######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0006708 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن عمر المظفر بن شاهنشاه، الأيوبي، أبو المعالي، ناصر الدين، المنصور ابن المظفر (المتوفى: 617هـ #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 617 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مضمار الحقائق وسر الخلائق #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التاريخ #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0006708 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-6708 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/6708 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: الدكتور حسن حبشي #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: عالم الكتب - القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه أستعين ### | سنة خمس وسبعين وخمسمائة # فيها غلت الأسعار جدا بالعراق واشتد المحل وكثر الجدب وكانت الغلات كثيرة ~~والحبوب موجودة غير أن الناس رفعوا أيديهم عن البيع وسبب ذلك أن ظهير الدين ~~أبا بكر [منصور] بن العطار صاحب المخزن كان قد تحكم في دولة الخليفة تحكما ~~زائدا واستولى على جميع المعاملات الواسطية وضمن البلاد سائرها ومنع البيع ~~من خزائن الغلات والحبوب فاشتدت بغضته في قلوب الناس وخاصة أرباب دولة ~~الخليفة وكانوا يقولون سبب غلو الأسعار منعه لبيع الغلات # وفيها كثر الوباء حتى مات من الخلق ما لا يحصى كثرة PageV01P003 # وفيها بسطت يد الشريف يمين الدين الهاشمي مشرف الديوان العزيز في الدولة ~~ووقعت المشاحنة بينه وبين ظهير الدين بن العطار # وفيها مرض المستضىء بأمر الله واشتد به المرض وكثرت الأراجيف بموته ولم ~~يتحقق الناس ذلك وكانت الأسواق تغلق في أكثر الأوقات لا يجسر أحد أن يبيع ~~ويشتري فكانت وفاته أول ليلة من ذي القعدة من السنة وكانت خلافته تسع سنين ~~وستة أشهر وأحدا وعشرين يوما # أولاده أبو العباس أحمد الناصر لدين الله وأبو منصور # وزيره رئيس الرؤساء # 2 ### || خلافة الناصر لدين الله # أمير المؤمنين صلوات الله عليه وذكر مختصر من إيالته ومحاسن سيرته وذكر ~~ما تجدد في أيامه للبيت الأيوبي من الفتوحات والغزوات وغير ذلك والشام ومصر ~~واليمن ذكرته مفصلا أختم به كتابي هذا الموسوم بكتاب المضمار وبالله ~~المستعان وهو حسبي ونعم الوكيل # هو أبو العباس أحمد الناصر لدين الله أمير المؤمنين ثبت الله PageV01P004 # دعوته بن الإمام أبي محمد الحسن المستضىء بأمر الله بن الإمام أبي المظفر ~~يوسف المستنجد بالله بن الإمام أبي عبد الله محمد المقتفى لأمر الله بن ~~الإمام أبي العباس أحمد المستظهر بالله بن الإمام أبي القاسم عبد الله ~~المقتدى بالله بن محمد ذخيرة الدين وليس بإمام بن الإمام أبي جعفر عبد الله ~~القائم بن الإمام أبي العباس أحمد القادر بالله بن الإمام جعفر المقتدر ابن ~~الإمام أبي العباس المعتضد بن محمد الموفق وليس ms001 بإمام بن الإمام أبي الفضل ~~جعفر المتوكل بن الإمام أبي أسحق محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن محمد ~~المهدي بن أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله ابن العباس بن عبد ~~المطلب بن هاشم بويع له يوم الأحد مستهل ذي القعدة من السنة المذكورة صبيحة ~~اليوم المذكور وتولى عقد البيعة ذو الرياستين مجد الدين أبو الفضل هبة الله ~~بن علي بن هبة الله بن الصاحب أستاذ الدار وظهير الدين أبو بكر منصور بن ~~العطار صاحب المخزن وحضر في البيعة العلية ضياء الدين الشهرزوري أتفق ذلك ~~أوان وصوله برسالة الملك الناصر صلاح الدين وخطب له بمدينة السلام ببغداد ~~ونثرت الدنانير على المنابر بجوامعها وسيرت الكتب مع الرسل إلى البلاد ~~الإسلامية فأرسل صدر الدين عبد الرحيم بن إسمعيل ابن إسمعيل PageV01P005 # ابن أبي سعد شيخ الشيوخ النيسابوري إلى أتابك بهلوان محمد ابن أيلدكز ~~بهمذان فبث الدعوة الهادية في تلك البلاد من أصفهان وجميع بلاد خراسان ~~وأذربيجان وسيرت رسل الخلافة أيضا إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن ~~أيوب فأقام الدعوة الهادية الإمامية في جميع البلاد والثغور والشام والديار ~~المصرية وحضر شعراء الديوان العزيز على جاري العادة لتهنئة مولانا الإمام ~~الناصر لدين الله أمير المؤمنين عند جلوسه في الخلافة في ذي القعدة فأنشد ~~كل منهم كلمته فمن ذلك الأجل أمين الدولة محمد بن عبد الله سبط التعاويذي ~~وكان من أفاضل الشعراء المقدمين ذكرتها بتمامها لاستحسانها وهي # طاف يسعى بها على الجلاس %~% كقضيب الأراكة المياس # بدر تم غازلت من لحظه ليلة %~% نادمته غزال الكناس # ذللته لي المدام فأمسى %~% لين العطف بعد طول شماس # بات يجلو علي روضة حسن %~% بت منها ما بين ورد وآس # أمزج الكأس من جناه وكم ليله %~% صد مزجت بالدمع كامي # لا يبت ذلك الحبيب بما بت (م) %~% أعاني من لوعة وأقاسي PageV01P006 # قلقي من وشاحه وبقلبي %~% ما بخلخاله من الوسواس # أي برح لو كان لي مسعد فيه %~% وجرح لو كان لي منه آسى # من تناسى عهد الشباب فإني %~% لحميد ms002 من عهده غير ناسي # أخلق الدهر جدتي وغدت منكوبة %~% بعد مرة أمراسى # يا نهار المشيب من لي وهيهات %~% بليل الشبيبة الديماسي # حال بيني وبين لهوى وإطرابي %~% دهر أحال صبغة رأسي # ورأي الغانيات شيبي فأعرضن %~% وقلن الشباب خير لباسي # كيف لا يفضل السواد وقد أضحى %~% شعارا على بني العباس # أمناء الله الكرام وأهل الجود %~% والحلم والتقى والباس # علماء الدين الحنيف وأعلام %~% الهدى والضراغم الأشواس # أيد الله دينه بجبال %~% منهمو شمخ الجبال رواسي # واصطفاهم من كل أغلب مشبوب %~% الذراعين للعدي فراس PageV01P007 # فهمو الآمرون بالعدل والحاكمون %~% الناس بالقسطاس # ولقد زينت الخلافة منهم %~% بإمام الهدى أبي العباس # ملك جل قدسه عن مثال %~% وتعالت آلاؤه عن قياس # هاشمي له زئير ينسى %~% الأسود الزئير في الأخياس # وسماح يغني البلاد إذا الأنواء %~% ضنت بصوبة الرجاس # جمع الأمن في إيالته ما %~% بين ذئب الغضا وظبي الكناس # وعنى خاضعا لعزته كل %~% أبي القياد صعب المراس # بث في الأرض رأفة بدلت وحشه %~% سارى الظلام بالإيناس # غادرت جفوة الليالي صفوا %~% وألانت قلب الزمان القاسي # بيد الناصر الإمام استجابت %~% بعد مطل منها وطول شماس # رد تدبيرها إليه فأضحى %~% ملكها وهو ثابت الأساس PageV01P008 # يا لها بيعة أجدت من الإسلام %~% بالي رسومه الأدراس # ولى الله أمرها فله المنة %~% فيها عليه لا للناس # جمعتنا على خليفة حق %~% نبوي الأعراق والأغراس # في مقام ذلت لهيبته الأعناق %~% ذل النقاد للهرماس # زال فيه الحجاب عن ملك عار %~% من العار للتقى لباس # ورأينا برد النبي على منكب %~% طود من الأئمة رأسي # ماليا هديه مواقف من نور %~% جلال يضىء كالنبراس # فله في الرقاب عهد ولاء %~% محكم العقد محصد الأمراس # يا مبيد العدى ويا طارد المحل %~% نداه وقاتل الإفلاس # حجة الله أنت والسبب الممدود %~% ما بينه وبين الناس # أنت أحييت رمة العدل والجود %~% وأنشرتها من الأرماس # جدت قبل السؤال عفوا وكأي %~% من يد لا تدر بالأبساس PageV01P009 # وأرحت الزوراء من جور مزور %~% عن الخير فاجر مكاس # أنفا للإسلام منه ومن أشياعه %~% عصبة الخنا الأرجاس # رد في نحره انتقامك ما فو قه %~% من ms003 سهامه الأنكاس # دنست برهة بأفعاله الدنيا %~% فطهرتها من الأدناس # بك عاذت من شر شيطانه الوسواس %~% فيها بمكرة الخناس # واشتكت داءها العضال فألفتك %~% لأدوائها الطبيب الآسي # فابق للدين ناصرا وارم بالإرغام %~% جد الأعداء والأتعاس # واستمعها عذراء شرط التهاني %~% واقتراح الندمان والجلاس # حملت من أريح مدحك نشرا %~% هي منه مسكية الأنفاس # مدحا فيك لي ستبقى على الدهر %~% بقاء التنزيل في الأطراس # ما أميطت راحه يراع وما خطت %~% يمين رقشا على قرطاس # وبعد البيعة الشريفة بأيام برز الأمر الشريف ببسط يد مجد الدين ابن ~~الصاحب وحكم في الدولة ونفذت أوامره في جميع أرباب الدولة PageV01P010 # وتقدم إليه ببيع الغلات والحبوب على الناس ففتح الخزائن وأطلق البيع فيها ~~وأمر أن يعطى الأجناد أرزاقهم من الحنطة والشعير والحبوب ففعل ذلك فرخصت ~~الأسعار وكثرت الخيرات وفرج الله سبحانه وتعالى عن الناس ما كانوا فيه من ~~القحط والمحل وشدة الجوع ببركة قدومه وإيالته الميمونة وأنفذ إلى البلاد ~~الواسطية السفن الكبار مملوءة طعاما من سائر الحبوب وتلا ذلك تواتر الأمطار ~~والمدود وكثرة الخصب وانقضت سنو الجدب عند ولايته وكان الناس يسمون أيامه ~~العيسوبية لذهاب ما كانوا فيه من شدة القحط بمدا أيامه الزاهرة زيدت شرفا ### || ذكر وقعة ظهير الدين بن العطار وقتله # وكان هلاكه يوم الخامس من ذي القعدة # ذكر السبب في ذلك # كان خالص الخادم من خواص الحضرة الشريفة فبرز الأمر العالي أن يوقع له ~~بلحف الجبل والبندنجين وما يجري معها فنفذ أستاذ الدار أبو الفضل بن الصاحب ~~إليه يأمره بالتوقيع لخالص الخادم كما أمر أمير PageV01P011 # المؤمنين فاستعظم ذلك ولم يمتثل المراسم النبوية فكان في جواب ذلك التقدم ~~بالقبض على ابن العطار ونقله إلى التاج العتيق فعذب بأنواع العذاب ومات بعد ~~أيام فحمل ليلا إلى دار أخته فجعلته في تابوت وأرادت إخراجه خفية لئلا يعلم ~~به أحد فجعل أستاذ الدار على إخراجه عينا من حيث لا يعلم به ونبه الأعوام ~~على إخراجه وأوقف جماعته على باب النوبي ينتظرون خروجه وكان الناس يبغضونه ~~لما كان يبدو منه في سنى ms004 المحل من منع البيع العام على الناس والضمانات ~~الجارية في أيامه وما كان يجري منه في حق الأجناد والمماليك فلما خرج تابوت ~~ابن العطار وليس وراءه أحد يؤبه له ووصل خارج باب النوبى من دار الخليفة ~~أشار بعض من كان العين على خروجه إلى العوام والمماليك هذا تابوت ابن ~~العطار فتكاثرت العوام على أخذه وألقى من رءوس الحمالين وكسر وأخرج من ~~التابوت ومزقت أكفانه وربطوا في إحدى رجليه حبلا من ليف وجعلوا يسحبونه في ~~الأسواق والدروب بمدينة السلام وكانوا ينادون عليه وفعل به كما فعل بابن ~~القرايا المشد حتى إن من الناس من قطع خنصره وأذنه وكان ذلك في الخامس عشر ~~من ذي القعدة كما ذكرنا # استدعاء فخر الدولة بن المطلب بين يدي الناصر لدين الله ليستوزر وذلك في ~~الشهر المذكور من السنة # كان فخر الدولة بن المطلب رجلا عالما زاهدا ورعا كثير المعروف مشهورا ~~بالصلاح والتقى فلما كانت الأيام المستنجدية سقى الله عهودها PageV01P012 # الرضوان دعاه ليستوزره فامتنع وطلب الإقالة فلم يفعل ما امر وقصته مشهورة ~~بذلك فلما كانت الأيام المستضية طولب بما طولب به من قبل فسأل أن لا يكلف ~~ذلك فلما أنعم الله تعالى على عباده بالأيام الناصرة لدين الله أمر بإحضار ~~فخر الدولة بن المطلب فحضر بين يدي السدة الشريفة النبوية وخدم فلما استقل ~~به المكان تقدم إليه أمير المؤمنين بأن يكون له وزيرا ومشيرا لمكانته من ~~الدين والعلم والبيت فلما سمع كلامه قبل الأرض وخدم وقال # يا أمير المؤمنين المملوك رجل شيخ وما يجوز أن يفتح له كتابا بعد العصر ~~فقال له بهاء الدين صندل الخادم أجب أمير المؤمنين فقال ليس لك في إجابتي ~~مصلحة لأننى لو قبلت هذه الولاية ما كنت أقرك على ما بيدك من الإقطاع ~~والولايات بل كنت أجريك على قاعدة بلال وأزيل عنك هذه الثياب وأمنعك من ~~الركوب وبين يديك سيوف مشهورة فضحك أمير المؤمنين من قوله وقال له تشير علي ~~بمن يصلح فقال هذا أصلح من عندك وأشار إلى مجد الدين ms005 بن الصاحب وهو إذ ذاك ~~أستاذ الدار العزيزة فضاق صدر أستاذ الدار من قول فخر الدولة ولم يعجبه ذلك ~~فقال له أمير المؤمنين # لم لا يرضيك قوله وهي أرفع درجة فقال # يا أمير المؤمنين لا أبيع حضوري في هذه الخدمة بالدنيا وما فيها وسأل أن ~~يقر على خدمته وهي أستاذية الدار فأقره على ذلك وكان أعظم الناس مكانة عنده ~~إلى أن قتل PageV01P013 # ثم قال له # شر علينا بمن نوليه فقال فخر الدولة # إن أمير المؤمنين إن يول سليمان بن جاووش نائب وزارة فرأيه أعلا فأحضر ~~سليمان بن جاووش وكان يلقب بحسام الدين إلى التاج الشريف ومن كان يختص ~~بالديوان العزيز من أرباب الدولة والأجناد ليقضوا شهر المستضئ بالله رحمة ~~الله عليه ورضوانه # وكان على حسام الدين بن جاووش قلنسوة فخلع عليه جبة وعمامة بيضاء وخلع ~~على أرباب الدولة كافة في ذلك اليوم وركب ورتب نائب وزارة فبقى ينوب في ~~الديوان العزيز شهرا فوجد عليه أستاذ الدار ابن الصاحب لكونه كان يقف في ~~تقدماته فعزله ورتب عوضه ابن البخاري وذلك في محرم سنة ست وسبعين وسنذكره ~~إن شاء الله تعالى # وفيها أقطع آل تنبه الشطرنجي واسطا وأعطى قيطرمش شحنكية بغداد أجمع # وفيها صرف ابن طلحة من حجبة الباب الشريف ورتب عوضه قوام الدين بن زيادة # وفيها رتب ابن شبيب صاحب مخزن ورتب زين الدين مشرف مخزن أيضا ورتب ابن ~~جعفر صاحب باب المراتب وأقر أبو علي بن الوكيل PageV01P014 # على عمله صاحب ديوان وأقر أمين الدين مهيمنا على إشراف الديوان العزيز # وفيها خلع التشريفات الجميلة على آل تنبه الشطرنجي وقيطرمش شحنة بغداد ~~وسيف الدين طغلو شحنة الخواص وميزوا على جماعة المماليك والأمراء ### || ذكر ما تجدد للسلطان بالشام ومصر في هذه السنة من الأحوال والغزوات # ودخلت هذه السنة والسلطان نازل على تل القاضي ببانياس وعسكره المنصور في ~~كل يوم يصبحون بلد العدو ويشنون الغارات وينقلون ما يجدونه من الغلات وكان ~~العام كثير الجدب حتى لم يبق بتلك البلاد لهم إلا اليسير # وكان المقدم ms006 على العسكر عز الدين فرخشاه بن شاهناه بن أيوب ابن أخي ~~السلطان وكان مخيمه على بعد من السرادق السلطاني قدامه فجاء إلى السلطان ~~ومعه جماعة من الأمراء وقد أجمعوا رأيهم على أن يغيروا على PageV01P015 # بلد العدو في ليلتهم بكرة غدهم ويرحلون عن ذلك المكان فصوب لهم السلطان ~~رأيهم وقال # نعم الرأي الذي رأيتموه والرأي أن تنهضوا في هذه الليلة وتزمعوا على دخول ~~بلد الفرنج فتجمعون ما تخلف في مواضعها المتفرقة وإذا عدتم سالمين إن شاء ~~الله تعالى رحلنا صوب البقاع ### || ذكر وقعة مرج عيون # وكانت يوم الأحد ثامن محرم ولما نهض المسملون ليلة اليوم المذكور أصبح ~~السلطان بكرة يومه راكبا ومعه صمصام الدين أجك وإلى بانياس في موكب خفيف ~~وجمع كثير ووقف على الطريق فوجد في تلك الغياض سروحا من الأبقار والأغنام ~~جافلة وقصده في تلك الحال راع فأخبره أنه شاهد عسكر الكافر قد عبروا بالقرب ~~على قصد العلاقة فاستبعد السلطان ذلك وقال # لو كان ذلك صحيحا لجانا الجاسوس فبينا هو كذلك إذ جاءه من أوائل العسكر ~~من أخبره بصحة الخبر فرجع إلى المخيم وقت الظهر وكان في اسطبله خيول شتى ~~عتاق وغير عتاق فبذلها لخواصه وقال # اركبوا وأدركو العدو وصاح بعسكره وحلقته فسار فيهما موفقا بالنصر فأشرف ~~على القوم وهم في ألف رمح وعشرة آلاف PageV01P016 # مقاتل ما بين فارس وراجل وكان في جملتهم بادين بن بارزان فبرز في مقدمتهم ~~وحملوا حملة واحدة كالجبل العظيم وكادوا أن يظفروا وطعن فيها صمصام الدين ~~أجك فثبت السلطان أمامهم وردهم إلى ورائهم فولوا الأدبار منهزمين فركبهم ~~السيف فأسروا من كان له أجل حصين ودخل الليل ونجا ملكهم هاربا فذكر أنه ~~حمله أحدهم على ظهره وسرى به تحت الليل ورجع السلطان إلى مخيمه وقد مضى من ~~الليل أكثره ثم أذن بتقديم الأسارى فأول من قدم منهم # بادين بن بارزان ثم قدم أود مقدم الداوية الكبير وكان مشهورا شجاعا شديد ~~البأس وأحضر ابن القومصية وأخو صاحب جبيل وكان كثير النهوض إلى ثغور ~~الإسلام وأحضر جماعة ms007 من مقدميهم الأكابر وقيدوا بالقيود الثقال ثم عرض ~~المأسورين فكانوا مائتين ونيفا وسبعين من الفرسان المقدمين سوى من أسره ~~آسره وكان في خيمته ولم يسمع به وسوى من لم يذكر من الأتباع ثم نقل الأسارى ~~إلى دمشق فاعتقلوا # فأما ابن بارزان فإنه بعد سنة بذل في نفسه مائة وخمسين PageV01P017 # ألف دينار وإطلاق ألف أسير من المسلمين فكان الفقيه ضياء الدين عيسى ~~مأسورا عندهم من نوبة الرملة فالتزم أن يؤدي من قطيعته المذكورة القطيعة ~~التي عرف بها فكاكه وأما هو ابن القومصية فإنه افتكته أمه بخمسة وخمسين ألف ~~دينار صورية وأما أود مقدم الداوية فإنه مات في سجنه فطلبت جيفته فأخذوها ~~بإطلاق أسير وطال أسر الباقين فمنهم من هلك في الأسر ومنهم من خرج بقطيعة ~~وأمان وكانت لعز الدين فرخشاه في هذه النوبة اليد البيضاء والبلاء المذكور ### || ذكر سبب غيبة والدي الملك المظفر - سقى الله عهوده الرضوان - عن هذه النوبة # وذلك أن سلطان الروم السلاجقة قلج أرسلان أرسل في طلب حصن رعبان يدعى أنه ~~من بلاده وإنما أخذه منه نور الدين بغير أمر PageV01P018 # وأن ولده الملك الصالح قد أنعم به عليه فأبى ذلك الملك الناصر صلاح الدين ~~فجهز قلج أرسلان عسكرا ونزل على حصاره فندب السلطان الملك المظفر إلى ~~لقائهم بجماعة يسيرة وكان جملتهم ثماني مائة فارس وكان عسكر قلج أرسلان ~~نيفا وعشرين ألف فارس مجتمعة على النهب والغارة فسار بمن معه من العدة ~~اليسيرة المذكورة حتى أشرف على عسكر قلج أرسلان ليلا وقد تلاحق به من ~~أصحابه نحو من مائتين والباقون في إثرهم لم يتفق اجتماعهم جملة واحدة لأن ~~طريقهم كانت وعرة لم يسيروا معظمها إلا رجالة فلما أشرف عليهم ضربت كوساته ~~وبوقاته فركض بمن معه وخالط القوم وذلك في سوق الربض وكان لعسكر قلج أرسلان ~~من فرسانهم ثلاثة آلاف في حصار الحصن فحين وقع الصالح تحادروا عليه وضايقوه ~~ومن معه فأشار إلى غلامه بأن يعطيه قنطاريته فناوله إياها فحمل عليهم وقال ~~إنا الملك المظفر ثم طعن فارسا فأرداه وحمل ms008 أصحابه في إثره فكسروا فرسانا ~~فلما نظر القوم إلى ذلك انهزموا من بين يديه عن آخرهم ووقع الصالح بهم فجعل ~~يتبع بعضهم بعضا وتركوا خيامهم بما فيها من أثقالهم ومنهم من أصابه بذلك ~~واسر من مقدميهم بذلك جماعة فلما أصبح خلع عليهم وأعطي كل واحد منهم فرسا ~~يحمله وسير النجب من هناك إلى السلطان والكتب تخبره بما رزقه الله من النصر ~~والظفر بعسكر قلج أرسلان ووافق ذلك ما من الله تعالى به على السلطان من ~~ظفره PageV01P019 # بالإفرنج في مرج عيون وسارت بذلك البشائر إلى بلاد الإسلام وسيرت كلمات ~~الشعراء إليه من أقاصي البلاد وأدانيها فمن ذلك كلمة أمين الدولة أبي الفتح ~~محمد بن عبد الله التعاويذي البغدادي وهو من شعراء الديوان العزيز بمدينة ~~السلام سيرها إليه في السنة المذكورة إلى دمشق وهي # إن كان دينك في الصبابة ديني %~% فقف المطي برملتي بيرين # والثم ثرى لو شارفت في هضبه %~% أيدي الركاب لثمته بجفوني # وأنشد فؤادي في الظباء معرضا %~% فبغير غزلان الصريم جنوني # ونشيدتي بين الخيام وإنما %~% غالطت عنها بالظباء العين # لولا العدى لم أكن عن ألحاظها %~% وقدودها بحوازن وغصون # لله ما اشتملت عليه قبابهم %~% يوم النوى من لؤلؤ مكنون # من كل تائهة على أترابها %~% بالحسن غانية عن التحسين # خود ترى قمر السماء إذا بدت %~% ما بين سالفة لها وجبين # غادين ما لمعت بروق ثغورهم %~% إلا استهلت بالدموع شؤوني # إن ينكروا نفس الصبا فلأنها %~% مرت بزفرة قلبي المحزون PageV01P020 # وإذا الركائب في الحبال تلفتت %~% فحنينها لتلفتي وحنيني # يا سلم إن ضاعت عهودي عندكم %~% فأنا الذي استودعت غير أمين # أو عدت مغبونا فما أنا في الهوى %~% لكمو بأول عاشق مغبون # رفقا فقد عسف الفراق بمطلق %~% العبرات في أسر الغرام رهين # مالي ووصل الغانيات أرومه %~% ولقد بخلن علي بالماعون # وعلام أشكو والدماء مطاحة %~% بلحاظهن إذ الجمال ديوني # هيهات ما للبيض في ود امرئ %~% أرب وقد أربي على الخمسين # ومن البلية أن تكون مطالبي %~% جدوى بخيل أو وفاء خؤون # ليت الضنين على المحب بوصله %~% لقن السماحة ms009 من صلاح الدين # ملك إذا علقت يد بزمامه %~% علقت بحيل في الحفاظ متين # قاد الجياد معاقلا وإن اكتفى %~% بمعاقل من رأيه وحصون # وأعد للأعداء كل مهند %~% ومثقف ومضاعف موصون PageV01P021 # سهرت جفون عداه خيفة ماجد %~% خلقت صوارمه بغير جفون # لو أن لليث الهزبر سطاه لم %~% يلجأ إلى غاب له وعرين # والبحر لو مزجت به أخلاقه %~% لغدت مياه البحر غير أجون # والأرض لو شيبت بطيب ثناه لم %~% تنبت سوى الخيري والنسرين # والدهر لو أعداه حسن طباعه %~% ماشين من أبنائه بضنين # قسما لقد فضل ابن أيوب الحيا %~% بسماح كف بالنضار هتون # مخلوقة من سؤدد وندى وقد %~% خلق الأنام سلالة من طين # يا من إذا نزل الوفود ببابه %~% نزلوا بجم من نداه معين # أضحت دمشق وقد حللت بجوها %~% مأوى الطريد وموئل المسكين # وغدت بعدلك وهي أكرم منزل %~% تلقى الرحال به وخير قطين # يثنى عليك المعدمون بها كما %~% تثنى الرياض على الساحب الجون # لك عفة في قدرة وتواضع %~% في عزة وشراسة في لين PageV01P022 # قسمت يمينك في الورى الأرزاق والآجال %~% بين منى وبين منون # وأريتنا بجميل صنعك ما روى الراوون %~% عن أمم خلت وقرون # وضمنت أن تحيى لنا أيامهم %~% بالمكرمات فكنت خير ضمين # كاد الأعادي أن يصيبك كيدها %~% لو لم تكدك برأيها المأفون # تخفى عداوتها وراء بشاشة %~% فتشف عن نظر لها مشفون # دفنت حبائل مكرها فرددتها %~% تذوي بغيظ صدورها المدفون # وعلمت ما أخفوا كأن قلوبهم %~% أفضت إليك بسرها المخزون # كمنوا وكم لك من كمين سعادة %~% في الغيب يظهر من وراء كمين # فهوت نجوم سعودهم وقضى لهم %~% بالنحس طائر جدك الميمون # فتمل دولتك التي حكمت لها %~% الأقدار بالتأييد والتمكين PageV01P023 # ومنها بعد أبيات يذكر فيها حاله ويصف من كلمته # وأقصد حمى ملك عزيز جاره %~% سامي الذؤابة شامخ العرنين # واهد الثناء إلى أغر فسيح أقطار %~% المحامد بالثناء قمين ### || ذكر النزول على بيت الأحزان # وذلك في شهر ربيع الآخر من السنة # ولما أحكم الفرنج خذلهم الله بناء بيت الأحزان فكر السلطان في نفسه وندم ~~على ما فرط في تركهم في ms010 مبدأ الأمر فراسل الفرنج على أن يهدموا الحصن فإن ~~ضرره يكون على الإسلام فقالوا لا سبيل إلى هدمه فراجعهم على أن يشرعوا في ~~هدمه # وإلا سرت إليكم بعساكر الإسلام فلما تحققوا عزمه وعلموا أن لا بد له من ~~ذلك قالوا # إن كان لا بد من ذلك فأعطنا ما غرمنا عليه من الأموال فإنا قد غرمنا عليه ~~مالا كبيرا فبذل لهم أولا ستين ألف فلم يقبلوا فبلغ معهم إلى أن بذل لهم PageV01P024 # مائة ألف دينار فلما سمعوا ذلك داخلهم الطمع # وكان سبب ذلك الداوية فإنهم كانوا يمدون من بالحصن بالأموال والنفقات ~~وجميع ما يحتاجون إليه فلما رأى السلطان ذلك جمع الأمراء من أصحابه وأولي ~~الرأي والمشورة وعرفهم ما ذكره الفرنج من امتناعهم وطمعهم وهل يزيدهم مالا ~~فقالوا الصواب أن تعطيهم رضاهم من المال ويهدم الحصن فقال لهم ما أفعل شيئا ~~ولا أبرم أمرا إلا بمشاورة ابن أخي الملك المظفر عمر وكان المظفر في حماة ~~قد شرع في إصلاح قلعتها وتحصينها فأرسل السلطان إليه جماعة من الأمراء إلى ~~حماة ليحضروا عنده ويستنيروا به ويأخذوا رأيه ويعرفوه ما يكون عليه العمل ~~فلما وصل المنفذون إلى حماة حضروا بين يديه وسلموا غليه كتاب السلطان ~~وشاوروه فيما أرسلوا به فقال # ما آرى هذا رأيا صالحا ثم كتب إلى السلطان كتابا يذكر فيه إن هذا الرأي ~~الذي قد أزمعت عليه ليس بشيء وإن الله تعالى يسألك عن إعطائهم هذا المال ~~وأنه قادر على المسير إليهم # والرأي أن نصرف هذا المال إلى الأجناد ونرغبهم في الجهاد وتسير بعساكرك ~~وتنزل عليه والله تعالى في معونتك ونصرتك ثم خلع على الجماعة الذين جاءوا ~~إليه وأمرهم بالسير إلى السلطان فلما وصلوا إليه سلموا إليه الكتاب وعرفوه ~~ما قال لهم شفاها فقال # هذا هو الرأي السديد ثم أحضر الأموال وأرسلها إلى سائر التركمان والأجناد ~~في البلاد PageV01P025 # وأنفذ التخوت والخلع والتشريفات والخيل إليهم حتى جاءوا إلى سائر ~~التركمان الذين هم غربي الفرات وشرقيها وسلموا الأموال إليهم والخلع وما ~~عدا ذلك ورغبوهم في ms011 الجهاد فسارعوا إلى أمر السلطان وجاء منهم خلق كثير ~~وكتب إلى سائر الأطراف والأمكنة فاجتمع عنده من الأمراء والأجناد والتركمان ~~ألوف كثيرة وسار والدي الملك المظفر من حماة بجماعته متوجها إلى دمشق فكان ~~وصوله إليها في أول يوم من شهر ربيع الآخر فسر السلطان بقدومه وخرج لتلقيه ~~وأعد التركمان ما احتاجوا إليه من الدقيق وغيره وجميع ما احتاجوا إليه ثم ~~أمر الناس بالرحيل فخرج في جيش كالبحر الزاخر وكان خروجه من دمشق يوم ~~الخميس خامس شهر ربيع الآخر ونزوله على الحصن يوم الثلاثاء حادي عشرة قريبا ~~منه وكان جميع من حوله قد احتمى فيه وغلقوا بابه # ثم إن السلطان ركب بكرة إلى ضياع صفد وكانت قلعة صفد يومئذ للداوية فأمر ~~بقطع كرومها وحمل ما هناك من الأخشاب لعمل المنجنيقات وعاد إلى المخيم بعد ~~الظهر وخرج بعد العصر وجمع الأمراء وعارض برأيهم رأيه فقال له عز الدين ~~جاولي الأسدي # تأذن لنا في الزحف قبل الاشتغال بنصب المجانيق حتى نذوق قتالهم ونستعرض ~~أحوالهم فربما تلوح لنا منهم فرصة فقال السلطان استخيروا الله عز وجل ~~وافعلوا ما بدا لكم فمشى الناس إلى الزحف ودنوا من الباسورة PageV01P026 # فتخاذل من كان بها من الفرنج وانهزموا ودخلوا الحصن وأغلقوا الأبواب ~~وأحاط الناس بالحائط وملك والدي الملك المظفر الباسورة برجاله وباتوا طوال ~~الليل يحرسون والفرنج على شرافات الحصن يرمون بسهامهم ويتبعونها بشهب ~~النيران وأصحابنا على الحفاظ فخرج جماعة والسلطان يمدهم وينجدهم وكان بعض ~~المماليك قد سمع من وراء الباب صوت الحجارة فعلم أن الفرنج يبيتون خلف ~~الباب وأنهم قد أوقدوا خلف كل باب نارا ليحموا بها أنفسهم فعلم حينئذ ضعفهم ~~فجاء المملوك وأعلم والدي فتيقن والدي أخذ الموضع وأعلم السلطان بذلك فبات ~~الناس تلك الليلة في أشد جهاد # ثم إن السلطان فرق البناء على الأمراء فأخذ عمى عز الدين فرخشاه الجانب ~~القبلي وجمع عليه النقابين والحجارين وجاء الجاندارية وراء PageV01P027 # الجفاتي وأخذ السلطان النقب في الجانب الشمالي وأنهض إليه الحجارين # وأخذ ناصر الدين محمد بن شيركوه بقربه نقبا ms012 ورتب السلطان الرماة على ~~الخندق يمنعون الفرنج من إخراج رءوسهم من وراء ستائر السور فكم من جريح ~~وطريح حتى استقر النقابون في مواضعهم فما زالت المعاول تعمل والصخور تتخلخل ~~حتى استقامت النقوب فما انقضى يوم الأحد حتى تم النقب السلطاني وعلق وحشى ~~الحطب ليلة الاثنين وأحرق فظن أنه يتضعضع وكان النقب في طول ثلاثين ذراعا ~~وفي عرض ثلاثة أذرع وكان عرض السور تسعة أذرع فأصبح الناس يوم الاثنين ~~والسور على حاله لم يتضعضع فأشفقوا لذلك وضعف يقينهم إذ لا سبيل لهم إلا ~~تعميق النقب وتوسيعه للنيران الملتهبة فيه فأخرج السلطان صرة فيها ثلاثمائة ~~دينار مصرية وتركها على يد عز الدين جاولي وقال # من أتانا بقربة من الماء أعطى دينارا وكان الماء بقربه فرأيت الناس ~~يتسابقون بالقرب والأوعية حتى أطفؤوها وبرد ما كان في النقب منها فعاد ~~النقابون وعمقوه وعلقوه وحشوه واستظهروا فيه يومي الثلاثاء والأربعاء ثم ~~أحرقوه # ووصل في ذلك اليوم أن الفرنج قد اجتمعوا بطبرية بجمع كثيف PageV01P028 # وعالم كثير فماج الناس وأسرعوا من الضياع فلما أصبحنا يوم الخميس الرابع ~~والعشرين من الشهر المذكور وقد تعالى النهار وإذا بالجدار قد انقض فتباشر ~~الناس وضجوا بالتكبير والتهليل وتسابق الناس إلى الثلمة يركب بعضهم بعضا ~~وكان الفرنج قد جمعوا من وراء ذلك الجدار الواقع حطبا فلما سقط رموا به ~~نارا ليحموا بها أنفسهم فلما أن سقط الجدار دخلت الريح من تلك الثلمة عادت ~~النار عليهم وأحرقت البيوت الدانية منها فاجتمعوا إلى الجانب البعيد منها ~~وصاحوا # الأمان وتسلق الناس الجدار وأطلقوا أيديهم بمن في الحصن فقتلوا وأسروا ~~وقيدوا وجلس السلطان وأحضر عنده الأساري فمن كان منهم مرتدا أو راميا أمر ~~بضرب عنقه وكان في الحصن من المسلمين في الأسر نحو من مائة أسير قد جمعوهم ~~للعمارة وقطع الحجارة واستبشر السلطان بما من الله تعالى عليه من النصر ~~وفرح الناس # واتفق لسعادته أن رسول القومص كان عنده في تلك الساعة وهو يعاين ما يجري ~~على أهل ملته من البلاء والهلاك وكان الحر شديدا فأنتنت ms013 أشلاء القتلى فأمر ~~السلطان بتسيير الباقين من الأسرى إلى دمشق ومبشرا للناس بما أتاح الله ~~تعالى للمسلمين من الفتح والظفر وأقام في مخيمه والأموات قد جافت وقال # لا أبرح من مكاني حتى أهدم الموضع فقسمه أذرعا على الأمراء ولم يزل مكانه ~~حتى كمل خرابه وكان قد حفر الفرنج في أعلى التل جبا واسعا وبنوه بالحجارة ~~وأحكموه حتى نبع معينه فأمر السلطان بهدمه وطمه ورجع إلى دمشق مؤيدا منصورا PageV01P029 # وكان المقام على الحصن في أيام فتحه وبعدها أربعة عشر يوما وحين دخل ~~الناس إلى دمشق مرض أكثر الناس مما أصابهم من نتن ذلك الموضع ومات جماعة من ~~الأمراء # ولما استقر السلطان بدمشق أتته التهنئة من الناس من كل مكان بفتح الحصن ~~المذكور وما رزقه الله تعالى من النصر والظفر بالعدو وامتدحه جماعة من ~~الشعراء فكان من جملتهم أبو الحسن علي بن محمد الساعاتي الخراساني من أهل ~~دمشق امتدحه بهذه القصيدة # بحدك أعطاف القنا تتعطف %~% وطرف الأعادي دون مجدك يطرف # شهاب هدى في ظلمة الشك ثاقب %~% وسيف إذا ما هزك الله مرهف # وقفت على حصن المخاض وإنه %~% لموقف حق لا يوازيه موقف # فلم يبد وجه الأرض بل حال دونه %~% رجال كآساد الشرى وهي تزحف PageV01P030 # وجرداء سلهوب وردع مضاعف %~% وأبيض هندي ولدن مثقف # وما رجعت أعلامك الصفر ساعة %~% إلى أن غدت أكبادها السود ترجف # كبا من أعاليه صليب وبيعة %~% وشاد به دين حنيف ومصحف # ومنها # أيسكن أوطان النبيين عصبة %~% تمين لدى أيمانها وهي تحلف # نصحتكموا والنصح في الدين واجب %~% ذروا بيت يعقوب فقد جاء يوسف ### || ذكر غارة عز الدين فرخشاه على صفد # وذلك في ذي القعدة من السنة المذكورة # كان عمي عز الدين فرخشاه ذا رأي سديد وفعال حميدة ولما أراد الله تعالى ~~أن يذل أهل صفد بغارته تلك جمع من رجال بانياس وما حولها من الأعمال من جرت ~~عادته بالحرب فصبح صفد صباح الأربعاء ثامن عشر الشهر فسبى وسلب وغنم غنيمة ~~كبيرة وتوغل عليهم في الربض فأحرق منه مواضع شتى وكان قد ms014 أعجلهم عن ~~الالتجاء إلى القلعة فأسر منهم جماعة أثخن فيهم الجراح وعاد منصورا إلى ~~المخيم السلطاني PageV01P031 # فصل من كتاب عن السلطان إلى الرسول ببغداد في المعنى ورأينا أن البدار ~~إلى الحلول بدارهم وإحلال الخزي بهم في تعجل دمارهم فرصة لفريضة الجهاد ~~منتهزة وعدة من الله تعالى في قهر عداته منتجزة وغنيمة للإسلام محرزة ونصرة ~~في أقرب أمد بأنجح أمل بعون الله موجزة لا سيما والصوارم قد قلقت في ~~أغمادها واللهاذم قد علقت عرى اجتهادها في جهادها والعزائم قد رمضت مضارب ~~مظانها والسوابق قد ضمرت في مضمارها شوقا إلى إخرابها والبيض والسمر قد ~~اهتزت أعطافها إلى الانتشاء من طلاء الطلى والارتعاء في اكلاء الكلا ~~والاكتساء من النجيع القاني محمر الحلل والحلى وألسنة الأسنة قد خطبت عقائل ~~المعاقل وخطبت على أعواد العوامل الذوابل وطيور السهام المبرية المريشة إلى ~~أوكارها من المقل نازعة نازية والأقدار بما تجري به من نصرة الإسلام زاهية ~~والمنايا بأماني المغرورين من أهل الشرك هازية وهممنا العالية بدين الدين ~~متقاضية وإلى حاكم القضاء في اقتضائه مقاضية وهذه سنة قد هبت فيها النصرة ~~من سنتها ومحت سيئة الليالي بحسناتها وبلغت نعم الله تعالى فيها منتهى ~~منتها وأظهرت فرصة الانتهاز لها آية مكنتها ومما يبرهن على هذا القول ويبهر ~~الأنام بشكر هذا الطول مقدمة في النصر يدل على أن نتائجها الفتوح الأبكار ~~وباكورة في الظفر سمح بها القدر تبشر بأن جرت بمساعفتنا الأقدار وذلك أن ~~والدنا عز الدين فرخشاه أحياه الله تعالى وأبقاه نهض من العسكر برأس الماء ~~في الحاضرين بعسكرنا عنده واستصحب رجاله بانياس معه وأغار على صفد بكرة ~~الأربعاء ثامن عشر ذي القعدة عند سلخ الصباح فساء صباح المنذرين وكانوا في ~~مساكنهم غارين وبحصانتها مغترين فأذن إقدامه بشت شملها ودخل المدينة على ~~حين غفلة من أهلها وسقى عطاش البيض وظماء الظبى من ورد وريدهم ورواها PageV01P032 # وأحرق أرباضها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها وأعجلهم عن الالتجاء إلى ~~القلعة والاحتماء بالتلعة فسفح ذلك السفح دماءهم وسبى ذراريهم ونسائهم وساق ~~أغنامهم وأبقارهم ms015 وخرب عليهم بل أحرق ديارهم وأشعل تلك الأماكن نارا ~~وأدركتها دعوة نوح {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} فأعاد عليهم ~~ليلا ثانيا بمثارين من نقع ودخان وأقام فيها المأتم بنكايتين من أسر وإثخان ~~وعاد إلى المخيم مشكور الخيم موفور النعم ظاهر الراية باهر الآية غانم ~~الجند غالب الجد كريم الظفر حميد الأثر وقد كف كف الكفر وهد ركن النكر ~~وسفرت وجوه الإسلام بهذه البشرى بشرا وطابت قلوب المؤمنين وطابت أرجاء ~~الرجاء بأرج نجاحهم بشرا فهذه صفة صفد عند النهضة إليها والإشراف عليها ~~فكيف والسيوف قد طاب ريها من طبرية وعاينت هي وأخواتها منا البلية والقدس ~~ينتظر إقدامنا ويستشرف اعتزامنا ونأمل من الله أن ينجز ميعاد نصره ويفتح ~~لنا البلد الموعود بحصره فحينئذ نهيئ سلك الساحل وتتبدد عقوده ونستلخص من ~~أيدي المشركين بعون الله تعالى حقوقه وحدوده # وفيها توجه أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن بنفسه إلى بلاد إفريقية ففتح ~~قفصة وحمل واليها على بن المعز بن المعتز ومسعود بن زمام أمير العرب ورجع ~~إلى المهدية PageV01P033 ### || واقعة شرف الدين قراقوش المظفري # وفي هذه السنة كان خروج شرف الدين قراقوش إلى ناحية طرابلس وحد نفوسة ~~ووصل إلى السويقة في اليوم الرابع من صفر من السنة المذكورة وتلقاه أمراء ~~ذباب حميد بن جارية وكان عظيمهم ورئيسهم المطاع وشكر بن ثاقب وبدر بن هدية ~~وفرج بن منبه وعلي بن طلحاب وثائر بن روق وحبوس بن جماز وجميع بن موسى ~~ومناس بن عمرو وعريف بن سنان وجماعة من مقدميهم يطول بذكرهم الكتاب وأقاموا ~~وإياه بالسويقة عشرة أيام يستحضرون القبائل من ذباب ويستحلفونهم على الخدمة ~~والنصح وسار وإياهم حتى نزل بر ليطن وهي قصور حسنة على مرحلة من السويقة في ~~وطاة كثيرة الزيتون وعيون الماء ورحل منها فنزل الطابية وأقام بها يومين ~~ورحل عنها فنزل لبدة وأقام بها ثلاثة أيام ورحل عنها فنزل مسلاتة وهي جبل ~~إلى ناحية نفوسة فأقام بها يوما واحدا ونزل منها إلى الوطا الذي لبلاط ~~طرابلس وانهالت عليه دباب من ms016 كل مكان حتى صار في خمسة ألف منهم ومعه من ~~أصحابه أربعمائة فارس أتراك وأكراد وأكادش PageV01P034 # وكان ناصر الدين قد جمع زغب وانحاز إلى جبل نفوسة إلى ناحية ما عرمس وترك ~~شرق جبل نفوسة خوفا من شرف الدين ولم يزل شرف الدين مقيما بتلك النواحي ~~أربعة عشر يوما وتقدم إلى واد يقال له محسن فنزل فيه وقلعة أم العز مطلة ~~عليه فأقام به يومين ثم ارتحل بعجلة حميد بن جارية ولزه كثيرا في المصاف # وبعد أن جرى بينه وبين حميد كلام كثير من جملته أن قال له شرف الدين # يا أمير إنما قصدي أن أستفسد جماعة من الأتراك الذين عند إبراهيم ويقل ~~أصحابه ونقوى عليه فقال له يا شرف الدين أنا سلطان إن أنت أقمت ولم تتقدم ~~علمت أنك وصاحبك متعاملان علينا وتريد أن تصالحه وتصالح زغب وتكونون كلكم ~~علينا يدا واحدة فقال له شرف الدين أرحل لأجل هذا الكلام غير أنك سترى ~~أصحابك وقد تفللوا عنك وعادوا عليك وعلينا إن جرى لنا أيسر سبب # وكان شرف الدين خائفا من أصحاب المبارز لئلا يخامروا فأراد أن يتوقف حتى ~~يستفسد من أصحاب إبراهيم جماعة تكون خيرا له منهم وما يبقى عليه بأس والذي ~~خافه وقع فيه لأجل استعجال حميد له فسار بدباب ليلته ونزل إبراهيم واديا ~~يقال له أرقطين وأصبح شرف الدين بجمعه مقابلا له فركب العسكران ووقع المصاف ~~وحملت دباب على زغب فتأخرت قليلا ووقف إبراهيم وكان في القلبوقوفا جيدا ~~وكان عالما بإقدام شرف الدين وأنه إذا حمل لا يرد رأس فرسه فألبس تشاهيره ~~لغلام له وأركبه فرسا كان له أشهب وتركه واقفا في موضعه PageV01P035 # وحاد عن وسط الطلب الذي له # قال شرف الدين عندما وقف طلب إبراهيم وسأل عن حليته وإيش ملبوسه وعن فرسه ~~الذي هو راكبه فعرفوه بذلك فقال لمن يثق به لا بد لي من إبراهيم فحمل وتبعه ~~من أصحابه أربعون فارسا إلى أن أخرق طلب إبراهيم وزعزعه عن مكانه الذي كان ~~فيه ولحق صاحب الحصان الأشهب ms017 الذي عليه تشاهير إبراهيم فطعنه فأرداه عن ~~فرسه وهو يظن أنه إبراهيم فلما وقع قال له # زنهار يا خوند فقال له # ما أنت إبراهيم فقال # لا فبصق عليه وقال # شه عليك وانحرف # وكان أصحاب المبارز سبعة نفر قد طلبوا التقفيز ومنعهم حضور شرف الدين ~~معهم في الطلب فلما حمل وخلا لهم الموضع قفزوا الجمع ومن معهم مرة واحدة ~~وكانوا يزيدون على مائة فارس وصاحوا # ناصر الدين يا منصور وصاروا قريبا من طلبه فردوا رؤوس خيولهم إلى ناحية ~~القتال فتراجع أصحاب إبراهيم وهم دباب وقد قفزوا فظنوا أن الجميع يفعلون ~~كما فعل أولئك فانتشرت دباب وهم في خمسة ألف فارس وطلبتها زعب فقلعت منهم ~~جماعة ووصلوا إلى أثقال شرف الدين فانتهبوها وانتهبت معهم أيضا دباب ما ~~قدرت عليه # ولما رأت الأتراك ما فعلته دباب خافوا القتل فقوم قفزوا وقوم أخذوا وصارت ~~الكسرة على شرف الدين وعاد فلم يجد ثقلا ولا شيئا PageV01P036 # وكان له من الأثقال شيء عظيم ولقد حدثني من أثق به أن شرف الدين حلف له ~~بالله تعالى أن الذي كان تحت ثقله لنفسه ألفا وثلاثمائة جمل وأما الأتراك ~~فللواحد أربعون جملا وثلاثون جملا وأقل وأكثر # وأما شرف الدين فإنه رجع إلى ناحية محسن ومعه مائة وأربعون فارسا من ~~أصحابه فحسب كل منهم عليه درعه ولامة حربه وفرسه ولم يبق لواحد منهم شيء ~~يلبسه ولا يأكله وبقي حميد معه مازال فقال له # يا أبا عسكر كيف رأيت حديثي وما فعله أصحابك وقبيلتك غدروا بنا وأخذوا ما ~~لنا ودوابنا وقد حضرت لنصرتهم ولم يقدر أن يقول له أكثر من هذا فقال له ~~حميد # لقد غدر الملاعين والله تعالى ينتقم منهم ولابد من دائرة تدور عليهم وكان ~~حميد شجاعا بطلا فارسا متكلما ممولا وبات بمحسن فأحضر له حميد ومن كان فيه ~~من العرب من دباب ما أكلوا ورد عليه إنسان خيمة كانت لبعض أصحابه أخذها في ~~جملة ما أخذه نضربوها له وأصبح راحلا طالبا طرابلس المدينة نفسها وقد ثاب ~~إليه في الليل ms018 من أصحابه قريب من أربعين فارسا وصار أصحابه يتواصلون إليه ~~منهم من أطلقه إبراهيم ومنهم من كان منحازا فوصل إليه ونزل على تاجرة بلد ~~قريب من مدينة طرابلس فتحها وأخذها فنهب منها أموالا عظيمة # فلما رأت زعب أن أصحاب إبراهيم لا يبقى منهم أحد أشاروا عليه بأن ينفذ ~~إلى شرف الدين ويصالحه ويعطيه شرقي نفوسه ويأخذ غربية فعلم PageV01P037 # أن في ذلك المصلحة فنفذ إليه وراسله في المصالحة ولم تزل المراسلة بينهما ~~إلى أن استقر أن يأخذ شرف الدين مقرة وعربان وقلعة أم العز ويفرن وسماح ~~ويكون من سماح إلى غربي نفوسة لإبراهيم ومهما فتح كان بينهما فاختلفا على ~~ذلك وأطلع شرف الدين نساءه إلى قلعة أم العز وبقيت قلعة تيركب لإبراهيم ~~وصار شرف الدين في الوطا يأخذ البلاد أخذ دواره وزواغة ولمايه وسيرة في كل ~~واحدة منهن بلاد كبيرة وأقام باقي سنته في بلاد طرابلس وأمنت دباب من غارة ~~إبراهيم فصارت في كل وقت تسرق أصحاب شرف الدين ومن لقوه من الأتراك منفردا ~~قتلوه وعلم شرف الدين غدرهم ونحسهم # وكانت زغب قد غربت بعد أن قالت لإبراهيم # من الرأي أن تغرب معنا فإن شرف الدين في قوة وهو قليل الغدر ما يأخذ لك ~~شيئا من بلادك وتملك في الغرب مواضع وتأخذ أموالا إلى أن يتبين شرف الدين ~~نحس دباب وغدرهم فيعود إلى مصالحتك والاتفاق أنت وهو ونحن ونخرج دباب من ~~البلاد فأبى عليهم فمضوا بعد أن ودعوه وداع من لا يعود يلتقى # فلما أحس شرف الدين كما ذكروا بغدر دباب ونحسهم وانهم قد أمنوا من زغب ~~وإبراهيم عزم على التغريب إلى دمر وقطماطة وزريقا وقابس وما إلى تلك البلاد ~~وتوجه إلى دمر وذلك في مستقبل سنة ست وسبعين وسنذكر قصته في مكانها إن شاء ~~الله تعالى PageV01P038 # وفيها عزل سليمان بن جاووش عن نيابة الوزارة وسبب ذلك أن أستاذ الدار أبا ~~الفضل كان يكرهه فحسن للخليفة عزله وقال # إن هذا رجل قد كبر وعجز عن التدبير للدولة فتقدم إليه يستبدل به ms019 من شاء ~~فتقدم أستاذ الدار إلى مقرب الدين بن بختيار بإحضار أبي المظفر هبة الله بن ~~محمد بن البخاري فأحضره ليلا إلى دار الخليفة فبقى في الدار ثلاثة أيام ولا ~~يعلم أحد ثم أنفذ في اليوم الثالث فأمر بعزل سليمان بن جاووش فعزل من ~~الديوان العزيز وركب ابن البخاري فجلس في الديوان نائب وزارة وأفردت له ~~الدار التي كانت لابن هبيرة في المطبق فكان لا يخرج عن أوامر أستاذ الدار ~~ولا ينفرد بأمر دونه # وفيها تراخت الأسعار جدا وكثرت الأمطار وأخصبت البلاد ونمت الزروع # وفيها أمر الخليفة بالخلع والتشريفات على الأمراء وأرباب الدولة وضاعف ~~أرزاق المماليك وغيرهم # وفيها أمر بإخراج السرادق الشريف وكان سرادقا عظيما لم يعمل مثله وكان من ~~الأطلس المختلف الألوان وأمر أن يضرب السرادق عند الكشك الجديد قريبا من ~~الميدان وأن يخرج الأمراء والمماليك وأرباب الدولة خيامهم فتضرب هناك وتقدم ~~إلى أرباب الدولة أن يتأهبوا للركوب في الخدمة الشريفة وأن يحضروا إلى باب ~~النصر وركب الناس لامتثال الأمر وذلك في أول شهر ربيع الأول من السنة ~~وحضروا إلى باب النصر ففتح لهم وخرج الخدم وتقدموا إلى الأمراء وأرباب ~~الدولة بالدخول إلى الحرم وأن يكون مقامهم في # بستان الأربعين فدخلوا وكان في جملتهم PageV01P039 # الأمير قاسم بن مهنا العلوي الحسيني أمير مدينة الرسول صلوات الله عليه ~~وسلامه فخرج الخليفة وعليه جبة بيضاء وطيلسان أبيض وبين يديه أستاذ الدار ~~أبو الفضل بن الصاحب والخدم وبين يديه عن يمينه وعن شماله فقام الناس ~~وقبلوا الأرض وخدموا ودعوا وكان أولهم خدمة جلال الدين أبو المظفر بن ~~البخاري نائب الوزارة فتقدم وقبل الأرض ثم قبل الركاب الشريف ثم تلاه ~~الأمراء وأرباب الدولة فخدموا ودعوا والخليفة لا يرد على واحد منهم جهرا ~~ولا يسمع منه منطقا حتى تقدم الأمير قاسم أمير المدينة فقبل الأرض ثم قبل ~~الركاب الشريف ثم دعا وأحسن وأبلغ في دعائه فوقف له أمير المؤمنين ورد عليه ~~السلام جهرا ورفع يده فوضعها عليه وأحسن له البشرى ثم مضى راكبا والناس بين ms020 ~~يديه مشاة حتى خرج من باب النصر فأشار إلى أستاذ الدار أبي الفضل بالركوب ~~فركب ثم ركب بعده نائب الوزارة ثم الأمراء وأرباب الدولة وسار فخرج إلى ~~ظاهر بغداد إلى أن وصل إلى الميدان الذي فيه الكشك فدخل إليه ولم يدخل معه ~~إلا أستاذ الدار ابن الصاحب ثم دخل إلى الكشك فبقى فيه ذلك اليوم وبات فيه # فلما أصبح ركب في الميدان وجعل يسير فيه ثم أذن للناس من الأمراء وأرباب ~~الدولة بالدخول إلى الميدان فدخلوا فكان أستاذ الدار عن يمينه وابن البخاري ~~عن شماله # ثم إنه خرج في يومه ذلك إلى الصيد ومعه جماعة الأمراء والمماليك ولم يخرج ~~معه من أرباب الدولة سوى أستاذ الدار ابن الصاحب وكان في كل يوم يتصيد ~~ويرجع إلى الكشك فلم يزل ذلك إلى يوم الجمعة فتوجه إلى جامع الرصافة لصلاة ~~الجمعة وكان يوما مشهودا فلما قضى صلاة الجمعة وكان الخطيب يومئذ أبو الفرج ~~بن المنصوري أمر أن تهيأ له PageV01P040 # سمارية خفيفة فنزل بها وسار في دجلة والأمراء في السماريات بين يديه ~~يسيرون في خدمته وكان الخليفة جالسا في صدر السمارية في قبة سوداء وأستاذ ~~الدار قائم بين يديه وكذلك جماعة # ثم أفاض من كرمه على جميع من كان من اصحاب ابن قرا أرسلان ما لم ينحصر من ~~مركوب وكراع وثياب ومتاع وغير ذلك وعمل والدي الملك المظفر لابن قرأ أرسلان ~~دعوة جميلة أيضا وحمل له عشرة آلاف دينار ثم عمل ناصر الدين محمد بن شيركوه ~~ابن عم السلطان صلاح الدين له دعوة عامة وأفاض عليه مالا جزيلا وكذلك عمى ~~عز الدين فرخشاه عمل له دعوة وأوسع له العطاء ولمن كان معه ولم يزل السلطان ~~هناك في تلك الأيام يبذل الجود في اقتناء المحامد إلى أن وصلت رسل قلج ~~أرسلان بالطاعة والإذعان لما أراده السلطان من أمر نور الدين بن قرأ أرسلان ~~وكان المنفذ من جانبه الأمير اختيار الدين حسن بن عفراس وكان كبيرا مقدما ~~عند ملك الروم وكتب له السلطان عهدا أكد فيه ms021 الشرائط بالاتفاق فيما بينهما ~~وانصرف هو وأصحابه بالتحف والخلع والتشريفات الجميلة وعاد كل منهم إلى جهته PageV01P041 ### || ذكر دخول السلطان إلى بلد الأرمن ونزوله على حصن العانقر وفتحه # ولما انفصل الأمر بينه وبين قلج أرسلان توجه إلى بلد الأرمن لاستئصاله ~~وذلك أن متملك الأرمن ابن لاون استمال قوما من التركمان ليكونوا في مراعي ~~بلده وأمنهم على ذلك فلما استقروا لم يشعروا به إلا وقد صبحهم بغدره فأسرهم ~~واستحوذ على أموالهم وكانت شكاية المسلمين قد كثرت عليه من سوء أفعاله بهم ~~فرأى السلطان الأولى دخول ولايته فسار إليه بعساكره المنصورة وخيم على ~~النهر الأسود وأباحهم بلاد الأرمن وكان بقربه حصن القابوس وعلى ذلك الجبل ~~قلعة شامخة وهي من الحصون الحصينة والمعاقل المنيعة وكان الأرمني قد أمر ~~أهلها بالنزوح عنها وأضرمها نارا فبادر الناس إلى إخراج غلاتها وإبراز ~~مودعاتها فانتفع العسكر بالزاد والعلف وأمرهم السلطان بهدم الحصن وتخريبه ~~فخربوه فما برح حتى صار عاليه سافله وعفى آثاره وأقام على عزم الدخول إلى ~~بلادهم وأذعن ابن لاون PageV01P042 # بالطاعة وأرسل بإطلاق الأسارى المسلمين من التركمان فلم يقنع منه بعد ذلك ~~إلا بخمسمائة أسير فأطلق الحاضرين عنده ونفذ الرهائن على خلاص الباقين ~~واستقر الأمر على ذلك وكتب له الأمان وكفى الله المؤمنين القتال وكان هذا ~~من لطف الله تعالى لأن الوقت متعسر والقوت متعذر والعلف معدوم ### || ذكر وفاة سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي # ووصلنا رسول مجاهد الدين قيماز ونحن مخيمون على كوك سو من حدود الروم ~~فخبر السلطان بموت سيف الدين غازي صاحب الموصل وجلوس أخيه عز الدين مسعود ~~مكانه وكان الرسول فخر الدين أبو شجاع بن الدهان البغدادي ومعه نسخة اليمين ~~التي حلف السلطان له بها فقال # نسألك إبقاء أخيه على ولايته ولا تغير عليه فقال له # يميننا منوطة بأيام الحياة وولاية أخيه عز الدين بغير عهد منه ولا عقد PageV01P043 # ونحن نرى رأينا فيما نعتمده بعد مطالعة الديوان في ذلك وأعاد الرسول ~~بالإكرام وشرع في العود إلى الشام # ثم رحل السلطان بالنصر والظفر ms022 وسار على أعمال حلب وكان وصوله إلى أعمال ~~حماة في النصف الأول من جمادي الآخرة من السنة ثم رحل من أرض حماة متوجها ~~إلى حمص فضرب مخيمه على عاصيها بالقرب منها وجاءته رسل الأطراف والجوانب ~~بالتهنئة له بما رزقه الله تعالى من النصر وجاءه العلماء والفقهاء والشعراء ~~يهنئونه ويمتدحونه فكان في جملتهم الفقيه المهذب ابن أسعد الموصلي وكان ~~غزير الفضل وافر العلم وكان السلطان كلما عبر حمص أمر له بمائة دينار مصرية ~~وخلعة وعمامة فمما مدح السلطان به قصيدة مستحسنة مطلعها # أما وجفونك المرضى الصحاح %~% وسكرة مقلتيك وأنت صاحي # وما في فيك من برد وشهد %~% وفي خديك من ورد وراح # لقد أصبحت في العشاق فردا %~% كما أصبحت فردا في الملاح # فما أسلو هواك بنهي ناه %~% ولا أهوى سواك للحي لاحي # ولا فل الملام غرار غيي %~% ولا ثلم العتاب شبا جماحي # أما للائمين عليك عقل %~% فيشتغلوا بعشاق القباح PageV01P044 # أطعت هوى الملاح طوال دهري %~% ومن يطع الهوى يعص الملاحي # فيا سقمي بذي طرف سقيم %~% ويا قلقي من القلق الوشاح # يهز الغصن فوق نقا ويرنو %~% بحد ظبا ويبسم عن أقاحي # مليح الوجه معشوق المراح %~% وحلو اللفظ معسول المزاح # يحب الراح رائحة بكأس %~% ويهوى الكأس كاسية براح # وقد غرس القضيب على كثيب %~% فأثمر بالظلام وبالصباح # ومال مع الوشاة ولا عجيب %~% لغصن أن يميل مع الرياح # ألام على افتضاحي فيه لكن %~% يقيم عذاره عذر افتضاحي # أليس لحاظه جرحت فؤادي %~% فلا برئت ولا اندملت جراحي # إذا ما زاد تعذيبي وهجري %~% يزيد إليه شوقي وارتياحي # وكم يهواه من عان معنى %~% ييت يخاف إطلاق السراح # وليلة زارني بعد إزورار %~% على حكمي عليه واقتراحي PageV01P045 # فبتنا لا الدنو من الدنايا %~% نراه ولا الجنوح من الجناح # يدير كؤوس فيه ومقلتيه %~% فيسكرني عن السكر المباح # وكانت ليلة لا حسوب فيها %~% علي ولا اجتراء على الجتراح # وما من شيمتي خلعي عذاري %~% ولا لبس الخلاعة من مراحى # قطعنا الليل في عتب وشكوى %~% إلى أن قيل # حي على الفلاح # ولاح الصبح يحكي في سناه %~% صلاح ms023 الدين يوسف ذا الصلاح # هو الملك الذي أورى زنادى %~% وفازت عند رؤيته قداحي # يقرب جوده أقصى الأماني %~% ويضمن بشره أسنى النجاح # ومبسوط بنائله يداه %~% إذا انقبضت به أيدي الشحاح # ولما ضاق حد عن مداه %~% لقيناه بآمال فساح # فمن هرم وكعب وابن سعد %~% رعاة الشاة والنعم المراح # جواد بالبلاد وما حوته %~% إذا جادوا بألبان اللقاح PageV01P046 # وأبلج يستهين الموت يلقى %~% بصفحة وجهه بيض الصفاح # ويخشى من دنو العار فيه %~% ولا يخشى من الأجل المتاح # وقوال إذا الأبطال فرت %~% مكانك ثبتة ما من براح # ببأس مذهل الأسد الضواري %~% وسيب مخجل سيل البطاح # فللاحين والراجين منه %~% أعز حمى وأكرم مسماح # من النفر الذين إذا تجلوا %~% أعادو الليل أحلى من صباح # أضاء الدهر بعد دجاه نور %~% يلوح على وجوههمو الصباح # تفيض بطون راحتهم نوالا %~% ويستلم الملوك ظهور راح # إذا ما لاقوا الأعداء عادوا %~% بآي النصر والظفر الصراح # بأرماح محطمة وبيض %~% مثلمة وأعراض صحاح # ليفد حياء وجهك كل وجه %~% إذا سئل الندى جهم وقاح # ملوك جلهم مغرى بظلم %~% ومشغول بلهو أو مزاح PageV01P047 # إذا ما جالت الأبطال ولي %~% ويقدم نحو جائلة الوشاح # يرى الإنفاق في الخيرات خسرا %~% وأنت تراه من خير الرباح # همو جمعوا وقد فرقت لكن %~% جمعت به الرجال مع السلاح # وبون بين مالك بيت مال %~% ومالك رق أملاك النواحي # وباغ أن ينال بلا رجال %~% كباغ أن يطير بلا جناح # قرنت شجاعة وتقى وعلما %~% إلى كرم الخلائق والسماح # وقد أثنت عليك ظى المواضي %~% كما تثنى بألسنة فصاح # وكم ذللت من ملك عزيز %~% وكم دوخت من حي لقاح # وكم لظباك من يوم اغتباق %~% من الأعداء أو يوم اصطباح # تبيح حمى الملوك وتستبيه %~% وما تحميه ليس بمستباح # وما خضع الفرنج لديك حتى %~% رأوا مالا يطاق من الكفاح PageV01P048 # وما سألوك عقد الصلح ودا %~% ولكن خوف معلمة رداح # ملأت بلادهم سهلا وحزنا %~% أسودا تحت غابات الرماح # على معتادة جوب الموامي %~% دواح بالملا بيض الأداحي # الا يا سيل مخجل كل سيل %~% تظل المحجرات له صواحي # ويا غيث البلاد إذا اقشعرت %~% وضن ms024 الغيث في شهري قماح # تركت بني الزمان ولم أسلهم %~% ولم أر أهله أهل امتداحي # وقلت للإغبات العيش روحي %~% إلى باب ابن أيوب تراحى # ولم أنكح لئيما بنت فكر %~% وإنكاح اللئام من السفاح # وقد جاءتك يا كفوا كفيا %~% تزف إليك طالبة امتياح # وقد صادفت بحر ندى فراتا %~% فما طلبي لأوشال ملاح # سألتك أن تجود جديب حالي %~% فأمرع مرتعي واخضر ساحي # ولولا جود كفك كل حين %~% يروي غلتي وجوي التياحي PageV01P049 # بقيت مدى الزمان حليف فقر %~% خميصا عاريا ظمآن ضاحي # وما اشكو الزمان وأنت فيه %~% وإن أصبحت مقصوص الجناح # فقد ضاعت علوم طال فيها %~% غدوي واستمر لها رواحي # أرى المتقدمين اليوم دوني %~% فيؤلمني خمولي وأطراحي # وأشجي من ضياع العمر حتى %~% أغص ببارد الماء القراح # وأعجب من صروف الدهر حتى %~% أكاد أقول # مازمني بصاحي # أيظهر في السماء ضحى سهاها %~% ويخفي وهي طالعة براح # عسى نعماك تسكنني دمشقا %~% وذاك لكل ما لقيت ماحي # أعيش معاشر العلماء عمري %~% وأرباب المحابر والسماح # بقيت منعما أبدا وأضحى %~% عداك بكل ضاحية أضاحي # ثم إن السلطان أقام بحمص إلى آخر جمادي الآخرة وتوجه إلى دمشق فكان دخوله ~~في أول رجب. PageV01P050 ### || ذكر وصول رسل الخلافة الإمامية الناصرة لدين الله # وكان وصول الرسول من دار الخلافة المكرمة صدر الدين شيخ الشيوخ أبي ~~القاسم عبد الرحيم ومعه شهاب الدين بشير الخادم الخاص إلى دمشق في شهر رجب ~~بعد أيام من قدوم السلطان ومعه التفويض والتقليد والتشريف وكان وصوله إلى ~~دمشق كيوم عيد فتلقاه السلطان بالتعظيم والتبجيل وترجل له وأبدى الخضوع ~~وترجل عند ذلك شيخ الشيوخ وبشير الخاص وسلما عليه من أمير المؤمنين صلوات ~~الله عليه فقبل الأرض ثم ركبوا ودخلوا دمشق فأنزله السلطان أكرم منزل وركب ~~ثاني يوم وصوله بموكبه وعليه الملابس النبوية والتشريفات الإمامية وكان قد ~~عزم على قصد الديار المصرية فحسن لشيخ الشيوخ مصاحبته ورغبه في زيارة ~~الشافعي رضوان الله عليه فمضى في صحبته إلى مصر للزيارة وتوجه منها إلى مكة ~~شرفها الله تعالى وذلك بعد ماسير السلطان في جواب رسالته ms025 إلى الديوان ~~العزيز ضياء الدين الشهرزورى صحبة شهاب الدين بشير ### || فصل # من الكتاب السلطاني إلى الديوان العزيز المنفذ على يد ضياء الدين وذلك ~~بعد استيفاء أقسام الخدمة الإمامية # قد سبقت مطالعته بما انتهى إليه من أداء الفرض وتقبيل الأرض والإفاضة في ~~شكر ما أفيض عليه من التشريفات التي اسحبته ذيل الفخار وأصحبته الشرف ~~السامي المنار وأحظته بالإيثار وحضته على العبودية الحميدة الآثار المأمونة ~~العثار وما أسعده وقد خص برسالة الجانب المحروس الصدري شيخ الشيوخ شرقا ~~وغربا وسفارته التي زادها وجه PageV01P051 # استبشاره سفورا وأمد استظهاره واستنصاره قوة وظهورا وطرف استبصاره ضياء ~~ونورا فإنه وإن كان قد تناهى في العبودية إلى مدى لا مزيد عليه لمستزيد ولا ~~مطمع في توقل هضباته لمريد غير أنه بالوفود الصدرى ارتفع قدره وانشرح صدره ~~ونظم في سلك الأبرار أمره وسر سره ونصر نصره وتوالى لما أولاه مولانا ~~الإمام من مقدم مثله عليه شكره وأطلعه على أسباب في الإخلاص ما تجد سوى ~~الخادم لها أهلا وعاد ببركة قدومه كل صعب سهلا وأصبح أمله منه بعبء النجح ~~مستقلا واستجلى بغرته المباركة عزة البركة واستحلى لعزة قدومه الميمون عزة ~~المملكة وقد توجه الخادم إلى الديار المصرية لتجديد النظر فيها وترتيب ~~مصالحها وتوخيها # ومنه # وقد ندب القاضي ضياء الدين الشهر زورى ينوب عنه في رفع الأدعية والقيام ~~بشرائط العبودية وقرر معه من أسباب الخلوص أسرار العموم والخصوص ما ينهيه ~~وينتهى إلى غاية الحد فيه ### || ذكر رحيل السلطان إلى مصر # ولما تم عزمه على قصد الديار المصرية خص عمى عز الدين فرخشاه بالنيابة ~~عنه في الشام وقلده أمر الأجناد وولاية الأعمال وأمر والدي الملك المظفر ~~بالرجوع إلى حماة وملازمة ثغرها والنظر في أمورها وترتيب أحوالها وكان ~~خروجه من دمشق يوم الاثنين ثامن عشر شهر الله PageV01P052 # الأصب رجب ووصوله إلى القاهرة يوم الخميس ثالث عشر شعبان واستقبله من بها ~~من العساكر والأكابر وكان نائبه بها يومئذ أخوه الملك العادل وأقام السلطان ~~بمصر مشتغلا بمصالح الدين والدولة والجلوس في دار العدل يومى الإثنين ms026 ~~والخميس لتشييد منار الحق وتفريج الكرب وإسداء المعروف وكشف المظالم فلم ~~يزل بمصر إلى آخر السنة المذكورة # وفيها عاد السيد أبو يعقوب إلى مراكش وذلك في أواخرها ### || واقعة قراقوش المظفرى في هذه السنة # وفيها توجه شرف الدين قراقوش إلى دمر ورزيقا وقابس وذلك بعدما نفذ إلى ~~إبراهيم وجدد فيما بينهما اليمين والمواثيق بأنه لا يغدر أحد منهما بصاحبه ~~وقال تركت هذه البلاد وأهلي بقلعة أم العز في وديعتك وأنا متوجه فإن فتح ~~الله تعالى على واستغنيت عنها أعطيتك الجميع وسار فوصل إلى دمر وكان بها ~~مقدم سلطان يقال له عثمان وله قلعة منيعة وبلاد كثيرة فاستولى على البلاد ~~كلها وبقى عثمان في القلعة فلم يقدر عليها وكان بدمر إنسان مقدم يسمى فروخا ~~له قلعة ليست بالحصينة وكان عدوا لعثمان فوصل إلى شرف الدين وأطاعه وحالفه ~~وعلم عثمان بذلك فقامت قيامته وخرج من قلعته يستنفر البربر ويقول لهم إنما ~~هؤلاء الغز قافلة فلما سمع شرف الدين بخروج عثمان من قلعته PageV01P053 # وإبعاده عنها قال إن لم أدرك الفرصة منها الآن ما أعود أقدر عليها فرحل ~~من الموضع الذي كان فيه واستقبل طريقها فلما وصلها أخذ ربضها من ساعته ~~وأطلق يده بالقتل فقتل من البربر الذين بها ما زادت عدته على ألفى رجل وكان ~~سكان هذا الجبل وجبل نفوسة ومطماطة وزنزفا وملاقة ومقرة وعربان وكلهم خوارج ~~يلعنون عليا عليه السلام # ولما رآي أهل القلعة ما حل بأهل الربض من القتل والنهب ارتاعوا واعتقدوا ~~أن لا منجا لهم وكانوا غير خبراء بحفظ القلاع فراسلوه على أنهم يأمنون على ~~أنفسهم وأموالهم فأمنهم وانتهز الفرصة في يومهم وما جاء الليل حتى خرجوا من ~~القلعة بما قدروا عليه وأطلقوا جملة من خيلهم ومتاعهم وبقى الثقل من الغلة ~~والأثاث فأخذ منه ما قدر عليه وبقيت القلعة في يده # وسمع عثمان ما جرى في قلعته وربضها فضاقت عليه الأرض وما كان له سبيل إلا ~~مراسلة شرف الدين قراقوش وسؤاله العفو عنه وأن يكون غلاما له وأن يكون ~~الجبل كله ms027 في طاعته فأمنه وأعاده إلى قلعته وخلع عليه وأحضر له أهل الجبل ~~من أطاعه منهم واستحلفه على الطاعة وأعطى البلاد الأجناد إقطاعات وسار به ~~إلى ما بقى من القلاع العاصية فنزل على قلعة العطش وهي قلعة عجيبة حكى لي ~~بعض أصحابي ممن أثق به بعد ما أقسم بالله أنه ما رأى بالشام قلعة أعلى منها ~~ولا أحصن فنزل تحتها وهي عالية جدا لا يصل إليها النشاب فأقام تحتها ثمانية ~~عشر يوما لا يقاتلها لأنها لا تقاتل فاتفق في اليوم التاسع عشر أن إنسانا ~~من عبيد شرف الدين تحيل وتسلق في الجبل الذي عليه القلعة ولم يزل يتسلق من ~~موضع إلى موضع إلى أن قارب سورها واختبى تحت قلاعة لا يصل إليه حجر لأن ~~النشاب عندهم قليل PageV01P054 # فلما رأى الناس ذلك العبد قد تسلق انهالوا في دفعة واحدة وصعدوا الجبل ~~كما صعد العبد فصار عنده جماعة وما كان نصر أهل القلعة كون أولئك صاروا في ~~ذلك الموضع إلا ان الله تعالى خذلهم فلما شاهد من بالقلعة أولئك نادوا ~~وطلبوا الأمان فقطع عليهم فطيعة أعطوه مبلغها وأبقاهم على حالهم في قلعتهم ~~بعد أن استحلفهم على الطاعة واقطع عملها الأجناد ورحل عنها إلى قلعة يقال ~~لها أم لامة فنزل قريبا منها وهي في الحصانة على حالة لا يقدر الإنسان ~~عليها فأقام تحتها مدة شهر وهو لا يقدر على قتالها بل يغنم الأجناد من ~~البلاد وينهبون الضياع ويأخذون البربر يقتلونهم بالسيف والدخان في المغاير ~~وكان صاحب هذه القلعة له نسب متصل بمناية قبيل من البربر في جبل من جبال ~~قفصة يزيدون على عشرين ألف راجل فنفذ إليهم واستمرت كتبه إليهم يستدعيهم ~~فوصلوا بعد هذه المدة # وأصبحوا في باكر يومهم ينسلون من كل حدب من الجبل فرأى شرف الدين وأصحابه ~~ما نالهم من كثرة البربر وكانت الطرقات التي ينزلون منها من الجبل كلها ~~وعرة ولم يكن بها طريق سهل إلا طريق واحدة تقدر الخيل على الركض فيها ~~والصعود فيها فاستقبلها شرف الدين بجماعة ممن معه ms028 وبقى جماعة في الخيم ~~قائمين لحفظها ولم يكن بالعاجز إلى أن وصل إلى تلك الطريق وقصد من كان بها ~~نازلا فانهزموا طالعين من حيث كانوا نزلوا فلحق منهم جماعة قتلهم هو ~~وأصحابه وأخذوا عشرين رجلا أسرى وكان من الأسارى صبى أمرد مليح الصورة عليه ~~شعر طويل كثيف وجاء إلى الخيمة وقد انهزم كل من جاء من الرجالة من كل طريق ~~نزلوا منها بانهزام من هزمه شرف الدين من الطريق السهلة فلما وقف PageV01P055 # تحت القلعة وقد أشرف أهلها منها عليهم كلهم من ناحية الخيم قال الأمير ~~جندار أقتل واحدا واحدا فلم يزل يقتل واحدا واحدا إلى أن قدم الصبي الأمرد ~~وهو مع ذلك يضحك غير مكثرت بالقتل فصاح أهل القلعة # أمسكوا عن قتله ونزل واحد من القلعة وقال لشرف الدين # نحن نفتدي هذا منك بعشرة ألف دينار فقال شرف الدين ما أفعل فبلغه إلى ~~عشرين ألف دينار فقال # ما أفعل ثم قال لأمير جندار # اضرب عنقه فصاحوا من القلعة لا تفعل نحن نفتديه بما تريد فقال لا سبيل ~~إلى تركه ثم ضربه أمير جندار ضربة أبان بها رأسه عن جسده فما استتم قتل ~~الباقين إلا وقد نزل من القلعة شيخ أحسن ما يكون بين الشيوخ وجاء إلى شرف ~~الدين وقال # هذه مفاتيح هذه القلعة خذها بارك الله لك فيها فأنا صاحبها فعجب شرف ~~الدين من ذلك وما أعطى أمانا ولا قولا فلم يكن شرف الدين بالعاجز أن نفذ في ~~فوره من قبل أن يتقصى من الشيخ ما سبب ذلك فجاء من أصحابه مائة رجل طلعوا ~~إلى القلعة وحين صاروا بها أنزلوا من كان فيها وأغلقوا بابها وكان بها ~~ذخائر عظيمة # ثم إن شرف الدين أحضر الشيخ وتقصى منه بعد ذلك وقال له يا شيخ ما السبب ~~الذي أوجب أن تعطى هذه القلعة التي ما يقدر عليها أحد من غير عهد ولا أمان ~~فقال إن في قصتي عجبا هذا الشاب الأمرد الذي قتلته ولدي وما كان لي ولد ~~غيره وكان بينه وبين ms029 أولاد أخي معاداة وكنت أوثر أن تكون هذه القلعة له ~~فلما قتلته PageV01P056 # علمت أنني إن تركت القلعة في يدي وأصابني الموت أخذها أولاد أخي بعد ولدي ~~وما آثرت ذلك وآثرت أن أمنعهم من ذلك بعده وسلمتها إليك فرق له شرف الدين ~~عند ذلك وقال لو أعلم هذا ما قتلته # وأخذ شرف الدين منها أموالا وذخائر عظيمة ورحل عنها بعد ما سلمها للشيخ ~~واستحلفه أنه متى طلبها وسير إليه من يكون فيها سلمها إليه وتوجه شرف الدين ~~إلى قلعة حسن فنزل عليها أياما ولم يقدر منها على شيء وكان أهلها ينزلون ~~فيقاتلون في الوطا فرحل عنها ومضى إلى ناحية جهة مطاطة ونازلها وهي بلد ما ~~بين قابس وقفصة وإلى قابس أقرب مقدار نصف نهار فنزل عليها وقاتلها أياما ### | ودخلت سنة سبع وسبعين وخمس مائة # فيها نقل المستضئ قدس الله روحه من الدار التي كان مدفونا فيها إلى الدار ~~العتيقة لبعض الجهات غربي دجلة من بغداد عند رأس الجسر مجاورة لجامع فخر ~~الدولة بن المطلب وكانت العادة أن يدفن الخلفاء بمقابر قريش بالمحلة ~~المعروفة بالرصافة إلا المستضئ رضوان الله عليه فإنه ذكر عنه أنه أوصى بذلك ~~وقيل إن الإمام الناصر لدين الله صلوات الله عليه اختار هذه الحال لأجل ~~خريدة أمير المؤمنين لئلا تبعد عليها زيارته ولا تجد من بدله بعد الطريق ~~فاختار ذلك لقربه وأقام للموضع فراشين وبوابين فلا يقدر أحد على الدخول ~~لزيارته إلا بإذن وأوقف عليه وقوفا كثيرة وجعل لتربته الراتب من الشموع ~~والوظائف من المخزن الشريف وعمل على ضريحه صندوقا من الساج وغرم عليه مبلغا ~~من المال PageV01P057 # ولما أراد الخليفة أيد الله دولته حمل الإمام المستضئ بأمر الله من الدار ~~التي كان مدفونا بها إلى التربة المذكورة في الجانب الغربي من بغداد أمر ~~بأن تهبأ السفينة المعروفة بالزبزب وقد غرم عليها مالا جزيلا وهي عجيبة ~~الصنعة يجدف بها ملاحون عدة جماعة منهم يجدفون في الهوى من مؤخرها وجماعة ~~يجدفون في الماء من صدرها فبرز الأمر النبوي بحضور أرباب ms030 الدولة وأهل العلم ~~والصوفية والقراء وأشراف الناس على طبقاتهم لتحويل الإمام السعيد المستضئ ~~بأمر الله فحضر الناس واكترى كل واحد منهم سفينة على قدر وسعه وأخذوا من ~~الشموع ما لا يحصى حصرا ولا عدة فأشعل في تلك الليلة فكان الشط بأسره من ~~كلا جانبيه لا يرى فيه موضع خال إلا وفيه سفينة أو سمارية يزحم بعضها بعضا ~~فكانت الدجلة تتقد من الجانبين كشعلة نار من كثرة الشموع التي أشعلت في تلك ~~الليلة وكان الناس قياما في أماكنهم والقراء يقرءون القرآن وأهل بغداد من ~~الجانبين لا يحصى عدتهم إلا الله تعالى بحيث لم يتخلف عن الخروج في تلك ~~الليلة إلا من هو عاجز لم يقدر على الخروج # وكان أستاذ الدار أبو الفضل بن الصاحب هو المباشر لهذه الحال والمرتب لها ~~فنقل رضوان الله عليه ودفن باقي ليلته وأحضرت الربعات فكان الناس يقرءون ~~ويختمون والعلماء يعظمون واحد بعد واحد إلى أن مضت ثلاثة أيام بلياليهن وهم ~~في التربة المذكورة فلما كان اليوم الثالث آخرة نهاره حضر عماد الدين صندل ~~الخادم الخاص وتقدم إلى الناس بالانكفاء فتفرقوا PageV01P058 # وفي هذه السنة تقدم الناصر لدين الله ينقض السفينة المذكورة المعروفة ~~بالزبزب وقال # لا حاجة أن تكون هذه بالدجلة بإزاء التاج الشريف لترقب من يموت يحمل بها ~~وإني كلما رأيتها تكدرت علي الحياة وإذا مت ما يتعذر أن يعمل مثلها فأمر ~~ينقضها فنقضت وكان قد غرم عليها أموالا عظيمة وكانت من أحسن السفن المركوبة ~~وكان إذا ورد إلى بغداد سلطان وتغلب على دار الخلافة وأراد الحضور إلى ~~الخدمة فلا يركب إلى التاج الشريف إلا في هذه السفينة ### || ذكر ما جرى وتجدد للملك الناصر صلاح الدين من الأحوال بمصر والشام # ودخلت سنة سبع وسبعين وخمسمائة والسلطان مقيم بالقاهرة مواظب على ترتيب ~~أحوال الديار المصرية ناشر للعدل في الرعية باذل لمعروفه وما يسديه من ~~مكارم أخلاقه لقاصديه إذ وصلته الأخبار بما تجدد في الشام من موت الملك ~~الصالح إسمعيل بن نور الدين محمود ### || ذكر وفاة الملك الصالح صاحب ms031 حلب # قد سبق قولنا من قبل في ذكر الملك الصالح إسمعيل بن محمود بن زنكي وما آل ~~إليه أمره بعد وفاة أبيه من سوء تدبير مدبريه فحين وصل السلطان من مصر إلى ~~الشام لما وصله من احتلال الثغور وأراد إصلاحه وأن يضمه PageV01P059 # إليه فصده عن ذلك بعض مماليك أبيه وظهر منه التأبي فأخذت بلاده بلجاجهم ~~واقتنع بحلب ولم يزل يحكم المسئولين عليه إلى أن قضى نحبه فأسرع ابن عمه عز ~~الدين مسعود صاحب الموصل إلى حلب فاستولى على خزانته وعلم أنه لا يستقر له ~~بها أمر فرغب أخاه عماد الدين زنكي صاحب سنجار في تعويضها له بحلب فتسلمها ~~وسلم سنجار إليه # ولما سمع السلطان بمصر بوفاة الملك الصالح وبلغه ما جرى بعد وفاته ندم ~~على البعد عن الشام وشرع في التوجه من مصر إلى الشام فكتب إلى والدي الملك ~~الظفر رضوان الله عليه كتابا وكنا حينئذ بحماة وما يجري معها من الأعمال ~~والولايات يأمره بالتأهب والنهوض بعسكره ويعرفه أنه سيدركه إن شاء الله ~~تعالى وكان نائبه بدمشق عمى عز الدين فرخشاه قد نهض إلى الكرك في مقابلة ~~الإبرنس بها وكان يحدث نفسه أن يقصد تيماء في البرية واعد لذلك الأزواد ~~والروايا فعرف السلطان اشتغاله بتلك الجهة # وكتب أيضا كتابا إلى الأمير معين الدين عبد الرحمن بن أنر صاحب الراوندان ~~يأمره أن يكون في مساعدة والدي وتحت رأيه ومعاضدته وكان ذلك في العشر الآخر ~~من شعبان من السنة مصدره # صدرت هذه PageV01P060 # المكاتبة إلى حضرة الأمير ونعم الله عندنا وارفة الظلال وافرة النوال ~~سائفة الزلال سابغة الأذيال فائضة المنال رابضة في حمى الاستقامة والاعتدال ~~مستزادة منا بالشكر على المزيد مستدامة في تأييدها على التأييد والحمد لله ~~على ذلك حمدا يؤمن شمل نظامه من التبديد ويؤذن لمنهج نهج حدته بالتحديد ~~وعندنا من الارتياح إلى بهجته واجتلاء أنوار غرته ما يشهد به ضميره الكريم ~~والله سبحانه هو الشهيد العليم والاجتماع بحمد الله قد قرب بعيده وقصر ~~متطاول أمده ومديده والتداني لكل ما جنته يد ms032 التنائي كاف والشفاء المقدر ~~لكل مختل ومعتل مسدد وورد الاعتداد به بحمد الله صاف ورداء الالتحاف ~~بالاحتفال لمودته ضاف وقد عرف ما تجدد من وفاة صاحب حلب وهي ولاتينا التي ~~لا نثنى عنها عنان الطلب فإنها في تقليدنا من أمير المؤمنين صلوات الله ~~عليه وما تركناها للملك الصالح بعد التصرف فيها وحصول حصونها ومعاقلها في ~~أيدينا إلا رعاية لحقوق أبيه ورغبة فيه ولا مانع الآن عنها من يمين معقودة ~~ولا عدة معهودة وقد وفينا للمتوفى بعهده وأرجأنا اليوم معه الأمر إلى غده ~~والآن فقد سفر لنا وجه الحق وبان ودنا لنا مصعبه وأصحب ودان وولدنا تقي ~~الدين هناك بالقرب وعساكرنا جارية على حكمه ومعذوقة عزائمنا بماضي عزمه ~~فلتكن أيديكم متساعدة متعاضدة ونياتكم وعزماتكم على التعاون متعاقدة ~~والقلوب واحدة والعساكر في استخلاص الحق مترادفة متوافدة والأمير أولى من ~~توفر برأيه الصائب وعزمه الثاقب على هذا الأمر المهم وجرى من مألوف نفقته ~~ومعهود مناصحته على الرسم ونحن واصلون بعون الله تعالى على الأثر بالنصر ~~والظفر والعديد الأوفر والعتاد الأكثر وقادمون في همة وعساكر جمة ومضاء ~~عزمه لا عائق لما بلغت وجوه اللهاذم ولا مانع بحمد الله يجلى عن وردها ظماء ~~الصوارم ومعين الدين أوفى معين وأندى يمين وأروى وأعذب معين وأقرب قرين ~~وأشجع ليث عرين فلينهض بنفسه وعسكره ويوثق في هذا المقام حسن أثره ويعمل ~~عمل المرء لنفسه وينتصف ليومه من أمسه PageV01P061 ### || ذكر مكاتبة سلطانية إلى مجد الدين ابن الصاحب أستاذ دار الخلافة المعظمة يصف فيها بلاءه في الإسلام وجهاده ونصيحته للدولة العباسية ويذكر فيها غدر المواصلة ومن تقدمهم # ذكرنا ذلك مختصرا نسختها # أدام الله إقبال سامي مجلس الصاحب وأندى سعاداته وأيد بالنجح إراداته ~~وحلى بالمكارم والمحامد سجاياه وعاداته وأنجز بنصر أولياءه وكبت عداته ولا ~~زالت أمداد الزيادة له والسعادة نامية وآماد عزه في سماء مجده مترامية ~~وأعين مناويئه في مناره عن الطموح إلى ذرى فخاره متغاشية متعامية وديم ~~الكرم في فضاء فضائله من سماء سماحه هامرة هامية ما سفر وجه وتوجه ms033 سفر وقدر ~~أمر وقد أمر بعد ما أصدر مملوك الدار العزيزة ثبت الله قواعد مجدها وشد ~~بعرى النصر معاقد سعدها مطالعاته التي أعرب فيها عن صاحب الموصل وأنه قد ~~طمع في حلب وطمح إليها ومد عين التعدي بالاحتواء عليها وأنه نكث الأيمان ~~المبرمة ونقضها وترك المراقبة التي فرضها الله بأن رفضها فإن حلب وأعمالها ~~داخلة في ولايتنا دخولا يشهد به المثال وينطق بحقه المنشور العال الموقع له ~~من مقر العظمة والجلال بلغه أنه بلغ الفرات وقطعه قاطعا لما أمر الله به أن ~~يوصل من العهد وجسر على عبور جسره بل خسر حيث جاوز حد التعدي بتعدي الحد ~~ووصل إلى حلب ممتريا حلف الخلاف متنكبا طريق الإنصاف وقد أحوجته قلة عسكره ~~إلى الاستكثار بمن في البلد من الأجناد والأشباه من رعية البلاد هذا وذوو ~~التمييز وأهل الري والمشورة من أمراء العسكر الحلبي لم يرضوا ولم يرفعوا به ~~رأسا وما ازدادوا به إلا استيحاشا لا استئناسا ومن حلف لهم حيث أكرهوه حلف ~~على المقام إن طابت نفسه بخدمته أو مفارقته إلينا والانحياز عن PageV01P062 # جهته ومن هؤلاء الأمراء ممن هو أحماهم حقيقة وأحقهم حمية وآباهم نفسا ~~وأنفسهم آبية من فارقه متاركا وشاققه مباكتا وذهب مغاضبا وتحيز إلى جانبنا ~~وأعرض عنه جانبا ووصل إلى نوابنا بالشام متوسلا إلينا لنفسه بآرائه وآرابه ~~ورسولا عمن وراءه من رفقائه وأصحابه وشاع أيضا أن عسكر حلب أغار على ~~الراوندان وهي أحد ما في عملنا وتصرفنا له ولولايته شامل ورسولهم عند ~~الفرنج يستنجدهم في شغلنا ويغريهم ويبذل لهم الرغبات ويضريهم وقد راسل ~~الحشيشية والمراد من الرسالة غير خاف والعلم بالمعتاد منها كاف وما تهيأ ~~للمذكور الوصول إلى حلب إلا بسبب غيبة ابن أخينا في أقصى بلاد الفرنج في ~~أول برية الحجاز وقد نهض إليهم بالعسكر معترضا لهم في المجاز فإن طاغيتهم ~~جمع خيله ورجله واستعمل في الاستكثار من الزاد والآلات والعدد منته وجهله ~~وحدثته نفسه الخبيثة بقصد نيماء وهي دهليز المدينة على ساكنها السلام ~~واغتنم كون المدينة مخصبة في ms034 هذا العام فقفى ابن أخينا أثره وأخذ عليه ~~مورده ومصدره وعارض بالعسكر المنصور عدوه المخذول وعسكره وذلك بعد أن أنضى ~~عزمه وأمضى ركابه وجهده ومنع الكافر المخذول وصد قصده ولم يعلم بوفاة ولد ~~نور الدين رحمه الله إلا بعد عودته من نهضته وقد حسن بحمد الله أثر عزمته ~~واستنقذ بركة وجهه في غزوته ولم يشك هو ولا غيره أن صاحب PageV01P063 # الموصل لا يتعرض للبلاد لأمرين أحدهما أنه لا يتصرف إلا على الأوامر ~~الشريفة المطاعة التي تأمر بالوفاء وتنهى عن الغدر والآخر أنه لا ينقض ~~يمينا ليس في نقضها وجه من الغدر والعجب أننا نحامي عن قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم مشتغلين بهمة والمذكور ينازع في ولاية هي لنا ليأخذها بيد ظلمه ~~وكم بين من يحارب الكفر ويحمل إليهم قواصم الآجال وبين من يتخذهم بطانة دون ~~المؤمنين ويحمل إليهم كرائم الأموال وبين بعيد من دار الخلافة المعظمة ~~يفترض الطاعة ويستفرغ في مراضيها الاستطاعة ولا يحل ولا يعقد إلا بمراشدها ~~ولا يقوم ولا يعقد إلا بمراصدها ولا يصدر ولا يورد إلا عن مصادرها ومواردها ~~وبين آخر يدعى أنه أقرب جيرانها ولا يمت بل لا يموت إلا بعصيانها ويخطب ~~لأهل الخلاف على الخلافة ويجهر بأسمائها وينشر في ولايته راية أعدائها وكل ~~يعمل على شاكلة أسلافه فهو يمري بيد المراء كعادتهم العادية أخلاف أحلافه ~~ونحن لا نتدين إلا بطاعة الإمام ولا نرى ذلك إلا من أركان الإسلام هذا مع ~~ما نعد في الملة الحنيفية والدولة الهادية العباسية مما لا يعد مثله أو لا ~~لأبي مسلم لأنه أقدم ثم ضام وأمال ثم آلام ووالي ثم ونى وجل وجلا ثم أخل ~~وأخلى ولا يعد آخرا لطغر لبك فإنه نصر ونصب ثم حجر وحجب وقد عرف ما فضلنا ~~الله تعالى به عليهما في نصر الدولة وقطع من كان ينازع الخلافة رداءها ~~وإساغته الغصة التي ذخر الله لا ساغته في سبقه بنا إياها PageV01P064 # وتطهير المنابر من رجس الأدعياء وإطلاع أنوار السمات كاشفة ظلم تلك ~~الأسماء وإنارة صباح ms035 الهدى بعد امتداد رواق الضلالة المدلهمة الظلماء ولم ~~نفعل ما فعلناه لأجل الدنيا فلا معنى للاعتداد بما الجزاء عنه بالحسنى ~~متوقع في العقبى غير أن التحدث بنعمة الله واجب والتبجح بالخدمة الشريفة ~~والأفتخار بالتوفيق لها على السجية غالب ولا غنى عن بروز الأوامر الشريفة ~~إلى المذكور بأن يلزم حده ولا يتجاوز حقه فلا ولاية له من خليفة يقترن به ~~بهاء المضاء ولا وراثة له في أرض الله فإن الأرض لله يورثها من يشاء فإن ~~أطاع وأناب ورجع عن الخطأ وعاود الصواب وترك الحق لأهله وأخذ الوفاء في ~~سلوك سبله وإلا فما قصدنا إلا أن نقاتله وهو لأمر الخلافة المعظمة مخالف ~~ونحن طائعون والمشار إليه متصامم ونحن سامعون وكفى بالمحق نصرة أنه على ~~الرشد الكامل وبالمبطل خذلانا أنه طالب للباطل # فصل منه # هذا وما بنا بحمد الله قصور عن أن نصده عن قصده ونرديه ثوب العجز برده ~~ونكيل له بصاعه ونعثره في عثير إسراعه ونحسم داءه وإن أعضل مرضا ونرميه ~~بسهام من عند الله تعالى لا تقبل غيره غرضا ولا شك أن التحارب يحيره ~~والإدبار يصحبه فيما يدبره وقد طالع الديوان العزيز بطبه مستشفيا ولشرح ~~قصته مستوفيا ولعذره في جميع الأحوال مبليا ولا غناء عن نظره السامي ليكون ~~للمراد متوليا ولراية الحق معليا لا زال لذخائر الحمد مقتنيا ولقواعد المجد ~~متبنيا ورأيه أسمى إن شاء الله تعالى PageV01P065 ### || ذكر مسير سيف الإسلام ظهر الدين طغتكين إلى اليمن # وذلك لما كان يجري بين الأمير عز الدين عثمان بن الزنجاري وإلى عدن وبين ~~الأمير حطان بن منقذ الكناني وإلى زبيد من الفتن والأمور التي تكون معها ~~عاقبتها إلى فساد الدول فأحضر السلطان أخاه سيف الإسلام طغتكين وقرر معه ~~أيمضي إلى اليمن وينظر في أمور بلادها ويتولاها ويولي ويعزل ويستبدل فسار ~~إلى اليمن فحين علم به حطان خاف منه وأوى إلى بعض الحصون فتحصن منه واستكن ~~منه ومازال يمنيه ويرغبه في الولاية بين يديه وحطان يسأل الإذن بالمضي إلى ~~الشام فأذن له فجمع حطان جميع ms036 أمواله وذخائره من ذهب وفضة وجواهر ويواقيت ~~وآلات وعدد وخيول عراب وأمر غلمانه أن تاتي بالجمال فحملها جميع الأموال ~~وظن أنه ينجو بذلك وركب ليسير بماله إلى الشام فأمر برده إليه ليودعه فلما ~~دخل إليه اعتقله وسير وراء ماله وخزانته وأثقاله من ردها إليه فاستولى ~~عليها ثم أنفذه إلى بعض المعاقل فحبسه ثم قتله # وفيما ذكر للسلطان من خبر ماله وذهبه ما يغني عن تفاصيل جملته نيف وسبعون ~~غلافا من غلف الزرد وكانت مملوءة بالذهب الأحمر وقوم المأخوذ بألف ألف ~~دينار PageV01P066 # وأما الأمير عثمان الزنجاري فإنه لما سمع بسيف الإسلام ظهير الدين طغتكين ~~تجهز إلى الشام وفارق اليمن ### || ذكر البطسة الفرنجية الواقعة إلى بحر دمياط والظفر بها وذلك بعد غدر من الفرنج في أواخر السنة المذكورة # كان السلطان قد عقد هدنة مع الفرنج فنكثوا قبل انقضائها تعرضا للفتنة ~~وجرى عند ذلك من الاتفاقات الحسنة أن بطسة عظيمة من المراكب الفرنجية مقفلة ~~من بلد لهم يقال له بوليه تحتوي على ألفين وخمس مائة نفس من رجالهم ~~وأبطالهم وأتباعهم وهم على قصد زيارة القدس فألقتهم الريح إلى ثغر دمياط ~~فغرق منهم شطرهم وسلم الباقون فأسروا جميعا فحصل في الأسر منهم ألف وستمائة ~~وسبعون نفسا فذل لتلك الواقعة جانب الكفر واتفق ذلك أمام اهتمام السلطان ~~بالمسير إلى الشام لما جرى فيه من الاختلال بموت صاحب حلب وغدر صاحب الموصل ~~وتجهز بعساكره المنصورة لقصده ووافق ذلك دخول سنة ثمان وسبعين وخمسمائة # وسنذكر الحادثة فيها إن شاء الله تعالى ### || واقعة شرف الدين قراقوش المظفري في هذه السنة # ولما دخلت سنة سبع وسبعين رحل شرف الدين عن جهة مطماطة ومضى PageV01P067 # إلى إفريقية ونزل على اربس وهي مدينة عظيمة وقد اجتمع معه جماعة من العرب ~~من مرداس ومن الرجالة وأقام عليها أياما وعمل عليها منجنيقا فلم يقدر عليها ~~ورحل عنها إلى سوبيريه ولم ينزل عليها بل أغار على بلادها وترددت إغاراته ~~على اربس وبلادها وما حولها أشهرا وجعل يرحل من موضع إلى موضع لأنها كانت ~~أيام الربيع ms037 إلى أن انقضى الربيع وجاء الصيف فرحل وأوغل في بلاد إفريقية ~~وانتهب منها ما قدر عليه وغنم أصحابه الغنيمة العظيمة وعاد إلى قفصة ~~بمكاتبة كانت من بعض شيوخها إليه وواعده ليلة بعينها لأن الموحدين كانوا قد ~~أخذوها من بني الربذ في سنة خمس وسبعين وخمسمائة وأهلها كثير وفيها من ~~أصحاب ابن عبد المؤمن جماعة فوصل إليها في الليلة التي واعده الشيخ على ~~شرفتها فما تهيأ له ذلك بل عمل السلاليم التي أعدها للشرفة وطلع أصحابه ~~فشعر بهم الموحدون وجاءوا إليهم فأنزلوهم أشد إنزال وكان الشيخ على السور ~~فأخذه معه وقبض عليه وقيده وترك في رقبته غلا ورحل عن قفصة فلما أبعد عنها ~~أطلقه وقال له # عملت بك ما عملت خشية عليك حتى لا يقال عنك إنك عاملت على المدينة فتقتل ~~وأنا بعد إن شاء الله أرجوك في وقت غير هذا وعاهده ومضى # وطالت مدة إقامة شرف الدين يتردد بأفريقية وانقطع خبره الصحيح عن ناصر ~~الدين إبراهيم ووصلته أخبار سارة بأن قراقوش هلك فسارع في النزول على قلعة ~~أم العز وحاصرها وكانت خالية من الرجال وإنما كان فيها النسوان ومعهم ~~الحسام البقش أحد أصحاب شرف الدين وثقاته ومعه PageV01P068 # نفر قليل فلم يزل حتى أخذ القلعة وأخذ جميع ما كان فيها من ذخائر شرف ~~الدين وأمواله وأخرج النسوان منها ووكل عليهن وعلى الحسام البقش وتركهم في ~~موضع # واتفق أن شرف الدين عند رحيله عن أم لامة توجه إلى بلد القيروان ونزل على ~~موضع يقال له السكة في أواخر سنة سبع ونصب عليها منجنيقا وقاتله وكان معه ~~من العرب سليم الشريد في قريب من ألف فارس وقد وصله حميد بن جارية في هذه ~~السنة في مائتي فارس وترك قبيلته لما استضعفوه واستهانوه فلم يشعروا في أول ~~النهار إلا والحرب قد قامت بين حميد والشريد وكان الشريد أكثر من حميد ~~فوقعت حمية قراقوش لحميد فنفذ عسكرا عونا لحميد فلما شعرت مشايخ الشريد ~~بذلك ارتحلت عنه وتركته وحميد فما بعدوا إلا وعسكر الموحدين فيهم أحد ms038 أولاد ~~عبد المؤمن يقال له أبو موسى في نحو من عشرة ألف فارس وعشرة ألف راجل وما ~~عند شرف الدين قراقوش خبر منهم حتى أطل العسكر من ناحية الجبل ونزل الوطاء ~~فندم على مفارقة الشريد ونفذ يستصرخهم فعادوا غليه خيالة من غير أهل وتركوا ~~أهلهم ومضوا لحالهم ووصلوا إليه وقالوا يا شرف الدين يا سلطان نحن لك على ~~ما تحب إن طردتنا نزحنا وإن استدنيتنا حضرنا وشال العسكر أثقاله وبقي ~~المنجنيق ولز وصول العسكر والناس يقولون # يا خوند أطلنا العسكر وهو يقول والله ما أروح إلا بالمنجنيق ولم يزل حتى ~~رفعه على الجمال وضرب لمقدم عسكر الموحدين خيمة واحدة ووقف العسكر بأسره ~~فسئل بعد ذلك عن الخيمة ما كان سبب ضربها فقالوا نزل السيد يلبس فيها لامة ~~حربه PageV01P069 # ونفذ شرف الدين الشهاب ابن المقدم وجعله مقدما على الشاليشية وأراد أن ~~يبصر كيف حرب الموحدين وطمعوا فيهم فرموا منهم جماعة وأتوا بخيولهم إلى شرف ~~الدين فزاد الطمع ونفذ العرب الشريد وذباب وأصحاب حميد فصار الجميع قريبا ~~من ألف وخمس مائة فارس ووقع الطراد بينهم وطمعوا في الموحدين ونفذوا إلى ~~شرف الدين أن يقدم إليهم # وكان شرف الدين قد نفذ الثقل وأوصله إلى رجائل العرب وعاد ومعه ثلاثمائة ~~فارس فأطل على القتال وحمل حملة واحدة بمن معه ومن كان تقدمه فانكسر ~~الموحدون وارحت عليهم الكرة ولازال الطراد فيهم والأخذ إلى مدينة القيروان ~~فدخلها السيد أبو موسى مقدم العسكر وعاد شرف الدين ظافرا وغنم عسكره وأسروا ~~جماعة من المقدمين فكان ممن أسر ابن مثنى صاحب ديوان أفريقية والقاضي قية ~~والقاضي ابن ماسكة قاضي إفريقية وجماعة كبيرة منهم من فدى نفسه بخمسة ألف ~~دينار وستة ألف دينار إلى الف وأما ابن المثنى فإنه كان قد أخذه بعض العرب ~~يسمى نعيم فنفذ إليه شرف الدين أخذه وأعطاه ألفي دينار وتركه في خيمة ~~فترددت الرسائل بينهما في الفداء فقطع على نفسه خمسة وستين ألف دينار عينا ~~وبأربعين ألف متاعا من عمل سوسة والمهدية وما بات شرف ms039 الدين في تلك الليلة ~~التي كانت الكسرة في يومها حتى اخذ السكة التي كان يحاصرها لاستسلام أهلها ~~وقطع عليه عشرين ألف دينار فرحل عنها وقطع القيروان ونزل بينها وبين ~~المهدية على بلد يسمى لودر فلم يزل عليها إلى أن استوفى ما كان قطعه على ~~ابن مثنى وأطلقه من هناك # ومن أعجب الأشياء أن بعض الأتراك أخذ قماشا في الكسرة فكان لكاتب السيد ~~أبي موسى فوجد فيها أوراقا وكتبا من الأطراف ووجد فيه كتابا وقد وصل من ~~قابس إلى السيد يذكر فيه أن إبراهيم نزل على أم العز وأخذها وأنزل نساء ~~قراقوش منها لما بعد عهده بخبره فدخل على شرف PageV01P070 # الدين من ذلك أمر عظيم وما كان بد له من العود إلى بلاد طرابلس لأجل ما ~~سمعه عن إبراهيم فعاد مظفرا قد كسر الموحدين وغنم هو وأصحابه الغنيمة ~~العظيمة واتفق في طريقه بزغب الذين كانوا يكونون مع إبراهيم فتراسل وإياهم ~~وحضر إليه أمراؤهم وقد تقدمت أسماؤهم فتحالف معهم وكان حميد فارقه عندما ~~نزل بالجهة وسار إلى قبيلته وكانوا بنواحي هراره وكانت رعب على موضع يقال ~~له رديف وهو موضع مليح من عمل قابس واقع فيما بينها وبين جبلي مطماطة وقلعة ~~حسن فلما اتفق ما بين شرف الدين وبين زغب فرج عنهم لأن ذباب عندها عذر عظيم ~~ومكر وخداع وزغب عندها عذر وفاء ومحبة في الأتراك لأن ذبابا أعداؤهم وهم ~~خلق كثير يكون في خمسة ألف فارس وزغب ما تزيدعلى ألف ومائتي فارس إلا أن ~~زغب عندهم شجاعة وفروسية وإن كان في ذباب كذلك إلا أن زغب إذا كانت مع الغز ~~لا يقابلها أحد وسار شرف الدين وهم معه إلى بلاد طرابلس فوصلها وسمع به ~~إبراهيم وتحقق رجوعه فقامت قيامته ولم يكن شرف الدين عاجزا ولا متوانيا في ~~أمره إذ سارع إلى الجبل جبل نفوسه وطلع إلى إبراهيم من عقبة يقال لها ~~مكردمين وسار إلى جادوا فما استطاع إبراهيم أن يقاتله فترك البلاد ونزل إلى ~~قلعته تنزلت وتحصن بها ونزل عليه شرف ms040 الدين وهي قلعة لا تقاتل لأنها نائية ~~في وسط واد عظيم لا يقدر أحد على الطلوع إليها ولا القتال إلا أن بعض ~~الجبال التي حولها تشرف عليها فجاء شرف الدين إلى ذلك الجبل ونصب عليه ~~منجنيقا ورمى به فما وصل إليها فطول سهمه ورمى به فلم يصل إليها بل زاد على ~~الأول فتحيل في سهم طويل وضرب به فوقع حجره في وسط القلعة فما قدر إبراهيم ~~أن يقيم وطلب الأمان وخرج حاجبه جمال الدين وطلب أمانا لإبراهيم فشرط عليه ~~أن يتوجه إلى طرابلس ينزل فيها في مركب إلى الديار المصرية فتوقف شرف الدين ~~عليه في الأمان وقال ما آخذه إلا أسيرا هذا الغادر الماكر فلم يزل الأتراك ~~يسألون فيه إلى أن أعطاه PageV01P071 # يده وحلف له برأس الملك المظفر أنه لا يضره فخرج في ليلته ولم يجتمع به ~~وسيره مع ستين فارسا إلى مدينة طرابلس فوصلها ودخلها # وكان صاحبها ابن مطروح عبد المجيد مطيعا لابن عبد المؤمن صاحب المغرب ~~فلما اجتمع به إبراهيم حسن له التوجه إلى ابن عبد المؤمن وسفره في مركب إلى ~~تونس وكان فيها وال يقال له عبد الواحد فتلقاه ملقى حسنا وأعطاه مالا كثيرا ~~وجهزه وسيره إلى مراكش وكان صاحبها ابن عبد المؤمن يوسف إذ ذاك وملك قراقوش ~~ما كان بيد إبراهيم وأضافه إلى ما كان في يده ولما أحس حميد بن جارية مقدم ~~ذباب بأن قراقوش قد حالف زغب قامت قيامته وأخذ في عداوته وصارت ذباب تقتل ~~من لقيت من الأجناد وتغار على جمالهم في مراعيها وتأخذ قوافلهم فقضى ذلك أن ~~شرف الدين أظهر عداوة حميد ونفذ إليه إن أردت صادقتي فترد ما أخذته قبيلتك ~~فقال حميد لا قدرة لي على ذلك فقال له شرف الدين انعزل عنهم بمن أطاعك فأبى # وعلمت ذباب بإظهار العداوة لشرف الدين فصارت كلها طوعا له وكانت ذباب إذا ~~رأت حميدا قد عادى ملكا أطاعته وإذا صادق ملكا بغضته # وعلمت الشريد بعداوة شرف الدين وذباب فانحازت إليه وحالفته مع زغب وكذلك ms041 ~~عوف حالفته # وكانت سليم كلها التي بطرابلس إذا جاء لذباب عدو انحازت إليه لأن ذباب ~~أبدا كثيرة الأذى لسليم لكثرتها وسأذكر واقعته في موضعها من سنة ثمان ~~وسبعين وخمسمائة إن شاء الله تعالى PageV01P072 ### | سنة ثمان وسبعين وخمس مائة # فيها برز الأمر الشريف بأن لا يستخدم في الديوان كتاب النصارى ولا أحد من ~~أهل الذمة وكانوا يستخدمون في الديوان وفي المخزن لاستيفاء الأموال ورفع ~~الحساب من قبل فلما ولى الإمام الناصر لدين الله صلوات الله عليه رأى أن في ~~ذلك إذلالا للمسلمين فوقع إلى أستاذ الدار أمين الصاحب يقول له إن الله ~~تعالى نفى أن يكون للكافر على المسلم سبيل وفي استخدام أهل الكتاب إهانة ~~للمسلمين فلا يستخدم أحد في شيء من الأعمال ورتب عوضهم من يصلح من المسلمين ~~فكتب إليه أستاذ الدار إن هذه الحال تحتاج إلى التأمل في حال من يرتب وفي ~~الصبر على هؤلاء للكتاب إلى أن يؤخذ ما عندهم من أصول الأموال بحيث لا ~~يعلمون ولعلهم إن علموا أسقطوا كثيرا من حقوق الديوان فوقع إليه الناصر ~~لدين الله ما إلى هذا سبيل ولو ذهب أصل بيت المال ولا يبقى أحد من الكفار ~~في شيء من الأعمال فأخرج جميع من كان بخدمة الديوان من أهل الكتاب كأولاد ~~النظام وغيرهم من النصارى من أولاد زطينا وابن الأشقر كاتب ديوان العرض ~~وشفع ابن البخاري نائب الوزارة بابن الأشقر كاتب ديوان العرض ليبقى على ~~حالته وذكر # أنه ثقة عفيف فوقع الخليفة هذا ابن الأشقر مات ما الذي يصنع بعده في ~~ديوان العرض فتقدم بإخراجه من الديوان بعد أن عرض عليه الإسلام فأبى وكان ~~له ولد فدخل إلى ابن البخاري PageV01P073 # وهو جالس في الديوان في ملأ من الناس وقال # يا مولانا أنا رجل قد رغبت في دين الإسلام لأجل خدمة أمير المؤمنين وأنا ~~أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن كل دين ~~غير الإسلام باطل فأشار إليه ابن البخاري بالجلوس فجلس ثم كتب إلى الخليفة ms042 ~~بصورة الحال فوقع الخليفة إليه # إنما منعنا من استخدام الكفار لأجل كفرهم فمن أسلم يعاد إلى خدمته وهذا ~~يخلع عليه ويستخدم في ديوان العرض عوضا عن أبيه ويقال لكل من صرفنا من ~~خدمتنا إن أحب الدخول في الإسلام فيعاد إلى خدمته ويشرف ومن لم يفعل لا ~~يمكن من خدمة تتعلق بنا والسلام وانحسمت المادة في ذلك وكانت هذه معدودة من ~~مكارم أخلاق أمير المؤمنين الناصر لدين الله لأنه لم يسبق إليها ولم ~~يعتمدها سواه # وفيها تقدم الأمر بالقبض على كمال الدين أبي مفضل بن الوزير الفرج بن ~~رئيس الرؤساء وحمل إلى دار الخفاش في التاج العتيق وطلبت منه أموال جمة فلم ~~يعترف بشيء وأخذ ما كان في داره من المال فكان مقداره عشرين ألف دينار ~~وأخذت من داره خزانة من الكتب النفيسة فبيعت بمبالغ وتولى بيعها أبو ~~السعادات الوكيل ابن الناقد وتكررت المطالبة لابن رئيس الرؤساء بالمال وهو ~~يدافع عن ذلك وكان أستاذ الدار ابن الصاحب يزري عليه ويعادي بيته قديما ~~وحديثا وكان يخاف منه لأنه كان رجلا جبارا عارفا بأحوال الملك وتدبيره وكان ~~قد نشأ في دار الخلافة حاكما وكان أبوه الوزير مع شيخوخته يتدبر برأيه مع ~~صغر سنه فتقدم أستاذ الدار إلى عبد الملك النائب وكان قد عرف بالظلم ~~والقساوة لأنه منذ نشأ في PageV01P074 # باب النوبى يخدم بين يدي الحجاب أن يتولى أمره وعذابه فتركه في مطمورة ~~وكان يضربه من رأسها بطوابيق القرميد حتى هلك فعرف الخليفة بموته فقيل له ~~إنه كان به ذرب وكثر عليه فمات فتقدم بأن يرمي في دجلة ليلا فرمى ولم يعلم ~~به إلى مدة # وكان موته أعظم الأمور على اهل بيته لأنه كان يخاف منه وتطرق الأذى إلى ~~بيت رئيس الرؤساء ودخل عليهم الأذى وتبرجت نساؤهم بعد الخدر وتزوجت إحدى ~~بنات كمال الدين برجل يعرف بابن ملك كان جنديا وتصوف بعد أن كانت مسماه على ~~ابن قطب الدين قايماز وفسخ أبوها النكاح وقال # ليس هذا بكفء ثم تناهت الحال بهذا البيت وأهله إلى ms043 أن صاروا من أدون ~~الناس حالا وكان أهل بغداد إذا شاهدوا واحدا من نسائهم أو صبيانهم يقولون ~~سبحان مزيل النعم ويذكرون قدم هذا البيت # وكان أستاذ الدار يتتبع جميع من كان من أنساب هذا البيت وأقاربه ~~والمتعلقين به ماعدا عز الدين أبا منصور بن رئيس الرؤساء فإنه كان يقربه ~~ويحضره عنده ويكلفه ذكر أهله ويوقع في نفس الخليفة أنهم يبغضونه من زمن # وفيها تقدم أمير المؤمنين الناصر لدين الله صلى الله عليه وسلم بختان ~~ولديه ولي العهد أبي نصر محمد والأمير أبي جعفر على أعز الله أنصارهما فأمر ~~بحضور أرباب الدولة وجماعة من الأمراء الخواص ومن PageV01P075 # جرت عادته حضور دار الخلافة وأمر بحضور المغنين والمطربين وأصحاب الملاهي ~~وتقدم بعمل خوان غرم عليه مال جزيل لا يحصره عد ولا وصف لكثرته وما صنع ~~عليه وبقى الناس على ما هم عليه من الفرح والسرور والطرب سبعة أيام ~~بلياليهن فلما كان في اليوم السابع أمر بالخلع والتشريفات فأول من خلع عليه ~~مجد الدين أبو الفضل ابن الصاحب خلع عليه جبة أطلس بقطى ومقيار مسمط بذهب ~~عراقي وأعطى سيفا مذهبا واعتقد الناس أنها خلعة الوزارة وجعل الناس يترقبون ~~ركوبه فركب ودخل إلى الدار العزيزة على جاري عادته ثم خلع على جماعة ~~الأمراء وأرباب الدولة وحضر للتهنئة جماعة من الشعراء والفضلاء ومنهم الأجل ~~أمين الدولة جمال الكتاب أبو الفتح محمد بن عبد الله الكاتب سبط التعاويذي ~~فقال يمدحه ويهنئه بختان ولديه أبي نصر وأبي جعفر # ختان جرى باليمن والنجح طائره %~% موارده محمودة ومصادره # قضت بتباشير السرور صدوره %~% ونيل المنى أعجازه وأواخره # بطالع سعد لا تغيب نجومه %~% وزائن حظ لا تغيب بشائره # فيالك من يوم تكامل حسنه %~% فرقت حواشيه وراقت مناظره # حوى شرفا يبقى على الدهر ذكره %~% إذا فنيت أدواره وأعاصره # يتيه على الأيام فضلا وسؤددا %~% فلو فاخرته أفحمتها مفاخره PageV01P076 # أفيض على الدنيا به ثوب بهجة %~% فأمست عليها ضافيات حبايره # ففي كل قلب غبطة تستفزه %~% ونشوة شكر من سرور تخامره # لقد سفك الإسلام فيه وحكمه %~% دما ms044 جل أن يلقى ثرى الأرض قاطره # ولولا أمير المؤمنين وإنه %~% بإيثاره في طاعة الله هادره # لخرت على الترب السماء وزلزت %~% رواسيه إجلالا وغيضت زواخره # أيقضي على وتر سليل خلافه %~% كتائبه من حوله وعساكره # وتحنى عليه في يد العلج مدية %~% وخرصاته من دونها وبواتره # وما فراقت بيض السيوف غموده %~% ولا حملت أسد العرين صوامره # ولكنه الإسلام ينقاد طائعا %~% له كل جبار تطاع أوامره # ليهن أبا العباس لله نعمة %~% تراوحه موصولة وتباكره # سيبلو وشيكا منهما ليث غابة %~% تمزق أشلاء الأعادي أظافره PageV01P077 # وغيث سماح يملؤ الأرض ودقه %~% وتروي صدى الهيم الظماء مواطره # همو أمراء المؤمنين عليهمو %~% إذا ريع سرب الملك تثني خناصره # وهم عدد الإسلام إن عن حادث %~% كفوه وهم أعضاؤه وذخائره # بهاليل من آل النبي تأشبت %~% عناصرهم في خندف وعناصره # نجارهمو يوم الفخار نجاره %~% وأحسابهم أحسابه ومآثره # يطيعهم الدهر المطاع قضاؤه %~% وترهبهم أحداثه ودوائره # لقد سار فينا سيرة عمرية السياسة %~% فالتأييد فيها يسايره # إمام لتقوى الله والعدل كله %~% وللبذل والمعروف في الناس سايره # كريم المحيا والشمائل يلتقي %~% بأبوابه بادي الثناء وحاضره # أضاءت لنا بشرا أسرة وجهه %~% وشفت عن الخلق الكريم سرائره # وأوسع جاني الذنب عفوا وإن غدت %~% تضيق عليه في السماح معاذره # هو الناصر الدين المنيف بسيفه %~% وآرائه والله بالغيب ناصره PageV01P078 # فخرت على أبناء دهري بمدحه %~% وعظم قدري أنني اليوم شاعره # أصوغ له حلى المديح ولم تكن %~% لتحسن إلا في علاه جواهره # فلا زالت الأقدار تجري بأمره %~% ويدفع عن حوبائه ما يحاذره # ولا برحت في الخافقين أواهلا %~% بدعوته أعواده ومنابره # وفيها تقدم الخليفة إلى مجاهد الدين خالص الخادم أن ينظر في نهر ملك ~~ويرتب فيه من شاء من النواب والعمال والكتاب وجميع ما يحصل من معاملات نهر ~~الملك يعرض على يده ومن جانبه وفرض له عن نظره برسم الشحنكية مالا وتقدم له ~~بسيف ركاب أسوة بأرباب الدولة وسأل أن يركب بسيوف مشهورة في ركابه إذا ركب ~~في البلد فأذن له في ذلك # وسبب الإنعام في حقه خدمته لأمير المؤمنين في زمن إمارته ms045 وكان قد رباه ~~وكان بحر درة أمير المؤمنين صلوات الله عليه تحبه وتحترمه وتشتهي أن تراه ~~بهذه الحال لسابق خدمته لها وطلب الإذن النبوي في استخدام وزير لتدبير أمره ~~فأذن له في ذلك فاستوزر رجلا يعرف PageV01P079 # بالأصيل ابن الحوافي أعجميا معروفا بخدمة الأمراء وكان المذكور وزيرا ~~للأمير إيلاجك وكان ولده عارض الجيش فخلع عليه خالص جبة أطلس ومقيارا ~~بعراقي واستأذن له في الدخول إلى الدار العزيزة وأن يكون له موصع بباب ~~الحجرة الشريفة يجلس فيه لقضاء مهماته فأذن له في ذلك فكان أستاذ الدار ابن ~~الصاحب يتأذى من هذه الأحوال وكان هذا الخادم قد كبر أمره فخاف منه على ~~منصبه وأن تفضى الحال إلى أن يرتب ابن الأصيل أستاذ الدار فسار أستاذ الدار ~~يسارع في توقف مهامه وتبطيل كثير من أوامره وحسن للخليفة ذلك فبرز الأمر أن ~~يراجع أستاذ الدار في جميع أموره فتأكدت العداوة بين أستاذ الدار ابن ~~الصاحب وبين خالص الخادم وآل الأمر في امتناع الناس من الدخول على خالص ~~وكان من أراد الدخول إليه لحاجة لم يقدم على ذلك إلا بإذن من أستاذ الدار # وكان جماعة من الناس من أهل بغداد ما لهم شغل إلا نقل الحديث من مجلس ~~خالص إلى أستاذ الدار وكان خالص قد اشترى جماعة من الجواري المطربات نحوا ~~من عشرين جارية وكان يبالغ بأثمانهن وكانت الجارية منهن تساوي ألف دينار ~~وكان يحب السماع ولا يشرب وكان يأمر بإحضار جماعة من الأمراء والمماليك ~~فنفذ أستاذ الدار يمنعه من ذلك وقال مثل هذه الحال لا تحتمل أن تكون في ~~الدار العزيزة فتألم خالص من ذلك ورفع أمره إلى الخليفة فاستصوب الخليفة ~~رأي أستاذ الدار وقال نعم ما فعل وإذا أراد هذه الحال يعمر على شاطئ دجلة ~~دارا ولا يفعل ذلك بدار الخلافة ومنع خالص من ذلك الوقت وعمر دارا على شاطئ ~~الدجلة PageV01P080 # وفيها استخدم أستاذ الدار أبا المظفر هبة الله ابن يونس وجعله نائبه ~~وحكمه وصارت الأمور تجري معظمها على يديه وكان أبو المذكور يونس ms046 وكيلا بباب ~~الحجرة الشريفة من جانب أستاذ الدار وكان رجلا دينا وكان مخمول الذكر فلم ~~يزل على ذلك حتى حصل مالا وثروة حدودا من عشرين ألف دينار وكان من أمر ولده ~~أبي المظفر ما سنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى # وفيها أعطى سعود الخادم شحنكية دجيل وجانبيه من تكريت إلى بغداد وكان ~~الناظر بدجيل زعيم الدين بن الجلال وكان قيصر بن بلك بين يدي سعود محكما في ~~ولايته لا يعمل أمرا ولا شيئا إلا برأيه وكبر أمر سعود وتقدم عند الخليفة ~~وكان لا يزال يركب مع الخليفة إذا ركب وخوطب بالإمارة وأعطى إقطاعات كبيرة ~~في بلاد واسط مع شحنكية دجيل فحصل من ذلك أموالا جزيلة لأن دجيلا بلد كبير ~~الدخل وليس في بلاد العراق أكثر دخلا منه ولا أكثر من ثماره ولا أنزه من ~~ضياعه ولا أرق من هواه ولا تزال المياه تطرد في أنهاره وهو الموصوف بكثرة ~~بلاده وحتى ولو خرب دجيل لزال من العراق معظم مغانيه # وفيها رتب عماد الدين صندل الخادم ناظرا في نهر عيسى ورسم له النظر في ~~شحنكيته وتقدم إليه بالعبور إلى الجانب الغربي وكانت هذه الحال من جانب ~~أستاذ الدار لأن صندلا كان في زمن المستضئ أستاذ PageV01P081 # الدار لأن الخليفة كان قد التفت إليه وكبر عنده لأنه كان رجلا عاقلا تقيا ~~وكان الناس يعتقدون فيه ويعظمونه وكان ذا معروف حسن فلم يزل أستاذ الدار بن ~~الصاحب حتى حسن في نفس الخليفة الإنعام في حقه وحسن له أن رتبه في نهر عيسى ~~ناظر شحنة ونفذ له بغلة شهباء وحصانا أحمر وجبة وعمامة وسيفا وخرج إلى نهر ~~عيسى ورتب عليه مشرفا رجلا يعرف بزين الدين أحمد بن جعفر الذي كان أبا صاحب ~~ديوان إمام المستنجد بالله رضوان الله عليه # وفيها مات الشرابي المعروف بالتحفة ورتب موضعه نجم الدولة نجاح وشرف ~~تشريفا جميلا وأعطى إقطاعا كبيرا وتقدم إليه أن يركب موضعا جرت به عادة ~~أمثاله من الشراب دارية وكثر إنعام الخليفة عليه والالتفات إليه وظهر نصحه ms047 ~~وهو إلى الآن على عادة # وفيها رتب أبو الحسن بن الكرخي حاجبا في الديوان من حجاب المناطق وكان ~~الخليفة يقربه ويحب محاضرته ورتب أبو الشيخ أبو جعفر الكرخي حاجب المنبر ~~الشريف بجامع القصر وخلع عليه وعادة حاجب المنبر بجامع القصر أن يكون ~~متأهبا ليوم الجمعة بإزاء المنبر يلبس ثياب السواد ويشد وسطه بمنطقة متقلدا ~~بسيف حليته فضة ويكون بين يدي المنبر فكل من أتى متظلما يأخذ منه قصته ~~ويستعلم حاله ويكون بين يديه جماعة المستخدمين المقيمين بباب العامة ينفذون ~~أوامره ويستخدمهم كيف شاء في هذا اليوم فحسب فإذا تكملت الرقاع معه أخذها ~~في منديله فإذا قضيت الصلاة خرج من الجامع وجاء إلى المقصورة التي جرت عادة PageV01P082 # الوزير والنائب أن يصلي بها فإذا خرج الوزير مشي في خدمته وسلم الرقاع ~~إليه وشرح له أحوال أربابها مفصلة فما يحتاج فيه إلى المراجعة للعرض الأشرف ~~راجع فيه وما لا يحتاج تقدم فيه الوزير أو النائب # وكان في هذه السنة ابن النجاري جلال الدين النائب فكثر عنده ابن الكرخي ~~يخلو به فكان ابن الكرخي يشرح له ما كان يجري له مع الخليفة في خلوته ~~فاستأذن الخليفة أن يرتب والد المذكور الذي هو حاجب المنبر على المظالم على ~~أن من كان له ظلامة أو حاجة أو قصة وأراد عرضها يكون حديثه مع هذا الشيخ ~~أبي جعفر وكبر بذلك وحصل جملة كبيرة وكان هذا الشيخ أبو جعفر من جملة حواشي ~~الوزير ابن رئيس الرؤساء وممن ربى تحت ظله ونعمته # كان حاجبه حيث كان وزيرا # وفيها ورد القاضي ضياء الدين القاسم بن الشهرزوري إلى مدينة السلام بغداد ~~رسولا من جانب الملك الناصر صلاح الدين وأخرج إليه بهاء الدين أبو الفتح بن ~~الدارنج وكان حينئذ حاجب الحجاب ومعه جماعة من الحجاب والخدم وجماعة من ~~الأمراء والأجناد إلى لقائه وأدخل إلى بغداد من باب السلطان بموكب جميل ~~فكان عن يمينه جمال الدولة إقبال الخادم وعن يساره صبيح الخاص الخادم ~~وجماعة الحجاب بين يديه وكان أستاذ الدار ابن الصاحب شديد ms048 البغض لابن ~~العطار في أيامه ويجعل له مساوئ كثيرة وكان يقول للخليفة إن ابن العطار ~~يطمع صلاح الدين في الملك وذلك لما كان يرى منه من التبجيل والإعظام لأصحاب ~~صلاح الدين وكان الخليفة يتغافل عن قوله ويتغاضى عن جوابه PageV01P083 # لما يعلم بما بينه وبين ابن العطار ثم إن ابن الصاحب نفذ إلى نائب ~~الوزارة ابن البخاري سرا أن لا يقوم لابن الشهرزوري إذا دخل عليه حق القيام ~~فلما حضر ابن الشهرزوري الديوان العزيز قام قائما وخطب خطبة بليغة وكان ذلك ~~بمحضر من جماعة من الأمراء وأرباب الدولة فاستحسن الجماعة بلاغته ثم جلس ~~بعد ما قام له ابن البخاري على ركبتيه وأدنى مجلسه وعرض ما كان معه من ~~التحف والهدايا ثم نهض بعد الخدمة ومضى إلى الدار التي أعدت له بخربة ~~الهراس # وكان ابن الشهروزوري قد ألف مدة مقامه في بغداد أن يحضر جماعة من ~~المطربين والأغاني ويتظاهر بذلك وكان معه شيخ متهتك يعرف بالبدر وكان ابن ~~العطار في أيامه يحترمه ويغطي هذه الحال مكانته عنده فلما ورد في هذه المرة ~~قصده ابن الصاحب وكشف عليه أحواله وقبح أفعاله وصار يوهن قواعده ويقدم إليه ~~على لسان ابن البخاري أن لا يرجع بكتب إلى الديوان العزيز إلا العبد وإلى ~~أستاذ الدار الخادم ثم أذن له بالانصراف بجواب رسالته # وفيها تقدم الخليفة بإحضار جماعة من الندماء والجلساء إليه كان كثير ~~الميل إليهم وكان في جماعتهم أبو الحسن بن الكرخي فكان كثير الجلوس عنده ~~بحيث لا يفارقه وكان المذكور يقدح في أستاذ الدار ابن الصاحب وكان الخليفة ~~ينكر عليه فقال له يا أمير المؤمنين أكتب له بولاية العهد هذا إن رضى والله ~~ما يرضى لأنه اليوم هو الخليفة فكيف يرضى أن يكون ولي عهد ستبصر كيف تكون ~~الأحوال معه فنقل ذلك جميعه إلى أستاذ الدار فأحضر ابن الكرخي عنده وخلع ~~عليه وقربه وما عرفه شيئا مما بلغه عنه وقال له لا تنقطع عنا أنت عندنا مثل ~~الولد # ثم خاطب الخليفة في حقه وطلب له ms049 من الدار التي في الوراقين فتقدم له بها ~~وكتب له ملكا وأشهد الوكيل عليه بها وكثر ابن الكرخي في الدولة PageV01P084 # وكثر أيضا أبو العز في الدولة وصار بمنزلة الشرابي وانعم الخليفة أيضا ~~عليه فكان ملازما للخدمة الشريفة وكذلك محمد بن يحيى الفراش وكان هاربا في ~~أيام المسترضى بأمر الله رضوان الله عليه فقربه الناصر لدين الله صلوات ~~الله عليه وأنعم عليه # ثم برز الأمر الشريف إلى المخزن أن يفرض لأبي العز في كل شهر ثلاثون ~~دينارا وما يحتاج إليه من خبز ولحم وحوائج وكذلك فرض لابن الداية وأعطى ~~دارا حسنة بالريحانيين وذلك أنه كان يخدم الخليفة لما كان صغيرا في الكتاب ~~وأمر له بتشريف جميل وكان هذا المذكور يعرف بابن العوادة # وفيها أمر الخليفة ثبت الله دعوته بإحضار الربيب ابن رزين رضيعه فشرفه ~~تشريفا جميلا وأعطاه دارا جميلة في درب الصاغة وتقدم إليه بأن يدخل الدار ~~العزيزة من غير إذن # وفيها أيضا برز الأمر أن ينعم على محمد بن يحيى الفراش من المخزن المعمور ~~في كل شهر بثلاثين دينارا وجميع ما يحتاج إليه وأن يعطي الدار التي عند عقد ~~الجديد المجاورة لحمام الوراقين وكان محمد بن يحيى الفراش حسن الخلقة ~~محبوبا إلى الناس فكان إذا ركب يتفرج الناس على حسنه وخلقته وكان الخليفة ~~لا يصبر عنه ساعة واحدة وكان من أخص الناس عنده وأحظاهم منزلة PageV01P085 # وفي هذه السنة اجتمع هؤلاء القوم المذكورون عند الخليفة وحسنوا له أن ~~يكون فتى وقالوا له إن ها هنا رجلا حسنا يقال له عبد الجبار خلفه خلق كثير ~~وهؤلاء يحتاج إليهم في وقت وكان عبد الجبار هذا مشاهرا في بستان يعرف ~~بالبصرية وهي ملك لابنه جهير فأمر بإحضاره فحضر ومعه ولده على الملقب بشمس ~~الدين فلما أحضر المذكور شاهده وقرر معه ذلك ثم اتفق الحال أن يكون ~~الاجتماع في بستان يعرف بالرقة وهي في مقابلة التاج الشريف وكان مشاهر هذا ~~البستان المذكور رجلا يعرف بالعقاب يوسف نسيبا للشيخ عبد الجبار فحضر مع ~~الجماعة عندما لبس ms050 الخليفة سراويل الفتوة فعرفه من هناك وأنعم على الشيخ ~~عبد الجبار بخمس مائة دينار وخلع عليه وعلى ولده علي # ثم إن الخليفة ثبت الله دعوته كثر حديثه في هذا وحسن الأمر عنده ولم يبق ~~أحد ممن كان قريبا منه إلا وليس منه سراويلا وتقدم إلى أبي علي بن الدوامي ~~أن يكون نقيب الجماعة وأن يخطب ويذكر شروط الفتوة وأحوالها المرضية لأنها ~~من الخصال المحمودة الشريفة والضرائب المشهورة العفيفة وكان ابن الدوامي ~~فاضلا حسن الصوت مليح الإيراد وكان يذكر من المعاني المستحسنة التي تدل على ~~مكارم الأخلاق وطيب الأعراق أشياء كثيرة PageV01P086 # وفيها أكثر ابن الكرخي من مدح بيت رئيس الرؤساء وذكر للخليفة أن لعلم ~~الدين بن رئيس الوزراء بن أخي عضد الدين الوزير زوجتين قد أخذ منهما خمسين ~~ألف دينار الواحدة ابنة عمه دار الذهب والأخرى الزينبية بنت شرف الدين ~~الوزير الزينبي وهو يتمنى أن يمضي إلى عنده ويعمل لنا دعوة فقال له أفعل ~~ذلك # وكان مراد ابن الكرخي أن يعطف قلب الخليفة إلى بيت رئيس الرؤساء ويبعده ~~عن أستاذ الدار فعمل علم الدين له ظاهر دعوة وغرم عليها مالا كبيرا واشترى ~~ثيابا كثيرة بنحو من خمس مائة دينار وحملها إلى الشرابي وحمل إلى جميع من ~~كان يدخل إلى الخليفة أشياء من الثياب وغيرها ومن الهدايا السنية وخلع على ~~جميع من عنده في تلك الليلة وكان ذلك في الدار التي في درب الزينبية التي ~~عند دار الوكيل ضياء الدين أبي السعادات بن الناقد عند عقد المصطنع # وكان جميع ما جرى في الدعوة في تلك السلسلة ينقل إلى أستاذ الدار ساعة ~~فساعة ولا يقدر أحد من الحاضرين أن يكتم ذلك عنه وكانوا يخافون من أستاذ ~~الدار أكثر من الخليفة صلوات الله عليه فلما خرجوا من عند علم الدين أبي ~~طاهر بن رئيس الرؤساء قال له ابن الكرخي # طيب قلبك ولتكن غدا على أهبة فإن الخليفة يريد أن يجعل أستاذ الدار وزيرا ~~ويجعلك أنت أستاذ الدار فلا تجعل لنفسك شغلا فمضى علم الدين ms051 إلى بعض أهله ~~وحصل منه سيف ركاب وجناقات وآلة تصلح لأستاذية الدار وأقام بعض غلمانه سلاح ~~دار وأصبح يرتقب من يأتي إليه من دار الخلافة فلما نقل ذلك إلى أستاذ الدار ~~من ليلته نفذ من صبيحة تلك الليلة وأنكر على علم الدين ابن رئيس الرؤساء ~~على لسان محمود الشرابي وكان يتحبب لأستاذ الدار وقال له والله لولا أن أهل ~~بغداد يعتقدون أنني أقصد بيت رئيس الرؤساء ولولا PageV01P087 # أنني إذا أمرت فيك بأمر نسبت فيه إلى القصد لقد كنت أتقدم بصلبك ومتى ~~رجعت إلى مثلها أمرت بصلبك فمن بعد ذا لم يجسر أحد أن يذكر بيت رئيس ~~الرؤساء # وأما ابن الكرخي فإنه حضر عند أستاذ الدار وعتب عليه فقال له ابن الكرخي ~~إنما سخرت به حتى خسر ألف ألف دينار وضحكنا عليه فقال له لقد عملت جيدا ~~ونعما فعلت وكان مع ذلك يضمر لابن الكرخي السوء ويدبر في هلاكه # وأما علم الدين ابن رئيس الرؤساء فإنه خاف على نفسه فمضى إلى ابن القصاب ~~وكان حينئذ في خدمة الدار أستاذ يرسله إلى لجوانب فسأله أن يشفع له ويستوهب ~~له ذنبه فشفع له فوهبه جرمه وسأله أن يأذن له في الحضور على طبقه في شهر ~~رمضان فأذن له في ذلك # وفيها كان الفراغ من بناء دار المسناة التي على شاطئ دجلة وكان المتولي ~~عمارتها الحاجب الأعز وهي أول دار شرع الخليفة في عمارتها للتنزه والفرجة ~~وهي أول دار فرشت طوابيق ملونة أزرق وأحمر وسائر الألوان وكان الخليفة كثير ~~الملازمة لها والحضور فيها وهي من الدور المستحسنة بنيت على طرف السور مما ~~يلي دجلة قد غرم عليها أموالا جمة ولما تم عملها نقل إليها فرسا كثيرة ~~وآنية من ذهب وفضة ورتب فيها جماعة من المماليك والخدم لحفظها وحراستها ~~يلازمون الخدمة فيها دائما وإلى الآن فإذا كان راكبا في دجلة أو على ظهر ~~وأراد الدخول إليها تكون مهيأة للقعود فيها والسكنى بها وجعل لهذه الدار ~~حرمة قاطعة كحرمة التاج الشريف بحيث لا يقدر أحد يقعد ms052 تحتها ولا يدنو منها ~~إلا إن كان سائرا في سفينة فحسب PageV01P088 # وكان أستاذ الدار قد وصف للخليفة نويس المغنية زوجة ابن رئيس الرؤساء ~~وعائشة السوداء زوجة ابن الكرخي فنفذ وأحضر المرأتين المذكورتين واحضر ~~جماعة منهم نجاح وأبو العز ومحمد بن يحيى الفراش وابن الكرخي وأبو علي ~~الدوامي وجماعة من المماليك وفراش الدار وكان قد اتفق جماعة من الناس واكثر ~~أهل بغداد بأن ما ببغداد مغنية أصنع من عائشة السوداء ولا غناء أطرب من ~~غنائها ولا صوت أرق من صوتها وذكر أن الخليفة قال للكرخي في تلك الليلة ~~{فمنها ركوبهم ومنها يأكلون} يعني بذلك ابن الكرخي وزوجته السوداء المغنية ~~فعجب الناس من قوله وقالوا # استشهاد في موضعه # وفيها قدم إلى بغداد ابن رئيس همدان وكان معه مال كثير وغلمان وخدم ومعه ~~من جملة مماليكه مملوك حسن الهيئة تام الخلق يقال له سنجر وكان له خيمة ~~مضروبة على شاطئ دجلة عند مشرعة مشهد أبي حنيفة رضي الله عنه فكان كذلك ~~أياما لا يزال يشرب الخمر وكان لا يزال مخمورا فبينما هو كذلك إذ دخل عليه ~~جماعة من العيارين ليلا فقتلوه وهو سكران وأخذوا كثيرا مما كان معه من ~~الأموال وأصبح الناس يخوضون في حديثه واتهم جماعة بقتله وكان أكثر أهل ~~بغداد يزعمون أن قاتله بدران الحسامي وعلم الخليفة بقتله فتقدم إلى أستاذ ~~الدار بالكشف عمن قتله فتقدم أستاذ الدار بالكشف عن الحال وأخذ سنجر وقال # إن أمير المؤمنين قد كبرت عليه هذه الحال فبقى سنجر أياما كثيرة لم يخرج ~~من الدار فلما خرج وركب كان عليه وعلى فرسه ما يساوي خمسة ألف دينار إمامية ~~وصار سنجر يخرج ويدخل إلى البدرية كل يوم وكان يخرج وعليه في PageV01P089 # كل وقت لون من الثياب الفاخرة وحصل له من المنزلة عند الخليفة ما لم يحصل ~~لأحد منه قبله وهو على غاية من العقل والسكينة وكان مع ذلك لا يزال الخليفة ~~يصفه بالعقل ويقول # ما رأيت ولا ملكت الملوك أعقل من سنجر ولا مثله إلا أن فيه ms053 ظلما وكان مع ~~ذلك قليل الصمت وكانت حاله كلما جاءت كثرت # وسنذكر زيادة منزلته في كل سنة بقدر ما انتهى إليه حاله إلى الآن # وفيها اشترى إياس الرومي وكان من أحسن الناس خلقة واستخدم ابن امرأة لأبي ~~الفتوح المغنى ويعرف بأبي الحسن وكان من المذكورين ببلاده بالجمال المفرط ~~وفرض له كل سنة مائتين وخمسين دينارا وجعل في جملة المماليك الخواص # وفيها احتال عبد الوهاب وأخذ قلعة المهكي وهي من أحسن القلاع التي ~~بالعراق وصورة ذلك كما ذكر لنا أنه كان لعبد الوهاب راعي غنم فمضى إلى تحت ~~القلعة المذكورة فرأى في رأس الجبل الذي عليه القلعة شجرة قوية فعاد إلى ~~عبد الوهاب وأخبره بما خطر له فمضى مع الراعي يرعى الغنم ذلك اليوم ويبصر ~~ما قاله الراعي وما خطر له فلما شاهد الموضع رجع وأحضر نجارا وقال # أريد تعمل لي سلما يكون عدة أقطاع ويوصل بحديد ويكون على شكل أعمدة الخيم ~~فلما فعل ذلك وحصل جميع ما يحتاج إليه أحضر جماعة من بني عمه واتى إلى تحت ~~القلعة في ليلة مظلمة كثيرة الهواء والمطر ونصب السلم وصعد واحد من الجماعة ~~واجتهد على رؤية الشجرة فلم يقدر فقام يرمي نفسه يمينا وشمالا وهو قائم على ~~رأس السلم وأشرف على الهلاك وكاد أن يسقط فوقعت إحدى يديه في الشجرة فتعلق ~~بغصن منها وصعد إليها فاعتنقها ساعة حتى رجع روعه إليه وكان PageV01P090 # معه حبل مشدود في وسطه فحله ورمى بطرفه إلى إحدى شرافات القلعة فعلق بها ~~وصعد فصار في راس القلعة وألقى الحبل إلى جماعة فصعدوا إليه واحد بعد واحد ~~إلى أن تكاملوا في القلعة # وكان بها مملوك من مماليك المستضئ بأمر الله رضي الله عنه وهو سكران ~~فنزلوا إلى الموضع الذي فيه المفاتيح فقتلوا من كان هناك وأخذوا المفاتيح ~~ودخلوا الخزائن فلبسوا العدة الكاملة وخرجوا إلى المملوك فقتلوه على فراش ~~نومه وفتحوا الأبواب وقتلوا جماعة وأطلقوا من أرادوا وملكوا القلعة ورموا ~~رأس المملوك ورؤوس الجماعة الذين قتلوا معه من القلعة وصار عبد ms054 الوهاب ~~متحكما بذلك المكان # وبلغ الخبر إلى بغداد فأمر الخليفة بإخراج العسكر المنصور وكان المتقدم ~~على العسكر سنقر الكبير المستنجدي وخرج معه جماعة من المماليك الأمراء ~~الكبار مثل سنقر الصغير وغرغلي ومضى معهم الكافي ابن الهمذاني وكان خبيرا ~~بتلك الخطة فسار العسكر إلى أن نزلوا قريبا من القلعة وراسلوا عبد الوهاب ~~وبذلوا له أموالا كثيرة وإقطاعيات جليلة فلم يقبل ولم يلتفت إلى قول أحد ~~واعتصم بها ولم يمكن العسكر من الدخول إليها لوعر طريقها وامتناعها وطالت ~~المدة فتقدم الخليفة برجوع العسكر لما أعجزهم الأمر # فلما دخل العسكر إلى بغداد أمر الخليفة بالقبض على حسام الدين غرغلي وعلى ~~سنقر الصغير # وكان في نفس الخليفة على سنقر الصغير حقد من زمن أبيه لأنه كان قد اتفق ~~مع ابن العطار حين كان مستوليا على دار الخلافة أن PageV01P091 # لا يرتبه خليفة وأراد أن يرتب أخاه الأمير أبا منصور عوضه فلما قبض عليه ~~حمله إلى التاج العتيق وجعله في دار الحشاشيف وكذلك فعل بحسام الدين غرغلي ~~وأخذ جميع ما كان لهما من خيل وبرك وذهب وآلات حروب وعدد حتى نقل من دار ~~سنقر الصغير أموالا كثيرة من آلات وثياب وذهب وفضة وغير ذلك من يوم الجمعة ~~إلى الجمعة ما لا يحد له حصر وقيل للخليفة أيده الله تعالى أن لسنقر الصغير ~~أموالا مدفونة في داره فأمر بنقض الدار فنقضت وأخذ جميع ما كان فيها من ~~الأموال وأخذ من جاريته أم أولاده ثلاثين ألف دينار ونقل أولاد سنقر الصغير ~~إلى دار في قصر الخلافة فتركوا بها ووكل بهم جماعة من الفراشين وطلبت أم ~~الخليفة أجلها الله تعالى منه موضع دار سنقر الصغير لتعملها رباطا للصوفية ~~فأذن لها في ذلك وسألته عمارة الموضع فتقدم إلى أستاذ الدار بعمارة الموضع ~~فشرع في عمارته من ديوان الأبنية وجمع له من الصناع والبنائين والنجارين ~~وسائر أصحاب الصنايع جماعة كبيرة فبنى الموضع أحسن بناء يكون وهو في المحلة ~~المعروفة بالمأمونية أحسن موضع من بغداد في وسط السوق # وفيها نفيت امرأة كانت ms055 تعرف بالخليعة وكانت فيمن يدخل إلى دار حسام الدين ~~غرغلي وأمر بنفيها إلى البصرة وسبب ذلك أنه نقل عنها أنها قد أحضرت عندها ~~جماعة من الإسماعيلية من حلب حتى يتعرضوا لقتل الخليفة وقتل أستاذ الدار ~~أمين الصاحب وكان زوجها ركابيا من PageV01P092 # ركابية الخليفة فقبض عليها وأخذت في سفينة إلى البصرة وتقدم الخليفة بغلق ~~باب الأمير حسام الدين غرغلي وضربوا فيها مسامير بحيث لا تفتح وكذلك فعلوا ~~بالمحارق من أعلى الدار وضربوا فيها مسامير بحيث لا يصعد أحد إلى سطح الدار ~~ووكل أيضا بالدار جماعة من الفراشين ### || ذكر ما تجدد للملك الناصر صلاح الدين من الغزوات والفتوحات والأحوال بمصر والشام في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة # ودخلت هذه السنة والسلطان مخيم على البركة من أرض مصر بجميع عساكره شديد ~~العزم على قصد الشام فكان رحيله من البركة يوم الأثنين خامس محرم فسار على ~~طريق صدر وكان نزوله على أيلة بعد خمس ليال فبلغه حينئذ نزول الفرنج على ~~الكرك بجمع كبير فحين تحقق ذلك قال لأخيه تاج الملوك بوري خذ الناس معك وسر ~~بهم وما معهم من الأثقال والتجارة على طريق يمينة منا فامتثل أمره وسار بهم # وأما السلطان فإنه سار بمن انتخب من عساكره وتوجه بهم إلى الكرك ووصل ~~إليها بعد أيام فوجد بها جمعا عظيما من الفرنج فنزلنا قريبا منهم فأذللناهم ~~وضايقناهم حتى لاذوا بالجدار فاستولينا عليهم فقطعنا أشجارهم ورعينا زروعهم ~~وجعلنا نشن الغارات عليهم مدة عشرة أيام فلما رأى PageV01P093 # السلطان ذلك أمر الناس بالرحيل خوفا من قلة أزوادهم وسار من يومه فبينما ~~نحن سائرون إذ أتاه نجابون يبشرونه بنصرة عمي عز الدين فرخشاه في غزوة ~~دبورية ### || ذكر غزوة دبورية # لما تحقق الفرنج رحيلنا من مصر بالعساكر وما أنضاف إليها من الناس ~~والتجار اجتمعوا على الكرك كما ذكرنا لقربهم من الطريق وكان غرضهم في ذلك ~~انتهاز فرصة يجدونها فلما أذلهم الله تعالى ببأسنا وطال مقامنا عليهم تلك ~~الأيام المعدودة ووصل عمي فرخشاه خبرنا نفر بمن معه من الفرسان وتبعه جماعة ~~كبيرة ms056 من الناس واغتنم خلوهم من بلادهم فسار إلى دبورية وأهلها غارون فأغار ~~على ربضها فقتل منهم خلقا كثيرا وأسر نحوا من ألف نفر بين كبير وصغير وساق ~~أغنامهم وأبقارهم وأحرق وخرب ونزل على حبيس جلدك ففتحه وهو حصن من أعمال ~~طبرية وكان اجتماع عمي فرخشاه مع السلطان دون بصرى ثم نزلنا بها وسرنا منها ~~متوجهين PageV01P094 # إلى دمشق فكان دخولنا إليها يوم الاثنين سابع عشر صفر فلم يزل السلطان ~~بها تمام الشهر المذكور وأياما قلائل من شهر ربيع الأول ثم توجه إلى غزوة ~~طبرية وبيسان ### || ذكر غزوة طبرية وبيسان # ولما وصل السلطان إلى دمشق اجتمعت إليه عساكر الإسلام فسار بهم إلى طبرية ~~وبيسان وذلك يوم الأحد سابع شهر ربيع الأول فصبح الفرنج يوم الثلاثاء ~~بطبرية فوجدهم قد وصلوا إليها ونزلوا فيها بجموعهم فسيرنا جماعة يتطلعون ~~عليهم فلم يجدوا أحدا منهم راكبا ولا خارجا وكنا نازلين من الأقحوانة من ~~الأردن على أحد ثغورهم فلما رأيناهم قد أحجموا عن لقائنا واقاموا في موضعهم ~~اتفقنا على المسير إلى بيسان لاستجرارهم فسبق عمي عز الدين فملك ربضها ~~وكانت العرب ومن خف معها قد انحازت نحوها فأوسعوا أهلها قتلا ووصل الخبر من ~~اليزك أن الفرنج قد أجلبوا بخيلهم ورجلهم فاشتغل السلطان بترتيب الأطلاب ~~وتحريض الناس على الجهاد فجعل والدي الملك المظفر في الميمنة وعمي عز الدين ~~فرخشاه في الميسرة وقرب الفرنج منا فرأوا من العدة والناس ما هالهم فلجأوا ~~إلى حصن كوكب فسبقت أطلاب الميسرة PageV01P095 # وجالت الجاليشية ترميهم بالسهام وعطف عليهم والدي بمن معه من الميمنة ~~وكنا في واد صعب ومضيق وتواترت على الفرنج الحملات فطحنتهم الأبطال فصاروا ~~بين قتيل وأسير وانهزموا على أعقابهم لائذين بالحصن وكان ذلك يوم الخميس ~~ثاني عشر ربيع الأول وأقمنا باقي يوم الخميس ويوم الجمعة لجمعهم منازلين ~~ولخروجهم محاولين كانت وقعة شديدة استشهد من المؤمنين فيها جماعة من ~~الأبطال ورجع الناس بما معهم من الأسارى وعاد السلطان من غزوة طبرية رابع ~~عشر شهر ربيع الأول من السنة المذكورة وكان مخيم السلطان ms057 في هذا الشهر ~~بالعفر بلا من أعمال حوران # ولما رجع السلطان من غزوته تلك أقام بمخيمه وطال مقامه هناك إلى أن تجدد ~~عزمه على قصد حلب وعبور الفرات ### || ذكر قصد السلطان إلى حلب وعبور الفرات واستيلائه على الموصل وبلاد الجزيرة وغيرها # لما وصل السلطان إلى الشام عزم على قصد حلب وجهاد من بها وذلك لما بلغه ~~عن المواصلة أنهم قد كاتبوا الفرنج وأنفذوا إليهم الرسل وبذلوا لهم الأموال ~~ورغبوهم في الخروج إلى الثغور فقال السلطان قد وجب علينا النهوض إليهم ~~والجهاد لهم وكان ذلك عند عودته من غزوة طبرية وبيسان واستقراره بالمخيم ~~فأمر الناس بالرحيل وسار على سمت PageV01P096 # بعلبك وخيم بالبقاع وكان قد وعد أسطول مصر أني تجهز إلى بعض بلاد الساحل ~~ليوافيه ويسير بعساكره إليه فجاء الخبر أنه وصل إلى ساحل بيروت فبادره ~~السلطان بعسكره جريدة فلما رأى ذلك أمرا يطول أعاد عمي عز الدين فرخشاه إلى ~~دمشق ليقوم في سد ثغورها وترتيب أمورها وتوجهنا بعد ذلك إلى بلعبك وخيمنا ~~بمرج عدوسة أياما ورحلنا إلى حمص على طريق الزراعة فنزلنا بها ورحلنا منها ~~فنزلنا بحمص على العاصي وجاء الفقيه المهذب عبد الله بن أسعد الموصلي فمدح ~~السلطان بهذه القصيدة # أعلمت بعدك وقفتي في الأربع %~% ورضى طلولك عن دموعي الهمع # مطرت غضا في منزليك فذاويا %~% في أربع ومؤججا في أضلعي # لم يثن غرب الدمع ليلة غربوا %~% ولع العزول بفرط عزل المولع # يلحى الجفون على الدموع لبينهم %~% والعذل فرط العذل إن لم تدمع # دعني وما شاء التلذذ والأسى %~% وأقصد بلومك من يطيعك أو يعي PageV01P097 # لا قلب لي فأعى الملام فإنني %~% أودعته بالأمس عند مودعي # هل يعلم المتحملون لنجعة %~% أن المنازل أخضبت من مدمعي # كم غادروا حرضا وكم لوداعهم %~% بين الجوانح من غرام موجع # أمروا الضحى أن يستحيل لأنهم %~% قالوا لشمس خدودهم لا تطلعي # تحمي قبابهمو ظبا في كلة %~% وتذود عنهم أسهم في برقع # قل للبخيلة بالسلام تورعا %~% كيف استبحت دمي ولم تتورعي # وبديعة الحسن التي في وجهها %~% دون الوجوه عناية المبدع ms058 # بيضاء يدنيها النوى ويحلها %~% إعراضها في القلب ألطف موضع # ما دام معتمر بربعك دائبا %~% يقضي زيارته بغير تمتع # كم قد هجرت إذ التواصل مكثب %~% وضررت قادرة على أن تنفعي # ما كان ضرك لو غمزت بحاجب %~% عند التفرق أو أشرت بإصبع PageV01P098 # ووعدتني إن عدت عود وصالنا %~% هيهات ما أبقى إلى أن ترجعي # هل تسمحين ببذل أيسر نائل %~% أن اشتكى وجدي إليك وتسمعي # أو شاهدي جسمي ترى أين الهوى %~% أو فاسألي إن شئت شاهد أدمعي # والسقم آية ما أجن من الجوى %~% والدمع بينة على ما ادعى # فتيقني أني بحبك مغرم %~% ثم اصنعي بي ما شئت أن تصنعي # يا صاح هل أبصرت برقا خافيا %~% كالسيف سل على أبارق لعلع # برق إذا لمع استطار فؤاده %~% ويبيت ذا قلق إذا لم يلمع # فسقى الربيع الجون ربعا طالما %~% أبصرت فيه البدر ليلة أربع # ولو استطعت سقيته سيل الغنى %~% من كف يوسف بالأدر الأنفع # بندي فتى لو أن جود يمينه %~% للغيث لم يك ممسكا عن موضع # للمعتفين رخاء ريح سجسج %~% والمعتدين عجاج ريح زعزع PageV01P099 # رب المكارم وضحا لم يستتر %~% بدنية يوما ولم يتقنع # ومديم بذل النفس غير مفرط %~% وكثير بذل المال غير مضيع # فإذا تبسم قال يا جود اندفق %~% فيضا وياسحب الندى لا تقلعي # وإذا تنمر قال يا أرض ارجفي %~% بالصاهلات وللجبال تزعزعي # وإذا علا في المجد أعلى غاية %~% قالت له الهمم الجسام ترفع # ثبت الجنان إذا القلوب تطايرت %~% في الروع يعدل ألف ألف مدرع # فضل الورى بفضائل لم تتفق %~% في غيره ملكا ولم تتجمع # مارام صعب المرتقى متصاعدا %~% إلا وكان عليه سهل المطلع # جمع الجيوش فشت شمل عداته %~% ما فرق الأعداء مثل مجمع # لم يثنه عن نصره حلفاءه %~% عدد العدو ولا بعاد الموضع # بجحافل مثل السيول تدافعت %~% وإذا السيول تدافعت لم تدفع # إن يتبع فلكم له من تابع %~% أوفى وأوفر عزة من تبع PageV01P100 # من دوحة شاذية أرجت لها %~% الدنيا لطيب شذا لها متضوع # والناثرين الهام يبرق بيضه %~% والخارقين مضاعفات الأذرع # قوم إذا ارتفع الصريخ تبادروا %~% نحو ms059 الحمام بكل أبلج أروع # والواصلي قصر الظبى بخطاهمو %~% والقاطعين بها طوال الأذرع # لا يغررن الروم بعد ديارهم %~% إن الخليج عليك أقرب مشرع # لو أن مثل البحر سبعة أبحر %~% من دونهم وأردتهم لم تمنع # كم وقفة لك في الوغى محمودة %~% أبدا وكم جود حميد الموقع # والطير من ثقة بأكل مشبع %~% تبعت جيوشك فوق غاب مشبع # والناس بعدك في المكارم والعلا %~% رجلان إما سارق أو مدعى # يا غيث منسكب وما حل مربعي %~% بنداك إلا ذا غدير مترع # راجعت فيك الشعر بعد طلاقه %~% طمعا بجودك أي موضع مطمع # لولاك لم أرض القنوع وذله %~% من بعد طول تعزز وتقنع PageV01P101 # فسؤال جودك عزة للمجتدي %~% ونداك تشريف ورفعة موضع # فاسلم على مر الزمان ممتعا %~% بالملك دهرا والمحل الأرفع # فإذا بقيت فلست أحفل من مضى %~% وإذا حييت فما أبالي من نعى # ثم إن السلطان بقي بحمص أياما قلائل رحل منها قاصدا إلى حماة فنزل بها ~~وكانت حماة لوالدي الملك المظفر وكنا معه فأمره السلطان أن يرتب أمور حماة ~~ويرتب أحوال ثغرها فعمل ما أمره وبقي السلطان بحماة يومين ثم رحل عنها يريد ~~حلب وفي عزمه النزول عليها فبينا نحن سائرون وإذا قد وصل كتاب مظفر الدين ~~كوكبوري بن زين الدين على بن بكتكين كوجك فأعلم السلطان بوصوله إلى خدمته ~~والدخول تحت أمره وطاعته فلم يلبث أن وصل مظفر الدين كوكبورى واجتمع ~~بالسلطان وخلى به وأشار عليه بعبور الفرات والاستيلاء على تلك الممالك ~~والولايات وقال له أنا بين يديك وناصح لك ومحب لأيامك وقد علمت ما المواصلة ~~عليه من نكث إيمانك وعهودك وإذا ملكت تلك البلاد PageV01P102 # واستوليت عليها يبقى لك من ورائك ذخيرة ونجدة وأنت بعد ذلك على أثناء ~~عزمك وإن قصدت حلب فإنها تشغلك عن الأمور ومهماتها والجزيرة وولاياتها وقد ~~حصلت لك المحبة العامة والمهابة في قلوب الناس ومتى عبرت الفرات سلمت إليك ~~البلاد واطاعتك العباد فملكت حران والرها والرقة والخابور ونصيبين وسائر ~~المواضع وملكت الموصل لا محالة وما هناك في تلك الجهات أحد يقدر على عصيانك ms060 ~~فشكره على ما ظهر منه واستوثق منه وودعه ورجع إلى حران # وأما السلطان فإنه توجه نحو ألبيرة ومد الجسر وأمر الناس بالعبور وكانت ~~ألبيرة قد طمع فيها صاحب ماردين فاستولى على مواضع من أعمالها فلما سمع ~~بوصولنا إلى الفرات انهزم من كان من أصحابه بتلك الخطة فأعدنا إلهيا شهاب ~~الدين محمد بن إلياس الأرتقي وشرعنا في أمر العبور وبدأنا ننقل الأثقال إلى ~~بطون السفن خوفا من ازدحام الناس على الجسر وضرب كل منا خيمة بالجانب ~~الشرقي وتحول السلطان عنه وتخفف نحوها ثقله وأمددنا من معاقل الأرمن بسفن ~~كثيرة فعبر الناس كافة فلما قطعنا الفرات كاتبنا أصحاب الأطراف ليدخلوا في ~~الطاعة فمن سلم سلمت عليه بلاده ومن أبي توجهنا إليه فأول من وصل إلينا ~~رسول نور الدين محمد بن قرأ أرسلان بن نعمان بن أرتق PageV01P103 # صاحب حصن كيفا يذكر وصوله إلى الخدمة السلطانية ويذكر ما سبق إليه من ~~إحسان البيت الأيوبي ### || ذكر وفاة عمى فرخشاه عز الدين # ولما عبر السلطان الفرات وأفاه النعي بوفاة عمي عز الدين فرخشاه فتقدم في ~~الحال إلى شمس الدين محمد بن عبد الملك بن المقدم بالعود إلى دمشق وكتب له ~~منشورا بولايتها ودخول من بها تحت طاعته فسار من وقته إلى دمشق وتوجه ~~السلطان إلى الرها PageV01P104 ### || ذكر مسيرنا إلى الرها وفتحها # ولما وصلنا إلى الرها حصرناها أياما من شهر جمادي الأولى وكان فيها ~~الأمير فخر الدين مسعود بن الزعفراني فأخذ في الجد والتشمير والامتناع فخاف ~~عاقبة ذلك فأرسل إلى السلطان بتسليمها طلبا للسلامة فأنعم بها السلطان ~~لمظفر الدين كوكبوري إضافة مع حران ثم توجهنا إلى حران ودخلنا منها إلى ~~الرقة ### || ذكر النزول على الرقة وفتحها # ثم إن السلطان توجه من حران إلى الرقة فنزل عليها وحاصرها وكان فيها ~~الأمير قطب الدين ينال بن حسان المنبجي وكانت قد سبقت منه إساءة وسوء تدبير ~~رجع عليه وباله فرآي أنه لا طاقة له بعساكرنا فأذعن وسأل الأمان وسلم الرقة ~~وعصم نفسه وماله وخرج منها بجميع ما ملكه ماخلا ذخائر ms061 عدده ورجاله وفارقناه ~~ومضى لحاله وأحكم السلطان الأمور بها ورتب أحوالها وجعل فيها بعض الخيام ثم ~~مضى منها متوجها PageV01P105 # إلى عرابان فلما قرب منها خرج للقائنا رجالها ونساؤها واستبشروا بقدومنا ~~وخيمنا على ظاهرها فوضع السلطان ما كان عليهم من ضرائب المكوس وبذل لهم ~~العدل الواسع والإحسان وأزال ما كان من المكوس أيضا بما كسين وسائر المواضع ~~بالخابور ثم قطعنا نهر الخابور على قنطرة الشبتير متوجهين إلى نصيبين فكان ~~نزولنا عليها بعد ثلاث ليال وقد تحصنت وتمنعت فالستائر على أسوارها مصفوفة ~~والمنجنيقات على قلعتها مستديرة فأشفقنا في حصرها من سفك الدماء وهتك الحرم ~~فوكلنا بها من يمنع من الدخول والخروج وسلطنا ناسنا على القلعة وواليها ~~فعرف أنه لا محيص له من المحاصرة فأرسل بعد أيام في الاستسلام وطلب أمانا ~~من السلطان فتسلمها منه بما فيها من الذخائر وأزلنا ما كان في البلد من ~~الضرائب والمكوس وعول السلطان في ولاية فصيبين على الأمير حسام الدين أبي ~~الهيجاء السمين وفي ولاية الخابور على جمال الدين خوشترين ### || ذكر الوصول إلى الموصل والنزول عليها # ولما رتب السلطان أمور نصيبين وأحوالها توجه منها بجميع عساكره إلى ~~الموصل فنازلها من أقطارها بجموع العساكر فوقف هو وجماعة PageV01P106 # حلقته مما يلي باب الروم محاذي باب كندة وجعل والدي من جهة الشرق بباب ~~شرقي وأخاه تاج الملوك بوري عند باب العماري فضايق البلد أشد مضايقة وكان ~~صاحب الموصل حنيئذ أتابك عز الدين مسعود بن مودود ونائبه مجاهد الدين ~~قايماز قد تولى حفظ البلد وكان قد كاتب الديوان العزيز واستشفع إلى المواقف ~~المقدسة الناصرة لدين الله باستصلاح شأنه وكان رسول عز الدين ابن أبي ~~الصاحب أستاذ الدار العزيزة يتولى مهامه فحسن لأمير المؤمنين ثبت الله ~~دعوته إنفاذ شيخ الشيوخ بالشفاعة إلى السلطان ### || ذكر وصول رسل الخلافة # ووصل إلى السلطان الخبر بوصول رسل الخلافة وهم صدر الدين شيخ الشيوخ ~~وشهاب الدين بشبر ومعهما من خواص الديوان جماعة كبيرة PageV01P107 # فتلقاهم السلطان بالرحب والإكرام وأنزلهم قريبا منه وشاع في العسكر وصول ~~شيخ الشيوخ في ms062 الصلح وإطفاء نار الحرب ووصل أيضا حسن الجاندار رسول مظفر ~~الدين قزل أرسلان صاحب أذربيجان في الشفاعة أيضا وقال جماعة من الأمراء ~~والأجناد هؤلاء غدا يصطلحون ونحن نحظى بالشقاء والحرمان لكونهم لم يطلعوا ~~على حقائق الأمور والسلطان يصرح بإباء المصالحة وترك قبول الشفاعة واستفراغ ~~المجهود في شغل الحصر والناس يقولون # هذا لا يستتم ولا يدوم وفي كل يوم يناوب القتال ووالدي الملك المظفر يحمل ~~من جانبه وينازل القوم وكذلك تاج الملوك بوري أخو السلطان وشيخ الشيوخ ينهى ~~الناس وينكر عليهم ذلك ويصدهم عن القتال وأتى إلى السلطان وقال # إنما أتيت إليك مستشفعا في أمر هؤلاء القوم فاعدلوا عما أنتم عليه حتى ~~أرسل إلى القوم وأنظر ما هم عليه فقال له السلطان # سمعا وطاعة فأرسل شيخ الشيوخ إلى القوم صاحبه فشرعوا يندبون كل يوم رسلهم ~~بالمراسلات الخادعة فخرج أول يوم جمال الدين محاسن ومجد الدين الشريف أخو ~~نقيب الطالبيين فحضروا عند شيخ الشيوخ في خيمته وأنفذ شيخ الشيوخ إلى ~~السلطان من عرفه وصولهم واستدعى منه إنفاذ بعض ثقاته لاستماع كلامهما فتقدم ~~السلطان إلى الأجل الفاضل وإلى الفقيه عيسى أن يحضرا وأن ينهيا إليه ما ~~يسمعانه منهما فمضيا وحضرا عند شيخ الشيوخ فأذهبا ذلك اليوم بالكلام الذي ~~لا محصول له ولا فائدة فيه ثم قالا خلنا ونخرج غدا بالأمر المعين # فلما كان من الغد خرجوا وطلبوا مطالب كثيرة وأشياء متعددة واقترحوا إعادة ~~البلاد المأخوذة وطال الحديث منهم بما لا فائدة فيه وكان غرضهم تمحيض ~~الأوقات فمكثوا على ذلك قريبا من شهر لا ينتهون PageV01P108 # إلى أمر مستقر ويقصدون الخدع والختل وشيخ الشيوخ يتوهم من السلطان أنه لا ~~يؤثر الصلح فلما تبين السلطان ذلك منه دخل لهم تحت ما أرادوه واستقر الأمر ~~على أن يردوا على السلطان حلب ويرد عليهم جميع ما اقترحوه وكان قد تبين ~~الأجل الفاضل فحوى مقالهم وما هم عليه من الخداع والمحال فانقطع عن الحضور ~~وتعذر بعذر ذكره وكان الفقيه عيسى يحضر لسماع مقالتهم وإنهائها إلى السلطان ~~ثم انقطع الفقيه ms063 عنهم فوجدوا بذلك مهلة فكانوا في أثناء ذلك يستنجدون ملوك ~~الأطراف ويظهرون الوفاق حتى تبين للناس ما عليه من الخلاف واستقر أن يدخل ~~شيخ الشيوخ إلى المواصلة ليبلو ما عندهم ### || ذكر دخول شيخ الشيوخ الموصل # ولما طال الأمر ولم يتحقق من المواصلة ما هم عليه استقر أن يدخل إليه شيخ ~~الشيوخ لإبرام العهد وإحكام العقد فدخل إليهم فكان عندهم يوما وليلة فرآهم ~~متنكبين عن سلوك النهج وآراءهم مختلفة فذكر لهم ما قاله رسولهم فأنكروه ~~وقالوا بعد كلام طويل # إن أراد صلاح الدين وفاقنا فليرحل عنا ويرد بلادنا ونحن نخلي بينه وبين ~~حلب ولا يطلب منا مساعدة لأن لنا مع عماد الدين زنكي يمينا وعهدا فإن رضى ~~صلاح الدين بهذا وغلا فما سمع الناس ولا قلنا # وكان قد استقر مع الرسل أنهم يسلمون إلى السلطان حلب ويستعيدون منه ~~البلاد فندموا على ما قدموه من التقرير وبتين لهم ما كان المواصلة عليه من ~~الحنث والمخادعة فانصرف شيخ الشيوخ من عندهم متوجها إلى بغداد فجاءوا غليه ~~وتضرعوا له وقالوا # ترجع إليه وتعيد عليه ما سمعته PageV01P109 # منا وتلطف به في الخطاب فلما اجتمع بالسلطان استعفى من التكلم واستوفى ~~حديثه ما سمعه من الأقسام فقال له صلاح الدين هذه أشهر شراف وقد عزمنا على ~~الرحيل ونهب لوصولك الموصل وكان نزول السلطان عليها في رجب وعشرة أيام من ~~شعبان ### || ذكر رحيل السلطان إلى سنجار وحصارها وفتحها # كان من بسنجار من المواصلة مدة مقام السلطان حصار الموصل يقطعون دونه من ~~أراد الوصول إليه فأمر السلطان ابن أخيه والدي الملك المظفر أن يمضي يحصر ~~سنجار فسار بمن معه من العسكر حتى صبح بأرنجان فوافاه عسكر مجرد من ~~المواصلة إليها فعبى أصحابه ميمنة وميسرة وعطف بهم فأحاط بهم فكبسهم جميعا ~~وأخذ خيولهم وعددهم ووكل بهم من درهم إلى الموصل رجالة واحتبس عنده جماعة ~~من مقدميهم وكتب بخبرهم إلى السلطان فلما وصله ذلك رحل من الموصل إلى سنجار ~~بجميع عساكره ومعه رسل الخلافة ونزل على سنجار بعد ليال فكان نزوله ms064 عليها ~~في العشر الأوسط من شعبان فضرب مخيمه على عيونها واقتسمت عساكره المنازل ~~بأقطارها وبدأهم بالمراسلة وخوفهم عواقب المخالفة فأبوا إلا الجلاد ولجوا ~~في العناد فأمر السلطان بمضايقتهم ونصب عليها منجنيقا واشتد النزال ودخل ~~شهر رمضان فأمر السلطان بالإحجام عنهم والاحتراز من إراقة الدماء وكان في ~~كل يوم يركب للإرهاب وهم مع ذلك يبالغون في التحفظ فجاء إلى السلطان ليلة ~~من الليالي من أخبره أن الحراس نيام فندب PageV01P110 # إليهم جماعة من أصحابه فقبضوهم جميعا فأصبح الذين بسنجار قد انكسرت ~~شوكتهم وضعف بأسهم فأنفذ شرف الدين أمير أميران هندو بن مودود أخو أتابك ~~الموصل عز الدين يطلب أمانا فأجيب إلى ما سأله وسيرت إليه هدايا وتحف ~~وعطايا وخرج من سنجار إلى الموصل بكوسه وعلمه وأجناده ونعمه وحرمه وتسلم ~~السلطان سنجار وقلعتها وخرج إليه أعيانها واستبشروا بقدومه وأسقط ما كان ~~بها من المكوس والضرائب وجعل فيها واليا هو الأمير سعد الدين مسعود بن معين ~~الدين أنر وكتب رياستها لأحد بني يعقوب وعول منهم في قضائها وتنفيذ أحكامها ~~على نظام الدين نصر بن المظفر ### || ذكر رحيل السلطان من سنجار وتوجهه إلى نصيبين ورجوع شيخ الشيوخ إلى بغداد وذلك في العشر الآخر من شهر رمضان من السنة المذكورة # ولما رتب السلطان الأمور بسنجار أحضر الأمراء وأصحاب المشورة فأشاروا ~~عليه بالإقامة بمكان يحملهم حتى ينقضي فصل الشتاء ومع انقضائه يتوجه بهم ~~حيث يشاء من الأماكن والبلدان فامتثل ما أمروا به ثم نهض PageV01P111 # لوداع شيخ الشيوخ وشهاب الدين بشير بعدما أصحبهما من التحف السنية ~~والهدايا المرضية للمواقف المقدسة الناصر لدين الله صلوات الله عليها وكتب ~~على يده كتابا إلى الديوان العزيز بما رأى وشاهد من أحوال المواصلة وما ~~افتعلوه من سوء التدبير والمحال والخداع # ورحل السلطان إلى نصيبين فحين قدمها شكا أهلها من أبي الهيجاء السمين ~~فأمر بصرفه عنهم واستصحبه معه وجعل بها بعض أمرائه وخرج منها متوجها إلى ~~دارا فتلقاه أميرها صمصام الدين بهرام الأرتقي فأكرمه وأنعم عليه وشرفه ~~ورحل من دارا متوجها إلى حران ms065 # ولما وصلنا إلى حران ضرب السلطان مخيمه في ظاهرها وأقمنا هناك للاستراحة ~~مشتغلين بشكر الله تعالى على نعمه فأمر السلطان والدي الملك المظفر بالرجوع ~~إلى حماة بعسكره فرجعنا من هناك وأمر جماعة من الأمراء بالرجوع إلى أماكنهم ~~وبلدانهم وأقام السلطان بظاهر حران في خواص أصحابه بقية شوال وذي القعدة ~~واياما من ذي الحجة فلما رأى المواصلة انفراد السلطان عن أصحابه بحران ~~وتفرقهم عنه في البلاد حملهم جهلهم على أن اجتمعوا وتحاشدوا وقصدوا حربه ~~طلبا لغرته ووحدته ### ||| ذكر السبب في ذلك # لما كان السلطان محاصرا للموصل ووصلت رسل ملوك الأطراف والجوانب إليه ~~شافعين لصاحبها وكان فيهم رسول شاه أرمن صاحب PageV01P112 # خلاط فارتحلنا عنها إظهارا لقبول الشفاعة الإمامية الناصرة لدين الله ~~وارتحلنا إلى سنجار فلما حصرناها وصل سيف الدين بكتمر وكان أعز أصحاب شاه ~~أرمن وبذل للسلطان في الشفاعة في سنجار كل ما أمكنه واشترط عليه أشياء ما ~~قبلها فكلفه السلطان أمورا استقلها فنفر طبعه وأراد السلطان تشريفه فلم ~~يوافق على ذلك وقال قولا غليظا وسار إلى صاحبه فأغراه إلى أن خرج بجميع ~~عساكره وكان شاه أرمن سكمان خال قطب الدين صاحب ماردين وقطب الدين إيلغازي ~~بن البي بن تمرتاش خال عز الدين أتابك الموصل فكتب إليه واستدعاه فخرج فكان ~~اجتماع شاه أرمن وعسكر المواصلة مع صاحبها بحوزم وهي ضيعة من ضياع ماردين ~~وأتاهم عسكر حلب والياروقية وكانوا جمعا عظيما وبلغ السلطان ذلك فلم يكترث ~~به وكتب إلى أمرائه العائدين فأول من بادر إليه بالوصول والدي الملك المظفر ~~وكان وصولنا من حماة إلى حران في خمسة أيام وقال للسلطان في ساعة وصوله # قم بنا إلى القوم فقال له إنهم في كثرة ولا بأس بالاحتراز وهذا عشر شريف ~~فلم يزل حتى وافقه السلطان على رأيه وسار بمن معه من غير انتظار للعساكر PageV01P113 # فنزل راس عين فطار خبره إلى القوم فولوا منهزمين يتبع بعضهم بعضا وذلك ~~يوم درقة من ذي الحجة فرجع شاه أرمن إلى خلاط والمواصلة إلى الموصل واعتصم ~~صاحب ماردين بحصنه # وأما ms066 عسكر حلب فإنه لم يقدم على الرجوع إليها ونحن على طريقه فتفرقوا ~~فمنهم من مضى إلى الموصل ثم رجع إلى عانة فعبر الفرات وطلب حلب # وأما السلطان فإنه نزل بحوزم وضرب مخيمه بها وكان بها قصر مشيد لصاحب ~~ماردين فأقام فيه تاج الملوك بوري أخو السلطان برسم النزهة ### || فصل من كتاب إلى الديوان العزيز من إنشاء الفاضل # اجتمع المواصلة وشاه أرمن وصاحب ماردين ودولتشاه صاحب أرزن وبدليس وغيرهم ~~على قصد الخادم حين ظنوا انه تقلل من عسكره وندب إلى الكفار من أمرائه من ~~اكتفى من مغيبه بمحضره وقدروا أنه يتم لهم اغتراره ويمكنهم عواره ويتناصرون ~~عليه قبل أن يجتمع أنصاره ونزلوا تحت الجبل فلما صح لهم قصد الخادم ظنوا ~~أنه واقع بهم فأخذوا أعنة الفرار بقوة وذكروا ما في لقائه من عوائد عندهم ~~مخوفة وعنده مرجوة وسار كل فريق على طريق بكيد عدو وفعل صديق معتقلا مالا ~~يهتز ولا يعتز ومتقلدا مالا يرقى ولا يريق وأعدى أنفسهم بجمع ليس له تبشير ~~وإن كان ما هو جمع سلامة بل هو جمع تكسير PageV01P114 ### || ذكر مسير السلطان إلى أمد والنزول عليها # ولما رجع السلطان من الموصل كتب إلى المواقف # عليه عوضا عن يده ألف دينار فحمل ابن الضحاك إلى الديوان العزيز وترك في ~~التوكيل وعجب الناس من تقدم الخليفة في حق المتصرفين بالقطع فحكى أبو طالب ~~صاحب باب المراتب عن أستاذ الدار ابن الصاحب أنه سمع من الخليفة أنه قال # لما كنت أميرا وكان لي إقطاع في نهر ملك وكان هذا أبو الحسن بن الضحاك ~~عاملا في نهر ملك نفذ جماعة من أصحابه وأخذ من إقطاعي رجالا فمضى إليه خالص ~~الخادم وخاطبه في معناهم وسأله أن يطلقهم أو يقتصر على البعض فلم يقبل فجاء ~~إليه وهو في دار ابن العطار وكرر السؤال عليه فقال له # والله ما أطلق منهم رجلا واحدا وتقول لسيدك أبي العباس أحمد الأمير إذا ~~صار خليفة يقطع يدي ولقبه بكل قبيح # فلما صار الأمر إلي وكتب صاحب الديوان أنه ms067 قبض عليه ذكرت هذه الحال ~~وتقدمت بقطع يده كما كان قد سأل فكتب إلي هذا الكلب يقول لي إنني قد قررت ~~عليه ألف دينار والله لابد أن أقطع يده كما كان قد سأل وبقي ابن الضحاك في ~~التوكيل إلى أن استوفى ألف دينار وما يقدر أحد أن يسأل فيه # وحكى أن صاحب الديوان كان له مطبخ وكان لا يطبخ فيه شيء بل جميع ما كان ~~يحتاج إليه من عند الناظر وكان في طريق خراسان كاتب يعرف بابن جميل فكتب ~~رقعة وعلقها على باب المطبخ فيها أبيات لمرجا شاعر بني أبي الجيرومي PageV01P115 # رأيت مضرب شعر %~% فقلت ماذا السواد # فقيل مطبخ نصر %~% فقلت أين الرماد # فقيل لي فيه بن %~% وكامخ وجراد # وليس فيه سوى إذا %~% ومجال يراد # فخرج صاحب الديوان أبو علي نصر بن الوكيل راكبا ومعه جماعة وأصحابه فرآي ~~الرقعة على باب المطبخ فأخذها وقرأها فقال له أحد أصحابه هذا فعل ابن جميل ~~الكاتب فقصده وكتب إلى الخليفة في حقه وصرفه من خدمته ودخل صاحب الديوان ~~إلى بغداد وهو مريض فما مضى عليه إلا أيام قلائل وتوفى وكان الخليفة أدام ~~الله أيامه كبير الميل إليه والمحبة له وكان أحسن أرباب الدولة خلقة وذكر ~~أن الخليفة لما أنفذ به إلى واسط وأنفذ منها مائة ألف دينار حملا واحدا قال ~~إنني أريد أن أجعل هذا ابن الوكيل وزيرا فإنه مليح الصورة وقد عرف قواعد ~~الديوان فنقل ذلك إلى أستاذ الدار ابن الصاحب فنفذ إلى طريق خراسان من ~~أطمعه فلما مات كان جماعة ممن كانوا ينبسطون بمجلس أستاذ الدار يهنئونه ~~بموت ابن الوكيل فلما مضت أيام قلائل أنفذ أستاذ الدار فأحضر داود الذي كان ~~مشرف ديوان الزمام أيام المستضئ بأمر الله رضوان الله عليه وكان قد تصوف ~~وانقطع في رباط شيخ الشيوخ فأحضره واستأذن له بأن يرتب صاحب ديوان فبرز ~~الأمر الشريف بذلك وكان لقبه مجد الدين فغير لقبه لأن أستاذ الدار كان يلقب ~~بمجد الدين ولقب داود بكمال الدين ونقل إلى دار في ms068 القرية المعروفة بقصر ~~الخلافة وكان مالك الدار يعرف بجلال الدين بن جعفر الذي كان صاحب ديوان في ~~الأيام المستنجدية ورتب عليه مشرفا صفي الدين أبو غالب بن الجلال وكان ~~نصرانيا وأسلم وسنذكر قصته فيما بعد إن شاء الله تعالى PageV01P116 # وفيها أشار أستاذ الدار إلى جماعة من أهل بغداد من العوام بأن يتقولوا ~~إذا ركب ابن زيادة إلى الديوان # يا غيث مالي بالغرام يد %~% # وكانت هذه الأبيات قد ذكرت في أيام ابن زيادة وكان أستاذ الدار بقصره ~~ويريد صرفه من الديوان العزيز وكان يقبح ذكره ويقصده فكان ابن زيادة إذا ~~ركب سمع في السوق ضجة عظيمة من العوام (يا غيث مالي بالغرام بد ليلا كان ~~أو نهارا # ثم إن أستاذ الدار حسن للخليفة عزل ابن زيادة والقبض عليه فبلغه ذلك فخرج ~~هاربا فنزل في رباط شيخ الشيوخ وسأل أن يتصدق عليه بنفسه وأن يؤذن له ~~بالمضي إلى واسط فأذن له في ذلك فمضى إلى واسط ولزم داره # وأحضر أستاذ الدار عز الدين صدقة بن صدقة وأخذ خطة بألف دينار ورتبه صاحب ~~ديوان موضع ابن زيادة وخلع عليه في الديوان العزيز وتقدم أستاذ الدار إلى ~~ابن البخاري النائب أن يوقع إلى ابن فطيرا ناظر الأعمال الواسطية أن يعترض ~~أملاك ابن زيادة ويضيق عليه ويقصد تقبيح ذكره وكان سبب ذلك علمهم بحسن رأي ~~الخليفة فيه وكان أوحد الزمان في الكتابة والتراسل لا تلد النساء قبله وكان ~~محسودا لفضائله وأقام بواسط على نهاية من الضر حتى تناهت به الحاجة حتى نقل ~~عنه أنه كان ينسخ بأجرة # وفيها ضرب سكلية بن إيلاجك أمير البصرة دراهم صغارا وسماها إيلاجكية كان ~~ذلك بعد موت أبيه إيلاجك بسنة ثم إن ابن فطيرا ضمن PageV01P117 # البلاد البصرية على أن يكون ابن إيلاجك شحنة فحسب وكان ابن إيلاجك ~~المذكور على غاية من البخل والشح ثم لم تزل أموره تتناقص إلى أن صرف من ~~البصرة وأصعد إلى بغداد فلما وصل إلى بغداد أنعم الخليفة عليه بالرازان # وفيها تقدم الخليفة بإحضار طغرل الخاص ms069 وكان أكبر مملوك رومي بين يديه إلى ~~الديوان العزيز وأن يخلع عليه قباء أسود وعمامة سوداء وأخرجت له من الدار ~~معممة وأعطى فرسا وسيفا وخوطب بعماد الدين وأقطع البصرة وجعل في خدمته خمس ~~مائة مملوك وكبر أمره وذكر عن ابن الأنباري كاتب الإنشاء أنه سمع من أستاذ ~~الدار ابن الصاحب يقول قال الخليفة ما لأحد علينا في هذه الدولة حق إلا ~~لهذا طغرل الذي قد أعطيناه البصرة وكان الخليفة يعلن بهذا القول ويكرره ~~وسبب ذلك أن طغرل كان يمضي إلى الأمراء في السر ويستحلفهم للخليفة وقد ألبس ~~منهم جماعة ثياب النساء وأدخلهم إلى الخليفة قبل ولايته وهو أمير منهم ~~الشطرنجي وقيطرمش الشحنة وسيف الدين طغلو وجماعة من المماليك # وفيها التجأ جمال الدين بن الحصين إلى رباط شيخ الشيوخ خوفا من آل تنبه ~~الشطرنجي صاحب واسط لأنه كان قد ضمن منه الأعمال الواسطية وحضر عنده جماعة ~~من أهل واسط يتألمون منه ويذكرون أنه قد خرب الأعمال وقد أخذ جملة من ~~الأموال للرعايا فكثر غضب الشطرنجي عليه لذلك وكان قد عمل ضمانه وانكسر ~~عليه عشرون ألف دينار PageV01P118 # وأما صدر الدين شيخ الشيوخ فإنه خاطب الخليفة في معنى ابن الحصين فقال # ماله معنا شغل بينه وبين خصمه الشرع فتحقق ابن الحصين أنه لا منجي له من ~~الشطرنجي وكان ذا سطوة وشدة وأكثر الناس قساوة وأشدهم تجبرا وكان مع ذلك ~~كريما جوادا وكان معطاء لا سيما إذا شرب فلما شاهد ابن الحصين هذه الأحوال ~~لم يجد بدا من الهرب إلى الشام والاعتصام بجناب الملك الناصر صلاح الدين # وفيها تقدم الخليفة بنقل عماد الدين إلى البدرية فلما انتقل وسكن بها كان ~~الخليفة لا يزال معه إن خرج أو دخل ولا يفارقه في سائر الأوقات # وفيها كثر الخليفة أدام الله أيامه ليلا يمشي في الأسواق ومعه جماعة منهم ~~نجاح الشرابي وأبو الحسن بن الكرخي وأبو العز ومحمد بن يحيى الفراش وكان ~~يمضي متنكرا مرة في زي العجم ومرة في زي الترك ومرة في زي الفقهاء وكان ms070 ~~يعتقد أن أمره يخفي على أهل بغداد وكان لا يخفى مكانه للذين معه لأنهم ~~كانوا معروفين عند الناس فكان كالعلم إذا اجتاز في موضع عرف بمن هم معه ~~فكان الناس يلحون بالنظر إليه ويقفون أثره ويمضون خلفه وراى أن السكوت عنهم ~~يوجب تكدير الوقت وخاف على نفسه فأطلق القتل في كل من يتوهم أنه ينظر إليه ~~أو يقصد أن يمضي في طريقه إلى أن انحسمت المادة فكان أهل بغداد إذا غلب على ~~ظنونهم أنه في طريق هربوا عنها إلى أخرى وإذا صادفه أحد في طريق ورآه بغير ~~اختياره كاد أن يهلك من شدة الخوف وإن استغاث إليه أحد وهو في الصيد فإن ~~خاطبه بمولانا أو دعى له وعرف أنه قد عرفه ما يخلو أمره من أحد أمرين إما ~~أن يقتله أو يعرض عنه ولا يقضي له حاجة ليزيل من قلبه أنه أمير المؤمنين ~~إلى أن هرب الناس كافة وهان عنده سفك الدم PageV01P119 # وفيها ظهر ببغداد التشيع والإعلان بولاء أهل البيت عليهم السلام وكان ~~أستاذ الدار ابن الصاحب معروفا بذلك هو وبيته يرثه عن آبائه وأعلن بالتظاهر ~~بلعنه معاوية ويزيد بحيث أن رضي الدين القزويني مدرس النظامية كان إذا جلس ~~بمدرسة النظامية مجلس الوعظ يسؤل عن ذلك فلا يرد جوابا فقام إليه رجل في ~~بعض الأيام وهو يعظ الناس وسأله أن يلعن يزيد فلم يفعل فثار الناس عليه في ~~المجلس وهموا بقتله وقام جماعة من أهل بغداد وفي أيدهم العصى ورجفوا إلى ~~المنبر واتصل ذلك بحاجب الباب ابن صدقة فأنفذ نائبه عطاف بن بختيار ومعه ~~جماعة فمنعوا الناس من الفتنة وحملوا الشيخ رضي الدين القزويني المدرس إلى ~~بيت من بيوت الفقهاء مما يلي خزانة الكتب التي بالمدرسة المذكورة وغلقوا ~~عليه الباب ووقف النائب والجماعة والذين معه إلى أن جاء الليل وأخرجوه إلى ~~داره وسكنت تلك الغوغاء ومنع الناس من أذيته # ثم تقدم إلى رضي الدين القزويني أن يجلس بباب بدر ويكون الخليفة هناك ~~فجلس وكان ذلك اليوم يوم السبت وقام إليه ms071 جماعة وكلفوه بأن يلعن يزيد بن ~~معاوية وكان معه ولده الملقب بالرفيع فأشار إليه بلعن يزيد فصرح بسبه ولم ~~يسمع أباه شيئا وكان الموضع فيه جماعة من مماليك الخليفة فلم يقدر أحد من ~~الناس أن يتعرض بنفسه بل سكت الناس ورأى رضي الدين القزويني أن هذه الحال ~~لا مندوحة لأهل بغداد عنها وأنه لا يقدر على المقام دون التظاهر بسب يزيد ~~وأنه متى فعل ذلك هلك جميع من يتعلق به بقزوين وأخذت أمواله وأملاكه فمضت ~~عليه أشهر وطلب الإذن بالمضي إلى بلده لينظر أهله فاستأذن له في ذلك أستاذ ~~الدار ابن الصاحب فأذن له من شدة بغضهم له وأنفذوه في رسالة في طريقه إلى ~~قزل رسلان فمضى وأسرع PageV01P120 # في الخروج فعند ذلك ندم الخليفة لخروجه وعلموا بعد ذلك أنه لم يخرج إلا ~~للمذهب وخشوا من التشنيع عليهم في البلاد # فلما وصل إلى قزل وبلغه رسالة الديوان العزيز قال له # أنفذ أنت الجواب فإنني غير راجع إلى بغداد وإنني قد شاهدت الموت الأحمر ~~وتوجه إلى قزوين فكان الناس في تلك الخطة بأسرها من الملوك وغيرهم يقصدون ~~رضي الدين القزويني يتبركون به ويهنئونه بسلامته # وبقيت النظامية خالية من مدرس وفيها جماعة من المعيدين والفقهاء يذكرون ~~الدروس ويقرءون الربعة في كل يوم وهم يعتقدون أن رضي الدين يرجع إلى أن وقع ~~الأياس منه # وكان الفقيه التوقاني يعتقد أنه ربما أنعم عليه بالنظامية وكان كثير ~~الخطاب والقول والاستشفاع بالناس من أرباب الدولة لأجلها وكان مستحقا ~~للتدريس والتصدر بمجلسها غير ان الأمور بيد الله تعالى جارية بتقديره # وفيها استأذن شهاب الدين الفقيه الطوسي في الحج فأذن له فخرج من بغداد ~~ومضى إلى مصر وكان قد جعل الحج حجة لخروجه ولو عرف منه ذلك لما مكن من ~~الخروج ولم يؤذن من بعده لأحد في المضى إلى الحج إلا إذا علموا عوده إلى ~~العراق وكانت معه ابنة الثقفي وماتت وأخذ جميع ما كان لها وسبب ذلك أن ~~أستاذ الدار ابن الصاحب كان يبعضه ويقصده ولو بقى في ms072 العراق لهلك لأنه كان ~~صاحب ابن العطار PageV01P121 # وكان قد حضر ذات يوم في دار أستاذ الدار وقيل له إن علي بن أبي طالب عليه ~~السلام ما ملك من الدنيا شيئا وكان فقيرا حتى إنه كان يأكل خبز الشعير فقال ~~له الطوسي # هذا ما يقوله إلا من لا يعرف وإلا على قد نقل عنه أنه أدى زكاة أربعين ~~ألف دينار وكان كثير المال وله نعمه وإنما المبغضون له يقولون هذا فقال له ~~أستاذ الدار فكيف مدح علي بإيثاره بخبز الشعير وبصدقته بالخاتم فقال هذا ~~كان في ابتداء حاله وإلا بعد ذلك ملك وصار له فقال له أستاذ الدار # أريد أقف على هذا النقل من قاله وعمن ينقله فقال له سمنديار الواعظ # إن هذا ما سمع فقال ابن الطوسي # يجوز أنك أنت ما سمعته وطولب ابن الطوسي بإحضار الحجة فخرج حينئذ وهو ~~يعتقد أنه يبرهن عن شيء له فيه مصلحة # فلما خرج عرف أنه قد خاطر بدمه وأن هذه تكون من أعظم الحجج عليه فادعى ~~أنه قد مرض وبقي أياما وأنساهم هذه الحال فأنكر على أستاذ الدار كيف سمع ~~منه هذا وسكت وكيف ما كلفه أن يحضر الحجة فيما ذكره عن أمير المؤمنين على ~~عليه السلام وصار الأمر أكثر من أن يوصف وصار الناس يثقلون بالأخبار عن أهل ~~البيت عليهم السلام ويذكرون أشياء من امور الصحابة مالا يفيد ذكره لو ~~ذكرناه حتى نقل عن ابن الجوزي الواعظ أنه قال # ما أكثر ما يسألون الناس عن معاوية ويزيد ويكلفونني شرح أحوالهم ما ~~يكتفون مني في هذه الأيام أنني أرجم لهم أبا بكر وعمر وأنا مخاطر وكان ~~الناس في يوم عاشوراء يهجرون الأسواق ويعلنون بالنوح على أهل البيت عليهم ~~السلام والإنشاد لا سيما في ناحية المختارة ومحلة الكرخ وهذا غلط من ابن ~~المارستانية وكانت واقعته في سنة ثلاث وثمانين سنذكرها إن شاء الله تعالى PageV01P122 # وفيها بذل مسعود بن جابر الذي كان خازن المخزن وحاجبا بين يدي ابن العطار ~~عشرة آلاف دينار ليكون صاحب المخزن ms073 المعمور وكان أستاذ الدار قد تغير علي ~~ابن شبيب صاحب المخزن فتقدم بالقبض على ابن شبيب والتوكيل به في داره ~~وترتيب مسعود بن جابر صاحب المخزن ولقب فخر الدين وتقدم إليه أن يسكن في ~~دار ابن العطار التي هي مقابلة لباب الحرم الشريف وخلع عليه في دار أستاذ ~~الدار والمشرف عليه ابن رزين وكان يومئذ وكيل الخدمة الشريفة يشهد عليه في ~~بيع الأملاك وشرائها ويستأذن في تزويج المماليك الخواص ويشهد عليه في العتق ~~كل ذلك عن الخدمة الشريفة النبوية الإمامية الناصرة لدين الله تعالى # وفيها مات الأمير أبو منصور أخو الناصر لدين الله وغسله العدل بن الحراني ~~وأخذ سلبه يحيى الفراش فكان من جملة ما أخذ منه أثاث وقماش وفضة يساوي عشرة ~~ألف دينار وكان من جملة ذلك مسند زركش وطراحة زركش بألف دينار وجميع ما ~~استعمل في غسله من طاسة فضة وطست فضة وغير ذلك وكان يوم موته يوما مشهودا ~~عظيما ولم يتأخر أحد من أرباب الدولة وغيرهم من كبار أهل بغداد إلا وحضر ~~إلى الدار العزيزة # وكانت أيضا ماتت العباسة إحدى جهات المستضئ بامر الله وخلفت أموالا كثيرة ~~وبيع ما كان لها من جهاز وأثاث بديوان الأبنية وأخرج لها ثوب كبير الأكمام ~~بلؤلؤ كبار وقبقاب أيضا عليه لؤلؤ ومداس لؤلؤ وكان المتولى لهذه الأموال ~~أستاذ الدار ابن الصاحب لم يشاركه أحد في ذلك سوى يحيى الفراش فيأخذ ابن ~~الصاحب ما يريد ويعطي ليحيى ما يريد والخليفة مشغول بمتنزهاته وصيده وكان ~~ابن يونس أبو المظفر هبة الله نائب أستاذ الدار ابن الصاحب في ديوان ~~الأبنية وجميع هذه الحال يعلمها PageV01P123 # وهو يكتبها عنده ويعده لوقت الحاجة ويجعله طريقا إلى قتل أستاذ الدار ~~وأستاذ الدار لا يعلم بذلك # وفيها تقدم أستاذ الدار ابن الصاحب إلى قاضي القضاة ابن الدامغاني أن ~~يطالب عماد الدين بن رئيس الرؤساء بمال إخوته الأيتام فطالبه وأحضره وحبسه ~~ثم سأل العماد أن ينظر مدة شهرين إلى أن يحصل المال وكان أستاذ الدار ~~العزيزة يريد هلاكه فنفذ إليه ms074 ابن البخاري نائب الوزارة ابن التعاويذي ~~الشاعر وكان يومئذ ينوب عن ابن البخاري في إقطاعه وهو صاحبه قبل الولاية ~~وكان ابن التعاويذي غلام بيت رئيس الرؤساء وشاعرهم وبهم عرف وقال له # قل لعماد الدين يقول لك ابن البخاري خذ لنفسك وأبصر لأمرك فأنت هالك فإن ~~أستاذ الدار ما قصده إلا نفسك وقد جعل المطالعة بمال الأيتام طريقا إلى ~~إتلاف نفسك وقد نصحتك # فاعتقد عماد الدين بن رئيس الرؤساء أن ابن البخاري قد نصحه بذلك ولم يكن ~~ذلك نصحا بل نفذ أستاذ الدار إلى ابن البخاري وقال له راسل عماد الدين بكذا ~~وكذا بحيث يهرب إلى جهة من الجهات ويعرف الخليفة أنهم ما يقدرون يرون زمانا ~~هو فيه خليفة وأنه متى هرب واحد منهم انقلع البيت جميعه # وأن ابن رئيس الرؤساء أخذ هذا الكلام بظاهره ورآه نصحا فخرج على وجهه ~~هاربا وعليه صدرة خام وتحته أتان وفي رجليه نعلان من صوف ومعه رجل صوفي ~~يخدمه ولم يعلم به أحد حتى صار في بلاد الشام واعتصم بالملك الناصر صلاح ~~الدين PageV01P124 # وفيها هرب جمال الدين خشترين من الموصل وجاء إلى بغداد ومعه حدود ~~ثلاثمائة فارس ببرك جميل وتجمل زائد فوقف عند الكشك الجديد عند ظاهر السور ~~ونفذ صاحبا له يطلب رجلا متفقها من أهل حماة كان يلوذ في تلك الأيام باستاذ ~~الدار ابن الصاحب فلما جاء إليه عرفه # أن جمال الدين خشترين قد هرب من أهل الموصل وقد التجأ بالعتبة الشريفة ~~النبوية وهو يطلبك فقال الحموي # ما أقدر أمضى معك إلا بإذن من أستاذ الدار فقال له # افعل ومضى وعرفه وصول المذكور واستأذنه في الخروج إليه فخرج إليه # فلما رأى المذكور ترجل له وترجل له خشترين وسلم عليه وسأله كيف كان ~~الموجب فقال إنني كنت في السنة الخالية يعني سنة ثمان وسبعين قد وصلت إلى ~~بغداد في خدمة أتابك صاحب الموصل لما توجهت إلى الحج ومعي جماعة من الأمراء ~~وكنت كثير الاجتماع بك وكتب الأمراء الذين كانوا معي إلى الموصل يقولون ~~لمجاهد الدين ms075 الخادم الذي في الموصل أن ختشترين قد قرر أمره في بغداد وأن ~~الواسطة بينه وبين أستاذ الدار رجل من أهل حماة فأرادوا القبض علي وأخذ ~~مالي فهربت منه وقد أتيت إلى هاهنا على عزم الخدمة بالديوان العزيز فمضى ~~الحموي إلى أستاذ الدار وعرفه بهذه الحال فتقدم أستاذ الدار إلى الحموي بأن ~~يمضي إلى خشترين ويقول له قد رسم أن تضرب خيمك ظاهر سور بغداد على شاطئ ~~دجلة حتى يعين لك موضع ونستأذن الخليفة في معناك فأنزل عند جامع السلطان ~~ظاهر السور وتقدم لحمل إقامة كبيرة إليه فحملت على يد الحموي # فلما مضى ثلاثة أيام سأل خشترين أن يدخل البلد وأن يقبل الأرض بباب ~~النوبى وأن يدخل إلى الديوان العزيز فأخرج إليه الحاجب على صاحب PageV01P125 # شمس الدين الركاب سلار صاحب الخليفة والمتولي لديوان البريد وحديث من يصل ~~من الجوانب فقال له الصاحب مجد الدين أستاذ يسلم عليك ويقول قد أذن لك أن ~~تحضر إلى الديوان في غداة غد وأما تقبيل العتبة الشريفة فمالك بذلك حاجة ~~لأن الرسل يقبلون الباب الشريف نيابة عن مرسلهم وأنت عمن تقبل هذه العتبة ~~قد أعفيناك عن هذا ثم مضى من عنده وأصبح في ذلك اليوم الذي تقدم إليه فيه ~~أن يحضر ولبس قباء أحمر بباولي نسيج من ثياب أتابك صاحب الموصل وركب معه ~~جماعته بالأعلام المنشورة والبيارق ومعه خادمان ودخل في جماعة ومعه الحموي ~~إلى الديوان العزيز وفيه النائب ابن البخاري # فلما وصل إلى الديوان ودخل تقدم إليه # أن اجلس على طرف الإيوان الذي فيه مسند الوزارة ساعة ثم أذن له بالدخول ~~إلى نائب الوزارة فقام ودخل إلى الستر الأول فمنع جميع من كان معه ودخل هو ~~والحموي فحسب وكان النائب جالسا في الديوان في حجرة الصلاة التي على باب ~~بيت الجيش وعنده صاحب الحجاب شمس الدين بن جعفر فجذبه جمال الدين بيده إلى ~~الأرض ثلاث مرات فلما قارب أن يصعدوا للصفة قال له النائب # مرحبا بجمال الدين وتحرك إليه فتحول وجلس جمال الدين خشترين فقال ms076 له ~~النائب # كيف كنت في هذه الحركة فقام وخدم فقال له # طب نفسا ثم أخلا له المجلس ولم يبق معه سواه فحسب وخرج الحموي مع الجماعة ~~ثم قال له # ما يريد الأمير فذكر له حاله مع أهل الموصل وأنهم أرادوا قبضه ولم يكن ~~السبب إلا محبتي للديوان العزيز مجده الله تعالى # فقال له النائب هذا قد عرفناه نريد أن تعرفنا كم كان لك عند صلاح الدين ~~ولم فارقته وكيف تريد تكون عندنا بحيث نطالع PageV01P126 # الخليفة خلد الله ملكه ومهما تقدم به عمل فقال له خشترين لما كنت مع صلاح ~~الدين كان لي عنده إقطاع بمائة ألف دينار وعشرين ألف دينار صورية فقال له ~~ابن البخاري أيتم أو يصح فقال له يصح أكثر من هذا الاعتداد فقال له يا أمير ~~لأي سبب فارقت هذا الحال هذا مبلغ كبير فقال غضبت وسببه أنني طلبت منه ~~موضعا ما أعطاني فحلفت أنني لا أخدم معه وأنا ما أريد من الخليفة هذا بل ~~ينعم ويتقدم إلي أن أمنع خفاجة من هذه الديار وآخذ ما تأخذونه وأحمل إلى ~~الديوان منه والباقي آخذه أنا وجماعتي وما أريد أن أقول كنت ولا كان لي ~~والإنسان ابن ساعته وأنا الساعة قد جئت فقال له النائب هذا القدر كبير ها ~~هنا مماليك الخليفة أرزاقهم مقررة بقدر حاجتهم حتى إننا نعطيهم من المخزن ~~الخبز واللحم وثياب الصيف والشتاء بقدر ما يحتاجون إليه من النفقة وهذا ~~القدر ما يمكن أن يعطى لأحد عندنا ولو أن جمال الدين قد ربى عندنا ما كنا ~~نجد بحقه لصلاح الدين أكثر من أن يحمله إليه يجاهد الكفار ومع هذا طيب نفسك ~~نذكر هذا كله للخليفة ومهما تقدم به عرفتك على لسان الحموي قم الله معك # فقام ولم يتحرك له # فلما خرج قال للحموي أما رأيت إلى هذه الأفعال نجئ إلى صاحب عمامة لا ~~يقول لنا فقال هذا نائب الخلافة لا يقدر يقوم لأحد إلا بإذن فلا تغضب من ~~هذا ولا تتحدث به ثم خرج من الديوان ms077 وأتى إلى دار أستاذ الدار فجلس على ~~بابه ساعة ثم خرج الحاجب أبو الرضا فاستدعاه فدخل هو والحموي فقام أستاذ ~~الدار قائما واعتنقه وقال له # كيف بت وقلبي إليك وإلى تعبك فقال له # يا مولانا قد ضاق صدري من النائب وقد قال لي ما يتحف صلاح الدين بأكثر ~~منك فقال له # لا تقف عند هذا لو أنك عند صلاح الدين PageV01P127 # نفذنا أخذناك منه أنت قد جئت إلى بلدك ودارك فلا تقف مع هذا القول ثم ~~أمره بالرجوع إلى مخيمه وقال أنا أكفيك المؤونة في هذا كله فخرج وهو فرحان ~~طيب القلب من قول أستاذ الدار واغتر بقوله وكلامه كما قال الحريري # هذا كلام كالصهباء وفعل كالحصباء وأتى خشترين إلى مخيمه وهو كبير الفرح ~~والسرور بقول أستاذ الدار فلم يزل في مخيمه أياما ولا يرى لذلك القول فائدة ~~ولا ثمرة ولم يخاطب له بقليل وكثير # ولما كان بعد أيام نفذ أستاذ الدار إلى الحموي أحضره بين يديه وأحضر ~~الحاجب عليا صاحب الركاب سلار صاحب ديوان البريد وقال له # تمضي أنت وهذا وتقولان لهذا الكردي أنت تعرف إشفاقي عليك وأنني أريد ~~مصلحتك وأنني قد رأيت لك من المصلحة أن نكتب معك مكتوبا عن الخليفة يكون ~~مضمونه أنا سألناه أن يخدم الديوان العزيز فلم يفعل وطلب العود إليك ~~والشفاعة في حقه وقد تقدم الخليفة بأن تشرف وينعم عليك فمضى الحموي والحاجب ~~علي إلى عند خشترين وعرفاه بقول أستاذ الدار فضاق صدره لذلك وقال مبارك # فلما مضى الحاجب علي قال خشترين للحموي ما أريد منهم كتابا ولا شفاعة إلى ~~صلاح الدين إن أحب ما إليه أن أعود إلى خدمته ولكن أريد أن تمضي إلى أستاذ ~~الدار وتقول له ينعم علي ويسأل الخليفة أن يقبل هديتي حتى أقدم له قميص زرد ~~وثيابا وخيلا وخادمين وذكر أشياء # فمضى وعرف أستاذ الدار ذلك فكتب بذلك إلى الخليفة فكتب إلى أستاذ الدار ~~يقول له # هذا رجل غريب وضيف ما يجوز أن تثقل عليه فلا تقبل منه شيئا فمضى ms078 الحموي ~~وعرف خشترين ذلك فقال مبارك أنا أبذل خمسة ألف دينار وأن ينعم علي بخلعة ~~سوداء وعمامة سوداء وأن ينعم علي PageV01P128 # بكوسات فمضى الحموي وذكر ذلك لأستاذ الدار فضحك وقال تقول له إن الذي ~~تريد أن تمضي إليه ويشفع إليه في حقك إذا رأى أن قد أعطيناك مثل ما أعطيناه ~~ما يطيب له ذلك ثم قال للحموي أنكر عليه هذه الحالة وعرفه الواجب # فمضى الحموي وعرفه الحال فجعل يوبخ نفسه ويلومها كيف أتى إلى بغداد وقال ~~ما أقدر أرجع إلى الموصل وهذه طريق لا أعرفها فقال الحموي تطلب من أستاذ ~~الدار أن ينفذ معك جماعة من خفاجة يعرفونك الطريف ويمضون معك إلى البلاد ~~الشامية فقال له حبا وكرامة فمضى الحموي إلى أستاذ الدار وعرفه الحال ثم ~~نفذ بعد أيام إليه بالحاجب على صاحب شمس الدين الركاب سلار ومعه حاجب من ~~حجاب الديوان العزيز يعرف بتاج الدولة بن أبي حرب ومعهما كتاب مختوم لا ~~يعلم ما فيه سوى أنهما قالا إنه شفاعة من الديوان العزيز إلى صلاح الدين في ~~حقك فقم وقبل الأرض فقام وقبل الأرض ثم قال له الحاجب خذ هذا الكتاب وقبله ~~واتركه على رأسك ففعل # ثم أخرج له من خرقة قباء أطلس أحمر وقلنسوة زركش فقام ولبسهما ثم أعطوه ~~نفقة مبلغها مائة دينار وخمس خلع لأصحابه وقيل له هذا برسم نفقة الطريق وقد ~~تقدمنا إلى ثلاثة أمراء من خفاجة يمضون في خدمتك إلى موضع تختار وتكتب معهم ~~تعرفنا إلى أين وصلوا معك ثم أمر له بسفن عبر بها إلى الجانب الغربي فأقام ~~أياما ثم جاءت الأمراء من خفاجة ورحل من بغداد على طريق البرية وكان حيث ~~وصل إلى بغداد معه طير يسمى الزاع وهو الغراب الصغير وكان خشترين إذا مد ~~الطبق ينزل هذا الطير من رأس الخيمة وكان قد رباه خشترين وألفه فكان معهم ~~يطير على رؤوس الأجناد وإذا تعب نزل على بعض الجمال PageV01P129 # فلما توجه إلى الشام ومعه أمراء خفاجة أوصلوه قريبا من حمص وفارقوه بعد ~~ما ms079 خلع عليهم وأكرمهم وسألوه أن يعطيهم الغراب فأعطاهم إياه فجعلوه في قفص ~~فلما رجعوا إلى جهة العراق طار الطائر من القفص ومضى فلما وصل خشترين إلى ~~ثية العقاب ما أحس إلا والطائر قد سقط عليه ونزل على بعض جمال الرجل فتعجب ~~من ذلك وكتب بهذه الحال إلى الحموي فأعرض كتابه على أستاذ الدار فتعجب من ~~ذلك # وفيها مات فخر الدولة بن المطلب وكان رجلا صالح أوحد زمانه وكان مع ذلك ~~زاهدا كثير العبادة وكان يعتكف نصف السنة لا يخرج إلى أحد ولا يجتمع بأحد ~~وكان كثير المال والأملاك والضياع وعمر مدرسته المعروفة بدار الذهب وسلمها ~~إلى جمال الدين بن فضلان الشافعي وأوقف عليها وقفا حرا ما يكون محصوله في ~~كل سنة ألفا وخمسمائة دينار إمامية وعمر رباطا للصوفية مجاورا لمدرسته ~~وأوقف عليه جملة كثيرة وعمر جامعا كبيرا في الجانب الغربي من مدينة السلام ~~وغرم عليه حدودا من ثلاثين ألف دينار وأوقف عليه وقوفا كبيرة وجعل الولاية ~~والوصية إلى جلال الدين بن البخاري نائب الوزارة وأوقف عدة نواحي وبساتين ~~على ابنته ولم يكن له ولد سواها وشرط عليها إن تزوجت لا تستحق شيئا من هذا ~~الوقف وأكد الوصية إلى نائب الوزارة بذلك وحمل إلى جامع القصر وتقدم ~~الخليفة بفتحه له لأن جامع القصر لا يفتح لميت إلا بإذن شريف وحضر جميع ~~أرباب الدولة ونائب الوزارة وأستاذ الدار إلى المقصورة الشريفة التي يصلي ~~فيها الوزير وكان أستاذ الدار واقفا فوقا PageV01P130 # من النائب وهذه الحال لم تكن لأحد ممن تقدم من أستاذية الدار أن يترفع ~~على نائب وزارة إلا هذا لكون المذكور كان غلامه واختياره ونائبه وصلى عليه ~~الشيخ أبو طالب المبارك صاحب ابن الخل وحمل إلى الجانب الغربي من بغداد ~~ودفن في جامعه على الطريق من وراء شباك الجامع المذكور # وكان الناس ببغداد يتأسفون عليه شاكرين لطريقته وحسن سيرته وإعراضه عن ~~الدنيا بعد أن أقبلت عليه لأنه كلف أن يكون وزيرا مرارا وكان رحمه الله حسن ~~الاعتقاد كبير الإمدادات لأرباب البيوتات وكان ms080 كبير والخشونة في الخطاب ~~لأرباب الدولة حتى إنه حكى عنه أنه كان عنده يوما وقد دخل إليه نقيب ~~النقباء على الهاشميين يقال له ابن الروال وكان يلقب بأمين الدين فعثر في ~~ثوبه فقال له فخر الدولة أرض داري تأبى أن تدوسها أو تجئ إليها وأنت ما ~~تنقطع وكان يعرف ذلك منه ويحتمله # وذكر أيضا أنه كان عنده وقد حضر زعيم الدين بن الناقد وهو حينئذ ناظر ~~الخاص وكان قبل ذلك حاجب الباب فسلم عليه وأخذ يشكو من الوقت وضيقته فقال ~~له # والله لو أن الخيوط التي في رأسك تعمل سلسلة في الجسر لبقى ألفي سنة من ~~شدة حماقتك وإلا لو بعت هذا المقيار الذهب والثياب الذي عليك والمماليك ~~والخيل ولبست جبة صوف وقنعت وأزلت هذا الحمق عنك ما كنت تحتاج إلى هذه ~~الشكوى ولكن دخان المشاعل ورائحة الشمع إذا تعلق بأم الدماغ لا يزيله إلا ~~ما تعلم وكان هذا بمحضر من جماعة # وكان ابن الناقد هذا زعيم الدين ذا منزلة عظيمة وصار صاحب مخزن PageV01P131 # وولده هو الموجود شرف الدين وهو صاحب المخزن يومئذ وما كان يقدر أحد من ~~أرباب الدولة ولا غيرهم يقول له هذا القول من شدة تكبره على أهل بغداد وكان ~~يقول في فخر الدولة أضعاف هذا ولا يثقل عليه # وكان فخر الدولة مقبول القول ذا حرمة عظيمة وكان الخليفة أدام الله ظله ~~يقعده بين يديه ويحدثه ولا يجلس عنده أحد وكان يكتب على رأس رقعته إليه ~~الخادم الداعي ويكتب على رأس رقعة أستاذ الدار والده وكان لا يمضي إلى أحد ~~جملة إلا إلى الخليفة فحسب وما كان يتخلف عن خدمته أحد من أرباب الدولة ~~وكذلك جميع أرباب العلم والأدب والتصوف وسائر طبقات الناس # وفيها تقدم الخليفة بإحضار شيخ الشيوخ بين يديه إلى التاج الشريف فلما ~~حضر قال له اقعد فخدم ولم يفعل فقال له أمير المؤمنين يا شيخ لو قلت لك ~~وأنت قاعد قم كان يجوز لك أن لا تفعل فخدم وجلس بين يديه فأشار إليه أن ms081 ~~يمضي رسولا إلى صلاح الدين وكانت هذه الحال من جانب أستاذ الدار ليتشفع ~~إليه في حق صاحب الموصل والكف عنهم لأن أستاذ الدار كان كبير الميل إلى ~~صاحب الموصل فقال شيخ الشيوخ السمع الطاعة # فلما انفصل من عنده خدم وخرج فنفذ إليه كل ما يحتاج إليه من خيم وخيل ~~وبرك وبغال وفراشين وغلمان ومحفة وأطلق له ذهبا كثيرا للنفقة فكتب يستعفى ~~من ذلك فتقدم إليه بالتوجه وتقدم أيضا إلى بشير الخادم أن يمضي في خدمته ~~فتوجه ومعه جماعة من أصحابه الصوفية وولده عز الدين وكان حاجبه زين الدين ~~القزويني واستخلف بالرباط ولده الأسن ناصر الدين وكان أحسن الناس صورة ومضى ~~على ذلك مدة يسيرة ثم رجع فأمر الخليفة بإخراج الموكب إلى خدمته PageV01P132 # وتلقيه وأن يخرج إليه قاضي القضاة ويلقاه أين كان ولا يراعي معه قاعدة ~~فالمقصود إكرامه فنفذ نائب الوزارة إلى قاضي القضاة وعرفه ذلك وأن يركب معه ~~صندل الخادم وجمال الدولة إقبال وجميع الحجاب وخرج مع قاضي القضاة جماعة من ~~العدول عليهم اللباس الأسود # وسار الموكب الشريف ومعهم المماليك الخاص وجماعة الأمراء الكبار وعبر ~~العسكر أيضا معهم إلى الجانب الغربي إلى قرية الشحنة فلما وصلوا إلى رأس ~~السويقة وقف قاضي القضاة فقال له عماد الدين صندل # ما هذا الوقوف ها هنا نحن قد رسم لنا أن نمضي إلى خدمة الرجل أين كان ~~فقال # أنا ما أتجاوز هذا الموضع خطوة وهاهنا العادة لتلقى الرسل وموكب الخليفة ~~دام ظله لا يجوز أن يتجاوز أكثر من هذا الموضع فقال له يا سيدنا أنت تقول ~~هذا والخليفة هو صاحب الأمر قد تقدم إلى نائب الوزارة بهذا فقال # أنا ما أتجاوز هذا فبينما هما في المحاورة والتجاذب وإذا بشيخ الشيوخ قد ~~أقبل فتحدر إليه من المكان الذي كانوا فيه لأنهم كانوا على نشز من الأرض ~~فسلضم على شيخ الشيوخ الأول فالأول إلى أن جاء جمال الدولة إقبال فسلم عليه ~~وتعانقا على الخيل ثم تأخر عنه وجاء صندل ففعل كذلك وجاء قاضي القضاة فسلم ~~أيضا ms082 واعتنقه وعاد راجعا إلى بغداد فقال له صندل إلى أين فقال نمضي رسم لنا ~~أن نتلقاه وقد لا قيناه وسلمنا عليه فقال إيش هذا الفعل أنت تعرضنا للهلاك ~~هذا هو العادة في تلقي الرسل وكذا عادة الموكب الشريف تريد تترك وتقول ~~كلمات ما جرت بمثلها العادة وتكون أنت واقفا والرجل على الأرض فقال له قاضي ~~القضاة أنا ما يجري مجراي أحد ولا يجوز لي أن أقول إلا ما يقال لي وإنما PageV01P133 # ما قيل لي شيء إنما قيل لي تلق شيخ الشيوخ وقد لقيته فقال الجماعة # لا تفعل تهلك هذا ما يرضى به الخليفة # وكثر القول في ذلك والناس على طبقاتهم قيام فقال قاضي القضاة # مبارك أنزل إليه وأقول له كما جرت العادة أن يقال فقل له ينزل قبلي حتى ~~أنزل إليه فمضى ابن السلماسي الحاجب وجماعة من الحجاب الكبار فقال لشيخ ~~الشيوخ قد استقر أن تنزل حتى ينزل قاضي القضاة فقال له أنا ما أنزل وما ~~تقدم بإخراج الموكب الشريف إلا لاجلي وإكراما لي ما كنت أنا أريد هذا وما ~~ينزل إلا هو فجاء ابن المعتمد الحاجب وقال لقاضي القضاة ما ذكره شيخ الشيوخ ~~وقال أنا ما أنزل وكثر الحديث فمضى إلى شيخ الشيوخ وقال # قد افتضحنا والناس يضحكون علينا وأنتما صدرا هذه الأمة من جانب الشرع ~~والدين كيف يسمع هذا عنكما وبالغ في القول وقرر أن ينزلا معا من غير أن ~~يتقدم أحدهما على الآخر # ومضى ابن السلماسي الحاجب إلى عند شيخ الشيوخ يعضده وينزله ومضى ابن ~~المعتمد إلى قاضي القضاة يعضده والناس ينظرون إليهما والخدم أيضا والمماليك ~~والأمراء معا # فلما نزل شيخ الشيوخ وسار على الأرض رجع قاضي القضاة وترك رحله في الركاب ~~واستوى راكبا فرآه شيخ الشيوخ فقال هذه كانت حيلة مبارك حسن أنا أمضي إلى ~~بين يدي مركوبه وجاء مسرعا إلى بين يدي بغلة قاضي القضاة ووقف هو وشيخ ~~الشيوخ والناس ينظرون ما يقول قاضي القضاة فقال أمر بإخراج الموكب الشريف ~~لتلقيك يا شيخ الشيوخ إكراما ms083 لك فتقابل ما شملك من الإنعام بتقبيل الرغام ~~والله الموفق للإتمام ولم يذكر سوى هذا وركب والناس بأسرهم ركبوا تبعا لهما ~~وجاء الموكب إلى باب الحجرة الشريفة واستأذن الخليفة فخرج إليه مجاهد الدين ~~خالص فأذن له وكان أستاذ الدار هناك فدخل وجلس على كرسي بين يدي PageV01P134 # الخليفة وشرح له جميع ما جرى في رسالته وأطال والناس يترقبون خروجه ~~ويرجفون على قاضي القضاة ابن الدامغاني بالعزل لكونه عرض الموكب الشريف إلى ~~ضحك العوام وكيف أنه آذى قلب شيخ الشيوخ مع مكانته من الخليفة فخرج شيخ ~~الشيوخ ومضى إلى رباطه ولم يجر شيء فنفذ ابن البخاري وأنكر على قاضي القضاة ~~فعله فركب قاضي القضاة بعد يوم وجاء إلى شيخ الشيوخ وهو في رباطه وهنأه ~~بمقدمه وقال له إن أستاذ الدار والنائب قد اتفقا على عزلي ويريدون أن ~~يجعلوا لي حجة وتقولوا للخليفة فلما خرجت إلى خدمتك كنت كثير الخوف من أن ~~أعمل ما لا يجوز فيكون هو الطريق لهم ولا بد من إنعامك في أن تعرف الخليفة ~~هذه الحال ولا يكون عندك منها شيء فقال # لا والله أنت عندي معذور وحضر أرباب الدولة يهنئون شيخ الشيوخ بمقدمه سوى ~~أستاذ الدار وابن البخاري فإنهما لا يقدران أن يمضيا إلى أحد جملة وكان ~~الخليفة قد أمر بأن لا يعترض أحد اعتصم برباط شيخ الشيوخ ولو كان عليه ~~المال والدم وكان قد اعتصم به جماعة من أولاد رئيس الرؤساء وجماعة من أولاد ~~ابن العطار وابن القبيبى حاجب ابن رئيس الرؤساء الوزير # وفيها مات سديد الدولة ابن الأنباري كاتب الإنشاء وفتح له جامع القصر ~~للصلاة عليه وما تخلف أحد من أرباب الدولة خدمة لأستاذ الدار وصلى عليه ~~الشيخ أبو طالب بن الخل وحمل إلى مشهد موسى بن جعفر على ساكنه السلام وتقدم ~~إلى أبي غالب بن الخلال مشرف الديوان أن يكتب إلى الأطراف ولم يكن عالما ~~بالإنشاء بل كان خطه جيدا وتقدم إلى ابن البخاري وإلى شمس الدين بن السرخسي ~~أن يتفقا على نسخ الكتب إلى ms084 الأطراف وتنفذ إلى ابن الخلال ليكتبها ولا يكلف ~~سوى الخط PageV01P135 # ولا يتصرف في حرف واحد فتقدم إليه بذلك # وكان موت سديد الدولة ابن الأنباري في ذي الحجة من السنة ### || ذكر ما تجدد للملك الناصر صلاح الدين بمصر والشام وغيرهما من البلاد من الفتوحات والغزوات في هذه السنة # ودخلت هذه السنة والسلطان نازل على آمد محاصر لها مضايق على أهلها وكان ~~قد نصب عليها مجانيق عدة وستائر ومنع الناس من أن يبدءوا بقتل رجل من ~~المسلمين وكان غرضه أن يستأمنوا فداخلهم الطمع حتى أحرقوا بعض الستائر ~~فنازلهم السلطان ذات يوم بنفسه وكان والدي في ذلك اليوم قد هجم على كل من ~~كان قد طلع منهم فردهم على أعقابهم وهجم الناس في إثره بالسلاليم فصعد فيها ~~الرجال وملكوا بين السورين وشرعوا في النقب ومسعود بن أبي علي بن نيسان ~~يحرض أصحابه على القتال ورمى الناس بالقوارير فلما رأى السلطان ذلك أمر ~~الناس بالمنازلة وحرضهم على القتال وأمر بعض أصحابه أن يكتب فصولا على ~~عيدان النشاب بالإرهاب لمن بآمد من العوام يتوعدهم فيها تارة ويعدهم أخرى ~~ففترت عنه مساعدة أهل المدينة وخافوا على أنفسهم وكان مسعود بن نيسان فيما ~~بينهم مذموم السيرة فتقاصروا عن الاستطالة PageV01P136 # واشتط أصحابه عليه وتقبضوا عنه فبدا له وجه الخذلان وخاف على نفسه فراسل ~~السلطان في السلم والاستعطاف له قبل الأمان فأصبح السلطان ذات يوم والناس ~~على ما هم عليه من المنازلة في الحصار إذ خرج من المدينة جماعة من النساء ~~فقصدن سرادقه مستجيرات بكرمه يسألن الصفح وكن نسوة أمير المدينة ورئيسها ~~وطلعن سحرة ذلك اليوم وقصدن خيمة الأجل القاضي الفاضل وزير صلاح الدين ~~فآواهن إلى فناء خيمته وسعى في الشفاعة لهن إلى السلطان في طلب الأمان ~~فنشفعن فيما طلبته وأعطين الأمان على أنهم إن أقاموا توفرت عليهم الأموال ~~والأملاك وإن تحولوا سهل عليهم الانتقال ولم يسألن في البلد لعلمهن أنه لا ~~يخلى على من به وإنما سألن إذا تسلم المدينة أن يخرجوا نفائس أموالهم ~~فأعطين الأمان أن يخرجوا ms085 بكل ما يقدرون عليه من نفائس أموالهم مدة ثلاثة ~~أيام # وتقدم السلطان برد النساء بالإكرام والاحترام ونفذ ابن نيسان يذكر أن ~~غلمانه وأصحابه خرجوا عن طاعته وأنه لا يقدر على نقل أمواله فندب السلطان ~~له من خواصه من يعينه ويراعي أمواله وأخرج له دواب كثيرة من اصطبلاته ~~لإعانته فخرج ابن نيسان من آمد وضرب خيمته في ظاهرها وجعل ينقل ما يقدر ~~عليه من درهمه وديناره ونفائس جواهره وأمواله ونقل أيضا ما قدر عليه من ~~أواني الذهب والفضة ولم يقدر في تلك الثلاثة أيام إلا على تحويل الأمتعة ~~الكريمة الثمينة وفاز جماعة من أصحابه بما أصابوه من أمواله وكان يخرج من ~~داره عشرة أحمال من المال فيذهب في الطريق بعضها فلما انقضى الأجل المضروب ~~وقد عجز ابن نيسان عن نقل سائر ذخائره ترك أخاير الذخائر وكانت أبراج ~~المدينة ودورها ومساكنها قد ملئت من أجناس الغلات وأجناس PageV01P137 # آلات الحروب وغير ذلك من الأموال فترك ذلك جميعه ومضى لسبيله ولو رشد ~~لكان آوى إلى ظل السلطان ولم يبعد عن جنابه ### || ذكر تسليم آمد إلى نور الدين محمد بن قرا أرسلان # ولما تسلم السلطان مدينة آمد نصب على سورها أعلامه أول يوم فتحها وذلك في ~~العشر الأول من المحرم من السنة المذكورة وأمر بتسليمها إلى نور الدين محمد ~~بن قرا أرسلان وكتب له بها وبأعمالها تقليدا وكان قد سبق له منه الوعد بذلك ~~فتسلمها بما فيها من الذخائر من الأمتعة والأسلحة وآلات الحروب وأجناس ~~الغلات والحبوب ما لا يحصره العدد وسلم إليه دساتير المخازن سائرها # وكان في المدينة برج يحتوي على ثمانين ألف شمعة فقيل للسلطان هذه آمد ~~فيها ذخائر تربى قيمتها على ألف ألف دينار وما دخلت عند الوعد بآمد في شرط ~~ولا قرار فخذها لمهامك ونور الدين محمد بن قرا أرسلان يقنع بآمد فارغة فقال ~~صلاح الدين لا سبيل إلى أخذ شيء من ذلك فإن نور الدين صار من أشياعنا ~~وأصحابنا ولا نضن عليه بهذه الأشياء وهبنا أنا وهبنا له الأصل وبخلنا ms086 عليه ~~بالفرع فما يليق ذلك بكرمنا PageV01P138 # فذكر لنا أنه باع من ذخائرها من الغلات والحبوب والفرش المستعملات ~~الآمدية والبسط والخيام سبع سنين وإنما ذكرنا ذلك ليعلم أن الدنيا بأسرها ~~لم يكن لها عند السلطان قدر # ودخل السلطان إلى مدينة آمد يوم الجمعة وأحضر نور الدين محمد بن قرا ~~أرسلان ووكد عليه المواثيق برعاية العهد والمتابعة له والمسارعة إلى ما ~~يدعوه واشترط عليه إقامة العدل وإظهار السيرة الجميلة المحمودة في الرعية # ذكر بعض الأمثلة بفتح آمد كتبها السلطان إلى بعض الأمراء # صدرت المكاتبة مشعرة بفتح آمد وذلك بقتال أعمل السيف فيه أعمال المستبق ~~واستعمل فيه العزم استعمال المترفق فلما رأى صاحبها غير ما ظنه وسوى ما ~~يعهده لم ير الغنيمة إلا نفسه وماله وولده فاستام الصلح فأرخصناه واستأمن ~~فأمناه مما أخاف وخلصناه وأغمدنا ما كان مجردا وأجزانا الله من نصره على ما ~~لم يزل معودا ورفعنا عنه من القتال يدا وأوليناه للإحسان يدا وكتابنا هذا ~~والمدينة قد فتحت أبوابها وعذقت بدولتنا أسبابها وتحكم لسان علمنا في فم ~~قلعتها ويسرها معدل نشرها بحصب نجعتها وبعد أن لبستها دولتنا وفينا بموعد ~~خلعتها والحمد لله الذي تتم النعمة بحمده ويسبح الأمل بقصده ما يفتح الله ~~للناس من نعمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده PageV01P139 ### || فصل آخر # وقد رفعت على قلعتها أعلامنا ونفذت في مدينتها أحكامنا وناله صاحبها ~~صلحنا وعم أهلها صفحنا ووفى فيها موعدنا ونجح والحمد لله مقصدنا وألان الله ~~صعبتها وحطم في ثلاثة أيام صعدتها ونحن نستعيذ الله من أن يظن أن لنا في ~~هذا الصنع صنعا وأن نعتقد أنا نملك لأنفسنا ضرا أو نفعا ### || فصل آخر # نزلنا عليها ولم يكن إلا رياضتها ثلاثة أيام ريثما فتح الحصن عن فضله ~~واستيقظ صاحبها بجد القتال من هزله واستأمن فأومن على نفسه وماله وأهله ~~وكتابنا هذا ولواء النصر قد مد باعه معانقا لقلعتها وخطيب منبرها قائم ~~باسمنا ساعة تسلمها للموافقة لساعة جمعتها ثم أوصلنا نور الدين إلى عقيلة ~~طالما واعدها أبوه ms087 وخطبها وقبلنا منه مهرها بمعونة في سبيل الله أوجبها # وكتب بذلك إلى الديوان العزيز بدار السلام كتابا مستوفى الأقسام وأمر ~~الناس بعد ذلك بالرحيل إلى حلب وأعمالها # وتوجه السلطان من آمد قاصدا إلى الفرات فوصلها في مراحل وعبر الفرات ~~بجميع عساكره وجيوشه فلما استكمل عبور الناس رحل متوجها إلى عين تاب وكان ~~بها الأمير ناصح الدين محمد بن خمارتكين PageV01P140 # فنزل ابن خمارتكين منها وجاء إلى السلطان متبرعا إليه بطاعته وحمل من ~~الهدايا والتحف أشياء كثيرة فصار من جملة أصحابه وأسبابه فنزل السلطان بعين ~~تاب ليلة واحدة ثم رحل منها إلى حلب ### || ذكر وصول السلطان إلى حلب والنزول عليها في محرم من السنة # ولما نزلنا على حلب ضرب السلطان مخيمه في الميدان الأخضر وجميع حلقته ~~ونزلت العساكر بين قريب منه وبعيد وكان الناس كل يوم في زحف وقتال وطراد ~~ونزال وكان تاج الملوك أخو السلطان شجاعا مقداما يركب كل يوم بجماعته ~~وينازل القوم وكان السلطان ينهاه عن الإقدام ويكفه من النزال وينهى الناس ~~عن الزحف ويقول إنما مقصودنا البلد ولا حاجة لنا بقتل أحد المسلمين فأصابت ~~تاج الملوك ضربة في فخذه فحمل إلى مضربه جريحا وكان موته فيها وذلك عند ~~تسليم حلب وكان السلطان على وليمة قد أعدها لعماد الدين زنكي بن مودود فلم ~~يتضعضع له ولمصابه به رضوان الله عليه # وسأذكر منقبة للسلطان وما رزقه الله من الحلم والصبر في ذلك اليوم فيما ~~بعد إن شاء الله تعالى # ولما جرح تاج الملوك أمر السلطان عساكره بالرحيل من الميدان الأخضر ~~والنزول على جبل جوشن فضرب مخيمه عليه وأظهر نية المقام وأمر بإحضار بنائين ~~وصناع ومهندسين وأمر بحفر أساس قصر يبنيه وقال PageV01P141 # وإن كان البلد منزلا لمن فيه فهذا منزلنا ونحن نتصرف في البلاد والأعمال ~~ونقطعها لرجالنا ونترك حلب على ما بها # وكان العسكر يركب في كل يوم ويقف بإزاء البلد صفوفا من غير زحف ولا قتال ~~وطال ذلك ودام ورسلهم تتواتر إلى السلطان بكل كلام قبيح وهو يجمل ويحلم ~~ويعيد إليهم ms088 القول الجميل فلم يزالوا على إصرارهم حتى ضرع عماد الدين إلى ~~السلم ### || ذكر رغبة عماد الدين زنكي في الصلح والعوض عن حلب # كان عماد الدين زنكي بن مودود راغبا في الصلح عارفا بعواقب الأمور ففكر ~~في أمره ووجد عليه في كل شهر مما يفرقه على الأجناد ثلاثين ألف دينار وخشى ~~على نفسه إن طال الحصار أن ينفذ ما في خزانته وكان يعتمد على رأي الأمير ~~حسام الدين طمان الأرتقي فأحضره واستشار به فيما يدبره من أمر حلب فأشار ~~عليه طمان بالدخول تحت طاعة السلطان واقترح عماد الدين أن يعوض عن حلب ~~سنجار ونصيبين والخابور والرقة وسروج فضمن له طمان ذلك ونزل من باب السر ~~ليلا فدخل PageV01P142 # على والدي الملك المظفر رضوان الله عليه وشرح له جميع ما ذكره عماد الدين ~~فمضى والدي إلى السلطان وشرح له ما ذكره طمان فقال له صلاح الدين إن هذه ~~المواضع التي ذكرها عماد الدين قد جعلناها لك مع ما قطع للفرات من الشرق من ~~بلاد الجزيرة وأنعمنا بها عليك ولا سبيل إلى أخذها منك فقال المظفر تقي ~~الدين عمر يا مولانا إمض هذا الأمر فإنما غرضنا صلاح البيت فقال السلطان ~~إذا رضيت بأخذ هذه المواضع منك نعوضك عنها حلب وقلعتها وأعمالها # ثم أحضر لسلطان الأمير طمان وكتب له خطه الكريم بالمواضع المذكورة وحلف ~~له على ذلك ثم مضى من عنده تمام ليلته فسلم خطه إلى عماد الدين وعرفه إنعام ~~السلطان في حقه فطابت نفسه بذلك وأمر بفتح أبواب حلب ففتحت فعرف الأمراء ~~بذلك والمقدمون منهم ذلك فمنهم من خجل ومنهم من ندم فأرسل السلطان إليهم ~~وطيب نفوسهم وبذل لهم من إحسانه ما استرقهم به # وكان تسليم حلب يوم السبت ثامن عشر صفر من سنة تسع وسبعين وسأذكر نكتة ~~عجيبة تدل على ذكر منقبة للسلطان ومكرمة نطق بها سر الغيب المكنون على لسان ~~القاضي محي الدين بن الزكي قاضي دمشق وذلك أنه مدح السلطان بأبيات منها # وفتحكم حلبا بالسيف في صفر %~% مبشر بفتوح القدس في ms089 رجب PageV01P143 # فوافق فتح حلب كما ذكره في صفر من سنة تسع وسبعين كما ذكرناه وفتح القدس ~~في رجب من سنة ثلاث وثمانين ### || ذكر وفاة تاج الملوك بوري رضي الله عنه # كان السلطان قد عين يوما لضيافة عماد الدين زنكي بن مودود وأعد له من ~~الألطاف والهدايا والتحف أشياء كثيرة وكان ذلك في المخيم قبل انتقاله إلى ~~حلب واستقراره بالقلعة فمد السماط واستدعى بعماد الدين فجلس إلى جنب ~~السلطان فبينا الناس في أسر سرور إذ جاءه بعض حجابه فأسر إليه بنعي أخيه ~~تاج الملوك فما تضعضع لذلك ولم يتغير بشره وبشاشته وطلاقة وجهه وأمر سرا ~~بتجهيزه ودفنه وأعطى تلك الضيافة حقها فانظر إلى حلم هذا السلطان وحسن صبره ~~على بلائه واختبار الله تعالى إياه # وأما عماد الدين زنكي بن مودود فإنه أخذ خط السلطان بالمواضع المذكورة ~~بعد عهده وميثاقه وخرج بعد وداعه متوجها إلى سنجار وأقر مظفر الدين بن علي ~~كوجك على ما بيده من حران والرها ### || ذكر دخول السلطان إلى حلب ومقامه في قلعتها # كان دخول السلطان إلى قلعة حلب يوم تسليمها إليه وذلك يوم السبت ثامن عشر ~~صفر وحين استقر بها أفاض العدل ورفع الضرائب وأسقط المكوس وتم له حينئذ ملك ~~الشام وكتب إلى الأطراف والجوانب لاجتماع العساكر إلى الجهاد وعول في الحكم ~~والقضاء بحلب على القاضي محيي الدين PageV01P144 # أبي المعالي محمد بن الزكي علي القرشي قاضي دمشق فقضى وحكم ورتب له فيها ~~نائبا القاضي زين الدين نبأ بن الفضل بن سليمان المعروف بابن البانياسي ### || ذكر فتح حارم وسبب تسليم حصنها # ولما فتح السلطان حلب واستولى على ما حولها من الحصون والمعاقل والأعمال ~~بقيت قلعة حارم مع أحد المماليك النورية فجعل السلطان يراسله وهو يشترط ~~عليه ويغالي في سومه وكان نقيبها حينئذ مستوليا عليها ومعه جماعة فخرج ~~مملوك نور الدين عنها كما جرت عادته راكبا فغلق نقيبها دونه الباب وشنع ~~عليه بمصالحة الفرنج وأعلن من فيها باسم السلطان فبلغ السلطان ذلك فركب من ~~وقته وسار إلى حارم فتسلمها وحضر ms090 النقيب الذي كان بها وجماعته ليطلبوا من ~~السلطان أن ينعم عليهم عوضا عما فعلوا # وكان بدر الدين حسن بن الداية حاضرا عن السلطان فقال # يا مولانا هؤلاء القوم فعلوا في حقي كذا وكذا وخربوا بيتي ونقلوا عني PageV01P145 # كل كلام قبيح وقد علمت ما فعلوا في حق ه ذا المسكين وأغلقوا دونه باب ~~القلعة وشنعوا عنه ما ذكروه من مصالحة الفرنج ولم يكن كذلك فإن رآي مولانا ~~السلطان استخدامهم على هذا الشرط فليستحفظ بهم فضحك السلطان وأمر بطردهم ~~وسلمها إلى أحد خواصه # وأما حديث صاحب أنطاكية فإن السلطان حين تسلم حارم اضطرب أمره ووافق ذلك ~~أوان انقضاء الهدنة فجاءت رسله بالخضوع والضراعة إلى السلطان وسير معهم من ~~أسارى المسلمين جماعة كبيرة إليه وانخذل الفرنج في جانب القدس خوفا منه ~~وبدأ السلطان في تقرير الأماكن والقلاع وترتيب أحوالها ### || ذكر القلاع ومن رتب فيها # أما قلعة حلب فإنه جعل فيها سيف الدين يازكوج واليا وولى الديوان العميد ~~ناصح الدين إسماعيل بن العميد # وأما عين تاب فإنه أبقاها على صاحبها وأنعم على بدر الدين دلورم الياروقي ~~بتل خالد مضافا إلى تل باشر قضاء لحق مسابقته إلى الخدمة # وأما عزاز فإن عماد الدين زنكي كان قد أخربها لتتوفر قوته على حفظ حلب ~~فإنه أقطعها للأمير علم الدين سليمان بن جندر وشرع PageV01P146 # صلاح الدين في إظهار العدل وإزالة المظالم وكتب المناشير لأهل حلب برفع ~~الضرائب والمكوس وجاءته كتب الأطراف والجوانب بالتهنئة له بفتح حلب ### || ذكر فصول مختصرة من كبت أصدرها السلطان إلى الأمصار والجوانب مبشرا بفتح حلب وتملكها # فصل من كتاب إلى خطلبا وإلى زبيد يذكر فيه فتح حلب من إنشاء العماد ~~الكاتب الأصفهاني # وأما أحوالنا فقد تناسقت في النصر وتناسبت في حمد الله تعالى والشكر وقد ~~سبقت المكاتبات إليك في شرح ما شاء الله من الفتوح وسببه وقربه لنا من ~~الأمور وهذبه فبلاد الجزيرة قد استقرت في خدمتنا عساكرها ودانت لطاعتنا ~~أكابرها وأمر فيها أمراؤنا وولى بها أولياؤنا وأصبح ربضها إرضاء أصحابنا ~~وانصرفت نوابها بتصرف ms091 نوابنا وعنى ذوو عنادها وساد ذوو سدادها ومجدنا ~~كرامها وأكرمنا أمجادها وروضنا بآلائنا مواحلها فما ضرها أخلفها الحيا أم ~~جادها وديار بكر لما قصر آمد أمدها وطالت يد أيدنا بالطول في معاهدة تعهدها ~~وفتحت سوداؤها واخضرت ببركات أقدامنا في الإقدام غبراؤها بعد ما اغبرت من ~~مثار النقع عند نزولنا عليها خضراؤها وسكنت دهماؤها وانكشفت غماؤها وصحت ~~سماؤها وصحت أسماؤها ووطئ بساط الخدمة ملوكها الصيد وأقر بالعبودية لنا ~~أحرارها الصناديد وجئنا إلى حلب فأسرجت لنا وألجمت شهباؤها وزينت لتزف ~~علينا حسناؤها وأقامت بعذر خفرها في تمنعها عذاؤها ودانت لأرضنا PageV01P147 # في أرجائها سماؤها وتحقق في عرفنا رجاؤها وأرجت بعرفنا أرجاؤها وظهر حقها ~~وخفى باطلها وتروض ما حلها وتحلى عاطلها وعقل جاهلها وغنم عاقلها وانتظمت ~~في سلك الممالك حصونها ومعاقلها وانضمت إلينا عساكرها واستفاضت بنا مفاخرها ~~وأطاعت عواصي عواصمها وامتلأت المغاني بمغانمها وظهرت المعالي في معالمها ~~ولم يبق إلا التوفر في الجهاد من سائر الجهات وانحاز غزات الله في النصر ~~على العداة والسعي في تملك القدس وافتتاحه وتحصيل مراد الإسلام والنزول على ~~اقتراحه ### || فصل من كتاب آخر # ولما تسلمنا حلب وتسنمنا قلعتها وفرعنا شهباءها وسكنا دهماءها وباكرناها ~~بالإيلاف فألفيناها على البكارة واجتلينا عروسها أفقية الإنارة روضية ~~النضارة وزفت إلينا حسناء لم يغلها المهر وعقيلة ألا نها لنا الدهر فقر بنا ~~سرير السرور وصفى لأهلها حبير الحبور وتأصلت فيها أروقة الأمور وتوالت ~~النعم من الله عز وجل في وفود الوقور وتبلج صبح اليسر ووجه البشر بالإسفار ~~والسفور وغض الظلم طرفه وكف العسف كفه وقبض الجوريده وأوضح العدل جده وحط ~~الحظ لثامه وأخذ الأمر نظامه ووجد الشرع أحكامه وانجابت الظلماء وطلعت ~~الشموس وانفرجت الغماء وطابت النفوس وأسقطت المظالم وأطلقت المكوس واهتزت ~~الأعطاف من سكر الشكر حين طافت من ألطاف الله على الأمة الكئوس ### || فصل من كتاب آخر # صدرت المكاتبة مبشرة بما من الله به من الفتح العزيز والنصر الوجيز ~~والنجح الحريز والموهبة الواهبة قوة الاستظهار والعارفة المعرفة زيادة ~~الاستنصار والنعمة التي جلت النعماء فجلت وحلت ms092 في مذاق PageV01P148 # الشكر وحلت وعلت بإعلاء كلمة الدين فأنهلت وعلت وطالت يدها بالطول ~~وبأياديها أطلت وذلك فتح حلب الذي در حلبه ونجح طلبه وبلغ أمد الفلح غلبه ~~ووضح لحب هذه الدولة القاهرة لحبه فإنه قد سكنت الدهماء مذ سكنت الشهباء ~~ونشرت بها بالأمس أختها السوداء لما كان لنا في فتحها اليد البيضاء فاخضرت ~~الغبراء وآلت ألا نعبر بعدها إلا في سبيل الله الحضراء وتلاها فتح حارم ~~الذي انجلت به الداهية الحمراء وعلت بالعواصم لقمع بني الأصفر رايتنا ~~الصفراء واهتزت طربا إلى الجهاد في أيدي شائميها ومعتقليها البيضاء ~~والسمراء فقد زال الشغب وأسفر عن الراحة التعب وخمد اللهب وأخذت الغزاة ~~الأهب وشفت غيمة الرأي بالمدى حلب وقد اتحدت كلمة الإسلام وعساكره وصدقت ~~زواجره وربحت بالتنقل في الأسفار متاجره والحمد لله الذي ضاعف المنن وأضعف ~~عن شكرها المنن وشمل بالألفة الشمل وأفضل بظهورنا وأظهر الفضل ### || فصل من كتاب عن السلطان إلى بعض أمرائه بإنشاء الفاضل # صدر إليك هذا الكتاب والأوامر بحلب نافذة والرايات بأطواق قلعتها آخذة ~~وجاء أهل المدينة يستبشرون وقد بلغوا ما كانوا يؤملون وأمنوا ما كانوا ~~يحذرون والحمد لله على هذا المصير وعلى ما من به من هذا الطول الطويل في ~~الزمان القصير ونحن نستنصر بالله مولانا فنعم المولى ونعم النصير ### || فصل من كتاب آخر من إنشائه # إن الله سبحانه يسوق مقاديره إلى مواقيتها ويؤلف من قلوب أهل طاعته على ~~طواغي الكفر وطواغيتها ويتم ما سبق في مشيئته من جمع كلمة هذه الملة وتأليف ~~مشيئتها ومن ذلك ما أنعم الله تعالى به من فتح PageV01P149 # مدينة حلب سلما سفر فيها وجه الإسلام ورقى قلعتها سلما بمشيئة الله تعالى ~~إلى دار السلام ### || ذكر ورود بشارة إلى السلطان وهو بحلب وردت عليه من مصر تبشره بظفر أخيه الملك العادل أبي بكر بطائفتين من الفرنج بحرية وبرية # اتفق ورود هذه البشارة من مصر إلى السلطان عند فتح حلب تبشره بظفر ~~الأسطول البحري وظفره ببطسة من الفرنج وذلك أنه نهض مغيرا فعاد بعد تسعة ~~أيام ms093 وقد ظفر ببطسة من الفرنج فيها ثلاثمائة وخمسة وسبعون علجا من الفرنج ~~فأسروهم جميعا وأتوا بهم إلى مصر وكان ذلك في اليوم الخامس عشر من محرم من ~~السنة المذكورة # وأما الظفر الثاني البري وذلك أن عصبة من الفرنج الذين كانوا بالداروم ~~وكانوا لا يزالون ينهضون إلى أماكن بعيدة ومواضع شاسعة يرومون غفلة من بها ~~لأمنهم وبعدهم عن ديار الشرك فنهضت منهم طائفة مغيرة فاتصل خبرهم بالملك ~~العادل سيف الدين أبي بكر أيضا فأنهض إليهم جماعة من أبطال المسلمين وجماعة ~~من أصحابه وقدم عليهم سعد الدين كمشبه وعلم الدين قيصر وسيرهم نحوهم فتوافى ~~الفريقان إلى ماء يعرف بالعسيلة سبق الفرنج إليه فملكوه فلما أقبل المسلمون ~~وقد اشتد بهم العطش ترجل الفرنج وآووا إلى جبل هناك يعتصمون به فحمل ~~المسلمون عليهم جملة واحدة فقتلوهم عن آخرهم ولم ينج منهم إلا رجلان ورجع PageV01P150 # المسلمون برءوس عدوهم إلى مصر وكان ذلك في اليوم الرابع والعشرين من محرم ~~من السنة المذكورة ### || ذكر رحيل السلطان من حلب إلى دمشق # ولما رتب السلطان أمور حلب وأعمالهم وذلك بعد مهادنة صاحب أنطاكية ودخوله ~~تحت أوامر السلطان وضراعته لذلك أمر عساكره بالرحيل وكان في جمع جم وعسكر ~~كثيف واستصحب معه عساكر الجزيرة وحلب فكان أول منزلة نزلها بحاضر قنسرين ~~حتى تكاملت العساكر ثم رحل إلى تل السلطان ومنه إلى الجهاب # ثم رحل الناس متفرقين منهم على طريق المعشرية ومنهم على طريق يمنع # ولما وصلنا إلى حماة أمر والدي الملك المظفر بإحضار سماط لضيافة السلطان ~~واسبغ من إحسانه على جماعة من الأمراء والأجناد ورتبنا أحوال حماة ورحلنا ~~منها فنزلنا الرستن ثم رحلنا إلى حمص فضرب السلطان مخيمه على عاصيها ورحل ~~منها فنزل الزراعة ثم إلى اللبوة ورحلنا منها فنزلنا بعلبك ثم رحلنا منها ~~متوجهين إلى دمشق فنزلنا قريبا منها ثم توجهنا إليها وخرج أهلها للقائنا ~~ودخلنا إلى دمشق وقد استبشر الناس لقدومنا فلم يلبث السلطان بدمشق سوى ~~يومين وأمر الناس بالخروج إلى الجهاد لغزاة بيسان PageV01P151 ### || ذكر غزاة بيسان # كان سبب ms094 رحيل السلطان من دمشق اغتناما لمن كان معه من العساكر فسار ~~بعساكره مجدا في سيره منزلا منزلا إلى أن قطع الأردن وكان عبورنا في مخاضة ~~الحسينية وذلك يوم الخميس تاسع جمادي الآخرة فلما وصلنا إلى بيسان وجدناها ~~وقد أخلاها أهلها وخرجوا منها خوفا منا وكان قد تقدمت مقدمتنا فوقعت على ~~خيل ورجل من الفرنج وكان مقدمهم ابن هنفري فأوقعوا بهم فقتلوا راجلهم ~~وأسروا جماعة من فرسانهم وفر ابن هنفري # ووصل الخبر بأن الفرنج الملاعين قد جمعوا فرسانهم وأنهم ناهضون إلينا ~~فبينا نحن كذلك وإذا جموعهم قد أقبلت وكانوا في ألف وخمسمائة رمح ومثله ~~تركبلي وخمسة عشر ألف راجل بالعدد الكاملة فلما قربوا منا رجفوا كالأسود ~~الضواري فنبذنا إليهم الجاليشية فجالت أمامهم وعبينا الأطلاب # فلما رآى الفرنج عساكر الإسلام داخلهم الرعب وأخلدوا إلى الأرض والتجأوا ~~إلى الجبل وجعلوه ظهرهم وخندقوا حوله خندقا وأقاموا على ذلك PageV01P152 # خمسة أيام آخرها يوم الأربعاء خامس عشر جمادي الآخرة في أضيق حال يتوقعون ~~نزول الهلاك بهم ونحن نتوقع في كل يوم منهم الحملة التي هي عادتهم ~~والمغيرون من أصحابنا في كل يوم يشنون الغارة في بلادهم فيغنمون ويسبون ~~ويقتلون ويأسرون فلما رأيناهم لا يبرحون ولا يحملون رحلنا عنهم فاشتد ~~راجلهم لكي يحملوا فرجع عليهم وكان ذلك يوم الخميس سادس عشر الشهر المذكور ~~فما صدقوا حتى خرجوا من موضعهم منهزمين على أعقابهم يتبع بعضهم بعضا ورجعنا ~~ظافرين بغنائمهم ومن أسر منهم وشرع السلطان من وقته ذلك في غزاة الكرك ### || ذكر غزاة الكرك # ولما رجع السلطان من غزاة بيسان منصورا غانما جعل طريقه إلى جهة باب من ~~أعمال الشراة ونزل بأذرعات واستأمن إليه أهلها المسلمون فأمنهم وكان ساكنو ~~تلك الديار مسلمين من قديم الزمان وتربى أولادهم مع الفرنج # ثم خيمنا على البرية وضاقت تلك الأودية بالعساكر ثم نزلنا على حصار الكرك ~~وأمر السلطان بنصب المجانيق فنصبت فرمينا من بها بالحجارة وطال ذلك ثم تحول ~~السطان إلى الربض فنزل بدار الرئيس وحرض الناس على الجهاد وكان غرضه ~~بالانتقال إلى ms095 هنا ليقرب من PageV01P153 # المنجنيقات المنصوبة ليشاهد مواقع النكاية في القلعة ورتب السلطان مع ذلك ~~نوبة الرماة فما كان أحد يقدر أن يخرج رأسه من بين الشراريف فبينا نحن كذلك ~~إذ وصل الخبر باجتماع الفرنج في الموضع المعروف بالواله فقال السلطان هذا ~~حصر يطول وقد ضايقنا الحصن ومن فيه وسلبنا أعماله وهذه نوبة لا يخشى فواتها ~~وما نزال بعون الله تعالى نعاود هذا الحصن ونزوره حتى يسر الله فتحه والآن ~~فإن الفرنج قد تحاشدوا واجتمعوا فلا يفرق جمعهم إلا جمعنا وبقي الحصار ~~دائما إلى انقضاء شهر الله الأصب رجب والسلطان مع ذلك مشتغل بعمارة البلاد ~~وتدبير الممالك وذلك عند وروده إلى الكرك استدعى أخاه الملك العادل سيف ~~الدين أبا بكر من مصر ليعول عليه بولاية حلب ويقلد والدي الملك المظفر ابن ~~أخيه ولاية البلاد المصرية ### || ذكر ولاية والدي الملك المظفر رضوان الله عليه مصر وأعمالها وتقليده إياها # ولما وصل الملك العادل من مصر إلى الكرك طلب من السلطان ولاية حلب ~~وأعمالها وقد سبق وعد السلطان بها لوالدي فأنعم السلطان لأخيه بحلب ~~وأعمالها وأنعم لوالدي ابن أخيه بولاية الديار المصرية وحكمه فيها والذي ~~أعطى والدي الملك المظفر رحمه الله بمصر فمن ذلك البحيرة جميعها بمصر وهي ~~بأربع مائة ألف دينار والفيوم وهو بثلاثمائة ألف دينار وقاي وقايات وبوش ~~وهي بسبعين ألف دينار PageV01P154 # ثم عوض عن بوش بسمنود والواحات وهي بستين ألف دينار وفوة والمزاحمتين وهي ~~بأربعين ألف دينار وحوف رمسيس وهو بثلاثين ألف دينار وكان له في كل شهر على ~~الإسكندرية ألف وخمس مائة دينار وحكمه على جميع مصر والولاية بأسرها وصرفه ~~فيها تصرف الملاك وكتب له بذلك تقليدا وذلك في شعبان من السنة # وهذه نسخة المنشور # الحمد لله المتعالي جلاله المتوالي أفضاله القديم كما له العديم مثاله ~~نحمده على إحسانه العظيم نواله العميم اتصاله ونسأله أن يصلي على سيدنا ~~نبيه محمد المصطفى الفصيح مقاله الفسيح في الشرع مجاله الشفيع المقبول في ~~الأمة سؤاله وعلى آله وصحبه الذين هم نجوم الهدى وأنصار ms096 الحق ورجاله أما ~~بعد فإنا منذ استودعنا الله ملك بلاده واسترعانا أمر عباده ومكن لنا في ~~الأرض وبسط أيدينا بالبسط والقبض وأقدرنا في ممالكه على العقد والحل ~~والإبرام والنقض وملكنا زمام الزمان بالأمر والنهي ونهج لنا وبنا سبل ارشاد ~~وعفى طرق الغي وناط الهدى بتوفيقنا وأماط الضلالة عن ملكنا فهو للإحكام وهي ~~للوهى وأعز بنصرنا الإسلام وأداله وأذل الكفر وأزاله وثبت الحق ومكنه ونفى ~~الباطل وأزاله نفترض أداء شكر نعمته وإن كنا معترفين بالقصور عن أدائه ~~ونرعى له في بلاده وعباده حق ما خصنا به من عموم استرعائه فلا يسترعيها من PageV01P155 # الولاة إلا أولاهم برعاية الرعية وأكرمهم للتقوى التي تقوى بها المكارم ~~وتوقي المكاره وأحكمهم في الرأي الذي يصح ويصح به في الأمور المحكم ~~والمتشابه وأقومهم على سنتنا على إقامة فروض العدل وسننه وأعرضهم بحق ~~إنعامنا في تقبل منحه وتقلد مننه وأطولهم في الطول باعا وأفضلهم اتساقا في ~~المنائح واتساعا واسماهم في بقاع العلى ارتفاعا وأولاهم لأبكار المحامد ~~والمفاخر افتراعا وأجلاهم في مشارق السعادة طلوعا وأجلهم على واجباتها ~~اطلاعا وأبذلهم في الجهاد اجتهادا وأكثرهم في سداد الثغور الإسلامية سدادا ~~حتى تعود الولاية بإيالته منتظمة العقود والمملكة ببهجته مبتسمة السعود ~~والسياسة بنضرة نظره مورقة العود والمصالح بصوب صوابه مصوبة المعاهد ونصل ~~النصر بمضاء مضاربه مغمودا في مفارق الأعداء مفارقا للغمود وتمحو أيامنا ~~البيض بتوليته سيئات الليالي السود ولما كان ولدنا الأجل الملك المظفر تقي ~~الدين أدام الله علوه وضاعف رفعته وسموه ذا المجد الشامخ والجد الباذخ ~~والرأي الراجح الراسخ والعدل المجير المجيب استصراخ الصارخ والإصابة التي ~~تقصر عنها خطى الخطوب الخاطية والقدرة المتوالية التي لديها العظائم ذوات ~~الأقدار المتواطية والشيمة الزكية الذكية التي تضوع نشرها المتأرج وتوضح ~~نشرها المتبلج وشيم عارض كرمها المتوج ورجى بحر سماحها المتموج والمناقب ~~التي أشرقت زواهرها في سماء السمو وألقت أزهارها في رياض النمو وتليت آيات ~~مدائحها بلسان العدو وجليت عرائس محاسنها في مطالع العلو والبسالة التي فرق ~~جموع الأعداء بأسها الشديد وثلم حد الكفر حدها ms097 الحديد وأعلى جد الإسلام ~~جدها الجديد وهد ركن المنكر ركن عرفها المشيد وهو مقتد بسنتنا العادلة في ~~إحياء سنة العدل وتقوية بنية الفضل ورفع منار الشرع المنير وأعلى معالم ~~المجد الأثيل الأثير وخفض جناح الرحمة للصغير والكبير وإسعاف العافي وإعانة ~~العاني وإغاثة المستجير وقلدناه ولاية الممالك والبلاد والثغور والديار ~~المصرية وعذقناها PageV01P156 # بكفايته وأوليناها النظام بولايته حليناها بحلية إيالته وعولنا عليه ~~سياسة مملكتها وحماية حوزتها والذب عن بيضتها وفوضنا إلى نظره أمورها ~~وجلونا في آفاق تدبيراته الموافقة الموفقة الموفقة نورها # وأمرنا كافة الأمراء والنواب والعساكر المنصورة المصرية على اختلاف ~~طبقاتهم وتفاوت درجاتهم بامتثال أمره والانقياد لحكمه والتصرف على رسمه ~~والحضور إذا طلبهم والهبوب إذا ندبهم فإنا عضدنا به سلطاننا وأمضينا سيفه ~~إذا اقتضته حدود الله تعالى في الآجال وأطلقنا قلمه في الأرزاق التي يجيزها ~~الله تعالى لكافة الأولياء والرجال وفوضنا إليه هذه البلاد تفويضا ماضية ~~أحكامه متسق نظامه موصولة بمشيئة الله تعالى أيامه ووليناه إياه تولية من ~~قد عرف قيامه بحق الولاية وانتهاءه في مصالح الإسلام إلى الغاية وانتظام ~~خلاله الكريمة بشروط الكفاية والكفالة وإضاءئه في قضاء الفضائل بالحسن ~~والحسنى من الحلية والحالة وتوفره على الجهاد في سبيل الله عز وجل بحرا ~~وبرا بتجهيز أساطيله وكتائبه واعتماد كل ما يدل منه على مزيد الشكر في ~~استمداد مزيد مواهبه وقيامه بتوفيق الله المعد له وكشفه بالرأي الثاقب ~~مهمات الخطوب المشكلة وبسط اليد والقول في العارفة والعاطفة للأولياء ~~بالنبل واللين وانتضاء سيفه وسوطه في السطو على الأعداء لاقتضاء دين الدين ~~حتى تعلو كلمة الإسلام وتثبت وحتى تنبت عروق الكفر من أرض الله وتنبت وحتى ~~تكتب المذلة على العداة فتكبت وحتى تجمع القلوب والألسنة على محبته وشكره ~~وتتفق الكافة على الائتمار لطاعة أمره ونحن نسأل الله تعالى أن يوفقه ~~ويسدده وأن يعضدنا به ويعضده ويؤيدنا بحسن تدبيره ويؤيده والمستقر له من ~~إقطاعه ما أثبت في الديوان ذكره وبين في هذا المنشور قدره وهو ما سبق ذكره ~~فليتول نعمة الله تعالى بالشكر الذي يرتبطها وبسط ms098 اليد الذي ينشر عليه ~~ويبسطها ونشاط الهمة الذي يطلقها من عقال التوقف وينشطها مستمسكا PageV01P157 # من التقوى بأوثق عروة عاقدا بها من حب بذل الحباء أصدق حبوة فائزا من ~~النصر بالنجح في مغازيه ومساعيه بأوفق خطوة ساميا من العز والجلالة ~~والمهابة على أسمق ذروة مؤيدا من الله بالتسديد في صرف كل حطب وتصريف كل ~~خطوة # ثم توجهنا إلى مصر بالعسكر المصري وذلك في شعبان بمقتضى المنشور فسار ~~فيها أحسن سيرة محمودة وأقام فيها منار العدل بأتم سياسة ### || ذكر ولاية الملك العادل سيف الدين حلب قلعتها وأعمالها # وكتب له أيضا منشور وذلك في شعبان من السنة ونسخته # الحمد لله ذي السلطان القاهر والإحسان الظاهر والامتنان الوافر والبرهان ~~الباهر نحمده على إنعامه المتضاعف المتظاهر وإفضاله المتوافد المتوافر حمدا ~~يؤذن بالمزيد للشاكر ونسأله أن يصلي على سيدنا نبيه محمد المصطفى ذي الشرع ~~الطاهر والنور الزاهر وآله الأكارم الأكابر ذوي المفاخر والمآثر ونسلم ~~تسليما كثيرا أما بعد فإن لله عندنا نعما إن نعدها لا نحصيها ومننا قد جمع ~~الله لنا بشمولها الدائم شمل أعمها وأخصها ومواهب واضحة المذاهب في التواصل ~~والتناصر ومنائح متظاهرة العوادي والروائح في التوافد والتوافر وأيادى ملأت ~~الأيدي والآمال نجاة ونجاحا وعوارف عمرت منا ومن أوليائنا الصدور والقلوب ~~انشراحا وارتياحا ولقد أتانا من الملك ما قامت لنا بالحق حجته ووضحت في نهج ~~السعادة بنجح الإرادة محجته وأيدنا عليه بالنصر الماضي النصل والعز الجامع PageV01P158 # الشمل حتى أذل لنا رقاب الأعداء ومهد لنا وبنا أسباب الولاء وملكنا قياد ~~العباد وكف عنا وبنا عنان ذوي العناد وجعل سيوفنا وأقلامنا للأقاليم أقاليد ~~وفرق جموع الكفر ببأسنا أشتاتا عناديد بالفتوح الأبكار بصوارمنا الذكور ~~افتضاضها واقتضاؤها والحتوف نحو الكفار بعزائمنا المصيبة المضارب في ضرب ~~الهام وطعن النحور انتهاضها وانتهاؤها وثغور الإسلام عن ثنايا الثناء علينا ~~ضاحكة الثغور وأوامرنا في إعلاء أعلام الدين منتظمة الأمور والجهاد من جميع ~~جهات ممالكنا برا وبحرا متسق الجموع والتوحيد لقمع أهل التثليث ثابت الأصول ~~نامي الفروع والحمد لله عودا بعد بداء على ما ms099 والاه من نعمه وأولاه وأعاده ~~من منحه بعدما أبداه {رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ~~وأن أعمل صالحا ترضاه} ومن جملة نعم الله سبحانه وأجملها وقوعا وأجلاها في ~~الجلالة طلوعا وأجدرها منا بالإخلاص والحمد وأشرفها لنا في مطالع السعد ~~وأوجبها لفرض الشكر وأحراها بدوام الإشاعة والنشر أنه سبحانه وتعالى شد ~~أزرنا بأخينا الملك العادل سيف الدين ناصر الإسلام أبي بكر أدام الله علوه ~~ورفعته وسموه ونعمته وبسط يده وأيد بسطته ذي الباع الطويل والطول الجزيل ~~والصدر الرحيب والرأي الراجح المصيب والجد المنيف المنير والأناة والحزم ~~والثبات والقبول الذي وفر له في القلوب مواد المودات والجود الذي ينهل جوده ~~بإسعاف العافين من سماء السماح والعاطفة التي تلحق الراجين جناح النجاح ~~والعارفة الفارعة والمعرفة الصادعة والهمة الصادقة والمهابة الرائعة ~~الرائقة والسياسة الجامعة المانعة والبسالة التي زلزل الكفر بأسها وتقوضت ~~بها قواعد البدعة وأساسها والتدبير الموافق في حفظ الممالك ونظم عقودها ~~والنظر الصائب الصادق في ترتيب المصالح وصون حقوقها PageV01P159 # وحدودها والعدل الذي أوضح سنته وأقام بين الرعية فروضه وسننه والسيرة ~~التي تحلى التواريخ بأيا من أيامها وترد بها الدولة مرامي مرامها والاعتقاد ~~الذي أنارت آفاقه من التوفيق بأنوار الخلوص وتوفر حظه من عموم تأييد الله ~~عز وجل إياه على الخصوص فالملك بإيالته محكم القواعد مبرم المعاقد مستهل ~~العهاد آهل المعاهد والدولة بإدالته شديدة السواعد سديدة المساعد صافية ~~الموارد صادقة المواعد والدين بنصرته سامي القدر عالي الأمر نامي النشر ~~والإسلام منه بناصره زاه والكفر من بأسه بقامعه واه والقدر بقضاء الله ~~تعالى على موافقة أمره آمر ناه والشرع بمحافظته على أحكامه وملاحظته أسباب ~~نظامه مفاخر مباه فهو الشقيق الشفيق الذي لإيثارنا يؤثر ولرضانا يقصد وعلى ~~مرادنا يجري وهو كما قال الله تعالى عن موسى عليه السلام {واجعل لي وزيرا ~~من أهلي هارون أخي} {اشدد به أزري وأشركه في أمري} والحمد لله الذي عضدنا ~~بمساعدته وأسعدنا بمعاهدته وأظهرنا بنجدته وأنجدنا بمظاهرته وأظفرنا ~~بموافقته ووفقنا لمظافرته # ولما أنعم الله تعالى علينا في ms100 هذه السنة بالفتوح المستفاضة والممالك ~~المستضافة وحكم لنا في توسيع دائرة المملكة بالزيادة والأناقة وفتح لنا ~~البلاد وملك من كل ما رمناه القياد جرينا على أحسن الشيم في إحياء سنة ~~الكرم فما فتحنا معقلا إلا ويدنا له مالكة واهبة والحازم من يكون ذا هبة ~~للدنيا فإنها ذاهبه وقد جعلنا لأخينا الملك العادل من الممالك التي ~~تملكناها والبلاد التي فتحناها والمعاقل التي استضفناها أو في نصيب وأصبح ~~النجح منا لداعي رجائه أسرع مجيب ورأيناه أحق من كل بعيد وقريب وقلدناه ~~أمور البلاد والمعاقل والثغور وفوضنا إليه فيها جميع الأمور فبيده الحل ~~والعقد والبسط والقبض وإليه PageV01P160 # الولاية والعزل والإبرام والنقض وله القول الثابت والأمر النافذ وإلى ~~فضله يرجع العابد وبعد له يلوذ العائذ ونحن نرغب الله عز وجل في أن يوفقه ~~ويؤيده ويسدده وسبيل الأمراء والولاة والنواب والأعيان والرعية والأصحاب ~~الانقياد لأمره المطاع ومقابلة مراسمه بالامتثال والاتباع والرجوع إلى بابه ~~والجري على حكم نوابه والنهوض إلى الغزوات في خدمة ركابه والوفود في حالة ~~الضراء إلى المربع المريع والمنبع المنيع من جنابه فإنه فسيح لأولياء ~~بالآلاء وللأعداء بالأعداء ولديه كشف الغماء بالنعماء وفي مهاب المحاب منه ~~يضوع أرج الرجاء ومن شيمته الاقتداء بسنتنا في بسط العدل والإحسان وقبض ~~أيدي الظلم والعدوان وإسداء المعروف وإيعاد الملهوف وإعلاء معالم المعالي ~~وتكثير حسنات أيامه لتكفير سيئات الليالي والمجاهدة في سبيل الله رابط ~~الجأش لتأليف الإيلاف من جيوش الرباط وعمارة البلاد بحسن سيرته التي لم تزل ~~مستقيمة على الحدود في الإسقاط ومشايعة الشريعة المطهرة في جميع أحواله ~~أخذا بالاحتياط مؤيدا بالنصر من الله والتأييد والتمكين حتى تنسى في تلك ~~الثغور غزوات سيف الدولة غزوات سيف الدين ويحقق لجميع المسلمين قمع ~~المرتدين ويعلى كلمة الإسلام بما يوليه من النصر الظاهر والفتح المبين # وكتب له في آخر المنشور تفصيل ما أنعم عليه به من حلب ومعاقلها # ئم توجه إلى حلب في شهر رمضان من السنة ### || ذكر الرحيل من الكرك إلى دمشق # ولما رأى السلطان أن أمر الكرك يطول وأن ms101 شهر الصيام قد أظله وأن العسكر ~~قد تعب وليس معه من آلات الحرب ما يكفي انصرف PageV01P161 # بعسكره راجعا إلى دمشق فدخلها بعد أيام واستبشر الناس بقدومه ### || ذكر وصول صدر الدين شيخ الشيوخ وشهاب الدين بشير من الديوان العزيز ووصول محيي الدين أبو حامد محمد بن القاضي كمال الدين بن الشهرزوري معهما رسولا عن صاحب الموصل # وذلك في ذي القعدة ### ||| ذكر السبب في ذلك # ولما عرف صاحب الموصل ما تسنى للسلطان من فتح آمد وحلب وغير ذلك من ~~البلاد خاف على نفسه وبلاده ومال إلى الاستعطاف فاستدعى من الديوان العزيز ~~إرسال شيخ الشيوخ للشفاعة إلى السلطان فوصل ومعه بشير الخادم وندب صاحب ~~الموصل معهما القاضي محيي الدين أبا حامد محمد بن محمد الشهرزوري وكان ~~قدومهم إلى السلطان في دمشق ولما علم بقدومهم استقبلهم بالإكرام والإجلال ~~والاحترام فلما قرب بعضهم من بعض نزل ونزلوا له ثم ركبوا جميعا فأنزل شيخ ~~الشيوخ بالرباط على المنيبع وأنزل القاضي محيي الدين في جوسق بستان الخلخال ~~ونزل شهاب الدين بشير جوسق صاحب بصرى على الميدان # ثم أحضر السلطان شيخ الشيوخ وجرى بينه وبينه أحاديث شتى في معنى صاحب ~~الموصل واستخلاف السلطان على موصله ومراده فجرى من ابن الشهر زورى كلام فيه ~~اشتطاط واشترط أشياء وكان السلطان فاتر العزم في العود إلى الموصل فهاجه ~~على المسير إليها ثم أمر لهم بالإكرام والتشريفات والنفقات والعطايا السنية ~~ورحلوا فنزلوا على القصير فراجع PageV01P162 # نفسه الشريفة وقال قد استحيينا من مسير شيخ الشيوخ إلينا مرة بعد أخرى ~~ولابد من رضاء المواقف الشريفة المقدسة فركب في خواص عسكره وأتى القصير ~~فنزل في خيمة صدر الدين شيخ الشيوخ ثم كشف له عن حاله وما جاء به وأنه قد ~~أتى ليحوز مراضي الديوان العزيز ويكتب نسخة اليمين في الصلح ففرح بذلك شيخ ~~الشيوخ فرحا عظيما وأرسل إلى محيي الدين بن الشهر زوري يعلمه بالأمر ووصول ~~السلطان لإصلاح ذات البين بجواب الرسالة الإمامية # فلما رأى محيي الدين بن الشهرزوري تواضع السلطان ترفع وقال أنا بعد ms102 ما ~~جرى من الحال لا رغبة لي في الحضور ولعلكم اعتقدتم أنه ليس لنا مظاهر ولا ~~مؤازر وأشار إلى سلطان العجم وبهلوان # فلما سمع السلطان ذلك تبسم وقام بعد وداع صدر الدين ورجع إلى دمشق فكان ~~بها بقية ذي القعدة وذي الحجة وكان قد عزم على الجهاد والمسير إلى حصار ~~الكرك عند دخول سنة ثمانين # ووصلنا كتاب السلطان إلى مصر بتحريض والدي الملك المظفر وحثه على إنفاذ ~~العساكر المصرية للجهاد وذلك في العشر الآخر من ذي الحجة من السنة المذكورة ### ||| فصل من مصدرة # قد تقدمت المكاتبة إلى مجلس الملك المظفر لازالت أيامه بالملك والظفر ~~منعوتة وصلاة صلاته بالحمد والإخلاص موقوتة وولاة ولائه مرموقة وعداة آلائه ~~ممقوتة ومنايا مناوئية مكتوبة وشناة شانه مكبوتة وعرفناه ما شمل من نعم ~~الله وفاض واستنار من لألاء آلائه واستفاض وأن الله أغاث بغيوث رحمته وبغوث ~~نعمته حتى سالت أوديتها وسفكت دماء المحول بسيوف البوارق فلا يقال قودها ~~أوديتها فدم الحرب مطلول وسيف البارق مسلول PageV01P163 ### ||| ومنها # وقد كاتبنا أمراء الأطراف باستعدادهم لاستدعائهم وان يحزموا بجمع العساكر ~~أوامرهم لامرائهم فما منهم إلا من يسابق إلى تلبية النداء ويسارع إلى إجابة ~~الدعاء ويعشق ولا عشق لقاء الأحبة لقاء الأعداء وهم الآن ينتظرون شتات شمل ~~الشتاء وإذا رأوا آذار مقبلا أقبلوا فإنهم مذ شاهدوا ضرع العارض حافلا ~~احتفلوا وأجمعوا أمرهم قبل الاجتماع بأمرنا فعلوا بما فعلوا والله عز وجل ~~يمد الإسلام بفتوح تفوح أرجاؤها بأريج العز ويسمى للمجاهد في سبيله ما ~~وعدهم من درج الفوز وقد عزمنا مع خروج شباط على المسير إلى حلب لأن هناك ~~العساكر يقرب اجتماعها والغنائم يتحقق اتساعها والمشاورات الصائبة يتدانى ~~استماعها والهيبة في النفوس تفخم والصيت في الآفاق يعظم ### || ذكر وقعة قراقوش الملكي المظفري في هذه السنة # وفيها سار شرف الدين من جبل نفوسة إلى قابس في يومين وليلتين وذلك مسيرة ~~ثمانية أيام واعتقد أنه بقابض قابس أو يهجمها فلما وصلها لم يقدر على ذلك ~~وأخذ القصد الذي لها على الساحل وفيه يبيع الروم ms103 ويشترون واخذ منه أشياء ~~كثيرة من أمتعة وفضة وغلة وغير ذلك وأقام عليها على قرية من قراها سبعة ~~أيام ووصله في اليوم الثامن الثقل الذي له ورحل من القصر المذكور ونزل على ~~قلعة حسن فأقام عليها شهرا يدبر الحيلة في أخذها إلى أن كان في بعض الليالي ~~ساهرا PageV01P164 # فأحضر خواصه ومن يشير عليه وقال # قد رأيت أن أعمل لهذه القلعة الليلة عملا أرجو أن آخذها بمشيئة الله ~~تعالى فقالوا # وما ذلك العمل الذي يكون فقال # إن هؤلاء ينزلون في كل يوم يقاتلون أسفل الوطاء وأريد أن أكمن الليلة ~~ثلاثمائة فارس من خلف هذا المنشار واكون في الصبح رجعا نحو القتال ويكون ~~بيني وبين الكمين إشارة من دق كوس أو ضرب بوق فإذا رجعت ونزل القوم يقاتلون ~~استجررناهم وانكسرنا قدامهم فيطمعوا فينا فإذا بعدوا عن الموضع وهم لا ~~يشعرون أن خلفهم كمينا ضربنا حينئذ البوقات دفعة واحدة فيركض أصحابنا من ~~موضعهم فلا يكون لهم عمل إلا أنهم إذا وصلوا إلى رأس المنشار الذي يتصل ~~بعقبة المطلع ترجلوا عن خيلهم وطلعوا إلى القلعة لا يبقى فيها من يقاتلهم ~~وإذا رأى المقاتلة ذلك انخذلوا فإذا رجعوا منهزمين ركبنا أكتافهم وقاتلهم ~~أولئك الذين صعدوا الطريق ومنعوهم من الطلوع قتلناهم عن آخرهم أو أكثرهم ~~وملكنا القلعة ثم قال يروح فلان وفلان حتى عد ثلاثمائة وأمرهم أن يكمنوا ~~بحيث قال # فلما أصبح ركب وزحف فكان ما اعتقده من نزول أهل القلعة وقتالهم في الوطاء ~~واستجرهم وانكسر لهم فلما أبعدوا ضرب الكوسات والبوقات فأقبل الكمين من ~~موضعه فسبق إلى الطريق إلى القلعة وأقبل المقاتلون فوجدوا الطريق قد ملكت ~~عليهم فانخذلوا ووقع فيهم السيف فملك أولئك القلعة وما احتاجوا إلى مساعد ~~فكان عدة من قتل في ذلك اليوم ألفين وثمان مائة رجل من البربر وترك الباقين ~~واحتوى على القلعة وما فيها وغنم منها أموالا عظيمة جمة فرقها على أصحابه ~~ووجد فيها PageV01P165 # من الغلات شيئا عظيما وكان عندهم بنفوسه غلاء فأعطى الأجناد منها ما أقام ~~بهم بقية سنتهم ورحل ms104 عنها ونزل على قلعة يقال لها أم أدوت وهي لا يطمع في ~~قتالها فأقام عليها أياما وراسل أهلها وقال لهم # أعطيكم الأمان على أنفسكم وأموالكم وأعطيكم من الضياع ما تريدون فأبوا ~~عليه ولم يعيدوا عليه جوابا فأقام أياما لا يكلمهم ولا يراسلهم فأرسلوا ~~إليه إننا نفعل ما أمرتنا به وأعطنا الأمان على أنفسنا وأموالنا وأعطنا ما ~~نريده من الضياع كما بذلت لنا فقال # قد كان ذلك وأما الآن فما عندي لكم أمان إلا على أنفسكم وأموالكم دون ~~عطاء ضياع فأمسكوا عنه أياما ما أجابوه ثم طلبوا منه الأمان على الأنفس ~~والأموال لا غير ثم لم يشعر بهم إلا وقد نزلوا إليه بأجمعهم بكرة يوم من ~~غير أمان ولا كلام فعجب من عقولهم وقال # كيف نزلتم فقالوا # أبيت أن تعطينا الأمان إلا على أنفسنا وما نحن كفار نخاف الأسر وقد نزلنا ~~فقال # ما منعكم أن تقبلوا ما أعطيتكم إياه أولا وثانيا فقالوا سعادتك فإنا ~~تجلدنا في الأول ورجونا رحيلك وما كان عندنا ماء يكفينا فلما امتنعنا ~~واقمنا أياما وما رحلت رجونا أنك تعطينا ما تعطينا في الأول فلما امتنعت ~~منه طمعنا في الرحيل أيضا مثل الدفعة الأولى فلما لم ترحل طلبنا الأمان ~~الثاني فأبيت فلم يبق إلا النزول عند فراغ الماء فأخذ القلعة وما فيها وما ~~كان فيها حاصل مثل قلعة حسن وجعل بها نائبا ولم تزل في يده إلى أن أخذها من ~~نائبه المايرقي وأخذها المايرقي بالعطش أيضا إلا أن المايرقي ما رتب فيها ~~أحدا بل تركها لأهلها الأولين # رجعنا إلى الحديث # ثم رحل شرف الدين قراقوش عنها وعاد إلى نفوسه وهذه PageV01P166 # القلعة بالقرب من جهة مطماطة ومن نفزاوة فأما الحمامة فإن الذي يكون ~~نازلا عليها يشاهد بساتين الحمامة وأما نفزاوة فبينها وبين القلعة جبل يسمى ~~اللوح # ونفزاوة بين بلاد كثيرة يكون فيها ما يزيد على أربع عشرة مدينة ولها نحو ~~من مائتي ضيعة وكلها نخيل وزروع على العيون وكان فيها مدينة تسمى طرة وإلى ~~جانبها مدينة تسمى بيامن ولها ms105 مقدم يقال له سيد الناس وله أخ يقال له ~~المنصور وكان بينه وبين أهل بشتري مدينة عظيمة من مدائن نفزاوة عداوة # ولما سمع بقوة شرف الدين وتدويخه البلاد التي إلى جانبه أراد أن يجعل ~~عنده يدا ويبلغ غرضه من أهل بشتري بيد شرف الدين فكاتبه وراسله وحلف أن ~~يسلم إليه طرة وبلمن وما لهما من ضياع ويعينه على ملك ما في نفزاوة # فلما تحقق شرف الدين منه ذلك علم أنه يملك ذلك إذا دخل سيد الناس في ~~طاعته وكان الحديث بينهما في أيام الربيع وكان شرف الدين ذلك الوقت نازلا ~~بالساحل ساحل طرابلس وكان قد وصل إليه من الديار المصرية جماعة فيهم شجاع ~~الدين بن شكل وقد فرح بهم وزاد عسكره فصار نحوا من ثماني مائة فارس من ~~الأتراك والأكراد فأعطى ابن شكل شجاع الدين قصورا ما بين كندة والسويقة ~~يكون فيه أربعون ضيعة جعل له خاصا ولمماليكه معه ثمانية ودخل الموضع يكون ~~قريبا من أربعين ألف PageV01P167 # دينار مأمونية وقال إذا فتح الله البلاد وملكناها أعطيك ما هو أكثر من ~~هذا وأعظم هذا بعد أن خلع عليه وأعطاه خمسين جملا وعشرة من الخيل وثمانية ~~ألف دينار # وسار شجاع الدين بن شكل معه فاستغل الموضع الذي أعطاه وزاد في استغلاله ~~بحرابه ومصادره أهله ومطالبتهم بما لا يقدرون عليه فرفع ذلك إلى شرف الدين ~~فقال هذا الموضع قد أعطيته له فلا أنكده عليه إن شاء أن يعمره وإن شاء أن ~~يخربه # ولم يزل شرف الدين في تلك الخطة إلى آخر السنة المذكورة ### | سنة ثمانين وخمس مائة # فيها تقدم الخليفة إلى داود صاحب الديوان أن يخرج إلى الكوفة ويعد نخيلها ~~ويحقق عدده ويستوفى الخراج من أهلها ويعتبر معاملاتها فتوجه داود وأقام بها ~~مدة يسيرة فخرج أهلها من بين يديه وجاء جماعة منهم إلى بغداد يستغيثون من ~~يده ويلازمون الخطيب كل يوم جمعة ويبالغون في الاستغاثة وكثر ذلك منهم فبرز ~~الأمر بإحضار صاحب الديوان وكان قد نقل إلى أستاذ الدار ونائب الوزارة ابن ~~البخاري ms106 أن شيخ الشيوخ يعرض على الخليفة مكتوبات سرا فنسب ذلك إليه فأخذ كل ~~منهما يقبح فعله # وأما صاحب الديوان فإنه حمل إلى ديوان الزمام فجلس في الخزانة PageV01P168 # التي في دهليز بيت الخيش ونفذ إليه ابن البخاري وطالبه بألف دينار # وكانت بنت العطار أخت ظهير الدين زوجة صاحب الديوان واعتقد أستاذ الدار ~~أنه قد حصل له منها شيء فنفذ إليه وضيق عليه فكتب شيخ الشيوخ إلى الخليفة ~~ثبت الله دعوته قصة يذكر فيها أن # هذا داود كان عندي في رباطي على قاعدة الصوفية تقدم باستخدامه في الديوان ~~العزيز وقد استغنى عنه وقد صرف وقد وكل به في الديوان العزيز والمملوك يسأل ~~مالك الرق أن ينعم عليه به ويتقدم باستيفاء ما قرر عليه من مالي فتقدم ~~الخليفة بأن يسلم داود إلى شيخ الشيوخ فسلم إليه فأسكنه في دار قريب من ~~رباطه فكان لا يزال ملازما للرباط ليلا ونهارا ولا يخرج منه خوفا من أستاذ ~~الدار # وفيها بذل أبو السعود بن جعفر ألفا وخمسمائة دينار على أن يكون حاجب ~~الحجاب فأذن له في ذلك وكان حاجب الحجاب يومئذ بهاء الدين أبو الفتح ابن ~~الدارنج وكان ابن البخاري يتعصب لابن الدارنج فسأل أن يرتب ابن الدارنج ~~عارض الجيش المنصور على أن يؤخذ منه قرية للديوان المعمور ألف وخمسمائة ~~دينار فأذن له في ذلك قريب ابن جعفر حاجب الحجاب وابن الدارنج عارض الجيش ~~وكان ذلك على غير اختيار ابن البخاري لأنه كان يبغض ابن جعفر لأنه كان ~~مفسدا كثير الشر فلما استقل بالحجبة تقدم إليه أن يكتب في كل يوم مطالعة ~~إلى أستاذ الدار بجميع ما يجري في المجلس من قليل وكثير فكان حاجب حجاب ~~وصاحب خبر وكان أستاذ الدار قد تغير على ابن البخاري النائب لكونه كان يسمع ~~عنه أنه يخلو بابن الكرخي ويحدثه وأنه يذكر له أشياء يقولها للخليفة وكان ~~ابن الكرخي يقول للخليفة ليس لك نائب وزارة مثله ولكن ماله حكم وإنما هو ~~غلام بين يدي أستاذ الدار ولو كشف عن باطنه ms107 رؤى قلبه قد دود من شدة ما هو ~~عليه ولو مكنته كنت ترى العجب PageV01P169 # وكان ذلك ينقل إلى أستاذ الدار ابن الصاحب من حضرة الخليفة وأستاذ الدار ~~لا يشعر أحدا أنه يعلم ذلك # وفيها مات الشيخ يونس وكان ابنه نائب أستاذ الدار في ديوان الأبنية ~~المعمورة وكان موته في الدار التي برأس درب الدواب واجتمع له الناس لأجل ~~ولده وفتح له جامع القصر وحضر أرباب الدولة للصلاة على جنازته وحمل إلى قبر ~~سلمان الفارسي بالمدائن فدفنوه هناك على حذيفة بن اليمان وذكر ابن يونس أن ~~لهم بحذيفة وصلة نسب وبنى عليه قبة حسنة # وفيها دخل الخليفة ثبت الله دعوته المدرسة النظامية ليلة سبع وعشرين من ~~رمضان وكانت ليلة الختمة فرأى المدرسة شعثة ورأى الإيوان الذي بها شعثا ~~وأرضها كثيرة التراب غير مطبقة فلما خرج منها تقدم إلى أستاذ الدار ابن ~~الصاحب أن يعمر النظامية من ديوان الأبنية المعمور ويطلق لها جميع ما يحتاج ~~إليه فتقدم إلى ابن يونس أن يتولى عمارتها وإصلاحا فنفذ إليها الصناع وجميع ~~الآلات وجميع ما يحتاج إليه من حصر وغيره ورتب فيها جماعة من غلمان ديوان ~~الأبنية يحثون على العمل فغرم عليها مبلغ كبير # وفيها خلع آل تنبه الشطرنجي أمير واسط على جميع عسكره كل واحد قباء لونين ~~فكانت قبيحة في أعين الناس فكان أهل بغداد يعيبون عليه ذلك ويقبحونه وكان ~~مفرطا في الشرب ذا سيرة قبيحة وكان شرب ذات ليلة فبلغ الخليفة ثبت الله ~~دعوته ما هو عليه من الفحش والبطالة فقال لابن يحيى ولأبي العز ولنجاح ~~الشرابي وابن الكرخي قوموا بنا نمضى إلى عند الشطرنجي ننظر ما هو عليه من ~~سوء حاله وتدبيره وكان PageV01P170 # الشطرنجي في دار حسنة في درب الدواب فدخلوا عليه وهو يشرب فقام وخدمه ~~وجلس بين يديه فأخذ منه غفلة وضربه بالسيف فقام إليه وقبض عليه وأراد أن ~~يهلكه وكان الشطرنجي أقوى منه فقام أقش مملوك الشطرنجي وساعد أمير المؤمنين ~~صلوات الله عليه وخلصه منه فضربه ضربة أخرى فقتله في وسط ms108 الدرب وتقدم إلى ~~بعض الخدم أن يؤخذ ويرمى من ساعته في دجلة وبقى الدم في موضع قتله فكان أهل ~~بغداد في صبيحة ذلك اليوم يأتون سرا إلى باب الشرطنجي وينظرون موضع قتله # وجاء جماعة من الجباة إلى باب النوبي نصف الليل فقام المستخدم الموكل به ~~وقال # ما الخبر فقالوا خذ هذه الرقعة وسلمها إلى أستاذ الدار فأخذ الرقعة ~~وحملها إلى أستاذ الدار فوقف عليها فضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال لا حول ~~ولا قوة وانزعج واستعظم الناس هذه الحال وصاروا يخافون الخليفة وحصلت له ~~الهيبة في قلوب الناس # ولما أصبح الخليفة تقدم إلى أئتاذ الدار بالقبض على جميع أصحاب الشطرنجي ~~وأسبابه وأخذ جميع ما كان في داره وأمر بإحضار أقش مملوك آل تنبه الشطرنجي ~~فأعطى خمس مائة دينار وخلع عليه ورسم أن تكون هذه جارية عليه مستمرة في كل ~~سنة يأخذها من الديوان # ثم برز الأمر بأن تعطى واسط وأعمالها وبلادها لمجاهد الدين خالص الخادم ~~وأن يكون فيها على ما كان آل تنبه الشطرنجي فوقع بها له وكان لآل تنبه أخ ~~مملوك يقال له آق سنقر من جملة مماليك الخليفة وكان مستحسنا فتقدم الخليفة ~~بأن يخلع عليه وأن يعطي الدار التي في درب نصير وكانت PageV01P171 # تعرف بفلك الدين أمير البصرة وكانت دارا جميلة وتقدم إليه أن يكون ملازما ~~للبدرية وأن لا يمضي إلى موضع إلا بإذن # وفيها رتب ابن يونس وكيل الباب الشريف عوضا عن أبيه وكانت له مطالعة تعرض ~~بين يدي الدواة الشريفة # وفيها رتب ابن حمدون مشرفا في ديوان الأبنية # وفيها كثر قول ابن يونس في أستاذ الدار ابن الصاحب وكذلك عز الدين ~~الشرابي وجماعة ممن تحضر الخدمة الشريفة وكانوا يرون أن متى أستاذ الدار ~~رجع رجع الأمر إليهم وكان الخليفة شديد الخوف من أستاذ الدار وكان قد أثر ~~في نفسه قول أولئك الذين ذكرناهم وكان يرى نفسه أنه محجوز عليه وكان لا ~~يجسر أحد أن يتظاهر إلا بمتابعة أستاذ الدار # وفيها خرج الخليفة ومعه جماعة منهم أبو ms109 الحسن بن الكرخي وأبو العز ومحمد ~~بن يحيى وعلي بين أبي الكتائب والمقرب علي بن ذبابة الفراش ويحيى القواس ~~إلى قرية تعرف بالحسنة من أعمال طريق خراسان فنزل في دار رئيسها ابن سرخاب ~~وكان أيضا ينزل في ناحية توهرت في دار رئيسها ابن معالي وكان ابن معالي ~~حينئذ ناظرا في طريق خراسان فخرج بتلك الجماعة المذكورة لرمي الطير بالبندق ~~وتقدم إلى الجماعة أن يرموا له وإن كان هو PageV01P172 # أصل هذا الأمر ومن أقوال رماة البندق أن بزر جمهر وزير كسرى أنو شروان ~~كان له أصل في هذا الأمر وميل عظيم له وتكلف الناس ذلك وصار لهم فيه قول ~~مضبوط محفوظ واحتراز من الكذب فصرع أستاذ الدار أبو الفضل بن الصاحب في ذلك ~~المقام طيرا ورمى للخليفة وتابعه جماعة من الأمراء وغيرهم من الناس # وفيها حضر أمير المؤمنين الناصر لدين الله أمير المؤمنين صلوات الله عليه ~~في بستان تاج الدين بن رئيس الرؤساء الذي هو ملاصق للبيمارستان العضدي ~~فاستحسنه فتقدم إلى أستاذ الدار بأن يشتريه من أولاد تاج الدين فنفذ أستاذ ~~الدار إليهم وعرفهم الحال وأحضر إليهم الشهود واشترى منهم الموضع بثلاثمائة ~~دينار فكان أولاد تاج الدين يرون هذه الواقعة أنها من أستاذ الدار وكان في ~~الموضع دار مستحسنة فأمر الخليفة بهدمها وأمر بعمارة دار أحسن منها فعمرت ~~على أحسن ما تكون من العمارة # وكان الخليفة يخرج بعض الأوقات إلى ذلك البستان للتفرج والتنزه لأن ~~الموضع كان على شاطئ دجلة # وفيها توفيت أم أبي الفضل بن الصاحب أستاذ الدار العزيزة وكان يوم موتها ~~يوما مشهودا وحضر لموتها جميع أرباب الدولة وأراد أن يخرجها أستاذ الدار ~~ليلا فلم يمكن من ذلك وأمر بإخراجها نهارا وبرز PageV01P173 # الإذن بالتقدم إلى أرباب الدولة بحضور جنازتها والمضي خلفها فحضر جميع ~~أرباب الدولة وأكابر بغداد ونفذ ابن البخاري نائب الوزارة وسأل أن يؤذن له ~~بالحضور فلم يؤذن له في ذلك وحضر جميع الأمراء والمماليك الخواص وحضر جماعة ~~القراء إلى الديوان العزيز وصلى عليها الشيخ أبو طالب بن ms110 الخل وجميع من في ~~الدار وأرادوا أن يخرجوا التابوت من الدار فلم يقدروا على إخراجه من كبره ~~فنقض حائط الإيوان مما يلي الباب وأخرج منه التابوت وركب أستاذ الدار ~~وأرباب الدولة مشاة بين يديه وجميع الناس # وكان في ركابه حدود من خمسمائة سيف مشهورة إلى أن أشرف على دجلة فنزل في ~~سمارية خفيفة وعليها قبة سوداء ومشدة في رأس القبة وركب بعض الناس في السفن ~~وبعضهم على الطريق وكان يوما لم يذكر لأحد بمثله فساروا في دجلة إلى مشرعة ~~مشهد باب التبن وهو مشهد موسى بن جعفر على ساكنه أفضل الصلاة والسلام ومشي ~~ومشي الناس بين يدي أستاذ الدار من مشرعة المشهد إلى الحفرة وكان شمس الدين ~~الركاب سلار بين يديه قابضا على عنان المركوب ثم حملت الجنازة إلى قبر موسى ~~بن جعفر ودفنت في الحضرة # وكان الخليفة هو وجماعة من المماليك الخاص في دار للشرابي مشرفة على شاطئ ~~دجلة وكان عند مدرسة السلطان مسعود يشاهد تلك الأحوال سائرها ورجع أستاذ ~~الدار إلى دار الخلافة وأمر الناس أن لا يأتي منهم أحد للعزاء # ولما رجع أستاذ الدار إلى منزله أرسل إليه الخليفة بأطباق من طعام PageV01P174 # وانفذ له خلعة وتشريفا جميلا وقال له اركب حتى تمضي إلى الصيد ولا تجلس ~~للعزاء # وفيها توفي ناصر الدين بن شيخ الشيوخ وكان شابا جميلا مستحسنا وكان أكبر ~~بنيه وذلك في شهر رمضان من السنة ### || ذكر مكرمة شيخ الشيوخ # كان شيخ الشيوخ جالسا على الطبق مع الصوفية وقت الإفطار فجاءه بعض ~~الصوفية وساره في أذنه على الطعام فسجد سجدة طويلة ثم رفع رأسه وأكل مع ~~الصوفية إلى أن استوفوا الطعام على جاري عادتهم ثم تقدم إلى خادم الصوفية ~~بإحضار حلوى فأحضرت فلما علم أن الناس قد قضوا حاجتهم من الطعام والحلوى ~~قال # عن إذنكم فإن ولدي قد مات فلما كان صبيحة ذلك اليوم شرع في تجهيزه وغسله ~~وتكفينه وهو جالس في وسط الناس يتحدث على جاري عادته ويضحك مع الناس وتعجب ~~الناس من صبره وحسن ms111 طريقته # وتقدم الخليفة إلى أستاذ الدار بإنفاذ جميع القراء إلى رباط شيخ الشيوخ ~~لحضور موت ولده وأن يمضوا مع الأمراء والمماليك الخاص وكان يوما مشهودا # وفيها تقدم الخليفة بعمارة دار الفلك وكان الفلك رجلا ضريرا معنى وكان قد ~~مات في أيام الدولة المستضيئة سقى الله عهودها الرضوان وكان يلقب بالفلك ~~وكان ممن يحاضر الإمام المستضئ بأمر الله فلما مات لم يكن له وارث إلا بيت ~~المال فأمر الخليفة صلوات الله عليه في أيامه بعمارة دار الفلك الضرير ~~فوطئت أرضها ودكت وأمر بحضور ابن العويلة وأستاذ الدار PageV01P175 # إلى هذه الدار المذكورة وقال أريد أن تقسم هذه الدار وأنا حاضر فإنني قد ~~كرهت عدة دور لأجل قسمتها فقسمها متقدم البنائين وأستاذ الدار فأبطل ما ~~قسموه جميعا وأخذ ورقة بياض كبيرة وخط فيها صورة الدار وتقدم إلى أستاذ ~~الدار أن لا يمكن أحدا من عمارة إلى أن يفرغ من هذه الدار فجمع إليها جميع ~~الصناع والأمانين والنجارين فلم يتخلف أحد من الصناع ببغداد إلا وحضر إليها ~~وتقدم الخليفة أن يحضر الحاجب ابن مسافر ويؤمر بأن يزوق بيت الخيش الذي يلي ~~الشط صورة جماعة يذكرون فأحضر ابن مسافر إلى دار الفلك وقيل له أن يصور ~~صورة مملوك أحضروه عنده فقله على الحائط مثله من غير أن ينقصه شيئا فلما ~~حضر الخليفة ورآي تلك الصورة أعجبته صنعته فأمره بأن يلازم المكان فقال ابن ~~مسافر أريد أن يكون معي غلام معه زبدية الأصباغ ويناولني ما أريد فقالوا له ~~إختر من أردت فقال أريد معتوق النقيب وكان من نقباء الديوان العزيز فنفذ ~~إلى معتوق وأحضر وكان طوال النهار على الخشب راكبا وكان الخليفة يدخل ويضحك ~~علي ابن مسافر ورفيقه النقيب فلما فرغت الدار أمر الخليفة أن يخلع على ابن ~~مسافر وعلى معتوق رفيقه ورسم أن يرتب ابن مسافر حاجب منطقة وزادوا معتوقا ~~في معيشته # وأمر الخليفة الفراشين بغسل دار الفلك وأن ينقل إليها من ال فرش جميع ما ~~يحتاج إليه من الآنية وغير ذلك ورتب فيها محمد ms112 بن جلدك فراشا ومعه جماعة من ~~الفراشين وزخرفت الدار بالذهب والفضة حتى ذكر أنه لم يعمر مثلها وكان ~~الخليفة إذا أراد أن يصعد إليها من دجلة وقف الناس يرقبون صعوده فينظرون ~~إليه لأن بين دار الفلك ودجلة خطوات فتقدم فأمر بأن يعمر حائطان مشرفان من ~~باب دار الفلك إلى شاطئ دجلة فيكون مثل الدرب ويجعل فيها طريق للمسلمين ~~بحيث إذا صعد PageV01P176 # لا يبصره أحد ورتب في الدار جماعة كثيرة لحفظها وجعل لهذه الدار حرمة ~~كحرمة التاج الشريف # وفيها تقدم الخليفة بأن يعمر للشيخ عبد الجبار متقدم الفتيان صومعة تحت ~~بغداد يكون دائرها سور داير فعمرت وانتقل إليها الشيخ عبد الجبار وصار ~~الخليفة يكثر التردد إلى عنده والحديث في الفتوة ومعرفة الفتيان وكان الناس ~~يمضون إلى الشيخ عبد الجبار ويزورونه ويخدمونه ويتقربون إليه الأجل الخليفة ~~ثبت الله دعوته وكان الخليفة إذا أتى إلى عبد الجبار رأى عنده العقاب نسيبه ~~وهو ملازمه فصار العقاب يتحدث مع الخليفة ويحضر عنده ويأتي إليه # وكان ببغداد رجل يقال له داود بن سمرة متقدم فتيان جماعة فأراد الخليفة ~~أن يحضر عنده ويسمع كلامه عنده ومال إلى كلامه وقرب لديه وصار الخليفة ينفذ ~~إليه يحضر عنده في البدرية ويتبسط معه وكان عبد الجبار لا يسره ذلك ولا ~~يشتهيه وكذلك العقاب وعبد الجبار أيضا ما كان يسرهم ذلك والخليفة لا يعلم ~~حقيقة ذلك وكلما جاء داود بن سمرة كثر عند الخليفة وزاد موضعه وصار خلفه ~~حدود عشرة ألف رجل ينسبون إليه وخاف منه عبد الجبار وجماعته # وفي هذه السنة سألت أم الخليفة أن يؤذن لها في زيارة مشهد سر من رأى على ~~ساكنه السلام ومشهد صندوديا فتقدم الخليفة إلى المخزن المعمور أن يعمل لها ~~ما تحتاج من الإقامة وتقدم إلى ابن يونس الوكيل بباب الحجرة الشريفة أن ~~يكون على عزم السفر وأن يتسلم جميع ما عمل للسفر وأن يتقدم إلى جميع العسكر ~~والمماليك أن يكونوا في الخدمة وأن ينادي في جميع العسكر أن الخليفة في ~~الصحبة للزيارة فأخرجت ms113 الخيم والمضارب والنوتيات وخرج الخليفة وأمه إلى ~~الزيارة وكان يركب PageV01P177 # ويتصيد والعسكر في خدمته وهو غير متظاهر وكان الأمير عماد الدين طغرل معه ~~وكان الخليفة يفرق كل يوم على الأمراء صناديق الحلاوات وأصناف المأكل ~~والفاكهة وابن يونس يتولى ذلك جميعه وكان على ابن أبي الكتائب ويوسف بن ~~عنبر وأبو العز ومحمد بن يحيى وأبو الحسن ابن الكرخي والطاهر شرف الدين أبو ~~الفضل بن الطاهر نقيب الطالبيين وكان الخليفة يدخل للزيارة هو وأمه ولا ~~يمكن أحد من الدخول إلى الزيارة إلا بعد خروجهما وأنفق من الأموال حدودا من ~~عشرين ألف دينار وكان سعود الخادم متولي دجيل فكان ينفذ في كل يوم إلى ~~العسكر إقامة من شعير وتبن وأغنام وأبقار وغير ذلك أشياء كثيرة وكان جميع ~~من كان عند الخليفة منسوبا إلى أستاذ الدار ابن الصاحب يذكر جميع ما يجري ~~يوما فيوما وساعة بساعة وعاد الخليفة دام ظله من تلك الزيارة ومن معه من ~~الأصحاب والأمراء في السفن إلى تحت التاج من باب البشرى وكان جماعة من ~~المماليك والأمراء يذمون ابن يونس ويقبحون ذكره لكونه كان الخليفة يأمره أن ~~يعطي الناس فكان يعطي قليلا حتى إنه رد من صناديق الحلوى والأطعمة كثيرا ~~فعلم الخليفة بذلك فأنكر عليه وفرق جميع ذلك على دور الأمراء والمماليك ~~وأرباب الدولة وكان الخليفة قد تقدم إلى أستاذ الدار أن يعمر مشهد سر من ~~رأى وأن يشيده وينفذ إليه فرشا وبسطا وجميع ما يحتاج إليه وكذلك أيضا فعل ~~بمشهد صدوديا وأن يعطى جميع المجاورين بهذين المشهدين ثلاثة ألف دينار ~~وأعطى مشهد موسى بن جعفر على ساكنه السلام ألف دينار لعمارته وخمس مائة ~~دينار تفرق على ساكنيه # وفيها عمرت أم الخليفة مسجدا بمشرعة السقائين على شاطئ دجلة PageV01P178 # بمشرعة الحطابين وغرمت عليه جملة كبيرة وقالت لا يصلي فيه إلا رجل حنبلي ~~فأحضر إليها من باب الأزج مقرئ جيد فأمرت به أن يحمل إلى باب الحجرة وأن ~~يخلع عليه ففعل به ذلك وجعل إماما لذلك المسجد # وفيها تقدمت أم الخليفة بعمارة ms114 مشهد لرجل يقال له الشيخ علي بن الهيتي ~~ورباطا هناك فعمل له قبة عجيبة البناء وكان هذا الشيخ علي بن الهيتي رجلا ~~صالحا يحكي عن عماد الدين بن رئيس الرؤساء أنه خرج من بغداد وتوجه إلى ~~ناحية زويدان لتلقي الحاج وكان معه ابن يوسف الدمشقي الواعظ فقال ابن يوسف ~~لعماد الدين ابن الوزير إن الشيخ علي الهيتي كبير السن في عشر التسعين فقال ~~عماد الدين لا يعقل بل يكون له سبعين أو في عشر السبعين ثم خاضوا في حديث ~~غيره إلى أن وصل الوزيران وجاءا إلى الشيخ علي بن الهيتي وهو يصلي العصر ~~وقد سبق العماد بركعة واحدة فلما دخل معه في الصلاة وفرغ من صلاته تقدم ~~عماد الدين ليأخذ يده ويصافحه فلما ترك يده في يده قال له أنت على الصحيح ~~في عشر السبعين نحن قال العماد # فقبلت يده وعلمنا أنه صاحب كرامات # ثم إن أم الخليفة لما أكملت بنيان تلك القبة أوقفت عليها قرية جميلة يكون ~~ارتفاعها خمسمائة دينار وحملت إليها جميع ما تحتاج إليه من فرش وقناديل من ~~جملتها قنديلان أحدهما فضة والآخر ذهب ثم عملت على قبره لما مات صندوقا من ~~الساج وغرمت عليه جملة كبيرة وكتبت اسمها على داير الصندوق هذا ما أوقفته ~~بحر درة أمير المؤمنين # وفيها تقدم الخليفة إلى أستاذ الدار أن يعمر له دارا في ناحية حسناباذ PageV01P179 # من معاملة نهر ملك وتقدم إليه بأن يعجل في عملها فجمع إليها جماعة من ~~الصناع وحشر إليها أرباب الصنائع ففرغت في مدة يسيرة وكان يخرج ومعه جماعة ~~لرمي البندق ويلبس ثياب الرماة يرمي مع جماعة منهم ليلا وبكرة وعشية وكان ~~يجد المشقة في ذلك ويلبس قميصين من قطن أزرق ويفعل ذلك بيده أيام الرمي # وفيها أحضر جماعة من قباض الحمام مثل ابن الدوامي وابن جابر صاحب المخزن ~~وابن رزين وغيرهم من المعروفين بلعب الحمام وأمرهم أن يقبضوا منه ففعلوا ~~ذلك وتقدم إلى أصحابه أن يعمروا مبارح ودورا للحمام وكثر ذلك وصار كل من ~~يريد القرب ms115 من الخليفة يتقرب إليه بأن يقبض منه الحمام ولأصحاب الحمام في ~~ذلك قول محفوظ إذا حلف أحدهم يقول أصحاب الحمام لزمه ذلك فلا يكذب أبدا ~~لقوله في الفتوة ورمي البندق # ثلاث خصال لا يقدر أحد أن يكذب بها # وفيها تقدم عنده شمس الدين علي بن أبي الكتائب المعروف بالخواجا وكان ~~يخدم الأمراء وكبر أمره عند الخليفة والأمراء وقربه وأدناه وجعل حديث ~~الأمراء معه وكان رجلا كيسا بغداديا دمثا يتمسخر للخليفة ويتطاول حين يبسطه ~~وكان المذكور حسن المحاضرة كريم الطبع وحسن حاله وزادت منزلته وتضاعفت ~~حرمته وكان مسموع القول عند الخليفة عظيم القدر عند أرباب دولته وكان إذا ~~سأل الخليفة بأي أمر أجابه حتى إنه كان يسأله في إطلاق من وجب عليه قتل أو ~~صاحب جناية ويشفع فيه فيشفعه PageV01P180 # وفيها صعد رجل شاب على سطح ابن البخاري اسمه محمد الفراش وقد انحل حبل ~~البرادة وكانت طويلة ملساء فجعل يكلف نفسه الصعود لتلك الخشبة وصعدها وعمل ~~الحبل في البكرة ونزل وكان في تلك الساعة أستاذ الدار ابن الصاحب على سطح ~~داره فشاهد هذه الحال من الفراش وبعد أيام نزل إلى الديوان من فتح خزانة ~~المال التي للخليفة وأخذ خرقة فيها سبع مائة دينار فتقدم بأخذ الخازن ~~والفراشين الذين للديوان وعرضهم على الضرب وكان الخازن رجلا شيخا كبيرا ما ~~عرف له ولا سمع عنه إلا الخير وكان قريبا لأستاذ الدار ابن الصاحب وطولب ~~الخازن بالذهب وصعب ذلك على أستاذ الدار كيف تجري مثل هذه الواقعة في ديوان ~~الخليفة في أيام ولايته فأحضر غلمان الديوان وسألهم عن هذه الحال فقالوا له ~~الذي قد فعل هذا قد أخذ حبلا وشده في كنيسة الديوان ونزل وفتح المخزن وأخذ ~~الذهب ورجع فصعد بالحبل فقال أستاذ الدار إنني كنت من أيام على سطح داري ~~رأيت على سطح ابن البخاري صبيا فراشا قد صعد في حبل وتعلق به وترك الحبل في ~~البكرة التي في خشبة البرادة أريده الساعة فنفذ إلى ابن البخاري فسأل عن ~~ذلك الصبي فقيل إنه هو ms116 محمد الفراش فنفذه إليه فقال له أستاذ الدار أين ~~الذهب الذي أخذته من الديوان فأنكر فتقدم بضربه فضرب ودام عليه الضرب ~~فاعترف بسرقته فنفذ مع جماعة من الغلمان فأحضر الذهب وقد نقص منه عشرون ~~دينارا واستؤذن الخليفة في قطعه فتقدم أن يحمل إلى حبس اللصوص ولا تقطع يده ~~فهذا مال من بيت مال المسلمين وله فيه حق بل يحبس فنفذ إلى الحبس فأقام فيه ~~عشرة أشهر ثم نقب الحبس وكسر القيد الذي في رجله وحسن لجماعة من العرب ~~والمحتسبين أن يهربوا معه وعلم بذلك PageV01P181 # السجان قبل أن يتم لهم أمرهم فأحضر شهودا وأوقفهم على نقب الحبس وأحضر ~~إليهم العرب وقد كسرت القيود من أرجلهم فاعترفوا بما عمل محمد الفراش ~~وكتبوا بذلك مطالعة ورفعت إلى العرض الأشرف فبرز الخط الشريف بقطع يده ~~ورجله فإن مثل هذا لا يأتي على المسلمين منه خير فقطعت يده ورجله وحمل إلى ~~البيمار ستان العضدي # وأما خازن الديوان فإنه كان يلقب بالسديد واسمه الأعز فأحضره أستاذ الدار ~~وخلع عليه واعتذر إليه وأعاده إلى خدمته وتقدم الخليفة بأن يكون الذهب في ~~الخزانة في صناديق عليها أقفال جياد ويحرس المكان وتقدم بأن تعلى حيطان ~~الديوان ويمنع كل طريق إليه وأن يعمل له سياج من شوك ففعل ذلك فصار الديوان ~~لا سبيل لأحد عليه من جهة من الجهات ورتب له الحراس # وفيها زاد إبراهيم بن إبراهيم على أمير الحاج طاشتكين مائة ألف دينار في ~~ضمان الحلة والبلاد السيفية وما ينسب إلهيا فتقدم الخليفة بإحضار قاضي ~~القضاة وإحضار أمير الحاج وأن يجمع بينه وبين إبراهيم بن إبراهيم وأن يكون ~~من جانب أستاذ الدار ابن يونس الوكيل فحضر الجميع وأشار ابن البخاري إلى ~~إبراهيم بالكلام فقال إن هذه الحلة فيها زيادة على المبلغ الذي على هذا ~~الأمر مائة ألف دينار وأنا أضمن الموضع بهذا وكان وزيره حينئذ المقرب ابن ~~بختيار فقال اذكر لنا وجوه الزيادة فأخذ يذكر وأمير الحاج ينكر وأستاذ ~~الدار كبير التعصب لأمير الحاج وطولع الخليفة بالحال فكتب إن ms117 المصلحة في ~~ذاك أن تقرر على أمير الحاج أن يحمل في كل سنة شيئا ويقطع الحديث ولا يعين ~~عليه فإننا قد كسرناه فأحضر أمير الحاج ووزيره ابن بختيار وأخذ خطهما بما ~~تقرر على أمير الحاج وتقدم إلى ابن إبراهيم بالانصراف وكف لسانه PageV01P182 # وفيها عجز ابن البخاري عن الركوب ليوم العيد إلى الديوان لأنه كان به مرض ~~قد أعجزه وأثقله وكان يكلف نفسه الجلوس في الديوان لأجل المنصب وقد ذكر أن ~~سبب ذلك المرض من جهة زوجته وأنها أسقته سما فتطاول مرضه لذلك فاستأذن ~~الخليفة أن يجعل في محفة ويحمل إلى صفة الزيتون فجلس في موضعه وكان قد ~~تناهى به المرض وعجز عن الحركة فحضر أرباب الدولة وأنشد الشعراء مدحهم وكان ~~عنده شغل من شدة مرضه # وفيها وضع أستاذ الدار من نقل إلى الخليفة أن أبا الحسن بن الكرخي يسمج ~~ويقول عنه أشياء ويذكر جميع ما يكون فيه من أحوال تجري في خلوة أو مجلس ~~ويتحدث بذلك في الأسواق وأن الدليل على صحة ما نقل عنه أن الخطير البزاز قد ~~حكى عنه جميع ذلك فتقدم الخليفة بإحضار الخطير البزاز وسمع كلامه فتقدم ~~الخليفة بمنع ابن الكرخي من الدخول إليه ثم تقدم أستاذ الدار إلى كل من أخذ ~~منه ابن الكرخي هدية أو قرضا أو شيئا أن يطالبه به إلى أن استوعب ماله وابن ~~الكرخي يعتقد أن ذلك يرضي الخليفة وتقدم بقطع معيشته من الديوان ومعيشة ~~أبيه أيضا وكان أبوه حاجب منطقة وحاجب منبر فكتب عمرو العلي بن النشال ~~الهاشمي وكان هذا المذكور يخدم الخليفة لما كان أميرا فلما ولى الخلافة ~~تقدم بأن يرتب حاجبا صغيرا فرتب وكان الناس يستعظمون ذلك لأنه كان يبيع ~~الحطب وكتب رقعة يسأل فيها أن يرتب حاجب منطقة وحاجب منبر موضع ابن الكرخي ~~الشيخ الملقب بولي الدين فوقع الخليفة عليها بالإذن وعرضت على ابن البخاري ~~فنفذ إلى أستاذ الدار وقال # إن الناس يستعظمون ذلك وكون هذا في الديوان حاجب صغير فاستقبح قوله فقال ~~إن الخليفة قد تقدم ms118 بذلك ولا يسيئه بيعه الحطب مع أنه من الأسرة الهاشمية ~~فلا تقل في هذا شيئا ألبتة ثم أحضر ابن النشال وأجلسه بين يديه وصار موضع ~~ابن الكرخي وعلم PageV01P183 # الناس أن الخليفة قد تعصب لهذا ثم تقدم إلى هذا المذكور أن يكتب مطالعة ~~تشتمل على أحوال الديوان سرا بحيث لا يعلم أحد وكبر عند الناس بهذه الحال # وفيها ورد ضياء الدين ابن الشهرزوري إلى بغداد رسولا من عند صلاح الدين ~~يوسف بن أيوب وكان ابن البخاري قد تناهى به المرض وعمل فيه السم حتى تساقطت ~~أظفاره ومعظم شعره وبقي كالفرخ وتقدم بإخراج الموكب للقاء ابن الشهرزوري ~~فلما كان بعد ثلاثة أيام من قدومه تقدم إلى ابن البخاري أن يجلس له ويسمع ~~كلامه ورأى أنه لا يقدر على ذلك لشدة المرض فتقدم أن يعمل له طراحة ومسند ~~في باب حجرة صغيرة ولها دهليز إلى النساء وجعل على الباب سترا وجلس والنساء ~~عنده إلى أن حضر الرسول وحضر خالص الخادم ومشرف الديوان أبو غالب بن الخلال ~~وكان يومئذ ينوب عن كاتب الإنشاء وحضر المقربون والناس ولم يتخلف أحد ممن ~~جرت عادته أن يحضر وتقدم إلى المماليك الخواص أن يحضروا حتى يكثر الجمع بهم ~~فحضروا وأحضر ابن الشهرزوري وما كان صحبته من التحف وأزالوا الستر الذي كان ~~ابن البخاري علقه فقام الناس لقدومه وخدموه وتقدم إليه أن يذكر ما عنده ~~فقام وخطب خطبة حسنة بليغة وأخذ يذكر فتوح صلاح الدين وجهاده وما هو عليه ~~من المرابطة للكفار وأنه مملوك مخلص وأن ما لهذه الدولة القاهرة مثله ولا ~~من يجري مجراه ولا من يماثله في العبودية وبالغ في ذلك ثم جلس فالتفت إليه ~~ابن البخاري وقال له يا أبا القاسم إذا رجعت إلى يوسف بن أيوب فقل له يقرأ ~~قوله تعالى {قل لا تمنوا علي إسلامكم بل} PageV01P184 # الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان المنة للخليفة ثبت الله دعوته في تقبل ~~مثله وهذه البلاد المفتوحة بسعادة هذه الأيام وبحسن التعبد لها وبشمول ~~أنعمه عليه فينبغي له ms119 أن يعلم ذلك ويتحققه فعجب الناس من جوابه ثم أحضرت ~~التحف وكان فيها شيء من دهن البلسان وحقة جوهر وثياب مصرية ومقايير مذهبة ~~وخركاه وشيء من العدة التي قد أخذت من الفرنج فتقدم لي ابن الخلال أن يكتب ~~إلى العرض الأشرف بشرح الحال التي جرت وذكر عن ابن الشهر زورى ما أفاض من ~~الأدعية الصالحة عن مرسله وأنه قد صحبه كذا وكذا وأخذ المطالعة ابن البخاري ~~وكتب عليها أنه يسأل قبول ذلك ونفذ المطالعة ثم أسبل عليه الستر ولم يزل ~~الناس على طبقاتهم حتى رجع الجواب من الخليفة وكان مضمون ما كتبه # وقف على ما أنهاه من حضور رسول صلاح الدين كثر الله في الأولياء مثله وما ~~ذكره من حال نصرته وذلك بنا وبآرائنا وهمتنا وما نفذ فقد شرف بقبوله ثم ~~تقدم إلى الرسول بالانكفاء إلى الموضع الذي أعد له وكان قد أنزل بدار ~~بالخاتونية البرانية وكان الناس يتعجبون من كلام ابن البخاري وحسن ذهنه ~~ودرايته وهو مشارف للموت # وفيها مات ابن البخاري نائب الوزارة وذلك بعد أيام من قدوم ابن الشهر ~~زورى # ولما توفي ابن البخاري نفذ أستاذ الدار إلى داره فاستولى على ما فيها من ~~قليل وكثير وختم عليه وغير ذلك من خيل ودواب وأمر بتجهيزه فغسل وكفن وحمل ~~إلى جامع القصر وصلى عليه ولم يتخلف عنه أحد من أرباب الدولة وحمل إلى ~~مقابر عند قبر أحمد بن حنبل رضي الله عنه PageV01P185 # وتقدم أستاذ الدار أن يمضي جميع أرباب الدولة إلى مكان دفنه وحمل جميع ما ~~كان خلفه من مال وخيل ورقيق إلى المخزن المعمور وكان ابن البخاري قد وهب ~~لبعض مماليكه بعض أملاكه فأخذت منهم الكتب وأخذت الأملاك وكان أستاذ الدار ~~قد حزن عليه فلما مات احتوى على ما كان له من مطالعات يطالعه بها ولا يشتهي ~~أن يظهر عليها أحد وكان أستاذ الدار يعمل أشياء ولا يحب أن يطلع عليها ~~الخليفة وكان أستاذ الدار يطلب من ابن البخاري ما كان يكاتبه به من مطالعة ~~وغيرها فيقول ms120 ذلك قد غسلته ويتركه عنده لوقت حاجته فلما مات رأى تلك الليلة ~~الخطوط ولم يغسلها فعلم أنه كان يريد قتله ففرح حينئذ بموته # وفيها أنعم الخليفة على محمد بن يحيى بجميع الأرض والبستان المجاور لمحلة ~~قطفتا والأرحاء على نهر عيسى فعمر جميع البستان وعمر فيه دارا حسنة وعمر ~~ملاصق البستان خانات وعمر أيضا دارا حسنة لبيع الغزل وصار هناك سوق حسن لم ~~يعرف من قبل وسأل الخليفة أن يعمل هناك نهرا ويجري فيه الماء إلى البستان ~~المذكور إلى الخانات من محوله يزدجرد فأذن له في ذلك فلما وصل الماء إلى ~~المواضع رغب الناس في ذلك الموضع وصارت محلة من محال بغداد فيها البيع ~~والشراء ومحط القوافل وجعل محمد بن يحيى الفراش يحمل إلى البستان من سائر ~~الأشجار ويغرس فيه فأينع وأثمر ووصف للخليفة فمضى إليه وأقام فيه يوما ~~وليلة فرآه موضعا حسنا نزها وكانت أكثر فرجة أهل بغداد على نهر عيسى وكان ~~الخيفة كثير الترداد إلى ذلك الموضع وكان في تلك الدار التي في البستان ~~روشن حسن البناء فكان الخليفة يجلس فيه PageV01P186 # وكان بهاء الدين أرغش من المماليك المستنجدية قد كبر عنده فكان يقربه ~~الخليفة ويتحدث معه وكان الشرابي يحسده على ذلك ولا يحب قربه من الخليفة # ولما حسن الموضع وراق للخليفة تقدم إلى محمد بن يحيى بزرع الجزيرة ~~المجاورة له مبقلة وخضرا فصار ذلك الموضع من أنزه المواضع وصار ذلك الخليفه ~~الموضع محروسا بعد أن كان طريقا وكان أهل بغداد يخرجون في كل يوم للفرجة ~~ممن جرت له عادة من الرجال والنساء وكان يخرج جماعة من المحدثين المتمسخرين ~~إلى ذلك الموضع والخليفة قاعد في شباك يتفرج على العوام # وكان لأهل بغداد عادة إلى اليوم فرجة بعد أسبوع من العيد يخرجون إلى ~~الفرجة والتنزه ويقولون ندفن العيد ويخرج رؤساء المحال والمقدمون منهم ~~ويحضرون شخصا يتمسخرون عليه ويكفنونه كالميت ويبكون عليه فإذا طابوا ولعبوا ~~ساعة من يومهم ذلك قام ذلك الشخص الذي كفن كهيئة الميت ويجعلونه مضحكة فأمر ~~الخليفة أن يدفن ms121 العيد عند بستان ابن يحيى وأشار إليه بذلك # فلما كان بعد العيد تقدم ابن يحيى إلى رؤساء العوام ومتقدمي المجال أن ~~يخرجوا لدفن العيد في ذلك الموضع المذكور فخرج خلق لا يحصى عددهم إلا الله ~~سبحانه وتعالى من الرجال والنساء والأطفال والخليفة ينظر إلى العوام ~~وفعالهم فقد أتوا بشخص منهم كهيئة الميت قد كفن وحمل فيما بينهم فقوم منهم ~~يبكون ويصرخون وقوم يعزون وقوم يندبون ويعملون عزية للعيد فإذا ضجروا نزل ~~الناس قدام بين يدي الستر فيلقون الميت في الماء PageV01P187 # فيبقى فيه ساعة والخليفة يضحك عليهم فينزل متقدم الفراشين ومعه مائة ~~دينار إمامية فيقول لمقدم العوام هذه المائة دينار لأجل الميت فحينئذ يقوم ~~الميت المكفن من الماء فيتصارخ الناس لذلك ويضحكون ويدعون للخليفة وكان في ~~ذلك اليوم على سطح تلك الدار جماعة من المماليك الخواص مثل سنجر وإياس ~~الرومي وبرنبا العلائي وياقوت وقيطرس وجماعة من المماليك # فلما انقضى دفن العيد وخرجوا بأسرهم وتحت كل واحد منهم حصان عليه سرج ~~بذهب وتخت وطوق وسر فسار وعليهم ملابس الزركش والثياب الطلس فكانوا يركبون ~~يوم يكون من الحلية والثياب فكان أهل بغداد يرجعون من فرجتهم يتفرجون على ~~المماليك ويقولون # نحن كنا نتفرج على الميت فلم لا نتفرج على هؤلاء الملائكة الذين قد خرجوا ### || ذكر ما تجدد للملك الناصر صلاح الدين في هذه السنة من الغزوات والفتوحات # ولما دخلت هذه السنة شرع السلطان بمكاتبة الجوانب والأطراف والحث على ~~وصول عساكر الإسلام إلى دمشق ليتوجه منها إلى غزاة الكرك فلم تزل العساكر ~~تتواصل من البلاد الشامية وبلاد الجزيرة وديار بكر فلما تكاملت عدة العساكر ~~سار بها متوجها إلى الكرك فكان نزوله على ناحية أدر من أعمالها خامس شهر ~~ربيع الآخر ووصل كتاب السلطان إلى والدي الملك المظفر سقى الله عهوده ~~الرضوان وكان نائبه بمصر بوصوله إليه بالعساكر المصرية فشرع في تجهيز ~~العساكر فحين تكاملت خرج إليها متوجها إلى الكرك فأشرف بعد أيام على ~~أعمالها وتلقاه السلطان بعساكره ونزلوا جميعا قبالة الحصن على الوادي ووقع ~~التضافر ms122 على مضايقة PageV01P188 # أهل الشرك وعبر السلطان إلى الربض فنزل في دار الرئيس ونصب عليها تسعة من ~~المنجنيقات الكبار ورتب عليها جماعة من الرجال والأبطال يضمها صفا واحدا ~~قدام الباب فلم يزل يرميهم بالحجارة حتى أزعج من بالحصن ولم يبق بينه ~~وبينهم مانع إلا الخندق الواسع العميق فأشار السلطان بطمه وكان ذلك من ~~الأمور الصعاب فأمر السلطان بضرب اللبن وجمع الأخشاب وبناء الحيطان مقابلة ~~الربض إلى الخندق وتسقيفها وتأليف ستائرها ولما تم ذلك توافدت رجال العسكر ~~وغلمانه على نقل ما يرمى في الخندق وتبادر الناس إلى طمه بالتراب فتمادى ~~ذلك على تتابع الأيام والليالي واستمر المقام بنا وطابت نفوسنا على ذلك # فبينا نحن مقيمون في حصارهم إذ وصلنا الخبر باجتماع الفرنج وتحاشدهم في ~~الموضع المعروف بالواله وكنا قد ضايقنا الكرك أشد مضايقة فلم ير بدا من ~~النهوض إليهم وكانت الطريق إليهم ضيقة وعرة فصابرهم أياما فلم يقدر على ~~الوصول إليهم فلما طال ذلك قال السلطان # الرأي أن نرحل عنهم ونبعد عن جهتهم لعلهم يخرجون من الضيق إلى السعة ~~فنرجع عليهم ونظفر بهم فرحل عنهم وأقام على فراسخ يسيرة وترك هناك الأمير ~~عز الدين جاولي مطلعا في أحوالهم فلما رحل عن الموضع رجعوا القهقري ليلا ~~وسلكوا في المضايق من جبل إلى جبل وأتوا إلى الكرك فتأسف السلطان عند فوت ~~الغرض منهم وعزم على الرحيل إلى نابلس فرحل نحوها فسبى وسلب وغنم وأقام ~~عليها يوما واحدا حتى PageV01P189 # استخرج العسكر الغنائم وكان الناس قد تفرقوا في الشعاب والأودية فلما ~~تكامل جمعهم رحل بهم فنزل على سبسطية وفيها مشهد زكريا عليه السلام وقد ~~اتخذه الفرنج كنيسة وأودعوها أمتعة كثيرة وكان فيها جماعة من الرهبان ~~والقسوس ففدوها بأسارى من المسلمين وطلبوا الأمان ثم رحل من هناك فكان ~~اجتماع العساكر على الفوار ووصله الخبر بوصول رسل دار الخلافة إلى دمشق ~~فسار بعساكره متوجها إليها محفوفا بالنصر والظفر فلما دخلها اجتمع برسولي ~~دار الخلافة وهما صدر الدين شيخ الشيوخ وبشير الخادم فأفاضا عليه الخلع ~~النبوية وكان قد وصله ms123 مع الرسولين المذكورين قصيدة امتدحه بها الأجل العالم ~~جمال الكتاب أمين الدولة أبو الفتح محمد بن عبيد الله بن عبد الله سبط ~~التعاويذي الكاتب البغدادي وكان من أفاضل الشعراء بدار الخلافة فأنفذها ~~إليه يهنيه بالخلع النبوية وهي # حتام أرضي في هواك وتغضب %~% وإلى متى تجني علي وتعتب # ما كان لي لولا ملا لك ذلة %~% لما مللت زعمت أني مذنب # خذ في أفانين الصدود فإن لي %~% قلبا على العلات لا يتقلب # أتظنني أضمرت بعدك سلوة %~% هيهات عطفك من سلوى أقرب # لي فيك نار جوانح ما تنطفي %~% حرقا وماء مدامع ما ينضب PageV01P190 # أنسيت أياما لنا ولياليا %~% للهو فيها والبطالة ملعب # أيام لا الواشي يعد ضلالة %~% ولهى عليك ولا العزول يؤنب # قد كنت تنصفني المودة راكبا %~% في الحب من أخطاره ما أركب # فاليوم أقنع أن يمر بمضجعي %~% في النوم طيف خيالك المتأوب # ما خلت أوراق الصبى تذوي نضارتها %~% ولا أن الشبيبة تسلب # حتى انجلى ليل الغواية واهتدى %~% سارى الدجى وانجاب ذاك الغيهب # وتنافر البيض الحسان فأعرضت %~% عني سعاد وأنكرتني زينب # قالت وريعت من بياض مفارقي %~% وشحوب لوني بان منك الأطيب # إن تنكري سقمي فخصرك ناحل %~% أو تنكري شيبى فثغرك أشنب # يا طالبا بعد المشيب غضارة %~% من عيشه ذهب الزمان المذهب PageV01P191 # أتروم بعد الأربعين تعدها %~% وصل الدمى هيهات عز المطلب # ومن الشقاء وقد ثناك طلابه %~% نفعا فتطلبه ونورك أشيب # لولا الهوى العذري يا دار الهوى %~% ما هاج لي طربا وميض خلب # كلا ولا استجذبت أخلاف الحيا %~% وندى صلاح الدين هام صيب # ملك ترفع عن ضريب قدره %~% فإليه أكباد الرواحل تضرب # أردى له الأعداء جد غالب %~% وحمى الممالك منه ليث أغلب # يرجى ويرهب بأسه والماجد المفضاه %~% من يرجى نداه ويرهب # ثبت إذا غشى الوغى والزاغبية %~% شرع والأعوجية شذب # مخضرة أكنافه لوفوده %~% والعام محمر الذوائب أشهب # أرض بروض المكرمات أريضة %~% وثرى بنوار الفضائل معشب # صب بتشييد المآثر متعب %~% فيها ومن شاد المآثر يتعب # حملت به بعد العقام فأنجبت %~% أم العلى ما كل أم تنجب PageV01P192 # ملكت سجاياه ms124 القلوب محبة %~% إن الكريم إلى القلوب محبب # كف يكف الحادثات وراحة %~% ترتاح للجدوى وقلب قلب # وندى يهش إلى العفاة تكرما %~% ومواهب بالطارقين ترحب # وغرامه كالنار شاب ضرامها %~% خلق أرق من الزلال وأطيب # يغريه بالعفو الجناة كأنما ال %~% جاني إليه بذنبه يتقرب # فيرى لهم حقا عليه ولم يكن %~% ليبين فضل العفو لولا المذنب # يا طالبي شأو ابن أيوب قفوا %~% أنضادكم ما كل شأو يطلب # لا تقتفوا لأبي المظفر في الندى %~% أثرا ولا تسمو إليه فتتعبوا # بك يا صلاح الدين يوسف أكثب %~% النائي ورف المقشعر المجدب # ذللت أخلاق الزمان لأهله %~% فأطاع وهو الخالع المتغضب # واقمت سوقا للمدائح مربحا %~% فإليه أعلاق الفضائل تجلب # ونهضت للإسلام نهضة صادق العزمات %~% ترأب من يناه وتشعب PageV01P193 # وغضبت الدين الحنيف ولم تزل %~% في الله ترضى منذ كنت وتغضب # غادرت أهل البغى بين مجندل %~% لقي الحمام وخائف يترقب # أو هارب ضاقت عليه برحبها الأرض %~% الفضاء وأين منك المهرب # فأصبح بلاد الروم منك بغارة %~% للنصر فيها رائد لا يكذب # وأنكح صوارمك الشغور يزورها %~% في كل يوم من جيوشك مقتب # وارم الكنائس من سطاك بمارج %~% متأجج نيرانه تتلهب # وارفع بها للمسلمين منابرا %~% باسم الخليفة ثم باسمك يخطب # واسق الجياد من الخليج فورده %~% يدنو عليك إذا عزمت ويقرب # ملحت موارده وأقسم أنها %~% من نيل مصر في مذاقك أعذب # واقرع بحي على الفلاح مسامعا %~% تصبو إذا ذكر الصليب فتطرب # لا تبق زنارا يشد بها على %~% علج ولا ناقوس دير يضرب # واصمد لحرب المشركين مهذبا %~% بالسيف من بسواه لا يتهذب PageV01P194 # واحسم بحد ظباك داء حسمه %~% ودواؤه بعد التفاقم يصعب # حتى يرى للمشرفية مطعم %~% بالفتك من تلك الدماء ومشرب # فالعذل ليس يناجع أو ينثني %~% وغرار نصلك بالنجيع مخضب # لا تعفون إذا ظفرت بمجرم %~% منهم فرب جريمة لا توهب # فلتشكرنك أمة يحنو على %~% ضعفائها حدبا كما يحنو الأب # واخلع قلوب الناكبين بلبسها %~% خلعا إلى شرف الخلافة تنسب # فرجية وشي يكاد شعاعها الذ %~% هبي بالأبصار حسنا يذهب # وعمامة ما تاج كسرى مئلها %~% في الفخر وهي بتاج كسرى ms125 تعصب # ومهند طبعته قحطان وأهدته %~% إلى مصر قديما يعرب # مسى عتادا للخلائف بينهم %~% متوارثا يوصى به لابن أب # يغري بجوهره وماء صقاله %~% ومضاء عزمك فهو قاض معضب # حضب النضار وإنه يوم العدا %~% عما قليل في يديك سيخضب PageV01P195 # وتحل منها طوق ملك رأيه %~% عند الملوك معظم ومرحب # فالله طوق جبرئيل كرامة %~% لم يؤتها ملك سواه مقرب # ورع العدى منها بأدهم رابع %~% يعنو لغرته الصباح الأشهب # سلب الدجى جلبابه فهلا له %~% ونجومه مرج عليه ومركب # وأفاك يصحب في القياد ولم يكن %~% لو لم ترضه يد الخليفة يصحب # وبراية سوداء قلب الشرك مذ %~% عقدت لملكك مستطار يرعب # فكأنها أسداف ليل مظلم %~% وسنان عاملها عليك كوكب # فأفض ملابسها عليك عظيمة %~% لا تسترد ونعمة لا تسلب والبس شعارا ما ~~يملك مثله %~% لسوى الأئمة من قريش منكب # مما تخيره الخليفة منحسة %~% لك فاصطفاه لقاء ما تستوجب # الناصر النبوي محتده ومن %~% عيص الرسول بعيصه متأشب # من يستظل من الخطوب بظله %~% ونبيت في نعمائه نتقلب PageV01P196 # ناء عن الأبصار دان جوده %~% لعفاته فهو البعيد المكثب # إن يمس عن نظر العيون محجبا %~% فله جزيل مواهب لا تحجب # دنتك منه فراسة نبوية %~% تملي عليه الحق وهو مغيب # رضاه خير من ارتضاه لملكه %~% يقظان يسهر في رضاه ويدأب # ورآك أسرعهم إلى الأعداء إقداما %~% وغيرك محجم متهيب # فاسحب ثياب سعادة فضلا لسابغها %~% على ظهر المجرة يسحب # وتمل ما خولته من دولة %~% غراء طالع سعدها لا يغرب # في نعمة أيامها لا تنقضي %~% وسعادة سلطانها لا يغلب # وفيها امتدحنا الكمال المغربي التنوخي بقصيدة مطلعها # قسما برقة خده المتورد %~% ورشاقة في قده المتأود # إني لأهواه ولست بحائل %~% عن حبه إن صد أو لم يصدد PageV01P197 # كم ليلة قد بتها أرعى السهى %~% جزعا لفرقته بمقلة أرمد # قضيتها ما بين نوم نافر %~% وزفير مهجور وقلب مكمد # كلفا بمعتدل القوام كأنه %~% بدر بدا في جنح ليل أسود # لم أنس أيام السرور وطيبها %~% بين الصريم وبين برقة ثهمد # والروض قد أبدى بدائع نوره %~% من أزرق ومفضض ومورد # والماء يبدو كالصوارم ساريا ms126 %~% فيعيده مر الصبا كالمبرد # والطير بين مسجع ومرجع %~% ومغرد ومعدد ومردد # يدعو لنعمة ناصر الدين الذي %~% فاق البرية بالدوام السرمد # والواهب البدر الذي إنعامه %~% بين البرية ظاهر لم يجحد # يعطيك معتذرا ويسأل خاضعا %~% في أن تعود إلى التماسك في غد # فرضابه يمضي ببذل مواهب %~% وأداء مفروض وورد مورد # وإذا خشيت من الزمان سجية %~% تردى فلا تعلق بغير محمد PageV01P198 # العادل الملك الهمام الماجد الندب %~% الكمي الباذل المتودد # من معشر أحسابهم لم تنقطع %~% عنا وجمرة عزمهم لم تخمد # لا بره عنا بمنقطع ولا %~% زند الندى في راحتيه بمصلد # ما أمه في جنح ليل مدلج %~% إلا هداه بنوره المتوقد # فذراه كالبيت العيق يحجه %~% من كل فج كل ركب مجتدى # زر مجده تزر المكارم والعلا %~% وترى الندى يغشاه من وجه لدى # فإذا بلغت إليه عمك جوده %~% ونواله أقصدت أم لم تقصد # يا أوحد الدنيا أتيتك قاصدا %~% مستعديا من جور دهر أنكد # أخنى علي بصرفه وبنوه قد %~% حافوا علي وقد تخاذل مسعدي # فخطبت من جدوى يديك ببغيتي %~% وأمنت من صرف الزمان الأنكد # فاسلم وسد أبدا ودم في نعمة %~% ومقرونة بسعادة لم تنفذ PageV01P199 # رجعنا إلى إتمام الحديث # فلما استقر السلطان بدمشق أياما أمر السلطان والدي الملك المظفر بالرجوع ~~إلى مصر بالعساكر المصرية وكنت يومئذ نائبه بمصر وبلادها إلى أن رجع إليها ~~وكان خروجه من دمشق في اليوم الخامس عشر من شعبان من السنة المذكورة # وأما السلطان فإنه حين اجتمع برسولي الخلافة بدمشق وهما شيخ الشيوخ وبشير ~~الخادم أنعم عليهما إنعاما جزيلا وتلقاهما بالبشر على جاري عادته وطال ~~مقامهما فمرضا مرضا شديدا وسألا الانصراف فأشفق عليهما وأشار عليهما ~~بالقعود إلى أن يخف مرضهما فبقيا على ذلك أياما ثم سألاه أن يأذن لهما ~~بالانصراف فأذن لهما وودعهما وأصحبهما الأمير حسام الدين طمان وكان مقدم ~~عسكر سنجار وأمره بمرافقتهما والرفق بهما في السير فساروا جميعا على طريق ~~الرحبة وكان الزمان قيظا شديدا فاشتد ببشير المرض فمات قبل وصوله # وأما شيخ الشيوخ فمات حين وصلها ودفن هناك وكانت وفاته في ms127 شعبان من السنة # وأما السلطان فإنه أقام بدمشق حتى دخل فصل الشتاء وأمر بضرب مضاربه إلى ~~جهة بعلبك وكان يركب في كل يوم إلى الصيد ويرجع فأقام على ذلك أياما حتى ~~اجتمع إليه العساكر ثم رحل إلى بعلبك فوصلها بعد يوم وليلة وخيم على ظاهرها ~~وذلك في اليوم العشرين من ذي القعدة من السنة المذكورة ورحل منها إلى جهة ~~حمص بها بعد أيام فبقي بها أياما ثم سار إلى حماة فأقام بها باقي ذي الحجة ~~من السنة المذكورة PageV01P200 # ودخلت سنة إحدى وثمانين وهو مخيم بحماة وسأذكر الأحوال بها إن شاء الله ~~تعالى # وفيها جاز أبو يعقوب بن عبد المؤمن البحر إلى الأندلس في جمع كبير وقصد ~~غربي بلادها فحاصر مدينة شنترين شهرا كاملا فأصابه مرض فمات وذلك في شهر ~~ربيع الأول من السنة المذكورة وحمل في تابوت إلى أشبيلية فكانت مدة ولايته ~~اثنتين وعشرين سنة وأشهرا وخلف أولادا جماعة ### || ذكر ولاية أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن # ولما مات السيد أبو يعقوب اجتمع الموحدون وأولاد عبد المؤمن على تقديم ~~ابنه أبي يوسف يعقوب وذلك أنه مات من غير وصية لأحد من بنيه فبايعوه وعقد ~~له الولاية ودعوه بأمير المؤمنين وقدموه الأمر من حين موت أبيه فقام بذلك ~~ووضع ميزان القسط وبسط أحكام العدل على حقيقة النظر في الأمور والورع في ~~الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة حدود الله عز وجل في أهله ~~وعشيرته الأقربين كما أقامها على سائر البلدان فاستقامت الأمور ببركاته ~~وظهرت PageV01P201 # الفتوح العظيمة ببركاته وعزماته وبدأ في النظر بأمور الأندلس فثقف ثغورها ~~وظهرت رجاله في قواعدها وأثبت المقاتلة في مراكزها وجرى ذلك كله في شهرين ~~من أول ولايته ثم عاد إلى مراكش وأقام بها ### || ذكرى واقعة شرف الدين قراقوش المظفري في هذه السنة # ولما سار شرف الدين قراقوش إلى بلاد إفريقية ونزل على الحمام وأقام عليها ~~أربعين يوما يقاتلها وهدم فيها ثغرة سدها أصحابها بالنخل وأحرق ما سدوا به ~~وقاتلهم فلم يقدر منهم على شيء ms128 ورحل عنها وهرب منه ابن شكل وصار إلى عرب ~~يقال لهم عوف عند مقدم معهم يقال له جناح بن عقيل وكان الأكراد قد أفسدوا ~~عقله وقالوا له إذا صرت عنده لحقناك وتكون سلطانا لنا وتملك البلاد فلما ~~مضى لم يلحقه من الأكراد أحد وبقي عند العرب معه قريب من عشرين رجلا لا غير ~~ووصل سيد الناس وأخوه المنصور إلى شرف الدين قراقوش ودخلوا في طاعته ~~وحالفهما وحلفا له وأعطاهما عطايا جزيلة ولدخولهم في طاعته فرح أهل بشترى ~~وانقادوا خوفا من أن يحصرهم بأهل بلادهم وولى عليهم رجلا يقال له حراج كان ~~يخدم عند والدي الملك المظفر بديار مصر ووصل إليه في الجماعة التي وصل فيها ~~ابن شكل وسار عنه وتولى بفزارة وكانت ولايته فيها ولاية ضعيفة # ورحل شرف الدين عن الحمام ودخل إلى إفريقية ونزل بجزيرة باشو PageV01P202 # من أعمال تونس وهي من أحسن الأعمال يكون فيها ألف ضيعة وثلاث جهات منها ~~غيط بها البحر ووجهة واحدة منها إلى الجبل وما رآى الناس أحسن منها عملا ~~فأقام بها مدة ثلاثة أشهر يستغل البلاد وينهبون الناس ما يقدرون عليه ورحل ~~عنها إلى الجبل يستغله فجاءت عوف مع ابن شكل وجاءت إلى موضع يقال له ~~سردانية قريب من القيروان وسمع بهم شرف الدين فركب إليهم ونزل إليهم وسير ~~قبله جماعة من زغب بقدر خمسمائة فارس ومن أصحابه مائتي فارس فالقوا معهم ~~وكسروهم قبل وصول شرف الدين ونزل في موضعه على قصر يقال له قصر أبي نصر ~~وكان يحاصره فأخذه ولم يجد فيه طائلا ورحل وخرج من غفريقية وعاد إلى النزول ~~على الحامة ووصلت مشايخ عوف وأمراؤهم قريبا منه ونفذوا إليه يستأذنونه في ~~الحضور إليه فأمرهم فحضروا ولما سلموا عليه وقاموا قياما بين يديه شفعوا له ~~في ابن شكل فقبل شفاعتهم واستقر بهم المجلس فقاموا ثانية فشفعوا في حميد بن ~~جارية وذباب وأن يستخدمهم ويعيدهم إلى بلادهم ويصالحهم ففعل # وأحضروا في ذلك اليوم حميد بن جارية وحالف بينه وبين زغب وعوف وكثرت ~~العرب معه ms129 فطلبوا أن يدخلوا معه إلى إفريقية إلى تونس وغيرها من البلاد ~~التي ما وطئها ليكتالوا منها ففعل ورحل عائدا إلى إفريقية فغنم الناس أكثر ~~من الدفعتين الأوليين ووصل إلى تونس ووقف بإزائها ورحل إليها فقفز ابن شكل ~~ودخل ولحقه وقت التقفيز رجل من أصحاب شرف الدين كان قديما يخدم والدي الملك ~~المظفر يقال له حمدان القواس واعتقد كل من رآه أنه قفز معه فلما أدركه عند ~~الرجالة أخذ شربوشه وثنى PageV01P203 # فرسه راجعا وضرب بنشاب الجرخ فما أصابه شيء وعاد شرف الدين وقت العشاء من ~~ذلك اليوم عن تونس ونزل بموضع يقال له قصر نعامه وأصبح فرحل عنه وأدركه ~~الشتاء فخرج من إفريقية وسار يطلب النزول على الحامة فوصلها في ستة أيام ~~ويوم السابع وقت الصبح كان العسكر على أسوارها فوجدوا كل من بها قد ارتحل ~~ونزل الجميع الجبل بقلعة لهم على رأس جبل كانت تكون خالية وافق أن مقدميها ~~بني ثمال كانوا بعد في المهدية فأخذوا وكانوا ثلاثة علي وحسين ومفرح فلما ~~أخذوا وأحضروا إليه قال قد أمكن الله تعالى منكم وأما أهل الحامة فما لهم ~~عندي ذنب ثم أمر من سار إلى القلعة ونادى من بها ألا إن المقدمين قد أخذوا ~~وأنتم إن نزلتم إلى بلدكم فأنتم آمنون بأمان الله تعالى وأمان رسوله لا ~~نأخذ منكم شيئا بل نجريكم على العادة في أيام من تقدم من أخذ الخراج ~~والأعشار فلما تحققوا ذلك نزل الجميع وعادوا إلى الحامة وعمرت أحسن عمارة # وأراد قتل أولاد ثمال فحضر سيد الناس مقدم طره وشفع في نفوسهم بشرط أن ~~يؤدوا قطيعة على رقابهم مائة ألف دينار مأمونية فقبل شفاعته وعجلوا من ذلك ~~ثلاثين ألفا وضمنهم سيد الناس بما بقي عليهم وأخذهم وانكفأ إلى طرة وأقام ~~شرف الدين تحت الحامة قريبا منها واضطرب أهل قابس بأخذ الحامة لأنها قريبة ~~منها وخرج إليه علي بن عيسى بن شكاب وهو من كبار مشايخ قابس اتهمه الموحدون ~~بأنه يكاتب قراقوش وكان بها فقيه كبير يقال له ابن نزار ms130 قتله أهل قابس ~~لاعتقادهم أنه كاتب قراقوش فثارت عليه العوام وحصروه في داره وقتل بها PageV01P204 ### | سنة إحدى وثمانين وخمسمائة # وفيها خلا ديوان الزمام ببغداد من نائب وزارة وكان الخليفة قد فوض الأمور ~~بأسرها إلى أستاذ الدار ابن الصاحب وجعل الاختيار إليه فيمن يرتب ويعزل ~~فاستأذن ابن الصاحب الخليفة ثبت الله دعوته بأن يرتب عز الدين صدقة بن صدقة ~~نائب وزارة وكان حاجبا بباب النوبى فأذن له الخليفة في ذلك فأحضره إلى داره ~~وخلع عليه خلعة شريفة وأحضر حاجب الحجاب ابن جعفر وحجاب الديوان بأسرهم وكل ~~من يتعلق بالديوان العزيز من الكتاب وغيرهم وقال لهم إن الخليفة قد رسم أن ~~يكون هذا وأشار إلى عز الدين بن صدقة نائب وزارة بالديوان العزيز أسوة بمن ~~تقدمه فكونوا بين يديه وفي خدمته فقالوا # السمع والطاعة ثم تقدم بأن يدخل مركوبه إلى الدار فأدخل وخرج من عند ~~أستاذ الدار وقام له أستاذ الدار كل القيام وركب من الدار على الصفة وخوطب ~~بجلال الدين وخرج الناس بين يديه إلى باب الديوان فلما أراد النزول عضده ~~ابن جعفر حاجب الحجاب ودخل وجلس في حجرة الصلاة وأحضر الكتاب والخازن ~~واعتبر أحوال الديوان ساعة ثم ركب وجماعة من الأمراء بين يديه إلى داره ~~التي في القرية بدار الخليفة في درب البستان ونزل بها وتقدم إليه أستاذ ~~الدار أن لا تعمل شيئا إلا بأمرنا وإن كتبت شيئا أكتبه إلينا فقال السمع ~~والطاعة وحضر جماعة من أرباب الدولة دار المذكور يهنئونه بالولاية وأنشد ~~الشعراء وحضر العلماء وانعكف الناس عليه # وفي ذلك اليوم تقدم إلى ابن عبد الله بن الوكيل أن يكون بين يديه حاجب ~~المجلس وخلع عليه وصار حديث الناس معه واستقل أمره أسوة من تقدمه وكان ~~الناس يفضلونه في الاحترام والإكرام على من تقدمه لأنه كان من بيت الوزارة ~~وسأل بعد أيام من ولايته أن ينقل إلى PageV01P205 # الدار التي كان فيها ابن البخاري دار المطبق وهي التي كان فيها عون الدين ~~الوزير ابن هبيرة فأذن له في ذلك فانتقل ms131 إليها وتقدم له بالإقطاع الذي كان ~~لابن البخاري وهي جللتا وما يجري معها من أعمال طريق خراسان وحاصل هذا ~~الإقطاع في كل سنة عشرة ألف دينار إمامية ونفذ نوابه إلى الإقطاع وتصرف فيه ~~وحكم في الديوان وبسط يده ولسانه وكان أستاذ الدار ابن الصاحب كل ساعة ~~يتقدم إليه بما يعمل تارة ينفذ إليه الحاجب أبا الرضا وتارة أبا الشجاع ~~وتارة مملان وما كان يتجاوز ما يتقدم به إليه وكان عادة الوزير أو النواب ~~الذين يسكنون هذه الدار لا يركبون إلى صلاة الجمعة بل يمضون إلى الصلاة ~~مشاة اقتداء بعون الدين بن هبيرة الوزير رحمه الله تعالى لأن حائط الجامع ~~حائط هذه الدار من باب المقصور الشريفة من دار الخلافة التي بابها في ~~المطبق وهي بجامع القصر وينزل الوزير والنائب إذا ركبا ببابها خطوات قريبة ~~فقال جلال الدين بن صدقة ما أريد أن أمشي ولا أخرج إلا راكبا وكان فيه تيه ~~عظيم وتهور ومن تقدم عمل بنفسه ما أراد وقدم الفرس يوم الجمعة وركب من دخل ~~الدار وخرج إلى الصلاة فعلم الناس أن هذه الحال تدل على جهله وقلة عقله ~~وكان حاجب الحجاب يعضده عند ركوبه وعند نزوله ويطالع بجميع حركاته وما ~~يتكلم به أو يتقدم به أو يطلقه أو يخرجه ويذكر ذلك كل يوم بمطالعة ويعرضها ~~على أستاذ الدار فإن رأى فيها ما يستحسنه عرضه وإن رأى ما يكرهه لا يعرضه ~~فعلم بهذه الحال أستاذ الدار # وفيها رتب ابن عون الدين بن هبيرة حاجبا بباب النوبى الشريف وكان أستاذ ~~الدار يرى في حقه ويقر به وكان قد ربى معه في المكتب وكان أستاذ الدار لا ~~يزال يصف دينه ويسدد رأيه وخلع عليه خلعة جميلة PageV01P206 # وخلع عليه أيضا أستاذ الدار تشريفا جميلا وكان نائب الباب ابن الظهري ~~وصاحب الخبز بالباب ابن الحلال وقاضي الباب ابن الصباغ قاضي الربع وكتب ما ~~كتب حاجب الباب ابن الظهيري رقعة إلى العرض الأشرف أنب ينعم عليه بالتشريف ~~على عادة أمثاله فخرج الأمر بإحضاره إلى الديوان ms132 العزيز وتشريفه فأحضر وشرف ~~بخلعة سوداء وعمامة سوداء وسيف مذهب وفرس # وفيها كتب صفي الدين بن عمارة رقعة إلى الخليفة يذكر فيها # أن أرباب الأملاك بناحية بعقوبا وناحية بوهرز قد أخذوا جملة كبيرة من ~~أموال الوقف أجلهم الله تعالى ولو تقدم باعتبار ذلك وتحقيق ما قد صار إلى ~~المذكورين لحصل له من المال مبلغ كبير فأنفذ الخليفة الرقعة إلى أستاذ ~~الدار وتقدم إليه بأن ينفذ مع ابن عمارة جماعة لاعتبار هذه الأحوال فتقدم ~~أستاذ الدار إلى نائب الوزارة جلال الدين بن صدقة بأن يتولى ذلك ويدبره ~~فأحضر المحتسب ابن الرطبى ومعه عدل من عدول الحضرة وتقدم إلى ابن عمارة بأن ~~يخرج ويحقق ذلك فخرج وكان ابن صدقة قد عرض الرقعة على الخليفة دام ظله وقد ~~حسن له هذه الحال فمضى ابن عمارة ومسح الأملاك بناحيتي بعقوبا وبوهرز فحضر ~~إلى الديوان خلق كبير من الناحيتين واستغاثوا يوم الجمعة قدام الخطيب بجامع ~~القصر PageV01P207 # الشريف وأنهى ذلك إلى الخليفة من جانب أستاذ الدار وكان ابن صدقة يمنع من ~~يتألم فتقدم الخليفة بإحضار ابن عمارة إلى الديوان وإحضار قاضي القضاة ابن ~~الدامغاني والمحتسب ابن الرطبى وأمر بإحضار أرباب الأملاك وينظرون تكييف ~~هذه الحال ويطالعونه بحقيقتها فحضر الجماعة وجلس صدقة بن صدقة في بيت الجيش ~~الكبير وسمع ما ذكره ابن عمارة من زيادة الأملاك وتقدم إلى الملاك بإحضار ~~كتب أملاكهم واعتبارها وطال الحديث في ذلك وكان المجمل على أهل بعقوبا وأهل ~~بوهرز من الذهب مائة ألف دينار إمامية وارباب الأملاك لا يعترفون بشيء من ~~ذلك فوقع الخليفة بتقليد ذلك قاضي القضاة فإن ثبت عنده شيء يحكم به وإن لم ~~يثبت عنده شيء فلا حاجة لنا بأموال الرعية فقال قاضي القضاة ما ثبت عندي ~~إلا حجج الملاك فحسب فقال ابن عمارة وصدقة بن صدقة # يؤخر هذا إلى أن يحضر من يشهد به لبيت المال وما قد أخذ # سعادة لو أحاط الحارمي بها %~% لعاد فيها ادعاه وهو حزنان # فاسعد بها دولة غراء ما ادرعت %~% بمثلها حمير قدما ms133 وساسان # واسلم تدوم لنا النعمى فإنك ما %~% سلمت في جذل فالدهر جذلان # لا زلت بدر سماء يستضئ به %~% ويهتدي مظلم منا وحيران PageV01P208 # ولا سعى لك صرف الدهر في حرم %~% ولا رآى وجه من يرجوك حرمان # وفها كتب جلال الدين صدقة بن صدقة نائب الوزارة مطالعة إلى الخليفة يكثر ~~القول فيها في حق أستاذ الدار بن الصاحب وأن الديوان يحكم فيه برأيه ~~والأموال تجبى إليه وما يقدر أحد يتسوفى لبيت المال منه شيئا فوقف الخليفة ~~على المطالعة وكتب عليها إلى ابن صدقة يصدقه فيما ذكره فتيقن ابن صدقة وظن ~~في نفسه أن الخليفة قد تغير على أستاذ الدار وأنه يقبل القول فيه وكان ابن ~~صدقة ضعيف الرأي قليل التصور اعتقد أن الخليفة هو الذي اختاره لهذه الولاية ~~وأن أستاذ الدار لم يكن له في ترتيبه شيء فصار إذا تقدم أستاذ الدار بأمر ~~يتعرض هو لإبطاله ويقول لا أفعل هذا الأمر إلا بتقدم الخليفة وأستاذ الدار ~~لا يعلم كيف هذا الأمر فلما حضر عند الخليفة قال إنه قد جنح أمرنا في ~~الديوان وصار هذا النائب إذا تقدم إليه بأمر يقول لا أفعله فقال له الخليفة ~~كأنك ما علمت أنه كتب إلي مطالعة يذكر فيها كذا وكذا في حقك وهذا ما يجئ ~~منه خير إن شئت أن تصرفه فاصرفه ورتب غيره من شئت فذاك إليك وكان هذا جميعه ~~من غير طينة نفس الخليفة لأنه قد تغير على أستاذ الدار ولا يظهر له ذلك من ~~شدة خوفه منه فخرج أستاذ الدار من عند الخليفة ونفذ الحاجب مملان إلى ~~الديوان بأمر فقال نائب الوزارة ابن صدقة ما هذا ديوان الأبنية هذا ديوان ~~الخليفة ما يقدر أحد يتقدم فيه بأمر إلا بأمر الخليفة فرجع الحاجب مملان ~~وحكى ما جرى من ابن صدقة لأستاذ الدار فعظم ذلك عليه وشاع ذلك في بغداد ~~وقال الناس هذا دليل على تغير الخليفة على أستاذ الدار وكثر القول في ذلك ~~وكثرت معاداة ابن صدقة لأستاذ الدار ومباينته له فكتب أستاذ الدار ms134 PageV01P209 # إلى الخليفة أسماء جماعة لكي يختار منهم شخصا لنيابة الديوان منهم عارض ~~الجيش ابن الدرانج وشرف الدين بن الخلال وحاجب الباب ابن هبيرة ونجم الدين ~~بن الثقفي وذكر أن هؤلاء الجماعة كلا منهم يصلح أن يكون نائب وزارة ومدح ~~ابن هبيرة حاجب الباب وذكر أنه كان ينوب في الديوان عن أبيه وبالغ في القول ~~فبرز خط الخليفة يقول # إن ابن الدرانج عارض الجيش أصلح من هؤلاء وبعد هذا فالحديث معك والرأي ~~إليك في ترتيب من شئت فليس لنا في هذا حديث فنفذ إلى ابن الدارنج وتحدث معه ~~وعرفه الحال وقال # إذا ركب نائب الوزارة إلى الديوان عرفوني حتى أنفذ إليه أعزله ليكون ذلك ~~أكثر في الشناعة عليه وكسر الحرمة فحملت دواة ابن صدقة إلى الديوان وجاء من ~~أخبر بركوبه فتقدم أستاذ الدار إلى الحاجب أبي الرضا أن يأخذ معه جماعة من ~~الحجاب وجماعة من أصحابه من ديوان الأبنية ويمضي إليه ويقول لنائب الوزارة ~~ابن صدقة # قد استغني عنك فالزم بيتك فمضى الحاجب إلى الديوان فلم يجده فرجع إلى ~~داره فدخل عليه وقال له # إلزم بيتك فقد استغني عنك # ثم تقدم إلى الحاجب أن يحضر معه جميع النواب بالديوان العزيز ويحضرون إلى ~~الديوان ففعل ذلك ثم رجع الحاجب أبو الرضا إليه وقال له # قد تقدم إليك أن تحضر جميع ما يكون عندك من خطوطه ولا يبقى عندك منها شيء ~~ففعل ذلك وحلف بالنعمة الشريفة أنه لم يبق عنده شيء وكثر القول من الناس أن ~~أستاذ الدار قد تحكم في دار الخلافة بحيث لو أراد أن يعزل الخليفة لفعل ~~وكثر خوف الناس من أستاذ الدار فكان الأمراء وأرباب الدولة يترددون إلى ~~خدمته خوفا منه PageV01P210 # وكان جماعة من الناس يقولون إن الخليفة يريد قتل أستاذ الدار وأن هذا ~~جميعه استدراج له # ثم إن أستاذ الدار أحضر بهاء الدين عارض الجيش إلى داره وأدخله إليه خلوة ~~ثم أذن للناس بالدخول إليه فلم يبق من أرباب الدولة أحد وأذن لجميع الناس ~~ذلك اليوم بالدخول عليه ms135 فدخلوا فلما استقر بهم المجلس التفت أستاذ الدار ~~إلى عارض الجيش وقال له # ادع للخليفة وأعلم أنه عين عليك في نيابة الديوان العزيز وأخرج من ذمته ~~مظالم العباد وفوضها إليك فيجب أن تنظر لنفسك وتبصر أين تضع قدمك فلا تمكن ~~من ظلم أحد ولتكن سيرتك حسنة ليحسن الذكر ويكثر الدعاء لهذه الأيام الزاهرة ~~فبكى عارض الجيش بكاء شديدا إلى أن تعجب الناس من ذلك ثم التفت أستاذ الدار ~~إلى حاجب الحجاب والكتاب وحاشية الديوان وقال لهم # قد رسم أن مرجع أمركم إلى هذا وهو المستخدم لكم ولا يخالفه أحد في أمر من ~~الأمور فقالوا # السمع والطاعة ثم قال له # انعم باسم الله فقام ليخرج من عنده فقام له أستاذ الدار على قدميه # ثم تقدم أستاذ الدر أن يدخل مركوبه إلى وسط الدار ويركب من موضع جرت عادة ~~النواب فحلف ابن الدارنج أنه لا يركب إلا خارج الدار فلم يمكن من ذلك وركب ~~على طرف الإيوان الذي يلي الباب وخرج والناس بين يديه والمماليك والأمراء ~~والحجاب والكتاب وغيرهم من الناس وجلس في حجرة الصلاة وكتب مطالعة تشتمل ~~على حضوره في الديوان وشكره الأنعم الشريفة ونفذ المطالعة إلى باب الحجرة ~~وخرج الجواب إليه بأن يطيب نفسه ويشرح صدره واستقل بالنيابة PageV01P211 ### || ذكر ما تجدد للملك الناصر صلاح الدين في هذه السنة بمصر والشام من الفتوحات والغزوات # ودخلت هذه السنة والسلطان مخيم بحماه معول على قصد الموصل فلما دخلت أيام ~~من المحرم سار بعساكره متوجها إلى حلب فلما قرب من تل السلطان خرج للقائه ~~أخوه الملك العادل سيف الدين ومعه عسكر حلب وكان صاحبها فاستبشر السلطان ~~بلقائه ثم سار من تل السلطان فنزل بظاهر حلب فأقام أياما حتى اتصلت به ~~العساكر وسار منها متوجها إلى الفرات فنزل بمكان يعرف برسا تحت ألبيرة على ~~فرسخين منها فلم يزل هناك ثلاثة أيام حتى تكامل عبور جميع العسكر ثم رحل ~~متوجها إلى حران فلما وصلها ضرب خيمة في ظاهرها وكان بها مظفر الدين ~~كوكبوري وكان قد وصل ms136 رسوله ابن ماهان إلى السلطان قبل عبوره الفرات يحثه ~~على العبور والوصول إلى حران وقال إن مظفر الدين قد كتب خطه بخمسين ألف ~~دينار يوم الوصول إلى حران تكون برسم النفقات وكتب خطه للسلطان بذلك # فلما وصل السلطان إلى حران بقي بها أياما ومظفر الدين لا تجري منه حركة ~~بما بذله رسوله والسلطان من كرمه لا يندبه إلى ذلك # فلما كان بعد أيام أنفذ إليه قاضي العسكر شمس الدين بن الفراش والعماد ~~الكاتب الأصفهاني وقال لهما امضيا إلى مظفر الدين واكشفا عن أمره وأخبراه ~~بما أخبر عنه رسوله من المال الذي بذله فمضيا إليه فلما بصر بهما كأنه علم ~~بما جاءا به فقام قبل أن يقعدا وجاء بالمصحف الكريم وحلف به أنه لم يبذل ~~شيئا مما ذكر عنه وأن رسوله كذب عليه فيما ذكره فرجعا إلى السلطان وأخبراه ~~بالقصة فسكت عن بيانه مطرقا # فلما أصبح ركب إلى الميدان ساعة استصحب معه مظفر الدين PageV01P212 # إلى سرادقه على العادة ثم أمر به فنقل إلى خيمة ووكل به فيها ومنعه من ~~أصحابه فهاج العسكر واجتمع الأمراء عند السلطان وتكلموا وقالوا له # إن هذا لا تأمنه ولا تخلى سبيله والرأي أن تنقله إلى قلعة حلب فتسجنه بها ~~فلما انصرف الأمراء من عنده تقدم إليه الفقيه عيسى وقاضي العسكر وذكراه ~~الصفح والإحسان فقال للفقيه عيسى إمض إليه وطيب نفسه وسكن روعه فمضى إليه ~~وعرفه ذلك فقال السلطان مالك رقي وأنا أخرج له مما معي من البلاد وأكون بين ~~يديه برسم الخدمة كأحد المماليك فقال له بل تسلم إليه قلعتي الرها وحران ~~فقال # السمع والطاعة فرجع إلى السلطان وعرفه الحال فأمر له بتشريف جميل يليق به ~~واستدعى به فقبل الأرض بين يديه وتسلمت منه القلعتان ثم أعيدتا إليه في آخر ~~السنة وأقام السلطان بحران شهر صفر وتوجه منها إلى رأس عين في مستهل شهر ~~ربيع الأول فنزل بها يوما واحدا ثم رحل منها إلى دارا فنزل بها فتلقاه ~~صاحبها ووصل في تلك الحال عماد الدين أبو ms137 بكر بن قرا أرسلان بعساكر ديار ~~بكر وآمد عوضا عن أخيه نور الدين وكان قد تأخر لمرض عرض له فشكره السلطان ~~وأجزل له العطاء ثم رحل السلطان إلى نصيبين وسار منها إلى بين النهرين فضرب ~~مخيمه هناك ووصل إليه معز الدين سنجر شاه بن غازي بن مودود بن زنكي حاجب ~~الجزيرة فاستبشر السلطان بقدومه ووفر له من إحسانه وسار بعساكره إلى طريق ~~الدولعية قاصدا PageV01P213 # إلى دجلة فنزل على بلد من شاطئ دجلة في آخر شهر ربيع الأول ووصله الخبر ~~بوفاة نور الدين بن قرا أرسلان صاحب آمد يوم الأثنين رابع عشر من الشهر ~~المذكور فأمر أخاه بالرجوع إلى تلك البلاد وأمره بترتيب أمورها ثم رحل منها ~~فضرب مخيمه على الإسماعيليات وأقطع البلاد الأجناد وسير الأمير سيف الدين ~~علي بن أحمد المشطوب الهكاري ومعه جماعة من الأمراء إلى العقر وأعماله # وأمر السلطان بعمل جسر فنصب وعبر مظفر الدين بن علي صاحب حران وخيم ~~بالجانب الغربي ومعه جماعة من الأمراء وجاء أخوه زين الدين من إربل بعسكره ~~وجماعته وأمر الناس بترك القتال وتأخير الزحف وأرسل القاضي ضياء الدين ~~الشهرزوري برسالته إلى الديوان العزيز في إنهاء الأحوال وشرح الأسباب ~~المقتضية لنهوضه لخدمة المواقف المقدسة الناصرة لدين الله وأن المواصلة ~~كاتبوا البهلوان بضرب الدرهم والدينار باسم السلطان السلجوقي ليظهروا بنصره ~~وأنهم بعد ذلك راسلوا الفرنج يغرونهم بقصد الثغور وكشف ما اعتادوه من الظلم ~~ويذكر أيضا ما افتعلوه من مبايعة ابن أخيهم سنجر شاه بن غازي وابن زين ~~الدين صاحب أربل وما ضيعوا من محافظته وأنهم لم يرعوا حقه ولا حق أبيه الذي ~~حفظ بيتهم وأشياء كثيرة لم نذكرها PageV01P214 ### || فصل من كتاب عن السلطان إلى مجد الدين بن الصاحب أستاذ الدار الأمامية في وجه ما شرحه من الحال # قد أحاط العلم الكريم بأن التوجه لم يكن في هذه السنة من دمشق إلى حلب ~~إلا للجهاد في سبيل الله عز وجل فإنه غاية الأرب وذلك بنية غزاة أنطاكية ~~فإن غزاة الفرنج من جانب دمشق إنما تستقيم ms138 أسبابها وتستتب آرابها إذا كانت ~~عساكر مصر حاضرة والأيدي بقوتها متظاهرة وكانت العساكر المصرية قد طالت ~~بالشام إقامتها وتوفرت في ملازمة الخدمة في البيدارات عرامتها فرأى إراحتها ~~واستجمامها وعادت إلى مصر لتستجد استعدادها واهتمامها ووصل إلى حلب لقربها ~~من البلاد الإسلامية لتجمع العساكر منها لغزاة أنطاكية وطمع أيضا في وصول ~~العسكر الموصلي للإنجاد والمساعدة من سائر الجهات على الجهاد والاستظهار ~~منها بتوافر الأمداد فإن رسل المواصلة ما زالوا مترددين وللخديعة بالقول ~~والكتب مجددين وهم في أثناء ذلك يراسلون الجوانب ويكاتبون الأجانب ويرتقبون ~~النوائب وتذهب بمعاودتهم الأوقات وتحدث دون قصدهم الحادثات فهادن أنطاكية ~~هدنة آذنت بغبطة الإسلام وخلص من طال إساره من ذوي الإقدام ورجال الشام ~~ورأى أن المواصلة لا ينزلون عن المحتمين به ولا يرفعون أيديهم عن المعتصمين ~~بسببه ومنهم صاحب الجزيرة وصاحب إربل ومن بتكريت والحديثة وغيرها وأنهم لا ~~يقفون في المكر والخديعة عند أمد وأن رسلهم متناوبة إلى كل أحد فسار على ~~أنه يلحق البلاد قبل هجوم الحر ويصل إليها في وقت إمكان الحصر فما وصل ~~إليها إلا والحر قد اشتد استعاره والقيظ قد تأججت ناره ورأى الوقت يعسر في ~~تقديم آلات الحصار ويخشى عليها مع نار الهجير من قبول النار فإنه PageV01P215 # استصحب منجنيقات ودبابات وأخشابا لعمل البرج مهيبات ووقد الظهيرة يؤثر ~~فيها ويشق أيضا لبس الدروع على مستلميها فلم يبق إلا المقام بنية المطاولة ~~والمصابرة والتمهل إلى أن يطيب الزمان ويتيسر إمكان المحاصرة فتوطن عزمه ~~على التوطن وأقام بنية التثبت وقوة التمكن وأقطع البلاد والولايات وولى ~~الإقطاعات وخيمت العساكر المنصورة بشرقي الموصل وغربيها فضيقت خناقها وملأت ~~بنجوم الأسنة أفاقها وتصرفت في أعمالها وتفرقت في سهولها وجبالها # ومنه # ورأينا أن مقامنا بغير شغل فأفكرنا في أمر يقوم مقام الحصار سهل وهو أنا ~~وجدنا الماء في أوان نقصانه وأنه إذا سد وحول فهذا زمان إمكانه فركبنا ~~وشاهدنا موضع التحويل وأيقنا من الله تعالى بنجح التأميل وذكر المهندسون ~~أهل الخبرة أنه يسهل تحويل دجلة الموصل عنها بحيث يبعد مستقى الماء ms139 منها ~~فحينئذ يضطر أهلها إلى تسليمها بغير قتال ولا حصول ضرر في تضييق ولا نزال ~~واستدعى لذلك الآلات واشتغل بجمع صناع ورجال # وأصدر أيضا كتابا إلى الديوان العزيز بمقتضى ذلك # رجعنا إلى إتمام الحديث PageV01P216 # ولم يزل السلطان محاصرا للموصل مواظبا على مضايقتها إلى أن أتاه الخبر ~~بوفاة شاه أرمن صاحب خلاط يوم السبت العشرين من شهر ربيع الآخر وكانت وفاته ~~يوم الخميس الرابع منه فحينئذ ترددت الآراء وكثرت المشورات وأتى إليه ~~الأمراء وذووا الرأي منهم من أشار عليه بالمسير إلى تلك الديار ومنهم من ~~قال له تجمع بين الأمرين فتترك بعض العسكر بقدر ما تضايق به البلد من ~~الجانبين وتعجل بالمسير لأخذ تلك الخطة فلما أصبح وردت عليه كتب أولياء ~~الدولة بخلاط وتلك الولايات وبد ليس # ووصل من أمراء خلاط عماد الدين ملك وحرض السلطان على المسير إلى تلك ~~الديار وقال # هذه الموصل ملك ما يخشى فواتها فبقي السلطان مفكرا في أمرها في يومه ~~وليلته فلما أصبح عزم على الرحيل عن الموصل ثم أمر الرسول بالمسير إلى بلد ~~خلاط وأمر أمراءه بالتأهب وعرفهم ما عزم عليه من قصد تلك الخطة ثم أرسل إلى ~~زين الدين بن علي كوجك صاحب إربل بالرجوع إليها وجعل في معونته الأمير سيف ~~الدين علي بن أحمد المشطوب ### || ذكر رحيل السلطان من الموصل إلى ديار بكر ومسير ناصر الدين محمد ابن شيركوه ومظفر الدين بن علي كوجك في المقدمة إلى خلاط وذكر وصول بهلوان بن أيدكز إلى المغرب # فيها كان رحيل السلطان عن الموصل بعساكره في أواخر شهر ربيع PageV01P217 # الآخر من السنة وتقدم إلى ابن عمه ناصر الدين محمد بن شير كوه بأن يتقدم ~~إلى خلاط وأردفه بمظفر الدين بن زين الدين صاحب حران ومن تابعهما فلما ~~وصلوا إلى خلاط وجدوا سيف الدين بكتمر أحد مماليك شاه أرمن قد دخلها وحمى ~~معلقها فوقف ناصر الدين ومن معه دونها وجاء شمس الدين بهلوان أبو جعفر محمد ~~بن أيدكز في عساكر الشرق ونزل بقرب خلاط أيضا وكان وزير ms140 خلاط مجد الدين أبو ~~الموفق بن رشيق يكاتب السلطان صلاح الدين مرة ويكاتب البهلوان أخرى ويكتب ~~إلى ناصر الدين بن شيركوه بالإقامة # وأما السلطان فإنه سار متوجها إلى ديار بكر فخاف جميع متملكيها من قدومه ~~إليهم # فأما النظام البقش متولى ماردين فإنه احترز وتحصن وأما صاحب آمد فإنه خاف ~~على نفسه من السلطان أن يأخذها بعد موت أبيه نور الدين محمد بن قرا أرسلان ~~وأشار على السلطان جماعة من الأمراء بأخذ آمد وقالوا له إنما أنت وهبتها ~~لنور الدين ولا حرج عليك في أخذها من ولده مع كونه طفلا وأنه قد امتنع أن ~~يأتي إلى الخدمة فقال هذا أمر لا يفوت استدراكه ونحن نتقدم بإيفاد من نثق ~~به إليهم ونتأمل ما هم عليه ونبني الأمر على اليقين فندب إليهم القاضي ~~الدين محمد بن محمد بن الفراش فحين دخل إلى آمد وجدهم على جادة العزم على ~~الوصول إلى الخدمة فتركهم وأتى إلى السلطان فخبره بوصول قطب الدين سليمان ~~ولد نور الدين محمد بن قرا أرسلان وكان PageV01P218 # وصول السلطان إلى ميافارقين في العشر الأول من جمادي الأول فرأى أهلها ~~مفارقين لطاعته واتاه كتاب ناصر الدين محمد بن شيركوه يستأذنه بالوصول إليه ~~فأذن له بذلك وقال # الرأي أن نبتدى بحصار ميا فراقين وفتحها وشاور أصحابه وأمراءه في ذلك ~~فقالوا له # الرأي ما تراه ### || ذكر حصار ميافارقين # ولما علم النظام البقش بمسير السلطان إلى تلك الجهة ندب من أصحابه الأمير ~~أسد الدين برتقش وأمره بالمسير إلى ميافاراقين فلما وصلها بذل بدء في ~~الأموال وفرق على الرجال ونصب المنجنيقات والعرادات وملأ الأبراج بالأجناد ~~وأرعد وأبرق وأنف واستكبر فلما عاين السلطان ذلك أمر عساكره بالاستعداد ~~ونصب المناجيق فنصبت وأمر الناس بالقتال والزحف وطال القتال عليها صباحا ~~ومساء وخرج جماعة منهم وأحرقوا منجنيق السلطان فقتل من الفرقتين جماعة ~~كبيرة وقتل يوسف المنجنيقي وكان مقداما شجاعا وكان في كل يوم تشتد الحرب ~~ويكثر النزال وكانت الأمور لا تزداد إلا شدة وطال الحصار ودام # وكانت خاتون بنت قرا أرسلان ms141 زوجة قطب الدين صاحب ماردين حينئذ بميافارقين ~~وكانت تحرض الناس على القتال وكانت ذات يتامى ولها حالة حسنة معروفة ~~بالصلاح والتقى فلما لج الحصار وطال الأمر وتمادى راسل السلطان الأمير ~~المذكور بميافارقين يستلينه ويستكشف PageV01P219 # نهج الجواب من جانبه ويرغبه تارة ويستعطفه تارة ثم يتوعده تارة ويتهدده ~~أخرى فذكر أنه يقضي حق من وجب عليه حقه يعني بذلك صاحبه وذكر # أن قطب الدين مذ درج إلى رحمة الله تعالى لم تزل الخاتون مالكة الأمر ~~ونحن لها مطيعون # فراسل السلطان حينئذ خاتون مرة أخرى وهي لا ترجع إليه جوابا يشفيه ثم أنه ~~قال لها # إنا لا بنرح هاهنا حتى نفتح ميافارقين وإنا نحن أولى بحفظ بيتك ورعاية ~~حقك وهذه البلدة إذا دخلناها فلا خروج لنا عن رضاك ونصاهرك في إحدى عقائلك ~~ولم يزل بها حتى طابت نفسها بما بذله السلطان لها # وراسل السلطان عند ذلك الأمير الأسد برتقش وقال له دع اللجاج والمجانبة ~~فإن خاتون قد مالت إلى جانبا فلما بلغه أن خاتون قد وافقت السلطان على ~~مراده لانت عريكته وضرع إلى رأي السلطان واستقر أن ينقطع إلى خدمته وأن ~~يكون في جملة من شملته سوابغ نعمته وأن يخصه بجنلجور وأعماله وأن يقرر مع ~~خاتون أن يبقى ما كان عليها باسمها من المواضع واسم خدامها وسألت أن يفرد ~~لها حصن الهتاخ وخطب السلطان إليها إحدى بناتها لابنه الملك المعز فتح ~~الدين اسحق والتمست منه ما قرره على يمينه فسارع إلى مرادها PageV01P220 ### || ذكر ميافارقين وفتحها # ولما كان يوم الأربعاء آخر يوم من جمادي الأولى تقدم السلطان إلى القاضي ~~نجم الدين بن عصرون والعماد الكاتب الأصفهاني بالدخول إلى ميافارقين لعقد ~~النكاح على ابنة قطب الدين لولده اسحق وكان وكيل السلطان لابنه العماد ~~الكاتب ووكيل ابنة قطب الدين القاضي نجم الدين ابن عصرون لتقرير المهر ~~وتسليم النقد وجلس السلطان في سرادقه للهناء وخرج إليه الأعيان من البلد ~~ونفذ إلى خاتون هدايا وتحفا برسم المخطوبة وأنعم على الأمير أسد الدين ~~بجنلجور وشرفه تشريفا جميلا # ووصل عند ms142 ذلك قطب الدين سكمان بن محمد بن قرا أرسلان وأمر السلطان ~~الأمراء بلقائه ثم خرج من بعدهم فتلقاه بالإكرام ولم يزل عنده مكرما ثم ~~شرفه وأمره بالرجوع إلى آمد موفور الحظ من جانبه وفوض السلطان ولاية تلك ~~الأماكن والبلاد إلى مملوكه حسام الدين سنقر الخلاطي ### || ذكر رحيل السلطان من ميافارقين ونزوله على شاطئ قرامان # ورحل السلطان من ميافارقين ونزل على الموضع المذكور وراسل البهلوان وكان ~~السبب في وصوله مراسلة سيف الدين بكتمر له وتخويفه من السلطان وأنه متى أخذ ~~خلاط واستولى على ممالكها قصد جميع بلاد العجم وحمل إليه مع ابنته زوجة شاه ~~أرمن مالا جزيلا وندب السلطان الفقيه عيسى إلى مجد الدين بن رشيق الوزير ~~بخلاط فتكلم معه فأحال الحال على البهلوان وأنكم لو استعجلتم قبل وصوله إلى ~~البلاد لنلتم المراد PageV01P221 # ثم إن الفقيه عيسى ندب شخصا من أصحابه للتجسس على عسكر البهلوان وتصفح ~~الأحوال فلما توسط عسكره نذروا به فادعى أنه رسول من صاحبه الفقيه عيسى ~~رسول السلطان فطلبوا منه حينئذ وصول الفقيه عيسى إليهم فكاتبه بذلك فأرسل ~~الفقيه عيسى كتابه إلى السلطان يعرفه صورة الحال فكتب السلطان إلى البهلوان ~~بإرسال الفقيه عيسى إليه فتوجه الفقيه عيسى حينئذ إلى البهلوان فأكرمه ~~إكراما عظيما فشرع الفقيه عيسى بالصلاح وفتح أبواب الاستعطاف والاستمالة ~~فيما بين الفئتين ورجع وفي صحبته رسول البهلوان إلى السلطان فأكرمهم وأجزل ~~لهم من عطائه ورجعوا موفوري الحظ من جانبه ورأى أن الأمر يتطاول فأخره إلى ~~حين انتهاز فرصة الإمكان ### || ذكر وصول رسل السلطان إلينا إلى مصر والبشارة لنا بفتح ميافارقين # ولما فتح السلطان ميافارقين واستلوى على ممالكها أرسل نجابين بكتابه إلى ~~والدي الملك الظفر وكان حينئذ صاحب مصر والمستولى على ممالكها يخبرنا بما ~~من الله تعالى عليه من فتح ميافارقين فشرعنا حينئذ بتزيين البلدين القاهرة ~~ومصر وأرسلنا رسلنا إلى جميع البلاد المصرية بذلك وضربت البشائر في جميع ~~الأماكن وسررنا بما من الله تعالى عليه من النصر والظفر وخلع على المبشرين ~~له بذلك ووفر عطيتهم وشرفهم ### || ذكر ms143 رحيل السلطان من شاطئ قرامان وتوجهه إلى الموصل # وذلك في شهر رجب من السنة المذكورة فكان وصوله إلى نصيبين فنزل بها أياما ~~حتى تكامل وصول العساكر إليه وذلك في آخر الشهر PageV01P222 # المذكور ثم رحل من نصيبين فنزل على شاطئ دجلة بكفر زمار بقرب الموصل وذلك ~~بعد أربعة أيام من شعبان فحينئذ ضاقت على صاحب الموصل الأرض بما رحبت وغلقت ~~أبواب الموصل وأحاطت بها العساكر واضطرب أهلها اضطرابا شديدا وكان السلطان ~~يركب في بعض الأيام ويشرف على البلد وينظر مقاصده وكان يأتيه منذ نزل على ~~ما حكى لي في الرسالة من الموصل قوم بعد قوم فبينا هو على ذلك من حصارهم ~~والتضييق عليهم إذ أقبلت عليه النساء الأتابكيات فخضعن له في القول وسألنه ~~عاطفته فأنزلهن خير منزل وأكرمهن غاية الإكرام وأجابهن إلى مارمنه منه وقبل ~~شفاعتهن وقال لهن لابد من قاعدة نبني عليها وتتألف عليها القلوب وتطمئن ~~إليها الأنفس فاستقر الأمر أن يكون عماد الدين زنكي صاحب سنجار أخو صاحب ~~الموصل وسيطا في البين وحكما فيما يعود بمصلحة الجانبين وسير السلطان رسوله ~~إلى صاحب سنجار في إيفاد رسوله فأنفذ وزيره شمس الدين بن الكافي وكان من ~~قبل قد سبق القول في تسليم بلاد شهرزور وقلاعها وحصونها وضياعها وكذلك ما ~~وراء الزابين من البوازيج والرستاق وبلد القراملية وبنى قفجاق فدخل PageV01P223 # شمس الدين بن الكافي وشمس الدين قاضي العسكر لأخذ العهد من صاحب الموصل ~~على ما ذكرناه واستقرت القواعد على ذلك وضربت الدنانير والدراهم باسمه وخطب ~~له على المنابر بجميع تلك الممالك ### || نسخة كتاب كتبه السلطان إلى أخيه سيف الإسلام ملك اليمن يذكر فيه فتح ميافارقين وعوده إلى الموصل وما جرى من الصلح وذلك بإنشاء العماد الكاتب الأصفهاني # كتابنا ونعم الله تعالى منوط بمزيد الشكر عندنا مزيدها محوط من السديد ~~وأمها وفريدها حال من الاغتباط منها جيدها حال في محل الارتباط لنا أنيسها ~~وشرودها والنصر ماض نصله والخير واضحة سبله والملوك وقد دانت لنا رقابها ~~ولانت صعابها وذلت لعزتنا أعزتها وتوفرت للتناهي في ms144 العبودية لنا هزتها ~~فرسلهم على الأبواب العزيزة للذلة خاضعة عارضة للاستكانة ضارعة والممالك ~~لمملكتنا خاطبة وفي عدلنا راغبة ولطلوع سني إحساننا بكشف ظلم الظلم عنها ~~طالبة والوجوه سافرة والأيدي ظافرة ولاشك في إحاطة علمه بعبورنا الفرات في ~~صفر سنة إحدى وثمانين لإصلاح ديار بكر والموصل وفوزنا في كل وجهة بالنصر ~~العذب المنهل وأنا أقمنا أشهرا على بلاد الموصل وتصرفنا فيها وأنعمنا على ~~الأجناد بأعمالها ونواحيها فاتفق اختلال أمر ديار بكر لموت ملوكها وتبدد ~~سلوكها فقصدناها وقررنا أمورها وأعدنا إلى مطالعها من سياستنا نورها وفتحنا ~~ميافارقين وهي أم بلادها ومقلد نجادها ومركز محيطها ونقطة بسيطها فملكنا ~~بها من ديار بكر رق ملوكها وأطلقنا بها شمس المهابة بعد دلوكها وأخمدنا ~~الفتن وقد وقدت ونبهنا السنن وقد رقدت وأحيينا العدل PageV01P224 # وقد دثر وأنعشنا الفضل وقد عثر ودخل الشتاء فخرجنا من تلك الديار بعد ضم ~~شتاتها ونظم مصالحها وصرف آفاتها وأذن حيا رحمتنا رفاتها ولأجل اعتصام ~~الأطراف بنا واستمساكهم بسببنا ومنهم صاحب الجزيرة معز الدين سنجر شاه بن ~~أخي صاحب الموصل وزين الدين بن زين الدين علي كوجك صاحب إربل رأينا أن نقيم ~~في بلاد الموصل لنشتو بها إلى الربيع ونستجد حينئذ في فتح البلاد حسن ~~الصنيع ولما تحقق صاحب الموصل هذا العزم وخشى هذا السهم ضاقت عليه الأرض ~~بما رحبت وضافته الهموم التي وجفت لها القلوب ووجبت فألقى سلاحه وطلب ~~بالصلح صلاحه وخفض بضراعته جناحه وحفظ على أهله فينا نجاحه ولم يزل لنا ~~مذعنا وكان حلمنا لمأمن روعه لما أتى مؤمنا مؤمنا ونزل لنا عن جميع ما وراء ~~الزاب من البلاد والقلاع والحصون والضياع وشهزور ومعاقلها وعمالها وولاية ~~بني قفجاق وولاية القرايلي والبوازيج وعانة وقررنا عليه الموصل وأعمالها ~~على أنه يكون بحكمنا وينفذ عسكره إلى خدمتنا وتكون الخطبة والسكة باسمنا ~~وسمتنا وأن يطلق المظالم ولا يرتكب فيها المآثم وقد حصلت لنا من صاحب ~~الموصل ومن جميع من بالجزيرة وديار بكر الطاعة والسكة والخطبة وصارت في كل ~~خطة لدولتنا الخطبة وتمت فينا الرغبة ونمت ms145 لنا المحبة وعمت الهيبة والرهبة ~~وما سمت لكل ذي رتبة سامية إلا بالانخفاض لأمرنا الرتبة والدولة ناضرة ~~والحدائق ناظرة الأحداق منيفة الإشراف منيرة الإشراق متعالية السناء سنية ~~العلاء وبنعمة الأولياء متوالية النعماء سامية الهمة هامية السماء نامية ~~الصحة صحيحة الأسماء والعوارف إلى ذوي الشكر منا فوارع والصنائع في ذري ~~الابتهاج بنا نصائع والعزائم إلى الجهاد في سبيل الله عز وجل نوازع وقد ~~زالت العوائق وارتفعت الموانع ونحجت الآمال ورجحت وتمكن ساعد القدر وساعد ~~إمكان القدرة PageV01P225 ### || رجعنا إلى إتمام الحديث # ولما تسلم السلطان البلاد المذكورة ولاها جماعة من أصحابه ومماليكه ~~وأمرائه فأما شهرزور فإنه أرسل إليها مملوكه مجاهد الدين أياز وندب للنظر ~~في تلك الأعمال شمس الدين بن الفراش وأقطع البوازيج لبعض خواصه ووقف ضيعة ~~تعرف بباقيلا على ورثة شيخ الشيوخ ببغداد # ثم رحل السلطان من الموصل في شوال متوجها إلى نصيبين فكان فيها ثامن ~~الشهر المذكور وأقام بها أياما ثم رحل منها إلى حران في العشر الآخر من ~~شوال فكان وصوله إليها في آخره ولم يزل السلطان بحران إلى آخر السنة وكان ~~قد ألم به مرض شديد مدة مقامة في حران وطال ذلك به وكثرت الأرجيف عنه في ~~تلك المرضة ### || ذكر شيء من مكارم أخلاقه رضي الله عنه # ذكر بعض أصحابنا أن السلطان لما اشتد به المرض بحران وكان قد أتاه جماعة ~~كبيرة من سائر بلاد الإسلام طلبا لإنعامه عليهم على جاري عادته وحسن سجيته ~~قال فاستغاث الناس ومن هناك من القاصدين له والسائلين فسمع ضجة الناس فقال ~~ما هذه الضجة فقيل له هؤلاء الوافدون عليك قد اجتمعوا على بابك متأسفون على ~~ما بك قال فأمرني بكتب أسمائهم فكانوا خلقا كثيرا فأعطى كلامنهم على قدره ~~وما قسم الله تعالى على يده فكان مالا كثيرا وسارت الأخبار بمرضه # فأما أخوه الملك العادل سيف الدين أبو بكر فإنه سمع بحلب مرض أخيه فسار ~~إلى حران يقطع لمنازل فوصلها بعد أيام فأقام بها عند السلطان PageV01P226 # لضبط الأمور وسياسة الجمهور والجلوس في نوبتيه لتولي ms146 مصالح الرعية ووظائف ~~السماط والعمل في كل مهم وتنفيذ ما يخرج من المراسيم السلطانية وسماع ~~مراسلة الجوانب وغير ذلك # واتصلت بنا الأخبار إلى مصر والكتب من عنده بمرضه وكان والدي الملك ~~المظفر حينئذ بها ومتوليا على ممالكها ثم تواترت إلينا كتبه بعافيته وركوبه ~~فسررنا بما من الله به تعالى على الإسلام وأهله بعافيته ### || ذكر من توفي في هذه السنة من الأماثل وغيرهم ممن نذكره # فيها توفيت عصمة الدين ابنة معين الدين أنر وكانت في عصمة نور الدين ~~محمود بن زنكي فلما توفي وخلفه السلطان بالشام في حفظ البلاد ونصرة الإسلام ~~تزوج بها في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة وكانت من النساء العفائف ذات معروف ~~وصدقة وصلاح # وفيها توفي سعد الدين مسعود بن أنر رضي الله عنه # وفيها توفي عز الدين جاولي وكان من أكابر الأمراء # وفيها قتل قوام الدين أبو محمد عبد الله بن سماقة وزير قرا أرسلان قتل ~~بآمد قتله مماليك مخدومه وذلك أنه كان قد تمكن واستولى على ما كان PageV01P227 # بصدده وكان أحد الأمراء الكبار ويعرف بالصلاح فبلغ أنه قد تولى الأمر معه ~~وكلاهما مستشعر من صاحبه فسبق الوزير إلى قبضه وحبسه واستقل في التدبير ~~فلما سمع الملك الناصر صلاح الدين بهذه الواقعة من الوزير وما حدث منه في ~~حق الأمير المذكور قال يوما في مجلسه # لقد تعرض هذا للخطر وكأنى به وقد ذهبت نفسه فكأنه نطق بما كان في القدر ~~المحتوم فلم تكن إلا أيام قلائل إلا والخبر ورد بقتله ### || ذكر السبب في قتله # وذلك أن جماعة من المماليك المفردين تآمروا على قتله فجاء أحدهم إليه وهو ~~جالس في ديوانه وعنده جماعة من الأماثل والأكابر وغيرهم فقال له # الملك يدعوك وحدك ليسألك عن حديث عندك فقام ودخل الدهليز فثاروا عليه ~~وقتلوه ثم أخرجوا الصلاح من الحبس فلما تمكن قبض وبسط وشرد أصحاب الوزير ~~وقتل منهم من أدركه ثم إنه قتل أولئك القاتلين إلى أن أدرك الأمير رشده # وفيها توفى الأمير ناصر الدين بن شيركوه بحمص في تاسع ذي ms147 الحجة من السنة ~~المذكورة # وفيها توفى الفقيه مهذب الدين عبد الله بن أسعد الموصلى بحمص وسأذكر ما ~~تجدد من الأمور السلطانية فى سنة اثنتين وثمانين إن شاء الله تعالى # وفيها تجهز أبو يعقوب بعسكر زهاء على عشرين ألفا وجمع جموعا PageV01P228 # كثيرة لقصد علي بن اسحق ورجع مكسورا ### || واقعة قراقوش المظفري # وفي هذه السنة وصل إلى نواحي قشطيلة أبو الحسن على صاحب مايرقه لأنه كان ~~خرج إلى بجاية وملكها وكسر السيد أبا علي بن عبد المؤمن وأخذ منه أموالا ~~عظيمة وسار إلى مرعية فملكها وعاد من فوره راجعا إلى ناحية المشرق وجعل ~~بجاية وراء ظهره وترك بها أخاه أبا زكري ونزل هو على قسطنطينة الهواء ~~محاصرا لها فأقام عليها أربعة أشهر فوصل إلى بجاية عسكر الموحدين تقدمهم ~~السيد أبو زيد عمر بن عبد المؤمن فلم يقدر أبو زكري على الإقامة ببجاية ~~فلحق أخاه إلى قسطنطينة وسار إليهما أبو زيد فحبسه فانهزموا بين يديه إلى ~~قلعة ابن حماد فأخذوها ونهبوها فلحقهم فانهزموا إلى بلره أخذوها أيضا ~~ونهبوها فسارع إليهم أبو زيد فدخلوا نفطة وكدكين من عمل قشطيلة وسمعوا بشرف ~~الدين أنه على الحامة فنفذوا إليها رسولا وقالوا إننا قوم من بني العباس ~~ونريد دولتهم ونحن نريد أن نكون وإياك مجتمعين فنفذ إليهم شرف الدين بهاء ~~الدين ساروج ومعه ستون فارسا من أجناده وشطار عسكره فلقيهم على حامة ~~البهاليل PageV01P229 # يحاصرونها وقد كانوا نزلوا على توزر فما قدروا عليها ولا على نفطة وكدكين ~~فلما وصلت الأتراك إليهم رجعوا إلى الحامة المذكورة فأخذوها عنوة وقتلوا ~~فيها ألفا وسبعمائة رجل ونهبوها وكانت من البلاد الحسنة الطيبة الكثيرة ~~البساتين والفواكه وانعقد الصلح فتقررت القاعدة على أن تكون البلاد بينهما ~~نصفين يكون لشرف الدين من البلاد نوبة ومن نوبة إلى الغرب للما يرقى ومهما ~~فتحوه كان قسمة بينهما واتفقوا على ذلك وتحالفوا وتجمعوا ولم يزالوا بقية ~~سنتهم يرحلون وينزلون من موضع إلى موضع ويتمادون وأصحاب المايرقي يقلون ~~وأصحاب شرف الدين يكثرون لأن الميارقة ما كان لهم مدد من ms148 خليفهم وأصحاب شرف ~~الدين لهم الإقطاعات تصل إليهم من جبل نفوسة ومطماطة وبلاد نفزاوة وغيرها # ودخلت سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة وسأذكر واقعته فيها فيما بعد إن شاء ~~الله تعالى ### | سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة # فيها نقل إلى الخليفة أن حاجب الباب يعشق امرأة مغنية يقال لها خطليشة ~~الظفرية وكانت مستحسنة وأنه يمضي إليها إلى الجانب الغربي من بغداد فلم ~~يصدق ذلك # وكان أستاذ الدار ابن الصاحب يثنى على المذكور والخليفة يتمنى له PageV01P230 # عثرة حتى يؤذيه وكان يفعل ذلك لبغضه لأستاذ الدار فتقدم إلى جماعة من ~~الحماة أن يترقبوا من ابن هبيرة تلك الحالة المذكورة ويعلمونه بصحتها وكان ~~الخليفة يكثر الجلوس فى بستان محمد بن يحيى الفراش بالشارع على نهر عيسى ~~وكان حاجب الباب له بستان على نهر عيسى وقد عمر فيه دارا حسنة وكان يمضي ~~إليه والناس بين يديه والخليفة يبصره وينفذ من يعتبر حاله وكان ابن هبيرة ~~قد منع الناس من شرب الخمر وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وبالغ في الاحتياط ~~وإظهار الدين # فبينا الخليفة ذات يوم في بستان محمدبن يحيى ينظر إلى خارج البستان من ~~الدار التي هو فيها وإذا بخطليشة الظفرية قد أقبلت إلى بستان حاجب الباب ~~ابن هبيرة فدخلت إليه ثم بعد ساعة أقبل حاجب الباب وقدامة غلمانه والسيوف ~~مشهورة بين يديه ومن خلفه وهو لا يعلم أن الخليفة في بستان ابن يحيى الفراش ~~فقال الخليفة هذا يوم ابن هبيرة ثم إنه أشار إلى علي بن أبي الكتائب وقال ~~له نصبر ساعة وتأخذ معك جماعة من المماليك وتمضي وتكبس البستان وتنزل من ~~حيطانه وتترك عمامة ابن هبيرة في عنقه وتقرن هذه القحبة إلى جانبه وتمضي ~~بهما في السوق من أوله إلى آخره وتشهرهما في البلد وبعد ذلك تتركهما في ~~الخان الذي في البدرية إلى ان أجئ إلى دار الخلافة وأدبر بأي قتلة أقتله ~~فقد أمرضني هذا الكلب وأفعاله القبيحة لأنه يأمر الناس بالمعروف ولا يفعله ~~وينهاهم عن المنكر ويأتيه # فبينا الخليفة يوصي ابن أبي الكتائب بما يفعله ms149 وإذا جميع من كان مع حاجب ~~الباب قد رجعوا ومعهم فرسه ولم يبق عنده سوى المغنية خطليشة فمضى ابن أبي ~~الكتائب ومعه جماعة من المماليك والأتراك الصبيان وهم لا يعرفون من هو حاجب ~~الباب ولا غيره وأتوا جيمعا إلى بستان ابن هبيرة فوجدوا الباب مغلقا فأمر ~~ابن أبي الكتائب PageV01P231 # المماليك أن يصعدوا من الحائط فصعدوا وفتحوا الباب فدخل ابن أبي الكتائب ~~فوجد ابن هبيرة متكئا على مخدة والمغنية إلى جانبه عليها قميص تحتاني بغير ~~سراويل فأخذوه وإياها وخرجوا بهما من البستان وضربوهما ضربا شديدا حتى ~~أشرفا على الهلاك وصار الخليفة يبصرهم # ثم إنهم عبروا بهما إلى الجانب الشرقي وهما على تلك الحال فطوف بهما في ~~نهر معلى في السوق والضرب يأخذهما إلى أن وصلوا إلى باب البدرية فأدخلا ~~إليها إلى الخان وجعل ابن هبيرة في أحد البيوت وفي رجله سلسلة وجعلت ~~المغنية في بيت آخر مقابله # ورجع ابن أبي الكتائب والمماليك إلى الخليفة وهو في بستان محمد بن يحيى ~~الفراش فعرفوه بذلك # وأما أستاذ الدار فإنه أخبر بحال ابن هبيرة فضاق صدره وكثر خوفه ~~واستشعاره # وكان PageV01P232 ms150