######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0021559 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: علي بن ظافر بن حسين الأزدي الخزرجي، أبو الحسن جمال الدين (المتوفى: 613هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 613 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: بدائع البدائه #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0021559 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-21559 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/21559 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | بسم الله الرحمن الرحيم # الباب الأول # في بدائع بدائه الأجوبة ### | فمن ذلك ما أخبرني به الشيخ الفقيه الأجل أبو محمد عبد الخالق ابن زيدان # المسكي # وكتب لي بخطه قال: أملى على الشيخ العلامة أبو محمد بن برى - رحمه الله - ~~قال: لقي عبيد بن الأبرص امرأ القيس، فقال له عبيد: كيف معرفتك بالأوابد؟ ~~فقال: ألق ما أحببت؛ فقال عبيد: # ما حبة ميتة أحيت بميتها ... درداء ما أنبتت سنا وأضراسا # فقال امرؤ القيس: # تلك الشعيرة تسقى في سنابلها ... فأخرجت بعد طول المكث أكداسا # فقال عبيد: # ما السود والبيض والأسماء واحدة ... لا يستطيع لهن الناس تساسا # فقال امرؤ القيس: # تلك السحاب إذا الرحمن أرسلها ... روى بها من محول الأرض أيباسا # فقال عبيد: # ما مرتجاة على هول مراكبها ... يقطعن طول المدى سيرا وإمراسا # فقال امرؤ القيس: # تلك النجوم إذا حانت مطالعها ... شبهتها في سواد الليل أقباسا # فقال عبيد: # PageV01P006 # ما القاطعات لأرض لا أنيس بها ... تأتي سراعا وما ترجعن أنكاسا # فقال امرؤ القيس: # تلك الرياح إذا هبت عواصفها ... كفى بأذيالها للترب كناسا # فقال عبيد: # ما الفاجعات جهارا في علانية ... أشد من فيلق مملوءة باسا # فقال امرؤ القيس: # تلك المنايا فما يبقين من أحد ... يكفتن حمقى وما يبقين أكياسا # فقال عبيد: # ما السابقات سراع الطير في مهل ... لا تستكين ولو ألجمتها فاسا # فقال امرؤ القيس: # تلك الجياد عليها القوم قد سبحوا ... كانوا لهن غداة الروع أحلاسا # فقال عبيد: # ما القاطعات لأرض الجو في طلق ... قبل الصباح وما يسرين قرطاسا # فقال امرؤ القيس: # تلك الأماني تتركن الفتى ملكا ... دون السماء ولم ترفع به راسا # فقال عبيد: # ما الحاكمون بلا سمع ولا بصر ... ولا لسان فصيح يعجب الناسا # فقال امرؤ القيس: # تلك الموازين والرحمن أنزلها ... رب البرية بين الناس مقياسا ### | ومثل هذا وإن تفاوت ما بين الأعصار ولم يكن من باب الألغاز # ما ذكر أن الشريف أبا جعفر مسعود بن الحسن العباسي - وهو من ولد العباس - ~~بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ويعرف بالبياضى - كان ms001 يتعشق قينة ~~ببغداد اسمها بدور، وتعرف بجارية بنت الملك، وفيها يقول: # شكا القلب ظلمته في الحشى ... إلي فأسكنت فيه بدورا # وكانت تنزل ببغداد في القطيعة، فاجتمع يوما هو وأبو تراب هبة الله بن ~~السريجي - وكان شاعرا - فقال بديها يخاطب الشريف: # أسلوت حب بدور أم تتجلد ... وسهرت ليلك أم جفونك ترقد؟ # PageV01P007 # فقال الشريف بديها: # لا، بل هم ألفوا القطيعة مثلما ... ألفوا نزولهم بها فتبعدوا # فقال أبو تراب: # فإلام تصبر والفؤاد متيم ... ولظى اشتياقك في الحشى يتوقد! # فقال الشريف: # ما دام لي جلد فلست بجازع ... إذ كان صبري في العواقب يحمد # فقال أبو تراب: # أحسنت، كتمان الهوى مستحسن ... لو كان ماء العين مما يجمد # فقال الشريف: # إن كان جفني فاضحي بدموعه ... أظهرت للجلساء أني أرمد # فقال أبو تراب: # فهب الدموع إذا جرت موهتها ... فيقال: لم أنفاسه تتصعد؟ # فقال الشريف: # أمشي وأسرع كي يظنوا أنها ... من ذلك المشي السريع تولد # فقال أبو تراب: # هذا يجوز ومثله مستعمل ... لكن وجهك بالمحبة يشهد # فقال الشريف: # إن كان وجهي شاهدا بهوى فما ... يدرى إلى من بالمحبة أقصد # فقال أبو تراب: # قد رجم الناس الظنون وأجمعوا ... أن التي ذكرت إليها المقصد # فقال الشريف: # لو يجمعون كما زعمت لما رووا ... لي في سواها ما نظمت وأنشدوا # فقال أبو تراب: # قد كان حبك غيرها متحققا ... والأمر يحدث الهوى يتجدد # فقال الشريف: # حقت حبي غيرها وجعلتها ... مظنونة، ذا كله لى جيد # فقال أبو التراب: # PageV01P008 # لو لم تقل ألفوا القطيعة جاز أن ... تنفى به بدر التمام وتجحد # فقال الشريف: # ما قلت لى جلد نفيت به الهوى ... عنى ولكن قلت: في تجلد # فقال أبو التراب: # فإلى متى هذا وطرف رقيبها ... مغض وطيف خيالها متردد # فقال الشريف: # أنا دائبا أبغي الوصال فإن أبت ... منه على عاداتها فسأجهد # فقال أبو التراب: # اخضع وذل لمن تحب فليس في ... حكم الهوى أنف يشال ويعقد # فقال الشريف: # ذا لا يكون مع الحبيب وإنما ... مع ساقط متحيل يتعمد ### | أنبأني الشيخان # الأجل العلامة تاج الدين أبو اليمن زيد بن ms002 الحسن الكندي والشيخ جمال ~~الدين أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري المعروف بابن ~~الحرستاني قاضي دمشق الآن - أيدهما الله تعالى - إجازة، قالا: أخبرنا الشيخ ~~الفقيه الإمام الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن ابن هبة الله بن عساكر ~~الدمشقي قراءة عليه - ونحن نسمع - قال: أخبرنا أبو السعادات أحمد بن أحمد ~~بن عبد الواحد المتوكلي، أخبرنا أبو بكر الخطيب، أخبرنا أبو عبد الله بن ~~أبي الفتح الفارسي، حدثنا محمد بن حميد الخراز، أخبرنا الصولي، حدثني أبو ~~الفضل بل مخلد بن أبان، حدثنا إسحاق الموصلي، قال: حدثنا الأصمعي قال: أول ~~ما تكلم به النابغة - يعني الذبياني - من الشعر، أنه حضر مع عمه عند رجل، ~~وكان عمه يحب أن يحاضر به الناس، ويخاف أن يكون عييا، فوضع الرجل كأسا في ~~يده، وقال: # تطيب نفوسنا لولا قذاها ... ونحتمل الجليس على أذاها # فقال النابغة: # قذاها أن صاحبها بخيل ... يحاسب نفسه بكم اشتراها ### | ومن ذلك ما روى # أن جريرا دخل على الوليد بن عبد الملك وعنده عدي بن الرقاع العاملي - ولم ~~يكن جرير رآه من قبل ذلك - فقال الوليد: أتعرف هذا يا جرير؟ فقال: لا يا ~~أمير المؤمنين، فقال: هو ابن الرقاع، فقال جرير: شر الثياب الرقاع، فمن هو؟ ~~قال: # PageV01P009 # هو رجل من عاملة، فقال جرير: هو من الذين قال الله فيهم: " عاملة ناصبة ~~تصلى نارا حامية ". قال: ويلك يا ملعون! فأنشأ جرير يقول: # يقصر باع العاملي عن الندى ... ولكن أير العاملي طويل # فابتدر عدي فقال: # أأمك يا ذا أخبرتك بطوله ... أم أنت امرؤ لم تدر كيف تقول! # فقال جرير: امرؤ لم أدر كيف أقول. فوثب عدي فأكب على رجل الوليد يقبلها ~~ويقول: أجرني منه يا أمير المؤمنين. فالتفت الوليد إلى جرير وقال: وتربة ~~عبد الملك لئن هجوته لألجمنك ولأسرحن عليك ولأطيفنك بدمشق. فيعيرك الشعراء ~~بذلك، فخرج جرير فصنع قصيدته التي أولها: # حي الهدملة من ذات المواعيس ... فالحنو أصبح قفرا غير مأنوس # افتخر فيها بنزار وعدد أيامهم، وهجا قحطان، وعرض بعدي ولم يسمه، ms003 فقال: # أقصر فإن نزارا لا يفاخرهم ... فرع لئيم وأصل غير مغروس # وابن اللبون إذا مالز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس ### | ومن ذلك ما رواه عوانة بن الحكم ويحيى بن عنبسة القرشي # قالا: اجتمع جرير والفرزدق عند بشر بن مروان، فقال لهما: إنكما قد ~~تقارضتما الأشعار، وتطالبتما الآثار، وتقاولتما الفخار، وتهاجيتما؛ فأما ~~الهجاء فلا حاجة لي فيه، ولكن جددا بين يدي فخرا، ودعا ما مضى، فقال ~~الفرزدق: # نحن السنام والمناسم غيرنا ... ومن ذا يسوى بالسنام المناسما! # فقال جرير: # على مقعد الأستاه أنتم زعمتم ... وكل سنام تابع للغلاصم # فقال الفرزدق: # على محرث للفرث أنتم زعمتم ... ألا إن فوق الغلصمات الجماجما # فقال جرير: # وأنبأتمونا أنكم هام قومكم ... ولا هام إلا تابع للخراطم # فقال الفرزدق: # فنحن الزمام القائد المقتدى به ... من الناس، ما زلنا فلسنا لهازما # فقال جرير: # PageV01P010 # فنحن بنو زيد قطعنا زمامها ... فتاهت كسار طائش الرأس عارم # فقال بشر: يا جرير غلبته بقطعك الزمام وذهابك بالناقة. ثم أحسن جائزتهما، ~~وفضل جريرا. ### | ومن ذلك ما ذكره ابن سلام في طبقات الشعراء # قال: اجتمع جرير والفرزدق والأخطل في مجلس عبد الملك، فأحضر بين يديه ~~كيسا فيه خمسمائة دينار، وقال لهم: ليقل كل منكم بيتا في مدح نفسه، فأيكم ~~غلب فله الكيس، فبدر الفرزدق فقال: # أنا القطران والشعراء جربى ... وفي القطران للجربى شفاء # فقال الأخطل: # فإن تك زق زاملة فإني ... أنا الطاعون ليس له دواء # فقال جرير: # أنا الموت الذي آتى عليكم ... فليس لهارب مني نجاء # فقال عبد الملك: خذ الكيس، فلعمري إن الموت أتى على كل شئ. ### | ومن ذلك ما روى # أن جريرا اجتمع مع الفرزدق في مجلس عبد الملك، فقال الفرزدق: النوار بنت ~~مجاشع طالق ثلاثا إن لم أقل بيتا لا يستطيع ابن المراغة أن ينقضه أبدا، ولا ~~يجد في الزيادة عليه مذهبا، فقال عبد الملك: ما هو؟ فقال: # فإني أنا الموت الذي هو واقع ... بنفسك فنظر كيف أنت مزاوله # وما أحد يا بن الأتان بوائل ... من الموت إن الموت لاشك نائله ms004 # فأطرق جرير قليلا ثم قال: أم حرزة طالق منه ثلاثا إن لم أكن نقضته وزدت ~~عليه. فقال عبد الملك: هات فقد - والله - طلق أحد كما لا محالة، فأنشد: # أنا البدر يعشى نور عينيك فالتمس ... بكفيك يا بن القين هل أنت نائله # أنا الدهر يفني الموت والدهر خالد ... فجئني بمثل الدهر شيئا يطاوله # فقال عبد الملك: فضلك - والله - يا أبا فراس، وطلق عليك. فقال الفرزدق: ~~فما ترى يا أمير المؤمنين؟ فقال: وأيم الله لا تريم حتى تكتب إلى النوار ~~بطلاقها. فتأنى ساعة، فزجره عبد الملك، فكتب بطلاقها وقال في ذلك: # ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقة نوار # وكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضرار # ولو أني ملكت يدي ونفسي ... لكان لها على القدر الخيار # PageV01P011 ### | وقد أفضى الحال إلى ذكر خبر الكسعي الذي تمثل به الفرزدق في الندامة # إذ الحديث شجون، واللسان غير مسجون، وهو أنه خرج يرعى إبلا له في واد فيه ~~حمض وشوحط، فرأى قضيب شوحط نابتا في صخرة صماء ملساء، فقال: نعم منبت ~~العود، في قرار الجلمود. ثم أخذ سقاءه فصب ما كان فيه من ماء في أصله، ~~فشربه لشدة ظمئه، وجعل يتعاهده بالماء سنة حتى سبط العود وبسق واعتدل ~~فقطعه، وجعل يقومه، ويقوم أوده حتى صلح، فبراه قوسا وهو يرتجز، ويقول: # أدعوك فاسمع يا إلهي جرسي يارب سددني لنحت قوسي # وانفع بقوسي ولدي وعرسي ... فإنها من لذتي لنفسي # أنحتها صفراء لون الورس ... صلداء ليست كقسى النكس # ثم يرى بقيته خمسة أسهم وهو يرتجز، ويقول: # هن لعمري خمسة حسان ... يلذ للرامي بها البنان # كأنما قومها ميزان ... فأبشروا بالخصب يا صبيان # إن لم يعقني الشؤم والحرمان ... أو يرمني بكيده الشيطان # ثم أخذ قوسه وأسهمه، وخرج إلى مكمن كان موردا لحمر في الوادي، فوارى شخصه ~~حتى إذا وردت رمى عيرا منها بسهم، فمرق منه بعد أن أنقذه، وضرب صخرة فقدح ~~منها نارا، فظن أنه قد اخطأ، فقال: # أعوذ بالله العزيز الرحمن ... من نكد الجد معا والحرمان # مالي رأيت السهم ms005 فوق الصفوان ... يرمي شرارا مثل لون العقيان # فأخلف اليوم رجاء الصبيان # ثم وردت حمر أخرى فرمى عيرا فصنع سهمه كالأول وظنه أخطأ، فقال: # أعوذ بالرحمن من شر القدر ... أأخطأ السهم لإرهاف الوتر # أم ذاك من سوء احتيال ونظر ... وإنني عهدي لرام ذو ظفر # مطعم بالصيد في طول الدهر # ثم وردت حمر أخرى، فرمى عيرا منها بسهم ففعل سهمه كالأول، وظنه أخطأ ~~فقال: # يا حسرتا للشؤم والجد النكد ... قد شفني القوت لأهلي والولد # والله ما خلقت في ذاك العمد ... لصعبتي من سبد ولا لبد # أذهب بالحرمان مع طول الأمد # PageV01P012 # ثم وردت أخرى حمر أخرى، فصنع كالأول، فقال: # ما بال سهى يوقد الحباحبا ... وكنت أرجو أن يكون صائبا # إذ أمكن العير وأبدى جانبا ... وصار ظني فيه ظنا كاذبا # وخفت أن أرجع يومي خائبا ... إذ أفلتت أربعة ذواهبا # ثم وردت أخرى، فصنع كالأول، فقال: # أبعد خمس قد حفظت عدها ... أحمل قوسي وأريد ردها! # أخزى الإله لينها وشدها ... والله لا تسلم عندي بعدها # ولا أرجى ما حييت رفدها ... قد أعذرت نفسي وأبلت جهدها # ثم خرج من مكمنه، فاعترضته صخرة، فضرب بالقوس عليها حتى كسرها، ثم قال: ~~أبيت ليلتي، ثم آتي أهلي. فبات، فلما أصبح رأى خمسة حمر مصرعة، ورأى أسهمه ~~مضرجة بالدم، فندم على ما صنع، وعض على أنامله حتى قطعها وقال: # ندمت ندامة لو أن نفسي ... تطاوعني إذا لقتلت نفسي # تبين لي سفاة الرأي مني ... لعمر الله حين كسرت قوسي # وقد كانت بمنزلة المفدى ... لدي وعند صبياني وعرسي # فلم أملك غداة رأيت حولي ... حمير الوحش أن ضرجت خمسي # وقد روى في طلاق الفرزدق غير هذا، وليس هذا موضع ذكره. ### | وروى الحاتمي في كتاب حلية المحاضرة وغيره # قال: خرج جرير والفرزدق من العراق طالبي الرصافة لهشام بن عبد الملك وقد ~~مدحاه، فلما كانا ببعض الطريق نزل جرير ليبول، فتلفتت ناقة الفرزدق، فضربها ~~بالسوط وقال: # علام تلفتين وأنت تحتي ... وخير الناس كلهم أمامي! # متى تردي الرصافة تستريحي ... من الأنساع والدبر الدوامي # ثم قال لرواتهما: الساعة ms006 يجئ ابن المراغة فأنشده البيتين، فينقضهما بأن ~~يقول: # تلفت إنها تحت ابن قين ... إلى الكيرين والفأس الكهام # متى ترد الرصافة تخز فيها ... كخزيك في المواسم كل عام # فرجع جرير، فوجد القوم يضحكون، فقال: ما الخبر؟ فقال أحد الرواة: يا أبا ~~حرزة، إن أخاك أبا فراس وقع له كيت وكيت وأنشده البيتين الأولين، فارتجل ~~البيتين الآخرين، فعجب القوم من ذلك الاتفاق، وقالوا: والله يا أبا حرزة، ~~لهكذا زعم أنك # PageV01P013 # تقول، فقال: أو ما علمتم أن شيطاننا واحد! ### | وروى أن معن بن أوس المزني # كان قد قدم البصرة وجلس بالمربد ينشد الناس، فوقف عليه الفرزدق وقال: يا ~~معن؛ من الذي يقول: # لعمرك ما مزينة رهط معن ... بأخفاف يطأن ولا سنام # فقال معن: هو الذي يقول: # لعمرك ما تميم أهل فلج ... بأرداف الملوك ولا كرام # فقال الفرزدق: حسبك، فإنما جربتك، فقال: قد جربت وأنت أعلم. فانصرف عنه ~~الفرزدق. ### | وروى مثل هذا # أن خلف بن خليفة الشاعر كان قد سرق، فقطعت يده، فصنع كفا وأصابع من جلود، ~~واتفق أن مر بالفرزدق في بعض الأيام، فأراد العبث به، فقال: يا أبا فراس، ~~من القائل: # هو القين وابن القين لاقين مثله ... لفطح المساحي أو لجدل الاداهم # فقال الفرزدق: هو الذي يقول: # هو اللص وابن اللص لا لص مثله ... لنقب جدار أو لطر دراهم # فانصرف مخزيا. ### | وروى لنا عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه # أنه قال: كنت في مجلس عبد الملك والأخطل ينشده، إذ دخل الجحاف بن حكيم ~~السلمي، فقطع الأخطل إنشاده، والتفت إليه وقال: # ألا سائل الجحاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر! # قال: فنفض الجحاف يده في وجهه وقال: # نعم سوف ننكيهم بكل مهند ... وننكى عميرا بالرماح الشواجر # وكان ذلك عقب مقتل عمير بن الحباب، م قال: لقد ظننت - يا بن النصرانية - ~~أنك لا تجسر علي بهذا القول، ولو وجدتني أسيرا في يدك. فما برح الأخطل حتى ~~حم، فقال له عبد الملك: أنا جارك منه. فقال: هبك أجرتني منه يقظة، فمن ms007 ~~يجيرني منه مناما! فضحك عبد الملك. # قال علي بن ظافر: وجرى هذا القول يوم البشر على تغلب. ### | ومن ذلك ما رواه أبو عبيدة وابن عائشة # من سؤال عبد الملك ابن مروان عمر بن أبي ربيعة المخزومي عن مناقضته للفضل ~~بن العباس اللهبى وغلبة الفضل عليه، فقال عمر: نعم يا أمير المؤمنين بينا ~~أنا جالس في المسجد الحرام في جماعة من قريش إذ دخل علينا الفضل بن عباس بن ~~عتبة بن أبي لهب، فوافقني وأنا أتمثل بهذا البيت: # PageV01P014 # وأصبح بطن مكة مقشعرا ... كأن الأرض ليس بها هشام # فأقبل علي، وقال: يا أخا بني مخزوم، إن بلدة نتج بها عبد المطلب، وبعث ~~منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستقر بها بيت الله عز وجل لحقيقة ~~بألا تقشعر لهشام، وإن أشعر من هذا البيت وأصدق قول الذي يقول: # إنما عبد مناف جوهر ... زين الجوهر عبد المطلب # فأقبلت عليه وقلت: يا أخا بني هاشم، وإن أشعر من صاحبك الذي يقول: # إن الدليل على الخيرات أجمعها ... أبناء مخزوم للخيرات مخزوم # فقال: أشعر والله من صاحبك الذي يقول: # جبريا أهدى لنا الخيرات أجمعها ... إذ أم هاشم لا أبناء مخزوم # فقلت في نفسي: غلبني والله، ثم حملني الطمع في انقطاعه على مخاطبتي، ~~فقلت: بل أشعر منه الذي يقول: # أبناء مخزوم الحريق إذا ... حركت نيرانه ترى ضرما # يخرج منه الشرار مع لهب ... من حاد عن حره فقد سلما # فوالله ما تلعثم إلى أن أقبل بوجهه وقال: أشعر من صاحبك يا أخا بني مخزوم ~~الذي يقول: # هاشم بحر إذا همى وطمى ... أخمد حر الحريق واضطرما # واعلم وخير المقال أصدقه ... بأن من رام هاشما هشما # فقال: يا أمير المؤمنين! فتمنيت والله أن الأرض ساخت بي، ثم تجلدت وقلت: ~~يا أخا بني هاشم، أشعر من صاحبك الذي يقول: # أبناء مخزوم أنجم طلعت ... للناس تجلو بنورها الظلما # تجود بالنيل قبل تسأله ... جودا هنيئا وتضرب البهما # فأقبل على أسرع من البرق، وقال: أشعر من صاحبك وأصدق الذي يقول: # هاشم شمس بالسعد مطلعها ms008 ... إذا بدت أخفت النجوم معا # اختار منها ربي النبي فمن ... قارعنا بعد أحمد قرعا # فاسودت الدنيا في عيني، وأدبر بي، وانقطعت فلم أحر جوابا، فقلت: يا أخا ~~بني هاشم، إن كنت تفخر علينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما تسعنا ~~مفاخرتك، فقال: كيف لا أم لك! والله لو كان منك لفخرت به علي، فقلت: صدقت ~~وأستغفر الله، # PageV01P015 # والله إنه لموضع الفخار صلى الله عليه وسلم. وداخلني السرور لقطعة ~~الكلام، ولئلا ينالني عجز عن إجابته فأفتضح، ثم إنه ابتدأ المناقضة فأفكر ~~هنيهة، ثم قال: قد قلت فلم أجد بدا من الاستماع فقلت: هات، فقال: # نحن الذين إذا سما لفخارهم ... ذو الفخر أقعده الزمان القعدد # فافخر بنا إن كنت يوما فاخرا ... تلق الألى فخروا بفخرك أفردوا # قل يا بن مخزوم لكل مفاخر ... منا المبارك ذو الرسالة أحمد # ماذا يقول ذوو الفخار هنا لكم ... هيهات ذلك، هل ينال الفرقد! # فحصرت وتبلدت، وقلت: لك عندي جواب فأنظرني، وأفكرت مليا، ثم أنشأت أقول: # لا فخر إلا قد علاه محمد ... فإذا فخرت به فإني أشهد # أن قد فخرت وفقت كل مفاخر ... وإليك في الشرف الرفيع المعمد # ولنا دعائم قد بناها أول ... في المكرمات جرى عليها المولد # من رامها حاشا النبي وأهله ... بالفخر غطمطه الخليج المزبد # دع ذا ورح لغناء خود بضة ... مما نطقت به وغنى معبد # مع فتية تندى بطون أكفهم ... جودا إذا علج الحرون الأنكد # يتناولون سلافة عانية ... لذت لشاربها وطاب المقعد # فوالله يا أمير المؤمنين لقد أجابني بجواب كان أشد على من الشعر، فقال: ~~يا أخا بني مخزوم، أريك السها وتريني القمر! قال أبو عبد الله اليزيدي: ~~يريد: أدلك على الأمر الغامض وأنت لم تبلغ أن ترى الأمر الواضح! وهو مثل ثم ~~قال: تخرج من الفاخرة إلى شرب الخمر المحرمة. فقلت له: أما علمت - أصلحك ~~الله - أن الله تعالى يقول في الشعراء: " وأنهم يقولون مالا يفعلون "؟ ~~فقال: قد صدقت، وقد استثنى الله - عز وجل قوما منهم فقال: " إلا الذين ~~آمنوا وعملوا # الصالحات وذكروا ms009 الله كثيرا "، فإن كنت منهم فقد دخلت في الاستثناء ~~واستحققت العقوبة بدعائك إليها، وإن لم تكن منهم فالشرك بالله - عز وجل - ~~عليك أعظم من شرب الخمر. فقلت: أصلحك الله! لا أرى للمستجدي شيئا أعظم من ~~السكوت، فضحك وقال: أستغفر الله، ثم قام عني. فضحك عبد الملك حتى كاد يموت، ~~ثم قال: يا بن أبي ربيعة، أما علمت أن لبني عبد مناف ألسنة لا تطاق! ثم قضى ~~حوائج عمر وصرفه. # قال علي بن ظافر: # PageV01P016 # وأحسب الحكاية مصنوعة؛ لأن أشعارها ضعيفة. ### | وروى ورقاء العامري # أن الحجاج قال لليلى الأخيلية لما وفدت عليه: إن شبابك قد هرم فولى، ~~واضمحل أمرك وأمر توبة بن الحمير فأقسم عليك إلا ما صدقتني، هل كان بينكما ~~ريبة قط، أو خاطبك في ذلك قط؟ فقالت: لا والله أيها الأمير، إلا أنه قال لي ~~مرة كلمة فيها بعض الخضوع فقلت له: # وذي حاجة قلنا له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل # لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وخليل # فلا والله ما سمعت بعدها منه نغمة فيها ريبة حتى فرق الموت بيننا. فقال ~~لها الحجاج. فما كان منه بعد ذلك؟ فقالت: وجه صاحبا له إلى حاضرنا فقال: ~~إذا أتيت الحاضر من بني عبادة بن عقيل، فاعل شرفا، ثم اهتف بهذا البيت: # عفا الله عنها هل أبيتن ليلة ... من الدهر لا يسري إلي خيالها! # فلما فعل الرجل ذلك، عرفت المعنى فقلت له: # وعنه عفا ربي وأحسن حفظه ... عزيز علينا حاجة لا ينالها ### | ومن ذلك ما روى أبو صالح الفزارى # قال: أقبل شقران مولى سلامان من البصرة بتمر قد امتاره، فلقيه ابن ميادة ~~الرماح بن أبرد فقال ما هذا الذي معك؟ قال: تمر امترته لأهلي يقال له زب ~~رباح، فقال ابن ميادة: # كأنك لم تقفل لأهلك مرة ... إذا أنت لم تقفل بزب رباح # فقال شقران: # فإن كان هذا زبه فانطلق به ... إلى نسوة سود الوجوه قباح # فغضب ابن ميادة، وانحنى عليه بالسوط يضربه، ثم انصرف معضبا. ### | وكان ms010 المغيرة بن حبناء يهاجي زيادا الأعجم العبقسيوكان بالمغيرة وضح # فقال فيه زياد يصف بياضه: # عجبت لأبيض الخصيين عبد ... كأن عجانه الشعري العبور # فقيل له: يا أبا أمامة! لقد شرفته، ورفعت من قدره، إذ تقول كأن عجانه ~~الشعرى، فقال: أو هكذا ظنكم! لأزيدنه شرفا ورفعة، ثم صنع فيه من قطعة، ~~فقال: # لاتبصر الدهر منهم حارثا أبدا ... إلا وجدت على باب استه قمرا ### | واتفق أنهما اجتمعا يوما بمجلس المهلب # فجرى بينهما مهاترة، فقال المغيرة لزياد: # PageV01P017 # أقول له وأنكر بعض ما بي ... ألم تعرف رقاب بني تميم؟ # فقال زياد: # بلى لعرفتهن مقصرات ... جباه مذلة وسبال لوم # فانقطع المغيرة. ### | ومن ذلك ما ذكره المدائني # قال: كان أرطاة بن سهية المرئى يهاجي الربيع بن قعنب، فاجتمعا يوما ~~للمهاترة والمناقضة، فقال أرطاة للربيع: # لقد رأيتك عريانا ومؤتزرا ... فما دربت أأنثى أنت أم ذكر! # فقال الربيع: # لكن سهية تدري إذ أتيتكم ... على عريجاء لما انحلت الأزر # فانقطع ابن سهية. ### | ويروى إن صح وجود مجنون بني عامر # أنه لما تزوجت ليلى عظم ذلك عليه، واشتد همه وحزنه، وأراد ابن عم له ~~سفرا، وكان طريقه على منزل ليلى، فأتاه المجنون، وقال له: إذا مررت على ~~منزل ليلى فارفع صوتك بهذا البيت قائلا: # أما وجلال الله لو تذكرينني ... كذكريك ما نهنهت للعين مدمعا # فلما بلغ منزلها صنع ما سأله إياه، فخرجت ليلى إليه وقالت: # بلى وجلال الله ذكرا لو أنه ... تضمنه صلد الصفا لتصدعا # قال علي بن ظافر: والصحيح أن هذين البيتين من قصيدة للصمة القشيري؛ ولكن ~~نقلت هذه الحكاية من كتاب الأجوبة للقمى ### | روى الحسن بن صاعد السكوني # قال: حدثني حولان الأسدي قال: نزلنا على ماء يعرف بماء السيال، ونزل ~~بجانب الماء حي آخر، فعلق رجل منا بامرأة من ذلك الحي، فلما أزمعنا الرحيل ~~أخذ الرجل غلاما منا فرواه هذا البيت وهو: # وما بين ذا الحيين أن يتفرقا ... من الدهر إلا ليلة وضحاها # حتى حفظه، وقال له: قم بإزاء ذلك البيت الذي فيه الجارية وردد هذا البيت، ~~واحفظ ما ms011 يرد عليك، ففعل الغلام، وكانت الجارية جالسة وفي حجرها رأس أخ لها ~~كبير تفليه، وأخ لها صغير يصلح شيئا، فقالت: # لقد كان في عيش رخى لو أنه ... حوى حاجة في نفسه فقضاها # فقال أخوها الصغير: # أما سمع المفلى لا در دره ... رسالة صب بالسلام نحاها # PageV01P018 # فقال الكبير: # لحى الله من يلحى المحب على الهوى ... ومن يمنع النفس اللجوج هواها # ثم دعا الرجل فزوجه إياها. ### | وحدث المدائني # قال: كان بين يحيى بن زياد الحارثي وحماد الراوية ومعلى بن هبيرة، ما ~~يكون مثله بين الشعراء والرواة من المنافسة، وكان معلى يحب أن يطرح حمادا ~~في لسان بعض الشعراء، قال حماد: فقال لي يوما يحضره يحيى بن زياد: أتقول ~~لأبي عطاء السندي: قل: زج وجرادة ومسجد بني شيطان؟ قال علي بن ظافر: وكان ~~أبو عطاء يرتضخ لكنة سندية يجعل فيها الجحيم زايا، والشين سينا، والطاء ~~والضاد ذالا، والعين همزة، والحاء هاء - قال: قال حماد: فقلت: ما تجعل لي ~~على ذلك؟ قال: بغلتي بسرجها ولجامها. قلت: وعدلها على يدي يحيى بن زياد. ~~ففعل، وأخذت عليه بالوفاء موثقا، وجاء أبو عطاء فجلس لينا وقال: مرهبا ~~مرهبا؛ هياكم الله! فرحبنا به، وعرضنا عليه العشاء فأبى، وقال: هل من نبيذ؟ ~~فأحضرناه، فشرب حتى احمرت عيناه، فقلت له: يا أبا عطاء، طرح علينا رجل ~~أبياتا فيها لغز، ولست أقدر على إجابته، ففرج عني، فقال: هات، فقلت: # أبن لي إن سئلت أبا عطاء ... يقينا كيف علمك بالمعاني # فقال مسرعا: # خبير آلم فاسأل تزدني ... بها دبا وآيات المثاني # فقلت: # فما اسم حديدة في رأس رمح ... دوين الكعب ليست بالسنان؟ # فقال: # هو الزز الذي إن بات ضيفا ... لقلبك لم يزل لك أو لتان # فقلت: فرج الله عنك، تعني الزج # فما صفراء تدعى أم عوف ... كأن رجيلتيها منجلان؟ # فقال: # أردت زرادة وأزن زنا ... بأنك ما قصدت سوى لساني # فقلت: فرج الله عنك، وأطال بقاءك؛ تريد جرادة وأظن ظنا ثم قلت: # أتعرف مسجدا لبني تميم ... فويق الميل دون بني أبان؟ # فقال: # بنو سيطان ms012 دون بني أبان ... كقرب أبيك من أبد المدان # قال حماد: ورأيت عينيه قد احمرتا وعرفت الغضب في وجهه، فتخوفته فقلت: يا ~~أبا عطاء، هذا مقام المستجير بك، ولك النصف مما أخذت، قال: فاصدقني، ~~فأخبرته الخبر، فقال: أولى لك! قد سلمت وسلم لك جعلك، وانقلب يهجو معلى بن ~~هبيرة، فأفحش. # وروى العسكري هذه الحكاية على غير هذا السياق، فذكر أن حماد الراوية ~~وحماد عجرد وحماد بن الزبرقان وبكر بن مصعب الزهري اجتمعوا فقالوا: لو ~~بعثنا # PageV01P019 # إلى أبي عطاء السندي - ولم يذكر السبب الذي من أجله اقترح حماد على ابي ~~عطاء ما اقترح - وذكر البيت الثاني: # تزدني والقرآن بها عليمابصيرا بالمقاطع والمباني # وذكر البيت الثالث: # فما اسم حديدة في رأس رمح ... دوين الصدر ليست بالسنان # وذكر البيت الثامن: # وذلك مسزدا أنساه قدما ... بنو سيطان مأروف المكان ### | مدح بشار بن برد يعقوب بن داود وزير المهدي فلم يعبأ به وحرمه فوفد عليه # وطال مقامه ببابه وهو لا يأذن فأحس به في بعض الأيام # فرفع بشار صوته فأنشد: # طال الوقوف على رسوم المنزل # فأجابه يعقوب مسرعا: # فإذا تشاء أبا معاذ فارحل # فرحل بشار، فهجاه بقوله فيه وفي المهدي: # بني أمية هبوا طال نومكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود # ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الناي والعود ### | وهجا أخاه صالح بن داود # وكان قد ولى ولاية، فسقط به المنبر، فقال فيه من قطعة: # هم حملوا فوق المنابر صالحا ... أخاك، فضجت من أخيك المنابر # فلما اشتهر هجاؤه دخل يعقوب على المهدي فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا ~~المشرك هجاك بما لا أستطيع أن أذكره؛ فلم يزل المهدي به حتى كتب له قوله: # خليفة يزنى بعماته ... يلعب بالدبوق والصولجان # أبدلنا الله غيره ... ودس موسى في حر الخيزران # فجر ذلك إلى قتل بشار بن برد. ### | وذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب القيان والمغنين # قال: كانت بالكوفة جارية مغنية يقال لها سعاد جارية السكوني، وكان مولاها ~~من الظرفاء وفتيان طبقته، مروءة وحسن وعشرة ومساعدة، فحضرت سعاد في ms013 مجلس ~~فيه مطيع بن إياس وحماد عجرد، فقال مطيع: # قبليني سعاد بالله قبلهواسأليني بها فديتك نحله # فورب السماء لو قلت صل ... لوجهي جعلت وجهك قبله # فقالت الجارية لحماد: اكفينه: ياعم، فقال يجيبه بديها: # إن خلا لها سواك وفيا ... لا غدورا بها ولا فيه مله # PageV01P020 # لايباع التقبيل بيعا ولا ير ... شى ولا يجعل التعاشق عله # فقال له مطيع: هذا هجاء؛ وما أرادت الجارية هذا كله، ولقد اشتفيت مني على ~~لسان غيرك؛ فقال الجارية - وكانت ظريفة بارعة: صدق؛ ما أردنا أن نسبه؛ فقال ~~حماد: # أنا والله أشتهي مثلها من ... ك ببذل والبذل في ذاك حله # فأجيبي وأنعمي وخذي البذ ... ل وأطفي لعاشق منك غله # قال: فرضي مطيع وخجلت الجارية. وقالت: أنا عائذة بكما من شركما ~~فاكفيانيه، وخذا فيما جئتما له. ### | حدث المدائني # قال: كان عثمان بن شيبة مبخلا، وكان حماد عجرد يهجوه، فجاء رجل كان يقول ~~الشعر إلى حماد فقال له: # أعني من غناك ببيت شعر ... على فقري لعثمان بن شيبه # فقال حماد مسرعا: # فإنك إن رضيت به خليلا ... ملأت يديك من فقر وخيبه # فقال الرجل: جزاك الله خيرا؛ فقد عرفتني من أخلاقه ما قطعني عنه، وصنت ~~ماء وجهي عن بذله. ### | وروى إسماعيل بن يحيى اليزيدي عن أبيه # قال: كنت جالسا أكتب كتابا، فنظر فيه سلم الخاسر، فقال: # أير يحيى أخط من كف يحيى ... إن يحيى بأيره لخطوط # قال: فقلت مسرعا: # أم سلم أدرى بذلك منه ... إنها تحت أيره لضروط # ولها تحته إذا ما علاها ... أزمل من وداقها وأطيط # ليت شعري ما بال سلم بن عمرو ... كاسف البال حين يذكر لوط! # لايصلي عليه حين نصلي ... بل له عند ذكره تثبيط ### | وذكر أبو مروان صاحب كتاب المقتبس في أبناء أهل الأندلس # أن أبا المخشي عاصم بن زيد بن يحيى بن يحيى بن حنظلة بن علقمة بن عدي بن ~~زيد بن حماد العبادي، شاعر الأندلس في زمانه، كان خبيث اللسان، كثير ~~الهجاء، وهو الذي قطع هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام ms014 بن عبد ~~الملك ابن مروان لسانه؛ لأنه عرض به في قصيدة مدح بها أخاه أبا أيوب # PageV01P021 # المعروف بالشامي، وكان بين الأخوين تباعد مفرط، والبيت الذي عرض فيه ~~قوله: # وليس كمن إذا ماسيل عرفا ... يقلب مقلة فيها اعورار # وكان هشام في إحدى عينيه نكتة بياض كجد أبيه هشام بن عبد الملك. ثم اتفق ~~لأبي المخشي أن مدح هشاما ووفد عليه على ماردة، وهو يومئذ يتولى حربها ~~لأبيه، فلما مثل بين يديه قال له: يا عاصم، إن النساء اللاتي هجوتهن ~~لمعاداة أولادهن وهتكت أستارهن، قد دعون عليك، فاستجاب الله لهن، فبعث عليك ~~مني من يدرك منك ثأرهن وينتقم لهن. ثم أمر به فقطع لسانه، ثم نبت بعد ذلك ~~وتكلم به. وكان أبو المخشي هذا يسكن بوادي شوس، وكان بين وبين ابن هبيرة ~~مهاجاة شديدة، فاجتمعا يوما للمناقضة فيه، فقال له ابن هبيرة وعيره بأن ~~نسبه إلى النصرانية لأجل أن آباءه كانوا نصارى بقوله: # أقلفتك التي قطعت بشوش ... دعتك إلى هجائي وانتقالي! # الانتقال: الشم، فقال أبو المخشي مسرعا: # سألت وعند أمك من ختاني ... جواب كان يغني عن سؤالي # فقطعه. # وعلى ذكر أبي المخشي وقطع لسانه، كان مالك رضوان الله عليه يفتي فيمن قطع ~~لسان رجل عمدا بقطع لسانه من غير انتظار - ثم رجع لما انتهت إليه قصة أبي ~~المخشي، وأنه نبت لسانه بعد أن قطع بمقدار سنة وأنه تكلم به، فقال: ينتظر ~~سنة، فقد ثبت عندي أن رجلا بالأندلس نبت لسانه بعد أن قطع في نحو هذه ~~المدة. ### | ونقلت من خط الفقيه أبي محمد عبد الخالق المسكي # قال بشار لعنان: # عنان يا منيتي ويا سكني ... أما تريني أجول في سككك # حرمت منك الوفا معذبتي ... فعجلي بالسجل من صككك # إني ورب السماء مجتهد ... في حل ما قد عقدت من تككك # فقالت مجاوية له: # لم يبق مما تقول قافية ... يقولها قائل سوى عككك # فقال: # بلى وإن شئت قلت فيشلة ... تسكن الهائجات من حككك # قال علي بن ظافر: عنا لم يدركها بشار، وإنما كان يشاغبها أبو ms015 نواس، ولهما ~~في مثل هذا أخبار كثيرة وهذء القافية مما يعايا به. # PageV01P022 ### | كان بمصر رجل زجلي كثير الوسخ # قذر الجلد والثوب، لا تكاد تفارقه قفة فيها كراريس، يعرف بالمفشراتي، ~~ويلقب أديب القفة، وكان يصنع مقامات مضحكة فيها غرائب وعجائب، يزعم أنه ~~يضاهي بها مقامات الحريري، وكان يقول: أنا موازنه في كل شيء حتى في اسمه ~~ولقبه، هو أبو القاسم محمد، وأنا القاسم أبو محمد وهو ابن علي وانا ابن علي ~~وهو الجريرى وانا الجريرى وهو البصري، ويجعل هذا من أوضح البراهين وأقوى ~~الأدلة على مساواته في كل قصيدة. ومما أنشدنيه لنفسه - وأنا أذكره على سبيل ~~الإطراف، فلقد كان عجيب الشأن - قوله: # يا سابحا في بركك ... وصائدا في شبكك # لا تحقرن ككتي ... فككتي كككتك # والككة: مركب من مراكب صعيد مصر ليس فيها مسمار. ### | وروى أن أبا نواس خرج يوما وهو مخمور إلى الكناسة # فاستقبله أعرابي ومعه غنم فقال أبو نواس: # أيا صاحب الذود اللواتي تسوقها ... بكم ذلك الكبش الذي قد تقدما؟ # فقال الأعرابي: # أبيعكه إن كنت تبغى شراءه ... ولم تك مزاحا بعشرين درهما # فقال أبو نواس: # أخذت هداك الله رجعى جوانبا ... فأحسن إلينا إن أردت تكرما # فقال الأعرابي: # أحط من العشرين خمسا لأنني ... أراك ظريفا أخرجنها مسلما # فقيل للأعرابي: أتدري من يكلمك منذ اليوم؟ فقال: لا، فقيل: أبو نواس؛ ~~فرجع فلحقه، وحلف بصدقه غنمه إن لم يقبله. ### | وروى أنه مر أعرابي ومعه نعجة وكبش وجمل صغير # فقال أبو نواس لمن معه: ما رأيكم في تخجيله؟ فقالوا له: افعل، فقال # بكم النعجة التي ... خلفها الكبش والجمل؟ # فقال الأعرابي: # بثلاثين درهما ... جددا أيها الأجل ### | وروى أنه دخل على عنان، فكتب رقعة وناولها إياها # فإذا فيها: # PageV01P023 # ماذا تقولين فيمن ... يريد منك نظيره؟ # فكتبت تحتها عجلة: # إياي تعنى بهذا! ... عليك فاجلد عميره # ثم ناولته الرقعة، فكتب تحتها عجلا: # أريد هذا وأخشى ... على يدي منك غيره # فخجلت، وقالت: تعست وتعس من يغار عليك! ### | وروى الجماز أنه دخل عليها قبل تعارفهما # فأنشد: # إن لي أيرا خبيثا ... عارم ms016 الرأس فلوتا # لو رأى الحر ببحر ... عاد للغلمة حوتا # أو رآه فوق جو ... لنزى حتى يموتا # أو رآه جوف بيت ... صار فيه عنكبوتا # فقالت ارتجالا: # زوجوا هذا بألف ... وأظن الألف قوتا # إنني أخشى عليه ... إن تمادى أن يموتا # بادروا ما حل بالمسكين خوفا أن يفوتا # قبل أن ينعكس الحا ... ل فلا يأتي ويوتى # فعجب الحاضرون منهما؛ واستظرف كل منهما صاحبه، ودامت صحبتهما بعد ذلك. ### | وروى المدائني # قال: اجتمع أبو نواس وإسماعيل بن نوبخت وأبو الشمقمق في بيت أذين - قال ~~علي بن ظافر: هو عبد الله الجماز - فبينما هم عنده؛ إذ جاء أبو العتاهية ~~يسأل عن ابن أذين - وكان بينه وبين أبي الشمقمق شر، فخبئوه من أبي العتاهية ~~في بيت، ودخل أبو العتاهية، فنظر إلى غلام عندهم فيه تأنيث، فظنه جارية، ~~فقال لابن أذين: متى استطرفت هذه؟ فقال: قريبا يا أبا إسحاق، فقل فيها ~~شيئا، فمد أبو العتاهية يده إلى الغلام، وقال: # مددت كفي نحوكم سائلا ... ماذا تردون على السائل؟ # فصاح أبو الشمقمق من داخل البيت قائلا: # يرد في كفك ذا فيشة ... تشفي جوى في استك من داخل # فقام أبو العتاهية مغضبا، وهو يطلب الباب، ويقول: أبو الشمقمق والله! ~~وضحك القوم # PageV01P024 # حتى كادوا يهلكون! ### | وذكر الخالديان # في كتاب أخبار مسلم بن الوليد هذه الحكاية، وذكرها غيرهما بأبسط مما ~~ذكراها، فكتبناها بلفظ الأكثر. # قال دعبل بن علي الخزاعي: بينما أنا بباب الكرخ، إذ أنا بفتاة تسمى قرة، ~~معروفة بظرف وجمال وشعر وأدب وغناء، وقد اجتازت، فتعرضت لها وقلت: # دموع عيني لها انبساط ... ونوم عيني به انقباض # فقالت: # وذا قليل لمن دهته ... بسحرها الأعين المراض # فقلت: # فهل لمولاى عطف قلب ... أو للذي في الحشى انقراض؟ # فقالت مسرعة من غير تلبث: # إن كنت تبغي الوصال منا ... فالوصل في ديننا قراض # قال دعبل: فلا أعلم أني خاطبت جارية تقطع الأنفاس بعذوبة ألفاظها، وتختلس ~~الأرواح ببلاغة منطقها، وتذهل الألباب برخيم نغمها؛ مع تلاعة جيد، ورشاقة ~~قد، وكمال عقل، وبراعة شكل، واعتدال خلق، قبلها. فحار والله البصر، ms017 وذهل ~~اللب، وجل الخطب، وتلجلج اللسان، وتعلقت الرجلان، وما ظنك بالحلفاء أدنيت ~~من النيران! ثم ثاب إلى عقلي، وراجعني حلمي، وذكرت قول بشار: # لا يؤنسك من مخبأة ... قول تغلظه وإن جرحا # عسر النساء إلى مياسرة ... والصعب يمكن بعدما جمحا # هذا لمن حاول ما دون الطمع فيه اليأس منه، فكيف بمن وعد دون المسألة، ~~وبذل قبل الطلبة! فنقلتها من تلك القافية، وقلت: # أترى الزمان يسرنا بتلاق ... ويضم مشتاقا إلى مشتاق! # فقلت مسرعة: # ما للزمان تقول فيه وإنما ... أنت الزمان فسرنا بتلاق # قال دعبل: فاستتبعتها - وذلك في زمن إملاقي - فقلت: ليس لي إلا بيت مسلم ~~بن الوليد صريع الغواني؛ فصرت إلى بابه، فاستوقفتها وناديته، فقلت: أحمل ~~إليك الخير؛ معي وجه مليح، تقل له الدنيا بما فيها؛ مع ما أنا فيه من ضيقة ~~وعسر، فقال: والله لقد شكوت ما كدت أبادرك بشكواه! إيت بها. # فلما دخلت قال: والله # PageV01P025 # ما أملك سوى هذا المنديل؛ فقلت: هو البغية، ناولنيه، فقال: خذه، لابارك ~~لك الرحمن فيه! فأخذته فبعته بدينار وكسر، واشتريت به لحما وخبزا ونبيذا، ~~ثم صرت إليهما، فإذا هما يتساقطان حديثا كأنه الدر، فقال: ما صنعت؟ ~~فأخبرته، فقال كيف يصلح طعام وشراب وجلوس، مع وجه مليح بعير نقل ولا ريحان ~~ولا طيب! اذهب فألطف بتما ما كنت في أوله. # قال: فخرجت، فاضطربت في ذلك حتى أتيت به؛ فألفيت باب الدار مفتوحا، فدخلت ~~فلم أر لهما، ولا لشيء مما كنت جئت به أثرا. فأسقطت في يدي، وقلت: أرى صاحب ~~الربع أخذهما، وبقيت متلهفا حائرا، أرجم الظن، وأجيل الفكر سائر يومي؛ فلما ~~أمسيت قلت في نفسي: أفلا أدور في البيت لعل الطلب يوقعني على أثر! ففعلت، ~~ووقعت على سرداب، وإذا بهما قد نزلا فيه، وأنزلا معهما ما احتاجا إليه؛ ~~فلما أحسست بهما، دليت رأسي، ثم صحت: مسلم! ثلاثا، فكان من إجابته أن غرد ~~بصوته، وقال: # بت في درعها وبات رفيقي ... جنب القلب طاهر الأطراف # قال دعبل فقلت: ويلك! من يقول هذا؟ قال: # من له في حر أمه ms018 ألف قرن ... قد أنافت على علو مناف # قال: فضحكا ثم سكتا، واستجلبت كلامهما، فلم يجيباني بشيء، وباتا في ~~لذتهما، وبت ليلة يقصر عمر الدنيا عن ساعة منها طولا وغما وهما، حتى أصبحت ~~ولم أكد. # فخرج إلى مسلم، وهي معه، فجعلت أشتمه وأفتري عليه، فلما أكثرت قال: يا ~~أحمق، منزلي دخلت، ومنديلي بعت، ودراهمي أنفقت، فعلى من تثرب يا قواد! ~~فقلت: مهما كذبت علي، فما كذبت في الحمق والقيادة. وانصرفت وتركتهما. ### | وذكر صاحب كتاب نجباء الأنباء # أن الرشيد اطلع من مستشرف له على قصره، فرأى ولده عبد الله المأمون يكتب ~~على حائط وهو صغير، فقال للخادم: انطلق حتى تنظر ماذا يكتب عبد الله، واحرص ~~على ألا يفطن لك، فذهب الخادم فتسلل حتى قام من خلفه، وهو مقبل على الحائط، ~~فنظر وعاد إلى الرشيد، فأخبره أنه كتب: # قل لابن حمزة ما ترى ... في زيرياج محكمه؟ # قال الخادم: إني تسللت عليه، حتى قمت من خلفه وهو لا يعلم لغلبة الفكر ~~عليه، فقال له الرشيد، ارجع فسله عما يكتب، فسيقول لك: إني مفكر في التتميم ~~على هذا البيت، فقل له: اكتب تحته: # PageV01P026 # قال ابن حمزة يا بني هزلت مجترئا فمه # فانطلق الخادم إلى الرشيد فكان ما ظنه الرشيد، ففعل الغلام ما أمره به، ~~فأطرق المأمون قليلا؛ ثم قال، لولا أنك مأمور لم تنج من يدي. # فرجع الخادم إلى الرشيد فأخبره فقال: نجوت. ثم دعا على بن حمزة الكسائي ~~وقال له: من اين علم عبد الله أن الخادم مأمور؟ فقال الكسائي: علمه من ~~قوله: هزلت مجترئا فمه، إذ كان الخادم لا يقدر على مخاطبته بذلك إلا عن ~~أمر. ### | وذكر أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري في كتاب الوزراء # قال: ذكر أبو الفضل بن عبد الحميد في كتابه، أن الأحول المحرر، شخص مع ~~محمد بن يزداد عند شخوص المأمون إلى دمشق، وأنه شكا يوما إلى أبي هارون ~~خليفة محمد بن يزداد الوحدة والغربة وقلة ذات اليد، وسأله في أن يسأل له ~~ابن يزداد أن يكلم ms019 المأمون في أمره فيبره بشيء. ففعل أبو هارون ذلك، ورأى ~~محمد بن يزداد من المأمون طيب نفس، فكلمه له وعطفه عليه، فقال له المأمون: ~~أنا أعرف الناس به، إنه لا يزال بخير ما لم يكن معه شيء، فإذا رزق فوق ~~القوت بذرة أفسده ذلك، ولكن قد أمرنا له - لشفاعتك - بأربعة آلاف درهم. ~~فدعا ابن يزداد بالأحول؛ فعرفه بما جرى ونهاه عن الفساد، وأمر له بالمال؛ ~~فلما قبضه ابتاع غلاما بمائة دينار، واشترى سيفا ومتاعا، أسرف فيما معه، ~~حتى لم يبق معه شيء. فلما رأى الغلام ذلك أخذ كل ما كان في بيته وهرب، فبقي ~~عريانا بأسوأ حال، فجاء إلى أبي هارون خليفة محمد بن يزداد فأخبره، فأخذ ~~أبو هارون نصف طومار فكتب في آخره: # فر الغلام فطار قلب الأحول ... وأنا الشفيع وأنت خير مؤمل # ثم ختمه وقال له: امض إلى محمد بن يزداد، فمضى وأوصله إليه. فلما رآه ~~محمد قال له: ما في كتابك؟ قال: لا أدري، قال: وهذا من حمقك، تحمل كتابا لا ~~تدري ما فيه! ثم فضه فلم ير شيئا، فجعل ينشره وهو يضحك حتى انتهى إلى آخره، ~~فوقف على البيت، فكتب تحته: # لولا تعبث أحول بغلامه ... كان الغلام ربيطة في المنزل # ثم ختمه، وناوله إياه، وأمره أن يرده إلى خليفته. فقال: الله الله في، ~~جعلني الله فداك! ارحمني من الحالة التي قد صرت إليها. فرق له ووعده أن ~~يكلم المأمون، فكلمه وشرح له الحال، ووصف له ضعف عقل الأحول ووهى عقدته، ~~فأمر # PageV01P027 # المأمون بإحضاره؛ فلما مثل بين يديه، قال له: يا عدو الله! تأخذ مالي ~~وتشتري به غلاما حتى يفر منك! فارتاع لذلك وتلجلج لسانه، فقال: جعلني الله ~~فداك! ما فعلت، فقال: ضع يدك على رأسي واحلف أنك لم تفعل، فارتاع، وجعل ابن ~~يزداد يأخذ بيده لذلك، والمأمون يضحك ويشير إليه أن ينحيها، ثم أمر بإجراء ~~رزق واسع له كل شهر، ووصله مرة بعد مرة حتى أغناه الله، لأنه كان يعجبه ~~خطه. ### | أنبأنا الفقيه الحافظ التقى أبو ms020 محمد عبد الخالق المسكي إجازة أنبأنا # الحافظ السلفي إجازة أنبأنا أبو محمد جعفر بن أحمد السراج اللغوي وابن ~~بعلان الكبير # قالا: أنبأنا أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجستاني الحافظ، قال: أخبرنا ~~النجيرمي أبو يعقوب، حدثنا المهلبي، قال: لما حضرت المأمون الوفاة، جلست ~~عند رأسه جارية كان بها مشغوفا، وقد أخذته غشية، فجعلت تبكيه، وأنشأت تقول: # يا ملكا لست بناسيه ... وليتني بالنفس أفديه # فأفاق من غشيته، ونظر إليها، وأنشأ يقول: # باكيتي من جزع أقصرى ... قد غلق الرهن بما فيه ### | ومن حسن الجواب بالشعر بديها # ما روى طماس قال: جاء ابن دنقش الحاجب إلى دار محمد بن عبد الملك الزيات ~~يستدعيه، وقد كان المعتصم طلبه، فدخل المجلس ليلبس ثيابه، فرأى ابن دنقش في ~~صحن الدار غلاما، له روقة؛ فقال - وهو يظن أن محمد بن عبد الله لا يسمعه: # وعلى اللواط فلا تلومن كاتبا ... إن اللواط سجية الكتاب # فقال محمد مسرعا: # وكما اللواط سجية الكتاب ... فكذا الحلاق سجية الحجاب # فاستحيا ابن دنقش، واعتذر بأن هذا شيء جرى على لسانه من غير قصد، فقال له ~~محمد بن عبد الملك: إنما يحسن الاعتذار، إذا لم يقع قصاص. ### | وذكر الصولي في كتاب الوزراء # قال: حدثنا محمد بن موسى اليزيدي قال: دخل الحسن بن وهب على محمد بن عبد ~~الملك وهو في بستان، وأقبل غلام لمحمد بن عبد الملك، حسن الوجه، فقال ~~للحسن: أجز: # كيف ترى هذا الغلام الذي ... أقبل يحكي البدر في المطلع # فقال الحسن: # PageV01P028 # لا تسألني يا أبا جعفر ... عن مثله في مثل ذا الموضع # فقال أبو الجهم أحمد بن سيف وكان حاضرا: # أتيت والله بها جملةوخيمة المربع والمرتع # فقال الحسن يعرض بأبي الجهم: # إذا ما حامت العقبان يوما ... تسترت الجوارح بالغياض # فقال أبو الجهم يجيبه: # ألم يخفق فؤادك يا بن وهب ... لذكري دون رميك في عراضي # وهل ثبتت عقاب في مكان ... إذا نسر تحامل في انقضاض! # فأقسم عليها محمد بأن يمسكا، وأقبل يردد بيت الحسن الذي أوله: لا تسألني ~~فقال: الحسن: # نعم وإن ms021 أحببت يا سيدي ... فسرت ما أجملته فاسمع # فقال محمد: # إن كنت تهواه فخذه فقد ... جدت لك الآن به فاقطع # فقال الحسن: # إن كنت تهوى الصدق فأذن لهيخرج إذا حان خروجي معي # قال: اخرج معه يا غلام، فأنت له. ### | وروى علي بن الجهم # قال: كنت يوما عند فضل الشاعرة فلحظتها لحظة رابتها، فقالت: # يا رب رام حسن تعرضه ... يرمي ولا أشعر أني غرضه # فقلت: # أي فتى لحظك ليس يمرضه ... وأي عهد محكم لا ينقضه! # فضحكت وقالت: خذ في غير هذا الحديث. ### | وكان أبو الفضل بن المضاء أحد أمراء بني الأغلب يخضب # فأنشده يوما أبو شراحيل شريح بن عبد الله بن غانم بن العاص يعرض به: # لعمرك ما الخضاب إذا تولى ... شباب المرء إلا كالسراب # فقال يعقوب يجيبه بديها: # فلا تعجل رويدك عن قريب ... كأنك بالمشيب وبالخضاب ### | وذكر الصولي في كتاب الوزراء حدثني محمد بن العلاء السجزي # قال: دخل # PageV01P029 # أبو ناضرة إلى عبيد الله بن سليمان، فقال: # أيظعن في جملة الظاعنين ... غدا أم يقيم أبو ناضرة؟ # فقال الوزير: # يقيم يقيم على رغمه ... وتحلق لحيته الوافرة # فقال عبيد الله بن الفرج، كاتب سر عبد الله سرا: # ويصفع من غير ما حشمة ... وتؤتى حليلته الفاجرة ### | وذكر أبو عبد الله التنوخي في كتاب نشوار المحاضرة # قال: حدثني محمد بن الحسن البصري، قال: حدثني الهمداني الشاعر، قال: قصدت ~~ابن الشملغاني في ما درايا، فأنشدته قصيدة قد مدحته بها، وتأنقت فيها، ~~وجودتها؛ فلم يحفل بها. فسكنت أغاديه كل يوم، وأحضر مجلسه إلى يتقوض الناس؛ ~~فلا أرى للثواب طريقا. فحضرته يوما، وقد احتشد مجلسه، فقام شاعر؛ فأنشد ~~نونية، إلى أن بلغ فيها إلى بيت هو: # فليت الأرض كانت مادرايا ... وليت الناس آل الشلمغاني # فعن لي في هذا الوقت هذا البيت، فقمت إليه مسرعا: # إذا كانت بطون الأرض كنفا ... وكل الناس أولاد الزواني # فضحك، وأمرني بالجلوس، وقال: نحن أحوجناك لهذا، وأمر لي بجائزة سنية، ~~فأخذتها وانصرفت. ### | وكان أبو عمر أحمد بن عبد ربه صديقا لمحمد بن يحيى بن القلفاظ ms022 الشاعر # ثم فسد ما بينهما وتهاجيا؛ وكان سبب الفساد بينهما أن ابن عبد ربه مر ~~يوما، وكان في مشيته اضطراب؛ فقال: يا أبا عمر؛ ما علمت أنك آدر إلا اليوم ~~لما رأيت مشيتك، فقال له ابن عبد ربه: كذبتك عرسك أبا محمد! فعز على ~~القلفاظ كلامه، وقال له: أتتعرض للحرم! والله لأرينك كيف الهجاء! ثم صنع ~~قصيدة أولها: # يا عرس أحمد إني مزمع سفرا ... فودعيني سرا من أبي عمرا # ثم تهاجيا بعد ذلك. وكان القلفاظ يلقبه بطلاس، لأنه كان أطلس لا لحية له؛ ~~ويسمى كتابع العقد حبل القوم؛ فاتفق اجتماعهما مرة عند بعض الوزراء، فقال ~~الوزير للقلفاظ: كيف حالك اليوم مع أبي عمر؟ فقال مرتجلا: # حال لي طلاس عن رائه ... وكنت في قعدد أبنائه # فبادره ابن عبد ربه، فقال: # PageV01P030 # إن كنت في قعدد أبنائه ... فقد سقى أمك من مائه # فانقطع القلفاظ خجلا. ### | أنبأنا الشيخ النبيه الفقيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي عن الفقيه # أبي القاسم مخلوف بن علي القيرواني عن أبي عبد الله محمد بن أبي نصر بن ~~عبد الله الحميدي # قال: أخبرني أبو محمد علي بن أحمد الفقيه بن حزم، قال: أخبرني أبو الحسن ~~علي بن محمد بن أبي الحسن، قال: وجدت بخط أبي قال: أمرنا الحاكم المستنصر ~~بالله بمقابلة كتاب العين للخليل بن أحمد مع أبي علي إسماعيل بن القاسم ~~البغدادي وابني سعيد في دار الملك التي بقصر قرطبة، وأحضر من الكتاب نسخا ~~كثيرة، في جملتها نسخة القاضي منذر بن سعيد التي رواها بمصر عن ابن ولاد، ~~فمر لنا صدر من الكتاب بالمقابلة، فدخل علينا المستنصر في بعض الأيام ~~فسألنا عن النسخ، فقلنا له: إن نسخة القاضي التي كتبها بخطه محرفة، وأريناه ~~مواضع مغيرة وأبياتا مكسورة، وأسمعناه ألفاظا مصحفة ولغات مبدلة. فعجب من ~~ذلك وسأل أبا علي، فقال له نحو ذلك، واتصل المجلس بالقاضي، فكتب إلى ~~المستنصر رقعة فيها: # جزى الله الخليل الخير عنا ... بأفضل ما جزى فهو المجازي # وما خطأ الخليل سوى المغيلي ... وعضروطين في دار ms023 الطراز # فصار القوم زرية كل زار ... وسخرية وهزأة كل هاز # فلما دخلنا على المستنصر قال لنا: أما القاضي فقد هجاكم، وناولنا الرقعة ~~بخط القاضي - وكانت تحت شيء بين يديه - فقرأناها وقلنا: يا مولانا نحن نجل ~~مجلسك الكريم عن انتقاص أحد فيه، لا سيما مثل القاضي في سنه ومنصبه، فإن ~~أحب مولانا أن يقف على حقيقة ما استدركناه فليحضره وليحضره الأستاذ أبا ~~علي، ثم نتكلم على كل كلمة استدركناها عليه؛ فقال: قد ابتدأكم والبادي ~~أظلم، وليس على من انتصر لوم، قال أبي: فمددت يدي إلى الدواة وكتبت بين ~~يديه: # هلم فقد دعوت إلى البراز ... وقد ناجزت قرنا ذا نجاز # ولا تمش الضراء فقد أثرت ال ... أسود الغلب تخطو باحتفاز # وأصحر للقاء تكن صريعا ... بماضي الحد مصقول جراز # رويت عن الخليل الوهم جهرا ... لجهلك بالحقيقة والمجاز # دعوت له بخير ثم أخنت ... يداك على مفاخره العزاز # PageV01P031 # تهدمها وتجعل ما علاها ... أسافلها ستجزيك الجوازي # جزى الله الإمام العدل عنا ... جزاء الخير فهو له مجازي # به وريت زناد العلم قدما ... وشرف طالبيه باعتزاز # وجلى عن كتاب العين دجنا ... وإظلاما بنور ذي امتياز # بأستاذ اللغات أبي علي ... وأخدان بناحية الطراز # بهم صح الكتاب وصيروه ... من التصحيف في ظل احتراز # قال الحميدي: وأسقطنا نحن منها أبياتا تجاوز الحد فيها. قال: ثم أنشدتها ~~المستنصر بالله، فضحك وقال: قد انتصرت وزدت، وأمر بها فختمت ثم وجه بها إلى ~~القاضي فلم تسمع له بعد كلمة. ### | أنبأنا الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي # قال: نزلت من قرافة مصر أودع الشيخ الأجل أبي الحسين بن جبير، فقال لي: ~~كنت على المجيء إليك. فقلت: همة سيدنا هي التي أتت بي، فسألني عن القرافة ~~فقلت: هي موضع يصلح للخير وللشر، من طلب شيئا وجده. فقال: خذ هذه الحكاية، ~~قال لي بعض مشايخنا عن ابن الفرضي: كنت في موضع يتفرج فيه، وبت به، ثم ~~أقبلت باكرا منه، فلقيني بعد من يقرأ علي، فقال: # من أين أقبلت يا من لا نظير له ... ومن هو الشمس والدنيا ms024 له فلك # فأجبته مسرعا: # من موضع تعجب النساك خلوته ... وفيه ستر على الفتاك إن فتكوا ### | قال بديع الزمان الهمذاني # كنت عند الصاحب كافي الكفاة أبي القاسم إسماعيل بن عباد يوما، وقد دخل ~~عليه شاعر من شعراء العجم، فأنشده قصيدة يفضل فيها قومه على العرب، وهي: # غنينا بالطبول عن الطلول ... وعن عنس عذافرة ذمول # وأذهلني عقار عن عقار ... ففي است أم القضاة مع العذول # فلست بتارك إيوان كسرى ... لتوضح أو لحومل فالدخول # وضب بالفلا ساع وذئب ... بها يعوي وليث وسط غيل # يسلون السيوف لرأس ضب ... حراشا بالغداة والأصيل # إذا ذبحوا فذلك يوم عيد ... وإن نحروا ففي عرس جليل # أما لو لم يكن للفرس إلا ... نجار الصاحب القرم النبيل # PageV01P032 # لكان لهم بذلك خير فخر ... وجيلهم بذلك خير جيل # فلما وصل إلى هذا الموضع من إنشاده، قال له الصاحب: قدك. ثم اشرأب ينظر ~~إلى الزوايا وأهل المجلس - وكنت جالسا في زاوية من البهو فلم يرني - فقال ~~أين أبو الفضل؟ فقمت وقبلت الأرض وقلت: أمرك! قال: أجب عن ثلاثتك، قلت: وما ~~هي؟ قال: أدبك، ونسبك، ومذهبك. فأقبلت على الشاعر فقلت: لا فسحة للقول ولا ~~راحة للطبع إلا السرد كما تسمع. ثم أنشأت أقول: # أراك على شفا خطر مهول ... بما أودعت لفظك من فضول # تريد على مكارمنا دليلا ... متى احتاج النهار إلى دليل! # ألسنا الضاربين الجزى عليكم ... وإن الجزي أولى بالذليل # متى قرع المنابر فارسي ... متى عرف الأغر من الحجول! # متى عرفت وأنت بها زعيمأكف الفرس أعراف الخيول! # فخرت بملء ما ضغتيك هجرا ... على قحطان والبيت الأصيل # وتفخر أن مأكولا ولبسا ... وذلك فخر ربات الحجول # ففاخرهن في خد أسيل ... وفرع في مفارقها رسيل # وأمجد من أبيك إذا تزيا ... عراة كالليوث على الخيول # قال: فلما أتممت إنشادي التفت إليه الصاحب، وقال له: كيف رأيت؟ قال: لو ~~سمعت به ما صدقت. قال: فإذن جائزتك جوازك؛ إن رأيتك بعدها ضربت عنقك. ثم ~~قال: لا أرى أحدا يفضل العجم على العرب إلا وفيه عرق من المجوسية ينزع ~~إليها. ### | قال ms025 العميد أبو الحسن علي بن الحسن بن أبي الطيب الباخرزي في كتابه # المعروف بدمية القصر وعصرة أهل العصر # جرى بين القاضي أبي سعيد علي بن عبد الله الناصحي وبين الحاكم أبي سعد ~~دوست مبادهة، قال له القاضي: # وما وصل الكتاب إلي حتى ... أجبت إلى الذي استدعاه مني # فقال أبو سعد: # جزاك الله عن مولاك خيرا ... وخفف ثقل هذا الشكر عني # فقال القاضي: # وأولى الشيخ عزا مستفادا ... وحقق فيه مأمولي وظني # فقال أبو سعد: # PageV01P033 # وكم لك نعمة من غير ذكر ... وكم لك منة من غير من ### | وكان حسان بن عجل الكلبي المعروف بعرقلة أعور # وكان يجلس على حانوت خياط بدمشق يعرف بأبي الحسين الأعرج، وكان له طبع في ~~قول الشعر، فقال له عرقلة يوما يداعبه: # ألا قل للرقيع أبي حسين ... أراني الله عينك مثل عيني # فقال الأعرج مجاوبا له: # ألا قل لابن كلب لا ابن عجل ... أراني الله رجلك مثل رجلي # فخجل عرقلة من قوله وانصرف. ### | الباب الثاني # في بدائع بدائه الإجازة # الإجازة أن ينظم الشاعر على شعر غيره في معناه ما يكون به تمامه وكماله. ~~وقد يكون بين متعاصرين وغير متعاصرين؛ وهي مشتقة من الإجازة في السقي، ~~يقال: أجاز فلان فلانا إذا سقاه أو سقى له، فكأنهم شبهوا عمل الشاعر المجيز ~~لعمل الشاعر المجاز شعره، بسقي الشخص للشخص، قال يعقوب بن السكيت: يقال ~~للذي يرد الماء: مستجيز، وأنشد: # وقالوا فقيم قيم الماء فاستجز ... عبادة إن المستجيز على قتر # قال أبو علي حسن بن رشيق مولى الأزد: ويجوز أن يكون من أجزت عن فلان ~~الكأس إذا صرفتها عنه - دون أن يشربها - إلى من يليه، وكأنهم شبهوا الشاعر ~~لما تعدى إتمام شعره بمجيز الكأس، قال أبو نواس: # وقلت لساقيها أجزها فلم يكن ... لينهى أمير المؤمنين وأشربا # فجوزها عني عصارا ترى لها ... على الشرف الأعلى شعاعا مطنبا # وقد ذكرنا أن الإجازة تكون بين عصرين وغير عصرين، ونحن الآن نجعلها لك في ~~فصلين، ونذكر ما ورد في كل فصل من الأخبار على ترتيب الأعصار، ms026 وهو شرطنا في ~~هذا الكتاب. ### | الفصل الأول # في إجازة الشاعر لمعاصره # فمن هذا القسم ما تكون الإجازة فيه بقسيم لقسيم # كما روى الزبير بن بكار قال: استنشد عبد الله بن عباس - رضوان الله عليه ~~- عمر بن أبي ربيعة فأنشده: # تشط غدا دار جيراننا # فبدره ابن عباس، فقال: # وللدار بعد غد أبعد # فقال له عمر: كذلك قلت، أصلحك الله! أفسمعته؟ قال: لا، ولكن # PageV01P034 # كذلك ينبغي أن يكون. ### | وروى عمران بن عبد العزيز الزهري # أن عمر بن أبي ربيعة شبب بزينب بنت موسى، أخت قدامة بن موسى الجمحي، وكان ~~سبب تشبيبه بها أن ابن أبي عتيق ذكرها له، فأطنب في وصفها بالحسن والجمال، ~~فصنع فيها قصيدته التي أولها: # يا خليلي من ملام دعاني ... وألما الغداة بالأظعان # فبلغ ذلك ابن أبي عتيق. فلامه في ذكرها، فقال له: # لا تلمني عتيق حسبي الذي بي ... إن عندي عتيق ما قد كفاني # لا تلمني فأنت زينتها لي # فبدره ابن أبي عتيق فقال: # أنت مثل الشيطان للإنسان # فقال عمر: هكذا ورب الكعبة قلته، فقال ابن أبي عتيق: إن شيطانك - ورب ~~العزة - ربما ألم بي، فيجد عندي من عصيانه خلاف ما يجد عندك من طاعته، ~~فيصيب مني وأصيب منه. ### | ومن ذلك ما روى أبو عبيدة # أن راكبا أقبل من اليمامة، فمر بالفرزدق وهو جالس، فقال له: من أين ~~أقبلت؟ قال: من اليمامة. فقال: هل أحدث ابن المراغة بعدي من شيء؟ قال: نعم، ~~قال: هات، فأنشد: # هاج الهوى بفؤادك المهتاج # فقال الفرزدق: # فانظر بتوضح باكر الأحداج # فأنشد الرجل: # هذا هوى شغف الفؤاد مبرح # فقال الفرزدق: # ونوى تقاذف غير ذات خلاج # فأنشد الرجل: # إن الغراب بما كرهت لمولع # فقال الفرزدق: # بنوى الأحبة دائم التشحاج # فقال الرجل: هكذا والله قال، أفسمعتها من غيري؟ قال: لا، ولكن هكذا ينبغي ~~أن يقال، أوما علمت أن شيطاننا واحد! ثم قال: أمدح بها الحجاج؟ قال: نعم. ~~قال: إياه أراد. ### | ومن ذلك ما اخبرنا الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي # أخبرنا أبو طاهر السلفي إجازة، أنبأنا ms027 أبو صادق مرثد بن يحيى بن القاسم ~~المديني، قال: كتبت إلى القاضي أبو الحسين علي بن محمد بن صخر الأزدي أن ~~أبا القاسم عمر بن محمد بن سيف أذن لهم في الرواية عنه، أخبرنا أبو خليفة ~~عن ابن سلام قال: قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لابن عبد الأعلى: ~~أتمم هذا البيت وأنت أشعر العرب: # نروح ونغدو كل يوم وليلة # فقال مجيبا: # وعما قليل لا نروح ولا نغدو # PageV01P035 ### | ومن ذلك ما روى سلمة النميري # قال: حضرت مجلس هشام بن عبد الملك، وبين يديه جرير والفرزدق والأخطل، ~~فأحضرت بين يدي هشام ناقة، فقال متمثلا: # أنيخها ما بدا لي، ثم أرحلها # أيكم أتمه كما أريد فهي له، فبدر جرير فقال: # كأنها نقنق تعدو بصحراء # فقال: لم تصنع شيئا، فقال الفرزدق: # كأنها كاسر بالدو فتخاء # فقال: ولا أنت، فقال الأخطل: # ترخى المشافر واللحيين إرخاء # فقال: اركبها لا حملك الله! ### | ومن ذلك ما روي أن بعض الشعراء قال لأبي العتاهية أجز # برد الماء وطابا # فقال أبو العتاهية: # حبذا الماء شرابا ### | ومن ذلك ما روي عن دعبل بن علي الخزاعي # أنه قال: كنت أنا ومحمد بن وهيب نسمر عند معقل بن عيسى بن إدريس العجلي، ~~أخي أبي دلف، فطلعت الثريا ليلة، فقال: # أما ترون الثريا # فبدر محمد بن وهيب، فقال: # كأنها عقد ريا ### | ومن ذلك ما روى محمد بن إسحاق # عن أبيه قال: قلت: # وصف الصد لمن أهوى فصد # ثم أجبلت، فمكثت عدة ليال لا أقدر على تمامه، فدخل علي عبد الله بن عمار ~~التيمي، فرآني مفكرا، فقال لي: ما قصتك؟ فأخبرته، فقال في الحال: # وبدا يمزح بالهجر فجد # قال إسحاق: ثم تممتها بعد فقلت: # ما له يعدل عني وجهه ... وهو لا يعدله عندي أحد! ### | ومن ذلك ما روى محمد بن داود بن الجراح # قال: كان أبو تمام حبيب بن أوس الطائي عند الحسن بن وهب، فدخل عليهما أبو ~~نهشل بن حميد، فلما رآه أبو تمام، قال: # أعضك الله أبا نهشل # ثم قال ms028 للحسن: أجز فقال: # بخد ريم أبيض أكحل # ثم قال: أجز يا أبا نهشل، فقال: # يطمع في الوصل فإن رمته ... صار مع العيوق في منزل # وهذا أيضا فيه إجازة بيت ببيت. ### | ومن ذلك ما روي أن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن الحكم # بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان ~~وهو المنعوت بين ملوك الأندلس بالأمير # صنع في بعض غزواته قسيما، وهو: # نرى الشيء مما يتقى فنهابه # ثم أرتج عليه - وكان عبد الله بن الشمر نديمه وشاعره غائبا - فأحضر بعض ~~قواده محمد بن سعيد الزجالي، وكان يكتب له، فأنشده القسيم، فقال: # ومالا نرى مما يقي الله أكثر # فاستحسنه وأجازه وحمله استحسانه على أن استوزره ### | ومن ذلك ما روى النميري # قال: دخل أبي على المعتز بالله - وكان من جلسائه - فوقع بين الجلساء ~~تنازع، فنهاهم حتى أضجروه؛ قال النميري: فقال له أبي: # عادتك الصفح، والذنوب لنا # فقال المعتز: # كذاك فعل العبيد الملك ### | قال القاضي الفقيه جمال الدين # سمع الناس يذكرون حكاية لا أتقلد صحتها، وهي أن أبا تمام لقي ديك الجن ~~وهو طفل يلعب، ويدعي قول الشعر، فقال: إن كنت شاعرا كما تقول، فأجز: # فرقوا بين من أحب وبيني # فقال: أبعد أم أقرب؟ فقال أبو تمام بعد، فقال: # مثل بعد السماك والفرقدين # فقال له: قرب، فقال: # مثل مابين حاجبي وعيني ### | وذكر عبيد الله بن أحمد بن طاهر في تاريخه الذي ذيل به كتاب أبيه # قال: حدثني أبو أحمد يحيى بن علي بن المنجم، أنه أول ما قال الشعر: حضر ~~أبو الصقر # PageV01P036 # إسماعيل بن بلبل عند أبيه في مجلس فيه أبو عبد الله أحمد بن أبي فنن ~~ووالدي أحمد بن أبي طاهر وجماعة من أهل الأدب، فاستنشدني أبو الصقر شيئا من ~~شعري، فأنشدته، فاستنكره أبو الصقر، ثم قال: أريد أن أمتحنك في شيء تجيزه، ~~فقلت له: ذلك لك، ففكر، ثم قال: # أنت غلام شاعر خبيث # فقلت من غير تلبث: # أنت امرؤ بجوده ms029 يغيث # يعجل ما يعطي ولا يريث # لك القديم ولك الحديث # فقال أبو عبد الله بن أبي فنن: اذهب يا غلام، فأنت أشعر الأولين ~~والآخرين، ثم حضرت المائدة، وحضر عليها كباب رشيدي، فقال ابن أبي فنن: # كباب رشيدي إذا ما رأيته # ثم قال: أجز، فقلت: # وإن كنت شبعانا قرمت إلى الأكل # ثم قال ابن أبي فنن: ما سمعت أحسن من هذا، ما لهذا الصدر عجز أولى به من ~~هذا. # وهذه الحكاية صدرها من باب الأجوبة وآخرها من هذا الباب. ### | وذكر الرئيس هلال بن المحسن بن الصابي في كتاب الوزراء والكتاب # قال: حدث أبو الفرج الأصفهاني قال: سكر الوزير المهلبي ليلة، ولم يبق ~~بحضرته من ندمائه غيري؛ فقال له: يا أبا الفرج، أنا أعلم أنك تهجوني سرا؛ ~~فاهجني الساعة جهرا؛ فقلت: الله في أيها الوزير، إن كنت قد ثقلت عليك، ~~فمرني فلا أعود أجيبك أبدا، وإن كنت تريد قتلي فبالسيف أهون؛ فقال: دع هذا، ~~فلا بد أن تهجوني - وكنت قد سكرت - فقلت: # أير بغل مكوكب # فبدر فقال: # في حرام المهلبي # هات مصراعا آخر، فقلت: الطلاق لازم لي، إن زدت على هذا كلمة. ### | وروى عبد الجبار بن حمديس الصقلي # قال: صنع عبد الجليل ابن وهبون المرسي الشاعر نزهة بوادي إشبيلية، فأقمنا ~~فيه يومنا، فلما دنت الشمس للغروب هب نسيم ضعيف غضن وجه الماء، فقلت ~~للجماعة: أجيزوا: # حاكت الريح من الماء زرد # فأجازه كل بما تيسر له، فقال لي أبو تمام غالب بن رباح الحجام: كيف قلت ~~يا أبا محمد؟ فأعدت القسيم له، فقال: # أي درع لقتال لو جمد # فحفظ القسيمان، ونسى ما عداهما. ### | ### | قال علي بن ظافر # : وقد أنبأني الفقيه أبو محمد المسكي إجازة # قال: كتب إلى الحافظ السلفي، أنشدني أبو الفضل أحمد بن عبد الكريم بن ~~مقاتل المقري الصنهاجي بالإسكندرية: قال: أخبرني أبو محمد بن حمديس قال: ~~كنا مع المعتمد بن عباد بحمص الأندلس، فمر على أضاة، قد راح عليها الصبا، ~~فأثبت على وجهه الماء مثل الزرد، فقال: # نسج الريح على الماء ms030 زرد # وطلب الإجازة من شعرائه فلم يجبه أحد، # PageV01P037 # فقلت أنا: # أي درع لقتال لو جمد # فاستحسن ذلك مني؛ وكنت وقت الإنشاد رابعا فجعلني ثانيا، وأمر لي بجائزة ~~سنية. ### | ### | قال علي بن ظافر # : والحكاية الأولى منصوصة في ديوان ابن حمديس الذي دونه لنفسه، ~~وهو موجود في أيدي الناس. # والحكاية الثانية رويناها من هذا الطريق، وقد نقله ابن حمديس إلى غير هذا ~~الموصوف فقال: # نثر الجو على الترب برد ... أي در لنحور لو جمد # فتناقض المعنى بقوله: البرد، وقوله: لو جمد؛ إذ ليس البرد إلا ما جمده ~~البرد، اللهم إلا أن يريد بقوله: لو جمد: لو دام جموده، فيصح ويبعد عن ~~التحقيق. # ومثل هذا قول المعتمد بن عباد يصف فوارة: # ولربما سلت لنا من مائها ... سيفا وكان عن النواظر مغمدا # طبعته لجيا فذابت صفحة ... منه ولو جمدت لكان مهندا # قال علي بن ظافر: وقد أخذت أنا هذا المعنى، فقلت أصف روضا: # فلو دام ذاك النبت كان زبرجدا ... ولو جمدت أنهاره كن بلورا # وهذا المعنى مأخوذ عن قول علي بن التونسي الإيادي من قصيدته الطائية ~~المشهورة: # ألؤلؤ قطر هذا الجو أم نقط ... ما كان أحسنه لو كان يلتقط # وهذا المعنى كثير للقدماء، قال: قال علي بن الرومي من قطعة في العنب ~~الرازقي: # لو أنه يبقى على الدهور ... قرط آذان الحسان الحور ### | أنبأنا الشيخان # الأجل العلامة أبو اليمن تاج الدين الكندي، والشيخ الفقيه جمال الدين بن ~~الحرستاني إجازة، عن الإمام الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن ~~عساكر سماعا، قال: أنبأنا أبو الفرج غيث بن علي الصوري؛ حدثني أبي، قال: ~~سمعت بكار بن علي الرياحي بدمشق يقول: لما وصل عبد المحسن الصوري إلى هنا، ~~جاءني المجدي الشاعر فعرفني به وقال: هل لك في أن نمضي إليه ونسلم عليه! ~~فأجبت وقمت معه؛ حتى أتينا إلى منزله، وكان ينزل دائما إذا قدم في سوق ~~القمح، وكان بين يديه دكان قطان، وفيها رجل أعمى، فوقفت به عجوز كبيرة، ~~فكلمها بشيء وهي منصتة له، ms031 فقال المجدي في الحال: # منصتة تسمع ما يقول # فقال عبد المحسن في الحال: # كالخلد لما قابلته الغول # فقال له المجدي: أحسنت والله يا أبا محمد! أتيت بتشبيهين في نصف بيت. ~~أعيذك بالله! # قال علي بن ظافر # PageV01P038 # وأخبرني من أثق به - هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي اليحصبي القرموني ~~الزجال بما معناه، قال: ركب المعتمد على الله أبو القاسم بن عباد للتنزه ~~بظاهر إشبيلية في جماعة من ندمائه وخواص شعرائه، فلما أبعد أخذ في المسابقة ~~بالخيول، فجاء فرسه بين البساتين سابقا، فرأى شجرة تين قد أينعت وأزهرت، ~~وبرزت منها ثمرة قد بلغت وانتهت، فسدد إليها عصا كانت في يده، فأصابها، ~~وثبتت في أعلاها، فأطربه ما رأى من حسنها وثباتها، والتفت ليخبر من لحقه من ~~أصحابه، فرأى ابن جاخ الصباغ أول لا حق به، فقال: أجز: # كأنها فوق العصا # فأجاب مسرعا: # هامة زنجي عصى # فزاد طربه وسروره بحسن ارتجاله، وأمر له بجائزة سنية. # قال علي بن ظافر ### | وأخبرني أيضا # أن سبب اشتهار ابن جاخ هذا، أن الوزير أبا بكر بن عمار كان كثير الوفادة ~~على ملوك الأندلس، لا يستقر ببلد، ولا يستفزه عن وطره وطن، وكان كثير ~~التطلب لما يصدر من أرباب المهن من الأدب الحسن، فبلغه خبر ابن جاخ هذا قبل ~~اشتهاره، فمر على حانوته وهو آخذ في صناعة صباغته، والنيل قد جر على مده ~~ذيلا، وأعاد نهاره ليلا، فأراد أن يعلم سرعة خاطره، فأخرج زنده ويده بيضاء ~~من غير سوء، وأشار إلى يده فقال: # كم بين زند وزند # فقال: # ما بين وصل وصد # فعجب من سرعة ارتجاله مع مضيه في عمله واستعجاله، وجذب يضبعه، وبالغ في ~~الإحسان إليه غاية وسعه. # وأخبرني أيضا # أنه دخل سرقسطة، فبلغه خبر يحيى القصاب السرقسطي، فمر عليه ولحم خرفانه ~~بين يديه، فأشار ابن عمار إلى اللحم، وقال: # لحم سباط الخرفان مهزول # فقال: # يقول للمفلسين: مه زولوا ### | وأخبرني الشيخ الأجل الفقيه الزاهد أبو عبد الله محمد القرطبي أيده الله # قال # قال أبو محمد عبد ms032 المؤمن بن علي صاحب قرطبة والمغرب يوما في مجلسه، وقد ~~عوفي من مرضه: # الحمد لله رب العالمين على # ثم طلب إجازته من أهل المجلس، فلم يجبه أحد، فقال أبو العباس ابن حيوس: # برء الإمام الذي في الآمنين علا # قال لي الحافظ ذو النسبتين أبو الخطاب عمر بن دحية: صنع شيخنا قاضي ~~الجماعة أبو العباس بن مضاء إجازة له: # برء الإمام الذي في الناس قد عدلا # ثم عمل فيها أبياتا ### | وأخبرني الأجل شهاب الدين يعقوب ابن أخت الوزير الصدر الكبير نجم الدين # أبي الفتح يوسف بن المجاور أدام الله عزه # قال أخبرني البهاء الحسن بن علي بن محمد الخراساني المعروف بابن الساعاتي ~~قال: سايرت # PageV01P039 # الفقيه مرتضى الدين نصر الشيرازي - رحمه الله تعالى - فجرى في الحديث ما ~~أوجب أن قال: # إن هذي النفوس للموت تسعى # واستجازني، فقلت: # فإذا قيل مات لم يك بدعا ### | وأخبرني القاضي الموفق بهاء الدين أبو علي بن الديباجي الكاتب قال # أنشدني القاضي السعيد أبو القاسم بن سناء الملك رحمه الله تعالى: # إذا مت مهجورا فلا عاش عاشق # قال: وقد أعياني إتمامه على هذا النمط من الجناس، فقلت: # ولا طار للأحباب بعدي طارق # فقال: إنما مرادي أن يكون الجناس متصلا مثل الأول فقلت: # وبعدي للأحباب لا طار طارق ### | ### | ### | قال علي بن ظافر # # سايرت في بعض أسفاري سنة ثلاث وستمائة ابن الحرستاني، وأنا عائد من ميا ~~فارقين إلى ماردين، وكان الشتاء كلبا، والبرد قويا، والوحل شديدا، فلقينا ~~في تلك العقاب عشا، فقال: # عقاب في ثناياها عقاب # واستجازني، فقلت للوقت: فما هي بالعذاب بل العذاب # قال علي بن ظافر # وبتنا ليلة بالقرافة، فرأى بعض أصحابنا الزهرة، وقد قارنت المشتري، وهما ~~مشرقان في حندس الظلماء، فأفرط في استحسانها، فقال أبو الفضل الوجيه جعفر ~~بن جعفر الحموي: # مقارن الزهرة والمشتري # فقلت: كالزج واللهذم في السمهري فأفرط الجماعة في استحسانه، ثم وقع لي أن ~~أشبههما بلهذم من ذهب وزج من فضة لاصفرار الزهرة وشدة بياض المشتري، فقلت: # أما ترى المشتري وقد قارن الز ms033 ... هرة يبغي دنو مقترب # كصعدة زجها ولهذمها ... ذاك لجين، وذا من الذهب # قال علي بن ظافر # اجتمعت أنا والقاضي الأعز أبو الحسن علي ابن المؤيد العساني - رحمه الله ~~- يوما بالرصد، فرأينا شعاع الأصيل فوق بياض الماء، فقلت له: أجز: # أذكت الشمس على الماء لهب # فقال: # فكست فضته منها ذهب ### | وقلت له يوما أجز # طار نسيم الروض من وكر الزهر # فقال: وجاء مبلول الجناح بالمطر ### | وذكر أبو علي الحسن بن رشيق في كتاب الأنموذج حكاية مطبوعة # قال: جلست في دكان أبي لقمان الصفار - وكان يتهم في شعره - مع جماعة من ~~الشعراء، وأبو لقمان والدركادوا الشاعر يلعبان بالشطرنج، ونحن نضحك لما ~~يجري بينهما من غريب المهاترة، فقال الدركادوا: أجز يا أبا لقمان: # PageV01P040 # حيتان حبك في طنجير بلوائي # فقال أبو لقمان: # وفحم وجهك في كانون أحشائي # فقال له أحمد بن إبراهيم الكموني: أحسنت يا أبا لقمان، قسيمك خير من ~~قسيمه؛ فزهي أبو لقمان وقال: أدافع في بديع الشعر، وهذا شعري في الهتف. # وإنما لم أورد هذه الحكاية مرتبة في نظام الحكايات المتقدمة على ترتيب ~~الأعصار والأزمنة، إذ كان حقها أن تكون بين الحكايات المنسوبة إلى أبي ~~الفرج والمهلبي والمنسوبة إلى ابن حمديس؛ لأنها ليست من بدائع البدائه، ولم ~~أر إخلاء الكتاب منها لما فيها من الحلاوة. ### | ومن الإجازة إجازة قسيم بقسيم وبيت # كما يروى لنا أن الرشيد هارون - رحمه الله تعالى - صنع قسيما وهو: # الملك لله وحده # ثم أرتج عليه، فقال: استدعوا من بالباب من الشعراء، فدخل عليه جماعة منهم ~~الجماز، فقال أجيزوا - وأنشدهم القسيم - فبدر الجماز فقال: # وللخليفة بعده # فقال له الرشيد: زد، فقال: # وللمحب إذا ما ... حبيبه بات عنده # فقال له الرشيد: أحسنت ولم تعد ما في نفسي؛ وأجازه بعشرة آلاف درهم. ### | وذكرعبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر في تاريخ بغداد # قال: حدثني أبو أحمد يحيى بن علي بن يحيى المنجم، قال: استزارني أحمد بن ~~سعيد الدمشقي وأنا صغير، وسأل أبي أبا الحسن الإذن لي في المسير إليه، ~~وأخبره أن ms034 أحمد بن أبي طاهر وأبا طالب بن مسلمة وعلي بن مهدي وجماعة من أهل ~~العلم والأدب عنده؛ فأذن له فصرت إليه، فصادفت عنده أبا الحسن جحظة فلما ~~أردنا القيام إلى صفة في داره للأكل لبس الجماعة نعالهم، وبقي جحظة بغير ~~نعل، فسمعته يقول: # يا قوم من لي بنعل # فقلت: # في بيت تصحيف نعل # فضحكت الجماعة وغضب الدمشقي؛ فقلت: # وليس ذا قول جد ... لكنه قول هزل # فضحك، وتعجب القوم من بديهتي. ### | قال علي بن ظافر # صنع المتوكل علي بن الأفطس صاحب بطليوس من بلاد الأندلس قسيما، وهو: # الشعر خطة خسف # وأرتج عليه، فاستدعى أبا محمد عبد المجيد بن عبدون، أحد وزراء دولته ~~وخواص حضرته، فاستجازه إياه، فقال: # لكل طالب عرف # للشيخ عيبة عيب ... وللفتى ظرف ظرف # وقد أنبأني الشيخ الأجل الحافظ العلامة ذو النسبتين أبو الخطاب عمر بن ~~الحسن بن دحية الكلبي إجازة عن الأستاذ المفيد أبي بكر محمد بن خير بقراءته ~~عليه، عن الحافظ أبي القاسم خلف بن يوسف # PageV01P041 # الشنتريني - عرف بابن الأبرش - عن أبي الحسن بن بسام في كتاب الذخيرة؛ أن ~~قائل القسيم الأول الأستاذ أبو الوليد ضابط، وأن عبد المجيد أجازه ارتجالا، ~~وهو ابن ثلاث عشرة سنة. ### | وبهذا الإسناد قال ابن بسام # ذكر أبو علي الحسين بن الغليظ المالقي، قال: قلت يوما للأديب أبي عبد ~~الله بن السراج المالقي ونحن على جرية ماء، أجز: # شربنا على ماء كأن خريره # فقال مبادرا: # بكاء محب بان عنه حبيبه # فمن كان مشغوفا كئيبا بإلفه ... فإني مشغوف به وكئيبه ### | وبه أيضاما ذكر ابن بسام في كتاب الذخيرة قال # اجتمع ابن عبادة وعبد الله ابن القابلة السبتي بالمرية فنظر إلى غلام ~~وسيم يسبح في البحر، وقد تعلق بسكان بعض المراكب، فقال: ابن عبادة: أجز: # انظر إلى البدر الذي لاح لك # فقال ابن القابلة: # في وسط اللجة تحت الحلك # قد جعل الماء سماء له ... وصير الفلك مكان الفلك # قال علي بن ظافر: وكل ما أسنده إلى ابن بسام فبهذا الإسناد. ### | ومنها إجازة قسيم بقسيم ms035 وأكثر من بيت # أنبأني الشيخان تاج الدين أبو اليمن الكندي وجمال الدين بن الخراساني عن ~~الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر سماعا عليه، أخبرنا أبو بكر بن ~~المرزوقي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن أحمد بن الحسين بن عبد العزيز ~~العسكري، أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن الصلت المحبر، حدثنا أبو الفرج ~~الأصبهاني، أخبرني جعفر بن قدامة، حدثني أحمد بن أبي طاهر، قال: دخلت يوما ~~على نبت جارية مخفرانة - وكانت حسنة الوجه والغناء - فقلت لها: قد قلت ~~مصراعا فأجيزيه، فقالت لي: قل، فقلت: # يا نبت حسنك يعشي بهجة القمر # فقالت: # قد كاد حسنك أن يبتزني بصري # ثم وقفت أفكر، فسبقتني، فقالت: # وطيب نشرك مثل المسك قد نسمت ... ريا الرياض عليه في دجى السحر # فزاد فكري، فبادرتني، فقالت: # فهل لنا منك حظ في مواصلة ... أو لا فإني راض منك بالنظر # فقمت عنها خجلا، ثم عرضت بعد ذلك على المعتمد؛ فاشتراها بمشورة علي بن ~~يحيى بثلاثين ألفا. # وذكر أحمد بن الطيب، عن بعض الكتاب، أنها عرضت بعد ذلك على المعتمد ~~فامتحنها في الغناء، فرضي بما ظهر منها، وكان أول ما غنته # PageV01P042 # لحنا غريبا - والشعر في المعتمد - فقالت: # سنة وشهرا قابلا بسعود # فطرب المعتمد وتبرك بغنائها. ثم قال لأحمد بن حمدون: قارضها، فقال: # وهبت نفسي للهوى # فقالت: # فجار لما أن ملك # فقال: # فصرت عبدا خاضعا # فقالت: # يسلك بي حيث سلك # فأمر المعتمد بابتياعها، فاشتريت بثلاثين ألفا. ### | وبالإسناد المتقدم عن ابن بسام قال # روى أبو عامر بن شهيد قال: لما قدم زهير الصقلي حضرة قرطبة من المرية، ~~وجه أبو جعفر بن عباس وزيره إلى لمة من أصحابنا، منهم ابن برد وأبو بكر ~~المرواني وابن الحناط والطبني فحضروا، فسألهم عني وقال: وجهوا إليه، ~~فوافاني رسوله مع دابة بسرج محلى، فسرت إليه ودخلت المجلس - وأبو جعفر غائب ~~- فتحرك المجلس لدخولي، وقاموا جميعا إلي، حتى طلع أبو جعفر علينا ساحبا ~~ذيلا لم أر أحدا سحبه قبله، وهو يترنم. فسلمت عليه سلام من يعرف ms036 قدر ~~الرجال، فرد ردا لطيفا، فعلمت أن في أنفه نعرة لا يخرج إلا بسعوط الكلام، ~~ولا تراض إلا بمستحصد النظام، ورأيت أصحابي يصيخون إلى ترنمه. فقال لي ابن ~~الحناط - وكان كثير الإنحاء علي، جالبا في المحافل ما يسوء الأولياء إلي -: ~~الوزير حضره قسيم، وهو يسألنا إجازته، فعلمت أني المراد، فاستنشدته فأنشد: # مرض الجفون ولثغة في المنطق # فقلت لمن حضر: لا تجهدوا نفوسكم؛ فما المراد غيري، ثم أخذت الدواة فكتبت: # سببان جرا عشق من لم يعشق # من لي بألثغ لا يزال حديثه ... يذكي على الأكباد جمرة محرق # ينبي فينبو في الكلام لسانه ... فكأنه من خمر عينيه سقي # لا ينعش الألفاظ من عثراتها ... ولو أنها كتبت له في مهرق # ثم قمت عنهم، فلم يلبثوا أن وردوا علي، وأخبروني أن أبا جعفر لم يرض بما ~~جئت به من البديهة، وسألوني أن أحمل مكاوي الهجاء على حقارة - وزعموا أن ~~إدريس بن اليماني هجاه فأحسن، فقلت: # أبو جعفر كاتب شاعر ... مليح سنى الخط حلو الخطابة # تملأ شحما ولحما وما ... يليق تملؤه بالكتابة # له عرق ليس ماء الجباه ... ولكنه رشح ماء الجنابة # جرى الماء في سفله جرى لين ... فأحدث في العلو منه صلابة # PageV01P043 # قال علي بن ظافر: وأحسب أن الذي هجاه به إدريس وأفحش فيه قوله، وقد كان ~~وفد عليه بالمربة وامتدحه بقصيدة، فلم يحفل به، فأنفذ إليه عند خروجه منها ~~يقول: # إيه أبا جعفر المرجى ... ما بال طيري خلاف طيرك! # أهديت رقراقة المعاني ... لم أهد أمثالها لغيرك # فلم تمرها ولم تمرني ... ولم تمرها بفضل ميرك # فصار شعري لديك بكرا ... قد يئست من فلاح أيرك ### | وذكر العميد أبو الحسين علي بن الحسن بن أبي الطيب الباخرزي # في كتابه: دمية القصر وعصرة العصر قال: حدثني الأديب يعقوب بن أحمد، قال: ~~أنشدت بحضرة أبي كامل مفرج بن دغفل الطائي: # صهل الكميت فقلت مالك تصهل # فغيره بعض الحاضرين فقال: # نعب الغراب فقلت مالك تنعب # فقال أبو كامل بديها: # أنأى أليفك أم لحال ترهب # أم بت تخبرنا بفرقة جيرة ... قد ms037 آن في شعبان أن يتشعبوا # عزموا على ترك النفوس ورابهم ... ماء يسيل على لظى يتلهب ### | وأنبأني الشيخ الفقيه النبيه أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي وقال # أنبأني الفقيه أبو القاسم مخلوف بن علي القيرواني عن أبي عبد الله محمد ~~بن سعيد السرقطي، عن عبد الحافظ أبي عبد الله محمد بن عمر الأشبوني، قال: ~~قصد ابن جاخ الشاعر فخر الدولة أبا عمرو عباد بن محمد بن عباد، فلما وصل ~~إليه، قال: أجز: # إذا مررت بركب العيس حييها # فقال ابن جاخ في الحال: # يا ناقتي فعسى أحبابنا فيها # ثم زاد فقال: # يا ناق عوجي على الأطلال عل بها ... منهم غريبا يراني كيف أبكيها # أم كيف أرفض طيب العيش بعدهم ... أم كيف أسكب دمعا في مغانيها # إني لأكتم أشواقي وأسترها ... جهدي ولكن دموع العين تبديها ### | وذكر الوزير أبو بكر بن اللبانة الداني في كتاب سقيط الدرر ولقيط الزهر # صنع المعتمد على الله بن عباد - رحمه الله تعالى - قسيما في القبة ~~المعروفة بسعد السعود فوق المجلس المعروف بالزاهي، وهو: # سعد السعود يتيه فوق الزاهي # PageV01P044 # ثم استجاز الحاضرين فعجزوا، فصنع ولد عبد الله الرشيد: # وكلاهما في الحسن متناه # ومن اغتدى سكنا لمثل محمد ... قد جل في العليا عن الأشباه # لا زال يخلد فيهما ما شاءه ... ودهت عداه من الخطوب دواه ### | وكذلك ما روى أن القاضي الفقيه أبا الحسن علي بن القاسم ابن محمد بن عشرة # أحد رؤساء المغرب الأوسط تنزه مع جماعة من أصحابه منهم محمد بن عيسى بن ~~سوار الأشبوني، ورجل يسمى بأبي موسى، خفيف الروح، ثقيل الجسم، فجعل يعبث ~~بالحاضرين بأبيات من الشعر يصنعها فيهم، فصنع القاضي أبو الحسن معابثا له: # وشاعر أثقل من جسمه # ثم استجاز ابن سوار فقال: # تأتني معانيه على حكمه # يهجو ولا يهجى فهل عندكم ... ظلامة تعدي على ظلمه؟ # لسانه في هجوه حية ... منية الحية في سمه # أما أبو موسى ففي كفه ... عصا ابنه والسحر في نظمه # يصيب سر المرء في رميه ... كأنما العالم في علمه ### | وأخبرني القاضي الأعز ms038 بن المؤيد المقدم ذكره رحمه الله قال # أخبرني الشيخ أبو الحسن على بن عمر المفسر الأندلسي، قال: كتب أبو بكر ~~البلنسي إلى الأديب أبي بحر صفوان ابن إدريس هذين البيتين يستجيزه القسم ~~الأخير منهما، وهما: # خليلي أبا بحر وما قرقف اللمىبأعذب من قولي: خليلي أبا بحر # أجز غير مأمور قسيما نظمته ... تأمل على بحر المياه حلى الزهر # فأجازه بقوله: # كعهدك بالخضراء والأنجم الزهر # وقد ضحكت للياسمين مباسم ... سرورا بآداب الوزير أبي بكر # وأصغت من الآس النضير مسامع ... لتسمع ما تتلوه من سور الشعر # قال: وهذان الرجلان من الفضلاء في عصرنا هذا. ### | ومنها إجازة بيت ببيت # فمن ذلك ما روى يونس بن حبيب، قال: لما بنى يوسف بن زياد داره بالساحة ~~صنع طعاما، ودعا أصحابه فدخلوا الحمام المعروف بحمام فيل، ثم خرجوا فتغدوا ~~عنده، وركبوا المهاليج والمقاريف والبغال، واجتازوا بحارثة بن بدر الغداني # PageV01P045 # وأبي الأسود، وهما جالسان، فقال أبو الأسود: # لعمرو أبيك ما حمام كسرى ... على الثلثين من حمام فيل # فقال حارثة: # ولا إيجافنا خلف الموالي ... بسنتنا على عهد الرسول ### | وروى حبيب بن نصر المهلبي قال # سافر يزيد بن معاوية بالأخطل، فاشتاق يزيد أهله، فقال: # بكى كل ذي شجو من الشام شاقه ... تهام فأنى يلتقي الشجيان! # وقال: أجز يا أخطل، فقال: # يغور الذي بالشام أو ينجد الذي ... بغور تهامات فيلتقيان ### | وروى عمر بن عبد الله العتكي عن الرقاشي # عن أبي عبيدة، قال: كان حارثة بن بدر بدير كوار يتنزه فقال: # ألم تر أن حارثة بن بدر ... أقام بدير أبلق من كوارا # ثم قال للجند الذين كانوا معه: من أجاز هذا البيت فله حكمه، فقال رجل ~~منهم: على أن تجعل لي الأمان من غضبك، وتجعلني رسولك إلى البصرة، وتطلب لي ~~النفل من الأمير. قال: ذلك لك، ثم ردد عليه البيت، فقال: # مقيم يشرب الصهباء صرفا ... إذا ما قلت تصرعه استدرارا # فقال له حارثة: لك شرطك؛ ولو كنت قلت لنا قولا تسرنا لسررناك. ### | وروى أبو روح الراسبي قال # لما ولي خالد بن عبد ms039 الله القسري مالك بن المنذر شرطة البصرة قال ~~الفرزدق: # يبغض فينا شرطة المصر أنني ... رأيت عليها مالكا أثر الكلبي # قال: فقال مالك: علي به، فبلغه فقال: # أقول لنفسي إذ تغص بريقها ... ألا ليت شعري مالها عند مالك! # قال: فسمع قوله حائك يطلع من طرازه، وقال: # لها عنده أن يرجع الله ريقها ... إليها وتنجو من عظيم المهالك # قال الفرزدق: هذا أشعر الناس، أو ليعودن مجنونا يصيح به الصبيان، فكان ~~كما قال: ### | وروي أن عبد العزيز بن عمر عبد العزيز رحمه الله # خرج وهو أمير المدينة ومعه عبد الله بن الحسن، فنزلوا تحت سرحة وتغدوا، ~~وأخذ # PageV01P046 # عبد الله حجرا، وكتب به على ساق السرحة يقول: # خبرينا خصصت بالغيث يا سر ... ح بصدق فالصدق فيه شفاء # فأخذ عبد العزيز الحجر، وكتب تحته: # هل يموت المحب من ألم الحب ... ويشفى من الحبيب اللقاء! # ثم ركبوا دوابهم، ومضوا غير بعيد، فإذا السماء قد أقبلت عليهم، فرجعوا ~~مسرعين إلى السرحة، فأضافوا تحت ما كتبوا: # إن جهلا سؤالك السرح عما ... ليس يوما به عليك خفاء # ليس للعاشق المحب من العش ... ق سوى لذة الوصال دواء # فعجبوا وانصرفوا. ### | حدث المدائني قال # وهب نصر بن سيار لأبي عطاء السندي جارية، فبات معها، فلما أصبح غدا على ~~نصر، فقال له: كيف كانت ليلتك معها؟ قال: كان بيني وبينها ما شرد منامي، ~~وقضى مرامي، قال: فهل قلت من ذلك شعرا؟ قال: نعم، وأنشد: # إن النكاح وإن هزلت لصالح ... خلفا لعينك من لذيذ المرقد # فقال نصر: # ذاك الشقاء فلا تظنن غيره ... ليس المجرب مثل من لم يشهد ### | وروى زحر بن حصن، قال # خرجنا من مكة مع المنصور في زمان صائف، فلما كان بزبالة ركب نجيبا، ~~والشمس تلعب بين عينيه، وعليه جبة وشى، فالتفت إلينا وقال: إني قائل بيتا، ~~فمن أجازه فله جبتي هذه، قلنا: يقول أمير المؤمنين، فأنشد: # وهاجرة نصبت لها جبيني ... يقطع حرها ظهر العظاية # فبدر بشار، فقال: # وقفت لها القلوص ففاض دمعي ... على خدي وأقصر واعظايه # فخرج له عن الجبة، ms040 ثم لقيته، فذكر أنه باعها بخمسمائة دينار. # وقد ذكرها الصولي في كتاب الأوراق على غير هذا السياق. ### | وروى أن رسول علية بنت المهدي أو عائشة بنت الرشيد # خرج يوما إلى الشعراء، فقال: تقرئكم سيدتي السلام، وتقول: من أجاز هذا ~~البيت منكم، فله مائة دينار، فقالوا: وما هو؟ فأنشد: # أنيلي نوالا وجودي لنا ... فقد بلغت نفسي الترقوة # فبدرهم مسلم بن الوليد الصريع فقال: # وإني لكالدلو في حبكم ... هويت إذا انقطعت عرقوه # PageV01P047 # فخرجت له المائة دينار. ### | وروى محمد بن حسن الحاتمي عن أبي العيناء عن العتبي # قال: دخل يحيى بن خالد بستان داره، ومعه جاريته دنانير، فرأى بهجة الورد ~~على شعره، فقال: أجيزي: # الورد أحسن منظرا ... فتمتعوا باللحظ منه # فقالت مسرعة: # فإذا انقضت أيامه ... ورد الخدود ينوب عنه # فاستحسن ذلك منها، وأمر لها بمال جزيل، بعد أن قبل خدها. ### | وروى الحسين بن الضحاك قال # كنت أمشي مع أبي العتاهية فمررنا بمقبرة، فإذا امرأة تبكي ولدا لها، فقال ~~أبو العتاهية: # فما تنفك باكية بعين ... غزير دمعها كمد حشاها # أجز يا حسين، فقلت: # تنادي حفرة أعيت جوابا ... فقد ولهت وصم بها صداها ### | وروى أن أبا نواس دخل على عنان جارية الناطفي في بعض أيام الربيع فقال # أجيزي: # كل يوم عن أقحوان جديد ... تضحك الأرض من بكاء السماء # فقالت مسرعة: # فهو كالوشي من ثياب عروس ... جلبتها التجار من صنعاء # قال علي بن ظافر، والبيت الأول أظنه لابن مطير من قصيدة؛ إلا أنه منسوب ~~في الموضع الذي نقلت منه إلى أبي نواس، فأوردته كما وجدته. ### | وروي أنه دخل عليها يوما وهي تبكي، وقد كان مولاها ضربها فقال # بكت عنان فجرى دمعها ... كلؤلؤ ينسل من خيطه # فقالت: # فليت من يضربها ظالما ... تجف يمناه على سوطه # وقد روى أبو الفرج الأصبهاني هذه الحكاية عن مروان بن أبي حفصة، وانه ~~الذي استجازها البيت الأول. ### | وروى محمد بن الأشعث قال # قال دعبل بن علي الخزاعي: مررت أنا ورزين العروضي بقوم من بني مخزوم، فلم ~~يقرونا فقلت فيهم: # عصابة من بني ms041 مخزوم بت بهم ... بحيث لا تطمع المسحاة في الطين # PageV01P048 # ثم قلت لرزين: أجز: فقال: # في مضغ أعراضهم من خبزهم عوض ... بنو النفاق وآباء الملاعين # قال ابن الأشعث: وكان هذا أقوى الأسباب في مهاجاته لأبي سعيد المخزومي. ### | وروي لنا أن العباس بن الأحنف # دخل على الذلفاء جارية ابن طرخان فقال لها: أجيزي: # أهدى له أصحابه أترجة ... فبكى وأشفق من عيافة زاجر # فقالت ارتجالا: # خاف التلون في الوداد لأنها ... لونان باطنها خلاف الظاهر # فجن استحسانا، وحلف لها - وكانت تعزه - إن ادعته ما دخل دارها. فتركته له ~~فاستلحقه. ### | وذكر ابن القمي في كتاب النباهة قال # دخل أبو السمراء على نخاس، فسمع بكاء من داخل البيت وقائلة تقول: # وكنا كزوج من قطا في مفازة ... لدى خفض عيش مونق معجب رغد # أصابهما ريب الزمان فأفردا ... ولم نر شيئا قط أوحش من فرد # فقال للنخاس: أخرجها، فقال: إن صاحبها مات، وهي شعثة مغبرة. # قال: فخرجت فقال لها: قولي في معنى هذا، قالت: أي معنى؟ قال: في معنى ~~هذين البيتين اللذين تمثلت بهما، فقالت: # وكنا كغضى بانة وسط روضة ... نشم جنى الجنات في عيشة رغد # فأفرد هذا الغصن من ذاك قاطع ... فيا فردة باتت تحن إلى فرد! # فكتب الأمير أبو السمراء عبد الله بن طاهر بخبرها، فكتب: إن أجازت هذا ~~البيت فاشترها، وهو: # بعيد وصل بديع صد ... جعلته في الهوى ملاذا # فقالت مسرعة: # فعاتبوه فزاد شوقا ... فمات عشقا، فكان ماذا؟ # فاشتراها أبو السمراء، فماتت من الغد. ### | وروى إبراهيم بن محمد اليزيدي، قال # كنت عند المأمون يوما وبحضرته عريب، فقالت لي - على سبيل الولع والعبث - ~~ياسعلوس - وكانت جواري المأمون يلقبنني بها عبثا - فقلت: # فقل لعريب لا تكوني مسعلسه ... وكوني كتتريف وكوني كمؤنسه # قال: فبدرني المأمون فارتجل: # فإن كثرت منك الأقاويل لم يكن ... هنالك شك أن ذا منك وسوسه # PageV01P049 # فقالت له: كذا والله يا أمير المؤمنين أردت أن أقول وعجبت من ذهن المأمون ~~وجودة طبعه. ### | وأنبأنا الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي عن السلفي قال # أنبأنا أبو محمد جعفر ms042 بن أحمد السراج اللغوي وابن بغلان الكبير، قالا: ~~أنبأنا أبو نصر عبد الله بن سعيد السجستاني الحافظ، قال: أخبرنا أبو يعقوب ~~النجيرمي، حدثنا ابن سيف، قال: حدثنا محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثني ~~عم أبي أحمد بن محمد اليزيدي، قال - واللفظ من رواية أخرى قريب من لفظ هذا ~~الإسناد - قال: دعا المعتصم أخاه المأمون ذات يوم إلى داره، فأتاه فأجلسه ~~في بيت على سقفه جامات، فوقع ضوء الشمس من وراء تلك الجامات على وجه سيما ~~التركي غلام المعتصم، وكان أحسن تركي على وجه الأرض، وكان المعتصم أوجد خلق ~~الله به، فصاح المأمون لأحمد بن محمد اليزيدي، فقال انظر ويلك إلى ضوء ~~الشمس على وجه سيما، أرأيت أحسن من هذا قط! وقد قلت: # قد طلعت شمس على شمس ... فزالت الوحشة بالأنس # فأجز يا أحمد، فقال أحمد: # قد كنت أشنا الشمس من قبل ذا ... فصرت أرتاح إلى الشمس # قال: ففطن المعتصم، فعض شفته لأحمد، فقال أحمد للمأمون: والله يا أمير ~~المؤمنين، إن لم يعلم الأمير حقيقة الأمر منك لأقعن معه فيما أكره. فدعاه ~~المأمون فأخبره الخبر، فضحك المعتصم، فقال له المأمون: أكثر يا أخي في ~~غلمانك مثله، إنما استحسنت شيئا فجرى ما سمعت لا غير. # وقد وقعت لنا هذه الحكاية بإسناد أخصر من هذا عن ابن سيف، هو مذكور في ~~إجازة قسيم بقسيم. ### | وحكى صاحب كتاب المقتبس أن الأمير عبد الرحمن ابن الحكم بن هشام صاحب # الأندلس # خرج في بعض أسفاره، فطرقه خيال جاريته طروب أم ولده عبد الله، وكانت أعظم ~~حظاياه عنده وأرفعهن لديه، لا يزال كلفا بها هائما بحبها، فانتبه وهو يقول: # شاقك من قرطبة الساري ... في الليل لم يدر به الداري # ثم انتبه عبد الله بن الشمر نديمه، فاستجازه كمال البيت، فقال: # زار فحيا في ظلام الدجى ... أحبب به من زائر سار ### | وذكر الصولي في كتاب الأوراق برواية تنتهي إلى جعفر بن محمد بن عبد # الواحد الهاشمي قال # دخلت على المتوكل على الله لما توفيت أمه معزيا، فقال: # PageV01P050 # يا ms043 جعفر، إني ربما قلت البيت الواحد، فإذا جاوزته توقفت وقد قلت: # تذكرت لما فرق الدهر بيننا ... فعزيت نفسي بالنبي محمد # قال: فأجازه بعض من حضر المجلس، فقال: # وقلنا لها إن المنايا سبيلنا ... فمن لم يمت في يومه مات في غد # قال الصولي: فظننا أن جعفر بن محمد بن عبد الواحد قائل البيت. ### | قال مروان بن الجنوب # دخلت على المتوكل، فرمى إلي برقعة فيها بيت شعر، وهو: # أدرت الهوى حتى إذا صار كالرحى ... جعلت محل القلب في موضع القطب # وتحت البيت: أجز يا مروان، فكتبت تحته: # فلما جعلت القلب تحت رحى الهوى ... ندمت وصار القلب في موضع صعب ### | وذكر يزيد بن محمد المهلبي، قال # كان ابن المعتز يشرب يوما في بستان مملوء بالنمام وشقائق النعمان، فدخل ~~عليه يونس بن بغا، وعليه قباء أخضر، فقال ابن المعتز لما رآه ارتجالا: # شبهت حمرة خده في ثوبه ... بشقائق النعمان في النمام # ثم قال: أجيزو، فبدر بنان المغني - وكان ربما عبث بالبيت بعد البيت - ~~فقال: # والقد منه وقد بدا في قرطق ... بالغصن في لين وحسن قوام # فطرب ابن المعتز، وقال له: إن فيه الآن، فصنع فيه لحنا. ### | وذكر عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر في تاريخه قال # حدثني أبو أحمد يحيى بن علي بن المنجم، قال: صرت إلى أبي زيد عمر بن شبة، ~~فقال لي: قد قلت بيتا تعذر على ثان له، فأحب أن تجيزه، فقلت: وما هو؟ قال: # كبرت وغالتني خطوب تتابعت ... ومن يصحب الأيام لابد يهرم # فقلت: # ومن يصحب الأيام تنقص خطوبها ... قواه، ويجهل بعض ما كان يعلم # فأعجب به، وحدث الناس بما بيننا، فكتبوه عنه. ### | أنبأني الفقيه النبيه # أبو الحسن بن المقدسي عن أبي القاسم مخلوف بن علي القيرواني عن أبي عبد ~~الله محمد بن أبي سعيد السرقسطي، عن الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي نصر ~~بن عبد الله الحميدي، قال: حدثني أبو محمد علي بن أحمد، قال: حدثني أبو عبد ~~الله محمد بن عبد الأعلى بن هاشم القاضي المعروف ms044 بابن الغليظ، أن صهيب بن ~~منيع - قال # PageV01P051 # علي بن ظافر: وكان قاضيا ببعض بلاد الأندلس، ومات بها في أيام الناصر عبد ~~الرحمن، سنة ثمان وعشرين وثلثمائة - كان نقش خاتمه: # يا عليما كل غيب ... كن رؤفا بصهيب # وأنه كان يشرب النبيذ - لعله كان يذهب مذهب أهل العراق - فشرب مرة عند ~~الحاجب موسى بن حدير - وكان من عظماء الدولة الأموية - فسكر ونام، فأمر ~~موسى باختلاس خاتمه، وأحضر نقاشا، فنقش تحت البيت المذكور: # واستر العيب عليه ... إن فيه كل عيب # ورد الخاتم عليه، وختم به زمانا حتى فطن له. ### | وأنبأني الشيخان # الأجل العلامة تاج الدين أبو اليمن الكندي، والفقيه جمال الدين بن ~~الحرستاني عن الشيخ الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر سماعا، أخبرنا ~~أبو النجم بدر الدين عبد الله السنجي، أخبرنا أبو البكر الخبيب، أنبأنا علي ~~بن أبي علي المعدل، حدثني أبي حدثني عبد العزيز بن أبي بكر المحرف العلاف ~~الشاعر - وكان أحد ندماء المعتضد - قال: كنت ليلة في دار المعتضد، وقد ~~أطلنا الجلوس بحضرته، ثم نهضنا إلى مجلسنا في حجرة كانت مرسومة بالندماء. ~~فلما أخذنا مضاجعنا، وهدأت العيون، أحسسنا بفتح الأبواب وتفتيح الأقفال ~~بسرعة، فارتاعت الجماعة لذلك، وجلسنا في فرشنا، فدخل إلينا خادم من خدم ~~المعتضد، فقال لنا: إن أمير المؤمنين يقول لكم: أرقت الليلة بعد انصرافكم، ~~فعلمت هذا البيت: # ولما انتبهنا للخيال الذي سرى ... إذ الدار قفر والمزار بعيد # وقد أرتج علي إتمامه فأجيزوه، ومن أجازه بما يوافق غرضي أجزلت عطيته - ~~وفي الجماعة كل شاعر مجيد مذكور، وأديب فاضل مشهور - فأفحمت الجماعة، ~~أطالوا التفكير، فقلت مبتدرا: # فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي ... لعل خيالا طارقا سيعود # فرجع الخادم إليه بهذا الجواب، ثم عاد، فقال: أمير المؤمنين يقول لك: ~~أحسنت وما قصرت، وقد وقع بيتك الموقع الذي أريده، وقد أمرت لك بجائزة وها ~~هي، فأخذتها، فازداد غيظ الجماعة مني. ### | وقال يزيد بن أبي اليسر الرياضي في كتابه الأمثال # دخل رحمون الفارسي على أبي وهو مريض، فقال له: كيف أصبحت؟ فقال: # يكاد ms045 جسمي من نحول الضنى ... تحمله أنفاس عوادي # فقال رحمون: هل ترى أن أزيد عليه يا أبا اليسر؟ فقال: نعم، فقال: رحمون: # PageV01P052 # لم يبق إلا الروح في مهجة ... يروح أو يغدو بها الغادي ### | أنبأني القاضي الفقيه الإمام نبيه الدين أبو الحسن بن علي ابن المفضل # المقدسي رحمه الله قال # أخبرني الشيخ الفقيه أبو القاسم علي بن مهدي بن قلنبا الإسكندري، قال: ~~أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الجبار ابن سلامة الهذلي قال: أخبرنا أبو ~~القاسم علي بن جعفر بن علي الصقلي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن ~~الحسن التميمي، قال: أخبرنا أبو محمد إسماعيل ابن محمد النيسابوري، قال: ~~أخبرنا أبو منصور الثعالبي في كتاب اليتيمة؛ أن الصاحب بن عباد اتهم بعض ~~المرد في مجلسه بسرقة بعض كتبه، فقال: # سرقت يا ظبي كتبي ... ألحقت كتبي بقلبي # وأمر أبا محمد الحسن بن أحمد البروجردي بإجازته، فقال: # فلو فعلت جميلا ... رددت قلبي وكتبي # وكل ما أسنده إلى اليتيمة فبهذا الإسناد. ### | وذكر الرئيس هلال بن الصابي أن الصاحب بن عباد قال # أرسل إلي الأستاذ الرئيس أبو الفضل بن العميد، يستدعيني في وقت لم تجر ~~عادته باستدعائي في مثله، فتهيأت للمضي، فجاءني رسول ثان، فركبت فلقيني ~~ثالث يستحثني، فارتبت وارتعت، فلما دخلت عليه قال: قلت بيتا ثم أعييت عن ~~إتمامه، وهو: # وجاءوا بظبي كمثل الغزال ... يناك على الرسم في مثله # فقلت في الحال: # فأدخلت بعضي في بعضه ... فياليت كلي في كله # فجعل يكثر التعجب مني، ثم انصرفت. ### | وأنبأنا العماد أبو حامد الأصفهاني، قال # ذكر السمعاني في تاريخه، قال: سمعت أبا المظفر منصور بن محمد بن سعيد بن ~~مسعود المسعودي المروزي في مذاكرتي إياه يقول: دخلت على العزيز الخشاب - ~~وشبل الدولة عنده حاضر - فقال العزيز: قلت اليوم بيتا - وأنشده: # صفو دن العمر في عصر الصبا ... وزمان الشيب دردي محيل # وقال لشبل الدولة: أجز، فقال مبادرا: # والذي يطلب صفوا بعده ... إنما يطلب شيئا مستحيل ### | أخبرني الشيخ أبو عبد الله بن علي اليحصبي القرموني قال # سمعت أبا ms046 بكر # PageV01P053 # اليكي الشاعر - وهو بجامع عدوة القرويين بفاس - يحكى لأبي ولجماعة معه، ~~قال: خرجت من فاس قاصدا تلمسان، فدخلت في بعض الخانات، وكانت ليلة مطيرة ~~جدا، فأنزلني صاحب الخان في بيت مفرد، وأوقد لي قنديلا، فبينما أنا جالس، ~~وإذا برجل قد فتح الباب، ودخل علي وعلى وجهه سلهامة قد سترته، فجلس وقد ~~عرفني ولم أعرفه، فسألته عن صناعته، فقال: أنا شاعر، فقلت له كالمستهزئ به: ~~أجز - وضربت بعيني إلى شيء أصفه، فلم أجد غير القنديل فقلت: # وقنديل كأن الضوء فيه ... محيا من أحب إذا تجلى # فقال في الحال: # أشار إلى الدجى بلسان أفعى ... فشمر زيله هربا وولى # فجننت استحسانا لما أتى، فكشف السلهامة عن وجهه، فإذا هو أبو العباس ~~البني الشاعر فقال: كيف ترى هذا الكهن وما فجأك منه! وبتنا بأطيب ليلة، ~~فلما قام الركب للسفر سار هو إلى فاس، وسرت أنا إلى تلمسان. ### | وأخبرني القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن سناء الملك رحمه الله # قال: أخبرني الشريف الجليل الوافد من العراق على الدولة المصرية، قال: ~~اجتمعت في بعض الأيام بأمين الدولة أبي الحسن هبة الله ابن صاعد - ### | قال علي بن ظافر # : هو المعروف بابن التلميذ وإنما أمه من بنات التلميذ فعرف بذلك - قال: ~~فأخذنا في ذم الدهر وإخنائه على أهل الفضل، وإذا بكلاب الصيد التي برسم ~~الخليفة قد أبرزت في جلال الوشي والديباج، فحرك ذلك ماكنا نتجاذب أهدابه في ~~ذم الدهر، فقلت: # من كان يكسو الكلب وش ... يا ثم يقنع لي بجلدي # واستجزته فقال: # الكلب خير عنده ... مني وخير منه عتدي ### | وأخبرني الأجل بهاء الدين بن الساعاتي المقدم ذكره # قال: حضرت مجلس سماع عند بعض الرؤساء، فغنى مغن قبيح النغمة، سيء الضرب، ~~فقال بعض الحاضرين: # من منصفي ممن إذا ... ما ناح نحت لقبح نغمة # واستجازني، فقلت: # هو خارج وقت الغنا ... ء وداخل في رحم أمه # PageV01P054 ### | وأخبرني الفقيه أبو ثابت بن حسن الكربوني بالإسكندرية # قال: حضرت أنا والأديب عبد المنعم بن صالح الجزيري صاحبنا ببعض الأماكن، ~~ورجل يقرأ المقامات ms047 التي صنفها الحريري على رجل آخر، وهما يصحفان فيها، ~~فقال عبد المنعم: # ياأيها الثور البهيم الذي ... يقرأ المقامات على الثور # ثم استجازني، فقلت: # دع المقامات لأربابها ... وعد إلى النافات والدور ### | قال علي بن ظافر # حضر عندي وأنا برأس العين في خدمة الملك الأشرف - أدام الله أيامه - ~~الأديب الموفق علي بن محمد البغدادي الساكن بها والفقيه بهاء الدين بن كساء ~~الشاعران، وعندنا رجل يعرف بالضياء بن الزراد - مصري معروف - وكانوا ~~يمجنون، فعمل ابن كساء بديهة وقال: # رأيت الضياء وفي دبره ... قمد كزند البعير الشديد # ثم استجاز الموفق، فقال في الحال: # كأن جهنم في دبره ... تقول لآتيه: هل من مزيد! # ثم صنع الموفق فيه بديها: # زمان الضياء رعاه الإله عيد ولكن به يرتزق # فطورا بأعلاه رمى القبق ... وطورا بأدناه طعن الحلق # بنا وبه أعظم الحالتين ... فمنه البغاء ومنا الشبق # فلو جمعتنا به خلوة ... لقد قيل وافق شن طبق # وهذا المعنى الذي فيه ذكر الحلق والقبق معنى مطبوع؛ إلا أنه لم يحسن ~~نظمه، وقد نظمته أنا على سبيل التجريب للخاطر، فقلت: # لقد عيد الترك في ذا الرقيع ... وعاطوه باللعب أكواسه # بنيك يقطع أعفاجه ... وصفع يزعزع أضراسه # فكم جعلوا حلقة دبره ... وكم جعلوا قلبقا راسه # وقلت أيضا في المعنى: # أصبح عيدا للترك من هو كالمأتم في عين من رأى خلقه # وفوه بالنيك تارة وبمر ... الصفع أخرى من لعبهم حقه # PageV01P055 # إن قر فالطعن بالأيور وإن ... فر أجادت نعالهم رشقه # فللسراميز رأسه قبق ... وللفياشي خناره حلقه ### | قال علي بن ظافر # كان يصحبني وأنا في خدمة الأشرف - أبقاه الله - رجل كاتب حسن الخط من أهل ~~العلم والخبرة، هاجر إلى دمشق، يقال له جمال الدين علي بن أبي طالب، فلما ~~رأيت ما عليه الأحوال من الاختلال، وقويت في نفسي شهوة الانفصال؛ كنت ليلي ~~ونهاري مكبا على الدعاء بتسهيل ذلك وتعجيله، وتيسير ما أرجوه منه؛ وأقمت ~~على هذا مدة طويلة، بحيث كان الأمر مشهورا عند كل أحد من الحاشية، فأخبرني ~~أنه بات مشغول القلب بما يسمعه مني في ذلك؛ ms048 فرأى كأنه في جامع دمشق تحت ~~النسر، وإلى جانبه شيخ؛ وكأنهم ينتظرون الصلاة، وإذا برجل شاب قد أقبل من ~~الباب الغربي، فقال له الشيخ: يا أبا العباس، أجز: # إن ابن ظافر سوف يظ ... فر بالذي يرجوه عاجل # فقال: # ظفرت عداه بخيبة ... وغدا لما قد شاء نائل # فسررت بذلك، فلم يكن شيء أسرع من عود الملك الأشرف - أبقاه الله - من ~~دمشق، وانفصالي من خدمته على الوجه الجميل، وكان ذلك - والله - أعظم ظفر، ~~وأرفق قدر، ولو لم يكن في إلا الرجوع إلى الباب الذي منه درجت، وفي خدمته ~~تخرجت؛ والوطن الذي هو أول أرض مس ثراها جلدي، وعلقت فيها تمائمي، فالله ~~تعالى يحقق الرجاء ويكمل الأمل، بمنه وطوله. ### | وكنت أنا وابن المؤيد يوما عائدين إلى مصر # فثار قتام شديد، ترب وجه الأرض، وأقذى عين الشمس، فقال: # وقتام إذا رآه بصير ... عاد مما يقذيه مثل الضرير # ثم استجازني فقلت: # رد ثوبي مصندلا بعدما كا ... ن شديد النقاء كالكافور ### | واجتمعت يوما بالأجل شهاب الدين ابن أخت الوزير نجم الدين العزيزي رحمه # الله # فأنشدني لنفسه في غلام رآه في الحمام مؤتزرا بإزار أخضر: # ومرتج ردف أزروه بأخضر ... كما ماج ماء قد تردى بطحلب # واستجازني، فقلت: # يخيل لي مرآه نعمان أطلعت ... قضيبا على حقف ليبرين معشب # PageV01P056 # قال القاضي الفقيه جمال الدين: وهاتان حكايتان قرأتهما في بعض المجاميع، ~~ولم أعرف رواتهما، فأستدل بهم على عصرهم، فلذلك أفردتها ها هنا، ولم أضعهما ~~في نظام الحكايات المرتبة على ترتيب الأعصار، خوفا من نقد منتقد: ### | إحداهما: قال أبو سليمان الواسطي # مر بنا موسوس كان يؤثر عنه أدب، والسماء مغيمة، فتعرضت له وقلت: # أرى يومنا يوما تكامل حسنه ... ويوشك أن اليوم لا شك ماطر # وقلت له: أجز؛ فوقف وقال: # وقد سترت فيه السحائب شمسه ... كما سترت ورد الخدود المعاجر ### | والأخرى قال أبو علي # اجتمعنا في بعض الأيام جماعة من أهل الأدب؛ وخرجنا إلى منتزه، فوقفنا في ~~ظل قصر لنستريح، فوقعت علينا منه وقعة فيها: أجيزوا هذا لبيت: # ولي مقلة عهدها بالكرى ms049 ... بعيد وبالدمع عهد قريب # فكتبت تحته: # يحار إذا مر فيها المنام ... كما حار في الحي ضيف غريب # ثم صرفنا الرقعة مع بواب القصر، فأخرج إلينا سفرة فيها طعام كثير وأشياء ~~فيها عون لنا على نزهتنا. # قال علي بن ظافر: وأحسب أن أبا علي هذا، الحاتمي، فإن صح الحديث، فينبغي ~~أن يكون بعد حكاية الصاحب بن عباد رحمه الله تعالى. ### | ومن إجازة بيت ببيت ما يكون الشاعر قد عمل بيتا # واستجاز له أولا، أو عمل بيتين وأراد إبدال أحدهما أو الاختبار فيه، مثل ~~ما أنبأنا به العماد أبو جعفر الأصبهاني، قال: أخبرني الأمير الأجل نجم ~~الدين بن مصال، أن شابا يعرف بأحمد الآبي من أهل الإسكندرية سافر إلى الشيخ ~~الأجل أبي بكر أحمد بن محمد العيذبي التميمي الكاتب فاضل اليمن ورئيسه، ~~وانتفع من جانبه، وأن أحمد ذكر عنه أنه عمل أبياتا يهنئ فيها الداعي بطهور ~~أولاده، من جملتها قوله: # كذبالة المصباح يقضى قطعها ... عند الخمود لها بقوة ناره # قال: فقال الأديب العيذبي: يصلح أن يكون لهذا البيت توطئه من قبله، فقال: # أخذ من العضو الشريف قضى له التأ ... ثير فيه بمقتضى آثاره ### | قال العماد # ونقلت من مجموع أبي المعالي الكتبي لأبي القاسم الهمداني: # تعيرني وخط الشيب بعارضي ... ولولا الحجول البيض لم تحسن الدهم # حنى الشيب ظهري واستمرت عزيمتي ... ولولا انحناء القوس لم ينفذ السهم # قال: فنظمت المعنى، وقلت: # يفيد العقل اليقظ التغابي ... ليدرك في الغني حظ الغبي # فلم تصب السهام على اعتدال ... بها لولا اعوجاج في القسي # قال: وأنشدتها للأمير مؤيد الدولة أسامة بن منقذ، فصنع في الحال بدل ~~الأول من البيتين وهو: # أرى أن الحليم به افتقار ... إلى جهل الفتى الغر الغبي # PageV01P057 ### | قال بن ظافر # وبالإسناد المتقدم عن أبي الحسن على ابن بسام الشنتريني مما أورده في ~~كتاب الذخيرة ما هذا معناه، واللفظ لي: أن المعتمد على الله أبا القاسم ~~محمد بن عباد صاحب إشبيلية وغرب الأندلس جلس يوما للشرب، وذلك في وقت مطر ~~أجرى كل وهدة نهرا؛ وحلى جيد ms050 كل غصن من الزهر جوهرا، وبين يديه ساقية تخجل ~~الزهر بطيب العرف والريا، وتقابل بدر وجهها بشهاب الكاس في راحة الثريا، ~~فاتفق أن لعب البرق بحسامه، وأجال سوطه المذهب ليسوق به ركاب ركامه، ~~فارتاعت لخطفته، وذعرت من خيفته، فقال بديها: # روعها البرق وفي كفها ... برق من القهوة لماع # عجبت منها وهي شمس الضحى ... كيف من الأنوار ترتاع! # وحين صنعهما أطربه معناهما وهزه، وحركه استحسانهما واستفزه، فاستدعى عبد ~~الجليل بن وهبون المرسي، وأنشده البيت الأول، فقال عبد الجليل: # ولن ترى أعجب من آنس ... من مثل ما يمسك يرتاع # فاستحسنه، وأمر له بجائزة. وبيته أحسن من بيت المعتمد عندي. ### | وأخبرنا القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن سناء الملك رحمه الله بما # هذا معناه # قال: تذاكرنا في بعض الأيام بديوان الإنشاء، فأفضى بنا الحديث إلى ذكر ~~الناشي الأصغر وقوله في وردة: # ووردة في بنان معطار ... حيا بها في خفي إسرار # كأنها وجنة الحبيب وقد ... نقطها عاشق بدينار # فقلت: تشبيه الصفرة بالدينار فيه بعض تقصير، وعليه نقد خفي لا يدركه إلا ~~الناقد البصير، وهو كون الصفرة في رأى العين أصغر من الدينار، ولو قال: # كمثل وجنة خود ... قد نقطت برباع # لكان أخصر وأحسن؛ فاستحسنته الجماعة، فقال السديد هبة الله بن سراج منشئ ~~الديوان: يا قوم، أنا أجيزه ببيت أول، ثم صنع جاريا على عادته في التجنيس: # ووردة نالت الحس ... ن إذ زهت في الرباع ### | وأخبرني صاحبنا الفقيه أبو الفضل جعفر الحموي # قال: مر بي في بعض الأيام يهودي يعرف بأبي الخير، أقبح الناس صورة، ~~وأشدهم تنافر خلقة، قصير القامة، طويل اللحية، بارز الأنف، فحين رأيته وقع ~~لي بيت على شبه الارتجال؛ وهو: # PageV01P058 # لحية طولها ذراع، وأنف ... طول شبر، وقامة طول إصبع # ثم أرتج على؛ فمر بي الأديب فاضل بن راحبي الله المنبوز بمداد، فأنشدته ~~إياه، فقال: أعمل له أولا؟ فقلت: إن شئت؛ فقال: # ما رأينا ولا سمعنا بشخص ... كأبي الخير في الخلائق أجمع ### | ومن ذلك ما أخبرني الفقيه أبو محمد الخالق بن زيدان ms051 المسكي المقدم ذكره # قال: أخبرني صاحبنا الأديب أبو الحسن علي ابن خروف القرطبي - المقدم ذكره ~~في هذا الكتاب - قال: رأيت في المنام منشدا ينشدني: # إذا كنت في الدنيا حليف تكبر ... فإنك في الأخرى أقل من الذر # قال: فانتبهت وقد حفظته، فأجزته بقولي: # تنزه عن الدنيا وكن متواضعا ... عفيفا ولا تسحب ذيولا من الكبر ### | ومنها إجازة بيت بأكثر من بيت # فمن ذلك ما رواه أبو الفرج الأصبهاني في أخبار بشار بن برد، وهو ن المهدي ~~أشرف يوما من أعلى القصر، فرأى جارية من جواريه تغتسل، فحين رأته استترت ~~منه فقال: # نظرت من القصر عيني ... نظرا وافق حيني # ثم ارتج عليه، فأمر بإحضار من يجيزه، فأحضر بشار، فأنشده البيت فقال: # سترت لما رأتني ... دونه بالراحتين # فضلت منه فضول ... تحت طي المكنتين # فقال المهدي: قبحك الله! أكنت ثالثنا؟ ثم قال: ثم ماذا؟ فقال: # فتمنيت وقلبي ... للهوى في زفرتين # أنني كنت عليه ... ساعة أو ساعتين # فضحك المهدي، وأمر له بجائزة، فقال له: يا أمير المؤمنين! أقنعت في مثل ~~هذه الصفة بساعة أو ساعتين؟ قال: فبم ويحك! قال: سنة أو سنتين! فضحك وقال: ~~أخرج عني قبحك الله! ### | ومثله ما روى من أن الرشيد أنشد الأصمعي بيتا وهو # ليتني عقدك أو يا ليتني ... تكة موشية من تككك # واستجاره فقال: # امنحيني الوصل يا سيدتي ... واطمعيني عسلا من عككك # ما على قومك أو ما ضرهم ... لو وقفنا ساعة في سككك # PageV01P059 # وقد تقدم قريب منهما في باب المجاوبة. ### | قال يزيد بن أبي يسر الرياضي في كتابه الأمثال # سمعت سيبويه يقول: دخل عبد الله بن طاهر الرى سحرا، فسمع قمرية تنوح ~~فقال: لله در الهلالي حيث يقول: # ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ... وغصنك مياد ففيم تنوح! # وكان معه عوف بن محلم الشاعر، فقال له: أجز هذا البيت، فقال: # وأرقني بالليل صوت حمامة ... فنحت وذو الشوق القديم ينوح # على أنها ناحت ولم تذر دمعة ... ونحت وأسراب الدموع سفوح # وناحت وفرخاها بحيث تراهما ... ومن دون أفراخي مهامه فيح ### | أنبأني الشيخان # الأجل ms052 العلامة تاج الدين الكندي وابن الحرستاني إجازة عن أبي القاسم بن ~~عساكر سماعا منه، أخبرنا أبو بكر المرزوقي، أنبأنا أبو منصور العكبري، ~~أنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمد الصلت المحبر، حدثنا أبو الفرج علي بن ~~الحسين الأصبهاني، حدثني علي بن صالح، عن أحمد بن أبي طاهر، حدثه أنه ألقى ~~على فضل الشاعرة # علم الجمال تركتني ... في الحب أشهر من علم # فقالت: # وأبحتني يا سيدي ... سقما يزيد على السقم # وتركتني غرضا فدي ... تك للعواذل والتهم ### | وذكر أبو العباس المروزي # قال: صنع المتوكل بيتا وطالب فضل الشاعرة أن تجيزه وهو: # لاذ بها يشتكي إليها ... فلم يجد عندها ملاذا # فصنعت بديهة: # ولم يزل ضارعا إليها ... تهطل أجفانه رذاذا # فعاتبوه فزاد شوقا ... فمات عشقا فكان ماذا # فطرب المتوكل وقال: أحسنت - وحياتي - يافضل، وأمر لها بمائتي دينار، وأمر ~~عريب فغنت به. # قال علي بن ظافر: وقد ذكرنا البيت الأخير من بيتي فضل في حكاية أبي ~~السمراء في إجازة بيت ببيت، إلا أن هذه الحكاية أثبت رواية من تلك، وهي من ~~رواية أبي الفرج في الأغاني. ### | وبالإسناد المتقدم ذكر الثعالبي في كتاب اليتيمة # قال: جلس سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان يوما مع جماعة ~~من خواص كتابه وأصحابه، فقال: أيكم يجيز قولي: # لك جسمي تعله ... فدمي لم تحله # PageV01P060 # وليس لها إلا سيدي - يعني ابن عمه أبا فراس بن أبي العلاء بن حمدان - ~~فارتجل أبو فراس: # لك من قلبي المكا ... ن فلم لاتحله # ولئن كنت مالكا ... فلك الأمر كله # فاستحسنهما ووهب له ضيعة منبج، تغل ألفي دينار في كل سنة. ### | 141 - # وذكر القاضي أبو علي التنوخي في كتاب النشوار قال: أنشدني أبو القاسم عبد ~~الله بن محمد الضروي لنفسه بالأهواز يقول: # إذا حمد الناس الزمان ذممنه ... ومن كان فوق الدهر لايحمد الدهرا # وزعم أنه حاول أن يضيف إليه شيئا فتعذر عليه مدة طويلة، وضجر منه وتركه ~~مفردا، وكان عنده أبو القاسم المصيصي المؤدب، فسمع القول، فعمل في الحال ~~إجازة له، وأنشدها لنفسه: # وإن ms053 أوسعتني النائبات مكارها ... ثبت ولم أجزع وأوسعتها صبرا # إذا ليل خطب سد طرق مذاهبي ... لجأت إلى عزمي فأطلع لي فجرا ### | وبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام في كتاب الذخيرة # أن المعتمد بن عباد جلس يوما في بعض دور الحرم، فمر عليه بعض حظاياه في ~~غلالة لايكاد يفرق بينها وبين جسمها، وذوائب تبدي إياة الشمس في مدلهما، ~~فسكب عليها إناء ماء ورد كان بين يديه، فامتزج الكل لينا واسترسالا، وطيبا ~~وجمالا، وأدركت المعتمد أريحية الطرب، ومادت بعطفيه راح الأدب، فقال: # وهويت سالبة النفوس عزيزة ... تختال بيت أسنة وبواتر # وتعذر عليه المقال، فال لبعض الخدم القائمين على رأسه: سر أبي الوليد ~~النحلي، وخذه بإجازة هذا البيت ولا تفارقه حتى يفرغ، فأضاف إليه لأول وقوع ~~الرقعة بين يديه: # راقت محاسنها ورق أديمها ... فتكاد تبصر باطنا من ظاهر # وتمايلت كالغصن بلله الندى ... يختال في ورق الشباب الناضر # تبدى بماء الورد مسبل شعرها ... كالطل يسقط من جناح الطائر # تزهى برونقها وحسن جمالها ... زهو المؤيد بالثناء العاطر # ملك تضاءلت الملوك لقدره ... وعنا له صرف الزمان الجائر # وإذا لمحت جبينه ويمينه ... أبصرت بدرا فوق بحر زاخر # PageV01P061 # فلما قرأها المعتمد استحضره وقال له: أحسنت، أو كنت معنا؟ فأجابه النحلي ~~بكلام معناه: ياقاتل المحل، أو ماتلوت: " وأوحى ربك إلى النحل "! ### | ومن ذلك، بالإسناد المتقدم أيضا لكتاب الذخيرة ما رورى ابن بسام # أن المعتمد أيضا أمر بصنع غزال وهلال من ذهب، فصيغا، فجاء وزنهما سبعمائة ~~مثقال، فأهدى الغزال للسيدة ابنة مجاهد، والهلال لابنه الرشيد، فوقع له أن ~~قال: # بعثنا بالغزال إلى الغزال ... وللشمس المنيرة بالهلال # واصطبح، وحضر الرشيد فدخل عليه، وجاء الندمان والجلساء، وفيهم أبو القاسم ~~بن مرزقان، فحكى لهم المعتمد البيت، وأمر بإجازته، فبدر ابن مرزقان فقال: # فذا سكني أسكنه فؤادي ... وذا نحلي أقلده المعالي # شغلت بذا وذا خلدي ونفسي ... ولكني بذاك رخى بال # زففت إلى يديه زمام ملكي محلى بالصوارم والعوالي # فقام يقر عيني في مضاء ... ويسلك مسلكي في كل حال # فدمنا للعلاء ودام فينا ... فإنا للسماح وللنزال ### | وذكر ms054 أبو الفتح بن خاقان في كتاب القلائد # قال: خرجت من إشبيلية لوداع كبير من المرابطين، فوجدت معه الوزير أبا ~~محمد ابن مالك، فلما انصرفنا عدنا متسايرين، فمررنا بمرج حسن النبات، بديع ~~النوار، فبادر مملوك من مماليكه وضيء الوجه إلى زهرة بديعة، فقطفها، وأتاه ~~بها لتعجبه من حسنها، فاقترح على أن أصفه: فقلت: # وبدر بدا والطرف مطلع حسنه ... وفي كفه من رائق النور كوكب # فقال مجيزا له: # يروح لتعذيب النفوس ويغتدي ... ويطلع في أفق الجمال ويغرب # ويحسد منه الغصن أي مهفهف ... يحئ على مثل الكثيب ويذهب ### | ### | ### | قال علي بن ظافر # # ومن هذا القسم ما تكون الإجازة لبيت بأبيات تجعل قبله أو بعده وقبله كما ~~أنبأني العماد أبو حامد قال: قال عمارة اليمني الشاعر في كتابه في شعراء ~~اليمن: إن الفقيه أبا العباس أحمد بن محمد الآبي حدثه، قال: أذكر ليلة وأنا ~~أمشي مع الأديب أبي بكر العدني على ساحل عدن، وقد تشاغلت عن الحديث معه، ~~فقال لي: في أي شيء أنت تفكر؟ فقلت: في بيت عملته، وهو: # وأنظر البدر مرتاحا لرؤيته ... لعل طرف الذي أهواه ينظره # PageV01P062 # فقال: لمن هذا البيت؟ فقلت: لي، فأنشد مرتجلا: # يا راقد الليل بالإسكندرية لي ... من يسهر الليل وجدا حين أسهره # ألاحظ النوم تذكارا لطلعته ... وإن جرى دمع أجفاني تذكره ### | قال علي بن ظافر # اتفق أن خرجنا للقاء القاضي الفاضل، فرأيت في الموكب رجلا أسود اللون، ~~وعليه جبة حمراء، فأنكرته ولم أعرفه، ولقيت القاضي الأسعد أبا المكارم أسعد ~~بن الخطير أطال الله بقاءه، فقلت له: من هذا الأسود الذي كأنه فحمة من دم ~~حجامة؟ فقال لي: # كأنه ناظر طرف أرمد # فقلت: يصلح أن يكون قبله: # وأسود في ثوبه المورد # وبعده: # أو مثل خال فوق خد أمرد # ثم لقيت بعد ذلك القاضي السعيد بن سناء الملك - رحمه الله تعالى - ~~فأنشدته إياهما، وكتمته الأول، وقلت: قد صنعت لهما أولا، فاصنع أنت أيضا، ~~وقصدت بذلك اختبار القافية وتمكنها؛ إذ كل خاطر إنما يبادر إليها، فقال: # وأسود في ملبس مورد ms055 # فعجبت من توارد الخاطرين لما كانت القافية متمكنة غير مستدعاة ولا ~~مجتلبة، إلا أن قوله: في ملبس أحسن من قولي: في ثوبه. # قال علي بن ظافر # وخرجت أنا وشهاب الدين يعقوب ابن أخت ابن المجاور ونحن بالإسكندرية أيام ~~حلول الملك العزيز - رحمه الله - بها، إلى جزيرتها المباركة لزيارة قبر ~~صاحبنا القاضي الأعز أبو الحسن علي بن المؤيد المردد ذكره في هذا الكتاب؛ ~~وقد كان توفي أغبط ما كان بالحياة، وأبعد ما كان من تخوف الوفاة، وغصن ~~شبابه رطيب، والزمان على منبر فضله خطيب، فلما نزلنا بفناء قبره، وأسبلنا ~~سيل المدامع لذكره، أنشدني شهاب الدين بيتين صنعهما في الطريق، وهما: # أيا قبر الأعز سقيت غيثا ... كجود يديه أو دمعي عليه # فلا وإخائه الصافي ودادا ... وددت الموت من شوقي إليه # فقال: إن بين الأول والثاني فرجة، تريد بيتا ليسدها، فلعلك أن تسعدني، ~~فقلت: # وحلت جانبيك مروج زهر ... تحاكي طيب أوقاتي لديه ### | ومنه إجازة بيت وقسيم بقسيم # كما روى إسحاق الجصاص، قال: صنع زهير بن أبي سلمى بيتا وقسيما، وهما: # تراك الأرض إما مت خفا ... وتحيا إن حييت بها ثقيلا # نزلت بمستقر العز منها # PageV01P063 # ثم أكدى، فمر به النابغة الذبياني فقال له: أجز يا أبا أمامة، وأنشده ~~فأكدى لنابغة، وأقبل كعب بن زهير، وإنه لغلام، فقال له أبوه: أجز يا بني، ~~فقال: وما أجيز؟ فأنشده فقال: # وتمنع جانبيها أن يزولا # فضمه زهير إليه وقال له: أنت ابني حقا ### | ومن ذلك، ما رواه إسحاق الموصلي # قال: ولد للفضل بن يحيى بن خالد مولود، فدخل عليه أبو النضير عمر بن عبد ~~الملك ولم يكن علم الخبر، فلما مثل بين يديه ورأى الناس يهنئونه نثرا ونظما ~~وقف وأنشد ارتجالا: # ويفرح بالمولود من آل برمك ... بغاة الندى والسيف والرمح والنصل # وتنبسط الآمال فيه لفضله # ثم أرتج عليه، فلم يدر ما يقول، فقال الفضل يلقنه: # ولا سيما إن كان من ولد الفضل # فاستحسن الناس بديهته، وأمر لأبي النضير بصلة. ### | أنبأني الشيخ الفقيه النبيه أبو الحسن علي بن الفضل ms056 المقدسي # قال: أنبأني الفقيه أبو القاسم مخلوف بن علي القيرواني، عن أبي عبد الله ~~محمد بن أبي سعيد السرقسطي عن أبي عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، قال: ~~أخبرني أبو زكريا يحيى بن علي الأنصاري فيما أظن، وقد كتبت منه - قال: ~~أخبرني عمر بن الصيرفي المقري، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله عن أبيه، أنه ~~سمع أبا عمرو الكلبي قال: كنت جالسا عند أبي عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه، ~~فأتاه من بعض إخوانه طبق فيه أنابيب من قصب السكر، وكتاب معه، فحول ابن عبد ~~ربه الكتاب، وجاوبه بديهة وكتب في الجواب: # بعثت يا سيدي حلو الأنابيب ... عذب المذاقة مخضر الجلابيب # كأنما العسل الماذي شيب به # قال الكلبي: ثم توقف، فقال: يا كلبي، أجز هذا البيت فإني لا أجد له ~~تماما، فقلت: # لا بل يزيد على المازي في الطيب # فقال: أحسنت يا كلبي، ثم أخذ القلم وأراد أن يكتبه على ما قلت، ثم كره ~~الاستعارة فأطرق قليلا ثم قال: # أو ريق محبوبة جادت لمحبوب # قال الكلبي: فقمنا وقبلنا رأسه سرورا منا بقوله. ### | وأخبرني القاضي السعيد ابن سناء الملك # قال: صنعت: # قد كان لي منديل كم ساذج ... ما جاز مسح يدي به في مذهبي # فاعتضت عنه بخد من أحببته # PageV01P064 # وأرتج علي، فلم أستطع أكمل البيت، فاستجزت القاضي تاج الدين ابن الجراح، ~~فقال: # فمسحت في منديل كم مذهب ### | ومنه إجازة بيتين ببيت # فمن ذلك ما روى لنا أن أبا دلامة زيد بن الجون مولى بني أسد دعا السيد ~~الحميري إلى منزله، فبكت ابنة له، فحملها على عاتقه، فبالت عليه فوضعها ~~مغضبا، وقال: # بللت علي لا حييت ثوبيفبال عليك شيطان رجيم # فما ولدتك مريم أم عيسى ... ولا رباك لقمان الحكيم # ثم استجاز السيد الحميري، فقال: # ولكن قد تضمك أم سوء ... إلى لباتها وأب لئيم # فضحك أبو دلامة وقال: عليك لعنة الله؛ ما دعاك إلى هذا كله! ثم حلف لا ~~ينازعه بيتا بعدها، فقال له السيد: يكون الهرب من جهتك لا من ms057 جهتي. # وقد روى أبو الفرج هذه الحكاية بإسناد ينتهي إلى علي بن إسماعيل؛ قال: ~~كنت أسقي أبا دلامة والسيد ... ولم يذكر سوى البيت الثاني من بيتي أبي ~~دلامة. # ورواها أبو الفرج أيضا بإسناد ينتهي إلى الهيثم بن عدي، وأنها كانت بين ~~أبي دلامة وأبي عطاء السندي، وأن أبا عطاء أجاز بيته بأن قال: # صدقت أبا دلامة لم تلدها ... مطهرة ولا فحل كريم # ولكن قد حوتها أم سوء ... إلى لباتها وأب لئيم # وعلى هذه الرواية تدخل في باب المجاوبة. ### | وذكر ابن رشيق في كتاب الأنموذج # قال: اجتمعت بأبي حديدة الشاعر يوما وأنا سكران، فسألني عن حال المكان ~~الذي كنت فيه، فوصفته له، وأفضت بي صفته إلى ذكر غلام كان ساقيا، فقلت في ~~عرض الكلام ولم أرد الوزن: # فشربتها من راحتي ... ه كأنها من وجنتيه # وكأنها في فعلها ... تحكي الذي في ناظريه # وقلت له: أجز، فقال: # وشممت وردة خده ... نظرا ونرجس مقلتيه # فقلت له: أحسنت في شمك بالنظر؛ كما سمع أبو الطيب بالبصر حيث يقول: # كالخط يملأ مسمعي من أبصرا ### | واجتمع أبو عبد الله بن شرف الجذامي يوما بأبي علي بن رشيق فوصف له # منزلا ضيقا كان فيه، ثم صنع في صفته # فقال: # PageV01P065 # ومنزل قبح من منزل ... النتن والظلمة والضيق # كأنني في وسطه فيشة ... ألوطه والعرق الريق # وكان ابن شرف أعور أصلع، فقال: ابن رشيق يداعبه على طريق الإجازة: # وأنت أيضا أعور أصلع ... فوافق التشبيه تحقيق # ولو قال ابن شرف: كأنني في وسطه فيشة في فقحة ... لكان أوضح في تشبيه ~~المنزل. ### | ### | قال علي بن ظافر # # وأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد رحمه الله، بما هذا معناه: أنه كان عند ~~أبي المعالي بن الشماس كاتب القاضي الأسد ابن مماتي في ليلة اصطلى فيها ~~بالجمر، من كئوس الخمر، واجتلى بها النجوم الزهر، من مجتنى نجوم الزهر؛ ~~قال: فأفضت في ذمها، وذكر عظيم إثمها، ثم ندمت على ما فرط، واعتذرت اعتذار ~~من فرط، فقلت: # شربتم قهوة وشربت ماء ... فأغناني اللجين عن النضار # ومن بانت أحبته ms058 وساروا ... تعلل بالتشاغل بالديار # ثم استجزته فقال: # وكنت نظيركم بالشم منها ... ولكني سلمت من الخمار # قال علي بن ظافر # بتنا ليلة على المقياس عند مبالغة النيل في نقصه واحتراقه، وانفراجه عما ~~لم يزل مستورا من أرصفه وانفراقه، والمراكب قد انتظمت في لبته، ور كدت ~~بالإرساء فوق لجته، وأحاطت به إحاطة المحيط بنقطته، وسفهاء الرياح تعبث بها ~~حتى كادت تذهب بورقها، وأجسادها قد لبست لفقد الماء حداد قارها وهي في ~~أوكارها، من المراسي مزمومة، وأجنحة قلوعها لعارض الليل مضمومة، فقلت ~~بديها: # أو ما ترى المقياس قد حفت به ... سود المراكب فوق ظهر اللجة # يسمو وقد حفت به كقلادة ... سبحية في لبة فضية # واستجزت القاضي الأعز بن المؤيد - رحمه الله - فقال: # وكأنه حصن عليه عسكر ... للزنج لف بنوده للحملة ### | ومنه إجازة بيتين بأكثر من بيت كما روى العباس ابن الفضل بن الربيع # قال: غضب الرشيد على جارية له، فحلف لا يدخل إليها، ثم ندم فقال: # صد عني إذ رآني مفتن ... وأطال الصد لما أن فطن # PageV01P066 # كان مملوكي فأضحى مالكي ... إن هذا من أعاجيب الزمن # ثم قال لجعفر بن يحيى: اطلب لي من يزيد في هذين البيتين؛ فقال: ليس لهما ~~إلا أبو العتاهية - وكان محبوسا - فبعثوا إليه، فكتب إلى الرشيد: # يا بن عم النبي سمعا وطاعة ... قد خلعنا الكساء والدراعة # ورجعنا إلى الصناعة لما ... كان سخط الإمام ترك الصناعة # فأمر بإطلاقه وصلته، فقال: الآن طاب القول؛ ثم قال يجيزهما: # عزة الحب أرته ذلتي ... في هواه وله وجه حسن # فلهذا صرت مملوكا له ... ولهذا شاع ما بي وعلن # فقال الرشيد: أحسنت والله وأصبت ما في نفسي، وأضعف صلته. # وذكرها الصولي في الأوراق بقريب من هذا، وأنه كتب إليه لما أمر بالإجازة ~~يقول: # ضعف المسكين عن تلك المحن ... لهلاك الروح منه والبدن # ولقد كلفت شيئا عجبا ... زاد في النكبة واستوفى المحن # قيل فرحنا وأبى فرح ... أن يوافيني في بيت الحزن # ولم يذكر العينية: وأما يزيد بن محمد المهلبي فإنه روى البيتين اللذين ~~هما على قافية ms059 العين لموصولين بالهاء لإسحاق الموصلي، وذلك أنه كتب بهما ~~إلى المأمون، وكان قد ترك الغناء والمنادمة فسجنه. ### | وذكر محمد بن جرير الطبري في تاريخه الكبير # قال: خرج كوثر خادم الأمين لينظر الحرب أيام محاصرة طاهر بن الحسين ~~وهزيمة ابن أعين لبغداد، فأصابه سهم غرب فجرحه، فدخل على الأمين وهو يبكي ~~لألم الجراحة، فلم يتمالك الأمين أن جعل يمسح عنه الدم ويقول: # ضربوا قرة عيني ... ومن أجلي ضربوه # أخذ الله لقلبي ... من أناس أوجعوه # ثم ارتج عليه، فاستدعى الفضل بن الربيع، وأمره بإحضار شاعر يجيز البيتين، ~~فاستدعى لذلك عبد الله بن محمد بن أيوب التيمي، وأنشدهما له فقال: # ما لمن أهوى شبيه ... فبه الدنيا تتيه # وصله حلو ولكن ... هجره مر كريه # PageV01P067 # من رأى الناس له الف ... ضل عليهم حسدوه # مثل ما قد حسد القا ... ئم بالملك أخوه # فأمر الأمين له بوقر ثلاثة أبغل دراهم؛ فلما ولى المأمون الخلافة واستقر ~~الأمر له توسل إليه عبد الله بالحسن بن سهل، فلما دخل عليه، قال: ألست ~~القائل: # ما لمن أهوى شبيه # فقال: بل أنا القائل: # نصر المأمون عبد الل ... ه لما ظلموه # نقضوا العهد الذي كا ... نوا قديما أكدوه # لم يعامله أخوه ... بالذي أوصى أبوه # وأنشده في مدحه قصيدة أولها: # جزعت ابن تيم أن علاك مشيب ... وبان شباب والشباب حبيب # فأمره له بعشرة آلاف درهم. ### | وذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتاب القيان والمغنين # أن المأمون قال يوما لمتيم الهاشمية، جارية على بن هشام: أجيزي: # تعالى تكون الكتب بيني وبينكم ... ملاحظة نومي بها ونشير # فعندي من الكتب المشومة حيرة ... وعندي من شؤم الرسول أمور # فقالت: # جعلت كتابي عبرة مستهلة ... ففي الخد من ماء الجفون سطور # ورسلي لحاجاتي وهن كثيرة ... إليك إشارات بها وزفير ### | أنبأني الشيخان # الشيخ الأجل العلامة تاج الدين أبو اليمن الكندي، والشيخ الأجل الفقيه ~~جمال الدين بن الحرستاني إجازة، قالا: أخبرنا الإمام الحافظ أبو القاسم علي ~~بن الحسن بن هبة الله بن عساكر، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين، ~~أخبرنا أبو منصور ms060 محمد بن محمد بن أحمد ابن الحسين، أخبرنا أحمد بن محمد بن ~~الصلت، حدثنا أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني، أخبرني حعفر بن قدامة، ~~قال: اشترى أبو عبادة جاريته سلمى اليمانية، من نخاس مكي قدم بها عليه، ~~فلما جاءه بها أراد أن يمتحنها، فأنشده: # من لمحب أحب في صغره ... فصار أحدوثة على كبره # من نظر شفه فأرقه ... وكان مبد هواه من نظره # ثم قال لها: أجيزي، فقالت مجيبة غير متوقفة: # PageV01P068 # لولا التمني لمات من كمد ... مر الليالي يزيد في فكره # ما إن له مسعد فيسعده ... بالليل في طوله وفي قصره # الجسم يبلى فلا حراك به ... والروح فيما أرى على أثره ### | أنبأني الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي، عن الحافظ السلفي إجازة # قال: أنبأنا أبو محمد جعفر بن السراج اللغوي وابن بعلان الكبير، قالا: ~~حدثنا أبو نصر عبد الله بن سعيد السجستاني الحافظ، قال: أخبرنا أبو يعقوب ~~النجيرمي، حدثنا أبو الحسين المهلبي عن أبي الفوارس، عن يعقوب ابن السكيت، ~~قال: عزم محمد بن عبد الله بن طاهر على الحج، فخرجت جارية إليه شاعرة، فبكت ~~لما رأت آلة السفر، فقال محمد بن عبد الله: # دمعة كاللؤلؤ الرط ... ب من الطرف الكحيل # هطلت في ساعة البي ... ن على الخد الأسيل # فقالت الجارية: # حين هم القمر الزا ... هر عنا بالأفول # إنما يفتضح العش ... اق في وقت الرحيل ### | قال علي بن ظافر # ذكر ابن رشيق في كتاب الأنموذج ما معناه، قال: خرج أبو العباس بن حديدة ~~القيرواني في جماعة من رفقائه طالبا للتنزه، فحلوا بروضة قد سفرت عن وجنات ~~الشقيق، وأطلعت في زبرجد الأرض الخضراء نجوما من عقيق، والجو قد أفرط في ~~تعبيسه، ونثر لغيظه جميع ما كان من لؤلؤ القطر في كيسه، فقال ابن حديدة: # أو ما ترى الغيث المعرس باكيا ... يذري الدموع على رياض شقيق # فكأن قطر دموعه من فوقها ... در تبدد في بساط عقيق # قال: وأنشدنيهما، فأجزتهما بأن قلت: # فاجمع إلى شكليهما بزجاجة ... شكلين من حبب وصفو رحيق # فكأنما انتصرا لعبرة عاشق ms061 ... مهراقة في وجنتي معشوق ### | وبالإسناد المتقدم عن ابن بسام # قال في كتاب الذخيرة - ورواه الفتح بن خاقان في كتاب قلائد العقيان - ~~قال: ذكر أبو إسحاق بن خفاجة الحريري الأندلسي قال: اجتمعت مع عبد الجليل ~~بن وهبون المرسي، ونحن نريد المرية أيام مقام العدو بحصن بلبيط، فبتنا ~~بلزقه نتجاذب أذيال المذاكرة إلى أن قام السفر # PageV01P069 # في السحر، للسرى والسفر، وقد شهروا سلاحهم، وأظهروا عددهم لقربهم من ~~العدو، فظهر من عبد الجليل الجزع، والارتياع والهلع، مما ألجأني إلى تسكينه ~~بإنشاد عجائب الأشعار، وإيراد غرائب الأخبار، وهو لا يفهم ما أورده، ولا ~~يعقل معاني ما أسرده، فمررنا في الطريق بمشهدين متقابلين، وعليهما رأسان ~~منصوبان فقلت: # ألا رب رأس لا تزاور بينه ... وبين أخيه والمزار قريب # أناف به صلد الصفا فهو منبر ... وقام أعلاه فهو خطيب # ثم استجزته باستطالة فقال: # يقول حذار الإغترار فطالما ... أناخ قتيل بي وفر سليب # وينشدنا إنا غريبان ها هنا ... وكل غريب للغريب نسيب # فإن لم يزره صاحب أو خليله ... فقد زاره نسر هناك وذيب # وها هو أما منظرا فهو ضاحك ... إليك وأما نصبه فكئيب # قال أبو إسحاق: فما أتم إنشاده حتى طلعت سرية العدو فأوقعت بالركب، فأناخ ~~قتيلا، وبحوت مسلوبا، فعجبت من هذا الاتفاق. ### | قال وصنع يوما الأعز أبو الحسن بن المؤيد رحمه الله تعالى بديها في # مغن # مغن صوته يحكيه في حسن وفي لين # يغنيني فيغنيني ... ويحيا إذ يحييني # واستجاز شهاب الدين يعقوب ابن أخت الوزير نجم الدين بن المجاور فقال: # ويسقيني سلاف الرا ... ح من فيه فيشفيني # تعجلت به أجري ... ولم أعطف على ديني ### | ومنه إجازة أبيات ببيت # كما أنبأني الشيخان تاج الدين أبو اليمن زيد بن حسن الكندي وجمال الدين ~~الحرستاني إجازة عن الإمام الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر، قال: ~~أخبرنا أبو القاسم الحسين بن محمد، أخبرنا أبو الفرج سهل بن بشر، أخبرنا ~~أبو الحسين علي بن عبد الله الهمداني إجازة، أخبرنا أبو سعيد عبد الرحمن بن ~~خيران، أخبرنا ابن الأنباري، قال: دخل ms062 الزبير بن بكار على أمير المؤمنين ~~المعتز بالله وهو محموم، فقال له: يا أبا عبد الله إني قد قلت في ليلتي هذه ~~أبياتا، وقد أعيا على إجازة بعضها، وأنشدني: # PageV01P070 # إني عرفت علاج الجسم من وجعي ... وما عرفت علاج الحب والجزع # جزعت للحب، والحمى صبرت لها ... إني لأعجب من صبري ومن جزعي # من كان يشغله عن حبه وجع ... فليس يشغلني عن حبكم وجعي # فقال أبو عبد الله: # وما أمل حبيبي، ليتني أبدا ... مع الحبيب، ويا ليت الحبيب معي # فأمر له على هذا البيت بألف دينار. ### | وبهذا الإسناد عن الإمام الحافظ ابن عساكر # قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن المحسن بن أحمد الملحي لفظا - وكتبه لي ~~بخطه - قال: حدثني السابق أبو اليمن محمد بن الخضر المعري، قال: اجتمعت ~~بأبي عبد الله ابن الخياط - يعني الشاعر الدمشقي بطرابلس - وكنت أنا وهو ~~نجلس في دكان عطار نصراني، يعرف بأبي المفضل، فيه ذكاء ومحبة للأدب، فخرجنا ~~يوما إلى ظاهر البلد، فاخترنا موضعا نجلس فيه على غدير هناك، فقال ابن ~~الخياط بديهيا: # أو ما ترى قلق الغدير كأنه ... يبدو لعينك منه حلى مناطق # مترقرق لعب الشعاع بمائه ... فتراه يخفق مثل قلب العاشق # فإذا نظرت إليه راقك لمعه ... وعللت طرفك من سراب صادق # ولم يفتح الله على السابق ولا بلفظة، فقال العطار: # قد كنت أرجو أن تكون مصليا ... حتى رأيتك سابقا للسابق # فاستحسنا ما أتى به العطار، وجعلناه من مأثور الأخبار. # قال أبو عبد الله: وكان السابق لا يحفظ من شعره بيتا واحدا، وأبو عبد ~~الله بن الخياط بخلافه، يحفظ شعره منذ عمله إلى أن مات. ### | ومنه إجازة أكثر من بيت بأكثر من بيت # فمن ذلك ما ذكره الثعالبي في كتاب اليتيمة من حكاية أبي الفرج الببغاء في ~~دير مران، ووصفها بأن قال: وهي وإن كان فيها بعض طول، فالبديع غير مملول؛ ~~وكل ما أرويه وأسنده إلى اليتيمة في هذا الكتاب فهو مما أجازه لي القاضي ~~الفقيه نبيه الدين أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي - رحمه ms063 الله تعالى - ~~قال: أخبرنا الشيخ الفقيه أبو القاسم علي بن مهدي الإسكندري، قال: أخبرنا ~~أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار بن سلامة الهذلي، قال: أخبرنا أبو ~~بكر محمد بن علي بن الحسن التميمي، قال: أخبرنا أبو محمد إسماعيل بن محمد ~~النيسابوري، قال: # PageV01P071 # أخبرنا أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي - وقد تقدم ذكر ~~هذا الإسناد - قال الثعالبي: قال أبو الفرج واللفظ له: تأخرت عند سيف ~~الدولة بدمشق مكرها، وقد سار عنها في بعض وقائعه، وكان الخطر شديدا على من ~~أراد اللحوق به من أصحابه، حتى إن ذلك كان يؤدي إلى الهب وطول الاعتقال، ~~فاضطررت إلى إعمال الحيلة والسلامة بخدمة من بها من رؤساء الدولة ~~الإخشيدية، وكانت سني في ذلك الوقت عشرين سنة، وكان انقطاعي منهم إلى أبي ~~بكر علي بن صالح الروذباري لتقدمه في الرياسة، ومكانه من الفضل والصناعة ~~فأحسن تقبلي وبالغ في الإحسان إلي وحصلت تحت الضرورة والمقام، فتوفرت على ~~قصد البقاع المستحسنة، والمتنزهات المطروقة، تسليا وتعللا، فلما كان في بعض ~~الأيام، عملت على قصد دير مران - وهذا الدير مشهور الموقع في الجلالة وحسن ~~المنظر - فاستصحبت بعض من كنت آنس به، وتقدمت بحمل ما يصلحنا، وتوجهت نحوه، ~~فلما حصلنا تحته أخذنا في شأننا. وقد كنت اخترت من رهبانه لعشرتنا من توسمت ~~فيه رقة الطبع، وسجاحة النفس، حسبما جرى به الرسم والعادة في غشيان ~~الأغمار، وطروق الديرة من التظرف بعشرة أهلها والأنسة بسكانها، ولم تزل ~~الأقداح دائرة بين مطرب الغناء ومزاهر المذاكرة إلى أن فض اللهو ختامه، ~~ولوح السكر لصحبي أعلامه، فحانت مني التفاتة إلى بعض الرهبان، فوجدته إلى ~~خطابي متوثبا، ولنظري إليه مترقبا، فلما أخذته عيني أكب يزعجني بخفى الرمز ~~ووحي الإيماء، فاستوحشت لذلك وأنكرته، ونهضت عجلا واستحضرته، فأدرج لي رقعة ~~مختومة، وقال لي: قد لزمك فرض الأمانة فيما تتضمنه هذه الرقعة وسقط ذمام ~~كاتبها في سترها بك عني، ففضضها فإذا فيها مكتوب بأحسن خط وأملحه وأقواه ~~وأوضحه: بسم الله الحمن الرحيم. لم أزل ms064 فيما تؤديه هذه الرقعة - يا مولاي - ~~بين حزم يحث على الانقباض عنك؛ وحسن ظن يحض على التسامح بنفيس الحظ منك، ~~إلى أن استنزلتني الرغبة فيك على حكم الثقة بك من غير خبرة، فرفعت سجف ~~الحشمة، وأطعت في الانبساط أوامر الأنسة، وانتهزت في التوصل إلى مودتك فأنت ~~الفرصة. والمسماح منك - جعلني الله فداك - زورة أرتجع بها ما اغتصبتنيه ~~الأيام من المسرة، مهنأة بالإنفراد إلا من غلامك، الذي هو مادة مسرتك. # PageV01P072 # وما ذاك عن خلق بضيق بطارق ... ولكن لأخذي باحتياط على حالي # فإن صادف ما خطبته منك أيدك الله قبولا ولديك نفاقا فمنية غفل الدهر ~~عنها، إذ فارق مذهبه فيما أهداه إلى منها، وإن جرى على رسمه في المضايقة ~~فيما أوثره وأهواه، وأترقبه من قربك وأتمناه، فذمام المروءة يلزمك رد هذه ~~الرقعة وسترها وتناسيها، واطراح ذكرها إن شاء الله تعالى. وإذا بأبيات تتلو ~~الخطاب وهي: # ياعامر العمر بالفتوة وال ... قصف وحث الكئوس والطرب # هل لك في صاحب تناسب في ال ... غربة أخلاقه وفي الأدب # أوحشه الدهر فاستراح إلى ... قربك مستنصرا على النوب # فإن تقبلت ما أتاك به ... لم تشب الظن فيك بالكذب # وإن أبي الدهر دون رغبته ... فكن كمن لم يقل ولم يجب # قال أبو الفرج: فورد على ما حيرني، واسترد ما أخذه الشراب من تمييزي، ~~وحصل لي في الجملة أن أغلب الأوصاف على صاحبها في الكتابة خطا وترسلا ~~ونظما، وشاهدته بالفراسة من ألفاظه، وحمدت أخلاقه قبل الاختبار من رقعته، ~~فقلت للراهب: ويحك! من هذا؟ وكيف السبيل إلى لقائه؟ فقال: أما ذكر حاله ~~فإليه إذا اجتمعنا، وأما السبيل إلى لقائه فسهل إن شئت، قلت: دلني، قال: ~~تظهر فتورا، وتنصب عذرا تفارق به أصحابك منصرفا؛ فإذا صرت بباب الدير عدلت ~~بك إلى باب صغير تدخل منه. فرددت الرقعة عليه وقلت: أدفعها إليه ليتمكن ~~أنسه بي وسكونه إلي، ثم عرفته أن التوفر على إعمال الحيلة المبادرة إلى ~~حضرته على ما آثره من التفرد أولى من التشاغل بإصدار جواب وقطع وقت ~~بكتابته. # ومضى الراهب وعدت ms065 إلى أصحابي بغير النشاط الذي ذهبت به؛ فأنكروا ذلك مني، ~~فاعتذرت إليهم بشيء عرض لي، واستدعيت ما أركبه، وتقدمت إلى من كان معي من ~~الخدم بالتوفر على خدمتهم؛ وقد كنا عولنا على المبيت، فأجمعوا على تعجيل ~~السكر والانصراف، وخرجت من باب الدير ومعي صبي صغير كنت آنس به وبخدمته، ~~وتقدمت إلى الشاكري برد الدابة وستر خبري ومباكرتي. وتلقاني الراهب، فعدل ~~بي إلى طريق في مضيق، وأدخلني الدير من طريق غامض، وصار بي إلى باب قلاية ~~يتميز عما يجاوره من الأبواب نظافة وحسنا، فقرعه بحركات مختلفة كالعلامة ~~بينهما، فابتدرنا منه غلام كأن البدر ركب على أزراره: مهفهف # PageV01P073 # الكشح مخطفه، معتدل القوام أهيفه، تخال الشمس برقعت غرته، والليل ناسب ~~أصداغه وطرته. # في غلالة تم على ما تستر، وتجفو مع رقتها عما يظهر، وعلى رأسه مجلسية، ~~فصمته فبهر عقلي، واستوقف نظري، ثم أجفل كالظبي المذعور، وتلوته والراهب ~~إلى صحن القلاية، فإذا أنا ببيت فضي الحيطان، رخامي الأركان، يضم طارمة خيش ~~مفروشة بحصير مستعمل، فوثب إلينا منه فتى مقتبل الشبيه، حسن الصورة، ظاهر ~~النبل والهيئة، متزى من اللباس بزي غلامه، فلقيني حافيا يعثر في سراويله، ~~واعتقني، ثم قال: إنما استخدمت هذا الغلام في تلقيك يا سيدي لأجعل ما لعلك ~~استحسنته من صورته، مصانعا لما يرد عليك من مشاهدتي. # فاستحسنت اختصاره الطريق إلى بسطى، وارتجاله إلى النادرة على نفسه حرصا ~~على تأنيسي. وأفاض في شكري على المسارعة إلى امتثال أمره، مكدود بمن كان ~~معك، والتمكن من الأنس بك لا يتم إلا براحتك. # وقد كان الأمر على ما ذكر، فاستلقيت يسيرا ثم نهضت، فخدمت في حالتي النوم ~~واليقظة الخدمة التي عهدتها في دار الملوك وجلة الرؤساء. ثم جاءنا خادم لم ~~أر أحسن وجها، ولا أتم سوادا منه، يضم ما يتخذ للعشاء مما خف ولطف، فقال: ~~يا سيدي العشاء مني للحاجة، ومنك للمؤانسة. فنلنا شيئا. # وأقبل الليل وطلع القمر، ففتحت مناظر ذلك البيت إلى فضاء أدى إلينا محاسن ~~الغوطة، وحبانا بذخائر رياضها من المنظر الجناني، والنسيم العطري، ms066 وجاءنا ~~الراهب من الأشربة بما وقع اتفاقنا عليه، واقتعدنا غارب اللذة، وجرينا في ~~ميدان المفاوضة، وأخذ يناهبني نوادر الأخبار وملح الأشعار، ويخلط ذلك من ~~المرح بأظرفه، ومن التودد بألطفه، فلما توسطنا الشرب التفت إلى غلامه وقال: ~~يا مترف، إن مولاك لم يدخر عنا ممكنا من السرور بحضرته فينبغي لنا ألا ندخر ~~ممكنا من تمام مسرته. فامتقع وجه الغلام حياء وخفرا، فأقسم عليه بحياته، ~~وأنا لا أعلم ما يريد، فمضى ثم عاد يحمل طنبورا، وجلس فقال لي: تأذن لي يا ~~سيدي في خدمتك؟ فهممت بتقبيل يديه، لما داخلني من عظم المسرة بذلك، فأصلح ~~الغلام الطنبور، وضرب وغنى يقول: # يا مالكى وهو ملكي ... وسالبي ثوب نسكي # نزه يقين الهوى في ... ك عن تعرض شك # لولاك ما بت أبكي ... إلى الصباح وأبكي # PageV01P074 # فنظر إلى الغلام وتبسم، فعلمت أن الشعر له، وكدت - والله - أن أطير طربا ~~وفرحا لملاحة خلقه وجودة ضربه، وعذوبة منطقه، وتكامل حسنه. فاستدعيت ~~كيزانا، فأحضر الغلام عدة قطع من البلور وجيد الجام المحكم فشربت سرورا ~~بوجهه، وشرب بمثل ما شربت به. ثم قال: أنا - والله - يا سيدي أحب ترفيهك، ~~ألا أقطعك عما أنت متوفر عليه، ولكن حيث عرف الاسم والنسب والصناعة واللقب، ~~فلا بد أن تسم ليلتنا هذه بشيء يكون لها طرازا، ولذكرها علما. فجذبت الدواة ~~وكتبت ارتجالا، وقد أخذ الشراب مني: # وليلة أوسعتني ... لهوا وحسنا وأنسا # ما زلت ألثم بدرا ... بها، وأشرب شمسا # إذ أطاع الدير سعدا ... لم يبق مذآب نحسا # فصار للروح مني ... روحا وللنفس نفسا # فطرب لقولي: ألثم بدرا وأشرب شمسا، وجذب غلامه فقبله، وقال: لم أجهل يا ~~سيدي ما يجب لك من التوقير، وإنما اعتمدت تصديقك فيما ذكرته، فبحياتي إلا ~~فعلت مثل ذلك بغلامك، فاتبعت آثاره خوفا من احتشامه، ثم أخذ الأبيات وجعل ~~يرددها، ثم أخذ الدواة وكتب إجازة لها: # ولم أكن لغريمي ... والله أبذل فلسا # لو ارتضى لي غريمي ... بدير مران حبسا # فقلت له: إذا - والله - ما كان أحد يؤدي حقا ولا باطلا. # وداعبته في هذا ms067 المعنى بما حضرني، وعرفت في الجملة أنه مستتر من دين قد ~~ركبه، فقال لي: يا سيدي، قد خرج لك أكثر الحديث، فإن عذرت وإلا ذكرت لك ~~القصة. فآثرت مراده في كتمان أمره. فقلت يا سيدي! كل ما لا يتعرف بك نكرة، ~~وقد أغنت المشاهدة عن الاعتذار، ونابت الخبرة عن الاستخبار، وجعل يشرب ~~وينتخب من غير إكراه ولا إبطاء، إلى أن رأيت الشراب قد دب فيه، وأكب على ~~محادثة غلامه والفطنة تثنيه في الوقت بعد الوقت، فأظهرت السكر وحاولت ~~النوم، وجاء الغلام ببرذعة ففرشها بإزاء برذعته، فنهضت إليها، فقام وتفقد ~~أمري بنفسه، فقلت له: إن لي مذهبا في تقريب غلامي مني، واعتمدت في ذلك ~~تسهيل ما يختاره من غلامه في هذه الحال، فتبسم وقال لي بسكره: وجمع الله لك ~~المسرة كما جمعه لي بك. # PageV01P075 # وأظهرت النوم، وعاد يحادث غلامه بأعذب لفظ وأحلى معاتبة، ويخلط ذلك ~~بمواعيد تدل على سعة حال وانبساط يد، وغلامه تارة يقبل يده وتارة يقبل فمه. # وغلبني عيناي إلى أن أيقظني هواء السحر، فانتبهت وهما متعانقان مما ~~عليهما من اللباس فأوردت توديعه، وكرهت إنباهه وإزعاجه، فخرجت، فلقيني ~~الخادم يريد إيقاظه وتعريفه انصرافي، فأقسمت عليه ألا يفعل، ووجدت غلامي قد ~~بكر بما أركبه كما كنت أمرته، فركبت منصرفا، وعازما على العودة إليه ~~والتوفر على مواصلته، وأخذ الحظ من معاشرته، ومتوهما أن ماكنت فيه منام ~~لطيبه، وقرب آخره من أوله. # واعترضتني أسباب أدت إلى اللحاق بسيف الدولة، فسرت على أتم حسرة لما ~~فاتني من معاودة لقائه، وقلت في ذلك: # ويوم كأن الدهر سامحنا به ... فصار اسمه ما بيننا هبة الدهر # جرت فيه أفراس الصبا بارتياحنا ... إلى دير مران المعظم والعمر # بحيث هواء الغوطتين معطر ال ... نسيم بأنفاس الرياحين والزهر # فمن روضة بالحسن ترفد روضة ... ومن نهر بالفيض يجري إلى نهر # وفي الهيكل المعمور منه افترعتها ... وصحبي حلالا بعد توفية المهر # ونزهت عن غير الدنانير قدرها ... فما زلت منها اشرب التبر بالتبر # وحل لنا ما كان منها محرما ... وهل يحظر المحظور ms068 في بلد الكفر! # فأهدت لي الأيام منها مودة ... دعتني إلى ستر فلبيت في ستر # أتى من شريف الطبع أصدق رغبة ... يخاطبني عن معدن النظم والنثر # فلاقيت ملء العين نبلا وهمة ... محلى السجايا بالطلاقة والبشر # وكان جوابي طاعة لا مقالة ... ومن ذا لايستجيب إلى اليسر! # وأحشمني بالود حتى ظننته ... يريد اختداعي عن حياتي ولا أدري # ونزه عن غيري الصفاء اجتماعنا ... فكنت وإياه كقلبين في صدر # وشاء سرور أن يلينا بثالث ... فلاطفنا بالبدر أو بأخي البدر # بمعط عيونا ما اشتهت من جماله ... ومضن قلوبا بالتجنب والهجر # جنينا جنى الورد في غير وقته ... وزهر الربا من ورد خديه والثغر # وقابلنا من وجهه وشرابه ... بشمسين في جنحي دجا الليل والشعر # وغنى فصار السمع كالطرف آخذا ... بأوفر حظ من محاسنه الزهر # PageV01P076 # وأمتعنا من وجنتيه بمثل ما ... تمزج كفاه من الماء والخمر # سرور شكرنا منة الصحو إذ دعا ... إليه، ولم نشكر به منة السكر # كأن الليالي نمن عنه فعندما ... تنبهن نكبن الوفاء إلى الغدر # مضى فكأني كنت منه مهوما ... يحدث عن طيف الخيال الذي يسري # وهل يحصل الإنسان من كل ما به ... تسامحه الأيام إلا عن الذكر! # ولم أزل على أتم قلق، وأعظم حسرة وأشد أسف، على ما سلبته من عظيم النعمة ~~بفراق الفتى؛ لاسيما ولم أحصل منه على حقيقة علم، ولا نص خبر؛ يؤديان إلى ~~الطمع في لقائه إلى أن عاد سيف الدولة إلى دمشق، وأنا في جملته؛ فما بدأت ~~بشئ قبل مصيري إلى الراهب، وقد كنت حفظت اسمه فخرج إلي مرعوبا؛ وهو لا يعلم ~~ما السبب. # فلما رآني استطار فرحا، وأقسم لا يكلمني إلا بعد النزول والمقام عنده ~~يرمى ذلك؛ فلما جلسنا للمحادثة قال لي: أراك لا تسألني عن صاحبك! قلت: ~~والله ما لي فكر ينصرف عنه، ولا أسف يتجاوز ما حزته منه، ولا سررت بعودي ~~إلى هذا البلد إلا من أجله، ولذلك بدأت بقصدك، فاذكر لي خبره. # فقال أما الآن فنعم؛ هذا فتى من المارداتيين، جليل القدر، عظيم النعمة، ~~كان قد ضمن من ms069 سلطانه بمصر ضياعا بمال عظيم، فخاس به ضمانه لقعود السعر ~~عنه، وأشرف على الخروج من نعمته، فاستتر. ولما اشتد البحث عنه خرج مستخفيا ~~إلى أن ورد دمشق بزي تاجر، وكان استتاره عند بعض إخوانه ممن لي به ارتباط، ~~فإني كنت عنده يوما إذ ظهر لي وقال لصديقه: إني أريد الانتقال إلى هذا ~~الراهب إن كان مأمونا إذ ظهر لي وقال لصديقه مذهبي، وأظهرت له السرور بما ~~رغب فيه من الأنس بي، وأنا لا أعرفه؛ غير أن صديقي قد أمرني بخدمته. # فلما حصل في قلايتي واصل الصوم، فلما كان بعد أيام، جاءنا الرسول من عند ~~صديقنا، ومعه الغلام والخادم وقد لحقا به، ومعهما سفاتج، وعليهما ثياب رثة، ~~فلما نظر إلى الغلام والخادم قال: يا راهب قد حل الفطر، وجاء العيد. ووثب ~~إلى الغلام فاعتنقه، وجعل يقبل عينيه ويبكي، ثم وقف على السفاتج، فأنفذها ~~مع رقعة إلى صديقه. # فلما كان بعد يومين حمل إليه ألفى دينار وما يحتاج إليه من فرش وملبوس؛ ~~ولم يزل مكبا على ما رأيت إلى أن ورد عليه البغال والآلات السنية الحسنة من ~~مصر، وكتب إليه أهله باجتماعهم بصاحب مصر وتعريفهم إياه الحال في بعده عن ~~وطنه لضيق ذات # PageV01P077 # يده عما يطالب به والتوقيع بحطيطة المال فلما أعمل المسير قال لغلامه: ~~سلم جميع مابقى معك من النفقة إلى الراهب ليصرفه في مصالح الدير إلى أن ~~نواصل تفقده في مستقرنا، وسار وماله حسرة غيرك، ولا أسف إلا عليك، يقطع ~~الأوقات بذكرك؛ ولا يشرب إلا على ما يغنيه الغلام من شعرك، وهو الآن بمصر ~~على أحسن الأحوال وأجملها ما يخل بتفقدي، ولا يغب بري. # قال أبو الفرج: فتعجلت بعد السلوة بما عرفت من حقيقة خبره، وأتممت يومي ~~عند الراهب، وكان آخر العهد به. ### | قال علي بن ظافر # : أقسم بالله إن هذه الحكاية - وإن طالت - لحقيقة أن تكتب بالمقل السود، ~~على صفحات الخدود؛ ولقد أزرت بمرأى العقود بين الترائب والنهود؛ فرحم الله ~~أبا الفرج وصاحبه؛ فلقد استحقا منا بهذه الحكاية حمدا ms070 وشكرا، وأبقيا لهما ~~في الظرفاء ذكرا، ولقد بلغ من طربي بها، وارتياحي عند قراءتها، ما أنى أوسع ~~هذا الفتى المارداني دعاء وترحيما، وأتبع ذكره صلاة عليه وتسليما، حتى أني ~~أكثر قصد ترب الماردانيين بالزيارة والدعاء؛ أملا أن يكون في جملتهم وطمعا ~~أن يكون مدفونا معهم وما أنا وإياهم إلا كما قال خالد بن يزيد: # أحب بني العوام من أجل حبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا # وهذه غاية جهدي، مع تربة دائرة ورمة بالية، فرحمة الله كلما غرب نجم ~~وطلع، ونبت نجم وأينع، بحرمة محمد صلى الله عليه وسلم! ### | أنبأني العماد أبو حامد، أخبرني علي الحسن بن سعد الشاتاني # قال لي نجم الدين بن الشهرزوري قاضي الموصل؛ دخل إلى شاب من أهل بغداد ~~فأنشدني هذه الأبيات: # في نهر عيسى والهواء معنبر ... والماء فضي القميص صقيل # والطير إما هاتف بقرينه ... أو نادب يشكو الفراق ثكول # والدهر كالليل البهيم وأنتم ... غرر تضئ ظلامه وحجول # واستاجازني فقلت: # والغصن مهزوز القوام كأنما ... هبت عليه من الشمال شمول # وكأنما السرو التحفن بسندس ... ورقصن فارتفعت لهن ذيول # قال علي بن ظافر # واتفقت لي وللقاضي الأجل شهاب الدين يعقوب سفرة إلى البيت المقدس للتبرك ~~بما هناك من البقاع المقدسة، والمشاهد المعظمة، # PageV01P078 # وأجداث الأنبياء المباركة الطيبة؛ فلما جد بنا المسير، وسهل من فراق ~~الأهل والأوطان العسير، وقطعت المطايا بنا الربا والوهاد، ولم يسمع إلا هيد ~~وهاد، صنع الشهاب: # يا رب كالشهاب المحرق # قدحته من زند عود أورق # يسير في الخرق مسير الأخرق # فهل رأت عيناك عدو النقنق # حتى إذا ماافتر ثغر المشرق # ثم استجازني فقلت: # ولاح في الجو احمرار الشفق # كالخمر صبت في زجاج أزرق # بدا على الآل قطار الأينق # كمثل سطر في بياض مهرق # أو كالمدارى في مشيب المفرق # كم بازل في بحره كالزورق # أو كهلال مشرق في زبرق ### | وهذه أيضا حكاية بديعة، تشتمل على نوعي الإجازة # القديم والعصري، قصدت بإيرادها في هذا الموضع أن تكون دهليزا للخروج من ~~القسم الأول، والدخول في القسم الثاني لما بينهما من ms071 الاشتراك فيها: # روى من طرق مختلفة كتبت أكملها وأتمها، أن الأمير محمد بن عبد الله بن ~~طاهر ارتاح منادمة من بعد عهده بمنادمته، أو من لم يره، وحضره صاحبه الحسن ~~بن محمد بن طالوت - وكان أخص الناس به - فقال له: لابد لنا في يومنا هذا من ~~ثالث، نطيب بمعاشرته، ونلتذ بصحبته ومؤانسته، فمن ترى أن يكون طاهر الأعرق، ~~غير دنس الأخلاق؟ فأعمل فكره، وأمعن نظره، وقال: أيها الأمير؛ قد خطر ببالي ~~رجل ليست علينا في مجالسته كلفة، قد خلا من إبرام المجالسة، وبرئ من ثقل ~~المؤانسة، خفيف الوقفة إذا أحببت، سريع الوثبة إذا أمرت، قال: ومن ذاك؟ ~~قال: ماني الموسوس، قال: أحسنت والله. فتقدم إلى أصحاب الأرباع بطلبه، فما ~~كان أسرع من أن اقتنصه صاحب ربع الكرخ، فصار به إلى باب الأمير فأدخل ~~الحمام، وأخذ من شعره، # PageV01P079 # وألبس ثيابا نظافا، ثم أدخل عليه، فقال: السلام عليك أيها الأمير؛ فقال: ~~وعليك السلام يا ماني، ألم يأن أن تزورنا على حين توقان منا إليك، ومنازعة ~~قلوبنا نحوك! فقال ماني: الشوق شديد والمزار بعيد، والحجاب عتيد والبواب ~~فظ، ولو سهل الإذن لسهلت علينا الزيارة، قال: لقد ألطفت في الاستئذان، فلا ~~تمنع في أي وقت جئت من ليل أو نهار! ثم أذن له فجلس، ثم دعا بالطعام فأكل، ~~ثم غسل يده وأخذ مجلسه، وكان محمد قد تشوق إلى السماع من تنوسة جارية ابنة ~~المهدي، فأحضرت، فكان أول ما غنت: # ولست بناس إذ غدوا فتحملوا ... دموعي على الأحباب من شدة الوجد # وقولي وقد زالت بليل حمولهم ... بواكر تخدى: لا يكن آخر العهد # فقال ماني: أحسنت والله، بحق رأس الأمير إلا ما زدت فيه: # أقمت أناجي الفكر والدمع حائر ... بمقلة موقوف على الجهد والصد # ولم يعدني هذا الأمير بعزه ... على ظالم قد لج في الهجر والصد # فاندفعت تغنيه، فرق محمد عبد الله له وقال: أعاشق أنت يا ماني؟ قال: ~~فاستحيا، وغمزه ابن طالوت لئلا يبوح له بشئ فيسقط من عينه، فقال: بل هلع ~~مطرب أعز الله ms072 الأمير، وشوق كان كامنا فظهر، وهل بعد المشيب من صبوة! ثم ~~اقترح محمد على تنوسة هذا الصوت من شعر أبي العتاهية: # حجبوها عن الرياح لأني ... قلت يا ريح بلغيها السلاما # لو رضوا بالحجاب هان ولكن ... منعوها يوم الرحيل الكلاما! # فغنته، فطرب محمد، فقال ماني: ما على قائل هذا الشعر لو زاد فيه: # فتنفست ثم قلت لطيفي: ... آه لو زرت طيفها إلماما # خصها بالسلام سرا وإلا ... منعوها لشقوتي أن تناما # فكان أبعث للصبابة بين الأحشاء، وألطف تغلغلا على كبد الظمآن من زلال ~~الماء، مع حسن تأليف نظامه، وانتهائه إلى غاية تمامه. # قال محمد: أحسنت والله يا ماني، ثم أمر تنوسة بإلحاقها هذين البيتين من ~~شعر أبي نواس: # يا خليلي ساعة لا تريما ... وعلى ذي صبابة فأقيما # ما مررنا بدار زينب إلا ... فضح الدمع سرها المكتوما # فاستحسنه محمد، فقال ماني: لولا رهبة التعدي لأضفت إلى هذي البيتين بيتين # PageV01P080 # لا يردان على سمع ذي لب إلا صدر استحسانه لهما، فقال محمد: الرغبة فيما ~~تأتي به حائلة دون كل رهبة؛ فهات ما عندك، فقال: # ظبية كالغزال لو تلحظ الصخ ... ر بطرف لغادرته هشيما # وإذا ما تبسمت خلت ما تب ... دى من الثغر لؤلؤا منظوما # فقال محمد: أحسنت والله، فأجز هذا الشعر: # لم تطب اللذات إلا لمن ... طابت له لذة تنوسة # غنت بصوت أطلقت عبرة ... كانت بحسن الصبر محبوسة # فقال ماني: # وكيف صبر النفس عن غادة ... تظلمها إن قلت: طاووسة # وجرت إن شبهتها بانة ... في جنة الفردوس مغروسة # ثم سكت، فقال محمد: فأعد لي وصفك لها، فقال: # وغير عدل إن قرنا بها ... جوهرة في التاج ملموسة # جلت عن الوصف فما فكرة ... تلحقها بالنعت محسوسة # فقالت تنوسة: وجب علينا يا ماني شكرك، فساعدك دهرك، وعطف عليك إلفك، ~~وقارنك سرورك، وفارقك محذورك، والله تعالى يديم لنا السرور ببقاء من بقائه ~~اجتمع شملنا، وطاب يومنا، فأنشأ يقول: # ليس لي إلف فيقطعني ... فارقت نفسي الأباطيل # أنا موصول بنعمة من ... حبله بالحمد موصول # أنا مشمول بمنة من ... منه في الخلق ms073 مبذول # أنا مغبوط زورة من ... ربعه بالمجد مأهول # فأومأ إليه ابن طالوت بالقيام، فنهض وهو يقول: # ملك عز النظير له ... زانه الغر البهاليل # طاهري في مركبه ... عرفه للناس مبذول # دم من يشقى بصارمه ... مع هبوب الريح مطلول # فقال محمد: وجب جزاؤك، لشكرك على غير نعمة سلفت منا إليك. ثم أقبل على ~~ابن طالوت فقال: يا هذا، ليست خساسة ثوب المرء واتضاع المنظر ونبو العين ~~بمذهبة جوهر الأدب المركب فيه، ولله در صالح بن عبد القدوس حيث يقول: # PageV01P081 # لايعجبنك من يصون ثيابه ... حذر الغبار وعرضه مبذول # فلربما افتقر الفتى فرأيته ... وسخ الثياب وعرضه مغسول # قال ابن طالوت: فما رأيت أحدا أحضر دهنا منه، إذ تقول له الجارية: عطف ~~عليك إلفك، فينفيها بقوله: # ليس لي إلف فيقطعني # قال: ولم يزل مجريا عليه رزقا سنيا إلى أن مات. ### | القسم الثاني ما تكون الإجازة فيه لشعر قديم فمنه إجازة بيت ببيت # كما روى إسحاق الموصلي، قال أبو المجيب شداد بن عقبة: دعا رجل من الحي - ~~يقال له أبو سفيان - رجلا من حيه اسمه القتال الكلابي إلى وليمة، فجلس ~~القتال ينتظر رسوله، ولا يأكل حتى ارتفع النهار، وكانت عند امرأته فقرة من ~~حوار؛ فلما يئس قال: # فإن أبا سفيان ليس بمولم ... فقومي فهاتي فقرة من حوارك # قال إسحاق، فقلت له: ثم ماذا؟ قال: لم يأت بعده بشئ؛ إنما أرسله يتيما، ~~فقلت: أفلا أزيدك إليه بيتا آخر ليس بدونه؟ قال: بلى، فقلت: # فبيتك خير من بيوت كثيرة ... وقدرك خير من وليمة جارك # فقال: بأبي أنت وأمي! والله لقد أرسلته مثلا وما انتظرت به العرب وإنك ~~لبز طراز، ما رأيت في العراق مثله، وما يلام الخليفة على أن يدنيك ويؤثرك ~~ويتملح بك؛ ولو كان السباب يشتري لابتعته لك بإحدى يدي، ويمنى عيني؛ على أن ~~فيك بحمد الله منه بقية تسر الودود، وترغم الحسود. # هذا من رواية الأصبهاني تتصل بعمر بن شبة وحماد عن إسحاق. وفي رواية له ~~تتصل بالأخفش ويزد المهلبي، أن إسحاق قال: أخبرني أبو زياد ms074 الكلابي، قال: ~~أولم جار لي ... ، وذكر الحكاية. والبيت الأول فيها لأبي زياد؛ فعلى هذا ~~تكون من إجازة بيت عصري ببيت. ### | ومن ذلك ما روى أحمد بن أبي فنن # قال: دخل أبو نواس على الذلفاء جارية ابن طرخان، ودخل على إثره مروان بن ~~أبي حفصة، فرفعه مولاها عنه، فغضب، وقال: أجيزي لجرير: # غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا # فقالت - وكانت تشبب بالرشيد: # PageV01P082 # هيجت بالبيت الذي أنشدتني ... حبا بقلبي للإمام دفينا # فقام أبو نواس عند ذلك، وخرج وهو ينشد: # عجبا من حماقة الذلفاء ... تتشهى فياشل الخلفاء # قال ابن أبي فنن: فأجزت أنا قول أبي نواس، وأكثر الناس يروونه له: # لو تشهيت غيره كان أولى ... من أيور الدناة والضعفاء # إن أدنى الأمور عندي منالا ... شهوات الأكفاء للأكفاء ### | وروى أحمد بن معاوية # قال: قال لي رجل: تصفحت كتبا، فوجدت فيها بيتا جهدت جهدي أن أجد من ~~يجيزه، فلم أجد، فقال لي صديقي: عليك بعنان جارية الناطفي، فجئها فقلت: ~~أجيزي: # فما زال يشكو الحب حتى رأيته ... تنفس في أحشائه وتكلما # فلم تلبث أن قالت: # ويبكى فأبكى رحمة لبكائه ... إذا ما بكى دمعا بكيت له دما ### | وروى العباس بن رستم # قال: دخلت مع أبان اللاحقي على عنان في خيشها، فقال: # العيش في الصيف خيش # فقالت مسرعة: # إذ لا قتال وجيش # قال: فأنشدتها لجرير: # ظللت أواري صاحبي صبابتي ... وقد علقتني من هواك علوق # فقالت: # إذا أغفل الخوف اللسان تكلمت ... بأسراره عين عليه نطوق ### | وذكر الجهشياري في كتاب الوزراء والكتاب # حدث محمد بن الفضل الهاشمي قال: حدث أحمد بن سلمة الكاتب، أنه قال لعياش ~~بن القاسم: اجتمعت مع عمرو بن مسعدة وأحمد بن يوسف في مجلس فيه قينة، فغنت: # أناس مضوا كانوا إذا ذكر الألي ... مضوا قبلهم صلوا عليهم وسلموا # فقال عمرو: هو - والله - حسن، إلا أنه مفرد، فأضيفوا إليه بيتا آخر، فإنه ~~أحسن له وأطول للقافية، وأطوع للغناء فيه، فقال أحمد بديها: # وما نحن إلا مثلهم غير أننا ... أقمنا قليلا بعدهم وتقدموا # فغنت ms075 بهما المغنية، فطربوا وشربوا عليهما بقية يومهم. ### | وروى علي بن الحسن الباخرزي في كتاب دمية القصر # أن أبا جعفر محمد بن إبراهيم المعدني، معدن زوزن؛ رأى على جدار بيتا ~~مكتوبا: # PageV01P083 # لكل شئ من فقده عوض ... وما لفقد الشباب من عوض # وليس في الدهر من شدائده ... أشد من فاقة على مرض ### | وذكر أحمد بن أبي طاهر قال # ألقى بعض أصحابنا على فضل الشاعرة: # ومستفتح باب البلاء بنظرة ... تزود منها قلبه حسرة الدهر # فقالت مسرعة: # فوالله ما ندري: أتدري بما جنت ... على قلبه أم أهلكته ولا تدري! ### | وروى الفضل بن العباس الهاشمي عنها وعن بنان الشاعرة # قالت: توكأ المتوكل على يدي ويد فضل وقال: أجيزا قول الشاعر: # تعلمت أسباب الرضا خوف سخطه ... وعلمه حبي له كيف يغضب # فقالت فضل: # يصد وأدنو بالمودة جاهدا ... ويبعد عني بالوصال وأقرب # فقلت أنا: # وعندي له العتبى على كل حالة ... فما منه لي بد ولا عنه مذهب ### | ### | قال علي بن ظافر # # أنشدني أبو القاسم الصيرفي في قول عبد الله ابن السمط: # حار طرف تأملك ... ملك أنت أم ملك! # فقلت بديها: # بل تعاليت رتبة ... فلك الأرض والفلك ### | وأخبرني بهاء الدين بن الساعاتي المقدم ذكره # قال: غنى مغن في مجلس كنت به حاضرا: # يا بدر عذالي عليك كثيرة ... والمسعدون على هواك قليل # فأجزته بديها فقلت: # في الصبر عن هذا القوام ولينه ... قصر وفي شرح الصبابة طول ### | وأخبرني الأديب أبو القاسم العداس المنبوز بالراوية # قال: قصد الشيخ أبو الخير سلامة الأنباري الضرير النحوي تعجيزي بين يدي ~~الشيخ العلامة أبي محمد بن بري، لسر كان بيني وبينه، فقال لي: إن كنت شاعرا ~~كما تزعم فأجز: # أدرجت في أثناء نسيانكم ... حتى كأني ألف الوصل # فقلت بديها: # وكنت عين الفعل في قربكم ... فصرت لام الجر في الفعل # قال علي بن ظافر # أنشدني بعض أصحابنا هذا البيت من شعر ابن منير، وسألني إجازته: # PageV01P084 # يجل عن التشبيه في الحسن وجهه ... فبدر الدجى من حسنه يتعجب # فقلت في قصيدة اقتضاها سؤاله: # ومن كان بدر التم ms076 يعجب أن رأى ... محاسنه بالبدر كيف يلقب ### | ومنه ما تكون الإجازة فيه لبيت بأكثر من بيت # روى أبو الفرج في كتاب القيان والمغنين أن بذلا الكبيرة جارية عبد الله ~~بن موسى الهادي غنت بين يدي المأمون: # ألا لا أرى شيئا ألذ من الوعد ... ومن أمل فيه وإن كان لا يجدي # فصنع المأمون بيتين بديها وقال: زيديهما فيه: # ومن غفلة الواشي إذا ما لقيته ... ومن زورتي أبياتها خاليا وحدي # ومن ضحكة في الملتقى ثم سكتة ... وكلتاهما عندي ألذ من الشهد ### | وبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام في الذخيرة # قال: غنى يوما بيت يدي العالي الإدريسي بمالقة ببيت لعبد الله بن المعتز: # هل ترين البدر يختال ... إن غدت للسير أجمال # فأمر الفقيه أبا محمد غانم بن الوليد المالقي بإجازته، فقال بديها: # إنما العالي إمام هدى ... جلبت في عصره الخال # ملك إقبال دولته ... لذوي الأفهام إقبال # قل لمن أكدت مطالبه ... راحتاه الجاه والمال ### | وأخبرني أبو الحسن بن الساعاتي المقدم ذكره # قال: غنى مغن في بعض المجالس: # أسفي على بان القدود ... ريان أثمر بالنهود # وكان عندنا بالمجلس رجل كبير الأنف، يتطايب، وكان ينعت بالسديد، فأردت ~~العبث به، فقلت بديها: # يا مانعي صفو الوصا ... ل وما نحى كدر الصدود # ما ضاقت الدنيا علي وقد حوت أنف السديد ### | وغنى بعض القوالين يوما # سلام على من لست أرجو وصاله ... وغير الصبا مالي إليه رسول # فأجابه الشهاب بن المجاور بديها بقوله: # PageV01P085 # يراجعني عن خده وهو عاطر ... ويرجع عن عطفيه وهو بليل # وما كنت لولا هجره بمروع ... ولو صدني عنه قنا ونصول # أناه فإني لا أصيخ للائم ... ولو أن حد المشرفي عذول # سأصبر لايدري هواي فينثني ... ولا أنا أرجو عطفه فأقول ### | وأخبرني القاضي الموفق بهاء الدين أبو علي الديباجي كاتب الدست الشريف # قال: أنشدنا مولانا السلطان الملك الكامل - خلد الله ملكه - قول الشاعر: # ترحل من حياتي في يديه ... فيا أسفي ويا شوقي إليه! # واستجاز الجماعة، فقلت: # ومن هذا يكون عليه مثلي ... وهذي الريح أخشاها عليه # وقال الأمير الأجل الكبير صلاح ms077 الدين أدام الله توفيقه: # ألا يا ليته إن كان يأتي ... حياتي ثم موتي في يديه ### | ومنه ما تكون الإجازة فيه لأكثر من بيت؛ ذكر أبو العتاهية # قال: حبسني الرشيد لتركي الشعر، وغلقت على الأبواب، فبقيت دهشا كما يدهش ~~مثلي لتلك الحال، فإذا رجل جالس في جانب السجن، وهو مقيد، فجعلت أنظر إليه ~~ساعة، فتمثل بقوله: # تعودت مر الصبر حتى ألفته ... فأسلمني حسن العزاء إلى الصبر # وصيرني يأسى من الناس راجيا ... لحسن صنيع الله من حيث لا أدري # فقلت له: أعد - أعزك الله - هذين البيتين، فقال لي: ويلك يا أبا ~~العتاهية! ما أسوأ أدبك وأقل عقلك! دخلت على السجن، فما سلمت تسليم المسلم ~~على المسلم، ولا سألت مسألة الحر للحر، ولا توجعت توجع المبتلى للمبتلى، ~~حتى إذا سمعت بيتين من الشعر الذي لا فضيلة فيك سواه، لم تصبر عن ~~استعادتهما، ولم تقدم قبل مسألتك عنهما عذرا لنفسك في طلبهما! فقلت: يا ~~أخي، إني دهشت من هذه الحال، فلا تعذلني واعذرني متفضلا فقال: أنا والله ~~بالدهش والحيرة أولى منك؛ لأنك حبست على أن تقول الشعر الذي به ارتفعت ~~وبلغت ما بلغت، وإذا قلته أمنت؛ وأنا حبست على أن أدل على ابن رسول صلى ~~الله عليه وسلم؛ ليقتل أو أقتل دونه! والله لا أدل عليه أبدا، والساعة يدعى ~~بي فأقتل، فأينا أحق بالدهش! فقلت: أنت والله أولى، # PageV01P086 # سلمك الله وكفاك، ولو علمت أن هذه حالك ما سألتك، فقال: إذا لا أبخل ~~عليك؛ ثم أعاد على البيتين؛ حتى حفظهما، وأجزتهما بقولي: # إذا أنا لم أقبل من الدهر كل ما ... تكرهت منه طال عتبي على الدهر # ثم سألته عن اسمه؛ فقال: أنا أبو حاضرة داعية عيسى بن زيد وابنه أحمد. ~~قال: فلم نلبث إلا قليلا حتى سمعنا صوت الأقفال، فقام فسكب عليه ماء من جرة ~~كانت عنده، ولبس ثوبا نظيفا، ودخل الحرس ومعهم الشموع، فأخرجونا جميعا. ~~وقدم قبلي إلى الرشيد، فسأله عن أحمد بن عيسى، فقال: لا تسألني عنه، وافعل ~~ما بدا لك؛ فلو أنه ms078 تحت ثوبي ما كشفت عنه. # فأمر به، فضربت عنقه، ثم قال: أظنك يا إسماعيل ارتعت! فقلت: دون ما رأيت ~~تسيل منه النفوس؛ فقال: ردوه إلى محبسه، فردوني. ### | وذكر ابن عبد ربه في كتاب العقد # قال: صنع أبو دلف القاسم بن إسماعيل العجلي. # أنا أبو دلف البادي بقافية ... جوابها يعجز الداهي من الغيظ # من زاد فيها له رحلي وراحلتي ... وخاتمي والمدى فيها إلى القيظ # فظن أنه لا ثالث لهاتين القافيتين، فصنعت: # قد زدت فيها ولو أمسى أبو دلف ... والنفس قد أشرفت منه على الفيظ # قال علي بن ظافر: تذاكرنا بهذه القطعة فقال بعض الحاضرين: لم يبق رابعه، ~~فصنعت: # أزيد فيها ولو ماتا بغيظهما ... ما ألقت النمل أحيانا من البيظ # وذلك أن كل بيض لطائر أو حيوان فبالضاد إلا بيظ النمل فإنه بالظاء؛ وكل ~~ما يفيض من إناء وغيره فبالضاد إلا فيظ النفس، فإنه بالظاء. # ثم صنع القاضي الأعز بن المؤيد رحمه الله بعد ذلك بديها: # ذو الحزم لا يتعدى في فعائله ... ما دام للناس تكوين من البيظ # والبيظ ها هنا: ماء الرجل. # ثم صنع شهاب الدين ابن أخت الوزير نجم الدين - رحمه الله: # يا سادتي في القوافي قل ما تركوا ... كماتح البئر لم يترك سوى البيط # حازت قوافيكم الظاآت أجمعها ... كمثل ما حيز مح البيظ بالبيظ # لكن مواعيد باديكم أبي دلف ... لا صدق فيها كمثل الآل والبيظ # البيظ في القافية الأولى: بقية الماء في نقرة البئر، وهي الحفرة التي ~~يبقى فيها الماء بعد نزحها، وفي القافية الثانية: قشرة البيض الرقيقة فوق ~~المح وهو الغرقئ، قال زهير: # PageV01P087 # كأن البيظ لفعه قناعا ... على الهامات كرات الدهور # وفي القافية الثانية خيال وجه الإنسان في السيف، قال عبيد: # كأن وجوه نسل بني نمير ... مثال البيظ في السيف اليماني # قالوا: وجميعها بالظاء، ولست على يقين من صحة ذلك، وأظن أن صاحب العقد قد ~~وهم في كون قائل البيتين أبا دلف المجلى، فإن أبا دلف أفضل وأفصح وأعلم ~~وأشرف من أن يقع في مثل هذا، وأظن قائلهما ms079 أبا دلف هاشم بن محمد الخزاعي ~~الوالي، كان بالبصرة للمقتدر بالله سنة خمس وثلثمائة وهذا كله إنما وقع في ~~المختصرات، وأما الأمهات فلم تذكر فيها إلا القوافي الثلاث الأول ### | وبالإسناد المتقدم ذكره # ذكر صاحب اليتيمة أن الصاحب أمر أبا محمد الحسن بن محمد البروجردي بإجازة ~~هذين البيتين: # يا نسيم الريح من بلدي ... خبري بالله كيف هم # ليس لي صبر ولا جلد ... ليت شعري كيف صبرهم! # فقال: # ولسان الدمع يشهد لي ... وهو ممن ليس يتهم ### | وأنبأني الفقيه أبو الحسن بن المقدسي إجازة # قال: أنبأني الشيخ أبو القاسم مخلوف بن علي القيرواني، عن أبي عبد الله ~~محمد بن أبي سعيد السرقسطي عن الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي نصر بن عبد ~~الله الحميدي، قال: أخبرني أبو الوليد الحسين بن محمد الكاتب المعروف بابن ~~الفراء، قال: حضرت عند عمي وعنده أبو عمر القسطلي - يعني ابن دراج - وأبو ~~عبد الله المتيطي، فغنى المتيطي: # مروع منك كل يوم ... محتمل فيك كل لوم # يا غايتي في المنى وسؤلي ... ملكت رقي بغير سوم # فأعجبنا بهذين البيتين، فقال أبو عمر: أنا أضيف إليهما ثالثا لا يتأخر ~~عنهما، ثم قال: # تركت قلبي بغير صبر ... فيك وعيني بغير نوم ### | وذكر ابن بسام في كتاب الذخيرة # أن المعتمد بن عباد غنى بين يديه يقول ابن المعتز: # وحمارة من بنات المجوس ... ترى الزق في بيتها سائلا # وزنا لها ذهبا جامدا ... فكالت لنا ذهبا سائلا # فأجازهما بديها بقوله: # وقلنا خذي جوهرا ثابتا ... فقالت خذوا عرضا زائلا ### | ونقلت من خط عبد الجليل بن عبد المحسن الكتامي الشاعر الأسيوطي # قال: # PageV01P088 # غنى لنا يوما بعض القوالين هذين البيتين، وهما لأبي العلاء الأسدي من ~~شعراء اليتيمة: # لا لعمري ما أنصفوا حين بانوا ... حلفوا لي ألا يخونوا فخانوا # شتتوا بالفراق شمل اتصالي ... جمع الله شملهم أين كانوا # قال: فأجزتهما بقولي بديها: # أنا ممن يدبن في الرجعة الآ ... ن تراهم بمذهب الصب دانوا ### | قال علي بن ظافر # ومما هو من هذا الباب إلا أن الإجازة فيه لسد فرجة ms080 بين البيتين ما ذكره ~~صاحب المقتبس من أن أبا الحسن زريابا المغني مولى المهدي المرواني غنى يوما ~~بين يدي الأمير عبد الرحمن الداخل ملك الأندلس بهذين البيتين: # قالت ظلوم سمية الظلم: ... مالي رأيتك ناحل الجسم! # يا من رمى قلبي فأقصده ... أنت الخبير بموقع السهم # فقال عبد الرحمن: هذان البيتان منقطعان، فلو كان بينهما ما يوصلهما لكان ~~أبدع، فقال عبد الحمن بن قزمان بديها: # فأجبتها والدمع منحدر ... مثل الجمان هوى من النظم # فاستحسنه وأمر له بجائزة. ### | ومما يجري مجرى الطرف # ما أخبرني به الأديب أبو القاسم ابن نفطويه، أنه جلس أيام اشتغاله على ~~الشيخ الأستاذ العلامة أبي محمد بن بري مع جماعة من تلامذته، فتذاكروا ما ~~يعانيه الشيخ من بلادة بعض طلبته - وهو رجل كرهت ذكره مع فرط اعتنائه ~~بتعليمه وشدة عنائه في تفهيمه - فأنشد أحدهم قول أبي العباس المبرد: # أقسم بالمبتسم العذب ... ومشتكى الصب إلى الصب # لو قرأ النحو على الرب ... ما زاده إلا عمى القلب # قال: فقلت ارتجالا: # قد عذب الله به شيخنا ... في هذه الدنيا بلا ذنب # فضحك الجماعة واستطرفوا البيت. ### | ومنه ما تكون الإجازة فيه بأكثر من بيت لأكثر من بيت # فمن ذلك ما ذكره إسحاق الموصلي قال: أنشدني شداد بن عقبة لجميل: # بثين سليني بعض مالي فإنه ... يبين عند المال كل بخيل # PageV01P089 # وإني وتكراري الزيارة نحوكملبين يدي هجربثينطويل # قال: فقلت لشداد: أفلا أزيدك فيهما؟ قال: بلى، فقلت مسرعا: # ألا ليت شعري هل تقولين بعدنا ... إذ نحن أجمعنا غدا لرحيل: # ألا ليت أياما مضين رواجع ... وليت النوى قد ساعفت بجميل! # فقال: أحسنت - والله - إن لهو الشعر الضائع، فقلت: وكيف؟ قال: نفيته عن ~~نفسك بتسميتك جميلا فيه، ولم يلق برتبة شعر جميل، فضاع بينكما جميعا. ### | أنبأني الشيخان: الأجل العلامة تاج الدين الكندي والفقيه جمال الدين بن # الحرستاني إجازة # قالا: أخبرنا الإمام الحافظ أبو القاسم بن عساكر الدمشقي سماعا عليه، ~~قال: أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، عن أبي القاسم التنوخي، أخبرني ~~أبو عبد الله محمد بن عثمان ms081 الخرقي الفارقي الحنبلي التميمي قال: كنت ~~بالرملة سنة ثلثمائة وخمس وستين، وقد ورد إليها القرمطي أبو علي القصير ~~الثياب، فاستدناني منه، وقربني إلى خدمته، فكنت ليلة عنده إذ حضر الفراشون ~~بالشموع، فقال لأبي نصر بن كشاجم - وكان كاتبه -: يا أبا نصر، ما يحضرك في ~~صفة هذه الشموع؟ فقال: إنما نحضر مجلس السيد لنسمع كلامه، ونستفيد من أدبه، ~~فقال أبو علي في الحال بديها: # ومجدولة مثل صدر القتاة ... تعرت وباطنها مكتس # لها مقلة هي روح لها ... وتاج على الرأس كالبرنس # إذا غازلتها الصبا حركت ... لسانا من الذهب الأملس # وإن رنقت لنعاس عرا ... وقطعت من الرأس لم تنعس # وتنتج في وقت تلقيحها ... ضياء يجلي دجا الحندس # فنحن من النور في أسعد ... وتلك من النار في أنحس # تكيد الظلام وما كادها ... فتفنى وتفنيه في مجلس # فقام أبو نصر بن كشاجم، وقبل الأرض بين يديه، وسأله أن يأذن له في إجازة ~~الأبيات فأذن له فقال: # وليلتنا هذه ليلة ... تشاكل أشكال إقليدس # فيا ربة العود غني لنا ... ويا حامل الكأس لا تجلس # فتقدم بأن يخلع عليه، وحملت إليه صلة سنية، وإلى كل من الحاضرين. ### | وأخبرني الأمير شمس الدولة عبد الرحمن بن محمد بن ورشد بن علي بن منقذ بن # نصر بن # PageV01P090 # منقذ رحمه الله تعالى # قال: جرت بيني وبين القاضي المهذب أبي محمد الحسن بن علي بن الزبير ~~مفاوضة في قول الشعر بديها، وذلك في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة بدار ~~الوزارة بالقاهرة؛ قال: كنت في مبدأ عمري أملي الشعر إملاء - كالمحفوظ - ~~على من يكتبه، فربما سبقته بالإملاء ول أتوقف. فجعلت أتعجب من قوله تعجبا ~~يظهر منه الاستعباد، فقال: وكأنك تستصعب هذا! إنما الصعب أن تقترح على ~~الشاعر العمل في معنى مخصوص على قافية شاذة في وزن معين، وإن أردت أن تقف ~~على حقيقة ما قلته ليزول عنك الشك وتدركه بالرؤية لا بالرواية، فأنشدني ما ~~أعمل لك عليه، قال: فأنشدته من شعر الحماسة: # فإن يحجبوها أو يحل دون وصلها ... لقاء عدو أو وعيد أمير # فلن يمنعوا ms082 عيني من دائم البكا ... ولن يظهروا ما قد أجن ضميري # فأنشد مبادرا كأنه يحفظ ما ينشده: # صبرت على جور الزمان وصرفه ... وإن كنت يوم البين غير صبور # وإن الذي يبغى اعتلاقا بودها ... لمستمسك منها بحبل غرور # أرى الناس قد فكوا العناة تحرجا ... فهل لك يوما في فكاك أسير! # إذا أظلمت أيامنا من صدودكم ... جلوتم بدورا في ظلام شعور # ولم أر فيمن أستعين به سوى ... عذول فمن لي فيكم بعذير # وإن ظباء الوحش تحسب منكم ... بحسن نفور عندها ونحور # وما كنت ممن يصبح الحب قادرا ... عليه ولكن ذاك فعل قدير # قال الأمير: فجننت استحسانا لما أتى به وتعجبا من سرعته؛ فقال: أنشدني ~~غير هذا لئلا تقول إنه محفوظ لي، تحرجا من ذلك، فأبى إلا أن أنشد فأنشده: # وما فارقت لبني عن تقال ... ولكن شقوة بلغت مداها # فاسترسل مع آخر إنشادي قائلا: # وكل مني النفوس إلى انقطاع ... إذا بلغت لعمرك منتهاها # أناديها وليس تجيب قولي ... كأني قد دعوت بها سواها # سألقى دونها نبل الأعادي ... وأرمي منهم من قد رماها # وأصبر للتجني كل يوم ... وما أنا الصبور على قلاها # سلاها حين مال القلب عنها ... ولم يعلق سواها، هل سلاها! # PageV01P091 # ومن هذا الذي عني حماها ... على قرب ولم يدخل حماها # وضنت بالسلام على بخلا ... وقد ضمنت لطارقها قراها # وعين حل فيها السحر لما ... أحلت في نواظرها قذاها # غدا الإعراض حظ مؤمليها ... وأمسى اليأس غاية من رجاها # أود ومهجتي في راحتيها ... مدى الأيام لو جعلت فداها # قال الأمير: وحين انتهى إلى هذا الحد، ورأيت شدة تجمعه وفرط تحفزه، وما ~~يعانيه في إحضار ذهنه، قطعته إشفاقا عليه. ### | ومما وقع من هذا الباب وكانت الإجازة في وسط الشعر صلة لمعنى منقطع # ما أخبرني به الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي القرموني، قال: أنشد والدي ~~الشيخ أبو الحسن علي بن محمد اليحصبي القرموني قول ابن الرومي: # شهر الصيام مبارك ... ما لم يكن في شهر آب # خفت العذاب فصمته ... فوقعت في نفس العذاب # فقال: هذان البيتان منقطعان، ويحتاجان ms083 إلى ما يصل بينهما. فقال بديها: # اليوم فيه كأنه ... من طوله يوم الحساب # والليل فيه كأنه ... ليل التواصل والعتاب ### | الباب الثالث # في بدائع بدائه التمليط # التمليط هو أن يجتمع شاعران فصاعدا على تجريد أفكارهم، وتجريب خواطرهم في ~~العمل في معنى واحد. # وأما اشتقاقه فذكر ابن رشيق أنه من أحد شيئين؛ إما أن يكون من الملاطين؛ ~~وهما جانبا السنام في مرد الكتفين؛ قال جرير: # ظللن حوالي خدر أسماء وانتحى ... بأسماء موار الملاطين أروح # فكأن كل قسيم أو بيت ملاط، أي جانب من البيت أو القطعة. # والآخر أن يكون من الملاط، وهو الطين يدخل في البناء، ويملط به الحائط ~~تمليطا، أي يدخل بين اللبن حتى يصير شيئا واحدا. # وأما الملط؛ وهو الذي لا يبالي ما صنع، والأملط؛ وهو الذي لا شعر له في ~~جسده؛ فليس لاشتقاقه منهما وجه. # قال علي بن ظافر: فمن التمليط ما يكون بين شاعرين؛ ومنه ما يكون بين ~~شعراء، ومنه ما يكون بقسيم لقسيم، ومنه ما يكون بيت لبيت، ومنه ما يكون ~~ببيتين لبيتين. # والفرق بينه وبين الإجازة أن التمليط يتفق فيه الشعراء قبل العمل على ~~العمل، أو يندبون لذلك، # PageV01P092 # وتتكرر منهم المناوبة؛ وهذا ليس من شروط الإجازة. ### | فمما وقع من التمليط بين شاعرين بقسيم لقسيم وهذا النوع يسمى المماتنة # ما أنبأني به الشيخان تاج الدين الكندي وجمال الدين الحرستاني إجازة عن ~~الإمام الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر الدمشقي، قال أخبرنا محمد ~~بن طاووس، أخبرنا عاصم بن الحسن، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا الحسن ~~بن صفوان، حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثني أبو عدنان البصري، حدثني ~~الصامت بن مخبل اليشكري سنة إحدى وتسعين ومائة؛ وأخبرني به أبو عبيدة، عن ~~أبي عمرو بن العلاء، قال: أقبل امرؤ القيس حتى لقي التوءم اليشكري - وكان ~~اسمه الحارث بن قتادة، ويكنى أبا شريح فقال امرؤ القيس: إن كنت شاعرا كما ~~تقول فملط أنصاف ما أقول، فقال امرؤ القيس: # أحار ترى بريقا هب وهنا # فقال التوءم: # كنار مجوس ms084 تستعر استعارا # فقال امرؤ القيس: # أرقت له ونام أبو شريح # فقال التوءم: # إذا ما قلت قد هدأ استطارا # فقال امرؤ القيس: # كأن حنينه والرعد فيه # فقال التوءم: # عشار وله لاقت عشارا # فقال امرؤ القيس: # فلم يترك ببطن الأرض ظبيا # فقال التوءم: # ولم يترك بجلهتها حمارا # فقال امرؤ القيس: # فلما أن دنا لقفا أضاح # فقال التوءم: # وهت أعجاز ريقه فحارا # فقال امرؤ القيس: لا أتعنت على أحد بعد ذلك بالشعر، فقيل إنه عز على ابن ~~حجر مماتنته ومساواته له، وآلى ألا ينازع شاعرا أبدا. وكان أبو عبيدة يقول: ~~هي محمولة عليه. ### | وروى ابن الكلبي عن أبيه # قال: حدثني شيخ من بني زياد بن عبد المدان - وكان عالما بقومه - قال: نشأ ~~غلام من بني جنب يقال له رفاعة، ويقال له المحترش، فنبغ في الشعر وماتن ~~شعراء قومه حتى أبر عليهم، فلما وثق من نفسه بذلك قال لأبيه: لأخرجن في ~~قبائل اليمن، فإن وجدت أحدا يماتنني رجعت إلى بلادي، وإن لم أصادف من ~~يماتنني تقريت قبائل العرب. فنزل بصرم من بني فهد والحي خلوف، فأتى حجرة عن ~~جنب الحواء، فإذا عجوز حيزبون قد أقبلت معتمة تتوكأ على محجن فقالت: عم ~~ظلاما، فقال: نعم ظلامك، فقالت: ممن الرجل؟ قال: فقلت: من مذجج، قالت: من ~~أيهم؟ قلت: من جنب. قالت: أضيف أنت؟ فقلت: نعم، قالت: فلا حملك الله، ما ~~عدوت أن بخلتنا، وأسأت أحدوثتنا. ثم أثارت ناقتي وكنتها في خبائها، # PageV01P093 # وأمرت وليدة لها فجاءت بعتود يمرح في إهابه سمنا ومدية، وقالت: اذبح أيها ~~الرجل. واعتجنت وامتلت وطبخت، وقربت طعاما، وجلست أنا وهي والوليدة: فلما ~~تعشينا قالت: ما رمى بك إلى هذه البلاد؟ فأخبرتها خبري، فضحكت وقالت: بت ~~فسأجيئك غدا بعشر خرائد تماتنك دون الرجال، فإن غلبت فارجع إلى بلادك، ~~واعلم أنك ترمي من مرام، فبت فلما أصبحنا إذا العجوز قد أقبلت، ومعها ثلاث ~~فتيات كالمهرات، فابتدرن إلى الحجرة، وأقبلت العجوز فحيتني، وسألتني عن ~~مبيتي، ثم أومأت إلى إحداهن، فأقبلت كالعيدانة يميلها الصبا، فقالت: أنت ~~المتحدي ms085 بالمماتنة؟ فقلت: نعم، فقالت: قل أسمع، فقلت: # سوام تداءت سومها وعجافها # فقالت: # حوامل أثقال تنوء فترزح # فقلت: # إذا أيهت في حجرتيها رعاؤها # فقالت: # سمت فرق منها شوامر لقح # فقلت: # نواء تداعى بالجنين عشارها # فقالت: # فتبرح نارا أو تبيت فتسنح # فقلت: # إذا وصلت أرضا سقتها بدرها # فقالت: # أفاويق رسل محصنة لا تضيح # فقلت: # إذا انسفحت أخلافها خلت ما جرى # فقالت: # على الأرض منه لجة تتضحضح # فقلت: أمطلقة أم ذات بعل؟ فقالت: # عقال لعمر الله لو شئت بتهشرادى ولكن التكرم أجدر # فقمت إلى راحلتي، فقالت العجوز: رويت أم أحلب لك أخرى؟ فقلت: أروتني ~~الأولى، فقالت: الحق الآن بأرضك. # فخرجت أريد لرجوع إلى قومي، فأبى بي اللجاج إلا قصد ما خرجت إليه، فدفعت ~~إلى صرم من جرم، فإذا صبيان على غدير يرتجزون، فدعوت غلاما منهم من أبشرهم. ~~فقلت: يا غلام! هل في صرمكم من يماتنني؟ فإني قد برزت على شعراء العرب، ~~فقال: أنا. فقلت: أنت أيها الفصيل! فقال: قل ودع عنك ما لا يجدي، فقلت: # أوابد كالجزع الظفاري أربع # فقال: # حماهن جون الطرتين مولع # فقلت: # يرود بهن الروض في الأمن جاره # فقال: # وأحلى لهن المنتضى والمودع # فقلت: # فلما اشتكت أمات قردانه السفا # فقال: # وحب على البيد السفير الممذع # فقلت: # وشبت على الأكابد نار من الصدى فقال: # تظل لنا بين الحيازيم تسفع # فقلت: أولى لك! وامتطيت راحلتي، حتى دفعت إلى شيخ يرعى غنيمات له، ~~فاستقريته، فقام مبادرا إلى قعب له، فاحتلب ما كان في ضروعهن، ثم جاءني به، ~~فشربت، فلما # PageV01P094 # اطمأننت قال: ما رمى بك إلى هذا القطر؟ فأخبرته، وكتمت ما لاقيت. فكشر ~~وصاح بغلمة يرعون قريبا منه، فأقبل غلام منهم، فقال: ادع عشرقة. فما لبث أن ~~أقبلت جويرية عجفاء كأنها وبيلة خيسفوج، حتى وقفت بين يديه. فقال: إن ابن ~~عمك هذا خرج من بلاده يتحدى بالمماتنة، فهل عندك شيء؟ فقالت: قل أيها ~~المتحدي - وإنها لتقلب عينيها كعيني الأرقم - فقلت: # فما بسرة زرقاء في ظل صخرة # فقالت: # ذخيرة غراء الذرى جونة النضد # فقلت: # نفى ms086 سيلان الريح عن متنها القذى # فقالت: # وذادت غصون الأيك عن متنها الوقد # فقلت: # سياب مجاج أخلص الدبر أريه # فقالت: # بصهباء صرف جيب عن صفوها الزبد # فتركت ما قصدت له، وملت إلى وجهة أخرى ووصفت ناقة، فضحكت وقالت: أغوصت، ~~فقلت: # إذا انشنج الحرباء في رأس عوده # فقالت: # وألجأ أم الحسل في مائها الصخد # فقلت: # أثارت بموماتين تحت حجاجها # فقالت: # حوانك أشباه كرانية الجلد # قال: فرحت وآليت ألا أماتن أحدا ما عشت. # تفسير ما في الكلام والشعر العتود: الجذع من الغنم أو فوق ذلك. # والعيدانة: النخلة الطويلة، قال الشاعر: # وإذا مشين مشين غير جوارب ... هز الجنوب نواعم العيدان # والشوامر: التي قد شالت بأذيالها، أي رفعها. # والنواء: السمان، الواحدة ناوية، قال الشاعر: # ألا يا حمز للشرف النواء ... وهن معقلات بالفناء # والبارح: الذي يمر ومياسره عن مياسرك، والسامح: الذي يمر وميامنه عن ~~ميامنك، وأهل نجد يتيامنون بالسامح، ويتشاءمون بالبارح، وأهل الحجاز ~~يخالفونهم في ذلك. # وأفاويق: جمع فواق، ويمكن أن يكون جمع فيقة، وهي السكتة بين المطرتين، ~~والسكتة بين الحلبتين، قال: # حتى إذا فيقة في ضرعها اجتمعت ... جاءت لترضع شق النفس لو رضعا # والضيح: اللبن الذي صب فيه ماء، وكذلك المذق، قال الراجز: # فامتضحا وسقياني ضيحا ... فقد كفيت صاحبي الميحا # وانسفحت: انصبت، وبه سمي السفاح التغلبي؛ لأنه سفح ماء أصحابه وقال: لا ~~ماء # PageV01P095 # لكم دون الكلاب. قال: # وأخوهما السفاح ظمأ خيله ... حتى وردن جبا الكلاب نهالا # الجبا: الماء بعينه، والجبا: الحوض أيضا. # والضحضاح: الماء القليل يضطرب على وجه الأرض. # والخيسفوج: القطوف والخشب اليابس. ### | ### | ومن ذلك # ما رواه أبو عزبة # قال: أقبل النابغة الذبياني يريد سوق بني قينقاع، فلحق الربيع بن أبي ~~الحقيق نازلا من أطمه، فلما أشرفا على السوق سمعا الضجة، وكانت سوقا عظيمة، ~~فحاصت بالنابغة ناقته. فقال: # كادت تهلل من الأصوات راحلتي # ثم قال: يا ربيع أجز. فقال: # والنفر منها إذا ما أوجست حلق # فقال: ما رأيت كاليوم شعرا! ثم قال: أجز: # لولا أنهنهها بالزجر لاجتذبت # فقال: # متى الزمام وإني راكب لبق # فقال النابغة: ms087 # قد ملت الحبس في الآطام واشتعفت # فقال: # إلى مناهلها لو أنها طلق # فقال النابغة: يا ربيع أنت أشعر الناس. ### | ومن ذلك ما رواه إبراهيم بن المدبر # عن إبراهيم بن العباس الصولي، قال: وحدثني به دعبل أيضا - وكانا متفقين - ~~قال: كنا نطلب جميعا بالشعر، فخرجنا سنة وكانت محلا، فابتدأت أقول في ~~المطلب ابن عبد الله: # أمطلب أنت مستعذب # فقال دعبل: # لسمر المنايا ومستقبل # فقلت: # فإن أشف منك تكن سبة # فقال دعبل: وإن أعف عنك فما تفعل ### | وقد ذكر الصولي في كتاب الوزراء # قال: حدثني محمد بن يحيى، قال: قدم أعرابي اسمه عتبة يقول الشعر، وكان ~~ظريفا من الأعراب، فضمه الحسن بن وهب إليه، فاجتمع الحسن يوما وإبراهيم بن ~~العباس، فقال لهما عتبة هذا: إن كنتما تقولان الشعر بالعجلة، فاهجواني، ~~فقال الحسن: # لمن طلل في رأس عتبة مقمل # فقال إبراهيم: # عفته رياح الصفع تعلو وتسفل # فقال الحسن: # شكا ما يلاقيه من الصفع رأسه # فقال إبراهيم: # تناوبه منه جنوب وشمأل # فقال الأعرابي: والله لئن لم تمسكا لأخرجن من البلد. ### | وذكر الصابي في كتاب الوزراء والكتاب # قال: روى أبو الفتح منصور بن محمد بن المقتدر الأصفهاني، قال: كان أبو ~~القاسم ابن أبي العلاء الشاعر من وجوه أهل أصفهان وأعيانهم # PageV01P096 # ورؤسائهم؛ فحدثني أنه رأى في منامه قائلا يقول له: لم لم ترث الصاحب بن ~~عباد، مع فضلك وشعرك؟ فقلت: ألجمتني كثرة فضائله، فلم أدر بما أبدأ منها! ~~وخفت أن أقصر، وقد ظن بي الاستيفاء لها، فقال: أجز ما أقول، قلت: قل، قال: # ثوى الجود والكافي معا في حفيرة # فقلت: # ليأنس كل منهما بأخيه # فقال: # هما اصطحبا حيين ثم تعانقا # فقلت: ضجيعين في قبر بباب دريه فقال: # إذا ارتحل الثاوون عن مستقرهم # فقلت: # أقاما إلى يوم القيامة فيه # وباب دريه، المحلة التي فيها تربته، وهي ما يستقبل المسافر من أصفهان إذا ~~توجه من الري. ### | ### | ومن ذلك # # ما أخبرنا به أبو الصلت أمية بن عبد العزيز في كتابه المسمى الحديقة قال: ~~أخبرني محمد بن حبيب القلانسي ms088 الشاعر، قال: حضرنا ليلة بمجلس السلطان أبي ~~يحيى تميم بن المعز بن باديس، فالتفت حميد بن سعيد الشاعر إلى مملوكين من ~~مماليكه قد جمعا بين رأسيهما متناجين، فقال لي: ملط: # انظر إلى اللمتين قد حكتا # فقلت: # جنحي ظلام على صباحين # فقال: # فاعجب لغصنين كلما انعطفا # فقلت: # ماسا من اللين في وشاحين # فقال: # ظبيان يحمى حماها أسد # فقلت: # لولا كانا لنا متاحين # فقال: # فلو تدانيت منهما لدنت # فقلت: # مني في الحين أسهم الحين # ومن ذلك # ما روى أن المعتمد بن عباد ركب في يوم قاصدا الجامع، والوزير أبو بكر بن ~~عمار يسايره، فسمع أذان المؤذن، فقال المعتمد: # هذا المؤذن قد بدا بأذانه # فقال ابن عمار: # يرجو بذاك العفو من رحمانه # فقال المعتمد: # طوبى له من شاهد بحقيقة # فقال ابن عمار: # إن كان عقد ضميره كلسانه ### | أخبرني الفقيه الأجل السعيد أبو الحسن علي بن عبد الوهاب بن خليف # بالإسكندرية # قال: أخبرني الأديب المعروف بابن رزين، قال: أخبرني عبد الجبار بن حمديس ~~الصقلي، قال: أقمت بإشبيلية لما قدمتها وافدا على المعتمد بن عباد مدة لا ~~يلتفت إلى، ولا يعبأ بي، حتى قنطت لخيبتي، مع فرط تعبي، وهممت بالنكوص على ~~عقبي؛ فإني لكذلك ليلة من الليالي في منزلي، إذ أتاني غلام، ومعه شمعة ~~ومركوب، فقال لي: أجب السلطان، فركبت من فوري ودخلت عليه، فأجلسني على ~~مرتبة فنل، وقال لي: افتح الطاق الذي يليك، ففتحته فإذا بكور زجاج على بعد، ~~والنار تلوح من بابيه، وواقده يفتحها تارة، ويسدهما أخرى، ثم أدام سد ~~أحدهما وفتح الآخر، فحين تأملتهما قال لي: ملط: # انظرهما في الظلام قد نجما # فقلت: # كما رنا في الدجنة الأسد # PageV01P097 # فقال: # يفتح عينيه ثم يطبقها # فقلت: # فعل امرئ في جفونه رمد # فقال: # فابتزه الدهر نور واحدة # فقلت: # وهل نجا من صروفه أحد! # فاستحسن ذلك، وأمر لي بجائزة سنية، وألزمني خدمته. ### | وأخبرني رجل من التجار بمصر يعرف بأبي الفضل ابن فتوح المصري # قال: سكنت بدار في الخطة المعروفة بدويرة خلف، فرأيت جميع جدران المنزل ~~مكتوبة ms089 بأخبار بديعة، وأشعار مستحسنة السبك، ووجدت في جملتها: لما دخلت ~~بجاية عند عبوري، اجتزت في بعض الأيام بصديق لي من المعلمين وهو في مكتبه، ~~وصبيانه قد حفوا به، فأحضر صبيا منهم، وقال لي: اختبره فإنه يقول الشعر ~~الجيد، فقلت له: أجز: # وشادن ذي شطاط # فقال: # حجي له ورباطي # فقلت: # موكل بضميري # فقال: # معلق بنياطي # فعجبت من سرعة بديهته مع صغر سنه، ثم تمادى الأمر، فاشتهر بقول الشعر، ~~فنمي إلى السلطان تميم بن المعز أنه هجاه، وأنه قال فيه: # بلد مظلم وملك ظلوم ... وهما فيح حمة وتميم # هو فيها كمالك والمقيمو ... ن بها المجرمون وهي الجحيم # فاستحضره السلطان، واستخبره عما قال فيه، فأنكره وقال: إنما قلت: # عرجا بي فذا مناخ كريم ... هذه حمنة وهذا تميم # هذه الجنة التي وعد الل ... ه وهذا صراطه المستقيم # فاستظرفه تميم واستلطفه وأكرمه ثم صرفه. # قال المخبر بهذه الحكاية: ثم تقصيت عن المنزل، فقيا لي: إنه كان منزل أبي ~~الصلت حين قدومه إلى مصر. ### | قرأت في بعض المجاميع أن شاعرا من أهل تنس من بلاد إفريقية # قصد المعتمد على الله بن عباد؛ وهو بسبته أيام جوازه للقاء أمير المؤمنين ~~ابن تاشفين للاستنجاد به، فوصف له، فحضر، فأنشده، فقال: هذا يصلح لمنادمتنا ~~الليلة، وأمر بإمساكه، فسقى، وجرى في المجلس حديث فرس أدهم كان مشهورا ~~بالأندلس، وعزيز المحل عند المعتمد. # واتفق أن الرجل سكر ونام، فخرج منه ريح بصوت شديد؛ فقال المعتمد ارتجالا: # فيا عجبا من ضعيف القوى ... تزلزلت الأرض من ضرطته # ثم قال لندمائه: لا يشعره أحد بما جرى، واستيقظ الرجل فقال كالمعتذر من ~~نومه: إن هذا النوم سلطان؛ فقال بعض الندماء الحاضرين: صدقت، قد سمعنا ~~طبله؛ فجعل الرجل يقول: رأيت في منامي كأن السلطان أعزه الله قد حملني على ~~فرس # PageV01P098 # أدهم؛ من صفته كذا ومن صفته كذا؛ فقال المعتمد: صدقت، قد سمعنا تحتك ~~صهيله، ثم قال المعتمد: قولوا في هذا شيئا؛ فقال بعض الحاضرين: # وضرطة كالجرس # فقال المعتمد: # أو كصهيل الفرس # فقال الشاعر: أفلتها صاحبنا فقال ms090 المعتمد: # عند انصرام الغلس # فقال الشاعر: # سمعتها من سبتة # فقال المعتمد: # وأصلها من تنس ### | وأخبرني الأديب أبو عبد الله محمد التوزورى # قال: حدثني الشيخ الباغاني النحوي قال: تذاكرت مع الشيخ الزاهد اليشكري ~~رضي الله عنه أمر أبي الهيثم الشاعر، فقال: اجتمعت به ليلة، وكان نديمنا ~~فيها فتى راميا وضئ الوجه، فقلت له مستخبرا قريحته، وسالكا به من التصنع ~~غير مذهب: أجز ما أقول: # نشبت نشائب حب هذا الناشب # فقال: # بحشى حشاه نار وجد غالب # فقلت: # تصمى رمايته القلوب كأنما # فقال: # يرمى الورى عن قوس ذاك الحاجب # قال الشيخ أبو الفضل: فقلت: إنما تظهر القرائح في التشبيه، ونظرت إلى ~~السماء، فإذا الجوزاء متوسطة، فقلت: # وكأنما الجوزاء في وسط السما # فقال: # در تنائر من قلادة كاعب # قال الشيخ أبو الفضل: ومررت به يوما وهو مطرق يفكر، فقلت: # أراك تصنع شعرا # فقال: # نعم لحبي بدرا # فقلت: # قد حار وصفي فيه # فقال: # فتركي الوصف أخرى # فقلت: # هذا على أن شعرى # فقال: # من عاصف الريح أجرى ### | وأخبرني العماد أبو حامد # قال: روى السمعاني في تاريخه عن محمد بن علي بن أحمد بن جعفر بن الحسين ~~البندنيجي أنه قال: سمعت والدي يقول: سمعت عم والدي أبا سعيد ن عقيل بن ~~الحسين يقول: أتاني آت في المنام، فقال: هل لك أن تمصرع وأتمم، أو تتمم ~~وأمصرع؟ فقلت: لا، بل أمصرع وتتمم. فقال لي: ياعيار، هربت من القافية، ولكن ~~قل، فقلت: # هل عندكم رحمة يرجو عواطفها # فقال: # صب تشكت إلى الشكوى جوارحه # فقلت: # أغلقتم كل باب في مودته # فقال: # وفي يدى ظبيكم كانت مفاتحه # فقلت: # ما أمسكت قلبه إذ لم يطر جزعا # فقال: # من فرط حر الجوي إلا جوانحه # ثم استيقظت. ### | وأخبرني القاضي الأعز أبو الحسن علي بن المؤيد رحمه الله # قال: أخبرني والدي، قال: كان الصالح طلائع بن رزيك الوزير لا يزال يحضر # PageV01P099 # مجلسه في ليالي الجمع جلساؤه وبعض أمرائه لسماع قراءة مسلم والبخاري ~~وأمثالهما من كتب الحديث، وكان الذي يقرأ رجلا أبخر، فلعهدي به، وقد حضر ms091 ~~المجلس مع الأمير على بن الزبير والقاضي الجليس أبي محمد عبد العزيز ابن ~~الحباب وقد أمال وجهه إلى القاضي المهذب بن الزبير، وقال له: # وأبخر قلت: لاتجلس بجنبي # فقال الأمير: # إذا قابلت بالليل البخاري # فقال الجليس: ولم؟ فبدره المهذب فقال: # فقلت وقد سئلت بلا احتشام: لأنك دائما من فيك خارى ### | ### | قال علي بن ظافر # # أخبرني أيضا هو وشهاب الدين يعقوب المقدم ذكره بما هذا معناه: قالا: ~~جلسنا في الأيام لاجتناء زهر المحادثة، واقتناء دور المنافقة، فسمعنا صوت ~~شبابة تذكر الأشيب الهرم زمان الشبيبة، وتحرك من الخرف الهم غزله وتشبيبه، ~~وصوتها أشجى من أنين المشتاق لفرط الأشواق، وأرق من نوح العشاق عند عزم ~~الفريق على الفراق؛ فقال شهاب الدين: # وشبابة شبت لظى الشوق في قلبي # فقال الأعز: # تذكرني عهد الصبابة والحب # فقال شهاب الدين: # حبتني على بعد بترجيعها الهوى # فقال الأعز: # فأحيت فؤادي المسهام على قرب ### | وأخبرني الشهاب قلب # انفردت ببوصير يوما بالفقيه رضى الدين أبي إسحاق بن عبد الباري رحمه ~~الله، وكنا خرجنا إليها في خدمة الوزير نجم الدين رحمه الله - وكان قد مضى ~~إليها متنزها؛ فجلس إلينا غلام من أولاد بعض الرؤساء الذين كانوا في خدمته، ~~حسن الوجه، ثم انصرف، فقال الرضى: # لله يوم مضى ببوصير # فقلت: # والعيش صفو بغير تكدير # فقال: # نديمنا فيه شادن غنج # فقلت: مكتحل جفنه بتفتير # قال علي بن ظافر # ووجدت يوما بالجامع الأنور بالقاهرة لانتظار الجمعة، وكان يجلس بالقرب من ~~مكاننا صبي وضئ، نهب وجهه وشعره من البدر نوره، ومن الليل ديجوره، واغتصب ~~طرفه وعطفه من الظبي كحله، ومن الغصن تميله، ينعت بالشمس، فتأخر حضوره ~~يوما، فتعاطينا القول في غيبته، فقلت: # أفدي الذي غاب فغاب السرور # فقال الشهاب: # واتسع الهم بضيق الصدور # فقلت: # وأظلم الأنوار من بعده # فقال الشهاب: # PageV01P100 # وليس بعد الشمس للأفق نور ### | واتفق لي أني اجتمعت مع القاضي أبي الحسن بن النبيه ومعنا جماعة من شعراء # مصر # فأنشدهم قول مؤيد الدين الطفرائي في الهلال: # قوموا إلي لذاتكم يا نيام ... وأترعوا الكأس ms092 بصفو المدام # هذا هلال العيد قد جاءنا ... بمنجل يحصد شهر الصيام # فقال المذكور: لو شبهه بمنجل ذهب يحصد نرجس النجوم لكان أولى، ثم قال ~~نظما: # انظر إلى حسن هلال بدا # فقلت: # يذهب من أنواره حندسا # فقال: # كمنجل قد صيغ من عسجد # قلت: # يحصد من شهب الدجى نرجسا # ثم زدت على هذا المعنى زيادتين بديعتين، يدركهما الناقد البصير، فقلت: # أما ترى الهلال يخفى أنجم ... الأفق بنور وجهه الوسيم # كمنجل من ذهب يحصد من ... روض الظلام نرجس النجوم # ثم ولدت منه معنى آخر ذكرته بعد هاتين القطعتين في كتاب التنبيهات وعجائب ~~التشبيهات. ### | ومن التمليط الواقع بين شاعرين ببيت لبيت ويسمى هذا النوع الإنفاذ # ما ذكره أبو الفرج برواية تتصل بحماد الراوية، قال: تحرك كعب بن زهير ~~يقول الشعر، فنهاه زهير مخافة أن يكون لم يستمكن شعره، فيروى له ما لا خير ~~فيه، فكان يضربه في ذلك فيغلبه، فلما طال عليه أخذه فحبسه، ثم قال: والذي ~~أحلف به لا يبلغني أنك قلت بيتا إلا نكلت بك؛ فبلغه أنه يقول، فضربه ضربا ~~مبرحا، ثم أطلقه وسرحه في بهمة وهو غليم صغير فانطلق فزعا، ثم روح عشية، ~~وهو يرتجز: # كأنما أحدو ببهمي عيرا ... من القرى موقرة شعيرا # فغضب زهير، فركب ناقته وأردفه، وهو يريد أن يعنته ليعلم ما عنده من ~~الشعر، فقال زهير حين برز من الحي منشدا: # وإني لتعديني على الهم جسرة ... تخب بوصال صروم وتعنق # ثم ضرب كعبا، وقال: أجز يا لكع، فقال: # كبنيانة القرئى موضع رحلها ... وآثار نسعيها من الدف أبلق # فقال زهير: # على لاحب مثل المجرة خلته ... إذا ما علا نشزا من الأرض مهرق # PageV01P101 # ثم ضربه وقال أجز، فقال: # منير هداه ليله كنهاره ... جميع إذا يعلو الحزونة أفرق # قال: ثم بدأ زهير في وصف النعام، وترك حركة القاف يتعسفه بذلك ليعلم ما ~~عنده، فقال: # وظل بوعساء الكثيب كأنه ... خباء على صقبي بوان مروق # بوان عمود من أعمدة البيت، فقال كعب: # تراخى به حب الضحاء وقد أرى ... سماوة قشراء الوظيفين عوهق # فقال ms093 زهير: # تحن إلى مثل الحبابير جثم ... لدى منتج من قيضها المتفلق # الحبابير: جمع حبارى ويجمع أيضا على حباريات، فقال كعب: # تحطم عنها قيضها عن خراطم ... وعن حدق كالنبخ لم يتفتق # النبخ: الجدري؛ شبه عيون أولاد النعام به. # قال: فأخذ زهير بيده وقال: قد أذنت لك في قول الشعر يا بني؛ فلما نزل ~~وانتهى إلى أهله قال قصيدته وهو صغير يومئذ، وهي أول شعر روي له: # أبيت فلا أهجو الصديق ومن يبع ... بعرض أبيه في المعاشر ينفق ### | ومن ذلك ما أنبأني به الشيخان # الشيخ الأجل العلامة تاج الدين الكندي، والشيخ الفقيه جمال الدين ~~الحرستاني، قالا: أخبرنا الشيخ الحافظ أبو القاسم بن عساكر سماعا عليه، ~~أخبرنا أبو العز بن باديس، أخبرنا أبو يعلى بن الفراء، أنبأنا أبو القاسم ~~إسماعيل بن سعيد بن المعدل بن سويد، أنبأنا أبو علي الحسين بن القاسم بن ~~جعفر الكوكبي، أنبأنا دعبل بن ذكوان، أخبرنا الثوري، عن الأصمعي، عن ابن ~~أبي طرفة، قال: جلس حسان بن ثابت ليلة ومعه ابنته ليلى، فجعل يريد شعرا ~~يقوله، فقال: # متاريك أدبار الأمور إذا اعترت ... تركنا الفروع واجتثثنا أصولها # ثم أجعل يريد الزيادة فلم يقدر، فقالت له ابنته: كأنك قد أجبلت! قال: ~~نعم، قالت: أفأجيز عنك؟ قال: نعم، فقالت: # مقاويل بالمعروف خرس عن الخنا ... كرام يعاطون العشيرة سولها # فحمي حسان، فقال: # PageV01P102 # وقافية مثل السنان رزينة ... تناولت من جو السماء نزولها # فقالت: # يراها الذي لا ينطق الشعر عنده ... ويعجز عن أمثالها أن يقولها # فقال: والله لا قلت بيت شعر ما دمت حية. قالت: أو أؤمنك؟ قال: فذاك، ~~قالت: فأنت آمن أن أقول بيت شعر ما بقيت! ### | وروى عقيل بن خالد عن ابن شهاب # أن مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير اجتمعا ذات يوم في حجرة عائشة - ~~رضي الله تعالى عنها - والحجاب بينهما وبينها، يحدثانها ويسألانها، فجرى ~~الحديث بين مروان وابن الزبير ساعة وعائشة تسمع، فقال مروان: # فمن يشأ الرحمن يخفض بقدره ... وليس لمن لم يرفع الله رافع # فقال ابن الزبير: # ففوض إلى ms094 اله الأمور إذا اعترت ... وبالله لا بالأقربين أدافع # فقال مروان: # وداو ضمير القلب بالبر والتقى ... فلا يستوي قلبان: قاس وخاشع # فقال ابن الزبير: # ولا يستوي عبدان، هذا مكذب ... عتل لأرحام العشيرة قاطع # فقال مروان: # وعبد يجافي جنبة عن فراشه ... يبيت يناجي ربه وهو خاشع # فقال ابن الزبير: # وللخير أهل يعرفون بهديهم ... إذا اجتمعت عند الخطوب المجامع # فقال مروان: # وللشر أهل يعرفون بشكلهم ... تشير إليهم بالفجور الأصابع # فسكت ابن الزبير ولم يجب، فقالت عائشة رضي الله عنها: يا عبد الله، مالك ~~لم تجب صاحبك! فوالله ما سمعت تجادل رجلين تجادلا في نحو ما تجادلتما فيه، ~~أعجب إلى من تجادلكما؛ فقال ابن الزبير: إني خفت عوار القول فكففت، فقالت ~~عائشة رضي الله عنها: أما إن لمروان إرثا في الشعر ليس لك من قبل صفوان بن ~~المحرث الكناني - وكانت أم مروان آمنة بنت علقمة بن صفوان. ### | وروى أبو عبد الله الجماز # قال: كنت أنا وأبو نواس جالسين عند باب عثمان، إذ مر بنا أحمد بن عبد ~~الوهاب الثقفي - وهو غلام حسن - فقال له أبو نواس: قبلني قبلة، فقال: لا، ~~حتى # PageV01P103 # تقول في شيئا، فقال: # حبك يا أحمد أضناني ... يا قمرا في زي إنسان # فقبله، فقلت: وأنا فما شأني؟ فقال: حتى تقول في، فقلت: # بذلت للأول ما يشتهي ... فجد أبا العباس للثاني # فقبلني، فقال أبو نواس: وهذا بيت يكون عندك دينا، وأنشد: # يا وردة أعجلها قاطف ... مرت بنا في باب عثمان ### | وذكر الأصبهاني في كتاب الأغاني # قال: دخل أبو نواس على عنان جارية الناطفي وهي تبكي، وقد كان سيدها ~~ضربها، فأومأ إليه الناطفي أن يحركها بشئ، فقال: # عنان لو جدت يا مناي بما ... آمل لم تقطر السماء دما # فقالت مسرعة: # فإن تمادى ولا تماديت في ... منعك أصبح بقفرة رمما # فقال: # علقت من لو أتى على أنفس ال ... باقين والغابرين ما رحما # فقالت: # لو نظرت عينها إلى حجر ... ولد فيه فتورها سقما ### | قال أبو الفرج # وقرأت في بعض الكتب: دخل بعض الشعراء على عنان، فقال ms095 لها مولاها: عانتيه، ~~فقالت: # سقيا لبغداد لا أرى بلدا ... يسكنه الساكنون يشبهها # فقال: # كأنها فضة مموهة ... أخلص تمويهها مموهها # فقالت: # أمن وخفض ولا كبهجتها ... أرغد أرض عيشا وأرفهها # فانقطع. ### | وذكر الصولي في كتاب الوزراء # قال: قال علي بن يحيى المنجم: كنت عند أبي الصقر إسماعيل بن بلبل، فقال: # حمد يتيه علينا ... بشكله وبقده # فقلت: # جزاؤه كلما تا ... ه أن يهان بصده # فقال: # وقد ملا الأرض طرا ... بتيهه وببرده # فقلت: # يا رب فامنن علينا ... قبل الممات بفقده ### | وذكر محمد بن أيوب الغرناطي في كتاب فرحة الأنفس في أخبار الأندلس # أن الناصر عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد ~~الرحمن الداخل، جلس في جماعة من خواصه، ومعهم أبو القاسم لب، وكان يعده ~~للمجون والتطايب، # PageV01P104 # فقال له: اهج عبد الملك بن جهور؛ أحد وزرائه، فقال: أخافه، فقال لعبد ~~الملك، فاهجه أنت، فقال: أخاف على عرضي منه، فقال: أهجوه أنا وأنت؛ ثم صنع: # لب أبو القاسم ذو لحية ... طويلة في طولها ميل # فقال عبد الملك: # وعرضها ميلان إن كسرت ... والعقل مأفون ومخبول # فقال الناصر للب: اهجه فقد هجاك، فقال بديها: # قال أمين الله في عصرنا ... لي لحية أزرى بها الطول # وابن جهير قال قول الذي ... مأكوله القرضيل والفول # لولا حيائي من إمام الهدى ... نخست بالمنخس شو ... # ثم سكت، فقال الناصر: هات تمام البيت. فامتنع، فقال له: قولو يعني تمام ~~البيت؛ قالها الناصر مسترسلا غير متحفظ من زيادة الواو وإبدال الهاء واوا؛ ~~إذ صوابه قله على حكم المشي مع الطبع والراحة من التكلف. فقال لب: يا ~~مولانا! أنت هجوته. ففطن الناصر والحاضرون، وضحكوا وأمر له بجائزة. # القرضيل: شوك له ورق عريض تأكله البقر، وشو: اسم ذكر الرجل بالرومية. ~~وقولو: اسم للاست. فكأنه قال: لولا حيائي من إمام الهدى نخست بالمنخس - ~~الذي هو الذكر - استه. ### | ### | ### | ### | قال علي بن ظافر # # أخبرني من أثق به، وهو الشيخ أبو عبد الله محمد بن القرموني بما معناه: ~~اجتمع الوزير أبو بكر بن القبطرنة، ms096 والأستاذ أبو العباس بن سارة في يوم جلا ~~ذهب برقه، وأذاب ورق ودقه، والأرض قد ضحكت لتعبيس السماء، واهتزت وربت عند ~~نزول الماء، فترافدا في صفتها، فقال ابن سارة: # هذي البسيطة كاعب أبرادها ... حلل الربيع وحليها النوار # فقال ابن القبطرنة: # وكأن هذا الجو فيها عاشق ... قد شفه التعذيب والإضرار # فقال ابن سارة: # فإذا شكا فالبرق قلب خافق ... وإذا بكى فدموعه الأمطار # فقال ابن القبطرنة: # من أجل ذلة ذا وعزة هذه ... يبكي الغمام وتضحك الأزهار # قال علي بن ظافر # وأخبرني أبو يحيى بن أحمد الستولي بما معناه: أخبرني كل # PageV01P105 # من الأديب أبي عبد الله المتيطي، وأبي العباس أحمد ابن خمير أنهما اجتمعا ~~بمنار سبتة في بعض العشايا، والشمس قد آذنت بالرواح، ونثرت زعفرانها على ~~مسك البطاح، فقال ابن خمير: # عشيتنا وقد لبست ردائي ... شحوب للتفرق والوداع # فقال المتيطي: # فيا شمس الأصيل أراك تشكو ... كشكوائي، أطبعك من طباعي! # فقال ابن خمير: # فلا تجزع لعل الدهر يوما ... يجود على التفرق باجتماع # قال علي بن ظافر # وقال لي الستولي ما معناه: وأخبراني أيضا أنهما مرا على صبي نجار ينجر ~~أخشاب سفينة، كأن البدر يبسم عن محياه، والزهر ينسم عن رياه، وهو يبذل من ~~أخشابه ما كان مصونا، ويعاقبها بالقطع لسرقتها حركات أعطافه حين كان غصونا، ~~فتجاريا القول فيه؛ فقال المتيطي: # ورب ظبي غرير ... يروع بالهجر روعي # فقال ابن خمير: # ذلت له الخشب طوعا ... كذلتي وخضوعي # فقال المتيطي: # فقلت: حبي، ماذا ... تبغي بهذا الصنيع؟ # فقال ابن خمير: # فقال أنشي سفينا ... لرحلتي ونزوعي # فقال المتيطي: # فقلت: دونك فاجعل ... سفينة من ضلوعي # فقال ابن خمير: # شراعها من فؤادي ... وبحرها من دموعي # قال علي بن ظافر # وأخبرني القاضي أبو المكارم أسعد بن الخطير المقدم ذكره، قال: اجتمعت مع ~~الوجيه أبي الحسن علي بن الذروي رضي الله تعالى عنه، ومعنا رجل سيء الخلق، ~~كثير الضجر والحنق، ذو صدر يضيق عن مثقال الذرة، ويتسع عنه اتساع الأفق لسم ~~الإبرة، فترافدنا في ذمة، فقال ابن الذروى: # لو كان سرمك مثل صدرك ms097 ضيقة ... طال اشتياق حتاره للفيشل # فقلت: # ولكنت أول من يقال بأنه ... بغاء إلا أنه لم يدخل ### | وأخبرني الأديب عبد المنعم بن صالح الجزيري # قال: اجتمع عندي ابن المنجم والوجيه أبو الحسن بن الذروي، والفقيه الأديب ~~أبو الفضل المنبوز بطيري، وجلسوا للحديث، فدخل علينا أبو الربيع سليمان بن ~~تنين الطحان، وذكر أنه رأى رجلا مصلوبا بأعلى الجسر، وطعن بعد صلبه، فقال ~~الوجيه ابن الذروي: # PageV01P106 # يا أصحابنا، اصنعوا في هذا شيئا، فقال ابن المنجم: إنما يصنع فيه من يتهم ~~بأنه لا يشعر، وليس ها هنا من يتهم إلا الشيخ أبو الفضل والشيخ أبو الربيع، ~~فليصنعا بيتين على حرف الذال على سبيل المرافدة؛ ليثبت لهما ما ادعياه من ~~قول الشعر، فصنع طيري في الحال: # ومفجع تخذ الجذوع مطية ... فتقطعت لركوبها أفخاذه # وأطال أبو الربيع التفكر وافتضح في تمادي التأمل، فدس إليه ابن المنجم ~~رقعة صغيرة فيها: # وبدا لسن الرمح فيه نفاذة ... أخنى على أفلاذه فولاذه # وناولها له بحيث فطنت الجماعة وتغافلوا، وخفى الأمر على طيري لسوء بصره، ~~فقال: بيتي خير من هذا البيت؛ وأكثر الصياح والجلبة، فقال له ابن الذروي: ~~دع عنك هذا القول، ألست القائل في بيتك: تخذ الجذوع ... فهذا صلب على جذع ~~أو مائة! وقلت: أفخاذه، فله فخذان أو عشرة! وأوحى إليه بالقصة. فأقصر عن ~~الكلام، ثم التفت ابن الذروي إلى سليمان وقال له: قد ثبت اليوم عملك للشعر. ~~فانصرف، وقد ألزموه بعمل دعوة سرورا بذلك. ### | وأخبرني الأديب أبو القاسم عبد الرحمن العداس # قال: اجتمع في منزلي أبو الفضل جعفر المنبوز بشلعلع، والمهذب وابن سعدان ~~الدمشقي، فأنشدنا ابن سعدان قصيدتين مفرطتي الطول، وقال: صنعتهما وبيضهما ~~وحملتهما للممدوحين في يومي هذا. وكان الظهر لم يؤذن به بعد، فرددنا عليه ~~قوله، فأخذ يدعي قوة الارتجال وسرعة البديهة، فقال له جعفر: هذا مكان يمكن ~~فيه إقامة البينة من كل مدع، ثم أطرق وقال: # ولقد قطعت اليوم مغصص ... بمهذبين محلق ومقصص # وقال له: اصنع على هذا البيت والزم الصادين. فقال ابن سعدان: هذا ينبغي ~~أن ms098 يقوله صاحب المنزل؛ وصدق، لأن جعفرا عنى بقوله: محلق نفسه وعنى بقوله: ~~مقصص ابن سعدان، لأنه كان يفرط في قص لحيته، فقال له جعفر: قل، فلم يصنع ~~شيئا، فقلت أنا: # وطفقت أغتنم السرور كأنما ... قد فزت من لذاته بتلصص # ثم استدعينا منه القول فما أمكن، وكأنما يبس، أو اعتراه الخرس، فقال ~~المهذب: # فكأنما أسقيتها من خاتم ... ورق بياقوت المدام مفصص # PageV01P107 # ثم استدعيناه فلم يقل شيئا، فقلت: أنا أصنع عنك، وقلت - وقد نزلت عن ~~تكرير الصاد -: # أشنى المفند في المدام فدامة ... وأحب كل مسامح ومرخص # وانقضى المجلس ولم يصنع شيئا. ### | ### | ### | ### | قال علي بن ظافر # # وكتب إلى القاضي الأعز ابن المؤيد من الإسكندرية - ولفظ الخبر له - قال: ~~تسايرت أنا والقاضي المخلص أبو العباس أحمد بن يحيى بن عوف بشاطئ خليج ~~الإسكندرية من جهة القنطرة المعروفة بقنطرة السواري، وقد رقصت أشجاره على ~~غناء أطياره، وملأ لها ساقي الغمام كئوس جلناره، فبينما نحن نتناشد من نفيس ~~رقيق الأشعار، ونتعاطى من كئوس رحيق الأخبار، ونتعجب من سماء ذلك الماء كيف ~~خلت من البدور، ومن نجوم تلك الأزهار مع طلوع شمس النهار كيف لا تغور؛ إذا ~~بجوار هناك جوار، وبدور من قبل السواري سوار، فقلت: # لله أي بدور ... من السواري سوار! # فقال المخلص: # من كل هيفاء خرسا ال ... وشاح خرسا السوار # فقلت: # لاحت فجلت وحلت ... قلبي وعقد اصطباري # فقال: # تنوب فرعا ووجها ... عن الدجى والنهار # فقلت: # فناظرها وقلبي ... ما بين راض وضار # فقال: # وخدها وفؤادي ... من جلنار ونار # فقلت: # تحكى الغزالة في به ... جة وحسن منار # فقال: # والظبي في حسن جيد ... ومقلة ونفار # قال علي بن ظافر # وأخبرني شهاب الدين يعقوب ابن أخت الوزير نجم الدين المقدم ذكره بما ~~معناه: جلسنا على بركة في منظرة السيد الصاحب بالجزيرة، وقد ألقى عليها ~~وردا أحمر ملأ بكثرة نجومه فسحة سمائها، ونقبت حمرة خدوده صفحة مائها، ~~وأهدى رمدة إلى مقلتها الزرقاء فصح سرورنا بدائها؛ فقال رضى الدين إسحاق بن ~~عب الباري: # وبركة صادقة الصفاء # فقلت: # بريئة من دنس ms099 الأقذاء # فقال: # نقب فيها الورد وجه الماء # فقلت: فأبصرت من مقلة رمداء ### | وأخبرني أيضا # هو والشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله العباسي الحلبي ~~أنهما كانا مجتمعين، فمر عليهما صبي من أبناء السواديين يسوق # PageV01P108 # بقرا - وكان وضئ الوجه، حسن القد - فتعاطينا القول في صفته، فقال الشهاب: # بنفسي غزالا يسوق البقر ... ويقتل عمدا نفوس البشر # فقال الشريف: # بدا فبدا الغصن فوق الكثيب ... وبدر الدجى في ظلام الشعر # فقال الشهاب: # تقل الغزالة عن وجهه ... ويصغر تشبيهه بالقمر # فقال الشريف # شكوت إليه غرامي به ... فأعرض عني دلالا ومر # فقال الشهاب: # حلا لي لما انثنى قده ... ولكنه لحياتي أمر # قال علي بن ظافر # كنت في بعض العشايا بالقرافة، أنا والأعز بن المؤيد المقدم ذكره - رحمه ~~الله - في منزل قد انعطفت قدود أشجاره، وابتسمت ثغور أزهاره، وذاب كافور ~~مائه على عنبر طينه، ومدت بكاسات الجلنار بنان غصونه، والنسيم قد خفت ~~فاعتل، وسقط رداؤه في الماء فابتل، ووهت قواه فضعف عن السير، واشتد مرضه ~~حتى ناحت عليه نوائح طير، فاقترح علينا أصحاب لنا كانوا معنا أن نصنع في ~~صفة تلك العشية على هذه القافية، فقال الأعز: # جاء النسيم إلى الغصون رسولا ... ومشى يجر على الرياض ذيولا # فقلت: # نشوان يعثر في الخمائل عابثا ... بالزهر مبلول الرداء عليلا # فقال: # فتمايلت قاماتها فكأنما ... شربت بكاسات الشمائل شمولا # فقلت: # فكأنه قد هز رايات له ... خضرا وسل من المياه نصولا # فقال: # قد أطلعت من زهرها غررا ومن ... جاري المياه يسوقها تحجيلا # فقلت: # تحكى العرائس في القلائد للثرى ... لبست خلاخل فضة وحجولا # فقال: # ضحكت مباسم زهرها ولطالما ... بكيت بدمع الهاطلات طويلا # فقلت: # وبدا عليها الجلنار كأنه ... وجنات خود سمتها التقبيلا # فقال: # سلت عليهن البروق صوارما ... فكسونها منه دما مطلولا # فقلت: # وتناظرت أطيارها فيه وقد ... أكثرن قالا في الهديل وقيلا # قال علي بن ظافر # ومررت أنا وهو رحمه الله يوما بدولاب يئن أنين ثكالى فقدت أطفالها، ~~والنواعج أضلت آفالها، ويبكي بكاء صب آلمه هواه، وصارمه من يهواه، وفرق ~~البين بينه وبين ms100 محبوبه فراقا لا يرجى انقطاعه، ولا يمكن استرداد ما سلبه ~~منه ولا استرجاعه، فقلبه قد ملأته أوجاعه، وجفنه # PageV01P109 # قد ضاق مجراه عن دمعه فتفتحت به أضلاعه، فقلت: # وساقية تئن أنين ثكلى ... شكت بأنينها حر الأوار # فقال: # تحن ولا تزال تطوف عجلى ... كرازمة تحن إلى حوار # فقلت: # غدت تحكي محبا ذا انتحاب ... يطوف باكيا في رسم دار # فقال: # حكت فلكا لجلب اللهو دارت ... عليه من قوادسه دراري ### | وبصرنا بساقية تتلوى تلوي الأفعوان # وتخفق خفقات قلب الجبان، والزهر قد نظم بلبتها عقودا فوق أثوابها ~~الممسكة، والنسيم يكسوها ويلبسها غلائل مفركة، فقلت: # أساقية أم أرقم فر هاربا # فقال: # أم الريح قد هزت من الماء قاضبا # فقلت: # حصى مثل در الثغر أجرى زلاله ... رضابا وأبدى نبته النضر شاربا # فقال: # يوشحها زهر الرياض قلائدا ... ويلبسها مر الرياح جلاببا ### | واجتمعت أنا وشهاب الدين يوما # فتعاطينا القول في صبي ينعت بالشمس، قد مضى ذكره، فقال: # وشمس متى أشرقت يكسها الحيا ... شقيقا ويلبسني الهوى حلة الورس # فقلت: # يلوح فأبكى حين أنظر وجهه ... وبالقسر يبكي من يحدق للشمس ### | ### | ### | ### | ### | قال علي بن ظافر # # واجتمعنا بالقرافة في ليلة وقد عم السرور الأرض بسحابه، وغمرها بفائض ~~انسكابه، فأنبتت نواحيها زاهي جلنار، من شعل النار، في غصون مائسات، كحبال ~~القرقيسات، وكشف بها النور سجف الظلماء، ونقل طرف الليل إلى الشية الشقراء، ~~عن الشية الدهماء، وزهت الأرض بشهب النيران على جو السماء، فترافدنا القول، ~~فقلت: # أنعت ليلا مدلهما أقتما # فقال: # أشعل بالنار وكان أدهما # فقلت: # أضحى من الحسن منيرا مظلما # فقال: # كاثرت النيران فيه الأنجما # فقلت: # فلم نكد نعرف أرضا من سما # قال علي بن ظافر # واجتمعنا يوما على أن نتغزل في غلام رأيناه كأن الشمس من أزراره أشرقت، ~~وكأن النار من وجناته أنارت وما أحرقت، ذي تخيلان قد انبثت دهم خيلها في ~~محياه، وتفرقت لاقتناص فرسان القلوب التي كسرها هواه، وقد حفت وجناته ~~بالشقيق، ولففت فصوص السبج بالعقيق، فقال: # PageV01P110 # بي رشأ أصداغه كالأوراق # بل غصن من وشيه في أوراق # بل قمر من ms101 شعره في أغساق # فقلت: # أجفانه مثل جسوم العشاق # وقرطه مثل القلوب خفاق # يرمقنا شررا فينفى الأرماق # فقال: # في خده ماء الجمال رقراق # عجبت منه شيم ذو إحراق # يريك خيلانا حيال الأحداق # قال علي بن ظافر # واجتمعنا بالجامع، فرأينا غلاما مائس العطف، ذابل الطرف، قد عانق أفعوان ~~شعره غصن قده، وطابق بين مبيض وجهه ومسوده، فقلت فيه: # يارب ظبى عطر الأنفاس # يسكن قلبي بدل الكناس # وجنته تزهر كالنبراس # وشعره في قده المياس # مثل لواء لبني العباس # فقال: لو شبهته بعلم الخطيب، لا سيما إذا ذكرت حلوله بالجامع، ثم صنع ~~فقال: # يا رب غصن أهيف رطيب # أنبته الحسن على كثيب # قام مقام الخاشع المنيب # يفتك في الجامع بالقلوب # وقده في شعره الغربيب # يميس مثل علم الخطيب # ثم قال: زد عليه فقلنا: # وشادن ساجي اللحاظ أحور # فقال: # أبيض يحكيه قوام الأسمر # فقلت: # وقده تحت أثيث الشعر # فقال: # من فوق ردف كالكثيب الأعفر # فقلت: # كعلم الخطيب فوق المنبر # قال علي بن ظافر # ولما أعرس ابن الأمير إياس المصري الأسدي بابنة الأمير سيف الدين أيار ~~كوخ مقدم الأسدية، احتفل الأمراء والأجناد، وبلغوا في الحشد غاية الاجتهاد، ~~وأبرزوا من ضروب آلات الحرب ما يفوق الوصف، ويروق الطرف، وظهرت من مرد ~~المماليك بدور سماء الغبار، وغصون من زغفهم في غدران ومن سيوفهم بين أنهار، ~~يسبون النواظر، بالقدود النواضر، ويستملكون الخواطر، بالثغور العواطر، ~~فكانت أوقات ذلك الزفاف مشهورة مشهودة، وأيامه في أيام الأعياد المعدومة ~~النظير معدودة، فخرجت أنا والشهاب لننظر ذلك الاحتشاد، ونتأمل تلك الظباء ~~الظاهرة بزي الآساد، فقال: # نقبوا بالغبار وجه ذكاء ... ثم نابوا عن حسنها بالبهاء # فقلت: # وأرونا من سحر أعينهم منهم شموسا للنقع في ظلماء # فقال: # طاولوا بالنقا السماء اقتدارا ... وتبدوا من زغفهم في سماء # فقلت: # كل بدر يسير تحت ثريا ... مغفر خلف كوكب السمراء # PageV01P111 # فقال: # مل سكنى البروج فاعتاض عنها ... بسروج على متون ظباء # فقلت: # ما تثنى في الدرع إلا أرانا ... غصنا مائسا بجدول ماء # قال علي بن ظافر # واتفق أن مضى السلطان الملك ms102 الأشرف أبقاه الله - في أوائل خدمتي له ~~وأواخر سنة ثمان وستمائة إلى مدينة نصيبين، وضرب خيمته على تل بين بساتينها ~~يعرف بتل أبي نواس، وهو تل مشرف في غاية العلو، مستدير الشكل أحسن استدارة، ~~قد استقبل جرية نهر الهرماس، حتى إذا وصل النهر إليه، تفرق حواليه، وتلوى ~~تلوى الحيات من جانبيه، والبساتين محيطة به قد ملأت أكثر مرمى البصر، وهو ~~في نفسه قد تأزر بالأعشاب، واكتسى بغرائب الأزهار، التي أدناها شقائق ~~النعمان، وباسم الأقحوان. وكنت أنا مقيما بالبلد لتدبير أحوالها، وتزجية ~~وجوه أموالها، وأنا أتكرر إليه. وإنما نقطع المسافة إلى الخيام في جنات ذات ~~أنهار، وظلال تمنع الحرور وتأذن للنسيم والأنوار، فعن لي أن قلت في بعض ~~خرجاتنا ونحن سائرون على ظهور دوابنا: # اجلس بتل أبي نواس ... ما بين باطية وكاس # وابتع سرورا باعه ... منك الزمان بلا مكاس # في ظل غيث ذي ارتجا ... ز بالرواعد وارتجاس # واستدعيت من شهاب الدين المذكور المساعدة وهو يسايرني، فقال: # تل تطلع مشرفا ... بين المزارع والغراس # بالنهر منتطق على ... زهر كموشى اللباس # من قاس ربوة جلق ... بذاره أخطأ في القياس # فقلت: # أضربته بعصاك يا ... موسى فأصبح ذا نبجاس # فالماء يفرى المحل سي ... ف منه مكفوف الدياس # والقضب أمثال القنا ... والورد أمثال التراس # فقال: # والثم خدود الورد في ... ه فتحتها أصداغ آس # وابن اصطباحك إن أرد ... ت من الغبوق على أساس # فقلت: # واسمع غناء كالغنى ... قد جاء من بعد الإياس # شدوا إذا أدوى القلو ... ب أسى فمنه لهن آس # PageV01P112 # فقال: # لاتقتنع بالكاس واب ... غ الري من جام وكاس # واكرع فما حق المدا ... مة أن تراك وأنت حاسي # فقلت: # خذها لها إن ساورت ... عقل الفتى أي افتراس # واترك على الأعراب ما اخ ... تاروه من لبن العساس # فقال: # من كف ظبي لين ال ... أعطاف صلد القلب قاسي # ظبي ولكن القلوب ... ب تكنه بدل الكناس # فقلت: # يحنى بلا سكر ويك ... سر جفنه لا من نعاس # يهوى ويذكر وهو سا ... ل للذي يهواه ناسي # ثم شغلنا بالوصول، واستدعاني السلطان فدخلت ms103 إليه، فعمل الشهاب تمامها ~~وأنا عنده، وكتبها على هذه الصورة وأنفذها إلى: # سهل الخلائق رطبها ... صعب الشكيمة والمراس # لا يستجيب ولا يطي ... ع ولا يجود ولا يواسي # ما بين ندمان ظرا ... ف حين تخبر كياس # واشرب برأس التل لا ... تحفل بغمدان براس # واهنأ بدولة سيف ذي ... يزن ودولة ذي نواس # فلقد فضلتهما بمج ... د شامخ وندى وباس # ورواق ملك ثابت ال ... أركان سامي الفخر راس # فالعمر ما تم السرو ... ر به كقول أبي فراس # لا زال يخدمك الزما ... ن ومن حواه من أناس ### | واتفق يوما # وقد اجتمعنا بثغر الإسكندرية أيام حلول السلطان الملك العزيز به إلى ~~جزيرة الثغر لزيارة قبر أخينا الأعز بن المؤيد - رحمه الله - وقد كان توفي ~~أغبط ما كان بالحياة، وأيأس ما كان من الوفاة، وغصن شبابه رطيب، والزمان ~~بالثناء على فضله الخطير خطيب، فلما حللنا بفناء قبره، وأرسلنا سيل المدامع ~~لذكره، قال الشهاب: # أيا قبر الأعز سقيت غيثا ... كجود يديه أو دمعي عليه # وقلت: # وحلت جانبيك مروج زهر ... تحاكي طيب أوقاتي لديه # فقال الشهاب: # لفقد إخائه الصافي ودادا ... وددت الموت من شوق إليه # ومن التمليط الواقع بين ثلاثة من الشعراء مما كان بقسيم لقسيم: ### | روى المدائني # قال: خطب أويس القرني رضي الله عنه أم الشماخ ومزرد وجزء، بني ضرار، وحضر ~~إليهم، فقال الشماخ: # نبئتها ناكحة أويسا # فقال مزرد: يهدي إليها أعنزا وتيسا فقال جزء: حمقا ترى ذاك بها أم كيسا ~~فقال أويس: لعن الله من يكون رابعكم. # وما أحسب أويسا رضي الله عنه خطب امرأة قط، ولعله غيره، أو في الرواية ~~وهم. ### | ومن ذلك ما رواه أبو الفرج الأصفهاني عن رجاله # وتتصل روايته بالحرمازي؛ قال: نزل شبيب بن البرصاء المري وأرطأة بن زفر ~~وعويف القوافي برجل من أشجع، كثير المال يسمى علقمة، فأتاهم بشربة # PageV01P113 # لبن ممذوقة، ولم يذبح لهم؛ فلما رأوا ذلك منه قاموا إلى مطيهم ورواحلهم ~~فركبوها، ثم قالوا تعالوا حتى نهجو هذا الكلب، فقال شبيب: # أفي حدثان الدهر أم في قديمه ... تعلمت ألا تقري ms104 الضيف علقما # فقال أرطاة: # لبثنا طويلا ثم جاء بمذقة ... كماء السلا في جانب القعب أثلما # فقال عويف: # فلما رأينا أنه شر منزل ... رمينا بهن الليل حتى تصرما ### | وروي أيضا أن عقيل بن علفة المري # خرج هو وابناه جثامة وعلفة وابنته الجرباء حتى أتو بنتا له ناكحا في بني ~~مروان بالشام آمت. ثم إنهم قفلوا بها حتى كانوا ببعض الطريق قال عقيل: # قضت وطرا من دير سعد وربما ... على عرض ناطحنه بالجماجم # إذا هبطت أرضا يموت غرابها ... بها عطشا أعطينهم بالخزائم # ثم قال: أجز يا علفة، فقال: # إذا علم غادرنه بتنوفة ... تذارعن بالأيدي لآخر طاسم # ثم قال: أجز يا جثامة، فقال: # وأصبحن بالموماة يحملن فتية ... نشاوى من الإدلاج ميل العمائم # ثم قال: أجيزي يا جرباء، فقالت: وأنا آمنة؟ قال: نعم، فقالت: # كأن الكرى سقاهم صرخدية ... عقارا تمشت في المطا والقوائم # فقال عقيل: شربتها ورب الكعبة! لولا الأمان لضربت بالسيف ما تحت قرطيك، ~~أما وجدت من الكلام غير هذا! فقال جثامة: وهل أساءت؟ إنما أجازت، وليس غيري ~~وغيرك! فرماه عقيل بسهم، فأصاب ساقه والرحل، ثم شد عليها، وقال: لولا ~~يعيرني بنو مرة بعد اليوم ما ذقت الحياة. ثم خرج متوجها إلى أهله. ثم نحر ~~عند جثامة جزورا وتركه وقصد قومه، وقال: لئن أخبرت أهلك بشأن جثامة، أو قلت ~~لهم إنه أصابه غير الطاعون أتيت عليك. فلما قدموا على أهل أبير وهم بنو ~~القين ندم عقيل على ما فعله بجثامة، فقال لهم: هل لكم في جزور انكسرت؟ ~~قالوا نعم، قال: الزموا إثر هذه الرواحل حتى تجدوا الجزور. فخرج القوم حتى ~~انتهوا إلى جثامة، فوجدوه وقد أنزفه الدم، فحملوه واقتسموا الجزور، وأنزلوه ~~عليهم، وعالجوه حتى برأ، وألحقوه بقومه، فلما احتملوه وقرب الحي تغنى جثامة ~~بقوله: # PageV01P114 # أيعذر لاهينا ويلحين في الصبا ... وما هن والفتيان الاشقائق # فقال له القوم: إنما أفلت من الجراحة التي جرحك أبوك آنفا، وقد عاودت ما ~~يكرهه، فأمسك عن هذا ونحوه إذا لقيته، لا يلحقك منه شر وعر. # فقال: إنها خطرة خطرت، ms105 والراكب إذا سار يترنم. # وقد ذكر ابن قتيبة في كتاب الأشربة هذه الحكاية على غير هذه الصفة، وذكر ~~لعقيل البيت الأول من بيتيه، وجعل بدل علفة أخاه عملس، وأنشد له البيت ~~الأول أيضا من بيتيه، ثم ذكر أنه أنحى على ابنته الجرباء يضربها بالسوط، ~~فلما رأى ذلك بنوه وثبوا عليه، فشلوا فخذه بسهم، فقال: # إن بني زملوني بالدم ... من يلق آساد الرجال يكلم # شنشنة أعرفها من أخزم ### | وذكر أبو الفرج هذا الرجز في حكاية أخرى تتصل بزيد ابن عياش التغلبي # والربيع بن نمير # قال: غدا عقيل بن علفة على أفراس له عند بيوته، فأطلقها، ثم رجع فوجد ~~بنيه وأمهم مجتمعين، فشد بسيف، فحاد عنه، وتغنى بقوله: # قفي يا بنة المري نسألك ما الذي ... تريدين فيما كنت منيتنا قبل # نخبرك إن لم تنجزي الوعد أننا ... ذواخله لم يبق بينهما وصل # فإن شئت كان الصرم ما هبت الصبا ... وإن شئت لا يفنى التكارم والبذل # فقال عقيل: يا بن اللخناء، متى منتك نفسك هذا! وشد عليه بالسيف - وكان ~~عملس أخاه لأمه، فحال بينه وبينه - فشد على عملس بالسيف، فرماه علفة بسهم، ~~فأصاب ركبته، فسقط عقيل، وجعل يتمعك في دمه، ويزمجر بالرجز المقدم. وبعده: # من يلق أبطال الرجال يكلم ... ومن يكن ذا أود يقوم # قال المدائني: وأخزم فحل لرجل كان منجبا، فضرب في إبل رجل آخر، ولا يعلم ~~صاحبه، فرأى بعد ذلك من نسله جملا، فقال: شنشنة أعرفها من أخزم، فأرسلت ~~مثلا. # قال علي بن ظافر: ذكر الحريري في تفسير بعض مقاماته، أن أخزم جد حاتم ~~الطائي، وأن جده الأدنى سعدا ضربه له مثلا، لما رأى منه تخلقه بأخلاقه ~~وآثاره، والشنشنة: الشبه. # والصحيح ما ذكره أبو الفرج، وهذه الفعلة من علفة كانت سبب تفريق عقيل ~~أولاده وطردهم عنه، وكانوا يقصدون أذاه بإنشاد الغزل بحضرة أخواتهم، لأنه ~~كان مفرط الغيرة مبالغا في الظنة، شديد الرقاعة، # PageV01P115 # وهم من شياطين العرب. ### | وذكر أبو الفرج محمد بن إسحاق المعروف بالوراق بن يعقوب النديم في كتاب # الفهرست قال # صار ms106 جناد وإسحاق الجصاص إلى أبي عرار العجلي أحد رواة اللغة، فقال له ~~جناد: اسمع شيئا قلته، وأجزه، قال: قل، فقال جناد: # فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى دير هند كيف خطت مقابره # فقال إسحاق: # تري عجبا مما قضى الله فيهم ... رهائن حتف أوجبته مقادره # فقال أبو عرار: # بيوت ترى أثقالها فوق أهلها ... ومجمع زور لا يكلم زائره ### | وذكر محمد بن سنان # مما رواه أبو الفرج، أن مطيع ابن إياس وحماد عجرد ويحيى بن زياد خرجوا في ~~سفر، فلما نزلوا ببعض القرى عرفوا، فأنزلوا منزلا، وأتوا بطعام وشراب، ~~وبينما هم يشربون في صحن الدار، إذ أشرفت بنت دهقان من سطح لها بوجه مشرق ~~رائق، فقال مطيع لحماد: ما عندك يا حماد؟، فقال حماد: خذ فيما شئت، فقال ~~مطيع: # ألا يا بأبي النا ... ظر من بينهم نحوي # فقال حماد: ألا يا ليت فوق الحقو منها لاصقا حقوي فقال مطيع: # وأن البضع يا حما ... د منها شوبك المروي # فقال يحيى بن زياد: # ويا سقيا لسطح أش ... رقت من بينهم حذوي ### | وروى محمد بن خلف المرزباني # عن بعض شعراء الكوفة، قال: قال لي محمد بن كناسة: قد اشتهت دنانير - يعني ~~جاريته المشهورة جمالا وأدبا - أن تنظر إلى الحيرة، فهل لك أن تساعدنا؟ - ~~وكان الزمان ربيعا - فقلت: نعم، فقال: تقدمنا لنلحق بك، فقصدت الخورنق ~~وجلست في بعض المواضع المعشبة، وإذا به قد أقبل على بغلة ومعه دنانير على ~~حمار فأخذ غلامه دابتيهما، فنزلا، وجلسنا وقد ستر بعض وجهها مني، فقلت ~~أداعبها - وكان محمد يأنس بي، ويسكن إلي -: إنما تسترين وجهك عن شيخ، ~~فقالت: طماح عين، قال: فضحكنا، ثم أخذنا ننظر إلى رياض الحيرة وبقاعها، ~~ونتذكر ما مضى لها من الزمان، ونستحسن حمرة الشقائق على ائتلاف تلك الأنوار ~~والألوان وطيب روائح النوار، فأخذ محمد عودا وكتب على الأرض: # الآن حين تزين القطر ... أنجاده ووهاده العفر # ثم قال لدنانير: أجيزيه فقالت: # PageV01P116 # بسط الربيع بها الرياض كما ... بسطت ثياب في الثرى خضر # فقلت: أحسنت والله، فقال: ms107 أجز، فكتبت تحتهما: # برية في البحر نابتة ... يجبى إليها البر والبحر # فكتبت: # وسرى الفرات على مياسرها ... وجرى على أيمانها النهر # وبدا الخورنق في مطالعها ... فردا يلوح كأنه الفجر # كانت منازل للملوك ولم ... يعمل بها لمملك قبر # وقد ذكر أبو الفرج هذه الحكاية، ورواها عن عبيد الله بن الحسين، وعزا ~~جميع أبياتها لابن كناسة. ### | قال الأصمعي # ما رأيت أثر النبيذ في وجه الرشيد إلا مرة واحدة، دخلت عليه أنا وأبو حفص ~~الشطرنجي، فقال: استبقا إلى بيت، فمن أصاب غرضي، فله عشرة آلاف درهم، قال: ~~فأشفقت ومنعتني هيبته، وبدر الشطرنجي بجراءة العميان، فقال: # كلما دارت الزجاجة زادت ... ه اشتياقا وحرقة فبكاك # فاستحسنه وأجازه، فزالت عني الهيبة، فقلت: # لم ينلك الرجاء أن تحضريني ... وتجافت أمنيتي عن سواك # فقال: لله درك! لك عشرون ألفا، ثم أطرق ورفع رأسه، وقال: أنا - والله - ~~أشعر منكما، وأنشد: # فتمنيت أن يغشيني الل ... ه نعاسا لعل عيني تراك! ### | وقد أنبأني التقي أبو محمد عبد الخالق المسكي # عن أبي طاهر السلفي، قال: أنبأنا أبو محمد جعفر بن السراج وابن يعلان ~~الكبير قالا: أنبأنا أبو نصر عبد الله بن سعيد السجستاني الحافظ، عن أبي ~~يعقوب النجيرمي قال: حدثنا الأزدي عن ابن دريد عن أبي حاتم، عن الأصمعي، ~~قال: دخلت على الرشيد، وعنده أبو حفص الأعمى المعروف بالشطرنجي، فقال: ~~استبقا إلى آخره، فوقع في نفسي أنه يريد جارية الناطفي، فهبته وبدرني أبو ~~حفص، فقال: # مجلس ينسب السرور إليه ... لمحب ريحانه ذكراك # فقال: قد قاربت، ولك العشرة، وتهيبته، فقال: # PageV01P117 # كلما دارت الزجاجة ... وذكر باقي الحكاية بنحو ما في الأولى. ### | وحدث رزين العروضي # قال: أصبحت مخمورا فتفكرت فيمن آنس به، فذكرت عنان، فاستأذنت عليها، فإذا ~~عندها أعرابي. فقالت: يا عم، قد أتاني الله بك على فاقة، إن هذا الأعرابي ~~قصدني، فقال: قد بلغني أنك شاعرة، فقولي حتى أجيز، وقد أرتج علي، فقلت: # لقد قل العزاء وعيل صبري ... عشية عيسهم للبين زمت # فقال الأعرابي: # نظرت إلى أوائلهن صبحا ... وقد رفعت لها حدج فحنت # فقالت عنان: ms108 # كتمت هواهم في الصدر مني ... ولكن الدموع علي نمت # فقال الأعرابي: أنت أشعرنا، ولولا أنك حرمة لقبلتك. ### | قال وروى محمد بن عيسى بن عبد الرحمن # قال: خرج إبراهيم بن عباس الصولي ودعبل بن علي الخزاعي وأخوه رزين، في ~~نظراء من أهل الأدب رجالة إلى بعض البساتين في خلافة المأمون، وذلك في زمن ~~خمول إبراهيم، فلقوا جماعة من أهل السواد من حمال الشوك، فأعطوهم شيئا ~~وركبوا حميرهم، فأنشأ إبراهيم يقول: # أعيضت من حمول الشو ... ك أحمالا من الحرف # نشاوى لا من الصهبا ... ء بل من شدة الضعف # فقال رزين: # فلو كنتم على ذاك ... تميلون إلى قصف # تساوت حالكم فيه ... ولم تبقوا على خسف # فقال دعبل: # وإذ فات الذي فات ... فكونوا من أولى الظرف # ومروا نقصف اليوم ... فإني بائع خفي # فانصرفوا عنه، وباع خفه، وأنفق ثمنه عليهم. ### | وذكر يزيد بن أبي اليسر الرياضي في كتابه الأمثال # الذي جمعه للمعز بن تميم صاحب القاهرة، قال: أخبرني سيبويه قال: اجتمع ~~محمد بن مقبل ومحمد بن مجمع وأبو نصر الأشعثي في بستان لابن مقبل، وفي ~~البستان نرجس تميس به الريح، فقال ابن مقبل: # شموس وأقمار من الزهر طلع ... لذي اللهو في أكنافها متمتع # فقال محمد بن مجمع: # PageV01P118 # تجاذب أعلاها الرياح فتنثني ... فيلم بعض بعضها ثم يرجع # فقال الأشعثي: # كأن عليها من مجاحة ظلها ... لآلئ إلا أنها هي ألمع # ويحدرها عنها الصبا فكأنها ... دموع براها البين والبين يفجع ### | وذكر عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر في تاريخ بغداد # قال: اجتمع عند أبي الحسن علي بن يحيى بن المنجم أحمد بن أبي طاهر وأبو ~~هفان عبد الله بن أحمد العبدي وأبو يوسف يعقوب بن يزيد، على نبيذ فقال أبو ~~هفان بديها يمدح عليا: # وقائل إذ رأى عزمي على الطلب ... أتهت أم نلت ما ترجو من الأدب # إن ابن يحيى عليا قد تكفل بي ... وصان عرضي كصون الدين والحسب # فابتدر التمار فقال: # تذكى لزواره نار منورة ... على يفاع ولا تذكى على صبب # من فارس الخيل في أبيات ms109 مملكة ... وفي الأكارم من جرثومة النسب # فقال أحمد بن أبي طاهر: # له خلائق لم تطبع على طبع ... ونائل وصلت أسبابه سببي # كالغيث يعطيك بعد الري نائله ... وليس يعطيك ما يعطيك عن طلب ### | ومنه قال اجتمع عند أحمد بن أبي طاهر أبو الضياء القيني وأبو سليمان # النابلسي الضرير في أيام أبي الصقر على نبيذ # فقال أحمد بن أبي طاهر: # كأنما التف بريحانه ... ثوب من النرجس مشقوق # فقال القيني: # أو روضة خضراء نوارها ... بالمزن مصبوح ومغبوق # فقال النابلسي: # له نسيم بيننا ساطع ... كأنه بالمسك مفتوق # كأنه يا بن أبي طاهر ... من طيب أخلاقك مخلوق ### | وذكر أبو حفص عمر بن علي المطوعي # في كتاب درك الغرر ودرج الدرر في محاسن نظم الأمير أبي الفضل الميكالي، ~~قال: سمعت الأمير أبا الفضل يقول: سمعت أبا القاسم الكرخي يقول: كنت ليلة ~~عند الصاحب بن عباد، ومعنا # PageV01P119 # أبو العباس الضبي، وقد وقف على رءوسنا غلام كأنه فلقة قمر، فقال الصاحب ~~مرتجلا: # أين ذاك الظبي أينه # فقال أبو العباس الضبي: # شادن في زي قينة # فقال الصاحب: # بلسان الدمع تشكو ... أبدا عيناي عينيه # فقال أبو القاسم: # لي دين في هواه ... ليته أنجز دينه # فزاد الأمير أبو الفضل عند إنشاد أبي القاسم فقال: # لا قضى الله ببين ... أبدا بيني وبينه ### | وأخبرت أن الأمير أبا الفتح بن أبي حصينة السلمي وأبا محمد عبد الله بن # محمد بن سعد الخفاجي الحلبي # اجتمعنا عند الأمير سديد الملك أبي الحسين علي بن المقلد بن نصر بن منقذ ~~الكناني، فتفاوضوا في فنون الأدب، فقال ابن أبي حصينة: # قمر إن غاب عن بصري # فقال الخفاجي: # ففؤادي حد مطلعه # فقال ابن أبي حصينة: # لست أنسى أدمعي ولها # فقال الخفاجي: # خلطت في فيض أدمعه # فقال سديد الملك: # قلت زرني قال مبتسما ... طمع في غير موضعه ### | ### | قال علي بن ظافر # # أخبرني من أثق به بما معناه، قال: خرج الوزير أبو بكر بن عمار والوزير ~~أبو الوليد بن زيدون، ومعهما الوزير ابن خلدون من إشبيلية إلى منظرة لبني ~~عباد ms110 بموضع يقال له الغيث، تحف به مروج مشرقة الأنوار، منتسمة النجود ~~والأغوار، مبتسمة عن ثغور النوار، في زمن ربيع سقت السحب الأرض فيه بوسميها ~~ووليها، وجلتها في زاهر ملبسها وباهر حليها وأرداف الربا قد تأزرت بالأزر ~~الخضر من نباتها، وأجياد الجداول قد نظم النور قلائده حول لباتها ومجامر ~~الزهر تعطر أردية النسيم عند هباتها، وهناك من البهار ما يزري بمداهن ~~النضار ومن النرجس الريان ما يهزأ بنواعس الأجفان، وقد نووا الانفراد ~~باللهو والطرب، والتنزه في روضتي النبات والأدب، وبعثوا صاحبا لهم يسمى ~~خليفة هو قوام لذتهم، ونظام مسرتهم ليأتيهم بشراب يذهبون الهم بذهبه في ~~لجين زجاجه، ويرمونه منه بما يقضي بتحريكه للهرب عن القلوب وإزعاجه، وجلسوا ~~لانتظاره، وترقب عوده على آثاره. فلما بصروا به مقبلا من الفج بادروا إلى ~~لقائه، وسارعوا إلى نحوه وتلقائه. واتفق أن فارسا من الجند ركض فرسه فصدمه، ~~ووطئ عليه فهشم أعظمه وأجرى دمه، وكسر قمعل الشراب الذي كان معه، وفرق من ~~شملهم ما كان الدهر قد جمعه، ومضى على غلوائه راكضا، # PageV01P120 # حتى خفى عن العين خائضا، وحين وصل الوزراء إليه، تأسفوا عليه، وأقاضوا في ~~ذكر الزمن وعدوانه، والخطب وألوانه، ودخوله بطوام المضرات على توام ~~المسرات، وتكديره الأوقات المنعمات، بالآفات المؤلمات، فقال ابن زيدون: # أنلهو والحتوف بنا مطيفة ... ونأمن والمنون لنا مخيفة # وقال ابن خلدون: # وفي يوم وما أدراك يوم ... مضى قمعا لنا ومضى خليفه # وقال ابن عمار: # هما فخارتا راح وروح ... تكسرتا فشقفات وجيفه ### | وأخبرني الشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله المقدم ذكره # قال: أخبرني الشيخ تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي، قال: أخبرني ~~بن الدهان القرطبي، قال: مضيت أنا وأبو الفضل البغدادي وابن صلاح إلى دار ~~أمين الدولة أبي الحسن هبة الله بن صاعد، ابن التلميذ، فأساء لنا حاجبه ~~قنبر، وأفرط في منعنا من الدخول إليه، فقال أبو الفضل: # قد بلينا في دار أس ... عد خلق بمدبر # فقلت: # بقصير مطول ... مستطيل مقصر # فقال ابن الصلاح: # كم تقولون قنبر! ... قطعوا ms111 رأس قنبر # ثم أذن لنا، فدخلنا نضحك، فسألنا عن سبب ضحكنا فأخبرناه بالسبب، فقال: ~~أنشدوني الأبيات جملة أميز لكم قول كل واحد منكم، فأنشدناه الأول، فقال: ~~هذا لأبي الفضل لأنه شاعركم، ثم أنشدناه الثاني، فقال: هذا لك لأن فيه شيئا ~~من ألفاظ المهندسين، وأنت رجل مهندس، ثم قال: والثالث لابن الصلاح لأنه ~~مخضرم. ### | قال علي بن ظافر # مضيت أنا وشهاب الدين المقدم ذكره والقاضي الأعز بن المؤيد - رحمه الله - ~~في جماعة من أصحابنا إلى الدير المعروف بالقصير، إيثارا لنظر تلك الآثار، ~~فلما تنزهنا في حسن منظره، وقضينا الوطر من نظره، تعاطينا القول فيه جريا ~~على عادة الخلعاء والبلغاء، وظرفاء الأدباء ومجان الشعراء، الذين نبذوا ~~الوقار بالعراء، فقطعوا طريق الأعمار، بطروق الأغمار، وضيعوا العين والعقار ~~في تحصيل العين والعقار، فقال الشهاب: # PageV01P121 # سقى الله يومي بدار القصير ... قصير العزالى طويل الذيول # محل إذا لاح لي لم أقف ... بصحبي على حومل فالدخول # فقلت: # فكم فيه من قمر في دجى ... على غصن في كثيب مهيل # بلحظ صحيح وطرف سقيم ... وروح خفيف وردف ثقيل # فقال الأعز: # قطعت به العيش مع فتية ... صباح الوجوه كرام الأصول # بكل كريم قصير المرا ... ء حاز المعالي بباع طويل # فقال الشهاب: # إذا فمه سل سيف المدام ... فكم من سليب وكم من قتيل # فقال الأعز: # وكم من خليع كريم الفعال ... يجدد بالجود غيظ البخيل # فقلت: # نوافيه ذا ذهب جامد ... فيفنيه في ذائب للشمول # ثم صنع الشهاب فيه على غير هذا الروي والوزن، فقال: # على عمر القصير قصرت عمري ... وصنت خلاعتي وأزلت وقري # فقال الأعز: # ولم أسمع لعمري قول زيد ... إذا ما لامني أو قول عمرو # فقلت: # ظفرنا فيه من شفة وكأس ... بمشروبين من ريق وخمر # فقال الشهاب: # ودافعنا يقين الدين فيه ... بمظنونين من خمر وخصر # فقال الأعز: # كسوت به كئوس البيض حمرا ... من القمص اشتريناها بصفر # فقلت: # وظلت بمارق للهو أتلو ... بهز البيض فيه عناق سمر ### | قال علي بن ظافر # وجلسنا يوما في روض قد ماست قدوده، واخضرت بروده، وخجل ورده ms112 من عيون ~~نرجسه فاحمرت خدوده، والروض يهدي إلى الآفاق طيب عرفه، والنسيم يركض في ~~ميادين الأزهار بطرفه، فقلت: # بعث النسيم إلى الرياض رسولا ... يوحي إليه بكرة وأصيلا # فقال الأعز: # يدعو إلى شرب المدام فليتني ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا # فقال الشهاب: # ياويلتا ذهب الشباب فليتني ... لم أتخذ فيه العفاف خليلا ### | ومما روي في مثل هذا إلا أنه روي عن قوم مجاهيل # فأخرنا ذكره، حتى انتهى الترتيب، ولم نر إخلاء الكتاب من ذكره؛ لأنه يجري ~~مجرى الملح، ما روي أن ثلاثة من الكتاب خرجوا إلى متنزه، فبينما هم يأكلون ~~طعاما كان معهم، إذا بمتطفل # PageV01P122 # جلس إليهم، وابتدأ في تلقف ما في الطبق مما بين أيديهم، فقالوا له: هل ~~عرفت منا أحدا؟ قال نعم، هذا - وأشار إلى الطعام - فتعاطوا صفتهم، فقال ~~أحدهم: # لم أر مثل جذبه ومطه # فقال الآخر: # والأكل من دجاجه وبطه # فقال الثالث: # كأن جالينوس تحت إبطه # فقال: أما نحن فوصفنا من شدة أكله ما عايناه، فما معنى كون جالينوس من ~~تحت إبطه؟ فقال: يلقمه جوارش الكمون لئلا يتخم. # ومن التمليط الواقع بين أربعة شعراء: ### | ما روى الأصبهاني بسند يتصل بإسحاق الموصلي عن رجاله # أن عمر بن أبي ربيعة والحارث بن خالد المخزوميين وأبا ربيعة المصطلقي ~~ورجلا من بني مخزوم - وهو ابن أخت الحارث - خرجوا يشيعون بعض خلفاء بني ~~أمية، فلما انصرفوا نزلوا بسرف، فلاح لهم برق، فقال الحارث: كلنا شعراء، ~~فهلموا نصف البرق، فقال أبو ربيعة: # أرقت لبرق في دجى الليل لامع ... جرى من سناه ذو الربا فمتالع # فقال الحارث: # أرقت له ليل التمام ودونه ... مهامه موماة وأرض بلاقع # فقال ابن أخته: # يضيء عضاه الشوك حتى كأنه ... مصابيح أو فجر من الصبح ساطع # فقال عمر بن أبي ربيعة: # أيا رب لا آلو المودة جاهدا ... لأسماء فاصنع بي الذي أنت صانع # ثم قال: مالي وللبرق والشوك! ### | وأنبأني الفقيه التقي عبد الخالق المسكي # عن السلفي قال: أنبأنا أبو محمد جعفر بن أحمد السراج اللغوي وابن يعلان ~~الكبير، قالا: أنبأنا أبو نصر ms113 عبد الله بن سعيد السجستاني الحافظ، قال: ~~أخبرني أبو يعقوب يوسف بن يعقوب النجيرمي قال: ذكر أبو بكر الصولي أنه وجد ~~بخط ابن خرداذبة، أن أبا نواس ومسلم بن الوليد الصريع والحسين بن الضحاك ~~الخليع والعباس بن الأحنف خرجوا إلى متنزه، ومعهم يحيى بن معاذ، فأدركتهم ~~صلاة المغرب، فقدموا ابن معاذ للصلاة، فنسي الحمد، وأرتج عليه في " قل هو ~~الله أحد " فقطعوا الصلاة، ثم تعاطوا القول فيه، فقال أبو نواس: # أكثر يحيى غلطا ... في قل هو الله أحد # فقال مسلم بن الوليد: # PageV01P123 # قام طويلا ساهيا ... حتى إذا أعيا سجد # فقال العباس بن الأحنف: # يزحر في محرابه ... زحير حبلى بولد # فقال الحسين بن الضحاك الخليع: # كأنما لسانه ... شد بحبل من مسد # قال ابن رشيق في كتاب العمدة: وأخبرني بهذه الحكاية بعض أصحابنا، فقلت: ~~وما على أحد لو قال: # ونسي الحمد فما ... مرت له على خلد # وسمع هذه الحكاية أيضا العباس بن الحطيئة، فقال: # ورام شيئا غير ذا ... يقرؤه فما وجد ### | وذكر أبو الفرج # قال: أولم محمد بن خالدفدعا أبان بن عبد الحميد اللاحقي وسهل بن عبد ~~الحميد وعبيد الله بن عمرو العتبي والحكم ابن قنبر، وأخر عنهم الغداء، ثم ~~جاء فوقف وقال: ما لكم أعزكم الله! ألكم حاجة؟ يمازحهم، فقال أبان: # حاجتنا فاعجل علينا بها ... من الحشاوي كل طردين # وقال الحكم: # ومن خبيص قد حكى عاشقا ... صفرته زينت بتلوين # فقال العقبى: # وأتبعوا ذاك بأبية ... فإنكم أصحاب أبين # فقال سهل: # دعنا من الشعر وأوصافه ... واعجل علينا بالأخاوين # فأمر بإحضار الغداء وخلع عليهم ووصلهم. ### | ومن ذلك ما أنبأنا به العماد أبو محمد الأصبهاني # قال: حدثني صديقي النجيب محمد بن مسعود القسام بأصفهان، قال: حضرت مجلس ~~مؤيد الدين أبي علي محمد بن اسبهسلار رئيس جرباذقان، وعنده شمس الدين احمد ~~بن شداد الغزنوي ومجد الدين إسماعيل بن أحمد اليماني، فأحضر بين يديه ورد ~~أحمر، فابتدر الغزنوي فقال: # الورد فاح كأنه ... خلق الأمير أبي علي # فقلت: # أوصيته بين الأنا ... م وذكره في المحفل # فقال اليماني: # فاحمر ms114 من خجل ومن ... فضحته دعوى يخجل # فقال مؤيد الدين: # في عمره كعدوه ... في عزفه مثل الولي # فنظم به ورد الثنا ... وانثر عليه من عل # PageV01P124 ### | وأخبرني القاضي الموفق بهاء الدين أبو علي الديباجي # قال: كنا بالعسكر المنصور الكاملي - أعزه الله - على العباسة، وعندي في ~~خيمتي القاضي السعيد أبو القاسم بن سناء الملك - رحمه الله - والمهذب ابن ~~الخيمي، وأقبل بعض الشعراء من أصحابنا على أكديش، وتحته على السرج خرج ~~مشقوق، فتعاطينا العمل فيه، فقال ابن سناء الملك - رحمه اله -: # بط خراج خرجه ... عن قربوس سرجه # فقال المهذب ابن الخيمي: # لا ترجه لصالح ... يأتى ولكن أرجه # فقلت: # فإنما آفته ... من بطنه وفرجه # وأقول: قد بقى عليهم من تمام المعنى والقوافي أن يقول أحدهم: # فهو كذا في دخله ... يفكر لا في خرجه # ومن التمليط الواقع بين خمسة ما ذكره الثعالبي في كتاب اليتيمة بالإسناد ~~المتقدم ### | أن الأستاذ الرئيس أبا الفضل بن العميد # جلس يوما وعنده أبو محمد بن هندو وأبو الحسين بن فارس صاحب مجمل اللغة، ~~وأبو عبد الله الطبري، وأبو الحسن البديهي، فجاءه بعض الخدم بأترجة فقال ~~لهم: تعالوا نتجاذب أذيال وصفها، فقالوا: إن رأى سيدنا أن يبدأنا نفعل، ~~فقال: # وأترجة فيها طبائع أربع # فقال أبو هندو: # وفيها فنون اللهو والشرب أجمع # فقال ابن فارس: # يشبهها الرائي سبيكة عسجد # فقال البديهي: # على أنها من فأرة المسك أضوع # فقال الطبري: # وما أصفر منها اللون للعشق والهوى ... ولكن أراها للمحبين تجمع ### | وعلى ذكر هذه الحكاية ذكر القزويني في كتاب الروضة # قال أبو الفرج - وذكر هذه الحكاية وما قال فيها الرئيس أبو الفضل وعمه ~~أبو محمد بن هندو وعيرهم: كان الوزراء والصدور في ذلك الزمان من ذكرنا ~~وشرحنا ووصفنا، وصرنا الآن إلى الزمان الخرف الهم، للذي لا فضل في أهله ولا ~~إفضال، وأنموذجة ذلك أي حضرت ضيافة وزير الري أبي العلاء اللنكي، منصرفي من ~~العراق، وقد احتشد لي ليريني فضل عظمته في الوزارة بعد ما رأيت حاله ~~الأولى، وحضر معي الوزير أبو العلاء بن حسوك، فلما ms115 صرنا إلى مجلس الأنس، ~~ودارت الكئوس، وأخذت منه الخمر، وقد كان انتهى إليه حكاية الرئيس أبي الفضل ~~بن العميد مع عمي، فدعا بدواة # PageV01P125 # ودرج، وكتب حتى عرق جبينه، ولطخ الدرج بكثرة ما سود، ثم تبادل أترجة ~~وقلبها، يعلمنا أنه عمل فيها شيئا، ثم قال: # كأنها لون فتى عاشق ... من برده قد لبس المخملا # فالتفت إلى أبو العلاء بن حسوك وقال لي سرا: لابد من إجازة هذا البيت بما ~~يشاكل سخنة عين الوزراء، ولو عزلني عن عملي وقطع ضياعي، ثم أقبل عليه كأنه ~~يصل كلامه فقال: # أو لون حاجي من خرسان ومن ... إسهاله قد ركب المحملا # فتوهم الوزير أنه جد، فأخذ يحرك رأسه مستحسنا لهذه الإجازة، ومتعجبا من ~~سرعة البديهة، وملكني وأبا العلاء الضحك حتى تهتكنا، ونبه على سخريتنا منه، ~~فظهرت منه حركات العربدة، فانصرفنا إشفاقا من حال مكروهة تجرى علينا. ### | الباب الرابع # في بدائع بدائه الاجتماع # على العمل في مقصود واحد من شاعرين فصاعدا # وقد يكون اجتماعهما لشيئين: أحدهما، أن يكون ذلك لأمر ملك أو وزير، ~~واقتراح رئيس أو كبير، وسؤال صديق أو رفيق. # والثاني أن يقصد تبين فضلهما إن كانا متوافقين، أو يقصد أحدهما تعجيز ~~صاحبه إن كانا متنازعين أو متدافعين. أو يقصد أحدهما تعجيز صاحبه إن كانا ~~متنازعين أو متدافعين. # ويقع ما يصدر عنهما أيضا على وجهين: أحدهما أن يكونا فيما نظما متباعدي ~~الغرضين مختلفي المقصدين، وهو الأكثر. والثاني أن يتفقا على معنى واحد وهو ~~الأقل، ربما اشتركا في كثير من الألفاظ واتفقا في القافية، وهذا إنما يكون ~~عند اشتراكهما في جودة طبع وصفاء ذهن، وحدة خاطر، وقوة فكر واتقاد قريحة. ~~وبالجملة أن يكونا واردين على شريعة واحدة. # وها أنا اذكر ما مر بي من الأخبار على هذين الوجهين في فصلين، وأبدأ بما ~~وقع الاتفاق فيه فأقول: ### | لفصل الأول # فيما وقع الاتفاق فيه # قال علي بن ظافر # أكثر ما يقع هذا الاتفاق الغريب والتوارد العجيب، إذا ضيق المقترح على ~~الشاعرين بأن يعين الوزن والقافية. # ذكر أبو عبد الله ms116 بن شرف القيرواني في كتاب أبكار الأفكار، قال: استدعاني ~~المعز بن باديس يوما واستدعى أبا علي الحسن بن رشيق الأزدي - وكنا شاعري ~~حضرته وملازمي ديوانه - فقال: أحب أن تصنعا بين يدي قطعتين في صفة الموز ~~على قافية الغين، # PageV01P126 # فصنعنا حالا من غير أن يقف أحدنا على ما صنعه الآخر، فكان الذي صنعته: # يا حبذا الموز وإسعاده ... من قبل أن يمضغه الماضع # لأن إلى أن لا مجس له ... فالفم ملآن به فارغ # سيان قلنا مأكل طيب ... فيه وإلا مشرب سائغ # والذي صنعه ابن رشيق: # موز سريع أكله ... من قبل مضغ الماضغ # مأكلة لآكل ... ومشرب لسائغ # فالفم من لين به ... ملآن مثل فارغ # يخال وهو بالغ ... للحلق غير بالغ # فأمرنا للوقت أن نصنع على حرف الذال، فعملنا ولم ير أحدنا صاحبه ما عمل، ~~فكان ما عملته: # هل لك في موز إذا ... ذقناه قلنا حبذا # فيه شراب وغذا ... يريك كالماء القذى # لو مات من تلذذا ... به لقيل ذا بذا # وما عمله ابن رشيق: # لله موز لذيذ ... يعيذه المستعيذ # فواكه وشراب ... به يداوي الوقيذ # ترى القذى العين فيه ... كما يريها النبيذ # قال ابن شرف: فأنت ترى هذا الاتفاق لما كانت القافية واحدة والقصد واحدا، ~~ولقد قال من حضر ذلك اليوم: ما ندري مم نتعجب، أمن سرعة البديهة أم من ~~غرابة القافية، أم من حسن الاتفاق! ### | قال أبو عبد الله بن شرف # واستخلانا المعز يوما وقال: أريد أن تصنعا شعرا تمدحان به الشعر الرقيق ~~الخفيف الذي يكون على سوق بعض النساء، فإني أستحسنته، وقد عاب بعض الضرائر ~~بعضا به، وكلهن قارئات كاتبات، فأحب أن أريهن هذا، وأدعي أنه قديم لأحتج به ~~على من عابه، وأسر به من عيب عليه؛ فانفرد كل منا، وصنع في الوقت؛ فكان ~~الذي قلت: # وبلقيسية زينت بشعر ... يسير مثلما يهب الشحيح # PageV01P127 # رقيق في خدلجة رداح ... خفيف مثل جسم فيه روح # حكى زغب الخدود كل خد ... به زغب فمعشوق مليح # فإن يك صرح بلقيس زجاجا ... فمن حدق العيون لها صروح # وكان الذي ms117 قال ابن رشيق: # يعيبون بلقيسية أن رأوا بها ... كما قد رأى من تلك من نصب الصرحا # وقد زادها التزغيب ملحا كمثل ما ... يزيد خدود الغيد تزغيبها ملحا # فنتقد المعز على ابن رشيق قوله: يعيبون، وقال: قد أجدت لخصمها حجة بأن ~~بعض الناس عابه. وهذا نقد ما كنت فطنت له. ### | وروى ابن بسام في كتاب الذخيرة # وهو روايتي عنه بالإسناد المتقدم قال: حكى أبو صفوان العتكي قال: كان أو ~~إسحاق الحصري يختلف إلى بعض المشيخة من القيروان، وكان ذلك الشيخ كلفا ~~بالمعذرين، وهو القائل فيهم: # ومعذرين كأن نبت عذارهم ... أقلام مسك تستمد خلوقا # قرنوا البنفسج الشقيق ونظموا ... تحت الزبرجد لؤلؤا وعقيقا ### | قال وكان يختلف إليه غلام من أبناء أعيان أهل القيروان وكان به كلفا # فبينا هو يوما والحصري جالس عنده # وقد أخذ في الحديث إذا أقبل الغلام: # في صورة كملت تخال بأنها ... بدر السماء لستة وثمان # يعشى العيون ضياؤها فكأنها ... شمس الضحى تعشى بها العينان # فقال له الشيخ: يا أبا إسحاق، ما تقول فيمن هام، في هذا الغلام، وصبا ~~لهذا القد والقوام؟ فقال الحصري: الهيمان به والله غاية الظرف، والصبوة ~~إليه من تمام اللطف؛ لا سيما وقد شاب كافور خده هذا المسك الفتيت، وهجم على ~~صبحه هذا الليل البهيم، والله ما خلت بياضه في سواده إلا بياض الإيمان في ~~سواد الكفر، أو غيهب الظلماء في منير الفجر؛ فقال: صفه يا حصري، فقال: من ~~ملك رق القول حتى ذلت له صعابه، وانقاد له جموحه وسطع له شهابه، أقعد مني ~~بوصفه؛ فقال: صفه فإني معمل فكري في ذلك. ثم أطرق كل منهما لحظة؛ فكان الذي ~~صنعه الحصري: # أورد قلبي الردى ... لام عذار بدا # أسود كالكفر في ... أبيض مثل الهدى # فقال الشيخ: أتراك اطلعت على ضميري، أم خضت بين جوانحي! فقال له: ولم ذلك # PageV01P128 # أيها الشيخ؟ قال: لأني قلت: # حرك قلبي فطار ... صولج لام العذار # أسود كالليل في ... أبيض مثل النهار ### | وأنبأني العماد أبي حامد # قال: حكى أن شرف الدين أبا المنذر بن الوزير ms118 عون الدين بن هبيرة نظر إلى ~~القمر في بعض الليالي وهو يدخل تحت السحاب تارة، وينكشف أخرى، فقال ~~للحاضرين: ليقل كل منكم في وصفه شيئا، فقال الأديب مقبل: # كأنما البدر حين يبدو ... لنا ويستحجب السحابا # خريدة من بني هلال ... لاثت على وجهها نقابا # وقال شرف الدين: # إذا تطلع بدر التم من فرج ... دون السحاب وحالت دونه سحب # تخاله في رثيث من ملاءته ... خرقاء تسفر أحيانا وتنتقب # وقال عمه الأكرم أبو العباس عبد الواحد بن محمد بن هبيرة: # وكأن هذا البدر حين تظلمه ... سحب فيخفى تارة ويئوب # حسناء تبدو من خلال سجوفها ... طورا فتنظر نحونا وتغيب ### | و ### | قال ابن ظافر # # أخبرني أبو عبد الله بن المنجم بما معناه: صعدت إلى سطوح الجامع بمصر آخر ~~شهر رمضان مع جماعة، فصادفت الأديب الأعز أبا الفتوح بن قلاقس وعلي بن مفرج ~~بن المنجم وابن مؤمن وشجاعا المغربي، فانضفت إليهم، فلما غابت الشمس وفاتت، ~~ودفنت في المغرب حين ماتت، وتطرز حداد الظلام بعلم هلاله، وتجلى زنجي الليل ~~بخلخاله، اقترح الجماعة علي ابن قلاقس وابن المنجم أن يصنعا في صفة الحال، ~~فأطرق كل منهما مفكرا، وميز ما قذفه إليه بحر خاطره من جواهر المعاني ~~متخيرا، فلم يكن إلا كرجعة طرف، أو وثبة طرف حتى أنشدا، فكان ما صنعه ابن ~~المنجم: # وعشاء كأنما الأفق فيه ... لازورد مرصع بنضار # قلت لما دنت لمغربها الشم ... س ولاح الهلال للنظار # أقرض الشرق صنوه الغرب دينا ... را فأعطاه الرهن نصف سوار # وكان الذي صنعه أبو الفتوح بن قلاقس: # PageV01P129 # لا تظن الظلام قد أخذ الشم ... س وأعطى النهار هذا الهلالا # إنما الشرق أقرض الغرب دينا ... را فأعطاه رهنه خلخالا # وقطعة ابن المنجم أحسن من قطعة الأعز لتنصيفه السوار؛ وعل كل حال فقد ~~أبدعا، ولم يتركا للزيادة في الإحسان موضعا. ### | قال ابن ظافر # وقد لي مثل ذلك مع القاضي الأعز ابن أبي الحسن علي بن المؤيد - رحمه الله ~~- وذلك أنا مررنا في عيشة على بستان مجاور للنيل، فرأيناه فيه بئرا عليها ~~دولابان ms119 يتجاذبان، قد دارت عليهما أفلاكهما بنجوم القواديس، ولعبت بقلوب ~~ناظريهما لعب الأماني بالمفاليس، وهما يئنان أنين أهل الأشواق، ويفيضان ماء ~~أغزر من دموع العشاق، والروض قد جلا للأعين زبرجده، والأصيل قد راقه حسنه ~~فنثر عليه عسجده، والزهر قد نظم جواهره في أجياد الغصون، والسواقي قد أذالت ~~من سلاسل قبضها كل مصون، والنبت قد اخضر شاربه وعارضه، وطرف النسيم قد ركضه ~~في ميادين الزهر راكضه، ورضاب الماء قد استتر من الظل في لمى، وحيات ~~المجاري حائرة تخاف من زمرد النبات أن يدركها العمى، والنهر قد صقل صيقل ~~النسيم درعه، وزعفران العشى قد ألقى في ذيل الجو ردعه، فاستحوذ علينا ذلك ~~الموضع استحواذا، وملأ أبصارنا حسنا وقلوبنا التذاذ، وملنا إلى الدولابين ~~شاكين أزمرا حين سجعت قيان الطير بألحانها، وشدت على عيدانها، أم ذكر أيام ~~نعمى وطابا، وكانا أغصانا رطابا، فنفينا عنهما لذة الهجوع، ورجعا النوح ~~وأفاضا الدموع طلبا للرجوع، وجلسنا نتذاكر ما في تركيب الدواليب من ~~الأعاجيب، وتناشدنا ما وصفت به من الأشعار الغالية الأسعار، فأفضى بنا ~~الحديث الذي هو شجون، إلى ذكر الأعمى التطيلي، وقوله في أسد نحاس يقذف ~~الماء: # أسد ولو أني أنا ... قشه الحساب لقلت صخره # فكأنه أسد السما ... ء يمج من فيه المجره # فقال لي - رحمه الله - يتولد من هذا معنى في الدولاب يأخذ بمجامع ~~المسامع، ويطرب الرائي والسامع، فتأملته فملئت إطربا، وأوسعت إغرابا، وأخذ ~~كل منا ينظم ما جاش به غمر بحره، وأنبأه به شيطان فكره، فلم يكن إلا كنقر ~~العصفور، الخائف من الناطور، حتى كمل ما أردناه من غير أن يقف أحد منا # PageV01P130 # على صنعه الآخر، فكان الذي قال: # حبذا ساعة المجرة والدو ... لاب يهدي النفوس مسره # أدهم لا يزال يعدو ولكن ... ليس يعدو مكانه قدر ذره # ذو عيون من القواديس تبدى ... كل عين من فائض الماء عبره # فلك دائر يرينا نجوما ... كل نجم منها يرينا المجره # وكان الذي قلت: # ودولاب يئن أنين ثكلى ... ولا فقدا شكاه ولا مضره # ترى الأزهار في ضحك إذا ما ... بكى ms120 بدموع عين منه ثره # حكى فلكا تدور به نجوم ... تؤثر في سرائرنا المسره # يظل النجم يغرب بعد نجم ... ويطلع بعد ما تجري المجره # فعجبنا من اتفاقنا، وقضى العجب منا سائر رفاقنا. ### | قال ابن ظافررحمه الله # ومن هذا الاتفاق أيضا ما أخبرني به ابن المؤيد رحمه الله - بمعناه، قال: ~~اجتمعت مع جماعة من أدباء أهل الإسكندرية في بستان لبعض أهلها، فحللنا روضا ~~تثنت قامات أشجاره، وتغنت قينات أطياره، وبين أيدينا بركة ماء كجو سماء، أو ~~مرقعة مراء، فنثر عليها بعض الحاضرين ياسمينا زان سماءها بزواهر منيرة، ~~وأهدى إلى لجتها جواهر نثيرة، فتعاطينا القول في تشبيهه، وأطرق كل منا ~~لتحريك خاطره وتنبيهه، ثم أظهرنا ما حررنا، ونشرنا ما حبرنا، فأنشد العباس ~~بن طريف الخراط الإسكندري: # نثروا الياسمين لما جنوه ... عبثا فاستقر فوق الماء # فحسبنا زهر الكواكب تحكي ... زهر الأرض في أديم السماء # وأنشد الأديب أبو الحسن علي بن سيف الدين الحصري: # نثروا الياسمين لما جنوه ... فوق ماء أحبب به من ماء! # فحكى زهره لنا إذ تبدى ... زهر الشهب في أديم السماء # قال: وكان الذي صنعته: # نثروا الياسمين في لجة الما ... ء فخلنا النجوم وسط السماء # فكأن السماء في باطن الأر ... ض أو الدر طف فوق الماء # قال: وسمع أبو عبد الله بن الزين النحوي القصة، ولم يكن حاضرا معنا فقال: # PageV01P131 # نثر الغلام الياسمين ببركة ... مملوءة من مائها المتدفق # فكأنما نثر النجوم بأسرها ... في يوم صحو في سماء أزرق # قال علي بن ظافر: وسألني الأعز - رحمه الله تعالى - أن أصنع في مثله، ~~فصنعت: # زهر الياسمين ينثر في الما ... ء أم الزهر في أديم السماء # أم هما مبسم شنيب شتيت ... في رضاب الخريدة الحسناء # ظل يحكي عقود در على صد ... ر فتاة في حلة زرقاء # وإذا خلته حبابا حسبت السماء طيبا كالقهوة الصهباء # وهذا آخر ما وقع لي مما فيه توارد للمعاني وتوافق المباني. # ومما يشبه هذا الباب أن يتفق الشعراء على نظم معنى مخصوص: ### | أنبأنا العماد أبو حامد الأصبهاني إجازة # قال: صنع الشريف ms121 أبو المحاسن بن الشريف ضياء الدين فضل الله بن علي بن ~~عبد الله الحسني الراوندي القاشاني في تعريب شعر أعجمي: # إني لأحسد فيه المشط والنشفه ... لذاك فاضت دموع العين مختلفة # هذا يعلق في صدغيه أنمله ... وذا يقبل رجليه بألف شفه # قال: وتسامع الناس بهذا المعنى، فاجتمع على العمل فيه جماعة منهم شمس ~~الدين شاد الغزنوني، وكان حينئذ بأصبهان، فقال: # أني أغار على مشط يعالجه ... ونشفة حظيت من قربه زمنا # هذا يغازل صدغيه وأحرمه ... وذا يقبل رجليه ولست أنا! # وقال أيضا: # المشط والنشفة المحمود شأنهما ... كلاهما في الهوى بالسعد ملحوظ # فتلك باللثم من رجليه فائزة ... وذاك بالمسك من صدغيه محظوظ # وقال فخر الدين القسام: # أغار منه على مشط ومنشفة ... حتى أغص بدمع فيه منسجم # فذا يمد يديه نحو طرته ... وذي يقبل فوها صفحة القدم # قال العماد: وعملت وأنا في سن الصبا، وشعري حينئذ لا أرضاه: # مشط ومنشفة فيه حسدتهما ... دمعي لذا بهما فياض عارضة # فتلك حاظية من مس إخصمه ... وذاك مستغرق في مسك عارضه # PageV01P132 ### | وأخبرني بعض أصحابنا الممصرين # أن بعض جلساء الصالح بن رزيك أنشد بمجلسه بيتا من الأوزان التي يسميها ~~المصريون الزركالش، وسميها العراقيون كان وكان: # النار بين ضلوعى ... ونا غريق في دموعي # كنى فتيله قنديل ... أموت غريق وحريق # وكان عنده القاضي الجليس أبو المعالي عبد العزيز بن الحباب، والقاضي ~~المهذب بن الزبير فتقدم إليهما بنظم معناه، فصنعا بديها؛ فكان مما صنعه ~~الجليس: # هل عاذر إن رمت خلع عذاري ... في شم سالفة ولثم عذار # متألف الأضداد فيه ولم تزل ... في سالف الأيام ذات نفار # وله من الزفرات لفح صواعق ... وله من العبرات لج بحار # كذبالة القنديل قدر هلكها ... ما بين ماء في الزجاج ونار # وكان ما صنعه ابن الزبير: # كأني وقد سالت سيول مدامعي ... فأذكت حريقا في الحشا والترائب # ذبالة قنديل تعوم بمائها ... وتشعل فيها النار من كل جانب # وصنع الصالح: # وإذا تشب النار بين أضالعي ... قابلتها من عبرتي بسيول # فأنا الحريق بل الغريق أموت في ... هذا وذا كذبالة القنديل ms122 ### | قال علي بن ظافر # أخبرني الأمير الأجل عضد الدين مرهف ابن أسامة بن منقذ، قال: كان لي ~~مملوك اسمه ياقوت، فقصدت أنا وابن عمي عبد الرحمن بن محمد نظم المعنى ~~المشهور من أن النار لا تعدو على الياقوت، فكان الذي قلته: # أسكنته قلبي وأصبح حبه ... من دون أقوات البرية قوتي # قالوا: وكيف يقيم من أحببته ... في نار قلب بالجوي منعوت # فأجبتهم لا تعجبوا لمقامه ... فالنار ليس تضر بالياقوت # وكان الذي قاله ابن عمي: # يا عجبا للذي كلفت به ... تدنيه مني إن غاب أفكاري # يسكن قلبا من الجحيم ويزدا ... د ضراما بدمعي الجاري # لا تعجبوا منه حين يسكنه ... فما يبالي الياقوت بالنار # PageV01P133 ### | الفصل الثاني # فيما لم يقع فيه توارد # فمن ذلك ما ذكره صاحب العقد والعهدة عليه # قال: بينما الأمير محمد بن زبيدة يطوف في قصره إذ بصر بجارية له سكرى، ~~وعليها كساء خز نسجت أذياله، فراودها عن نفسها، فقالت: يا أمير المؤمنين، ~~أنا على ما ترى، ولكن في غد إن شاء الله. فلما كان من الغد سار إليها، فقال ~~لها: الميعاد! فقالت: يا أمير المؤمنين؛ أما علمت أن كلام الليل يمحوه ~~النهار، فضحك ثم خرج إلى مجلسه، فقال: من بالباب من الشعراء؟ فقيل له: مصعب ~~والرقاشي والحسن بن هانئ، فأمر بهم فأدخلوا؛ فلما جلسوا بين يديه قال: ليقل ~~كل منكم شعرا يكون آخره: كلام الليل يمحوه النهار؛ فمن أصاب ما في نفسي فله ~~حكمه؛ فارتجل الرقاشي: # متى تصحو وقلبك مستطار ... وقد منع القرار فلا قرار # وقد تركتك صبا مستهاما ... فتاة لا تزور ولا تزار # إذا استنجزت منها الوعد قالت: ... كلام الليل يمحوه النهار # وقال مصعب: # أتعذلني وقلبي مستطار ... كئيب ما يقر له قرار! # بحب مليحة صادت فؤادي ... بألحاظ يخالطها احورار # ولما أن مددت يدي إليها ... لألمسها بدا منها نفار # فقلت لها عديني منك وعدا ... فقالت في غد منك المزار # فلما جئت مقتضيا أجابت ... كلام الليل يمحوه النهار # وقال أبو نواس: # وليلة أقبلت في القصر سكرى ... ولكن زين السكر الوقار # وهز ms123 الريح أردافا ثقالا ... وغصنا فيه رمان صغار # وقد سقط الردا عن منكبيها ... من التكريه وانحل الإزار # فقلت: الوعد سيدتي فقالت: ... كلام الليل يمحوه النهار # فقال: أخزاك الله! أكنت معنا مطلعا علينا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، عرفت ~~ما في نفسك فعبرت عما في ضميرك. فأمر له بأربعة آلاف دينار، ولصاحبيه ~~بمثليهما. ### | ومن ذلك ما أخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن فاضل بن حمدون الصوري # عن الإمام الحافظ أبي طاهر السلفي رحمه الله، عن أبي غالب شجاع الذهلي، ~~قال لنا أبو منصور بن أبي الضوء العلوي: كنت في قرية يقال لها بشيناء، وبها ~~أبو محمد النامي، وهناك ناعورتان للزرع، فقال فيها وأنا حاضر: # أنا عورتي شطى بشيناء إنني ... نظير كما في الوجد والهيمان # أنينكما يحكى أنيني وعبرتي ... كمائكما في شدة الجريان # فلا زلتما في خفض عيش يمده ... أمان من التفريق والحدثان # وعملت أنا في الحال: # بشيني لها ناعورتان كلاهما ... تسح بدمع دائم الهملان # مخافة دهر أن يصيب بعينه ... لإحداهما يوما فيفترقان ### | وذكر أبو علي بن رشيق في كتاب الأنموذج # قال: كان لمحمد بن حبيب التنوخي معشوق لا يزال يزوره إذا غاب عن منزله، ~~فإذا حضر لم يأته؛ وكثر ذلك منهما، فقال لي يوما: تعال حتى نضع في ذلك، ~~فصنعت: # ما بالنا نجفى فلا نوصل ... إلا خلافا مثلما تفعل # تأتي إذا غبنا فإن لم نغب ... جعلت لا تأتي ولا تسأل # كهاجر أحبابه زائر ... أطلالهم من بعد أن يرحلوا # وصنع هو: # يا تاركا إن لم أغب زورتي ... وزائري دأبا إذا غبت # وددت أن ودك لا ينثني ... يزور فقداني لم مت ### | ### | قال علي بن ظافر # : وذكرت بهاتين القطعتين قول ابن خفاجة الأندلسي في مثل هذه ~~الواقعة، وهو أحسن ما سمعت فيها: # صح الهوى منك ولكنني ... أعجب من بين لنا يقدر # كأننا في فلك دائر ... فأنت تخفى وأنا أظهر ### | قال ابن رشيق # وكان كثيرا ما ينتابني غلام وضيء الوجه، وخال تحت لحيته، فنظر إليه يوما ~~بعض أصحابي، ثم أطرق، فعلمت أنه يعمل فيه، فصنعت بيتين ms124 وسكت عنهما خوف ~~الوقوع دونه، فلما رفع رأسه قال: اسمع، وأنشد: # يقولون لي من تحت صفحة خده ... تنزل خال كان مسكنه الخد # PageV01P134 # فقلت: # رأى ذاك الجمال فهابه ... فحط خضوعا مثل ما خضع العبد # فقلت: أحسنت، ولكن اسمع، وأنشدت: # حبذا الخال كامنا منه بين الجيد والخد رقبة وحذرا # رام تقبيله اختلاسا ولكن ... خاف من سيف لحظه فتوارى # فقال: فضحتني، قطع الله لسانك، واشتد ضجره. ### | وذكر الباخرزي في كتاب الدمية # أنه اجتمع هو وأبو عاصم الفضل بن محمد الفضيلي الهرري في مجلس الإمام عبد ~~الله الأنصاري - قال: وكان غاية في الكلام على المنبر، فتعاطينا القول، ~~فقال الفضيلي: # عيون الناس لا تلقى ... من الناس كعبد الله # ولا ينكر هذا غير من مال عن المله # فقال الباخرزي: # مجلس الأستاذ عبد الله روض العارفينا # ألحق الفخر بنا بعد احتكام العارفينا! # قال علي بن ظافر # وذكر الفتح بن خاقان، قال: ركب عبد الجليل بن وهبون المرسي وأبو الحسن ~~الحكم بن محمد المعروف بغلام البكري زورقا بنهر إشبيلية في ليلة أظلم من ~~قلب الكافر، وأشد سوادا من طرف الظافر، ومعهما غلام وضيء قد أطلع وجهه ~~البدر ليلة تمامه، على غصن بان من قوامه، وبين أيديهم شمعتان قد أزرتا ~~بنجوم السماء، ومزقتا رداء الظلماء، وموهتا بذهب نورهما لجين الماء، فقال ~~عبد الجليل ارتجالا: # كأنما الشمعتان إذا سمتا ... خدا غلام مجانس الغيد # وفي حشا النهر من شعاعهما ... طريق نار الهوى إلى كبدي # فقال غلام البكري: # أحبب بمنظر ليلة ليلاء ... تجنى بها اللذات فوق الماء # في زورق يزهى بغرة أغيد ... يختال مثل البانة الغناء # قرنت يداه الشمعتين بوجهه ... كالبدر بين النسر والجوزاء # والتاج فوق الماء ضوء منهما ... كالبرق يخفق في أديم سماء ### | وبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام # قال: دخل الأديبان أبو جعفر ابن هريرة التطيلي المعروف بالأعيمي، وأبو ~~بكر بن بقي الحمام، فتعاطيا العمل فيه، # PageV01P135 # فقال الأعيمي: # يا حسن حمامنا وبهجته ... مرأى من السحر كله حسن # ماء ونار حماهما كنف ... كالقلب فيه السرور والحزن # ثم أعجبه المعنى فقال: # ليس على ms125 لهونا مزيد ... ولا لحمامنا ضريب # ماء وفيه لهيب نار ... كالشمس في ديمة تصوب # وأبيض تحته رخام ... كالثلج حين ابتدا يذوب # وقال ابن بقي: # حمامنا فيه فصل القيظ يحتدم ... وفي للبرد عسر غير ذي ضرر # ضدان ينعم جسم المرء بينهما ... كالغصن ينعم بين الشمس والمطر # وقال الأعيمي وقد نظر فيه إلى فتى صبيح: # هل استمالك جسم ابن الأمين وقد ... سالت عليه من الحمام أنداء # كالغصن باشر حر النار من كثب ... فظل يقطر من أعطافه الماء ### | قال علي بن ظافر # وذكر لي أن جماعة من الشعراء في أيام الأفضل خرجوا متنزهين إلى الأهرام ~~ليروا عجائب مبانيها، ويقرءوا ما سطر الدهر من العبر فيها، فصنع أبو الصلت ~~أمية بن عبد العزيز، وأنشد: # بعيشك هل أبصرت أعجب منظرا ... على ما رأت عيناك من هرمي مصر # أنافا بأكنان السماء وأشرفا ... على الجو إشراف السماك على النسر # وقد وافيا نشزا من الأرض عاليا ... كأنهما نهدان قاما على صدر # وصنع أبو منصور ظافر بن الحداد: # تأمل هيئة الهرمين وانظر ... وبينهما أبو الهول العجيب # كعمارتين على رحيل ... بمحبوبين بينهما رقيب # وفيض البحر عندهما دموع ... وصوت الريح بينهما نحيب # وظاهر سجن يوسف مثل صب ... تخلف، فهو محزون كئيب ### | وأخبرني الشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله العباسي الحلبي # قال: اجتمع مهذب الدين أبو الحسين بن منير والشيخ أبو عبد الله محمد بن # PageV01P136 # صغير القيسراني، الشاعران بحلب، فمر عليهما صبي سراج يسمى يوسف، مشهور ~~بالحسن، فسئلا القول فيه فصنعا، فكان ما صنع ابن منير: # يا سمي المرمي في ظلمة الج ... ب لمن ساقه القضاء إليها # والذي قطع النساء له الأي ... دي ومكن حبله من يديها # لك وجه مياسم الحسن فيه ... سكة تطبع البدور عليها # وكان مما صنع القيسراني: # لاتخدعن فما الحسام المرهف ... إلا الذي يحويه جفن أوطف # وإذا رأيت اللحظ يعمل في الحشى ... عمل الأسنة فالقوام مثقف # ويح المحب أما يخالس نظرة ... إلا هفا بالقلب ظبي أهيف # بالله يا نفحات أنفاس الصبا ... ما بال غصن البان لا يتعطف! ms126 # يا مسكري وجدا بخمر جفونه ... قل لي: أتلك لواحظ أم قرقف! # بادر جمالك بالجميل فربما ... ذوت المحاسن، أو أبل المدنف # واسبق عذارك باعتذارك قبل أن ... يأتي بعزل هواك منه ملطف # إن جاز أن يرث الملاحة باسمه ... أحد فإنك يوسف يا يوسف ### | ### | قال علي بن ظافر # # وروي أن الأعز أبا الفتوح بن قلاقس، ونشو الملك علي بن مفرج بن المنجم، ~~اجتمعا في منار الجامع ليلة فطر، ظهر بها الهلال للعيون، وبرز في صفحة بحر ~~النيل كالنون، ومعهما جماعة من غواة الأدب، الذين ينسلون من كل حدب، فحين ~~رأوا الشمس فوق النيل غاربة، وإلى مستقرها جارية ذاهبة، قد شمرت للمغيب ~~الذيل، واصفرت خوفا من هجوم الليل، والهلال في حمرة الشفق، كحاجب الشائب أو ~~زورق الورق، اقترحوا عليهما وصف تلك الحال، فصنع ابن قلاقس: # انظر إلى لشمس فوق النيل غاربة ... وانظر لما بعدها من حمرة الشفق # غابت وأبقت شعاعا منه يخلفها ... كأنما احترقت بالماء في الغرق # وللهلال فهل وافى لينقذها ... في إثرها زورق قد صيغ من ورق # وصنع نشو الملك: # يا رب سامية في الجو قمت بها ... أمد طرفي في أرض من الأفق # حيث العشية في التمثيل معركة ... إذا رآها جبان مات للفرق # PageV01P137 # والشمس هاربة للغرب دارعة ... بالنيل مصفرة من هجمة الغسق # وللهلال انعطاف كالسنان بدا ... من سورة الطعن ملقى في دم الشفق # وهذا - لعمري - من البديع لذي لا يلحظ سواه، ولا يحفظ إلا إياه. # قال علي بن ظافر # والحكاية المشهورة عن ابن قلاقس، والوجيه أبي الحسن علي بن الذروي، أنهما ~~طلعا منارة الإسكندرية، والوجيه يومئذ في عنفوان شبابه وصباه، وهبوب شماله ~~في الجمال وصباه. # وابن قلاقس مغرى به، دائب في تهذيبه، مبالغ في تفضيض شعره وتذهيبه، ولم ~~تكن وقعت بينهما تلك الهناة، ولا استحكمت بينهما أسباب المهاجاة، فاقترح ~~عليه ابن قلاقس أن يصف المنارة، فقال بديها: # وسامية الأرجاء تهدى أخا السرى ... ضياء إذا ما حندس الليل أظلما # لبست بها بردا من الأنس ضافيا ... فكان بتذكار الأحبة معلما # وقد ظلتني من ذراها ms127 بقية ... ألاحظ فيها من صحابي أنجما # فخيلت أن البحر تحتي غمامة ... وأني قد حيمت في كبد السما # فحين رأى الأعز ما أتى به، اشتد سروره وفرحه، وقال يصفها ويمدحه: # ومنزل جاوز الجوزاء مرتقبا ... كأنما فيه للنسرين أوكار # راسي القرار وسامي الفرع، في يده ... للنون والنور أخبار وآثار # أطلقت فيه عنان الفكر فاطردت ... خيل لها في بديع الشعر مضمار # ولم يدع حسنا فيه أبو حسن ... إلا تحكم فيه كيف يختار # حلى المنارة لما حل ذروتها ... بجوهر الشعر بحر منه زخار # وما زال يذكى بها نار الذكاء إلى ... أن أصبحت علما في رأسه نار ### | وأخبرني الوجيه أبو الفضل جعفر بن جعفر الحموي وابن شيث من أصحابنا # قالا: مضى الوجيه علي بن الذروي، والنجيب هبة الله بن وزير في جماعة إلى ~~الحمام المعروف بأبي فروة، فجرى بينهما تنازع أدى إلى تناكر فضيلة الأدب، ~~ثم تراضيا بأن يحكم بينهما الشريف العروف بأنكدودة، فحكم بأن يصنعا قطعتين ~~في صفة الحمام على البديهة، ثم يقع التفضيل بينهما بقدر التفاوت بين ~~القطعتين، فصنع ابن الذروي بديها # إن عيش الحمام عيش هنئ ... غير أن المقام فيه قليل # PageV01P138 # جنة تكره الإقامة فيها ... وجحيم يطيب فيه الدخول # فكأن الغريق فيه كليم ... وكأن الحريق فيه خليل # وصنع ابن وزير - بعد بطء: # لله يوم بحام نعمت به ... والماء من حوضها ما بيننا جار # كأنه فوق شفاف الرخام بها ... ماء يسيل على أثواب قصار # فانتقد عليه الجماعة تشبيهه الماء بالماء، واستبردوا ما أتى به، فقال ابن ~~الذروي: # وشاعر أوقد الطبع الذكاء له ... أوكاد يحرقه من فرط إذ كاء # أقام يجهد أياما رويته ... وفسر الماء بعد الجهد بالماء ### | وأخبرني الفقيه شجاع الغزلي رحمه الله # قال: جلست يوما بالوراقين على دكان الأديب أبي الفضل جعفر بن مفضل القرشي ~~المنبوز بشلعلع، وثالثنا ذخيرة الملك المشهور خبره، المشكور أثره، وهو شيخ ~~كان يغني ويلفق كلاما من جنس كلام الحمقى والمعتوهين تلفيقا موزونا على أنه ~~شعر؛ إلا أنه بلغ به عند الصالح وذويه ما لم يبلغه الأخطل عند ms128 عبد الملك ~~وبنيه، وقد اجتمع الناس عليه، ووقفوا صفوفا بين يديه، وهو يطرفهم بشعره، ~~ويملأ آذانهم بنعره. قال: فمر بنا ابن وزير، فلما رأى الجمع جلس إلينا، ثم ~~أخذ يقول أنصافا من الشعر، وأبياتا متفرقة في مدح ذخيرة الملك تارة والطنز ~~به أخرى، يتباهى بها على العوام، ويملأ بها قلوب أولئك الطغام، ففهم الأديب ~~أبو الفضل مقصده، وأراد أن يفضحه، ويظهر عيبه ويوضحه، فقال له: ما هذا ~~الفتور، والشعر المقذور؟ والعجب منك أن تتباهى بالشعر ونحن حضور! وجر هذا ~~الكلام خصاما كان آخره أن استقر الأمر على أن يصنع كل منا قطعة في مدح ~~ذخيرة الملك على روي يختاره أول خارج من الجامع، فكان حرف الذال، فابتدر ~~جعفر وقال: # من كان في درك الغرام ولم يكن ... لحشاه من أسر الهوى إنقاذ # فذخيرة الملك الأجل بشعره ... ترقى القلوب من الهوى وتعاذ # وإذا بدا مترنما فله على ... كل القلوب بشدوه استحواذ # قال: وصنعت: # ذخيرة الملك أنت شاعرنا ... فكل شعر عداك منبوذ # وكل لفظ فمنك مسترق ... وكل معنى فعنك مأخوذ # PageV01P139 # قال: وأبى ابن وزير أن ينشد ما عمله، بل كتبه في رقعة وقال: إنما أنشده ~~بحضرة أبي الحسن بن بري - رحمه الله - فأتيناه جميعا، فأنشدته أنا وجعفر ما ~~صنعنا، فأثنى خيرا، ثم ناوله ابن وزير الرقعة فإذا أولها يقول: # هذا الفتى ذخي ... رة الملك نعيذه # فلما قرأه الشيخ جمع وجهه، ثم قرأ الثاني، فإذا هو: # إذا تغنى منشدا ... قلوبنا منفوذه # فزاد في تجمعه، ثم قرأ الثالث، فإذا هو: # من كل هم بيننا ... يبدو لنا شذوذه # فرمى الرقعة من يده، فكأنما ألقمه حجرا. ثم ادعى أننا غيرنا سبكه، وكتب ~~بذلك محضرا منظوما كتب عليه الشعراء شهاداتهم بقطع من الشعر، أنشدني كثيرا ~~منها، ثم توفى قبل أن أكتبها عنه. ### | وأخبرني بهاء الدين أسعد بن يحيى بن منصور بن عبد العزيز ابن وهبان # السلمى المعروف بابن السنجاري بحماة، وكتبه لي بخطه # قال: اجتمع عندي جماعة منهم جمال الدين بن رواحة وعلم الدين الشاباني ~~الشاعر المعروف بقاع، ms129 وضياء الدين سعيد بن حياة المقري، وضياء الدين ~~الحوراني، وهو في ذلك الوقت مشهور بعشق البهاء على بن محمد الخرساني ~~المعروف بابن الساعاتي؛ فبينما نحن مجتمعون إذ دخل علينا ابن الساعاتي، وهو ~~في عنفوان شبابه، ونهاية حسنه، وسنه حينئذ أربع عشرة سنة، فداعبناه، فجرد ~~سيفا، وجعل يريد ضرب عنق الضياء الحوراني مداعبا له، وذلك بعد أن عصب عينيه ~~بطرف عمامته، فكشف الضياء عن وجهه، وقال: أنتم كلكم تدعون أنكم فضلاء ~~الوقت، فقولوا في هذا شيئا، فعمل كل منا قطعة، وخبأها في بيقاره، فقال ~~الضياء - وكانت فيه دعابة: أراكم قد عملتم عمل القطاط، فأنشدونا ما علمتم، ~~فقلنا على سبيل الهزء: لا يتقدم أحد على علم الدين، فجعل الشاباني يصف شعره ~~ويقول: قد علمت بيتين ما يقدر أحد أن يعمل مثلهما، وزاد في الدعوى، ثم ~~أنشد: # قمر عندنا به ... نهر جيرون كوثر # لو تراءى لسنجر ... قبل الأرض سنجر # فجرى بينه وبيت الحوراني من المشاغبة ما ضاق به الوقت، وقال له: ويحك! ~~أين هذا مما نحن فيه! وأي مناسبة بينه وبين المعنى الذي اقترح عليك! وكان # PageV01P140 # جمال الدين بن رواحة فاضلا لطيفا، فقال لي: بالله عليك إلا أنشدت قبلي، ~~فقد رأيتك عملت أكثر مني، وكنت إلى جانبه فأنشدت ما قلت، وهو: # ختام عذلك قد اسرفت في عذلي ... قلبي من الوجد ملآن وأنت خلي # أعاذك الله من وجدي ومن كلفي ... ومن غرامي ومن خوفي ومن وجلي # لو كان يا سعد لطوفان ما ذرفت ... عيناي ما استعصم المغرور بالجبل # بمهجتي راشق لي قوس حاجبه ... كأنما الطرف رام من بني ثعل # يميل عطفاه من سكر الصبا مرحا ... كما تمايل عطف الشارب الثمل # ما لاحت الشمس في رأد الضحى وبدا ... للشمس إلا رماها الطفل بالطفل # يا حامل الصارم الهندي منتصرا ... ضع السلاح قد استغنيت بالكحل # ما يفعل الظبي بالسيف الصقيل وما ... ضرب الصوارم مع ضرب من المقل! # قد كنت في الناس سنيا فما برحت ... بي شيعة الحسن حتى صرت عبد علي ### | وأخبرني الأديب راجح بن إسماعيل الحلي ms130 # قال: خرجنا مع مهذب الدين أبي الحسن علي بن نظيف أيام كتابته للملك المعز ~~إسحاق بن عبد الملك الناصر - رحمه الله تعالى - إلى الأهرام للتنزه، ومعه ~~الأديب بهاء الدين ابن الساعاتي، والجمال؟ ابن تاج البغدادي والمهذب ابن ~~الخيمي والأوحد المعروف بالواسطي، فاتفق أن كبت به بغلته، ثم وثبت ورفعت ~~يديها، فتعاطينا القول في ذلك، فبدر بهاء الدين ابن الساعاتي، فقال: # قيل مادت من تحت ذا السيد الأر ... ض ولم تأتنا بمثال # هو طود النهى ومن أعجب الأشياء أرض تميد تحت الجبال # وقال ابن التاج: # جلست بغلة الأمين ترينا ... صدق حس كأنه إلهام # أظهرت ميزة على النوع إذ أصبح في الحسن ذا علا لا يرام # نحن في خدمة قيام لديه ... ثم بغلاتنا لديه قيام # وقال الواسطي: # لم تكب بغلتك الخضراء من خور ... يا من هو اليوم للإسلام مسعده # PageV01P141 # لكنما الأرض مادت تحتها طربا ... إذ شرفت بك يامن طاب محتده # وقال ابن الخيمي: # أقسمت بغلة الرئيس المفدى ... حين حطت لعجزها عنه صدرا # إنما رفعت يديها قنوتا ... بعد أن قبلت ثرى الأرض عشرا # إذ غدت من حجاه حاملة طو ... دا ومن جود كفه العذب بحرا # قال: وقلت أنا: # وحسام ملك يستضاء برأيه ... ويفل حد النائبات بحده # لم تكب بغلته لخون قوائم ... تطأ الصفا فترض صفحة صلده # لكنها حملت مشرع سودد ... بذ الأكارم في إمامة مجده # سجدت وقد ظلت صفوف وفوده ... من خلفه يتلون آية حمده # قال علي بن ظافر: وقد رأيت هذه القطعة التي نسبها الحلي لنفسه في ديوان ~~الساعاتي، وكان الحلي مع جودته كثير الإغارة عليه. ### | وأخبرني الأديب أبو القاسم بن نفطويه # قال أنشدني بعض أصحابنا بيتا وسألني أن أضمنه، وهو: # فليت الشمس لو بقيت قليلا ... ففيها كلما بقيت بقائي # فصنعت بديها: # ولما أن تلاقينا بكينا ... بكاء القرب من بعد التنائي # وسمت دوام طيب الوصل منه ... فأعرض عند ذاك عن اقتضائي # وواعدني إذا ما الشمس غابت ... وولت لا سبيل إلى اللقاء # فليت الشمس لو بقيت قليلا ... ففيها كلما بقيت بقائي # قال: ثم ms131 مر بي القاضي أبو الحسن على بن النبيه فأنشدته البيت وسألته أن ~~يضمنه فقال بديها: # عسى العيس التي ظعنت بسلمى ... تعود بها وننعم باللقاء # توالت بالعشي ولا عجيب ... مغيب الشمس في وقت العشاء # فليت الشمس لو بقيت قليلا ... ففيها كلما بقيت بقائي # ثم جاء الأديب أبو العز الأعيمي، فسألته تضمنيه، فقال بديها: # بدت شمس النهار فخيلت لي ... بأنك قد رفعت إلى السماء # فصرت أذوب وهي تزول عني ... إلى أن صرت في حد الفناء # PageV01P142 # فليت الشمس لو بقيت قليلا ... ففيها كلما بقيت بقائي # قال: ثم مر بي الفقيه أبو محمد القلعي فسألته تضمينه، فقال بديها: # إذا هزم الظلام سنا الضياء ... قضى ترحال وصلك بانقضائي # فليت الشمس لو بقيت قليلا ... ففيها كلما بقيت شفائي ### | واجتمع يوما شهاب الدين يعقوب والشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن # عبد الله العباسي على أن يصنعا هجاء في صبي مستحسن يسمى يونس فصنع الشريف ~~بديها: # يونس يا متلفي بهجر ... قد لج فيه بلا انتهاء # إن بلع الحوت لابن متى ... ثمت ألقاه بالعراء # فرب حوت بلعت أضحى ... مكتسيا منك بالخراء # وصنع الشهاب، وعرض بالحلي: # أدار نون الصدغ في خده ... حتى غدا يونس ذا النون # وأنبت الحلي من فوقه ... لما علاه أصل يقطين # ثم صنع فيه هذا البيت، وهو: # إن بلعت يونس حوت فكم ... بلعت يا يونس من حوت ### | وكنت في صدر العمر وابتداء قول الشعر # صنعت قطعة في صدر نارنج عليه طلع مفروط وهي # انظر إلى النارنج والطلع الذي ... جاء الغلام بطلعه متمايلا # فكأنما النارنج قد صاغوه من ... ذهب قناديلا وذاك سلاسلا # ثم زدت عليه، فقلت: # أتانا بصدر واسع لو بدا لمن ... تعبد أحيا صورة المتعبد # حكى طلعه فيه سلاسل فضة ... ونارنجه يحكى قناديل عسجد # ثم اختصرته، فقلت: # أيا حسن صدر فيه مفروط طلعة ... يقارن نارنجا به متلالي # لقد أحسن الشخص الذي جمعتها ... يداه وأهدى فيه كل جمال # قناديل تبر في سلاسل فضة ... وإلا عقيق في سموط لآلي ### | واتفق إنشاد القطع في بعض الليالي بالجامع لجماعة من ms132 أصحابنا فيهم ابن # PageV01P143 # الذروي # فقال: يتولد من هذا معنى في صدر فيه نارنجتان وطلع مفروط، ويشبه ذلك ~~بنهدين في صدر عليهما أسماط در. فاستحسنت المعنى وأطرق كل منا لنظمه، ثم ~~أنشدت: # وصدر به نارنجتان تبدتا ... ومفروط طلع بالملاحة حالي # فخلت بذاك الصدر نهدى خريدة ... وقد وشحت زهوا سموط لآلي # ثم أنشد هو: # أرسلت لي نارنجتين على صد ... ر وحفتهما بطلع نضيد # ثم قالت تسل عني فهذا ... مثل صدري والدر فوق نهودي # ثم ذكر معنى آخر فأطرقنا لنظمه، فقلت كالمرتجل: # ألست ترى النارنجتين وقد بدا ... يحفهما طلع نضيد منظم # كخدي غلام قد تأمل حسنه ... جماعة عشاق له فتبسموا # فلم يصنع فيه شيئا، ثم اقترح معنى غيره، فنظمت فيه: # وطلع بدا المفروط فيه مقارنا ... لنارنجتين يجتلى الحسن منهما # كدمع جرى من جفن ظبي منعم ... فأضحى على الخدين منه منظما # وصنع هو هذا البيت: # وطلع على نارنجتين كأنه ... دموع محب فوق خدي حبيبه ### | وفي هذه الليلة أمطرت السماء مطرا خفيفا صقل رخام الصحن حتى لمع وجهه # وتعارضت أشعة القناديل عليه فتعاطينا وصفه # فصنعت: # انظر إلى حسن القناديل التي ... لاحت كشهب في متون سماء # والصحن قد أبدى شهاب شعاعه ... إذ صار مصقولا بمر الماء # فكأنما هي أسطر من عسجد ... كتبت بظهر صحيفة بيضاء # ثم صنع ابن الذروي: # أيا حسن جامع مصر وقد ... تروى من الوابل المغدق # وضوء القناديل من فوقه ... كأسطر تبر على مهرق ### | ### | قال علي بن ظافر # # حضرنا يوما عند الصاحب صفي الدين بمعسكر المنصور على بلبيس عند بروز ~~السلطان لسفرته الثانية حين حوصرت دمشق الحصار الثاني في خيمته بمجلس حفل، ~~لم يعدم فيه أحد من مشايخ الدولة ووجوهها وهم # PageV01P144 # إذ ذاك متوفرون، لم ينقص لهم عدد، ولا فقد منهم أحد، فأنشدني ابن أبي ~~حفصة قصيدة عاتبته في بعض أبياتها، وارتقى الأمر إلى أن قال أسعد بن الخطير ~~- رحمه الله تعالى: إن هاهنا جماعة كلهم يقول الشعر، فلو اقترح عليهم أن ~~يصنعوا شيئا في بعض ما يقع تعيين الصاحب عليه، لبان الجرئ ms133 الجنان من العاجز ~~الجبان؛ ومن جملة من معنا في المجلس ممن يقول الشعر ابن سناء الملك والأسعد ~~أبو القاسم عبد الرحيم بن شيث، فاقترح الصاحب أن نعمل في منجنيق الشمعة - ~~وكان الهواء عاصفا - فقلت: # أرى شمعة ضمها المنجنيق ... فجاءتك بالمنظر الأعجب # يجول عليها احمرار الغشاء ... كما جال برق على كوكب # وتبعنى ابن شيث فقال: # وشمعة في المنجني ... ق وهي فيه تشرق # كأنها من تحته ... شمس علاها شفق # ولم يفتح على أحد بكلمة، وانتقدوا عليه تشبيهها بالشمس، وقالوا: النجم ~~أليق. ثم قال الصاحب: فيها معنى آخر، لو نظم لكان مليحا، وهو أن يشبه ~~بالروح في الجسد، لأن إنارة الجسد وإضاءته بالروح التي في باطنه. فارتجلت ~~وقلت: # وشمعة في المنجني ... ق تلتظى وتتقد # تنير فيه مثلما ... ينير بالروح الجسد # فاستحسن الجماعة ذلك على حسب الوقت، ثم بعد افتراق المجلس صنعت في الشمعة ~~والمنجنيق، وباكرت الصاحب به فأنشدته: # ومجلس أنس ضم شمل جماعة ... تعاطوا من الآداب خير رحيق # لدى شمعة في منجنيق غشاؤه ... كما أخجل التقبيل خد عشيق # ترى نارها من خلفه كبهاره ... تراءت لنا من خلف ثوب شقيق # كما جليت خود بتاج ودونها ... معصفر ستر للعيون رقيق # ويحكى عمودا من لجين مقمعا ... بتبر بدا في وسط بيت عقيق # قال علي بن ظافر # ومما يشبه هذا الباب وليس به، ما ذكره ابن بسام # PageV01P145 # في الذخيرة ورويته بالإسناد المتقدم في أن المتوكل بن الأفطس كان له فرس ~~أدهم أغر محجل، على كفله ست نقط بيض، قندب المتوكل الشعراء لوصفه، فصنع ~~النحلى أبو الوليد فيه بديها: # ركب البدر جوادا سابحا ... تقف الريح لأدنى مهله # لبس الليل قميصا سابغا ... والثريا نقط في كفله # وغدير الصبح قد حيض به ... فبدا تحجيله من بلله # كل مطلوب وإن طالت به ... رجله من أجله في أجله # وصنع ابن اللبانة: # لله طرف جال يا بن محمد ... فجنت به حوباؤه التأميلا # لما رأى أن الظلام أديمه ... أهدى لأربعه الهدى تحجيلا # وكأنما في الردف منه مباسم ... تبغى هناك لرجله تقبيلا # وقال فيه عبد ms134 الله بن عبد البر الشنتريني من قطعة: # وكأنما عمر على صهواته ... قمر تسير به الرياح الأربع ### | وأخبرني بعض أصحابنا # أن نشو الملك بن المنجم المقدم ذكره، دخل مجلس القاضي الأجل الفاضل - ~~رحمه الله تعالى - فأنشده لنفسه في ممسحة القلم: # ممسحة نهارها ... يجن ليل الظلم # كأنها قد خلقت ... منديل كم القلم # ثم أمره بالعمل فيها، فصنع بديها: # وآلة تضمر النهار فما ... تبديه إلا لوافد الظلم # تودع فيها الأقلام فضلة ما ... تنفثه في مصالح الأمم # وقد وقف القاضي الفاضل على هذه الحكاية في نسخة كان استنسخها من هذا ~~الكتاب وهو يومئذ رسالة لا تتجاوز عشرة كراريس لطاف، فلم ينكرها. ### | وأخبرني صاحبنا فخر القضاة أبو الفرج نصر الله بن القاضي عز القضاة أبي # العز هبة الله بن بصاقة الكاتب المعظمى # قال: ضرط بعض أصحابنا ونحن مجمتعون في بعض منازلات الفريج، وتبعه آخر؛ ~~فصنع بعضنا في الأول، وصنع بعضنا فيهما جميعا؛ فصنع بهاء الدين علي بن ~~الساعاتي بديها في الأول: # PageV01P146 # يا من صبوت إلى محا ... سنه، وأصل الحب صبوه # إن كنت خنتك في الهوى ... ما بين يوم نوى ونبوه # فبليت منك بكل ما ... أخشاه من صد وجفوه # أو شاع سرى في الأنا ... م كضرطة الشرف ابن عروه # وصنع المولى الملك المعظم: # الشرف ابن عروة ... تحللت عروته # أحمق من ضراطه ... تعلمت بغلته # قال: ولما ضرط الآخر قلت: # رأيت ابن عروة يتلو الظهير ... وقد ضرطا لاشتداد الجزع # فقلت: أللخوف هذا الضراط؟ ... كأن فؤادكما ينتزع # فقالا: إذا دهمت غارة ... فلا بد من ضرب بوق الفزع # وصنع فيهما شمس الدين إسماعيل بن منكورس - وكان ربما عبث بالبيت أو ~~البيتين: # قد ضرط الفسلان يوم النوى ... عند اشتداد الضنك والضيق # فقلت من عظم ضراطيهما: ... لابد للحرب من البوق ### | قال علي بن ظافر # واجتمعنا ليلة في رمضان بالجامع، فجلسنا بعد انقضاء الصلاة للحديث، وقد ~~وقد فانوس السحور، فاقترح بعض الحاضرين على الأديب أبي الحجاج يوسف بن علي ~~المنبوز بالنعجة، أن يصنع فيه - وإنما طلب بذلك تعجيزه، فصنع وأنشد: # ونجم من الفانوس ms135 يشرق ضوءه ... ولكنه دون الكواكب لا يسري # ولم أر نجما قط قبل طلوعه ... إذا غاب ينهي الصائمين عن الفطر # فانتدبت له من بين الجماعة؛ وقلت: هذا تعجب لا يصح، لأني والحاضرين قد ~~رأينا نجوما لا تدخل تحت الحصر ولا تحصى بالعد، إذا غابت تنهي الصائمين عن ~~الفطر؛ وهي نجوم الصباح. فأسرف الجماعة بعد ذلك في تقريعه، وأخذوا في تمزيق ~~عرضه وتقطيعه؛ فصنع وأنشد: # هذا لواء سحور يستضاء به ... وعسكر الشهب في الظلماء جرار # والصائمون جميعا يهتدون به ... كأنه علم في رأسه نار # PageV01P147 # فلما أصبحنا سمع من كان غائبا من أصحابنا في ليلتنا ما جرى، فصنع الرشيد ~~أبو عبد الله محمد بن متانو رحمه الله تعالى، وأنشدنيه: # أحبب بفانوس غدا صاعدا ... وضوءه دان من العين # يقضى بصوم وبفطر معا ... فقد حوى وصف الهلالين # وصنع الفقيه أبو محمد القلعي: # وكوكب من ضرام الزند مطلعه ... تسري النجوم ولا يسري إذا رقبا # يراقب الصبح خوفا أن يفاجئه ... فإن بدا طالعا في أفقه غربا # كأنه عاشق وافى على شرف ... يرعى الحبيب فإن لاح الرقيب خبا # ثم صنعت بعد حين: # ألست ترى شخص المنار وعوده ... عليه لفانوس السحور لهيب # كحامل منظوم الأنابيب أسمر ... عليه سنان بالدماء خضيب # ترى بين زهر الزهر منه شقيقة ... لها العود غصن والمنار كثيب # وتبدو كخد أحمر والدجى لمى ... بدا فيه ثغر للنجوم شنيب # كأن لزنجي الدجى من لهيبه ... ومن خفقه قلبا عراه وجيب # تراه يراعي الصبح ليلا، فإن دنا ... طلوع صباح حان منه غروب # فهل كان يرعاها لعشق ففر إذ ... درى أن رومي الصباح قريب! # وقلت في اختصار هذا المعنى: # انظر إلى المنار وال ... فانوس فيسه يرفع # كحامل رمحا، سنا ... نه خضيب يلمع # وقلت أيضا: # ألست ترى حسن المنار وضوءه ... يرفع من جنح الدجنة أستارا # تراه إذا جن الظلام مراقبا ... له مضرما في قلب فانوسه نارا # كصب بخود من بني الزنج سامها ... وصالا وقد أبدى لترغب دينارا # وقلت فيه: # وليلة صوم قد سهرت بجنحها ... على أنها من طولها تعدل الدهرا # حكى ms136 الليل فيها سقف ساج مسمرا ... من الشهب قد أضحت مساميره تبرا # وقام المنار المشرق اللون حاملا ... لفانوسه، والليل قد أظهر الزهرا # PageV01P148 # كما قام رومي بكأس مدامة ... وحيا بها زنجية وشحت درا # قال: ولما صنعت هذه القطع ندبت أصحابنا للعمل، فصنع شهاب الدين يعقوب: # رأيت المنار وجنح الظلام ... من الجو يسدل أستاره # وحلق في الجو فانوسه ... فذهب بالنور أقطاره # فقلت المحلق قد شب في ... ظلام الدجى للقرى ناره # وخلت الثريا يدا والنجو ... م ورقا غدا البدر قسطاره # وخلت المنار وفانوسه ... فتى قام يصرف ديناره # وأنشدني القاضي أبو الحسن بن النبيه لنفسه: # حبذا في الصيام مئذنة الجا ... مع والليل مسبل أذياله # خلتها والفانوس إذ رفعته ... صائدا واقفا لصيد الغزاله # وأنشدني ابن نفطويه: # يا حبذا رؤية الفانوس في شرف ... لمن أراد سحورا وهو يتقد # كأنما الليل والفانوس متقد ... في الجو أعور زنجي به رمد # وأنشدني أيضا لنفسه: # نصبوا لواء للسحور وأوقدوا ... في رأسه نارا لمن يترصد # فكأنما سبابة قد قمعت ... ذهبا وقامت في الدجى تتشهد # وأنشدني الفقيه أبو يحيى الستولي - رحمه الله تعالى - لنفسه: # وليلة ملئت أسدافها لعسا ... واستوضحت غرر من ثغرها شنبا # ولاح كوكب فانوس السحور على ... إنسان مقلتها النجلاء واشتهبا # حتى كأن دجاها وهو ملتهب ... زنجية حملت في كفها ذهبا # وصنع الأديب أبو العز مظفر الأعمى، وكتب بها عنه إلى، وقد كان سمع جميع ~~المقاطيع فأخذ معانيها وقال: # أرى علما للناس في الصوم ينصب ... على جامع ابن العاص أعلاه كوكب # وما هو في الظلماء إلا كأنه ... على رمح زنجي سنان مذهب # ومن عجب أن الثريا سماؤها ... مع الليل تلهى كل من يترقب # فطورا تحييه بباقة نرجس ... وطورا يحييها بكأس تلهب # PageV01P149 # وما الليل إلا قانص لغزالة ... بفانوس نار نحوها يتطلب # ولم أر صيادا على لبعد قبله ... إذا قربت منه الغزالة يهرب # وأنشدني الشريف أبو الفضل جعفر لنفسه: # كأنما الفانوس في ... صاريه لما اتقدا # لواء نصر مذهب ... في رأس رمح عقدا ### | وكان الملك العزيز رحمه الله تعالى # قد غني بين يديه دوبيت بالعجمية، ms137 معناه أنه جعل الليل برد دارا للحبيب ~~ليحجب الشمس؛ فاستحسن المعنى وأرسل إلى وزيره الأجل نجم الدين أبي الفتح ~~يوسف بن المجاور - رحمه الله تعالى - يأمره أن يصنع المعنى في شعر، وأن ~~يأمر الشعراء بالعمل في ذلك، فصنع بديها وأرسله إليه: # قال له الليل انصرف راشدا ... فإنه استخدمني برددار # ثم صنعوا بعده، فمن مرو ومن باده. ### | وأخبرني الأسعد أبو المكارم أسعد بن الخطير # قال: كنت عند الفاضل - رحمه الله تعالى - إذ دخل الوزير نجم الدين، ~~فأخبره بما طلب السلطان وأنشده ما صنع، فقال الفاضل: هذا معنى كنت نظمته ~~قديما إلا أني استخدمت الليل بوابا، فقلت: # بتنا على حال تسوء العدا ... وربما لا يمكن الشرح # بوابنا الليل وقلنا له ... إن غبت عنا هجم الصبح # قال الأسعد: ولم أكن صنعت شيئا، فصنعت بديها: # قلت لليل عندما زارني البد ... ر وأوجست خيفة للرواح # أنت يا ليل برددار حبيبي ... فتأهب لدفع صدر الصباح # قال: فاستحسن الوزير القسيم الثاني، فقلت: برددار المولى نعلم منه حسن ~~الخلق، يقول: انصرف راشدا، وهذا البرددار فظ غليظ يدفع في الصدر. ### | وأخبرني أبو الحسن بن النبيه # قال: دخلت على الأجل نجم الدين الوزير - رحمه الله تعالى - فأمرني بالعمل ~~فيما رسمه السلطان فاستمهلته، فأبى فصنعت وأنشدت: # قلت لليل إذ حباني حبيبا ... وغناء يسبي النهى وعقارا # أنا سلطان مجلس فاحجبوا الصب ... ح وكن أنت يا دجى برددارا # وأنشدني القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن سناء الملك لنفسه: # أباحني الليل وصف طيف ... عهدته منه لا يباح # PageV01P150 # وحجب العالمين عني ... فلا غدو ولا رواح # يا ليل أمسيت بردداري ... إياك أن يهجم الصباح # وأنشدني شهاب الدين يعقوب ابن أخت نجم الدين - رحمه الله تعالى - لنفسه: # قلت إذ زار من أحب وجنح ال ... ليل روض أبدى النجوم نهارا # ملك الحب زاره ملك الحس ... ن فزادا على الحسود اقتدارا # فافرشوا الورد أطلسا حين يمشي ... واجعلوا عسجد الكؤوس نثارا # واصرفوا حاجب الهلال فقد نم ... بسرى إلى العيون سرارا # واحجبوا قيصر الصباح وقولوا ... لنجاشي الظلام كن برددارا # وأنشدني ms138 القاضي الأسعد عبد الرحيم بن شيث ناظر القدس الشريف لنفسه: # زار وقد آنس للقلب نار ... وليس إلا وجهه إذ أنار # طيف وقل ضيف كما أنني ... أبحته قلبي قرى أو قرار # لم أنسه خاض إلى الدجى ... وجاب من شوق إلى القفار # فانشق قلب الصبح غيظا به ... وغار نجم الأفق منه فغار # وذات قد كالقضيب انثنى ... وأين منها الغصن لولا الثمار # بديعة كم لي بها غرة ... وكم لها في مهجتي من غرار # ورب ليل طاب لي وصلها ... به فلولا وصلها قلت طار # رأيتها ليلا وصبحا فما ... عرفت بالليل ولا بالنهار # بتنا ضجيعي عفة ما درت ... منا يد ما يحتويه إزار # يسكرني لثمى لأصداغها ... فهي عناقيد ولثمى اعتصار # يحجب عنا الصبح ستر الدجى ... كأنما الليل لنا برددار # وبعدها فليطل الليل ما ... شاء على رغم الليالي القصار ### | وبرز أمر الملك العزيز رحمه الله تعالى إلى وزيره # الأجل نجم الدين - رحمه الله تعالى - أن يصنع غزلا في جارية صنعت على ~~خدها بالمسك صورة حية وعقرب، فصنع أبقاه الله بديها: # فديتها من غادة ... مخلوقة من طرب # سألتها في قبلة ... في خدها المذهب # فجاوبت معجبه ... بكفها المخضب: # وابأبى! وابأبى ... من عظم هذا المطلب # PageV01P151 # وليس هذا ممكنا ... على ممر الحقب # روضة خدي حرست ... بحية وعقرب # من رام أن يلثمها ... فلير قها بالذهب # وليشرب الدرياق من ... رضاب ثغري الشنب # وصنع أيضا: # جعل العذول يقول لي لما بدت ... كالشمس في بعد وفى إحراق # لا نطمعن بوصلها وبلثمها ... هذي مذيبة انفس العشاق # تفاح خديها حمته بعقرب ... وبحية خوفا من الأحداق # فحذار ثم حذار يا عشاقها ... فلديغها ما إن له من راق # قلت اتئد هذي وتلك تولدا ... في ماء خد مائر رقراق # والله لا خوف على بلثمها ... ما دام خمر رضابها درياقي # ثم أمر الناس بالعمل فأكثروا، وصنع ابن مماتي قطعا كثيرة، تزيد على ~~العشرين، من أحسنها قوله: # نقشت حية على ... ورد خد مزخرف # فبدت آية الكلي ... م على وجه يوسف # وقال أيضا: # في خدها عقرب وحيه ... وأنت يا نفس بعد حيه ms139 # قد جال ماء الشباب فيه ... وأرسل الصدغ فيه فيه # وقال ابن سناء الملك أدام الله نعمته: # صفا العيش في ملك العزيز بن يوسف ... فلم يبق فيه للشوائب باق # فلا عقرب إلا بخد مليحة ... ولا جور غلا في ولاية ساق # وقال أيضا: # ظهرت معجزات ملك العزيز ... فهي في وقته ذوات بروز # حية تحت عقرب فوق خد ... أحمر كاللجين والإبريز # فهما مثل قبضة بحسام ... ركبوها في صارم مهزوز ### | وأخبرني بهاء الدين حسن الخرساني المعروف بابن الساعاتي # قال: أمرني السلطاني أن أصنع فيما رسم من ذلك بديها على وزن قطعة كانت ~~تغنى # PageV01P152 # في ذلك الوقت، فصنعت: # أمعنفى فيمن هويت جهالة ... انظر بعين العدل فيمن تعذل # أرأيت درياقا كبرد رضابها ... بعث الصدى وهو الرحيق السلسل # وكحية وكعقرب في خدها ... أبدا تسئ فعالها وتقبل # تحيا إذا ما باشرت فم عاشق ... وإذا تقابل من بعيد تقتل # قال: ثم صنعت: # وخريدة بيضاء ليلة هجرها ... من شعرها، وجبينها من وصلها # رقمت مواشطها على وجناتها ... صورا تعبدني الغرام لأجلها # أو ماعجبت لحية في جنة ... دوني تفوز بمائها وبظلها # فحذار منها ما استطعت فقبلها ... مكرت بآدم أختها في مثلها # قال: ثم صنعت أيضا: # يا ضرة القمرين في شرفيهما ... من أي شيء منك لم أتعجب # أقبلت مثل الشمس في غسق الدجى ... وحملت صبحا ضاحكا عن كوكب # من حيث لا ماء الشباب مكدر ... كلا ولا برق السلاف بخلب # كتبت بخديك المواشط فتنة ... عمت عموم هواك من لم يكتب # وكأنما رقم الجمال بكفه ... وجه الضحى بحريرة من غيهب # جاء الكليم بآية من حية ... وأراك جئت بحية وبعقرب # وصنع شهاب الدين ابن أخت الوزير النجم من قصيدة، وأنشدنيها لنفسه: # خود جلا غرتها شعرها ... بدر بهى في ظلام يهيم # يطيب ذكر الشعر من لفظها ... كأنما ذاك النسيب النسيم # قد رقمت وجنها أرقما ... بالمسك في مذهب ثوب طميم # ما ذاق من قابله غفوة ... واعجبا من ساهر بالرقيم! # مرسلة بالحسن قد أظهرت ... في نار إبراهيم آي الكليم # وصنع القاضي أبو العباس أحمد بن القطرسي، وأنشدنيه: # وغادة زينت ms140 بأفعى ... مسك على خدها المصون # فقلت يغنيك سحر لحظ ... أنفذ سهما من المنون # قالت رأيت القلوب ليست ... تطيق ما فيه من فتون # PageV01P153 # فصاغها الحسن فوق خدي ... تلقف السحر من جفوني # وأنشدني القاضي أبو الحسن بن النبيه لنفسه: # وغادة قالت وفي خدها ... حية مسك سلبتني المنام # حمرة خدي إذا قارنت ... سواد أصداغي هام الهوام # أما ترى الحية تسعى إلى النا ... ر إذا ما أضرمت في الظلام! # وأنشدني أيضا لنفسه: # في ورد خديك بدت عقرب ... وحية تلسع جانيها # يقول من بات سليما بها ... يا ويح من أصبح حاويها # وصنع المخلص أبو العباس أحمد، ابن بنت الفقيه أبي الطاهر بن عوف، ~~وأنشدنيه: # حمت ورد خديها بأفعى وعقرب ... فردت يدي جانيه عن جلناره # أليس محياها المزخرف جنة ... فلا غرو أن حفت لنا بالمكاره # وقال أيضا - رحمه الله تعالى -: # سألتها تصفح عن هفوة ... من عاشق أقسم ألا يعود # فصورت ملغزة حية ... وعقربا من فوق ورد الخدود # فكان تصحيف الذي ألغزت ... خيفة أن يفهم عنها الحسود # غفرت ما أسلف فلتهنه ... جنة وصلي بعد نار الصدود # وأنشدني الرضى بن أبي حفصة الأحدب لنفسه: # قالوا ترى عقربا قد قابلت أفعى ... في خد ظبية أنس قط ما ترعى # فقلت لما بدا سحر الجفون لها ... جاءت له حية في خدها تسعى # وتلك عقرب خديها فلا برحت ... لا أنها العقرب المؤذي بها طبعا # فانظر إلى حية مع عقرب ظهرت ... بروض وجنها لم يقتلا شرعا # وزادتا حسنها نفعا فواعجبا ... من أهل ضر لها قد أظهروا النفعا # لو يكن ريقها الترياق ما سلمت ... وكان لأئمها لا يأمن اللسعا # فقل لمن سامني ترك الغرام بها ... لم أسلها والذي قد أخرج المرعى # قال علي بن ظافر: وصنعت: # قضيب قدك هذا الرطب من هصره ... وخمر ريقك هذا العذب من عصره! # PageV01P154 # وأطلس الخد من بالمسك صور في ... محمره حبة بالمسك مقتدره # يا حسنه أفعوانا لا يعض وإن ... أضحى على عضه لعاشقين شره # فلا تظننه رقشاء لاسعة ... تنساب من وجهها في روضة نضره # بل نفث ألحاظها بالسحر خيل ms141 ثعبانا على خدها يلهى الذي نظره # يا ليت شعري مع أني الكليم هوى ... لم أظهرت آيتي ألحاظها السحرة! # قال: وقلت أيضا: # وغادة رقمت في خدها صورا ... لتسلب الناس ألبابا وأذهانا # هل عقرب الصدغ خافت فيك أعيننا ... فاستنجدت عقربا أخرى وثعبانا! # أم العقارب والحيات قد ألفت ... من وجنتيها بحكم الطبع بستانا ### | الباب الخامس # في بقية بدائع البدائه # وفيه فصلان # أحدهما ما كان من البدائه باقتراح مقترح كما تقدم في أول الباب الراب # وثانيهما ما ليس باقتراح مقترح ### | الفصل الأول # فيما كان باقتراح مقترح # فمن ذلك ما روى # أن جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة؛ وهو مرثد ~~بن عمرو بن عامر بن ماء السماء، وهو آخر ملوك جفنة بالشام قال لحسان: حب ~~هذا المدامة، قد استحوذ على فبغضها إلى، فصنع حسان ارتجالا: # ولولا ثلاث هن في الكأس لم يكن ... لها ثمن من شارب حين يشرب # لما نزق مثل الجنون ومصرع ... دنى وأن العقل ينأى ويذهب # فقال: حرمتني لذتها، فحببها إلي، فارتجل وقال: # ولولا ثلاث هن في الكأس أصبحت ... من أكسد شي يستفاد ويجلب # أمانيها والكأس يظهر طيبها ... على حزنها، والهم ينأى ويذهب # فأمر له جبلة بجائزة وحلة من حلله. ### | ومن ذلك ما روى # أن الفرزدق دخل على عبد الملك في بعض وفاداته عليه، فامتدحه فحباه وأكرمه ~~وأحسن جائزته، فلما خرج من عنده ركب راحلته، وأنشد: # ما حملت ناقة من معشر رجلا ... مثلي إذا الريح ألقتني على الكور # فأنهى ذلك إلى عبد الملك، فأرسل وراءه من رده، فلما دخل عليه قال: إيه يا ~~فرزدق! أنت الذي تقول: ما حملت ناقة ... البيت.؟ قال: نعم يا أمير ~~المؤمنين، قال: لتخرجن منها # PageV01P155 # يا بن اللخناء أو لآتين عليك! فقال مرتجلا: # إلا قريشا فإن الله فضلها ... مع النبوة بالإسلام والخير # ترى وجوه بني مروان مشرقة ... يوم الندى كشرفات الدنانير # فقال عبد الملك: أولى لك! ورضي عنه. ### | ومن ذلك ما روى أن أبا الخطاب عمر بن عامر السعدي المعروف بابن الأشد ms142 # موسى الهادي # يا خير من عقلت كفاه حجزته ... وخير من قلدته أمرها مضر # فقال له الهادي: إلا من؟ فقال واصلا كلامه: # إلا النبي رسول الله إن له ... فخرا وأنت بذاك الفخر تفتخر # فظن الهادي والحاضرون أن البيت مستدرك، ونظر في صحيفته فلم يجده. فأضعف ~~صلته. ### | وروى أن علي بن جبلة الأعمى العكوك لقي طاهر بن الحسين وهو في حراقة له # فقال له طاهر: إنك قد قلت في أبي دلف: # إنما الدتيا أبو دلف ... بين مبداه ومحتضره # فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره # فاصنع لي مثلهما ولك بكل بيت ألف، فصنع بديها: # عجبت لحراقة ابن الحسي ... ن كيف تعوم ولا تغرق # وبحران، من تحتها واحد ... ومن فوقها آخر مطبق # وأعجب من ذاك أعوادها ... وقد مسها كيف لا تورق! # فأمر له بثلاثة آلاف درهم، فأخذها وانصرف. ### | وذر الصولي في كتاب الوزراء # قال: حدثنا عيسى بن حماد، قال: شرب الحسن بن وهب عند عبد الله بن طاهر، ~~فعرضت سحابة فأبرقت ثم أمطرت، فقال بعض من حضر المجلس: قل في هذا شيئا، ~~فقال: # هطلتنا السماء هطلا دراكا ... عارض المر زمان فيه السماكا # قلت للبرق إذ توقد فيها: ... يا زناد السماء من أوراكا # أحبيبا نأيته فجفا كا ... فهوذا العارض الذي أبكاكا # أم تشبهت بالأمير أبي العباس في جوده، فلست هناكا؟ ### | وذكر ابن المثنى # قال: قلت لخالد الكاتب: أخبرني عن قولك: # PageV01P156 # هذا حبيبك مطروق على كمده ... حرى مدامعه تجري على جسده # له يد تسأل الرحمن راحته ... مما به، ويد أخرى على كبده # يا من رأى كلفا مستبعدا دنفا ... كانت منيته في عينه ويده # ألا قلت كما قال أبو نواس: # سماه مولاه لاستملاحه سمجا ... فاختال عجبا بهذا الاسم وابتهجا # ظبي كأن الثريا دون مفرقه ... والمشتري وضياء الشمس والسرجا # محكم الطرف يدني سيف ناظره ... إذا انتضاه لفتك قال لا حرجا # لا فرج الله عني إن مددت يدي ... إليه أسأله من حبه فرجا # فصنع بديها: # قل لظبي كله حسن ... ارث لي من فعلك السمج # عينه سفاكة المهج ms143 ... من دمي في أحرج الحرج # أسهرتني وهي راقدة ... باحورار الطرف والدعج # لا أتاح الله لي فرجا ... يوم أدعو منك بالفرج ### | وروى أن أبا تمام لما أنشد أحمد بن المعتصم في حياة أبيه بحضرة يعقوب بن # الصباح الكندي فيلسوف العرب قصيدته التي أولها # ما في وقوفك ساعة من باس ... تقضي رسوم الأربع الأدراس # وانتهى إلى قوله: # إقدام عمر في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس # قال له الكندي: ما زدت أن شبهت الأمير بصعاليك العرب، ومن هؤلاء الذين ~~ذكرت؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وما قدرهم؟ فأطرق أبو تمام يسيرا ثم أنشد: # لا تعجبوا ضربي له من دونه ... مثلا شرودا في الندى والبأس # فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس # فجن الحاضرون استحسانا مما أتى به، وأجزل أحمد صلته. ولما خرج قال ابن ~~الصباح: إن هذا الفتى قصير العمر؛ لأنه ينحت من قلبه؛ فكان كذلك. ### | وروى حماد بن أحمد الكندي # قال: كان على بن الجهم يقع في مروان بن أبي الجنوب ويثلبه، حسدا له على ~~قبوله ومنزلته عند المتوكل. فقال له المتوكل يوما: أيكما أشعر يا علي؟ ~~وأراد أن يغري بينهما. فقال علي: أنا أشعر منه. فقال: ما تقول يا مروان؟ # PageV01P157 # كل أحد أشعر مني، وإذا أصيب عرضي في أمير المؤمنين لا أبالي. فقال ~~المتوكل: هذا عدول عن الجواب، قد زعم أنه أشعر منك؛ فإن كان صادقا قد مناه ~~عليك، وإلا فبرهن عن نفسك. فقال مروان: يا علي، أنت أشعر مني؟ قال: أو تشك ~~في ذلك؟ قال: لشد ما شككت! قال: فالناس يعملون صدقي، قال: فأمير المؤمنين ~~بيننا، قال: إنه يميل إليك. فقال المتوكل: هذا من عيك يا علي. ثم التفت إلى ~~حمدون بن عيسى، وقال له: اقض بينهما. قال: مالي ولما ضغي الأسد! فقال ~~المتوكل: قد أبحت كلا منكما هجاء صاحبه، فليبين عن نفسه: فقال علي: إنه قد ~~كظني النبيذ فما أقدر على قول الشعر حتى أفيق. فقال مروان: لكنني أقدر يا ~~أمير المؤمنين، قال: قل وعجل، قال: # إن ابن جهم ms144 في المغيب يعيبني ... ويقول لي حسنا إذا لاقاني # ويكون حين أغيب عنه شاعرا ... ويضل عنه الشعر حين يراني # وإذا خلونا ناك شعري شعره ... ونزا على شيطانه شيطاني # عظمت حواياه وأربى بطنه ... فكأنما في بطنه ولدان # إن ابن جهم ليس يرحم أمه ... لو كان يرحمها لما هاجاني # فضحك المتوكل والندامى، وانخزل ابن الجهم، فقال المتوكل: بحياتي زد ما ~~حضرك، فقال: # بنت جهم يا عليه ... صرت بعدي قرشيه # قلت ما ليس بحق ... اسكتي يا حلقيه # اسكتي يابنت جهم ... اسكتي يا نبطيه # فجعل المتوكل يضحك ويضرب الأرض برجليه، فقال ابن الجهم: لعمري إن هذا ~~الشعر يشبه قائله. فقال مروان: صدقت إنه لهزل ولكنني أجد بك، ثم قال: # لعمرك ما جهم بن بدر بشاعر ... وهذا علي نجله يدعي الشعرا # ولكن أبي قد كان جارا لأمه ... فلما ادعى الأشعار أوهمني أمرا # ففضحه في ذلك المجلس. ولم يحر جوابا، إلا أنه قال بعد ذلك بيتين يعنيه ~~بهما، وهما: # PageV01P158 # بلاء ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين # يبيحك منه عرضا لم يصنه ... ويرتع منك في عرض مصون ### | قال علي بن ظافر # ولما قدم مؤيد الدولة بن ركن الدولة أتى أبي علي الحسن بن بويه الديلمي ~~إلى بغداد في حياة والده وعمه معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه ليعقد ~~على ابنته زبيدة قدم معه الصاحب القاسم ابن عباد، وهو يومئذ في حداثة سنه ~~وريعان عمره، وفي هذه السنة كتب كتاب الروزنامجه إلى الأستاذ الرئيس أبي ~~الفضل بن العميد، وفي فصل منه ما معناه: أنه حضر عند الأستاذ أبي محمد ~~المهلبي في ليلة طلعت نجوم سعدها، وأنجزت بها سجف المسرة صادق وعدها، وألحت ~~الكؤوس خاطف برقها، وأسمعت المثاني حثيث رعدها، فجعلوا يتنقلون في شجون، ~~المجون ويعقدون نكاح ابن الغدير على ابنة الزرجون، فاقترح عليه المهلبي أن ~~يصنع شعرا في صفة هذا الحال، فقال بديها: # تركت لساقي الريح يا بنة عرعرا ... وزرت لصافي الراح حانة عكبرا # وقلت لعلج يعبد الراح: زفها ... مشعشعة قد شاهدت عهد قيصرا # فأوسعني آسا ms145 ووردا ونرجسا ... وأسمعني نايا وطبلا ومزهرا # هنالك أعطيت البطالة حقها ... وألفيت هتك الستر كنزا ومفخرا # كأنى الصبا جريا إلى حومة الصبا ... أناغي صبيا من جليد مزنرا # فعانقته والراح قد أغبقت بنا ... وكررت تقبيلا وقد أقبل الكرى # وصد عن العينين النعاس وصدني ... إلى أن تصدى الصبح يلمع مسفرا # وهبت شمال نظمت شمل بعثتي ... فطارت بها عني الشمل تطيرا # وكان الذي لولا الحيا لأذعته ... ولا عيش يصفو للفتى إن تسترا ### | وذكر القاضي أبو علي التنوخي في كتاب النشوان # قال: حدثني أبو طاهر عبد العزيز بن حامد الواسطي الملقب سيدوك، قال: كنت ~~بحضرة بعض الرؤساء في مجلس شراب، فرمى إلي بنارنجة نصفها أخضر، ونصفها ~~أصفر، وقال: قل في هذه شيئا، فارتجلت: # وطيبة النشر مسكية ... مرصعة بالسجايا الطياب # فأصفر في لون شمس المسا ... وأخضر في لون قوس السحاب # فلون كوجنة مرعوبة ... ولون كإثر نصول الخضاب # PageV01P159 # فهذا كمصة خد الحبيب ... وذاك كما عل صرف الشراب ### | قال وكنت أنا وأبو الفرج الببغاء نشاهد بركة ملئت # وجعل فوقها ورد وبهار وشقائق حتى غطى أكثر الماء، وحضر أبو علي الهائم، ~~فسأل أبا الفرج أن يعمل في ذلك شيئا، فعمل بحضرتنا، وأنشد: # خجل الورد من جوار البهار ... فمشى باحمراره في اصفرار # وحكى الماء فيهما أحمر اليا ... قوت حسنا مرصعا بنضار # جمعا بالكمال في بركة تمت ... ع حسنا نواظر الحضار # أضرم الماء بالشقيق بها النا ... ر وعهدي بالماء ضد النار # فوجدنا أخلاق سيدنا الزه ... ر ذكاء يربي على الأزهار # ظلت منه ومن نداماه للأن ... س نديم الشموس والأقمار ### | قال وكنت بحضرة عضد الدولة في مجلس أنس في عشية من العشايا # فغنى له من وراء ستارة الخاصة صوت هو: # نحن قوم من قريش ... ما هممنا بفرار # وبعد أبيات ركيكة، فقال: أتعرفون لمن هذه؟ فقال أبو عبد الله بن المنجم: ~~بلغني أن الشعر للمطيع بالله واللحن له، فقال لي اصنع أبياتا على وزنها ~~وقافيتها ليكون هذا اللحن المليح في شعر جيد، فتباعدت عن المجلس، واستدعيت ~~دواة ودرجا وعملت: # أيهذا القمر الطا ... لع ms146 من دار القماري # رائحا من خيلاء الحس ... ن في أبهى إزار # والذي يجني ولا يتبع ذنبا باعتذار # أوضح العذر عذارا ... ك على خلع العذار # أنا من هجرك في بع ... د على قرب مزار # فاستحسنها جدا، وأنشد: # نحن قوم نحفظ العه ... د على بعد المزار # ونمير السحب سحبا ... من أكف كالبحار # أبدا ننحر للضي ... ف بدورا من نضار # PageV01P160 # وبلغني عن بعض أهل المجلس أنه أمر الستارة بنقل اللحن إلى هذا الشعر، ~~فنقل وغنى به، وبعد هذا أتممت أنا أبيات القصيدة وامتدحته بها. ### | قال على بن ظافر # وبالإسناد المتقدم ذكر صاحب اليتيمة ما معناه، أن أبا الحسن السلامي ~~الشاعر دخل على الأمير عز الدولة أبي ثعلب فضل الله بن ناصر الدولة بن عبد ~~الله حمدان وبين يديه درع كأنما جمعت من عيون الدبي أو غدير غضنت وجهه ~~الصبا، فقال له: صفها، فارتجل: # يا رب سابغة حبتني نعمة ... كافأتها بالسوء غير مفند # أضحت تصون عن المنايا مهجتي ... وغدوت أبذلها لكل مهند # فاستحسن بديهته، وأحسن جائزته. ### | وذكر ما معناه # أن السلامي سافر في صباه إلى الموصل، وبه جماعة من الشعراء، فلما أنشدهم ~~شعره اتهموه واستصغروا سنه واستعظموه، فقال لهم أبو عثمان الخالدي: أنا ~~أكفيكم أمره، ثم صنع دعوة وجمعهم بها، فلما اجتمعوا أخذوا في سبر صناعته، ~~والبحث عن قدر بضاعته، فاتفق أن أمطرت السماء مطرا أشبه الثغور في لونها ~~وبردها، وجانس بمنثوره منظوم عقدها،، فبادر الخالدي فألقى عليه نارنجا كأنه ~~كرات ذهب، أو شعل لهب. ثم قال: يا أصحابنا، صفوا هذا، فارتجل السلامي: # لله در الخالد ... ي الأوحد الندب الخطير # أهدي لماء المزن عن ... د جموده نار السعير # حتى إذا صدر العتا ... ب إليه عن حنق الصدور # بعثت إليه بعذره ... عن خاطري أيدي السرور # لا تعذلوه فإنه ... أهدى الخدود إلى الثغور # فاعترفوا بفضله، وعرفوا عند ذلك مقدار علمه وعقله ### | وأخبرني الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي # قال: أخبرني الإمام الحافظ السلفي الأصبهاني - رحمه الله تعالى - قال: ~~أخبرني الرئيس أبو سعد محمد بن ms147 عقيل بن عبد الواحد الدسكري في سنة ست ~~وتسعين وأربعمائة، قال: حدثني القاضي التنوخي قال: أصعد أبو الفرج الببغاء ~~هو وجماعة من الشعراء الكبار يمتدحونه، فأخرج يوما خازنه قدحا من ياقوت ~~أزرق، فملأه ماء وتركه يتشعشع، فقال له أبو الفرج: يا مولانا، ما رأيت أحسن ~~من # PageV01P161 # هذا! فقال: قل فيه شيئا وهو لك، فقال أبو الفرج في الحال: # كم منة للظلام في عنقي ... بجمع شمل وضم معتنق # وكم صباح للراح أسلمني ... من فلق ساطع إلى فلق # فعاطنيها بكرا مشعشعة ... كأنها في صفائها خلقي # في أزرق كالهواء يخرقه اللح ... ظ وإن كان غير منخرق # كأن أجزاءه مركبة ... حسنا ولطفا من زرقة الحدق # ما زلت منه منادما لعبا ... مذ أسكرتها المدام لم تفق # تختال قبل المزاج في أزرق ال ... فجر وبعد المزاج في شفق # أدهشها سكرنا فإن يكن الصم ... ت حديثا فذاك عن فرق # تغرق في أبحر المدام فيس ... تنقذها شر بنا من الغرق # ونحن باللهو بين مصطبح ... يمرح أمنا وبين مغتبق # فلو ترى راحتي وصبغتها ... في لونها في معصفر شرق # لخلت أن الهوا لاطفني ... بالشمس في قطعة من الأفق # فاستحسنها سيف الدولة وأعطاه إياه. ### | وذكر أن السرى الرفاء الموصلي # دخل على أبي الحسن باروخ بن عبد الله صاحب ناصر الدولة بن حمدان، وبين ~~يديه ستارة تستر من يجلس برسم الغناء، فأمره أن يصنع ما يكتب عليها، فصنع ~~بديها: # تبين لي سبق الأمير إلى العلا ... وما زال سباقا إلى الفضل منعما # فصيرني بين القيان إذا شدت ... وبين نداماه حجابا مكرما # لأظهر من حسن الغناء محللا ... وأستر من حسن الوجوه محرما # وذكر العميد الباخرزي في كتاب دمية القصر، أن أبا الحسن أحمد بن علي ~~البستي أمره بهاء الدولة أن يعمل ما يكتب على تكة إبريسم، فقال ارتجالا: # لم لا أتيه ومضجعي ... بين الروادف والخصور # وإذا انسجمت فإنني ... بين الترائب والنحور # ولقد نشأت صغيرة ... بأكف ربات الخدور ### | ومن ذلك ما روى ابن بسام في كتاب الذخيرة # ورويته بالإسناد المتقدم # PageV01P162 # ورواه لي أيضا جماعة من ms148 الأندلسيين متفرقا، أن أبا الفضل صاعدا اللغوى ~~دخل على المنصور بن أبي عامر المعافري كفيل المؤيد بن الحكم بن الناصر ~~الأموي والمتغلب على دولته، فأهدى إلى المنصور وردة منطبقة في غير أوانها، ~~فقال لصاعد: قل فيها شيئا، فارتجل: # أتتك أبا عامر وردة ... يذكرك المسك أنفاسها # كعذراء أبصرها مبصر ... فغطت بأكمامها راسها # فأفرط المنصور في استحسانها، فحسده ابن العريف أحد الندماء، وقال: إنهما ~~ليسا له، وقد أنشدنيها بعض البغداديين بمصر لنفسه، وهما عندي على ظهر كتاب ~~بخطه. فقال المنصور: أرنيه، فخرج ابن العريف وركب، وجعل يحث حتى أتى مجلس ~~ابن بدر - وكان أحسن أهل وقته بديهة - فوصف له ماجرى، فقال هذه الأبيات ودس ~~فيها بيتي صاعد: # عشوت إلى قصر عباسة ... وقد جدل النوم حراسها # فقالت: أسار على هجعة ... فقلت: نعم، فرمت كاسها # ومدت يديها إلى وردة ... يحاكي لك المسك أنفاسها # كعذراء أبصرها مبصر ... فغطت بأكمامها راسها # فوليت عنها على عفة ... وما خنت ناسي ولا ناسها # فطار ابن العريف بها وعلقها على ظهر كتاب بخط مشرقي، وتحيل حتى غير ~~المداد، ودخل بها على المنصور، فلما رآها اشتد غيظه على صاعد، وقال ~~للحاضرين: غدا أمتحنه، فإن فضحه الامتحان لم يقم في مكان لي فيه سلطان. ~~فلما أصبح طلب فحضر، وأحضر جميع القدماء، فدخل به وبهم إلى مجلس حفل، قد ~~أعد فيه طبقا عظيما فيه سقائف مصنوعة من جميع النوار، عليها لعب من ياسمين ~~في شكل الجواري، وتحتها بركة ماء قد ألقي فيها لؤلؤ مثل الحصباء، وفيها حية ~~تسبح، فقال لصاعد: بلغنا أنك تكذب في شعرك، وقد وقفنا على حقيقة ذلك، وهذا ~~يوم إما أن تسعد فيه عندنا وإما أن تشقى، وهذا طبق ما أظنه حضر بين يدي ملك ~~قبلي، فصفه حالا، فقال صاعد يديها: # PageV01P163 # أبا عامر هل غير جدواك واكف ... وهل غير من عاداك في الأرض خائف! # يسوق إليك الدهر كل غريبة ... وأعجب ما يلقاه عندك واصف # وشائع نور صاغها هامر الحيا ... عليها فمنها عبقر ورفارف # ولما تناهى الحسن فيها تقابلت ... عليها بأنواع ms149 الملاهي الوصائف # وأعجب منها أنهن نواظر ... إلى بركة ضمت إليها الظرائف # حصاها اللآلي سابح في عبابها ... من الرقش مسموم اللعابين راجف # ترى ما تشاء العين في جنباتها ... من الوحش حتى بينهن السلاحف # فاستغربت له يومئذ تلك البديهة في مثل ذلك الموضع، وكتبها المنصور بخطه، ~~وكان إلى ناحية من تلك السقائف سقيفة، فيها جارية من النوار تجدف بمجاديف ~~من ذهب لم يرها صاعد؛ فقال له المنصور: إلا أنك لم تصف هذه الجارية، ~~فارتجل: # وأعجب منها غادة في سفينة ... مكللة تصبو إليها المهاتف # إذا راعها موج من الماء تتقي ... بسكانها ما أنذرته الرواجف # متى كانت الحسناء ربان مركب ... تصرف في الكفين منها المجاذف! # ولم تر عيني في البلاد حديقة ... زهتها أزاهير الربا والزخارف # ولا غرو أن شاقت معاليك روضة ... تقلبها في الراحتين الوصائف # فأنت امرؤ لو رمت نقل متالع ... ورضوى ذرتها من سطاك العواصف # إذا رمت قولا أو طلبت بديهة ... فكلني لها إني لمجدك واصف # فأمر له المنصور بألف دينار ومائة ثوب، وأجرى عليه في كل شهر ثلاثين ~~دينارا، وألحقه في ديوان الندماء. ### | وروى أنه خرج معه يوما إلى الزهراء # فمد المنصور يده إلى شيء من الريحان المعروف بالترنجان، فرمى به، وأشار ~~إليه أن يقول فيه، فارتجل: # لم أدر قبل ترنجان عبثت به ... أن الزمرد أغصان وأوراق # من طيبه سرق الأترج نكهته ... يا قوم حتى من الأزهار سراق! # كأنما الحاجب المنصور علمه ... فعل الجميل فطابت منه أخلاق # PageV01P164 # من ليس يقعده عن سؤدد قدم ... ولا تقوم له في سوءة ساق ### | وروى أيضا # قال: دخل صاعد اللغوي على بعض أصحابه في مجلس شراب، فملأ الساقي قدحا من ~~إبريق، فتكونت قطرة من الراح في فم الإبريق ووقفت ولم تبرح، فاقترح عليه ~~الحاضرون وصف ذلك، فقال بديها: # وقهوة من فم الإبريق صافية ... كدمع مفجوعة بالإلف معبار # كأن إبريقنا والراح في فمه ... طير تزقق ياقوتا بمنقار # وقد أخذه من قول الشريف أبي البركات علي بن الحسن العلوي: # كأن ريح الروض لما أتت ... فتت علينا مسك عطار # كأنما ms150 إبريقنا طائر ... يحمل ياقوتا بمنقار ### | ### | وذكر ابن بسام أيضا # # أن أبا عامر بن شهيد حضر ليلة عند الحاجب بن أبي عامر المظفر بن المنصور ~~بن أبي عامر بقرطبة، فقامت تسقيهم وصيفة صغيرة ظريفة الخلق، ولم تزل تسهر ~~في خدمتهم إلى أن هم جند الليل بالانهزام، وأخذ في تقويض خيام الظلام، ~~وكانت تسمى أسيماء، فعجب الحاضرون من مكابدتها السهر طول ليلها على صغر ~~سنها، فسأله المظفر وصفها، فصنع ارتجالا: # أفدي أسيماء من نديم ... ملازم للكئوس راتب # قد عجبوا في السهاد منها ... وهي لعمري من العجائب # كيف تجافى الرقاد عنها ... فقلت لاترقد الكواكب # وذكر ابن بسام أيضا # أنه كان يوما مع جماعة من الأدباء عند القاضي ابن ذكوان، فجئ بباكورة ~~باقلاء، فقال ابن ذكوان: لا ينفرد بها إلا من وصفها، فقال ابن شهيد: أنا ~~لهما، وارتجل: # إن لآليك أحدثت صلفا ... فاتخذت من زمرد صدفا # تسكن ضراتها البحور وذي ... تسكن للحسن روضة أنفا # هامت بلحف الجبال فاتخذت ... من سندس في جنانها لحفا # شبهتها بالثغور في لطف ... حسبك هذا من زمر من لطفا # حاز ابن ذكوان في مكارمه ... حدود كعب وما به وصفا # قدم در الرياض منتخبا ... منه لأفراس مدحه علفا # أكل ظريف وطعم ذي أدب ... والفول يهواه كل من ظرفا # PageV01P165 # رخص فيه شيخ له حسب ... فكان حسبي من المنى وكفى ### | قال ابن بسام # وحكى أن جماعة من أصحاب ابن شهيد قالوا له: يا أبا عامر إنك لآت ~~بالعجائب، وجاذب بذوائب الغرائب، ولكنك شديد الإعجاب بما يأتى منك، هاز ~~لعطفك عند النادر يتاح لك، ونحن نريد منك أن تصف لنا مجلسنا هذا. وكان الذي ~~طلبوه منه زبدة التعنيت، لأن المعنى إذا كان جلفا ثقيلا على النفس، قبيح ~~الصورة عند الحس، كملت الفكرة عنه وإن كانت ماضية، وأساءت القريحة في وصفه ~~وإن كانت محسنة، وكان في المجلس باب مخلوع معترض على الأرض، ولبد أحمر ~~مبسوط قد صففت نعالهم عند حاشيته، فقال مسرعا: # وفتية كالنجوم حسنا ... وكلهم شاعر نبيل # متقد الجانبين ماض ... كأنه الصارم الصقيل ms151 # راموا انصرافي عن المعالي ... والحد من دونها كليل # فالشد في أمرها فسيح ... كل كثير له قليل # في مجلس زانه التصابي ... وطاردت وصفه العقول # كأنما بابه أسير ... تعرض من دونه النصول # يراد منه المقال قسرا ... وهو على ذاك لايقول # ينظر من لبده لدينا ... بحر دم تحتنا يسيل # كأن أخفافنا عليه ... مراكب مالها دليل # ضلت فلم تدر أين تجري ... فهي على شطه تقيل # فعجب القوم من أمره، ثم خرج من عندهم فمر على بعض معارفه من الطوافين ~~وبين يديه زنبيل ملآن حرشفا، فجعل يده في لجام بغلته وقال: لا أتركك حتى ~~تصف الحرشف فقد وصفه صاعد فلم يحسن، فقال له ابن شهيد: ويحك! أعلى مثل هذه ~~الحال؟ قال: نعم فثنى رجله ثم قال: # هل أبصرت عيناك يا خليلي ... قنافذا تباع في زنبيل # كأنها أنياب بنت الغول ... لو نسخت في است أمري ثقيل # لقفزته نحو أرض النيل ... ليست ترى طي حشا منديل # نقل السخيف المائق الجهول ... وأكل قوم نازحي العقول # أقسمت لاأطعمها أكيلي ... ولا طعمها على شمول # PageV01P166 ### | وأنبأني الشيخ الفقيه النبيه أبو الحسن بن المقدسي عن أبي القاسم مخلوف # بن علي القيرواني السرقسطي عن الحميدي # قال: ذكر أبو عامر بن سلمة أن إسحاق بن إسماعيل المنادي حضر مجلسا من أهل ~~الأدب، فدخل عليهم فتى يكنى أبا الوليد، وبيده تفاحة غضة، فتنافسوا فيها، ~~وجعل كل يستهديها. فقال: لا يستحقها بالأصالة إلا من وصفها فأحسن وصفها، ~~فقال المنادي: هاتها فأنا زعيم بما أردته فيها، فأعطاه إياها فقال: # مجال العين في ورد الخدود ... يذكر طيب جنات الخلود # وأطيب ما تمنى النفس إلف ... يجدد وصله بعد الصدود # وآرجة من التفاح تزهو ... بطيب النشر والحسن الفريد # فقلت لها: فضحت المسك طيبا ... فقالت لي: بطيب أبي الوليد ### | وروى ابن بسام في كتاب الذخيرة ورويناه بالإسناد المتقدم # قال: حدث أبو عبد الله الصفار لصقلي قال: كنت ساكنا بصقلية وأشعار ابن ~~رشيق ترد على، فكنت أتمنى لقاءه حتى قدم الروم علينا، فخرجت فارا بمهجتي، ~~تاركا لكل ما ملكت يدي، وقلت: أجتمع ms152 بأبي علي، فبرقة شمائله، وطيب مشاهدته، ~~سيذهب عني بعض ما أجد من الحزن على مفارقة الأهل والوطن. فجئت القيروان، ~~ولم أقدم شيئا على الدخول إلى منزله، فاستأذنت ودخلت، فقام إلى وهو ثاني ~~اثنين، فأخذ بيدي، وجعل يسألني، فأخبرته بأمري فارتمض. وبعد أن تمكن أنسى ~~بمجالسته، قال لي يوما: يا أبا عبد الله، إن هاهنا بالقيروان غلاما قد سلب ~~كبدي، واستولى هواه على خلدي منذ عشرة أعوام، فانهض بنا إليه، فإن أنت ~~ساعدتني عليه، قدمت عندي يدا لا يعدلها إلا رضاه. فقلت: سمعا وطاعة، وسرت ~~معه، حتى جئنا صاغة الجوهريين، فإذا غلام كأنه بدر تمام، صافي الأديم، عطر ~~النسيم، كأنما يبسم عن در، ويسفر عن بدر، قد ركب كافور عارضيه، على بياض ~~يحرحه الوهم بخاطره، ويدميه الطرف بناظره، فأنشدته قول الصنوبري: # إنه من علامة العشاق ... اصفرار الوجوه عند التلاقي # وانقطاع يكون من غير عي ... وولوع بالصمت والإطراق # فقال لي: والله ما واجهته قط قبل يومي هذا إلا غشي على، ولكني أنست بك، # PageV01P167 # وشغلت بعذوبة لفظك، مع أني لم أرو طرفي عن وجهه المقمر، ولا متعته بفده ~~المثمر، لتنكيسه رأسه عند طلوعي إليه، فقلت: ولم ينكس رأسه؟ فوالله ما رأيت ~~أشبه بالبدر منه خدا، وبالغصن قدا، ولا بالدر ثغرا، ولا بالمسك شعرا! فقال: ~~يا أبا عبد الله، ما أصبرك بمحاسن الغلمان؛ لاسيما من فضضت كف الجمال ~~صفحته، وذهبت وجنته، وخفت على تفاح خده العيون، فوكلت بها الجفون. يا أبا ~~عبد الله، ينكس رأسه لأني علقته وحده هلالي، وطرفه غزالي، وفرعه ظلامي، ~~ولحظه بابلي، وقده قضيبي، وردفه كثيبي، وخصره ساجي، وصدره عاجي؛ فكأن طرفي ~~يشوب كافوره بالعقيق، فيحرج لذلك صدر العشيق؛ حتى بدا عداره فأبدي من يميمه ~~نقشا على فضى أديمة، فتوهم لذلك الطاهر الأعراق، الطيب الأخلاق، أن ذلك مما ~~يضعف قوى محبته، ويمحو رسوم مودته، فقلت له: بحقي عليك يا أبا علي، ألا قلت ~~في هذا المعنى شيئا! فأطرق قليلا ثم أنشد: # وأسمر اللون عسجدي ... يكاد يستمطر الجهاما # ضاق بحمل العذار ذرعا ms153 ... كالمهر لا يعرف اللجاما # ونكس الرأس إذ رآني ... كآبة واكتسى احتشاما # وظن أن العذار مما ... يزيح عن قلبي الغراما # وما دري أنه نبات ... أنبت في جسمي السقاما # وهل ترى عارضيه إلا ... حمائلا حملت حساما! # وهذا كما قال ابن المعتز: # ومستحسن وصلي جعلت وصاله ... شعاري، فما أنفك دأبا أوصله # كأن بعينيه إذا ما أدارها ... حساما صقيلا والعذار حمائله ### | ### | ### | قال علي بن ظافر # # وذكر أن أبا علي حسن بن رشيق دخل على المعز بن بادبس يوما، وفي يده أترجة ~~كأنها واسطة ذهب، أو جذوة لهب، فأشار إلى وصفها، فارتجل: # أترجة سبطة الأطراف ناعمة ... تلقى النفوس بحظ غير منحوس # كأنما بسطت كفا لخالقها ... تدعو بطول بقاء لابن باديس ### | وذكر ابن رشيق في كتاب الأنموذج # أن كتاب الخراج بالقيروان اجتمعوا في الديوان يوما، فوقعت بينهم جرادة، ~~فوضعها بعضهم في يده، وقال: من يصفها؟ # PageV01P168 # فقال عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي قد علمتم أني امرء مرو، ولست بصاحب ~~بديهة، فبدرهم يعلى بن إبراهيم الأريس، وهو أصغرهم سنا إذ ذاك، فقال: # وخيفانة صفراء مسودة القرا ... أتتك بلون أسود تحت أصفر # وأجنحة حمر كأمثال ردنة ... تقاصر عن أطراف برد محبر ### | وروى أن الشيخ أبا الحسن علي بن عبد الرحمن الصقلي # دخل على بعض الرؤساء، وبين يديه طبق قد ملئ وردا أحمر وأبيض فاستدعى منه ~~وصفه، فقال بديها: # كأنما الورد الذي نشره ... يعبق من طيب معانيكا # دماء أعدائك مسفوكة ... قد قارنت بيض أياديكا ### | وذكر صاحب الدمية الباخرزي أن الشريف محمد ابن علي بن الحسين الهمداني # قال: دخلت على عمي الرئيس أبي الحسن وقد دخل عليه غلام فحياه بنرجسة، ~~فقال لي: قل فيه شيئا صفه به، فقلت: # ومكحل بالسحر أحور شادن ... حيا بنرجسة أوان بكور # فكأنه وكأنها في كفه ... بدر يريك التبر في الكافور # وتركبت فوق الزبرجد حلقة ... تحكي فتور اللحظ من مخمور # قال علي بن ظافر # وبالإسناد المتقدم عن ابن بسام في كتاب الذخيرة أن أبا الفضل محمد بن عبد ~~الواحد الدارمي البغدادي، حضر مجلس المعز بن باديس ms154 يوما، وبالمجلس ساق ~~وسيم، قد مسك عذاره ورد خديه، وعجزت الراح أن تفعل في الندمان فعل عينيه، ~~فأمر المعز بوصفه، فقال بديها: # ومعذر نقش الجمال بمسكة ... خدا له بدم القلوب مضرجا # لما تيقن أن سيف جفونه ... من نرجس جعل النجاد بنفسجا # قال علي بن ظافر # ذكر ابن خاقان في كتاب قلائد العقيان ما معناه قال: حضر الاستاذ. أبو ~~محمد عبد الله بن السيد البطليوسي عند المأمون ابن ذي النون ببعض متنزهاته، ~~في يوم طاب نسيمه، وسرت بالسعود نجومه، والروض قد أجاد وشيه راقمة، والماء ~~قد جرت بين الأعشاب أرقامه؛ وثم بركة مملوءة، كأنها مرآة مجلوة، قد اتخذت ~~سباع الطير بشاطها غابا، ومجت بها من سائغ الماء لعابا، لا تزال تقذف الماء ~~ولا تفتر، وتنظم لآلئ الحباب بعدما تنثر، # PageV01P169 # فأمره بوصف ذلك الموضع الذي تحب، إليه ركاب القلوب وتوضع، فقال بديها: # يا منظرا إن نظرت بهجته ... ذكرني حسن جنة الخلد # تراب مسك وجو عنبرة ... وغيم بد وطل ما ورد # والماء كاللازورد قد نظمت ... فيه اللآلي فواغر الأسد # كأنما جائل الحباب به ... يلعب في جانبيه بالنرد # تراه يزهو إذ يحل به المأمون زهو الفتاة بالعقد # تخاله إن بدا به قمرا ... تما بدا في مطالع السعد # كأنما ألبست حدائقه ... ما حاز من شيمة ومن مجد # كأنما جادها وأمطرها ... بوابل من يمينه رغد ### | وأخبرني الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي # قال: أخبرني أبو محمد عبد الله بن مروان بن أبي الحجاج بن علي القضاعي، ~~قال: اقترحت على أبي محمد عبد الجبار بن أبي بكر بن حمديس الصقلي الأزدي، ~~وقد وقف ليود عنى، وكنت عازما على سفر أن يصنع لي أبياتا غزلية في الوداع ~~فصنع في الحال، وقال: # ولما رأت طير الفراق نواعبا ... وقد هم بالتوديع كل مودع # شكت ما شكا المخزون من غربة النوى ... وأبكت لها عيني غزال مروع # ولم أر في خد يزرر قبلها ... من الغيد شمسا في غمامة برقع # وقد سفرت عن برقع عبر الأسى ... لعيني بها عن وجد قلب ms155 مفجع # وأقبل در البحر من فوق نحرها ... يصافحه من خدها در مدمعي # فيارب إن البين أخنت صروفه ... علي ومالي من معين فكن معي # على قرب عذالي وبعد أحبتي ... وأمواه أجفاني ونيران أضلعي ### | ### | قال علي بن ظافر # # وبالإسناد المتقدم روى ابن بسام في كتاب الذخيرة ما معناه، قال: دخل ~~الوزير أبو العلاء زهر بن الوزير أبي مروان عبد الملك بن زهر، على الأمير ~~عبد الملك بن رزين في مجلس أنس وبين يديه ساق يسقي خمرين من كأسه ولحظه، ~~ويبدي من حبابه ولفظه، وقد بدا عذاره في صفحة خده، وكمل حسنة باجتماع الضد ~~مع ضده، فكأنه بسحر لحظه أبدي ليلا في شمس، وجعل يومه في الحسن أحسن من ~~أمس، فسأله ابن رزين أن يصنع فيه، فقال بديها: # PageV01P170 # تضاعف وجدى إذ تبدى عذاره ... ونم فخان القلب مني اصطباره # وقد كان ظني أن سيمحق ليله ... بدائع حسن هام فيها نهاره # فأظهر ضد ضده إذ وشت به ... بعنبره في صفحة الخد ناره # وزاد بجفنيه ذبولا بنرجس ... زها فيه لما أمه جلناره # واستزاده، فقال بديها: # محيت آية النهار فأضحى ... بدر تم وكان شمس نهار # كان يغشى العيون نورا إلى أن ... شغل الله خده بالعذار # ثم استزاده فقال: # عذار ألم فأبدى لنا ... بدائع كنا لها في عما # ولو لم يجن النهار الظلا ... م لم يستبن كوكب في السما # ثم استزاده فقال: # تمت محاسن وجهه وتكاملت ... لما استدار به عذار مونق # وكذلك البدر استنار جماله ... في أن تكنفة غمام أزرق ### | وأنبأني العماد أبو حامد # قال: ذكر لي صفوة الدين النابلسي أن الأمير أبا الحسن علي بن منقذ كان ~~راكبا في جماعة منهم ابن حيوس، فنزلوا بروضة غناء فيها شقائق وأقحوان، ~~فاستحسنوها وقالوا: ننظم فيها شعرا، وقالوا للأمير: ابدأ أنت، فقال في ~~الحال: # كأن الشقائق والأقحوان ... خدود تقبلهن الثغور # فهاتيك يخجلهن الحياء ... وهاتيك يضحكهن السرور ### | قال العماد وذكر لي أن معز الدولة ### | قال علي بن ظافر # # يعنى تمثال بن صالح الكلابي صاحب حلب - جلس على نهر قويق ms156 زمن المد وقد ~~خيم به، فذكر ابن النوت الشاعر وهو الرضى عبد الواحد بن الفرج بن النوت ~~المعري، وذكر سرعة بديهته واقتداره على الارتجال، فأرسل إليه على البر ~~فحضر، فقال بديها: # رأيت قويقا إذ تجاوز حده ... له زجل في جريه وضجيج # وكان ثمال جالسا بشفيره ... فشبهته بحرا لديه خليج # فقال معز الدولة: قد زعم الحلبيون أن هذا ليس بشعرك - وكان فيهم ابن سنان ~~الخفاجي - فإن قلت بديهة أعطيتك جوائزهم، ثم نظر إلى غرابين على # PageV01P171 # نشز، فقال: صفهما، فقال: # يا غرابين أنتما سبب البي ... ن فكيف اجتمعتما بمكان! # إنما قد وقفتما في خلو ... في فراق الأحباب تشتوران # فاحذرا أن تفرقا بين إلفي ... ن فما تدريان ما يلقيان ### | ### | ### | قال علي بن ظافر # # وكان أبو سعد الخير البلنسي الشاعر كثير الذهول، مفرط النسيان ظاهر ~~التغفل، على جودة نظمه ورطوبة طبعه، وكان كثيرا ما يسلك سكة الخفافين على ~~بغلته، فاتخذت البغلة النفور من أطراف الأدم وفضلات الجلود الملقاة في ~~السكة عادة لها، فعبر السكة يوما مع أصحابه راجلا، فلما رأى الجلود الملقاة ~~نفر ونكص على عقبه، فقال له أصحابه: ما هذا أيها الأستاذ! فقال: البغلة ~~نفرت بي. فعجبوا من تغفله، كيف ظن مع ما يقاسيه من ألم المشي أنه راكب، وأن ~~حركته الاختيارية منه هي حركة البغلة الاضطرارية له، فكان تغفله ربما أوقعه ~~في مهمة عند من لا يعرفه. واقترح عليه بعض الأمراء أن يضع بيتين أول أحدهما ~~كتاب وآخره ذيب، وأول الثاني جوارح وآخره أنابيب، فصنع بديها: # كتابي نجيع لاح في حومة الوغى ... وقارنه نسر هناك وذيب # جوارح أهليه حروف وربما ... تولته من نقط الطعان أنابيب # قال علي بن ظافر # وذكر لي بعض أصحابنا ما معناه، أن القاضي الموفق محمود بن قادوس، دخل على ~~الأمير فرج الظهير، فعرض عليه دبوس صيني الحديد، عديم النظير والنديد لا ~~تحصن منه خوذة ولا نثرة، ولا تقال لضربته عثرة، تجفل لصولته آساد الحرب ~~إجفال الأنعام، وتتضاءل لهيبته البيض حتى تعود أوهى من بيض النعام، فأمره ~~بوصفه، ms157 فقال على لسانه: # ما ضر من كنت في الهيجاء عدته ... ألا يعوج على بيض ولا أسل # إذ لا تحصن مني البيض لابسها ... ولا الدروع ولا مستأخر الأجل # قال علي بن ظافر # ودخل أبو خالد بن صغير القيسراني على الأمير تاج الملوك أبي سعيد نوري بن ~~أتابك طغتكين صاحب دمشق، وبين يديه بركة فسيحة الفناء، صحيحة البناء، قد ~~راق ماؤها وصفا، وجر النسيم عليها ما رق من أذياله # PageV01P172 # وصفا، فهو تارة يرشف رضابها، ويجعد ثيابها، وتارة يسبكها مبردا ويحكيها ~~مسردا، فأمر بوصفها فقال: # أو ما ترى طرب الغدير إلى النسيم إذا تحرك # بل لو رأيت الماء يلعب في جوانبه لسرك # وإذا الصبا هبت عليه أتاك في ثوب مفرك ### | وأخبرني الشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله العباسي الحلبي # الكاتب # قال: أخبرني القاضي كمال الدين أبو فخر عبد القاهر ابن المهنأ التنوخي ~~المعري المعروف بخصى البغل قال: كنت بحماة، فأتيت حانوت رجل يعرف بالحكيم ~~أبو الخير، فصادفت عنده رجلا يعرف بالسديد، فطلبت منه يرنية ورد مربى، ~~فقال: لن تراها حتى تقول في شعرا، فقلت: أما المدح فلا، وأما الهجاء فنعم، ~~فقال: هات، فقلت: # أبو الخير أبي الخير ... فلا خير ولا مير # ضئيل ناحل الجسم ... ولكن كله أير # فقال: اصنع في السديد - وكان كبير الأنف، فقلت: # كما أن سديد الدين أنف بس لا غير # تراه بين عينيه ... كناقوس على دير # فقال: وفيك أيضا، فقلت: # فخذها من خصى البغل ... كمثل البرق في السير # قال علي بن ظافر # ودخل الأعز أبو الفتوح بن قلاقس على بلال بن رافع بن بلال الفزاري، فعرض ~~عليه سيفا قد نظم الفرند في صفحته جوهره ناره وجمد نهره، وألبسه من جلد ~~الأفاعي رداء، وجسمه ردى أو داء، لا يمنع من برقه بدر مجن ولا ثريا مغفر، ~~ولا يسلم من حده من ثبت ولا ينجو لطوله من فر، وهو يبكي للنفاق ويضحك، ~~ويرعد للغيظ ويفتك، فأمره بصفة شأنه، فقال بديها على لسانه: # أروق كما أروع فإن تصفني ... فإني رائق ms158 الصفحات رائع # تدافع بي خطوب الدهر حتى ... نقلت إلى بلال عن مدافع # PageV01P173 # وقال أيضا: # رب يوم له من النقع سحب ... ماله غير سائل الدم ودق # قد جلته يمنى بلال بحدي ... وكأني في راحة الشمس برق # وقال فيه: # أنا في الكريهة كالشهاب الساطع ... من صفحة تبدو وحد قاطع # فكأنما استمليت تلك وهذه ... من وصف كف بلال بن مدافع # وقال أيضا: # انظر لمطرد المياه بصفحتي ... ولنار خدي كم لها من وصال # قد عاد شدي في المضايق شيمتي ... كبلال بن مدافع بن بلال ### | وسأله صاحب له وصف مشط عاج قد أشبه الثريا شكلا ولونا وشق ليلا من # الشعر جونا فقال # ومتيم بالآبنوس وجسمه ... عاج ومن أدهانه شرفاته # كتمت دياجي الشعر منه بدرها ... فوشت به للعين عيوقاته # وقال فيه: # وأبيض ليل الآبنوس إذا سرى ... تمزق عن صبح من العاج باهر # وإن غاص في بحر لشعور رأيته ... تبشرنا أطرافه بالجواهر # وقال فيه: # ومشرق يشبه لون الضحى ... حسنا ويسرى في الدجى الفاحم # وكلما قلب في لمة ... أضحكها عن ثغر باسم ### | قال وجلس بمصر في دار الأنماط يوما مع جماعة # فمرت بهم امرأة تعرف بابنة أمين الملك، كشمس تحت سحاب الثقاب، وغصن في ~~أوراق الشباب، فحدقوا إليها تحديق الرقيب إلى الحبيب، والمريض إلى الطبيب، ~~فجعلت تتلفت تلفت ظبي مذعور، أفرقه القانص فهرب، وتتثنى تثنى غصن ممطور، ~~عانقه النسيم فاضطرب، فسالوه وصفها، فقال: هذا يصلح أن يعكس فيه قول ابن ~~القطان الأزدي القيرواني: # أعرضن لما أن عرضن فإن يكن ... حذرا فأين تلفت الغزلان # ثم صنع فقال: # PageV01P174 # لها ناظر في ذرى ناضر ... كما ركب السن فوق القناة # لوت حين ولت لنا جيدها ... فأي حياة بدت من وفاة # كما ذعر الظبي من قانص ... فمر وكرر في الالتفات # ثم صنع بديها: # ولطيفة الألفاظ لكن قلبها ... لم أشك منه لوعة إلا عتا # كملت محاسنها فود البدر أن ... يحظى ببعض صفاتها أو ينعتا # قد قلت لما أعرضت وتعرضت: ... يا مؤيسا يا مطعما قل لي متى! # قالت أنا الظبي الفريد وإنما ... ولي وأوحش نبوة ms159 فتلفتا ### | قال علي بن ظافر # وحضر يوما عند بني خليف بظاهر الإسكندرية في قصر رسا بناؤه وسما، وكاد ~~يمزق بمزاحمته أثواب السما، وقد ارتدى جلابب السحائب ولاث عمائم الغمائم، ~~وابتسمت ثنايا شرفاته، واتسمت بالحسن حنايا غرفاته، وأشرق على سائر نواحي ~~الدنيا وأقطارها، وحبته السحائب بما ائتمنت عليه من ودائع أمطارها، والرمل ~~بفنائه قد نثر تبره في زبرجد كرومه، والجو قد بعث إليه لطيمة نسيمة، والنخل ~~قد أظهرت جواهرها، ونثرت غدائرها، والطل ينثر لؤلؤه في مسارب النسيم ~~ومساحبه، والبحر يرعد غيظا من عبث الرياح به. فسئل وصف ذلك الموضع الذي تمت ~~محاسنه، وغبط به ساكنه، فجاشت لذلك لجج بحره، فألقت إليه جواهرها لترصيع ~~لبة ذلك القصر ونحره، فقال: # قصر بمدرجة النسيم تحدثت ... فيه الرياض بسرها المستور # خفض الخورنق والسدير سموه ... وثنى قصور الروم ذات قصور # لاث الغمام عمامة مسكية ... وأقام في أرض من الكافور # غنى الربيع به محاسن وجهه ... فافتر عن نور يروق ونور # فالروض يسحب حلة من سندس ... تزهو بلؤلؤ طله المنثور # والنحل كالغيد الحسان تقرطت ... بسبائك المنظوم والمنثور # والرمل في حبك النسيم كأنما ... أبدى غصون سوالف المهجور # والبحر يرعد متنه فكأنه ... درع يشن بمعطفي مقرور # وكأننا والقصر يجمع شملنا ... في الأفق بين كواكب وبدور # PageV01P175 # وكذاك دهر بني خليف لم يزل ... يثني المعاطف في حبير حبور ### | وأخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن الطرسي المعروف بابن السيوري الإسكندري # النحوي بما هذا معناه # قال: كنت مع الأعز ابن قلاقس في جماعة، فمر بنا أبو الفضائل بن فتوح ~~المصري وه عائد من المكتب، ومه دواته، وهو في تلك الأيام قرة العين ظرفا ~~وجمالا، وراحة القلب قربا ووصالا، كل عين إلى وجهه محدقة، ولمشهد خديه ~~بخلوق الخجل محملقة، فاقترحنا عليه أن يتغزل فيه، فصنع بديها: # علقته متعلقا ... بالخط منعكفا عليه # حمل الدواة ولا دوا ... ء لعاشق يرجى لديه # فدماء حبات القلو ... ب تلوح صبغا في يديه # لم أدر ما أشكو إليه: ... أهجره أم مقلتيه؟ # والحب يخرسني على ... أني ألكع سيبويه # مالي إذا قابلته ... شغل ms160 سوى نظري إليه ### | وأخبرني الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي اليحصبي القرموني بدمشق # قال: اصطحبت أنا والوزير أبو عبدا لله محمد بن الشيخ الأجل أبي الحسن بن ~~عبد ربه حفيد صاحب كتاب العقد في مركب إلى الإسكندرية، فلما قربنا منها هاج ~~علينا البحر حتى أشرفنا على الغرق، فلاح لنا ونحن على هذا الحال منار ~~إسكندرية، فسررنا برؤيته، وطمعنا في السلامة، فقال لي: لابد أن أعمل في ~~المنارة شيئا، فقلت له: أعلى مثل هذا الحال الذي نحن فيه! قال: نعم، فقلت: ~~فاصنع، فأطرق ثم عمل: # لله در منار الإسكندرية كم ... يسمو إليه على بعد من الحدق # من شامخ لأنف في عرنينه شمم ... كأنه باهت في دارة الأفق # يكسر الموج منه جانبي رجل ... مشمر لذيل لا ينجو من الغرق # لا يبرح الدهر من ورد على سفن ... ما بين مصطبح منها ومغتبق # للمنشآت الجواري عند رؤيته ... كموقع النوم من أجفان ذي أرق # تهوى إليه وعنه الفلك طائرة ... بمثل أجنحة صيغت من الخرق # كأنه وعليه الفلك حائمة ... برج الحمام، فمن آت ومنطلق # PageV01P176 ### | وأخبرني القاضي الأسعد بن الخطير رحمه الله # قال: أمرني الملك العزيز رحمه الله تعالى أن أصنع له في فرس أشهب قطعة ~~أشبهه فيها بالقمر في لونه وسرعته وقال رحمه الله: ان الناس شبهوه باشهاب ~~والقمر اسرع أسرع جريا منه فصنعت في الحال: # وأشهب يقطع عر ... ض الأرض في لمح البصر # ما مثله في لونه ... وجريه إلا القمر ### | وأخبرني القاضي الأسعد أبو القاسم عبد الرحيم بن شيث # قال: اجتمعا ليلة عند القاضي محيى الدين ولد قاضي القضاة صدر الدين بن ~~درباس - رحمه الله - فتذاكرنا البديهة، فاقترح على أن أصنع له في شمعة كانت ~~بين أيدينا، فصنعت: # وأنيسة باتت تساهر مقلتي ... تبكي وتبدي فعل صب عاشق # سرقت دموعي والتهاب جوانحي ... فغدا لها بالقط قطع السارق ### | وأخبرني الشريف أبو الفضل جعفر الشاعر المنبوز بالقرطم # قال: لقيت القاضي النفيس أبا العباس أحمد بن عبد الغني القطرسي، وأنا ~~عائد من الحمام، ومعي سطل نحاس أحمر، فمر ms161 بنا بعض الشعراء، فسألتهما أن ~~يصنعا شعرا في صفة السطل، فصنع النففيس بديها: # أنا كافل للري إن بخل الحيا ... ومهدي الحميا من مراشفي اللعس # إذا حملتني راحة فكأنني ... هلال منير حامل كرة الشمس ### | قال علي بن ظافر # دخلت مع جماعة من أصحابنا على صديق لنا نعوده، وبين يديه بركة قد راق ~~ماؤها، وصحت سماؤها، وقد رص تحت دساتيرها نارنج فتن قلوب الحضار، وملأ ~~بالمحاسن عيون النظار، فكأنما رفعت صوالج فضة على كرات من النضار. فأشار ~~الحاضرون إلى وصفها، فقلت بديها: # أبدعت يابن هلال في فسقية ... جاءت محاسنها بما لم يعهد # عجبا لأمواه الدساتير التي ... فاضت على نارنجها المتوقد # فكأنهن صوالج من فضة ... رفعت لضرب كرات خالص عسجد ### | قال ومن أعجب ما دهيت به ورميت إلا أن الله بفضله نصر وأعطى الظفر وأعان # خاطري الكليل حتى مضى مضاء السيف الصقيل # أني كنت في خدمة مولانا الملك العادل خلد الله ملكه بالإسكندرية، سنة ~~إحدى وستمائة، مع من ضمته # PageV01P177 # حاشية العسكر المنصور من الكتاب، ودخلت سنة اثنتين ونحن مقيمون بالخدمة، ~~مرتضعون لأفاويق النعمة، فحضرت مع من حضر للهناء، من الفقهاء والعلماء ~~والمشايخ والكبراء، وجماعة الديوان والأمراء، في يوم من أيام الجلوس ~~للأحكام، والعرض لطوائف الأجناد بالتمام، فلم يبق أحد من أهل البلد ولا من ~~العسكر، إلا حضر مهنئا، ومثل شاكرا وداعيا. فلما غص المجلس بأهله، وشرق ~~بجمع الناس وحفله، وخرج مولانا السلطان - خلد الله ملكه - إلى محله، واستقر ~~في دسته، أخرج كتابا ناوله إلى الصاحب الأجل صفي الدين أبي محمد عبد الله ~~بنعلي وزير دولته وكبير حملته، وهو مفضوض الختام، مفكوك الفدام، ففتحه فإذا ~~فيه قطعة وردت من المولى الملك المعظم - أبقاه الله - كتبها إليه يتشوقه ~~ويستعطفه لزيارته ويرققه، ويستحث عود ركابه إلى الشام للمثاغرة بها وقمع ~~عدوها، ويعرض بذكر مصر وشدة حرها ووقد جمرها، وذلك بعد أن كان وصل إلى ~~خدمته بالثغور ثم رجع: # أروى رماحك من دماء عداكا ... وانهب بخيلك من أطاع سواكا # واركب خيولا كالسعالي شزبا ... واضرب بسيفك من يشق ms162 عصاكا # واجلب من الأبطال كل سميدع ... يفري بعزمك كل من يشناكا # واسترعف السمر اللدان وروها ... واسق المنية سيفك السفاكا # وسر الغداة إلى العداة مبادرا ... بالضرب في هام العدو دراكا # وانكح رماحك للثغور فإنها ... مشتاقة أن تبتني بعلاكا # فالعز في نصب الخيام على العدا ... تردى الطغاة وتدفع الملاكا # والنصر مقرون بهمتك التي ... قد أصبحت فوق السماك سماكا # فإذا عزمت وجدت من هو طائع ... وإذا نهضت وجدت من يخشاكا # والنصر في الأعداء يوم كريهة ... أحلى من الكأس الذي رواكا # والعجز أن تمسي بمصر مخيما ... وتحل من تلك العراص عراكا # فأرح حشاشتك الكريمة من لظى ... مصر لكي نحظى الغداة بذاكا # فلقد غدا قلبي عليك بحرقة ... شغفا، ولا حر البلاد هناكا # وانهض إلى راجي لقاك مسارعا ... فمناى من كل الأمور لقاكا # وابرد فؤاد المستهام بنظرة ... وأعد عليه العيش من رؤياكا # PageV01P178 # واشف الغداة غليل صب هائم ... أضحى مناه من الحياة مناكا # فسعادتي بالعادل الملك الذي ... ملك الملوك وقارن الأفلاكا # فبقيت لي يا مالكي في غبطة ... وجعلت في كل الأمور فداكا # فلما تلا الصاحب على الحاضرين محكم آياتها، وجلا منها العروس التي حازت ~~من المحاسن أبعد غاياتها، أخذوا في استحسان نظامها، وتناسق غريب التئامها ~~والثناء على الخاطر الذي نظم محكم ابياتها وأطلع من مشرق فكره آياتها. فقال ~~السلطان - خلد الله ملكه: نريد من يجيب عنها بأبيات على قافيتها. فالتفت ~~مسرعا إلى وأنا على يمينه وقال: يا مولانا مملوكك فلان وهو فارس هذا ~~الميدان، والمعتاد للتخلص في مضايق هذا الشان. ثم قطع وصلا من درج كان بين ~~يديه، وألقاه إلي، وعمد إلى دواته فأدارها بين يدي، فقال السلطان - خلد ~~الله ملكه -: على مثل هذه الحال؟ قال: نعم، أنا جربته فوجدته متقد الخاطر ~~حاضر الذهن، سريع إجابة الفكر. فقال السلطان: وعلى كل حال، قم إلى هاهنا ~~لتنكف عنك أبصار الناظرين، وتنقطع غاغاء الحاضرين. وأشار إلى مكان عن يمين ~~البيت الخشب الذي هو منفرد به. فقمت وقد فقدت رجلي انخزالا، وذهني اختلالا، ~~لهيبة المجلس في صدري، وكثرة من حضره ms163 من المترقبين لي، المنتظرين حلول ~~فاقرة الشماتة بي، فما هو إلا أن جلست حتى ثاب إلى خاطري، وانثال الشعر على ~~ضمائري، فكنت أرى فكري كالبازي الصيود، لايرى كلمة إلا أنشب فيها منسره، ~~ولا معنى إلا شك فيه ظفره، فقلت في أسرع وقت: # وصلت من الملك المعظم تحفة ... ملأت بفاخر درها الأسلاكا # أبيات شعر كالنجوم جلالة ... فلذا حكت أوراقها الأفلاكا # عجبا وقد جاءت كمثل الروض إذ ... لم تذوها بالحر نار ذكاكا # جلت الهموم عن الفؤاد كمثل ما ... تجلو بغرة وجهك الأحلاكا # كقميص يوسف إذ سفت يعقوب رباه، شفتني مثله رياكا # قد أعجزت شعراء أهل زماننا ... حسنا فلم لا تعجز الأملاكا! # ما كان هذا الفضل يمكن مثله ... أن يحتويه من الأنام سواكا # لم لا أغيب عن الشآم وهل له ... من حاجة عندي وأنت هناكا # PageV01P179 # أم كيف أخشى والبلاد جميعها ... محمية في جاه طعن قناكا # يكفي الأعادي حر بأسك فيهم ... أضعاف ما يكفي الولي نداكا # مازرت مصر لغير ضبط ثغورها ... فلذا صبرت فديت عن رؤياكا # أم البلاد علا عليها قدرها ... لا سيما مذ شرفت بخطاكا # طابت وحق لها ولم لا وهي قد ... حوت المعلى في الفخار أخاكا # أنا كالسحاب أزور أرضا ساقيا ... حينا وأمنح غيرها سقياكا # مكثي جهاد للعدو لأنني ... أغذوه بالرأى السديد دراكا # لولا الرباط وفضله لقصدت بال ... سير الحثيث إليك نيل رضاكا # ولئن أتيت إلى الشآم فإنما ... يحتثني شوقي إلى لقياكا # إني لأمنحك المحبة جاهدا ... وهواي فيما تشتهيه هواكا # فافخر فقد أصبحت بي وببأسك ال ... حامي وكل مملك يخشاكا # لا زلت تقهر من يعادي ملكنا ... أبدا، ومن عاداك كان فداكا # وأعيش أنظر إبنك الباقي أبا ... وتعيش تخدم في السعود أباكا # ثم عدت إلى مكاني، وقد بيضتها وحليت بزهرها ساحة القرطاس الأبيض وروضتها. ~~فلما رآني السلطان - خلد الله ملكه - قد عدت قال: أعملت شيئا؟ ظنا منه أن ~~العمل في تلك اللمحة متعذر، وبلوغ الغرض فيها غير متصور، فقلت: نعم، فقال: ~~أنشدنا. فصمت الناس وحدقت الأبصار، وأصاخت الأسماع، وظن الناس بي الظنون، ~~وترقبوا ms164 مني ما يكون. فما هو إلا أن توالي إنشادي حتى صفقت الأيدي إعجابا، ~~وتغامزت الأعين استغرابا، وحين انتهيت إلى ذكر مولانا الملك الكامل بأنه ~~المعلى إذ ضربت قداحهم، وسردت أمداحهم. اغرورقت عيناه لذكره، وبان منه نخفى ~~المحبة فأعلن بسره. وحين انتهيت إلى آخرها فاض دمعه ولم يمكنه دفعه، فمد ~~يده مستدعيا للورقة، فناولتها إلى يد الصاحب، فناولها له ثم نهض. # وإنما حمل الصاحب على هذا الفعل الذي غرر بي في التعريض له، أمور كان ~~يقترحها علي فأنفذ فيها بين يديه، ويخف الأمر منها على، لدالتي عليه؛ منها ~~أنني كنت معه في سنة تسع وتسعين وخمسمائة بدمشق، فورد كتاب من الملك ~~المنصور محمد بن الملك المظفر تقي الدين صاحب حماة، وقد بعث صحبته # PageV01P180 # نسخة من ديوان شعره، فتشاغل بتسويد كتابه جوابه، فلما كتب بعضه التفت إلي ~~وقال: اصنع أبياتا أكتبها إليه في صدر الجواب، وأذكر فيها شعره، فقلت له: ~~على مثل هذا الحال؟ قال: نعم. فقلت: بقدر ما أنجز بقية النسخة: # أيا ملكا قد أوسع الناس نائلا ... وأغرقهم بذلا وعمهم عدلا # فديناك هب للناس فضلا يزينهم ... فقد حزت دون الناس كلهم الفضلا # ودونك فامنحهم من العلم والحجا ... كما منحتهم كفك الحود والبدلا # إذا حزت أوفى الفضل عفوا فما الذي ... تركت لمن كان القريض له شغلا! # وماذا عسى من ظل بالشعر قاصدا ... لبابك أن يأتي به قل أو جلا # فلا زلت في عز يدوم ورفعة ... تحوز ثناء يملأ الوعر والسهلا ### | قال وكنت عند المولى الملك الأشراف أبقاه الله تعالى في سنة ثلاث وستمائة # بالرها # وقد وردت إليه في رسالة، فجعلني بين سمعه وبصره، وأنزلني في بعض دوره ~~بالقلعة بحيث يقرب عليه حضوري في وقت طلبتي، أو إرادة الحديث معي. فلم أشعر ~~في بعض الليالي - وأنا نائم في فراشي - إلا وهو قائم على رأسي، والسكر قد ~~غلب عليه، والشموع تزهو بين يديه، وقد حفت به مماليكه كأنهم الأقمار ~~الزواهر، في ملابس كرياض ذات أزاهر. فقمت مروعا، فأمسكني وبادر بالجلوس إلى ~~جانبي، ومنعني من ms165 القيام عن الوساد، وأبدى من جميله ما أبدلني بالنفاق بعد ~~الكساد. ثم قال: غلبني الشوق إليك، ولم أرد بإزعاجك التثقيل عليك ثم استدعى ~~من بمجلسه من المغنين فحضروا وأخذوا من الغناء فيما يملأ المسامع التذاذا، ~~ويجعل القلوب من الوجد جذاذا. وكان له في ذلك الوقت مملوكان هما نيرا سماء ~~ملكه، وواسطتا در سلكه، وقطبا فلك طربه وزهوه، وركنا بيت سروره ولهوه، ~~وكانا يتناوبان في خدمته، فحضر أحدهما في تلك الليلة وغاب الآخر، وكان ~~كثيرا ما يداعبني في شأنهما، ويستدعي مني القول فيهما، والكلام في التفضيل ~~بينهما، فصنعت في الوقت: # يا مالكا لم يحك سيرته ... ماض ولا آت من البشر # اجمع لنا تفديك أنفسنا ... في الليل بين الشمس والقمر # فطرب، وأمر في الحال باستدعاء الغائب منهما، فحضر، والنوم قد زاد أجفانه ~~تفتيرا، ومعاطفه تكسيرا، فقلت بين يديه بديها في صفة المجلس: # PageV01P181 # سقى الرحمن عصرا قد مضى لي ... بأكناف الرها صوب الغمام # وليلا باتت الأنوار فيه ... تعاون في مدافعة الظلام # فنور من شموع أو ندامى ... ونور من سقاة أو مدام # يطوف بأنجم الكاسات فيه ... سقاة مثل أقمار التمام # تريك به الكثوس جمود ماء ... فتحسب راحها ذوب الضرام # يميل به غصونا من قدود ... غناء مثل أصوات الحمام # فكم من موصلي فيه يشدو ... فينسى النفس عادية الحمام # وكم من زلزل للضرب فيه ... وكم للزمر فيه من زنام # لدى موسى بن أيوب المرجي ... إذا ماضن غيث بانسجام # ومن كمظفر الدين المليك ال ... أجل الأشرف الندب الهمام # فما شمس تقاس إلى نجوم ... تحاكي قدره بين الكرام # فدام مخلدا في الملك يبقى ... إذا ما ضن دهر بالدوام # فلما أنشدتها قام، فوضع فرجية من خاص ملابسه كنت عليه على كتفي، ووضع ~~شربوسة بيده على رأس مملوك صغير كان لي. ### | قال: ومررت أيضا عليه وقد أنفذني السلطان خلد الله تعالى ملكه في رسالة # إلى الموصل في سنة سبع وستمائة # فلما عدت أمسكني عنده نحو شهر بالرها، وجرت لي عنده بدائه كثيرة، من ~~جملتها أنه غنى بين يديه بشعر أعجمي ms166 ليس على أوزان العروض، فأعجبه واقترح ~~على أن أصنع له على وزنه ليغني له به ما يفهمه، وأرسل إلي بذلك، فعملت في ~~الوقت بالمعنى الذي اقترحه: # مالذة المعنى ... إلا مدامته # ووصل من عليه ... قامت قيامته # ظبي صريعه ... ما ترجى سلامته # وال على غرامي ... دامت ولا يته # في السلم لينه ... وفي الهيجا صرامته # كالسيف مقلتاه ... كالرمح قامته # كالبدر وجهه ... والأصداغ هالته # كالغصن حين تز ... هو به غلالته # كالليث حين تب ... دو عليه لامته # وليس مثل قلبي تخشى سآمته # إن الوفاء منه ... والصبر عادته # وولائمي عليه ... بانت لآمته # كالريح لم تؤثر ... عندي ملامته # فقم أدر شرابا ... لذت مرارته # قد جلت الدياجي ... عنا إنارته # فما السرور عندي ... إلا إدارته # PageV01P182 # وأنفذته إليه وهو في مجلس أنه مع مملوك لي للوقت، فعاد مخلوعا عليه خلعة ~~خاصة ### | الفصل الثاني # فيما وقع من بدائع البدائه من غير اقتراح # روى مرة أن بن محكان السعدي تميم # قدم بين يدي مصعب بن الزبير أيام ولايته العراق لأخيه عبد الله بن الزبير ~~- وأظن ذلك بعد وقعة الحرة، ودخول مصعب البصرة - فأمر رجلا من بني أسد ~~بقتله، فقال مرة بن محكان بديها: # بني أسد إن تقتلوني تحاربوا ... تميما إذا الحرب العوان اشمعلت # ولست وإن كانت إلى حبيبة ... بباك على الدنيا إذا ما تولت ### | وذكر الطبري # أن الوليد بن عبد الملك - أو سليمان - مضى إلى الحج، فلما وصل إلى ~~المدينة أتى له بجماعة من أسرى الروم ففرقهم على أشرافها ليقتلوهم، فأعطى ~~عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أسيرا منهم ليقتله، ~~فقام وحسر عن ساعديه، وطلب سيفا فلم يجسر أحد أن يعطيه سيفا، فناوله بعض ~~الحرس سيفا كليلا، فضرب به الأسير ضربة أطارت رأسه وبعض كتفه، فعجب الناس ~~وقالوا: ما قطعها إلا حسبه. ثم أعطى أسيرا لجرير، فقام إليه بعض بني عبس ~~سيفا صارما فضرب به الأسير فأطار رأسه، ثم أعطى أسيرا للفرزدق. فدس اليه ~~بعض بني عبس سيفا كهاما ضرب به الأسير نبا فضحكوا وخجل الفرزدق ms167 ثم قال: يا ~~أمير المؤمنين، هبه لي ففعل. فأعتقه، ثم قال مرتجلا يعتذر، ويعير بني عبس: # فإن يك خان أو قدر نبا ... لتأخير نفس حينها غير شاهد # فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد # كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... وتقطع أحيانا مناط القلائد # - عيرهم بنبو سيف ورقاء بن زهير بن جذيمة عن رأس خالد بن جعفر الكلابي ~~قاتل أبيه زهير، وقد كان ضربه عدة ضربات، وهو ملق نفسه على زهير، فلم يصنع ~~شيئا، وفي ذلك يقول جرير يهجو الفرزدق: # بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم # فأجابه الفرزدق بقوله: # PageV01P183 # ولا تقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم ### | وروى أنه سكر يوما فتكشف فمرت به امرأة فسخرت منه # فأنشأ يقول: # وأنت لو باكرت مشمولة ... صهباء مثل الفرس الأشقر # عدت وفي رجليك ما فيهما ... وقد بدا هنك من المئزر ### | وروى أبو الغراف # قال: إن الحجاج قال لجرير والفرزدق، وهو في قصره بجزيز البصرة: ائتياني ~~في لباس آبائكما في الجاهلية؛ فلبس الفرزدق الديباج والخز، وقعد في قبة ~~وشاور جرير دهاة بني يربوع وشيوخهم، فقالوا: مالباس آبائنا إلا الحديد. ~~فلبس درعا، وتقلد سيفا، وتابط رمحا، وركب فرسا لعباد بن الحصين الحبطى، ~~وأقبل في أربعين فارسا، من بني يربوع، وجاء الفرزدق في هيئته، فقال جرير: # لبست سلاحي والفرزدق لعبة ... عليه وشاح كرج وخلاخله # أعدوا مع الخز الملاب فإنما ... جرير لكم بعل وأنتم حلائله # ثم رجعا، فوقف جرير في مقبرة بني حصن، ووقف الفرزدق في المربد. ### | وروى أن الحجاج لما أتى بالحكم بن المنذر الجارود # قال: أنت الذي قال فيك الشاعر: # ياحكم بن المنذر الجارود ... سرادق العز عليك ممدود # قال: نعم، قال: والله لأجعلن سرادقك السجن، فقال الحكم مرتجلا: # متى ماأكن في السجن في حبس ماجد ... فإني على ريب الزمان صبور # فلو كنت النكث والغدر لم أجب ... دعاك؛ ولو منك الأمان غرور # لقد كنت دهرا لا أخوف بالتي ... أخاف، ولايسطو على أمير # فقال الحجاج: لله ms168 أبوك! إن زعارة العرب لبنية فيك؛ خلوا سبيله. ### | وروى عن عبد الأعلى الشيباني أن حماد عجرد ومطيع ابن إياس اجتمعا في مجلس # محمد بن خالد، وهو أمير الكوفة للسفاح، فتمازحا # فقال حماد: # يا مطيع يا مطيع ... أنت إنسان رقيع # وعن الخير بطئ ... وإلى الشر سريع # فقال مطيع: # إن حمادا لئيم ... سفلة الأصل عديم # PageV01P184 # لا تراه الدهر إلا ... بهن العير يهيم # فقال له حماد: ويحك! أترميني بدائك! والله لولا كراهتي لتمادى الشر ولجاج ~~الهجاء، لقلت لك قولا يبقى، ولكن لا أفسد مودتك، ولا أكافئك إلا بالمدح، ثم ~~قال: # كل شيء لي فداء ... لمطيع بن إياس # رجل مستملح في ... كل لين وشماس # عدل روحي بين جنبي ... وعيني وراسي # غدس الله له ... كبدي أوفي غراس # ذاك إنسان له فضل على كل أناس ### | وروى إسحاق الموصلي أن يحيى بن زياد الحارثي قال لمطيع بن إياس # امض بنا إلى فلانة صديقتي، فإن بيني وبينها مغاضبة، لتصلح بيننا، ولكن - ~~بئس المصلح أنت! فدخلا إليهما، وجعلا مليا يتعاتبان ومطيع ساكت، حتى إذا ~~أكثرا قال له يحيى: ما يسكتك أسكت الله نأمتك! فقال مطيع: # أنت معتلة عليه وما زا ... ل مهينا لنفسه في رضاك # فأعجب يحيى ما سمع وهش، فقال مطيع: # فدعيه وواصلي ابن إياس ... جعلت روحه الغداة فداك # فقام يحيى بوسادة في البيت، فما زال يصدع بها رأسه ويقول: ألهذا جئت بك ~~يابن الزانية! ومطيع يغوث، والجارية تضحك منهما. ### | وروى أن أبا دلامة تاب وعزم على الحج # فلما صار بطبرتاباذ لقيه علج من الخمارين الذين كان يألفهم، اسمه أبو ~~بشر، فدعاه إلى منزله وأضافه وأحضر له نبيذا، فامتنع أبو دلامة منه وأخبره ~~بتوبته، وما عزم عليه، فقال العلج: إنه مطبوخ، فشرب منه، فلم يلبث أن دبت ~~فيه سورته، فرفع عقيرته وأنشد: # سقاني أبو بشر من الراح شربة ... لها سورة ما ذقها لشراب # وما طبخوها غير أن غلامهم ... مشى في نواحي كرمها بشهاب ### | وروى انه كان منحرفا عن علي بن سليمان بن علي بن عبد الله ابن العباس ms169 # فاتفق أن خرج المهدي إلى الصيد، ومعه علي وأبو دلامة، فرمى المهدي ظبيا ~~عن له فأنفذ مقاتله، ورمى علي بن سليمان فأصاب كلبا من كلاب الصيد، فارتجل ~~أبو دلامة: # PageV01P185 # قد رمى المهدي ظبيا ... شك بالسهم فؤاده # وعلى بن سليما ... ن رمى كلبا فصاده # فهنيئا لهام ك ... ل فتى يأكل زاده # فخجل علي بن سليمان، وضحك المهدي، وأمر له بجائزة. ### | وذكر دعبل بن علي # قال: كان لأبي الشمقمق على بشار مائتا درهم في كل سنة، فأتاه أبو الشمقمق ~~في بعض السنين فقال: هلم الجزية يا أبا معاذ، فقال: ويحك! أوجزية هي؟ قال: ~~نعم هو ما تسمع، فقال له بشار يمازحه: أنت أفصح أو أحكم مني؟ قال: لا، قال: ~~فلم أعطيك؟ قال: لئلا أهجوك، قال: لئن هجوتني لأهجونك، قال أبو الشمقمق: أو ~~هكذا هو؟ قال: نعم ما بدالك. فقال أبو الشمقمق: # إني إذا ما شاعر هاجانيه ... ولج في القول له لسانيه # أدخلته في است أمه علانيه ... بشار يا بشار ... # أراد أن يقول: يا بن الزانية. فوثب إليه بشار وأمسك فاه، ثم قال: أراد ~~والله أن يشتمني، ثم دفع إليه مائتي درهم وقال: لا يسمع هذا منك الصبيان. ### | وروى أن أبا نواس لما وفد على الخصيب # قال له مرة يمازحه وهو بالمسجد الجامع: أنت غير مدافع في قول الشعر، ~~ولكنك لا تخطب، فقام من فوره وصعد المنبر وأنشد مرتجلا: # محضتكمم يا أهل مصر نصيحتي ... ألا فخذوا من ناصح بنصيب # رماكم أمير المؤمنين بحية ... أكول لحيات البلاد شروب # فإن يك باق سحر فرعون فيكم ... فإن عصا موسى بكف خصيب # ثم التفت إليه وقال: لا يأتى بها والله خطيب مصقع. فاعتذر إليه، وحلف أنه ~~إنما كان يمازحه. ### | وروى أنه كان تنزه مرة مع عيسى بن الرشيد بالقفص في أواخر شعبان # فلما كان في اليوم الموفى ثلاثين قيل لأبي نواس: هذا يوم شك، وبعض الناس ~~يصومه احتياطا. فقال: ليس الشك حجة على اليقين، حدثنا أبو جعفر يرفعه إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " صوموا ms170 لرؤيته وأفطروا لرؤيته "، ثم ~~التفت إلى عيسى وارتجل: # لو شئت لم نبرح من القفص ... نشربها حمراء كالفص # نسرق هذا اليوم من شهرنا ... فالله قد يعفو عن اللص ### | وذكر يزيد بن أبي اليسر الرياضي في أمثاله # قال: حدثنا أبو سهل الحاسب، # PageV01P186 # ونحن معه في بعض حوانيت الفسطاط، قال: كان أكثر قعود الحسن بن هانئ في ~~هذا الحانوت، فمر به في بعض الأيام ابن عبد الحكم، وكان في يده سوط، فسلم ~~علينا به، فقال الحسن: # سلم السوط إذ مررت علينا ... فعلى السوط لا عليك السلام # فقال ابن عبد الحكم لمن معه: من هذا؟ فقيل: هذا الحسن بن هانئ. فرجع إليه ~~ونزل واعتذر، فقبل الحسن بن هانئ عذره وألطفه. ### | وذكر أبو الفرج في كتاب القيان والمغنين # أنه كان بالكرخ مغن يقال له أبو عمير، وكان له قيان حسان، وكان عبد الله ~~بن محمد. أظنه التيمي - قد عشق جارية منهن، يقال لها عبادة فكان يغشى منزله ~~وينفق فيه. ثم أضاق إضافة شديدة حملته على انقطاع عنهم، وكره أن يقصر عما ~~كان عليه من برهم، ثم نازعته نفسه إلى لقائها وزيارتها، فأتاها فأصاب عندها ~~جماعة ممن كان يألف منزل مولاها، فرحبت به الجارية وسيدها، واستبطئو زيارته ~~وعاتبوه على تأخره عنهم، فجعل يجمجم في عذره، ولا يصرح، فلما سكر رفع ~~عقيرته منشدا: # لو تشكى أبو عمير قليلا ... لأتيناه من طريق العياده # وقضينا من الزيارة حقا ... ونظرنا لمقلتي عباده # فقال له أبو عمير: مالي ولك يا بن أخي! انظر إلى مقلتي عبادة كيف شئت غير ~~ممنوع ... ، ولا تتمن لي المرض. ### | وذكر أيضا فيه برواية تتصل بعلي بن هشام # قال: قدمت على جدتي شاهك من خراسان، فقالت لي: اعرض على جواريك، فعرضتهن ~~عليها، ثم جلسنا على الشراب، ومتيم تغني، فأطالت جدتي الجلوس عندنا، فلم ~~أنبسط للجواري إجلالا لها، فأخذت الدواة وصنعت في الحال، وكتبت به رقعة ~~ورمت بها إلى متيم: # أنبقى على هذا وأنت قريبة ... وقد منع الزوار بعض التكلم! # سلام عليكم لا سلام مودع ... ولكن سلام من ms171 محب متيم # فأخذته ثم نهضت إلى الصلاة، وعادت وقد صنعت لحنا فغنته، ففطنت جدتي، ~~وقالت: أظن أننا ثقلنا عليكم، وأمرت الخدم فحملوا محفتها، وأمرت للجواري ~~بصلات، وأمرت لمتيم بثلاثين ألف درهم. ### | أنبأني الفقيه النبيه # أبو الحسن المفضل علي بن الحسين المقدسي عن الفقيه أبي القاسم مخلوف بن ~~علي # PageV01P187 # القيرواني، عن أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد السرقسطي، عن أبي عبد الله ~~محمد بن أبي نصر الحميدي الحافظ، قال: أخبرنا أبو العباس البغدادي. قال: ~~حدثنا أبو البركات محمد بن عبد الواحد الزبيري، حدثنا أبو سعيد الحسن بن ~~عبد الله بن المرزبان السيرافي، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن السري ~~الزجاج، قال حدثنا أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، قال: لما وصل المأمون ~~إلى بغداد، وقر بها، قال ليحيى ابن أكثم: وددت لووجدت رجلا مثل الأصمعي ممن ~~يعرف أخبا العرب وأيامها وأشعارها، فيصحبني كما صحب الأصمعي الرشيد؛ فقال ~~يحيى: ها هنا شيخ يعرف الأخبار، يقال له غياث بن ورقاء الشيباني، قال: ~~أحضره، فلما حضر قال له يحيى: إن أمير المؤمنين يرغب في حضورك مجلسه فقال: ~~أنا شيخ كبير، لاطاقة لي بذلك؛ لأنه قد ذهب مني الأطيبان، فقال له المأمون: ~~لابد من ذلك؛ فقال الشيخ: فاسمع ما حضرني، وأنشد اقتضابا: # أبعد شيبي أصبو ... والشيب للمرء حرب # شيب وسن وإثم ... أمر لعمرك صعب # يابن الإمام فهلا ... أيام عودي رطب # وإذ شفاء الغواني ... منى حديث وقرب # وإذ مشى قليل ... ومنهل العيش عذب # والآن حين رأى بي ... عواذلي ما أحبوا # آليت أشرب راحا ... ماحج لله ركب # فقال المأمون: اكتبوها بالذهب؛ وأمر له بجائزة وتركه. ### | وبهذا الإسناد عن الحميدي # قال: أخبرنا أبو محمد على بن أحمد، قال: أخبرنا عبد الله بن ربيع التيمي، ~~قال: حدثنا أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي، قال: حدثني أبو معاذ عبدان ~~الخوبي المتطبب، قال: دخلنا يوما بسر من رأى علي عمرو بن بحر الجاحظ نعوده، ~~وقد فلج، فلما أخذنا مجالسنا أتى رسول المتوكل إليه فقال: وما يصنع أمير ~~المؤمنين بشق مائل، ms172 ولعاب سائل! ثم أقبل علينا فقال: ما تقولون في رجل له ~~شقان، أحدهما لو غرر بالمسال ما أحسن، والشق الآخر يمر به الذباب فيغوث! ~~وأكثر ما أشكوه الثمانون، ثم أنشدنا بيتا من قصيدة عوف بن ملحم الخزاعي. ~~قال أبو معاذ: وكان سبب هذه القصيدة أن عوفا دخل على عبد الله بن طاهر، ~~فسلم # PageV01P188 # علي عبد الله فلم يسمع فأعلم بذلك، فزعموا أنه ارتجل هذه القصيدة وأنشد: # يابن الذي دان له المشرقان ... طرا وقد دان له المغربان # إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان # وبدلتني بالشطاط الحنا ... وكنت كالصعدة تحت السنان # وأبدلتني من زمان الفتى ... وهمتي هم الجبان الهدان # وقاربت مني خطا لم تكن ... مقاربات وثنت من عنان # وأنشأت بيني وبين الورى ... عنانة من غير نسج العنان # ولم تدع في لمستمتع ... إلا لساني، وبحسبي لسان # أدعو به الله وأثني به ... على الأمير المصعبي الهجان # فقرباني بأبي أنتما ... من وطني قبل اصفرار البنان # وقبل منعاي إلى نسوة ... أوطانها حران والرقتان ### | وذكر أن تميم بن جميل التغلبي عاث ببعض الأعمال # فحمله مالك بن طوق إلى المعتصم، فلما قدم بين يديه، وأحضر السيف والنطع ~~لقتله، رآه المعتصم جميلا وسيما، فاحب أن يعلم كيف منطقة، فقال له: تكلم، ~~فقال بعد أن حمد الله تعالى ودعا للمعتصم: إن الذنوب تخرس الألسنة، وتعمي ~~الأفئدة، وقد عظمت الجريرة وانقطعت الحجة وساء الظن، ولم يبق إلا العفو أو ~~الانتقام، وأرجو أن يكون أقربهما مني وأسرعهما إليك، أشبهها بك، وأولاك ~~يكرمك ألقيهما بك، ثم ارتجل: # أرى الموت بين النطع والسيف كامنا ... يلاحظني من حيثما أتلفت # وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... ومن ذا الذي مما قضى الله يفلت # وأي امرئ يدلي بعذر وحجة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت! # يعز على الأوس بن تغلب موقف ... يسل على السيف فيه وأسكت # وما جزعي من أن أموت، وإنني ... لأعلم أن الموت شيء مؤقت # ولكن خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتت # كأني أراهم حين أنعى إليهم ... وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا # فإن ms173 عشت عاشوا سالمين بغبطة ... أذود الردى عنهم وإن مت موتوا # وكم قائل: لا يبعد الله داره ... وآخر جذلان يسر ويشمت # فعفا عنه المعتصم وقلده عملا. # وهذه بديعة لو وقعت لمرو ثابت الجأش، مع # PageV01P189 # طول المدة وحصول الأمن لكانت عظيمة، فكيف بالبديهة في هذه الساعة التي ~~يحول فيها الجريض دون القريض، وحسبك بحال لم يقدر عبيد بن الأبرص فيها على ~~الروية. وكذلك على بن الجهم قال ارتجالا وقد صلب: # لم يغصبوا بالشاذياخ عشيةال ... إثنين مسبوقا ولا مجهولا # نصبوا بحمد الله ملء عيونهم ... حسنا وملء قلوبهم تبجيلا # ما ضره أن بز عنه ثيابه ... فالسيف أهول ما يرى مسلولا # وهذا من أحسن شعره وأبدعه. ### | وروى عن خالد الكاتب أنه # قال: دخلت الدير يوما فإذا أنا بشاب مغلول مربوط إلى سارية، فملت إليه ~~وسلمت عليه، فقال: من تكون؟ قلت: خالد الكاتب، قال: صاحب المقطعات؟ قلت: ~~نعم، قال: أنشدني، فأنشدته: # ترشفت من شفتيه عقارا ... وقبلت من خده جلنارا # وعانت منه قضيبا رطيبا ... وردفا مهيلا وبدرا أنارا # وعاينت من حسنه في الظلام ... إذا ما تبدى نهارا جهارا # فأطرق ثم أنشد: # رب ليل أمد من نفس العا ... شق طولا قطعته بانتخاب # ونعيم ألذ من وصل معشو ... ق تبدلته بيوم عتاب # قال خالد: فوالله إني منذ ثلاثين سنة لا أحسن إجازتهما. ### | وروى أبو الفرج # أن شحنة بغداد كسر نبيذا كثيرا حتى ملأ الطريق، فمر به بكر بن خارجة، ~~فلما رآه جلس يبكي فمر عليه بعض أصحابه، فسأله عن سبب بكائه، فقال بديها: # يا لقومي لما جنى السلطان ... لم يكن للذي أهان هوان # صبها في الطريق من حلب الكر ... م عقارا كأنها زعفران # صبها في مكان سوء لقد أد ... رك سعد السعود ذاك المكان # قال الكرماني: أنشدتها الجاحظ فقال: إن من حق الفتوة والمروءة ألا أكتبها ~~إلا قائما، فعمدته لأنه كان مفلوجا حتى كتبها. ### | وذكر ابن العباس بن إبراهيم الصولي # كان قد ولى بعض النواحي للمتوكل، فأخرج إليه أحمد بن المدبر جملة كبيرة، ~~وجلسا للمناظرة بين يدي المتوكل، ولم ms174 يكن إبراهيم من رجال أحمد في كتابة ~~الخراج، ولا واحد من رجاله في البلاغة والشعر؛ فكاد يفتضح، فوقعت # PageV01P190 # قضية للمتوكل أوجبت أن ارتجل إبراهيم: # صد عني وصدق الأقوالا ... وأطاع الوشاة والعذالا # أتراه يكون شهر صدود ... وعلى وجهه رأيت الهلالا # فطرب المتوكل، وأقره على عمله، وسوغه ما عليه. ### | وذكر أبو الفرج في كتاب القيان والمغنين # انه كان يعشق جارية لبعض الهاشميين يقال لها أمل، فدعا إخوانا له من ~~أجلاء الكتاب، ودعاها ودعا قيانا غيرها، فحضروا وتأخرت، فتنغص عليه يومه من ~~أجلها، ثم جاءت فسرى عنه، وطرب وشرب، وكتب ارتجالا: # ألم تريا يومنا إذ نأت ... فلم تأت من بين أترابها # وقد غمرتنا دواعي السرور ... بإلهائها وبإطرابها # ومدت علينا خيام النعيم ... وكان المني بعض أطنابها # ونحن فتور إلى أن دنت ... وبدر الدجى بين أثوابها # فلما نأت كيف كنا لها ... ولما دنت كيف صرنا بها # وقرئت عليها الأبيات، فقالت: ليس الأمر كذلك، قد كنتم قبلي في لذة، وإنما ~~تجملتم بهذا لما حضرت، فقال: # يامن حنيني إليه ... ومن فؤادي لديه # ومن إذا غاب من بي ... نهم أسفت عليه # من غاب غيرك منهم ... فإذنه في يديه # فرضيت عنهم، وأتموا يومهم. ### | وحكى أن علي بن الجهم # قال: كنت بين يدي المتوكل، وقد أتاه رسول برأس إسحاق بن إسماعيل، فقال ~~علي بن الجهم يخطر بين يدي الرسول، وهو يرتجز: # أهلا وسهلا بك من رسول ... جئت بما يشفى من الغليل # برأس إسحاق بن إسماعيل # فقال المتوكل: التقطوا هذا الجوهر لا يضيع. ### | قال علي بن ظافر # : إسحاق بن إسماعيل هذا مولى لبني أمية، خرج بتفليس في سنة سبع وثلاثين ~~ومائتين، حين وثب أهل أرمينية بعاملهم من جهة المتوكل يوسف بن محمد بن ~~يوسف. وتولى قتل إسحاق هذا بغا الكبير في سنة سبع وثلاثين؛ ولم يكن بين ~~اغتباط المتوكل بعلى هذا الاغتباط وبين نفيه إلا نحو سنة، لأنه نفاه إلى ~~خرسان في سنة ثمان وثلاثين. ### | وذكر ابن أبي طاهر في أخبار بغداد # عن محمد بن عبدوس الفارسي # PageV01P191 # أنه قال: سرت يوما ms175 إلى علي بن الجهم، فأنشدني لنفسه في العناق: # ولم أنسى ليلا ضمنا بعد فرقة ... وأدنى فؤادا من فؤاد معذب # وبتنا جميعا لو تراق زجاجة ... من الراح فيما بيننا لم تسرب # فانقدح زني لإيراد مثله، فأطرقت وقلت بديها: # لا والمنازل من نجد وليلتنا ... بفيد إذ جسدانا في الهوى جسد # كم رام فينا الكرى من لطف مسلكه ... سيرا فما أنفك لاخد ولا عضد # ما أنصفوني، دعوني فاستجبت لهم ... حتى إذا قربوني منهم بعدوا ### | أنبأني المقدسي # عن القيروان عن السرقسطي عن الحميدي، قال: حكوا أن عبد الله بن عاصم صاحب ~~الشرطة كان أديبا شاعرا سريع البديهة، كثير النوادر من جلساء الأمير عبد ~~الرحمن - ذكره غير واحد - وحكوا أنه دخل عليه في يوم غيم، وبين يديه غلام ~~حسن المحاسن، جميل الزي، لين الأخلاق. فقال له: ما يصلح ليومنا هذا؟ فقال: ~~عقار تنفر الذبان وتؤنس الغزلان، وحديث كقطع الروض قد سقطت فيه مؤنة التحفظ ~~وأرخي علي عنان التبسط، يديرها هذا الأغيد المليح. فضحك ثم أمر بالغناء ~~وآلات الصهباء، فلما دارت الكئوس واستمطر الأمير نوادره واستطرد بوادره. ~~وأشار إلى الغلام أن يلح عليه، فلما أكثر رفع رأسه إليه وقال على البديهة: # يا حسن الوجه لا تكن صلفا ... ما لحسان الوجوه والصلف # تحسن أن تحسن القبيح ولا ... ترثي لصب متيم دنف # فاستبدع الأمير بديهته، وأمر له ببدرة. ويقال إنه خيرة بينها وبين الوصيف ~~فاختارها نفيا للظنة عنه. ### | وذكر أن الخليع حضر مجلس المتوكل في جملة الندماء # وقد كبر سنه، وضعف جسمه، وبين يديه شفيع خادمه ينضد وردا، وعليه قراطق ~~موردة، ولم يكن في عصره خادم أحسن منه، فأمره المتوكل أن يحييه بوردة، ~~ويغمز يده ليحرك خاطره، ففعل فارتجل: # وكالوردة البيضاء حيا بوردة ... من الحمر يمشي في قراطق كالورد # سقاني بعينيه وكفيه شربة ... فأذكرني ما قد نسيت من العهد # له عبثات عند كل تحية ... بكفيه تستدعي الخلي إلى الوجد # PageV01P192 # سقى الله دهرا لم أبت فيه ليلة ... من الدهر إلا من حبيب على وعد # قال علي بن ظافر # وهذه ms176 الحكاية تشبه حكاية ذكرها الفتح ابن خاقان في قلائد العقيان أوردتها ~~ها هنا قاطعا ترتيب الحكايات طلبا للمجانسة حتى إذا نجزت عدنا لترتيب ~~الأخبار على ترتيب الأعصار، قال الفتح بن خاقان: أخبرني الوزير أبو عامر بن ~~يشتغير أنه حضر مجلس القائد أبي عيسى بن لبون في يوم سفرت فيه أوجه ~~المسرات، ونامت عنه أعين المضرات، وأظهر سقاته غصونا تحمل بدورا، وتطوف من ~~المدام بنار مازحت من الماء نورا، وشموس الكاسات تشرق في أكف سقاتها كالورد ~~في السوسان، وتغرب بين أقاحي نجوم الثغور فتذبل نرجس الأجفان. وعنده الوزير ~~أبو الحسن بن الحاج اللورقي، وهو يومئذ قد بذل الجهد، في التحلي بالزهد، ~~فأمر القائد ساقيه أن يعرض عليه ذهب كاسه، ويحييه بزبرجد آسه، ويغازله ~~بطرفه، ويميل عليه بعطفه، ففعل ذلك عجلا، فأنشد أبو الحسن مرتجلا: # ومهفهف مزج الفتور بشدة ... وأقام بين تبذل وتمنع # يثنيه من فعل المدامة والصبا ... سكران: سكر طبيعة وتصنع # والله لولا أن يقال هوى الهوى ... منه بفضل عزيمة وتمنع # لأخذت في تلك السبيل بمأخذي ... فيما مضى ونزعت فيها منزعي ### | أخبرنا المسكي # عن السلفي، عن جعفر بن أحمد بن السراج، وابن يعلان الكبير، قالا: أنبأنا ~~أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجستاني، قال: أخبرنا أبو يعقوب النجيرمي، ~~حدثنا أبو الجود العروضي، عن جحظة البرمكي، قال: حدثنا أبو عبادة البحتري ~~الشاعر - وكان المتوكل أدخله في ندمائه - قال: دخلت على المتوكل يوما، ~~فرأيت في يديه درتين، ما رأيت أشرق من نورهما، ولا أنقى بياضا ولا أكبر، ~~فأدمت النظر إليهما، ولم أصرف طرفي عنهما، ورآني المتوكل، فرمى إلى التي ~~كانت في يده اليمنى، فقبلت الأرض، وجعلت أفكر فيما يضحكه طمعا في الأخرى، ~~فعن لي أن قلت: # بسرمرا لنا إمام ... تغرف من كفه البحار # خليفة يرتجى ويخشى ... كأنه جنة ونار # PageV01P193 # الملك فيه وفي بنيه ... ما اختلف الليل والنهار # يداه في الجود ضرتان ... هذي على هذه تغار # وليس تأتي اليمين شيئا ... إلا أتت مثله اليسار # فرمى بالدرة التي كانت في يده اليسار وقال: خذها يا ms177 عيار. ### | وحكى النميري # قال: كنت عند الأمير عبد الله بن المعتز وعنده قينة قبيحة الصورة، فجعلت ~~أتبرم بها، وجعل يظهر شغفا بها وعشقا لها، ليغايظني بذلك، فلما اشتد غيظي ~~منه خلوت به فقلت له: نشدتك الله أيها الأمير، أعشقتها؟ فقال مضاحكا: نعم، ~~فقلت: ألست ترى قبح وجهها وسماجة خلقها! فارتجل: # قلبي وثاب إلى ذا وذا ... ليس يرى شيئأ فيأباه # يهيم بالحسن كما ينبغي ... ويرحم القبح فيهواه # فسكت عنه تعجبا من سرعة بديهته. ### | وروى أنه جاء يوما إلى أبي العباس ثعلب أحمد بن يحيى وهو في المسجد # الجامع ليسلم عليه # فقام إليه هو والحاضرون، وأجلسه مكانه، فداس قلما فكسره، فقال: # لكفي وتر عند رجلي لأنها ... أبادت قتيلا مالأعظمه جبر # فعجبوا من بديهته وحسنها. ### | قال يزيد الرياضي في كتابه في الأمثال # سمعت أبا الطيب الكاتب يقول: ذكر المازري أنه كان في مجلس ابن المعتز، ~~وغلام على رأسه يذب، فوقعت المذبة على رأس بعض الجلساء، فقال ابن المعتز: # قل لمن ذب ذب نفسك عنا ... حسبنا منك، أو فحسبك منا ### | حدثنا المسكي، بالإسناد المتقدم عن النجيرمي # قال: حدثنا العروضي، عن الصولي وذكره. وبهذا الإسناد عن أبي الحسن بندقة، ~~قال: أنشدنا عبد الله بن المعتز بيتي أبي نواس في الخمر وهما: # وعاشق دنف نبهته سحرا ... فقام للكأس والصهباء قاصطبحا # ودارت الكأس من صهباء صافية ... فما حسا قدحا إلا بكى قدحا # فاستمد فكتب: # وقهوة كشعاع الشمس صافية ... مثل السراب يرى من دقة شبحا # إذا تعاطيتها لم تدر من دهش ... راحا بلا قدح أعطيت أم قدحا # PageV01P194 ### | قال يزيد الرياضي: حدثنا أبو عبد الله الكرماني # قال: حدثنا الصولي قال: ذكر المرادي أنه كان في بعض الأيام عند ابن ~~المعتز على شراب، فأكثر القوم كلامهم، فقال: # إذا فتح القوم أفواههم ... لغير شراب ولا مطعم # فلا خير فيهم لشرب المدام ... فدعهم يناموا مع النوم ### | قال: وذكر المرادي أنه دخل إليه يهنيه ببرء من علة # فقال: # أتاني برء لم أكن واثقا به ... كحل أسير فك بعد وثاقه # وكان لأحد بني المنجم ms178 جارية صفراء مولدة، فبلغ به الوجد بها إلى أن مرض ~~ونحل، فدخل عليه الطبيب فجسه، فقال: هذا الفتى قد أحرقته الصفراء، فقال: ~~أصبت وأحسنت من حيث لا تشعر، واستدعى دواة وكتب في الحال: # قال الطبيب وقد تبين سحنتي ... قد أحرقت هذا الفتى الصفراء # فعجبت منه إذ أصاب وما درى ... والحق أبلج ليس فيه مراء ### | ومثل هذه الحكاية ما روى من أن العباس الفارسي # كان يهوى مدام الشاعرة الكوفية، وكان مداوما للشرب، فاعتل واشتدت حماه، ~~فدخل عليه صديق له طبيب يكنى بأبي بشر، فجس يده فوجد حماه حادة، فقال له: ~~ما يتلفك إلا مداومتك مدامك. فقال للوقت: # عجبت من قول أبي بشر ... وقوله ضرب من السحر # مدامك الهلك فلا تكثرن منها وأني لي بالكثر! # أصابك في اللفظ ولكنه ... أخطأ في المعنى ولم يدر ### | قال القاضي علي التنوخي في كتاب النشوان، أخبرني أبي # قال: حدثني المعوج الرقي، قال: كبا الفرس ببدر الجمالي فافتصد، فدخلت ~~عليه فأنشدته أبياتا عملتها في الحال وهي: # لا ذنب للطرف إن زلت قوائمه ... وليس يلحقه من عائب دنس # حملت بأسا وجودا فوقه وندى ... وليس يقوى لهذا كله الفرس # قالوا افتصدت فما عقل العلا معها ... خوفا عليك ولا نفس بها نفس # كف الطبيب دعا كفا نقبلها ... ونطلب الرزق منها حين ينحبس ### | قال: وحدثني أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون المنجم # قال حدثني أبي قال: # PageV01P195 # كنا في دعوة أبي علي الحسن بن مروان الكاتب، وحضر فيها الوزير أبو محمد ~~الحسن بن محمد المهلبي، وهو إذ ذاك يخلف أبا جعفر الصيمري على الأمر ~~ببغداد، فغنت الرقية زوج أبي علي صوتا من وراء الستارة أحسنت فيه، فأخذ ~~المهلبي الدواة، فكتب في الحال بديها وأنشدها لنفسه: # ذات غني في الغناء من نغم ... تنفق في الصوت منه إسرافا # كأنها فارس على فرس ... ينظر في الجرى منه أعطافا ### | وروى أن نصر بن أحمد الخبز أرزي دخل على أبي الحسن ابن المثني في أثر # حريق المربد # فقال له: هل قلت في هذا شيئا؟ فقال: ما ms179 قلت، ولكن أنشدك ارتجالا. # أتتكم شهود الهوى تشهد ... فما تستطيعون أن تجحدوا # جرى نفسي صعدا بينكم ... فأحرق من ذلك المربد # وهاجت رياح حنيني لكم ... فظلت بها ناره توقد # ولولا أدمعي لم يكن ... حريقكم أبدا يخمد ### | ومثل هذا ما رويناه بالإسناد المتقدم عن ابن بسام في كتاب الذخيرة # قال: ذكر سليمان بن محمد الصقلي، قال: كان بسوسة إفريقية رجل ظريف يهوى ~~غلاما، فتجنى الغلام عليه، فبينما هو ذات ليلة يشرب منفردا، وقد غلب عليه ~~السكر، خطر بباله أن يأخذ قبس نار فيحرق به داره، ففعل، ووضع النار في ~~الباب فاحترق، فاتفق أن رآه بعض الجيران، فخرج أهل الدار فأطفئوا الحريق، ~~ولما أصبحوا حملوه إلى القاضي، فسأله: لم فعل؟ فأنشأ يقول: # لما تمادى على بعادي ... وأضرم النار في فؤادي # ولم أجد من هواه بدا ... ولا معينا على السهاد # حملت نفسي على وقوفي ... ببابه حملة الجواد # فطار من بعض نار قلبي ... أقل من لمعة الزناد # فأحرق الباب دون علمي ... ولم يكن ذاك في مرادي # فاستظرفه القاضي واستلطفه، وغرم عنه أرش ما أتلفه. ### | أنبأني الشيخ الفقيه النبيه أبو الحسن علي المقدسي # عن أبي القاسم مخلوف بن علي القيرواني، عن عبد الله محمد بن أبي عبد الله ~~الحافظ الحميدي، قال أخبرني أحمد بن قاسم، جار لنا كان بالمغرب، أن عبد ~~الملك بن إدريس الحريري # PageV01P196 # كان ليلة بين يدي المنصور بن أبي عامر، والقمر يبدو تارة ويخفيه السحاب ~~تارة أخرى، فارتجل: # أرى بدر السماء يلوح حينا ... فيبدو ثم يلتحف السحابا # وذلك أنه لما تبدي ... وأبصر وجهك استحيا فغابا # مقال لو نمى عني إليه ... لراجعني بتصديقي جوابا ### | وبهذا الإسناد # قال الحميدي: حضر عقيل بن نصر مجلسا فيه أحداث من الكتاب، فاختلفوا في ~~شيء من الآداب إلى أن أفضى نهم ذلك إلى السباب، فقال عقيل على البديهة، ~~وأنشدنيها بعض الرؤساء ولم يعلم قائلها: # تعس الزمان لقد أتى بعجائب ... ومحا رسوم الفضل والآداب # وأتى بكتاب لو انبسطت يدي ... فيهم رددتهم إلى الكتاب ### | أخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن فاضل ms180 بن صمدون الصوري # عن الإمام الحافظ السلفي، عن أبي غالب شجاع بن فارس الرملي، عن أبي منصور ~~محمد المالكي البصري، عن أبي محمد عبد الله بن محمد الأكفاني البصري قال: ~~خرجت مع عمي أبي عبد الله الأكفاني وأبي الحسين بن لنكك وأبي عبد الله ~~المفجع، وابن الحسين السباك في بطالة العيد، فمشوا حتى انتهوا إلى نصر بن ~~أحمد الخبز أرزي، وهو جالس يخبز على طائفة، فجلسوا عنده ثم قاموا عند تزايد ~~الدخان، فقال نصر لابن لنسكك: متى أراك يا أبا الحسين؟ فقال له أبو الحسين. ~~إذا اتسخت ثيابي - وكانت ثيابهم جددا قد لبسوها للتجمل بها في العيد - ~~فمشينا في سكة بني سمرة، حتى انتهينا إلى دار أحمد بن المثني، فجلس أبو ~~الحسين بن لنكك وقال: يا أصحابنا إن نصرا لا يخلى هذا المجلس الذي مضى لنا ~~معه من شيء يقوله، ونحن نبدؤه قبل أن يبدأنا، واستدعى بدواة وكتب إليه: # لنصر في فؤادي فرط حب ... يزيد به علي كل الصحاب # قصدناه فبخرنا بخورا ... من السعف المدخن للثياب # فقال: متى أراك أبا حسين؟ ... فقلت له: إذا اتسخت ثيابي # وأنقذ الأبيات إلى نصر، فأملى جوابها في الحال، فقرأناه فإذا هو قد أجاب: # منحت أبا الحسين صميم ودي ... فداعبني بألفاظ عذاب # أتى وثيابه كقتير شيب ... فعدن له كريعان الشباب # PageV01P197 # وقلت متى أراك أبا حسين؟ ... فجاوبني: إذا اتسخت ثيابي # فإن يكن التقذر فيه فخر ... فلم يكنى الوصي أبا تراب! ### | وذكر الباخرزي في كتاب دمية القصر # قال: حدثني أبو محمد الحسن بن علي الجوهري ببغداد، قال: أنشدت أبا القاسم ~~الصوري بيتين، كان أبوعبد الله عمر بن يحيى ادعاهما لنفسه في مجلس المهلبي ~~الوزير، فأنكر أبو الفرج الأصبهاني ذلك، وأخرجهما في أناشيد ثعلب وهما: # أقول لها إذ بت في أسر قومها ... وجامعتي عن منكبي تضيق # لما سرني أن بت عني بعيدة ... وأني من هذا الإسار طليق # ثم قلت له: أهما أحسن أم بيتان عملتهما في المعنى، وهما: # أقول لها والحي قد نذروا بنا ... ومالي متأثر المنون براح ms181 # لما ساءني أن وشحتني سيوفهم ... وأنك لي دون الوشاح وشاح # فأمسك ساعة ولم يجب، ثم عمل في الحال وأنشدنيه: # ألا مرحبا بالأسر يا أم مالك ... وجامعتي والقد منه قريني # إذا كنت في كسر الخباء قريبة ... تحسين مني لوعتي وأنيني # وعمل أيضا في الحال وأنشدنيه: # أقول وقد هز القنالي قوامها ... ومالي من بين الأسنة مذهب # ألا ليت نحري للأسنة ملعب ... وكفي في بحر ابنة القوم يلعب ### | قال وحدثني أبو إسحاق النجيرمي # عند كافور الإخشيدي، فدخل عليه أبو الفضل بن عياش فقال: أدام الله أيام ~~مولانا، وكسر الميم فتبسم كافور إلى أبي إسحاق، ففطن لذلك، فقال ارتجالا: # لا غرو أن لحن الداعي لسيدنا ... وغص من دهش بالريق والبهر # فمثل سيدنا حالت مهابته ... بين الأديب وبين القول بالحصر # وإن يكن خفض الأيام من دهش ... في موضع النصب لا من قلة البصر # فقد تفاءلت من هذا لسيدنا ... والفأل مأثوره عن سيد البشر # بأن أيامه خفض بلا نصب ... وأن دولته صفو بلا كدر # فأمر له بثلمائة دينار وللنجيرمي بمائتين. ### | وذكر صاحب اليتيمة # وقد ذكرنا الإسناد إليه فيما سبق من الكتاب - أنه قدم # PageV01P198 # إلى عضد الدولة فنا خسرو جام بهطة بيضاء عليها لوز منصف، وكان ينادمه رجل ~~من أهل الأدب، قلما يحضر شيء على المائدة إلا قال فيه شعرا له أو لغيره، ~~فاستدعى منه عضد الدولة أن يصفها فأرتج عليه، فارتجل عضد الدولة: # بهطة تعجز عن وصفها ... يا مدعي الأوصاف بالزور # كأنها في الجام غذ زينت ... لآلي في ماء كافور ### | وشرب السري الموصلي يوما مع جماعة من أصحابه # بالقفص في حانة لبعض الخمارين، فأقاموا نهارهم يديرون من الكئوس شعلا ~~يلهبها الماء ويزول برشفها الظماء، وبين أيديهم أسد قد نظم من الورد، فقال ~~السري بديها: # رب أيام على القفص لنا ... لانرى مثلها طول الأبد # غيضة ريحاننا الغض بها ... أسد من غابة الورد ورد # ما رأى الناس ندامي قبلنا ... شربوا الراح على وجه الأسد # قال علي بن ظافر: ذكرت بهذا قول ابن الخياط الدمشقي بديها في مثله: # لنا ms182 أسد ورد سبانا به الهوى ... وما كان يهوى قبله الأسد الورد # له وردة حمراء في فيه غضة ... يرى عاديا منها وإن كان لايعدو # كليث قريب بالفريسة عهده ... فباقي دم المفروس في فمه يبدو ### | وحكى أبو الفضل الهمذاني # قال: قال الصاحب يوما لجلسائه وأنا فيهم، وقد جرى ذكر أبي فراس: لايقدر ~~أحد أن يزور على أبي فراس شعرا، فقلت: ومن يقدر أن يزور عليه وهو الذي يقول ~~- وارتجلت: # رويدك لا تصل يدها بباعك ... ولا تعن السباع على رباعك # ولا تعن العدو على إني ... يمين إن قطعت، فمن ذراعك # فقال الصاحب: صدقت، فقلت: أيد الله مولانا، قد فعلت. ### | وروى ابن الصابي في كتاب الوزراء # قال: كان في مجلس الصاحب متكلم يعرف بابن الحضيري، فغلبه النوم يوما في ~~المجلس، فكانت منه فلتة، فقام خجلا، فقال فيه الصاحب ارتجالا: # يا ابن الحضيري لا تذهب على خجل ... من ضرطة أشبهت نايا على عود # فإنها الريح لا تسطيع تحبسها ... إذ أنت لست سليمان بن داود ### | وأنبأني ذو النسبتين الحافظ أبو الخطاب بن دحية # عن الأستاذ المفيد أبي # PageV01P199 # بكر محمد بن خير بقراءته عليه - عن الحافظ أبي القاسم خلف ابن يوسف ~~الشنتريني - عرف بابن الأبرش، - بقراءته على أبي الحسن على ابن بسام، قال: ~~كان أبو العلاء صاعد اللغوي البغدادي كثيرا مل يمدح بلاد العراق بمجلس ~~المنصور بن أبي عامر كفيل المؤيد هشام صاحب الأندلس، فكتب الوزير أبو مروان ~~عبد الملك بن شهيد والد الوزير أبي عامر أحمد صاحب الغرائب الماضية في هذا ~~الكتاب إلى المنصور في يوم برد، وكان أخص وزرائه: # أما ترى برد يومنا هذا ... صيرنا للكمون أفذاذا # قد فطرت صحة الكبود به ... حتى لكادت تعود أفلاذا # فادع بنا للشمول مصطليا ... نغذ سيرا إليك إغذاذا # وادع المسمى بها وصاحبه ... تدع نبيلا وتدع أستاذا # ولا تبالي أبا العلاء زها ... بخمر قطربل وكلواذا # ما دام من أرملاط مشربنا ... دع دير عمي وطير ناباذا # وكان المنصور في ذلك اليوم قد عزم على الانفراد بحرمه، فأمر باحضار من ~~جرى رسمه ms183 من الوزراء والندماء، وأحضر ابن شهيد في محفة - لنقرس كان يعتاده ~~- وأخذوا في شأنهم، فمر لهم يوم لم يعهدوا مثله، وعلا الطرب وسما بهم حتى ~~تهايجوا ورقصوا بالنوبة، حتى انتهى الدور إلى ابن شهيد، فأقامه الوزير أبو ~~عبد الله بن عباس فجعل يرقص وهو متوكئ عليه وارتجل قائلا: # هاك شيخا فاده عذر لكا ... قام في رقصته مستهلكا # لم يطق يرقصها مستثبتا ... فغدا يرقصها مستمسكا # عاقه عن هزها منفردا ... نقرس أخنى عليه فاتكا # من وزير فيهم رقاصة ... قام للسكر يناغي ملكا # أنا لو كنت كما تعهدني ... قمت إجلالا على رأسي لكا # قهقة الإبريق مني ضاحكا ... ورأى رعشة رجلي فبكى # وهذه قطعة مطبوعة وطرفها الأخير واسطتها. وكان قد حضرهم ذلك اليوم رجل ~~بغدادي يعرف بالكك، كان حسن النادرة سريعها، وكان ابن شهيد أحضره إلى ~~المنصور فاستطبعه وارتبطه، فلما رأى ابن شهيد يرقص قائما مع ألم المرض الذي ~~كان منعه من الحركة قال: لله درك يا وزير ترقص قائما وتصلي قاعدا: فضحك # PageV01P200 # المنصور، وأمر لابن شهيد بما جزيل ولسائر الجماعة وللكك. ### | وبالإسناد أيضا قال ابن بسام # ودخل صاعد اللغوي يوما على المنصور وعليه ثياب جدد وخف جديد، فمشى على ~~جانب البركة لازدحام الحاضرين في الصحن، فزلقت رجله فسقط في الماء، فضحك ~~المنصور وأخرج، وقد كان البرد يقضى عليه، فلما نظر إليه أمر له بثياب وأدنى ~~مجلسه، وقال يا أبا العلاء قل في سقطتك، فأطرق ثم قال: # شيئان كانا في الزمان عجيبة ... ضرط ابن وهب ثم سقطة صاعد # فاستبرد ما أتى به، وكان أبو مروان الجزيري الكاتب حاضرا فقال: # سروري بغرتك المشرقة ... وديمة راحتك المغدقه # ثناني نشوان حتى سقطت ... في لجة البركة المغرقه # لئن ظل عبدك فيها الغريق ... فجودك من قبلها أغرقه # فقال: لله درك! قسناك بأهل العراق ففضلتهم، فبمن نقيسك بعد؟ ### | وبالإسناد قال ابن بسام # وحدث أبو بكر محمد بن أحمد ابن حعفر بن عثمان، قال: دخلت يوما على أبي ~~عامر - ### | قال علي بن ظافر # : يعني ابن شهيد - وقد ابتدأت به علته التي ms184 مات بها، فأنس بي، وجرى ~~الحديث إلى أن شكوت إليه تجني بعض أصحابي علي ونفاره مني، فقال لي: سأسعى ~~في إصلاح ذات البين. فخرجت عنه، فلقيت ذلك المتجني علي مع بعض إخواني ~~وأعزهم علي، فتجنبتهما فسأله عن السبب الموجب فأخبره، فمشى حتى أدركني وعزم ~~علي في مكالمته، وتعاتبنا عتابا أرق من الهوى، وأشهى من الماء على الظما، ~~حتى جئنا دار أبي عامر، فلما رآنا جميعا ضحك وقال: من كان هذا الذي تولى ~~إصلاح ماكنا سررنا بفساده؟ قلنا: قد كان ما كان. ثم أطرق قليلا وأنشد: # من لا أسمى ولا أبوح به ... أصلح بيني وبين من أهوى # أرسلت من كان الهوى فدرى ... كيف يداوي مواقع البلوى # ولي حقوق في الحب ثابتة ... لكن إلفي يعدها دعوى # قال علي بن ظافر # وذكر ابن خاقان في كتاب مطمح الأنفس ما معناه: إن أبا عامر كان مع جماعة ~~من أصحابه بجامع قرطبة في ليلة السابع والعشرين، فمرت بهم امرأة من بنات ~~أجلاء قرطبة، قد كملت حسنا وظرفا، ومعها طفل يتبعها كالظبية تستتبع خشفا، ~~وقد حفت بها الجواري كالبدر حف بالدراري. # PageV01P201 # فحين رأت تلك الجماعة، المعروفة بالخلاعة، ورمقوا الظبي بعيون أسود رأت ~~فريسة، ارتاعت وتخوفت أن يخطف منها تلك الدرة النفيسة، فاستدنت إليها ~~حشفها، وألزمته عطفها، فارتجل ابن شهيد قائلا: # وداعية تحت طي القناع ... دعاها إلى الله بالخير داع # أتت بابنها تبتغي منزلا ... لوصل التبتل والإنقطاع # فجاءت تهادي كمثل الرءوم ... تراعى غزالا بروض اليفاع # أتتنا تبختر في مشيها ... فحلت بواد كثير السباع # وجالت بأكنافه جولة ... فحل الربيع بتلك البقاع # وريعت حذارا على طفلها ... فناديت: يا هذه لا تراعى! # غزالك تفرق منه الليوث ... وتهرب منه كماة المصاع # فولت وللمسك من ذيلها ... على الأرض خط كخط الشجاع ### | أنبأني الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي # عن الفقيه أبي القاسم مخلوف بن علي القيرواني، عن أبي عبد الله محمد بن ~~أبي سعيد السرقسطي، عن أبي عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، قال: أخبرنا ~~أبو الحسن الراشدي، عن ms185 أبي عامر بن شهيد أن عبد الله بن فاكان الشاعر تناول ~~نرجسة، فركبها في وردة، ثم قال له ولصاعد - قال علي بن ظافر: يعني أبا ~~العلاء صاعدا اللغوي المقدم ذكره -: صفاها، فأفحما ولم يتجه لهما القول؛ ~~فبيناهم على ذلك إذ دخل الزهيري - قال علي بن ظافر: يعني صاحب أبي العلاء ~~صاعد وتلميذه، وكان أديبا شاعرا أميا لا يقرأ ولا يكتب - فلما استقر به ~~المجلس أخبر بما هم فيه، فجعل يضحك ويقول بغير روية: # ما للأديبين قد أعيتهما ... مليحة من ملح الجنة # نرجسة في وردة ركبت ... كمقلة تنظر في وجنه ### | وبهذا الإسناد عن الحميدي قال: أخبرني الرئيس أبو الحسن عبد الرحمن بن # راشد الراشدي # قال: لما نعيت أبا عامر بن شهيد إلى ابن الخياط الشاعر - وقد عرفت ما كان ~~بينهما من المنافسة - بكى وأنشدني لنفسه بديهة: # لما نعى الناعي أبا عامر ... أيقنت أني لست بالصابر # أودى فتى الظرف وترب الندى ... وسيد الأول والآخر # PageV01P202 ### | وبهذا الإسناد قال الحميدي # وذكر أبو بكر المرواني أنه شاهد محبوبا الأديب الشاعر النحوي قال بديهة ~~في وصف ناعورة. # وذات حنين ما تغيض جفونها ... من اللجج الخضر الصوافي على شط # وتبكي فتحي من دموع عيونها ... لآلي رياض بالأزهر في بسط # فمن أحمر قان وأصفر فاقع ... وأزهر مبيض وأدكن مشمط # كأن ظروف الماء من فوق متنها ... لآلي جمان قد نظمن على قرط ### | أنبأني ذو النسبتين الحافظ # أن دحية، عن الأستاذ المفيد أبي بكر محمد بن خبر بقراءته عليه، عن الفقيه ~~الحافظ أبي القاسم خلف الشنتريني عرف بابن الأبرش - بقراءته على أبي الحسن ~~على بن بسام، قال: أمر الحاجب المنذر بن يحيى النجيبي صاحب سرقسطة بعرض ~~الجند في بعض الأيام، وأميرهم مملوك له رومي يقال له خيار في نهاية الجمال، ~~فجعل ينفخ في القرن ليجتمع أصحابه على عادتهم في ذلك، فقال ابن هند الدانى ~~فيه ارتجالا: # أعن بابل أجفان عينيك تنفث ... ومن قوم موسى أنت للعهد تنكث # أفي الحق أن تحكى إسرافيل نافخا ... وأمكث في رمس الصدود وألبث # عساك خيار ms186 الناس تأتي بآية ... فتنفخ في ميت الغرام فيبعث ### | قال وكان بقرطبة غلام وسيم فمر عليه ابن فرج الجياني ومعه صاحب له # فقال صاحبه: إنه لصبيح لولا صفرة فيه، فقال ابن فرج ارتجالا: # قالوا به صفرة عابت محاسنه ... فقلت: ما ذاك من عيب به نزلا # عيناه تطلب في آثار من قتلت ... فلست تلقاه إلا خائفا وجلا ### | قال وكان يوما مع لمة من أهل الأدب في مجلس أنس # فاحتاج رب المنزل إلى دينار، فوجه من يأتيه به من السوق، فدخل غلام من ~~الصيارف في نهاية الجمال، فرمى بالدينار إليهم من فيه مماجنا، فقال ابن فرج ~~بديها: # أبصرت دينارا بكف مهفهف ... يزهى به من كثرة الإعجاب # أومى به من فيه ثم رمى به ... فكأنه بدر رمى بشهاب ### | وذكر الفرج بن إبراهيم الكاتب في سريرة الألباب وذخيرة الكتاب # قال: دخلت يوما ديوان الإنشاء بمصر، ومتوليه ولي الدولة ابن خيران، فلم ~~أجده في الديوان، إلا أني وجدت الكتاب على رسمهم، والناس على جارى عاداتهم، # PageV01P203 # وإذا سراويله ملقى على طراحة، فجلست أنتظره، فلم أشعر إلا وقد فتح خزانة ~~وخرج، وقدامه غلام صقلي، كأن الشمس على صفحته، والغصن في قامته، منكسر ~~الأجفان مطرقها، مورد الوجنة عرقها، وحين وصل الى الطراحة، لبس السراويل ~~وارتجل: # أنا ممن لايرى للنفس إلا بالصلاح # لاتداوى علة الإنتعاظ إلا بالنكاح # فعلم الحاضرون أنه كان يفسق به، فأطبقوا عند الخروج على لعنه. ### | وذكر الفرج بن إبراهيم الكاتب في هذا الكتاب # قال: دخلت على الوزير الحسين بن علي بن الحسين ابن المغربي أيام وزارته ~~لشرف الدولة أبي علي الديلمي، وبيدي جزء من شعر شداد بن إبراهيم الخبز أرزى ~~المعروف بالطاهر، فسألني عنه فأخبرته، فاستنشدني فأنشدته: # يامنكرا شغفني به ... ومكذبا طول اشتياقي # في أي أحوال تشك ... فهن أحوال السياق # أمدامعي أم ضر جسمي ... أم ضناي أم احتراقي # كل إذا أنصفتني ... حجج عليك بما ألاقي # فاستحسن القطعة، وصنع في الحال: # الله يعلم أنني ... ألتذ فيكم باشتياقي # وأكاد من أنس التذكر لا أذم يد الفراق # وأغض طرفي بعدما ms187 ... ملأته غزلان العراق # وأقر من خجل العتا ... ب إلى مغالطة العناق ### | وأخبرني ابن المقدسي قال: أخبرني الشيخ الإمام الحافظ السلفي # قال: سمعت أبا الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي يقول: سمعت ~~القاضي طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري يقول: كتبت إلى أبي العلاء المعري ~~حين وافى بغداد: # وما ذات در لا يحل لحالب ... تناوله واللحم منها محلل # لمن شاء في الحالين حيا وميتا ... ومن شاء شرب الدر فهو مضلل # إذا بلغت في السن فاللحم طيب ... وآكله عند الجميع معقل # PageV01P204 # وخرفانها للأكل فيها كراهة ... فما لحصيف الرأي فيهن مأكل # وما يجتني معناه إلا مبرز ... عليم بأسرار القلوب محصل # فأجابني وأملي على الرسول في الحال ارتجالا: # جوابان عن هذا السؤال كلاهما ... صواب وبعض القائلين مضلل # فمن ظنه كرما فليس بكاذب ... ومن ظنه بخلا فليس يجهل # لحومهما الأعناب والرطب الذي ... هو الحل والدار الرحيق المسلسل # ولكن ثمار النخل وهي غضيضة ... تعاف وغصن الكرم يجنى ويؤكل # يكلفنا القاضي الجليل مسائلا ... هي النجم قدرا بل أعز وأطول # ولو لم أجب عنها لكنت بجهلها ... جديرا ولكن من يجيبك يقبل # فأجبته ثانيا بقولي: # أثار ضميري من يعز نظيره ... من الناس طرا بل أعز وأفضل # تساوي له سر المعاني وجهرها ... وسائرها باد لديه مفصل # ومن قلبه كل العلوم بأسرها ... وخاطره في حدة النار تشعل # ولما أثار الحب قاد صنيعه ... أسيرا بأنواع البيان يكبل # وقربة من كل فهم بكشفه ... وإيضاحه حتى رآه المغفل # وأعجب منه نظمه الدر مسرعا ... ومرتجلا من غير ما يتمهل # فيخرج من بحر ويسمو مكانه ... جلالا إلى حيث الكواكب تنزل # فهنأه الله الكريم بفضله ... محاسنه والعمر منها مطول # فأجابني مرتجلا وأملاه في الحال: # ألا أيها القاضي الذي بدهائه ... سيوف على أهل الضلال تسلل # فؤادك معمور من العلم آهل ... وجدك في كل المسائل مقبل # فإن كنت بين الناس غير ممول ... فأنت من الفهم المصون ممول # إذا أنت خاصمت الخصوم مجادلا ... فأنت وهم مثل الحمائم أجدل # كأنك علم الشافعي مخاطبا ... ومن قلبه تملي فما تتمهل ms188 # وكيف يرى علم ابن إدريس دارسا ... وأنت بإيضاح الهدى متكفل # تفضلت حتى ضاق ذرعي تكرما ... فقلت وكفى عن جوابك أجمل # لأنك في كنه الثريا فصاحة ... وأعلى، ومن يبغى مكانك أسفل # PageV01P205 # فعذري في أني أحببتك واثقا ... بفضلك فالإنسان يسهو ويذهل # وأخطأت في إنقاذ رقعتك التي ... هي المجد لي منها أخير وأول # ولكن عداني أن أروم احتفاظها ... رسولك، وهو الفاضل المتفضل # ومن حقها أن يصبح المسك غامرا ... لها وهي في أعلى المنازل تجعل # فمن كان في أشعاره متمثلا ... فأنت امرؤ في العلم والشعر أمثل # تجملت الدنيا بأنك فوقها ... ومثلك حقا من به يتجمل ### | وبالإسناد المتقدم عن ابن بسام صاحب كتاب الذخيرة # قال: ذكر أبو عبد الله الصفار الصقلي، قال: كان بالقيروان غلام وضيء، كان ~~يختلف إلى أبي علي حسن بن رشيق، فكان يحذره من المخالطة، فخرج يوما يتنزه ~~مع جماعته، فأشيع عنه ما ينكر، وبلغ أبا علي، فقال بديها: # يا سوء ما حاءت به الحال ... إن كان ما قالوا كما قالوا # ما أحذق الناس يصوغ الخنا ... صيغ من الخاتم خلخال ### | وقد كان أبو الفضل محمد بن عبد الواحد الدارمي يهوى فتى ببغداد # وينكر حبه، والغلام يعرف شدة وجده به وكلفه؛ فدمعت عينا أبي الفضل يوما، ~~فقال الغلام: دمعك شاهد عليك، فارتجل أبو الفضل: # وهبني قد أنكرت حبك جملة ... وهونت من نفسي العزيزة سخطها # فمن أين لي في الحب جرح شهادة ... سقامي أملاها، ودمعي خطها ### | قال: وكان أبو الفضل محمد بن عبد الواحد البغدادي الدرامي ليلة مع بعض # أصحابه وبين أيديهم شمعة، فأفضى حديثهم إلى وصفها فأطرق بعضهم ليصنع ~~فيها، فبدره أبو الفضل فقال: # ذهبنا فأذهبنا الهموم بشمعة ... غنينا بها عن طلعة الشمس والبدر # أقول وجسمي ذائب مثل جسمها ... ودمعتها تجري كما دمعتي تجري # كلانا لعمري ذوب نار من الهوى ... فنارك من حمر وناري من هجر # وأنت على ما قد تقاسين من أذى ... فصدرك في نار وناري في صدري ### | قال علي بن ظافر # : وهذا مثل قول الأعمى التطيلي في شمعة: # بآية ما تبكي ms189 وفي النار صدرها ... وقد جمدت عيناي والنار في صدري ### | وبالإسناد المتقدم قال ابن بسام # اصطبح المعتصم بن صمادح يوما مع ندمائه فأبرز لهم وصيفة مهدوية متصرفة في ~~أنواع اللعب، وحضر أيضا هناك # PageV01P206 # لاعب مصري ساحر، فكان لعبه حسنا، فارتجل أبو عبد الله ابن الحداد قائلا: # كذا فلتلح قمرا زاهرا ... وتجنى الهوى ناضرا ناظرا # وإن ليومك ذا رونقا ... منيرا كنور الضحى باهرا # وسيبك صيب ندى مغدق ... أقام لنا هاميا هامرا # صباح اصطباح بإسفاره ... لحظنا محيا العلا سافرا # وأطلعت فيه نجوم الكئوس ... فما زال كوكبها زاهرا # وأسمعتنا لاحنا فاتنا ... وأحضرتنا لاعبا ساحرا # يرفرف فوق رءوس القيان ... فننظر ما يذهل الناظرا # ويخطفها ذيل سرباله ... فننظر طالعها غائرا # فظاهرها ينثني باطنا ... وباطنها ينثني ظاهرا # وثناه ثان لألعابه ... دقائق تثني الحجا حائرا # وفي سورة الراح من سحره ... خواطر دلهت الخاطرا # إذا ورد اللحظ أثناءها ... فما الوهم عن وردها صادرا # ومن حسن دهرك إبداعه ... فما انفك عارضها ماطرا # وسعدك يجتلب المغربات ... فيجعل غائبها حاضرا ### | وحضر الأديب أحمد بن الشفاق المنعوت بالمنفتل عند القائد ابن دري بجيان # هو وأبو زيد بن مقانا الأشبوني # فأحضر لهما عنبا أسود مغطى بورق أخضر، فارتجل المنفتل: # عنب تطلع من حشى ورق لنا ... صبغت غلائل جلده بالإثمد # فكأنه من بينهن كواكب ... كسفت فلاحت في سماء زبرجد ### | قال وحضر ابن مرزقان ليلة عند ذي النون بن خلدون وبحضرته وصيفة تحمل شمعة # فاستحسنها ابن مرزقان # فقال بديها: # يا شمعة تحملها أخرى ... كأنها شمس علت بدرا # امتحنت إحداهما مهجتي ... بمثل ماتمتحن الأخرى ### | قال ودخل الأديب غانم يوما على باديس بن حيوس صاحب غرناطة فوسع له على # ضيق في المجلس # فقال بديها: # صير فؤادك للمحبوب منزلة ... سم الخياط مجال للمحبين # PageV01P207 # ولا تسامح بغيضا في معاشرة ... فقلما تسع الدنيا بغيضين # وإنما نظم ما روى من أن الخليل بن أحمد دخل عليه بعض أصدقائه وهو على ~~نمرقة صغيرة، فرحب به وأجلسه في مكانه، فقال له الرجل: إنها لا تسعنا، فقال ~~له الخليل: ما تضايق سم الخياط بمتحابين، ولا ms190 اتسعت الدنيا لمتباغضين. ### | وخرج الأديب أبو الحسن علي بن حصن الإشبيلي إلى وادي قرطبة في نزهة فتذكر # إشبيلية فقال بديها # ذكرتك يا حمص ذكرى هوى ... أمات الحسود وتعنيته # كأنك والشمس عند الغروب ... عروس من الحسن منحوته # غدا النهر عقدك والطود تا ... جك والشمس أعلاه ياقوته ### | قال علي بن ظافر # وذكر صاحب قلائد العقيان ما هذا معناه: أن المستعين بالله أحمد بن ~~المؤتمن بن هود الجذامي صاحب سرقسطة والثغور، ركب نهر سرقسطة يوما لتفقد ~~بعض معاقله المنتظمة بجيد ساحله، وهو نهر رق ماؤه وراق، وأزرى على نيل مصر ~~ودجلة والعراق، قد اكتنفته البساتين من جانبه، وألقت ظلالها عليه، فما تكاد ~~عين الشمس أن تنظر إليه، هذا على اتساع عرضه، وبعد سطح الماء من أرضه. وقد ~~توسط زورقه زوارق حاشيته توسط البدر للهالة، وأحاطت به إحاطة الطفاوة ~~للغزالة، وقد أعدوا من مكايد الصيد ما استخرج ذخائر الماء، وأخاف حتى حوت ~~السماء، وأهلة الهالات طالعة من الموج في سحاب، وقانصة من بنات الماء كل ~~طائرة كالشهاب، فلا ترى إلا صيودا كصيد الصوارم، وقدود اللهاذم، ومعاصم ~~الأبكار النواعم؛ فقال الوزير أبو الفضل ابن حسداي، والطرب قد استهواه، ~~وبديع ذلك المرأى استرق هواه: # لله يوم أنيق واضح الغرر ... مفضض مذهب الآصال والبكر # كأنما الدهر لما ساء أعتبنا ... فيه بعتبى وأبدى صفح معتذر # نسير في زورق حف السفين به ... من جانبيه بمنظوم ومنتثر # مد الشراع به نشرا على ملك ... بذ الأوائل في أيامه الأخر # هو الإمام الهمام المستعين حوى ... علياء مؤتمن في هدي مقتدر # تحوى السفينة منه آية عجبا ... بحر تجمع حتى صار في نهر # تثار من قعره النينان مصعدة ... صيدا كما ظفر الغواص بالدرر # PageV01P208 # وللندامى به عب ومرتشف ... كالراح يعذب في ورد وفي صدر # والشرب في ود مولى خلقه زهر ... يذكو وبهجته أبهى من القمر ### | ### | قال علي بن ظافر # : قوله: نينان غير معروف فإن نونا لم يجئ جمعها نينان، وقد كان ~~سيبويه لحن بشار بن برد في قوله وصف السفينة: # تلاعب نينان البحور وربما ms191 ... رأيت نفوس القوم من جريها تجري # فغيره بشار بتيار البحور، وقد قال أبو الطيب يصف خيلا: # فهن مع السيدان في البحر عسل وهن مع النينان في البحر عوم ### | وجلس المعتمد بن عباد يوما فأنشد بعض جلسائه قول أبي الطيب # إذا ظفرت منك العيون بنظرة ... أثاب بها معيي المطي ورزامه # فاستبدعه المعتمد واستحسنه، وجعله أبدع ما للمتنبي وأحسنه، فارتجل عبد ~~الجليل بن وهبون المرسي. # لئن جاد شعرا بين الحسين فإنه ... يجود العطايا واللها تفتح اللها # تنبأ عجبا بالقريض ولو درى ... بأنك تروي شعره لتألها # فاستحسن المعتمد وأمر له بمائتي دينار. ### | وجلس يوما والبزاة تعرض عليه، فاستحث الشعراء في وصفها # فقال عبد الجليل بديها: # للصيد قبلك سنة مأثورة ... لكنها بك أبدع الأشياء # تمضي البزاة وكلنا أمضيتها ... عارضها بخواطر الشعراء # قال علي بن ظافر # ذكر صاحب قلائد العقيان ما معناه: خرج ابن وهبون يوما لنظر هلال شوال ~~وأبو بكر بن القبطرنة الوزير يسايره؛ وهو يومئذ غلام يخجل البدر، ويزرى ~~بالغصن النضر، وصفحته لم يسطرها الذار بأنفاسه، ووردة خده لم يسترها الشعر ~~بآسه، فارتجل عبد الجليل: # يا هلال استتر بوجهك عني ... إن مولاك آخذ بشمال # هبك تكي سناه خدا بخد ... قم فجئني لقده بمثال ### | وبالإسناد المقدم قال ابن بسام # أخبرني الحكيم النديم المطرب الإشبيلي، قال: حضرت مجلس الرشيد بن المعتمد ~~بن عباد، وعنده الوزير أبو بكر بن عمار: فلما دارت الكئوس، وتمكن الأنس، ~~وغنيت أصواتا ذهب الطرب بابن عامر كل مذهب، فارتجل يخاطب الرشيد: # PageV01P209 # ما ضر أن قيل إسحاق وموصله ... ها أنت، وذي حمص وإسحاق # أنت الرشيد فدع من قد سمعت به ... وإن تشابه أخلاق وأعراق # لله درك داركها مشعشة ... واحفر فساقك ما قامت به ساق ### | قال وساير ابن عمار في بعض أسفاره # وكان معه غلامان من بني جهور أحدهما أشقر العذار، والآخر أخضره، فجعل ~~يميل بحديثه إلى المخضر العذار، فقال ارتجالا: # تعلقته جهوري النجار ... وحلو اللمي جوهري الثنايا # من النفر البيض جرد الزمان ... رقاق الحواشي كرام السجايا # ولا غرو أن تغرب الشارقات ... وتبقى ms192 محاسنها بالعشايا # ولا وصل إلا جمان الحديث ... تساقطه من ظهور المطايا # شنئت المثلث للزعفران ... وملت إلى خضرة في التفايا ### | قال علي بن ظافر # : ومعنى هذا البيت أنه أبغض المثلث، لدخول لزعفران فيه، لشبهه بعذار ~~الأشقر منهما، وأحب خضرة التفايا، وهي لون من طعام يعمل بالكزبرة، لشبهها ~~بعذار الأخضر منهما. # قال علي بن ظافر # وذكر صاحب قلائد العقبان ما معناه أن ابن عمار تنزه بالدمشق بقرطبة، وهو ~~قصر شيده خلفاء بني أمية وزخرفوه، ودفعوا صرف الدهر عنه وصرفوه، وأجروه على ~~إرادتهم وصرفوه، وذهبوا سقفه وفضضوها، ورخموا أرضه وروضوها، فبات به والسعد ~~يلحظه بطرفه، والروض يحييه بعرفه، فلما استنفد كافور الصبح مسك الغسق، ورصع ~~أبنوس الظلام نضار الشفق، قال مرتجلا: # كل قصر غير الدمشق يذم ... فيه طاب الحيا وفاح المشم # منظر رائق وماء نمير ... وثرى عاطر وقصر أشم # بت فيه والفجر والليل عندي ... عنبر أشهب ومسك أحم ### | وقال علي بن ظافر # وأخبرني الفقيه أبو العرب إسماعيل ابن معوشة الكناني السبتي، قال: أخبرني ~~شيخ من أهل إشبيلية كان قد أدرك دولة آل عباد، وكان عليه من آثار كبر السن ~~ودلائل التعمير ما يشهد له بالصدق، وينطق بأن قوله الحق. قال: كنت في صباي ~~حسن الصورة بديع الخلقة لا تلمحني عين أحد إلا ملكت قلبه، وخلست خلبه، ~~وسلبت لبه، وأطلت كربه، فبينا أنا واقف على # PageV01P210 # باب دارنا، إذا الوزير أبي بكر بن عمار قد أقبل في موكب زجل على فرس ~~كالصخرة الصماء قدت من قنة الجبل، فحين حاذاني ورآني، أشرأب إلي ينظرني، ~~وبهت يتأملني، ثم دفع بمخصرة كانت في يده في صدري، وأنشد: # كف هذا النهد عني ... فبقلبي منه جرح # هو في صدرك نهد ... وهو في صدري رمح # قال علي بن ظافر # وذكر الفتح بن خاقان في كتاب القلائد ما معناه قال: أخبرني ذو الوزارتين ~~أبو المطرف بن عبد العزيز أنه حضر عند المؤتمن بن هود في يوم أجرى فبه الجو ~~أشقر برقة، ورمى ببندق ودقة، وحملت الرياح فيه أوقار السحاب على أعناقها، ~~وتميلت ms193 قامات الغصون في الحلل الخضر من أوراقها، والأزهار قد تفتحت عيونها، ~~والكمائم قد ظهر مكنونها، والأشجار قد انصقلت بمداوس القطر، ونشرت ما يفوق ~~ألوان البز وبثت ما يعلو أرواح العطر، والراح قد أشرقت نجومها في بروج ~~الراح، وحاكت شمسها شمس الأفق فتلفعت بغيوم الأقداح، ومديرها قد ذاب ظرفا ~~فكاد يسيل من إهابه، وأخجل خده حسنا فتكلل يعرق حبابه؛ إذا بفتى رومي من ~~فتيان المؤتمن أقبل متدرعا، كالبدر اجتاب سحابا، والخمر اكتست حبابا، ~~والطاووس انقلب حبابا، فهو ملك حسنا إلا أنه جسد، وغزال لينا إلا أنه في ~~هيئة أسد، وقد جاء يريد استشارة المؤتمن في الخروج إلى موضع كان عول فيه ~~عليه، وأمره أن يتوجه إليه، فحين وصل إلى حضرته لمحه ابن عمار، والسكر قد ~~استحوذ على لبه، وانبثت سراياه في نواحي قلبه. فأشار إليه وقربه، واستبدع ~~ذلك اللباس واستغربه، وجد في أن يستخرج الدرة من ماء ذلك الدلاص، وأن يجلي ~~عنه سهكه كما يجلي عنه الخبث عن الخلاص، وأن يوفر على ذلك الوفر نعمة جسمه، ~~ويكون هو الساقي على عادته القديمة ورسمه، فأمره المؤتمن بقبول أمره ~~وامتثاله، واحتذاء مثاله، فحين ظهرت تلك الشمس من حجبها ورميت شياطين ~~النفوس من كمت المدام بشهبها ارتجل ابن عمار يقول: # وهويته يسقي المدام كأنه ... قمر يدور بكوكب في مجلس # متناوح الحركات يبدي عطفه ... كالغصن هزته الصبا يتنفس # يسقي بكأس في أنامل سوسن ... ويدير أخرى من محاجر نرجس # PageV01P211 # أيا حامل السيف الطويل نجاده ... ومصرف الفرس القصير المحبس # إياك بادرة الوغى من فارس ... خشن القناع على عذار أملس # جهم وإن كشف القناع فإنما ... كشف الظلام عن النهار المشمس # يطغى ويلعب في دلال عذاره ... كالمهر يلعب في اللجام المخرس # سلم فقد قصف القنا غصن النقا ... وسطا بليث الغاب ظبي المكنس # عنا بكأسك قد كفتنا مقلة ... حوراء قائمة بسكر المجلس # وصنع فيه أيضا: # وأحور من ظباء الروم عاط ... بسالفتيه من دمعي فريد # قسا قلبا وشن عليه درعا ... فباطنه وظاهره حديد # بكيت وقد دنا ونأى رضاه ... وقد يبكي من ms194 الطرب الجليد # وإن فتى تملكه برق ... وأحرز حسنه لفتى سعيد ### | وبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام # أن أبا العرب الصقلي حضر مجلس المعتمد بن عباد يوما وقد حمل إليه حمول ~~وافرة من قراريط الفضة، فأمر له بكيسين منها، وكان بين يديه تماثيل عنبر، ~~من جملتها جمل مرصع بالذهب واللآلي، فقال له أبو العرب معرضا: ما يحمل هذين ~~الكيسين إلا جمل، فتبسم المعتمد وأمر له به، فقال أبو العرب بديها: # أجديتني جملا جونا شفعت به ... حملا من الفضة البيضاء لو حملا # يناخ جودك في أعطان مكرمة ... لا قد تعرف من منع ولا عقلا # فاعجب بشأني فشأني كله عجب ... رفهتني فحملت الحمل والجملا # فسارت بهذا الركائب، وتهادته المشارق والمغارب. ### | قال ابن بسام # وكان في قصر المعتمد فيل من فضة على شاطئ بركة يقذف الماء، وهو الذي يقول ~~فيه عبد الجليل بن وهبون المرسي من بعض قصيدة: # ويفرغ فيه مثل النصل بدع ... من الأفيال لا يشكو ملالا # رعى رطب اللجين فجاء صلدا ... تراه قلما يخشى هزالا # فجلس المعتمد يوما على تلك البركة، والماء يجري من ذلك الفيل، وقد أوقدت ~~شمعتان من جانبيه، والوزير أبو بكر بن الملح عنده، فصنع الوزير فيهما عدة ~~مقاطيع بديها منها: # PageV01P212 # ومشعلين من الأضواء قد قرنا ... بالماء والماء بالدولاب منزوف # لاحا لعيني كالنجمين، بينهما ... خط المجرة ممدود ومعطوف # وقال أيضا: # كأنما النار فوق الشمعتين سنا ... والماء من نافذ الأنبوب منسكب # غمامة تحت جنح الليل هامعة ... في جانبيها حفاف البرق يضطرب # وقال أيضا: # وأنبوب ماء بين نارين ضمنا ... هوى لكئوس الراح تحت الغياهب # كأن اندفاع الماء بالماء حية ... يحركها في الماء لمع الحباحب # وقال أيضا: # كأن سراجي شربهم في التظائها ... وأنبوب ماء الفيل في سيلانه # كريم تولى كبره من كليهما ... لئيمان في إنفاقه يعذلانه ### | ### | قال علي بن ظافر # # خرج المعتصم بن صمادح صاحب المرية يوما إلى بعض منزهاته فحل بروضة قد ~~سفرت عن وجهها البهيج، وتنفست من مسكها الأريج، وماست معاطف أغصانها، ~~وتكللت بلآلئ الطل أجياد قضبانها، فتشوق إلى الوزير ms195 أبي طالب بن غانم أحد ~~وزراء دولته، وسيوف صولته، يكتب إليه بديها في وريقة كرنب بعود من شجرة: # أقبل أبا طالب إلينا ... واسقط سقوط الندى علينا # فنحن عقد بغير وسطى ... ما لم تكن حاضرا لدينا ### | وجلس يوما وبين يديه ساقية # قد أخمدت ببردها حر الأوار، والتوى ماؤها التواء السوار، فقال ارتجالا: # انظر إلى الماء كيف انحط في صببه ... كأنه أرقش قد جد في هربه ### | وقال علي بن ظافر # وذكر الفتح ما معناه، قال: خرج الوزراء بنو القبطرنة إلى المنية المسماة ~~بالبديع، وهو روض قد اخضرت مسارح نباته، واخضلت مساري هباته، ودمعت بماء ~~الطل عيون أزهاره، وذاب على زبرجده بلور أنهاره، وتجمعت فيه المحاسن ~~المتفرقة، وأضحت مقل الحوادث عنه مطرقة، فخيول النسيم تركض في ميادينه فلا ~~تكبو، ونصول السواقي تصول لحسم أدواء الشجر فلا تنبو، والزروع قد ثقبت وجه ~~الثرى، وحجبت الأرض عن العيون # PageV01P213 # فلا تبصر ولا ترى. وكان المتوكل ابن الأفطس يعده غاية الأدب، ويعده منبهة ~~للطرب ومدفعة للكرب، فباتوا ليلتهم يديرون لمع لهب، ينمنون فيه الخلود ~~ويحتسون ذوب ذهب، لا يصهر به ما في بطونهم والجلود، حتى تركتهم ابنة ~~الخابية، كأنهم أعجاز نخل خاوية. فلما هزم رومى الصباح زنجي الظلام، ونادى ~~الديك: حي على المدام، انتبه كبيرهم أبو محمد مستعجلا، وأنشد مرتجلا: # يا شقيقي واف الصباح بوجه ... ستر الليل نوره وبهاؤه # فانتبه واغتنم مسرة يوم ... ليس يدري بما يجيء مساؤه # فانتبه أخوه أبو بكر لصوته، وتخوف لذهاب ذلك الوقت وفوته، وانتبه أخوهما ~~أبو الحسن وهو يرتجل: # يا أخي قم تر النسيم عليلا ... باكر الراح والمدام شمولا # لاتنم واغتنم مسرة يوم ... إن تحت التراب نوما طويلا # فانتبه أخوه لكلامه، رافضا لذة منامه للذة قيامه، وقال مرتجلا: # يا صاحبي ذرا لومي ومعتبتي ... وبادرا قهوة من خير ما ذخرا # وبادرا غفلة الأيام واغتنما ... فاليوم خمر وتبدي في غد خبرا ### | قال علي بن ظافر # وركب الأستاذ أبو محمد بن صارة مع أصحاب له في نهر إشبيلية، سال أصيلها ~~على لجين الماء عقبانا، وطارت ms196 زوارقها في سماء الماء عقبانا، وأبدى نسيمها ~~من الأمواج والدارات سررا وأعكانا، ففي زورق يجول جولان الطرف، ويسود ~~اسوداد الطرف، فقال بديها: # تأمل حالنا والجو طلق ... محياه وقد طفل المساء # وقد جالت بنا عذراء حبلى ... تجاذب مرطها ريح رخاء # بنهر كالسجنجل كوثري ... تعبس وجهها فيه السماء # واتفق أن وقف أبو إسحاق بن خفاجة على القطعة، فاستظرفها واستطابها، فقال ~~يعارضها على وزنها ورويها وطريقها، فأنشد: # ألا يا حبذا ضحك الحميا ... بحانها وقد عبس المساء # وأدهم من جياد الماء نهد ... تنسازع حبله ريح رخاء # إذا بدت الكواكب فيه غرقي ... رأيت الأرض تحسدها السماء ### | وذكر ابن خفاجة في ديوان شعره # وقد أنبأني به ذو النسبتين الحافظ ابن # PageV01P214 # الخطاب بن دحية إجازة، قال: صاحبت في دهري من الغرب سنة ثلاث وثمانين أبا ~~محمد عبد الجليل بن وهبون شاعر المعتمد، وكان أبو حفص بن رشيق يومئذ قد ~~تمنع ببعض حصون مرسية، وشرع في الشقاق، وقطع السبيل وإخافة الطريق. ولما ~~حاذينا قلعته وقسد احتدمت جمرة الهجير، ومل الراكب رسيمه وذميله، فأخذ كل ~~منا يرتاد مقيله، اتفقنا على ألا نطعم طعاما، ولا نذوق مناما، حتى نقول في ~~صورة تلك الحال، وذلك الترحال، ما حضر، وشاء الله أن أجبل ابن وهبون ~~فاعتذر، فقلت أريض نار نزوته، وأعرض بعظيم لحيته: # ألا قل للمريض القلب مهلا ... فإن السيف قد ضمن الشفاء # ولم أر كالنفاق شكاة حر ... ولا كدم الوريد له دواء # وقد دحى النجيع هناك أرضا ... وقد سمك العجاج به سماء # وديس به انحطاطا بطن واد ... قد اعشب شعر لحيته ضراء ### | وقال ابن خفاجة # وحضرت يوما مع أصحاب لي، ومعهم صبي متهم في نفسه، واتفق أنهم تباروا في ~~تفضيل الرمان على العنب، فانبرى ذلك الصبي، فأفرط في تفضيل العنب، فقلت ~~بديها أعبث به: # صلني لك الخير برمانة ... لم تنتقل عن كرم العهد # لا عنبا أمتص عنقوده ... ثديا كأني بعد في المهد # وهل ترى بينهما نسبة ... من عدل الخصية بالنهد! # فخجل خجلا شديدا وانصرف. ### | قال وخرجت يوما بشاطبة إلى باب السمارين ms197 # ابتغاء الفرجة على خرير الماء بتلك الساقية، وذلك سنة ثمانين وأربعمائة، ~~وإذا بالفقيه أبي عمران بن أبي تليد - رحمه الله قد سبقني إلى ذلك، فألفيته ~~جالسا على مصطبة دكان كانت هناك مبنية لهذا الشأن، فسلمت عليه وجلست إليه ~~متأنسا به، فجرى أثناء ما تناشدناه ذكر قول ابن رشيق: # يا من يمر ولا تمر به القلوب من الحرق # بعمامة من خده ... أو خده منها استرق # فكأنه وكأنها ... قمر تعمم بالشفق # فإذا بدا وإذا انثنى ... وإذا رنا وإذا نطق # شغل الخواطر والجوا ... رح والمسامع والحدق # PageV01P215 # فقلت: - وقد أعجبت بها جدا، وأثنى عليها كثيرا: أحسن ما في القطمة سياقة ~~الأعداد والاستنزال، لكنه قد استرسل فلم يقابل بين أطراف البيت الأخير، ~~والبيت الذي قبله، فينزل بإزاء كل واحد مناه ما يلائمه، وهل يحسن أن ينزل ~~بإزاء قوله: وإذا نطق قوله شغل الحدق، وكأنه نازعني القول في أن هذا غاية ~~الجهل، فقلت بديها: # ومهفهف طاوى الحشى ... خنث المعاطف والنظر # ملأ العيون بصورة ... تليت محاسنها سور # فإذا رنا وإذا مشى ... وإذا شدا وإذا سفر # فصح الغزالة والنعا ... مة والحمامة والقمر # فجن بها. ### | قال علي بن ظافر # : والقطعة الأولى ليست لابن رشيق، هي لأبي الحسين بن علي بن بشر الكاتب ~~أحد شعراء اليتيمة. ### | وبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام # أن أبا عبد الله بن أبي الخصال وقف ببعض القضاة، واستأذن عليه فحجبه، ~~فكتب إليه بديها: # جئناك للحاجة الممطول صاحبها ... وأنت تنعم، والإخوان في بوس # وقد وقفنا طويلا عند بابكم ... ثم افترقنا على رأي ابن عبدوس # أشار بهذا القول إلى قول الوزير أبي عامر بن عبدوس: # لنا قاض له خلق ... أقل ذميمه النزق # إذا جئناه يحجبنا ... فنلعنة ونفترق ### | قال ابن بسام # كان أبو عبد الله بن عائشة البلنسي مع ابن خفاجة في جماعة مع أهل الأدب، ~~تحت دوحة خوخ منورة، فهبت ريح أسقطت عليهم بعض زهر، فقال ابن عائشة ~~ارتجالا: # ودوحة قد علت سماء ... تطلع أزهارها نجوما # هفا نسيم الصبا عليها ... فخلتها أرسلت رجوما # كأنما الجو غار لما ... بدت ms198 فأغرى بها النسيما ### | وأخبرني أبو عبد الله محمد القرموني المقدم ذكره يدمشق # قال: كان بين السميسر الشاعر وبين بعض رؤساء المرية شيء لمدح مدحه به فلم ~~يجزه عليه، فصنع ذلك الممدوح دعوة للمعتصم بالله أبي يحيى بن صمادح، واحتفل ~~فيها بما يحتفل مثله في دعوة السلطان مثل المعتصم، فصبر السميسر إلى أن ركب # PageV01P216 # السلطان متوجها إلى الدعوة، فوقف له في الطريق، فلما حاذاه رفع صوته ~~قائلا: # يأيها الملك الميمون طائره ... ومن لذي مأتم في وجهه عرس # لا تقربن طعاما عند غيركم ... إن الأسود على المأكول تفترس # فقال المعتصم: صدق والله، ورجع من الطريق، وفسد على الرجل كل ما عمله. ### | ### | قال علي بن ظافر # # أذكرتني هذه الحكاية حكاية كنت نسيتها وقد تنبهت لها الآن؛ كان عباد ابن ~~الحريش قد مدح رجلا من كبار أصفهان من أرباب الضياع والأملاك والتبع ~~الكثير، كنت أعرف اسمه ونسبته، فمطله بالجائزة، ثم أجازه بما لم يرضه فرده ~~عليه، وبعد ذلك بحين عمل الرجل دعوة عظيمة، غرم عليها ألوف الدنانير لأبي ~~دلف القاسم بن عيسى العجلي، على أن يجيء إليه من الكرج، فلما استحق المغرم ~~خرج عباد ليلا، ووقف بين الكرج وأصقهان، ووصل أبو دلف، فلما وقعت عين عباد ~~عليه، وهو يساير بعض خواصه، أومأ إلى ذلك المساير له، وأنشأ بأعلى صوته: # قل له يا فديته ... قول عباد: ذا سمج # جئت في ألف فارس ... لغداء من الكرج # ما على النفس بعد ذا ... في الدناءات من حرج # فقال أبو دلف: - وكان أخوف الناس من شاعر - صدق والله، أجيء من الكرج إلى ~~أصفهان حتى أتغدى بها! والله ما على هذا مزيد من دناءة النفس. ثم رجع من ~~طريقه وفسد على الرجل كل ماغرمه، وعرف من أين أتى، وتخوف أن يعود عليه عباد ~~بأشد منها، فسير إليه جائزة سنية مع جماعة، فلم يقبل الجائزة، ثم أنشد ~~بديها فقال: # وهبت يا قوم لكم عرضه # فقالوا: جزاك الله خيرا، فقال # كرامة للشعر لا للفتى # لأنه أحرص من ذرة ... على الذي تجمعه ms199 في الشتا # قال علي بن ظافر # وذكر أبو الصلت في رسالته ما معناه: أنه عزم هو ورفقاؤه على الاصطباح، ~~فقصدوا بركة الحبش في وقت ولاية الغبش، وحلوا منها روضا بسم زهره، ونسم ~~عطره، فأداروها كئوسا، تطلع من المدام شموسا، وعاينوها نجوما، تكون لشياطين ~~الهموم رجوما، فطرب حتى أظهر الطرب # PageV01P217 # نشاطه، وأبرز ابتهاجه وانبساطه، فقال: # لله يومي ببركة الحبش ... والجو بين الضياء والغبش # والنيل تحت الرياح مضطرب ... كصارم في يمين مرتعش # ونحن في روضة مفوفة ... دبج بالنور عطفها ووشى # قد نسجتها يد الغمام لنا ... فنحن من نسجها على فرش # فعاطني الراح إن تاركها ... من سورة الهم غير منتعش # وأسقني بالكبار مترعة ... فهن أروى لشدة العطش # فاثقل الناس كلهم رجل ... دعاه داعي الهوى فلم يطش ### | وأخبرني الفقيه أبو الحسن بن المفضل القدسي عن الفقيه الشريف أبي محمد # عبد الله بن عبد الرحمن بن يحيى العثماني الديباجي # عن أبي إسحاق إبراهيم بن المنفق اللخمي السبتي، عن أبي الصلت أمية بن عبد ~~العزيز بن أبي الصلت: كنت مع الحسن بن علي بن تميم بن معد بن باديس ~~بالمهدية في الميدان، وقد رمى بالنشاب، فصنعت بديها: # يا ملكا قد خلقت كفه ... لم تدر إلا الجود والباسا # إن النجوم الزهر مع بعدها ... قد حسدت في قربك الناسا # وودت الأفلاك لو أنها ... تحولت تحتك أفراسا # كما تمنى البدر لو أنه ... أضحى لنشابك برجاسا ### | أخبرني الشيخ الأديب أبو الحسن علي بن خروف القيسي القرطبي رحمه الله # قال: صنع الوزير أبو جعفر أحمد وزير الرئيس أبي إسحاق ابن همشك صهر ~~الأمير أبي عبد الله محمد بن مروان، في غلام أسود بيده قضيب نور بديها: # وزنجي أتى بقضيب نور ... وقد زفت لنا بنت الكروم # فقال فتى من الفتيان صفه ... فقلت: الليل أقبل بالنجوم ### | وأخبرني أن الأستاذ ابن الطراوة # حضر مجلس شراب، فعجز بعض الندماء عن الشرب كما يشرب الجماعة، ويسألوه في ~~شرب نصيبه من بعض الأدوار ففعل، وقال بديها: # يشربها الشيخ وأمثاله ... وكل من تحمد أفعاله # والبكر إن لم يستطع ms200 صولة ... تلقى على النازل أثقاله # PageV01P218 ### | أنبأني الشيخان # تاج الدين بن اليمن الكنديوقاضي القضاة جمال الدين أبو القاسم بن ~~الحرستاني إجازة، عن الحافظ أبي القاسم ابن عساكر، قال: وقد ذكر إبراهيم بن ~~سعيد الإسكندري المعروف بالسديد، وذكره لنا أبو عبد الله بن المحلي فيمن ~~لقيه من أهل الأدب قال: كان صاعد قد عمل شخص حديد ينفخ النار ساعات، فأراد ~~السديد اختباره كما يجب، فأطفأ النار، فقال صاعد بديها: # نار تيممها السديد فردها ... بردا وكانت قبل وهي جحيم # فكأنما المفتاح آية ربه ... وكأن إبراهيم إبراهيم ### | وأنبأني جميعا عن الشيخ الحافظ أبي القاسم # قال: أنشدنا أبو بكر عبد الله بن منصور، قال: أنشدنا أبو الحسن محمد بن ~~علي بن الصفراء الواسطي لنفسه ارتجالا، وقد دخل عزاء لصبي، وهو في عصر ~~المائة، وبه ارتعاش، فتغامز عليه الحاضرون فقال: # إذا دخل الشيخ بين الشباب ... عزاء وقد مات طفل صغير # رأيت اعتراضا على الله إذ ... توفى الصغير وعاش الكبير # فقل لابن شهر وقل لابن ألف ... وما بين ذلك: هذا المصير ### | وبهذا الإسناد قال الجاحظ # أخبرني أبو عبد الله محمد ابن عبد الواحد بن أحمد الغساني قال: سمعت أبي ~~ينشد لنفسه يديها في صفة نهر ثوراء بحضرة أبي عبد الله محمد بن الخياط ~~الشاعر: # دمشق دار رعاها الله من بلد ... ونهر ثورا سقاه الله من واد # كأنه ونسيم الريح خمشه ... نقش البارد في سلسساله الهادي # مزجت بالراح منه الراح فاكتسبت ... لونا وطعما غريبا غير معتاد # في روضة من رياض الخلد باكرها ... صوب الغمام بإبراق وإرعاد # ظللت فيها رخى البال مع رشاء ... مهفهف كقضيب البان مياد ### | قالا وأخبرنا الحافظ أبو القاسم بن عساكر الدمشقي # قال: أنشدني أبو البركات الخضر بن هبة الله بن أبي الهمام لنفسه، وكتب لي ~~بخطه مما أنشده، وقد حضر بين يدي أمير المؤمنين الراشد بالله بن المسترشد ~~على البديهة: # ولما شأوت الحاسدين إلى مدى ... رفيع يزل العصم دون مرامه # ورفعت الأستارلي دون ماجد ... شفا غلتي من بشره وسلامه # PageV01P219 # سطوت على صرف الزمان بجوده ... وصلت ms201 على كيد العدا بانتقامه ### | وأخبرني الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي القرموني # قال: لما أفرط أبو يحيى البكاء في هجاء أهل فاس، تعصبوا عليه وساعدهم ~~واليهم مظفر الخصي من قبل أمير المسلمين علي بن يوسف، والقائد عبد الله بن ~~خيار الجياني، وكان يتولى أمورا سلطانية بها، فقدموا رجلا ادعى عليه بدين، ~~وشهد عليه به رجل، فقيه يعرف بالزناتي، ورجل يكنى بابي الحسين من مشايخ ~~البلد، فأثبت الحق عليه، وأمر به إلى السجن، فرفع إليه، وسيق سوقا عنيفا. ~~فلما وصل بابه طلب ورقة من كاتب وكتب فيها، وأنفذها إلى مظفر مع العون الذي ~~أوصله إلى السجن، فكان ما كتب: # ارشوا الزناتي الفقيه ببيضة ... يشهد بأن مظفرا ذا بيضتين # واهدوا إليه دجاجة يحلف لكم ... ما نال عبد الله عرس أبي الحسين ### | وأخبرني الشيخان # تاج الدين العلامة أبو اليمن الكندي، والشيخ جمال الدين أبو القاسم بن ~~الحرستاني إجازة، عن الشيخ الحافظ أبي القاسم ابن عساكر قراءة عليه، قال: ~~بلغني أن علقمة بن عبد الرازق العليمي لما قصد بدرا الجمالي بمصر رأى على ~~بابه أشراف الناس وكبراءهم وشعراءهم، فسألهم عن حالهم، فأخبرهم بقدومه ~~قاصدا له، فكل آيسه من لقائه، فبيناهم كذلك إذ خرج بدر يريد الصيد، فلما ~~رآه مقبلا علا نشزا من الأرض، ثم جعل في عمامته ريشة نعام ليشهر بها نفسه، ~~فلما قرب إليه أومأ برقعة كانت معه وأنشأ يقول: # نحن التجار وهذه أعلاقنا ... درر وجود يمينك المبتاع # قلب وفتشها بسمعك إنما ... هي جوهر تختاره الأسماع # كسدت علينا بالشآم وكلما ... قل النفاق تعطل الصناع # فأتاك يحملها إليك تجارها ... ومطيها الآمال والأطماع # حتى أناخوها ببابك والرجا ... من دونها السمسار والبياع # فوهبت ما لم يعطه في دهره ... هرم ولا كعب ولا القعقاع # وسبقت هذا الناس في طلب العلا ... فالناس بعدك كلهم أتباع # يا بدر أقسم لوبك اعتصم الورى ... ولجوا إليك جميعهم ما ضاعوا # PageV01P220 # قال: وكان على يد بدر باز، فدفعه إلى البازدار، فضرب على يده وانفرد به ~~عن الجيش، وجعل يستعيده الأبيات وهو ينشدها ms202 إلى أن استقر في مجلسه، ثم ~~التفت إلى جماعة غلمانه وخاصته وأصحابه وقال: من أحبني فليخلع على هذا ~~الشاعر. قال علقمة: فوالله لقد خرجت من عنده ومعي سبعون بغلا تحمل الخلع، ~~وأمر لي بعشرة آلاف درهم، فخرجت فقلت لمن ببابه: الحقوني يا متخلفين، ~~فلحقوني بأجمعهم، فما فيهم إلا من خلعت عليه، ووهيت له من جائزتي. ### | وذكر القاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسين الآمدي النائب # كان في الحكم بالإسكندرية قال: دخلت على الأمير السعيد بن مظفر في أيام ~~ولايته بالثغر، فوجدته يقطر دهنا على خنصره، فسألته عن سببه: فذكر ضيق ~~خاتمه عليه، وأنه ورم بسببه. فقلت له: الرأي قطع حلقته قبل أن يتفاقم الأمر ~~فيه، فقال: اختر من يصلح لذلك، فاستدعيت أبا منصور ظافر ابن القاسم الحداد، ~~فقطع الحلقة وأنشد بديها: # قصر في أوصافك العالم ... وأكثر الناثر والناظم # من يكن البحر له راحة ... يضيق عن خنصره الخاتم # فاستحسنه الأمير ووهبه الحلقة، وكانت من ذهب. # وكان بين يدي الأمير غزال متأنس قد ربض، وجعل رأسه في حجره، فقال ظافر: # عجبت لجرأة هذا الغزال ... وأمر تخطى له واعتمد # وأعجب به غدا جاثما ... وكيف اطمأن وأنت الأسد # فزاد الأمير والحاضرون في الاستحسان. # وتأمل ظافر شباكا على باب المجلس تمنع الطير من دخولها، فقال: # رأيت ببابك هذا المنيف ... شباكا فداخلني بعض شك # وفكرت فيما رأى خاطري ... فقلت: البحار مكان الشبك ### | وأنبأني العماد أبو حامد # قال: وفد أبو الصقر الواسطي على نظام الملك رحمه الله - فحجب عنه، فكتب ~~إليه بديها: # لله درك إن دارك جنة ... لكن خلف الباب منها مالكا # هذا نظام الملك ضد المقتضى ... قد كان يروى عن جهنم ذلكا # أنعم بتيسير الحجاب فإنني ... لاقيت أنواع النكال هنالكا # مالي أصادف في رحابك جفوة ... وأنا غني راغب عن مالكا! # PageV01P221 # قال: فلما أذن له قال له: إذا كنت غنيا عن مالنا فانكف عنا، فقال: كلا، ~~أنت شافعي المذهب، وقد جئتك لمذهبك لا لذهبك. ### | وأنبأني العماد أيضا # قال: ذكر عمارة في كتابه في أشعار أهل ms203 اليمن قال: وهب الداعي محمد بن ~~سبالا بن سلمان - رجل من قومه - ألف دينار، والقاضي يحيى بن أحمد بن يحيى ~~حاضر - وبنو يحيى بيت كبير بصنعاء - فارتجل القاضي لوقته: # لا فخر إلا إذا أقبلت مستلما ... كف المكين ظهير الدين مولانا # هي لتي تهب الآلاف وافية ... إن كنت غرا فسل عنها ابن سلمانا # فقال الداعي: أنا أبو عبد الله، أما ابن سلمان فهو ابن عمتي، وإنما ~~المسئول عنها أنت. ثم أمر له بألف دينار، فقبضها في الحال. ### | وذكر عبد الرحمن بن نصر الدمشقي في كتابه المسمى بالتحفة والطرفة # أن الوزير المزدقاني خرج للتنزه، فرأى امرأة في بعض القصور فأعجبته، فوقف ~~متأملا لها، فأشارت إليه، وآنس منها قبولا، فأرسل إليها رسولا يعلمها بشدة ~~شوقه ووجده بها، فردت رسوله ومعه تفاحة عنبر، فيها زر من ذهب ولم تكلمه ~~بشيء، فلم يفطن هو ومن حضره لتأويل ذلك، فقال له ابنه أحمدك قد فهمت ما ~~أرادت، ونظمه في الحال في بيتين وأنشد: # أهدت لك العنبر في جوفه ... زر من التبر خفى اللحام # فالزر في العنبر معناهما: ... زر هكذا، مختفيا في الظلام ### | وأنبأني الفقيه أبو الحسن بن المفضل المقدسي # قال: أخبرني الشيخ أبو الحسن علي بن عتيق بن مؤمن القرطبي الأنصاري قال: ~~عمل والدي محملا للكتب من قضبان شبه سلما، فدخل عليه أبو عبد الله محمد بن ~~مفيد فرآه، فقال ارتجالا مخبرا عن لسان حال السلم: # أيها السيد الذكي الجنان ... لا تقسني بسلم البنيان # فضل شكلى على السلالم أني ... محمل للعلوم والقرآن # حزت من حلية المحبين ضعفي ... واصفراري ورقة الأبدان # فادع للصانع المفيد بفوز ... ثم وال الدعاء للإخوان # ثم عمل أيضا: # أيها السيد الكريم المساعي ... التقت صنعتي وحسن ابتداعي # أنا للكتب محمل خف حملي ... أنا في الشكل سلم الإطلاع # PageV01P222 ### | وأنبأني الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي # قال: أنشدني تاج الدين المسعودي أبو سعيد عبد الرحمن قال: أنشدني ظهير ~~الدين أبو النجيب الحسن بن شهراسوب القاضي أبو بكر الأرجاني، وقد دخل عليه ~~من طمع في طيلسانه، فقال ms204 ارتجالا: # حسبك مني يا فتى خلعة ... أمسك عن نشر مساويكا # في طيلساني لا تكن طامعا ... طي لساني عنك يكفيكا # وقد أخبرني العماد أبو حامد، أنه سمع جميع شعر القاضي أبي بكر على ابنه ~~عنه، وطلب مني قراءته عليه، فلم أتفرغ له، وأجازنيه في جملة ما أجازني ~~روايته عنه. ### | وأخبرني القاضي الوجيه الحسين أبي منصور بن حران الواسطي # قال: كنت مع خالي نجم الدين بن أبي الغنائم بن المعلم الهرني على طعام، ~~فأنهى إليه أن ظهير الدين محمود بن محمد بن بردامسيا ضامن بلاد واسط، قد ~~طرح على قرى كانت في ملكه عدة أكرار أرز، فناولني درجا، ثم قال لي: اكتب، ~~فكتب: # إيه ظهير الدين إنك في ندى ... ووغى كغيث جدا وليث عرين # وإذا امرؤ ضاقت عليه أموره ... وكأنه في حلقة التسعين # ودعا بك انفرجت سجون صعابها ... عنه بأبلج شامخ العرنين # ثم أتبعها رسالة أملاها لي إليه وأرسلها. ### | وأنبأنا العماد الأصفهاني إجازة # قال: اجتمعت أنا والمرتضى ابن أبي المؤيد الجعفري الأصفهاني، فجرى بيننا ~~في المحاورة ذكر رجل يقال له ابن عمرو، وكان ينسب إلى كبر، فنظم الجعفري ~~بديهة يخاطب جمال الدين ابن الخجندي فقال: # أيها الصدر كم تشيع فينا ... من تخيرته بما ليس فيه # وإذا ما عددت أبناء فضل ... فابن عمرو كمثل واو أبيه ### | وأنبأني أيضا # قال: أخبرني أكرم الدين أبو سهيل خازن دار الكتب بالنظامية قال: دخل علي ~~عزيز بن محمد الشلمكي دار الكتب وبيده عصا، فقلت: إن العصا للشيخ رجل ~~ثالثة، فقال بديها: # ضعف جسمي لمشيبي ... لم يضع مني وقارا # صار حالي عبرة العا ... قل إن رام اعتبارا # العصا صارت حماري ... ولها صرت حمارا # PageV01P223 ### | ### | قال علي بن ظافر # # وأخبرني بعض أصحابنا، أن أبا القاسم ابن هانئ الشاعر المحدث، قد هجا ~~الأجل الموفق أبا الحجاج يوسف بن الخلال صاحب ديوان الإنشاء والمكاتبات، ~~هجاء اتصل به، فأضمر له الحقد بسببه مع إفراط جلالة الرجل، وفرط رياسته، ~~وحسن معاشرته للناس وسياسته. واتفق بعض المواسم التي جرت عادة ملوك مصر ~~بالجلوس فيها ms205 لاستماع المدائح وبذل المنائح، وزف بنات القرائح، فجلس الحافظ ~~لذلك وحضر خواصه في ظاهر الرواق على مراتبهم، فانتهت النوبة في الإنشاد إلى ~~أبي القاسم بن هانئ، فأنشد ما اهتزت له المعاطف وفض ختام روضه ليس لها إلا ~~القلب والسمع جان وقاطف، فمال الحافظ إلى القاضي الموفق متعجبا، وقال له: ~~كيف تسمع؟ فاستحسن واستجاب، حتى نسبه إلى الإعجاز أو كاد، وهو في خلال ذلك ~~يصنع صنع المخاتل، ويحاول قرطسة المقاتل، فسأله الحافظ عن الرجل، فأثنى على ~~أدبه، وثنى بنسبه، حتى أوهمه الاعتناء به. ثم قال: ولو لم يكن له مما يمت ~~به إلا انتسابه إلى أبي القاسم بن هانئ شاعر هذه الدولة، ومظهر مفاخرها، ~~وناظم مآثرها لكفى، فكيف وفيه هذا الأدب الغض النضير، والشعر الذي لا ند له ~~ولا نظير! لولا بيت أظهره منه الضجر عند دخوله هذه البلاد، فقال له الحافظ: ~~ما هو؟ فتحرج من إنشاده، وامتنع من إيراده. فأبى الحافظ إلا أن يورده، ففي ~~أثناء ذلك صنع هذا البيت وأنشده: # تبا لمصر فقد صارت خلافتها ... عظماء تنقل من كلب إلى كلب # فعظم ذلك على الحافظ، وأمر بقطع صلته، وكاد أن يفرط في عقوبته، ولم يحصل ~~له انتعاش من جهته طوال مدته. # قال علي بن ظافر # وأخبرني الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي، قال: أخبرنا تاج الدين أبو ~~سعيد - وهو أبو عبد الله أيضا محمد بن عبد الرحمن بن محمد المسعودي، قال: ~~جاء رجل إلى أبي نصر أحمد بن عبد الله ابن عبد الرحمن بن شمر الصخديهي - ~~وكان قاضي بلد تعرف بخمس القرى - وكان من العلماء الفضلاء، فقال له في معرض ~~الدعابة والمزاح: اشهد على أنني قد وقفت معدتي على سائر ألوان الطعام. ~~فقال: قد شهدت، فقال: سجل لي، فأمر كاتبا فكتب كتاب وقف، فلما قدم إليه كتب ~~في موضع الشهادة هذه الأبيات - قال: وكان ارتجالها ما بين ابتداء الكتاب ~~وفراغه - وهي: # يقول أبو نصر المبتلى ... بأمر القضاء بخمس القرى # PageV01P224 # أقر بمضمونه طائعا ... أبو الأكل ملتقم ابن القرى # وحليته صاحب ms206 الطيلسان ... مديد الحوايا قصير القرا ### | وأخبرني الفقيه الحافظ بن دحية # قال: دخلت على الوزير الفقيه الأجل أبي بكر عبد الرحمن بن محمد مغاور ~~السلمي، فوقع الكلام في علوم لم تكن من جنس فنونه، فقال بديها: # أيها العالم أدركني سماحا ... فلمثلي منك السماح # أن تراني إذا نطقت عييا ... فبناني إذا كتبت وقاح # أحرز الشأو في نظام ونثر ... ثم أثني وفي العنان جماح # فبهزل كما تأود غصن ... وبجد كما تسل الصفاح ### | وأخبرني أيضا # قال: دخلت عليه منزله بمدينة شاطبة في اليوم الذي توفي فيه وهو يجود ~~بنفسه، فأنشد بديها: # أيها الواقف اعتبارا بقبري ... استمع فيه قول عظمي الرميم # أودعوني بطن الضريح وخافوا ... من ذنوب كلومها بأديمي # تركوني بما اكتسبت رهينا ... غلق الرهن عند مولى كريم ### | وأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد المقدم ذكره عن أبيه بما معناه # قال: كنت بمجلس الصالح في يوم أسدل الجو به ستور الغمام، واختفت الشمس ~~فيه اختفاء النور في الكمام، ونثرت السماء درر البرد نثرا عم الربا ~~والآكام، حتى وصل إلى أطراف بسط المجلس، فصنع القاضي الموقف بن قادوس قطعة ~~شذت عني لبعدي عنها؛ إلا قوله منها: # ولكن أتتك ثغور السحاب ... تقبل بين يديك البساطا ### | وأخبرني أيضا رحمه الله # قال: أخبرني أبي بما معناه، قال: كنت في مجلس فارس المسلمين أخي الصالح، ~~وقد نصب سماطا بمجلسه لخواصه، ونصب سماطا آخر في بعض المجالس لجماعة من ~~أمراء العرب، وفي جملتهم الأمير إبراهيم بن شادي بن مرجان؛ وهو يومئذ يهتز ~~كالغصن الممطور، ويأبز كالظبي المذعور، قبل أن يصير أحد الأمراء الأمجاد، ~~والكرماء الأنجاد. قال: فبصرت أنا والأمير علو الدولة حاتم بن العسقلاني ~~به، وقد كشف عن معصمه، وهو يشف عن مخه ودمه؛ فكأنه عمود بلور تبدى، وقد حشى ~~وردا، ووجهه تحت لثامه، # PageV01P225 # كالبدر خلف غمامه، قال: فصنع بديها: # سلمت من فتنة العيون ... فارحم فتى هام بالفتون # قلبي بلي، من بلى بظني ... يختلس الليث في العرين! # مذ عقد القاف حل مني ... عقدة عزمي وعقد ديني # يقول والقلب في هواه ... بلا مجير ms207 ولا معين # إن كنت فردا بحسن وجه ... وكنت من ذا على يقين # فاخلع ثيابي وانظر تشاهد ... عساكر الحسن في الكمين ### | وأنبأني العماد أبو حامد # قال: أنشدني أبو السعادات علي بن بختيار لنفسه في البرغوث والبق، وقد ~~اقترح عليه بحضرة جماعة من الفضلاء، فقال بديها: # ولما انتحى البرغوث والبق مضجعي ... ولم يك من أيديهما لي مخلص # صفقت بكفي إذ مدامتها دمي ... فزمر هذا وابتدا ذاك يرقص # قال العماد: وقد كنت عملت أبياتا ارتجالا لأصف بها ليلة بتها بنهر دقلا، ~~فقلت: # يالحا الله ليلة قرصتني ... في دياجيرها البراغيث قرصا # شربت بقها دمي فتغنت ... وبراغيثها تواجدن رقصا # قد تعريت من ثيابي لقرصي ... غير أني لبست منهن قمصا # كلما زدت منعهن بحرص ... عن فراشي شربن فازددن حرصا # من براغيث خلتها طافرات ... طائرات جناحها قد قصا # عرضت جيشها الفريقان حولي ... وهي أوفى من أن تعد وتحصى # لو غزا سنجر بها الغز يوما ... لم يدع منهم على الأرض شخصا # ومثل هذا ما أنشدنيه الحافظ ذو النسبتين أبو الخطاب بن دحية الحصري: # ضاقت بلنسية بي ... وذاد عني غموضي # رقص البراغيث فيها ... على غناء البعوض # ومما أنشدنيه أيضا للسميسير: # بعوض شربن دمي قهوة ... وغنيني بضروب الأغان # كأن عروقي أوتارهن ... وجسمي الرباب وهن القنان # وأحسن من هذا كله قول ابن رشيق القيرواني: # لك مجلس كملت بشارة لهونا ... فيه ولكن تحت ذاك حديث # PageV01P226 # غنى الذباب فظل يزمر حوله ... فيه البعوض ويرقص البرغوث # وأسبق من هؤلاء إلى هذا المعنى أبو أحمد بن أيوب - من شعراء اليتيمة في ~~قوله: # لا أعذل الليل في تطاوله ... لو كان يدري ما نحن فيه نقص # إذا تغنى بعوضه طربا ... أطرب برغوثه الغنا فرقص ### | وأخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن الطوسي المعروف بابن السيوري # قال: دخلت على الأديب الأعز أبي الفتوح بن قلاقس، وهو مريض، فقال: صنعت ~~بيتين بديها في الحمى، ووصفها بأحسن من صفة أبي الطيب، فأنشدته إياهما، ~~فأنشدهما: # وبغيضة تدنو وما دعيت ... فتبيت بين الجلد والكبد # يصبو الفؤاد لبينها فإذا ... ولت بكاها سائر الجسد ### | وأخبرني ms208 الفقيه أبو الحسن علي بن المقدسي # قال: كنت معه - يعني ابن قلاقس - فمر بنا صبي صبيح معروف الاسم في ثوب ~~أحمر، وعمامة زرقاء، فاستحسنه الحاضرون، فصنع في الحال: # هذا أبو الفضل بدر الأرض قد شهدت ... صفاته أنه كالبدر في الأفق # لما تعمم تيها بالسماء بدا ... وفوق أعطافه ثوب من الشفق # ولا تقل لاح في خديه عارضه ... فإنما هو تأثير من الغسق ### | وأخبرني أبو عبد الله المنجم بن الصواف # قال: دخل منزلي الأديب الأعز أبو الفتوح بن قلاقس وجماعة من أصحابنا، ~~فأحضرت لهم بطيخة صفراء وشققها وفرقتها عليهم، فارتجل الأعز: # أتانا الفقيه ببطخة ... وسكينة قد أجيدت صقالا # فقطع بالبرق بدر الدجى ... وناول كل هلال هلالا ### | وأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد، عن أبيه # قال: كنت عند الأمير شمس الملك نبهان بن عين الزمان، وعنده الأعز بن ~~قلاقس وجماعة ممن يجالسه، وعنده مغن يقال له الحسام؛ وهو ابن صاحب ربع ~~المشهور، فجعل يغني ببليقة لحسام الدين الإسكندراني في هجاء ابن قلاقس ~~أولها: # اسألوا عني فتوح بن قلاقس # كيف رأى ضرب الشلوح بالدرافس # PageV01P227 # فعز على ابن قلاقس ما فعله، وأوهم أنه يمضي إلى بيت الخلاء، فقام ثم عاد ~~سريعا، فوقف على باب المجلس، وقال: # ليس الحسام حساما ... وإنما هو غمد # يشدو فكم من فؤاد ... تحت السياط يشد # وقد قلت إذ تاه فينا ... تبظرما لا يحد # خرا عليك ولو أن معبدا لك عبد # فكأنما ألقم حجرا. ### | وأخبرني الأنجب السخاوي الساكن بالإسكندرية # قال: لما وصل الأديب الأعز بن قلاقس من صقليه، وكان قد انتجع أبا القاسم ~~بن الحجر، فانبجس بعيون العطاء وانفجر، خرج للسلام عليه جميع معارفه وخرجت ~~في جملتهم، فلما نزل من المركب، وأخذنا في السلام عليه، إذ بأبي العباس ~~أحمد بن محمد بن أبي الصلاح قد خرج، فحين وقعت عينه عليه - أي على الأعز - ~~أنشد مرتجلا: # أظل هلال العاشقين فلا أهلا ... ولا مرحبا بالقادمين ولا سهلا # ثم انصرف؛ وتركنا متعجبين لسرعة بديهته وقلة وفائه. ### | أنبأني العماد أبو حامد رحمه الله # قال: جرى بين يدي ms209 القاضي الفاضل رحمه الله يوما ذكر حب الصغير، فارتجل ~~هذه الأبيات: # طفل كفاه القلب دارا له ... كأنما القلب له قالب # كيوسف الحسن وقلبي له ... سجن وما ثم له صاحب # أصبح والقلب لباس له ... لا قاصر عنه ولا ساحب # وهو بعيني، وهو إنسانها ... وهي له من خارج حاجب # ضاق به ضيق عناقي له ... فلم يسع ما قاله العائب ### | قال: وجرى بين يديه ذكر سيوف السلطان الملك الناصررحمه الله # فارتجل قطعة، علق بحفظي منها: # ماضيات على الدوام دوامي ... هي في النصر نجدة الإسلام # في يمين السلطان إذا جردتها ... أشبهتها صواعق في غمام # تنثر الهام في الحروب فما أشبه هذي السيوف بالأقلام # في محاريب حربه البيض حلت ... وركوع الظبا سجود الهمام # PageV01P228 ### | وأخبرني السعيد أبو القاسم بن سناء الملك رحمه الله # قال: خرجنا للقاء القاضي الفاضل رحمه الله تعالى في بعض قدماته من الشام، ~~فلقيناه وعدنا، فلما كنا في سطح الخشى عن ظبي للموكب، فركض خلفه المسكين بن ~~حيون، طامعا أن يلحقه، وكان مثل هذا الفعل لا يليق به، لأنه ليس من أهله، ~~ولأن الصدر المتلقى لا ينبغي أن يغلط بين يديه مثله. فعجب الفاضل منه، ~~واتفق أن فاته الصيد الذي طلبه، وسقطت مقرعته من يده، ورجع إلى الموكب، ~~وعليه انكسار الفوات وحجل الغلط، فارتجل الأجل الفاضل: # يا عاديا عدو السفي ... ه وعائدا عود الحليم # ضيعت مقرعة وعد ... ت سميها من غير ميم ### | قال: وأخبرني الفقيه أبو العباس أحمد الآبي # وكان كثير الصحبة للأجل الفاضل في صدر عمره أيام كونه بالإسكندرية - قال: ~~كان يصحبه رجل يعرف بابن بليمة، ولا يكاد يفارقه، وكان يحضر عنده رجل مغن ~~من أهل الثغر، يعرف بشهاب؛ وكان يغني الموشحات، فغنى ليلة، واتفق أن نعس ~~ابن بليمة فأنبه، فضرط، فضحك الأجل الفاضل، وارتجل: # تغنى شهاب لنا ليلة ... غناء له هجع السمر # فأعجب هذا ابن بليمة ... فأقبل من دبره ينعر ### | وأخبرني الفقيه شجاع الغزالي المتقدم ذكره # قال: مضيت أنا ونشو الملك على بن مفرج بن المنجم المقدم ذكره إلى دار ~~الكامل ms210 شجاع بن أمير الجيوش بن شاور آخر وزراء الدولة المصرية، ومن كان ~~انقضاؤها بموته، ومعنا قصيدتان قد امتدحناه بهما في بعض الأعياد، فرأينا ~~رماحا قد عملت برسم الموكب، وجعل عليها مكان اللهازم أهلة من ذهب، فقال نشو ~~الملك: قد مقع لي في هذه الرماح معنى، فصنع في الحال: # فعال الكامل الملك المرجى ... على ما فيه من فضل أدله # نحا برماحه نحو الأعادي ... فكل قد سقاه بها وعله # ولم يرض النجوم لها نصالا ... فنصلها هنالك بالأهلة # ثم كتبها وبعث بها إلى الكامل، فخرجت جائزته في الحال. ### | وأخبرني الفقيه الوجيه أبو الفضل جعفر بن جعفر الحموي المقدم ذكره # قال: كان بمصر صبي # PageV01P229 # مستحسن، وضيء الوجه، اسمه أسد، قد شغف به رجل اسمه الفأر، ووقع بينهما ما ~~أدى الرجل إلى أن قتل الصبي وهرب، وخاض الناس في أمره، وأكثروا الحديث فيه، ~~فجلست يوما بسوق الكتب، إذا بابن المنجم قد مر راكبا، فحين رآني ثنى رجله ~~على معرفة فرسه، ووقف للحديث، فمر علينا في أثناء ذلك شاب مشهور بجمال ~~وانتماء أهل الأدب، فأنشدنا مرثية زعم أنه رثى بها الصبي القتيل، فصنع ابن ~~المنجم في الوقت: # ولم أر قبله أسدا قتيلا ... لفأر ظل يرثيه غزال ### | وأخبرني بعض أصحابنا # قال: قال لي نشو الملك بن النجم: ما رأيت أوقح ولا أصغر جوابا من أبي ~~الحسن الذروي - يعني المقدم ذكره رحمه الله - مر يوما وهو راكب بغلة، وبين ~~يديه عبد له، فصنعت في الحال: # قل لمن تاه حين مر علينا ببغله # بعد أن كان ليس يملك شعا لنعله # سقت قدامك الغلا ... م جزاء بفعله # هكذا كل شاعر ... بغله خلف بعله # ثم كررت مسرعا لألحقه، فتأخر غلامي عني لأجل إسراعي، واستوقفته وجعلت ~~أنشده وهو يحسن الاستماع حتى انتهيت، فقال: ليس كل شاعر كذلك، ها أنت شاعر، ~~وبعلك خلف بغلك، فكلحت والله وانصرفت. ### | وأخبرني الفقيه القاضي أبو موسى عمران الخندقي رحمه الله # قال: دخلت أنا وجماعة من أصحابنا على الوجيه الذروي المذكور، وهو وجماعة ~~من أصحابنا يشربون، فمزحنا وداعبناهم، ms211 فصنع بديها: # ويوم قاسمتنا اللهو فيه ... أناس ليس يدرون الوقارا # أدرنا الصفع والكاسات فيه ... فعربدت الصحاة على السكارى ### | وأخبرني الفقيه العفيف شجاع العربي المقدم ذكره # قال: اجتمعت مع الوجيه أبي الحسن بن الذروي، والأديب نشو الملك بن ~~المنجم، وجعفر القرشي المنبوز بشلعلع - المقدم ذكر الجميع - عند القاضي ~~الأسعد بن الخطير بن مماتي في بستانه، فمدحته بقطعة لإحسان كان منه إلي، ~~وكتبتها في ورقة كرم، فحين وقف عليها صنع بديها: # PageV01P230 # أطربنا شعر العفيف الذي ... قد فاق في النبل وفي الفهم # لو لم يكن يسكرنا شعره ... ما صاغه في ورق الكرم ### | قال علي بن ظافر # وكنت يوما عند الأمير عضد الدين أبي الصوارم مرهف بن الأمير مجد الدين ~~أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ، فدخل عليه رجل من بقايا جند ~~مصر يعلم الرمي بالنشاب، واسمه الليث بن دبوس، وهو معبس الوجه كالحه، ثاني ~~عطفه جامحه، فقال الأمير يداعبه بديها: # أصبح الليث يوافينا بتعبيس وتيه # فمتى أنظر في يا ... فوخه اسم أبيه # فاستحسنت البيتين، ثم صنعت في معناهما بعد ذلك بحين، وزدت عليه: # قد جاءنا الليث بن دبوس على ... عادته في الانقباض ورسمه # فمتى أرى اسم أبيه في يا فوخه ... ومتى أرى ناب اسمه في جسمه # وهذه طريقة بديعة، ومن أحسن ما سمعت فيها قول السلامي في صبي يعرف بابن ~~برغوث: # بليت ولا أقول بمن لأني ... إذا ما قلت من هو يعشقوه # غزال قد نفى عني رقادي ... فإن غمضت أيقظني أبوه # وللصاحب بن عباد في مغن يعرف بابن عذاب: # أقول قولا بلا احتشام ... يفهمه كل من يعيه # ابن عذاب إذا تغنى ... فإنني منه في أبيه ### | ولأبي الوليد النحلي الأندلسي خبر يدخل في بدائع البدائه # قال ابن طوفان: دعا أبي أبا الوليد، فلما قضوا وطرهم من الطعام، جلست ~~أسقيهم وجعلت أترع له الكاسات، فلما مشت فيه سورة الحميا ارتجل قائلا: # لابن طوفان أياد ... قل فيها مشبهوه # ملأ الكاسات حتى ... قيل في البيت أبوه # وللمعقبل من شعراء كتاب الذخيرة لابن ms212 بسام في شاعر يعرف بابن الفراء: # فإذا ما قال شعرا ... نفقت سوق أبيه ### | أخبرني الفقيه تقي الدين اليوني الشاعر # المعزو إلى ميافارقين سنة ثلاث وستمائة قال: اقترح صاحب قرقيسيا الملك ~~المظفر محمود بن عماد الدين زنكي علي، # PageV01P231 # وعلى جماعة كانوا على بابه من الشعراء أن يعمل في سرج ما يكتب عليه، ~~فصنعوا وصنعت بديها: # فقت السروج فمسكي المسك رائحة ... بغير شك كما عودي هو العود # تحتي البراق متى رمت اللحاق ومن ... فوقي خليفة هذا العصر محمود # قال: فاستحسنه وأجازني. ### | وأخبرني موفق الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن عمر بن عبد الله البغدادي # بحران # قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن جمل صاحب الجرمي لنفسه ارتجالا: # وعروس خدر حين نبرزها ... تسطو كأن فؤادها لهب # خلع المزاج على معاطفها ... ثوبا كأن شعاعه الذهب # وأراد يجلوها فصاغ لها ... تاجا ورصع تاجها الحبب ### | وأخبرني موفق الدين أبو الحسن علي بن محمد البغدادي الساكن برأس العين # قال: كنت في خدمة السلطان الملك الأشرف - أبقاه الله - بدمشق، فدخل عليه ~~الرشيد عبد الرحمن النابلسي الشاعر الملقب مدلويه، وعلى عينه خرقة، فجرت ~~بيني وبينه معاتبة، فقلت بديها: # إن أظلمت عين مدلويه فمن ... كثرة نقص العهود والذمم # يقسم ألا يخون صاحبه ... وهو يصر الفجور في القسم # لو خلق الشعر قيل مسترق ... واللص يمنى بكثرة التهم # أو شرب المسكرين في حلب ... كرسمه بعض ليله لعمي # ولو يكون المجير بعد بها ... حيا لرمى بالعمى وبالصمم ### | قال علي بن ظافر # : المسكران المشار إليهما. النبيذ والصفع، والمجير رجل من ندماء الملك ~~الظاهر، كان كثير العبث بالمذكور في مجلس الملك الظاهر، وهو الذي عناه ~~الأديب شرف الدين الحلي صاحبنا ببيتين من قوله، وكتب بهما إلى الرشيد ~~المذكور إلى دمشق؛ أنشد فيهما الموفق عنه، وهما قوله: # قدم العزم يا رشيد وبادر ... فلقد آن من نواك الحضور # ما تبقى على قذالك نطع ... تاب سلطاننا ومات المجير ### | وأخبرني الشهاب ابن أخت نجم الدين بن المجاور المقدم ذكره # قال: حضر ابن عنين الشاعر الدمشقي وابن الرومي البسام ms213 عند خالي، فتذاكرت ~~معه في تشبيه # PageV01P232 # الثغر بالثريا، فادكر قليلا ثم أنشد: # يا غزالا أرى الغواية رشدا ... في هواه والرشد في الحب غيا # ما رأينا قبل ابتسامك بدر التم يفتر عن نجوم الثريا ### | وأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد المقدم ذكره عن العماد بن ناصر الدولة # رحمه الله # قال: اجتمعنا ليلة بدمشق في دعوة غناء، ومعنا ابن عنين وعمر غلام الحكيم ~~بن المطران، فأخذنا في الحديث باستحسانه واستعظام أمره في الحسن وشانه، ~~وتمني الوصول إلى وصاله. وتشهي الاستمتاع بجماله، فقال له بعض الحاضرين: ~~نبه لها عمر، وأطرق ثم أنشد بديها: # وحاجة بت أشكوها إلى ثقة ... وقد تزاحمت الأشجان والفكر # فقال لي مشفقا: نبه لها عمرا ... فقلت واخيبتي إن لم ينم عمر! # وعمر هذا هو الذي يشير إليه ابن عنين في قصيدته المسماة مقراض الأعراض ~~التي عم فيها أهل دمشق بالهجاء، وأولها: # أضالع تنطوي على كرب ... ومقله مستهلة الغرب # ومنها يعني الحكيم بن مطران: # ترى أن سيدي الموفق يخ ... تال في عراصها الرحب # يمشي الهوينى وخلفه عمر ... يختال مثل المهاة في السرب # وسيدي قلما يشاكله ... في الناس إلا تبظرم الرحبي # المدعى أنه بحكمته ... علم بقراط صنعة الطب ### | وأخبرني الأعز بن المؤيد رحمه الله # أنه حضر عند بعض الرؤساء، فناوله شمامة ريحان وورد، فصنع في الحال: # سيدا قد أسدى لنا من أيادي ... ه فعالا تنزه الأبصارا # قرنت راحتك بالورد ريحا ... نا فأهدت إلى الخدود عذارا ### | قال علي بن ظافر # دخلت يوما على القاضي الفاضل - رحمه الله - فجرى في مجلسه من فنون ~~المذاكرة ما أداه إلى أن قال: كان الرشيد أحمد ابن الزبير قد اجتمعت فيه ~~صفات وأخلاق تقتضي أن تجود معاني الهجاء فيه، من ذلك أنه كان أسود، ولا ~~يزال يدعي الذكاء، وأن خاطره من نار، فقال فيه ابن قادوس: # إن قلت من نار خلق ... ت وقفت كل الناس فهما # PageV01P233 # قلنا صدقت فما الذي ... أطفاك حتى صرت فحما # وأرسل إلى اليمن ولقب علم المهتدين، فقال فيه بعض الشعراء من قطعة يخاطب ~~الخليفة: # بعثت ms214 لنا علم المهتدين ... ولكنه علم أسود # يعني أن الأعلام السود إنما تكون للعباسيين، وأعلام تلك الدولة بيض. ~~وتولى مطابخ الخليفة، فقال فيه بعض الشعراء يخاطب الخليفة: # تولى على الشيء أشكاله ... فتحسب هذا لهذا أخا # تولى على المطبخ ابن الزبير ... تولى على مطبخ مطبخا # وكان ينافر في سوق الشعر ويسرق المعاني، فقال فيه ابن فادوس: # سلخت أشعار الورى جملة ... حتى دعوك الأسود السالخا # فأخذ الأسعد الخطير يستحسن هذه القطعة، فقلت له: كما تقول، إلا أنه لحن ~~في قوله: الأسود سالخ، وسام أبرص، فاللحن يقيم الوزن، والصواب يكسره، فهو ~~بين خطتي خسف. فأخذ في المشاغبة إلى أن قال: من أين نقلت هذا؟ فقلت أحضر ~~شاهدي عندك الساعة، كتاب الحيات من كتاب الحيوان للجاحظ، فقال: الجاحظ ليس ~~من أهل اللغة، ونقله في هذا الموضع لا يسمع، فقال الأجل الفاضل: دع هذا، ~~فالصواب معه، وهذا مجمع عليه، ولكن عرفنا كيف يصنع حتى ينظم المعنى؟ فقلت ~~يترك هذا الوزن وينظمه في وزن يستقيم عليه الصواب، فقال: انظمه لنا، فقلت ~~ارتجالا: # وسلخت أشعار البرية كلها ... حتى دعيت لذاك أسود سالخا # فقال: مثلك يقول لذاك: فقلت: حتى دعاك الناس، فقال: إنما كنت أريد أن ~~تنظمه أخصر من بيته. # ودخل عليه من انقطع طلبه لدخوله، فلما سكن المجلس قال: تعرف له وجها يذهب ~~النقد عنه، ويخلصه من الطعن عليه؟ قلت: مولانا أعلم، فقال: إنه حكى عن ~~الناس تلقيبهم إياه بالأسود السالخ، فكأنه لحن على الحكاية، لا لأنه حكى ~~عنه هذا. فاستحسناه وإن لم يكن صحيحا من الأعذار. ثم خرجت فلقيت الأسعد بن ~~عبد الرحمن بن شيث فحكيت له الحكاية، فقال: لما طلب منك اختصاره كنت تقول - ~~وقال على الفور: # وسلخت أشعار الورى ... فدعوك أسود سالخا # PageV01P234 ### | قال علي بن ظافر # بت ليلة أنا والشهاب يعقوب ابن أخت نجم الدين في منزل اعترفت له مشيدات ~~القصور، بالانخفاض والقصور، وشهدت له ساميات البروج، بالاعتلاء والعروج، قد ~~ابيضت حيطانه، وطاب استيطانة وابتهج به سكانه وقطانه، والبدر قد محا خضاب ~~الظلماء، وجلا محياه ms215 في زورقة قناع السماء، وكسا الجدران ثيابا من فضة، ~~ونثر كافوره على وجه الثرى بعد أن سحقه ورضه، والروض قد ابتسم محياه، ووشت ~~بأسرار محاسنه رياه. والنسيم قد عانق قامات الغصون فميلها، وغصبها مباسم ~~نورها وقبلها، وعندنا مغن قد وقع على تفضيله الإجماع، وتغايرت على محاسنه ~~الأبصار والأسماع، إن بدا فالشمس طالعة، وإن شدا فالورقاء ساجعة، تغازله ~~مقلة سراج قد قصر على وجهه تحديقه، وقابله فقلنا البدر قابل عيوقه، وهو ~~يغار عليه من النسيم كلما خفق وهب، ويستجيش عليه بتلويح بارقة الموشى ~~بالذهب، ويديم حرفته وسهده، ويبذل في إلطافه طاقته وجهده، فتارة يضمخه ~~بخلوقه، وتارة يحليه بعقيقة، وآونة يكسوه أثواب شقيقه، فلم نزل كذلك حتى ~~نعس طرف المصباح، واستيقظ نائم الصباح، فصنعت بديها في المجلس، وكتبت بما ~~صنعت إلى الأعز بن المؤيد - رحمه الله - أصف تلك الليلة التي ارتفعت على ~~أيام الأعياد كارتفاع الرءوس على الأجياد، بل فضلت على ليالي الدهر، كفضل ~~البدر على النجوم الزهر، فقلت: # غبت عني يابن المؤيد في وق ... ت شهى يلهي المحب المشوقا # ليلة ظل بدرها يلبس الجد ... ران ثوبا مفضضا مرموقا # وغدا الطل فيه ينثر كافو ... را فيعلو مسك التراب السحيقا # وتبدى النسيم يعتنق الأغ ... صان لما سرى عناقا رفيقا # بت فيها منادما لصديق ... ظل بين الأنام خلا صدوقا # هو مثل الهلال وجها صبيحا ... ومثال النسيم ذهنا رقيقا # وغزال كالبدر وجها وغصن ال ... بان قدا والخمرة الصرف ريقا # مظهر للعيون ردفا مهيلا ... وحشى ناحلا وقدار شيقا # إن تغنى سمعت داود أو لا ... ح تأملت يوسف الصديقا # وإذا قابل السراج رأينا ... منه بدرا يقابل العيوقا # PageV01P235 # وأظن الصباح هام بمرآ ... ه، فأبدى قلبا حريقا خفوقا # ذاك نجم ما لاح في الجدر كافو ... ر بياض إلا كساه خلوقا # ما بدا نرجس الكواكب إلا ... قام في قومه يرينا الشقيقا # وإذا ما بدت جواهرها في ... الجو أبدى في الأرض منهم عقيقا # فغدونا تحت الدجى نتعاطى ... من رقيق الآداب خمرا حيقا # وجعلنا ريحاتنا طيب ذكرا ... ك فخلناه عنبرا مفتوقا # ذاك ms216 وقت لولا مغيبك عنه ... كان بالمدح والثناء خليقا # فأجاب عنها على الوزن دون الروى: # قد أتتني من الجمال قصيد ... يا لها من قصيدة غراء # جمعت رقة الهواء وطيب المس ... ك في سبكها وصفو الماء # فأرتنا طباعه وشذاه ... والذي حاز ذهنه من ذكاء # سيدي هل جمعت فيها اللآلي ... يا أخا المجد أم نجوم السماء # أفحمتني حسنا وحق أيادي ... ك التي لا تعد بالإحصاء # فتركت الجواب والله عجزا ... فابسط العذر فيه يا مولائي # هل يسامي الثرى الثريا وأنى ... يبلغ النجم فرط نور ذكاء # قال علي بن ظافر: وقد ضمنت هذا الكتاب البديع النظم، الغريب الاسم، ما ~~وقع لي إلى هذا التاريخ من حكايات البدائه، وكل ما فيه من الحكايات ~~المسجوعة فخاطري جالب دره، وحالب دره، وساكب قطره، إلا ما استنبت به، وقد ~~جاء علالة السائر، وأنس المسامر، وملهاة الساهر، ولولا ضيق الصدر بازدحام ~~وفود الهموم، وما ران على البصيرة من تكاثف غيوم الغموم، لتكلفت مشقة الحث، ~~وأنضيت ركائب البحث، فلا أزال في الطلب موضعا، حتى لا أرى للزيادة موضعا، ~~إلا ما تنتجه الخواطر في الأزمان الآنفة، وتولده الفكر في الأعصار الرادفة. ~~وقد عقدته عقدا لا يعقبه فسخ، ونظمته نظما محكما لا يعرفه نسخ، فمهما اطلعت ~~عليه بعد ذلك من البدائه الواقعة في الأزمنة الخالية، أو مما تجدد في ~~الأزمنة الآتية، جمعته وجعلته كالتتمة له، حتى لا أفض ختامه، ولا أفتق ~~أكمامه، والله تعالى يوقعه عند الجناب المحمول إليه موقع الرضا عنه، ~~والقبول له والإقبال عليه، إنه على ما يشاء قدير، # PageV01P236 # وبالإجابة جدير وصلى الله على سيدنا محمد زين الملاح، وعلى آله وصحبه ~~أولى الوجوه السماح، وسلم تسليما كثيرا. آمين. PageV01P237 ms217