######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0006470 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو الحسن علي بن أحمد السبتي الأموي المعروف بـ «ابن خمير» (المتوفى: 614هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 614 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تنزيه الأنبياء عما نسب إليهم حثالة الأغبياء #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0006470 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-6470 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/6470 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد رضوان الداية #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1411هـ - 1990م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الفكر المعاصر - لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | بسم الله الرحمن الرحيم ### | وصلى الله على سيدنا محمد وآله ### | رب يسر ولا تعسر # الحمد لله العلي العظيم العزيز الحكيم الذي فطرنا باقتداره وطورنا ~~باختياره ووب صورنا في أحسن تقويم ومن علينا بالعقل السليم وهدانا إلى ~~الصراط المستقيم وقض لنا من السادة الأعيان المؤيدين بواضح البرهان ~~المعصومين من كل صغير وكبير من اللمم والعصيان سفرة من خاصة الأخيار ~~المرسلين الأبرار المشهود لهم بخالصة ذكرى الدار ليفصلوا بين الحرام ~~والحلال والترك والامتثال واختصنا منهم بخاتم النبيين وسيد المرسلين محمد ~~صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين وعلى آلهم الطيبين الطاهرين من عهد آدم ~~إلى يوم الدين # أما بعد فإنني قد استخرت الله تعالى في إملاء شرح بعض آيات رغب في ~~إملائها بعض الطلبة المحتاطين على الدين غيرة منهم على أعراض النبيين لأن ~~لاح في ضمنها بعض عتاب لهم في بعض فقرات لا تغض من # PageV01P023 # أقدارهم ولا تنقص من كمالهم ولا تقدح في عصمتهم وكريم أحوالهم بما من ~~الله به من فضله على من يشاء من عباده وذلك لما سلط الله على سادات ~~المرسلين من غثاء الفرق المضلين من أوباش المعطلة الضالين وأراذل اليهود ~~والنصارى ومقلدة المؤرخين والقصاص المجازفين الجاهلين بحقيقة النبوة وما ~~يجوز على أنبياء الله تعالى وما يستحيل وما يجب على الكافة من تعزيرهم ~~وتوقيرهم وتدقيق النظر في استخراج مناقبهم على أتم الكمال وأعمه فتراهم ~~يتركون ما أوجب الله عليهم من التفقة في آي القرآن من توحيد بارئهم وتنزيهه ~~عن النقائص ووصفه تعالى بما يجب له من صفات الكمال والجلال ووصف أنبيائه ~~بالصدق والعصمة والتنزيه من الخطأ والخطل وكذلك ما جاؤوا به من وظائف ~~العبادات وما أخبروا به من المغيبات والمواعظ بالوعد والوعيد والنظر في ~~الفرق بين الحلال والحرام والمشتبهات إلى غير ذلك مما لا تحويه الرقوم ولا ~~تحيط به ثاقبات الفهوم وما عسى أن أقول فيما قال الله تعالى فيه ولو أن ما ~~في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ~~الآية وقوله ms01 تعالى ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض او كلم به ~~الموتى الآية وقوله تعالى {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا ~~متصدعا} الآية إلى غير ذلك فترى بهائم قد صرف الله قلوبهم وطبع عليها بطابع ~~النفاق ينكبون عن هذه الواضحات من الحكم البالغة والبراهين الصادعة ويقصدون ~~إلى أقوال وأفعال لهم # PageV01P024 # يتخيلونها مثالب في حقهم فيهلكون ويهلكون من حيث لا يشعرون # فلنذكر الآن ما نذكر منها لكونهم يستعملون ذكرها لتحصيل أغراض لهم فاسدة ~~ثم نعطف على ما بقي منها فيما بعد إن شاء الله تعالى # فمنها قصة داوود عليه السلام مع زوج أوريا وقصة سليمان عليه السلام مع ~~زوجة جرادة وما كان من قصة الجسد والكرسي وقصة يوسف عليه السلام مع امرأة ~~العزيز في الهم والمراودة وقصة نبينا عليه الصلاة والسلام مع زيد بن حارثة ~~وزينب بنت جحش بن أمية فيتأولونها تأويل من حل من عنقه ريقة الشريعة ويئس ~~من رحمة الله ثم ينسبون بعض هذه الأقوال إلى كبار الصحابة والتابعين ~~ليموهوا بها على العوام لئلا يردوها عليهم ويقدحوا فيها ثم تراهم يترددون ~~في نقل تلك الخرافات بالتكرار على أوجه مختلفة تورعا في نقل الرواية تورع ~~الكلب الذي يرفع رجله عند البول وفمه في أعماق الجيفة ثم قد قيض الله لتلك ~~الحكايات في هذا الوقت المنكوب شرذمة من المقلدة المنتمين إلى الإرادة ~~والقصاص المدعين في غرائب العلم وبواطن المعاني المنتمين إلى الوعظ ~~والتذكير فتراهم ينتقلون من المزابل إلى المنابر فيطرحون الكلام في وظائف ~~التوحيد ومزعجات الوعد والوعيد وأقسام أهل الدارين في الدرجات والدركات ~~ويخوضون في أحوال الأنبياء عليهم السلام ويتمندلون بأعراضهم على رؤوس ~~العوام والطغام ولا مشفق على دين # PageV01P025 # الله تعالى ولا محتاط على أغمار المقلدة ولا زاجر ذا سلطان حتى كأننا ملة ~~أخرى ولا نغار على ذمهم ولا نرقب في أعراضهم إلا ولا ذمة # وغرض هؤلاء الفسقة في سرد تلك الحكايات المورطة قائلها وناقلها في سخط ~~الله تعالى أن يهونوا الفسوق والمعاصي على بله العوام ms02 ويتسللوا إلى الفجور ~~بالنساء بذكرها لوذا حتى ترى المرأة تخرج من مجلس الواعظ إلى منزله فتسأله ~~على التفصيل فيزيدها أقبح مما أسمعها في الجمهور يقول لها هذا أمر ما سلم ~~منه عظماء المرسلين فكيف نحن فلا يزال يهون عليها ما كان يصعب من قبل ف ~~{إنا لله وإنا إليه راجعون} {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} # PageV01P026 ### | ذكر ما اختلقوه في قصة داوود عليه السلام # فمن شنيع تخرصهم في قصته عليه السلام مع امرأة أوريا وقلة مراعاتهم مع من ~~جعله الله تعالى خليفة في الأرض وشدد ملكه وآتاه الحكمة و ### | فصل # الخطاب وسخر له الجبال يسبحن معه والطير وألان له الحديد فمما اختلقوه ~~عليه أن قالوا # إنه أشرف يوما من كوة كانت في محرابه فرأى امرأة تغتسل في حجرتها فأعجبه ~~حسنها ولين جانبها ورخامة دلها فشغفه حبها فالتفتت إليه فأسبلت شعرها على ~~جسدها لتستتر منه فزاده ذلك شغفا بها ثم أرسل إليها يسألها من بعلها ~~فأخبرته أنه أوريا فأرسل إليه فسأله أن ينزل له عنها بطلاقها فأبى فأمره ~~بالخروج إلى الغزو وأرسل إلى صاحب الجيش أن يغزيه ويقدمه للقتال في كل مأزق ~~ففعل صاحب الجيش به ذلك مرات حتى قتل فلما بلغ داوود عليه السلام أنه قتل ~~أرسل إليها ليتزوجها فأسعفته فتزوجها وكان له مئة امرأة إلا واحدة فأتم بها ~~المئة فأرسل الله إليه إذ ذاك الملائكة فاختصموا عنده فأفتاهم بما يؤول ~~دركه عليه فخصموه ثم قال أحدهما للآخر قم فقد حكم الرجل على نفسه وصعدا إلى ~~السماء وهو ينظر إليهما فتفطن إذ ذاك أنهم ملائكة وأنه فتن وأخطأ فاستغفر ~~ربه وخر راكعا وأناب # PageV01P027 # فهذه من أقوالهم أقل شناعة وبشاعة مما سواها من الأقوال في كتب القصص ~~والتواريخ وبعض التفاسير الفاسدة ### | ### | ### | فصل # # والذي ينبغي أن يعول عليه في هذه القصة وما يضاهيها من القصص ما جاء به ~~الكتاب العزيز أو ما صح عن الرسول عليه السلام من الخبر وما سوى ذلك فيطرح ~~هو ومختلقه وراويه إلى حيث ألقت رحلها أم ms03 قشعم # فصل # فأما قصة داوود عليه السلام فهي مذكورة على الكمال مفصلة في قوله تعالى ~~{وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب} إلى قوله {وخر راكعا وأناب} # قال تعالى {وهل أتاك نبأ الخصم} # اعلم رحمك الله أن استفهام الله تعالى لخلقه لا يجوز الآية يحمل على ~~حقيقة الاستفهام لوجوب احاطة علمه تعالى بجميع المعلومات على أتم التفصيل ~~فلم يبق إلا أن يكون الاستفهام هنا بمعنى التقرير والتنبيه لنبيه عليه ~~السلام ليتهيأ لقبول الخطاب وليتفهم ما يلقى إليه من غرائب العلم وعجائب ~~الكائنات وأما إفراد الخصم وهما خصمان فالعرب تسمي الواحد بالجمع والجمع ~~بالواحد على وجه ما فنقول # PageV01P028 # خصما للواحد والجمع كما تقول ضيفا للواحد والجمع وقال الله تعالى {هل ~~أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه} فسماهم باسم الواحد ونعتهم ~~بالجمع في قوله {المكرمين} وكذلك {إذ دخلوا عليه} # ومعنى {تسوروا المحراب} أتوه من أعاليه ولم يأتوه من بابه ولذلك فزع منهم ~~فإنه خاف أن يكونوا لصوصا أو يكون بعض رعيته ثاروا عليه والمحراب في اللسان ~~صدر المجلس وأحسن ما فيه ولذلك سمي محراب المسجد محرابا وقبل المحراب ~~الغرفة وفي فزعه منهم وكانوا ملائكة دليل على أنه ليس من شرط النبوة أن ~~يعرف النبي كل من يأتيه من الملائكة حتى يعرف به وفيه أيضا دليل على أن ~~الملائكة يتصورون على صور الآدميين بأمر ربهم وقدرته لا بقدرتهم وفي تصورهم ~~كذلك عريض من القول لسنا الآن له لكن الذي يصح منها وجهان # إما انهم ينسلخون من أبعاضهم # او تنعدم من أجسامهم بالإمساك عن خلق الأعراض فيها ما شاء الله وتبقى ما ~~شاء ثم يعيدهم إلى مقامهم كما كانوا قيل فإنه ليس من شرط الحي العالم أن ~~تكثر أجزاؤه ولا أن تقل فإن العالم منه جزء فرد # وأما قوله {لا تخف خصمان} ولم يكونا خصمين على الحقيقة ولا بغى بعضهم على ~~بعض ولا أتفق لهما مما ذكراه شيء ففيه دليل # PageV01P029 # على أن الكذب أنما يقبح شرعا فمن أمره الله تعالى أن يخبر ms04 بما وقع وبما ~~لم يقع فأخبر به فهو مطيع ممتثل فاعل الحسن ولذلك جاز لهم أن يقولوا ~~للمعصوم {فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط} والشطط الجور مع علمهم بأن المعصوم ~~يحكم بالحق ولا يجور في الحكم فتخرج لهم هذه الأقوال إذ هم ملائكة وسفرة ~~معصومون مخرج أقوال يوسف عليه السلام إذ أمر مناديه فنادى {أيتها العير ~~إنكم لسارقون} وما كانوا بسارقين وقوله عليه السلام لإخوته {أنتم شر مكانا} ~~ولم يكونوا كذلك وأخذ أخاهم على حكمهم لا على حكم الملك وما كان له أن ~~يأخذه في دين الملك فإن الملك كان يقتل السارق ولا في دين إخوته في شريعتهم ~~فإنهم كانوا يستعبدون السارق وأخوه لم يكن سارقا # وجاء في الأخبار أنه كان ينقر في الصواع ويقول إن صواعي هذا يخبرني بكذا ~~وكذا والصواع لا يخبر حتى قال له بنيامين أخوه أيها الملك سل صواعك يخبرك ~~أحي أخي يوسف أم ميت # فنقر في الصواع فقال هو حي وإنك لتراه وتلقاه إلى غير ذلك فأقام الله ~~تعالى عذره في كل ما أخبر عنه وفعله بقوله كذلك كدنا # PageV01P030 # ليوسف) ومعناه بذلك أمرناه وأردنا منه # وارتفع الاعتراض على أنه ما أخبر الملائكة عليهم السلام لداوود عليه ~~السلام إنما كان على جهة التجوز وضرب المثال بأخوة الإيمان إذ ليس في ~~الملائكة ولادة وإذا لم يكن ولادة فلا أخوة نسب # وتسمية النساء نعاجا لتأنيثهن وضعفهن و {أكفلنيها} كناية عن نكاحها ~~{وعزني في الخطاب} بمعنى غلبني وهذا آخر خطاب الخصم فقال له داوود عليه ~~السلام {لقد ظلمك} ثم قيد الظلم بسؤال النعجة إذ قال لهم {إن كثيرا من ~~الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم} ~~وهذا آخر خطابه للخصم ### | ### | فصل # # اعلموا أحسن الله إرشادنا وإياكم أن كل من تكلم في هذه القصة بما صح في ~~حق داوود عليه السلام وبما لم يصح إنما بنوه على أس هذه الخمس كلمات التي ~~هي {أكفلنيها} {وعزني في الخطاب} و {لقد ظلمك} و {ليبغي بعضهم على ms05 بعض} ~~{وقليل ما هم} وهي بحمد # PageV01P031 # الله تخرج له على مذهب أهل الحق بأجمل ما ينبغي له وأكمله والله المستعان # فأول ما ينبغي أن نقدم قبل الخوض في هذه المسائل وما يضاهيها ثلاث مقدمات # إحداها ما صح من إجماع الأمة قاطبة على عصمة الأنبياء من الكبائر # والثانية أن كل محظور كبيرة على قول من قال بذلك من أئمة السنة وهو ~~الصحيح لاتحاده في الحظر وإنما يتصور كبير وأكبر بالتحريض على تركها وتأكيد ~~الوعيد على فعل بعضها دون بعض # والثالثة شرح هذه الأقوال وما يضاهيها من القصص الموعود بها على مذهب من ~~قال بتنزيه الأنبياء عليهم السلام عن الصغائر وأنهم لا يواقعون صغيرة من ~~الذنوب ولا كبيرة وأن غاية أقوالهم وأفعالهم التي وقع فيها العتاب من الله ~~تعالى لمن عاتبه منهم أن يكون على فعل مباح كان غيره من المباحات أولى منه ~~في حق مناصبهم السنية # وسنبين ذلك في سياق الكلام إن شاء الله تعالى ### | ### | فصل # # فأما قولة داوود عليه السلام {أكفلنيها} فهذا بمعنى أنزل لي عنها بطلاق ~~وأتزوجها بعدك وهذا من القول المأذون في فعله وتركه ومباح أن يقول الرجل ~~لأخيه أو صديقه انزل لي عن زوجك بإضمار إن شئت وهذا بمثابة من يقول لصاحبه ~~أو أخيه بع مني أمتك إن شئت وهذا قول مباح ليس بمحظور في الشرع ولا مكروه ~~ومن ادعى حظره أو كراهته في الشرع فعليه الدليل ولا دليل له عليه كيف وقد ~~جاء في # PageV01P032 # الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما واخى بين سعد بن الربيع وبين عبد ~~الرحمن بن عوف قال له الأنصاري لي كذا وكذا من المال أشاطرك فيه ولي زوجان ~~أنزل لك عن إحداهما فقال له عبد الرحمن بارك الله لك في أهلك ومالك أرني ~~طريق السوق # ووجه الاستدلال بهذا الحديث قوله بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم أنزل ~~لك عن إحداهما فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على هذا القول ولم ينكره ~~عليه وهو لا يقر على منكر وهو ms06 المعلم الأكبر صلوات الله عليه وتسليمه فلم ~~يبق إلا الإباحة لكن تركها بمعنى الأولى والأحرى في كمال منصب النبوة كان ~~أولى وأتم # وأما قوله {وعزني في الخطاب} أي غلبني فنزلت له عنها فهو غلب الحشمة لا ~~غلب القهر لعظم منزلة السائل في قلب المسؤول ولا غلب الحس بالقهر المنهي ~~عنه فإنه ظلم منهي عنه شرعا تتحاشى عنه الأنبياء عليهم السلام كما تقدم # فإن قيل كان داوود عليه السلام خليفة وصاحب سيف والمطلوب منه رعية ومن ~~شأن الرعية هيبة الملوك والمبادرة لقضاء حوائجهم لكونهم قاهرين لهم فيقضون ~~حوائجهم باللين خوفا من العنف والإكراه وفي سؤال داوود عليه السلام حمل على ~~المسؤول من هذا الباب # قلنا صحيح ما اعترضت به إلا أن هذا الحمل على المسؤول لا يتصور إلا فيمن ~~عهد منه الظلم والغصب من الأمراء وأما من عهد نه العدل والإحسان كخلفاء ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان فلا يتصور ذلك في حقهم إذا منعوا المباحات ~~وإذا لم يتصور ذلك في حقهم مع عدم العصمة فما ظنك بالمعصومين المنزهين عن ~~الخطايا تنزيه الوجوب كما تقدم فبطل اعتراض هذه القولة في حق داوود عليه ~~السلام في هذا الباب # PageV01P033 # وأما قوله للخصم {لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه} ففيه اعتراض من وجه ~~آخر نتخلص منه ونرجع إلى ما نحن بسبيله # قالوا كيف يكون داوود عليه السلام من خلف الله في أرضه ويقطع على الظلم ~~بقول الواحد قبل أن يسمع قول الآخر # فالجواب عن هذا يتصور من وجهين # أحدهما أنه سمع من الآخر حجة لا تخلصه فقال للأول {لقد ظلمك} أو صدقه ~~الآخر في قوله فقال للأول {لقد ظلمك} # والثاني أن يقول {لقد ظلمك} بإضمار إن كان حقا ما تقول وهذا سائغ وأما أن ~~يقول له {لقد ظلمك} من غير أن يسمع حجة الآخر فهذا لا نسوغه في حق عاقل ~~منصف فكيف في حق من آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب # ألا ترى موقف يعقوب عليه السلام لما جاءه بنوه عشيا يبكون وهم جماعة ~~فقالوا ما قالوا ms07 فقال {بل سولت لكم أنفسكم أمرا} ولم يقبل أقوالهم ولا ~~دموعهم بغير دليل فكيف يقبل داوود عليه السلام قول الخصم من غير حجة حتى ~~يقول له {لقد ظلمك} هذا لا يصح في حقه وأما قوله للخصم {لقد ظلمك} فعنى به ~~بخسك وغبنك في قول كان غيره من المباحات أولى بك منه وحد الظلم في اللسان ~~وضع الشيء في غير موضعه وقد قدمنا أن قول قائل لغيره أكفلني زوجك ليس بظلم ~~منهي عنه شرعا فلم يبق إلا ما ذكرناه في حقه # وأما قوله {وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض} # PageV01P034 # فيخرج البغي مخرج الظلم حرفا بحرف فإنه إذا ساغ في اللسان والمعتاد أن ~~يسمى مالك الكثير إذا طلب من المقل قليله ظالما فلا غرو أن يسمى باغيا # ولو أن رجلا كان له عبدان مطيعان له مستقيمان غاية ما يمكنهما من وجوه ~~الاستقامة فأحسن إلى أحدهما وأعطاه ووسع عليه ورفه معيشته ولم يحسن للآخر ~~بعين ما ألزمه الله مما يتعين للعبيد على السادة لسمى العقلاء هذا السيد ~~ظالما باغيا من حيث إنه أحسن لأحدهما ولم يحسن مع الآخر مع تساويهما في ~~الطاعة والنصيحة والسيد مع هذا التخصيص بالإحسان لأحدهما لم يأت في الشرع ~~بمحظور ولا بمكروه بل كل ما فعل معهما مباح له # فهذا وجه من وجوه التخلص من هذه الأقوال وأنها مباحة لقائلها وفاعل ما ~~وقع منها من غير أن يلحقه ذم من الشرع ولا ثلب # وأما قوله {وقليل ما هم} فمقصوده الأكابر الأفراد من المحسنين المؤثرين ~~فإنهم يحسنون في المباحات كإحسانهم في المشروعات فيتعاونون في العشرة ~~ويتناصفون في الخلطة كما قال تعالى {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} # ثم قال {وقليل ما هم} فإنهم الكبريت الأحمر وهذا آخر خطابه للملائكة ### | فصل # والذي يكمل به هذا التفسير ويعضده نكتة شريفة وذلك أن الله تعالى أخبر ~~بما وقع بين داوود عليه السلام وبين الخصم من محاورة ومراجعة # PageV01P035 # وأن ذكر التكفل والعزة في الخطاب كلامهما وما أخبر به تعالى عن قول ms08 قائل ~~فليس هو في الإلزام كالذي يخبر به عن نفسه وحكمه فمن أخبر تعالى أنه ظلم ~~وغلب وبغى في المشروعات فهو ظالم غالب باغ شرعا ومن أخبر تعالى أنه قال ~~ظلمت وبغيت أو قال ظلم زيد وغلب وبغى فقد يخبر عن حقيقة شرعية وعن مجازية ~~عادية كما تقدم في مثال السيد والعبد # وقد ثبت أن هذه الأقوال التي وقعت بين داوود عليه السلام وبين خصمه من ~~المجازية العادية وإذا كان ذلك لم يثبت بها حكم شرعي وإذا لم يثبت حكم لم ~~تثبت طاعة ولا معصية # قال تعالى {وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب فغفرنا له ~~ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} # هذا الظن منه يحتمل أن يكون علما ويحتمل أن يكون ظنا على معنى الظن الذي ~~هو التردد في الشك مع الميل إلى أحد الطرفين # فإن كان بمعنى العلم فهو أنه لما علم أن الخصمين ملكان وأنه المقصود ~~بالمثال وأنه فتن أي اختبر وامتحن ببعض المباحات فعوتب إذ لم يصبر فيها صبر ~~المؤثرين حتى قال ما قال وفعل ما فعل فخر راكعا يعني ساجدا فإن الركوع ~~والسجود يسمى كل واحد منهما باسم الثاني {وأناب} أي تاب من ذلك ظاهرا ~~وباطنا فأخبر تعالى أنه غفر له ذلك أي درأ عنه الطلب فيما رأى هو أنه ذنب ~~في حقه فترك الأولى كما تقدم # وإن كان حكمه على حكم الظن فيكون أنه غلب ظنه على أن الذي وقع منه فتنة ~~يتعلق فيها طلب إذ لله تعالى في صريح العقل أن يطلب ما شاء ويترك ما شاء ~~فأخبر تعالى أنه لا طلب عليه في ذلك # PageV01P036 ### | شرح قصة سليمان عليه السلام # في آية الفتنة الكرسي والجسد # قال تعالى {ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب} ذكر أصحاب ~~المقالات في أشبه أقوالهم في هذه القصة أن سليمان عليه السلام كانت له ~~امرأة من كرائمه اسمها جرادة وكان أبوها ملكا من ملوك الجزائر البحرية وكان ~~كافرا فمنهم من قال إنه خطبها ms09 إليه وتزوجها ومنهم من قال إنه سباها عنفا ~~وكان لها جمال بارع فكان يحبها ويقدمها على جميع نسائه وكانت عند أبيها ~~تعبد صنما فلما فقدت ذلك عنده اكترثت وحزنت وتغير حسنها فسألها عن حالها ~~فأخبرته أن ذلك من وحشتها # PageV01P037 # لأبيها ورغبت إليه أن يصنع لها الجن تمثال أبيها حتى تنظر إليه وتتشفى ~~بعض الشفاء مما تجد من وحشتها لأبيها ففعل ذلك لها فكانت تدخل هي وجواريها ~~في بيت التمثال وتسجد له وتعبده هي وجواريها خفية من سليمان عليه السلام ~~ففعلت ذلك أربعين يوما فسلبه الله ملكه أربعين يوما # وقيل أيضا إنه كان لها أخ وكان بينه وبين رجل من بني إسرائيل خصومة ~~فسألته أن يحكم لأخيها على خصمه فأنعم لها بذلك # وهاتان القصتان على خلل فيهما أسلم من سواهما في حق سليمان عليه السلام ~~فإنه يتصور الحق فيهما على وجوه سنذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى # قالوا وكان عقبى أمره معها في هذه القصة أنه كان إذا دخل الخلاء وضع ~~عندها الخاتم تنزيها له أن يدخل به الخلاء لما تضمن من أسماء الله تعالى ~~فلما أراد الله تعالى سلب ملكه تمثل لها على صورة سليمان عليه السلام شيطان ~~يسمى صخرا وأراها أنه خارج من الخلاء فأعطته الخاتم فطار به ورماه في البحر ~~فخرج سليمان عليه السلام فطلب منها الخاتم فأخبرته بما كان من أمره فعلم ~~أنه قد فتن من أجلها فخرج على وجهه إلى الصحراء يبكي ويرغب وينيب # ثم إن الشيطان تصور على صورة جسد سليمان عليه السلام وقعد على كرسيه الذي ~~كان يقعد عليه لفصل القضاء بين الناس وهو معنى قوله {وألقينا على كرسيه ~~جسدا} أي جسدا مثل جسد سليمان عليه السلام وبقي يخلفه على كرسيه ويعبث ببني ~~إسرائيل غاية العبث بأحكام فاسدة وأوامر جائرة أربعين يوما حتى وجد سليمان ~~عليه السلام خاتمه في # PageV01P038 # بطن حوت كان قد التقمه حين ألقاه صخر في البحر فلما فطن الشيطان بذلك فر ~~على وجهه فجاء سليمان عليه السلام فأخبروه بما فعل ms10 الشيطان بعده فأمر الجن ~~بطلبه فجاؤوا به فأمر أن يعمل له بيت منقوب في حجر صلد وجعله فيه وأطبق ~~عليه بحجر آخر وألقاه في البحر فبقي فيه إلى يوم البعث # وهذا أسلم ما قالوه في قصته عليه السلام وزاد فيها الفجرة أن الشيطان كان ~~يقع على نساء سليمان عليه السلام وهن حيض ولذا تفطنوا أنه لم يكن سليمان ~~وحاشى وكلا من هذه الوصمة الخسيسة أن يفعلها الله تعالى مع أنبيائه عليهم ~~السلام وكيف والأمة مجمعة على أنه ما زنت امرأة نبي قط كانت مؤمنة او كافرة ~~وخيانة امرأة نوح وامرأة لوط عليهما السلام إنما كانت في إظهارهما الإيمان ~~وإخفائهما الكفر لا غير وكل ما ذكروه في هذه القصة تجوز له على أوجه ~~سنذكرها بعد إن شاء الله تعالى سوى هذه القولة الخبيثة # وأما قصة التمثال الذي صنع لها وما قيل أنه حكم لأخيها فيتصور فيها ~~الجواز من وجهين # أحدهما أن يكون صنع التمثال مباحا له كما كان مباحا لعيسى عليه السلام ~~قال تعالى {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا ~~بإذني} فصح من هذه الآية أن عيسى عليه السلام كان يصور التماثيل بإذن الله ~~وكذلك سليمان عليه السلام إذا صح أنه لم يحرم عليه فعله في شرعه والأظهر ~~فيه أنه لم يحرم بدليل قوله تعالى # PageV01P039 # {يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل} والتماثيل قد تكون على صور ~~الأناسي قال امرؤ القيس # (ويا رب يوم قد لهوت وليلة ... بآنسة كأنها خط تمثال) # وأما إن عبدت هي صنما من غير أن يشعر به سليمان عليه السلام فلا بأس عليه ~~في ذلك فإن الأنبياء عليهم السلام عنوا بالظواهر وأمر البواطن إلى الله ~~تعالى وقد كان المنافقون يصلون خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعبدون ~~الأصنام في بيوتهم خفية منه جاء في الصحيح عنه عليه السلام أنه قال (أمرت ~~أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) الحديث ... ... ... إلى قوله ~~(وحسابهم على الله) يعني فيما أبطنوه # وأما قولهم ms11 إنها طلبت منه أن يحكم لأخيها على خصمه فقال لها نعم فيجوز له ~~أن يقولها وهو يضمر في نفسه إذا كان الحق له لا عليه ثم طيب نفسها ب نعم ~~لكون النساء تطيب أنفسهن بمثل هذه المشتبهات لضعف عقولهن وجهلهن بالحقائق ~~ولا يجوز في حقه سوى هذا بدليل أنه لو أضمر في نفسه أن يحكم له والحكم عليه ~~لوقع في كبيرة محرمة وهي أن ينوي أن يحكم بالجور وحاشاه من ذلك وهو لا يجوز ~~عليه ذلك كما تقدم # وأما كون الشيطان يخلفه على كرسيه ويحكم بالباطل فليس على نبي # PageV01P040 # الله عليه السلام لو صح في ذلك دقيق ولا جليل من الإثم وهذا بمثاب عيسى ~~عليه السلام حين عبد من دون الله كما جاء في الصحيح عنه عليه السلام قال ~~فيأتون عيسى ولم يذكر ذنبا فيقول لست هناكم وقد عبدت أنا وأمي من دون الله ~~فامتنع عنها حياء من الله # ومع ذلك فالخبر باطل من وجه آخر وهو أنه لو جاز أن يخلف النبي شيطان على ~~صورته ويستنبط في شريعته أحكاما فاسدة لكان ذلك إخلالا بالنبوة إذ كان ~~يتخيل الناس ذلك في سائر أحكام الأنبياء حتى لا يتميز حكم النبي من حكم ~~الشيطان فيشكل الأمر على المكلفين ولا يتقون أمر بعد وهذا بمثابة تقدير خرق ~~العادة على أيدي الكذابين في ادعاء النبوة وهذه الألقية في هذه القصة من ~~دسائس البراهمة في إبطال النبوات والله أعلم # وأما ما يليق بسليمان عليه السلام في باب الأولى والمباح في هذه القصة ~~فهو أنه ما كان يقول لامرأته في طلب الحكومة لأخيها نعم حتى يتبين له الحق ~~أو يتبين لها ما أضمر فيقول لها نعم إذا وجب له الحق فيها فإنه لا يحكم ~~بجور ولا يجوز عليه ذلك # وأما صنعه لها التمثال على الوجه الذي تقدم فما عليه في ذلك ذنب ولا عتب ~~ولو كان أيضا صنعه محرما لما صنعه لها أصلا فإن صنع التمثال # PageV01P041 # من الكبائر التي أتى فيها الوعيد الكثير في الحديث المشهور ms12 في الثلاثة ~~الأصناف الذين تلتقطهم أعناق النار في المحشر # ومنهم من قال إنما وقع العتاب عليه من جهة اشتغاله بعرض الخيل عليه حتى ~~غربت الشمس وفاتته صلاة العشاء وهذا أيضا إذا صح فليس له في تركها كسب ولا ~~علقة طلب فإنه ناس والناسي لا طلب عليه فيما نسيه بالإجماع قال تعالى مخبرا ~~عن موسى عليه السلام أنه قال {لا تؤاخذني بما نسيت} وجاء عنه عليه السلام ~~أنه قال إنما أنا بشر كما تنسون # ومنهم من قال إنما كانت وهلته لما ورد به الخبر في قوله لأطيفن الليلة ~~بمئة امرأة تلد كل امرأة غلاما يقاتل في سبيل الله فقال له صاحبه قل إن شاء ~~الله فلم يقل ونسي فأطاف بهن ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان قال النبي ~~عليه السلام لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان أرجى لحاجته # PageV01P042 # قالوا وهو الجسد الذي ألقي على كرسيه وهذا يعضده الخبر الصحيح ويتصور ~~العتاب فيه من ترك الاستثناء فإنه أولى فإن كان تركه بعدما أمر به فتركه ~~ناسيا # وقد ذكر المفسرون أن النبي صلى الله عليه وسلم لما طلب منه اليهود أن ~~يخبرهم عن قصة أصحاب الكهف فقال غدا أخبركم بها ونسي الاستثناء أبطأ الوحي ~~عنه أياما حتى نزلت عليه القصة وقيل له مع ذلك ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك ~~غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت معناه إذا نسيت الاستثناء ثم ~~تذكرت فاستثن بالمشيئة وفي هذا أن الاستثناء بعد مدة يرفع الحرج ولا يرفع ~~الكفارة ولذا أجازه ابن عباس رضي الله عنهما بعد سنة # فخرج من عموم ما ذكرناه في جميع القصة أن العتاب من الله تعالى لسليمان ~~عليه السلام إذا صح إنما كان على تركه الأولى من المباحات # والأظهر في هذا الحديث أنه ترك مندوبا إليه ومن ترك المندوب فلا إثم عليه ~~فهو بمثابة ترك المباح في نفي الذنب كما تقدم والله الموفق للصواب # PageV01P043 ### | شرح قصة يوسف عليه السلام # في إضافة الله تعالى له الهم عند ms13 مراودة امرأة العزيز له عن نفسه والذي ~~ينبغي أن نقدم أولا الإعلام بأن يوسف عليه السلام كان نبيا قبل المراودة ~~والهم والدليل على ذلك أنه لو لم تثبت نبوته قبل ذلك لم تهتم الأمة بذكر ~~همه لأن العصمة المجمع عليها لا تشترط للنبي إلا بعد ثبوت نبوته لا قبلها ~~ومع ذلك فإن النبي لا تثبت له معصية مشروع تركها قبل النبوة ولا بعدها ~~وسنشبع القول في ذلك في قصة آدم عليه السلام إن شاء الله تعالى # وأما إثبات نبوته قبل همه من الكتاب فمن قوله تعالى {ولما بلغ أشده ~~آتيناه حكما وعلما} # وأجمعوا على أن هذا الحكم والعلم في حق يوسف عليه السلام أنهما النبوة ثم ~~قال تعالى بعدما ذكر الحكم والعلم وراودته التي # PageV01P044 # هو في بيتها عن نفسه) الآية # وأما همه فأول ما ينبغي أن نقدم أن الهم في اللسان الإرادة لا غير فإن ~~سمي الفعل هما فمجاز من باب تسمية الشيء باسم الشيء إذا قاربه أو كان منه ~~بسبب فلما كانت الأفعال مرتبطة بالإرادة التي هي الهم سميت هما فيقال لمن ~~نصب أواني الخمر وما يحتاج إليه شرابها هم وكذلك يقال لمن خلا بامرأة ~~فلاعبها وذلك لأن الهم الحقيقي محله القلب وهو غير محسوس فلما لم ندركه ~~بالحواس لم نعلمه فإذا أدركنا أسبابه الدالة عليه بالحواس قلنا هم أي فعل ~~أفعالا دلت على همه بها في باطنه فثبت أن الهم الحقيقي هو الإرادة لا الفعل # جاء في الصحيح عنه عليه السلام أنه قال من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له ~~حسنة فإن عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا فإن ~~عملها كتبت سيئة واحدة الحديث # فهذا أدل على أن الهم غير الفعل قال الشاعر # (هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله) # فأخبر أنه هم ولم يفعل وإذا كان هذا هكذا فما بال الجهلة باللسان ~~المقلدين المجازفين في الحقائق يقولون قعد منها مقعد الرجل من المرأة وحل ~~عقد نطاقها وهو ينظر ms14 إلى أبيه تارة والى الملك أخرى ثم يعود لحل العقد # PageV01P045 # ونحن مع ذلك نعلم قطعا أن أحدنا على جهلنا وعدم عصمتنا وسوء أدبنا لو كان ~~على تلك الحالة وكشفت عليه أمته لانقبض وتغير عليه حاله فكيف بنا إذا كشف ~~علينا آباؤنا وكبراؤنا فكيف الملائكة # فانظر إلى مقت هذه القولة وماذا جمعت من الاجتراء والافتراء على أنبياء ~~الله تعالى مع صفاقة الوجوه وعدم الحياء والتهاون بذكر المصطفين الأخيار ~~وقد ذكرها الهمداني وغيره في شرح قصة يوسف عليه السلام مع أن الهم في ~~اللسان هو الخاطر الأول فإذا تمادى سمي إرادة وعزما فإن لم يعترضه نقيض سمي ~~نية ثم إن الله تعالى وصفه بالخاطر الأول فقال {هم} وهم يقولون فعل وصنع لا ~~لعا لعثرتهم ولا سلامة ### | فصل # فإن قيل فما الحق الذي يعول عليه في هذا الهم # فنقول أولا إن بعض الأئمة ذكروا أن الإجماع منعقد على عصمة بواطنهم من كل ~~خاطر وقع فيه النهي وللمحققين أقوال في هذا الهم نذكر المختار منها إن شاء ~~الله تعالى # فمنهم من قال إن في الكلام تقديما وتأخيرا وترتيبه أن يكون ولقد همت به ~~ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها ويكون البرهان هنا النبوة والعصمة وما كاشف ~~من الآيات وخوارق العادات والتقديم والتأخير في لسان العرب سائغ # PageV01P046 # ومنهم من قال هم بحكم البشرية مع الغفلة عن ارتكاب النهي ثم ذكره الله ~~تعالى الإيمان وتحريم المعصية وشؤمها والوعيد عليها وهو البرهان الأعظم ~~فصرف عنه السوء والفحشاء ولذا قال بعضهم هم وما تم لأن العناية من ثم # ومنهم من قال كاد أن يهم لولا العصمة السابقة فيكون الهم هنا مجازا # ومنهم من قال هم هم الفحولية وذلك أنه كان عليه السلام فحلا شابا خلت به ~~امرأة ذات جمال وغنج وطالبته تلك المطالبة فاهتز هزة الفحل بهز ضروري غير ~~مكتسب فسمي ذلك الاهتزاز هما لكونه من أسباب الهم كما تقدم ويكون الهم على ~~هذا التفسير ضروريا ولا طلب في الضروريات وأقول إنه إن كان هم مكتسبا لهمه ms15 ~~ولم يفعل فلا لوم ولا ذنب بدليل الحديث المتقدم الذي منه قوله عليه السلام ~~ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا معناه لم يكتب له صغيرة ولا كبيرة ~~وجاء في حديث آخر أن تارك الخطيئة من أجل الله تكتب له حسنة بدليل قوله ~~تعالى للملائكة اكتبوها له حسنة فإنما تركها من جراي أي من أجلي وهذا ينظر ~~إلى قول الله تعالى {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} وإذا كان هذا في حق ~~الرعية # PageV01P047 # فالأنبياء عليهم السلام أولى بهذا الترك لا محالة كيف وقد أثنى الله ~~تعالى عليه ونزهه بقوله عندما قالت {هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن ~~مثواي إنه لا يفلح الظالمون} فهذا مما يدل على أنه تركها من أجل الله وأنه ~~مأجور في تركها # وإذا كان هذا فلا ذنب ولا عتب يلحق يوسف عليه السلام صغيرا ولا كبيرا بل ~~يكون مأجورا في الترك # فهذه أقوال تشاكه الصواب وتليق بالأكابر # والأظهر القول الأخير من هذه الأقوال لكونه معضودا بالخبر والآية # والله أعلم # فإن قيل فإذا لم يتصور في حق يوسف عليه السلام ذنب ولا عتب فلأي شيء قال ~~بعدما أنصفته امرأة العزيز وأقرت بفعلها {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة ~~بالسوء إلا ما رحم ربي} # قلنا ومن أين لك أن تقول إنه قالها والآية تقتضي أنها من قول امرأة ~~العزيز وذلك أنه لما تأدب معها بآداب الأحرار حيث قال لرسول الملك {ارجع ~~إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن} فخلطها معهن وذكر فعلهن ~~وأضرب عن ذكر فعلها تناصفت هي وأقرت بأنها راودته فقالت {وما أبرئ نفسي} # على أنه لو ثبت أنه قالها لخرجت له أحسن مخرج وذلك أنه لما # PageV01P048 # أنصفته بإقرارها وتبرئته قال هو {وما أبرئ نفسي} على أصل الحوار لا على ~~نفس الوقوع كما قال الخليل عليه السلام {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} وهو ~~قد أمن بالعصمة من عبادتها وقال تعالى لنبينا عليه الصلاة والسلام {ولئن ~~شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} وهو تعالى قد شاء ms16 ألا يذهبه والعصمة ~~والنزاهة له على كمالها # فليت شعري إذا كان للتأويل في هذه القصة وأمثالها مجرى سحب ومجال للسلامة ~~رحب فما بالهم يضيقون هذا الواسع لولا الفضول # PageV01P049 ### | شرح قصة نبينا عليه الصلاة والسلام # مع زيد وزينب في قوله تعالى {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه ~~أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله ~~أحق أن تخشاه} إلى قوله {وكان أمر الله مفعولا} # هذه من القصص التي امتحن بها عوام هذه الأمة ومقلدوهم المجازفون المقتفون ~~ما ليس لهم به علم # والقصة بحمد الله أشهر وأظهر من أن يتقول فيها بزور أو يدلى بغرور ~~والأولى أن نقدم ما صح من القصة ثم نرجع إلى شرح الآية # والذي صح منها أن المرأة هي زينب بنت جحش بن أميمة بنت عبد المطلب جد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما بعلها فهو زيد بن حارثة مولى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ومعتقه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رباه ~~وتبناه وكان يسمى ابن رسول الله حتى أنزل الله تعالى {وما جعل أدعياءكم ~~أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم} فنفى البنوة بالدعوى وقال {ادعوهم لآبائهم هو ~~أقسط عند الله} الآية فلما أدرك زوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب ~~المذكورة وبقي معها حتى أمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يتزوجها أو ~~أخبره به كما سيأتي في شرح الآية إن شاء الله تعالى # PageV01P050 # وما تقوله المنافقون والجهلة المجازفون من أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رآها وأحبها وشغف بحبها حتى كان يضع يده على قلبه ويقول يا مقلب ~~القلوب ثبت قلب نبيك ويدخل عليه زيد المسجد ويقول (ادن مني يا زيد) شوقا ~~إليها إلى غير ذلك من هذيانات لا يرضاها صلحاء المسلمين لأنفسهم فكيف سيد ~~المرسلين فكل ذلك باطل متقول # وكذلك قولهم إنه عليه السلام رآها فأحبها تخرص وزور وكيف وقد تربت في حجر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى زوجها لزيد ms17 على أنه لو أحبها كما اختلقوه ~~لم يدركه في ذلك اليوم لوم فإن الحب أمر ضروري لا يدخل تحت الكسب جاء عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال اللهم إني عدلت فيما أملك فاغفر لي ما لا أملك) ~~يعني عدلت فيما أكسب فاغفر لي ما لا أكسب فلم يكره العقلاء الحب إلا لما ~~يكون معه للمحبين من الطيش والميل والذكر بما لا ينبغي وطلب الظفر بالمحبوب ~~على الوجوه الفاسدة # وهذه الأمور كلها لا تليق بصلحاء المسلمين فكيف بسادات المرسلين ~~المعصومين مما دون ذلك كما تقدم # جاء في الأثر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل ينشد # (أقبلت فلاح لها ... عارضان كالسبج) # PageV01P051 # (أدبرت فقلت لها ... والفؤاد في وهج) # (هل علي ويحكما ... إن عشقت من حرج) # فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حرج إن شاء الله معناه لا حرج ~~عليك إن كنت تكتم وتصبر ولا تؤذي محبوبك بقول ولا بفعل ولا يشغلك حبه وذكره ~~عما فرض عليك # ومصداق هذا الشرح ما جاء عنه عليه السلام أنه قال من عشق وكتم وعف ومات ~~مات شهيدا وسبب شهادته أن النفس الأمار ة بالسوء تحب الشهوة والتشفي بالفعل ~~فيحاربها الورعون المتقون بالكتمان والعفاف حتى يقتلهم # وعلى هذا مضت العادات وتناظرت الحكايات ولولا قصد الاختصار لأسمعتك في ~~هذا الشأن أخبارا وأشعارا عن ظرفاء المحبين المتدينين وأهل الهمم من فتيان ~~العرب فقد قيل إن قيس بن عامر تعرضته ليلى بأرض فلاة فقالت له ها أنا بغيتك ~~ومثار فتنتك ليلى جئتك ولا رقيب ولا واسطة فاقض ما أنت قاض # فقال لها بي منك ما شغلني عنك ثم سار وتركها فهذا من ظرفاء المحبين # وآخر رأى غبار ذيل محبوبه فغشي عليه فهذا أظرف منه إلى غير # PageV01P052 # ذلك وجاء في الأثر أن عليا كرم الله وجهه كانت له جارية تتصرف في أشغاله ~~وكان بإزائه مسجد فيه قيم فكانت متى مرت به تلك الجارية قال لها أما إني ~~أحبك فشق عليها ذلك فأخبرت عليا رضي الله ms18 عنه بذلك فقال لها إذا قال لك ذلك ~~فقولي له وأنا أحبك فأيش تريد بعد هذا # فلما مرت به قالت له ذلك فقال نصبر حتى يحكم الله بيننا فلما أخبرت عليا ~~عليه السلام بما قال لها دعا به وقال له خذها إليك فقد حكم الله بينكما ~~فهذا شأن الظرفاء والمتدينين من المحبين # ومع هذا فالرسول عليه السلام أشرف وأسنى من أن يمتحن بمثل هذه النقيصة ~~ومع ذلك فما صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبها ولا شغف بها في كتاب ~~ولا سنة سوى ما تخيله الجهلة وكل ما رووه في ذلك عن الصحابة فكذب وزور وجهل ~~بمقتضى الآية ومنصب النبوة وتخرص من أهل النفاق وها أبين لك ذلك في سياق ~~الآية إن شاء الله تعالى ### | ### | فصل # # قال الله تعالى {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك ~~زوجك واتق الله} # ذكر بعض المفسرين في أشبه الأقوال أن قوله تعالى {وإذ تقول} تنبيه من ~~الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم على وجه العتاب في قوله لزيد {أمسك ~~عليك زوجك} وأقول إنه تنبيه لنبيه صلى الله عليه وسلم ليتهيأ لفهم الخطاب ~~من غير عتاب وهو الأظهر والأولى # PageV01P053 # وبذا تناصرت الآيات كقوله تعالى {إذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات} وقوله ~~{وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} إلى غير ذلك من الآي # وأما قوله تعالى {أنعم الله عليه} ففي هذا الخبر معجزة للرسول صلى الله ~~عليه وسلم وكرامة لزيد لكنها من أعز الكرامات وأشرفها # فأما المعجزة فهي من باب إخباره صلى الله عليه وسلم بالغيوب فتقع كما ~~أخبر عنها وذلك أن الإنعام هاهنا إنما هو في أن وهبه الله تعالى إيمانا لا ~~يفارقه إلى الممات إذ لو كان في معلوم الله تعالى أن يسلبه إياه عند الوفاة ~~لم يسمه نعمة فإن ثمرة الإيمان إنما تجتنى في الآخرة وإيمان زائل لا ثمرة ~~له في الآخرة ولا يسمى نعمة بل هو نقمة كإيمان بلعم بن باعورا وغيره من ~~المخذولين المبدلين نعوذ بالله ms19 من بغتات سخطه # فخرج من فحوى ذكر هذه النعمة أن زيدا يموت مؤمنا فكان ذلك وزيادة أنه مات ~~أميرا شهيدا مقدما بين الصفين في يوم مؤتة كان قد قدمه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على الجيش في حديث يطول ذكره ثم قتل شهيدا فنزل الوحي على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فصعد المنبر # PageV01P054 # فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (أخذ الراية زيد فأصيب) إلى قوله لقد رفعوا ~~لي في الجنة على أسرة من ذهب الحديث # فهذه معجزة صحت له صلى الله عليه وسلم من باب الإخبار بالغيوب فوقعت ~~بمحضر الأشهاد كما أخبر عنها وكما وقع نقيضها في قصة أبي لهب حيث أخبره ربه ~~في قرآن يتلى أنه من أهل النار ومات كافرا فكان ذلك # وأما كرامة زيد فبإعلام الله له في ضمن الآية بسلامة العاقبة كما ذكرناه # وأما تصور العتاب إن صح في قوله {أمسك عليك زوجك} فقد يقع من باب ترك ~~الأولى من المباحات كما تقدم وذلك أن الله تعالى أمره بزواجها أو أخبره به ~~حيث قال له في آخر الآية {وكان أمر الله مفعولا} وسيأتي بيان ذلك الأمر عند ~~فراغنا من شرح الآية إن شاء الله تعالى # وأما سبب قوله له أمسكها فهو أن زيدا جاءه يتشكى له بها فقال يا رسول ~~الله زينب تسبني وتستعلي علي وتعيرني وتفخر علي بشرفها إلى غير ذلك وأريد ~~أن أطلقها # فقد ربما كان الأولى أن يقول له صلى الله عليه وسلم مثلا أنت وشأنك أو ما ~~يقرب من هذا من الأقوال أو يسكت عنه فلا يأمره ولا ينهاه لكونه صلى الله ~~عليه وسلم قد أمره الله تعالى بتزويجها أو أخبر بذلك فقال له أمسكها ~~والأظهر أنه قصد عليه السلام بهذه القولة خوف القالة من السفهاء أن يقولوا # PageV01P055 # ما قالوه فيهلكوا بأذيته فتصح عليهم اللعنة في الدارين والعذاب الأليم ~~بدليل الكتاب قال الله تعالى {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في ~~الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا} # وأيضا أنه ms20 لما سمع أن الله تعالى عاتب داوود صلى الله عليه وسلم في قوله ~~{أكفلنيها} قال هو أمسكها وسقط العتاب # وأما قوله {واتق الله} يعني في ذكرها بالقبح لغيبها في قوله تقول لي كذا ~~وتفعل بي كذا وهي غائبة فنهاه عن الغيبة المنهي عنها شرعا بدليل أن قول زيد ~~أطلقها كلام مباح ليس فيه حظر ولا كراهة في الشرع # وأما قول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم {وتخفي في نفسك ما الله ~~مبديه} يعني من تزويجها الذي أمرتك به أو أعلمتك به # وأما قوله تعالى {وتخشى الناس} أي تخشى من قول الناس على حذف حرف الجر ~~كأنه يقول تخشى من الناس أن يقولوا فيك فيأثموا ويهلكوا والله أحق أن تخشاه # أي تخشى منه على الناس وللناس حتى يقع مرادي فيك وفي الناس إذ ليس ~~احتياطك يغني عنهم من الله شيئا فلا عليك ممن قال ولا ممن أثم فأنا أعلم ~~بما يقولون وبما أجازيهم كما قال تعالى له ليس لك من الأمر شيء و (ليس عليك ~~هداهم) و {إنك لا تهدي من أحببت} إلى غير ذلك # PageV01P056 # وأما أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم يخشى الناس من غير مراعاة لهذا ~~القدر وما أشبهه فحاشا وكلا وكيف وقد قال تعالى بعد هذه الآية {الذين ~~يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله} فقد زكى الله تعالى ~~أنبياؤه بإنهم أفردوه بالخشية فلو كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخشى ~~الناس لأجل الناس لتناقض الخبر والتناقض في خبر الله ورسوله محال # وأما ما خاف أن يقوله الناس فيهلكوا فهو على خمسة أوجه # أحدها ما جرت به عادات الجهلة المتكبرين على الموالي فيقولون كيف يسوغ له ~~أن يعمد إلى كريمة من كرائمه وأقرب الناس إليه نسبا فيزوجها لعبده # والثاني وهو أشد عليهم في الإنكار أن يقولوا كيف رضي أن يتزوجها بعد عبده # الثالث أن يقولوا إنما حمله على ذلك حبه لها وشغفه بها # الرابع قلة المراعاة لأمر الله وعدم التسليم لحكمه إذ لو ms21 كانوا يذعنون ~~لأحكام الله تعالى ويسلمون له لم ينكروا شيئا مما فعله نبيهم صلى الله عليه ~~وسلم # الخامس وهو أصل لكل رذيلة وهو مراعاة التحسين والتقبيح وردهما إلى العقول ~~القاصرة وما جرت به العادات وهو داء عضال نغلت به قلوب الجهلة الضالين ~~ففندوا حكم الله تعالى واعترضوا لفعاله في خلقه # PageV01P057 # وكان أول من سن هذه الداهية الدهياء إبليس حيث قال {أأسجد لمن خلقت طينا} ~~و {قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون} و {أنا خير منه} و ~~{أرأيتك هذا الذي كرمت علي} إلى غير ذلك من أقواله السخيفة فانظر رحمك الله ~~إلى أهل هذه المذاهب الخسيسة بمن اقتدوا فيها وعلى من عولوا في اقتدائهم ~~قاتلهم الله أنى يؤفكون # ومما قيل في معنى قوله {وتخشى الناس} أنه يخشى الناس أن يقولوا كيف يحرم ~~علينا أزواج البنين وهو مع ذلك يتزوج زوج ابنه فلأجل هذه الأقوال كانت ~~خشيته صلى الله عليه وسلم على الناس إذ ليس منها واحدة إلا وهي تحمل إلى ~~سجين فإنها كلها معارضة لقوله تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا} # وقوله تعالى {من يطع الرسول فقد أطاع الله} # وقوله تعالى {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} # وقوله تعالى حيث أقسم بذاته المعظمة فقال {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} # فمن أجل هذه الآي وأمثالها خشي رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P058 # أن يقع فيه الناس وقد وقعوا فيما ذكرناه وفيما هو أشد منه # قال تعالى {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها} الوطر هنا النكاح # واعلم رحمك الله أن في هذه الآية فوائد جمة منها أن الله تعالى جعل فيها ~~لزيد صيتا وشرفا خصه به عن جملة الصحابة رضي الله عنهم وذلك أنه لم يذكر في ~~الكتاب منهم أحدا باسمه العلم إلا زيدا وسبب ذلك والله أعلم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان قد تبناه قبل ذلك ms22 فكان يدعى بابن رسول الله حتى نزل ~~عليه {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} # فسمي بعد ذلك زيد بن حارثة فعوضه الله تعالى بأن سماه في كتابه باسمه ~~العلم # وهذه القولة ليست لي ولا يبلغ نظري إلى هذا القدر وإنما ذكرها الإمام أبو ~~بكر بن العربي في بعض تواليفه ولا أعلم هل هي له أو لغيره ولأن من غاص ~~عليها لغواص من باب الإشارة # وقد يحتمل أن تخرج من باب الفقه وهو أن يكون تسمية زيد بالعلمية ليتبين ~~في الآية ثبوت هذا الحكم ووقوعه في أبناء التبني إذ لو قال تعالى فلما قضى ~~بعلها لم يعلم من البعل من مقتضى الآية # ومنها أن الله تعالى سن لرسوله صلى الله عليه وسلم هذه السنة على # PageV01P059 # رغم أنف المتكبرين فمن لام بعد هذه السنة أحدا في أن يزوج مثلا بنته ~~لعبده أو يتزوج امرأة عبده من بعده فليفغر فوه بفهر يكسر قواضمه وخواضمه ~~ويطرح في أمه الهاوية إذ ليس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم شارع ولا ~~فوق شرفه شرف # ومنها قوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم {زوجناكها} # فأضاف تعالى تزويجها لنبيه إلى نفسه وما أضاف الله تعالى لنفسه شيئا إلا ~~وشرف ذلك الشيء كما قال تعالى {روحي} و {بيتي} و {جنتي} و {عذابي} و {ناقة ~~الله} و {نار الله} والكل مخلوق ومربوب ولكن الله اختص بالشرف الإضافي هذه ~~المخلوقات # وفي هذا التزويج شرف لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كون تزويج الناس ~~أجمع من عندهم وباختيارهم واجتهادهم وهذا التزويج بأمر الله على الخصوص ~~واختياره وإكرامه لنبيه صلى الله عليه وسلم # ومنها تشريف لزينب زوجه وذلك أن الله تعالى ما اختارها لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم حتى علم حصانتها ودينها وورعها وحفظ أدبها لمراعاة خلطة سيد ~~المرسلين ولها أيضا على سائر نسائه في هذا التزويج مزية وإن كن كلهن # PageV01P060 # مطهرات محفوظات وقد ذكرت هي ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له ~~يا رسول الله أما إني لأدل ms23 عليك بثلاث لا يدل بها عليك واحدة من نسائك # فقال وما هي # فقالت إحداها أني أقرب إليك نسبا من جميع نسائك لأن جدي وجدك واحد # والثانية أن الله تعالى زوجني إياك # والثالثة أن كان السفير بيني وبينك جبريل عليه السلام # فيا لها من حرة فلقد فخرت وصدقت مع أنها أغفلت رابعا يؤكد ثبوت هذه ~~الثلاثة وهو كون قصتها مسطرة في قرآن يتلى إلى الأبد # إذ لو كانت من خبر الواحد لاختلجتها الظنون # ثم قال تعالى لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا ~~منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا # علل الله عز وجل هذا التزويج ليعلم الناس أن من تبنى أحدا ثم تزوج امرأته ~~من بعده فلا حرج عليه فإن من تبناه ليس كابنه الذي لصلبه # قال تعالى في تحريم أزواج الأبناء للصلب {وحلائل أبنائكم الذين من ~~أصلابكم} وقال {وما جعل أدعياءكم أبناءكم} فرفع الحرج بهاتين الآيتين في ~~التبني ثم قال تعالى {وكان أمر الله مفعولا} # PageV01P061 # الأمر هنا يحتمل الحقيقة والمجاز فإن كان الله أمره بتزويجها فيكون وكأن ~~المأمور به مفعولا أي واقعا في معلوم الله تعالى ويسمى المأمور به أمر ~~المناسبة بين الأمر والمأمور فإن الأمر من الله تعالى يستحيل أن يكون ~~مفعولا لكونه يرجع لكلامه الأزلي وإن كان أمر بمعنى المراد على سبيل المجاز ~~فيكون وكأن ما أخبرك الله تعالى به من المراد واقعا إذ ما أراد الله تعالى ~~وقوعه فلا بد من وقوعه فتأمل رحمك الله هذه القصة العجيبة فإنها تتضمن خمس ~~عشرة فائدة منها في جانب الرسول صلى الله عليه وسلم ستة # إحداهما المعجزة في إخباره بالغيوب فوقعت كما أخبر عنها # الثانية تواضعه صلى الله عليه وسلم أن زوج كريمته بعبده # الثالثة انقياده لأمر الله في تزويجها بعبده # الرابعة إثبات هذا التزويج سنة # الخامسة قمع المتكبرين وإرغام أنوفهم في هذه السنة # السادسة في الرد على من قال بتحسين العقل وتقبيحه # والتي من جانب زيد أربع # إحداها بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم له ms24 بسلامة عاقبته # الثانية موته شهيدا بين الصفين # الثالثة ما أخبر عنه صلى الله عليه وسلم أنه في الجنة # الرابعة تسميته في الكتاب بالعلمية على الخصوص # والتي في حق زينب رضي الله عنها خمس # PageV01P062 # إحداها أن الله تعالى رضيها لنبيه صلى الله عليه وسلم أهلا # الثانية أن صيرها أم المؤمنين # الثالثة أن كان خطيبها جبريل عليه السلام # الرابعة أن كان وليها رب العالمين # الخامسة أن كانت قصتها قرآنا يتلى # فهذه خمس عشر فائدة صحت في هذه القصة شاملة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولأمته سوى ما أغفله الخاطر # والجهلة يخبطون عشواء الدجون # فهذا ما من الله تعالى به من ثمرات النظر في هذه القصص الأربع في حق ~~السادة القادة صلوات الله عليهم # ونسأل الله تعالى مع هذا التحفظ على مناصبهم السنية ومناقبهم الرضية ~~العفو عما وقع فيها من الخطأ والخطل بحوله وطوله # PageV01P063 ### | فصل # ولنذكر الآن ما وقع من بعض قصص الأنبياء عليهم السلام في القرآن وهي ~~القصص التي اعترضها أهل الزيغ والإلحاد في أقوال الأنبياء عليهم السلام ~~وأفعالهم بما من الله به والله المستعان # وقد كنا نرتب الكلام فيها على ترتيب الزمان فنبدأ بقصة آدم عليه السلام ~~ونختم بقصة نبينا صلى الله عليه وسلم لكنا قدمنا هذه القصص لتأكيد اعتراض ~~السفلة عليها وشناعة طبعهم فيها كما تقدم # فنذكر قصة آدم عليه السلام في أكله من الشجرة المنهي عنها # وقصة نوح عليه السلام في قوله {إن ابني من أهلي} وفي دعائه على قومه # وقصة إبراهيم عليه السلام في الثلاثة الأقوال التي عدها هو كذبات وفي ~~الثلاثة الكواكب والأنوار وقصته عليه السلام في قوله {رب أرني كيف تحيي ~~الموتى} # وقصة عزير عليه السلام في قوله {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} # وقصة أيوب عليه السلام في محنته # وقصة يونس عليه السلام ومغاضبته لقومه وفراره منهم ولومه وتوبته وقبول ~~توبته # PageV01P064 # وقصة موسى عليه السلام في قتل الكافر # ثم نختم هذه القصص بقصة مريم عليها السلام في هزها الجذع وغلط من حط من ~~مقامها ms25 من الجمع إلى الفرق في ذلك الوقت إن شاء الله تعالى # وكذلك قصة إخوة يوسف عليه السلام والرد على من اعترض علينا فقال إنهم ~~عندما واقعوا ما واقعوا مع أخيهم وأبيهم كانوا أنبياء والله المستعان # PageV01P065 ### | شرح قصة آدم عليه السلام # في أكله من الشجرة بعدما نهي عنها # اختلف الناس في هذه القصة اختلافا لا يكاد ينضبط وذلك لأن الله تعالى ما ~~نص على معصية لنبي إلا لآدم عليه السلام خصوصا فلما كان ذلك وجد أهل ~~الدعاوى وأهل الحيرة مع ما دهاهم من عدم التحقيق وكيد الوسواس سبيلا إلى ~~الإخلال بحقه عليه السلام حتى سطروا في الضبائر وأفصحوا على المنابر بأن ~~قالوا إذا كان راس الدن درديا فما ظنك بقعره # وهذه وصمة تجر إلى تنقيصه وتنقيص من بعده من الأنبياء عليهم السلام وهو ~~مقصودهم في ذلك وشرحوا قوله تعالى فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما ~~أنهما لما عصيا سلب الله عنهما أنوار الربوبية الروحانية التي كانت فاضت ~~عليهما منه تعالى عما يصفون فطهر لهما الجسم الترابي المجبول على المعصية ~~فعلما إذ ذاك أنه منه أتي عليهما فأوجبوا المعاصي للأجسام الترابية وأنبياء ~~الله تعالى كلهم أجسام ترابية وهي ظاهرة لهم # وهذا أقل ما نسبوه لآدم عليه السلام # PageV01P066 ### | ### | ### | فصل # # وأول ما ينبغي أن نقدم أن آدم عليه السلام لم يكن عندما أكل من الشجرة ~~نبيا والعصمة لا تشترط للنبي إلا بعد ثبوت النبوة له فمن الناس من ذكر ~~الإجماع على أنه لم يكن نبيا عندما أكل من الشجرة ومنهم من اكتفى بظاهر ~~قوله تعالى {ثم اجتباه ربه فتاب عليه} وهذا عطف ب (ثم) التي تعطي المهلة ثم ~~ذكر الاجتباء والهداية # والاجتباء هنا النبوة بدليل قوله تعالى في سورة مريم عليها السلام عندما ~~عدد الأنبياء عليهم السلام ومناقبهم على التفصيل قال {وممن هدينا واجتبينا} ~~يعني من النبيين أجمعهم # وقال في قصة يونس عليه السلام بعد قصة الحوت {فاجتباه ربه} وهذا وجه من ~~الوجوه يثبت أكله من الشجرة قبل نبوته لا # فصل # والذي ينبغي ms26 أن يعول عليه في قصة آدم عليه السلام أن نهيه عن الشجرة كان ~~نهي إرشاد وإعلام على جهة الوصية والنصيحة لا على جهة التكليف فإنه ما صح ~~تكليفه في الجنة ولا نبوته في كتاب ولا سنة والأوامر والنواهي تنقسم إلى ~~مشروع وغير مشروع كالأوامر اللغوية فإن السيد قد يقول لعبده والأخ لأخيه ~~والصاحب لصاحبه على جهة الإعلام والإرشاد والنصيحة افعل كذا واترك كذا تسلم ~~من كذا وتظفر بكذا وكذلك أوامر الأطباء للعليل بالحمية والدواء والغذاء إلى ~~غير ذلك # PageV01P067 # فكان أمر الله تعالى لآدم عليه السلام بسكنى الجنان والأكل الرغد ونفوذ ~~المشيئة من باب الإعلام والتأنيس بالبشارات بأنه لا يجوع فيها ولا يعرى ولا ~~يظمأ ولا يضحى وكان نهيه له على جهة الإرشاد المتقدم ذكره أو التحذير مما ~~تؤول إليه عقباه إن فعل ما نهي عن فعله في خروجه عن الجنة وشقائه في الدنيا ~~والإعلام بمكيدة الشيطان والتحفظ منه وكونه عدوا حاسدا له # وهذا معلوم في اللسان وما جرت به العادات وقد أمر الله تعالى إبليس بقوله ~~{واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال ~~والأولاد وعدهم} فهذه أوامر على جهة الوعيد له والتهديد كقوله تعالى للكفرة ~~{اعملوا ما شئتم} وليست بتكليف إذ لو كانت على جهة التكليف بفعلها لكان ~~وقوعها منه طاعة وهو عاص في هذه الأفعال إجماعا # وقد أمر الله موسى عليه السلام بأخذ الحية ونهاه عن الخوف منها حيث قال ~~له {خذها ولا تخف} والخوف أمر ضروري فلا يقع الأمر به جزما فكان الأمر له ~~على جهة التأنيس والإعلام بأنها لا تؤذيه إذ أخذها وكان مكلفا إذا ذاك ولم ~~يكن ذلك الأمر والنهي له مشروعين وكذلك قوله تعالى {اسلك يدك في جيبك تخرج ~~بيضاء من غير سوء} وقوله تعالى لأم موسى {فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا ~~تخافي ولا تحزني} # PageV01P068 # وكذلك قوله عليه السلام في الصحيح إذ رأى رجلا يقطعه الآل فقال كن أبا ~~خيثمة فإذا هو أبو خيثمة فهذا أمر على وجه ms27 الخير كأنه يقول هذا أبو خيثمة ~~إلى غير ذلك # ويكفيك أن الآخرة ليست بدار تكليف وفيها أوامر ونواه مثل قوله تعالى ~~للمؤمنين على جهة البشارة {ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون} وقوله تعالى ~~{ادخلوها بسلام آمنين} وقوله تعالى للكافرين على جهة الإغلاظ والترويع ~~فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين وقوله تعالى {اخسؤوا ~~فيها ولا تكلمون} على جهة التحقير والخزي والطرد وقوله تعالى على جهة ~~التصير لأصحاب السبت {كونوا قردة خاسئين} وقوله تعالى على جهة # PageV01P069 # التعجيز {كونوا حجارة أو حديدا} إلى غير ذلك من أنواع الأوامر والنواهي # وإذا كان هذا هذا فمن أين لقائل أن يقول إن نهي آدم عليه السلام كان على ~~جهة الحظر او الكراهة فإن احتجوا بقوله تعالى إنه عصى وغوى وظلم نفسه # قلنا إذا لم يثبت تكليفه في الجنة فتخرج هذه الألفاظ على مقتضى اللغة فإن ~~المعصية في اللسان عدم الامتثال كانت مقصودة أو غير مقصودة وظلم النفس ~~غبنها وبخسها في منافعها لكونه وضع الفعل في غير موضعه وكذلك غوى أدخل على ~~نفسه الضرر يقال غوى الفصيل إذا رضع فوق حده من اللبن فبشم فعلى هذه الوجوه ~~تخرج هذه الألفاظ # فإن قيل إذا خرجتم هذه الألفاظ على هذه الوجوه فما قولكم في # PageV01P070 # قوله تعالى {فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما} وفي قوله {فدلاهما بغرور} ~~إلى غير ذلك فنقول تخرج هذه الألفاظ أيضا على جهة قصد الشيطان والتعريض ~~بالوسوسة إليه لا على قصد القبول من آدم عليه السلام لوسوسته وخدعه فإن ~~الشيطان قد يوسوس إلى الأنبياء ولكن لا يقبلون منه قال تعالى لنبينا عليه ~~الصلاة والسلام {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله} وقال له {وقل رب ~~أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون} # وسنحيل ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى # وجملة الأمر أنه إذا لم يثبت تكليف لم يثبت إيجاب ولا حظر ولا طاعة ولا ~~معصية يقع فيها ذم شرعي ولا مدح ولا ثواب ولا عقاب وهذا ما أجمع عليه أهل ~~السنة ### | فصل # فإن ms28 قيل فإذا كان ذلك كما زعمتم فما المختار عند أهل الحق في هذه القصة ~~وما معتقدهم فيها وكيف التخلص منها # فنقول التخلص منها عند أهل الحق إن شاء الله أن الله تعالى نهاه على جهة ~~الإرشاد والإعلام والنصيحة لا على نهي التكليف ووسوس إليه الشيطان على جهة ~~الإغواء والحسد والمكر فلم يقبل منه ثم # PageV01P071 # أنساه الله تعالى بعد ذلك إرشاده إياه ووصيته له ووسوسة الشيطان إليه ~~فأكل منها غافلا عن الوصية والوسوسة # وإذا كان ذلك لم يبل هل كان عند ذلك نبيا أو لم يكن نبيا فإن الناسي لا ~~طلب عليه في الشرع ولا ذم بالإجماع والدليل على أنه نسي قوله تعالى {ولقد ~~عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما} يعني عهدنا إليه في أمر الشجرة ~~فنسي العهد فأكل منها من غير عزم على أكلها ولا متعمدا لاطراح الوصية ~~والنهي أو نسي المراقبة لتلك الوصية ولم نجد له عزما على المراقبة فألقي ~~عليه النسيان بتركه المراقبة فأكل منها ولا يصح في حقه عليه السلام مع ~~شهادة القرائن وعظم المكانة غير هذين الوجهين مع أن العزم في اللسان هو ~~الإرادة التي يقع معها الفعل وقد نهاه تعالى عنه فلم يبق إلا أنه أكل ناسيا ~~من غير عزم # فإن قيل وما دليلكم على أن العهد المنسي إنما كان في أمر الشجرة والعهود ~~كثيرة كعهده له في حمل الأمانة وغيرها # فنقول دليلنا على ذلك أنه لو قصد ارتكاب نهي الله تعالى وترك نصيحته له ~~مراعاة لمكيدة الشيطان ومكره به وقبوله منه فأكل منها متعمدا لصحة قول ~~اللعين تاركا لوصية الله ونهيه متعمدا لتركهما لكان متهما لخبره تعالى ~~مفندا لحكمه مرتكبا لنهيه وهذه كانت فعلة الشيطان عند امتناعه من السجود ~~حذوك النعل بالنعل وبها حكم بكفره # فمن اعتقد هذا في حقه عليه السلام فقد رماه برجام الكفر والإبتراك في ~~أوضار الجهل ودحض المزلات فأما ما كان يبترك # PageV01P072 # فيه من الجهالات ففي تقليده عدوه الشيطان وقبول قوله من غير دليل في أنها ms29 ~~شجرة الخلد التي توجب الملك الدائم والحياة الدائمة وهذا هو القول بالطبع ~~فإنه لا يخلو أن تفعل الشجرة ذلك باختيارها أو توجبه بنفسه ومحال أن تفعل ~~باختيارها فإنها جماد ولو قدرت حيا لم يصح فعلها في غيرها فإن القدرة ~~الحادثة لا تتعلق بما خرج عن محلها فلم يبق إلا الطبع والقول به كفر فمن ~~قال إنه أكلها قاصدا لما ذكرناه ألزم اعتقاد وقوع هذه الجهالات كلها من آدم ~~عليه السلام وهي لا تجوز عليه فإنها تؤدي إلى الكفر الصراح # ومعلوم من دين الأمة أنه ما كفر نبي قط ولا جهل الله تعالى ولا سجد لوثن ~~ولا أخبر تعالى عن واحد منهم بالكفر ولا بما دون الكفر من المعاصي قبل ~~النبوة وبعدها سوى قصة آدم عليه السلام فمن قال بسوى هذا فعليه الدليل ولا ~~دليل # فإن قيل ولعله كان يعتقد أن إبليس أعلم أنه من أكل منها يخلد في الجنة ~~بإرادة الله تعالى لا بالطبع والإيجاب # قلنا باطل فإن الله تعالى أعلمه قبل ذلك بنقيض قول الشيطان في أن الأكل ~~منها سبب الخروج فلو اعتقد الخلود فيها إذا أكل من الشجرة بقول الشيطان ~~لكان مكذبا للخبر السابق من الله تعالى وهو الذي فرغنا من استحالته عليه ~~فلم يبق إلا أنه أكل منها ناسيا فإنه إذا لم يصح العمد لم يبق إلا النسيان ~~على أنا لو قدرنا وقوع هذه القبائح من أدنى عاقل مؤمن من البله منا لم يصح ~~فكيف يصح ممن خلقه الله تعالى بيده وأسجد له ملائكته وجعله قبلة لهم وعلمه ~~الأسماء كلها وجعله معلما # PageV01P073 # لهم كلمه بلا ترجمان على جهة الإكرام والإعلام والنصيحة جاء في الصحيح عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال آدم نبي مكلم ~~يعني بغير واسطة إذ من الأنبياء غير مكلمين قال الله تعالى {منهم من كلم ~~الله} فكيف يكون آدم عليه السلام مكلما على هذه الوجوه كما تقدم ثم يقع في ~~مثل هذه الجهالات قاصدا متعمدا حاشى وكلا ms30 فيا لله لما يرتكبه الجاهل من ~~نفسه من حيث لا يشعر # فخرج من مجموع ما ذكرناه أنه أكل منها ناسيا وعوتب على نسيانه الوصية إذ ~~لو كان مراقبا لم ينسها على مجرى العادة فهذا هو الحق الذي يرغب فيه ولا ~~يرغب عنه ولا يصح أن يعتقد في حقه ولا في حق نظرائه من النبيين والمرسلين ~~سوى ما ذكرناه أو ما يضاهيه من الشروح التي لا تخل بقدره ولا تغض من جاهه ~~واجتبائه واصطفائه كما أخبر تعالى عنه # فإن قيل ولعله أكل منها غير قابل لمكيدة الشيطان ولا راد لوصية ربه ~~وإرشاده إياه أو ناسيا لمكيدة الشيطان عالما بوصية ربه لكن لشهوة غلبت عليه ~~حتى هان عليه الخروج من الجنة لتحصيل تلك الشهوة # قلنا هذا لا يصح في حقه عليه السلام لأنه مؤذن بضعف عقل فاعله وشدة شرهه ~~وسوء رأيه وقلة علمه والتقحم على خسيس الشهوة # PageV01P074 # رضى بالنقمة وليست هذه أخلاقه ولا شيمته بل كان رأس العقلاء ورئيس ~~الحكماء ومعلم الملائكة ولو حكي هذا عن عاقل من لفيف الناس لاستبعد في حقه ~~فكيف في حق من كلمه الله بلا ترجمان على جهة الإكرام فلم يبق إلا أن ~~النسيان الذي أخبر الله عنه وعدم العزم إنما كان في أمر أكل الشجرة لا غير # فهذا هذا ولم يبق بعد الخروج عن هذه الإلزامات في أنه أكل منها ناسيا ~~مطعن لطاعن والله أعلم # ولتعلموا أرشدنا الله وإياكم أن هذه النكتة الغريبة في أمر النسيان الذي ~~خلص هذه القصة من التخيلات الفاسدة والآراء المضطربة قد تقدم إليها غير ~~واحد من العلماء وذكرها لا سيما مشايخ الصوفية فإنهم على هذه القولة عولوا ~~لكنهم لم يتخلصوا منها كل التخلص بل نزهوه عنها تنزيها جمليا غير مفصل بمثل ~~هذا التفصيل # ولقد تحيرت في إثبات هذا التخلص على هذا الوجه منذ سنين لمعارضة هذا ~~النسيان بذكر المعصية والغواية والظلم حتى تذاكرت يوما فيها مع الفقيه ~~العالم المتفنن أبي العباس أحمد بن محمد اللخمي أدام الله كرامته فكان منه ~~في ms31 درج المذكرة ما يليق بمثله من التنبيه فيها على بعض نكت نادرة مؤيدة ~~بالتوفيق الرباني فثلج به الصدر إذ لا يصح سواها كما قدمناه # وأخبرني مع ذلك أنه أتعبه النظر في حل مشكلاتها مدة طويلة حتى فتح عليه ~~فشارك بحمد الله وأعان على ما كان تعذر منها بارك الله له فيما # PageV01P075 # منحه وبارك لنا في حياته وبقائه وصحة معاملته ومعونته فانظر أيها اللبيب ~~الفطن إليها نظر المتناصف ولا تعدل عن هذا الشرح إلى سواه لئلا يفتح عليك ~~باب من الفساد ولا يمكنك سده فإنه إذا جوزت عليه المعصية المنهي عنها شرعا ~~جازت على من بعده من الأنبياء عليهم السلام وإذا لم تجز عليه فأحرى ألا ~~تجوز على من بعده منهم لكونهم لم يذكر لواحد منهم معصية في الكتاب ولا في ~~السنة ضمنا ولا تصريحا ولا يجوز وقوعها عليهم كما قدمناه # ثم إن الله تعالى لطف بآدم عليه السلام في أكله من الشجرة بعد النهي عنها ~~من ستة أوجه # أحدها أنه لما اسجد له ملائكته على جلالة قدرهم وصيره قبلة لهم ومعلما ~~لطف بقلبه ألا تخطر به لفتة عجب فامتحنه بأكل الشجرة فلما أكل منها عوتب ~~عليها فتواضع # الثاني أنه كان منبسطا فلما أكل منها انقبض فسلم من وهلات البسط لأن الله ~~تعالى لا يعامل إلا بالخوف والقبض # الثالث أنه امتحن التكليف وكد المعيشة في الدنيا ليحصل له مقام الصبر # الرابع أنه رزق من طيبات ثمراتها ليلتذ بها فيشكر نعم الله تعالى عليه ~~فيجمع بين الصبر والشكر # فإن قيل فقد كان يتنعم في الجنة بأكثر مما يتنعم في الدنيا قلنا كان ~~يتنعم من غير تعب سابق ونعيمه في الدنيا ممزوج بالمشقة والتنعم بعد المشقة ~~يؤكد خالص الشكر وأيضا فإنه لم يكلف في الجنة كما تقدم فما كان يؤجر على ~~شكر لو وقع منه # الخامس أنه لما خرج من دار التنعم والدعة إلى دار المشقة # PageV01P076 # والتكليف صحت له المعاملة بالكسب والدرجات بالطاعة وميزان الجنة بالعمل # السادس أن تحصل له أجور ما ينتهك ms32 بعض ذريته من حرمة عرضه في هذه القصة ~~فإنهم يغتابونه في اقتفاء ما ليس لهم به علم وكفى بالمرء عقوقا أن ينتهك ~~عرض أبيه # فهذه رحمك الله ستة ألطاف به في ضمن كل لطف منها مقام كريم لآدم عليه ~~السلام كما قيل # (لعل عتبك محمود عواقبه ... فربما صحت الأجسام بالعلل) # PageV01P077 ### | شرح قصة نوح عليه السلام # في محاورته مع ابنه الكافر وسؤاله ربه في أمره وكذلك في دعائه على قومه # قال تعالى {ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع ~~الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله ~~إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين} # قالوا كيف يصح أن يقول له {اركب معنا} فيأبى ويظن أن الجبال تعصمه من ~~الغرق مع قول أبيه له {ولا تكن مع الكافرين} وفي إبائه أن يركب مع أبيه ~~السفينة مع عقوق أبيه والرد عليه واعتصامه بغير السفينة دليل على إثبات ~~كفره إذ لو صدق أباه في أن النجاة في السفينة والهلاك في غيرها لم يقل ذلك # وفي قوله أيضا مع اعتقاده أن الجبال تعصم من الماء تسفيه حلم أبيه إذ لو ~~كان الاعتصام بغير السفينة لكان الاعتصام بالسفينة سفها من جهة الضيق ~~والتعزير ونوح عليه السلام أعلم الناس بهذه الوجوه وهذه القرائن من أحوال ~~ولده وأقواله فإنها تدل على كفره بتكذيبه إياه وتسفيه حلمه وإذا كان هذا ~~فكيف يسوغ له عليه السلام أن يقول بعد ذلك {رب إن ابني من أهلي وإن وعدك ~~الحق} يعني في سلامة أهلي وقد # PageV01P078 # قيل له قبل ذلك {إلا من سبق عليه القول} وأقوال ابنه وأحواله تدل على أنه ~~ممن سبق عليه القول وكذلك قوله تعالى له {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم ~~مغرقون} وهو من الذين ظلموا # فالجواب أن نوحا عليه السلام حين ركب السفينة وأدخل فيه المؤمنين وأهله ~~كما أمر رأى ولده في جهة من خارج السفينة وبمقربة منها حيث يسمع النداء ولم ~~ير ms33 امرأته فيئس من سلامتها وظن أنها هي المستثناة وحدها وأنها هي التي سبق ~~عليها القول من الله تعالى بختم الكفر والعذاب فقط وطمع في إيمان ولده الذي ~~كان عهد منه قبل ذلك وكان ولده يظهر له الإيمان ويبطن الكفر والأنبياء ~~عليهم السلام إنما عنوا بالظواهر والله يتولى السرائر فلما لم ير امرأته ~~يئس من سلامتها ولما رأى ولده بمقربة من السفينة حيث يسمع النداء طمع في ~~سلامته وحسن الظن أنه مؤمن فقال {يا بني اركب معنا} يعني في السفينة {ولا ~~تكن مع الكافرين} أي لا تبق في الأرض فتهلك مع الكفرة (و) في قوله له {ولا ~~تكن مع الكافرين} دليل على أنه كان يعتقد إيمانه فلما قال له {سآوي إلى جبل ~~يعصمني من الماء} حسن أيضا به الظن بأنه كان يعتقد أن ما أخبر به أبوه من ~~هلاك الكفرة صحيح وأن المؤمن يسلم بإيمانه فظن هو أنه يسلم في السفينة ~~وغيرها فقال له أبوه {لا عاصم اليوم من أمر الله} يعني من مراد الله هلاك ~~الكفرة {إلا من رحم} يعني من رحمه الله فسلم بإيمانه ولم يقل إلا من ركب ~~السفينة فاحتمل القول جواز سلامة المؤمن في السفينة وغيرها فلم يقع من ~~الولد تكذيب ظاهر لأبيه في هذه # PageV01P079 # المراجعة مع هذه الاحتمالات ثم {حال بينهما الموج} في الحين فظن نوح عليه ~~السلام أنه قد كان يدخل معه السفينة لولا ما حال بينهما الموج فلما حال ~~بينهما الموج لم يدر ما صنع الله به وبقي مستريبا في إيمانه فقال بعد ذلك ~~{رب إن ابني من أهلي} يعني في النسب وظاهر ايمانه {وإن وعدك الحق} في سلامة ~~أهلي بإيمانهم {وأنت أحكم الحاكمين} إن كان الحكم هنا من الحكمة التي هي ~~العلة فمعناه أنت أعلم العالمين بحاله ومعتقده وإن كان الحكم القهر ~~بالإرادة والقدرة فمعناه أنت أقهر القاهرين الذي لا راد لأمرك ولا معقب ~~لحكمك # وفي ضمن هذا كله سؤاله ربه ورغبته في أن يطلعه على عاقبة أمر ولده كيف ~~كانت فأطلعه الله ms34 على ذلك فقال {يا نوح إنه ليس من أهلك} يعني في الدين لا ~~في النسب {إنه عمل غير صالح} يعني أن عمله غير صالح لكن سماه باسم صفته ~~الغالبة عليه وقد قرئ {إنه عمل غير صالح} بفتح اللام على معنى الخبر عن ~~عمله فأعلمه الله تعالى بحاله ومآله ثم أدبه تعالى ووعظه وعلمه فقال له ~~{فلا تسألن ما ليس لك به علم} نهاه ربه أن يسأله تحصيل علم ما لم يكلف علمه ~~إذ ليس يجب على المكلف أن يسأل علم ما لم يكلف العلم به # PageV01P080 # ومن هذا الوجه تخرج قولة خضر لموسى عليهما السلام فلا تسألني عن شيء حتى ~~أحدث لك منه ذكرا وذلك أن موسى عليه السلام طلب منه علما لم يكلف طلبه إذ ~~لا يجوز لطالب العلم المكلف بطلبه السكوت عن سؤال علم يلزمه ولا يجوز ~~للمعلم أيضا أن ينهاه عن السؤال فيما كلف العلم به # فخرج من ذلك أن نوحا عليه السلام سأل في أمر ولده عن علم لا يلزمه فنهاه ~~الله تعالى أن يسأل عما لم يكلف العلم به ثم حذره تعالى أن يفعل ذلك على ~~جهة النزاهة لا على الحظر فقال {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} يعني الذين ~~يتعصبون لعاطفة الرحم حتى يسألوا عما لم يكلفوا العلم به # فقد قام بحمد الله عذر نوح في سؤاله عن رفع الإشكال وإجابة ربه تعالى ~~إياه في إعلامه بمآل ولده وعتبه إلا يعود لمثل ذلك واستعاذ هو بربه ألا ~~يفعل مثل ذلك # ولله تعالى أن يعتب أنبياءه ويؤدبهم ويحذرهم ويعلمهم من غير أن يلحق بهم ~~عتب ولا ذنب # فهذا هذا والجهلة يخبطون عشواء الدجون # PageV01P081 ### | ### | فصل # # في شرح ما جاء في الكتاب من دعائه على قومه وامتناعه الشفاعة الكبرى في ~~الآخرة من أجله # وأما قصته عليه السلام في دعائه على قومه حين قال {رب لا تذر على الأرض ~~من الكافرين ديارا} فأجابه ربه فيهم فجاء في الخبر أنه احتمل أذايتهم ألف ~~سنة إلا خمسين عاما كما أخبر ms35 تعالى وهو يقول مع ذلك رب اهد قومي فإنهم لا ~~يعلمون فبينا هو ساجد يوما إذ مر به رجل من كفار قومه وعلى عنقه حفيد له ~~فقال الجد للحفيد يا بني هذا هو الشيخ الكذاب الذي دعانا إلى عبادة رب لا ~~نعرفه وأوعدنا وعيدا بلا أمد فتحفظ منه لئلا يضلك فقال الحفيد له إذا كان ~~على هذه الحالة فلم تركتموه حيا إلى الآن فقال له الجد وما كنا نصنع به ~~فقال أنزلني حتى ترى ما أصنع به فأنزله فأخذ صخرة فصبها على رأسه فتلقفها ~~الملك وقيل شج رأسه فلما سمع نوح عليه السلام قوله ورأى فعله علم إذ ذاك أن ~~الحفيد أطغى من الجد فدعا في تلك السجدة فكان ما كان ثم ندم على دعائه حتى ~~إذا سئل الشفاعة في الآخرة امتنع منها واعتذر بأنه دعا على قومه بالإهلاك # ومعلوم أن دعاء المؤمن على الكافر مباح لا ذنب فيه صغيرا ولا كبيرا # PageV01P082 # لا سيما بعدما قيل له {أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} فلما قطع ~~بكفرهم دعا عليهم # وإذا كان الدعاء على الكفرة على الإطلاق مباحا كان أحرى إذا وقع القطع ~~على كفرهم بالخبر الصدق # وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر وكذلك موسى عليه السلام ~~دعا على فرعون وملئه # على أن دعوة نوح عليه السلام رحمة عللها هو إذ دعا فقال {إنك إن تذرهم ~~يضلوا عبادك} يعني يضلوا من آمن من قومه بكثرة الإذاية فربما رجع منهم إلى ~~مذهبهم وقد يكون العباد هنا المولودين على الفطرة الذين إذا أدركوا يكفرون ~~بكفر آبائهم كما ورد في الخبر # {ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا} يعني من يكفر في ثاني حال لصحة الخبر أنهم ~~لا يؤمنون ولما رأى من الصبي الذي طرح على رأسه الصخرة إن صح الخبر # PageV01P083 # وإذا كان كذلك وطال مكثهم يتوالدون فيكثر سواد أهل النار بطول مكثهم # وهذا دعاء مباح مع ما فيه من الرفق بالغير وطلب السلامة للبعض وقد عده هو ~~ذنبا وذلك ms36 لأنه رأى أن سكوته وصبره عليهم كان أولى به حتى ينفذ فيهم حكم ~~ربهم بما شاء # ويحتمل أن يعده ذنبا لكونه لم يؤمر به كما عد موسى عليه السلام قتل ~~الكافر ذنبا لكونه لم يؤمر به فيقول قتلت نفسا لم يأمرني الله بقتلها # فهذا رحمك الله أدل دليل على صحة ما ذكرناه في أن الأكابر يصيرون بعض ~~المباحات ذنوبا من باب الأولى والأحرى إذ الدعاء على الكفرة مباح إجماعا ### | فصل # ثم إن لله تعالى أن يعتب أنبياءه وأصفياءه ويؤدبهم كما تقدم ويطلبهم ~~بالنقير والقطمير من غير أن يلحقهم في ذلك نقص من كمالهم ولا غض من أقدارهم ~~حتى يتمحصوا للعبودية والقيام في نطاق الخدمة والقعود على بساط القربة # ألا ترى كيف نهى الله تعالى نبينا صلى الله عليه وسلم عن النظر # PageV01P084 # لبعض المباحات فقال {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم} الآية ~~ونهاه أن يتبع النظرة الأولى ثانية فقال له {ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة ~~الحياة الدنيا} مع قوله تعالى في مقام آخر {قل من حرم زينة الله التي أخرج ~~لعباده والطيبات من الرزق} # فإذا لم يحرم أكل الطيبات والتمتع بالزينة إذا كانت من كسب الحلال والنظر ~~في الحسن من التمتع والزينة فكيف يحرم النظر إليها لكن كما قال المشايخ ~~حسنات الأبرار سيئات المقربين # جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح (ما كان لنبي ~~أن يكون له خائنة الأعين) # يعني الإشارة بالعين في الأوامر حتى يفصح بها # والإشارة بالعين في الأوامر مباحة لكنه يجري عنها تنزها وتأكيدا لرفع ~~الالتباس وهي مباحة لغير الأنبياء # PageV01P085 ### | شرح قصة إبراهيم عليه السلام # بما تقتضيه الآيات الثلاث # إحداها في استدلاله بالثلاثة الكواكب # الثانية في الأقوال الثلاثة التي قال إنها كذبات # الثالثة في قوله {رب أرني كيف تحيي الموتى} # فمما تخيلوه في استدلاله بالكواكب أنهم زعموا أن أمه فرت به صغيرا إلى ~~مغارة خوفا من النمرود فإنه كان يذبح أبناء العماليق ويستحيي نساءهم خيفة ~~على خراب ملكه على ms37 يد مولود فيهم كما كان يفعل فرعون ببني إسرائيل خيفة من ~~خراب ملكه على يد مولود منهم # فألقته في المغارة وكانت تختلف إليه فترضعه فيها وكان يشق عليها ذلك خيفة ~~من أن يظهر أمرها معه لقومها بالتكرار إليه إلى أن جاءت يوما فوجدته يرضع ~~ظبية فطابت نفسها وعلمت أنه محفوظ فتركته ولم تعد إليه فبقي كذلك حتى حصل ~~في حد من يعقل فخرج ليلا من المغارة ليطلب العلم بصانعه ومعبوده فرأى كوكبا ~~وقادا فقال هذا ربي إلى آخر ما قال # فأما قولهم في قصة المغارة والظبية فهو قليل في كرامته وجائز عليه # وأما قولهم نظر في الكوكب فقال هذا ربي معتقدا لذلك فباطل فإن هذا القول ~~كفر صراح وما كفر نبي قط ولا سجد لوثن قبل النبوة ولا بعدها # PageV01P086 # ولا تفوه أحد من الأمة بذلك قط كان محقا أو غير محق # جاء في الأثر في خروج نبينا صلى الله عليه وسلم صغيرا مع عمه أبي طالب ~~إلى الشام أنه لما مر بصومعة بحيرا الراهب نزل إليه في حديث يطول ذكره إلى ~~أن قال له باللات والعزى يا غلام ما اسمك # فقال له إليك عني فوالله ما تكلمت العرب بكلمة هي أثقل علي من هذه الكلمة # فحاشا لأنبياء الله تعالى من اعتقاد الكفر في وقت من الأوقات # وكيف وقد جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان غلاما كان ~~يوما ينقل الحجارة مع عمه أبي طالب لإصلاح ما ثلم في الكعبة وهو عار فسقط ~~على وجهه في الأرض مغشيا عليه فلما أفاق قال له عمه ما بالك فقال رأيت شخصا ~~أشار إلي أن استتر وكان ذلك الشخص الملك فهذا صغير ينبهه الملك على أدب من ~~آداب الشريعة قبل التكليف فما ظنك بحمايتهم من الكفر على أن منهم من أوتي ~~الحكم صبيا كيحيى عليه السلام قال تعالى {وآتيناه الحكم صبيا} وعيسى عليه ~~السلام تكلم في المهد صبيا بالحكمة حيث قال {إني عبد الله} الآية والذبيح ~~أوتي العلم والحلم غلاما ms38 قال {وبشروه بغلام عليم} وفي آية # PageV01P087 # أخرى {حليم} # فهذا هو الذي يصح من أحوالهم ويعتقد في جانبهم الكريم # وإذا كان هذا شأنهم في حال الطفولية فما ظنك بهم في حال الإدراك وكمال ~~العقل # فحاشاهم أن يكفروا اعتقادا أو يتلفظوا بكلمة كفر كانوا صغارا أو كبارا # فإن قيل فمن أين عرفوا الله تعالى قبل النبوة # فنقول بالنظر والاستدلال # فإن قيل فقد كانوا زمن النظر غير عالمين بالله تعالى # قلنا كذلك هو لكن ما دام المحل معمورا بالنظر لم يحكم له بكفر ولا بإيمان ~~إلا أنه كان آخر نظرهم متصلا بالعلم ففي أثر ما نظروا عرفوا الحق حقا من ~~غير أن يعتقدوا جهلا أو يتلفظوا بكلمة كفر # ومن الناس من قال إنهم علموا خالقهم بعلوم ضرورية على جهة الخرق والإكرام ~~لهم # وهذا سائغ في المقدور لائق بهم إلا أنهم يفوتهم في ذلك أجر الكسب إذ {ليس ~~للإنسان إلا ما سعى} # ومنهم من قال إنهم اكتسبوا العلم من غير تقدم نظر على جهة الخرق إكراما ~~من الله تعالى لهم والله أعلم # ولهم في هذا كلام لا تحتمل هذه التعاليق بسطه لكنهم مجمعون # PageV01P088 # على أنهم علموا من أول وهلة على أي وجه علموا نظرا أو ضرورة ### | ### | فصل # # وأول ما ينبغي أن نقدم قبل الخوض في هذه المسائل الإعلام بأن إبراهيم ~~عليه السلام كان نبي الحجة وهو أول من أصل أصول الدين بالاستدلال على علم ~~التوحيد وبه اقتدى رؤساء المتكلمين في استدلاله بالثلاثة الكواكب التي وردت ~~في الكتاب كما سيأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى # قال تعالى {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ~~ربك حكيم عليم} # نرفع درجات من نشاء أي بالحجة البالغة والعلوم العالية فكان قومه حرانيين ~~ينظرون في النجوم ويردون لها القضاء في الأفعال ويعبدون بعضها فكان هو يقصد ~~الاحتجاج عليهم في حدوثها بتغيرها وتبدل أحوالها فخرج مع أهل الرصد ليلا ~~لينبههم على حدوثها بتغيرها مع تسليم مذهبهم الفاسد لهم جدلا وقصده مقابلة ~~الفاسد بالفاسد فإنه ms39 من وجوه النظر والأظهر في طريقة التنبيه على الحدوث ~~الاستدلال بالأكوان فإن الحركة يعلم حدوثها ضرورة لكونها تقطع الحيز بعد ~~الحيز بحركة بعد حركة فمن رأى ساكنا يتحرك ضرورة علم تغيره ضرورة فنظر عليه ~~السلام فرأى كوكبا فقال لقومه {هذا ربي} يعني على ظنكم وحسابكم ففرحوا ~~بقوله وظنوا أنه رجع إلى مذهبهم فلما أفل رجع لهم عن قوله الأول بقوله {لا ~~أحب الآفلين} # فعلموا إذ ذاك أنه رجع عن مذهبهم بحجة بالغة والدليل على صحة ما # PageV01P089 # رمناه منه أنه قال {هذا ربي} على جهة التعنيت لهم وإقامته الحجة عليهم ~~لعلهم يتفطنون ويتعلمون من وجوه الاستدلال # ويتصور الرد فيه على القائلين بأنه استدل وغلط وتحير من ثلاثة أوجه # أحدها أنه لو قال {هذا ربي} على جهة الاعتقاد والتصميم لكان كافرا في تلك ~~الليلة إلى حين غروب الكوكب وكذلك يلزم في قوله في القمر والشمس ومن اعتقد ~~هذا فقد أعظم عليه الفرية ورد ما علم من دين الأمة في أن نبيا ما كفر قط ~~عقدا ولا لفظا كما تقدم وغايته أن لو كان ما زعموه لتوقف على دؤوب النظر ~~حتى يعلم الحق حقا لكون الناظر في حال نظره لا يحكم له بكفر ولا بإيمان كما ~~تقدم # الثاني أنه لو كان يثبت إلهية الكوكب عند الطلوع من أجل ظهوره وينفيها ~~عند الغروب من أجل غروبه لقامت عليه حجة الخصم بأن يقول له إذا أثبت إلهيته ~~الكوكب عند الطلوع ونفيتها عند الغروب فالكوكب يسري على ما هو به وإنما غاب ~~عنك وسيطلع غدا ويظهر لك فيلزمك أن تثبت الآلهية له عند كل طلوع وتنفيها ~~عند كل غروب وهذا تناقض بين مع تساوي الغروب والطلوع له في التغير # الثالث أن الكواكب لا تكاد تعد كثرة فمن أين له أن يعين أحدها بالإلهية ~~مع التساوي بينهما في كل حال # فإن قالوا إن الكوكب كان من الدراري السبعة التي يعتقد قومه فيها الآلهية ~~قبل # قيل لهم هذا باطل من أربعة أوجه # أحدها أنكم قلتم إنه عندما خرج ms40 في حال صغره من المغارة رأى أول كوكب فقال ~~هذا ربي فهو على قولكم لم يعلم الدراري من غيرها رؤية ولا سماعا لكونه لم ~~ير أحدا يخبره بذلك # PageV01P090 # الثاني أنه لو كان يقصد أحد الدراري لعلمه بأن قومه عبدوها وخصصوها ~~بالآلهية فيقول {هذا ربي} معتقدا لذلك لكان مقلدا لقومه في الكفر لكونه ما ~~عنده إلا ما سمع منهم بأنها آلهة وهذا أشد عليهم في الإنكار من كل ما ~~تخيلوه # الثالث أن الطلوع والغروب في التغير والحركات على سواء في الاستدلال على ~~الحدوث فلم استدل بأحدهما على نفي الآلهية وأثبتها للثاني # الرابع أنه قال في الشمس والقمر ما قاله في الكوكب فصار ينقل الآلهية من ~~جسم إلى جسم والكل في حالة الطلوع والغروب على سواء وهذه غاية الجهل الذي ~~يحاشى الخليل عليه السلام عنه قطعا # فإن قالوا لما رأى القمر ظن أنه لا يغرب فقال ذلك قلنا هذا باطل فإنه قد ~~جرب الكوكب وطلوعه وغروبه ثم رأى القمر طالعا كالكوكب فلو كان ما زعمتم ~~لتوقف عن هذا القول حتى يرى هل يغرب أم لا يغرب وأما قوله في الشمس فيجب أن ~~يتأكد الإنكار عليه لتأكد تكرار التجربة منه في الكواكب والقمر # وهذه الأقوال كلها لو قدرت لأحد منا لأنكرها كل الإنكار فإن فيها غاية ~~الحيرة وعدم الاستدلال فكيف تثبت لخليل الرحمن الذي أراه ملكوت السموات ~~والأرض حتى كان يرى ويسمع صريف القلم في اللوح المحفوظ وكان يسمع خفقات ~~قلبه من خشية الله على فرسخ فإذا بطلت في حقه بل في حق العقلاء المستدلين ~~هذه الأقوال لم يبق إلا أنه قالها باب مقابلة الفاسد بالفاسد ليقيم الحجة ~~على قومه في التغير بالأكوان الدالة # PageV01P091 # على الحدوث ويعضد ذلك قوله لهم في الشمس {هذا ربي هذا أكبر} يعني أكبر ~~جرما وأبهر ضياء وأنفع لأهل الأرض من كل ما دونها من الكواكب وهي تتغير ~~كتغيرها وليس بعدها ما ينتظر يا قوم إني بريء مما تشركون الآيات إلى قوله ~~{وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد ms41 هدان} الآية والبارئ تعالى يخبر أنه ~~نادى قومه وناجاهم وحاجوه وحاجهم ورد عليهم وهم يقولون إنه خرج من المغارة ~~وحده واستدل وغلط وتحير وقال هذا ربي في الكواكب الثلاثة فلو كان صغيرا كما ~~زعموا لم يكن له قوم يناديهم ويحاجهم ويحاجونه ولو كان أيضا لم ير الكواكب ~~إلا تلك الليلة كما زعموا لم يقل في الشمس على الإطلاق {هذا ربي هذا أكبر} ~~مع تجويز طلوع أكبر منها فلولا ما رأى الكواكب قبل ذلك لم يقل هذا أكبر # وهذا جزاء من يتكلم في أمور الأنبياء عليهم السلام قبل أن يتمرن في علم ~~ما يجب لهم ويستحيل عليهم ### | ### | فصل # # فإن قالوا فإذا زعمت أنه قال لقومه هذا يعني ثلاث مرات معترضا ومنبها ~~ليقيم الحجة عليهم وهو يعتقد خلاف ما يقول فلم لم يعد هذه الأقوال في ~~الكذبات التي يعتذر بها في المحشر حين يطالب بالشفاعة فيقول كذبت في ~~الإسلام ثلاث كذبات وهي بالإضافة إلى هذه الثلاث ست وكذلك جاء في الحديث أن ~~إبراهيم عليه السلام لم يكذب إلا ثلاث كذبات وما منها كذبة إلا وهو يماحل ~~بها عن الإسلام أي يدافع فالجواب من ثلاثة أوجه # PageV01P092 # أحدها ان الثلاث الكذبات التي عددها على أوجه مختلفة فإحداها أنه لما ~~دعوه للخروج معهم لمهرجانهم في سدفة السحر وفي باله أن يكيد أصنامهم بعد ~~خروجهم كما أخبرهم حين قال {وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين} ~~فنظر إلى النجوم ليقيم عذره عندهم على زعمهم لكونهم يقولون بالقضاء في ~~النجوم {فقال إني سقيم} فاعتقدوا أنه رأى في النجوم أسباب المرض فرضوا عنه ~~بذلك وتركوه # وهذا من النمط الذي قدمناه في الكواكب الثلاثة أن أقواله فيها إنما كانت ~~على جهة الإبهام عليهم والتنبيه لهم لعلهم يتفطنون في ثاني حال # الثانية قوله بعدما صير أصنامهم جذاذا حين سألوه {من فعل هذا بآلهتنا} ~~فقال {بل فعله كبيرهم هذا} وأشار إلى كبير الأصنام وهو قد شوه صورته وسمل ~~عينيه وجدع أنفه ومقطوع به أنه قال ذلك ليقيم الحجة عليهم في ms42 نفي الإلهية ~~عما اعتقدوه من الكواكب والأصنام فصارت هذه القولة في معناها تشبه تلك ~~الأقوال الثلاثة في الكواكب فلما كانت الأقوال مع قوله في الصنم على وجه ~~واحد من إقامة الحجة على مذهب الخصم ومقابلة الفاسد بالفاسد صارت كالواحدة ~~في المعنى ثم أضاف لها القولتين المختلفتين في النظر في النجوم وقوله في ~~أهله للملك الجبار هي أختي فصارت ثلاثا # PageV01P093 # وأما الثالثة التي هي قوله للملك الذي أراد أن يأخذ منه أهله عنوة فسأله ~~ما هذه التي معك فقال هي أختي فكان قوله ذلك طمعا في تخليصها منه بهذه ~~القولة ليقيم عذره عند الملك لكون الغيرة على الأخت آكد منها على الزوج ~~فقال له ذلك لعله يتركها له كالذي فعل فلو قال هي زوجتي فربما كان يقول له ~~انزل لي عنها أتملكها على الوجه الذي كانت عندك فلما كانت القولتان تخالف ~~الواحدة التي اتحدت مع الثلاث في إقامة الحجة على الخصوم بعد تسليم مذهبهم ~~لهم جدلا عد الكل ثلاثا لاتحاد الأربعة الأقوال في المعنى # الوجه الثاني أن تكون القولات الثلاث في الكواكب التي لم يعدها من ~~الكذبات بأمر من الله تعالى أمر أن يقولها فقالها ولم يعدها كذبات لكونه ~~مأمورا بها وتلك الثلاث التي عدها كانت عن نظره واجتهاده فأبهمها بأن رأى ~~أن السكوت عنها كان له أولى على ما قدمناه في حقهم من مراعاة الأولى # وإذا كانت الثلاث الأخر بأمر الله تعالى له فلا حرج فيها لكونه مأمورا ~~بها فتخرج له مخرج قول الملك لداوود عليه السلام {إن هذا أخي} ولم يكن أخاه ~~حقيقة وقوله {له تسع وتسعون نعجة} ولم يكن له نعاج إلى آخر ما قاله # وقوله يوسف عليه السلام لإخوته {إنكم لسارقون} كما قدمناه حرفا بحرف # والأظهر من الوجهين الأخير منهما ودليلنا عليه أن الستة الألفاظ في ~~التلفظ بخلاف المعتقد على سواء # فذكر الثلاث والإعراض عن ذكر الثلاث الأخر مع ورعه عليه السلام وشدة ~~مراقبته دليل على أن التي أعرض عن ذكرها كانت بأمر الله تعالى # PageV01P094 # الثالث ما ms43 جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لم يكذب ~~إبراهيم عليه السلام في الإسلام إلا ثلاث كذبات كلها ما حل بها عن دين الله ~~قوله في الكوكب {هذا ربي} وقوله في سارة هي أختي وقوله في الأوثان {بل فعله ~~كبيرهم هذا} # فقد فسرها عليه السلام حين عدها ثلاثا فصارت الثلاثة القولات في الكواكب ~~كالواحد في العدد لكونها متحدة في المعنى وانضافت إليها قولته عن سارة ~~وقولته عن الأوثان فصارت ثلاثا # وتكون قولته {إني سقيم} حقيقة وتكون النجوم هنا ما ينجم له من تفاصيل ~~أحواله أي يظهر له ويعضد هذا الخبر ما ذكرناه من أنه قال في الكواكب ما لم ~~يعتقده دينا كما زعم الجهلة ### | ### | فصل # # وأما قصته عليه السلام في طلب رؤية كيفية البعث وجمع الأجسام بعد تبددها ~~وسبب هذا الطلب ما جاء في الخبر عن سيد البشر صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~(بينما إبراهيم عليه السلام يمشي على ساحل البحر إذ مر بدابة # PageV01P095 # بعضها في البر وبعضها في البحر فرأى دواب البحر تأكل مما يليها ودواب ~~البر تأكل مما يليها فقال ليت شعري كيف يجمع الله هذه الحديث # فاشتاق إلى رؤية الكيفية فقال إذ ذاك {رب أرني كيف تحيي الموتى} نقل هذا ~~الخبر على المعنى ### | ### | فصل # # اعترضت الملحدة هذه القصة ومن تابعهم من اليهود والنصارى والقرامطة ومن ~~قال من الباطنية باستحالة حشر الأجساد والجهلة بعصمة الأنبياء عليهم السلام ~~على الوجه الذي ذكرناه قبل # فقالوا هذا إبراهيم عليه السلام على جلالة قدره قد استراب في البعث حتى ~~طلب رؤية الكيفية ليطمئن قلبه بنفي الاسترابة وهذا أشد في الاعتراض من كل ~~ما ذكروه فإن الشك في البعث كفر صراح بالإجماع من كل أمة فإن حقيقة الكفر ~~في الشرع تكذيب الله ورسله وما ملئت طباق جهنم إلا من هذا الصنف الشاك فيما ~~جاءت به الرسل عليهم السلام # فانظر عصمنا الله وإياكم إلى معتقد هذه الوصمة في حق الخليل عليه السلام ~~أن تؤول به ولأجلها جاء عنه ms44 صلى الله عليه وسلم أنه قال (نحن أحق بالشك من ~~إبراهيم) نبه ضعفاء العامة أن أنبياء الله تعالى في العصمة والنزاهة على ~~سواء فما جاز على أحدهم جاز على الكل فكأنه # PageV01P096 # يقول إياكم أن تجوزوا الشك على إبراهيم عليه السلام فيما يوحى إليه ربه ~~فإن جوزتموه عليه فأنا أحق أن تجوزوه علي وأنتم لا تجوزونه علي فلا تجوزوه ~~عليه ثم تأدب عليه السلام مع الأب بقوله نحن أحق ### | ### | فصل # # في شرح الآية قال الله تعالى وإذا قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى ~~قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ~~ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز ~~حكيم # قوله تعالى {وإذ قال إبراهيم} تنبيه لنبينا عليه السلام ليتهيأ لقبول ~~الخطاب كما قدمنا في قصة زيد فكأنه يقول له وقد أخبرك عن قول إبراهيم إذ ~~طلب أن أريه كيف أحيي الموتى فأسعفته في ذلك وأريته الكيفية فذكره تعالى ~~إسباغ آلائه على أنبيائه وإسعافه لهم فيما يثلج به صدورهم مما غاب عنهم من ~~بعض الجائزات في معلوماته تعالى # وأما قولة إبراهيم عليه السلام {رب أرني كيف تحيي الموتى} وأنه طلب أن ~~يريه تعالى مثلا محسوسا يطلعه على كيفية الجمع من أقاصي الأرض وبطون ~~الحيوانات وكيفية سرعتها في الحركات عند الاجتماع ولأي أصل تجتمع وعلى أي ~~وجه تتصور إذ الجواز بحر لا ساحل له # وقد نبه صلى الله عليه وسلم على بعض هذه الكيفيات فقال (كل ابن آدم تأكله ~~الأرض إلا عجب الذنب فإنه منه خلق وفيه يركب) # PageV01P097 # ومعنى خلق هنا صور لكون الشيء لا يخترع من الشيء وإنما يخترع لا من شيء ~~وأخبر عليه السلام أن عجب الذنب الذي هو وسط الجرم منه بدئ تركيبه في الرحم ~~وإليه ترجع الأجزاء الزائلة عنه في نواحي الأرض إذا بعث # وفي هذا الحديث دليل على أن اكل الأرض إنما هو عبارة عن تبدد الأجزاء في ~~الجهات لا عدمها ms45 البتة # ويعضد ذلك ما سنذكره إن شاء الله تعالى في هذه القصة من جمع أجزاء الطيور ~~بعد تفريقها وللناس في هذا عريض من القول لسنا الآن له # وأما قوله تعالى أولم تؤمن قال بلى # سأله بالنفي فأجابه ب بلى التي هي جواب النفي لإثبات المنفي كأنه قال له ~~ألست مؤمنا بالبعث قال بلى معناه أنا مؤمن به كما علمت لكنني أريد أن يطمئن ~~قلبي برؤية الكيفية فقال تعالى له {فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك} أي ~~أملهن إليك بالإحسان والتعليم لكي تدعوها فتأتيك مجيبة لدعائك ففعل ذلك ثم ~~أخذ الطيور وذكاها وحز رؤوسها وأمسكها عنده وهشم أجسامها وخلطها حتى صارت ~~جسما واحدا لا يتميز بعضها من بعض ثم فرقها على أربعة أجبل ثم قعد هو في ~~الجبل الوسط الذي أحاطت به الجبال الأربعة ثم دعاها فطارت القطرة من الدم ~~إلى القطرة واللحمة إلى اللحمة والريشة إلى الريشة وكذلك صكيك العظام وهو ~~ينظر إليها حتى التأم كل جسد على ما كان عليه من الأجزاء التي كانت له قبل ~~ثم طار كل جسد إلى رأسه فالتأم به # PageV01P098 ### | فصل # انظروا رحمكم الله إلى وقوع هذه الكيفية فإنها تشبه بعث بعض الأجساد ~~وجمعها واحياءها وسرعة مسيرها إلى أرض المحشر حذوك النعل بالنعل # فأما كون وقوع المثال بالطيور بدلا من سائر الحيوانات فهو أن يقع الشبه ~~فيها بأحوال البعث من ثلاثة أوجه # أحدها أنها تقبل التعليم حتى تدعى فتجيب كالنسر والعقاب والبازي ~~والسوذنيق والغراب والطاووس إلى غير ذلك # وأنها تؤخذ أفراخا فتربى وتعلم فتقبل التعليم حتى تطير وترجع إلى داعيها ~~إذا دعيت وكذلك الملك إذا دعا الموتى من القبور جمعوا وحيوا وأتوه # والثاني أن الطيور إذا دعيت أتت بسرعة تفوق بها سائر الحيوانات وكذلك ~~الملك إذا دعا الموتى أتوه بسرعة كما قال تعالى {مهطعين إلى الداع} أي ~~مسرعين وقال تعالى {يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون} # الثالث أن الطير تأتي في الهواء على خط استواء فتكون أسرع في الإتيان ~~وأظهر للرائي فإنها ms46 لا تفوت بصره فلو كانت غير الطيور من الحيوانات ~~كالأرانب والثعلب والكلب والذئب إلى غير ذلك وجاءته لكانت تتوارى في بعض ~~الغيطان وخلف الشجر والربا إلى غير ذلك فكانت تغيب عن بصر # PageV01P099 # إبراهيم عليه السلام تارة وتظهر أخرى فما كانت تتم له الرؤية التي طلب إذ ~~قال {رب أرني} # وأما كونها أربعة ولم يكن أكثر ولا أقل فلأن يقع الاكتفاء بها في الجهات ~~الأربع وهو المقصود أيضا بكون الجبال أربعة وذلك لأن الجهات ست فوق وتحت ~~ويمين وشمال وأمام وخلف # ومعلوم أن أجزاء الحيوانات الأرضية إذا تبددت بعد موتها لا تصعد إلى فوق ~~ولا تغوص إلى تحت وإنما تتبدد في الجهات الأربع # فلذا كانت الطيور أربعة والجبال أربعة والله أعلم # وأما كون إبراهيم عليه السلام على الجبل المتوسط منها فأشبه شيء بالملك ~~الذي يقف على صخرة بيت المقدس فيدعو الحيوانات فيأتون إليه من الأربع جهات ~~مسرعين كما تقدم # وأما مجيء النقطة من الدم إلى النقطة واللحمة إلى اللحمة والريشة إلى ~~الريشة والعظم إلى العظم وهو ينظر إليها فأشبه شيء بمجيء الأجزاء يوم البعث ~~من الجهات التي افترقت فيها حتى تجتمع كما كانت أول مرة لا يشذ منها شيء عن ~~صاحبه وهو كان مطلوبه عندما رأى الدابة تتبدد أجزاؤها في بطون حيوانات ~~مختلفة كما جاء في الخبر فاشتاق إلى رؤية كيفية الجمع فسألها فأجيب فيها # وأما فائدة حبس الرؤوس عنده ومجيء الأجسام بأعيانها فلخمسة أوجه # أحدها أنه لما كانت رؤوسها عنده وجاء كل جسد إلى رأسه وقع له اليقين أنها ~~هي لا غيرها # الثاني أن في هذه القصة ردا على من أنكر حشر الأجساد من غلاة الباطنية ~~وغيرهم # PageV01P100 # الثالث رد على من زعم أن الأزواج تركب في أجسام أخر غير التي كانت مركبة ~~عليها في الدنيا لكون الأرواح عندهم في الحي الناطق والأجسام ظروف متماثلة ~~فلا يبالي بإعادتها # الرابع رد على من قال من أهل الأهواء المضلة إن الحيوانات لا تحيى دون ~~الرؤوس ولا يجوز ذلك فحييت الرؤوس # الخامس قولهم إنه ms47 لا تكون الإدراكات والحواس إلا في الرؤوس على بنية ~~مخصوصة فأكذبهم الله تعالى بأن سمعت ورأت بإدراكات خلقت في بعض أجسامها دون ~~الرؤوس فحييت وسمعت حين دعيت ورأت وجاءت طائرة بلا رؤوس ولا عيون ولا آذان ~~وهذا هو مذهب أهل الحق أنه ليس للإدراكات شرط في المحل سوى الحياة # وأما قوله تعالى {واعلم أن الله عزيز حكيم} فقد يكون أمرا له عليه السلام ~~بأن يبقى على معلوماته في إثبات عزة الله تعالى وحكمته لا أن يستجد علما ~~بما لم يكن يعلم ويحتمل أن يأمره بأن يستجد علوما أخر بأنواع من الحكمة ~~والعزة لم يكن يعلمها قبل # وأما ذكره العزة في هذا المقام فهي الغلب والقهر تقول العرب من عز بز أي ~~من غلب سلب فلما كان في جمع الموتى وإحيائهم دفعة واحدة غاية الغلب والقهر ~~والحكم والعلم والإتقان والإحكام تمدح البارئ تعالى بصفاته العلى وعزة قهره ~~فأمره أن يتزيد علما بصفات الجلال والجمال # وقد يكون الأمر بالعلم فيما رأى من تفاصيل عجائب الكيفيات فلما أطلعه على ~~ذلك غاية الإطلاع وعلمه ما لم يكن يعلم قال له # PageV01P101 # تعالى {واعلم أن الله عزيز حكيم} أي وابق عالما بما زدتك من العلوم ~~الحسية التي لا يتأتى الجهل بها ولا الشك فيها في مستقر العادة ولا يتغافل ~~عنها # فهذه رحمك الله قصص إبراهيم عليه السلام في الثلاث الآيات والتبرئة له # PageV01P102 ### | شرح قصة عزير عليه السلام # في الآية التي وردت في إماتته وإحيائه # قال تعالى {أو كالذي مر على قرية} الآية # الى قوله تعالى أعلم أن الله على كل شيء قدير # فمما اختلقوه عليه عليه السلام أنه شك في البعث بقوله {أنى يحيي هذه الله ~~بعد موتها} فأراه الله الآية في نفسه حيث أماته ثم أحياه فحينئذ أيقن ~~بالبعث فقال أعلم أن الله على كل شيء قدير # وما أرى أن هؤلاء الأوباش الذين يعتقدون في عقائد أنبياء الله تعالى مثل ~~هذا الاعتقاد إلا أنهم يقيسونها بعقائدهم الفاسدة وشكوكهم المضطربة # كما قيل رمتني بدائها وانسلت وقيل ms48 وكل إناء بالذي فيه يرشح # PageV01P103 # مع جهلهم بمقادير النبوة فيمشون فهم مثل هذه الأقوال الحاسمة لأصل ~~الإيمان # ومنهم من قال إنه ما مات عزير ولكن غشي عليه بدليل أنه لو مات لم يحي بعد # وهذا هو التنصيص على إنكار البعث واستبعاد إحياء الموتى وتكذيب البارئ ~~تعالى حيث قال فأماته الله مئة عام ثم بعثه # وقد قال كلب من كلاب القصاص هذه القولة في هذا البلد على المنبر فما ~~أنكروها عليه ولا طولب بها وما يمكن أن ينبو فهم مسلم عن فساد هذه القولة ~~فإنها رد نص الكتاب ولكنها قلوب طبع الله عليها بطابع الحرمان ### | فصل # وأما عزير عليه السلام فاختلف الناس في نبوته لكونه لم ينص عليه الكتاب ~~والأظهر إثبات نبوته بدليل قوله تعالى {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا} وهذا خطاب لليهود والنصارى واليهود عبدت عزيرا بنص الكتاب ~~ومما يدل على نبوته أيضا من الكتاب أنه ذكر مع الأنبياء في معرض الفضيلة ~~والإكرام في موطنين ذكره تعالى مع إبراهيم عليه السلام في إحياء الموتى ~~لهما وذكره مع عيسى عليه السلام في أن عبد من دون الله # وسبب هاتين القصتين نذكره الآن بعون الله تعالى # PageV01P104 # جاء في الأثر أنه كان في بني إسرائيل من بعد موسى عليه السلام نبيا وكان ~~اسمه دانيال وإنما سمي عزيرا لكثرة تعزير اليهود له وإعظامهم لقدره عليه ~~السلام ثم غلوا في تعظيمه حتى عبدوه وسبب ذلك لأن أماته الله مئة سنة ثم ~~أحياه وأراه الآية في طعامه وشرابه الذي مرت عليه مئة عام ولم يتسنه أي لم ~~يتغير وفي حماره الذي أماته معه وتبددت أجزاؤه ثم أنشرت وجمعت وحييت وهو ~~ينظر إلى ذلك كله # فقال الجهلة لم يختصه بهذه الكرامات إلا لأن كان ولده فعبدوه تعالى الله ~~عما يصفون # فلما طغى بنو إسرائيل وقتلوا الأنبياء بغير حق وبدلوا أحكام التوراة ~~وأخبارها سلط الله عليهم بخت نصر البابلي وكان مجوسيا فأتى إلى مدينة بيت ~~القدس ودخلها عنوة فرأى دما يترشح فيها من الأرض فجمع بني ms49 إسرائيل وسألهم ~~عن سبب ذلك الدم فأنكروا سببه خيفة منه أن يقع ما وقع فقال له بعض من يختص ~~به هنا رجل يزعم أنه نبي والأنبياء لا يكذبون فسله يخبرك فأمر بإحضاره فجيء ~~به فقال له أيها الشيخ أخبرت أنك تزعم أنك نبي والأنبياء لا يكذبون فأخبرني ~~عن سبب هذا الدم # فقال له عسى أن تعفيني أيها الملك # فقال لا أعفيك حتى تخبرني أو أعذبك حتى تموت # فقال له أما إذ لا بد من القول فهذا دم نبي قتله قومه ظلما # فقال له ومن ذلك النبي الذي قتله قومه ظلما # فقال يحيى بن زكريا عليهما السلام # فقال له ومن قومه الذين قتلوه # فقال بنو إسرائيل # PageV01P105 # فقال والله لأقتلن عليه خيارهم ولا أرفع عنهم السيف حتى يجف هذا الدم # فقتل عليه من خيارهم سبعين ألفا وحينئذ جف الدم # ويعضد هذا الخبر ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (دية النبي إذا ~~قتله قومه سبعون ألف رجل من خيار قومه) فلما رأى ذلك دانيال عليه السلام ~~خرج فارا بنفسه إلى بلاد مصر فبقي فيها أربعين سنة ثم اشتاق إلى موطنه ~~ومسقط رأسه وقبور أسلافه من الأنبياء والأولياء عليهم السلام فركب حمارا له ~~وأتى نحو بيت المقدس فلما كان بمقربة منه رأى جنة كانت له وقد بقي فيها بعض ~~علائق من شجر العنب فأتاها فوجد فيها عنبا نضجا فاقتطف منها وأكل وملأ سلة ~~كانت معه وركب حماره وسار حتى أشرف على مدينة بيت المقدس فرآها خرابا يبابا ~~لم يبق فيها رسم ولا طلل فتحسر على فقد الخلان وخراب الأوطان كما قيل # (أحب بلاد الله ما بين منعج ... إلي وسلمى أن يصوب سحابها) # (بلاد بها عق الشباب تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها) # فتحرك قلبه تحسرا على فقد الخلان وخراب الأوطان فقال {أنى يحيي هذه الله ~~بعد موتها} يعني كيف تعود هذه البلدة على ما كانت عليه بعد خرابها فاستبعد ~~أن تعود على ما كانت عليه من نباتها وشجرها وبساتينها كما يستبعد ms50 الناس أن ~~تعود البلاد كما كانت عليه بعد خرابها على مجرى العادة # PageV01P106 # وهذا من الكلام المباح الذي يقوله الناس إذا خربت البلاد وكانوا يعرفونها ~~عامرة من قبل # وكثيرا ما قيل هذا في ندب الأطلال الخالية والرسوم البالية إلا أن أهل ~~المراقبة يطلبون بهذه الأقوال التي كان غيرها أولى منها كما تقدم # فإن مثل أولئك لا يستبعدون كائنا في مقدور الله تعالى كان معتادا أو غير ~~معتاد لما يعلمون من نفوذ إرادته ومضاء أمره إذا أراد شيئا فإنما يقول له ~~كن فيكون # كما عتب الملائكة امرأة إبراهيم عليه السلام حيث قالت # يا ويلتا أألد وأنا عجوز الآية فقالوا لها {أتعجبين من أمر الله} # أي مثلك يرى في فعل الله عجبا وأنت صديقة # قال المشايخ العجب أن لا ترى عجبا فإذا لم تر عجبا كنت أنت العجب # فلما استبعد إصلاحها على مجرى العادة أراه الآية في نفسه فأماته ثم أحياه ~~بعد مئة سنة ثم أطلعه على ذلك بأن أنشأ له الحمار الذي كان يركبه بعدما ~~أماته ورم حتى صار ترابا ثم أنشأه له من التراب وهو ينظر إليه وأبقى عنبه ~~كما كان بعد مئة سنة ثم التفت إلى جهة مدينة بيت المقدس فرآها أعمر ما كانت ~~قبل فندم على قولته فكأن الله عز وجل عتبه وأدبه حتى لا يستبعد وقوع مقدور ~~تحت القهر كان خارقا أو غير خارق # فهذا هو الذي يجوز في حقه عليه السلام لا ما اختلقوه # PageV01P107 ### | شرح قصة موسى عليه السلام # في الآية المتضمنة قتل الكافر قال تعالى {ودخل المدينة على حين غفلة من ~~أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه} # إلى قوله {فقضى عليه} # فمن أقوال المخلطة في هذه القصة أن موسى عليه السلام قتل القبطي من أجل ~~العبراني لأن كان العبراني من قبيله والقبطي من غير قبيله فصيروا الكليم ~~عليه السلام متعصبا لأجل قبيله وعشيرته وليس الأمر كذلك وحاشاه من ذلك # فإن هذه هي حمية الجاهلية وإنما مر موسى عليه السلام برجلين يقتتلان ms51 ~~أحدهما يعرفه مؤمنا والآخر يعرفه كافرا فاستغاثه المؤمن على الكافر فوكز ~~الكافر ليحمي المؤمن فصادف مقتلا من مقاتله بتلك الوكزة فمات ### | فصل # فإن قيل من أين لكم أن تحكموا بإيمان أحدهما وكفر الآخر وإنما نطق الكتاب ~~ب رجلين أحدهما من شيعته أي من بني إسرائيل والآخر من عدوه لكونه من القبط # PageV01P108 # فنقول ومن أين علمتم أيضا أن أحدهما كان قبطيا والآخر كان سبطيا والكتاب ~~إنما نطق برجلين # فإن قالوا لقوله تعالى {هذا من شيعته وهذا من عدوه} والشيعة القبيل ~~والرهط فمن أين نقلتم الحقيقة إلى المجاز ومن أين صح لكم العلم بكفر أحدهما ~~وإيمان الثاني # فنقول علمنا ذلك من ثلاثة أوجه # أحدها أن شيعة الكافر قبيله ونسيبه وصنفه وشيعة المؤمن إنما هو شريكه في ~~الإيمان كان من قبيله أو من غير قبيله قال تعالى {إنما المؤمنون إخوة} # وقال في قصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ ~~منه} # وقال في الكفرة {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} # وقال تعالى {يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه} # والمرء هذا الكافر بدليل قوله تعالى {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين} # والأخلاء هنا المؤمنون # PageV01P109 # وقال تعالى {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين} # وقال تعالى في الكافر {ويوم يعض الظالم على يديه} # إلى قوله يا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا # إلى غير ذلك مما جاء في الكتاب والسنة من تبرئ المؤمن من الكافر ومجموع ~~هذا يدل على أن الذي استغاث بموسى عليه السلام كان مؤمنا على بقايا من دين ~~يوسف عليه السلام # قال تعالى {وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه} # فكان في بني إسرائيل وفي القبط مؤمنون يكتمون إيمانهم فكان هذا الرجل ~~المستغيث بموسى عليه السلام منهم # الثاني قول الله تعالى لأم موسى عليه السلام {يأخذه عدو لي وعدو له} # ومعلوم قطعا أن الله تعالى ما سمى فرعون عدوا له ولنبيه إلا لأجل كفره ~~فخرج من ms52 هذا أن هذا القبيل إنما كان عدوا لموسى عليه السلام من اجل كفره ~~ولو اجتزأنا بهذا الدليل لاكتفينا به عما سواه # الثالث أن الله تعالى قال {هذا من شيعته وهذا من عدوه} فلو كان المقصود ~~بالشيعة القبيل لقوبل في النقيض بقبيل آخر لا بالعدو فإنه ليس من وصف من لم ~~يكن من القبيل أن يكون عدوا ثم قد يكون # PageV01P110 # العدو من القبيل بل من الأخ والولد قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا ~~إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم} فصحت عداوة الدين مع ثبوت النسب # فيخرج العدو هنا مخرج قوله تعالى {يأخذه عدو لي وعدو له} حرفا بحرف وكذلك ~~قوله تعالى {فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه} فخرج من مضمون هذا ~~أن موسى عليه السلام وكز الكافر العدو لأجل كفره لا لغير ذلك إذ ليس لله ~~تعالى شيعة ولا قرابة سبحانه وتعالى وقد أثبت لنفسه عدوا # فإن قيل فإذا كان هذا هذا فلم ندم على قتله وتحسر واستغفر ربه وغفر له ~~ومع هذا يمتنع يوم القيامة من الشفاعة لأجل هذا المقتول ويقول معتذرا ~~ومعترفا قتلت نفسا لم يأمرني الله بقتلها وأيضا فإن الله تعالى عاتبه في ~~الدنيا عند المناجاة فقال له {وقتلت نفسا فنجيناك من الغم} # فكيف يعاتب كليمه على قتل كافر # وأيضا فقد قال هو لفرعون حين عرض له بقتل القبطي فقال {وفعلت فعلتك التي ~~فعلت وأنت من الكافرين قال فعلتها إذا وأنا من الضالين} # فنقول أما قولكم لم ندم وتحسر واعتذر واستغفر وغفر له فهذا من النمط الذي ~~قدمناه في حق غيره من الأنبياء عليهم السلام أنهم يتحسرون ويندمون ~~ويستغفرون على ترك الأولى من المباحات فلا فائدة في إعادة تفصيل ما فرغنا ~~من جملته وتفصيله # PageV01P111 # على أن ندم موسى عليه السلام لم يكن على مباح وإنما كان ندمه على فعل لم ~~يؤمر به والأفعال قبل الشرع انما هي مطلقة لا غير فإن المباح يقتضي مبيحا ~~فإذا لم يثبت شرع فلا مباح ولا مبيح # وهذا أوسع ms53 في عذر موسى عليه السلام إذ لم يكن مشروعا له عندما قتله وإن ~~كان قد التزم شريعة يوسف عليه السلام على وجه من الوجوه فتخرج له على الوجه ~~المتقدم # وأما قولكم إن الله تعالى عاتبه عند المناجاة على قتل القبطي فباطل وإنما ~~عدد ربه تعالى عليه في ذلك المقام الكريم نعمه السالفة عليه وآلاءه العميمة ~~في قوله تعالى {إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه في التابوت} إلى قوله ~~تعالى {واصطنعتك لنفسي} ثم ذكر له من جملتها كيف نجاه من كيد فرعون وغم كان ~~في قلبه من أجل طلبه إياه حين فر بنفسه منه # ولو عاتبه ربه على ذلك لخرج له مخرج ما قدمناه من عتاب الله تعالى ~~لأنبيائه على بعض المباحات من غير أن يلحق بهم ذنب ولا عتب # وأما قوله عليه السلام لفرعون {فعلتها إذا وأنا من الضالين} فيعني به أنه ~~كان عندما قتله من الغافلين الغير مكلفين فكأنه يقول له فعلتها قبل إلزام ~~التكليف وإذ كنت غير مكلف فلا تثريب علي فإنه لا يقع الذنب والطاعة إلا بعد ~~ثبوت الأمر والنهي والدليل على أن ضلال الأنبياء غفلة لا جهل قوله تعالى ~~لنبينا عليه السلام ووجدك ضالا # PageV01P112 # فهدى) يعني غافلا عن الشريعة لا تدري كيفية العبادة فهداك لها بالأمر ~~والنهي ثم قال له {بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن ~~الغافلين} # والجاهل لا يسمى غافلا حقيقة لقيام الجهل به فصح أن ضلال الأنبياء عليهم ~~السلام غفلة لا جهل # وقال بعض مشايخ الصوفية {وجدك ضالا} أي محبا له {فهدى} أي اختصك لنفسه ~~خصوص الهداية والصحبة # يعضد ذلك ما أخبر تعالى عن إخوة يوسف عليه السلام {إن أبانا لفي ضلال ~~مبين} أي في حب مبين ليوسف وكذلك قولهم له بعد ذلك {تالله إنك لفي ضلالك ~~القديم} أي في حبك القديم له ومن أسماء المحبة عند العرب الضلال # ومع ما ذكرناه في هذه القصة من تبرئة موسى عليه السلام من الذنب في قتل ~~الكافر أن قتله كان ms54 خطأ فإنه ما طعنه بحديدة ولا رماه بسهم # PageV01P113 # ولا ضربه بفهر ولا بغيره وإنما وكزه وما جرت العادة بالموت من الوكزة وإن ~~مات منها أحد فنادر والنادر لا يحكم به فقد تبرأ موسى عليه السلام من الذنب ~~في قتل الكافر براءة الذئب من دم ابن يعقوب عليهما السلام # PageV01P114 ### | شرح قصة يونس عليه السلام # في قوله تعالى {وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه} الآية # فمما اختلقوه عليه السلام في شرح هذه الآية أن قالوا أنه جاءه الملك ~~بالوحي وهو يتعبد في الجبل فقال له إن الله تعالى أمرني أن أعلمك بأنه ~~أرسلك إلى أهل نينوى لتحذرهم وتنذرهم فقال له يونس عليه السلام الله أرفق ~~بي وأعلم بضعفي ومسكنتي من أن يرسلني الى قوم جبارين متكبرين يؤذوننى ~~ويقتلونني فراجع ربك أيها الملك في أمري فلعله يعفيني من ذلك ويلطف بي فقال ~~له الملك الله تعالى أعظم من أن أراجعه فيما أمرني به وقد أمرتك فسل أنت ~~ربك ذلك إن شئت فقد بلغتك والسلام ثم صار الملك إلى مقامه ففر إذ ذاك يونس ~~عليه السلام على وجهه إلى جهة البحر مغاضبا لربه وركب السفينة فالتقمه ~~الحوت # ومنهم من قال إنه بلغ قومه الرسالة فسبوه وضربوه وأغلوا في أذيته فدعا ~~عليهم فأخبره ربه أنه ينزل البلاء عليهم في يوم كذا فأخبرهم بذلك فلما كان ~~في ذلك اليوم خرج إلى أعلى الجبل وقعد ينتظر الوعد فإذا سحابة عظيمة سوداء ~~قد جاءت من ناحية البحر حتى # PageV01P115 # قربت من البلد ثم جاءت ريح فهبت في وجهها فردتها عنهم فخرج فارا مغاضبا ~~لربه حيث رد عنهم البلاء # فهذا من بعض أقوالهم الخبيثة في قصة يونس عليه السلام # ومقتضى هاتين الكذبتين عليه أنه سخط أحكام ربه ولم يرض بقضائه ولا أذعن ~~لحكمه # وحاشى وكلا أن يفعل ذلك أنبياء الله تعالى مع العصمة والنزاهة فيما دون ~~ذلك كما قدمناه # فإن غضب العبد على ربه إنما هو ألا يرضى بحكمه ولا بإرادته وهذه هي ~~المناقضة والكفر الصراح ms55 # قال تعالى لنبينا عليه السلام {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} # فنفى الله الإيمان عمن لم يرض بحكم الله تعالى وحكم نبيه عليه السلام ~~وقال عليه السلام في دعائه (لك العتبى حتى ترضى) والأمر أظهر من الاستدلال ~~عليه ### | فصل # فإن قيل إذا لم تصح هذه المغاضبة لربه على هذا الوجه فما الصحيح الذي ~~يعول عليه فيها وكذلك المطالبة في لوم الله # PageV01P116 # تعالى له حيث قال {فالتقمه الحوت وهو مليم} وكذلك في قوله تعالى لنبيه ~~عليه السلام {فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت} # وكذلك في قولة نبينا عليه السلام حمل أخي يونس أعباء الرسالة فانفسخ ~~تحتها كما ينفسخ الربع # قلنا أما مغاضبته عليه السلام فكانت لقومه لا لربه ولا يجوز ذلك عليه ~~وأنى وقد جاء في الخبر أنه صلى الله عليه وسلم قال (والذي نفسي بيده لو لم ~~يبلغ نبي الرسالة إلى قومه لعذب بعذاب قومه أجمعين) نقل على المعنى وإنما ~~كانت لقومه لما نال منهم من الأذية فاحتمل أذاهم حتى ضاق صدره ويئس من ~~فلاحهم ففر بنفسه بعدما بلغ غاية التبليغ كما أمره الله تعالى # ثم غلب ظنه لسعة حلم الله تعالى ألا يطلبه بذلك الفرار لكونه قد أدى ما ~~عليه وهو معنى قوله تعالى {فظن أن لن نقدر عليه} أي ان لن نضيق عليه قال ~~تعالى {ومن قدر عليه رزقه} أي ضيق وقال تعالى {أولم يعلموا أن الله يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر} أي يضيق # PageV01P117 # ويحتمل أنه ظن أن قدرة الله تعالى لم تتعلق بإيلامه وسجنه تفضلا منه وأنه ~~تعالى يعفو عنه في ذلك الفرار فوقع خلاف ظنه # وهذا هو الذي يجوز أن يعتقده الأنبياء وأن يعتقد فيهم # وقال الفجرة إنه ظن أن لا يقدر الله عليه أي لا يمكنه أن يفعل فيه وهذا ~~كفر صراح لا يمكن أن يعتقده مقلد في الإيمان فكيف نبي # وقد تذاكرت مع طالب من طلبة الأندلس ملحوظ بالطلب فقال ms56 لي ذلك وبالاجماع ~~أنه من ظن أن لا يقدر الله عز وجل عليه على وجه العجز عنه أو الفوت من ~~قضائه وقدره فهو كافر # وأما قوله تعالى {فالتقمه الحوت وهو مليم} أي أتى ما يلام عليه وليس كل ~~من أتى ما يلام عليه يقع لومه فإن كان تعالى لم يلمه فقد اندفع الاعتراض ~~لعدم اللوم والأظهر أنه لم يلمه إذ لو وقع اللوم لقال وهو ملوم وان كان ~~لامه فاللوم قد يكون عتابا وقد يكون ذما فإن صح وقوع لومه فكان من الله ~~عتابا له على فراره لا ذما إذ المعاتب محبور والمذموم مدحور # فاعلم رحمك الله صحة التفرقة بين اللوم والذم قال الشاعر # (لعل عتبك محمود عواقبه ... فربما صحت الأجسام بالعلل) # وقال آخر # (إذا ذهب العتاب فليس ود ... ويبقى الود ما بقي العتاب) # PageV01P118 # وقال آخر # (لو كنت عاتبتي لسكن لوعتي ... أملي رضاك وزرت غير مراقب) # (لكن صددت فما لصدك حيلة ... صد الملول خلاف صد العاتب) # ألا ترى كيف قال الله تعالى {لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء ~~وهو مذموم} معناه لولا ما عصمناه ورحمناه لأتى ما يذم عليه على أصل الجواز ~~لا على فرع الوقوع # وهذا من النمط الذي قدمناه في قصة إبراهيم عليه السلام حيث قال {واجنبني} ~~وهي أن يعبد الأصنام وهو قد أمن من ذلك بالخبر وقوله تعالى في قصة شعيب ~~عليه السلام {وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا} الآية ~~وقوله تعالى لنبينا عليه السلام {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} وهو ~~تعالى لم يشأ ذلك بالخبر # وأما قوله تعالى لنبينا عليه السلام {فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب ~~الحوت} يعني كيونس عليه السلام في فراره حين ضاق صدره كما قدمناه وقال ~~تعالى {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون} كما ضاق صدر يونس فلا تفر ~~كفراره # ولذا جاء عنه عليه السلام (لا تفضلوني على يونس بن متى) # PageV01P119 # لما قيل له {ولا تكن كصاحب الحوت} فنهاه أن يفعل فعله في ms57 قصة مخصوصة خاف ~~على قلوب عوام أمته من اعتقاد هذه القولة على خلاف ما هي به فيعتقدون أنها ~~نهي له على العموم وحاشى وكلا وكيف يصح فيها العموم وقد أمره تعالى أن ~~يتخلق ويقتدي ويهتدي بأخلاقه وأخلاق نظرائه عليهم السلام حيث قال له {أولئك ~~الذين هدى الله فبهداهم اقتده} فقال ذلك والله اعلم # وأما قوله عليه السلام (حمل أخي يونس أعباء الرسالة فانفسخ تحتها كما ~~ينفسخ الربع) الحديث فهو في هذا المعنى انه كلف مقاساة الجهلة والصبر على ~~الأذية فضاق صدره بذلك ولم يحتمله ففر # وعلى هذا ينبغي أن تحمل هذه الأقوال وعلى ما هو أغمض وأعلى في التبرئة من ~~هذا ولا قوة إلا بالله # PageV01P120 ### | شرح قصة أيوب عليه السلام # في قوله تعالى {واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب ~~وعذاب اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب} # فمما قالوه في سبب محنته عليه السلام وهو أسلم ما نسبوه إليه من الأقاويل ~~أنه شوى حملا في منزله وكان بإزائه جار فقير فتأذى برائحة طعامه ولم ينله ~~منه شيئا فامتحنه الله تعالى بأن سلط عليه الشيطان # ومنهم من قال إنه دخل يوما على ملك جبار فرأى في منزله منكرا فلم يغيره ~~فلذا امتحن # وهاتان القولتان من أشبه ما قالوه في محنته عليه السلام فأول ما يطلبون ~~به إثبات دعواهم وهم لا يثبتونها في كتاب ولا سنة سوى ملفقات من قصصيات هي ~~أوهى في الثبوت من خيط العنكبوت # فاخترنا الكلام في هاتين القصتين لكونهما مما يصح معناهما لو صح أثرهما ~~فلو صح ما قالوه من القولتين أو إحداهما لتصور الخروج عنهما بأحسن مخرج # فأما قصة الحمل فقد يكون يغلب الظن أن جاره ليس يحتاج اليه في ذلك الوقت ~~وقد نعلم أنه يمكنه أن يصنع مثل ذلك فإن ثمن الحمل # PageV01P121 # يسير وليس كل فقير مملقا وقد يحتمل أنه نسي أن يواسيه منه وليس يلحقه في ~~ذلك عتب ولا ذنب على أنه لو ترك إعطاءه قاصدا لم يكن مذنبا فإن مؤاساة ~~الجار ms58 مندوب إليها ومن ترك المندوب فلا ذنب عليه # وأما قولهم إنه لم يغير المنكر على الملك الجبار فعين هذا القول عذر عنه ~~فإن لزوم تغيير المنكر إنما هو مع الإمكان قال تعالى {الذين إن مكناهم في ~~الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} فلما ~~علم جبروت الملك خاف على نفسه ولم يمكنه تغييره بظاهره لئلا يقع من الجبار ~~منكر أكبر مما رآه في منزله فغير بقلبه # ويحتمل أن يكون ذلك الملك لم يكن من أمته ولا أرسل إليه فلم يغير عليه إذ ~~لا يلزمه ذلك # كما مر موسى عليه السلام على قوم يعكفون على أصنام لهم فغير على قومه ولم ~~يغير عليهم لكونه لم يرسل إليهم فإن النبي لا يلزمه التغيير إلا على من ~~أرسل إليه # فقد خرجت القولتان بحمد الله على أحسن مخرج إذا صحتا # وأما قوله {مسني الشيطان بنصب وعذاب} أي ببلاء وشر جاء في خبر يطول ذكره ~~فلنذكر منه ما لا بد من ذكره # وجاء في الأثر أن الشيطان تحداه بأنه لو سلط عليه لضجر وسخط حكم الله ~~تعالى فسلط على ماله وولده وجسده إلا قلبه ولسانه فصبر صبرا أثنى الله به ~~عليه إلى يوم القيامة في قرآن يتلى فقال تعالى إنا # PageV01P122 # وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) وبقي الشيطان خائب الصفقة خزيان فلما ~~نادى ربه شاكيا بالشيطان وبما ناله منه أجابه بالإقالة من شكيته وأمره أن ~~يركض الأرض برجله حتى يريه بركة صبره فقال {اركض برجلك هذا مغتسل بارد ~~وشراب} فعجل له في الدنيا مثلا لعين الحياة التي بين الجنة والنار يغتسل ~~فيها المعذبون ويشربون منها فيخرجون مطهرين من كل بؤس ظاهرا وباطنا كما جاء ~~في الخبر # فمس أيوب عليه السلام الأرض برجله فنبع منها الماء فشرب منه فبرئ ما كان ~~في باطنه من دقيق السقم وجليله واغتسل فبرئ من ظاهره أتم براءة فما كان ~~يرسل الماء على عضو إلا ويعود في الحين أحسن ما كان قبل بإذن الله تعالى # ورد الله عليه ms59 ماله وولده وولد له مثل عددهم # قال الله تعالى {وآتيناه أهله ومثلهم معهم} # وهذه القصة على رونق فيها لكونها متعلقة بالكتاب جائزة في العقل لكنها ~~غير لائقة بمنصب النبوة وحاشى لله أن يسلط عدوه على حبيبه بمثل هذه السلطة ~~حتى يتحكم في ماله وولده وجسده بالبلاء والتنكيل # وأما تعلقهم فيها من الكتاب العزيز فبقوله تعالى أنه قال {مسني الشيطان ~~بنصب وعذاب} # PageV01P123 # وليس لهم حجة في هذا القول فإن الأنبياء عليهم السلام إذا مسهم ضر نسبوه ~~إلى الشيطان على جهة الأدب مع الحق سبحانه لئلا ينسبوا له فعلا يكره مع ~~علمهم أن كلا من عند الله # قال الخليل عليه السلام {وإذا مرضت فهو يشفين} # وقال الخضر عليه السلام {فأردت أن أعيبها} # وقال الكليم عليه السلام {هذا من عمل الشيطان} # وقال فتاه عليه السلام {وما أنسانيه إلا الشيطان} # وقال نبينا صلى الله عليه وسلم (والخير كله في يديك والشر ليس إليك) # يعني ليس إليك يضاف وصفا لا فعلا وإن كان الفعل كله من عند الله # وقال تعالى بيدك الخير إنك على كل شيء قدير # فخرج من مجموع ما ذكرناه أن تعلقهم بالآية في كل ما زوروه من الأقاصيص ~~غير صحيح ### | ### | فصل # # استطراد إلى قصة مريم وتبيين أن مقامها عند هز الجذع ليس أقل من مقامها ~~في الغرفة # PageV01P124 # وهنا نكتة شريفة يجب الاعتبار بها في قصة مريم عليها السلام عند هز الجذع ~~وهي معضودة بقصة أيوب عليه السلام في بركة ركضه وبركات بعض الأنبياء فيما ~~لمسوه وركضوه وضربوه وذلك أن معظم أهل الإشارة رحمهم الله أصفقوا على أن ~~مريم عليها السلام كان مقامها في الغرفة أعلى مما كان عند النخلة # واستدلوا على ذلك بما جاء في الخبر عن الرزق الذي كان يجد عندها زكريا ~~عليه السلام إذا كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في ~~الشتاء فكان يأتيها بلا سبب فلما نظرت إلى عيسى عليه السلام حين ولدته ~~أحبته فأمرت بالكسب في هز النخلة لكونها رجعت من جمع إلى تفريق ms60 # وقالوا في هذا وأطنبوا وأنشدوا الأبيات المشهورة على قافية الباء إلى غير ~~ذلك وهذه رحمهم الله وهلة منهم وغفلة عن الأولى والأحرى في حق تلك الصديقة # وأول ما يعترض به عليهم أن يقال لهم من أين يحكمون عليها أنها لما رأت ~~الولد تفرقت بميل قلبها إليه # وهذا لا يصح إلا بتوقيف والتوقيف في ذلك معدوم وبم تردون على من يدعي ~~نقيض دعواكم ويبرهن عن ذلك أن مريم عليها السلام ما كانت قط في مقام هو ~~أعلى من مقامها في تلك الأزمة على تلك الحالة # PageV01P125 # وعلى قدر الأزمات يأتي الفرج وذلك أنها قبضت في ذلك المقام من سبعة أوجه # أحدها أن خاطبها الملك على ضعفها وصغر سنها ووحدتها في الفلاة وهذا أمر ~~لا يتخيل ما يكون فيه إلا من دهمه # الثاني أنه كان أول خطاب خوطبت به وقد جاء في الصحيح أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما خاطبه الملك في أول مرة كاد أن يتردى من حالق الجبل خيفة من ~~فجأة الملك وفجأة الخطاب وكان عليه السلام في ثاني حال يأتيه الوحي في ~~اليوم الشديد البرد فيتفصد عرقا هيبة من فجأة الوحي وإعظاما للملك # الثالث أن أخبرها بأنها تلد من غير فحل وهذا مما يعظم سماعه لكونه غير ~~معتاد لا سيما لمثلها # الرابع طريان المخاض عليها وآلامه التي توازي آلام الموت لا سيما أول ~~مخاض # الخامس وهو أشد عليها من كل ما وقع وهو ما يصمها الناس به من الملامة ~~والأذية وإقامة الحد عليها وهي بريئة # السادس وهو أشد عليها من أذيتها وهو ما يلحق قومها من # PageV01P126 # الناس إذا قذفوها فإنها صديقة بشاهد القرآن والصديق أشفق على خلق الله ~~مما هو على نفسه # السابع فيما يكون عذرها إذا اعترضت وأنكر عليها ما جاءت به # فهذه سبع قوابض لو سلط أحدها على جبل لتصدع ويكفيك قولها عند ذلك {يا ~~ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا} فأي مقام فوق مقام من ابتلي بمثل هذه ~~المعضلات دفعة واحدة فصبر وشكر # ويعضد ما ms61 قلناه في علو مقامها في ذلك الحال قوله تعالى {كلما دخل عليها ~~زكريا المحراب} الآية إلى قوله {بغير حساب} # وذلك أن زكريا عليه السلام كان يجد عندها تلك الفواكه المذكورة في غير ~~أوانها فيقول {أنى لك هذا} يعني بأي عمل بلغت هذا المقام كان عليه السلام ~~يستعظم ذلك المقام في حقها لغرارتها وضعفها فتقول هي {هو من عند الله} # أي ليس ذلك مقاما بلغته بكبير عمل وإنما هو من فضل الله تعالى فكأن ما ~~تشير إليه أنتم عظماء لكم المقامات والأحوال وأنا ضئيلة ضعيفة فأنتم ترزقون ~~بسبب وأنا بغير سبب # ففي قول زكريا عليه السلام {أنى لك هذا} دليل على ضعف مقامها في الغرفة ~~فإن المقامات عند القوم مرتبطة بعلوم مخصوصة وأعمال # PageV01P127 # مخصوصة وكذلك الأحوال والكرامات أيضا هبة من الله تعالى لهم على قدر ~~مقاماتهم # فلما كان ذلك غاية قبضها وعلاء مقامها في القبض بسطت من سبعة أوجه # أحدها أن كلمها الوليد قال تعالى {فناداها من تحتها ألا تحزني} قرئ بفتح ~~الميم # فقال قوم ناداها الملك من مكان منخفض عنهما # وقال آخرون ناداها الوليد وهو الأظهر لوجهين # أحدهما أن تحت في حق الوليد أمت والثاني أن تكليم الوليد آنس في الخطاب ~~من كلام الملك على ما تقدم # والثاني من تقاسيم البسط أن كلمها وليدها ولم يكلمها وليد غيرها لأن ~~تكليم ولدها من بركات أحوالها # الثالث أن كلمها في الحين فإن فيه تنفيس خناق قبضها بسرعة البشارة # الرابع أن كلمها بالبشارة {ألا تحزني} # الخامس أن أخبرها أنه سري أي رفيع القدر عند الله تعالى وما يحب أحد أن ~~يكون غيره أحسن منه إلا ولده # PageV01P128 # السادس أنه لما كلمها الوليد استبشرت بأنه سيقيم حجتها عند قومها كالذي ~~فعل # السابع وهي البشارة العظمى التي تثبت أن مقامها عند الجذع كان أعلى من ~~مقامها في الغرفة وهو قوله تعالى لها {وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك ~~رطبا جنيا} # وتتصور الكرامة في هزها من أحد عشر وجها # أحدها أنه نبهها على بركة يدها بأن تمس ms62 الشيء فيظهر عليه بركة ذلك المس ~~كما جاء في الصحيح عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى ~~يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وامسح عنه ~~بيده رجاء بركتها # وكما قيل # لو مس عودا سلوبا لاكتسى ورقا ... ولو دعا ميتا في القبر لباه) # الثاني أن الملموس كان جذعا والجذع في اللسان هو ساق النخلة إذا جذ رأسها ~~يقول العرب على كم جذع بيتك مبني وجاء في الخبر فحن الجذع إليه وكانت ~~أسطوانة في المسجد وقال تعالى {ولأصلبنكم في جذوع النخل} ولا يكون الصلب ~~إلا في # PageV01P129 # الخشب فصح أن ساق النخلة إنما يسمى جذعا إذا جز رأسه وإذا جز رأس النخلة ~~يبست فلا تلقح ولا تورق بعد فلما لمسته أخضر في الحين # الثالث أن نبتت فيها أغصان وورق ورؤوس النخل إذا قطعت لا تخلف # الرابع أن أثمرت في الحين والنخل لا تثمر إلا بعد ريح في أيام كثيرة # الخامس أن صارت رطبا في الحين # السادس قوله {جنيا} أي حان قطافها فصلحت للجني فإنها قد تسمى رطبا في أول ~~نضجها قبل أن تصلح للجني على جهة المجاز # وهنا لطيفة وهي أن الله تعالى آنسها بأن أراها مثلا بالجذع اليابس حين ~~اخضر من غير سقي وبعد يبسه اخضر وأثمر في الحين كما ولد عيسى عليه السلام ~~من غير فحل وتكلم في الحين وتم خلقه دفعة وولد في الحين فتلك بتلك # السابع أن هزتها فتساقطت ومعلوم أن هز مثلها على ما هي عليه من ضعفها ~~ونفاسها لسوق النخل لا يسقط الرطب فإن كان أعطيت في الحين قوة تهز بها ~~النخل فتسقط رطبها فخرق كبير وإن تساقطت الرطب للمسها إياها فخرق آخر أكبر ~~منه # قوله الثامن لها {فكلي واشربي} فإن فيه بشارة بسرعة الخلاص من ألمها فإن ~~النفساء لا تأكل ولا تشرب إلا بعد مدة لشغلها بألمها # PageV01P130 # التاسع أنه بشرها بحصول الطعام والشراب عندها لأن كانت بأرض فلاة فإن ~~الناس يخافون عدمهما في الفلوات # العاشر قوله ms63 لها {وقري عينا} فعلمت بكلامه الخارق أنه لا يكذبها فأنست # الحادي عشر أنه علمها كيف تجيب إذا سألها قومها في قوله لها {فقولي إني ~~نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا} # ألا ترى إلى طمأنينتها إلى مبارأة ولدها كيف أتت به قومها تحمله ظاهرا ~~لهم وقد كادت تفر به إلى بلد آخر أو تخفيه ما استطاعت فلا يشعر به قومها ~~فلما طابت نفسها به في إقامة حجتها عند قومها أتتهم به تحمله ظاهرا لهم # فهذه رحمك الله سبعة أحوال ثوبها ربها عليها بثمانية عشر حالا سبعة منها ~~قبل الهز وأحد عشر بعده كلها تتضمن من البسط والأنس والكرامات ما يدل على ~~رفعة شأنها وعزة مكانها عند ربها فكيف تبخس هذه الصديقة في حقها وتحط عن ~~مقامها في الهز # ويعضد ما رمناه من علو المقام لها في ذلك الوقت صحة الشبه في قوله تعالى ~~لأيوب عليه السلام {اركض برجلك} أراد تعالى أن يريه عاقبة صبره وبركة تصرفه ~~وفائدة ركضه وثمرة لمسه الأرض بأخمصيه ومعلوم أن المياه لا تنبع بسبب الركض ~~على مجرى العادة # وأن الركض يخرج مخرج الهز خرفا بحرف # PageV01P131 # وكذلك قوله تعالى لموسى عليه السلام {اضرب بعصاك الحجر} أراد تعالى أن ~~ينبع له الماء بواسطة الضرب حتى تظهر كرامته عند بني إسرائيل # وكذلك في البحر حين ضربه فانفلق # وكذلك عيسى عليه السلام كان يركض القبور فيحيي الله به الموتى ويلمس ~~الطين فيصير طائرا بإذن الله # وكذلك نبينا عليه السلام لمس الماء فنبع من بين أصابعه ولمس الطعام فنما ~~وزيد فيه وتفل في بئر فعذبت وكثر ماؤها وتفل في عين علي كرم الله وجهه ~~فبرأت من داء الرمد وشربت أم أيمن بوله فبرأت من داء البطن وتفل على رجل ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الغار حين لسعته العقرب فبرئ في الحين # فليت شعري ما الذي أغفل أولئك الجلة عن هذه الأدلة حتى يغضوا من مقام ~~مريم عليها السلام بالهز وهو الأعلى كما ترى أيها اللبيب الفطن المتناصف # PageV01P132 # فإن قيل ms64 إنما كانت تلك الأفعال منهم على سبيل إظهار المعجزة لكونهم ~~أنبياء ومريم عليها السلام لم تكن نبية # قلنا ليس الأمر كذلك بدليل أنهم لو تحدوا بتلك الخروق من غير تناول منهم ~~لها فوقعت على وفق تحديهم بها لصحت المعجزة وإذا صحت المعجزة دون التناول ~~باللمس والضرب علم أن تلك الأفعال وقعت إكراما لهم زائدا على ثبوت المعجزة ~~وأيضا فإن اللمس والضرب والتفل ليس من قبيل المعجزات فإنه معتاد والمعتاد ~~لا يكون معجزة # فهذا هذا ومن اعترض من المقلدة بالجزاف فعليه الدليل ولا دليل فإن القوم ~~الذين قالوا ذلك لم يأتوا بدليل سوى ما نقرره من أن التوكل فوق الكسب # وهذه مسألة قد حفيت فيها الأقدام واضطربت الأفهام والأظهر فيها أن الكسب ~~مع التوكل إعلاء فإنه يقع بالظاهر ويبقى الباطن متوكلا فإذا تصور الجمع بين ~~الظاهر والباطن فالكسب الحلال ممن جمع بينهما فهو إعلاء مقام لكونهما ~~مقامين وعملين فلا منافرة بين التوكل والكسب لاختلاف المجال ومريم عليها ~~السلام صديقة ومن بعض مقامات الصديق الجمع بين الكسب والتوكل # وفي الكسب فائدة كثيرة فإنه مما ينفع الناس ويصلح شؤونهم ويقوم بمنافعهم ~~في لباسهم وأقواتهم # فلو ترك الناس الكسب بالجملة لهلكت الأرض ومن عليها فقد تصورت فيه ~~المنفعة العظمى # وقد جاء عنه عليه السلام أنه قال (سيد القوم خادمهم) # PageV01P133 # وجاء عنه عليه السلام أنه قال (الناس عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم ~~لعياله) # والمنفعة على ضربين دنيوية وأخروية # فالأخروية إرشاد المكلف وتعليمه ما يلزمه من وظائف التكليف # والدنيوية معالجة المعيشة بالأسباب العادية التي يقوم بها أود الحاجات ~~وإبقاء رمق حياة فقد انحصرت المنفعة الدنيوية في الكسب وفيه أيضا سبب ~~للمنفعة الأخروية فإنه لولا سد الجوعة وستر العورة على مقتضى الشرع ومجرى ~~العادة لم تكن الحياة ولا تصورت عبادة فأهلا بالكسب وأهله فإنهم أحب الناس ~~إلى الله تعالى وكيف يعاب الكسب أو يغض من قدره وقد أثبته سيد الرسل صلى ~~الله عليه وسلم لنفسه حيث قال (جعل رزقي تحت ظل رمحي) يعني ما يأكل من ms65 ~~الغنائم بسبب الكسب بالرمح وما فوق مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مقام # وأمر الله تعالى داوود عليه السلام بالكسب حيث قال له {أن اعمل سابغات ~~وقدر في السرد} يعني سابغات الدروع ولذلك أخبر صلى الله عليه وسلم أن داوود ~~عليه السلام كان يأكل من كسبه في عمل الدروع # وكذلك جاء في الأثر أن سليمان عليه السلام كان يأكل من عمل الخوص # PageV01P134 # وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (اطلبوا الرزق في خبايا الأرض) يعني ~~فيما يزرع وقال صلى الله عليه وسلم لصاحب الناقة (اعقلها وتوكل) # وهذه الأخبار تدل على إثبات الكسب شرعا وأنه لا يقدح في التوكل # فخرج من هذه الأحاديث إثبات الكسب شرعا وأن مريم عليها السلام كان مقامها ~~في تلك الحالة إعلاء لكونها جمعت بين الكسب والتوكل # وقد نظمت في ذلك على نقيض ما نظموه في قولهم إذ قالوا # (ألم تر أن الله أوحى لمريم ... إليك فهزي الجذع تساقط الرطب) فقلت # (أما علموا أن المقام سما بها ... لأن جمعت بين التوكل والسبب) # (بأن لمست جذعا فأينع رأسه ... على الحين أفنانا وأثمر بالرطب) # (كما مس أيوب اليبيس برجله ... ففارت عيون طهرته من الصخب) # (ومس كليم الله بالعود صخرة ... ففجر من أرجائها الماء فانسكب) # (ومس المسيح الطين بالخلق فانتشا ... طيورا بإذن الله أحياء تضطرب) # ومس يمين المصطفى الماء نطفة ... ففاضت عيون الماء من خلل العصب) # فعض على هذه القولة يا أيها المتناصف الفطن بالنواجذ وشد عليها كف الضنين ~~فإنها قولة مقصودة بالبرهان ونادرة ما أراني سبقت إليها واعرف # PageV01P135 # الرجال بالعلم ولا يعرف العلم بالرجال فمن كل كلام مأخوذ ومتروك إلا من ~~كلام صاحب القبر صلى الله عليه وسلم # فهذا ما من الله تعالى به في تنزيه الأنبياء عليهم السلام على ما تقتضيه ~~الآي وما صح من الأخبار من غير أن يلحق بواحد منهم ذنب ولا ذم إذ لو جاز ~~ذلك على البعض لجاز على الكل ومن قدح في عرض واحد منهم ألزم القدح في الكل # وقد أجمعوا ms66 على أن من قال في زر نبي إنه وسخ يريد بذلك تنقيصه أنه يقتل ~~ولا يستتاب احتياطا على أعراضهم السنية أن لا يلحقها نقص فإنهم في النزاهة ~~والعصمة كأسنان المشط لا يفرق بين أحد من رسله # وكيف وقد قال تعالى لسيدهم ورئيسهم # {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} يعني بمكارم أخلاقهم وجميل أفعالهم ~~وأقوالهم وأحوالهم # وقال تعالى {والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف ~~يؤتيهم أجورهم} # وهذا هو الحق الذي يرغب فيه ولا يرغب عنه # فإياك أيها المقلد الغر أن تسمع من كل ناعق غبي يدخل الميدان حاسرا حتى ~~تأتيه كل طعنة سلكى نجلاء فهو لا يعرف ما ألزمه تعالى من دينه ولا ما تخلصه ~~في معتقده ومعاملته عند الله تعالى فيتكلم في تفاصيل أحوال المرسلين ورؤساء ~~المقربين وهو لا يعرف النبوة ولا شروطها ولا ما يجب لها # PageV01P136 # ويستحيل عليها وقد جاء في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (الرؤيا ~~الصالحة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة) وجاء في خبر ~~آخر (من سبعين جزءا فليت شعري إذا لم يكن للعلماء القيام بعلم سبعة من هذه ~~السبعين فما ظنك بالجاهل الغبي الذي غايته تقليد أمه في الشهادتين فهو من ~~الضفادع والديدان في ضحضاح الغيطان ويريد أن ينهض إلى مظان العقبان في ~~شماريخ ثهلان # PageV01P137 ### | ### | فصل # # الكلام في إخوة يوسف عليه السلام هل كانوا أنبياء # فإن قال قائل فإذا نزهتم الأنبياء عليهم السلام مثل هذا التنزيه فما ~~قولكم في إخوة يوسف عليهم السلام وقد قال بعض من يؤبه له من المفسرين ~~والمؤرخين القائلين بغير دليل بأنهم كانوا أنبياء # فالجواب أن إخوة يوسف عليه السلام عندما واقعوا ما واقعوه مع أخيهم ~~وأبيهم لم يكونوا أنبياء وأمناء الله ورسله والدليل على ذلك أن الكتاب ~~العزيز جاء بأنهم واقعوا كبائر وصغائر والإجماع منعقد على أن الأنبياء ~~عليهم السلام معصومون من الكبائر واختلفوا في الصغائر وقد أقمنا الدليل على ~~عصمتهم من الصغائر بما فيه مقنع فيما ms67 تقدم # فأما جملة ما ارتكبوه منها ففي عشرين آية من قوله تعالى مخبرا عن أبيهم ~~أنه قال ليوسف عليه السلام {لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا} إلى ~~قوله تعالى مخبرا عن نفسه {وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون} ~~فتتبع الآي تجد العدد المذكور فما أحيلك على مبهم ولا على خبر ضعيف الإسناد ~~ومعلوم أن الله عز وجل ما أطلق هذه الأقوال وأمثالها على أنبيائه وأصفيائه ~~في كتاب ولا سنة ولا أمر بإطلاقها عليهم ولا باعتقادها فيهم # PageV01P138 # فأما الكبائر التي فعلوها وهي لا تجوز على الأنبياء عليهم السلام فخمسة ### | 1 - # ظلم الأخ المسلم لا سيما أخ مثل يوسف ### | 2 - # وعقوق الأب لا سيما أب مثل يعقوب عليه السلام ### | 3 - # والكذب في قصة الذئب المؤدي إلى فراق أخيهم من أبيهم على حداثة سنه وضعف ~~منته وتفجع أبيهم على فقده حتى ابيضت عيناه من الحزن ### | 4 - # وبيعه من الكفرة بثمن بخس على قول وهو مؤمن حر وأخوهم وابن نبي ### | 5 - # ووصمة أخيهم يوسف عليه السلام بعد ثبوت نبوته حين قالوا له {إن يسرق فقد ~~سرق أخ له من قبل} فنبزوه بالسرقة حتى ألجؤوه أن يقول لهم {أنتم شر مكانا} # أو هذه رحمك الله أخلاق الأنبياء عليهم السلام أو يسوغ أيضا أن يكذب ~~النبي عشرة أنبياء حتى يقول لهم أبوهم النبي بعدما جاؤوه عشاء يبكون وقالوا ~~إن يوسف أكله الذئب {بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ~~ما تصفون} وهذا هو فحوى التكذيب # فهذه خمس كبائر أربعة منها فعلوها على القطع والخامسة التي هي بيع الحر ~~مختلف فيها فإن الله تعالى يقول {شروه} فيحتمل أن تعود # PageV00P000 # الهاء عليهم أو على السيارة وهو الأظهر # وأما الصغائر فخمس عشرة على أن كل ذنب عصي الله تعالى به فهو كبيرة لكن ~~يتأكد الوعيد على بعضها بما ورد من الظواهر فيتصور فيها الصغر والكبر كما ~~تقدم # فمن قال إنهم كانوا أنبياء عندما واقعوا هذه الكبائر فيلزم أن يجوز ~~وقوعها على من ms68 سواهم من الأنبياء عليهم السلام لتساويهم فيما يجب لهم من ~~العصمة كما سبق والجائز كالواقع مع خرق الإجماع الواجب الاتباع في عصمتهم ~~من الكبائر والعياذ بالله من شؤم الجهل وأهله # فإن قيل ولعل هذه الأفعال كانت في شريعتهم غير كبائر قلنا إنما وقع ~~الإجماع على أن كبائر شريعتنا لا تجوز عليهم # والخمسة التي أخبر تعالى عنهم بها كبائر في شريعتنا وأما شرائعهم فما ~~نعلم كبائرها من صغائرها ولا كلفنا ذلك ### | ### | فصل # # ثم يطلب هذا الغمر البليد بثبوت نبوتهم من أين علمها إن النبوة لا تثبت ~~بالعقول ولا بخبر الواحد الذي لا يحصل به العلم ولا يثبت أيضا بقرينة الحال ~~ولا تحميل الأعمال كما زعمت المعتزلة وغلاة الباطنية القائلين باكتساب ~~النبوة فإن غير النبي من الأولياء قد يصح منه ذلك وقد يصدر من أهل الرياء ~~من الأعمال والقرائن مثل ذلك # PageV01P140 # فإن قيل فإذا لم تصح النبوة من هذه الوجوه فمن أين تصح # قلنا تصح من وجهين أحدهما أن يأتي النبي في زمان تصح فيه النبوة فيدعي ~~النبوة ويتحدى الناس بالمعجزة فيفعلها الله له على وفق دعواه # أو ينص على نبوته نبي آخر نصا متواترا لا يحتمل التأويل كما نص الله ~~تعالى في محكم كتابه على الستة والعشرين الذين أولهم آدم وآخرهم محمد عليهم ~~الصلاة والسلام فهؤلاء هم الأنبياء الذين من أنكر نبوة واحد منهم أو قدح ~~فيها قدحا يخل بشرط من شروط نبوتهم فهو كافر حلال الدم والمال مخلد في نار ~~جهنم بالإجماع المتواتر فهؤلاء هم الأنبياء حقا ومن أثبت نبوة غيرهم على ~~التعيين فعليه الدليل مع أنا نعلم أن ثم أنبياء لله أخر جاء بهم القرآن في ~~قوله تعالى {منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك} لكن لم يقع التنصيص ~~في الكتاب إلا على نبوة عدد من ذكرناه فأما من ذكر منهم في أخبار الآحاد ~~فمظنون ### | فصل # فإن قيل ولعل نبوتهم تثبت من الكتاب في قوله تعالى حين عدد الأنبياء ~~عليهم السلام قال {وإسحاق ويعقوب والأسباط} # والأسباط ms69 إخوة يوسف واحدهم سبط # قلنا ليس كما قلت فإن الأسباط في بني يعقوب كالقبائل في بني # PageV01P141 # إسماعيل واحدهم سبط وهم اثنا عشر سبطا لاثني عشر ولدا ليعقوب عليهم ~~السلام وإنما سموا هؤلاء أسباطا وهؤلاء قبائل ليفصل بين ولد إسماعيل وولد ~~يعقوب تسمية هكذا نص عليه أهل اللغة # فإن قال قائل فما معنى دخولهم في العدد مع الأنبياء وليسوا بأنبياء # والجواب أن القرآن مقصود بالإيجاز الذي هو مخ البلاغة وكانت النبوة تترى ~~في بني إسرائيل وكان أثلهم من أولاد يعقوب وهو إسرائيل فلما عدد الله تعالى ~~من كان قبل من الأنبياء على التفصيل أوجز فقال والأسباط يعني أنبياء ~~الأسباط على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ثم خصص بعد ذلك عظماءهم ~~بالذكر فقال {وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا} فبدأ ~~بالتفصيل وختم بالتفصيل فتضمن الطرفان الواسطة وصح التشريف لمن خصص بالذكر ~~في الآحاد # وهذا التخصيص ينظر لقوله تعالى {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكال} وهما من الملائكة وقال تعالى {فيهما فاكهة ونخل ورمان} وهما من ~~الفاكهة # وكذلك ذكر معظم الأصناف التي كانت النبوة تترى فيهم ثم خصص عظماءهم ~~بالذكر تشريفا لهم صلوات الله عليهم أجمعين ومصداق هذا التفسير أن ذكر ~~الأسباط انما وضع تسمية عوضا من القبائل كما تقدم فلو كانوا كلهم أنبياء ~~كما زعم الجهلة لكان كل من انتسل من # PageV01P142 # بني يعقوب عليه السلام نبيا وقد قال تعالى (وقطعناهم في الأرض أمما منهم ~~الصالحون ومنهم دون ذلك) وقال تعالى {ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين} ~~وقال {وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما} فسماهم أسباطا وأمما ولم يسمهم ~~أولادا ولا أبناء # فإن قيل فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (الحسين سبط من ~~الأسباط) فمعناه أنه يقوم في العبادة والقيام بحق الله تعالى مقام سبط كما ~~قال تعالى {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله} وقال صلى الله عليه وسلم في قس ~~(إني لأرجو أن يحشر أمة وحده) هكذا حكاه الهروي في كتاب الغربيين # فإن قيل ms70 ولعلهم سموا أسباطا وهم أولاد تجوزا واتساعا كما سمى النبي صلى ~~الله عليه وسلم الحسين سبطا حيث قال (الحسين سبط من الأسباط) وهو ولد # قلنا هذا التجوز إنما صح في الحسين رضي الله عنه لسبق المعرفة ببنوته من ~~وجه آخر فلو أخبر تعالى أن يهوذا سبط من الأسباط ثم عدده في جملة الأنبياء ~~بلفظ السبط لصحت نبوته وهذا لم يقع فلا حجة للخصم في هذه القولة ولو صح لما ~~صحت نبوته إلا بعد التوبة والإنابة واشتراط العصمة في حال الوهلات كما زعم ~~الخصم # PageV01P143 # وأما غير هؤلاء من أهل النظر فتوهموا نبوتهم من قوله تعالى مخبرا عن ~~يعقوب عليه السلام حيث قال {ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على ~~أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق} # وهو لم يمت إلى قريب في اللسان لأن الآل أقرب في اللسان للبنوة من ~~الأسباط لكن الآل تحتمل البنين وتحتمل التبع قال تعالى {أدخلوا آل فرعون ~~أشد العذاب} أي تبعه وفي السنة (اللهم صل على محمد وعلى آله وأزواجه ~~وذريته) فذكر الآل ثم ذكر الذرية فلو كان الآل من الذرية لم يصح العطف # فإن قيل ولعل ذكر الذرية بعد ذكر الآل تخصيص التشريف كما قال تعالى ~~{وملائكته ورسله وجبريل} # قلنا إذا بقيت لعل فقد تطرق الاحتمال واطرد الإشكال والنبوة لا تثبت ~~بالاحتمال ويحتمل أن يكون التمام على الآل بما دون النبوة من الولاية ~~والصدقية وإذا دخلت هذه الاحتمالات لم يصح القطع على نبوتهم في هذه الآية ~~ومع تسليم هذه التقديرات جدلا فلا تصح نبوتهم عند مواقعة الأفعال التي ذكر ~~تعالى عنهم أصلا فإنه كان يؤدي إلى أن يجوز على أنبياء الله عز وجل كل ما ~~فعلوه لصحة التساوي الذي قدمناه فهذا رحمكم الله هو الحق الذي يرغب فيه ولا ~~يرغب عنه # وبعد هذا التتبع فلا يبقى لقائل مستروح إلى ثبوت بنوتهم إلا من # PageV01P144 # هذه الوجوه المتقدمة وهي مظنونة ولا سبيل إلى القطع في واحد منها فالله ~~الله أيها المسترشد المحتاط على دينه إن لم تكن ms71 من أهل النظر القويم على ~~الصراط المستقيم فما كل سوداء تمرة ولا كل بيضاء شحمة # واجتهد فيمن تأخذ عنه دينك وجنب الجهال مرة وجنب وعاظنا ومريدينا في هذا ~~الزمان المنكوب المنكوس ألف ألف مرة فإنهم أضر على دينك من الأفاعي الصفر ~~لا سيما في هذا العويلم المتهافت الدعي في الإرادة بالنوافج ومغالطة البله ~~الأغمار من النساء وفحول النساء فإنهم انتهكوا حرمة الأنبياء عليهم السلام ~~حتى تشبهوا بهم وربما أربوا عليهم بادعاء الإلهية بالفيض والإشراق الذي ~~ادعته القرامطة حتى يلقى أحدهم امرأة أو غلاما فيقول له (رأيت الله فيك) ~~إلى غير ذلك من أمور هي أشنع وأبشع من أن تذكر أو تسخم بها الأوراق # والذي ورط هؤلاء الأرجاس في هذه الرذائل عدم الزاجر وقلة الغيرة في الدين ~~فانظر عمن تأخذ دينك وكيف تأخذه وقد نصحتك والسلام # PageV01P145 # وقد نجز التنبيه على التنزيه بمعونة الله تعالى # ونسأل الله الذي فلق الحبة وبرأ النسمة أن يعفو عنا فيما وقع فيه من ~~الخطأ والخطل بمنه ولطفه والختم بالصلاة والتسليم على الأنبياء عموما وعلى ~~نبينا خصوصا وعلى آله وآلهم وسلم تسليما # PageV01P146 ### | مجموع نكت من بعض ما خص به نبينا صلى الله عليه وسلم # من الكرامات ليلة الإسراء والمعراج عند لقاء الكليم عليه السلام وما كان ~~بينهما من المراجعة والمحاورة في أمر الصلاة ثم ننبه بعد ذلك على فضل هذه ~~الطاعة العظيمة وتعدد أعمالها على التفصيل فروضا وسننا وأجورا لتتأكد على ~~المصلين الرغبة في أدائها ويزدجر التاركون لها لما فاتهم من خيرها ولما ~~يتوقعون من الوعيد على تركها إن شاء الله تعالى # فإن قال قائل لم اختص نبينا عليه السلام موسى عليه السلام بخبر # PageV01P149 # الصلاة وتفاوض معه فيها وهو في السادسة وقد مر بإبراهيم عليه السلام في ~~السابعة ولم يخبره بذلك مع أنه أب ومع قوله تعالى {ملة أبيكم إبراهيم} فقد ~~شاركه في الملة والأبوة فلم أخذ في القصة مع أن موسى عليه السلام ولم يأخذ ~~فيها مع إبراهيم عليه السلام مع هذه المرات وتصور المسألة مبني ms72 على ما جاء ~~من موسى عليه السلام في السادسة وإبراهيم عليه السلام في السابعة ومن صح ~~عنده أن موسى في السابعة وإبراهيم عليه السلام في السادسة فلا غرو أن ~~يتفاوض مع أول من لقي من الأنبياء وإن صح أن موسى عليه السلام في السادسة ~~وإبراهيم عليه السلام في السابعة كما تقدم فلا بد من ذكر اختصاصه معه في ~~المفاوضة وذلك يحتمل خمسة أوجه # الأول منها أن يكون موسى عليه السلام سأله إذ مر به وإبراهيم عليه السلام ~~لم يسأله فلما لم يسأله لم يخبره # الثاني أنه اختص موسى بالمفاوضة لأنه قد حنكته معالجة بني إسرائيل قبله ~~وجربهم فلم يفوا بما كلفوا وإبراهيم عليه السلام بعث بالموعظة الحسنة فلم ~~يقبل في الإيمان فلم تقع طاعة فلم تتصور تجربة وإن كان قبله أفذاذ من الناس ~~فالنادر لا يحكم به ويعضد هذا التفسير قول موسى عليه السلام له (ارجع إلى ~~ربك فاسأله أن يخفف عن أمتك فإني قد عالجت بني إسرائيل قبلك) الحديث فقصد ~~عليه السلام موسى لأنه كان مجربا # الثالث أن إبراهيم عليه السلام أب وموسى أخ وكان في معلوم الله تعالى أن ~~يسعف موسى عليه السلام من وجه ولا يسعفه من وجه حيث قال له موسى عليه ~~السلام بعد فرض الخمسة (ارجع إلى ربك فقال (إني أستحيي) فيسوغ هذا في ~~مراجعة الأخ ولا يسوغ في مراجعة الأب # الرابع ان موسى عليه السلام كان له حظ في أجور هذه الأمة في # PageV01P150 # قوله عليه السلام لما أخبر بتضعيف أجور أمة أحمد وفضلهم على جميع الأمم ~~(قال ربي اجعلني من أمة أحمد) # قاله يفاوضه في ذلك ليحلب حلبا له شطره قال تعالى لنبينا عليه السلام ~~{وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين} قال ~~المفسرون يعني إذ قضينا في فضلك وفضل أمتك حتى قال موسى (رب اجعلني من أمة ~~أحمد) # الخامس أن يكون قصده لموسى للشبهة التي كانت بينه وبين نبينا عليه السلام ~~في البعث بالسيف والتنجيم في العقوبة ms73 وكانت خصوصا في بني إسرائيل بامتداد ~~الأيام وكثرة السامعين المطيعين له وكثرة التبع فإنه ما بعد تبع نبينا عليه ~~السلام في الآخرة من هو أكثر من تبع موسى عليه السلام كما جاء في الخبر ~~ومصحح الشبهية في هذه الوجوه قوله تعالى {إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا ~~عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا} فاختصه بالشبهية في الإرسال دون غيره # فهذه أوجه يتصور فيها التخصيص بالانحياش والمفاوضة إلى موسى عليه السلام # PageV01P151 # وأما فوائد فرض الصلاة في ذلك المقام فلنذكر منها ما من الله تعالى به ~~على جهة الاختصار وهي تنقسم أربعة أقسام # قسم في فضلها على سائر العبادات # وقسم في فضل نبينا عليه السلام على سائر الأنبياء وإظهار إكرامه في ذلك ~~المقام عند الملأ الأعلى # وقسم في اهتمامه بأمته واحتياطه عليهم في طلب التخفيف عنهم # وقسم في لطف الله تعالى بهم حيث حط عنهم كلفة خمس وأربعين وأبقى لهم أجر ~~الخمسين # فأما فضلها على سائر العبادات # أولا لكونها فرضت في المقام الأسنى على بساط العزة بحضرة الملأ الأعلى ~~وفي هذا تنويه بهذه الطاعة وتشريف لها على سائر العبادات حتى إن الله تعالى ~~يسأل الحفظة في كل يوم وليلة كيف تركتم عبادي فلا يذكرون له من أعمال البر ~~في الترك والإتيان سوى الصلاة وذلك لما سبق لها من العلم بفضلها وتعظيمها ~~حين فرضت في ذلك المقام # وأما من جهة التعليل فإنها عبادة تشمل الجسد ظاهرا وباطنا وتجمع عبادات ~~الملائكة كما شهد الخبر أن منهم قواما ومنهم ركع ومنهم سجد ومنهم ذاكرون ~~مسبحون حامدون فهذه الأحوال كلها قد جمعتها الصلاة # PageV01P152 # حتى لا يفوت ابن آدم عمل من أعمال الملائكة مع ما جاء في الأخبار من الحض ~~عليها وتعظيم الوعد والوعيد على فعلها وتركها في كتاب الله تعالى وسنة ~~رسوله # وأيضا فإن فروض الصلاة أكثر من سائر الأعمال كما سيأتي إن شاء الله تعالى ~~عند تعداد فروضها وقد قال عليه السلام (إن الله يقول ما تقرب إلي عبدي بمثل ~~أداء ما افترضت عليه) فما كانت ms74 الطاعة أكثر فروضا كانت أفضل # وأما ظهور نبينا عليه السلام وتقدمه في ذلك المحل فلا تحويه الرقوم ولا ~~تحيط به ثاقبات الفهوم لكنا نقتصر منه على بعض ما تضمنه إكرام الله تعالى ~~له في امر الصلاة والله المستعان وهو ينقسم أربعة عشر قسما # أحدها أنه كان وافدا على الله تعالى وضيف الكريم كريم فأتحفه بهذه التحفة ~~التي هي أم الطاعات ورأس المعاملات كما تقدم # الثاني أن فرضها خمسين وفي معلومه تعالى نسخ تسعة أعشارها ليظهر جاهه عند ~~الملأ الأعلى في السؤال والإجابة فلو فرض الخمسة في أول وهلة لم يظهر ذلك ~~الجاه كما لو قدرت كريما وفد على ملك عظيم فأحسن له كما ينبغي لسعة مملكته ~~ثم أمره أن يلزم قومه خمسين وظيفة ثم قبل شفاعته في أكثرها أترى كان يخفى ~~على وزراء ذلك الملك وحاشيته مكان هذا الوافد عليه الثالث أنه لم يحطها عنه ~~جملة بل نجمها عليه تسع مرات وذلك ليؤكد # PageV01P153 # إكرامه عند الملائكة حتى يعلموا بسطه له وباينه في تكرار الإسعاف مع ~~تكرار السؤال # الرابع أنه لم يحظه في هذا التكرار إلا بعد أن فارق البساط وانصرف ثم رجع ~~وذلك زيادة في الإكرام وذلك أن الوفود إذا فارقت بساط الملوك بعد قضاء ~~الحوائج لا ينبغي لها أن ترجع في طلب حوائج أخر فلئن رجع وافد منهم في طلب ~~حاجة أخرى فهو أدل دليل على تأكيد كرامة هذا الراجح في طلب الحاجة الأخرى ~~فأعجب بها كرامة إذ رجع تسع مرات فأسعفه الملك في كلها وأعجب من ذلك أنه ~~تعالى لم يسعفه تسع مرات إلا في جنس واحد وأنه قد تصلح المراجعة في ~~المختلفات فأكرم بها إذ كانت في الجنس الواحد # الخامس أنه تعالى لما علم أنه لا يسعفه في حط شيء من الخمسة ألقى عليه ~~الحياء فقال له موسى ارجع إلى ربك فقال إني أستحيي فلو رجع ولم يسعفه ~~لانخرم نظام الجاه فبما قدمناه من الكرامة وفي ذكره الحياء أيضا لموسى عليه ~~السلام أدب معه ليعلمه أن الرأي ms75 ما رآه موسى عليه السلام لولا أنه منعه ~~الحياء # نور الله صدورنا وعقولنا وأعاننا على تعظيم الأكابر وإبراز بعض مناقبهم ~~السنية # السادس وهو أن حط عنه وعن أمته معظم الكلفة وأبقى لهم أجر العدد كما سبق ~~حين قال (هي خمس وهي خمسون ما يبدل القول لدي) يعني خمسا في العدد وخمسين ~~في الأجور # السابع أنه بشره أن سائر أعمال البر المفروض والمنذور تجري على حكم ~~الصلاة وتضعيف الأجور من قوله (ومن هم بحسنة فعملها كتبت عشرا) # PageV01P154 # الثامن بشره أنه يضاعفها إلى سبع مئة ويزيد # التاسع أنه بشره أن من هم بحسنة ولم يعملها كتبت حسنة واحدة # العاشر أنه بشره أن من هم بسيئة وعملها كتبت سيئة واحدة # الحادى عشر أنه بشره أن من هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب شيئا # الثاني عشر وهو ما اختص به من السرعة في قطع المسافة في تلك الليلة وذلك ~~أنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم صعد به إلى سدرة ~~المنتهى ثم رجع إلى السماء السادسة وعاد إلى سدرة المنتهى في مناجاة الكليم ~~عليه السلام تسع مرات ثم إلى منزله الذي خرج منه أول الليل قبل الفجر وهذه ~~المسافات كيف ما قدرت أبعادها فهو أمر لا يحد وسرعة حركات لا تتخيل لا سيما ~~مع شهادة الأدلة العقلية أن الجزء إنما يقطع بالحركات جزءا بعد جزء بحركة ~~بعد حركة وأن الطفرة محال # وأما ما ظهر من فضل أمته فمن أجله وبسببه وحسن وساطته فلا نحتاج أن نرخي ~~عنان القول فيه فثبت بهذا أن سرعة الحركات وبطأها إنما ترجع لكثرة اللبث في ~~الأحيان لا لنفس الحركات فإن الحركة إنما يقطع بها جزء بعد جزء بشهادة ~~العقل # الثالث عشر وذلك أنه احتاط على أمته وسأل عند المناجاة الرفق بهم ~~والتخفيف عنهم واختار قضاء حوائجهم ولم يختر لنفسه ولا سأل لها وهذه غاية ~~الفضل الذي لا يبارى فيه فإن الوافد على الملوك إنما يقدم سؤال حاجته وهو ~~عليه السلام قدم سؤال حاجة رعيته ولم يسأل ms76 لنفسه وينظر لذلك ما جاء عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال (لكل نبي دعوة واختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم ~~القيامة) # PageV01P155 # ويروى (ادخرت دعوتي شفاعتي لأمتي يوم القيامة) # فصح فضل أمته بسببه فإنه ذكرهم ونوه بهم واختار لهم وألح في السؤال على ~~الله تعالى حتى قضيت حوائجهم فأي منة لنبي كمنته علينا فصار فضلهم تبعا ~~لفضله وكرامتهم تبعا لكرامته فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته # ومع ما قدمنا من الفوائد وهي الرابعة عشرة ثلاث فوائد عظيمة الموقع في ~~مسائل الاعتقاد عقلا وشرعا وقد كثر فيها مكابرة أهل البدع ومثابرتهم # الأولى إثبات جواز الأمر من الله تعالى بما لا يريد وقوعه فإنه تعالى أمر ~~بالخمسين ولم يرد وقوعها من المكلفين # الثانية وهي بطلان ادعائهم استحالة الأمر من الآمر بما لا يريد وقوعه وفي ~~هذه القصة إثبات ما أحالوه # الثالثة وهي جواز نسخ الحكم قبل وقوع العمل به فإنهم يأبون ذلك فصح أنه ~~أمر بالخمسين ونسخ منها خمسة وأربعين فإن قالوا إنه وقع بعضه وهو اكتساب ~~النبي صلى الله عليه وسلم العلم بها والإرادة لفعلها وكلاهما عبادة فالجواب ~~عنه أن المأمور بها إنما هي الصلوات المنسوخة التي هي حركات وأصوات ونيات ~~وعزم يتجدد عند افتتاحها وهذه هي الصلاة المعلومة في الشرع ولا تسمى النية ~~والعلم صلاة على الانفراد # فهذا رحمك الله بعض ما تيسر من التفقه في بعض حديث الإسراء فإن من الله ~~تعالى وساعدت الحياة فعسى نتدبر سائر الحديث بما يفتح الله وهو حسبنا ونعم ~~الوكيل # PageV01P156 ### | ### | ### | فصل # # وها أنا أنبه بعد هذا على ما شرطناه في تقديم هذه الطاعة العظمى على سائر ~~المعاملات وتعداد أعمالها على التفصيل ظاهرا وباطنا فروضا وسننا وأجورا # فأما التنبيه على فضلها والترغيب فيها لما جمعت من إعداد الطاعات وتضعيف ~~الأجور عليها وتحريض المكلف على آدابها فاعلم رحمك الله أن جميع أعمال ~~الطاعات سوى الإيمان المصحح لها على ضربين ظاهر وباطن # فالظاهر على ضربين أصوات وأكوان # والباطن على ضربين علوم ونيات # والقدرة الحادثة ms77 تتعلق بجميع هذه الكائنات ثم جميعها تنقسم في الشرع ~~قسمين فروض ومندوبات وكلها عبادات ومعاملات لكن المفروض منهما أرفع درجات ~~وأمت للقربات كما جاء عن سيد السادات صلى الله عليه وسلم أفضل الصلوات حيث ~~قال (إن الله تعالى يقول ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء المفترضات) # فصل # لكن إذا نظرت إلى هذه الصلاة المكتوبة وجدت أعداد فروضها وسننها يشف على ~~سائر أعداد الأعمال المشروعة فإذا عددت صلاة شهر وجدتها زادت على طاعات ~~العمر فروضا وسننا فأول الفروض ظاهرا # PageV01P157 # من سواها كلمة الإخلاص وفرضها مرة في العمر وما سوى ذلك فمندوب إليه ~~وكذلك الحج من استطاع إليه سبيلا # وأما فرض الزكاة فمرة في السنة لمن وجبت عليه # وأما فرض الصوم فشهر في كل سنة # وأما فرض الجهاد فإذا دهمك العدو أو أمرك إمام الوقت وهاتان الحالتان قد ~~تقع ولا تقع # وأما التوبة فتجب على من أذنب وهي غير معينة العدد # فصار على هذا معظم العدد في المفروضات دون عدد فروض الصلوات المكتوبة # وأما الصوم فإذا عددت عمر سبعين سنة الذي هو رأس المعترك تجد صومك فيها ~~خمسة وخمسين شهرا بعد إخراج سني الطفولية التي هي خمس عشرة سنة # وإن قابلت عدد الصلوات بأعداد أيام الصوم في العمر قوبلت بعده فرض صلاة ~~يوم وليلة وكذلك أعداد الزكاة على ما تقدم # فصارت كلمة الإخلاص والزكاة والصوم والحج مئة فرض واثني عشر فرضا فقد ~~فضلت أعداد فروض الصلوات الخمس في الشهر سائر أعداد المفترضات في العمر ~~بثمانية وثلاثين فرضا وهي ربع العدد المتقدم جملة بجملة # PageV01P158 ### | ### | فصل # # وأما التفصيل فأضعاف لا يكاد يحصرها العدد ظاهرا وباطنا على حسب ما تقدمت ~~القسمة فأما ظاهر اللفظ المفروض فهو ثلاث أم القرآن وتكبيرة الإحرام ~~والسلام على ما صح في المذهب من غير خلاف من خالف في بعضها على أن من خالف ~~في بعضها لم يختلف في كونها طاعة وغرضنا إنما هو تكثير الطاعات وتضعيف ~~الأجور عليها # فأما عدد حروف أم القرآن بالمضاعفة المشددة منها وحروف المد واللين ms78 فمئة ~~حرف وأحد وعشرون حرفا اضربها في سبعة عشر التي هي عدد ركعات اليوم والليلة ~~صار منها ألفا حرف وسبعة وخمسون حرفا فأضف لها عدد حروف تكبيرة الإحرام ~~والسلام الذين هما أحد وعشرون بحرفين مشددين وحرفين ممدودين صار الكل ألفين ~~ومئة واثنين وستين حرفا فأضف لها الأفعال المفروضة التي هي مئة فعل وتسعة ~~عشر فعلا صار العدد ألفي فرض ومئتي فرض وأحدا وثمانين فرضا ضف لها # PageV01P159 # فرض التوجه إلى القبلة قياما وقعودا سبعين مرة صارت ألفين وثلاث مئة ~~وأحدا وخمسين فرضا فإذا صح هذا العدد ضف له ضعفيه من النيات عند فعلها ~~والعلوم بها إذ لا يصح عمل منها إلا بنية وعلم صار منها سبعة آلاف فرض ~~وثلاث مئة وخمسون فرضا ضف لها ضعفها في السنين أقوالا وأفعالا ونيات وعلوما ~~صارت أربعة عشر ألف طاعة وسبع مئة طاعة تتضمنها الصلوات الخمس في كل يوم ~~وليلة # على أن السنن أكثر عددا لكن قصدنا الاختصار بالحذف وليتقابل التضعيف ~~فيسهل العدد ضاعفها بعشرة أمثالها من الأجور عليها إذ قد صح وثبت أن الحسنة ~~بعشرة أمثالها صارت مئة ألف حسنة وسبعا وأربعين ألف حسنة ثم إن هذا العدد ~~الذي نبهك الله عليه في التضعيف إنما هو أس شرعي في عدد الأجور بمثابة ~~الواحد في العدد فأخبرك الله تعالى أنه جعل اقل الأجور في التضعيف عشرة ثم ~~زاد إلى سبع مئة ثم زاد إلى أن يوفى الصابرون أجورهم بغير حساب يعني عندهم ~~لكونهم لا يطيقون حصره فإن كل ما خلق الله تعالى يجب أن يكون عنده معددا ~~محاطا به على التفصيل كما قال تعالى وأحصى كل شيء عددا ### | ### | فصل # # ولما استغرق العدد في أمر الصلاة سائر الطاعات لم نتعرض لعدد طاعات ~~الطهارة لحصول المقصود في الكثرة على أن هذا العدد على كثرته إنما هو فيما ~~هو في وسع البشر وأما ما هو في معلوم الله تعالى من # PageV01P160 # عدد الحركات والأصوات والعلوم والنيات وانتقال أجزاء جسم المصلي في ~~الأحياز والجهات بجملة هذه الأعراض التي لا ms79 يصح بقاؤها فهو عدد ينفرد ~~الباري تعالى به دون الخلق وكل واحد منها عمل في معلوم الله تعالى معدد ~~خلقه في المكلف وأضافه إليه عملا وكسبا فقال تعالى {فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} وقال تعالى {ولا يظلمون فتيلا} {ولا ~~يظلمون نقيرا} أي لا ينقصون ولا يبخسون وقال تعالى وما ألتناهم من عملهم من ~~شيء وقال {لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} وقال تعالى وكل شيء فعلوه ~~في الزبر وكل صغير وكبير مستطر ومجموع هذه الآي تدل على ان كل عرض عمل ~~برأسه يقع الجزاء عليه تفصيلا فلا يظن أن السجدة مثلا عمل واحد له عشر من ~~الأجور بل كل عرض فرد في كل جزء فرد من الإنسان عمل برأسه له عشر حسنات ~~تفضل بها علينا أكرم الأكرمين ثم إذا كان هذا التضعيف يصح للفذ فما ظنك به ~~في حق المصلي في الجماعة وأما من صلى في الحرم فقد غمض الجلي وأتى الوادي ~~فطم على القري فهذا هذا ولا يهلك على الله إلا هالك ### | ### | فصل # # فإذا كان هذا التضعيف العظيم من أعداد الأجور يصح للمصلي في اليوم ~~والليلة فما ظنك بصلاة شهر وأينك من صلاة سنة وما أدراك من # PageV01P161 # صلاة العمر فنسأل الذي فلق الحبة وبرأ النسمة ومن على عباده المغرقين في ~~الذنوب بفرضها لتكفير سيئاتهم وعلى الموفقين لرفع درجاتهم أن يتم نعمته ~~علينا بصحة أدائها والاصطبار عليها بمنه وطوله ### | ### | فصل # # فتأمل رحمك الله إلى هذه العبادة وما حوت من أسباب السلامة وتحصيل ~~الدرجات والفوز بالمثوبات حتى يتفطن لمؤكدات الكتاب والسنة في الحض عليها ~~والاعتبار بها في غير ما آية وخبر # أما الآيات فكقوله تعالى {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} # وقوله تعالى {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين} # وقوله تعالى {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} # وقوله تعالى {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} # وقوله تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن ~~السيئات فذكر ms80 ذهاب السيئات بإزاء ذكر الصلاة لأنه من أجلها وسببها # وانظر كيف أكد تعالى في أدائها حين خفف من غيرها فقال # PageV01P162 # (فاقرؤوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة) وقال تعالى {فإذ لم تفعلوا وتاب ~~الله عليكم فأقيموا الصلاة} # ولو تتبعت القرآن كله لوجدت هذه التشبيهات في آي لا تحصى عدة ويكفيك أن ~~جعلها الله تلو الإيمان قال تعالى {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ~~وأقم الصلاة لذكري} # فلم يعطف على توحيده إلا بالصلاة وقال {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون ~~الصلاة} وقال {من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة} # فحيث ما ذكر الإيمان أردفه بها حتى قالوا وإنما سميت صلاة لكونها تلو ~~الإيمان مأخوذة من المصلي وهو الفرس الذي يلي السابق من الحلبة لكون أنفه ~~عند صلوي السابق وهما عرقان في الفخذ ### | ### | فصل # # وأما الأخبار فكقوله صلى الله عليه وسلم (أول ما ينظر فيه من عمل العبد ~~الصلاة فإن قبلت منه نظر فيما بقي من عمله وإن لم تقبل منه لم ينظر في شيء ~~من عمله) وقوله (إنما مثل الصلاة كمثل # PageV01P163 # نهر غمر عذب بباب أحدكم) إلى قوله (فإنكم لا تدرون ما بلغت به صلاته) ~~وقوله صلى الله عليه وسلم (خمس صلوات كتبهن الله تعالى على العباد) إلى ~~قوله (كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله ~~عهد) الحديث وقوله صلى الله عليه وسلم في سؤال الله الملائكة على جهة ~~المباهاة بالمصلين (كيف تركتم عبادي) الحديث وقول عمر رضي الله عنه لعماله ~~إن أهم أموركم عندي الصلاة فمن حفظها وحافظ عليها حفظه الله ومن ضيعها فهو ~~لما سواها أضيع # فجعلها أهم الطاعات وآكد القربات # ألا ترى حيث فرضت بالملأ الأعلى بحضرة الملائكة المكرمين ومشهد الرسل ~~الكرام والسادات الأعلام كما تقدم ذكره # وكيف أيأسنا من نسخها ونسخ بعضها فقال (هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول ~~لدي) فعرفت أنها من الله صدق أني حتم وما عسى أن أطيل في أمر هو أظهر من أن ms81 ~~يحتاج فيه إلى تطويل ولنكتف # PageV01P164 # بقوله صلى الله عليه وسلم (أرحنا بها يا بلال) يعنى الصلاة وبقوله صلى ~~الله عليه وسلم (وجعلت قرة عيني في الصلاة) ### | ### | ### | فصل # # فتأمل أيها العاقل الموفق لهذه العلقة الثمينة والأمانة المصونة والحظوة ~~الضمينة لك بالسلامة والعناية المكينة وشد عليها كف الضنين واحفظها حفظ ~~المؤتمن الأمين ذخيرة ليوم الافتقار وجنة بينك وبين النار # فصل # لكن إياك أيها المصلي مع ما تقدم لك أن يبسطك الرجاء بكثرة الأجور فتهوي ~~بك في دركات الغرور وعالج هواك بأن تعلم أن حصول الفضل لا يصح إلا بأربعة ~~شروط وهي # العلم بتفاصيل أحكامها # والأخلاص في كل ظاهر منها وباطن لله تعالى # وحضور القلب عند أدائها في كل لحظة لأنه مالك منها إلا ما عقلت كما جاء ~~في الخبر # PageV01P165 # ورؤية التقصير فيها بعد الفراغ منها # كان الحسين بن علي رضي الله عنهما إذا توضأ للصلاة تغير لونه واضطربت ~~فرائصه فسئل عن ذلك فقال أتدرون بين يدي من أقف أتدرون من أخاطب # فهذا هذا وأنى لنا بذلك ومن أين وحسبنا ما نعلم من تفريطنا وغفلتنا وإذا ~~صحت هذه وقل ما تصح فالأمر بعد موقوف على السابقة ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم # {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} ### | فصل # وأما أنت أيها التارك البطال المنهمك في غلواء التعطيل المرتبك في طماعية ~~الأمل المخيل الذي يسمع الأذان في كل يوم وليلة خمس مرات وأنت وادع القلب ~~مطمئن الجوارح لا تصحو من سكرتك ولا تتيقظ من غامض غفلتك كأنك لم تفرض عليك ~~وكأن المطلوب بها غيرك ولتعلم أن كل ما سبق من أفراد العدد في الأعمال ~~الصالحة المفروضة عليك مثل عددها من الآثام في الترك لكون جزاء السيئة ~~بمثلها # وأنت مع ذلك في دنياك أبطش من عقاب وأحذر من # PageV01P166 # غراب ذئب عتم وضبع قرم جماع مناع عفرية نفرية تنتهز الفرصة وتغتنم من ~~قمامة أخيك القبصة وتخدع من سواك ولو في نفثة سواك لتحصل بها شهواتك وتجاهر ~~من يطلع ms82 عليك في خلواتك # كما قيل # (ما أميل النفس إلى الباطل ... وأهون الدنيا على العاقل) # (ترضي الفتى في عاجل شهوة ... لو خسر الجنة في الآجل) # فإن ادعيت الجهل بما يلزمك فما أعلمك بما لا يلزمك وإلا فانظر كيف تجهد ~~أيامك وتصرف غوائلك وتنصب شركك وحبائلك لتصيد نزر خسيس بخبث مكائد لا يتفطن ~~لها إبليس # يا بائس يا فقير يا دودة الحرير تبني على نفسك سرادق نحسك وبخسك # كما قيل # PageV01P167 # (تجمع ما تتركه حسرة ... لوارث أو آمل أملك) # (أقربهم منك وأدناهم ... إليك من في حفرة أنزلك) # (وراح من قبرك مستعجلا ... فتش من فرحته منزلك) # ورحل ما أخفيت من عقدة ... كنت بخيلا أن يراها ملك) # قال بشر بن الحارث رحمة الله عليه (لابن آدم في ماله ثلاث حسرات يجمعه ~~كله ويتركه كله ويسأل عنه كله # وكما قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في خطبة خطبها رفعتم الطين ~~ووضعتم الدين وضيعتم المساكين وتشبهتم بالدهاقين فألحقتم بالملاعين # أيها المغالط لنفسه المتغافل عن هيل التراب عليه في رمسه راجع بصيرتك ~~وسدد نحيرتك وقدر أنك المطلوب وحدك # قال الله تعالى {كلهم آتيه يوم القيامة فردا} يا رواغ يا خداع ولا وزر ~~إلى ربك يومئذ المستقر فافرغ إلى عقلك من غمرات حسك وصير يومك خيرا من أمسك ~~حذار حذار فجأك الموت فبادر إلى التوبة قبل الفوت جعلنا الله وإياكم ممن ~~قال وفعل # PageV01P168 # وأمر فامتثل بفضله بمنه ولا جعلنا ممن يرى القذى في عين أخيه ولا يرى ~~الجذع في عينه # وبالله التوفيق وبه أستعين وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم وصلى على سيدنا محمد وآله صحبه وسلم تسليما # كمل بحمد الله ومنه وحسن توفيقه ووقع الفراغ من تحريره على يد الفقير إلى ~~الله الخاطئ المذنب الراجي عفو ربه الكريم إسحاق بن محمود بن بلكويه بن أبي ~~الفياض الشابرخواستي البرجردي غفر الله له ولوالديه ولجميع أمة محمد برحمته ~~الواسعة # وذلك في الخامس عشر من صفر سنة ست وأربعين وستمائة بالقاهرة المحروسة ~~المعزية ms83 # والأصل الذي انتسخ منه كان مقابلا بأصل المؤلف رحمة الله عليه # والحمد لله وحده وصلواته على نبيه محمد وآله وصحبه وعترته الطيبين ~~الطاهرين # قال عبد الله الراجي رحمته ومغفرته محمد رضوان بن أحمد بن عبد الرزاق بن ~~أحمد الداية المكي أرومة الدمشقي الصالحي أصلا الدومي ولادة وإقامة # نجز بحمد الله وتوفيقه النظر في كتاب تنزيه الأنبياء عما نسب إليهم حثالة ~~الأغبياء لأبي الحسن علي بن أحمد الأموي السبتي غرة يوم الثلاثاء # PageV01P169 # تاسع محرم الحرام عام إحدى عشرة وأربع مئة وألف 1411 من هجرة سيدنا ~~ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم وزاده تشريفا وتكريما الموافق الحادي ~~والثلاثين من شهر تموز من عام تسعين وتسع مئة وألف 1990 من مولد عيسى ~~المسيح عليه السلام # كتب الله لي هذا الجهد في الأعمال المقبولة وأجزل في مثوبته ورضوانه ~~بعفوه ومنه إنه ذو الطول والفضل وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله ~~وصحبه # والحمد لله رب العالمين PageV01P170 ms84