~~[الحشر: 8]. # فأخبر الله عن المهاجرين أنهم ينصرون الله ورسوله إلا أن الله (ق.103.ب) ~~تعالى لم يسمهم بالأنصار وسماهم بالمهاجرين لهجرتهم عن أوطانهم، وليفرق ~~سبحانه بينهم وبين الأوس والخزرج الذين خصهم باسم PageV02P521 # # الأنصار، سئل أنس بن مالك فقيل له: أكنتم تسمون بالأنصار في الجاهلية أو ~~هو اسم سماكم الله به؟ فقال: بل هو اسم سمانا الله به (1). # وهذا كما قال، فإنه لا يعرف لهم هذا الاسم إلا في الإسلام، قال الله ~~تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} [التوبة: 100]، وقال: ~~{لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} ~~[التوبة: 117]. # ويبين ذلك قوله: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في ~~سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض} [الأنفال: 72]. ~~وقوله: {والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا ~~أولئك هم المؤمنون حقا} [الأنفال: 74]. # فإنه سبحانه وصف صنفين من المؤمنين: أحدهما بأنهم هاجروا وجاهدوا وهؤلاء ~~هم المهاجرون. # والثاني: بأنهم آووا ونصروا, وهذه هي (2) صفة الأنصار الخاصة بهم. # ففي هذه الحالة قامت الحجة على سائر ms234 العرب كافة، إذ ظهرت معجزته - عليه ~~السلام - عند جميعهم، وانتشرت دعوته وأمن أتباعه، والقرآن يأخذه عنه - صلى ~~الله عليه وسلم - من آمن به من سائر القبائل ويبثونه في بلادهم وعند ~~عشائرهم، وسراياه تغزو المشركين منهم، فسرى الإيمان في قبائل العرب ودخل في ~~PageV02P522 # # الإسلام كثير منهم حتى اختلط المسلمون منهم بالمشركين بكونهم كانوا ~~ينزلون الصحاري والفلوات، فكانت الأمارة المفرقة بينهم الأذان. # فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - (1) كان إذا غزاهم لا يغير حتى يطلع ~~الفجر، وكان يستمع الأذان, فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار, ثم لما كان بعد ~~فتح مكة دخل الناس في دين الله أفواجا، كما قال تعالى، فلم يتوف الله رسوله ~~- صلى الله عليه وسلم - إلا وقد أسلم جميع قبائل العرب ولم يبق للشرك فيهم ~~موضع. # ومن ارتد منهم بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - قاتلهم أبو بكر حتى ~~عاودوا الإسلام طوعا وكرها. # واقتصارنا هاهنا على أن الحجة قامت بالمدينة على كافة العرب, إنما هو ~~بالنظر إلى احتياجنا إلى ذلك في الحكم اللاحق بهم على عبادة الأوثان حسبما ~~نذكره، وإلا فقد قامت الحجة حينئذ على جميع من بلغته الدعوة من الملوك ~~وغيرهم، إذ كان النبي - عليه السلام - يعم بدعوته الجميع، فمنهم من يرسل ~~إليه رسولا، أو يكتب إليه كتابا، ومنهم من يباشر دعوته، وذلك بحسب ما يتأتى ~~في تبليغ الدعوة. # والكلام على (ق.104.أ) تنويع هذا وبسطه ليس من غرضنا الآن. PageV02P523 # # فصل # فإذ وتبين (1) ما أردناه من كون العرب لم تقم الحجة (2) على جميعهم بمكة ~~وإنما قامت عليهم بالمدينة، فلنرجع إلى ما كنا فيه فنقول: # إن الكتاب العزيز ينقسم إلى مكي ومدني: فالمكي منه ما نزل بمكة قبل ~~الهجرة، وهو الأكثر. # والمدني ما نزل منه بعد الهجرة سواء نزل بالمدينة أو نزل على النبي - ~~عليه السلام - وهو في سفر. # والله تعالى يطلق على العرب في القرآن بأنهم مشركون وكفار، ونحن نفصل ذلك ~~في المكي والمدني، ونقسم كل واحد منهما إلى قسمين، فنقول: # أما المكي فإن الله تعالى إذا أخبر فيه ms235 عن العرب بالشرك والكفر فلا يخلو ~~أن يكون المقصود به قريشا أو ينسحب ذلك القول على قريش وغيرهم من سائر ~~العرب. # فأما ما يكون المقصود به قريشا أو يكون الظاهر فيه ذلك فإنا لا نحتج به ~~في هذا الباب الذي نحن بصدده، لأن إطلاق الشرك والكفر عليهم هو PageV02P524 # # حقيقة لأجل أن (1) الحجة قد قامت عليهم بكون النبي - عليه السلام - بين ~~أظهرهم، وهو يصدع بما أمره الله به ويسمعهم القرآن امتثالا لأمر الله تعالى ~~له بذلك، إذ قال: {فاصدع بما تؤمر} [الحجر: 94]. والآية مكية، فمن لم يؤمن ~~حينئذ فهو كافر بالنبي - عليه السلام - وبما جاء به من عند الله. # ومثال ما نزل بمكة من القرآن فيما ذكرناه قول الله تعالى: {وقال الذين ~~كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} [فصلت: 26]، وقوله: ~~{وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر ~~مبين} [الأحقاف: 7]، وقوله: {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون} ~~[الكافرون: 1 - 2]، وقوله: {وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم ~~بالآخرة هم كافرون} [فصلت: 6]، وقوله: {وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا ~~القرآن ولا بالذي بين يديه} [سبأ: 31]، وقوله: {وقال الذين كفروا للذين ~~آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم} [العنكبوت: 12]، وقوله: {وما يجحد ~~بآياتنا إلا الكافرون} [العنكبوت: 47]، {وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون} ~~[العنكبوت: 49]، وقوله: {والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم ~~الخاسرون} [العنكبوت: 52]، وقوله: {وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا ~~هزوا} [الأنبياء: 36]، وقوله: {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة ~~واحدة} [الفرقان: 32]، PageV02P525 # # وقوله: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون} [الأنعام: 1]. # فهذه الآيات أكثرها يعلم بسياق الكلام فيها أن المقصود بها (ق.104.ب) ~~قريش. # ومنها ما يكون الظاهر فيها ذلك. # وأما (1) ما ينسحب على قريش وغيرهم من العرب فيما نزل من القرآن بمكة ~~فذلك مما نحتج به في مسألتنا، لأن الله تعالى إذا أطلق على جميعهم الإشراك ~~والكفر، وفيهم من قامت عليه الحجة، ومن لم تقم عليه علمنا ms236 بذلك أن حكمهم في ~~الإشراك واحد من حيث اجتمعوا في عبادة الأوثان وجعلوا مع الله شركاء. # ومثل ذلك قوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: ~~106]. # فإن هذه الآية نزلت فيما كانت قريش وغيرهم يفعلونه في الجاهلية عند ~~التلبية، إذ كانوا يقولون فيها: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك (2). # ومما يدل على أن الآية ليس المقصود بها قريش فقط أن قبلها: {وما أكثر ~~الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف: 103]، فما جاء بعدها من الآيات انعطف عليها ~~ورجع الضمير فيها كلها إلى عموم الناس. PageV02P526 # # وقد أطلق سبحانه عليهم لفظ الإشراك، ومن ذلك قوله تعالى: {وكذلك زين ~~لكثير من المشركين قتل أولادهم شركآؤهم} [الأنعام: 137] فقد أخبر الله ~~تعالى أن قتل الأولاد زين لكثير من المشركين وأطلق عليهم لفظ الإشراك وهم ~~منتشرون في قبائل العرب وإن يكن في قريش منهم شيء فنادر، لأنهم لم يكونوا ~~معروفين بذلك وقد نقل أن الوأد لم يكن فيهم البتة، وأخبر الله تعالى أن ~~الذين (1) زين ذلك للمشركين هم شركاؤهم. # وجاء في التفسير أنهم الشياطين (2)، وقد كانوا يعبدونهم في الجاهلية كما ~~تقدم، وتوعد الله تعالى من نزلت هذه الآية فيهم بقوله في آخرها: {فذرهم وما ~~يفترون} [الأنعام: 112]. # وسيأتي الكلام على افتراء المشركين في الجاهلية على الله وما كانوا ~~ينسبونه إليه سبحانه من أحكامهم وأفعالهم، على أنه قد مضى من ذلك ذكر عند ~~سياق الآيات في التحليل والتحريم. # ومن ذلك قول الله تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ~~آباؤنا ولا حرمنا من شيء} [الأنعام: 148]، فأطلق سبحانه الإشراك على آباء ~~المشركين الذين كانوا في الجاهلية وماتوا قبل الإسلام، ونسب ذلك إلى من ~~PageV02P527 # # قاله من المشركين، فإن كانوا قريشا فقد أقروا على آبائهم (1) بالإشراك، ~~وإن كانوا غيرهم من سائر العرب فكذلك. # وكيفما كان فقد أطلق لفظ الإشراك على من لم تقم عليه الحجة. # وأما المدني من القرآن فينقسم أيضا باعتبار ما نحن بسبيله إلى قسمين: # أحدهما: أن يعنى بالمشركين والكفار من كان حينئذ في ms237 قيد (ق.105.أ) الحياة ~~فهذا لا نحتج به، لأن إطلاق الكفر والشرك عليهم إنما هو بعد انتشار الشريعة ~~في قبائلهم وثبوت الحجة عليهم, فكفرهم وإشراكهم حينئذ متيقن من جميعهم، ~~وسواء في ذلك قريش وغيرهم من العرب. # ومثال ذلك من القرآن قوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا} [الأنفال: ~~30]، وقوله: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكفرون إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} [الأنفال: ~~35]. الآية. # وقوله: {إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين} [التوبة: 40]، وقوله: {ما كان ~~للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت ~~أعمالهم وفي النار هم خالدون} [التوبة: 17]. # وهذه الآيات عني بها قريش. # وأما ما يدخل فيه قريش وكافة العرب من الآيات فقوله تعالى: {قل للذين ~~كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38]. وقوله: {يا أيها الذين ~~PageV02P528 # # آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم} [التوبة: ~~28]. وقوله: {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء ~~من المشركين ورسوله} [التوبة: 3]. وقوله: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ~~أضل أعمالهم} [محمد: 1]. # الثاني: ما ينسحب إطلاق الكفر والشرك (1) فيه على العرب قبل قيام الحجة ~~عليهم، ويدخل في ذلك من أدرك الإسلام منهم ومن لم يدركه بأن يموت في ~~الجاهلية، فهذا مما نحتج به في مسألتنا, لأن إطلاق لفظ الكفر على من هذه ~~صفته يبين أنه كافر في الجاهلية. # ومثال ذلك قول الله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ~~ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون} ~~[المائدة: 103]. # فإن الله تعالى نفى عن نفسه أن يكون قد جعل شيئا من ذلك محرما أو صيره ~~دينا يتدين به، وأخبر أن الذين كفروا يفترون على الله الكذب في نسبتهم تلك ~~الأحكام إلى الله تعالى (2). # ولا محالة أن عمرو بن لحي المخترع لذلك كله داخل فيهم، وكذلك من بعده من ~~العرب المتبعين له على ذلك, وقد أطلق الله عليهم ms238 اسم الكفر. PageV02P529 # # وقوله تعالى بإثر الآية: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى ~~الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} [المائدة: 104]. معناه: وإذا قيل ~~لمن أدرك الإسلام منهم، وهم بعض من كفر وجعل البحيرة والسائبة دينا، وليس ~~يؤخذ من هذه الآية أن القائلين لما فيها هم الذين عنوا بالكفر في الآية ~~التي قبلها فقط. # وإنما قلنا ذلك لوجهين: # أحدهما: كون عمرو بن لحي داخلا فيهم (ق.105.ب) باختراعه لما ذكر في الآية ~~كما (1) قدمناه. # والثاني: قول هؤلاء المخبر عنهم: {حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} [المائدة: ~~104] , ومعلوم أنهم كفار، وقد أخبروا أن حسبهم ما وجدوا آباءهم عليه، فصح ~~أنهم وجدوا آباءهم على حال الكفر. # وهذا مثل قولهم في الآية المتقدمة: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} ~~[الأنعام: 148]. # ولذلك قال تعالى في الآية التي نتكلم فيها: {أولو كان آباؤهم لا يعلمون ~~شيئا ولا يهتدون} [المائدة: 104]، فنفى عنهم العلم والاهتداء. # ومثال ذلك أيضا قول الله تعالى: {إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به ~~الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطؤوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما ~~حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين} [التوبة: 37]. ~~PageV02P530 # # والاستدلال بهذه الآية قوي، فإن النسيء المذكور فيها كان من أفعال ~~الجاهلية على ما قدمناه، وقد أخبر سبحانه بأنه زيادة في الكفر وأن الكفار ~~يضلون به في أنفسهم أو يضلون به غيرهم بحسب اختلاف القراءتين في الآية, ~~وأخبر عنهم بأنهم يحلون ما حرم الله، وأنهم لا يراعون في ذلك نفس ما حرم ~~الله من الأشهر، وإنما يراعون الموافقة لعدد الأشهر فقط، وأخبر أن ذلك زين ~~لهم، وأنه من سوء أعمالهم. # فجمعت الآية للكفار المذكورين فيها بين زيادة الكفر وضلالهم به واختراع ~~الأحكام ومخالفة الله تعالى في التحليل والتحريم، وهؤلاء الكفار الذين ~~يضلون بالنسيء ليسوا الفاعلين له فقط، أعني الذين كانوا ينسؤون الشهور على ~~العرب في الجاهلية، بل يندرج فيهم المنقادون لهم وهم الذين يدينون به ~~ويعملون عليه في تحليل الأشهر وتحريمها من أول ms239 ما فعل إلى أن جاء الله ~~بالإسلام. # فإذن قد استوى في ذلك جميع المشركين من العرب. # PageV02P531 # # فصل: # وإذ وتقرر ما أصلناه فلنرجع إلى الآيات التي تقدم ذكرها قبل, إذ كنا ~~ذكرناها ليعلم أفعال أهل الجاهلية منها, ونعيد الآن بعضها لنستقرئ حكمهم ~~منها, فنقول: # قال الله تعالى: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا ~~لله بزعمهم وهذا لشركآئنا} [الأنعام: 136] الآية. فأخبر أن الذين فعلوا ذلك ~~لهم (1) شركاء، وهي الآلهة التي جعلوها تعبد مع الله أضافها الله تعالى ~~إليهم لكونهم جعلوها شركاء لله بزعمهم، تعالى الله عن ذلك. # وقال في حكم الذين فعلوه: {ساء ما يحكمون} [النحل: 59] وقد تقدم ذكر ذلك، ~~ومضى هنالك أنه لا يخلو أن يكون (ق.106.أ) الفاعلون لما في الآية قوما ~~مخصوصين من العرب, كما قال ابن إسحاق (2)، أو ينسحب ذلك على كافة العرب. # وكيفما ما كان فكل ما ذكر في هذه الآية ليس المقصود به (3)، والله أعلم، ~~قريشا، لأنهم لم يكونوا أصحاب حرث ولا بلدهم بلد زرع، ولهذا قال ~~PageV02P532 # # إبراهيم - عليه السلام -: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند ~~بيتك المحرم} [إبراهيم: 37]. وقال تعالى: {وقالوا هذه أنعام وحرث} ~~[الأنعام: 138] الآية. وقال في آخرها: {افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا ~~يفترون} [الأنعام: 138]. # فأخبر أن قولهم إنما هو افتراء على الله، وأخبر أنه يجزيهم بافترائهم، ~~وقال: {سيجزيهم وصفهم} [الأنعام: 139] أي سيكافئهم على وصفهم الكذب في ذلك. # ولا معنى للمجازاة إلا العقوبة. # وقد تقدم الكلام على قوله: {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم ~~وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله} [الأنعام: 140] , وذكرنا الفرق بين ~~قوله: {سفها بغير علم} [الأنعام: 140] وبين قوله: {افتراء على الله} ~~[الأنعام: 140]، ثم قال: {قد ضلوا وما كانوا مهتدين} [الأنعام: 140]. # فأخبر بضلالهم كما أخبر بضلال (من ضل من) (1) أهل الكتاب في قوله: {قد ~~ضلوا من قبل} [المائدة: 77]. # وقال تعالى في آخر الآيات: {أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا} [الأنعام: ~~144] , أي حضرتم ربكم فسمعتم منه ما ادعيتم عليه من التحليل والتحريم ms240 على ~~وجه التبكيت لهم كما تقدم. PageV02P533 # # ثم قال: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله ~~لا يهدي القوم الظالمين} [الأنعام: 144]. فأخبر بافترائهم على الله وظلمهم ~~وإضلالهم الناس، وهذه هي أوصاف الكفار. # وقال تعالى: {إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون وإذا فعلوا ~~فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} [الأعراف: 27]. # فأخبر أن الذين لا يؤمنون (1)، وهم المشركون إذا فعلوا فعلا قالوا إن ~~الله أمرهم به, وهذا من افترائهم على الله في نسبة الأحكام إليه من غير علم ~~عندهم فيه، ولذلك قال الله لنبيه - عليه السلام -: {قل إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 28] , على وجه التوبيخ ~~لهم. # ثم أخبر تعالى في الآية الثانية بما يأمر به، وهو القسط والعدل في الأمور ~~والتوحيد لله على صفة الإخلاص في الدين. # وقال تعالى: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا ~~قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون} [يونس: 59] , فجعل فعل ذلك إما أن ~~يكون بإذن من الله، وإما أن يكون بافتراء، وقد صح أن لا إذن من الله في ~~الجاهلية, فلم يبق إلا أن يكون افتراء. # وقال تعالى بأثر هذا: {وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم ~~PageV02P534 # # القيامة} [يونس: 60] , على وجه التهديد لمن فعل ذلك، لأن الافتراء على ~~الله يلزمه الكفر، قال الله تعالى: (ق.106.ب) {إنما يفتري الكذب الذين لا ~~يؤمنون بآيات الله} ... [النحل: 105]. # وقال سبحانه: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ~~لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع ~~قليل ولهم عذاب أليم} ... [النحل: 116 - 117]. # فأخبر أن الذين يفترون على الله الكذب لا يكون لهم فلاح وهو الرشد والهدى ~~الذي يكون لأهل الإيمان , قال الله تعالى: {قد أفلح المؤمنون} [المؤمنون: ~~1]. وقال: {ألا إن حزب الله هم المفلحون} [المجادلة: 22]. # وقوله: {متاع قليل} [النحل: 117] أي: لهم متاع قليل في الدنيا، ولهم عذاب ~~أليم في الآخرة. # وقال ms241 تعالى: {ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما ~~كنتم تفترون} [النحل: 56]. # فأخبر أنه لا بد لهم من السؤال عن ذلك الافتراء. # وقد قال الله تعالى مثل هذا فيمن نص عليهم أنهم كفار حيث قال: {وليحملن ~~أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون} ~~[العنكبوت: 13]. # وإذا كان السؤال لهم في الآخرة ترتب عليه العقاب. # PageV02P535 # # وقال تعالى: {ويجعلون لله ما يكرهون} [النحل: 62] أي البنات , {وتصف ~~ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى} [النحل: 62] , قال مجاهد وقتادة: الحسنى ~~هاهنا هي البنون على ما تقدم. # ومعناه أن لهم الحال التي هي أحسن، وهم الذكران من الأولاد. # وقال بعض المفسرين: الحسنى هي الجنة، وذلك بعيد في هذا الموضع، لأن الذين ~~يجعلون لله البنات لا يصدقون بالبعث ولا يقرون بالجنة، وقد أخبر الله تعالى ~~بعذابهم في قوله: {لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون} [النحل: 62]، أي ~~متقدمون إلى النار ومستعجلون إليها، على قراءة من قرأ بفتح الراء (1). # ومن هذا المعنى قوله - عليه السلام -: «وأنا فرطكم على الحوض» (2). # ومن قرأ مفرطون بكسر الراء فمعناه أنهم سابقون في الإساءة، من قولهم: ~~أفرط فلان على فلان إذا أربى عليه في الشر (3). PageV02P536 # # فهذه الآيات قد أطلق الله سبحانه على من ذكر فيها بأنهم مشركون، وأنهم ~~يفعلون الفواحش، ويزعمون أن الله أمرهم بها وأنهم يفترون على الله الكذب في ~~التحليل والتحريم، وذلك كله كفر، وإذا كانوا كفارا فحكم الكفار معلوم وهو ~~المجازاة على ذلك بالنار والتخليد فيها أبد الآباد، وقد صرح الله تعالى لهم ~~بالنار في قوله: {لا جرم أن لهم النار} [النحل: 62] , وبالعذاب في قوله: ~~{ولهم عذاب أليم} [النحل: 117] , وبالمجازاة في قوله: {سيجزيهم بما كانوا ~~يفترون} [الأنعام: 138]. # والظاهر من هذه الآيات التي ذكرناها في هذا الفصل أنها تنسحب على جميع ~~العرب. # وقد تقدم أن الحجة لم تقم عليهم جميعا بمكة، والآيات المذكورة كلها مكية، ~~وإذا انسحبت (ق.107.أ) عليهم فيؤخذ منها أنهم كفار في جاهليتهم، هذا على ما ~~استقريناه من هذه الآيات وغيرها مما قدمنا ذكره، وقد وجدنا ms242 من القرآن النص ~~على من كان في الجاهلية بالتكفير، وهو منزل على أهل الأوثان، وقد ذكرناه ~~بعد هذا في فصل اقتضاه الكلام هنالك، وهو آخر الفصول المتكلم عليها في هذا ~~القسم. # PageV02P537 # # فصل: # وإذ فرغنا من الكلام على الآيات المتضمنة للمعنى الذي (1) قصدناه، ~~فلنتكلم على الأحاديث الواردة في ذلك أيضا فنقول: # تقدم أول هذا القسم الذي نحن بصدده حديث النبي - عليه السلام - أنه رأى ~~عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، وجاء في الحديث الثاني هنالك إطلاق الكفر ~~عليه بقوله - عليه السلام - لأكثم بن الجون: «إنك مؤمن وهو كافر» (2)، وذكر ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه أول من غير دين إبراهيم وإسماعيل فنصب الأوثان ~~وبحر البحيرة وسيب السوائب. # فانظر أيها الواقف على هذا الموضع كيف استحق عمرو بن لحي النار بهذه ~~الأفعال، ولم يعذره الله تعالى بكونه كان في الجاهلية، حيث لا شريعة هنالك ~~تلزمه، ومع ذلك فهو أبو خزاعة التي كانت عيبة رسول الله مؤمنهم وكافرهم، ~~وقد أدخلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معه في كتاب القضية عام ~~الحديبية حين أدخلت قريش معهم بني بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوقعت بعد ذلك ~~حرب بين خزاعة وبني بكر بن عبد مناة، فأعان مشركو قريش حلفاءهم بني بكر، ~~ونقضوا بذلك العهد، فكان ذلك سبب فتح مكة لنصر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - خزاعة. PageV02P538 # # وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال يومئذ لسحابة رآها: «إن هذه ~~السحابة لتستهل بنصر بني كعب» (1) , وبنو كعب من خزاعة, وكعب هو ولد عمرو ~~بن لحي لصلبه كما تقدم. # فعمرو المذكور لم ينجه شيء من حصوله في النار المعدة للكفار وتعذيبه فيها ~~بحسب كفره. # ونحن لا نكتفي في العقاب له بعذابه على الكفر فقط، بل نقول: إنه يعذب ~~عذابا زائدا على ذلك، فإن عليه وزره ووزر من اقتدى به وسلك سبيله في عبادة ~~الأوثان وغير ذلك من أفعاله، فإن قاعدة الشرع تؤذن بذلك, قال الله تعالى في ~~الكفار: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ms243 أوزار الذين يضلونهم بغير ~~علم} [النحل: 25] (ق111.ب). # وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ~~ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص ذلك من أوزارهم شيئا» (2). ~~PageV02P539 # # وليس هذا مقصورا على هذه الأمة بدليل الحديث الصحيح الذي ورد في ابن آدم ~~القاتل لأخيه حيث قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لاتقتل نفس ظلما ~~إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل» (1). # وإذا صح هذا المعنى في ابن آدم القاتل بكونه أول من سن القتل, فكذلك يكون ~~في عمرو بن لحي، لكونه أول من سن للعرب عبادة الأوثان ولا فرق, فكما يكون ~~على القاتل الأول كفل من دم كل (نفس يقتلها غيره ظلما من غير أن ينقص ذلك ~~من وزر كل قاتل على القتل الذي يباشره شيئا, فكذلك يكون على عمرو بن لحي ~~كفل) (2) من وزر كل من تبعه على الإشراك من غير أن ينقص ذلك من وزر كل مشرك ~~على إشراكه شيئا. # وإذا حكم بأن عمرو بن لحي مشرك كافر, كما أخبر عنه - عليه السلام - , فكل ~~من اقتدى به وسلك سبيله أيضا مشرك كافر, فيجيء على هذا أن جميع من اتبعه ~~على الإشراك من زمانه إلى أن جاء الله بالإسلام كلهم في النار كما كان هو ~~في النار. PageV02P540 # # وقد ذكر ابن إسحاق (1) ما يدل على ذلك فإنه قال في السير: حدثني عبد الله ~~بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه قال: حدثت أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار فسألته عن من ~~بيني وبينه من الناس فقال: هلكوا» (2). # فقوله: "هلكوا" ليس معناه ماتوا، فإن كل أحد يدرك أن الأمم التي بين زمن ~~عمرو بن لحي وبين مجيء الإسلام قد ماتوا، وإنما معناه هلكوا بالنار, أي ~~عذبوا بها كما قال - عليه السلام -: «ولا يهلك على الله إلا هالك» , (3) ~~وإنما يعذبون لأنهم كانوا على ms244 مثل ما كان هو عليه من الإشراك والكفر. # والحديث مرسل. # وذكر وثيمة نحو ذلك من طريق ابن جريج عن عكرمة مولى ابن عباس عن النبي - ~~عليه السلام - مرسلا أيضا. PageV02P541 # # ونص الحديث عنده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رأيت عمرو ~~بن لحي يجر قصبه في النار على رأسه فروة. قال له: يا رسول الله من في ~~النار؟ قال: من بيني وبينك من الأمم. قال المقداد بن الأسود: يا رسول الله: ~~من عمرو بن لحي قال: أبو هؤلاء الحي من خزاعة، وهو أول من جعل البحيرة ~~والوصيلة والحامي, ونصب الأوثان حول الكعبة وغير الحنيفية دين إبراهيم, ~~وأشبه ولده به هذا الرجل»، لرجل عنده يقال له أكثم بن الجون, قال: يا رسول ~~الله أيضرني شبهه (ق112.أ) قال: «لا, أنت مسلم, وهو كافر» (1). # وهذا الحديث هو مثل حديث ابن إسحاق المسند الذي ذكرناه (2) أولا وفيه ما ~~يشبه مرسله الذي سقناه آنفا, وهو قول الراوي فيه قال له: يا رسول الله من ~~في النار قال: «من بيني وبينك من الأمم». # وفي الأصل الذي كتبنا منه هذا من كتاب وثيمة في هذا الموضع اختلال. # فإن كان رسول الله هو السائل لعمرو بن لحي فيكون هذا الحديث مثل مرسل ابن ~~إسحاق سواء, ومعنى ذلك أن يكون النبي - عليه السلام - يسأل عمرو بن لحي عن ~~من معه في النار حين رآه فيها. PageV02P542 # # وإن كان عمرو بن لحي هو السائل لرسول الله فيكون المعنى فيه: كان عمرو بن ~~لحي سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1) عن من يستحق العذاب، فكان ~~الجواب أن قال له: "من بيني وبينك من الأمم" على وجه التوبيخ لعمرو, أي ~~هؤلاء الذين اتبعوك على الإشراك في الدنيا هم أتباعك الذين يكونون في النار ~~معك في الآخرة. # ومما يدل على تكفير أهل الجاهلية الذين كانوا على هذه الوتيرة ما ذكره ~~ابن إسحاق (2) من قول عتبة بن ربيعة للنبي - عليه السلام - إذ قال له: إنك ~~منا حيث قد علمت من السلطة (3) في العشيرة ms245 والمكان في النسب, وإنك قد أتيت ~~قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم, وسفهت به أحلامهم, وعبت به آلهتهم ودينهم, ~~وكفرت من مضى من آبائهم, فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر (4) فيها لعلك ~~تقبل منا بعضها فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قل يا أبا ~~الوليد، أسمع» , وذكر القصة, وتلاوة النبي - عليه السلام - "حم السجدة" ~~عليه. PageV02P543 # # فإنه - صلى الله عليه وسلم - سمع من عتبة قوله: وعبت به آلهتهم ودينهم ~~وكفرت من مضى من آبائهم, ولم يرد ذلك عليه, فدل إقرار النبي - عليه السلام ~~- عتبة على ذلك القول أنه كذلك فعل مع قريش في تكفير آبائهم, وهم قد ماتوا ~~في الجاهلية. # والاستدلال بهذا الخبر قوي في معناه لو كان مسندا, وإنما هو من الأحاديث ~~المرسلة, وذلك أن ابن إسحاق قال فيه: حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب ~~القرظي قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة, وذكر القصة بطولها. # لكن عندنا في هذا الباب الذي نحن بسبيله أحاديث صحيحة, وكل ما نذكر منها ~~في هذا الفصل فهو في صحيح مسلم (1) , فمنها الأحاديث التي ذكرها في كسوف ~~الشمس، وفي بعضها ذكر عمرو بن لحي كما تقدم قبل (2). # وأعاد مسلم ذكره وكون النبي - عليه السلام - رآه وهو يجر قصبه في النار ~~في آخر كتابه (3)، وعنده في بعض الطرق في الكسوف (4): «ورأيت أبا ثمامة ~~عمرو بن ملك يجر قصبه في النار». # وينبغي أن يكون هذا غير عمرو بن لحي, فإن عمرو بن لحي هو عمرو بن ربيعة. ~~PageV02P544 # # وفي الحديث من هذا الطريق (1): «ورأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في ~~هرة لها ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض» , وساق مسلم لهذا ~~الحديث (ق.112.ب) طريقا آخر وقال: بهذا الإسناد مثله، إلا أنه قال: «ورأيت ~~في النار امرأة حميرية سوداء طويلة» , ولم يقل من بني إسرائيل، هذا نصه. # فعلى هذه الرواية يحتمل أن تكون هذه المرأة من أهل الفترة, وفي بعضها: ~~«وحتى رأيت فيها صاحب المحجن يجر قصبه في النار كان يسرق ms246 الحاج بمحجنه، ~~فإذا (2) فطن له قال إنما تعلق بمحجني, وإن غفل عنه ذهب به». # وهذا لا يكون إلا من أهل الفترة, فإن (3) الحج إنما كان عند العرب لا عند ~~بني إسرائيل، وتعذيبه بالنار ليس لسرقته فقط, بل ذلك لكفره فإنه لا يكون ~~إلا على ما كانت العرب عليه من عبادة الأوثان, وإنما ذكر سرقته للحاج لوصفه ~~الخاص به حتى يمتاز عن غيره من أهل الشرك. PageV02P545 # # ومنها ما جاء في قصة أبي طالب بن عبد المطلب إذ قال له النبي - عليه ~~السلام -: «قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» , فقال له عبد ~~الله بن أبي (1) أمية وأبو جهل بن هشام: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال (2) ~~أبو طالب آخر ما كلمهم به: هو على ملة عبد المطلب, وأبى أن يقول لا إله إلا ~~الله، فأخبر - عليه السلام - بعد ذلك عن أبي طالب أنه من أهل النار, وإن ~~كان أخفهم عذابا (3). # فإن قيل: إنما كان (4) أبو طالب من أهل النار لكون الدعوة بلغته, فلم ~~يؤمن بالله ولا برسوله. PageV02P546 # # قلنا: هذا صحيح, ولم نسق الحديث لهذا المعنى, وإنما سقناه لكون أبي طالب ~~وأبي جهل وابن أبي أمية ذكروا ملة عبد المطلب بحضرة النبي - عليه السلام - ~~, واتفقوا على أنها خلاف الدعوة التي دعا إليها النبي - عليه السلام - عمه ~~أبا طالب من التوحيد، إذ قال له: قل لا إله إلا الله, فكان موت أبي طالب ~~على ملة عبد المطلب وإخبار النبي - عليه السلام - عنه بأنه من أهل النار من ~~أدل دليل على أن ملة عبد المطلب وقريش إنما هي إشراك. # وجاء في الحديث الصحيح (1) أن قوله تعالى: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن ~~يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب ~~الجحيم} [التوبة: 113] إنما عني بذلك أبو طالب, ونهي النبي - عليه السلام - ~~عن الاستغفار له لكونه مشركا. # وإذا أطلق عليه (2) بعد موته بأنه مشرك, (ق.113.أ) وهو قد مات على ملة ~~أبيه عبد المطلب دل ذلك على ms247 أن أباه كان كذلك. # وقد أنكرت قريش دعاء النبي - عليه السلام - إياهم إلى توحيد الله وقالوا: ~~{أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} [ص: 5] , كما حكى الله عنهم في ~~كتابه. PageV02P547 # # وأخبر عنهم فيه بأنهم إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ~~ألفينا عليه ءاباءنا, والذي ألفوا عليه أباءهم هو عبادة الأوثان والإشراك ~~بالله, فصح أنهم مع آبائهم مشركون. # ومنها حديث عائشة (1) قالت: قلت يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية ~~يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه قال: «لاينفعه، إنه لم يقل يوما رب ~~اغفر لي خطيئتي يوم الدين» (2). # وهذا الحديث فيه إخبار النبي - عليه السلام - بأن العمل المحمود إذا فعل ~~في الجاهلية لا يكون عليه ثواب ولا ينفع صاحبه في الآخرة، وذلك إنما يكون ~~لمن هو غير متصف بالإيمان بدليل قوله - عليه السلام - في ابن جدعان: «إنه ~~لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين». # معنى ذلك أنه لم يؤمن قط. # فإن هذا الذي ذكره - عليه السلام - قد تضمن أصل الإيمان الذي هو التوحيد ~~لله بقوله: «رب»، والاعتراف بأنه سبحانه يغفر الخطايا والتصديق بالآخرة ~~المعبر عنها بيوم الدين الذي هو يوم الجزاء على الخير والشر. # هذا مع أن ابن جدعان كانت عنده خلق جميلة تقتضي فعل الخير: من إطعام ~~الطعام ونصر المظلوم، وقد عقد في داره حلف الفضول لسنه وشرفه، PageV02P548 # # وشاهده النبي - عليه السلام - قبل المبعث، وروي عنه صلى الله عليه ~~والسلام أنه قال: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به ~~حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت». ذكره ابن إسحاق (1). # وإنما قال - عليه السلام - هذا القول في ذلك الحلف لأجل انعقاده على نصر ~~من وجد بمكة مظلوما والقيام معه حتى ترد عليه مظلمته سواء كان من أهلها أو ~~من غيرهم، وإذا لم ينفع ابن جدعان تلك الأعمال الح (سان في) الآخرة فقد صح ~~أنه ( ... ) (2). # ومنها حديث أنس أن رجلا قال: يا رسول الله ms248 أين أبي؟ قال: «في النار»، ~~فلما قفا دعاه فقال: «إن أبي وأباك في النار» (3). # فإن هذا الرجل لما سأل النبي - عليه السلام - عن أبيه وكان من أهل ~~الجاهلية أخبره بأنه في النار, ثم لما خاف عليه أن يرتد أو يجد في نفسه ما ~~يبعثه على PageV02P549 # # مخالفة الشريعة في الجملة دعاه فقال (1) له: «إن أبي وأباك في النار» , ~~على وجه التسلية والعزاء له. # لأنه إذا كان أبو النبي - عليه السلام - في النار كان كون أبي السائل في ~~النار من باب الأحرى والأولى، وهذا يدل على ما قلناه من أن أبا السائل كان ~~من أهل الجاهلية (2). # فإن النبي - عليه السلام - جعله مع أبيه عبد الله في قرن، وأبوه عبد الله ~~بن عبد المطلب كان من أهل الجاهلية ولم يكن عنده شيء يوجب النار عليه مما ~~يحدثه من نفسه لصغر سنه، فإنه مات في حال الشبيبة، وهو ابن عشرين أو أزيد ~~في حياة أبيه عبد المطلب، وإنما غايته أن يكون على مذهب أبيه وقومه ~~PageV02P550 # # في ديانتهم والتمسك بملتهم، فإذا كان هو ممن يعذب فأحرى بذلك من طال عمره ~~وكثر وزره منهم (1) (حتى يعلم أن ذلك الحكم ليس مقصورا على أبيه في ~~الجاهلية) (2). # ومنها حديث أبي هريرة قال: زار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبر أمه ~~فبكى وأبكى من حوله فقال - صلى الله عليه وسلم -: «استأذنت ربي في أن ~~أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي, فزوروا القبور ~~فإنها تذكر الموت» (3). # وهذا الحديث فيه أن النبي - عليه السلام - لم يؤذن له في الاستغفار لأمه, ~~وإن أذن له في زيارة قبرها, وإنما لم يؤذن له في الاستغفار، لأن معناه طلب ~~المغفرة, والمغفرة معناها العفو عن الذنوب, ولا يعفى عن المرتكب للذنوب، ~~إلا إذا كان متصفا بالإيمان, لكون الأصل الذي هو شرط في ذلك عنده، فتغفر له ~~الفروع التي هي الذنوب (4). (5) PageV02P551 # # ولذلك أمر نبينا - عليه السلام - بالاستغفار للمؤمنين على الإطلاق, فقال ~~الله له: {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} [محمد: 19] , وقال نوح ms249 - ~~عليه السلام -، (وهو أول الرسل) (1): {رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي ~~مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات} [نوح: 28] , فافتتح دعاءه باستغفار خاص له ~~ولأهل بيته, ثم عطف عليه باستغفار عام لسائر المؤمنين, ولم يستغفر خصوصا ~~وعموما إلا لمن هو مؤمن. (ق.108.ب) # وأما الكفار فقد دعا عليهم في آخر هذه الآية وفيما قبلها وهم أحياء فأجاب ~~الله دعاءه فيهم فأغرقهم جميعا. # وهذا الدعاء منه - عليه السلام - (على قومه إنما كان للشقاوة التي سبقت ~~في حقهم من الله تعالى، وقضى عليهم بها، ولو كان دعاؤه لهم ولم يكن عليهم ~~لجاز، فإن) (2) الدعاء للكافر وهو في قيد الحياة بالتوفيق والخير والمغفرة ~~جائز (3)، لأن الله تعالى إذا قبل ذلك الدعاء فيه هداه إلى الإيمان, فقد ~~قال PageV02P552 # # الطفيل بن عمرو للنبي - عليه السلام -: إن دوسا استعصت علي فادع الله ~~عليهم، (وكان قد أسلم على يديه بعضهم) (1)، فقال - عليه السلام - (2): ~~«اللهم اهد دوسا وات بهم»، فدخلوا حينئذ في الإسلام بجملتهم. # وهكذا دعا - صلى الله عليه وسلم - في أول الإسلام لعمر أو أبي جهل بن ~~هشام ( .. ) (3): «اللهم أعز الإسلام بأبي جهل أو عمر بن الخطاب» (4). # فأجاب الله دعاءه في أحبهما إليه، حتى قال ابن م (سعود) (5): ما زلنا ~~أعزة منذ أسلم عمر (6). # وجاء في الحديث أن النبي - عليه السلام - ذكر نبيا من الأنبياء أدمى قومه ~~وجهه وهو يمسح الدم عنه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (7). ~~(8) PageV02P553 # # وأما إذا مات الكافر على كفره فلا يجوز الاستغفار له، فإنه لا يغفر له ~~أصلا، لأنه قد سد على نفسه بالكفر باب الرحمة الموجبة للمغفرة، قال الله ~~تعالى: {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر ~~الله لهم} [محمد: 34]. فأخبر أن المغفرة لا تكون للكفار الذين ماتوا على ~~كفرهم. # وقال تعالى في من يسر الكفر: {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ~~لن يغفر الله لهم} [المنافقون: 6]. # وقال تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال: ~~38] فعلق المغفرة للكفار بالانتهاء عن الكفر، ms250 ولا يكون الانتهاء عن الكفر ~~إلا بالإيمان ولابد، فرجعت المغفرة إلى أصلها الذي قررناه في أهل الإيمان. # وقد يعترض معترض هاهنا بأمرين: # أحدهما: من يعذر من أهل الفترة فلا يعذب، وهم الذين ليس عندهم توحيد ولا ~~كفر، حسبما نذكرهم في القسم الرابع، فإنهم إذا لم يعذبوا ودخلوا الجنة فقد ~~غفر لهم. # والثاني: إن إبراهيم - عليه السلام - استغفر لأبيه وهو مشرك فقال: {واغفر ~~لأبي إنه كان من الضالين} [الشعراء: 86]، فسأل المغفرة لأبيه مع علمه ~~بضلاله. # والجواب عن ذلك أن نقول: أما الاعتراض بالوجه الأول فهو غير لازم، لكون ~~الصنف المذكور من أهل الفترة غير مؤاخذين بشيء لا من جهة أن الحجة لم تقم ~~عليهم، ولا من كونهم ليس عندهم ما عند الصنف الآخر من عبادة الأوثان ~~واختراع الأحكام فهم غير مكلفين, وإنما كلامنا في # PageV02P554 # # من تلحقه المغفرة أو لا تلحقه من (ق.109.أ) المكلفين الذين يستوجبون ~~الثواب والعقاب بحسب الإيمان والكفر، أو من ألحقه الشرع بهم. # وأما من ليس بمكلف مثل الصنف المعذور أو من لم تبلغه الدعوة فلا تطلق ~~عليهم المغفرة، فإنهم لا يحاسبون لعدم التكليف، وإذا لم يحاسبوا لم تقرر ~~عليهم ذنوب تغفر لهم، وإنما يغفر ما يمكن أن يؤاخذ به من الذنوب، فإذا لم ~~تكن مؤاخذة فلا غفران، وكونهم لا يعذبون هم في ذلك مثل المجانين والصبيان ~~الذين لا يعذبون، إذ لا تكليف، وإن فرضنا دخولهم جميعا الجنة فذلك من الله ~~تعالى تفضل محض وجود صرف من غير أن يطلق على ذلك غفران. # وأما الاعتراض الثاني: وهو أن إبراهيم - عليه السلام - استغفر لأبيه وهو ~~مشرك فاعتراض صحيح، ونحن نجيب عنه (1) بحول الله فنقول: استغفار إبراهيم ~~لأبيه إنما كان لوجهين: # أحدهما: إنه قد كان تقدم وعده له بذلك في قوله: {سلام عليك سأستغفر لك ~~ربي إنه كان بي حفيا} [مريم: 47]، فوفى له بالوعد حين استغفاره له. # والثاني: إن استغفاره كان في حياة أبيه، وإبراهيم طامع بإيمانه حينئذ. # وكنا قد استنبطنا هذين الوجهين مما فهمناه من القرآن قبل هذا، فلما شرعنا ms251 ~~في تأليف هذا الكتاب وجدنا ذلك المعنى مسطورا للسلف. PageV02P555 # # فقد (1) روي عن ابن عباس أن إبراهيم لم يزل يستغفر ربه لأبيه حتى مات ~~أبوه وإنما استغفر له وهو حي، رجاء أن يسلم ويهديه الله فلما نزلت على ~~النبي صلى الله عليه (2): {واغفر لأبي إنه كان من الضالين} [الشعراء: 86] ~~قال: «دلوني على قبر آمنة وعبد الله فدل عليهما»، فانطلق يستغفر لهما فأنزل ~~الله تعالى: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} [التوبة: ~~113] إلى آخر الآية، ذكره وثيمة عنه (3). # وذكر أيضا من حديث قتادة عن الحسن (4) قال لما مات أبو طالب قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - (5): «نهيت أن استغفر لأبي وهو مشرك، وأنا أستغفر ~~لعمي»، فأنزل الله تعالى: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ~~ولو كانوا أولي قربى} [التوبة: 113] يعني به أبا طالب. # فاشتد على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال الله لنبيه: {وما كان ~~استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} [التوبة: 114] حين قال: ~~{سأستغفر لك ربي إنه كان بي PageV02P556 # # حفيا} [مريم: 47] , {فلما تبين له أنه عدو لله} [التوبة: 114] أي مات على ~~(ق.109.ب) الشرك {تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم} [التوبة: 114]. # يعني بالحليم (1): الرشيد، والأواه (2): الدعاء إلى الله , والمنيب (3): ~~المستغفر. انتهى ما ذكره وثيمة (4). # والذي يدل على أن استغفار إبراهيم لأبيه كان في حياته ظاهر ما نزل من ~~القرآن في سورة الشعراء فإن الله تعالى افتتح القصة بمخاطبة إبراهيم لأبيه ~~وقومه فقال: {واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون} إلى ~~قوله: {قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا ~~رب العالمين} [الشعراء: من69 77]. PageV02P557 # # ثم وصف لهم رب العالمين بقوله: {الذي خلقني فهو يهدين} [الشعراء: 78]، ~~ومضى في ذلك إلى أن رجع إلى الدعاء فقال: {رب هب لي حكما وألحقني ~~بالصالحين} [الشعراء: 83] إلى قوله: {واغفر لأبي إنه كان من الضالين} ~~[الشعراء: 86]. # فظاهر هذه الآيات وقوع ما فيها متصلا بعضه ببعض، وذلك يقتضي أن الدعاء ~~كان في حياة أبيه آزر، إذ (1) الدعاء ms252 متصل بمحاورة إبراهيم لأبيه وقومه, ~~ويكون معنى قوله: {إنه كان من الضالين} [الشعراء: 86]، أي: فيما خلا من ~~عمره، فإذا غفر له انتقل عن الضلال إلى الهدى، إذ لا تتصور المغفرة مع ~~المقام على الشرك إلى الممات. # وإذا حملنا استغفار إبراهيم لأبيه على أنه كان في حياته (2) اندرأ ~~السؤال. # وليس في (3) قول الله تعالى: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن ~~موعدة وعدها إياه} [التوبة: 114] (4) ما ينافي ذلك (5)، فإن الموعدة هي ~~قوله: {سأستغفر لك ربي} [مريم: 47]، على ما قلناه (6). PageV02P558 # # وقيل أيضا في التفسير: إنه كان قد وعده أن يسلم (1)، وليس في القرآن ما ~~يدل على ذلك. # ومعنى (2) قوله: {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} [التوبة: 114]، أي ~~لما تبين لإبراهيم كون أبيه عدو لله بموته على الشرك تبرأ منه حينئذ، على ~~ما مضى عن ابن عباس والحسن (3). # ومن قال: إنه كان قد وعده أن يسلم قال لما رأى إبراهيم تماديه على الكفر ~~وتبين له أنه لا يسلم تبرأ منه حينئذ. # وتبرؤ إبراهيم منه على أي التأويلين كان يؤذن بأنه لم يستغفر له (4) إلا ~~في الوقت الذي يجوز الاستغفار له, وذلك (5) قبل أن يموت على شركه. # ثم لو فرضنا أن دعاء إبراهيم - عليه السلام - إنما كان لأبيه بعد موته ~~فلابد أن نفرض أيضا أن إبراهيم دعا له في الوقت الذي لا يعلم أنه مات على ~~الكفر ولابد، إذ في الممكن أن يموت آزر وإبراهيم - عليه السلام - غائب عنه ~~(ق.110.أ)، فيجوز - صلى الله عليه وسلم - أن يموت أبوه على الإيمان فيستغفر ~~له من هذا الوجه، لا سيما على قول من قال إنه قد كان وعده أن يسلم، ويكون ~~تبري إبراهيم - عليه السلام - بعد ذلك منه عندما علم بموته على الكفر، ~~وسواء علم ذلك بوحي أو بغيره. PageV02P559 # # وإنما حملنا على هذا التقدير علمنا بأن الشرائع متفقة على أن المشرك لا ~~يغفر له, وأن الإيمان هو الشرط في الغفران، قال الله تعالى إخبارا عن قول ~~المسيح - عليه السلام -: {يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي ms253 وربكم إنه من ~~يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار} [المائدة: 72]. وإذا حرم ~~الله على المشرك الجنة وأدخله النار فهو غير مغفور له، وذلك قول عام على ~~لسان عيسى - عليه السلام -. # وقال تعالى حكاية عن موسى - عليه السلام -: {وقال موسى إني عذت بربي ~~وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب} [غافر: 27]، ولا معنى للإيمان بيوم ~~الحساب إلا أنه يوم جزاء على الكفر والإيمان بالنار والجنة. # وقد ذكر الله تعالى عن الذي آمن من قوم موسى هذا المعنى جليا فقال: {وقال ~~الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد} [غافر: 38] إلى آخر الآيات، ~~وفيها أن من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها، وأنه شرط في دخول الجنة: العمل ~~الصالح ممن هو مؤمن، ثم قال: {و يا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني ~~إلى النار} [غافر: 41]، ثم بين كيف دعوه إلى النار بقوله: {تدعونني لأكفر ~~بالله وأشرك به ما ليس لي به علم} [غافر: 42] إلى آخر ما حكاه الله عنه، ~~فأخبر أن الشرك والكفر بالله مؤد إلى النار. # وكذلك قالت سحرة فرعون: {إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا} [طه: 73] ~~فرتبوا المغفرة على الإيمان. # وهذا كله يدل على أن موسى - عليه السلام - كان يصرح بذلك عندهم # PageV02P560 # # فتلقاه عنه من آمن به. # ولذلك قالت امرأة فرعون: {رب ابن لي عندك بيتا في الجنة} [التحريم: 11]، ~~علما منها بأن من آمن كانت الجنة ثوابه، ثم قالت: {ونجني من فرعون وعمله ~~ونجني من القوم الظالمين} [التحريم: 11]، استبلاغا في التبري من الكفر ~~والهرب من لواحقه. # وقد تقدم أن نوحا - عليه السلام - وهو أول الرسل استغفر للمؤمنين ~~والمؤمنات, ولم يستغفر في ذلك الوقت الذي هو آخر أمره إلا لمن هو مؤمن, ~~وذلك موافق لما صدر منه لقومه قبل ذلك بالسنين المتطاولة، إذ قال لهم: {يا ~~قوم إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم} ~~[نوح: 32] , فرتب المغفرة على تقوى الله وعبادته, وذلك هو معنى الإيمان، ~~وهكذا القول في سائر الأمم. ms254 # فلم يبعث الأنبياء صلوات الله عليهم إلا لدعاء الخلق إلى الله وتعريفهم ~~بأن من لبى دعوتهم تناولته المغفرة فحصل له الثواب, ومن لم يستجب لهم لم ~~تتناوله فلزمه العقاب. # وقد أدرك هذا المعنى المؤمنون من الجن قال الله تعالى حكاية عنهم: {يا ~~قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم} [الأحقاف: 31] إلى ~~آخر الآيتين. وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه بحول الله. # والنص عندنا موجود على أن الله تعالى لا يغفر الإشراك به، إذ قال في ~~موضعين من كتابه العزيز: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} [النساء: 48] , وذلك # PageV02P561 # # منه سبحانه قضية عامة أخبر بها عن نفسه أنه يفعل كذلك بكل مشرك يوم ~~القيامة، الذي هو محل الفصل بين الأنبياء صلوات الله عليهم وبين الأمم ~~الذين بعثوا إليهم. # وإذا تقرر هذا فلنرجع إلى ما كنا فيه فنقول (1): إن الآية المتقدمة وهي ~~قول الله تعالى: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} ~~[التوبة: 114] , إنما ذكرها سبحانه لئلا يحتج أحد على أن الاستغفار جائز ~~للمشركين بكون إبراهيم - عليه السلام - استغفر لأبيه وهو مشرك (2). # روينا من طريق قاسم بن أصبغ عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رجلا يستغفر ~~لأبويه وهما مشركان فقلت له: تستغفر لهما وهما مشركان؟ قال: فقال: أولم ~~يستغفر إبراهيم لأبيه؟ , فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له، ~~فأنزل الله تعالى: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها ~~إياه} [التوبة: 114]. (3) PageV02P562 # # وذكر مكي في الهداية عن عمرو بن دينار قال: قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ~~ينهاني الله عن ذلك» , فقال أصحابه: لنستغفرن لآبائنا كما استغفر النبي - ~~عليه السلام - لعمه فأنزل الله تعالى: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن ~~يستغفروا للمشركين} إلى قوله: {لأواه حليم} (1) [التوبة: 114.113]. # قال: وقيل: نزلت الآية في أم رسول الله أراد أن يستغفر لها فمنع من ذلك. ~~PageV02P563 # # روي (1) أن النبي - عليه السلام - لما قدم مكة وقف ms255 على قبر أمه حتى سخنت ~~عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها, حتى نزلت ما كان للنبي. الآية. ~~قال ذلك ابن عباس وغيره (2). # قال: وروي أن الآية نزلت في أبوي النبي - عليه السلام - , وذلك أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - سأل جبريل - عليه السلام - عن (ق.114.أ) قبر أبويه فأرشده ~~إليهما فذهب إليهما فكان يدعو لهما وعلي - رضي الله عنه - يؤمن, فنهي عن ~~ذلك. انتهى ما ذكره مكي. PageV02P564 # # فهذه الآية قد اختلف في سبب نزولها كما ترى، أعني قوله: {ما كان للنبي ~~والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} [التوبة: 113] , ~~فمنهم من قال إنها نزلت في كون النبي - عليه السلام - أراد أن يستغفر لأمه, ~~ومنهم من قال لأبويه جميعا, ومنهم من قال لعمه أبي طالب, وهو المذكور في ~~الصحيح, كما تقدم. # فأبوا النبي - عليه السلام - لا فرق بينهما وبين جده عبد المطلب (في ~~الحكم) (1)، كما أنه لا فرق بين عبد المطلب وأبيه هاشم (2) , ولا بين هاشم ~~وأبيه عبد مناف, ولا بين عبد مناف وأبيه قصي, فكلهم آباء للنبي - عليه ~~السلام - , وهم متساوون عند الله في الحكم. # وأما أبو طالب فيتنزل من النبي - عليه السلام - منزلة الوالد (3) , إذ ~~كان كافلا له من صغره بوصية عبد المطلب به إليه لكونه شقيق أبيه, وهو في ~~الحكم بمنزلة آزر لكون كل واحد منهما قامت عليه الحجة وبلغته الدعوة إلا ~~أنه أحسن حالا وأخف عذابا من آزر, وذلك لوجهين: # - أحدهما: أن أبا طالب لم يرد على النبي - عليه السلام - ردا منكرا كما ~~فعل آزر مع إبراهيم - عليه السلام - , وإنما غايته أن قال للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عندما دعاه إلى التوحيد PageV02P565 # # بقول لا إله إلا الله: «لولا أن تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك ~~الجزع، لأقررت بها عينك» (1). # وأما آزر فإنه لما خاطبه إبراهيم بقوله: {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا ~~يبصر ولا يغني عنك شيئا} [مريم: 42]. # كان جوابه أن قال: {أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك ms256 ~~واهجرني مليا} [مريم: 46]. # - والثاني: أن أبا طالب قام بوظيفة عظيمة وهي حماية النبي - عليه السلام ~~- عن أن تناله قريش بمكروه وقيامه دونه وتحريضه بني هاشم وبني المطلب على ~~نصرته, حتى دخل جميعهم معه ومع النبي - عليه السلام - الشعب, إلا ما كان من ~~أبي لهب فقط. # ومعنى ذلك موجود لأبي طالب في شعره وموجود في الأحاديث كما تقدم ذكره ~~قبل. # وقد ذكر ابن إسحاق (2) من حديث هشام بن عروة عن أبيه أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال بمكة في قصة: «ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو ~~طالب». PageV02P566 # # وأما آزر فلم تكن منه حماية لإبراهيم وإنما كان مع قومه عليه, ولذلك كان ~~- عليه السلام - يخاطبهم جميعا خطابا واحدا، قال الله تعالى: {واتل عليهم ~~نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون} [الشعراء: 69]. # وقال: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون} [الزخرف: 26]. # وقال: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إذ قال لأبيه ~~وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون}. # فقالوا له: {وجدنا آباءنا لها عابدين}، ثم قالوا: {أجئتنا بالحق أم أنت ~~من اللاعبين} إلى قوله: {حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين} [الأنبياء: ~~51 - 86]. # ولم يقل تعالى: قال قومه, وإنما قال: {قالوا حرقوه} , وظاهر ذلك أنه يعود ~~إلى أبيه وقومه. # فلما نجى الله إبراهيم من النار اعتزل الجميع منهم (ق.114.ب) وتركهم على ~~دينهم, كما حكى الله عنه في سورة مريم. # ونبينا - عليه السلام - لم يعتزل قريشا، بل كان يغاديهم ويراوحهم في ~~المسجد الحرام ويصدع بما أمره الله تعالى بين أظهرهم, (إذ كان مأمورا بذلك) ~~(1)، وكان عمه أبو طالب (2) من ورائه يحميه ويحوطه على ما تقدم, ولهذا كان ~~النبي - عليه السلام - حريصا على إسلامه, فلما مات ولم يسلم كان يستغفر له. ~~PageV02P567 # # يدل على ذلك قوله في الحديث الصحيح (1): «أما والله لأستغفرن لك ما لم ~~أنه عنك» , إذ الظاهر من هذا أن الاستغفار منه - عليه السلام - لأبي طالب ~~كان واقعا لأجل القسم, ويحتمل استغفاره - صلى الله ms257 عليه وسلم - له وجهين: # أحدهما: أن يكون النبي - عليه السلام - لا علم له حينئذ بأن من هو مشرك ~~لا تناله المغفرة، إذ يجوز الغفران لكل مشرك على الإطلاق أو لبعض المشركين ~~ممن كان له أثر حسن, مثل أبي طالب. # وأعني بقولي: "يجوز" الجواز العقلي, إذ ليس في العقل ما يقضي بأن المشرك ~~لا يغفر له، لاسيما والنبي - عليه السلام - قد نزل عليه بمكة قول إبراهيم: ~~{واغفر لأبي إنه كان من الضالين} [الشعراء: 86]. فانضاف هذا الدعاء من ~~إبراهيم إلى كون الغفران جائزا في العقل فاستغفر النبي - عليه السلام - ~~لعمه من أجل ذلك. # ويكون هذا هو الحامل له على أن يستأذن في الاستغفار لأمه, وعلى هذا يدل ~~ما مضى من التفسير عن ابن عباس وغيره, إذ قالوا: إن النبي - عليه السلام - ~~انتهى عن ذلك لما نزلت عليه: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين} [التوبة: 113] الآية, والسورة مدنية. # الوجه الثاني: أن يكون - عليه السلام - يعلم حين الاستغفار أن المغفرة لا ~~تنال المشرك, لكن يكون قصده من الاستغفار تخفيف العذاب, ويكون سبب إقدامه ~~عليه كونه لم ينه عنه, مع ما أنزل عليه من استغفار إبراهيم لأبيه (2) ~~PageV02P568 # # وتخفيف العذاب بنفسه فائدة, وقد وجدت هاهنا, فإن النبي - عليه السلام - ~~أخبر بأن أبا طالب أهون أهل النار عذابا, وقال: «لولا أنا لكان في الدرك ~~الأسفل من النار». (1) # والذي حملنا على هذا التأويل مع أن الأول أظهر ما نقله ابن إسحاق, إذ ذكر ~~المحاورة التي كانت بين النبي - عليه السلام - وبين قريش بحضرة أبي طالب ~~حتى قال لهم النبي - عليه السلام -: «كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب ~~وتدين لكم بها العجم وهي لا إله إلا الله» , فنفروا من ذلك (2)، # ورأى النبي - صلى الله عليه وسلم - من لين كلام أبي طالب ما أطمعه في ~~إسلامه فجعل يقول: «أي عم فأنت فقلها (ق.115.أ) أستحل لك بها الشفاعة يوم ~~القيامة» (3). PageV02P569 # # فقوله - عليه السلام -: «أستحل لك بها الشفاعة» , إن صح ذلك عنه يدل على ~~أنه - عليه السلام - علم حينئذ أن ms258 التوحيد هو السبب في نيل الشفاعة وأن ~~المشرك بمعزل عنها, وذلك موافق لما قاله بعد إذ ذكر الدعوة التي اختبأها ~~شفاعة لأمته ثم قال: «فهي نائلة إن شاء الله من أمتي من مات لا يشرك بالله ~~شيئا» (1). # وإنما لم تكن الشفاعة في الآخرة لمن هو مشرك لأجل أن المغفرة لا تتناوله, ~~وإنما تكون الشفاعة في المحل الذي تتأتى (2) له المغفرة, قال - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات يشرك بالله ~~شيئا (3) دخل النار» (4). # فلم يجعل - عليه السلام - للمشرك منزلا إلا النار، وقد أخبر الله بعدم ~~المغفرة له فقال: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} [النساء: 48] (كما تقدم ~~ذكره) (5) , ولو تصور أن يغفر لمشرك لكان ذلك لأبي طالب لمكانه من رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - (6). PageV02P570 # # ولكون ذلك لا يتصور إلا مع الإيمان ولم يكن منه إيمان أنزل الله تعالى ~~على نبيه في حق أبي طالب: {إنك لا تهدي من أحببت} [القصص: 56] , معناه أن ~~الله تعالى يفعل ما يشاء في خلقه من هدي أو ضلال من غير اعتبار بمن يحب ذلك ~~أو يكرهه. # وهذا المعنى قد ذكره - عليه السلام - لقريش وكرره عليهم, فإنه كان يقول ~~عندما نزلت عليه: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214]: «يا معشر قريش ~~أنقذوا أنفسكم من النار لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني كعب بن لؤي ~~أنقذوا أنفسكم من النار لا أغني عنكم من الله شيئا, ثم أخذ يذكر كذلك بطون ~~قريش, إلى أن انتهى إلى فصيلته, فقال: يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من ~~النار لا أغني عنكم من الله شيئا, ثم رجع إلى الأشخاص على التعيين فقال: يا ~~عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا, يا صفية بنت عبد المطلب عمة ~~رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا, يا فاطمة بنت رسول الله لا أغني عنك ~~من الله شيئا». (1) # فهؤلاء هم أقرب القرابة إلى رسول الله، لاسيما فاطمة فهي أحبهم إليه, وقد ~~قال ms259 لها كما قال لغيرها: «لا أغني عنك من الله شيئا». PageV02P571 # # وقد ذكر ابن إسحاق (1) عند موت أبي أمامة أسعد بن زرارة والمسجد يبنى في ~~أول زمن الهجرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «بئس الميت أبو ~~أمامة، ليهود ومنافقي العرب يقولون: لو كان نبيا لم يمت صاحبه، ولا أملك ~~لنفسي ولا لصاحبي من الله تعالى (2) شيئا». # وهذا كله (3) امتثال (4) منه - صلى الله عليه وسلم - لما أمره الله به إذ ~~يقول له: {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} [الجن: 21] ويقول أيضا (5): ~~{قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا} [يونس: 49]. # وقال تعالى فيما يلزمه من تبليغ الرسالة: {إن عليك إلا البلاغ} [الشورى: ~~48]. وقال: {ما على الرسول إلا البلاغ} [المائدة: 99] , وإذا لم يكن عليه ~~إلا البلاغ فالله تعالى يهدي إلى الإسلام برسالته من يشاء ويصرف ذلك عن من ~~يشاء من قريب له - عليه السلام - (6) أو بعيد, لا يسأل سبحانه عما يفعل. # وإلى هاهنا انتهى بنا القول في تقرير حال هذا القسم الذي كنا فيه. ~~PageV02P572 # # فصل: # إن قال قائل: فإذا ظهر من القرآن والحديث أن كل (1) هذا القسم الذين ~~فرغتم من الكلام عليه (2) معذبون بالنار لكفرهم وإشراكهم دل ذلك على أنهم ~~كانوا مخاطبين بشريعة ومتعبدين بها، ومعلوم أن الشرائع لا تؤخذ إلا عن ~~الأنبياء، فإن يكن النبي الذي خوطبوا بشريعته هو إسماعيل - عليه السلام - ~~وإلا لم يلزمنا تعيينه. # قلنا: هذا يرده (3) نصوص القرآن فإنه (4) لم يأتهم رسول حتى بعث نبينا ~~(5) محمد - عليه السلام -، قال الله تعالى: {الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه ~~من رب العالمين أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من ~~نذير من قبلك لعلهم يهتدون} [السجدة:-1 - 3]. # وقال سبحانه: {يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل ~~العزيز الرحيم لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون}. PageV02P573 # # وقال عز اسمه: {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر ~~قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون} [القصص: 46]. # وقال ms260 جل جلاله: {وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من ~~نذير} [سبأ: 44]. # فهذه الآيات كلها مخاطبة من الله تعالى لمحمد - عليه السلام - بأنه لم ~~يرسل إلى العرب قبله من رسول. # ولذلك قال قتادة: ما أنزل الله جل ذكره على العرب كتابا قبل القرآن ولا ~~بعث إليهم رسولا قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - (1). # وصدق قتادة، فإن الله تعالى يقول: {أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به ~~مستمسكون} [الزخرف: 21]، ثم أضرب عن ذلك بقوله: {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا ~~على أمة وإنا على آثارهم مهتدون} [الزخرف: 22]. فأخبر عنهم بأنهم وجدوا ~~آباءهم على دين وأنهم مهتدون بآثارهم، وذكر أن هذا كان سبيل الأمم مع ~~أنبيائهم. PageV02P574 # # وقد تكرر (1) هذا المعنى في القرآن قال تعالى (2): {وإذا قيل لهم تعالوا ~~إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} [المائدة: ~~104]. # وقال: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه ~~آباءنا} [لقمان: 21] , وفي موضع آخر: {بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} ~~[البقرة: 170]. # ولم يخبر الله عنهم في هذه الآيات بأن يقولوا إن عندهم كتابا تمسكوا به ~~أو أن رسولا أرسل إليهم بذلك الدين الذي اتبعوا فيه آباءهم، ولو كان عندهم ~~ذلك (3) لذكروه على وجه المدافعة للقرآن ولمن جاء به، وإنما غايتهم أن ~~يقولوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا. # وأما إسماعيل - عليه السلام - فقد نطق القرآن بأنه كان رسولا نبيا، وليس ~~فيه أنه أرسل إلى قوم بأعيانهم، كما جاء في غيره من الرسل. # وذكر وثيمة في كتابه قال: حدثنا جويبر (4) عن الضحاك قال: لم يمت إبراهيم ~~- عليه السلام - حتى بعث الله إسحاق إلى أرض الشام، وكان إبراهيم ~~PageV02P575 # # بفلسطين, وبعث يعقوب إلى أرض كنعان, وإسماعيل إلى جرهم, ولوطا إلى سدوم. ~~فكان هؤلاء أنبياء على عهد إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -. # وذكر المسعودي في كتابه (1) أن الله تعالى نبأ إسماعيل وأرسله إلى ~~العماليق وقبائل اليمن فنهاهم عن عبادة الأوثان فآمن طائفة منهم وكفر ~~أكثرهم. # ولا بد أن يصح إرسال ms261 إسماعيل إلى هؤلاء المذكورين، أو إلى جرهم, كما قال ~~الضحاك، أو إلى الجميع حتى يصدق عليه كونه رسولا، ولا يمكن أن يكون رسولا ~~إلى العرب، إذ كانوا غير موجودين حينئذ (وأيضا فقد أخبر الله أنه لم يرسل ~~إليهم رسولا قبل محمد - صلى الله عليه وسلم -) (2)، وأعني بذلك العرب الذين ~~يرجعون إلى عدنان من ولد إسماعيل, لكن من كان منهم في الجاهلية متبعا لدين ~~إبراهيم وإسماعيل فهو موحد على ذلك الدين, بدليل زيد بن عمرو, كما أن من ~~غير دينهما فهو معذب بدليل عمرو بن لحي. # وأما جرهم فهم من العرب العاربة وفيهم تصاهر إسماعيل - عليه السلام -، ~~وكانوا متمسكين بالحنيفية، وسبيلهم في الهلاك سبيل طسم وجديس والعماليق ~~وغيرهم ممن دثر أمره، وعفا خبره. # ومما يؤكد ما ذكرناه في هذا الفصل أن إبراهيم صلى الله عليه دعا الله ~~تعالى في إرسال نبي من أهل مكة إليهم، وذلك قوله: {ربنا وابعث فيهم رسولا ~~منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت PageV02P576 # # العزيز الحكيم} [البقرة: 129] , فاستجاب الله دعاءه وأرسل إليهم رسولا ~~منهم، كما (ق.110.ب) قال سبحانه: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم ~~رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن ~~كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [آل عمران: 164]. # وقال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} [الجمعة: 2]. # ولا يخلو أن يكون الرسول المذكور في هاتين الآيتين هو إسماعيل - عليه ~~السلام - أو يكون محمدا - صلى الله عليه وسلم -، إذ لا يعلم بمكة نبي ~~سواهما. # والقول بأن ذلك الرسول هو إسماعيل يبطل من ثلاثة أوجه: # أحدها: إن الدعوة التي دعاها إبراهيم - عليه السلام - شاركه فيها إسماعيل ~~فكانت تلك الدعوة مشتركة بينهما، والدليل على ذلك أن الله تعالى حكى عنهما ~~في أول القصة ما قالا في دعائهما, وذلك قوله: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من ~~البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127] أي: ~~يقولان ربنا تقبل منا. # يدل على ذلك ms262 قولهما: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} ~~[البقرة: 128] إلى انقضاء الآية، ثم قالا آخرا: {ربنا وابعث فيهم رسولا ~~منهم} [البقرة: 129] الآية. # PageV02P577 # # وإذا ثبت اشتراكهما معا في هذا الدعاء تبين منه أن إسماعيل لا يصح أن ~~يعني بذلك نفسه. # الوجه الثاني: إن قوله: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم} [البقرة: 129] ~~الآية، إنما تعود الضمائر المذكورة فيها على الأمة المسلمة في المعنى، وهم ~~من ذرية إسماعيل، ولا يبعد أن تعود على أهل الحرم المذكورين في قول إبراهيم ~~أولا: {رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات} [البقرة: 126]. وأهل ~~الحرم من ذرية إسماعيل، وكل من هو من ذرية إسماعيل فهو من ذرية إبراهيم, ~~ولهذا قالا جميعا: {ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} [البقرة: 128] , وإذا كان ~~الرسول الذي سألا الله تعالى فيه من ذرية إسماعيل فقد صح أنه غير إسماعيل ~~ضرورة. # الوجه الثالث: إن في ذلك الدعاء: {يعلمهم الكتاب والحكمة} ... [البقرة: ~~129] , وإسماعيل - عليه السلام - لا يعلم له كتاب، فقد يجوز أن يكتفي في ~~شريعته (ق.111.أ) بصحف أبيه إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - , ويجوز أن ~~ينزل الله عليه بعض الصحف، لكن تكون داثرة كما دثر خبر من ءامن به. # وإذا بطل بما ذكرناه كون إسماعيل هو الرسول الذي تناولته تلك الدعوة تعين ~~أن ذلك الرسول هو نبينا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب المبعوث بمكة في ~~صميم أهلها قريش, الذين هم صريح ولد إسماعيل - عليه السلام - , وهو المنزل ~~عليه القرآن المنقول عنه - صلى الله عليه وسلم - بالتواتر, وقد وجدت فيه ~~الصفات المذكورة في آية الدعوة من تزكيته لأمته وتعليمه إياهم الكتاب ~~والحكمة وتلاوته عليهم الآيات, حسبما ذكره الله في الآيتين المتقدمتين. # PageV02P578 # # ثم قد نص - صلى الله عليه وسلم - على أنه المقصود بتلك الدعوة بقوله: ~~«أنا دعوة أبي إبراهيم» (1). # فقد بان بهذا وبما تقدم من الآيات في أول الفصل أن نبينا محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - هو الرسول إلى العرب, ولم يرسل إليهم سواه, وإنما خصصنا ~~العرب بالذكر لأجل أن الأحاديث الواردة بتعذيب ms263 من كان في الفترة وردت فيهم ~~كما تقدم ذكرها, وإلا فالنبي محمد - عليه السلام - مبعوث إلى جميع الإنس ~~عربهم وعجمهم. # قال الله تعالى بعد أن ذكر أنه مكتوب بصفته في التوراة والإنجيل: {قل يا ~~أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158] , وقال: {وما ~~أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا} [سبأ: 28]. # وعد - صلى الله عليه وسلم - من خصائصه كونه مبعوثا إلى الأحمر والأسود, ~~وكذلك هو مبعوث إلى الجن, وسيأتي ذكر ذلك عند الكلام فيهم بحول الله. ~~PageV02P579 # # وفي تعميم دعوته - صلى الله عليه وسلم - زيادة على ماتضمنه دعاء إبراهيم ~~عليهما السلام، فإن الله تعالى استجاب لهما على وفق دعائهما بأن أرسل نبيه ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم - إلى من سألا عليهما السلام بعثه إليهم. # ثم لم يكتف سبحانه بالإجابة فقط حتى عم بدعوة محمد جميع الثقلين تشريفا ~~لمقامه - صلى الله عليه وسلم - وبذلك يتحقق الامتنان الذي نبه عز اسمه عليه ~~في قوله: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} [آل ~~عمران: 164]، فإنه لو فرض أن يكون هذا الرسول هو إسماعيل على القول الأول ~~للزم أن ينزل المؤمنون المذكورون في الآية على أمته المؤمنين به - عليه ~~السلام - في وقته، وأن يكون الامتنان المذكور خاصا بهم، وهذا لا يصح, إذ ~~يبطل بذلك ما أعطته الآية من التمدح بالامتنان على المؤمنين بإطلاق. # وإذا ثبت بمجموع ما بيناه أن الرسول المذكور في الآية هو نبينا محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - فقد صح أن المؤمنين المذكورين فيها هم جميع هذه الأمة ~~المؤمنين به وبما أنزل عليه, وإذا كان الأمر كذلك فالامتنان عام، إذ ينسحب ~~على كل من يؤمن بشريعته - عليه السلام - إلى قيام الساعة (1). PageV02P580 # # فصل # وأما من يقدر أنه أرسل إلى أهل الفترة رسول ويقول: إنه لا يلزمنا تعيينه, ~~فذلك هوس منه، فإنه لو بعث إليهم رسول لكان فيهم المؤمن به والكافر, ونحن ~~نعلم بطلان ذلك من وجهين: # أحدهما: ما قدمناه من الآيات المعرفة لنا أنه لم يرسل قبل محمد - عليه ~~السلام ms264 - رسول إلى العرب. # والثاني: أنا لو فرضنا ذلك واقعا (في الفترة) (1) لتوفرت الدواعي على ~~نقله ولابد, إذ مثل هذا (2) لا يصح التواطؤ على كتمانه، بل كان ينقل نقل ~~استفاضة وتواتر. # فقد نقل الإخباريون ما هو دون ذلك وهو ما ذكروه من حديث خالد بن سنان ~~العبسي وأنه كان نبيا في الفترة, وذكروا قول نبينا - صلى الله عليه وسلم - ~~فيه (3) ذلك: «نبي أضاعه قومه» (4). PageV02P581 # # ونحن نبعد صحة هذا (1) (ق.115.ب) عن النبي - عليه السلام - فإنه - صلى ~~الله عليه وسلم - قال في الحديث الصحيح: «أنا أولى الناس بعيسى بن مريم ~~الأنبياء أولاد علات وليس بيني وبينه نبي» (2). # اللهم إلا أن يعني به (3) نفي الرسالة بينه وبين عيسى لا نفي النبوة، فقد ~~يشبه ذلك. PageV02P582 # # وهذا القول منه - صلى الله عليه وسلم - يرد أيضا تقدير من يقدر أن هنالك ~~رسولا لا يلزم تعيينه. # ثم ليت شعري من يكون ذلك الرسول المقدر، وهو لم يعلم اسمه ولا نسبه ولا ~~شوهد شخصه ولا عرف لمن بعث ولا في أي زمان بعث، ولا وقف على معجزته، وإذا ~~لم يكن لنا طريق إلى تعرف هذا كله تبين أن ذلك التقدير توهم محض إذ لا ~~حقيقة له (1). # ولولا أنا شهدنا بعض الطلبة قد التزم هذا القول في المذاكرة لما سقناه ~~هاهنا لنزوله وضعف نظر من يقوله (2). # والذي حمله على ذلك أنه رأى التعارض بينا بين قوله تعالى: {وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] وبين الأحاديث التي جاءت عن النبي - ~~عليه السلام - بتعذيب بعض من كان في الفترة بالنار، فلجأ إلى أن يقول إن ~~هنالك شريعة كلفوها وإن لم يعرف صاحبها بعينه. # واقتحام مثل هذا القول أشد على قائله من التوقف عن التكلم على ذلك ~~التعارض إذا لم يعرف وجهه. # ونحن نقول: إن هاهنا قاعدتين مقطوعا بهما: PageV02P583 # # إحداهما: إن الله تعالى أعلمنا أنه لا يعذب أحدا حتى تقوم الحجة عليه ~~بقوله: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] وقوله: {وما كنا ~~مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} [القصص: 59]. # والقاعدة الثانية: إن ms265 الله تعالى أخبرنا أنه لم يرسل رسولا إلى العرب قبل ~~محمد - عليه السلام - بقوله: {وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير} [سبأ: 44] ~~وغير ذلك من الآيات التي تقدم ذكرها. # فبعد تأصيل هاتين القاعدتين اعترضتنا تلك الأحاديث الصحيحة التي وردت في ~~أشخاص ممن كانوا في زمن الفترة بأنهم من أهل النار، مثل ما جاء في عمرو بن ~~لحي وغيره على ما تقدم (1) , وقد أجبنا عن ذلك بثلاثة أوجه ذكرناها قبل, إذ ~~قلنا: # أحدها: إن المسألة التي نحن بصددها قطعية، وهذه الأحاديث أخبار آحاد. # والثاني: أن نقصر ما ورد من دخول النار على من ورد فيه بعينه فقط، ولا ~~نطلب علة ذلك. # والثالث: تقسيمنا أهل الفترة إلى أربعة أقسام, وكان غرضنا من ذلك إبراز ~~هذا القسم الثالث, إذ فيه الجواب المتمكن عن تلك الأحاديث لما تضمنه من ~~تغيير الشرائع، واختراع الدين، ونصب الأحكام بمجرد الأهواء وتحسين ~~PageV02P584 # # العقول, فحملنا تلك الأحاديث لأجل ذلك على أهل هذا القسم, (دون غيرهم من ~~أهل الفترة) (1). # وكان ذلك الجواب منا أولا قبل أن نخوض في الكلام على هذا القسم ونتأمل ~~الآيات التي أوردناها في استقراء الحكم عليهم في جاهليتهم كما (ق.116.أ) ~~ينبغي. # فلما تأملنا ذلك كله (2) وأحطنا علما به تبين لنا أن أهل هذا القسم (3) ~~الذين عبدوا الأوثان: كفار (4) مؤاخذون بأعمالهم ومعاقبون على أفعالهم, ~~لاسيما وقد وجدنا في الكتاب العزيز آية هي أجلى من الآيات المتقدم ذكرها ~~فيما نحن بسبيله, إذ فيها النص على كفر من كان قبل الإسلام (5) , فلنذكر ~~تلك (6) الآية التي تتضمن ذلك, ولبدأ بما قبلها ليتبين بذلك ما نقصده من ~~الكلام عليها. # فنقول: قال الله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل ~~وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس} [البقرة: 87]. ~~PageV02P585 # # فقوله: {وقفينا من بعده بالرسل} [البقرة: 87] أي: على منهاج موسى ~~وطريقته، إذ كل من بعث من بعد موسى إلى زمان عيسى إنما كان يأمر بني ~~إسرائيل أن يلزموا التوراة ويعملوا بما فيها. # والآيات التي أوتيها عيسى هي: إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ms266 وخلق ~~الطير (من الطين) (1) وغير ذلك. # وروح القدس هو جبريل - عليه السلام -. # ثم قال مخاطبا لأهل الكتاب: {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ~~استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون} [البقرة: 87] , يعني ما فعله أسلافهم ~~بالأنبياء الذين كانوا في بني إسرائيل، إذ كذبوا بعضهم وقتلوا بعضهم, وإنما ~~خاطبهم الله تعالى مخاطبة المواجهة, وإن كانوا هم لم يقتلوا, لأنهم مقتدون ~~بآثار آبائهم, فقد كذبوا محمدا - عليه السلام - ولم يؤمنوا به، ثم إنهم ~~جهدوا أنفسهم في قتله فمنعه الله منهم، فرجعوا إلى السحر فسحروه حتى شفاه ~~الله. # ثم قال: {وقالوا قلوبنا غلف} [البقرة: 88] أي: إنا لا نعقل كلامك ولا ~~نفقه قولك، فلو كنت صادقا سمعنا ما تقول. # يقال: سيف أغلف إذا كان في غلافه, وقولهم قلوبنا غلف مشتق من هذا (2) , ~~وهو كقول قريش: {قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} [فصلت: 5]. PageV02P586 # # ثم قال الله لهم: {بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون} [البقرة: 88]. # ولعنهم (1) هو إبعادهم عن الإيمان, كما طبع على قلوبهم أي ختم عليها. # فقد قال فيهم في آية أخرى: {بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا ~~قليلا} [النساء: 155]. # ثم قال تعالى: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم} [البقرة: 89] ~~يعني بالكتاب: القرآن العزيز, وأنه مصدق لما معهم من التوراة, وهذا الإخبار ~~إنما هو عن (2) اليهود الساكنين بالمدينة والمجاورين لها. # فقال الله عنهم: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} [البقرة: 89] ~~معنى ذلك أن اليهود كانوا من قبل، أي: من قبل الإسلام، يستفتحون على ~~الكفار، أي: يستنصرون عليهم بالنبي المبعوث, إذ كانوا يؤذونهم, والاستفتاح ~~هو الاستنصار, قال الله تعالى: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: ~~19] أي النصر. # وقوله تعالى: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} [البقرة: 89] أي: جاء ~~اليهود ما عرفوه من بعث النبي - عليه السلام - , إذ كانوا يعرفونه بصفته ~~وزمانه كفروا به حينئذ بغيا منهم, كما ذكره الله تعالى في الآية التالية ~~لهذه. PageV02P587 # # وموضع الدليل من الآية التي (قصدنا إيرادها هنا هو قوله تعالى) (1): ~~{يستفتحون على الذين كفروا} [البقرة: ms267 89] إذ سمى القوم الذين كانت اليهود ~~تستفتح عليهم بالذين كفروا وهم الأوس والخزرج الساكنون بيثرب, وكانوا أصحاب ~~أوثان. # ذكر ابن إسحاق في السير (2) # قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه قالوا: إن مما دعانا ~~إلى الإسلام مع رحمة الله بنا وهداه لنا لما كنا نسمع من رجال يهود، كنا ~~أهل شرك وأصحاب أوثان, وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا, وكانت لا تزال ~~بيننا وبينهم شرور, فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه قد تقارب ~~زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم, فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم, ~~فلما بعث الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أجبناه حين دعانا إلى الله ~~وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا هم به, ففينا ~~وفيهم أنزل الله تبارك وتعالى هؤلاء الآيات من البقرة: {ولما جاءهم كتاب من ~~عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ~~ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} [البقرة: 89]. # فهذا الذي ذكر ابن إسحاق يدل على ما قلناه من أن الذين كفروا المذكورين ~~في الآية هم الأوس والخزرج، ولم يكن عندهم في الجاهلية نبي PageV02P588 # # يلزمهم الكفر به إذا (1) لم يجيبوه ويؤمنوا به, وقد أطلق الله تعالى ~~عليهم اسم الكفر في جاهليتهم، وما ذاك إلا لعبادتهم الأوثان, وكانت اليهود ~~حينئذ (2) مؤمنين بشريعتهم، وإنما لزمهم التكفير بعد بكونهم عاندوا الحق ~~وكفروا بالنبي - عليه السلام - بعد معرفتهم به بين ذلك بقوله: {فلما جاءهم ~~ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} [البقرة: 89]. # فالعجب كيف انعكست الحال في الإسلام, فصار الكفار من أهل يثرب مؤمنين ~~بالشريعة التي جاء بها محمد - صلى الله عليه وسلم - , وصار اليهود المؤمنون ~~بشريعتهم قبل (3) كفارا بهذه الشريعة (الناسخة لجميع الملل) (4) , ثم ينعطف ~~عليهم التكذيب بشريعتهم ويلزمهم الكفر بها من حيث إنهم يجدون صفة (ق.117.أ) ~~محمد - عليه السلام - في التوراة, وهم مأمورون فيها بالإيمان به - عليه ~~السلام - , فإذا لم يمتثلوا ذلك ms268 انسلخوا من شريعتهم زائدا على الانسلاخ من ~~هذه الشريعة. # وقد جاء في التفسير (5) أن الذين كفروا المذكورين في قوله: {يستفتحون على ~~الذين كفروا} [البقرة: 89] هم العرب من غير أن يخص منهم أهل يثرب (6) , ~~وذلك أن ابن عباس قال: كانت العرب في الجاهلية يمرون على PageV02P589 # # اليهود فيؤذونهم واليهود يجدون صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - (1) في ~~التوراة, فيسألون الله أن يعجل بعثه فينصرهم على العرب لما وصل إليهم من ~~أذى العرب، فلما جاءهم محمد - صلى الله عليه وسلم - (2) الذي قد عرفوه ~~وسألوا الله في بعثه كفروا به (3). # وقال قتادة: كانت اليهود تستنصر بمحمد - عليه السلام - على كفار العرب: ~~كانوا يقولون: اللهم إيت بهذا النبي الذي يقتل العرب ويذلهم, فلما رأوا أنه ~~من غيرهم حسدوهم وكفروا به (4). # فإن كان المراد بقوله: {يستفتحون على الذين كفروا} [البقرة: 89] سائر ~~العرب على ظاهر قول ابن عباس وقتادة, فلا فرق بينه وبين الأول فيما قلناه, ~~فإن العرب كانوا أصحاب أوثان ولم يأتهم رسول قبل محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- فيلزمهم التكفير من أجل ذلك. # فقد أطلق الله على أهل الجاهلية الكفر سواء كانوا بعضهم من أهل يثرب أو ~~غيرهم من سائر العرب. PageV02P590 # # والاحتجاج بهذه الآية قوي فيما أردناه منها، إذ فيها القبلية بقوله: ~~وكانوا من قبل, يعني قبل الإسلام, ولعل ذلك كان من اليهود في حال صغر النبي ~~- عليه السلام - أو قبل ولادته، فتسميتهم أعني أهل الجاهلية بالكفار متمكن ~~في الباب. # وقد قلنا إن هذه الآية أجلى من سائر الآيات المتقدمة، إذ من ليس بمنصف قد ~~يتعسف في تأويل تلك الآيات ويزعم أن المشركين الذين عنوا بها هم الذين قامت ~~عليهم الحجة بالإسلام, وأن تسميتهم بالكفار إنما كان لتوقفهم عن الإسلام من ~~أول المبعث، ويتكلف ما عسى أن يرد به تأويلنا هنالك في بعض ما قلناه. # وأما هذه الآية التي ذكرناها آخرا, وهي قوله: {وكانوا من قبل يستفتحون ~~على الذين كفروا} [البقرة: 89] فليس عند المتعسف فيها ما يصنع, إذ لابد أن ~~يكون المستفتحون خلاف المستفتح عليهم ms269 ضرورة, فالمستفتحون هم أهل الكتاب ~~العارفون بأن نبيا يبعث, وهم المذكورون في قوله: فلما جاءهم ما عرفوا كفروا ~~به، وسيكون المستفتح عليهم غيرهم لا محالة, وإذا كانوا غيرهم فلا يخلو أن ~~يكونوا أهل يثرب (ق.117.ب) المجاورين لهم أو من سواهم (1) من سائر العرب ~~المارين بهم. # وكيف ما كان فقد سموا بالكفار في الجاهلية, وذلك هو مقصدنا الذي أردنا ~~تبيينه. PageV02P591 # # وإذا تبين أنهم كفار فحكم الكفار معلوم من قواعد الشرع, فينبغي (1) أن ~~يكون تكفير أهل الأوثان قاعدة أخرى تضاف إلى القاعدتين المتقدمتين. # لكن يبقى النظر في قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ~~[الإسراء: 15] , وينبغي أن ينزل (2) على من ليس عنده إيمان ولا عبادة أصنام ~~(3) فيسلم في الآخرة من العذاب من حيث لم تقم عليه الحجة, وهذه هي صفة أهل ~~القسم الرابع الذي بقي لنا الكلام عليه, فلنشرع فيه بحول الله. PageV02P592 # ### | القسم الرابع من أهل الفترة # هذا القسم هو من لم يكن عنده توحيد ولا إشراك ولا دخول في شريعة نبي ولا ~~تعرض لتغييرها ولا اختراع لدين, بل بقي عمره (1) على حال غفلة وذهول عن ذلك ~~كله, وقد نقل أن في أهل الجاهلية من كان على هذه الوتيرة, ويقتضي النظر ~~وجودهم, فإنه إذا وجد فيهم الموحد لله والمشرك به، فكذلك قد (2) يوجد منهم ~~من هو عار عن الوصفين جميعا, لكون خواطر الخلق مختلفة وأذهانهم غير متفقة. # ومثال ذلك فيما مضى قصة عبيد الله بن جحش بن رئاب, إذ فارق دين قومه ~~مستبصرا في ذلك، كما تقدم عنه وعن ورقة وعثمان بن الحويرث وزيد بن عمرو, ثم ~~بقي هو من بينهم واقفا لم يدخل في شريعة حتى جاء الإسلام فكانت لعبيد الله ~~المذكور أربعة أحوال, فإنه كان على حال الشرك في الجاهلية، ثم زال عن ~~الشرك، لإدراكه أن الأصنام لا تضر ولا تنفع, وبقي متوقفا ملتمسا, إلى أن ~~جاء الله بالإسلام فأسلم, وهاجر إلى أرض الحبشة وهو مؤمن, ثم تنصر هنالك ~~فمات نصرانيا, نعوذ بالله من الخاتمة السوء. # ومقصودنا من هذه ms270 الأربعة الأحوال الحالة الثانية، وهي التي كان عليها ~~عبيد الله بن جحش، إذ كان متوقفا، فإنه زال عن الشرك ولم يدرك PageV02P593 # # الإيمان, فإذا كانت هذه الحالة موجودة لشخص واحد في وقت ما من أوقاته, ~~فلا يبعد أن يكون على ذلك أشخاص كثيرة مدة أعمارهم حتى يموتوا عليها, وهم ~~الذين نريد بهذا القسم الرابع. # وقد ذكر المسعودي (1) في كتابه ديانات العرب فقال: كانت العرب في ~~جاهليتها فرقا, منهم الموحد (ق.118.أ) المقر بخالقه المصدق بالبعث والنشور ~~موقنا بأن الله يثيب المطيع ويعاقب العاصي, وقال (2): قد ذكرنا قبل من دعا ~~إلى الله ونبه على آياته في الفترة كقس بن ساعدة, ورئاب الشني, وبحيرا ~~الراهب, وكانا من عبد القيس. انتهى قوله. # وهذا القسم الذي ذكره هو الذي جعلناه نحن قسمين: # أحدهما: من وحد الله تعالى من غير اتباع شريعة. # والثاني: من دخل في الشرائع كمن تهود أو تنصر، وقد تقدم ذكرهما. # قال (3): وكان من العرب من أقر بالخالق وأثبت حدث العالم وأقر بالبعث ~~والإعادة وأنكر الرسل وعكف على عبادة الأصنام, وهم الذين حكى الله عز وجل ~~قولهم: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: 3] الآية, وهذا ~~الصنف هم الذين حجوا إلى الأصنام ونحروا لها البدن ونسكوا لها النسائك ~~وأحلوا لها وحرموا. انتهى قوله. PageV02P594 # # وهذا الصنف هم أهل القسم الثالث الذين عبدوا الأوثان واخترعوا الأحكام ~~على ما قدمنا من أمرهم, غير أن المسعودي قال فيهم: إنهم أقروا بالبعث ~~والإعادة، ولا يبعد أن يكون فيهم من يقر بذلك، فقد قال زهير (1) في ~~الجاهلية: # فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم # يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقم # وأما أن يكون هذا الصنف كلهم يقرون بالبعث والإعادة فلا, بل أكثرهم لا ~~يقرون بذلك ولا يعترفون به، وقد صح في الحديث عن خباب بن الأرت أنه كان له ~~دين على العاصي بن وائل فأتاه ليتقاضاه منه فقال له: لن أقضيك حتى تكفر ~~بمحمد فقال (2) له: لن أكفر بمحمد حتى تموت ms271 ثم تبعث قال: وإني لمبعوث من ~~بعد الموت فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد، فأنزل الله تعالى فيه: ~~{أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا} [مريم: 77] الآية (3). # فهذا العاصي بن وائل كافر بالبعث. # وهو الذي يظهر من قريش في أقوالهم, فقد جاء في التفسير أن أبي بن خلف أو ~~أمية بن خلف أتى النبي - عليه السلام - بعظم نخر ففته (4) بيده, وقال له: ~~أتزعم PageV02P595 # # أن الله يحيى هذا وهو رميم، فقال له - عليه السلام -: «الله يحييه ثم ~~يميتك ثم يبعثك ثم يدخلك النار» , فقتله النبي - عليه السلام - يوم أحد, ~~وفيه نزلت: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم} [يس: ~~78]. (1) # وهكذا جاء عن أبي جهل وغيره إنكار (2) البعث على ما دلت عليه الأخبار ~~المذكورة في السير. # قال المسعودي (3): ومنهم من أقر بالخالق والبدء وكذب الرسل والبعث ومال ~~إلى قول أهل الدهر, وهؤلاء الذين حكى الله (ق.118.ب) إلحادهم وخبر عن كفرهم ~~بقوله تعالى: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا ~~الدهر} ... [الجاثية: 24] , فرد الله عليهم بقوله: { وما لهم بذلك من علم ~~إن هم إلا يظنون} ... [الجاثية: 24]. انتهى قوله. PageV02P596 # # وهؤلاء داخلون في القسم الذي قبلهم، على أن المسعودي قد قال فيهم: إنهم ~~مالوا إلى قول أهل الدهر، وأهل الدهر المعروفون بالدهرية لا يقرون بالصانع ~~ولا يقولون بالبعث, وهم المعبر عنهم في لسان الشرع بالزنادقة, وهم أخس ~~أصناف الكفر. # قال (1): ومنهم من قال باليهودية والنصرانية. # وهؤلاء قد دخلوا في القسم الأول من كلامه. # قال (2): ومنهم المار على عنجهيته الراكب لهجمته. # ولم يقل في هذا القسم أكثر من هذا القول, وهؤلاء هم أهل القسم الذين قلنا ~~عنهم إنه (3) ليس عندهم توحيد ولا إشراك, فإن قوله: (ومنهم المار على ~~عنجهيته) يعني من هو على طبعه الذي طبع عليه من غير خروج عنه ولا معرفة ~~بغيره. # وقوله: (الراكب لهجمته) يعني الذي يركب ما يهجم عليه في خاطره، من غير أن ~~يكون عنده توحيد ولا إشراك. # يدل على ذلك ms272 أن أهل التوحيد وأهل الإشراك ذكرهم قبل. # قال: وقد كان صنف من العرب يعبدون الملائكة ويزعمون أنها بنات الله ~~فكانوا يعبدونها لتشفع لهم إلى الله , وهم الذين أخبر الله عنهم بقوله: ~~{ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون} [النحل: 57] , وقوله: {أفرأيتم ~~اللات PageV02P597 # # والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى} ~~[النجم: 19 - 22]. انتهى قوله. # وقد تقدم لابن الزبعري وغيره من قريش أنهم كانوا يعبدون الملائكة في أحد ~~الفصول التي ذكرناها فيما مضى من أحكام العرب. # وكل ما ذكره المسعودي يرجع إلى الأربعة الأقسام التي ذكرناها, ويرجع من ~~كفر بالله أو (1) أشرك به أو جحده أو عبد الملائكة أو أنكر البعث أو كذب ~~الرسل إلى القسم الثالث الذي فرغنا منه. # ونحن الآن في القسم الرابع الذي لم يتلبس أهله بتوحيد ولا إشراك, وهم (2) ~~الذين يتحقق فيهم أنهم أهل الفترة فعليهم (كما قلنا) (3) ينبغي أن ينزل ~~قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15]. # والذي يدل على ذلك أن هذه الآية لا يخلو أن يراد بما تضمنته من نفي ~~العذاب عن من لم يرسل إليه رسول جميع أهل الفترة أو بعضهم، ولا يصح أن يراد ~~بذلك جميعهم, فإن فيهم الموحد لله في جاهليته, وفيهم الداخل من تلقاء نفسه ~~في شريعة من الشرائع التي ارتضاها الله لعباده. # والقسمان مثابان (ق.119.أ) بدليل قصة أصحاب الأخدود, وبدليل قول النبي - ~~عليه السلام - في زيد: «إنه يبعث أمة وحده» (4)، وإذنه - صلى الله عليه ~~وسلم - لابنه سعيد، PageV02P598 # # وابن عمه عمر بن الخطاب في الاستغفار له (1). # فإذا خرج هذان الصنفان عن أهل الفترة بقي منهم الصنفان اللذان هما: من ~~عبد الأوثان وأشرك بالله, ومن ليس عنده عبادة أوثان ولا توحيد لله (2). # فأما من عبد الأوثان فقد ألحقهم الله بالكفار, كما تقرر في القسم الثالث, ~~وإذا ألحقوا بالكفار في دينهم وفي العذاب اللاحق بهم صح أن الآية لم ~~تتناولهم, وصح تنزيلها على الصنف الباقي الذي ليس عنده إشراك (3) بالله ولا ~~توحيد له, وهم أهل هذا ms273 القسم الذي نتكلم الآن فيه (4). # وما قدمنا أولا من الحجة على أن أهل الفترة غير مكلفين, وأنهم إذا لم ~~يكونوا مكلفين لم يلزمهم العذاب ينبغي أن ينزل على أهل هذا القسم، إذ ذلك ~~يقع عليهم حقيقة، فإنهم غافلون عن التزام الشرائع وعن التغيير لها ~~والانحراف عنها, قال الله تعالى: {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ~~وأهلها غافلون} [الأنعام: 131]. # فأخبر أنه لا يهلك أهل الغفلة, وذلك بعد أن ذكر إقامة الحجة على الجن ~~والإنس بإرسال الرسل وتقرير الشرائع, وهو قوله: {يا معشر الجن والإنس ~~PageV02P599 # # ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا ~~شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا ~~كافرين} [الأنعام: 130]. # معنى ذلك: وشهدوا على أنفسهم في الآخرة أنهم كانوا كافرين في الدنيا، فإن ~~هذه المخاطبة إنما تكون في الآخرة, وذلك ظاهر في الآية بقوله: {وينذرونكم ~~لقاء يومكم هذا} [الأنعام: 130]، وبقوله قبل الآية: {ويوم نحشرهم جميعا} ~~[الأنعام: 22]. # ثم أخبر أنهم (1) في النار بقوله: {قال النار مثواكم} [الأنعام: 128] , ~~وإنما استحقوا ذلك بكفرهم الذي شهدوا به على أنفسهم, وهكذا ذكر (2) في سورة ~~الأعراف عن قوم كفار حيث قال: {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} ~~[الأنعام: 130] , ثم قال بإثره: {قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من ~~الجن والإنس في النار} [الأعراف: 38] , وذلك بسبب كفرهم وشهادتهم على ~~أنفسهم به أيضا. # ثم قال في آخر الآية المتقدمة: {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ~~وأهلها غافلون} [الأنعام: 131] , معناه أنه تعالى إنما أرسل الرسل لأنه لا ~~يهلك القرى بظلم أي (3) بأن يكون أهلها مظلومين, فقد جعل تعالى إهلاك القرى ~~PageV02P600 # # إذا كان أهلها غافلين عن الشرائع ظلما في حقهم، بكونهم (ق.119.ب) لم ~~يأتهم رسول ولا نذير تقوم به الحجة عليهم، كما جعل من قامت عليه الحجة فلم ~~يؤمن ظالما في قوله: {وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} [القصص: 59] ~~على ما تقدم أولا. # وقد أخبر تعالى في آية أخرى بأنه لا يهلك القرى بظلم وأهلها ms274 مصلحون, فسوى ~~بين المصلحين والغافلين في عدم الإهلاك لهم, وسمى إهلاكهم جميعا ظلما, ~~فالمصلح إهلاكه ظلم لإصلاحه وإحسانه. # والغافل الذي لم يأته رسول ولا توجه إليه خطاب إهلاكه أيضا ظلم, لعدم ~~إقامة الحجة عليه. # وإذا تبين أن العذاب لا يتناول هذين الصنفين فلم يبق إلا أن يكون لأهل ~~الظلم الذين قامت عليهم الحجة, وهم أهل التكذيب والكفر أو لمن ألحقه الشرع ~~بهم من عبدة الأوثان. # فأما أهل التكذيب والكفر فقد قال الله تعالى فيهم في الآيتين المتقدمتين: ~~{وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} [الأنعام: 130] , وقال تعالى: ~~{وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير} [الملك: 6] , وقال: {بل كذبوا ~~بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا} [الفرقان: 11] , وقال سبحانه: ~~{وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم} [الواقعة:92 - ~~94]. # وأما عبدة الأوثان فقد أطلق الله عليهم الشرك والكفر, وكفى في ذلك قول ~~الله تعالى: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} [البقرة: 89] , # PageV02P601 # # يعني بالذين يستفتحون: اليهود, وبالذين كفروا: أهل الأوثان من العرب على ~~ما قدمناه. # وإذا ثبت الكفر على عبدة الأوثان دخلوا في أهل التكذيب, فإن الشرائع كانت ~~مبثوثة في الجاهلية وهم خالفوها وتعرضوا لتغييرها, وفي ذلك التكذيب بها, ~~وكفى في هذا مستندا قول النبي - عليه السلام - في عمرو بن لحي: «إنه أول من ~~غير دين إبراهيم وإسماعيل» (1) , وإطلاقه عليه اسم (2) الكفر, وفي قوله: ~~«إنه أول من غير دين إبراهيم» دليل على أن غيره أيضا غير دين إبراهيم، ~~وإنما لعمرو بن لحي الأولية في التغيير. # وإذا أطلق عليه - صلى الله عليه وسلم - بأنه كافر لتغييره الحنيفية ~~وعبادته الأوثان, فكل من تبعه على التغيير وعبادة الأوثان فهو أيضا كافر, ~~وقد تقدم شرح هذا وإيضاحه بما ليس في الوسع مزيد عليه. # وهذا القسم الذي نحن بصدده من أهل الفترة خارجون عن ذلك كله لعدم الكفر ~~والتكذيب فيهم, إذ ليس عندهم ما يكذبون به ولا ما يصدقون, وإذا خرجوا عن ~~أولئك المستوجبين بكفرهم النار التي لا تدخل إلا جزاء, دخلوا في أهل الجنة ~~التي ms275 تدخل بتفضل الله تعالى PageV02P602 # # والدليل على ذلك ما نذكره، وهو ينعطف (ق.120.أ) على كل من ليس بمكلف (1) ~~وهم أصناف أربعة: # - أهل هذا القسم. # - ومن لم تبلغه الدعوة. # - والمجانين. # - والصبيان. # إذ الحكم فيهم واحد. # فنقول في حقهم جميعا إنه لابد من حشرهم كلهم قال الله تعالى: {وما من ~~دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم} [الأنعام: 38] , ثم ~~قال: {ثم إلى ربهم يحشرون} [الأنعام: 38] , وقال: {وإذا الوحوش حشرت} ~~[التكوير: 5] , وإذا حشرت الدواب والطيور والوحوش فأحرى بذلك بنو آدم. # فإذا حشر الأصناف الأربعة المذكورون من بني آدم فلا يخلو حالهم من أمرين: # - إما أن يعدموا بعد ذلك. # - وإما أن يبقوا موجودين. # فإعدامهم لم يأت نص به ويقتضي الجود الرباني بقاءهم, وإنما حملنا على ~~تقدير الإعدام ما جاء في التفسير من أن البهائم والطيور (2) وما شاكلها ~~PageV02P603 # # إذا حشرت واقتص من بعضها لبعض, كما قال - عليه السلام -: «يقاد للشاة ~~الجلحاء من الشاة القرناء» (1)، أعدمت حينئذ (2) , وقيل لها: كوني ترابا. # وذلك هو (3) معنى قول الكافر: يا ليتني كنت ترابا, فإنه إذا عاين البهائم ~~قد رجعت ترابا تمنى (لنفسه مثل) (4) ذلك ليستريح من العذاب النازل به. # وإذا ثبت أن بني آدم لا يصح إعدامهم فلا يخلو الأصناف الأربعة منهم من ~~أحد أمرين: # إما أن يكونوا بعد استقرار أهل الجنة في الجنة، واستقرار أهل النار في ~~النار مع أهل الجنة أو مع أهل النار, إذ لا موضع في الآخرة لاستقرار الخلق ~~سوى الجنة والنار. # فإن أهل الأعراف إنما يكون توقيفهم مدة من الزمان ثم يدخلون الجنة, كما ~~أن المؤمنين إذا خلصوا من النار يحبسون على قنطرة بين الجنة والنار, كما ~~جاء في الحديث: «حتى يقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا, ~~وحينئذ يدخلون الجنة» (5). # وإذا لم يكن في الآخرة موضع استقرار سوى الجنة والنار، وصح بقاء من ~~تكلمنا عليه من بني آدم صح أنهم لا محالة في أحد الموضعين, وكونهم في ~~PageV02P604 # # النار لا تقتضيه قواعد الشرع, فإن النار لا تدخل إلا جزاء على ms276 الكفر ~~والمعاصي, قال الله تعالى: {وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم ~~يخفف عنا يوما من العذاب قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى} ~~[غافر: 49]. # وقال تعالى عن أهل النار: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم ~~نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا} [الملك: 8]. # فأخبر عن أهل النار بأن التكذيب كان صفتهم في الدنيا, وهكذا قال: {لا ~~يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى} [الليل: 15]. # والأصناف الأربعة لا يتصور منهم التكذيب: # أما الصنفان منهم, وهم هذا القسم من أهل الفترة, ومن لم (ق.120.ب) تبلغه ~~الدعوة فليس عندهم بما يكذبون أصلا لعدم النذارة فيهم. # وأما الصنفان الباقيان وهم: المجانين والأطفال فليس عندهم عقل يفهمون به ~~لا تكذيبا ولا تصديقا, فقد سقط عنهم جميعا الخطاب, وإذا سقط عنهم الخطاب ~~فلا يصح تعذيبهم على ما تقرر قبل. # فإذا ثبت أن الأصناف المذكورين لا يعذبون صح أنهم لا يدخلون النار, إذ هي ~~محل العذاب, وإذا لم يدخلوا النار, ولا دار بعدها إلا الجنة صح أنهم يدخلون ~~الجنة. # ولا نقول إن ذلك على جهة الثواب, فإن الثواب إنما هو جزاء على الإيمان ~~والطاعة, وهؤلاء غير متصفين بذلك, وإنما دخولهم الجنة على وجه التفضل ~~المحض. # PageV02P605 # # ومع ذلك فلا يصح أن يكونوا مع من تكون الجنة ثوابه على الطاعة في درجة ~~واحدة. # وقول النبي - عليه السلام -: «لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة» (1) , إنما ~~يعني به أهل التكليف بدليل أنه - عليه السلام - جعل الصبيان في الجنة ~~وليسوا بمؤمنين (2) , ويتبين ذلك عند ذكر الصبيان بحول الله. PageV02P606 # ### | الباب الثالث: في حكم من لم تبلغه الدعوة # من (1) لم تبلغه الدعوة لا تلزمه الشريعة أصلا، والدليل عليه أمران: # أحدهما: قول الله تعالى لنبيه - عليه السلام -: {قل أي شيء أكبر شهادة قل ~~الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: ~~19] , فأخبر سبحانه أن النذارة لا تلزم إلا من (2) بلغته الدعوة بالقرآن ~~على لسان المنذر, وهو الرسول - عليه السلام -. # والثاني: إن تكليف الشرع لمن لم ms277 يبلغه من تكليف ما لا يطاق, قال الله ~~تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286]، وليس في وسع أحد علم ~~الغيب بأن يعرف شريعة قبل أن تبلغ إليه. # ثم كل ما قلناه في أول كلامنا على أهل الفترة قبل تقسيمهم, ثم في القسم ~~الرابع منهم, ودللنا عليه في كونهم لا يلزمهم التكليف ولا العقاب المترتب ~~(3) عليه فهو مستتب هاهنا, إذ لا فرق بين من لم تبلغه الدعوة وبين أهل ~~الفترة في المعنى, إلا أن أهل الفترة قد انقرضوا وانقرض زمانهم بمبعث نبينا ~~- عليه السلام -. PageV02P607 # # وأما من لم تبلغه الدعوة فكما يتصور وجودهم في زمان النبي - عليه السلام ~~- كذلك يتصور وجودهم بعده - صلى الله عليه وسلم - إلى اليوم وإلى قيام ~~الساعة. # على أنه يبعد أن يكون في الأمم المجاورة لأهل (1) الإسلام من كل ثغر من ~~ثغوره من لم تبلغه الدعوة، وقد انتشر الإسلام وبلغ ملك هذه الأمة في مشارق ~~الأرض ومغاربها ما زوي لنبينا - عليه السلام - منها (2)، اللهم إلا ~~(ق.121.أ) أن يكون وراء هذه الأمم المجاورة لأهل (3) الإسلام أمم غيرهم في ~~أطراف المعمور، فيشبه أن يكون فيهم من لم تبلغه دعوة الإسلام ولا وصل إليه ~~بعثة نبينا - عليه السلام -. # فمن كان بهذا الوصف وليس عنده إشراك ولا توحيد فقد سقط عنه التكليف في ~~الدنيا والمؤاخذة في الآخرة، وكان مآله الجنة على ما تقدم. # كما أن من بلغته الدعوة ولم يؤمن بالشريعة فقد استحق العقوبة بالنار ~~لقيام الحجة عليه، سواء كان كتابيا أو غير كتابي. # وإنما قامت على الجميع الحجة بإرسال النبي - عليه السلام - إلى الناس ~~كافة وتبليغه القرآن للأمة حتى حفظوه ونقلوه نقل التواتر إلى من بعدهم عصرا ~~بعد عصر، وهو المعجزة الباقية التي تحدى بها نبينا - عليه السلام - جميع ~~الإنس والجن وصدع بذلك عن الله تعالى فيما أوحى إليه منه فقال: {قل لئن ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء: 88]. PageV02P608 # # وقد قال الله تعالى مخاطبا لأهل الكتاب في ms278 معنى تقرير الحجة: {يا أهل ~~الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من ~~بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير} [المائدة: 19]. # فأخبر أنه أرسل إليهم رسوله في الدنيا ليبين لهم الشريعة لئلا يقولوا في ~~الآخرة ما جاءنا من بشير ولا نذير. # قال الله لهم: {فقد جاءكم بشير ونذير} [المائدة: 19]، يعني الآن في ~~الدنيا لتقوم بذلك الحجة عليهم، ولذلك قال النبي - عليه السلام -: «والذي ~~نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني فلم يؤمن بي إلا كان من أصحاب ~~النار» (1)، فشرط - صلى الله عليه وسلم - في ذلك سماع اليهودي والنصراني به ~~- عليه السلام -، وذلك هو معنى بلوغ الدعوة. # وقد اقتضبنا الكلام في هذا الباب لبسطنا له في باب الفترة، إذ حكم القسم ~~الرابع وحكم من لم تبلغه الدعوة واحد. # ولم يبق لنا بحمد الله مما ينبغي أن يذكر في أحد البابين حاشى يأجوج ~~ومأجوج. ويصلح ذكرهما في الباب الأول من حيث يتصور دخولهم في أهل الفترة، ~~فننظر (2) ما حكمهم فيها، ويصلح ذكرهما أيضا في هذا الباب باعتبار ما ~~يقتضيه النظر في بلوغ الدعوة لهم، وإنما نخصهم بالذكر دون غيرهم من ~~PageV02P609 # # الأمم من حيث بنى عليهم السد ذو القرنين ومنعهم بذلك من الاختلاط بالناس. # وأما من عداهم مثل أهل الهند وأهل الصين، وقبائل الترك والديلم والأكراد ~~والسودان وسائر من ليس عندهم كتاب من جميع الأمم (ق.121ب) فلا معنى لذكرهم ~~فإنا قد أعطينا قاعدتين يرجع إليهما حال جميعهم قبل الإسلام وبعده. # فالقاعدة التي قبل الإسلام هي قضية (1) أهل الفترة وانقسامهم إلى مشرك ~~وغير مشرك، فالمشرك لم يعذره الله بسبب إشراكه، وغير المشرك عذره فلم ~~يعذبه، ولا فرق في هذا بين العرب وبين كافة الخلق كلهم، فكما انقسم العرب ~~إلى هذين القسمين، فكذلك ينقسم سائر الخلق إلى القسمين بعينهما لا محالة. # والقاعدة الثانية التي بعد مجيء الإسلام هي بلوغ الدعوة، ولا مانع من ~~بلوغ الدعوة لهذه الأمم لاتصالها بثغور المسلمين وكون المسافرين والتجار ~~متقلبين في البلاد ومتجولين ms279 في الأقطار، فمن بلغته الدعوة منهم فآمن فهو من ~~أهل هذه الملة، ومن بلغته فكفر فهو من أهل النار، ومن لم تبلغه فقد عذره ~~الشرع، وأخبر أنه لا يعذب ومن لا يعذب يكون مآله إلى الجنة كما قدمناه. # وبهذا القانون الذي أصلناه، فرغ الكلام في جميعهم، وبقي الإشكال في يأجوج ~~ومأجوج، فلنفرد لهم فصلا نتكلم عليهم بحول الله فيه. PageV02P610 # # فصل ### | هل يأجوج ومأجوج من أهل الفترة # ) (1) # يأجوج ومأجوج من الأمم العظيمة في الكثرة وفي شدة البطش، يدل على كثرتهم ~~قول الله تعالى: {وهم من كل حدب ينسلون} [الأنبياء: 96]، وقول النبي - عليه ~~السلام - عنهم في الحديث الصحيح عند خروجهم: «إن أولهم يمرون ببحيرة طبرية ~~فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء» (2). # ويدل على شدة بطشهم إخباره - عليه السلام - في هذا الحديث بأن الله تعالى ~~يوحي إلى عيسى - عليه السلام -: إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد ~~بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور، يعني المؤمنين الذين يتحصنون فيه مع عيسى - ~~عليه السلام - (3) منهم. PageV02P611 # # وخروج يأجوج ومأجوج على الناس آخر الزمان من أشراط الساعة، وذلك ظاهر في ~~الأحاديث، فقد عد - عليه السلام - عشر آيات من أشراط الساعة، وذكر خروج ~~يأجوج ومأجوج فيها (1). # وفي الحديث الأول أنهم يخرجون بعد قتل الدجال فيحصرون عيسى - عليه السلام ~~- والمؤمنين معه، ثم يدعو عليهم عيسى فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم ~~فيصبحون موتى كموت نفس واحدة، وهذا الحديث طويل وهو في صحيح مسلم (2) ~~(ق.122.أ). # وقصدنا بذكر يأجوج ومأجوج إنما هو لننظر حكمهم في التكفير، ولا نشك في ~~كونهم كفارا عند خروجهم آخر الزمان لقيام الحجة عليهم بشريعة نبينا محمد - ~~عليه السلام -، إذ هي قائمة وعيسى - عليه السلام - يمشيها ويحكم بها، ~~ويأجوج ومأجوج يقولون في ذلك الوقت عند هروب المؤمنين عنهم وتحصنهم منهم: ~~لقد قتلنا من في الأرض، هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى ~~السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما استدراجا من الله وفتنة لهم (3). # وفعلهم هذا هو غاية الكفر، ويشبه فعل ms280 النمرود فيما يحكى عنه، فلا إشكال ~~إذن في الحكم عليهم بالتكفير بعد خروجهم كما قلناه، وإنما الإشكال ~~PageV02P612 # # في حكمهم قبل ذلك من وقت بنيان ذي القرنين السد عليهم، إلى أن جاء ~~الإسلام، ثم بعد مجيء الإسلام إلى وقت خروجهم. # فإنه إذا جعلت القاعدة أن لا تكفير إلا بعد قيام الحجة ببعث الرسل، فبأي ~~شيء قامت الحجة على يأجوج ومأجوج، وهم قبل الإسلام لا يعلم أنه جاءهم من ~~الله تعالى نذير ولا رسول، وبعد مجيء الإسلام لا يعلم أنه بلغتهم الدعوة ~~لتعذر وصولها إليهم، على أنه قد روي أن النبي - عليه السلام - دعاهم إلى ~~الإسلام ليلة الإسراء. # ذكر وثيمة عن وهب بن منبه أن النبي - عليه السلام - قال من حديث فيه طول: ~~«انطلق بي جبريل ليلة أسري بي فدعوت يأجوج ومأجوج إلى الله تعالى، فأبوا أن ~~يجيبوني (1)، فهم في النار مع المشركين من ولد آدم ومن ولد إبليس» (2). # وهذا من الأخبار التي لا تصح لا من جهة إسنادها، ولا من جهة معناها. ~~PageV02P613 # # أما الإسناد فظاهر، إذ ذلك من الأقاصيص التي تروى مقطوعة ومرسلة. # وقد قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب القصد والأمم (1) عند ذكر نسب (2) ~~يأجوج ومأجوج، (وكونهم من ولد يافث بن نوح) (3)، ما هذا نصه: وسئل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عن يأجوج ومأجوج: هل بلغتهم دعوتك، فقال: «إني جزت ~~بهم ليلة أسري بي ودعوتهم فلم يجيبوا»، هكذا ذكره من غير إسناد ولا تسمية ~~صاحب، وهو من الذي قلناه. # وأما من جهة المعنى فيدل على بطلانها أن الناس لم يتفقوا على أن النبي - ~~عليه السلام - أسري بجسده ليلة الإسراء، فعلى القول بأنه إنما أسري بروحه ~~يبطل دعاؤه تلك الليلة ليأجوج ومأجوج ضرورة، وعلى القول بأنه أسري بجسده، ~~على ما هو الأصح فيه (4)، يبطل ذلك أيضا من وجهين: # أحدهما: إن النبي - عليه السلام - إنما أسري به تلك الليلة ليشاهد ملكوت ~~الله تعالى (5) في السماء والأرض وليجتمع مع الأنبياء عليهم السلام ببيت ~~المقدس فيصلي بهم، وليلقى من في السماوات من ms281 الأنبياء والملائكة صلوات الله ~~عليهم، PageV02P614 # # وليشاهد الجنة وما أعد الله تعالى (1) فيها (ق.122.ب) لأوليائه، وليوحى ~~إليه أصل الدين وعماده، وهو الصلوات الخمس، وليعاين البيت المعمور ومن ~~يدخله من الملائكة، ونحو هذا مما ذكره - عليه السلام - مشروحا (2) في ~~الأحاديث. # وأشار الله تعالى إلى جملته في القرآن العزيز في قوله تعالى: {سبحان الذي ~~أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ~~لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير} [الإسراء: 1]، وفي قوله تعالى: ~~{والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي ~~يوحى علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان ~~قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه ~~على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى ~~السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى} [النجم: ~~1 - 18]. # فلم يكن في الإسراء به - صلى الله عليه وسلم - تلك الليلة إلا ما وصف دون ~~أن يشغل بإرسال إلى أمة من الأمم، إذ كان قد تقدم ذلك في أول المبعث بقوله ~~تعالى له (3): {ياأيها المدثر قم فأنذر} [المدثر: 1 - 2]. PageV02P615 # # وبقوله تعالى فيما أنزل عليه - صلى الله عليه وسلم - في السورة (1) ~~المكية: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا} [سبأ: 28]. # ومما يدل على ما قلناه من كونه لم يشغل تلك الليلة بغير ما وصفناه أنه لم ~~يسأل عن دعائه لقريش وعما راجعوه به من تصديق له أو تكذيب به، لأن ذلك ~~يتولاه الوحي الذي ينزل به جبريل على النبي صلوات الله عليهما مع مرور ~~الساعات. # ولأن سؤاله تلك الليلة عن ذلك مما يقطع على النبي - عليه السلام - ما هو ~~فيه من مشاهدة الجلال ورؤية الآيات الكبرى، ويشوش عليه السرور الحاصل عن ~~تلك العجائب، بل أفرد عن ذلك كله لتلك المشاهدة حتى كان بالوصف (2) الذي ~~وصفه الله في قوله: {ما زاغ البصر ms282 وما طغى} [النجم: 17] لثبات نفسه وربط ~~جأشه، إذ لم يدهش، ولا طاش عقله كما فعل موسى حين خر صعقا، إذ لم يطق حمل ~~ما انكشف له عند تجلي الله تعالى للجبل. # وهذا يدل على أن مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - (3) فوق مقام موسى - ~~عليه السلام -، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «لو كان موسى حيا ما ~~وسعه إلا اتباعي» (4). PageV02P616 # # ولنقبض عنان القول (1) عن هذه الأسرار التي هي أعلى مما نحن فيه، ونرجع ~~إلى ما كنا بسبيله من إبطال ذلك الخبر فنقول: # الوجه الثاني: إن دعاء النبي - عليه السلام - يأجوج ومأجوج في تلك ~~(ق.123.أ) الليلة إلى الإسلام وقيام الحجة عليهم بذلك متعذر في العادة، ~~لظلمة الليل وغلبة النوم وافتراقهم في منازلهم. # فكيف يتصور أن يجمعوا له في تلك الحال حتى يدعوهم إلى الله ويسمعهم ~~القرآن؟، ومتى ينظرون (2) هم في المعجزة حتى يعلموا صدقه وتقوم عليهم ~~الحجة؟، أو كيف يفهمون القرآن في ذلك الوقت الضيق، لو فرضنا سماعهم له، ~~ولسانهم غير لسان العرب؟. # ويحتاج النبي المرسل للأمم (3) إلى زمان يبين فيه رسالته عن الله ويتمكن ~~فيه من إظهار معجزته، ويحتاج المرسل (4) إليهم من الزمان إلى مثل ذلك حتى ~~ينظروا (5) في المعجزة التي تحدى بها رسولهم ليصدقوه في الرسالة أو تقوم ~~عليهم الحجة لتمكنهم من النظر. # فقد دعا النبي - عليه السلام - أهل مكة إلى الله تعالى في عشر سنين أو ~~أزيد، وهو في كل ذلك يتلو عليهم القرآن ويسمعهم إياه. PageV02P617 # # وقد أخبر الله في القرآن بأقواله - عليه السلام - لهم وبأقوالهم له وأمره ~~تعالى فيه بما يقوله لهم، مثل قوله: {قل إنما أعظكم بواحدة} [سبأ: 46]، {قل ~~لا أسألكم عليه أجرا} [الأنعام: 90]، {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون ~~على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 28]، ونحو ذلك. # ثم إنه - عليه السلام - أخذ يدعو قبائل العرب إذا حضر الموسم، ويعلمهم ~~أنه رسول الله إلى الناس ويسألهم النصر له حتى يبلغ (1) عن الله ما أمره ~~به، وهذا كله يحتاج إلى طول تكون المراودة فيه بينه وبين ms283 الناس. # ثم توجه - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف فدعاهم إلى الله فلم يجيبوه، ~~ثم حاصرهم بعد مدة فلم يجيبوه، ثم هداهم الله للإسلام بعد ذلك. # وكذا (2) كان دعاؤه إلى الله بعد الهجرة في عشر سنين، كتب فيها إلى ~~الملوك وأرسل إليهم رسله وأقام الحجة على البشر، فلما فتح الله عليه مكة ~~أظهر الله دينه وأعز نصر نبيه حتى دخل الناس في دين الله أفواجا، وامحى رسم ~~الجاهلية بالكلية، واضمحل الباطل وارتفع الإشراك، وأعقب الله ذلك كله ~~بالإيمان والإسلام. # وهكذا جرت عادة الله تعالى بين الأنبياء الذين أرسلهم إلى الخلق وبين ~~الأمم الذين بعثهم إليهم في احتياج جميعهم إلى زمان تطول فيه المراودة ~~بينهم والنظر فيما جاءوا به، وذلك مذكور في أقاصيص الأنبياء في القرآن مثل ~~نوح PageV02P618 # # وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى وعيسى عليهم السلام، ومن تأمل ~~قصصهم تبين له ذلك. # فقد بان بما ذكرناه بطلان الخبر (ق.123.ب) المروي في دعوة يأجوج ومأجوج ~~إلى الإسلام ليلة الإسراء. # ويبقى النظر حتى الآن في أمرهم، ويقتضي ظاهر الشرع تكفيرهم، قال - صلى ~~الله عليه وسلم - عندما ذكر بعث النار للصحابة فتخوفوا من ذلك: «أبشروا فإن ~~منكم رجلا ومن يأجوج ومأجوج ألفا»، هكذا عند مسلم (1)، وفي البخاري (2): ~~«منكم رجل ومن يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون». # والظاهر من هذا أنه ينعطف على يأجوج ومأجوج مذ كانوا إلى يوم القيامة. # وقد ذكر الله تعالى يأجوج ومأجوج في سورتين من كتابه العزيز، وليس في ذلك ~~جلاء في التكفير لهم، غير أنه وصفهم بالإفساد في الأرض، فقال سبحانه حكاية ~~عن من خاطب ذا القرنين ممن جاورهم: {إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل ~~نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا} [الكهف: 94]. PageV02P619 # # فأخبروا بأنهم مفسدون في الأرض (1) وطلبوا من ذي القرنين أن يجعل بينهم ~~وبين أنفسهم حاجزا يحول بين جميعهم حتى لا يصل ضررهم إليهم بخرج يعطونه ~~إياه. # فامتنع ذو القرنين من أخذ الخرج، وأخبر أن تمكين الله له في السلطان (2) ~~خير من خرجهم بقوله: {قال ms284 ما مكني فيه ربي خير} [الكهف: 95] وطلب منهم ~~الإعانة على بنيان السد فقط بقوله: {فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما} ~~إلى آخر القصة. # وذو القرنين قيل إنه كان نبيا، والأكثر على أنه كان رجلا صالحا (3)، وكيف ~~ما كان فلا يحصر أمة ويمنعها من التصرف في منافعها إلا لأنها (4) مستحقة ~~عنده بذلك لإفسادها في الأرض. # وقيل: إن إفسادها كان أكلها للناس وافتراسها للدواب والوحوش كما تفترس ~~السباع. # والإفساد في الأرض يطلقه الله تعالى على الكفار، قال سبحانه فيمن لم يؤمن ~~بصالح - عليه السلام - من قومه: {وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ~~ولا يصلحون} ... [النمل: 48]، وقال: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها ~~شيعا PageV02P620 # # يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين} ~~[القصص: 4]. # فقد تساوى يأجوج ومأجوج مع هؤلاء الكفار في الإتصاف بالإفساد. # فإن كانت العلة في بناء السد هو الإفساد، فقد يستروح من ذلك إلى التكفير، ~~لأنهم لو كانوا مؤمنين لمنعهم الإيمان عن ذلك النوع من الإفساد، لا سيما ~~وقد جاء في التفسير أن الذين طلبوا من ذي القرنين بنيان السد بينهم وبين ~~يأجوج ومأجوج كانوا أمة صالحة (1). (ق.124.أ) # وجاء عن النبي - عليه السلام - أنه قال: «فتح الليلة من ردم يأجوج ومأجوج ~~مثل هذه»، وعقد الراوي عشرة (2)، وفي لفظ آخر (3): " وعقد الراوي تسعين". # وإنما عنى - عليه السلام - بذلك نزول الفتن، كما قال في حديث آخر: «ماذا ~~أنزل الليلة من الفتن» (4). PageV02P621 # # وهذا من جملة (1) الإفساد (2)، فإن الفتن التي نزلت بالمسلمين بعد النبي ~~- عليه السلام -. # وقوله في الإخبار عنها: «ويل للعرب من شر قد اقترب» (3) إذا كانت منسوبة ~~إلى ما فتح من ردم يأجوج ومأجوج دل على أنهم الغاية في الفتنة والضلال، ~~وذلك يظهر منهم عند خروجهم على الناس آخر الزمان كما نطقت به الأخبار، وإذا ~~كانوا الغاية في الفتنة والضلال حتى ينسب إليهم ما نزل من الفتن على ~~المسلمين، ففي ذلك ملاحظة لتكفيرهم، إذ قال النبي - عليه السلام - لهذه ~~الأمة: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب ms285 بعض» (4). # فشبههم بالكفار لهذا الفعل المذموم. # وعلى الجملة فلابد أن يكون يأجوج ومأجوج قبل خروجهم مؤمنين أو كفارا، ~~فأوصاف المؤمنين ليست عندهم ولا ذكرت عنهم. PageV02P622 # # ولا أعلم في الباب حديثا يستروح فيه إلى ذلك إلا حديثا واحدا على ما فيه ~~من الاحتمال، وهو حديث خرجه الترمذي وذكره أهل التفسير من رواية أبي هريرة ~~(1) عن النبي - عليه السلام - في السد، قال: «يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا ~~يخرقونه قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غدا، فيعيده الله كأشد ما كان، ~~حتى إذا بلغ مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس، قال الذي عليهم: ارجعوا ~~فستخرقونه غدا إن شاء الله، واستثنى، قال: فيرجعون فيجدونه كهيئته حين ~~تركوه فيخرقونه فيخرجون على الناس» الحديث (2). PageV02P623 # # فقوله عن المقدم الذي عليهم إنه استثنى بقوله: "إن شاء الله"، فيه دليل ~~على إيمانه، فيمكن أن يكون ملكا أو من شاء الله من خلقه من غير يأجوج ~~ومأجوج (1). # ويحتمل أن يكون منهم ويكون سبيله في التوحيد سبيل قس بن ساعدة في توحيده ~~لله في الجاهلية إذا (2) بقوا إلى ذلك الوقت (3) لم تبلغهم الدعوة، فإن تكن ~~الدعوة بلغتهم فآمن بعضهم بما جاء به النبي - عليه السلام - صار من (4) آمن ~~به من هذه الأمة. # ولفظ هذا الحديث سقناه على ما خرجه الترمذي، وذكره مكي في الهداية بلفظ ~~الجمع، قال في أوله: «قالوا: اتركوه إلى غد»، وقال في آخره: PageV02P624 # # «قالوا: ارجعوا تحفرونه غدا إن شاء الله» (ق.124.ب)، فإن صح ذلك فيحتمل ~~أن يكون فيهم موحدون من غير أن تكون (1) عندهم شريعة. # ويحتمل أن تكون الدعوة بلغتهم إذ ذاك، وأما أن يكون أرسل إليهم رسول بعد ~~الإسلام فباطل، لأن محمدا - عليه السلام - هو خاتم النبيين، وإن قدرنا ~~إرسال رسول إليهم في حين بعث الرسل قبل نبينا محمد - عليه السلام - ~~استدلالا بقوله تعالى: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} [فاطر: 24] فلا يبعد ~~ذلك، على أنه قد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: " يأجوج ومأجوج ~~ذرء جهنم لم يكن فيهم نبي ms286 قط". # وهذا الذي قاله هو الظاهر من الشرع، فإن أوصاف الكفار هي الصفات التي ~~تستقرأ من الشرع فيهم. # لكن يبقى الإشكال على هذا في كفرهم بأي شيء كان، ويشبه أن يكونوا على نوع ~~من أنواع الضلال مثل عبادة الأوثان والتماثيل وغيرها، كما كان عليه أهل ~~الهند وأهل الصين وغيرهم من سائر الأمم على مرور الأزمان. # ومن كان كذلك فقد لا يكونون معذورين عند الله تعالى بكونهم لم يقفوا في ~~الأمور، بل تحكموا فيها بآرائهم وبحسب تحسين عقولهم على ما تبين في القسم ~~الثالث من أهل الفترة. # وقد تقدم في القسم الثاني منهم أن المؤاخذة تكون لمن يدخل نفسه في شريعة ~~لم يكن مخاطبا بها، فلما دخل فيها من قبل نفسه صار من أهلها فوسعه ~~PageV02P625 # # في ذلك ما وسعهم. # فكذلك من أدخل نفسه في دين مخترع من قبله أو كان متبعا في ذلك لغيره، لا ~~يبعد أن يؤاخذ به لتحكمه بهواه في دين لم يأذن به الله. # هذه هي المآخذ التي ظهرت لنا في حكم يأجوج ومأجوج قبل الإسلام وبعده إلى ~~وقت خروجهم. # ولم نر لغيرنا في هذا شيئا، فإن كل من تعرض إلى ذكرهم من المفسرين ~~والعلماء، إنما ذكروا خروجهم على الناس آخر الزمان واستوعبوا ذكر الأحاديث ~~الواردة فيهم حينئذ، ولم يذكر أحد منهم ما هم عليه قبل خروجهم، ولا ألم ~~بالمعنى الذي قررناه في حقهم، وتكلمنا عليه في أمرهم، وإنما فعلنا نحن ذلك ~~لئلا نغفل ذكرهم، والله أعلم بحقيقة حالهم. # PageV02P626 # ### | الباب الرابع: في حكم الصبيان والأطفال # الصبيان غير مكلفين ولا مخاطبين بالشريعة في الجملة، ثم هم قسمان: ### | 1 - # قسم يعلم أنه لا يتصور (ق.125.أ) تكليفهم عقلا، وذلك في من هو رضيع منهم ~~أو فوق ذلك لوقوع العلم بأنه لا يعقل شيئا. # والتكليف مقتضاه الطاعة بالامتثال، ولا يمكن ذلك إلا بقصد الامتثال، وشرط ~~القصد العلم بالمقصود والفهم للتكليف، وذلك مستحيل في الصبي الذي هذه حاله. # ولهذا (1) قال الله تعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا} [النحل: 78]. ### | 2 - # وقسم ms287 كان يمكن في العقل تكليفهم، ولكن امتنع فيهم سمعا، وذلك في من أدرك ~~منهم حد التمييز وفوقه إلى حين البلوغ، فإنه قد يتصور منهم فهم الخطاب، فلا ~~يمتنع تكليفهم من جهة العقل، وإنما الشرع منع من تكليفهم في ذلك السن ونصب ~~له علامة ظاهرة وهي البلوغ. # فإن اعترض بما جاء في الشرع من ضرب الصبيان على الصلاة وهم أبناء عشر ~~سنين (2). PageV02P627 # # فالجواب أنا في مسألة قطعية، وأخبار الآحاد لا يعترض بها في ذلك (1). # ثم نقول: إن التكليف هاهنا إنما هو للأولياء: فهم المخاطبون بالتأديب (2) ~~لهم، والقصد منه تمرينهم على الطاعة، حتى لا يصلوا إلى حد البلوغ إلا وهم ~~قد أنسوا بالعبادة، فلا يتركونها (3). PageV02P628 # # ويشبه هذا التأديب (1) تأديب الإنسان دابته، إذ يفعل ذلك بها (2) على وجه ~~الرياضة (3) لها لينقلها من خلق إلى غيره، حتى تكون ذلولا سهلة الانقياد ~~بعد الجماح. # وهكذا هي الزكاة إذا قيل إنها تجب في أموالهم فإن المخاطب بإخراجها هم ~~الأولياء دون الصبيان، وكون الزكاة تؤخذ من أموالهم هو مثل الدية تؤخذ من ~~العاقلة (4) ولا فرق، على أن أخذ الزكاة من أموالهم هو من الفروع التي بين ~~العلماء فيها اختلاف، ولا يقدح هذا فيما كنا فيه، فلنطلق القول بأن الصبيان ~~لا يتعلق بهم خطاب ولا توعد بعقاب. # لأنا نعلم قطعا من قواعد الشرع أن الطلبات من الله تعالى لا تتوجه عليهم ~~ولا يلزمهم عليها عقاب قبل البلوغ أصلا. # والكلام الآن إنما هو في من مات منهم قبل بلوغ الحلم أو المحيض من الذكور ~~والإناث. PageV02P629 # # وقد اختلف الناس فيهم اختلافا كثيرا، وسبب ذلك ورود أحاديث فيهم، وكأنها ~~متعارضة فمال (1) كل فريق إلى ما وصل إليه منها، فتمذهب به واقتصر عليه، ~~وعند تحقيق النظر يتبين نفي التعارض بينهما (2) بحول الله، فلننقل اختلاف ~~العلماء في الأطفال وحجة كل طائفة منهم على مذهبها الذي صارت إليه، ~~والانفصال عن تلك الحجج حتى يخلص منها ما نرتضيه فيهم بإيراد الدلائل ~~البينة (ق.125.ب) إن شاء الله، فنقول: # ذهبت طائفة من العلماء إلى التوقف في جميع ms288 الأطفال سواء كان آباؤهم ~~مسلمين أو كفارا، وجعلوهم بجملتهم في المشيئة. # وذهبت طائفة، وهم الأكثر، إلى أن أولاد المسلمين في الجنة (3)، ثم اختلف ~~هؤلاء في أطفال المشركين على مذاهب (4): PageV02P630 # # 1. فمنهم من قال: إنهم في المشيئة (1). # 2. ومنهم من قال: إنهم في النار (2). # 3. ومنهم من قال: يمتحنون في الآخرة (3). # 4. ومنهم من قال: إنهم في الجنة (4). # 5. ومنهم من قال: إنهم خدم أهل الجنة. PageV02P631 # # فصل ### | من قال إن الأطفال في المشيئة # ) (1) # أما من قال إن الأطفال بجملتهم في المشيئة فاحتجوا بأحاديث منها حديث أنس ~~وابن مسعود وغيرهما بمعنى واحد أن النبي - عليه السلام - قال: «إن الله وكل ~~بالرحم ملكا فإذا أراد الله أن يقضي خلقه قال: أذكر أم أنثى؟، أشقي أم ~~سعيد؟، فما الرزق وما الأجل؟، فيكتب كذلك، وهو في بطن أمه» (2). # وموضع الدليل لهم من هذا الحديث أن جميع من يولد من بني آدم إذا كتب ~~السعداء منهم والأشقياء قبل أن يخلقوا وجب التوقف في جميع من لا يعلم على ~~ما مات عليه، وفي كل من لا يلزمه التكليف من صبي وغيره. # إذ لا سبيل إلى معرفة من كتب في السعداء أو في الأشقياء، وهذا ليس فيه ~~دليل على الحقيقة، لأن الأطفال إذا ثبت مثلا أنهم في الجنة فليس ذلك معارضا ~~لهذا الحديث، إذ يحمل الأطفال بجملتهم على أنهم لم يكتبوا في بطون ~~PageV02P632 # # أمهاتهم أشقياء، إذ لو كتبوا أشقياء لعاشوا حتى يدركوا التكليف الذي ~~يستوجبون به الشقاوة المفضية بصاحبها إلى النار. إذ النار لا تدخل إلا ~~جزاءا على الكفر والتكذيب، الذي لا يتصور إلا من المكلفين. # ولذلك قال تعالى: {لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى} ... [الليل: 10 ~~- 11]. # والأشقى الذي كذب وتولى هو كل من لزمه الخطاب بالإيمان فلم يؤمن، وإذا لم ~~يكتب الصبيان في بطون أمهاتهم أشقياء بما ذكرناه وبما نثبته فيما بعد من ~~كونهم من أهل الجنة فقد انسحب على جميعهم الدخول في جملة السعداء، والله ~~أعلم. # ومن تلك الأحاديث التي احتجوا بها حديث عائشة رضي الله عنها (1) قالت: ~~دعي رسول ms289 الله - صلى الله عليه وسلم - (2) إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت: ~~يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، ~~قال: «أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلا، خلقهم لها وهم في ~~أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم» (3). # وفي لفظ (ق.126.أ) آخر: «وما يدريك يا عائشة». PageV02P633 # # وهذا الحديث من أقوى ما يتمسكون به في الباب، فإنه ورد في أولاد ~~المسلمين، يدل (1) على ذلك أن النبي - عليه السلام - إنما أعلم بجنازة ~~الصبي ليصلي عليه كما هو منصوص في هذا الحديث. # وقد طعن فيه بأن طلحة بن يحيى انفرد به عن عمته عائشة بنت طلحة أم ~~المؤمنين، وطلحة ضعيف (2). PageV02P634 # # وقد قيل إن فضيل بن عمرو رواه عن عائشة بنت طلحة كما رواه طلحة بن يحيى ~~سواء، ذكر ذلك ابن عبد البر (1). # وهذا كله لا معنى له، فإن مسلم بن الحجاج خرج الحديث في صحيحه من طريق ~~طلحة بن يحيى عن عمته عن عائشة، فالقول بصحته أولى. # وقد انفصل عن الحديث مع المصير إلى صحته بأن هذا القول كان من النبي - ~~عليه السلام - قبل أن يعلمه الله تعالى بأن الصبيان في الجنة، قال ذلك ابن ~~حزم (2)، وهو قول متجه. # وعندي للحديث تأويل آخر يخرج به الحديث عن أيديهم أيضا، وذلك أن النبي - ~~عليه السلام - إنما رد على عائشة لكونها تجزم على غيب لا تعلمه. # وهو - عليه السلام - كثيرا ما يفعل هذا مع أصحابه على وجه الأدب والتعليم ~~لهم كما فعل بأم العلاء، إذ قالت حين مات عثمان بن مظعون: فشهادتي عليك أن ~~الله أكرمك، فإنه - عليه السلام - قال لها: «وما يدريك أن الله أكرمه؟»، ثم ~~PageV02P635 # # قال: «أما هو فقد جاءه اليقين، وأنا أرجو له الخير، والله ما أدري وأنا ~~نبي ما يفعل بي» (1). (2) # فأنكر عليها إطلاقها لفظ الكرامة في حقه، إذ كانت لا تعلم ذلك، مع أنه ~~أخبر بأنه (3) يرجو له الخير. # وقال عند موت زينب ابنته: «الحقي بسلفنا الخير ms290 عثمان بن مظعون» (4). # وقد قيل إنه قال ذلك عند موت ابنه إبراهيم (5). PageV02P636 # # وهكذا فعل - صلى الله عليه وسلم - مع سعد بن أبي وقاص، إذ قال له: فما لك ~~عن فلان؟، فو الله إني لأراه مؤمنا، فإنه - عليه السلام - قال له: «أو ~~مسلما؟» (1)، فأعاد سعد قوله وأعاد - عليه السلام - قوله ثلاثا. # وكأنه يقول لسعد: ولم تحكم عليه بالإيمان الذي هو باطن لا تعلمه دون ~~الإسلام الذي هو الاستسلام بظاهره. # ومن هذا الباب قوله - عليه السلام -: «إن كان أحدكم مادحا أخاه لا محالة ~~فليقل: أحسب فلانا، إن كان يرى أنه كذلك، ولا أزكي على الله أحدا» (2). # هذا كله على معنى الهروب عن القطع على المغيبات، فإن ذلك لا ينبغي إلا ~~لنبي ينزل عليه الوحي. # وإذا كان الأمر هكذا فيحمل قوله لعائشة: «أو غير ذلك، أو ما يدريك يا ~~عائشة» على هذا المعنى الذي ذكرناه، كأنه يقول لها إذا خلق الله للجنة أهلا ~~وخلق للنار أهلا، فما يدريك أن الصبيان من هؤلاء أو من هؤلاء (3). # ولا نشترط (4) أن يكون النبي - عليه السلام - غير عالم (ق.126.ب) حينئذ ~~بمآل الصبيان، فإنه كما يمكن أن يكون الأمر كذلك يمكن أيضا أن يكون - عليه ~~السلام - PageV02P637 # # يعلم من أي القسمين هم مع رده على عائشة، كما علم أن الرجل الذي كلمه فيه ~~سعد مؤمن بقوله في آخر الحديث: إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليه منه، خشية ~~أن يكبه الله في النار، لكن رد على سعد ليتأدب ولا يطلق القول على وجه ~~القطع في شيء لا يصل إلى التحقيق فيه. # وأما قوله - عليه السلام -: «والله ما أدري وأنا نبي ما يفعل به» (1) # فليس معناه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يعلم بمآل عثمان بن ~~مظعون، ولا هل هو من المكرمين في الآخرة أو من المعذبين، فإن هذا من ~~المحال، وإنما معناه أنه - عليه السلام - لا يعلم في حين كلامه مع أم ~~العلاء، وذلك بإثر موت (2) عثمان بن مظعون ما يفعل به في ذلك الوقت من ~~تفاصيل ما يلقاه ms291 الميت بعد مفارقته لجسده: من تسهيل لحاله أو تضييق عليه، ~~وذلك كعذاب القبر مثلا. # فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن للقبر لضغطة لو نجا منها أحد لنجا ~~منها سعد بن معاذ»، أو كما قال (3). PageV02P638 # # ويدل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - عن عثمان بن مظعون: «والله إني ~~لأرجو له الخير»، (أي أرجو له الخير) (1) المطلق من غير أن يكون هنالك ~~تضييق (2) عليه، وكيف يصح أن يكون - عليه السلام - يشك في الخير اللاحق ~~بعثمان، وهو من المهاجرين الأولين، ثم من أهل بدر وقد أخبر - صلى الله عليه ~~وسلم - أن أهل بدر مغفور لهم. # وينظر (3) إلى هذا قول الله تعالى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: ~~{قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} [الأحقاف: 9]، وقد ~~ذكر بعض المفسرين (4) في PageV02P639 # # تفسير هذه الآية أن معناها أن النبي - عليه السلام - لم يدر ما يفعل به ~~ولا بالمؤمنين ولا بالمشركين، حتى نزلت عليه سورة الفتح وأعلم بأنه غفر له ~~ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأخبر فيها بأن المؤمنين يدخلون الجنة والمشركين ~~يعذبون في الآخرة. # وهذا من التفسير الذي ينبغي أن يرد على قائله، إذ لا يحصل ما يقول، وكيف ~~يصح أن يكون النبي - عليه السلام - يدعو إلى الله بمكة وهو لا يدري ما مآله ~~ولا مآل من آمن به ولا من كفر، ثم يبقى النبي - عليه السلام - على تلك ~~الحال من عدم المعرفة بما يفعل به وبهم مدة مقامه بمكة، ثم بعد الهجرة نحوا ~~من سبعة أعوام حتى إلى عام الحديبية التي نزل في أمرها سورة الفتح، وحينئذ ~~يعلم بمآل المشركين والمؤمنين. # إن هذا لقول (1) مهجور، ولو عقل صاحبه وتأمل سور القرآن لكان له ذلك ~~زاجرا عن هذا القول، فأول ذلك ما في سورة الأحقاف التي (ق.127.أ) نزلت فيها ~~الآية المتقدمة من ذكر الجنة والنار، قال الله تعالى فيها: {إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة ~~خالدين ms292 فيها جزاء بما كانوا # يعملون} [الأحقاف: 13 .. 14]. PageV02P640 # # وقال: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في ~~أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون} [الأحقاف: 16]. # وقال: {ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ~~واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير ~~الحق وبما كنتم تفسقون} [الأحقاف: 20]. # وقال: {ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا ~~قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} [الأحقاف: 34]. # وذكر سبحانه في السورة قصة عاد وقول نبيهم لهم: {ألا تعبدوا إلا الله إني ~~أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} [الأحقاف: 21]. # فكيف يصح أن يكون الله تعالى يأمر نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - في ~~أول السورة بأن يقول لقريش عند دعائه إياهم ما أدري ما يكون مآلكم ولا مآلي ~~فيما أدعوكم إليه، وهو سبحانه يخبر عن نبيه هود - عليه السلام - (1) في ~~السورة بعينها أنه يخاف عليهم عذاب يوم عظيم إن لم يوحدوا الله تعالى. # وحال قريش في الإشراك كحال عاد سواء. # وفي هذه السورة بعينها من قول الجن فيما حكى الله عنهم: {يا قومنا أجيبوا ~~داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم} [الأحقاف: ~~30] PageV02P641 # # فأخبروا أن الإيمان يغفر الله (1) به الذنوب ويجير صاحبه من العذاب، ومن ~~للجن بمعرفة هذا، لولا أنهم تلقوه من النبي - عليه السلام - في حين الإنذار ~~لهم كما سيأتي ذكر ذلك (2) في موضعه، وكلما قلناه إنما هو في السورة نفسها ~~لم يخرج عنها، وإذا التفتنا إلى السور المكية فنجدها تنطق بمآل المؤمنين ~~والمشركين: # هذه سورة "لم يكن" أخبر الله فيها بمآل المؤمنين والمشركين والكفار من ~~أهل الكتاب. # وهذه سورة القارعة أخبر الله فيها بحال من ثقلت موازينه وهم أهل الإيمان، ~~وبحال من خفت موازينه وهم أهل الكفر. # وكذلك أخبر (3) في سورة المؤمنين، وفي سورة الأعراف. # وجاء في سورة المدثر التي نزل أولها في أول ما نزل من القرآن ذكر سقر وما ~~هي عليه، وذكر الجنة في قوله: ms293 {إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون} ~~[المدثر: 39 - 40]. # وفي النازعات: {فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى ~~وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} [النازعات: ~~37 - 41]. # وفي سورة الانفطار: {إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم} ~~[الإنفطار: 13 - 14]. PageV02P642 # # وفي المطففين ذكر الأبرار أيضا والفجار. # وفي المرسلات ذكر المتقين وذكر المكذبين ومآل الفريقين. # وفي سورة الإنسان: {يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا ~~أليما} [الإنسان: 31] مع ما فيها من ذكر الجنة وما أعد لأهلها فيها، ومن ~~الإشارة إلى يوم القيامة في قوله: {إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا} ~~[الإنسان: 10]. # وفي سورة مريم ذكر الجنة ومن أعدها الله لهم (1) في قوله: {إلا من تاب ~~وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا}، إلى قوله: {تلك ~~الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا} [مريم: 60 - 63]، وذكر النار ومن ~~أعدها الله لهم في قوله: {فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم ~~جثيا} [مريم: 68] الآيات إلى قوله: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين ~~فيها جثيا} [مريم: 72]. # وفي السورة: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا} [مريم: ~~77]. # وقد تقدم حديث خباب بن الأرت، وقوله للعاصي بن وائل الذي نزلت فيه الآية: ~~لا أكفر بمحمد حتى تموت تم تبعث. فقال له العاصي: وإني PageV02P643 # # لمبعوث من بعد الموت، فسأقضيك هنالك فإني سأوتى مالا وولدا"، وهذا الحديث ~~مخرج في الصحيح (1). # (ق.127.ب) وقد ذكر (2) فيه خباب البعث بعد الموت، وإذا علم البعث علم مآل ~~المؤمن والكافر لا محالة. # وهذا يدل على أن النبي - عليه السلام - كان يلقي ذلك بمكة إلى المؤمنين ~~(3)، فإن خبابا ممن آمن في أول الإسلام، وهذه السور كلها مكية. # ولو تتبعنا مثل (4) هذا من ذكر الجنة والنار في سائر السور المكية، مثل ~~سور غافر وفاطر وسورة الكهف وطه وغيرها لكثر ذكره، وقطعنا ذلك عما نحن ~~بسبيله. # فإن القرآن أكثره نزل بمكة، والمشركون عالمون بأن النبي - عليه السلام - ~~يدعوهم إلى الإيمان بالله ms294 ويخبرهم بأن لهم الجنة إن قبلوا منه وآمنوا به ~~وبما جاءهم به من عند الله، وأن لهم النار إن هم (5) كفروا وعاندوا، وذلك ~~موجود في آي القرآن وفي الأحاديث والسير، وهو من الظهور بحيث لاخفاء به عند ~~من يتأمله. PageV02P644 # # وإذ (1) فرغنا من رد ذلك القول فلنرجع إلى تأويل الآية التي كنا بصددها، ~~فنقول: إنما معناها أن الله تعالى قال لنبيه: قل لمن تدعوه إلى الإسلام من ~~قريش وغيرهم: {قل ما كنت بدعا من الرسل} [الأحقاف: 9]، أي: ما كنت أول رسول ~~في الدنيا ولا مخترعا للرسالة من بين الخلق، بل كانت هنالك رسل (2) في ~~الأمم، فإن كنت رسولا يأتيني الوحي فأنا على سنن المرسلين في ذلك. # ولهذا قال الله له في سورة أخرى: {إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم ~~تنزيل العزيز الرحيم} [يس: من 3 .. 5]. # وقوله: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} [الأحقاف: 9] معناه في الدنيا، أي ~~ما أدري ما يفعل بي بعد تبليغي لكم من نصري عليكم معجلا كان أو مؤجلا، أو ~~من بقائي بين أظهركم أو من خروجي عنكم أو غير ذلك مما يقضي الله به، ولا ~~أدري ما يفعل بكم إن استكبرتم وتوليتم وأبيتم الإيمان من أن ينزل عليكم ~~عذاب تعاجلون به في الدنيا، كما نزل بعاد وثمود وقوم نوح وقوم لوط، ~~فيستأصلكم جميعا أو يتأخر عنكم العذاب حتى يصيب في الدنيا بعضكم دون بعض، ~~أو يكون جميع العذاب مؤخرا عنكم إلى يوم القيامة. # وكأنه - عليه السلام - يقول: إنما أبلغ رسالة ربي حسبما أمرت به ولا أطلب ~~ما وراء ذلك، إذ لا علم لي به في الحال. PageV02P645 # # ويدل على هذا المعنى قوله في آخر الآية: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما ~~أنا إلا نذير مبين} [الأحقاف: 9] أي: أتبع الوحي وأفعل بحسب ذلك فإنه مالي ~~إلا الإنذار والتبليغ فقط، والله سبحانه هو الفاعل لما يشاء بعد ذلك. # وقد وجدنا لبعض المفسرين (1) أيضا (2) الإشارة إلى هذا (3) التأويل الذي ~~ذكرناه في الآية، ولا يصح عندنا فيها سواه. # ولنرجع إلى ms295 ما كنا فيه فنقول: ومن الأحاديث التي احتج بها من توقف ~~(ق.128.أ) في الأطفال جملة، قوله - صلى الله عليه وسلم -: «كل مولود يولد ~~على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه كما تناتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تحس ~~من جدعاء؟» قيل (4): أفرأيت يا رسول الله من يموت وهو صغير قال: «الله أعلم ~~بما كانوا عاملين» (5). PageV02P646 # # فأخذوا عموم الأطفال من قوله: «كل مولود يولد على الفطرة»، ومن سؤالهم ~~للنبي - عليه السلام - عن من يموت وهو صغير وليس في ذلك ذكر لأطفال ~~المسلمين، ولا لأطفال الكفار. # وأخذوا التوقف من قوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين». # ونحن نرى أن نؤخر الكلام في هذا الحديث حتى نذكره (1) في أولى المواضع به ~~من هذه الفصول التي نتكلم فيها على الأطفال بحول الله. PageV02P647 # # فصل ### | من قال إن الأطفال في الجنة # ) (1) # وأما من ذهب إلى أن أطفال المسلمين في الجنة فحجتهم ظاهرة من الأحاديث ~~الواردة في هذا الباب، منها حديث أبي هريرة عن النبي - عليه السلام - قال: ~~«ما من المسلمين من يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهم ~~الله وإياه الجنة بفضل رحمته، يجاء بهم يوم القيامة، فيقال لهم: ادخلوا ~~الجنة، فيقولون: لا حتى يدخل آباؤنا فيقال لهم: ادخلوا أنتم وآباؤكم بفضل ~~رحمتي» (2). # وفي لفظ آخر (3): «من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كانوا له ~~حجابا من النار». PageV02P648 # # ومنها حديث أبي هريرة أيضا، إذ قال له الراوي: إنه قد مات لي ابنان فما ~~أنت محدثي (1) عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحديث يطيب أنفسنا عن ~~موتانا، فقال: سمعته يقول: «صغاركم دعاميص الجنة يتلقى (2) أحدهم أباه ~~فيأخذ بثوبه كما آخذ أنا بصنيفة ثوبك هذا، فلا ينتهي حتى يدخله الله وأبويه ~~الجنة» (3). # ومنها حديث معاوية بن قرة عن أبيه أن رجلا جاء بابنه إلى النبي - عليه ~~السلام - فقال: «أتحبه؟» فقال له (4): أحبك الله (يا رسول الله) (5) كما ~~أحبه، فتوفي الصبي ففقده النبي - عليه السلام -، فقال: «أين فلان بن فلان؟» ~~قالوا: يا رسول الله توفي ابنه، ms296 ثم دخل الرجل فقال له رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - (6): «أما ترضى أن لا PageV02P649 # # تأتي بابا من أبواب الجنة إلا جاء يسعى يفتحه (1) لك». فقالوا: يا رسول ~~الله، أله وحده أم لنا كلنا؟ قال: «بل لكم كلكم» (2). # ومنها حديث أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من الناس ~~من (3) مسلم يتوفى له ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله (4) الجنة بفضل ~~رحمته إياهم» (5). # وروى البراء بن عازب عن النبي - عليه السلام - أنه قال (ق.128.ب) في ابنه ~~إبراهيم: «إن له مرضعا في الجنة» (6). # وهذا القول في أطفال المسلمين هو المفهوم من قانون الشرع، حتى إن بعض ~~العلماء أنكر الخلاف في كونهم في الجنة، وذكر بعضهم الخلاف في PageV02P650 # # كونهم في الجنة أو في المشيئة، وقال: إنما الإجماع في كون أولاد الأنبياء ~~في الجنة خاصة. # وأبو عمر بن عبد البر اضطرب في النقل في هذا الباب فقال عند كلامه على ~~تأويل الفطرة (1): قد أجمع المسلمون من أهل السنة وغيرهم إلا المجبرة على ~~أن أولاد المؤمنين في الجنة. # ثم لما ذكر الأخبار التي احتج بها من قال: إن الأطفال بأجمعهم في ~~المشيئة، قال (2): بهذه الآثار وما كان مثلها احتج من ذهب إلى الوقوف عن ~~الشهادة لأطفال المسلمين أو (3) المشركين بجنة أو نار، وإليها ذهب جماعة ~~كثيرة من أهل الفقه والحديث منهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك، ~~وإسحاق بن راهويه وغيرهم، وهو يشبه ما رسمه مالك في أبواب القدر من الموطأ، ~~وما أورد في ذلك من الأحاديث، وعلى ذلك أكثر أصحابه، وليس عن مالك فيه شيء ~~منصوص، إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة، ~~وأطفال المشركين خاصة في المشيئة لآثار وردت في ذلك. # هذا كله ذكره في باب أبي الزناد من التمهيد. PageV02P651 # # وقال في باب ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عند قوله - عليه السلام -: «لا ~~يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد» (1): قد أجمع العلماء على أن أطفال ~~المسلمين في الجنة، ولا ms297 أعلم عن جماعتهم في ذلك خلافا إلا فرقة شذت من ~~المجبرة فجعلتهم في المشيئة، وهو قول شاذ مهجور مردود بإجماع أهل الحجة ~~الذين لا تجوز مخالفتهم ولا يجوز على مثلهم الغلط في مثل هذا إلى ما روي عن ~~النبي - عليه السلام - من أخبار الآحاد الثقات. وذكر بعض الأحاديث التي ~~سقناها في هذا الباب. # فانظر كيف ذكر الإجماع على أن أطفال المسلمين في الجنة وأنه لا يعلم عن ~~جماعة العلماء في ذلك خلافا، وجعل القول بالمشيئة فيهم قولا شاذا مهجورا، ~~وهو قد نسب القول بالمشيئة في الباب الآخر إلى حماد وحماد وابن المبارك ~~وإسحاق بن راهويه، وكيف يتصور الإجماع وهؤلاء خارجون عنه؟، وإنما يطرأ هذا ~~على أبى عمر من الغفلة. # ونحن نقول: إن من ذهب من العلماء إلى أن أطفال المسلمين في المشيئة، لم ~~يمعن النظر في الباب، وإنما تعلق في ذلك (ق.129.أ) بأحاديث محتملة للتأويل ~~ليس فيها جلاء، وكان يلزمه إذا وجد فيها ما يظهر له منه التوقف في أمرهم أن ~~يحمله على أن ذلك كان في أول الإسلام، إذ الذي استقر عليه الشرع فيهم هو ما ~~قلناه من كونهم في الجنة لا في المشيئة، إذ لو كانوا في المشيئة لم يغفر ~~لآبائهم بمصابهم فيهم ولا حجبوا عن النار بسببهم، ولا دخلوا الجنة ~~بشفاعتهم. PageV02P652 # # ومن أقوى دليل على ذلك الحديث الثابت عن سمرة بن جندب عن النبي - عليه ~~السلام - في الرؤيا، وفيه: «فأتينا على روضة معتمة فيها من كل لون الربيع، ~~وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء، وإذا حول ~~الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط». الحديث. # وفيه: «وأما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإنه إبراهيم عليه السلام، ~~وأما الولدان حوله فكل مولود مات على الفطرة» (1). # ومعلوم أن أولاد المسلمين ولدوا على الفطرة، وإذا ماتوا في حال الطفولية ~~فقد ماتوا عليها. # فصح أنهم الآن مع إبراهيم - عليه السلام - في الجنة، إذ لابد أن يصدق هذا ~~الحديث على أولاد المسلمين، وإنما الشأن في أولاد المشركين، ms298 وفي بقية ~~الحديث ما يدل على أن أولاد المشركين مع أولاد المسلمين، وذلك أن فيه: فقال ~~بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - (2): «وأولاد المشركين». # وسيأتي ذكر هذا في أولاد المشركين فيما بعد إن شاء الله. PageV02P653 # # فصل ### | من قال إن أولاد المشركين في المشيئة # ) (1) # وأما من قال في أولاد المشركين: إنهم في المشيئة فاحتجوا بحديث ابن عباس ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن أولاد المشركين، فقال: «الله أعلم ~~بما كانوا عاملين» (2). # وبحديثه (3) أيضا قال: كنت أقول في أطفال المشركين هم مع آبائهم حتى ~~حدثني رجل عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ربهم ~~أعلم بهم، هو خلقهم وهو أعلم بهم وبما كانوا عاملين». PageV02P654 # # وبحديث أبي هريرة (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن أطفال ~~المشركين عن من يموت منهم صغيرا فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». # والأحاديث في هذا الباب صحيحة، وليس في قوله: «الله أعلم بما كانوا ~~عاملين» إلا الإخبار بأن الله تعالى أعلم بما كانوا يفعلونه لو بلغوا حد ~~التكليف. # وأما ما يرجع إلى مآلهم في الآخرة إذا ماتوا قبل البلوغ فيشبه أن يكون ~~النبي (ق.129.ب) - عليه السلام - قصد الإبهام على الصحابة في حقهم بهذا ~~القول، إذ ساقه مجملا، ويشبه أن يكون توقف في أمرهم، إذ لم يوح إليه بعد ~~فيهم ما يعتمده، فيكون ذلك قبل الأحاديث الواردة فيهم (2) آخرا حسبما ~~نذكره، وهذا بعينه نقوله لمن احتج بقوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، ~~على التوقف في أطفال المسلمين. PageV02P655 # # فصل ### | من قال إن أولاد المشركين في النار # ) (1) # وأما من قال: إن أطفال المشركين في النار فاحتج بحديث الصعب بن جثامة أنه ~~سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الدار (2) من المشركين يبيتون فيصاب ~~من ذراريهم ونسائهم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هم منهم» (3). # وفي لفظ آخر: «هم من آبائهم»، قال الزهري: ثم نهى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بعد ذلك عن ms299 قتل النساء والولدان (4). # وهذا الحديث لا حجة فيه، فإن المعنى فيه عند أهل العلم أحكام الدنيا، ~~وعليه مخرج الحديث، أي: إنهم إن أصيبوا في التبييت والغارة فلا قود ~~PageV02P656 # # ولا دية على من قتلهم، لكونهم أولاد من لا قود ولا دية في قتلهم لكفرهم، ~~قال ذلك: ابن عبد البر (1) وغيره، وهو كذلك. # ولهذا أردف الزهري الراوي للحديث عليه: نهى النبي - عليه السلام - عن قتل ~~النساء والولدان بعد ذلك. # واحتجوا أيضا بحديث سلمة بن يزيد الجعفي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال له: (يا رسول الله) (2) إن أمنا وأدت أختا لنا في الجاهلية لم تبلغ ~~الحنث فهل ذلك نافع أختنا، فقال - عليه السلام -: «الوائدة والموءودة في ~~النار إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فيغفر لها» (3). PageV02P657 # # وهذا الحديث قد تكلم فيه، وقال ابن عبد البر (1): إنه حديث صحيح من جهة ~~الإسناد، إلا أنه يحتمل أن يكون خرج على جواب السائل في عين PageV02P659 # # مقصودة، فكانت الإشارة إليها، وهذا أولى ما حمل عليه هذا الحديث لمعارضة ~~الآثار له. انتهى كلامه. # وفيه اعتراض، لأنه يلزم في سائر الأطفال ما يلزم في تلك العين المقصودة، ~~إذ هي لم تبلغ الحلم كما في الحديث، ومن لم يبلغ الحلم فبأي شيء يستحق ~~النار؟ بل ينبغي أن يرد هذا الخبر بكونه معارضا لنص القرآن، قال الله ~~تعالى: {وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت} [التكوير: 8 .. 9] فأخبر سبحانه ~~بأن الموءودة لا ذنب لها، وإذا لم يكن لها ذنب فلا تدخل النار أصلا، إذ لا ~~يدخل النار إلا الكفار والمذنبون. # وأيضا فالحديث إذا (ق.130.أ) فرضنا صحته هو من أخبار الآحاد وليس ما نحن ~~فيه من باب العمل. # واحتجوا أيضا بحديث عائشة (رضي الله عنها) (1) قالت: سألت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن ولدان المسلمين أين هم؟، قال: «في الجنة يا ~~عائشة»، قالت: وسألته عن ولدان المشركين أين هم يوم القيامة؟، قال: «في ~~النار». فقلت مجيبة له: يا رسول الله لم يدركوا الأعمال ولم تجر عليهم ~~الأقلام، قال: «ربك أعلم بما ms300 كانوا عاملين، والذي نفسي بيده لئن شئت أسمعتك ~~تضاغيهم في النار» (2). PageV02P660 # # وهذا الحديث غير صحيح، رواه أبو عقيل يحيى بن المتوكل عن بهية عن عائشة. # وقال ابن عبد البر فيه (1): أبو عقيل هذا لا يحتج بمثله عند أهل العلم ~~بالنقل (2)، وقال: هذا الحديث لو صح لاحتمل من الخصوص ما احتمل غيره. # قال: ومما يدل على أنه خصوص لقوم من المشركين قوله: «لو شئت أسمعتك ~~تضاغيهم في النار» (3)، وهذا لا يكون إلا فيمن قد مات وصار في النار، وقد ~~عارض هذا الحديث ما هو أقوى منه من الآثار. # وكلامه هذا نحو من كلامه في الحديث الذي قبله. # وينبغي أن يقال له: لا فرق في هذا الباب بين أطفال المشركين الذين ماتوا ~~قبل الإسلام وبين من يموت منهم بعد الإسلام إلى قيام الساعة، فما ثبت ~~لهؤلاء من الحكم وجب أن يكون لأولئك سواء سواء (4). PageV02P661 # # ودليل ذلك من نفس الحديث قول عائشة: "وسألته عن أولاد المشركين"، فعمت ~~بالسؤال، ثم لم تسأل إلا عن حكمهم في القيامة بقولها: "أين هم يوم القيامة؟ ~~" وذلك اليوم هو مجتمع الخلائق أولهم وآخرهم وصغيرهم وكبيرهم فإذا قال: ~~إنهم في النار، انسحب ذلك على جميع الأطفال على الإطلاق في أصناف الشرك. # هذا لو كان الخبر صحيحا، فكيف وقد أراحنا الله منه بتضعيف أهل الحديث ~~لإسناده. # ثم في متنه أيضا ما يوهنه، وهو أن النبي - عليه السلام - أخبر عائشة أنهم ~~في النار في أول الحديث، وذلك جزم منه - عليه السلام - على حكمهم في ~~الآخرة، ثم قال لها: ربك أعلم بما كانوا عاملين. # وهذا اللفظ إنما يأخذ منه التوقف كما أخذه العلماء من مثل هذا اللفظ ~~حسبما تقدم ذكره، والأحاديث التي فيها هذا المعنى، أعني الذي يؤخذ منها ~~التوقف، ليس فيها ذكر النار، وهي الأحاديث الصحيحة، وقد قدمنا سياقتها في ~~الفصل الذي قبل هذا، ثم أخبر - عليه السلام - في آخر الحديث أن الأطفال في ~~النار بقوله: «لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار». # وهذا من الأمور التي يستأثر (ق.130.ب) بمعرفتها وإدراكها الرسول ms301 - صلى ~~الله عليه وسلم -، فكيف يطلع غيره عليها إذا شاء، ومتى جاء عن النبي - عليه ~~السلام - مثل هذا في حديث صحيح؟ ثم كيف يجتمع التوقف في أمرهم والحكم عليهم # PageV02P662 # # بالنار في حديث واحد، أو (1) كيف يقول - عليه السلام -: «ربك أعلم بما ~~كانوا عاملين» (2)، مجيبا لعائشة في احتجاجها بوجه صحيح، وهو أنهم لم ~~يدركوا الأعمال ولم تجر عليهم الأقلام. # ونحن نعلم من قاعدة الشرع أن الله تعالى لا يؤاخذ الصغار بما عملوا قبل ~~التكليف من زنا وشرب خمر، فكيف يؤاخذهم بما لم يعملوا أصلا لموتهم قبل ~~الإدراك. # وقد أخبر الشرع أيضا بأن من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، فكيف يكتب ~~ذنب على من لم يهم به ولم يعمله؟. # ويكفينا في إبطال هذا إجماع الأمة على أن الله تعالى لا يؤاخذ أحدا بما ~~لم يعمل ولا سن العمل به. # وفي هذا كله ما يرد الحديث المتقدم ويبين أنه لا يصح، هو ولا الحديث الذي ~~قبله. # ومما احتج به أيضا من ذهب إلى هذا القول قول الله تعالى: {والذين آمنوا ~~واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم} [الطور: 21]، وهذا لا حجة لهم ~~فيه، لأن الله تعالى لم يذكر في هذه الآية الكفار ولا ذريتهم، وإنما ذكر ~~المؤمنين وإلحاق ذرياتهم بهم ولا يخلو هؤلاء الملحقون بآبائهم من وجهين: # أحدهما: أن يكونوا بالغين حد التكليف مؤمنين بالله، يدل على ذلك قوله: ~~{واتبعتهم ذريتهم بإيمان} [الطور: 21]، فشرط في الاتباع الإيمان. ~~PageV02P663 # # فإن كان كذلك فيكون المعنى أن الذرية المؤمنة ملحقة بآبائها في الأجور ~~والدرجات العلى على وجه التكرمة للآباء، وإن كانت الذرية دونهم في الأعمال. # والثاني: أن تكون الذرية هم أطفال المؤمنين فيكون المعنى: إن حكمهم قبل ~~بلوغ الحلم حكم آبائهم في انسحاب حكم الإيمان عليهم في الدنيا والآخرة، ~~وكيفما كان ذلك فليس للكفار فيها ذكر، فلا يصح أن يؤخذ لأطفالهم منها حكم. # واحتجوا أيضا بقول الله تعالى حكاية عن نوح - عليه السلام -: {رب لا تذر ~~على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ms302 ولا يلدوا إلا فاجرا ~~كفارا} ... [نوح: 26 .. 27]. # وهذا لا حجة لهم فيه لوجهين: # أحدهما: إن نوحا عليه (ق.131.أ) السلام إنما قصد به الكفار من قومه فقط، ~~ولذلك قال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} [نوح: 26]، أي لا ~~تذرهم أحياء، وذلك يتوجه لكل من كفر بنوح في حياته، فاستجاب الله له فيهم ~~وأغرقهم بالطوفان، ولا يصح أن يقصد نوح الكفار على الإطلاق، ممن يأتي بعد ~~زمانه، فإنهم ليسوا على الأرض، في حين دعوة نوح. # وأيضا فإن آزر كان كافرا وولد خليل الرحمن: إبراهيم - عليه السلام -. ~~وكذلك غيره من آباء (1) الأنبياء صلوات الله عليهم. PageV02P664 # # وقد قال النبي - عليه السلام - في حديث الأسود بن سريع: «أوليس خياركم ~~أولاد المشركين؟» (1)، يعني بذلك الصحابة رضي الله عنهم. # والوجه الثاني: # إن قوله: {ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا} [نوح: 26] لم يعن به أن قومه لا ~~يلدون إلا فاجرا كفارا في حين ولادتهم، وإنما معناه: أن الذين يلدون لا ~~يؤمنون إذا بلغوا حد التكليف، بل يكونون كفارا فجارا، وإنما علم نوح ذلك ~~(2) بأنه قد كان أوحي إليه أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن فتيقن نوح ~~(3) - عليه السلام - من هذا (4) بأن قومه لا يؤمن منهم (في المستأنف أحد) ~~(5) إلا من قد كان (6) آمن قبل، وسواء في ذلك من كان منهم بالغا حينئذ أو ~~صغيرا، أومن لم يولد بعد، فعند ذلك دعا عليهم بتلك الدعوة، على أنه قد جاء ~~في بعض الأخبار أن الذين غرقوا بدعوة نوح كلهم بالغون. # ذكر وثيمة بن موسى في كتابه قال: أخبرني عبد الله بن سمعان عن رجال سماهم ~~قالوا في قوم نوح: إن الله تعالى أعقم رجالهم وأعقم نساءهم قبل PageV02P665 # # الطوفان، فلم يتوالدوا أربعين عاما منذ دعا نوح عليهم حتى أدرك الصغير ~~فبلغ الحنث، وصارت لله عليه الحجة، ثم أرسل الله السماء بالطوفان وهم جميعا ~~رجال. # فإن صح هذا الذي ذكره وثيمة فلم يغرق بدعوة نوح إلا من يستحق ذلك ممن بلغ ~~حد التكليف، وكفر بنوح وبما جاء به ms303 من عند الله سبحانه. # وذكر أبو محمد بن حزم (1) هذه المسألة ونسب هذا المذهب إلى الأزارقة، ~~وحكى عنهم أنهم قالوا: إن كان حكم أطفال المشركين حكم الإيمان فيلزمكم أن ~~تدفنوا الصبي إذا مات منهم مع المسلمين، ولا تتركوه يخرج إلى الكفر، وينبغي ~~أن ترثوا ماله دون أبويه، وأن تورثوه ممن مات من أقاربه المؤمنين. # ثم قال (2): أما قولهم ينبغي أن تصلوا عليه وأن (3) ترثوا ماله فليس ~~بحجة، لأن لله تعالى أن يفرق بين أحكام عباده، وليس تركنا الصلاة (ق.131.ب) ~~عليهم مما يوجب أنهم كفار، فهذا الشهيد لا يصلى عليه، وليس ذلك بموجب أنه ~~ليس من أفضل المؤمنين إيمانا، وكذلك القول في الميراث سواء، فقد حكم الله ~~تعالى في بعض الأقارب من المؤمنين أن لا يرث ولا يورث كالجد للأم وابن ~~البنت، ويرث المولى من فوق وهو أبعد رحما، وابن العم على بعد، وهذا العبد ~~هو من لا يرث أباه ولا ابنه ولا يرثانه، فليس ترك PageV02P666 # # موارثة (1) الطفل من أولاد المشركين بموجب أنه كافر، وقد يأخذ المرء (2) ~~المسلم مال عبده الكافر، والكافر مال عبده إذا أسلم ثم مات قبل أن يباع ~~عليه، وكثير من الأئمة يورث مال المرتد ورثته (3) من المسلمين. # ومعاذ بن جبل ومعاوية ومسروق رضي الله عنهم يورثون المسلم من الكافر على ~~كل حال (4)، فليس الميراث من باب الإيمان في ورد ولا صدر، وإنما نقف في كل ~~ذلك (5) عندما أوجبه النص والإجماع فقط، وهكذا القول في الدفن ولا مزيد. ~~انتهى كلامه. # وفيه الكفاية في الرد عليهم. # ومذهبه هو: أن جميع الأطفال في الجنة، كما هو الحق، وسيتبين ذلك بحول ~~الله. PageV02P667 # # فصل ### | من قال إنهم يمتحنون # ) (1) # وأما من قال: إنهم يمتحنون في الآخرة، فاحتج بحديث أبي سعيد الخدري قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الهالك في الفترة والمعتوه ~~والمولود، قال: «يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب ولا رسول. ثم تلا ~~قوله: {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا ~~رسولا} [طه: 134]. الآية. ويقول ms304 المعتوه: رب لم تجعل لي عقلا أعقل به لا ~~خيرا ولا شرا. قال: ويقول المولود: رب لم أدرك العقل والعمل. قال: فترفع ~~لهم نار فيقال لهم: ردوها وادخلوها. قال: فيردها أو يدخلها من كان في علم ~~الله سعيدا لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا لو أدرك ~~العمل. قال: فيقول الله عز وجل: "إياي عصيتم، فكيف برسلي لو أتتكم"» (2). # ذكر هذا أبو عمر في الاستذكار (3)، وقال: قد روي عن أنس بن مالك عن النبي ~~- عليه السلام - مثل معنى هذا الحديث (4). PageV02P668 # # وقد روي أيضا من حديث معاذ بن جبل مثله بمعناه (1). # وهي كلها أحاديث ليست بالقوية، ولا تقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرون ~~أحاديث هذا الباب، لأن الآخرة دار جزاء، وليست دار (2) عمل ولا ابتلاء، ~~وكيف يكلفون دخول (ق.132.أ) النار، وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله لا ~~يكلف نفسا إلا وسعها. # ولا يخلو من مات في الفترة من أن يموت كافرا، أو غير كافر، فإن كان قد ~~مات كافرا جاحدا فإن الله تعالى (3) قد حرم الجنة على الكافرين، فكيف ~~يمتحنون، وإن كان معذورا بأنه لم يأته نذير ولا أرسل إليه رسول فكيف يؤمر ~~بتقحم النار وهي أشد العذاب، والطفل ومن لا يعقل أحرى بأن لا يمتحن بذلك. ~~انتهى كلام أبي عمر، وفيه مقنع. # وقد تقدم من كلامنا على هذا المعنى حيث ذكرنا حديث أبي سعيد المذكور ~~وغيره من الأحاديث في أول باب من أبواب أهل الفترة ما فيه الجلاء في ذلك. # وأبو عمر بن عبد البر قد ذكر الخلاف في الأطفال في التمهيد (4) ~~والاستذكار (5)، وأورد الأحاديث التي ذكرناها حجة لكل فريق مع الأحاديث ~~PageV02P669 # # التي تعلق بها من قال: إن جميع الأطفال في الجنة، وكأنه لم يجزم على صحة ~~أحد تلك الأقوال، ولا حكم بكونه المعتمد عليه في الباب. # ونحن قد فرغنا من جلب تلك الأقوال، وسياقة الحجة لكل قول منها ولم يبق ~~إلا قول من قال: إن الأطفال جميعا في الجنة، فلنفرد لذلك بابا نتكلم عليه ~~فيه ms305 بإشباع من القول، واستكثار من الأدلة، حتى يتضح ما نذهب إليه في ذلك، ~~إذ هو الذي يقتضيه النظر وتعضده قواعد الشرع. # PageV02P670 # # باب ### | جميع أطفال الناس في الجنة # ) (1) # من الدليل على أن جميع أطفال الناس مؤمنهم وكافرهم في الجنة قول الله ~~تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست ~~بربكم قالوا بلى} [الأعراف: 172]. # فإنه سبحانه أخبر أنه أخذ من بني آدم في العهد الأول الإقرار على أنفسهم ~~بأن الله تعالى هو ربهم، فصح أن جميع الأطفال داخلون في ذرية بني آدم ~~المقرين بذلك. # وإذ دخلوا فيهم وماتوا قبل أن يبلغوا حد التكليف الذي تلزم عنده (2) ~~المؤاخذة بالأعمال فهم لم يستحقوا النار، وإذا لم يستحقوا النار فهم في ~~الجنة بالعهد الأول الذي لم ينقضوه، كما أن من بلغ منهم حد التكليف فقد خرج ~~عن جملة الأطفال، وصار إما مستحقا للجنة بوفائه بالعهد الأول، وذلك بأن ~~يكون مؤمنا مستصحبا لإيمانه حتى يموت عليه. PageV02P671 # # وإما مستحقا للنار بنقضه العهد الأول، وذلك بأن يكون مشركا (1) مستصحبا ~~لإشراكه حتى يموت عليه. (ق.132.ب) # ولنذكر ما جاء عن أهل التفسير في هذه الآية المتقدمة ليوقف عليه. (2) # ذكر مكي بن أبي طالب في الهداية قال: قال ابن عباس (3): أخذ الله الميثاق ~~من ظهر آدم (4) بنعمان، يعني عرفة، وأخرج من صلبه كل ذرية له (5) فنشرهم ~~بين يديه كالذر ثم كلمهم فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. فأشهد بعضهم على ~~بعض بذلك الإقرار. # وقال الضحاك: إن الله مسح صلب آدم واستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم ~~القيامة فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وتكفل لهم ~~بالأرزاق ثم أعادهم في صلبه، فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطى الميثاق ~~منهم يومئذ، فمن أدرك منهم الميثاق فوفى به نفعه الميثاق الأول، ~~PageV02P672 # # ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يوف به لم ينفعه الميثاق الأول، ومن مات ~~صغيرا قبل أن يدرك الميثاق الآخر مات على الميثاق الأول على الفطرة. روى ~~ذلك عن ابن عباس (1). # ومنه قول ms306 النبي - عليه السلام -: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون ~~أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» (2). # والميثاق الأول هو ما أخذه الله عليهم إذ أخرجهم من ظهر آدم، والميثاق ~~الآخر هو قبول فرائض الله، والإيمان به وبرسوله وبما جاءت به الرسل. # وروى ابن عمر عن النبي - عليه السلام - أنه قال: «أخذوا من ظهره كما يؤخذ ~~بالمشط من الرأس، فقال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، قالت الملائكة: شهدنا ~~أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين» (3). # وقال أبي بن كعب (4): جمعهم جميعا فجعلهم أرواحا ثم صورهم ثم استنطقهم ~~فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا PageV02P673 # # غيرك، ثم أخبرهم بما ينزل عليهم من كتاب وما يرسل إليهم من الرسل وأمرهم ~~أن يؤمنوا بذلك، وكانت فيهم الأنبياء مثل السرج وعليهم النور فخصوا بميثاق ~~أخذ الرسالة والنبوة، قال الله تعالى: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ~~ومن نوح} [الأحزاب: 7]. الآية. انتهى ما ذكره مكي. # وقال يحيى بن سلام في تفسيره: إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، ~~فقال: رب ما (1) أكتب؟ قال: ما هو كائن، قال: فجرى القلم بما هو كائن إلى ~~يوم القيامة (2)، فأعمال العباد تعرض كل يوم اثنين وخميس (3)، فيجدونها على ~~ما في الكتاب (4)، ثم مسح تعالى ظهر آدم فأخرج منه كل نسمة هو خالقها ~~فأخرجهم مثل الذر فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا (ق.133.أ) ثم أعادهم ~~في صلب آدم، ثم يكتب العبد في بطن أمه شقيا أو سعيدا على الكتاب الأول. # فمن كان في الكتاب الأول شقيا عمر حتى يجري عليه القلم فينقض الميثاق ~~الذي أخذ عليه في صلب آدم بالشرك. PageV02P674 # # ومن كان في الكتاب الأول سعيدا عمر حتى يجري عليه القلم فيؤمن فيصير ~~سعيدا. # ومن مات صغيرا من أولاد المؤمنين قبل أن يجري عليه القلم، فهو مع (1) ~~آبائهم في الجنة من ملوك أهل الجنة. # ومن كان من أولاد المشركين فمات قبل أن يجري عليه القلم فليس يكون مع ~~آبائهم في النار، لأنهم ماتوا على ms307 الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم، ولم ~~ينقضوا الميثاق. انتهى كلامه. # وذكر حديثا عن أنس بن مالك قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~أولاد المشركين فقال: «لم تكن لهم (2) حسنات فيجزوا بها، فيكونوا من ملوك ~~أهل الجنة، ولم تكن لهم سيئات فيعاقبوا عليها فيكونوا من أهل النار فهم خدم ~~لأهل الجنة» (3). PageV02P675 # # فانظر إلى ما نقله مكي في قوله: فمن أدرك منهم الميثاق فوفى به نفعه ~~الميثاق الأول، ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يوف به لم ينفعه الميثاق الأول، ~~ومن مات صغيرا قبل أن يدرك الميثاق الآخر مات على الميثاق الأول على ~~الفطرة، كيف هو موافق لما قلناه. # ثم انظر قول ابن سلام فإنه فسر هذا المعنى فجعل من كتب سعيدا يعمر حتى ~~يؤمن بعد البلوغ، ومن كتب شقيا يعمر حتى يشرك بعد البلوغ، ومن مات صغيرا من ~~أولاد المؤمنين فهو مع أبيه في الجنة، ومن مات صغيرا من أولاد المشركين فلا ~~يكون مع أبيه في النار بسبب الميثاق الأول. # ثم ذكر الحديث تصديقا لمذهبه في كون جميع الأطفال في الجنة، وإن اختلفت ~~درجات أولاد المؤمنين وأولاد المشركين فيها. # فإن صح الحديث وجب الوقوف عنده. # وفي كلام ابن عباس المتقدم: ثم كلمهم فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. ~~فأشهد بعضهم على بعض بذلك الإقرار. # وهكذا في قول أبي بن كعب: قالوا بلى شهدنا أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا ~~غيرك. # فعلى هذا يكون قوله: {بلى شهدنا} [الأعراف: 172] من كلام الذرية، أي: شهد ~~بعضنا على بعض. # ولا يحسن الوقوف على {بلى} على هذا التأويل. # PageV02P676 # # وفي حديث ابن عمر المتقدم فقال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. قالت ~~الملائكة: شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. # فعلى هذا يحسن الوقف على {بلى}، إذ يكون قوله شهدنا (ق.133.ب) وما بعده ~~من كلام الملائكة صلوات الله عليهم. # PageV02P677 # # فصل # ومن الدليل على ما تقدم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كل مولود ~~يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» (1). # فإنه ms308 - عليه السلام - أخبر بأن كل من ولد من بني آدم على الفطرة يولد، ~~وإذا ولدوا على الفطرة ومات أحدهم قبل البلوغ فقد مات عليها، وإذا مات ~~عليها فهو في الجنة لا محالة. # *- ( ### | معنى الفطرة # ) (2) # واختلف العلماء في معنى الفطرة في هذا الحديث (3): # 1. فمنهم من قال: هي ما أخذه الله على ذرية آدم من الميثاق قبل أن يخرجوا ~~إلى الدنيا يوم استخرج ذرية آدم من ظهره فخاطبهم بقوله: ألست بربكم قالوا ~~بلى، فلما أقروا له بالربوبية وقعت الولادة عليها حتى يقع التغيير عنها ~~بالأبوين. PageV02P678 # # وهذا القول متجه كما مضى عند ذكر الآية. # 2. ومنهم من قال (1): # إن الفطرة هي الإسلام. # وهذا القول لا يصح، فإن الإسلام له شروط، والمولود بمعزل عن معرفتها ~~والتزامها، إذ لا يعقل شيئا في الحال حسبما هو مشاهد منه (2). PageV02P679 # # 3. ومنهم من قال: إن الفطرة هي ما قضي على المولود مما يصير إليه من شقاء ~~وسعادة وكفر وإيمان. (1) # وهذا القول إنما لاحظ فيه قائله المعنى الذي تؤول إليه حالة المولود عند ~~موته بعد لزوم التكليف له، ويرد ذلك القول أمران: # أحدهما: إن لفظ الفطرة لا يصح أن يطلق في اللغة على تلك الحال المترقبة ~~بعد. # والثاني: إن الكلام إنما هو في المولود الذي يموت صغيرا قبل التكليف وقبل ~~أن يطلق عليه اسم الكفر والإيمان، إذ ليس كل مولود ينتهي في عمره إلى ما ~~قالوه من تلك الحالة التي عبروا عنها بما يؤول إليه صاحبها من الشقاء أو ~~السعادة. (2) # 4. ومنهم من قال: إن الفطرة هي الخلقة التي خلق عليها المولود من المعرفة ~~بربه (3). PageV02P680 # # وهذا القول يحتاج إلى تفصيل، فإن حمل على المعرفة بربه في ذلك الوقت فلا ~~يصح على ما قلناه في من قال إن الفطرة هي الإسلام. # وإن عنى بذلك الخلقة التي خلق عليها في المعرفة بربه إذا بلغ المبلغ الذي ~~تتأتى (1) منه المعرفة لكونه خلق على خلاف خلقة البهائم التي لا تتأتى (2) ~~(ق.134.أ) منها المعرفة بالله فصحيح، ونحن نبسط هذا المعنى فنقول: # أما قولهم أولا عن الفطرة إنها ms309 الخلقة فتعضده اللغة، فإن أصل الفطرة هو ~~(3) الخلقة، قال الله تعالى: {فاطر السماوات والأرض} [فاطر: 1]. وقال: {رب ~~السماوات والأرض الذي فطرهن} [الأنبياء: 56]. وقال حكاية عن إبراهيم: {إلا ~~الذي فطرني فإنه سيهدين} [الزخرف: 27]، وقال: {وما لي لا أعبد الذي فطرني} ~~[يس: 22]. # لكن ليس المقصود بقوله: «كل مولد يولد على الفطرة» أنه يولد على الخلقة ~~فقط، فإن كل أحد يدرك أن المولود إنما يولد على خلقة ما من تمام أو خداج، ~~وإنما معناه أنه يولد على خلقة يعلم بها أن له صانعا خلقه مهما PageV02P681 # # بقي إلى حد التكليف سليما على أصل تلك الخلقة ولم تعقه عوائق عن ذلك من ~~تقليد أبويه أومعلمه أو قراباته في التهود والتنصر والتمجس وغيرها. # كما أن الفصيل يخلق تام الخلقة ثم يطرأ عليه بعد ذلك الجدع والكي وغير ~~ذلك مما ينقله إلى أسمية أخرى مثل البحيرة وما جرى مجراها. # وقد تقدم أن الله تعالى أخذ الميثاق على بني آدم في العهد الأول إذ قال ~~لهم: {ألست بربكم قالوا بلى} [الأعراف: 172]، فأقروا عند ذلك بأن لهم ربا ~~وصانعا خلقهم، ولإقرارهم بذلك فطرهم عليه بعد، فهم على تلك الفطرة حتى يطرأ ~~عليهم من خارج ما ينسيهم ذلك العهد من تقليد الآباء واتباع عادتهم، كما قال ~~تعالى حكاية عن من كان هذا سبيله: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على ~~آثارهم مقتدون} [الزخرف: 23]. # وكذلك لما قال إبراهيم - عليه السلام - لقومه: {هل يسمعونكم إذ تدعون أو ~~ينفعونكم أو يضرون} [الشعراء: 72] عدلوا عن جوابه فقالوا: {بل وجدنا آباءنا ~~كذلك يفعلون} [الشعراء: 73]. فأخبروا أن اتباعهم آباءهم وتقليدهم إياهم ~~قادهم إلى عبادة الأوثان والكفر بالله، فكان هذا تصديقا لقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه». (1) PageV02P682 # # ومن الدليل على ما قلناه في تأويل الفطرة الآية التي استدل بها أبو هريرة ~~إذ قال: "واقرأوا إن شئتم: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق ~~الله} [الروم: 30] " (1)، فإنه - رضي الله عنه - ساقها حجة له عند السامعين ~~وتصديقا لرواية ما رواه عن رسول الله - صلى ms310 الله عليه وسلم - إذ كان معنى ~~ما سمعه منه - عليه السلام - في قوله: «كل مولود يولد على الفطرة»، موجودا ~~في الكتاب العزيز لإخبار الله تعالى أنه فطر الناس على (ق.134.ب) الفطرة ~~التي ذكرها. PageV02P684 # # ونحن نتكلم على الآية فنقول: قوله تعالى في أولها {فأقم وجهك للدين ~~حنيفا} [الروم: 30] إن كان المقصود به النبي - عليه السلام - وحده على ظاهر ~~الآية فيحتمل أن يريد بإقامة الدين فيها إقامة معالمه وتمهيد شرائعه وتأصيل ~~(1) أحكامه. # وإن كان المقصود به النبي - عليه السلام - وأمته على ما يظهر من قوله: ~~{منيبين إليه} [الروم: 33]، إذ ساقه بلفظ الجمع فيكون المراد بإقامة الدين ~~إخلاص العمل لله في الطاعة والتوجه نحوه في العبادة كما قال إبراهيم: {إني ~~وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض} [الأنعام: 79]. # وانتصب {فطرة الله} ... [الروم: 30] فيما قيل على معنى اتبعوا فطرة الله. # وقيل: هو مصدر، عمل فيه ما قبله من الجملة. (2) # وقيل المعنى فيه: فطر الله الناس فطرة (3). # ويحتمل في الإعراب أن يكون مفعولا من أجله، ويكون التقدير: فأقم يا محمد ~~وجهك للدين حنيفا من أجل فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهي قبولهم ~~للمعرفة بالله، واستعدادهم للاتصاف بها عن سرعة، أي احملهم على PageV02P685 # # الإيمان بإرشادهم وتنبيههم، لأن المعرفة بالله قد فطرهم عليها، فهي ~~مركوزة في طباعهم، فإذا نبهوا عليها تنبهوا بالقبول (1) الذي جعل في ~~نفوسهم. # وقوله سبحانه: {لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] الخلق هو الفعل، وهو ~~مصدر خلق، ومعنى الكلام: لا تبديل لخلق الله في الفطرة لأنه فطر الناس ~~عليها كما شاء في أزليته. # ويحتمل أن يكون الخلق بمعنى المخلوق، أي: لا تبديل لمخلوق الله المفطور ~~على هذه الصفة. # ثم قال تعالى: {ذلك الدين القيم} [الروم: 30] أي: المعرفة بالله وإخلاص ~~العمل له هو الدين القيم، كما قال: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين} ... [البينة: 5] إلى قوله: {وذلك دين القيمة} [البينة: 5]. # وقوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الروم: 30]. أي: أكثر الناس الذين ~~لا معرفة لهم بالله للطوارئ التي طرأت عليهم لا يعلمون ما هو الدين ms311 القيم. # وقوله تعالى: {منيبين إليه} [الروم: 33] يعود على أول الكلام، وهو حال من ~~قوله {فأقم وجهك} [الروم: 30]، على أن تكون الأمة داخلة مع النبي - عليه ~~السلام - في هذا الأمر (2). PageV02P686 # # وقيل المعنى: فطرة الله التي فطر الناس عليها منيبين إليه، أي: فطرهم ~~منيبين إليه مخلصين في حال الابتداء. # وهذا القول من قائله بناءا على ما قاله أهل التفسير في كتبهم، وما ذهب ~~إليه أيضا أهل العلم مثل الأوزاعي وحماد بن سلمة وغيرهما (1)، (ق.135.أ) إذ ~~فسروا جميعا هذه الآية مع قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» بقوله: {وإذ ~~أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا ~~بلى} [الأعراف: 172]. # فأخذ تعالى عليهم العهد بذلك وهم أمثال الذر , فكل مولود على ذلك العهد ~~يولد كما تقدم، وهذا يدل على أن قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» محمول ~~عندهم على جميع ولد آدم على الاستغراق. # وقد ذهبت طائفة إلى أن الحديث لايحمل على العموم في بني آدم كلهم. # ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر في التمهيد (2) والاستذكار (3) فإنه لما ~~تكلم على هذا الحديث فيهما قال: اختلف أهل العلم في معنى قوله: «كل مولود ~~يولد على الفطرة» فقالت طائفة: ليس في قوله: «كل مولود» ما يقتضي العموم , ~~لأن المعنى في ذلك أن كل من ولد على الفطرة وكان له PageV02P687 # # أبوان على غير الإسلام فإنهما يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، قالوا: ~~وليس المعنى أن جميع المولودين من بني آدم أجمعين يولدون على الفطرة، بل ~~المعنى أن المولود على الفطرة بين الأبوين الكافرين محكوم له بحكمهما في ~~كفرهما، حتى يعبر عنه لسانه ويبلغ مبلغ من يكسب على نفسه، وكذلك من لم يولد ~~على الفطرة وكان أبواه مؤمنين حكم له بحكمهما مادام لم يحتلم، فإذا بلغ ذلك ~~كان له حكم نفسه. # قال: واحتج قائلو هذه المقالة بحديث ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي - ~~عليه السلام - قال: «الغلام الذي قتله الخضر طبعه الله يوم طبعه كافرا» ~~(1). # وبحديث أبي سعيد الخدري عن ms312 النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ألا ~~إن بني آدم خلقوا طبقات: فمنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت مؤمنا. # ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت كافرا. # ومنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت كافرا. # ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت مؤمنا» (2). PageV02P688 # # قالوا: ففي هذين الحديثين ما يدل على أن المعنى في قوله: «كل مولود يولد ~~على الفطرة» ليس على عمومه، وأن المعنى فيه: إن كل من ولد على الفطرة ~~وأبواه يهوديان أو نصرانيان فإنهما يهودانه أو ينصرانه، أي يحكم له بحكمهما ~~في الميراث وفي دفنه مع أبويه ونحو ذلك مادام صغيرا، ودفعوا رواية من روى: ~~كل بني آدم يولد على الفطرة، قالوا: ولو صح هذا اللفظ لما كان فيه حجة، لأن ~~الخصوص جائز دخوله على هذا اللفط في لسان (ق.135.ب) العرب. # ألا ترى إلى قول الله عز وجل: {تدمر كل شيء} [الأحقاف: 25]، ولم تدمر ~~السماوات والأرض، وقوله: {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} [الأنعام: 44] ولم ~~تفتح عليهم أبواب الرحمة. # ومما احتجوا به أيضا ما رواه أبو رجاء العطاردي عن سمرة بن جندب في ~~الحديث الطويل حديث الرؤيا، وفيه عن النبي - عليه السلام -: «وأما الرجل ~~الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم، وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على ~~الفطرة» (1). PageV02P689 # # قال: وقال آخرون: المعنى في ذلك: كل مولود من بني آدم فهو يولد على ~~الفطرة أبدا، وأبواه يحكم له بحكمهما، وإن كان قد ولد على الفطرة حتى يكون ~~ممن يعبر عنه لسانه. # قالوا: والدليل على أن المعنى كما وصفنا رواية من روى في هذا الحديث: «كل ~~بني آدم يولد على الفطرة»، «وما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة» (1). # وحق الكلام أن يحمل على عمومه. # وذكروا حديث سمرة بن جندب عن النبي - عليه السلام - حديث الرؤيا، وفيه: ~~«والشيخ الذي في أصل الشجرة إبراهيم والولدان حوله أولاد الناس» (2). # قالوا: فهذه الأحاديث نزل ألفاظها على أن المعنى في الحديث ليس كما تأوله ~~المخالف من أنه يقتضي أن الأبوين لا يهودان ولا ms313 ينصران إلا من ولد على ~~الفطرة من أولادهما، بل الجميع من أولاد الناس يولدون على الفطرة. انتهى ~~كلام أبي عمر. # ولم يرجح واحدا من هذين المذهبين، غير أنه لما تكلم على معنى الفطرة ~~اعترض له ذكر حديث أبي بن كعب وحديث أبي سعيد المذكورين، فأخذ يذكر اختلاف ~~الرواة في وقف حديث أبي وفي رفعه. # وقال عن حديث أبي سعيد: ليس هو من الأحاديث التي لا مطعن فيها، لأنه ~~انفرد به علي بن زيد بن جدعان، وقد كان شعبة يتكلم فيه (3). PageV02P690 # ### | تفصيل الكلام في «كل مولود يولد على الفطرة» # ) (1) # ونحن نتكلم على المذهبين جميعا ونبين الصحيح منها بحول الله فنقول: أما ~~من خصص قوله - عليه السلام -: «كل مولود يولد على الفطرة» بأن يكون ذلك في ~~بعض الأطفال دون بعض، فيلزمه أن يكون قوله: «يولد على الفطرة» في موضع ~~الصفة لمولود، ويكون قوله: «فأبواه يهودانه»، في موضع الخبر لقوله: «كل ~~مولود». # وأما من عمم فيجعل قوله: «يولد على الفطرة» خبرا لكل، ويكون «فأبواه ~~يهودانه» جملة أخرى من مبتدأ وخبر، معطوفة على الجملة الأولى. # وهذا القول أحسن من جهة (ق.136.أ) اللفظ والمعنى, أما اللفظ فليس فيه ~~تكلف في العربية كما في الأول، فإن دخول الفاء في خبر المبتدأ قلق عند ~~النحاة، إلا فيما كان فيه الإبهام والشرط، مثل هذا الحديث فيجوز عندهم. # وأما المعنى فليس فيه اعتراض، إذ القول بعموم الحديث موافق لآية عهد ~~الذر، وموافق أيضا للآية المتقدمة في قوله تعالى: {فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها} ... [الروم: 30]. PageV02P691 # # وأما من خصص الحديث فيكون قوله مخالفا للآيتين، ثم يلزمه أن يكون الأطفال ~~ينقسمون قسمين: قسم يولد على الفطرة, وقسم لا يولد على الفطرة، فالقسم الذي ~~يولد على الفطرة قد يكون بين أبوين مسلمين أو بين أبوين كافرين، فيعلمانه ~~الكفر. # والقسم الذي لا يولد على الفطرة قد يكون أيضا على وجه الإلزام لهم بين ~~أبوين مسلمين أو بين (1) أبوين كافرين. # وقد نص على ذلك أبو عمر في كلامه المتقدم حيث قال (2): وكذلك من لم ms314 يولد ~~على الفطرة وكان أبواه مؤمنين حكم له بحكمهما ما دام لم يحتلم. # فإذا كان من ولد على الفطرة ومن لم يولد على الفطرة معا بين أبوين مسلمين ~~تارة وبين أبوين كافرين أخرى، فما نعلم إذا من ولد على الفطرة ممن لم يولد ~~على الفطرة أصلا لا في أولاد المسلمين ولا في أولاد الكفار، إلا من عاش ~~منهم حتى يدرك التكليف، فحينئذ يقع الميز بينهم. # وأما من مات في حال الطفولية فما نعلم ما هم عليه سواء كانوا من أولاد ~~المسلمين أو من أولاد المشركين. # وهذا يرده مفهوم الشرع، فإن كل شيء نذكره في هذا الباب حجة على كون جميع ~~الأطفال في الجنة، فهو حجة على أن جميعهم ولدوا على الفطرة لا محالة. ~~PageV02P692 # # وليس عند المخالفين حجة أقوى من حديث أبي بن كعب وبعده حديث أبي سعيد، ~~فلنتكلم عليهما حتى يتبين أن لا حجة لهم فيهما، فنقول: # أما حديث أبي سعيد, فيقال للمحتجين به: أخبرونا عن قوله - عليه السلام - ~~فيه: «ومنهم من يولد كافرا» (1) , وهو موضع دليلهم، هل تحملونه على ظاهره ~~أو تتأولونه؟. # فإن حملتموه على ظاهره لزمكم أن يكون المولود في حين ولادته كافرا، وهذا ~~ما تحيله المشاهدة, ويكذبه العيان، ويبطله الشرع، إذ لا يعقل كفر ولا إيمان ~~إلا أن يتصف بأحدهما المكلف بعد لزوم التكليف له. # وإذا بطل هذا الوجه لم يبق إلا أن يكون الحديث مؤولا. # وإذا كان مؤولا فإنما يتأول على الوجه السائغ في الشرع والعقل (ق.136.ب) ~~وهو أن يكون معنى قوله: «ومنهم من يولد كافرا» أنه لا يتقدمه إيمان قبل ~~الكفر, فإن الحديث إنما مخرجه والمقصود به أن يعلم أن من الخلق من يكون في ~~أول أمره مؤمنا وفي آخره كافرا، ومنهم من يكون في أول أمره كافرا وفي آخره ~~مؤمنا. # فكما أن معنى كون الشخص في أول أمره مؤمنا تقدم الإيمان له قبل الكفر، ~~فكذلك معنى كون الشخص الآخر في أول أمره كافرا تقدم الكفر له قبل الإيمان، ~~ويتأتى ذلك فيه بعد أن يولد ms315 على الفطرة بأن يهود وينصر، فلا يأتيه وقت ~~التكليف الذي يوصف فيه بالكفر إلا وهو قد استحكم رأيه فيه. PageV02P693 # # فهذا هو معنى قوله: «ومنهم من يولد كافرا» إذ الإحالة تنفي ما عدا هذا ~~التأويل (1). # وأما حديث أبي في الغلام الذي قتله الخضر فقد ذكره مسلم (2) مرفوعا عن ~~النبي - عليه السلام -، ولنا عنه بعد العلم بصحته أجوبة: # أحدها: إنه لم يتفق على أن الغلام الذي قتله الخضر كان دون البلوغ، فقد ~~روي عن عكرمة وقتادة أنه كان رجلا قاطع طريق (3). # وعلى هذا ينبغي أن ينزل ما روي عن ابن عباس أنه قرأ: وأما الغلام فكان ~~كافرا, وكان أبواه مؤمنين. # ولو صح هذا لاندرأ السؤال، إذ (4) كان يتحقق فيه الكفر ببلوغه حد ~~التكليف. # ذكر أبو عمر بن عبد البر في الاستذكار (5) ما نقلناه عن عكرمة وقتادة، ثم ~~قال: وهذا خلاف ما يعرفه أهل اللغة في لفظ الغلام, لأن الغلام عندهم هو ~~الصبي الصغير يقع عليه عند بعضهم اسم غلام من حين يفهم إلى سبع سنين, وعند ~~بعضهم يسمى غلاما وهو رضيع إلى سبع سنين, ثم يصير يافعا ويفاعا إلى عشر ~~سنين, ثم يصير حزورا إلى خمس عشرة سنة. PageV02P694 # # وقول أبي عمر هذا ليس كافيا في الرد, فلنرد ما روي من كونه كان رجلا بما ~~هو أقوى منه، ونقرر كون الغلام الذي قتله الخضر كان صغيرا دون البلوغ، ~~والذي يدل على ذلك أمران: # أحدهما: ما جاء في الحديث الصحيح (1) من أن الخضر وجده يلعب مع الغلمان ~~فاقتلع رأسه بيده أو أضجعه فذبحه بالسكين على حسب اختلاف الروايات, فإن هذا ~~يدل على أنه كان صبيا، إذ العادة أنه لا يلعب مع الصبيان إلا صبي مثلهم ~~(2)، ولذلك سهل على الخضر قتله، ولو كان رجلا لتعذر عليه قتله بتلك ~~السهولة. # والثاني: إنكار موسى على الخضر (ق.137.أ) قتله وقوله: {أقتلت نفسا زكية} ~~[الكهف: 74] فأطلق عليها أنها زاكية أو زكية لما كان الغلام عند موسى ممن ~~لا يكتسب الذنوب، لكونه لم يبلغ مبلغ العمل الذي هو زمن (3) التكليف. ms316 # يدل على ذلك أن في الحديث من طريق البخاري (4) قال: أقتلت نفسا زاكية لم ~~تعمل بالحنث. قال: ابن عباس قرأها زكية زاكية مسلمة كقولك غلاما زكيا (5). ~~PageV02P695 # # الجواب الثاني: أن نقول: خبر أبي بن كعب في أن الغلام طبع يوم طبع كافرا ~~خبر آحاد, وهو مخالف لظاهر القرآن في تسمية نفسه نفسا زكية. # فالرجوع إلى القرآن في ذلك أولى، وليس في قوله تعالى: {وأما الغلام فكان ~~أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا} [الكهف: 80] ما ينافي ذلك، ~~إذ لم يرهق أبويه طغيانا وكفرا، (لكونه لم يبلغ حد الإرهاق، فإن في الحديث: ~~«ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا» (1) (2). # وفي لفظ آخر عند مسلم (3): «وكان أبواه قد عطفا عليه, فلو أنه أدرك ~~أرهقهما طغيانا وكفرا». فأخبر أنه مات قبل أن يدرك زمن التكليف الذي يتأتى ~~منه فيه الإرهاق. # ثم نقول: إنه إذا مات قبل التكليف فلا نحكم عليه بالنار, بل يلزم أن يسعه ~~في ذلك ما يسع سائر الأطفال الذين ماتوا قبل أوان التكليف, لأنا نعلم قطعا ~~من الإجماع وقواعد الشرع أن من علم الله تعالى منه أنه يكفر إذا بلغ ثم مات ~~قبل البلوغ أنه لا يؤاخذه بذنب الكفر، ولا بتوابعه من المعاصي، إذ لم يدرك ~~ذلك ولا اكتسبه. PageV02P696 # # قال الله تعالى: {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} [النمل:90]. وقال: {كل ~~نفس بما كسبت رهينة} [المدثر: 38]. وقال: {كل امرئ بما كسب رهين} [الطور: ~~21]. # وجعل سبحانه لذلك الاكتساب والمؤاخذة به علامة، وهو التكليف الذي يترتب ~~عليه الجزاء من الثواب والعقاب بحسب الإيمان والكفر. # فمن كان مكلفا بالشرائع كان مؤاخذا بما يكتسبه من الخير والشر، ومن سقط ~~عنه التكليف سقطت عنه المؤاخذة. # وأما قتل الخضر للغلام مع كونه صغيرا فإنما كان رحمة لأبويه لئلا يرهقهما ~~الغلام طغيانا وكفرا، إذا تحقق بالكفر بعد البلوغ. # نعم, ونقول: إن الصبي أدركته بركة أبويه المؤمنين, فإن قتله نظر له, إذ ~~لو بقي حتى يكفر بعد لزوم التكليف له لكان ممن يستحق النار بكفره، ولا ~~يتصور أن يقدم الخضر ms317 على قتل الغلام وهو صغير إلا بأمر من الله تعالى ~~(ق.137.ب) وإعلام منه له بالسبب الموجب لقتله. # ولذلك قال تعالى حكاية عنه في آخر الآية: {وما فعلته عن أمري} [الكهف: ~~82]. يعني وما (1) فعلت ما تقدم ذكره في الآيات قبلها عن أمري، وموسى - ~~عليه السلام - كان قد غاب عنه ذلك الأمر، فلذلك أنكر قتله للغلام فيما أنكر ~~عليه، إذ رأى أنه لا تقتل نفس بغير نفس فقال: {أقتلت نفسا زكية بغير نفس} ~~[الكهف: 74]. PageV02P697 # # وعندنا في شريعتنا الإجماع على أن الطفل إذا كان بين أبوين مسلمين فلا ~~يحل قتله، وإن قتله أحد عمدا قتل به، ولذلك أنكر ابن عباس (1) على نجدة ~~الحروري إذ خاطبه مستفهما عن قتل الولدان ومحتجا بفعل الخضر في قتل الغلام، ~~وقال له: إن كنت تعلم من الولدان ما علمه الخضر من الغلام فاقتلهم, وأنت لا ~~تعلم ذلك فلا تقتلهم، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن قتلهم. # الجواب الثالث: # أن نقول بعد أن نفرض أن لا تعارض بين الحديث وبين القرآن: إن ذلك الغلام ~~الذي قتله الخضر داخل (2) لا محالة في آية عهد الذر, إذ لابد أن يكون في ~~جملة من قيل لهم: {ألست بربكم قالوا بلى} [الأعراف: 172]، لكونه من بني آدم ~~المخاطبين بذلك. # وإذا كان داخلا في الآية، فلابد أن يكون ممن ولد على الفطرة ضرورة، إذ لا ~~تبديل لخلق الله، ولايلزم في من ولد على الفطرة أن يبقى عليها إلى أن يموت، ~~بل يضل الله تعالى من يشاء، بأن يكون أبواه يهودانه وينصرانه أو يسبب له ~~سبحانه بعد البلوغ الشبه المضلة المردية له ولأمثاله عن سواء السبيل. # وإذا ثبت أنه ولد على الفطرة، رجعنا إلى تأويل قوله في الحديث: طبع يوم ~~طبع كافرا. PageV02P698 # # فقلنا معنى ذلك يرجع إلى كتب الشقاوة، كما جاء في الحديث أن العبد تكتب ~~شقاوته وسعادته في بطن أمه (1). # والطبع هو الختم, يقال: طبعت الكتاب إذا ختمته (2) , فكأنه طبع على ~~الغلام وختم على عمره بما قضي عليه من عدم الإيمان لو ms318 بلغ حد التكليف (3) ~~كما قال تعالى في من قضى عليه بأن لا يؤمن: {بل طبع الله عليها بكفرهم} ~~[النساء: 155]. # ومعنى كتب الشقاوة له مع كونه لم يدرك حد التكليف أن يكون الله تعالى ~~يأمر الملك الموكل بالرحم أن يكتبه شقيا إن بلغ حد التكليف، والله تعالى ~~يعلم أنه لا يبلغه, كما قال تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} ... [الرعد: ~~39] , معناه يمحو الله ما يشاء ويثبت في الصحف التي بيد الملائكة، وأما ما ~~عنده سبحانه فمفروغ منه, وذلك بحسب سابق علمه فيه (4). (ق.138.أ) ~~PageV02P699 # # وعلى هذا يحمل قوله - عليه السلام -: «من سره أن ينسأ له في أجله فليصل ~~رحمه» (1). # فإن أجله معلوم عند الله تعالى كان ممن وصل رحمه أو ممن لم يصله. # لكن يكون ذلك مطويا على (2) الملك بأن يقال له اكتب أجله إن كان واصلا ~~لرحمه سبعين سنة مثلا، واكتب أجله إن كان غير واصل لرحمه أربعين سنة، ~~فيكتبه الملك هكذا, وهو لا يعلم أي الأجلين أجله. # وليس في قوله في الحديث: «فيكتب أجله» ما ينافي هذا المعنى, فإن أجل ~~الجنين مكتوب في بطن أمه سواء كان أجلا واحدا أو أجلين في حق الملك على وجه ~~الإبهام عليه حتى لا يعلم أيهما بعينه هو الأجل المقضي عليه به. # ولعل ذلك يدخل في قول الله تعالى: {هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا ~~وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون} ... [الأنعام: 2]. # وكون الجنين يكتب شقيا في بطن أمه إنما ذلك بما تؤول إليه عاقبته إذا سبق ~~له من الله تعالى أنه يهود أو ينصر أو يمجس، حتى يكون بأحد هذه الأوصاف بعد ~~البلوغ, وليس في هذا ما ينافي قوله: «كل مولود يولد على PageV02P700 # # الفطرة» فإن الشقي على الفطرة يولد أولا ثم يطرأ عليه من الضلالات ~~المردية المبعدة له من رحمة الله ما تتحقق به شقاوته المكتتبة عليه في أم ~~الكتاب. # والدليل على ذلك قوله في نفس الحديث: «فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل ~~بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه ms319 وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل ~~بعمل أهل النار فيدخلها» (1). # ألا ترى أنه - عليه السلام - أخبر بأن الشقي يعمل بعمل أهل الجنة أكثر ~~عمره، فهو إذن ولد على الفطرة ونشأ عليها وعمل بمقتضى الملة، مع كونه كتبت ~~شقاوته في بطن أمه بحسب الخاتمة التي ختم عليه (2) بالكفر, وعلى هذا يحمل ~~قوله - عليه السلام -: «إن الله خلق النار وخلق لها أهلا خلقهم لها وهم في ~~أصلاب آبائهم» (3). # فقد تبين بما ذكرناه أن الحديثين المتكلم عليهما لا حجة فيهما لهذه ~~الطائفة المذكورة. PageV02P701 # # وأما قولهم إن الخصوص جائز دخوله على هذا اللفظ، واحتجاجهم على ذلك بقول ~~الله عز وجل: {تدمر كل شيء} [الأحقاف: 25] , ولم تدمر السماوات والأرض، ~~وبقوله تعالى: {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} [الأنعام: 44] , ولم تفتح عليهم ~~أبواب الرحمة, فليس لهم في ذلك حجة. # ومعلوم من لسان العرب أن لفظة "كل" موضوعة للعموم والاستغراق (ق.138.ب)، ~~إلا أن يدل دليل على خلاف ذلك مثل هاتين الآيتين، فإن تدمير السماوات ~~والأرض لم يقصده الله تعالى بقوله: {تدمر كل شيء} [الأحقاف: 25] , وإنما ~~قصد تدمير كل شيء سخرت له تلك الريح، كما قال فيها: {ما تذر من شيء أتت ~~عليه إلا جعلته كالرميم} [الذاريات: 42]. # فكل شيء أتت عليه مما سخرت له، وجعل لها أن تمر به وتسفي عليه هو الذي ~~دمرته, وذلك عموم فيما قصد به الكلام. # وأما السماوات والأرض فلم يجعل الله تعالى تدميرها لغيره قبل يوم ~~القيامة، الذي قضى فيه بتبديلها (1) فقال: {يوم تبدل الأرض غير الأرض ~~والسماوات} [إبراهيم: 48]. # وهكذا قوله: {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} [الأنعام: 44]، فإن أبواب الرحمة ~~لم تدخل في هذا العموم قط, لأن المقصود بتلك الأبواب إنما هي PageV02P702 # # (1) أنواع النعم الدارة عليهم، يبين ذلك قوله تعالى (2): {حتى إذا فرحوا ~~بما أوتوا أخذناهم بغتة} [الأنعام: 44]. فإذا لم يقصد دخول الرحمة في تلك ~~الأبواب المذكورة بقوله: {أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم ~~الذين ظلموا} [الأنعام: 44]. # فلا يمس ذلك إذن الغرض الذي تكلمنا فيه مع من أدخل التخصيص في قوله: ms320 «كل ~~مولود يولد على الفطرة» , إذ ما من مولود يولد من بني آدم إلا وهو صالح لأن ~~يدخل تحت هذا العموم دون أن يقدح في ذلك شيء أو يدل دليل على خلافه. # ولنستدل (3) على أن لفظة "كل" إذا أطلقت إنما يقصد بها العموم من القرآن ~~والحديث وأشعار العرب: # فأما القرآن، فقول الله تعالى: {كل من عليها فان} [الرحمن: 26]، فإنه قول ~~عام ولا يتصور تخصيصه البتة, لأن المقصود به (4) أن كل من على وجه الأرض من ~~بني آدم وغيرهم من الحيوان يموتون بأجمعهم حتى لا يبقى إلا الواحد الحي ~~القيوم. PageV02P703 # # وهكذا قول الله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت} [العنكبوت: 57]، لا يمكن ~~تخصيصه أيضا, إذ هو عام في الإنس والجن والملائكة وسائر الحيوان، ومثل ذلك ~~قوله: {كل إلينا راجعون} [الأنبياء: 93]. # وأما قول الله تعالى: {كل نفس بما كسبت رهينة} [المدثر: 38]. وقوله: {كل ~~امرئ بما كسب رهين} [الطور: 21]، فهو عام فيمن قصد به, وهم أهل التكليف. # ولا يقدح في ذلك كون المجانين والصبيان لا يدخلون فيه، لأنهم لم يقصدوا ~~بهذا الكلام لدليل دل عليه, وهو أنهم غير مخاطبين بالشريعة ولا مكلفين ~~العمل بها. (ق.139.أ). # وأما الحديث فقوله - صلى الله عليه وسلم -: «كل الناس يغدو فبائع نفسه ~~فمعتقها أو موبقها» (1). # فأخبر أن جميع الناس يبيعون أنفسهم وقسمهم إلى قسمين في الآخرة: من يعتق ~~نفسه ومن يهلكها، وقد استغرق بذلك جميع المكلفين من بني آدم. PageV02P704 # # وقوله - عليه السلام -: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (1)، هو (2) عام ~~أيضا لجميعهم فإنه ذكر الأمير وجعله راعيا لرعيته، وذكر الرجل وجعله راعيا ~~لأهل بيته، وذكر المرأة وجعلها راعية لأهل بيت زوجها، وذكر العبد وجعله ~~راعيا لمال سيده، ثم أعاد آخرا قوله: «فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، ~~على وجه التخويف للأمة لتحاسب أنفسها في الدنيا على هذه الرعاية وتفعل فيها ~~ما يجب عليها. # وأما أشعار العرب، فأولاها بالذكر قول لبيد بن ربيعة: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل # وكان لبيد قد أنشده قريشا ms321 بعد ظهور الإسلام بمكة، وهو إذ ذاك مشرك، فلما ~~قال:" ألا كل شيء ما خلا الله باطل". # قال له عثمان بن مظعون: صدقت. # فقال: " وكل نعيم لا محالة زائل". # قال (3) له عثمان: "كذبت (4) , نعيم الجنة لا يزول". PageV02P705 # # فقال لبيد لقريش: متى كان السفهاء تحضر مجالسكم (1)، أو نحوا من هذا ~~الكلام ,منكرا على عثمان ما قاله، إذ كان لبيد قد قصد العموم والاستغراق في ~~المصراعين، فرأى أن اعتراض عثمان عليه بنعيم الجنة لا يلزمه، إذ لم يدرك ~~ذلك ولا آمن به، واعتقد أن كل نعيم في الدنيا فإلى الزوال مصيره. # وصدق في هذا الاعتقاد. # وعثمان أدرك بنور إيمانه أن في الآخرة نعيما لا يزول فرأى أن لبيدا كذب ~~في قوله، إذ قصد به العموم والاستغراق, وذلك منتقض عليه بنعيم الجنة. # ويكفينا هذا دليلا على قولنا، فإن لبيدا وعثمان كل واحد منهما حجة في ~~اللغة, وقد اجتمعا على القول بالعموم في هذا اللفظ. # فلبيد رأى أن قوله عام غير منتقض، وعثمان رأى أن قوله عام منتقض عليه بما ~~اعترضه. # وأما قوله: " ألا كل شيء ما خلا الله باطل "، فاتفقا على صدقه وعمومه، ~~وكذلك هو، فإن نبينا - عليه السلام - قال: «أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة ~~لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل». # وفي القرآن العزيز: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88]. (ق.139.ب). ~~PageV02P706 # # وهذه هي عادة العرب، فإنهم إذا (1) جاءوا بلفظة كل (2) التي تعطي العموم ~~عندهم, فاعترضها ما ينقض ذلك عليهم جاءوا بحرف الاستثناء، فاستثنوا ما ~~شاءوا كما قال الشاعر: # وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان # وقال الآخر (3): # وكل مصيبات الزمان وجدتها ... سوى فرقة الأحباب هينة الخطب # ومثال ذلك من حديث النبي - عليه السلام -، قوله: «كل ابن آدم تأكله الأرض ~~إلا عجب الذنب». (4) # ألا ترى أن النبي - عليه السلام - استثنى عجب الذنب مما تأكله الأرض، ~~وبقي ما عداه من أجزاء الإنسان داخلا فيما تأكله الأرض. # فقد تبين بما ذكرناه أن لفظة "كل" إنما وضعت للعموم، وظهر بذلك أن قوله - ~~عليه السلام ms322 -: «كل مولود يولد على الفطرة»، عام في جميع ولد آدم. ~~PageV02P707 # # ويزيد ذلك بيانا رواية من روى: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة» (1)، ~~إذ ساقه بالنفي والإثبات, وهي رواية صحيحة ذكرها مسلم، وعنده في لفظ آخر: ~~«ما من مولود يولد إلا وهو على الملة» (2). # وفي آخر (3): «على هذه الملة حتى يعبر عنه لسانه» (4). # وفي آخر: «ليس من مولود يولد إلا على هذه الفطرة» (5). # وفي لفظ آخر: «كل إنسان تلده أمه على الفطرة وأبواه بعد يهودانه أو ~~ينصرانه أو يمجسانه» (6). # وهذه الألفاظ الصحيحة تفسر رواية من روى «كل مولود يولد على الفطرة ~~فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه». وتعرف بأن قوله: «يولد على الفطرة»، في ~~هذه الرواية في موضع الخبر لكل مولود كما قلناه، وتقضي بأن المراد بذلك ~~العموم في جميع ولد آدم على ما قررناه. PageV02P708 # # وقد بقي لهذه الطائفة مما احتجوا به على ما نقلناه قبل عن أبي عمر، حديث ~~سمرة في الرؤيا الذي فيه من قول النبي - عليه السلام -: «وأما الرجل الطويل ~~الذي في الروضة فإنه إبراهيم, وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على ~~الفطرة» (1). وليس لهم فيه حجة من وجهين، بل الحجة عليهم بهما: # أحدهما: إنه ليس فيه إلا مثل لفظ الحديث الذي ادعوا فيه الخصوص, وهم بذلك ~~في الحديث المتقدم أعذر من جهة أنه (2) - عليه السلام - لم يقتصر (ق140.أ) ~~فيه على قوله: «كل مولود يولد على الفطرة»، حتى أضاف إلى ذلك «فأبواه ~~يهودانه أو ينصرانه» بحيث توهموا أنه موضع الخبر فغلطوا بذلك في التأويل. # وأما حديث سمرة، فاستقل بقوله: «فكل (3) مولود يولد على الفطرة»، من غير ~~مزيد. # وهذه الجملة من مبتدأ وخبر هي خبر الولدان المذكورين في قوله: «وأما ~~الولدان»، وهم جميع من يولد على الفطرة. PageV02P709 # # والوجه الثاني: أن الحديث لم يكمل هاهنا, بل بقي فيه عند البخاري (1) ما ~~نذكره وهو: «فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: وأولاد المشركين». # فنص بهذا على أنهم من أهل الفطرة بعطفهم عليهم، وصح بذلك ms323 أنهم من جملة ~~الولدان الذين هم حول إبراهيم - عليه السلام -. # وقد تبين بما قدمناه أن الطائفة التي ذهبت إلى تخصيص قوله - عليه السلام ~~-: «كل مولود يولد على الفطرة» ليس لها حجة فيما احتجت به, وإذا انتقضت ~~عليها (2) تلك الحجج لم يبق إلا المصير إلى أن هذا القول منه - صلى الله ~~عليه وسلم - عام في جميع ولد آدم كلهم، والله الموفق للصواب. PageV02P710 # # فصل ### $ (تفسير: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ... [الذاريات: 56]) (1) # ومن الدليل على تعميم بني آدم كلهم في الفطرة قول الله تعالى: {وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون} ... [الذاريات: 56]. # فإن هذه الآية في معنى الحديث المتقدم، على ما نختاره، وندل عليه، وإن ~~كان في الآية خلاف بين أهل التفسير، إذ حملها بعضهم على الخصوص فنزلها على ~~من (2) سبق في علم الله أنه يعبده، فيكون من أهل الإيمان (3). # وحملها آخرون على العموم في جميع الجن والإنس (4)، ثم اختلفوا في تأويلها ~~بعد القول بتعميمها على ما نذكره: # فأما من قال: إن الآية خاصة، فحمله على ذلك أمران: # أحدهما: أنه رأى أن الآية لو كانت عامة للزم أن يوجد جميع الصنفين عابدين ~~لله تعالى, ومعلوم أن الكفار لا يعبدون الله لعدم إيمانهم به، فصح عنده أن ~~الآية خاصة بالمؤمنين. PageV02P711 # # والجواب أن نقول لقائل هذا القول: إنما التزمته (1) من حيث جعلت العبادة ~~المذكورة في الآية هي فعل الطاعات على وجه التقرب بها لله سبحانه، ~~(ق.140.ب) ولا شك أن هذا إنما يتولاه المؤمنون بالله, ولو حملنا نحن الآية ~~على العموم، وفسرنا العبادة بما فسرتموها أنتم، للزمنا أن يكون هذا القول ~~خلفا من الله سبحانه, تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، لكنا نحمل الآية على ~~العموم على ظاهرها، ونصرف العبادة عن هذا المعنى إلى معنى آخر يعم بني آدم. # وسنذكر ذلك بعد فراغنا من ذكر الأقاويل المسطورة في الآية، إن شاء الله. # الأمر الثاني: هو الأطفال والمجانين، فإنهم لا يدخلون في الآية، لاسيما ~~على تفسيرهم. # فلما رأوا الخصوص تطرق إلى الآية بهؤلاء تعدوا إلى غيرهم فجعلوها ms324 مقصورة ~~على المؤمنين فقط. # وهذا لا يسوغ بوجه، فإنه (2) يلزمهم منه ما لا قبل لهم به، وذلك (3) أن ~~جميع الشرائع إنما خوطب بها العقلاء البالغون، فإذا قيل لهم (4): {يا أيها ~~الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21]، {يا أيها الناس اتقوا ربكم} [النساء: 1]، ~~لزم على قولهم أن يكون هذا الخطاب للمؤمنين دون الكفار بخروج الصبيان ~~والمجانين PageV02P712 # # عن الدخول فيه (1)، إذ يلزم (2) من خروجهم عن الآية أن يخرج الكفار عنها ~~أيضا. # وهذا بعينه يلزمهم في قوله: {أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [النساء: 77]، ~~وغير ذلك من الأوامر الواردة في أمور الدين. # وإذا صح بالدليل خروج الصبيان والمجانين عن ذلك، ولم يلزم بخروجهم خروج ~~الكفار عن الخطاب بالتزام الشرائع, فكذلك الآية التي كنا فيها إذا خرج عنها ~~الصبيان والمجانين، لم يلزم من ذلك خروج الكفار عنها ولا فرق. # ومن أهل التفسير القائلين بالخصوص في الآية من قال بأن (3) قوله تعالى ~~قبل الآية المتقدمة: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} [الذاريات: 55]، مما ~~يدل على الخصوص في قوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: ~~56]، أي الجن والإنس الذين ينفعهم الذكر لعبادته, وهذا يبطله سياق الآية، ~~فإن قوله تعالى: {ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو ~~الرزاق ذو القوة المتين} [الذاريات: 57 - 58] تمدح من الله سبحانه من ~~وجهين: # أحدهما: استغناؤه عن الخلق وعدم انتفاعه (4) بهم. PageV02P713 # # والثاني: افتقارهم إليه واحتياجهم (1) إلى الرزق الذي خلقه لهم وجعله ~~قواما لأجسامهم. # ولذلك ينبغي أن يكون المعنى عاما في جميع ولد آدم، فبه يكون التمدح ~~التام, واقتصاره على بعضهم مما يبطل المعنى المقصود في هذه (ق.141.أ) ~~الآيات. # والآية الأولى: مستقلة بنفسها في الذكرى، وكونها تنفع المؤمنين. # والآية الثانية غير مرتبطة بها، فلا معنى لذلك القول، وإنما حكيناه ليوقف ~~عليه. # وإذا (2) تبين بما تقدم أن الآية لا يصح تخصيصها بوجه، لم يبق إلا أن ~~تكون عامة، فلنذكر الأقوال في تعميمها، ومنها ما نسبه المفسرون إلى قائله، ~~ومنها ما لم ينسبوه إلى أحد، كقولهم: # وقيل معنى الآية: وما خلقت الجن والإنس إلا ms325 لآمرهم بعبادتي (3). # وقولهم: وقيل معناه: ما خلقتهم إلا لأستعبدهم واختبرهم (4). # وهذان القولان لما كان معناهما عاما من حيث إن الله تعالى أمر الناس كافة ~~بطاعته، ووجد فيهم أيضا الاستعباد والتسخير والابتلاء، قال ذلك من قاله. ~~PageV02P714 # # واللغة لا تعضد واحدا من هذين القولين، لأنه لا يوجد في اللغة، عبد ~~بمعنى: أمر بالعبادة، ولا بمعنى: استعبد، هذا إن لو كان الفعل في قوله: ~~{ليعبدون} منسوبا إلى الله تعالى، وإنما هو منسوب إلى المخلوقين، فكيف يصح ~~أن يقال: عبد الرجل: إذا أمره غيره بالعبادة، أو عبد: إذا استعبده غيره، ~~وإنما يوجد في اللغة (1): عبد الرجل الإله: إذا ألزم نفسه العبادة، وكذلك ~~عابد الوثن أيضا. # ويقال: عبد الرجل من الشيء (بكسر الباء): إذا أنف منه (2)، وقد قيل ذلك ~~في قول الله تعالى: {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} [الزخرف: 81] ~~أي: الآنفين من ذلك المعتقدين بطلانه (3). # وقال بعض أهل اللغة: لا يقال من الأنفة في اسم الفاعل إلا عبد لا عابد. ~~وهذا هو القياس، وحكى ابن قتيبة في غريب القرآن (4) أنه يقال من الأنفة: ~~عبدت من كذا أعبد عبدا، فأنا عبد وعابد. PageV02P715 # # وقال أبو عبيدة: معنى الآية: فأنا أول الجاحدين (1)، من عبد إذا جحد، ~~وحكى: فلان عبدني حقي أي: جحدني. # وقد قيل: إن العبادة تبقى في هذه الآية على أصلها، ويكون معنى الآية: قل ~~إن كان للرحمن ولد فأنا أول من يعبد الله على أنه واحد لا ولد له (2). # وهذه الوجوه التي ذكرناها في عبد (3) لا يصلح منها في الآية المتقدمة إلا ~~ما هو بمعنى العبادة فقط. # ولنرجع إلى ذكر ما بقي من الأقوال فيها فنقول: # قيل في التفسير أيضا: إن معناها: وما خلقت الجن والإنس إلا ليقروا لي ~~بالطاعة طوعا أو كرها، والكره: ما يرى فيهم من أثر الصنعة، قاله صاحب ~~التحصيل، وقال روي معنى هذا عن ابن عباس (4). # وهذا القول إنما لاحظ قائله به قوله تعالى: {ولله يسجد من في السماوات ~~والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال} [الرعد: 15] فالذي يسجد طوعا ms326 هم ~~المؤمنون، والذي يسجد كرها هم (ق.141.ب) الكفار، ومعنى سجودهم تذللهم لله ~~تعالى. PageV02P716 # # فمن سجد لله طوعا وعبده مختارا لإيمانه به وإقراره بوحدانيته فقد أبدى ~~تذلله وخضوعه، ومن عاند وجحد واستكبر عن عبادة الله فشواهد الفطرة مفصحة ~~بتذلله، وذلك بالخلق والتصوير والاضطرار إلى العجز في الأمور والتسخير في ~~الأحوال، والأصل في العبادة إنما هو التذلل لله والخضوع له. # ومن هذا هو (1) قول العرب: طريق معبد، إذا كان مذللا بكثرة المرور به ~~والسلوك عليه. # وهذا القول هو أشبه من الأقاويل المتقدمة. # وقد بقي فيها قول آخر، وهو قول مجاهد وغيره. # قالوا: معنى قوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] ~~أي: ليعرفون (2)، وهذا قول سديد، غير أنه يحتاج إلى تفصيل، فإنه إن عنى به ~~أن يكون جميع الجن والإنس يعرفون الله تعالى لزمه من الخلف ما يلزم منه إذا ~~حملت العبادة على فعل الطاعات للتقرب على ما تقدم، لأن الكفار لا يعرفون ~~الله ولا يقرون بوحدانيته. # وإن عنى بقوله: "إلا ليعرفون" ما نذكره، وهو أن يكون المعنى: إلا ليعرفوا ~~أن لهم ربا وصانعا ما لم تطرأ عليهم طوارئ تصدهم عن طريق المعرفة على ما ~~قدمناه في قوله - عليه السلام -: «كل مولود يولد على الفطرة» فهو صحيح. ~~PageV02P717 # # وهذا أحسن الوجوه وأولاها بالصواب لوجهين (1): # أحدهما: تعميم الجن والإنس في ذلك المعنى، لأنا إذا قلنا: إن التقدير: ~~إلا ليعرفوا أن لهم ربا وخالقا ما لم تطرأ عليهم طوارئ، فلا ينافي ذلك دخول ~~المكلفين وغيرهم فيه حتى الصبيان والمجانين، لأن الجنون والاخترام بالمنية ~~في حال الطفولية من تلك الطوارئ المانعة لمن نزلت به من معرفة الله تعالى ~~وعبادته. # وكذلك التهود أو التنصر أو التمجس الذي ينشأ عليه من فعل به ذلك من ~~الصبيان حتى يدركه (2) البلوغ وهو عليه من تلك الطوارئ الصادة عن سبيل ~~الله. # فمن عري عن تلك (3) الموانع الطارئة عليه، وبقي على أصل الفطرة السالمة ~~إلى حين بلوغه أدرك معرفة الله تعالى لا محالة. # والوجه الثاني: تفسير العبادة بما لا تنافيه اللغة، بل ms327 تقتضيه، فإن إطلاق ~~لفظ العبادة على المعرفة قد ورد في الشرع، والدليل على ذلك: # حديث ابن عباس أن النبي - عليه السلام - وجه معاذ بن جبل إلى اليمن وقال: ~~«إنك تقدم (ق.142.أ) على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة ~~الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في PageV02P718 # # يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من ~~أغنيائهم وترد على فقرائهم» (1). # فإنه - عليه السلام - أمر معاذا بأن يدعو أهل اليمن أولا إلى عبادة الله ~~أي: إلى معرفته، ولم يقصد بذلك الأعمال التي تعبد الخلق بها، يبين ذلك ~~أمران: # أحدهما: إنه - صلى الله عليه وسلم - قال بإثر الدعوة إلى عبادة الله، ~~«فإذا عرفوا الله فأخبرهم» (2) ففسر العبادة بمعرفة الله، فدل ذلك على أنها ~~هي التي قصد بالذكر، ومن المحال أن تتأتى الأعمال على وجه التقرب ممن لا ~~يعرف المتقرب إليه بها. # والثاني: إن الأعمال بعد ذلك ذكرها بقوله: «فأخبرهم بكذا» فلو قصد أولا ~~بذكر العبادة الأعمال لم يكن لذكرها بعد ذلك معنى، فأمره - عليه السلام - ~~بدعوة الناس في أول الحال إلى عبادة الله (3) ثم ترتيبه على تحصيلها ~~الإعلام PageV02P719 # # بالفرائض والأعمال يبين أن العبادة في الحديث خلاف الأعمال (1)، وإذا ~~كانت خلاف الأعمال فهي المعرفة المعبر عنها في الشرع بالإيمان المترتب عليه ~~العمل بفرائضه والانتهاء عن زواجره. # ويدل على ذلك أيضا: أن في حديث ابن عباس من رواية أخرى (2): «إنك تأتي ~~قوما من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة ألا إله إلا الله وأني رسول الله». # وفي لفظ آخر (3): «فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله فإذا عرفوا ~~ذلك فأخبرهم». # وكل هذه الطرق في الصحيحين ومعناها جميعا واحد. PageV02P720 # # فصل # ومن الدليل على تعميم بني آدم في الفطرة أيضا قول رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حاكيا عن الله تعالى: «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم ~~الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا ~~بي ما لم أنزل به سلطانا». الحديث ms328 (1). # خرجه مسلم من حديث عياض بن حمار المجاشعي عن النبي - عليه السلام -، وقد ~~أخبر - صلى الله عليه وسلم - فيه أن الله تعالى خلق العباد كلهم حنفاء. # وقد قيل في قوله تعالى: {حنفاء لله} [الحج: 31] معناه: مسلمين (2). # وقد روي في هذا الحديث: «خلقت عبادي كلهم حنفاء (ق.142.ب) مسلمين» (3). ~~PageV02P721 # # ولا يسوغ أن يحمل قوله: «مسلمين» فيه إن صح على ظاهره، وإنما معناه ما ~~قلنا في الفطرة من السلامة والقبول للإيمان ما لم يطرأ ما يزيل ذلك، كما ~~قال في هذا الحديث: «فاجتالتهم الشياطين عن دينهم» أي: استخفتهم فجالوا ~~معها (1). # يقال: اجتال الرجل الشيء: ذهب به وساقه، وقد اجتال أموالهم واستجالها ~~(2)، قاله صاحب الغريبين. # واللفظة مشتقة من قولك: جال الرجل يجول: إذا كان كثير الجولان والاضطراب ~~في الأرض (3)، ومن هذا هو قول خالد بن يزيد بن معاوية في زوجته: # تجول خلاخيل النساء ولا أرى ... لرملة خلخالا يجول ولا قلبا # وإذا أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث الصحيح بأن الله ~~تعالى خلق الناس كلهم حنفاء، فقد صح أن جميعهم على الفطرة خلق، وصح أن من ~~مات منهم في حال الطفولية قبل أن تستهويهم الشياطين فقد مات على الفطرة. ~~PageV02P722 # # وإذا مات على الفطرة فهو في الجنة إذ لم يبلغ في سنه الزمن الذي هو مظنة ~~استهواء الشياطين وإغوائهم، وذلك هو زمن التكليف بالبلوغ الذي من وصل إليه ~~واتبع حينئذ الشياطين وأولياءهم من الإنس بتقليد أبويه، أو نحو ذلك مما في ~~معناه، فقد زال عن الفطرة واستبدل بها ما صار إليه من الكفر والضلال في ~~الوقت الذي يكون فيه مسؤولا عما اجترم ومطلوبا بما اكتسب. # PageV02P723 # # فصل # ومن الدليل على أن أطفال المشركين في الجنة الأخبار التي احتج بها من مال ~~إلى هذا القول، فأقواها استدلالا وأصحها إسنادا حديث سمرة، وهو الحديث ~~الطويل في الرؤيا، قال فيه: «والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم، والصبيان حوله ~~أولاد الناس» خرجه البخاري (1) بهذا اللفظ، وهو لفظ عام. # وخرجه من طريق آخر قال فيه: «وأما الرجل الطويل الذي في ms329 الروضة فإنه ~~إبراهيم - عليه السلام -، وأما الولدان حوله فكل مولود مات على الفطرة، ~~قال: فقال (2) بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول ~~الله: وأولاد المشركين» (3). # وهذا اللفظ فيه الدلالة على ما قلنا من وجهين: (ق.143.أ) # أحدهما: إن النبي - عليه السلام - أخبر أن أولاد المشركين من الولدان ~~الذين هم حول إبراهيم - عليه السلام -. PageV02P724 # # والثاني: إنه أخبر أنهم (1) ممن ولد على الفطرة، فإنه لما فسر الولدان ~~الذين (2) هم حول إبراهيم قال: «إنهم كل مولود يولد على الفطرة» فدخل أولاد ~~المشركين في ذلك بالعموم، فلما سئل رسول الله (3) - صلى الله عليه وسلم - ~~عن أولاد المشركين فقال: «وأولاد المشركين» دخلوا حينئذ في من ولد على ~~الفطرة بالنص، فصح بهذا الحديث أنهم في الجنة وأنهم ولدوا على الفطرة على ~~ما قررناه. # ومن تلك الأخبار المذكورة: حديث عوف عن خنساء بنت معاوية امرأة من بني ~~صريم قالت: حدثني عمي قال: قلت: يا رسول الله من في الجنة؟ قال (4): «النبي ~~في الجنة والشهيد في الجنة والمولود في الجنة والوئيد في الجنة» (5). ~~PageV02P725 # # وحديث عائشة (رضي الله عنها) (1) قالت: سألت خديجة النبي - عليه السلام - ~~عن أولاد المشركين، فقال: «هم مع آبائهم»، ثم سألته بعد ذلك فقال: «الله ~~أعلم بما كانوا به عاملين» ثم سألته بعدما استحكم الإسلام، فنزلت: «ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى» فقال: «هم على الفطرة أو قال: في الجنة» (2). # وحديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «سألت ربي ~~عن اللاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم، فأعطانيهم» (3). PageV02P726 # # ذكر هذه الأحاديث ابن عبد البر في التمهيد وقال (1): إنما قيل للأطفال ~~اللاهين لأن أعمالهم كاللهو واللعب من غير عقد ولا عزم، من قولهم: لهيت عن ~~الشيء أي: لم أعتمده، كقوله: {لاهية قلوبهم} [الأنبياء: 3]. # وذكر عن أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أولاد ~~المشركين خدم أهل الجنة» (2). # وعن سلمان موقوفا عليه قال: "أطفال المشركين خدم أهل الجنة" (3). ~~PageV02P727 # # وقد تقدم أن ابن سلام ذكر في تفسيره حديث أنس كذلك، ونحن ms330 إنما كان غرضنا ~~أن نثبت أن أولاد المشركين لا يدخلون النار، وإذا لم يدخلوا النار، فهم في ~~الجنة، وإذا ثبت لنا أنهم في الجنة فلا نبالي كيف كانوا فيها، هل يكونون ~~خدم أهلها أم لا، فإن صحت الأخبار بكونهم خدم أهلها فهم كذلك، ولا يبعد أن ~~يكونوا هم الولدان الذين ذكر الله تعالى في القرآن في قوله: {ويطوف عليهم ~~ولدان مخلدون} [الإنسان: 19]. # قال بعض أهل التفسير (1)، معنى مخلدين أي: لا يموتون ولا يتغيرون ~~(ق.143.ب) عن ذلك السن بل يبقون شبابا على ما كانوا عليه، تقول العرب للرجل ~~إذا كبر وثبت سواد شعره إنه لمخلد. # وفي موضع آخر من القرآن: {ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون} ~~[الطور: 24]، ويشبه أن يكون الغلمان والولدان هم جميع الأطفال من أولاد ~~المشركين وغيرهم، والله أعلم. PageV02P728 # # فصل # وإلى هذا الموضع انتهى بنا القول في حكم جميع الأطفال والصبيان في ~~الآخرة، ونرجو أنا قد أتينا في المآخذ التي أخذناها في ذلك، والمسالك التي ~~سلكناها بما فيه الغنية والكفاية، ولعله لا يوجد بجملته في غير هذا الموضع. # وينبغي أن نضيف إلى الكلام الذي أودعناه من هذا المعنى في الفصول ~~المتقدمة ما قررناه في القسم الرابع من أهل الفترة، فبه تتحقق المسألة ~~وتكمل الفائدة: # وذلك حيث تكلمنا على القسم المذكور، وقلنا: إنه ينعطف على كل من ليس ~~بمكلف، وهم أصناف أربعة: أهل هذا القسم ومن لم تبلغه الدعوة، والمجانين، ~~والصبيان، إذ الحكم فيهم واحد. # ثم قلنا: إنه لابد من حشرهم كما يحشر جميع ولد آدم، وإذا حشروا فلا يخلو ~~حالهم من أحد أمرين: # - إما أن يكونوا بعد استقرار أهل الجنة في الجنة واستقرار أهل النار في ~~النار مع أهل الجنة. # - أو مع أهل النار. # إذ لا موضع في الآخرة لاستقرار الخلق سوى الجنة والنار. # وكونهم في النار لا تقتضيه قواعد الشرع، فإن النار لا تدخل على وجه ~~الخلود إلا جزاء على الكفر والتكذيب، ولا يصح أن يوجد # PageV02P729 # # التكذيب والكفر في الأصناف الأربعة. # فإن القسم الرابع من أهل الفترة ms331 ومن لم تبلغه الدعوة ليس عندهم بما ~~يكذبون أصلا لعدم النذارة فيهم، والمجانين والصبيان ليس عندهم عقل يفهمون ~~به لا تكذيبا ولا تصديقا، فقد سقط عن جملتهم الخطاب. # وإذا سقط عنهم الخطاب فلا يصح تعذيبهم، لأن الحجة لم تقم عليهم، وإذا ثبت ~~أنهم لا يعذبون صح أنهم لا يدخلون النار إذ هي محل العذاب، وإذا لم يدخلوا ~~النار، ولا دار بعدها إلا الجنة صح أنهم يدخلون الجنة لا محالة، وما ذلك ~~إلا بالتفضل المحض والجود الصرف من صاحب الطول والفضل لا إله إلا (ق.144.أ) ~~هو العزيز الحكيم. # وبهذا الذي نقلناه هاهنا مما قد بسطناه في باب القسم الرابع من أهل ~~الفترة فرغ الكلام على القسم الأول من القسمين المستدركين. # فلنشرع في ذكر القسم الثاني، فنقول، والله الموفق للصواب: # PageV02P730 # ### | القسم الثاني: في الكلام على الجن # هذا القسم يحتوي على أربعة أبواب: # الباب الأول: في وجود الجن وكونهم أمة عاقلة مميزة. # الباب الثاني: في تكليف الجن في الأمم الخالية قبل الإسلام. # الباب الثالث: في كون الجن متعبدين بشريعة (1) نبينا محمد - عليه السلام ~~-. # الباب الرابع: في أقسام الجن وحكم موازنتهم. PageV02P731 # ### | الباب الأول: في وجود الجن وكونهم من أهل العقل والتمييز # وجود الجن في العالم ليس ممتنعا في العقل، بل هو من قبيل الجائزات، فإذا ~~وردت النصوص بخلقهم وإيجادهم تخصص وجودهم بدلا من (1) عدمهم، فوجب التصديق ~~بهم والوقوف عند ما ورد فيهم، وتلك النصوص مستفادة من القرآن والحديث: # قال الله تعالى: {خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من ~~نار} [الرحمن: 14 .. 15]. # وقال: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56]. # ولوجود الجن في العالم خاطبهم الله تعالى كما خاطب الإنس، فقال في غير ~~موضع من كتابه العزيز: {يا معشر الجن والإنس} [الرحمن: 33]، ثم أخبر تعالى ~~عن الجن بأنهم يوسوسون في صدور الناس، وأمر بالاستعاذة من شرهم، وكذلك أمر ~~بالاستعاذة من الشيطان عند قراءة القرآن، وقال لنبيه - عليه السلام -: ~~{وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم إن الذين اتقوا ~~إذا ms332 مسهم PageV02P732 # # طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} [الأعراف: 200 - 201]. # وهذا كله يدل على أن الله تعالى جعل للجن بعد إيجادهم قوة يتوصلون بها ~~إلى تزيين المعاصي (ق.144.ب) لبني آدم وقذف البلايا في نفوسهم، كما جعل لهم ~~تأثيرا في المصروع، فقال: {كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} [البقرة: ~~275]، فذكر أن الذي يتخبط من الناس إنما يكون بالمماسة له من الشيطان ~~المسلط عليه. # وقد أخبر سبحانه (1) أن الجن قبيل لإبليس، وأنهم يرون بني آدم دون أن ~~يروهم فقال: {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع ~~عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} ~~[الأعراف: 27]. # وكذلك أخبر تعالى أن لهم ذرية بقوله: {إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ~~ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني} [الكهف: 50]، وهذا يدل على أنهم ~~يتناكحون ويتناسلون. # ويدل على ذلك أيضا قول النبي - عليه السلام -: «ما منكم من أحد إلا ومعه ~~قرينه من الجن»، فقالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن الله ~~أعانني عليه فأسلم» (2). PageV02P733 # # فإن بني آدم إذا كانوا يولدون على الدوام، وكل واحد منهم لابد له من قرين ~~من الجن، لزم من ذلك أن الجن أيضا يولدون على الدوام، وفي قوله تعالى في ~~صفة الحور العين: {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} [الرحمن: 56] دليل على أن ~~الجن ينكحون كما ينكح بنو آدم. # PageV02P734 # # فصل # وأما إخبار النبي - عليه السلام - في الأحاديث بوجود الجن فكثير جدا منها ~~الحديث المتقدم، ومنها قوله: «وإنه أتاني وفد جن نصيبين ونعم الجن فسألوا ~~عن الزاد» (1). (2) # وقوله: «إن بالمدينة جنا قد أسلموا» (3). # وقوله: «إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة فأردت أن أربطه إلى سارية من ~~سواري المسجد» (4). # وقوله: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد» (5). ~~PageV02P735 # # ومنها ما جاء في حديث أبي هريرة (1) إذ وكله (النبي - عليه السلام -) (2) ~~بحفظ زكاة الفطر، فأتاه آت فجعل يحثو من الطعام. الحديث، وفيه فقال: «إذا ~~أويت إلى ms333 فراشك فاقرأ آية الكرسي لن يزال من الله حافظ، ولا يقربك شيطان ~~حتى يصبح». فقال له (3) النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صدقك وهو كذوب، ذاك ~~الشيطان» (4). # ومنها (5): قوله - عليه السلام -: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا ~~من خلق كذا» (6). # وقوله - عليه السلام -: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء (7) وغلقت ~~أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين» (8). PageV02P736 # # وقوله - عليه السلام -: «إذا كان جنح الليل فكفوا صبيانكم فإن الشياطين ~~تنتشر حينئذ» (1)، وفي لفظ آخر: «فإن للجن انتشارا وخطفة». # وقوله - عليه السلام -: «إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان له ضراط» (2). # وقوله (ق.145.أ) - عليه السلام -: «التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم ~~فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها، ضحك الشيطان منه» (3). # وقوله - عليه السلام -: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان» ~~(4). # وقوله - عليه السلام - لعمر بن الخطاب: «والذي نفسي بيديه ما لقيك ~~الشيطان قط سالكا (5) فجا إلا سلك فجا غير فجك» (6). PageV02P737 # # وقوله - عليه السلام -: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ، فليستنثر ~~ثلاثا، فإن الشيطان يبيت على خياشيمه» (1). # وقوله - عليه السلام -: «إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله ~~فإنها رأت ملكا، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها ~~رأت شيطانا» (2). # وقوله - عليه السلام -: «لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا ~~شهد له يوم القيامة» (3). # وقوله - عليه السلام -: «لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: اللهم جنبني ~~الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني، فإن كان بينهما ولد لم يضره الشيطان ولم ~~يسلط عليه» (4). PageV02P738 # # وقوله - عليه السلام -: «إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا دخل أحدكم الخلاء ~~فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» (1). # وقوله - عليه السلام - (2): «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وليشرب (3) ~~بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» (4). # وقوله - عليه السلام - (5): «فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم» (6). ~~PageV02P739 # # وقوله - عليه السلام - (1): «فإن الشيطان لا يفتح غلقا» (2). # وقوله - عليه السلام - (3): «إن الشيطان يجري من ابن (4) آدم مجرى الدم» ~~(5). # وأخبر - عليه السلام - أن الشياطين كانوا يسترقون السمع فحجبوا عنه (6)، ~~كما نطق به القرآن حكاية عنهم ms334 في قوله: {وأنا لمسنا السماء} [الجن: 8] إلى ~~آخر الآيتين، وفي موضع آخر منه: {إنهم عن السمع لمعزولون} [الشعراء: 212]. # وأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن الجن خلقوا من نار كما خلقت الملائكة من ~~نور (7)، وقد صرح القرآن بذلك في قوله تعالى: {وخلق الجان من مارج من نار} ~~[الرحمن: 15]، وفي قوله: {والجآن خلقناه من قبل من نار السموم} [الحجر: ~~27]، وفي قول إبليس: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف: ~~12]. PageV02P740 # # فصل ### | إقرار أهل الجاهلية بوجود الجن # ) (1) # والإجماع أيضا متقرر في وجود الجن في العالم فقد أصفق على ذلك أهل ~~الإسلام قاطبة إلا من لا يعتد بخلافه من المبتدعة، نعم: وقد كان أهل ~~الجاهلية يعترفون بوجود الجن حتى إنهم إذا وصفوا كاهنا قالوا: كان له ريي ~~من الجن، وكانوا يسمون التابع من الجن رييا، حسبما هو مذكور في السير ~~وغيره. # وذلك موجود في حديث عمر بن الخطاب إذ سأل الرجل الذي ظن أنه كان كاهنا في ~~الجاهلية، وقال له: إني أعزم (ق.145.ب) عليك أن تخبرني قال: كنت كاهنهم في ~~الجاهلية، قال عمر: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟ قال: بينما أنا يوما في ~~السوق جاءتني أعرف فيها الفزع قالت: ألم تر الجن وإبلاسها. الحديث المذكور ~~في صحيح البخاري (2). # وذكر أبو جعفر النحاس حديث عمر هذا وسمى الرجل، وقال إنه سواد بن قارب، ~~وذكر أنه قال لعمر: يا أمير المؤمنين بينما (3) أنا في ليلتي PageV02P741 # # بالسراة وكان لي نجي من الجن إذ أتاني ليلا وأنا كالنائم فركلني برجله ثم ~~قال: قم يا سواد فقد ظهر بتهامة نبي يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم. # وذكر أنه أتاه ثلاث ليال يقول له ذلك في كل ليلة منها، وينشده أبياتا. # فلما أسلم سواد وبايع النبي - عليه السلام - أنشأ يقول: # أتاني نجي بعد هدء ورقدة ... ولم يك فيما قد عهدت بكاذب # ثلاث ليال قوله كل ليلة ... أتاك رسول من لؤي بن غالب # في أبيات ذكر فيها إسلامه وتوجهه إلى النبي - عليه السلام -. # وذكر ابن عبد البر هذه ms335 الحكاية والأبيات عن سواد بن قارب في كتاب الصحابة ~~(1)، وقد روت عائشة عن النبي - عليه السلام - (كما) (2) في الصحيح قال: ~~«الملائكة تحدث في العنان، والعنان الغمام، بالأمر يكون في الأرض فتستمع ~~(3) الشياطين الكلمة فتقرها في آذان الكهنة كما تقر القارورة، فيزيدون معها ~~مائة كذبة» (4). # فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن الشياطين يلقون إلى الكهان ما يسمعونه ~~من الملائكة وإن كانوا يزيدون فيه. PageV02P742 # # وفي ذلك تصديق لما تقدم في أن للكهان أصحابا من الجن يأخذون عنهم. # وذكر النحاس أيضا أن الجن كانوا يقولون الشعر على ألسنة شعراء العرب، ~~وروى في ذلك حكايات فيها تسمية أشخاص من الجن، منها أن لافظ بن لاحظ منهم ~~هو صاحب امرئ القيس، وهادر بن ماهر هو صاحب النابغة، ومسحل بن جندل صاحب ~~الأعشى، وهنيد بن الصلادم صاحب عبيد بن الأبرص وبشر بن أبي خازم. # ثم قال: وفي مصداق ما ذكرنا من قول الجن الأشعار على ألسن العرب قول ~~الأعشى: # فما كنت قوالا ولكن حسبتني ... إذا مسحل سدى لي القول أعلق # شريكان فيما بيننا من هوادة ... صفيان (1) إنسي وجن موفق # يقول فلا أعيى بشيء يقوله ... كفاني لا عي ولا هو أخرق # (ق.146.أ) وهذا الذي قاله النحاس واستشهد عليه بقول الأعشى لا يبعد أن ~~يكون، فإنه كما يمكن أن يلقي الجن إلى الكهان ما يريدون فكذلك يمكن أن ~~يلقوا إلى الشعراء ما يلقون، إذ يحتمل أن يكون فيهم أيضا شعراء. # وقد روت الرواة أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما قتل رثته الجن ~~فقالت: PageV02P743 # # أبعد قتيل بالمدينة أظلمت ... له الأرض تهتز العضاه بأسوق # جزى الله خيرا من إمام وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزق # وهي أبيات، ثم نحلها الناس بعد للشماخ. # وذكر ابن عبد البر في الصحابة عن عائشة أنها قالت: ناحت الجن على عمر قبل ~~أن يقتل بثلاث، وذكرت الأبيات المتقدمة (1). PageV02P744 # # فصل ### | استعاذة أهل الجاهلية بالجن # ) (1) # ولمعرفة أهل الجاهلية بوجود (2) الجن كما قلناه (3)، وكونهم يشعرون عندهم ~~بأمور الناس كانوا إذا سافر منهم أحد فنزل بواد ms336 يقول: أعوذ برب هذا الوادي ~~من جميع ما أحذر. # يعني بذلك كبير (4) الوادي من الجن. # وقد ذكر الله تعالى فعلهم هذا في كتابه العزيز فقال: {وأنه كان رجال من ~~الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} [الجن: 6]. # والرهق: السفه والطغيان (5)، أي ازداد الإنس بذلك طغيانا ومعصية. ~~PageV02P745 # # وهذا هو معنى (1) استمتاع الإنس بالجن في قوله: {وقال أوليآؤهم من الإنس ~~ربنا استمتع بعضنا ببعض} [الأنعام: 128]، على ما ذكره المفسرون (2). # وأما استمتاع الجن بالإنس فقيل هو تشريف الإنس لهم واستعاذتهم بهم ~~واعتقادهم أن الجن يقدرون على ذلك. # وقيل: إن الإنس تلذذوا بقبولهم من الجن، وإن الجن تلذذوا بطاعة الإنس لهم ~~(3). # وقيل: استمتاع الجن بهم تزيينهم لهم وإغواؤهم إياهم. # والمعنى في هذه الآية أن الله تعالى يقرر الضالين والمضلين على أفعالهم ~~ويوبخ الجميع على أعين الناس في الآخرة، فإن هذه المخاطبة إنما تكون في ~~الآخرة، بين ذلك تعالى بقوله في أول الآية: {ويوم يحشرهم جميعا يا معشر ~~الجن قد استكثرتم من الإنس} [الأنعام: 128]. أي يقال لهم ذلك في القيامة، ~~والمعنى قد استكثرتم من إضلالهم وإغوائهم. PageV02P746 # # فصل ### | جعل أهل الجاهلية الجن شركاء # ) (1) # (ق.146.ب) ولمعرفة أهل الجاهلية أيضا بوجود الجن واعتقادهم أنهم يقدرون ~~على نفعهم جعلوهم شركاء لله، قال الله تعالى: {وجعلوا لله شركاء الجن} ~~[الأنعام: 100]. # قيل في التفسير: أي أطاعوهم وعبدوهم كطاعة الله (2). # وقيل: معناه أنهم نسبوا إليهم الأفعال التي لا تكون إلا لله. # و {الجن} في الإعراب مفعول أول لجعلوا، و {شركاء} هو المفعول الثاني (3). # ويجوز أن يكون الجن بدلا من شركاء، و {لله} في موضع المفعول الثاني، ~~واللام متعلقة بجعل (4). # وعلى القول الأول تكون متعلقة بشركاء. # وقوله: {وخلقهم} التقدير: وهو خلق الجن، ويجوز أن يكون المعنى: وخلق ~~الجاعلين لهم شركاء. PageV02P747 # # وقوله: {وخرقوا له بنين وبنات بغير علم} [الأنعام: 100] أي افتروا عليه ~~الكذب في قولهم إن الملائكة بنات الله (1). # وقد تقدم ذكر هذا المعنى في القسم الثالث من أهل الفترة، ومضى هنالك ما ~~ذكره مسلم عن عبد الله بن مسعود في قوله عز وجل: ms337 {أولئك الذين يدعون يبتغون ~~إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57]، قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون ~~نفرا من الجن فأسلم الجنيون والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون فبقوا ~~على عبادتهم لهم (2). # وهذه العبادة قد يشبه أن تكون عبادة خالصة للجن، فيكون هؤلاء خلاف من جعل ~~الجن شركاء لله. # وقد نطق الكتاب العزيز بعبادة من عبد الجن من المشركين، قال الله تعالى: ~~{ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا ~~سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} [سبأ: ~~40 - 41]. # فأخبر أن الملائكة تبرأت من أن تعبد، وذكرت أن الجن هم الذين كان الكفار ~~يعبدونهم. # وقد أشار زيد بن عمرو في شعره المتقدم إلى هذا المعنى في الجن، وذلك ~~قوله: # حنانيك إن الجن كانت رجاءهم ... وأنت إلهي ربنا ورجائيا PageV02P748 # # فصل # وأما كون الجن أمة عاقلة مميزة فيدل على ذلك أن إبليس إمامهم وزعيمهم عبد ~~الله تعالى أولا مع الملائكة، ولا يفعل ذلك إلا من يعقل العبادة، ثم لما ~~كفر واستكبر كانت مخاطبته لله سبحانه (1) في امتناع السجود مخاطبة من يعقل ~~السجود، وامتثال الأمر والمخالفة بالمعصية كما نطق به القرآن. # وقبيله من الجن وذريته يكونون لا محالة مثله في فهم الخطاب والمعرفة ~~بمواقع الكلام. # يدل على ذلك أن الله تعالى سخرهم لسليمان (ق.147.أ) - عليه السلام - فكان ~~له منهم البناءون والغواصون وغيرهم، وأخبر سبحانه بعملهم لسليمان فقال: ~~{يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات} [سبأ: ~~13]. # ومثل هذه الأفعال لا تصدر إلا من عاقل مميز عارف بما يتناوله. # ويدل على ذلك أيضا أن الجن كلفوا العمل بالشرائع التي يلزم عن امتثالها ~~بالوقوف عند أوامرها ونواهيها الجزاء بالثواب والعقاب، ولا يصح أن يتوجه ~~الخطاب بالتكليف إلى غير عاقل أصلا، كما ثبت في الأصول. # وسنقرر في الباب الثاني والثالث تكليف الجن بحول الله. PageV02P749 # ### | الباب الثاني: في تكليف الجن في الأمم الخالية قبل الإسلام # يدل على أن الجن متعبدون بالشرائع ومكلفون العمل بها في الأمم السالفة ms338 ~~قبل الإسلام ما نذكره. # فمن ذلك قول الله تعالى: {أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من ~~قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين} [الأحقاف: 18]. # فأخبر أن في الأمم الخالية قبل هذه الأمة من حق عليه القول، أي: وجب عليه ~~العذاب من الجن والإنس وأنهم خاسرون، ولا يكون ذلك إلا في أهل التكليف ~~المستوجبين العقاب بأعمالهم، ولهذا قال متصلا بالآية: {ولكل درجات مما ~~عملوا} [الأنعام: 132] أي: لكل (1) صنف درجات مما عملوا في الخير والشر ~~فيوفى ذلك لهم ولا يظلمون في الحساب عليه. # وإذا امتحنت لهم تلك الأعمال في القيامة دل ذلك لا محالة على أنهم كانوا ~~متعبدين بها في الدنيا، إذ من ليس بمكلف لا يلزمه حساب ولا يلحقه عقاب على ~~ما تقدم. # ومن ذلك أيضا قول الله تعالى: {وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين ~~أيديهم PageV02P750 # # وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم ~~كانوا خاسرين} [فصلت: 25]. # ومعنى الآية أنه تعالى قيض للمشركين، أي: سبب لهم قرناء من الشياطين ~~يزينون لهم ما بين أيديهم من اللذات في الدنيا، وما خلفهم من التكذيب ~~بالآخرة وما فيها من الثواب والعقاب (1). # وقيل: في الآية عكس هذا وهو أن ما بين أيديهم هو التكذيب بأمور الآخرة، ~~وما خلفهم هو رغبتهم في الدنيا وحرصهم عليها (2). # وقال الحسن: قوله: {ما بين أيديهم} [فصلت: 25]: هو حب ما كان عليه آباؤهم ~~من الشرك وتكذيب الرسل، {وما خلفهم} [فصلت: 25]: تكذيبهم بالبعث وما بعده. # وقوله: {وحق عليهم القول} [فصلت: 25]، أي: وجب عليهم من العذاب مثل ما ~~وجب على أمم قبلهم من الجن والإنس بكفرهم وعملهم مثل عملهم (3). # وقيل: "في" بمعنى مع، فيكون معنى الآية: إنهم داخلون مع الأمم الكافرة ~~قبلهم من الجن والإنس فيما دخلوا فيه (4). PageV02P751 # # وفي هذا دليل على تكليف الصنفين في المدد الخالية، وبذلك استحق من لم ~~يؤمن منها أن يوصف بالخسران. # ومن ذلك أيضا قول الله تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد ~~استكثرتم من الإنس ms339 وقال أوليآؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا ~~أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم} [الأنعام: 128]. # وموضع (1) الدليل من هذه الآية أن هذا القول يقال للجن في القيامة فيذكر ~~الإنس (2) استمتاع بعضهم من بعض في الدنيا، وقد تقدم أن ذلك الاستمتاع كان ~~في الجاهلية، ثم قال الله للصنفين: {النار مثواكم} [الأنعام: 128]، فقضى ~~عليهم بالنار بهذه الأفعال التي فعلوها قبل الإسلام مع الكفر اللازم لهم. # ومن ذلك أيضا قول الله (ق.147.ب) تعالى: {قال ادخلوا في أمم قد خلت من ~~قبلكم من الجن والإنس في النار} [الأعراف: 38]، وهذه الآية يخاطب بها ~~الكفار في القيامة. # يدل على ذلك أن قبلها ذكر الكفار إلى أن قال متصلا بها: {وشهدوا على ~~أنفسهم أنهم كانوا كافرين} [الأعراف: 37]. # فإن كان الكفار المذكورون هم الكفار بالأنبياء المتقدمين وبشرائعهم فقد ~~أمروا أن يدخلوا النار مع أمم قد تقدمتهم من الجن والإنس. PageV02P752 # # وإن كان الكفار عني بهم من كفر بنبينا - عليه السلام - وبشريعته فقد ~~أمروا أن يدخلوا النار مع من تقدمهم من الجن والإنس، والإنس المأمورون ~~بدخول النار أولا لابد أن يكونوا قد كلفوا العمل بالشرائع المتقدمة، ولذلك ~~توجه عليهم العقاب فكذلك أيضا الجن الداخلون معهم النار ولا فرق. # وبهذا الذي قررناه يتبين أن الجن مكلفون بالشرائع في الجملة قبل هذه ~~الشريعة. # PageV02P753 # # فصل ### | من هم رسل الجن؟ # ) (1) # فإن قيل: فإذا ثبت أنهم كانوا مخاطبين ومتعبدين بالشرائع فمن كانت الرسل ~~إليهم قبل الإسلام؟. # قلنا: إذا ثبت أنهم مكلفون علم أن التكليف إنما يتصور بعد وصول الخطاب ~~إليهم وإقامة الحجة عليهم، ومن ضرورة وصول الخطاب لهم أن يكون على لسان ~~رسول يبلغه إليهم، ولا يلزمنا تعيين ذلك الرسول، إذ لا نص عندنا فيمن عدا ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم -. # وقد قال بعض الناس: إنه كان للجن رسل منهم أرسلهم الله إليهم، أخذا بظاهر ~~قوله تعالى: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} [الأنعام: 130] قال ~~ذلك الضحاك (2)، على ما ذكره أهل التفسير. # وقال ابن عباس: هم الذين بلغوا قومهم ما سمعوه ms340 من الوحي كما قال: {ولوا ~~إلى قومهم منذرين} [الأحقاف: 29]. PageV02P754 # # وقيل: لما كانت الجن ممن يخاطب ويعقل قال: {ألم يأتكم رسل منكم} ~~[الأنعام: 130] وإن كانت الرسل من الإنس، وغلب الإنس في الخطاب كما يغلب ~~المذكر على المؤنث (1). # وإذا كانت الآية محتملة فليس فيها جلاء لما قاله الضحاك، لكن نعلم أن ~~الحجة قد قامت عليهم بإرسال الرسل (2) إليهم في الجملة، ولذلك قال الله ~~عنهم وعن الإنس معهم: {قالوا شهدنا على أنفسنا} [الأنعام: 130]، أي: شهدنا ~~على أنفسنا أن الرسل جاءتنا فلن نؤمن بهم. # يدل على ذلك قول الله تعالى في آخر الآية: {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا ~~كافرين} [الأنعام: 130]. # إذ اعترفوا جميعا على أنفسهم بالكفر ولا يكون ذلك من الجن إلا بعد توجه ~~الخطاب إليهم وإن لم نعلم المتوجه به إليهم بعينه قبل محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -. # ولنتكلم على ذلك بالاستقراء فنقول قال الله تعالى حكاية عن الجن: {يا ~~قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه} [الأحقاف: ~~30]. PageV02P755 # # وهذا القول منهم يدل على أنهم عالمون بموسى وبالكتاب المنزل عليه، ولا ~~يكون علم ذلك على وجه التعظيم لموسى ولكتابه الذي صدقه هذا القرآن الذي ~~سمعوه إلا من مؤمن. # ولا نقول إن موسى - عليه السلام - رسول إلى الجن، إذ لا علم لنا بذلك من ~~الشرع، فإن كان فيهم من هو مؤمن بموسى وكتابه فلا يبعد أن يكون ذلك بأن ~~يلتزم شريعته، ويدخل نفسه في التعبد بها، وإن لم يكن موسى رسولا إليه. # وإذا التزم تلك الشريعة كان من أهلها على ما تقرر في القسم الثاني من أهل ~~الفترة. # ونقول أيضا: إن الله تعالى (1) أخبر في كتابه العزيز أنه سخر الجن ~~لسليمان بن داود عليهما (2) السلام وجعلهم تحت سلطانه وقهره فقال: {فسخرنا ~~له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين ~~في الأصفاد} [ص: 36 - 38]. # وقال: {ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين} ~~[الأنبياء: 82]. # وقال: {وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير} ms341 [النمل: 17]. ~~PageV02P756 # # فأخبر أن الجن من جند سليمان، ولهذا (1) لما قال سليمان: {أيكم يأتيني ~~بعرشها} [النمل: 38]، قال عفريت له (2) من الجن: {أنا آتيك به قبل أن تقوم ~~من مقامك} [النمل: 39]. # وقال تعالى في موضع آخر: {ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا ~~له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه} [سبأ: 12]. # فأخبر سبحانه أن من الجن من يعمل بين يدي سليمان بإذن الله، وهذا الإذن ~~لابد أن يتلقوه ممن يلقيه إليهم، يدل على ذلك قوله: {ومن يزغ منهم عن أمرنا ~~نذقه من عذاب السعير} [سبأ: 12]. # إذ هذا وعيد لمن يزيغ من الجن عن أمر الله أي: يميل عنه، وأمر الله لا ~~يعرفونه هم إلا بأن يتلقوه من سليمان مثلا، فحينئذ يتوجه الوعيد عليهم. # وتلقيهم الأمر من سليمان هو معنى الرسالة، فقد يظهر من ذلك، والله أعلم، ~~أن سليمان رسول إليهم ولو في أمر ما من الأمور الخاصة به أو بهم، على أنا ~~لا نعلم هل كان سليمان رسولا إلى بني إسرائيل أم لا، إذ ليس لنا دليل على ~~رسالته إلا أن الله تعالى ذكر أنه أوحى إليه، إذ عدده في من أوحى إليهم في ~~قوله: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى ~~PageV02P757 # # إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون ~~وسليمان} [النساء: 163]. # فيمكن أن يكون ذلك الوحي في حق سليمان وحي رسالة، ويمكن أن يكون وحي نبوة ~~فقط، فإن الآية تضمنت ذكر أيوب، والكلام فيه كالكلام في سليمان، وكذلك ~~تضمنت ذكر الأسباط أيضا. # والآيات (ق.148.ب) المتقدمة في ذكر الجن تقتضي أن فيهم المطيع والعاصي، ~~إذ احتوت على أن منهم من يعمل بين يدي سليمان بإذن الله وأنهم يعملون له ما ~~يشاء مما ذكر، ومنهم من هو مقرن في الأصفاد من العتاة. # وإذا كان فيهم المطيع والعاصي صح أن فيهم المؤمن والكافر، وإذا كان فيهم ~~المؤمن والكافر فلابد أن هناك شيئا هو مطلوب بالإيمان لا محالة. # وبالجملة إذا تقرر من الآيات المتقدمة أولا ms342 أن الجن مكلفون بالأوامر ~~والنواهي في المدد الخالية قبل الإسلام لما دل عليه عقابهم في النار لم ~~يلزمنا البحث عن من كانت الرسل إليهم، هل كانوا منهم أو من بني آدم، إذ لا ~~يضرنا ذلك في القاعدة التي هي مقطوع بها، وهي نفي العذاب عمن لم تقم عليه ~~الحجة (1) كما قال: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15]. # لاسيما وهو سبحانه يقرر الحجة على الجن والإنس في القيامة بقوله: {يا ~~معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} [الأنعام: 130] الآية. PageV02P758 # ### | الباب الثالث: في كون الجن متعبدين بشريعة نبينا محمد - عليه السلام - # تعبد الجن بشريعة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - (1) وتكليفهم العمل ~~بها (2) معلوم من القرآن والسنة والإجماع. # أما القرآن فقول الله تعالى: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين} [الأحقاف: ~~29]، إلى آخر الآيات. # فأخبر الله تعالى عنهم أنهم بعدما استمعوا القرآن ولوا إلى قومهم منذرين، ~~ولا يفعلون ذلك إلا بعد إقامة الحجة عليهم بإنذار النبي - عليه السلام - ~~إياهم وفهمهم للشرع، ولذلك قالوا عن القرآن إنه يهدي إلى الحق وإلى طريق ~~مستقيم. # ثم إن في الآيات من الدلالة على أن النبي - عليه السلام - بعث إليهم ما ~~هو أقوى من هذا، وذلك قولهم: {يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر ~~لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم} [الأحقاف: 31]. PageV02P759 # # ومأخذ الدليل من هذه الآية في موضعين: # أحدهما: قولهم: {أجيبوا داعي الله وآمنوا به} [الأحقاف: 31] فأخبروا أن ~~هنالك داعيا يدعوهم إلى الإيمان بالله فثبتت إذا عليهم الدعوة إلى الإسلام، ~~والداعي لذلك لا يخلو أن يعنوا به محمدا - عليه السلام -، أو يعنوا به ~~القرآن، فإن عنوا به محمدا - صلى الله عليه وسلم - (1) وهو الأظهر، فهو ~~المقصود. # وإن عنوا به القرآن (ق.149.أ) فلم يتلقوه إلا من محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -. # فرجع حاصل الكلام إلى أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - (2) هو الداعي ~~لهم، وإذا كان داعيا لهم فهو الرسول إليهم كما هو الرسول ms343 إلى بني آدم. # والثاني: إخبارهم بالمغفرة وذهاب العقاب عنهم في قولهم: {يغفر لكم من ~~ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم} [الأحقاف: 31]. # ومر لهم بأن الإيمان يترتب عليه المغفرة والإجارة من العذاب، فإن ذلك لا ~~يدرك عقلا، وإنما مدركه الشرع، وإذا لم يدرك ذلك إلا بالشرع فلا محالة أن ~~النبي - عليه السلام - ألقاه إليهم في وقت الإنذار وتبليغ التكليف إليهم ~~بالتزام الشريعة، وأن ذلك إذا فعلوه ترتب عليه المغفرة لهم والإجارة من ~~العذاب. # فلما علموا ذلك منه - عليه السلام -، ءامنوا حينئذ كما أخبر الله تعالى ~~عنهم فقال في سورة أخرى: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا ~~سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا} [الجن: 1 - ~~2]. PageV02P760 # # وأخبر عنهم بهذا المعنى فيما بعد من هذه السورة وذلك قولهم: {وأنا لما ~~سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا} [الجن:13]. # وأخبر عنهم بأن فيهم من لم يؤمن بقولهم: {وأنا منا المسلمون ومنا ~~القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا وأما القاسطون فكانو الجهنم حطبا} ~~[الجن: 14 - 15]. # PageV02P761 # # فصل # ومن الدليل أيضا على ما قلناه أن دعوى التحدي بالقرآن قد سوي فيه الجن ~~والإنس، قال الله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء: 88]. # فأخبر سبحانه أن الصنفين لا يأتون بمثل القرآن ولو اجتمعوا عليه، وظاهر ~~(1) بعضهم بعضا فيه، وإنما جمع تعالى في هذا بين الجن والإنس لكونهم جميعا ~~مأمورين باتباع محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهو - عليه السلام - المأمور ~~بتبليغ الرسالة إليهم. PageV02P762 # # فصل # ومن الدليل أيضا على ما قلناه ما تضمنته سورة الرحمن، ونحن نتكلم على ما ~~يمس غرضنا منها فنقول: إن فيها: {خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان ~~من مارج من نار} [الرحمن: 14 - 15]. # فأخبر أن الأناسي من بني آدم والجن خلقهم مما ذكر، والألف واللام للجنس ~~المستغرق للصنفين المذكورين. # وهذان الصنفان هما المخاطبان بقوله المردد (1) في هذه السورة: ms344 {فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان} [الرحمن: 23]. # يبين ذلك اتصاله بالآية المتقدمة، ثم اتصاله بقوله: {سنفرغ لكم أيها ~~الثقلان} [الرحمن: 31]، يعني الإنس والجن، ثم اتصاله (ق.149.ب) بقوله: {يا ~~معشر الجن والإنس} [الرحمن: 33]، الآية، ثم اتصاله بقوله: {فيومئذ لا يسأل ~~عن ذنبه إنس ولا جان} [الرحمن: 39]. # ومما يؤكد ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (2) قرأ السورة على الجن ~~وبلغها إليهم كما قرأها على صحابته من الإنس (3) وبلغها إليهم، ليتساوى ~~الصنفان المخاطبان بهذه السورة في ذلك. PageV02P763 # # روى جابر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج على أصحابه ~~فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا، فقال - عليه السلام -: ~~«لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودا منكم، كنت كلما أتيت ~~على قوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} [الرحمن: 23]، قالوا: لا بشيء من نعمك ~~ربنا نكذب، فلك الحمد» (1). # وهذا يدل على ذكاء الجن وفطنتهم، ومعرفتهم بمواقع الخطاب. # وقوله في هذه السورة: {سنفرغ لكم أيها الثقلان} [الرحمن: 31] وعيد للجن ~~والإنس المكلفين العمل بالشريعة. # وقال قتادة: معناه فراغ الدنيا وانقضاؤها ومجيء الآخرة والجزاء فيها، ~~والله تعالى لا يشغله شيء عن شيء (2). PageV02P764 # # والفراغ في اللغة (1) على وجهين: يكون بمعنى الفراغ من الشغل، ويكون ~~بمعنى القصد. # وهو في هذا الموضع بمعنى القصد، فكأن معنى قوله: {سنفرغ لكم أيها ~~الثقلان} [الرحمن: 31] أي سنقصد لمجازاتكم بأعمالكم يوم الجزاء. # وقوله: {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات ~~والأرض فانفذوا} [الرحمن: 33] معناه في قول ابن عباس (2): إن استطعتم أن ~~تعلموا ما في السماوات وما في الأرض فاعلموه، ولن تعلموه إلا بسلطان، أي ~~ببينة من الله تعالى. # وعنه أيضا أن المعنى: لا تخرجون عن سلطاني وقدرتي عليكم (3). # وهذا القول أشبه بمفهوم الآية، ويظهر ذلك بأن نزيد في العبارة عنه فنقول: ~~يكون معنى الآية: إن استطعتم أن تخرجوا عن قهر الله وقدرته عليكم في ~~التسخير فاخرجوا، وذلك لا يقدر عليه، إذ العالم بما فيه مسخر كله لله ~~PageV02P765 # # تعالى وفي قبضته، ولذلك قال: {لا تنفذون إلا بسلطان} ms345 [الرحمن: 33] أي: ~~ببرهان (يكون لكم) (1) وحجة تستظهرون بها، وذلك معدوم عند الثقلين معا. # وقال الضحاك: معنى الآية: إن استطعتم أن تهربوا عن الموت فاهربوا فإنه ~~مدرككم (2). # وهذه الأقوال متجهة على أن تكون الآية خوطب بها الجن والإنس في الدنيا. # وفي الآية تأويل آخر وهو أن المخاطبة بها تكون يوم القيامة إذا أحدقت ~~الملائكة بأقطار الأرض، وأحاط سرادق النار بالآفاق، فهرب (ق.150.أ) الخلائق ~~ولا يجدون منفذا، كما دل على ذلك قوله: {إني أخاف عليكم يوم التناد يوم ~~تولون مدبرين} [غافر: 32] وقوله: {وجاء ربك والملك صفا صفا وجيء يومئذ ~~بجهنم} [الفجر: 22] وقوله: {وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على ~~أرجائها} [الحاقة: 16]. # فعند هذه الحال إذا ند الخلائق يقال للجن والإنس: {إن استطعتم أن تنفذوا ~~من أقطار السماوات والأرض فانفذوا} [الرحمن: 33]، معناه: إن قدرتم أن ~~تتجاوزوا أقطار السماوات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر على عذابكم ~~فافعلوا وانفذوا إلى الجنة، وأنتم لا تقدرون على ذلك، ولا تنفذون إلا ~~بسلطان، يعني إلا بحجة ثابتة وعهد قائم فتنفذون على الصراط إلى الجنة. ~~PageV02P766 # # وقال: إن استطعتم، ولم يقل إن استطعتما لأنه أراد جماعة الجن والإنس كما ~~قال في آية أخرى: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} ... [الأنعام: ~~130] على الجمع. # وأما قوله: {يرسل عليكما شواظ من نار} [الرحمن: 35] على التثنية، فإنه ~~أراد الصنفين: الجن والإنس، وحسن بذلك بقوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} ~~[الرحمن: 23] الفاصل بين الآيتين، وفيه التثنية، أعني في قوله: تكذبان، ~~فاتصلت التثنية بالتثنية. # وفي قوله تعالى: {يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس} [الرحمن: 35] إخبار بأن ~~الصنفين سواء في العذاب، بإرسال لهب النار عليهم ودخانها. # قال ابن عباس: الشواظ: اللهب الذي لا دخان فيه، والنحاس: الدخان الذي لا ~~لهب فيه (1). # وفي هذه السورة: {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} [الرحمن: 39] ~~فإضافة الذنوب إلى الصنفين دليل على أنهما سواء في التكليف. # وقوله: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} [الرحمن: 46] يدل على أنهما أيضا سواء ~~في الثواب، أعني المؤمنين من الجن والإنس، لأن الصنفين دخلوا ms346 في هذا العموم ~~بلا إشكال. PageV02P767 # # فصل # ومن الدليل على ما تقدم أيضا قول الله تعالى: {يا معشر الجن والإنس ألم ~~يأتكم رسل منكم} [الأنعام: 130] فإن دخول النبي محمد (1) - عليه السلام - ~~في هؤلاء الرسل المذكورين لا إشكال فيه لكونه مبعوثا إلى الثقلين، وإنما ~~الإشكال في غيره، وقد تقدم الكلام على الآية. # ولما كان الجن والإنس هما المخاطبان معا بالشريعة سوى الله بينهما في ~~غيبة أشياء عنهما من أحوال الآخرة، وإن جاز أن يدركها البهائم، قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث (ق.150.ب) ذكر فيه فضل الجمعة: «وما ~~من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من (2) حين يصبح إلى أن تطلع الشمس شفقا ~~من الساعة إلا الجن والإنس» (3). PageV02P768 # # وفي حديث أنس عن النبي - عليه السلام - في عذاب القبر للكافر، قال: «ثم ~~يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعه من يليه إلا ~~الثقلين»، خرجه البخاري (1). # وإنما غيب الله عن الجن والإنس ما تقدم ذكره من تلك الأحوال حتى لا ~~يدركوها لأجل أن جميعهم هم المكلفون بالشرائع وهم مطلوبون فيها بالإيمان ~~بالغيب. فستر الله عنهم تلك الأمور ليمتاز المؤمنون منهم بالغيب عن غيرهم ~~ممن لا يؤمن من الصنفين (2). PageV02P769 # # فصل # وأما السنة فالأحاديث الواردة باجتماع النبي - عليه السلام - مع الجن ~~وقراءته عليهم القرآن وسؤالهم إياه الزاد، مثل حديث ابن مسعود وغيره من ~~الأحاديث المروية في أمرهم. # ذكر مسلم (1) عن علقمة قال: سألت ابن مسعود هل شهد أحد منكم مع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: ~~استطير أو اغتيل، قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء ~~من قبل حراء، قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ~~ليلة بات بها قوم. فقال: «أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن»، ~~قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: «لكم كل ms347 ~~عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علف ~~لدوابكم»، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فلا تستنجوا بهما ~~فإنهما طعام إخوانكم». PageV02P770 # # وفي رواية (1): «وكانوا من جن الجزيرة». # وذكر عن (2) ابن مسعود أيضا أنه قال: ءاذنته بهم شجرة (3)، يعني آذنت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجن. # وذكر أبو داود عن ابن مسعود قال: قدم وفد الجن على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقالوا: يا محمد انه أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة (4) أو حممة، فإن ~~الله جاعل لنا فيها رزقا، قال: فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ~~(5). # قوله الحممة هي واحد الحمم، وهو الفحم (6)، ذكر ذلك أبو عبيد (7). # وخرج البخاري (8) عن أبي هريرة أنه كان يحمل مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - الإداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها فقال: «من هذا؟» فقال: ~~أنا أبو هريرة (ق.151.أ) فقال: «ابغني أحجارا، أستنفض بها ولا تأتني (9) ~~بعظم ولا PageV02P771 # # بروثة». فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت ~~حتى إذا فرغ مشيت فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: «هما من طعام الجن، ~~وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد فدعوت الله لهم ألا ~~يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعما». # وفي هذه (الأحاديث المتقدمة ما يدل على أن الجن يأكلون كما يأكل بنو آدم. # ويدل على ذلك أيضا قوله - عليه السلام -: «فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب ~~بشماله» (1). # ومضى الدليل على أنهم ينكحون كما ينكح بنو آدم في موضعه) (2). # وقد وجدنا حديثا فيه من لفظ النبي - عليه السلام - أنه أرسل إلى الجن ~~والإنس، وهو حديث ذكره وثيمة بن موسى في أخبار يعقوب - عليه السلام - من ~~كتابه من حديث ابن عباس قال: كانت النبوءة في بني يعقوب صلى الله عليه بأرض ~~كنعان وما حولها لم يكونوا جاوزوا أرض كنعان، وما أرسل نبي إلى الخلق كافة ~~قبل محمد - صلى الله عليه وسلم -، قال ابن عباس: قال رسول الله - صلى الله ms348 ~~عليه وسلم -: «أرسلت إلى الجن والإنس وإلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ~~دون الأنبياء، وجعلت لي PageV02P772 # # الأرض كلها مسجدا وطهورا»، وذكر باقي الحديث في خصائصه - عليه السلام -، ~~وفيه بعض طول (1). # وخرج مسلم (2) عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~على الجن وما رآهم، انطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طائفة من ~~أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت ~~عليهم الشهب قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها ~~فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فانطلقوا يضربون مشارق ~~الأرض ومغاربها فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة، وهو بنخلة عامدين إلى سوق ~~عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا: ~~هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا ~~إنا سمعنا قرءانا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا، قال: ~~فأنزل الله عز وجل على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: {قل أوحي إلي أنه ~~استمع نفر من الجن} [الجن: 1]. PageV02P773 # # فصل # فإن قيل: فإن في حديث ابن عباس هذا: ما قرأ رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - (1) على الجن ومارءاهم، وفي ذلك (ق.151.ب) دليل على أنهم استمعوا ~~القرآن فآمنوا به من تلقاء أنفسهم من غير أن يكون النبي - عليه السلام - ~~يدعوهم إليه. # فالجواب من وجهين: # أحدهما: إن هذا اللفظ الذي هو "ما قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~على الجن وما رءاهم"، مع أنه خبر واحد ليس بمتفق عليه، فإن البخاري خرج ~~حديث ابن عباس في موضعين من كتابه، وهما كتابا الصلاة (2) والتفسير (3)، ~~ولم يذكر هذا اللفظ فيه. # والوجه الثاني، وهو المعتمد: أن ابن عباس كان في ذلك الوقت إما غير ~~مولود، وإما صغيرا لا يميز (4)، # إذ كان أمر الجن قديما بمكة، فليس عنده علم PageV02P774 # # بذلك، وإنما تكلم على ظاهر القرآن في قوله: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر ~~من ms349 الجن} [الجن: 1]، وخفي (1) عليه - رضي الله عنه - ما تضمن قوله تعالى: ~~{وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن} [الأحقاف: 29] من الدعوة إلى الله والإيمان ~~به ومعرفة الجن بالمغفرة المترتبة عليه حسبما قررناه (2). # وفي ذلك دليل على أنهم لم يؤمنوا حتى دعوا، فلما دعوا أجابوا داعي الله ~~وءامنوا به، ولا يبعد أن يكون السبب لهم في ذلك ما قاله ابن عباس من كون ~~إبليس يقول لهم: اضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فلما سمعوا القرآن كان ذلك ~~قائدا إلى هدايتهم إلى الإسلام. # على أن قوله: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن} [الأحقاف: 29] فيه ما يدل ~~على أنهم مقهورون في استماع القرآن. # وحديث ابن مسعود أولى من حديث ابن عباس من وجهين: # أحدهما: إن ابن مسعود كان تلك الليلة في أولها مع النبي - عليه السلام -، ~~وأحس هو ومن كان معه من الصحابة بفقده حتى خافوا عليه. PageV02P775 # # والثاني: إخبار النبي - عليه السلام - بلفظه بأن داعي الجن أتاه فذهب ~~معهم وقرأ عليهم القرآن وسألوه الزاد، ثم إنه انطلق مع الصحابة فأراهم آثار ~~الجن وآثار نيرانهم. # فكيف يقول ابن عباس: "إنه - عليه السلام - ما رأى الجن ولا قرأ عليهم ~~القرآن"؟. # وهذا ابن مسعود يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (1) سماعه ذلك من ~~لفظه. # وكذلك أبو هريرة قد روى نحو ذلك، فإنه قال عنه - عليه السلام -: «وإنه ~~أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن فسألوني (2) الزاد فدعوت الله لهم» (3). # فهذا إخبار من النبي - عليه السلام - بأنه اجتمع مع الجن وكلموه وكلمهم ~~(ق.152.أ). PageV02P776 # # فصل # فإن قيل: لم يرد في الحديث أن النبي - عليه السلام - اجتمع مع الجن إلا ~~بمكة، وقد نزلت فرائض الدين بعد الهجرة، ولم ينقل أنهم اجتمعوا مع النبي - ~~عليه السلام - بالمدينة، ولا سألوه عن ذلك. # قلنا: حديث أبي هريرة المتقدم يحتمل أن يكون بالمدينة، أعني اجتماع النبي ~~- عليه السلام - بالجن وسؤالهم الزاد بسبب تأخر إسلام أبي هريرة. # ويحتمل أن يكون النبي - عليه السلام - أخبر أبا هريرة بما كان من سؤال ~~الجن الزاد، إذ كان بمكة، ونحن نعلم ms350 وإن لم ينقل إلينا أن الجن بعد الهجرة ~~إلى المدينة عالمون بالفرائض الواجبة لا محالة، أعني بما يتعبدون به منها، ~~إذ في الجائز أن يتعبدوا بجميعها (أو بما شاء الله منها) (1). # ومن المحال أن يتعبدوا بشيء لا يصل إليهم معرفته، لأن ذلك من تكليف مالا ~~يطاق، والنبي - عليه السلام - قد قال: «إن بالمدينة جنا قد أسلموا» (2). # وإذا أسلموا فلا بد من معرفتهم بما يتزيد في الإسلام من فروضه وسننه، ~~فيحتمل أن يسألوا أو يسأل وافدهم النبي - عليه السلام - عن ذلك، وإن لم ~~يبلغ إلينا. PageV02P777 # # فإن النبي - عليه السلام - في المدينة آمن، والدين قد فشا، فلا داعية ~~تدعو إلى نقل اجتماعهم مع النبي - عليه السلام -، فإنه إنما نقل ذلك بمكة، ~~لأن النبي - عليه السلام - غاب عن أصحابه تلك الليلة حتى خافوا عليه، فلما ~~أصبح وسألوه عن ذلك أخبرهم بوصول الجن إليه. # ولو لم تكن هنالك قرينة من غيبته - صلى الله عليه وسلم - وسؤالهم إياه عن ~~ذلك، لم نعلم هل كان يخبرهم ابتداء بحديث الجن أم لا؟. # وبالمدينة ليس بها قرينة تدعو إلى إخبارهم بوصول الجن، ففي الجائز أن ~~يصلوا إليه ويسألوه عن دينهم فيعلمهم، ولا يعلم الصحابة بذلك. # وفي الجائز أيضا أن يكون الجن أو وافدهم يحضرون مع الصحابة عند النبي - ~~عليه السلام - في مجالسه، فيسمعون ما نزل من القرآن بعد ذلك، ويستفيدون ~~التفقه في الدين بسؤال الصحابة للنبي - عليه السلام -، ويكون النبي - عليه ~~السلام - يعلم ذلك منهم لرؤيته إياهم دون الصحابة، فيكتفي بذلك عن تعليمهم ~~على الانفراد، والله أعلم. # PageV02P778 # # فصل (ق.152.ب) # وأما الإجماع على كون الجن متعبدين بهذه الشريعة على الخصوص فمعلوم، إذ ~~لا خلاف بين أئمة المسلمين في أن النبي محمدا - عليه السلام - مبعوث إلى ~~الثقلين الجن والإنس، وقد نبه على ذلك أبو عمر بن عبد البر في التمهيد (1). # وكثيرا ما يذكر العلماء في مصنفاتهم كونه - صلى الله عليه وسلم - مبعوثا ~~إلى الثقلين، وربما يوجد ذلك لبعضهم في صدور تواليفهم. # فلا نحتاج إلى أن نطول بنقله، لأن الناس في ms351 الجملة مشتركون في إدراك ما ~~في هذا الفصل والعلم بمضمونه. PageV02P779 # ### | الباب الرابع: في أقسام الجن وحكم موازنتهم # قد ثبت بما تقدم أن الجن مخاطبون بالشريعة، وإذا كانوا مخاطبين بالشريعة ~~فلا بد أن ينقسموا إلى قسمين: مؤمنين وكفار، كما انقسم الإنس إلى هذين ~~القسمين. # ولما كان المؤمنون من الإنس ينقسمون إلى: مقربين، وأصحاب اليمين، فكذلك ~~المؤمنون من الجن ينقسمون إلى: صالحين، وإلى من دونهم في الصلاح. # فبنو آدم إذا ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: # - مقربين. # - وأصحاب اليمين. # - وأصحاب الشمال، كما تقدم ذكر ذلك أول الكتاب. # وكذلك الجن ينقسمون أيضا إلى ثلاثة أقسام: # - صالحين. # - ومن دون الصالحين في الرتبة. # - وكفار. # والدليل على ذلك قول الله تعالى حكاية عن الجن: {وأنا منا الصالحون ومنا ~~دون ذلك كنا طرائق قددا} [الجن: 11]. # PageV02P780 # # وقال عنهم: {وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ~~وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} [الجن: 13 - 14]. # فالصالحون هم (1) الطبقة العليا، ومن دون الصالحين هم الذين قالوا فيهم: ~~{وأنا منا المسلمون} فإن المسلمين أعم من الصالحين. # ونظيره في بني آدم: أصحاب اليمين، إذ يحتوي على المقربين وغيرهم. # ولم نطلق اللفظ في الجن بأن نقول: إن فيهم (2) مقربين وأصحاب اليمين، وإن ~~كانوا فيهم، لأنا اقتصرنا في حقهم على لفظ القرآن، فجعلنا لفظ الصالحين ~~منهم بإزاء المقربين من بني آدم، وجعلنا من دون الصالحين منهم بإزاء أصحاب ~~اليمين. # ومن الدليل على أن من (ق.153.أ) دون الصالحين هم من جملة المؤمنين ولم ~~يلحقوا بالصالحين قول الله تعالى في بني إسرائيل: {وقطعناهم في الأرض أمما ~~منهم الصالحون ومنهم دون ذلك} [الأعراف: 168]، فأخبر أنه فرقهم في الأرض ~~فرقا، ثم أخبر أن منهم صالحين وأن منهم من هو دون ذلك، يعني في الصلاح. # ويدل على أن من دون ذلك في هذه الآية إنما هم من المؤمنين قوله: ~~{وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون} [الأعراف: 168]. PageV02P781 # # فإن اختبارهم بالحسنات والسيئات) (1) مما يؤذن بإيمانهم، ولم يتعرض في ~~الآية إلى ذكر الكفار. # يبين ذلك أنه تعالى ذكر قسما ثالثا منهم فقال: {فخلف من ms352 بعدهم خلف ورثوا ~~الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا} [الأعراف: 169]. الآية. # وليس في ذلك ما يدل على التكفير لهم، أعني لهذا القسم الثالث، لكن ذمهم ~~سبحانه بإخلادهم إلى أخذ عرض الدنيا وإخبارهم أنه سيغفر لهم، وهم لم يسلكوا ~~الطريق التي توجب لهم المغفرة، ولا تابوا من ذنوبهم. # دل على ذلك قوله: {وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه} [الأعراف: 169]. # ولم يذم سبحانه الطبقة الثانية من حيث رجا رجوعهم إلى الصلاح المجرد ~~بقوله: {لعلهم يرجعون}. # ومقصودنا من هذا كون الله تعالى قال فيهم: {ومنهم دون ذلك} [الأعراف: ~~168]، كما قال عن الجن: {ومنا دون ذلك} [الجن: 11]. # فكما كان أولئك مؤمنين فكذلك هؤلاء ولا فرق. # وأما الكفار من الجن فهم الذين قال الله فيهم حكاية عن الجن (2): {ومنا ~~القاسطون} [الجن: 14]، وقال: {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} ~~PageV02P782 # # [الجن:15]، وهم الشياطين الذين قال الله فيهم: {ولقد زينا السماء الدنيا ~~بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير} [الملك: 5]. # وقد استقرينا القرآن والحديث فوجدنا لفظ الشيطان والشياطين كأنه إنما ~~يطلق على الكفار من الجن. # وذلك موافق لمن قال من أهل اللغة: إن الشيطان مشتق من قولهم: بئر شطون، ~~إذا كانت بعيدة القعر (1)، فكأن الكافر من الجن لما يئس من رحمة الله وبعد ~~عنها سمي شيطانا لذلك. # وهكذا إذا أطلق على من يطلق عليه من بني آدم بأنه شيطان إنما هو لبعده من ~~الخير. قال الله تعالى: {شياطين الإنس والجن} [الأنعام: 112]. # وقال جرير: # أيام يدعونني (2) الشيطان من غزلي ... وكن يهوينني إذ كنت شيطانا # يعني إذ كان في حال الجهالة باتباع الهوى والبعد عن الخير. # وأما لفظ الجن فيطلق على المؤمنين منهم والكفار، قال الله تعالى: {وإذ ~~صرفنا إليك نفرا من الجن} [الأحقاف: 29] وقال: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر ~~من الجن} [الجن: 1]. # وهذا ورد في المؤمنين. PageV02P783 # # وقال نبينا - عليه السلام -: «أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن» (1)، ~~فأثنى عليهم، وقال: «إن بالمدينة جنا قد أسلموا» (2). # وقال سبحانه في الكفار من الجن: {قال ادخلوا في أمم قد خلت من ms353 قبلكم من ~~الجن والإنس في النار} [الأعراف: 38]. # وقال: {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} [السجدة: 13]. # والجنة والجن واحد. # وقال النبي - عليه السلام -: «إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة ليقطع ~~صلاتي فأمكنني الله منه» (3). # وهذا الحديث يدل على أن بالمدينة كفارا من الجن كما فيها المسلمون منهم. # ويدل على ذلك أيضا قول النبي - عليه السلام - لأبي هريرة: «صدقك وهو ~~كذوب، ذاك الشيطان» (4). PageV02P784 # # فصل # إذا ثبت انقسام الجن إلى الثلاثة الأقسام المتقدمة ثبتت الموازنة لهم، إذ ~~بها يعلم الصالح الذي ترجح حسناته ومن هو دونه في الصلاح ممن ترجح حسناته ~~أيضا، وقد يكون فيهم من تستوي (1) حسناته وسيئاته، ومن ترجح سيئاته على ~~حسناته، لأن التكليف يقتضي وجود هذه الأقسام، من حيث إن المكلفين يتعذر أن ~~يكونوا جنسا واحدا لكونهم طبقات في الخير والشر. # وكما ثبتت هذه الأقسام للإنس فلتثبت للجن، إذ لا فرق، وهنالك أيضا يتبين ~~الكفار من الجن المخلدون في النار. # والدليل على ما قلناه أن الجن من أهل التكليف، وإذا كانوا من أهل ~~التكليف، دخلوا في عموم قوله تعالى: {والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه ~~فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم} [الأعراف: ~~8]. # وهذه الموازنة هي مثل موازنة بني آدم، وقد تقدم ذكرها حيث تكلمنا مع ~~الحميدي في الشطر الأول من الكتاب، فكل ما ذكرناه هنالك فهو مستتب هاهنا، ~~فلا نحتاج أن نطول بذكره وإعادته. # وينبغي أن نقول في هذه الأقسام كما قلناه في أقسام بني آدم: أن من رجحت ~~(ق.154.أ) حسناته من مؤمني الجن فهو في الجنة من غير عقوبة، ومن ~~PageV02P785 # # استوت حسناته وسيئاته فهو موقوف مع أهل الأعراف ومآله إلى الجنة. # ومن رجحت (1) سيئاته على حسناته انقسم جنسه إلى من يعفو الله عنه ~~ابتداءا، فلا تكون عليه عقوبة، وإلى من يقتص منه في النار، ثم يخرج منها ~~بعد القصاص إلى الجنة. # والدليل على هذا أن النبي - عليه السلام - مبعوث إلى الثقلين، وهما ~~مأموران باتباعه والعمل بشريعته، ولهما على ذلك الجزاء بالثواب والعقاب. # وقد صحت ms354 النصوص بما قلناه في حق الإنس فلزم أن يكون مثل ذلك في حق الجن، ~~إذ لا فرق بينهما، ونعني بالجن المكلفين منهم، ولا نبعد أن يكون فيهم ~~مجانين لا يلزمهم التكليف، وأطفال يموتون صغارا، فإن كانوا فيهم فحكمهم حكم ~~مجانين الإنس وصبيانهم ولا فرق. # وقد قال بعض المفسرين: في الجن يهود ونصارى ومجوس وعبدة أوثان (2)، ونحن ~~لا نثبت ذلك ولا ننفيه. # فإن صح هذا القول لزمهم من بلوغ الدعوة ما لزم بني آدم وترتب عليهم بعد ~~بلوغها من العقوبة إذا لم يؤمنوا ما ترتب على بني آدم، وقد نص الله تعالى ~~في كتابه العزيز على عقوبتهم بالنار فقال: {وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين} [هود: 119]. PageV02P786 # # ولا شك أنه إنما يعني بذلك الكفار من الصنفين، يدل على ذلك قوله لإبليس: ~~{لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} [هود: 119]. # وقوله تعالى: {فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون} [الشعراء: ~~94 - 95]. # ويدل على ذلك أيضا قوله: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} ~~[الأعراف: 179] فإن هذا الكثير الذي ذرأه عز وجل لجهنم من الصنفين جميعا هم ~~أتباع (إبليس، وبهم) (1) تمتلئ جهنم. # قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكاية عن الله تعالى أنه يقول ~~للجنة: «أنت رحمتي أرحم بك (2) من أشاء من عبادي، ويقول للنار: أنت عذابي ~~أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها» (3). # وإذا نص تعالى على أن كثيرا من الجن والإنس ذرأه لجهنم، فبقية الصنفين ~~وهم الذين لم يدخلوا في هذا الكثير لم يذرأهم سبحانه لجهنم، فهم لا يكونون ~~من أهلها، ولا يكون ذلك إلا لإيمانهم أو لعدم كفر من عذره الشرع، وإذا لم ~~يكونوا من أهلها ولا دار بعدها إلا الجنة فهم إذا في الجنة، إذ هي محل ~~الثواب والتفضل كما كانت النار محل العقاب والجزاء. PageV02P787 # # قال أهل العلم (1) في قوله تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} [الرحمن: ~~46]: إنه من أدل دليل على أن المؤمنين من الجن يثابون، وهو كذلك من حيث كان ~~الخطاب بالسورة ms355 كلها للجن والإنس على ما قدمناه (ق.154.ب). # (وإذا علمنا أن) (2) الله تعالى نص على الكفار من الجن بالعقاب في النار ~~كما تقدم، فنحن لا نشك بأن الثواب يكون للمؤمنين منهم في الجنة للتلازم ~~الذي يلزم بين المؤمنين والكفار، وبين الثواب والعقاب، وبين الجنة والنار ~~من المقابلة التي تقتضي انتفاء المقابل مع ثبوت مقابله. # وأيضا فقد قال الله تعالى حكاية عن من آمن من الجن: {يا قومنا أجيبوا ~~داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم} [الأحقاف: ~~31]. # وإذا غفر سبحانه لهم وأجارهم من العذاب الأليم كانوا عنده في محل ~~الكرامة، ولا يكون ذلك في القيامة إلا في الجنة. # وقد سمعت من يقول: إن بعض الناس ذكر أن الجن إذا دخلوا الجنة يكونون في ~~فحوص الجنة، ثم وقفت بعد ذلك على هذا المعنى منسوبا إلى سهل بن عبد الله ~~التستري، وذلك أن قال: مؤمنو الجن في صحاري الجنة وأطرافها كما هم في ~~الدنيا في صحاريها وأطرافها (3). # وهذا يحتاج إلى توقيف. PageV02P788 # # ثم نقول: إن من كان في الجنة في أي موضع منها فهو في النعيم المقيم، قال ~~- صلى الله عليه وسلم - في الذي يعطى عشرة أمثال الدنيا: «إنه أدنى أهل ~~الجنة منزلة» (1). # وهكذا من كان في النار في أي موضع منها فهو في العذاب الأليم، وإن خف ~~عقابه، كما أخبر - عليه السلام - عن أهون أهل النار عذابا، وهو من له نعلان ~~وشراكان من نار يغلي منهما دماغه، حيث قال: «فما يرى أن أحدا أشد منه ~~عذابا، وإنه لأهونهم عذابا» (2). # وفي لفظ آخر: «إنه يجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه» ~~(3). # وإذا كان أهون أهل النار عذابا يعتقد أنه أشدهم عذابا من حيث لا يحس إلا ~~بما نزل به، فما ظنك بمن هو وقود النار من الناس أو من الجن الذي هم حطب ~~جهنم؟، أعني: القاسطين الذين قال الله فيهم: {وأما القاسطون فكانوا لجهنم ~~حطبا} [الجن: 15]. # والقاسطون هم الجائرون عن الحق الناكبون عن الهدى، وهؤلاء هم الكفار ms356 من ~~الجن الذين هم (4) بإزاء أصحاب الشمال من الإنس، وهم الشياطين الذين قصدهم ~~تكفير الإنس وإضلال الخلق زائدا إلى كفرهم وإشراكهم. PageV02P789 # # قال الله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجادلوكم وإن ~~أطعتموهم إنكم لمشركون} [الأنعام: 121]. # فأخبر أن الشياطين يوسوسون أولياءهم من الإنس ويزينون لهم ما يجادلون به ~~المؤمنين، وأخبر أن من أطاع أولياء الشياطين فهو مشرك، لأن استمدادهم في ~~الإغواء والإضلال إنما هو من الشياطين الذين يضلونهم ويلقون إليهم من الكفر ~~ما يلقونه، والشياطين هم النهاية في الإشراك والإضلال، لأنهم جند إمامهم ~~إبليس لعنه الله وأعوانه الذين يمشون كفره. # فإنه أخزاه الله اتخذ (ق.155.أ) عرشا على البحر يحاكي به عرش الله تعالى، ~~واتخذ الشياطين خدمة وأعوانا (لتمشية) (1) مقاصده الذميمة، يحاكي (2) بهم ~~الملائكة المكرمين. # وإذا كانوا مدد إبليس وأتباعه في الكفر والإغواء في الدنيا فسيكونون مدده ~~وأتباعه في نار جهنم معذبين فيها معه على صفة الخلود أسفل سافلين، نعوذ ~~بالله من شرورهم، ونسأله سبحانه أن يحول بيننا وبينهم في عقائدنا وأعمالنا ~~ويجعلنا من جملة العباد المستثنين على إبليس في الإغواء والإضلال بمنه لا ~~رب غيره. PageV02P790 # # باب نختم به الكتاب. # اعلم أن أكثر الحديث الذي ذكرناه في هذا الكتاب في أثناء الكلام أو على ~~وجه الاستشهاد مخرج في الصحيحين أو في أحدهما، وليس فيه من الحديث الضعيف ~~أو المتكلم فيه إلا اليسير (1)، وتعذر علينا التكلم على إسناده لوجهين: # أحدهما: إن الكتاب مبني على طلب المعاني واستخراجها من أماكنها، وليس ~~موضوعا للتكلم على إسناد الحديث، ولو وضع لذلك لسلكنا فيه المسلك الذي ~~وضعناه في كتابنا الموسوم بكتاب: "إيجار المسالك في معرفة الحديث من موطأ ~~مالك". # إذ تكلمنا فيه على إسناد الحديث وإرساله وعرفنا بصحيحه من ضعيفه، وذلك ~~بالنظر في رواته ورجاله، لأن تأليف الموطأ يقتضي ذلك من حيث بنى مالك رحمه ~~الله على حديثه الأحكام. # والوجه الثاني: إن التكلم على إسناد الحديث في هذا الكتاب قاطع بالغرض ~~الذي يساق الحديث من أجله، (لأن سياق الكلام يقتضي ذكر الحديث) (2) ~~والاستشهاد به، فيكون ما قبله ms357 وما بعده في (3) حكم الاتصال، PageV02P791 # # ولذلك كثيرا ما نسوق الحديث مبتورا بذكر الفائدة المحتاج إليها من غير أن ~~نستوفيه (1) أو نسمي (2) راويه (3) من الصحابة أو مخرجه من المصنفين. # وإنما فعلنا ذلك توقيا من قطع الكلام، واعتمادا على شهرة الحديث، واتكالا ~~على أن من يقف عليه من أهل الصناعة لا يخفى عليه موضعه، وقد نسبنا الحديث ~~إلى من رواه ومن خرجه في المواضع التي اقتضاها النظر، وبهذا التنبيه الذي ~~ذكرناه الآن في الحديث فرغ الكلام بحمد الله على هذا الكتاب، وهو قد احتوى ~~على شطرين: # أحدهما: الكلام مع الحميدي رحمه الله فيما تضمنه كتابه. # والثاني: الكلام على القسمين الذين (ق.155.ب) (استدركناهما) (4) عليه. # وقد وفينا في الشطرين بما شرطناه، ووصلنا في تحقيق كل واحد منهما إلى ما ~~أردناه (5) من غير استعانة بكلام مؤلف أو تهذيب مصنف، أعني فيما يرجع إلى ~~استنباط المعاني والتفقه فيما استشهدنا به من كتاب الله وسنة رسوله بما (6) ~~يقتضيه النظر، وهو معنى الكتاب. PageV02P792 # # وإنما قلنا هذا تحرزا (1) مما جلبنا فيه على وجه النقل عن (2) أهل ~~التفسير وأصحاب السير والأخبار فيما احتجنا إليه أو على وجه إيراد الخلاف ~~في حكم الأطفال. # ولا غرو أن من حاول استخراج علم لم يجد من العلماء من ينبه عليه، ولا ~~ألفى من أهل الإدراك من يطرق له الطريق إليه فإنه يستوحش وإن أصاب، ويتهم ~~نظره وإن أحسن، ويستقصر قوله وإن أجاد. # وأنا أعترف بأني إنما قلت في الكتاب ما قلت وأودعت فيه ما أودعت مستنهضا ~~للخاطر، مستجمعا للقريحة، مستعينا بإمداد الله وتوفيقه، معتمدا عليه سبحانه ~~في إبراز الحق وإدراك المطلب، وإني لأرجو أن كتابنا هذا إذا رآه المنصف (3) ~~المتثبت يعلم قدر الاعتناء به في الملاحظة لقواعد الشرع والتحري (4) للصواب ~~والبعد عن الانتقاد. # وينبغي أن يعلم أن قولنا لم نجد من العلماء من ينبه عليه إنما عنينا به ~~ما نذكره، وهو أن الشطر الثاني الذي لم يلم به الحميدي اخترعنا الكلام عليه ~~جملة إلا ما تخلله من النقل المجرد عن الاسترواح إلى تلك المعاني ms358 المخترعة. ~~PageV02P793 # # وإن الشطر الأول الذي تكلمنا فيه مع الحميدي لم نجد من كلام غيره من ~~العلماء ما نستعين به في الرد عليه، وإبراز الصواب من قوله، فكل ما تكلمنا ~~عليه هنالك (1)، فإنما هو من تلقاء أنفسنا بعون الله لنا. # ونحن مع ذلك نجوز الوهم والغلط علينا، إذ القصور هو الغالب على البشر. # ولنعرف هاهنا بشيء يقتضي الحال التعريف به، وهو أنا لما تكلمنا على كلام ~~الحميدي في الشطر الأول مضت فيه نكت ومعان يجب الوقوف عليها، مثل كلامنا ~~على حديث أنس في الشفاعة وعلى ما يحتمله من التأويل. # ومثل ردنا على الحميدي في الأقسام التي قصد إلى تنظير بعضها ببعض فيمن ~~يسبق منها إلى دخول النار وإلى الخروج منها. # ومثل كلامنا معه في كونه يجعل الإيمان يوزن، واستدلالنا نحن على أنه لا ~~يوزن. # ومثل ردنا عليه في الأربع الطبقات التي جعلها متساوية في درجات الجنة، ~~واثنتان (ق.156.أ) منهما (2) دخلتا النار، واثنتان لم تدخلاها أصلا. # وغير هذا مما هو مذكور هنالك (في أثناء فصول) (3) الكتاب. PageV02P794 # # فليتأمل جميع ذلك الناظر فيه وليعلم أن التبويب على ما أشرنا إليه من تلك ~~المعاني منعنا منه كون كلامنا مرتبا على كلام الحميدي، وكلامه غير مبوب ~~فجعلنا كلامنا (1) غير مبوب، إذ لم تعطنا الحال غير ذلك. # فإن كلامنا هو كالشرح لكلامه، فإذا وجدناه قد ألم فيه بمعنى بسطناه، أو ~~رددنا عليه بكلام نخرج فيه إلى معنى بديع أو فائدة مستحسنة. # وربما ترجمنا في بعض المواضع بلفظة "باب" إشعارا بأن الكلام مستأنف عن ~~(2) كلام الحميدي، كما فعلنا في تقسيم أهل الموازنة إلى خمسة أقسام والتكلم ~~على كل قسم منها وعلى نفس الموازنة، ومثل تقسيمنا أهل التكليف باعتبار آخر ~~إلى أربعة أقسام، وكلامنا على كل قسم منها، ومثل كلامنا مع أبي محمد بن حزم ~~على قوله تعالى: {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره} [الانشقاق: 10]. # وبالجملة فلم يسعنا أن نخرج الشطر الأول عما بنيناه عليه من كلام ~~الحميدي، فنجعله تأليفا برأسه بحيث نبوبه على وفق اختيارنا كما فعلناه في ms359 ~~الشطر الأخير من الكتاب، وهو المحتوي على القسمين المستدركين، إذ رتبناهما ~~وبوبناهما على حسب ما رأيناه فيهما لكوننا لم نتقيد فيه بكلام أحد. # فإن قيل: فإذا كان كتابكم هذا قد احتوى على الشطرين المذكورين وهما في ~~القدر متكافئان، والشطر الثاني منهما لم يشترك معكم في الكلام عليه أحد كما ~~ذكرتم، والشطر الأول -وإن شرككم فيه الحميدي- فأنتم لم PageV02P795 # # تسلموا من أقواله إلا القليل، وأكثر ما تضمنه كلامكم، فلم بنيتم كتابكم ~~على كتابه؟ وهلا جعلتموه كتابا مستقلا بنفسه، وذكرتم فيه أقوالكم التي ~~ارتضيتموها مجردة عن ذكر أقوال الحميدي وعن الانتقاد عليه؟ # فالجواب: أن الذي فعلناه في ارتباط هذا الكتاب أولا بكتاب الحميدي إنما ~~حملنا عليه ثلاثة أوجه: # أحدها: إن الوقوف على كتاب الحميدي كان السبب في التصفح للمعاني المودعة ~~فيه، فإنه رحمه الله ألم في الكلام عليها بأشياء تفطن لها من الحديث، فهو ~~وإن لم يتخلص فيها لم يسبق إليها. # فلما وقفنا على كتابه وأدركنا عليه الانتقاد فيه لأول وهلة ثم أخذنا في ~~تأليف تلك المعاني ونظمها، رأينا أن من الإنصاف ألا نطرح كلامه فسقناه ~~منسوبا إليه من (ق.156.ب) (غير أن نحذف منه) (1) شيئا، ثم أتبعناه كلامنا ~~بعد. # ولا يضر كوننا نخالفه في بعض ما يقوله، إذ (الفضل له في التقدم إلى) (2) ~~تلك المآخذ اللطيفة. # الثاني: إن ظهور الحق في الشيء (المتكلم عليه إذا) (3) كان الكلام فيه ~~بين اثنين أكثر من ظهوره إذا تكلم المنفرد (4) فيه وح (ده من حيث) (5) إن ~~PageV02P796 # # النظر يجذبه (1) من الجهتين (2) ويستولي عليه من الجانبين، فإن كلام ~~الاثنين ينزل منزلة كلام المتخاصمين. # والمتخاصمان لا بد أن يدلي كل واحد منهما بحجة فيما يخاصم فيه، ولعل ~~أحدهما أن يكون ألحن بحجته من صاحبه، فإذا وقف المحقق على كلام الحميدي ~~أولا ثم وقف على كلامنا ثانيا، وتأمل الجميع على جهة الإنصاف تبين الصواب ~~وعلم من هو منا أسعد بفهم الشريعة. # الثالث: إن البحث عن المعاني المستنبطة في هذا الكتاب لا سيما في الشطر ~~الأول منه والدخول فيها ابتداءا من المضايق ms360 التي ينبغي التنكيب عنها، إذ ~~كان ذلك من أحكام الآخرة، فإذا وجد من العلماء من تكلم في ذلك كان أسوة ~~لغيره وقام العذر لمن يريد أن يتكلم فيه. # والحميدي رحمه الله وجدناه قد سبق إلى الكلام في تلك المعاني فرأينا أن ~~اتباعه على ذلك بأن نبني (3) كتابنا على كتابه وكلامنا على كلامه أولى بنا ~~وأعذر لنا. # وقد ألم أبو محمد بن حزم رحمه رحمه الله في كتاب الفصل (4) من تأليفه ~~بأشياء مما ذكرها الحميدي، لكن الحميدي زاد عليها بالتتبع لها، وإضافة ما ~~يشاكلها إليها، حتى استحقها على ابن حزم وصيرها تأليفا قائما بنفسه من ~~PageV02P797 # # غير أن يدخل فيه ما ليس منه، ولو سلم من الانتقاد، لكان مع صغر حجمه ~~كتابا نبيلا. # ولغيبة مواضع الانتقاد فيه على أبي محمد بن حزم وموافقته له فيما وافقه ~~فيه استحسن كتابه ورواه عنه على ما قدمناه في صدر الكتاب. # والله سبحانه ينفعنا أجمعين بما علمنا، ويجعل لوجهه خالصا ما به ~~استعملنا، ويصيرنا جميعا من حزبه المفلحين، ويدخلنا معا في زمرة عباده ~~المخلصين، وصلى الله على محمد خاتم النبيئين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ~~والحمد لله رب العالمين. # PageV02P798 # # يوجد في آخر النسخة ما يلي: # بلغت المقابلة بأصل مؤلفه فصح، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على ~~محمد رسوله الكريم وعلى آله الطيبين الطاهرين وسلم تسليما. # وكان الفراغ منها في الحادي عشر من جمادى الآخرة من عام ثلاث وستمائة. # وكتب في هامش النسخة: بلغت المقابلة فصح (بحمد) (1) الله وحسن عونه في (. ~~.) (2) الأخر سنة ثلاث وستما (ئة) (3). # بلغت المقابلة ثانيا بأصل مؤلفه نفعه الله به وجعله له خالصا لو (ج) ه ~~(ه) فصح بحمد الله تعالى وحسن ع (ونه). # بلغت المقابلة ثالثة مع مؤ (لفه) (4) أعزه الله فصح بحمد الله وكا (ن) ~~(5) الفراغ منها (. .) (6) ثلاث. PageV02P799 # ### | مراتب الجزاء # يوم القيامة # لأبي عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي (المتوفى سنة 488) # تحقيق: مصطفى باحو # PageV02P800 # ### | ترجمة أبي عبد الله الحميدي # هو أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد ms361 الله بن فتوح بن حميد ~~الأزدي الحميدي الأندلسي الميورقي. # شيوخه: أخذ بالأندلس عن أبي عمر بن عبد البر النمري وأبي العباس أحمد بن ~~عمر بن أنس العذري وغيرهما. # ثم رحل إلى بلاد المشرق سنة: 448. # ومن شيوخه بمصر: أبو عبد الله القضاعي، وأبو إسحاق الحبال، وحج فلقي بمكة ~~كريمة المروزية وغيرها. # ومن شيوخه ببغداد: أبو بكر الخطيب بن ثابت البغدادي، والأمير أبو نصر بن ~~ماكولا. # ثم استوطن بغداد إلى أن توفي بها سنة 488ه. # من تلاميذه: أبو نصر بن أبي مسلم النهاوندي، وأبو بكر محمد بن طرخان ~~البغدادي، وأبو علي حسين بن محمد الصدفي، وأبو الحسن عباد بن سرحان ~~المعافري، وغيرهم. # وصفه أبو علي الصدفي بالإتقان والدين. # وقال الضبي في البغية (106): فقيه عالم محدث عارف حافظ إمام متقدم في ~~الحفظ والإتقان ... وكان رحمه الله نسيج وحده حفظا ومعرفة بالحديث ورجاله. # PageV02P801 # # وقال الذهبي في السير (19/ 120): الإمام القدوة الأثري المتقن الحافظ شيخ ~~المحدثين أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد ~~بن يصل الأزدي الحميدي الأندلسي الميورقي الفقيه الظاهري صاحب ابن حزم ~~وتلميذه. # انظر ترجمته في الصلة لابن بشكوال (438)، وبغية الملتمس (106) وسير أعلام ~~النبلاء (19/ 120)، وتذكرة الحفاظ (4/ 1218)، والبداية والنهاية (12/ 163) ~~والشذرات (5/ 390) وطبقات الحفاظ (446) وغيرها. # PageV02P802 # ### | تمهيد ### | النسخ المعتمدة # اعتمدت في إخراج هذا الكتاب على كتاب تحرير المقال الآتي ذكره، وقد قال ~~عقيل القضاعي في مقدمته: وقد رأينا أن نفصل بين كلامنا وكلامه (1)، بحيث ~~يمتاز أحدهما من الآخر، وذلك بأن ننقل كلامه بلفظه، فإذا كمل أردفنا عليه ~~فصلا أو فصولا متتابعة من كلامنا لتحسين ما قاله أو لانتقاده وتبيين وهمه، ~~أو لتتميم معناه إن أخل به، أو لتقسيم حاصر لما يقصد به، أو لإيراد ما يليق ~~بذلك الموضع مما لم يلم هو به، أو ألم به على وجه آخر. # فإذا كمل ذلك رجعنا إلى نقل لفظه أيضا، ثم عدنا إلى تلك الفصول كذلك، حتى ~~يفرغ مقصودنا بحول الله في هذا الكتاب، ولم نترك من كلام الحميدي في كتابه ~~المذكور شيئا، ms362 بل سقناه على ما هو عليه، بحيث لو شاء ناقل أن ينقل كتابه من ~~المواضع التي ذكرناه فيها، فيها حتى يختزل برأسه عن مجموع هذا الكتاب أمكنه ~~ذلك. # وقال في خاتمة كتابه عن الحميدي: فلما وقفنا على كتابه وأدركنا عليه ~~الانتقاد فيه لأول وهلة، ثم أخذنا في تأليف تلك المعاني ونظمها، رأينا أن ~~من الإنصاف ألا نطرح كلامه فسقناه منسوبا إليه من غير أن نحذف منه شيئا، ثم ~~أتبعناه كلامنا بعد. انتهى. # وهذا نص واضح جلي في تضمن كتاب تحرير المقال لجميع مضمن PageV02P803 # # كتاب الحميدي، فاعتمدت في تحقيق كتاب الحميدي على شرحه تحرير المقال. # وبالتالي فالنسخ المعتمدة في تحرير المقال هي نفسها المعتمدة في كتاب ~~الحميدي. # وقد نسب هذا الكتاب لمؤلفه الحافظ ابن حجر، حيث قال في الفتح (11/ 398): ~~وفي حديث أبي أمامة في نحو حديث أبي سعيد: إن الله يقول لا يجاوزني اليوم ~~ظلم ظالم، وفيه دلالة على موازنة الأعمال يوم القيامة، وقد صنف فيه الحميدي ~~صاحب الجمع كتابا لطيفا، وتعقب أبو طالب عقيل بن عطية أكثره في كتاب سماه: ~~"تحرير المقال في موازنة الأعمال". # PageV02P804 # ### | [نص الكتاب] # قال أبو عبد الله الحميدي: الحمد لله على ما وهب من فضله وخص من جميل ~~صنعه وطوله، وصلى الله على محمد عبده ورسوله وسلم تسليما، أما بعد. # قسم الله لك من الخير أكمله قسما، وأوفره نصيبا، وزادك من آلائه، وأوتر ~~عليك من نعمائه، فإنك أشرت إلي فيما جرى في مجلس شيخنا أبي محمد (1)، يعني ~~ابن حزم، أدام الله توفيقه من مسألة الموازنة، وتقسيم طباق أهلها، ورغبت أن ~~أقيدها لك بدقتها، وأثبتها بحقائقها وكثرة أقسامها لنبوء أكثر الأفهام عنها ~~دون تقييد ولا إثبات. # وأنا إن شاء الله تعالى واقف عند ما أشرت به وآخذ فيما رغبت فيه، مستوعبا ~~لكل ما توجبه القسمة وتقتضيه الرتبة، مما تنتج لي وظهر إلي بعد، حسبما ~~أفهمنيه الله تعالى، وأقدرنيه عليه، وإن كان أصله ما نبه عليه شيخنا أبو ~~محمد أعزه الله في ذلك المجلس (2). # فلا غرو، فالكلمة الواحدة ms363 تقتضي معاني كثيرة، والجنس المفرد يعم أنواعا ~~عظيمة، والأصل الواحد ينتج فروعا جمة، وستقف في كل ذلك على البرهان فيه على ~~نحو ما التزمناه عقدا وقولا، ولله تعالى الحمد بدءا وعودا، وبه عز وجل ~~نستعين، لا إله إلا هو. PageV02P805 # # وهذا حين نأخذ في سبيل ذلك ونبين حقيقة مذهبنا فيه، وظهور برهاننا له (1) ~~إن شاء الله، فنقول وبالله التوفيق: # قد صح النص على ما نبين بعد هذا أن جميع ولد آدم - عليه السلام - عند ~~الله تعالى على ثلاث طبقات: الأولى هم المقربون، وهم النبيون عليهم السلام ~~والشهداء فقط. # وهؤلاء ناهضة (2) أرواحهم إلى الجنة إثر خروجها من أجسامهم عن هذا العالم ~~الذي نحن فيه، وبرهان ذلك أنه لم يختلف مسلمان في أن الأنبياء عليهم السلام ~~الآن في الجنة، وكذلك الشهداء. # وقد صح هذا بالنص وأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3) أنه رأى ~~الأنبياء عليهم السلام في ليلة الإسراء به (4): «آدم في سماء الدنيا، ويحيى ~~وعيسى عليهما السلام في الثانية، ويوسف - عليه السلام - في الثالثة، وإدريس ~~- عليه السلام - في الرابعة، وهارون - عليه السلام - في الخامسة، وموسى ~~وإبراهيم عليهما السلام في السادسة والسابعة». PageV02P806 # # وبهذا قطعنا على أن السماوات هي الجنات ضرورة لصحة الإجماع على أن ~~أرواحهم في الجنة من الآن، ومن المحال أن يكونوا في مكانين مختلفين في وقت ~~واحد. # وكذلك جاء النص أيضا في الشهداء من طريق ابن مسعود وغيره، قال الله ~~تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم} [آل ~~عمران: 169]. # وإذا صح أن الشهداء في الجنة فمن المحال أن يكون أحد في أفضل مرتبة وأعلى ~~محلة من الأنبياء عليهم السلام، فصح أنهم متقدمون في هذه المنزلة ومستأهلون ~~لها، لا يجوز غير ذلك. # والطبقة الثانية: أصحاب الشمال وهم الكفار يقينا بالنص، لقوله تعالى في ~~سورة الواقعة: {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم وظل من يحموم ~~لا بارد ولا كريم إنهم كانوا قبل ذلك مترفين وكانوا يصرون على الحنث العظيم ~~وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ms364 ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أو آباؤنا ~~الأولون قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ثم إنكم أيها ~~الضالون المكذبون} [الواقعة: 41 - 51]. # فنص تعالى على (1) أنهم لا يؤمنون بالبعث وأنهم مكذبون، والمكذب كافر بلا ~~تأويل. PageV02P807 # # وكذلك قال الله عز وجل في آخر السورة إذ ذكر التقسيم: {وأما إن كان من ~~المكذبين الضالين} [الواقعة:92]. # وأيضا فإن الله تعالى خاطب الجميع فقال: {إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال ~~بسا فكانت هباء منبثا وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ~~وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون في ~~جنات النعيم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين} [الواقعة:4 - 14]. # وليس الكفار بيقين من السابقين المقربين، ولا هم بلا شك من أصحاب اليمين، ~~وهم أصحاب الميمنة، فلم يبق إلا ما قلنا ضرورة. # وقال عز وجل أيضا: {ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا ~~بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة عليهم ~~نار مؤصدة} [البلد: 17 - 20]. # وهذا نص جلي بما قلنا من أن الكفار هم أصحاب المشأمة، وهم أصحاب الشمال ~~بنص القرآن. # والطبقة الثالثة: هم أصحاب اليمين وهم أصحاب الميمنة، وهم جميع المؤمنين ~~محسنهم ومسيئهم، حاشى من ذكرنا من الأنبياء والشهداء لما قدمنا قبل. # PageV02P808 # # وأيضا فإنه قد صح عنه - عليه السلام - أنه رأى عن يمين آدم وشماله ~~(ذريته) (1)، وأن أهل السعادة عن يمين آدم - عليه السلام -. # والإجماع قد صح بما جاء به (2) النص من أن من (3) سوى الأنبياء والشهداء ~~فليسوا الآن في الجنة، فلم يجز أن يخرج عن هذا الموضع الذي هو عن يمين آدم ~~- عليه السلام - أحد، فيقال: إنه في الجنة من الآن إلا من جاء النص ~~باستثنائه، وهم الأنبياء والشهداء فقط، وسائرهم هناك عن يمين آدم - عليه ~~السلام - حيث رآهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذه قسمة ضرورية. # وإذ قد صح أن السابقين المقربين هم الشهداء بعد الأنبياء عليهم السلام، ~~وأن أصحاب المشأمة هم الكفار، فلم تبق إلا الطبقة الثالثة فهي لهم بيقين. # ومن البرهان أيضا ms365 على ما قلناه أن الله تعالى رتبهم على ثلاث طبقات: ~~السابقون المقربون في جنات النعيم، وأصحاب اليمين، وأصحاب المشأمة. # فلو كان أصحاب اليمين في الجنة بدءا من الآن لكانوا طبقتين فقط، وكذلك لو ~~كان الأنبياء والشهداء مع سائر المؤمنين في محلهم حيث هم الآن لكانوا ~~طبقتين أيضا، ولكانت الثالثة ساقطة، وهذا باطل. PageV02P809 # # فصح ما قلناه من الفرق بين المقربين وبين أصحاب اليمين، وتناظرت النصوص ~~كلها، وتبين أن أصحاب اليمين وإن كانوا قد ذكر الله أنهم: { في سدر مخضود ~~وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وفرش ~~مرفوعة إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا لأصحاب اليمين ثلة ~~من الأولين وثلة من الآخرين} [الواقعة:28 - 40] فإنما هذا بنص الآية على ما ~~يصيرون إليه بعد الحساب يوم القيامة بلا شك لما ذكرنا. # يؤيد هذا قول الله عز وجل في آخر السورة نفسها: {فلولا إذا بلغت الحلقوم ~~وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن كنتم غير ~~مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة ~~نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من ~~المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم إن هذا لهو حق اليقين فسبح باسم ~~ربك العظيم} [الواقعة: 83 - 96]. # فنص تعالى على أن هذه حالهم وقسمهم فجعلهم أيضا ثلاث طبقات: # أولها: المقربون المعجل لهم الجنة والنعيم. # وثانيها: أصحاب اليمين الذين لهم السلام معجلا فقط. # وثالثها: المكذبون الضالون، وهذا بين. # ثم قد صح بالنص والإجماع أن الكفار مخلدون في النار غير خارجين منها أبدا ~~بعد دخولهم فيها يوم القيامة، وصحت أيضا بنص القرآن # PageV02P810 # # الموازنة، وأنه لا يجزى أحد إلا بما كسب، وصح عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه ذكر من يخرج من النار على مراتب، وأنه يقدم من في قلبه مثقال ~~شعيرة، ثم مثقال برة، ثم مثقال كذا، على حسب ما ذكر من المقادير مع قول لا ~~إله إلا الله، ms366 فلم يبق إلا أنهم المؤمنون المسيئون بيقين لاشك فيه. # ونحن ذاكرون نص الحديث، إذ الغرض تبين ما فيه من المقادير، وليكون أقرب ~~لفهم ما تعلق من هذه المسألة به، لكونه حاضرا معها متصلا بها، إن شاء الله ~~فنقول، وبالله تعالى التوفيق: # إنه قد روى الثقتان: سعيد بن أبى عروبة وهشام صاحب الدستوائي كلاهما عن ~~قتادة عن أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يخرج من النار ~~من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من ~~النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج ~~من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة». (1) # هذا نص الحديث رويناه من طريق مسلم بن الحجاج في الصحيح، ورويناه من طريق ~~حماد بن زيد عن معبد بن هلال العنزي (2) قال: انطلقنا إلى أنس بن مالك ~~وتشفعنا بثابت فانتهينا إليه، وهو يصلي الضحى فاستأذن لنا PageV02P811 # # ثابت فدخلنا عليه فأجلس (1) ثابتا معه على سريره فقال له: يا أبا حمزة إن ~~إخوانك من أهل البصرة يسألونك أن تحدثهم حديث الشفاعة فقال: حدثنا محمد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا كان يوم القيامة ماج الناس ~~بعضهم إلى بعض فيأتون آدم فيقولون له اشفع لنا إلى ربك فيقول: لست لها، ~~ولكن عليكم بإبراهيم، فإنه خليل الله». # وذكر الحديث إلى قوله - عليه السلام -: فأقول: «(رب) أمتي أمتي، فيقال: ~~انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها ~~فأنطلق فأفعل، ثم أرجع (2) إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا ~~فيقال لي (3): يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع. ~~فأقول: أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من ~~إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم ~~أخر له ساجدا فيقال لي: ms367 يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع ~~تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى ~~أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل». ~~PageV02P812 # # ثم قال: إنهم خرجوا من عند أنس فأتوا الحسن بن أبي الحسن البصري فزادهم ~~في هذا الحديث: إن أنسا حدثهم به عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفيه: ~~«ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال ~~لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول: يا رب ~~إيذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: ليس ذلك لك، أو قال ليس ذلك إليك، ~~ولكن وعزتي وكبريائي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله»، وذكر باقي ~~الخبر (1). # وقد جاء من طريق (2) ثابتة مجيء التواتر. # ففي هذا بيان المقادير التي جعلها الله تعالى سببا لخروجهم من النار ~~بالشفاعة على حسب مآلهم منها تفضلا من الله عز وجل، إذ جعل ما اكتسبوا من ~~الخير وعملوه مما قد كان الله تعالى هو الموفق له، والمعين عليه، والمهيئ ~~لآلات الاكتساب له، سبيلا إلى الفوز والنجاة، تغمدا منه برحمته لهم، كما ~~شاء لا إله إلا هو. # وفيه أن تلك المقادير المذكورة من مثقال برة وذرة إنما هي مما سوى ~~الإيمان، الذي هو قول لا إله إلا الله، لكن من سائر الأعمال التي تسمى ~~إيمانا أيضا، لقوله تعالى فيمن قال لا إله إلا الله، وليس له غيرها: «ليس ~~ذلك لك». PageV02P813 # # وأبانهم عن أهل تلك المقادير لتوحده عز وجل بإخراجهم من النار. # وهذا بين والحمد لله. # وهذا أيضا يبين أن الذي توحد الله عز وجل بإخراجهم من النار فيمن قال لا ~~إله إلا الله، ولم يعمل خيرا قط، إنما هو من قالها مرة واحدة فقط مصدقا ~~ومات على ذلك، لأن قول لا إله إلا الله حسنة، فإذا كررها حصلت له حسنة ~~أخرى، فهو أزيد خيرا ممن لم ms368 يقلها إلا مرة واحدة فقط. # ونص الخبر يدل على أن الذين توحد الله تعالى بإخراجهم برحمته لا بالشفاعة ~~إنما هم من ليس في المؤمنين أحد أقل خيرا منهم، (1) # هذا نص الخبر المذكور وغيره من الآثار الثابتة عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - (2) الواردة في هذا الباب. # ثم إنا وجدنا أصحاب اليمين من جميع المؤمنين، وهم الطبقة الثانية من ~~الطبقات التي ذكرنا أيضا ينقسمون في الموازنة أقساما ثلاثة: # - إما متساو خيره وشره. # - وإما من رجحت حسناته على سيئاته، فهذا فائز بنص القرآن. # - وإما من رجحت سيئاته مع ما معه من الكبائر على حسناته. PageV02P814 # # فهذا يقتص منه بما فضل من معاصيه على حسناته من لفحة إلى آخر من يخرج من ~~النار، على ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمقدار قلة شره وكثرته، ~~وقال تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} ... [هود: 114]. # وقد صح أن أهل الأعراف من أحد هذه الأقسام، إذ ليس لها رابع، وليسوا بلا ~~شك من الطبقتين اللتين ذكرنا آخرا فوجب أنهم الطبقة التي ذكرنا أولا، فإنه ~~لم يبق غيرهم، وهذه قسمة ضرورية. # ثم رجعنا إلى المؤمنين الذين وجب الاقتصاص منهم بالنار بزيادة شرهم على ~~خيرهم فوجدناهم ينقسون فيما لهم من الخير والشر على أقسام أربعة، ثم تتشعب ~~هذه الأربعة الأقسام على اثني عشر قسما: # فالأربعة الأول: كثير الخير كثير الشر، كثير الخير قليل الشر، قليل الخير ~~قليل الشر، قليل الخير كثير الشر. # إلا أن أهل هذه التقسيمات كلهم قد فاض شرهم وما معهم من الكبائر على ~~خيرهم، وهؤلاء يحتسب لهم بكلية ما مع كل امرئ منهم من الخير وبكلية ما معه ~~من الشر، إذ لكل ذلك حظ من المراعاة والحساب، فإذا اقتص منه فيما فضل له من ~~الشر حتى يفضل له من الخير شيء مالا أقل منه، وهو التصديق بالإسلام والنطق ~~بذلك مرة واحدة، وقع الخروج حينئذ من النار بالشفاعة التي رحم الله تعالى ~~بها عباده المؤمنين المسرفين على أنفسهم. # وقد علمنا أن من عمل من كل أعمال ms369 الخير فرضها وتطوعها ثم قتل النفس وعمل ~~من كل الكبائر، فإنه بالإضافة إلى من لم يعمل شيئا من الخير وشارك في ~~الكبائر مشاركة المذكور قبله سواء سواء، أخف عذابا، وأقل في # PageV02P815 # # النار مكثا، على ما أوجبته النصوص المذكورة. # وهكذا (1) الحكم في قلة الشر وكثرته مع قلة الخير أو كثرته. # فلنتكلم الآن بعون الله تعالى وعصمته في كثير الخير كثير الشر مع قليل ~~الشر كثير الخير بالإضافة إليه فوجدناهما قد استويا في كثرة الخير، واختلفا ~~في كمية الشر، نعني في قلته وكثرته. # وقد علمنا بتقسيم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خبره الصادق (2) ~~من خروج من له مقدار الشعيرة من الخير معا، ثم خروج من له مقدار البرة من ~~الخير معا، ثم كذلك سائر المقادير في القلة، أن الخروج من النار لأهل كل ~~مقدار منها، يكون معا بلا شك في ذلك. # وعلمنا بالنص أنهم معاقبون ومقتص منهم فيما كسبوا من الشر فلم يبق إلا أن ~~الكثير الشر مقدم في الدخول في النار على القليل الشر بمقدار ما زاد شره ~~على شر الآخر، ليكون خروجهما معا بعد أن يقتص من كل واحد منهما بمقدار ما ~~فضل له من الشر على ما معه من الخير. # وليس في الممكن أن يكون دخولهما في النار معا بلا شك، إذ لا شك في أنه ~~كان يتم الاقتصاص من الأقل شرا قبل تمامه من الأكثر شرا فيخرج من النار قبل ~~خروج من له من الخير كالذي له سواء سواء، وهذا خلاف نص الحديث. PageV02P816 # # اللهم إلا أن يكون وجه آخر وهو أن يزاد في كيفية عذاب من هو أكثر شرا، ~~ويفتر من عذاب من هو أقل شرا، فيكونا قد اتفقا في مدة العذاب واختلفا في ~~شدته وتهوينه، فهذا أيضا ممكن، والله أعلم بأيهما يكون إلا أنه لابد من أحد ~~الوجهين، إذ ما عداهما مخالف لوحي الله تعالى إلى رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وما خالف الوحي فهو باطل بلا شك. # ثم نظرنا في قليل الخير قليل الشر ms370 مع قليل الخير كثير الشر فوجدناهما قد ~~استويا في قلة الخير واختلفا في كمية الشر، نعني في قلته وكثرته (1) فصح ~~خروجهما من النار معا ولابد، إذ مقدار خيريهما واحد. # فإذ (2) ذلك كذلك فلا بد من تقديم كثير الشر في دخول النار، إذ مقدار ~~الاقتصاص منه أكثر من مقدار الاقتصاص من الذي هو أقل شرا منه فيقدم عليه ~~بمقدار ما يقتص منه من الزيادة التي تزيد على شر الآخر ضرورة، ثم يدخل ~~الآخر (3) ليكون خروجهما (من النار) (4) معا. # والوجه الآخر كما قدمناه وهو أن يدخلا النار معا فيزاد في عذاب الأكثر ~~شرا، ويفتر عذاب الأقل شرا، فيتفقان (5) في المدة ويختلفان في شدة العذاب ~~وتهوينه، والله أعلم. PageV02P817 # # ثم نظرنا في كثير الخير كثير الشر مع قليل الشر قليل الخير، فوجدناهما قد ~~اختلفا في كمية الشر وكمية الخير، وقد علمنا أن الأكثر خيرا أسرع خروجا من ~~النار، وأن الأكثر شرا أكثر عقوبة، فصح أن الأكثر شرا يقدم بيقين في الدخول ~~في النار قبل الأقل منه شرا، وأنه أيضا وإن تقدم في دخول النار، فإنه ~~المقدم في الخروج منها قبل الآخر، لأنه أكثر منه خيرا. # وأن القليل الشر وإن تأخر في دخول النار بعد الذي هو أكثر منه شرا، فإنه ~~أيضا يتأخر في الخروج منها بعده، لأنه أقل منه خيرا. # أو وجه آخر، وهو: أن يدخلا النار معا ويزاد في عذاب الأكثر شرا ليستوفى ~~القصاص منه في قليل المدة فيخرج قبل الذي هو أقل خيرا منه ولابد، ويفتر في ~~عذاب الأقل شرا، وتطول مدته، فيكون خروجه منها ولابد مع طبقته، وبعد خروج ~~من هو أكثر خيرا منه، هذا ما لا يمكن سواه أصلا. # ثم نظرنا في كثير الخير قليل الشر مع قليل الخير كثير الشر فوجدناهما قد ~~اختلفا في قلة الخير وكثرته، وفي قلة الشر وكثرته، فعلمنا يقينا أن الأكثر ~~شرا يدخل النار قبل الأقل شرا، وأنه أيضا يخرج منها بعده لقلة خيره عن خير ~~الآخر. # والوجه الآخر، وهو: أن يدخلا معا في النار ms371 فيتم القصاص من القليل الشر ~~قبل تمام القصاص من الأكثر منه شرا، فيخرج الأكثر خيرا قبل خروج الأقل خيرا ~~ولابد. # ثم نظرنا في كثير الخير كثير الشر مع قليل الخير كثير الشر فوجدناهما ~~متفقين في كثرة الشر مختلفين في قلة الخير وكثرته، فالأكثر # PageV02P818 # # خيرا مقدم في دخول النار على القليل الخير، ليتم القصاص منه قبل تمام ~~القصاص من الآخر، ويخرج من النار لكثرة خيره قبل خروج الأقل خيرا ولابد. # والوجه الآخر، وهو: أن يدخلا النار معا ويزاد في عذاب الأكثر خيرا ويهون ~~على الآخر، ليتم القصاص من الأكثر خيرا قبل تمام القصاص من الآخر، ليخرج ~~قبله ولابد لكثرة خيره عليه. # ثم نظرنا في قليل الخير قليل الشر مع كثير الخير قليل الشر فوجدناهما قد ~~اتفقا في قلة الشر، واختلفا في قلة الخير وكثرته، فالأكثر خيرا يقدم في ~~الدخول في النار وفي الخروج منها. # والوجه الآخر، وهو: دخولهما معا ويزاد ولابد في عذاب الأكثر خيرا ليتم ~~القصاص منه، ويخرج ولابد قبل خروج الذي هو أقل خيرا منه. # فحصل من كل هذا أنه جائز أن يدخل الأكثر شرا في النار قبل دخول الأقل ~~شرا، إن استوى عذابهما، فإن أدخلا معا فلا بد من مضاعفة العذاب للأكثر شرا، ~~ليخرج مع من معه من الخير كالذي معه، أو ليخرج قبل الذي هو أقل خيرا منه أو ~~بعد الذي هو أكثر خيرا منه ولا بد، إنما يراعى في الخروج من النار كثرة ~~الخير وقلته فقط، كما جاء النص. # ويراعى في الشر القصاص فقط إما بطول المدة وإما بمضاعفة العذاب ولا بد، ~~كما جاء النص أيضا بقوله تعالى: {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم} ~~[غافر: 17]. # PageV02P819 # # إلا أنا (1) تأملنا قول الله تعالى: {ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من ~~الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا ~~قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ~~ضعف ولكن لا تعلمون وقالت أولاهم لأخراهم ms372 فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكسبون} [الأعراف 37 3839]. # فوجدنا فيه دليلا على صحة الوجه الأول فقط، وأن الأكثر معاصي يتقدم في ~~النار على طبقة أقل معاصي منه. # ثم نقول: إن أهل الموازين على أربعة أقسام: # فقسم رجحت حسناتهم، وهؤلاء صنفان في كمية الرجحان ومائيته: ### | 1 - # إما صنف فضل لهم التصديق والنطق به مرة واحدة فقط، وهم طبقة واحدة. ### | 2 - # وإما صنف فضل لهم التصديق والنطق به مرة واحدة وزيادة خير، وهؤلاء ~~مختلفون باختلاف الفاضل لهم. # وكلا هذين الصنفين في الجنة إثر الموازنة بلا فصل إلا جواز الصراط. # والقسم الثاني: من استوت حسناته وسيئاته مع ما معه من الكبائر فلم يفضل ~~لهم خير ولا شر، وهؤلاء أصحاب الأعراف. # ولا بد من مجازاتهم كما رتب الباري عز وجل على شيء من سيئاتهم حتى يفضل ~~لهم بعد سقوط ذلك بالجزاء عليه التصديق والنطق به مرة PageV02P820 # # واحدة فقط، وهي الوقوف بين الجنة والنار، إذ لا يدخل الجنة أحد إلا ~~بإيمان، كما جاءت (1) النصوص، وهؤلاء طبقة واحدة. # والقسم الثالث: من رجحت سيئاته وما معه من الكبائر على حسناته، وفي ~~جملتها التصديق، فهؤلاء معاقبون على الفاضل لهم من الشر على ما قابل ~~حسناتهم وإيمانهم من شرهم، حتى يفضل لهم التصديق والنطق به مرة واحدة الذي ~~لا يدخل أحد الجنة إلا به. # وهؤلاء مختلفون في التقدم في دخول النار وفي الخروج منها، وفي شدة العذاب ~~وخفته اختلافا شديدا على ما بيناه قبل. # ومن جملة هؤلاء: هو (2) من لم يعمل خيرا قط غير الإسلام اعتقاده والقول ~~به مرة واحدة فقط. # فهؤلاء يعاقبون على كل ما سلف لهم حتى يفضل لهم عقد الإيمان والنطق به ~~مرة واحدة. # وهؤلاء أيضا مختلفون في التقدم في دخول النار وفي التأخر في ذلك، وفي شدة ~~العذاب وتهوينه على مقدار ما لكل واحد من المعاصي. # إلا أنهم كلهم مستوون في درجاتهم في الجنة مع أصحاب الأعراف، ومع الصنف ~~الذين فضل لهم التصديق والنطق به مرة واحدة فقط، سواء في ms373 كل ذلك من تقدم ~~دخوله الجنة من كل من ذكرنا ومن تأخر دخوله فيها، PageV02P821 # # كلهم ليس لهم عمل خير فاضل على شر (1) أصلا إلا العقد والنطق بذلك مرة ~~واحدة. # قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة». ~~(2) # ولا جزاء إلا على عمل برحمة الله تعالى، قال الله عز وجل: {هل تجزون إلا ~~ما كنتم تعملون} [النمل: 90]، وقال تعالى: {جزاء بما كانوا يعملون} ~~[الواقعة: 24]، وإنما يتفاضلون بالمسابقة إلى الجنة أو بالخلاص من النار، ~~أو بقلة المكث فيها، أو بتهوين العذاب على بعض دون بعض، ثم يتفاضل من فضل ~~له على سيئاته عمل قل أو كثر من الخير على حسب ما عمل من الخير في الجنة ~~بعلو الدرجات وكثرة النعيم. # والقسم الرابع: الكفار ولا بد لهم من الموازنة وقد نص الله تعالى على ذلك ~~في سورة قد أفلح المؤمنين في قوله تعالى (3): {ومن خفت موازينه فأولئك ~~الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون ألم ~~تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون} [المؤمنون: 104 - 103]. # فصح بهذه الآية أن الكفار أيضا يوازنون، وأن موازينهم تخف لا يجوز غير ~~هذا، لأن من خالف هذا كان ذلك منه صرفا للآية عن ظاهرها وعن PageV02P822 # # مقتضى لفظها بالدعوى، وتحريفا للكلم عن مواضعه بلا برهان، وهذا لا يجوز. # وأما قوله عز وجل: {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} [الكهف: 105] فليس ~~نفيا للموازنة، لأن كلام الله لا يتعارض، وإنما هو أنه لا تثقل موازينهم بل ~~تخف، إذ ليس فيها التصديق الذي هو العقد والقول الذي لا يصح عمل صالح إلا ~~به، إلا أنهم يختلفون في مقدار المعاصي، وفي (1) كيفية العذاب في شدته (2) ~~ونقصانه على حسب معاصيهم، وهم مخلدون في النار أبدا، ولا يجازون بما لم ~~يعملوا ولا كانوا سببا لعمله، ففي هذا يتفاضلون في العذاب. # وقد بين الله عز وجل بقوله: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} ~~[النساء: 145]. # والأسفل بلا شك من باب الإضافة، ويقتضي ولا بد أعلى منه ms374 في نوعه. # وأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما خفف عن أبي طالب (3) بأنه لم ~~يؤذ قط رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأما أعمالهم الصالحة فمحبطة بنص ~~القرآن لا يجازون عليها في الآخرة أصلا قال الله تعالى: {وقدمنا إلى ما ~~عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} ... [الفرقان: 23]. PageV02P823 # # ولا بد من الموازنة لكل أحد من الأنبياء والرسل والمؤمنين التائبين ~~والمصرين والكفار، وليس الغفران للأنبياء عليهم السلام والتائبين من ~~المؤمنين بمانع من الموازنة لهم لأنهم بلا شك متفاضلون في الأعمال الصالحة ~~وفي الفضائل. # والموازنة إنما هي توقيف لهم على ما جعله الله تعالى جزاء لهم على تلك ~~الأعمال الفاضلة، فيعلم كل امرئ منهم ما يستحق في الجنة من الجزاء على ~~أعماله الصالحة، ويعلم أهل النار أيضا مقدار ما يستحقه كل امرئ منهم في ~~النار من الجزاء على أعماله الخبيثة مع كفره فقط. # فهم كما أوردنا ست طبقات: # أهل النار المخلدون فيها، وهم الكفار وهم المشركون طبقة يتفاضلون في ~~العذاب بمقدار ما عمل كل امرئ منهم من الشر. # ثم أهل الجنة خمس طبقات: # الأولى: من ثقلت موازينه فرجحت حسناته على معاصيه بما قل أو كثر، فهؤلاء ~~يتفاضلون في درجات الجنة والعلو فيها، وفي (1) كثرة النعيم بمقدار ما فضل ~~لكل واحد منهم من الأعمال الصالحة. # وهؤلاء خمس طبقات على ما نبين بعد هذا. # ثم أربع طبقات كلهم في الجنة سواء في الدرجات وفي النعيم، لا فضل لأحد ~~منهم على سائرهم في شيء من ذلك، ولكل امرئ منهم مثل الدنيا وما PageV02P824 # # فيها عشر مرات، كما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق أبي سعيد ~~الخدري - رضي الله عنه -. (1) # وهم من فضل لهم التصديق بالإسلام والنطق به مرة واحدة على ما معه من ~~المعاصي، ومن لم يفضل له شيء بأن استوت حسناته وسيئاته فوقفوا بين الجنة ~~والنار حتى فضل لهم التصديق والنطق به مرة واحدة، وهم أهل الأعراف. # وهاتان الطبقتان لا تعذبان بالنار أصلا، ومن فضلت له معصية على كل (2) ما ~~معه ms375 من الخير، ومن لم يعمل خيرا قط غير التصديق بالإسلام والنطق به مرة ~~واحدة فقط. # وهاتان الطبقتان هما المجازاتان بالنار: # إحداهما على ما فضل لها من المعاصي على ما كان لها (3) من خير. # وهي الخارجة من النار بالشفاعة المتقدمة في الخروج على مقدار تفاضلها ~~فيما عملت من الخير الذي قد (4) سقط تفضيله بمقابلة معاصيهم له. # والثانية: على ما عملت من الشر، وهي الخارجة من النار برحمة الله تعالى ~~لا بالشفاعة، وهي آخر من يخرج من النار. # وكل هذه الطباق الأربع لم يفضل لها شيء غير التصديق بدين الإسلام والنطق ~~به مرة واحدة فقط. PageV02P825 # # فتبارك الله الذي كل أحكامه عدل وقسط لا إله إلا هو المتفضل مع ذلك بما ~~لا يبلغه فهم ولا وصف ولا شكر. # نسأل الله أن يجيرنا من النار ومن روعات يوم القيامة بمنه، آمين، وأن ~~ييسرنا لأعمال الطاعة المنجية من كل ذلك، آمين. # والطبقة التي فضلت لها أعمال خير تتفاضل بها درجاتهم في الجنة هم أيضا ~~طبقات خمس: # فأولها بعد النبيين عليهم السلام: من أدى جميع الفرائض، وتطوع بخير كثير ~~مع ذلك، واجتنب جميع الكبائر، وقلل من جميع السيئات. # إذ لا سبيل إلى أن ينجو أحد من السيئات أو من الهم بها، كما صح عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، إذ قال: «ولا يحيى بن زكريا». # ثم الثانية: من أدى جميع الفرائض، ولم يتطوع بزيادة خير، واجتنب جميع ~~الكبائر، واستكثر مما دون ذلك من السيئات أو استقل. # ثم الثالثة: من أدى الفرائض، واجتنب الكبائر، وعمل تطوعا وسيئات. # ثم الرابعة: من أدى الفرائض وتطوع أو لم يتطوع، وعمل كبائر وسيئات، ثم ~~تاب من بعد ذلك قبل الموت، أو أقيم عليه (1) الحدود فيما عمل من ذلك. ~~PageV02P826 # # ثم الخامسة: من أدى الفرائض وقصر في بعضها، وتطوع، وعمل كبائر وسيئات ~~ومات مصرا، إلا أن خيره رجح في الميزان على معاصيه، ولو بتكبيرة أو بحسنة ~~هم بها ولم يعملها أو شوكة أزالها من الطريق، أو غير ذلك من مقدار الذرة ~~فصاعدا. # كل ms376 هذا مسطور في نصوص القرآن والمسند الثابت عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، ومعلوم انقسام الناس بضرورة المشاهدة. # فإن قال قائل: فإذ (1) الأمر هكذا، فما فائدة الشفاعة إذا؟ والجزاء واقع ~~على كل دقيق وجليل من خير وشر لم يتب عنه فاعله. # قلنا وبالله تعالى التوفيق: وقوع الجزاء على ما ذكرنا من مراتبه هو فائدة ~~الشفاعة بنص بيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك في الخبر الذي ~~أوردنا قبل. # ولولا تفضل الله تعالى بالشفاعة وقبولها لكان له عز وجل أن يخلدنا على ~~سيئة واحدة في النار، ولولا رحمته بأن جعل الجنة جزاء لنا على قليل طاعتنا ~~وعملنا، كما قال تعالى: {ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} ~~[الأعراف: 43] لكان له عز وجل أن لا يدخلنا الجنة. # إذ ليس لأحد عليه تعالى حجة ولا حق، بل له المن على الجميع لا إله إلا ~~هو. PageV02P827 # # وصح بهذا معنى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنه لا ينجي أحدا ~~عمله، فقيل له: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله ~~برحمته» (1). أو كما قال - عليه السلام -. # فإن قيل: فقد يجازون بما فضل لهم من الشر على ما مع كل امرئ منهم من ~~الخير، ويسقط لكل واحد منهم مما عمل من المعاصي ما قابل ما معه من الخير، ~~فلا شك في أنه قد سقط كل خير عمل من تصديق ومن سائر الأعمال، كما سقط ما ~~قابل ذلك الخير من معاصيه، فكيف تراعى له المقادير المذكورة من مثقال برة ~~وشعيرة وخردلة وغير ذلك؟. # قلنا وبالله تعالى التوفيق: إنه بقي له أنه قد عمل خيرا فتفضل الله عز ~~وجل عليهم بأن جعلهم عملوا خيرا، وبأنهم تفاضلوا فيما عملوا من الخير سببا ~~إلى قبول الشفاعة فيهم، وإلى تقدمهم في إخراجهم من النار على مراتب ما كان ~~لكل واحد منهم من عمل الخير جملة فقط، وأخر (2) تعالى من لم يعمل خيرا قط ~~غير التصديق بدين الإسلام والنطق به مرة فقط، فلم ms377 يجعل له حظا في ~~PageV02P828 # # الشفاعة ولا في التقدم (1) في الخروج من النار، وتوحد هو عز وجل بإخراجه ~~من النار بعد كل من يخرج منها. # كل ما ذكرنا فهو منطو بجملته في الحديث الذي صدرنا به وخارج منه (2) نصا، ~~وهذه جوامع الكلم (3) التي أوتيها - عليه السلام -، وهي اقتضاء الكلام ~~القليل للمعاني الكثيرة. # والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى جميع أنبيائه وسلم ~~تسليما. PageV02P829 ms378